Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 022

الجزء الثاني والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقديم
هذا هو الجزء الثانى والعشرون من نهاية الأرب، قد اعتمدت فى تحقيقه على ثلاث مخطوطات محفوظة بدار الكتب بأرقام 592، 551، 549 معارف عامة، رمزت للأولى 592 بحرف ف، والثانية 551 بحرف ص، والثالثة 549 بحرف ك، وهى مخطوطات تستحق الدراسة والتنويه عنها إلا أن هذا الجزء ليس موضعا لهذه الدراسة، ذلك لأن هذا الجزء سبقه واحد وعشرون، وكلها جميعا تعتمد على هذه المخطوطات.
ولكن على الرغم من هذا فأرى من واجبى- أداء للأمانة العلمة- أن أورد ملحوظة، ربما كان هذا الجزء وحده يستقل بها أو لعلها شائعة فى الأجزاء كلها، وهى على أية حال تستحق التسجيل، فقد لاحظت:
أن المخطوطة رقم 549 المرموز لها بحرف ك كثيرة الأخطاء، ولا يتحرى ناسخها الدقة فى النقل عن المصدر الذى ينقل منه، ويتفرد بخصيصة غريبة هى عدم العناية والإهمال، إهمالا جعله يضطرب فيخلط بين الأحداث، وهو- بعد هذا- لا يستقل بذلك بل يفرض نفسه على المنسوخ، يحكم
(22/5)

ذوقه البيانى على ما ينقل فيقدم من حروف الجر ويؤخر وفق هواه، ويغير من الألفاظ فيأتينا بألفاظه لا بألفاظ المصدر، ولكن هذا قليل قلة يمكن التجاوز عنه، ولكن الذى لا نستطيع التجاوز عنه ولا الصبر عليه هو وضعه ألفاظا لما لم يستطع قراءته، والحق أن كل هذه العيوب تسقط من قيمة هذه المخطوطة، وفى نظرى إن عيبا واحدا منها كاف ليجعلنى أنفر أو بتعبير أدق وأصح يجعلنى أربأ بالعمل العلمى أن يجعل هذه المخطوطة إحدى عمد نشر كتاب نهاية الأرب، وأرى أن تكون عونا يسعف إذا كان فيها ما يسعف.
أما المخطوطة رقم 592 وهى المرموز لها بحرف ف فهى بلا شك يجب أن تكون إحدى عمد النشر، ذلك لأن ناسخها معاصر أو يمكن اعتباره معاصرا للمؤلف، وهذا يجعل قيمتها التاريخية فى درجة عالية، ولكن على الرغم من هذه القيمة لعلمية لهذه المخطوطة فإنها لا تسلم من العيوب، وهى عيوب خطيرة، نتجت فى رأيى من ضعف ناسخها فى قراءة نسخة المؤلف، ويجب علينا ألا ندع الحديث عن هذه المخطوطة دون أن نشير إلى أن ناسخ ك ينقل من هذه المخطوطة ف ودليل ذلك أن كل سقط فى ف نجده فى ك والعكس غير صحيح، ذلك لأننا نجد فى ك سقطا ليس فى ف.
والمخطوطة التى تستحق كل تقدير علمى هى المخطوطة رقم 551 وهى المرموز لها بحرف ص، ذلك لأن الناسخ أمين فى نقله، دقيق فى نقل الألفاظ دقة تجعله يرسم الكلمة التى لم يستطع قراءتها، وحسبك هذا لتقييم هذه المخطوطة، ولكن على الرغم من هذه القيمة العلمية فإنها لا تسلم من عيب، ذلك لأن الناسخ كثيرا ما يهمل النقط، والنقط أساس فى قراءة الكلمات العربية، ولكن الذى ييسر ويهون من خطر هذا العيب أن النويرى ينقل عن غيره بالنص رغم التزامه الإيجاز، ينقل العبارة بنص صاحبها إلا فى أندر الأحوال، ومن ثمّ كان هذا العيب لا يعوق المحقق من أداء عمله
(22/6)

وبعد فهذه إشارة تغنى عن التصريح والاسهاب عن هذه المخطوطات المشار إليها فى هوامش الكتاب، وهذا هو الجزء الثانى والعشرون أرجو أن أكون قد أديت واجبى نحوه، فإن جاء مطابقا لما يطلب من المحقق شكرت ربى على التوفيق وإن كان هناك تقصير فجهدى قد بذلته والكمال لله وحده، والله ولى التوفيق.
مايو سنة 1961 محمد جابر الحينى
(22/7)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة العباسية بالعراق وغيره
والديار المصرية وما معها خاصة وابتداء أمر الشيعة وظهورهم وما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبى العباس عبد الله السفاح ومن قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا.
[في سنة مائة من الهجرة]
ذكر ابتداء ظهور دعوة بنى العباس وأمر الشيعة
قال ابن الأثير الجزرى رحمه الله تعالى فى تاريخه الكامل، كان ابتداء ظهور دعوة بنى العباس فى خلافة عمر بن عبد العزيز، وذلك أن محمد بن على بن عبد الله بن العباس- وهو والد أبى العباس السفاح- بث دعاته فى الآفاق فى سنة مائة من الهجرة، وكان ينزل بأرض الشّراة من أعمال البلقاء بالشام، وكان أمر الشيعة بعد قتل الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما صار إلى أخيه محمد بن الحنفية، وقال بعض المؤرخين «1» إنه صار إلى على بن الحسين، ثم إلى محمد بن على الباقر، ثم إلى جعفر بن محمد، والذى عليه الأكثر «2» أن محمد بن الحنفية أوصى به إلى ابنه أبى هاشم، فلم يزل قائما بأمر الشيعة، فلما كان فى أيام سليمان بن عبد الملك وفد عليه فأكرمه سليمان، وقال ما ظننت قرشيا قط يشبه هذا وقضى حوائجه، ثم شخص من عنده
(22/9)

يريد فلسطين، فلما كان ببلد لخم وجذام ضربت له أبنية فى الطريق ومعهم اللبن المسموم، فكلما مرّ بقوم قالوا «1» : هل لك فى الشراب، فيقول جزيتم خيرا، حتى مرّ بآخرين فعرضوا عليه، وهو يظنهم «2» أنهم من لخم وجذام، فقال هاتوا وشرب، فلما استقر فى جوفه أحسّ بالسم، فقال لأصحابه إنى ميت، فانظروا من القوم؟ فنظروا من القوم فإذا هم قوّضوا «3» أبنيتهم ورحلوا، فقال ميلوا بى إلى ابن عمى وأسرعوا، فإنى أحسب أنى لا ألحقه، وكان محمد بن على والد أبى العباس السفاح بالحميمة من أرض الشراة بالشام.
ذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس وبثه الدعاة
قال: فلما وصل أبو هاشم إلى محمد بن على قال: يا ابن عم، إنى ميت وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك ابن الحارثيّة هو القائم به، ثم أخوه من بعده، والله لا يتم هذا الأمر حتى ترج الرايات السود من خراسان، ثم ليغلبنّ على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية وما بين الهند وأقصى فرغانة، فعليك بهؤلاء الشيعة فهم دعاتك وأنصارك ولتكن دعوتك خراسان، واستبطن هذا الأمر الحىّ من اليمن، فإنّ كل ملك لا يقوم بهم، فأمره «4» إلى انتقاض وأمرهم فليجعلوا اثنى عشر نقيبا وبعدهم سبعين نقيبا، فإنّ الله تعالى لم يصلح بنى إسرائيل إلا بهم، وقد فعل ذلك النبى صلّى الله عليه وسلّم، فإذا مضت سنة الحمار فوجّه رسلك نحو خراسان. فمنهم من يقتل
(22/10)

ومنهم من ينجو، حتى يظهر الله دعوتكم، فقال محمد بن على: أبا هاشم وما سنة الحمار، قال إنه لم تمض مائة سنة من نبوّة إلا انتقض أمرها، لقوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
إلى قوله فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
«1» .
واعلم أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثم مات أبو هاشم وكان قد «2» أعلم شيعته من أهل خراسان والعراق عند ترددهم إليه، أن الأمر صائر إلى ولده محمد بن على، وأمرهم بقصده بعده، فلما مات أبو هاشم قصدوا محمدا وبايعوه، وعادوا فدعوا الناس إليه فأجابوهم، وكان الذين سيّرهم إلى الآفاق جماعة، فوجّه ميسرة إلى العراق، ومحمد بن خنيس وأبا عكرمة السرّاج- وهو أبو محمد الصادق- وحيّان العطّار- خال إبراهيم بن سلمة «3» - إلى خراسان، وعليها يوم ذاك الجرّاح الحكمى، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب إلى محمد بن على فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن على اثنى عشر نقيبا، منهم سليمان بن كثير الخزاعى، ولاهز بن قريظ التميمى، وقحطبة بن شبيب الطائى، وموسى ابن كعب التميمى، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بنى شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمى، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى أبى معيط، ومالك بن الهيثم الخزاعى، وطلحة بن زريق الخزاعى، وعمرو ابن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو على الهروى مولى لبنى حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة، واختار سبعين رجلا فكتب إليهم
(22/11)

محمد بن على كتابا، ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها، وذلك فى سنة مائة من الهجرة.
[في سنة اربع ومائة من الهجرة]
ذكر مولد أبى العباس السفاح
قال: كان عبد الملك بن مروان قد منع محمد بن على أباه من زواج أمه، وهى ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان «1» الحارثى، ثم منعه الوليد وسليمان بعده لأنهم كانوا يرون أن ملكهم يزول على يد رجل من بنى العباس يقال له ابن الحارثية، فلما ولى عمر بن عبد العزيز شكى محمد بن على ذلك، وسأله ألا يمنعه من زواجها وكانت بنت خاله، فقال له عمر:
تزوّج من شئت فتزوّجها، فولدت له أبا العباس السفاح فى شهر ربيع الآخر سنة أربع ومائة، ووصل إلى أبيه محمد بن على أبو محمد الصادق من خراسان فى عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس فى خرقة وله خمسة عشر يوما، وقال لهم هذا صاحبكم الذى يتم الأمر على يديه، فقبلوا أطرافه، وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم.
وفى سنة خمس ومائة:
قدم بكير بن ماهان من السند وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن، فلما عزل الجنيد قدم بكير إلى الكوفة، ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقى أبا عكرمة الصادق، وميسرة، ومحمد بن خنيس، وسالم الأعين، وأبا يحيى مولى بنى مسلمة، فذكروا له أمر دعوة بنى هاشم فقبل ذلك، وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن على، فأقامه مقامه.
وفى سنة سبع ومائة.
وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة ومحمد بن خنيس
(22/12)

وعمّار العبادى وزيادا- خال الوليد الأزرق- فى عدة من شيعتهم دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله القسرى وهو أمير خراسان، فوشى بهم فأتى بأبى عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه، ونجا عمّار، فقطع أسد أيدى من ظفر به منهم وصلبه، وأقبل عمار إلى بكير ابن ماهان فأخرجه، فكتب إلى محمد بن على بذلك، فأجابه: الحمد لله الذى صدق دعوتكم ومقالتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستقتل. وقيل إن أول من قدم خراسان من دعاة بنى العباس زياد «1» أبو محمد مولى همدان.
وفى سنة تسع ومائة.
بعثه محمد بن على وقال له: انزل اليمن «2» والطف مضر، ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب، فلما قدم دعا إلى بنى العباس وذكر سيرة بنى أمية وظلمهم، وأطعم الناس الطعام، وقدم عليه غالب وتناظرا فى تفضيل آل علىّ وآل العباس، وافترقا وأقام زياد بمرو شتوة يختلف إليه من أهلها يحيى بن عقيل الخزاعى وغيره، فأخبر به «3» أسد فدعاه وقال له: ما هذا الذى بلغنى عنك؟ قال: الباطل، إنما قدمت فى تجارة وقد فرّقت مالى على الناس، فإذا اجتمع خرجت، فقال له أسد: اخرج عن بلادى، فانصرف وعاد إلى أمره، فرفع أمره إلى أسد وخوّف جانبه، فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة، ولم ينج منهم إلا غلامان استصغرهما وقيل- أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه فلم يعمل السيف فيه فكبّر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ فقالوا نبا السيف عنه، ثم ضرب مرة أخرى فنبا عنه، ثم ضرب الثالثة فقطعه باثنتين، وعرض البراءة منه على أصحابه، فمن تبّرأ خلى سبيله، فتبّرأ اثنان فتركا، وأبى البراءة ثمانية فقتلوا، فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد، فقال أسألك أن تلحقنى
(22/13)

بأصحابى فقتله، وذلك قبل الأضحى بأربعة أيام من سنة تسع ومائة، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيرا، فنزل على أبى النجم وكان يأتيه الذين لقوا زيادا، فكان على ذلك سنة أو سنتين وكان أميا، فقدم عليه خداش واسمه عمارة، فغلب كثيرا على أمره. ويقال إن أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علىّ حرب بن عثمان مولى بنى قيس بن ثعلبة، من أهل بلخ- والله تعالى أعلم.
وفى سنة ثمانى عشرة ومائة:
وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد «1» الخزاعى إلى خراسان واليا على شيعة بنى العباس، فنزل مرو وغيّر اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن على فسارع إليه الناس وأطاعوه، ثم غيّر ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرميّة، ورخّص لبعضهم فى نساء بعض، وقال لهم إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وأن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة الدعاء له، والحج القصد إليه وكان يتأول من القرآن قوله تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «2»
، قال وكان خداش نصرانيا بالكوفة فأسلم ولحق بخراسان، وكان ممن اتبعه على مقالته: مالك ابن الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمى وغيرهما، وأخبرهم أن محمد بن علىّ أمره بذلك، فبلغ خبره أسد بن عبد الله فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل عينيه، وأمر يحيى بن نعيم الشيبانى فقتله وصلبه بآمل.
وفيها مات على بن عبد الله بن عباس بالحمّيمه من أرض الشّراة بالشام، وهو ابن ثمان أو سبع وسبعين «3» ، وهو والد محمد الإمام، وقيل
(22/14)

إنه ولد فى الليلة التى قتل فيها على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه فسمّاه عليّا، وقال سميته باسم أحب الناس إلىّ، وكناه بأبى الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه معه على سريره، وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع هذا الاسم والكنية لأحد فى عسكرى، وسأله:
هل لك ولد؟ قال: نعم وقد سميته محمدا، قال: فأنت أبو محمد. وقيل إنه خلف اثنين وعشرين ولدا.
وفى سنة عشرين ومائة:
وجّهت الشيعة بخراسان إلى محمد الإمام سليمان بن كثير، ليعلمه أمرهم وما هم عليه، وكان محمد قد ترك مكاتبتهم ومراسلتهم، لطاعتهم لخداش وقبولهم منه ما رواه عنه من الكذب، فقدم سليمان على محمد فعنّفه محمد فى ذلك، ثم صرفه إلى خراسان ومعه كتاب مختوم، فلم يجدوا فيه إلا البسملة، فعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجّه محمد إليهم «1» بكير بن ماهان بعد عود سليمان من عنده، وكتب إليهم يعلمهم كذب خداش فلم يصدقوه واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه بعصى مضبّبة بعضها بحديد وبعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل واحد منهم عصى، فتابوا ورجعوا.
ذكر خبر أبى مسلم الخراسانى وابتداء أمره
قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل، قد اختلف الناس فى أمر أبى مسلم، فقيل كان حرا، وكان اسمه إبراهيم بن عثمان بن بشار «2» بن سدوس بن جود زده «3» من ولد بزرجمهر «4» ويكنى أبا إسحاق، ولد
(22/15)

بأصفهان ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السرّاج، فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس الإمام قال له: غيّر اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك، على ما وجدته فى الكتب، فسمى نفسه «1» عبد الرحمن بن مسلم وكان يكنى أبا مسلم، ومضى لشأنه، وله ذؤابة وهو على حمار بإكاف «2» وله تسع عشرة سنة، وزوّجه إبراهيم الإمام ابنة عمران بن إسماعيل الطائى المعروف بأبى النجم؛ هذا نسبه على زعم من يقول إنه حر، ولما تمكّن وقوى أمره ادّعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، وكان من حديث سليط هذا أن عبد الله بن عباس كان له جارية مولدة صفراء تخدمه، فواقعها مرة ثم تركها دهرا، فاستنكحت عبدا من أهل المدينة فولدت له غلاما، فاستعبده عبد الله بن عباس وسماه سليطا، فنشأ جلدا ظريفا وخدم ابن عباس، ثم صار له من الوليد بن عبد الملك منزلة «3» ، فادعى أنه من ولد عبد الله بن عباس، وأعانه الوليد على ذلك لما كان فى نفسه من على بن عبد الله بن عباس، وأمره بمخاصمته فخاصمه، واحتال فى شهود على إقرار عبد الله أنه ولده، فشهدوا بذلك عند قاضى دمشق، واتبع القاضى رأى الوليد فى ذلك، فأثبت نسبه وخاصم عليّا فى الميراث.
وأما من زعم أنه كان عبدا فإنه حكى، أن بكير بن ماهان كان كاتبا لبعض عمال السند، فقدم الكوفة فاجتمع بشيعة بنى العباس. فغمز بهم فحبس وخلّى عن الباقين، وكان فى الحبس أبو عاصم يونس. وعيسى بن معقل العجلى ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه، ثم قال لعيسى بن معقل: ما هذا منك؟ قال: هو مملوك. قال: أتبيعه؟ قال: هو
(22/16)

لك، قال: أحب أن تأخذ ثمنه، قال هو لك بما شئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى موسى السرّاج فسمع منه وحفظ، ثم صار يتردد إلى خراسان.
وقيل إنه كان لبعض أهل هراة بوشنج شيخ، فقدم مولاه على إبراهيم الإمام وأبو مسلم معه، فأعجبه فابتاعه منه وأعتقه، ومكث عنده عدة سنين، وكان يتردد بكتب إلى خراسان على حمار له بإكاف، ثم ولاه إبراهيم أمر الشيعة بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى سنة أربع وعشرين ومائة:
مات محمد بن على بن عبد الله بن عباس فى قول بعضهم، وأوصى إلى ابنه إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة، وقيل بل مات فى سنة خمس وعشرين ومائة فى ذى القعدة، هو ابن ثلاث وستين سنة.
وفى سنة ست وعشرين ومائة:
وجّه إبراهيم بن محمد «1» الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة ونعى لهم محمد بن على، ودعاهم إلى ابنه إبراهيم ودفع إليهم كتابه فقبلوه، ودفعوا له ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم.
وفى سبع وعشرين ومائة:
توجّه سليمان بن كثير، ولاهز بن قريظ، وقحطبة إلى مكة فلقوا إبراهيم الإمام بها، وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتى ألف درهم ومسكا ومتاعا، وكان معهم أبو مسلم.
وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره أنه فى الموت، وأنه قد استخلف أبا سلمة حفص بن ماهان وهو رضى للأمر،
(22/17)

فكتب إبراهيم إلى أبى سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه «1» ، وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إليهم فقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم.
قال «2» وفى سنة ثمان وعشرين ومائة:
ذكر ولاية أبى مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراسانى أمر الشيعة
وجّه إبراهيم بن محمد الإمام أبا مسلم «3» الخراسانى إلى خراسان وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: إنى قد أمرته بأمرى، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنى قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا فالتقوا بمكة عند إبراهيم الإمام، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: هل عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علىّ؟ وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألى على اثنين أبدا «4» ، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبى مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة له، ثم قال: إنك رجل منّا أهل البيت، فاحفظ وصيتى: انظر هذا الحىّ من اليمن فالزمهم «5» ، واسكن بين أظهرهم فإن الله تعالى لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة فى أمرهم، وأما مضر فإنهم
(22/18)

العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم العربية [فافعل «1» ] ، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به منّى.
وفى سنة تسع وعشرين ومائة:
ذكر إظهار الدعوة بخراسان
كتب إبراهيم الإمام إلى أبى مسلم يستدعيه، فسار فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين من النقباء، فلما وصل إلى قومس أتاه كتاب إبراهيم، يقول: إنى قد بعثت إليك براية النصر «2» ، فارجع من حيث لقيك كتابى، ووجّه إلىّ قحطبة بما معك يوافينى به فى الموسم، وكتابا إلى سليمان بن كثير، فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجّه قحطبة إلى إبراهيم بما معه من الأموال والعروض، وقدم أبو مسلم إلى مرو ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، يأمره بإظهار الدعوة، فنصبوا «3» أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بنى العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم وبعد ممن أجابهم بإظهار الدعوة، ونزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين، على أبى الحكم عيسى بن أعين النقيب، ووجّه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخار ستان فما دون بلخ، وأمرهما بإظهار الدعوة فى شهر رمضان، وكان نزوله القرية فى شعبان، وبث الدعاة إلى مرو الرّوذ والطّالقان وخوارزم، وأمرهم بإظهار الدعوة فى شهر رمضان لخمس بقين منه، وقال لهم فإن أعجلكم عدوكم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حلّ لكم أن تدفعوا عن أنفسكم،
(22/19)

وتجردوا السيوف وتجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منكم عدوه عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعده، ثم تحرك أبو مسلم فنزل فى قرية سفيذنج على كثير بن سليمان الخزاعى لليلتين خلتا من شهر رمضان، والكرمانى وشيبان يقاتلان نصر بن سيّار، فبث أبو مسلم دعاته فى الناس وأظهر أمره، فأتاه فى ليلة واحدة نحو ستين قرية، فلما كان ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان عقد اللواء، الذى بعث به الإمام إليه ويدعى الظل «1» ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وهو يتلو أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «2»
، ولبسوا السواد هو وأخوه سليمان بن كثير ومواليه، ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم «3» فكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وقدم عليه الدعاة الذين بثهم فى الدعوة بمن أجابهم، وذلك بعد ظهوره بيومين، فلما وافى عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به وبالشيعة، ونصب له منبرا فى العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدءون بالخطبة قبل الصلاة بأذان وإقامة، وأمره أيضا أن يكبّر ست تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر فى الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكان «4» بنو أمية يكبّرون فى الأولى أربع تكبيرات وفى الثانية ثلاثا، فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة، إلى طعام قد أعدّه لهم فأكلوا مستبشرين. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار وبدأ
(22/20)

بنفسه، وكتب إلى نصر ولم يقل إلى الأمير: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عيّر «1» أقواما فى القرآن فقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا «2»
، فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه، وقال: هذا كتاب له أخوات «3» ثم كان من خبر الكرمانى ومقتله ما قدمناه فى أيام مروان، فلما قتل انضم ابنه علىّ إلى أبى مسلم فى جموع كثيرة، فاستصحبه معه وقاتلوا نصر بن سيّار حتى أخرجوه من دار الإمارة، وأقبل أبو مسلم إلى مرو وأتاه على بن الكرمانى وسلّم عليه بالإمارة.
وفى سنة ثلاثين ومائة:
ذكر دخول أبى مسلم مرو والبيعة بها
دخل أبو مسلم الخراسانى مرو ونزل قصر الإمارة فى شهر ربيع الآخر وقيل فى جمادى الأولى، وكان سبب ذلك وسبب اتفاق ابن الكرمانى أن ابن الكرمانى ومن معه وسائر القبائل بخراسان كانوا قد تعاقدوا على قتال أبى مسلم، فجمع أصحابه لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرمانى، فقال له سليمان إن أبا مسلم: يقول لك أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! وما كنت أحسبك تجامع نصرا فى مسجد تصليان فيه! فرجع ابن الكرمانى عن رأيه وانتقض صلح العرب، فبعث نصر بن سيار إلى أبى مسلم يلتمس منه أن يدخل مع
(22/21)

مضر «1» ، وبعث أصحاب الكرمانى وهم ربيعة واليمن إلى أبى مسلم بمثل ذلك، وراسلوه أياما فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين، حتى يختار أحدهما ففعلوا، فأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا أصحاب الكرمانى.
فتقدم الوفدان فأجلسهم أبو مسلم، وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا.
فقال لهم: لتختاروا أحد الفريقين، فقام سليمان بن كثير فتكلم وكان خطيبا مفوّها، فاختار ابن الكرمانى وأصحابه واختارهم السبعون، فقام وفد نصر وعليهم الكآبة والذلة، وأرسل إليه ابن الكرمانى أن يدخل إلى مدينة مرو من ناحية، ليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم أنى لست آمن أن تجمع يدك ويد نصر على محاربتى، ولكن ادخل أنت وانشب الحرب، ففعل ابن الكرمانى ودخل أبو مسلم مرو، والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وتلى قوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
... الآية «2» ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، وأرسل إلى الفريقين أن ينصرف كل منهما إلى عسكره ففعلوا، وصفت مرو لأبى مسلم وأمر بأخذ البيعة من الجند، وكان الذى يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق وهو أحد النقباء، وكان عالما بحجج الهاشمية ومعايب الأموية، وكانت البيعة: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، عليك بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشى إلى بيت الله الحرام، وعلى ألا تسألوا رزقا ولا طمعا «3» حتى يبدأكم به ولاتكم.
(22/22)

ذكر هرب نصر بن سيّار أمير خراسان من مرو
وكان سبب هربه أن أبا مسلم لما دخل مرو أرسل لاهز بن قريظ فى جماعة إلى نصر، يدعوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم والرضا من آل محمد، فلما نظر ما جاءه من اليمانية والربيعية والعجم وأنه لا قبل له بهم أظهر قبول ما أتاه به، وأنه يأتيه ويبايعه واستمهلهم، وأمر أصحابه بالتهيؤ والخروج إلى مكان يأمنون فيه، فأشار عليه سلّم بن أحوز بالبيات ليلته تلك والخروج من القابلة؛ فلما أصبح عبأ أصحابه وكتائبه إلى بعد الظهر، فأعاد أبو مسلم إليه لاهز بن قريظ فى جماعة، فقال: ما أسرع ما عدتم، فقال له لاهز: لا بدّ لك من ذلك، فاستمهله نصر بقدر ما يتوضأ ويصلى، ويرسل إلى أبى مسلم يستأذنه فى المضى إليه، فأجابه لاهز؛ فلما قدم نصر للوضوء تلا لاهز: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
«1» ، فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر عود رسوله من عند أبى مسلم، وأقام حتى جنّه الليل «2» فخرج من خلف حجرته، ومعه تميم ابنه، والحكم بن نميلة النّميرى، وامرأته المرزبانة «3» وانطلقوا هربا، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب، فلما بلغ أبا مسلم هربه سار إلى عسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم، وفيهم سلّم بن أحوز صاحب شرطة نصر، والبخترى كاتبه، وابنان له، ويونس بن عبد ربه «4» ، ومحمد بن قطن، ومجاهد بن يحيى بن
(22/23)

حضين وغيرهم، فاستوثق منهم بالحديد وحبسهم، وسار أبو مسلم وابن الكرمانى فى طلب نصر ليلتهما، فأدركا امرأته قد حلفها، وسار نصر إلى سرخس واجتمع معه ثلاثة آلاف رجل، ورجع أبو مسلم وسأل من كان أرسلهم إلى نصر: ما الذى ارتاب به نصر حتى هرب؟ وهل تكلم أحد منكم بشىء؟ فذكروا له ما تلاه لاهز بن قريظ، فقال هذا الذى دعاه للهرب، ثم قال: يا لاهز تدغل فى الدين، وقتله، واستشار أبو مسلم أبا طلحة فى أصحاب نصر، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر، فقتلهم وكانوا أربعة وعشرين رجلا، وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها، ودخل ابن الكرمانى مرو مع أبى مسلم وتابعه على رأيه.
ذكر مقتل ابنى الكرمانى
وفى سنة ثلاثين ومائة أيضا: قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابنى الكرمانى.
وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجّه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها.
ووجه أبا داود إلى بلخ وفيها زياد بن عبد الرحمن. فلما بلغه قصد أبى داود بلخ خرج فى أهلها وأهل الترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان.
فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ.
فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه، ووجّه مكانه أبا الميلاء «1» يحيى بن نعيم على بلخ، فلما قدم كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن يصيّر أن أيديهم واحدة فأجابه، فرجع زياد ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم «2» الباهلى وعيسى بن
(22/24)

زرعة السّلمى وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وماوراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ، وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه، فصارت كلمتهم واحدة- مضر وربيعة واليمن ومن معهم- على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النّبطى، فأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان «1» ، وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشى مسلحة، لئلا يأتيهم أصحاب أبى داود من خلفهم، وكانت أعلام أبى سعيد «2» سودا، فلما أقبل أبو سعيد ورأى زياد ومن معه أعلام أبى سعيد وراياته سودا ظنوهم كمينا لأبى داود فانهزموا وتبعهم أبو داود فوقع عامة أصحاب زياد فى النهر، وقتل منهم خلق كثير ممّن تخلف، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه، ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ، واستقامت بلخ له فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه، ووجّه النّضر بن صبيح المرّى على بلخ، وقدم أبو داود على أبى مسلم واتفقا على أن يفرّقا بين ابنى الكرمانى، فبعث أبو مسلم عثمان بن الكرمانى عاملا على بلخ، فلما قدمها أقبلت المضرية من ترمذ وعليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلى، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب عثمان وغلب مسلم على بلخ، وكان عثمان بن الكرمانى بمرو الرّوذ لم يشهد هذه الوقعة، فلما بلغه الخبر أقبل هو والنّضر بن صبيح المرّى «3» فهرب أصحاب مسلم من ليلتهم، فلم يمعن النظر فى طلبهم، ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه على بن الكرمانى، واتفق رأى أبى مسلم ورأى أبى داود على أن يقتلا ابنى
(22/25)

الكرمانى «1» ، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان «2» عاملا على الختّل «3» فلما خرج عثمان من بلخ تبعه أبو داود وأخذه هو وأصحابه فحبسهم جميعا، ثم ضرب أعناقهم صبرا، وقتل أبو مسلم فى ذلك اليوم على بن الكرمانى، وكان أبو مسلم أمره قبل ذلك أن يسمى له خاصته، ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكساوى، فسماهم له فقتلهم جميعا.
ذكر قدوم قحطبة بن شبيب من قبل إبراهيم الإمام على أبى مسلم
وكان قدومه سنة ثلاثين ومائة فقدم ومعه لواء عقده له إبراهيم، فوجّهه أبو مسلم فى مقدمته، وضمّ إليه الجيوش وجعل إليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له.
ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور واستيلائه عليها ومن استعمله أبو مسلم على الجهات
قال: ولما استولى أبو مسلم على خراسان وقتل ابنا الكرمانى على ما تقدم بعث العمال على البلاد، فاستعمل سبّاع بن النّعمان الأزدى على سمرقند، وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ومحمد بن الأشعث على الطّبسين»
، وجعل مالك بن الهيثم على شرطته، ووجّه قحطبة إلى طوس
(22/26)

ومعه عدة من القواد، منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد، وخالد بن برمك، وعثمان بن نهيك، وخازم بن خزيمة وغيرهم، فلقى قحطبة من بطوس فهزمهم، وبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفا، ووجّه أبو مسلم القاسم ابن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجّة، وكتب إلى قحطبة يأمره «1» بقتال تميم بن نصر بن سيّار والنّابى بن سويد ومن لجأ إليهما من أهل خراسان، ووجه أبو مسلم على بن معقل فى عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وأمره أن يكون مع قحطبة، وسار قحطبة إلى السوذقان- وهو «2» معسكر تميم بن نصر والنابى بن سويد، وقد عبّأ أصحابه فدعاهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلّم وإلى الرضا من آل محمد فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل تميم فى المعركة، وقتل من أصحابه خلق كثير، وهرب النابى ابن سويد فتحصن بالمدينة، فحصره قحطبة ونقبوا سورها ودخلوا المدينة فقتلوا النابى ومن كان معه، وبلغ الخبر نصر بن سيّار فهرب إلى قومس وتفرّق عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها هو ومن معه رمضان وشوال.
ذكر مقتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان
قد ذكرنا هرب نصر بن سيّار ولحاقه بنباتة بن حنظلة، فلما كان فى ذى القعدة أقبل قحطبة إلى جرجان، وقد نزل نباتة ونصر بن سيار بالجورجان «3» ، وخندقوا عليهم وهم فى عدد وعدد، فهابهم أهل خراسان حتى تكلّموا بذلك وظهر عليهم، فبلغ قحطبة فقام فيهم وقوّى عزائمهم
(22/27)

وشجّعهم، وقال: «1» إنّ الإمام وعدكم النصر عليهم، وقد عهد إلىّ أنكم تلقونهم فينصركم الله عليهم، فالتقوا فى مستهل ذى الحجة سنة ثلاثين ومائة فى يوم الجمعة، وعلى ميمنة قحطبة ابنه الحسن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل نباتة وعشرة آلاف من أهل الشام، وانهزم من بقى منهم، وسار نصر ابن سيّار وكان بقومس فنزل خوار «2» الرىّ، وكاتب ابن هبيرة يستمده وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان، وقال له: أمدنى بعشرة آلاف قبل أن تمدنى بمائة ألف ثم لا تغنى شيئا، فحبس ابن هبيرة رسله، فأرسل إلى مروان بن محمد يعلمه ما فعل ابن هبيرة برسله، وأنه استمده فلم يمده، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمده، فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا عليهم ابن عطيف إلى نصر بن سيّار، قال: أما قحطبة فإنه بلغه أن أهل جرجان يريدون الخروج عليه، فاستعرضهم وقتل منهم ما يزيد على ثلاثين ألفا.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة
ذكر وفاة نصر بن سيار ودخول قحطبة الرىّ
قال: ثم وجه قحطبة ابنه الحسن لقتال نصر فى المحرم من هذه السنة، ووجّه أبا كامل وأبا القاسم «3» محرز بن إبراهيم، وأبا العباس المروزى إلى الحسن ابنه، فلما كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصر بن
(22/28)

سيّار فأعلمه، فصار معه وأعلمه مكان الجند، فوجه إليهم جندا فهرب جند قحطبه، وخلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له ابن عطيف «1» بالريّ فأخذ الكتاب والمتاع من رسول نصر، وبعثه إلى ابن هبيرة فغضب نصر، وقال: أما والله لأدعنّ ابن هبيرة فليعرفنّ أنه ليس بشيء، وكان ابن عطيف فى ثلاثة آلاف، قد بعثه ابن هبيرة مددا لنصر، فأقام بالرى ولم يأت نصرا، فسار نصر حتى نزل الرى وعليها حبيب بن بديل «2» النهشلى، فلما قدمها سار ابن عطيف منها إلى همذان، ثم عدل إلى أصفهان إلى عامر بن ضبارة، ولما قدم نصر الريّ أقام بها يومين ثم مرض، فحمل إلى ساوة فمات بها لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول منها، وعمره خمس وثمانون سنة، ودخل أصحابه همذان؛ ولما مات نصر بعث الحسن بن قحطبة خازم بن خزيمة «3» إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيرى، وكان قد ندم على اتباع أبى مسلم، فأخذ طريق أصفهان يريد عامر بن ضبارة، فوجّه قحطبة، المسيّب بن زهير الضّبى فلحقه، وقاتله فانهزم زياد وقتل عامّة من معه، ورجع المسيّب إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن، فقدّمه إلى الرىّ، وبلغ حبيب بن بديل النّهشلى ومن معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا عن الرىّ ودخلها الحسن فى
(22/29)

صفر، وأقام حتى قدم أبوه، فبعثه بعد مقدمه بثلاث ليال إلى همذان، فسار عنها مالك بن أدهم ومن كان معه من أهل الشام وأهل خراسان إلى نهاوند، فأقام بها وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ منها، وأمده أبوه بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة فى سبعمائة فحصر المدينة.
ذكر مقتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان
كان عامر بن ضبارة قد بعثه يزيد بن هبيرة لقتال عبد الله بن معاوية، لما خرج ودعا إلى نفسه على ما نذكره فى أخبار آل أبى طالب إن شاء الله، وبعث معه ابنه داود بن يزيد فهزمه «1» ابن ضبارة، وسار فى أثره، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان كتب إلى عامر وإلى ابنه داود، أن يسيرا إلى قحطبة وكانا بكرمان، فسارا فى خمسين ألفا ونزلوا بأصفهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر، فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد عليهم جميعا مقاتل بن حكيم العكّى، فساروا حتى نزلوا قمّ، وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة نهاوند، فسار ليفتن من بها من أهلها، فأرسل مقاتل إلى قحطبة يعلمه بمسيره، فأقبل قحطبة من الرىّ حتى لحق بمقاتل، ثم ساروا والتقوا بعامر بن ضبارة وداود بن يزيد، وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا فيهم خالد بن برمك، وعسكر ابن ضبارة مائة ألف وقيل خمسون ومائة ألف، فأمر قحطبة بمصحف فوضع على رمح، ونادى يا أهل الشام إنما ندعوكم إلى ما فى هذا المصحف، فشتموه وفحشوا فى القول، فأمر قحطبة أصحابه بالحملة عليهم، فحمل عليهم العكّى وتهايج الناس، ولم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أهل الشام، وقتلوا قتلا ذريعا، فقتل ابن ضبارة وهرب داود، وأخذ أصحاب قحطبة من
(22/30)

عسكرهم ما لا يعلم قدره، من السلاح والمتاع والرقيق والخيل، ومارئى عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما فى هذا العسكر، كان كأنه مدينة، فكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ما لا يحصى، وحقيق لعسكر فيه مثل ذلك أن ينهزم، وكانت هذه الوقعة بنواحى أصفهان فى شهر رجب.
ذكر دخول قحطبة نهاوند
قال: ولما قتل ابن ضبارة كان الحسن بن قحطبة يحاصر نهاوند، فكتب إليه أبوه بالخبر، فلما قرأ كتابه كبّر هو وجنوده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير «1» السّغدى: ما نادوا بقتله إلا وهو حق، فاخرجوا إلى الحسن قبل أن يأتى أبوه أو يمده بمدد، فقالت الرجّالة: تخرجون وأنتم فرسان وتتركونا! فقال مالك بن أدهم: لا أبرح حتى يقدم قحطبة، وأقام قحطبة بأصفهان عشرين يوما ثم سار، فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر آخرها شوّال، ونصب عليهم المجانيق، وأرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه، وبذل لهم الأمان فأبوا ذلك، فأرسل إلى من بها من أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه، وقبلوا أمانه وبعثوا إليه أن يشغل عنهم أهل البلد بالقتال، ليفتحوا له الباب ففعل ذلك، ففتح أهل الشام الباب الذى يليهم «2» وخرجوا، فلما رأى أهل البلد ذلك سألوهم عن سبب خروجهم، فقالوا: أخذنا لنا ولكم الأمان، فخرج رؤساء خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده، ثم أمر فنودى: من كان بيده أسير فليضرب عنقه وليأت برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبى مسلم إلا قتل، إلا أهل الشام فإنه وفّى لهم وخلّى
(22/31)

سبيلهم، وأخذ عليهم الأيمان والعهود. قال: ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه إلى مرج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان، وعليها عبد الله بن العلاء الكندى، فهرب من حلوان.
ذكر فتح شهر زور
قال: ثم وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانى ومالك بن طواف «1» فى أربعة آلاف إلى شهر زور، وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهر زور فى العشرين من ذى الحجة، وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، وأقام أبو عون فى بلاد الموصل، وقيل إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان، وغنم أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وسيّر قحطبة العساكر إلى أبى عون، فاجتمع معه ثلاثون ألفا، ولما بلغ مروان خبر أبى عون- وكان بحرّان- سار منها بجنود الشام والجزيرة والموصل وبنى أمية، وأقبل نحو أبى عون حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهر زور بقية ذى الحجة والمحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها لخمسة «2» آلاف.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(22/32)

ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة
قال: ولما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه منهزما، خرج يزيد نحو قحطبة فى عدد كثير لا يحصى، ومعه حوثرة بن سهيل الباهلى، وكان مروان قد أمدّه به، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء، واحتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقام به، وأقبل قحطبة حتى نزل عكبراء، ودخل دجلة ومضى حتى نزل ما دون الأنبار، وأرسل طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها، وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دممّا ليعبر الفرات «1» ، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع الفرات إلى غربيّة، وذلك لثمان مضين من المحرم، وارتحل ابن هبيرة منصرفا مبادرا إلى الكوفة، فعبر دجلة من المدائن، واستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيرون على جانبى الفرات، فقال قحطبة: إن الإمام أخبرنى أن لى بهذا المكان وقعة، يكون النصر لنا، واستدلّ على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام، وفقد قحطبة فقال أصحابه: من كان عنده علم من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكى «2» : سمعت قحطبة يقول: إن حدث بى حدث فالحسن ابنى أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان أبوه قد سيّره فى سريّة، فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا الأمر إليه، وكشفوا عن قحطبة فوجدوه فى جدول وحرب بن سلّم «3» فتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل
(22/33)

الآخر، وقيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة، لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط فى الماء، فقال: شدوا يدى إذا أنا مت وألقونى فى الماء، لئلا يعلم الناس بقتلى، وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلّال، فسلمّوا هذا الأمر إليه، وقيل بل غرق قحطبة. ولما انهزم ابن نباثة وحوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك، فأمر الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع وغنموه.
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّدا
فى هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسرى بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وأخرج عامل ابن هبيرة، وكان خروجه ليلة عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان على الكوفة يوم ذاك زياد بن صالح الحارثى، فسار محمد إلى القصر ودخله، وارتحل زياد ومن معه من أهل الشام، وسمع حوثرة الخير فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه، فأرسل أبو سلمة الخلال إليه يأمره بالخروج من القصر، خوفا عليه من حوثرة، هذا ولم يبلغ أحدا من الفريقين بهلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيّأ لقصده، فبينما محمد فى القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجّه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون:
نحن جئنا لندخل فى طاعة الأمير، ودخلوا وفيهم مليح بن خالد البجلى، ثم جاءه جهم بن الأصبح «1» الكنانى فى خيل أعظم من تلك، ثم جاءت خيل
(22/34)

أعظم منها مع رجل من آل بحدل «1» ، فلما رأى حوثرة ذلك من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط، وكتب محمد بن خالد إلى قحطبة يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فقرأ الكتاب على لناس وارتحل نحو الكوفة، فوصلها يوم الإثنين، وقد قيل إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة، بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلى فهرب منها، فسود محمد بن خالد، وخرج فى أحد عشر رجلا وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد ولما دخل الحسن وأصحابه الكوفة أتوا أبا سلمة الخلال وهو فى بنى سلمة، فاستخرجوه وكان مختفيا، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وبايع أبا سلمة الناس وكان يقال وزير آل محمد، وهو أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، واستعمل محمد بن خالد على الكوفة، ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن فى جماعة من القواد، وبعث المسيّب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقنّى، وبعث المهلّبى وشرحبيل إلى عين العمر، وبعث بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فقاتله وأخرجه منها فالتحق عبد الواحد بالبصرة، وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها وعليها سلّم «2» ، وقد لحق به عبد الواحد فأرسل سفيان إليه، يأمره بالتحول من دار الإمارة فأبى، وقاتل ونادى من جاء برأس فله خمسمائة ومن جاء بأسير فله ألف درهم، فقتل معاوية وأتى برأسه إلى سلّم فأعطى قاتله عشرة آلاف، وانكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم وذلك فى صفر.
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام
وكان مقتله فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وسبب ذلك أن مروان بن
(22/35)

محمد أرسل للقبض عليه بالحميمة، ووصف للرسول صفة أبى العباس السفاح، لأنه كان يجد فى الكتب: أن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم، وسمّى لرسوله إبراهيم بن محمد، فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله، فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به إلى مروان، فلما أتاه به قال: ليس هذه الصفة التى وصفت لك، فقال رسله قد رأينا الصفة وإنما سميت إبراهيم، وهذا إبراهيم فحبسه بحرّان، وأعاد الرسل فى طلب أبى العباس فلم يظفروا به، وكان قد توجّه إلى الكوفة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقد اختلف فى قتل إبراهيم، فقيل إن مروان لما حبسه حبس سعيد ابن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وأبا محمد السفيانى، فهلك إبراهيم فى السجن فى وباء وقع بحرّان، وهلك العباس بن الوليد، وعبد الله ابن عمر، فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام ومن معه، وقتلوا صاحب السجن فقتلهم أهل حرّان «1» ، وتخلّف أبو محمد بالسجن فلم يخرج فيمن خرج هو وغيره، فلما قدم مروان من الزاب خلّى عنهم. وقيل إن مروان هدم «2» على إبراهيم بيتا فقتله. وقيل بل جعل رأسه فى جراب مملوء نورة فمات، وقيل إن شراحيل «3» بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم، فكانا يتزاوران وصار بينهما مودة، فأتى رسول من عند شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن، فقال: يقول لك أخوك إنى شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه، فشرب منه فشكى من ساعته، وكان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه، فأرسل إليه شراحيل:
إنك قد أبطأت فما حبسك عنى؟ فأعاد عليه إنى لما شربت اللبن الذى بعثت
(22/36)

به إلىّ فاشتكيت، فأتاه شراحيل- وحلف بالله أنه ما شرب لبنا فى يومه، ولا بعث به إليك واسترجع، وقال: احتيل والله عليك، فبات إبراهيم ليلته وأصبح ميتا. وكان إبراهيم خيّرا فاضلا كريما، قدم المدينة مرّة ففرّق فى أهلها مالا جليلا، فنال بعضهم منه ألف دينار- وخمسمائة دينار- وأربعمائة دينار، وكانت هذه عطاياه وهباته. وكان مولده فى سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد بربرية إسمها سلمى.
قال: ولما قبض على إبراهيم بالحميمة نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العباس عبد الله بن محمد- وهو السفاح، وأوصاهم بالسمع والطاعة له، وأوصاه وجعله الخليفة من بعده وودّعهم، وسار فهلك على ما ذكرنا، وكان من أمر أبى العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة الأموية
ذكر بيعة أبى العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وهو ابن الحارثية الذى نصّ عليه أبو هاشم محمد بن الحنفيّة، لما فوّض أمر الشيعة إلى والده، ووعدهم أنه صاحب الأمر، وكان ذلك قبل مولد أبى العباس على ما قدّمنا، وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدّان «1» الحارثى، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذلك أنه لما قبض على أخيه إبراهيم بن محمد الإمام عهد إليه كما ذكرناه، وأمره بالمسير إلى الكوفة؛ سار من الحميمة ومعه أهل بيته وأخوه أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد
(22/37)

ابنا أخيه إبراهيم، وعمومته داود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد- بنو على بن عبد الله بن عباس، وموسى ابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة فى صفر من هذه السنة، وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد «1» مولى بنى هاشم فى بنى أود «2» ، وكتم أمرهم من جميع القواد نحو أربعين ليلة، وأراد فيما ذكر أن يحوّل الأمر إلى آل طالب، لما بلغه موت إبراهيم الإمام، فكان أبو الجهم يقول له: ما فعل الإمام، فيقول لم يقدم بعد، فلما ألحّ عليه قال: ليس هذا وقت خروجه، لأن واسط لم تفتح بعد، وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميرى من حمام أعين يريد الكناسة، فلقى خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمى فعرفه، فقال له ما فعل إبراهيم؟ فأخبره أن مروان قتله، وأنه أوصى إلى أخيه أبى العباس من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق: الوعد بينى وبينك غدا فى هذا الموضع، وكره سابق أن يأتيهم به إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد إلى أبى الجهم وأخبره، وهو فى عسكر أبى سلمة، فأمره أن يتلطف للقائهم، فرجع أبو حميد إلى موضع ميعاد سابق، فلقيه وانطلق به إليهم، فلما دخل سأل من «3» الخليفة منهم؟
فقال له داود بن على: هذا إمامكم وخليفتكم، وأشار إلى أبى العباس، فسلّم عليه بالخلافة وقبّل يديه ورجليه وعزّاه بإبراهيم، وقال: مرنا بأمرك، ثم رجع وصحبه «4» إبراهيم بن سلمة- رجل كان يخدم بنى
(22/38)

العباس- إلى أبى الجهم، فأخبره عن منزلتهم وأن الإمام بعثه إلى أبى سلمة «1» ، يسأله مائة دينار يعطيها أجرة الجمال التى حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب، وقصّوا عليه القصّة، وبعثوا إلى الإمام بمائتى دينار مع إبراهيم بن سلمة، واتفق رأى القواد أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وغيرهم «2» من القواد إلى أبى العباس، وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل له إنهم دخلوا الكوفة لحاجة لهم، وأتى القوم إليهم فقالوا: أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا- فسلموا عليه بالخلافة وعزّوه بإبراهيم، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم، وأمر أبو الجهم بقية القواد فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبى الجهم: أين كنت؟ قال:
ركبت إلى إمامى، فركب أبو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد: أن أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أدخلوه وحده ومنعوا حفدته من الدخول، فسلّم بالخلافة، فقال له رجل منهم: على رغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه، فنهاه أبو العباس وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد، وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح، واصطفوا لخروج أبى العباس، وأتوه بالدواب»
فركب برذونا أبلق، وركب معه أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلّى بالناس، ثم صعد المنبر ثانية فقام فى أعلاه، وصعد عمه داود فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال:
الحمد لله الذى اصطفى الإسلام لنفسه، فكرّمه «4» وشرفه وعظّمه
(22/39)

واختاره لنا، وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقرابته، وأنشأنا من آبائه «1» ، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك كتابا على أهل الإيمان «2» يتلى عليهم فقال تبارك وتعالى فيما أنزل فى محكم كتابه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «3»
وقال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «4»
وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «5»
وقال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى «6»
وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى «7»
فأعلمهم جلّ ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم؛ وزعمت السبأيّة «8» الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منّا فشاهت وجوههم، ثم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وتمّم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف
(22/40)

وبرّ ومواساة فى دينهم، وإخوانا على سرر متقابلين فى آخرتهم، فتح الله ذلك منّة ومنحة «1» لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فلما قبضه الله إليه قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدّلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا فى الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإنى لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم أهل محبّتنا، ومنزل «2» مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدرككم «3» زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم فى أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح «4» ، والثائر المنيح «5» .
وكان موعكا فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقى المنبر، فقال:
الحمد لله شكرا الذى أهلك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم. أيها الناس: الآن قد قشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من
(22/41)

مطالعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه، فى أهل بيت نبيّكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم.
أيها الناس: والله ما خرجنا فى طلب هذا الأمر لنكنز «1» لجينا، ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا، ولا نبنى قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابترازهم حقنا، والغضب لبنى عمنا، وما كرهنا «2» من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا، ونحن على فراشنا، وتشتد علينا سوء سيرة بنى أمية فيكم واستذلالهم «3» لكم. واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم. تبا تبا لبنى حرب وبنى أمية «4» ، آثروا مدتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم «5» ، وجاروا فى سيرتهم فى العباد وسنّتهم «6» فى البلاد «7» ، ومرحوا فى أعنة المعاصى، وركضوا فى ميدان «8» الغى، جهلا باستدارج الله. وأمنا لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون.
فأصبحوا أحاديث ومزّقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان وقد غرّه بالله الغرور، وأرسل لعدو الله فى عنانه حتى عثر فى فضل
(22/42)

خطامه، أظنّ عدو الله أن لن يقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده.
ورمى بكتائبه «1» . فوجد أمامه ووراءه. وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه ونقمته، ما أمات باطله. ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزّنا، وردّ إلينا حقّنا وإرثنا.
أيها الناس: إن أمير المؤمنين- نصره الله نصرا عزيزا- إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، لأنه كره «2» أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم «3» الله بمروان. عدو الرحمن وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا فى الأرض بعد صلاحها «4» الشاب «5» المكتهل المتمهل «6» ، المقتدى بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد إفسادها «7» بمعالم الهدى ومناهج التقوى. فعجّ الناس بالدعاء له ثم قال:
يا أهل الكوفة: إنا والله مازلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله (لنا) «8» شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج «9» بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، فأراكم الله بهم ما كنتم تنتظرون «10» ، وأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام،
(22/43)

ونقل إليكم السلطان وعزّ الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة، فخذوا ما أتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإنّ الأمر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرا، وإنكم مصرنا، ألا وإنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد (وأشار بيده إلى أبى العباس) . واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلّى الله عليه وسلّم، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزلا، وداود أمامه حتى دخل القصر، وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس فى المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلّى بهم العصر ثم المغرب وجهنّم الليل، وخرج أبو العباس فعسكر بحمام أعين فى عسكر أبى سلمة، ونزل معه فى حجرته «1» بينهما ستر، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسّام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن على، وبعث عمه عبد الله بن على إلى أبى عون «2» بن يزيد بشهر زور، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط «3» ، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة «4» بن محمد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام السفاح بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، وكان قد تنكّر لأبى سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك منه.
(22/44)

ذكر هزيمة مروان بالزاب
قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد «1» الملك بن يزيد الأزدى إلى شهرزور، وأنه سار إلى ناحية الموصل، وأن مروان سار من حرّان حتى بلغ الزاب وحفر خندقا، وكان فى عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون إلى الزاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبى عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتّان، وإسحاق بن طلحة، كل واحد فى ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد فى ألفين، وعبد الله الطائى فى ألف وخمسمائة، وعبد الحميد ربعى الطائى فى ألفين، ووداس بن نضلة فى خمسمائة- إلى أبى عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتى؟ قال عبد الله بن على:
أنا، فسيّره إلى أبى عون فقدم عليه، فتحوّل أبو عون عن سرادقه له، فلما كان لليلتين خلتا من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل عبد الله ابن على عن مخاضة بالزاب فدلّ عليها، فأمر عيينة بن موسى فعبر فى خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله، وأصبح مروان فعقد جسرا وعبر النهر، وسيّر ابنه عبد الله فنزل أسفل من عسكر عبد الله، فبعث عبد الله بن على المخارق بن غفار فى أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان، فبعث ابن مروان إليه الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو، فأسر فى جماعة وسيّروهم إلى مروان، فأمر أن يؤتى برجل من الأسرى، فأتى بالمخارق، فقال له: أنت المخارق، قال: لا بل أنا من عبيد أهل العسكر، قال:
أفتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر هل تراه فى هذه الرءوس؟
فنظر إلى رأس منها فقال: هذا هو المخارق، فخلّى سبيله، ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن على أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر، وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال، قبل أن يظهر أمر المخارق،
(22/45)

فنادى فى الناس بلبس السلاح والخروج إلى الحرب فركبوا، وسار نحو مروان، وكان عسكره عشرين ألفا وقيل اثنا عشر ألفا، فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، فإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله، ثم التقوا واقتتلوا فجعل عبد الله بن على يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك!! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم واشتد القتال، فأمر مروان بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم، فجعل ناس يصيبون منها، فقيل له: إن الناس قد مالوا على المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن يسير فيقتل من أخذ من المال شيئا، فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة، الهزيمة، فانهزموا وانهزم مروان وقطع الجسر، وكان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل، وكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، فاستخرجوه فى الغرقى «1» ، فقرأ عبد الله: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
«2» ، وقيل بل قتله عبد الله بالشام، وحوى عبد الله عسكر مروان بما فيه، فوجد سلاحا كثيرا وأموالا وكتب إلى السفاح بالفتح، فلما أتاه الكتاب أمر لكل من شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم، وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة.
ذكر مقتل مروان بن محمد ودخول أهل الشام وغيرهم فى الطاعة
قال: ولما انهزم مروان أتى مدينة الموصل، وعليها هشام بن عمرو «3»
(22/46)

التغلبى وبشر بن خزيمة الأسدى فقطعا الجسر، فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان، فقالوا: كذبتم، لا يفر، وسبّه أهل الموصل، وقالوا له: يا جعدى، يا معطل «1» ، الحمد لله الذى أزال سلطانكم، وذهب بدولتكم، الحمد لله الذى أتانا بأهل بيت نبيّنا، فسار إلى حرّان فأقام بها نيّفا وعشرين يوما، وسار عبد الله حتى دخل الموصل فعزل هشاما، واستعمل عليها محمد بن صول، ثم سار فى أثر مروان، فلما دنا منه حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزما، وخلّف بحرّان ابن أخيه إبان بن يزيد، فقدم عبد الله حرّان فلقيه إبان مسوّدا مبايعا، فبايعه وأمّنه هو ومن كان معه بحرّان والجزيرة، ومضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالطاعة، فأقام يومين أو ثلاثا وسار، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم فاتبعوه، والتقوا فقاتلهم وهزمهم، وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلّفه بها ومضى إلى فلسطين. قال: وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن على باتباع مروان، فسار من حرّان بعد أن هدم الدار التى كان إبراهيم قد حبس بها، ووصل إلى منج وقد سوّدوا فأقام بها، وأتته بيعة أهل قنسرين، وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن على مددا من قبل السفاح فى أربعة آلاف، فسار عبد الله الى قنسرين ثم إلى حمص فبايع أهلها، وأقام بها أياما ثم سار إلى بعلبك فأقام بها يومين، ثم سار فنزل قرية مزّة، ونزل أخوه صالح بن على مرج عذراء فى ثمانية آلاف، وكان السفاح قد بعثه مددا لعبد الله، ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقى، ونزل صالح على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسّام بن إبراهيم على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، وبدمشق يومئذ الوليد بن معاوية فحصروه بها ودخلوها عنوة فى يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر
(22/47)

رمضان منها، فقاتلوا «1» فيها ثلاث ساعات، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل، وأقام عبد الله بدمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين فلقيه أهل الأردن وقد سوّدوا، فأقام بفلسطين، وأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن على فى طلب مروان، فسار صالح فى ذى القعدة، ومعه ابن فتّان، وعامر بن إسماعيل الحارثى، وأبو عون- فبلغوا العريش، وأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام وهرب إلى جهة مصر، وسار صالح فنزل النيل، ثم نزل الفسطاط، ثم سار ونزل موضعا يقال له ذات الساحل «2» ، وهرب مروان إلى الصعيد، وقدّم صالح أبا عون، وعامر بن إسماعيل الحارثى وشعبة بن كثير المازنى- فساروا، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم رجالا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم فأمنوهم، وساروا فوجدوه نازلا فى كنيسة ببوصير فقاتلوه ليلا، وكان أصحاب أبى عون قليلا، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا ورأوا قلّتنا أهلكونا، فكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصالح صالح جرح أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة- كان يبيع الرمّان- فاحتز رأسه، فأخذه عامر بن إسماعيل فبعث به إلى أبى عون، وبعثه أبو عون إلى صالح، فلما وصل إليه أمر أن يقص «3» ويقطع لسانه فأخذته هرّة، فقال صالح: لو لم ترنا الأيام من عجائبها إلا لسان مروان فى فم هرة لكفانا، وقيل: إن عبد الله بن على هو الذى قال هذا، قال: وسيّره صالح إلى عبد الله فبعثه إلى السفاح، وكان قتله لليلتين بقيتا من ذى الحجة، ورجع صالح إلى الشام، وخلف أبا عون
(22/48)

بمصر. ولما وصل الرأس الى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله الذى أظهرنى عليك، وأظفرنى بك، ولم يبق ثأرى قبلك وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل:
لو يشربون دمى لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ تروينى
قال: ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التى فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهنّ خادما له، وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر وأخذهن، وهنّ نساء مروان وبناته، فسيّرهن إلى صالح بن على، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوك ما وسعكم من جورنا، قال: إذن لا أستبقى منكنّ واحدة، ألم يقتل أبوك ابن أخى إبراهيم؟! ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن على بن الحسين وصلبه فى الكوفة؟! ألم يقتل الوليد بن يزيد- يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟! ألم يقتل ابن زياد الدعىّ مسلم بن عقيل؟! ألم يقتل يزيد بن معاوية- الحسين بن على وأهل بيته؟! ألم يخرج إليه بحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبايا فوقفهن موقف السبى؟! ألم يحمل إليه رأس الحسين وقد فرغ دماغه؟! فما الذى يحملنى على الإبقاء عليكن؟! قالت: فليسعنا عفوكم، أما هذا فنعم، وإن أحببت زوّجتك ابنى الفضل، فقالت: بل تحملنا إلى حرّان، فحملهن إليها.
ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد
قال: دخل سديف مولى للسفاح عليه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فقال سديف:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
(22/49)

فقال سليمان قتلتنى يا شيخ ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل، قال:
ودخل شبل بن عبد الله مولى بنى هاشم على عبد الله بن على وعنده من بنى أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بنى العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وباس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحر المواسى
فلقد غاظنى وغاظ سوائى ... قربهم من نمارق وكراسى
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بذات «1» الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذى بحرّان أضحى ... ثاويا بين غربة وتناسى
فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الانطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا، وأمر عبد الله بن على بنبش قبور بنى أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، وكان يوجد فى القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه وذراه فى الريح، وتتبع بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، واستصفى ما لهم من أموال وغيرها، فلما فرغ منهم قال:
بنى أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لى منكم بالأول الماضى
(22/50)

يطيّب النفس إن النار تجمعكم ... عوضتم من لظاها شر معتاض
إن كان غيظى لفوت منكم فلقد ... رضيت «1» منكم بما ربى به راض «2»
وقيل إن سديفا أفسد الشعر، الذى ذكرناه عنه للسفاح ومعه كانت الحادثة، وقتل سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بالبصرة منهم جماعة.
وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، فاختفى من قدر من بنى أمية.
وتشتت شملهم، وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان ابن عتبة بن أبى سفيان، قال: فكنت لا آتى مكانا إلا عرفت فيه، فضاقت علىّ الأرض فقصت سليمان بن على، وهو لا يعرفنى، فقلت له: لفظتنى البلاد إليك، ودلّنى فضلك عليك، فإما قتلتنى فاسترحت، وإما رددتنى سالما فأمنت، فقال من أنت؟ فعّرفته بنفسى فعرفنى، فقال: مرحبا بك.
حاجتك؟ فقلت: إن الحرم التى أنت أولى الناس بهنّ، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه، فبكى كثيرا ثم قال: بل يحقن الله دمك، ويوفّر مالك. ويحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنّه قد وفد وافد «3» بنى أمية علينا، وإنّا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنّا يجمعنا وإياهم عبد مناف، فالرحم تبل ولا تفل «4» ، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لى فليفعل.
وإن فعل فليجعل «5» كتابا عاما إلى البلدان، شكرا «6» لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم أمانا، وكان هذا أول أمان بنى أمية.
(22/51)

ذكر الخلاف على أبى العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع
فى هذه السنة: خلع حبيب بن مرّة المرّى، ومعه أهل البثنيّة وحوران، وكان من قواد مروان، فحمله الخوف على نفسه على الخلاف، فخرج إليه عبد الله بن على وقاتله دفعات، ثم صالحه عبد الله لما خلع أبو الورد.
ذكر خلع أبى الورد وأهل قنّسرين ودمشق
وفيها خلع أبو الورد مجزأة «1» بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابى، وكان من أصحاب مروان وقواده، وكان قد بايع عبد الله بن على وأقام بقنّسرين، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم قائد من قواد عبد الله إلى بالس، فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكى بعضهم ذلك إلى أبى الورد، فقتل ذلك القائد ومن معه وأظهر الخلع لعبد الله، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك فبيّضوا بأجمعهم، والسفاح يومئذ بالحيرة وعبد الله بن على يقاتل حبيب بن مرّة، فلما بلغ عبد الله ذلك صالح حبيب بن مرّة وأمنّه، وسار إلى قنّسرين للقاء أبى الورد، فمرّ بدمشق فخلّف بها أبا غانم «2» عبد الحميد بن ربعى الطائى فى أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله، فلما قدم حمص انتقض أهل دمشق وبيّضوا، وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدى فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ثقل عبد الله ولم يتعرضوا لأهله، وأجمعوا على الخلاف، وسار عبد الله وكان قد اجتمع مع أبى الورد جماعة أهل قنّسرين، وكاتبوا من يليهم من
(22/52)

أهل حمص وتدمر «1» ، فقدم منهم ألوف، وقدّموا عليهم أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ودعوا إليه، وقالوا هو السفيانى، واجتمعوا فى نحو أربعين ألفا فعسكروا بمرج الأخرم، ودنا عبد الله منهم ووجّه إليهم عبد الصمد بن على فى عشرة آلاف، وكان أبو الورد هو المدبّر لعسكر قنّسرين وصاحب القتال، فناهضهم واقتتلوا وكثر القتل بينهم فانكشف عبد الصمد، ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله والتقوا بمرج الأخرم، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب أبى الورد، وثبت هو فى خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمّن عبد الله أهل قنّسرين وسوّدوا، وبايعوه ودخلوا فى طاعته، ثم انصرف راجعا إلى دمشق، فلما دنا منها هرب الناس بغير قتال، فأمّن عبد الله أهلها ولم يؤاخذهم وبايعوه؛ وأما أبو محمد السفيانى فتغيّب إلى أيام المنصور، ولحق بالحجاز، فكان كذلك إلى أن بلغ زياد بن عبد الله الحارثى عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه. وقيل إن حرب أبى الورد كانت فى سلخ ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين.
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم
قال: وفى هذه السنة بيّض أهل الجزيرة وخلعوا السفاح، وساروا إلى حرّان وبها موسى بن كعب فى ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها، وليس على أهل الجزيرة رأس تجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلى من أرمينية فاجتمع عليه أهل الجزيرة، وحاصر موسى بن كعب نحوا من شهر، فوّجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة فساروا، واجتاز بقرقيسيا والرّقة وقد بيّض أهلها، فلما انتهى إلى حرّان رحل إسحاق بن مسلم إلى الرّها، وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين، وخرج موسى بن كعب إليه، ووجّه إسحاق بن مسلم أخاه
(22/53)

بكّار بن مسلم إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحروريّة يقال له بريكة «1» ، فعمد «2» إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة فى المعركة، وانصرف بكّار بن مسلم إلى أخيه بالرها فخلّفه إسحاق بها، وسار إلى سميساط فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بها، وإسحاق يومئذ فى ستين ألفا وبينهم الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرها وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، وكان إسحاق يقول: فى عنقى بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل، فلما تيقّن قتله طلب الصلح والأمان، فكتبوا إلى السفاح فى ذلك فأمرهم أن يؤمنوه هو ومن معه، فكتبوا بينهم كتابا بذلك، وخرج إسحاق إلى أبى جعفر وكان عنده من آثر أصحابه «3» ، فاستقام أهل الجزيرة والشام، واستعمل أبو العباس السفاح أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف.
ذكر قتل أبى سلمة الخلّال وسليمان بن كثير
قد ذكرنا ما كان من أمر أبى سلمة مع أبى العباس السفاح فى مبتدأ الأمر، وما عامله به عند مقدمه وتنكّر السفاح له، فلما فارق العسكر ونزل المدينة الهاشمية كتب إلى أبى مسلم الخراسانى، يعلمه بخبره وما كان من أمره، فكتب إليه: إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله، فلما قدم عليه كتابه قال داود بن على: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتجّ بها أبو مسلم عليك، وأهل خراسان الذين معك أصحابه، ولكن اكتب إلى أبى مسلم أن يبعث إليه من يقتله، فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبّى ليقتله، فقدم على السفاح وأعلمه، فأمر السفاح مناديا فنادى: إن أمير
(22/54)

المؤمنين قد رضى على أبى سلمة، ودعاه فكساه، ثم دخل بعد ذلك عليه فى ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، وانصرف إلى منزله وحده فقتله مرار بن أنس، وقالوا قتله الخوارج، ثم أخرج من الغد فصلّى عليه يحيى ابن محمد أخو السفاح؛ ودفن بالمدينة الهاشمية فقال سليمان بن المهاجر البجلى فيه:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك صار «1» وزيرا
وكان يقال لأبى سلمة وزير آل محمد، ولأبى مسلم أمين آل محمد، قال:
فلما قتل وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبى مسلم، فلما قدم سايره عبيد الله بن الحسن «2» الأعرج وسليمان بن كثير، فقال سليمان لأبى جعفر: يا هذا إنّا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنّ عبيد الله أنه دسيس من أبى مسلم، فأتى إلى أبى مسلم وأخبره بمقالة سليمان، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له: أتحفظ قول الإمام- من اتهمته فاقتله- قال: نعم، قال فإنى قد اتهمتك، قال: أنشدك الله!! قال لا تناشدنى فأنت منطو على غش الإمام، وأمر به فضربت عنقه، ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال له: لست خليفة ولا أمرك بشىء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال السفاح: فاكتمها.
ووجّه أبو مسلم الخراسانى محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يقتل عمّال أبى سلمة ففعل ذلك، فوجّه السفاح عمه عيسى بن على على فارس وعليها محمد بن الأشعث، فأراد محمد قتل عيسى فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرنى أبو مسلم أن لا يقدم علىّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلا قتلته، ثم ترك عيسى خوفا من عاقبة قتله، واستحلف عيسى
(22/55)

الأيمان المغلظة: أن لا يعلو منبرا، ولا يتقلد سيفا إلا فى جهاد، فلم يل عيسى بعدها ولاية، ولا تقلّد سيفا إلا فى غزوة، ثمّ وجّه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن على واليا على فارس.
ذكر أخبار ابن هبيرة وما كان من أمره
قد ذكرنا أنه كان قد تحصّن بواسط، وأرسل أبو سلمة الحسن بن قحطبة لحصاره فحصره بواسط، وكانت بينهم وقعات أكثرها على ابن هبيرة، فلما ظهر السفّاح بعث أخاه أبا جعفر، لقتال ابن هبيرة بعد رجوعه من خراسان، وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقّواد قوّادك، ولكن أحببت أن يكون أخى حاضرا فاسمع له وأطع، وأحسن مؤازرته؛ وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك، فلمّا قدم تحوّل الحسن عن خيمته وأنزله فيها، ودام حصاره لابن هبيرة بواسط أحد عشر شهرا، اقتتلوا فيها عدة وقعات، فلما بلغهم مقتل مروان طلبوا الصلح، وكان ابن هبيرة أراد أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن «1» علىّ، فكتب إليه فأبطأ جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيّان، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية السفاح فلم يفعلا، وخرجت السفراء بين أبى جعفر وابن هبيرة، حتى جعل له أمانا وكتب له كتابا، مكث ابن هبيرة يشاور العلماء فيه أربعين يوما حتى رضيه، وأمر السفاح بإمضائه، وكان رأى أبى جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبى مسلم، فكتب السفاح إليه بخبر ابن هبيرة، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.
قال: ولما تمّ الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبى جعفر فى ألف
(22/56)

وثلاثمائة، وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه الحاجب سلّام بن سليم فقال: مرحبا يا أبا خالد، انزل راشدا فنزل، وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فأدخل ابن هبيرة وحده فحادثه ساعة، ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما، وكان يأتيه فى خمسمائة فارس وثلاثمائة، فقيل لأبى جعفر: إن ابن هبيرة ليأتى فيتضعضع له العسكر، فأنقص من سلطانه شيئا، فأمره أبو جعفر ألا يأتى إلا فى حاشيته، فكان يأتى فى ثلاثين ثم صار يأتى فى ثلاثة أو أربعة، وألحّ السفاح على أبى جعفر بقتل ابن هبيرة وهو يراجعه، حتى كتب إليه: والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرتك ويتولى قتله، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فأحضرهم، فأقبل محمد بن نباتة، وحوثرة بن سهيل فى اثنين وعشرين رجلا، فأدخل الحاجب حوثرة وابز نباتة فنزعت سيوفهما وكتّفا، واستدعى أبو جعفر رجلين رجلين ففعل بهما كذلك، فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد الله وغدرتم، إنا لنرجو أن يدرككم الله، وبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة فى مائة إلى ابن هبيرة، فقالوا: نريد حمل المال، فقال لحاجبه دلّهم على الخزائن ففعل، فأقاموا عند كل بيت نفرا، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبنىّ له صغير فى حجره، فقام حاجبه فى وجوههم فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل مواليه، ونحّى ابنه من حجره «1» وقال:
دونكم وهذا الصبى وخرّ ساجدا فقتل، وحملت رءوسهم إلى أبى جعفر، فأمر فنودى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك وخالد بن سلمة المخزومى، فهرب الحكم وأمّن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح، ولم يجز أمان أبى جعفر.
(22/57)

ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل ومن قتله بها
وفى هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى على الموصل، وسبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة عاملهم محمد بن صول، وقالوا:
لا يلى علينا مولى لخثعم، وأخرجوه عنهم، فكتب بذلك إلى السفاح، فاستعمل عليهم أخاه يحيى وسيّره إليها فى اثنى عشر ألفا، فنزل قصر الإمارة ولم يظهر لهم ما يكرهونه ولا عارضهم فى أمر، ثم دعاهم فقتل منهم اثنى عشر رجلا، فنفر أهل البلد وحملو السلاح فأعطاهم الأمان، وأمر فنودى من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا، أسرفوا فيه فقيل إنه قتل عشرين ألفا ممّن له خاتم «1» ، ومن ليس له خاتم ما شاء الله، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء يبكين رجالهن، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان، فقتلوا منهم ثلاثة أيام، وكان فى عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجى، فأخذوا النساء قهرا، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب فى اليوم الرابع، وبين يديه الحراب والسيوف مصلته، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم، فقالت له: ألست من بنى هاشم؟! ألست «2» من بنى عم رسول الله؟! أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهنّ «3» الزنج؟!! فأمسك عن جوابها وبعث معها من أبلغها مأمنها، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقيل: كان السبب فى قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من كرهية بنى العباس «4» ، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمىّ من السطح،
(22/58)

فوقع على رأس بعض الخراسانية فظنّها فعلت ذلك تعمدا، فاقتحم «1» الدار وقتل أهلها، فثار أهل البلد وقتلوه وثارت الفتنة، وممن قتل معروف بن أبى معروف، وكان من الزهاد العبّاد قد أدرك كثيرا من الصحابة رضى الله عنهم وروى عنهم.
ذكر عمال السفاح
فى هذه السنة كان العامل على مكة والمدينة واليمن واليمامة داود بن على عم السفّاح، وكان قبل ذلك على الكوفة وسوادها فنقله واستعمل على الكوفة وسوادها ابن أخيه عيسى بن موسى، واستقضى على الكوفة ابن أبى ليلى، وكان العامل على البصرة سفيان بن معاوية المهلّبى، وعلى قضائها الحجّاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبا جعفر عبد الله بن محمد بن على، وعلى الشام عبد الله بن على، وعلى مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى خراسان والجبال أبا مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس فى هذه السنة داود بن على.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
ذكر دخول ملك الروم ملطيّة وقاليقلا
فى هذه السنة أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطيّة وكمخ «2» ، فنزل كمخ فاستنجد أهلها بأهل ملطية فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطية وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحرّان، فأرسل قسطنطين إلى
(22/59)

أهل ملطية: إنى لم أحصركم إلا على علم من اختلاف المسلمين، فلكم الأمان وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أخرب «1» ملطية، فلم يجيبوه، فنصب المجانيق فأذعنوا وسلّموا البلد بالأمان، وانتقلوا إلى بلاد الإسلام، فخرّبها الروم ورحلوا عنها، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصىّ، وأرسل كوشان الأرمنى فحصرها، فنقب أخوان من الأرمن من أهل المدينة «2» سورها، فدخل كوشان ومن معه البلد فغلبوا عليها، وقاتلوا الرجال وسبوا النساء والذريّة، وساق الغنائم إلى ملك الروم.
وفيها وجّه السفاح عمه سليمان واليا على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين «3» ومهرجا نقذق واستعمل عمه إسماعيل بن على على الأهواز.
وفيها مات «4» داود بن على فى شهر ربيع الأول واستخلف ابنه موسى، فاستعمل السفاح على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبيد الله «5» بن عبد المدان الحارثى، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد المدان الحارثى «6» على اليمن. وفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى أفريقية فقاتل أهلها حتى فتحها.
وفيها خرج شريك بن شيخ المهرى ببخارى على أبى مسلم، ونقم عليه وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، نسفك الدماء ونعمل بغير الحق، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، ووجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعى فقتله زياد.
(22/60)

وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل واستعمل مكانه إسماعيل بن على وفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختّل فتحصّن ملكها منه هو وأناس، فألحّ عليه أبو داود فخرج هو ومن معه من دهاقينه، فسار حتى انتهى إلى أرض فرغانة، ودخل بلد الترك وانتهى إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم، فبعث بهم إلى أبى مسلم.
وحج بالناس فى هذه السنة زياد بن عبيد الله «1» .
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائة.
ذكر خلع بسّام بن إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح
فى هذه السنة خلع بسّام بن إبراهيم، وكان من فرسان أهل خراسان، وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأيه سرّا إلى المدائن، فوجّه إليهم السفاح خازم بن خزيمة فاقتتلوا، فانهزم بسّام وقتل أكثر من معه واستبيح عسكرهم، وتبعهم خازم إلى أن بلغ ماه «2» ، ثم انصرف فمرّ بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بنى عبد المدان وهم خمسة وثلاثون رجلا، ومن غيرهم ثمانية عشر ومن مواليهم سبعة عشر، فلم يسلّم عليهم فلما جاوزهم شتموه، وكان فى قلبه منهم، لأنه بلغه أن المغيرة بن الفزع من أصحاب بسّام لجأ إليهم، فرجع إليهم فسألهم عن المغيرة، فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام فى قريتنا ليلة ثم خرج منها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه فيأمن فى قريتكم!! فهلا اجتمعتم فأخذتموه!! فأغلظوا له فى الجواب فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا،
(22/61)

وهدم دورهم ونهب أموالهم ثم انصرف، فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبيد الله الحارثى معهم على السفاح، فقالوا: إن خازما «1» اجترأ عليك واستخف بحقك، وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك، معتزين بك طالبين معروفك، حتى إذا صاروا فى جوارك قتلهم خازم، ونهب أموالهم وهدم دورهم بلا حدث أحدثوه، فهمّ بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على السفاح وصرفوه عن ذلك، وقالا إن له سابقة وإن كنت لا بد قاتله فابعثه لأمر، إن قتل فيه فقد بلغت الذى تريد، وإن ظفر كان ظفره لك. وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابركاوان «2» مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرى، وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن على وهو بالبصرة بحملهم فى السفن إلى جزيرة ابركاوان وعمان، فسار خازم.
ذكر خبر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز
قال: وسار خازم إلى البصرة وقد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو الرّوذ من يثق به، ثم سار فلما وصل إلى البصرة انضم إليه عدة من بنى تميم، فساروا فى البحر إلى جزيرة ابركاون، فوجّه خازم نضلة «3» بن نعيم النّهشلى فى خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا وقتتلوا قتالا شديدا، فركب
(22/62)

شيبان وأصحابه فى السفن إلى عمان وهم صفريّة، فقاتلهم الجلندى وأصحابه وهم أباضيّة، واشتد القتال بينهم فقتل شيبان ومن معه، وقد ذكرنا فى سنة تسع وعشرين ومائة فى أخبار مروان بن محمد قتل شيبان هذا، وليس هو شيبان الذى قتل بخراسان، ذاك شيبان بن سلمة، ثم سار خازم فى البحر بمن معه حتى أرسوا بساحل عمان، فخرجوا فلقيهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل بينهم، ثم اقتتلوا من الغد فقتل من الخوارج نحو تسعمائة، وأحرقوا منهم نحو تسعين رجلا، ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم، وجعلوا النفط على أسنة رماحهم، وأضرموا بيوت أصحاب الجلندى وكانت من خشب فاحترقت، واشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأموالهم، فحمل عليهم أصحاب خازم فقتل الجلندى، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، فبعث برءوسهم إلى البصرة ثم إلى السفاح، واستقدم خازما بعد ذلك بشهر فقدم عليه.
وفيها وجّه السفاح موسى بن كعب إلى السند «1» لقتال منصور بن جمهور، فسار إليه والتقوا فانهزم منصور ومن معه، فمات عطشا فى الرمال، وقيل أصابته بطنة فمات، وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور، فدخل بهم بلاد الخزر.
وفيها توفى محمد بن يزيد وهو على اليمن، فاستعمل السفاح مكانه على ابن الربيع بن عبيد الله «2» . وفيها تحوّل السفاح من الحيرة إلى الأنبار فى ذى الحجة. وفيها ضرب المنار «3» والأميال من الكوفة إلى مكة المشرفة. وحج بالناس عيسى بن موسى وهو على الكوفة.
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
.
(22/63)

ذكر خروج زياد بن صالح
فى هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار إليه أبو مسلم من مرو، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم- نصر بن راشد إلى ترمذ، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ناس من الطّالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصرا، فبعث أبو داود «1» عيسى بن ماهان فقتل قتلة نصر، ومضى أبو مسلم مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سبّاع بن النعمان الأزدى، وكان السفاح قد أرسله لقتال زياد بن صالح، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبى مسلم ويقتله، فأخبر أبا مسلم بذلك فحبس سبّاعا بآمل، وغزا أبو مسلم حتى نزل بخارى، فأتاه عدّة من قواد زياد قد خلعوا زيادا، وأخبروا أبا مسلم أن سبّاع بن النعمان أفسد «2» زيادا، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله فقتله، ولجأ زياد إلى دهقان هناك فقتله، وحمل رأسه إلى أبى مسلم، فرجع إلى مرو. وفيها غزا عبد الرحمن «3» بن حبيب جزيرة صقلية فغنم ونهب وسبى بعد أن غزا تلمسان. وحج بالناس فى هذه السنة سليمان بن على.
ودخلت سنة ست وثلاثين ومائة
.
(22/64)

ذكر وفاة أبى العباس السفاح
فى هذه السنة: توفى أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح، وكانت وفاته بالأنبار بالمدينة التى بناها وسماها الهاشمية، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة- وقيل لاثنتى عشرة ليلة مضت منه- بمرض الجدرى، وله ثلاث وثلاثون سنة، وقيل ست وثلاثون، وقيل ثمان وعشرون، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفى أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة أربع سنين وتسعة أشهر، وكان جعدا أبيض طويلا، أقنى الأنف حسن الوجه واللحية، وقيل إنه سمّ.
وحكى: أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب بألفى ألف درهم، ولم يعط خليفة هذه الجملة. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. أولاده: محمد مات صغيرا ورايطة تزوجها المهدى.
وزراؤه: أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو أول من لقب بالوزارة، ولم يكن خلّالا وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلّالين، فكان يجلس عندهم فسمى الخلّال، ثم قتله على ما قدمناه واستوزر خالد بن برمك وقد قدّمنا أنه كان على الخراج. وكانت الدفاتر فى الدواوين صحفا مدرجة، فأول من جعلها دفاتر من جلود خالد بن برمك. قضاته: ابن أبى ليلى الأنصارى ثم يحيى بن سعيد الأنصارى. حاجبه: أبو غسّان صالح بن الهيثم مولاه.
الأمير بمصر: صالح بن على بن عبد الله بن عباس، ثم سار عنها واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم عاد صالح بن على وقد جمع له مصر وفلسطين وأفريقية، فسيّر أبا عون إلى أفريقية. قاضيه بها عبد الرحمن بن سالم إلى أن صرفه أبو عون وأعاد حسين بن نعيم، ثم اعتزل وولى أبو عون- عون بن سليمان.
(22/65)

قال: ولما مات السفّاح صلّى عليه عمه عيسى بن على، ودفنه بالأنبار العتيقة. وخلف تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاث مطارف خز.
قيل: نظر السفاح يوما فى المرآة فقال: اللهم إنى لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكنى أقول: اللهم عمّرنى طويلا فى طاعتك، متمتعا بالعافية، فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام:
الأجل بينى وبينك شهران وخمسة أيام، فتطيّر من كلامه، وقال: حسبى الله ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، ومات بعد شهرين وخمسة أيام.
ذكر خلافة المنصور
هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وأمّه سلامة بنت بشر بن يزيد، وهو الثانى من خلفاء بنى العباس. وكان أخوه السفاح قبل وفاته قد عقد البيعة له فى هذه السنة، وجعله ولىّ عهد المسلمين من بعده، وجعل من بعده ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، وجعل العهد فى ثوب وختمه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى «1» ، فلما توفى السفاح كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة له عيسى بن موسى، وكتب إلى أبى جعفر يعلمه بوفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفيّة «2» ، فقال: صفت لنا إن شاء الله، وكتب إلى أبى مسلم يستدعيه، وكان قد حجّ أيضا وقد تقدّم المنصور فأقبل إليه، فلما جلس ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع، ونظر إلى أبى جعفر وقد جزع جزعا شديدا، فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال أتخوّف شرّ عمى
(22/66)

عبد الله وشيعة علىّ، فقال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله تعالى، إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان، وهم لا يعصوننى فسرّى عنه، وبايع له أبو مسلم، وأقبلا حتى قدما الكوفة، قال: ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبى جعفر أرسل إلى عبد الله بن علىّ بالشام، يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور، وأمره أن يأخذ البيعة للمنصور فبايع لنفسه.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
. فى هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور من مكة إلى الكوفة، فصلّى بأهلها الجمعة وخطبهم، وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع أطرافه، وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم فسلّم الأمر إليه.
ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته
كان عبد الله بن علىّ قدم على السفاح، فجعله على الصائفة وسيّر معه أهل الشام وخراسان، فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرب، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فرجع وبايع لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجّه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل بيته، وقال: من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولى عهدى، فلم ينتدب غيرى وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له أبو غانم الطائى وخفاف المروروزى وغيرهما من القواد فبايعوه، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره، ثم سار عبد الله حتى أتى حرّان، وبها مقاتل العكى «1» قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة، فتحصّن منه مقاتل فحصره أربعين يوما، وكان أبو مسلم قد عاد من
(22/67)

الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابى فى منطقتى وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان وأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن على، فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار نحوه فى الجنود ولم يتخلف عنه أحد، فلما بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم الخراسانى أعطى العكّى «1» أمانا، فنزل إليه فيمن معه فوجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدى بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتابا، فلما قدموا على عثمان دفع العكّى الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده، قال: وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فلما كان ببعض الطريق قرأه، فإذا فيه قتله، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة، فتبعه ناس كثير، وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علىّ ليمكر به، فلما أتاه قال له: سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدى عمى عبد الله، فقال له:
كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله، وكتب إليه: لم أومر بقتالك، وإنما أمير المؤمنين ولّانى الشام، فأنا أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له: كيف نقيم معك؟ وهذا يأتى بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا، ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله، فقال لهم عبد الله: والله ما يريد الشام وما توجّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم، فأبوا إلا المسير إلى الشام، فارتحل عبد الله نحو الشام، فنزل أبو مسلم فى معسكر عبد الله،
(22/68)

وغوّر ما حوله من المياه، فقال لأصحابه: ألم أقل لكم، ورجع فنزل فى مكان عسكر أبى مسلم الذى كان به أولا، ثم التقوا واقتتلوا خمسة أشهر عدة وقعات، حتى كادت الهزيمة تكون على أصحاب أبى مسلم، وانهزم بعضهم، فكان أبو مسلم يرتجز فى ذلك فيقول:
من كان ينوى أهله فلا رجع ... فرّ من الموت وفى الموت وقع
فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سبع وثلاثين التقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب عبد الله وتركوا معسكرهم فحواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. قال: ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علىّ، فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى المنصور، وأما عبد الله فإنه أتى أخاه سليمان بن علىّ بالبصرة، فأقام عنده زمانا متواريا.
ذكر مقتل أبى مسلم الخراسانى
وكان مقتله لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة، قال:
وسبب ذلك أن المنصور كان قد حقد عليه أشياء كثيرة، منها أن أبا مسلم كان قد كتب إلى السفاح يستأذنه فأذن له، وكتب السفاح إلى المنصور- وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان- أن أبا مسلم استأذننى فى الحج وأذنت له، وهو يريد أن أوليه الموسم فاستأذنى أنت فى الحج، فإنك إذا كنت بمكة لا يطمع أن يتقدمك، فكتب المنصور إلى السفاح يستأذنه فى الحج فأذن له، فقال أبو مسلم: ما «1» وجد أبو «2» جعفر عاما يحج فيه غير هذا!! وحجّا معا، فكان أبو مسلم يكسو الأعراب، ويصلح الآبار
(22/69)

والطرق، فصار الذكر له، فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم فى الطريق على المنصور، وأتاه خبر السفاح كما قدّمناه، فكتب إلى أبى جعفر يعزيه بالسفاح ولم يهنئه بالولاية، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع، فغضب المنصور لذلك وكتب إليه كتابا غليظا، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهنئه بالخلافة، وتقدم أبو مسلم فأتى الأنبار، فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له، فأبى عيسى وقد قيل فى أمره ما قدمناه، ثم جهّزه لمحاربة عبد الله بن على ومعه الحسن بن قحطبة، فأرسل الحسن إلى أبى أيوب وزير المنصور يقول: إنى قد ارتبت «1» من أبى مسلم، فإنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقيه إلى أبى الهيثم ويضحكان استهزاء، فقال أبو أيوب: نحن لأبى مسلم أشد تهمة (منّا) «2» لعبد الله.
فلما انهزم عبد الله وبعث المنصور أبا الخصيب يجمع الأموال، فأراد أبو مسلم قتله فكلّم فيه فخلى سبيله، وقال: أنا أمين على الدماء خائن فى الأموال، وشتم المنصور فرجع أبو الخصيب وأخبر المنصور، فخاف أن يمضى أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إنى قد ولّيتك مصر والشام، فهى خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحبّ لقاءك أتيته من قرب، فلما أتاه الكتاب غضب وقال: يولينى مصر والشام وخراسان لى!! فكتب الرسول إلى المنصور بذلك.
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على الخلاف، وخرج يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبى مسلم فى المسير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنّا نروى عن ملوك بنى ساسان: إن أخوف ما
(22/70)

يكون الوزراء إذا سكنت «1» الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء لك ما وفيت، حريّون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطى نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسى، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إليه: قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وأنت فى طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر ما أنت به، وليس من الشريطة التى أوجبت منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة، لتسكن إليها إن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به ذات «2» بينك أوكد عنده وأقرب من الباب الذى فتحه عليك.
وقيل إن مكاتبة أبى مسلم إلى المنصور كانت على خلاف ما قدمناه، وأن المنصور لما سار إلى المدائن أخذ أبو مسلم طريق حلوان، فقال المنصور لعمه عيسى بن على ولمن حضره من بنى هاشم: اكتبوا إلى أبى مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه، ويسألونه أن يتمّ ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة البغى، ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور، وبعث المنصور الكتب مع أبى حميد المروروذى وقال له: كلّم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا، ومنّه وأعلمه أنى رافعه وصانع به ما لم أصنع بأحد- إن هو صلح وراجع فله ما أحب «3» ، فإن أبى فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس وأنا برىء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتنى، إن «4» وكلت أمرك
(22/71)

إلى أحد سواى، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسى، ولو خضت البحر لخضته، ولو «1» اقتحمت النار لاقتحمتها، حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، وأوصاه ألا يقول له هذا القول إلا بعد الإياس منه، فسار أبو حميد وقدم على أبى مسلم بحلوان، فدفع إليه الكتب وقال: إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك- حسدا وبغيا، يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك، وقال له: يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس وما ذخره الله لك فى ذلك من الأجر عنده أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينّك الشيطان، فقال له: متى كنت تكلمنى بهذا الكلام!! فقال أبو حميد: إنك دعوتنا إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبى صلّى الله عليه وسلّم فى بنى العباس، وأمرتنا بقتال من خالف، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا حتى أتيناهم فى بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن يفسد أمرنا وتفرّق كلمتنا؟ وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلونى، فأقبل أبو مسلم على أبى نصر مالك بن الهيثم، وقال: أما تسمع كلامه لى!! ما هذا بكلامه، فقال مالك: لا تسمع كلامه ولا يهولنّك هذا منه، فلعمرى ما هذا كلامه، ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنّك، ولقد وقع فى نفسه منك مالا يأمنك معه أبدا، فأمرهم بالقيام فنهضوا.
وأرسل أبو مسلم الكتب إلى نيزك فقال: لا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتى الرى فتقيم بها، فتصيّر ما بين خراسان والرى لك، وهم جندك لا يخالفونك، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت فى جندك، وكانت خراسان من ورائك، وأنت ورأيك.
(22/72)

فدعا أبا حميد وقال له: ارجع إلى صاحبك فليس من رأيى أن آتيه، قال: قد عزمت على خلافه، قال: نعم، قال: لا تفعل، قال لا أعود أبدا، فلما أيس منه أبلغه الرسالة، فوجم طويلا ثم قال: قم كررها وارتاع لقوله. وكان المنصور قد كتب لأبى داود- خليفة أبى مسلم بخراسان- حين اتهم أبا مسلم: أن لك إمرة خراسان، فكتب أبو داود إلى أبى مسلم:
إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجع إلا بأمره، فوافاه كتابه وهو على تلك الحال فزاده رعبا، فأرسل إلى أبى حميد فقال له: إنى كنت عازما على المضى إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه، فإنه ممن أثق به فوجّهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه، فرجع أبو إسحاق إلى أبى مسلم وقال: ما أنكرت شيئا، ورأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى المنصور فيعتذر إليه، فقال له نيزك:
قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثل:
ما للرجال مع القضاء محالة ... غلب «1» القضاء بحيلة الأقوام
قال: فإذا عزمت على هذا فخار الله لك، احفظ عنى واحدة: إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك.
وكتب أبو مسلم إلى المنصور إنه منصرف إليه، وسار نحوه واستخلف أبا نصر مالك بن الهيثم على عسكره، وقال له: أقم حتى يأتيك كتابى، فإن أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بخاتمى كله فلم أختمه، وقدم المدائن فى ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوان. قال: ولما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس؛ ثم قدم فدخل
(22/73)

على المنصور فقبّل يده، فأمره أن ينصرف ويستريح ليلته ويدخل الحمام فانصرف.
فلما كان من الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحراس، فأمرهم أنه إذا صفّق بيده أن يقتلوا أبا مسلم وتركهم خلف الرواق، واستدعى أبا مسلم فدخل عليه، فقال له المنصور: أخبرنى عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن على، قال: هذا أحدهما، قال: أرنيه فانتضاه وناوله إياه، فوضعه المنصور تحت فراشه، وأقبل يعاتبه وقال له: أخبرنى عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين!؟ قال:
ظننت أن أخذه لا يحلّ، فلما أتانى كتابه علمت أنه وأهل بيته معدن العلم؛ قال: أخبرنى عن تقدمك إياى بطريق مكة، قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمت للرفق؛ وذكره بذنوبه وما أنكره عليه، وكان من جملة ما ذكر له- ألست الكاتب إلىّ تبدأ بنفسك، وتخطب عمتى آمنة «1» بنت على، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت- لا أمّ لك- مرتقى صعبا، ثم قال: وما الذى دعاك إلى قتل سليمان بن كثير؟ مع أثره فى دعوتنا وهو أحد نقبائنا «2» قبل أن يدخلك فى هذا الأمر! قال: أراد الخلاف علىّ وعصانى فقتلته، فلما طال عتاب المنصور له قال: لا يقال لى هذا بعد بلالى وما كان منّى! قال: يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت فى دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، فأخذ أبو مسلم يد المنصور يقبّلها ويعتذر إليه، فقال: والله ما رأيت كاليوم، والله مازدتنى إلا غضبا، فقال أبو مسلم: دع هذا، فو الله قد أصبحت ما أخاف إلا الله، فشتمه المنصور وصفّق بيده على الأخرى، فخرج إليه الحرس فضربه عثمان
(22/74)

ابن نهيك فقطع حبائل سيفه، فقال: استبقنى لعدوك يا أمير المؤمنين، فقال: لا أبقانى الله إذن، وأى عدو أعدى لى منك؟! وأخذته سيوف الحرس حتى قتلوه، وهو ينادى العفو العفو، فقال المنصور يا ابن اللخناء والسيوف قد اعتورتك!! وأنشد المنصور «1» :
اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمرّ فى فيك من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت والله أبا مجرم
قال: وكان أبو مسلم قد قتل ستمائة ألف صبرا، قال: ولما قتل قال لأصحابه اجتمعوا، فاجتمعوا فنثرت عليهم بدرة، فلما أكبوا ليلتقطوها طرح عليهم رأس أبى مسلم، فلما رأوه تخاذلوا وتفرقوا، قال: ثم خطب المنصور بعد مقتل أبى مسلم فقال:
أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا فى ظلمة الباطل بعد سعيكم فى ضياء الحق، إن أبا مسلم أحسن مبتدأ وأساء معقبا، وأخذ من الناس «2» أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيّته مالو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا فى قتله، وعنّفنا فى إمهاله «3» ، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحلّ لنا عقوبته، وأباحنا دمه فحكمنا فيه حكمه لنا فى غيره، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة الذبيانى:
(22/75)

فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على الصمد «1»
ثم نزل.
قال: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة وأبى «2» الزبير المكى وثابت البنانى ومحمد بن على بن عبد الله بن عباس والسدّى وروى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ وعبد الله بن المبارك وغيرهما، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج؟ قال: لا أقول إن أبا مسلم خير من أحد، ولكنّ الحجاج كان شرا منه، وكان أبو مسلم فاتكا شجاعا ذا رأى وتدبير وحزم وعقل ومروءة.
قال: ولما قتل كتب المنصور إلى أبى نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبى مسلم يأمره بحمل ثقله، وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم، فلما رأى الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتبه، فقال:
أفعلتموها، وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان، فكتب المنصور له عهدا على شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركى وهو على همذان، إن مرّ بك أبو نصر فاحبسه، فأتاه الكتاب وهو بهمذان، فقال له زهير: قد صنعت لك طعاما، فلو أكرمتنى بدخول منزلى، فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه، وقدم صاحب العهد على أبى نصر فخلّى زهير سبيله لهواه فيه فخرج، ثم كتب المنصور إلى زهير بقتله، فقال جاءنى كتاب بعهده فخليت سبيله، ثم قدم أبو نصر على المنصور فقال: أشرت على أبى مسلم بالمضى إلى خراسان، قال: نعم، كانت له عندى أياد فنصحته، وإن اصطنعنى أمير المؤمنين نصحت له وشكرت، فعفا عنه، فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر
(22/76)

على باب القصر، وقال: أنا البواب اليوم، لا يدخل أحد وأنا حىّ، فعلم المنصور أنه نصح له، وقيل إن زهيرا سيّر أبا نصر إلى المنصور مقيّدا، فمنّ عليه واستعمله على الموصل والله أعلم.
ذكر خروج سنباذ بخراسان
وفى هذه السنة خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبى مسلم، وكان مجوسيا من قرية من قرى نيسابور يقال اهروانه «1» ، وكان من صنائع أبى مسلم فخرج غضبا لقتله، وكثر أتباعه وكان عامتهم من أهل الجبال، فغلب على نيسابور وقومس والرىّ وتسمى فيروز إصبهيذ، فلما صار بالرى أخذ خزائن أبى مسلم التى كان خلّفها هناك لما حجّ، وسبى الحرم ونهب الأموال ولم يتعرض للتجار، وأظهر أنه يريد قصد الكعبة ليهدمها، فوجّه إليه المنصور جمهور بن مرّار العجلى فى عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والرى على طرف المفازة، فعزم جمهور على مطاولته فلما التقوا قدّم سنباذ النساء من سبايا «2» المسلمات على الجمال فى المحامل، فلما رأين عسكر المسلمين قمن فى المحامل ونادين: وا محمداه!! ذهب الإسلام، وقعقعت الريح فى أثوابهن فنفرت الإبل، وعادت على عسكر المجوس فتفرقوا، وكانت الهزيمة عليهم وتبع المسلمون الإبل، فوضعوا السيوف فى المجوس ومن معهم فقتلوهم كيف شاءوا، وكان عدد القتلى نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس، وكان بين مخرجه وقتله سبعون ليلة؛ وكان سبب قتله أنه قصد طبرستان ملتجئا إلى صاحبها، فأرسل إلى طريقه غلاما «3» له اسم طوس «4» ، فضرب عنق سنباذ وأخذ ما
(22/77)

معه من الأموال، وكتب إلى المنصور بقتله، فطلب المنصور الأموال التى كانت معه من صاحب طبرستان فأنكرها، فسيّر الجنود لحربه فهرب إلى بلاد الديلم.
ذكر خروج ملبّد «1» الشيبانى وقتله
وفى هذه السنة خرج ملبّد بن حرملة الشيبانى فحكم بناحية الجزيرة، فسار إليه روابط الجزيرة وهم نحو ألف فارس، فقاتلهم فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبى فهزمه ملبّد، فوجّه إليه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان فى ألفين نخبة الجند فهزمهم، واستباح عسكرهم، ثم وجّه إليه نزارا قائدا من قواد خراسان، فقتله ملبّد وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان فى جمع كثير فهزمهم، فوجّه إليه صالح بن صبيح فى جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة فهزمهم، ثم سار إليه حميد بن قحطبة- وهو يومئذ على الجزيرة- فهزمه ملبّد، وتحصّن منه حميد وأعطاه مائة ألف درهم، على أن يكفّ عنه، فلما بلغ ذلك المنصور وجّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن، وضمّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له ملبّد مائة فارس، فلما التقوا خرج الكمين عليهم، فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه، فوجّه إليه خازم بن خزيمة فى نحو ثمانية آلاف من المروروذية، والتقوا واقتتلوا مرة بعد أخرى، فانهزمت ميمنة خازم وميسرته وثبت هو فى القلب، فنادى فى أصحابه:
الأرض، الأرض، فنزلوا وعقروا عامة دوابهم وضربوا بالسيوف حتى تقطعت، وتراجع أصحاب خازم ورشقوا أصحاب ملبّد بالسهام، فقتل ملبّد فى ثمانمائة رجل بالنشاب- وكانوا قد ترجلوا، وقتل منهم قبل ذلك ثلاثمائة، وهرب الباقون فاتبعهم أصحاب خازم، فقتل منهم مائة وخمسون
(22/78)

رجلا، وذلك فى سنة ثمان وثلاثين ومائة. وقيل إن خروجه كان فيها.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس وهو على الموصل.
ودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة.
ذكر خلع جمهور بن مرّار وقتله
فى هذه السنة خلع جمهور «1» بن مرّار العجلى، وسبب ذلك أنه لما هزم سنباذ حوى ما فى عسكره، وكان فيه خزائن أبى مسلم فلم يوجهها إلى المنصور، فخاف فخلع، فوجّه المنصور لحربه محمد بن الأشعث فى جيش عظيم، فسار نحو الرىّ ففارقها جمهور نحو أصفهان فملكها، فأرسل محمد عسكرا وأقام هو بالرى، فأشار على جمهور بعض أصحابه أن يسير فى نخبة عسكره نحو محمد، فسار إليه فبلغ محمدا الخبر فاحتاط وحذر، وأتاه عسكر من خراسان فقوى بهم، والتقوا بقصر الفيروزان بين الرى وأصفهان، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب جمهور، ولحق بأذربيجان، وقتل من أصحابه خلق كثير، ثم قتله أصحابه باسباذروا «2» وحملوا رأسه إلى المنصور.
وفى هذه السنة خرج قسطنطين- ملك الروم- إلى بلاد الإسلام، فدخل ملطية عنوة وقهر أهلها وهدم سورها، وعفا عمن فيها من المقاتلة والذريّة، ثم بنى صالح بن على ما هدمه الروم من سورها.
(22/79)

وفيها بايع عبد الله بن على للمنصور فى المسجد الحرام. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن صالح بن على.
ودخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
. فى هذه السنة: كان الفداء بين المنصور وملك الروم، فاستنقذ المنصور أسرى قاليقلا وغيرهم من الروم، وعمّرها وردّ أهلها إليها، وندب إليها جندا من أهل الجزيرة وغيرهم.
وفيها استولى عبد الرحمن بن معاوية على بلاد الأندلس، على ما نذكره فى أخبار الدولة الأموية بالمغرب. وفيها عزل المنصور سليمان بن على عن البصرة، فاختفى أخوه عبد الله بن على ومن معه من أصحابه، خوفا من المنصور، فأرسل المنصور إلى سليمان وعيسى ابنى علىّ فى إحضار عبد الله، وأمّنه فأحضراه إليه وقواده ومواليه فى ذى الحجة، فحبسه المنصور ومن معه من أصحابه، ثم قتل بعضهم بحضرته، وبعث بقيتهم إلى خالد بن إبراهيم- عامل خراسان- فقتلهم بها، واستعمل على البصرة سفيان بن معاوية. وحج بالناس العباس بن محمد بن على.
ودخلت سنة أربعين ومائة
. فى هذه السنة: هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلى عامل خراسان، وكان سبب هلاكه أنّ ناسا من الجند ثاروا به- وهو بكشماهن- ووصلوا إلى المنزل الذى هو فيه، فأشرف عليهم من الحائط ووطىء حرف آجرة، وجعل ينادى أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة به عند الصباح، فسقط على الأرض فانكسر ظهره فمات عند صلاة العصر، فاستعمل المنصور عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدى، فقدم وأخذ جماعة من القواد الذين أتهمهم بالدعاء لولد على بن أبى طالب فقتلهم، وحبس جماعة.
(22/80)

وفيها سيّر المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة، فى سبعين ألف مقاتل إلى ملطية، فعمروا ما كان خربه الروم منها فى ستة أشهر، وأسكنها أربعة آلاف من الجند، وأكثر فيها السلاح والذخائر، وبنى حصن قلوذية «1» ، فعاد إلى ملطية من كان جلا منها.
وفيها حج المنصور فأحرم من الحيرة، فلما قضى حجة توجّه إلى البيت المقدس، ثم سار منه إلى الرّقة فقتل بها منصور بن جعونة العامرى، وعاد إلى هاشمية الكوفة.
وفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصّيصة على يد جبريل بن يحيى، وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها قليل، فبنى السور وسماها المعمورة، وبنى بها مسجدا جامعا، وفرض فيه لألف رجل، وأسكنها كثيرا من أهلها.
ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائة.
ذكر خروج الراوندية على المنصور وقتلهم
والراوندية قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح «2» ، ويزعمون أن روح آدم حلت فى عثمان بن نهيك، وأن ربّهم الذى يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية، فلما ظهروا وأتوا قصر المنصور فقالوا: هذا قصر المنصور، فقالوا هذا قصر ربنا، فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم ثمانين «3» رجلا، فغضب أصحابهم،
(22/81)

وأخذوا نعشا فحملوه وليس فيه أحد، فمرّوا على باب السجن ورموا النعش، وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور وهم ستمائة رجل، فغلقت أبواب المدينة، وخرج المنصور من القصر ماشيا، ولم يكن فى القصر دابة، ثم أتى بدابة فركبها، وأمر بعد ذلك اليوم أن تربط دابة معه فى القصر، وخرج المنصور لهم فتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه، وجاء معن بن زائدة الشيبانى- وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة، وكان المنصور شديد الطلب له، وقد بذل فيه مالا كثيرا، فتلثّم وترجّل وقاتل قتالا شديدا، وكان المنصور على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه، فأتاه معن بن زائدة وقال: يا شيخ أنا أحق بهذا اللجام منك فى هذا الوقت وأعظم غناء، فقال المنصور: صدق، فدفعه إليه، فلم يزل يقاتل حتى حصل الظفر بالراوندية، فقال له المنصور: من أنت؟ قال:
طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فقال: قد آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك، مثلك يصطنع؛ وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور، وقال: أنا البواب كما ذكرنا ذلك، ونودى فى أهل السوق فقاتلوهم، وفتح باب المدينة فدخل الناس، فحمل عليهم خازم بن خزيمة حتى ألجأهم إلى حائط، ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين، فقال الهيثم بن شعبة: إذا كرّوا علينا فاسبقهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فقاتلهم، ففعل ذلك فقتلوا جميعا، وكان ذلك بالمدينة الهاشمية، وأصيب يومئذ عثمان بن نهيك بسهم، فمرض أياما ومات فصلى عليه المنصور، وجعل على الحرس أبا العباس الطّوسى ثم ولّى المنصور معن بن زائدة اليمن.
ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى إليه
وفى هذه السنة خلع عبد الجبار ابن عبد الرحمن- عامل خراسان- المنصور، وكان سبب ذلك أنه لمّا استعماء المنصور على خراسان عمد إلى
(22/82)

القواد، فقتل بعضهم وحبس بعضهم، فبلغ ذلك المنصور، وأتاه كتاب بعضهم يقول: قد نغل «1» الأديم، فقال المنصور لأبى أيوب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل ذلك إلا وهو يريد أن يخلع، فقال اكتب إليه: إنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من خراسان، وعليهم فرسانهم ووجوهم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا يمتنع، فكتب إليه المنصور فأجابه أن الترك قد جاشت «2» ، وإن فرّقت الجند ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبى أيوب وقال: ما ترى، فقال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهم إلى من غيرها، وأنا موجه إليك الجنود، ثم وجّه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع أخذوا بعنقه، فلما ورد الكتاب على عبد الجبار أجابه: إن خراسان لم تكن أسوأ حالا منها العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من الغلاء، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبى أيوب، فقال له أبو أيوب: قد أبدى صفحته، وقد خلع فلا تناظره، فوجّه المنصور إليه المهدى، وأمره بنزول الرى، فسار المهدى ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار، ونزل المهدى نيسابور، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار، وقاتلوه قتالا شديدا فانهزم منهم، والتجأ إلى مقطنة «3» فتوارى فيها، فعبر إليه «4» المجشّر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فأخذه أسيرا، فلما قدم خازم أتاه به وألبسه جبة صوف، وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلى عجز البعير، وحمله إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب واستخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يد عبد الجبار ورجلاه وضربت عنقه، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك- جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند
(22/83)

فسبوهم فيمن سبوا، ثم فودوا بعد ذلك. وقيل كان أمر عبد الجبار فى سنة اثنتين وأربعين فى شهر ربيع الأول.
ذكر فتح طبرستان
قال: ولما ظفر المهدى بعبد الجبار بغير تعب كره المنصور أن تبطل تلك النفقات التى أنفقت على المهدى، فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل الرىّ، ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، وكان الإصبهبذ يومئذ محاربا المصمغان «1» ملك دنباوند، فبلغه دخول الجند بلاده، ثم قال المصمغان للإصبهبذ متى قهروك صاروا إلىّ، فاجتمعوا على حرب المسلمين وطالت تلك الحروب، فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان، وهو الذى يقول فيه بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم
وكان عالما ببلاد طبرستان، فأخذ الجنود وقصد الرويان ففتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب وألحّ خازم بالقتال ففتح طبرستان وقتل منهم وأكثر، وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان، على أن يسلّم القلعة وما فيها من الذخائر، فكتب المهدى بذلك إلى المنصور، فوجّه المنصور صالحا صاحب المصلى فأحصى ما فى الحصن وانصرفوا، ودخل الإصبهبذ بلاد جيلان «2» من الديلم، وأخذت ابنته وهى أم إبراهيم بن العباس بن محمد، وقصدت الجنود المصمغان فظفروا به.
وفيها عزل زياد بن عبيد الله الحارثى عن مكة والمدينة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى فى شهر رجب،
(22/84)

وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العتكى من أهل خراسان. وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن على بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ على الشام.
ودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة.
ذكر خلع عيينة بن موسى
فى هذه السنة خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند وكان عاملا عليها، وسبب خلعه أن أباه كان يستخلف المسيّب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلى من الشرط، وخاف أن المنصور يحضر عيينة فيوليه ما كان إلى أبيه، فكتب إليه بيت شعر ولم بسب الكتاب إلى نفسه:
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
فخلع الطاعة، فلما بلغ المنصور الخبر سار بعسكره حتى نزل جسر البصرة، ووجه عمر بن حفص بن أبى صفرة العتكى عاملا على السند، وأمره بمحاربة عيينة فسار وغلب على السند.
ذكر نكث الإصبهبذ
فى هذه السنة: نقض الإصبهبذ بطبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده منهم، فلما انتهى الخبر إلى المنصور سيّر مولاه أبا الخصيب، وخازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، وأقاموا يحاصرون الحصن وهو فيه، ولما طال عليهم المقام احتال أبو الخصيب فى ذلك، فقال لأصحابه: اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتى ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ فقال له: إنهم فعلوا بى هذا لأنهم تهمونى أنّ هواى معك، وقال له: إنما أدلك على عورة عسكرهم، فقبل الإصبهبذ ذلك وجعله فى خاصته، وكان باب حصنه من حجر، وكان يوكل بفتحه وغلقه ثقات
(22/85)

أصحابه نوبا بينهم، فلما وثق الإصبهبذ بأبى الخصيب وكله بالباب فتولى فتحه وغلقه، فكتب أبو الخصيب إلى روح وخازم وأعلمهم أنه قد ظفر، وأوعدهم ليلة بفتح الباب، فلما كان فى تلك الليلة فتح لهم، فدخلوا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتله وسبوا الذريّة، وأخذوا شكلة «1» أم ابراهيم ابن المهدى، وكان مع الإصبهبذ سم فشربه فمات، وقيل إن ذلك كان فى سنة ثلاث وأربعين.
وفى هذه السنة مات سليمان بن على بن عبد الله بن عباس فى جمادى الآخرة وعمره تسع وخمسون سنة، وفيها عزل نوفل بن الفرات عن مصر «2» ، ووليها حميد بن قحطبة، وولّى المنصور أخاه العباس بن محمد على الجزيرة والثغور والعواصم، وعزل عمه إسماعيل عن الموصل واستعمل عليها مالك بن الهيثم الخزاعى. وحج بالناس إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة.
فى هذه السنة: ثار الديلم بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فندب الناس المنصور إلى قتال الديلم وجهادهم؛ وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، واستعمل السّرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس؛ وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر واستعمل عليها يزيد بن حاتم «3» ، وحج بالناس فى هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله.
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة.
(22/86)

فى هذه السنة: سير المنصور الناس من أهل الكوفة والبصرة والجزيرة والموصل إلى غزو الديلم، واستعمل عليهم محمد بن أبى العباس السفاح.
وفيها عزل المنصور عن المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى، واستعمل عليها رياح بن عثمان المرى، وكان سبب ذلك أن المنصور كان يتطلب محمد ابن عبد الله بن الحسن وأخاه إبراهيم بن عبد الله، فلما استعمل محمد بن خالد على المدينة أمره بطلبهما، فقدم المدينة وأنفق أموالا عظيمة فى طلبهما، فلم يظفر بهما فعزله واستعمل رياحا، وأمره بمطالبة القسرى بالأموال وطلب محمد وإبراهيم، فقدم المدينة وطالب محمد بن خالد بالمال وضربه وسجنه، وأخذ كاتبه رزاما «1» وعاقبه، وألزمه أن يذكر له ما أخذ محمد من الأموال، فلم يجبه إلى ذلك، فلما طال عليه الأمر وشدّد عليه العذاب أجابه، فقال له رياح: أحضر الرقيعة «2» وقت اجتماع الناس، فلما اجتمع الناس أحضره، فقال: أيها الناس إن الأمير أمرنى أن أرفع على محمد بن خالد، وقد كتبت كتابا وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل، فأمر به رياح فضرب مائة سوط ورده إلى السجن.
وفيها حج المنصور فلما عاد من حجه إلى المدينة لم يدخلها، ونزل الرّبذة، وكان قد أمر رياحا بحبس أولاد الحسن فحبسهم، فلما رجع أمر بحملهم إلى العراق، فأخرجهم من السجن إلى الربذة والأغلال فى أعناقهم وأرجلهم، وحملوا بغير وطاء، وحبسهم بقصر ابن هبيرة، وضرب محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان «3» - وكان قد حبسه معهم- خمسين ومائة سوط، فسالت إحدى عينيه بضربة أصابتها، ومحمد هذا هو الذى يسمى
(22/87)

الديباج، كل ذلك لخوفه من ظهور محمد وإبراهيم ابنى عبد الله بن حسن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة.
ظهور محمد بن عبد الله
فى هذه السنة: ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب «1» بالمدينة ودعا إلى نفسه، وحبس رياح بن عثمان عامل المدينة، وأخرج محمد بن خالد القسرى من الحبس، واستعمل العمال على المدينة ومكة والطائف واليمن، وكان خروجه لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة منها، وكان بينه وبين المنصور مكاتبات سنذكرها فى أخبار محمد بن عبد الله، ولم تغن شيئا، فندب المنصور لقتاله عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، فالتقوا فقتل محمد فى يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان منها، وقتل معه جماعة سنذكر ذلك مستوفى فى أخباره إن شاء الله.
وفيها ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن- وهو أخو محمد- بالبصرة، وبايع الناس، وكان ظهوره فى أول شهر رمضان، وقتل يوم الإثنين لخمس بقين من ذى القعدة منها. وسنذكر ذلك مستوفى فى موضعه إن شاء الله تعالى.
ذكر وثوب السودان بالمدينة
وفى هذه السنة: ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثى فهرب منهم، وسبب ذلك أن المنصور لما استعمله قدم المدينة لخمس بقين من شوال، فنازع جنده التجار فى بعض ما يشترونه منهم، فشكوا ذلك
(22/88)

إليه فانتهر التجار وشتمهم، فتزايد طمع الجند فعدوا على صيرفى فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلصوه منه «1» ، وشكا أهل المدينة إلى ابن الربيع فلم ينكره، ثم جاء رجل من الجند إلى جزار، فاشترى منه لحما فى يوم جمعة فلم يعطه الثمن، وشهر عليه السيف فضربه الجزار بشفرة فى خاصرته فقتله، واجتمع الجزارون وتنادى السودان فقاتلوهم، ونفخوا فى بوق لهم فسمع السودان من العالية والسافلة فاجتمعوا، وكان رؤساؤهم ثلاثة، وهم: وثيق ويعقل وزمعة، فقتلوا فى الجند حتى أمسوا، وقصدوا ابن الربيع فهرب منهم، وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به، وانتهب السودان طعاما للمنصور وزيتا وغيره، فباعوا الحمل الدقيق بدرهمين، والراوية الزيت بأربعة دراهم، ولم يصل الناس فى ذلك اليوم جمعة، فذهب محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحبا بموالينا، والله ما قمنا إلا أنفة بما عمل بكم، فأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد فخطبهم ابن أبى سبرة، وحثهم على الطاعة فتراجعوا، ثم قال لهم- من الغد إنكم كان منكم ما كان بالأمس «2» - نهبتهم طعام أمير المؤمنين، فلا يبقيّن عند أحد منه شىء إلا ردّه فردّوه، ورجع ابن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما.
ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبى جعفر المنصور إليها
وفى هذه السنة ابتدأ المنصور فى بناء مدينة بغداد، وسبب ذلك أنه كان قد ابنتى المدينة الهاشمية بنواحى الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكناها لذلك، ولجوار أهل الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، فخرج يرتاد موضعا لبنائها، وكان بعض جنده قد تخلف عنه بالمدائن لرمد أصابه،
(22/89)

فسأله الطبيب الذى يعالجه عن سبب حركة المنصور فأخبره، فقال الطبيب: إنّا نجد فى كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة، بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه، فلم يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر زمنا طويلا ويبقى الملك فى عقبه، فقدم ذلك الجندى على المنصور وأخبره الخبر، فقال: أنا والله كنت أدعى مقلاصا ثم زال عنّى، وسار حتى نزل الدير- هو جوار قصره المعروف بالخلد، ودعا صاحب الدير والبطريق وغيرهما، فاتفق رأيهم على عمارتها فى موضعها «1» ، وابتدأ بعمارتها فى سنة خمس وأربعين ومائة، وكتب إلى سائر البلاد فى إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر أن يختار له من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة، وأمر فخطت المدينة بالرماد، فشقها ورآها، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ونظر إليها وهى تشتعل ففهمها، وأمر بحفر أساسها على ذلك الرسم، ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد على ربع، ووكل أبا حنيفة بعدّ «2» الآجر واللبن، وكان قبل ذلك أراده المنصور على ولاية القضاء والمظالم فلم يجب، فحلف المنصور أنه لا بد أن يعمل له، فأجابه أن ينظر فى عمارة بغداد، ويعدّ الآجر واللبن بالقصب- وهو أول من فعل ذلك، وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، وجعل فى البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة الله، فلما بلغ السور قدر قامة جاء الخبر
(22/90)

بظهور محمد بن عبد الله فقطع البناء وأقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم، ثم عاد إلى بغداد فأتم بناءها، وكان المنصور قد أعد جميع ما تحتاج إليه المدينة، من آلات البناء والخشب والساج وغيره، واستخلف حين شخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعدّ سلّم «1» مولاه، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور فأحرق جميع ذلك.
قال: ولما انقضى أمر إبراهيم عاد المنصور إلى بغداد فى صفر سنة ست وأربعين ومائة، واستشار خالد بن برمك فى نقض المدائن وإيوان كسرى، ونقل النقاضة إلى بغداد، فقال: لا أرى ذلك لأنه علم من أعلام الإسلام، فقال له: أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم!! وأمر بنقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه، فلم يوف ما تحصل من النقاضة بما غرم عليه من الكلفة، فاستشار خالد بن برمك فقال: كنت لا أرى ذلك قبل، أما إذ فعلت فأرى أن يهدم لئلا يقال عجزت عن هدم ما بناه غيرك، فأعرض عنه وترك هدمه، ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وبابا جىء به من الشام، وبابا من الكوفة كان عمله خالد القسرى، وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وجعل لها سورين، فالسور الداخل أعلى من الخارج، وبنى قصره فى وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر، وكان اللبن الذى يبنى به ذراع فى ذراع، ووزن بعض اللبن لما نقص فكان مائة رطل وسبعة عشر رطلا، وكانت الأسواق فى المدينة فجاء رسول لملك الروم، فأمر أن يطاف به المدينة، ثم قال له: كيف رأيت؟ فقال: رأيت بناء حسنا إلا أنّ أعداءك معك، وهم السوقة، فأمر المنصور بإخراجهم إلى الكرخ.
قال ابن الأثير: وكان مقدار النفقة على بنائها وبناء المسجد والقصر والأسواق والفصلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة
(22/91)

وثلاثين درهما، وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة، والروز كارى «1» بحبتين، وحاسب القواد عند الفراغ وأخذ منهم ما بقى عندهم، فبقى عند خالد بن الصلت خمسة عشر درهما فحبسه عليها وأخذها منه.
وفى سنة خمس وأربعين خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة وحج بالناس السرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس.
ودخلت سنة ست وأربعين ومائة
. فى هذه السنة كملت عمارة بغداد، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها عزل سلم بن قتيبة عن البصرة واستعمل عليها محمد بن سليمان؛ وعزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، واستعمل عليها جعفر بن سليمان؛ وعزل عن مكة السرى بن عبد الله، ووليها عبد الصمد بن على. وحج بالناس فى هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة سبع وأربعين ومائة
. فى هذه السنة أغار استرخان الخوارزمى فى جمع من الترك بناحية أرمينية، فسبى من المسلمين وأهل الذمّة خلقا كثيرا، ودخلوا تفليس، وكان حرب بن عبد الله مقيما بالموصل فى ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، فسيّر المنصور لمحاربة الترك جبريل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلهم فقتل حرب وهزم جبريل بن يحيى، وقتل خلق من أصحابه.
ذكر البيعة للمهدى «2» وخلع عيسى بن موسى
فى هذه السنة: كلم المنصور عيسى بن موسى فى أن يخلع نفسه من
(22/92)

ولاية العهد، وتقدّم للمهدى فامتنع من ذلك، فاطرحه المنصور وحطّ من رتبته، وقدّم المهدى عليه فى الجلوس، وأذاه بأنواع الأذى وأهانه بأنواع الإهانة، وآخر الأمر إن المنصور أمر الربيع أن يخنق عيسى بحمائل سيفه، فخنقه وهو يستغيث: الله الله فى دمى يا أمير المؤمنين، والمنصور يقول:
ازهق نفسه، هذا بحضور أبيه موسى، فقام أبوه عند ذلك وبايع للمهدى، ثم جعل عيسى بن موسى بعده، فقال الناس: هذا الذى كان غدا فأصبح بعد غد هذا أحد الأقوال فى خلعه، وقيل بل شهد عليه ثلاثون نفرا من شيعة المنصور، أنه خلع نفسه وبايع للمهدى فأنكر ذلك، فلم يسمع منه، وقيل بل اشترى المنصور ولاية العهد منه بأحد عشر ألف ألف درهم، وكانت مدة ولاية عيسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان.
ذكر وفاة عبد الله بن على وخبر عيسى بن موسى
قال: كان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلّم إليه عمه عبد الله بن على وأمره بقتله، وقال: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدى، فاضرب عنقه وإياك أن تضعف، فينتقض علىّ أمرى الذى دبرته، ثم مضى المنصور إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه:
ما فعل فى الذى أمره، فكتب إليه عيسى: قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أنه قتله، وكان عيسى حين أخذ عبد الله من المنصور دعا كاتبه يونس ابن [أبى] «1» فروة، واستشاره فى أمره، فقال: إنما أراد المنصور أن يقتله ثم يقتلك به، لأنه أمرك بقتله سرا ثم يدعيه عليك علانية، فلا تقتله ولا
(22/93)

تدفعه إليه سرا أبدا، واكتم أمره، ففعل عيسى ذلك، فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من حرّكهم على الشفاعة فى أخيهم عبد الله، ففعلوا فشفعهم فيه، وقال لعيسى: إنى دفعت إليك عمى وعمك عبد الله ليكون فى منزلك، وقد كلمنى عمومتك فيه وقد صفحت عنه فإيتنا به، فقال:
يا أمير المؤمنين ألم تأمرنى بقتله!! قال: ما أمرتك إلا بحبسه، قال:
بلى، قد أمرتنى، فكذّبه، ثم قال لعمومته: إن هذا قد أقر بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه لنا نقيده به، فسلمه إليهم فخرجوا به إلى الرحبة واجتمع الناس، وقام أحدهم ليقتله فقال عيسى: أفاعل أنت!! قال:
إى والله، فقال: ردّونى إلى أمير المؤمنين فردّوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلنى، هذا عمك حىّ سوىّ، قال: إيتنا به فأتاه به، فقال المنصور: يدخل حتى أرى فيه رأيى ثم صرفهم، وجعله فى بيت أساسه ملح، ثم أجرى الماء على أساسه فسقط عليه البيت فمات، ودفن بمقابر المسلمين بباب الشام وهو أول من دفن فيها، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة.
وحج المنصور فى هذه السنة بالناس
ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائة.
ذكر خروج حسّان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمدانى
قال: وكان خروجه بنواحى الموصل بقرية بافخّارى «1» - وهى قرب الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم وعليهم الصقر بن نجدة، ثم سار حسّان إلى الرقة ومنها إلى البحر، ودخل بلد السند ثم عاد إلى الموصل، فخرج إليه الصقر أيضا والحسن بن صالح بن حسّان «2» الهمدانى
(22/94)

وبلال القيسى والتقوا، فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال، فقتل حسان بلالا واستبقى الحسن لأنه من همدان، ففارقه بعض أصحابه لهذا.
وفى هذه السنة استعمل الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى على أفريقية، وبعث بعهده إليه بها؛ وحج المنصور بالناس فى هذه السنة.
ودخلت سنة تسع وأربعين ومائة
. فى هذه السنة غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث فمات محمد فى الطريق وفيها استتمّ المنصور بناء سور بغداد وخندقها، وفرغ من جميع أمورها وسار إلى حديثة الموصل وعاد. وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد (بن على) «1» بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة خمسين ومائة.
ذكر خروج استاذ سيس
«2» فى هذه السنة خرج استاذ سيس فى أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، فكان- مما قيل- فى ثلاثمائة ألف مقاتل فغلبوا على عامة خراسان، وسار حتى التقى هو وأهل مرو الروذ وعليهم الأجثم «3» المروروزى، فاقتتلوا فقتل الأجثم، وهزم استاذ سيس عدة من القواد، فوجّه المنصور خازم بن خزيمة لحربه وضمّ إليه القواد، فسار خازم والتقوا واقتتلوا، وكانت بينهم حروب آخرها أن استاذ سيس انهزم، وأكثر المسلمون القتل فى أصحابه، فكان عدة من قتل سبعين ألفا، وأسروا أربعة عشر ألفا، ونجا استاذ سيس إلى جبل فى نفريسير، فحصرهم خازم وقتل
(22/95)

الأسرى، ووافى أبو عون وابن سلّم «1» ، فنزل استاذ سيس على حكم أبى عون، فحكم أن يوثق هو وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا، فأمضى خازم حكمه وكسى كل رجل ثوبين، وقيل إن استاذ سيس ادعى النبوّة وأظهر أصحابه الفسق وقطع السبيل؛ وقيل إنه جد المأمون- أبو أمه مراجل.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن على وهو عامل مكة.
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
. فى هذه السنة عزل المنصور عمر «2» بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبى صفرة عن السند، واستعمل عليها هشام بن عمرو «3» التغلبى، واستعمل عمر بن حفص على أفريقية ثم عزله عنها، واستعمل يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن أبى صفرة.
ذكر بناء الرّصافة للمهدى
فى هذه السنة قدم المهدى من خراسان فى شوال، فقدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة وغيرها، فهنأوه بقدومه فأجازهم وحملهم وكساهم، وفعل بهم المنصور مثل ذلك. وبنى الرصافة. وكان سبب بنائها أن بعض الجند شعبوا على المنصور وحاربوه على باب الذهب، فدخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله «4» بن العباس، وهو شيخهم وله الحرمة فيهم والتقدم
(22/96)

عندهم، فقال له المنصور: أما ترى ما نحن فيه من وثوب الجند علينا، وقد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟
فقال: يا أمير المؤمنين عندى رأى، إن أظهرته لك فسد وإن تركتنى أمضيته وصلحت خلافتك، وهابك الجند، قال: أفتمضى فى خلافتى شيئا لا أعلمه «1» ؟ فقال له: إن كنت عندك متهما فلا تشاورنى، وإن كنت مأمونا فدعنى أفعل رأيى، فقال له: امضه، فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاما له فقال له: إذا كان غدا فتقدّمنى فاجلس فى دار أمير المؤمنين، فإذا دخلت وتوسطت أصحاب المراتب فخذ بعنان بغلتى، واستحلفنى بحق رسول الله صلى الله عليه وسلّم وحق العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك، وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، وسأنهرك وأغلظ لك فلا تجب، وعاود المسألة فسأضربك فعاود، وقل لى أى الحيين أشرف: اليمن أو مضر؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حرّ، ففعل الغلام ما أمره به؛ فقال له قثم: مضر أشرف لأن منها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله، فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئا، فقال بعض قوادهم: ليس الأمر كذلك مطلقا بغير فضيلة!! ثم قال لغلام له: قم إلى بغلة الشيخ فاكبحها، ففعل حتى كاد يقعيها، فامتعضت مضر وقالوا:
يفعل هذا بشيخنا!! وأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك الغلام فقطعها، فتفرّق الحيّان، ودخل قثم على المنصور، وافترقت الجند، فصارت مضر واليمن فرقة والخراسانية فرقة، فقال قثم للمنصور: قد فرّقت بين جندك وجعلتهم أحزابا، كل حزب منهم يخاف أن تضربه بالآخر، وقد بقى فى التدبير بقية، وهى أن تترك ابنك فى ذلك الجانب، وتحوّل معه قطعة من جيشك، فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم
(22/97)

بهؤلاء، وإن فسد هؤلاء ضربتهم بأولئك، فقبل رأيه واستقام ملكه، وبنى الرصافة وتولى ذلك صاحب المصلّى.
وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو عامل مكة والطائف.
وفيها قتل معن بن زائدة الشيبانى أمير سجستان، بعد منصرفه من غزاة رتبيل وانصرفه إلى بست، فاختفى بعض الخوارج فى منزله، ثم دخلوا عليه وهو يحتجم فقتلوه، وشقّ أحدهم بطنه بخنجر، وقال بعض من ضربه: أنا الغلام الطاقى، والطاق رستاق بقرب زرنج، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد، وقام يزيد بأمر سجستان.
ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة
. فى هذه السنة غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان المنصور استعمله على خراسان سنة إحدى وخمسين ومائة. وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم، وقيل أخوه محمد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة المنصور
ودخلت سنة ثلاثة وخمسين ومائة.
ذكر القبض على أبى أيوب الموريانى الوزير وقتله
فى هذه السنة قبض المنصور على أبى أيوب الموريانى وعلى أخيه وبنى أخيه، وكان قد سعى بهم كاتبه إبان بن صدقة، وقيل «1» : كان سبب قبضه أن المنصور فى دولة بنى أمية ورد الموصل، وأقام بها «2» مستترا، وتزوج امرأة من الأزد فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة،
(22/98)

وقال لها: إذا سمعت بدولة بنى هاشم فأرسلى هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولدا سمته جعفرا، فنشأ وتعلّم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب. وولى المنصور الخلافة فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبى أيوب، فجعله كاتبا [بالديوان فطلب المنصور يوما من أبى أيوب كاتبا] «1» يكتب له شيئا، فأرسل إليه جعفرا، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبّه، فأمره بالكتابة فرآه ماهرا حاذقا، فسأله: من أين هو؟ ومن أبوه؟ فذكر له الحال وأراه التذكرة فعرفها، فصار يطلبه فى كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب، ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا، وأمره أن يصعد إلى الموصل ويحضر والدته، وأنه إذا رجع وقارب بغداد لقيه المنصور بالعساكر وغيرها، وأمره أن يكتم حاله ويفارق الديوان مغضبا، فخرج إلى الديوان فقال له أبو أيوب: ما أبطأك؟ قال: كنت فى حاجة لأمير المؤمنين، فسأله عما كتب فقال: ما كنت لأذيع سر أمير المؤمنين، فسبّه أبو أيوب فأغلق جعفر دواته، وقال: والله لا عدت لهذا الديوان أبدا، وفارقه مغضبا فتوهم منه أبو أيوب، وتعرف أحواله ووضع عليه العيون، فقيل له: إن حاله حسنت، وأنه جدّد له مراكيب وسافر، فبعث فى أثره من اغتاله، فقتل وأحضر إليه ما كان معه، فرأى فى متاعه ما دلّه على أنه ولد أمير المؤمنين، فسقط فى يده وتوقع السوء، ولما أبطأ خبره على المنصور بعث إلى الموصل من يسأل عنه، فقالت أمه: لا علم لى به إلا أنه ببغداد، يكتب فى ديوان أمير المؤمنين، فأرسل المنصور من قصّ أثره، ولم يزل يدقّق البحث حتى علم أنّ قتله من قبل أبى أيوب، فنكبه هو وأهله.
وفيها غزا الصائفة معيوف «2» بن يحيى، ووصل إلى حصن من حصون
(22/99)

الروم ليلا وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، وقصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين وحجّ فى هذه السنة المهدى بن المنصور بالناس
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائة
. «1» فى هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس، وبعث يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة إلى أفريقية فى خمسين ألفا، لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص.
وحجّ بالناس محمد بن إبراهيم.
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائة.
فى هذه السنة سيّر المنصور المهدى لبناء الرّافقة، فسار إليها فبناها على بناء مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سورا وخندقا، وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلهما «2» .
قال: وأراد المنصور معرفة عددهم، فأمر أن يقسّم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلما انحصرت له عدتهم أمر بجبايتهم أربعين درهما من كل واحد، فقال شاعرهم:
يالقوم ما لقينا ... من أمير المؤمنينا
قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا
ودخلت سنة ست وخمسين ومائة.
لم يكن فى هذه السنة من الحوادث ما نذكره فى هذا الموضع. وحجّ بالناس العباس بن محمد بن على.
(22/100)

ودخلت سنة سبع وخمسين ومائة.
فى هذه السنة بنى المنصور قصره الذى يدعى الخلد. وفيها حوّل الأسواق إلى الكرخ وتقدم السبب فى ذلك وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائة.
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور
كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى الحجة من هذه السنة ببئر «1» ميمون على أميال من مكة، قال المؤرخ «2» : ورأى المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة، ومواعظ مؤذنة بوفاته، منها أنه هتف به هاتف فى قصره فسمعه يقول:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
عليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت فى اليوم «3» كان ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء فى فلك «4»
إلا لنقل «5» السلطان عن ملك ... قد انقضى «6» ملكه إلى ملك
حتى يصيّرانه إلى ملك ... ما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض وال ... مرسى الجبال المسخر الفلك
(22/101)

فلما سمع المنصور ذلك قال: هذا أوان أجلى، قال الطبرى «1» - وقد حكى عبد العزيز بن مسلم قال: دخلت على المنصور يوما عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لأنصرف لما أراه منه، فقال بعد ساعة: إنى رأيت فى المنام كأن رجلا ينشدنى:
أأخىّ أخفض من مناكا ... فكأنّ يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا «2»
فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا
ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا
فهذا ما ترى من قلقى وغمى، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين، ولم يلبث أن خرج إلى مكة، ومن ذلك أنّه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر فى صدر البيت الذى نزل فيه فإذا فيه مكتوب:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حرّ المنية مانع
فدعا المتولى لإصلاح المواضع فقال: ألم آمرك ألا يدخل أحد من الدعاة هذا البيت؟! فحلف أنه لم يدخله أحد، فقال: اقرأ ما فى صدر هذا البيت، قال: ما أرى شيئا، فالتفت إلى حاجبه وقال: اقرأ آية من كتاب الله تعالى تشوقنى إلى لقائه، فقرأ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«3» ، فقال له: ما وجدت آية غير هذه الآية، قال: والله لقد محى القرآن من قلبى غيرها.
(22/102)

ذكر وصية المنصور لابنه المهدى
قال: ولما سار المنصور من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه «1» ، وأحضر المهدى وكان قد صحبه فوصّاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية، فلما كان فى اليوم الذى ارتحل فيه قال له:
إنى لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة- وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدى: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإنّ فيه علم آبائك- ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة- فإن أهمّك أمر فانظر إلى الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا فى الثانى والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل! واقطن «2» هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين لكفاك لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذريّة ومصلحة البعوث، فاحتفظ به، فإنك لا تزال عزيزا مادام بيت مالك عامرا، وما أظنك تفعل! وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وأن تحسن إليهم وتقدمهم، وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر، فإنّ عزّك فى عزّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل! وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل.! وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك، وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم فى دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم فى أهله وولده، وما أظنك تفعل!
(22/103)

وإياك أن تبنى المدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل! وإياك أن تستعين برجل من بنى سليم، وأظنك ستفعل! وإياك أن تدخل النساء فى أمرك، واظنك ستفعل! وقيل: إنه قال له إنى ولدت فى ذى الحجة، ووليت فى ذى الحجة، وقد هجس فى نفسى أن أموت فى ذى الحجة من هذه السنة، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى، يجعل الله لك فيما كربك وحزبك «1» فرجا ومخرجا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب.
يا بنى احفظ محمدا صلّى الله عليه وسلّم فى أمته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدم الحرام فإنه خوب عند الله عظيم. وعار فى الدنيا لازم مقيم. والزم الحدود فإن فيها صلاحك فى العاجل. ولا تعتد فيها فتبور.
فإن الله تعالى لو علم شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به فى كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر فى كتابه بتضعيف العذاب والعقاب. على من سعى فى الأرض فسادا. مع ما ذخره له عنده من العذاب العظيم، فقال تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
«2» الأية، فالسلطان- يا بنى- حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم. فاحفظه وحصّنه وذبّ عنه. وأوقع بالملحدين فيه واقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب. ولا تجاوز ما أمر الله به فى محكم القرآن. فاحكم بالعدل ولا تشطط. فإن ذلك اقطع للشغب. وأحسم للعدو. وأنجع فى الدواء. وعفّ عن الفىء فليس بك
(22/104)

حاجة إليه مع ما أخلفه «1» لك، وافتتح بصلة الرحم وبرّ القرابة، وإياك «2» والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمّن السبل، وسكن العامّة وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعدّ الأموال واخزنها، وإياك والتبذير فإن النوائب غير مأمونة- وهى من شيم الزمان، وأعدّ الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الأمور وتضيع؛ خذ «3» فى إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا أولا وشمّر فيها، واعدد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون فى الليل، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن وأسىء بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من أقمته على بابك، وستهل إذنك للناس وانظر فى أمر النزاع إليك، ووكّل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم مذ ولى الخلافة، ولا دخل عليه الغمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتى إليك، والله خليفتى عليك، ثم ودّعه وبكيا.
ثم سار المنصور إلى الكوفة وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدى وأشعره «4» وقلّده لأيام خلت من ذى القعدة، فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذى مات به- وهو القيام، ولما اشتد به جعل يقول للربيع: بادر بى حرم ربى هاربا من ذنوبى، وكان الربيع عديله، ووصّاه بما أراد، ولما وصل بئر ميمون مات بها فى التاريخ الذى قدّمناه، ولم يحضر عند موته أحد إلا خدمه والربيع مولاه، فكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه؛ ثم أصبح فحضر أهل بيته على عادتهم، فأذن الربيع لعمه عيسى
(22/105)

فمكث ساعة، ثم أذن لابنه موسى، ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان منهم ثم لعامّتهم، فبايعهم الربيع للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده، ثم بايع القواد وعامة الناس، وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن والمقام.
وجهزوا المنصور ففرغوا منه العصر، وكفن وغطى وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، وصلّى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، ودفن فى مقبرة المعلاة، وحفر له مائة قبر ليغمّوه على الناس، ودفن فى غيرها، ونزل فى قبره عيسى ابن على، وعيسى بن محمد، والعباس بن محمد والربيع والريان مولياه ويقطين، وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل أربعا وستين سنة، وقيل ثمانيا وستين. وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا سبعة أيام. وكان أسمر نحيفا خفيف العارضين. أولاده: محمد المهدى وجعفر الأكبر أمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميرى، وكانت تكنى أم موسى، ومات جعفر قبل المنصور، ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، وجعفر الأصغر أمه أم ولد كرديّه، وصالح المسكين وأمه أم ولد روميّة، والقاسم مات قبل المنصور وله عشر سنين أمه أم ولد تعرف بأم القاسم، والعالية أمها امرأة من بنى أمية- هذا ما نقله ابن الأثير، قال غيره وعبد العزيز والعباس. وزراؤه: أبو عطية الباهلى ثم أبو أيوب الموريانى ثم الربيع مولاه، ووزر له: خالد بن برمك مدة يسيرة. قضاته: عبد الله بن محمد بن صفوان، وشريك بن عبد الله، والحسن بن عمار، والحجاج بن أرطاة؛ وقيل إن يحيى بن سعيد وأبا عثمان التميمى قضيا فى أيامه. حجابه: الربيع مولاه قبل أن يستوزره، ثم عيسى مولاه، ثم أبو الخصيب مولاه.
الأمراء بمصر: صالح بن على واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد،
(22/106)

ثم نقل المنصور صالحا إلى الجزيرة، وأمرّ على مصر موسى بن كعب ثم صرفه، وولى محمد بن الأشعث الخزاعى ثم عزله، وولى حميد بن قحطبة، ثم يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة، وولّى عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج فتوفى، فأمّر عليها أخاه محمد بن عبد الرحمن فتوفى فوليها موسى بن على بن رباح. القضاة بها: فى أيام المنصور غوث بن سليمان، ثم سار مع صالح بن على فولى أبو خالد يزيد بن عبد الله «1» بن عبد الرحمن بن بلال، ثم عاد غوث إليها، ثم صرفه يزيد ابن حاتم وولى أبا خزيمة إبراهيم بن يزيد الرعينى، ثم وليها أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمى من قبل المنصور، وهو أول قاض خرج لنظر هلال شهر رمضان.
ذكر شىء من سيرة أبى جعفر المنصور
قال سلّام الأبرش: كنت أخدم المنصور وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثوبه اربد لونه واحمرت عيناه. قال: وقال لى يوما: إذا رأيتنى لبست ثيابى أو رجعت من مجلسى فلا يدنون منى أحد، قال: ولم ير فى داره لهو ولا شىء يشبه اللهو والعبث إلا مرة واحدة، رأى بعض أولاده قد ركب راحلة- وهو صبى، وتنكب قوسا فى هيئة غلام أعرابى، بين جوالقين فيهما مقل «2» وأراك وما يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك وأنكروه، وعلموا أنه ضرب من عبث الملوك، قال حماد التركى: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة، فقال: انظر «3» ما هذا؟ فذهبت فإذا خادم له قد
(22/107)

جلس وحوله الجوارى، وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته، فقال وأى شىء الطنبور!! فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور!! فقلت رأيته بخراسان، فقام المنصور إليهن فلما رأينه تفرقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسّر الطنبور، وباع الخادم.
قال بعض المؤرخين كان المنصور يخضب بالسواد، وقيل: كان يغير لون شيبه فى كل شهر بألف مثقال مسك. قال: وأمر بتوسعة المسجد الحرام من ناحية باب الندوة سنة تسع وثلاثين ومائة، وبنى مسجد الخيف. وفى أيامه فتحت المولتان والقندهار من أرض السند، وهدم البدّ وبنى مكانه مسجد.
وفى أيامه مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت فى سنة خمس وأربعين ومائة ومات جعفر بن محمد الصادق فى سنة ثمان وأربعين ومائة. وقد قدمنا من أخبار أبى جعفر المنصور، ومن الوقائع التى اتفقت فى أيامه وما أنشأه من المدن والعمائر ما فيه الكفاية، ولا يورد فى التواريخ المختصرة أكثر من هذا فلنذكر أخبار من قام بالأمر بعده والله الموفق.
ذكر خلافة المهدى
هو أبو عبد الله محمد بن أبى جعفر عبد الله المنصور، وأمه أروى أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميرى «1» ، وهو الثالث من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم السبت لست خلون من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة على ما قدمناه، وقيل إنه لما مات المنصور خرج الربيع وبيده قرطاس، ففتحه وقرأه فإذافيه:
(22/108)

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بنى هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم بكى وبكى الناس. ثم قال قد أمكنكم البكاء فانصتوا رحمكم الله ثم قرأ:
أما بعد فإنى كتبت كتابى وأنا حىّ، فى آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وأقرىء عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنكم من بعدى ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض، ثم أخذ فى وصيتهم وإذ كارهم البيعة له، وحثهم على الوفاء بعهده. ثم تناول يد الحسن ابن زيد العلوى فقال له: قم فبايع الناس، فقام إلى موسى بن المهدى فبايعه لأبيه، ثم بايع الناس الأول فالأول.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة.
ذكر ظهور المقنّع بخراسان وهلاكه
فى هذه السنة ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلا أعور قصيرا من أهل مرو، وكان يسمى حكيما «1» ، وكان اتخذ وجها من ذهب، وجعله على وجهه لئلا يرى فسمى المقنع، وادعى الإلهية ولم يظهر ذلك لجميع أصحابه، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحوّل فى صورته، ثم فى صورة نوح وهكذا إلى أبى مسلم الخراسانى، ثم تحوّل إلى هاشم، وهاشم فى دعواه هو المقنع، ويقول بالتناسخ، فبايعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون له من أى النواحى كانوا، وكانوا يقولون فى الحرب: يا هاشم
(22/109)

أعنّا، واجتمع إليه خلق كثير، وتحصّنوا فى قلعة سام «1» بزده، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين، واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورها فحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة، ثم اشتغلوا بقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر، وهزموهم فلحق منهزموهم بالمقنع، ثم سيّر المهدى أبا عون لمحاربة المقنّع، فلم يبالغ فى قتاله فعزله واستعمل معاذ بن مسلم، فسار معاذ فى سنة إحدى وستين ومائة فى جماعة من القواد والعساكر، فالتقوا واقتتلوا فهزموا أصحاب المقنع، فقصد المنهزمون المقنع وهو بسام، فاصلح خندقها وحصّنها، وأقبل معاذ فحاربهم وكان سعيد الحرشى مع معاذ فنافره، فكتب الحرشى إلى المهدى فى معاذ وضمن له أنه إن أفرده بحرب المقنع كفاه، فأجابه إلى ذلك وانفرد الحرشى بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء فى جيش وبجميع ما التمسه منه، وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سرا منه، فأجابهم الحرشى فخرج إليه منهم نحو من ثلاثين ألفا، وبقى المقنع فى ألفين وضايقه العسكر، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله فسقاهم السم فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته؛ وقيل بل حرق كل ما فى قلعته من حيوان وغيره، ثم قال: من أحب أن يرتفع معى فى السماء فليلق نفسه معى فى هذه النار. وألقى نفسه مع نسائه وأهله وخواصّه فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة فوجدوها خاوية «2» خالية، وكان ذلك مما زاد فى افتتان من بقى من أصحابه؛ وقيل بل شرب هو من السم فمات وأنفذ
(22/110)

الحرشى رأسه إلى المهدى، فوصل إليه وهو بحلب فى سنة ثلاث وستين ومائة.
نعود إلى بقية حوادث سنة تسع وخمسين. وفيها توفى حميد بن قحطبة عامل خراسان واستعمل المهدى أبا عون عبد الملك. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدى عند قدومه من اليمن.
ودخلت سنة ستين ومائة.
فى هذه السنة: خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان منكرا سيرة المهدى، واجتمع معه بشر كثير، وتوجّه إليه يزيد بن مزيد الشيبانى وهو ابن أخى معن بن زائدة، فاقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهدى وبعث معه بوجوه أصحابه، فقطعت يدا يوسف ورجلاه، وقتل هو وأصحابه وصلبوا على الجسر؛ وقيل إنه كان حروريا وأنه تغلب على بوشنج- وعليها مصعب بن زريق «1» فهرب منه، وتغلّب أيضا على مرو الروذ والطالقان والجوزجان.
ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادى
قال: كان جماعة من بنى هاشم وشيعة المهدى خاضوا فى خلع عيسى من ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادى بن المهدى فسّر المهدى بذلك، وكتب إلى عيسى فى القدوم عليه وهو بقريته الرحبة من أعمال الكوفة، فأحسّ بما يراد منه فامتنع من القدوم عليه، فألحّ المهدى عليه حتى بعث إليه يقول: إنك إن لم تجبنى إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحلّ من أهل المعاصى، وإن أجبتنى عوضتك منها بما هو أجدى عليك وأعجل نفعا، فلم يقدم عليه وخيف
(22/111)

انتقاضه، فوجّه إليه المهدى عمه العباس يستدعيه فلم يجب فلما عاد العباس وجّه المهدى أبا هريرة محمد بن فروخ «1» القائد، فى ألف من شيعة المهدى فأشخصوه إليه، فلما قدم عيسى نزل دار محمد بن سليمان، وأقام أياما يختلف إلى المهدى، وهو لا يكلّمه بشىء ولا يرى مكروها، فحضر الدار يوما قبل جلوس المهدى فجلس فى مقصورة الربيع، وقد اجتمع رؤساء شيعة المهدى على خلعه، فثاروا به وضربوا باب المقصورة بالعمد حتى هشموه، وشتموا عيسى أقبح شتم، وأظهر المهدى إنكارا لما فعلوه فلم يرجعوا، فبقوا فى ذلك أياما وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان: وكاشفه المهدى وألحّ عليه، فذكر أن عليه أيمانا فى أهله وماله، فأفتاه الفقهاء بما رأوا أنه لا يحنث فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهدى عشرة آلاف ألف درهم وضياعا بالزاب وكسكر، وخلع نفسه لأربع بقين من المحرم وبايع للمهدى ولابنه موسى الهادى، ثم جلس المهدى من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم، ثم خرج المهدى إلى الجامع وعيسى معه فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى وبيعة الهادى، وبايعهم فسارعوا إلى بيعته، فقال بعض الشعراء:
كره الموت أبو موسى وقد ... كان فى الموت نجاء وكرم
خلع الملك وأضحى ملبسا ... ثوب لوم ما ترى منه القدم
وحجّ المهدى فى هذه السنة بالناس، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور؛ وفيها نزع المهدى كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أنّ حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم، لكثرة ما عليها من الكسوة فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن؛ قال: وطلى جدرانها بالمسك والعنبر، وكانت الكعبة فى جانب المسجد لم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد وزاد فيه زيادات، واشترى الدور
(22/112)

والمنازل حتى صارت الكعبة فى الوسط على ما هى عليه الآن، وحمل من مصر إلى المسجد الحرام أربعمائة وثمانين اسطوانة، وصيّر فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقا، وجعل له ثلاثة وعشرين بابا، وجعل سلاسل قناديله ذهبا، وجعل ذرعه مكسرا «1» مائة ألف وعشرين ألف ذراع، وقسم مالا عظيما كان معه من العراق، مبلغه ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف درهم، ففرق ذلك كله وفرّق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وألبس خارج القبر المقدس الرخام، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرسا له بالعراق، وأقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة.
ودخلت سنة إحدى وستين ومائة.
فى هذه السنة: أمر المهدى ببناء القصور بطريق مكة، وأمر باتخاذ المصانع فى كل منهل، وبتجديد الأموال والبرك «2» وحفر الركايا، وولّى ذلك يقطين بن موسى، وأمر بالزيادة فى مسجد البصرة، وأمر بتقصير المنابر فى البلاد، وجعلها بمقدار منبر النبى صلّى الله عليه وسلّم. وحج بالناس فى هذه السنة موسى الهادى ولى العهد.
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائة.
ذكر قتل عبد السلام الخارجى
فى هذه السنة: قتل عبد السلام بن هاشم اليشكرى بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة فاشتدت شوكته وكثر أتباعه، فلقيه عدة من قواد المهدى
(22/113)

فيهم عيسى بن موسى القائد، فقتله فى عدة ممّن معه وهزم جماعة من القواد- فيهم شبيب بن واج المروروذى، فندب المهدى إلى شبيب ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيبا فخرج بهم فى طلب عبد السلام، فهرب عبد السلام منه فأدركه بقنسرين فقاتله بها فقتله.
وفيها وضع المهدى ديوان الأزمّة «1» ، وولّى عليها عمر بن بزيع «2» مولاه. وأجرى المهدى على المجذمين وأهل السجون فى جميع الآفاق الأرزاق.
ودخلت سنة ثلاث وستين ومائة.
فى هذه السنة: تجهّز المهدى لغزو الروم فجمع الأجناد من خراسان وغيرها، وسار على الموصل والجزيرة وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل وهو بحلب فجمع الزنادقة بتلك البلاد فقتلهم وقطع كتبهم. وسار عنها مشيعا لابنه هارون حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، وسار هارون بالعساكر فنازل حصن سمالو «3» فحصره ثمانية وثلاثين يوما، ونصب عليه المجانيق ففتحه بالأمان وفتح فتوحا كثيرة.
وفيها ولّى المهدى ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك.
وحج بالناس فى هذه السنة على بن المهدى.
ودخلت سنة أربع وستين ومائة.
فى هذه السنة سار المهدى ليحج فلما بلغ العقبة رأى قلة الماء وحمّ
(22/114)

فرجع، وسيّر أخاه صالحا ليحج بالناس، ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون.
ودخلت سنة خمس وستين ومائة.
فى هذه السنة: سير المهدى ابنه الرشيد لغزو الروم فى خمسة وتسعين ألفا وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلا ومعه الربيع، فوعك الرشيد فى بلاد الروم، ولقيه عسكر نقيطا «1» قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيبانى «2» فأثخنه يزيد، وانهزمت الروم وغلب المسلمون على معسكرهم، وساروا إلى الدمستق وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا، ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم، وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، والروم يومئذ بيد أغسطه «3» - امرأة إليون- لصغر ابنها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق فى الطرق، وذلك لأنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار فى كل سنه، ورجع عنها، وكانت الفدية ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا، ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس، وقتل من الروم فى الوقائع كلها أربعة وخمسون ألفا، وقتل من الأسارى صبرا ألفان وتسعون أسيرا.
وحج بالناس فى هذه السنة صالح بن المنصور.
ودخلت سنة ست وستين ومائة.
(22/115)

فى هذه السنة: أخذ المهدى البيعة لولده هارون بولاية العهد بعد أخيه موسى الهادى، ولقب الرشيد، وفيها سخط المهدى على وزيره يعقوب بن داود وقبض عليه.
قال: وكان أول أمرهم أن داود بن طهمان وهو أبو يعقوب، كان يكتب لنصر بن سيار- هو وإخوته، فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود يعلمه ما يسمع من نصر، فلما طالب أبو مسلم الخراسانى بدم يحيى بن زيد أتاه داود فأمنه أبو مسلم فى نفسه، وأخذ ماله الذى كان قد استفاده أيام نصر، فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم، ولم تكن لهم عند بنى العباس منزلة، ولم يطمعوا فى خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسين وطمعوا أن تكون لهم دولة، وكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله، وخرج معه فى عدة من أصحابه، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، فأخذ يعقوب وعليا فحبسهما، فلما ولى المهدى أطلقهما فيمن أطلق، فاتصل يعقوب بالمهدى بالسعاية بآل على، ولم يزل يرتفع حتى استوزره، وكان المهدى يقول: وصف لى يعقوب فى منامى فقيل لى استورزه فلما رأيته رأيت الخلقة التى وصفت لى فاتخذته وزيرا.
فلما ولى الوزارة أرسل إلى الزيدية فجمعهم وولاهم أمور الخلافة فى الشرق والغرب، ولذلك قال بشار:
بنو أمية هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم باقوم فالتمسوا «1» ... خليفة الله بين الناى «2» والعود
فحسده موالى المهدى وسعوا به، وقالوا: إن الشرق والغرب فى يد يعقوب وأصحابه، ولو كتب إليهم لوثبوا فى يوم واحد وأخذوا الدنيا، فملأ
(22/116)

ذلك قلب المهدى فقبض عليه، بعد القرب منه والاختصاص به والتمكّن من دولته.
وفيها أمر المهدى بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ولم يكن قبل ذلك. وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى.
ودخلت سنة سبع وستين ومائة.
فى هذه السنة: توفى موسى بن عيسى بالكوفة، وفيها أمر المهدى بالزيادة فى المسجد الحرام ومسجد النبى صلّى الله عليه وسلّم، فدخلت فيهما دور كثيرة، وكان المتولى للبناء يقطين بن موسى، فبقى البناء إلى أن توفى المهدى.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس- وهو على المدينة، ثم توفى بعد فراغه من الحج بأيام وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن على وفيها أفسد العرب فى بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق وتركوا «1» الصلاة وانتهكوا المحارم، فأرسل المهدى إليهم جيشا فقاتلوهم، فكان الظفر للعرب وقتلوا عامة العسكر، فقويت وزاد شرهم.
ودخلت سنة ثمان وستين ومائة.
فى هذه السنة: خرج بأرض الموصل خارجى اسمه ياسين من بنى تميم، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فوجّه إليه المهدى أبا هريرة محمد بن فروخ «2» وهرثمة بن أعين
(22/117)

مولى بنى ضبّة فحارباه، فصبر لهما حتى قتل عدة من أصحابه وانهزم الباقون.
وفيها فى شهر رمضان نقض الروم الصلح، الذى كان بينهم وبين المسلمين قبل انقضاء مدة الهدنة بأربعة أشهر، فوجّه على بن سليمان وهو على الجزيرة وقنّسرين يزيد بن «1» البطّال فى خيل فغنموا وظفروا.
وحجّ بالناس فى هذه السنة على بن المهدى.
ودخلت سنة تسع وستين ومائة.
ذكر وفاة أبى عبد الله المهدى
كانت وفاته فى يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنّه كان عزم على خلع ابنه موسى الهادى من ولاية العهد، والبيعة للرشيد وتقديمه على الهادى، فبعث إليه فى ذلك وهو بجرجان فلم يفعل، فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع، فسار المهدى إليه، فلما بلغ ماسبذان قال لأصحابه: إنى أريد النوم فلا توقظونى حتى أكون أنا لذى أنتبه، ونام ونام أصحابه فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين، وسألوه عن سبب بكائه فقال: وقف على الباب رجل فقال:
كأنّى بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادى عليه معولات حلائله
فمات بعد ذلك بعشرة أيام. وقد اختلف فى سبب موته، فقيل إنّه كان يتصيّد فطردت الكلاب ظبيا وتبعته، فدخل باب خربة ودخلت
(22/118)

الكلاب خلفه، وتبعها فرس المهدى فدخلها، فدقّ الباب ظهره فمات من ساعته. وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرّة لها بلبن فيه سمّ، فشرب منه فمات. وقيل: بل عمدت جاريته حسنة إلى كمثرى، فأهدته إلى طلة «1» جاريته الأخرى، وجعلت السمّ فى أبهى كمثراة فيه، فاجتاز بالمهدى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صاح ومات منها، فكانت الجارية تقول فى بكائها عليه: أردت أن أنفرد بك فأوحشت نفسى منك؛ ومات فى يومه وصلّى عليه ابنه الرشيد، ومات وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقيل ثلاث وأربعون، وكانت مدة خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوما، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها.
وكان أبيض طويلا وقيل أسمر، حسن الوجه بعينه اليمنى نكتة بياض.
ذكر شىء من سيرته وأخباره
كان جوادا حازما وصولا يباشر الأمور بنفسه، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب، وردّ على الناس الأموال التى أخذها أبوه. وكان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علىّ القضاة، فلو لم يكن ردّى للمظالم إلا للحياء منهم. وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدى حتى ظننّا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدى فوجدته قد وضع خدّه بالأرض، وهو يقول: اللهم احفظ محمدا فى أمّته، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبى فهذه ناصيتى بين يديك؛ قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنّا فيه.
قال الربيع: رأيت المهدى يصلى فى ليلة مقمرة، فقرأ قوله تعالى:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
«2» ،
(22/119)

قال: فأتم صلاته والتفت إلىّ وقال: يا ربيع، موسى، فقلت فى نفسى ما هو إلا موسى بن جعفر وكان محبوسا عندى فأحضرته، فقطع صلاته ثم قال: يا موسى إنى قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثّق لى أنك لا تخرج فوثق له، وخلّى المهدى سبيله.
قال: وبنى المهدى العلمين فى المسعى.
أولاده: موسى الهادى وهارون الرشيد وعلى وعبد الله ومنصور ويعقوب وإسحاق وإبراهيم والبانوقة «1» وعليّة وعباسة وسليمة. ووزراؤه:
أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله «2» الأشعرى ثم يعقوب بن داود بن طهمان ثم نكبه على ما ذكرناه، واستوزر الفيض بن أبى صالح. قضاته: محمد ابن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد وكانا يقضيان فى مسجد الرصافة.
حجابه: سلام الأبرش، وقيل إن الفضل بن الربيع حجبه. الأمراء بمصر:
عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحى ثم صرفه وولى واضحا «3» مولى أبى جعفر المنصور ثم صرفه وولّى أبا صالح يحيى بن داود الحرشى «4» من أهل نيسابور ثم سالم بن سوادة التميمى «5» ثم إبراهيم بن صالح ابن على بن عبد الله عباس ثم موسى بن مصعب «6» من أهل الموصل ثم الفضل بن صالح
(22/120)

الهاشمى. القضاة بها: عبد الله بن لهيعة ثم إسماعيل بن اليسع الكندى الكوفى وهو أول حنفى ولى القضاء بها ثم غوث بن سليمان ثم توفى فولى القضاء المفضل بن فضالة. وكان نقش خاتم المهدى حسبى الله.
قال بعض المؤرخين: والمهدى أول من مشى بين يديه بالسيوف المصلتة والقسى والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة فى الإسلام، وله من الآثار الحسنة فى عمارة المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والاهتمام بذلك ما قدمنا ذكره.
ذكر خلافة الهادى
هو أبو محمد موسى بن أبى عبد الله محمد المهدى بن أبى جعفر عبد الله المنصور «1» ، وأمه الخيزران مولدة وهى بنت عطاء مولى أبيه وهى أم الخلفاء، وهو الرابع من الخلفاء العباسيين، بويع له فى يوم وفاة أبيه- وهو يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، وهو إذ ذاك مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان، فبايع الرشيد للهادى وكتب إلى الآفاق بذلك وردّ العسكر إلى بغداد، وسار نصير «2» الوصيف إلى الهادى بجرجان بالخبر، فنادى بالرحيل وركب على البريد مجدا فبلغ بغداد فى عشرين يوما، ولما قدم استوزر الربيع فهلك الربيع فى هذه السنة، واشتد طلب الهادى للزنادقة فى هذه السنة فقتل منهم جماعة، منهم على بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدى فأقر بالزندقة، فقال: أم والله، لولا أنى جعلت على نفسى ألا أقتل هاشميا لقتلتك، ثم قال للهادى: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنّه، ثم حبسه، فلما مات المهدى قتله
(22/121)

الهادى. وكان أيضا قد عهد إليه بقتل ولد لداود «1» بن على بن عبد الله بن عباس وكان زنديقا، فمات فى حبس المهدى، قال ابن الأثير: ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادى، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوّفت فماتت من الفزع.
ذكر ظهور الحسين بن على بن الحسن بن الحسن [بن الحسن] «2» بن على بن أبى طالب
قال: وظهر فى هذه السنة فى جماعة من الطالبيين، وانتهبوا بيت المال، ثم قصد الحسين مكة فبعث إليه الهادى محمد بن سليمان بن على، فأدركه بفخّ على فرسخ من مكة، فالتقوا واقتتلوا فقتل الحسين، وحمل رأسه إلى الهادى على ما نذكره فى أخبارهم إن شاء الله «3» . وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن منصور.
ودخلت سنة سبعين ومائة.
فى هذه السنة عزم الهادى على خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، فأجابه إلى ذلك يزيد بن مزيد الشيبانى وعبد الله بن مالك وعلى بن عيسى وغيرهم، فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر، ووضعوا الشيعة فتكلموا فى ذلك وتنقصوا الرشيد فى مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به؛ وكان يحيى بن خالد يتولى أمر الرشيد، فقيل للهادى: ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده، وكان الرشيد قد اطمأن للخلع فمنعه يحيى منه، فطلب الهادى يحيى وتهدّده بالقتل ورماه بالكفر، فلم يزل يلطف به حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين- إنّك إن حملت الناس على نكث الايمان هانت
(22/122)

عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أوكد للبيعة، قال: صدقت وسكت عنه، فعاد الذين كانوا بايعوه من القواد والشيعة «1» فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فأحضر يحيى فكتب إليه: إنّ عندى نصيحة، فأحضره فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذى لا تبلغه- ونسأل الله أن يقدمنا «2» قبله- يعنى موت الهادى- أتظن «3» أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحلم؟ أو يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟ قال: ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أفتأ من أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم؟
فتكون قد أخرجت الأمر عن ولد أبيك، والله- لو أنّ هذا الأمر لم يعقده المهدى له كان ينبغى أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحلّه عنه وقد عقده المهدى!! ولكنّى أرى أن تقرّ الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر خلع الرشيد نفسه وبايعه، فقبل قوله وأطلقه، ثم عاد أولئك القوّاد إلى الهادى وأعادوا القول، فضيّق على الرشيد فى ذلك، فقال له يحيى: استأذنه فى الصيد، فإذا خرجت فأبعد ودافع الأيام، ففعل ذلك فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل «4» وأقام أربعين يوما، فأنكر الهادى أمره وكتب إليه بالعود، فتعلّل ثم اعتل الهادى ومات.
ذكر وفاة أبى محمد الهادى
كانت وفاته ليلة «5» الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول، وقيل
(22/123)

لأربع عشرة ليلة خلت منه، وقيل بقيت منه سنة سبعين ومائة بعيساباد، واختلف فى سبب وفاته، فقيل كانت بقرحة فى جوفه، وقيل مرض بحديثة الموصل وعاد مريضا فمات، وقيل إن أمّه أمرت جواريها بقتله فقتلنه، قال:
وكان سبب ذلك أنه لما ولى الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه، وتسلك به مسلك المهدى، حتى مضى من خلافته أربعة أشهر، والمواكب تغدو إلى بابها؛ فكلّمته يوما فى أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا، فقالت: لا بد منه فقد ضمنته لعبد الله بن مالك بن جعفر، فغضب الهادى وقال: والله لا قضيتها، فقالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدا، قال: لا أبالى والله وغضب «1» ، وقامت مغضبة، فقال: مكانك، والله لئن بلغنى أنه وقف ببابك أحد من قوادى وخاصّتى لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، ما هذه المواكب التى تغدو وتروح إلى بابك؟! أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكّرك أو بيت يصونك!! إياك إياك، لا تفتحى بابك لمسلم ولا ذمّى، فانصرفت وهى لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها؛ ثم قال لأصحابه: أيما خير، أنا أم أنتم؟ وأمى أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك خير، قال: فأيّكم يحبّ أن يتحدث الرجال بخبر أمّه، فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت؟ قالوا: لا نحبّ ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمى فتتحدثون بحديثها!! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، ثم بعث إلى أمّه بأرز، وقال:
قد استطبتها فكلى منها، فقيل لها: أمسكى حتى تنظرى، فجاءوا بكلب وأطعموه منها فتساقط لحمه لوقته، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز؟ قالت طيبا، قال: ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك، متى أفلح خليفة له أم؟! وقيل كان سبب أمرها بقتله أنه لما جدّ فى خلع الرشيد خافت عليه، فوضعت جواريها عليه فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه، حتى مات والله أعلم.
(22/124)

ولما مات كان له من العمر ست وعشرون سنة، واختلف فيه إلى ثلاث وعشرين سنة. وكانت مدة خلافته سنة «1» وشهرا وأربعة وعشرين يوما، وصلّى عليه أخوه الرشيد؛ ودفن بعيساباذ الكبرى فى بستانه، وفى ليلة وفاته مات خليفة، وهو الهادى، وولى خليفة، وهو الرشيد، وولد خليفة، وهو المأمون، وكان طويلا جسيما أبيض مشربا بحمرة أفوه مقلص الشفة العليا، وكان المهدى قد وكل به خادما يقول له: موسى اطبق، فيضم شفته، وكان شجاعا بطلا جوادا سخيا أديبا صعب المرام.
وكان له من الأولاد: عيسى وإسحاق وجعفر وعبد الله وموسى وإسحاق الأصغر. وذكر ابن الأثير فى أولاده العباس وإسماعيل وسليمان ولم يذكر إسحاق الأصغر، وكان ابنه موسى ضريرا، وأم عيسى كانت عند المأمون، وأم العباس وكانت تلقب نونه «2» ، وكلهم أولاد أمهات.
وكان نقش خاتمه: الله ربى. وزراؤه: الربيع بن يونس ثم عمر بن بزيع «3» . حاجبه: الفضل بن الربيع قضاته: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بالجانب الغربى، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحى بالجانب الشرقى.
الأمير بمصر على بن سليمان بن عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس.
قاضيها أبو الطاهر «4» عبد الملك بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمر بن حزم والله تعالى أعلم.
ذكر خلافة هارون الرشيد
هو أبو محمد هارون وقيل أبو جعفر بن أبى عبد الله محمد المهدى بن أبى جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، وأمه
(22/125)

الخيزران أم أخيه الهادى، وهو الخامس من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه الهادى.
قال: ولما مات الهادى كان يحيى بن خالد بن برمك محبوسا، وقد عزم الهادى على قتله، فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد وأخرجه وأجلسه للخلافة، فأرسل الرشيد إلى يحيى وأخرجه من الحبس واستوزره؛ وقيل لما مات الهادى جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم فى فراشه، فقال له:
قم يا أمير المؤمنين، فقال: كم تروعنى إعجابا منك بخلافتى! فكيف يكون حالى مع الهادى إن بلغه هذا؟! فأعلمه بموته وأعطاه خاتمه. وأنشئت الكتب بوفاة الهادى وخلافة الرشيد. قال: ولما مات الهادى هجم خزيمة بن خازم على جعفر بن الهادى، وأخذه من فراشه وقال له: لتخلعنّها أو لأضربن عنقك، فأجاب إلى الخلع، وركب خزيمة من الغد وأظهر جعفرا للناس، فأشهدهم بالخلع وأحلّ الناس من بيعته، فحظى بها خزيمة عند الرشيد.
وفيها أفرد الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيّزا واحدا وسميّت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس على يد فرج الخادم التركى ونزلها الناس. وحجّ بالناس الرشيد وقسم بالحرمين عطاء «1» كثيرا.
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائة.
فى هذه السنة خرج الصحصح الخارجى بالجزيرة وهزم عسكرها، وسار إلى الموصل فقاتله عسكرها، فقتل منهم خلقا كثيرا ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، وعزل الرشيد أبا هريرة «2» عن الجزيرة وأحضره إلى بغداد وقتله.
(22/126)

وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس.
ودخلت سنة اثنين وسبعين ومائة.
كان فى هذه السنة من الحوادث ببلاد الأندلس ما نذكره فى أخبار بنى أمية- ملوك الأندلس، وحجّ بالناس يعقوب بن المنصور.
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة.
فى هذه السنة توفى محمد بن سليمان بن على بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، فحمل منها «1» ما يصلح للخلافة فكان جملة ما أخذ منها ستين ألف ألف. وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتها ودفنها فى مقابر قريش، ولما فرغ من جنازتها أخذ الخاتم من جعفر بن يحيى ابن خالد وأعطاه للفضل بن الربيع. وحجّ الرشيد فى هذه السنة بالناس وأحرم من بغداد.
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائة.
فى هذه السنة حج الرشيد فقسم أموالا كثيرة فى الناس. وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبى يوسف فى حياة أبيه.
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة.
فى هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد. ولقبه الأمين وعمره خمس سنين. وحجّ الرشيد فى هذه السنة بالناس.
ودخلت سنة ست وسبعين ومائة.
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله
فى هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن
(22/127)

أبى طالب بالديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه وأتاه الناس من الأمصار، فأهمّ الرشيد أمره فندب الفضل بن يحيى فى خمسين ألفا، وولاه جرجان وطبرستان والرى وغيرها وحمل معه الأموال، فكتب إلى يحيى بن عبد الله ولاطفه وبسط أمله وحذّره، ونزل الفضل بالطالقان ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب الرشيد أمانه بخطه، ويشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلّة بنى هاشم ومشايخهم، فأجاب الرشيد إلى ذلك وبعث له بالأمان وبعث بهدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل إلى بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير، ثم حبسه الرشيد فمات فى الحبس.
ذكر الفتنة بدمشق
فى هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أبو الهيذام عامر بن عمارة «1» بن خريم الناعم، وكان سبب الفتنة أن غلاما للرشيد بسجستان قتل أخا لأبى الهيذام، فخرج أخوه بالشام غضبا له، وجمع جمعا عظيما ورثاه فقال:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
ولسنا كمن ينعى «2» أخاه بعبرة ... يعصّرها من ماء مقلته عصرا
وإنّا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منّا وإن قصم الظهرا
ولكنّنى «3» أشفى الفؤاد بغارة ... ألهّب فى قطرى كتائبها جمرا
(22/128)

ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له، كتب إليه وأرغبه فشد عليه وكتفه.
وأتى به الرشيد فمنّ عليه وأطلقه. وقيل فى هياج هذه الفتنة غير هذا والله أعلم.
وفيها خرج الفضل الخارجى بنواحى نصيبين، وأخذ من أهلها مالا، وسار إلى دارا وآمد وأرزن فأخذ منهم مالا، وفعل كذلك بخلاط «1» ثم عاد إلى نصيبين، وأتى الموصل فخرج إليه عسكرها فهزمهم على الزاب، ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحابه.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة.
ذكر الفتنة بالموصل
فى هذه السنة خالف العطاف بن سفيان الأزدى على الرشيد. وكان من فرسان أهل الموصل. واجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج.
وكان عامل الرشيد على الموصل محمد بن العباس الهاشمى، وقيل عبد الملك ابن صالح، والعطاف غالب على الأمر كله وهو يجبى الخراج، وأقام على ذلك سنتين، حتى خرج الرشيد إلى الموصل فهدم سورها بسببه.
وفيها عزل الرشيد حمزة بن مالك عن خراسان، واستعمل عليها الفضل بن يحيى بن خالد- مضافا إلى ما كان بيده من الأعمال وهى الرى وسجستان وغيرهما. وحج بالناس فى هذه السنة الرشيد.
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
ذكر الفتنة بمصر
فى هذه السنة وثبت الحوفية بمصر بعاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه
(22/129)

فأمده الرشيد بهرثمة بن أعين- وكان عامل فلسطين، فقاتلوا الحوفية- وهم قيس وقضاعة- فأذعنوا بالطاعة وأدّوا ما عليهم للسلطان، فعزل الرشيد إسحاق واستعمل عليها هرثمة. ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح.
ذكر خروج الوليد بن طريف
فى هذه السنة خرج الوليد بن طريف التغلبى الخارجى بالجزيرة. ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد. فرحل إلى أرمينية وحصر خلاط عشرين يوما، ففدوا أنفسهم منه بثلاثين ألفا. ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد. ثم عبر إلى غربى دجلة وقصد مدينة بلد- فافتدوا منه بمائة ألف. وعاث فى أرض الجزيرة، فسيّر إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة- وهو ابن أخى معن بن زائدة الشيبانى.
فقال الوليد:
ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشطّ «1» الزاب أى فتى يكون
ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الوليد. فقال بعض الشعراء:
وائل بعضهم يقتّل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد
قال: ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى «2» بنت طريف مستعدة عليها الدرع. فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد دعوها. وخرج إليها فضرب قطاة فرسها بالرمح. ثم قال: اغربى «3» غرب الله عليك!! فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت. ورثته أخته ليلى بقصيدتها المشهورة التى تقول فيها:
(22/130)

فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع «1» على ابن طريف
فتى لا يريد «2» الزاد إلا من لتقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وفيها فوّض الرشيد أمر دولته كلها إلى خالد بن يحيى البرمكى. وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن على.
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة
فى هذه السنة اعتمر الرشيد فى شهر رمضان شكرا لله تعالى على قتل الوليد بن طريف، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، وحجّ بالناس ومشى من مكة إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة، وفيها مات الإمام مالك بن أنس الأصبحى رضى الله عنه ورحمه، وكانت وفاته بالمدينة وله تسعون سنة.
ودخلت سنة ثمانين ومائة.
ذكر ولاية على بن عيسى خراسان- وخبر حمزة الخارجى
فى هذه السنة عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان، واستعمل عليها جعفر بن يحيى ثم عزله بعد عشرين يوما، واستعمل عليها على بن عيسى ابن ماهان فولّيها عشر سنين. وفى ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجى، فجاء إلى بوشنج فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدى، وكان على هراة فى ستة آلاف، فقاتله فهزمه حمزة وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه فى الزحام، فوجّه إليه على بن عيسى ابنه الحسين فى عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة فعزله وسيّر ابنه عيسى بن على، فقاتل حمزة مرة بعد أخرى، وكان حمزة بنيسابور فانهزم حمزة وقتل أصحابه وبقى فى أربعين رجلا، فقصد
(22/131)

قهستان فأرسل عيسى إلى القرى التى كان أهلها يعينون الخوارج، فأحرقها وقتل الخوارج حتى انتهى إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفا ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس، فجبى الأموال وسار بها فلقيه حمزة وقاتله، فصبر عبد الله وانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه واختفى هو ومن سلّم من أصحابه فى الكروم، ثم سار فى القرى يقتل ولا يبقى على أحد، وكان على ابن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما فقتلهم وقتل معلمهم، وبلغ طاهر الخبر فأتى قرية فيها قعد الخوارج. وهم الذين لا يقاتلون ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر وأخذ أموالهم. فكتب العقد إلى حمزة بالكفّ فكفّ، ووادعهم وأمن الناس مدة. وكانت بينه وبين أصحاب على بن عيسى حروب كثيرة.
وحج بالناس فى هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائة.
فى هذه السنة غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصّفصاف، وغزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة. وافتتح مطمورة. وفيها أحدث الرشيد فى صدور الكتب الصلاة على محمد صلّى الله عليه وسلّم. وحج بالناس الرشيد.
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة.
فى هذه السنة بايع الرشيد لابنه عبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون، وسلّمه إلى جعفر بن يحيى. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ
(22/132)

دفسوس «1» مدينة أصحاب الكهف. وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى.
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة.
فى هذه السنة خرج الخزر من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف، وانتهكوا «2» أمرا عظيما لم يسمع بمثله؛ وكان سبب ذلك أن ابنة خاقان ملك الخزر، كانت حملت فى سنة اثنتين وثمانين ومائة إلى الفضل بن يحيى، فلما بلغت برذعة ماتت، فرجع من معها إلى أبيها وأخبروه أنها قتلت غيلة فجهز العساكر إلى بلاد الإسلام ففعلوا ذلك؛ وقيل فى سبب خروجهم أن سعيد بن سلّم قتل المنجم السلمى، فدخل ابنه الخزر واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد، وأقاموا نحو سبعين يوما فوجّه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد. فأصلحوا ما أفسد سعيد. وأخرجوا الخزر وسدّوا الثلمة.
وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائى.
فاستقدم الرشيد على بن عيسى ثم ردّه من قبل المأمون. وأمره بحرب أبى الخصيب.
وفيها توفى موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ببغداد فى حبس الرشيد. وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر فى شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة. فلما عاد إلى المدينة دخل قبر النبى صلّى الله عليه وسلّم ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر الشريف وقف، فقال: السلام
(22/133)

عليك يا رسول الله يا ابن عم، قال ذلك افتخارا على من حوله، فدنا.
موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبت. فتغيّر وجه الرشيد وقال:
هذا الفخر يا أبا الحسن جدا. ثم أخذه معه إلى العراق فحبسه عند السّندى بن شاهك حتى مات. وكان رجلا صالحا خيّرا دينا يقوم الليل كله، وهو الملقب بالكاظم- لقّب بذلك لإحسانه لمن أساء إليه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن الهادى.
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة.
فى هذه السنة طلب أبو الخصيب النسائى الأمان، فأمّنه على بن عيسى ابن ماهان. وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله.
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائة.
فى هذه السنة قتل أهل طبرستان واليها مهرويه الرازى، فولّى الرشيد عبد الله بن سعيد الحرشى.
وفيها عاث حمزة الخارجى بباذغيس فقتل عيسى بن على من أصحابه عشرة آلاف. وفيها غدر أبو الخصيب النسائى ثانيا. وغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحصر مرو. ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس وقوى أمره.
وحج بالناس فى هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن على.
ودخلت سنة ست وثمانين ومائة.
ذكر حج هارون الرشيد وأمر كتاب العهد
فى هذه السنة حج الرشيد من الأنبار، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية، أعطى هو عطاء ومحمد الأمين عطاء وعبد الله المأمون عطاء. وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ألف دينار وخمسين دينارا. وكان الرشيد قد ولّى
(22/134)

الأمين العراق والشام وإلى آخر المغرب. وضمّ إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقّبه المؤتمن، وضمّ إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان فى حجر عبد الله بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون، فلما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده والقضاة والفقهاء والقوّاد كتب كتابا، أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا للمأمون أشهد فيه عليه بالوفاء للأمين، وعلّق الكتابين فى الكعبة، وجدّد العهود عليهما فى الكعبة، فقال الناس: قد ألقى بينهم شرا وحربا، وخافوا عاقبة ذلك وكان ما خافوه.
وفيها سار عيسى بن ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبى الخصيب، فحاربه وقتله وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان.
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة.
ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى بن خالد
فى هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ونكبهم النكبة المشهورة، وقد اختلف فى سبب ذلك، فقيل إن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عبّاسة بنت المهدى، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر أزوّجكها ليحلّ لك النظر إليها ولا تقربها، فأجابه إلى ذلك «1» ، فبقيا على ذلك ما شاء الله، فمالت العبّاسة إلى جعفر، وراودته فأبى وخاف على نفسه، فلما أعيتها الحيلة فى أمره علمت أن النساء أقرب إلى الخديعة، فبعثت إلى عتّابة- وهى أم جعفر، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها جعفر فى كل ليلة جمعة جارية بكرا، فقالت العبّاسة لها: أرسلينى إلى ابنك كأنى جارية من
(22/135)

جواريك، اللواتى ترسلين إليه فأبت أم جعفر. فقالت لها العبّاسة: إن لم تفعلى قلت للرشيد كلمتنى فى كيت وكيت. وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد فى شرف ابنك. وما عسى أن يفعل أخى لو علم. فمالت أم جعفر إلى ذلك، ووعدت ابنها أنها ترسل اليه جارية من صفتها وحسنها.
فطالبها بها مرة بعد أخرى وهى تمطله، حتى اشتاق اليها فأرسلتها إليه.
فأدخلت عليه- وكان لا يثبت صورتها. لأنّه كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها. فلما دخلت عليه كان قد شرب نبيذا. فاجتمع بها وقضى وطره. فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ وأية ابنة ملك أنت!! قالت: أنا مولاتك العبّاسة. فتألم لذلك وقال لأمه: بعتنى والله رخيصا. فاشتملت العبّاسة من ليلتها على حمل. فلما ولدته وكلت به غلاما يقال له رياش وحاضنة اسمها برّة. وبعثت بهم إلى مكة. وكان يحيى بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه. ويغلق باب القصر بالليل وينصرف بالمفاتيح معه. فضيّق على حرم الرشيد. فشكت زبيدة أم الأمين مره إلى الرشيد، فقال له: يا أبت- وكان يدعوه بذلك- ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين- أمّتهم أنا فى حرمك وخدمك؟ قال:
لا. قال: فلا تقبل قولها. وزاد يحيى فى الحجر والتضييق، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت: ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمى ووضعى فى غير موضعه؟ فقال: إنّه عندى غير متهم فى حرمى، فقالت: لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه!! قال: وما ذلك؟ فأخبرته بخبر العبّاسة، فقال:
وهل على هذا من دليل؟! قالت: وأى شىء أدل من الولد، قال: وأين هو؟ قالت: كان ها هنا فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال:
ويعلم بهذا سواك!! قالت ما فى قصرك جارية إلا وقد عرفت ما أخبرتك به. فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج. وأخذ معه جعفرا، فكتبت العبّاسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبى إلى نحو اليمن. فلما وصل الرشيد إلى مكة
(22/136)

وكل من يثق به بالبحث عن ذلك، فلم يزل حتى تحقق الأمر، فأضمر السوء للبرامكة «1» .
وقبل إن سبب نكبة البرامكة أن يقطين بن موسى كان من أكابر الشيعة، وممّن كان مع إبراهيم الإمام، فقال يوما للرشيد: حدّثنى مولاى إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بنى العباس يغدر به كتّابه، فإن لم يقتلهم قتلوه، فقال له الرشيد: الله- يحدثك الإمام بهذا!! قال: نعم.
وقيل كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب إلى جعفر بن يحيى فحبسه «2» ، ثم استدعاه وسأله عن بعض أمره، فقال له: اتق الله فى أمرى. ولا تتعرض غدا أن يكون خصمك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فو الله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا، فرقّ له وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله.
فقال: كيف أذهب ولا آمن أن أوخذ؟ فوجّه معه من أوصله إلى مأمنه.
وبلغ الخبر الفضل بن الربيع فرفعه إلى الرشيد، فقال: ما أنت وهذا- فلعلّه «3» عن أمرى!! ثم أحضر جعفرا وسأله عن يحيى. فقال: هو بحاله فى الحبس، فقال بحياتى!! ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، وقصّ عليه أمره، وقال: علمت أنّه لا مكروه عنده، فقال: نعم ما فعلت. ما عدوت ما فى نفسى، فلما قام عنه قال: قتلنى الله إن لم أقتلك. وقيل إن الرشيد لما دفعه لجعفر بقى عنده ما شاء الله، وكان جعفر يرى سرور الرشيد بموت من يموت فى حبسه من هؤلاء، فشرب جعفر عنده يوما فقال: يا أمير
(22/137)

المؤمنين إنّ يحيى قد مات، فسرّ بذلك وقال: الحمد لله الذى كفانى أمره ولم يؤثمنى فيه. وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إن تركناه تلفنا. وإن قتلناه فالنار لنا. ثم كتب يحيى إلى على بن عيسى بن ماهان والى خراسان يعرّفه ما جرى. وفزع إليه أن يكون عنده موسعا عليه، إلى أن يقضى الله فيه قضاءه. ولم يكن يحيى يعلم ما كان بين على بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة. فلما وصل الكتاب إلى علىّ ووصل إليه يحيى قال: هذا من حيل الفضل وجعفر علىّ. فأجاب يحيى بأنه فعل ما أراد، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد. فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن موقع ذلك عنده، وأمره بانفاذ يحيى بن عبد الله إليه سرا. فلما وصل إليه أوقع بالبرامكة «1» .
هذا مما قيل فى سبب نكبة البرامكة أما كيفيّة الإيقاع بهم وقتل جعفر فقيل، إن الرشيد لما قضى حجّه أرسل السندى بن شاهك، وهو أحد قوّاده، وأمره أن يمضى إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتّابهم وأقاربهم، وأن يجعل ذلك سرّا يحيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد، ففعل السندى ذلك، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر «2» ومعه جعفر، فمضى جعفر إلى موضعه فى سلخ المحرم، ودعا بأبى زكار الأعمى الطنبورى، ومدّت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنّين، وأبو زكّار يغنّيه:
ما يريد الناس منّا ... ما ينام الناس عنّا
إنّما همهم أن ... يكشفوا ما قد دفنّا
(22/138)

قال: واستدعى الرشيد من ساعته بياسر، غلام من غلمانه، وقيل بمسرور الخادم، فأرسله فى جماعة من الجند إلى جعفر، ليضرب عنقه وليأتيه برأسه، فمضى حتى دخل على جعفر وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكّار يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتى ... عليه الموت يطرق أو يغادى
وكل ذخيرة لا بدّ يوما ... وأن بقيت «1» تصير إلى نفاد
فقال له جعفر: قد سررتنى بإقبالك إليّ، وسؤتنى بدخولك عليّ بغير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، إن أمير المؤمنين أمرنى بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبّل يديه ورجليه، ويقول: دعنى أدخل وأوصى، فقال:
لا سبيل إلى ذلك، ولكن أوص بما شئت، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه، ثم قال: إن لى عندك حقا ولن تجد مكافأتى إلا فى هذه الساعة، فارجع إلى أمير المؤمنين فأعلمه أنّك قد نفّذت كما أمرك به، فإن أصبح نادما كانت حياتى على يديك، وكانت لك عندى نعمة، وإن أصبح على مثل مذهبه نفّذ ما أمرك به، قال: ولا هذا، قال: فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه، فإذا أبليت عذرا ولم يرض إلا بمصيرك إليه برأسى فعلت، قال: أما هذا فنعم، فسارا جميعا إلى مضرب الرشيد، فلما أتاه الخادم وجده فى فراشه، فلما أحس به قال: إيتنى برأسه، فعاد إلى جعفر وأخبره، فقال: الله الله، والله ما أمرك إلا وهو سكران، فدافع حتى أصبح أو راجعه ثانية، فعاد ليراجعه فقال له: يا ماص بظرأمه، إيتنى برأسه، فرجع إلى جعفر وأخبره، فقال ومرّة أخرى، فلما رجع إليه حذفه بعمود كان فى يده، وقال: نفيت عن المهدى لئن لم
(22/139)

تأتنى برأسه لأقتلنّك، فخرج إلى جعفر وضرب عنقه وأتاه برأسه؛ قال: من نقل أن الرسول إلى جعفر ياسر، إنه لما وضع الرأس بين يدى الرشيد أقبل عليه مليا، ثم قال: يا ياسر جئنى بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما الرشيد: اضربا عنق ياسر، فإنى لا أقدر أن أرى قاتل جعفر «1» .
وقيل: إنه وجد على قصر على بن عيسى بن ماهان بخراسان فى صبيحة الليلة التى قتل فيها جعفر كتابة بقلم جليل:
إنّ المساكين بنى برمك ... صبّت عليهم غير الدهر
إنّ لنا فى أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر «2»
قال: وكان جعفر من أهل الفصاحة البارعة والفطنة التى لا تحد، إلا أنه كان فيه بخل بالنسبة إلى أبيه وأخيه، قال: ولما قتل جعفر أمر الرشيد بتوجيه من احتاط بيحيى وولده الفضل وجميع أسبابهم، وحبس الفضل فى بعض منازل الرشيد، وحبس يحيى فى منزله، وأخذ مالهم وما وجد لهم من ضياع ومتاع وغير ذلك، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد بالقبض «3» على وكلائهم وأسبابهم وجميع أموالهم، وأصبح فأرسل جثة جعفر إلى بغداد وأمر بنصب رأسه وأن يقطع بدنه «4» قطعتين، ينصب كل قطعة على جسر، ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله؛ وقيل كان يسعى بهم، ثم حبس الرشيد يحيى بن خالد وبنيه الفضل ومحمد، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها، ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمّهم سخطه فضيّق عليهم.
(22/140)

وكان مقتل جعفر فى ليلة السبت مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما تكبوا قال الرّقاشى: وقيل إن الشعر لأبى نواس:
ألان استرحنا واستراحت مطينا «1» ... وأمسك من يحدى ومن كان يحتدى
فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطيّ الفيافى فدفدا بعد فدفد
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولم «2» تظفرى من بعده بمسوّد
وقل للعطايا بعد فضل تعطّلى ... وقل للرزايا كل يوم تجدّدى
ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا ... أصيب بسيف هاشمى مهنّد
وروى أبو الفرج الأصفهانى أن الرّقاشى اجتاز بجعفر وهو مصلوب، فوقف يبكى أحرّ بكاء، ثم أنشأ يقول:
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر «3» استلام
فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساما فلّه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السلام «4»
(22/141)

فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأمر بإحضاره فأحضر، وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان إليّ محسنا، فلما رأيته على الحال التى هو عليها حرّكنى إحسانه، فما ملكت نفسى حتى قلت الذى قلت. قال: فكم كان يجرى عليك؟ قال: ألف دينار، قال: فإنّا قد أضعفناها لك.
وقال يحيى بن خالد لما نكبوا: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة.
ذكر شىء من أخبار جعفر وتمكّنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه
قيل: كان جعفر قد بلغ من الرشيد ما لم يبلغه وزير من خليفة قبله، كان يجلسه معه فى حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان، وبلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده، فمن ذلك ما حكاه إبراهيم بن المهدى أخو الرشيد قال: قال لى جعفر يا إبراهيم، إذا كان غدا فبكّر لى، فلما كان من الغد مشيت إليه باكرا، فجلسنا نتحدث، فلما ارتفع النهار أحضر حجاما فحجمنا، ثم قدّم لنا الطعام فطعمنا، ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لحاجبه «1» : لا يدخل علينا إلا عبد الملك القهرمان، فنسى الحاجب فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمى، وكان رجل بنى هاشم فصاحة وملاحة وعلما وحلما وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظّن الحاجب أنّه الذى أمره بدخوله فأدخله، فلما رآه جعفر تغيّر لونه، فعلم عبد الملك أنهم قد احتشموا، فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم، فقال: اصنعوا
(22/142)

بنا ما صنعتموه بأنفسكم، فجاء الخادم وطرح عليه ثياب المنادمة، وجلس يشرب فلما بلغ ثلاثا قال: ليخفّف عنّا، فإنّه شىء ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر ثم قال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتى وتحيط بها نعمتى فأقضيها لك، مكافأة لما صنعت؟ قال: إن أمير المؤمنين عليّ غاضب فتسأله الرضى عنّى، قال: قد رضى عنك أمير المؤمنين، قال: وعليّ أربعة آلاف دينار، قال: هى حاضرة من مال أمير المؤمنين، قال: وابنى إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين، قال: قد زوّجه أمير المؤمنين ابنته عائشة، قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه، قال: قد ولّاه أمير المؤمنين مصر؛ قال إبراهيم بن المهدى: فانصرف عبد الملك، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين، فلما كان من الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبى يوسف القاضى ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر، فأشار إليّ فصرت إلى منزله، فقال لى: قلبك معلّق بأمر عبد الملك، قلت:
بلى، قال: دخلت على أمير المؤمنين فمثلت بين يديه، وابتدأت القصة من أوّلها إلى آخرها كما كانت، فجعل يقول أحسن والله، ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته، فجعل يقول فى ذلك كله أحسنت أحسنت «1» ، وفى هذه الحكاية كفاية عما سواها.
ويقال إن عليّة بنت المهدى قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يا سيدى يوم سرور تام، منذ قتلت جعفرا، فلأى شىء قتلته!! فقال لها: يا أختاه لو علمت أن قميصى يعلم السبب لحرقته.
وأمّا ما آل أمرهم إليه من الضرورة والفاقة والاحتياج والذلة، فمن ذلك ما حكاه عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمى الإشبيلى فى كتابه
(22/143)

المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرّ «1» قال:
حدث محمد بن غسان أن صاحب صلاة الكوفة وقاضيها قال:
دخلت على أمى فى يوم أضحى فرأيت عندها عجوزا فى أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمى من هذه؟ قالت: خالتك عتّابة أم جعفر بن يحيى، فسلّمت عليها فسلّمت علىّ، فقلت: أضارك الدهر إلى ما أرى «2» !! قالت: نعم- يا بنى إنما كنّا فى عوار ارتجعها الدهر منّا، فقلت: حدثينى ببعض شأنك، قالت: خذه جملة، لقد مضى علىّ أضحى مثل هذا مذ ثلاث سنين وعلى رأسى أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أنّ ابنى عاق لى، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدى شاة، أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا، قال: فغمّنى ذلك وأبكانى فوهبت لها دنانير كانت عندى «3» .
وهذه نهاية الاحتياج والضرورة والفاقة، فنسأل الله تعالى ألا يسلبنا نعمة أنعم بها علينا، ويجعل الموت قبل بلائه ومحنه.
وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد «4» : لأمير المؤمنين وإمام المسلمين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته «5» عيوبه، وخذله شقيقه ورفضه صديقه، وزلّ به الزمان وأناخ عليه الحدثان، فصار إلى الضيق بعد السعة وعالج البؤس بعد الدعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهر وافتقد الهجوع، فساعته شهر وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعا «6» . يا أمير المؤمنين، حجب
(22/144)

الله عنّى فقدك لما أصبت به من بعدك، لا لمصيبتى «1» بالحال والمال فإنّ ذلك كان بك ولك، وكانتا عارية فى يدى منك، ولا بأس أن تسترد العوارى، فأما المحنة فى جعفر فبجرمه أخذته وبجريرته عاقبته، وما أخاف عليك زلة فى أمره، ولا مجاوزة به فوق ما يستحقه؛ فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتى وارحم ضعفى وشيبتى ووهن قوّتى، وهب لى رضى عنّى، فمن مثلى الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكنى أقرّ، وقد رجوت أن يظهر عند «2» الرضى وضوح «3» عذرى، وصدق نيّتى، وظاهر طاعتى، وفلج حجّتى- ما يكفينى به أمير المؤمنين، ويرى الجلّية «4» فيه، ويبلغ المراد منه إن شاء الله، وكتب:
قل للخليفة ذى الصنا ... يع والعطايا الفاشية
وابن الخلائف من قري ... - ش والملوك «5» الهادية
ملك الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضية «6»
إنّ البرامكة الذي ... - ن رموا لديلك بداهيه
عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه
فكأنهم ممّا بهم ... أعجاز نخل خاوية
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلّة باديه
مستضعفون مطّردو ... ن بكل أرض قاصيه
(22/145)

من دون ما يلقون من ... عتب «1» يشيب الناصية
أضحوا «2» وجلّ مناهم ... منك الرضا والعافية
بعد الوزارة والإما ... رة والأمور العالية
انظر إلى الشيخ الكبي ... ر فنفسه لك راجيه
أو ما سمعت مقالتى ... يا ابن «3» الفروع الزاكيه
ما زلت أرجو راحة ... فاليوم خاب رجائيه
واليوم قد سلب الزما ... ن كرامتى وبهائيه
ألقى الزمان جرانه «4» ... متشفيا بعنائيه «5»
ورمى سواد مقاتلى ... فأصاب حين رمانيه
يا من يود «6» لى الردى ... يكفيك ويحك مابيه
يكفيك أنّى مستبا ... ح عشيرتى «7» ونسائيه
يكفيك ما أبصرت من ... ذلّى وضيق «8» مكانيه
وذهاب «9» مالى «10» كلّه ... وفدى الخليفة ماليه
إن كان لا يكفيك إل ... لا أن أذوق حماميه
فلقد رأيت الموت من ... قبل الممات علانيه
وفجعت أعظم فجعة ... وفنيت قبل فنائيه
وهويت فى قعر السجو ... ن على رفيع بنائيه
(22/146)

انظر بعينك هل ترى ... إلا قصورا خاليه
وذخائرا موروثة ... قسّمن قبل مماتيه
ومصارعا وفجائعا ... ومصائبا متواليه
ونوادبا يندبننى ... تحت الدجى بكنائية «1»
أأبا على البرمك ... ى فما أجيب الداعيه
ونداؤهنّ وقد سمع ... ت مقلقل «2» أحشائيه
أخليفة الله الرضا ... لا تشمتن أعدائيه
واذكر مقاساتى الأمو ... ر وخدمتى وغنائيه
ارحم جعلت لك الفدا ... كربى وشدة حاليه
وارحم أخاك الفضل وال ... باقين من أولاديه
أخليفة الرحمن إن ... نك لو رأيت بنانيه
وبكاء فاطمة الصغي «3» ... رة والمدامع جاريه
ومقالها بتوجع ... يا شقوتى وشقائيه
من لى وقد غضب الإما ... م على جميع رجاليه «4»
وعدمت طيب معيشتى ... وتغيّرت حالاتيه
يا نعمة الملك الرضا ... عودى علينا ثانيه
ويروى أن الرشيد لما قرأ الأبيات وقّع تحت الشعر يقول:
أجرى القضاء عليكم ... ما جئتموه علانيه
من ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه
(22/147)

يا آل برمك إنما ... كنتم ملوكا عاديه
فكفرتم وعصيتم ... وجحدتم نعمائيه
فسلبتموها هكذا ... وكذا ترد العاريه «1»
هذه عقوبة من عصا ... معبوده وعصانيه
وكتب تحت الشعر وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ «2» .
قال: ولم يزل يحيى فى الحبس حتى مات سنة تسعين ومائة فى المحرم منها، وهو ابن سبعين سنة، وتوفى الفضل بن يحيى فى المحرم سنة ثلاث وتسعين ومائة.
نعود إلى بقية حوادث سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة.
ذكر القبض على عبد الملك بن صالح
فى هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن على «3» بن عبد الله، وكان سبب ذلك أنه كان له ولد اسمه عبد الرحمن وبه كان يكنى، فسعى به إلى الرشيد هو وقمامه كاتب أبيه، وقالا: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، ولم يزل عبد الملك فى الحبس إلى أن مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على الشام.
ذكر غزو الروم
فى هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم فى شعبان، فصالحه
(22/148)

الروم على ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين «1» ، على أن يرحل عنهم فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم، وكان يملك الروم يومئذ امرأة اسمها رينى «2» ، فخلعها الروم وملّكوا عليهم نقفور، ويزعم الروم أنّه «3» من أولاد جفنة من غسّان، وكان قبل أن يملك يلى الخراج، فلما استوثق «4» الروم لنقفور كتب إلى الرشيد من نقفور- ملك الروم- إلى هارون- ملك العرب- أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابى هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع من المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: من هارون- أمير المؤمنين- إلى نقفور «5» كلب الروم، قد قرأ كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة، ففتح وغنم وأحرق وخرّب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله إليه فى كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع الرشيد نقض نقفور العهد، وكان البرد قد اشتد فأمن رجعة الرشيد، فجاء الخبر بنقضه وقد بلغ الرشيد الرقة، فأشفق الناس من إعلام الرشيد، وخافوا عوده لشدة البرد، فاحتيل عليه بشاعر قيل هو أبو محمد عبد الله بن
(22/149)

يوسف «1» ، وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمى «2» فقال أبياتا منها:
نقض الذى أعطيته نقفور ... فعليه «3» دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح «4» أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح يؤمنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور «5»
فلما سمع الرشيد ذلك قال: أو فعل ذلك نقفور! ورجع إلى بلاد الروم فى أشد زمان، حتى بلغ بلادهم فبلغ ما أراد، وقيل كان ذلك فى سنة تسعين ومائة وفتح هرقلة- على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها زلزلت المصيصة فانهدم سورها، ونضب ماؤها ساعة من الليل.
وحجّ بالناس عبد الله «6» بن العباس بن محمد بن على.
ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائة.
فى هذه السنة غزا إبراهيم بن جبريل «7» الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصّفصاف فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، فلقى جمعا من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وانهزم، وقتل من الروم أربعون ألفا وسبعمائة. وحج الرشيد بالناس فى هذه السنة.
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة.
ذكر مسير الرشيد إلى الرى
فى هذه السنة سار الرشيد إلى الرى، وسبب ذلك أن أهل خراسان
(22/150)

تظلموا من على بن عيسى بن ماهان، وشكوا سوء سيرته فيهم، وقيل للرشيد إنه قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الرى فى جمادى الأولى ومعه ابناه المأمون والقاسم المؤتمن، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما فى عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وليس له فيه شىء، وأقام الرشيد بالرى أربعة أشهر، حتى أتاه على بن عيسى من خراسان فأهدى إليه الهدايا الكثيرة والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته وولده وكتّابه وقواده من الطرف والجواهر وغير ذلك، فرأى الرشيد خلاف ما كان يظن فردّه إلى خراسان، ورجع الرشيد إلى العراق فى آخر هذه السنة.
وفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودى به. وحج بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن محمد بن على «1» ابن عبد الله.
ودخلت سنة تسعين ومائة.
ذكر فتح هرقلة
فى هذه السنة فتح الرشيد هرقلة وخرّبها، وكان سبب مسيره إليها ما قدمناه فى سنة سبع وثمانين من غدر نقفور، فكان فتحها فى شوال وحصرها ثلاثين يوما. قال: ودخل البلاد فى مائة ألف وخمس وثلاثين ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة ومن لا ديوان لهم، ووجّه داود بن عيسى ابن موسى فى سبعين ألفا، فسار فى أرض الروم يخرب وينهب، وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن وديسه «2» ، وافتتح يزيد بن محلد
(22/151)

الصفصاف وملوقية «1» ، واستعمل حميد بن معيوف على ساحل الشام ومصر، فبلغ قبرس فهدم وأحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفا، فلما قدم بهم الرافقة «2» بيعوا بها، وبلغ فداء أسقف قبرس ألفى دينار، ثم سار الرشيد إلى طوانة فنزل بها، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر، وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين وعن بطارقته كذلك؛ وكتب نقفور إلى الرشيد فى جارية من سبى هرقلة، كان خطبها لولده فبعثها إليه.
وقد ذكر أبو الفرج الأصفهانى عند ذكره ترجمة أشجع بن عمرو السّلمى، وما امتدح به الرشيد لما فتح هرقلة، وسياقه أتم من هذا السياق وأكثر تبيانا، فأحببنا أن نشرحه ها هنا ليكون خبرها على توال واتساق «3» ، فقال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: كان من خبر غزاة الرشيد هرقلة أن الروم كانت ملكت امرأة، لأنّه لم يكن فى زمانها من أهل المملكة غيرها، وكانت تكتب إلى المهدى والهادى والرشيد- فى أول خلافته- بالتعظيم والتبجيل، وتدرّ عليه الهدايا حتى بلغ ابنها.
فحاز الملك دونها وعاث وأفسد وفاسد الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب وعلى بلادهم أن تعطب، لعلمها بالرشيد وخوفها من سطوته، فاحتالت على ابنها فسملت عينيه. فبطل من الملك وعاد الملك إليها، فاستكبر ذلك أهل المملكة وأبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور وكان كاتبها، فأعانوه وعضدوه وقام بأمر المملكة وضبط أمر الروم، فلما قوى أمره وتمكّن من ملكه كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك
(22/152)

العرب، أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السوقة، وإنى واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرّق بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدّى إلىّ ما كانت المرأة تؤديه إليك والسلام.
فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون- أمير المؤمنين- إلى نقفور- كلب الروم- أما بعد فقد فهمت كتابك، وجوابك عندى ما تراه عيانا لا ما تسمعه. ثم شخص من شهره ذلك يؤم بلاد الروم، فى جمع لم يسمع بمثله، فلما بلغ نقفور ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وشاور فى أمره، وجدّ الرشيد فجعل يوغل فى بلاد الروم، فيقتل ويسبى ويغنم ويعفى الآثار ويخرّب الحصون، حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمى به فى تلك الطرق وأشعلت فيه النيران، فكان الرشيد أول من لبس ثياب النفاطين فخاضها، ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا، وخضع له أشد الخضوع وأدّى له الجزية، عن رأسه فضلا عن أصحابه، فرجع هارون- لما أطاعه ما أعطاه- إلى الرقة.
فلما رجع وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة، ونقض ما كان بينه وبين الرشيد ورجع إلى حالته الأولى، فلم يجترئ يحيى بن خالد «1» فضلا عن غيره على إخبار الرشيد بغدر نقفور، وبذل هو وبنوه أموالا للشعراء على أن يقولوا أشعارا فى إعلام الرشيد بذلك، فكلهم أشفق إلا شاعر من أهل جدّة يكنى أبا محمد، وكان مجيدا قوىّ الشعر، فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم، ودخل إلى الرشيد فأنشده:
(22/153)

نقض الذى أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح «1» أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح يؤمنّا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور «2»
فلقد تباشرت الرعيّة أن أتى ... بالنقض منه «3» وافد وبشير
درجت يمينك أن تعجّل غزوة ... تشفى النفوس نكالها «4» مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خدّه ... حذر الصوارم والردى محذور
فأجرته من وقعها وكأنّها ... بأكفنا «5» شعل الظلام «6» تطير
وصرفت من طول «7» العساكر قافلا ... عنه وجارك آمن مسرور
نقفور إنّك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور «8»
ألقاك حينك فى زواخر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور
إنّ الإمام على اقتسارك قادر ... قربت ديارك أم نأت بك دور
ليس الإمام وإن غفلنا غافلا ... عما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجرّد للجهاد بنفسه ... فعدوّه أبدا به مقهور
يا من يريد رضى الإله بسعيه ... والله لا يخفى عليه ضمير
لا نصح ينفع من يغشّ إمامه ... والنصح من نصحائه مشكور
(22/154)

نصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهله «1» كفارة وظهور
قال: فلما أنشده قال الرشيد: أو قد فعل!! وعلم أن الوزراء قد احتالوا فى ذلك، قال: فسار الرشيد قاصدا إليه، وجعل قبل وصوله إلى هرقلة يفتتح الحصون والمدن ويحرقها، حتى أناخ على هرقلة وهى أوثق حصن وأعزه جانبا وأمنعه ركنا، فتحصّن أهلها، وكان بابها على واد ولها خندق يطيف بها؛ قال: فحدثنى شيخ من مشايخ المطوّعة وملازمى الثغور، يقال له على بن عبد الله قال حدّثنى جماعة من أهل الثغر:
أنّ الرشيد لما حصر أهل هرقلة وألحّ عليهم بالمجانيق والسهام والعرّادات فتح الباب ذات يوم، فاستشرف المسلمون لذلك، فإذا رجل من أهلها كأكمل الرجال، قد خرج فى أكمل السلاح فنادى: قد طال مواقفتكم إيانا فليبرز إلىّ منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين، فلم يجبه أحد، فدخل وأغلق الباب، وكان الرشيد نائما فلم يعلم بخبره إلا بعد انصرافه، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه، وتأسّف لفوته، فقيل له إن الامتناع منه سيغريه «2» ويطغيه، وأحرى به أن يخرج فى غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له، فإذا بالباب قد فتح وخرج الرجل طالبا للبراز، وذلك فى يوم شديد الحر، فجعل يدعو أنه يثبت لعشرين منهم، فقال الرشيد: من له؟ فابتدره جلّة القواد كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وخزيمة بن خازم وأخيه عبد الله وداود بن يزيد وأخيه، فعزم على إخراج بعضهم، فضّج المطوعة حتى سمع ضجيجهم، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوّادك
(22/155)

مشهورون بالنجدة والبأس وعلوّ الصوت ومدارسة الحرب، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة وثلمة لا تسدّ، ونحن عامّة لم يرتفع لأحد منّا صوت إلا كما يصلح للعامّة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم «1» ، على يد رجل من العامة «2» من أفناء الناس، وإن قتل الرجل فإنما استشهد، ولم يؤثر ذهابه فى العسكر ولم يثلمه رجل، وخرج إليه بعده مثله حتى يقضى الله ما شاء، فقال الرشيد: قد استصوبت رأيكم هذا، فاختاروا رجلا يعرف بابن الجزرى «3» ، وكان معروفا فى الثغر بالبأس والنجدة، فقال له الرشيد:
أتخرج؟ قال نعم وأستعين بالله تعالى، فقال «4» : أعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا بفرسى أوثق، ورمحى بيدى أشد، ولكنى قد قبلت السيف والترس، فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودّعه وأتبعه الدعاء، وخرج معه عشرون من المطوّعة، فلما انقضّ فى الوادى قال لهم العلج- وهو يعدّهم واحدا واحد- إنما كان الشرط عشرين، وقد زدتم رجلا ولكن لا بأس، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزرى تأمّله الرومى، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن «5» ، فقال له الرومى: أتصدقنى عما استخبرك؟ قال:
نعم، قال: أنت بالله ابن الجزرى؟ قال: اللهم نعم، فكفر له ثم أخذا فى شأنهما، فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان، وليس
(22/156)

يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا «1» بشىء فزجّ كل واحد منهما رمحه، وانتضى سيفه فتجالدا مليّا، واشتد عليهما الحرّ وتبلّد الفرسان، وجعل ابن الجزرى يضرب الضربة التى يرى أنّه قد بلغ بها، فيتّقيها الرومى وكان ترسه من حديد، ويضربه الرومى ضربة معذر، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزرى، فدخلت المسلمين «2» كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، وعطعط المشركون اختيالا وتطاولا، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج، وتمكّن ابن الجزرى منه فرماه بوهق فوقع فى عنقه فما أخطأه، وركض فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون أعلى تكبير، وانخزل المشركون وبادروا الباب يغلقونه، واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد: اجعلوا النار فى المجانيق، ففعلوا وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة، وأضرموا نارا ورموا بها السور، فكانت النار تلصق به وتأخذه الحجارة، وقد تصدّع فتهافت، فلما أحاطت بهم النيران فتحوا الباب مستأمنين، فقال الشاعر المكى الذى ينزل جدّة «3» :
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا ... حوائما «4» ترتمى بالنفط والنار
كأنّ نيراننا فى جيب «5» قلعتهم ... مصبغات «6» على أرسان قصّار
قال محمد بن يزيد: وأعظم الرشيد الجائزة للجدّى الشاعر، وصبّ الأموال على ابن الجزرى وقوّد، فلم يقبل التقويد وسأل أن يعفى، ويترك
(22/157)

مكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره «1» . وحجّ بالناس عيسى بن موسى الهادى.
ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائة.
فى هذه السنة عزل الرشيد عن خراسان على بن عيسى بن ماهان، واستعمل عليها هرثمة بن أعين. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن على.
ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة.
فى هذه السنة تحرّكت الخرّميّة بناحية أذربيجان، فوجّه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك فى عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر. وحج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر.
ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة.
ذكر وفاة الرشيد
كانت وفاته ليلة السبت- الثالث من جمادى الآخرة- من هذه السنة، وكان قد توجّه إلى خراسان فى سنة اثنتين وتسعين ومائة، فمرض فى الطريق بجرجان فسار إلى طوس، فمات بها وصلّى عليه ابنه صالح ودفن
(22/158)

بطوس. روى أبو الفرج الأصفهانى عن جحظة عن ميمون بن هارون قال «1» :
رأى الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه، وأخذت كف تراب ثم قالت: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعا فقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما فى هذا!! قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ ثم لا يضره فركب وقال: إنى لأرى الأمر قريبا، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله التربة التى رأيتها، وهذه المرأة بعينها، ثم مات بعد مدة ودفن فى ذلك الموضع بعينه، أشترى له ودفن فيه، وأتى نعيه بغداد فقال أشجع يرثيه:
غربت بالمشرق الشم ... س فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع
وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وخلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما، وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب.
وكان له من الأولاد: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، والقاسم المؤتمن، وأبو إسحاق المعتصم، وصالح، وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب محمد، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو على محمد، وأبو محمد- وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، وكلهم لأمهات أولاد إلا الأمين [1] . وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم
__________
[1] تزيد النسخة ص بعد ذلك قصة على قياس قصة المنصور التى زعمت أنه تزوج زواجا أخفاه وأثمر ولدا، كذلك هذه القصة التى توردها النسخة ص تنسب إلى الرشيد زواجا خفيا أثمر ولدا، نقلت النسخة ص قالت:
هؤلاء الذين عرفوا من أولاده الذكور وذكرهم أهل التاريخ، وقد حكى الإمام أبو الليث
(22/159)

__________
السمرقندى رحمه الله فى كتابه المترجم تنبيه الغافلين (مطبوع طبعة بولاق) قال: حدثنا أبى قال: حدثنا أبو الحسن الفرا عن عبد الله بن الفرج قال: خرجت يوما فى طلب أجير يعمل لى شيئا فى الدار، فأتيت فى طلبه فإذا أنا برجل حسن الوجه وبين يديه مر وزنبيل، فقلت له:
أتعمل لى اليوم إلى آخر الليل؟ قال: نعم، قلت: بكم؟ قال: بدرهم ودانق، قلت له:
قم، فقام وأتى معى إلى منزلى، فعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، ثم أتيته فى اليوم الثانى أطلبه فلم أره، فسألت عنه فقيل هو رجل لا يرى فى الأسبوع إلا يوما واحدا، وقالوا لى يوم السبت، فتربصت حتى أتى ذلك اليوم، فجئت وهو جالس، فقلت له:
أتعمل اليوم معى؟ قال: نعم بدرهم ودانق، قلت: تعمل بدرهم، قال: لا، إلا بدرهم دانق، قلت قم فقام وعمل معى عملا كان يعمله غيره فى ثلاثة أيام، فلما كان وقت المساء وزنت له درهما واحدا، فقال لى: ألم أقل لك بدرهم ودانق؟ وكنت أردت أن اختبره، فقال: قد أفسدت علىّ أجرتى، ولا آخذ منك شيئا، قال: فوزنت له درهما ودانقا، فأبى أن يأخذه، فألححت عليه فقال: سبحان الله أقول لك ما آخذ وتلح علىّ!! ومضى وأقبلت إلى أهلى وأخبرتهم بقصته فقالت لى زوجتى: فعل الله بك وصنع، ما الذى أردت من رجل عمل لك عمل ثلاثة أيام فى يوم واحد!! قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل لى إنه مريض، فاستدللت على بيته فأرشدت إليه، فأتيته وإذا هو مبطون فى خربة، ليس فيها شىء غير ذلك المر والزنبيل، فسلمت عليه فرد على، فقلت له: لى إليك حاجة، وأنت تعرف ما جاء فى إدخال السرور على العبد، فقلت: إنى أحب أن تأتى إلى بيتى حتى أمرضك فيه، قال: أتحب ذلك؟ قلت نعم، قال: آتيك على ثلاثة شرائط تقبلها منى ولا تخالفنى فيها، قلت: نعم، قال: أحدها أنك لا تعرض على طعاما حتى أسألك وآذن لك فيه، قلت:
نعم، قال: والثانى: اذا أنامت فكفنى فى كسائى هذا وجبتى هذه، فقلت: نعم، وأما الثالث: فهو أشد منهما، وسأخبرك عنه غدا إن شاء الله، قال: فحملته إلى منزلى عند الظهر، فلما أصبحت من الغد نادانى فأتيته، فقلت ما شأنك؟ قال: ألا أخبرك عن حاجتى الثالثة، أعلم أنه قد حضرت وفاتى، ثم قال: افتح هذه الصرة التى فى كم جبتى، ففتحتها فاذا فيه خاتم عليه فص أخضر، فقال لى: يا عبد الله إذا أنامت فكفنى كما أمرتك وورانى، وخذ هذا الخاتم فأدفعه إلى هارون الرشيد، وقل له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت، ثم مات، فلما دفنته سألت عن يوم خروج الرشيد فأخبرت، فكتبت قصة وتعرضت له، فدفعت إليه القصة بعد أن ضربت ضربا موجعا، قال: فلما دخل القصر وقرأ القصة استدعانى، فدخلت عليه فقال: ما شأنك؟
فأخرجت الخاتم ودفعته إليه، فلما نظر إليه قال لى: من أين لك هذا الخاتم؟ قلت يا أمير المؤمنين دفعة إلىّ رجل طيان وأخبرته بقصته، فنظرت إلى دموعه تنحدر على لحيته، وهو يقول:
رجل طيان!!! وقربنى منه وأدنانى فدنوت منه، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه أوصانى بوصيته ألقيها إليك، قال: ألق ما معك من الوصية، قلت له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: لا تموتن على سكرتك هذه، فإنك إن مت عليها ندمت، فقام قائما وضرب بنفسه على البساط وجعل ينتف رأسه ولحيته، ويقول: يا بنى نصحت أباك حيا وميتا، وبكى بكاء طويلا ثم جلس، وجاءوا فغسل وجهه، واستعاد القصة
(22/160)

الحسن»
، وأم محمد- وهى حمدونة، وفاطمة، وأم أبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، والغالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد، والواحدة من بناته تعد عشرة من الخلفاء كلهم لها محرم هارون أبوها، والهادى عمها، والمهدى جدها، والمنصور جد أبيها، والسفاح عم جدها، والأمين والمأمون والمعتصم إخوتها، والواثق والمتوكل ابنا أخيها.
وكان نقش خاتمه: العظمة والقدرة لله، وقيل كن من الله على حذر. وزراؤه: يحيى بن خالد بن برمك ثم ابناه جعفر والفضل، ثم استوزر بعد البرامكة الفضل بن الربيع. قضاته: نوح بن دراج «2» بالجانب الغربى، وحفص بن غياث بالشرقى. حاجبه: بشر مولاه، ثم محمد بن
__________
فقصصتها عليه. فبكى بكاء كثيرا ثم قال: هذا أول مولود ولد لى، وكان أبى المهدى قد ذكر لى زبيدة أن يزوجنى بها، فنظرت إلى امرأة فتعلق قلبى بها فتزوجتها سرا من أبى، فأولدتها هذا المولود وأنفذت بهما إلى البصرة. ودفعت إليها هذا الخاتم وأشياء كثيرة، وقلت لها: اكتمى نفسك، فإذا بلغك أنى قد استخلفت فأتنى، فلما أفضت الخلافة إلى سألت عنها، فقيل لى إنهما ماتا، وما علمت أنه باق، فأين دفنته؟ فقلت فى مقبرة عبد الله بن مبارك، فقال إليك حاجة- وهى إذا كان بعد المغرب فقف بالباب. حتى أخرج إليك متنكرا وأمضى معك إلى قبره ففعلت فخرج والخدم حوله فدنا منّى حتى وضع يده فى يدى، فجئت به إلى قبره فما زال يبكى ليلته حتى أصبح، وهو يقول مع بكائه: يا بنى نصحت أباك حيا وميتا، فجعلت أبكى لبكائه رحمة له، ثم قال لى: قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار، وأمرت أن تجرى عليك دائما، فإذا أنا مت أوصيت لك بها من يلى الأمر بعدى، وأن تجرى عليك وعلى وعقبك مهما كان لك عقب، فإن لك حقا بدفنك ولدى، فلما أراد أن يدخل الباب قال: انظر إلى ما أوصيك به إذا طلعت الشمس ففارقته ولم أعد إليه. (راجع تنبيه الغافلين لمؤلفه نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندى ص 325، ص 326، 327- طبعة بولاق) .
(22/161)

خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع. الأمراء بمصر: على بن سليمان الهاشمى، ثم موسى بن عيسى، ثم «1» إبراهيم بن صالح ثم مات فوليها أحمد بن خالد «2» الأعرج، ثم إسحاق بن سليمان بن على الهاشمى، ثم هرثمة بن أعين ثم ولاه المغرب، وولى عبد الملك بن صالح بن على الهاشمى، ثم عبيد الله «3» بن المهدى، ثم إسماعيل بن صالح بن على الهاشمى، ثم الليث بن الفضل، ثم «4» أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى، ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن على الهاشمى ويعرف بابن زينب، ثم الحسين بن جميل الأزدى، ثم مالك بن دلهم، ثم الحسن ابن البحباح «5» القضاة بها: أبو طاهر عبد الملك، ثم المفضل «6» بن فضالة، ثم محمد بن مسروق الكندى «7» ، ثم إسحاق بن الفرات، ثم عبد
(22/162)

الرحمن بن عبد الله- من ولد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو أول من دوّن الشهود.
ذكر شىء من سيرة الرشيد وأخباره
قيل: كان الرشيد يصلى فى كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، لا يقطعها إلا فى مرض، وكان يتصدق من صلب ماله فى كل يوم بألف درهم، وكان إذا حجّ حجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحجّ ثلاثمائة رجل بالنفقة التامة والكسوة، وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء فى الدين، وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه، ولما مدحه مروان بن أبى حفصة بقصيدته التى منها:
وسدّت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر
أعطاه خمسة آلاف دينار وعشرة من الرقيق الرومى وبرذونا من خاص مراكبه.
وقيل: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره من جدّ وهزل، ووزراؤه البرامكة لم ير مثلهم فى السخاء، وقاضيه أبو يوسف وشاعره مروان بن أبى حفصة، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد، وحاجبه الفضل بن الربيع، إربة الناس، ومغنيه إبراهيم الموصلى، واحد عصره فى صناعته، وضاربه زلزل، وزامره برصوما، وزوجته أم جعفر بنت جعفر، أرغب الناس فى خير، وأسرعهم إلى كل برّ، وأمه الخيزران أم الخلفاء.
قال: وبذل الرشيد الأمان للطالبيين، وأخرج الخمس لبنى هاشم، وقسم للذكر والأنثى خمسمائة، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار، وعمر طرسوس وجعل فيها جماعة من الموالى رحمه الله تعالى.
(22/163)

ذكر خلافة الأمين
هو أبو عبد الله وقيل أبو موسى وقيل أبو العباس- محمد بن هارون الرشيد، وأمه أمة الواحد وقيل أمة العزيز «1» بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور، ولقبت زبيدة، ولم يل الخلافة بعد على والحسن من أمه هاشمية غيره، وهو السادس من الخلفاء العباسيين؛ بويع له بالخلافة بطوس فى عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التى توفى فيها الرشيد، لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكان المأمون يومئذ بمرو، فكتب حمويه- مولى المهدى وهو صاحب البريد- إلى نائبه ببغداد، وهو أبو مسلم «2» سلام، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه بأبيه وهنّأه بالخلافة، وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بذلك مع رجاء الخادم، وأرسل معه الخاتم والقضيب والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره الخلد إلى قصر الخلافة، وصلّى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزّى نفسه والناس، ووعدهم الخير وأمّن الأبيض والأسود، وفرّق فى الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهرا، ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته، ووكل عم أبيه وأمه سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم، وأمر السّدى بمبايعة من عداهم، وقدمت العساكر التى كانت مع الرشيد، وقدمت زبيدة امرأة الرشيد أم الامين من الرقة إلى بغداد، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار، ومعه جميع من ببغداد من الوجوه، وكان معها خزائن الرشيد.
(22/164)

وفيها ابتدأت الوحشة بين الأمين والمأمون، وظهر الخلاف فيما بعدها وتفاقم الأمر، وسنذكر ذلك كله وأسبابه فى آخر أيام الأمين، ليكون خبر ذلك متواليا لا ينقطع بخروج سنة ودخول أخرى، فلنذكر من أخبار الأمين خلاف ذلك وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة، وأقرّه على العواصم، وأستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة داود بن عيسى بن موسى «1» بن محمد وهو أمير مكة.
ودخلت سنة أربع وتسعين ومائة.
ذكر خلاف أهل حمص على الأمين
فى هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، فتحوّل عاملهم إسحاق بن سليمان إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشى، فقتل عدة من وجوههم وحبس عدة، وألقى النار فى نواحيها، فسألوه الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم.
ودخلت سنة خمس وتسعين ومائة.
فى هذه السنة قطع الأمين خطبة المأمون، وأمر بإسقاط ما ضرب باسمه من الدنانير والدراهم بخراسان، وأمر فدعى لابنه موسى ولقّبه الناطق بالحق، ولابنه الآخر عبد الله ولقّبه القائم بالحق.
ذكر خروج السّفيانىّ وما كان من أمره
فى هذه السنة خرج السفيانى- وهو على بن عبد الله بن خالد بن يزيد
(22/165)

ابن معاوية، وأمّه نفيسة بنت عبيد الله «1» بن العباس بن على بن أبى طالب، وكان يقول: أنا ابن شيخى صفين- يشير إلى على ومعاوية، وكان يلقب بأبى العميطر، لأنه قال لأصحابه: أى شىء كنية الحرذون؟ قالوا:
لا ندرى، قال: هو أبو العميطر، فلقبوه به، ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة فى ذى الحجة، وقوى على سليمان بن المنصور عامل دمشق، وأخرجه عنها وأعانه الخطاب بن وجه الفلس مولى بنى أمية، وكان قد تغلب على صيدا، فبعث الأمين إليه الحسن بن على بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة ولم يصل إلى دمشق؛ قال: وكان عمر السفيانى لما خرج تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علما كثيرا، وكان حسن السيرة، فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما كانوا نقلوه عنه، وكان أكثر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن بيهس الكلابى «2» يدعوه إلى طاعته، ويتهدده إن لم يفعل فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفيانى لقصد القيسية فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم فى ثلاثمائة فارس ومواليه، فبعث إليه السفيانى يزيد بن هشام فى اثنى عشر ألفا، فالتقوا فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم زيادة على ألفين، وأسر ثلاثة آلاف فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رءوسهم ولحاهم، فضعف السفيانى، ثم جمع جمعا وجعل عليهم ابنه القاسم، وخرجوا إلى بيهس فالتقوا فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفيانى، وبعث رأسه إلى الأمين، ثم جمع جمعا آخر وبعثهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس فقتل المعتمر وانهزم أصحابه، فوهن أمر السفيانى وطمعت فيه قيس، ثم مرض ابن بيهس، فاستخلف مسلمة بن يعقوب بن على «3» بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، وأمر بنى نمير بمبايعته بالخلافة، وعاد ابن بيهس إلى
(22/166)

حوران، واجتمعت نمير على مسلمة وبايعوه، فدخل على السفيانى وقبض عليه وقيده، وقبض على رؤساء بنى أميّة فبايعوه، وأدنى القيسية وجعلهم خاصته، فلما عوفى محمد بن بيهس عاد إلى دمشق فحصرها، فسلمها إليه القيسية، وهرب مسلمة والسفيانى فى زى النساء إلى المزة، وذلك فى المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وغلب ابن بيهس على دمشق، إلى أن قدم عبد الله ابن طاهر دمشق ودخل إلى مصر وعاد إلى دمشق فأخذ ابن بيهس معه إلى العراق فمات بها.
وحج بالناس عامل مكة داود بن عيسى.
ودخلت سنة ست وتسعين ومائة.
فى هذه السنة استعمل الأمين على الشام عبد الملك بن صالح بن على:
فسار إليها فتوفى بالرقة قبل وصوله إلى الشام. وفيها خلع الأمين وبويع للمأمون، ثم عاد الأمين إلى الخلافة، على ما نذكره إلى شاء الله تعالى.
ودخلت سنة سبع وتسعين ومائة.
فى هذه السنة حجّ بالناس العباس بن موسى بن عيسى، وجّهه طاهر بأمر المأمون. وفيها سار المؤتمن بن الرشيد ومنصور بن المهدى إلى المأمون بخراسان، فوجّه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان.
ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة.
ذكر أخبار الأمين والمأمون وما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من قتل الأمين
كان ابتداء الخلف بينهما فى سنة ثلاث وتسعين ومائة عند وفاة الرشيد، وكان سبب ذلك أن الرشيد كان قد أشهد عليه فى سفرته التى مات فيها: أن
(22/167)

جميع ما فى عسكره من مال ومتاع ورقيق وكراع وغير ذلك للمأمون، وأخذ له البيعة على جميع من فى عسكره، فعظم ذلك على الأمين، ثم بلغه شدة «1» مرض الرشيد، فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها فى قوائم صناديق المطبخ، وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرنّ أمير المؤمنين ولا غيره عليها، فإذا مات فادفع الكتب إلى أربابها، فقدم بكر إلى طوس فبلغ الرشيد قدومه، فأحضره وسأله عن موجب قدومه، قال: بعثنى الأمين لآتيه بخبرك، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بتفتيش ما معه فلم يصيبوا شيئا، فأمر به فضرب فما أقرّ، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره، فإن أقرّ وإلا ضرب عنقه، ثم مات الرشيد فأخرج بكر «2» الكتب التى معه، وهى كتاب إلى المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس «3» لأخيهما المؤتمن، فلم يكن المأمون حاضرا وكان بمرو، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأى الفضل بن الربيع، وكتاب إلى الفضل بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك، وأقرّ كل من كان على عمل من الأعمال على عمله، من صاحب شرط «4» وحجابة وحرس، فلما قرءوا الكتب تشاور القواد فى اللحاق بالمأمون أو الأمين، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدرى ما يكون من أمره، ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا، محبة منهم لأهليهم ووطنهم وتركوا العهود التى كانت أخذت عليهم للمأمون، فلما بلغ المأمون ذلك جمع من كان عنده من القوّاد، وفيهم ذو الرئا ستين الفضل بن سهل، وهو أعظمهم قدرا عنده وأخصّهم به، واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم جريدة فى ألفى فارس ويردهم، فخلى به ذو
(22/168)

الرئاستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هديّة إلى أخيك ولكن الرأى أن تكتب إليهم كتابا مع رسول من عندك، تذكّرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث، ففعل ووجّه سهل بن صاعد «1» ونوفلا الخادم، فلحقا الجند والفضل بنيسابور، فأوصلا الفضل كتابه فقال: إنما أنا واحد من الجند، وشدّ عبد الرحمن بن جبلة على سهل بالرمح ليطعنه، فأمّره على جنبه وقال: قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته فيك، وسبّ المأمون فرجعا إليه بالخبر فقال ذو الرئاستين: أعداء استرحت منهم، وقال له: اصبر وأنا أضمن لك الخلافة، فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به، قال ذو الرئاستين: والله لأصدقنّك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك منّى، برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوّة، فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تباع أملك وترى رأيك، وقام ذو الرئاستين فأتاهم فى منازلهم، وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأنى جئتهم بجيفة على طبق، فقال بعضهم:
هذا لا يحل وأخرجه «2» ، وقال بعضهم: ومن الذى يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ قال: فجئت وأخبرته فقال: قم بالأمر، فأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء، ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وردّ المظالم، وأن تجلس على الصوف وتكرم القوّاد، ففعل ذلك ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلها وقالوا: ابن اختنا وابن عم نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، ثم كتب المأمون إلى الأمين وعظّمه.
ولما قدم الفضل بن الربيع العراق- وقد نكث عهد المأمون- علم أنّ المأمون، إن أفضت إليه الخلافة وهو حىّ، لم يبق عليه، فسعى فى إغراء الأمين وحثّه على خلع المأمون، والبيعة لابنه موسى بولاية العهد- ولم يكن
(22/169)

ذلك فى عزم الأمين، فلم يزل الفضل يصغّر أمر المأمون عنده ويزيّن له خلعه، ووافقه على ذلك على بن عيسى «1» بن ماهان والسندى وغيرهما، فرجع الأمين إلى قولهم وجمع القوّاد لذلك، فنهاه عبد الله بن خازم وأبى القواد ذلك، وربما ساعده قوم، فلما بلغ إلى خزيمة بن خازم قال له: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإنّ الغادر مخذول، والناكث مفلول، فأقبل الأمين على علىّ ابن ماهان فتبسّم وقال: لكنّ شيخ هذه الدعوة وناب «2» هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها.
وألحّ الأمين فى خلع المأمون، فأوّل ما فعل أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء بالإمرة لابنه موسى بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فلما بلغ ذلك المأمون، وأن الأمين عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط الأمين من الطّرز وقطع البريد عنه، وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار- لمّا بلغه حسن سيرة المأمون- طلب الأمان منه فأمّنه، فحضر عنده.
قال: ثم كتب الأمين إلى المأمون يستقدمه ويسأله أن يقدّم ابنه موسى على نفسه، وأرسل إليه أربعة «3» فى الرسالة- منهم العباس بن موسى بن عيسى، فلما أتوه امتنع من ذلك، فقال له العباس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ذلك؟ وقد فعله جدى عيسى بن موسى وخلع فما ضرّه ذلك، فصاح به ذو الرئاستين: فقال اسكت فإنّ جدّك كان أسيرا بين أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته، ثم قاموا «4» فخلى ذو الرئاستين بالعباس بن
(22/170)

موسى، واستماله ووعده إمرة الموسم ومواضع، فأجاب إلى بيعة المأمون وسماه بالإمام، وكان يكتب إليهم بالأخبار من بغداد، ورجع الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون، وبعث المأمون ثقة من عنده إلى الحدّ، يمنع من الدخول إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، وضبط الطرق بثقاة أصحابه.
قال: وألحّ الفضل بن الربيع فى قطع خطبة المأمون، وأغرى الأمين بحربه، فأجابه إلى ذلك وبايع لولده موسى، وجعله فى حجر على بن عيسى بن ماهان، وجعل على شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله على بن صالح صاحب المصلى، وأسقط خطبة المأمون فى سنة خمس وتسعين ومائة، وبايع لولده موسى فى صفر وقيل فى ربيع الأول، وأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد ببيعة الأمين والمأمون، فمزّقهما الفضل بن الربيع.
ذكر محاربة على بن عيسى بن ماهان وطاهر
قال: ثم أمر الأمين على بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون، وكان سبب مسيره دون غيره أنّ ذا الرئاستين كان له عين عند الفضل بن الربيع، يرجع الفضل إلى قوله ورأيه، فكتب ذو الرئاستين إلى ذلك الرجل أن يشير بانفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصده أن ابن ماهان- لمّا ولى خراسان أيام الرشيد أساء السيرة فى أهلها فظلمهم «1» - فبغضه أهل خراسان، فأراد ذو الرئاستين أن يزداد أهل خراسان جدا فى قتال الأمين وأصحابه بسببه، فأشار ذلك الرجل بابن ماهان فأمره الأمين بالمسير؛ وقيل كان سببه أنّ عليّا قال للأمين: إنّ أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنّه «2» إن
(22/171)

قصدهم أطاعوه وانقادوا له، وإن كان غيره فلا، فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقمّ وأصفهان وغير ذلك- حربها وخراجها، وأعطاه الأموال وحكّمه فى الخزائن، وجهّز معه خمسين ألف فارس، وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلى «1» وهلال بن عبد الله الحضرمى بالانضمام إليه، وأمدّه بالأموال والرجال شيئا بعد شىء، وخرج فى شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، وركب الأمين يشيّعه ومعه القوّاد والجنود، وأوصاه إن قاتله المأمون يحرص على أسره.
قال: وكان المأمون- لمّا بلغه ما فعله الأمين من خلعه وتمزيق كتب البيعة- أرسل طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد «2» الخزاعى أميرا، وضمّ إليه جماعة من قوّاده وأجناده، فسار مجدا نحو الرى فنزلها ووضع المسالح والمراصد. قال: وسار ابن ماهان فلقيته القوافل عند جلولاء، فسألهم فقالوا إن طاهرا مقيم بالرى، يعرض أصحابه والأمداد تأتيه من خراسان، فجعل يسير وهو لا يعبأ بطاهر ويستقله ولا يستعد له، فقيل له فى ذلك فقال: مثل طاهر لا يستعدّ له، وإنّ حاله تؤول إلى أمرين: إما أن يتحصّن بالرى فيسلمه أهلها، وإما أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه؛ قال: فلما دنا من الرى خرج طاهر منها، فى أقل من أربعة آلاف فارس وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام وكان على شرطته فقال له: إن أتانا على بن عيسى؟ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين فأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه. فقال طاهر: لم يأتنى فى ذلك
(22/172)

شىء، فقال: دعنى وما أريد، فقال: افعل، فصعد المنبر فخلع الأمين ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا وأقبل ابن ماهان وقد عبّأ أصحابه، وعبّأ عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وقدّمها راية راية وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرّضهم ويوصيهم، وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علىّ، فجلد بعضهم وأهان الباقين، فكان ذلك مما ألب من بقى على قتاله، وزحف الناس بعضهم لبعض، فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكّر على بن عيسى البيعة التى أخذها علينا هو للمأمون؟ قال: أفعل- فأخذ البيعة وعلّقها على رمح، وقام بين الصفين وطلب الأمان، فأمّنه علىّ بن عيسى، فقال له: ألا تتقى الله!! أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتها أنت خاصة علينا؟؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك! فقال علىّ: من أتانى به فله ألف درهم، فسنمه أصحاب أحمد ثم وثب أهل الرى وأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه:
اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم، فإنّه لا ينجيكم إلا الجد والصدق، ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميسرة طاهر هزيمة منكرة، وزالت ميمنته عن موضعها، فقال طاهر: اجعلوا جدّكم وبأسكم على القلب، واحملوا حملة خارجية، فحملوا على أول رايات القلب فهزموها، فرجعت الرايات بعضها على بعض وانتهت الهزيمة إلى علىّ، فجعل ينادى أصحابه:
الكرّة بعد الفرّة، فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى طاهر، وحملت جثّته إليه فألقى فى بئر، وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى، وتمت الهزيمة ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف، وتبعوهم فرسخين وواقفوهم فيها اثنتى عشرة مرّة، كل مرّة يكسر عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال بينهم الليل، وغنموا غنيمة عظيمة، ونادى أصحاب طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن،
(22/173)

فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم، ورجع طاهر إلى الرى، وكتب إلى المأمون.
بسم الله الرحمن الرحيم كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس على بن عيسى بين يدى، وخاتمه فى أصبعى، وجنده ينصرفون تحت أمرى. والسلام.
وكتب إلى ذى الرئاستين فورد الكتاب مع البريد فى ثلاثة أيام، وبينهما نحو من خمسين ومائتى فرسخ، فدخل ذو الرئاستين على المأمون وهنّأه بالفتح وأمر الناس فدخلوا عليه وسلّموا بالخلافة، ثم وصل رأس علىّ بعد الكتاب بيومين، فطيف به فى خراسان. ولما وصل الكتاب كان المأمون قد جهّز هرثمة فى جيش كبير نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح.
قال: وأما الأمين فإنّه أتاه نعى على بن عيسى- وهو يصطاد السمك، فقال الذى أتاه بالخبر: دعنى «1» فإنّ كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا، ثم بعث الفضل إلى نوفل الخادم- وهو وكيل المأمون على ملكه بالسواد- وكان للمأمون معه ألف ألف درهم- فأخذها منه وقبض ضياعه وغلاته، وندم الأمين على ما كان منه ومشى القوّاد بعضهم إلى بعض فى النصف من شوال سنة خمس وتسعين واتفقوا على طلب الأرزاق ففرّق فيهم مالا كثيرا.
ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة إلى طاهر وقتله واستيلاء طاهر على أعمال الجبل
قال: ولما اتصل بالأمين قتل على بن عيسى وهزيمة عسكره وجّه عبد
(22/174)

الرحمن بن جبلة الأنبارى فى عشرين ألف رجل، نحو همذان واستعمله عليها وعلى كل ما يفتحه من ارض خراسان، فسار حتى نزل همذان فحصّنها ورمّ سورها، وأتاه طاهر إليها فخرج إليه عبد الرحمن، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عبد الرحمن، ودخل همذان فأقام بها أياما حتى قوى أصحابه واندملت جراحاتهم، ثم خرج إلى طاهر واقتتلوا وصبر الفريقان، وكثر القتل فى أصحاب ابن جبلة وقتل صاحب علمه، فانهزم أصحابه وقتلهم أصحاب طاهر إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصرا لها، فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه فأمّنه، فخرج عن همذان واستولى طاهر على قزوين وعلى سائر أعمال الجبل. قال: ولما خرج عبد الرحمن بأمان طاهر أقام مسالما لطاهر، ثم ركب فى أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه وهم «1» آمنون، فثبت له رجّالة «2» طاهر، وقاتلوه حتى أخذ؟؟؟ ت الخيّالة أهبتها، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، حتى تكسرت الرماح وتقطّعت السيوف، فانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقى فى نفر من أصحابه فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب، فقال: لا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزما أبدا، ولم يزل يقاتل حتى قتل، وانتهى من انهزم من أصحابه إلى عبد الله واحمد ابنى الحرشى، وكانا فى جيش عظيم بقصر اللصوص قد سيّرهما الأمين معونة لعبد الرحمن فانهزما فى جندهما من غير قتال حتى دخلوا بغداد»
، وخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها بلدة بلدة وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من كور حلوان فخندق بها، وحصّن عسكره وجمع أصحابه.
(22/175)

ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال
قال: وفى سنة ست وتسعين ومائة بعث الأمين أحمد بن مزيد وأمر الفضل أن يمكّنه من العسكر يأخذ منهم من أراد، وأمره بالجدّ فى السير ودفع طاهر وحربه، فاختار من العسكر عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله ابن حميد بن قحطية فى عشرين ألفا وسار بهم إلى حلوان، فلم يزل طاهر يحتال فى وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا، ورجعوا من غير قتال، وتقدم طاهر فنزل حلوان، فلما نزلها لم يلبث إلا يسيرا حتى اتاه هرثمة، فى جيش من قبل المأمون ومعه كتاب إلى طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة، ويتوجّه إلى الأهواز ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان وحصّنها وسار طاهر إلى الأهواز.
وفى هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين. ورفع منزلة الفضل بن سهل، وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التّبت «1» طولا، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وجعل له عمالة ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذى شعبتين، ولقّبه ذا الرئاستين- رئاسة الحرب والقلم- وحمل اللواء على بن هشام وحمل القلم نعيم بن حازم.
وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج، وذلك بعد قتل على بن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة.
قال: وأما طاهر فإنّه استولى على الأهواز، ثم سار منها إلى واسط وبها السّندى بن يحيى والهيثم بن شعبة، فهربا عنها واستولى طاهر عليها، ووجّه قائدا من قوّاده إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادى، فلما بلغه
(22/176)

الخبر خلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى المأمون، وغلب طاهر على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهدى- وكان عاملا للأمين على البصرة- إلى طاهر ببيعته وطاعته، وأتته بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل، وكان ذلك كله فى شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، فأقرّهم طاهر على أعمالهم. قال: ثم سار طاهر إلى المدائن وبها جيش كبير للأمين. عليهم البرمكى وقد تحصّن بها والمدد يأتيه كل يوم والخلع والصلات. فلما سمع البرمكى بمقدم طاهر وجّه قريش بن شبل والحسن «1» ابن على المأمونى، فلما سمع أصحاب البرمكى طبول طاهر سرجوا الخيل ورجعوا، وأخذ البرمكى فى التعبئة فكان كلّما سوّى صفا اضطرب صف «2» وانتقض، فانضم أوّلهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنّا نعوذ بك من الخذلان، ثم قال لصاحب ساقته: خلّ سبيل الناس فلا خبر عندهم، فركب بعضهم بعضا نحو بغداد. فنزل طاهر المدائن واستولى على تلك النواحى، ثم سار «3» إلى صرصر فعقد بها جسرا.
ذكر خلع الأمين ببغداد والبيعة للمأمون وعودة الأمين
قد قدّمنا إرسال الأمين عبد الملك بن صالح إلى الشام، واستعماله عليها ووفاته بالرقة، وكان معه الحسين بن على بن عيسى بن ماهان، فلما مات عبد الملك أقبل الحسين بالجند إلى بغداد، فلما قدم لقيه القوّاد وأهل بغداد وعملت له القباب ودخل منزله، فلما كان فى جوف الليل استدعاه الأمين. فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضاحك، ولا وليت له
(22/177)

عملا ولا مالا ولأى شىء يريدنى فى هذه الساعة؟! انصرف، وإذا أصبحت غدوت عليه إن شاء الله تعالى، فلما أصبح وافى الحسين باب الجسر واجتمع إليه الناس، فحرّضهم على الأمين وتنقّصه ودعاهم إلى خلعه، ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا وصاروا إلى سكة باب خراسان، وأسرعت خيول الأمين إلى الحسين «1» فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الأمين، فخلع الحسين الأمين فى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الإثنين، فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس ابن موسى بن عيسى بالأمين، وأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمّه أيضا معه فجعلها مع ابنها، فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق، وماجوا بعضهم فى بعض، وقام محمد بن أبى خالد «2» وأسد الحربى وغيرهما فقاتلوا الحسين وأسروه، ودخل أسد على الأمين فكسر قيوده وأعاده الى الخلافة، وحمل اليه الحسين أسيرا فلامه فاعتذر إليه، فأطلقه وأمره بجمع الجند ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع عليه وولّاه ما وراء بابه وأمره بالمسير إلى حلوان. فوقف الحسين بباب الجسر والناس يهنئونه. فلما خفوا عنه قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين فى الجند بطلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فقاتلهم فعثر به فرسه فسقط عنه، فقتل وحمل رأسه إلى الأمين، وقيل إن الأمين كان استوزره وسلّم إليه خاتمه فلما قتل جدد الجند البيعة للأمين، واختفى الفضل بن الربيع.
ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة
وفى هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على الأمين- وهو عامله على مكة والمدينة وبايع للمأمون، وسبب ذلك أنّه لما
(22/178)

بلغه ما فعل طاهر، وكان الأمين قد بعث إلى داود وأخذ الكتابين من الكعبة كما تقدّم فجمع داود وجوه الناس ومن كان شهد فى الكتابين، وقال: قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد عند البيت «1» الحرام لابنيه، لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المغدور منهما على الغادر، وقد رأينا ورأيتم «2» أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والنكث على أخويه المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصيا لله وبايع لابنه طفل صغير رضيع، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما، وقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون، إذ كان مظلوما مبغيا عليه، فأجابوه إلى ذلك، فنادى فى شعاب مكة فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان- وهو عامله على المدينة- أن يفعل مثل ما فعل، فخلع وبايع للمأمون وكانت هذه البيعة فى شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، وسار داود من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس وإلى كرمان حتى صار الى المأمون بمرو فأخبره، فسرّ المأمون وتيمّن ببركة مكة والمدينة، واستعمل داود عليهما وأعطاه خمسمائة ألف درهم، وبعث معه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد فأكرمهما «3» ، ووجّه معهما يزيد بن جرير بن يزيد «4» بن خالد بن عبد الله القسرى واستعمله على اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة فقدمها، ودعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، فأجابوه وخلعوا وبايعوا للمأمون «5» ، فكتب بذلك إلى طاهر والمأمون.
(22/179)

ذكر تجهيز الأمين الجيوش وما كان من أمرهم
وفى سنة ست وتسعين ومائة عقد محمد الأمين- فى رجب وشعبان أربعمائة لواء لقوّاد شتى، وأمّر عليهم على بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا إليه فالتقوا بنواحى النّهروان فى شهر رمضان، فأسر على بن محمد فسيّره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل النّهروان.
ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين
قد قدّمنا نزول طاهر بصرصر عند استيلائه على المدائن، فأقام بها مشمرا فى محاربة الأمين، لا يأتيه جيش إلا هزمه، فبذل الأمين الأموال فسار إليه من أصحاب طاهر خمسة آلاف، فسرّبهم ووعدهم ومنّاهم وفرّق فيهم مالا عظيما، وغلّف لحاهم بالغالية فسمّوا قواد الغالية، وفرّق الأمين الجواسيس فى أصحاب طاهر، ودسّ إلى رؤساء الجند وأطمعهم ورغبهم، فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين، وانضموا إلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصر، فعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وحرّضهم ووعدهم ومناهم وتقدّم بهم، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب الأمين وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من سلاح ودواب وغير ذلك، فبلغ ذلك الأمين فأخرج الأموال وفرّقها، وجمع أهل الأرباض وقوّد منهم جماعة وفرق فيهم الأموال، وقواهم بالسلاح وأعطى كل قائد قارورة غالية، ولم يعط الأجناد الذين معهم شيئا، فراسلهم طاهر ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على الأمين فى ذى الحجة، فأشار أصحابه عليه باستمالتهم والإحسان إليهم فلم يفعل، وأمر بقتالهم فقاتلهم جماعة من الأجناد، وراسلهم طاهر وراسلوه وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة وأعطاهم الأموال، ثم تقدم إلى باب الأنبار فى ذى الحجة، ونقب أهل السجون وخرجوا منها.
(22/180)

ذكر حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها
فى سنة سبع وتسعين ومائة حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيّب الأمين ببغداد، وتفرّقوا عليها ونصبوا عليها المجانيق والعرّادات، وحفروا حول عساكرهم الخنادق، وسوّر هرثمة حول خندقه سورا، وكان الأمين قد أنفذ ما فى خزائنه من الأموال، فأمر ببيع ما فى الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير «1» ودراهم ليفرّقها فى أصحابه. قال:
واستأمن إلى طاهر- سعيد بن مالك بن قادم، فولّاه الأسواق وشاطئ دجلة وما اتصل به، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وأمدّه بالأموال والرجال، وقبض طاهر ضياع من لم يخرج إليه من بنى هاشم والقوّاد وغيرهم، وأخذ أموالهم فذلّوا وانكسروا، وضعف أجناد الأمين عن القتال وطاهر لا يفترّ عن قتالهم، فاستأمن محمد بن عيسى صاحب شرط الأمين وعلى فراهمرد، ثم كاتب طاهر جماعة القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن قبض ضياعهم، فأجابوه إلى البيعة للمأمون، فكان ممن أجابه عبد الله بن حميد بن قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن على بن ماهان، ومحمد بن أبى العباس «2» الطائى وغيرهم، هذا والأمين مقبل على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش، ثم منع طاهر الأقوات أن تصل إلى بغداد فغلت الأسعار، ودام الحصار والقتال على بغداد إلى سنة ثمان وتسعين ومائة، حتى ضجر الناس وملّوا القتال، فلحق خزيمة بن خازم بطاهر وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى الجانب الشرقى لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين فى ليلة الأربعاء، فلما كان الغد تقدّم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالا شديدا، فهزم الناس ومرّوا لا يلوون
(22/181)

على شىء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه فنادى: من لزم بيته فهو آمن، وقصد مدينة المنصور وأحاط بها، وبقصر زبيدة وقصر الخلد- من باب الجسر الى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب الفرات، وشاطئ الفرات إلى مصبّها فى دجلة، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، فنصب طاهر المجانيق بإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد، وأخذ الأمين أمّه وأولاده إلى مدينة المنصور، وتفرّق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه فى الطريق، لا يلوى بعضهم على بعض، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب.
ذكر مقتل الأمين
قال: لما دخل الأمين مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها، جاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقى وغيرهما، فقالوا للأمين: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد تفرّق عنك الناس، وقد بقى معك من خيلك سبعة «1» آلاف فرس من خيارها، ونرى أن تختار ممن عرفناه بمحبّتك من الأبناء سبعة «2» آلاف، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا، على باب من هذه الأبواب فلا يثبت لنا أحد إن شاء الله تعالى، فنلحق بالجزيرة والشام فنفرض الفروض ونجبى الخراج، ونصير فى مملكة واسعة وملك جديد، فتسارع إليك الناس ويحدث الله أمورا، فصوّب رأيهم ووافقهم عليه، فنما الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان ابن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسّندى بن شاهك، وأقسم لئن لم تردوه عن هذا الرأى لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لى همة إلا أنفسكم، فدخلوا على الأمين فقالوا: قد بلغنا الذى عزمت عليه، ونحن نذكّرك الله فى نفسك، إن هؤلاء صعاليك وقد بلغ بهم الحصار إلى ما
(22/182)

ترى، وهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك وعند طاهر لجدهم فى الحرب، ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن تؤخذ أسيرا، أو يأخذوا رأسك فيتقرّبوا بك ويجعلوك سبب أمانهم، وصرفوه عن ذلك فرجع إليهم، وأجاب الى طلب الأمان والخروج، وقالوا له: إنّه لا بأس عليك من أخيك، وأنّه يجعلك حيث أحببت فركن إلى ذلك، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين، فدخل عليه الذين أشاروا عليه بقصد الشام وقالوا له: إذا لم تقبل ما أشرنا به عليك- وهو الصواب- وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة، فقال: أنا أكره طاهرا، وهرثمة مولانا وهو بمنزلة الوالد، وأرسل إلى هرثمة فى طلب الأمان، فأجابه إليه وحلف له أنّه يقاتل دونه- إن همّ المأمون بقتله، فلما علم طاهر ذلك اشتد عليه، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال: هو فى حربى «1» والجانب الذى أنا فيه، وأنا ألجأته بالحصار إلى طلب الأمان، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون الفتح له دونى، فاجتمع القوّاد أصحاب الأمين بطاهر وقالوا: إنّه لا يخرج إليك أبدا، وإنّه يخرج إلى هرثمة ببدنه ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة، فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده، فرضى بذلك، فأتى الهرش إلى طاهر وأراد التقرب إليه، فأخبره أنّ الذى جرى بينهم مكر، وأنّ الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فاغتاظ منه وجعل حول قصر الأمين قوما فلما تهيأ الأمين للخروج إلى هرثمة أرسل إليه هرثمة، يقول:
وافيت للميعاد لاحملك، ولكنّى أرى ألا تخرج هذه الليلة، فإنّى قد رأيت على الشط ما قد رابنى، وأخاف أن أغلب وتؤخذ من يدى، وتذهب نفسك ونفسى، فأقم الليلة حتى أستعد وآتيك الليلة القابلة، فإن حوربت حاربت دونك؛ فقال للرسول: ارجع إليه فقل له لا تبرح، فإنّى خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد، وقلق، وقال «2» : قد تفرّق
(22/183)

عنّى الناس من الموالى والحرس وغيرهم، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علىّ ويأخذنى، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة الأحد، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، إلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدعا بابنيه فضمّهما إليه وقبّلهما وبكى، وقال: استودعكما الله، ثم جاء راكبا إلى الشط فإذا حرّاقة هرثمة فصعد إليها، فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال: كنت مع هرثمة فى الحرّاقة، فلما دخلها الأمين قمت له، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به، ثم احتضنه هرثمة وضمّه وجعله فى حجره وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه، وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع، فشدّ علينا أصحاب طاهر فى الزوارق ونقبوا الحرّاقة، ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحرّاقة، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا، فتعلّق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه، وأما الأمين فإنّه شق ثيابه لما سقط فى الماء، قال أحمد بن سلام: وخرجت أنا إلى الشط فأخذنى رجل من أصحاب طاهر، فأتى بى إلى رجل آخر من أصحابه، وأعلمه أنّى من الذين خرجوا من الحرّاقة، فسألنى: من أنا؟ فقلت: أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت، فاصدقنى، قلت: قد صدقتك، قال ما فعل المخلوع، قلت: رأيته قد شق ثيابه فركب، وأخذنى معه أعدو وفى عنقى حيل فعجزت عن العدو، فأمر بضرب عنقى فاشتريت نفسى منه بعشرة آلاف درهم، فتركنى فى بيت حتى يقبض المال، وفى البيت بوارى وحصر مدرجة ووسادتان، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فلما رأيته استرجعت وبكيت فى نفسى، فسألنى عن اسمى فعرّفته، فقال:
ضمّنى إليك فإنى أجد وحشة شديدة، قال: فضممته وإذا قلبه يحفق، فقال: يا أحمد- ما فعل أخى. قلت: حىّ، قال: قبّح الله بريدهم!! كان يقول قد مات- شبه المعتذر من محاربته، فقلت: بل قبّح الله
(22/184)

وزراءك، فقال: ما تراهم يصنعون بى؟ أيقتلوننى أم يفون بأيمانهم؟ فقلت:
يفون لك، وجعل بضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطّنة «1» كانت علىّ وقلت: ألق هذه عليك، فقال: دعنى فهذا من الله عز وجلّ، فى هذا الموضع خير كثير، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل، فنظر فى وجوهنا فاستثبته «2» ، فلما عرفه انصرف- وإذا هو محمد بن حميد الطاهرى، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول، فلما انتصف الليل فتح الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم قام قائما وجعل يسترجع ويقول:
ذهبت- والله- نفسى فى سبيل الله، أما من مغيث!! أما من من أحد من الأبناء!! وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذى نحن فيه، وجعل بعضهم يقدّم بعضا ويدفعه، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول: ويحكم!! أنا ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- أنا ابن هارون- أنا أخو المأمون- الله الله فى دمى! فضربه رجل منهم بسيف وقعت فى مقدّم رأسه، فضربه الأمين على وجهة بالوسادة، وأراد أن يأخذ السيف فصاح: قتلنى، قتلنى فدخل جماعة منهم فنخسه واحد بالسيف فى خاصرته، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر، فلما كان السحر أخذوا جثّته فأدرجوها فى جلّ وحملوها، فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد- وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد، ولما قتل بدم جند طاهر وجند بغداد على قتله، لما كانوا يأخذون من الأموال، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن «3» بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ ذو الرئاستين الرأس وأدخله إلى المأمون على ترس، فلما رآه المأمون سجد، وبعث طاهر معه بالبردة والقضيب والخاتم ولما قتل
(22/185)

الأمين نودى فى الناس كلهم بالأمان، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلّى بالناس.
وحكى عن إبراهيم بن المهدى قال «1» : كنت مع الأمين لما حصره طاهر، فخرج ليلة يريد الفرجة لما هو فيه من الضيق، فصار إلى قصر بناحية الخلد، ثم أرسل إلىّ فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر فى السماء وضوء فى الماء- وكان على شاطئ دجلة- فهل لك فى الشرب؟ فقلت: شأنك، فشرب رطلا وسقانى آخر، ثم غنّيته ما كنت أعلم أنه يحبّه، ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيّرت من اسمها، فقال لها غنّى فغنّت شعر الجعدى:
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر حزما منك ضرح بالدم
فتطيّر من ذلك وقال: غنى غير هذا، فغنّت:
أبكى فراقهم عينى فأرقّها ... إن التفرّق للأحباب بكّاء
ما زال يغدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
فسبّها، وقال: أما تعرفين من الغناء غير هذا، ثم غنّته:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
الأبيات الأربعة، فغضب ولعنها فقامت، وكان له قدح من بللّور حسن الصنعة، فعثرت به فكسرته، فقال لى: ويحك يا إبراهيم! ما ترى إلى ما جاءت به هذه الجارية!! والله ما أظن أمرى إلا قد قرب، فقلت:
يديم الله ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوّك، فما استتمّ الكلام حتى سمعنا صوتا قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ «2»
، فقال يا إبراهيم: أما سمعت ما سمعت!! قلت ما سمعت شيئا، فقتل بعد ليلة أو ليلتين.
(22/186)

ذكر صفة الأمين وعمره ومدة خلافته وشىء من أخباره
كان الأمين طويلا أبيض سمينا جميلا صغير العينين أقنى عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين؛ وكان عمرة ثمانيا وعشرين سنة وشهورا؛ ومدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقيل سبعة أشهر وثمانية عشر يوما؛ وكان له من الأولاد موسى، وعبد الله، وإبراهيم.
ونقش خاتمه: محمد واثق بالله؛ وزراؤه: الفضل بن الرّبيع إلى أن هرب بعد فساد حال الأمين، فوزر له إبراهيم بن صبيح وغيره؛ حاجبه:
العباس بن الفضل بن الربيع؛ قضاته: وهب بن وهب، ومحمد بن سماعة؛ الأمراء بمصر الحسن بن البحباح «1» ثم حاتم بن هرثمة بن أعين ثم جابر بن الأشعث؛ قاضيها «2» هاشم بن أبى بكر بن عبد الرحمن من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
قال: وكان الأمين ضعيف الرأى شديد القوى، حكى «3» عنه أنّه أحضر إليه أسد فى قفص حديد، فأمر بفتح القفص فوثب الأسد، فتفرق الغلمان، وانفرد بالأمين فوثب الأسد عليه، فعمد إلى مرفقة «4» تلقّاه «5» بها لحمايته، ثم قبض على أصل أذنيه وهزّه فسقط الأسد ميتا، وزاغت أكتاف «6» الأمين فأحضر الأطباء، فأعادوها إلى مكانها، وانفقأت مرارة الأسد فى جوفه «7» ، وقيل بل حاد عن الأسد حتى تجاوزه، ثم قبض على
(22/187)

ذنبه وجذبه جذبة أقعى لها الأسد، وانقطع ظهره فمات، وزاغت أنامل الأمين عن منابتها.
قال: ولما استقرت للأمين استكثر من الخصيان وغالى فى ثمنهم، وصّيرهم لخلوته فى ليله ونهاره- وسمّى البيض منهم الجراديّة والحبشان والغرابية حتى رمى بهم، وقيل فيه الأشعار، وأخضر الملهين «1» من جميع البلدان وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن الناس.
ذكر خلافة المأمون
هو أبو العباس- وقيل أبو جعفر- عبد الله بن هارون الرشيد، وأمه مراجل أم ولد، بويع له البيعة العامة ضبيحة الليلة التى قتل فيها الأمين، وهو يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان هو بمرو.
وهو السابع من خلفاء بنى العباس وقد تقدم من أخباره وأخبار عساكره، والبيعة له بمكة والمدينة وخراسان وغيرها من الأمصار، مالا يحتاج إلى إعادته، إلا أنّ تلك المدة لا تعد خلافة مع بقاء الأمين.
قال: ولما وصل رأسة إلى المأمون- كما ذكرنا- أذن للقوّاد، وقرأ ذو الرئاستين الفضل بن سهل الكتاب عليهم فهنّأوه بالظفر، وكتب إلى طاهر وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن من ولاية العهد فخلعاه فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائة، وعامل المأمون أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر- أم الأمين- بالإكرام والبر والتلطف، ورتب لها فى كل سنة مائة «2» ألف درهم جددا، يحملها إليها ويتعاهد زيارتها.
حكى»
أبو الفرج الأصفهانى أن المأمون أغفل حمل المال إليها فى
(22/188)

بعض السنين، فتقدمت إلى أبى العتاهية أن يعمل أبياتا تذكره بها فقال:
زعموا «1» لى أنّ فى ضرب السنه ... جددا بيضا وصفرا حسنه
سككا قد أحدثت لم أرها ... مثلما كنت أرى كل سنه
فلما قرأ المأمون الشعر قال: إنا لله- أغفلناها وتقدم يحمل ذلك إليها؛ قال: قال مخارق: ظهر لأم جعفر من المأمون جفاء، فبعث إلى بأبيات أمرتنى أن أغنيه بها إذا رأيته نشيطا وأسنت لى الجائزة وكان كاتبها جعفر بن الفضل، قال الأبيات هى:
ألا إنّ صرف «2» الدهر يدنى ويبعد ... ويؤنس بالألّاف طورا ويفقد
أصابت لريب الدهر منّى يدى يدى ... فسّلمت للأقدار والله أحمد
وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد الله لى يد
إذا بقى المأمون لى فالرشيد لى ... ولى جعفر لم يفقدا ومحمد
قال مخارق: ففعلت، فسألنى المأمون عن الخبر فعرفته فبكى، ورق لها وقام لوقته فدخل عليها، فقبل رأسها وقبلت يده، وقال لها: يا أمّه، ما جفوتك تعمدا ولكنى شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يأمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشنى «3» ، وأتم عندها بقية يومه. نعود إلى سياق أخبار المأمون على حكم التوالى.
ذكر وثوب الجند بطاهر
قال: ووثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام، وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالا، فلم يكن معه شىء فثاروا به، فظن أن ذلك
(22/189)

بمواطأة الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه فخشى على نفسه وهرب إلى عقرقوف «1» ، ونهبوا بعض متاعه، وخرج معهم جماعة من القواد، ثم خرج إليه القواد الذين تخلّفوا وأعيان أهل المدينة، واعتذروا إليه وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم، فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله عز وجل لئن عدتم لمثلها لأعودنّ إلى رأيى فيكم، ثم شكرهم وأمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ووضعت الحرب أوزارها واستوثق الأمر للمأمون.
ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلى على المأمون
فى هذه السنة أظهر نصر الخلاف على المأمون، وكان يسكن كيسوم ناحية شمالى حلب، وكان فى عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى، فلما قتل الأمين أظهر الغضب وتغلّب على ما جاوره من البلاد وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقى وحدثته نفسه بالتغلب عليه، وكثرت جموعه وحصر حرّان فى سنة تسع وتسعين ومائة، فأتاة نفر من شيعة الطالبيين فقالوا: قد وترت بنى العباس وقتلت رجالهم وأغلقت عنهم المغرب «2» ، فلو تابعت لخليفة كان أقوى، فقال: من أى الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل على بن أبى طالب، فقال: أبايع أولاد السوداوات!! فقالوا: بايع لبعض بنى أمية، فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدا، وإنما هواى فى بنى العباسى: وإنما حاربتهم محاماة للعرب لأنّهم يقدمون عليهم العجم.
قال: ودام أمره إلى سنة تسع ومائتين، حاصره عبد الله بن طاهر
(22/190)

بحصن كيسوم مدة، ثم خرج إليه بالأمان فبعثه إلى المأمون، فوصل إليه فى صفر سنة عشر ومائتين، وهدم عبد الله حصن كيسوم.
ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد
وفى هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما كان؟؟؟ افتتحه طاهر، من كور الجبل والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه على بن أبى «1» سعيد فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه حتى وفّى الجند أرزاقهم، وسلّم إليه العمل، وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ففرق العمال، وأمر طاهرا أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث، وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى نصر والتقوا بنواحى كيسوم، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه لشبث، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة، وكان قصارى أمره حفظ تلك النواحى من نصر.
وحج بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى.
ودخلت سنة تسع وتسعين ومائة
ذكر ظهور ابن طباطبا العلوى ووفاته وخبر أبى السرايا
فى هذه السنة ظهر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب- وهو المعروف بابن طباطبا- بالكوفة، لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم والعمل بالكتاب والسنة، وكان القيّم بأمره فى الحرب أبو السّرايا السّرى بن منصور الشيبانى، وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهرا ووجّه
(22/191)

الحسن بن سهل إلى الأعمال التى ذكرناها تحدث الناس بالعراق، أن الفضل ابن سهل قد غلب على المأمون، وأنّه أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وأولاده وقوّاده، وأنه يستبد بالأمور دونه، فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس، واجترءا على الحسن بن سهل وهاجت الفتن فى الأمصار، فكان أوّل من ظهر ابن طباطبا بالكوفة، وكان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبى السرايا أن أبا السرايا كان يكرى الحمير ثم قوى أمره فجمع نفرا فقتل رجلا من بنى تميم بالجزيرة وأخذ ما معه، فطلب فاختفى وعبر الفرات إلى الجانب الشرقى، فكان يقطع الطريق بتلك الناحية، ثم لحق بأسد «1» بن زيد بن مزيد الشيبانى بأرمينية ومعه ثلاثون فارسا، فقوّده فجعل يقاتل معه الخرميّة فأثر فيهم، وقتل وأخذ منهم غلامه أبا الشوك، فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبو السرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجّه أحمد طليعة إلى عسكر هرثمة فى فتنة الأمين، واشتهرت شجاعته فراسله هرثمة واستماله فمال إليه، وانتقل إلى عسكره وقصد العرب بالجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة، فصار معه نحو ألفى فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير، فلما قتل الأمين قصّر «2» هرثمة فى أرزاقه وأرزاق من معه، فاستأذنه فى الحج فأذن له وأعطاه عشرين الف درهم، ففرّقها فى أصحابه ومضى وقال لهم: اتبعونى متفرقين، ففعلوا واجتمع معه منهم نحو مائتى فارس، فسار بهم إلى عين التمر وحصر عاملها، وأخذ ما عنده من المال فقسمه فى أصحابة، وسار فلقى عاملا آخر ومعه مال على ثلاثة بغال فأخذها، وسار فلحقه عسكر بعثه هرثمة خلفه فقاتلهم وهزمهم، ودخل البرّية وقسم المال فى أصحابه وانتشر خبره فلحق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم وكثر جمعه فسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة
(22/192)

العجلى فى سبعمائة فارس، فخرج إليه واقتتلوا فهزمه أبو السرايا وحصره بقصر دقوقا وأخرجه بأمان، وأخذ ما عنده من الأموال وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم السّروى «1» مولى المنصور فقتله وأخذ ما فيها وسار، ثم عاد إليها عند إدراك الغلال فاحتوى عليها، ثم ضجر من طول السرى فى البلاد فقصد الرقة، فمرّ بطوق بن مالك التّغلبى وهو يقاتل القيسيّة، فأعانه وقاتل معه أربعة أشهر حتى ظفر طوق، ثم سار عنه إلى الرقة، فلما وصلها لقيه ابن طباطبا فبايعه، وقال له: انحدر أنت فى الماء وأسير أنا على البرّ حتى نوافى الكوفة فدخلاها، وأبتدأ أبو السرايا بقصر العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ ما فيه من الأموال والجواهر- وكان عظيما لا يحصى كثرة، فبايعهم أهل الكوفة واستوثق أمرهما بها، وأتاه الناس من نواحى الكوفة والأعراب فبايعوه- أعنى ابن طباطبا، وكان العامل عليها للحسن بن سهل- سليمان بن المنصور، فلامه الحسن ووجّه زهير بن المسيّب الضبى إلى الكوفة فى عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه، واستباحوا عسكره وكانت الوقعة فى سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد مستهل رجب مات محمد بن إبراهيم ابن طباطبا فجأة سمّه أبو السرايا، وكان سبب ذلك أنه لما غنم ما فى عسكر زهير منع عنه أبا السرايا، وكان الناس له سامعين مطيعين، فعلم أبو السرايا أنّه لا حكم له معه، فسّمه ونصب مكانه غلاما أمرد، يقال له محمد بن محمد بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب وصار الحكم لأبى السرايا، ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة ووجّه الحسن بن سهل- عبدوس بن محمد بن
(22/193)

أبى خالد المزوروذى فى أربعة آلاف فارس، فلقيه أبو السرايا لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، فقتل عبدوسا ولم يفلت من أصحابه أحد- كانوا بين قتيل وأسير، وأنتشر الطالبيون فى البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، وسيّر جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها، فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفرى، وولّى مكة الحسين «1» بن الحسن بن على ابن الحسين بن على- الذى يقال له الأفطس- وجعل إليه الموسم، وولّى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر، وولّى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر، وولّى الأهواز زيد «2» بن موسى بن جعفر فسار إليه البصرة، وغلب عليها وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفرى ووليها مع الأهواز، ووجّه أبو السرايا- محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن «3» بن على بن أبى طالب إلى المدائن وأمره أن يأتى بغداد من الجانب الشرقى، فأتى المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن إلى بغداد، فلما رأى الحسن بن سهل أن عسكره لا يثبت لعسكر أبى السرايا أرسل إلى هرثمة يستدعيه، وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن، فحضر إليه بعد امتناع وسار إلى الكوفة فى شعبان، وسيّر الحسن إلى المدائن وواسط على بن أبى سعيد الحرشى، فوجّه أبو السرايا إليها جيشا فدخل جيشه المدائن فى شهر رمضان، وتقدّم هو حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما النهر، وسار على بن أبى سعيد فى شوال إلى المدائن، فقاتل أصحاب أبى السرايا وهزمهم واستولى عليها، فبلغ الخبر أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة،
(22/194)

وسار هرثمة فى طلبه، فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم، ووجّه برءوسهم إلى الحسن، ونازل هرثمة أبا السريا وكانت بينهم وقعة. قتل فيها جماعة من أصحاب أبى السرايا. وانحاز إلى الكوفة ووثب من معه من الطالبيين على دور بنى العباس ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وخرّبوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالا قبيحة، واستخرجوا الودائع التى كانت لهم عند الناس.
ذكر هرب أبى السرايا وقتله
قال: ولما انحاز أبو السرايا إلى الكوفة حاصره بها هرثمة، وقاتله ولازم قتاله فخرج أبو السرايا من الكوفة فى ثمانمائة فارس، ومعه محمد بن محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمّن أهلها ولم يعرض إليهم، وكان هرثمة فى سادس عشر المحرم سنة مائتين فأتى القادسيّة، وسار منها إلى السّوس بخوزستان. فلقى مالا قد حمل من الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه، فأتاه الحسن بن على المأمونى، فأمره بالخروج من عمله وكره قتاله، فأبى أبو السرايا إلا قتاله فقاتله، فهزمه المأمونى وخرج وتفّرق أصحابه، وسار هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبى السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم، وأنتهى بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتل أبا السرايا وبعث رأسه إلى المأمون، ونصب جثته على جسر بغداد، وسيّر محمد بن محمد إلى المأمون. وأما هرثمة فأقام بالكوفة يوما واحدا وعاد منها، واستخلف بها غسّان بن أبى الفرج، وسار على بن أبى سعيد إلى البصرة فأخذها من العلويين، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن
(22/195)

على بن الحسين بن على «1» وهو الذى يسمى زيد النار، وإنما سمى بذلك لما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى برجل من المسودة أحرقه، وأخذ أموالا كثيرة من التجار، فلما وصل علىّ إلى البصرة استأمنه زيد فأمّنه، وبعث إلى مكة والمدينة جيشا وأمرهم بمحاربة من بها من العلويين. وكان بين خروج أبى السرايا وقتله عشرة أشهر. نعود لمساق السنين.
ودخلت سنة مائتين
فى هذه السنة كان ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد وكان بمكة، فلما بلغه خبر أبى السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملا للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزّار لكثرة من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال، ثم وجّه رجلا من ولد عقيل بن أبى طالب فى جند «2» ليحج بالناس، فسار العقيلى حتى أتى بستان ابن عامر، فلبغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حجّ فى جماعة من القواد، وفيهم حمدويه بن على بن عيسى بن ماهان- وكان الحسن بن سهل قد استعمله على اليمن، فعلم العقيلى أنّه لا يقوى «3» لهم فأقام ببستان ابن عامر، فاجتازت قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذوا أموال التجار والكسوة والطيب. وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين، فاستشار المعتصم أصحابه فقال الجلودى: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل وسار بهم إلى العقيلى، وقاتلهم فانهزم
(22/196)

أصحاب العقيلى وأسر أكثرهم، وأخذوا كسوة الكعبة وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب، وضرب الأسرى كل واحد عشرة أسواط وأطلقهم.
فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم فى الطريق.
ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة ومبايعة محمد بن جعفر وما كان من أمره وخلعه لنفسه
قد ذكرنا أن أبا السرايا كان قد بعث الحسين بن الحسن الأفطس إلى مكة فى سنة تسع وتسعين ومائة لما ظهر أمره، فدخل مكة فلما كان فى المحرم من هذه السنة نزع الحسين كسوة الكعبة. وكساها كسوة أخرى كان قد أنفذها أبو السرايا من الكوفة من القز. قال: وتتبع الحسين ودائع بنى العباس وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب- وهو نزر حقير. وأخذ ما فى خزانة الكعبة فقسمه مع كسوتها فى أصحابه. فلما بلغه قتل أبى السرايا.
ورأى تغيّر الناس عليه لسوء سيرته وسيرة أصحابة. فأتى هو وأصحابة إلى محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على، وكان شيخا محبّبا فى الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة. وكان يروى والعلم عن أبيه ويكتبه الناس عنه ويظهر الزهد. فلما أتوه قالوا: تعلم منزلتك من الناس فهلم نبايعك بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان، فامتنع من ذلك فلم يزل به ابنه علىّ وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على رأيه.
فأجابهم فأقاموه فى شهر ربيع الأول وبايعوه بالخلافة. وجمعوا له الناس فبايعوه طوعا وكرها ونعتوه بأمير المؤمنين. فبقى شهورا وليس له من الأمر شىء. وابنه علىّ وحسين بن حسن وجماعتهما أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح
(22/197)

فعلا، فوثب حسين بن حسن على امرأة من بنى فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسها فامتنعت، وأخاف زوجها وهو من بنى مخزوم حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارها وأخذها مدة ثم هربت منه، ووثب على بن محمد بن جعفر على غلام أمرد- وهو ابن قاضى مكة اسمه إسحاق بن محمد، وكان جميلا فأخذه قهرا، فاجتمع أهل مكة ومن بها من المجاورين فصاروا فى جمع كبير، فأتوا محمد بن جعفر وقالوا: لنخلعنّك ولنقتلنّك أو لتردن علينا هذا الغلام، فأغلق بابه وكلّمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ منه الغلام، وحلف أنّه لم يعلم به، فأمّنوه فركب إلى ابنه وأخذه منه وردّه إلى أبيه، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى العباسى من اليمن، فنزل المشاش فاجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر وأعلموه ذلك، وحفرو خندقا وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق ثم كره القتال فسار نحو العراق، فلقيهم الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة، ومعهم الجلودى ورجاء بن جميل فردّوه معهم، فقاتلوا الطالبيين فهزموهم، فطلب محمد بن جعفر الأمان فأمّنوه، ودخل العباسيون مكة فى جمادى الآخرة وتفّرق الطالبيون من مكة، وأما محمد بن جعفر فسار نحو الجحفة، فأدركه بعض موالى بنى العباس فأخذ جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بها، فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيّب والى المدينة عند الشجرة وغيرها، عدة وقعات فانهزم محمد وفقئت عينه بسهم، وقتل من أصحابه بشر كثير ورجع إلى موضعه، فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودى ومن رجاء بن جميل- وهو ابن عم الفضل ابن سهل فأمّناه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك وأتى مكة لعشر بقين من ذى الحجة، فخطب الناس وقال إننى
(22/198)

كان بلغنى أن المأمون مات، وكانت له فى عنقى بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعنى الناس، ثم إنه صحّ عندى أن المأمون حىّ صحيح وانا أستغفر الله من البيعة وقد خلعت نفسى من بيعتى التى بايعتمونى عليها- كما خلعت خاتمى هذا من أصبعى، فلا بيعة لى فى رقابكم.
ثم سار فى سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيّره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان.
ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله
قال: فلما فرغ هرثمة من أمر أبى السرايا رجع ولم يأت الحسن بن سهل، وسار إلى خراسان فأتته كتب المأمون فى غير موضع، أن يأتى إلى الشام والحجاز، فقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالا منه عليه ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأنه لا يدع المأمون حتى ينتقل إلى بغداد ليتوسط سلطانه، فعلم الفضل بذلك فعاجله بالتدبير عليه، وقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل «1» عليك البلاد والعباد، ودسّ أبا السرايا- وهو من جنده- ولو أراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل، وقد جاء مشاقا وإن أطلق كان هذا مفسدة لغيره، فتغير غلب المأمون وأبطأ هرثمة إلى ذى القعدة، فلما بلغ مروخشى أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكى يسمعها المأمون فسمعها، فقال: ما هذا!!! قال: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، فأمر المأمون بإدخاله، فلما دخل قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة والعلويين، ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت، فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر،
(22/199)

فلم يقبل قوله وأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه وسحب من يديه وحمل إلى الحبس، فمكث أياما ثم دسّوا عليه من قتله وقالوا مات.
ذكر وثوب الحربيّة ببغداد
وفى هذه السنة كان الشغب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل، وسبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن لما شخص هرثمة إلى المأمون. فلما بلغ أهل بغداد ما صنعه المأمون بهرثمة بعث الحسن بن سهل إلى على بن هشام- وهو والى بغداد من قبله- أن امطل الجند من الحربيّة أرزاقهم.
وكانت الحربيّة قبل ذلك قد وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد فطردوهم. وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهدى «1» خليفة للمأمون ببغداد. واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. فدسّ الحسن إليهم وكاتب قوّادهم. حتى شغبوا من جانب عسكر المهدى «2» ، فحوّل الحربيّة إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيّب فنزل فى عسكر المهدى. وبعث الحسن بن سهل على بن هشام فى الجانب الآخر هو ومحمد بن أبى خالد. فدخلوا بغداد فى شعبان. وقاتل الحربيّه ثلاثة أيام على قنطرة الصراة، ثم وعدهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلّة، فسألوه تعجيل خمسين درهما لكل رجل منهم ينفقونها فى شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطيهم، ثم هرب على بن هشام بعد جمعة من الحربية ونزل بصرصر، لأنه لم يف بالعطاء، وقام بأمر الحربيّة محمد بن أبى خالد لأن على ابن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك وتحول إلى الحربية وهزموا على
(22/200)

بن هشام من صرصر، وقيل: كان السبب فى شغبهم أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن ماهان «1» الحد، فغضب الحربيّة وخرجوا.
وحج بالناس فى هذه السنة المعتصم.
ودخلت سنة إحدى ومائتين.
ذكر ولاية منصور بن المهدى بغداد
فى هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدى بالخلافة، فامتنع من ذلك فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك، وكان سبب ذلك أن أهل بغداد- لما أخرجوا على بن هشام من بغداد واتصل حين إخراجه بالحسن سهل سار من المدائن إلى واسط، وذلك فى أول هذه السنة، فاتبعه محمد بن أبى خالد مخالفا له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة بالجانب الغربى ونصر بن حمزة بن مالك بالجانب الشرقى، وكان ببغداد منصور بن المهدى والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم، وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما تقدم إلى الآن، فلما رأى محمدا قد بلغ واسط طلب منه الأمان فأمّنه، وظهر الفضل وسار محمد بن أبى خالد إلى الحسن على تعبئة، وقد تحوّل الحسن عن واسط، فوجّه إليه الحسن بن سهل قواده وجنده، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت هو حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة وقتل منهم كثير، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول، ثم أتاه الحسن بن سهل واقتتلوا، حتى جنّهم الليل فرحل محمد وأصحابه ثم التقوا واقتتلوا «2» مرة ثانية إلى الليل، فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو
(22/201)

زنبيل «1» إلى بغداد، وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر، ومات محمد ابن أبى خالد فدفن فى داره سرا، وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم فأعلمه وفاة أبيه، فأعلم حزيمة الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، أنه قام بأمر الحرب مقام أبيه، ثم كان بين الحسن وبين أولاد محمد بن أبى خالد وقعات، وانتصر فيها أصحاب الحسن عليهم وهزموهم مرة بعد أخرى.
قال: ولما مات محمد قال بنو هاشم والقواد نصيّر «2» منا خليفة ونخلع المأمون، ثم أتاهم خبر هزيمة «3» أولاد محمد فجدّوا فى ذلك، وأرادوا منصور بن المهدى على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسى ابن المجوسى الحسن بن سهل، وقال المنصور: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم، أو يولّى من أحب فرضى به الناس، وعسكر بكلواذى.
ذكر البيعة بولاية العهد لعلى بن موسى الرضا
فى هذه السنة جعل المأمون على بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن أبى طالب رضى الله عنه ولى عهد المسلمين، والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأمر جنده بطرح السّواد ولبس الخضرة وكتب بذلك إلى سائر الآفاق، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، فتكلم بنو العباس فى ذلك وقال بعضهم لا نرضاه، وتكلموا فى خلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدى، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(22/202)

ذكر فتح جبال طبرستان وأسر ملك الدّيلم
فى هذه السنة افتتح عبد الله بن خرّداذبه- والى طبرستان- البلازر «1» والشيزر من بلاد الديلم، وافتتح طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها، وأسر أبا ليلى ملك الديلم.
وحج بالناس فى هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على «2» العباسى.
ودخلت سنة اثنتين ومائتين.
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدى ببغداد وخلع المأمون
فى هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى ولقبوه المبارك، وخلعوا المأمون وذلك فى أول المحرم، وقيل لخمس مضين من، وبايعه سائر بنى هاشم، وكان المتولى لأمر البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان سبب ذلك ما ذكرناه، من إنكار الناس ولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلى ابن موسى، فوضع العباسيون رجلا فى يوم جمعة يقول: إنّا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه: إنّا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدى ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادى وتخلعوا المأمون «3» ، ففعلوا ذلك فلم يصّل الناس جمعة وتفرّقوا لليلتين بقيتا من ذى الحجة، ثم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم، وكان الذى سعى فى هذا الأمر السندى وصالح صاحب المصلى ونصير «4» الوصيف وغيرهم، فلما فرغوا من
(22/203)

البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بها فشغبوا فأعطاهم لكل رجل مائتى درهم، وكتب لبعضهم على السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيرا، فخرجوا فى قبضها فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد.
واستولى «1» على الكوفة والسواد جميعه وعسكر بالمدائن. واستعمل على الجانب الغربى من بغداد العباس بن موسى الهادى وعلى الجانب الشرقى منها إسحاق بن موسى «2» الهادى.
ذكر أخبار إبراهيم بن المهدى وما استولى عليه من الأماكن وما كان من أمره إلى أن خلع واستتر- ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة
قال: وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور وأبو البط وغسّان بن أبى الفرج «3» ومحمد بن إبراهيم الإفريقى وغيرهم، وكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد انحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب إبراهيم، وكتب حميد فيهم بمثل ذلك، فاستقدم الحسن حميد بن عبد الحميد فامتنع، وخاف- إن هو سار إليه- سلّم القواد ماله وعسكره إلى إبراهيم، فألح الحسن عليه بالطلب فسار إليه فى شهر ربيع الآخر، فكتب القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبى
(22/204)

خالد، فوجّه إليهم عيسى فانتهبوا ما فى عسكر حميد، فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جوارى أبيه وسار إليه وهو بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فعاد الحسن إلى الكوفة فأخذ أموالها، واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر العلوى، وأمره أن يدعو لأخيه على بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم وقال له: قاتل عن أخيك وأنا معك، فوجه إبراهيم إلى الكوفة سعيد بن الساجور وأبا البط لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم، وأما الغلاة «1» من الشيعة فقالوا: إن كنت تدعو لأخيك وحده فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه، فقال: إنما أدعو للمأمون وبعده لأخى، فقعدوا عنه؛ فلما أتاه سعيد وأبو البط نزلوا قرية شاهى، بعث إليهم العباس ابن عمه على بن محمد بن جعفر- وهو ابن الذى كان قد بويع له بمكة- وبعث معه جماعة، فاقتتلوا ساعة فانهزم العلوى وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك فى ثانى جمادى الآخرة، ثم تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إليهم شيعة بنى العباس ومواليهم فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة، ثم اقتتلوا من الغد فسأل رؤساء الكوفة سعيد بن الساجور الأمان للعباس وأصحابه فأمّنهم، على أن يخرجوا من الكوفة فأجابوا إلى ذلك، وأتوا العباس فأعلموه فقبل منهم وتحول عن داره، ثم شغب أصحابه على من بقى من أصحاب سعيد وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به، فأرسل العباسيون إلى سعيد بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، ومكثوا عامة
(22/205)

الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنهم، فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا لأحد، وولّوا الكوفة الفضل بن محمد بن «1» الصباح الكندى، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده، واستعملوا غسان بن أبى الفرج ثم عزلوه، واستعملوا الهول ابن أخى سعيد، فلم يزل عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب، ودام أمر إبراهيم بن المهدى إلى سنة ثلاث ومائتين ثم خلع.
ذكر خلع إبراهيم بن المهدى
وفى سنة ثلاث ومائتين خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدى، وكان سبب ذلك أنه قبض على عيسى بن محمد بن أبى خالد، لأنه كان يكاتب حميد بن عبد الحميد والحسن بن سهل، ويظهر لإبراهيم الطاعة، وكان إبراهيم يأمره بالخروج لقتال حميد فيعتذر، أن الجند يطلبون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة، إلى أن توثق عيسى من الجيش وفارقهم «2» على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدى فى يوم الجمعة سلخ شوال، فجاء هارون بن محمد أخو عيسى فأعلم إبراهيم بذلك، وجاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس: إنى قد سألت حميد بن عبد الحميد أن لا يدخل عملى ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام، وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأل إبراهيم أن يصلى الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك ثم حذّر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتلّ عليه فتابع رسله إليه فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر وينكر
(22/206)

بعض ذلك، ثم أمر به إبراهيم فضرب وحبس، وأخذ عدة من قوادة وأهله فحبسهم، ونجا بعضهم ومضى بعض من نجا إلى بعض، وحرّضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس- خليفة عيسى- فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ وغيره، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم، حتى يسلّموا إليه بغداد، فسار حميد حتى أتى نهر صرصر، وخرج إليه العباس وقوّاد بغداد فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطى لكل جندى خمسين درهما، فأجابهم الى ذلك ووعدهم أن يضع «1» لهم العطاء يوم السبت فى الياسريّة، على أن يدعوا للمأمون بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك، ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه هذا الأمر فأبى ذلك، فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس- محمد «2» بن أبى رجاء الفقيه. فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التى وعدهم بها فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، لما تشاءموا به من على بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: لا، بل أزيدكم عشرة، فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا، فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله، وكلّم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقى، ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على الستين فشتموه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه فى وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قوّاده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه بالخبر فاغتم لذلك.
(22/207)

ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدى
كان سبب ذلك أن حميد بن عبد الحميد تحول فنزل عند أرحاء عبد الله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده ذلك تسلّلوا فصار عامّتهم عنده، فأخرج إبراهيم جميع من بقى عنده فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بغداد، وذلك فى سلخ ذى القعدة، فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع ثم تحوّل إلى حميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يأتون حميدا واحدا بعد واحد، فلما رأى إبراهيم ذلك سقط فى يده، وبلغه أن أصحابه يريدون أن يسلموه إليهم فداراهم حتى جنّه الليل، واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، ولم يزل متواريا حتى ظفر به المأمون فى سنة عشر ومائتين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما، واستقر بعده على بن هشام على شرقى بغداد، وحميد على غربيّها. نعود إلى بقية حوادث سنة اثنتين ومائتين خلاف أخبار إبراهيم بن المهدى.
ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذى الرئاستين الفضل بن سهل
وفى سنة اثنتين ومائة سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسّان بن عبّاد «1» ، وكان مسيره أن على بن موسى الرضا أخبره ما الناس فيه من الفتنة منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار الناس وأهل بيته «2» ، وأن الناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون
(22/208)

مسحور مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدى بالخلافة، فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة وإنما صيّروه أميرا، يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأنّ الحرب قائمة بين الحسن وإبراهيم، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكانى وبيعتك لى من بعدك، فقال المأمون: ومن يعلم ذلك؟ فقال: يحيى «1» بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهم من وجوه العسكر، فأمر بإدخالهم فدخلوا فسألهم عما أخبر به على بن موسى، فلم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم، فضمن لهم ذلك وكتب لهم خطه به، فأخبروه بما أخبره به على بن موسى، وأخبروه أن أهل بغداد يسمون إبراهيم الخليفة السنّى، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان على بن موسى، وأعلموه ما الناس فيه وبما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل، وأنه إذا لم يتدارك أمره وإلا خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى فى طاعته ما يعلمه، وأخرج من الأمر كله وضعف أمره، وشغبت عليه جنده، وأنه لو كان ببغداد ضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتّقت من أطرافها وأقطارها، وسألوه أن يخرج إلى بغداد فإن أهلها لو رأوه أطاعوه، فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل فعلم الفضل بالحال، فضرب بعضهم وحبس بعضهم ونتف لحى بعضهم، فذكر على ابن موسى ذلك للمأمون، فقال: أنا أدارى، ثم أرتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه فى الحمام، وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان، وكان الذين قتلوه أربعة: أحدهم غالب المسعودى الأسود، وقسطنطين الرومى، وفرج الديلمى، وموفّق الصقلبى وكان عمره ستين سنة، وهربوا بعد قتله فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينورى، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر
(22/209)

بهم فضربت رقابهم، ثم أحضر عبد العزيز بن عمران وغيره، وسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشىء من ذلك، فلم يقبل منهم وقتلهم وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيّره مكانه، ورحل المأمون إلى العراق.
وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وفيها زوج المأمون ابنته أم حبيب من على بن موسى الرضا، وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم ابن موسى بن جعفر، ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد.
ودخلت سنة ثلاث ومائتين
ذكر وفاة على بن موسى الرضا ولى العهد
كانت وفاته فى آخر صفر بمدينة طوس، وكان سبب ذلك أنه أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة، وصلّى عليه المأمون ودفنه عند قبر أبيه الرشيد، وقيل إن المأمون سمّه فى عنب، واستبعد ذلك جماعة وأنكروه. قال: ولما مات كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه بموته، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد وبنى العباس والموالى يعلمهم بموته، وأنهم إنما نقموا بيعته وقد مات، وسألهم الدخول فى طاعته فأغلظوا له فى الجواب، وكان مولد على بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة.
وحجّ بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على، وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل وتغيّر عقله حتى شدّ فى الحديد وحبس، فكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل فى عسكره دينار بن عبد الله.
ودخلت سنة أربع ومائتين
ذكر قدوم المأمون بغداد
فى هذه السنة قدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن، وخرج إليه أهل
(22/210)

بيته والقواد ووجوه الناس، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقة ليوافيه بالنهروان فأتاه بها، ودخل بغداد فى منتصف صفر ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فنزل الرصافة ثم تحوّل فنزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا فى معسكرهم، وكان الناس يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا ثمانية أيام كذلك، فتكلم بنو العباس وقواد خراسان، فقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه، فكان أول حاجة سألها أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك وجلس المأمون للناس وأحضر سوادا فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، وخلع على قوّاده السواد، وذلك لسبع بقين من صفر منها.
وفى هذه السنة أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب «1» ، وأستعمله المأمون على الحرمين، وفى هذه السنة أعنى سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن إدريس الشافعى بمصر، ومولده سنة خمسين ومائة رحمه الله ورضى عنه.
ودخلت سنة خمس ومائتين
ذكر ولاية طاهر بن الحسين خراسان
فى هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق- من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبى بغداد، فشخص طاهر من يومه وذلك لليلة بقيت من ذى القعدة، وقدم
(22/211)

طاهر البلد فأقام شهرا فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التى تحمل لصاحب خراسان، وجعل المأمون على الشرط عبد الله بن طاهر بعد أبيه وحجّ بالناس عبيد الله العلوى.
ودخلت سنة ست ومائتين
ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرّقة وغيرها
فى هذه السنة ولّى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره بحرب نصر بن شبث، وقال له: يا عبد الله إنى استخير الله منذ شهر وأكثر وأرجو أن يكون قد خار لى، وقد ولّيتك هذه الأعمال ومحاربة نصر بن شبث، فقال: السمع والطاعة، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين، فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ومائتين، ولما سار استخلف على الشرط إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب- وهو ابن عمه، وسار عبد الله إلى عمله، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وحجّ بالناس عبيد الله العلوى.
ودخلت سنة سبع ومائتين
فى هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ببلاد عكّ من اليمن، يدعو إلى الرضا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان سبب خروجه أن عمّال اليمن أساءوا السيرة فى الناس، فبايعوا عبد الرحمن فوجّه المأمون إليه دينار بن عبد الله فى جيش كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم وحجّ بالناس، ثم سار إلى اليمن فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه فقبله، ودخل فى طاعة المأمون ووضع يده فى يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون «1» عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلبس السواد.
(22/212)

ذكر وفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة
كانت وفاته فى جمادى الأولى من هذه السنة، قال كلثوم بن ثابت بن أبى سعيد «1» : كنت على بريد خراسان، فلما كان فى سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى عليها وحشد فيها «2» ، بلمّ الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين، قال: فقلت فى نفسى أنا أول مقتول لأنى لا أكتم الخبر، فانصرفت فاغتسلت غسل الموتى وتكفّنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعانى طاهر، وحدث به حادث فى جفن عينيه فسقط ميتا، فخرج إلىّ ابنه طلحة فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته وبقيام طلحة بأمر الجيش «3» ، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه، فدعا أحمد بن أبى خالد فقال: سر فإيت بطاهر- كما زعمت وضمنت، وكان هو قد أشار على المأمون بولاية طاهر خراسان وضمنه، فقال: يا أمير المؤمنين أبيت الليلة، قال: لا، فلم يزل به حتى أذن له فى المبيت، ووافت الخريطة الأخرى ليلا بموته، فدعاه فقال: قد مات طاهر فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: اكتب بتوليته فكتب بذلك؛ ولما ورد الخبر بموت طاهر قال المأمون: لليدين والفم، الحمد لله الذى قدّمه وأخرّنا. وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم:
يا ذا اليمينين وعين واحده ... نقصان عين ويمين زائده
وكان لقبه ذا اليمينين وكنيته أبا الطيب. وقيل إن المأمون استعمل على
(22/213)

أعمال طاهر ابنه عبد الله، فسيّر إلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة يحارب ابن شبث، فلما وجّه طلحة إلى خراسان سيّر المأمون إليه أحمد ابن أبى خالد ليقوم بأمره، فعبر أحمد إلى ما وراء النهر وافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بن خارخره «1» وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لأحمد بن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفى ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسمائة ألف.
وحج بالناس فى السنة أبو عيسى بن الرشيد.
ودخلت سنة ثمان ومائتين
فى هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان فعصى بها، فسار إليه أحمد بن أبى خالد فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه، وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن الرشيد.
ودخلت سنة تسع ومائتين.
فى هذه السنة حصل الظفر بنصر بن شبث، وقد قدمناه فى أخباره.
وحجّ بالناس صالح بن العباس بن محمد بن على
ودخلت سنة عشر ومائتين
فى هذه السنة ظفر المأمون إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقى ومالك بن شاهى ومن كان معهم ممن سعى فى بيعة إبراهيم بن المهدى، فأقيم ابن عائشة على باب دار المأمون ثلاثة أيام فى الشمس، ثم ضربه بالسياط وحبسه، وضرب مالك بن شاهى وأصحابهما، ثم قتل ابن عائشة وابن شاهى ورجلين
(22/214)

من أصحابهما صبرا، وصلب ابن عائشة- وهو أول عباسى صلب فى الإسلام، ثم أنزل وكفّن وصلّى عليه ودفن بمقابر قريش.
ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى
فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدى، وهو متنقّب فى زى امرأة بين امرأتين، أخذه حارس أسود ليلا وقال له ولهنّ:
أين تردن فى هذا الوقت؟! فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان فى يده، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى صاحب المسلحة «1» ، فأمرهنّ أن يسفرن عن وجوههنّ، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار، فلما كان الغد أقعد إبراهيم فى دار المأمون. والمقنعة فى عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوّله إلى أحمد بن أبى خالد فحبسه عنده، ثم شفع فيه الحسن بن سهل- وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون. وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبى إسحاق المعتصم، وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفا لفرج «2» التركى، فلما دخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين ولىّ الثأر محكّم فى القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الأغترار- بما مدّ له من أسباب الشقاء- أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذى ذنب، كما جعل كل ذى ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك، فقال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبّر وسجد. وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف، فوقّع المأمون فى رقعته:
القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله عزّ وجلّ، وهو أكبر ما نسأله «3» ، فامتدحه إبراهيم بن المهدى بقصيدته التى هى:
(22/215)

يا خير من رفلت «1» يمانيه به ... بعد النبى «2» لآيس أو طامع «3»
وأبرّ من عبد الإله على التقى «4» ... غيبا «5» وأقوله «6» بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع
متيقظا حذرا وما تخشى العدى ... نبهان من وسنان «7» ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبى وأمّى فدية وبنيهما «8» ... من كل معضلة وريب «9» واقع
منها:
نفسى فداؤك إذ تضل معاذرى ... وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملا لفضلك والفواضل شيمة «10» ... دفعت بناءك للمحل اليافع
فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة «11» كقوس النازع «12»
الله يعلم ما أقول فإنّها «13» ... جهد الأليّة من حنيف راكع
(22/216)

ما إن عصيتك والغواة تقودنى «1» ... أسبابها إلا بنيّة طائع
حتى إذا علقت «2» حبائل شقوتى ... بردى إلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن لمثل جرمى غافرا ... فوقفت أنظر «3» أى حتف مصارعى «4»
ردّ الحياة علىّ بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر «5» المتواضع
ومنها:
كم من يد لك لم «6» تحدثنى بها ... نفسى إذا آلت إلىّ مطامعى
أسديتها عفوا إلىّ هنيئة ... وشكرت مصطنعا لأكرم صانع
إنّ الذى قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم فى الإمام «7» السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع
قال: فلما أنشدها قال المأمون: أقول كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «8» .
وروى أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن محمد بن عمرو الأنبارى قال «9» : لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى أحب أن يوبّخه على رءوس الناس، فجىء بإبراهيم يحجل فى قيوده، فوقف على طرف الإيوان وقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المأمون: لا سلّم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولىّ ثأرى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الأغترار فى الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبى فوق
(22/217)

كل ذى ذنب، كما أن عفوك فوق كل ذى «1» عفو. ومن رواية أخرى أنّه قال: وقد أصبحت فوق كل ذى ذنب؛ كما أصبح كل ذى عفو دونك، فإن عاقبت «2» فبحقك وإن تعف فبفضلك، قال: فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: إن هذين أشارا علىّ بقتلك، فالتفت فإذا العباس بن المأمون والمعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين أما حقيقة الرأى فى معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشّاك إذ كان منّى ما كان، ولكنّ الله عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين، فتبسّم المأمون ثم أقبل على ثمامة فقال: إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر، وإنّ كلام عمى منه، أطلقوا «3» حديده وردّوه إلىّ مكرّما، فلما ردّ إليه قال: يا عم، صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس، فلن ترى منى أبدا إلا ما تحب، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج فيه هذه القصيدة التى تقدّم ذكرها، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها، فلما قرأها المأمون بكى وقال علىّ به «4» فخلع عليه «5» ، وأمر له بخمسة آلاف دينار، ودعا بالفرّاش فقال له: إذا رأيت عمى مقبلا فاطرح له متكأ، وكان ينادمه لا ينكر منه شيئا. قال أبو الفرج: وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمى، فقال فيه: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبى خالد الأحول، وقال: هذا صديقك فخذه إليك، قال: وما تغنى صداقتى عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه، أما إنى- وإن كنت صديقا له- لا أمتنع عن قول الحق فيه، قال له: قل فإنك غير متّهم، فقال- وهو يريد التسلّق على العفو عنه: إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرما منه وإن عفوت عنه عقوت عمن لم يعف قبلك عن مثله،
(22/218)

فسكت «1» المأمون ساعة ثم تمثل «2»
قومى هم قتلوا أميم أخى ... فإذا رميت يصيبنى سهمى
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمى
خذه إليك يا أحمد مكرّما، فانصرف به ثم كتب إلى المأمون قصيدته المذكورة، فلما قرأها رق له وأمر بردّه إلى منزله، وردّ ما قبض من أملاكه وماله. وفى خبر عن أبى داود أن المأمون تقدّم إلى محمد بن يزداد «3» - لما أطلق إبراهيم- أن يمنعه من دارى الخاصة والعامة، ووكل به رجلا من قبله يثق به ليعرفه أخباره وما يتكلّم به، فكتب إليه الموكل أن إبراهيم- لما بلغه المنع من دارى الخاصة والعامة- تمثّل:
يا سرحة الماء قد سدت مواردها «4» ... أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حيام به ... محلّا عن طريق الماء مردود «5»
فلما قرأها المأمون بكى وأمر باحضاره من وقته مكرّما، وأنزله فى مرتبته، فلما دخل على المأمون قبّل البساط وقال:
البرّ «6» بى منك وطّا العذر عندك لى ... دون اعتذارى فلم تعذر «7» ولم تلم
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم
رددت مالى ولم تمنن علىّ به ... وقبل ردّك مالى قد «8» حقنت دمى
(22/219)

فبوت منك وقد كافأتها بيد ... هى الحياتان من موت ومن عدم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عارف ومنتقم
فقال: اجلس يا عم آمنا مطمئنا. فلن ترى أبدا منّى ما تكرهه، إلا أن تحدث حدثا أو تتغير عن طاعة، وأرجو ألا يكون ذلك إن شاء الله تعالى. وروى الفضل بن مروان قال «1» : لمّا دخل إبراهيم بن المهدى على المأمون- لما ظفر به- كلّمه بكلام، كان سعيد بن العاص كلّم به معاوية بن أبى سفيان فى سخطة سخطها عليه واستعطفه به، وكان المأمون يحفظ الكلام فقال المأمون: هيهات يا إبراهيم، هذا كلام سبقك به فحل بنى أميّة وقارحهم سعيد بن العاص وخطب به معاوية بن أبى سفيان، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين- وأنت أيضا إن عفوت فقد سبقك فحل بنى حرب وقارحهم إلى العفو، فلا تكن حالى عندك فى ذلك أبعد من حال سعيد عند معاوية، فإنك أشرف منه وأنا اشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى معاوية، وإنّ أعظم الهجنة تسبق أميّة هشاما إلى مكرمة فقال له:
صدقت يا عم قد عفوت عنك.
ذكر بناء المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل
فى هذه السنة بنى المأمون بها فى شهر رمضان، وكان المأمون قد سار من بغداد إلى فم الصّلح إلى معسكر الحسن، فنزله وزفت إليه بوران، فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة والدة الأمين وجدّتها- أم الفضل وام الحسن ابنى سهل، فلما دخل نثرت عليه جدّتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه وأعطاه لبوران، وقال: سلى حاجتك فأمسكت، فقالت جدّتها: سلى سيدك فقد أمرك، سألته الرضا عن إبراهيم بن المهدى، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأم
(22/220)

جعفر فى الحج فأذن لها، وألبستها أم جعفر البدنة «1» اللؤلؤ الأموية، وأوقد المأمون فى تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا، وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوما، يعدّ له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القوّاد على مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه ونثرها. وحكى عبد الملك بن عبد الله بن عبدون «2» الحضرمى الشبلى، فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، قال حكى إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلى قال «3» : قال لى المأمون يوما: هذا يوم سرور، ثم قال للغلمان: خذوا علينا الباب واحضروا بالشراب، فبقينا بقية يومنا فى أنس وشرب، فلما كان الليل قال لى: يا إسحاق إنى أريد الصّبوح، فكن بمكانك حتى أدخل إلى الحرم وأخرج إليك، فأستبطأت خروجه فقلت:
اشتغل وغلب عليه النبيذ ونسينى، وكانت عندى جارية بكر كنت اشتريتها فتطلعت لها نفسى، فنهضت فقال لى العبد: قد انصرف عبدك بدابتك، فمشيت فلما صرت ببعض الطريق أحسست بالبول، فعدلت عن الطريق وقضيت حاجتى، فلما أردت أن أستجمر عدلت إلى حائط، وإذا بزنبيل كبير معلّق، قد ألبس بالديباج وفيه أربعة أحبل من الابريسم، فقلت: إنّ له لأمرا، ثم تجاسرت وجلست فيه «4» فجذب، وإذا أربع جوار يقلن بالسعة «5» : أصديق أم جديد؟ فقلت جديد، فسارت احداهن بين يدى حتى أدخلتنى إلى مجلس لم أر مثله، فجلست فى أدنى مجالسه، وإذا بوصائف بأيديهن «6» الشمع والمجامر يتبخّر فيها العود، وبينهنّ جارية كالبدر
(22/221)

الطالع ذات دلّ وشكل، فنهضت لدخولها فقالت مرحبا بالضيف، [وسألتنى عن دخولى «1» ] ، فقلت: عن غير ما قصد، قالت فما السبب؟
قلت انصرفت من عند بعض أصحابى فلما رأيت الزنبيل حملنى النبيذ على الدخول فيه، قالت: فما صناعتك؟ قلت: بزّاز، قالت:
ومولدك؟ قلت: بغداد، قالت: من أى الناس؟ قلت: من أوسطهم، قالت: حيّاك الله، هل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: شىء ضعيف، قالت: فذاكرنى، قلت: إن للداخل دهشة، ولكن ابدأينى فالشىء بالمذاكرة، قالت: هل تحفظ قصيدة فلان التى يقول فيها كذا وكذا، فأنشدتنى لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين، وأنا مستمع أنظر من أى أحوالها أعجب: من حسنها أو من حسن إنشادها أو من حسن أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة!! ثم قالت: قد ذهب عنك بعض الحصر، قلت: إن شاء الله لقد كان ذلك، قالت: فأنشدنى، فأنشدتها فجعلت تسألنى عن أشياء تمرّ فى الشعر كالمختبرة، ثم قالت: والله ما قصّرت ولا توهمت أن فيك هذا!! ولا رأيت فى أبناء التجار مثلك! فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟! قلت: نظرت فى شىء من ذلك، فأمرت بإحضار الطعام فأكلنا، ثم أحضرت نبيذا فشربت قدحا، وقالت: هذا أوان المذاكرة، فاندفعت وقلت: بلغنى كذا وكذا، وكان رجل من قصّته كذا وكذا، فسرّت بذلك، وقالت: ليس هذا من أمر التجار، وإنما هى من أحاديث الملوك، قلت: إنه كان لى جار ينادم بعض الملوك فكنت أدعوه فى بعض الأوقات إلى منزلى، فما تسمعين منّى فمن عنده أخذته، قالت: يمكن هذا!! ثم قالت: لو كان عندك شىء واحد لكنت كاملا! فحرك بعض الملاهى أو ترنّم، قلت: لا أحسن من هذا شيئا على أنى مولع بسماعه، فقالت: يا جارية- عودى، فضربت فأحسنت وغنّت غناء
(22/222)

بديعا، ثم قالت: هذا الغناء لإسحاق، فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت: المجالس بالأمانات، ثم أخذت وأخرجت إلى باب صغير، فانتهيت إلى دارى فأرسل المأمون إلىّ فمشيت إليه، وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت الزنبيل، فقالت: ضيفنا!! قلت: منوا بالصفح، قالت: فعلنا ولا تعد، فلما كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة، وخرجت فأتيت المأمون، فقال: أين كنت!! فاعتذرت إليه، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك، فلما دخلت فى الزنبيل قالت: ضيفنا!! قلت: اى ها الله!!، قالت:
أجعلتها دار مقام!! قلت: الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمى فى حلّ، فلما كان عند الوقت أفكرت فى المأمون، وعلمت أنّه لا يخلصنى منه إلا أن أخبره، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبنى بالمشى إليها، فقلت:
جعلت فداك- أتأذنين فى ذكر شىء حضر؟ قالت: قل، قلت: أراك ممّن يحب الغناء ويشغف بالأدب، ولى ابن عم هو من أهل الشعر «1» والأدب والغناء، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق، الذى سمعتك تثنين عليه، فقالت: طفيلى ويقترح، قلت: إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكّمة، قالت: فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه، قلت: فالليلة، قالت:
نعم، ثم انصرفت على عادتى فلما وصلت دارى أتانى رسول المأمون، فمشيت إليه وهو حنق علىّ، فقال: يا إسحاق آمرك بشىء فلا تقف عنده، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرنى بانتظاره، فأتذكّر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته، فقلت: لى قصّة أحتاج فيها إلى خلوة، فأومأ بيده إلى من كان واقفا فتنحّوا، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامى قال: كيف لى بمشاهدة ذلك الموضع؟ قلت: قد علمت أنك تطالبنى بهذا، وقد قلت لها لى ابن عم من صنعته ومن حديثه، ثم جلسنا على عادتنا فى الأيام الخوالى-
(22/223)

وهو يسألنى عن حديثها، فلما جاء الليل صرنا «1» إلى ذلك الموضع، فألفينا فيه زنبيلين فدخل فى واحد ودخلت فى الآخر، فلما صرنا فى البيت جلست فى صدره، وجلس المأمون دونى، فلما أتت قالت: حيّا الله ضيفينا بالسلام، ثم رفعت مجلسه وقالت: هذا ضيف وأنت من أهل البيت، ولكل جديد لذّة، فجلس المأمون فى صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه، وهو يأخذ معها فى كل فن فيسكتها، فالتفتت إلىّ وقالت: وفّيت بوعدك، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهى مقبلة عليه، ثم قالت: وابن عمك هذا من أولاد التجار؟! إنّ حديثكما وأدبكما لمن أدب «2» الملوك، وليس للتجار هذه المنزلة فى الأحاديث والآداب، ثم قالت لى: موعدك؟ قلت: إنه ليجيب «3» ولكن حتى يسمع شيئا، فأخذت العود وغنّت فشربنا عليه رطلا ثم ثانيا وثالثا، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب، وكان الصوت الثالث ما يقترحه «4» علىّ أبدا، فلما سمعه نظر إلىّ نظر الأسد إلى فريسته، وقال لى: يا إسحاق غنّ لى هذا الصوت، فلما رأتنى وقفت بين يديه علمت أنّه المأمون وأنّنى إسحاق، فنهضت «5» فقال لها: ها هنا وأومأ إلى كلّة مضروبة فدخلتها، فلما فرغت من ذلك الصوت قال: يا إسحاق: انظر من صاحب هذه الدار؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ابنته بوران، فرجعت فأعلمته فقال: علىّ به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه فقال: لك بنت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: زوجنيها، قال هى أمتك وأمرها إليك، قال: فإنى أتزوّجها على ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة غد، فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم
(22/224)

نهض وفتح الباب وخرجنا، فلما صرنا إلى الدار قال لى: يا إسحاق لا يقفنّ أحد على ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانات، فقلت: يا أمير المؤمنين- ومثلى يحتاج إلى وصيّة! قال: فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه، ونقلت إليه من يومها، قال إسحاق فما فهت بالخبر إلا بعد موت المأمون.
قال ابن عبدون «1» : وذكر أنّه لما أراد أن يعرس بها أمر بإخراج الفساطيط والقباب «2» ، وأن تضرب على ضفّة دجلة فى موضع منخفض، وخرج وجوه الناس لحضور ذلك وعامّة الناس للتنزه، وكانت النفقة من عند الحسن بن سهل على كل من حضر. قال: وكان عدد الملاحين منهم خاصة أرباب الزلاليات والزواريق وماشاكلها- الذين يحملون الناس فى مراكبهم إلى موضع العرس- عشرة آلاف «3» ، ويقال إنّه لما بسطت القبّة التى دخل فيها المأمون على بوران خيّر الحسن الخاصة- ممّن حضر ذلك العرس- بين مائة دينار وحلّة أو قبضة من أرض تلك القبّة، فيقال إن القابض بكفّه من أرض القبّة كان أرجح ممن أخذ مائة دينار وحلّة، فإنه ربما كان يخرج من قبضته حجر ياقوت أو حجر زمرّد أو درّة نفيسة تساوى أضعاف ذلك القدر.
ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر وفتحها وفتح الإسكندرية
وفى سنة عشر ومائتين سار عبد الله بن طاهر إلى مصر وافتتحها، واستأمن له عبيد الله «4» بن السّرى، وكان سبب مسيره أن عبيد الله بن السرى كان قد تغلّب على مصر وخلع الطاعة، وخرج جمع من الأندلس
(22/225)

فغلبوا على الإسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بحرب نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحو مصر، فلما قرب منها قدّم قائدا من قوّاده إليها لينظر موضعا يعسكر فيه، وكان ابن السرى قد خندق على مصر. فاتصل الخبر به فخرج إلى القائد وقاتله قتالا شديدا. والقائد فى قلة «1» فسيّر بريدا إلى عبد الله بن طاهر يخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال وجنّبوا الخيل، وأسرعوا السير فلحقوا القائد وهو يقاتل. فلما رأى ابن «2» السّرى ذلك لم يثبت بين أيديهم، وانهزم وتساقط أكثر أصحابه فى الخندق. فهلك منهم بالسقوط أكثر ممّن قتل بالسيف، ودخل ابن السرى مصر وأغلق الباب، وحاصره عبد الله فأرسل إليه فى الليل ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار. فردّهم ابن طاهر وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا، بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ «3»
. فعندها طلب ابن السرى الأمان فأمنّه، ثم بعث عبد الله بن طاهر إلى الإسكندرية يؤذن الذين تغلّبوا عليها بالحرب أو الدخول فى الطاعة. وكانوا قد أقبلوا من الأندلس فى مراكب، والناس فى تلك الفتن التى ذكرناها، فأرسوا بالإسكندرية وتغلّبوا عليها. وكان رئيسهم يدعى أبا حفص. فلما أتتهم رسالته سألوا الأمان. على أن يرحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التى ليست من بلاد الإسلام، فأمّنهم على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطش.
واستوطنوها وأعقبوا وتناسلوا.
قال: وبعث ابن طاهر عبيد الله بن السرى إلى بغداد. فقدمها فى سنة إحدى عشرة ومائتين. وأنزل مدينة المنصور. وأقام ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام وعلى الجزيرة، إلى أن نقل إلى خراسان على ما نذكره
(22/226)

إن شاء الله تعالى. وروى أبو الفرج الأصفهانى «1» أنّ المأمون أعطى عبد الله ابن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرّقه فى الناس.
ورجع صفرا من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه وأنشد أبياتا قالها فى هذا المعنى يقول منها:
إليك أقبلت من أرض أقمت بها ... حولين بعدك فى شوق وفى ألم
أقفو مساعيك اللاتى خصصت بها ... حذو الشراك على مثل من الأدم
وكان فضلى فيها أننى «2» تبع ... لما سننت من الإنعام والنعم
ولو وكلت إلى نفسى غنيت بها ... لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم
فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك بمكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شىء إذا عوّدته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لمّ شعثك وإصلاح حالك؛ وزال ما كان فى نفسه.
قال «3» : وكان المال الذى فرّقه عبد الله بن طاهر- وهو على المنبر- ثلاثة آلاف ألف دينار، أجاز بها قبل نزوله عن المنبر، قال: معلّى الطائى- وقد بلغه ما صنع عبد الله بن طاهر- فقال: أصلح الله الأمير، أنا معلّى الطائى وقد بلغ منّى ما كان منك إلىّ من جفاء وغلظ، فلا يغلظنّ على قلبك، ولا يستخفنّك الذى بلغك، فأنا الذى أقول:
لو يصبح «4» النيل يجرى ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن بمثقال
تغلى «5» بما فيه رقّ الحمد تملكه ... وليس شىء أعاض الحمد بالغالى
فى أبيات أخر، قال: فضحك عبد الله وسرّ بما كان منه، وقال:
(22/227)

يا فلان أقرضنى عشرة آلاف دينار- فما أمسيت أملكها- فأقرضه، فدفعها إليه.
ذكر خلع أهل قمّ المأمون وما كان من أمرهم
فى هذه السنة خلع أهل قمّ المأمون ومنعوا الخراج، وكان سبب ذلك أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالرى عدة أيام، وأسقط عنهم شيئا من خراجهم، فطمع أهل قمّ أن يضع عنهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفى ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه، فوجّه المأمون إليهم على بن هشام وعجيف بن عنبسة فحاربوهم فظفروا بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور المدينة وجباها على سبعة آلاف ألف درهم، وكانوا يتظلمون من ألفى ألف درهم.
وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد أمير مكة.
ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين
فى هذه السنة قتل السيد بن أنس الأزدى أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق بن على بن صدقة الأزدى الموصلى كان قد تغلّب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين الرشيد حروب كثيرة، فلما كان فى هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرا، قيل كانوا أربعين ألفا، وبعثهم إلى الموصل لحرب السيد فخرج إليهم فى أربعة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فحمل السيد بنفسه وكانت عادته، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فقتل كل منهما صاحبه، ولما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولّى محمد بن حميد الطوسى حرب زريق وبابك الخرّمى، واستعمله على الموصل. وفيها قدم عبد الله بن طاهر بغداد. فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر
(22/228)

الناس. وفيها أمر المأمون مناديا برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وحجّ بالناس صالح بن العباس وهو أمير مكة.
ودخلت سنة اثنتى عشرة ومائتين
ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل
قد قدّمنا أن المأمون استعمله على حرب بابك الخرّمى، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها، ويحارب زريق بن على، فسار إلى الموصل ومعه جيشه، وجمع فيها الرجال من اليمن وربيعة وسار نحوه، فالتقوا على الزاب فدعاه محمد إلى الطاعة فامتنع، فناجزه واقتتلوا فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل بطلب الأمان فأمّنه محمد، فنزل إليه وسيّره إلى المأمون، وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ مالزريق من قرى ورستاق ومال وغيره. يأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وإخوته وأهله وأخبرهم بما أمر به المأمون، فأطاعوه لذلك، ثم قال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمر لى به، وقد قبلته ورددته عليكم فشكروه؛ ثم سار إلى أذربيجان واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان، فأخذهم وسيّرهم إلى المأمون، وسار لمحاربة بابك.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل على بن أبى طالب على جميع الصحابة رضى الله عنهم، وكان ذلك فى شهر ربيع الأول.
وحجّ بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين
فى هذه السنة ولىّ المأمون ابنه العباس الجزيرة والثّغور والعواصم،
(22/229)

وولّى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله ابن طاهر بخمسمائة ألف درهم.
وفيها خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر فى القيسية واليمانية، وظهرا بها ووثبا بعامل المعتصم وهو عمير «1» بن الوليد الباذغيسى، فقتلاه فى شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة، فسار المعتصم إلى مصر وقاتلهما فقتلهما وافتتح مصر واستقامت أمورها، واستعمل عليها عماله.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس.
ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين
فى هذه السنة قتل محمد الطوسى فى حرب بابك، فلما بلغ خبر قتله المأمون استعمل عبد الله بن طاهر على قتاله.
ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان
فى هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان، فسار إليها وكان أخوه طلحة مات بخراسان فى سنة ثلاث عشرة، فولى خراسان على ابن طاهر خليفة لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدّينور فجهّز العساكر إلى بابك، فأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل فاتصل ذلك بالمأمون، فأمر عبد الله بالمسير إليها.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين
ذكر غزاة المأمون إلى الروم
فى هذه السنة سار المأمون من بغداد لغزو الروم فى المحرم، واستخلف
(22/230)

على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكوردجلة، وسار المأمون على طريق الموصل إلى منبج، ثم إلى دابق ثم إلى أنطاكية ثم إلى المصّيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم فى جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطيّة، فأقام المأمون على حصن قرّة حتى افتتحه عنوة وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إنه فتحه بالأمان، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجّه إشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه، ووجّه عجيفا وجعفرا الخيّاط إلى حصن سنان «1» فسمع وأطاع، وتوجّه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد
ودخلت سنة ست عشرة ومائتين
ذكر فتح هرقلة
فى هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم، وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفا وستمائة من أهل طرسوس والمصّيصة، فسار حتى دخل أرض «2» الروم فى جمادى الأولى، إلى منتصف شعبان، وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم «3» كتب إليه بدأ بنفسه، فسار إليه ولم يقرأ كتابه، وسار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح، ووجّه أخاه أبا إسحاق المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وقتل وسبى وحرق ورجع. ثم عاد المأمون إلى دمشق.
وفيها ظهر بمصر عبدوس الفهرى. ووثب على عمال المعتصم فقتل بعضهم فى شعبان. فسار المأمون من دمشق إلى مصر فى منتصف ذى
(22/231)

الحجة، فوصل إليها فى المحرم سنة سبع عشرة فأتى بعبدوس الفهرى فضرب عنقه، وعاد إلى الشام، وفيها قدم الأفشين من برقة إلى مصر، فأقام بها ثم كان من أمره وتمكّنه ما نذكره، وفيها «1» كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلّوا، فبداوا بذلك فى منتصف شهر رمضان، فقاموا قيامه وكبروا ثلاثا، ثم فعلوا ذلك فى الصلوات المكتوبة، وفيها ماتت أم جعفر زبيدة ابنة جعفر بن المنصور أم الأمين.
وحجّ بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان وقيل عبد الله بن عبيد الله.
ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين
وفى هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما «2» من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، وفيها قتل المأمون على بن هشام، وكان قد استعمله على أذربيجان والجبال وقمّ وأصفهان فى سنة أربع عشرة، فبلغ المأمون أنّه ظلم وأخذ الأموال وقتل الرجال، فوجّه إليه المأمون عجيف بن عنبسة فى سنة ست عشرة، فثار به على بن هشام وأراد قتله واللحاق ببابك، فظفر به عجيف وقدم به على المأمون فقتله، وقتل أخاه حسينا «3» فى جمادى الأولى، وطيف برأس علىّ فى العراق وخراسان والشام ومصر، ثم ألقى فى البحر.
وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ عجيف على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنها فخدع أهلها عجيفا حتى أسروه «4» ، وبقى عندهم ثمانية أيام ثم
(22/232)

أخرجوه؛ وجاء توفيل- ملك الروم- فأحاط بعجيف فسيّر المأمون إليه الجنود فارتحل ملك الروم قبل موافاتهم. وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على.
ودخلت سنة ثمانى عشرة ومائتين
ذكر المحنة بالقرآن المجيد
فى هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد فى امتحان القضاة والفقهاء «1» والمحدّثين بالقرآن، فمن أقرّ أنه مخلوق محدث خلى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه، وطوّل كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وكان الكتاب فى شهر ربيع الأول، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدى «2» ، وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون، ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبى مسعود، وأحمد الدّورقى. فأشخصوا إليه فأمتحنهم وسألهم عن القرآن، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق فأعادهم إلى بغداد، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث. فأقروا بذلك فخلّى سبيلهم، وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء.
فأحضر أبا حسّان الزيادى، وبشر بن الوليد الكندى، وعلى بن أبى مقاتل «3» ، والفضل بن غانم، والذيّال بن الهيثم «4» وسجّادة، والقواريرى، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطى، وعلى بن الجعد، وإسحاق بن أبى إسرائيل، وابن الهرش، وابن عليّة الأكبر،
(22/233)

ويحيى بن عبد الرحمن العمرى، وشيخا آخر من ولد عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه- كان قاضى الرقة، وأبا نصر التمّار، وأبا معمر القطيعى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرّخان، وجماعة منهم النّضر بن شميل، وابن على بن عاصم، وأبو العوّام البزّاز، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعا على إسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون مرتين حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول فى القرآن؟ فقال: قد عرف أمير المؤمنين مقالتى غير مرّة، قال: قد تجدّد من كتاب أمير المؤمنين ما ترى، قال: أقول القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شىء، قال: والقرآن شىء؟
قال: نعم، قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق، قال: ليس عن هذا سألتك- أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلّم فيه، وليس عندى غير ما قلت لك، فأخذ إسحاق رقعة فقرأها عليه، فقال: أشهد أنّ لا إله إلا الله أحد فرد، لم يكن قبله شىء ولا يشبهه شىء من خلقه، فى معنى من المعانى ووجه من الوجوه، قال للكاتب: اكتب ما قال. ثم قال لعلى بن أبى مقاتل: ما تقول؟ قال: قد سمعت كلامى فى هذا لأمير المؤمنين غير مرّة، وما عندى غيره، فامتحنه بالرقعة فأقرّ بما فيها، ثم قال له: القرآن مخلوق؟ قال:
القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، قال: القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء سمعناه وأطعنا، فقال للكاتب اكتب مقالته؛ ثم قال للذيّال نحوا من مقالته لعلى بن أبى مقاتل، فقال مثل ذلك؛ ثم قال لأبى حسّان الزيادى: ما عندك؟ قال: سل عمّا شئت، فقرأ عليه الرقعة فأقرّ بما فيها، قال: ومن لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شىء، وأمير المؤمنين إمامنا، وبسببه سمعنا عامّة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم،
(22/234)

وقلّده الله أمرنا فصار يقيم حجّتنا وصلواتنا، ونؤدى إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته، فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا، قال:
والقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته، قال إسحاق فإن هذه مقالة أمير المؤمنين، فقال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها الناس، وإن أخبرتنى أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول، قلت ما أمرتنى به، فإنّك الثقة فيما أبلغتنى عنه، قال: ما أمرنى أن أبلغك شيئا، فقال أبو حسّان: وما عندى إلا السمع والطاعة، فأمرنى أأتمر، فقال: ما أمرنى أن آمركم، وإنما أمرنى أن أمتحنكم؛ ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله، قال:
أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله ما أزيد عليها، فامتحنه بالرقعة، فلما أتى إلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
وأمسك عن لا يشبهه شىء من خلقه فى معنى من المعانى ولا وجه من الوجوه فاعرض عليه ابن البكّاء الأصغر فقال: أصلحك الله- إنه يقول سميع من أذن، بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك سميع بصير؟ قال: كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدرى- هو كما وصف نفسه، ثم دعاهم رجلا رجلا- كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة، وعبيد الله «1» ابن محمد بن الحسن، وابن عليّة الأكبر، وابن البكّاء، وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبّه، والمظفّر بن مرجّا، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضى الرقة، وابن الأحمر، فأمّا ابن البكّاء فإنّه قال: القرآن مجعول لقوله عزّ وجل إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «2»
، والقرآن محدث لقوله عزّ وجل ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «3»
، قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم، قال: والقرآن مخلوق «4» قال:
(22/235)

لا أقول مخلوق ولكنّه مجعول، فكتب مقالته ومقالات القوم ووجّهها إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمّهم ويذكر كلا منهم ويعيبه ويقع فيه بشىء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدى ويمتحنهما، فإن أجابا وإلا ضرب أعناقهما، وأما من سواهما فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم، فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر المأمون فأجاب القوم كلهم إلا أربعة نفر: منهم أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريرى، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدّوا فى الحديد، فلما كان الغد دعاهم فى الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب سجّادة والقواريرى، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فشدّوا فى الحديد ووجّههما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوه، فأجابه المأمون أنّه بلغنى عن بشر بن الوليد أنّه تناول الآية التى أنزلها الله عزّ وجل فى عمّار بن ياسر إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ «1»
فقد أخطأ التأويل، إنما عنى الله تعالى بهذه الآية من كان معتقدا للإيمان مظهرا للشرك، وأما من كان معتقدا للشرك مظهرا للإيمان فليس هذا له، فأشخصهم جميعهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق وسيرهم جميعا الى العسكر وهم: أبو حسان الزيادى، وبشر بن الوليد، والفضل بن غانم، وعلى ابن أبى مقاتل، والذيّال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمرى، وعلى بن الجعد، وأبو العوّام، وسجّادة، والقواريرى، وابن الحسن بن على بن عاصم، وإسحاق بن أبى اسرائيل، والنضر بن شميل: وأبو نصر التمّار، وسعدويه الواسطى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبو معمر بن الهرش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبو هارون ابن البكّاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.
(22/236)

ذكر وفاة أبى العباس المأمون
كانت وفاته بالبذندون «1» من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب، وقيل لاثنتى عشرة بقيت منه، سنة ثمانى عشرة ومائتين، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة منها؛ وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن «2» العلّاف القارئ، قال: دعانى المأمون يوما فوجدته جالسا على شاطئ البذندون، والمعتصم عن يمينه، وقد دلّيا أرجلهما فى الماء، فأمرنى أن أضع رجلىّ فى الماء، وقال: ذقه- هل رأيت أعذب منه! أو أصفى أو أشد بردا؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله، فقال: أى شىء أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: الرطب الآزاذ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم: انظر إن كان فى هذه الألطاف رطب آزاذ فأت به؟ فمضى وعاد ومعه سلّتان فيهما منه، كأنما جنى تلك الساعة، فأظهر شكر الله تعالى وتعجبنا جميعا، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام منّا أحد إلا وهو محموم، ودامت العلة بالمأمون حتى مات، ولمّا اشتدت عليه قال لأبى إسحاق: يا أبا إسحاق أدن منّى واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك فى القرآن، واعمل فى الخلافة- إذا طوّقكها الله- عمل المريد لله، الخائف من عذابه وعقابه، ولا تغتر بالله ومهلته، ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية- العوامّ العوامّ فإنّ الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم وفى غيرهم من المسلمين، ولا ينتهينّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدّمته وآثرته على غيره من هواك، وخد من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم فى شىء، وانصف بعضهم من بعض بالحق
(22/237)

بينهم، وعجّل الرحلة عنّى إلى دار ملكك بالعراق «1» ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم فى كل وقت، والخرّمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة «2» وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل فى ذلك عملا مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه، ثم دعاه بعد ساعة حين اشتد وجعه وأحسّ بمجىء أمر الله، فقال: يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم لتقومنّ بحق الله فى عباده، ولتوثرنّ طاعة الله على معصيته، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك، قال: اللهم نعم، قال: هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين علىّ رضى الله عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا تغفل ضلاتهم فى كل سنة عند محلّها، فإنّ حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، واتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله فى أموركم كلها، أستودعكم الله ونفسى وأستغفر الله بما سلف منّى إنّه كان غفّارا، فإنّه ليعلم كيف ندمى على ذنوبى فعليه توكّلت من عظيمها وإليه أنيب، ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، حسبى الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمد نبى الهدى والرحمة.
قال: ولما اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده ابن ماسويه، فجاء من يلقنه فعرض عليه الشهادة، فقال الطبيب: دعه فإنه لا يفرّق فى هذه الحال بين ربه ومانى، ففتح المأمون عينيه وأراد أن يبطش به فعجز، وأراد الكلام فعجز عنه، ثم قال: يا من لا يموت ارحم من يموت، ومات من ساعته. ولما توفى حمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بها بدار خاقان خادم الرشيد، وصلّى عليه المعتصم ووكلوا به حرسا من أبناء
(22/238)

طرسوس وغيرهم- مائة رجل، وأجرى لكل منهم تسعين درهما. وكان مولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرون يوما، سوى تلك المدة التى كان فيها الاختلاف بينه وبين أخيه الأمين محصور.
ذكر صفته وشىء من أخباره وسيرته
كان المأمون ربعة ابيض طويل اللحية دقيقها قد وخطه الشيب، وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أجنى أعين ضيّق الجبهة بخده خال أسود، وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة وتغالى فى أثمانهم، فكان يشترى الواحد منهم بمائة ألف ومائتى ألف درهم، وكان يحب سماع أخبار الناس، حتى جعل برسم الأخبار ببغداد ألف عجوز وسبعمائة عجوز، وكان كريما وقّع فى يوم واحد بثلاثمائة ألف دينار، وكان يقول: لو علم الناس ما عندى من حلاوة العفو لما تقرّبوا إلىّ إلا بالذنوب. وقال العتبى «1» صاحب إسحاق بن إبراهيم كنت مع المأمون بدمشق، وكان المأمون قد قلّ عنده المال حتى ضاق وشكى ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنّك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل إليه من خراج ما يتولاه ثلاثون ألف ألف ألف درهم، فلما ورد عليه المال قال ليحيى بن أكثم: أخرج بنا ننظر إلى هذا المال، فخرجا «2» ينظرانه وكان قد هيّئ بأحسن هيئة وحلّيت أباعره، فنظر المأمون إليه واستكثره واستبشر به الناس، فقال المأمون: يا أبا محمد- ننصرف بالمال ويرجع أصحابنا خائبين!! إنّ هذا للؤم، ودعا محمد بن يزداد فقال له: وقّع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف ألف- ورجله فى
(22/239)

الركاب، ثم قال: ادفع الباقى إلى المعلى يعطيه جندنا، قال: فقمت نصب عينه فلما رآنى وقّع لى بخمسين ألفا فقبضتها.
وكان أمر المأمون نافذا من أفريقية المغرب إلى أقصى خراسان وما وراء النهر وولاية السند، وقدم ملك التبت ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب مرصع بالجوهر فأسلم الملك، وأخذ المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة وكتب «1» إليه ملك الهند مع هدية نفيسة أهداها إليه، من دهمى- ملك الهند وعظيم أركان المشرق، وصاحب بيت الذهب وأبواب الياقوت وفرش الدّر- الذى قصره مبنى من العود الذى يختم عليه، فيقبل الصورة قبول الشمع، والذى تؤخذ رائحة قصره من عشرة فراسخ- والذى يسجد أمام البد، الذى وزنه ألف ألف مثقال من ذهب، عليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدرّ الأبيض- الذى يركب فى ألف مركب وألف راية مكللة بالدرّ، تحت كل راية ألف فارس معلّمين بالذهب والحرير- والذى فى مربطه ألف فيل، حزائمها أعنة الذهب- والذى يأكل فى صحاف الذهب على موائد الدرّ، والذى فى خزانته ألف تاج وألف حلّة جوهر لألف ملك من آبائه، والذى يستحيى من الله أن يراه خائنا فى رعيته، إذ خصّه بالأمانة عليهم والرياسة فيهم- إلى عبد الله ذى الشرف والرياسة على أهل مملكته، فى كلام طويل فى آخره- وقد افتتحنا إهداءك «2» بأن وجّهنا إليك كتابا، ترجمته صفوة الأذهان، وكانت الهديّة جام ياقوت أحمر، فتحه شبر فى غلظ الأصبع مملوءا درا، وزن كل درّة مثقال- والعدد مائة، وفراشا من جلد حيّة بوادى الدهراج تبلغ الفيل، ووشى جلدها دارات سود كالدراهم، فى أوساطها نقط بيض، لا يتخوف من جلس عليه مرض السلّ، وإن كان به سلّ وجلس عليه سبعة أيام برىء، وثلاث مصليات من
(22/240)

جلد السمندل فراوزها درّ، ومائة مثقال من العود الهندى يختم عليه فيقبل الصورة، وثلاثة آلاف منّ من الكافور المحبّب، كل حبّة أكبر من اللوزة، وجارية طولها سبعة أذرع تسحب شعرها، طول كل شفر من أشفار عينيها أصبع، تبلغ إذا أطرقت نصف خدّها، ناهدا لها ثمان عكن، فى نهاية الحسن والجمال ونقاء البشرة؛ وكان الكتاب من لحاء شجر الكادى، لونه إلى الصفرة والخط باللازورد مفتح بالذهب. فأجابه المأمون من عبد الله الإمام أمير المؤمنين- الذى وهب الله له ولآبائه الشرف بابن عمه النبى المرسل صلى الله عليه وسلّم وأعلى ذكره، والمصدّق بالكتاب المنزل- إلى ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان المشرق، سلام عليك- وأهدى له هديّة وهى فرس بفارسه، وجميع آلاته عقيق، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر وخضر على أرض بيضاء، فتحها ثلاثة أشبار وغلظها أصبعان؟؟؟، قوائمها ذهب، وثمانية أصناف من بياض مصر وخز السّوس ووشى اليمن وملحم «1» خراسان، والديباج الخرسوانى، وفرش سوسنجرد، ووشى تستر «2» ، من كل صنف مائة قطعة، ومائة طنفسه جنوية بوسائدها، وجام زجاج فرعونى فتحه شبر، فى وسطه صورة أسد أمامه رجل قد برك على ركبتيه. وفوّق السهم نحو الأسد فى قوس؛ وكان الكتاب فى طومار ذى وجهين وكان للمأمون من الأولاد: محمد الأكبر وعبد الله ومحمد الأصغر والعباس وعلى والحسن وإسماعيل والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب والحسين وسليمان وجعفر وإسحاق واحمد وعيسى وهارون وعشر بنات نقش خاتمة:
سل الله يعطك وزراؤه: ذو الرئاستين الفضل بن سهل ثم أخوه الحسن بن سهل ثم أحمد بن أبى خالد الأحوال ثم أحمد بن يوسف وجماعة، قيل إنه ما استوزر بعد الفضل أحدا، وإنما كانوا كتابا. حجّابه: عبد الحميد بن
(22/241)

شبث ثم محمد وعلى ابنا صالح مولى المنصور ثم إسماعيل بن محمد بن صالح. قضاته: محمد بن عمر الواقدى ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومى ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم. الأمراء بمصر: عبّاد بن محمد البلخى ثم المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم ثم العباس بن موسى بن عيسى الهاشمى ثم عاد المطلب ثم السّرىّ ثم الحكم مولى بنى ضبّة من أهل بلخ- باجتماع من الجند عليه- ثم سليمان بن غالب ثم السرىّ بعهد من المأمون ثم مات فوليها أبو نصر محمد بن السرىّ ثم مات فوليها أخوه عبيد الله بن السرىّ- بايعه الجند- ثم عبد الله بن طاهر بن الحسين مضافة للشام وغيره، فلما سار إلى العراق استخلف عيسى بن يزيد الجلودى، ثم ابو إسحاق المعتصم مضافة إلى الشام فأقرّ الجلودى، ثم صرفه بعمير بن الوليد التميمى ثم أعاد الجلودى ثم عبدويه «1» بن جبلة ثم عيسى بن منصور، فلما قدم المأمون مصر عزل عيسى وولّى نصر بن عبد الله الصّغدى ويعرف بكيدر. القضاة بها: لهيعة بن عيسى الحضرمى ثم الفضل بن غانم ثم عاد لهيعة ثم إبراهيم بن إسحاق القارى ثم إبراهيم بن الجراح ثم عيسى بن المنكدر ثم عاد إلى بغداد؛ ووصل المأمون إلى مصر وليس بها قاض، فأمر يحيى بن أكثم أن يحكم بين الناس إلى أن سار عنها، وولّى هارون بن عبد الله من ولد عبد الرحمن بن عوف.
ذكر خلافة المعتصم بالله
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد وأمه ماردة أم ولد، وهو الثامن من الخلفاء العباسيين، وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله وتداوله من بعده، بويع يوم وفاة المأمون بطرسوس لثمان خلون من شهر رجب أو لاثنتى عشرة بقيت منه سنة ثمانى عشرة ومائتين، ولم يقل ابن الأثير فى تاريخه غيره.
(22/242)

قال: ولما بويع له شغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه، ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمى فسكتوا، وكان المأمون قد وجّه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائها فى هذه السنة، وجعلها ميلا فى ميل وجعل سورها على مسافة ثلاثة فراسخ «1» ، وجعل لها أربعة أبواب على كل باب حصن، فأول ما بدأ به المعتصم أن أمر بإخراب ما كان قد بنى منها، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التى بها، وأحرق الباقى وانصرف إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون، فقدمها فى مستهلّ شهر رمضان من هذه السنة.
وفيها دخل كثير من أهل الجبال وهمذان وأصبهان وماسبذان وغيرها فى دين الخرميّة، وتجمعوا فعسكروا فى عمل همذان، فوجّه إليهم المعتصم العساكر، وكان منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعفد له على الجبال فى شوّال، فسار إليهم فأوقع بهم فى أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفا وهرب الباقون إلى بلد الروم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين
ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوى
فى هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنه بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما لمسجد النبى صلى الله عليه وسلّم حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاورا، فلما رآه أحبه وأعجبته طريقته، فقال له: أنت أحق بالإمامة
(22/243)

من كل أحد، وحسّن له ذلك وبايعه، وصار الخراسانى يأتيه بالنفر بعد النفر من حجاج خراسان يبايعونه، فلمّا رضى بكثرة من بايعه من خراسان سارا جميعا إلى الجوزجان، واختفى هناك وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه فعظم أصحابه، وحمله أبو محمد على إظهار أمره فأظهره بالطّالقان، وكان بينه وبين قواد عبد الله بن طاهر وقعات، فانهزم هو وأصحابه وخرج هاربا، يريد بعض كور خراسان كان أهلها كاتبوه، فلما صار بنسا وبها والد «1» لبعض من معه، فمضى الرجل الذى معه يسلّم على أبيه فسلّم عليه، فسأله أبوه عن الخبر فأخبره به، فمضى الأب إلى عامل نسا وأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم، وجاء العامل إلى محمد فأخذه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فسيّره إلى المعتصم فوصل إليه فى منتصف شهر ربيع الأول فحبس عند مسرور الكبير، فلما كان ليلة الفطر اشتغل الناس بالعيد، فدلّى إليه حبل من كوّة فخرج منها، فأتوه بالطعام فى يوم الفطر فلم يجدوه، وبذل لمن أتى به مائة ألف درهم فلم يعرف له خبر بعد ذلك.
ذكر محاربة الزّط
فى هذه السنة وجّه المعتصم عجيف بن عنبسة فى جمادى الأولى لحرب الزط، وكانوا قد غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، وأخافوا السبل، فسار عجيف حتى نزل واسط على نهر يقال له بردودا فسدّه وسدّ أنهارا أخر، كانوا يخرجون منها ويدخلون وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم فقتل فى معركة واحدة ثلاثمائة وأسر خمسمائة، فضرب أعناقهم وبعث الرءوس إلى باب المعتصم، وأقام عجيف بإزائهم خمسة عشر يوما، فظفر منهم بخلق كثير، وكان رئيس الزّط
(22/244)

يقال له محمد بن عثمان، وصاحب أمره رجل يقال له سملق «1» ، ثم استوطن عجيف وأقام بإزاء الزط ستة أشهر، وقاتلهم فطلبوا الأمان وخرجوا إليه فى ذى الحجة، وكان عدّتهم بالنساء والصبيان سبعة وعشرين ألفا، المقاتلة منهم أثنا عشر ألفا، فجعلهم عجيف فى السفن وعبّأهم على تعبئتهم فى الحرب ومعهم البوقات، فأدخلهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين، فخرج المعتصم إلى الشماسية فى سفينة حتى مرّت به سفن الزط وهم ينفخون فى البوقات، وأقاموا فى سفنهم ثلاثة أيام ثم نقلوا إلى الجانب الشرقى، فسلّموا إلى بشر بن السّميدع فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت الروم عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وفى هذه السنة أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلدا شديدا حتى غاب عقله، وتقطع جلده وحبس مقيّدا.
ودخلت سنة عشرين ومائتين
فى هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجّهه لحرب بابك الخرّمى فسار لذلك، فكان بينهما من الحروب ما نذكره فى سنة اثنتين وعشرين، عند الظفر ببابك ونذكر أخباره هناك إن شاء الله تعالى.
ذكر بناء سامرّا وهى سرّ من رأى
فى هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرّا، وكان سبب ذلك أنه قال:
إنى هاهنا أتخوّف الحربيّة أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلمانى، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابنى منهم شىء قاتلتهم فى البر والماء حتى آتى عليهم؛ وقيل كان
(22/245)

سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد الواحد قتيلا، وذلك أنّهم كانوا جفاة يركبون الدّواب فيركضونها فى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبى فيأخذهم الأبناء عن دوابّهم فيضربونهم، وربما هلك أحدهم؛ ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ، فقال له: يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا- والمعتصم يسمع كلامه، ولم ير راكبا بعدها أبدا بل صلّى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد.
قال: ولما خرج المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند وأشرو سنة وفرغانة وسماهم الفراغنة، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها.
وكان ابتداء العمارة بسامرّا فى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبنيت فى أسرع مدة وهى على شاطئ دجلة، وقيل إنّه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار، وانتقل إليها وجعلها مقر خلافته، وقيل إنّه سماها بهذا الاسم لأنّه لما انتقل إليها بعساكره سرّ كل منهم برؤيتها، فسمّاها سرّ من رأى، ولما خرج المعتصم من بغداد نزل القاطول.
ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير
كان الفضل من البردان وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقانى كاتب المعتصم قبل خلافته، فلما هلك الجرمقانى صار الفضل مكانه، وتوجّه مع المعتصم إلى الشام ومصر فحصّل أموالا كثيرة، فلما صار المعتصم خليفة صار له اسمها وللفضل معناها، واستولى على الدواوين كلها وكنز الأموال،
(22/246)

وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغنّى والنديم فلا ينفّذ الفضل ذلك، فثقل على المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، فأمر له المعتصم بمال فلم يعطه الفضل، فداعب المعتصم يوما إبراهيم فقال له إبراهيم: والله لا أفلحت، فضحك وقال: وهل بقى من الفلاح شىء لم أدركه بعد الخلافة؟ فقال:
أتظن أنك أفلحت؟! لا والله- مالك من الخلافة إلا اسمها، والله ما يجاوز أمرك أذنيك- إنما الخلافة الفضل، فقال: وأى أمر لى لم ينفّذ؟
فقال: أمرت لى من شهرين بكذا وكذا فلم أعط حبّة، فحقدها المعتصم على الفضل ثم نكبه هو وأهل بيته فى صفر من هذه السنة، وصيّر مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فصار وزيرا وكاتبا.
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين
حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى؛ وكان فيها من محاربة بغا الكبير وبابك ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ودخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين
ذكر أخبار بابك الخرّمى وفتح البذ وأسر بابك وقتله
كان ابتداء أمر بابك فى سنة إحدى ومائتين فى خلافة المأمون، وتحرك فى الجاويدانية- أصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ «1» ، وادعى أن روح جاويدان حلّت فيه، وتفسير جاويدان: الدائم الباقى، ومعنى خرّم:
الفرج، والرجل منهم ينكح أمه وأخته وابنته- ولهذا يسمونه دين الفرج،
(22/247)

ويعتقدون التناسخ وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره، وكان لبابك فى أيام المأمون حروب مع جيوش المأمون، كان الظفر فيها لبابك وأصحابه، وقتل محمد الطوسى عامل المأمون على الموصل، فى سنة أربع عشرة ومائتين فى حرب كانت بينهم ولما حضرت المأمون الوفاة كان من جملة وصيّته للمعتصم غزو الخرّمية كما ذكرنا ذلك، فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم عقد للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجّهه لحرب بابك فى سنة عشرين ومائتين، وكان قبل ذلك قد وجّه المعتصم- أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبنى الحصون التى خرّبها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجّه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون، ووجّه بابك سريّة فى بعض غاراته فأغارت ورجعت، فبلغ ذلك أبا سعيد فخرج فى طلب السريّة، فاعترضها فى بعض الطريق فظفر بهم وقتل وأسر منهم، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم، وكانت هذه أول هزيمة على أصحاب بابك، ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمدا كان فى قلعة له حصينة تسمى شاهى من أذربيجان، وله حصن آخر فى أذربيجان يسمى تبريز «1» ، وكان مصالحا لبابك تنزل سراياه عنده فيضيفهم حتى أنسوا به، ثم وجّه بابك قائدا من قوّاده اسمه عصمة فى سرية، فنزل بمحمد بن البعيث فأنزل له الضيافة على عادته، واستدعاه إليه فى خاصته ووجوه أصحابه فصعدوا إليه، فغذاهم وسقاهم الخمر حتى سكروا، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمى له رجلا رجلا من أصحابه، فكان يدعو الرجل باسمه فيصعد فيضرب عنقه حتى علموا بذلك، وسيّر عصمة إلى المعتصم، فسأله عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها، ثم حبسه فبقى إلى أيام الواثق؛ ثم سار الأفشين بعد ذلك إلى بلاد بابك، فنزل
(22/248)

برزند «1» وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، ثم سار الأفشين والتقى ببابك واقتتلوا قتالا شديدا، وكانت وقعة عظيمة فى سنة عشرين ومائتين، قتل فيها كثير من أصحاب بابك الذين كانوا معه، وأفلت هو فى نفر يسير، واستمرت الحرب بينه وبين بابك المرة بعد المرة إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ففتح الأفشين البذّ- مدينة بابك- وأسر بابك، وخرّب المسلمون المدينة واستباحوها وذلك لعشر بقين من شهر رمضان فى هذه السنة، وكانت حروب يطول شرحها انجلت «2» عن ظفر المسلمين.
قال: وكان الأفشين قد قصّر فى الحصار، فرأى رجل من أصحابه فى منامه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول له: قل للأفشين- إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت فى أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة، وشاعت هذه الرؤيا فثار المتطوّعة وصمّموا على الحصار، وحاصروا وكانت حروب عظيمة انجلت «3» عن الفتح فى التاريخ المذكور، وهرب بابك ثم أحضر هو وأخوه عبد الله لعشر خلون من شوال، وكان وصولهما إلى المعتصم بسامرّا فى صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ولما وصل إلى سامرّا أمر المعتصم أن يركب فيلا والناس ينظرونه، وأدخل دار المعتصم فأمر بإحضار سيّاف بابك، وأمره أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط.
ثم أمر به فذبح وشقّ بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرّا.
وأمر بحملّ أخيه عبد الله إلى بغداد، وأن يفعل به كما فعل ببابك، ففعل به ذلك وصلب فى الجانب الشرقى بين الجسرين. وكان من قتله بابك فى عشرين سنة مائتى ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان؛ هذا ما كان أمره على سبيل الاختصار.
(22/249)

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين
ذكر قدوم الأفشين إلى سامرّا وما عامله به المعتصم
فى هذه السنة قدم الأفشين ببابك إلى سامرّا، فكان من أمر بابك وأخيه ما ذكرناه، وأما الأفشين فإن المعتصم كان يوجّه إليه فى كل يوم من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرّا خلعة وفرسا، فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم وأهل بيته، فلما وصل إليه توجّه المعتصم وألبسه وشاحين، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم ففرقها فى عسكره «1» ، وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.
قال: وكان الذى أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك- سوى الأرزاق والأنزال والمعاون «2» فى كل يوم يركب فيه- عشرة آلاف «3» ، وفى غيره خمسة آلاف. قال: وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة نفر، واستنقذ ممن فى يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة، وصار فى يد الأفشين من بنى بابك سبعة عشر رجلا ومن البنات والكنات «4» ثلاث وعشرون امرأة.
ذكر خروج الروم إلى زبطرة
فى هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل- ملك الروم- إلى بلاد الإسلام، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها، وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيّق
(22/250)

عليه الأفشين كتب إلى ملك الروم، يعلمه أن المعتصم قد وجّه عساكره إليه، وجمع مقاتلته حتى وجّه خيّاطه وطبّاخه يعنى جعفر بن دينار الخياط ويعنى بالطباخ إيتاخ، ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس فى وجهك أحد يمنع، فخرج توفيل فى مائة ألف- وقيل أكثر من ذلك، فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون الإسلام، وسبى المسلمات ومثّل بمن صار فى يده من المسلمين، وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج أهل الثغور من الشام والجزيرة إلا من لم يكن له دابّة ولا سلاح
ذكر فتح عمّوريّة
قال: لما فعل توفيل ما فعل واتصل الخبر بالمعتصم كبر لديه واستعظمه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهى فى أيدى الروم- وامعتصماه!! فأجابها- وهو على سريره- لبّيك لبّيك، ونهض من ساعته وصاح فى قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته وسمّط خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة فيها زاده، ولم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر، ثم جلس فى دار العامّة وأحضر قاضيى بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب «1» بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده وثلثا لله تعالى وثلثا لمواليه، ثم سار فعسكر بغربى دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجّه عجيف بن عنبسة وعمرو «2» الفرغانى وجماعة من القواد إلى
(22/251)

زبطرة معونة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد أن فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم «1» واطمأنوا، ثم سار المعتصم وسأل: أى بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهى عين النصرانية وأشرف عندهم من قسطنطينية، فسار المعتصم من سامرّا- وقيل كان مسيره فى سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين ومائتين وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من سلاح وآلات وعدد وغير ذلك، وبث سراياه فيها وجيوشه- يغير ويقتل ويأسر ويغنم، ثم نزل بعمورية لست خلون من شهر رمضان وحاصرها ونصب عليها المجانيق، ووالى الزحف والقتال ودام عليها خمسة وخمسين يوما وكان بطارقة الروم قد اقتسموا «2» الأبراج، وكان وندوا موكل ببعضها ومعناه بالعربية «3» ثور، فقاتل قتالا شديدا وكثرت الجراحات فى أصحابه، فمشى إلى الروم وقال: إن الحرب علىّ وعلى أصحابى، ولم يبق معى أحد إلا جرح، فإما أن تمدونى وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه، وكان المسلمون قد هدموا ثلمة من السور مما يلى جهة وندوا، فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم، يسألونه الأمان على الذريّة ويسلّمون إليه الحصن بما فيه، فلما أصبح أوقف أصحابه بجانبى الثلمة وأمرهم ألا يحاربوا، فخرج إلى المعتصم فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال، ووصل المسلمون الى الثلمة ووندوا بين يدى المعتصم، والناس يتقدمون حتى دخلوا المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: مالك؟! قال: جئت أسمع كلامك فغدرت بى، فقال له المعتصم: كل شىء تريده فهو لك. قال: ولما دخل المسلمون المدينة صارت
(22/252)

طائفة من الروم إلى كنيسة كبيرة، فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا بأجمعهم، وجاء ناطس «1» - وهو من البطارقة- فوقف بين يدى المعتصم، فضربه المعتصم سوطا وأخذ الروم السيف، وأقبل الناس بالأسرى والسبى من كل وجه، وكثرت الغنائم حتى كان ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، ولا ينادى على الشىء أكثر من ثلاثة أصوات طلبا للسرعة، وأمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت، وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس
ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته
وفى هذه السنة حبس المعتصم- العبّاس بن المأمون وأمر بلعنه، وسبب ذلك أن عجيف بن عنبسة اجتمع به ووبّخه، كونه بايع المعتصم وكونه لم يطلب الأمر لنفسه، وحثّه على طلب الأمر لنفسه. فقبل العباس قوله وأخذ يدبّر فى قتل المعتصم، وشرع فى طلب البيعة ووافقه جماعة من القواد، فنمى الخبر إلى المعتصم فأحضر العباس وسقاه حتى سكر ولطف به واستعلم الخبر منه فذكر له الحال على غرة، فقيّده وسلمه للأفشين فحبسه، فلما نزل منبج طلب العباس الطعام فقدم إليه طعام كثير. فأكل ومنع الماء وأدرج فى مسح، فمات بمنبج وصلّى عليه بعض إخوته، وتتبع المعتصم من كان قد وافقه على ذلك من القواد، فمنهم من فعل به مثل ذلك ومنهم من دفنه حيا، وعاد المعتصم إلى سامرا وأمسك أولاد المأمون فحبسهم فى داره حتى ماتوا.
(22/253)

ودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين
ذكر مخالفة مازيار بطبرستان وأسره
فى هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن ونداهرمز «1» الخلاف على المعتصم، وعصى وقاتل عساكره، وسبب ذلك أنّه كان منافرا لعبد الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه، فكاتبه المعتصم فى ذلك فقال: لا أحمله إلا إليك، وكان المعتصم يأمر بأخذه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه لوكيل عبد الله بن طاهر، فلما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله طمع فى ولاية خراسان، فراسل الأفشين مازيار فى الخلاف والخروج، على أنّه إذا خرج احتاج المعتصم إلى إرسال الأفشين لحربه، فينتقل من ذلك إلى ولاية خراسان، فخالف مازيار فكتب المعتصم لعبد الله بن طاهر بحربه، فأرسل ابن طاهر عمّه الحسن بن الحسين فى جيش كثيف لحفظ جرجان، فنزل مقابل سرخاستان، وقد بنى سرخاستان سورا على طميس وجعل له خندقا، ومقدار السور ثلاثة أميال ليمنع من الدخول إلى طبرستان، وكانت الأكاسرة تبنيه لتمنع الترك من الدخول إليها، ووجّه حيّان بن جبلة فى أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حدّ جبال شروين، ووجّه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب ومعه الحسن بن قارن الطبرى، ووجه منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الرى ليدخل طبرستان من ناحية الرى، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب وكان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين على غفلة من الحسن- ونظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا- وبلغ الحسن الخبر فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم خوفا عليهم فلم يقفوا- ونصبوا علمه على معسكر
(22/254)

سرخاستان وهو فى الحمام- فهرب فى غلالة، ودخل أصحاب الحسن السور وهو يقول: اللهم إنهم عصونى وأطاعوك فانصرهم، واستولوا على عسكر سرخاستان وأسر أخوه شهريار فقتله الحسن، وسار سرخاستان حتى أجهده العطش، فنزل عن دابته وشدها، فضربه غلام له اسمه جعفر وجماعة من أصحابه، فسألهم الماء فأمسكوه وقالوا: نتقرب به إلى السلطان، فرجعوا به نحو العسكر فلقيتهم خيل الحسن بن الحسين فأخذوه منهم، وأتوا به الحسن فقتله ووجه برأسه إلى عبد الله بن طاهر.
وأما حيان بن جبلة- مولى ابن طاهر- فإنه كاتب قارن بن شهريار- وهو ابن أخى مازيار، ورغّبه فى الملك وضمنه له، وكان قارن من قواد مازيار وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن ومعه عدة من القواد فضمن له قارن عند ذلك أن تسلم إليه الجبال ومدينة سارية وات؟؟؟ قارن طعاما ودعا عمّه عبد الله والقواد فأتوه، ووضعوا سلاحهم فأحدق بهم أصحابه وقبضوا عليهم ووجّه بهم إلى حيّان فاستوثق منهم، وركب فى أصحابه ودخل جبال قارن، وبلغ الخبر مازيار فاغتّم له، قال: ولما بلغ الخبر أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبال شروين وثبوا على عامل مازيار بها فهرب منهم، وأتى حيان المدينة، وبلغ قوهيار أخو مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان يطلب منه الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجدّه ويسلم إليه مازيار، ثم مات حيان قبل الاتفاق فوجّه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين، ثم صار الحسن بن الحسين إلى خرّماباذ، فأتته رسل قوهيار ثم جاءه بنفسه فأكرمه وأجابه إلى جميع ما طلب، وتواعدوا يوما فحضر مازيار عنده، ورجع قوهيار إلى أخيه مازيار فأعلمه أنه أخذ له الأمان واستوثق له، فركب الحسن يوم الميعاد ومعه ثلاثة غلمان أتراك- وإبراهيم بن مهران يدلّه على الطريق، حتى أتيا هرمز أباذ فأتاه المازيار مع القوهيار، فأخذه ووجّهه إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمز أباذ فأحرق قصر المازيار وانتهب ماله، وسار
(22/255)

إلى خرّماباذ فأخذ إخوة المازيار وحبسهم، وسار إلى مدينة سارية فأقام بها، وأمره عبد الله بن طاهر بإرسال المازيار إلى المعتصم وأهله معه، وأن يسلمه إلى محمد بن إبراهيم ليسير به ففعل ذلك، وأمره أن يستصفى «1» أمواله ويحرزها، فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أنها عند خزّانه فضمن القوهيار ذلك، وقال المازيار: اشهدوا على أن جميع ما أخذت من أموالى ستة وتسعون ألف «2» دينار وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج وسيف مجوهر «3» ، وخنجر»
من ذهب مكلّل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهرا- قيمته ثمانية عشر ألف ألف درهم، وقد سلّمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على عسكره، وكان المازيار قد أخذ هذا ليوصله إلى الحسن ابن الحسين ليظهر للناس أنه أمنه على نفسه وماله وولده، وأنه جعل له جبال أبيه فامتنع الحسن من قبوله- وكان من أعف الناس، ثم أمر الحسن قوهيار أن يتوجه لحمل مال المازيار، وأعطاه من البغال «5» ما يحملها عليها، وأراد أن ينفذ معه جيشا فقال: لا حاجة لى بهم، وسار فى غلمانه ففتح الخزائن وأخذ الأموال، فلما عبّأها وثب عليه مماليك المازيار- وكانوا ديالم «6» ، فقالوا: إنك غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله!! وكانوا ألفا ومائتين فأخذوه وقيّدوه، فلما جنّهم الليل قتلوه وانتهبوا المال؛ وانتهى الخبر إلى الحسن فوجّه جيشا ووجّه قارن جيشا، وبلغ محمد بن إبراهيم الخبر فأرسل فى أثرهم فأخذوا، وبعثهم إلى مدينة سارية
(22/256)

قال: وقد قيل إن سبب أسر المازيار أنه كان له ابن عم اسمه قوهيار، كان له جبال طبرستان وللمازيار السهل، فألزمه مازيار بابه وولّى الجبال غيره، فلما خالف مازيار دعا قوهيار ابن عمه- وقيل كان أخاه، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين وكتبه، وأمره بالعود إلى جبله وحفظه، وأمر الذى ولّاه بعده على الجبل واسمه درّى وأمره بالانضمام إليه بالعساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، وبقى المازيار فى مدينته فى نفريسير، فدعا قوهيار الحقد الذى فى قلبه أن كاتب الحسن وكاتبه الحسن، وضمن له ما يريد وأن يعيد إليه جبله وما كان فى يده لا ينازع فيه، فرضى بذلك ووعده بتسليم الجبل، فلما جاء الميعاد تقدّم الحسن فحارب درّى، وكان درى قد انفرد بالمواضع المخوفة، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشا كثيفا فوافوا قوهيار، فسلّم إليهم الجبل فدخلوه، ودرّى يحارب الحسن ومازيار فى قصره، فلم يشعر إلا والخيل على باب قصره فأخذوه أسيرا، وقيل أخذ وهو يتصيد، وقصدوا به نحو درى وهو يقاتل، فلم يشعر هو وأصحابه إلا والخيل من ورائهم ومعهم مازيار، فانهزم درّى فأدركوه وقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا المازيار فأوعده «1» عبد الله- إن هو أظهره على كتب الأفشين- أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقرّ المازيار بذلك وأحضر الكتب إليه فسيّرها إلى المعتصم، فلما توجه مازيار إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها، فضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم، وكان قتله فى سنة خمس وعشرين.
ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشين والظفر به
قال: وكان الأفشين قد استعمل منكجور- وهو من أقاربه- على أذربيجان، فوجد فى بعض قرى بابك مالا عظيما فأخذه، ولم يطالع به
(22/257)

المعتصم ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد بذلك إلى المعتصم، فطولب بالمال فأنكره وكذّب صاحب البريد وهّم بقتله، فمنعه أهل أردبيل منه فقاتلهم منكجور، فأمر المعتصم الأفشين بعزله فعزله، ووجه قائدا من القوّاد إليه فخلع منكجور يده من الطاعة، وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل، والتجأ إلى حصن من حصون بابك الذى كان قد خرّبها بابك فعمره وأقام به، فبقى شهرا ثم وثب عليه أصحابه فسلّموه للقائد، فقدم به إلى سامرّا فى سنة خمس وعشرين. وقيل إن القائد كان بغا الكبير وأن منكجور خرج إليه بأمان، واتهم الأفشين بمباطنته.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود «1»
ودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين
ذكر القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه
فى هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه، وذلك لما ظهر عنه من مباطنة المازيار وغيره، فأحضره وقوبل على ذلك وحوقق على ما كان قد قصده من الخلاف، وحبس إلى أن مات فى سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل منع عنه الطعام حتى مات، ولما مات أمر المعتصم بإخراجه وصلبه على باب العامة، ووجد بقلفته، ثم ألقى وأحرق وأخذ ماله، ووجد فى داره أصناما وكتابا من كتب المجوس، ورتب المعتصم بعده على الحرس إسحاق بن يحيى بن معاذ. وفيها استعمل إيتاخ على اليمن وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود «2»
ودخلت سنة ست وعشرين ومائتين
فى هذه السنة حج بالناس محمد بن داود بأمر إشناس، وكان إشناس
(22/258)

حاجا وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرها من البلاد التى اجتاز بها إلى مدينة سامرّا.
ودخلت سنة سبع وعشرين ومائتين
ذكر خروج المبرقع بفلسطين
وفى هذه السنة خرج أبو حرب اليمانى المبرقع بفلسطين على المعتصم، وكان سبب خروجه أنّ بعض الجند أراد النزول فى داره وهو غائب، فمنعه بعض نسائه فضربها الجندى بسوط فأصاب ذراعها، فلما رجع أبو حرب إلى داره اشتكت إليه ما فعل بها الجندى، فقتله أبو حرب وهرب وتبرقع، وقصد بعض جبال الأردن فأقام به؛ وكان يظهر بالنهار متبرقعا فإذا جاءه أحد أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، ويذكر الخليفة ويعيبه فاستجاب إليه قوم من فلاحى تلك الناحية، وكان يزعم أنّه أموىّ فقال أصحابه هذا السفيانى، فلما كثر أتباعه من هذه الطبقة، دعا أهل البيوتات فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن بيهس- كان مطاعا فى أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق، فاتصل خبره بالمعتصم فى مرضه الذى مات فيه، فسيّر لحربه رجاء بن أيوب الحضارى فى زهاء ألف رجل من الجند فرآه فى عالم كثير يبلغون مائة ألف رجل، فكره رجاء مواقعته وعسكر فى مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرضين فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقى فى زهاء ألف أو ألفين، وتوفى المعتصم وولى الواثق وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره فأمر الواثق رجاء بقتال من أثار الفتنة، والعود إلى المبرقع ففعل ذلك، وعاد والتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى فى عسكره رجلا له شجاعة غيره، وأنه سيظهر لأصحابه بعض ما عنده، فإذا حمل فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع
(22/259)

فأفرجوا له فجاوزهم «1» ورجع إلى أصحابه، ثم حمل الثانية فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيرا. وقيل إنّ خروجه كان فى سنة ست وعشرين بنواحى الرملة، وصار فى خمسين ألفا، فوجّه المعتصم إليه رجاء الحضارى فقاتله وأخذ ابن بيهس أسيرا، وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفا، وأسر المبرقع فيمن أسر، وحمل إلى سامرا والله تعالى أعلم
ذكر وفاة أبى إسحاق المعتصم وشىء من أخباره
كانت وفاته فى يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان بدء علّته أنّه احتجم فى أول يوم من المحرم فاعتل ومات، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعا مشرب اللون بحمرة حسن العينين وكان شديد القوة، قيل إنه كان يرفع بيده ألف رطل ويمشى بها خطوات، وكان من أشجع الناس، وقيل إنه كان أميّا لا يكتب، ومن العجب أن الرشيد أخرجه من الخلافة وعهد إلى الأمين والمأمون والمؤتمن، فساق الله الخلافة إليه، وجعل الخلافة فى ولده ولم يكن من نسل أولئك خليفة، والمعتصم هو المثمن من اثنى عشر وجها: هو الثامن من ولد العباس، الثامن من الخلفاء منهم، وولى سنة ثمانى عشرة ومائتين، وكانت خلافته ثمانى سنين، وثمانية أشهر، ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وولد فى شعبان وهو الشهر الثامن من الشهور، وخلف ثمانية ذكور:
منهم هارون الواثق وجعفر المتوكل ومحمد المستعين، وثمانى بنات، وغزا ثمانى غزوات، وخلف ثمانية آلاف ألف دينار ومثلها من الدراهم.
قال بعض المؤرخين: كان له من المماليك سبعون ألفا سوى الأحرار.
وكان نقش خاتمه: الله ثقة أبى إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن؛ وزراؤه.
(22/260)

الفضل بن مروان بن أحمد بن «1» عمارة إلى أن نكبه كما ذكرنا، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الذى رثاه بقوله:
قد قلت إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم المعين «2» كنت على ... الدنيا ونعم الظهير «3» للدين
لن «4» يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
حجابه: وصيف مولاه ثم محمد بن حماد. قضاته: شعيب بن سهل ثم محمد بن سماعة ثم عبد الله بن غالب، وقيل إنّ أحمد بن أبى دؤاد الإيادى كان قاضى القضاة، وأن جعفر بن عيسى من ولد الحسن البصرى كان من قضاته، الأمراء بمصر: كيدر ثم ولده المظفر، ثم ردّت مصر إلى اشناس فاستخلف عليها موسى بن «5» ثابت الحنفى من أهل الشاش، ثم مالك بن كيدر ثم على بن يحيى الأرمنى. القضاة بها: هارون الزهرى ثم محمد بن أبى الليث الخوارزمى.
قال: ومن أخبار المعتصم الدالة على كرمه ومكارم أخلاقه أنه بينما هو يسير وحده- وقد انفرد عن أصحابه- إذ مرّ بشيخ معه حمار عليه شوك.
وقد زلق الحمار من المطر وسقط حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره أنه ينتظر من يعينه على رفع الشوك على ظهر الحمار، فنزل المعتصم عن دابته وخلص الحمار من الوحل، ورفع عليه الحمل- والشيخ يقول: بأبى أنت وأمى- لا تهلك ثيابك، فيقول: لا عليك ثم غسل يديه وركب، فقال له الشيخ: غفر الله لك يا شاب، ثم لحقه أصحابه فأمر للشيخ بأربعة آلاف
(22/261)

درهم، ووكل به من يوصله إلى بيته؛ وقال ابن أبى دؤاد: تصدق المعتصم ووهب على يدى مائة ألف ألف درهم، هذا على يد رجل واحد فما ظنّك بغيره!! قال بعض المؤرخين: إنه لما فتح عموريه امتدحه أبو تمام حبيب ابن أوس الطائى بقصيدته التى أولها:
السيف أصدق إنباء من الكتب فأعطاه عن كل بيت بها ألف درهم، وقيل إنّه أقطعه مدينة الموصل رحمه الله تعالى.
ذكر خلافة الواثق بالله
هو أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، وهو التاسع من الخلفاء العباسيين، بويع له فى يوم وفاة أبيه لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائتين
ذكر الفتنة بدمشق
قال: لما توفى المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم، فبعث الواثق إلى رجاء بن أيوب الحضارى، وكان قد توجّه لحرب المبرقع بفلسطين كما قدمناه، فرجع إليهم فنزل بدير مرّان، وكانوا معسكرين بمرج راهط فدعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوا وتوعدوا الحرب بدومة يوم الإثنين، فلما كان يوم الأحد تفّرقت القيسيّة، وسار رجاء إلى دومة الجندل وبعضهم فى حوائجه، فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وقتل من أصحابه ثلاثمائة، وهرب مقدّمهم وهو ابن بيهس، وصلح أمر دمشق وعاد رجاء إلى حرب المبرقع فأسره كما ذكرناه.
وحج بالناس فى هذه السنة جعفر بن المعتصم.
(22/262)

ودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين
فى هذه السنة أعطى الواثق لإشناس تاجا ووشاحين. وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود، وغلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهما، وأصاب الناس فى الموقف حرّ شديد، ثم أصابهم مطرفيه برد، فاشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر الشديد، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجاج.
ودخلت سنة تسع وعشرين ومائتين
فى هذه السنة حبس الواثق الكتاب وألزمهم أموالا عظيمة، فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومق سليمان بن وهب- كاتب إيتاخ- أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح «1» وكتابه مائة ألف دينار «2» ، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار ومن أبى الوزير «3» مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار. وكان سبب ذلك أنه ذكر عنده نكبة البرامكة، وما حصّل الرشيد من أموالهم، فنكبهم بعد جمعة وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود
ودخلت سنة ثلاثين ومائتين
ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة وما كان من أمرهم
فى هذه السنة وجّه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب، الذين أغاروا بنواحى المدينة، وكان سبب ذلك أن بنى سليم كانت تفسد جول المدينة، ثم
(22/263)

قويت شوكتهم واغتصبوا أموال الناس، وأوقعوا بقوم «1» من كنانة وباهلة وقتلوا بعضهم فى جمادى الآخرة من هذه السنة، فوجّه إليهم محمد بن صالح- عامل المدينة- حماد بن جرير الطبرى فى جيش فقاتلوه، واشتد القتال فقتل حمّاد وعامّة أصحابه، وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب، فزاد طمعهم ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، فوجه إليهم الواثق بغا الكبير فى جمع من الجند، فقدم المدينة فى شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرّة- من وراء السّوارقيّة وهى قريتهم، التى يأوون إليها وبها حصون، فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا، وأسر مثلهم وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقيّة ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين فنزل عنده من يعرف منهم بالفساد وهم زهاء ألف رجل، وخلّى سبيل الباقين وعاد بالأسرى إلى المدينة فى ذى القعدة، فحبسهم بها ثم سار إلى مكة، فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق، وعرض على بنى هلال مثل الذى عرض على بنى سليم فقبلوه، فأخذ من مفسديهم نحو ثلاثمائة رجل إلى المدينة فحبسهم، ثم سار إلى بنى مرّة فنقب الأعراب السجن ليخرجوا، فرأت امرأة النقب فصاحت يا أهل المدينة! فجاءوا فوجدوهم قد قتلوا الموكلين وأخذوا سلاحهم، فاجتمع أهل المدينة وقاتلوهم، فقتل سودان المدينة كل من وجدوه منهم، وكان مقتلهم فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وفيها- أعنى سنة ثلاثين ومائتين- مات عبد الله بن طاهر بنيسابور، وهو أمير خراسان والسواد والرى وطبرستان وكرمان وما يتصل بها، وكان خراج هذه الأعمال يوم وفاته ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فاستعمل الواثق على أعماله كلها ولده طاهر بن عبد الله بن طاهر. مات أشناس التركى بعد موت ابن طاهر بسبعة أيام
(22/264)

ودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين
ذكر خبر أحمد بن نصر «1» بن مالك الخزاعى وما كان من أمره
فى هذه السنة تحرّك ببغداد قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى، وجده مالك أحد نقباء بنى العباس، وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن الدورقى وأبى زهير، وكان يخالف من يقول بخلق القرآن ويطلق لسانه فيه، مع غلظة الواثق، وكان يقول إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال: هذا الكافر، وفشا ذلك، وكان يغشاه رجل يعرف بأبى هارون السراج وآخر يقال له طالب وغيرهما، فدعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفرّق أبو هارون وطالب فى الناس مالا، فأعطيا كل رجل دينارا، واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان، ليضربوا بالطبل ويثوروا «2» على السلطان، وكان أحدهما فى الجانب الشرقى من بغداد والآخر بالغربى، فاتفق أن رجلين ممّن بايعهم من بنى الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد، فسمع صاحب الشرطة الطبل فسأل عن الخبر، فدل على رجل يكون فى الحمّام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور، فأخذه وقرّره فقرّ على بنى الأشرس وأحمد بن نصر وغيرهم، فأخذ بعض من سمّى وفيهم طالب وأبو هارون، ورأى فى منزل بنى الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادما لأحمد بن نصر فقرّره فأقرّ بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد فأخذه وهو فى الحمام، وفتش بيته فلم يجد فيه سلاحا ولا شيئا من الآلات، فسيّرهم إلى الواثق مقيدين على بغال بأكف بغير وطاء «3» إلى سامرّا، فجلس الواثق
(22/265)

مجلسا عامّا فيه أحمد بن أبى دؤاد، فلما حضر أحمد بن نصر عند الواثق لم يذكر له شيئا من فعله والخروج عليه، بل قال له: ما تقول فى القرآن؟
قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: فما تقول فى ربك- أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين- جاءت الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال (ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر- لا تضامون فى رؤيته) ، وحدثنى سفيان بحديث رفعه (أنّ قلب ابن آدم [المؤمن «1» ] بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه) ، وكان النبى صلّى الله عليه وسلّم يدعو: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبى على دينك، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟! فقال عبد الرحمن بن إسحاق: هو حلال الدم، وقال بعض أصحاب ابن أبى دؤاد: اسقنى دمه، وقال ابن أبى دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل، وكان كارها لقتله، فقال الواثق: إذا رأيتمونى قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد، فإنى احتسب خطاى إليه، ودعا بالصّمصامة ومشى إليه وهو فى وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقى عنقه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة فى بطنه، وصلب عند بابك وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بها، وكتب فى أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر، وتتبع أصحابه فجعلوا فى الحبوس هذا ما حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل.
وقد حكى الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت «2» خبر مقتله، فذكر ما تقدّم وذكر زيادات أخرى بأسانيد رفعها، قد رأينا أن نثبت منها طرفا، فقال بسند رفعه إلى محمد بن يحيى الصولى: إنّه لما حمل أحمد بن
(22/266)

نصر وأصحابه إلى الواثق بسرّ من رأى جلس لهم الواثق، وقال لأحمد بن نصر: دع ما أخذت له- قال: ما تقول فى القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: أفترى ربك فى يوم القيامة؟
قال: كذا جاءت الرواية، قال: ويحك!! كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر!! أنا أكفر برب هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فذكر من كلام عبد الرحمن بن إسحاق ما تقدم، وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبى دؤاد أنّه كاره لقتله فقال للواثق: يا أمير المؤمنين- شيخ مختلّ لعله به عاهة أو تغير عقل، يؤخر أمره ويستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤديا لكفره، قائما بما يعتقد منه، وذكر من قيام الواثق إليه نحو ما تقدّم، إلا أنّه قال إن الواثق ضرّب عنقه.
ثم قال بسند آخر رفعه إلى جعفر بن محمد الصائغ «1» أنه قال: بصر عيناى- وإلا فعميتا- وسمع أذناى- وإلا فصمتّا- أحمد بن نصر الخزاعى حيث ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله.
وقال بسند آخر إلى العباس بن سعيد «2» : نسخة الرقعة المعلقة فى أذن أحمد بن نصر- بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون- وهو الواثق بالله أمير المؤمنين- إلى القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فأبى إلا المعاندة، فجعله الله إلى ناره.
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات «3» قال: ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكى فقال: يا أمير المؤمنين- ما رئى أعجب من أمر الواثق قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن، قال:
فوجد المتوكل من ذلك وساءه ما سمعه فى أخيه، إذ دخل عليه محمد بن عبد
(22/267)

الملك الزيات، فقال له: يا ابن عبد الملك- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال له: يا أمير المؤمنين- أحرقنى الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، ودخل عليه هرثمة فقال: يا هرثمة- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين- قطعنى الله إربا إربا إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، قال: ودخل عليه أحمد بن أبى دؤاد، فقال:
يا أحمد- فى قلبى من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين- ضربنى الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا، قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار، وأما هرثمة فإنّه هرب وتبّدى، واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل فى الحىّ فقال: يا معشر خزاعة- هذا الذى قتل ابن عمكم أحمد بن نصر، فقطعوه إربا إربا، وأما ابن أبى دؤاد فقد سجنه الله فى جلده.
وقال أحمد بن كامل القاضى «1» عن أبيه أنه وكل برأس أحمد بن نصر من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ببغداد، وأن الموكل به ذكر أنه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة يس بلسان طلق، وأنّه لما أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب. وقال بسند آخر إلى إبراهيم بن إسماعيل بن خلف «2» : كان أحمد بن نصر خلّى، فلما قتل فى المحنة وصلب رأسه أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عليه، وكان عنده رجّالة وفرسان يحفظونه، فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ «3»
فاقشعر جلدى، ثم رأيته بعد ذلك فى المنام وعليه السندس والاستبرق وعلى
(22/268)

رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بك يا أخى؟ قال: غفر لى وأدخلنى الجنّة، إلا أنى كنت مغموما ثلاثة أيام، قلت: ولم؟ قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ بى فلما بلغ خشبتى حوّل وجهه عنى، فقلت له بعد ذلك: يا رسول الله- قتلت على الحق أو على الباطل؟ فقال: أنت على الحق ولكن قتلك رجل من أهل بيتى، فإذا بلغت إليك أستحيى منك.
وقال بسند إلى أبى جعفر الأنصارى «1» : سمعت. محمد بن عبيد- وكان من خيار الناس- يقول: رأيت أحمد بن نصر فى منامى فقلت يا أبا عبد الله ما صنع بك ربك؟ قال: غضبت له فأباحنى النظر إلى وجهه تعالى.
قال: وكان مقتله يوم السبت غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وأنزل رأسه يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وثلاثين ومائتين، وجمع رأسه وبدنه ودفن بالجانب الشرقى فى المقبرة المعروفة بالمالكية
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
فى هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فاجتمع المسلمون على نهر اللّامس على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سلّم «2» بن قتيبة الباهلى على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأنّ الله لا يرى فى الآخرة- فودى به وأعطى دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك فى أيدى الروم، فلما كان فى عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على نهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان
(22/269)

المسلمون يطلقون أسيرا فيطلق الروم أسيرا ويلتقيان فى وسط النهر، ويأتى هذا لأصحابه وهذا لأصحابه حتى فرغوا، وكان عدّة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين «1» نفسا، والنساء والصبيان ثمانمائة، وأهل الذمة مائة نفس.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
ذكر وفاة أبى جعفر الواثق وشىء من أخباره
كانت وفاته بسامرا فى يوم الأربعاء لست بقين من ذى الحجة منها، وكانت علته «2» الاستسقاء فعولج بالإقعاد فى تنور مسخن، فوجد لذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة فى إسخانه، ففعل ذلك وجلس فيه أكثر من اليوم الأول، فحمى عليه فأخرج منه ووضع فى محفة فمات فيها، ولم يشعر به حتى ضرب وجهه المحفة؛ وقيل إن أحمد بن أبى دؤاد حضر وفاته وغمّضه، وقيل إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك
ما ضرّ أهل قليل فى تفاقرهم ... وليس يغنى عن الأملاك «3» ما ملكوا
وأمر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. وقال أحمد بن محمد الواثقى: كنت فيمن يمرّض»
الواثق، فلحقته غثية وأنا وجماعة من أصحابة قيام، فقلنا لو عرفنا خبره! فتقدمت إليه فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت خوفا،
(22/270)

فرجعت إلى خلفى وتعلقت قنبعة «1» سيفى بعتبة المجلس، فاندقت وسلمت من جراحه، ووقفت فى موقفى ثم مات الواثق وسحبناه، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته فى المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغل الناس بأخذ البيعة وجلست على باب المجلس لحفظ الميت، ورددت الباب فسمعت حسّا ففتحت الباب، فإذا جرذ قد دخل من بستان هناك فأكل إحدى عينى الواثق؛ فقلت: لا إله إلا الله- هذه العين التى فتحها من ساعة، فاندق سيفى هيبة لها، صارت طعمة لدابة ضعيفة، فسألنى ابن أبى دؤاد عن عينه فذكرت له القصة فعجب منها، وصلّى عليه ابن أبى دؤاد وأنزله فى قبره، وقيل صلّى علية أخوه المتوكل، ودفن بالهارونى، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستا وثلاثين سنة وشهورا، وقيل سبعا وثلاثين، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام. وكان أبيض مشربا بحمرة جميلا ربع القامة حسن الجسم بعينه اليمنى وقيل اليسرى نكته بياض.
وقد وقفت فى أثناء مطالعتى على حكاية غريبة اتفقت للواثق، أحببت أن أضمها إلى أخباره، وهى ما رواه أبو الفرج الأصبهانى «2» بسنده إلى محمد ابن الحارث، قال: كانت لى نوبة فى خدمة الواثق فى كل جمعة. إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا الا يحضر أحد منا إلا يوم نوبته، فإنى لفى منزلى فى يوم غير يوم نوبتى إذا برسل قد هجموا على، وقالوا لى: احضر، فقلت خيرا «3» ، قالوا: خير، فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرنى فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان- لا تطل «4» وبادر، فقد أمرنا ألا ندعك تستقر على الأرض، فدخلنى فزع شديد وخفت أن يكون سعى بى
(22/271)

ساع «1» ، أو بليّة قد حدثت فى رأى الخليفة علىّ، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل على رسمى من حيث كنت أدخل فمنعت، وأخذ بيدى الخدم فعدلوا «2» بى إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك فى جزعى وغمّى، ثم لم يزل الخدم يسلموننى من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة بالصخر «3» ، ملبّسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة «4» بمثل ذلك.
قال: وإذا الواثق فى صدره على سرير مرصّع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفى حجرها عود، فلما رآنى قال: جوّدت «5» والله يا محمد- إلينا إلينا، فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين- خيرا! قال: خيرا «6» - ما ترانا طلبت والله ثالثا يؤنسنا! فلم أر أحق بذلك منك، فبحياتى بادر فكل شيئا وبادر إلينا، والله «7» - يا سيّدى- قد أكلت وشربت أيضا، قال: اجلس فجلست.
وقال: هاتوا لمحمد رطلا فى قدح فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغنى:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين «8» حبيبها
وما هجرتك النفس يا ليل أنّها ... قلتك ولا أن قلّ منك يصيبها
فجاءت والله بالسحر، وجعل الواثق يجاذبها وفى خلال ذلك نغنى «9» الصوت بعد الصوت، وأغنّى فى خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد، فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة، ضربة
(22/272)

تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتّت عودها، ومرّت تعدو وتصيح وبقيت كالمنزوع الروح، فلم أشك فى أنّ عينه وقعت علىّ- وقد تظرت إلىّ ونظرت إليها، فأطرق ساعة «1» إلى الأرض متحيرا، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإنى لكذلك إذ قال لى: يا محمد- فوثبت، فقال:
ويحك أرأيت أعجب «2» ممّا تهيّأ علينا!! فقلت: يا سيّدى الساعة «3» تخرج روحى، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله، فما كان السبب والذنب «4» ؟
قال: لا والله، ولكنّى ذكرت «5» فى أنّ جعفرا يقعد غدا هذا المقعد، وتقعد معه كما هى قاعدة معى، فلم أطق الصبر وخامرنى ما أخرجنى إلى ما رأيت، فسرّى عنّى وقلت: بل يقتل الله جعفرا ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيدى «6» إرحمها ومر بردّها، فقال لبعض الخدم الوقوف مرّ «7» وجىء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفى يدها عود، وعليها غير الثياب التى كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه وعانقها، فبكت وجعل هو يبكى واندفعت أنا فى البكاء، فقالت: ما ذنبى يا مولاى «8» ؟ وبأى شىء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قال لى وهو يبكى «9» ، فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقى الساعة، وأرحتنى من الفكر فى هذا وأرحت قلبك من الهمّ «10» ، وجعلت تبكى ويبكى ثم مسحا أعينهما، ثم رجعت إلى الغناء، وأومأ إلى خدم وقوف بشىء
(22/273)

لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه، فألبسه إياها، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف «1» فجعلت بين يدى، وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا «2» فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرّقنا، وضرب الدهر ضربة وتولى المتوكل، فو الله إنى لفى منزلى بعد «3» يوم نوبتى، إذ هجم علىّ رسل «4» الخليفة فلم يمهلونى حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت- والله- الحجرة بعينها، وإذا المتوكل فى الموضع الذى كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة، فلما رآنى قال: ويحك ما ترى ما «5» أنا فيه من هذه- منذ غدوة!! أطالبها أن تغنى «6» فتأبى ذلك، فقلت لها: يا سبحان الله تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر!! بحياته غنّى فضربت «7» والله ثم اندفعت تغنّى:
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد «8»
فلا تبعد فكل فتى سيأتى ... عليه الموت يطرق أو يغادى
ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرّت تعدو وهى تصيح وا سيّداه، فقال لى: ويحك ما هذا فقلت: لا أدرى والله- يا سيّدى، قال: ما ترى؟ قلت أرى»
أن تحضر هذه ومعها
(22/274)

غيرها فإنّ الأمر يئول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف فى حفظ «1» الله، فلم أدر ما كانت القصّة.
قال: وكان الواثق قد ذهب فى أموره مذهب المأمون، وشغل نفسه بمحنة الناس فى الدين وأفسد قلوبهم، ولما ولى الخلافة أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ فى إكرامهم وتعاهدهم بالأموال؛ وفرّق فى أهل الحرمين أموالا لا تحصى، حتى إنه لم يوجد فى أيامه بالحرمين سائل، حتى إنّه- لما توفى- كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزنا عليه لإحسانه لهم؛ وأطلق فى خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالا عظيما.
وكان نقش خاتمه: الله ثقة الواثق. أولاده: محمد المهتدى بالله، وعبد الله، وإبراهيم، ومحمد وعائشة. وزيره: محمد بن عبد الملك الزيات. حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمار. قاضيه: أحمد ابن أبى دؤاد. الأمراء بمصر: على بن يحيى الأرمنى ثم عيسى بن منصور من قبل إشناس، فلما توفى إشناس ردّت مصر إلى إيتاخ فأقرّ عيسى بن منصور عليها. قاضيها: محمد بن أبى الليث.
ذكر خلافة المتوكّل على الله
هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه تركية اسمها شجاع، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، قال: ولما توفى الواثق حضر الدار أحمد بن أبى دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر ابن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد
(22/275)

ابن الواثق وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتقون الله- تولون مثل هذا الخلافة!! فتناظروا فيمن يولّونه فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل، فألبسه أحمد بن أبى دؤاد الطويلة وعمّمه وقّبله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، وكان عمر المتوكل يوم ذاك ستا وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر. قال: وأراد ابن الزيات أن يلقّبه، فقال أحمد ابن أبى دؤاد: قد رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا- وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه فكتب به إلى الآفاق. وقيل بل رأى المتوكل فى منامه قبل أن يستخلف كأنّ سكّرا ينزل من السماء- مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصّها على أصحابه فقالوا: هى الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيّق عليه.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات
وفى هذه السنة لسبع «1» خلون من صفر قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وكان سبب ذلك أنّ الواثق كان قد استوزره وفوّض إليه الأمور كلها، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يأتيه بأخباره كلها، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلّم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه وهو لا يكلّمه، ثم أشار إليه بالقعود فجلس، فلما فرغ من الكتب التى بين يديه التفت إليه كالمتهدّد، وقال: ما جاء بك؟
قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عنّى، فالتفت إلى من حوله وقال:
انظروا يغضب أخاه ثم يسألنى أن أسترضيه له، اذهب فإنّك- إذا
(22/276)

صلحت- رضى عنك، فقام من عنده حزينا «1» وأتى أحمد بن أبى دؤاد، فقام إليه واستقبله على باب البيت وقبّل يده، وقال: ما حاجتك؟
جعلت فداك، قال: جئت لتسترضى عنّى أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، وكلّم أحمد الواثق فيه فوعده- ولم يرض غنه، ثم كلّمه ثانية فرضى عنه وكساه قال: ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيّات، كتب أن جعفرا أتانى فى زى المخنثين له شعرقفا، يسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه وأحضره، ومر بجزّ شعر قفاه، قال المتوكل: لما أتانى رسوله لبست سوادا جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنّى، فاستدعى حجاما وأخذ شعرى على السواد الجديد، ثم ضرب به وجهى، فلما ولى المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر، وأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به، وأرسل من أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها، واستصفى أمواله وأملاكه فى جميع البلاد، ثم جعله فى تنّور كان قد عمله هو وعذّب به ابن أسباط «2» وأخذ ماله، وكان التنّور من خشب فيه مسامير من حديد، أطرافها إلى داخل التنور، يمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيّقا بحيث إن الانسان إذا دخل فيه يمد يديه إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، فبقى أياما ومات لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول منها، وقيل: بل ضرب فمات وهو يضرب، وقيل مات بغير ضرب؛ وقد تقدّم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم.
ولما مات ألقى على الباب بقميص فغسّل ودفن، فقيل إن الكلاب
(22/277)

نبشته وأكلت لحمه. قال: وسمع قبل موته يخاطب نفسه ويقول: يا محمد لم تقنعك النعمة والدواب والدار النظيفة والكسوة وأنت فى عافية، حتى طلبت الوزارة- ذق ما عملت بنفسك ثم سكت، وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله عزّ وجل.
وفيها حبس عمر بن الفرج الرخّجى، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطا عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فأخذ عمر صكّه فرمى به إلى صحن المسجد، فحقدها المتوكل ثم حبسه فى شهر رمضان، وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر «1» ألف ألف على أن يرد إليه ضياع الأهواز.
وفيها غضب المتوكل على إبراهيم «2» بن الجنيد النصرانى، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه. وفيها عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولّاه يحيى بن خاقان الخراسانى مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود.
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين
ذكر خبر إيتاخ وابتداء أمره وقتله
كان إيتاخ غلاما خزريا، وكان طبّاخا لسلّام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم فى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة فرفعه المعتصم والواثق وضمّ إليه أعمالا كثيرة، منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم، فلما صار
(22/278)

الأمر إلى المتوكل كان معه على أكثر من ذلك، وجعل إليه الجيش والمغاربة والأتراك والأموال والبريد والحجابة ودار الخلافة، فلما تمكّن المتوكل من الخلافة شرب ليلة، وعربد على إيتاخ فهمّ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه، وقال: أنت ربّيتنى وأنت بمنزلة الوالد وما يناسب ذلك، ثم وضع عليه من يحسّن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل فأذن له، وصيّره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف الخادم فى ذى القعدة «1» . قال: فلمّا عاد إيتاخ من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرّا، فكتب إليه إسحاق: إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم فى دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز، فجاء إلى بغداد فلما لقيه إسحاق أراد النزول له، فحلف إيتاخ عليه ألا يفعل- وكان فى ثلاثمائة من غلمانه، فلما حصل بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: يدخل الأمير أصلحه الله، فدخل إيتاخ ومنع إسحاق أصحاب إيتاخ من الدخول، ووكل بالأبواب وأقام عليها الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوها!! ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه، وأخذوا معه ولديه منصورا ومظفرا وكاتبه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا، وقيّد إيتاخ وجعل فى عنقه ثمانون رطلا، فمات فى جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا أثر، قيل إنهم أطعموه ومنعوه الماء فمات عطشا.
وحجّ بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
(22/279)

ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين.
فى هذه السنة عقد المتوكل البيعة بولاية العهد لبنيه الثلاثة، وهم محمد ولقبه المنتصر، وأبو عبد الله محمد وقيل طلحة وقيل الزبير ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين- أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، وأعطى كل واحد منهم ما نذكره:
فأما المنتصر بالله فأقطعه أفريقية والمغرب كله والعواصم [وقنسرين] «1» والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضرور بيعة وهيت والموصل وعانات «2» والخابور «3» وكوربا جرمى «4» وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها والحرمين واليمن «5» وحضرموت [واليمامة] «6» والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماسبذان «7» ومهرجا نقذق وشهرزور «8» والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان «9» والجبل جميعه وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز بالله فأقطعه كور خراسان وما ينصاف إليها، وطبرستان، والرى، وأرمينية، وأذربيجان وكور فارس، ثم أضاف إليه فى سنة أربعين خزن الأموال فى جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن تختم «10» الدراهم باسمه.
(22/280)

وأما المؤيّد بالله فإنّه أقطعه جند حمص، وجند دمشق، وجند فلسطين «1» .
ذكر ظهور رجل يدعى النبوّة
وفيها ظهر رجل بسامرّا يقال له محمود بن الفرج «2» النيسابورى، وزعم أنّه نبى وأنّه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلا، وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة واثنان بالجانب الغربى، فأتى به وبأصحابه إلى المتوكل فضرب ضربا شديدا، وحمل إلى باب العامة فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يصفعه كل واحد عشر صفعات ففعلوا، وأخذوا له كتابا فيه كلام قد جمعه وذكر أنّه قرآن، وأن جبريل نزل به عليه، ثم مات من الضرب فى ذى الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنّه نبى وأن الوحى يأتيه.
وفيها أمر المتوكل أهل الذمّة بلبس الطّيالسة العسلية، وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين فى مؤخر السرج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثياب، قدر كل رقعة منهما أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليّا، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المستحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم فى أعمال السلطان- ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا فى شعانينهم صليبا، وأن يشعلوا فى الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب بذلك إلى الآفاق.
وحجّ بالناس محمد بن داود
(22/281)

ودخلت سنة ست وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن على رضى الله عنهما
فى هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن على رضى الله عنهما، وهدم ما حوله من المنازل والدور ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى فى الناس فى تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثالثة حبسناه فى المطبق، فهرب الناس وتركوا زيارته وحرث وزرع، وكان المتوكل شديد البغض لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه- ولأهل بيته، وكان يقصد من يتولى عليا وأهل بيته بأخذ المال والروح؛ وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث، وكان أصلع فيشد تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه ويرقص، [والمغنون «1» يغنون] قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين، يحكى بذلك على بن أبى طالب رضى الله عنه، والمتوكل يشرب ويضحك، فرآه المنتصر فتهدّده فسكت خوفا منه، فقال له المتوكل:
ما حالك! فأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين- إنّ هذا الذى يحكيه- هذا الكلب- ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت، ولا تطمع هذا الكلب وأمثاله فيه، فقال المتوكل للمغنين غنّوا:
غار الفتى لابن عمّه ... راس الفتى فى حرامه
وكان هذا من الأسباب التى استحلّ بها المنتصر قتل المتوكل.
وفيها غزا على بن يحيى الأرمنّى الصائفة، فلقى صاحب الروم فى ثلاثين ألفا، وكان علىّ فى نحو ثلاثة آلاف، فهزم الرومىّ وقتل أكثر من عشرين ألفا، ثم مضى إلى عمّورية فافتتحها وغنم ما فيها، وأخرج منها أسارى من المسلمين وكانوا خلقا كثيرا، وخرّب كنائسها، وفتح أيضا حصنا
(22/282)

يقال له الفرطس، فأخرج عشرين ألف رأس من السبى، وغنم غنيمة بلغت مائة ألف وعشرين ألفا- حكاه أبو الفرج الجوزى فى تاريخه «المنتظم فى أخبار الملوك والأمم «1» » وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحجّ المنتصر فى هذه السنة بالناس.
ودخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين
ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم
فى هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه، وكان سبب ذلك أنّه لما صار إلى أرمينية خرج إليه بطريق يقال له بقراط بن أشوط «2» - ويقال له بطريق البطارقة، فطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه معه وسيّرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخى بقراط ابن أشوط، وتحالفوا على قتله ووافقهم على ذلك موسى بن زراره- وهو صهر بقراط، فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل، فلما جاء الشتاء ونزل الثلج أتوه وهو بمدينة طرون، فحصروه بها فخرج إليهم وقاتلهم فقتلوه وقتلوا من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك وانج بنفسك عريانا، فخرجوا حفاة عراة فهلك أكثرهم من البرد، وكان ذلك فى شهر رمضان، وكان يوسف قبل ذلك قد فرّق أصحابه فى رساتيق عمله، فتوجّه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم فى يوم واحد، فلما بلغ المتوكل الخبر وجّه بغا الكبير إليهم، فسار على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زراره وإخوته عيسى وإسماعيل
(22/283)

وأحمد «1» ومحمد وهارون فحملهم إلى المتوكل، وأناخ على قتلة يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، وسبى منهم خلقا كثيرا فباعهم، وسار إلى بلاد الباق فأسر أشوط «2» بن حمزة صاحب الباق من كور اليسفرّجان «3» ، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرا، ثم سار إلى تفليس فحصرها، وبها إسحاق بن إسماعيل مولى بنى أميّة فخرج وقاتل أصحاب بغا، فأمر بغا بإحراق المدينة بالنفط فأحرقت- وكانت من خشب الصنوبر، وأسر إسحاق بن إسماعيل وأتى به إلى بغا فضرب عنقه وصلب جثته، واحترق بالمدينة نحو خمسين ألف إنسان وأسر من سلّم من النار، وفرّق بغا جيوشه فيما يجاور تفليس من الحصون ففتحها، وكان أمر تفليس فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ذكر غضب المتوكل على أحمد بن أبى دؤاد وولاية يحيى بن أكثم القضاء
وفى سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبى دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد وسائر أولاده، فحمّل أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم، وكان أبوهم أحمد قد فلج فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرا، ورضى عنه وولّاه قضاء القضاة ثم ولاه المظالم، فولّى يحيى بن أكثم قضاء الجانب الشرقى حيّان بن بشر والجانب الغربى سوّار بن عبد الله العنبرى، وكلاهما أعور فقال الجماز:
(22/284)

رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة فى الخافقين
هما اقتسما العما نصفين قدرا «1» ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هزّ رأسا ... لينظر فى مواريث ودين
كأنّك قد وضعت عليه دنا ... فتحت بزاله من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
وفيها أمر المتوكل بإنزال خشبة «2» أحمد بن نصر ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد وضم رأسه إلى بدنه وغسل وكفن ودفن، ونهى المتوكل عن الجدال فى القرآن وغيره وكتب بذلك إلى الآفاق وحجّ بالناس فى هذه السنة على بن عيسى بن جعفر بن المنصور.
ودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين
ذكر مسير الروم إلى ديار مصر
فى هذه السنة جاء الروم فى ثلاثمائة مركب مع ثلاثة رؤساء، فأناخ أحدهم فى مائة مركب بدمياط، وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبى، وكان قد أمر جند الثغر أن يحضروا إلى مصر للعيد فحضروا، فاتفق وصول الروم وهى خالية من الجند، فخرج من له قوة منها والتحق بمصر، وطلع الروم إليها فنهبوا وأحرقوا الجامع، وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميّات نحو ستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم وسارت الروم إلى شتوم «3» تنيس، وكان عليه سور له بابان من حديد.
فأخذوهما ونهبوا ما فيه من السلاح ورجعوا.
(22/285)

ودخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين
فى هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس درّاعتين عسليّتين على الدراريع والأقبية، وبالاقتصار فى مراكبهم على البغال والحمير دون الخيل والبراذين.
قال ابن الجوزى «1» وفيها غزا على بن يحيى الأرمنّى الصائفة. فوصل بلاد الروم فقتل عشرة آلاف علج. وسبى سبعة عشر «2» ألف رأس. وأخذ سبعة آلاف دابة. وحرق أكثر من ألف قرية.
وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى- وهو والى مكة.
ودخلت سنة أربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم
فى هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبى المغيث موسى بن إبراهيم «3» ، وكان قد قتل رجلا من رؤسائهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه، فكتب إلى المتوكل فبعث عتاب»
بن عتّاب ومحمد بن عبدويه الأنبارى، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد أبدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فولّ عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم واعلمنى لأمدّك بالجنود، فساروا إليهم فوصلوا فى شهر ربيع الآخر فرضوا بمحمد بن عبدويه، فشرع فى أذاهم وعمل بهم الأعاجيب، فوثبوا به فى سنة إحدى
(22/286)

وأربعين وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل فأمره بمناهضتهم، وأمدّه بجند من دمشق والرملة، فناجزهم وظفر بهم فضرب رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص، وبعث ثمانية من أشرافهم إلى المتوكل، وظفر بعد ذلك بعشرة رجال فضرب أعناقهم، وأمره المتوكل بإخراج النصارى وبهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التى بجانب الجامع فيه ففعل ذلك. وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريب بالبصرة، وولّى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن على قضاء القضاة.
وفيها أخذ أهل الذمّة بتعليم أولادهم العبرانية «1» ومنعوا من العربية، فأسلم منهم خلق كثير، حكاه أبو الفرج بن الجوزى «2» .
وفيها سمع أهل خلاط من السماء صيحة فمات خلق كثير- وكانت ثلاثة أيام، وخسف بثلاث عشرة قرية من قرى أفريقية «3» ، فلم ينج منها إلا اثنان وأربعون رجلا سود الوجوه، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها.
وحجّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود.
ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
قال: وفى هذه السنة عرضت تدورة ملكة الروم على أسرى المسلمين النصرانية، فمن تنصّر جعلته أسوة من قبله «4» من المتنصّرة، ومن أبى
(22/287)

قتلته- حتى قتلت من أسرى المسلمين أثنى عشر ألفا، ثم أرسلت تطلب المفاداة لمن بقى منهم، فأرسل المتوكل شنيفا الخادم على الفداء، وطلب قاضى القضاة جعفر بن عبد الواحد أن يحضر الفداء ويستخلف على القضاء، فأذن له المتوكل واستخلف على القضاء ابن أبى الشوارب- وهو شاب، ووقع الفداء على نهر اللّامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلا، ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة.
ذكر غارة البجاة بمصر
فى هذه السنة غارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة، وكانوا يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما فى بلادهم من معادن الذهب، فامتنعوا من ذلك فكتب صاحب البريد إلى المتوكل بخبرهم، وأنّهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل فى المعادن، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم، فولّى المتوكل محمد بن عبد الله القمّى حربهم، واستعمله على معونة قفط والأقصر وأرمنت وإسنا وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبى- عامل حرب مصر- بإزاحة علّته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل، وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير، فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا من فارس وراجل، وحمل له فى بحر القلزم سبع مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق، وسارت لتوافيه على ساحل البحر ببلاد البجاة، وسار هو إلى بلادهم فى البر حتى بلغ حصونهم، فخرج إليه ملكهم- واسمه على بابا- فى جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على المهارى، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم، فيأخذهم باليد من غير حرب، فأقبلت المراكب التى فيها الأقوات ففرقها محمد- على من معه، فعندها صدقهم على بابا القتال
(22/288)

وقاتلهم قتالا شديدا، وكانت إبلهم زعرة تنفر من كل شىء، فجمع القمى الأجراس وجعلها فى أعناق خيله، وحمل عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت، وسارت على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، ولم يقدروا على إحصاء القتلى لكثرتهم، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرّد عليه مملكته وبلاده، ويؤدى الخراج للمدة التى منعها وهى أربع سنين، فأمّنه محمد وسار به إلى المتوكل، فخلع عليه وعلى أصحابه وكساهم الحلل المدبّجة، وأعاده مع «1» القمى فرجع إلى بلاده وهو على دينه، وكان معه صنم من حجر يسجد له وهو كهيئة الصبى.
وفى جمادى الآخرة منها ماجت النجوم فى السماء، وجعلت تتطاير شرقا وغربا ويتناثر بعضها خلف بعض كالجراد من قبل غروب الشفق إلى وقت الفجر، ولم يكن مثل «2» هذا إلا لظهور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وفيها مات الإمام أحمد بن محمد «3» بن حنبل أبو عبد الله الشيبانى ببغداد، يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة وأيام، وقيل فى هذا التاريخ من شهر ربيع الآخر والله أعلم.
وحجّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود.
ودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
فى هذه السنة خرجت الروم من شمشاط «4» بعد خروج على بن يحيى
(22/289)

الأرمنى من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور الجزرية فانتهبوا وأسروا نحوا من عشرة آلاف، فكتب المتوكل إلى على بن يحيى الأرمنى أن يسير إلى بلادهم شاتيا.
قال أبو الفرج بن الجوزى رحمه الله فى المنتظم «1» وفيها فى شعبان زلزلت الدّامغان، فسقط نصفها على أهلها وعلى الوالى فقتلهم، ويذكر أن الهالكين كانوا خمسة وأربعين ألفا؛ وكانت بقومس ورساتيقها فى هذا الشهر زلازل فهدمت منها الدور، وسقطت بذش [كلها] «2» على أهلها، وسقط «3» نحو من ثلثى بسطام، وزلزلت الرى وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصفهان وقمّ وقاشان، وذلك كله فى وقت واحد، وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض، ورجفت أسدأباذ رجفة أصيب فيها الناس كلهم، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، وانشقت الأرض بقدر ما تدخل الرجل فيها؛ قال: ورجمت السويداء من أرض مصر بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة «4» أعرابى فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال، فحمل منها أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنّيس؛ قال: وذكروا أنّ جبلا باليمن كان عليه مزارع لأهله سار حتى أتى مزارع قوم فصار فيها «5» ، فكتب بذلك إلى المتوكل. قال ابن حبيب: وذكر على بن الوضاح أنّ طائرا دون الرخمة وفوق الغراب أبيض وقع على ذنبه «6» بحلب لسبع مضين من شهر رمضان، فصاح يا معشر الناس: اتقوا الله الله الله، حتى صاخ أربعين صوتا ثم طار، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتا، فكتب بذلك
(22/290)

صاحب البريد وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه؛ ومات رجل فى بعض كور الأهواز فى شوال، فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده «1» وحجّ بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين
فى هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق وعزم على المقام بها، فوصل إليها فى صفر سنة أربع وأربعين ومائتين، ونقل دواوين الملك إليها وأمر بالبناء، ثم استوبأ البلد فرجع إلى سامرّا، وكان مقامه بدمشق شهرين وأياما.
وحجّ بالناس عبد الصمد.
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين
فى هذه السنة وجه المتوكل بغا الكبير لغزو الروم، وكان مسيره من دمشق لما كان المتوكل بها، فسار وفتح صملة؛ وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبى صلّى الله عليه وسلّم تسمى العنزة، وكانت للنجاشى فأهداها للزبير بن العوّام فأهداها الزبير للنبى صلّى الله عليه وسلّم، وهى التى كانت تركز بين بديه صلّى الله عليه وسلّم فى صلاة العيدين، فكان يحملها بين يدى المتوكل صاحب الشرطة.
وحج بالناس عبد الصمد بن موسى. وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين للنصارى وعيد الفطر «2» لليهود فى يوم واحد.
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين
فى هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماحوزة وسماها الجعفرى «3» ، وأقطع
(22/291)

القوّاد وأصحابه فيها وجدّ فى بنائها، وأنفق عليها- فيما قيل- ألف ألف دينار «1» ، وجمع فيها القرّاء فقرءوا وأحضر أصحاب الملاهى، فوهب أكثر من ألفى ألف درهم، وكان يسميها هو وخاصّته المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم ير مثله، وحفر لها نهرا يسقى ما حولها، فقتل المتوكل قبل كمال حفره فبطل الحفر وأخربت الجعفرية.
وفيها زلزلت بلاد المغرب فتهدّمت الحصون والمنازل والقناطر، ففرّق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب منزله، وزلزلت المدائن وأنطاكية فقتل بها خلق كثير وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيّف وتسعون برجا، وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطّع جبلها الأقرع وسقط فى البحر، وهاج البحر ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ ما علم أين ذهب؛ وسمع أهل تنيس «2» صيحة هائلة فمات منها خلق كثير؛ وزلزلت ديار الجزيرة والثغور وهرسوس وأذنة والشام، وهلك أهل اللاذقيّة وجبلة إلا اليسير.
وحج بالناس محمد بن سليمان.
ودخلت سنة ست وأربعين ومائتين
فى هذه السنة كانت للمسلمين غزوات فى الروم برا وبحرا، فغزا الفضل بن قارن فى البحر فى عشرين مركبا «3» ، فافتتح حصن أنطاكية؛ وفيها كان الفداء على يد على بن يحيى الأرمنّى، ففودى بألفين وثلاثمائة
(22/292)

وسبعة «1» وستين نفسا. وفيها ورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دما عبيطا.
وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى
ودخلت سنة سبع وأربعين ومائتين
ذكر مقتل أبى الفضل المتوكل على الله
كان مقتله فى ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوّال من هذه السنة، وكان سبب مقتله أنّه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع باصفهان والجبل، وأقطعها للفتح بن خاقان فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفا، وكان المتوكل أراد أن يصلّى بالناس أول جمعة فى شهر رمضان، وشاع ذلك وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب، فلما أراد الركوب للصلاة قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين- إن الناس قد كثروا من أهل بيتك وغيرهم، فبعض «2» متظلم وبعض يطلب حاجة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهد بالصلاة فليفعل- فأمر المنتصر، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين إن رأيت «3» أن تأمر المعتز بالصلاة لتشرفه بذلك، فأمر المعتز فصلّى بالناس، فلما فرغ من الصلاة قاما إليه فقبلا يديه ورجليه، وانصرف المعتز فى موكب الخلافة حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه خيرا فسره ذلك، ووجد المنتصر له أمرا عظيما، فلما كان عيد الفطر قال المتوكل مروا المنتصر فليصل بالناس، فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين واجتمعوا لذلك، ولا نأمن إن هو لم يركب اليوم أن يرجف الناس بعلّته،
(22/293)

فإن رأى أمير المؤمنين أن يسرّ الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فعل- فركب، وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجّلوا بين يديه، فصلّى ورجع وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه، وقال: إنى رأيت كثرة هذا الجمع وأنّهم تحت يدى فأحببت أن أتواضع لله، فلما كان اليوم الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله، وسرّ فى ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين فحضروا، وأخذ فى الشرب واللهو، ولهج «1» بأن يقول: أنا- والله- مفارقكم عن قليل، ولم يزل فى سروره ولهوه إلى الليل.
وعزم المتوكل والفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قوّاد الأتراك، هذا والمنتصر قد واعد الأتراك على قتل أبيه المتوكل، وكان ذلك لأمور: منها أن المتوكل قد عبث بالمنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرّة يأمر بصفعه، ومرّة يتهدّده بالقتل؛ ثم قال للفتح:
برئت من الله ومن قرابتى من رسول الله إن لم تلطمه، فقام إليه فلطمه مرتين: يمر بيده على قفاه «2» ، ثم قال لمن حضره: اشهدوا علىّ جميعا أنّى خلعت المستعجل يعنى المنتصر، والتفت إليه وقال: سميتك المنتصر فسمّاك الناس- لحمقك- المنتظر «3» ، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر:
لو أمرت بضرب عنقى لكان أسهل علىّ ممّا تفعل بى، فقال: اسقوه، ثم بالعشاء فأحضر فى جوف الليل فخرج المنتصر من عنده، وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال له: امض معى، فقال: إن أمير المؤمنين لم يقم، فقال:
إنّه أخذ منه الشراب، والساعة يخرج بغا والندماء، وأخذ المنتصر يشغل زرافة بالحديث حتى أنتهى به إلى حجرة، وأكلوا طعاما، فما لبثا أن سمعا صيحة وصراخا فقاما، فإذا بغا قد لقى المنتصر فقال له: عظّم الله أجرك يا
(22/294)

أمير المؤمنين، قد مات أمير المؤمنين المتوكل، فجلس المنتصر وأمر بالباب الذى فيه المتوكل فأغلق وأغلقت الأبواب، وبعث إلى وصيف يأمره باحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.
وأما كيفية قتل المتوكل
فإنّه لما خرج المنتصر وأحضرت المائدة وأكل المتوكل والندماء ورفعت المائدة دخل بغا الصغير الشرابى إلى المجلس، وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرنى إذا جاوز السبعة ألا أترك أحدا- وقد شرب أربعة عشر رطلا، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة، فأخرجهم ولم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة وأبو أحمد بن المتوكل، وكان بغا قد أغلق سائر الأبواب إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فلما دخلوا بصربهم أبو أحمد فقال: ما هذا يا سفّل!! وإذا سيوف مسلّلة، فرفع المتوكل رأسه فرآهم فقال: يا بغا ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة فرجعوا إلى ورائهم، فقال لهم بغا: يا سفّل أنتم مقتولون لا محالة فموتوا كراما فرجعوا، فابتدره بغلون «1» وضربه على كتفه وأذنه فقدّه، فقال: مهلا- قطع الله يديك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده فضربها فأبانها، وشركه «2» باغر، فقال الفتح: ويلكم!! أمير المؤمنين، ورمى بنفسه على المتوكل فبعجوه بسيوفهم، فصاح الموت وتنحّى فقتلوه، وكان معهم خمسة من ولد وصيف.
قال: ولما قتلوا المتوكل والفتح خرجوا إلى المنتصر فسلّموا عليه بالخلافة، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف وقالوا: تبايع فبايع، وأرسل
(22/295)

المنتصر إلى وصيف أن الفتح قتل أبى فقتلته، فأحضر فى وجوه أصحابك فحضروا وبايعوه، وكان عبيد الله بن يحيى فى حجرته وبين يديه جعفر بن حامد، فلما علم بقتل المتوكل خرج فيمن معه وكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط وركب فى زورق فأتى منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون- قتل نفسه وقتلنى، واجتمع إلى عبيد الله أصحابه فى غداة يوم الأربعاء، فكانوا زهاء عشرة آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفا، فقالوا: إنما اصطنعتنا لمثل هذا اليوم، فمرنا بأمرك واذن لنا أن نميل على القوم فنقتل المنتصر ومن معه، فأبى ذلك وقال: إنّ المعتز فى أيديهم.
وحكى عن على بن يحيى قال «1» : كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام «2» كتابا من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر من بنى العباس يقتل فى مجلسه فتوقفت عن القراءة فقال: مالك؟ قلت خير، قال: لا بدّ أن تقرأ فقرأت فوجم لذلك، وقال: يا ليت شعرى من هذا الشقى المقتول «3» ؟! فقلت: أخوك الواثق هو العاشر وما كل هذا يضح، قال: وكيف يكون العاشر؟ فذكرت الخلفاء وعددت منهم إبراهيم ابن المهدى فطابت نفسه.
قال: وفسّر علىّ يوما مناما فقال: رأيت دابّة تكلّمنى والله لو كانت بين ألف دابّة ميّزتها، فجرى على خاطرى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «4»
، ثم قلت: الدابّة عجماء لا
(22/296)

تتكلّم، يدل على أن الله يفتح عليك ما لم يقدر غيرك على فتحه، فلما كان بعد شهر أهديت له هدايا فرأى فيها دابّة، فقال لى: هذه والله تلك الدابّة، فقتل بعد أيام.
وقال أبو الوارث قاضى نصيبين «1» : رأيت فى النوم قائلا يقول:
يا نائم العين فى جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكى بتهتان
أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمى وبالفتح بن خاقان «2»
فأتى البريد بعد ثلاثة أيام بقتلهما. قال وكان عمره نحوا من أربعين سنة، ومدة خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام «3» ، ولما مات دفن بالقصر الجعفرى، وصلّى عليه ابنه المنتصر. وكان مربوعا أسمر خفيف العارضين نحيفا «4» ، ونقش خاتمه: على إلاهى اتكالى. أولاده: المنتصر وموسى الأحدب والمعز والمعتز والمؤيد وطلحة الموفق وإسماعيل والمعتمد وغيرهم. وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيات ثم محمد بن الفضل الجرجرائى ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان. حجّابه: وصيف التركى ثم محمد ابن عاصم ثم يعقوب بن قوصرة ثم المرزبان ثم إبراهيم بن الحسن بن سهل وغيره. قضاته: أحمد بن أبى دؤاد ثم يحيى بن أكثم ثم جعفر بن عبد الواحد العباسى. الأمراء بمصر: هرثمة بن النضر «5» من قبل إيتاخ ثم ابنه حاتم ثم على بن يحيى الأرمنى ثم ردّت مصر إلى محمد المنتصر، فاستخلف
(22/297)

إسحاق بن يحيى بن معاذ ثم عبد الواحد بن يحيى ابن عم «1» طاهر بن الحسين ثم عنبسة بن إسحاق الضّبى ثم يزيد بن عبد الله. القضاة بها: محمد بن أبى الليث ثم الحارث بن مسكين ثم القاضى بكّار بن قتيبة
ذكر خلافة المنتصر بالله
هو أبو جعفر محمد بن المتوكل أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد ابن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية، وهو الحادى عشر من الخلفاء العباسيين بويع له على ما ذكرناه فى ليلة قتل المتوكل، قال: ولما أصبح فى يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين حضر الناس من القوّاد والكتّاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم إلى الجعفرية، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا عن المنتصر، أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتلته به فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينبى.
ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين
ذكر خلع المعتز والمؤيّد
قال: ولما استقامت الأمور للمنتصر قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا إنّا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين فيلى المعتز الخلافة فلا يبقى منّا باقية، والرأى أن نعمل فى خلع المعتز والمؤيد، فجدّ الأتراك فى ذلك وألحّوا على المنتصر، وقالوا نخلعهما من الخلافة ونبايع لابنك عبد الوهاب
(22/298)

فأجابهم، وأحضر المعتز والمؤيّد بعد أربعين يوما من خلافته، وجعلا فى دار وجاءت الرسل إليهما بالخلع، فأجاب المؤيّد وامتنع المعتز وقال: إن أردتم القتل فشأنكم، فأخبروا المنتصر بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتا فدخل إليه المؤيّد، وقال له: ويلك يا جاهل، إنّهم نالوا من أبيك- وهوهو- ما نالوا، ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ولا تراجعهم وإن كان فى سابق علم الله أن تلى لتلينّ، فقال أفعل، فخرج المؤيّد وقال:
قد أجاب إلى الخلع، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب، فجلس وقال للمعتز: اكتب بخطّك خلعك، فقال المؤيّد: هات قرطاسك- إمل «1» ما شئت، فأملى عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأنّه لا يحلّ له أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعا له، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحلّ الناس من بيعته- فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب فأبى فأعاد عليه فكتب، وخرج الكاتب «2» عنهما ثم دعاهما المنتصر، فدخلا عليه فأجلسهما، وقال: هذا كتابكما؟
قالا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لهما- والأتراك قيام- أتريانى خلعتكما طمعا فى أن أعيش حتى يكبر ولدى وأبايع له؟ لا- والله- ما طمعت فى ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن لى فى ذلك طمع فو الله لئن يليها بنو أبى أحب إلىّ من أن يليها بنو عمى، ولكنّ هؤلاء- وأومأ إلى سائر الموالى ممن هو قائم عنده وقاعد- وقد ألحّوا فى خلعكما- فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة، فيأتى عليكما فما تريانى صانعا؟ أقتله فو الله ما تفى دماؤهم كلهم بدم بعضكم، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبّلا يده وضمّهما، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبنى هاشم والقواد ووجوه الناس بالخلع، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره.
(22/299)

ذكر وفاة المنتصر بالله
كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه «1» . وكانت علّته الذبحة فى حلقه، أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وقيل كانت علّته من ورم فى معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات، وقيل إنّه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم فمات، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا له ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر «2» أجودها، فأخذ ذلك المبضع المسموم- وقد نسيه الطبيب- ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك ووصّى من ساعته ومات، وقيل غير ذلك.
قال: ولما أفضت الخلافة إليه كان كثير من الناس يقولون: إنما مدة خلافته ستة أشهر- مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، يقولها الخاصة والعامة. وقيل إنّ المنتصر رأى فى منامه رؤيا فانتبه وهو يبكى وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه، فسأله عن سبب بكائه فقال: رأيت فيما يرى النائم المتوكل قد جاءنى وهو يقول: ويحك يا محمد: قتلتنى وظلمتنى وغبنتنى خلافتى، والله لا متّعت بها أبدا إلا أياما يسيرة، ثم مصيرك إلى النار، فقال له عبد الله: هذه رؤيا وهى تصدق وتكذب، بل يعمّرك الله ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ فى اللهو ولا تعبأ بها، ففعل ذلك ولم يزل منكسرا «3» حتى مات. وروى أبو الفرج بن الجوزى بسنده عن على بن يحيى المنجم قال «4» : جلس المنتصر بالله فى مجلس كان أمر أن يفرش له، وكان
(22/300)

فى بعض البسط دائرة كبيرة، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحوالى الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه الموالى والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التى حولها، فقال لبغا: إيش هذا الكتاب «1» ؟ فقال: لا أعلم يا سيدى، فسأل من حضر من الندماء، فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: احضر لى من يقرأه، فأحضر رجلا فقرأ الكتابة وقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال له «2» : يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألحّ عليه وغضب، فقال: يقول- أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبى فلم أمتّع بالملك إلا ستة أشهر، فتغيّر وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يمكث «3» إلا ستة أشهر ومات. وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل ستة أشهر سواء، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر، وقيل أربع وعشرون سنة، ووفاته بسامرا. ولما حضرته الوفاة أنشد:
فما فرحت نفسى بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلّى عليه أحمد بن المعتصم. وكان مربوعا أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدّة. وكان له أربعة أولاد ذكور. وزيره: أحمد بن الخصيب.
حجابه: وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش. قاضيه: جعفر العباسى. أمير مصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها: بكّار.
ذكر خلافة المستعين بالله
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد، وأمه أم ولد اسمها مخارق، وهو الثانى عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين
(22/301)

لأربع وقيل لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكان سبب بيعته أنه لما مات المنتصر اجتمع الموالى فى الهارونى «1» من الغد، وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وغيرهم، واستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضى به بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش، وذلك برأى أحمد بن الخصيب فحلفوا، وتشاوروا فأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم فبايعوه، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وكان ذلك فى ليلة الإثنين، فلما أصبح صار إلى دار العامة فى زى الخلفاء، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يدية الحربة قبل طلوع الشمس، واستوزر أوتامش، واستكتب أحمد بن الخصيب.
وحضر أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم، فبينما هو كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحو خمسين فارسا ذكروا أنّهم أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر. ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح وصاحوا: معتز «2» يا منصور، وتحرّك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية وكثروا، فحمل عليهم المغاربة وبعض الأشروسنية فهزموهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم. قال: ولما دخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة انتهبوا الخزانة التى فيها السلاح، فأتاهم بغا الصغير فى جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة وكثر القتل من الفريقين.
وتحرّك أهل السجن بسامرّا فهرب منهم جماعة. ثم وضع العطاء على البيعة وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبايع له هو والناس ببغداد.
(22/302)

وفى هذه السنة ورد على المستعين الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان فى شهر رجب، فعقد لابنه محمد بن طاهر على خراسان ولمحمد ابن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد وأفرده به. وفيها مات بغا الكبير فعقد لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه كلها؛ وفيها خرج عبيد الله «1» بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجّه خلفه ينفيه إلى برقة ومنعه من الحج؛ وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما، وأشهد عليهما القضاة والفقهاء، وترك للمعتز ما يتحصّل منه فى السنة عشرين ألف دينار وللمؤيد ما يتحصل منه فى السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا فى حجرة فى الجوسق ووكل بهما، وكان الأتراك أرادوا قتلهما حين شغب الغوغاء، فمنعهم أحمد بن الخصيب وأشار بحبسهما فحبسوهما. وفيها غضب الموالى على أحمد بن الخصيب فى جمادى الآخرة، واستصفوا ماله ومال ولده ونفى إلى إقريطش. وفيها شغب أهل حمص على عاملهم كيدر فأخرجوه، فوجّه إليهم الفضل بن قارن فقتل منهم خلقا كثيرا. وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرّا. وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرا. وعقد لبغا الشرابى على حلوان وماسبذان ومهرجا نقذق.
وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخاصّة أموره، وقدّمه هو وأوتامش على جميع الناس.
وحج بالناس محمد بن سليمان.
ودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين
ذكر الفتنة ببغداد
فى هذه السنة شغب الجند الشاكرية ببغداد غضبا على الأتراك، لتمكّنهم وقتلهم المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، يقتلون من شاءوا من
(22/303)

الخلفاء ويستخلفون من أحبوا من غير نظر للمسلمين. فاجتمعت العامة بالصراخ ببغداد والنداء بالنفير. وانضم الأبناء والشاكرية تظهر أنّها تطلب الأرزاق وذلك فى أول صفر. ففتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وابراهيم ابنى هارون كاتبى محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالا كثيرة وفرّقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحى الجبال وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم، فلم يأمر الخليفة فى ذلك بشىء ولا بتوجيه عسكر، وكان قيام هؤلاء غضبا لقتل عمر بن عبيد الله «1» وعلى بن يحيى الأرمنى، وكانا قتلا فى غزو الروم.
وفيها فى شهر ربيع الأول وثب نفر من الناس بسامرّا لا يدرى من هم، ففتحوا السجن وأخرجوا من فيه فبعث فى طلبهم جماعة من الموالى.
فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأوتامش ووصيف وعامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة، فرمى وصيف بحجر فأمر بإحراق ذلك المكان.
وانتهبت المغاربة منازل جماعة من العامة ثم سكن ذلك فى آخر النهار.
ذكر قتل أوتامش الوزير
كان مقتله فى هذه السنة، وسبب ذلك أن المستعين كان أطلق يد والدته ويد أوتامش ويد شاهك فى بيوت الأموال، وأباحهم فعل ما أرادوا فكانوا يقتسمون ما يرد من الآفاق من الأموال، وأخذ أوتامش أكثر ما فى بيوت الأموال، وكان العباس بن المستعين فى حجره فكان يأخذ له ما فضل عن هؤلاء الثلاثة من الأموال يصرفه فى نفقاته، ووصيف وبغا بمعزل عن ذلك فغضبا، وأغريا الموالى بأوتامش وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه وعسكروا فى شهر ربيع الآخر، وأتوا الجوسق- وهو فيه مع
(22/304)

المستعين- فأراد الهرب فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، وأقاموا على ذلك يومين، ثم دخلوا الجوسق فأخذوه وقتلوه، وقتلوا كاتبه ابن القاسم، ونهبت دور أوتامش فأخذوا منها أموالا جمة ومتاعا وغير ذلك.
واستوزر المستعين بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد «1» ، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولّاه عيسى بن فرّخانشاه، وولى وصيفا الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا على أبى صالح فهرب إلى بغداد، واستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائى.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام.
ودخلت سنة خمسين ومائتين
فى هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب بالكوفة، وفتح السجون وأخرج من فيها وكثر جمعه، وكان من أخباره وقتله ما نذكره فى أخبار آل أبى طالب. وفيها كان ابتداء الدولة العلوية بطبرستان، بظهور الحسن بن زيد العلوى على ما نذكره فى أخبارهم أيضا إن شاء الله تعالى.
وفيها وثب أهل حمص وقوم من كلب على عاملهم- الفضل بن قارن أخى مازيار بن قارن فقتلوه، فوجّه المستعين موسى بن بغا الكبير، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرّستن وحاربوه، فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أعيانها.
وحج بالناس فى هذه السنة جعفر بن الفضل والى مكة.
(22/305)

ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
ذكر قتل باغر التركى
فى هذه السنة قتل باغر التركى. قتله بغا ووصيف، وسبب ذلك أنّه أحد قتلة المتوكل على ما ذكرناه، فزيد فى أرزاقه فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها «1»
. رجل من أهل باروسما بألفى دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية يقال له ابن مارمة «2» بوكيل لباغر، فتناوله فحبس ابن مارمة وقيّد، ثم تخلّص وسار إلى سامرا فلقى دليل بن يعقوب النصرانى وهو يومئذ صاحب أمر بغا الشرابى، وكان صديقا له وكان باغر أحد قواد بغا، فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمه وانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلا، وكان باغر شجاعا يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا فى ذى الحجة سنة خمسين وهو سكران، وبغا فى الحمّام فدخل عليه وقال: ما من قتل دليل بدّ، فقال له بغا: لو أردت ولدى ما منعتك منه ولكن اصبر فإنّ أمور الخلافة بيد دليل، فإذا أقمت غيره افعل ما تريد، وأمر بغا دليلا ألا يركب وأقام فى كتابته غيره، يوهم باغر أنه قد عزله فسكن باغر، ثم أصلح بغا بينهما وباغر يتهدده. قال: ولزم باغر خدمة المستعين فثقل عليه، فلما كان نوبة بغا فى منزله قال المستعين: أى شىء كان إلى إيتاخ من الخدمة، فأخبره وصيف، فقال: ينبغى أن يجعل ذلك إلى باغر، فسمع دليل ذلك فركب إلى بغا، فقال له: أنت فى بيتك وهو فى تدبير غيرك «3» - وإذا عزلت قتلت، فركب بغا إلى دار الخليفة فى يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلنى، فحلف أنّه ما علم ما أراد الخليفة، واتفقا على إخراج باغر. من الدار وحلفا على ذلك، ودبّرا فى الحيلة عليه- فأرجفوا له أنّه يؤمرّ ويخلع عليه،
(22/306)

ويكون فى موضع بغا ووصيف، فأحسّ باغر بالشر فجمع إليه الجماعة الذين كانوا وافقوه على قتل المتوكل وغيرهم، فجدّد العهد عليهم فى قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على بن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لنا كما هو لهذين، فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف وقال لهما: أنتما جعلتمانى خليفة ثم تريدان قتلى، فحلفا أنهما ما علما بشىء فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم على أخذ باغر ورجلين من الأتراك وحبسهم، وطلبوه فأقبل فى عدة فعدل به إلى حمام وحبس فيه، فبلغ الأتراك الخبر فوثبوا على اسطبل الخليفة فانتهبوه، وركبوا ما فيه وحضروا إلى باب الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.
ذكر مسير المستعين إلى بغداد
قال: ولما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح ودليل إلى بغداد فى حرّاقة، وركب جماعة من قواد الأتراك إلى «1» أصحاب باغر، فسألوهم الانصراف فلم يفعلوا، فلما علموا بانحدار المستعين ومن معه ندموا، ثم قصدوا دار دليل ودور أهله وجيرانه فنهبوها، حتى صاروا إلى أخذ الخشب. قال: ومنع الناس الأتراك من الانحدار إلى بغداد، فأخذوا ملاحا قد أكرى سفينته فصلبوه على دقلها، فامتنع أصحاب السفن؛ ووصل المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر فى داره، ثم وافى القواد بغداد سوى جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلّة الكتّاب والعمال وبنو هاشم وجماعة من أصحاب بغا ووصيف. وبايع أولئك للمعتز وحاصروا بغداد، وكان من خلع المستعين وقتله ما نذكره فى أخبار المعتز إن شاء الله تعالى.
(22/307)

ذكر البيعة للمعتز بالله
هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قبيحة، وهو الثالث عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له البيعة الأولى فى هذه السنة ثم بويع له البيعة العامة ببغداد لأربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، بعد خلع المستعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وكان سبب البيعة له أن المستعين لما استقر ببغداد أتاه جماعة من قواد الأتراك، ودخلوا عليه وألقوا نفوسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم فى أعناقهم وسألوه الصفح عنهم، فوبخهم وسبّهم ثم عادوا سألوه وتضرّعوا له، فقال: قد رضيت عنكم وعفوت، فقال له أحدهم- واسمه بايكباك «1» -: إن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرا، فإن الأتراك ينتظرونك، فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فضربه، وقال له محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين- قم فاركب معنا!! فضحك المستعين وقال: هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام، ثم قال لهم المستعين:
ارجعوا إلى سامرا فإنّ أرزاقكم دارّة عليكم، وأنظر أنا فى أمرى فرجعوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا من وراءهم خبرهم وزادوا وحرّفوا فأجمعوا على إخراج المعتز وكان هو والمؤيد فى حبس «2» الجوسق، وعليهم من يحفظهم، فأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره- وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، فأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يوف المال فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم، وكان المستعين خلّف بسامرا فى بيت المال خمسمائة ألف دينار، وفى بيت مال أم
(22/308)

المستعين ما قيمته ألف ألف دينار، وفى بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، قال: وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النقرس، فجىء به فى محفّة فامتنع من البيعة، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعا فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتز: أكرهت على ذلك وخفت السيف، فقال: ما علمنا بإكراهك، وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلّق «1» نساءنا ونخرج من أموالنا؟! ولا ندرى ما يكون، إن تركتنى حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف، فتركه المعتز، وكان ممّن بايع إبراهيم بن الديرج وعتّاب بن عتّاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرطة واستعمل على الدواوين وبيت المال وعلى الكتابة وغير ذلك.
قال: ولما وصل خبر بيعة المعتز إلى محمد بن عبد الله أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا، وكتب إلى مالك بن طوق فى المسير إلى بغداد هو وأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة «2» بن قيس وهو على الأنبار فى الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلى فى منع السفن والميرة عن سامرا، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم فى ذلك فأدير عليها السور، وأمر بحفر الخنادق من الجانبين، وجعل على كل باب قائدا، فبلغت النفقة على ذلك ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار، ونصبت المجانيق والعرّادات على الأبواب وشحن الأسوار، وفرض فرضا للعيارين ببغداد وجعل عليهم عريفا، وعمل لهم تراسا من البوارى المقيّرة، وأعطاهم المخالى ليجعلوا فيها الحجارة للرمى، وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا، وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلد وموضع أن يحملوا الخراج
(22/309)

إلى بغداد، وكتب إلى الجند والأتراك الذين بسامرا بنقض بيعة المعتز- مراجعة الوفاء له، وذكر أياديه عندهم ونهاهم عن النكث؛ وجرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات، فالمعتز يدعوه إلى بيعته ويذكره بما كان المتوكل أخذ عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل منهما على صاحبه. قال:
وكتب كل من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام فانصرف إلى المعتز وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلّف بعد أبيه، فاعتذر وقال لأبيه: إنما جئت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياما ثم هرب إلى سامرا، واعتذر إلى المعتز وقال: إنما صرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها، فقبل عذره وردّه إلى خدمته، وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه جماعة من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغداد
قال: ثم عقد المعتز لأخيه أبى أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب المستعين ومحمد بن عبد الله. وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها، وجعل التدبير إلى كلباتكين «1» التركى، فسار فى خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، ونزل بباب الشماسية لسبع خلون من صفر، فراسله المستعين فى الكف عن القتال، وبذل له «2» الأموال وأن يكون المعتز ولى عهده، فأبى أبو أحمد ذلك فأمر المستعين عساكره ألا يبدأوا بقتال، قال: وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم بل ادفعوهم.
قال: ثم تقدم الأتراك إلى باب الشماسية. فخرج إليهم الحسين «3» بن
(22/310)

إسماعيل فاقتتلوا، فقتل من الفريقين وجرح- وانهزم أهل بغداد. وسيّر الأتراك رءوس القتلى إلى سامرا. ووجّه المعتز عسكرا من الجانب الغربى فساروا إلى قطربل لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول «1» فأخرج إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جيشا فاقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأصحاب المعتز. وكان بين الفريقين عدة وقائع يطول شرحها.
قال: وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قائما فى خدمة المستعين أحسن قيام. فغيّره عبيد الله «2» بن يحيى بن خاقان. وقال له: إنّ هذا الذى تنصره وتجدّ فى أمره هو أشد الناس نفاقا. وأبدى للمستعين مساوئ كثيرة.
فتغيّر محمد بن عبد الله بن طاهر. فلما كان يوم الأضحى صلّى المستعين بالناس، ثم حضر محمد إليه وعنده الفقهاء والقضاة. فقال له: لقد كنت فارقتنى على أن تنفّذ أمرى فى كل ما أعزم عليه. وخطك عندى بذلك.
فقال المستعين: أحضر الرقعة فأحضرها. فإذا فيها ذكر الصلح. وليس فيها ذكر الخلع فقال: نعم امض الصلح «3» . فخرج محمد بن عبد الله بن طاهر إلى ظاهر باب الشماسية. فضرب له مضرب كبير فنزل فيه ومعه جماعة من أصحابه. وجاء أبو أحمد فى سمارية فصعد إليه. وتناظرا طويلا ثم خرجا، فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنّه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار. وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة. وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه. ويولى وصيف الجبل وما والاه. ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله
(22/311)

وجند بغداد، والثلثان للموالى والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع. وظن أن وصيفا وبغا معه فكاشفاه، فقال: النطع والسيف.
فقال له ابن طاهر: لا بد من خلعها طائعا أو مكرها، فأجاب إلى الخلع وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه، أنّه صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة، وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من أصحابه، فأتوه فمنّاهم، وقال: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء، وأمرهم بالخروج إلى المعتز بالشروط التى شرطها للمستعين ولنفسه وقوّاده، ليوقع المعتز عليها بخطه فتوجهوا إلى المعتز فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم ووجّه معهم من يأخذ البيعة له على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد أن فتشوا وأخذ ما معهم.
ذكر خلع المستعين وخلافة المعتز بالله
ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
قال: وخلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله بن المتوكل وهى البيعة العامة للمعتز، وخطب له ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها. قال: ولما كتب كتاب الشروط دخل محمد [بن عبد الله] «1» بن طاهر إلى المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب شروط الأمان، فقال: يا أمير المؤمنين- قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده غاية التأكيد، فقرأه عليه ليسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لى إلى توكيدها، فما القوم بأعلم بالله منك، ولقد أكّدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت، فما ردّ محمد شيئا.
(22/312)

ذكر أخبار المستعين بعد خلعه وما كان من أمره إلى أن قتل وذكر أولاده وعمّاله ومدة عمره وخلافته
قال: ولما أشهد المستعين على نفسه بالخلع نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل، ومعه عياله «1» وجميع أهله، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم وسيّروا إلى المعتز مع عبيد الله «2» بن عبد الله بن طاهر، ومنع من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة، فقيل له إن البصرة وبيّة، فقال:
أهى أوبأ أو ترك الخلافة؟! وقال بعض الشعراء فى خلع المستعين:
خلع الخليفة «3» أحمد بن محمد ... وسيقتل التالىّ له أو يخلع
ويزول ملك بنى أبيه ولا يرى «4» ... أحد بملك مهم يستمتع «5»
إيها بنى العباس إنّ سبيلكم ... فى قتل أعبدكم سبيل «6» مهيع
رقعتم دنياكم فتمزّقت ... بكم الحياة تمزقا لا يرقع
قال: وسيّر المستعين إلى واسط، ثم كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتسليمه إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين به بذلك، ثم أرسل أحمد بن طولون فى تسليمه فأخذه أحمد، وسار به إلى «7» القاطول فسلّمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات. وقيل بل جعل فى رجله حجرا وألقاه فى دجلة، وقيل كان قد حمل معه داية له، فلما أخذه سعيد وضربه صاح وصاحت دابته، فقتل وقتلت
(22/313)

معه وحمل رأسه إلى المعتز وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا راس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست، فلما فرغ نظر إليه وأمر به فدفن، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولّاه معونة البصرة.
قال: وكان مقتل المستعين فى آخر شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وعمره احدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر إلا أياما وقيل أكثر، ومدة خلافته إلى أن خلع نفسه ثلاث سنين وسبعة أشهر. ونقش خاتمه: فى الاعتبار غنى عن الاختبار. وكان سمينا صغير العينين كبير اللحية أسودها بوجنته خال أسود، وكان فيه لين وانقياد لأتباعه؛ قال: وسبب تلقيبه بالمستعين أنه لما بويع له بالخلافة قال: أستعين بالله وأفعل. قال: ولم يل الخلافة من لدن المنصور إلى هذا الوقت من لم يكن أبوه خليفة غيره. وذكر ابن مسكويه فى كتاب تجارب الأمم: أن المستعين أخو المتوكل لأبيه.
والصحيح أنه ولد أخيه محمد بن المعتصم، وكان له من الأولاد الذكور ستة. وقد ذكرنا وزراءه أثناء دولته. حجابه: أوتامش ثم وصيف ثم بغا.
قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب «1» الأموى وقيل جعفر بن محمد بن عمار البرجمى «2» . الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها بكّار بن قتيبة.
(22/314)

نعود إلى الحوادث فى أيام المعتز بالله فى بقية شهور سنة اثنتين وخمسين.
ذكر حال وصيف وبغا
قال: وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فى اسقاط اسم بغا ووصيف ومن معهما من الدواوين، فوجّه وصيف أخته سعاد «1» إلى المؤيد وكان فى حجرها، فكلّم المؤيد المعتز فى الرضى عن وصيف فرضى عنه، وتكلم أبو أحمد ابن المتوكل فى بغا فرضى عنه، وعاد إلى سامرّا وأعادهما المعتز إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهما وعقد لهما على أعمالهما، وجعل البريد إلى موسى بن بغا الكبير، واستوزر أحمد بن أبى اسرائيل.
وفيها شغب الجند ببغداد على محمد بن عبد الله فى طلب أرزاقهم، ففرّق فيهم ألفى دينار، ثم شغبوا مرة ثانية وعسكروا بباب الشماسية وباب حرب، وكانت بينهم وبين أصحاب محمد وقعات، ثم تفرّقوا ورجعوا إلى منازلهم.
ذكر خلع المؤيد وموته
وفى شهر رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده، وحبسه هو وأبا أحمد وقيّد المؤيد وقيل أنه ضربه أربعين مقرعة، وأخذ خطّه بخلع نفسه، ثم بلغه أن الأتراك يريدون إخراجه فأخرجه من الغد ميتا. وأوقف القضاة والفقهاء والوجوه عليه، وأنّه لا أثر به ولا جراحة.
وحمل إلى أمّه ومعه كفنه وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج فى لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات، وقيل إنّه أقعد فى الثلج وجعل على رأسه منه فمات من البرد. وكان ذلك فى شهر رجب.
(22/315)

ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة
وفى مستهل شهر رجب كانت الفتنة بين الطائفتين، وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرّخانشاه فضربوه وأخذوا دابته، فاجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد «1» وأخرجوا الأتراك من الجوسق، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتقيمون وزيرا، وصار الجوسق وبيت المال فى أيدى المغاربة وأخذوا دواب الأتراك، والتقوا هم والمغاربة وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوا، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم على أن لا يحدثوا شيئا، فمكثوا مدة ثمّ اجتمع الأتراك فقتلوا محمد بن راشد ونصر بن سعيد.
وفيها خرج مساور بن عبد الحميد «2» البجلى الموصلى بالموصل بالبوازيج، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها عقد لعيسى بن الشيخ- وهو من ولد جسّاس بن مرّة- على الرملة، فأنفذ خليفته أبا المغراء «3» إليها فاستولى على فلسطين جميعها، فلما كان من أمر الأتراك بالعراق ما كان تغلّب على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة واستبّد بالأموال.
وحجّ بالناس محمد بن عيسى «4»
ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين
ذكر قتل وصيف
وفيها قتل وصيف وسبب ذلك أن الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا
(22/316)

وطلبوا أرزاقهم لاربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما فكلّمهم فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال، وقال لهم بغا: نعم نسأل أمير المؤمنين، ودخلوا دار إشناس، ومضى سيما وبغا إلى المعتز وبقى وصيف فى أيديهم، فقتلوه ونصبوا رأسه على محراك تنوّر، فجعل المعتز ما كان لوصيف إلى بغا الشّرابى الصغير، وألبسه التاج والوشاحين.
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعى
كانت وفاته فى الليلة الرابعة عشر من ذى القعدة، وكانت علّته قروحا أصابته فى حلقه ورأسه فذبحته، ولما اشتد مرضه كتب إلى عمّاله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فلما مات تنازع ابنه طاهر وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلّى عليه ابنه، ثم وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله.
وفيها نفى أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة ثم ردّ إلى بغداد، ونفى على بن المعتصم إلى واسط ثم ردّ إلى بغداد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن محمد بن سليمان وفيها كان ابتداء دولة يعقوب بن الليث الصفّار وملك هراة وبوشنج على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين
ذكر مقتل بغا الصغير الشّرابى
كان سبب قتله أنّه كان يحرّض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز لا يوافقه على ذلك ويكرهه، واتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرّا إلى بايكباك
(22/317)

التركى ومن معه. وهم من المنحرفين عن بغا. وبايكباك قد شرب مع بغا فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بايكباك. فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور، وأقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا فبلغ ذلك بغا.
فخرج فى ألف فارس من غلمانه وقوّاده. فصار إلى السنّ فلما جنّه الليل ركب فى زورق. ومعه خادمان وشىء من المال الذى صحبه. وكان قد صحبه تسع عشرة بدرة من الدناينير ومائة بدرة من الدراهم. ولم يحمل معه سلاحا ولا سكينا ولم يعلم به أحد من عسكره. فصار إلى الجسر فى الثلث الأول من الليل، وخرج إلى البستان الخاقانى فلحقه عدة من الموكلين بالجسر. فوقف وعرّفهم نفسه وقال: إما أن تذهبوا معى إلى صالح بن وصيف. وإما أن تصيروا معى حتى أحسن إليكم. فتوكّل به بعضهم وأرسلوا إلى المعتز بخبره فأمر بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز. فنصب بسامرا وببغداد وأحرقت المغاربة جثّته. قال: وكان أراد أن يختفى عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد- وكان قد قرب- خرج هو وصالح ووثبا بالمعتز. فلم يمهله القدر.
وحج بالناس على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد.
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين
ذكر خلع المعتز بالله وموته وشىء من أخباره
وفى يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر رجب منها خلع المعتز. وكان سبب ذلك أن الأتراك شغبوا فى طلب أرزاقهم. وصاروا إلى المعتز وقالوا:
أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف- وكان صالح قد دبّر عليه. فلم يجد ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار. فأرسل المعتز إلى أمّه يسألها أن تعطيه مالا يعطيه لهم. فقالت: ما عندى شىء، فلما رأى الأتراك أنّهم
(22/318)

لا يحصل لهم من المعتز وأمه شىء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة والفراغنة على خلع المعتز، فصاروا إليه وصاحوا به، ودخل صالح بن وصيف ومحمد بن بغا وبايكباك فى السلاح وجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينا، فقال: قد شربت دواءا بالأمس وأفرط فى العمل، وإن كان أمر لا بدّ منه فليدخل بعضكم، فدخل إليه جماعة فجروا برجله إلى باب الحجرة.
وضربوه بالدبابيس وخرّقوا قميصه وأقاموه فى الشمس فى الدار، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبعضهم يلطمه وهو يتقى بيده، ثم أدخلوه حجرة وأحضروا ابن أبى الشوارب وجماعة فشهدوا على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وأخته الأمان، وكانت أمه قد اتخذت فى دارها سردابا فخرجت منه هى وأخت المعتز. قال: وسلّموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه، ثم أدخلوه سردابا وجصّصوه عليه فمات، فأخرجوه لليلتين خلتا من شعبان وأشهدوا على موته بنى هاشم والقوّاد، وأنّه لا أثر به ودفنوه بسامرّا مع المنتصر، وصلّى عليه المهتدى بالله. وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر إلا أياما، وقيل أربعا وعشرين سنة وثلاثة وعشرين يوما.
ومدة خلافته من لدن بويع له بسامرّا إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرون يوما. وكان أبيض أكحل أسود الشعر كثيفه حسن العينين- وكان يوثر اللذات. وكان نقش خاتمه: الحمد لله رب كل شىء وخالقه. ولده: عبد الله صاحب التشبيهات والشعر الرائق. وزراؤه:
جعفر بن محمود «1» الإسكافى ثم عيسى بن فرّخانشاه ثم أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنبارى. قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب. حاجبه: صالح بن وصيف وكان غالبا على أمره. الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله ثم مزاحم بن
(22/319)

خاقان «1» أخو الفتح ثم ابنه أحمد ثم أرخوز «2» التركى ثم أحمد بن طولون. قاضيها: بكّار بن قتيبة «3» .
ذكر خلافة المهتدى بالله
هو أبو عبد الله محمد بن هارون الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى ابن المنصور، وأمه رومية اسمها قرب، وهو الرابع عشر من الخلفاء العباسيين بويع له يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ولقّب بالمهتدى ولم يقبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة فى تسليمها إلى محمد بن الواثق وبايعه، فبايعه الخاصة والعامة بسامرا؛ قال: وكتب إلى سليمان بن عبد الله أن يأخذ له البيعة ببغداد، فورد كتابه فى سلخ شهر رجب، وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره، فثار من ببغداد «4» من الجند والعامة لما بلغهم خبر المعتز، وأتوا باب سليمان فقاتلهم أصحابه، فقيل لهم ما ورد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا من الغد، وهجموا دار سليمان فى اليوم الثالث ونادوا باسم أبى أحمد ودعوا إلى بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم الخير ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرّق فيهم، فرضوا وبايعوا للمهتدى وذلك لسبع خلون من شعبان.
ذكر ظهور قبيحة أم المعتز بالله
كانت قد خرجت من السرداب الذى صنعته فى دارها واستترت،
(22/320)

وكان سبب هربها أنّها كانت واطأت بعض الكتّاب على الفتك بصالح بن وصيف، فأوقع بهم صالح وعذّبهم فعلمت أنهم لا يكتمون عنه أمرها، فخرجت وأخرجت ما فى الخزائن إلى خارج الجوسق، فلما جرت «1» الحادثة على ابنها علمت أن حالها لا يخفى، وأن الذى تختفى عنده يطمع فى مالها وفى نفسها ويتقرّب إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما، وظهرت فى شهر رمضان وأحضرت أموالها من بغداد وهى خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، من جملتها دار وجد فيها ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار، ووجدوا فى سفط مقدار مكوك من الزمرد لم ير الناس مثله وفى سفط آخر مكوك من اللؤلؤ الكبار. وفى سفط آخر مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذى لا يوجد مثله، فحمل الجميع إلى صالح. فسبّها وقال: عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار- وعندها هذا المال جميعه!! ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت تدعو على صالح بصوت عال تقول: اللهم اخز صالحا كما هتك سترى، وقتل ولدى، وبدّد شملى، وأخذ مالى. وغرّبنى عن بلدى.
وركب الفاحشة منّى؛ وكان المتوكل سماها قبيحة لجمالها- فهو من أسماء الأضداد.
وفيها استولى مساور الخارجى على الموصل. وفيها خرج صاحب الزّنج فى فرات البصرة. وكان منه ما نذكره إن شاء الله فى أخباره. وفيها ولى سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد فى شهر ربيع الأول فى أيام المعتز، وكان قد فرّ من الحسن بن زيد العلوى فاستعمله المعتز على بغداد.
فقال ابن الرومى:
من عذيرى من الخلايف ضلّوا ... فى سليمان عن سواء السبيل
(22/321)

نقلوه على الهزيمة بغداد ... كأن قد أتى بفتح جليل
من يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه بالجزاء الجليل
وحجّ بالناس: على بن الحسين بن العباس العباسى
ودخلت سنة ست وخمسين ومائتين
ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرّا واختفاء صالح بن وصيف
وفى ثانى عشر شهر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرّا، وقد عبّأ أصحابه فاختفى صالح بن وصيف وجاء موسى إلى الجوسق، والمهتدى جالس للمظالم فأعلم به، فأمسك ساعة عن الأذن ثم أذن له ولمن معه فدخلوا وتناظروا وأقاموا المهتدى من مجلسه وحملوه على دابّة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان فى الجوسق وأدخلوا المهتدى دار ياجور، وكان سبب أخذه أنّ بعضهم قال: إنما هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكبسكم صالح بجيشه، فخافوا من ذلك فأخذوه، فقال لموسى: ويحك!! اتق الله فإنّك ركبت أمرا عظيما، فقال له موسى: وتربة المتوكل ما نريد إلا خيرا- ولو أراد به خيرا لقال وتربة المعتصم أو الواثق، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع صالح، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر، ثم جدّدوا له البيعة، وطلبوا صالح بن وصيف ليحضر ويطالبوه بدم الكتّاب الذين قتلهم- وهم أحمد بن إسرائيل وأبو نوح، ويطالبوه بأموال المعتز فوعدهم بالحضور، فلما كان الليل رأى أصحابه قد تفرّقوا عنه فهرب واختفى.
ذكر قتل صالح بن وصيف
كان صالح قد اختفى وقام الأتراك فى طلبه، واتهموا الخليفة أنّه يعرف مكانه وراسلوه مراسلات وعزموا على خلعه. فحلف لهم أنه لا يعلم أين
(22/322)

هو، وثارت الفتن بسببه، فجاء غلام إلى دار يطلب ماء فسمع قائلا يقول: أيها الأمير تنحّ فهذا غلام يطلب ماء، فسمع الغلام فجاء إلى عيّار فأخبره، فأخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهو يسرّح لحيته، فأخذه فتضرّع إليه فقال: لا يمكننى تركك، ولكنّى أمرّ بك على أبواب «1» أهلك وقوّادك وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك، فأخرج حافيا وليس على رأسه شىء، والعامة تعدو خلفه وهو على برذون بإكاف، فأتوا به نحو الجوسق فقتلوه، وذلك لثمان «2» بقين من صفر منها، وأخذوا رأسه وحمل وطيف به على قناة ونادوا عليه: هذا جزاء من قتل مولاه، ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير ودفع الى أهله ليدفنوه.
ذكر خلع المهتدى وموته
قال: وكان خلعه فى منتصف «3» شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين؛ وتوفى لاثنتى عشرة ليلة بقيت منه، وسبب ذلك أن أهل الكرخ والدور من «4» الأتراك تحركوا فى طلب أرزاقهم أول شهر رجب، فسكّنهم المهتدى فرجعوا، فبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدى قال: إن المال عند محمد وموسى ابنى بغا، فهرب إلى أخيه وهو يقاتل مساور الخارجى، فكتب المهدى إليه أربع كتب يعطيه الأمان، فرجع هو وأخوه حبشون «5» فحبسهما ومعهما كيغلغ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالمال،
(22/323)

فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من شهر رجب ورمى فى بئر فأنتن، وأخرجوه إلى منزله وصلّى عليه الحسن بن المأمون.
وكتب المهتدى إلى موسى بن بغا لما حبس أخاه يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والرجوع إليه، وكتب إلى بايكباك أن يتسلّم العسكر ويقوم بحرب مساور، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه، وقال: لست أفرح بهذا فإنّه تدبير علينا جميعا- فما ترى؟ قال موسى: أرى أن تصير إلى سامرّا وتخبره أنّك فى طاعته، وناصره علىّ وعلى مفلح فإنّه يطمئن إليك ثم تدبّر فى قتله، فأقبل إلى سامرا ومعه يارجوخ «1» وأسارتكين وسيما الطويل وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر رجب، فحبس بايكباك وصرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك وقالوا: لم حبس قائدنا؟ ولم قتل محمد بن بغا؟ وكان عند المهتدى صالح ابن على بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه، فقال: إنه لم يبلغ أحد من آبائك «2» ما بلغته من الشجاعة، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده، فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا، فركب المهتدى وقد جمعوا له جميع المغاربة والأتراك والفراغنة، فصيّر فى الميمنة مسرورا «3» البلخى- وفى الميسرة يارجوخ- ووقف هو فى القلب مع أسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد، وأمر بقتل بايكباك فقتل وألقى رأسه إليهم عتّاب بن عتّاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدى وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن المهتدى وقتل جماعة من الفريقين، فانهزم المهتدى وبيده السيف وهو ينادى: يا معشر الناس- أنا أمير
(22/324)

المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة، فصار إلى السجن وأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا، فصار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم فى أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق وهو على بغل، فحبس عند أحمد بن خاقان وقبّل المهتدى يده- فيما قيل- مرارا كثيرة، وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم للقتل، فداسوا خصيتيه فمات واشهدوا على موته أنه سليم ليس فيه أثر؛ قال: وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه، وقيل إن ابن عم بايكباك وجأه بسكين فقتله وشرب من دمه، قال: وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتا فكسروا على قبره ألف سيف.
وكانت خلافة المهتدى أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل أكثر إلى أربعين سنة وقيل اقل إلى سبع وثلاثين. وكان مربوعا أسمر واسع الجبهة رقيقا أشهل طويل اللحية عظيم «1» البطن، وكان حسن الطريقة. قال: وصلّى عليه القاضى جعفر بن عبد الواحد «2» الهاشمى، ودفن بسامرا وكان مولده بالقاطول. وكان نقش خاتمه: من تعدّى الحق ضاق مذهبه. وكان له من الأولاد خمسة عشر ذكرا. وزراؤه أبو أيوب سليمان بن وهب وجعفر بن محمود الإسكافى وأبو صالح عبد الله «3» بن محمد وغيرهم، قاضيه: الحسن بن أبى الشوارب ثم عبد الرحمن بن نائل البصرى «4» . حجابه: صالح بن وصيف وبايكباك «5» وموسى بن بغا. الأمير بمصر: أحمد بن طولون. قاضيها بكّار.
(22/325)

ذكر شىء من سيرة المهتدى
كان رحمه الله من أحسن الخلفاء طريقة، وأكثرهم ورعا وعبادة، قال عبد الله بن إبراهيم «1» الإسكافى: جلس المهتدى يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه، فقال الرجل للمهتدى: والله ما أنت- يا أمير المؤمنين- إلا كما قال القائل:
حكّمتموه فقضى «2» بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة فى حكمه ... ولا يبالى عنت «3» الخاسر
فقال المهتدى: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست حتى قرأت وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
«4» الآية، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمى: كنت عند المهتدى فى بعض عشايا رمضان، فقمت لأنصرف فأمرنى بالجلوس فجلست حتى صلّى بنا المغرب، ثم أمر بالطعام فأحضر:
طبق خلاف عليه رغيفان وفى إناء ملح وفى آخر زيت وفى آخر خلّ، فدعانى إلى الأكل فأكل وأكلت مقصرا، ظنا منّى أنّه يحضر طعاما جيدا، فلما رأى أكلى كذلك قال: أما كنت صائما؟! قلت: بلى، ولست تريد الصوم غدا؟ قلت: وكيف لا وهو شهر رمضان! فقال: كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ترى، فعجبت من قوله وقلت: لم- يا أمير المؤمنين؟
أسبغ الله عليك النعمة ووسّع رزقه، فقال: إن الأمر على ما ذكرت والحمد لله، ولكنى فكّرت أنّه كان من بنى أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بنى هاشم ألا يكون فى خلفائهم مثله، فأخذت نفسى بما رأيت؛ قال إبراهيم بن
(22/326)

مخلد عن بعض الهاشميين: إنهم وجدوا للمهتدى سفطا فيه جبّة صوف وكساء وبرنس، كان يلبس ذلك بالليل ويصلّى، ويقول: أما يستحى بنو العباس ألا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز، ولما قتله الأتراك تضاربوا على السفط وقدروا أن فيه ذخائره، فلما اطلعوا على ما فيه أظهروا الندم على قتله. وكان قد اطّرح الملاهى وحرّم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم «1» .
قال ابن الجوزى «2» : وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، يحبس نفسه فى الحسابات، وكان يجلس فى يوم الخميس والإثنين والكتّاب بين يديه رحمه الله تعالى.
ذكر خلافة المعتمد على الله
هو أبو العباس أحمد- وقيل أبو جعفر- بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها فتيان «3» ، وهو الخامس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له فى منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وذلك أنّه لما أخذ المهتدى وحبس حضر أبو العباس وكان محبوسا بالجوسق، فبايعه الأتراك وكتب إلى موسى بن بغا بذلك وكان بخانقين، فحضر إلى سامرّا وبايعه، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية
قد ذكرنا «4» أن ابن الشيخ كان قد استولى على دمشق وقطع الحمل
(22/327)

عن بغداد، واتفق أنّ ابن المدبّر حمل من مصر إلى بغداد سبعمائة ألف دينار، فأخذها عيسى بن الشيخ، فأرسل إليه من بغداد حسين الخادم فطالبه بالمال، فذكر أنّه أخرجه على الجند، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد، وكان قد امتنع من ذلك فأخذ العهد، وأقام الدعوة، ولبس السواد ظنّا منه أن الشام يكون بيده، فأنفذ المعتمد أما جور وقلّده دمشق وأعمالها، فسار إليها فى ألف رجل، فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا فى عشرين ألف مقاتل، واقتتلوا فانهزم عسكر منصور وقتل هو، فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق الساحل.
وفيها ظهر على بن زيد العلوى بالكوفة، واستولى عليها وأخرج عامل الخليفة منها، وكان من أمره ما نذكره- إن شاء الله- فى أخبارهم.
ودخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
ذكر ورود أبى أحمد الموفق من مكة وما عقد له المعتمد من الأعمال
كان سبب وروده أن أمر الزنج كان قد اشتد وعظم شرهم وفسادهم فى البلاد، فأرسل المعتمد على الله إلى أخيه أبى أحمد الموفّق وأحضره من مكة، فلما حضر عقد له على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز «1» ، وكان بين الزنج وعمال المعتمد وقائع كثيرة نذكرها إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق بن العباس العباسى «2»
(22/328)

ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول عقد المعتمد لأخيه أبى أحمد الموفق على ديار مضر «1» وقنسرين والعواصم، وخلع على مفلح فى شهر ربيع الآخر وسيّرهما لحرب الزنج بالبصرة، فقتل مفلح بسهم أصابه.
وفيها مات يارجوخ التركى فى شهر رمضان وكان صاحب مصر ومقطعها ويدعى له فيها، فلما توفى استقل أحمد بن طولون بالأمر، وكان قبل ذلك نائبه بها.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين
فى هذه السنة دخلت الزنج الأهواز، وسار موسى بن بغا لحربهم.
وفيها ملك يعقوب بن الليث نيسابور على ما نذكره. وفيها قتل كنجور، وسبب قتله أنّه كان على الكوفة، فسار عنها إلى سامرّا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى فحمل إليه مال ليفرقه فى أصحابه فلم يقنع به، وسار حتى أتى عكبرا فوجّه إليه من سامرّا عدة من القوّاد فقتلوه، وحملوا رأسه إلى سامرّا وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان العباسى
ودخلت سنة ستين ومائتين
ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم
كان المعتمد قد استعمل على الموصل أساتكين وهو من أكابر قوّاد الأتراك فسيّر إليها ابنه اذكوتكين «2» فى جمادى الأولى سنة تسع وخمسين
(22/329)

ومائتين، فلما كان يوم النوروز من هذه السنة دعا وجوه أهل الموصل إلى قبّة فى الميدان، وأحضر أنواع الملاهى وتجاهر بالشرب والفسوق وفعل المنكرات، وأساء السيرة، ثم طالب أهل الموصل بالخراج عن غلات كانت قد هلكت من البرد. فاشتد ذلك على الناس، وكان لا يسمع بفرس جيد إلا أخذه من صاحبه، وأهل الموصل صابرون على ذلك كله منه. إلى أن وثب رجل من أصحابه على امرأة فأخذها من الطريق. فامتنعت واستغاثت. فقام رجل من أهل القرآن والصلاح اسمه إدريس الحميرى فخلّصها من يده. فعاد الجندى إلى ابن اساتكين فشكا من إدريس.
فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف عن الأمر. فاجتمع وجوه أهل الموصل بالجامع وقالوا: قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض وإبطال السنن وإظهار البدع فلا نصبر على أخذ الحريم. واتفقوا على أن يشكوه إلى الخليفة، فبلغه الخبر فركب فى جنده ومعه النفّاطون، فخرجوا إليه ولقوه وقاتلوه قتالا شديدا حتى أخرجوه عن الموصل، ونهبوا داره وأصابه حجر فشجّه، ومضى من يومه إلى سامرا، فاجتمع أهل الموصل إلى يحيى بن سليمان وقلّدوه أمرهم، فبقى كذلك إلى أن انقضت سنة ستين ودخلت إحدى وستين، فكتب اساتكين إلى الهيثم «1» بن عبد الله بن المعمر التغلبى ثم العدوى «2» فى أن يتقلّد الموصل، وأرسل إليه الخلع واللواء وكان بديار ربيعة، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى الموصل، فنزل بالجانب الشرقى وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربى وزحف إلى باب البلد، فخرج إليه يحيى بن سليمان فى أهل الموصل فقاتلوه، فقتل منهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات، وعاد الهيثم عنهم فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق ابن أيوب التغلبى؛ فخرج فى عشرين ألفا منهم حمدان بن حمدون التغلبى
(22/330)

وغيره، فنزل عند الدير الأعلى فقاتله أهل الموصل، ومنعوه وداموا على ذلك مدة، ومرض يحيى بن سليمان فطمع إسحاق فى البلد وجدّ فى الحرب، فانكشف الناس بين يديه فدخل البلد، ووصل إلى سوق الأربعاء وأحرق سوق الحشيش «1» ، فخرج بعض العدول واسمه زياد بن عبد الواحد وعلّق فى عنقه مصحفا، واستغاث بالمسلمين فأجابوه وعادت الحرب، فأخرجوا إسحاق وأصحابه عن المدينة، وبلغ سليمان الخبر فأمر أن يحمل فى محفّة ويجعل أمام الصفّ، فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم واشتد قتالهم، فلم يزل الأمر على ذلك وإسحاق يراسلهم ويبذل لهم الإحسان وحسن السيرة، فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام سبعة أيام، ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شرور، فرجعوا إلى الحرب وأخرجوه عنها واستولى يحيى بن سليمان على الموصل، إلى أن استعمل المعتمد الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبى الموصلى فى سنة إحدى وستين.
وحجّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل وهو أمير مكة.
ودخلت سنة إحدى وستين ومائتين
ذكر البيعة بولاية العهد للمفوّض جعفر بن المعتمد وللموفق الناصر لدين الله أبى أحمد أخى المعتمد
قال: وفى شوال من هذه السنة جلس المعتمد على الله فى دار العامة، وولّى ابنه جعفرا العهد ولقّبه المفوّض إلى الله وضمّ إليه موسى بن بغا، فولاه أفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان
(22/331)

ومهرجانقذق «1» ، وولّى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر ولقّبه الناصر لدين الله الموفّق، وولّاه المشرق «2» وسواد «3» الكوفة وطريق مكة والمدينة «4» واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس واصبهان وقمّ وكرج ودينور والرىّ وزنجان «5» والسند، وعقد لكل واحد منهما «6» لواءين أبيض وأسود، وشرط إن حدث به أمر «7» وجعفر لم يبلغ أن يكون الأمر للموفّق ثم لجعفر بعده، وأخذت البيعة بذلك، فعقد جعفر لموسى على المغرب وأمر الموفّق بالمسير لحرب الزنج، فولى الموفّق الأهواز والبصرة وكور دجلة مسرورا البلخى، وسيّره فى مقدمته فى ذى الحجة، وعزم على المسير بعده، ثم شغله حرب يعقوب الصفّار على ما نذكره إن شاء الله.
وفيها كان ابتداء الدولة السامانية بولاية نصر بن أحمد السامانى ما وراء النهر على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة السامانية.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق العباسى
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب بين الموفق ويعقوب بن الليث الصفّار على ما نذكره فى أخباره. وفيها وقعت الوحشة بين الموفّق وبين أحمد بن طولون أمير مصر واستحكمت، فطلب الموفّق من يتولى الديار المصرية فلم يجد أجدا، لأن ابن طولون كانت هداياه وخدمه متصلة إلى القوّاد وأرباب
(22/332)

المناصب بالعراق، فكتب إلى أحمد بن طولون يتهدّده بالعزل. فأجابه بجواب فيه بعض الغلظة، فسيّر الموفّق إليه موسى بن بغا فى جيش كثيف، فسار إلى الرقّة فبلغ الخبر ابن طولون فحصّن الديار المصرية، وأقام ابن بغا بالرقّة عشرة أشهر لم يمكنه المسير لقلّة الأموال معه، وطالبه الأجناد بالعطاء فلم يكن معه ما يعطيهم، فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان فاستتر، فاضطر موسى إلى العود إلى العراق فعاد، وتصدّق ابن طولون بأموال كثيرة.
وحكى ابن الجوزى بسند رفعه إلى أبى عون الفرايضى قال «1» :
خرجت إلى مجلس أحمد بن منصور الزيادى سنة اثنتين وستين ومائتين، فلما صرت بطاق الحرّانى رأيت رجلا قد أمر بالقبض على امرأة، وأمر بجرّها فقالت له: اتق الله، فأمر أن تجرّ فلم تزل تناشده الله وهو يأمر بجرها، إلى أن بلغت إلى باب القنطرة، فلما يئست من نفسها رفعت رأسها إلى السماء، ثم قالت: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، إن كان هذا الرجل يظلمنى فخذه؛ قال أبو عون: فوقع الرجل على ظهره ميتا وأنا أراه، فحمل على جنازة وانصرفت المرأة.
وحج بالناس الفضل بن إسحاق العباسى
ودخلت سنة ثلاث وستين ومائتين
فى هذه السنة استولى يعقوب بن الليث على الأهواز. وفيها سلمت قلعة الصقالبة إلى الروم. وفيها مات الشارى الخارجى فبايع أصحابه أيوب
(22/333)

ابن حيان الوارقى «1» ، فقتل فبايعوا محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقى المعروف بالغلام، فقتل أيضا فبايعوا هارون بن عبد الله البجلى، وكان من أخباره ما نذكره. وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد على الله، صدمه خادم بالميدان فسقط فسال دماغه من منخريه وأذنيه فمات لوقته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، وقدم موسى بن بغا فاختفى الحسن فاستورز سليمان بن وهب.
ودخلت سنة أربع وستين ومائتين
فى هذه السنة أسرت الروم عبد الله «2» بن رشيد «3» بن كاووس، وكان سبب ذلك أنه دخل بلد الروم فى أربعين ألف مقاتل من أهل الثغور الشامية فغنم وقتل فلما رحل عن البذندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قرة وكوكب «4» وخرشنة وأحدقوا بالمسلمين، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابّهم وقاتلوا، إلا خمسمائة منهم فإنهم حملوا حملة رجل واحد ونجوا على دوابهم، وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى ملك الروم. وفيها دخلت الزنج إلى واسط.
(22/334)

ذكر أخبار الوزراء
فى هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا، وشيّعة الموفّق والقواد، فلما صار إلى سامرّا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيّده وانتهب داره، واستوزر الحسن بن مخلد فى ذى القعدة، فسار الموفق إلى سامرا ومعه عبد الله بن سليمان بن وهب، فلمّا قرب من سامرا تحوّل المعتمد إلى الجانب الغربى مغاضبا للموفّق، واختلفت الرسل بينهما فاتفقا، وخلع على الموفّق ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب، وعاد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد ومحمد بن صالح بن شيرزاد، فكتب فى قبض أموالهما، وهرب القوّاد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفّق، ووصلوا إلى الموصل وجبوا الخراج.
وفيها مات أماجور وملك أحمد بن طولون الشام وطرسوس على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الدولة الطولونية وفيها ملك المسلمون مدينة سرقوسة، وهى من أعظم بلاد صقلية وذلك فى رابع عشر شهر رمضان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمى «1»
ودخلت سنة خمس وستين ومائتين
فى هذه السنة استعمل الموفق مسرورا البلخى على أعمال الأهواز، وكانت له وقعة مع الزنج فهزمهم، وفيها كانت وفاة «2» يعقوب بن الليث الصفّار بجند يسابور فى تاسع عشر شوال، وقام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث. وفيها حبس الموفّق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وعدة من
(22/335)

أصحابهما، وقبض أموالهم وضياعهم خلا أحمد بن سليمان، ثم صالح سليمان وابنه عبد الله «1» على تسعمائة ألف دينار، وجعلا فى موضع يصل إليهما من أراد. وفيها «2» عسكر موسى بن أوتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا وعبروا جسر دجلة، فأتبعهم الموفق صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وخلع عليهم «3» . وفيها خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنه فقتلوا وأسروا أرخوز «4» ، وكان قبل ذلك يلى الثغور فعزل عنها وأقام مرابطا، وأسروا نحوا من أربعمائة وقتلوا نحوا من ألف وأربعمائة وذلك فى جمادى الأولى.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى.
ودخلت سنة ست وستين ومائتين
فى هذه السنة غلب أساتكين على الرىّ واخرج عاملها، ومضى إلى قزوين وعليها أخو كيغلغ فصالحه فعاد إلى الرىّ وفيها كانت وقائع بين المتغلبين على الأطراف لا فائدة من ذكرها وحجّ بالناس هارون الهاشمى.
(22/336)

ودخلت سنة سبع وستين ومائتين
فى هذه السنة كان بين الموفق والزنج حروب طويلة «1» ، ضعف بسببها أمرهم، ولم يكن من أحوال الخلافة ما نذكره، لتغلّب العمال على الأطراف واشتغال بعضهم ببعض، على ما نورد ذلك كله فى مواضعه إن شاء الله تعالى.
وحج بالناس هارون
ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين
لم تكن فى هذه السنة إلا أخبار الزنج وحروبهم والخوارج، ويرد ذلك فى موضعه.
وحج بالناس هارون
ودخلت سنة تسع وستين ومائتين
فى هذه السنة حارب الموفّق أيضا صاحب الزنج، واستولى الموفّق على مدينتى صاحب الزنج الغربية ثم الشرقية، وهدم قصره فى حروب طويلة لا فائدة فى ذكرها.
ذكر مسير المعتمد على الله إلى مصر وعوده قبل الوصول اليها
فى هذه السنة سار المعتمد نحو مصر، وكان سبب ذلك أنّه لم يكن له من الخلافة إلا اسمها، ولا ينفذ له توقيع فى قليل ولا كثير، وكان الحكم كله للموفّق والأموال تجبى إليه، فأنف وضجر المعتمد من ذلك، وكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه من أخيه فى السر، فأشار عليه باللحاق به بمصر ووعده النصر، وسيّر عسكرا إلى الرقة ينتظرون وصول المعتمد إليهم، فاغتنم
(22/337)

المعتمد غيبة الموفّق عنه، وسار فى جمادى الأولى ومعه جماعة من القوّاد، فأقام بالكحيل يتصيّد ثم سار حتى صار إلى عمل إسحاق بن كنداجق- وهو عامل الموصل وعامة الجزيرة، فوثب إسحاق بمن مع المعتمد من القوّاد فقبضهم، وهم نيزك «1» وأحمد بن خاقان وخطارمش وقيّدهم وأخذ أموالهم ودوابهم، وكان صاعد بن مخلد وزير الموفق قد كتب إليه بذلك عن الموفّق، وكان سبب تمكّنه منهم ووصوله إلى قبضهم أنّه اظهر أنّه معهم فى طاعة المعتمد- إذ هو الخليفة، ولقيهم لما صاروا إلى عمله وسار معهم عدة مراحل، فلما قارب عمل أحمد بن طولون ارتحل الأتباع والغلمان الذين مع المعتمد ومع قواده، ولم يترك إسحاق أصحابه يرتحلون ثم قال للقوّاد وهم عند المعتمد: إنّكم قد قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره، وتصيرون جنده وتحت يده، أفترضون ذلك؟ وقد علمتم أنّه كواحد منكم، وتناظروا فى ذلك حتى ارتفع النهار ولم يرتحل المعتمد، ثم قال لهم: قوموا بنا حتى نتناظر فى غير حضرة أمير المؤمنين، فأخذ بأيديهم إلى خيمة له فلما دخلوا الخيمة قبض عليهم وقيّدهم وأخذ سائر من مع المعتمد من القوّاد، ثم مضى إلى المعتمد فعذله فى «2» مسيره عن دار ملكه وملك آبائه وفراق أخيه الموفّق وهو على الحال التى هوبها من الحرب، ثم حمله ابن كنداجق ومن معه حتى أدخلهم سامرا. وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون فى دار العامة، وأمر بلعنه على المنابر، وولّى إسحاق بن كنداجق على أعمال ابن طولون، وفوّض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وولّاه شرطة الخاصة؛ وكان سبب تغيره على ابن طولون أنّه قطع خطبة الموفّق، وأسقط اسمه عن الطرز، فتقدّم الموفّق إلى المعتمد بلعنه فلعنه مكرها، وكان المعتمد فى الباطن مع ابن طولون.
(22/338)

ودخلت سنة سبعين ومائتين
فى هذه السنة قتل صاحب الزنج. وفيها كانت وفاة الحسن بن زيد العلوى صاحب طبرستان فى شهر رجب، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وولى بعده أخوه محمد بن زيد. وفيها كانت وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه خمارويه، ومسير ابن كنداجق إلى الشام على ما نذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الطولونية.
قال أبو الفرج بن الجوزى فى حوادث سنة سبعين ومائتين «1» : إن الروم نزلت ناحية قلمية «2» على ستة أميال من طرسوس وهم زهاء مائة ألف «3» مع بطريق البطارقة اندرياس، فبيّتهم يا زمان «4» الخادم ليلا، فقتل رئيسهم وخلقا كثيرا من أصحابه يقال إنّهم بلغوا سبعين ألفا، وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الأعظم مكلل بالجوهر، وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل ومن السروج مثلها وسيوفا محلاة بذهب وفضة ومناطق وأربع كراسى من ذهب ومائتى طوق «5» من ذهب وآنية كثيرة.
ونحوا من عشرة آلاف علم، وذلك فى يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول.
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين
ذكر خلاف محمد وعلى العلويين بالمدينة
فى هذه السنة دخل محمد وعلى ابنا الحسين «6» بن جعفر بن موسى بن
(22/339)

جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بالمدينة وقتلا جماعة من أهلها وأخذا من قوم مالا، ولم يصلّ أهل المدينة فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربع جمع، لا جمعة ولا جماعة. وفيها كانت وقعة الطواحين بين المعتضد بن الموفّق وخمارويه بن أحمد بن طولون، كان الظفر فيها لعسكر خمارويه، وهرب المعتضد إلى دمشق فمنع من دخولها.
ودخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين
فى هذه السنة قدم صاعد بن مخلد وزير الموفّق من فارس إلى واسط، فأمر الموفّق جميع القواد أن يستقبلوه، فاستقبلوه وترجلّوا له وقبّلوا يده وهو لا يكلّمهم كبرا وتيها، ثم قبض الموفّق عليه وعلى جميع أهله وأصحابه ونهب منازلهم بعد أيام، وكان قبضه فى شهر رجب، وقبض على ابنيه أبو عيسى وصالح وأخيه عبدون ببغداد، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل ابن بلبل، واقتصر على الكتابة دون الوزارة. وفيها صلح أمر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وتراجع الناس إليها.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى «1»
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين
فى هذه السنة وقع الخلاف بين أبى الساج وإسحاق بن كنداجق، وخطب لابن طولون بالجزيرة.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب بين الموفّق وعسكر عمرو بن الليث الصفّار
(22/340)

على ما نذكره فى أخبار الدولة الصفّارية.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين
ذكر قبض الموفّق على ابنه المعتضد
فى هذه السنة قبض الموفّق على ابنه أبى العباس أحمد المعتضد، وسبب ذلك أن الموفّق دخل إلى واسط ثم عاد إلى بغداد، وأمر ابنه المعتضد أن يسير إلى بعض الوجوه، فقال: لا أخرج إلا إلى الشام، لأنها الولاية التى ولّانيها أمير المؤمنين. فغضب الموفّق وقبض عليه وجعله فى حجرة ووكل به، فثار القوّاد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا، واضطربت بغداد فركب الموفّق إلى الميدان، وقال لهم: ما شأنكم!! أترون أنّكم أشفق على ولدى منى؟ وقد احتجت إلى تقويمه فانصرفوا.
ودخلت سنة ست وسبعين ومائتين
فى هذه السنة جعلت شرطة بغداد إلى عمرو بن الليث، وكتب اسمه على الأعلام والأترسه وذلك فى شوال «1» ، ثم ترتّب فى الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من قبل عمرو، ثم أمر بطرح اسم عمرو عن الأعلام وغيرها فى الشهر «2» . وفيها ورد الخبر بانفراج تلّ بنهر البصرة يعرف بتلّ بنى «3» شقيق عن سبعة أقبر شبه الأحواض، من حجر فى لون المسنّ عليها
(22/341)

كتابه لا يدرى ما هى، وفيها سبعة أبدان صحيحة عليها أكفان جدد يفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له جمّة وعلى شفتيه بلل كأنّه قد شرب ماء وكأنه قد كحل، وبه ضربة فى خاصرته.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد.
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين
فى هذه السنة دعى بطرسوس لخمارويه بن أحمد. وفيها ولى يوسف بن يعقوب المظالم، وأمر أن ينادى من كان له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله الموفّق أو أحد من الناس فليحضر وحج بالناس هارون
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
فى هذه السنة كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم، ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة، ووقع بالجانب الشرقى وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا
ذكر وفاة أبى أحمد الموفّق
فى هذه السنة توفى أبو أحمد الموفّق بن المتوكل فى يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، ودفن ليلة الخميس بالرصافة، وكان قد مرض فى بلاد الجبل فانصرف وقد اشتد به وجع النّقرس، فلم يقدر على الركوب فحمل على سرير فيه قبة، وكان يجلس فيه هو وخادم له يبرد رجليه بالأشياء الباردة، ثم صار به داء الفيل، وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة، فقال لهم يوما وقد ضجر: أودّ أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسى.
(22/342)

وآكل وأنا فى عافية؛ وقال فى مرضه: أطبق ديوانى على مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالا منّى، ووصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر، وشاع موته بعد انصراف أبى الصقر من داره، وكان قد تقدّم بحفظ ابى العباس فأغلقت عليه الأبواب. قال: ووجّه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده وجىء بهم، فلما رأى غلمان الموفّق ما نزل بمولاهم كسروا الأبواب المغلقة على أبى العباس، فظن أنهم يريدون قتله فأخذ سيفه فى يده، وقال: والله لا يصلون إلىّ وفىّ شىء من الروح، فلما وصلوا إليه رأى غلامه وصيفا فألقى السيف من يده، وعلم أنّهم لا يريدون إلا الخير، وأخرجوه وأقعدوه عند أبيه وكان قد اعترته غشية، فلما أفاق ورآه قرّبه وأدناه إليه؛ وأما أبو الصقر فإنه لما حصل الإرجاف بموت الموفّق جمع القوّاد والجند وقطع الجسرين، وحاربه قوم من الجانب الشرقى فقتل منهم قتلى، فلما ظهر أن الموفّق حىّ حضر عنده محمد بن أبى الساج وفارق أبا الصقر، وتسلل القواد والناس عن ابى الصقر، فلما راى ذلك ابو الصقر حضر هو وابنه دار الموفّق، وذكر أن أبا الصقر أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفّق واسبابه، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفّق، فنهبوا دار أبى الصقر وما يجاوره من الدور، وأخرجوا نساءه حفاة بغير أزر، وكسرت أبواب السجون وحرج من فيها. قال: وخلع الموفّق عند إفاقته على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر، وركبا جميعا فمضى أبو العباس إلى منزله وجاء أبو الصقر إلى منزله وقد نهب، فطلب له حصيرة يجلس عليها عارية، ثم مات الموفق فى التاريخ الذى ذكرناه، وجلس ابنه أبو العباس للتعزية، وكان الموفّق عاد لأحسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة والفقهاء وغيرهم، فينصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك.
(22/343)

ذكر البيعة للمعتضد بالله بولاية العهد
قال: ولما مات الموفّق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوّض إلى الله ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله، وخطب له فى يوم الجمعة بعد المفوّض وذلك لسبع بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولىّ ما كان أبوه يتولّاه.
وفيها قبض المعتضد «1» على أبى الصقر وأصحابه وانتهبت منازلهم، وطلب بنى الفرات فاختفوا، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.
قال ابن الجوزى «2» : وفى هذه السنة غار ماء النيل، وكان ذلك شيئا لم يعهد مثله ولا سمع «3» فى الأخبار السالفة «4» .
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
ذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد وولاية أبى العباس المعتضد بالله بن الموفّق
فى المحرم من هذه السنة خرج المعتمد على الله وجلس للقوّاد والقضاة ووجوه الناس، وأعلمهم أنّه خلع ابنه المفوّض إلى الله جعفرا من ولاية العهد، وجعلها للمعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفّق، وشهدوا على المفّوض أنّه قد تبرأ من العهد، وأسقط اسمه من الخطبة والسكة والطرز وغير ذلك، وخطب للمعتضد وكان يوما مشهودا.
(22/344)

وفيها نودى بمدينة السلام ألا يقعد على الطريق ولا بالمسجد الجامع قاض ولا منجم ولا زاجر، وحلف الورّاقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل.
ذكر وفاة المعتمد على الله وشىء من أخباره
كانت وفاته ببغداد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان قد شرب على الشط بالجسر يوم الأحد شرابا كثيرا فمات ليلا، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه وحمل إلى سامرّا فدفن بها، وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، وكان فى خلافته محكوما عليه، ضيّق عليه أخوه الموفّق حتى إنه احتاج فى بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها، فقال:
أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه
إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أول من انتقل من الخلفاء من سامرّا، ولم يعد إليها بعده خليفة.
وكان طويل القدّ واللحية واسع العينين مقبلا على اللذات، مشغولا عن الرعيّة مضطرب الأحوال. وكان نقش خاتمه: السعيد من وعظ بغيره.
أولاده: عبد العزيز وجعفر ومحمد وإسحاق. وزراؤه: عبيد الله بن يحيى ابن خاقان ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد أخوه ثم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل. حجّابه: موسى بن بغا ثم جعفر بن غانم بن على الجهشيارى. قضاته: الحسن بن أبى الشوارب ثم أخوه على بن محمد.
الأمراء بمصر: أحمد بن طولون ثم ابنه خمارويه. قضاتها: بكّار بن قتيبة
(22/345)

إلى أن توفى فى سنة سبعين ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوما، وكانت ولايته أربعا وعشرين سنة ونصف سنة، وبقيت مصر بغير قاض، ثم وليها أبو عبدة «1» محمد بن عبدة واستخلف أبا جعفر الطحاوى واستكتبه وأعفاه. وقد قيل فى وفاة المعتمد على الله أنّه مات مسموما والله عز وجل أعلم
خلافة المعتضد بالله
هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة الملقب الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدى بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها ضرار وقيل اسمها خفيرة «2» ، وهو السادس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد وفاة عمّه المعتمد على الله.
قال: ولما ولى استعمل غلامه بدرا على الشرطة، واستوزر عبيد الله ابن سليمان بن وهب وجعل على حرسه محمد بن الشاه بن ميكال «3» ؛ ووصله فى شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه خراسان فعقد له عليها، وسيّر إليه الخلع واللواء والعهد، فنصب اللواء فى داره ثلاثة أيام. وفيها كانت وفاة نصر السامانى بما وراء النهر، فقام بعمله أخوه إسماعيل بن أحمد. وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة منّ خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه وهى قطر
(22/346)

الندى، وأصدقها المعتضد ألف ألف درهم، وفيها ملك أحمد بن عيسى ابن «1» الشيخ قلعة ماردين- وكانت بيد إسحاق بن كنداجق.
وحج بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد العباسى، وهى آخر حجة حجّها وأول سنة حج بالناس سنة أربع وستين ومائتين.
ودخلت سنة ثمانين ومائتين
ذكر حبس عبد الله بن المهتدى وقتل محمد بن الحسن «2»
فى هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن المعروف بشيلمة وحبسهما، وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق بأمان؛ وكان سبب أخذهما أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأنّه يدعو لرجل لا يعرف اسمه، وأنّه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشىء وقال: لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه، فأمر به فشدّ فى خشبة من خشب الخيم، ثم أوقد نارا عظيمة وأدير عليها حتى تقطّع جلده، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر. وحبس ابن المهتدى إلى أن علم براءته فأطلقه
ذكر قصد المعتضد بنى شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب
فى أول صفر سار المعتضد من بغداد يريد بنى شيبان بالمكان الذى
(22/347)

يحتمون «1» به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا أموالهم، وأغار المعتضد على أعراب عند السنّ، فنهب أموالهم وقتل منهم مقتله عظيمة، وغرق منهم فى الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غنموه، فبيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وسار إلى الموصل وبلد فلقه بنو شيبان «2» يسألون العفو، وبذلوا له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا، وعاد إلى بغداد، وأرسل إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ يطالبه بما أخذ من أموال ابن كنداجق، فبعثها إليه ومعها هدايا كثيرة.
وفيها غارت المياه بالرى وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وفى شوال منها انخسف القمر وأصبح أهل دبيل وقد أظلمت الدنيا عليهم، ودامت الدنيا مظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبّت ريح سوداء ودامت إلى ثلث الليل، ثم زلزلوا فى الثلث فخربت المدينة، ولم يبق من دورها إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرّات، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألف كلهم موتى.
وحج بالناس أبو بكر محمد بن هارون «3»
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكها
فى هذه السنة توجّه المعتضد بالله- وهى الخرجة الثانية إلى الموصل- قاصدا حمدان بن حمدون، لأنّه بلغه أنّه مايل هارون الخارجى ودعا له،
(22/348)

فلما بلغ الأعراب مسير المعتضد تحالفوا أنّهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا وعبئوا عساكرهم، فسار المعتضد إليهم فى خيل جريدة، فأوقع بهم وقتل منهم وغرّق فى الزاب، وسار إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازله المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك فلما كان الغد ركب المعتضد، وصعد إلى باب القلعة وصاح لابن حمدان فأجابه، فقال: افتح الباب ففتحه، فجلس المعتضد فى باب القلعة وأمر بنقل ما فيها وهدمها، ثم وجّه خلف حمدان وطلبه أشد الطلب وأخذت أمواله، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده من بغداد؛ وفى عوده قصد الحسنيّة وبها رجل كردى يقال له شدّاد، فى جيش كثيف قيل كانوا عشرة آلاف، فظفر به وهدم قلعته. وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل وقصد الديّنور وولّى ابنه عليا- وهو المكتفى- الرىّ وقزوين وزنجان وأبهر وقمّ وهمذان والدينور، وجعل كتابته لأحمد بن الأصبغ، وقلّد عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف أصفهان ونهاوند والكرخ، وعاد إلى بغداد.
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين
ذكر قصد حمدان وانهزامه وعوده إلى الطاعة
فى هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه وهو بالموصل، فبادر إسحاق وتحصّن حمدان بقلاعه وأودع أمواله وحرمه، فبعث المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير «1» ونصر القشورى وغيره فساروا إلى حمدان فواقعوه، فقتل من أصحابه جماعة وانهزم، واتبعه الجند «2» حتى ضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق ابن أيوب وهو مع المعتضد فاستجار به، فأحضره إلى المعتضد فأمر بالاحتفاظ به وتتابع رؤساء الأكراد فى طلب الأمان.
(22/349)

وفيها انهزم هارون الخارجى من عسكر الموصل على ما نذكره فى أخباره. وفيها فى ربيع الأول قبض على بكتمر بن طاشتمر وقيّد وكان أميرا على الموصل، واستعمل عليها الحسن بن على الخراسانى ويعرف بكوره.
وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه زوجة المعتضد ومعها أحد عمومتها، وكان المعتضد بالموصل وعاد إلى الجبل وبلغ الكرج، وفيها قتل خماوريه بن أحمد بن طولون على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
فى هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الخارجى، وأحضر الحسين بن حمدان وسيّره فى طلب هارون فى جماعة من الفرسان والرجال، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلى ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، أولها إطلاق أبى وحاجتان أذكرهما إذا جئت به، فقال: لك ذلك، فانتخب ثلاثمائة فارس وسار بهم نحوه، فظفر به وأحضره إلى المعتضد فانصرف إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من شهر ربيع الأول وخلع على الحسين بن حمدان وطوّقه، وخلع على إخوته وأمر بفك قيود حمدان والتوسعة عليه ووعد بإطلاقه، وأدخل هارون على فيل وصلبه.
وفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين، وكان جملة من فودى به ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس «1» . وفيها أمر المعتضد بالكتب إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوى الأرحام وبطل ديوان المواريث وفيها قتل رافع بن الليث وجىء برأسه إلى المعتضد، فوصل فى سنة أربع وثمانين فأمر بنصبه ببغداد «2» ، وكان الذى قتله أصحاب عمرو بن الليث.
(22/350)

ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة فى السماء، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخره، وخرج الناس من منازلهم يدعون ويتضرعون إلى الله.
وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على المنابر، وذكر فى الكتاب يزيد وغيره من بنى أمية، وعملت بالكتاب نسخ قرئت فى جانبى بغداد، ومنع القصاص والعامة من القعود فى الجامعين، ونهى عن الاجتماع على قاض أو مناظرة وجدل فى أمر الدين، ونهى الذين يسقون فى الجامعين ألا يترحّموا على معاوية ولا يذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنّا نخاف إضطراب العامة وإثارة فتنة، فلم يرجع إليه، فقال عبيد الله للقاضى يوسف بن يعقوب ليحتال فى منعه، وكلّم يوسف المعتضد وحذّره اضطراب العامة فلم يلتفت، فقال:
يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس؟ فإذا سمع الناس ما فى هذا الكتاب مالوا إليهم، وصاروا هم أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد ولم يأمر فى الكتاب بشىء بعد ذلك.
وفيها ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه فهرب الخادم، ودخل الشخص فى زرع البستان فتوارى فيه، وطلب فلم يعرف له خبر واستوحش المعتضد، وكثر الناس القول حتى قالوا إنّه من الجن، وظهر مرارا كثيرة فوكل المعتضد بسور داره وأحكمه، ثم أحضر المجانين والمعزّمين بسبب الشخص، فقال المعزّمون: نحن نعزّم على بعض المجانين فإذا صرع سئل الجنّى فيخبر بخبره،
(22/351)

فعزّموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف.
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمى المعروف بأثرجّة
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين
فى هذه السنة كان بالكوفة ريح صفراء فبقيت إلى المغرب ثم اسودّت، ثم وقع مطر شديد برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ «1» أحجار بيض وسود مختلفة الألوان، فى أوساطها ضيق «2» . وفيها كان بالبصرة ريح صفراء ثم عادت خضراء ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم ير مثله، ثم برد كبار الوزن البردة مائة وخمسون درهما. وفيها غزا راغب مولى الموفّق فى البحر، فغنم مراكب كثيرة من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم كانوا فيها، وأحرق المراكب وفتح حصونا كثيرة وعاد سالما. وفيها توفى أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليها على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد فوصلها فى ذى الحجة، وحصرها إلى شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق، فطلب محمد الأمان لنفسه ولمن معه فأمنّهم المعتضد، فخرج إليه وسلّم البلد فخلع عليه المعتضد وأكرمه وهدم سور البلد، ثم بلغه أن محمدا يريد الهرب فقبض عليه وعلى أهله.
وحكى أبو الفرج بن الجوزى فى المنتظم عن أبى بكر الصولى أنّه قال «3» : كان مع المعتضد رجل أعرابى فصيح يقال له شعلة بن شهاب
(22/352)

اليشكرى وكان يأنس به، فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ ليرغّبه فى الطاعة ويحذّره العصيان، قال: فصرت إليه فخاطبته فلم يجبنى، فتوجهت إلى عمتّه فصرت إليها، فقالت: يا أبا شهاب كيف خلّفت أمير المؤمنين؟
فقلت: خلّفته أمارا بالمعروف فعّالا للخير، فقالت، أهل لذلك ومستحقه، وكيف لا! وهو ظل الله الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت: رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء، واستبدّ بآرائهم، يزخرفون له الكذب، فقالت:
هل لك أن ترجع إليه بكتابى قبل لقاء أمير المؤمنين؟ قلت: أفعل، فكتبت إليه كتابا لطيفا أجزلت فيه الموعظة، وكتبت فى آخره:
اقبل نصيحة أمّ قلبها وجع ... خوفا عليك واشفقا وقل سددا
واستعمل الفكر فى قولى فإنّك ان ... فكّرت ألفيت فى قولى لك الرشدا
ولا تثق برجال فى قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا
مثل النعاج خمولا فى بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا
وداو داءك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا
أعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا
واردد أخا يشكر ردا يكون له ... ردا من السوء لا تشمت به أحدا
قال: فأخذت الكتاب وصرت إليه فلما نظر إليه رمى به إلىّ ثم قال:
يا أخا يشكر ما بآراء النساء تتم الدول، ولا بعقولهّن يستأمن «1» الملك، ارجع إلى صاحبك، ورجعت إلى المعتضد بالله فأخبرته الخبر، فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها، ثم قال: إنى لأرجو أن أشفّعها فى كثير من القوم، فلما كان من فتح ما كان أرسل إلىّ المعتضد، فقال: هل عندك علم من تلك المرأة، قلت: لا، قال: فامض مع الخادم فإنّك
(22/353)

ستجدها فى جملة نسائها، فمضيت فلما بصرت بى من بعيد كشفت «1» عن وجهها، وجعلت تقول:
ريب الزمان وصرفه ... وعثاره «2» كشف القناعا
وأذلّ بعد العزّ م ... نّا الصعب والبطل الشجاعا
ولكم نصحت فما أطع ... ت وكم صرخت بأن أطاعا
فأبى بنا المقدور «3» إل ... لا أن نقسّم أو نباعا
يا ليت شعرى هل نرى ... أبدا لفرّقتنا اجتماعا
ثم بكت حتى علا صوتها وضربت بيدها على الأخرى، وقالت: إنّا لله وإنا إليه راجعون، كأنى والله كنت أرى ما أرى «4» ، فقلت لها: إن أمير المؤمنين وجّه بى إليك، وما داك إلا لجميل رأيه فيك، قالت: فهل لك أن توصل لى رقعة إليه؟ قلت: أفعل «5» ، فدفعت إلىّ رقعة فيها:
قل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلايف من قريش الأبطح
علم الهدى ومناره وسراجه ... مفتاح كل عظيمة لم تفتح
بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطال ما لم تصلح
وتزحزحت بك هضبة العرب التى ... لولاك بعد الله لم تتزحزح
أعطاك ربّك ما تحب فأعطه ... ما قد يحب وجد بعفو واصفح
يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمىّ ومفسدىّ لمصلح
قال: فصرت بها إلى المعتضد بالله، فلما قرأها ضحك وقال: لقد نصحت لو قبل منها، وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختا
(22/354)

من الثياب، وأمر أن يحمل إلى ابن عيسى «1» .
وفيها «2» وصل رسول هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد على أن يقاطع على ما فى يده ويد نوّابه «3» من مصر والشام، ويسلّم أعمال قنّسرين إلى المعتضد، ويحمل فى كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين «4» ألف دينار، فأجابه المعتضد إلى ذلك، وسار من آمد واستخلف ابنه المكتفى، فوصل إلى قنّسرين والعواصم فتسلّمها من أصحاب هارون بن خمارويه، وذلك فى سنة ست وثمانين- حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل وقال ابن الجوزى فى المنتظم «5» : إن هارون بذل هذا المال على أن يسلّم له أعمال قنّسرين والعواصم، وأن تجدّد له ولاية مصر والشام فأجيب إلى ذلك، والصواب ما حكاه ابن الأثير وحجّ بالناس: محمد بن عبد الله بن داود الهاشمى
ودخلت سنة ست وثمانين ومائتين
فى هذه السنة وجّه محمد بن أبى الساج- المعروف بأبى المسافر- رهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة، وكان المعتضد قد ولّاه فى سنة خمس وثمانين أعمال أذربيجان وأرمينية وبعث إليه الخلع فقبلها بعد أن كان تغلّب على ذلك. وفيها أرسل عمرو بن الليث هديّة من نيسابور إلى المعتضد، قيمتها أربعة آلاف ألف درهم- قال ابن الجوزى «6» : كان مبلغ المال الذى وجّهه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدواب
(22/355)

بسروج «1» ولجم محلاة، ومائة وعشرين «2» دابة بجلال مشهّرة، وكسوة وطيب وبزاة وطرف «3» .
وفيها كان ابتداء أمر القرامطة بالبحرين على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم. وفيها ولّى المعتضد بالله ابنه عليا المكتفى قنّسرين والعواصم والجزيرة، وكان كاتبه الحسين بن عمرو النصرانى ينظر فى الأمور.
قال أبو الفرج بن الجوزى «4» فى حوادث هذه السنة بسند رفعه إلى محمد بن نعيم الضبّى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضى بالرىّ سنة ست وثمانين ومائتين يقول: تقدّمت امرأة فادعى ولّيها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر، فقال القاضى: شهودك، قال:
قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها فى شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومى، فقال الزوج: تفعلون ماذا؟
قال الوكيل ينظرون إلى امرأتك وهى مسفرة، لتصحّ عندهم معرفتها، فقال الزوج: فإنى أشهد القاضى أنّ لها علّى هذا المهر الذى تدعيه ولا تسفر عن وجهها «5» ، فقالت المرأة: فإنى أشهد القاضى أنّى قد وهبت له هذا المهر، وأبرأته منه فى الدنيا والآخرة، فقال القاضى: يكتب هذا فى مكارم الأخلاق.
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول أسر عمرو بن الليث الصفّار، وملك إسماعيل بن أحمد السامانى خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله
(22/356)

تعالى فى أخبارهم وفيها قتل محمد «1» بن زيد العلوى صاحب طبرستان والديلم على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار الدولة العلوية.
وحج بالناس فى هذه السنة: محمد بن عبد الله بن داود. وفيها توفيت قطر الندى بنت خماروية زوجة المعتضد لسبع خلون من شهر رجب، ودفنت داخل قصر الرصافة.
ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين
فى هذه السنة توفى عبيد الله بن سليمان الوزير، فعظم موته على المعتضد وفوّض الوزارة إلى ابنه القاسم بن عبيد الله. وكان من أخبار المتغلبين على الأطراف على ما نذكره إن شاء الله فى أخبارهم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد.
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين
فى هذه السنة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول أخرج من كان له دار أو حانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أنقاضكم «2» واخرجوا، وسبب ذلك أن المعتضد بالله كان قد عزم أن يبتنى لنفسه دارا يسكنها هنالك، فخط موضع السور وحفر بعضه، وابتدأ فى دكة على دجلة لينتقل إليها فيقيم بها، إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر، فمرض المعتضد ومات قبل ذلك.
ذكر وفاة المعتضد بالله وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته ليلة الإثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين
(22/357)

ومائتين، قال: ولما اشتد مرضه اجتمع يونس «1» الخادم وغيره من القواد إلى الوزير القاسم ليجدّد البيعة للمكتفى، وقالوا: إنّا لا نأمن الفتنة، فقال: أخاف أن أطلق المال فيبرأ أمير المؤمنين من علّته فينكر ذلك، فقالوا: إن برىء فنحن المحتجون والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ونحن نطلب الأمر له، فأطلق المال وجدّد البعية للمكتفى بالله، وأحضر أولاد المعتمد ووكل بهم، ثم توفى المعتضد وكانت علّته فساد الجوف والمزاج والجفاف من «2» كثرة الجماع، وكان يؤمر بأن يقلّ الغذاء ويرطب معدته ولا يتعب نفسه، فيستعمل ضد ذلك ويريهم أنّه يحتمى، فإذا خرجوا من عنده دعا بالجبن والزيتون والسمك فأكل، فسقطت لذلك قوّته واشتدت علّته، ومات رحمه الله وتولّى غسله محمد بن يوسف القاضى، وصلّى عليه الوزير- حكاه ابن الأثير «3» . وقال أبو الفرج بن الجوزى «4» :
غسّله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس، وصلّى عليه يوسف بن يعقوب القاضى «5» . ودفن ليلا فى دار محمد بن عبد الله بن طاهر بوصيّة منه، وجلس الوزير فى دار الخلافة للعزاء وجدّد البيعة للمكتفى، ومات المعتضد وله من العمر ست وأربعون «6» سنة وقيل إلا شهرين، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام «7» ، وقيل وثلاثة وعشرين يوما. وكان نحيفا خفيف العارضين يخضب بالسواد، ولما حضرته الوفاة أنشد:
(22/358)

تمتّع من الدنيا فإنّك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمننّ الدهر إنى أمنته ... فلم يبق لى حالا «1» ولم يرع لى حقا
قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة «2» خلقا
وأخليت دار الملك من كل نازع ... فشرّدتهم غربا وشرّدتهم «3» شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لى رقا
رمانى الردى سهما فأخمد جمرتى ... فهأنذا فى حفرتى عاجلا ألقى
فياليت شعرى بعد موتى ما ألقى ... إلى نعم الرحمن «4» أم ناره ألقى
قال: وكان المعتضد ذا عزم وشهامة ونهضة، بصيرا بالأمور حسن السياسة والسيرة، ولما ولى وضع عن الناس البواقى وأسقط المكوس بالحرمين، وبث العدل فى الآفاق وبذل الأموال، وغزا وجالس المحدّثين وأهل الفضل والدين. قال ثابت بن قرة الحرّانى: ولى المعتضد الخلافة وليس فى بيت المال إلا قراريط لا تبلغ الدينار، والحضرة مطلوبة والأعمال منهوبة والأعراب والأكراد عائثون والأعداء متسلطون، فأصلح الأمور وأحسن التدبير وقمع الخوارج وبالغ فى العمارة وأنصف فى المعاملة ورفق بالرعيّة، حتى استفضل من ارتفاعه فى سنى خلافته تسعة عشر ألف ألف دينار، وتقدّم إلى اجناده وأتباعه بلزوم الطريقة الحميدة، وعرّفهم أنّه متى أفسد غلام أحد منهم كان المأخوذ به مولاه، فسمع يوما صوتا من بعض الكروم مما يلى دجلة فأمر باستعلام الحال، فأخبر أنّ غلام بعض الأمراء أخذ حصر ما من الكرم فأمر بإحضار الأمير، وتقدّم بضرب عنقه، فلم يجسر أحد من الجند بعد ذلك على الفساد؛ ثم قال المعتضد بعد ذلك لوزيره عبيد الله ابن سليمان: لعلّك أنكرت ما جرى من قتلى هذا الأمير بجرم جناه غيره،
(22/359)

فقال: هو ذاك يا أمير المؤمنين، قال: كنت فى خلافة المعتمد فرأيت هذا الأمير قتل رجلا عمدا بغير ذنب، ولم يكن له وارث فنذرت لله تعالى إن ولّانى الله أن أقتله به، فلما وليت كنت أتطلّب له العورات حتى جرى ما جرى من غلامه، فقتلته بذلك الرجل وأقمت السياسة بقتله. قال:
وكان المعتضد يسمى السفّاح الثانى لأنّه جدّد ملك بنى العباس، ووطّده بعد أن كانت الأتراك قد أخلقته، وفى ذلك يقول ابن الرومى:
هنيئا بنى العبّاس إنّ إمامكم ... إمام الهدى والجود والباس أحمد
كما بأبى العبّاس أسّس ملككم ... كذا بأبى العباس أيضا تجدّد
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى فى المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم بسند رفعه إلى أبى محمد عبد الله بن حمدون «1» :
قال: كان المعتضد بالله فى بعض متصيّداته مجتازا «2» بعسكره وأنا معه، فصاح «3» ناظور فى قراح قثاء فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شبئا، فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة نفر «4» ، فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناظور: نعم، فقيّدهم فى الحال وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح وضرب أعناقهم فيه، وسار فأنكر الناس ذلك وتحدّثوا به، ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة فقال لى: يا أبا عبد الله- هل يعيب الناس علىّ شيئا؟ عرّفنى حتى أزيله، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، فقال:
أقسمت عليك بحياتى إلا صدقتنى، قلت: يا أمير المؤمنين- وأنا آمن؟
(22/360)

قال: نعم، قلت: سفك «1» الدماء، قال: والله ما هرقت دما منذ وليت إلا بحقه، قال: فأمسكت إمساك من ينكر عليه، فقال: بحياتى ما تقول؟ فقلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيّب- وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة، قال: دعانى إلى الإلحاد- قلت له يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلّم، وأنا الآن منتصب منصبه فألحد- حتى أكون من؟! فسكت سكوت من يريد الكلام، فقال: فى وجهك كلام؟ فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الذين قتلتهم فى قراح القثّاء، فقال: والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر القثّاء، وأردت أن أهول على الجيش بأنّ من [عاث «2» ] فى عسكرى وأفسد فى هذا القدر كانت عقوبتى له هكذا ليكفّوا عمّا فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم فى الحال، وإنما حبستهم وأمرت بإخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنّهم أصحاب القثّاء، فقلت: فكيف تعلم العامّة هذا؟ قال: بإخراج القوم الذين أخذوا القثّاء وإطلاقهم فى هذه الساعة، ثم قال: هاتوا القوم، فجاءوا بهم وقد تغيّرت حالهم من الحبس والضرب، فقال:
ما قصّتكم؟ فقصّوا عليه قصّة القثّاء، قال: أفتتوبون من مثل هذا الفعل حتى أطلقكم؟ قالوا: نعم، فأخذ عليهم التوبة وخلع عليهم وأمر بإطلاقهم وردّ أرزاقهم عليهم، فاشتهرت «3» الحكاية وزالت عنه التهمة.
وحكى عبد الله بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر «4» :
(22/361)

أنّ أحد كبراء دولته ووزرائه كان قد بنى بناء عاليا مشرفا على جيرانه، فلم يعارضه أحد منهم لمكانه من الخليفة، وكان يجلس فيه فنظر يوما إلى دار من دور جيرانه، فرأى جاربة بارعة الجمال فأولع بها، وسأل عنها وإذا هى ابنة أحد التجار، فخطبها «1» من أبيها فامتنع من زواجه- وكان من أهل اليسار، وقال: لا أزوّج ابنتى إلا من تاجر مثلى، فإنّه إن ظلمها قدرت على الانتصاف «2» منه، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على حيلة، فأرغبه بالأموال وهو يأبى، فلما أيس منه شكى ذلك إلى أحد خواصّه، فقال:
ألف مثقال تقوم لك بهذا الأمر، فقال: والله لو علمت أنى أنفق عليها مائة ألف دينار وأنالها لفعلت، قال له: لا عليك تحضر لى ألف دينار، وأمر بألف دينار فأحضرت فأخذها الرجل، ومشى بها إلى عشرة من العدول، وذكر لهم الأمر وسهّله عليهم، وقال: إنّكم تحيون نفسا قد أشرفت على الهلاك، وقال: إنّه قد بذل لها كذا وكذا من المهر وأعلى لهم، وأبوها إنما هو عاضل لها وإلا فما يمنعه، وقد خطبها مثل فلان فى جلاله قدره، وقد أعطاها صداقا لا يعطى إلا لبنت ملك، ثم هو يتأبى- هل هذا إلا عضل بيّن؟ ولكم ألف مثقال لكل منكم مائة، وتشهدون أنّه زوجها منه على صداق مبلغه كذا وكذا، ورفع قدر الصداق إلى غاية، وقال: إن أباها إذا علم أنّكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا، وليس فيه إلا الخير والعزّ، فأجابوه إلى ذلك وأخذوا الذهب، وشهدوا أن أباها زوّجها منه على صداق كبير، فلما علم أبوها بذلك زاد نفاره، فمشى الوزير إلى القاضى وقال: إنى تزوّجت ابنة فلان على هذا الصداق وهؤلاء الشهود على أبيها، وقد أنكر ذلك، فأمر القاضى بإحضار أبيها فحضر، فشهد الشهود عليه، وأحضر
(22/362)

الوزير مال النقد بين يدى القاضى- والرجل متماد على الإنكار، فحكم القاضى عليه وأمر بحمل المال إليه، وأن تؤخذ ابنته أحبّ أم كره، فأخذت منه ونقلت إلى الوزير، فأعمل أبوها الحيلة فى الوصول إلى المعتضد، وكان المعتضد غليظ الحجاب لا يصل إليه غير الخاصة، فقيل للرجل: إنه يحضر ساعة فى كل يوم لبنيان بنى له بقصره، فإن استطعت أن تكون فى جملة رجال الخدمة فإنّك تصل إليه، فغيّر الرجل شكله ودخل فى جملة رجال الخدمة للبناء، فلما جاء المعتضد ترامى الرجل إلى الأرض ونثر التراب على رأسه، فسأله المعتضد عن شأنه فقصّ عليه القصّة، فأحضر الوزير وأغلظ له فى القول، فحملته هيبة المعتضد على أن ذكر له الواقعة كما وقعت، ثم أحضر الشهود فقالوا كما قال، كل ذلك إجلالا له أن يقعوا فى الكذب بين يديه، وهم يظنّون أنّه لا يؤاخذهم لتمكن ذلك الوزير منه، فلما تبيّن له الأمر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره، وأن يجعل ذلك الوزير فى جلد ثور طرىّ السلخ، ويضرب حتى يختلط عظمه ولحمه بدمه، فصنع به ذلك، ثم أمر أن يفرغ بين يدى نمور كانت عنده، فلعقته تلك النمور، وأمر بتسليم الجارية إلى أبيها، وأن تعطى ما أقرّ الوزير لها به من الصداق من عقار وغيره.
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى «1» :
أنّ شيخا من التجار كان له على أحد القوّاد فى أيام المعتضد بالله مال، قال التاجر: فمطلنى «2» وكان يحجبنى إذا حضرت إلى بابه، ويضع غلمانه على الاستخفاف بى والاستطالة علىّ إذا رمت لقاء؟؟؟
وتظلّمت إلى عبيد الله بن سليمان الوزير منه، فما نفعنى ذاك، فعزمت على الظلامة إلى المعتضد بالله، فبينما أنا مترو فى أمرى قال لى بعض أصدقائى:
(22/363)

علىّ أن آخذ لك مالك من غير حاجة إلى ظلامة- فاستبعدت هذا، فقمت معه فجئنا إلى خياط شيخ فى سوق الثلاثاء، يقرأ القرآن فى مسجد هناك ويخيط بأجرة، فقصّ عليه قصّتى وشرح له الصورة «1» ، وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه فى الخروج إلىّ من حقّى، وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخيّاط، فنهض معنا فلما مشينا خفت بادرة القائد وسطوته، وتصورت أنّ قول الخيّاط لا ينفع مع مثله مع محلّه وبسطته، فتأخرت قلت لصديقى:
قد عرّضنا هذا الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم، وما هو إلا أن يراه غلمانه وقد أوقعوا به، وإن كان لم يقبل أمر الوزير فأولى ألا يقبل منه ولا يفكّر فيه، فضحك وقال: لا عليك، وجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخيّاط تلقّوه وأعظموه، وأهووا ليقبّلوا يده، فمنعهم منها، وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ فإنّ قائدنا راكب، فإن كان لك أمر تقدّم بذكره لنا ونحن نخبره به «2» ، وإن أردت الجلوس وانتظاره فالدار بين يديك، فلما سمعت ذلك قويت نفسى ودخلنا وجلسنا، ووافى القائد فلما رآه أكرمه إكراما شديدا، وقال له: لست أنزع ثيابى حتى تأمر بأمرك، فخاطبه فى أمرى «3» ، فقال: والله ما معى إلا خمسة آلاف درهم، فتسأله أن يأخذها ويأخذ رهونا من مراكبى الذهب والفضّة بقيمة ما بقى من ماله لأعطيه إياه بعد شهر، فبادرت أنا إلى الإجابة وأحضر الدراهم والمراكب بقيمة الباقى «4» ، وأشهدت الخيّاط وصديقى: أن الرهن عندى إلى مدة شهر، فإن جاز كنت وكيله فى بيعه وأخذ مالى من تمنه، وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخيّاط ودخله طرحت الدراهم بين يديه، وقلت: قد ردّ الله مالى بك وعلى يديك فخذ ما تريده منه على طيب نفس منّى «5» ، فقال:
(22/364)

يا هذا- ما أسرع ما قابلتنى بالقبيح على الجميل، انصرف بمالك بارك الله لك فيه، قلت: قد بقيت لى حاجة، قال: ما هى «1» ؟ قلت: أحبّ أن تخبرنى عن سبب طاعة هذا القائد لك، مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة، فقال: قد بلغت غرضك فلا تقطعنى عن شغلى بحديث لا فائدة لك فيه، فألححت عليه فقال: أنا رجل أقرأ وأؤم وأقرئ فى هذا المسجد منذ أربعين سنة، لا أعرف كسبا إلا من الخياطة، وكنت صلّيت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلى، فاجتزت على تركى كان فى هذه الدار، وأومأ إلى دار بالقرب منه، وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه، فعلق بها وهو سكران وطالبها بالدخول إلى داره، وهى تمتنع وتستغيث وتقول فى جملة كلامها: إنّ زوجى قد حلف بالطلاق لا أبيت عنه، وإن أخذنى هذا وغصبنى وبيّتنى عن منزلى خرب بيتى ولحقنى من العار ما لا تدحضه «2» الأيام عنى، وما أحد يغيثها ولا يمنع منها، فجئت إلى التركى ورفقت به فى أن يخلى عنها فلم يفعل، وضرب رأسى بدبّوس كان فى يده فشجّه، وأدخل المرأة، فصرت إلى منزلى وغسلت الدم عن وجهى وشددت رأسى، وخرجت لصلاة العشاء الآخرة، فلما فرغنا منها قلت لمن حضر: قوموا معى إلى هذا التركى عدو الله، لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده، فقاموا فجئنا وصحنا على بابه، فخرج إلينا فى عدة من غلمانه فأوقع بنا، وقصدنى من بين الجماعة بالضرب الشديد الذى كاد يتلفنى، وحملت إلى منزلى وأنا لا أعقل أمرى، فنمت قليلا للوجع ثم طار النوم عن عينى، وسهرت متقلّبا على فراشى ومفكرا فى أمر المرأة، فإنّها متى أصبحت طلّقت، ثم قلت: هذا رجل شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت لوقع له أن الفجر قد طلع، فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها وبقيت فى حبال زوجها، فتكون قد
(22/365)

تخلّصت من أحد المكروهين، فخرجت متحاملا الى المسجد وصعدت المنارة وأذّنت، وجلست أطّلع إلى الطريق فأرتقب خروج المرأة من الدار «1» ، فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلا ورجلا ومشاعل، وهم يقولون من ذا الذى أذّن؟ ففزعت وسكتّ ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمرى لعلّهم يعينوننى على خروج المرأة، فصحت من المنارة: أنا أذّنت، فقالوا: أنزل وأجب أمير المؤمنين، فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر، فأدخلنى على المعتضد بالله فلما رأيته هبته وأخذتنى رعدة شديدة فقال لى: اسكن- ما حملك على الآذان فى غير وقته؟ وأن تغرّ الناس فيخرج ذو الحاجة فى غير حينه، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب، قلت:
يؤمّننى أمير المؤمنين لأصدقه، قال: أنت آمن، فقصصت عليه قصة التركى، وأريته الآثار التى فى رأسى ووجهى، فقال: يا بدر- علىّ بالغلام والمرأة، فجىء بهما فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره «2» بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعانى فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعنى، ويقول له: كم رزقك؟ وكم عطاؤك؟ فيقول كذا وكذا «3» قال: فما كان لك فى هذه النعمة وفى هذه السعة وفى هؤلاء الجوارى ما يكفيك ويكفك عن محارم الله؟ وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه؟ وما كان عذرك فى الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر «4» ؟
فأسقط فى يد الغلام ولم يكن له جواب يورده، ثم قال: يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل. فأحضر جميع ذلك فقّيده وغلّه وأدخله
(22/366)

الجوالق، وأمر فدقّوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسّه، وأمر به فطرح إلى دجلة وتقدم إلى بدر بتحويل ما فى داره، ثم قال لى:- وقد شاهدت ذلك كله- متى رأيت يا شيخ منكرا كبيرا أو صغيرا فأنكره ولو على هذا- وأشار «1» إلى بدر، ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيينا أن تؤذن فى مثل هذا الوقت لأسمع صوتك وأستدعيك، قال الشيخ: فدعوت له وانصرفت، وشاع الخبر بين «2» الجند والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا أو كفا عن قبيح إلا أطاعتى فما رأيت خوفا من المعتضد، وما احتجت أن أؤذّن فى مثل ذلك الوقت إلى الآن.
وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى أيضا بسند رفعه إلى أبى بكر بن حورى- وكان يصحب أبا عبد الله بن أبى عوف قال «3» كنت ألزم ابن أبى عوف سنين «4» بيننا جوار ومودة «5» ، وكان رسمى كل ليلة أن أجىء بعد العتمة، فحين يرانى يمد رجله فى حجرى فأغمزها، وأحادثه ويسألنى عن الحوادث ببغداد وكتب استقربها له، فإذا أراد أن ينام قبض رجله فقمت إلى بيتى، وقد مضى ثلث الليل أو نصفه أو أقل «6» ، فلما كان ذات يوم جاءنى رجل كان يعاملنى، فقال: قد دفعت إلى أمر إن تمّ علىّ افتقرت، قلت وما هو؟ قال: رجل كنت أعامله فاجتمع لى عليه ألف دينار، فطالبته فرهننى عقد جوهر قوّم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد شهور أو أبيعه، وأذن لى فى ذلك، فلما كان أمس وجّه يونس «7» صاحب الشرطة
(22/367)

من كبس دكانى، وفتح صندوقى وأخذ العقد، فقلت: أنا أخاطب ابن أبى عوف فيلزمه بردّه، قال: وأنا مدلّ بابن أبى عوف لمكانى منه ومكانته من المعتضد، فلما كانت تلك الليلة جئته وحادثته على رسمى، وذكرت له فى جملة حديثى حديث العقد، فلما سمع نحّى رجله من حجرى وقال: مالى ولهذا!! أعادى خادما صاحب شرطة الخليفة؟! فورد علىّ أمر عظيم وخرجت من بيته ألا أعود، فلما صلّيت العتمة من الليلة المقبلة جاءنى خادم لابن أبى عوف، وقال: يقول لك لم تأخرت الليلة؟ إن كنت مشتكيا جئناك، فاستحييت وقلت أمضى الليلة، فلما رآنى مدّ رجله وأقبلت أحدّثه بحديث متكلف، فصبر على ساعة ثم قبض رجله فقمت، فقال: يا أبا بكر انظر أى شىء تحت المصلّى فخذه، فرفعت المصلّى فإذا برقعة فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة فإذا فيها: يا يونس جسرت على قصد دكّان رجل تاجر، وفتحت صندوقه وأخذت منه عقد جوهر- وأنا فى الدنيا، والله لولا أنّها أول غلطة غلطتها ما جرى فى ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى دكّان الرجل حتى تردّ العقد فى الصندوق بيدك ظاهرا، فقلت لأبى عبد الله: ما هذا؟ فقال: خط المعتضد- مثلث بين وجدك وبين يونس فاخترتك عليه، فأخذت خط أمير المؤمنين بما تراه، وامض وأرسله إليه، فقبّلت رأسه وجئت إلى الرجل، فأخذت بيده ومضينا إلى يونس وسلّمت التوقيع إليه، فلما رآه أسودّ وجهه وارتعد، حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال: يا هذا- الله بينى وبينك- هذا شىء ما علمت به، فألا تظلّمتم فإن لم أنصفكم فإلى الوزير- بلغتم الأمر أمير المؤمنين من أول وهلة! [قال] «1» فقلت: بعملك جرى والعقد معك فأحضره، فقال: خذ الألف دينار التى عليه، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه، فقلت: لا نفعل، فقال:
ألف وخمسمائة، فقلت: والله لا نرضى حتى تركب بنفسك إلى الدكان فتردّ
(22/368)

العقد، فركب وردّ العقد إلى مكانه.
وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزى «1» أيضا بسند رفعه إلى أبى محمد عبد الله بن حمدون «2» قال:
قال لى المعتضد ليلة- وقد قدّم له العشاء- لقّمنى، وكان الذى قدّم فراريج ودراريج، فلقّمته من صدر فرّوج، قال: لا، لقّمنى من فخده فلقّمته لقما، ثم قال: هات من الدراريج فلقّمته من أفخاذها، فقال:
ويلك- هوذا أتتنادر علىّ، هات من صدورها، فقلت: يا مولاى ركبت القياس، فضحك، فقلت: إلى كم أضحكك ولا تضحكنى، فقال: شل المطرح وخذ ما تحته، قال: فشلته فإذا دينار واحد، فقلت آخذ هذا؟ قال: نعم، فقلت: بالله هوذا تتنادر أنت الساعة علىّ، خليفة يجيز «3» نديمه بدينار!! فقال: ويلك- لا أجد لك فى بيت المال حقا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسى أن أعطيك من مالى شيئا، ولكن هوذا احتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبّلت يده فقال: إذا كان غدا وجاء القاسم- يعنى ابن عبيد الله- فهوذا أسارّك حتى تقع عينى عليه سرارا طويلا، ألتفت فيه إليه كالمغضب وانظر أنت إليه فى خلال ذلك كالمخالس لى نظر المترثى، فإذا انقطع السرار فاخرج ولا تبرح من الدهاليز، فإذا خرج خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلّة وقلّة حظّك معى وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك واطلب كل ما تقع عليه عينك، فإنّه لا يمنعك حتى تستوفى خمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى فاصدقه وإياك أن تكذبه، وعرّفه أن ذلك حيلة منّى عليه حتى وصل إليك هذا وحدّثه بالحديث كله على
(22/369)

شرحه، وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد، وإحلاف لك منه بالطلاق والعتاق أن تصدقه وبعد أن تخرج من داره كل ما يعطيك إياه ويصير فى بيتك. قال: فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يساررنى، وفعل وفعلت كما تقرّر، ثم خرجت فإذا القاسم فى الدهليز ينتظرنى، فقال:
يا أبا محمد- ما هذا الجفاء! لا تجيئنى ولا تزورنى ولا تسألنى حاجة! فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علىّ، فقال: لا يقنعنى إلا أن تزورنى اليوم ونتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير- فأخذنى إلى طيّارة وجعل يسألنى عن حالى وأخبارى فأشكو إليه الخلة والإضافة والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيسترجع ويقول: يا هذا مالى لك ولم تضيّق عليك ما يتسع علىّ؟ أو تتجاوز نعمة خلصت لى؟ أو يتخطّاك حظ نازل [فى فنائى] «1» ؟ ولو عرّفتنى لعاونتك على إزالة هذا كله فشكرته، وبلغنا داره فصعد ولم ينظر فى شىء، وقال: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبى محمد، ولا يقطعنى أحد عنه، وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال، وخلّانى فى دار الخلوة وجعل يجادثنى ويبسطنى، وقدّمت الفاكهة فجعل يلقمنى بيده، وجاء الطعام وكانت هذه سبيله، ووقّع لى بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت، وأحضر لى ثيابا وطيبا ومركوبا فأخذت ذلك، وكان بين يدىّ صينيّة فضّة فيها مغسل فضّة فأخذتها، وخرداذى «2» بللور وكوز وقدح بللور فأمر بحمله إلى طيّارى، وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا له قيمة طلبته. فحمل إلىّ فرشا «3» وقال:
هذا للبنات، فلما تقوّض المجلس خلا بى وقال لى: يا أبا محمد- أنت عالم بحقوق أبى عليك ومودّتى لك، فقلت: أنا خادم الوزير، فقال: أريد أن أسالك عن شىء وتحلف لى أنك تصدقنى عنه، فقلت: السمع
(22/370)

والطاعة- فأحلفنى بالله وبالطلاق وبالعتاق على الصدق، ثم قال: بأى شىء سارّك الخليفة اليوم فى أمرى؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفا بحرف، فقال: فرّجت عنّى، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيّته لى أسهل علىّ فشكرته وودّعته وانصرفت إلى منزلى «1» ، فلما كان من غد بكرت إلى المعتضد فقال: هات حديثك فسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أنّى أعمل مثلها معك بسرعة.
وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزى أيضا بسند رفعه إلى إسماعيل ابن إسحاق القاضى «2» قال:
دخلت على المعتضد بالله وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآنى المعتضد بالله «3» ، فلما أردت القيام أشار إلىّ فمكثت ساعة، فلما خلا بى قال: أيها القاضى- والله ما حللت سراويلى على حرام قط.
وحكى أيضا بسند رفعه إلى أبى محمد الحسن بن محمد الطلحى قال «4» :
حدّثنى أحد خدم المعتضد المختص «5» بخدمته، قال: كنّا حوالى سرير المعتضد ذات يوم نصف النهار وقد نام بعد أن أكل، وكان رسمنا أن نكون حول سريره أوقات منامه من ليل أو نهار، فانتبه منزعجا وقال:
يا خدم- فأسرعنا الجواب، فقال: ويلكم أغيثونى والحقوا الشط، وأول ملاح ترونه منحدرا فى سفينة فارغة فاقبضوا عليه، وجيئونى به ووكلوا بسفينته، فأسرعنا فوجدنا ملاحا فى سميرية منحدرا- وهى فارغة- فقبضنا عليه، ووكلنا بسميريّته وأصعدناه إليه، فحين رآه الملاح تلف «6» ، فصاح
(22/371)

عليه صيحة عظيمة كادت روحه تخرج معها، وقال: اصدقنى يا ملعون عن قصّتك مع المرأة التى قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك، قال: فتلعثم وقال:
نعم، كنت اليوم من سحر فى مشرعتى فنزلت امرأة «1» وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها فاحتلت عليها حتى سددت فاها وغرّقتها، وأخذت جميع ما كان عليها، ولم أجسر على حمل سلبها إلى بيتى كيلا يفشو الخبر، فعملت على الهرب وانحدرت الساعة لأمضى إلى واسط، فعلقنى هؤلاء الخدم وحملونى «2» ، فقال له: أين الحلى والسلب؟ قال:
فى «3» السفينة تحت البوارى، فقال المعتضد للخدم: جيئونى به، فمضوا «4» وأحضروه، فقال: خذوا الملّاح فغرّقوه ففعلوا، ثم أمر أن ينادى ببغداد على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانيّة سحرا وعليها الثياب والحلى فليحضر من يعرفها، ويعطى صفة ما كان عليها ويأخذه فقد تلفت المرأة، فحضر فى اليوم الثانى أو الثالث أهل المرأة، وأعطوا صفة ما كان عليها فسلّم ذلك إليهم، قال: فقلنا يا مولانا أوحى إليك، فقال: رأيت فى منامى كأنّ رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادى بالأخذ لأوّل «5» ملّاح ينحدر الساعة فاقبض عليه، وقرّره عن خبر امرأة قتلها اليوم وسلبها، وأقم عليه الحدّ- فكان ما شاهدتم.
وكان المعتضد بالله رحمه الله شجاعا مقداما، فما حكى عن شجاعته ما حكاه أبو الفرج بسند رفعه إلى خفيف السمرقندى قال «6» :
كنت مع مولاى المعتضد فى بعض متصيّداته، وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيرى، فخرج علينا أسد فقصدنا، فقال لى المعتضد:
(22/372)

يا خفيف «1» - أفيك خير؟ فقلت: لا يا مولاى، قال: ولا حتى تمسك فرسى وأنزل أنا إلى الأسد، فقلت: بلى، فنزل وأعطانى فرسه وشدّ أطراف ثيابه فى منطقته، واستلّ السيف ورمى بالقراب إلىّ، فأقبل يمشى إلى الأسد، فحين قرب منه وثب الأسد عليه فتلقّاه المعتضد فضربه، فإذا يده طارت فتشاغل الأسد بالضربة، فغشيه «2»
بأخرى ففلق هامته فخرّ صريعا، فدنا منه- وقد تلف- فمسح السيف فى صوفه، فرجع إلىّ فأغمد السيف وركب، ثم عدنا إلى العسكر «3» ، فإلى أن مات ما سمعته تحدّث بحديث الأسد، ولا علمت أنّه لفظ منه «4» بلفظة، فلم أدر من أى شىء أعجب:
من شجاعته وشدته أو من قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه أو من عفوه عنّى، فما عاتبنى على ضنّى بنفسى.
وكان رحمه الله حسن الفراسة صادقا، فمن ذلك ما حكاه خفيف السمرقندى قال «5» :
كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر وهو يبكى، وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان الوزير عند موته، فأعلم المعتضد بالله الخبر، فقال: أو قد صحّ الخبر؟ أو هى غشية؟ قال: بل توفى وشدّ لحينه، فرأيت المعتضد بالله وقد سجد فأطال السجود، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهدا فى خدمتك عفيفا عن الأموال، قال: يا بدر- أظننت أنى سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا لله عزّ وجل إذ وفّقنى فلم أصرفه ولم أوحشه، ورفّهت على ورثته ما خلفه لهم من كسبه معى ما يجاوز قيمته ألفى ألف دينار، وقد كنت
(22/373)

عزمت على أخذ ذلك منهم، وأن استوزر أحد الرجلين: إما جرادة- وهو أقوى الرجلين فى نفسى لهيبته فى قلوب الجيش، والآخر أحمد بن محمد بن الفرات وهو أعرف بمواقع الأموال، فقال له بدر: يا مولاى- غرست غرسا حتى إذا أثمر قلعته، أنت ربّيت القاسم وقد ألف خدمتك عشر سنين، وعرف ما يرضى حاشيتك، وجرادة رجل متكبّر ويخرج من الجيش جائعا وابن الفرات لا هيبة له فى النفوس، وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير ليحفظ المال، ومال القاسم وورثته لك أى وقت أردته أخذته، فراجعه المعتضد وبيّن له فساد هذا الرأى، فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرّات، فقال له المعتضد: قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزّه بأبيه، وبشّره بتقرير رأيى على استيزاره، وليسلو عن مصابه، ومره بالبكور إلى الجامع، قال خفيف: فولّى بدر وخرجت معه فدعانى المعتضد [فعدت] «1» ، فقال: أرأيت ما جرى؟ قلت: نعم، قال: والله ليقتلنّ بدرا القاسم «2» - وكان الأمر كذلك، قتله فى خلافة المكتفى بالله على ما نذكره إن شاء الله، فقال خفيف: رحم الله المعتضد كأنّه نظر إلى هذا من وراء ستر.
وكان المعتضد رحمه الله جيد الشعر، فمن شعره ما قاله عند موت جارية كان يحبها وتحبه غاية المحبة، فلما «3» ماتت جزع لموتها جزعا منعه عن الطعام والشراب فقال «4» :
يا حبيبا لم يكن يع ... دله عندى حبيب
(22/374)

أنت عن عينى بعيد ... ومن القلب قريب
ليس لى بعدك فى شى ... ء من اللهو نصيب
لك من قلبى على قل ... بى وإن بنت رقيب
وخيالى منك مذغب ... ت خيال لا يغيب
لو ترانى كيف لى بع ... دك عول ونحيب
وفؤادى حشوه من ... حرق الحزن لهيب
لتيقّنت بأنّى ... بك محزون كئيب
ما أرى نفسى وإن طبّ ... بتها «1» عنك تطيب
لى دمع ليس يعصي ... نى وصبرء ما يجيب
وقال أيضا:
لم أبك للدار ولكن بما ... قد كان فيها مرّة ساكنا
فخاننى الدهر بفقدانه ... وكنت من قبل له آمنا
ودّعت صبرى يوم «2» توديعه ... وبان «3» قلبى معه ظاعنا
فقال له عبيد الله بن سليمان: يا أمير المؤمنين- مثلك تهون عليه المصائب، لأنه يجد من كل فقيد خلفا، ويقدر على ما يريد، والعوض منك لا يوجد، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمّره ببقائك. وقد قال الشاعر فى المعنى الذى ذكرته.
يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... ونحن «4» أغلظ أكبادا من الإبل
فضحك المعتضد وعاد إلى عادته.
وقال عبد الله بن المعتز يعزى المعتضد عن هذه الجارية:
(22/375)

يا إمام الهدى بنا لا بك اله ... مّ «1» وأفنيتنا وعشت سليما
أنت علّمتنا على النعم الشك ... ر وعند المصائب التسليما
فاسل عمّا مضى فإنّ التى كا ... نت سرورا صارت ثوابا عظيما
قد رضينا بأن تموت وتحيا ... إنّ عندى فى ذاك خطا جسيما
من يمت طائعا لديك فقد أع ... طى نورا ومات موتا كريما
وأخبار المعتضد بالله كثيرة، قد أشرنا إلى ما فيه كفاية.
وكان له من الأولاد على- وهو المكتفى بالله، وجعفر- وهو المقتدر بالله، وهارون، ومحمد- وهو القاهر بالله، ومن البنات إحدى عشرة وقيل تسع.
عشرة «2» .
وكان نقش خاتمه: الاضطرار يزيل الاختيار. ووزراؤه: عبيد الله ابن سليمان بن وهب ثم ابنه القاسم بن عبيد الله. قضاته: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل «3» بن حماد بن زيد، ثم أبو العباس أحمد بن محمد «4» البرتى، ثم أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكّونى، ثم يوسف بن يعقوب «5» بن إسماعيل بن حماد بن زيد، ثم على بن أبى الشوارب، ثم أبو
(22/376)

عمر «1» محمد بن يوسف بن يعقوب «2» . حاجبه: صالح الأمير.
الأمراء بمصر: خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم ابنه جيش بن خمارويه، ثم هارون بن خمارويه. القضاة بها: أبو عبدة إلى أن خلع جيش ابن خمارويه فاستتر فى داره، وولى بعده أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقى من قبل هارون بن خمارويه.
(نهاية الجزء العشرين بتجزئة المؤلف)
(22/377)

مراجع التحقيق
1- الأعلام لخير الدين الزركلى- طبعة القاهرة سنة 1954 م 2- الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى
- طبعة بولاق سنة 1285 هـ- طبعة الساسى سنة 1323 هـ- طبعة دار الكتب سنة 1345 هـ
3- البداية والنهاية لابن كثير- طبعة القاهرة سنة 1932 م
4- بلدان الخلافة الشرقية للسترينج- طبعة كمبردج سنة 1930 م
5- تاريخ ابن عساكر- مخطوط دار الكتب 1041 تاريخ تيمور
6- تاريخ بغداد للخطيب البغدادى- طبعة القاهرة سنة 1931 م
7- تاريخ الطبرى؛ المسمى بتاريخ الأمم والملوك- طبعة أوربا سنة 1937 م- طبعة القاهرة سنة 1939 م
8- تنبيه الغافلين للسمرقند
- طبعة بولاق سنة 1313 هـ
9- تهذيب تاريخ ابن عساكر- طبعة دمشق سنة 1351 هـ.
(22/379)

10- فتوح البلدان للبلاذرى- طبعة أوربا سنة 1866 م
11- الكامل لابن الأثير- طبعة أوربا سنة 1876 م- طبعة القاهرة سنة 1357 هـ
12- كمامة الزهر وصدفة الدر، وتسمى أيضا شرح البسامة بأطواق الحمامة لابن بدرون- مطبعة السعادة، القاهرة، سنة 1340 هـ- مخطوط دار الكتب 7917 أدب
13- مسالك الممالك لأبى اسحق الأصطخرى- طبعة ليدن سنة 1870 م
14- معجم البلدان لياقوت الحموى طبعة ليبزج سنة 1866 م
15- المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزى- طبعة حيدر أباد سنة 1357 هـ- مخطوط دار الكتب 1269 تاريخ.
16- النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى- طبعة دار الكتب سنة 1929 م
17- الوزراء والكتاب للجهشيارى- طبعة القاهرة سنة 1938 م
18- وفيات الأعيان لابن خلكان- طبعة القاهرة سنة 1948 م
19- الولاة والقضاة للكندى- طبعة بيروت سنة 1908 م
(22/380)

فهرس الجزء الثانى والعشرين
تقديم
الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة العباسية بالعراق وغيره والديار المصرية وما معها خاصة، وابتداء أمر الشيعة وظهورهم، وما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبى العباس عبد الله السفاح ومن قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا.
ذكر ابتداء ظهور دعوة بنى العباس وأمر الشيعة 9
ذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس وبثه الدعاة. 10
ذكر مولد أبى العباس السفاح 12
ذكر خبر أبى مسلم الخراسانى وابتداء أمره 15
ذكر ولاية أبى مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراسانى أمر الشيعة. 18
ذكر إظهار الدعوة بخراسان 19
ذكر دخول أبى مسلم مرو والبيعة بها 21
ذكر هرب نصر بن سيار أمير خراسان من مرو 23
ذكر مقتل ابنى الكرمانى 24
ذكر قدوم قحطبة بن شبيب من قبل إبراهيم الإمام على أبى مسلم. 26
ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور واستيلائه عليها ومن استعمله أبو مسلم على الجهات. 26
ذكر مقتل نباته بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان 27
(22/381)

سنة إحدى وثلاثين ومائة 28
ذكر وفاة نصر بن سيار ودخول قحطبة الرى 28
ذكر مقتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان 30
ذكر دخول قحطبة نهاوند 31
ذكر فتح شهر زور 32
سنة إثنتين وثلاثين ومائة 32
ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة. 33
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا 34
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام 35
ذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة الأموية. 37
ذكر بيعة أبى العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 37
ذكر هزيمة مروان بالزاب 45
ذكر مقتل مروان بن محمد ودخول أهل الشام وغيرهم فى الطاعة. 46
ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد 49
ذكر الخلاف على أبى العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع. 52
ذكر خلع أبى الورد وأهل قنسرين ودمشق 52
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم 53
ذكر قتل أبى سلمة الخلال وسليمان بن كثير 54
ذكر أخبار ابن هبيرة وما كان من أمره 56
ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل ومن قتله بها 58
ذكر عمال السفاح 59
سنة ثلاث وثلاثين ومائة 59
ذكر دخول ملك الروم ملطية وقاليقلا 59
سنة أربع وثلاثين ومائة 61
ذكر خلع بسام بن إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح. 61
ذكر خبر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز 62
سنة خمس وثلاثين ومائة 63
ذكر خروج زياد بن صالح 64
سنة ست وثلاثين ومائة 64
ذكر وفاة أبى العباس السفاح 65
ذكر خلافة المنصور 66
(22/382)

سنة سبع وثلاثين ومائة 67
ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته 67
ذكر مقتل أبى مسلم الخراسانى 69
ذكر خروج سنباذ بخراسان 77
ذكر خروج ملبد الشيبانى وقتله 78
سنة ثمان وثلاثين ومائة 79
ذكر خلع جمهور بن مرار وقتله 79
سنة تسع وثلاثين ومائة 80
سنة أربعين ومائة 80
سنة إحدى وأربعين ومائة 81
ذكر خروج الراوندية على المنصور وقتلهم 81
ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى إليه 82
ذكر فتح طبرستان 84
سنة إثنتين وأربعين ومائة 85
ذكر خلع عيينة بن موسى 85
ذكر نكث الإصبهبذ 85
سنة ثلاث وأربعين ومائة 86
سنة أربع وأربعين ومائة 86
سنة خمس وأربعين ومائة 88
ظهور محمد بن عبد الله 88
ذكر وثوب السودان بالمدينة 88
ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبى جعفر المنصور إليها 89
سنة ست وأربعين ومائة 92
سنة سبع وأربعين ومائة 92
ذكر البيعة للمهدى وخلع عيسى بن موسى 92
ذكر وفاة عبد الله بن على وخبر عيسى بن موسى 93
سنة ثمان وأربعين ومائة 94
ذكر خروج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمدانى. 94
سنة تسع وأربعين ومائة 95
سنة خمسين ومائة 95
ذكر خروج استاذسيس 95
(22/383)

سنة إحدى وخمسين ومائة 96
ذكر بناء الرصافة للمهدى 96
سنة إثنتين وخمسين ومائة 98
سنة ثلاث وخمسين ومائة 98
ذكر القبض على أبى أيوب الموريانى الوزير وقتله 98
سنة أربع وخمسين ومائة 100
سنة خمس وخمسين ومائة 100
سنة ست وخمسين ومائة 100
سنة سبع وخمسين ومائة 101
سنة ثمان وخمسين ومائة 101
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور 101
ذكر وصية المنصور لابنه المهدى 103
ذكر شىء من سيرة أبى جعفر المنصور 107
ذكر خلافة المهدى 108
سنة تسع وخمسين ومائة 109
ذكر ظهور المقنع بخراسان وهلاكه 109
سنة ستين ومائة 111
ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادى 111
سنة إحدى وستين ومائة 113
سنة إثنتين وستين ومائة 113
ذكر قتل عبد السلام الخارجى 113
سنة ثلاث وستين ومائة 114
سنة أربع وستين ومائة 114
سنة خمس وستين ومائة 115
سنة ست وستين ومائة 115
سنة سبع وستين ومائة 117
سنة ثمان وستين ومائة 117
سنة تسع وستين ومائة 118
ذكر وفاة أبى عبد الله المهدى 118
ذكر شىء من سيرته وأخباره 119
ذكر خلافة الهادى 121
ذكر ظهور الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب 122
(22/384)

سنة سبعين ومائة 122
ذكر وفاة أبى محمد الهادى 123
ذكر خلافة هارون الرشيد 125
سنة إحدى وسبعين ومائة 126
سنة إثنتين وسبعين ومائة 127
سنة ثلاث وسبعين ومائة 127
سنة أربع وسبعين ومائة 127
سنة خمس وسبعين ومائة 127
سنة ست وسبعين ومائة 127
ذكر ظهور يحيى بن عبد الله 127
ذكر الفتنة بدمشق 128
سنة سبع وسبعين ومائة 129
ذكر الفتنة بالموصل 129
سنة ثمان وسبعين ومائة 129
ذكر الفتنة بمصر 129
ذكر خروج الوليد بن طريف 130
سنة تسع وسبعين ومائة 131
سنة ثمانين ومائة 131
ذكر ولاية على بن عيسى خراسان، وخبر حمزة الخارجى. 131
سنة إحدى وثمانين ومائة 132
سنة إثنتين وثمانين ومائة 132
سنة ثلاث وثمانين ومائة 133
سنة أربع وثمانين ومائة 134
سنة خمس وثمانين ومائة 134
سنة ست وثمانين ومائة 134
ذكر حج هارون الرشيد وأمر كتاب العهد 134
سنة سبع وثمانين ومائة 135
ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى بن خالد. 135
ذكر شىء من أخبار جعفر وتمكنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه. 142
ذكر القبض على عبد الملك بن صالح 148
ذكر غزو الروم 148
سنة ثمان وثمانين ومائة 150
(22/385)

سنة تسع وثمانين ومائة 150
ذكر مسير الرشيد إلى الرى 150
سنة تسعين ومائة 151
ذكر فتح هرقلة 151
سنة إحدى وتسعين ومائة 158
سنة إثنتين وتسعين ومائة 158
سنة ثلاث وتسعين ومائة 158
ذكر وفاة الرشيد 158
ذكر شىء من سيرة الرشيد وأخباره 163
ذكر خلافة الأمين 164
سنة أربع وتسعين ومائة 165
ذكر خلاف أهل حمص على الأمين 165
سنة خمس وتسعين ومائة 165
ذكر خروج السفيانى وما كان من أمره 165
سنة ست وتسعين ومائة 167
سنة سبع وتسعين ومائة 167
سنة ثمان وتسعين ومائة 167
ذكر أخبار الأمين والمأمون وما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من قتل الأمين 167
ذكر محاربة على بن عيسى بن ماهان وطاهر 171
ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة إلى طاهر وقتله واستيلاء طاهر على أعمال الجبل 174
ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال 176
ذكر خلع الأمين ببغداد والبيعة للمأمون وعودة الأمين 177
ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة 178
ذكر تجهيز الأمين الجيوش وما كان من أمرهم 180
ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين 180
ذكر حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها 181
ذكر مقتل الأمين 182
ذكر صفة الأمين وعمره ومدة خلافته وشىء من أخباره 187
ذكر خلافة المأمون 188
ذكر وثوب الجند بطاهر 189
ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلى على المأمون 190
ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد 191
(22/386)

سنة تسع وتسعين ومائة 191
ذكر ظهور ابن طباطبا العلوى ووفاته وخبر أبى السرايا 191
ذكر هرب أبى السرايا وقتله 195
سنة مائتين 196
ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة ومبايعته محمد بن جعفر وما كان من أمره وخلعه لنفسه 197
ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله 199
ذكر وثوب الحربية ببغداد 200
سنة إحدى ومائتين 201
ذكر ولاية منصور بن المهدى بغداد 201
ذكر البيعة بولاية العهد لعلى بن موسى الرضا 202
ذكر فتح جبال طبرستان وأسر ملك الديلم 203
سنة إثنتين ومائتين 203
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدى ببغداد وخلع المأمون 203
ذكر أخبار ابراهيم بن المهدى وما استولى عليه من الأماكن، وما كان من أمره إلى أن خلع واستتر، ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة 204
ذكر خلع إبراهيم بن المهدى 206
ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدى 208
ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذى الرئاستين الفضل بن سهل 208
سنة ثلاث ومائتين 210
ذكر وفاة على بن موسى الرضا ولى العهد 210
سنة أربع ومائتين 210
ذكر قدوم المأمون بغداد 210
سنة خمس ومائتين 211
ذكر ولاية طاهر بن الحسين خراسان 211
سنة ست ومائتين 212
ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرقة وغيرها 212
سنة سبع ومائتين 212
ذكر وفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة. 213
سنة ثمان ومائتين 214
سنة تسع ومائتين 214
(22/387)

سنة عشر ومائتين 214
ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدى 215
ذكر بناء المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل 220
ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر وفتحها وفتح الإسكندرية 225
ذكر خلع أهل قم المأمون وما كان من أمرهم 228
سنة إحدى عشرة ومائتين 228
سنة اثنتى عشرة ومائتين 229
ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل 229
سنة ثلاث عشرة ومائتين 229
سنة أربع عشرة ومائتين 230
ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان 230
سنة خمس عشرة ومائتين 230
ذكر غزاة المأمون إلى الروم 230
سنة ست عشرة ومائتين 231
ذكر فتح هرقلة 231
سنة سبع عشرة ومائتين 232
سنة ثمانى عشرة ومائتين 233
ذكر المحنة بالقرآن المجيد 233
ذكر وفاة أبى العباس المأمون 237
ذكر صفته وشىء من أخباره وسيرته 239
ذكر خلافة المعتصم بالله 242
سنة تسع عشرة ومائتين 243
ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوى 243
ذكر محاربة الزط 244
سنة عشرين ومائتين 245
ذكر بناء سامرا وهى سر من رأى 245
ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير 246
سنة إحدى وعشرين ومائتين 247
سنة إثنتين وعشرين ومائتين 247
ذكر أخبار بابك الحرمى وفتح البذ وأسر بابك وقتله 247
سنة ثلاث وعشرين ومائتين 250
ذكر قدوم الأفشين إلى سامرا وما عامله به المعتصم 250
ذكر خروج الروم إلى زبطرة 250
(22/388)

ذكر فتح عمورية 251
ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته 253
سنة أربع وعشرين ومائتين 254
ذكر مخالفة مازيار بطبرستان وأسره 254
ذكر عصيان متكجور قرابة الأفشين والظفر به 257
سنة خمس وعشرين ومائتين 258
ذكر القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه 258
سنة ست وعشرين ومائتين 258
سنة سبع وعشرين ومائتين 259
ذكر خروج المبرقع بفلسطين 259
ذكر وفاة أبى إسحاق المعتصم وشىء من أخباره 260
ذكر خلافة الواثق بالله 262
ذكر الفتنة بدمشق 262
سنة ثمان وعشرين ومائتين 263
سنة تسع وعشرين ومائتين 263
سنة ثلاثين ومائتين 263
ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة وما كان من أمرهم 263
سنة إحدى وثلاثين ومائتين 265
ذكر خبر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعى وما كان من أمره 265
ذكر الفداء بين المسلمين والروم 269
سنة اثنتين وثلاثين ومائتين 270
ذكر وفاة أبى جعفر الواثق وشىء من أخباره 270
ذكر خلافة المتوكل على الله 275
سنة ثلاث وثلاثين ومائتين 276
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات 276
سنة أربع وثلاثين ومائتين 278
ذكر خبر إيتاح وابتداء أمره وقتله 278
سنة خمس وثلاثين ومائتين 280
ذكر ظهور رجل يدعى النبوة 281
سنة ست وثلاثين ومائتين 282
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن على رضى الله عنهما 282
(22/389)

سنة سبع وثلاثين ومائتين 283
ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم 283
ذكر غضب المتوكل على أحمد بن أبى دؤاد وولاية يحيى بن أكثم القضاء 284
سنة ثمان وثلاثين ومائتين 285
ذكر مسير الروم إلى ديار مصر 285
سنة تسع وثلاثين ومائتين 286
سنة أربعين ومائتين 286
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم 286
سنة إحدى وأربعين ومائتين 287
ذكر الفداء بين المسلمين والروم 287
ذكر غارة البجاة بمصر 288
سنة اثنتين وأربعين ومائتين 289
سنة ثلاث وأربعين ومائتين 291
سنة أربع وأربعين ومائتين 291
سنة خمس وأربعين ومائتين 291
سنة ست وأربعين ومائتين 292
سنة سبع وأربعين ومائتين 293
ذكر مقتل أبى الفضل المتوكل على الله 293
كيفية قتل المتوكل 295
ذكر خلافة المنتصر بالله 298
سنة ثمان وأربعين ومائتين 298
ذكر خلع المعتز والمؤيد 298
ذكر وفاة المنتصر بالله 300
ذكر خلافة المستعين بالله 301
سنة تسع وأربعين ومائتين 303
ذكر الفتنة ببغداد 303
ذكر قتل أوتامش الوزير 304
سنة خمسين ومائتين 305
سنة إحدى وخمسين ومائتين 306
ذكر قتل باغر التركى 306
ذكر مسير المستعين إلى بغداد 307
ذكر البيعة للمعتز بالله 308
ذكر حصار المستعين ببغداد 310
(22/390)

سنة اثنتين وخمسين ومائتين 312
ذكر خلع المستعين وخلافة المعتز بالله 312
ذكر أخبار المستعين بعد خلعه، وما كان من أمره إلى أن قتل، وذكر أولاده وعماله ومدة عمره وخلافته 313
ذكر حال وصيف وبغا 315
ذكر خلع المؤيد وموته 315
ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة 316
سنة ثلاث وخمسين ومائتين 316
ذكر قتل وصيف 316
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعى سنة أربع وخمسين ومائتين 317
ذكر مقتل بغا الصغير الشرابى 317
سنة خمس وخمسين ومائتين 317
ذكر خلع المعتز بالله وموته وشىء من أخباره 318
ذكر خلافة المهتدى بالله 320
ذكر ظهور قبيحة أم المعتز بالله 320
سنة ست وخمسين ومائتين 322
ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرا واختفاء صالح بن وصيف 322
ذكر قتل صالح بن وصيف 322
ذكر خلع المهتدى وموته 323
ذكر شىء من سيرة المهتدى 326
ذكر خلافة المعتمد على الله 327
ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية 327
سنة سبع وخمسين ومائتين 328
ذكر ورود أبى أحمد الموفق من مكة وما عقد له المعتمد من الأعمال 328
سنة ثمان وخمسين ومائتين 329
سنة تسع وخمسين ومائتين 329
سنة ستين ومائتين 329
ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم 329
سنة إحدى وستين ومائتين 331
ذكر البيعة بولاية العهد للمفوض جعفر بن المعتمد وللموفق الناصر لدين الله أبى أحمد أخى المعتمد 331
(22/391)

سنة اثنتين وستين ومائتين 332
سنة ثلاث وستين ومائتين 333
سنة أربع وستين ومائتين 334
ذكر أخبار الوزراء 335
سنة خمس وستين ومائتين 335
سنة ست وستين ومائتين 336
سنة سبع وستين ومائتين 337
سنة ثمان وستين ومائتين 337
سنة تسع وستين ومائتين 337
ذكر مسير المعتمد على الله إلى مصر وعوده قبل الوصول إليها 337
سنة سبعين ومائتين 339
سنة إحدى وسبعين ومائتين 339
ذكر خلاف محمد وعلى العلويين بالمدينة 339
سنة إثنتين وسبعين ومائتين 340
سنة ثلاث وسبعين ومائتين 340
سنة أربع وسبعين ومائتين 340
سنة خمس وسبعين ومائتين 341
ذكر قبض الموفق على ابنه المعتضد 341
سنة ست وسبعين ومائتين 341
سنة سبع وسبعين ومائتين 342
سنة ثمان وسبعين ومائتين 342
ذكر وفاة أبى أحمد الموفق 342
ذكر البيعة للمعتضد بالله بولاية العهد 344
سنة تسع وسبعين ومائتين 344
ذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد، وولاية أبى العباس المعتضد بالله بن الموفق 344
ذكر وفاة المعتمد على الله وشىء من أخباره 345
ذكر خلافة المعتضد بالله 346
سنة ثمانين ومائتين 347
ذكر حبس عبد الله بن المهتدى وقتل محمد بن الحسن 347
ذكر قصد المعتضد بنى شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب 347
سنة إحدى وثمانين ومائتين 348
ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكها 348
(22/392)

سنة اثنتين وثمانين ومائتين 349
ذكر قصد حمدان وانهزامه وعوده إلى الطاعة 349
سنة ثلاث وثمانين ومائتين 350
سنة أربع وثمانين ومائتين 351
سنة خمس وثمانين ومائتين 352
سنة ست وثمانين ومائتين 355
سنة سبع وثمانين ومائتين 356
سنة ثمان وثمانين ومائتين 357
سنة تسع وثمانين ومائتين 357
ذكر وفاة المعتضد بالله وشىء من أخباره وسيرته 357
مراجع التحقيق 379
(22/393)