Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 021

الجزء الحادي والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
وكلت إليّ الإدارة العامة للثقافة تحقيق الجزء التاسع عشر من كتاب نهاية الإرب للنويرى (وهو الجزء الحادى والعشرون من تقسيم المؤلف) ، فرجعت إلى نسختيه المصورتين بدار الكتب، وهما برقم 549، ورقم 554 معارف عامة، ورمزت إلى الأولى بالحرف ك وإلى الثانية بالحرف د، وقد اعتمدت على النسخة الثانية لأنها أكثر تحقيقا، وجعلت الثانية مساعدة فى التحقيق.
وكان لا بد فى تحقيق نصوص هذا الكتاب مما يأتى:
1- الإشارة فى الهوامش إلى العبارات التى اختلفت فيها النسختان مما يجعل المتن فى صورة كاملة واضحة للقارئ.
2- الرجوع إلى المصدر الأول للكتاب، وهو الكامل لابن الأثير.
3- الرجوع إلى المصادر الأولى للتاريخ الإسلامى، ومن أهمها تاريخ الطبرى، وفتوح البلدان للبلاذرى.
4- الرجوع إلى المعجمات اللغوية، وكتب البلدان، ومن أهم ما رجعنا إليه فيها: معجم ما استعجم للبكرى، مراصد الاطلاع فى أسماء الأمكنة والبقاع لابن عبد الحق البغدادى، معجم البلدان لياقوت.
(21/5)

5- الرجوع- فى تحقيق الأعلام- إلى كتب الأعلام الموثوق بها، وقد رجعت فى ذلك إلى: المشتبه للذهبى. وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، وتهذيب التهذيب لابن حجر، وتاج العروس، والإكمال لابن ماكولا، وغيرها.
وأرجو أن يكون الكتاب بذلك قد نال حظه من العناية، فصار أقرب ما يكون إلى أصل المؤلف.
على محمد البجاوى
(21/6)

بسم الله الرّحمن الرّحيم [وبه توفيقى] «1»
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
تتمة الباب الثالث في أخبار الدولة الأموية
[تتمة ذكر بيعة عبد الله بن زبير]
ذكر أخبار المختار ابن أبى عبيد بن مسعود الثقفى
كان المختار بن أبى عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين بن عليّ رضى الله عنهما إلى الكوفة وأنزله فى داره، ودعا إليه. فلما ظهر ابن عقيل كان المختار فى قرية تدعى لقفا «2» ، فأتاه الخبر بظهوره، فأقبل فى مواليه إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أجلس عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فبعث إلى المختار وأمنه، فجاء إليه.
فلما كان من الغد ذكر عمارة بن عقبة «3» أمره لعبيد الله، فأحضره، وقال له: أنت المقبل فى الجموع لتنصر ابن عقيل! قال: لم أفعل، ولكنى أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو بذلك، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر «4» عينه وقال: لولا شهادته «5» قتلتك.
وحبسه إلى أن قتل الحسين.
(21/7)

فبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب يسأله أن يشفع [له] «1» فيه، وكان زوج أخته صفية بنت أبى عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه، فأطلقه وأمره ألّا يقيم غير ثلاث.
فخرج المختار إلى الحجاز، واجتمع بعبد الله بن الزبير وأخبره خبر العراق، وقال له: ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز، فإنّ أهله معك؛ وكان ابن الزبير يدعو لنفسه سرّا، فكتم أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف، وغاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير، فقيل له: إنه بالطائف، وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومبيد «2» الجبّارين، فقال ابن الزبير: قاتله الله، لقد اتبعت «3» كذابا متكهّنا، إن يهلك الله الجبّارين يكن المختار أوّلهم.
فبينا هو فى حديثه إذ دخل المختار، فطاف وصلّى ركعتين، وجلس وأتاه معارفه يحدّثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن «4» سعد، فأتاه، وسأله عن حاله، ثم قال له: مثلك يغيب عن الّذى قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والانصار وثقيف؟ ولم «5» تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها، فبايع هذا الرجل.
(21/8)

فقال: إنى أتيته فى العام الماضى فكتم عنى خبره، فلما استغنى عنّى أحببت أن أريه أنّى مستغن عنه، فقال له العباس: القه [الليلة] «1» وأنا معك، فأجابه إلى ذلك، وحضر عند ابن الزّبير بعد العتمة، فقال له المختار: أبايعك على ألّا تقضى الأمور دونى، وعلى أن أكون أوّل داخل عليك، وإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك.
فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله. فقال:
وشرّ «2» غلمانى تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبدا إلّا على ذلك، فبايعه وأقام عنده، وشهد معه قتال الحصين «3» ، وكان أشدّ الناس على أهل الشام، فلمّا مات يزيد وأطاع «4» أهل العراق عبد الله ابن الزبير، أقام المختار عنده خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس، فأخبره هانىء بن أبى حّية الوداعى «5» باتفاق «6» أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلّا طائفة من الناس، لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما.
فقال المختار، أنا أبو إسحاق [أنا والله لهم] «7» ، أنا أجمعهم على
(21/9)

الحق، وأتّقى «1» بهم ركبان الباطل، وأقتل بهم كلّ جبار عنيد.
ثم ركب دابته «2» وسار نحو الكوفة فوصل إليها.
واختلفت الشيعة إليه، وبلغه خبر سليمان بن صرد وأنه على عزم المسير، فقام فى الشيعة فحمد الله، ثم قال: إن المهدى وابن الرّضا، يعنى محمد ابن الحنفية، بعثنى إليكم أمينا ووزيرا «3» ومنتخبا وأميرا، وأمرنى بقتال الملحدين، والطلب بدم أهل بيته.
فبايعه إسماعيل بن كثير وأخوه، وعبيدة بن عمرو، وكانوا أوّل من أجابه، وبعث إلى الشّيعة وقد اجتمعوا عند ابن صرد، وقال لهم نحو ذلك، وقال: إن سليمان ليس له تجربة بالحرب ولا بالأمور، إنّما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال مثّل لى، وأمر بيّن لى، فيه عزّ وليّكم، وقتل عدّوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا قولى، وأطيعوا أمرى، ثم أبشروا.
فما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة، فكانوا يختلفون إليه ويعظّمونه، وأكثر الشيعة مع ابن صرد، وهو أثقل خلق الله على المختار.
فلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن «4» سعد، وشبث «5» بن ربعى، ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشدّ عليكم من سليمان،
(21/10)

إن سليمان إنّما خرج يريد قتال عدوّكم، والمختار يريد أن يثب عليكم فى مصركم، فأتوه، وأخذوه بغتة، وحملوه إلى السجن، فكان يقول فى السجن: أماورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه، والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار، ومهنّد بتّار، وجموع «1» الأنصار، وليسوا بميل أغمار، ولا بعزّل «2» أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدّين، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيّين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى.
وقيل فى خروج المختار إلى الكوفة غير ما تقدّم، وهو أنه قال لعبد الله بن الزّبير وهو عنده: إنى لأعلم قوما لو أنّ لهم رجلا له علم بما يأتى ويذر لاستخرج لك منهم جندا يقاتل بهم أهل الشام. قال: من هؤلاء؟ قال: شيعة عليّ [رضى الله عنه] «3» بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل؛ فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكى على الحسين ويذكر مصابه حتى ألفه الناس وأحبّوه، فنقلوه إلى وسط الكوفة، وأتاه منهم بشر كثير. [والله أعلم «4» ] .
(21/11)

ذكر وثوب المختار بالكوفة
كان وثوب المختار بالكوفة فى رابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة [66 هـ] ست وستين، وكان سبب ذلك أنّه لما قتل سليمان بن صرد قدم من بقى من أصحابه إلى الكوفة، وكان المختار محبوسا كما ذكرنا، فكتب إليهم من السجن يثنى عليهم، ويمنّيهم الظّفر، ويعرّفهم أن محمد بن على بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية أمره بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شدّاد والمثنّى بن مخرّبة العبدى، وسعد بن حذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط «1» ، وعبد الله بن شدّاد البجلى، وعبد الله بن كامل.
فلمّا قرءوا كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون: إنّنا بحيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك ونخرجك «2» من الحبس فعلنا، فقال:
إنى أخرج فى أيّامى هذه. وكان المختار قد أرسل إلى عبد الله ابن عمر يقول: إنى حبست مظلوما، وطلب [منه] «3» أن يشفع فيه إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة.
فكتب ابن عمر إليهما فى أمره، فشفّعاه فيه، وأخرجاه من السجن، وحلفاه أنّه لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما مادام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة، ومماليكه أحرار.
(21/12)

فلمّا خرج نزل بداره، وقال لمن يثق به: قاتلهم الله، ما أحمقهم حين يرون أنى أفى لهم، أمّا حلفى بالله فإننى إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها أكفّر عن يمينى، وخروجى عليهم خير من كفّى عنهم، وأمّا هدى البدن، وعتق المماليك، فهو أهون عليّ من بصقة، وددت أنّى تمّ لى أمرى ولا أملك بعده مملوكا أبدا.
ثم اختلفت إليه الشّيعة، واتفقوا على الرّضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى، حتّى عزل عبد الله بن الزبير عبد الله ابن يزيد وإبراهيم بن محمد، واستعمل عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة.
وقدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من شهر رمضان سنة [65 هـ] خمس وستّين. ولمّا قدم صعد المنبر، فخطب الناس وقال: أمّا بعد، فإن أمير المؤمنين بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرنى بجباية فيئكم وألّا أحمل فضلة عنكم «1» إلا برضا منكم، وأن أتبع فيكم وصيّة عمر بن الخطّاب التى أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفّان رضى الله عنهما، فاتقوا الله واستقيموا، ولا تختلفوا على، وخذوا على أيدى سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم. فقام إليه السائب بن مالك الأشعرى «2» ، فقال: أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد ألّا «3» نرضى أن تحمل عنّا فضلة وألّا تقسم إلّا فينا، وألّا يسار فينا إلا بسيرة عليّ بن أبى طالب الّتى سار بها فى بلادنا
(21/13)

حتى هلك، ولا حاجة لنا فى سيرة عثمان بن عفان فى فيئنا ولا فى أنفسنا، ولا فى سيرة عمر فى فيئنا، وإن كانت أهون السّيرتين علينا، وقد كان يفعل بالناس خيرا.
فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبرّ، فقال ابن مطيع:
نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتم، ثمّ نزل.
وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له: إن السائب ابن مالك من رءوس أصحاب المختار، فابعث إلى المختار، فإذا جاءك فاحبسه حتّى يستقيم أمر الناس، فإنّ أمره قد استجمع له، وكأنّه قد وثب بالمصر.
فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة وحسين بن عليّ البرسميّ «1» ، فقالا له: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة «2» : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ...
الآية. فألقى المختار ثيابه وقال: ألقوا عليّ قطيفة فإنى «3» وعكت، إنّى لأجد بردا شديدا، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالى، فعادا إليه فأعلماه فتركه.
ووجّه المختار إلى أصحابه، فجمعهم حوله فى الدّور، وأراد أن يثب فى المحرّم؛ فجاء رجل من أصحابه من شبام «4» ، وشبام: حىّ
(21/14)

من همدان، وكان شريفا، واسمه عبد الرحمن بن شريح، فلقى سعيد بن منقذ الثّورى، وسعر «1» بن أبى سعر الحنفى، والأسود ابن جراد الكندى، وقدامة بن مالك الجشمىّ «2» ، فقال لهم:
إنّ المختار يريد أن يخرج بنا، ولا ندرى أرسله «3» ابن الحنفيّة أم لا؟ فانهضوا بنا إلى محمد ابن الحنفيّة نخبره بما قدم به علينا المختار، فإن رخّص لنا فى اتّباعه اتّبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغى أن يكون شىء من الدنيا آثر «4» عندنا من سلامة ديننا، فاستصوبوا رأيه، وخرجوا إلى ابن الحنفيّة، فلمّا قدموا عليه سألهم عن حال الناس، فأخبروه وأعلموه «5» حال المختار، فقال:
والله لوددت أن الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، فعادوا.
وكان مسيرهم قد شقّ على المختار، وخاف أن يعودوا بما يخذل الشّيعة عنه، فلمّا قدموا الكوفة دخلوا عليه، فقال: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم، فقالوا: قد أمرنا بنصرك، فقال: الله أكبر، الله أكبر، اجمعوا الشّيعة، فجمع من كان قريبا منه، فقال لهم:
إنّ نفرا أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى «6» ، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبّأهم أنّى وزيره وظهيره ورسوله،
(21/15)

وأمركم بطاعتى واتّباعى فيما دعوتكم إليه من قتال المحلّين «1» ، والطلب بدماء أهل بيت نبيّكم.
فقام عبد الرحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ومسيرهم، وأنّ ابن الحنفيّة أمرهم بمظاهرته «2» ومؤازرته، وقال لهم: لبيلّغ الشاهد منكم الغائب، واستعدّوا وتأهّبوا، وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا من كلامه.
فاجتمعت له الشيعة، وكان من جملتهم [الشّعبى] «3» وأبوه شراحيل، فلمّا تهيّأ أبوه «4» للخروج قال له بعض أصحابه:
إن أشراف الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن أجابنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوّة على عدوّنا، فإنّه فتى رئيس «5» وابن رجل شريف، وله عشيرة ذات عزّ وعدد. فقال المختار:
فالقوه وادعوه، فخرجوا إليه ومعهم الشّعبى، فأعلموه حالهم، وسألوه مساعدتهم، فقال: على أن توّلونى الأمر، فقالوا: أنت لذلك «6» أهل، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدى، وهو المأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته، فلم يجبهم إبراهيم، فانصرفوا عنه.
وأتوا المختار، فسكت ثلاثا، ثم سار إلى إبراهيم فى بضعة
(21/16)

عشر من أصحابه، والشعبىّ وأبوه فيهم، فدخلوا عليه، فألقى إليهم الوسائد، فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار له: هذا كتاب المهدىّ إليك، يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فقرأه، فإذا هو: «من محمد المهديّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإنى أحمد الله إليك الّذى لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فإنى [قد] «1» بعثت إليكم وزيرى وأمينى الذى ارتضيته لنفسى، وأمرته بقتال عدوّى، والطلب بدماء أهل بيتى، فانهض بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتنى وأجبت دعوتى كانت لك بذلك عندى فضيلة، ولك أعنّة الخيل، وكلّ جيش غاز، وكلّ مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام» .
فلمّا فرغ من قراءته تأخّر عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وبايعه. وصار يختلف إلى المختار كلّ عشيّة يدبّرون أمورهم.
واجتمع رأيهم على الخروج ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الأوّل، فلمّا كان تلك اللّيلة، صلّى إبراهيم بن الأشتر بأصحابه المغرب، ثم خرج يريد المختار، وعليه وعلى أصحابه السلاح، وكان إياس بن مضارب قد جاء إلى عبد الله بن مطيع وهو على شرطته، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى هاتين اللّيلتين، وقد بعثت بابنى إلى الكناسة «2» ، فلو بعثت فى كلّ جبّانة «3» عظيمة
(21/17)

بالكوفة رجلا من أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك، فبعث ابن مطيع إلى كلّ جبّانة من يحفظها من أهل الطاعة، وأمّر على كل طائفة أميرا، وأوصى كلا منهم ألّا يؤتى من قبله، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجّه نحوهم، وكان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين.
وخرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار، وقد بلغه أنّ الجبابين قد ملئت رجالا، وأن إياس بن مضارب فى الشّرطة قد أحاط بالسّوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع، وقد لبسوا عليهم الأقبية، فقال له [أصحابه] «1» : تجنب الطريق، فقال: والله لأمرّنّ وسط السّوق بجنب القصر، ولأرعبن عدوّنا، ولأرينّهم هوانهم علينا، فسار على باب الفيل، فلقيهم إياس فى الشّرط مظهرين السّلاح، فقال: من أنتم؟ فقال «2» :
أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الّذى معك؟
وإلى أين تريد؟ ولست بتاركك حتى آتى بك الأمير، فقال إبراهيم:
خلّ سبيلنا؛ قال: لا أفعل؛ وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، وكان صديقا لابن الاشتر، فقال له ابن الأشتر: ادن منى يا أبا قطن، فدنا منه وهو يظنّ أن إبراهيم يستشفع به عند إياس، فلمّا دنا منه أخذ رمحا كان معه فطعن به إياسا فى ثغره «3» ، فصرعه، وأمر رجلا من أصحابه فقطع رأسه،
(21/18)

وتفرّق أصحاب إياس، ورجعوا إلى ابن مطيع، فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشّرط، وأقبل إبراهيم إلى المختار وقال له:
إنّا اتّعدنا للخروج القابلة، وقد وقع أمر، لا بد من الخروج الليلة، وأخبره الخبر، ففرح المختار يقتل إياس وقال: هذا أوّل الفتح إن شاء الله.
ثم قال لسعيد بن منقذ: قم فأشعل النّيران وارفعها، وسر أنت يا عبد الله بن شدّاد فناد: يا منصور، أمت، وأنت يا سفيان بن ليلى، وأنت يا قدامة بن مالك: ناد يا لثارات الحسين، ثم لبس سلاحه.
وكانت الحرب بين أصحابه وبين الّذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين فى تلك الليلة، فكان الظفر لأصحاب المختار، وخرج المختار فى جماعة من أصحابه حتى نزل فى ظهر دير هند فى السبخة «1» ، وانضمّ إليه ممّن تابعه ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثنى عشر ألفا، واجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبئته، وصلّى بأصحابه بغلس.
وقد جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه، فبعث شبث بن ربعىّ فى ثلاثة آلاف، وراشد بن إياس فى أربعة آلاف من الشّرط، لقتال المختار ومن معه، وأردفهم بالعساكر، واقتتلوا؛ فكان الظفر لأصحاب المختار، وكان الذى صلّى الحرب ودبر الأمر إبراهيم بن الأشتر.
فلمّا رأى ابن مطيع أمر المختار وأصحابه قد قوى خرج بنفسه إليهم، فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعى على القصر، فبرز إبراهيم ابن الأشتر إلى ابن مطيع فى أصحابه وحمل عليه، فلم يلبث ابن مطيع
(21/19)

أن انهزم أصحابه، يركب بعضهم بعضا على أفواه السّكك، وابن الأشتر فى آثارهم، حتى بلغ المسجد، وحصر ابن مطيع ومن معه من أشراف الكوفة فى القصر ثلاثا، فقال شبث لابن مطيع: انظر لنفسك ولمن معك؛ فقال: أشيروا عليّ؛ فقال شبث: الرأى أن تأخذ لنفسك ولنا أمانا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك؛ فقال ابن مطيع: إنى لأكره أن آخذ منه أمانا، والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة؛ قال: فتخرج ولا تشعر بك أحدا، فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى تلحق بصاحبك. فأقام حتى أمسى، وخرج وأتى دار أبى موسى، وترك «1» القصر، ففتح أصحابه الباب، وقالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ فقال: أنتم آمنون؛ فخرجوا، فبايعوا المختار. ودخل [المختار] «2» القصر فبات به، وأصبح أشراف الناس فى المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر وخطب الناس، ثم نزل.
ودخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، والطلب بدماء «3» أهل البيت وجهاد المحلّين «4» والدّفع عن الضّعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلّم من سالمنا.
وكان ممن بايعه المنذر بن حسان الضّبى وابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبلهما سعيد بن منقذ الثورى فى جماعة
(21/20)

من الشّيعة، فقالوا: هذان والله رءوس الجبارين، فقتلوهما، ونهاهم سعيد عن قتلهما إلّا بأمر المختار، فلم ينتهوا.
فلما سمع المختار ذلك كرهه، وأقبل يمنّى الناس ويود «1» الأشراف، ويحسن السّيرة، فبلغه أن ابن مطيع فى دار أبى موسى، فسكت، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال: تجهز بهذه، فقد علمت مكانك، وأنّك لم يمنعك من الخروج إلا عدم النّفقة.
*** ووجد المختار فى بيت المال [بالكوفة] «2» تسعة آلاف ألف وخمسمائة ألف، فأعطى لكل رجل خمسمائة درهم، وأعطى لستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر «3» ، لكل منهم مائتى درهم، واستقبل الناس بخير. واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشّاكرى، وعلى حرسه كيسان.
[والله أعلم بالصواب] «4» .
(21/21)

ذكر عمال المختار بن أبى عبيد
كانت أوّل راية عقدها المختار لعبد الله بن الحارث أخى الأشتر على إرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق ابن مسعود على المدائن، وأرض جوخى «1» ، وبعث قدامة بن أبى عيسى ابن ربيعة النّصرى حليف ثقيف على بهقباذ «2» الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث سعد ابن حذيفة بن اليمان على حلوان، وأمره بقتال الأكراد، وإقامة الطّرق.
وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بعث المختار عبد الرحمن إليها، سار محمد عنها إلى تكريت «3» ، ينتظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه، فلما فرغ من ذلك أقبل يجلس للناس ويقضى بينهم، ثم قال: إن لى فيما أحاول شغلا عن القضاء، ثم أقام شريحا يقضى بين الناس، فتمارض، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائى.
(21/22)

ذكر قتل المختار قتلة الحسين
وخروج أهل الكوفة على المختار وقتالهم إياه ووقعة السبيع «1» كان سبب ذلك أن مروان بن الحكم لما استتب له الأمر بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق، وقد ذكرنا ما كان من أمره مع التّوابين «2» . ثم توفى مروان بن الحكم وولّى ابنه عبد الملك، فأقرّ ابن زياد على ولايته، وأمره بالجدّ، فأقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إليه يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل، وأنّه قد تنحّى له عنها إلى تكريت، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدى، فانتخب ثلاثة آلاف، وسار بهم نحو الموصل، وكتب المختار إلى عبد الرحمن: أن خلّ بين يزيد وبين البلاد، فسار يزيد حتى بلغ أرض الموصل، فنزل بنات تلّى «3» ، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثنّ إلى كلّ ألف ألفين، فأرسل ربيعة بن المخارق الغنوىّ فى ثلاثة آلاف، وعبد الله بن جملة «4» الخثعمى فى ثلاثة آلاف، فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم، فنزل بيزيد بن أنس بنات تلّى «5» فخرج، وقد اشتدّ به المرض، وعبّأ أصحابه،
(21/23)

وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدى، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذرى، فإن هلك فأميركم سعر الحنفى.
ثم نزل فوضع على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرّوا عنه.
واقتتل القوم، فانهزم أصحاب ابن زياد، وقتل ربيعة بن المخارق، قتله عبد الله بن ورقاء، فسار المنهزمون ساعة، ولقيهم عبد الله ابن جملة فردهم معه، فباتوا ليلتهم ببنات تلّى يتحارسون، فلمّا أصبحوا خرجوا إلى القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، وذلك فى يوم الأضحى سنة ست وستّين، فانهزم أهل الشام، ونزل ابن جملة فى جماعة، فقاتل حتى قتل، وحوى أهل الكوفة عسكرهم، وقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وأسروا ثلاثمائة، فأمر يزيد بقتلهم، وهو بآخر رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فقال ورقاء بن عازب لأصحابه:
إنه بلغنى أنّ عبيد الله بن زياد قد أقبل إليكم فى ثمانين ألفا، وأشار عليهم بالرجوع إلى المختار، فصوّبوا رأيه، ورجعوا، فبلغ ذلك أهل الكوفة، فأرجفوا بالمختار، وقالوا: إن يزيد قتل ولم يمت، فندب إبراهيم بن الأشتر فى سبعة آلاف، وقال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد فأنت الأمير عليهم، فارددهم معك حتى تلقى ابن زياد فناجزه.
فسار إبراهيم لذلك، فاجتمع أشراف الكوفة على شبث بن ربعى وقالوا: والله، إن المختار تأمّر بغير رضا منّا، وقد أدنى موالينا «1» ، فحملهم على الدوابّ، وأعطاهم فيئنا.
(21/24)

فقال: دعونى حتّى ألقاه، فذهب إليه فكلمه، فلم يدع شيئا أنكره إلّا ذكره له، والمختار يقول فى كلّ خصلة: أنا أرضيهم فى هذه وآتى كل ما أحبوه، فلما ذكر له «1» الموالى ومشاركتهم فى الفىء قال: إن أنا تركت لكم مواليكم وجعلت فيئكم لكم، أتقاتلون معى بنى أمية وابن الزبير وتعطونى على الوفاء عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الأيمان. فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابى فأذكر ذلك لهم.
فخرج إليهم ولم يعد إلى المختار، واجتمع رأيهم على قتاله، فاجتمع شبث، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد «2» بن قيس، وشمر بن ذى الجوشن، ودخلوا على كعب بن أبى «3» كعب الخثعمى، فكلّموه فى ذلك، فأجابهم إليه، فخرجوا من عنده، ودخلوا على على عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، فدعوه إلى ذلك، فقال:
إن أطعتمونى لم تخرجوا، فقالوا: لم؟ قال: إنى أخاف «4» أن تتفرقوا وتختلفوا ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان، ثم معه عبيدكم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، ومواليكم أشدّ حنقا عليكم من عدوكم، فهم يقاتلونكم بشجاعة العرب وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بغيركم، ولا تجعلوا بأسكم بينكم؛
(21/25)

فقالوا: ننشدك الله ألّا تخالفنا وتفسد علينا رأينا، وما أجمعنا عليه. فقال: إنّما أنا رجل منكم، فإذا شئتم فأخرجوا؛ فوثبوا بالمختار بعد مسير ابن الأشتر، وخرج كلّ رئيس بجبّانة، فأرسل المختار إلى ابن الأشتر يأمره بسرعة العود إليه، وبعث إليهم وهو يلاطفهم ويقول: إنى صانع ما أحببتم، وهو يريد بذلك مداهنتهم حتى يقدم إبراهيم ابن الأشتر، فوصل الرسول إليه وهو بساباط»
، فرجع لوقته، وسار حتى أتى الكوفة ومعه أهل القوّة من أصحابه، واجتمع أهل اليمن بجبانة السّبيع، فلما حضرت الصلاة كره كلّ رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال ابن مخنف: هذا أوّل الاختلاف، قدموا الرضىّ منكم سيّد القرّاء رفاعة بن شداد البجلى، فلم يزل يصلّى بهم حتى كانت الوقعة.
ثم نزل المختار فعبّأ أصحابه وأمر ابن الأشتر فسار إلى مضر وعليهم شبث بن ربعى، ومحمد بن عمير، وهم بالكناسة، وسار المختار نحو أهل اليمن بجبّانة السّبيع، فاقتتلوا أشدّ قتال، ثم كانت الغلبة للمختار وأصحابه، وانهزم أهل اليمن وأخذ من دور الوادعيين «2» خمسمائة أسير، فأتى بهم إلى المختار، فعرضهم، فقتل منهم من شهد مقتل الحسين، فكانوا مائتين وثمانية وأربعين.
ونادى منادى المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلّا من شرك فى دماء آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان عمر «3» بن الحجاج الزّبيدى
(21/26)

ممن شهد قتل الحسين، فركب راحلته وأخذ طريق الواقصة «1» ، فعدم «2» فقيل: أدركه أصحاب المختار، وقد سقط من شدّة العطش، فذبحوه.
وبعث المختار غلاما له يدعى زربيا «3» فى طلب شمر ابن ذى الجوشن، فأدركه فقتله شمر، وسار حتى نزل قرية يقال لها الكلتانيّة «4» ، فأخذ منها علجا، فضربه، وقال: امض بكتابى هذا إلى مصعب بن الزبير؛ فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة صاحب المختار، فلقى ذلك العلج علجا آخر من تلك القرية، فشكا إليه ما لقى من شمر، فبينما هو يكلّمه إذمر رجل من من أصحاب أبى عمرة اسمه عبد الرحمن بن أبى الكنود «5» ، فرأى الكتاب، وعنوانه لمصعب من شمر، فسألوا العلج عنه، فأخبرهم بمكانه، فإذا هو منهم على مسيرة ثلاثة فراسخ، فساروا إليه وأدركوه، فهرب أصحابه، وأعجله القوم عن لبس سلاحه، فقام وقد اتزر ببرد، وكان أبرص، فظهر بياض برصه، فطاعنهم بالرّمح ثم ألقاه، وأخذ السيف فقاتل به حتى قتل، والّذى قتله عبد الرحمن «6» ابن أبى الكنود، وألقى جيفته للكلاب.
(21/27)

قال: وأقبل المختار إلى القصر من جبّانة السّبيع ومعه سراقة ابن مرداس البارقى أسيرا، فناداه سراقة «1» :
امنن على اليوم يا خير معد ... وخير من حلّ «2» بشحر والجند
وخير من لبّى وحيّى وسجد
فأمر به إلى السجن، ثم أحضره من الغد، فأقبل وهو يقول «3» :
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا ... نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا نرى الضّعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا «4»
لقينا منهم ضربا طلحفا «5» ... وطعنا صائبا حتى انثنينا
نصرت على عدوّك كلّ يوم ... بكلّ كتيبة تنعى «6» حسينا
كنصر محمّد فى يوم بدر ... ويوم الشّعب إذ وافى «7» حنينا
فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا فى الحكومة واعتدينا
تقبّل «8» توبة منّى فإنى ... سأشكر إذ جعلت النقد دينا
فلمّا انتهى إلى المختار قال: أصلح الله الأمير، أحلف بالله الّذى لا إله إلّا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض؛ فقال له المختار: اصعد على المنبر فأعلم الناس، فصعد، فأخبرهم بذلك، ثم نزل فخلا به فقال له: إنى قد علمت
(21/28)

أنك لم ترشيئا، وإنما أردت ما قد عرفت «1» ، فاذهب [عنى] «2» حيث شئت، لا تفسد عليّ أصحابى.
فخرج إلى البصرة، فنزل عند مصعب وقال «3» :
ألا أبلغ أبا إسحاق أنى ... رأيت الخيل «4» بلقا مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... عليّ قتالكم حتّى الممات
أرى عينيّ ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالتّرّهات «5»
وقتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانى، وادعى قتله سعر بن أبى سعر، وأبو الزّبير الشّباميّ، وشبام من همدان، وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه، وكانت الوقعة لست ليال بقين من ذى الحجة سنة ست وستّين.
وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتل قتلة الحسين، وقال: ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء، بئس ناصر آل محمد أنا إذا [فى الدنيا، أنا إذا] «6» الكذّاب كما سمّونى، وإنى أستعين بالله تعالى عليهم، فسمّوهم لى ثم تتبّعوهم حتى تقتلوهم، فإنّى لا يسوغ إلى الطّعام والشراب حتى أطهّر الأرض منهم، فدل على عبد الله بن أسيد الجهنيّ، ومالك بن النّسير «7»
(21/29)

البديّ، وحمل بن مالك المحاربى، فبعث المختار إليهم، فأحضرهم من القادسيّة، فلمّا رآهم قال: يا أعداء الله ورسوله، أين الحسين ابن عليّ؟ أدّوا إليّ الحسين. قتلتم ابن من أمرتم بالصّلاة عليهم.
فقالوا: رحمك الله، بعثنا كارهين، فامنن علينا واستبقنا، فقال:
هلّا مننتم على ابن بنت نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه؟ فأمر بمالك ابن النّسير البديّ فقطع يديه ورجليه وتركه يضطرب حتى مات، وقتل الآخرين، وأحضر زياد بن مالك الضّبعيّ، وعمران بن خالد العنزى «1» ، وعبد الرحمن بن أبى خشكارة البجلىّ، وعبد الله بن قيس الخولانى، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين، وقتلة سيّد شباب أهل الجنّة، قد أقاد الله منكم اليوم، لقد جاءكم الورس، بيوم نحس، وكانوا نهبوا من الورس الّذى كان مع الحسين رضى الله عنه، ثم أمر بهم فقتلوا.
وقتل عبد الله وعبد الرحمن ابنى صلحت «2» ، وعبد الله بن وهيب «3» الهمدانى، وأحضر عثمان بن خالد بن أسيد «4» الدّهمانى الجهنى، وأبا أسماء بشر بن سوط «5» القابضى، وكانا قد اشتركا فى قتل عبد الرحمن بن عقيل وفى سلبه، فضرب أعناقهما وأحرقا بالنار.
وأرسل إلى خولىّ بن يزيد الأصبحيّ وهو صاحب رأس الحسين
(21/30)

فاختبأ فى مخرجه، فدخل أصحاب المختار يطلبونه، فخرجت امرأته، وهى العيوف بنت مالك، وكانت تعاديه منذ جاءها «1» برأس الحسين، فقالت: ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟
قالت: لا أدرى، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا، فوجدوه وعلى رأسه قوصرّة، «2» ، فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله، وحرقوه بالنار.
وقتل عمر «3» بن سعد بن أبى وقّاص، وكان الّذى تولّى قتله أبو عمرة، وأحضر رأسه عند المختار، وعنده ابنه حفص ابن عمر، فقال له المختار: أتعرف هذا؟ قال: نعم، ولا خير فى العيش بعده، فأمر به فقتل، وقال: هذا بحسين، وهذا بعليّ ابن حسين، ولا سواء»
، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله.
وأرسل المختار إلى حكيم بن طفيل الطائى- وكان أصاب سلب العباس بن على؛ ورمى الحسين بسهم، وكان يقول: تعلّق سهمى بسرباله وما ضرّه، فأتاه أصحاب المختار فأخذوه، وذهب أهله فتشفّعوا بعدىّ بن حاتم، فكلمهم عدىّ فيه، فقالوا: ذلك إلى المختار، فمضى عدىّ إلى المختار يشفع فيه، وكان قد شفّعه فى نفر من قومه أصابهم يوم جبّانة السّبيع، فقالت الشّيعة: إنا نخاف أن يشفّعه فيه، فقتلوه رميا بالسّهام كما رمى الحسين حتى صار كالقنفذ،
(21/31)

ودخل عدىّ بن حاتم على المختار، فأجلسه معه، فشفع فيه، وقال:
إنه مكذوب عليه، قال: إذا ندعه لك، فدخل ابن كامل فأخبر المختار بقتله.
وبعث المختار إلى مرّة بن منقذ، وهو قاتل على بن الحسين، وكان شجاعا، فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه وبيده رمحه، فطاعنهم، فضرب على يده، فهرب فنجا، ولحق بمصعب بن الزبير، وشلّت يده بعد ذلك.
وبعث المختار إلى زيد بن رقاد الجنبى «1» ، وهو قاتل عبد الله ابن مسلم بن عقيل، فخرج إليهم بالسيف، فقال ابن كامل:
لا تطعنوه [برمح] «2» ، ولا تضربوه بسيف، ولكن ارموه بالنّبل والحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فأحرقوه حيا.
وطلب المختار سنان بن أنس الّذى كان يدّعى قتل الحسين، فهرب إلى البصرة، فهدم داره.
وطلب عبد الله بن عقبة الغنوىّ فوجده قد هرب إلى الجزيرة، فهدم داره.
وطلب رجلا من خثعم اسمه عبد الله بن عروة «3» فهرب ولحق بمصعب، فهدم داره.
وطلب عمرو بن صبيح الصّدائى، وكان يقول: لقد طعنت
(21/32)

فيهم وجرحت وما قتلت، فأحضر إلى المختار، فأمر به فطعن بالرماح حتى مات.
وأرسل إلى محمد بن الأشعث وهو فى قرية له إلى جنب القادسيّة، فهرب إلى مصعب فهدم المختار داره، وبنى بلبنها وطينها دار حجر ابن عدى الكندى، وكان زياد قد هدمها.
وكان الذى هيّج المختار على قتل قتلة الحسين أنّ يزيد بن شراحيل الأنصارى أتى محمد ابن الحنفية فسلّم عليه، وجرى الحديث إلى أن تذاكروا أمر المختار، فقال ابن الحنفية: إنه يزعم أنه لنا شيعة، وقتلة الحسين عنده على الكراسى يحدثونه «1» ، فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك، فقتل عمر بن سعد، وبعث برأسه ورأس ابنه إلى ابن الحنفية، وكتب إليه يعلمه أنه قتل من قدر عليه، وأنه فى طلب الباقين ممّن حضر قتل الحسين، [رضى الله عنه] «2» .
(21/33)

ذكر بيعة المثنى العبدى للمختار بالبصرة
وإخراجه منها ولحاقة بالمختار بالكوفة وفى سنة ستّ وستين دعا المثنّى بن مخرّبة «1» العبديّ بالبصرة إلى بيعة المختار، وكان قد بايع المختار بعد مقتل سليمان بن صرد، فسيّره المختار إلى البصرة يدعو بها إليه، ففعل، فأجابه رجال من قومه وغيرهم.
ثم أتى مدينة الرّزق «2» فعسكر عندها، فوجّه إليهم «3» الحارث ابن أبى ربيعة المعروف بالقباع «4» ، وهو أمير البصرة، عبّاد بن حصين، وهو على شرطته، وقيس بن الهيثم فى الشرط والمقاتلة، فخرجوا إلى السّبخة، ولزم الناس بيوتهم، فلم يخرج أحد، وأقبل عبّاد فيمن معه فتواقف هو والمثنّى وأنشبوا «5» القتال، فانهزم المثنّى، وأتى قومه عبد القيس، وكف عنه عبّاد، فأرسل القباع عسكرا إلى عبد القيس ليأتوه بالمثنى ومن معه، فلما رأى زياد بن عمرو العتكى ذلك أقبل إلى القباع فقال: لتردّنّ خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنّهم، فأرسل القباع الأحنف بن قيس، وعمر بن عبد الرحمن المخزومى ليصلحا بين الناس، فأصلح الأحنف الأمر على أن يخرج المثنى وأصحابه عنهم، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوهم عنهم، فسار المثنى إلى الكوفة فى نفر يسير من أصحابه.
(21/34)

ذكر مخادعة المختار ومكره بعبد الله بن الزبير
وظهور ذلك له قال: لمّا أخرج المختار ابن مطيع عامل ابن الزبير من الكوفة سار إلى البصرة وكره أن يأتى ابن الزبير مهزوما، فلما استجمع للمختار أمر الكوفة، أخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: «قد عرفت مناصحتى إياك، وجهدى على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتنى إن أنا فعلت ذلك، فلما وفيت لك [وقضيت الذى كان لك علىّ خست بى و] «1» لم تف بما عاهدتنى عليه، فإن ترد مراجعتى ومناصحتى، فعلت، والسلام» .
وإنما قصد المختار بذلك أن يكفّ ابن الزبير عنه ليتم أمره، ولم تعلم الشيعة بذلك، فأراد ابن الزبير أن يعلم حقيقة ذلك، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ فولّاه الكوفة، وقال: إنّ المختار سامع مطيع، فتجهّز عمر وسار نحو الكوفة، وأتى الخبر المختار، فدعا زائدة بن قدامة وأعطاه سبعين ألف درهم وقال له: هذه ضعف ما أنفق عمر فى طريقه إلينا، وأمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس، ويسير حتّى يلقاه بالطريق فيعطيه النفقة ويأمره بالعود، فإن فعل وإلّا فيريه الخيل، فأخذ زائدة المال والخيل وسار حتى لقى عمر، فأعطاه المال، وأمره بالانصراف، فقال: إن أمير المؤمنين قد ولانى الكوفة، ولا بد من إتيانها، فدعا
(21/35)

زائدة الخيل، وكان قد أكمنها «1» ؛ فلما رآها عمر قد أقبلت أخذ المال وسار نحو البصرة.
ثم إن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم ابن أبى العاص إلى وادى القرى، وكان المختار قد وادع ابن الزبير ليكف عنه ويتفرّغ لأهل الشام، فكتب المختار لابن الزبير: بلغنى أن ابن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أمددتك بمدد.
فكتب إليه ابن الزبير: «إن كنت على طاعتى فبايع لى الناس قبلك، وعجّل بإنفاذ الجيش ومرهم فليسيروا إلى من بوادى القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام» .
فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمدانى. فسيّره فى ثلاثة آلاف أكثرهم من الموالى، وليس فيهم إلّا سبعمائة من العرب، وقال له:
سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلىّ بذلك حتى يأتيك أمرى، وهو يريد إذا دخل الجيش المدينة أن يبعث عليهم أميرا لمحاصرة ابن الزبير بمكة، وخشى ابن الزبير أنّ المختار إنما يكيده.
فبعث من مكّة [إلى المدينة] «2» عباس بن سهل بن سعد فى ألفين، وأمره أن يستنفر العرب، وقال له: إن رأيت القوم فى طاعتى وإلّا فكايدهم حتى تهلكهم. فأقبل عباس حتى لقى ابن ورس بالرقيم «3» وقد عبّأ أصحابه، وأتى عباس وقد تقطع أصحابه، فرأى ابن ورس على الماء فى تعبئته فدنا وسلّم عليهم، ثم قال لابن ورس سرّا:
ألستم فى طاعة ابن الزبير؟ قال: بلى. قال: فسر بنا إلى عدوه
(21/36)

الّذى بوادى «1» القرى، فقال: إنما أمرت أن آتى المدينة وأكتب إلى صاحبى، فيأمرنى بأمره، فقال عباس: رأيك أفضل، وفطن لما يريد، وقال: أما أنا فسائر إلى وادى القرى، ونزل عباس أيضا، وبعث إلى ابن ورس بجزائر «2» وغنم، وكانوا قد ماتوا جوعا، فذبحوا واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء، وجمع عبّاس من شجعان أصحابه نحو ألف رجل، وأقبل إلى فسطاط ابن ورس، فلما رآهم نادى فى أصحابه، فلم يجتمع إليه مائة رجل، حتى انتهى إليهم عباس، فاقتتلوا يسيرا، فقتل ابن ورس فى سبعين من أهل الحفاظ، ورفع عباس راية أمان، فأتوها إلا نحو ثلاثمائة مع سليمان بن حمير الهمدانى، وعبّاس «3» بن جعدة الجدلى، فظفر عباس بن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، وأفلت الباقون فرجعوا ومات أكثرهم فى الطريق.
وكتب المختار إلى ابن الحنفية: «إنى أرسلت إليك جيشا ليذلّوا لك الأعداء، ويحرزوا لك البلاد، فلمّا قاربوا طيبة «4» فعل بهم كذا وكذا، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة جيشا كثيفا وتبعث إليهم من قبلك رجلا «5» فافعل» .
فكتب إليه ابن الحنفية: «أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، وعرفت تعظيمك لحقى، وما تؤثره من سرورى؛ وإن أحبّ الأمور كلّها إلىّ ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت، وإنى لو أردت القتال لوجدت الناس إلىّ سراعا، والأعوان لى كثيرة، ولكنّى أعتزلهم وأصبر حتّى يحكم الله [لى] «6» وهو خير الحاكمين» .
(21/37)

ذكر امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد الله بن الزبير وما كان من أمره وإرسال المختار الجيش إلى مكة وخبر ابن الحنفية
قال: ثم إن عبد الله بن الزبير دعا محمد ابن الحنفيّة ومن معه من أهل بيته، وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر «1» بن وائلة له صحبة، ليبايعوه فامتنعوا وقالوا:
لا نبايع حتى تجتمع الأمّة، فأكثر الوقيعة فى ابن الحنفية وذمّه، فأغلظ له عبد الله بن هانىء الكندى، وقال «2» : لئن لم يضرك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شىء، فلم يراجعه ابن الزبير، فلما استولى «3» المختار على الكوفة وصارت الشّيعة تدعو لابن الحنفية، ألح ابن الزبير عليه وعلى أصحابه فى البيعة حتّى حبسهم بزمزم، وتوّعدهم، بالقتل والإحراق إن لم يبايعوا، وضرب لهم فى ذلك أجلا.
فكتب ابن الحنفيّة إلى المختار يعرفه الحال، ويطلب منه النجدة.
فقرأ المختار كتابه على أهل الكوفة، وقال: هذا مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم قد تركوا «4» محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق فى اللّيل والنهار، لست أبا إسحاق إن لم
(21/38)

أنصرهم نصرا مؤزّرا، وإن لم أسرّب الخيل فى إثر الخيل، كالسّيل يتلوه السّيل، حتى يحلّ بابن الكاهليّة الويل، يريد عبد الله بن الزّبير.
فبكى الناس وقالوا: سرّحنا إليه وعجّل، فوجه أبا عبد الله الجدلىّ فى سبعين من أهل القوة، ووجّه ظبيان بن عمارة أخا بنى تميم فى أربعمائة، وبعث معه أربعمائة ألف درهم لابن الحنفيّة، ووجّه أبا المعتمر فى مائة، وهانىء بن قيس فى مائة، وعمير بن طارق فى أربعين، ويونس بن عمران فى أربعين، فوصل أبو عبد الله الجدلى إلى ذات «1» عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس فى ثمانين، فبلغوا مائة وخمسين راكبا، فساروا حتّى دخلوا المسجد الحرام وهم ينادون: يا لثارات الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرّقهم، وكان قد بقى من الأجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية، فقالوا: خلّ بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال: إنى لا أستحلّ القتال فى الحرم. فقال ابن الزبير: وا عجبا لهذه الخشبيّة ينعون حسينا كأنّى أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم، وإنما سمّاهم ابن الزبير الخشبيّة لأنّهم دخلوا مكّة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار «2» السيوف فى الحرم، وقال: أتحسبون أنّى أخلّى سبيلهم «3» ، دون أن نبايع ويبايعوا «4» .
فقال الجدلى: وربّ الرّكن والمقام لتخلّينّ سبيلنا أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون، فكفّهم ابن الحنفية وحذّرهم الفتنة.
(21/39)

ثم قدم باقى الجند ومعهم المال، فدخلوا المسجد الحرام فكبّروا، وقالوا، بالثارات الحسين، فخافهم ابن الزبير، وخرج ابن الحنفيّة ومعه أربعة آلاف رجل إلى شعب على، فعزّوا وامتنعوا، فقسم فيهم المال، فلما قتل المختار ضعفوا واحتاجوا، ثم استوسقت «1» البلاد لابن الزبير بعد قتل المختار، فبعث إلى ابن الحنفيّة أن ادخل فى بيعتى، وإلّا نابذتك.
وبلغ الخبر عبد الملك بن مروان، فكتب إلى ابن الحنفيّة:
إنه إن قدم عليه أحسن إليه، وإنه ينزل أيّ الشام أحبّ حتّى يستقيم أمر الناس.
فخرج ابن الحنفية ومن معه إلى الشام، فلما وصل إلى مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه إلى الشام ونزل أيلة «2» ، وتحدث الناس بفضل ابن الحنفيّة، وكثرة عبادته وزهده، فندم عبد الملك على إذنه له فى القدوم إلى بلده، فكتب إليه: «إنه لا يكون فى سلطانى من لا يبايعنى» .
فارتحل إلى مكّة، ونزل شعب أبى طالب، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، فسار إلى الطائف والتحق به عبد الله بن عباس، ومات ابن عباس بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، وكبّر عليه أربعا، وأقام بالطائف حتى قدم الحجّاج لحصار ابن الزبير، فعاد إلى الشّعب، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس، ثم بايع بعد قتل ابن الزّبير. هذا ما كان من أمره، فلنعد إلى أخبار المختار، [والله أعلم] «3» .
(21/40)

ذكر مسير ابراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد وقتل ابن زياد
وفى سنة [66 هـ] ست وستّين لثمان بقين من ذى الحجة، سار إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، وذلك بعد فراغه من وقعة السّبيع بيومين، وأخرج المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم وأهل البصائر منهم، وشيّعه ووصاه، وخرج معه لتشييعه أصحاب الكرسى بكرسيهم، وهم يدعون الله له بالنصر، وسنذكر خبر الكرسىّ إن شاء الله تعالى.
قال: ولما انتهى إبراهيم إلى أصحاب الكرسىّ وهم عكوف عليه، [وقد] «1» رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون الله، فقال إبراهيم:
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، هذه سنّة بنى إسرائيل، وسار إبراهيم مجدّا ليلقى ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق، وكان ابن زياد قد سار فى عسكر عظيم وملك الموصل كما ذكرنا، فلما انتهى إبراهيم إلى نهر الخازر «2» من أرض الموصل نزل بقرية باربيثا «3» ، وأقبل عبيد الله بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ خازر، وأرسل عمير بن الحباب «4» السّلمىّ إلى ابن الأشتر أن القنى؛
(21/41)

وكانت قيس كلّها مضطغنة على بنى مروان بسبب وقعة مرج «1» راهط، وجند عبد الملك يومئذ كلب، واجتمع عمير وابن الأشتر فأخبره عمير أنّه على ميسرة ابن زياد، وواعده أنه ينهزم بالناس، وأشار عليه بمناجزة القوم، وعاد عمير إلى أصحابه، وعبّأ ابن الأشتر أصحابه، وصلّى بهم صلاة الفجر بغلس، ثم صفّهم وسار بهم رويدا حتى أشرف على تلّ عظيم مشرف على القوم، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فتقدم ابن الأشتر وهو يحرض أصحابه على القتال، ويذكّرهم بمقتل «2» الحسين وسبى أهل بيته، فلما تدانى الصّفّان حمل الحصين بن نمير بميمنة أهل الشام على ميسرة ابن الأشتر، وعليها عليّ بن مالك الجشمى، فقتل ابن مالك، فأخذ الراية ابنه قرة بن عليّ وقاتل بها فقتل فى رجال من أهل البأس، وانهزمت ميسرة إبراهيم، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السّلوليّ، وردّ المنهزمين، وقاتلوا، وحملت ميمنة إبراهيم وعليها سفيان بن يزيد الأزدى على ميسرة ابن زياد، وهم يظنّون أن عمير بن الحباب ينهزم لهم كما زعم، فقاتلهم أشدّ قتال، وأنفت نفسه الهزيمة، فلمّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: اقصدوا أهل «3» السواد الأعظم، فو الله لئن هزمناه لنجعلن من ترون يمنة ويسرة، فتقدم أصحابه وقاتلوا أشد قتال، وصدقهم إبراهيم القتال، فانهزم أصحاب ابن زياد، وبعد أن قتل من الفريقين قتلى كثيرة.
(21/42)

وقيل: إن عمير بن الحباب أول من انهزم، وإنما كان قتاله أولا تعذيرا.
فلما انهزموا قال إبراهيم بن الأشتر «1» : إنى قتلت رجلا تحت راية منفردة على شط نهر خازر، فالتمسوه فإنى شممت منه رائحة المسك، شرّقت يداه وغرّبت رجلاه، فالتمسوه، فاذا هو عبيد الله بن زياد، فأخذ رأسه وحرّق جثّته.
وأقام إبراهيم بالموصل، وأنفذ رأس عبيد الله إلى المختار، ورءوس القوّاد، وكانت هذه الوقعة فى سنة [67 هـ] سبع وستين.
وروى الترمذى رحمه الله «2» قال: لما جاءت الرءوس إلى المختار ألقيت فى القصر فجاءت حيّة دقيقة فتخللت الرءوس حتى دخلت فم عبيد الله وخرجت من منخره ودخلت فى منخره وخرجت من فمه، فعلت ذلك مرارا «3» .
(21/43)

ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة ومسيره إلى الكوفة وقتاله المختار وقتل المختار بن أبى عبيد
كانت ولايته البصرة وعزل الحارث بن أبى ربيعة الملقّب بالقباع عنها فى أول سنة (67 هـ) سبع وستّين، قال: فقدمها مصعب، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «1» : بسم الله الرّحمن الرّحيم. طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
، وأشار بيده نحو الشام، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
، وأشار نحو الحجاز، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
، وأشار نحو الشام، وقال:
يأهل البصرة، بلغنى أنّكم تلقّبون أميركم، وقد لقّبت «2» نفسى الجزّار.
قال: ولما هرب أشراف الكوفة من المختار يوم وقعة السّبيع، أتى جماعة منهم إلى مصعب، فكان منهم شبت بن ربعىّ، أتاه على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها، وشقّ قباءه وهو ينادى:
(21/44)

واغوثاه! وأتاه أشراف الكوفة فدخلوا عليه وسألوه المسير إلى المختار ونصرتهم، وقدم محمد بن الأشعث، واستحثّه على المسير فأدناه وأكرمه، وكتب إلى المهّلب بن أبى صفرة، وهو عامله على فارس يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار، فقدم فى جموع كثيرة وأموال عظيمة، فبرز مصعب بالجيوش، وأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة، وأمره أن يخرج إليه من قدر عليه، ويثبط الناس عن المختار، ويدعوهم إلى بيعة ابن الزبير سرّا، فسار ودخل الكوفة مستترا، وفعل ما أمره، وسار مصعب وقدم أمامه عبّاد بن الحصين الحبطىّ «1» التميمىّ، وجعل عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، والمهلّب على ميسرته، ومالك بن مسمع على بكر، ومالك بن المنذر على عبد القيس، والأحنف بن قيس على تميم، وزياد بن عمرو العتكىّ على الأزد، وقيس بن الهيثم على أهل العالية، وبلغ الخبر المختار فقام فى أصحابه فندبهم إلى الخروج مع أحمر بن شميط، ودعا رءوس الأرباع الّذين كانوا مع ابن الأشتر فبعثهم مع ابن شميط، فسار وعلى مقدّمته ابن كامل الشاكرىّ، فوصلوا إلى المذار «2» ، وأقبل مصعب فعسكر بالقرب منه، وعبّأ كلّ واحد منهما جنده، فتقدّم عباد بن الحصين إلى أحمر وأصحابه، وقال: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، فقال الآخرون: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله وإلى بيعة المختار، وأن نجعل هذا الأمر شورى فى آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
(21/45)

فرجع عبّاد وأخبر مصعبا، فقال: ارجع فاحمل عليهم، فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه، وحمل المهلّب على ابن كامل حملة بعد أخرى، فهزمهم، وثبت ابن كامل ساعة فى رجال من همدان، ثم انصرف، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وانهزم أصحابه، وبعث مصعب عبّادا على الخيل، وقال له: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه، وسرّح محمد بن الأشعث فى خيل عظيمة من أهل الكوفة، وقال: دونكم ثأركم فكانوا [حيث انهزموا] «1» .
أشدّ على المنهزمين من أهل البصرة، فلم يدركوا منهزما إلّا قتلوه، فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل.
ثم أقبل مصعب حتى قطع من تلقاء واسط، [القصب] «2» ، ولم تكن [واسط] «3» بنيت بعد، فأخذ فى كسكر، ثم حمل الرجال أثقالهم والضعفاء فى السفن، فأخذوا فى نهر خرشاذ «4» ، ثم خرجوا إلى نهر قوسان، ثم خرجوا إلى نهر الفرات، وأتى المختار خبر الهزيمة والقتلى «5» ، فقال: ما من الموت بدّ، وما من ميتة أموتها أحبّ إلىّ من أن أموت مثل موتة ابن شميط.
ولما بلغه أنّ مصعبا قد أقبل إليه فى البرّ والبحر سار حتى نزل السّيلحين «6» ، ونظر إلى مجتمع الأنهار، نهر الخريرة «7» ، ونهر
(21/46)

السّيلحين، ونهر القادسيّة، ونهر يوسف، فسكر الفرات «1» ، فذهب ماؤها فى هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة فى الطين، فخرجوا من السفن إلى ذلك السّكر «2» فأصلحوه، وقصدوا الكوفة، وسار المختار فنزل حروراء «3» ، وحال بينهم وبين الكوفة بعد أن حصّن القصر والمسجد، وأقبل مصعب وجعل على ميمنته المهلّب، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله، وعلى الخيل عبّاد بن الحصين، وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندىّ، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمدانى، وعلى الخيل عمر «4» بن عبد الله النّهدىّ، وعلى الرجال مالك بن عبد الله «5» النّهدى، وأقبل محمد بن الأشعث فيمن كان قد هرب من أهل الكوفة، فنزل بين مصعب والمختار، فلمّا رأى المختار ذلك بعث إلى كلّ خمس من أهل البصرة رجلا من أصحابه، وتدانى الناس، فحمل سعيد بن منقذ على بكر وعبد القيس وهم فى ميمنة مصعب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومى، فحمل على من بإزائه وهم أهل العالية، فكشفهم [فانتهوا إلى مصعب فجثا مصعب على ركبتيه ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا ثم حمل المهلب على من بإزائه فكشفهم] «6» واشتدّ القتال، فقتل ابن الأشعث وذلك عند
(21/47)

المساء، وقاتل المختار على فم سكّة شبث عامّة ليلته، وقاتل معه رجال من أهل البأس، وقاتلت معه همدان أشدّ قتال، ثم تفرق الناس عن المختار، فقال له من معه: أيّها الأمير، اذهب إلى القصر، فجاء حتّى دخله، فقال له بعض أصحابه: ألم تكن وعدتنا الظفر، وأنّا سنهزمهم؛ فقال: أما قرأت فى كتاب الله «1» : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
قال: فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السّبخة، فمرّ بالمهلّب، فقال المهلّب، يا له فتحا ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث، فقال: صدقت؛ ثم قال [مصعب] «2» للمهلب: إن عبيد الله بن عليّ بن أبى طالب قد قتل، فاسترجع المهلّب. فقال مصعب: إنّما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه، ثم نزل مصعب السّبخة فقطع عن المختار ومن معه الماء والميرة، وقاتل المختار ومن معه قتالا ضعيفا، واجترأ الناس عليهم، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت، وصبّوا عليهم الماء القذر، وكان أكثر معاشهم من النساء تأتى المرأة متخفّية ومعها القليل من الطعام والشراب، ففطن مصعب لذلك، فمنع النساء، فاشتد على المختار وأصحابه العطش، فكانوا يشربون ماء البئر بالعسل، ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر، واشتدّ الحصار، فقال المختار لأصحابه: ويلكم، إنّ الحصار لا يزيدكم إلّا ضعفا، فانزلوا بنا نقاتل حتّى نقتل كراما إن نحن قتلنا، والله ما أنا يائس إن صدقتموهم أن ينصركم الله، فضعفوا ولم يفعلوا، فقال لهم:
(21/48)

أما أنا فو الله لا أعطى بيدى ولا أحكّمهم فى نفسى، ثم تطيّب وتحنّط وخرج من القصر فى تسعة عشر رجلا منهم السائب بن مالك الأشعريّ، فتقدّم المختار فقاتل حتى قتل، قتله رجلان أخوان من بنى حنيفة، وهما طرفة وطرّاف ابنا عبد الله بن دجاجة، فلما كان الغد من مقتله، دعا بجير بن عبد الله المسلىّ «1» من معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار، فأبوا عليه، وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم، ونزلوا على حكمه، فأخرجوا مكتّفين، فاستعطفوه، فأراد أن يطلقهم، فقام عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث فقال: أتخلّى سبيلهم؟ اخترنا أو اخترهم.
وقال محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمدانى مثله، وقال أشراف الكوفة مثلهما، فأمر بقتلهم، فقالوا: يا ابن الزّبير، لا تقتلنا واجعلنا على مقدّمتك إلى أهل الشام غدا، فما بكم عنّا غدا غنى «2» ؛ فإن قتلنا لم نقتل حتى نضعفهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم، فأبى عليهم وقتلهم برأى أهل الكوفة، وأمر مصعب بكفّ المختار فقطعت وسمّرت إلى جانب المسجد فبقيت حتى قدم الحجاج فأمر بنزعها.
وكتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول:
إن أطعتنى فلك الشام وأعنّة الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب «3» ما دام لآل الزّبير سلطان.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر أيضا يدعوه إلى طاعته ويقول: إن أنت أجبتنى فلك العراق.
(21/49)

فاستشار إبراهيم أصحابه فى ذلك، فاختلفوا، فقال: لو لم أكن أصبت ابن زياد وغيره من أشراف الشام لأجبت عبد الملك، مع أنى لا أختار على [أهل] «1» مصرى وعشيرتى غيرهم، فدخل فى طاعة مصعب، وبلغ مصعبا إقباله [إليه] «2» ، فبعث المهلّب على عمله بالموصل والجزيرة وإرمينية وأذربيجان.
قال: ثم دعا مصعب بن الزبير أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار، وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارى امرأته الأخرى، وسألهما عنه، فقالت أم ثابت: أقول فيه بقولك أنت فيه، فأطلقها؛ وقالت عمرة: رحمة الله عليه، كان عبدا صالحا.
فكتب إلى أخيه عبد الله: إنها تزعم أنه نبى، فأمره بقتلها، فقتلت ليلا بين الحيرة والكوفة، فقال عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ «3» :
إنّ من أعجب العجائب «4» عندى ... قتل بيضاء حرّة عطبول «5»
قتلت هكذا على غير جرم «6» ... إن لله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات «7» جرّ الذّيول
وقيل: إن المختار إنما أظهر الخلاف على ابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة، وإن مصعبا لمّا سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه
(21/50)

أحمر بن شميط، وأمره أن يواقعه بالمذار، وقال: إن الفتح بالمذار «1» ، لأنه بلغه أن رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أنه هو، وإنّما كان الحجّاج «2» فى قتال عبد الرحمن ابن الأشعث، وأمر مصعب عبادا الحبطىّ بالمسير إلى جمع المختار، فتقدّم وتقدّم معه عبيد الله بن علىّ بن أبى طالب، وبقى مصعب على نهر البصريّين، [على شط الفرات] «3» ، وخرج المختار فى عشرين ألفا، وزحف مصعب ومن معه فوافوه مع اللّيل، فقال المختار لأصحابه: لا يبرحنّ أحد منكم حتّى يسمع مناديا ينادى: يا محمّد، فاذا سمعتموه فاحملوا، فلما طلع القمر أمر مناديا فنادى: يا محمد؛ فحملوا على أصحاب مصعب فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، وأصبح المختار وليس عنده أحد، وقد أوغل أصحابه فى أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة، وجاء أصحابه حين أصبحوا، فوقفوا مليّا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب، فاختفوا بدور الكوفة، وتوجّه منهم نحو القصر ثمانية آلاف، فوجدوا المختار فى القصر، فدخلوا معه وكانوا قد قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا، منهم محمد بن الأشعث.
وأقبل مصعب فأحاط بالقصر، وحاصرهم أربعة أشهر يخرج المختار كلّ يوم فيقاتلهم فى سوق الكوفة، فلمّا قتل المختار بعث
(21/51)

من فى القصر يطلبون الأمان، فأبى مصعب، فنزلوا على حكمه، فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك، وسائرهم من العجم، فكان عدة القتلى ستّة آلاف رجل، وقيل: سبعة آلاف، وذلك فى سنة [67 هـ] سبع وستّين، وكان عمر المختار يوم قتل سبعا وستّين سنة، وكان تارة يدعو لمحمد ابن الحنفيّة، وتارة لعبد الله بن الزبير.
وحكى عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم (كمامة الزّهر وصدفة الدّرر) ، أن المختار ادّعى النبوّة وقال: إنه يأتيه الوحى من السماء، وأظهر ذلك فى آخر أمره، وكان له كرسى يستنصر به.
ذكر خبر كرسى المختار الذى كان يستنصر به ويزعم أنه فى كتاب بنى إسرائيل
قال الطّفيل بن جعدة بن هبيرة: أضقت «1» إضاقة شديدة، فخرجت يوما فإذا جار لى زيّات وعنده كرسىّ قد ركبه الوسخ، فقلت فى نفسى: لو قلت للمختار فى هذا شيئا، فأخذته من الزيّات وغسلته، فخرج عود نضار قد شرب الدّهن وهو أبيض «2» ، فقلت للمختار:
إنّى كنت أكتمك شيئا، وقد بدا لى أن أذكره لك، إن أبى جعدة «3» كان يجلس عندنا على كرسى، ويرى أن فيه أثرا من «4» علم.
قال: سبحان الله، أخّرّته إلى هذا الوقت! ابعث به إلىّ، فأحضرته وقد غشّيته، فأمر لى باثنى عشر ألفا، ثم أمر فنودى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال: إنه لم يكن فى الأمم الخالية أمر إلّا وهو
(21/52)

كائن فى هذه الأمّة مثله، وإنه كان لبنى إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثله، فكشفوا عنه وقامت السّبائيّة «1» فكبّروا، ثم لم يلبث أن أرسل المختار الجيش لقتال ابن زياد، وخرج بالكرسىّ على بغل وقد غشّى، فكان من هزيمة أهل الشام وقتل أشرافهم ما ذكرناه، فزادهم ذلك فتنة حتى تعاطوا الكفر.
قال الطفيل: فندمت على ما صنعت، فتكلّم الناس فى ذلك، فغيّبه المختار.
وقيل: إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة- وكانت أمّ جعدة هى أم هانى بنت أبى طالب أخت علىّ رضى الله عنه لأبويه- ائتونى بكرسى علىّ، فقالوا: والله ما هو عندنا، فقال: لا تكونوا حمقى، اذهبوا فائتونى به، فظنّوا أنّهم لا يأتونه بكرسى إلا قال: هذا هو، فأتوه بكرسىّ، فأخذه وخرجت شبام وشاكر وفودا، يعنى أصحاب المختار، وقد جعلوا عليه الحرير «2» ، وكان أوّل من سدنه موسى ابن أبى موسى الأشعرىّ، فعتب الناس عليه، فتركه فسدنه حوشب البرسمىّ حتى هلك المختار.
وقال أعشى همدان فيه «3» :
شهدت عليكم أنكم سبئيّة ... وإنى بكم يا شرطة الشّرك عارف
فأقسم ما كرسيّكم بسكينة ... وإن كان قد لفّت عليه الّلفائف
وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف
(21/53)

وإنّى امرؤ أحببت آل محمّد ... وتابعت وحيا ضمّنته المصاحف
وبايعت «1» عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش شمطها والغطارف
وقال المتوكل اللّيثى «2» :
أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أنّى بكرسيّكم كافر
تنزو شبام حول أعواده ... ويحمل «3» الوحى له شاكر
محمرّة أعينهم حوله ... كأنّهن الحامض «4» الحازر
انتهت أخبار المختار بن أبى عبيدة، فلنذكر أخبار نجدة الحنفى، [والله ولىّ التوفيق] «5» .
ذكر أخبار نجدة بن عامر الحنفى
حين وثب باليماية وما كان من أمره كان نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن مفرّج الحنفى مع نافع بن الأزرق، ففارقه وسار إلى اليمامة، وكان أبو طالوت «6» وهو من بنى بكر بن وائل، وأبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس ابن ثعلبة، وعطيّة بن الأسود اليشكرىّ- قد وثبوا بها مع أبى طالوت، فلمّا قدمها نجدة دعا أبا طالوت إلى نفسه، فأجابه بعد امتناع، ومضى أبو طالوت إلى الخضارم «7» ، فنهبها، وكانت لبنى حنيفة،
(21/54)

فأخذها منهم معاوية بن أبى سفيان، فجعل فيها من الرّقيق ما عدّتهم وعدّة أبنائهم ونسائهم أربعة آلاف، فغنم ذلك وقسّمه بين أصحابه، وذلك فى سنة (65 هـ) خمس وستّين، ثم إن عيرا خرجت من البحرين- وقيل من البصرة- تحمل مالا وغيره يراد بها عبد الله بن الزّبير، فاعترضها نجدة، فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم، فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال- وردّوا هذه العبيد، واجعلوهم يعملون بالأرض «1» لكم، فإن ذلك أنفع، فاقتسموا المال، وقالوا: نجدة خير لنا من أبى طالوت، فخلعوا أبا طالوت، وبايعوا نجدة، ثم بايعه أبو طالوت، وذلك فى سنة [66 هـ] ست وستّين.
ولمّا تمت بيعته بينهم سار فى جمع إلى بنى كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذى المجاز «2» فهزمهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، ثم كثرت جموعة حتى بلغت ثلاثة آلاف، فسار إلى البحرين فى سنة [67 هـ] سبع وستّين، فقالت الأزد: نجدة أحبّ إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور، وولاتنا تجور؛ فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن بالبحرين «3» غير الأزد على محاربته، فالتقوا بالقطيف «4» ، فانهزمت عبد القيس، وقتل منهم جمع كثير، وسبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف.
وأقام بالبحرين «5» .
(21/55)

فلمّا قدم مصعب إلى البصرة فى سنة [69 هـ] تسع وستّين بعث إليه عبد الله بن عمير اللّيثى الأعور فى أربعة عشر ألفا، وقيل:
فى عشرين ألفا، فجعل يقول: اثبت نجدة فإنّا لا نفرّ، فقدم ونجدة بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير وهو غافل فقاتل طويلا، ثم افترقوا، وأصبح ابن عمير فهاله ما رأى فى عسكره من القتلى والجرحى، فحمل عليهم نجدة، فلم يثبتوا، وانهزموا، وغنم نجدة ما فى عسكرهم.
وبعث نجدة بعد هزيمة ابن عمير جيشا إلى عمان، واستعمل عليهم عطيّة بن الأسود الحنفىّ، وقد غلب عليها عبّاد بن عبد الله وابناه سعيد وسليمان، فقاتلوه، فقتل عبّاد واستولى عطيّة عليها، فأقام بها أشهرا، ثم خرج عنها، واستخلف رجلا يكنى أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عبّاد، فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها، فركب فى البحر وأتى كرمان «1» ، وضرب بها دراهم سمّاها العطويّة، فأرسل إليه المهلّب جيشا، فهرب إلى سجستان، ثم أتى السّند، فقتلته خيل المهلّب بقندابيل «2» .
وبعث نجدة إلى البوادى من يأخذ صدقة أهلها، ثم سار نجدة إلى صنعاء فى خفّ «3» من الجيش، فبايعه «4» أهلها، وبعث أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها، وحج نجدة سنة (68 هـ)
(21/56)

ثمان وستّين، وقيل فى سنة تسع، وهو فى ثمانمائة وستّين رجلا، وقيل فى ألفين وستمائة رجل، فصالح ابن الزبير على أن يصلّى كلّ واحد بأصحابه، ويقف بهم، ويكفّ بعضهم عن بعض، فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلّد عبد الله ابن عمر سيفا، فلما أخبر نجدة أن ابن عمر لبس السلاح رجع إلى الطائف، فلمّا قرب منها أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفى، فبايعه على قومه، فرجع نجدة إلى البحرين، فقطع الميرة عن أهل الحرمين، فكتب إليه ابن عبّاس: إنّ ثمامة بن أثال لمّا أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم كفّار، فكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن أهل مكّة أهل الله، فلا تمنعهم الميرة، فخلاها «1» لهم، وإنّك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون، فخلّاها لهم نجدة، لم تزل عمّال نجدة على النّواحى حتى اختلف عليه أصحابه، على ما نذكره. [والله أعلم] «2» .
(21/57)

ذكر الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبى فديك
قال: ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فخالف عليه عطيّة بن الأسود، وسبب ذلك أنّ نجدة بعث سرّية برّا وبحرا، فأعطى سرية البر أكثر من سريّة البحر، فنازعه عطيّة حتى أغضبه، فشتمه نجدة، فغضب عطيّة وفارقه، وألّب الناس عليه، فخالفوه وانحازوا عنه، وولّوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، من بنى قيس بن ثعلبة، فاستخفى نجدة، وقيل لأبى فديك: إن لم تقتله تفرّق الناس عنك، فألحّ فى طلبه حتّى ظفر به أصحابه، فقتلوه، فلمّا قتل نجدة سخط قتله جماعة من أصحاب أبى فديك، ففارقوه وثار به مسلم بن جبير فضربه اثنتى «1» عشرة ضربة بسكين، فقتل مسلم، وحمل أبو فديك إلى منزله.
هذا ما كان من أمر الخوارج الّذين خرجوا على عبد الله بن الزّبير فى أيّام خلافته، فلنذكر خلاف ذلك ممّا وقع فى أيامه بالأعمال الداخلة فى ولايته.
(21/58)

ذكر الحوادث التى وقعت فى أيام عبد الله بن الزبير
خلاف ما ذكرناه فى الأعمال المداخلة فى ولايته على حكم السنين
سنة أربع وستين
قد ذكرنا بعض حوادث هذه السنة فى أخبار يزيد، فلنذكر من حوادثها خلاف ذلك:
فيها حج عبد الله بن الزبير بالناس، وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمى «1» ، وعلى قضائها سعيد بن نمران، وأبى شريح أن يقضى فى الفتنة وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التّيمى، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
سنة خمس وستين
فى هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة عن المدينة، واستعمل أخاه مصعبا؛ وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال:
قد ترون ما صنع الله بقوم فى ناقة قيمتها خمسمائة «2» درهم، فسمى:
مقوّم الناقة، فبلغ ذلك أخاه، فعزله، واستعمل مصعبا،
(21/59)

ذكر بناء ابن الزبير الكعبة
كان عبد الله بن الزبير لمّا احترقت الكعبة- حين غزاه أهل الشام فى أيام يزيد بن معاوية، قد تركها ليشنع بذلك على أهل الشام. وقد اختلف فى سبب حرق الكعبة، فقيل: إن ابن الزبير لما حاصره أهل الشام سمع أصواتا فى اللّيل فوق الجبل «1» ، فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه، وكانت الليلة ظلماء ذات ريح صعبة ورعد وبرق، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الرّيح، فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها، وجهد الناس فى إطفائها فلم يقدروا، فأصبحت الكعبة تتهافت «2» ، وماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلّهم مع جنازتها خوفا من أن ينزل عليهم العذاب؛ وأصبح ابن الزبير ساجدا يدعو ويقول: اللهم إنّى لم أعتمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبى، وهذه ناصيتى بين يديك.
فلمّا تعالى النهار أمن وتراجع الناس. حكاه أبو الفرج الأصفهانىّ بسند «3» رفعه إلى أبى بكر الهذلىّ، وقيل فى حرقها غير ذلك.
فلمّا مات يزيد واستقرّ الأمر لابن الزبير، شرع فى بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت حيطانها قد مالت من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطوفون من وراء
(21/60)

الأساس، وضرب عليها السّتور «1» ، وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعائشة رضى الله عنها:
لولا حدثان «2» [عهد] «3» قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه [الصلاة والسلام] «4» ، وأزيد فيها من الحجر، فحفر ابن الزبير [رضى الله عنهما] «5» ، فوجد أساسا أمثال الجمال «6» فحرّكوا منها صخرة فبرقت بارقة، فقال: أقرّوها على أساسها، وبناها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
وقيل: كانت عمارتها فى سنة [64 هـ] أربع وستّين. [والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب] «7» .
ذكر الحرب بين عبد الله بن خازم وبين بنى تميم بخراسان
فى هذه السنة كانت الحرب والفتنة بين عبد الله بن خازم السّلمى وبين بنى تميم بخراسان؛ وسبب ذلك أن من كان من بنى تميم بخراسان أعانوا ابن خازم على من بها من ربيعة كما تقدّم، فلمّا صفت له خراسان جفا بنى تميم، وكان قد جعل ابنه محمدا على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وسّاج «8» ، وضم إليه شمّاس بن دثار العطاردى
(21/61)

وكانت أمّ محمد تميميّة، فلمّا جفاهم ابن خازم «1» أتوا ابنه محمّدا بهراة، فكتب إلى أبيه وإلى بكير وشمّاس، يأمرهم بمنعهم عن هراة، فأمّا شمّاس فصار مع بنى تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد هراة، فأرسل بكير إلى شمّاس: إنى أعطيك ثلاثين ألفا، وأعطى كلّ رجل من تميم ألفا، على أن ينصرفوا، فأبوا وأقاموا يترصّدون محمد بن عبد الله حتى خرج إلى الصيد، فأخذوه وشدّوه وثاقا، ثم قتلوه، وولّوا عليهم الحريش «2» بن هلال، فكانت الحرب بينه وبين ابن خازم، وطالت بينهما، فخرج الحريش، فنادى ابن خازم، وقال: لقد طالت الحرب بيننا، فعلام يقتل قومى وقومك، ابرز إلى فأيّنا قتل صاحبه صارت الأرض له، فقال ابن خازم:
لقد أنصفت، فبرز إليه، فالتقيا وتصاولا طويلا، فغفل ابن خازم، فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على وجهه، وانقطع ركابا الحريش، ولزم ابن خازم عنق فرسه، ورجع إلى أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا أياما بعد الضّربة، ثم ملّ الفريقان، فتفرقوا، فافترقت تميم ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير «3» ابن ورقاء، وفرقة إلى ناحية أخرى، وفرقة فيها الحريش «4» إلى مرو الرّوذ، فاتّبعه ابن خازم إلى قرية تسمى الملحمة «5» ، والحريش
(21/62)

فى اثنى عشر رجلا، وقد تفرّق عنه أصحابه وهم فى خربة، فلمّا انتهى إليه قال له الحريش: ما تريد منّى وقد خلّيتك والبلاد، قال: إنّك تعود إليها، قال: لا أعود؛ فصالحه على أن يخرج عن خراسان ولا يعود إلى قتاله، فأعطاه ابن خازم أربعين ألفا، وفتح له الحريش باب القصر، فدخله ابن خازم وضمن له وفاء دينه.
وفى هذه السنة [سنة 65] وقع طاعون الجارف «1» بالبصرة، وعليها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، فهلك خلق كثير، وماتت أمّ عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها، حتّى استأجروا من تولّى حملها.
وحج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب ابن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث ابن أبى ربيعة المخزومىّ، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
وفيها توفّى عبد الله بن عمرو بن العاص بمصر، وكان قد عمى.
وقيل: كانت وفاته فى سنة [68 هـ] ثمان وستّين، وقيل سنة تسع، [والله أعلم] «2» .
(21/63)

سنة ست وستين
ذكر الفتنة بخراسان
فى هذه السنة حاصر عبد الله بن خازم من كان بخراسان من بنى تميم بسبب قتلهم ابنه محمّدا، وذلك أنّه لما تفرّقت بنو تميم بخراسان على ما تقدّم، أتى قصر قرنبا «1» عدة منهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فولّوا أمرهم عثمان بن بشر [بن] «2» المحتفز المازنى «3» ، ومعه شعبة بن ظهير النّهشلى، وورد بن الفلق العنبرى، وزهير بن ذؤيب العدوى، وجيهان بن مشجعة الضبى، والحجاج بن ناشب العدوىّ، ورقبة ابن الحر فى فرسان بنى تميم وشجعانهم، فحاصرهم ابن خازم، فكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر، فخرج ابن خازم يوما فى ستّة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم بشر:
ارجعوا فلن تطيقوه، فحلف زهير بن ذؤيب بالطّلاق إنه لا يرجع حتى ينقض «4» صفوفهم، فاستبطن نهرا قد يبس، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطّم «5» أوّلهم على آخرهم، واستدار وكرّ راجعا، واتبعوه يصيحون به، ولم يجسر أحد ينزل إليه حتى رجع إلى موضعه، فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع،
(21/64)

فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيرا فاجعلوا فى رماحكم كلاليب، ثم علقوها فى سلاحه، فخرج إليهم يوما فطاعنهم، فأعلقوا فيه أربعة رماح بالكلاليب، فالتفت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، وخلّوا رماحهم، فعاد يجرّ أربعة أرماح حتى دخل القصر، فأرسل ابن خازم إلى زهير، فضمن «1» له مائة ألف وميسان «2» طعمة ليناصحه، فلم يجبه، فلما طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم أن يمكّنهم من الخروج ليتفرّقوا، فأبى إلّا على حكمه، فأجابوه إلى ذلك، فقال زهير: ثكلتكم أمهاتكم، والله ليقتلنّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا، فإما أن تموتوا كراما، وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدّة صادقة ليفرجن لكم، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم، فأبوا عليه، فقال سأريكم؛ ثم خرج هو ورقبة بن الحر وغلام تركىّ وابن ظهير، فحملوا على القوم حملة منكرة فأفرجوا لهم، فمضوا. فأمّا زهير فرجع إلى من بالقصر ونجا أصحابه، فقال زهير لمن بالقصر: قد رأيتم، أطيعونى، فقالوا: إنّا نضعف عن هذا ونطمع فى الحياة، فقال: والله لا أكون أعجزكم عند الموت، فنزلوا على حكم ابن خازم، فأرسل إليهم فقيّدهم، وحملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى عليه ابنه موسى، وقال له:
إن عفوت عنهم قتلت نفسى، فقتلهم إلا ثلاثة، أحدهم الحجاج
(21/65)

ابن ناشب، شفع فيه بعض من معه فأطلقه، والآخر جيهان ابن مشجعة الضبّى، وكان قد منع القوم من قتل محمد عبد الله، ورمى نفسه عليه، فأبوا، فتركه لذلك، والآخر رجل من بنى سعد من تميم، وهو الّذى ردّ الناس عن ابن خازم يوم لحقوه، وقال:
انصرفوا عن فارس مضر.
قال: ولمّا أرادوا حمل زهير بن ذؤيب وهو مقيّد أبى، واعتمد على رمحه، فوثب الخندق، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل فى قيوده؛ فقال له ابن خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان؟ قال: لو لم تصنع بى إلّا حقن دمى لشكرتك، فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه، فقال له أبوه: ويحك، تقتل مثل زهير، من لقتال عدو المسلمين، من «1» لنساء العرب؟ فقال: والله لو شركت فى دم أخى لقتلتك، فأمر بقتله، فقال زهير: [إن] «2» لى حاجة، لا تقتلنى وتخلط دمى بدماء هؤلاء اللّئام، فقد نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراما ويخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله لو فعلوا لذعروا «3» بنيّك هذا. وشغلوه بنفسه عن طلب ثأر أخيه، فأمر به ابن خازم فقتل ناحية.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزبير.
(21/66)

سنة سبع وستين
فى هذه السنة استعمل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا على البصرة، فقتل المختار كما تقدّم، ثم عزله عن العراق، واستعمل ابنه حمزة بن عبد الله. وكان حمزة جوادا مخلّطا، يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، وظهر منه بالبصرة خفّة وضعف، فكتب الأحنف إلى أبيه، وسأله أن يعزله عنهم، ويعيد مصعبا، فعزله، فاحتمل مالا كثيرا من مال البصرة، فعرض له مالك ابن مسمع، فقال: لاندعك تخرج بأعطياتنا؛ فضمن له عبيد الله ابن عبد الله العطاء، فكفّ عنه، وشخص حمزة بالمال إلى المدينة، فأودعه رجالا، فجحدوه، إلا رجلا واحدا، فوفى له، فبلغ ذلك أباه، فقال: أبعده الله، أردت أن أباهى به بنى مروان فنكص.
وقيل: إن مصعبا أقام بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولا عن البصرة، ثم وفد إلى أخيه فردّه إلى البصرة، وقيل: بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل المختار، واستعمل على الكوفة الحارث بن أبى ربيعة، وكانتا فى عمله، فعزله أخوه، واستعمل ابنه حمزة، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة، وردّ مصعبا، وذلك فى سنة [68 هـ] ثمان وستين.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان العمّال من تقدم ذكرهم، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
(21/67)

سنة (68 هـ) ثمان وستين
ذكر حصار الرى وفتحها
وفى هذه السنة أمر مصعب بن الزبير عتّاب بن ورقاء الرّياحىّ عامله على أصفهان بالمسير إلى الرّى وقتال أهلها، لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث، كما تقدم، وامتناعهم فى مدينتهم، فسار إليهم عتّاب، وقاتلهم، وعليهم الفرّخان ففتحها عنوة، وغنم ما فيها وافتتح سائر قلاعها ونواحيها. [والله أعلم] «1» .
ذكر أخبار عبيد الله بن اخر ومقتله
وفى هذه السنة قتل عبيد الله بن الحرّ الجعفىّ، وكان من خيار قومه صلاحا وفضلا واجتهادا، ولما قتل عثمان حضر إلى معاوية وشهد معه صفّين وأقام عند معاوية، وكانت زوجته بالكوفة، فلمّا طالت غيبته عنها زوجها أخوها رجلا، يقال له عكرمة بن الخنبص «2» ، فبلغ ذلك عبيد الله، فأقبل من الشام فخاصمه عكرمة إلى على رضى الله عنه. فقال له علىّ رضى الله عنه: ظاهرت علينا عدوّنا وفعلت وفعلت.
فقال له: أيمنعنى ذلك من عدلك؟ قال: لا، فقصّ عليه قصته فردّ عليه امرأته وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق إليه حتى وضعت فألحق الولد بعكرمة، ودفع المرأة إلى عبيد الله، وعاد إلى الشام فأقام به حتى قتل على رضى الله عنه، فرجع إلى الكوفة، فلما كان
(21/68)

فى وقت قتل الحسين تغيب عبيد الله عمدا، فجعل ابن زياد يتفقّد أشراف أهل الكوفة، فلم ير ابن الحرّ ثم جاء بعد «1» ذلك فقال:
أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا. قال: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا. قال: لو كنت معه لرئى مكانى. وغفل عنه ابن زياد، فخرج وركب فرسه، ثم طلبه فقيل له: ركب الساعة، فبعث الشرط خلفه فأدركوه فقالوا: أجب الأمير، فقال: بلغوه عنّى أنى لا آتيه طائعا أبدا، وركض فرسه، وأتى منزل أحمد بن زياد الطائى، فاجتمع إليه أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع الحسين رضى الله عنه، ومن قتل معه، فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن. وقال فى ذلك «2» :
يقول أمير غادر حقّ «3» غادر ... ألا كنت قاتلت الشهيد «4» ابن فاطمة
ونفسى على خذلانه واعتزاله ... وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
فياندمى ألا أكون نصرته ... ألا كلّ نفس لا تسدّد نادمه
وإنّى لأنّى لم أكن من حماته ... لذو حسرة ما إن تفارق «5» لازمه
سقى الله أرواح الّذين تآزروا ... على نصره سقيا «6» من الغيث دائمه
وقفت على أجدائهم ومجالهم ... فكاد الحشى ينقضّ والعين ساجمه
(21/69)

لعمرى لقد كانوا مصاليت فى الوغى ... سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه
تأسّوا على نصر ابن بنت نبيّهم ... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
فان يقتلوا فكلّ «1» نفس تقية ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما إن رأى الراءون أفضل منهمو ... لدى الموت سادات وزهرا «2» قماقمه
أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا ... فدع خطّة ليست لنا بملائمه
لعمرى لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منّا عليكم وناقمه
أهمّ مرارا أن أسير بجحفل ... إلى فئة زاغت عن الحقّ ظالمه
فكفّوا وإلا زرتكم فى «3» كتائب ... أشدّ عليكم من زحوف الدّيالمه
قال: وأقام ابن الحرّ بمنزله على شاطىء الفرات إلى أن مات يزيد، ووقعت الفتنة، فقال: ما أرى قرشيا ينصف، أين أبناء الحرائر؟ فأتاه كلّ خليع، ثم خرج إلى المدائن فلم يدع مالا قدم به للسلطان «4» إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ويكتب لصاحب المال بما أخذ منه، ثم جعل يتقصّى الكور على مثل ذلك، إلا أنه لم يعترض لمال أحد ولا دمه، فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمله ابن الحرّ فى السّواد، فأخذ امرأته «5» فحبسها، فأقبل عبيد الله فى أصحابه إلى الكوفة، فكسر باب السّجن، وأخرجها، وأخرج كلّ امرأة كانت فيه، ومضى، وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه، فأحرقت داره فى همدان، ونهبت ضيعته، فسار إلى ضياع همذان
(21/70)

فنهبها «1» جميعا، وكان يأتى المدائن فيمرّ بعمّال جوخى «2» فيأخذ ما معهم من المال، ثم يميل على الجبل، فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار.
وقيل: إنه بايع المختار بعد امتناع، وسار مع إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل، ولم يشهد معه قتال ابن زياد، وتمارض، ثم فارق ابن الأشتر، وأقبل إلى الأنبار فى ثلاثمائة، فأغار عليها، وأخذ ما فى بيت مالها، فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ امرأته، ففعل ما تقدّم ذكره، وحضر مع مصعب قتال المختار، فلما قتل المختار قال الناس لمصعب: إنّا لا نأمن أن يثب عبيد الله بن الحرّ بالسّواد كما فعل بابن زياد والمختار، فحبسه، فكلّم قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب، وأرسل إلى فتيان مذحج، فقال:
البسوا السلاح واستروه، فإن شفّعهم مصعب وإلّا فاقصدوا السجن فإننى سأعينكم من داخل.
فلما شفع أولئك النّفر شفّعهم مصعب فيه، وأطلقه، فأتى منزله، وأتاه الناس يهنئونه، فكلّمهم فى الخروج على مصعب، وقال لهم: قاتلوا عن حريمكم؛ فإنى قد قلبت ظهر المجن «3» واظهرت العداوة ولا قوة إلا بالله.
وخرج عن الكوفة، وحارب وأغار، فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ
(21/71)

المرادى، فعرض عليه خراج بادرويا «1» وغيرها، ويدخل فى الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فندب لقتاله الأبرد بن قرّة الرّياحى، فقاتله فهزمه عبيد الله وضربه على وجهه، فبعث إليه حريث بن زيد فقتله، فبعث إليه الحجاج ابن حارثة «2» الخثعمى، ومسلم بن عمرو، فلقياه بنهر صرصر «3» ، فقاتلهما وهزمهما، فأرسل إليه يدعوه إلى الأمان والصّلة، وأن يولّيه أىّ بلد شاء؛ فلم يقبل ذلك وأتى نرسا «4» ، ففر دهقانها بمال إلى عين التّمر «5» وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيبانى، فالتجأ الدهقان إليه، فتبعه عبيد الله فقاتله بسطام، ووافاه الحجاج ابن حارثة، فأسرهما عبيد الله، وأسر جماعة كثيرة ممّن معهما، وأخذ المال الذى مع الدهقان، وأطلق الأسارى وأتى تكريت، فأقام بها يجبى الخراج، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرّة الرياحى، والجون ابن كعب الهمدانى فى ألف، وأمدّهم المهلّب بيزيد بن المغفّل فى خمسمائة، فقاتلهم يومين وهو فى ثلاثمائة. فلما كان عند المساء من اليوم الثانى تحاجزوا، وخرج عبيد الله من تكريت، وسار نحو كسكر، فأخذ بيت مالها، ثم أتى الكوفة فنزل إلى دير الأعور «6» ، فبعث إليه
(21/72)

مصعب حجار بن أبجر فانهزم حجّار، فشتمه مصعب، وضم إليه الجون بن كعب الهمدانى وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات فى أصحاب ابن الحر، وعقرت خيولهم، فانهزم حجّار، ثم رجع فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى أمسوا «1» ، وخرج ابن الحر من الكوفة، فكتب مصعب إلى يزيد ابن الحارث بن رويم الشيبانى وهو بالمدائن [يأمره] «2» بقتاله، فقدّم ابنه حوشبا، فقاتله فهزمه عبيد الله، وأقبل إلى المدائن فتحصّنوا منه، فندب إليه الجون بن كعب الهمدانى وبشر بن عبد الله الأسدى، فنزل الجون بحولايا «3» ، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحرّ وهزم أصحابه، وخرج إليه بشير بن عبد الرحمن ابن بشير العجلى، فقاتله بسورا «4» قتالا شديدا، فرجع عنه بشير، وأقام ابن الحرّ بالسواد يغير ويجبى الخراج.
ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير، وأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى لمن معه مالا، فقال له ابن الحرّ: وجّهنى بجند أقاتل بهم مصعبا، فقال له:
سر بأصحابك، وادع من قدرت عليه، وأنا ممدّك بالرجال، فسار فى أصحابه نحو الكوفة إلى أن انتهى إلى الأنبار، فنزل بقرية بجوارها، واستأذنه أصحابه فى إتيان الكوفة، فأذن لهم، وأمرهم أن يعلموا أصحابه بمقدمه ليخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسية
(21/73)

فأتوا الحارث بن [عبد الله بن] «1» أبى ربيعة عامل ابن الزّبير بالكوفة، فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون به عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفريق أصحابه، فبعث معهم جيشا كثيفا، فساروا إليه، فقال له من بقى معه من أصحابه: نحن فى نفر يسير، ولا طاقة لنا بهذا الجيش، فقال: ما كنت لأدعهم، وحمل عليهم وهو يقول:
يا لك يوما فات فيه نهبى ... وغاب عنّى ثقتى وصحبى
فعطفوا عليه فكشفوا أصحابه، وحاولوا أن يأسروه، فلم يقدروا على ذلك، وأذن لأصحابه فى الذّهاب، فذهبوا فلم يعرض لهم أحد، وجعل يقاتل وحده وهم يرمونه ولا يدنون منه، وهو يقول: أهذه نبل أم مغازل! فلما أثخنته الجراح خاض «2» إلى معبر فدخله ولم يدخل فرسه، فركب السفينة، ومضى به الملّاح حتى توسط الفرات، فأشرفت الخيل عليهم، وكان فى السفينة نبط، فقالوا لهم: إن فى السفينة طلبة أمير المؤمنين، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحر ليرمى نفسه فى الماء، فوثب إليه رجل عظيم الخلق، فقبض على يديه، وجراحاته تجرى دما، وضربه الباقون بالمجاديف، فقبض على الذى أمسكه، وألقى نفسه فى الماء، فغرقا معا.
وقيل فى قتله: إنه كان يغشى مصعب بن الزبير بالكوفة فرآه يقدّم عليه غيره، فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ويخوّفه مسيره إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها «3» :
(21/74)

أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست على رأى قبيح أواربه
أفى الحق أن أجفى «1» ويجعل مصعب ... وزيريه «2» من قد كنت فيه أحاربه
فكيف، وقد أبليتكم «3» حقّ بيعتى ... وحقّى يلوّى عندكم وأطالبه
وأبليتكم مالا يضيّع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه
فلما استنار الملك وانقادت العدا ... وأدرك من مال «4» العراق رغائبه
جفا مصعب عنّى ولو كان غيره ... * لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه
لقد رابنى من مصعب أنّ مصعبا ... * أرى كلّ ذى غشّ «5» لنا هو صاحبه
إذا قمت عند الباب أدخل مسلم «6» ... ويمنعنى أن أدخل الباب حاجبه
(21/75)

أشار بقوله: وزيريه؛ إلى مسلم بن عمرو والد قتيبة، والمهلّب ابن أبى صفرة، ويدلّ على ذلك قوله أيضا فى غيرها «1» :
بأىّ بلاء أم بأيّة نعمة تقدّم قبلى مسلم والمهلّب قال: فحبسه مصعب، وله معه معاتبات من الحبس، وقال فى قصيدة يهجو فيها قيس عيلان منها «2» :
ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل
فأرسل زفر بن الحارث الكلابى إلى مصعب يقول: قد كفيتك قتال ابن الزّرقاء- يعنى عبد الملك. وابن الحرّ يهجو قيسا؛ ثم إنّ نفرا من بنى سليم أسروا عبيد الله بن الحرّ، فقال: إنما قلت «3» :
ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت ... إلينا وسارت فى القنا «4» والقنابل
فقتله رجل منهم يقال له عيّاش، والله أعلم.
وفى هذه السنة [سنة 68 هـ] وافى عرفات أربعة ألوية:
لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء لبنى أميّة، ولواء لنجدة الحرورى، ولم يجر بينهم حرب ولا فتنة.
وكان العامل على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزّهرى،
(21/76)

وعلى البصرة والكوفة مصعب بن الزبير، وعلى قضائهما من ذكرنا قبل، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
وفيها توفّى عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب، وعدىّ بن حاتم الطائى.
وقيل فى سنة [66 هـ] ست وستين، وله مائة وعشرون سنة.
سنة (69 هـ) تسع وستين
فى هذه السنة شخص مصعب بن الزبير إلى مكّة ومعه أموال عظيمة ودوابّ كثيرة، فقسم فى قومه وغيرهم، ونحر بدنا كثيرة. وقيل:
كان ذلك فى سنة [70 هـ] سبعين.
وحجّ بالناس عبد الله بن الزّبير؛ وفيها حكّم رجل من الخوارج بمنى، وسلّ سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم، فقتل ذلك الرجل عند الجمرة «1» . وكان عمّال الأمصار من ذكرنا.
سنة (70 هـ) سبعين
ذكر يوم الجفرة «2»
فى هذه السنة سار عبد الملك بن مروان يريد مصعب بن الزبير، فقال له خالد بن عبد الله بن أسيد: إن وجّهتنى إلى البصرة وأتبعتنى خيلا رجوت أن أغلب لك عليها، فوجّهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا فى خاصّته حتى نزل على عمرو بن أصمع. وقيل: على علىّ بن أصمع الباهلى، فأرسل عمرو «3» إلى عبّاد بن الحصين وهو على شرطة
(21/77)

ابن معمر، وابن معمر خليفة مصعب على البصرة، ورجا ابن أصمع أنّ عبّاد بن الحصين يتابعه، وقال له: إنى قد أجرت خالدا وأحببت أن تعلم ذلك لتكون ظهيرا لى؛ فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه؛ فقال عبّاد: قل له: والله لا أضع لبد فرسى حتى آتيك فى الخيل، فقال ابن أصمع لخالد: إنّ عبّادا يأتينا الساعة، ولا أقدر أمنعك منه؛ فعليك بمالك بن مسمع، فخرج خالد يركض فرسه حتى أتى مالكا فقال: أجرنى فأجاره، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد، فأقبلت إليه، وأقبل عباد فى الخيل، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، فلما كان الغد غدوا إلى جفرة «1» نافع بن الحارث، ومع خالد رجال من تميم، منهم صعصعة بن معاوية وعبد الله بن بشر ومرّة بن محكان وغيرهم، وكان من أصحاب خالد، عبيد الله بن أبى بكرة، وحمران بن أبان، والمغيرة بن المهلّب. ومن أصحاب ابن معمر؛ قيس بن الهيثم السلمى، وأمدّه مصعب بزحر بن قيس الجعفى فى ألف، وأمدّه عبد الملك خالدا «2» بعبيد الله بن زياد بن ظبيان، فبلغه تفرّق الناس، فرجع إلى عبد الملك. والتقى القوم، واقتتلوا أربعة وعشرين يوما، ومشت بينهم السّفراء، فاصلطحوا على أن يخرج خالدا من البصرة، فأخرجه مالك، ولحق مالك بثأج «3» ، وجاء مصعب إلى البصرة، وطمع أن يدرك خالدا فوجده قد خرج، فسخط على ابن معمر، وقال لعبيد الله بن أبى بكرة: يا ابن مسروح، إنما أنت ابن كلبة تعاورها
(21/78)

الكلاب، فجاءت بأحمر وأصفر وأسود من كلّ كلب بما يشبهه، وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حصن «1» الطائف، ثم ادعيتم أنّ أبا سفيان زنى بأمكم، وو الله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم.
ثم دعا حمران فقال له: إنما أنت ابن يهودية علج نبطى سبيت من عين التّمر. وقال للحكم بن المنذر بن الجارود، ولعبد الله ابن فضالة الزهرانى، ولعلى بن أصمع، ولعبد العزيز بن بشر وغيرهم نحو هذا من التوبيخ والتقريع، وضربهم مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم وهدم دورهم، وصهرهم فى الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجهز «2» أولادهم فى البعوث، وطاف بهم فى فى أقطار البصرة، وأحلفهم ألّا ينكحوا الحرائر، وهدم دار مالك ابن مسمع، وأخذ ما فيها؛ فكان فيما أخذ منها جارية ولدت له عمرو «3» بن مصعب.
وأقام مصعب بالبصرة، ثم شخص إلى الكوفة فلم يزل بها حتى خرج لحرب عبد الملك.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزّبير.
(21/79)

سنة (71 هـ) احدى وسبعين
فى هذه السنة كان مقتل مصعب بن الزّبير واستيلاء عبد الملك ابن مروان على العراق على ما نذكر ذلك إن شاء الله مبيّنا فى أخبار عبد الملك.
وفيها عزل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو ولى عثمان فهرب.
سنة (72 هـ) اثنتين وسبعين
فى هذه السنة قتل عبد الله بن خازم أمير خراسان، واستولى عبد الملك على خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخباره وفيها انتزع عبد الملك المدينة من عبد الله بن الزّبير، واستعمل عليها طارق بن عمرو؛ فلم يبق مع ابن الزّبير إلا مكّة.
سنة (73 هـ) ثلاث وسبعين
فى هذه السنة كان مقتل عبد الله بن الزبير واستقلال عبد الملك ابن مروان بالأمر، جريا على القاعدة التى قدمناها أن نذكر الواقعة بجملتها ونحيل عليها فى أخبار المغلوب، وعند ذكرنا لمقتل عبد الله ابن الزبير نذكر نبذة من سيرته وأولاده، فلنرجع إلى أخبار الدولة الأموية.
(21/80)

ذكر بيعة مروان بن الحكم
هو أبو الحكم، وقيل أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبى العاص ابن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، يجتمع نسبه ونسب معاوية فى أميّة، وهو الرابع من ملوك بنى أميّة، وكان النبىّ صلى الله عليه وسلّم طرد أباه إلى بطن وجّ «1» ، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان. وقيل: إن مروان ولد بالطف.
واختلف فى السبب الموجب لنفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحكم، فقيل: كان يتحيّل ويستخفى ويسمع ما يسرّه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى كبار أصحابه فى مشركى قريش وسائر الكفار والمنافقين، وكان يفشى ذلك عنه، حتى ظهر ذلك عليه؛ وكان يحكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مشيته وبعض حركاته، وكان النبىّ عليه «2» الصلاة والسلام إذا مشى تكفّأ، فكان الحكم يحكيه، فالتفت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم يوما فرآه يفعل كذلك، فقال: فكذلك فلتكن. فكان الحكم مخلّجا يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمن بن حسان، فقال فى عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
إنّ اللّعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشى خميص البطن من عمل التّقى ... ويظلّ من عمل الخبيث بطينا
وروى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حين قال
(21/81)

فى أخيها عبد الرحمن ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعن أباك وأنت فى صلبه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد الله: وكنت قد تركت عمرا يلبس ليقبل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلم أزل مشفقا أن يكون أوّل من يدخل، فدخل الحكم بن أبى العاص، فلهذا قال عبد الرحمن بن حسان فى شعره: إنّ اللعين أبوك. ولم يزل الحكم طريدا إلى خلافة عثمان بن عفّان فردّه إلى المدينة، وقال: إن النبىّ عليه الصلاة والسلام كان أذن فى ردّه.
وكان إسلام الحكم يوم فتح مكّة، ومات فى خلافة عثمان قبل القيام عليه بأشهر.
وولد مروان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل سنة [2 هـ] اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وقيل يوم أحد، وقيل ولد بمكة، وقيل بالطائف، ولم ير مروان رسول الله عليه «1» الصلاة والسلام، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل، وقدم المدينة مع أبيه فى خلافة عثمان، ثم توفى أبوه فاستكتبه عثمان ابن عفان، وضمّه إليه، فاستولى مروان عليه، وغلب على رأيه حتى كان سبب قيام الناس على عثمان وقتله.
حكى أبو عمر بن عبد البر فى كتابه المترجم بالاستيعاب «2» أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أتى مروان يوما، فقال: ويلك
(21/82)

وويل أمّة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك «1» . وكان مروان يقال له خيط باطل، وضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه. وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم وكان ماجنا شاعرا، وكان لا يرى رأى مروان:
فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع
لحا الله قوما أمّروا خيط باطل ... على الناس يعطى من يشاء ويمنع
وقيل: إنه قال ذلك حين ولّاه معاوية المدينة، [وكان كثيرا ما يهجوه] «2» .
وأم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان، وكان مروان قصيرا رقيقا أو قص «3» ، بويع له بالجابية «4» يوم الخميس لسبع بقين من شهر رجب سنة [64 هـ] أربع وستين، وقيل فى ذى القعدة منها.
ذكر السبب فى بيعة مروان
كان سبب بيعته أن عبد الله بن الزّبير لما بويع له بالحجاز والعراق استعمل أخاه عبيدة بن الزّبير على المدينة، فأخرج مروان بن الحكم وابنه منها إلى الشام؛ فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير، وقال له ولبنى أمية:
(21/83)

أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم «1» ، فتكون فتنة عمياء صماء. وكان من رأى مروان أن يسير إلى عبد الله بن الزّبير فيبايعه، فلما قدم عبيد الله بن زياد من العراق قال لمروان: لقد استحييت لك من ذلك، وأنت كبير قريش وسيّدها؛ وقبّح ذلك عليه، فقال:
ما فات شىء بعد، وقام إليه بنو أميّة ومواليهم فتجمع «2» إليه أهل اليمن، فسار إلى دمشق فقدمها والضحّاك بن قيس الفهرى يصلّى بالناس قد بايعوه على ذلك إلى أن يتّفق رأى الناس على إمام، وهو يدعو إلى ابن الزبير سرّا، والنعمان بن بشير الأنصارى بحمص يبايع له أيضا. وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبى غلاما لمعاوية «3» وابنه يزيد بفلسطين وهو يريد «4» بنى أمية.
فكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظّم فيه حقّ بنى أميّة وحسن بلائهم، ويذمّ ابن الزّبير، وأنه خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. وكتب كتابا آخر، وسلّمه إلى رسوله واسمه ناغضة، وقال له: إن قرأ [الضحاك] «5» كتابى على الناس وإلّا فاقرأ هذا الكتاب عليهم.
وكتب [حسان] «6» إلى بنى أمية أن يحضروا ذلك، فقدم ناغضة، فدفع كتاب الضحّاك إليه وكتاب بنى أمية إليهم.
فلما كان يوم الجمعة صعد الضحّاك المنبر، فقال له ناغضة:
(21/84)

اقرأ كتاب حسّان على الناس. فقال له: اجلس، فجلس، ثم قام الثانية والثالثة وهو يأمره بالجلوس، فأخرج ناغضة الكتاب الذى معه، وقرأه على الناس، فقام يزيد بن أبى النمس «1» الغسّانى، وسفيان ابن الأبرد الكلبى، فصدّقا حسانا، وشتما ابن الزبير، وقام عمرو ابن يزيد الحكمى فشتم حسانا، وأثنى على ابن الزّبير، واضطرب الناس، فامر الضحاك «2» بيزيد وسفيان فحبسا، ووثبت كلب على عمرو بن يزيد فضربوه وخرقوا ثيابه، وقام خالد بن يزيد «3» ، فسكن الناس، ونزل الضحّاك فصلّى الجمعة بالناس، ودخل القصر فجاءت كلب فأخرجوا سفيان، وجاءت غسّان فأخرجوا يزيد، وكان أهل الشام يسمّون ذلك اليوم يوم جيرون «4» الأول.
ثم خرج الضحاك بن قيس إلى المسجد، وذكر يزيد بن معاوية فسبه، فقام إليه شابّ من كلب فضربه بعصا، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا؛ فقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بنى أمية.
ودخل الضحاك دار الإمارة، ولم يخرج من الغد لصلاة الفجر، وبعث إلى بنى أميّة فاعتذر إليهم، وأنه لا يريد ما يكرهون، وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان، ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية، ويسيرون «5» هم من دمشق إليها فيجتمعون بها ويبايعون لرجل من
(21/85)

بنى أمية، فرضوا، وكتبوا إلى حسّان، وسار الضحّاك وبنو أمية نحو الجابية، فأتاه ثور بن معن السّلمى، فقال: دعوتنا إلى ابن الزّبير فبايعنا «1» على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابى من كلب يستخلف ابن أخته «2» خالد بن يزيد.
قال الضحاك: فما الرأى؟ قال: الرأى أن نظهر ما كنّا نكتم وندعو إلى ابن الزّبير، فرجع الضحاك بمن معه من الناس، فنزل مرج راهط ودمشق بيده، واجتمع بنو أميّة وحسّان وغيرهم بالجابية، فكان حسّان يصلّى بهم أربعين يوما والناس يتشاورون، وكان مالك بن هبيرة السّكونى يهوى خالد بن يزيد والحصين بن نمير يميل إلى مروان، فقال مالك للحصين: هلمّ نبايع هذا الغلام الذى نحن ولدنا أباه [وهو ابن أختنا] «3» ، وقد عرفت منزلتنا من أبيه، فإنه يحملنا على رقاب العرب. يعنى خالد بن يزيد. فقال الحصين: لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبى. فقال مالك: والله لئن استخلفت مروان ليحسدنّك على سوطك وشراك نعلك وظلّ شجرة تستظلّ بها، إنّ مروان أبو عشرة «4» وأخو عشرة «5» وعمّ عشرة «6» ، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم [خالد] ، فقال الحصين: إنى رأيت فى المنام قنديلا معلّقا من السماء وأن من يلى الخلافة يتناوله، فلم ينله إلّا مروان؛ والله لنستخلفنّه.
(21/86)

وقام روح بن زنباع الجذامى فقال: أيّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وصحبته وقدمه فى الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكنه ضعيف، وليس بصاحب أمّة محمد الضعيف، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون، إنه ابن حوارىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمّه ذات النّطاقين، ولكنه منافق قد خلع خليفتين:
يزيد، وابنه معاوية، وسفك الدماء، وشقّ عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمّة بمحمد وأما مروان بن الحكم فو الله ما كان فى الإسلام صدع إلا كان ممن يشعبه، وهو الذى قاتل [عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذى قاتل] «1» علىّ بن أبى طالب يوم الجمل، وإنّا نرى للنّاس أن يبايعوا الكبير، ويستشبّوا «2» الصغير- يعنى بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد. فأجمع رأيهم على البيعة لمروان، ثم لخالد ابن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أنّ إمرة دمشق لعمرو، وإمرة حمص لخالد.
فدعا حسّان خالدا، فقال: يابن أختى؛ إنّ الناس قد أبوك لحداثة سنّك، وإنى والله ما أريد الأمر إلّا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم. فقال خالد: بل عجّزت عنا. فقال: والله ما أنا عجزت «3» ، ولكن الرأى لك ما رأيت.
(21/87)

ثم بايعوا مروان لثلاث خلون من ذى القعدة سنة [64 هـ] أربع وستين، وقال مروان حين بويع له «1» :
لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... يسّرت «2» غسّان لهم وكلبا
والسّكسكيّين رجالا غلبا ... وطيّئا تأباه إلّا ضربا
والقين تمشى فى الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا ... فإن دنت قيس فقل لا قربا
ذكر موقعة مرج «3» راهط
وقتل الضحاك بن قيس بن خالد الفهرى والنعمان ابن بشير بن سعيد بن تغلب الأنصارى الخزرجى قال: ولمّا بويع مروان بن الحكم سار من الجابية إلى مرج راهط، وبه الضحاك بن قيس ومن معه؛ وكان الضحاك قد استمدّ النعمان ابن بشير وهو على حمص؛ فأمدّه بشر حبيل بن ذى الكلاع، واستمدّ أيضا زفر بن الحارث فأمدّه بأهل قنّسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، وكان ناتل بن قيس قد وثب بفلسطين لمّا خرج منها حسّان بن مالك إلى الأردنّ، وأخرج خليفته روح بن زنباع، وبايع ناتل لابن الزبير، فاجتمعت هذه الأمداد مع الضحاك.
واجتمع إلى مروان كلب، وغسّان، والسّكاسك، والسّكون؛
(21/88)

وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وكان يزيد بن أبى النّمس «1» الغسانى مختفيا بدمشق لم يحضر الجابية، فغلب على دمشق، وأخرج عنها عامل الضّحاك بن قيس، واستولى على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان، وأمدّه بالأموال والرجال والسلاح، فكان ذلك أول فتح- على بنى أمية.
وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة؛ واقتتلوا قتالا شديدا؛ فقتل الضحاك، قتله زحنة «2» بن عبد الله الكلبى، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف الشام، وقتلت قيس مقتلة عظيمة لم تقتل مثلها فى موطن قطّ، وكان ممن قتل هانىء بن قبيصة النميرى سيّد قومه، قتله وازع بن ذؤالة الكلبى، فلما سقط جريحا قال «3» :
تعست ابن ذات النوف أجهز على فتى «4» ... يرى الموت خيرا من فرار وأكرما «5»
ولا تتركنّى بالحشاشة إننى ... صبور إذا ما النّكس مثلك أحجما
فعاد إليه وازع فقتله، وكانت هذه الوقعة فى المحرم سنة [65 هـ] خمس وستين.
وقيل: كانت فى آخر سنة أربع وستين.
(21/89)

ولما أتى «1» مروان برأس الضحاك ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبرت سنّى ودقّ عظمى أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض.
وقيل: إنّ الضحّاك كان فى ستين ألف فارس ومروان فى ثلاثة عشر ألفا.
حكى المدائنى فى كتاب المكايد له، قال: لما التقى مروان والضحاك بمرج راهط قال عبيد الله بن زياد لمروان: إن فرسان قيس مع الضحاك فلا ننال منه ما نريد إلّا بكيد، فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى ننظر فى أمرك، على أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت، ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة، وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم، وكفّوا عن القتال، فقال ابن زياد لمروان: دونك. فشدّ مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة منهم وانتشار، فقتلوا من قيس مقتلة عظيمة، وقتل الضحاك يومئذ فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم المرج حتى ماتوا.
وقيل المكيدة كانت من عبيد الله بن زياد، كاد بها الضحاك.
وقال له: مالك والدعاء إلى ابن الزبير! وأنت رجل قرشى ومعك الخيل، وأكثر قيس؟ فادع لنفسك، فأنت أسنّ منه وأولى.
ففعل الضحاك ذلك، فاختلف عليه الجند، فقاتله مروان عند ذلك فقتل. والله أعلم.
قال: ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل
(21/90)

حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلما بلغه الخبر خرج هاربا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبيّة وثقله وأولاده، فتحيّر ليلته كلها، فأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان الذى طلبه عمرو بن الخلىّ «1» الكلاعى فقتله.
وقيل: اتبعه خالد بن عدىّ الكلاعى فيمن خفّ معه من أهل حمص فلحقه فقتله وبعث برأسه إلى مروان.
وقال على بن المدينى: قتل النعمان بن بشير بحمص غيلة قتله أهلها.
وقيل: قتل بقرية من قرى حمص يقال لها تيزين «2» . والنعمان من الصحابة، ولد قبل وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بثمانى سنين.
قال: ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابى بقنسرين «3» هرب منها، فلحق بقرقيسيا «4» وعليها عياض الجرشى «5» ، وكان يزيد [بن معاوية] «6» ولّاه إياها، فطلب منه أن يدخل الحمّام ويحلف له بالطلاق والعتاق أنه إذا خرج من الحمّام لا يقيم بها، فأذن له، فدخلها، فغلب عليها وتحصّن بها، ولم يدخل حمّامها، واجتمعت إليه قيس. وهرب ناتل بن قيس الجذامى من فلسطين، فلحق بابن الزبير بمكّة؛ واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع، واستوثق الشام لمروان.
(21/91)

وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بنى أمية وهم بتدمر، ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزّبير فيبايعه «1» ويأخذ منه الأمان لبنى أمية، فردّه عن ذلك، وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، وواقفه «2» عمرو بن سعيد، وأشار على مروان أن يتزوّج أم خالد ابن يزيد ليسقط من أعين الناس، فتزوجها، وهى فاختة ابنة أبى هاشم ابن عتبة، ثم جمع بنى أمية فبايعوه، وبايعه أهل تدمر.
وسار إلى الضحاك فى جمع عظيم، وخرج الضحاك إليه، فاقتتلا، فقتل الضحاك، وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء، وصحبه فى هزيمته شابان من بنى سليم؛ فجاءت خيل مروان فى طلبه، فقال الشابان له: انج بنفسك، فإنّا نحن نقتل. فمضى زفر وتركهما فقتلا، وقال زفر فى ذلك «3» :
أرينى سلاحى لا أبالك إنّنى ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا
أتانى عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا
ففى العيش «4» منجاة وفى الأرض مهرب ... إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا
فلا تحسبونى إن تغيّبت غافلا ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزارات النوس كماهيا «5»
(21/92)

لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسّان صدعا بيننا متنائيا
فلم ترمنّى نبوة قبل هذه ... فرارى وتركى صاحبىّ ورائيا «1»
عشيّة أدعو «2» بالقران فلا أرى ... من الناس إلّا من علىّ ولاليا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامى وحسن بلائيا
فلا صلح حتى تنحط «3» الخيل بالقنا ... ويثأر من نسوان كلب نسائيا
فأجابه جوّاس بن القعطل «4» :
لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفرداء «5» من الداء باقيا
مقيما ثوى بين الضّلوع محلّه ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا
تبكّى على قتلى سليم وعامر ... وذبيان معذورا وتبكى البواكيا
دعا بسلاح «6» ثم أحجم إذرأى ... سيوف جناب والطّوال المذايا
عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا أشرعوا نحو الطّعان العواليا
(21/93)

ذكر مسير مروان إلى مصر واستيلائه عليها
قال: ولما قتل الضحاك واستقرّ الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها، وعليها عبد الرحمن بن حجدر «1» الفهرى يدعو لابن الزّبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه، حتى دخل مصر، فقيل ذلك لابن حجدر، فرجع فبايع الناس مروان، وجاء مروان إلى مصر، ودخل الدار البيضاء، ثم سار عنها واستعمل عليها ابنه عبد العزيز ابن مروان، واستقرّ مروان بدمشق.
ذكر البيعة لعبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان ابن الحكم بولاية العهد
وفى سنة [65 هـ] خمس وستين أمر مروان بالبيعة لابنيه: عبد الملك، وعبد العزيز، وكان سبب ذلك أن عمرو بن سعيد كان قد توجّه إلى فلسطين، وقاتل مصعب بن الزبير حين وجّهه أخوه عبد الله إليها «2» فهزم مصعبا، ورجع إلى مروان وهو بدمشق، وقد غلب على الشام ومصر، فبلغ مروان أنّ عمرو بن سعيد يقول: إن الأمر لى من بعد مروان، فدعا حسان بن مالك بن بحدل، فأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمرا. فلما اجتمع الناس عند مروان قام حسان فقال: إنّه بلغنى أنّ رجالا يتمنّون أمانىّ، قوموا فبايعوا لعبد الملك
(21/94)

وعبد العزيز من بعده، فبايعوا من عند آخرهم.
وفى هذه السنة بعث مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا، واستعمله على كل ما يفتتحه، فإذا فرغ من الجزيرة توجّه لقصد العراق. فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان، وأتاه عهد عبد الملك بن مروان [يستعمله] «1» على ما استعمله عليه أبوه ويحثّه على المسير إلى العراق.
والبعث الثانى «2» مع حبيش بن دلجة «3» القينى، فسار حتى انتهى إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخى عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب منه جابر.
ثم إن الحارث بن أبى ربيعة وجّه جيشا من البصرة وجعل عليهم الحنتف «4» بن السّجف التميمى لحرب حبيش. فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن الزبير عبّاس «5» ابن سهل الساعدى إلى المدينة أميرا، وأسره أن يسير فى طلب حبيش حتى يوافى جيش البصرة، فأقبل عبّاس «6» فى آثارهم حتى لحقهم بالرّبذة فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سياه «7» بسهم فقتله،
(21/95)

وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم، وابنه الحجّاج بن يوسف، وهما على جمل واحد، وانهزم أصحابه فتحرّز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال لهم عباس: انزلوا على حكمى، فنزلوا فقتلهم، ورجع فلّ حبيش إلى الشام.
ذكر وفاة مروان بن الحكم
كانت وفاته فى شهر رمضان سنة [65 هـ] خمس وستين. قيل: مات بالطاعون. وقيل: بل كان سبب موته أنه لما بويع بالخلافة أراد حسّان بن بحدل أن يجعل الأمر من بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، فبايعه على ذلك، فقيل لمروان: الرأى أن تتزوّج أمّ خالد تكفل ابنها حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة. فتزوّجها.
وقد ذكرنا ذلك، فدخل خالد يوما على مروان، وعنده جماعة ينظر إليه وهو يمشى بين الصفّين فقال: إنّه «1» والله لأحمق.
تعال: يابن الرطبة الاست، يريد بذلك إسقاطه من أعين أهل الشام، فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، ثم دخل خالد على أمّه، فقال: هكذا أردت، يقول لى مروان على رءوس الناس كذا وكذا. فقالت له: لا يعلمنّ ذلك منك، فأنا أكفيك، فو الله لا ترى بعد منه شيئا تكرهه، وسأقرّب عليك ما بعد.
ثم دخل مروان عليها، فقال لها: قال لك خالد فىّ شيئا؟
قالت: إنه أشدّ تعظيما لك من أن يقول فيك شيئا. فصدّقها،
(21/96)

ومكثت أياما بعد ذلك، فنام مروان عندها فى بعض الأيام، فوضعت على وجهه وسادة، وجلست عليها حتى مات. وهو معدود ممّن قتله النساء.
ومولده سنة [2 هـ] اثنتين من الهجرة، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. واختلف فيه إلى نيّف «1» وثمانين سنة. وصلّى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته منذ جدّدت له البيعة عشرة أشهر تقريبا، وكان سلطانه بالشام ومصر.
أولاده: عبد الملك، ومعاوية، وعمرو، وعبيد الله، وعبد الله، وأبان، وداود، وعبد العزيز، وعبد الرحمن، وبشر، ومحمد، وأم عمار.
كاتبه: سفيان الأحول. وقيل: عبيد الله بن أوس.
قاضيه: أبو إدريس الخولانى.
حاجبه: أبو سهل مولاه.
نقش خاتمه: الله ثقتى ورجائى.
*** ومروان أوّل من قدّم الخطبة قبل صلاة العيد، وكان يقال له ولولده بنو الزّرقاء، يقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم، وهى الزرقاء بنت موهب جدّة مروان لأبيه، كانت من ذوات الرايات التى يستدلّ بها على بيوت البغايا؛ فلهذا كانوا يذمّون بها، ولعل هذا منها كان قبل أن يتزوّجها أبو العاص بن أمية «2» والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، ولا يكون هذا من امرأة وهى عنده. والله أعلم.
(21/97)

ذكر بيعة عبد الملك بن مروان
هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم، وهو الخامس من ملوك بنى أمية.
وأمه عائشة بنت المغيرة بن أبى العاص، وهو أوّل من سمّى عبد الملك فى الإسلام، ولقّب رشح الحجر «1» لبخله، ولقّب أيضا بأبى الذّبّان «2» لبخره. وقيل: إن السبب فى بخره أنه كان يتلو القرآن فى المصحف، فأفضت الخلافة إليه وهو يتلو، فردّ المصحف بعضه على بعض، وقال: هذا فراق بينى وبينك، يشير بهذا الكلام إلى المصحف فبخر لوقته، وعجزت الأطباء عن مداواته، فكان لا يمرّ ذباب على فيه إلا مات لوقته، وكان أفوه مفتوح الفم مشبّك الأسنان بالذّهب.
بويع له فى شهر رمضان سنة [65 هـ] خمس وستين بعد وفاة أبيه، وكان ولىّ عهده كما تقدّم، وأراد عبد الملك أن يقتل أمّ خالد، فقيل له: يظهر عند الناس أنّ امرأة قتلت أباك، فتركها، وكان عبد الملك ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمّونه بذلك.
قيل: إنه اجتمع عنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله ابن زياد بن ظبيان البكرى: بلغنى أنك لا تشبه أباك! فقال:
والله إنى لأشبه به من الماء بالماء والغراب بالغراب، ولكن إن شئت؛
(21/98)

أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام. قال: من ذاك؟ قال: سويد بن منجوف.
فلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد: والله ما يسرّنى بمقالتك له حمر النعم. فقال عبيد الله: وما يسرّنى والله باحتمالك إياى وسكوتك عنى سودها.
قال: وكان أول ما بدأ به عبد الملك أن كتب إلى عبيد الله بن زياد واستعمله على ما كان مروان قد استعمله عليه، فكان من أخبار ابن زياد فى مسيره وحروبه ومقتله ما قدّمناه فى أخبار عبد الله ابن الزبير، فلا حاجة لنا إلى إعادته ههنا، فلنذكر من أخبار عبد الملك غير ما قدمنا ذكره:
فى سنة ست وستين أرسل عبد الله بن عباس ابنه «1» علىّ ابن عبد الله إلى عبد الملك، وقال: لأن يربّنى بنو عمّى أحبّ إلىّ من أن يربّنى «2» رجل من بنى أسد- يعنى ببنى عمّه بنى أمية، لأنهم كلهم أولاد عبد مناف، ويعنى بالرجل من بنى أسد عبد الله بن الزّبير.
فلما وصل إلى عبد الملك سأله عن اسمه وكنيته، فقال: الاسم علىّ، والكنية أبو الحسن. فقال عبد الملك: لا يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية فى عسكرى أنت أبو محمد.
(21/99)

ذكر مقتل عمرو بن سعيد الأشدق وشىء من أخباره [ونسبه] «1»
هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية «2» بن عبد شمس ابن عبد مناف، ويسمى عمرو اللطيم لميل كان فى فمه «3» ، فمن أجل ذلك قيل له لطيم الشيطان، ويسمّى الأشدق لتشادقه فى الكلام، وكان من فصحاء قريش وأهل الخطابة منهم. وقيل فى تسميته الأشدق: إنه لما مات سعيد والده دخل عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إن أوّل مركب صعب. فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟
فقال: إن أبى أوصانى ولم يوص بى. قال: فبأى شىء أوصاك؟
قال: ألّا يفقد منه أصحابه غير شخصه. فقال معاوية: إن عمرا هذا لأشدق.
ولنذكر سبب مقتله ثم نذكر نبذة من أخبار آبائه:
كان سبب مقتله أنّ عبد الملك بن مروان سار فى سنة تسع وستين من دمشق يريد قرقيسياء، يريد زفر بن الحارث الكلابى، وصحبه عمرو بن سعيد فى سيره، فلما بلغ بطنان «4» حبيب رجع عمرو ليلا ومعه حميد بن حريث وزهير بن الأبرد الكلبيّان، فأتى دمشق وعليها عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى خليفة عبد الملك بها، فهرب
(21/100)

عنها ودخلها عمرو، فغلب عليها وعلى خزائنها، وهدم دار ابن أم الحكم؛ واجتمع الناس إليه، فخطبهم ومنّاهم ووعدهم، وأصبح عبد الملك وقد فقد عمرا، فسأل عنه فأخبر برجوعه، فرجع إلى دمشق، فقاتله أياما، ثم اصطلحا، وكتبا بينهما كتابا، وأمّنه عبد الملك، فجاءه عمرو واجتمعا، ودخل عبد الملك دمشق.
فلما كان بعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو يستدعيه، فأتاه الرسول وعنده عبد الله بن يزيد بن معاوية، فنهاه أن يأتيه، فقال عمرو: ولم؟ قال: لأنّ تبيع «1» ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق، ثم يخرج منها، فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو كنت نائما ما أنبهنى ابن الزرقاء ولا اجترأ علىّ، مع أنى رأيت البارحة عثمان فى المنام، فألبسنى قميصه.
ثم قام فلبس درعا وغطّاها بالقباء «2» ، وتقلّد سيفا، وذلك بعد أن صرف رسول عبد الملك، فلما نهض عثر بالبساط، فقال له حميد ابن حريث: والله لو أطعتنى لم تأته، وقالت له امرأته الكلبية كذلك، فلم يلتفت، ومضى فى مائة من مواليه.
فلما بلغ باب عبد الملك أذن له فدخل فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قاعة الدار، وليس معه إلا وصيف واحد، فنظر عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله بنو مروان، وحسّان بن بحدل الكلبى، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعى، فلما رأى جماعتهم أحسّ
(21/101)

بالشر، فالتفت إلى وصيفه، وقال له: انطلق إلى أخى يحيى، وقل له يأتينى، فلم يفهم الوصيف عنه، فقال: لبيك! فقال عمرو:
اغرب فى حرق الله وناره «1» ، وأذن عبد الملك لحسّان وقبيصة فقاما، فلقيا عمرا، فقال عمرو لقبيصة: انطلق إلى يحيى فمره أن يأتينى، فقال: لبيك! فقال: اغرب [عنى] «2» .
فلما خرج حسّان وقبيصة أغلقت الأبواب، ودخل عمرو فرحب به عبد الملك، وقال: ههنا يا أبا أميّة! فأجلسه معه على السرير، وحدّثه طوبلا، ثم قال: يا غلام، خذ السيف عنه. فقال عمرو:
إنّا لله يا أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: أتطمع أن تجلس معى متقلّدا سيفك؟ فأخذ السيف عنه، ثم تحدّثا، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، إنك حيث خلعتنى آليت بيمين إن أنا ملأت عينى منك وأنا مالك لك أن أجعلك فى جامعة «3» ، فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وما عسيت أن أصنع بأبى أمية! فقال بنو مروان: أبرّ قسم أمير المؤمنين.
فقال [عمرو] «4» : قد أبرّ الله قسمك يا أمير المؤمنين. فأخرج من تحت فراشه جامعة، ثم قال: يا غلام، قم فاجمعه فيها.
فجمعه الغلام فيها، فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجنى فيها على رءوس الناس؛ فقال عبد الملك: أمكرا وأنت فى الحديد! لا، والله ما كنّا لنخرجك فى جامعة على رءوس الناس،
(21/102)

ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيّتيه، فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين؛ كسر عظم سنى «1» ، فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال: والله لو أعلم أنك تبقى [علىّ] «2» ، إن أبقيت عليك لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان قطّ فى بلدة على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وأذن المؤذّن، وأقيمت صلاة العصر، فخرج عبد الملك يصلّى بالناس، وأمر أخاه عبد العزيز أن يقتله، فقام إليه بالسيف، فقال له عمرو: أذكرك الله والرّحم أن تلى قتلى، ليقتلنى من هو أبعد رحما منك؛ فألقى عبد العزيز السّيف، وجلس. وصلّى عبد الملك صلاة خفيفة، ودخل وغلّقت الأبواب، ورأى الناس عبد الملك خرج وتأخّر عمرو، فذكروا ذلك لأخيه يحيى بن سعيد، فأقبل فى الناس ومعه ألف عبد لعمرو، وخلق كثير، فجعلوا يصيحون بباب عبد الملك: أسمعنا صوتك يا أبا أميّة! وأقبل مع يحيى حميد بن حريث وزهير بن الأبرد، فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، واحتمله إبراهيم بن عربى صاحب الديوان، فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبد الملك حين صلّى فرأى عمرا بالحياة «3» ، فسبّ أخاه عبد العزيز، ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمرا، فلم تغن شيئا، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده إلى عضده فرأى الدّرع، قال: ودارع أيضا! إن كنت لمعدّا، وأخذ الصمصامة «4»
(21/103)

وأمر بعمرو فصرع، وجلس على صدره فذبحه، وهو يقول «1» :
يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتى ... أضربك حيث تقول الهامة اسقونى
وانتفض عبد الملك برعدة «2» ، فحمل عن صدره، ووضع على سريره.
ودخل يحيى بن سعيد ومن معه على بنى مروان ومواليهم، فقاتلوهم، وجاء عبد الرحمن ابن أمّ الحكم الثقفى، فدفع إليه الرّأس فألقاه إلى الناس، وقام عبد العزيز بن مروان، فأخذ المال فى البدر، فجعل يلقيها إلى الناس، فلما رأى الناس الرأس والأموال انتهبوا وتفرّقوا.
ثم أمر عبد الملك بعد ذلك بتلك الأموال فجبيت حتى عادت إلى بيت المال.
قال: وأخرج عبد الملك سريره إلى المسجد، وخرج، فجلس عليه، وفقد الوليد ابنه، فقال: والله، لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عربى الكنانى، فقال: الوليد عندى وقد جرح، وليس عليه بأس.
وأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد فأمر أن يقتل؛ فقام إليه عبد العزيز ابن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، أتراك قاتل بنى أمية فى يوم واحد، فأمر بيحيى فحبس، وأراد قتل عنبسه بن سعيد، فشفع فيه عبد العزيز أيضا، وشفع فى عامر بن الأسود الكلبى، وأمر ببنى عمرو بن سعيد فحبسوا؛ ثم خرجوا مع عمّهم يحيى، فألحقهم بمصعب. ثم بعث عبد الملك إلى امرأة عمرو الكلبية:
(21/104)

ابعثى إلىّ «1» الصّلح الذى كتبت لعمرو. فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلمه أنّ ذلك الصّلح معه فى أكفانه ليخاصمك به عند ربّه.
قال: ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل أولاد عمرو عليه وهم أربعة: أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد؛ فلما نظر إليهم [عبد الملك] «2» قال: إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم، وإن الذى كان بينى وبين أبيكم لم يكن حديثا، بل كان قديما فى أنفس أوّليكم «3» على أوّلينا فى الجاهلية.
فلم يقدر أمية أن يتكلّم. وكان الأكبر من أولاد عمرو، فقام سعيد بن عمرو [وكان الأوسط] «4» فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعى «5» علينا أمرا فى الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك، ووعد جنّة، وحذّر نارا، وأما الذى كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك وأنت أعلم وما «6» صنعت. وقد وصل عمرو إلى الله، وكفى بالله حسيبا؛ ولعمرى لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها، فرقّ لهم عبد الملك وقال: إنّ أباكم خيّرنى بين أن يقتلنى أو أقتله، فاخترت قتله على قتلى، وأمّا أنتم فما أرغبنى فيكم وأوصلنى لقرابتكم، وأحسن جائزتهم ووصلهم وقرّبهم.
(21/105)

وقد قيل فى سبب قتله: إنه قال لعبد الملك حين سار إلى العراق لقتال مصعب: إنك تخرج إلى العراق، وقد كان أبوك جعل لى الأمر بعده، وعلى ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لى بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك، فرجع إلى دمشق، وكان من أمره ما تقدّم.
وقيل: بل كان عبد الملك قد استخلفه على دمشق، فوثب بها.
وقيل: إنّ عبد الملك لم يقتل عمرو بن سعيد بيده، وإنما أمر غلامه ابن الزّعيزعة، فقتله وألقى رأسه إلى الناس ورمى يحيى بصخرة فى رأسه، وكان مقتله فى سنة [69 هـ] تسع وستين. وقيل: فى سنة سبعين. والله أعلم.
ذكر نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق فى الإسلام والجاهلية
كان مولد سعيد بن العاص والدعمرو عام الهجرة. وقيل: سنة إحدى. وقتل جدّه العاص بن سعيد يوم بدر كافرا، قتله علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه، وكان لجدّ أبيه سعيد بن العاص ابن أميّة ثمانية بنين؛ منهم ثلاثة ماتوا على الكفر، وهم: أحيحة، وبه كان يكنى سعيد بن العاص، وقتل أحيحة يوم الفجار. والعاص، وعبيدة قتلا يوم بدر كافرين، قتل العاص علىّ، وقتل عبيدة الزّبير؛ وخمسة أدركوا الإسلام، وصحبوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وهم: خالد، وعمرو، وسعيد؛ وأبان، والحكم بنو سعيد ابن العاص بن أمية، وغيّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اسم «1» الحكم، فسمّاه عبد الله. وجّد هؤلاء العاص بن أمية ذو العصابة؛ قيل له ذلك،
(21/106)

لأنه كان من شرفه إذا اعتمّ بعمامة بمكّة لا يعتمّ «1» أحد بلونها إجلالا له، وكان يكنى بأبى أحيحة، وفى ذلك يقول الشاعر:
أبو أحيحة من يعتمّ عمّته ... يضرب ولو كان ذا مال وذا حسب
وكان سعيد بن العاص والد عمرو من أشراف قريش ممن جمع له السخاء والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان رضى الله عنه، واستعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان «2» فافتتحها. ويقال: إنه افتتح أيضا جرجان فى سنة [29 هـ] تسع وعشرين أو سنة ثلاثين، وغزا أذربيجان «3» لما انتقضت فافتتحها، ثم عزله عثمان، واستعمل الوليد، فمكث مدة، ثم شكاه أهل الكوفة، فعزله، وردّ سعيدا، فردّه أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا فى سعيدك ولا وليدك، وكان فى سعيد تجبّر وغلظ وشدّة سلطان.
ولما قتل عثمان بن عفّان كان سعيد والد عمرو ممن لزم بيته، واعتزل حرب الجمل وصفّين، فلما اجتمع الناس على معاوية ولّاه المدينة، ثم عزله وولّاها مروان بن الحكم، وكان يعاقب بينه وبين مروان فى ولاية المدينة، وفيه يقول الفرزدق «4» :
(21/107)

ترى الغرّ «1» الجحاجح من قريش ... إذا ما المرء فى الحدثان غالا
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهمو يرون به هلالا
وحكى الزبير بن بكّار قال «2» : لما عزل سعيد عن المدينة انصرف عن المسجد وحده، فتبعه رجل، فنظر إليه سعيد رضى الله عنه، وقال: ألك حاجة! قال: لا، ولكنى رأيتك وحدك، فوصلت جناحك. فقال له: وصلك الله يا ابن أخى، اطلب لى دواة وجلدا، وادع لى مولاى فلانا، فأتاه بذلك، فكتب له بعشرين ألف درهم، وقال: إذا جاءت غلّتنا دفعنا ذلك إليك، فمات فى تلك السنة، فأتى بالكتاب إلى ابنه عمرو، فأعطاه المال.
وكان لسعيد بن العاص سبعة بنين، وهم: عمرو هذا:
ومحمد، وعبد الله، ويحيى، وعثمان، وعنبسة، وأبان.
وكانت وفاة سعيد فى سنة [59 هـ] تسع وخمسين. ولنرجع إلى أخبار عبد الملك:
ذكر عصيان الجراجمة بالشام وما كان من أمرهم
هذه الحادثة ذكرها ابن الأثير «3» فى سنة [69 هـ] تسع وستين، فقال: لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك خرج قائد من قوّاد
(21/108)

الضواحى فى جبل اللّكام «1» واتّبعه خلق كثير من الجراجمة «2» والأنباط، وأبّاق عبيد المسلمين، وغيرهم، وسار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك من عمرو أرسل إلى هذا الخارج عليه، فبذل له فى جمعة ألف دينار، فركن إلى ذلك، ولم يفسد فى البلاد، ثم وضع عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطّف حتى وصل إليه متنكّرا، وأظهر الميل إليه، ووعده أن يدلّه على عورات عبد الملك، وما هو خير له من الصلح، فوثق به؛ ثم أتاه سحيم فى جيش من موالى عبد الملك وبنى أمية وجند من ثقات جنده والخارج ومن معه على غير أهبة، فدهمهم «3» ، وأمر فنودى: من أتانا من العبيد [يعنى الذين كانوا معه] «4» فهو حرّ، وثبت فى الديوان؛ فالتحق به خلق كثير منهم، وقاتلوا معه، فقتل الخارج ومن أعانه من الروم، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط، ونادى بالأمان فيمن بقى منهم فتفرّقوا، وعاد إلى عبد الملك ووفّى للعبيد.
وفى سنة تسع اجتمعت الروم واستجاشوا «5» على من بالشام، فصالح عبد الملك ملكهم على أن يؤدّى إليه فى كل جمعة ألف دينار.
وفيها كان يوم الجفرة وقد تقدم ذكره «6» فى أخبار ابن الزبير رضى الله عنه.
(21/109)

ذكر خبر عمير بن الحباب بن جعدة السلمى
وما كان بين قيس وتغلب من الحروب إلى أن قتل عمير ابن الحباب وما كان بعد ذلك.
كان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [70 هـ] سبعين، وكان سبب ذلك أن عمير بن الحباب لما انقضى مرج راهط التحق بزفر بن الحارث الكلابى بقرقيسيا، ثم بايع مروان وفى نفسه ما فيها بسبب قتل قيس بالمرج «1» ، فلما سار عبيد الله بن زياد إلى الموصل كان معه، وقد ذكرنا اتفاقه مع إبراهيم بن الأشتر وانهزامه، حتى قتل عبيد الله [بن زياد] «2» ، وانهزمت جيوش الشّام، فلما كان ذلك أتى عمير ابن الحباب قرقيسيا، وصار مع زفر بن الحارث، فجعلا يطلبان كلبا واليمانيّة بمن قتلوا من قيس، وكان معهما قوم من تغلب يقاتلون معهما، ويدلّونهما، وشغل عبد الملك عنهما بمصعب، وتغلّب عمير على نصيبين «3» ، ثم ملّ المقام بقرقيسيا، فاستأ من إلى عبد الملك، فأمّنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم، وتسلّق فى سلّم من الحبال، وخرج من الحبس، وعاد إلى الجزيرة، ونزل على نهر البليخ «4» بين حرّان والرّقة، فاجتمعت إليه قيس، فكان يغير بهم «5» على كلب واليمانية، وكان من معه يسيئون «6» جوار تغلب، ويسخّرون
(21/110)

مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرّا، إلّا أنه لم يبلغ الحرب. ثم إن عميرا أغار على كلب، ورجع فنزل على الخابور، وكانت منازل تغلب بين الخابور والفرات ودجلة، وكانت بحيث نزل عمير- امرأة من تميم ناكح فى تغلب، يقال لها أم ذويل «1» ، فأخذ غلام من بنى الحريش أصحاب عمير عنزا من غنمها، فشكت ذلك إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقى، فمانعهم قوم من تغلب، فقتل منهم رجل يقال له مجاشع التّغلبى، وجاء ذويل فشكت أمّه إليه، وكان من فرسان تغلب، فسار فى قومه وجعل يذكّرهم ما يصنع بهم قيس، فاجتمع منهم جماعة وأمّروا عليهم شعيث «2» ابن مليل التغلبى، فأغاروا على بنى الحريش ومعهم قوم من نمير، فقتل فيهم التغلبيّون واستاقوا ذودا لامرأة منهم يقال لها أمّ الهيثم، فمانعهم القيسيّون، فلم يقدروا على منعهم، فكان بينهم أيام «3» مذكورة نحن نذكرها على سبيل الاختصار؛ منها:
يوم ماكسين «4» :
قال: ولما استحكم الشرّ بين قيس وتغلب؛ وعلى قيس عمير، وعلى تغلب شعيث بن مليل غزا عمير بنى تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا قتالا شديدا، وهى أول وقعة كانت بينهم، فقتل من بنى تغلب خمسمائة وقتل شعيث، وكانت رجله قد قطعت، فجعل يقاتل حتى قتل، وهو يقول:
(21/111)

قد علمت قيس ونحن نعلم ... أنّ الفتى يقتل وهو أجذم
ويوم الثّرثار الأول:
والثّرثار «1» نهر أصل منبعه شرقى مدينة سنجار يفرغ فى دجلة.
قال: لما قتل من تغلب بماكسين من قتل استمدّت تغلب وحشدت واجتمعت إليها النّمر بن قاسط، وأتاها المجشّر «2» ابن الحارث الشيبانى. وكان من ساداتهم بالجزيرة، وأتاها عبيد الله ابن زياد بن ظبيان منجدا لهم، واستنجد عمير تميما وأسدا فلم ينجده منهم أحد، فالتقوا على الثّرثار، وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر «3» ، ويقال يزيد بن هوبر التغلبى، فاقتتلوا، فانهزمت قيس، وقتلت تغلب منها مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بنى سليم.
ويوم الثّرثار الثانى:
قال: ثم إنّ قيسا تجمّعت واستمدّت، وأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسيا، فالتقوا بالثّرثار، واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزمت تغلب ومن معها.
ويوم الفدين:
قال: وأغار عمير على الفدين «4» ، وهى قرية على الخابور فقتل من بها من بنى تغلب.
(21/112)

ويوم السّكير:
وهو على الخابور؛ يسمى سكير «1» العباس؛ قال: ثم اجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت تغلب والنّمر، وهرب عمير ابن جندل، وهو من فرسان تغلب؛ فقال عمير بن الحباب:
وأفلتنا يوم السّكير ابن جندل ... على سابح عوج اللبان مثابر
ونحن كررنا الخيل قبّا «2» شوازبا ... دقاق الهوادى داميات الدّوابر
ويوم المعارك:
والمعارك بين الحضر «3» والعقيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان فالتقوا هم وقبس، واقتتلوا به، فاشتدّ قتالهم، فانهزمت تغلب، فيقال: إن يوم المعارك والحضر واحد هزموهم إلى الحضر، وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وقيل: هما يومان، كانا لقيس على تغلب. والتقوا أيضا بلبىّ «4» فوق تكريت فتناصفوا، فقيس تقول: كان الفضل إلىّ «5» ، وتغلب تقول: كان لنا.
ويوم الشّرعبيّة:
ثم التقوا بالشرعبيّة فكان بينهم قتال شديد كان لتغلب على قيس، قتل يومئذ عمار بن المهزم «6» السلمى. والشّرعبيّة هذه من بلاد تغلب ليست الشرعبيّة التى ببلاد منبج.
(21/113)

ويوم البليخ:
والبليخ: نهر بين حرّان والرّقّة اجتمعت تغلب، وسارت إليه، وهناك عمير فى قيس، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت تغلب، وكثر القتل فيها وبقرت بطون النساء كما فعلوا يوم الثّرثار. [والله علم «1» ] .
ذكر يوم الحشاك «2»
ومقتل عمير بن الحباب السلمى وابن هوبر التغلبى قال: ولما رأت تغلب [إلحاح] «3» عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرها وباديها، وساروا إلى الحشّاك- وهو نهر قريب من الشرعبيّة، فأتاهم عمير فى قيس، ومعه زفر بن الحارث الكلابى، وابنه الهذيل بن زفر، وعلى تغلب ابن هوبر «4» ، فاقتتلوا عند تل الحشّاك أشدّ قتال حتى جنّ عليهم الليل، ثم تفرقوا واقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا وأصبحت تغلب فى اليوم الثالث، فتعاقدوا ألا يفرّوا، فلما رأى عمير جدّهم وأنّ نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم؛ أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنّوا وساروا وجّهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم. فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلى: قتلت فرسان قيس أمس وأول أمس، ثم ملىء سحرك وجبنت. ويقال: إن الذى قال هذه المقالة عيينة بن أسماء بن خارجة الفزارى، وكان أتاه منجدا، فغضب عليه عمير ونزل وجعل يقاتل راجلا وهو يقول:
(21/114)

أنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك فاحبس
وانهزم زفر بن الحارث فى اليوم الثالث، فلحق بقرقيسا، وذلك أنه بلغه أن عبد الملك عزم على الحركة إليه بقرقيسيا، فبادر إليها، وانهزمت قيس، وشدّ على عمير جميل بن قيس من بنى كعب بن زهير فقتله.
ويقال: بل اجتمع على عمير غلمان من بنى تغلب فرموه «1» بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه، وكرّ عليه ابن هوبر فقتله، وأصابت ابن هوبر جراحة، فلما انقضت الحرب أوصى بنى تغلب أن يولّوا أمرهم مرار «2» بن علقمة الزهيرى. وقيل: إنّ ابن هوبر جرح فى اليوم الثانى من أيامهم هذه، فأوصى أن يولّوا مرارا أمرهم، ومات من ليلته، وكان مرار رئيسهم فى اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، وأمر كلّ بنى أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، وكان ما تقدّم.
وكثر القتل يومئذ فى بنى سليم وغنىّ خاصة، وقتل من قيس أيضا بشر كثير، وبعث بنو تغلب رأس عمير إلى عبد الملك بن مروان؛ فأعطى الوفد، وكساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث اجتمع الناس عليه، فقال الأخطل «3» :
بنى أمية قد ناضلت دونكمو ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا
(21/115)

وقيس عيلان حتّى أقبلوا «1» رقصا ... فبايعوا لك قسرا بعد ما قهروا
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر «2»
وكان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [70 هـ] سبعين [كما تقدم] «3» .
ذكر الحرب بعد مقتل عمير بن الحباب السلمى
قال: ولما قتل عمير أتى ابنه تميم زفر بن الحارث، فسأله الطلب بثأره، فامتنع فقال له ابنه الهذيل بن زفر: والله لئن ظفرت بهم تغلب إنّ ذلك لعار عليك، ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إنّ ذلك لأشدّ، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث ووجّه زفر خيلا إلى بنى فدوكس «4» ، وهم بطن من تغلب، فقتل رجالهم، واستبيحت الأموال [والنساء] «5» حتى لم يبق منهم غير امرأة واحدة استجارت، فأجارها يزيد بن حمران، ووجّه ابنه الهذيل فى جيش إلى بنى كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، وبعث أيضا مسلم بن ربيعة العقيلى إلى قوم من تغلب وقد اجتمعوا «6» بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحسّوا به ارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلما صاروا بالكحيل وهو من أرض الموصل فى جانب دجلة
(21/116)

الغربى، فلحقهم زفر بن الحارث [به] «1» فى القيسية: فاقتتلوا قتالا شديدا؛ وترجّل أصحاب زفر كلّهم، وبقى زفر على بغلة له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم، وغرق فى دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، وأتى «2» ، فلّهم لبّى فوجّه زفر ابنه الهذيل فأوقع بهم إلّا من عبر فنجا، وأسر منهم زفر مائتين فقتلهم صبرا، فقال فى ذلك زفر «3» :
ألا يا عين بكّى بانسكاب ... وبكّى عاصما وابن الحباب
فإن تك تغلب قتلت عميرا ... ورهطا من غنىّ فى الحراب
فقد أفنى بنى جشم بن بكر ... ونمرهم «4» فوارس من كلاب
قتلنا منهمو مائتين صبرا ... وما عدلوا عمير بن الحباب
وأسر القطامىّ التغلبى فى يوم من أيامهم، وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى ردّ عليه ماله ووصله، فقال فيه «5» :
إنى وإن كان قومى ليس بينهمو ... وبين قومك إلا ضربة الهادى
مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرّض منى مقتل بادى
ذكر خبر يوم البشر «6»
كان سبب هذا اليوم أن عبد الملك لما استقرّ له الأمر قدم عليه الأخطل الشاعر التغلبى وعنده الجحّاف بن حكيم السلمى، فقال له عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: نعم، هذا الذى أقول فيه «7» :
(21/117)

ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
وأنشد القصيدة حتى فرغ منها، وكان الجحّاف يأكل رطبا فجعل النّوى يتساقط من يده غيظا، ثم أجابه فقال:
بلى سوف نبكيهم بكل مهنّد ... وننعى عميرا بالرّماح الشّواجر
ثم قال يا ابن النصرانية؛ ما كنت أظنّ أن تجترىء علىّ بمثل هذا. فأرعد من خوفه، ثم قام إلى عبد الملك فأمسك ذيله، وقال:
هذا مقام العائذ بك. فقال: أنا لك، ثم قام الجحّاف فمشى وهو يجرّ ثوبه، ولا يعقل، فتلطّف لبعض كتّاب الديوان حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة، وقال لأصحابه: إنّ أمير المؤمنين ولأّنى هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بى فليفعل.
ثم سار حتى أتى رصافة هشام، فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه، وأنه افتعل كتابا وأنه ليس له بوال، فمن كان يحبّ أن يغسل عنى العار وعن نفسه فليصحبنى، فإنى أقسمت ألّا أغسل رأسى حتى أوقع ببنى تغلب. فرجعوا عنه غير ثلاثمائة قالوا: نموت لموتك ونحيا لحياتك، فسار ليلته حتى أصبح بالرّحوب «1» ، وهو ماء لبنى جشم «2» بن بكر بن تغلب، فصادف عليه جماعة عظيمة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر الأخطل وعليه عباءة وسخة، وظنّ الذى أسره أنه عبد، فسأله عن نفسه، فقال:
عبد. فأطلقه فرمى بنفسه فى جب، مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله،
(21/118)

وأسرف الجحاف فى القتل، وبقر البطون عن الأجنّة؛ وفعل أمرا عظيما، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده «1» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فطلب عبد الملك الجحّاف فهرب إلى الرّوم، فكان يتردّد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان، فأمّنه عبد الملك، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها، ثم تنسّك الجحّاف بعد، وصلح، ومضى حاجّا فتعلّق بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفرلى، وما أظنّك تفعل! فسمعه محمد ابن الحنفية، فقال: يا شيخ، قنوطك شرّ من ذنبك.
وقيل: كان سبب عود الجحّاف أنّ ملك الروم أكرمه وقرّبه وعرض عليه النصرانية، ويعطيه ما شاء، فامتنع، وقال: ما أتيتك غبة عن الإسلام.
ثم هزم الجحّاف صائفة المسلمين، فأخبروا عبد الملك أن الذى هزمهم الجحّاف، فأرسل إليه عبد الملك، فأمّنه، فسار فى بلاد الروم، وقصد البشر وبه حىّ من تغلب وقد لبس أكفانه، وقال: قد جئت إليكم أعطى القود من نفسى، فأراد شبابهم قتله، فنهاهم شيوخهم، وعفوا عنه، فحج، فسمعه عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول:
اللهم اغفرلى وما أظنك تفعل! فقال ابن عمر رضى الله عنهما:
لو كنت الجحاف مازدت على هذا. قال: فأنا الجحّاف.
(21/119)

ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق
وقتل مصعب بن الزبير واستيلاء عبد الملك على العراق [وفى جمادى الآخرة سنة [71 هـ] إحدى وسبعين كان مقتل مصعب بن الزبير بن العوام واستيلاء عبد الملك على العراق] «1» ؛ وسبب ذلك أنّ عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد كما تقدم وضع السيف على من خالفه، فصفا له الشام، فلما لم يبق له بالشام مخالف أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه فى ذلك، فأشار عليه عمّه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق، فكان عبد الملك يقول: من أراد صواب الرأى فليخالف يحيى. وأشار بعضهم أن يؤخّر السّير هذا العام، وأشار محمد بن مروان أن يقيم ويبعث بعض أهله، ويمدّه بالجنود. فأبى إلّا المسير. فلما عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
فبكت فبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل الله كثيّر عزّة، لكأنّه يشاهدنا حين يقول «2» :
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها
نهته فلمّا لم تر النّهى عاقه ... بكت فبكى مما عناها قطينها «3»
وسار عبد الملك نحو العراق، فلما بلغ مصعب بن الزبير مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلّب بن أبى صفرة وهو يقاتل الخوارج
(21/120)

يستشيره. وقيل: بل أحضره إليه، فقال لمصعب: اعلم أنّ أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدنى [عنك] «1» .
فقال له مصعب: إنّ أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتّى أجعلك على قتال الخوارج، وهم قد بلغوا سوق الأهواز، وأنا أكره إذ سار عبد الملك [إلىّ] «2» ألّا أسير إليه، فاكفنى هذا الثغر «3» .
فعاد إليهم، وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف فتوفّى الأحنف بالكوفة، وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فجعله على مقدّمته، وسار حتى نزل باجميرا «4» قريب أوانا فعسكر هناك، وسار عبد الملك حتى نزل بمسكن «5» على فرسخين أو ثلاثة من عسكر مصعب.
وكتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه، فجميعهم طلب أصفهان طعمة، وأخفوا جميعهم كتبهم عن مصعب إلا ابن الأشتر فإنه أحضر كتابه مختوما إلى مصعب، فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق. فقال له مصعب: أتدرى ما فيه؟ قال: لا. قال: إنه يعرض عليك كذا وكذا، وإن هذا لما «6» يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلّد الغدر والخيانة، والله
(21/121)

ما [عند] «1» عبد الملك من أحد من الناس بايأس منه منى، ولقد كتب إلى جميع أصحابك مثل الذى كتب إلىّ، فأطعنى واضرب أعناقهم. فقال: إذا لا تناصحنى عشائرهم.
قال: فأوقرهم حديدا، وابعث بهم إلى أبيض كسرى، واحبسهم هنالك، ووكّل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم، وإن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إنى لفى شغل عن ذلك.
ولما قرب العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب يقول: دع الدّعاء لأخيك، وأدع الدعاء إلى نفسى، ونجعل الأمر شورى. فأبى مصعب إلّا السيف.
فقدّم عبد الملك أخاه محمدا. وقدّم المصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا، فتناوش الفريقان، فقتل صاحب لواء محمد، وجعل مصعب يمدّ إبراهيم، فأزال محمد بن مروان عن موقفه، فوجّه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتدّ القتال، فقتل مسلم بن عمرو الباهلى والدقتيبة، وهو فى أصحاب مصعب، وأمدّ مصعب إبراهيم بعتّاب بن ورقاء؛ فساء ذلك إبراهيم، واسترجع، وقال:
قد قلت له: لا يمدّنى بعتّاب وضربائه. وكان عتّاب قد كاتب عبد الملك وبايعه، فانهزم عتّاب بالناس وصبر ابن الأشتر، وقاتل حتى قتل، قتله عبيد بن ميسرة مولى بنى عذرة «2» ، وحمل رأسه إلى عبد الملك.
وتقدّم أهل الشام فقاتلهم مصعب، وقال لقطن بن عبد الله الحارثى: قدّم خيلك أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج فى غير
(21/122)

شىء. فقال لحجّار «1» بن أبجر: أبا أسيد: قدّم خيلك. فقال:
إلى هؤلاء الأنتان! قال: ما نتأخر إليه أنتن.
وقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد: قدم خيلك. فقال:
ما فعل أحد هذا فأفعله. فقال مصعب: يا إبراهيم، ولا إبراهيم لى اليوم! ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه، فقال له: أخبرنى عن الحسين بن على كيف صنع بامتناعه عن النّزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب؟ فأخبره، فقال «2» :
إن الألى بالطّفّ من آل هاشم ... تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا
ثم دنا محمد بن مروان من مصعب، وناداه: أنا ابن عمك محمد ابن مروان، فاقبل أمان أمير المؤمنين. قال: أمير المؤمنين بمكة، يعنى أخاه عبد الله. قال: فإنّ القوم خاذلوك، فأبى ما عرض عليه.
فنادى محمد عيسى بن مصعب إليه، فقال له مصعب: انظر ما يريد، فدنا منه، فقال له: إنى لك ولأبيك ناصح، ولكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره. فقال: إنى أظنّ القوم يفون لك، فإن أحببت أن تأتيهم، فافعل. قال: لا تتحدّث نساء قريش أنّى خذلتك، ورغبت بنفسى عنك. قال: فاذهب أنت ومن معك إلى عمّك بمكة، فأخبره بما «3» صنع أهل العراق ودعنى فإنّى مقتول. فقال: لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة،
(21/123)

أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا تتحدث قريش أنى فررت.
وقال لابنه عيسى: تقدّم إذا أحتسبك. فتقدّم ومعه ناس، فقتل، وقتلوا، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا له، وعاد، ثم حمل ثانية فانفرجوا له، وبذل له عبد الملك الأمان، وقال:
إنه يعزّ علىّ أن تقتل، فاقبل أمانى. ولك حكمك فى المال والعمل، فأبى، فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل «1» :
ومدجّج كره الكماة نزاله ... لاممعن هربا ولا مستسلم «2»
ودخل مصعب سرادقه فتحنّط ورمى السرادق، وخرج فقاتل، فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال: يا كلب، اغرب، مثلى يبارز مثلك! وحمل عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فذهب «3» يعصب رأسه، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقى فى سبعة أنفس، وأثخن بالرمى، وكثرت فيه الجراحات، فعاد إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب، فلم يصنع شيئا لضعفه، وضربه ابن ظبيان فقتله. وقيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفى فحمل عليه، فطعنه فقال: يالثارات المختار! فصرعه وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى عبد الملك، فألقاه بين يديه وأنشد «4» :
نعاطى «5» الملوك الحقّ ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم
(21/124)

فلما رأى عبد الملك الرأس سجد، فقال ابن ظبيان: لقد هممت أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكى العرب، وأرحت الناس منهما، وفى ذلك يقول «1» :
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... فعلت فأدمنت البكا لأقاربه
فأوردتها فى النار بكر بن وائل ... وألحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه
وقال عبد الملك: لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس.
وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على طاعتك، وإنما قتلته بأخى النابى بن زياد، ولم يأخذ منها شيئا.
وكان النابى قد قطع الطريق فقتله مطرّف الباهلى صاحب شرطة مصعب.
وكان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا، وقال: كانت الحرمة بيننا [وبينه] «2» قديمة، ولكن [هذا] «3» الملك عقيم.
قال: ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه، وسار حتى دخل الكوفة، فأقام بالنّخيلة»
أربعين يوما، وخطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن وتوعّد المسىء، وقال: إن الجامعة التى وضعت فى عنق عمرو بن سعيد عندى، وو الله لا أضعها فى عنق رجل فأنتزعها إلّا صعدا لا أفكّها عنه فكّا، فلا يبقينّ امرؤ إلّا على نفسه، ولا يوبقنى دمه.
والسلام.
(21/125)

قال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جىء برأس مصعب فوضعت بين يديه، فرآنى قد ارتعدت، فقال لى:
مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين رضى الله عنه بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبى عبيد فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت مع مصعب فيه فرأيت رأس المختار بين يديه، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك، وأمر بهدم ذلك الطاق الذى كنّا فيه، وقال عبد الملك ابن مروان: متى تخلف قريش مثل المصعب! ثم قال: هذا سيّد شباب قريش. فقيل له: أكان يشرب الطّلا «1» ؟ فقال: لو علم المصعب أنّ الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا.
قال: وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال: رحمك الله، أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأسا، وأسخاهم نفسا.
ثم سيّره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به فى نواحى الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، فغسلته وطيبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن! هذا بغى.
وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة.
ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال:
أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟
(21/126)

قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه المهلّب؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. قال: وأنا بخراسان. وأنشد «1» :
خذينى فجرّينى جعار وأبشرى ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
قال: ولما قتل مصعب كان المهلّب يحارب الأزارقة بسولاف «2» ثمانية أشهر، فبلغ الأزارقة قتله قبل أن يبلغ المهلّب، فصاحوا بأصحاب المهلّب: ما قولكم فى مصعب؟ قالوا: أمير «3» هدى؛ وهو وليّنا فى الدنيا والآخرة، ونحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك بن مروان! قالوا: ذلك ابن اللّعين، نحن نبرأ إلى الله منه، وهو [عندنا] «4» أحل دما منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعبا، وسيجعلون غدا عبد الملك إمامكم.
فلما كان الغد سمع المهلّب وأصحابه قتل مصعب، فبايع المهلّب الناس لعبد الملك، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء الله، ما تقولون فى مصعب؟ قالوا: يا أعداء الله لا نخبركم. وكرهوا أن يكذّبوا أنفسهم. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا بدّا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله؛ أنتم بالأمس تتبرّءون منه فى الدنيا والآخرة، وهو اليوم إمامكم، وقد قتل أميركم «5»
(21/127)

الذى كنتم تتولّونه «1» ، فأيّهما المهتدى؟ وأيّهما المبطل؟ قالوا:
يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان يتولّى أمرنا ونرضى بهذا. قالوا:
لا، والله، ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا.
قال: ولم يف عبد الملك لأحد بأصبهان، واستعمل قطن بن عبد الله الحارثى على الكوفة، ثم عزله، واستعمل أخاه بشر بن مروان.
واستعمل محمد بن عمير «2» على همذان، ويزيد بن ورقاء بن رؤيم على الرىّ، واستعمل خالد بن عبد الله بن [خالد بن] «3» أسيد على البصرة، وعاد إلى الشام.
ذكر خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من القتال وانتظام الصّلح بينهما
قد ذكرنا أن زفر بن الحارث لما فر من مرج راهط إلى قرقيسياء، واستولى عليها، وتحصّن بها، واجتمعت قيس عليه، وكان فى بيعة عبد الله بن الزبير وفى طاعته. فلما مات مروان بن الحكم وولى عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبى معيط، وهو على حمص، يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه، وعلى مقدّمته عبد الله بن زميت الطائى، فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان فقتل من أصحابه ثلاثمائة، فلامه أبان على عجلته، وأقبل أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع ابن زفر. فلما سار عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بدأ بقرقيسياء، فحضر زفر فيها، ونصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادى فى
(21/128)

عسكر عبد الملك: لم نصبتم المجانيق علينا؟ فقالوا: لنثلم ثلمة نقاتلكم «1» عليها. فقال زفر: قولوا لهم: فإنا لانقاتلكم من وراء الحيطان، ولكنا نخرج إليكم. وقاتلهم زفر.
وكان خالد بن يزيد بن معاوية مجدّا فى قتال زفر، فقال رجل من أصحابه من بنى كلاب: لأقولن لخالد كلاما لا يعود إلى ما يصنع.
فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له الكلابى:
ماذا ابتغاء خالد وهمّه ... إذ سلب الملك و ... أمه
فاستحيا وعاد، ولم يعد لقتالهم.
وقالت كلب لعبد الملك: إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسيّة الذين معك، فلا تخلطهم معنا. ففعل. فكتبت القيسية على نبلها: إنه ليس يقاتلكم غدا مضرى، ورموا النّبل إلى زفر. فلما أصبح دعا ابنه الهذيل فقال: اخرج إليهم، فشدّ عليهم، ولا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك، وأقسم لئن رجع دون أن يفعل ذلك ليقتلنّه.
فجمع الهذيل خيله، وحمل، فصبروا قليلا ثم انكشفوا، وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط، وقطعوا بعضها، ثم رجعوا. فقبّل زفر رأس ابنه الهذيل. فقال: والله لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت.
قال: وكان رجل من كلب يقال له الذيّال يخرج فيسبّ زفر فيكثر، فقال زفر للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه: أما تكفينى هذا؟
قال: أنا آتيك به، فدخل عسكر عبد الملك ليلا، فجعل ينادى
(21/129)

من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا؟ حتى انتهى إلى خباء الرجل.
فقال الرجل: ردّ الله عليك ضالّتك. فقال: يا عبد الله، إنى قد أعييت، فلو أذنت لى فاسترحت قليلا. قال: ادخل، فدخل، والرجل وحده فى خبائه، فرمى بنفسه، ونام صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه، وقال: والله، لئن تكلمت لاقتلنّك، قتلت أو سلمت، فماذا ينفعك قتلى إذا قتلت أنت؛ ولئن سكت وجئت معى إلى زفر فلك عهد الله وميثاقه أن أردّك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليك، فخرجا وهو ينادى: من دلّ على بغل من صفته كذا وكذا حتى أتى زفر.
والرجل معه، فأعلمه أنّه قد أمّنه، فوهبه «1» زفر دنانير وحمله على رحال النساء وألبسه ثيابهنّ، وبعث معه رجالا حتى دنوا من عسكر عبد الملك، فنادوا: هذه جارية قد بعث بها زفر إلى عبد الملك، وانصرفوا! فلما رآه أهل العسكر عرفوه، وأخبروا عبد الملك الخبر فضحك، وقال: لا يبعد الله رجال مضر، والله إنّ قتلهم لذلّ، وإن تركهم لحسرة.
وكفّ الرجل فلم يعد يسبّ زفر.
وقيل: إنه هرب من العسكر، ثم أمر عبد الملك أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن معهما وأن يعطيا ما أحبّا. ففعل ذلك، فأجابا على أنّ لزفر الخيار فى بيعته سنة، وأن يترك حيث شاء، وألا يعين عبد الملك على قتال ابن الزبير.
فبينما الرسل تختلف بينهم إذ جاء رجل من كلب، فقال: قد هدم من المدينة أربعة أبراج، فقال عبد الملك: لا أصالحهم،
(21/130)

وزحف إليهم، فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم، فقال:
أعطوهم ما أرادوا. قال زفر: لو كان قبل هذا لكان أحسن، واستقرّ الصلح على أمان الجميع، ووضع الدماء والأموال، وألّا يبايع عبد الملك حتى يموت ابن الزّبير للبيعة التى له فى عنقه، وأن يعطى مالا يقسّمه فى أصحابه، وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد، فلم ينزل إليه، فأرسل إليه بقضيب النبى صلّى الله عليه وسلّم أمانا له، فنزل إليه، فلما دخل عليه أجلسه معه على سريره، فلما رأى عبد الملك قلّة من مع زفر قال: لو علمت بأنه فى هذه القلّة لحاصرته أبدا حتى نزل على حكمى، فبلغ قوله زفر فقال: إن شئت رجعنا ورجعت.
قال: بل نفى لك يا أبا الهذيل.
وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع عبد الملك إلى قتال مصعب، وقال: أنت لا عهد عليك، فسار معه، فلما قارب مصعبا هرب إليه، وقاتل مع ابن الأشتر. فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل فى الكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك فأمّنه.
قال: وتزوّج مسلمة بن عبد الملك الرّباب بنت زفر فكان يؤذن لإخوتها: الهذيل والكوثر فى أول الناس.
وفى هذه السنة، أعنى سنة [71 هـ] إحدى وسبعين، افتتح عبد الملك قيساريّة «1» فى قول الواقدى رحمه الله.
(21/131)

ذكر مقتل عبد الله بن خازم واستيلاء عبد الملك على خراسان
ولما قتل مصعب كان عبد الله بن خازم يقاتل بحير «1» بن ورقاء لصّريمى التميمى بنيسابور، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه خراسان سبع سنين، وأرسل الكتاب مع سورة «2» ابن أشيم النميرى، فقال له ابن خازم: لولا أن أضرّب بين بنى سليم وبنى عامر لقتلتك، ولكن كل كتابه، فأكله. وقيل: بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد الله النميرى. وقيل: مع «3» مكمل الغنوى.
فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذّبّان لأنك من غنىّ، وقد علم أنى لا أقتل رجلا من قيس، ولكن كل كتابه وكتب عبد الملك إلى بكير «4» بن وسّاج، وكان خليفة ابن خازم على مرو، بعهده على خراسان، ووعده ومنّاه، فخلع بكير عبد الله ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور، فترك بحيرا وأقبل إلى مرو، فاتبعه بحير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، فقاتله، فقتل ابن خازم. وكان الذى قتله وكيع بن عمرو «5» القريعى، اعتوره وكيع وبحير بن ورقاء وعمّار بن عبد العزيز،
(21/132)

فطعنوه، فصرعوه؛ وقعد وكيع على صدره فقتله، وبعث «1» بشيرا بقتله إلى عبد الملك، ولم يبعث برأسه.
وأقبل بكير فى أهل مرو، فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ الرأس وإنفاذه إلى عبد الملك، فمنعه بحير [فضربه بعمود وحبسه «2» ] ، وسيّر الرأس إلى عبد الملك، وذلك فى سنة اثنتين وسبعين.
وقيل: بل كان مقتله بعد قتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك أنفذ إليه رأس ابن الزّبير، ودعاه إلى نفسه فغسله وكفّنه، وبعثه إلى أهله بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لقتلتك.
وقيل: بل قطع يديه ورجليه وقتله، وحلف ألا يطيع عبد الملك أبدا. [والله أعلم «3» ] .
ذكر مقتل عبد الله بن الزبير رضى الله عنه وشىء من أخباره
قال: لما قتل مصعب بن الزبير تقدم الحجاج بن يوسف الثقفى إلى عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت فى المنام أنى أخذت ابن الزبير وسلخته، فابعثنى إليه، وولّنى حربه، فبعثه فى ألفين، وقيل فى ثلاثة آلاف، فسار فى جمادى الأولى سنة [72 هـ] اثنتين وسبعين، ونزل الطائف، وكان يبعث الخيل إلى عرفة [فى الحل] «4»
(21/133)

بعد الطائف، ويبعث ابن الزبير الخيل فيقتلون فتنهزم خيل ابن الزبير، وتعود خيل الحجاج بالظّفر.
ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى دخول الحرم وحصر «1» ابن الزبير، ويخبره بضعفه وتفرّق أصحابه، ويستمدّه، فأمدّه بطارق بن عمرو مولى عثمان، وكان عبد الملك قد بعثه فى جيش إلى وادى القرى ليمنع عمّال ابن الزّبير من الانتشار، فقدم المدينة فى ذى القعدة «2» سنة [72 هـ] اثنتين وسبعين، وأخرج عامل ابن الزبير منها، وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة، وقدم طارق «3» مكة فى ذى الحجة منها فى خمسة آلاف، وتقدم الحجّاج إلى مكة، فنزل عند بئر ميمون «4» ، وحجّ بالناس فى تلك السنة.
إلّا أنه لم يطف بالبيت، ولا سعى بين الصّفا والمروة؛ منعه عبد الله ابن الزبير من ذلك؛ ولم يحجّ ابن الزبير ولا أصحابه فى تلك السنة.
ونصب الحجاج المنجنيق على أبى قبيس «5» ، ورمى به الكعبة، فقال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما للحجاج، اتّق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك فى شهر حرام فى بلد حرام؛ وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدّوا فريضة الله، وقد منعهم المنجنيق عن الطّواف. فكفّ حتى انقضى الحج، ثم نادى فى الناس:
انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد.
(21/134)

قال: وأول ما رمى الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت، وعلا صوت الرّعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق «1» ووضعه بيده ورمى به، فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يأهل الشام، لا تنكروا هذا، فإنى ابن تهامة، وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر، فأبشروا.
فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة. فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون كما تصابون، وأنتم على الطاعة وهم على خلافها، وكان الحجر يقع بين يدى عبد الله ابن الزّبير وهو يصلّى، فلا ينصرف عن مكانه.
وغلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه، وقسّم لحمه فى أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمدّ الذرة بعشرين درهما، وكانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، فكان لا ينفق منه إلّا ما يمسك الرّمق ويقول: نفوس أصحابى قويّة ما لم تفن.
فلما كان قبيل مقتله تفرّق الناس عنه، وخرجوا إلى الحجّاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف. وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب، أخذا لأنفسهما أمانا، فقال عبد الله لابنه الزّبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك، فو الله إنى لأحبّ بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسى عنك، فقتل معه.
(21/135)

قال: ولما كان فى الليلة التى قتل فيها عبد الله فى صبيحتها جمع قريشا فقام لهم: ما ترون؟ فقال رجل من بنى مخزوم: والله، إنّا قاتلنا معك حتى ما نجد مقتلا، والله لئن سرنا معك ما نزيد على أن نموت، وإنما هى إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج.
فقال له رجل: اكتب إلى عبد الملك. فقال: كيف أكتب من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان؟ فو الله لا يقبل هذا أبدا، أو أكتب لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين. من عبد الله بن الزبير؟ فو الله لأن تقع الخضراء على الغبراء أهون علىّ من ذلك. فقال له عروة وهو جالس معه على السرير: قد جعل الله لك أسوة فى الحسن بن على رضى الله عنهما، خلع نفسه وبايع معاوية، فركضه برجله ورماه عن السرير، وقال: قلبى إذا مثل قلبك، والله لو قلتها ما عشت إلّا قليلا وإن أضرب بسيف فى عزّ خير من أن ألطم فى ذلّ.
فلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم «1» فقال:
اصنعى لى طعاما. فلما صنعته وأتت به لاك منه لقمة ثم لفظها، وقال: اسقونى لبنا فسقوه، ثم اغتسل وتطيّب وتحنّط، ودخل على أمه، فقال: يا أماه، قد خذلنى الناس حتى ولدى وأهلى ولم يبق معى إلّا اليسير، والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟
قالت له: أنت أعلم بنفسك، إن كنت [تعلم أنك] «2» على حق وأنت تدعو إليه فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن «3»
(21/136)

من نفسك يتلعّب بك غلمان بنى أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت: كنت على حقّ فلما وهن أصحابى ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك فى الدنيا؟ القتل أحسن! فقال: يا أماه، أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثّلوا بى ويصلبونى. فقالت: يا بنى، إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذّبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله.
فقبّل رأسها وقال: هذا رأيى، والذى خرجت به داعيا «1» إلى يومى هذا. ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعانى إلى الخروج إلّا الغضب لله، وأن تستحلّ حرماته؛ ولكنى أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتنى بصيرة، فانظرى فإنى مقتول فى يومى هذا، فلا يشتدّ حزنك، وسلّمى لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر! ولا عملا بفاحشة، ولم يجر فى حكم الله، ولم يغدر فى أمان، ولم يتعمّد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغنى ظلم عن عمّالى، فرضيت به؛ بل أنكرته، ولم يكن ىء آثر عندى من رضاء ربى. اللهم إنى لا أقول هذا تزكية لنفسى، ولكن أقوله تعزية لأمى حتى تسلو عنى.
فقالت: إنى لأرجو أن يكون عزابى فيك جميلا، إن تقدّمتنى احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك. اخرج [عنى. «2» ] حتى أنظر إلى ما يصير أمرك، فقال: جزاك الله خيرا؛ فلا تدعى الدعاء لى.
قالت: لا أدعه لك أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ.
(21/137)

ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل، وذلك النّحيب والظمأ فى هواجر مكّة والمدينة، وبرّه بأبيه وبى. اللهم قد سلّمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبنى فيه ثواب الصابرين الشاكرين.
فتناول يدها ليقبّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها:
جئت مودّعا، لأنى أرى هذا آخر أيامى من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك، وادن منى حتى أودّعك، فدنا منها فعانقها، وقبّل بين عينيها، فوقعت يدها على الدّرع، فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! فقال: ما لبسته إلّا لأشدّ متنك. قالت: فإنه لا يشدّ متنى، فنزعها، ثم درج «1» كميه، وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل، وأدخل أسفلها تحت المنطقة، وأمه تقول: البس ثيابك مشمّرة.
فخرج من عندها وحمل على أهل الشام حملة منكرة، فقتل منهم، ثم انكشف هو وأصحابه، فقال له بعض أصحابه:
لو لحقت بموضع كذا. فقال: بئس الشيخ أنا إذا فى الإسلام أن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم.
ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، وكانوا يصيحون:
يابن ذات النّطاقين، فيقول: وتلك شكاة ظاهر عنك لومها «2» .
(21/138)

وجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا «1» ، فكان لأهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بنى شيبة، ولأهل الأردن باب الصّفا، ولأهل فلسطين باب بنى جمح، ولأهل قنّسرين باب بنى سهم. وكان الحجاج وطارق بناحية الأبطح إلى المروة، وابن الزبير يحمل على هذه الناحية مرة وفى هذه أخرى، وكأنّه أسد فى أجمة ما تقدم عليه الرجال وهو يعدو فى إثر القوم حتى يحرجهم، ثم يصيح [يا] «2» أبا صفوان، ويل أمّه فتحا، لو كان له رجال. لو «3» كان قرنى واحدا كفيته فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف:
أى والله وألف.
فقال رجل من أهل الشام اسمه جلبوب «4» : إنما يمكنكم أخذه إذا ولّى. قيل: فخذه أنت إذا ولّى. قال: نعم، وتقدّم ليحضنه من خلفه، فعطف عليه فقط ذراعيه فصاح، فقال: اصبر جلبوب.
قال: فلما رأى الحجاج أنّ الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجّل يسوق الناس ويصدم «5» بهم، فصدم صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه، فتقدّم ابن الزّبير على صاحب علمه وقاتلهم حتى انكشفوا، ورجع فصلّى ركعتين عند المقام، فحملوا
(21/139)

على صاحب علمه، فقتلوه عند باب بنى شيبة، وأخذوا العلم.
فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، وقتل رجلا من أهل الشام وآخر، وقاتل معه عبد الله بن مطيع، وهو يقول:
أنا الذى فررت يوم الحرّه ... والحرّ لا يفرّ إلّا مرّه
واليوم أجزى فرّة بكرّه
وقاتل حتى قتل، ويقال: أصابته جراحة فمات منها بعد أيام.
قال: وقال عبد الله بن الزّبير لأصحابه وأهله يوم قتل بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم وعليكم المغافر، ففعلوا، فقال: يا آل الزبير، لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنّا أهل بيت من العرب اصطلمنا فى الله فلا يرعكم وقع السيوف، فإنّ ألم الدواء للجراح أشدّ من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، غضّوا أبصاركم عن البارقة، وليشغل كلّ امرىء قرنه، ولا تسألوا عنى، فمن كان سائلا عنى فإنى فى الزّعيل الأوّل، احملوا على بركة الله.
ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون «1» فرمى بآجرة، رماه بها رجل من السّكون، فأصابت وجهه فأرعش لها وسال الدّم على وجهه، فقال رضى الله عنه وأرضاه «2» :
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا تقطر الدّما
وقاتلهم قتالا شديدا، فتعاونوا «3» عليه، فقتلوه، قتله رجل
(21/140)

من مراد، وحمل رأسه إلى الحجاج، فسجد ووفد السّكونى والمرادى إلى عبد الملك بالخبر؛ فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار.
وقيل فى قتله: إنه جاءه حجر المنجنيق وهو يقاتل فصرعه فاقتحم عليه أهل الشام، وذهبوا به إلى الحجّاج فحزّ رأسه بيده.
وكان مقتله- رضى الله عنه- فى يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة [73 هـ] ثلاث وسبعين وقيل فى جمادى الآخرة منها، وله ثلاث وسبعون سنة.
ولما قتل رضى الله عنه كبّر أهل الشام فرحا بقتله؛ فقال عبد الله ابن عمر: انظروا إلى هؤلاء. انظروا إلى هؤلاء. لقد كبّر المسلمون فرحا بولادته، وهؤلاء يكبّرون فرحا بقتله.
وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة ابن عمرو بن حزم إلى المدينة، ثم إلى عبد الملك وصلب جثّته [منكّسة] «1» على الثنيّة اليمنى بالحجون، فأرسلت إليه أسماء تقول: قاتلك الله! على ماذا صلبته؟ قال: استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة، فكانت له.
فاستأذنته فى تكفينه ودفنه. فأبى.
وكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه، فكتب إليه يلومه، ويقول: ألا خلّيت بينه وبين أمّه. فأذن لها الحجاج فدفنته بالجحون.
وكان قبل مقتله بقى أياما يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن
(21/141)

إن هو صلب، فلما صلب ظهر منه ريح المسك، فقيل: إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا. وقيل، سنّورا، فغلب على ريح المسك.
ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة بن الزبير ناقة لم ير مثلها وسار إلى عبد الملك فسبق رسل الحجاج، فاستأذن على عبد الملك فأذن له، فلما دخل عليه سلّم عليه بالخلافة، فرحّب به وأجلسه معه على السرير، فقال عروة:
نمتّ «1» بأرحام إليك قريبة ... ولا خير فى الأرحام ما لم تقرب
وتحدّث «2» حتى جرى ذكر عبد الله، فقال عروة: إنه كان.
فقال عبد الملك: وما فعل؟ قال: قتل؛ فخرّ ساجدا. فقال عروة:
إن الحجاج صلبه. فهب جثّته لأمه. قال: نعم.
وكتب إلى الحجاج فعظّم «3» صلبه.
وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك: إنّ عروة كان مع أخيه. فلما قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله وهرب.
فكتب إليه عبد الملك يقول: إنه لم يهرب، ولكنه أتانى مبايعا، وقد أمّنته وحللته مما كان منه، وهو قادم عليك، فإياك وعروة.
فعاد عروة إلى مكة فكانت غيبته عنها ثلاثين يوما. فأنزل الحجاج جثّة عبد الله عن الخشبة وبعث بها إلى أمّه فغسلته. فلما أصابه الماء تقطّع فغسلته عضوا عضوا. وصلّى عليه عروة وقيل غيره.
(21/142)

وقيل: لم يصلّ عليه أحد؛ منع الحجاج من الصلاة عليه.
وكانت أيام ولايته منذ مات معاوية بن يزيد إلى أن قتل سبع سنين وأيّاما.
وكان له من الأولاد: عبد الله، وحمزة، وخبيب، وثابت، وعبّاد، وقيس، وعامر، وموسى.
وكاتبه زيد بن عمرو.
وحاجبه سالم مولاه [والله الموفق بمنه وكرمه] «1» .
ذكر نبذة من سيرته [رضى الله عنه] «2» وأخباره
كان كثير العبادة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنّه حائطا لسكونه وطول سجوده. وقال بعض السلف: قسّم عبد الله الدّهر على ثلاث حالات فليلة قائم حتى الصباح، وليلة راكع حتى الصباح، وليلة ساجد حتى الصباح.
وقيل: أول ما علم من همّته أنه كان يلعب ذات يوم مع الصّبيان وهو صبى، فمرّ رجل فصاح عليهم ففرّوا، ومشى عبد الله القهقرى، وقال للصبيان: اجعلونى أميركم، وشدّوا بنا عليه.
ومرّ به عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو يلعب مع الصبيان ففرّوا ووقف هو، فقال له عمر: ما منعك أن لا تفرّ معهم «3» ؟
فقال: لم أجرم فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسّع لك.
(21/143)

وقال: هشام بن عروة: كان أول ما أفصح به عمّى عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف «1» ، فكان لا يضعه من فيه «2» .
فكان الزبير رضى الله عنه يقول: والله ليكوننّ لك منه يوم وأيام.
وقال ابن سيرين: قال ابن الزبير: ما كان شىء يحدثنا به كعب إلا وقد جاء على ما قال إلّا قوله: فتى ثقيف يقتلنى وهذا رأسه بين يدى- يعنى المختار.
قال: لم يشعر ابن الزبير أنّ الحجاج قد خبّىء له. ومر [به «3» ] عبد الله بن عمر رضى الله عنهم وهو مصلوب، فقال: يرحمك الله إن كنت لصوّاما قوّاما، ولقد أفلحت قريش إن كنت شرها.
وكان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه فى مقابر اليهود، وأرسل إلى أمّه يستحضرها، فلم تحضر، فأرسل إليها لتأتينى أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، فلم تأته فجاء إليها. فقال: كيف رأيتنى صنعت بعدوّ الله «4» ؟ قالت: رأيتك أفسدت على ابنى دنياه، وأفسد عليك آخرتك؛ وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حدثنا أنّ فى ثقيف كذّابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه [تعنى المختار «5» ] ، وأما المبير فأنت «6» .
(21/144)

وقال قطن بن عبد الله: كان الزّبير يفطر من الشهر ثلاثة أيام، ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وقال مجاهد: لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلّفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبّق البيت، فجعل ابن الزبير رضى الله عنه يطوف سباحة. [وماتت أسماء رضى الله عنها بعده بقليل «1» ] .
انتهت أخبار عبد الله بن الزبير رضى الله عنه، فلنذكر غير ذلك من أخبار أيام عبد الملك ونبدأ بتتمّة أخبار الحجاج وما فعل بمكة والمدينة [والله أعلم «2» ] .
ذكر مبايعة أهل مكة عبد الملك بن مروان
وما فعله الحجاج من هدم الكعبة وبنائها ومسيره إلى المدينة وما فعله فيها بالصحابة رضى الله عنهم قال: ولما فرغ الحجاج من أمر عبد الله بن الزبير دخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وهدم الكعبة فى المحرم سنة [74 هـ] أربع وسبعين، وأعادها إلى البناء الأول وأخرج الحجر منها، وكان عبد الملك [يقول «3» ] :
كذب ابن الزبير فيما رواه عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فى أمر الحجر، وأنه من البيت. فلما «4» قال له
(21/145)

غير ابن الزبير: إنّ عائشة رضى الله عنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: وددت أنى تركته وما تحمّل.
والكعبة فى وقتنا هذا على بنائها الذى أعاده الحجاج بن يوسف.
قال: ثم سار الحجاج إلى المدينة فى سنة [74 هـ] أربع وسبعين، وكان عبد الملك قد عزل طارقا «1» عنها، واستعمل عليها الحجاج، فصار معه مكة والمدينة واليمن واليمامة، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين، فأساء إلى أهلها، واستخف بهم، وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدى جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم، كما يفعل بأهل الذمّة، منهم جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة معتمرا، وقال حين خرج من المدينة: الحمد لله الذى أخرجنى من أمّ نتن، أهلها أخبث أهل بلد، وأغشّه لأمير المؤمنين، وأحسدهم له على نعمة الله، والله لولا ما كانت تأتينى كتب أمير المؤمنين فيها لجعلتها مثل جوف الحمار، أعواد يعوذون بها، ورمّة قد بليت، يقولون: منبر رسول الله، وقبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فبلغ جابر بن عبد الله قوله، فقال: إن وراءه ما يسوءه. قد قال فرعون ما قال، فأخذه الله بعد أن أنظره.
وأقام الحجاج بالحجاز إلى أن نقله عبد الملك إلى ولاية العراق.
وذلك فى سنة [75 هـ] خمس وسبعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(21/146)

ذكر أخبار الخوارج فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقلّ بالأمر
قد ذكرنا أنه لما قتل مصعب بن الزبير كان المهلّب بن أبى صفرة يقاتل الخوارج منذ ثمانية أشهر، وذكرنا مقالتهم لأصحابه حين بلغهم قتل مصعب، وتبعه عبد الملك، فلما كان فى سنة [72 هـ] اثنتين وسبعين استعمل عبد الملك خالد بن عبد الله بن أسيد «1» على البصرة، فلما قدمها استعمل المهلّب على خراج الأهواز ومعونتها، وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى قتال الخوارج، وسيّر معه مقاتل بن مسمع، فخرجا يطلبان الأزارقة، فأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى درابجرد «2» وأرسل قطرىّ بن الفجاءة المازنى أمير الحج سبعمائة فارس مع صالح ابن مخراق «3» ، فأقبل بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير ليلا على غير تعبئة، فانهزم بالناس، ونزل مقاتل بن مسمع، فقاتل حتى قتل.
ولما انهزم عبد العزيز أخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت قيمتها مائة ألف، فجاء رجل من قومها «4» كان من رءوس الخوارج، فقال: تنحّوا هكذا، ما أرى هذه المشركة إلّا قد فتنتكم، فضرب عنقها، ولحق بالبصرة، فرآه آل المنذر،
(21/147)

فقالوا: والله ما ندرى أنحمدك أم نذمّك؟ فكان يقول: ما فعلته إلّا غيرة وحميّة.
وانتهى عبد العزيز إلى رامهرمز، وأتى المهلب خبره، فأرسل «1» إلى أخيه خالد بن عبد الله بخبر هزيمته، فقال للرسول: كذبت.
فقال: إن كنت كاذبا فاضرب عنقى، وإن كنت صادقا فأعطنى جبّتك ومطرفك. قال: ويحك! قد رضيت من الخطر العظيم بالخطر اليسير، ثم حبسه وأحسن إليه لما صحّ عنده خبر الهزيمة. وفى هذه الهزيمة وفرار عبد العزيز يقول ابن قيس الرقيّات «2» :
عبد العزيز فضحت «3» جيشك كلّهم ... وتركتهم صرعى بكلّ سبيل
من بين ذى عطش يجود بنفسه ... وملحّب «4» بين الرجال قتيل
هلّا صبرت مع الشهيد مقاتلا ... إذ رحت منتكث القوى بأصيل
وتركت جيشك لا أمير عليهمو ... فارجع بعار فى الحياة طويل
ونسيت عرسك إذ تقاد سبيّة ... تبكى العيون برنّة وعويل
(21/148)

قال: وكتب خالد إلى عبد الملك بالخبر، فكتب إليه يقول:
قبّح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب يجبى الخراج، وهو الميمون النّقيبة، المقاسى للحرب، ابنها وابن أبنائها. أرسل إلى المهلب يستقبلهم، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة أن يمدّك بجيش، فسر معهم، ولا تعمل فى عدوّك برأى حتى يحضره المهلّب. والسلام.
وكتب عبد الملك إلى أخيه بشر، وهو أمير الكوفة، يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل يرضاه لقتال الخوارج، فإذا قضوا غزوتهم ساروا إلى الرّىّ، فقاتلوا عدوّهم، وكانوا مسلحة، فبعث بشر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فى خمسة آلاف، وكتب عهده على الرّىّ، وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز؛ وقدمها عبد الرحمن فى أهل الكوفة، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز؛ فعبّأ خالد أصحابه، وجعل المهلب على ميمنته، وداود بن قحذم من بنى قيس بن ثعلبة على ميسرته، ثم زحف خالد إليهم بالناس بعد عشرين ليلة، فرأوا من كثرة الناس ما هالهم، فانصرفوا على حامية «1» ، ولم يقاتلوا؛ فأرسل خالد داود بن قحذم فى آثارهم، وانصرف عبد الرحمن إلى الرّىّ، وأقام المهلّب بالأهواز، وانصرف خالد إلى البصرة، وكتب إلى عبد الملك بذلك، فكتب إلى أخيه بشر يأمره أن يبعث أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير
(21/149)

بالحرب إلى فارس فى طلب الأزارقة، ويأمر صاحبه بموافقة داود ابن قحذم إن اجتمعا.
فبعث بشر عتّاب بن ورقاء فى أربعة آلاف، فساروا حتى لحقوا داود، فاجتمعوا، ثم اتّبعوا الخوارج حتى هلكت خيول عامتهم، وأصابهم الجوع والجهد، ورجع عامة الجيش «1» مشاة إلى الأهواز؛ وذلك فى سنة [72 هـ] اثنتين وسبعين.
ذكر مقتل أبى فديك الخارجى
قد ذكرنا فى أخبار عبد الله بن الزبير قتل نجدة بن عامر وطاعة أصحابه أبا فديك، فلما كان فى سنة [72 هـ] اثنتين وسبعين غلب أبو فديك على البحرين؛ فبعث خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله فى جند كثيف، فهزمه أبو فديك، وأخذ جارية له، فاتخذها لنفسه، فكتب إلى عبد الملك بذلك، فأمر عبد الملك عمر ابن عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من «2» أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله، فانتدب معه عشرة آلاف، وسار بهم، وجعل أهل الكوفة على الميمنة، وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل البصرة على الميسرة وعليهم عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وهو ابن أخى عمر، وجعل خيله فى القلب، وساروا حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا، واصطفّوا للقتال، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد، فكشفوا ميسرة عمر جتى أبعدوا إلّا المغيرة
(21/150)

ابن المهلّب، ومجّاعة بن عبد الرحمن، وفرسان الناس؛ فإنهم مالوا إلى صفّ أهل الكوفة بالميمنة، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، وحمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج، وقتلوا أبا فديك، وحصروا أصحابه حتى نزلوا على الحكم، فقتل منهم نحو ستة آلاف، وأسر ثمانمائة؛ ووجدوا جارية أمية بن عبد الله حبلى من أبى فديك، وعادوا إلى البصرة، وذلك فى سنة [73 هـ] ثلاث وسبعين.
ذكر ولاية المهلب بن أبى صفرة حرب الأزارقة
فى سنة [74 هـ] أربع وسبعين أمر عبد الملك أخاه بشرا، وكان قد أضاف إليه ولاية البصرة مع الكوفة، أن يبعث المهلّب بن أبى صفرة لحرب الأزارقة فى أهل البصرة، وأن ينتخب من أراد منهم، وأن يتركه فى الحرب ورأيه، وأمره أن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنّجدة فى جيش كثيف إلى المهلّب، وأن يتتبّعوا الخوارج حيث كانوا حتى يستأصلوهم.
فأرسل المهلّب خديج بن سعيد «1» بن قيبصة، وأمره أن ينتخب الناس من الديوان، وشقّ على بشر أن إمرة المهلّب جاءت من قبل عبد الملك، وبعث بشر عبد الرحمن بن مخنف على أهل الكوفة، وأغراه بالمهلّب، وأمره أن يستبدّ بالأمر، وسار المهلّب حتى نزل رامهرمز، فلقى بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل أهل الكوفة حتى نزلوا على ميل من المهلّب، فلم يلبث العسكر إلّا عشرا «2» حتى
(21/151)

أتاهم نعى بشر بن مروان فتفرقوا، وعاد أكثر أهل الكوفة والبصرة إلى أن قدم الحجاج إلى الكوفة فى سنة [75 هـ] خمس وسبعين، فأخرج الناس إلى المهلّب وابن مخنف على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار الحجاج حين قدم الكوفة.
ذكر اجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل عبد الرحمن بن مخنف
قال: ولما أعاد الحجاج البعوث إلى المهلّب كتب إليه وإلى عبد الرحمن بن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج رجعوا «1» إليهم وقاتلوهم شيئا من قتال، فانزاحت الخوارج كأنهم على حامية، وساروا حتى نزلوا بكازرون «2» ، وسار المهلّب وابن مخنف حتى نزلوا بهم، وخندق المهلّب على نفسه، وأشار على ابن مخنف أن يخندق، فقال أصحابه: نحن خندقنا سيوفنا، فأتى الخوارج المهلّب ليبيّتوه، فوجدوه قد خندق، فمالوا نحو ابن مخنف، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل فى ناس من أصحابه، فقتل وقتلوا رجاله، فقال شاعرهم «3» :
لمن العسكر المكلّل بالصّر ... عى فهم بين ميّت وقتيل
فتراهمو تسفى الرياح عليهمو ... حاصب الرّمل بعد جرّ الذّيول
هذا قول أهل البصرة فى قتل ابن مخنف.
(21/152)

وأما أهل الكوفة فقالوا: إنه لمّا وصل كتاب الحجاج لمناهضة «1» الخوارج ناهضهم المهلّب وابن مخنف، واقتتلوا قتالا شديدا؛ فمالت الخوارج إلى المهلّب فاضطرّوه إلى عسكره، فاستنجد عبد الرحمن فأمدّه بالخيل والرجال، وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من شهر رمضان سنة [75 هـ] خمس وسبعين.
فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج من يأتى من عسكر عبد الرحمن [من الرجال] «2» علموا أنه قد خفّ أصحابه، فجعلوا بإزاء المهلّب من يشغله، وانصرفوا بحدّهم «3» إلى ابن مخنف، فنزل ونزل معه القرّاء، منهم أبو الأحوص «4» صاحب ابن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة، ونزل معه من قومه واحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلوا قتالا شديدا، وانكشف الناس عنه، وبقى فى عصابة من أهل الصّبر، فقاتلوا حتى ذهب نحو ثلثى الليل، ثم قتل فى تلك العصابة.
فلما أصبحوا جاء المهلّب فصلّى عليه ودفنه، وكتب بذلك إلى الحجاج، فبعث إلى عسكر عبد الرحمن عتّاب ابن ورقاء، وأمره أن يسمع إلى المهلّب، فساءه ذلك، ولم يجد بدّا من طاعته، فجاء وقاتل الخوارج؛ ثم وقع بينه وبين المهلّب كلام أغلظ كلّ منهما لصاحبه، فرفع المهلّب القضيب على عتّاب،
(21/153)

فوثب المغيرة بن المهلب فقبض «1» القضيب من يد أبيه وسكته، وأثنى على عتّاب، وافترقا.
فأرسل عتّاب إلى الحجّاج يشكو المهلّب، ويسأله أن يأمر بالعود، فوافق ذلك حاجة من الحجاج إليه، فاستقدمه، وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلّب، فجعل المهلّب عليهم ابنه حبيبا، وقاتل المهلّب الخوارج على سابور «2» نحو سنة بعد مسير عتّاب عنه، وكانت كرمان فى يد الخوارج، وفارس فى يد المهلب؛ فضاق على الخوارج مكانهم، فخرجوا حتى أتوا كرمان، وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت «3» ، وهى مدينة كرمان، فقاتلهم قتالا شديدا.
ثم أرسل إليه الحجاج البراء بن قبيصة يحثّه على قتال الخوارج، ويأمره بالجدّ، وأنه لا عذر له عنده.
فخرج المهلّب بالعسكر، فقاتل الخوارج من الغداة إلى الظهر، ثم انصرفوا والبراء على تلّ مشرف «4» يراهم، فأثنى على المهلّب وعلى أصحابه، وانصرف إلى الحجّاج، وعرّفه عذر المهلب، ثم قاتلهم المهلّب ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شىء إلى أن وقع بينهم الاختلاف.
(21/154)

ذكر الاختلاف بين الأزارقة ومفارقة قطرىّ بن الفجاءة
إيّاهم ومبايعتهم عبد ربّ الكبير والحرب بينه وبين المهلّب ومقتله وفى سنة [77 هـ] سبع وسبعين وقع الاختلاف بين الخوارج، فخلعوا قطرىّ بن الفجاءة، وبايعوا عبد ربّ الكبير، واختلف فى سبب ذلك، فقيل: إن عائلا «1» لقطرىّ على ناحية كرمان، يدعى المقعطر الضّبى، قتل رجلا منهم، فوثبت الخوارج إلى قطرى، وطلبوا منه أن يقيدهم من عامله، فلم يفعل، وقال: إنه تأوّل فأخطأ التأويل، وهو من ذوى السابقة فيكم، ما أرى أن تقتلوه، فاختلفوا.
وقيل: كان السبب فى اختلافهم أنّ رجلا كان فى عسكرهم يعمل النصول المسمومة، فيرمى بها أصحاب المهلّب، فشكا أصحابه منها، فقال: أنا أكفيكموه، فوجّه رجلا من أصحابه ومعه كتاب، فأمره أن يلقيه فى عسكر قطرىّ ولا يراه أحد، ففعل، ووقع الكتاب؛ إلى قطرىّ، فإذا فيه: أما بعد فإنّ نصالك وصلت، وقد أنفذت إليك ألف درهم، فأحضر قطرىّ الصانع فسأله. فجحد، فقتله، فأنكر عليه عبد ربّ الكبير قتله، واختلفوا.
ثم وضع المهلّب رجلا نصرانيّا، وأمره أن يسجد لقطرىّ. ففعل.
فقال الخوارج: إن هذا قد اتّخذك إلها. ووثب بعضهم على النّصرانى فقتله، فزاد اختلافهم، ففارق بعضهم قطريّا وخلعوه، وولّوا
(21/155)

عبد رب الكبير، وبقى مع قطرىّ منهم نحو ربعهم أو خمسهم، واقتتلوا فيما بينهم نحوا من شهر «1» .
وكتب المهلّب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج يأمره بقتالهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا.
فكتب إليه المهلّب: إنى لست أرى أن أقاتلهم مادام يقتل بعضهم بعضا، فإن تمّوا على ذلك فهو الذى نريد «2» ، وفيه هلاكهم.
وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلّا وقد رقّق بعضهم بعضا فأنا هضهم حينئذ، وهم أهون ما كانوا وأضعفهم شوكة إن شاء الله تعالى. والسلام.
فسكت عنه.
ثم إن قطريّا خرج بمن معه نحو طبرستان، وأقام «3» عند عبد ربّ الكبير بكرمان، فنهض إليهم المهلّب، فقاتلوه قتالا شديدا وحصرهم بجيرفت، وكرّر قتالهم وهو لا يبلغ منهم ما يريد.
فلما طال عليهم الحصار خرجوا من جيرفت بأموالهم وحرمهم، فقاتلهم المهلّب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل وتكسّر السلاح، وقتل الفرسان، فتركهم، فساروا؛ ودخل المهلّب جيرفت، ثم سار حتى لحقهم على أربعة فراسخ منها، فقاتلهم من بكرة النهار إلى الظّهر، ثم كفّ عنهم، فجمع عبد رب الكبير أصحابه، وقال:
(21/156)

يا معشر المهاجرين؛ إن قطريّا ومن معه هربوا، طلب «1» البقاء، ولا سبيل إليه، فالقوا عدوّكم، وهبوا أنفسكم لله، ثم عاود القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله، فتبايع «2» جماعة من أصحاب المهلّب على الموت، وترجّلت الخوارج، وعقروا دوابّهم، واشتدّ القتال، وعظم الخطب حتى قال المهلب: ما مرّ بى يوم مثل هذا.
ثم هزم الله الخوارج، وكثر القتل فيهم، فكان عدد القتلى أربعة آلاف، منهم ابن عبد ربّ الكبير، ولم ينج منهم إلا القليل، وأخذ عسكرهم وما فيه، وبعث المهلّب إلى الحجاج مبشّرا. فلما دخل البشير إليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج وذكر حروبهم، وأخبره عن بنى المهلب، فقال: المغيرة فارسهم وسيّدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وشجاعهم «3» قبيصة، ولا يستحى الشجاع أن يفرّ من مدركه. وعبد الملك سمّ ناقع، وحبيب موت ذعاف «4» ، ومحمد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة. قال: فأيهم كان أنجد؟
قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها.
ستحسن قوله: وكتب إلى المهلب يشكره، ويأمره أن يولّى كرمان من يثق إليه، ويجعل فيها من يحميها، ويقدم عليه، فاستعمل عليها ابنه يزيد. وسار إلى الحجاج.
فلما قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه، وقال: يأهل العراق.
(21/157)

أنتم عبيد المهلّب. ثم قال له: أنت كما قال لقيط بن يعمر الإيادى فى صفة أمير الجيوش «1» :
فقلّدوا «2» أمركم لله درّكمو ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا «3»
مسهّد النّوم تعنيه ثغوركمو ... يروم منها إلى الأعداء مطّلعا
ما انفكّ يحلب هذا الدّهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا
وليس يشغله مال يثمّره ... عنكم ولا ولد يبغى له الرّفعا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السنّ لا قحما ولا ضرعا «4»
وأحسن الحجاج إلى أهل البلاء من أصحاب المهلّب وزادهم [والله أعلم «5» ] .
(21/158)

ذكر مقتل قطرى بن الفجاءة وعبيدة بن هلال ومن معهما من الأزارقة
كان مقتلهم فى سنة [77 هـ] سبع وسبعين، وذلك أنه لما تشتّت أمرهم بسبب الاختلاف الذى ذكرناه، وسار قطرىّ نحو طبرستان ندب الحجاج سفيان بن الأبرد فى جيش كثيف، فسار، واجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث فى جيش لأهل الكوفة بطبرستان، فأقبلا فى طلب قطرى، فأدركوه فى شعب من شعاب طبرستان، فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابه، وسقط عن دابته فتدهده «1» إلى أسفل الشّعب، وأتاه علج من أهل البلد وهو لا يعرفه فقال [له] «2» قطرىّ:
اسقنى «3» الماء. فقال العلج: أعطنى شيئا. فقال: ما معى إلا سلاحى، وإن أتيتنى بالماء فهو لك، فانطلق العلج حتى أشرف على قطرى ثم حدّر عليه حجرا عظيما من فوقه، فأصاب وركه «4» فأوهنه، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه.
وجاء نفر من أهل الكوفة فقتلوه، منهم سورة بن أبجر «5» التميمى، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث، وعمر بن أبى الصلت، وكلّ هؤلاء ادّعى قتله، فجاءهم أبو الجهم
(21/159)

ابن «1» كنانة، فقال: ادفعوا رأسه إلىّ حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد، وهو على أهل الكوفة، فأرسله معه إلى سفيان بن الأبرد، فبعثه معه إلى الحجاج، فسيّره معه إلى عبد الملك، فجعل عطاءه فى ألفين؛ ثم سار سفيان إليهم، وأحاط بهم وأميرهم عبيدة بن هلال، فأمر مناديا فنادى: من قتل صاحبه وجاء إلينا فهو آمن، وحصرهم سفيان حتى أكلوا دوابّهم، ثم خرجوا إليه، وقاتلوه، فقتلهم، وبعث برءوسهم إلى الحجاج، وانقرضت الأزارقة بعد مقتل قطرىّ وعبيدة، [فكان أولهم نافع ابن الأزرق، وآخرهم قطرى وعبيدة] «2» ، واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة، ثم دخل سفيان دنباوند «3» وطبرستان، فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم.
هذا ما كان من أمر الأزارقة، فلنذكر من سواهم من الخوارج أيام عبد الملك.
(21/160)

ذكر خروج صالح بن مسرح التميمى وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيبانى
قال: كان صالح بن مسرّح «1» التميمى رجلا ناسكا مصفرّ الوجه صاحب عبادة، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة، وله أصحاب يقرئهم القرآن والفقه، ويقصّ عليهم، فدعاهم إلى الخروج وإنكار المظالم وجهاد المخالفين لهم، فأجابوه إلى ذلك، فبينما هم فى ذلك إذ ورد عليهم «2» كتاب شبيب يقول [له] «3» : إنك كنت تريد الخروج، فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين، ولن نعدل بك أحدا، وإن أردت تأخير ذلك فأعلمنى؛ فإنّ الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تختر منى المنيّة، ولم أجاهد الظّالمين.
فكتب إليه صالح: إنه لم يمنعنى من الخروج إلا انتظارك، فاخرج إلينا، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه، ولا تقضى دونه الأمور.
فلما قرأ شبيب كتابه دعا نفرا من أصحابه؛ منهم أخوه مصاد «4» ابن يزيد، والمحلّل «5» بن وائل اليشكرى وغيرهم «6» ، وخرج بهم
(21/161)

حتى قدم على صالح بدارا، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله، فو الله ما تزداد السّنة إلّا دروسا، ولا يزداد المجرمون إلّا طغيانا.
فبثّ صالح رسله، وواعد أصحابه للخروج هلال صفر سنة [76 هـ] ست وسبعين، فاجتمعوا عنده ليلة الموعد، فسأله بعض أصحابه عن القتال؛ أيكون قبل الدعاء أو بعده؟ فقال: بل ندعوهم، فإنه أقطع لحجّتهم. فقال: كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا بهم، ما تقول فى دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قاتلنا فغنمنا فلنا، وإن عفونا فموسّع علينا.
ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره، وقال لهم: إن أكثركم رجّالة، وهذه دوابّ لمحمد بن مروان فابدءوا بها، فاحملوا عليها راجلكم وتقوّوا بها على عدوّكم.
فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدوابّ، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصّن أهلها منهم وأهل نصيبين وسنجار «1» ، وكان خروجه فى مائة وعشرين، وقيل: وعشرة.
وبلغ ذلك محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة يومئذ، فأرسل إليهم عدىّ بن عدىّ الكندى فى ألف، فسار من حرّان، وكأنّه يساق إلى الموت، وأرسل عدىّ إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلد، ويعلمه أنه يكره قتاله. وكان عدىّ ناسكا. فأعاد صالح إليه:
إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك. فأرسل إليه: إنى لا أرى رأيك، ولكنى أكره قتالك وقتال غيرك. فقال صالح لأصحابه: اركبوا،
(21/162)

فركبوا، وحبس الرسول «1» عنده ومضى. فأتى عديّا وهو يصلّى الضّحى، فلم يشعروا إلا والخيل فد طلعت عليهم، وهو على غير تعبئة، فحمل عليهم شبيب وهو على ميمنة صالح، وسويد بن سليم وهو على ميسرته؛ فانهزموا، وأتى عدىّ بدابّته فركبها، وانهزم. وجاء صالح فنزل فى معسكره، وأخذ ما فيه، ودخل أصحاب عدىّ على محمد ابن مروان فغضب على عدىّ. ثم دعا خالد بن جزء السلمى، فبعثه فى ألف وخمسمائة، وبعث الحارث بن جعونة «2» فى ألف وخمسمائة، وقال: اخرجا إلى هذه المارقة «3» ، وأغذّا السير، فأيّكما سبق فهو الأمير على صاحبه، فخرجا متساندين يسألان عن صالح؛ فقيل:
إنه نحو آمد «4» ، فقصداه، فوجّه صالح شبيبا فى شطر [من] «5» أصحابه إلى الحارث، وتوجّه هو نحو خلد، فالتقيا، واقتتلوا وقت العصر أشدّ قتال حتى أمسوا، وقد كثر الجراح فى الفريقين، فلما حال بينهما الليل خرج صالح وأصحابه، فساروا حتى قطعوا أرض الجزيرة والموصل، وانتهوا إلى الدّسكرة «6» .
فلما بلغ خبرهم الحجاج سرّح إليهم الحارث بن عميرة فى ثلاثة آلاف من أهل الكوفة، فلقيهم صالح فى تسعين رجلا، وذلك لثلاث
(21/163)

عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، فاقتتلوا. فانهزم سويد بن سليم بميسرة صالح، وثبت صالح، فقاتل حتى قتل، وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه، فحمل عليهم راجلا فانكشفوا عنه، فنادى:
إلىّ يا معشر المسلمين، فلاذوا به. فقال لأصحابه: ليجعل كلّ واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه، وليطاعن عدوّه حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا. ففعلوا ذلك، ودخلوا الحصن، وهم سبعون رجلا، وأحاط بهم الحارث، وأحرق عليهم الباب، وقال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه. وكانت هذه الوقعة بقرية يقال لها المدبّج «1» .
ذكر بيعة شبيب بن يزيد الشيبانى ومحاربته الحارث بن عميرة وهزيمة الحارث
قال: ولما أحرق الحارث الباب على شبيب انصرف إلى عسكره وقال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه؛ فنصبّحهم غدا فنقتلهم.
فقال شبيب لأصحابه: ما تنتظرون؟ فو الله لئن صبّحكم هؤلاء إنّه لهلاككم. فقالوا: مرنا بأمرك. فقال: بايعونى أو من شئتم من أصحابكم، واخرجوا بنا إليهم، فإنهم آمنون، فبايعوه، وأتوا باللبود فبلّوها وجعلوها «2» على جمر الباب وخرجوا. فلم يشعر الحارث إلّا وهم بينهم بالسيوف، فصرع الحارث، فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن، وحوى شبيب عسكرهم، فكان ذلك أول جيش هزمه.
(21/164)

ذكر الحروب بين أصحاب شبيب وعنزة
قال: ثم لقى شبيب سلامة بن سيّار «1» التّيمى، تيم شيبان، بأرض الموصل، فدعاه إلى الخروج معه فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ينطلق بهم نحو عنزة «2» ليوقع بهم، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة، وكان فضالة قد خرج فى ثمانيه عشر رجلا حتى نزل ماء يقال له الشجرة وبه «3» عنزة نازلون، فنهضت عنزة فقتلوه ومن معه وأتوا برءوسهم إلى عبد الملك فأنزلهم بانقيا «4» ، وفرض لهم، وكان خروج فضالة قبل خروج صالح، فأجابه شبيب فخرج حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيه خالته قد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم، فأخرجت ثديها [إليه] «5» وقالت: أنشدك ترحم «6» هذا يا سلامة.
فقال: [لا] »
والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأرض الشجرة «8» .
لتقومنّ عنه أو لأجمعنّكما بالرمح، فقامت عنه. فقتله.
(21/165)

ذكر مسيرة شبيب إلى بنى شيبان وإيقاعه بهم ودخولهم معه
قال: ثم أقبل شبيب بخيله نحو راذان فهرب منه طائفة من بنى شيبان، ومعهم ناس قليل من غيرهم، فأقبلوا حتى نزلوا ديرا خرابا «1» إلى جنب حولايا «2» ، وهم نحو ثلاثة آلاف، وشبيب فى سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم فتحصّنوا منه فجعل أخاه مصاد بن يزيد يحاصرهم، وتوجّه إلى أمّه ليأخذها وهو فى اثنى عشر رجلا؛ فمرّ فى طريقه بجماعة من بنى [تيم بن] «3» شبيان فى أموالهم مقيمين؛ لا يرون أنّ شبيبا يمرّ بهم. ولا يشعر بمكانهم، فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد، ومضى إلى أمّه؛ وأشرف رجل من الدّير على أصحاب شبيب، فقال: يا قوم؛ بيننا وبينكم القرآن، قال الله تعالى «4» : «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ»
. فكفّوا عنّا حتى نخرج إليكم بأمان وتعرضوا علينا أمركم، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا، وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم.
فأجابوهم فخرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، فقبلوه كلّه، فنزلوا إليهم، وجاء شبيب فأخبر بذلك، فقال:
أصبتم ووفّقتم.
(21/166)

ذكر الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمى
قال: ثم ارتحل شبيب، وخرج معه طائفة، وأقامت طائفة؛ فسار فى أرض الموصل نحو أذربيجان. وكتب الحجاج إلى سفيان ابن أبى العالية الخثعمى يأمره بالقفول، وكان معه ألف فارس يريد أن يدخل بها طبرستان. فلما أتاه كتاب الحجاج صالح صاحب طبرستان ورجع، فأمره الحجاج أن ينزل الدّسكرة «1» حتى يأتيه جيش الحارث بن عميرة الهمدانى وتأتيه خيل المناظر، ثم يسير إلى شبيب. فأقام بالدّسكرة ونودى فى جيش الحارث: الحرب بالكوفة والمدائن، فخرجوا حتى أتوا سفيان، وأتته خيل المناظر عليهم سورة «2» ابن أبجر التميمى، وكتب إليه سورة بالتوقّف حتى يلحقه، فعجل سفيان فى طلب شبيب، فلحقه بخانقين «3» وارتفع شبيب عنهم، وأكمن له أخاه مصادا فى خمسين رجلا، ومضى فى سفح الجبل، فقالوا:
هرب عدوّ الله، فاتّبعوه، فقال لهم عدىّ بن عميرة الشيبانى:
لا تعجلوا حتى تبصروا الأرض لئلا يكون قد أكمن بها كمينا، فلم يلتفتوا واتّبعوه، فلما جازوا الكمين عطف عليهم شبيب، وخرج أخوه فى الكمين، فانهزم الناس بغير قتال، وثبت سفيان فى نحو
(21/167)

مائتين؛ فقاتلهم قتالا شديدا، ثم نجا حتى انتهى إلى بابل مهروذ «1» وكتب إلى الحجاج بالخبر، ويعرفه وصول الجند إلّا سورة بن أبجر فإنه لم يشهد معى القتال.
ذكر الوقعة بين شبيب وسورة
قال: ولما وصل كتاب سفيان إلى الحجّاج كتب إلى سورة ابن أبجر يلومه ويتهدّده، ويأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب، فسار سورة بهم نحو شبيب، وشبيب فى جوخى «2» ، وسورة فى طلبه حتى انتهى إلى المدائن، فتحصن «3» منه وأخذ منها [دوابّ] «4» وقتل من ظهر له، وخرج حتى انتهى إلى النّهروان «5» فصلّوا وترحّموا على أصحابهم الذين قتلهم على رضى الله عنه وتبرءوا من علىّ وأصحابه. وبلغ سورة خبره، فجمع أصحابه وقال: إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل، وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير فى ثلاثمائة من شجعانكم وآتيه، فأجابوه إلى ذلك، فسار فى ثلاثمائة نحو النّهروان، وأذكى شبيب الحرس، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم، فاستووا على خيولهم، وتعبّئوا تعبئتهم للحرب؛ فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا،
(21/168)

فحمل عليهم فثبتوا له، وصاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم وشبيب يقول «1» :
من ينك العير ينك نيّاكا ... جندلتان اصطكّتا اصطكاكا
فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمّل بهم، وأقبل نحو المدائن، فتبعه شبيب يرجو أن يدركه، فوصل إليهم، وقد دخل الناس المدائن، فمرّ على كلواذا «2» ، فأصاب بها دوابّ كثيرة للحجاج، فأخذها ومضى إلى تكريت، وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، وحبس الحجاج سورة ثم أطلقه.
ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد وقتل سعيد بن مجالد
قال: ولما قدم الفلّ «3» الكوفة سيّر الحجاج الجزل بن سعيد ابن شرحبيل الكندى، واسمه عثمان، نحو شبيب، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة، وأخرج معه أربعة آلاف ليس فيهم أحد ممن هزم، فقدّم الجزل بين يديه عياض بن أبى لينة «4» الكندى، فساروا فى طلب شبيب وهو يخرج من رستاق إلى رستاق، يقصد بذلك أن يفرّق الجزل أصحابه فيلقاه وهو على غير تعبئة، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبئة، ولا ينزل إلّا خندق على نفسه.
فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه وكانوا مائة وستين رجلا،
(21/169)

ففرّقهم أربع فرق كل فرقة أربعين، فجعل أخاه مصادا فى أربعين، وسويد بن سليم فى أربعين، والمحلّل «1» بن وائل فى أربعين، وبقى هو فى أربعين. وأتته عيونه، فأخبروه أن الجزل يريد «2» يزدجرد، فسار شبيب، وأمر كلّ رأس من أصحابه أن يأتى الجزل من جهة ذكرها له، وقال: إنى أريد أن أبيّته «3» ، فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرّارة، فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبى لينة، فحمل عليهم مصاد فيمن معه، فقاتلوه ساعة، ثم اندفعوا بين يديه، وقد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم.
فاتبعوهم فانتهوا إلى عسكرهم، فمنعهم أصحابهم من دخول خندقهم، وكان للجزل مسالح أخرى فرجعت، فمنعهم من دخول الخندق، وجعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنّبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم «4» سار عنهم وتركهم، ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم راجعا إلى الجزل، فأقبلوا وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وأمنوا، فما شعروا إلّا بوقع حوافر الخيل، فانتهوا إليهم قبل الصبح، وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع، ثم انصرف شبيب وتركهم، ولم يظفر بهم، فنزل على ميل ونصف، ثم صلّى الغداة وسار نحو جرجرايا «5» ، وأقبل الجزل فى طلبهم على تعبئته، وسار شبيب
(21/170)

فى أرض الجوخى «1» وغيرها، فطال ذلك على الحجّاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه إبطاءه ويأمره بمناهضتهم، فجدّ فى طلبهم وبعث الحجاج سعيد بن المجالد على جيش الجزل، وأمره بالجدّ فى قتال شبيب وترك المطاولة، فوصل سعيد إلى الجزل وهو بالنّهروان وقد خندق عليه، فقام فى العسكر ووبّخهم وعجزهم.
ثم خرج، وأخرج معه الناس، وضمّ إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة «2» إلى شبيب ويترك الناس «3» مكانهم، فنهاه الجزل عن ذلك، فلم ينته ولم يرجع إليه، وتقدّم ومعه الناس، وأخذ شبيب إلى قطيطيا «4» ، فدخلها وأغلق الباب، وأمر دهقانها «5» أن يصلح لهم غداء، فلم يتهيّأ الغداء حتى أتاه سعيد فى ذلك الجيش، فأعلم الدّهقان شبيبا، فقال: لا بأس، قرّب الغداء، فقرّبه فأكل وتوضّأ وصلّى ركعتين، وركب بغلا، وخرج إلى سعيد وهو على باب المدينة فحمل عليهم، وقال: لا حكم إلا للحكم، فهزمهم وثبت سعيد، ونادى أصحابه، فحمل عليه شبيب، فضربه بالسيف فقتله، فانهزم ذلك الجيش، وقفلوا حتى انتهوا إلى الجزل، وكان قد وقف فى بقيّة العسكر، فناداهم: أيها الناس، إلىّ إلىّ، وقاتل قتالا شديدا حتى حمل جريحا، وقدم المنهزمون الكوفة.
(21/171)

وكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر، وأقام بالمدائن، فكتب إليه الحجاج يشكره ويثنى عليه، وأرسل إليه نفقة ومن يداوى جراحه.
وسار شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل إلى أهلها؛ فأقبل حتى أتى الكرخ، فعبر دجلة إليه، وأرسل إلى أهل سوق بغداد فأمّنهم، وكان يوم سوقهم، واشترى أصحابه دوابّ وغيرها.
ذكر مسير شبيب إلى الكوفة
قال: ثم سار شبيب إلى الكوفة فنزل عند حمّام «1» عمر ابن سعد «2» ، فلما بلغ الحجاج مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السّعدى فى ألفى رجل، وقال له: ألق شبيبا فإن استطرد لك فلا تتبعه.
فخرج وعسكر بالسبخة «3» ، فبلغه أنّ شبيبا قد أقبل، فسار نحوه وأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس فى السّبخة، فبينا سويد يعبىء أصحابه إذ قيل له: أتاك شبيب؛ فنزل ونزل معه جلّ أصحابه، ثم أخبر أنه قد عبر الفرات وهو يريد الكوفة من وجه آخر، فركب هو ومن معه، وساروا فى آثارهم، وبلغ من بالسبخة إقبال شبيب فهمّوا بدخول الكوفة، ثم قيل لهم: إن سويدا فى آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم، فثبتوا، وحمل شبيب على سويد ومن معه حملة منكرة، ثم أخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وذلك عند المساء، وتبعه سويد إلى الحيرة، فرآه قد ترك وذهب، فتركه سويد وأقام حتى أصبح. وأرسل إلى الحجاج يعلمه الخبر.
(21/172)

ذكر محاربة شبيب أهل البادية
قال: وكتب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه، فاتّبعه، ومضى شبيب حتى أغار أسفل الفرات على من وجد من قومه، وارتفع إلى البر فأصاب رجالا من بنى الورثة «1» ، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم:
حنظلة بن مالك، ومالك بن حنظلة، ومضى حتى أتى بنى أمية على اللّصف «2» ، وعلى ذلك الماء الفزر بن الأسود، وهو أحد بنى الصلت، وكان ينهى شبيبا عن رأيه، وكان شبيب يقول:
لئن ملكت سبعة أعنّة لأغزونّ الفزر، فلما بلغهم خبر شبيب ركب الفزر فرسا، وخرج من البيوت وانهزم. فرجع شبيب، وقد أخاف أهل البادية، فأخذ على القطقطانة «3» ثم على قصر بنى مقاتل، ثم على الأنبار، ومضى حتى دخل دقوقاء «4» ، ثم ارتفع إلى أدانى أذربيجان، فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة «5» بن شعبة، فأتاه الخبر بإقبال شبيب نحو الكوفة، فكتب إلى الحجاج بذلك، فأقبل من البصرة مجدّا نحو الكوفة فسابق «6» شبيبا إليها.
(21/173)

ذكر دخول شبيب الكوفة
قال: وأقبل شبيب إلى الكوفة فسابق «1» الحجاج إليها، فطوى الحجاج المنازل، فوصل الكوفة صلاة العصر، ونزل شبيب السّبخة صلاة المغرب، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة وبلغوا السّوق، وضرب شبيب باب القصر بعموده، فأثّر فيه أثرا عظيما، ووقف عند المصطبة، ثم قال «2» :
عبد دعىّ من ثمود أصله ... لابل يقال أبو أبيهم يقدم
يعنى الحجاج، فإنّ بعض الناس يقول: إن ثقيفا بقايا ثمود، ومنهم من يقول: هم من نسل يقدم الإبادى.
ثم اقتحموا المسجد الأعظم، وكان لا يفارقه قوم يصلّون فيه، فقتاوا عقيل بن مصعب الوادعىّ، وعدىّ بن عمرو الثقفى، وأبا ليث ابن أبى سليم؛ ومرّوا بدار حوشب وهو على الشّرط- فقالوا: إن الأمير يطلبه، فأراد الركوب، ثم أنكرهم فلم يخرج إليهم، فقتلوا غلامه.
ثم مرّوا بمسجد بنى ذهل، فرأوا ذهل بن الحارث فقتلوه، ثم خرجوا من الكوفة، فاستقبلهم النّضر بن القعقاع بن شور «3» الذّهلى، وكان قد أقبل مع الحجاج من البصرة، فتخلّف عنه فقتلوه، ثم خرجوا نحو المردمة «4» ، وأمر الحجاج مناديا فنادى: يا خيل الله
(21/174)

اركبى؛ فأتاه الناس من كل جانب، فبعث بشر بن غالب الأسدى فى ألفى رجل، وزائدة بن قدامة الثقفى فى ألفى رجل، وأبا الضّريس مولى بنى تميم فى ألفى رجل، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وزياد ابن عمرو العتكى، وسيّر معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وكان عبد الملك قد استعمله على سجستان، وكتب إلى الحجاج أن يجهّزه، فقال له الحجاج: تلقى شبيبا فتجاهده، فيكون الظّفر لك، ويظهر «1» اسمك ثم تمضى إلى عملك.
وقال الحجاج لهؤلاء الأمراء: إن كان حرب فأميركم زائدة ابن قدامة. فساروا فنزلوا أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذى هم فيه وأخذ نحو القادسيّة.
ذكر محاربة شبيب زحر بن قيس وهزيمة جيش زحر «2»
قال: ووجّه الحجاج جريدة خيل اختارهم ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس، وقال له: اتبع شبيبا حتى تواقعه أين أدركته إلا أن يكون ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك؛ فخرج زحر حتى انتهى إلى السّيلحين «3» ، وأقبل شبيب نحوه فالتقيا، فجمع شبيب خيله، ثم اعترض بهم الصفّ حتى انتهى إلى زحر، فقاتل زحر حتى صرع، وانهزم أصحابه وظنّوا أنهم قتلوه، فلما كان السّحر قام يمشى حتى دخل قرية فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحة، فمكث أياما. ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير،
(21/175)

وقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى فى الناس فلينظر إلى هذا.
ذكر محاربته الأمراء الذين ندبهم الحجّاج لقتاله وقتال «1» محمد بن موسى بن طلحة وزائدة بن قدامة
قال: لما هزم شيب أصحاب زحر قال له أصحابه نصرف بنا الآن وافرين، فقد هزمنا لهم جندا. فقال: إن هذه الهزيمة قد أرعبت قلوب الأمراء والجنود الذين فى طلبكم؛ فاقصدوهم، فو الله لئن قاتلناهم مادون الحجاج مانع «2» ، ونأخذ الكوفة إن شاء الله.
فقالوا: نحن لرأيك تبع، وسأل عن الأمراء فقيل: إنهم بروذبار «3» على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة؛ فقصدهم فانتهى إليهم وقد تعبّئوا للحرب، وأمير الجماعة زائدة بن قدامة، وعلى ميمنته زياد بن عمرو العتكى، وعلى الميسرة بشر بن غالب الأسدى، وكلّ أمير واقف فى أصحابه.
وأقبل شبيب فى ثلاث كتائب: كتيبة فيها سويد بن سليم وقف بإزاء الميمنة، وكتيبة فيها مصاد أخو شبيب وقف بإزاء الميسرة، ووقف شبيب مقابل القلب. فحمل سويد على زياد فانكشف أهل الميمنة، وثبت زياد فى نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلا، ثم حمل ثانية فتطاعنوا ساعة، واقتتلوا أشدّ قتال،
(21/176)

ثم ارتفع سويد عنهم، فتفرّق أصحاب زياد بن عمرو من كل جانب، فحمل عليهم الثالثة فانهزموا وأخذت السيوف زياد بن عمرو من كل جانب [فلم تضره للباسه «1» ] ، فانهزم «2» وقد جرح جراحة يسيرة، وذلك عند المساء، ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد الله ابن عامر، فهزموه، ولم يقاتل كثيرا، ولحق بزياد؛ فمضيا منهزمين.
وحملت الخوارج على محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلوه قتالا شديدا، وحمل مصاد على بشر بن غالب، وهو فى ميسرة أهل الكوفة، فصبر بشر، ونزل ونزل معه نحو خمسين رجلا، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وانهزم أصحابه، وحملت الخوارج على أبى الضّريس مولى بنى تميم، وهو يلى بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم حملوا عليه وعلى أعين، فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فنادى زائدة: يأهل الإسلام؛ الأرض، الأرض، لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم، فقاتلهم عامة الليل حتى كان السّحر، ثم إن شبيبا حمل عليه فى جماعة من أصحابه، فقتله وقتل أصحابه، فلما قتل دخل أبو الضّريس وأعين جوسقا عظيما، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عنهم، وادعوهم إلى البيعة، فدعوهم «3» إلى البيعة عند الفجر، فبايعوه وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، وكان فيمن بايعه أبو بردة بن أبى موسى
(21/177)

الأشعرى، فلما طلع الفجر أمر محمد بن موسى بن طلحة مؤذّنه فأذّن، وكان لم ينهزم. فقال شبيب: ما هذا؟ قالوا: محمد بن موسى لم يبرح، فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا.
ثم نزل شبيب فأذّن هو وصلّى بأصحابه الصبح، ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه، فانهزمت طائفة منهم، وثبتت معه طائفة، فقاتل حتى قتل، وأخذت الخوارج ما فى العسكر، وانهزم الذين كانوا بايعوا شبيبا بجملتهم، ثم أتى شبيب الجوسق الذى فيه أعين وأبو الضّريس فتحصّنوا منه، فأقام عليهم يومه ذلك، وسار عنهم فأتى خانيجار «1» فأقام بها، وبلغ الحجاج مسيره، فظنّ أنه يريد المدائن، فهاله ذلك، فبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وعزل عنها عبيد الله بن أبى عصيفير «2» .
وقيل فى مقتل محمد بن موسى: أنه قتله مبارزة، وذلك أنه كان شهد مع عمر بن عبيد الله بن معمر قتال أبى فديك، وكان شجاعا ذا بأس، فزوّجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك ابن مروان، فولّاه سجستان، فمرّ بالكوفة وفيها الحجاج، فقيل له:
صار هذا بسجستان مع صهره لعبد الملك، فلو لجأ إليه أحد ممن يطلب «3» منعك منه. قال: فما الحيلة؟ قال: تأتى إليه، وتسلّم
(21/178)

عليه، وتذكر نجدته وبأسه، وأنّ شبيبا فى طريقه، وأنه قد أعياك، وترجو أن يريح الله منه على يده، فيكون له ذكره وفخره.
ففعل الحجاج ذلك، فأجابه محمد، وعدل إلى شبيب، فأرسل إليه شبيب إنّك مخدوع، وإن الحجاج قد اتّقى بك، وأنت جار لك حقّ، فانطلق لما أمرت به ولك الله أنى لا أضرك «1» . فأبى إلّا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد عليه الرسول، فأبى وطلب البراز فبرز إليه شبيب، وقال له: أنشدك الله فى دمك؛ فإنّ لك جوارا، فأبى. فحمل عليه شبيب فضربه بعمود حديد زنته اثنا عشر رطلا بالشامى، فهشم البيضة ورأسه، فسقط فكفّنه شبيب ودفنه، وابتاع ما غنمه من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر شبيب إلى أصحابه، وقال: هو جارى، ولى أن أهب ما غنمت.
ذكر محاربته «2» عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعثمان بن قطن وقتل ابن قطن
قال: ثم إن الحجّاج أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير بهم فى طلب شبيب أين كان، ففعل ذلك، وسار نحوه، فسار شبيب إلى دقوقاء وشهرزور «3» ، وعبد الرحمن فى طلبه حتى انتهى إلى التّخوم، فوقف وقال: هذه أرض الموصل، فليقاتلوا عنها.
(21/179)

فكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبيبا واسلك فى أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده.
فخرج عبد الرحمن فى طلبه، فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيّته فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيتركه [ويسير] «1» فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغ شبيبا مسيرهم أتاهم وهم سائرون فيجدهم على تعبئة فلا يصيب لهم غرّة، ثم جعل إذا دنا منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا، ونحوها، وينزل فى أرض خشنة غليظة، ويتبعه عبد الرحمن، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى أتعب ذلك الجيش، وشقّ عليهم «2» ، وأحفى دوابّهم.
ولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مرّ به على خانقين «3» وجلولاء وتامرّا «4» ، ثم أقبل إلى البتّ، وهى من قرى الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر حولايا، وذلك فى عشر ذى الحجة سنة [76 هـ] ست وسبعين، فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن:
إن هذه أيام عيد لنا ولكم [يعنى عيد النّحر] «5» ، فهل لك فى الموادعة حتى تمضى هذه الأيام؟ فأجابه إلى ذلك، وكان يحبّ المطاولة.
وكتب عثمان بن قطن أمير المدائن إلى الحجاج يقول: أما بعد
(21/180)

فإن عبد الرحمن قد حفر جوخى كلّها خندقا واحدا، وكسر خراجها، وخلّى شبيبا يأكل أهلها. والسلام.
فكتب إليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش، وأمّره عليهم، وعزل عنهم عبد الرحمن، وبعث إلى المدائن مطرّف بن المغيرة ابن شعبة، فسار عثمان حتى قدم على العسكر عشيّة الثلاثاء يوم التّروية؛ فنادى الناس- وهو على بغلة: أيها الناس، اخرجوا إلى عدوّكم، فقالوا: هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطّنوا أنفسهم على الحرب، فبت الليلة ثم اخرج على تعبئة، فأبى ذلك، ثم نزل وبات ليلته يحرّض أصحابه، فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس كلّهم، فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة، فقال له أصحابه: ننشدك الله أن تخرج بنا والريح علينا. فأقام بهم ذلك اليوم، ثم خرج يوم الخميس، ثم «1» عبّأهم، فجعل فى الميمنة خالد بن نهيك بن قيس، وعلى الميسرة عقيل بن شدّاد، ونزل هو فى الرجّالة، وعبر شبيب إليهم النهر، وهو يومئذ فى مائة وأحد وثمانين رجلا، فوقف هو فى الميمنة، وجعل أخاه مصادا فى القلب، وجعل سويد بن سليم فى الميسرة، وزحف بعضهم إلى بعض، فحمل شبيب على ميسرة عثمان فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل مالك ابن عبد الله الهمدانى، ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها، فقاتل خالد بن نهيك قتالا شديدا، وحمل شبيب من ورائه فقتله، وتقدم عثمان بن قطن وقد نزل معه العرفاء
(21/181)

وأشراف الناس والفرسان نحو القلب وفيه مصاد أخو شبيب فى نحو من ستّين رجلا، فشدّ عليهم عثمان فيمن معه فثبتوا له.
وحمل شبيب بالخيل من ورائهم فما شعروا إلّا والرّماح فى أكتافهم تكبّهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم فى خيله، وقاتل عثمان بن قطن أحسن قتال، ثم أحاطوا به، وضربه مصاد بن يزيد ضربة بالسيف استدار لها وقال «1» : «وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» *.
ثم قتل، وسقط عبد الرحمن عن فرسه، فأتاه ابن أبى سبرة الجعفى وهو على بغلة فأركبه معه، ونادى فى الناس: الحقوا بدير «2» أبى مريم، ثم انطلقا «3» ذاهبين، ثم أتاه واصل [بن الحارث] «4» السكونى ببرذون فركبه وسار حتى نزل دير البقار «5» ، وأمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه، وقتل يومئذ من كندة مائة وعشرون، وبات عبد الرحمن بدير البقّار «6» ، فأتاه فارسان، فصعدا إليه فخلا به أحدهما طويلا ثم نزلا؛ فقيل: إن ذلك الرجل كان شبيبا، وكان بينه وبين عبد الرحمن مكاتبة، وسار عبد الرحمن حتى أتى دير أبى مريم، فاجتمع الناس إليه وقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة.
فخرج إلى الكوفة واختفى من الحجّاج حتى أخذ له الأمان منه، وكانت هذه الوقائع التى ذكرناها كلّها من أخبار شبيب فى سنة ست وسبعين.
(21/182)

ذكر محاربة «1» عتاب بن ورقاء وزهرة بن حويّة «2» وقتلهما
وفى سنة [77 هـ] سبع وسبعين أتى شبيب ماه بهراذان «3» فصيّف بها ثلاثة أشهر، وكان حين هزم ذلك الجيش حرّ شديد، فلما صيّف هناك أتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا وممّن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تبعات.
فلما ذهب الحرّ خرج فى نحو ثمانمائة رجل، فأقبل نحو المدائن، وعليها مطرّف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة ابن اليمان، فكتب مهروذ عظيم بابل إلى الحجّاج بذلك، فقام الحجّاج فى الناس فقال: أيها الناس، لتقاتلن عن بلادكم وعن بنيكم «4» أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأصبر على الّلأواء والقيظ منكم، فيقاتلون عدوّكم ويأكلون فيئكم.
فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا: نحن نقاتلهم فليندبنا الأمير إليهم، وقام زهرة بن حويّة- وهو شيخ كبير، فقال: أصلح الله الأمير، إنما تبعث إليهم الناس متقطّعين، فاستنفر الناس إليهم كافّة، وابعث إليهم رجلا شجاعا مجرّبا ممن يرى الفرار [هضما] و «5» عارا، والصّبر مجدا وكرما.
(21/183)

فقال الحجاج: فأنت ذاك الرجل، فاخرج.
فقال: أصلح الله الأمير، إنما يصلح رجل يحمل الدّرع والرمح، ويهزّ السيف، ويثبت على الفرس، وأنا لا أطيق شيئا من هذا، وقد ضعف بصرى، ولكن أخرجنى فى الناس مع الأمير فأشير عليه برأيى.
فقال له الحجاج: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله فى أوّل أمرك وآخره.
ثم قال: أيها الناس، سيروا بأجمعكم كافّة؛ فخرج الناس يتجهّزون ولا يدرون من أميرهم.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره أنّ شبيبا قد شارف المدائن؛ وأنه يريد الكوفة، وقد عجز أهلها عن قتاله فى مواطن كثيرة، يقتل أمراءهم ويهزم جندهم؛ وسأله أن يبعث جندا من الشام يقاتلون الخوارج، ويأكلون البلاد. فبعث عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبى فى أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى فى ألفين، وبعث الحجاج إلى عتّاب بن ورقاء يستدعيه، وكان يقاتل الازارفة مع المهلّب كما تقدم.
واستشار الحجاج أهل الكوفة فيمن يوليه أمر الجيش، فقالوا:
رأيك أفضل. فقال: قد بعثت إلى عتّاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة؛ فقال زهرة: رميتهم بحجرهم، والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل. وقال له قبيصة بن والق: إنّ الناس قد تحدثوا أنّ جيشا قد وصل إليك من الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا وهان عليهم الفرار، فقلوبهم كأنها ليست فيهم؛ فإن رأيت أن تبعث
(21/184)

إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم، فإنك تحارب حوّلا قلّبا ظعّانا «1» رحالا، وقد جهّزت إليهم أهل الكوفة ولست واثقا بهم كلّ الثقة، فإن شبيبا بينا هو فى أرض إذا هو فى أخرى، ولا آمن أن يأتى أهل الشام وهم آمنون؛ فإن يهلكوا تهلك «2» ويهلك أهل العراق.
فقال: لله أبوك، ما أحسن ما أشرت به! وأرسل إلى أهل الشام يحذّرهم ويأمرهم أن يأتوا على عين التمر «3» ، ففعلوا، وقدم عتّاب بن ورقاء تلك الليلة، فبعثه الحجاج على ذلك الجيش، فعسكر بحمّام أعين «4» ، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذا «5» فقطع منها دجلة، ثم سار حتى نزل مدينة بهرسير «6» الدنيا، وهى المدائن الغربية، فصار بينه وبين مطرّف دجلة، فقطع مطرف الجسر، وبعث إلى شبيب أن ابعث إلىّ رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن وأنظر فيما يدعون «7» إليه، فبعث إليه بمعتّب «8» بن سويد والمحلّل وغيرهما، وأخذ منه رهائن على عود أصحابه، فأقاموا عنده أربعة أيام، ثم أعادهم، ولم يتفقوا، فلما لم يتبعه مطرّف تهيّأ
(21/185)

للمسير إلى عتّاب. وأقبل عتّاب حتى نزل بسوق حكمة «1» وقد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفا، ومن الشباب والأتباع عشرة آلاف، فكانوا خمسين ألفا. وكان الحجاج قد قال لهم حين ساروا: ألا إن للسائر المجدّ الكرامة والأثرة، وللهارب الهوان والجفوة، والذى لا إله غيره لئن فعلتم فى هذا الموطن كفعلكم فى غيره من المواطن لأولينّكم كنفا «2» خشنا، ولأعركنّكم بكلكل ثقيل.
وسار شبيب من المدائن وأصحابه ألف رجل، فتخلّف عنه بعضهم، فصلّى الظهر بساباط، وصلّى العصر، وسار حتى أشرف على عتّاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلّى المغرب؛ وكان عتّاب قد عبّأ أصحابه، فجعل فى الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وفى الميسرة نعيم بن عليم، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعى- وهو ابن عمه على الرجّالة، وصفّهم ثلاثة «3» صفوف: صفّ فيهم أصحاب السيوف، وصفّ فيهم أصحاب الرماح، وصفّ فيهم الرّماة، ثم سار فى الناس يحرّضهم على القتال، ورجع فجلس فى القلب، ومعه زهرة بن حويّة جالس، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وأبو بكر ابن محمد بن أبى جهم العدوى.
وأقبل شبيب وهو فى ستمائة، وقد تخلّف عنه من أصحابه أربعمائة؛ فجعل سويد بن سليم فى الميسرة فى مائتين، والمحلّل بن وائل فى القلب فى مائتين، ووقف هو فى الميمنة فى مائتين، وذلك بين المغرب والعشاء
(21/186)

الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ قالوا: لربيعة.
قال: طالما نصرت الحقّ، وطالما نصرت الباطل؛ والله لأجاهدنّكم محتسبا، أنا شبيب، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا إن شئتم.
ثم حمل عليهم ففضّهم، فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق، وعبيد بن الحليس، ونعيم بن عليم، فقتلوا، وانهزمت الميسرة كلها، ثم حمل شبيب على عتّاب بن ورقاء، وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن، فقاتلهم فى رجال من تميم وهمدان؛ فما زالوا كذلك حتى قيل لهم: قتل عتّاب، فانفضّوا «1» .
ولم يزل عتّاب جالسا على طنفسته «2» فى القلب ومعه زهرة بن حويّة حتى غشيهم شبيب، فقال عتّاب: يا زهرة، هذا يوم كثر فيه العدد وقلّ فيه الغناء، والهفى على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس، ألا صابر لعدوه! ألا مواس بنفسه! فانفضّوا عنه وتركوه، فلما دنا منه شبيب وثب فى عصابة قليلة صبرت معه؛ وقاتل ساعة، فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمرو التغلبى، فحمل عليه فطعنه، وجاء الفضل بن عامر الشيبانى إلى زهرة فقتله، وتمكّن «3» شبيب من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا السيف. ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس وهربوا من ليلتهم، وحوى ما فى العسكر.
وأقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين، ثم سار نحو الكوفة
(21/187)

فنزل بسورا «1» . وقتل عاملها، وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد دخلوا الكوفة فشدّوا ظهر الحجاج، واستغنى بهم عن أهل الكوفة، وقام على المنبر فقال: يأهل الكوفة، لا أعزّ الله من أراد بكم العزّ، ولا نصر من أراد بكم النّصر، اخرجوا عنّا فلا تشاهدوا معنا قتال عدونا، انزلوا الحيرة مع اليهود والنصارى، ولا يقاتل معنا إلّا من لم يشهد قتال عتّاب.
ذكر قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها
قال: ثم سار شبيب من سورا فنزل حمّام أعين، فدعا الحجاج الحارث بن معاوية الثقفى، فوجّهه فى ناس من الشّرط وغيرهم لم يشهدوا يوم عتّاب، فخرجوا فى ألف فنزلوا زرارة «2» ، فبلغ ذلك شبيبا، فعجل إلى الحارث، فلما انتهى إليه حمل عليه فقتله، وانهزم أصحابه، فدخلوا الكوفة، وجاء شبيب فعسكر بناحية الكوفة فأقام ثلاثا، فنزل السّبخة، وابتنى بها مسجدا، وذلك فى اليوم الثانى من الأيام الثلاثة.
فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولاه عليه تجفاف «3» ومعه غلمان «4» له، فقالوا: هذا الحجاج! فحمل عليه شبيب فقتله، فأخرج إليه غلامه طهمان فى مثل تلك العدّة والحالة، فقتله شبيب، وقال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه.
(21/188)

ثم خرج الحجاج عند ارتفاع النهار من القصر، فركب بغلا ومعه أهل الشام، فلما رأى الحجاج شبيبا وأصحابه نزل وجلس على كرسىّ، وتقدّم إليه شبيب وأصحابه فلقوهم بأطراف الأسنّة؛ فكان بينهم قتال شديد عامّة النهار، حتى انتهى الحجاج إلى مسجد شبيب، فقال: هذا أوّل الفتح.
ثم قال خالد بن عتّاب للحجاج: ائذن لى فى قتالهم، فإنى موتور. فأذن له، فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة، فقصد عسكرهم من ورائهم، فقتل مصادا أخا شبيب، وقتل امرأته [غزالة] «1» ، هذا وشبيب يقاتل الحجاج، وأتى الخبر الحجاج فكبّر فعندها ركب شبيب وكان قد نزل فقاتل على الأرض، وقال الحجاج لأصحابه: احملوا عليهم، فإنه قد أتاهم ما أرعبهم؛ فشدّوا على أصحاب شبيب فهزموهم، وثبت شبيب فى حامية الناس، فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل الحجاج الكوفة، وبعث حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فى ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام، فخرج فى أثره حتى نزل إلى الأنبار.
وكان الحجاج قد نادى عند انهزام شبيب: من جاءنا منكم فهو آمن؛ فتفرّق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلّى المغرب، وكان حبيب قد جعل أصحابه أرباعا، وقال: ليمنع كلّ ربع منكم جانبه فإن قاتل هذا الربع فلا يعنهم «2» الربع الاخر. وأتاهم شبيب وهو على تعبئته فحمل [على] «3» ربع، فقاتلهم طويلا، فما زالت قدم إنسان عن موضعها
(21/189)

فتركهم، وأقبل إلى ربع آخر، فكانوا كذلك، وقاتل الربع الثالث والرابع وهم كذلك، فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، ثم نازلهم راجلا، فسقطت بينهم «1» الأيدى وكثرت القتلى، وفقئت الأعين، وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا، ومن أهل الشام نحو مائة. واستولى التّعب والإعياء على الطائفتين حتى إن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئا، فلما يئس شبيب منهم تركهم وانصرف عنهم، ثم قطع دجلة وأخذ فى أرض جوخى ثم قطع دجلة مرة أخرى عند واسط، وأخذ نحو الأهواز إلى فارس ثم إلى كرمان ليستريح هو ومن معه.
ذكر مهلك شبيب
كان مهلك شبيب فى سنة [77 هـ] سبع وسبعين، وسبب ذلك أن الحجاج أنفق فى أصحاب سفيان بن الأبرد مالا عظيما، وأمرهم بقصد شبيب، فساروا نحوه مع سفيان بن الأبرد، وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته- وهو عامله على البصرة- أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة، ففعل وسيّرهم مع زياد بن عمرو العتكى، فلم يصل إلى سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب. وكان شبيب قد أقام بكرمان حتى استراح وأراح، ثم أقبل راجعا فالتقى مع سفيان بجسر «2» دجيل الأهواز، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان فوجده قد نزل فى الرجال، وجعل مهاصر بن سيف «3» على الخيل، وأقبل
(21/190)

شبيب فى ثلاثة كراديس «1» ، فاقتتلوا أشدّ قتال، ورجع شبيب إلى المكان الذى كان فيه، ثم حمل عليه هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة، وأهل الشام على حالهم فى ثبات القدم، ومازلوا يقاتلون الخوارج حتى اضطرّوهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو مائة رجل؛ فقاتلوا حتى المساء، وأوقعوا بأهل الشام من الضّرب والطعن ما لم يروا مثله، فأمر سفيان الرّماة أن يرموهم فتقدّموا، ورموهم ساعة، فحمل شبيب وأصحابه على الرّماة، فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، ثم عطف على سفيان ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظّلام، ثم انصرف، فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم.
فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه: اعبروا فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله. فعبروا أمامه، وتخلّف فى آخرهم، وجاء ليعبر وهو على حصان وبين يديه حجر «2» ، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت تحته، ونزل حافر رجل حصانه على حرف السفينة، فسقط فى الماء، فلما سقط قال: ليقضى الله أمرا كان مفعولا. وانغمس «3» فى الماء، ثم ارتفع، وقال: ذلك تقدير العزيز العليم. وغرق.
قال: وكان أهل الشام قد عزموا على الانصراف، فأتاهم صاحب
(21/191)

الجسر، فقال لسفيان: إنّ رجلا منهم وقع فى الماء، فتنادوا بينهم:
غرق أمير المؤمنين. ثم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبّر سفيان وكبّر أصحابه، وأقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث إلى المعسكر، وإذا «1» ليس فيه أحد، وإذا هو أكثر العساكر خيرا، ثم استخرجوا شبيبا فشقّوا جوفه، وأخرجوا قلبه؛ فكان صلبا كأنه صخرة، فكان يضرب به الصّخرة فينبو «2» عنها قامة إنسان.
قال: وكان شبيب ينعى لأمه فيقال لها: قتل، فلا تقبل ذلك.
فلما قيل لها غرق صدّقت ذلك، وقالت: إنى رأيت حين ولدته أنه خرج منّى شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلّا الماء، وكانت أمّه جارية رومية اشتراها أبوه فأولدها شبيبا سنة [25 هـ] خمس عشرين يوم النّحر، وقالت: إنى رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قبلى شهاب نار، فذهب ساطعا إلى السماء، وبلغ الآفاق كلّها، فبينا هو كذلك إذ وقع فى ماء كثير فخبا، وقد ولدته فى يومكم الذى تهريقون فيه الدّماء، وقد أوّلت ذلك أنّ ولدى يكون صاحب دماء وأنّ أمره سيعلو ويعظم سريعا.
(21/192)

ذكر خروج مطرف بن المغيرة ابن شعبة ومقتله
كان خروجه وقتله فى سنة [77 هـ] سبع وسبعين، وذلك أنه لما قدم الحجّاج العراق استعمل أولاد المغيرة على أعماله لشرفهم ومنزلتهم من قومهم، واستعمل عروة [بن المغيرة] «1» على الكوفة، ومطرّفا على المدائن، وحمزة على همذان، فكانوا على أعمالهم أحسن الناس سيرة، وأشدّهم على المريب، وكان المطرّف على المدائن لما خرج شبيب، وقد ذكرنا أن المطرّف أرسل يستدعى منه أن يسيّر إليه من أصحابه من يدارسه ويسمع منه، وأنه سيّر إليه جماعة، ولم يحصل بينهم اتّفاق، وكان ممّا تكلّموا فيه أنّ المطرّف سألهم عما يدعون إليه، فقالوا: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأنّ الذى نقمنا على «2» قومنا الاستئثار بالفىء وتعطيل الحدود والتسلّط بالجبرية، فقال لهم مطرّف: ما دعوتم إلا إلى حق، وما نقمتم إلّا جورا ظاهرا، أنا لكم متابع «3» ، فبايعونى «4» على ما أدعوكم إليه: أن نقاتل هؤلاء الظّلمة على أحداثهم، وندعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمّرون من يرضون «5» على مثل الحال التى تركهم عليها عمر بن الخطاب،
(21/193)

فإنّ العرب إذا علمت أنها إنما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم.
فقالوا: هذا مالا نجيبك إليه، وفارقوه، وأحضر مطرّف نصحاءه «1» وثقاته، فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك، وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم، وأنه يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا، وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب، وأنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك والحجاج، واستشارهم فيما يفعل.
فقالوا له: أخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد. فقال له يزيد ابن أبى زياد مولى أبيه: والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها، ولو كنت فى السحاب «2» لا لتمسك الحجاج حتى يهلكك، فالنّجاء النّجاء.
فوافقه أصحابه على ذلك، فسار عن المدائن نحو الجبال، ثم دعا أصحابه الذين لم يعلموا بحاله إلى ما عزم عليه، فبايعه بعضهم، ورجع عنه بعضهم، وسار نحو حلوان وبها سويد بن عبد الرحمن السعدى من قبل الحجاج، [فأراد هو والأكراد منعه ليعذر عند الحجاج] «3» ، فأوقع مطرّف بالأكراد فقتل منهم، وسار.
فلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار، وأرسل إلى أخيه حمزة يستمدّه بالمال والسلاح، فأرسل إليه ما طلب
(21/194)

سرّا، وسار مطرّف حتى بلغ قمّ «1» وقاشان، وبعث عماله على تلك النواحى، وأتاه الناس.
وكان ممّن أتاه سويد بن سرحان الثقفى، وبكير بن هارون النّخعى «2» ، من الرىّ فى نحو مائة رجل، وكتب البراء بن قبيصة- وهو عامل الحجاج على أصفهان- إليه يعرّفه حال المطرّف ويستمدّه، فأمدّه بالرجال بعد الرجال على دوابّ البريد.
وكتب الحجّاج إلى عدىّ بن زياد «3» عامل الرىّ يأمره بقصد مطرّف، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته، فسار عدىّ من الرّىّ واجتمع هو والبراء وعدى الأمير، واجتمعوا فى نحو ستة آلاف مقاتل.
وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر، فأظهر قبول عذره، وأراد عزله وخاف أن يمتنع عليه، فكتب إلى قيس بن سعد العجلى، وهو على شرطة حمزة بعهده على همذان، ويأمره أن يقبض على حمزة ابن المغيرة؛ فسار قيس بن سعد إلى حمزة فى جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولايته، وكتاب الحجّاج بالقبض عليه، فقال:
سمعا وطاعة. فقبض قيس عليه وسجنه، وسار عدىّ والبراء نحو مطرّف فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب مطرّف وقتل هو وجماعة كثيرة من أصحابه، قتله عمر «4» بن هبيرة الفزارى، وكان الحجاج يقول: إن مطرّفا ليس بولد المغيرة بن شعبة، إنما هو
(21/195)

ولد مصقلة بن هبيرة الشيبانى، وكان مصقلة والمغيرة يدّعيانه، فألحق بالمغيرة، وجلد مصقلة الحدّ، فلما أظهر رأى الخوارج قال الحجاج ذلك، لأنّ كثيرا من ربيعة كانوا خوارج «1» ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان.
انتهت أخبار الخوارج فلنذكر الغزوات فى خلافة عبد الملك
ذكر الغزوات والفتوحات فى أيام عبد الملك بن مروان على حكم السنين
فى سنة [71 هـ] إحدى وسبعين افتتح عبد الملك قيساريّة فى قول الواقدى.
وفى سنة [73 هـ] ثلاث وسبعين غزا محمد بن مروان الروم صائفة، فهزمهم، وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو فى أربعة آلاف، والروم فى ستين ألفا، فهزمهم وأكثر فيهم القتل.
وفى سنة [74 هـ] أربع وسبعين غزا عبد الله بن أمية رتبيل «2» من سجستان، وكان رتبيل هائبا للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست «3» راسله رتبيل فى طلب الصلح، وبذل ألف ألف، وبعث إليه بهدايا ورقيق، فأبى عبد الله قبول ذلك، وقال: إن ملأ لى هذا الرّواق ذهبا وإلّا فلا صلح، وكان غرّا، فخلّى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، وأخذ عليه الشّعاب والمضايق [وطلب أن يخلّى عنه
(21/196)

وعن المسلمين] «1» ، ولا يأخذ منه شيئا، فأبى رتبيل وقال: يأخذ «2» ثلاثمائة ألف درهم صلحا، ويكتب لنا بها كتابا، ولا يغزو بلادنا مادمت أميرا، ولا يحرق ولا يخرّب.
ففعل، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله.
وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة، وبلغ أندولية، وغزا أيضا فى سنة [75 هـ] خمس وسبعين صائفة حتى خرجت الروم من قبل مرعش، وغزا أيضا فى سنة [76 هـ] ست وسبعين من ناحية ملطية.
وفى سنة [77 هـ] سبع وسبعين غزا أميّة بن عبد الله ماوراء النهر فبلغ بخارى، وخالف عليه بكير بن وسّاج، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع لقتال بكر.
وفيها غزا أميّة أيضا، وعبر نهر بلخ، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك، ورجعوا إلى مرو.
وغزا الوليد بن عبد الملك الصائفة.
ذكر غزو عبيد الله بن أبى بكرة رتبيل
وفى سنة [79 هـ] تسع وسبعين غزا عبيد الله بن أبى بكرة بلاد رتبيل، وكان الحجاج قد استعمله على سجستان، وكان رتبيل يؤدّى الخراج، وربما امتنع منه، فبعث الحجاج إلى عبيد الله [ابن أبى بكرة] «3» يأمره بمناجزته، وألّا يرجع حتى يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقتل «4» رجاله.
(21/197)

فسار عبيد الله فى أهل البصرة والكوفة، وعلى أهل الكوفة شريح ابن هانىء؛ فمضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل، فأصاب من الغنائم ما شاء، وهدم حصونا، وغلب على أرض من أراضيهم، وأصحاب رتبيل من الترك يخلون للمسلمين أرضا بعد أرض، حتى أمعنوا فى بلادهم، ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، فأخذ الترك عليهم الشّعاب والعقاب «1» ، فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ألف يوصلها إلى رتبيل ليمكّن المسلمين من الخروج، فلقيه شريح فقال: إنكم لا تصالحون «2» ، على شىء إلّا حسبه السلطان من أعطياتكم، ثم قال: يأهل الإسلام، تعاونوا على عدوّكم، فقال له ابن أبى «3» بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال شريح:
يأهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلىّ، فاتّبعه ناس من المطّوّعة «4» غير كثير، وفرسان الناس، وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، وجعل شريح يرتجز ويقول «5» :
أصبحت ذابثّ أقاسى الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمّث أدركت النبىّ المنذرا ... وبعده صدّيقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع فى صفّينهم والنّهرا
هيهات ما أطول هذا العمرا «6»
(21/198)

وقاتل حتى قتل فى ناس من أصحابه، ونجا من نجا منهم، وخرجوا من بلاد رتبيل، فاستقبلهم الناس بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم [السمن] «1» قليلا قليلا حتى استمرءوا.
وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم، وكان قد أصاب أهل الشام طاعون شديد فلم يغز تلك السنة أحد منهم.
ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده
كان مسيره فى سنة [80 هـ] ثمانين؛ وذلك أنه لما رجع عبيد الله ابن أبى بكرة ومن معه من بلاد رتبيل على الحال التى ذكرنا كتب الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم، ويخبره أنه قد جهّز من أهل الكوفة والبصرة جيشا كثيفا ويستأذنه فى إرساله إلى بلاد رتبيل، فأذن له فى ذلك، فجهّز من أهل الكوفة عشرين ألف فارس ومن أهل البصرة مثلها، وأنفق فيهم ألفى ألف سوى أعطياتهم، وأعطى كلّ رجل يوصف بشجاعة وغناء، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
ولما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه «2» إسماعيل بن الأشعث، فقال: لا تبعثه، والله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة، وإنى أخاف خلافه.
(21/199)

فقال الحجاج: هو أهيب لى من أن يخالف أمرى. وسيّره على الجيش، فسار حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال:
إن الحجاج ولّانى ثغركم، وأمرنى بجهاد عدوّكم الذى استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلّف منكم أحد فتسمه «1» العقوبة. فعسكروا مع الناس، وساروا بأجمعهم، وبلغ الخبر رتبيل، فأرسل يعتذر ويبذل الخراج، فلم يقبل منه، وسار إليه، ودخل بلاده، فترك له رتبيل أرضا أرضا ورستاقا رستاقا وحصنا حصنا، وعبد الرحمن يحوى ذلك؛ وكلما حوى بلدا بعث إليه عاملا «2» ، وجعل معه أعوانا، وجعل الأرصاد على العقاب والشّعاب، ووضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى حاز «3» من أرضه أرضا عظيمة، وملأ الناس أيديهم من الغنائم العظيمة، ومنع الناس من التوغّل، وقال: نكتفى بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها «4» ونعرفها، ويجترى المسلمون على طرقها، وفى العام المقبل نأخذ ما رواءها إن شاء الله تعالى حتى نقاتلهم فى آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم فى أقصى بلادهم حتى يهلكهم الله تعالى.
وكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه وبما يريد. فكتب الحجاج إليه ينكر فعله، ويأمره بالمناجزة، فأدّى ذلك إلى خروج عبد الرحمن على الحجاج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(21/200)

ذكر غزو المهلب بن أبى صفرة ما وراء النهر
وفى سنة [80 هـ] ثمانين قطع المهلّب نهر بلخ ونزل على كش «1» ، وكان الحجاج قد استعمله على خراسان حين ضمّها عبد الملك إلى عمله، فسار وعلى مقدمته أبو الأدهم «2» الزمانى فى ثلاثة آلاف، وهم فى خمسة آلاف، ولما نزل المهلّب على كشّ أتاه ابن عم ملك للختّل «3» فدعاه إلى غزو الختّل، فوجّه معه ابنه يزيد، وكان اسم ملك الختّل السّبل «4» ، فسار يزيد وابن عمّ الملك حتى نازلوه، ونزل كلّ واحد منهما ناحية، فبيّت الملك ابن عمّه، وأخذه فقتله، فحصر يزيد القلعة، فصالحوه على فدية حملت إليه، ورجع يزيد عنهم. ووجّه المهلّب ابنه حبيبا، فوافى صاحب بخارى فى أربعين ألفا، فنزل جماعة من العدوّ قرية، فسار إليهم حبيب فى أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية فسبّت المحترقة. ورجع حبيب إلى أبيه، وأقام المهلّب بكشّ سنتين، فقيل له: لو تقدّمت إلى ما وراء ذلك! فقال:
ليت حظّى من هذه الغزوة سلامة هذا الجند، وعودهم سالمين، ثم صالح أهل كشّ على فدية يأخذها منهم.
(21/201)

وفى سنة [81 هـ] إحدى وثمانين سيّر عبد الملك ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا «1» .
ذكر دخول الديلم قزوين وقتلهم
كانت قزوين ثغرا للمسلمين من ناحية الدّيلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة بها، يتحارسون ليلا ونهارا، فلما كان فى سنة [81 هـ] إحدى وثمانين كان فى جملة «2» من رابط بها محمد ابن أبى سبرة الجعفى، وكان فارسا شجاعا، فرأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال: أتخافون أن يدخل عليكم العدو مدينتكم؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب، ولا بأس عليكم. ففتحوها، وبلغ ذلك الدّيلم، فساروا إليهم وبيّتوهم، وهجموا إلى البلد؛ فقال ابن أبى سبرة: أغلقوا أبواب المدينة علينا وعليهم، فقد أنصفونا، وقاتلوهم.
فغلّقوا الأبواب وقاتلوهم، وأبلى ابن أبى سبرة بلاء عظيما، وظفر بهم المسلمون، فلم يفلت من الدّيلم أحد، واشتهر اسمه بذلك، ولم يقدم الدّيلم بعدها على مفارقة أرضهم، فصار محمد فارس ذلك الثغر المشار إليه. [والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب] «3» .
(21/202)

ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس «1»
وفى سنة [84 هـ] أربع وثمانين فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، فلما بلغه خروجه عن القلعة سار إليها وحاصرها. فملكها وما فيها من الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد لها تعظيما، وفيها يقول كعب بن معدان الأشقرى، «2» :
وباذغيس التى من حلّ ذروتها ... عزّ الملوك فإن شاجار أو ظلما
منيعة لم يكدها قبله ملك ... إلّا إذا واجهت جيشا له وجما
تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما
وهى أبيات عديدة.
وقال أيضا يذكر يزيد [رحمه الله] «3» وفتحها «4» :
نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها
محلّقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زلّ «5» عنها سحابها
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطّير إلّا نسرها وعقابها
وما خوّفت بالذّئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلّا النجوم كلابها
(21/203)

ذكر فتح المصيصة
وفى سنة [84 هـ] أربع وثمانين أيضا غزا عبد الله بن عبد الملك الرّوم، ففتح المصّيصة «1» وبنى حصنها، وجعل فيها ثلاثمائة مقاتل من ذوى البأس، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى مسجدها.
وغزا محمد بن مروان أرمينية.
وفى سنة [85 هـ] خمس وثمانين غزا المفضل بن المهلب باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه، فأصاب كلّ رجل ثمانمائة «2» ، ثم غزا أخرون «3» وشومان، فغنم وقسّم ما أصاب.
وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية، فصاف فيها وشتا. انتهى ذكر الغزوات والفتوحات.
ذكر الحوادث الكائنة فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقلّ بالأمر خلاف ما ذكرناه، وذلك على حكم السنين
قد ذكرنا حوادث السنين فى أخبار عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما إلى أن قتل فى سنة [73 هـ] ثلاث وسبعين، وذكرنا ما هو متعلّق بهذه الدولة الأموية فى أثناء أخبار عبد الملك، فلنذكر خلاف ذلك.
(21/204)

سنة (73 هـ) ثلاث وسبعين:
ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية
فى هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة، وكانت بحيرة أرمينية مباحة لم يعرض لها أحد، بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليه من يأخذه ويبيعه ويأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، واستمرّ ذلك بعده.
وفيها عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة، واستعمل عليها أخاه بشر بن مروان، فاجتمع له المصران: الكوفة، والبصرة، فسار بشر إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج وهو على مكّة واليمن واليمامة، وكان على قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام ابن هبيرة، وكان على خراسان بكير بن وسّاج «1» .
وفيها مات عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما بمكة وكان سبب وفاته أن الحجاج أمر بعض أصحابه، فضرب ظهر قدمه بزجّ رمح مسموم، فمات منها، وعاده الحجاج فى مرضه، فقال:
من فعل بك هذا؟ فقال: أنت، لأنك أمرت بحمل السلاح فى بلد لا يحلّ حمله فيه. وكانت وفاته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان عمره سبعا وثمانين سنة، ومات غيره من الصحابة رضى الله عنهم.
(21/205)

سنة (74 هـ) أربع وسبعون:
فى هذه السنة عزل عبد الملك طارقا «1» عن المدينة، واستعمل عليها الحجاج، ففعل ما قدّمنا ذكره.
وفيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولانى.
وفيها استعمل عبد الملك أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد «2» ، على خراسان، وعزل عنها بكير بن وسّاج، فسار أميّة إليها، فلقيه بحير «3» بن ورقاء بنيسابور، وأخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها، ورفع على بكير أموالا أخذها وحذره غدره «4» ، وسار معه حتى قدم مرو، وكان أميّة كريما فلم يعرض لبكير ولا لعمّاله، وعرض عليه شرطته، فأبى فولّاها بحير بن ورقاء، ثم خيّر بكيرا أن يولّيه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان.
قال: فتجهّز لها، فأنفق مالا كثيرا؛ فقال بحير لأمية: إن أتى طخارستان خلعك، وحذّره فلم يولّه.
وفيها استعمل عبد الملك حسّان بن النعمان الغسّانى على إفريقية، وسيذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار إفريقية.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج بن يوسف.
وفيها توفى بشر بن مروان بالبصرة، واستخلف قبل وفاته خالد ابن عبد الله بن خالد على البصرة، وكان خليفته على الكوفة عمرو
(21/206)

ابن حريث؛ فكانوا على ذلك إلى أن قدم الحجاج بن يوسف الثقفى أميرا
سنة [75 هـ] خمس وسبعين.
ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق وما فعله عند مقدمه
وفى هذه السنة استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفى على العراق دون خراسان وسجستان، وأرسل «1» إليه بعهده وهو بالمدينة، فسار فى اثنى عشر راكبا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد، فصعد المنبر وهو متلثّم بعمامة خزّ حمراء، فقال: علىّ بالناس، فحسبوه خارجيّا، فهمّوا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم، فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول عمير بن ضابىء البرجمى حصى «2» وقال: ألا أحصبه لكم! فقالوا: أمهل حتى ننظر. وقيل: إن الذى همّ بحصبه محمد بن عمير وقال: قاتله الله ما أعياه وأدمّه «3» ، والله إنى لأحسب خبره كرؤياه «4» .
فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده وهو لا يعقل، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن وجهه ونهض فقال:
انا ابن جلا «5» وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى
أما والله إنى لأحمل الشر محمله، فآخذه «6» بفعله، وأجزيه بمثله،
(21/207)

وإنى لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، وإنى لأنظر
إلى الدماء بين العمائم واللحى ... قد شمرت عن ساقها تشميراه.
هذا أوان الشدّ فاشتدّى زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم «1»
ليس براعى إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم «2»
قد لفّها اللّيل يعصلبى «3» ... أروع خرّاج من الدوى «4»
مهاجر ليس بأعرابى
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وتر عردّ «5» ... مثل ذراع البكر أو أشدّ
ليس أوان يكره الخلاط ... جاءت به والقلص الأعلاط «6»
يهوى هوى سابق الغطاط «7»
إنى والله يأهل العراق ما يقعقع لى بالشّنان «8» ، ولا يغمز جانبى تغماز التين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتّشت عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ «9» : «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
(21/208)

فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ»
. فأنتم أولئك وأشباه أولئك. إنّ أمير المؤمنين عبد الملك نثر «1» كنانته فعجم «2» عيدانها عودا عودا، فوجدنى أمرّها عودا «3» ، وأصلبها مكسرا، فوجّهنى إليكم، ورمى بى فى نحوركم، فإنكم أهل بغى وخلاف وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم فى الشرّ، واضطجعتم فى الضلالة، وسننتم سنن الغىّ، فاستوثقوا «4» واستقيموا، فو الله لأذيقنّكم الهوان ولأمرينّكم «5» حتى تدرّوا، ولألحونّكم لحو العود، ولأعصبنّكم عصب السّلم «6» ، حتى تذلّوا، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا، ولأقرعنّكم قرع المروة حتى تلينوا. إنى والله ما أعد إلّا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق «7» إلّا فريت، فإياى وهذه الجماعات، فلا يركبنّ رجل إلّا وحده، أقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف، ولتدعنّ الإرجاف، وقيلا وقالا، وما يقول فلان، وأخبرنى فلان، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا فى جسده، فيم أنتم وذاك، والله لتستقيمنّ على الحقّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وحتى تذروا السّمّهى «8» وتقلعوا
(21/209)

عن هاوها «1» ، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ماجبى فىء ولا قوتل عدوّ، ولعطّلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا، ولقد بلغنى رفضكم المهلّب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإنى أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثالثة «2» إلّا ضربت عنقه، وأنهبت داره.
ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرىء، فلما قال القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين: سلام عليكم، فإنى أحمد الله إليكم- فلم يقل أحد شيئا، فقال: اكفف، ثم قال: يا عبيد العصا، يسلّم عليكم أمير المؤمنين فلا يردّ رادّ منكم السلام. هذا أدب ابن نهيّة «3» ، أدّبكم به، والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمنّ. ثم قال، للقارىء: اقرأ. فلما بلغ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. ثم نزل ودخل منزله، ودعا العرفاء وقال: ألحقوا الناس بالمهلّب، وائتونى بالبراءات بموافاتهم، ولا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضى هذه المدة.
قال: فلما كان فى اليوم الثالث سمع تكبيرا فى السوق، فخرج وجلس على المنبر، فقال: يأهل العراق، يأهل الشقاق والنّفاق
(21/210)

ومساوىء الأخلاق، إنى سمعت تكبيرا ليس بالتّكبير الذى يراد به وجه الله، ولكنه التكبير الذى يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف «1» ، يا بنى اللّكيعة «2» ، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه «3» ويحسن حقن دمه، ويعرف «4» موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها.
فقام إليه عمير بن ضابىء الحنظلى «5» التميمى، فقال: أصلح الله الأمير، أنا فى هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل، وابنى هذا هو أقوى منى على الأسفار أفتقبله منّى بديلا؟ فقال: نفعل. ثم قال:
ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابىء. قال: أسمعت كلامنا بالأمس! قال: نعم. قال: ألست الذى غزا عثمان بن عفّان؟ قال: بلى.
قال: يا عدوّ الله، أفلا بعثت بديلا إلى أمير المؤمنين، وما حملك على ذلك؟ قال: إنه حبس أبى، وكان شيخا كبيرا. قال: أولست القائل «6» :
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله
إنى لأحسب أنّ فى قتلك صلاح المصرين، وأمر به فضربت رقبته، وأنهب ماله، وأمر مناديا فنادى: ألا إنّ عمير بن ضابىء أتى
(21/211)

بعد ثالثة «1» ، وكان قد سمع النداء، فأمرنا بقتله، ألا وإن ذمّة الله بريئة ممّن بات الليلة من جند المهلب.
فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرج العرفاء إلى المهلّب وهو برامهرمز، فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلّب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، اليوم فويل «2» العدو.
وقال: ولما قتل الحجاج عميرا لقى إبراهيم بن عامر الأسدى عبد الله بن الزّبير «3» [رضى الله عنهما] «4» فى السوق، فسأله عن الخبر، فقال «5» :
أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا
تجهّز فأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا فى المهالك مذهبا
تخير فإمّا أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وإما أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف «6» نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج «7» أشهبا
فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هى أقربا
(21/212)

قال: وكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذى يكتب إليه.
قال الشعبى: كان الرجل إذا أخلّ بوجهه الذى يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلىّ رضى الله عنهم نزعت عمامته ويقام للناس، ويشهر أمره، فلما ولى مصعب قال: ما هذا بشىء، وأضاف إليه حلق الرءوس واللّحى، فلما ولى بشر بن مروان زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّر فى يديه مسماران فى حائط، فربما مات، وربما خرق المسمار يده، فسلم.
فلما ولى الحجاج قال: كلّ هذا لعب، أضرب عنق من يخلّ «1» بمكانه من الثغر.
قال: وكان قدوم الحجاج فى شهر رمضان، فوجّه الحكم بن أيوب الثقفى على البصرة أميرا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله، فبلغ الخبر خالدا فخرج عن البصرة فنزل الجلحاء «2» وشيّعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف.
(21/213)

ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج
قال: ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعّد من رآه منهم بعد ثالثة «1» ، ولم يلحق بالمهلّب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكرى وكان به فتق، فقال: أصلح الله الأمير، إن بى فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرنى، وهذا عطائى مردود فى بيت المال، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلّا لحق به.
ثم سار الحجاج إلى رستقباذ «2» ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، وقال حين نزل بها: يأهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم.
ثم خطب يوما فقال: إن الزيادة التى زادكم إياها ابن الزبير إنما هى زيادة ملحد فاسق منافق، ولسنا نجيزها- وكان مصعب قد زاد الناس فى العطاء مائة مائة- فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست زيادة ابن الزبير، إنما هى زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر.
(21/214)

فقال له الحجاج: ما أنت والكلام! لتحسننّ حمل رأسك أو لأسلبتّك إيّاه. فقال: ولم؟ إنى لك لناصح، وإن هذا لقول من ورائى.
فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فردّ عليه ابن الجارود مثل رده الأول، فقام مصقلة بن كرب العبدى، فقال: إنه ليس للرعيّة أن تردّ على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة فيما أحبّ «1» وكرهنا. فسبّه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس فصوّبوا رأيه وقوله، وقال الهذيل بن عمران البرجمى وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعى وغيرهما: نحن معك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كافّ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلمّ نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولّى علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج.
فبايعه الناس سرّا، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وبلغ الحجاج ما هم فيه، فأحرز بيت المال.
فلما تمّ لهم أمرهم أظهروه، وذلك فى شهر ربيع الآخر سنة [76 هـ] ست وسبعين، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلّا خاصّته وأهل بيته، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمّام أعين «2» إلى ابن الجارود يستدعيه، فقال: لا كرامة لابن أبى رغال «3» ، ولكن ليخرج عنّا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه. قال أعين:
(21/215)

فإنه يقول لك: أتطيب نفسا بقتلك وقتل بيتك وعشيرتك! والذى نفسى بيده لئن لم تأت لأدعنّ قومك وأهلك خاصة حديثا للغابرين.
وكان الحجاج قد حمّل أعين هذه الرسالة؛ فقال ابن الجارود:
لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة، وأمر فوجىء فى عنقه، وأخرج.
وأقبل ابن الجارود بالناس زحفا نحو الحجّاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه. فلما صاروا إليه نهبوا ما فى فسطاطه.
وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابّه، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخى سهيل بن عمرو.
ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه. فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خوفا من محاربة الخليفة، فجعل الغضبان ابن القبعثرى الشيبانى يقول لابن الجارود: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك. أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره، ولتضعفنّ منّتكم «1» .
فقال: قد قرب المساء. ولكنا نعاجله بالغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن، وزياد بن عمرو العتكى، وكان زياد على شرطته بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفضّ أكثر الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك.
فقال عثمان بن قطن الحارثى: لكنى لا أرى ذلك، إنّ أمير المؤمنين
(21/216)

قد شركك فى أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلّطك، فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولّاك الله شرف ذلك وسناءه، وولّاك أمير المؤمنين العراقين، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذى أنت فيه من السلطان أبدا، ولكنى أرى أن نمشى بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما.
فقال له الحجاج: الرّأى ما رأيت، وحفظ «1» هذه لعثمان، وحقدها على زياد، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال: إنى قد أخذت لك أمانا من الناس، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمّنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم.
ومرّ عباد بن الحصين الحبطى «2» بابن الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون، فقال: أشركونا فى نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل فى نجوانا أحد من الحبط، فغضب وسار إلى الحجاج فى مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالى من تخلّف بعدك. وأتاه قتيبة بن مسلم فى قومه من بنى أعصر، وكان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأنّ، ثم جاءه سبرة بن على الكلابى، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول: إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبّط الناس عنى.
فلما اجتمع للحجاج عدد «3» يمنع بمثلهم خرج، وعبّأ أصحابه،
(21/217)

وتلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأى؟ قال: تركت الرأى أمس حين قال لك الغضبان: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك.
وقد ذهب الرأى وبقى الصبر.
فحرّض ابن الجارود الناس، وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم، ويقال عبّاد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود فى أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعة وعاد ابن الجارود بظفر، فأتاه سهم غرب «1» فقتله، ونادى منادى الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر ألّا يتبع المنهزمون. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فأتى سعيد [ابن عباد الجلندى الأزدى بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه] «2» بنصف بطيخة مسمومة، وقال: هذا أوّل شىء جاءنا منه، وقد أكلت نصف هذه، وبعثت إليك بنصفها، فأكلها عبيد الله فأحسّ بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلنى.
قال: وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف.
وحبس الحجاج عبيد بن كعب النميرى ومحمد بن [عمير بن] «3»
(21/218)

عطارد، فإنه كان قد بعث إلى كلّ منهما يقول: هلمّ إلىّ فامنعنى، فقال: إن أتيتنى منعتك. وحبس الغضبان وقال: أنت القائل:
تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك! فقال: ما نفعت من قيلت له ولا ضرّت من قيلت فيه! فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه.
ذكر ما كلم به الحجاج أنس بن مالك
رضى الله عنه وشكواه إياه وما كتب به عبد الملك من الإنكار على الحجاج وسبّه بسببه قال: كان عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى رضى الله عنه ممن قتل مع ابن الجارود، فلما دخل الحجاج البصرة أخذ ماله، فدخل عليه أنس بن مالك رضى الله عنه، فحين رآه الحجاج قال له:
لا مرحبا ولا أهلا، إيه يا خبثة «1» ؛ شيخ ضلالة، جوّال فى الفتن، مرّة مع أبى تراب، ومرّة مع ابن الزّبير، ومرّة مع ابن الجارود؛ أما والله لأجردنّك جرد القضيب، ولأعصبنّك عصب السّلمة، ولأقلعنّك قلع الصّمغة.
فقال أنس: من يعنى الأمير؟ فقال: إياك أعنى، أصمّ الله صداك.
فرجع أنس، فكتب إلى عبد الملك كتابا يشكو فيه الحجاج وما صنع به.
فكتب عبد الملك إلى الحجّاج: أما بعد يابن أمّ الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك، وتجاوزت قدرك، يابن المستفرمة بعجم الزبيب «2» لأغمزنّك غمزة كبعض
(21/219)

غمزات الليوث «1» الثعالب، ولأخبطنّك خبطة تودّ لها لو أنك رجعت فى مخرجك من بطن أمك. أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحفرون الآبار بأيديهم فى أوديتهم ومياههم؛ أم نسيت حال آبائك فى اللؤم والدناءة فى المروءة والخلق.
وقد بلغ أمير المؤمنين الذى كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظنّك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين فى أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك، فإن سوّغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين «2» ، أصكّ «3» الرجلين، ممسوح الجاعرتين «4» ، ولولا أنّ أمير المؤمنين ظنّ أن الكاتب كثّر [فى الكتابة] «5» عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتى بك أنسا فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، واعرف له حقّه وخدمته رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا تقصّرنّ فى شىء من حوائجه، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدّم فيه إليك من أمر أنس وبرّه وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوّك، والقه فى منزله متنصّلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك، إن شاء الله. والسلام.
(21/220)

وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بنى مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك فقرأه، وأتى الحجاج بالكتاب فجعل يقرؤه ووجهه يتغيّر ويتمعّر «1» ، وجبينه يرشح عرقا، ثم قال «2» :
يغفر الله لأمير المؤمنين.
ثم اجتمع بأنس فرحّب به الحجاج، وأدناه، واعتذر إليه، وقال: أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما بلغت أنى إليهم بالعقوبة أسرع.
فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ منى الجهد، وقد زعمت أنّا الأشرار، وقد سمّانا الله الأنصار، وزعمت أنّا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّءوا الدّار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتنى ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرّم الله عليك منى، ولم يكن لى عليك قوة، فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقّى ما لم تحفظ، فو الله لو أنّ النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى ابن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقّه ما لم تعرف أنت من حقى، وقد خدمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشر سنين. وبعد فإن رأينا خيرا حمدنا الله عليه، وأثنينا، وإن رأينا غير ذلك صبرنا. والله المستعان.
وردّ عليه الحجاج ما كان أخذ منه.
(21/221)

ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله وولاية مجّاعة بن سعر «1» التميمى ووفاته
وفى هذه السنة استعمل الحجاج على السند سعيد بن أسلم ابن زرعة، فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العلاقيان.
فقتلاه وغلبا على البلاد، فأرسل الحجاج مجّاعة بن سعر التميمى إلى السند، فغلب على ذلك الثّغر، وغزا وفتح أماكن من قندابيل «2» ، ومات مجّاعة بعد سنة بمكران «3» . [والله أعلم] . «4»
ذكر خبر الزنج بالبصرة
قال: كان الزنج قد اجتمعوا بفرات البصرة فى آخر أيام مصعب، ولم يكونوا بالكثير، فأفسدوا. فلما ولى خالد بن عبد الله البصرة كثروا، فشكا الناس إليه ما ينالهم منهم، فجمع لهم جيشا، فلما بلغهم ذلك تفرّقوا، وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم، فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرناه اجتمع من الزنج خلق كثير بالفرات، وجعلوا عليهم رجلا منهم اسمه رباح ويلقّب شيرزنجى «5» يعنى أسد الزنج، [فأفسدوا] «6» ، فأمر الحجاج زياد بن عمرو وهو على شرطة البصرة
(21/222)

أن يرسل إليهم جيشا، فندب ابنه حفص بن زياد فقتلوه، وهزموا أصحابه، فسيّر إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم، واستقامت البصرة.
وفى هذه السنة حجّ عبد الملك بالناس فخطب الناس بالمدينة، فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد فإنى لست بالخليفة المستضعف- يعنى عثمان، ولا بالخليفة المداهن- يعنى معاوية، ولا بالخليفة المأفون «1» - يعنى يزيد، ألا وإنى لا أداوى هذه الأمّة إلّا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، وإنكم تكلّفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم.
وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه. ثم نزل.
سنة (76 هـ) ست وسبعين:
ذكر ضرب الدنانير والدراهم الاسلامية
وفى هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم الإسلامية، وهو أوّل من أحدث ضربها فى الإسلام؛ وكان سبب ذلك أنه كتب فى صدور الكتب إلى الروم: قل هو الله أحد. وذكر النبىّ صلى الله عليه وسلّم مع التاريخ. فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم هذا فاتركوه، وإلا أتاكم فى دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون.
فعظم ذلك على عبد الملك، واستشار خالد بن يزيد بن معاوية، فقال: حرّم دنانيرهم، واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى.
(21/223)

فضرب الدنانير والدراهم ونقش عليها: قل هو الله أحد. فكره الناس ذلك لمكان القرآن؛ لأن الجنب والحائض تمسّها «1» ، ثم ضربها الحجاج.
وقد قيل: إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله، ثم كسرت بعد ذلك فى أيام عبد الملك. والصحيح أنّ عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم فى الإسلام.
*** وفيها استعمل عبد الملك أبان بن عثمان على المدينة.
وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير «2» المدينة، وكان على العرق الحجاج، وعلى خراسان أميّة بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى.
سنة سبع وسبعين:
ذكر مقتل بكير بن وساج
وفى هذه السنة قتل أميّة بن عبد الله أمير خراسان بكير بن وسّاج «3» ، وسبب ذلك أن أمية أمر بكيرا أن يتجهّز لغزو ما وراء النّهر، فتجهّز وأنفق نفقة كبيرة، فقال بحير بن ورقاء لأمية: إن صار بينك وبينه النّهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أميّة يقول: أقم لعلّى أغزو فتكون معى، فغضب بكير، وكان قبل ذلك قد ولّاه طخارستان، وأنفق
(21/224)

نفقة عظيمة، فحذّره بحير منه فمنعه منها، ثم إن أمية تجهّز للغزو إلى بخارى وتجهّز معه الناس، وفيهم بكير بن وسّاج، فلما بلغوا النّهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير: إنى قد استخلفت ابنى على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها، لأنه غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها، فقد ولّيتكها، فقم بأمر ابنى.
فانتخب بكير فرسانا كان قد عرفهم ووثق بهم، ورجع. ومضى أميّة إلى بخارى فقال عقاب «1» الغدانى لبكير: إنّا طلبنا أميرا من قريش، فجاءنا أمير يلعب بنا، يحوّلنا من سجن إلى سجن، وإنى أرى أن نحرق هذه السفن، ونمضى إلى مرو، ونخلع أمية ونقيم بمرو، نأكلها إلى يوم ما، ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبرى على هذا، فقال بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى. قال: إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال:
إنما يكفيك أن ينادى مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء وأطوع. قال: فيهلك أميّة ومن معه.
قال: ولم يهلكون ولهم عدد وعدّة ونجدة وسلاح ظاهر، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين.
فأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فحبس ابن أميّة وخلع أمية، وبلغ أمية الخبر، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع وأمر «2» باتخاذ السفن، وعبر، وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى، وأنه كافأه بالعصيان.
(21/225)

وسار إلى مرو، وأرسل شمّاس بن دثار فى ثمانمائة، فسار بكير إليهم، فانهزم شمّاس، وأمر أصحابه ألّا يقتلوا منهم أحدا، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم. وقدم أميّة فتلقّاه شماس، فقدم ثابت ابن قطبة فلقيه بكير فأسره، وفرّق جمعه، ثم أطلقه ليد كانت لثابت عنده. وأقبل أميّة وقاتله بكير فكان بينهم وقعات فى أيام، فانكشف أصحاب بكير فى بعضها، فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة وناداه إلى أين يا بكير! فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر، وعضّ السيف برأسه فقطع فصرع، واحتمله أصحابه فأدخلوه البلد.
وكان أصحاب بكير يفدون «1» فى الثياب المصبّغة فيجلسون يتحدثون. وينادى مناديهم من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله، فلا يرميهم أحد.
وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح؛ وأحبّ ذلك أيضا أصحاب أميّة، فاصطلحوا على أن يقضى عنه أمية أربعمائة ألف، ويصل أصحابه ويوليه أىّ كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما.
ودخل أمية مدينة مرو، ووفى لبكير، وعاد إلى ما كان من الكرامة «2» ، وأعطى أمية عقابا «3» عشرين ألفا، وكان أمية سهلا
(21/226)

ليّنا سخيّا، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، وكان فيه زهد «1» .
وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولّاها عطاء بن أبى السائب، وطالب أميّة الناس بالخراج واشتدّ عليهم، فجلس بكير فى المسجد وعنده الناس، فذكروا شدّة أمية فذمّوه وبحير، وضرار بن حصن «2» ، وعبد «3» العزيز بن جارية بن قدامة فى المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أميّة فكذّبه، فادّعى شهادة هؤلاء، فشهد مزاحم بن أبى المجشّر السلمى أنه كان يمزح، فتركه أميّة، ثم إن بحيرا أتى أميّة وقال:
والله إن بكيرا قد دعانى إلى خلعك، وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشى، وأكلت خراسان. فلم يصدّقه أمية، فاستشهد جماعة ذكر بكير أنهم أعداؤه. فقبض أمية على بكير وعلى ابنى أخيه:
بدل، وشمردل، ثم أمر بعض الرؤساء بقتل بكير، فامتنعوا فأمر بحيرا بقتله فقتله، وقتل أمية ابنى أخى بكير.
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان.
وفيها مات جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصارى.
سنة (78 هـ) ثمان وسبعين)
فى هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أميّة بن عبد الله عن خراسان وسجستان؛ وضمهما إلى أعمال الحجاج، فاستعمل
(21/227)

الحجاج المهلّب بن أبى صفرة على خراسان وعبيد «1» الله بن أبى بكرة على سجستان، فبعث المهلب ابنه حبيبا إلى خراسان، فلما ودّع الحجاج أعطاه بغلة خضراء، فسار عليها وأصحابه على البريد، فوصل خراسان فى عشرين يوما، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب وشدّة السير، ولم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلّب فى سنة [79 هـ] تسع وسبعين.
وحجّ بالناس [فى هذه السنة] «2» أبان بن عثمان «3» ، وكان العمال من ذكرنا، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس.
سنة (79 هـ) تسع وسبعين:
فى هذه السنة استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجّاج، واستعمل على القضا، أبا بردة بن أبى موسى.
وحجّ بالناس أبان بن عثمان وهو أمير المدينة.
سنة (80 هـ) ثمانين:
فى هذه السنة حجّ بالناس أبان بن عثمان، وفيها توفى أبو إدريس الخولانى، وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وقيل سنة [84 هـ] أربع وثمانين، وقيل سنة خمس. وقيل سنة ستّ. وقيل سنة تسعين.
والله أعلم.
(21/228)

وفيها توفى محمد بن على بن أبى طالب [رضى الله عنهما] «1» ، وهو ابن الحنفيّة، ومات جماعة من الصحابة رضى الله [تعالى] «2» عنهم [أجمعين] «3» .
سنة (81 هـ) احدى وثمانين:
ذكر مقتل بحير بن ورقاء
[بشر القاتل بالقتل لأنه كان سببا وباعثا لقتل بكير بن وساج] «4» فى هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصّريمى. وكان سبب قتله أنه لما قتل بكير بن وسّاج وكلاهما كان تميميا- قال عثمان بن رجاء ابن جابر أحد بنى «5» عوف بن سعد من الأبناء، والأبناء عدة بطون من تميم، يحرّض «6» بعض آل بكير من الأبناء على الطلب بثأره «7» :
العمرى لقد أغضيت عينا على القذى ... وبتّ بطينا من رحيق مروّق «8»
وخلّيت «9» ثأرا طلّ واخترت نومة ... ومن شرب «10» الصّهباء بالوتر يسبق
فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... تركت بحيرا فى دم مترقرق
(21/229)

فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا ... ببكر «1» فعوف أهل شاء حبلّق «2»
دع «3» الضّأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثا بين غرب ومشرق
وهبّوا فلو أمسى «4» بكير كعهده ... لغاداهمو زحفا بجأواء فيلق «5»
وقال أيضا «6» :
فلو كان بكر بارزا فى أداته ... وذى العرش لم يقدم عليه بحير
ففى الدهر إن أبقانى الدّهر مطلب ... وفى الله طلّاب بذاك جدير
فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعّدونه، فقال «7» :
توعّدنى الأبناء جهلا كأنّما ... يرون فنائى مقفرا من بنى كعب
(21/230)

رفعت له كفّى بعضب «1» مهنّد ... حسام كلون الملح «2» ذى رونق عضب
فتعاقد سبعة «3» عشر من بنى عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له شمردل «4» من البادية حتى قدم خراسان، فرأى بحيرا واقفا، فحمل عليه فطعنه فصرعه، وظنّ أنه قتله، وركض، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. وخرج صعصعة بن حرب العوفى من البادية، ومضى إلى سجستان، فجاور قرابة لبحير مدة، وادّعى أنه من بنى حنيفة من اليمامة، وأطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لى بخراسان ميراثا فاكتبوا لى إلى بحير كتابا ليعيننى على حقّى. فكتبوا له، وسار فقدم على بحير فأخبره أنّه من من بنى حنيفة وأنّ له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه «5» ويعود إلى اليمامة. فأنزله بحير، وأمر له بنفقة، ووعده المساعدة.
وكان بحير قد حذر، فلما قال له: إنه من بنى حنيفة أمنه، وكان إذ ذاك فى الغزو مع المهلب. فقال له: أقيم معك حتى ترجع إلى مرو، فأقام شهرا يحضر معه باب المهلّب، فجاء صعصعة يوما وبحير عند باب المهلب وعليه قميص ورداء، فقعد خلفه، ودنا منه كأنه يكلّمه، فوجأه بخنجر معه فى خاصرته، فغيّبه فى جوفه.
ونادى يالثارات بكير! فأخذ وأتى به المهلب، فقال له: بؤسا لك!
(21/231)

ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس! فقال:
لقد طعنته طعنة لو قسّمت بين الناس لماتوا. ولقد وجدت ريح بطنه فى يدى.
فحبسه المهلّب، ومات بحير من الغد، فقال صعصعة: اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد خلت خدور «1» نساء بنى عوف، وأدركت بثأرى. والله لقد أمكننى منه [ما صنعت] «2» خاليا غير مرة، فكرهت أن أقتله سرّا.
فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا، وأمر بقتله، فقتل.
وقيل: إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، وغضبت عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما أخذ بثأره، فنازعتهم مقاعس والبطون، وكلّهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجا: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير [بواء] «3» ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة «4» :
لله درّ فتى تجاوز همّه ... دون العراق «5» مفاوزا وبحورا
ما زال يدئب «6» نفسه وركابه ... حتى تناول فى الحزون «7» بحيرا
(21/232)

ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
على الحجاج وما كان بينهما من الحروب كان ابتداء خلافه على الحجاج فى هذه السنة، واستمرت الوقائع التى نذكرها بينهما إلى سنة [83 هـ] ثلاث وثمانين، وقد رأينا أن نجمع أخباره بجملتها فى هذا الموضع، ولا نقطعها بغيرها، ونميّز كل وقعة منها بتاريخها.
وكان سبب خلافه أنّ الحجاج لما بعثه فى الجنود إلى بلاد رتبيل فى سنة [80 هـ] ثمانين كما ذكرنا فى الغزوات، وملك ما ملك من من حصون رتبيل، واستولى على ما استولى عليه من بلاده، وأقام، وكتب إلى الحجاج يعرّفه أنه رأى ترك التوغّل فى بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها ويجبوا خراجها.
فلما ورد كتابه على الحجّاج كتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرىء يحبّ الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، فامض إلى «1» ما أمرتك من الوغول فى أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم، ثم أردفه كتابا آخر [بنحو ذلك] «2» ، وفيه:
أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم.
ثم كتب إليه كتابا ثالثا كذلك، ويقول: إن مضيت إلى ما أمرتك
(21/233)

وإلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: أيها الناس، إنّى لكم ناصح ولصلاحكم محبّ، ولكم فى كل ما يحيط به نفعكم «1» ناظر، وقد كان رأيى فيما بينى وبين عدوى «2» ما رضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتانى كتابه يعجّزنى ويضعّفنى ويأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، وهى البلاد التى هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم.
فثار إليه الناس وقالوا: بل، نأبى على عدوّ الله، ولا نسمع له ولا نطيع.
فكان أول من تكلم أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكنانى، وله صحبة، فقال- بعد حمد الله: أما بعد فإنّ الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول [إذ قال لأخيه] «3» : احمل عبدك على الفرس، إن هلك هلك، وإن نجا فلك. إنّ الحجاج لا يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا «4» كثيرة، ويغشى بكم اللهوب واللّصوب «5» ، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة فى سلطانه؛
(21/234)

وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالى عنتهم، ولا يبقى عليهم، اخلعوا عدوّ الله الحجاج، وبايعوا الأمير عبد الرحمن، فإنى أشهدكم أنّى أوّل خالع.
فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدوّ الله.
وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعى ثانيا فتكلّم، وندب الناس إلى مبايعة عبد الرحمن، فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من العراق، ولم يذكر عبد الملك، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه وعلى النّصرة له، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل أبدا، وإن هزم فأراده منعه «1» .
ثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشّيبانى وعلى زرنج «2» عبد الله بن عامر التميمى، وعلى كرمان خرشة بن عمرو التميمى، ورجع إلى العراق، وجعل على مقدّمته عطية بن عمرو العنبرى.
فلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا:
إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس خلع عبد الملك تيجان «3» ابن أبجر بن تيم الله بن ثعلبة «4» ، قام فقال: أيها الناس، إنى خلعت
(21/235)

أبا ذبّان «1» كخلعى خاتمى «2» ، فخلعه الناس إلّا قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن. وكانت بيعته يبايعون على كتاب الله وسنّة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وعلى جهاد أهل الضّلالة، وخلعهم، وجهاد المحلّين.
فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بالخبر، ويسأله أن يعجّل بعثة الجنود إليه. وسار الحجاج حتى بلغ البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، ودعا خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من سجستان فلا تخفه، وإن كان من خراسان فإنى أتخوّف.
فجهّز عبد الملك الجند على البريد، فكانوا يصلون من مائة ومن خمسين وأقل من ذلك وأكثر، وسار الحجاج من البصرة إلى تستر «3» ، وقدم مقدمته إلى دجيل، فلقوا خيلا لعبد الرحمن، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال، وذلك يوم الأضحى سنة [81 هـ] إحدى وثمانين، وقتل منهم جمع كثير.
فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة وتبعه أصحاب عبد الرحمن، فقتلوا من أصحابه وأصابوا بعض أثقالهم. وأقبل الحجاج حتى نزل الزّاوية «4» ، وجمع عنده الطعام، وفرّق فى الناس
(21/236)

مائة وخمسين ألف درهم، وأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة فبايعه جميع أهلها.
وكان السبب فى سرعة إجابتهم إلى بيعته أنّ عمّال الحجاج كتبوا إليه إنّ الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار.
فكتب إلى البصرة وغيرها: إن من كان له أصل فى قرية فليخرج إليها، فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون:
يا محمداه! يا محمداه! وجعل قرّاء البصرة يبكون.
فلما قدم ابن الأشعث إثر ذلك بايعوه على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك؛ وخندق الحجاج على نفسه، وخندق عبد الرحمن على البصرة، وكان دخوله البصرة فى آخر ذى الحجة.
ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ابن الأشعث من البصرة إلى الكوفة
وفى المحرم سنة [82 هـ] اثنتين وثمانين اقتتل عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث قتالا شديدا، وكان بينهم عدّة وقعات، فلما كان آخر يوم من المحرم اشتدّ القتال، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه، وقاتلوا على خنادقهم، ثم تزاحفوا فتقوّض أصحاب الحجاج، فجثا على ركبتيه، وقال: لله درّ مصعب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل، وعزم على أنه لا يفر.
فحمل سفيان بن الأبرد على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، وانهزم
(21/237)

أهل العراق، وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن، وقتل منهم خلق كثير، منهم: عقبة بن عبد الغافر الأزدى وجماعة من القرّاء.
ولما بلغ ابن الأشعث الكوفة تبعه أهل القوّة وأصحاب الخيل من البصرة، واجتمع من بقى بالبصرة مع عبد الرحمن بن عباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ومعه «1» طائفة من أهل البصرة، وهذه الوقعة تسمّى وقعة الزّاوية.
وقتل الحجاج فى هذا اليوم بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان، أمر مناديا فنادى: الأمان لفلان وفلان، سمّى رجالا، فقال العامّة: قد أمن الناس، فحضروا عنده، فأمر بهم فقتلوا.
قال: وكان الحجّاج عند مسيره من الكوفة إلى البصرة استعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمى حليف بنى أميّة، فقصده مطر بن ناجية اليربوعى، فتحصّن منه ابن الحضرمىّ فى القصر، فوثب أهل الكوفة مع مطر، فأخرج ابن الحضرمى ومن معه من أهل الشام، وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على القصر، واجتمع إليه الناس، ففرّق فيهم لكلّ إنسان مائتى درهم.
فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة يستقبلونه، فدخل الكوفة، وقد سبق إليه همدان فكانوا حوله، فأتى القصر فمنعه مطر بن ناجية ومن معه من بنى تميم، فأصعد
(21/238)

عبد الرحمن الناس فى السلاليم إلى القصر فأخذوه، وأتى عبد الرحمن بمطر فحبسه ثم أطلقه.
ذكر وقعة دير الجماجم
[وانهزام أصحاب ابن الأشعث وعود الحجاج إلى الكوفة] «1» كانت وقعة دير الجماجم «2» فى شعبان سنة [82 هـ] اثنتين وثمانين، وقيل: كانت فى سنة ثلاث وثمانين. والذى يقول: إنها فى سنة ثلاث يقول: كان نزولهم بدير الجماجم لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة [83 هـ] ثلاث وثمانين، والهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها، فكانت مائة يوم وثلاثة أيام. والله أعلم.
وكان سبب هذه الوقعة أنّ الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث، ونزل دير «3» قرّة، وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم، واجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح والقراء، وكانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم «4» ، وجاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرّة، وخندق كلّ منهما على نفسه، وكان الناس يقتتلون كل يوم، ولا يزال أحدهما يدنى خندقه من الآخر.
فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان- وكان محمد بأرض الموصل- فى جند كثيف إلى الحجاج، وأمرهما أن يعرضا
(21/239)

على أهل العراق عزل الحجاج، وأن يجرى عليهم أعطياتهم، كما يجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن الأشعث أى بلد شاء من العراق، فإذا نزل كان واليا عليها مادام حيّا، وعبد الملك خليفة. فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنهم «1» ، وصار محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج أمير الجماعة ووالى «2» القتال، ومحمد وعبد الله فى طاعته، فلم يأت الحجاج أمر قطّ كان أشدّ عليه ولا أوجع لقلبه منه، وخشى أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: والله لو «3» أعطيت أهل العراق عزلى «4» لم يلبثوا إلّا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلّا جراءة عليك، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفّان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه؛ وإن الحديد بالحديد يفلح.
فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله على أهل العراق، وقال: عزله أيسر من حرب أهل العراق، ويحقن الدماء.
فخرج عبد الله بن عبد الملك وقال: يأهل العراق، أنا ابن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا.
(21/240)

وخرج محمد بن مروان، وقال: أنا رسول أمير المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا.
فقالوا: نرجع للعشيّة. ورجعوا، واجتمعوا عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمرا انتهازكم إياه اليوم فرصة، وإنكم اليوم على النّصف؛ فإن كانوا اعتدّوا عليكم بيوم الزّاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرض عليكم، وأنتم أعزّاء أقوياء.
فوثبوا وقالوا: لا والله لا نقبل. وأعادوا خلع عبد الملك ثانيا؛ وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمى وعمير بن تيحان، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من الخلع بفارس.
فقال عبد الله ومحمد للحجاج: شأنك بعسكرك وجندك، واعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع، وكانا يسلمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة.
قال: ولما اجتمع أهل العراق على خلع عبد الملك قال ابن الأشعث:
ألا إنّ بنى مروان يعيّرون بالزّرقاء، والله ما لهم نسب أصحّ منه، إلّا أنّ بنى العاص «1» . أعلاج من أهل صفّورية «2» ، فإن يكن هذا الأمر فى قريش فعنّى تقوّبت «3» بيضة قريش، وإن يك فى العرب فأنا ابن الأشعث، ومدّ بها صوته حتى سمعه الناس.
(21/241)

وبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى، وعلى خيله سفيان ابن الأبرد الكلبى، وعلى رجاله عبد الله «1» بن حبيب الحكمى.
وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية «2» الخثعمى.
وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميمى، وعلى خيله عبد الرحمن ابن العباس «3» بن ربيعة الهاشمى، وعلى رجاله محمد بن سعد ابن أبى وقاص، وعلى مجنّبته «4» عبد الله بن رزام الحارثى، وجعل على القرّاء زحر «5» بن قيس الجعفى، وفيهم سعيد بن جبير بن هشاء الشعبى، واسمه عامر بن شراحيل، وأبو البخترى الطائى، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى.
وأخذوا فى القتال [فى كل يوم] «6» ، وأهل العراق تأتيهم موادّهم من الكوفة وسوادها، وهم فى خصب. وأهل الشام فى ضيق «7» شديد، قد غلت عندهم الأسعار، وفقد اللحم، حتى كأنهم فى حصار.
وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون «8» .
فعبّأ الحجاج فى بعض الأيام لكتيبة القرّاء ثلاث كتائب، وبعث عليها الجرّاح بن عبد الله الحكمى؛ فقام «9» جبلة بن زحر
(21/242)

فى القراء، وحرضهم على القتال، وذمّ أهل الشام، وسمّاهم المحلّين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه فى كلام كثير قاله. وقال أبو البخترى: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم.
وقال الشعبى: أيّها الناس قاتلوهم قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم: فو الله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور فى حكم منهم.
وقال سعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال جبلة: احملوا حملة صادقة ولا تردّوا وجوهكم عنهم.
فحملوا عليهم فأزالوا الكتائب عن مواقفها وفرّقوها وتقدّموا حتى واقعوا صفّهم، فأزالوه عن مكانه؛ ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا.
وكان سبب قتله أنّ أصحابه لمّا حملوا على أهل الشام وفرّقوهم وقف لأصحابه ليرجعوا إليه، فافترقت فرقة من أهل الشام، فنظروا إليه، فقال بعضهم لبعض: احملوا عليه مادام أصحابه مشاغيل بالقتال، فحملوا عليه فلم يزل «1» ، وحمل عليهم فقتل؛ قتله الوليد ابن نحيت «2» الكلبى، وجىء برأسه إلى الحجاج، فبشّر أصحابه بقتله، فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط فى أيديهم، وظهر الفشل فى القراء [وناداهم أهل الشام: يا أعداء الله، قد هلكتم وقتل طاغيتكم] «3» - وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة
(21/243)

الشيبانى، ففرحوا به، وقالوا: تقوم مقام جبلة، وكان قدومه من الرىّ، فجعله عبد الرحمن على ربيعة، فدخل عسكر الحجاج، فأخذ من نساء أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن، فقال الحجاج:
منعوا نساءهم لو لم يردّوهنّ لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم.
قال: وخرج عبد الله بن رزام الحارثى يطلب «1» المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد الله، فعل ذلك ثلاثة أيام. فلما كان فى اليوم الرابع خرج فقالوا: جاء لا جاء الله به! فقال الحجاج للجرّاح: اخرج إليه. فخرج، فقال له عبد الله:
ما جاء بك؟ ويحك يا جرّاح! وكان له صديقا. فقال: ابتليت بك. قال: فهل لك فى خير؟ قال الجرّاح: ما هو؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجّاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأحتمل أنا مقالة الناس فى انهزامى حبّا لسلامتك، فإنى لا أحب قتل مثلك من قومى. قال: افعل.
فحمل الجرّاح عليه فاستطرد له، وحمل عليه الجرّاح بجدّ «2» .
يريد قتله، فصاح بعبد الله غلامه وقال: إنّ الرجل يريد قتلك.
فعطف عبد الله على الجرّاح فضربه بعمود على رأسه فصرعه، وقال له:
يا جراح، بئسما جزيتنى! أردت بك العافية، وأردت قتلى. انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة.
قال: ودام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التى ذكرناها،
(21/244)

فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشدّ قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج، واستعلوا عليهم، وهم آمنون أن ينهزموا، فبينما هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرّة التميمى، وهو على ميسرة ابن الأشعث، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتال، فظنّ الناس أنّ الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس، فلما انهزم تقوّضت الصفوف، وركب الناس بعضهم بعضا، وصعد عبد الرحمن [بن محمد] «1» المنبر ينادى الناس: إلىّ عباد الله؛ فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى دنا أهل الشام، فقاتل من معه، ودخل أهل الشام العسكر، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدى، فقال له: انزل، فإنى أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إذا انصرفت أن يجتمع «2» لك جمع يهلكهم الله به.
فنزل وانهزم هو ومن معه لا يلوون على شىء. ودخل الحجاج الكوفة، وعاد محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحدا إلا قال له: أتشهد أنك كفرت، فإن قال نعم بايعه، وإلا قتله.
فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس جميعا، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربّص، أتشهد أنك كافر! فقال: بئس الرجل أنا إذا؛ أعبد الله «3» ثمانين سنة ثم أشهد على نفسى بالكفر.
(21/245)

قال: إذا أقتلك، قال: وإن قتلتنى، فقتله. فما بقى أحد من أهل الشام والعراق إلّا رحمه.
وقتل كميل بن زياد وكان خصيصا بعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما، وأتى بآخر بعده، فقال الحجاج: أرى رجلا ما أظنّه يشهد على نفسه بالكفر، فقال له الرجل: أتخادعنى «1» عن نفسى، أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون. فضحك الحجاج وخلّى سبيله.
قال: وأقام الحجاج بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها، وهو أوّل من أنزل الجند فى بيوت غيرهم، واستمرت هذه القاعدة بعده.
قال: وكان الحجاج لما انهزم الناس أمر مناديا فنادى: من لحق بقتيبة بن مسلم فهو أمانه «2» . وكان قد ولّاه الرّىّ، فلحق به ناس كثير منهم الشعبى، فذكره الحجاج يوما بعد الفراغ من أمر ابن الأشعث، فقيل له: إنه لحق بقتيبة بالرّىّ؛ فكتب إلى قتيبة يأمره بإرساله.
قال الشعبى: فلما قدمت على الحجاج لقيت يزيد بن أبى مسلم وكان صديقا لى، فقال: اعتذر مهما «3» استطعت. وأشار بمثل ذلك إخوانى ونصحائى.
فلما دخلت على الحجّاج رأيت غير ما ذكروا «4» ، فسلمت عليه بالإمرة، وقلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمرونى أن أعتذر
(21/246)

بما يعلم الله أنه غير الحق، وايم الله لا أقول فى هذا المقام إلّا الحق:
قد والله تمردنا «1» عليك وحرّضنا عليك، وجهدنا، فما كنّا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنّا فبحلمك.
وبعد فالحجة لك علينا.
فقال الحجاج: أنت والله أحبّ إلىّ قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما قلت ولا شهدت، قد أمنت يا شعبى.
كيف وجدت الناس بعدنا، فقلت: أصلح الله الأمير، اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت الجناب، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا. قال: انصرف يا شعبىّ. فانصرفت.
نعود إلى بقية أخبار عبد الرحمن بن الأشعث:
ذكر الوقعة بمسكن «2»
قال: ولما انهزم عبد الرحمن من دير الجماجم أتى البصرة، فاجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير، فاجتمعوا بمسكن، وبايعوه على الموت، وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وجعل القتال من وجه واحد، وقدم إليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان، وأتاه الحجاج، فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال، وبات الحجاج يحرّض أصحابه، فلما أصبحوا باكروا القتال، واشتدّت
(21/247)

الحرب، فانهزم ابن الأشعث ومن معه، وقتل عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه، وأبو البخترى الطائى، ومشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة فى أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا على أهل الشام، فكشفوهم مرارا، فدعا الحجاج الرّماة فرموهم، وأحاط بهم الناس، فقتلوهم إلا قليلا. ومضى ابن الأشعث إلى سجستان.
وقد قيل فى هزيمة ابن الأشعث بمسكن أنه اجتمع هو والحجاج، وكان العسكران بين دجلة والسّيب «1» والكرخ «2» ، فاقتتلوا شهرا أو دونه، فأتى شيخ فدلّ «3» الحجاج على طريق من وراء الكرخ «4» فى أجمة وضحضاح من الماء، فأرسل معهم أربعة آلاف، فسار بهم، ثم قاتل الحجاج أصحاب عبد الرحمن، فانهزم الحجاج فعبر السّيب، ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا بعد أن نهب عسكر الحجاج، فأمن أصحابه، وألقوا السلاح. فلما كان نصف الليل لم يشعروا إلّا وقد أخذهم السيف من تلك السريّة، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممّن قتل، ورجع الحجاج على الصوت يقتل من وجد، فكان عدّة من قتل أربعة آلاف، منهم عبد الله بن شداد ابن الهاد، وبسطام بن مصقلة، وعمر بن ضبيعة الرقاشى، وبشر ابن المنذر بن الجارود، وغيرهم.
(21/248)

ذكر مسير عبد الرحمن الى رتبيل
وما كان من أمره وأمر أصحابه قال: ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان فأتبعه الحجاج ابنه محمدا وعمارة بن تميم اللخمى، وعمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسّوس «1» ، فقاتله ساعة، ثم انهزم عبد الرحمن ومن معه، وساروا حتى بلغوا نيسابور «2» ، واجتمع إليه الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة، فجرح عمارة وكثير من أصحابه، فانهزم عمارة وترك لهم «3» العقبة، وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبعه، فلما وصل عبد الرحمن إليها لقيه عامله وقد هيّأ له منزلا «4» ، فنزل. ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج «5» وفيها عامله فأغلق بابها. ومنع عبد الرحمن من دخولها، فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل إلى ذلك، فسار إلى بست «6» ، وكان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن «7» هشام السدوسى الشيبانى. فاستقبله فأنزله. فلما غفل عنه أصحابه قبض عليه عياض، وأوثقه، وأراد أن يأمن به «8» عند الحجاج.
وكان رتبيل ملك الترك قد سمع بمقدم عبد الرحمن، فسار إليه
(21/249)

ليستقبله لما كان قد تقرّر بينهما من العهود والمواثيق كما تقدم.
فلما بلغه أنّ عياضا قد قبض عليه نزل على بست، وبعث إلى عياض يتهدّده بالقتل إن هو لم يطلقه، فاستأمنه عياض، وأطلق عبد الرحمن، ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله وأكرمه وعظّمه، وكان ناس كثير من أصحاب عبد الرحمن ممّن انهزم من الرءوس وقادة الجيوش الذين لم يقبلوا أمان الحجاج، ونصبوا له العداوة فى كل موطن قد بعثوا يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، فأتاهم ابن الأشعث. وكان عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يصلّى بهم إلى أن قدم ابن الأشعث. فلما قدم عليهم ساروا كلّهم ففتحوا زرنج، وسار نحوهم عمارة بن تميم فى أهل الشام؛ فقال أصحاب عبد الرحمن له: اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يزيد بن المهلب، وهو رجل شجاع، ولا يترك لكم سلطانه، ولو دخلناها لقاتلنا وتتبعنا «1» أهل الشام، فيجتمع علينا أهل خراسان وأهل الشام. فقالوا: لو دخلنا خراسان لكان من يتّبعنا أكثر ممّن يقاتلنا. فسار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشى فى ألفين. فقال لهم عبد الرحمن:
إنى كنت فى مأمن وملجأ، فجاءتنى كتبكم أن أقبل، فإنّ أمرنا واحد، فلعلنا نقاتل عدوّنا. فأتيتكم فرأيتم أن أمضى إلى خراسان، و [زعمتم] «2» أنكم مجتمعون لى «3» ولا تتفرّقون، وهذا عبيد الله قد صنع
(21/250)

ما رأيتم، فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبى الذى أتيت من عنده.
فتفرّق منهم طائفة وبقى معه طائفة، وبقى عظم العسكر مع عبد الرحمن «1» بن العبّاس [فبايعوه «2» ] ، فأتوا هراة، فلقوا بها الرّقاد «3» الأزدى فقتلوه، فسار إليهم يزيد بن المهلب.
وقيل: لما انهزم ابن الأشعث من مسكن أتى عبيد الله بن عبد الرحمن ابن سمرة هراة، وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان، فاجتمع معه فل ابن الأشعث. فساروا إلى «4» خراسان فى عشرين ألفا، فنزل هراة، ولقى الرّقاد [بن عبيد العتكى] «5» بها فقتلوه، فأرسل إليه يزيد بن المهلب وهو عامل خراسان يقول: قد كان لك فى البلاد متّسع، من «6» هو أهون منى شوكة؛ فارتحل إلى بلد ليس [لى] «7» فيه سلطان، فإنى أكره قتالك، وإن أردت مالا أرسلت إليك.
فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام، ولكن أردنا أن نريح، ثم نرحل عنك، وليست بنا إلى المال حاجة.
ثم أقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية، وبلغ ذلك يزيد ابن المهلب، فقال: من أراد أن يريح ثم يرحل لم يجب الخراج،
(21/251)

وسار نحوه، وأعاد مراسلته يقول: إنك قد أرحت وسمنت وجبيت الخراج، فلك ما جبيت وزيادة، فاخرج عنى، فإنى أكره قتالك، فأبى إلّا القتال.
وكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد بذلك، فقال: جلّ الأمر عن العتاب، ثم تقدّم إليه فقاتله، فلم يكن بينهما «1» كثير قتال، حتى تفرّق أصحاب عبد الرحمن عنه، وصبر وصبرت معه طائفة، ثم انهزموا.
وأمر يزيد أصحابه بالكفّ عن اتباعهم، وأخذ ما كان فى عسكرهم، وأسروا منهم أسرى، منهم محمد بن سعد بن أبى وقّاص، وعمر ابن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعيّاش «2» بن الأسود بن عوف الزّهرى، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز ابن حصين، وأبو العلج «3» مولى عبيد الله بن معمر، وسوّار ابن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى، وعبد الله بن فضالة الزّهرانى الأزدى، ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسّند، وأتى ابن سمرة مرو، وانصرف يزيد بن المهلب إلى مرو.
وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نجدة «4» إلّا عبد الرحمن ابن طلحة فإنه أطلقه.
وكان سبب إطلاقه أن حبيب بن المهلب قال لأخيه يزيد لما أراد
(21/252)

أن يسير الأسرى: بأى وجه تنظر إلى اليمانية، وقد بعثت عبد الرحمن ابن طلحة؟ فقال يزيد: إنه الحجاج، فلا تتعرض «1» إليه. قال:
وطّن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإنّ له عندنا يدا. قال:
وما هى؟ قال: ألزم المهلّب فى مسجد الجماعة بمائة ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقه يزيد، ولم يرسل أيضا عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد، وأرسل الباقين.
فلما قدموا على الحجاج أحضر فيروز، فقال له الحجاج:
أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء؟ فو الله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم. قال: فتنة عمّت الناس. قال: اكتب لى أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ألف وألفى ألف، فذكر مالا كثيرا. فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ فقال: عندى. قال:
فأدّها. قال: وأنا آمن على دمى؟ قال: والله لتؤدّينّها ثم لأقتلنّك.
قال: والله لا يجتمع دمى ومالى. فأمر به فنحى، ثم أحضر محمد ابن سعد بن أبى وقاص، فقال: يا ظلّ الشيطان، أعظم الناس تيها وكبرا، تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبه بالحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذنا «2» . وجعل يضرب رأسه بعمود «3» فى يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل.
ثم دعا بعمر بن موسى، فقال: يا عبد المرأة، تقوم بالعمود على
(21/253)

رأس «1» ابن الحائك- يعنى ابن الأشعث وتشرب معه فى الحمام «2» .
فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البرّ والفاجر، فدخلنا فيها، وقد أمكنك الله منّا، فإن عفوت فبفضلك وحلمك، وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين.
فقال الحجاج: إنها شملت الفجّار، وعوفى منها الأبرار، أمّا اعترافك فعسى أن ينفعك، فرجا «3» الناس السلامة. ثم أمر به فقتل.
ثم دعا بالهلقام بن نعيم، فقال له: احسب «4» أن ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذى أمّلت أنت معه! قال: أمّلت أن يملك فيولّينى العراق كما ولّاك عبد الملك إياه، فأمر به فقتل. ودعا عبد الله بن عامر.
فلما أتاه قال له: يا حجاج، لا رأت عينك الجنة إن أفلت «5» ابن المهلب بما صنع، قال: وما صنع؟ قال:
لأنه كاس «6» فى إطلاق أسرته ... وقاد نحوك فى أغلالها مضر
وقى بقومك ورد الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطر
فأطرق الحجاج، ووقرت فى قلبه، وقال: ما أنت وذاك؟
ثم أمر به فقتل.
(21/254)

ثم أمر بفيروز فعذّب، فلما أحسّ بالموت قال للموكّل بعذابه:
إنّ الناس لا يشكّون أنى قد قتلت، ولو دائع وأموال عند الناس لا تؤدّى إليكم أبدا؛ فأظهرنى «1» للناس ليعلموا أنى حى، فيؤدّوا المال.
فأعلم الحجاج بقوله، فقال: أظهروه «2» ، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح فى الناس: من عرفنى فقد عرفنى، ومن أنكرنى فأنا فيروز بن حصين، إن لى عند أقوام مالا، فمن كان لى عنده شىء فهوله، وهو منه فى حلّ، فلا يؤد أحد درهما، ليبلغ الشاهد الغائب، فأمر به الحجاج فقتل.
وأمر بقتل عمر بن «3» قرّة الكندى، وكان شريفا، وقتل أعشى همدن، وأتى بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما، إن لى عندك يدا. قال: وما هى؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته.
قال: من يعلم ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر. فسأله الحجاج فصدقه.
فقال له الحجاج: فلم لم تفعل كما فعل؟ قال: وينفعنى الصّدق عندك؟ قال: نعم. قال: منعنى البغض لك ولقومك. قال: خلّوا عن هذا لفعله. وعن هذا لصدقه.
(21/255)

وأما ابن الأشعث فإنه سار إلى رتبيل، فأقام عنده، فكتب إليه الحجاج: أن ابعثه إلىّ وإلّا فو الذى لا إله غيره لأوطئنّ أرضك ألف ألف مقاتل، وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم اسمه عبيد ابن سبيع «1» التميمى، وكان رسوله إلى رتبيل. فقال القاسم بن محمد ابن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إنى لا آمن غدر هذا التميمى فاقتله.
فخافه عبيد على نفسه، فوشى به إلى رتبيل، وخوّفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث، وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفّنّ «2» عن أرضك سبع سنين، على أن تدفع إليه عبد الرحمن.
فأجابه إلى ذلك.
فخرج عبيد إلى عمارة سرّا فذكر ذلك له، فكتب عمارة إلى الحجاج بذلك. فأجابه إليه، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن، وذلك فى سنة [85 هـ] خمس وثمانين.
وقيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فقطع رتبيل رأسه.
وقيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمى عن «3» ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين.
(21/256)

فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته، فحضروا عنده، فقيّدهم وأرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات، فاحتزّ رأسه، وسيّره إلى الحجاج، وسيّره الحجاج إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شأس، وكتب معه كتابا، فجعل عبد الملك يقرأ كتاب الحجاج، فإذا شكّ فى شىء سأل عرارا عنه فيخبره به، وكان عرار أسود اللون، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، وهو لا يعرفه فتمثّل «1» :
وإن «2» عرارا إن يكن غير واضح ... فإنى أحبّ الجون ذا المنطق العمم
فضحك عرار، فقال له عبد الملك: مالك تضحك؟ فقال:
أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فأنا هو. فضحك عبد الملك ثم قال: حظّ وافق حكمة. وأحسن جائزته، وسرّحه.
وروى أبو عمر بن عبد البر بسند رفعه إلى العتبى عن أبيه، قال «3» :
كتب الحجاج إلى عبد الملك كتابا يصف له فيه أهل العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف وما يكرهه «4» منهم، وعرّفه ما يحتاجون إليه من التقويم والتأديب، ويستأذنه أن يودع قلوبهم من الرهبة ما يخفّون به إلى الطاعة، ودعا رجلا من أصحابه كان يأنس به، فقال له: انطلق بهذا الكتاب، ولا يصلنّ من يدك إلّا إلى يد أمير المؤمنين، فإذا قبضه فتكلّم عليه.
(21/257)

ففعل الرجل ذلك، فجعل «1» عبد الملك كلّما شكّ فى شىء يستفهمه «2» ، فوجده أبلغ من الكاتب «3» ، فقال [عبد الملك] «4» :
وإن عرارا إن يكن غير واضح ... البيت.
فقال [له] «5» الرجل: يا أمير المؤمنين، أتدرى من يخاطبك؟
قال: لا. قال: أنا عرار، وهذا الشّعر لأبى، وذلك أنّ أمى ماتت وأنا مرضع، فتزوّج أبى امرأة فكانت تسىء «6» ولايتى، فقال أبى:
فإن كنت منى أو «7» تريدين صحبتى ... فكونى له كالشّمس ربّت به الأدم
وإلّا فسيرى سير راكب ناقة ... تيمّم خبتا ليس فى سيره أمم
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمرى بالهوان لقد «8» ظلم
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنّى أحبّ الجون ذا المنطق العمم
ولما جىء بالرأس إلى عبد الملك أرسله إلى أخيه عبد العزيز بمصر، فقال بعض الشعراء:
(21/258)

هيهات موضع جثّة من رأسها ... رأس بمصر وجثّة بالرّخّج «1»
وقيل: إن هلاك عبد الرحمن كان فى سنة [84 هـ] أربع وثمانين.
ولنرجع إلى تتمة حوادث السنين:
وفى سنة (81 هـ) احدى وثمانين:
حج بالناس سليمان [بن عبد الملك] «2» .
سنة (82 هـ) اثنتين وثمانين:
فى هذه السنة كانت وفاة المغيرة بن المهلّب بخراسان فى شهر رجب منها، وكان أبوه قد استخلفه على عمله.
ذكر وفاة المهلب بن أبى صفرة
ووصيّته لبنيه وولاية ابنه يزيد خراسان وفى هذه السنة توفى المهلّب بن أبى صفرة بمرو الروذ بالشّوصة وقيل بالشّوكة «3» ، وأوصى إلى حبيب ابنه فصلّى عليه، وقال لبنيه:
إنى قد استخلفت عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال ابنه المفضّل:
لو لم تقدمه لقدمناه، وأحضر ولده فأوصاهم، وأحضر سهاما محزومة فقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا. قال: أفتكسرونها متفرّقة؟
قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فإنها تنسىء فى الأجل وتثرى المال، وتكثر العدد؛
(21/259)

وأنهاكم عن القطيعة؛ فإنها تعقب النار والذلّة والقلّة، وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم «1» ، واتّقوا الجواب وزلّة اللسان، فإن الرجل يزلّ قدمه فينتعش «2» ، ويزل لسانه فيهلك، واعرفوا لمن يغشاكم حقّه، فكفى بغدوّ الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبّوا العرب «3» ، واصنعوا المعروف «4» ؛ فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف بالصنيعة عنده! وعليكم فى الحرب بالتؤدة «5» والمكيدة، فإنهما «6» أنفع من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ الرجل «7» بالحزم فظفر قيل: أتى الأمر من وجهه فظفر فحمد، فإن لم يظفر [بعد الأناة] «8» قيل: ما فرّط ولا ضيّع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وآداب «9» الصالحين، وإياكم وكثرة الكلام فى مجالسكم.
ومات رحمه الله. فكتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقره على خراسان.
*** وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة فى جمادى الاخرة، واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومى.
(21/260)

وحجّ بالناس أبان بن عثمان.
سنة (83 هـ) ثلاث وثمانين:
ذكر خبر عمر بن أبى الصلت
وخلعه الحجاج بالرىّ وما كان من أمره قال: لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبى الصّلت، وكان قد غلب على الرىّ فى تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالرّىّ أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون به عن أنفسهم عثرة «1» الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع الحجاج وقتيبة، فامتنع، فوضعوا عليه أباه؛ أبا الصّلت، وكان به بارّا، فأشار بذلك عليه وألزمه به، وقال. يا بنى، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالى أن تقتل غدا. ففعل. فلما قارب قتيبة الرّىّ استعدّ لقتاله، فالتقوا، واقتتلوا، فغدر أصحاب عمر به وأكثرهم من تميم، فانهزم ولحق بطبرستان، فآواه الأصبهذ «2» وأكرمه وأحسن نزله، فقال عمر لأبيه: إنك أمرتنى بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك وكان خلاف رأيى، ولم أحمد رأيك، وقد نزلنا بهذا الأصبهذ فدعنى حتى أثب إليه «3» فأقتله. وأجلس على مملكته، فقد علمت الأعاجم أنّى أشرف منه. فقال أبوه: ما كنت لأفعل هذا برجل «4» أوانا وأكرمنا وأنزلنا. فقال عمر: أنت أعلم، وسترى.
ودخل قتيبة الرى، وكتب إلى الحجاج بانهزام عمر إلى طبرستان.
فكتب الحجاج إلى الأصبهذ «5» أن ابعث بهم أو برءوسهم «6» ، وإلا فقد
(21/261)

برئت منك الذمّة، فصنع لهم الأصبهذ طعاما وأحضرهم، فقتل عمر، وبعث أباه أسيرا. وقيل: قتلهم وبعث برءوسهم. والله أعلم.
ذكر بناء مدينة واسط
وفيها بنى الحجاج مدينة واسط، وسبب ذلك أنّه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمّام عمر، وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس [بابنة عمّ له] «1» ، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه، فطرق «2» عليه الباب طرقا شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت المرأة لبعلها: لقد لقينا من هذا الشامى شرّا يفعل بنا كلّ ليلة ما ترى- يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه. فقال: ائذنى له، فأذنت له. فلما دخل قتله زوجها.
فلما أذّن الفجر خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه: إذا صلّيت الفجر فابعثى إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك إلى «3» الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه، ففعلت، وأحضرت إلى الحجاج، فأخبرته فصدّقها، وقال للشاميين: خذوا صاحبكم لا قود له ولا عقل، فإنه قبيل «4» الله إلى النار. ثم نادى مناد: لا ينزلنّ أحد على أحد، وبعث روّادا يرتادون له منزلا، وأقبل حتى نزل بموضع «5» واسط، وإذا راهب قد أقبل على حمار، فلما كان بموضع واسط بال الحمار، فنزل الراهب فاحتفر «6» ذلك البول ورماه فى دجلة
(21/262)

والحجاج ينظر إليه، فاستحضره وقال له: ما حملك على ما صنعت؟
قال: نجد فى كتبنا أنه يبنى فى هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام فى الأرض أحد يوحّد الله.
فاختطّ الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد فى ذلك الموضع.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.
سنة (84 هـ) أربع وثمانين:
فى هذه السنة قتل الحجاج أيوب بن القرّيّة «1» ، وكان مع ابن الأشعث، فلما هزم التحق أيّوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، فاستحضره الحجاج وقتله.
وحجّ بالناس هشام بن إسماعيل.
سنة (85 هـ) خمس وثمانين:
ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل
وفى هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلّب عن خراسان، وكان سبب عزله أنّ الحجاج وقد إلى عبد الملك فمرّ فى طريقه براهب، فقيل له: إنّ عنده علما، فأحضره الحجاج، وسأله:
هل تجدون فى كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال: نعم. قال: فمسمّى أو موصوفا؟ قال: كلّ ذلك نجده موصوفا «2» بغير اسم ومسمّى بغير صفة «3» . قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال:
نجده فى زماننا ملك أفرع من يقم لسبيله يصرع. قال: ثم
(21/263)

من «1» ؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، ثم رجل اسمه اسم نبىّ يفتح به على الناس. قال: [أتعرفنى؟ قال: قد أخبرت بك.
قال: أفتعلم ما ألى؟ قال: نعم] «2» . قال: أفتعلم من يلى بعدى؟
قال: نعم، رجل يقال له يزيد، قال: أفتعرف صفته؟
قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا.
فوقع فى نفسه أنه يزيد بن المهلب، ثم سار وهو وجل من قول الراهب. فلما عاد كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيد وآل المهلب، ويخبره أنهم زبيرية.
فكتب إليه عبد الملك: إنى أرى طاعتهم لآل الزبير نقصا لال المهلب، بل وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى.
فكتب إليه الحجاج يخوّفه غدره.
فكتب إليه: إنك قد أكثرت فى يزيد وآل المهلب فسمّ رجلا يصلح لخراسان. فسمّى له قتيبة بن مسلم، فكتب إليه أن ولّه.
فكره الحجاج أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضّل ويقبل إليه.
فاستشار يزيد حضين «3» بن المنذر الرّقاشى: فقال له: أقم واعتلّ، واكتب إلى أمير المؤمنين ليقرّك، فإنه حسن الرّأى فيك.
فقال له يزيد: نحن أهل قد بورك لنا فى الطاعة، وأنا أكره الخلاف. وأخذ يتجهز فأبطأ.
(21/264)

فكتب الحجاج إلى المفضّل: إنى قد ولّيتك خراسان، فجعل المفضل يستحثّ يزيد، فقال له [يزيد] «1» : إنّ الحجاج لا يقرّك بعدى، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، وستعلم.
وخرج يزيد فى شهر ربيع الآخر سنة [85 هـ] خمس وثمانين، وأقرّ الحجاج أخاه المفضّل تسعة أشهر، ثم عزله، واستعمل قتيبة على ما نذكره، وسار يزيد بن المهلب فكان «2» لا يمرّ بتبلد إلّا فرش أهلها الرياحين.
ذكر أخبار موسى بن عبد الله بن خازم واستيلائه على ترمذ «3»
وما كان من حروبه مع العرب والترك وخبر مقتله كان موسى بن عبد الله قد استولى على ترمذ، وأخرج ترمذ شاه عنها، وسبب ذلك أن أباه عبد الله لما قتل من قتل من بنى تميم بخراسان «4» كما تقدّم ذكر ذلك فى أثناء أخبار عبد الله ابن الزّبير تفرّق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بنى تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلى واقطع
(21/265)

نهر بلخ حتى تلتجىء «1» إلى بعض الملوك أو إلى حصن تكون «2» فيه.
فرحل موسى عن مرو فى عشرين ومائتى فارس، واجتمع إليه تتمة أربعمائة، وانضوى «3» إليه قوم من بنى سليم «4» ، فأتى زمّ «5» ، فقاتله أهلها، فظفر بهم، وأصاب مالا، وقطع النهر. فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه.
[وقال: رجل فاتك] «6» فلا آمنه، ووصله، وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلّا كره مقامه عنده.
فأتى سمرقند، فأكرمه ملكها طرخون وأذن له فى المقام بها، فأقام بها ما شاء الله. وكان لأهل الصّغد مائدة توضع فى كل عام مرة، عليها خبز ولحم وخلّ وإبريق شراب، يجعلون ذلك لفارس الصّغد فلا يقربه غيره، فإن أكل منه بارزه الفارس. فأيّهما قتل صاحبه كانت المائدة له، وكان الفارس المشار إليه، فرآها رجل من أصحاب موسى، فقال: ما هذه؟ فأخبر، فأكل ما عليها.
وجاء الفارس مغضبا، فقال: يا أعرابى، بارزنى، فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصّغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم
(21/266)

فارسى، فلولا أنى أمنتك وأصحابك لقتلتك «1» ، اخرجوا عن بلدى.
فخرجوا، فأتى موسى كشّ، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فقاتله موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوما حتى أمسوا وتحاجزوا، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كشّ؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه «2» أن يدخله الحصن فأبى، فأهدى له موسى ولاطفه حتى أنس به، وصارت بينهما مودّة، وتصيّد معه، وصنع صاحب ترمذ «3» طعاما، وأحضر موسى ليأكل معه، وشرط ألّا يحضر إلّا فى مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة منهم، فدخلوا الحصن وأكلوا، فلما فرغوا قال له ترمذشاه: اخرج.
قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتى أو قبرى، وقاتلهم فقتل منهم عدّة وهرب الباقون، واستولى موسى عليها، وأخرج ترمذشاه منها، ولم يعرض له، ولا لأصحابه.
فأتوا التّرك يستنصرونهم على موسى، فلم ينصروهم، وقالوا:
لا نقاتل هؤلاء.
وأقام موسى بترمذ، وأتاه جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم، فكان يغير على ما حوله.
(21/267)

وولى بكير بن وسّاج «1» خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أميّة «2» .
فسار يريده؛ فخالفه بكير، فرجع على ما تقدم «3» ، ثم وجّه أميّة رجلا من خزاعة فى جمع كثير لقتال موسى، فجاء إلى ترمذ وحصره، فعاد أهل ترمذ إلى الترك، واستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه، فسارت التّرك فى جمع كثير «4» إلى الخزاعى فأطاف بموسى العرب «5» والترك، فكان يقاتل الخزاعى أول النهار والتّرك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة.
ثم أراد أن يبيّت الخزاعى، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابى: بيّت العجم، فإنّ العرب أشد حذرا وأجرأ «6» على الليل.
فوافقه.
وأقام حتى ذهب ثلث الليل، وخرج فى أربعمائة، وقال لعمرو ابن خالد: اخرج بعدنا أنت ومن معك [منا] «7» قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا.
ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع إليهم، وجعل أصحابه أرباعا، وأقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟
قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد حملوا على التّرك وكبّرو
(21/268)

فلم يشعر الترك إلّا بوقع السيوف فيهم، فثاروا «1» يقتل بعضهم بعضا وولّوا. فحوى موسى ومن معه عسكرهم، وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا، وأصيب من أصحاب موسى ستة عشر رجلا، وأصبح الخزاعى وأصحابه وقد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: إنّا لا «2» نظفر إلّا بمكيدة، ولهؤلاء أمداد تأتيهم، فدعنى آته لعلّى أصيب فرصة فأقتل الخزاعى، فاضربنى. فقال موسى:
تتعجّل الضّرب، وتتعرّض للقتل؟ قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرّض له، وأما الضّرب فما أيسره فى حبّ «3» ما أريد.
فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج حتى أتى عسكر الخزاعى مستأمنا، وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، وإنه اتهمنى وقال: قد تعصّبت لعدوّنا، وأنت عين له، ولم آمن القتل، فهربت منه.
فأمّنه الخزاعىّ، وأقام معه، فدخل يوما فلم ير عنده أحدا ولا معه سلاحا، فقال له كالناصح: أصلح الله الأمير، إنّ مثلك فى مثل هذا الحال لا ينبغى أن يكون بغير سلاح. قال: إن معى سلاحا، ورفع طرف فراشه، فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضرب به الخزاعى حتى قتله، وخرج فركب فرسه وأتى موسى.
وتفرّق ذلك الجيش، وأتى بعضهم موسى مستأمنا فأمّنه، ولم يوجّه إليه أمية أحدا.
(21/269)

وعزل أمية، وقدم المهلّب [أميرا] «1» ، فلم يعرض لموسى، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون ولاة خراسان مادام هذا الثّطّ «2» بمكانه، فإن قتل فأول طالع عليكم أمير خراسان من قيس.
فلما مات المهلّب وولى يزيد لم يعرض «3» إليه أيضا، وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعى، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلّب أخذ أموالهما، وقتل أخاهما لأمهما الحارث بن منقذ، فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به يزيد، وكان ثابت محبوبا إلى الترك بعيد الصوت فيهم «4» ؛ فغضب له طرخون، وجمع له نيزك والسّبل وأهل بخارى والصّغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى، واجتمع لموسى أيضا فلّ عبد الرحمن ابن العباس من هراة وفلّ عبد الرحمن بن الأشعث من العراق، ومن ناحية كابل، [وقوم من بنى تميم ممن كان يقاتل ابن خازم فى الفتنة من أهل خراسان] «5» ، فاجتمع معه «6» ثمانية آلاف.
فقال له ثابت وحريث: سر بنا حتى نقطع النهر ونخرج يزيد عن خراسان ونولّيك.
فهمّ أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد عن
(21/270)

خراسان تولّى ثابت وأخوه خراسان وغلبا عليها، فامتنع من المسير، وقال لثابت وحريث: إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك، ولكنا نخرج عمّال يزيد من وراء النهر، وتكون [هذه الناحية] «1» لنا؛ فأخرجوا عماله، وجبوا الأموال، وقوى أمرهم، وانصرف طرخون ومن معه، واستبدّ ثابت وحريث بتدبير الأمر، وليس لموسى إلا اسم الإمرة. فقيل لموسى: اقتل ثابتا وحريثا، واستقلّ بالأمر، فإنه ليس لك من الأمر شىء. وألحّ أصحابه عليه فى ذلك حتى همّ بقتلهما.
فبينما هم فى ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة والتبّت والترك فى سبعين ألف مقاتل غير الأتباع ومن ليس هو كامل السلاح.
فخرج موسى وقاتلهم فيمن معه، ووقف ملك الترك على تلّ فى عشرة آلاف فى أكمل عدّة، وقد اشتدّ القتال، فقال موسى لأصحابه:
إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشىء، فقصدهم «2» حريث بن قطبة وقاتلهم حتى أزالهم عن التلّ، ورمى حريث بنشّابة فى جبهته، وتحاجزوا وبيّتهم موسى، فحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة «3» ملكهم، فوجأ رجلا منهم بقبيعة «4» سيفه، فطعن فرسه فاحتمله الفرس فألقاه فى نهر بلخ فغرق وقتل من التّرك خلق كثير، ونجا من نجا منهم بشرّ، ومات حريث بيومين «5»
(21/271)

ورجع موسى وحمل معه الرءوس، فبنى منها جوسقين، وقال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر «1» ثابت، فأبى، وبلغ ثابتا بعض ذلك فدسّ «2» محمد بن عبد الله الخزاعى على موسى، وقال:
إياك أن تتكلم بالعربية، فإن «3» سألوك فقل: أنا من سبى «4» الباميان، ففعل ذلك، وتلطّف حتى اتصل بموسى وصار يخدمه «5» وينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت. وألحّ القوم على موسى، فقال لهم ليلة: قد أكثرتم على؛ وفيما تريدون هلاككم، فعلى أىّ وجه تقتلونه ولا أغدر به «6» . فقال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدّور فضربنا عنقه قبل أن يصل إليك. فقال: والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم.
فخرج الغلام فأخبر ثابتا فخرج من ليلته فى عشرين فارسا ومضى، وأصبحوا فلم يجدوه ولا الغلام، فعلموا أنه كان عينا له، ونزل ثابت بحشورا «7» ، واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم، فأتاه موسى وقاتله فتحصن ثابت بالمدينة، وأتى طرخون معينا له، فرجع موسى إلى ترمذ، وأقبل ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى، ونسف وكشّ «8» ، فاجتمعوا فى ثمانين ألفا، فحصروا
(21/272)

موسى حتى جهد هو وأصحابه، فقال يزيد بن «1» هذيل: والله لأقتلنّ ثابتا أو لأموتنّ، فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير:
أنا أعرف بهذا منك، ما أتاك «2» إلّا بغدرة، فاحذره. فأخذ ابنيه:
قدامة، والضحاك رهنا، فكانا فى يد ظهير، وأقام يزيد يلتمس غرّة ثابت، فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعى، فخرج ثابت إليه ليعزيه [ومعه ظهير ورهط من أصحابه، وفيهم يزيد بن هذيل] «3» وهو بغير سلاح، وقد غابت الشمس، فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه [فعضّ السيف برأسه] «4» ، فوصل إلى الدماغ وهرب، فسلم. فأخذ طرخون قدامة والضحاك ابنى يزيد فقتلهما، وعاش ثابت سبعة أيام، ومات.
وقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت [فقاما قياما ضعيفا] «5» ، فانتشر أمرهم، وأجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك، وقال: موسى يعجز أن يدخل متوضّأه فكيف يبيّتنا، لا يحرس الليلة أحد.
فخرج موسى فى ثمانمائة، وجعلهم أرباعا، وبيّتهم فكانوا لا يمرّون بشىء إلّا صرعوه «6» من الرجال والدوابّ وغيرها، فأرسل طرخون إلى موسى: أن كفّ أصحابك، فإنا نرحل إذا أصبحنا، فرجع موسى وارتحل «7» طرخون والعجم جميعا.
(21/273)

فلما عزل يزيد بن المهلب وولى المفضّل أراد أن يحظى عند الحجّاج بقتال موسى، فسيّر إليه عثمان بن مسعود فى جيش، وكتب إلى أخيه مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النّهر فى خمسة عشر ألفا، وكتب إلى السّبل وإلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى وضيّقوا عليه، فمكث شهرين فى ضيق، وقد خندق عثمان عليه، وحذر البيات، فقال موسى لأصحابه: اخرجوا بنا، حتى متى نصبر «1» ؟
فاجعلوا يومكم معهم إمّا ظفرتم وإما قتلتم، واقصدوا الترك.
فخرجوا وخلّف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم فى المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعنّ المدينة إلى عثمان، وادفعها إلى مدرك ابن المهلب، وخرج وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، وقال: لا تقاتلوه «2» إلا إن قاتلكم، وقصد طرخون وأصحابه فصدقوهم القتال، فانهزم طرخون، واستولى موسى على عسكره، وزحفت «3» التّرك والصّغد، فحالوا بين موسى والحصن، فقاتلهم، فعقروا «4» فرسه فسقط، فقال لمولى له: احملنى. فقال: الموت كريه، ولكن ارتدف، فإن نجونا نجونا جميعا، وإن هلكنا هلكنا جميعا.
فارتدف، فلما نظر إليه عثمان حين وتب قال: وثبة موسى وربّ الكعبة، وقصده وعقرت فرسه، فسقط هو ومولاه فقتلوه، ونادى منادى عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيرا، ولا تقتلوا أحدا، فقتل ذلك
(21/274)

اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة، فكان يقتل العربى ويضرب المولى ويطلقه، وكان الذى أجهز على موسى واصل ابن طيسلة «1» العنبرى، وسلّم النضر المدينة إلى مدرك فسلمها مدرك إلى عثمان، وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسرّه ذلك، لأنه من قيس.
وكان مقتل موسى فى سنة [85 هـ] خمس وثمانين، وكان مقام موسى بالحصن أربع عشرة سنة. وقيل خمس عشرة سنة.
ذكر وفاة عبد العزيز بن مروان
وولاية عبد الله بن عبد الملك مصر والبيعة للوليد وسليمان ابنى عبد الملك بولاية العهد كانت وفاته بمصر فى جمادى الأولى سنة [85 هـ] خمس وثمانين، وكان عبد الملك أراد أن يخلعه من ولاية العهد، ويبايع لابنه الوليد، فنهاه قبيصة بن ذؤيب عن ذلك، وقال: لا تفعل، ولعل الموت يأتيه، فكفّ عنه عبد الملك ونفسه تنازعه إلى خلعه؛ فدخل عليه روح بن زنباع، وكان أجلّ الناس عند عبد الملك، وقال:
يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ وأنا أول من يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله ونفعل.
ونام روح عنده، فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان، وكان عبد الملك قد تقدّم إلى حجّابه ألّا يحجبوا قبيصة عنه، وكان
(21/275)

إليه الخاتم والسكّة، والأخبار تأتيه قبل عبد الملك، فلما دخل سلّم عليه، وقال: آجرك الله فى عبد العزيز أخيك! قال: هل توفى؟
قال: نعم. فاسترجع، ثم أقبل على روح، وقال: كفانا الله «1» ما نريد. وكان هذا مخالفا لك يا قبيصة. وضمّ عبد الملك عمل عبد العزيز إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وأمر بالبيعة لابنيه:
الوليد، وسليمان، فبايعهما الناس، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكان على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومى، فدعا الناس إلى البيعة، فأجابوا إلا سعيد بن المسيّب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حىّ، فضربه هشام ضربا مبرّحا، وطاف به وهو فى تبّان «2» شعر حتى بلغ رأس الثنية [التى يقتلون ويصلبون عندها] «3» ، ثم ردّه وحبسه.
فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: قبّح الله هشاما، إنما كان ينبغى له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع يضرب عنقه أو يكفّ عنه.
وكتب إليه يلومه ويقول: إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف؛ وقد كان سعيد امتنع أيضا من بيعة ابن الزبير، وقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس، فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستّين سوطا.
فكتب ابن الزبير إلى جابر يلومه، وقال: ما لنا ولسعيد! دعه، لا تعرض له.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.
(21/276)

سنة (86 هـ) ست وثمانين:
ذكر وفاة عبد الملك بن مروان
كانت وفاته بدمشق فى منتصف شوال سنة [86 هـ] ستّ وثمانين، وكان يقول: أخاف الموت فى شهر رمضان، فيه ولدت، وفيه فطمت، وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لى الناس، فمات فى شوّال حين أمن الموت فى نفسه، واختلف فى عمره من ثلاث وستين سنة إلى سبع وخمسين.
وصلّى عليه ابنه ولىّ عهده الوليد.
وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يوما، خلص له الأمر منها بعد مقتل عبد الله بن الزّبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلّا سبع ليال، ودفن بدمشق خارج باب الجابية.
قيل: ولما اشتدّ مرضه نهاه بعض الأطباء أن يشرب الماء، وقال:
إن شرب الماء مات، فاشتدّ عطشه، فقال: يا وليد، اسقنى ماء.
قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقينى، فمنعها الوليد.
فقال: لتدعنّها أو لأخلعنّك. فقال: لم يبق بعد هذا شىء، فسقته فمات.
ودخل عليه الوليد وابنته فاطمة عند رأسه تبكى، فقال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: هو أصلح ممّا كان. فلما خرج قال عبد الملك «1» :
ومستخبر عنا يريد بنا «2» الردّى ... ومستخبرات والدموع سواجم
(21/277)

ذكر وصيته بنيه عند موته
قال «1» : وأوصى بنيه عند موته، فقال: أوصيكم بتقوى الله، فإنه أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حقّ الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذى تفرّون «2» ، ومجنّكم الذى عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنّه الذى وطّألكم المنابر «3» ودوّخ لكم البلاد، وأذلّ لكم الأعداء، وكونوا بنى أم بررة. لا تدبّ بينكم العقارب، وكونوا فى الحرب أحرارا، فإن القتال لا يقرّب ميتة، وكونوا للمعروف منارا؛ فإن المعروف يبقى أجره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوى الأحساب، فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمّدوا «4» ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا.
ذكر أولاده وأزواجه
كان له: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر- درج، وعائشة؛ أم هؤلاء ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة «5» .
ويزيد ومروان «6» ومعاوية [درج، وأم كلثوم، أمهم عاتكة ابنة
(21/278)

يزيد بن معاوية] «1» ، وهشام أمه «2» أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد «3» بن المغيرة المخزومية، واسمها عائشة، وأبو بكر، وهو بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة ابن عبيد الله، والحكم- درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفّان، وفاطمة، أمّها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ابن المغيرة، وعبد الله «4» ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير [وقبيصة «5» ] لأمهات أولاد؛ وكان له من النساء [سوى من ذكرناه] «6» شقراء بنت حلبس الطائى، وأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبى طالب.
ذكر شىء من أخباره وعماله
قالوا: كان عبد الملك بن مروان عاقلا حازما أدبيا لبيبا عالما، قال أبو الزّناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيّب، وعروة ابن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. وقال الشعبى رحمه الله: ما ذاكرت أحدا إلّا وجدت لى الفضل عليه، إلّا عبد الملك، فإنى ما ذاكرته حديثا إلّا زادنى فيه، ولا شعرا إلّا زادنى فيه، قالوا:
وكان محبا للفخر والبذخ، وكثرت الشعراء على أيامه، وكان من فحول شعرائه جرير والفرزدق والأخطل وكثيّر.
وكان عبد الملك مقدما على سفك الدماء، وكذلك كانت عمّاله:
فكان الحجاج بالعراق، والمهلب بن أبى صفرة بخراسان، وهشام
(21/279)

ابن إسماعيل المخزومى بالمدينة، وعبد الله ولده بمصر، وموسى ابن نصير اللّخمى بالمغرب، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، ومحمد بن مروان بالجزيرة؛ وما منهم إلّا من هو ظالم غشوم جائر.
وكان نقش خاتمة: آمنت بالله مخلصا.
وكتّابه: روح بن زنباع، ثم قبيصة بن ذؤيب، وغيرهما.
قاضيه: أبو بشر الخولانى، وعبد الله بن قيس.
حاجبه: يوسف مولاه.
الأمراء بمصر وقضاتها
أقرّ عبد الملك أخاه عبد العزيز على إمارة مصر إلى أن مات، فولّى ابنه عبد الله. وكان القاضى بمصر عابس إلى أن مات، فولى عبد العزيز بشير بن النّضر بن بشير المزنى، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن حجر الخولانى. ثم صرفه وولى يونس الحضرمى، ثم صرفه وولى عبد الرحمن بن معاوية بن خديج القضاء والشرطة، فلما ولى عبد الله بن عبد الملك أقرّ عبد الرحمن على القضاء ثم صرفه وولى عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة ثم عزله، وولى عبد الواحد بن عبد الرحمن بن خديج.
قال: وعبد الملك أول من غدر فى الإسلام: حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق.
وهو أول من نقل الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية.
وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس من قبله يراجعونهم.
وهو أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف، فإنه قال فى خطبته بعد
(21/280)

قتل ابن الزبير: ولا يأمرنى أحد بتقوى الله تعالى بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه.
ذكر بيعة الوليد بن عبد الملك
هو أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء، وقد تقدم ذكر نسبها، وهو السادس من ملوك بنى أمية. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، وذلك فى يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين. قال: ولما دفن أبوه عبد الملك انصرف عن قبره فدخل المسجد ورقى المنبر فخطب الناس، وقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا، فكان أول من عزّى نفسه وهنّأها، وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السلولى وهو يقول «1» :
الله أعطاك التى لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك، ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك حتى قلّدوك طوقها
وبايعه، وقام «2» الناس للبيعة «3» .
وقد قيل: إنّ الوليد لمّا صعد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، لا مقدّم لما أخّر الله، ولا مؤخّر لما قدّم، و [قد] «4» كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه
(21/281)

الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار ولىّ هذه الأمة بالذى يحقّ لله عليه فى الشدة على المذنب «1» واللين لأهل الحقّ والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه «2» ؛ من حجّ البيت، وغزو الثّغور.
وشنّ الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزا ولا مفرّطا.
أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد.
أيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه، ثم نزل.
ولنبدأ من أخبار الوليد بالغزوات والفتوحات، ثم نذكر الحوادث على حكم السنين:
ذكر الغزوات والفتوحات التى اتفقت فى خلافة الوليد بن عبد الملك
ولنبدأ من ذلك بأخبار قتيبة بن مسلم وما فتحه من البلاد:
ذكر ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وغزواته وفتوحاته
فتح قتيبة بن مسلم فى مدّة ولايته خراسان من بلاد ما وراء النّهر:
الصّغانيان «3» ، وأخرون، وكاسان «4» ، وأورشت، وهى من فرغانة
(21/282)

وأخسيكت «1» ، وهى مدينة فرغانة القديمة، وبيكند «2» ، وبخارى، والطالقان «3» والفارياب «4» والجوزجان، وشومان «5» وكش «6» ، ونسف، ورام جرد، وسمرقند، والشاش «7» وفرغانة، ومدينة كاشغر.
وكان أول ما بدأ به قتيبة أنه لما قدم خراسان أميرا للحجاج، وذلك فى سنة [86 هـ] ست وثمانين قدمها والمفضّل بن المهلب يحرض الجند للغزاة، فخطب قتيبة الناس، وحثّهم على الجهاد، ثم عرضهم، وسار بهم.
فلما كان بالطالقان تلقّاه دهاقين بلخ وساروا معه، وقطع النهر فتلقّاه ملك الصّغانيان بهدايا ومفتاح «8» من ذهب، ودعاه إلى بلاده، فمضى معه فسلّمها إليه، لأن ملك أخرون وشومان كان يسىء جواره، ثم سار قتيبة منها إلى أخرون وشومان وهما من
(21/283)

طخارستان، فصالحه ملكها على فدية أدّاها إليه، فقبلها قتيبة. ثم انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت، وهى من فرغانة، وفتح أخسيكت وهى مدينة فرغانة القديمة.
وقيل: إن قتيبة قدم خراسان فى سنة [85 هـ] خمس وثمانين فعرض الجند فغزا أخرون وشومان، ثم رجع إلى مرو.
وقيل: إنه لم يغزا فى هذه السنة، ولم يقطع النهر بسبب بلخ، فإنّ بعضها كان منتقضا عليه، فحاربهم وسبى منهم، ثم صالحوه فأمر بردّ السّبى.
ذكر قتيبة ونيزك
قال: لمّا صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى «1» نيزك طرخان صاحب باذغيس فى إطلاق من عنده من أسرى المسلمين، وكتب إليه يتهدّده، فخافه نيزك، فأطلقهم، وبعث بهم إليه، ثم كتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبى بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، فصالحه «2» نيزك لأهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة.
ذكر غزوة بيكند وفتحها
وغزا قتيبة بيكند فى سنة [87 هـ] سبع وثمانين، وهى أدنى مدائن بخارى إلى النّهر، فلما نزل بهم استنصروا الصّغد واستمدّوا من حولهم.
فأتوهم فى جمع كثير، وأخذوا الطرق على قتيبة فقاتلهم «3»
(21/284)

شهرين فى كل يوم، ثم انهزم الكفّار إلى المدينة، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وتحصّن من دخل المدينة منهم بها، فأمر قتيبة بهدم سورها، فسألوه الصلح، فصالحهم، واستعمل عليهم عاملا «1» وارتحل عنهم. فلما سار خمس فراسخ نقضوا [الصلح «2» ] وقتلوا العامل ومن معه. فرجع قتيبة فنقب السّور فسقط، فسألوه الصلح فأبى، ودخلها عنوة، وقتل من كان بها من المقاتلة، وكان فيمن أخذ من المدينة رجل أعور، وهو الذى استجاش التّرك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا أفدى نفسى بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار قتيبة الناس، فقالوا: هذا «3» زيادة فى الغنائم؛ وما عسى أن يبلغ من كيد هذا؟ قال: والله لا يروّع بك مسلم «4» أبدا، وأمر به فقتل؛ وأصابوا فيها من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضّة ما لا يحصى، ولا أصابوا بخراسان مثله.
ولما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو.
ذكر غزو نومشكث وراميثنة وصلح أهلها
وقتال التّرك والصّغد وأهل فرغانة وفى سنة [88 هـ] ثمان وثمانين غزا قتيبة نومشكث «5» ، فتلقّاه أهلوها، فصالحهم، ثم سار إلى راميثنة «6» ، فصالحه أهلها، وانصرف
(21/285)

عنهم وزحف إليه التّرك ومعهم الصّغد وأهل فرغانة فى مائتى ألف.
وملكهم كوربغانو «1» ابن أخت ملك الصّين، فاعترضوا المسلمين؛ فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم أخا قتيبة وهو على الساقة وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فقاتلهم عبد الرحمن ومن معه، وأرسل إلى أخيه، فرجع بالمسلمين، وقد أشرف الترك على الظهور على عبد الرحمن ومن معه، فلما رأى المسلمون قتيبة طابت نفوسهم، وقويت، وقاتلوا إلى الظّهر، فانهزم الترك ومن معهم وكان نيزك يومئذ مع قتيبة، فأبلى بلاء حسنا، ورجع قتيبة بعد الهزيمة إلى مرو
ذكر غزو بخارى وفتحها
كانت غزوة بخارى فى سنة [89 هـ] تسع وثمانين، والفتح فى سنة [90 هـ] تسعين؛ وذلك أن الحجاج بن يوسف كتب إلى قتيبة يأمره بقصد وردان خذاه «2» ، فعبر النّهر من زمّ «3» ، فلقى الصّغد وأهل كسّ ونسف فى طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم.
ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السّفلى عن يمين وردان، فلقوه فى جمع كثير، فقاتلهم يومين وليلتين، فظفر بهم، وغزا وردان «4» خذاه ملك بخارى فلم يظفر منه بشىء، فرجع إلى مرو. وكتب إلى الحجاج يخبره؛ فكتب إليه الحجاج أن صوّرها. فبعث إليه
(21/286)

بصورتها، فكتب إليه أن تب إلى الله جلّ ثناؤه مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا.
[قيل «1» ] : وكتب إليه أن كس بكس، وانسف نسفا، ورد وردان، وإياك والتحويط، ودعنى من بنيّات «2» الطريق.
فخرج قتيبة إلى بخارى فى سنة [90 هـ] تسعين، فاستجاش وردان خذاه الصّغد والترك ومن حوله، فأتوه «3» وقد سبق إليها قتيبة وحصرها «4» . فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحية، وخلّوا بيننا وبين قتالهم، فقال قتيبة: تقدّموا، فتقدّموا، وقاتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم الأزد، حتى دخلوا العسكر، وركبهم المشركون حتى حطموهم، وقاتلت مجنبتا المسلمين الترك حتى ردّوهم إلى مواقفهم، فوقفت الترك على نشز، فقال قتيبة: من يزيلهم عن هذا الموقف! فلم يقم «5» لهم أحد من العرب، فأتى بنى تميم، فقال لهم: يوم «6» كأيّامكم.
فأخذ وكيع اللواء، وقال: يا بنى تميم، أتسلموننى اليوم؟
قالوا: لا، يا أبا المطرّف «7» ، وكان هزيم «8» بن أبى طحمة «9» على خيل تميم، ووكيع رأسهم. فقال: يا هزيم قدّم خيلك، ورفع إليه
(21/287)

الراية، وتقدم هزيم، وتقدّم وكيع فى الرّجّالة «1» ، وكان بينهم وبين الترك نهر، فأمر وكيع هزيما بقطعه إليهم، فعبره فى الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فعمل عليه جسرا من خشب، وقال لأصحابه: من وطّن نفسه على الموت فليعبر وإلّا فليثبت مكانه.
فلم يعبر معه إلا ثمانمائة رجل «2» . فلما عبر بهم قال لهزيم: إنى مطاعنهم فاشغلهم عنّا بالخيل، وحمل عليهم حتى خالطهم، وحمل هزيم فى الخيل فطاعنهم «3» ، وقاتلهم المسلمون حتى حدروهم عن التلّ، ثم عبر الناس إليهم بعد انهزام التّرك، ونادى قتيبة: من أتى برأس فله مائة، فأتى برءوس كثيرة، وجرح خاقان وابنه، وفتح الله على المسلمين.
قال: ولما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصّغد، فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان، فدنا من عسكر قتيبة، فطلب رجلا يكلّمه.
فأرسل إليه قتيبة حيّان «4» النبطى، فطلب الصلح على فدية يؤدّيها إليهم.
فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وصالحه، ورجع طرخون إلى بلاده.
ورجع قتيبة ومعه نيزك.
(21/288)

ذكر غدر نيزك وفتح الطالقان وما كان من خبر نيزك إلى أن قتل
قال: ولما رجع قتيبة عن بخارى ومعه نيزك وقد خاف «1» لما رأى من الفتوح، فقال لأصحابه: أنا مع هذا ولست آمنه، فلو استأذنته ورجعت كان الرأى. قالوا: افعل. فاستأذن قتيبة، فأذن له وهو بآمل، فرجع يريد طخارستان، وأسرع السّير حتى أتى النّوبهار «2» ، وقال لأصحابه: لا شكّ أن قتيبة قد ندم على إذنه لى، وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسى، فكان كما قال:
ندم قتيبة، وبعث إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، فتبعه المغيرة، فوجده قد دخل شعب خلم «3» ، فرجع المغيرة، وأظهر نيزك الخلع، وكتب إلى أصبهذ بلخ وإلى باذان «4» ملك مرو الرّوذ وإلى ملك الطالقان وإلى ملك الفارياب «5» وإلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة.
وكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله وماله، وسأله أن يأذن له إن اضطرّ أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك، وكان خبعويه «6» ملك طخارستان ضعيفا؛ فأخذه نيزك، فقيّده بقيد من ذهب لئلا يخالف عليه، وكان خبعويه هو الملك ونيزك عنده، فاستوثق منه،
(21/289)

وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبعويه، وبلغ قتيبة خلعه، وقد تفرّق الجند، فبعث أخاه عبد الرحمن فى اثنى عشر ألفا إلى البروقان «1» ، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء [فعسكر، و] «2» سرنحو طخارستان، فسار؛ فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد لتقدم عليه الجنود، فقدموا. فسار نحو الطالقان، وكان ملكها قد خلع وطابق نيزك على الخلع، فأتاه قتيبة، فأوقع بأهل الطالقان، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ فى نظام واحد، واستعمل أخاه عمرو «3» بن مسلم.
وقيل: إن ملك الطالقان لم يحارب قتيبة، فكفّ عنه، وكان بها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، ثم سار قتيبة إلى الفارياب فى سنة [91 هـ] إحدى وتسعين، فخرج إليه ملكها مقرّا مذعنا، فقبل منه ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها رجلا من باهلة «4» ، وبلغ ملك الجوزجان خبرهم، فهرب إلى الجبال، وسار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه أهلها «5» سامعين مطيعين، فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها عامر بن مالك الحمّانى، ثم أتى بلخ فلقيه أهلها، فلم يقم إلّا يوما واحدا، وسار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب
(21/290)

خلم، ومضى نيزك إلى بغلان «1» ، وخلّف مقاتلته على فم الشعب ومضايقه يمنعونه، ووضع مقاتلته فى قلعة حصينة من وراء الشّعب، فأقام قتيبة أياما لا يقدر على دخوله، ولا يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلّا الشّعب أو مفازة لا تقدر العساكر على قطعها، فأتاه إنسان فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل القلعة التى من وراء الشّعب، فأمّنه قتيبة، وبعث معه رجالا، فانتهى بهم إلى القلعة، فطرقوهم وهم آمنون، فقتلوا منهم، وهرب من بقى ومن كان فى الشّعب، فدخل قتيبة الشّعب، فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان «2» ، فأقام بها أياما ثم سار إلى نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادى فرغانة، ووجّه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتى نزل الكرز «3» ، وعبد الرحمن يتبعه، ونزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قتيبة على فرسخين من أخيه، وتحصّن نيزك بالكرز، وليس له «4» إلّا مسلك من وجه واحد، وهو صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قلّ ما فى يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدرى. وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليما الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك، واحتل لتأتينى به بغير أمان، فإن أعياك «5» وأبى فأمّنه.
(21/291)

فخرج إليه، وأخذ معه أطعمة وأخبصة كثيرة، وأتى نيزك، فقال له: إنك أسأت إلى نفسك «1» وغدرت. قال نيزك: فما الرأى؟
قال: أرى أن تأتيه، فإنه ليس ببارح، وقد عزم على أن يشتو مكانه، هلك أو سلّم. قال نيزك: فكيف آتيه على غير أمان. قال:
ما أظنّه يؤمّنك لما فى نفسه عليك، لأنك قد ملأته غيظا، ولكنى أرى ألّا يعلم حتى تضع يدك فى يده، فإنى أرجو أن يستحى ويعفو.
قال: إنّ نفسى تأبى هذا. فقال سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم ويعود حالك عنده، فإذا أبيت فإنى منصرف. وقدم الطعام الذى معه، ولا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، فساءه ذلك، فقال له سليم: أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك. فأت قتيبة. فقال: لا آمنه على نفسى، ولا آتيه إلا بأمان، وإنّ ظنّى أنه يقتلنى، وإن أمننى؛ ولكن الأمان أعذر لى. فقال سليم:
قد أمنك؛ أفتتهمنى؟ قال: لا. وقال له أصحابه: اقبل قول سليم.
فخرج معه ومعه خبعويه «2» وصول طرخان خليفة جبعويه، وخنس «3» طرخان صاحب شرطته وشقران «4» ابن أخى نيزك، فلما خرجوا من الشّعب حالت خيل قتيبة بين أصحاب نيزك وبين الخروج، فقال نيزك: هذا أوّل الغدر. فقال سليم: تخلّف هؤلاء عنك خير لك.
وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا على قتيبة، فحبسهم.
(21/292)

وكتب إلى الحجاج يستأذنه فى قتل نيزك، واستخرج قتيبة ما فى الكرز من متاع، وأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يأمره بقتل نيزك، فدعا قتيبة الناس، واستشارهم، فاختلفوا، فقال ضرار ابن حصين: إنى سمعتك تقول: أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل فلا ينصرك الله عليه أبدا. فدعا نيزك، فضرب رقبته بيده، وأمر بقتل صول وابن أخى نيزك، وقتل من أصحابه سبعمائة. وقيل اثنى عشر ألفا، وصلب نيزك وابن أخيه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وأخذ الزّبير مولى عبّاس الباهلى خفّا لنيزك فيه جوهر، فكان أكثر من فى بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر، وأطلق قتيبة جبعويه «1» ومنّ عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات.
ولما قتل نيزك رجع قتيبة إلى مرو، وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان، فأمنه على أن يأتيه، فطلب رهنا [يكونون فى يده] «2» ويعطى رهائن، فأعطاه قتيبة حبيب بن عبد الله بن حبيب الباهلى، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، وقدم على قتيبة، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: إنهم سمّوه فقتلوا حبيبا. وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده.
(21/293)

ذكر غزوة شومان وكشّ ونسف وفتح ذلك
وفى سنة [91 هـ] إحدى وتسعين سار قتيبة إلى شومان فحصرها، وكان سبب ذلك أنّ ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فأرسل إليه قتيبة رسولين: أحدهما من العرب اسمه عيّاش، والآخر من أهل خراسان يدعوانه «1» إلى أن يؤدّى ما كان صالح عليه، فقدما شومان، فخرج أهلها إليهما، فرموهما. فانصرف الخراسانىّ وقاتلهم عيّاش فقتلوه، ووجدوا به ستّين جراحة، وبلغ قتيبة قتله، فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها، وكان صديقا له، يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: أتخوّفنى من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا؟ فأتاه قتيبة وقد تحصّن ببلده فنصب «2» عليه المجانيق، ورمى الحصن فهشمه، فلما خاف الملك أن يظهر قتيبة عليه جمع ما كان بالحصن من مال وجوهر، ورمى به فى بئر فى القلعة لا يدرك قعرها، ثم فتح القلعة، وخرج، فقاتل حتى قتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة وسبى الذريّة، ثم سار إلى كشّ ونسف، ثم سار إلى بخارى.
وقيل: إنه سار إلى الصّغد، فلما رجع عنهم قالت الصّغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذّل واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك. فحبسوه وولوا غورك «3» فقتل طرخون نفسه.
(21/294)

ذكر صلح خوارزم شاه وفتح خام جرد
وفى سنة [93 هـ] ثلاث وتسعين صالح قتيبة خوارزم شاه، وسبب ذلك أن [ملك] «1» خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرّزاذ على أمره، وكان أصغر منه، فكان إذا بلغه أنّ عند أحد ممّن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابّة أو بيتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه، وأخذه منه، فلا يمتنع عليه أحد، ولا الملك «2» ، فإذا قيل للملك قال: لا أقوى عليه.
فلما طال عليه ذلك كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلّمها إليه، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكلّ من يضادّه ليحكم فيه «3» بما يرى، ولم يطلع أحدا من مرازبته على ذلك. فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وتجهّز للغزو، وأظهر أنه يريد الصّغد، وسار من مرو وجمع خوارزم شاه أجناده ودهاقنته «4» . فقال: إن قتيبة يريد الصغد، وليس بغازيكم، فهلمّوا نتنعّم فى ربيعنا هذا، فأقبلوا على الشرب والتنعّم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة فى هزارسب «5» ، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: لكنى لا أرى
(21/295)

ذلك، لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشدّ شوكة، ولكن أصرفه بشىء أخرجه «1» إليه.
فأجابوه إلى ذلك، فسار خوارزم شاه إلى مدينة الفيل من وراء النهر، وهى أحصن بلاده، وقتيبة لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارزم شاه، فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومتاع و [على] «2» أن يعينه على خام جرد، فقبل قتيبة ذلك.
وقيل: صالحه على مائة ألف رأس، وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى [ملك] «3» خام جرد، وكان يغازى «4» خوارزم شاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه، وقدم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، وسلّم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفهم، فقتلهم، ودفع أموالهم إلى قتيبة. والله أعلم.
ذكر فتح سمرقند
قال: فلما قبض قتيبة صلح خوارزم قام إليه المجشّر بن مزاحم السلمى فقال له: سر «5» الآن إن أردت الصّغد يوما من الدّهر، فإنهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام.
قال: أشار عليك بهذا أحد؟ قال: لا. قال: فسمعه منك أحد؟
قال: لا. قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربنّ عنقك.
(21/296)

فلما كان الغد من يوم كلامه له أمر قتيبة أخاه عبد الرحمن فسار فى الفرسان والرّماة، وقدّم الأثقال إلى مرو، فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجّه الأثقال إلى مرو، وسر فى الفرسان والرّماة نحو الصّغد، واكتم الأخبار، فإنى بالأثر.
ففعل عبد الرحمن ما أمره، وخطب قتيبة الناس، وقال لهم:
إن الصّغد شاغرة «1» برجلها، وقد نقضوا العهد الذى بيننا، وصنعوا ما بلغكم؛ وإنى أرجو أن تكون خوارزم والصّغد كقريظة والنّضير.
ثم سار فأتى الصّغد، فبلغها بعد عبد الرحمن بثلاث أو أربع، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى، فقاتلوا شهرا من وجه واحد وهم محصورون.
وخاف أهل الصّغد طول الحصار، فكتبوا إلى ملك الشاش وأخشاد «2» وخاقان وفرغانة: إنّ العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا [به] «3» ، فانظروا لأنفسكم، ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فنظروا وقالوا:
إنما نؤتى من سفلتنا وإنهم «4» لا يجدون كوجدنا. فانتخبوا من أبناء الملوك وأهل النّجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال، وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة؛ فيبيّتوه، وولّوا عليهم ابنا لخاقان، فساروا.
(21/297)

وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره مائة، وقيل ستّمائة من أهل النّجدة والشجاعة، وأعلمهم الخبر، وأمرهم بالمسير إليهم، فساروا، وعليهم صالح بن مسلم، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين «1» . فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوّهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، واقتتلوا فشدّ الكمينان عن يمين وشمال، فقتلهم المسلمون، وأسروا منهم، ولم يفلت منهم إلا الشريد، واحتووا على سلاحهم وأسلابهم. وسئل بعض الأسرى عن القتلى فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا، إن كان الرجل ليعدّ «2» بمائة رجل.
ونصب قتيبة المجانيق على سمرقند، ورماهم فثلمه ثلمة «3» .
ثم أمر قتيبة الناس بالجدّ فى القتال، وأن يبلغوا ثلمة المدينة، ففعلوا، وحملوا وقد تترّسوا حتى بلغوا الثّلمة، ووقفوا عليها، فرماهم الصّغد بالنشّاب، فلم يبرحوا، فأرسلوا إلى قتيبة أن انصرف عنّا اليوم حتى نصالحك غدا. فقال: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثّلمة.
وقيل: بل قال: جزع العبيد! انصرفوا على ظفركم. فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفى ألف ومائتى ألف مثقال فى كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس «4» ، وأن يخلوا المدينة
(21/298)

لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى فيها مسجدا فيصلّى فيه ويخطب ويتغدّى ويخرج.
فلما تمّ الصّلح بنى المسجد ودخلها قتيبة فى أربعة آلاف انتخبهم.
فدخل المسجد، فصلّى فيه، وخطب وأكل طعاما، ثم أرسل إلى الصّغد يقول: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ، فإنى لست خارجا منها، ولست آخذ منكم إلّا ما صالحتكم عليه، غير أنّ الجند يقيمون فيها.
وقيل: إنه شرط عليهم فى الصّلح مائة ألف رأس «1» وبيوت النيران وحلية الأصنام. فقبض ذلك، وأتى بالأصنام، فأخذ ما عليها.
وأمر بها فأحرقت، فوجد من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال، وأصاب بالصّغد جارية من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج.
فأرسلها الحجاج إلى الوليد، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد. ثم رجع قتيبة إلى مرو، واستعمل على سمرقند إياس بن عبد الله على الحرب.
وجعل على الخراج عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى مسلم «2» .
ذكر غزو الشاش وفرغانة
وفى سنة [94 هـ] أربع وتسعين قطع قتيبة النّهر وفرض على أهل بخارى وكشّ ونسف عشرين ألف مقاتل، فساروا معه.
(21/299)

فوجّهم إلى الشاش، وتوجّه إلى فرغانة فأتى خجندة «1» فجمع له أهلها، ولقوه، واقتتلوا مرارا، كلّ ذلك يكون الظّفر للمسلمين. ثم إن قتيبة أتى كاسان «2» مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجّههم إلى الشاش وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها، وانصرف إلى مرو.
وقال سحبان «3» يذكر قتالهم بخجندة «4» :
وسل «5» الفوارس فى خجن ... دة تحت مرهفة العوالى
هل كنت أجمعهم إذا ... هزوا وأقدم فى قتالى
أم كنت أضرب هامة ال ... عاتى «6» وأصبر للعوالى
هذا وأنت قريع قي ... س كلّها ضخم النّوال
وفضلت قيسا فى النّدى ... وأبوك فى الحجج الخوالى
ولقد تبيّن عدل حك ... مك فيهمو فى كلّ مال «7»
تمّت مروءتكم ونا ... غى «8» عزّكم غلب الجبال
(21/300)

ذكر فتح مدينة كاشغر «1»
وفى سنة [96 هـ] ست وتسعين سار قتيبة من مرو وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، ومضى إلى فرغانة وبعث جيشا مع كثير ابن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى سبيا، فختم أعناقهم، وأوغل حتى بلغ قرب الصّين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلىّ رجلا شريفا يخبرنى عنكم وعن دينكم، فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسنة وبأس وعقل وصلاح «2» ، فأمر لهم بعدّة حسنة ومتاع حسن من الخزّ والوشى وغير ذلك، وخيول حسنة، وكان عليهم «3» هبيرة بن مشمرج «4» الكلابى، وقال لهم قتيبة:
إذا دخلتم عليه فأعلموه أنّى قد حلفت أنّى لا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبى خراجهم.
فساروا [وعليهم هبيرة] «5» ، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل، وتطيّبوا، ولبسوا النّعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه، فجلسوا فلم يكلّمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا.
فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلّا نساء. ما بقى منا أحد إلّا انتشر ما عنده.
(21/301)

فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشى وعمائم الخزّ والمطارف، وغدوا عليه. فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا. وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك.
فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا «1» سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر، وأخذوا السيوف والرماح والقسىّ، وركبوا. فنظر إليهم ملك الصين، فرأى مثل الخيل «2» ؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم، وأقبلوا مشمّرين. فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم [وأخذوا رماحهم] «3» ، ودفعوا خيلهم، كأنهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء.
فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلىّ زعيمكم، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكى، وأنه ليس أحد يمنعكم منّى، وأنتم فى يدى بمنزلة البيضة فى كفّى. وإنى سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقونى قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيّكم الأول والثانى والثالث [ما صنعتم] «4» ؟ قال: أما زيّنا الأول فلباسنا فى أهلنا. وأما الثانى فزيّنا إذا أتينا أمراءنا، وأما الثالث فزيّنا لعدوّنا. قال: ما أحسن ما دبّرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإنى قد عرفت قلّة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال «5» :
(21/302)

وكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون. وأما تخويفك إيّانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، ولسنا نكرهه ولا نخافه، وقد حلف صاحبنا ألّا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، وتعطى «1» الجزية. قال:
فإنّا نخرجه من يمينه، ونبعث له بتراب من أرضنا، فيطؤه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهديّة وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، وبتراب من أرضه، وأعادهم «2» وأحسن جوائزهم. فقدموا على قتيبة، فقبل ذلك، ووطىء التراب، وختم الغلمان، وردهم، فقال سوادة بن عبد الملك السّلولى «3» :
لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم ... للصّين أن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج
أدّى رسالتك التى استرعيته «4» ... فأتاك من حنث اليمين بمخرج
هذه غزوات قتيبة وفتوحاته.
وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كلّ سنة اشترى اثنى عشر فرسا [من جياد الخيل] «5» واثنى عشر هجينا، فتخدم إلى وقت الغزو، فإذا تأهّب للغزو ضمّرها، وكان يحمل عليها الطلائع، وكان لا يجعل الطلائع إلا فرسان الناس وأشرافهم، ويجعل معه من
(21/303)

العجم من يستنصحه. وإذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقّه نصفين، وجعل شقّة عنده، وأعطى نصفه للطليعة، ويأمرهم أن يدفنوه فى موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرها، ثم يبعث بعد الطّليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا.
ولنذكر من الغزوات والفتوحات فى أيام الوليد خلاف ما ذكرنا:
ذكر فتح السند وقتل ملكها وما يتّصل بذلك من أخبار العمال عليها
وفى سنة [89 هـ] تسع وثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى داهر «1» بن صصّة ملك السند، وملك بلاده، وكان الحجاج قد استعمله على ذلك الثّغر وسيّر معه ستة آلاف مقاتل، وجهّزه بجميع ما يحتاج إليه حتى المسالّ والإبر والخيوط، فسار [محمد] «2» إلى مكران، وأقام بها أياما. ثم أتى قنّزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل «3» فقدمها يوم جمعة، ووافته سفن كان حمل فيها السلاح والرجال والأداة. فأنزل الناس منازلهم وخندق ونصب عليها منجنيقا يقال له العروس كان يمدّ به خمسمائة رجل، وكان بالدّيبل بدّ «4» عظيم عليه
(21/304)

دقل عظيم، وعلى الدّقل راية حمراء إذا هبّت الريح أطافت بالمدينة، والبدّ: صنم فى بناء عظيم بأعلاه منارة عظيمة مرتفعة، والدّقل فى رأس المنارة. فرمى الدّقل بحجر «1» العروس فكسره فتطيّر الكفّار بذلك وأعظموه، ثم فتحها محمد عنوة بعد قتال، وقتل فيها ثلاثة أيام، وهرب عامل داهر عنها، وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين، وبنى جامعها، وسار إلى البيرون «2» ، وكان أهلها قد بعثوا إلى الحجّاج وصالحوه، فلقوا محمدا بالميرة، وأدخلوه مدينتهم، ثم سار عنها، وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فصالحه أهل سربيدس «3» ، ووظّف عليهم الخراج، وسار إلى سهبان «4» ففتحها، ثم أتى نهر مهران فنزل به، وبلغ خبره داهرا فاستعدّ لمحاربته. وبعث محمد جيشا إلى سدوسان «5» ، فطلب أهلها الأمان والصلح فأمّنهم، ووظّف عليهم الخراج، ثم عبر نهر مهران مما يلى بلاد راسل «6» الملك على جسر عقده، هذا وداهر مستخفّ به، فلقيه محمد ومن معه وهو على فيل، والفيلة حوله ومعه الذكاكرة «7» ،
(21/305)

فاقتتلوا قتالا شديدا، وترجّل داهر، وقاتل فقتل عند المساء، وانهزم الكفار وقاتلهم المسلمون كيف شاءوا، وقال قائلهم «1» :
الخيل تشهد يوم داهر والقنا ... ومحمد بن القاسم بن محمّد
أنّى فرجت الجمع غير معرّد «2» ... حتى علوت عظيمهم بمهنّد
فتركته تحت العجاج مجندلا «3» ... متعفّر الخدّين غير موسّد
قال: ولما قتل داهر تغلّب محمد على بلاد السند وفتح راور «4» عنوة، وكان بها امرأة لداهر، فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها. ثم سار إلى برهمنا باذ «5» العتيقة، وكان المنهزمون من الكفّار قد لجئوا إليها، ففتحها عنوة بعد قتال، وقتل بها بشرا كثيرا، وسار يريد الرّور «6» وبغرور، فلقيه أهل ساوندرى «7» ، فطلبوا الأمان فأمّنهم واشترط عليهم ضيافة «8» المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك، ثم تقدم إلى بسمد «9» فصالحه أهلها، وسار إلى الرّور، وهى من مدائن
(21/306)

السند على جبل، فحاصرهم شهورا فصالحوه، وسار إلى السكة «1» ففتحها، ثم قطع نهر بياس «2» إلى الملتان، فقاتله أهلها وانهزموا، فحصرهم، وجاء إنسان فدلّه على قطع الماء الذى يدخل المدينة، فقطعه فعطشوا وألقوا بأيديهم، ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذّريّة وسدنة البدّ، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهبا كثيرا، فجمع فى بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوّة فى وسطه، فسمّيت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج: الثغر، وكان بدّ الملتان تهدى إليه الأموال من كل مكان ويحجّ «3» إليه من البلاد، ويحلقون عنده رءوسهم ولحاهم، ويزعمون أنّ صنمه هو أيوب النبى عليه الصلاة والسلام.
وعظمت فتوحاته، فنظر الحجاج فى النفقة على ذلك الثغر، فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر إلى»
الذى حمل إليه منه فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألف ألف، وأدركنا ثأرنا ورأس داهر.
قال: واستمر محمد بن القاسم بالهند إلى أن مات الحجاج فى سنة [95 هـ] خمس وتسعين، فأتاه الخبر وهو بالملتان فرجع إلى الرّور والبغرور «5» ، فأعطى الناس، ووجّه إلى البيلمان «6»
(21/307)

جيشا، فأعطوا الطاعة من غير قتال، وسالمه أهل شرشت «1» ، ثم أتى محمد الكيرج، فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر.
وقيل: بل قتل، فنزل أهل المدينة على حكم محمد، فقتل المقاتلة، وسبى الذريّة؛ فقال شاعرهم:
نحن قتلنا داهرا ودوهرا ... والخيل تردى منسرا فمنسرا «2»
قال: ولما مات الوليد بن عبد الملك وولّى سليمان عزل محمّد بن القاسم عن السند، واستعمل يزيد بن أبى كبشة السكسى على السند، فأخذ محمدا وقيّده وحمله إلى العراق، فقال متمثلا «3» :
أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فبكى أهل السند.
ولما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال «4» :
فلئن ثويت بواسط وبأرضها ... رهن الحديد مكبّلا مغلولا
فلرب قينة «5» فارس قد رعتها ... ولرب قرن قد تركت قتيلا
قال: فعذّبه صالح فى رجال من آل أبى عقيل حتى قتلهم، فقال حمزة بن بيض يرثى محمدا «6» :
(21/308)

إن المروءة والسماحة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد
ساس الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب ذلك سؤددا من مولد
قال: وأما يزيد بن أبى كبشة فإنه مات بعد مقدمه إلى السند بثمانية عشر يوما، فاستعمل سليمان على السند حبيب بن المهلب، فقدم السند وقد رجع الملوك إلى ممالكهم، ورجع حيسبة «1» بن داهر إلى برهمنا باذ، فنزل حبيب على شاطىء مهران، وحارب قوما فظفر بهم.
ثم مات سليمان، وولى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فأسلم حيسبة والملوك، وتسمّوا بأسماء العرب، وكان عمرو بن مسلم الباهلى عامل عمر على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند فظفر بهم، ثم ولّى الجنيد بن عبد الرحمن السند أيام هشام بن عبد الملك، فأتى شطّ مهران فمنعه حيسة بن داهر من العبور، وأرسل إليه: إنى قد أسلمت وولّانى الرجل الصالح بلادى، ولست أمكنك. فأعطاه رهنا، وأخذ منه رهنا على خراج بلاده، ثم ترادّ الرهون وكفر حيسبة، وحارب.
وقيل: لم يحارب، وإنما الجنيد تجنّى عليه، فأتى الهند، فجمع جموعا وأعدّ السفن، واستعدّ للحرب، فسار إليه الجنيد فى السفن، فالتقوا، فأسر حيسبة فقتله الجنيد، وهرب صصّة بن داهر، وهو
(21/309)

يريد أن يمضى إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده فى يده فقتله.
وغزا الجنيد الكيرج؛ وكانوا قد نقضوا، فظفر ودخل المدينة فغنم وسبى، ووجّه العمال إلى المرمد. «1» والمندل ودهنج «2» ، ووجّه جيشا إلى أزين «3» فأغاروا عليها، وحرقوا ربضها، وفتح الجنيد البيلمان، وحصل «4» عنده سوى ما حمله «5» أربعون ألف ألف، وحمل مثلها.
وفى أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند. ثم ولى الحكم بن عوام «6» الكلبى، وقد كفر أهل الهند إلّا أهل قصّة «7» ، فبنى مدينة سماها المحفوظة، وجعلها مأوى للمسلمين، وكان معه عمرو بن محمد بن القاسم فأغزاه من المحفوظة، فقدم عليه وقد ظهر أمره، فبنى مدينة وسمّاها المنصورة، واسترجع «8» ما كان غلب عليه العدوّ، ثم قتل الحكم، فكان العمال يقاتلون العدوّ، ويفتتحون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية، ثم جاءت الدولة العباسية فكان من أمر السند ما نذكره إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرنا أخبار السند ههنا لتكون متّسقة، فلنرجع إلى تتمّة الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك:
(21/310)

ذكر الغزوات الى بلاد الروم وما فتح منها وغزوات الصوائف على حكم السنين
فى سنة [86 هـ] ست وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك [أرض] «1» الروم. وغزا أيضا فى سنة [87 هـ] سبع وثمانين، فقتل منهم عددا كثيرا بسوسنة من ناحية المصّيصة «2» وفتح حصونا.
وقيل: إن الذى غزا فى هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وحصن بولس وقمقم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل، وسبى ذرّيّتهم ونساءهم. والله أعلم.
ذكر فتح طوانة «3» وغيرها من بلد الروم
وفى سنة [88 هـ] ثمان وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس ابن الوليد بلد الروم، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك الروم يعرّفه أنّ الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية قد أجمعوا على قصد بلاده ففعلوا ذلك، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، فتجهّزوا، وساروا نحو الجزيرة، ثم عطفوا منها إلى بلاد الروم فاقتتلوا هم والروم، فانهزم الروم، ثم رجعوا فانهزم المسلمون، وبقى العباس فى نفر، فنادى:
يأهل القرآن؛ فأقبلوا جميعا، فهزم الله الرّوم حتى دخلوا طوانة «4» ، وحصرهم المسلمون وفتحوها فى جمادى الأولى منها.
(21/311)

ثم غزا مسلمة [والعباس] «1» الروم فى سنة [89 هـ] تسع وثمانين، فافتح مسلمة حصن «2» سورية، وافتتح العباس أذرولية «3» ، ولقى من الروم جمعا فهزمهم «4» .
وقيل: إن مسلمة قصد عمّورية، فلقى بها جمعا كثيرا من الروم فهزمهم وافتتح هرقلية «5» وقمولية «6» . وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون «7» ، وغزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن هناك، وذلك فى سنة [89 هـ] تسع وثمانين أيضا.
وغزا مسلمة الروم فى سنة [90 هـ] تسعين، ففتح الحصون الخمسة التى بسورية.
وغزا العباس حتى بلغ أرزن «8» وبلغ سورية.
وفى سنة [91 هـ] إحدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد الصّائفة، وكان على ذلك الجيش مسلمة بن عبد الملك.
وغزا مسلمة الترك فى هذه السنة من ناحية أذربيجان حتى بلغ الباب، وفتح مدائن وحصونا، ونصب عليها المجانيق. وغزا مسلمة أرض الروم فى سنة [92 هـ] اثنتين وتسعين، ففتح حصونا ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم.
(21/312)

وفيها كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار المغرب، وغزيت جزيرة سردانية وسنذكر ذلك [أيضا] «1» إن شاء الله.
وغزا العباس الروم فى سنة [93] ثلاث وتسعين، ففتح سبسطية «2» المرزبانيين.
وغزا مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة «3» ، وغزا مسلمة ففتح ماسية «4» وحصن الحديد. وغزالة من ناحية ملطية.
وغزا العباس بن الوليد الروم ففتح أنطاكية فى سنة [94 هـ] أربع وتسعين. وغزا العباس فى سنة [95 هـ] خمس وتسعين، ففتح هرقلة وغيرها، وفيها قتل الوضّاحى بأرض الروم ونحو ألف رجل معه.
انتهت الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك. فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث على حكم السنين:
ذكر الحوادث الكائنة فى أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما قدمناه
سنة (86 هـ) ست وثمانين:
فى هذه السنة حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك عن شرطته.
(21/313)

وحجّ بالناس هشام بن إسماعيل المخزومى.
سنة (87 هـ) سبع وثمانين:
فى هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول، واستعمل عمر بن عبد العزيز، فقدمها فى الشهر، وثقله على ثلاثين بعيرا، فنزل دار مروان، وأحسن السيرة فى الناس، واستعان بفقهاء المدينة، وحرّضهم على أن يبلّغوه ما يبلغهم من أخبار عمّاله، وأن يعينوه على الحقّ، وقال: إنى أريد ألّا أقطع أمرا دونكم.
وحج عمر بالناس فى هذه السنة، وكان على قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن حزم، وعلى قضاء البصرة عبد الله بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهم.
سنة (88 هـ) ثمان وثمانين:
ذكر عمارة مسجد النبى صلى الله عليه وسلّم والزيادة فيه
فى هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى شهر ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فى المسجد، وأن يشترى ما فى نواحيه حتى يكون مائتى «1» ذراع، ويقول له:
قدّم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك؛ فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فقوّموا ملكه قيمة عدل، واهدم عليهم، وادفع الأثمان إليهم، فإنّ لك فى عمر وعثمان رضى الله عنهما أسوة.
فأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب، فأجابوا إلى أخذ الثمن؛
(21/314)

فأعطاهم إياه، وهدم الحجر، وأرسل الوليد الفعلة من الشام، وبعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبى صلّى الله عليه وسلّم ليعمره، فبعث إليه الروم مائة ألف مثقال من ذهب ومائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا. فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، وحضر عمر ومعه الناس، فوضعوا أساسه.
وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى تسهيل البناء وحفر الآبار، وأمره أن يعمل الفوّارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطّرق وعمل الآبار.
وفيها منع الوليد المجذّمين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأرزاق.
وحجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، ووصل جماعة من قريش، وساق معه بدنا، وأحرم من ذى الحليفة، فلما كان بالتّنعيم أخبر أنّ مكّة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاجّ العطش. فقال عمر:
تعالوا ندعو الله تعالى؛ فدعا ودعا معه الناس، فما وصلوا إلى البيت إلّا مع المطر، وسال الوادى، فخاف أهل مكّة من شدّته، ومطرت عرفة ومكة، وكثر الخصب. وقيل: إنما حجّ هذه السنة عمر بن الوليد [والله أعلم «1» ] .
(21/315)

سنة (89 هـ) تسع وثمانين:
ذكر ولاية خالد بن عبد الله القسرى مكة وما خطب الناس [به] «1» وقاله
وفى هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسرى، فخطب أهلها فقال:
أيها الناس، أيهما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا من فضل الخليفة إلّا أنّ إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، يعنى بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بثنية طوى فى ثنية الحجون، فكان ماؤها عذبا، وكان ينقل ماءها ويضعه فى حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها.
وقيل: كانت ولاية خالد فى سنة [91 هـ] إحدى وتسعين. وقيل سنة أربع.
وحج بالناس فى هذه السنة عمر بن عبد العزيز.
سنة (90 هـ) تسعين:
ذكر هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج
فى هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ «2» للبعث، لأنّ الأكراد كانوا قد غلبوا على فارس، وأخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته، وجعل عليهم مثل الخندق، وجعلهم فى فسطاط قريب منه، وجعل عليهم الحرس من أهل
(21/316)

الشام، وطلب منهم ستة آلاف ألف، وعذّبهم؛ فكان يزيد يصبر صبرا حسنا، فكان ذلك مما يغيظ الحجاج، فقيل له: إنه رمى فى ساقه بنشّابة فثبت نصلها فيه فهو لا يمسّها شىء إلّا صاح، فأمر أن يعذّب فى ساقه، فعذب، فصاح، فسمعته أخته هند، وكانت عند الحجاج فصاحت، فطلقها الحجاج، ثم كفّ عنهم وجعل يستأدى «1» منهم المال، فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب، فسقوا، واشتغلوا «2» ، فلبس يزيد ثياب طبّاخه وخرج، وقد جعل له لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس، فقال: كأنّ هذه مشية يزيد، فلحقه فرأى لحيته بيضاء، فتركه، وعاد وخرج المفضّل ولم يفطن له، وكذلك عبد الملك، فجاءوا إلى سفن معدّة فركبوها، وساروا ليلتهم.
ولما أصبح الحجاج وعلم بهم الحرس رفعوا أمرهم إليه ففزع، وظن أنهم قصدوا «3» خراسان لفتنة، فبعث إلى قتيبة يأمره بالجدّ والاحتياط.
ولما دنا يزيد وإخوته من البطائح استقبلتهم خيل قد ضمّرت وأعدّت لهم، فركبوها ومعهم دليل من كلب، فأخذوا على السّماوة إلى الشام، فأتى الحجاج الخبر، فكتب إلى الوليد يعلمه. وسار يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدى، وكان كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان فأعلمه بحال يزيد وإخوته، وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج. قال: فأتنى
(21/317)

بهم، فإنهم آمنون لا يوصل «1» إليهم وأنا حىّ. فجاء بهم إليه فكانوا عنده فى مكان آمن.
وكتب الحجاج إلى الوليد: إنّ آل المهلب خانوا مال «2» الله وهربوا منّى، ولحقوا بسليمان.
فلما علم أنهم عند أخيه سكن بعض مابه، وكتب إليه سليمان:
إنّ يزيد عندى وقد أمّنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، لأن الحجاج أغرمه ثلاثة آلاف ألف، والذى بقى عليه أنا أؤدّيه.
فكتب الوليد: والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إلىّ ...
فكتب سليمان: لئن بعثت به إليك لأجيئنّ معه.
فكتب إليه: والله لئن جئتنى لا أؤمنه. فقال يزيد بن المهلّب:
أرسلنى إليه، فو الله ما أحبّ أن أوقع بينك وبينه عداوة، واكتب معى بألطف ما قدرت عليه. فأرسله، وأرسل معه ابنه أيوب.
وكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيّدا. فقال سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد فى سلسلة. ففعل ذلك، فلما رأى الوليد ابن أخيه فى سلسلة قال: لقد بلغنا من سليمان.
ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تخفر ذمّة أبى، وأنت أحقّ من منعها، ولا تقطع منّا رجاء من رجا السلامة فى جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العزّ فى الانقطاع إلينا لعزّنا بك.
(21/318)

فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع فيه، ويضمن إيصال المال.
فقال: لقد شققنا على سليمان.
وتكلم يزيد واعتذر، فأمّنه الوليد، وردّه إلى سليمان، وكتب إلى الحجاج: إنى لم أصل إلى يزيد وأهله لمكانهم من سليمان، فاكفف عنهم، وكان أبو عيينة بن المهلّب عند الحجاج عليه ألف ألف، فتركها له، وكفّ عن حبيب بن المهلب، وكان يعذّب بالبصرة، وأقام يزيد عند سليمان فى أرغد عيش، وكان لا تصل إليه هديّة إلّا بعث بنصفها إلى يزيد، ولا تعجبه جارية إلا بعث بها إليه، وكان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان.
وفى هذه السنة استعمل الوليد قرّة بن شريك على مصر، وعزل أخاه عبد الله عنها.
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد.
وحج بالناس عمر بن عبد العزيز.
وفيها مات أنس بن مالك رضى الله عنه الأنصارى. وقيل: سنة [92 هـ] اثنتين وتسعين، وكان عمره ستّا وتسعين سنة، وقيل مائة وست سنين.
سنة (91 هـ) احدى وتسعين:
فى هذه السنة حجّ الوليد بن عبد الملك بالناس، فلما قدم المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، ولم يبق
(21/319)

غير سعيد بن المسيّب، لم يجسر «1» أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له [رضى الله عنه] «2» : لو قمت. فقال: لا أقوم حتى يأتى الوقت الذى كنت أقوم فيه. قيل له: فلو سلّمت على أمير المؤمنين.
قال: لا، والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد فى ناحية المسجد لئلا يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة.
فقال: من ذلك الشيخ: أهو سعيد؟ قلت: نعم. ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلّم عليك.
فقال الوليد: قد علمت حاله، نحن «3» نأتيه، فأتاه فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فو الله ما تحرّك سعيد. فقال: بخير والحمد لله؛ فكيف أمير المؤمنين؟ وكيف حاله؟ فانصرف وهو يقول: هذا بقيّة الناس. وقسم الوليد بالمدينة رقيقا «4» كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وصلّى بالمدينة الجمعة، وخطب الخطبة الأولى جالسا والثانية قائما.
وفيها عزل الوليد عامله محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية.
واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا الترك كما تقدم.
سنة (92 هـ) اثنتين وتسعين:
فى هذه السنة حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة وكان من الغزوات والفتوحات ما تقدم ذكره.
(21/320)

سنة (93 هـ) ثلاث وتسعين:
ذكر عزل عمر بن عبد العزيز
فى هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة، وكان سبب ذلك أنّ عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف لحجّاج وظلمه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى الوليد: إن من عندى من المرّاق «1» وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة، وإن ذلك وهن.
فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يولّيه المدينة ومكة، فأشار بخالد بن عبد الله القسرى وعثمان بن حيّان، فولى خالدا مكة وعثمان المدينة، فلما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها، وتهدّد من أنزل عراقيّا أو أجره دارا. وقيل: كان ذلك قبل هذا التاريخ. والله أعلم.
وفيها كتب الوليد إلى عمر قبل عزله يأمره أن يضرب خبيب «2» ابن عبد الله بن الزّبير، ويصب على رأسه ماء باردا، فضربه خمسين سوطا. وصبّ على رأسه ماء باردا فى يوم شات، ووقفه على باب المسجد، فمات من يومه.
وحج بالناس عبد العزيز بن الوليد.
(21/321)

سنة (94 هـ) أربع وتسعين:
ذكر مقتل سعيد بن جبير
[رضى الله عنه] «1» فى هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وهو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدى مولى بنى والية:
بطن من بنى أسد بن خزيمة.
وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن [محمد بن] «2» الأشعث، وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج وعبد الملك كان سعيد ممن خلع؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله، فتحرّج العامل من ذلك، وأرسل إلى سعيد يعرّفه أن يفارق البلد، فخرج إلى أذربيجان ثم خرج إلى مكة، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد الله مكة، وأخرج أهل العراق إلى الحجّاج، فأخذ سعيد فيمن أخذ، وسيره إلى الحجاج مع حرسيّين، فانطلق أحدهما لحاجته فى بعض الطريق وبقى الآخر فنام واستيقظ. فقال لسعيد: إنى أبرأ إلى الله من دمك، إنى رأيت فى منامى قائلا يقول لى: ويلك! تبرأ إلى الله من دم سعيد بن جبير، فاذهب حيث شئت، فإنى لا أطلبك، فأبى سعيد ذلك، ورأى الحرسىّ ذلك ثلاث مرات وهو يكرّر القول على سعيد فى الذهاب فلا يفعل. ثم قدم الكوفة فأدخل على الحجاج، فلما رآه قال: لعن الله ابن النصرانية- يعنى خالد بن عبد الله،
(21/322)

أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الذى كان فيه بمكة. ثم أقبل عليه وقال: يا سعيد، ألم أشركك فى أمانتى «1» ؟ ألم أستعملك؟
قال: بلى. قال: فما أخرجك علىّ؟ قال: إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطىء مرّة ويصيب مرة. فطابت نفس الحجاج، ثم عاوده فى شىء، فقال: إنما كانت بيعته «2» فى عنقى. فغضب الحجاج وانتفخ. وقال: يا سعيد، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين [عبد الملك] «3» ؟
قال: بلى. قال: ثم قدمت الكوفة واليا فجدّدت البيعة فأخذت بيعتك ثانيا؟ قال: بلى. قال: فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين، وتوفى بواحدة للحائك ابن الحائك، والله لأقتلنّك. قال: إنى إذا لسعيد كما سمّتنى أمى، فأمر به فضربت رقبته. فلما سقط رأسه هلل ثلاثا؛ أفصح بمرّة «4» ولم يفصح بمرّتين، والتبس عقل الحجاج فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود، فعطفوا «5» رجلى سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود.
وكان الحجاج إذا نام يراه فى منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول:
يا عدوّ الله، فيم قتلتنى، فيقول: مالى ولسعيد بن جبير! مالى ولسعيد بن جبير! يكررها.
(21/323)

وفيها كانت الزلازل بالشام فدامت أربعين يوما، فخربت البلاد، وكان معظم «1» ذلك بأنطاكية.
ذكر وفاة زين العابدين على بن الحسين
ابن على بن أبى طالب رضى الله عنهم ونبذة من أخباره كانت وفاته بالمدينة فى أول سنة [94 هـ] أربع وتسعين. وقيل فى سنة اثنتين. وقيل سنة ثلاث. وقيل سنة تسع وتسعين. وقيل سنة مائة. حكى هذا الاختلاف أبو القاسم بن عساكر فى تاريخ دمشق، واقتصر ابن الأثير الجزرى على سنة أربع وتسعين دون غيرها.
وكان رحمه الله يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو محمد، ويقال أبو الحسن، ويقال أبو الحسين زين العابدين. ومولده سنة [33 هـ] ثلاث وثلاثين، وأمه أمّ ولد اسمها غزالة [خلف عليها بعد الحسين زييد مولى الحسين، فولدت له عبد الله بن زييد.
وقال إسماعيل بن موسى السّدّى: عبد الرحمن بن حبيب أخو علىّ ابن الحسين لأبيه] «2» ، وكان رحمه الله ثقة ورعا مأمونا كثير الحديث من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة.
حكى أبو القاسم بن عساكر فى تاريخه عن الزهرى، قال:
شهدت علىّ بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأوثقه حديدا، ووكل به حفّاظا فاستأذنتهم «3» فى التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لى فدخلت عليه، وهو فى قبّة
(21/324)

والقيود فى رجليه والغلّ فى يديه، فسكنت «1» وقلت: وددت أنى مكانك وأنت سليم. فقال: يا زهرىّ، أو تظنّ هذا مما ترى علىّ وفى عنقى. أما إنى لو شئت ما كان. ثم أخرج يديه من الغلّ ورجليه من القيد.
ثم قال: يا زهرىّ، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة.
فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة، فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لى بعضهم: إنا نراه متبوعا، إنه لنازل- ونحن حوله لا ننام نرصده- إذ أصبحنا، فما وجدنا إلا حديده.
قال الزهرى: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألنى عن علىّ ابن الحسين، فأخبرته، فقال لى: إنه قد جاءنى فى يوم فقده الأعوان، فدخل علىّ، فقال: أنا وأنت! فقلت: أقم عندى.
فقال: لا أحبّ، فخرج، فو الله لقد امتلأ ثوبى منه خيفة.
فقال الزهرى: فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس علىّ بن الحسين حيث تظنّ، إنه لمشغول بنفسه. فقال: نعم.
وقيل: وقع حريق بالمدينة فى بيت فيه علىّ بن الحسين، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار! فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذى ألهاك عنها؟ قال: ألهانى عنها النار الأخرى..
وقيل: كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، ولا يخطر بيده.
وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال:
ما تدرون بين يدى من أقوم ومن أناجى.
(21/325)

قيل: وكان إذا توضّأ اصفرّ فيقول له أهله: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدى من أريد أقوم؟
وعن سفيان بن عيينة قال: حجّ على بن الحسين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه وانتفض، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبّى. فقيل له: ما لك لا تلبّى؟ فقال: أخشى أن أقول لبّيك، فيقول لى: لا لبّيك. فقيل له: لا بدّ من هذا. فلما لبّى غشى عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجّه.
وقيل: كان رضى الله عنه يصلّى فى كلّ يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات رضى الله عنه.
وكان يسمّى بالمدينة زين العابدين لعبادته. وقيل: إنه قاسم الله ماله مرّتين، وكان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين فى ظلمة الليل، ويقول: إن الصّدقة فى ظلمة الليل تطفئ غضب الرّبّ.
وأعتق غلاما أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم وألف دينار. قيل: وسكبت جارية عليه الماء ليتهيّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه، فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله عزّ وجل يقول «1» :
«وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ»
. قال: قد كظمت غيظى. قالت «2» :
«وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ»
. قال: قد عفا الله عنك. قالت «3» : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» *
. قال: اذهبى فأنت حرّة.
(21/326)

قيل»
: وأذنب له غلام ذنبا استحقّ منه العقوبة، فأخذ السّوط.
فقال الغلام: «قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله» ، وما أنا كذلك، إنى لأرجو رحمة الله، وأخاف عذابه، فألقى السّوط، وقال: أنت عتيق.
وقيل: حجّ هشام بن عبد الملك فى زمن عبد الملك أو فى زمن الوليد، فلما طاف جهد أن يستلم الحجر فلم يطق لزحام الناس عليه، فنصب له منبر، وجلس ينظر إلى الناس، إذ أقبل علىّ بن الحسين رضى الله عنه من أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، فطاف بالبيت، فكان كلما بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذى قد هابه الناس هذه المهابة؟ فقال هشام:
لا أعرفه- مخافة أن يرغب الناس فيه، وكان حوله وجوه أهل الشام، والفرزدق الشاعر، فقال الفرزدق: لكننى أنا أعرفه، فقال أهل الشام: من هذا يا أبا فراس؟ فزبره هشام، وقال:
لا أعرفه. فقال الفرزدق: بل تعرفه، ثم أنشد مشيرا إليه «2» :
[هذا سليل حسين وابن فاطمة ... بنت الرسول الذى انجابت به الظّلم] «3»
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهمو ... هذا النّقى التّقىّ الطاهر العلم
(21/327)

إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يرقى «1» إلى ذروة العزّ الذى قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام «2» والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسم
بكفّه خيزران ريحها عبق ... من كفّ أروع فى عرنينه شمم
من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له «3» الأمم
ينشقّ نور الهدى عن نور غرّته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظّلم «4»
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصرها والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
(21/328)

الله شرّفه قدما وفضّله ... جرى بذاك له فى لوحه القلم
[فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم] «1»
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... يستو كفان ولا يعروهما عدم «2»
حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم
من معشر حبّهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهمو منجى ومعتصم
إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم
(21/329)

لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
يستدفع السوء والبلوى بحبّهمو ... ويستردّ به الإحسان والنعم
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهمو ... فى كل أمر ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحلّ الذّلّ «1» ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم
أىّ الخلائق ليست فى رقابهمو ... لأوّليّة هذا أو له نعم
من يشكر الله يشكر أوليّة ذا ... فالدّين من بيت هذا بابه الأمم
قال: فغضب هشام لذلك وتنغّص عليه يومه، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علىّ بن الحسين رضى الله عنه، فبعث إليه باثنى عشر ألف درهم، وقال: اعذر أبا فراس، لو كان عندنا أكثر من هذا لو صلناك بها، فردّها الفرزدق، وقال: ما قلت الذى قلت إلّا غضبا لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليها شيئا، فردّها عليه، وقال: بحقّى عليك إلا قبلتها، فقد علمت أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لا نرجع فيه،
(21/330)

وقد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، والجزاء عليه تعالى. فقبلها.
وجعل الفرزدق يهجو هشاما، فكان مما هجاه به «1» :
أتحبسنى «2» بين المدينة والتى ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وعينين حولاوين باد عيوبها
وكان على بن الحسين يقول: لقد استرقّك بالودّ من سبقك بالشكر.
ولما حضرته الوفاة أوصى ألّا يؤذنوا به أحدا، وأن يكفّن فى قطن، ولا يجعلوا فى حنوطه مسكا، ودفن بالبقيع رحمه الله ورضى عنه.
ومات أيضا فى هذه السنة عروة بن الزبير رضى الله عنهما، وسعيد بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.
وحجّ بالناس مسلمة بن عبد الملك. وقيل عبد العزيز بن الوليد.
وفيها استقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب.
سنة (95 هـ) خمس وتسعين:
ذكر وفاة الحجاج بن يوسف الثقفى وشىء من أخباره
هو أبو محمد الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ابن عامر بن مسعود بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف، كانت وفاته فى شوال سنة [95 هـ] خمس وتسعين،
(21/331)

وقيل لخمس بقين من شهر رمضان من السنة، وله من العمر أربع وخمسون، وقيل ثلاث وخمسون.
روى أن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار فى أيام الوليد بن عبد الملك، فقال عمر بن العزيز:
الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرّة بن شريك بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة؛ اللهم قد امتلأت ظلما وجورا، فأرح الناس. فلم يمض غير قليل حتى توفى الحجاج وقرّة فى شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان بن حيّان، وخالد بن عبد الله القسرى.
واستجاب الله لعمر.
وما أشبه هذه القصة بقصة عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما بلغه أنّ زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية يقول: إنّى قد ضبطت العراق بشمالى ويمينى فارغة. فقال ابن عمر: اللهم أرحنا من يمين زياد، وأرح أهل العراق من شماله. فاستجاب الله له.
وكان من خبر وفاة زياد ما ذكرناه.
وكانت ولاية الحجاج العراق عشرين سنة، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبى كبشة، وعلى الخراج يزيد بن أبى مسلم، فأقرّهما الوليد بعده.
وكان الحجاج من أفصح الناس. قال أبو عمرو بن العلاء:
ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن، وقد ذكرنا من كلامه عند مقدمه الكوفة ما يدلّ على فصاحته.
(21/332)

ومن أخباره أنّ عبد الملك كتب إليه يأمره بقتل أسلم بن عبد الله البكرى لشىء بلغه عنه، فأحضره الحجاج، فقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول «1» : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... »
الآية. والذى بلغه عنى فباطل «2» .
فاكتب إلى أمير المؤمنين أنى أعول أربعا وعشرين امرأة، وهنّ بالباب؛ فأحضرهن، وكان فى آخرهن جارية قاربت عشر سنين.
فقال لها: من أنت منه؟ قالت: ابنته، أصلح الله الأمير، ثم أنشأت «3» :
أحجاج لو «4» تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا
أحجاج لا «5» تقتل به إن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا
أحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا
أحجاج إما أن تجود بنعمة ... علينا وإما أن تقتّلنا معا
فبكى الحجاج، وقال: والله لا أعنت الدهر عليكنّ ولازدتكنّ تضعضعا.
وكتب إلى عبد الملك بخبره وخبر الجارية، فكتب إليه:
إذا كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته وتفقّد «6» الجارية، ففعل.
(21/333)

قال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتّقوا الله ما استطعتم، هذا والله مثنوية، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثنوية، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا لحلّت لى دماؤكم، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أمّ عبد- يعنى ابن مسعود- إلّا ضربت عنقه، ولأحكّنّها من المصحف ولو بضلع خنزير.
قال الأوزاعى: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم.
قال الحسن: سمعت عليا يقول على المنبر: اللهم ائتمنتهم فخانوا، ونصحتهم فغشّونى، اللهم فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم فى دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية، فوصفه. قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج.
قال حبيب بن أبى ثابت: قال علىّ رضى الله عنه لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: يا أمير المؤمنين؛ ما فتى ثقيف؟
قال: ليقالنّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين، فلا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وبينها وبينه باب مغلق لكسره.
حتى يرتكبها، يقتل «1» من أطاعه بمن عصاه.
وقيل: أحصى من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا.
(21/334)

وقيل: إن الحجاج مرّ بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر فى مشيته، فقال رجل لخالد: من هذا؟ فقال خالد: بخ بخ! هذا عمرو ابن العاص. فسمعها الحجاج فرجع، وقال: والله ما يسرّنى أن العاص والدى «1» ، ولكنى ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، وأنا الذى ضربت «2» بسيفى هذا مائة ألف كلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر. ثم ولّى، وهو يقول: بخ بخ عمرو بن العاص! فقد أقرّ على نفسه بمائة ألف قتيل على ذنب واحد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك.
سنة (96 هـ) ست وتسعين:
ذكر وفاة الوليد بن عبد الملك وشىء من أخباره وسيرته وأولاده وعماله
كانت وفاته بدير «3» مرّان فى النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. ودير مرّان كان بجبل قاسيون بظاهر دمشق، وهو الآن مدرسة وتربة منسوبة إلى الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن العادل ابن أيوب. كانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. ودفن خارج الباب الصغير بدمشق. وقيل فى مقابر الفراديس «4» .
وصلّى عليه عمر بن عبد العزيز. ولما دلّى فى حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: عاش أبى؟ فقال له عمر بن عبد العزيز- وكان فيمن
(21/335)

دفنه: عوجل والله أبوك. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر. وقيل سبعا وأربعين. وقيل ثمانيا وأربعين. والله أعلم.
وكان أسمر اللّون، جميل الوجه، أفطس الأنف. وقيل.
كان سائل الأنف جدّا وبوجهه آثار جدرى.
وكان نقش خاتمه: يا وليد، إنك ميت.
وكان له من الأولاد تسعة عشر ذكرا، وعدّهم بعض المؤرخين عشرين، وهم: يزيد، وإبراهيم- وليا الخلافة، والعباس فارس بنى مروان، وعمر فحل بنى مروان، وعبد العزيز، وبشر، وصدقة، ومحمد، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمرو، وروح، ويحيى، هؤلاء الذكور، سوى البنات.
كتّابه: قرّة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك ابن يزيد، ثم يزيد بن أبى كبشة، ثم عبد الله بن بلال.
قضاته: عبد الله بن بلال، وسليمان بن حبيب.
حجّابه: خالد، وسعيد مولياه.
الأمراء بمصر: أخوه عبد الله، ثم قرّة بن شريك.
قاضيها: عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة «1» ، ثم صرفه قرّة وولّى عياض بن عبد الله، ثم وليها عبد الملك بن رفاعة بعد وفاة قرّة.
وكان عمّاله على الأمصار من ذكرناهم.
قال: وكان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام من أفضل
(21/336)

خلفائهم «1» ، وله آثار حسنة ومبان عظيمة، وفتح فى أيامه بلاد الأندلس وماوراء النهر وبلاد الهند.
[قال] «2» : وكان الوليد يمرّ بالبقّال فيقف عليه، ويأخذ منه حزمة بقل، فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول الوليد:
زد فيها.
وبنى جامع دمشق فى سنة [86 هـ] ست وثمانين، وهدم كنيسة النصارى التى كانت إلى جانبه، وتعرف بماريو حنا، وزادها فيه.
وقيل: كان فى الجامع وهو يبنى اثنا عشر ألف مرخم. وتوفّى الوليد ولم يتمّ بناؤه، وكان الفراغ منه فى أيام سليمان أخيه.
وقيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق، فى كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة من الذهب للقناديل، ولم تطق الناس الصلاة فيه لكثرة شعاعه، فدخنت حتى اسودّت، فلما ولى عمر بن عبد العزيز جعلها فى بيت المال، وعوّضها بالحديد.
وأمر الوليد ببناء جامع البيت المقدس فى سنة [88 هـ] ثمان ثمانين.
قيل: وحجّ الوليد بالناس ثلاث «3» حجج: سنة ثمان وثمانين.
وسنة إحدى وتسعين، وسنة أربع وتسعين.
قال: وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان، ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، فكتب إلى عمّاله، ودعا الناس إلى خلعه، فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج وقتيبة وخواصّ من الناس.
(21/337)

فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم على المسير إليه ليخلعه، وأخرج خيمة فمات قبل أن يسير إليه.
قال: وكان الوليد لحانا لا يحسن العربية، فعاتبه أبوه، وقال:
إنه لا يلى العرب إلّا من يحسن كلامهم؛ فجمع النّحاة، ودخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخل، فقال عبد الملك: قد أعذر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ذكر بيعة سليمان بن عبد الملك
هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه ولادة أم أخيه الوليد، وهو السابع من ملوك بنى أمية. بويع له يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة، وهو يوم وفاة أخيه الوليد، وكان إذ ذاك بالرّملة، وكان الوليد قد أراد خلعه من ولاية العهد، فمات قبل أن يتمّ له ما أراد من ذلك.
ولنذكر الحوادث الكائنة فى أيامه على حكم السنين:
[سنة (96 هـ) ست وتسعين:]
ذكر قتل «1» قتيبة بن مسلم
وفى هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلى بخراسان، وكان سبب ذلك أنه أجاب الوليد إلى خلع سليمان كما ذكرنا، فلما أفضت الخلافة إلى سليمان خشى قتيبة أنّ سليمان يستعمل يزيد بن المهلب على خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنّئه بالخلافة ويذكر
(21/338)

بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان.
وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه بفتوحه ومكانته، وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته فى صدورهم، ويذمّ آل المهلّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه.
وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه، وبعث الكتب مع رجل من أهله، وقال له: ادفع الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الثانى. فإن قرأه ودفعه إلى يزيد فادفع إليه الثالث، وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين عنه.
فقدم رسول قتيبة، فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلّب، فدفع إليه الكتاب الأوّل، فقرأه وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الثانى، فقرأه وألقاه إليه، فأعطاه الثالث، فقرأه وتغيّر «1» لونه وختمه وأمسكه بيده. فقيل «2» : كان فيه: لو لم «3» تقرّنى على ما كنت عليه وتؤمننى لأخلعنّك، ولأملأنّها عليك خيلا ورجلا «4» .
ثم أمر سليمان بإنزال رسول قتيبة، ثم أحضره ليلا وأعطاه دنانير وعهد قتيبة على خراسان وسيّر معه رسولا، فلما كانا «5» بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان، وكان قتيبة لما همّ بخلع سليمان استشار إخوته فقال عبد الرحمن: اقطع بعثا [فوجّه] «6»
(21/339)

فيه كلّ من تخافه، ووجّه قوما إلى مرو، وسر حتى تنزل سمرقند، وقل لمن معك: من أحبّ المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره، فإنه لا يقيم عندك إلّا مناصح. وقال له أخوه عبد الله: اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان. فوافقه وخلع سليمان، ودعا الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد، فغضب، وقال:
لا أعزّ الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، وسبّهم طائفة طائفة وقبيلة قبيلة، وذكر مساويهم ومعايبهم، ونزل؛ فغضب الناس واجتمعوا على خلع قتيبة وخلافه، وكان أوّل من تكلم فى ذلك الأزد، فأتوا حضين «1» بن المنذر، فقالوا: إنّ هذا قد خلع الخليفة، وفيه فساد الدّين والدنيا، وقد شتمنا فما ترى؟ فأشار عليهم أن يأتوا وكيع بن أبى سود التميمى، ويقدّموه لرياسته فى قومه، فأتوه وسألوه أن يلى أمرهم، ففعل.
وكان بخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف، ومن بكر سبعة «2» آلاف، ورئيسهم حضين ابن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف وعليهم ضرار بن حصين، ومن عبد القيس أربعة آلاف وعليهم عبد الله بن حوذان «3» ، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف وعليهم جهم بن زحر. ومن الموالى سبعة آلاف وعليهم حيّان النبطى مولى بنى شيبان، وهو من الدّيلم وقيل من خراسان، وإنما قيل له النبطى للكنته.
(21/340)

فأرسل حيّان إلى وكيع يقول: إن أنا كففت عنك وأعنتك تجعل لى الجانب الشرقى من نهر بلخ آخذ خراجه مادمت حيا، وما دمت أميرا! قال: نعم. فقال حيان للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا. ففعلوا.
وقيل لقتيبة: إن وكيعا يبايع الناس، فدسّ عليه ضرار بن سنان الضبى، فبايعه سرّا، فظهر أمره لقتيبة، فأرسل إليه يدعوه، فوجده قد طلى رجليه بمغرة «1» ، وعلّق على ساقه «2» خرزا، وعنده رجلان يرقيان رجله. فقال للرسول: قد ترى ما برجلى. فرجع إليه فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول: لتأتينّى به محمولا، فأتاه فقال:
لا أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتنى به، فإن أبى فاضرب عنقه، ووجّه معه خيلا.
وقيل: أرسل إليه شعبة «3» بن ظهير التميمى. فقال له وكيع:
يا ابن ظهير، لبّث قليلا تلحق الكتائب. ولبس سلاحه، ونادى فى الناس، فأتوه، وركب فرسه، وخرج، فأتاه الناس أرسالا، واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواصّ أصحابه وثقاته، منهم إياس ابن بيهس بن عمرو، وهو ابن عمّ قتيبة، ودعا قتيبة ببرذون له مدرّب ليركبه، فاستعصعب عليه حتى أعياه، فجلس على سريره وقال: دعوه، فإن هذا أمر يراد.
وجاء حيان فى العجم وقتيبة واجد عليه، فقال عبد الله أخو
(21/341)

قتيبة: أحمل عليهم. فقال حيّان: لم يأت بعد. وقال حيّان لابنه:
إذا رأيتنى قد حوّلت قلنسوتى وملت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلىّ. فلما حوّل حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع فكبّروا وهاجوا، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة، وجاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة، فقطعوا أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم بن «1» زحر بن قيس لسعد: انزل فحزّ رأسه، فنزل وشقّ الفسطاط، واحتزّ رأسه؛ وقتل معه من أهله وإخوته:
عبد الرحمن، وعبد الله، وصالح، وحضين، وعبد الكريم: بنو مسلم «2» .
وقتل كثير ابنه، وكان عدّة من قتل مع قتيبة من أهله أحد عشر رجلا، فأرسل وكيع إلى سليمان برأسه ورءوس أهله.
ولما قتل قال رجل من خراسان: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة، والله لو كان منّا فمات لجعلناه فى تابوت، فكنا نستفتح به إذا غزونا.
وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلى يرثى قتيبة «3» :
كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا
ولم تخفق الرايات والجيش حوله ... وقوف ولم تشهد له الناس عسكرا
دعته المنايا فاستجاب لربّه ... وراح إلى الجنّات عفّا «4» مطهّرا
فما رزى الإسلام بعد محمّد ... بمثل أبى حفص فبكّيه «5» عبهرا
وعبهر: أمّ ولد له.
(21/342)

ووصل خبر مقتله إلى الشام فى اليوم الثانى من مقتله.
قال شيوخ من غسان: كنا بثنّية العقاب «1» إذا نحن برجل معه عصا وجراب، فقلنا: من أين أقبلت؟ قال: من خراسان. قلنا؟ هل كان بها من خبر؟ قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس، فعجبنا من قوله. فلما رأى إنكارنا قال: أين ترونى الليلة من إفريقية «2» ؟ وتركنا ومضى، فاتبعناه على خيولنا فإذا به يسبق الطّرف. وثنيّة العقاب فى مرج دمشق على نصف مرحلة منها.
*** وفى هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة
لسبع بقين من شهر رمضان، واستعمل عليها أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، وكان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر هذا ويحلق لحيته من الغد، فلما كان اليل جاء البريد إلى أبى بكر بتأميره وعزل عثمان وحده وتقييده.
وعزل سليمان أيضا يزيد بن أبى مسلم عن العراق، واستعمل يزيد بن المهلّب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره ببسط العذاب على آل أبى عقيل؛ وهم أهل الحجاج، فكان يعذّبهم، ويلى عذابهم عبد الملك بن المهلّب.
وحجّ بالناس أبو بكر بن محمد وهو أمير المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد «3» وعلى حرب العراق
(21/343)

وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن.
وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندى من قبل يزيد، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبى سود «1» .
وفيها مات شريح القاضى، وقيل سنة [97 هـ] سبع وتسعين.
وله مائة وعشرون سنة، ومحمود بن لبيد الأنصارى وله صحبة.
سنة (97 هـ) سبع وتسعين:
ذكر ولاية يزيد بن المهلب خراسان
فى هذه السنة استعمل سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب على خراسان مضافة إلى العراق، وكان سبب ذلك أنّ سليمان لما ولى يزيد بن المهلّب العراق فوّض إليه الحرب والخراج والصلاة بها، فنظر يزيد لنفسه، فرأى أنّ الحجاج قد أخرب العراق، وأنه إن أخذ الناس بالخراج وعذّبهم عليه صار عندهم مثل الحجاج، وأنه متى لم يفعل ذلك ويأت سليمان بمثل ما كان الحجاج يأتى به لم يقبل منه، فأشار على سليمان أن يولّى صالح بن عبد الرحمن مولى تميم الخراج، فولاه الخراج وسيّره قبل يزيد، فنزل واسطا. ولما قدم يزيد خرج الناس يتلقّونه، ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد، فخرج وبين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد وسايره، ولم يمكنه من شىء، وضيّق عليه، فضجر يزيد من ذلك، فدعا عبد الله بن الأهتم، وقال له: إنى أريدك لأمر أهمّنى، وأحبّ أن تكفينيه. قال: أفعل.
(21/344)

قال: أنا فيما ترى من الضّيق، وقد ضجرت منه، وخراسان شاغرة فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرّحنى إلى أمير المؤمنين.
فكتب يزيد إلى سليمان وأعلمه بحال العراق، وأثنى على ابن الأهتم وذكر علمه بها، وسيّره على البريد؛ فأتى ابن الأهتم سليمان فقال له:
إن يزيد كتب إلىّ يذكر علمك بالعراق، فكيف «1» علمك بخراسان؟
قال: أنا أعلم الناس بها، ولدت بها ونشأت، ولى بها وبأهلها خبر.
قال: فأشر على برجل أولّيه خراسان. قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيى فيه، فسمّى رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال: فعبد الملك بن المهلب.
فقال: لا يصح، فإنه يضيق عن هذا، وليس له مكر أبيه ولا شجاعته «2» ، حتى ذكر رجالا، وكان آخر من ذكر وكيع ابن أبى سود، فقال: يا أمير المؤمنين، وكيع رجل شجاع صارم رئيس مقدام، وما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندى يدا من وكيع، لقد أدرك بثأرى وشفانى من عدوّى، ولكنّ أمير المؤمنين أعظم حقا، والنصيحة له تلزمنى، إنّ وكيعا لم يجتمع له مائة عنان قطّ إلا حدّث نفسه بغدرة، خامل فى الجماعة، نابه «3» فى الفتنة.
قال: فمن لها ويحك! قال: رجل أعلمه لم يسمّه أمير المؤمنين.
قال: فمن هو؟ قال: لا أذكره حتى يضمن لى أمير المؤمنين ستر ذلك، وأن يجيرنى منه إن علم. قال: نعم، قال: يزيد بن المهلب.
(21/345)

قال: العراق أحبّ إليه من خراسان؟ قال: قد علمت يا أمير المؤمنين، ولكن تكرهه فيستخلف على العراق [رجلا] «1» ويسير هو إلى خراسان. قال: أصبت الرأى.
فكتب عهد يزيد على خراسان، وسيّره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد، فأمر بالجهاز للمسير من ساعته، وقدم ابنه مخلدا إلى خراسان من يومه، ثم سار يزيد بعده، واستخلف على واسط الجرّاح بن عبد الله الحكمى، وعلى البصرة عبد الله بن هلال الكلابى، وجعل أخاه مروان بن المهلب على حوائجه وأموره بالبصرة، واستخلف على الكوفة حرملة بن عمير اللخمى أشهرا، ثم عزله، وولى بشير بن حيان النّهدى، وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع، فأمر سليمان يزيدا أن يسأل عن ذلك. فإن أقامت قيس البيّنة أنّ قتيبة لم يخلع فنقيد وكيعا به، فلما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه وكيع «2» فحبسه وعذّبه، وعذّب أصحابه قبل قدوم أبيه، فكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد خراسان فآذى «3» أهل الشام وقوما من أهل خراسان، فقال نهار ابن توسعة رحمه الله «4» :
وما كنّا نؤمّل من أمير ... كما كنّا نؤمّل من يزيد
فأخطأ ظنّنا فيه وقدما ... زهدنا فى معاشرة الزّهيد
إذا لم يعطنا نصفا أمير ... مشينا نحوه مشى الأسود.
(21/346)

فمهلا يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد
نجىء «1» ولا «2» نرى إلّا صدودا ... على أنّا نسلّم من بعيد
ونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهّم والصّدود
*** وفى هذه السنة جهّز سليمان الجيوش إلى القسطنطينية، واستعمل ابنه داود على الصائفة، فافتتح حصن المرأة.
وفيها غزا مسلمة أرض الوضّاحية، وفتح الحصن الذى فتحه الوضّاح.
وغزا عمر بن هبيرة الروم فى البحر فشتابها. وحجّ سليمان بن عبد الملك بالناس.
وفيها عزل داود بن طلحة «3» الحضرمى عن مكة، فكان عمله عليها ستة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد.
سنة (98 هـ) ثمان وتسعين:
ذكر محاصرة القسطنطينية
فى هذه السنة بعث سليمان الجيوش إلى القسطنطينية مع أخيه مسلمة بعد أن سار سليمان إلى دابق «4» ، وكان ملك الروم قد مات، فجاء أليون من أذربيجان إلى سليمان، وأخبره بوفاته، وضمن له فتح الروم، فبعث معه مسلمة، فسار هو وأليون، فلما دنا من أرض الروم أمر كلّ فارس أن يحمل معه مدّين من طعام، فلما أتاها أمر
(21/347)

بإلقاء ذلك، فصار مثل الجبال، وقال مسلمة لمن معه: لا تأكلوا منه شيئا وأغيروا «1» فى أرضهم وازرعوا، وعمل بيوتا من خشب فشتا فيها وصاف وزرع الناس، فلما «2» كثر عندهم الطعام أقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس، فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا فلم يقبل، فقالت الروم لأليون: إن صرفت عنا المسلمين ملّكناك، فاستوثق منهم، وأتى مسلمة فقال له: إنّ الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا ما بأيديهم، فأمر مسلمة بالطعام فحرق، فقوى الروم وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون، وداموا على ذلك حتى مات سليمان.
وقيل: إن أليون إنما خدع مسلمة بأن سأله أن يدخل من الطعام إلى الروم ما يعيشون به ليلة [واحدة] «3» ، ليصدّقوا أنّ أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم فى أمان من السّبى والخروج من بلادهم، فأذن له فى ذلك. وكان أليون قد أعدّ السّفن والرجال فنقلوا تلك الليلة الطعام كلّه، وأصبح أليون محاربا، ولقى الجند ما لم يلقه أحد «4» ، حتى أن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وسليمان مقيم بدابق ووقع «5» الشتاء فلم يقدر أن يمدّهم حتى مات.
(21/348)

وفى هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب بولاية العهد.
وفيها فتحت مدينة الصقالبة.
وفيها غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل أنطاكية، وأصاب الوليد ناسا من ضواحى الرّوم، وأسر بشرا كثيرا.
ذكر فتح قهستان «1» وجرجان وطبرستان
فى هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب جرجان وطبرستان.
وكان سبب اهتمامه بها أنّ يزيد لما كان عند سليمان بالشام فى حياة الوليد، فكان كلما فتح قتيبة فتحا يقول سليمان ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح الله على قتيبة! فيقول يزيد: ما فعلت جرجان التى قطعت الطريق، وأفسدت قومس ونيسابور، ويقول: هذه الفتوح ليست بشىء، الشأن فى «2» ، جرجان.
وكان سعيد بن العاص قد صالح أهل جرجان، فكانوا يجبون أحيانا مائة ألف، وأحيانا مائتى ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وربما منعوا ذلك، ثم أظهروا الامتناع وكفروا فلم يعطوا خراجا، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، و [قد] «3» منعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك أحد طريق
(21/349)

خراسان إلا على فارس وكرمان.
فلما ولى سليمان يزيد خراسان لم يكن له همّة غير جرجان، فسار إليها فى مائة ألف سوى الموالى والمتطوعة، ولم تكن جرجان يومئذ مدينة، إنما هى جبال ومخارم وأبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدر عليه أحد، فابتدأ بقهستان «1» فحاصرها، وكان أهلها طائفة من الترك، فقاتلهم قتالا شديدا، واشتدت الحرب، وقطع عنهم الميرة، فبعث دهقانها، واسمه صول «2» يطلب من يزيد الأمان لنفسه وأهله وماله، ويسلّم إليه المدينة بما فيها، فأمّنه ووفى له، ودخل المدينة فقتل بها أربعة عشر ألف تركى صبرا، وأخذ ما فيها من الكنوز والسّبى وغير ذلك، ثم خرج حتى أتى جرجان فهابه أهلها، وأتوه وصالحوه، فأجابهم إلى ذلك، وصالحهم، فطمع فى طبرستان، فسار إليها فصالحه اصبهذها «3» على سبعمائة ألف «4» ، وقيل خمسمائة ألف وأربعمائة وقر زعفران، أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل على كل رجل منهم ترس وطيلسان، ومع كل رجل جام من فضّة وسرقة حرير وكسوة، فأرسل من يقبض ذلك وانصرف إلى جرجان. [والله أعلم «5» ] .
(21/350)

ذكر فتح جرجان الفتح الثانى وانشاء مدينتها
قال «1» : ولما سار يزيد إلى طبرستان غدر أهل جرجان، فعاد إليهم وعاهد الله إن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين، فحصرهم سبعة أشهر وهم يخرجون إليه يقاتلونه «2» ويرجعون، فبينما هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيّد، وقيل من طيّئ، فأبصر وعلا فى الجبل فتبعه فلم يشعر حتى هجم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، وجعل يخرّق قباءة ويعقد على الشجر علامات، فأتى يزيد فأخبره فضمن له يزيد دية إن دلّهم على الحصن؛ فانتخب معه ثلاثمائة رجل، واستعمل عليهم إنه خالدا، وقال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبنّ على الموت، وإياك أن أراك عندى مهزوما، وضمّ إليه جهم بن زحر، وقال للرجل: متى تصل «3» ؟
قال: غدا العصر. قال يزيد: سأجهد على مناصحتهم «4» عند الظهر.
فساروا، فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كلّ حطب كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدوّ إلى النار، فها لهم ذلك، فخرجوا إليهم؛ وتقدّم يزيد إليهم، ودهمهم ابنه بمن معه قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا والتكبير «5» من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون؛ فأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى
(21/351)

ذراريهم، وقتل مقاتلتهم، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثنى عشر ألفا إلى وادى جرجان فقتلهم، وأجرى الماء على الدم، وعليه أرحاء، ليطحن بدمائهم ليبرّ يمينه، فطحن وخبز وأكل.
وقيل: قتل منهم أربعين ألفا، وبنى مدينة جرجان، ولم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، ورجع إلى خراسان، واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفى، وكتب إلى سليمان بالفتح وعظّمه «1» عنده، وأخبره أنه قد حصل عنده من الخمس ستمائة ألف ألف، فقال له كاتبه- المغيرة بن أبى قرّة مولى بنى تميم «2» : لا تكتب بتسمية المال، فإنك من ذلك بين أمرين: إما استكثره فأمرك بحمله، وإما سخت به نفسه فأعطاكه فتكلفت الهدية؛ فلا يأتيه من قبلك شىء إلّا استقلّه، فكأنى بك قد استغرقت ما سمّيت ولم يقع منه موقعا، ويبقى المال الذى سميت مخلّدا فى دواوينهم، فإن ولى وال بعده أخذك به، وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، ولكن اكتب سله «3» القدوم وشافهه بما أصبت فهو أسلم.
فلم يقبل منه، وكتب «4» ، فكان من أمره فى ذلك ما نذكره فى أخبار عمر بن عبد العزيز.
(21/352)

وقيل: كان المبلغ أربعة آلاف ألف، والله تعالى أعلم.
*** وفيها توفى أيّوب بن سليمان بن عبد الملك، وهو ولىّ العهد.
وفيها غزا داود بن سليمان أرض الروم؛ ففتح حصن المرأة مما يلى ملطية.
وفيها كانت الزلازل فى الدنيا كثيرة، ودامت ستة أشهر.
وحجّ بالناس عبد العزيز بن عبد الله أمير مكة.
سنة (99 هـ) تسع وتسعين:
ذكر وفاة سليمان بن عبد الملك وشىء من أخباره وعماله
كانت وفاته يوم الجمعة لعشر مضين من صفر من السنة بدابق «1» من أرض قنّسرين بذات الجنب، وله خمس وأربعون سنة. وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام، وصلّى عليه عمر بن عبد العزيز؛ وكان طويلا أبيض، جميل الوجه، فصيح اللسان، معجبا بنفسه، يتوقّى سفك الدماء. وكان أكولا نكاحا، وكان حسن السيرة، وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير؛ ذهب عنهم الحجاج، وولى سليمان، فأطلق الأسارى، وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز. ويقال: إنه فعل فى يوم واحد أكثر مما فعل عمر بن عبد العزيز جميع عمره، وذلك أنه أعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة، وكساهم.
ومن أعظم بركاته أنه جعل عمر بن عبد العزيز ولىّ عهده. وحكى
(21/353)

أنه لبس يوما حلّة خضراء وعمامة خضراء، ونظر فى المرآة، فقال:
أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة.
وقيل: كانت له جارية معها مرآة، فدعاها يوما فجاءته بها، فنظر وجهه، ونظرت الجارية إليه، فقال لها: ما تنظرين؟ قالت «1» :
أنت نعم «2» المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فانى «3»
وانصرفت، فاستدعاها فجاءت بالمرآة «4» فسألها عن البيتين، فقالت: والله ما جئتك اليوم؛ فعلم أنه نعى.
وقيل: إنه شهد جنازة بدابق فدفنت فى حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التّربة، ويقول: ما أحسن هذه وأطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر.
وقيل: إنه كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر.
وكان نقش خاتمه: آمنت بالله مخلصا.
وكتّابه: يزيد بن المهلب، ثم المفضل «5» بن المهلب عم عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم.
قاضيه: محمد بن حزم.
حاجبه: أبو عبيدة «6» مولاه.
الأمير بمصر: عبد الله بن رفاعة.
(21/354)

قاضيها من قبله: عبد الله بن عبد الرحمن، وهو متولّى بيت المال، ثم رد القضاء إلى عياض بن عبد الله من قبل سليمان بن عبد الملك.
ذكر بيعة عمر بن عبد العزيز
هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم؛ وأمّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو الثامن من ملوك بنى أمية، بويع له بدابق يوم الجمعة بعد وفاة سليمان لعشر خلون من صفر سنة [99 هـ] تسع وتسعين.
قال: وكان سليمان لما مرض بدابق عهد فى كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام لم يبلغ الحلم، فدخل عليه رجاء بن حيوة، فقال له:
يا أمير المؤمنين؛ إنه «1» مما يحفظ الخليفة فى قبره أن يستخلف على الناس «2» الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله، وأنظر. ومكث يوما أو يومين ثم حرق «3» الكتاب، ودعا رجاء، فقال: ما ترى فى ولدى داود؟ فقال رجاء: هو غائب بالقسطنطينية، ولم يدر «4» أحىّ هو أم لا؟ قال: فما ترى فى عمر بن عبد العزيز؟
قال رجاء: أعلمه والله خيّرا فاضلا مسلما. قال سليمان: هو على ذلك، ولئن ولّيته ولم أولّ أحدا سواه لتكوننّ فتنة ولا يتركونه أبدا عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده.
(21/355)

فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر. وكان يزيد غائبا فى الموسم.
فكتب سليمان: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز؛ إنى قد ولّيتك الخلافة من بعدى، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوا، واتّقوا الله، ولا تختلفوا، فيطمع فيكم.
وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن جابر «1» صاحب شرطته، فقال: ادع أهل بيتى، فجمعهم كعب، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابى هذا إليهم، ومرهم أن يبايعوا من ولّيت فيه، ففعل، وبايعوا رجلا رجلا، ولم يعلموا من فى الكتاب.
قال رجاء: فأتانى عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلىّ من هذا الأمر شيئا؛ فأنشدك الله إلّا أعلمتنى إن كان قد وقع حتى أستعفى قبل أن يأتى حال لا أقدر على ذلك فيها.
قال رجاء: فقلت: ما أنا مخبرك «2» . فذهب عنّى غضبان.
ولقينى هشام بن عبد الملك فقال: إن لى حرمة ومودّة قديمة فأعلمنى بهذا الأمر؛ فإن كان إلى غيرى تكلّمت، ولله علىّ ألّا أذكرك.
قال: فأبيت أن أخبره. قال «3» : ودخلت على سليمان عند موته فغمضته وسجّيته، وأغلقت الباب، وأرسلت إلى كعب بن جابر «4» ، فجمع أهل بيت سليمان فى مسجد دابق، فقلت: بايعوا! فقالوا:
(21/356)

قد بايعنا مرة. قلت: وأخرى، هذا عهد من أمير المؤمنين، فبايعوا الثانية. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موته رأيت أنى قد أحكمت الأمر فقلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، فاسترجعوا، وقرأت الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام:
لا نبايعه والله أبدا. قلت: أضرب والله عنقك. قم وبايع. فقام يجرّ رجليه.
قال رجاء: وأجلست عمر على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه، فبايعوه.
قال: ولما دفن سليمان أتى عمر بمراكب الخلافة، فقال: دابّتى أرفق «1» لى، وركب دابّته؛ ثم أقبل سائرا، فقيل له: منازل «2» الخلافة؟ فقال: فيها عيال سليمان، وفى فسطاطى كفاية حتى يتحوّلوا.
قال: وبلغ عبد العزيز بن الوليد- وكان غائبا- وفاة سليمان ولم يشعر بعمر «3» ، فدعا لنفسه، فبلغه بيعة عمر، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له عمر: بلغنى أنك بايعت من قبلك، وأردت دخول دمشق.
قال: نعم، وذلك أنه بلغنى أنّ سليمان ما عقد لأحد فخفت على الأموال أن تنتهب. فقال [له] «4» عمر: لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه. فبايعه عبد العزيز.
قال: ولما استقرت البيعة لعمر قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك:
إن أردتنى «5» فردّى ما معك من مال وحلى وجوهر إلى بيت المال،
(21/357)

فإنه للمسلمين، وإنى لا أجتمع أنا وأنت وهو فى بيت واحد، فردّته جميعه. فلما توفى عمر وولّى أخوها يزيد ردّه عليها فلم تأخذه، وقالت: ما كنت لأطيعه حيّا وأعصيه ميّتا، ففرّقه يزيد على أهله.
قال: وكان [من] «1» أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ترك سبّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه على المنابر، وكان يسبّ فى أيام بنى أمية إلى أن ولى عمر فترك ذلك، وأبدله بقول الله عز وجل «2» :
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»
. فحلّ ذلك عند الناس محلّا حسنا، وأكثروا مدح عمر بسببه، فكان ممن مدحه كثيّر عزّة بقوله «3» :
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بريّا ولم تتبع مقالة مجرم
تكلّمت بالحقّ المبين وإنما ... تبيّن آيات الهدى بالتكلم
فصدقت «4» معروف الذى قلت بالذى ... فعلت فأضحى راضيا كلّ مسلم
ألا إنما يكفى الفتى بعد زيغه ... من الأود البادى «5» ثقاف المقوّم
وفيها وجّه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجّه لهم خيلا عتاقا وطعاما كثيرا.
وفيها أغارت الترك على أذربيجان. فقتلوا من المسلمين جماعة،
(21/358)

فوجّه عمر حاتم بن النعمان الباهلى فقتل أولئك الترك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسين أسيرا.
وفيها عزل عمر يزيد بن المهلّب عن أعماله، ووجّه إلى البصرة عدى بن أرطاة الفزارى، وجعل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب العدوى، وضمّ إليه أبا الزّناد، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمى.
وحجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان عامل المدينة، وكان العامل على مكة عبد العزيز بن [عبد الله بن خالد، وعلى الكوفة عبد الحميد] «1» ، وعلى القضاء بها [عامر الشعبى، وكان على البصرة عدىّ من أرطاة، وعلى القضاء «2» ] الحسن بن أبى الحسن البصرى، ثم استعفى عديّا فأعفاه، واستقضى إياس بن معاوية.
سنة مائة للهجرة:
ذكر خروج شوذب الخارجى
فى هذه السنة خرج شوذب واسمه بسطام من بنى يشكر فى جوخى وكان فى ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة ألّا يحرّكهم حتى يسفكوا الدّماء أو يفسدوا فى الأرض، فإن فعلوا وجّه إليهم رجلا صليبا حازما فى جند.
فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلى فى ألفين، وأمره أن يفعل ما كتب «3» به عمر، وكتب عمر إلى بسطام
(21/359)

يسأل «1» عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم [عليه] «2» محمد، فكان فى كتاب عمر: بلغنى أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، ولست بذلك أولى منى، فهلم إلىّ أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان فى يدك نظرنا فى أمرك.
فكتب إليه «3» بسطام: قد أنصفت، وقد بعثت إليك برجلين يدارسانك ويناظرانك. وأرسل إليه مولى حبشيّا لبنى شيبان اسمه عاصم، ورجلا من بنى يشكر، فقدما على عمر بخناصرة «4» ، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج؟ وما الذى نقمتم؟ قال عاصم:
ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرّى العدل والإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر؛ عن رضا من الناس ومشورة، أم ابتززتم «5» أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، ولا غلبتهم عليها، وعهد إلىّ رجل كان قبلى، فقمت، ولم ينكر علىّ أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون «6» الرّضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس، فأنزلونى «7» ذلك الرجل، فإن خالفت الحقّ وزغت «8» عنه فلا طاعة لى عليكم. قالا: بيننا وبينك أمر واحد. قال: ما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسمّيتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على
(21/360)

ضلالة فالعنهم وابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إنّ الله عزّ وجل لم يبعث رسوله لعّانا. وقال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه «1» :
«فمن تبعنى فإنه منّى ومن عصانى فإنّك غفور رحيم» . وقال الله عز وجل «2» :
«أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»
. وقد سميت أعمالهم ظلما، وكفى بذلك ذمّا ونقصا، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بدّ منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرنى متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أفيسعك ألّا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرّهم، ولا يسعنى ألّا ألعن أهل بيتى وهم مصلّون صائمون؟
قال عاصم: أما هم كفّار بظلمهم؟ قال: لا، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقرّبه وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. فقال عاصم: إن رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله تعالى والإقرار بما أنزل من عنده.
قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم «3» أنه محرّم عليهم، ولكن غلب عليهم الشّقاء.
قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك وردّ أحكامهم.
قال عمر: أخبرانى «4» عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، أليسا على الحق؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أنّ أبا بكر حين قاتل أهل
(21/361)

الرّدّة سفك دماءهم، وسبى الذّرارى، وأخذ الأموال؟ قالا: نعم.
قال: أفتعلمان أن عمر رضى الله عنه ردّ السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ عمر من أبى بكر؟ قالا: لا.
قال: أفتبرءون أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبرانى عن أهل النّهروان وهم أسلافكم، هل تعلمان «1» أنّ أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خبّاب وجاريته وهى حامل؟ قالا: نعم.
قال: فهل برى من لم يقتل ممّن قتل؟ قالا: لا. قال: أفتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتولّوا أبا بكر وعمر وأهل الكوفة وأهل البصرة وقد علمتم اختلاف أعمالهم، ولا يسعنى إلا البراءة من أهل بيتى، والدّين واحد؟ فاتقوا الله، فإنكم جهّال تقبلون من الناس ما ردّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتردّون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمن وحقن دمه وماله، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان، فتحرّمون دماءهم وأموالهم.
قال اليشكرى: أرأيت رجلا ولى قوما وأموالهم فعدل فيها ثم صيّرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدّى الحقّ الذى يلزمه لله عزّ وجلّ، وتراه قد سلّم؟ قال عمر: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحقّ. قال: إنما ولّاه
(21/362)

غيرى، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدى. قال: أفترى ذلك من صنع من ولّاه حقّا؟ فبكى عمر، وقال: أنظرانى ثلاثا «1» .
فخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حق.
فقال عمر لليشكرى: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت، ولكنى لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت وأعلم ما حجّتهم. فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له بالعطاء فتوفى بعد خمسة عشر يوما، فكان عمر يقول: أهلكنى أمر يزيد، وخصمت فيه، فأستغفر الله. فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم وأن يخلع يزيد من ولاية العهد؛ فوضعوا على عمر من سقاه سمّا. فلم يلبث بعد ذلك إلّا ثلاثا حتى مرض ومات، رحمه الله تعالى.
هذا ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرّضون إليه، فلما مات عمر وولّى يزيد كان ما نذكره فى أخبار يزيد.
*** وفى هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن خراسان وأحضره وطالبه بالمال الذى كان كتب به إلى سليمان واعتقله بحصن حلب، واستعمل على خراسان الجرّاح بن عبد الله الحكمى، ثم عزله؛ واستعمل عبد الرحمن بن نعيم القشيرى.
وفيها كان ابتداء خروج شيعة بنى العباس على ما نذكره فى أخبار الدولة العباسية إن شاء الله تعالى.
وفيها أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة «2» بالقفول عنها إلى ملطية، وطرندة أوغل «3» فى البلاد الرّومية بثلاث
(21/363)

مراحل، وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة [83 هـ] ثلاث وثمانين وملطية يومئذ خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثّلج ويعودون إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولى عمر، فأمرهم بالعود إلى ملطية وأخلى طرندة خوفا على المسلمين من العدوّ، وأخرب طرندة، واستعمل على ملطية جعونة بن الحارث أحد بنى عامر بن صعصعة.
وفيها كتب عمر إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم من ذكرنا منهم على ما سبق ذكر ذلك.
وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الفزارى على الجزيرة.
وفيها مات أبو الطّفيل عامر بن واثلة الليثى بمكة، وهو آخر من مات من الصحابة، ومولده عام أحد.
وحجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
*** سنة (101 هـ) احدى ومائة:
فى هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، وذلك أنه لما اشتدّ مرض عمر بن عبد العزيز عمل يزيد فى الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لإساءة [كانت] «1» صدرت منه فى حقّه أيام سليمان، فأرسل ابن المهلب إلى مواليه فأعدّوا له خيلا وإبلا، وواعدهم مكانا يأتيهم فيه، وأرسل إلى عامل حلب وإلى الحرّاس مالا، وقال: إنّ أمير المؤمنين قد ثقل فى مرضه، وليس يرجى،
(21/364)

وإن ولى يزيد سفك دمى، فأخرجوه، فهرب وقصد البصرة، وكتب إلى عمر كتابا يقول: إنى والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك ولكنى خفت أن يلى يزيد فيقتلنى شرّ قتله.
فورد الكتاب وبه رمق، فقال رضى الله عنه: اللهم إن كان يزيد يريد»
بالمسلمين سوءا فألحقه به وهضه فقد هاضنى، ثم كان من أمر ابن المهلّب ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز
رضى الله عنه وشىء من أخباره وسيرته رحمه الله تعالى كانت وفاته رحمه الله بخناصرة لستّ بقين من شهر رجب سنة [101 هـ] إحدى ومائة، وكانت شكواه عشرين يوما، وقيل له [فى مرضه] «2» : لو تداويت! فقال «3» : لو كان دوائى فى مسح أذنى ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربّى. ودفن «4» بدير سمعان من أرض حمص.
وقيل: به توفى، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأشهرا [وقيل أربعين سنة وأشهرا] «5» .
وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما.
وكان أبيض نحيفا حسن الوجه، وهو أشجّ بنى أمية، رمحته
(21/365)

دابّة فشجّته، وهو غلام، فدخل على أمه فضمّته إليها ولامت أباه حيث لم يجعل معه حاضنا «1» . فقال لها عبد العزيز: اسكتى يا أمّ عاصم، فطوبى له إن كان أشجّ بنى أميّة.
وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما يقول: يا ليت شعرى، من هذا الذى من ولد عمر فى وجهه علامة يملأ الدنيا عدلا؛ فكان عمر بن عبد العزيز؛ لأنّ أمّه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
ذكر نبذة من سيرته رضى الله عنه
كان رحمه الله ورضى عنه قد بثّ العدل ونشره فى الدنيا واقتصر من دنياه على سدّ الخلّة «2» حتى إنّ مسلمة بن الملك عاده فى مرض موته، فرأى عليه قميصا دنسا «3» ، فقال لأخته فاطمة، وهى زوجة عمر: اغسلوا ثياب أمير المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عاده فرأى الثّوب بحاله، فقال: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه. فقالت: والله ما له غيره، وكانت نفقته فى كل يوم درهمين.
قال: ولما ولى الخلافة أتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، وجعل ثمنها فى بيت المال، وقال: بغلتى هذه تكفينى.
قال: ولما ولى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس،
(21/366)

من صحبنا فليصحبنا لخمس «1» ، وإلّا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلّنا على ما لا نهتدى إليه من الخير، ولا يغتابنّ أحدا، ولا يعترض فيما لا يعنيه.
فانقشع الشعراء والخطباء، وثبت عنده الفقهاء والزّهّاد، وقالوا:
ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله.
ولما ولى أحضر قريشا ووجوه الناس فقال: إنّ فدك «2» كانت بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [فكان] «3» يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر كذلك، وعمر كذلك، ثم أقطعها مروان.
ثم إنها صارت لى، ولم يكن من مالى أعود علىّ منها، وإنى أشهدكم أنى قد رددتها على ما كانت عليه فى عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال: فيئس الناس من الظّلم.
وأخذ من أهله ما بأيديهم، وسمّى ذلك مظالم، ففزع بنو أمية إلى عمّته فاطمة بنت مروان فأتته، فقالت [له] «4» : تكلّم أنت يا أمير المؤمنين. قال: إن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم إلى الناس كافة «5» ، ثم اختار له ما عنده، وترك للناس نهرا شربهم سواء، ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولى عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد
(21/367)

ومروان، وعبد الملك ابنه، والوليد وسليمان ابنا عبد الملك، حتى أفضى الأمر إلىّ، وقد يبس النهر الأعظم، فلن يروى «1» أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه.
فقالت: حسبك [قد أردت كلامك «2» ] ، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئا أبدا، ورجعت إليهم فأخبرتهم بكلامه.
وقد قيل: إنها قالت له: إن بنى أميّة كذا وكذا- ذكرت إنكارهم لفعله بهم- فلما تكلم بهذا قالت له: إنهم يحذّرونك يوما من أيامهم، فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة؛ فلا أمّننى «3» الله شرّه.
فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب، فجاء يشبه جدّه، فسكتوا.
قالت فاطمة امرأة عمر: دخلت عليه فى مصلّاه ودموعه تجرى على لحيته، فقلت: أحدث شىء؟ قال: إنى تقلّدت أمر أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم، فتفكرت فى الفقير الجائع، والمريض الضائع والعارى «4» والمظلوم والمقهور «5» ، والغريب والأسير، والشيخ الكبير وذى العيال الكثير والمال القليل وأشباههم فى أقطار الأرض، فعلمت أنّ ربى سيسألنى عنهم يوم القيامة، وأنّ خصمى دونهم محمد صلّى الله
(21/368)

عليه وسلّم، فخشيت ألّا تثبت حجّتى عند الخصومة، فرحمت نفسى فبكيت.
وكتب إلى عمّاله نسخة واحدة: أما بعد فإنّ الله عزّ وجل أكرم بالإسلام أهله، وشرّفهم وأعزّهم، وضرب الذّلّة والصّغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمّة أخرجت للناس، فلا تولّينّ أمر «1» المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم، فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلّهم بعد أن أعزّهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله، وتعرّضهم لكيدهم والاستطالة عليهم، ومع هذا فلا يؤمن غشّهم إياهم، فإنّ الله عز وجل يقول «2» : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ»
. وقال تعالى «3» : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ»
. والسلام.
وكتب لما ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، وهو إذ ذاك يلى العراق وخراسان:
أما بعد فإنّ سليمان كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه، واستخلفنى ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان، وإن الذى ولّانى الله من ذلك وقدرّ لى ليس علىّ بهيّن، ولو كانت رغبتى فى اتخاذ أزواج واعتقاد «4» أموال لكان فى الذى أعطانى الله من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا
(21/369)

ومسألة غليظة إلّا ما عافى «1» الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.
فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عمّاله، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله.
وكتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:
أما بعد فاعمل عمل من يعلم أنّ الله لا يصلح عمل المفسدين.
وكتب إلى سليمان بن أبى السرى: أن اعمل خانات، فمن مرّ بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة، وتعهّدوا دوابّهم. ومن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا [به] «2» فأبلغه بلده.
فلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: إنّ قتيبة ظلمنا وغدر بنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجّهوا وفدا إلى عمر، فكتب إلى سليمان: إنّ أهل سمرقند شكوا ظلما وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابى فأجلس لهم القاضى فلينظر فى أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة.
فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضى، فقضى أن تخرج العرب إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا
(21/370)

أو ظفرا عنوة. فقال أهل الصّغد: نرضى بما كان ولا نحدث شيئا «1» وتواصوا بذلك.
وكتب إلى عبد الحميد: أما بعد فإنّ أهل الكوفة أصابهم بلاء وشدة وجور فى أحكام الله؛ وسنّة خبيثة سنّها عليهم عمّال السوء، وإن قوام الدّين العدل والإحسان، فلا يكوننّ [شىء] «2» أهمّ إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم «3» ، ولا تحمل خرابا على عامر، وخذ منه ما أطاق؛ وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج فى رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذنّ أجور الضرابين ولا هديّة النوروز والمهرجان؛ ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج «4» ولا أجور البيوت؛ ولا دراهم النكاح؛ ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتّبع فى ذلك أمرى، فإنى قد ولّيتك من ذلك ما ولّانى الله، ولا تعجل دونى بقطع ولا صلب حتى تراجعنى فيه، وانظر من أراد من الذريّة أن يحج فعجّل له مائة ليحجّ بها. والسلام.
قال محمد بن [على] «5» الباقر: إن لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بنى أمية عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وقال مجاهد: أتينا عمر نعلّمه؛ فلم نبرح حتى تعلّمنا منه «6» .
(21/371)

وقيل لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه: ما كان بدء إنابتك؟
قال: أردت ضرب غلام لى، فقال لى: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
وقال عمر: ما كذبت منذ علمت أنّ الكذب يضرّ أهله.
وأخباره رضى الله عنه فى الخير والعدل كثيرة لو استقصيناها أو أوردنا ما طالعناه منها لطال ولخرج عن قاعدة هذا التأليف، وناهيك بها سيرة ضرب بها المثل فى العدل والإحسان منذ كانت إلى يومنا هذا.
وكان له من الأولاد الذكور أربعة عشر وخمس بنات.
كتّابه: رجاء بن حيوة الكندى؛ وابن أبى رقبة «1» .
قاضيه: عبد الله بن سعد الأبلّى.
حجابه: جيش، ومزاحم، مولياه.
الأمير بمصر: أيوب بن شرحبيل.
وأقر على القضاء عياض بن عبد الله؛ ثم صرفه بأبى مسعود عبد الله بن حذافة.
وكان نقش خاتمه رضى الله عنه: «عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله» .
ذكر بيعة يزيد بن عبد الملك
هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهو التاسع من ملوك بنى أمية، بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة [101 هـ] إحدى ومائة بعد وفاة
(21/372)

عمر بن عبد العزيز؛ وذلك بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك على ما تقدّم ذكر ذلك.
قيل: ولما احتضر عمر رضى الله عنه قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمّة. قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بنى عبد الملك.
ثم كتب إليه: أما بعد فاتّق يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك. والسلام.
فلما ولى يزيد نزع أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم [عن المدينة، واستعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى عليها؛ فأراد معارضة ابن حزم] «1» فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا عثمان بن حيّان إلى يزيد ابن عبد الملك من ابن حزم، وأنه ضربه حدّين، وطلب منه أن يقيده منه.
فكتب يزيد إلى عبد الرحمن كتابا: أما بعد فانظر فيم ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه فى أمر بيّن أو أمر مختلف فيه فلا تلتفت إليه.
فأرسل ابن الضحاك إلى ابن حزم فأحضره؛ وضربه حدّين فى مقام واحد، ولم يسأله عن شىء، وعمد يزيد إلى كلّ ما فعله عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه مما لم يوافق هواه، فرده، ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثما آجلا.
(21/373)

ذكر مقتل شوذب الخارجى وهزيمته بجيوش يزيد قبل ذلك
واسم شوذب بسطام.
قد ذكرنا خروجه فى أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله ووصول رسله إلى عمر، وما كان بينهما من المناظرة، وخروج محمد بن جرير ابن عبد الله البجلى إليهم فى ألفين وموادعتهم إلى أن يعود رسولا شوذب من عند عمر؛ فلما مات عمر بن عبد العزيز أحبّ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، وهو الأمير على الكوفة، أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك؛ فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة «1» شوذب، فلما رآه يستعدّ للحرب أرسل إليه يقول:
ما أعجلكم قبل انقضاء المدّة.
فأرسل إليه محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال.
فقال الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلّا وقد مات الرجل الصالح، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، وقتل أكثر «2» أهل الكوفة، وانهزم من بقى منهم نحو الكوفة، وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة، ثم رجعوا إلى مكانهم.
ثم وجّه يزيد بن عبد الملك تميم بن الحباب فى ألفين فقاتلوه، فقتل «3» ، وقتل أكثر أصحابه، ولجأ من بقى منهم إلى الكوفة، والتحق بعضهم بيزيد، فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدى فى جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه.
(21/374)

وأقام شوذب بمكانه «1» حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وحذّروه أمره، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشىّ. فى عشرة آلاف، فقال شوذب لأصحابه:
من كان منكم يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف سعيد رحمه الله الفضيحة، وكان فارسا شجاعا، فوبخّ «2» أصحابه، وقبّح عليهم الفرار، فحملوا فقتلوا بسطاما ومن معه من الخوارج.
ذكر الغزوات والفتوحات فى خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان
ذكر غزوة الترك
وفى سنة [102 هـ] اثنتين ومائة كانت الحرب بين المسلمين والترك عند قصر الباهلى.
وقيل: كان سبب ذلك أنّ عظيما من عظماء الدّهاقين أراد أن يتزوّج امرأة من باهلة كانت فى ذلك القصر، فأبت فاستجاش التّرك، فجمعهم خاقان ووجّههم إلى الصّغد، فساروا وعليهم كورصول حتى نزلوا بقصر الباهلى، ورجوا أن يسبوا من فيه، وكان فيه مائة أهل بيت بذراريهم، وكان على سمرقند يومذاك عثمان بن عبد الله بن مطرّف بن الشّخّير من قبل سعيد بن عبد العزيز عامل خراسان، فكتب أهل القصر إليه، وخافوا أن يبطىء عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة؛ وانتدب «3» عثمان الناس؛ فانتدب المسيب
(21/375)

ابن بشر الرّياحى، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وعليهم شعبة بن ظهير، وكان على سمرقند قبل عثمان، فلما عسكروا قال لهم المسيّب: إنكم تقدمون على حلبة التّرك عليهم خاقان، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار؛ فمن أراد الغزو والصبر فليقدم.
فرجع عنه ألف وثلاثمائة، فلما سار فرسخا [آخر] «1» ، فقال مثل ذلك؛ فاعتزله ألف، ثم سار فرسخا آخر فقال مثل ذلك، فاعتزله ألف، وبقى فى سبعمائة؛ فسار حتى بقى على فرسخين من التّرك، فأتاه الخبر أن أهل القصر قد صالحوا التّرك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، وأنه لما بلغهم مسير المسلمين قتلوا الرهائن وأنهم اتّعدوا القتال غدا.
فبعث المسيّب رجلين إلى أهل القصر يعلمهم بقربه، ويستمهلهم يوما وليلة، فأتيا القصر فى ليلة مظلمة وقد أجرت «2» ، الترك الماء فى نواحى القصر، فليس يصل إليه أحد. فلما دنوا من القصر صاح بهم الرّبيئة فاستنصتاه، وقالا له: ادع لنا عبد الملك بن دثار، فدعاه، فأعلماه قرب المسيّب، [وأمراه بالصّبر غدا، ورجعا إلى المسيّب،] «3» فبايع أصحابه على الموت، فبايعوه، وسار حتى بقى «4» بينه وبين القصر نصف فرسخ، فلما أمسى أمر أصحابه بالصّبر، وقال: ليكن
(21/376)

شعاركم: يا محمد، ولا تتبعوا مولّيا، وعليكم بالدوابّ فاعقروها فإنها إذا عقرت كانت أشدّ عليهم منكم، وسار بهم ليلا فوافى عسكر الترك وقت السّحر، فخالطهم المسلمون، وعقروا الدواب، فانهزمت الترك، ونادى منادى المسيّب: لا تتبعوهم، فإنهم لا يدرون من الرّعب أتبعتوهم أم لا.
وأمر أصحابه أن يقصدوا القصر ويحملوا ما فيه من المال ومن بالقصر؛ ممن يعجز عن المشى، ففعلوا، ورجع إلى سمرقند، ورجع التّرك من الغد، فلم يروا بالقصر أحدا، ورأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين أتونا من الإنس. والله أعلم.
ذكر غزو الصغد
وفى سنة [102 هـ] اثنتين ومائة أيضا عبر سعيد النهر، وغزا الصّغد، وكانوا نقضوا العهد، وأعانوا التّرك على المسلمين، فلقيه الترك وطائفة من الصّغد، فهزمهم المسلمون وساروا حتى انتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن «1» لهم التّرك، فلما جازهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادى، ثم جاء الأمير وبقيّة الجيش فانهزم العدوّ.
وفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية، وهو على الجزيرة قبل أن يلى العراق، فهزمهم، وأسر منهم خلقا كثيرا. وقيل «2» سبعمائة أسير.
(21/377)

وغزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح دلسة «1» ، وغزا أيضا فى سنة ثلاث ومائة، ففتح مدينة يقال لها رسلة «2» .
ذكر الوقعة بين سعيد الحرشى «3» أمير خراسان وبين الصّغد
وفى سنة [104 هـ] أربع ومائة غزا سعيد الحرشى، فقطع النّهر وسار فنزل قصر الرّيح على فرسخين من الدّبوسية «4» ، وكان الصّغد لما بلغهم عزل سعيد بن عبد العزيز عن خراسان واستعمال الحرشى خافوه على أنفسهم، فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: أقيموا واحملوا له خراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما يأتى، وعمارة الأرض، والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن. قالوا: نخاف ألّا يقبل ذلك منا، ولكنا نأتى خجندة «5» فنستجير بملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصّفح عما كان منّا.
فوافقهم.
فخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم، وينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فنهته أمه، وقالت له: فرّغ لهم رستاقا يكونون فيه؛ فأرسل إليهم: سمّوا رستاقا تكونون فيه حتى نفرغه لكم، وأجّلونى أربعين يوما.
(21/378)

فاختاروا شعب عصام بن عبد الله الباهلى، فقال: نعم، وليس علىّ عقد ولا جوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب قبل دخوله لم أمنعكم. فرضوا، وفرغ لهم الشّعب.
فلما انتهى الحرشى إلى قصر الرّيح أتاه ابن عم ملك فرغانة فقال له: إنّ أهل الصّغد بخجندة، وأخبره خبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضى الأجل.
فوجّه معه عبد الرحمن القشيرى أو زياد «1» بن عبد الرحمن فى جماعة، ثم ندم «2» بعد ما فصلوا، وقال: جاءنى علج لا أعلم صدق أم كذب؛ فغرّرت بجند من المسلمين.
فارتحل فى أثرهم حتى نزل أشرو سنة «3» ، فصالحهم بشىء يسير، ثم سار مسرعا حتى لحق القشيرى، وساروا حتى انتهوا إلى خجندة، فنزل عليهم وأخذ فى التأهّب. وكان الذين بخجندة قد حفروا خندقا فى ربضهم وراء الباب، وغطّوه بقصب وتراب، وأرادوا إذا التقوا إن انهرموا دخلوا من الطريق «4» ، ويشكل على المسلمين فيسقطون فى الخندق. فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطئوا «5» هم الطريق فسقطوا فى الخندق، فأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا، وحصرهم الحرشىّ، ونصب عليهم المجانيق.
فأرسلوا إلى ملك فرغانة: إنك قد غدرت [بنا] «6» ، وسألوه
(21/379)

أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم فى جوارى، فطلبوا الصّلح، وسألوا الحرشىّ أن يؤمنهم ويردّهم إلى الصّغد، فاشترط عليهم أن يردّوا ما فى أيديهم من نساء العرب وذراريهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلّف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلّت دماؤهم.
فخرج إليهم الملوك والتجار من الصّغد، ونزل عظماء الصّغد على الجند الذين يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن حسّان «1» ، وبلغ الحرشى أنهم قتلوا امرأة ممن كان فى أيديهم، فقال [لهم] «2» :
بلغنى أنّ ثابتا الإشتيخنى قتل امرأة؛ فجحدوا. فسأل حتى استصح الخبر، فأحضر ثابتا وقتله، فلما بلغ «3» كارزنج ذلك خاف أن يقتل فأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، وكان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل. فبعث به إليه، وخرج واعترض الناس فقتل ناسا، وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت، وقتل الصّغد مائة وخمسين رجلا كانوا عندهم من أسرى المسلمين، فأمر الحرشىّ بقتل الصّغد بعد عزل التجار عنهم، فقاتلهم الصّغد بالخشب، ولم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سبعة آلاف، واصطفى الحرشى أموال الصّغد وذراريهم، وأخذ من ذلك ما أعجبه، وقسّم ما بقى، وفتح المسلمون حصنا يطيف به وادى الصّغد من ثلاث جهات صلحا على ألّا يتعرض لنسائهم وذراريهم، ففعلوا.
(21/380)

وسار الحرشى إلى كسّ «1» ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس. وقيل:
ستة آلاف رأس، وولىّ الحرشى نصر بن سيّار قبض صلح كسّ، واستعمل سليمان بن أبى السرى على كس، ونسف- حربها وخراجها.
وكانت خزار «2» منيعة، فأرسل الحرشىّ إليها المسربل بن الخرّيت النّاجى، وكان صديقا لملكها، واسم ملكها سبغرى «3» ، فأخبر الناجى الملك بما صنع الحرشى بأهل خجندة، وخوّفه. قال: فما ترى؟
قال: أرى أن تنزل بأمان، فصالحهم فأمنوه وبلاده، ورجع الحرشى إلى مرو ومعه سبغرى فقتله وصلبه ومعه أمانه.
ذكر ظفر الخزر بالمسلمين
وفى سنة [104 هـ] أربع ومائة دخل جيش المسلمين إلى بلاد الخزر من أرمينية، وعليهم ثبيت النّهرانى «4» ، فاجتمعت الخزر فى جمع كثيف، وأعانهم قفجلق وغيرهم من التّرك، فلقوا المسلمين بمكان يعرف بمرج الحجارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من المسلمين خلق كثير، واحتوت الخزر على عسكرهم، وغنموا ما فيه، وأقبل المنهزمون [إلى الشام] «5» ، فقدموا على يزيد، فوبّخهم على الهزيمة، فقال ثبيت: يا أمير المؤمنين، ما جبنت ولا نكّبت عن لقاء العدو، ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحى، وضاربت حتى انقطع سيفى، غير أن الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء.
(21/381)

ذكر فتح بلنجر وغيرها
«1» قال: لما تمّت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر فى البلاد.
فجمعوا وحشدوا، فاستعمل يزيد بن عبد الملك الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ على أرمينية، وأمده بجيش كثيف، وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وقصد بلادهم، فسار الجرّاح وتسامعت به الخزر فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ووصل الجرّاح إلى بردعة «2» ، فأقام بها حتى استراح هو ومن معه، وسار نحو الخزر فعبر «3» نهر الكرّ، فبلغه أنّ بعض من معه كتب إلى ملك الخزر يخبره بمسير الجرّاح إليه، فأمر الجرّاح مناديا فنادى فى الناس: إنّ الأمير مقيم ها هنا عدة أيام، فاستكثروا من الميرة.
فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الجرّاح مقيم، ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه، ثم أمر الجرّاح بالرحيل ليلا، وسار مجدّا حتى انتهى إلى مدينة الباب [والأبواب «4» ] ، فلم ير الخزر، فدخل البلد، وبثّ سراياه للنّهب والغارة، فغنموا وعادوا، وسار الخزر إليه، وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الرّان «5» ، واقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم المسلمون وتبعوهم يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق كثير،
(21/382)

وغنم المسلمون جميع ما معهم، وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين، فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنه، ثم سار إلى مدينة برغر «1» فأقام عليها ستة أيام، وجدّ فى قتال أهلها، فسألوا الأمان فأمّنهم وتسلّم حصنهم ونقلهم منه.
ثم سار إلى بلنجر وهو حصن مشهور من حصونهم، فنازله، وقاتل عليه قتالا شديدا، وملك الحصن عنوة، وغنم المسلمون ما فيه، فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفا، وأخذ الجراح أولاد صاحب بلنجر وأهله، وأرسل إليه فأحضره وردّ إليه أمواله وأهله وحصنه، وجعله عينا للمسلمين؛ ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر «2» ، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، فصالحوا الجرّاح على مال يؤدّونه، ثم تجمّع أهل تلك البلاد، وأخذوا الطرق على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجرّاح يخبره بذلك، فعاد مجدّا حتى وصل إلى رستاق سلّى «3» ، وأدركهم الشتاء، فاقام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبجموع الكفار، ويسأله المدد، فوعده بانفاذ العساكر، فمات قبل ذلك، فأقر هشام الجرّاح على عمله، ووعده المدد.
هذا ما كان من الغزوات والفتوحات فى أيام يزيد بن عبد الملك،
فلنذكر حوادث السنين فى أيامه.
(21/383)

تتمة سنة (101 هـ) احدى ومائة:
ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبى صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك
قد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأنه إنما هرب خوفا من يزيد بن عبد الملك لمنافرة كانت بينهما.
وقيل: كان السبب الذى أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك فى يزيد بن المهلب أن ابن المهلب خرج يوما من الحمّام فى أيام سليمان وقد تضمّخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك وهو إلىّ جانب عمر ابن عبد العزيز، فقال يزيد بن عبد الملك: قبّح الله الدنيا! لوددت أنّ مثقال الغالية بألف دينار، فلا يناله إلا كلّ شريف، فقال ابن المهلّب: بل وددت أنّ الغالية فى جبهة الأسد فلا ينالها إلا لى. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوما لأقتلنّك. فقال ابن المهلب:
والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حىّ لاضربنّ وجهك بمائة ألف سيف.
وقيل: كان السبب أنّ يزيد بن المهلب كان قد عذّب أصهار يزيد بن عبد الملك، وكان سليمان بن عبد الملك لما ولى الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم وسلّمهم إلى ابن المهلب ليخلّص الأموال منهم، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق وبها خزائن الحجاج ابن يوسف وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتى به أمّ الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك.
وقيل: بل أخت لها- فعذّبها، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب فى منزله، فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذى قرّرتم عليها أنا أحمله،
(21/384)

فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن ولّيت من الأمر شيئا لأقطعنّ منك عضوا ... فقال ابن المهلّب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينّك بمائة ألف سيف.
فحمل يزيد بن عبد الملك المال «1» عنها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم.
قال: فلما ولى يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وإلى عدى بن أرطاة، يعرّفهما هرب يزيد، ويأمرهما بالتحرز منه، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلّب ويحبسهم، فقبض عليهم وفيهم المفضّل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة، وقد جمع عدىّ بن أرطاة الجموع، وخندق على البصرة، وندب الناس، وجاء يزيد فى أصحابه «2» والذين معه، فالتقاه «3» أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فمرّ بجموع عدىّ؛ فجعل لا يمرّ بخيل من خيل عدىّ إلا تنحّوا عن طريقه، وأقبل حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، فبعث إلى عدىّ أن ابعث إلىّ إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخلّيك وإياها حتى آخذ لنفسى من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب والفضّة؛ فمال الناس إليه؛ وكان عدىّ لا يعطى إلّا درهمين درهمين، ويقول: لا يحلّ أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلّغوا بهذه حتى يأتى الأمر، فقال الفرزدق «4» :
(21/385)

أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم «1» ... إلى الموت آجال لهم ومصارع
وأكيسهم من قرّ فى قعر بيته «2» ... وأيقن أنّ الموت لا بدّ واقع
وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبّانة بنى يشكر وهو المنصف «3» فيما بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من القصر، وخرج إليهم عدىّ بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو «4» ، وقصد قتل آل المهلب الذين فى حبسه، فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد، ونزل فى دار سالم «5» ابن زياد بن أبيه، وهى إلى جنب القصر، ونصب السلاليم، وفتح القصر، وأتى بعدى بن أرطاة فحبسه، وقال: لولا حبسك إخوتى لما حبستك، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة، فلحقوا بالكوفة، وكان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى طلب الأمان، فعاد بما طلب ومعه خالد القسرى وعمرو ابن يزيد الحكمى، فوجد المغيرة بن زياد وقد فرّ من يزيد ابن المهلب، فأخبرهم الخبر، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ومعهم حميد، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم
(21/386)

الزيادة، وأرسل «1» أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد، فى سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة.
وقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنّخيلة «2» ، واستوثق أمر البصرة لابن المهلّب، وبعث عمّاله على الأهواز وفارس وكرمان، ثم سار يزيد من البصرة، واستعمل عليها أخاه مروان، وأتى واسطا، وأقام عليها أياما يسيرة إلى أن دخلت سنة [102 هـ] اثنتين ومائة، فسار عنها.
واستخلف عليها ابنه معاوية، ونزل «3» عنده بيت المال، وقدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد واقتتلوا، فظفر عبد الملك أوّلا، ثم كانت الهزيمة عليه، فعاد بمن معه إلى أخيه، وأقبل مسلمة يسير على شاطىء الفرات إلى الأنبار، وعقد عليها جسرا فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلّب، والتحق بابن المهلّب «4» ناس كثير من الكوفة والثغور، وأحصى ديوانه مائة ألف وعشرين ألفا، فقال: لوددت أنّ لى بهم من بخراسان من قومى.
ثم قام فى أصحابه وحرّضهم على القتال، وكان اجتماع ابن المهلب ومسلمة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة [102 هـ] اثنتين ومائة خرج مسلمة فى جنوده حتى قرب من ابن المهلّب، والتقوا واقتتلوا؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب،
(21/387)

فترجّل وبقى فى جماعة من أصحابه وقد استقتل وهو يتقدّم؛ فكلّما مرّ بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه؛ وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب، فعطف عليه أهل الشام، فقتل يزيد والسّميدع «1» ومحمّد بن المهلّب، وكان رجل من كلب يقال له القحل «2» بن عيّاش لما نظر إلى يزيد قال:
هذا والله يزيد، والله لأقتلنّه أو ليقتلنى، فمن يحمل معى يكفينى أصحابه حتى أصل إليه، فحمل معه ناس، فاقتتلوا ساعة، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو الذى قتله، وأنّ يزيد قتله، وأتى مولى لبنى مرّة برأس يزيد إلى مسلمة، فقيل له: أنت قتلته؟ قال: لا، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن أبى معيط.
وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابى، ولم ينزل لأخذ رأسه أنفة.
قال: ولما قتل يزيد كان المفضّل بن المهلّب يقاتل أهل الشام وهو لا يدرى بقتل أخيه ولا بهزيمة الناس، فأتاه آت وقال له: ما تصنع وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرّق الناس عنه، ومضى المفضّل إلى واسط.
وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، وكره أن يخبره بقتل يزيد
(21/388)

فيستقتل، فقال له: إنّ الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضّل بمن بقى من ولد المهلب إليها، فلما علم بقتل يزيد حلف أنّه لا يكلّم عبد الملك أبدا، فما كلّمه حتى قتل بقندابيل «1» .
قال: ولما أتت هزيمة ابن المهلّب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين إنسانا «2» كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم عدىّ ابن أرطاة، وابنه محمد، ومالك، وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال والخزائن، وجاء المفضّل بن المهلب واجتمع إلى المهلّب بالبصرة، وأعدّوا السفن وتجهّزوا للركوب.
فى البحر إلى جبال كرمان، وحملوا عيالهم «3» وأموالهم فى السفن البحريّة، ولجّجوا حتى أتوا جبال كرمان، فخرجو من سفنهم، وحملوا ما معهم على الدوابّ.
وكان المقدّم عليهم المفضّل، وكان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبى فى طلبهم وفى أثر الفلّ، فأدرك المفضّل ومن اجتمع إليه، فقاتلوه قتالا شديدا، فقتل من أصحاب المفضل جماعة، وطلب بعض من معه الأمان، ومضى آل المهلب إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب، فردّه؛ وسيّر فى أثرهم هلال بن أحوز التميمى فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد، وكان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه إن قتل فى حربه يلجأ أهله إليها ويتحصّنوا بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك.
(21/389)

وقال له: قد اخترتك لهم من بين قومى فكن عند حسن ظنّى؛ وعاهده ليناصحنّ أهل بيته إن هم لجئوا إليه.
فلما أتوه «1» منعهم من الدخول، وكتب إلى هلال بن أحوز، فلما التقوا نصب هلال راية أمان، فتفرّق الناس عن آل المهلب، وتقدموا هم بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب.
والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة ابن المهلّب، وحملت رءوسهم؛ وفى أذن كلّ واحد رقعة فيها اسمه، ولحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب، وعمرو «2» بن يزيد، وعثمان بن المفضل؛ وبعث هلال بالرءوس والنساء الأسرى من آل المهلّب إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بالحيرة، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك، فبعثهم «3» يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرءوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجرّاح بن عبد الله الحكمى بمائة ألف، وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة بن الجرّاح شيئا، وكانت الأسرى من آل المهلّب ثلاثة عشر رجلا، فلما جىء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان «4» عنده كثير عزّة فقال «5» :
(21/390)

حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تأته من صالح لك يكتب
أساءوا فإن تصفح فإنك قادر ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب
فقال يزيد: هيهات يا أبا صخر؛ أطّت «1» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة، ثم أمر بهم فقتلوا، وبقى غلام صغير. فقال: اقتلونى، فما أنا بصغير. فقال:
انظروا، أنبت؟ فقال: أنا أعلم بنفسى، قد احتلمت ووطئت النساء، فأمر به فقتل.
والذين قتلوا من آل المهلّب بين يدى يزيد بن عبد الملك المعارك وعبد الله، والمغيرة، والمفضل، ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب ودويّة»
والحجاج، وغسّان، وشبيب، والفضل أولاد المفضل بن المهلّب، والمفضل ابن قبيصة بن المهلب.
قال: وأما أبو عيينة بن المهلّب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى أمانه فأمّنه، وبقى عمرو «3» وعثمان حتى ولى أسد ابن عبد الله القسرى خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان.
*** وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الشّعبى، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم.
(21/391)

سنة اثنتين ومائة:
ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان وعزله وولاية عمر بن هبيرة
قال: ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب ابن المهلّب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو ابن الوليد على الكوفة، وبعث إلى البصرة عبد الرحمن بن سليم «1» الكلبى، وعلى شرطتها عمرو بن يزيد التميمى، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة ويقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام، وكتب إلى مسلمة بالخبر فعزله، واستعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، واستعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، وهو الذى يقال له سعيد خدينة «2» ، وإنما لقّب بذلك لأنه كان رجلا ليّنا متنعّما، فدخل عليه بعض ملوك العجم وسعيد فى ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير. قال: خدينة.
فلقّب خدينة، وهى الدّهقانة ربّة البيت.
وكان سعيد زوج «3» ابنة مسلمة، فلذلك استعمله، فغزا سعيد الصّغد كما تقدم.
قال: ولما ولى مسلمة العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، فأراد يزيد عزله فاستحيى من ذلك، فكتب إليه أن استخلف على عملك، وأقبل. فلما قدم لقيه عمر بن هبيرة الفزاى بالطريق
(21/392)

على دوابّ البريد، فسأله عن مقدمه، فقال: وجّهنى أمير المؤمنين فى حيازة أموال بنى المهلّب. ولم يكن الأمر كذلك، وإنما كان يزيد قد استعمله، فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن هبيرة عمّاله والغلظة عليهم، وكان ابن هبيرة قبل ذلك يلى الجزيرة.
ذكر البيعة لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بولاية العهد
وفى هذه السنة أراد يزيد أن يأخذ البيعة لابنه الوليد، فقال [له] «1» مسلمة بن عبد الملك: إنّ ابّنك لم يبلغ الحلم؛ وأشار عليه بالبيعة لهشام، ففعل، وبايع لهشام بولاية العهد، ثم من بعده لابنه الوليد بن يزيد، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد الحلم، فكان يزيد إذا رآه يقول: الله بينى وبين من جعل هشاما بينى وبينك.
ذكر مقتل يزيد بن أبى مسلم
كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبى مسلم على إفريقية فى سنة [101 هـ] إحدى ومائة، فقتل فى هذه السنة.
وكان سبب قتله أنه أراد أن يسير فى أهل إفريقية بسيرة الحجاج فى أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن [كان] «2» أصله من السّواد من أهل الذّمة، فإنه ردهم إلى قراهم، ووضع عليهم الجزية على ما كانوا «3» عليه قبل الإسلام. فلما عزم يزيد بن مسلم على ذلك
(21/393)

اجتمع رأى أهل إفريقية على قتله، فقتلوه وولّوا عليهم الوالى الذى كان قبله، وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار، وكتبوا إلى يزيد ابن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أبى مسلم سامنا مالا يرضاه الله والمسلمون، فقتلناه، وأعدنا عاملك.
فكتب إليهم: إنه لم يرض بما صنع. وأقرّ محمد بن يزيد على عمله.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة.
سنة (103 هـ) ثلاث ومائة:
ذكر استعمال سعيد الحرشى على خراسان وعزل سعيد خدينة «1» عنها
فى هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان بشكوى المجشّر بن مزاحم السلمى، وعبد الله بن عمير الليثى، واستعمل سعيد بن عمرو الحرشى، من بنى الحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وكان خدينة بباب سمرقند، فبلغه عزله فرجع وقدم الحرشى خراسان فلم يعرض لعمال خدينة.
وقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال: صه؛ مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه برىء.
وخطب النّاس وحثّهم على الجهاد، وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة [ولا بعدّة] «2» ، ولكن بنصر الله وعزّ الإسلام، فقولوا:
لا حول ولا قوّة إلا بالله.
(21/394)

وقال «1» :
فلست لعامر إن لم ترونى ... أمام الخيل أطعن «2» بالعوالى
وأضرب «3» هامة الجبّار منهم ... بعضب الحدّ حودث بالصّقال «4»
فما أنا فى الحروب بمستكين ... ولا أخشى مصاولة الرّجال
أبى لى والدى من كلّ ذمّ ... وخالى فى الحوادث غير خالى
فهابه الصّغد، وكان من قتاله إياهم وقتلهم ما ذكرناه.
ولما ظفر بهم كتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى ابن هبيرة فوجد عليه.
وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، وولى عبد الواحد ابن عبد الله النّضرى الطائف.
سنة (104 هـ) أربع ومائة:
ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة وولاية عبد الواحد
وفى هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحّاك عن مكّة والمدينة.
وسبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، فقالت: ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنىّ هؤلاء، فألحّ عليها، وقال: لئن لم تفعلى لأجلدن أكبر بنيك فى
(21/395)

الخمر، يعنى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على، وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من [أهل] «1» الشام، وقد رفع حسابه، وهو يريد أن يسير إلى يزيد، فدخل على فاطمة يودّعها، فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من الضحاك.
وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم ابن هرمز [على يزيد] «2» ، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل من مغرّبة خبر؟
فلم يذكر شأن فاطمة، فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال ابن هرمز: إنها حملتنى رسالة؛ وأخبره الخبر، فنزل عن فراشه، وقال: لا أمّ لك! عندك هذا وما تخبرنيه! فاعتذر بالنّسيان، فأذن «3» لرسولها، فأدخل، وقرأ كتابها، وجعل يضرب بخيزران فى يده، ويقول: لقد اجترأ ابن الضحّاك، هل من رجل يسمعنى صوته فى العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النّضرى. فكتب إليه بيده:
قد ولّيتك المدينة، فاهبط إليها، واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوته، وأنا على فراشى.
وسار البريد بالكتاب، ولم يدخل على ابن الضحاك، فأحسّ وأحضر البريد، وأعطاه ألف دينار ليخبره الخبر، فأخبره، فسار ابن الضحاك مجدّا فنزل على مسلمة بن عبد الملك، فاستجاربه، فحضر مسلمة عند يزيد، فطلب إليه حاجة جاء لها، فقال: كلّ
(21/396)

حاجة هى لك إلا ابن الضحاك. فقال: هى والله ابن الضحّاك. فقال:
والله لا أعفيه أبدا.
ورده إلى عبد الواحد بالمدينة فعذّبه، ولبس جبّة صوف، فسأل الناس.
وكان قدوم النضرى فى شوال سنة [104 هـ] أربع ومائة، فأحسن السيرة فى الناس، وكان ابن الضحاك قد آذى «1» الأنصار طرّا، فأعفاهم الله منه.
وفيها عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشى عن خراسان وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابى، وسبب ذلك أن الحرشى كان يستخفّ بابن هبيرة فعزله وعذّبه حتى أدّى الأموال.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الواحد النّضرى.
سنة (105 هـ) خمس ومائة:
ذكر أخبار الخوارج فى أيام يزيد بن عبد الملك
وهؤلاء الخوارج الذين نذكرهم ذكرهم ابن الأثير «2» فى حوادث هذه السنة، ولم يذكر أنهم خرجوا فيها، فقال «3» :
وفى أيام يزيد خرج حرورى اسمه عقفان فى ثلاثين رجلا، فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة، والرأى أن تبعث إلى كلّ رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلّمه ويردّه. ففعل ذلك، فرجعوا وبقى
(21/397)

عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه وردّه «1» .
فلما ولى هشام بن عبد الملك ولّاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان عاصيا، فشدّه وثاقا، وبعث به إلى هشام، فأطلقه لأبيه، وقال:
لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقى إلى أن توفّى هشام.
وخرج مسعود بن أبى زينب «2» العبدى بالبحرين على الأشعث ابن عبد الله بن الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلى من قبل ابن هبيرة، فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة «3» قتالا شديدا، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج، فقاتلهم يومه كلّه، فلما أمسى تفرّق عنه أصحابه، وبقى فى نفر يسير، فدخل قصرا فتحصّن به، فنصبوا عليه السلاليم، وصعدوا إليه فقتلوه.
وقيل: إن «4» مسعودا غلب على البحرين واليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو. [والله أعلم] «5» .
وخرج مصعب بن محمد الوالبى، وكان من رؤساء الخوارج، فطلبه عمر بن هبيرة، وطلب معه مالك بن الصّعب وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق، وأمّروا عليهم مصعبا، فاستمر
(21/398)

إلى أن ولى خالد القسرى العراق فى أيام هشام، فبعث إليهم جيشا، وكانوا قد صاروا بحزّة «1» من أعمال الموصل، فالتقوا واقتتلوا، فقتل الخوارج.
وقيل: كان قتلهم فى أيام يزيد. والله أعلم.
ذكر وفاة يزيد بن عبد الملك وشىء من أخباره
كانت وفاته بحوران «2» لخمس بقين من شعبان سنة [105] خمس ومائة، وله أربعون سنة.
وقيل خمس وثلاثون. وقيل: غير ذلك.
وكانت خلافته أربع سنين وشهرا. وكان جميلا أبيض جسيما مدوّر الوجه شديد الكبر عاجز الرأى، وكان صاحب لهو، وهو أول من اتخذ القيان من بنى أمية، وكان يهوى جاريتين، وهما حبابة وسلّامة، وهى سلّامة القس، وقال يوما- وقد طرب: دعونى أطير. فقالت حبابة: على «3» من تدع الأمّة؟
فقال: عليك. وغنّت يوما «4» :
بين التّراقى واللهاة حرارة ... ما تطمئنّ وما تسوغ فتبرد
فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا فيك حاجة.
(21/399)

فقال: والله لأطيرنّ. فقالت: فعلى من تخلّف الأمّة والملك؟ فقال «1» :
عليك والله. وقبّل يدها.
وخرجت معه إلى ناحية الأردنّ للتنزه فرماها بحبّة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يقبّلها ويشمّها وينظر إليها ويبكى، فكلّم فى أمرها فدفنها.
وقيل: إنه نبشها بعد دفنها، وبقى سبعة أيام لا يظهر للناس، وأشار «2» عليه مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفّهه عندهم.
قال: وكان يزيد قد حجّ أيام أخيه سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها الغالية «3» ، فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فردّها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما: هل بقى من الدنيا شىء تتمنّاه؟ قال: نعم، حبابة، فأرسلت فاشترتها، وأتت بها فأجلستها من وراء الستر، وأعادت عليه القول الأول.
فقال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها، فحظيت سعدة عنده، وأكرمها.
وهى سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان.
قال: وإنما قيل لسلّامة القسّ، لأن عبد الرحمن بن عبد الله [ابن] «4»
(21/400)

أبى عمار أحد بنى جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابدا مجتهدا فى العبادة، وكان يسمى القس لعبادته. مرّ يوما بمنزل مولاها، فسمع غناءها، فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع! فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها. فدخل معه فغنّت «1» ، فأعجبه غناؤها. ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته. فقالت له يوما على خلوة: أنا والله أحبّك. قال: وأنا والله. قالت: وأحبّ أن أقبّلك. قال: وأنا والله.
قالت: وأحب أن أضع بطنى على بطنك. قال: وأنا والله. قالت:
فما يمنعك؟ قال: قوله تعالى «2» : «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ»
. وأنا أكره أن تئول «3» خلّتنا «4» إلى عداوة، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته. وله فيها أشعار كثيرة منها قوله:
ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طرّبت فى صوتها كيف تصنع
تمدّ نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع
وله فيها غير ذلك.
وأما يزيد فأخباره مع سلّامة وحبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها.
(21/401)

فلنذكر خلاف ذلك من أخباره:
وكان له من الأولاد الذكور ثمانية، [منهم] «1» عبد الله، والوليد.
كتّابه: عمر بن هبيرة، ثم إبراهيم بن جبلة، ثم أسامة بن زيد السّليحى.
قاضيه: عبد الرحمن بن الحسحاس وغيره.
حجّابه: سعيد وخالد مولياه.
نقش خاتمه: قنى السيئات يا عزيز.
الأمير بمصر: بشر بن صفوان.
وأقرّ أبا مسعود على القضاء، ثم ولّى إمارة مصر حنظلة بن صفوان أخا بشر، وسار بشر إلى إفريقية. وولى مصر أيضا فى خلافته أسامة ابن زيد، والله أعلم.
ذكر بيعة هشام بن عبد الملك
هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه أم هشام فاطمة، وقيل: عائشة بنت هشام المخزومى، وهو العاشر من ملوك بنى أميّة.
بويع له لخمس بقين من شعبان سنة [105 هـ] خمس ومائة بعد وفاة أخيه. أتته الخلافة وهو بالرّصافة «2» ، [فجاءه البريد بالخاتم
(21/402)

والقضيب وسلّم عليه بالخلافة] «1» ، فركب منها، حتى أتى دمشق، وكان من أول ما ابتدأ به أن عزل عمر بن هبيرة عن العراق، واستعمل خالد بن عبد الله القسرى، وذلك فى شوال من السنة. ولنبدأ بذكر الغزوات والفتوحات فى أيامه:
ذكر الغزوات والفتوحات فى أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين
فى سنة [105 هـ] خمس ومائة غزا الجرّاح الحكمىّ اللّان «2»
حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة.
وغزا سعيد بن عبد الملك أرض الرّوم، فبعث سريّة فى نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعا.
وغزا مسلم بن سعيد الكلابى أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا، وقفل فاتبعه الترك فلحقوه، والناس يعبرون جيحون، وعلى الساقة عبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل «3» تميم، فحاموا حتى عبر الناس.
وغزا مسلم أفشين «4» ، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة.
وغزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى، فافتتح قونية من أرض الروم، وكمخ «5» . والله سبحانه وتعالى أعلم.
(21/403)

(ذكر غزوة مسلم الترك)
وفى سنة [106 هـ] ست ومائة غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الترك،
فقطع النهر، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد القسرى بولايته العراق، ويأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة «1» ، فلما وصلها بلغه أنّ خاقان قد أقبل إليه، فارتحل، فسار ثلاث مراحل فى يوم، وأقبل إليهم خاقان، فلقى طائفة من المسلمين، فقتل جماعة منهم، وأصاب دوابّ لمسلم، ورحل مسلم بالناس، فسار ثمانية أيام والترك يطيفون «2» بهم، وأحرق الناس ما ثقل عليهم من أثقالهم، فحرقوا ما قيمته ألف ألف، ونزل مسلم فى الليلة التاسعة، وأصبح فسار فورد النّهر وأقام «3» يوما ثم قطعه من الغد، واتبعهم ابن لخاقان، فعطف حميد ابن عبد الله وهو على السّاقة على طائفة من الترك نحو المائتين فقاتلهم، فأسر أهل الصّغد وقائدهم وقائد الترك فى سبعة، ومضى البقيّة.
ورجع حميد فرمى بنشّابة فى ركبته فمات.
وعطش الناس فى هذه الغزوة عطشا شديدا وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس. وجاء عبد الرحمن بن نعيم عهده على خراسان من قبل أسد بن عبد الله أخى خالد القسرى، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا وطاعة.
قال بعض من شهد هذه الغزوة، قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى
(21/404)

أيقنّا بالمهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحنيف على الترك فى أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة. ثم رجع، وأقبل نصر بن سيّار فى ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم، وحمل عليهم الناس؛ فانهزم الترك، وقفل عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم.
وغزا سعيد بن عبد الملك الصائفة فى هذه السنة.
وغزا الجرّاح بن عبد الله اللّان «1» ، فصالح أهلها وأدّوا الجزية.
(ذكر غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس)
وفى سنة [107 هـ] سبع ومائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبى
عامل الأندلس بلد الفرنج فى جمع كثير، فنازل «2» مدينة برشلونة، وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، وعلى جميع ما فى المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمّة.
وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الغور؛ وهى جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلّاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.
وفيها غزا الحارث بن عمرو الطائى التّرك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد التّرك وقرى كثيرة وأثّر أثرا حسنا.
وفى سنة [108 هـ] ثمان ومائة قطع أسد بن عبد الله النّهر،
(21/405)

وأتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال، ثم مضى أسد إلى غوريان «1» ، فقاتلهم يوما، ثم اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، وأسروا وسبوا وغنموا.
وفيها غزا مسلمة «2» بن عبد الملك الروم مما يلى الجزيرة ففتح قيسارية، وهى مدينة مشهورة.
وغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم.
وفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائى، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحارث حتى عبر نهر روس «3» ، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا «4» الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، وقتل من الترك خلق كثير.
وغزا معاوية بن هشام بن عبد الملك ومعه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس.
وغزا البرّ مسلمة بن عبد الملك بن مروان.
وفى سنة تسع ومائة غزا عبد الله بن عقبة الفهرى فى البحر،
وغزا معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصنا يقال له «5» طيبة،
(21/406)

وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد.
وغزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية، فغنم شيئا كثيرا، ثم رجع إلى القيروان فتوفى من سنته. واستعمل هشام عبيدة «1» بن عبد الرحمن بن أبى الأغرّ السلمى.
(ذكر خبر أشرس بن عبد الله السلمى أمير خراسان وأهل سمرقند وغيرها بما وراء النهر وما يتصل بذلك من الحروب)
فى سنة [110] عشرة ومائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وغيرها مما وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام،
على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل فى ذلك أبا الصّيداء «2» صالح بن طريف «3» مولى بنى ضبّة والرّبيع بن عمران التميمى، فقال أبو الصّيداء:
إنما أخرج على شريطة أنه «4» من أسلم لا يؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رءوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبى العمرّطة «5» الكندى، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فكتب إلى أشرس:
إنّ الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة:
إنّ فى الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغنى أنّ أهل الصّغد وأشباههم
(21/407)

إنما أسلموا تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه، ثم عزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانىء بن هانىء، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفّظ بالإسلام، وكتب هانىء إلى أشرس:
إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجد.
فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممّن كنتم تأخذونه عنه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزلوا فى سبعة آلاف على عدّة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصّيداء وربيع بن عمران، والهيثم «1» الشّيبانى، وأبو فاطمة الأزدى، وعامر بن قشير، وبشير الخجندى «2» ، وبيان العنبرى، وإسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلمى؛ فكتب المجشّر إلى أبى الصّيداء فى القدوم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصّيداء وثابت قطنة فحبسهما، واجتمع أصحاب أبى الصّيداء وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:
كفّوا حتى نكتب إلى أشرس.
فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج. فرجع أصحاب أبى الصّيداء وضعف أمرهم، فتتبّع الرؤساء فأخذوا وحملوا إلى مرو. وألحّ هانىء فى الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم والدّهاقين، وأخذوا الجزية ممّن أسلم، فكفرت الصّغد وبخارى، واستجاشوا
(21/408)

التّرك، وخرج أشرس غازيا، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر.
وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم، فعبر النهر فى عشرة آلاف، وأقبل أهل الصّغد وبخارى معهم خاقان والتّرك، فحصروا قطنا فى خندقه، وأرسل خاقان من أغار على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود، فوجهه مع عبد الله بن بسطام فى خيل «1» ، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم، ورجع الترك.
ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث سرية مع مسعود أحد بنى حيّان، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين، وهزم مسعود. فرجع إلى أشرس.
وأقبل العدوّ، فلقيهم المسلمون، فجالوا جولة، فقتل رجال من المسلمين.
ثم رجع «2» المسلمون فصبروا، فهزم الله المشركين، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند «3» ، فقطع عنهم العدوّ الماء، وأقام المسلمون يوما وليلة، وعطشوا؛ فرحلوا إلى المدينة التى قطع العدوّ بها الماء، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال؛ فقال الحارث بن سريج «4» للناس: القتل بالسيف أكرم
(21/409)

فى الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا، وتقدم هو وقطن فى فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالوا التّرك عن الماء، فشرب الناس واستقوا، ثم قاتلوا الترك قتالا شديدا، فقتل ثابت قطنة فى جماعة من المسلمين بعد أن أبلوا أعظم بلاء وأحسنه.
ثم اجتمع رجال من المسلمين تبايعوا على الموت مع قطن بن قتيبة، وحملوا على العدوّ فقاتلوهم فكشفوهم، وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجز بينهم اللّيل، وتفرّق العدوّ، وأتى أشرس بخارى، فحصر أهلها فعزل وهو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وقعة كمرجة
قال: ثم إنّ خاقان حصر كمرجة «1» ، وهى من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة «2» ، ونسف، وطوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون الباب، وقطعوا القنطرة التى على الخندق، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذى جئت بخاقان ليردّ علىّ مملكتى، وأنا آخذ لكم الأمان، فشتموه، وأتاهم بازغرى، فقال: إنّ خاقان يقول لكم: إنى أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، ويحسن «3»
(21/410)

إليكم وتكونون معه، فأبوا ذلك، فأمر خاقان بجمع الحطب «1» الرطب، وأن يلقى فى الخندق ليعبروا عليه. فجمع فى سبعة أيام، فكانوا يلقون الحطب الرّطب، ويلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوّى الخندق بالأرض؛ فأشعل المسلمون فيه النيران، وهاجت ريح شديدة، فاحترق الحطب الذى جمع فى سبعة أيام فى ساعة واحدة، ثم فرّق خاقان على الترك أغناما، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها ترابا، ويلقوها فى الخندق، ففعلوا ذلك، فأرسل الله تعالى مطرا شديدا، فاحتمل السيل ما فى الخندق، وألقاه فى النّهر الأعظم.
ورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه؛ ففرح المسلمون بقتله، وكان عند المشركين مائة من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء «2» العتكىّ والحجاج ابن حميد النضرى، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم، واستماتوا واشتدّ القتال.
ثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أنّ خاقان يرحل عن كمرجة، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدّبوسية «3» ، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك، وأخذ كلّ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء، وارتحل خاقان، ثم رحلوا بعده، وسيّر معه كور صول التّركى ليمنعهم ممن يتعرّض إليهم من الترك، فلما
(21/411)

انتهوا إلى الدّبوسية، وكان بها عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، أمنوا وأطلق كلّ من الطائفتين ما بيدهم من الرهائن، وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما.
وفى هذه السنة ارتد أهل كردر «1» ، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم.
وغزا مسلمة التّرك من نحو باب اللّان، فلقى خاقان فى جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان ورجع مسلمة.
وغزا معاوية الروم ففتح صلم «2» .
وغزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهرى.
(ذكر عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن، وقتاله الترك)
وفى سنة [111 هـ] إحدى عشرة ومائة عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله عن خراسان،
واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرّى، وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان فى خمسمائة، وسار
(21/412)

إلى ماوراء النّهر، وسار معه الخطاب بن محرز السلمى خليفة أشرس بخراسان، فقطعا النّهر، وأرسل الجنيد إلى أشرس، وهو يقاتل أهل بخارى والصّغد: أن أمدّنى بخيل.
وخاف أن يقطع «1» دونه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانى، فلما كان عامر ببعض الطريق عرض له التّرك والصّغد، فدخل حائطا حصينا، وقاتلهم على الثلمة، وكان معه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسى «2» ، فخرج واصل وعاصم بن عمير السمرقندى وغيرهما، فاستداروا خلف الترك فلم يشعر خاقان إلّا والتكبير من ورائه، وحمل المسلمون على التّرك، فقاتلوهم، وقتلوا عظيما من عظماء الترك، فانهزم التّرك، وسار عامر حتى لقى الجنيد، وأقبل معه وعلى مقدمة الجنيد عمارة ابن خريم «3» ، فلما صار على فرسخين من بيكند تلقّته خيل التّرك، فقاتلوهم، فكاد الجنيد يهلك هو ومن معه، ثم أظهره الله، وسار حتى قدم العسكر، وظفر الجنيد، وقتل من الترك، ثم زحف إليه خاقان، فالتقوا دون زرمان «4» من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد، فأسر الجنيد ابن أخى خاقان، فبعث به إلى هشام، ورجع الجنيد بالظّفر إلى مرو.
(21/413)

وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى، حتى أتى قيسارية.
وغزا عبد الله بن أبى مريم البحر.
وفيها سارت التّرك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو، فهزمهم.
وفيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ على أرمينية، وعزل أخاه مسلمة، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس «1» ، ففتح مدينتهم البيضاء، وانصرف سالما.
(ذكر مقتل الجراح بن عبد الله الحكمى وولاية سعيد الحرشى وحروبه مع الخزر والتّرك، وما افتتحه من البلاد)
وفى سنة [112 هـ] ثنتى عشرة ومائة قتل الجرّاح بن عبد الله الحكمى.
وسبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم والتّرك من ناحية اللّان، فلقيهم الجرّاح فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشدّ قتال رآه الناس، وتكاثر الخزر والتّرك على المسلمين، فاستشهد الجرّاح ومن معه بمرج أردبيل «2» ، فلما قتل طمع الخزر وأوغلوا فى البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب على المسلمين.
فبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فاستشار سعيدا الحرشى،
(21/414)

فقال: أرى أن تبعثنى على أربعين دابّة من دوابّ البريد، ثم تبعث إلىّ كل يوم بأربعين [رجلا] «1» ، واكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافونى «2» . ففعل ذلك، وسار الحرشىّ وهو لا يمرّ بمدينة إلّا استنهض «3» أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد.
ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن «4» ، فلقيه جماعة من أصحاب الجرّاح، فردّهم معه، وسار فبلغ خلاط «5» ، فحاصرها أياما وفتحها، وقسّم غنائمها فى أصحابه، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شىء حتى أتى بردعة، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبى ويقتل، وهو يحاصر مدينة ورثان «6» ، فأرسل الحرشىّ رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرّفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر، فسار ولقيه بعض الخزر، فأخذوه وسألوه عن الخبر، فأخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنّا إليك، وأطلقناك، وإلا قتلناك. قال: فما الذى تريدون؟ قالوا «7» : تقول لأهل ورثان: إنكم ليس لكم مدد، ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.
فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه، فقال لهم:
(21/415)

أتعرفونى؟ قالوا: نعم، أنت فلان. قال: فإنّ الحرشى قد وصل إلى مكان كذا فى عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد، والصّبر، ففى هذين اليومين يصل إليكم.
فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، وقتلت الخزر ذلك الرجل، ورحلوا عن مدينة ورثان، ووصلها الحرشى، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل، فسبقهم «1» إليها، فساروا عنها، ونزل سعيد باجروان «2» ، فأتاه فارس على فرس أبيض، فقال له: أيها الأمير، هل لك فى الجهاد والغنيمة؟ قال: وكيف لى بذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر فى عشرة آلاف، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى وسبايا، وهم على أربعة فراسخ.
فسار الحرشىّ إليهم ليلا، فوافاهم آخر الليل، وهم نيام، فكبسهم مع الفجر، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير «3» رجل واحد.
ثم أتاه ذلك الفارس الذى أتاه أولا وقال له: هذا جيش الخزر ومعهم أموال المسلمين وأولادهم، وحرم الجرّاح وأولاده، وهم بمكان كذا؛ فسار الحرشى إليهم، فما شعروا إلّا والمسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنقذوا من معهم، وغنموا أموال الخزر، وحمل الأسارى إلى باجروان.
(21/416)

وبلغ الخبر ابن ملك الخزر، فجمع أصحابه من نواحى أذربيجان، فاجتمع له عساكر كثيرة، فحرّضهم، وسار نحو الحرشىّ، وسار الحرشىّ إليه، فالتقيا بزرند «1» ، واقتتلوا أشدّ قتال، فانحاز المسلمون يسيرا ثم عادوا إلى القتال، فاشتدّت نكايتهم فى العدوّ، فهزموهم، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس «2» ، وعادوا عنهم وحووا ما فى عسكرهم من الأموال والغنائم، وأطلقوا الأسارى والسّبايا، وحملوا الجميع إلى باجروان، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره، وعاد بهم نحو الحرشى، فنزل على نهر البيلقان «3» ، فسار الحرشى نحوه؛ فوافاهم هناك، والتقوا، فكانت الهزيمة على الخزر، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، وجمع الحرشى الغنائم، وعاد إلى باجروان وكتب إلى هشام بالفتح، وأرسل إليه الخمس. فكتب إليه هشام يشكره، ويثنى عليه، ويأمره بالمسير إليه، واستعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد، وسار إلى الترك حتى جاز البلاد [فى آثارهم] «4» .
ذكر وقعة الجنيد بالشعب
وفى سنة [112 هـ] ثنتى عشرة ومائة أيضا خرج الجنيد أمير خراسان غازيا يريد طخارستان؛ فوجه عمارة بن خريم
(21/417)

إلى طخارستان فى ثمانية عشر ألفا، ووجّه إبراهيم بن بسام الليثى فى عشرة آلاف إلى وجه آخر، وجاشت التّرك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ فكتب إلى الجنيد أنّ خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم، فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث الغوث.
فعبر الجنيد النهر، وقد فرّق عساكره، فسار بمن معه حتى نزل كشّ «1» ، وتأهّب للمسير، وبلغ ذلك الترك؛ فعوّروا الآبار التى فى طريق كش، وسار الجنيد يريد سمرقند، فأخذ طريق العقبة، وارتقى فى الجبل، ثم سار حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ، ودخل الشّعب فصبّحه خاقان فى جمع عظيم؛ فكانت بينهم وقعة عظيمة صبر الناس فيها وقاتلوا حتى كانت السيوف لا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، ثم كانت المعانقة؛ ثم تحاجزوا، فاستشهد من المسلمين جماعة.
فبينما الناس كذلك إذ أقبل رهج «2» ، وطلعت الفرسان»
، فنادى منادى الجنيد: الأرض الأرض! وترجّل، وترجّل الناس، ثم أمر أن يخندق كلّ قائد على حياله، فخندقوا وتحاجزوا وقد أصيب من الأزد يومئذ مائة وتسعون رجلا، وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد
(21/418)

ابن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم، واشتد القتال بينهم.
فلما رأى الجنيد شدّة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد الله بن حبيب: اختر إمّا أن تهلك أنت أو سورة بن الحرّ.
فقال: هلاك سورة أهون على. قال: فاكتب إليه فليأتك فى أهل سمرقند؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجّهوا إليه فقاتلوه.
فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم، فسار فى اثنى عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، فتلقّاه خاقان، وقد بقى بينه وبين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتدّ «1» القتال، وسقط سورة بن الحرّ، فاندقّت فخذه، وقتل وتفرّق الناس، وقتلهم الترك، ولم ينج منهم غير ألفين. ويقال: ألف.
ولما استقلّ خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادرا يريد سمرقند، فلقيه الترك قبل وصوله إليها، فقاتلهم قتالا شديدا.
وقال الجنيد: أىّ عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس، وهزم الله الترك.
ومضى الجنيد إلى سمرقند، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر. فكتب إليه هشام: قد وجّهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة «2» ، فافرض فلا غاية لك فى الفريضة لخمسة «3» عشر ألفا.
(21/419)

قال «1» : وأقام الجنيد بسمرقند، وتوجّه خاقان إلى بخارى، وعليها قطن بن قتيبة، فسار الجنيد إليه، وخلّف بسمرقند عثمان بن عبد الله ابن الشّخّير فى أربعمائة [فارس وأربعمائة] «2» راجل.
ولما انتهى الجنيد إلى كرمينية «3» أتاه خاقان وذلك فى مستهلّ رمضان من السنة، فاقتتلوا يومهم؛ ثم ارتحل الجنيد وقد قوى الساقة بالرجال، فجاءت الترك فمالوا على الساقة فاقتتلوا فاشتدّ القتال بينهم، فقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء الترك، فتطيّروا من ذلك، وانصرفوا. وسار المسلمون فدخلوا بخارى، ثم قدمت الجنود من الكوفة والبصرة فسرّح الجنيد معهم حوثرة ابن زيد العنبرى فيمن انتدب معه.
وقيل: إنّ وقعة الشّعب كانت فى سنة [113 هـ] ثلاث عشرة ومائة.
[والله أعلم] «4» .
وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة «5» .
[والله أعلم] «6» .
(21/420)

ذكر غزو مسلمة وعوده
فى هذه السنة فرّق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم وسبى وأسر وأحرق، ودان له من وراء جبال بلنجر، وأقبل ابن خاقان وقد اجتمعت عليه الخزر وغيرهم من تلك الأمم، وصار فى جموع عظيمة. فلما بلغ مسلمة الخبر أمر أصحابه فأوقدوا النيران، ثم ترك خيامهم وأثقالهم، وعاد بعسكره جريدة، وقدم الضعفة «1» وأخّر الشجعان، وطوى المراحل كلّ مرحلتين فى مرحلة حتى وصل الباب والأبواب [فى آخر رمق] «2» .
وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط. من ناحية مرعش «3» ثم رجع. والله أعلم.
(ذكر غزو مروان بن محمد بلاد الترك) ودخوله إلى بلاد ملك السّرير وغيرها من بلادهم وما افتتحه وقرره وصالح عليه الملوك
وفى سنة [114] أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية.
وسبب ذلك أنه كان فى عسكر مسلمة بن عبد الملك حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة- كما تقدّم- سار مروان إلى هشام فلم يشعر به
(21/421)

حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: ضقت ذرعا بما أذكره، ولم أر من يحمله غيرى. قال: وما هو؟ قال:
يا أمير المؤمنين؛ إنه كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره ما دخل به الوهن على المسلمين. ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجّه أخاه مسلمة إليهم، فو الله ما وطىء من بلادهم إلّا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، فاستعدّ القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، فكان قصاراه السّلامة، وقد أردت أن تأذن لى فى غزوة أذهب بها عنّا العار، وأنتقم من العدو. قال: قد أذنت لك. قال: وتمدنى بمائة ألف وعشرين ألف مقاتل؟
قال: قد فعلت. قال: وتكتم هذا الأمر عن كل أحد؟ قال:
قد فعلت. وقد استعملتك على إرمينية.
فودّعه وسار إلى إرمينية واليا عليها وسيّر إليه هشام الجنود [من الشام والعراق والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود] «1» والمتطوّعة مائة ألف وعشرون ألفا، فأظهر أنه يريد غزو اللّان، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة، فأجابه إلى ذلك، وأرسل «2» إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه، وأحضره، ثم أغلظ لهم فى القول وآذنهم بالحرب، وسيّر الرسول إلى صاحبه بذلك، ووكل به من يسير به
(21/422)

على طريق فيه بعد، وسار هو فى أقرب الطّرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلّا ومروان قد وافاهم بالجنود، فاستشار ملك الخزر أصحابه، فقالوا: إنّ هذا قد جمع ودخل بلادك، فإن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع جندك إلى مدّة، فيبلغ منك ما يريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك، والرأى أن تتأخّر إلى أقصى بلادك، وتدعه وما يريد.
فقبل رأيهم وسار ودخل مروان البلاد، وأوغل فيها، وأخربها، وغنم وسبى، وانتهى إلى آخرها، وأقام فيها عدّة أيام أذلّهم، ودخل بلاد ملك السّرير، فأوقع بأهلها، وفتح قلاعا، ودان له الملك، وصالحه على ألف رأس: خمسمائة غلام، وخمسمائة جارية سود الشعور «1» ، ومائة ألف مدى تحمل إلى الباب، وصالح أهل تومان «2» ، على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مدى «3» ، ثم دخل أرض زديكران «4» ، فصالحه ملكها، ثم أتى أرض حمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم، وافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان «5» ، فافتتحها صلحا، ووظف على طبر سرانشاه «6» عشرة آلاف مدى كلّ سنة تحمل إلى الباب؛ ثم
(21/423)

نزل على قلعة صاحب الّلكز «1» وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك الّلكز يريد ملك الخزر، فقتله راع بسهم وهو لا يعرفه، فصالح أهل الّلكز مروان، واستعمل عليهم عاملا وسار إلى قلعة شروان «2» وهى على البحر، فأذعن له بالطاعة، وسار إلى الدّوادانيّة، فأوقع بهم، ثم عاد.
وغزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن.
وفيها التقى عبد الله البطّال هو وقسطنطين فى جموع، فهزمهم البطّال وأسر قسطنطين.
وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية.
وفى سنة [115 هـ] خمس عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام أرض الروم.
وغزا أيضا الصائفة فى سنة [116 هـ] ست عشرة.
وفى سنة [117 هـ] سبع عشرة غزا معاوية «3» بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة،
وفرّق سراياه فى أرض الروم.
وبعث مروان بن محمد، وهو على إرمينية بعثين؛ فافتتح أحدهما
(21/424)

حصونا ثلاثة من الّلان، ونزل الآخر على تومان شاه، فنزل أهلها على الصّلح.
وفى سنة [118 هـ] ثمان عشرة [ومائة] «1» غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.
وغزا مروان بن محمد من إرمينية، ودخل أرض ورتيس «2» ، من ثلاثة أبواب، فهرب ورتيس إلى الخزر، وترك حصنه، فحصره مروان، ونصب عليه المجانيق، واتفق قتل ورتيس، قتله بعض من اجتاز به، وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرّيّة ...
(ذكر ظفر المسلمين بالترك وقتل خاقان ملك الترك)
وفى سنة [119 هـ] تسع عشرة ومائة كانت الحرب بين أسد ابن عبد الله القسرى أمير خراسان وبين خاقان ملك التّرك.
وسبب ذلك أنّ الحارث بن سريج كان قد خلع بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين، وولى أسد خراسان على ما نذكره إن شاء الله، فكتب الحارث إلى خاقان يعلمه بضعف أسد وقلّة أصحابه، ويستدعيه لحربه.
فأقبل خاقان، وقطع النّهر إلى بلخ، فلقيه أسد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالتّرك، وهزموهم أقبح هزيمة، وغنموا
(21/425)

أموالهم وخيولهم وأثقالهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأراد خصىّ لخاقان حمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، ومضى خاقان إلى طخارستان ثم إلى بلاده. وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون، واستعدّ لغزو المسلمين، فلاعب خاقان يوما كور صول بالنّرد على خطر، فتنازعا، فضرب كور صول يد خاقان فكسرها وتنحّى عنه، وجمع جمعا، وبلغه أنّ خاقان قد حلف ليكسرنّ يده؛ فبيّت خاقان فقتله، وتفرّقت الترك واشتغلوا بأنفسهم، وأرسل أسد إلى هشام بن عبد الملك يخبره بالفتح وبقتل خاقان، فلم يصدق ذلك. وأرسل «1» مبشّرا آخر فوقف على باب هشام وكبّر، فأجابه هشام بالتكبير. فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكرا لله تعالى.
وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الختّل «2» ، فقتل بدر طرخان [ملك الختّل] «3» ، وغلب على القلعة العظمى، وفرّق عساكره فى أودية الختّل، فملئوا أيديهم من الغنائم والسبى.
وهرب أهلها إلى الصين.
وغزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.
وغزا مروان بن محمد من إرمينية فدخل بلاد الّلان، وسار فيها
(21/426)

حتى خرج منها إلى بلاد الخزر، فمرّ ببلنجر وسمندر «1» ، وانتهى إلى البيضاء التى يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.
وفى سنة [120 هـ] عشرين ومائة غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة.
وغزا إسحاق بن مسلم العقيلى تومان شاه وافتتح قلاعه وخرّب أرضه.
(ذكر غزوات نصر بن سيار ماوراء النهر)
وفى سنة [121 هـ] إحدى وعشرين ومائة غزا نصر بن سيّار ماوراء النهر مرّتين:
إحداهما من نحو الباب الجديد، فسار «2» من بلخ، ثم رجع إلى مرو، فخطب الناس، وأخبرهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبى الخرقاء على كشف المظالم، وأنه قد وضع الجزية عمّن أسلم، وجعلها على من كان يخفّف عنه من المشركين، فلم تمض جمعة «3» حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدّون الجزية عن رءوسهم، وثمانون «4» ألفا من المشركين كانت الجزية قد وضعت عنهم، فحوّل ما كان على المسلمين عليهم، ثم صنّف الخراج ووضعه مواضعه.
ثم غزا الثانية إلى ورغسر «5» وسمرقند.
(21/427)

ثم غزا الثالثة إلى شاش من مرو، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول فى خمسة عشر ألفا، وكان معهم الحارث بن سريج «1» ، وعبر كورصول فى أربعين رجلا فبيّت العسكر فى ليلة مظلمة، ومع نصر بخارى خذاه فى أهل بخارى، ومعه أهل سمرقند وكشّ ونسف، وهم عشرون ألفا، فنادى نصر: ألا لا يخرجنّ أحد، واثبتوا على مواضعكم.
فخرج عاصم بن عمير- وهو على جند سمرقند- فمرّت به خيل الترك، فحمل على رجل فى آخرهم فأسره، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فأتى به إلى نصر، فقال له نصر:
من أنت؟ قال: كورصول. قال: الحمد لله الذى أمكن منك يا عدوّ الله. قال: ما ترجو من قتل شيخ، وأنا أعطيك أربعة آلاف بعير من إبل الترك وألف برذون تقوّى به جندك، وتطلق سبيلى.
فاستشار نصر الناس، فأشاروا بإطلاقه، فسأله عن عمره قال: لا أدرى. قال: كم غزوت؟ قال: ثنتين وسبعين غزاة.
قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتنى ما طلعت عليه الشمس ما أفلتّ من يدى بعد ما ذكرت من مشاهدك.
وقال لعاصم بن عمير السغدى «2» : قم إلى سلبه فخذه. فقال:
من أسرنى؟ قال: نصر- وهو يضحك- أسرك يزيد بن قرّان «3» الحنظلى، وأشار إليه. قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه، أو لا يستطيع أن يتم بوله، فكيف يأسرنى؟ أخبرنى من أسرنى؟ قال:
(21/428)

أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم «1» القتل إذا أسرنى فارس من فرسان العرب.
فقتله وصلبه على شاطىء النهر، فلما قتل أحرقت الترك أبنيته، وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم.
فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.
وارتفع إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس. وكتب يوسف ابن عمر الثقفى عاهل العراقين إلى نصر بن سيّار يأمره بالمسير إلى الشاش «2» لقتال الحارث بن سريج، فاستعمل نصر يحيى بن حصين على مقدمته، فسار إلى الشاش، فأتاهم الحارث، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك، على المسلمين فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا، وسار نصر إلى الشاش فتلقّاه ملكها بالصلح والهديّة والرّهن، فاشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب «3» ، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، وكانوا قد علموا بمجيئة، فأحرقوا الحشيش، وقطعوا الميرة، فوجّه نصر إلى ولى عهد صاحب فرغانة فحاصره فى حصن، فخرج وقد غفل المسلمون فغنم دوابّهم، فوجّه إليهم نصر رجالا من تميم، ومعهم محمد بن المثنى، فكايدهم
(21/429)

المسلمون وأهملوا دوابهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدّهقان وأسروا منهم، فكان فيمن أسر ابن الدّهقان، فقتله نصر.
وأرسل نصر سليمان بن صول بكتاب الصّلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها، ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قال: سهلا كثير الماء والمرعى، فكره ذلك، وقال: ما أعلمك؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشتان «1» وغور والختّل وطبرستان، فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟
قال: عدّة حسنة، ولكن أما علمت أنّ المحصور لا يسلم من خصال؟ [قال: وما هن؟ قال:] «2» لا يأمن أقرب الناس إليه، وأوثقهم فى نفسه، أو يفنى ما جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت.
فكره ما قاله له، وأمره فأحضر كتاب الصلح، فأجاب إليه، وسير أمّه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر فكلّمها فكلمته، وكان فيما قالت [له] «3» : كلّ ملك لا تكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يبثّ إليه ما فى نفسه، ويشاوره ويثق بنصيحته. وطبّاخ إذا لم يشته الطعام اتّخذ له ما يشتهى، وزوجة إذا دخل عليها مغتمّا فنظر إلى وجهها زال غمّه،
(21/430)

وحصن إذا فزع أتاه فأنجاه- تعنى البرذون- وسيف إذا قاتل لم يخش خيانته. وذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض.
ودخل تميم بن نصر فى جماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا:
هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ما له نبل الكبير، ولا حلاوة الصغير.
ثم دخل الحجاج بن قتيبة، فقالت: من هذا؟ قالوا:
الحجاج بن قتيبة، فحيّته، وسألت عنه، وقالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، ولا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذى ذلّل لكم ما أرى، وهذا ابنه تقعده دونك، فحقّه «1» أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه.
ذكر غزو مروان بن محمد بن مروان
وفى سنة [121 هـ] إحدى وعشرين أيضا غزا مروان بن محمد من إرمينية وهو واليها، فأتى قلعة بيت السّرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية «2» فقتل وسبى، ودخل غرمسك «3» ، وهو حصن فيه بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه إلى حصن خيزج «4» ، وهو الذى فيه السرير الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفة وشتوة «5» ، فصالحه الملك على ألف رأس فى كل سنة، ومائة ألف
(21/431)

مدى، وسار مروان فدخل أرض أرزو بطران «1» ، فصالحه ملكها. ثم سار فى أرض تومان فصالحه وسار حتى أتى حمزين، فأخرب بلاده، وحصر حصنا له شهرا فصالحه.
ثم أتى مروان أرض مسدار «2» ، فافتتحها على صلح، ثم نزل كيران «3» فصالحه طبرسران «4» وفيلان، وكلّ هذه الولايات على شاطىء البحر من أرمينية إلى طبرستان.
وفيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.
وفى سنة [124 هـ] أربع وعشرين غزا سليمان بن هشام الصائفة
فلقى أليون ملك الروم فغنم.
هذا ما أمكن إيراده من الغزوات والفتوحات فى أيام هشام
فلنذكر حوادث السنين فى أيامه.
سنة (106 هـ) ست ومائة:
ذكر ولاية أسد خراسان
فى هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله القسرى أخاه أسدا على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد بفرغانة، فلما أتى أسد النهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيد التميمى؛ وكان على السفن
(21/432)

بامل، وقال: قد نهيت عن ذلك، فأعطاه ولاطفه، فأبى. قال: فإنى أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشركه فى أمانتنا.
وأتى الصّغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانىء بن هانىء، فخرج فى الناس للقاء أسد، فرآه على حجر، فقال «1» الناس:
ما عند هذا خير، أسد على حجر، ودخل سمرقند وعزل هانئا عنها، واستعمل عليها الحسن بن أبى العمرّطة «2» الكندى، ثم كان من عزل أسد ما نذكره إن شاء الله.
وفيها استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية على الموصل، وهو الذى عمل النّهر الذى كان بالموصل.
وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرّة فيها ماء، وهى تحملها ساعة ثم تستريح قليلا لبعد الماء، فكتب بذلك إلى هشام، فأمره أن يحفر نهرا إلى البلد، فحفره، وبقى العمل فيه عدّة «3» سنين ومات الحرّ سنة (113 هـ) ثلاث عشرة ومائة.
وفى سنة ست أيضا عزل هشام عبد الواحد النّضرى عن مكّة والمدينة والطائف، وولّى ذلك كله «4» إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة فى جمادى الآخرة.
وكانت ولاية النّضرى سنة وثمانية أشهر.
(21/433)

[وفيها] «1» استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحى «2» ، ثم عزله، واستقضى الصّلت الكندىّ، وكان العامل على العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسرى البجلى، وكان عامل خالد على البصرة عقبة بن عبد الأعلى على الصلاة. وعلى الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى القضاء ثمامة بن عبد الله بن أنس.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن عبد الملك.
سنة (107 هـ) سبع ومائة:
فى هذه السنة كان من خبر دعاة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الدولة العبّاسية.
وفيها عزل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمى عن إرمينية وأذربيجان، واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها الحارث بن عمرو الطائى، فافتتح من بلاد الترك رستاقا وقرى كثيرة، وأثّر أثرا حسنا.
وفيها نقل أسد من كان بالبروقان «3» إلى بلخ من الجند، وأقطع من كان بالبروقان بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له:
(21/434)

إنهم يتعصّبون؛ فخلّى بينهم، وتولّى بناء مدينة بلخ برمك، وهو أبو خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.
سنة (108 هـ) ثمان ومائة:
فى هذه السنة كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها وقع الحريق بدابق، فاحترق المرعى والدوابّ والرجال.
وفيها خرج عبّاد الرّعينى «1» باليمن محكّما فقتله أميرها يوسف بن عمرو «2» ، وقتل أصحابه وكانوا ثلاثمائة.
وحج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.
وفيها مات محمد بن كعب القرظى، وقيل سنة سبع عشرة.
وقيل: إنه ولد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
سنة (109 هـ) تسع ومائة:
فى هذه السنة عزل أسد بن عبد الله القسرى عن خراسان، وسبب ذلك أنه ضرب نصر بن سيار ونفرا بالسياط، منهم عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحرّ والبخترى بن أبى درهم، وعامر بن مالك الحمّانى، وحلقهم وسيّرهم هو إلى أخيه، وكتب إليه:
إنهم أرادوا الوثوب بى.
فلما قدموا على خالد لام أسدا وعنّفه، وقال: ألا بعث إلىّ بروءسهم.
وخطب أسد يوما، فقال: قبّح الله هذه الوجوه وجوه
(21/435)

أهل الشقاق والنّفاق والشّغب والفساد، اللهم فرّق بينى وبينهم، وأخرجنى إلى مهاجرى ووطنى.
فبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى العراق فى رمضان من السنة، واستخلف على على خراسان الحكم بن عوانة الكلبى، فأقام الحكم صيفيته فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمى على خراسان، وأمره أن يكاتب خالدا، وكان أشرس فاضلا خيّرا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله.
فلما قدم خراسان فرح الناس به، واستقضى أبا المنازل الكندى، ثم عزله واستقضى محمد بن يزيد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس، فقال: سلونى، فإنكم لا تسألون أحدا أعلم منى، فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أواجبة هى؟ فما درى ما يقول: فنزل.
سنة (110 هـ) عشرة ومائة:
فيها جمع خالد القسرى الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبى بردة، وعزل ثمامة عن القضاء.
وحجّ بالناس إبراهيم بن إسماعيل.
وفيها مات الفرزدق الشاعر، وله إحدى وتسعون سنة.
ومات جرير بن الخطفى الشاعر.
(21/436)

سنة (111 هـ) إحدى عشرة ومائة:
فى هذه السنة كان عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد ابن عبد الرحمن؛ وقد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.
وفيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمى على إرمينية، وعزل أخاه مسلمة كما تقدم.
وحج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومى.
سنة (112 هـ) ثنتى عشرة ومائة:
حج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى. وقيل سليمان بن هشام بن عبد الملك. والله أعلم.
سنة (113 هـ) ثلاث عشرة ومائة:
فى هذه السنة قتل عبد الوهاب ابن بخت «1» ، وكان قد غزا مع البطّال أرض الرّوم، فانهزم الناس عن البطّال، فحمل عبد الوهاب، وهو يقول: ما رأيت فرسا أجبن منك، وسفك الله دمى إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه، وصاح:
أنا عبد الوهاب! من الجنّة تفرّون! ثم تقدم فى نحو العدو، فجاء برجل وهو يقول: واعطشهاه! فقال: تقدم، الرّىّ أمامك، وخالط القوم فقتل وقتل فرسه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل إبراهيم بن هشام المخزومى، والله أعلم.
سنة (114 هـ) أربع عشرة ومائة:
فى هذه السنة كانت ولاية مروان بن محمّد بن مروان إرمينية وأذربيجان، وقد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.
(21/437)

وفيها عزل هشام إبراهيم بن هشام المخزومى عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم فى ربيع الأول، فكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثمانى سنين، وعزله أيضا عن مكّة والطائف، واستعمل على ذلك محمد بن هشام المخزومى.
وحجّ بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث وقيل: محمد ابن هشام.
وفيها توفى محمد بن على بن الحسين الباقر. وقيل سنة خمس عشرة.
سنة (115 هـ) خمس عشرة ومائة:
حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام المخزومى، وكان الأمير بخراسان الجنيد. وقيل: بل كان قد مات، واستخلف عمارة بن خريم المرّى. [والله أعلم] «1» .
سنة (116 هـ) ست عشرة ومائة:
فى هذه السنة عزل الجنيد عن خراسان.
وسبب ذلك أنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام؛ واستعمل عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالى على خراسان، وكان الجنيد قد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه.
فقدم عاصم وقد مات الجنيد، واستخلف عمارة بن خريم وهو ابن عمه، فعذّبه عاصم، وعذّب عمال الجنيد لعداوة كانت بينه وبين الجنيد ...
(21/438)

ذكر خلع الحارث بن سريج «1» بخراسان
وما كان من أمره وفى هذه السنة خلع الحارث بن سريج وأقبل إلى الفارياب «2» فأرسل إليه عاصم رسلا. منهم مقاتل بن حيّان النّبطى، والخطاب ابن محرز السلمى، فقالا لمن معهما: لا نلقى الحارث إلّا بأمان، فأبى القوم عليهما وأتوه، فأخذهم الحارث وحبسهم، ووكل بهم رجلا فأوثقوه، وخرجوا من السجن، فركبوا وعادوا إلى عاصم، فأمرهم فخطبوا وذمّوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره، وكان الحارث قد لبس السّواد، ودعا إلى كتاب الله وسنّة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب، وأتى بلخ، وعليها «3» نصر بن سيار والتّجيبى، فلقياه فى عشرة آلاف وهو فى أربعة آلاف، فقاتلهما، فانهزم أهل بلخ.
وتبعهم الحارث، فدخل مدينة بلخ، وخرج نصر بن سيّار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم، واستعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن خازم، وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الرّوذ. فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه فى أى بلد يقصد.
فقيل له: مرو بيضة خراسان وفرسانهم كثير، ولو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك فقاتلهم، وإن أقاموا قطعت المادّة عنهم.
(21/439)

قال: لا أرى ذلك؛ وسار إلى مرو، فأقبل إليها يقال فى ستين ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنّى، وحمّاد ابن عامر الحمّانى، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف الرياحىّ، وعطاء الدبوسى.
ومن الدهاقين دهقان الجوزجان، ودهقان الفارياب «1» ، وملك الطالقان ودهقان مرو الرّوذ فى أشباههم، وخرج عاصم فى أهل مرو وغيرهم، فعسكر وقطع القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوها، فمال محمد بن المثنّى الفراهيدى الأزدى إلى عاصم فى ألفين، فأتى الأزد، ومال حمّاد بن عامر الحمّانى إليه، فأتى بنى تميم، وأتى الحارث وعاصم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق منهم بشر كثير، فى أنهار مرو وفى النّهر الأعظم؛ ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم «2» بن عبد الله بن خازم، وكان مع الحارث. وقتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادى مرو، فضرب رواقا عند منازل الدّهاقين، وكفّ عنه عاصم «3» ؛ واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل هشام عبد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر، واستعمله على إفريقية.
وقيل: كان ذلك فى سنة [117 هـ] سبع عشرة ومائة.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.
(21/440)

سنة (117 هـ) سبع عشرة ومائة:
ذكر عزل عاصم عن خراسان
وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج فى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمّها إلى خالد بن عبد الله القسرى أمير العراقين، فاستعمل عليها خالد أخاه أسد بن عبد الله.
وكان سبب ذلك أنّ عاصما كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى العراق «1» وتكون معونتها وموادها «2» من قريب، لتباعد أمير المؤمنين [عنها] «3» وتباطىء غياثه [عنها] «4» ، فضمّ هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله، وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية كانت به.
فسيّر خالد [إليها] «5» أخاه أسدا، فلما بلغ عاصم إقبال أسد، وأنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمدانى صالح الحارث ابن سريج، وكتبا بينهما كتابا، على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان شاء، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنّة نبيه، فإن أبى اجتمعا عليه.
فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين فانفسح ذلك.
(21/441)

وكان عاصم بقرية بأعلى مرو؛ فأتاه الحارث بن سريج فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحارث، وأسر جماعة من أصحابه، منهم: عبد الله بن عمرو المازنى رأس أهل مرو الرّوذ، فقتل عاصم الأسرى، وعظّم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع فى نقض الكتاب، وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث وبعثوه إلى أسد، فلقيه بالرّى وقيل ببيهق «1» .
فكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومائة حلّة، وحبس أسد عاصما وحاسبه وطلب منه مائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز، وأطلق عمّال الجنيد، وقدم أسد ولم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور، والحارث بمرو الرّوذ، وخالد بن عبيد الله الهجرىّ بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الرّوذ أن يأتى الهجرى مرو من قبل آمل، وإن قصد الهجرى قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ، فأجمع رأيه على توجيه عبد الرحمن بن نعيم فى أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل؛ عليهم زياد القرشى مولى حيّان النبطى وغيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد، ونصب عليهم المجانيق؛ فطلبوا الأمان، وطلبوا كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وألّا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم، فأجابهم أسد إلى ذلك، واستعمل عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيبانى؛ وسار يريد بلخ، فأخبر أنّ أهلها قد
(21/442)

بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فسار حتى قدمها، واتّخذ سفنا، وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، وبها سنان الأعرابى، فنزل أسد دون النهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدّهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة، وقاتلوا الحارث قتالا شديدا، فاستطرد الحارث لهم، وكان قد وضع كمينا، فلما جاوزوه خرج عليهم، فانهزموا.
ثم ارتحل أسد إلى بلخ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث، فهزموه ثم سار أسد إلى سمرقند فى طريق زمّ «1» ، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانى وهو فى حصن من حصونها- وهو من أصحاب الحارث- فأمّنه، ووعده المواساة والكرامة والأمان لمن معه، وأقسم إنه إن ردّ ذلك ورمى بسهم ألّا يؤمّنه «2» أبدا، وإنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفى له.
فخرج إليه وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر «3» - وماء سمرقند منها- فسكر «4» الوادى، وصرفه عن سمرقند.
ثم رجع إلى بلخ، فلما استقرّ بها سرّح جديعا الكرمانى إلى القلعة التى فيها ثقل الحارث وأصحابه، واسمها التبوشكان من
(21/443)

طخارستان العليا وفيها بنو برزى «1» التغلبيّون أصهار الحارث، فحصرهم الكرمانى حتى فتحها، وذلك فى سنة [118 هـ] ثمان عشرة، فقتل مقاتلتهم، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالى والذّرارى، وباعهم فيمن يزيد فى سوق بلخ.
قال: ونقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بدّ مفارقى فاطلبوا الأمان، وأنا شاهد، فإنهم يجيبونكم. وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت عنا، وخلّنا.
فأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسد أنّ القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرّح إليهم أسد جديعا الكرمانى وستة آلاف، فحصرهم فى القلعة وقد عطش أهلها، وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم، ويترك لهم نساءهم وأولادهم، فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد.
فأرسل أسد إلى الكرمانى يأمره أن يحمل إليه خمسون رجلا من وجوههم، فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه فقتلهم، وكتب إلى الكرمانى أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم. ففعل ذلك بهم، وأخرج أثقالهم فباعها، واتخذ أسد مدينة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان.
وحجّ بالناس فى سنة [117 هـ] سبع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك.
(21/444)

سنة (118 هـ) ثمان عشرة ومائة:
فى هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن محمد بن هشام بن إسماعيل، وحجّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل. وكان أمير المدينة.
سنة (119 هـ) تسع عشرة ومائة:
ذكر قتل المغيرة وبيان
فى هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان فى ستّة نفر، وكانوا يسمون الوصفاء، وكان المغيرة ساحرا، وكان يقول: لو أردت أن أحيى عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا لفعلت. وبلغ خالد بن عبد الله القسرى خروجهم بظهر الكوفة، وهو يخطب، فقال: أطعمونى ماء، فقال يحيى بن نوفل فى ذلك من أبيات «1» :
وقلت لما أصابك أطعمونى ... شرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ليس بذى نصير
فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأحرقهم بالقصب والنّفط.
وكان مذهب المغيرة التجسيم؛ يقول: إن ربّه على صورة رجل على رأسه تاج، وإنّ أعضاءه على عدد حروف الهجاء، تعالى الله عن ذلك.
وكان يقول: إنّ الله تعالى لما أراد أن يخلق الخلق تكلّم باسمه
(21/445)

الأعظم، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفّه أعمال عباده من المعاصى والطاعات، فلما رأى المعاصى ارفضّ عرقا، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما ملح مظلم، والآخر عذب نيّر، ثم اطّلع فى البحر فرأى ظلّه فذهب ليأخذه، فطار فأدركه فقلع عينى ذلك الظلّ ومحقه، فخلق من عينيه الشمس وشمسا أخرى. وخلق من البحر الملح الكفّار، وخلق من البحر العذب المؤمنين.
وكان [لعنه الله «1» ] يقول بإلهية علىّ وتكفير أبى بكر وعمر وسائر الصحابة رضى الله عنهم إلّا من ثبت مع علىّ رضى الله عنه.
وكان يقول: إنّ الأنبياء لم يختلفوا فى شىء من الشرائع.
وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكلّ نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة.
وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور.
وأما مذهب بيان فإنه كان يقول بآلهيّة علىّ رضى الله عنه، وإنّ الحسن والحسين إلهان، ومحمد ابن الحنفية بعده، ثم بعد ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ.
وكان يقول: إن الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله تعالى «2» : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
. تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
وادّعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله عزّ وجلّ: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
«3» .
(21/446)

ذكر خبر الخوارج فى هذه السنة
وفى هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقّب كثارة، وهو من الموصل من شيبان، وكان سبب مخرجه أنه خرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم، فأتاه بخمر فأمره «1» بردّه فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى صاحب القرية وهى من السّواد، فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك.
فمضى إلى الحج وقد عزم على الخروج، فلقى بمكّة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها- وهم أربعون رجلا- وأمّروا عليهم البهلول، وكتموا أمرهم، وجعلوا لا يمرّون بعامل إلا أخبروه أنّهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال «2» ، وأخذوا دوابّ البريد.
فلما أتوا إلى القرية التى ابتاع الغلام منها الخمر قال بهلول:
نبدأ بهذا العامل، فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، وإن بدأنا بهذا شهر أمرنا، وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد، ويبنى البيع والكنائس، ويولى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلّنا نقتله.
قال: والله لا أدع ما يلزمنى لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا وخالدا، فأتاه فقتله.
فعلم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم، فخرج خالد من واسط، فأتى الحيرة، وبها جند قد قدموا
(21/447)

من الشام مددا لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتالهم، وقال: من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ فى الشام، وأعفيته من الدخول إلى الهند.
فسارعوا إلى ذلك، فتوجّه مقدّمهم، وهو من بنى القين، ومعه ستمائة منهم، وضمّ إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات؛ فقال القينى لمن معه من الشّرط: لا تكونوا معنا «1» ليكون الظّفر له ولأصحابه.
وخرج إليهم بهلول، فحمل على القينى فطعنه فأنفذه، وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم، حتى بلغوا الكوفة، ووجد بهلول مع القينى بدرة فأخذها.
وكان بالكوفة ستة يرون رأى «2» بهلول، فخرجوا فقتلوا بصريفين «3» ، فخرج بهلول فقال: من قتل هؤلاء، حتى أعطيه هذه البدرة؟ فجاء نفر فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنّونه من عند خالد، وصدّقهم أهل القرية، فقتلهم، وترك أهل القرية.
وبلغ خالدا الخبر، فوجّه إليه قائدا من شيبان أحد بنى حوشب ابن يزيد بن رؤيم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة، فأتوا خالدا، وارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل
(21/448)

إلى هشام يخبره بهم، ويسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كثارة بن بشر.
فكتب إليه: إنّ الخارج هو كثارة.
ثم قال بهلول لأصحابه: إنّا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئا- يعنى خالدا- فلم لا نطلب الرأس الذى سلّط خالدا.
فسار يريد هشاما بالشام، فخاف عمّال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسيّر خالد جندا من العراق، وسيّر عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجّه هشام جندا من الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم.
وقيل: التقوا بكحيل «1» دون الموصل، ونزل بهلول على باب الدّير، وهو فى سبعين، فحمل عليهم فقتل منهم نفرا ستة، وقاتلهم عامّة نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح.
ثم إنّ بهلولا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، فقاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير من أصحاب بهلول وطعن فصرع، فقال أصحابه:
ولّ أمرنا، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيبانى، فإن هلك فعمرو اليشكرى، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وتركهم، وخرج عمرو اليشكرى فلم يلبث أن قتل.
وخرج العنزى صاحب الأشهب «2» على خالد فى ستين فوجه إليه خالد السّمط بن مسلم البجلى فى أربعة آلاف، فالتقوا بناحية
(21/449)

الفرات، فانهزم الخوارج، فتلقّاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
ثم خرج وزير السّختيانى على خالد بالحيرة فى نفر، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحدا إلّا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال؛ فوجّه إليه خالد جندا، فقتلوا عامّة أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالد ما سمع منه، فلم يقتله وحبسه عنده. وكان يؤتى به فى الليل فيحادثه، فسعى بخالد إلى هشام.
وقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام، وكتب إليه يأمره بقتله، فأخّر قتله، فكتب إليه ثانيا يذمّه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفرا معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ «1» : «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» .
وخرح الصّحارىّ بن «2» شبيب بن يزيد بناحية جبّل «3» ، وكان قد أتى خالدا يسأله «4» الفريضة، فقال له: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى وندم خالد، وخاف أن يفتق عليه فتقا، فطلبه فلم يرجع إليه، وسار حتى أتى جبّل، وبها نفر من بنى تيم اللات ابن ثعلبة، فأخبرهم خبره، فقالوا: وما كنت ترجو من ابن النصرانيّة؟
كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت
(21/450)

الفريضة، وما أردت إلا التوصّل إليه لئلا ينكرنى، ثم أقتله بفلان- يعنى رجلا من الصّفريّة، كان خالد قتله صبرا.
ثم دعاهم إلى الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلا، فخرج بهم، فبلغ خبره خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه، ثم وجّه إليه جندا فلقوه بناحية المناذر «1» ، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتلوه وجميع أصحابه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام.
سنة (120 هـ) عشرين ومائة:
فى هذه السنة توفى أسد بن عبد الله القسرى أمير خراسان فى شهر ربيع الأول بمدينة بلخ، واستخلف جعفر بن حنظلة البهرانى فعمل أربعة أشهر، ثم جاء عهد نصر بن سيار فى شهر رجب من السنة.
ذكر عزل خالد بن عبد الله القسرى وولاية يوسف بن عمر الثّقفى
وفى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدا عن جميع أعماله.
وقد اختلف فى سبب ذلك، فقيل: إن أبا المثنى فرّوخ كان على ضياع هشام بنهر الرّمّان «2» بالعراق فثقل على خالد أمره، فقال خالد لحسّان النّبطى: اخرج إلى هشام وزد على فرّوخ. ففعل حسّان ذلك وتولّاها، فصار حسّان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول له حسان: لا تفسدنى، وأنا صنيعتك، فأبى إلا أذاه، فلما قدم
(21/451)

عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج حسّان إلى هشام، فقال له:
إنّ خالدا بثق البثوق على ضياعك، فوجّه هشام من ينظر إليها. وقال حسان «1» لخادم من خدم هشام: إن تكلّمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندى ألف دينار. قال: فعجلها فأعطاه، وقال له:
تبكّى صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، فكأنك ابن خالد الذى غلّته عشرة آلاف «2» ألف.
ففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأل حسان «3» عن غلّة خالد فقال: ثلاثة عشر ألف ألف، فوقرت فى نفس هشام.
وقيل: بل كانت غلّته عشرين ألف ألف، وإنه حفر بالعراق الأنهار، ومنها نهر «4» خالد وناجوى «5» وبارمانا، والمبارك «6» والجامع، وكورة سابور، والصلح، وكان كثيرا ما يقول: إنّى مظلوم ما تحت قدمى شىء إلّا وهو لى- يعنى أن عمر جعل لبجيلة ربع [خمس] «7» السواد، وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبى بردة بعرض أملاكه على هشام ليأخذ منها ما أراد، ويضمنان له الرّضا، فإنهما بلغهما تغيّر هشام عليه، فلم يفعل ولم يجبهم إلى شىء.
وقيل لهشام: إنّ خالدا قال لولده: ما أنت بدون مسلمة بن هشام، وقد كان يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.
(21/452)

وكان خالد يخطب فيقول: زعمتم أنى أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله.
وكان هشام كتب إليه لا تبيعنّ من الغلّات شيئا حتى تباع غلّات أمير المؤمنين.
وكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ابن أمير المؤمنين؟
فبلغ ذلك كلّه هشاما، فتنكّر له، وبلغه أنه يستقلّ ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يابن أمّ خالد، بلغنى أنك تقول: ما ولاية العراق لى بشرف. يابن «1» اللخناء، كيف لا تكون ولاية العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إنى لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير «2» من قريش يشدّ يديك إلى عنقك.
ولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله وكتم ذلك، وكتب إلى يوسف بن عمر- وهو باليمن يأمره أن يقدم فى ثلاثين من أصحابه إلى العراق، فقد ولّاه ذلك.
فسار يوسف إلى الكوفة فعرّس «3» قريبا منها، وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده، فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمرّ بيوسف بعض أهل العراق فسألوه ما أنتم؟
وأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع؛ فأتوا طارقا فأخبروه خبرهم، وأمروه بقتلهم، وقالوا: إنهم خوارج.
وسار يوسف إلى دور ثقيف. فقيل لهم: ما أنتم؟ فكتموا
(21/453)

حالهم. وأمر يوسف فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر، وأمر المؤذّن فأقام الصلاة. فصلّى، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما وإنّ القدور لتغلى.
وقيل: لما أراد هشام أن يولّى يوسف العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة- وهو على الدّيوان: أجبه عن لسانك، وأتنى بالكتاب.
وكتب هشام بخطّه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق.
فكتب سالم الكتاب وأتاه «1» به، فجعل كتابه فى وسطه وختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزّقت ثيابه، ودفع إليه الكتاب، فسار وارتاب بشير بن أبى ثلجة «2» وكان خليفة سالم، وقال: هذه حيلة، وقد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض- وهو نائب سالم بالعراق: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب اليمانى: فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله تعالى. وأعلم ذلك طارقا. فأعلم عياض طارق بن أبى زياد بالكتاب، ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض:
إنّ أهلك قد بدا لهم فى إمساك الثوب.
فأتى عياض بالكتاب الثانى إلى طارق، فقال طارق: الخبر فى الكتاب الأول، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر.
وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود،
(21/454)

وكان على حجابة خالد وديوانه، فأعلم خالدا فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذن؟ قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزّيه بأخيه أسد، وإنما كان يجب أن آتيه ماشيا، فرقّ خالد ودمعت عيناه، فقال: ارجع إلى عملك. فأخبره الخبر لمّا غاب داود «1» ؛ قال: فما الرّأى؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلنى إليه حتى آتيك بإذنه. قال: ولا هذا. قال:
فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر فى هذه السنين وآتيك بعهده.
قال: وكم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف. قال: ومن أين أجدها؟
والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم. قال: أتحمّل أنا وفلان وفلان.
قال: إنى إذا للئيم، أن كنت أعطيتكم شيئا وأعود فيه. قال طارق:
إنما نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا، ونستأنف الدّنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجىء من يطالبنا بالأموال. وهى عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال.
فأبى خالد، فودّعه طارق وبكى، وقال: هذا آخر ما نلتقى فى الدنيا، ومضى إلى الكوفة، وخرج خالد إلى الحمّة «2» ، وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال: أمير المؤمنين: ساخط عليك، وقد ضربنى، ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان، فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطّه بولاية العراق، ويأمره أن يأخذ ابن النّصرانية-
(21/455)

يعنى خالدا وعمّاله- فيعذّبهم، فأخذه ليلا، وسار من يومه، واستخلف على اليمن ابنه الصّلت، فقدم الكوفة فى جمادى الآخرة سنة [120 هـ] عشرين ومائة، فنزل النّجف، وأرسل مولاه كيسان، وقال: انطلق فأتنى بطارق، فإن قبل فاحمله على إكاف «1» ، وإن لم يقبل فأت به سحبا، فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسيح سيّد أهلها إلى طارق، فقال له: إنّ يوسف قد قدم على العراق وهو يستدعيك. فقال له طارق: إن أراد الأمير المال أعطيته ما شاء.
وأقبلوا به إلى يوسف بالحيرة، فضربه ضربا مبرّحا يقال خمسمائة سوط. ودخل الكوفة، وأرسل إلى خالد بالحمّة. فأخذه وحبسه وصالحه عنه أبان بن الوليد على سبعة آلاف ألف، فقيل ليوسف:
لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندم، وقال: قد رهنت لسانى معه، ولا أرجع.
وأخبر أصحاب خالد خالدا، فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود. ارجعوا، فرجعوا، فأخبروه أن خالدا لم يرض. فقال:
قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: والله لا أرضى بمثلها ولا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك.
وقيل: أخذ مائة ألف ألف، وحبس خالد بن عبد الله بالحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد.
(21/456)

وكتب يوسف إلى هشام يستأذنه فى تعذيبه، فأذن له مرّة واحدة، فعذّبه ثم رده إلى حبسه.
وقيل: بل عذّبه عذابا كثيرا، وأمر هشام بإطلاقه فى شوال سنة [121 هـ] إحدى وعشرين ومائة، فأطلقه فأتى القرية التى بإزاء الرّصافة، فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين.
وخرج زيد بن على بن الحسين [رضى الله عنهم] «1» على ما نذكره إن شاء الله.
فكتب يوسف إلى هشام: إنّ بنى هاشم كانوا قد هلكوا جوعا، فكانت همّة أحدهم قوت عياله، فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال، فطمحت أنفسهم إلى الخلافة، وما خرج زيد إلّا عن رأى خالد.
فقال هشام: كذب يوسف، وضرب رسوله، وقال: لسنا نتّهم خالدا فى طاعة. وسمع خالد، فسار حتى نزل دمشق، ثم كان من أمره ومقتله ما نذكره إن شاء الله فى سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة فى أيام الوليد، وكانت ولاية خالد العراق فى شوال سنة [105 هـ] خمس ومائة، وعزل فى جمادى الآخرة سنة عشرين.
قال: ولما ولى يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم إلى أهل الذمّة، فقال يحيى بن نوفل فيه «2» :
أتانا وأهل الشّرك أهل زكاتنا ... وحكامنا فيما نسرّ ونجهر
فلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتّى كل واد منوّر
وحتى رأينا العدل فى الناس ظاهرا ... وما كان من قبل العقيلىّ يظهر
(21/457)

وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى.
وقيل: حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام، والله أعلم.
سنة (121 هـ) إحدى وعشرين ومائة:
فى هذه السنة كان ظهور زيد بن على بن الحسين بن على [رضى الله عنهم «1» ] على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من آل أبى طالب، فقتل دونها وهو فى السّفر الثالث والعشرين من كتابنا هذا.
وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذى أدخله البلد، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ثمانين حجرا تطحن. ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى
سنة (122 هـ) اثنتين وعشرين ومائة:
فى هذه السنة كان مقتل زيد بن على [رضى الله عنه «2» ] على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل البطال
فى هذه السنة قتل البطّال، وهو أبو الحسين عبد الله الأنطاكى، فى جماعة من المسلمين. وقيل: كان مقتله فى سنة [123 هـ] ثلاث
(21/458)

وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكر عظيم، وله حكايات فى غزواته يطول الشّرح بسردها.
حكى أنه دخل بلاد الروم فى بعض غاراته هو وأصحابه، فدخل قرية لهم ليلا وامرأة تقول لصغير يبكى: تسكت وإلّا سلمتك للبطّال، ثم رفعته بيدها، وقالت: يا بطّال خذه، فتناوله من يدها.
وقد وضع الناس له سيرة.
وحجّ بالناس محمد بن هشام المخزومى.
سنة (123 هـ) ثلاث وعشرين ومائة:
ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد
فى هذه السنة صالح نصر بن سيّار الصّغد، وكان خاقان لما قتل تفرّقت التّرك فى غارة بعضها على بعض، فطمع أهل الصّغد فى الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فراسلهم نصر بن سيّار، ودعاهم إلى الرجوع إلى بلادهم، وأعطاهم ما أرادوا، فاشترطوا شروطا منها ألّا يعاقب من كان مسلما وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدى عليهم فى دين لأحد من الناس، ولا يؤخذ أسرى المسلمين من أيديهم إلّا بقضيّة قاض وشهادة عدول.
فعاب الناس ذلك على نصر، فقال: لو عاينتم شوكتهم فى المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك.
وأرسل رسولا إلى هشام فى ذلك، فأجابه إليه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك.
(21/459)

سنة (124 هـ) أربع وعشرين ومائة:
فى هذه السنة وما قبلها كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل.
سنة (125 هـ) خمس وعشرين ومائة:
ذكر وفاة هشام بن عبد الملك ونبذة من أخباره
كانت وفاته بالرّصافة لستّ خلون من شهر ربيع الآخر منها، وصلّى عليه ابنه مسلم وكان عمره ستا وخمسين سنة. وقيل أقلّ من ذلك إلى اثنتين وخمسين. ومدة خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يوما، وكان أحول أبيض سمينا منقلب العينين ربعة يخضب بالسّواد، وكان حسن السياسة يقظا يباشر الأمور بنفسه، وكان له من الستور والكسوة ما لم يكن لمن قبله.
وذكر صاحب العقد «1» : أنه لما حجّ حملت ثياب لباسه «2» على ستمائة جمل، وكان جمّاعا للأموال شديد البخل كأبيه.
قال عقّال بن شبّة «3» : دخلت على هشام وعليه قباء أخضر، فجعلت أنظر إليه، فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء مثل هذا. فتأمّلته هل هو هو أم غيره؟
فقال: هو والله هو. وأما ما ترون من جمع المال فهو لكم.
(21/460)

قيل: وكتب له بعض عمّاله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن «1» . فكتب إليه: قد وصل وأعجب أمير المؤمنين فزد منه واستوثق من الوعاء.
وكتب إليه عامل: قد بعثت بكمأة. فأجابه: قد وصلت الكمأة وهى أربعون، وقد تغيّر بعضها من حشوها، فإذا بعثت شيئا فأجد الحشو فى الظّرف [التى تجعلها فيه] «2» بالرّمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضه بعضا.
وقيل [له] «3» : أتطمع فى الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال:
ولم لا أطمع، وأنا عفيف حليم؟
قالوا: وخلّف من العين أربعة وأربعين ألف ألف دينار، وما لا يحصى من الورق.
ولما مات طلبوا له قمقما من بعض الخزّان يسخّن له الماء فيه، فمنعه عياض كاتب الوليد، فاستعاروا له قمقما من بعض الخزان يسخن له فيه.
وفى أيامه بنى سعيد أخوه قبّة بيت المقدس.
أولاده: كان له عشرة أولاد من الذكور والإناث، منهم: معاوية، وسليمان.
نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم.
(21/461)

كتّابه: سعيد بن الوليد، والأبرش الكلبى، ومحمد بن عبد الله ابن حارثة.
قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى.
حاجبه: غالب مولاه الأمراء بمصر: محمد بن عبد الملك أخوه، ثم استعفاه فولّاها [بعده أنس بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن العاص، ثم استعفى فولاها] «1» حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه وولّاها عبد الملك ابن رفاعة، ثم مات فولّاها أخاه الوليد بن رفاعة، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن خالد التميمى «2» ، ثم صرفه وولّاها حنظلة بن صفوان، ثم سيّره إلى إفريقية، وولى حفصا.
وكان على قضائها من قبل هشام يحيى بن ميمون الحضرمىّ إلى أن وليها الوليد بن رفاعة فصرفه، وولّاها أبا نضلة الخيار ابن خالد، ثم مات فولى سعيد بن ربيعة الصّدفى، واستعفى، فولى توبة بن يمين «3» الحضرمى، ثم مات فولّاها جبر «4» بن نعيم الحضرمى.
ذكر بيعة الوليد بن يزيد
هو أبو العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف [أخى الحجاج بن يوسف] «5» الثقفى، وهو الحادى عشر من ملوك بنى أمية.
(21/462)

بويع له لستّ مضين من شهر ربيع الآخر سنة [125 هـ] خمس وعشرين ومائة.
قال: وكان يزيد قد جعل ولاية العهد لأخيه هشام من بعده، ثم من بعده للوليد، وكان عمر الوليد إحدى عشرة سنة، ثم عاش يزيد حتى بلغ الوليد خمس عشرة سنة، فكان [يزيد] «1» يقول:
الله بينى وبين من جعل هشاما بينى وبينك «2» .
فلما ولى هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون واشتهر بشرب الشراب، وكان يؤدّبه عبد الصمد بن عبد الأعلى يحمله على ذلك، واتّخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولّاه الحج سنة [116 هـ] ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا فى صناديق، وعمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب القبّة على الكعبة ويشرب فيها الخمر، فخوّفه أصحابه، وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يفعل.
وظهر للناس منه تهاون بالدّين واستخفاف، فطمع هشام فى البيعة لابنه مسلمة «3» ، وخلع الوليد، وأراد الوليد على ذلك فأبى، فقال له:
اجعله بعدك، فأبى؛ فتنكّر له هشام، وعمل سرّا فى البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، فكان ممن أجابه خالاه: محمد، وإبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد العبسى وغيرهم من خاصّته.
وأفرط الوليد فى الشراب، وطلب اللذات؛ فقال له هشام: يا وليد،
(21/463)

والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه الوليد «1» :
يأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسّخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له:
يعيرنى الوليد بك، وأنا أرشّحك للخلافة. فألزمه الأدب، وأحضره الجماعة، وولّاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النّسك واللّين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:
يأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر
الواهب الجرد «2» بأرسانها ... ليس يزنديق ولا كافر
يعرض بالوليد.
وكان هشام ينتقص الوليد ويعيبه، فخرج الوليد ومعه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق على ماء يقال له الأغدف، وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم.
وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى ردّه، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل وسيّره إليه، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه.
فقال الوليد: من يثق بالناس، ومن يصنع المعروف؟ هذا الأحول
(21/464)

المشئوم أبى، قدّمه على أهل بيته فصيّره ولىّ عهده، ثم يصنع [بى] «1» ما ترون، لا يعلم أنّ لى فى أحد هوى إلا عبث به.
وكتب إلى هشام فى ذلك يعاتبه، ويسأله أن يردّ عليه كاتبه. فلم يردّه، فكتب إليه الوليد «2» :
رأيتك تبنى دائما «3» فى قطيعتى ... ولو كنت ذا حزم «4» لهدّمت ما تبنى
تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى
كأنى بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغنى
كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ
قال، ولم يزل الوليد مقيما بتلك البريّة حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذى جاءته فيه الخلافة قال لأبى الزّبير المنذر بن أبى عمرو:
ما أتت علىّ ليلة منذ عقلت عقلى أطول من هذه الليلة، عرضت لى أمور، وحدّثت نفسى فيها بأمور من أمر هذا الرجل- يعنى هشاما- قد «5» أولع بى، فاركب بنا نتنفّس، فركبا فسارا ميلين، ووقف على كثيب، فنظر إلى رهج «6» ، فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل الله من خيرهم؛ إذ بدا رجلان على البريد: أحدهما مولى لأبى محمد السّفيانى، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلّما عليه بالخلافة،
(21/465)

فوجم، ثم قال: أمات هشام؟ قالا: نعم والكتاب معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه؛ وسأل مولى أبى محمد السّفيانى عن كاتبه عياض، فقال «1» : لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت، فأرسل إلى الخزّان فقال: احتفظوا بما فى أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، فقال: إنا لله، كنا خزّانا للوليد، ومات من ساعته.
وخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأنزل هشاما عن فرشه وما وجدوا له قمقما يسخّن فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا له كفنا من الخزائن، فكفّنه غالب مولاه، فقال الوليد «2» :
هلك الأحول المشو ... م فقد أرسل المطر
وملكنا من بعد ذا ... ك، فقد أورق الشجر
فاشكر الله إنّه ... زائد كلّ من شكر
وقيل: إنّ هذا الشعر لغير الوليد.
قال: ولما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس بن عبد الملك ابن مروان أن يأتى الرّصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وحشمه إلّا مسلمة بن هشام فإنه كان يكلم أباه فى الرفق بالوليد، فقدم العباس الرّصافة ففعل ذلك وكتب به إلى الوليد، فقال الوليد «3» :
ليت هشاما كان حيّا يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا
(21/466)

ليت «1» هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبّعا «2»
كلناه بالصّاع الذى كاله «3» ... وما ظلمناه به إصبعا «4»
وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحلّه الفرقان لى أجمعا
وضيّق الوليد على أهل هشام وأصحابه، واستعمل العمّال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم.
قال: ولما ولى الوليد أجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الكسوة والطّيب، وزادهم؛ وزاد الناس فى العطاء عشرات؛ ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، وزاد الوفود، ولم يقل فى شىء يسأله: لا.
وفى هذه السنة، عقد الوليد البيعة لابنيه: الحكم، وعثمان من بعده، وكتب بذلك إلى الأمصار، وجعل الحكم مقدما والآخر من بعده.
وفيها استعمل الوليد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه محمدا وإبراهيم ابنى هشام ابن إسماعيل المخزومى موثقين فى عباءتين؛ فقدم بهما المدينة فى شعبان، فأقامهما للناس، ثم حملا إلى الشام، فأحضرا عند الوليد، فأمر، بجلدهما، فقال محمد: نسألك القرابة. قال: وأىّ قرابة بيننا!
(21/467)

قال: فقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يضرب بسوط إلّا فى حد. قال: ففى حدّ أضربك وقود، أنت أوّل من فعل بالعرجى وهو ابن عمى؛ وابن أمير المؤمنين عثمان- وكان محمد قد أخذه وقيّده وأقامه للناس وجلده، وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجى «1» إياه، ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوثقهما، وبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو على العراق فعذّبهما حتى ماتا.
وفيها عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولّى القضاء يحيى بن سعيد الأنصارى.
وفيها خرجت الروم إلى زبطرة «2» وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهرى، فأخربه الروم الآن فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال.
فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعّثوه، فأمر المأمون بمرمّته وتحصينه، ثم قصده الروم بعد ذلك أيام المعتصم.
وفيها أغزى الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمّر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربى، وسيّره إلى قبرس ليخيّر أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين، فسيّرهم إلى الشام، واختار آخرون الروم فسيّرهم إليهم.
(21/468)

وحجّ بالناس فى هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. وغزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة.
سنة (126 هـ) ست وعشرين ومائة:
ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسرى وشىء من أخباره
قد ذكرنا من أخباره فى سنة [120 هـ] عشرين ومائة ما تقدم، وذكرنا أنه لما أفرج عنه سار من الحيرة إلى دمشق.
قال: ولما قدمها كان العامل عليها يومئذ كلثوم بن عياض القشيرى، وكان يبغض خالدا، واتفق أنه ظهر فى دور [دمشق «1» ] حريق فى كل ليلة، يلقيه «2» رجل من أهل العراق يقال له: أبو العمرّس «3» فإذا وقع الحريق يسرقون.
وكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام: إنّ موالى خالد يريدون الوثوب على بيت المال، وإنهم يحرقون البلد كلّ ليلة.
فكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد: الصغير منهم والكبير ومواليهم، فأنفذ من أحضر أولاده وإخوته من الساحل فى الجوامع «4» ، ومعهم مواليهم، وحبس بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر على أبى العمرّس ومن كان معه.
(21/469)

فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام بأخذ أبى العمرّس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحدا من موالى خالد.
فكتب هشام إلى كلثوم يسبّه ويأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم وترك الموالى رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة.
ثم قدم خالد فنزل منزله بدمشق، وجاءه الناس للسلام عليه، فقال: خرجت مغازيا سميعا مطيعا، فخلفت فى عقبى، وأخذ حرمى وأهل بيتى فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن تقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟
أخفتم أن تقتلوا جميعا؟ أخافكم الله.
ثم قال: مالى ولهشام ليكفّنّ عنى أو لأدعونّ إلى عراقى الهوى، شامى الدّار، حجازى الأصل- يعنى محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
ولقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاما.
فلما بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم، واستمرّ خالد مدة أيام وهو بدمشق ويوسف بن عمر يطلب ابنه يزيد بن خالد، فلم يظفر به، وبذل فيه لهشام خمسين ألف ألف.
فلما هلك هشام وقام الوليد بعده كتب إلى خالد: ما حال الخمسين ألف ألف التى تعلم؟ واستقدمه، فقدم عليه حتى وقف بباب سرادق الوليد، فأرسل إليه الوليد يقول: أين ابنك يزيد؟ فقال: كان [قد] «1» هرب من هشام، وكنا نراه عند أمير المؤمنين، فلما لم نره
(21/470)

ظنناه ببلاد قومه من الشّراة. فرجع الرسول، فقال: لا، ولكنك خلّفته طلبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهل بيت طاعة.
فرجع الرسول فقال: يقول أمير المؤمنين: لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوته، وقال: قل له: هذا والله أردت، لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه.
فأمر الوليد بضربه فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف ابن عمر من العراق بالأموال، فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل إليه الوليد: إنّ يوسف قد اشتراك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتك إليه.
فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألنى أن أضمن عودا ما ضمنته، فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه، وحمله على بعير بغير وطاء، وعذّبه عذابا شديدا، وهو لا يكلّمه كلمة واحدة، ثم حمله إلى الكوفة فعذّبه، ووضع المضرّسة على صدره فقتله، ودفنه من الليل [بالحيرة «1» ] فى العباءة التى كان فيها، وذلك فى المحرم سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة.
وقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود، وقام عليه الرّجال حتى تكسّرت قدماه، وما تكلّم ولا عبس، ثم على ساقيه وفخذيه.
ثم على صدره حتى مات.
وكانت أمّ خالد نصرانية رومية استلبها أبوه، فأولدها خالدا
(21/471)

وأسدا، ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة فذمّه الناس على ذلك، فقال الفرزدق «1» :
ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
فكيف يؤمّ الناس من كانت امّه ... تدين بأنّ الله ليس بواحد
بنى بيعة فيها النصارى لأمّه ... ويهدم من كفر منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد؛ لأنه بلغه أنّ شاعرا قال «2» :
ليتنى فى المؤذّنين حياتى ... إنهم يبصرون من فى السطوح
ويشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كلّ ذات دلّ مليح
فلما بلغ خالدا هذا الشّعر أمر بهدمها.
ولما بلغه أنّ الناس يذمّونه لبنائه البعية لأمّه قام يعتذر إليهم، فقال: لعن الله دينهم إن كان شرّا من دينكم.
وحكى عنه أنه كان يقول: إنّ خليفة الرجل فى أهله أفضل من رسوله إليهم- يعنى أنّ هشاما أفضل من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نبرأ إلى الله من ذلك.
وكان خالد يصل الهاشميين فى أيام إمارته، ويبرّهم، إلا أنه كان يبالغ فى سبّ على رضى الله عنه، ويلعنه، فقيل: إنه كان يفعل ذلك نفيا للتهمة، وتقرّبا إلى بنى أمية، فأتاه مرة محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان يستميحه «3» ، فلم ير منه
(21/472)

ما يحب، فقال: أمّا الصّلة فللها شميين، وليس لنا منه إلا أن يلعن «1» عليّا، فبلغ خالدا كلامه، فقال: إن أحبّ نلنا عثمان بشىء؛ [يريد بشىء «2» ] من اللّعن أو السب، والله تعالى أعلم.
ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وشىء من أخباره
كان مقتله يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الاخرة سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة.
وكان سبب ذلك ما قدّمناه من اشتهاره باللهو واللّعب والخلاعة، فلما ولى الخلافة ما زاد إلّا تماديا وإصرارا، واشتهر بمنادمة القيان وشرب النبيذ، فثقل ذلك على رعيّته وجنده، وكرهوه؛ فكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساد بنى عمّيه: هشام، والوليد؛ فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمّان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد.
وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عثمان بن الوليد فى ردّها، فقال: لا أردّها. فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك، وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وفرّق بين روح بن الوليد وبين امرأته، وحبس عدّة من ولد الوليد، فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبنى أمية، وكان أشد الناس عليه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النّسك ويتواضع.
(21/473)

وكان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات، وفعل بخالد القسرى ما ذكرناه ففسدت عليه اليمانية وقضاعة، وهم أكثر جند الشام؛ وكان حريث وشبيب بن أبى مالك الغسّانى، ومنصور بن جمهور الكلبى؛ وابن عمه حبال ابن عمرو، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحميد بن نصر اللّخمى، والأصبغ ابن ذؤالة والطّفيل «1» بن حارثة، والسرى بن زياد، أتوا خالد بن ابن عبد الله القسرى، فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم، وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يقتلوه، فنهاه عن الحج، فقال: ولم؟
فلم يخبره، فحبسه، وطالبه بأموال العراق ثم سلّمه إلى يوسف ابن عمر كما تقدم، فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية.
وقيل: بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد «2» :
ألم تهتج فتدكر «3» الوصالا ... وحبلا كان متّصلا فزالا
بلى فالدّمع «4» منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك ادّكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصى «5» ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم المذلّة والنّكالا
(21/474)

وطئنا الأشعرى «1» بعزّ قيس ... فيالك وطأة لن تستقالا
وهذا خالد فينا أسيرا «2» ... ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيّدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عزّ ... لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا ... يعالج «3» من سلاسلنا الثّقالا
وكندة والسّكون فما استقاموا ... ولا برحت خيولهم الرّحالا
بها سمنا «4» البريّة كلّ خسف ... وهدّمنا السهولة والجبالا
ولكنّ الوقائع ضعضعتهم ... وجذّتهم «5» وردّتهم شلالا
فما زالوا لنا أبدا عبيدا ... نسومهم المذلّة والسفالا
فأصبحت الغداة علىّ تاج ... لملك الناس لا يبغى «6» انتقالا
فعظم ذلك عليهم، وسعوا فى قتله، وازدادوا حنقا، وقال حمزة ابن بيض «7» فى الوليد:
وصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما ... زعمت سماء الذلّ «8» عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسنا ... وكنا كما كنّا نرجّى ونطمع
(21/475)

وقال أيضا «1» :
يا وليد الخنا «2» تركت الطّريقا ... واضحا وارتكبت فجّا عميقا
وتماديت واعتديت وأسرف ... ت وأغويت وانبعثت فسوقا
أبدا هات ثم هات وهاتى ... ثم هاتى حتى تخرّ صعيقا
أنت سكران لا تفيق فماتر ... تق فتقا إلّا فتقت «3» فتوقا
فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمى، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك.
وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادى، وكان العباس بالقسطل «4» ويزيد بالبادية أيضا، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرّا، وبثّ دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره «5» ، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين.
فخرج من عنده، فقال العباس: إنّى لأظنّه أشأم مولود فى بنى مروان.
(21/476)

وبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم ويحذرهم الفتنة ويخوّفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد وتهدّده؛ فكتمه يزيد أمره فصدّقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إنى أظنّ الله قد أذن فى هلاككم يا بنى أمية، ثم تمثل «1» :
إنى أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إنّ البريّة قد ملّت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا
لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا «2»
لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو ... فثمّ لا حسرة تغنى ولا جزع
قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق، وكان بينه وبينها أربع ليال، وجاء متنكرا فى سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود- وهى على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلا، وقد بايع له أكثر أهلها سرّا، وبايع أهل المزّة «3» ؛ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطنا «4» ، واستخلف على دمشق ابنه، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى؛ فأجمع يزيد على الظّهور، فقيل للعامل:
إنّ يزيد «5» خارج فلم يصدّق، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب
(21/477)

ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصلّوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلّى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق فى المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، وأخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه. فقام، وأقبل فى اثنى عشر رجلا.
فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتى رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه، وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد «1» بن عبيدة وهو على بعلبك، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، وكان بالمسجد سلاح كثير، فأخذوه.
فلما أصبحوا جاء أهل المزّة وتبايع الناس، وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريّا ويعقوب بن عمير بن هانىء العبسى «2» .
وأقبل عيسى بن شبيب التغلبى وأهل دومة وحرستا، وأقبل
(21/478)

حميد بن حبيب اللخمى «1» فى أهل دير مرّان «2» والأرزة وسطرا «3» وأقبل أهل جرش «4» وأهل الحديثة «5» وديرزكى «6» .
وأقبل ربعىّ بن هاشم «7» الحارثى فى الجماعة من بنى عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم.
ثم وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فى مائتى فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين فى كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عنى أنى أوّل من خان فى هذا الأمر.
ثم جهّز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وسيّرهم إلى الوليد. وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه، وسيّر أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.
(21/479)

ولما أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية:
سر حتى تنزل حمص، فإنها حصينة، ووجّه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر.
فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله»
يؤيّد أمير المؤمنين بنصره «2» .
فأخذ بقول ابن عنبسة، وسار حتى أتى البخراء «3» - قصر النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا، فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح! فلم يعطهم شيئا، ونازله عبد العزيز.
وكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إنى آتيك.
فأخرج الوليد سريرا وجلس عليه ينتظر العبّاس، فقاتلهم عبد العزيز، ومعه منصور بن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبى، يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا.
وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان قد عقده بالجابية.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن
(21/480)

جمهور إلى طريقه، فأخذه قهرا، وأتى به عبد العزيز، فقال له:
بايع لأخيك يزيد، فبايع، ووقف ونصبوا راية، فقالوا: هذه راية العباس [قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فقال العباس] «1» :
إنا لله! خدعة من خدع الشيطان، هلك والله بنو مروان.
فتفرّق الناس عن الوليد، وأتوا العباس وعبد العزيز، وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقى، ويؤمّنه من كل حدث، على أن ينصرف عن قتاله، فأبى ولم يجبه، فظاهر الوليد من درعين، وأتوه بفرسيه «2» : السندى، والزائد «3» ، فقاتلهم قتالا شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارجموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب، وقال «4» :
دعوا لى سليمى «5» والطّلاء وقينة ... وكأسا، ألا حسبى بذلك مالا
إذا ما صفا عيشى «6» برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا
خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوى «7» ما حييت عقالا
وخلّوا عنانى قبل عير «8» وما جرى ... ولا تحسدونى أن أموت هزالا
(21/481)

قال: وأحاط عبد العزيز بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! قال يزيد ابن عنبسة السكسكى: كلّمنى. قال: يا أخا السّكاسك، ألم أزد فى أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم؛ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك فى أنفسنا، إنما ننقم عليك فيما حرّم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.
قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد أكثرت، وإن فيما أحلّ الله سعة عما ذكرت.
ورجع وجلس، وأخذ مصحفا، ونشره يقرأ فيه، وقال:
يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد ابن عنبسة، فنزل إليه، وأخذ بيده، وهو يريد أن يحبسه، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمى، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السرىّ «1» بن زياد بن أبى كبشة على وجهه، واحتزّوا رأسه، وبعثوا به إلى يزيد، فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد وأمر بنصب الرأس. فقال له يزيد بن فروة مولى بنى مرّة: إنما تنصب رءوس الخوارج؛ وهذا رأس ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته.
فلم يسمع منه، ونصبه على رمح، وطاف به دمشق؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال:
(21/482)

بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادنى على نفسى الفاسق- وكان سليمان ممّن سعى فى أمره.
وحكى يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أنّ الوليد قال فى آخر كلامه: والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم.
وكانت مدة خلافة الوليد سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما.
وكان عمره اثنتين وأربعين سنة. وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.
وقيل: إحدى وأربعين.
وقيل: ست وأربعين سنة. والله أعلم.
وكان الوليد من فتيان بنى أمية وظرفائهم وشجعانهم، وأجوادهم، جيّد الشّعر، له أشعار حسنة فى الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك، إلا أنه كان كثير الانهماك فى اللهو والشّرب وسماع الغناء.
ومن كلامه: المحبة للغناء تزيد الشهوة، وتهدم المروءة، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، وإنى لأقول ذلك على أنه أحب إلىّ من كل لذة، وأشهى إلى نفسى من الماء إلى ذى الغلّة، ولكن الحقّ أحقّ أن يتّبع.
ومما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف الكريم، فخرج له قوله
(21/483)

تعالى «1» : «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»
. فألقاه ونصبه غرضا، ورماه بالسهام، وقال «2» :
تهدّدنى بجبّار عنيد ... فهأنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزّقنى الوليد
فلم يلبث بعد ذلك إلّا يسيرا حتى قتل. هذا هو المشهور عنه.
وروى أبو الفرج الأصفهانى بسنده إلى العلاء البندار، قال:
كان الوليد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول مقالة الثّنوية، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبىّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لى منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء، فدنوت، فرفع الحريرة فإذا فى السفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر «3» قد جعلا فى جفنه.
فجفنه يطرف كأنه يتحرّك، فقال: يا علاء، هذا مانى، لم يبعث الله نبيا قبله، ولا يبعث نبيا بعده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنّك هذا الذى ترى من دينك. فقال الكلبى:
يا أمير المؤمنين، قد قلت لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث.
قال العلاء: ومكثت «4» أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان
(21/484)

[قد «1» ] بناه فى عسكره يشرف منه والكلبىّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج «2» أشقر من أفخر ما سخّر، فخرج على برذونه، فمضى فى الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسحة عنقه، وبرذونه يقاد، حتى أسلموه.
فبلغنى ذلك، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب، وكانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو الله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته، فعجبنا لذلك إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه، فاحتمله، ثم نكسه. وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به.
وقد نزّه قوم الوليد عما قيل، وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه اختلق عليه وألصق به، وليس بصحيح.
حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال: كنّا جلوسا عند المهدى، فذكروا الوليد، فقال المهدى: كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله عزّ وجلّ أعدل من أن يولّى خلافة النبوة وأمر الأمّة زنديقا، لقد أخبرنى من كان يشهده فى ملاعبه وشربه عنه بمروءة فى طهارته وصلاته؛ فكان إذا حضرت الصلاة
(21/485)

يطرح الثياب التى عليه المطيّبة المصبّغة، ثم يتوضّأ فيحسن الوضوء، ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها، ويصلى فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله! فقال المهدى: بارك الله عليك يابن علاثة.
وللوليد كلام حسن؛ فمن أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك وقعد هشام للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقى لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى، واختلّ الثّغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضى من خلف؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى.
فأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ينطقوا.
والوليد أوّل خليفة عدّ الشّعر وأجاز عن كلّ بيت ألف درهم، فإن يزيد بن ضبّة مولى ثقيف مدحه وهنّأه «1» بالخلافة فأمر أن تعدّ الأبيات ويعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم.
قال: ودفن الوليد بباب الفراديس بدمشق. وقيل: إنه قتل بأرض حمص.
وحكى الدّولابى أن رأس الوليد نصب فى مسجد دمشق ولم يزل
(21/486)

أثر دمه على الجدار إلى أن قدم المأمون دمشق فى سنة [215 هـ] خمس عشرة ومائتين، فأمر بحكّه.
وكان الوليد أبيض ربعة قد وخطه الشّيب.
وكان نقش خاتمه: يا وليد، احذر الموت.
وكان له من الأولاد الذكور والإناث ثلاثة عشر.
كاتبه: العباس بن مسلم.
قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى.
حاجبه: قطرى مولاه.
الأمير بمصر: حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه عن الخراج.
قاضيها: حسين بن نعيم [والله أعلم «1» ] .
ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص
هو أبو خالد يزيد بن الوليد «2» بن عبد الملك بن مروان؛ ولقّب بالناقص؛ لأنه نقص الزيادات التى كان الوليد زادها فى أعطيات الناس، وهى عشرة عشرة، وردّ العطاء إلى أيام هشام.
وقيل: أول من لقّبه بهذا اللقب مروان بن محمد.
وأم يزيد شاه آفريد «3» بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار.
بويع له لليلتين بقيتا من جمادى الاخرة سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة.
(21/487)

قال: ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمّ الوليد، وذكر إلحاده، وأنه قتله لفعله الخبيث، وقال: أيها الناس، إنّ لكم علىّ ألّا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكرو «1» نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجة وولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذى يليه، ولا أجمّركم فى ثغوركم فأفتنكم. ولا أغلق بابى دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم فى كل شهر، حتى يكون أقصاكم كأدناكم؛ فإن وفّيت بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أوف «2» فلكم أن تخلعونى، إلّا أن أتوب، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه.
أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. [والله الموفّق بمنّه وكرمه «3» ] .
ذكر اضطراب أمر بنى أمية
وفى سنة ست وعشرين ومائة فى أيام يزيد هذا اضطرب أمر بنى أميّة، وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام ابن عبد الملك بعمان، وكان الوليد قد حبسه بها، فلما قتل خرج
(21/488)

من الحبس، وأخذ ما كان بها من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر.
ومن ذلك خلاف أهل حمص وفلسطين:
ذكر خلاف أهل حمص
قال: ولما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكى عليه. وقيل لهم: إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره، وانتهبوها، وسلبوا حريمه، وطلبوه؛ فسار إلى أخيه يزيد، وكاتب أهل حمص الأجناد، ودعوهم إلى الطّلب بدم الوليد، فأجابوهم واتفقوا على ألّا يطيعوا يزيد، وأمّروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، ووافقهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك على ذلك، فراسلهم يزيد، فأخرجوا رسله، فسيّر إليهم أخاه مسرورا فى جمع كثير، فنزلوا حوّارين «1» ، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، وسيّره إلى أخيه مسرور، وأمرهم بالسّمع والطاعة له؛ وكان أهل حمص يريدون السير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الله: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم، فإن ظفرتم بهم كان ما بعدهم أهون عليكم، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم.
فقال السّمط بن ثابت: إنما يريد خلافكم، وهو مائل «2» .
(21/489)

ليزيد، فقتلوه وقتلوا ابنه، وولّوا عليهم أبا محمد السفيانى، وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، وساروا إلى دمشق، فخرج سليمان مجدّا فى طلبهم، فلحقهم بالسّليمانية- مزرعة كانت لسليمان ابن عبد الملك خلف عذراء «1» .
وأرسل يزيد عبد العزيز بن الحجاج فى ثلاثة آلاف إلى ثنيّة العقاب، وأرسل هشام بن مصاد فى ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية. وأمرهم أن يمدّ بعضهم بعضا، ولحقهم سليمان على تعب مقاتلتهم «2» ، فانهزمت ميمنته وميسرته، وثبت هو فى القلب، ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردّوهم إلى موضعهم، وحمل بعضهم على بعض مرارا.
فبينما هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنيّة العقاب، فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم، وقتل فيه من عرض له، فانهزموا ونادوا: يا يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى! الله الله فى قومك! فكفّ الناس، وأخذ أبو محمد السّفيانى أسيرا، ويزيد بن خالد بن معاوية، فأتى بهما سليمان فسيّرهما إلى يزيد فحبسهما.
واجتمع أمر أهل دمشق ليزيد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم العطاء، وأجاز الأشراف؛ واستعمل عليهم يزيد بن الوليد ابن معاوية بن يزيد بن الحصين.
(21/490)

ذكر خلاف أهل فلسطين
وفى هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان الوليد قد استعمله عليهم، فأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، فدعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه إلى ذلك؛ وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين، فولّوا عليهم محمد بن عبد الملك، واجتمعوا «1» معهم على قتال يزيد ابن الوليد، فبعث يزيد إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك فى أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفيانى، وعدّتهم أربعة آلاف ونيّف، فبايع الناس ليزيد، واستعمل ضبعان «2» بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن.
ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق وما كان من أمره، واستعمال منصور بن جمهور
وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق، واستعمل منصور بن جمهور، وقال له لمّا ولّاه العراق: اتّق الله واعلم أنى إنما قتلت الوليد لفسقه، ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه. فسار حتى إذا بلغ عين «3» التّمر كتب إلى من بالحيرة من قوّاد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث بالكتب
(21/491)

كلّها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القوّاد، فحبس الكتب؛ وحمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحيّر فى أمره، وقال: ما الرّأى يا سليمان؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشام معك، ولا آمن عليك منصورا. وما الرأى إلّا أن تلحق بشامك.
قال: فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له فى خطبتك؛ فإذا قرب منصور تستخفى عندى وتدعه والعمل.
ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤوى «1» يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، فلم «2» ير رجل كان مثل عتوّه خاف مثل خوفه.
وقدم منصور الكوفة فحضّهم وذمّ الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذمّوهما معه، فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف، فأخبره:
فجعل لا يذكر له رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال: لله علىّ أن أضربه كذا وكذا سوطا؛ فجعل عمرو يتعجّب من طمعه فى الولاية.
ويهدّده الناس.
وسار يوسف من الكوفة سرّا إلى الشام، فنزل البلقاء «3» .
فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجّه إليه خمسين فارسا، فعرض رجل من بنى نمير ليوسف، وقال: يابن عمر، أنت والله مقتول، فأطعنى وامتنع.
(21/492)

قال: لا، فدعنى أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك.
قال: ما لى فيما عرضت خيار، فطلبه المسيّرون إليه، فلم يروه، فتهدّدوا ابنا له، فقال لهم: انطلق إلى مزرعة له، فساروا فى طلبه، فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشوا عليه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، وأخذوه، وأقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس، فأخذ بلحيته ونتف بعضها، وكان من أعظم الناس لحية، وأصغرهم قامة.
فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، وهى إلى سرّته، وجعل يقول: يا أمير المؤمنين؛ نتفت والله لحيتى، حتى لم يبق فيها شعرة؛ فأمر به فحبس فى الخضراء فأتاه إنسان فقال له:
أما تخاف أن يطلع عليك بعض من وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك؟
قال «1» : ما فطنت لهذا، فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحوّل إلى حبس «2» غير الخضراء، وإن كان أضيق منه، فعجبوا من حمقه، فنقله وحبسه مع ابنى الوليد، فبقى فى الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم.
فلما قرب مروان من دمشق ولى يزيد بن خالد [القسرى] «3»
(21/493)

مولى لأبيه يقال له أبو الأسد «1» قتلهم «2» ، فقتل الحكم وعثمان ويوسف على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وكان يوسف بن عمر يحمّق، وفيه أشياء متباينة متناقضة؛ كان طويل الصلاة، ملازما للمسجد، ضابطا لحشمه وأهله عن الناس، ليّن الكلام، متواضعا، حسن المملكة كثير التضرّع والدعاء، فكان يصلّى الصّبح، ولا يكلم أحدا حتى يصلى الضّحى، وهو فيما بين ذلك يقرأ القرآن ويتضرّع، وكان بصيرا بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة، مسرفا فى ضرب الأبشار، وكان يأخذ الثوب الجيّد فيمر ظفره عليه فإن تعلّق به طاقه ضرب صاحبه، وربما قطع يده.
حكى أنه أتى يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول فى هذا الثوب؟
قال: كان ينبغى أن تكون بيوته أصغر مما هى. فقال للحائك:
صدق يابن اللخناء. فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكاتبه:
صدق يابن اللخناء. فقال الكاتب: هذا يعمل فى السنة ثوبا أو ثوبين وأنا يمرّ على يدى فى السنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يابن اللّخناء، فلم يزل يكذّب هذا مرة، وهذا مرة حتى عدّ أبيات الثوب، فوجدها تنقص بيتا من أحد جانبى الثوب، فضرب الحائك مائة سوط.
وقيل: إنه أراد السفر فدعا جواريه، فقال لإحداهنّ: تخرجين معى؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة. كلّ هذا من حبّ النكاح،
(21/494)

يا خادم، اضرب رأسها. وقال لأخرى: ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدى. فقال: يا خبيثة، كلّ هذا زهادة فىّ، اضرب رأسها.
وقال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: لا أدرى ما أقول، إن قلت ما قالت إحداهما لم آمن عقوبتك. فقال: يا لخناء وتناقضين وتحتجّين، اضرب رأسها.
وكان قصيرا، فكان يحضر الثوب الطويل ليفصّله ليلبسه، فإن قال له الخياط: إنه يفضل منه ضرب رأسه، وإن قال: لا يكفى إلّا بعد التصرّف فى التفصيل سرّه ذلك، فكانوا يفصّلون له ويأخذون ما بقى. وكان له فى ذلك أشياء كثيرة.
فلنرجع إلى أخبار منصور بن جمهور.
قال: وكان دخول منصور الكوفة لأيام خلت من شهر رجب سنة [126 هـ] ست وعشرين [ومائة «1» ] ، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من كان فى السجون من العمّال وأهل الخراج، وبايع ليزيد بالعراق، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيّام بقين منه.
وامتنع نصر بن سيّار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور، فإنّ يزيد كان قد ضمّ خراسان لمنصور مع العراق.
ذكر عزل منصور بن جمهور عن العراق وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز
وفى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق،
(21/495)

واستعمل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: وقال له: سر إلى العراق؛ فإنّ أهله يميلون إلى أبيك. وخاف ألّا يسلم إليه المنصور العمل، فانقاد له أهل الشام، وسلّم إليه منصور الولاية، وانصرف إلى الشام، ففرّق عبد الله العمال، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم، فنازعه قوّاد أهل الشام، وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا، وهم عدوّنا! فقال لأهل العراق: إنى أريد أن أردّ عليكم فيئكم، وعلمت أنكم أحقّ به، فنازعنى هؤلاء.
فاجتمع أهل الكوفة بالجبّانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس فى الفريقين، فأصيب منهم رهط لم يعرفوا، واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان ابن القبعثرى، وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضا.
ذكر الاختلاف بين أهل خراسان
وفى سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة وقع الاختلاف بخراسان بين النّزاريّة واليمانية، وأظهر الكرمانى الخلاف لنصر بن سيّار.
وكان سبب ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت، فرفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا، من أوان «1» كان اتّخذها للوليد بن يزيد، فطلب الناس منه العطاء، وهو يخطب؛ فقال نصر: إيّاى والمعصية، عليكم بالطاعة والجماعة. فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر، وقال: ما لكم عندى عطاء «2»
(21/496)

ثم قال: كأنى بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شرّ لا يطاق، وكأنى بكم مطرّحين فى الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلّا ملّوها، وأنتم يأهل خراسان مسلحة فى نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان؛ إنكم تريشون أمرا وتريدون «1» به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم، لقد نشرتكم وطويتكم، فما عندى منكم عشرة.
فاتقوا الله، فو الله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنّينّ أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده. يأهل خراسان، إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة.
ثم تمثل بقول النابغة «2» :
فإن يغلب شقاؤكمو عليكم ... فإنّى فى صلاحكمو سعيت
وقدم على نصر عهده «3» على خراسان من قبل عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز؛ فقال الكرمانى لأصحابه: الناس فى فتنة فانظروا لأموركم رجلا.
والكرمانى اسمه جديع بن علىّ الأرذى، وإنما سمى الكرمانى لأنه ولد بكرمان، فقالوا له: أنت لنا. وقالت المضريّة لنصر: إن الكرمانى يفسد عليك الأمور، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه.
قال: لا، ولكن لى أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بنىّ من بناته، وبناتى من بنيه.
قالوا: لا. قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، وهو بخيل،
(21/497)

فلا يعطى أصحابه شيئا منها، فيتفرّقون عنه. قالوا: لا، هذه قوّة له، ولم يزالوا به حتى قالوا له: إنّ الكرمانى لو لم يقدر على السلطنة والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصّر وتهوّد.
وكان نصر والكرمانى متصافيين، وكان الكرمانىّ قد أحسن إلى نصر فى ولاية أسد [بن عبد الله «1» ] القسرى. فلما ولى نصر عزل الكرمانى عن الرياسة وولّاها غيره، فتباعد ما بينهما، فلما أكثروا على نصر فى أمره عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه [به «2» ] ، فأرادت الأزد أن تخلّصه من يده، فمنعهم من ذلك، وسار مع صاحب الحرس وهو يضحك.
فلما دخل على نصر قال له: يا كرمانى، ألم يأتنى كتاب يوسف ابن عمر بقتلك فراجعت «3» وقلت: شيخ خراسان وفارسها، فحقنت دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم، وقسمته فى أعطيات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم أرؤّس ابنك عليّا على كره من قومك؟ قال: بلى. قال: فبدّلت ذلك إجماعا على الفتنة.
قال الكرمانى: لم يقل الأمير شيئا إلّا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان منّى أيام أسد ما قد علمت، ولست أحبّ الفتنة.
(21/498)

قال سلم «1» بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، وأشار غيره بذلك، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامرى «2» :
لجلساء فرعون خير منكم؛ إذ قالوا «3» : «أَرْجِهْ وَأَخاهُ» *
والله لا يقتل الكرمانى بقولكم، فأمر نصر بحبسه فى القهندز «4» . فحبس وذلك لثلاث بقين من شهر رمضان، فتكلمت الأزد فقال نصر: إنى حلفت أن أحبسه، ولا يناله منى سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه، فاختاروا يزيد النحوى، فكان معه؛ فجاء رجل من أهل نسف، فقال لآل الكرمانى:
ما تجعلون لى إن أخرجته؟ قالوا: كل ما سألت، فأتى مجرى الماء فى القهندز فوسعه، وقال لولد الكرمانى: اكتبوا لأبيكم «5» يستعد الليلة للخروج.
فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب فى الطعام، فتعشّى الكرمانى، ويزيد النحوى، وحصين بن حكيم؛ وخرجا من عنده.
ودخل الكرمانى السّرب، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه؛ وخرج من السّرب، وركب فرسه البشير، والقيد فى رجله، فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه القيد.
وقيل: إنّ الذى خلّص الكرمانى مولى له رأى خرقا فوسّعه وأخرجه
(21/499)

منه، فلم يصلّ الصّبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف.
وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة. فلما خرج الكرمانى قدمه عبد الملك.
قال: ولما خرج الكرمانى عسكر نصر بباب مرو الرّوذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانى، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوسقوا «1» فهم أذلّ قوم، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل «2» :
ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنه خير لا شرّ فيه.
واجتمع إلى نصر بشر كثير، فسفر الناس بينه وبين الكرمانىّ، وسألوا نصرا أن يؤمّنه، ولا يحبسه؛ وجاء الكرمانىّ، فوضع يده فى يد نصر، فأمره بلزوم بيته، ثم بلغ الكرمانى عن نصر شىء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بباب مرو، فكلّموه فيه، فأمّنه.
فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولّى عبد الله بن عمر فى شوّال من السنة خطب نصر، وذكره، وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمّال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيّب ابن الطيّب.
فغضب الكرمانى لابن جمهور، وعاد فى جمع «3» الرجال واتخاذ السلاح؛ فكان يحضر الجمعة فى ألف وخمسمائة فيصلّى خارج
(21/500)

المقصورة، ثم يدخل فيسلّم على نصر، ولا يجلس، ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف؛ فأرسل إليه مع سلّم «1» بن أحوز، يقول:
إنى والله ما أردت بحبسك سوءا، ولكن خفت فساد أمر الناس فأتنى.
فقال: لولا أنّك فى منزلى لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع، فأبلغه ما شئت من خير أو شر.
فرجع إلى نصر فأخبره، فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرمانى: إنى لا آمن أن يحملك قوم على «2» غير ما تريد، فتركب منا مالا بقيّة بعده، فإن شئت خرجت عنك لامن هيبة لك، ولكن أكره سفك الدماء، فتهيّأ للخروج إلى جرجان؛ ثم كان من أمر الكرمانى ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم
قال: لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة عليّ بن المهاجر، استعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بنى الدؤل بن حنيفة: اترك لنا بلادنا، فأبى؛ فجمع له المهير، وسار إليه، وهو بقصره فى قاع «3» هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم علىّ حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل المهير ناسا من أصحابه، وتأمّر المهير على اليمامة، ثم إنه مات، واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان أحد بنى قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل
(21/501)

عبد الله بن النعمان المندلث «1» بن إدريس الحنفى على الفلج- وهى قرية من قرى بنى عامر بن صعصعة، فجمع له بنو كعب ابن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل، فأتوا «2» الفلج، فلقيهم المندلث، وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه، ولم يقتل من بنى عامر كثير، وقتل يومئذ يزيد ابن الطّثريّة «3» وهى أمّه، تنسب إلى طثر بن عنز «4» بن وائل، وهو يزيد بن المنتشر «5» .
فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة وغيرها، وغزا الفلج.
فلما تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلى، وطارق ابن عبد الله القشيرى، والجعونيان «6» ، وتجلّلت بنو جعدة البراذع، وولّوا، فقتل أكثرهم، وقطعت يد زياد بن حيان الجعدى؛ ثم قتل «7» .
ثم إن بنى عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمّعوا وعليهم أبو سهلة النّميرى، فقتلوا من لقوا من بنى حنيفة بمعدن الصحراء، وسبوا نساءهم، وكفّت بنو نمير عن النساء.
(21/502)

ثم إنّ عمر بن الوازع الحنفى لمّا رأى ما فعل عبد الله بن النعمان قال: لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير، وهذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان، فجمع خيله وبثّها فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم، وأقبل بمن معه حتى أتى النّشّاش «1» ، وأقبلت بنو عامر، وقد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برغاء الإبل، فجمع النساء فى فسطاط، وجعل عليهنّ حرسا، ولقى القوم فقاتلهم، فانهزم هو ومن معه، وهرب ابن الوازع، فلحق باليمامة، وكفّت قيس يوم النشّاش عن السّلب، فجاءت عكل فسلبتهم «2» .
وجمع عبيد الله بن مسلم الحنفى جمعا، وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان «3» ، وأغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا.
ثم قدم المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى واليا على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر حين ولى العراق لمروان بن محمد، فوردها وهم سلّم.
وسكنت البلاد؛ ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفى مستخفيا حتى قدم السرىّ بن عبد الله الهاشمى واليا على اليمامة لبنى العباس، فدلّ عليه فقتله.
وفى هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة [بولاية «4» ] العهد لأخيه إبراهيم، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان.
(21/503)

وفيها خالف مروان بن محمد يزيد بن الوليد وأظهر الخلاف، وتجهّز للمسير إلى الشام، وعرض جند الجزيرة فى نيف وعشرين ألفا، فكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ما كان عبد الملك ولّى أباه محمدا من الجزيرة وإرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان، وأعطاه يزيد ولاية ما شرطه «1» له.
ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك
كانت وفاته بدمشق لعشر بقين من ذى الحجة سنة [126 هـ] ستّ وعشرين ومائة؛ فكانت مدة ولايته خمسة أشهر واثنين «2» وعشرين يوما، وقيل ستة أشهر وليلتين، وقيل ستة أشهر؛ وكان عمره ستا وأربعين سنة.
واختلف فيه إلى ثلاثين سنة.
وكان أسمر نحيف البدن، ربع القامة، خفيف العارضين، فصيحا شديد العجب.
وقيل فى صفته: أسمر طويلا صغير الرأس جميلا.
وكان نقش خاتمه: يا يزيد، قم بالحق. وقيل: كان نقش خاتمه:
العظمة لله.
وكان آخر ما تكلّم به: وا حسرتاه! وا أسفاه! وكان له عقب كثير.
كاتبه: ثابت بن سليمان.
قاضيه: عثمان بن عمر بن موسى بن معمر التميمى.
(21/504)

حاجبه: قطرىّ مولاه. وقيل سلام.
الأمير بمصر: حفص بن الوليد، ولم يزل عليها إلى أن ولى مروان فاستعفى.
قاضيها: حسين بن نعيم.
ويزيد أوّل من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفّين عليهم السلاح. وقيل: إنه كان قدريّا. والله أعلم.
ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد
هو أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمّه أم «1» ولد اسمها نعمة، وقيل خشف؛ وهو الثالث عشر من ملوك بنى أمية، قام بالأمر بعد وفاة أخيه يزيد فى ذى الحجة سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة، وكان يسلّم عليه تارة بالخلافة، وتارة بالإمارة، وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما؛ فمكث أربعة أشهر، وقيل سبعين يوما، ثم سار إليه مروان بن محمد، فخلعه على ما نذكر ذلك إن شاء الله، ثم لم يزل حيّا حتى أصيب فى سنة [132 هـ] اثنتين وثلاثين ومائة.
تتمة حوادث سنة (126 هـ) ست وعشرين ومائة:
فيها عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها فى ذى القعدة من السنة.
وحجّ بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل عمر ابن عبد الله بن عبد الملك.
(21/505)

(127 هـ) سبع وعشرين ومائة:
ذكر مسير مروان بن محمد إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد
فى هذه السنة سار مروان بن محمد بن مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد، فانتهى إلى قنسرين، وبها بشر «1» ومسرور، ابنا الوليد [أرسلهما «2» ] أخوه إبراهيم، فتصافوا، ودعاهم مروان إلى بيعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة فى القيسيّة، وأسلموا بشرا وأخاه مسرورا، فحبسهما مروان، وسار معه أهل قنسرين إلى حمص، وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز، فوجّه إليهم إبراهيم عبد العزيز فى جند أهل دمشق، فحاصرهم فى مدينتهم، وأسرع مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها، وخرج أهلها إلى مروان فبايعوه، وساروا معه، ووجّه إبراهيم الجنود من دمشق مع سليمان بن هشام فى مائة وعشرين ألفا ومروان فى ثمانين ألفا، فدعاهم مروان إلى الكفّ عن قتاله وإطلاق الحكم وعثمان ابنى الوليد من السجن، وضمن لهم أنّه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد، فلم يجيبوه وجدّوا فى قتاله فاقتتلوا «3» ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم، وكان مروان ذا رأى ومكيدة، فأرسل ثلاثة آلاف فارس، وأمرهم أن يأتوا عسكر سليمان من خلفه، ففعلوا ذلك، فلم يشعر سليمان إلّا والقتل فى أصحابه من ورائهم،
(21/506)

فانهزموا، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم، فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا، وقيل ثمانية عشر ألفا، وكفّ أهل الجزيرة وقنّسرين عن قتالهم، وأتوا مروان من أسراهم بمثل القتلى، فأخذ مروان عليهم البيعة لولدى الوليد، وخلّى عنهم، وهرب يزيد ابن عبد الله بن خالد القسرى فيمن هرب إلى دمشق، فاجتمعوا مع إبراهيم وعبد العزيز، واتفقوا على قتل الحكم وعثمان ولدى الوليد، فقتلا؛ وقتل معهما يوسف بن عمر، وأرادوا قتل محمد السفيانى، فدخل بيتا من بيوت السجن وأغلقه، فلم يقدروا على فتحه، [وأرادوا «1» ] إحراقه، فقيل لهم: قد دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا، وهرب إبراهيم، واختفى، وانتهب سليمان بن هشام ما فى بيت المال، فقسّمه فى أصحابه، وخرج من المدينة، وعاش إلى سنة [132 هـ] اثنتين وثلاثين ومائة، ثم قتله ابن عوف يوم الزّاب.
وقيل: إنه غرق فى ذلك اليوم.
وقيل: قتله مروان بن محمد وصلبه. وكان إبراهيم عاجزا ضعيف الرّأى، وكان خفيف العارضين له ضفيرتان.
وكان نقش خاتمه: توكّلت على الحىّ القيوم.
كاتبه: بكير بن السراج اللخمى.
قاضيه: عثمان بن عمر التميمى.
حاجبه: قطرىّ مولى الوليد، ثم وردان مولاه. [والله أعلم «2» ] .
(21/507)

ذكر بيعة مروان بن محمد
هو أبو عبد الله مروان بن محمد بن الحكم بن أبى العاص، وأمّه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر، وكانت كردية، أخذها محمد من عسكر إبراهيم، فولدت له مروان وعبد العزيز، ولقب بالجعدىّ لأن خاله الجعد بن درهم، فنسب إليه. ولقب أيضا حمار الجزيرة.
بويع له فى صفر فى سنة [127 هـ] سبع وعشرين ومائة، وكان سبب بيعته أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام ثار من بدمشق من موالى الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد، وأخرجوه فصلبوه على باب الجابية، وأتى مروان بالغلامين، الحكم وعثمان مقتولين، وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتى بأبى محمد السّفيانى فى قيوده، فسلم على مروان بالخلافة، ومروان يومئذ يسلّم عليه بالإمرة، فقال له مروان: مه. فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشد شعرا قاله الحكم فى السجن، وكانا قد بلغا وولد لأحدهما، وهو الحكم، فقال «1» :
ألا من مبلغ مروان عنّى ... وعمّى الغمر «2» طال به «3» حنينا
(21/508)

بأنّى قد ظلمت وصار قومى ... على قتل الوليد مشايعينا «1»
أيذهب كلّهم «2» بدمى ومالى ... فلا غثّا أصبت ولا سمينا
ومروان بأرض بنى نزار ... كليث الغاب مفترش عرينا «3»
أتنكث بيعتى من أجل أمّى ... فقد بايعتمو قبلى هجينا
فإن أهلك أنا وولىّ عهدى ... فمروان أمير المؤمنينا
ثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه من مع مروان «4» .
وكان أوّل من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورءوس أهل حمص، والناس بعد. فلما استقرّ له الأمر رجع إلى منزله بحرّان، وطلب منه الأمان لإبراهيم «5» بن الوليد وسليمان بن هشام فأمّنهما فقدما عليه، وبايعاه.
وفى هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه؛ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
ذكر رجوع الحارث بن سريج
وفى هذه السنة كان رجوع الحارث بن سريج إلى مرو؛ وكان قدومه فى جمادى الآخرة سنة [127 هـ] سبع وعشرين ومائة، وكان ببلاد التّرك، وكان مقامه عندهم اثنتى عشرة سنة،
(21/509)

وقد قدّمنا من أخباره طرفا.
وكان سبب عوده أنّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر بن سيار والكرمانى فى سنة [126 هـ] ست وعشرين فى خلافة يزيد ابن الوليد كما ذكرنا- خاف نصر قدوم الحارث عليه فى أصحابه، فأرسل مقاتل بن حيّان النّبطى وغيره ليردّوه من بلاد التّرك، وسار خالد بن زياد البدّى التّرمذى وخالد بن عمرو مولى بنى عامر إلى يزيد، فأخذوا للحارث منه أمانا فأمّنه، وأمر نصر بن سيار أن يردّ عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بذلك، فلما قدم تلقّاه الناس بكشميهن «1» ، ولقيه نصر وأنزله، وأجرى عليه كلّ يوم خمسين درهما، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل.
وأرسل إلى نصر: إنى لست من الدنيا واللذات فى شىء، إنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك.
وأرسل الحارث إلى الكرمانى إذا أعطانى نصر العمل بالكتاب وما سألته عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت لى القيام بالعدل والسّنة.
ودعا [بنى «2» ] تميم إلى نفسه، فأجابه منهم ومن غيرهم
(21/510)

جمع كثير، واجتمع إليه ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور وأنت تريدنى عليه.
ذكر انتقاض أهل حمص
وفى هذه السنة انتقض أهل حمص بعد عود مروان إلى حرّان بثلاثة أشهر، وكان الذى دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، وراسل أهل حمص من بتدمر من كلب، فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبى وأولاده، ومعاوية السّكسكى، وكان فارس أهل الشام وغيرهما فى نحو ألف من فرسانهم، فدخلوا حمص ليلة الفطر، فجدّ مروان فى السير إليهم ومعه إبراهيم [بن الوليد] «1» المخلوع، وسليمان ابن هشام، فبلغها بعد الفطر بيومين، وقد سدّ أهلها أبوابها، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها، فنادى مناديه:
ما دعاكم إلى النّكث؟ قالوا: إنّا على طاعتك لم ننكث. قال:
فافتحوا. ففتحوا الباب، فدخله عمرو بن الوضّاح فى الوضّاحية فى نحو ثلاثة آلاف، فقاتلهم من بالبلد فكسرتهم خيل مروان، فخرج من بها من باب تدمر، فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامّة من خرج منه، وأفلت الأصبغ وابنه، وقتل مروان جماعة من أشرافهم، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة، وهدم من سورها نحو غلوة. وقيل: كان ذلك سنة [128 هـ] ثمان وعشرين ومائة. [والله أعلم «2» ] .
(21/511)

ذكر خلاف أهل الغوطة
وفى هذه السنة خالف أهل الغوطة وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسرى وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو، فوجّه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث، وعمرو بن الوضّاح فى عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج عليهم من بالمدينة؛ فانهزموا، واستباح أصحاب مروان عسكرهم، وأحرقوا المزّة «1» وقرى من قرى اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه إلى مروان بحمص.
ذكر خلاف أهل فلسطين
وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد هؤلاء فى أهل فلسطين، وأتى طبرية فحاصرها، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فقاتله أهلها أياما، فكتب مروان بن محمد إلى أبى الورد يأمره بالمسير إليهم، فسار فلما قرب منهم خرج أهل طبريّة على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، فانصرف إلى فلسطين منهزما، فتبعه «2» أبو الورد والتقوا واقتتلوا، فانهزم ثانية وتفرّق عنه أصحابه وأسر «3» ثلاثة من أولاده. وبعث بهم إلى مروان، وتغيّب ثابت وولده رفاعة.
(21/512)

واستعمل مروان على فلسطين الرّماحس بن عبد العزيز «1» الكنانى، فظفر بثابت، فبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وحملوا إلى دمشق، فألقوا على باب المسجد ثم صلبوا على أبواب دمشق؛ واستقام أمر الشام لمروان إلا تدمر؛ فسار مروان إليها، فنزل القسطل «2» ، وبعث إليهم فأجابوه إلى الطاعة فبايعهم، وهدم سور البلد.
وفيها بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوّجهما ابنتى هشام ابن عبد الملك، وجمع لذلك بنى أميّة.
وسار مروان إلى الرّصافة، وندب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الخارجى، وأمر أهل الشام باللّحاق به.
ولما سار مروان استأذنه سليمان بن هشام ليقيم أيّاما ليقوّى من معه وتستريح دوابّهم، فأذن له.
وتقدّم مروان إلى قرقيسياء «3» وبها ابن هبيرة ليقدّمه إلى الضحّاك، فرجع عشرة آلاف ممّن كان مروان أخذ من أهل الشام لقتال الضحاك، فأقاموا بالرّصافة، ودعوا سليمان إلى خلع مروان فأجابهم.
(21/513)

ذكر خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد
وفى هذه السنة خلع سليمان بن هشام مروان، وذلك أنه لما استأذنه فى المقام بعده، وأقام، وقدم عليه الجنود الذين ذكرناهم حسّنوا له خلع مروان وقالوا: أنت أرضى عند الناس، وأولى من مروان بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك، وسار بإخوته ومواليه، فعسكر بقنّسرين، وأتاه أهل الشام من كلّ مكان.
وبلغ الخبر مروان، فرجع إليه من قرقيسياء، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالمقام؛ وكان أولاد هشام وجماعة من موالى سليمان بحصن الكامل، فمرّ عليهم مروان فتحصّنوا منه، فأرسل إليهم يحذّرهم أن يتعرّضوا لأحد ممّن يتبعه من جنده، فإن تعرّضوا لأحد فلا أمان لهم، فأرسلوا إليه إنهم يكفّون عنهم.
ومضى مروان فجعلوا يغيرون على من يتبعه، فاشتدّ غيظه عليهم.
قال: واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذّكوانيّة وغيرهم، وعسكر بقرية خساف «1» من أرض قنّسرين.
وأتاه مروان والتقوا؛ واشتدّ القتال بينهم، فانهزم سليمان ومن معه، واتبعهم مروان، فاستباح عسكره، وأمر مروان بقتل من يؤتى به من الأسرى إلا عبدا مملوكا، فأحصى من قتلاهم يومئذ [ما «2» ] نيّف
(21/514)

على ثلاثين ألف قتيل. وقتل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده، وخالد ابن هشام المخزومى خال هشام بن عبد الملك، وادعى كثير من الجند الأسرى أنهم عبيد؛ فكفّ عن قتلهم، وأمر ببيعهم فيمن يزيد.
ومضى سليمان إلى حمص، وانضمّ إليه من أفلت ممّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان هدمه من سورها؛ وسار مروان إلى حصن الكامل، فحصر من فيه، وأنزلهم على حكمه، فمثّل بهم، وأخذهم أهل الرّقّة فداووا جراحاتهم، فهلك بعضهم وكانت عدّتهم نحو ثلاثمائة «1» .
ثم سار إلى سليمان، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان، فتبايع تسعمائة من فرسانهم على الموت، وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيّتوه إن أصابوا منه غرّة، وبلغه خبرهم فتحرز منهم، فلم يمكّنهم أن يبيّتوه، وزحف على احتراز وتعبئة، فكمنوا فى زيتون فى طريقه، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبئته، فوضعوا السلاح فيمن معه، فنادى مروان خيوله، فرجعت إليه، فقاتلوا من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، فانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف.
فلما بلغ سليمان هزيمتهم خلّف أخاه سعيدا بحمص، ومضى هو إلى تدمر، فأقام بها، ونزل مروان على حمص، فحاصر أهلها عشرة أشهر، ونصب عليهم نيّفا وثمانين منجنيقا يرمى بها الليل والنهار، وهم يخرجون إليه فى كل يوم فيقاتلونه.
(21/515)

فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان على أن يمكّنوه من سعيد ابن هشام وابنيه: عثمان ومروان، ومن رجل كان يسمى السكسكى، كان يغير على عسكره، ومن رجل حبشيّ كان يشتم مروان، فأجابهم إلى ذلك، واستوثق من سعيد وابنيه، وقتل السكسكى، وسلّم الحبشى إلى بنى سليم، لأنه كان يخصّهم بالسّبّ، فقطعوا ذكره وأنفه ومثّلوا به.
ولما فرغ مروان من حمص سار نحو الضحّاك الخارجى.
وقيل: إن سليمان لما انهزم بخساف أقبل هاربا حتى التحق بعبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بالعراق، فخرج معه [إلى «1» ] الضحاك، فقال بعض شعرائهم «2» :
ألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وصلّت «3» قريش خلف بكر بن وائل
ذكر خروج الضحاك محكما وما كان من أمره إلى أن قتل
وفى سنة [127 هـ] سبع وعشرين ومائة خرج الضحّاك بن قيس الشيبانى محكما ودخل الكوفة.
وكان سبب ذلك أنّ الوليد لما قتل خرج بالجزيرة حروريّ يقال له سعيد بن بهدل الشيبانى فى مائتين من أهل الجزيرة، فاغتنم سعيد قتل الوليد واشتغال مروان بالشام فخرج بأرض كفر توثا «4» ،
(21/516)

وخرج بسطام البيهسىّ، وهو مخالف لرأيه فى مثل عدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه.
فلما تقاربا أرسل سعيد أحد قوّاده فى مائة وخمسين، فقتلوا بسطاما ومن معه إلا أربعة عشر رجلا. ثم مضى سعيد نحو العراق فمات فى الطريق، واستخلف الضحّاك بن قيس. فأتى أرض الموصل ثم شهرزور، فاجتمعت عليه الصّفريّة حتى صار فى أربعة آلاف، وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومروان بالجزيرة. فكتب مروان إلى النّضر بن سعيد الحرشىّ «1» - وهو أحد قوّاد ابن عمر بولاية العراق- فلم يسلّم ابن عمر إليه العمل، فشخص النّضر إلى الكوفة و [بقى] «2» عبد الله بالحيرة، وتحاربا أربعة أشهر.
فلما سمع الضحّاك باختلافهم أقبل نحوهم، وقصد العراق سنة [127 هـ] سبع وعشرين، فأرسل ابن عمر إلى النّضر فى الاجتماع عليه، فتعاقدا واجتمعا بالكوفة؛ وكان كلّ منهما يصلّى بأصحابه.
وأقبل الضحاك فنزل بالنّخيلة «3» فى شهر رجب سنة [127 هـ] سبع وعشرين ومائة، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فكشفوا ابن عمر، وقتلوا أخاه عاصما وجعفر بن العباس الكندىّ، ودخل ابن عمر خندقه، وبقى الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا؛ وذلك
(21/517)

فى يوم الخميس ثم اقتتلوا يوم الجمعة، فانهزم أصحاب ابن عمر.
فلما كان يوم السبت تسلّلوا «1» إلى واسط، فلحق بها وجوه الناس، فرحل عند ذلك ابن عمر إليها، فلم يأمنه عبيد الله بن العبّاس الكندى على نفسه، فسار مع الضحاك وبايعه.
ولما نزل ابن عمر إلى واسط نزل بدار الحجّاج بن يوسف، وعادت الحرب بينه وبين النّضر إلى ما كانت عليه، وسار الضحّاك من الكوفة إلى واسط، ونزل باب المضمار، فترك ابن عمر والنّضر الحرب بينهما، واتّفقا على قتال الضحاك، فلم يزالوا على ذلك شعبان ورمضان وشوّال، والقتال بينهم متواصل. ثم صالحه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام، وبايعاه، ودفعاه إلى مروان.
قال: وكاتب أهل الموصل الضحّاك فى القدوم ليمكّنوه من البلد، فسار إلى الموصل ففتح أهلها له أبوابها، فدخلها، واستولى عليها وعلى كورها، وذلك فى سنة [128 هـ] ثمان وعشرين، فبلغ مروان خبره وهو يحاصر حمص، فكتب إلى ابنه عبد الله- وهو خليفته بالجزيرة- أن يسير إلى نصيبين، ويمنع الضحاك من توسّط الجزيرة؛ فسار إليها فى سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، وسار إليه الضحاك، فحصر عبد الله بن مروان بنصيبين، وكان مع الضحّاك ما يزيد على مائة ألف.
ثم سار مروان إليه، والتقوا بنواحى كفر توثا من أعمال
(21/518)

ماردين، فقاتله يومه أجمع، فقتل الضحاك ولم يعلم به مروان ولا أصحابه؛ ثم بلغ مروان قتله، فاستخرجه من بين القتلى وفى وجهه ورأسه أكثر من عشرين ضربة.
وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة.
وقيل: إنّ قتله كان فى سنة [129 هـ] تسع وعشرين ومائة [والله أعلم «1» ] .
وحيث ذكرنا أخبار الضحاك فلنذكر أخبار من خرج بعده فى أيام مروان:
ذكر خبر الخيبرى (الخارجى) «2» وقتله وقيام شيبان
قال: ولما قتل الضحّاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبرىّ؛ وكان سليمان بن هشام معه، وأصبحوا واقتتلوا، فحمل الخيبرىّ على مروان فى نحو أربعمائة فارس من [أهل «3» ] الشّراة، فهزم مروان وهو فى القلب، وخرج من العسكر منهزما، ودخل الخيبرى ومن معه عسكر مروان ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوه، حتى انتهوا إلى خيم مروان، فدخلها الخيبرى وجلس على فرش مروان، هذا وميمنة مروان ثابتة، وعليها ابنه عبد الله؛ وميسرته [ثابتة «4» ] وعليها إسحاق بن مسلم العقيلى.
فلما رأى أهل العسكر قلّة من مع الخيبرى ثار إليه «5» عبيدهم بعمد الخيم، فقتلوا الخيبرىّ وأصحابه جميعا فى خيم مروان
(21/519)

وحولها، وبلغ مروان الخبر، وقد صار بينه وبين العسكر خمسة أميال أو ستة منهزما، فانصرف إلى عسكره، وبات ليلته تلك، وانصرف الخوارج فولّوا عليهم شيبان.
ذكر أخبار شيبان الحرورى وما كان من أمره إلى أن قتل
هو شيبان بن عبد العزيز أبو الدّلفاء «1» اليشكرى.
قال: ولما بايعوه بعد قتل الخيبرىّ أقام يقاتل مروان، وتفرّق عنه كثير من أصحابه، فبقى فى نحو أربعين ألفا، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم.
فارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقى دجلة، وعقدوا عليها جسرا، وخندق مروان بإزائهم، وأهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم، وقيل تسعة أشهر.
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا، بجميع من معه إلى العراق وعلى الكوفة المثنّى ابن عمران العائذى، وهو خليفة الخوارج بالعراق، فلقى ابن هبيرة بعين التّمر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الخوارج، ثم تجمّعوا بالكوفة بالنّخيلة فهزمهم ابن هبيرة، ثم اجتمعوا بالصّراة، فأرسل إليهم شيبان عبيد بن سوّارفى خيل عظيمة، فالتقوا بالصّراة «2» ، فانهزمت الخوارج، وقتل عبيدة، ولم يبق لهم
(21/520)

بقية بالعراق، واستولى ابن هبيرة على العراق، وسار إلى واسط، وأخذ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وحبسه، ووجّه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز، فأرسل سليمان إلى نباتة داود بن حاتم، فالتقوا على شاطىء دجيل؛ فانهزم الناس، وقتل داود بن حاتم.
وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المرّى إليه، فسيّره فى سبعة آلاف أو ثمانية، فبلغ شيبان خبره، فأرسل الجون بن كلاب الخارجى فى جمع، فالتقوا فهزم عامر؛ فأمدّه مروان بالجنود، فقاتل الخوارج فهزمهم؛ وقتل الجون، وسار إلى الموصل، فلما بلغ [شيبان قتل] «1» الجون ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين. فارتحل بمن معه، وقدم عامر على مروان بالموصل فسيّره فى جمع كثير فى أثر شيبان، وأمره ألّا يبدأه بقتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك عنه أمسك. فكان كذلك، حتى مرّ على الجبل، وخرج على بيضاء فارس «2» ، وبها عبد الله بن معاوية بن جعفر.
وسار إلى نحو كرمان، فأدركه عامر، فالتقوا واقتتلوا، وانهزم شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك فى سنة [130 هـ] ثلاثين ومائة.
وقيل: بل كان قتال شيبان ومروان على الموصل نحو شهر.
ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس، وعامر يتبعه، وسار إلى جزيرة
(21/521)

ابن كاوان، ثم إلى عمان فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر ابن جلندى «1» الأزدى سنة [134 هـ] أربع وثلاثين ومائة، وسنذكره إن شاء الله فى أخبار الدولة العباسية.
فلنرجع إلى تتمة حوادث سنة [127 هـ] سبع وعشرين مائة وما بعدها.
فيها كان من أخبار الأندلس وشيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله فى مواضعه.
وحجّ بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النّضر ابن سعيد الحرشى، وكان من أمره وأمر ابن عمر والضحاك ما قدّمنا ذكره. وكان بخراسان نصر بن سيّار [و] «2» الكرمانى، والحارث ابن سريج ينازعانه.
وفيها مات سويد بن غفلة. وقيل سنة إحدى وثلاثين.
وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وعمره مائة وعشرون سنة. والله تعالى أعلم.
(21/522)

سنة (128 هـ) ثمان وعشرين ومائة:
ذكر مقتل الحارث بن سريج وغلبة الكرمانى على مرو
وفى هذه السنة كان مقتل الحارث بن سريج وغلبة الكرمانى على مرو.
وكان سبب ذلك أنّ ابن هبيرة لما ولى العراق كتب إلى نصر ابن سيّار بعهد خراسان، فبايع لمروان بن محمد، فقال الحارث:
إنما أمّننى يزيد ولم يؤمّنى مروان، ولا يجيز مروان أمان يزيد، فلا آمنه. فخالف نصرا فأرسل إليه [نصر «1» ] يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة، فلم يجبه إلى ذلك، وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر: أن اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، وأمر الحارث جهم ابن صفوان رأس الجهميّة، وهو مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما يدعو إليه على الناس، [ففعل «2» ] ، فلما سمعوا ذلك [كثروا و «3» ] كثر جمعه.
وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود، فأرسل إليه نصر إن كنت كما تزعم وإنكم تهدمون سور دمشق، وتزيلون ملك بنى أمية فخذ منى خمسمائة رأس «4» ومائتى بعير، واحتمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب، وسر، فلعمرى إن كنت
(21/523)

صاحب ما ذكرت إنى لفى يدك، وإن كنت لست ذاك فقد أهلكت عشيرتك؛ ثم عرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل. فقال له نصر: فابدأ بالكرمانى فإن قتلته فأنا فى طاعتك، فلم يقبل.
وأمر الحارث أن تقرأ سيرته فى الأسواق والمسجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه خلق كثير، وقرأها رجل على باب نصر.
فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهّز للحرب، ودلّه رجل من أهل مرو على نقب فى سورها، فمضى إليه الحارث فنقبه.
ودخل المدينة من ناحية باب بالين. فقاتله جهم بن مسعود الناجى.
فقتل جهم، وانتهبوا منزل سلّم بن أحوز، وقتل من كان بحرس باب بالين وذلك لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة يوم الاثنين.
وركب الحارث فى سكة السغد «1» ، فرأى أعين مولى حيّان فقاتله، فقتل أعين، وركب سلّم حين أصبح، وأمر مناديا فنادى:
من جاء برأس فله ثلاثمائة. فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث بعد أن قاتلهم الليل كلّه.
وأتى سلّم عسكر الحارث فقتل كاتبه يزيد بن داود، وقتل الرجل الذى دلّ الحارث على النقب، وأرسل نصر إلى الكرمانى فأتاه على عهد، وعنده جماعة، فوقع بين سلّم بن أحوز والمقدام بن نعيم كلام، فأغلظ كلّ واحد منهما لصاحبه، وأعان كلّ واحد منهما نفر من الحاضرين؛ فخاف الكرمانى أن يكون مكرا من نصر، فقام
(21/524)

وتعلّقوا به، فلم يجلس، وركب فرسه، ورجع، وقال: أراد نصر الغدر بى.
وأسر يومئذ جهم بن صفوان وكان مع الكرمانى فقتل، وأرسل الحارث ابنه حاتما إلى الكرمانىّ، فقال له محمد بن المثنى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان.
فلما كان الغد ركب الكرمانىّ فقاتل أصحاب نصر، ووجّه أصحابه يوم الأربعاء إلى نصر، فتراموا ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال. والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد حتى وصلوا إلى الكرمانىّ، فأخذ اللواء بيده، فقاتل به فانهزم أصحاب نصر.
وأخذوا لهم ثمانين فرسا، وصرع تميم بن نصر، وسقط سلّم ابن أحوز فحمل إلى عسكر نصر.
فلما كان الليل خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدى، وكان يحمى أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم أصحاب الكرمانىّ فى آخر يوم، وهم الأزد وربيعة، فنادى الخليل بن غزوان:
يا معشر ربيعة واليمن! فدخل الحارث السوق ففتّ فى أعضاد المضريّة، وهم أصحاب نصر، فانهزموا وترجّل تميم بن نصر فقاتل.
فلما هزمت اليمانيّة مضر أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيّروننى بانهزامكم. وأنا كافّ. فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرمانىّ.
فأخذ عليه نصر العهود بذلك، وقدم على نصر عبد الحكم «1»
(21/525)

ابن سعيد العوذى «1» وأبو جعفر عيسى بن جرز من مكة: والعوذ «2» :
بطن من الأزد، فقال أبو جعفر لنصر: أيها الأمير، حسبك من الولاية وهذه الأمور «3» ، فقد أظلّك أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النّسب يظهر السّواد، ويدعو إلى دولة تكون فيغلب «4» على الأمر، وأنتم تنظرون.
فقال نصر: ما أشبه أن يكون كما تقول لقلّة الوفاء وسوء ذات البين «5» .
فقال: إنّ الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانى من ذلك ببعيد.
قال: ولما خرج نصر من مرو وغلب عليها الكرمانى خطب الناس فأمّنهم ثم هدم الدّور ونهب الأموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهمّ الكرمانىّ به، ثم تركه، واعتزل بشر بن جرموز الضبىّ فى خمسة آلاف، وقال الحارث: إنما قاتلت معك طلبا للعدل، فأما إذ تتبع «6» الكرمانى فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، وهؤلاء يقاتلون عصبيّة؛ فلست مقاتلا معك، فنحن الفئة العادلة، لا نقاتل إلّا من قاتلنا، وأتى الحارث مسجد عياض، وأرسل إلى
(21/526)

الكرمانى يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانى، فانتقل الحارث عنه، وأقاموا أياما.
ثم إنّ الحارث أتى السّور فثلم فيه ثلمة، ودخل البلد، وأتى الكرمانى، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكرهم، والحارث على بغل، فنزل عنه وركب فرسا، وبقى فى مائة، فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء «1» ، وقتل أخوه سوادة وغيرهما.
وقيل: كان سبب قتله أنّ الكرمانىّ خرج إلى بشر بن جرموز عند اعتزاله، ومعه الحارث، فأقام أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم الحارث على اتّباع الكرمانىّ وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردّهم عليك.
فخرج فى عشرة فوارس فأتى عسكر بشر، فأقام معهم. وخرج المضريّة أصحاب الحارث إليه، فلم يبق مع الكرمانىّ مضرىّ غير سلمة بن أبى عبد الله، فإنه قال: لم أر الحارث إلّا غادرا، و [غير] «2» المهلّب بن إياس، فقاتلهم الكرمانى مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرّة لهؤلاء ومرة لهؤلاء.
ثم ارتحل الحارث بعد أيام، فنقب سور مرو ودخلها، وتبعه الكرمانى، فدخلها أيضا، فقالت المضريّة للحارث: قد فررت غير مرّة، فترجّل، فقال: أنا لكم فارسا خير منى لكم راجلا. فقالوا:
(21/527)

لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل، فاقتتلوا هم والكرمانى، فقتل الحارث وأخواه وبشر بن جرموز، وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصفت مرو للكرمانى واليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر ابن سيّار للحارث حين قتل «1» :
يا مدخل الذّلّ على قومه ... بعدا وسحقا لك من هالك
شؤمك أردى مضرا كلّها ... وعضّ «2» من قومك بالحارك
ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع فى عمرو ولا مالك «3»
ولابنى سعد إذا ألجموا ... كلّ طمرّ لونه حالك
وفى هذه السنة كان اجتماع أبى حمزة الخارجى وعبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحقّ، واتّفقا على الخروج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وحجّ بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مكّة والمدينة، وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجى وعبد الله بن عمر ابن عبد العزيز، وبخراسان نصر بن سيار والفتنة قائمة.
(21/528)

سنة (129 هـ) تسع وعشرين ومائة: ذكر مقتل الكرمانى
وهو جديع بن على الأزدى قال: ولما خلصت مرو للكرمانى وتنحّى نصر عنها أرسل نصر أصحابه لقتاله مرارا، كلّ ذلك والظفر لأصحاب الكرمانى، ثم خرجوا جميعا واقتتلوا قتالا شديدا، وذلك بعد ظهور أمر أبى مسلم الخراسانى ودعوته لبنى العباس، فكتب أبو مسلم إلى نصر والكرمانى: إن الإمام أوصانى بكما. ثم أقبل بمن معه حتى نزل خندقيهما، فهابه الفريقان. وبعث إلى الكرمانى: إنى معك. فقبل ذلك، وانضمّ أبو مسلم إليه، فاشتدّ ذلك على نصر، وأرسل إلى الكرمانى يخوّفه من أبى مسلم، ويقول له: ادخل إلى مرو، واكتب بيننا كتابا بالصّلح، وهو يريد أن يفرّق بينهما، فدخل الكرمانى منزله، وأقام أبو مسلم فى العسكر، وخرج الكرمانى حتى وقف فى الرّحبة فى مائة فارس، وأرسل إلى نصر أن اخرج لنكتب الكتاب.
فلما نظر نصر إلى غرّة الكرمانى أرسل إليه ثلاثمائة فارس، فاقتتلوا قتالا شديدا فطعن الكرمانى فى خاصرته، فخرّ عن دابّته، وحماه أصحابه حتى جاءهم مالا قبل لهم به. فقتل نصر الكرمانى وصلبه، وصلب معه سمكة.
فأقبل ابنه علىّ وقد جمع جمعا كثيرا، وانضمّ إلى أبى مسلم، وقاتلوا نصر بن سيّار حتى أخرجوه من دار الإمارة. ودخل أبو مسلم مرو على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار الدولة العباسية.
قال: ولما رأى نصر قوة أبى مسلم كتب إلى مروان بن محمد
(21/529)

يعلمه حال أبى مسلم وخروجه وكثرة من معه، وأنه يدعو إلى إبراهيم ابن محمد، وكتب إليه بأبيات شعر، وهى «1» :
أرى بين الرّماد وميض نار «2» ... فأوشك أن يكون له «3» ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب مبدؤها كلام «4»
فقلت من التعجّب ليت شعرى ... أيقاظ أميّة أم نيام
فكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى مالا يرى الغائب، فاحسم الثّؤلول «5» قبلك.
فقال نصر: أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أنّه لا نصر عنده.
وكتب نصر إلى يزيد بن هبيرة بالعراق يستمدّه. فلما قرأ كتابه قال: لا تكثر، فليس له عندى رجل. ثم قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
ذكر خبر أبى حمزة المختار
ابن عوف الأزدى البصرى مع طالب الحقّ عبد الله بن محمد ابن يحيى الحضرمى كان المختار من الخوارج الأباضيّة، وكان يوافى مكة فى كل سنة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن محمد بن يحيى الحضرمى المعروف بطالب الحقّ فى آخر سنة [128 هـ] ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل،
(21/530)

أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معى، فإنى رجل مطاع فى قومى، فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف «1» مروان، وقد كان أبو حمزة اجتاز مرّة بمعدن بنى سليم «2» ، والعامل عليه كثير بن عبد الله، فسمع كلام أبى حمزة فجلده أربعين سوطا، فلما ملك أبو حمزة المدينة على ما نذكره تغيّب كثير.
وفى هذه السنة قدم أبو حمزة إلى الحجّ من قبل عبد الله بن محمد طالب الحقّ، فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلّا وقد طلعت عليه أعلام وعمائم سود على رءوس الرماح، وهم سبعمائة، ففزع الناس، وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم بخلافهم مروان وآله، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكّة والمدينة، وطلب منهم الهدنة أيام الحج، فقالوا: نحن بحجّنا أضنّ وعليه أشحّ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى تنفر الناس النفر الأخير، فوقفوا بعرفة على حدة، ودفع [بالناس] «3» عبد الواحد، ونزل بمنزل السلطان بمنى، ونزل أبو حمزة بقرين الثّعالب. فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد وأخلى مكّة فدخلها أبو حمزة بغير قتال، فقال بعضهم فى عبد الواحد «4» :
(21/531)

زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففرّ عبد الواحد
ترك الحلائل والإمارة هاربا ... ومضى يخبّط كالبعير الشارد
ومضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، وزاد أهلها فى العطاء عشرة عشرة، واستعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فخرجوا حتى وصلوا العقيق، وأتتهم رسل أبى حمزة يقولون: إنّنا والله ما لنا بقتالكم من حاجة، دعونا نمضى إلى عدوّنا.
فأتى أهل المدينة وساروا حتى نزلوا قديدا «1» ، وكانوا مترفين «2» ليسوا بأصحاب حرب، فلم يشعروا إلّا وقد خرج عليهم أصحاب أبى حمزة من الغياض فقتلوهم. وكانت المقتلة فى قريش، فأصيب منهم عدد كثير، وقدم المنهزمون «3» المدينة، فكانت المرأة تقيم النوائح على حميمها، ومعها النساء فتأتيهم الأخبار عن رجالهم، فيخرجن امرأة امرأة كلّ واحدة تذهب لقتل «4» رجلها فلا يبقى عندها امرأة، [وذلك] «5» لكثرة من قتل.
قيل: كان عدد القتلى سبعمائة، وكانت هذه الوقعة لسبع مضين من صفر سنة ثلاثين ومائة. [والله أعلم] «6» .
(21/532)

ذكر دخول أبى حمزة المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
قال: ودخل أبو حمزة المدينة فى ثالث [عشر] «1» صفر، ومضى عبد الواحد إلى الشام.
ولما دخل أبو حمزة رقى المنبر فخطب، وقال: يأهل المدينة، مررت زمان الأحول- يعنى هشام بن عبد الملك- وقد أصاب ثماركم عاهة، فكتبتم إليه تسألونه أن يضع عنكم خرصكم «2» . ففعل فزاد الغنىّ غنى والفقير فقرا، فقلتم له: جزاك الله خيرا، فلا جزاكم الله خيرا، ولا جزاه. واعلموا يأهل المدينة أنّا لم نخرج من ديارنا أشرا ولا بطرا، ولا عبثا ولا لدولة [ملك] «3» نريد أن نخوض فيه «4» ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لمّا رأينا مصابيح الحقّ قد عطّلت، وعنّف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط- ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعى الله، ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض؛ فأقبلنا من قبائل شتّى، ونحن قليلون مستضعفون فى الأرض.
فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا.
ثم لقينا رجالكم فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فدعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بنى مروان، فشتّان- لعمر الله- ما بين الغىّ والرّشد. ثم أقبلوا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه،
(21/533)

وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنّه، وأقبل أنصار الله تعالى [كتائب] «1» بكلّ مهنّد ذى رونق، فدارت رحانا، واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون.
وأنتم يأهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين.
يأهل المدينة؛ أوّلكم خير أول، وآخركم شرّ آخر، يأهل المدينة، أخبرونى عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى فى كتابه على القوىّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له فيها سهم، فأخذها لنفسه مكابرا محاربا ربّه.
يأهل المدينة، بلغنى أنكم تنتقصون أصحابى، قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة، ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا شبابا أحداثا، شباب والله «2» ، إنهم مكتهلون فى شبابهم، غضّة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن الحقّ أقدامهم.
قال: وأحسن السيرة مع أهل المدينة، واستمال الناس حتى سمعوه يقول: من زنى فهو كافر، من سرق فهو كافر، ومن شكّ فى كفرهما فهو كافر.
وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر، ثم ودّعهم، وقال: يأهل المدينة؛ إنّا خارجون إلى مروان، فإن نظفر نعدل فى أحكامكم ونحملكم على سنّة نبيكم، وإن يكن ما تتمنّون فسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون.
(21/534)

ذكر مقتل أبى حمزة
قال: ثم سار أبو حمزة نحو الشام، وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس، واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد ابن عطية السعدى- سعد هوازن- وأمره أن يجدّ السير ويقاتل الخوارج، فإن ظفر فيسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن «1» يحيى طالب الحقّ، فسار ابن عطية، فلقى أبا حمزة بوادى القرى، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم:
ما تقولون فى القرآن والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه فى جوف الجوالق. قال: فما تقولون فى مال اليتيم؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمّه- فى أشياء سألوه عنها.
فلما سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا فصاحوا: ويحك يابن عطية! إنّ الله قد جعل الليل سكنا، فاسكن.
فأبى وقاتلهم، فانهزم الخوارج، وأتوا المدينة فقتلهم أهلها، وسار ابن عطية إلى المدينة، فأقام بها شهرا وسار إلى اليمن، واستخلف على المدينة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية، وعلى مكة رجل من أهل الشام.
ذكر مقتل عبد الله بن يحيى المنعوت بطالب الحقّ وقتل ابن عطية
قال: وأقبل ابن عطية إلى اليمن، فبلغ عبد الله خبره وهو بصنعاء، فأقبل إليه بمن معه، والتقوا واقتتلوا، فقتل طالب الحق، وحمل
(21/535)

رأسه إلى مروان بالشام، ومضى ابن عطية إلى صنعاء. فدخلها وأقام بها، فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع السير ليحجّ بالناس؛ فسار فى اثنى عشر رجلا ومعه أربعون ألف دينار، وخلّف عسكره وخيله بصنعاء؛ فبينا هو يسير أتاه ابنا جمانة «1» المراديّان فى جمع كثير، فقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص، فأخرج ابن عطيّة عهده على الحج، وقال: هذا عهد أمير المؤمنين، وأنا ابن عطية.
فقالوا: هذا باطل، وأنتم لصوص، فقاتلهم ابن عطية حتى قتل فى سنة [130 هـ] ثلاثين ومائة.
نعود إلى تتمة حوادث سنة (129 هـ) تسع وعشرين ومائة:
فى هذه السنة كان ظهور الدولة العباسية بخراسان على ما تذكره فى أخبار الدولة العباسية.
وفيها غلب عبد الله بن معاوية على فارس على ما نذكر ذلك فى فى أخبار آل أبى طالب.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الواحد، وكان هو العامل على مكّة والمدينة والطائف وعلى العراق ابن هبيرة، وعلى خراسان نصر بن سيّار، والفتنة قائمة.
سنة (130 هـ) ثلاثين ومائة:
فى هذه السنة دخل أبو مسلم الخراسانى مرو، وبايع الناس لبنى العباس على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وفيها هرب نصر بن سيّار عن خراسان.
(21/536)

وفيها كان من أخبار الدولة العباسية ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها غزا الوليد بن هشام الصائفة، فنزل العمق «1» وبنى حصن مرعش.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير مكّة والمدينة والطائف.
سنة (131 هـ) إحدى وثلاثين ومائة:
فى هذه السنة مات نصر بن سيّار، ودخل قحطبة الرّىّ من قبل أبى مسلم الخراسانى، ثم دخل أصفهان، وفتحت شهرزور لبنى العباس، وسار قحطبة إلى العراق لقتال ابن هبيرة.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدى، وهو ابن أخى عبد الملك بن محمد، وكان على الحجاز؛ ولما بلغه قتل عمه عبد الملك توجّه إلى الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة؛ وبقر بطون نسائهم، وقتل الصّبيان، وحرق بالنار من قدر عليه منهم، وكان على العراق يزيد بن هبيرة.
سنة (132 هـ) اثنتين وثلاثين ومائة:
فى هذه السنة كانت هزيمة يزيد بن هبيرة عامل العراق.
وفيها خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسرى مسوّدا بالكوفة، وأخرج عامل ابن هبيرة منها على ما نذكر ذلك [إن شاء الله تعالى] «2» .
(21/537)

وفيها كان انقضاء الدّولة الأموية، وابتداء الدولة العباسية، وبيعة أبى العباس السفّاح بالخلافة.
وسار عبد الله بن علىّ بن عبد الله بن عباس إلى مروان بن محمد بأمر السفاح، فلقيه بزاب الموصل، واقتتلوا، فانهزم مروان إلى مصر، فلحقه صالح بن على أخو عبد الله ببوصير «1» ، فقتله ليلة الأحد لثلاث بقين من ذى الحجة على ما نذكر ذلك إن شاء الله مبيّنا فى أخبار الدولة العباسية، جريا فى ذلك على القاعدة التى قدّمناها.
ولما قتل مروان بن محمد كان له من العمر تسع وخمسون سنة.
وقيل: أقلّ من ذلك.
وكانت ولايته إلى أن بويع للسفاح خمس سنين وشهرا، وإلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر.
وكان نقش خاتمه: اذكر الموت يا غافل.
وكان له من الأولاد: عبد الله، وعبيد الله؛ هربا بعد قتله.
فأما عبد الله فقتله الحبشة، وعبيد الله أعقب.
وقيل: إنه أخذ وحبس إلى أيام الرشيد، فمات ببغداد، بعد أن أضر.
كاتبه: عبد الحميد بن يحيى مولى بنى عامر.
قاضيه: عثمان التيمى.
حاجبه: مقلار «2» مولاه.
(21/538)

الأمراء بمصر: منهم حسّان بن عتاهية، أقام ستة عشر يوما ثم وليها حفص بن الوليد، ثم عزله مروان وولى جوهر «1» بن سهل العجلانى، ثم بعثه مددا إلى ابن هبيرة، وولّاها المغيرة بن عبيد الله، ثم توفى فولّاها عبد الملك بن مروان ابن موسى بن نصير.
القاضى بها: عبد الرحمن بن سالم بعد أن صرف حسين بن نعيم، ولم يزل بها قاضيا إلى إمارة عبد الملك بن يزيد.
جامع أخبار بنى أمية
كانت مدة ولايتهم منذ خلص الأمر لمعاوية بن أبى سفيان وإلى أن قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام، منها مدة عبد الله بن الزّبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما.
وعدة من ولى منهم أربعة عشر رجلا، وهم: معاوية بن أبى سفيان، يزيد بن معاوية، الوليد بن يزيد بن عبد الملك. معاوية ابن يزيد بن معاوية. مروان بن الحكم. عبد الملك بن مروان. هشام ابن عبد الملك. سليمان بن عبد الملك. عمر بن عبد العزيز. رحمه الله تعالى.
يزيد بن عبد الملك. مروان بن محمد بن مروان. الوليد بن يزيد. يزيد ابن الوليد بن عبد الملك. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك. يزيد ابن «2» معاوية بن عبد الملك، هذا وعليه انقرضت دولتهم بالمشرق،
(21/539)

ثم قامت لهم دولة بالأندلس، سنذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا الدولة العباسية، وإنما فصلنا ما بين دولتهم بالمشرق ودولتهم بالمغرب وجعلنا الدولة العباسية بينهما لتكون أخبار الدولتين سياقة، ولأن بعض أخبار الدولة العباسيّة متعلّق بأخبار الدولة الأموية، فإذا ذكرناها بعد لا ينقطع سياق الأخبار، لأن دولتهم بالأندلس لم تكن تلو دولتهم هذه، بل كانت بعد سنين من قيام الدولة العباسية.
فصاروا إذا كالخوارج عليهم، والله تعالى الموفق للصواب والهادى له بمنه وكرمه. يتلوه إن شاء الله بعد فى أول الجزء الموفى عشرين من الكتاب: الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة العباسية وغيرها.
وكتبه الحقير محمد ابن أبى النصر المنوفى الحنفى غفر الله له آمين. «1»
والله تعالى الموفق للصواب والهادى له
(21/540)

تم الجزء الحادى والعشرون ويليه الجزء الثانى والعشرون وأوله: أخبار الدولة العباسية
(21/541)

فهرس الجزء الحادى والعشرين
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى
أولا- الموضوعات
مقدمة 5
أخبار المختار بن أبى عبيد بن مسعود الثقفى 7
وثوب المختار بالكوفة 12
عمال المختار بن أبى عبيد 22
قتل المختار قتلة الحسين 23
بيعة المثنى العبدى للمختار بالبصرة 34
مخادعة المختار ومكره بعبد الله بن الزبير وظهور ذلك له 35
امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد الله بن الزبير وما كان من أمره وإرسال المختار الجيش إلى مكة وخبر ابن الحنفية 38
مسير إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد وقتل ابن زياد 41
ولاية مصعب بن الزبير البصرة ومسيره إلى الكوفة وقتاله المختار وقتل المختار بن أبى عبيد 44
خبر كرسى المختار الذى كان يستنصر به، ويزعم أنه فى كتاب بنى إسرائيل 52
أخبار نجدة بن عامر الحنفى حين وثب باليمامة وما كان من أمره 54
(21/543)

الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبى فديك 58
الحوادث التى وقعت فى أيام عبد الله بن الزبير خلاف ما ذكر فى الأعمال الداخلة فى ولايته على حكم السنين 59
سنة أربع وستين 59
سنة خمس وستين 59
بناء ابن الزبير الكعبة 60
ذكر الحرب بين عبد الله بن خازم وبين بنى تميم بخراسان 61
سنة ست وستين 64
ذكر الفتنة بخراسان 64
سنة سبع وستين 67
سنة ثمان وستين 68
ذكر حصار الرى وفتحها 68
أخبار عبيد الله بن الحر ومقتله 68
سنة تسع وستين 77
سنة سبعين 77
يوم الجفرة 77
سنة إحدى وسبعين 80
سنة اثنتين وسبعين 80
سنة ثلاث وسبعين 80
بيعة مروان بن الحكم 81
السبب فى بيعة مروان 83
موقعة مرج راهط 88
مسير مروان إلى مصر واستيلائه عليها 94
ذكر البيعة لعبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان بن الحكم بولاية العهد 94
(21/544)

وفاة مروان بن الحكم 96
بيعة عبد الملك بن مروان 98
مقتل عمرو بن سعيد الأشدق، وشىء من أخباره ونسبه 100
نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق فى الإسلام والجاهلية 106
عصيان الجراجمة بالشام وما كان من أمرهم 108
خبر عمير بن الحباب بن جعدة السلمى وما كان بين قيس وتغلب من الحروب 110
يوم ماكسين 111
يوم الثرثار الأول 112
يوم الثرثار الثانى 112
يوم الفدين 112
يوم السكير 113
يوم المعارك 113
يوم الشرعبية 113
يوم البليخ 114
يوم الحشاك ومقتل عمير بن الحباب السلمى وابن هوبر التغلبى 114
الحرب بعد مقتل عمير بن الحباب السلمى 116
خبر يوم البشر 117
مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق وقتل مصعب بن الزبير واستيلاء عبد الملك على العراق 120
خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من القتال وانتظام الصلح بينهما 128
مقتل عبد الله بن خازم واستيلاء عبد الملك على خراسان 132
مقتل عبد الله بن الزبير وشىء من أخباره 133
نبذة من سيرته وأخباره 143
(21/545)

مبايعة أهل مكة عبد الملك بن مروان وما فعله الحجاج من هدم الكعبة وبنائها ومسيره إلى المدينة وما فعله فيها بالصحابة رضى الله عنهم 145
أخبار الخوارج فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر 147
مقتل أبى فديك الخارجى 150
ولاية المهلب بن أبى صفرة حرب الأزارقة 151
إجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل عبد الرحمن بن مخنف 152
الاختلاف بين الأزارقة ومفارقة قطرى بن الفجاءة إياهم ومبايعتهم عبد رب الكبير والحرب بينه وبين المهلب ومقتله 155
مقتل قطرى بن الفجاءة وعبيدة بن هلال ومن معهما من الأزارقة 159
خروج صالح بن مسرح التميمى وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيبانى 161
بيعة شبيب بن يزيد الشيبانى ومحاربته الحارث بن عميرة وهزيمة الحارث 164
الحروب بين أصحاب شبيب وعنزة 165
مسيرة شبيب إلى بنى شيبان وإيقاعه بهم ودخولهم معه 166
الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمى 167
الوقعة بين شبيب وسورة 168
الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد وقتل سعيد بن مجالد 169
مسير شبيب إلى الكوفة 172
محاربة شبيب أهل البادية 173
دخول شبيب الكوفة 174
محاربة شبيب زحر بن قيس وهزيمة جيش زحر 175
محاربة الأمراء الذين ندبهم الحجاج لقتاله وقتال محمد بن موسى بن طلحة وزائدة بن قدامة 176
محاربته عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعثمان بن قطن وقتل ابن قطن 179
(21/546)

محاربة عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما 183
قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها 188
مهلك شبيب 190
خروج مطرف بن المغيرة ومقتله 193
الغزوات والفتوحات فى أيام عبد الملك بن مروان على حكم السنين 196
غزو عبيد الله بن أبى بكرة رتبيل 197
مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده 199
غزو المهلب بن أبى صفرة ما وراء النهر 201
دخول الديلم قزوين وقتلهم 202
فتح قلعة نيزك بباذغيس 203
فتح المصيصة 204
الحوادث الكائنة فى أيام عبد الملك بن مروان 204
ولاية محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية 205
ولاية الحجاج بن يوسف العراق، وما فعله عند مقدمه 207
وثوب أهل البصرة بالحجاج 214
ما كلم به الحجاج أنس بن مالك وشكواه إياه 219
ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله 222
ولاية مجاعة بن سعر التميمى على السند ووفاته 222
خبر الزنج بالبصرة 222
ضرب الدنانير والدراهم الإسلامية 223
مقتل بكير بن وساج 224
حوادث سنة 78 هـ 227
حوادث سنة 79 هـ 228
حوادث سنة 80 هـ 228
حوادث سنة 81 هـ 229
(21/547)

مقتل بحير بن ورقاء 229
خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج، وما كان بينهما من الحروب 233
الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ابن الأشعث 237
وقعة دير الجماجم 239
الوقعة بمسكن 247
مسير عبد الرحمن بن الأشعث إلى رتبيل، وما كان من أمره وأمر أصحابه 249
بقية حوادث سنة 81 هـ 259
حوادث سنة 82 هـ 259
وفاة المهلب بن أبى صفرة ووصيته لبنيه وولاية ابنه يزيد خراسان 259
خبر عمر بن أبى الصلت وخلعه الحجاج بالرى وما كان من أمره 261
بناء واسط 262
حوادث سنة 84 هـ 263
حوادث سنة 85 هـ 263
عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل 263
أخبار موسى بن عبد الله بن خازم واستيلائه على ترمذ 265
وفاة عبد العزيز بن مروان، وولاية عبد الملك بن عبد الله مصر والبيعة للوليد وسليمان ابنى عبد الملك بولاية العهد 275
وفاة عبد الملك بن مروان 277
وصيته بنيه عند موته 278
أولاده وأزواجه 278
شىء من أخباره وعماله 279
الأمراء بمصر وقضاتها 280
بيعة الوليد بن عبد الملك 281
الغزوات والفتوح التى اتفقت فى خلافة الوليد بن عبد الملك 282
(21/548)

ولاية قتيبة بن مسلم خراسان، وغزواته وفتوحه 282
قتيبة ونيزك 284
غزوة بيكند وفتحها 284
غزو نومشكت، وراميثنة، وصلح أهلها، وقتال الترك والصغد وأهل فرغانة 285
غزو بخارى وفتحها 286
غدر نيزك وفتح الطالقان وما كان من خبر نيزك إلى أن قتل 289
غزوة شومان وكش ونسف وفتح ذلك 294
ذكر صلح خوارزم شاه وفتح خام جرد 295
فتح سمرقند 296
غزو الشاش وفرغانة 299
فتح مدينة كاشغر 301
غزوات قتيبة وفتوحاته 303
فتح السند وقتل ملكها، وما يتصل بذلك من أخبار العمال عليها 304
ذكر الغزوات إلى بلاد الروم وما فتح منها. وغزوات الصوائف على حكم السنين 311
فتح طوانة وغيرها من بلاد الروم 311
الحوادث الكائنة فى أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما تقدم 313
فى سنة 86 هـ 313
فى سنة 87 هـ 314
فى سنة 88 هـ 314
عمارة مسجد النبى والزيادة فيه 314
فى سنة 89 هـ 316
ولاية خالد بن عبد الله القسرى مكة، وما خطب الناس به وقاله 316
فى سنة 90 هـ 316
هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج 316
فى سنة 91 هـ 319
(21/549)

فى سنة 92 هـ 320
فى سنة 93 هـ 321
عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز 321
فى سنة 94 هـ 322
مقتل سعيد بن جبير 322
وفاة زين العابدين على بن الحسين 324
شىء من سيرته 324
فى سنة 95 هـ: 331
وفاة الحجاج بن يوسف الثقفى وشىء من أخباره 331
فى سنة 96 هـ: 335
وفاة الوليد بن عبد الملك وشىء من أخباره 335
بيعة سليمان بن عبد الملك 338
قتل قتيبة بن مسلم 338
فى سنة 97 هـ 344
ولاية يزيد بن المهلب خراسان 344
فى سنة 98 هـ 347
محاصرة القسطنطينية 347
فتح قهستان وجرجان وطبرستان 349
فتح جرجان الفتح الثانى وإنشاء مدينتها 351
فى سنة 99 هـ 353
وفاة سليمان بن عبد الملك وشىء من أخباره 353
بيعة عمر بن عبد العزيز 355
فى سنة مائة للهجرة 359
خروج شوذب الخارجى 359
حوادث سنة 101 هـ 364
وفاة عمر بن عبد العزيز 365
(21/550)

نبذة من سيرته 366
بيعة يزيد بن عبد الملك 372
مقتل شوذب الخارجى وهزيمته بجيوش يزيد قبل ذلك 374
الغزوات والفتوح فى خلافة يزيد بن عبد الملك: 375
غزوة الترك 375
غزوة الصغد 377
الوقعة بين سعيد الحرشى أمير خراسان وبين الصغد 378
ظفر الخزر بالمسلمين 381
فتح بلنجر وغيرها 382
استيلاء يزيد بن المهلب على البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك 384
بقية أخبار سنة (101 هـ) إحدى ومائة 391
حوادث سنة اثنتين ومائة (102 هـ) 392
ولاية مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان وعزله، وولاية عمر بن هبيرة 392
البيعة لهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، بولاية العهد 392
مقتل يزيد بن أبى مسلم 392
حوادث سنة ثلاث ومائة (103 هـ) 394
ذكر استعمال سعيد الحرشى على خراسان، وعزل سعيد خدينة عنها 394
حوادث سنة أربع ومائة (104 هـ) : 395
عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة وولاية عبد الواحد 395
حوادث سنة خمس ومائة (105 هـ) 397
ذكر أخبار الخوارج فى أيام يزيد بن عبد الملك 397
وفاة يزيد بن عبد الملك وشىء من أخباره 399
بيعة هشام بن عبد الملك 402
(21/551)

الغزوات والفتوح فى أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين 403
غزوة مسلم الترك 404
غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس 405
خبر أشرس بن عبد الله السلمى أمير خراسان 407
ذكر وقعة كمرجة 410
عزل أشرس عن خراسان، واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن وقتاله الترك 412
مقتل الجراح بن عبد الله الحكمى وولاية سعيد الحرشى 414
وقعة الجنيد بالشعب 417
غزو مسلمة وعوده 421
غزو مروان بن محمد بلاد الترك، ودخوله إلى بلاد ملك السرير وغيرها 421
ظفر المسلمين بالترك وقتل خاقان ملك الترك 425
غزوات نصر بن سيار ما وراء النهر 427
غزو مروان بن محمد بن مروان 431
حوادث سنة ست ومائة (106 هـ) : 432
ذكر ولاية أسد خراسان 432
حوادث سنة سبع ومائة (107 هـ) : 434
حوادث سنة ثمان ومائة (108 هـ) : 435
حوادث سنة تسع ومائة (109 هـ) : 435
حوادث سنة عشرة ومائة (110 هـ) 436
حوادث سنة إحدى عشرة ومائة (111 هـ) 437
حوادث سنة اثنتى عشرة ومائة (112 هـ) 437
حوادث سنة ثلاث عشرة ومائة (113 هـ) 437
(21/552)

حوادث سنة أربع عشرة ومائة (114 هـ) 437
حوادث سنة خمس عشرة ومائة (115 هـ) 438
حوادث سنة ست عشرة ومائة (116 هـ) 438
خلع الحارث بن سريج بخراسان، وما كان من أمره 439
سنة سبع عشرة ومائة (117 هـ) 441
عزل عاصم عن خراسان، وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج 441
سنة تسع عشرة ومائة (119 هـ) : 445
قتل المغيرة وبيان 445
خبر الخوارج فى هذه السنة 447
سنة عشرين ومائة: 451
عزل خالد بن عبد الله القسرى، وولاية يوسف بن عمر الثقفى 451
حوادث سنة إحدى وعشرين ومائة (121 هـ) : 458
حوادث سنة اثنتين وعشرين ومائة (122 هـ) : 458
ذكر مقتل البطال 458
حوادث سنة ثلاث وعشرين ومائة 459
صلح نصر بن سيار مع الصغد 459
حوادث سنة خمس وعشرين ومائة (125 هـ) : 460
ذكر وفاة هشام بن عبد الملك، ونبذة من أخباره 460
ذكر بيعة الوليد بن يزيد 462
حوادث سنة ست وعشرين ومائة: 469
مقتل خالد بن عبد الله القسرى، وشىء من أخباره 469
ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وشىء من أخباره 473
ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص 487
ذكر اضطراب أمر بنى أمية 488
(21/553)

خلاف أهل حمص وفلسطين: 489
خلاف أهل حمص 489
خلاف أهل فلسطين 491
عزل يوسف بن عمر عن العراق، واستعمال منصور بن جمهور 491
عزل منصور بن جمهور عن العراق، وولاية عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز 495
ذكر الاختلاف بين أهل خراسان 496
ذكر الحرب بين اليمامة وعاملهم 501
وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك 504
بيعة إبراهيم بن الوليد 505
تتمة حوادث سنة ست وعشرين ومائة (126 هـ) 505
سنة سبع وعشرين ومائة (127 هـ) 506
ذكر مسيرة مروان بن محمد إلى الشام، وخلع إبراهيم بن الوليد 506
ذكر بيعة مروان بن محمد 508
رجوع الحارث بن سريج 509
انتقاض أهل حمص 511
ذكر خلاف أهل الغوطة 512
ذكر خلاف أهل فلسطين 512
خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد 514
ذكر خروج الضحاك محكما، وما كان من أمره إلى أن قتل 516
ذكر خبر الخيبرى الخارجى وقتله وقيام شيبان 519
أخبار شبيب الحرورى وما كان من أمره إلى أن قتل 520
سنة ثمان وعشرين ومائة (128 هـ) : 523
مقتل الحارث بن سريج وعتبة الكرمانى على مرو 523
سنة تسع وعشرين ومائة (129 هـ) 529
مقتل الكرمانى 529
(21/554)

خبر أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى البصرى مع طالب الحق عبد الله بن محمد بن يحيى الحضرمى 530
دخول أبى حمزة المدينة 533
مقتل أبى حمزة 535
مقتل عبد الله بن يحيى المنعوت بصاحب الحق، وقتل ابن عطية 535
تتمة حوادث سنة (129 هـ) 536
حوادث سنة ثلاثين ومائة (130 هـ) 536
حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائة (131 هـ) 537
حوادث سنة اثنتين وثلاثين ومائة (132 هـ) : 537
جامع أخبار بنى أمية 539
(21/555)

ثانيا- مراجع التحقيق
الاستيعاب لابن عبد البر مطبعة نهضة مصر
الاشتقاق لابن دريد مطبعة السنة المحمدية
الاصمعيات طبعة دار المعارف
الأغانى لأبى الفرج الاصفهانى طبعة دار الكتب
الاكمال لابن ماكولا نسختى المخطوطة المحققة
تاج العروس للزيدى دار ليبيا للنشر والتوزيع
تاريخ الطبرى طبعة دارالمعارف
ديوان الفرزدق المكتبة الاهلية
ديوان النابغة الذبيانى دارالفكر
شرح ديوان الحماسة للتبريزى طبعة التجارية
شرح ديوان الحماسة للمرزوقى لجنة التأليف
الشعر والشعراء لابن قتيبة طبعة عيسى الحلبى
العقد الفريد لابن عبد ربه لجنة التأليف
فتوح البلدان للبلاذرى شركة طبع الكتب العربية 1901 م
القاموس المحيط المطبعة المصرية
قصص العرب طبعة عيسى الحلبى
الكامل لابن الأثير إدارة الطباعة المنيرية
لب اللباب لابن الأثير مكتبة القدسى
لسان العرب لابن منظور الطبعة الأميرية
مختارات ابن الشجرى طبعة نهضة مصر
مراصد الاطلاع فى أسماء الأمكنة والبقاع مكتبة عيسى الحلبى
(21/556)

مروج الذهب للمسعودى طبعة التجارية
المشتبه للذهبى طبعة مكتبة عيسى الحلبى
معجم البلدان لياقوت مطبعة السعادة
معجم الشعراء للمرزبانى طبعة مكتبة عيسى الحلبى
معجم ما استعجم للبكرى مطبعة التأليف
النجوم الزهراة طبعة دار الكتب
(21/557)