Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 024

الجزء الرابع والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
يضم هذا الجزء من نهاية الأرب للنويرى تاريخ المغرب العربى، وجزيرتى صقلية وكريت (أقريطش) . أما الجزيرتان فعالج تاريخهما العربى كله. وأما المغرب العربى فأراد به ما نطلق عليه الآن ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وأرخ له منذ الفتح العربى الإسلامى إلى عصر المؤلف. فتناول عصر الولاة الخاضعين للخلافة الإسلامية فى المشرق ثم دولة الأغالبة التى كانت أول دولة نالت استقلالا ذاتيا ثم دول بنى زيرى والمرابطين والموحدين.
وأهمل تاريخ الفاطميين في هذا الجزء، لأنه جمع تاريخهم فى المغرب مع تاريخهم فى مصر والمشرق، ووضعه فى القسم الخاص بتاريخ مصر. كذلك قلت معلوماته عن بنى مرين، فاقتصر على سرد أسمائهم.
ويتجلى فى هذا الجزء من نهاية الأرب أنّ النويرى لم يكن يؤلف تاريخا للدول التى تعرض لها، وإنما كان ينسخ تاريخا لهم. فبالرغم من أنه ذكر ابن الرقيق وابن حزم مثلا من المؤرخين، كان اعتماده الأعظم على ابن الأثير فى كتابه الكامل فى التاريخ، وابن شداد فى كتابه الجمع والبيان فى أخبار
(24/1)

اتخذت من هذه النسخة أصلا أول للتحقيق، تحت رمز (ع) ، واتخذت من نسخة دار الكتب أصلا ثانيا تحت الرمز (ك) .
واتخذت من نسختين أخريين مساعدا على التحقيق. أما النسخة الأولى فمصورة، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 551 معارف، وأعطيتها الرمز (ص) . وأما النسخة الثانية فالقسم الذى طبعه المستشرق جاسبار ريميرو من الكتاب ونشره فى مجلة
revista del centro de estudios historicos de granada y su reino
تحت عنوانhistoria de los musulmanes de espana y africa ,par
ennuguairi, texto arab etraduccion espanola par m. gaspar remiro
وقد كان للإمكانيات الضئيلة والزمن المتقدم أثرهما القاسى فى هذه الطبعة، التى لست أنا الذى يصلح للحكم عليها أو المقارنة بينها وبين الطبعة الراهنة. وقد رمزت إلى هذه النسخة بالحرف (ر) .
كذلك اعتمدت فى التحقيق على الترجمة التى قام بها البارون دى سلان de slane للقسم الأول الخاص بعصر الولاة من الكتاب وأعطيتها الرمز (س) .
وأستطيع أن أعد الكامل لابن الأثير نسخة أخرى، اعتمدت عليها فى تحقيق الكتاب لما ذكرت قبلا. وقد قارنت بين الكتابين كلمة فكلمة، وأبنت ما بينهما من اتفاق عند اختلاف غيرهما من المؤرخين عنهما. وأثبت ما بينهما من خلاف شأن النسخ المتعددة من الكتاب الواحد.
(24/3)

ثم رجعت إلى كتب التاريخ العامة والخاص منها بتاريخ المغرب، لأستطيع أن أخلص إلى نسخة تكاد تكون نسخة المؤلف إن لم تكن هى إياها، مضيفا إليها بعض التعليقات التى تشير فى إيجاز إلى اختلاف النّويرى وانفاقه مع غيره من المؤرخين أو بعضهم.
حسين نصار
(24/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وبه توفيقى
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار أفريقية وبلاد المغرب
ومن وليها من العمال، ومن استقل منهم بالملك وسميت أيامهم بالدولة الفلانية قد ذكرنا «1» فتوح إفريقية فى خلافة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فى ولاية عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فى سنة ست وعشرين من الهجرة النبوية. وأوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار والإجمال «2» . ونحن الآن نذكره فى هذا الباب مبينا.
ولم نقدم ذكر أخبار المغرب «3» وملوكه على أخبار ملوك
(24/5)

المشرق، إلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأموية بالأندلس ومن ملك الأندلس بعد بنى أمية، احتجنا إلى ذكر إفريقية «1» وبلاد المغرب، لتكون الأخبار يتلو بعضها بعضا. ولم نقدم أيضا ذكر الأندلس على إفريقية، مع كون إفريقية فتحت قبل الأندلس إلا للضرورة التى دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو الدولة العباسية. ولا ضرر فى التقديم والتأخير، لأنا لم نجعل التاريخ على حكم مساق السنين بل على الدول.
وأول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة الأموية بالأندلس.
ولنذكر الآن فتوح إفريقية، ومن وليها.
(24/6)

ذكر فتوح افريقية
كان فتوحها فى سنة سبع وعشرين «1» ، وذلك أن عثمان ابن عفان- رضى الله عنه- لما ولى الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وهو أخو عثمان لأمه. فكان عبد الله يبعث المسلمين فى جرائد الخيل «2» فيصيبون من إفريقية. ويكتب بذلك إلى عثمان.
فلما أراد عثمان أن يغزى إفريقية استشار الصحابة، فكلّهم أشار عليه بإنفاذ الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبى يزيد «3» فإنه كره ذلك. فقال له عثمان: «ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش؟» قال: «سمعت عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يقول: لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عينى الماء «4» ولا أرى لك خلاف عمر» وقام. ثم دعا عثمان زيد بن ثابت ومحمد ابن مسلمة واستشارهما. فأشارا بإنفاذ الجيش.
فندب الناس إلى الغزو. فكان هذا الجيش يسمى جيش
(24/7)

العبادلة «1» . خرج فيه من بنى هاشم: عبد الله بن عباس وكان واليا على المسلمين وعبيد الله بن عباس «2» ؛ ومن بنى تيم:
عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما، وعبد الرحمن بن صبيحة «3» فى عدّة من قومه، ومن بنى عدى:
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب «4» وعبيد الله بن عمر، وعاصم بن عمر فى عدة منهم؛ ومن بنى أسد ابن عبد العزّى: عبد الله بن الزّبير فى عدة من قومه؛ ومن بنى سهم: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن السّائب بى أبى وداعة «5» ، فى عدة منهم. وخرج فى الجيش مروان بن الحكم، وأخوه الحارث، وجماعة من بنى أميّة، والمسور بن مخرمة ابن نوفل، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعدة من بنى زهرة؛ ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب: السائب بن عامر
(24/8)

ابن هشام «1» ، وبسر بن أرطاة؛ وعدة من بنى هذيل، منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلى- وتوفى بإفريقية وواراه فى قبره عبد الله بن الزبير- وعبد الله بن أنيس «2» وأبو ذر الغفارى، والمقداد بن عمرو البهرانى «3» ، وبلال بن الحارث المزنى، وعاصم، ومعاوية بن حديج، وفضالة بن عبيد، ورويفع بن ثابت «4» ، وجرهد بن خويلد «5» وأبو زمعة البلوى، والمسيّب بن حزن، وجبلة بن عمرو الساعدى، وزياد بن الحارث الصّدائى، وسفيان بن وهب، وقيس بن يسار بن مسلمة «6»
وزهير بن قيس، وعبد الرحمن بن صخر «7» ، وعمرو بن عوف وعقبة بن نافع الفهرى. وخرج من جهينة ستمائة رجل، ومن أسلم حمزة بن عمرو الأسلمى «8» ، وسلمة بن الأكوع فى
(24/9)

ثلاثمائة رجل، ومن مزينة ثمانمائة رجل، ومن بنى سليم أربعمائة رجل «1» ، ومن بنى الدّيل وضمرة وغفار خمسمائة رجل، ومن غطفان وأشجع وفزارة سبعمائة «2» رجل، ومن كعب ابن عمرو أربعمائة رجل «3» ، وكانوا آخر من قدم على عثمان، والناس معرّسون بالجرف، والجرف على ثلاثة أميال من المدينة «4» وأعان عثمان الجيش بألف بعير من ماله، فحمل عليها ضعفاء الناس، وحمل على خيل، وفرق السلاح، وأمر للناس بأعطياتهم. وذلك فى المحرم سنة سبع وعشرين.
وخطب عثمان الناس ورغّبهم فى الجهاد. وقال لهم: «قد استعملت عليكم الحارث بن الحكم «5» إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد، فيكون الأمر إليه. واستودعتكم الله» . وساروا حتى أتوا مصر.
فجمع عبد الله بن سعد جيشا عرمرما، وضمه إليه. فبلغ عسكر المسلمين «6» عشرين ألفا. واستخلف على مصر عقبة بن نافع، وتوجّه.
(24/10)

وحكى الزّهرى عن ربيعة بن عباد الدّيلى قال: لما وصلنا قدّم عبد الله الطّلائع والمقدمات أمامه. وكنت أنا أكثر ما أكون فى الطلائع. فو الله إنا لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم، ثم كره عبد الله أن يشتغل بذلك عما قصد إليه، فأمر الناس بالرحيل «1» . فنحن على ذلك إذا مراكب قد أرست إلى الساحل «2» فشددنا عليها، فترامى من بها إلى الماء. فأقاموا ساعة ثم استأسروا فكتفناهم، وكانوا مائة «3» . حتى لحق بنا عبد الله فضرب أعناقهم، وأخذنا ما فى السفن. فكانت هذه أول غنيمة أصبناها.
ومضى حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها. فأشار عليه، الصحابة أن لا يشتغل بها عن إفريقية، فسار وبثّ السرايا فى كل وجه. وكان يؤتى بالبقر والشاء والعلف. قال: وكان ملكهم يدعى جرجير «4» ، وسلطانه من طرابلس إلى طنجة وولايته من قبل هرقل «5» . فلما بلغه الخبر بورود الجيوش الإسلامية، جمع وتأهب للّقاء، فبلغ عسكره عشرين ومائة ألف «6»
(24/11)

قال: ثم ذهبنا قاصدين عسكره على تعبئة، فأقمنا أياما تجري بيننا وبينهم الرسل: ندعوه إلى الإسلام، وهو يستطيل ويتجبر وقال: «لا أقبل هذا أبدا» . فقلنا له «فخراج تخرجه كل عام» .
فقال: «لو سألتمونى درهما واحدا لم أفعل» . «1» . فتأهبنا للقتال بعد الإعذار منا «2» . فعبأ عبد الله بن سعد ميمنته وميسرته والقلب.
وفعل ملك الروم مثل ذلك. وتلاقى الجمعان فى فحص «3» متسع يسمى بعقوبة «4» ، بينه وبين دار ملك الروم مسيرة يوم وليلة، وهى المدينة المسماة سبيطلة «5» ، وكذلك مدينة قرطاجنّة، وهى مدينة عظيمة، شامخة البناء، أسوارها من الرخام الأبيض، وفيها العمد والرخام الملون ما لا يحصى.
قال: ودامت الحرب بين الفريقين وطالت، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان. فأنفذ عبد الله بن الزبير «6» وصحبته اثنا عشر فارسا من قومه. فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلا. فسروا به ووقع فى العسكر ضجة «7» ، خافت الروم منها، وظنوا أنهم يحملون عليهم، فباتوا بشر ليلة. وأرسل ملكهم جاسوسا يستعلم الخبر. فأعلمه أن نجدة وصلت إلى المسلمين. وكان المسلمون
(24/12)

يقاتلون الروم فى كل يوم إلى الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها وتضع الحرب أوزارها. فلما أصبح عبد الله بن الزبير، صلى الصبح وزحف مع المسلمين وقاتل. فلقى الروم فى يومهم أشد نكال. ولم ير ابن الزبير عبد الله بن سعد فى الحرب فسأل عنه. فقالوا: «هو فى خبائه وله أيام ما خرج منه» . ولم يكن ابن الزبير اجتمع به، فمضى إليه، وسلم عليه، وبلغه وصية عثمان وسأله عن سبب تأخره. فقال: «إن ملك الروم أمر مناديا فنادى باللغة الرومية والعربية «1» : معاشر الروم والمسلمين: من قتل عبد الله بن سعد زوّجته ابنتى، ووهبت له مائة ألف دينار» وكانت ابنته بارعة الجمال، تركب معه فى الحرب، وعليها أفخر ثياب، وتحمل على رأسها مظلة من ريش الطاووس «وغير خاف عنك من معى، وأكثرهم حديثو عهد «2» بالإسلام، ولا آمن أن يرغّبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلونى، فهذا سبب تأخرى» . فقال له ابن الزبير: «أزل هذا من نفسك، وأمر من ينادى فى عسكرك ويسمع الروم: معاشر المسلمين والروم:
من قتل الملك فله ابنته ومائة ألف دينار «3» ، وواحدة بواحدة» .
ففعل ذلك. فلما سمع ملك الروم النداء، انتقل ما كان عبد الله يجده من الخوف إليه. وبقى القتال على ما كان عليه.
فعنّ لعبد الله بن الزبير رأى. فأتى عبد الله بن سعد ليلا وقال له:
«إنى فكّرت فيما نحن فيه فرأيت أمرا يطول والقوم فى بلادهم والزيادة
(24/13)

فيهم والنقصان فينا. وقد اتصل بى أنه نفّذ إلى جميع نواحيه بالحشد والجمع. وقد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا سيوفهم ورجعوا إلى مضاربهم، وكذلك المسلمون، جريا على العادة. والرأى عندى أن تترك غدا إن شاء الله أبطال المسلمين فى خيامهم بخيلهم وعددهم، وتقاتل ببقايا الناس على العادة، وتطوّل فى القتال حتى تتعب القوم.
فإذا انصرفوا ورجع كلّ «1» إلى مضربه وأزال لأمة «2» حربه، يركب المسلمون ويحملون عليهم والقوم على غرة. فعسى الله سبحانه أن يظفرنا بهم وينصرنا عليهم، وما النصر إلا من عند الله» . فلما سمع عبد الله بن سعد ذلك، أحضر عبد الله بن عباس وإخوته والصحابة ورؤوس القبائل، وعرض عليهم ما أشار به ابن الزبير فاستصوبوا رأيه واستخاروا الله. وكتموا أمرهم وباتوا على تعبئة.
ولجئوا إلى الله تعالى وسمحوا بنفوسهم «3» فى إعزاز دين الله وإظهار كلمته.
وأصبح أبطال الإسلام فى خيامهم «4» ، وخيولهم قائمة معهم فى الخيام. وخرج لفيف الناس إلى القتال، ومعهم عبد الله بن سعد وابن الزبير، فقاتلوا أشد قتال «5» وكان يوما حارا فلقى الفريقان فيه التعب العظيم. وركب ملك الروم ومعه الصليب، وكان متوجا عندهم، عظيم القدر فيهم. وحرض أصحابه على القتال. فاشتد
(24/14)

الأمر فى القتال حتى أذّن الظهر «1» فهم الروم بالانصراف جريا على على العادة. فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى. فاشتد الحر وعظم الخطب حتى لم يبق لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلا عن القتال به. فعند ذلك رجعوا «2» إلى خيامهم، ووضعوا أسلحتهم، وسيّبوا خيولهم وألقوا أنفسهم على فرشهم.
فاستنهض عبد الله أبطال المسلمين. فلبسوا دروعهم وركبوا خيولهم فى خيامهم. وتقدم عبد الله بن الزبير فى زى رسول، وقد لبس ثوبا فوق درعه. وقال: «إذا رأيتمونى قد قربت من خيام الروم فاحملوا حملة رجل واحد» . فلما قرب من الخيام كبر المسلمون وهلّلوا، وحملوا فأعجلوا الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم. فانهزمت الروم، وقتل ملكهم، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة وهرب من سلم منهم إلى المدينة، وغنم المسلمون ما فى معسكرهم.
وأسرت ابنة الملك وأتى بها إلى عبد الله بن سعد. فسألها «3» عن أبيها.
قالت: «قتل» . قال: «أتعرفين قاتله؟» قالت: «نعم، إذا رأيته عرفته» . وكان كثير من المسلمين ادعوا قتله. فعرض عليها من ادعى قتله «4» . فقالت: «ما من هؤلاء من قتله» . فأحضر ابن الزبير. فلما أقبل، قالت: «هذا قاتل أبى» . فقال له ابن سعد:
«ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفى لك بما شرطناه؟» فقال:
«أصلحك الله! ما قتلته لما شرطت، والذى قتلته له يعلم ويجازى
(24/15)

عليه أفضل من جزائك، ولا حاجة لى فى غير ذلك» . فنفّله ابن سعد ابنة الملك، فيقال إن ابن الزبير اتخذها أم ولد «1» .
ثم نزل المسلمون على المدينة، وحاصروها حصارا شديدا حتى فتحها الله عليهم. فأصابوا فيها خلقا كثيرا، وأكثر أموالهم الذهب والفضة. فجمع عبد الله بن سعد الغنائم وقسمها بعد أن خمسها.
فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار «2» .
وبثّ السرايا والغارات من مدينة سبيطلة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة. فسبوا وغنموا. وجازوا إلى مرمجنّة «3» .
فأذلت تلك الوقعة من بقى من الروم. وأصابهم رعب شديد فلجئوا إلى الحصون والقلاع. واجتمع أكثرهم بفحص الأجم «4» حول الحصن، وهو من أعظم حصون إفريقية. وراسلوا عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا «5» على أن يكفّ عنهم ويخرج من بلادهم. فقبل ذلك منهم بعد امتناع. وقيل: إنه صالحهم
(24/16)

على ألفى ألف وخمسمائة ألف «1» . وقبض المال. وكان فى شرط.
صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهولهم، وما أصابوه بعد التّرداد «2» ردوه عليهم.
ودعا عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وقال: «ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فامض وبشّر عثمان والمسلمين بما أفاء الله تعالى عليهم» .
فتوجه عبد الله يجدّ المسير. فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة فى عشرين ليلة، وبعضهم يقول: وافى المدينة يوم أربعة وعشرين «3» ، ولا يستغرب ذلك من مثله. فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما فتح الله عليهم. فبلغ الزبير. فجاء إلى المسجد ونال من عثمان بكلمات، وقال: «بلغ من عبد الله بن الزبير أن يرقى موضعا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأه بقدمه! وددت والله أنّى متّ قبل هذا» ! وقيل: إنّ عبد الله لم يرق المنبر، وإنما وقف بإزائه وخطب، وعثمان على المنبر جالسا.
قال: وكان فعل عبد الله بن الزبير فى القتال بإفريقية كفعل خالد ابن الوليد بالشام، وعمرو بن العاص بمصر، رضى الله عنهم أجمعين.
قال: ثم انصرف عبد الله بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير.
(24/17)

قال: وكان مقام الجيش بإفريقية خمسة عشر شهرا «1» ، ولم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل «2» . ثم كان بعد ذلك من مقتل عثمان وخلاف علىّ ومعاوية ما قدمنا ذكره «3» ، إلى أن استقر أمر معاوية فاستعمل معاوية بن حديج.
ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندى وفتح افريقية ثانيا «4»
كانت ولايته فى سنة خمس وأربعين من الهجرة. وسبب ذلك أن هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدّى إليه من كل ملك من ملوك البر والبحر إتاوة معلومة فى كل سنة. فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد الله «5» بن سعد بن أبى سرح، بعث بطريقا إلى إفريقية يقال له «أوليمة» وأمره أن يأخذ من أهلها ثلاثمائة قنطار ذهبا كما أخذ منهم ابن أبى سرح. فنزل البطريق قرطاجنّة وأخبرهم بأمر الملك. فأبوا عليه ونابذوه وقالوا: «الذى كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا، والملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه فى
(24/18)

كل سنة» . وكان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له «جناحة» «1» ، فطرد أوليمة البطريق.
ثم اجتمع أهل إفريقية وولوا على أنفسهم رجلا يقال له «الأطريون» وقيل فيه: «الأطيلون» . فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبى سفيان. فذكر له حال إفريقية وسأله أن يبعث معه جيشا من العرب. فوجه معه معاوية بن حديج فى جيش كثيف. فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة.
ومضى ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية، وهى حرب، وقد صارت نارا. وكان فى عسكره عبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم، وكريب بن إبراهيم بن الصباح «2» ، وخالد بن ثابت الفهمى «3» . وقيل: كان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن الزبير، وأشراف من جند الشام ومصر. فقدم ولا يشك أهل إفريقية أن جناحة معه. فنزل معاوية غربى قمونية «4» فى سفح جبل على عدة فراسخ «5» منها. فأصابه فيه نوء شديد فقال: «إن
(24/19)

جبلنا هذا لممطور» فسمّى الجبل ممطورا «1» إلى اليوم. ثم قال:
«اذهبوا بنا إلى ذلك القرن» فسمى أيضا القرن «2» .
وبعث ملك الروم بطريقا يقال له نجفور «3» فى ثلاثين ألف مقاتل. فنزل على ساحل البحر بسنطبريّة «4» . فبعث ابن حديج إليه خيلا. فقاتلوه فانهزم وأقلع فى البحر.
وقاتل معاوية أهل جلّولاء «5» على باب المدينة. فكان يقاتلهم صدر النهار، فإذا مال الفىء «6» انصرف إلى معسكره بالقرن.
فقاتلهم ذات يوم. فلما انصرف نسى عبد الملك بن مروان قوسا «7» له معلقة بشجرة. فانصرف ليأخذها، وإذا جانب المدينة قد انهدم.
فصاح فى أثر الناس فرجعوا. وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم حتى دخلوا المدينة عنوة، واحتووا على جميع ما فيها، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية. وقيل: بل كان معاوية بن حديج مقيما بالقرن وبعث عبد الملك «8» بن مروان إلى جلولاء، فى ألف فارس «9» . فحاصرها أياما فلم يظفربها. وانصرف الناس منكسرين
(24/20)

فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى فى ساقة الناس غبارا كثيرا، فظنوا أن العدو قد اتبعهم. فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة واحدة. فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وغنموا وسبوا.
وانصرف عبد الملك إلى معاوية وهو معسكر بالقرن ينتظره. فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها. فقال عبد الملك: «هى لأصحابى خاصة» .
وقال ابن حديج: «بل لجماعة المسلمين» . وكتب إلى معاوية بن أبى سفيان. فعاد جوابه: « [العسكر] «1» ردء السّرية، فأقسم بين الناس جميعهم» فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار «2» .
قال البلاذرى «3» . أول من غزا صقلية معاوية بن حديج، بعث إليها عبد الله بن قيس، وسنذكر ذلك فى أخبارها إن شاء الله تعالى «4» .
قال: ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر. فأقره معاوية بن أبى سفيان عليها، وعزله عن إفريقية، وأفردها عن مصر، واستعمل عليها من قبله.
ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهرى وفتح افريقية الفتح الثالث وبناء القيروان
قال: ثم أرسل معاوية بن أبى سفيان عقبة بن نافع إلى إفريقية فى سنة خمسين، وكان مقيما ببرقة وزويلة من أيام عمرو بن العاص
(24/21)

فجمع من أسلم من البربر وضمه إلى الجيش الوارد عليه. وكان جملة الجيش الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين. فسار عقبة إلى إفريقية فافتتحها «1» ، ووضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى.
ثم قال: «إن إفريقية إذا دخلها إمام تحرّموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم وارتد إلى الكفر «2» . وأرى لكم- يا معشر المسلمين- أن تتخذوا بها مدينة نجعل بها عسكرا وتكون عزّ الإسلام إلى آخر الدهر» . فأجابه الناس إلى ذلك.
ذكر بناء مدينة القيروان
قال المؤرخون: لما أراد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، وهو إذ ذاك شعارى «3» لا تسلك وقال: «شأنكم» . فقالوا له: «إنك أمرتنا بالبناء فى شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض» «4» . وكان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا الله عز وجل. وجعل أصحابه يؤمّنون على دعائه. وكان فى عسكره «5» ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
(24/22)

وسلم، فجمعهم ونادى: «أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارحلوا عنّا إنا نازلون. ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه» . فنظر الناس فى ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، والذئاب تحمل أجراءها، والحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. ونادى عقبة فى الناس «كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا» . فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ويقول: «اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، وامنعها من جبابرة الأرض» . ثم نزل عقبة الوادى.
وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا.
قال: واختط دار الإمارة والمسجد الأعظم، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلى فيه وهو كذلك. فاختلف الناس فى القبلة وقالوا: «إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك فى أمرها» . فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل الله تعالى، فأتاه آت فى منامه فقال له: «يا ولىّ رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك. فالموضع الذى ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك «1» . وقد رضى الله عز وجل أمر هذه المدينة وهذا المسجد. وسوف يعزّ بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر» .
فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا شديدا. فتوضأ وأخذ فى
(24/23)

الصلاة فى المسجد وهو لم يبن بعد، ومعه أشراف الناس. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله:
«ألا تسمعون؟» قالوا: «لا نسمع شيئا» . فقال: «إن الأمر من عند الله عز وجل» . وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه. وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه «1» وقال: «هذا محرابكم» . ثم أخذ الناس فى بنيان الدور «2» والمساكن والمساجد فعمرت. وكان دورها ثلاثة آلاف باع «3» وستمائة باع «4» . فكملت فى سنة خمس وخمسين. وسكنها الناس وعظم قدرها. وكان فى موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.
قال: ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبى سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلّد الأنصارى مصر وإفريقية «5» .
ذكر ولاية مسلمة بن مخلد
قال: ولما وصل مسلمة إلى مصر، استعمل على إفريقية مولى له يقال له دينارا ويكنى أبا المهاجر، وذلك فى سنة خمس وخمسين،
(24/24)

وعزل عقبة. فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذى اختطه عقبة، فنزل عنه بمسافة ميلين. واختط مدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد ما عمله عقبة. فسماها البربر تيكيروان «1» . فأخذ فى عمارتها.
وأمر الناس أن يخربوا القيروان ويعمروا مدينته «2» .
وتوجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبى سفيان. فقال له: «إنى فتحت البلاد، ودانت لى، وبنيت المساجد، واتخذت المنازل، وأسكنت الناس. ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلى» فاعتذر إليه معاوية وقال: «قد رددتك إلى عملك واليا» . وتراخى الأمر حتى توفى معاوية وولى يزيد ابنه. فلما علم حال عقبة غضب وقال:
«أدركها قبل أن تهلك وتفسد» . ورده واليا على إفريقية.
ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية
قال: وكانت ولايته فى سنة اثنتين وستين، «3» فسار من الشام. فلما مر على مصر، ركب إليه مسلمة بن مخلد وسلم عليه،
(24/25)

واعتذر من فعل أبى المهاجر «1» ، وأقسم بالله لقد خالفه فيما صنع.
فقبل عقبة عذره. ومضى مسرعا حتى قدم إفريقية. فأوثق أبا المهاجر فى الحديد، وأمر بخراب مدينته، ورد الناس إلى القيروان ثم عزم على الغزو وترك بالقيروان جندا وعليهم زهير بن قيس «2» ودعا أولاده فقال لهم: «إنى بعت نفسى من الله تعالى بيعا مربحا أن أجاهد من كفر حتى ألحق بالله. ولست أدرى أترونى بعدها أو أراكم، لأن أملى الموت فى سبيل الله» . ثم قال: «عليكم سلام الله، اللهم تقبل منى نفسى فى رضاك» .
ومضى فى عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ لهم خيلا لم ير المسلمون فى مغازيهم أصلب منها «3» . ودخل الروم حصنهم.
فكره عقبة أن يقيم عليه. فمضى إلى لميش «4» ، وهى من أعظم مدن الروم. فلجأ إليها من كان حولها منهم. وخرجوا إليه وقاتلوه قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء. فهزمهم وتبعهم إلى باب حصنهم وأصاب غنائم كثيرة.
وكره المقام عليها فرحل «5» إلى بلاد الزاب. فسأل عن أعظم
(24/26)

مدائنهم قدرا فقالوا: مدينة يقال لها أربة «1» فيها الملك، وهى مجمع ملوك الزاب، وحولها ثلاثمائة قرية وسئون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم أمره لجئوا إلى حصنهم، وهرب بعضهم إلى الجبال والوعر. فنزل عليها وقت المساء. فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة. فأعطاه الله الظفر. فانهزم القوم وقتل أكثر فرسان الروم. وذهب عزهم من الزاب وذلوا آخر الدهر.
ورحل حتى نزل تاهرت. فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم. فقام عقبة وخطب الناس وحرضهم على القتال والتقوا واقتتلوا فلم يكن للروم والبربر طاقة بقتالهم. فقتلهم قتلا ذريعا وفرق جموع الروم عن المدينة.
ثم رحل حتى نزل طنجة. فلقيه رجل من الروم يقال له إيليان «2» وكان شريفا فى قومه. فأهدى إليه هدية حسنة ولاطفه ونزل على حكمه. فسأله عن بحر الأندلس. فقال: «إنه محفوظ لا يرام» .
فقال: «دلنى على رجال البربر والروم» . فقال: «قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا البربر. وفرسانهم فى عدد لا يعلمه إلا الله تعالى
(24/27)

وهم أنجاد البربر وفرسانهم» . فقال عقبة: «فأين موضعهم؟» قال: «فى السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين، يأكلون الميتة؛ ويشربون الدم من أنعامهم. وهم أمثال البهائم، يكفرون بالله ولا يعرفونه» . فقال عقبة لأصحابه: «ارحلوا «1» على بركة الله» .
فرحل من طنجة إلى السّوس الأدنى، وهو فى جنوب مدينة طنجة التى تسمى تارودانت. فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم قتلا ذريعا. وهرب من بقى منهم، وتفرقت خيله فى طلبهم.
ومضى حتى دخل السّوس الأقصى فاجتمع البربر فى عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. فقاتلهم قتالا لم يسمع بمثله. فقتل خلقا كثيرا منهم. وأصاب نساء لم ير الناس مثلهن. فقيل: إن الجارية كانت تساوى بالمشرق ألف مثقال وأكثر وأقل.
وسار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد ولا يقوم له. فدخل فيه حتى بلغ الماء لبان فرسه «2» . ورفع يده إلى السماء وقال: «يا رب، لولا هذا البحر لمضيت فى البلاد إلى ملك ذى القرنين «3» مدافعا عن دينك، ومقاتلا من كفر بك وعبد غيرك» «4» .
ثم قال لأصحابه: «انصرفوا على بركة الله وعونه» . فخلا الناس عن طريق عساكره هاربين. وخاف المشركون منه أشد مخافة.
وانصرف إلى إفريقية. فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس ولم
(24/28)

يكن به ماء، فأصابهم «1» عطش أشفى منه عقبة ومن معه على الموت. فصلى ركعتين ودعا الله عز وجل. فجعل فرسه يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة»
. فانفجر منها الماء. وجعل الفرس يمص ذلك الماء فنادى عقبة فى الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حسا «3» فشربوا وأسقوا «4» . فسمى ماء فرس.
وسار حتى انتهى إلى مدينة طبنة، وبينها وبين القيروان ثمانية أيام. فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجا بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لم يبق أحد يخشاه. وسار يريد تهوذة لينظر إليها وإلى بادس، ويعرف ما يسدهما من الفرسان، فيترك «5» فيهما بقدر الحاجة. فلما نظر الروم إلى قلة ما معه، طمعوا فيه وأغلقوا أبواب حصونهم دونه، وشتموه، ورموه بالنبل والحجارة، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربى «6» وكان فى عسكر عقبة.
(24/29)

ذكر خروج كسيلة وقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان
كان كسيلة هذا من أكابر البربر. وكان قد أسلم فى ولاية أبى المهاجر وحسن إسلامه. وقدم عقبة فعرّفه أبو المهاجر بحال كسيلة وعظمه فى البربر وانقيادهم إليه. فلم يعبأ به «1» عقبة واستخف به وأهانه. فكان من إهانته له أنه أتى بغنم فأمر بذبحها، وأمر كسيلة أن يسلخ منها شاة. فقال: «أصلح الله الأمير! هؤلاء فتيانى وغلمانى يكفوننى المؤونة» . فسبه عقبة وأمره بالقيام. فقام مغضبا وذبح الشاة. وجعل يمسح لحيته بما على يديه من دمها. فجعلت العرب يمرون به ويقولون له: «يا بربرى، ما هذا الذى تصنع؟» . فيقول: «هذا جيد للشعر» . حتى مربه شيخ من العرب فقال: «كلا، إن البربرى يتواعدكم» . فقال أبو المهاجر لعقبة: «ما صنعت؟ أتيت إلى رجل جبار فى قومه وبدار عزه، وهو قريب عهد بالشّرك، فأفسدت قلبه.
أرى أن توثقه كتافا، فإنى أخاف عليك من فتكه «2» » . فتهاون به عقبة.
فلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه ورأى فرصة، وثب وقام فى بنى عمه وأهله ومن اجتمع إليه من الروم. فقال أبو المهاجر لعقبة:
«عاجله قبل أن يجتمع أمره «3» » . وأبو المهاجر مع ذلك كله صحبة
(24/30)

عقبة وهو فى الحديد. فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه. فقال البربر له: «لم تنحيت من بين يديه ونحن فى خمسة آلاف «1» ؟» فقال: «إنكم كل يوم فى زيادة وهو فى نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه. فإذا طلب إفريقية زحفت إليه» . وأما أبو المهاجر فإنه تمثل بقول أبى محجن الثقفى «2» :
كفى حزنا أن تمزع الخيل بالقنا «3» ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا
إذا قمت غنانى الحديد وأغلقت «4» ... مصارع من دونى تصم المناديا
فبلغ ذلك عقبة بن نافع. فأطلقه «5» وقال له: «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة» . فقال أبو المهاجر: «وأنا أغتنم ما اغتنمت» . فصلى عقبة ركعتين وكسر جفن سيفه. وفعل أبو المهاجر كفعله. وكسر المسلمون أغماد سيوفهم. وأمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم، ففعلوا وقاتلوا قتالا شديدا. وكثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد «6» .
(24/31)

فعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض أصحابه «1» ففارق القيروان، وسار إلى برقة وأقام بها. وتبعه أكثر الناس. وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير «2» فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذرارى من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمّنهم.
ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوى أمر عبد الملك بن مروان. فذكر عنده أمر القيروان ومن بها من المسلمين.
فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إليها، ليستنقذها من يد كسيلة.
فاستعمل عليها زهير بن قيس «3» .
ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربرى
قال: ولما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: «لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله فى دين الله عز وجل» . فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، وقالوا: «هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولاهم بطلب ثأره» . وكان زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنّة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال والأموال. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام.
(24/32)

فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية فى عسكر عظيم، وذلك فى سنة تسع وستين «1» . فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر «2» وتحول عن القيروان إلى ممش «3» . وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان «4» ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل فى الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقى منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.
وعاد زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما، فقال: «إنما أحببت الجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك» . وكان عابدا زاهدا. فترك بالقيروان عسكرا ورحل فى جمع كبير «5» يريد المشرق. وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية وخلوها، فخرجوا إليها فى مراكب كثيرة من جزيرة صقلية «6» .
فأغاروا على برقة وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشدّ قتال. وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب.
وتكاثر الروم عليهم فقتل زهير وأصحابه، ولم ينج منهم أحد «7» .
وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.
(24/33)

ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه «1» ، وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. وشغل عبد الملك عن القيروان «2» ما كان بينه وبين عبد الله بن الزبير. فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.
ذكر ولاية حسان بن النعمان الغسانى افريقية
قال: كان عبد الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفا «3» . وتركه بها عدة لما يحدث. فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية ويقول: «إنى قد أطلقت يدك فى أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله» . قال ابن الأثير فى تاريخه الكامل: إنه استعمله فى سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير. وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية فى سنة تسع وستين «4» . قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة.
(24/34)

ذكر فتح قرطاجنة وتخريبها
قال: ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقى بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهى بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا فى البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس. ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبى ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا فى صطفورة «1» وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعا منها حتى وطئه.
فخافه أهل إفريقية خوفا شديدا. ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح.
ذكر حروب حسان والكاهنة وتخريب افريقية وقتل الكاهنة
قال: ثم قال حسّان للناس: «دلونى على أعظم من بقى من ملوك إفريقية» . فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وقالوا:
«إنها بجبل أوراس، وهى بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل
(24/35)

قتل كسيلة» . وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. وعظّموا محلّها عند حسان وقالوا: «إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك» .
فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنّا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج «1» حسان على ذلك وسار إليها. فالتقوا على نهرتينى «2» واقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسرت جماعة من أصحابه»
. فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسى «4» ، وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا.
وسار حسان منهزما وفارق إفريقية. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين «5» فسمّى ذلك المكان قصور حسان. وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة فى أهلها.
ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال والجيوش. وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها:
«إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعى، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها» . وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار
(24/36)

ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: «وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلّا واحدا وقرى متصلة، فأخربت ذلك» . فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاما «1» .
وسار على قفصة «2» . فأطاعه من بها. واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة.
وبلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم: «إننى مقتولة، فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أمانا» .
فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.
وسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر الله المسلمين. وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو. وقدم عليهم ابنى الكاهنة ثم فشا الإسلام فى البربر.
وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية له.
فلما مات عبد الملك وولى الوليد- وكان على مصر وإفريقية
(24/37)

عبد العزيز بن مروان «1» - فعزل حسان واستقدمه. وبعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه.
فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر واللؤلؤ والذهب «2» ، فجعله فى قرب الماء وطرحها فى المعسكر، وأظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدى إليه مائتى جارية ووصيف من خيار ما كان معه «3» ويقال: إن حسان كان معه من السبى خمسة وثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلا كثيرة.
ورحل حسان بما بقى معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد وأنكره. فقال حسان لمن معه:
«ائتونى بالقرب» . فأتى بها فأفرغها بين يدى الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: «يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا فى سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة» .
فقال له الوليد: «أردك إلى عملك وأحسن إليك» . فحلف حسان أنه لا ولى لبنى أمية ولاية أبدا. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حسانا. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولى بعده موسى بن نصير.
(24/38)

ذكر ولاية موسى بن نصير افريقية وما كان من حروبه وآثاره
كانت ولايته فى سنة تسع وثمانين «1» ، وذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز «2» أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد. وأفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحا «3» خليفة حسان بها.
فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله «4» فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم.
ثم وجه ولده مروان «5» إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتى بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: «فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا فى الإسلام» .
(24/39)

ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقى من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد.
فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولى عليهم واليا.
ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها فى تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب «1» لتعلّم البربر القرآن وفرائض الإسلام.
ورجع إلى إفريقية فمر بقلعه مجّانة. فتحصن أهلها منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان «2» ففتحها، فسميّت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم.
ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها
كان فتح الأندلس فى سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى موسى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير فى تاريخه الكامل «3» أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.
(24/40)

قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش- بشين معجمة «1» - ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش «2» ، وقيل: باسم ملك كان لها «3» فى الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش «4» . وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل:
سميت بأندلس بن يافث بن نوح «5» ، وهو أول من عمرها.
وقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.
ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط «6» توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها.
فحملهم فى السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزيرة قادس.
فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم «7» . وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا
(24/41)

مدة تزيد على مائة وخمسين «1» سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا.
ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش «2» فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم «3» بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتنى «4» عليها إشبانية- وهى إشبيلية- واتخذها دار مملكته.
وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهى التى غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذى لقى بماردة.
وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر «5» ، وهو يحرث الأرض فقال له: «يا إشبان، سوف تحظى وتعلو وتملك. فإذا ملكت إيليا «6» فارفق بذرية الأنبياء» . فقال له: «أتسخربى وكيف ينال مثلى الملك؟» . فقال له: «قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى» فنظر إليها، فإذا هى قد أورقت.
فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى
(24/42)

حتى ملك ملكا عظيما. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا.
ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات «1» ، وملكهم طلوبش بن بيطة «2» ، وذلك حين بعث الله المسيح عليه السّلام. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها.
وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم.
ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها «3» من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية «4» شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية فى أيام قليوديوس «5» قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم «6» . ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له.
وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب
(24/43)

رومة. فبعث إليه «1» جيشا فهزم أخاه ودان بدين النصارى.
وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولى بعده أقريط، وبعده أمريق «2» وبعده وغديش «3» ، وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان.
فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة. فسير إليه «4» ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه. ثم ملك بعده الريق.
ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير «5» : منهم من عبد الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة «6» ، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة. ثم توفى وخلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق «7» ، وكان شجاعا وليس من بيت الملك.
وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون فى خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا
(24/44)

وتولى تجهيزهم. فلما ولى رذريق، أرسل إليه يليان «1» - وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما- ابنته فاستحسنها رذريق فافتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع والطاعة. واستدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك فى آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، واستأذنه فى غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلها فى بحر متسع.
فبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف «2» ، فى أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس «3» . فساروا فى أربع سفن.
فخرجوا فى جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة ورجع سالما، فى شهر رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأي الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو.
ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، وكان على مقدمات جيوشه، فبعثه فى سبعة آلاف من المسلمين «4» أكثرهم البربر والموالى وأقلهم العرب. فساروا فى البحر. وقصدوا جبلا
(24/45)

منيفا «1» فى البحر، وهو متصل بالبر. فنزله فسمّى الجبل جبل طارق. ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، وجرت الألسن على الاسم الأول. وكان حلول طارق به فى شهر رجب سنة اثنتين وتسعين «2» .
قال: ولما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبى صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف وتنكّبوا القسى. فقال النبى صلى الله عليه وسلم له: «يا طارق تقدم لشأنك» . وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. ونظر طارق فرأى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، وبشر أصحابه، وقويت نفسه، وأيقن بالظفر.
فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا. فقالت له: «إنّى كان لى زوج، وكان عالما بالحوادث، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب عليه، ووصف من صفته أنه ضخم الهامة وأن فى كتفه الأيسر شامة عليها شعر» . فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر.
قال: ولما فتح الجزيرة الخضراء وفارق الحصن الذى فى
(24/46)

الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، وكان غائبا فى غزاة فرجع منها، وقد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف «1» . فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثنى عشر ألفا، ومعهم يليان يدلّهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. وأتاهم رذريق فى جنده. فالتقوا على نهربكّة «2» من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين. واتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام «3» . وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذى كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا: «إنّ المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقى الملك لنا» . فانهزموا. وهزم الله رذريق ومن معه وغرق فى النهر «4» .
وسار طارق إلى مدينة إستجة «5» فى اتباعهم. فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالا شديدا ثم
(24/47)

انهزم أهل الأندلس. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق.
قال: ولما سمع القوط بهاتين الهزيمتين، قذف الله فى قلوبهم الرعب، وهربوا إلى طليطلة، وأخلوا مدائن من الأندلس «1» فقال له يليان: «قد فرغت من الأندلس، ففرّق جيوشك، وسر أنت إلى طليطلة» . ففرق جيوشه من مدينه إستجة: فبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى أغرناطة «2» ، وجيشا إلى مالقة، وجيشا إلى تدمير «3» .
وسار هو ومعظم الجيش إلى طليطلة. فلما بلغها وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية. قال: وفتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: ولما رأى طارق طليطلة خالية، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه.
وسار هو إلى وادى الحجارة. وقطع الجبل من فج فيه فسمّى بفج طارق. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة «4» ، وفيها مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام «5» ، وهى من زبرجدة
(24/48)

خضراء «1» ، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا.
ثم مضى إلى مدينة ماية «2» فغنم منها. ورجع إلى طليطلة فى سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه اقتحم أرض جلّيقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، وانصرف إلى طليطلة. ووافته جيوشه التى وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التى سيرهم إليها.
ودخل موسى بن نصير الأندلس فى شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين فى جمع كثير «3» ، وقد بلغه ما صنع طارق فحسده «4» .
فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: «تسلك طريق طارق؟» فأبى.
فقال له الأدلاء: «نحن ندلّك على طرق «5» أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد» »
. ووعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك.
فساروا به إلى مدينة ابن السليم «7» فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، وهى أحصن «8» مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. وأرسل موسى إليهم الخيل
(24/49)

ففتحوها لهم ليلا. فدخلها المسلمون وملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهى من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأغربها آثارا «1» فحصرها «2» أشهرا وفتحها، وهرب من بها. فأنزلها موسى اليهود.
وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه «3» قتالا شديدا. فكمن لهم موسى ليلا فى مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم.
فخرج عليهم الكمين، وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلا ذريعا. ونجا من سلم منهم فدخل المدينة، وكانت حصينة. فحصرهم بها أشهرا. وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمّى برج الشهداء.
ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع وتسعين صلحا «4» ، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين «5» .
ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها.
(24/50)

وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيلية.
قال: وسار موسى من مدينة ماردة فى شوال يريد طليطلة. فخرج طارق إليه فلقيه. فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط على رأسه، ووبخه على ما كان من خلافه. ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم والمائدة. فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها. فسأله عنها فقال: «لا علم لى بها. كذلك وجدتها» . فعمل عوضها من ذهب «1» .
وسار موسى إلى مدينة سرقسطة ومدائنها فافتتحها.
وأوغل فى بلاد الفرنج. فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما، فيه مكتوب: «يا بنى إسماعيل، إلى هاهنا منتهاكم، فارجعوا. وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبركم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم» . فرجع ووافاه رسول الوليد فى أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو فى غير «2» ناحية الصنم، يقتل ويسبى ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاى على البحر الأخضر «3» ، وهو فى قوة وظهور. فقدم عليه رسول آخر «4» من الوليد يستحثه، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه. وكان موافاه الرسول له بمدينة لك
(24/51)

بجليقية «1» . وخرج على الفج المعروف بفج موسى. ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقضله «2» معه، ومضيا جميعا.
واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى. فلما عبر موسى البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله «3» .
وسار إلى الشام. وحمل الأموال التى غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم «4» .
ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى. فورد الشام، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى «5» بن نصير. فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وأغرمه غرما حتى احتاج أن يسأل العرب فى معونته «6» .
وقيل: إنه قدم إلى الشام والوليد حىّ. وكان قد كتب إليه، وادعى أنه هو الذى فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة. فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق. فقال طارق: «أنا غنمتها» . فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: «سله عن رجلها المعدومة» . فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم. فأظهرها
(24/52)

طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب. فعلم الوليد صدق طارق. وإنما فعل هذا لأن موسى كان قد ضربه وحبسه حتى أرسل الوليد «أخرجه» «1» وقيل: لم يحبسه.
قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس «2» ، كان فى مملكتهم بيت إذا ولى ملك منهم أقفل عليه قفلا. فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم.
فلما ملك رذريق فتح الأقفال فرأى فى البيت صور العرب، عليهم العمائم الحمر على خيول شهب، وفيه كتاب: «إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد» . ففتحت «3» الأندلس فى تلك السنة.
ذكر غزو جزيرة سردانية
قال: ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره إلى هذه الجزيرة، وهى فى بحر الروم كثيرة الفواكه. فدخلوها فى سنة اثنتين وتسعين «4» . فعمد النصارى إلى ما يملكونه من آنية الذهب والفضة فألقوا الجميع فى الماء «5» . وجعلوا أموالهم فى سقف البيعة الكبرى التى تحت السقف الأول. وغنم المسلمون منها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول «6» . واتفق أن رجلا من المسلمين اغتسل فى الماء
(24/53)

فعلق فى رجله شىء. فأخرجه، فإذا هو صحفة من فضة. فأخرج المسلمون جميع ما فيه. ودخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر إلى حمام. فرماه بسهم فأخطأه ووقع فى السقف. فانكسر لوج ونزل منه شىء من الدنانير. فأخذوا الجميع. وزادوا فى الغلول، فكان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمى ما فى جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه فى الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا. فلما ركبوا فى البحر سمعوا قائلا يقول:
«اللهم غرّقهم» . فغرقوا عن آخرهم «1» .
ذكر ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير
قال: ثم استعمل سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد مولى قريش.
وقال له عند ولايته: «يا محمد، اتق الله وحده لا شريك له، وقم فيما وليتك بالحق والعدل. اللهم اشهد» . فخرج محمد وهو يقول:
«ما لى عذر إن لم أعدل» . وكانت ولايته فى سنة تسع وتسعين «2» .
فولى سنتين وشهورا. وكتب إليه سليمان يأمره أن يأخذ آل موسى ابن نصير وكل من انتسب إليه حتى يقوموا بما بقى عليه وهو ثلاثمائة ألف دينار ولا يرفع عنهم العذاب. فقبض على عبد الله والى القيروان
(24/54)

فحبسه فى السجن. ثم وصل البريد من قبل سليمان يأمر بضرب عنقه.
وأما عبد العزيز فإنه لما استخلفه أبوه موسى على الأندلس سد ثغورها، وضبط بلادها، وافتتح مدائن كانت بقيت بعد أبيه، وكان خيرا فاضلا. فتزوج امرأة الملك لذريق. فحظيت عنده، وغلبت على رأيه. فحملته على أن يأخذ أصحابه بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كما كان يفعل بزوجها. فقال: «إن ذلك ليس من ديننا» . فلم تزل به حتى أمر بفتح باب قصير لمجلسه الذى كان يجلس فيه. فكان أحدهم إذا دخل عليه من الباب طأطأ رأسه فيصير كالراكع. فرضيت بذلك وقالت: «الآن لحقت بالملوك. وبقى أن أعمل لك تاجا مما عندى من الذهب واللؤلؤ» . فأبى. فلم تزل به حتى فعل. فانكشف للمسلمين، فقالوا: «تنصر» . وفطنوا للباب. فثاروا عليه، فقتلوه فى آخر سنة تسع وتسعين «1» فى آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. ثم مكثوا بعد ذلك سنة لا يجمعهم إمام.
وحكى الواقدى قال: لما بلغ عبد العزيز بن موسى ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته، خلع الطاعة وخالف. فأرسل إليه سليمان رسولا، فلم يرجع. فكتب سليمان إلى حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع ووجوه العرب سرّا بقتله. فلما خرج عبد العزيز إلى صلاة الصبح، قرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ الحاقة «2» . فقال له حبيب: «حقّت عليك
(24/55)

يا ابن الفاعلة» . وعلاه بالسيف فقتله «1» فحمل رأس عبد الله ورأس عبد العزيز ابنى موسى حتى وضعا بين يدى أبيهما، وعذّب حتى مات.
وأضيفت ولاية الأندلس إلى إفريقية. فاستعمل عليها محمد الحر بن عبد الرحمن القيسى. ولم يزل محمد بإفريقية إلى أن مات سليمان وولى عمر بن عبد العزيز، فعزله واستعمل إسماعيل بن عبد الله.
ذكر ولاية اسماعيل بن عبد الله ابن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم
قال: ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل إسماعيل على إفريقية، وكان خيروال. فدعا إسماعيل من بقى من البربر إلى دين الإسلام. فأسلموا وغلب الإسلام على المغرب جميعه. ودامت ولايته إلى سنة إحدى ومائة،، إلى أن توفى عمر بن عبد العزيز وولى يزيد بن عبد الملك، فاستعمل على إفريقية يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج فقدمها فى سنة اثنتين ومائة «2» وقتل. وقد ذكرنا سبب مقتله فى أخبار يزيد بن عبد الملك «3» .
ثم ولى بعده بشر بن صفوان الكلبى، فقدمها فى سنة ثلاث ومائة.
فلما قدم استعمل على الأندلس عنبسة الكلبى وعزل الحر بن عبد الرحمن
(24/56)

القيسى «1» . ثم غزا بشر جزيرة صقلية بنفسه فأصاب سبيا»
كثيرا. ثم رجع من غزوته فتوفى بالقيروان فى سنة تسع ومائة فى خلافة هشام بن عبد الملك.
[عبيدة بن عبد الرحمان السلمى]
فلما اتصلت وفاته بهشام استعمل على إفريقية: عبيدة بن عبد الرحمن السّلمى وهو ابن أخى أبى الأعور السّلمى، صاحب خيل معاوية «3» . فأخذ عمال بشر بن صفوان فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم. وكان فيهم أبو الخطّار بن ضرار «4» الكلبى، وكان قائدا جليلا، فقال:
أفأتم بنى- مروان- قيسا دماءنا ... وفى الله إن لم يعدلوا حكم عدل «5»
كأنكم لم تشهدوا لى وقعة ... ولم تعلموا من كان قبل له الفضل «6»
(24/57)

وقيناكم حرّ القنا بصدورنا ... وليس لكم خيل سوانا ولا رجل «1»
فلما بلغتم نيل ما قد أردتم ... وطاب لكم فينا المشارب والأكل «2»
تغافلتم عنا كأن لم نكن لكم ... صديقا وأنتم ما علمتم لنا وصل
وبعث بها إلى هشام. فلما قرئت عليه غضب وأمر بعزل عبيدة.
فقفل «3» عنها، واستخلف على إفريقية عقبة بن قدامة التّجيبى، وترك بها عبد الله بن المغيرة بن بردة القرشى قاضيا، وذلك فى شوال سنة أربع عشرة ومائة «4» .
[عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول]
ثم استعمل هشام عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول، وكان رئيسا كاتبا بليغا، حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها. وهو الذى بنى الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وكانت ولايته فى شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ومائة «5» .
(24/58)

فاستعمل على طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادى «1» .
فأساء السيرة وتعدى فى الصدقات والقسم «2» . وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم فىء للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله.
وإنما كانت الولاة يخمسون من لم يجب منهم إلى الإسلام. فانتقضت البربر بطنجة على عبيد الله وتداعت عليه بأسرها، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين ومائة. وهى أول فتنة كانت بإفريقية فى الإسلام.
وخرج ميسرة المدغرى «3» وقتل عمر المرادى. وظهر بالمغرب فى ذلك الوقت قوم جرت منهم دعوة الخوارج، وصار منهم عدد كبير «4» وشوكة قوية. قال: فبعث عبيد الله الجيوش من أشراف «5» العرب لقتال المدغرى «6» ، وجعل عليهم خالد بن أبى حبيب الفهرى. وأردفه بحبيب بن أبى عبيدة. فسار خالد حتى أتى ميسرة دون طنجة. فالتقوا واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله. ثم انصرف ميسرة إلى طنجة. فأنكرت عليه البربر سوء سيرته «7» ، وتغيروا عما كانوا
(24/59)

بايعوه عليه، وكان قد بويع بالخلافة فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزّناتى «1» .
ثم التقى خالد بن أبى حبيب بالبربر، وكان بينهم قتال شديد.
فبينما هم كذلك إذا غشيهم خالد بن حميد الزناتى بعسكر عظيم.
فانهزم أصحاب خالد بن أبى حبيب. وكره هو أن ينهزم فألقى «2» بنفسه هو وأصحابه فقتل هو ومن كان معه، ولم يسلم منهم أحد.
وقتل فى هذه الوقعه حماة العرب وفرسانها فسميت وقعة الأشراف.
وانتقضت البلاد ومرج الناس واختلفت الأمور على عبيد الله.
فاجتمع الناس وعزلوه عن أنفسهم وبلغ ذلك هشام «3» ابن عبد الملك فقال «4» : «أقتل أولئك الرجال الذين كانوا يقدمون علينا من العرب؟» . قيل: «نعم» فقال: «والله، لأغضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشا أوله عندهم وآخره عندى. ثم لا تركت حصن بربرى إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسى أو يمنى» «5» .
وكتب إلى عبيد الله بن الحبحاب يستقدمه. فخرج فى جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة.
قال: وكان عبيد الله لما قدم إفريقية استعمل على الأندلس عقبة ابن الحجاج وعزل عنبسة «6» . فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر وثبوا
(24/60)

على عقبة فعزلوه. وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهرى. قال:
ثم استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقية كلثوم بن عياض القشيرى، فقدم فى شهر رمضان «1» سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد عقد له على اثنى عشر ألف فارس من أهل الشام. وكتب إلى والى كل بلد أن يخرج معه، فسار معه عمال مصر وبرقة وطرابلس. فلما قدم إفريقية نكّب عن القيروان وسار إلى سبتة. واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفارى، وهو إذ ذاك قاضى إفريقية وكان حبيب بن أبى عبيدة «2» مواقف البربر. فسار كلثوم ومن معه حتى وافى البربر، وهم على وادى طنجة «3» ، وهم فى ثلاثين ألفا.
وتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتى فصاروا فى جميع كبير «4» .
فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل كلثوم بن عياض، وحبيب ابن أبى عبيدة، وسليمان بن أبى المهاجر، ووجوه العرب. وانهزمت العرب، وكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وعبروا فى المراكب، وهزيمة أهل مصر وأهل إفريقية إلى إفريقية.
قال: ولما بلغ أهل إفريقية قتل كلثوم، كان بها هرج. فثار عكاشة بن أيوب الفزارى مخالفا على الناس بمدينة قابس، وكان صفريا، وهو الذى قدم على طليعة أهل الشام مع عبيد الله بن الحبحاب
(24/61)

فسار إليه عبد الرحمن بن عقبة فقاتله. فانهزم عكاشة، وقتل كثير من أصحابه، وتفرق من بقى منهم.
[حنظلة بن صفوان الكلبى]
ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك، بعث إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبى، وكان عامله على مصر «1» ولاه عليها فى سنة تسع عشرة ومائة، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية. فقدمها فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الصّفرى الخارجى فى جمع عظيم من البربر، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر منه، وكان لما انهزم جمع قبائل البربر. وزحف إلى حنظلة أيضا عبد الواحد بن يزيد الهوارى فى عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب: فأخذ عكاشة على طريق مجانة فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل «2» طبيناس، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلى «3» . فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن يجتمعا عليه، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. والتقوا بالقرن وكان بينهم قتال شديد فنى فيه خلق كثير «4» . وهزم الله عكاشة ومن معه. وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة. وانصرف حنظلة إلى القيروان خوفا أن يخالفه عبد الواحد إليها.
(24/62)

وقيل: إن عبد الواحد لما وصل إلى باجة، أخرج إليه حنظلة رجلا من لخم فى أربعين ألف فارس. فقاتلوه بباجة شهرا فى الخنادق والوعر. ثم انهزم اللخمى إلى القيروان، وفقد ممن معه عشرين ألفا.
ونزل عبد الواحد بالأصنام من جراوة ثلاثة أميال «1» عن القيروان، وكان فى ثلاثمائة ألف «2» . فأخرج حنظلة جميع ما فى الخزائن من السلاح، ونادى فى الناس. فكان يعطى لكل منهم درعا وخمسين دينارا. فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر عليه الناس، فرد العطاء إلى أربعين ثم إلى ثلاثين. ولم يقدم إلا شابا قويّا. فعبأ الناس طول ليلته والشمع «3» حوله وبين يديه. فعبأ فى تلك الليلة خمسة آلاف دارع «4» وخمسة آلاف نابل. وأصبح وقدّم للقتال. وكسرت العرب جفون سيوفها. والتقوا واقتتلوا. ولزم الرجال الأرض وجثوا على الرّكب فانكسرت ميسرة العرب وميسرة البربر ثم كرت ميسرة العرب على ميمنة البربر. فكانت الهزيمة على البربر. وقتل عبد الواحد وأتى حنظلة برأسه فخر ساجدا لله. وقيل: إنه ما علم فى الأرض مقتلة أعظم منها قتل فيها من البربر مائة ألف وثمانون ألفا. وكانوا صفرية يستحلون الدماء وسبى النساء. ثم أتى بعكاشة أسيرا فقتله حنظلة. وكتب بذلك إلى هشام. فكان الليث بن سعد «5» يقول: «ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والأصنام «6» » .
(24/63)

ذكر أخبار عبد الرحمن بن حبيب وتغلبه على افريقية ورجوع حنظلة الى المشرق
كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهرى قد هرب إلى الأندلس عند هزيمة كلثوم. فلم يزل يحاول أن يغلب «1» على الأندلس، وهو لا يمكنه ذلك، إلى أن وجّه حنظلة بن صفوان أبا الخطار بن ضرار الكلبى إلى الأندلس وأطاعه الناس ودانت له البلاد. فخاف عبد الرحمن على نفسه. فخرج مستترا وركب فى البحر إلى تونس. فنزل بها فى جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة «2» . ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه.
وسار حتى نزل سمنجة «3» . فأراد أصحاب حنظلة الخروج لقتاله فمنعهم حنظلة كراهة لهراقة دماء المسلمين، وكان رجلا ورعا زاهدا لا يرى بذل السيف إلا فى الكفرة والصّفرية الذين يستبيحون دماء المسلمين. فوجه حنظلة إلى عبد الرحمن جماعة من وجوه أهل إفريقية يدعوه إلى مراجعة الطاعة والرجوع عما هو عليه. فلما قدموا عليه أوثقهم فى الحديد. وقال: «إن رمانى أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم» فبلغ ذلك من الناس كل مبلغ «4» . فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضى وجماعة من أهل الدين والفضل. وفتح بيت المال بحضرتهم
(24/64)

وأخذ منه ألف دينار وترك الباقى. وقال: «ما آخذ منه إلا بقدر ما يكفينى ويبلّغنى» ثم شخص عن إفريقية فى جمادى الآخرة «1» سنة سبع وعشرين ومائة «2» .
وأقبل عبد الرحمن بن حبيب ودخل القيروان ونادى مناديه ألا يخرج أحد إلى حنظلة ولا يشيعه. وكان حنظلة مجاب الدعوة فقال:
«اللهم لا تهنّ عبد الرحمن بن حبيب هذا الملك ولا أهله، واسفك دماءهم بأيديهم، وابعث عليهم شرار خلقك» . ودعا على أهل إفريقية «3» . فوقع الوباء والطاعون بها سبع سنين لا يكاد يرتفع إلا إلا وقتا فى الشتاء ووقتا فى الصيف.
قال: ولما ولى عبد الرحمن، ثار عليه جماعة من العرب والبربر ثم ثار عليه عروة بن الوليد الصّدفى «4» واستولى على تونس. ثم ثار عليه عرب الساحل. وقام ابن عطّاف الأزدى «5» حتى نزل بطبيناس.
وثارت البربر من الجبال. وثار ثابت الصنهاجى بباجة فأخذها.
وخرج بناحية طرابلس رجلان يقال لأحدهما عبد الجبار والآخر الحارث، وهما من البربر على دين الخوارج. فقاتل كل من خرج عليه، طائفة بعد أخرى بنفسه وبجيوشه، حتى دوّخ المغرب كله،
(24/65)

وأذلّ من به من القبائل. ولم ينهزم له عسكر ولا ردّت له راية. وخافه جميع أهل المغرب.
وكتب إلى مروان بن محمد، وأهدى له هدية، وتقوّل على حنظلة، ونسب إليه ما لم يقع منه. فكتب إليه مروان بولاية إفريقية والمغرب كله والأندلس.
ثم قتل مروان وانقرضت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية. فكتب عبد الرحمن إلى أبى العباس السفاح بطاعته، وأقام الدعوة العباسية.
فلما صار الأمر إلى أبى جعفر المنصور كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه وكتب بطاعته، وأرسل إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب. وكتب إليه: «إن إفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد انقطع السبى منها. فلا تسألنى ما ليس قبلى» . فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل كتابه إليه غضب غضبا شديدا. ثم نادى: «الصلاة جامعة» . فاجتمع الناس فى المسجد الجامع. ثم خرج عبد الرحمن فى مطرف خزّ، وفى رجليه نعلان.
فصعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ فى سب أبى جعفر. ثم قال: «إنى ظننت هذا الخائر «1» يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لى منه خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل. وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلىّ هاتين» . وقذفهما وهو على المنبر. ثم دعا بخلعة أبى جعفر التى كان أرسلها إليه، وفيها سواده- وكان قد لبسها قبل ذلك ودعا
(24/66)

فيها لأبى جعفر، وهو أول سواد لبس بإفريقية- فأمر بتخريقها وحرقها. وأمر كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتابا بخلعه، ويقرأ على المنابر فى سائر بلاد المغرب، ففعل ذلك.
ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه الياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله
كان سبب قتل عبد الرحمن أنه لما قتل مروان بن محمد الحمار هرب جماعة من بنى أمية ومعهم حريمهم نحو إفريقية، فتزوج عبد الرحمن وإخوته منهم. وكان ممن قدم عليه ابنان للوليد بن يزيد ابن عبد الملك، يقال لأحدهما العاص «1» والآخر [عبد] «2» المؤمن. وكانت ابنة عمهما تحت إلياس بن حبيب. فأنزلهما عبد الرحمن بدار شيبة «3» بن حسان. وتسلك عليهما ليسمع كلامهما وكانا على نبيذ، وغلامهما يسقيهما. فقال العاص: «ما أغفل عبد الرحمن! أيظن أنه يتهنى معنا بولاية ونحن أولاد الخلفاء؟» .
فنزل وانصرف ولم يعلما به «4» ثم أمر بقتلهما. فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: «إنه قتل أختانك تهاونا بك، وجعل العهد من بعده لابنه حبيب وأنت صاحب حربه وسيفه الذى يصول به» ! ولم تزل
(24/67)

تغريه به. وكان عبد الرحمن إذا ثار عليه ثائر أو خرج عليه خارجى يرسل «1» أخاه إلياس لقتاله. فإذا ظفر، نسب الظفر لابنه حبيب وجعل العهد فيه. فاجتمع رأى إلياس بن حبيب وعبد الوارث أخيه على قتل عبد الرحمن أخيهما. ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان والعرب «2» وغيرهم، على أن يكون الأمر لإلياس، والدعاء لأبى جعفر المنصور. فأتاه إلياس ليلا فاستأذن عليه بعد العشاء الآخرة. فقال: «ما جاء به وقد ودعنى؟» وكان إلياس قد عزم على الخروج إلى تونس. وأذن له، فدخل «3» عليه وهو فى غلالة وردية وابن له صغير فى حجره. فقعد طويلا وعبد الوارث يغمز. فلما قام يودعه، أكب عليه يعانقه، فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره. فصاح عبد الرحمن وقال: «فعلتها يا ابن اللخناء؟» .
ثم ضربه إلياس بالسيف. فاتقاه «4» بمرفقه، فأبان يده. وضربه حتى أثخنه. ودهش إلياس وخرج هاربا. فقال له أصحابه:
«ما فعلت؟» . قال: «قتلته» . فقالوا: «ارجع وحزّ رأسه، وإلا قتلنا عن آخرنا» . ففعل. وثارت الصيحة. وأخذ إلياس «5» أبواب دار الإمارة.
وسمع حبيب بن عبد الرحمن الصيحة فهرب من القيروان.
وأصبح بقرب تونس فدخلها، واجتمع مع عمه عمران بن حبيب.
(24/68)

ولحق بهما موالى عبد الرحمن من كل ناحية. فخرج إليهما إلياس إلى سمنجة. فوافياه بمن معهما، وهموا بالقتال «1» . ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقصيطلة ونفزاوة، ولإلياس سائر إفريقية والمغرب.
ومضى إلياس مع عمران إلى تونس، وانصرف حبيب إلى القيروان. فوثب إلياس على أخيه عمران، وعلى عمر بن نافع بن أبى عبيدة الفهرى، وعلى الأسود بن موسى بن عبد الرحمن بن عقبة وعلى ابن قطن، فشدهم وثاقا، ووجههم فى سفينة إلى الأندلس إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة «2» .
وانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار كرهها. فأغرى إلياس به، وأرسل إليه من زين له الخروج إلى الأندلس، ففعل.
وجهزه إلياس فى سفينة. فتعذّرت عليهم الريح. فكتب إلى إلياس أن الريح قد ردته، وأن المسير لا يمكنه. فاتهمه إلياس وخاف ناحيته. وكتب إلى عامله «3» سليمان بن زياد الرّعينى يحذره أمره.
فاجتمع إلى حبيب موالى أبيه، فأسروا سليمان بن زياد وشدوه وثاقا وكان معسكرا يحارس حبيبا. وأخرجوا حبيبا إلى البر وأظهروا أمره.
فتوجه إلى الأربس «4» فأخذها.
وبلغ خبره إلياس فتوجه إليه. واجتمع لكل واحد منهما جماعة.
(24/69)

فلما التقيا، قال حبيب لعمه إلياس: «لم نقتل موالينا وصنائعنا بيننا وهم لنا حصن؟ ولكن ابرز أنت وأنا، فأينا قتل صاحبه استراح منه: إن قتلتنى ألحقتنى بأبى، وإن قتلتك أدركت ثأرى منك» . فارتاب إلياس ساعة. فنادى الناس: «قد أنصفك فلاتجبن، فإن ذلك سبّة «1» عليك وعلى ولدك من بعدك» . فخرج كل منهما إلى صاحبه والتقيا ساعة. فضرب إلياس حبيبا فأعمل السيف فى ثيابه ودرعه ووصل إلى جسمه «2» . فعطف حبيب عليه وضربه بالسيف ضربة سقط بها عن فرسه إلى الأرض. فألقى حبيب نفسه عليه فحز رأسه ثم أمر برفعه على رمح. وهرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة «3» ودخل حبيب القيروان وبين يديه رأس إلياس، ورأس محمد بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع عم أبيه، ورأس محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن القرشى. وجاءه محمد بن عمرو بن مصعب الفزارى وهو زوج عمة أبيه مهنئا له، فضرب عنقه. وكان ذلك كله فى شهر رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة.
قال: ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ورفجومة نزلوا على عاصم بن جميل الورفجومى. فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه بهم إليه، فلم يفعل، فنهد «4» إليه حبيب. ولقيه عاصم واقتتلوا فانهزم حبيب. وكان قد استخلف على القيروان أبا كريب جميل بن
(24/70)

كريب القاضى. فقوى أمر ورفجومة، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفا منهم على أنفسهم. فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرّم بالبربر «1» وبمن لجأ «2» إليهم وصاروا بناحية قابس. فلما قربوا من القيروان، خرج إليهم أبو كريب القاضى بأهل القيروان. حتى إذا دنوا من بعضهم، خرج من عسكر عاصم جماعة من أهل القيروان، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم. فافترق أكثر الناس عن أبى كريب ورجعوا إلى القيروان. وثبت أبو كريب فى نحو ألف رجل من وجوه الناس، وأهل البصائر والخشية والدين. وقاتلوا فقتل أبو كريب.
وقاتل من معه حتى قتلوا. ودخلت ورفجومة القيروان. فاستحلوا المحارم وارتكبوا العظائم. ونزل عاصم بعسكره بالموضع الذى يسمى مصلى روح.
واستخلف على القيروان عبد الملك بن أبى جعدة «3» النّفزى.
وسار إلى حبيب وهو بقابس. فقاتله فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس وهم أخوال أبيه. فسار عاصم فى طلبه إلى أوراس، والتقوا واقتتلوا، فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان. فخرج إليه عبد الملك بن أبى جعدة والتقوا. فقتل حبيب فى المحرم سنة أربعين ومائة. فكانت ولاية عبد الرحمن بن
(24/71)

حبيب عشر سنين وأشهرا «1» ، وولاية إلياس ستة أشهر، وولاية حبيب بن عبد الرحمن سنة واحدة وستة أشهر. «2» .
ذكر تغلب ورفجومة على افريقية وما كان منهم ومن ولى بعدهم الى أن ولى محمد بن الأشعث
قال: ولما حكمت «3» ورفجومة على القيروان، قتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب، وربطوا دوابهم فى المسجد الجامع.
وندم الذين أعانوهم أشد ندامة.
قال: ثم دخل رجل من الإباضية القيروان فرأى ناسا من الورفجوميين قد أخذوا امرأة وأرادوها على نفسها «4» ، والناس ينظرون. فترك حاجته التى أتى فيها، وخرج إلى أبى الخطاب عبد الأعلى «5» بن السّمح المعافرى، فأعلمه بالذى رأى. فخرج وهو يقول: «لبيك اللهم لبيك» . فاجتمع إليه أصحابه من كل
(24/72)

مكان. وتوجهوا نحو طرابلس فأخرجوا منها عمر بن عثمان القرشى، واستولى عليها أبو الخطاب «1» .
ثم سار إلى القيروان فخرج إليه عبد الملك بن أبى جعدة بجماعة ورفجومة. والتقوا فقتل عبد الملك وأصحابه، وذلك فى صفر سنة إحدى وأربعين. فكان تغلّب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين. وتبع أبو الخطاب من انهزم منهم فقتلهم. ثم انصرف إلى القيروان فولى عليها عبد الرحمن بن رستم القاضى، ومضى إلى طرابلس. فصارت طرابلس ومايليها وإفريقية كلها فى يده، إلى أن وجه أبو جعفر المنصور محمد ابن الأشعث فى سنة أربع وأربعين.
ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعى
قال: لما غلبت الصّفرية على إفريقية بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من عربها، خرج جماعة إلى أبى جعفر المنصور، منهم عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، ونافع بن عبد الرحمن السّلمى، وأبو البهلول بن عبيدة، وأبو العرباض. فأتوا المنصور يستنصرون به على البربر، ووصفوا عظيم مالقوه منهم «2» . فولى المنصور أبو جعفر محمد بن الأشعث مصر «3» . فوجه أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلى
(24/73)

إلى إفريقية. فهزمه أبو الخطاب فى سنة اثنتين وأربعين.
فكتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه، ووجه إليه الجيوش. فخرج فى أربعين ألفا «1» :
ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان، وعشرة آلاف من أهل الشام.
ووجه معه الأغلب بن سالم التّميمى والمحارب بن هلال الفارسى، والمخارق بن غفار الطائى، وأمرهم بالسمع والطاعة له. فإن حدث به حدث كان أميرهم الأغلب، فإن حدث به حدث فالمخارق، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال. فمات المحارب قبل وصولهم إلى إفريقية. وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن الأشعث إليه، فجمع أصحابه من كل ناحية. ومضى فى عدد عظيم فوصل إلى سرت.
واستقدم عبد الرحمن بن رستم من القيروان، فقدم بمن معه.
فضاق ابن الأشعث ذرعا بلقاء أبى الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه. فاتفق تنازع زناته وهوارة فيما بينهم. فقتلت هوارة رجلا من زناته. فاتهمت زناتة أبا الخطاب فى ميله مع هوارة، ففارقه جماعة منهم. فبلغ ذلك ابن الأشعث فسربه. وضبط أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبى الخطاب. فرجع إلى طرابلس.
ووصل ابن الأشعث إلى سرت. فخرج إليه أبو الخطاب حتى صار بورداسة. فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبرا
(24/74)

أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق «1» . وأظهر لهم المسرة بالرجوع. فشاع ذلك فى الناس. وسار منصرفا ميلا ثم نزل. فانتهى ذلك إلى أبى الخطاب وسمع به من معه، فتفرق كثير منهم. ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالا متثاقلا فى سيره. وفعل ذلك فى اليوم الثالث.
ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه «2» ، وسار بهم ليله كله.
فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره. فلما التقوا ترجّل جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا. فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة من معه، وذلك فى شهر ربيع الأول «3» من سنة أربع وأربعين ومائة.
فكانت عدة من قتل من البربر أربعين ألفا «4» .
ولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبى الخطاب، فأوثقوا عامل ابن رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشى إلى أن قدم محمد بن الأشعث.
ووصل ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائى.
ووجه إسماعيل بن عكرمة الخزاعى إلى زويلة وما والاها، ففتح تلك النواحى وقتل من بها من الخوارج.
وتوجه محمد إلى القيروان، وأمر ببناء سورها، وذلك فى يوم السبت غرة جمادى الأولى. فبنى فى ذى القعدة، وكان تمامه فى
(24/75)

شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن فى قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة.
ثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم على إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراسانى. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبى جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية «1» تراضوا به.
ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى
قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة.
فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال.
ثم خرج عليه أبو قرّة فى جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب فى جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون
(24/76)

عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان، حتى بقى فى نفر يسير من وجوههم.
وكان الحسن بن حرب الكندى بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التّميمى، وهو الذى استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل فى عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرّفه «1» فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب فى آخره:
ألا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة من الحسن بن حرب
بأنّ البغى مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شرّ قرب
وإن لم تدعنى لتنال سلمى ... وإلا فادن من طعنى وضربى «2»
فأقبل الأغلب نحوه يجد السير «3» . فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس، وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب
(24/77)

واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير.
فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان.
وحشد الحسن بن حرب وسار فى عدة عظيمة إلى القيروان.
فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقى الحسن وحده إن لم يعنه «1» أحد. فلما قرب، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة فكشفهم. ثم انصرف وهو يقول:
لم يبق إلا القلب أو أموت ... إن تحم لى الحرب فقد حميت
وإن تولّيت فلا بقيت
ثم حمل على القلب فلم يثن حدّه حتى قتل بسهم أصابه، وذلك فى شعبان سنة خمسين ومائة. قال: ولما سقط الأغلب صاح الناس:
«قتل الأمير» . وارتفعت الأصوات بذلك. قال: وكان سالم بن سوادة فى الميمنة هو وأبو العنبس «2» . فقال سالم لأبى العنبس:
«لا أنظر إلى الدنيا بعد اليوم» . ودفع فى عسكر الحسن بن حرب، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة. ووجد الحسن بن حرب مقتولا.
(24/78)

ذكر ولاية عمر «1» بن حفص هزار مرد
وتفسيره بالفارسية ألف رجل، ويكنى أبا جعفر. وكان شجاعا بطلا. وهو من ولد قبيصة بن أبى صفرة أخى المهلّب. استعمله المنصور على إفريقية لما بلغه قتل الأغلب. فقدمها فى صفر سنة إحدى وخمسين ومائة فى خمسمائة فارس. فاجتمع إليه وجوه الناس، فوصلهم وأحسن إليهم. فاستقامت له الأمور ثلاث سنين وأشهرا من ولايته.
ثم سار إلى الزاب فنزل طبنة. واستخلف على القيروان حبيب ابن حبيب بن يزيد بن المهلب، وكان كتاب المنصور قدم عليه بالشخوص إلى الزاب لبناء طبنة. فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر. فخرج إليهم حبيب وقاتلهم فقتل. واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب «2» مولى كندة، وهو الذى يسمى أبا قادم. وكان عامل عمر على طرابلس الجنيد بن سيار الأزدى «3» ، فبعث إليهم الجنيد خيلا عليهم خازم بن سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم خازم وأصحابه ولحقوا بالجنيد بطرابلس.
فكتب الجنيد إلى عمر يستمده. فبعث إليه خالد بن يزيد المهلبى فى أربعمائة فارس. فاجتمع هو والجنيد والتقيا مع البربر. فانهزم خالد والجنيد إلى قابس.
(24/79)

فبعث عمر بن حفص سليمان بن عباد المهلبى فى جماعة من الجند.
فلقى أبا قادم «1» بقابس، فقاتله. فانهزم سليمان إلى القيروان.
فسار إليها وحصرها، وعمر مقيم بطبنة، وقد صارت إفريقية وأعمالها نارا تتقد.
وأتى البربر من كل مكان، ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها وهم فى اثنى عشر عسكرا: أبو قرّة الصّفرى فى أربعين ألف فارس، وعبد الرحمن بن رستم الإباضى فى خمسة عشر ألف فارس «2» ، وأبو حاتم فى عدد كثير، وكان إباضيا، وعاصم السّدراتى الإباضى فى ستة آلاف، والمسور «3» الزّناتى الإباضى فى عشرة آلاف فارس، وعبد الملك بن سكرديد الصّنهاجى الصّفرى فى ألفى فارس، وجماعة غير هؤلاء، وليس مع عمر إلا خمسة آلاف وخمسمائة «4» .
فلما رأى ما حل به جمع قواده فاستشارهم فى مناجزتهم. فأشاروا عليه ألا يخرج من المدينة. فأعمل الحيلة فى صرف الصّفرية، ووجه إليهم رجلا من أهل مكناسة يقال له إسماعيل بن يعقوب. ودفع إليه أربعين ألف درهم وكسا كثيرة، وأمره بدفع ذلك إلى أبى قرة على أن ينصرف عنهم. فقدم عليه وعرض المال والكسا. فقال له: «أبعد أربعين سنة يسلّم على بالإمامة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟
(24/80)

لا حاجة لى به» . فانصرف إلى ابنه وقيل إلى أخيه «1» . ودفع إليه أربعة آلاف درهم وأثوابا على أن يعمل فى صرف أبيه ورد الصفرية إلى بلدهم فعمل ذلك من ليلته. فلم يشعر أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى بلدهم. فلم يجد بدا من اتباعهم.
فلما انصرف»
. الصفرية وجه عمر معمر بن عيسى السّعدى فى ألف وخمسمائة إلى ابن رستم، وهو بتهوذا فى خمسة عشر ألف فارس.
فالتقوا فانهزم ابن رستم ووصل إلى تيهرت.
ثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان. واستخلف على طبنة المهنا بن المخارق بن غفار الطائى. فلما بلغ أبا قرة مسيره، أقبل بجموعه وحصر المهنا بطبنة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم أبو قرة واستباحوا عسكره.
وكان أبو حاتم لما حاصر القيروان أقام عليها ثمانية أشهر، وليس فى بيت مالها درهم واحد ولا فى أهرائها «3» شىء من الطعام.
وكان الجند فى تلك المدة يقاتلون البربر طرفى النهار حتى جهدهم الجوع، وأكلوا دوابهم وكلابهم. فجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر. فبلغ ذلك عمر فأقبل يريد القيروان فى نحو سبعمائة من الجند حتى نزل مدينة الأربس فبلغ البربر إقباله، فرجعوا إليه بأجمعهم ورحلوا عن القيروان. فلما بلغه إقبالهم توجه إلى ناحية
(24/81)

تونس، وأغذّ السير. ومضى البربر حتى صاروا بناحية سمنجة.
وسار عمر من تونس وخرج جميل بن صخر من القيروان، فالتقوا فى بئر السلامة. ثم أقبل حتى دخل القيروان. فبث خيوله حول القيروان وجعل يدخل إليها ما يصلحه من الطعام والحطب وغير ذلك.
واستعد للحصار، وخندق خندقا على باب أبى الربيع فعسكر فيه الجند.
ثم قدم أبو حاتم فى جنوده وقد بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا.
فقاتله عمر بمن معه أشد قتال. فانكشف حتى صار إلى الفسطاط.
ثم اقتتلوا بالفسطاط واشتد قتالهم وكاثروه حتى انحاز «1» إلى الخندق بباب أبى الربيع. وكان عمر يخرج إليهم فى كل يوم ويقاتلهم فمازالوا على ذلك «2» حتى فنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم والسنانير «3» . فاضطرب على عمر أمره وضجر أصحابه وساءت آراؤهم. فقال لمن معه من الجند: «قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم ففرج الله عنكم بعض ما كنتم فيه. وقد ترون ما أنتم الآن فيه. فإن شئتم خرجت أنا على ذراريهم وبلادهم.
وجعلت عليكم أى الرجلين شئتم: جميلا أو المخارق. وأخرج فى ناس من الجند فأغير على نواحيهم وآتيكم بالميرة» . فقالوا:
«قد رضينا» . وكان قد اجتمع حول القيروان من الإباضية مع أبى حاتم ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا: الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا.
فلما هم بالخروج، اختلفوا عليه وقالوا: «تحب أن تخرج ونبقى
(24/82)

نحن فى الحصار، لا تخرج وأقم معنا» . قال: «نعم، أقيم معكم وأخرج جميلا والمخارق ومن أحببتم» . قالوا: «نعم» . فلما جاءوا إلى باب المدينة قالوا: «تقيم أنت فى الراحة ونخرج نحن! لا والله لا نفعل» . فغضب عمر وقال: «والله لأوردنّكم حياض الموت» .
وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك امرأته تخبره فيه:
إن أمير المؤمنين قد استبطأك فبعث يزيد بن حاتم إلى إفريقية، وهو قادم فى ستين ألفا، ولا خير فى الحياة بعد هذا. قال خراش «1» ابن عجلان: فأرسل إلى فجئته، وقد ثار عرق بين عينيه وكان علامة غضبه. فأقرأنى الكتاب فدمعت عيناى. فقال: «مالك؟» . فقلت:
«وما عليك أن يقدم رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار؟» . فقال:
«إنما هى رقدة حتى نبعث إلى الحساب فاحفظ وصيتى» .
قال خراش: فأوصى بما أحب. وخرج كالبعير الهائج. فلم يزل يطعن ويضرب حتى قتل، وذلك فى يوم السبت للنصف من ذى الحجة سنة أربع وخمسين ومائة «2» .
فلما قتل بايع الناس جميل «3» بن صخر، وهو أخو عمر لأمه.
فلما طال عليه الحصار دعاه ذلك إلى موادعة أبى حاتم. فصالحه على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم، وعلى أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحدا
(24/83)

من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم. فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم.
ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة. وأحرق أبو حاتم أبواب المدينة وأثّر فى سورها.
وبلغه قدوم يزيد بن حاتم فتوجه إلى طرابلس، واستخلف على القيروان عبد العزيز بن السّمح «1» المعافرى. ثم بعث إليه أبو حاتم يأمره بأخذ سلاح الجند، وألا يجتمع منهم اثنان فى مكان واحد، وأن يوجه إليه بهم واحدا بعد واحد. فاجتمعوا واستوثق بعضهم من بعض بالأيمان المؤكدة أن لا يرضوا بهذا. وقويت قلوبهم بيزيد بن حاتم.
فلقوا عمر بن عثمان الفهرى واتفقوا معه وولوه أمرهم. فقبله وقام على أصحاب أبى حاتم فقتلهم. واتصل ذلك بأبى حاتم فزحف من طرابلس.
فلقى عمر بن عثمان ومن معه. فاقتتلوا فقتل من البربر خلق كثير. ومضى عمر بن عثمان وأصحابه نحو تونس. ومضى جميل بن صخر والجنيد ابن سيار هاربين نحو المشرق.
وخرج أبو حاتم فى طلب عمر بن عثمان. ووجه قائدا من قواده يقال له جرير بن مسعود المديونى على مقدمته. فأدركه بجيجل من ناحية كتامة. فقاتلوه فقتل جرير بن مسعود وأصحابه. وانصرف عمر والمخارق فدخلا تونس، ومضى أبو حاتم إلى طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم. ولحق جميل بن صخر بيزيد وهو بسرت. فأقام إلى أن لقى أبا حاتم.
(24/84)

فيقال: إنه كان بين الجند والبربر من لدن قتالهم عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة.
ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة
قال: ولما اتصل بأبى جعفر المنصور حال عمر بن حفص وحصره ثم بلغه أنه قتل، غمّه ذلك وساءه. فوجه يزيد بن حاتم فى ثلاثين ألفا من أهل خراسان، وستين ألفا من أهل البصرة والكوفة والشام «1» . فأقبل حتى صار إلى سرت. فاجتمع بجميل ابن صخر وبمن معه من الجند القادمين عليه من القيروان، وسار نحو طرابلس. فسار أبو حاتم إلى جبال نفوسة. وجعل يزيد على مقدمته سالم بن سوادة التّميمى. فالتقى سالم هو وأبو حاتم، واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم سالم وأصحابه، ورجعوا إلى عسكر يزيد.
وهال أبو حاتم أمر يزيد فطلب أوعر المنازل وأمنعها، فعسكر فيها، وخندق على عسكره. فأتاه يزيد من ناحية الخندق، والتقوا واقتتلوا. فقتل أبو حاتم وأهل البصائر من أصحابه، وانهزم الباقون.
وطلبهم يزيد فقتلهم قتلا ذريعا. وبعث خيله فى طلبهم بكل ناحية.
فكان عدة من قتل منهم ثلاثين ألفا. ويقال: إنه لم يقتل من الجند
(24/85)

إلا ثلاثة. وذلك فى يوم الاثنين لثلاث بقين «1» من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائة. وأقام يزيد بمكانه ذلك نحوا من شهر.
وبث خيله فى طلب الخوارج فقتلهم فى كل سهل وجبل.
ثم رحل حتى نزل قابس فدخلها لعشر بقين من جمادى الآخرة «2» .
واستقامت له الأمور بعد أن قتل البربر بكل ناحية. وبنى يزيد المسجد الأعظم بالقيروان، وجدده فى سنة سبع وخمسين «3» . ورتب أسواق القيروان، وجعل كل صناعة فى مكانها، حتى لو قيل: إنه الذى مصّرها، لم يبعد من الحق.
ولم تزل البلاد مستقيمة والأمور ساكنة مدة حياته إلى أن توفى فى شهر رمضان سنة سبعين ومائة «4» فى خلافة الرشيد. وكان كريما شجاعا نافذ الرأى، بعيد الصيت، غاية فى الجود. وهو القائل:
لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما قليلا ثم ينطلق «5»
يمر مرا عليها وهى تلفظه ... إنى امرؤ لم يحالف خرقتى الورق «6»
(24/86)

وله أخبار بإفريقية تدل على كرمه وبعد همته. فمن مشهورها أن بعض وكلائه أتاه يوما فقال: «أعز الله الأمير! أعطيت فى الفول الذى زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا!» . وذكر ما لا جليلا.
فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع. وأمر فراشيه أن يضربوا قبة، فضربوا مضارب كثيرة. وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم. فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه وقال له:
«يا ابن اللّخناء، أردت أن أعيّر بالبصرة فيقال: يزيد بن حاتم باقلانى! أمثلى يبيع الفول، لا أمّ لك؟» . ثم أمر بإباحته. فخرج الناس إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على جميعه.
ومن أخباره المشهورة أنه خرج متنزها إلى منية الخيل، فنظر فى طريقه إلى غنم كثيرة. فقال: «لمن هذه؟» قالوا: «لابنك إسحاق» . فدعا به فقال له: «ألك هذه الغنم؟» . قال: «نعم» .
قال: «لم أردتها؟» . قال: «آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها» . قال: «فإذا كنت أنت تفعل هذا، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق» . وأمر أن تذبح وتباح للناس.
فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها. وجعلوا جلودها على كدية، فهى تعرف بكدية الجلود «1» .
وله مكارم يطول شرحها رحمه الله تعالى.
(24/87)

ذكر ولاية داود بن يزيد بن حاتم
قال: ولما مرض يزيد استخلف ابنه داود، فاستقل بالأمر بعده «1» فانتقض عليه البربر بجبال باجة، وخرج صالح بن نصير النّفرى «2» فى الإباضية. فلقيه المهلّب بن يزيد بباجة. فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليمان بن الصّمّة بن يزيد بن حبيب ابن المهلب فى عشرة آلاف فارس. فهزم البربر وتبعهم وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف، وسلم الجند. قال: وانضم إلى صالح ابن نصير جماعة من مشيخة البربر. فزحف إليهم سليمان بن الصمة فقتل من أهل البصائر منهم وانصرف إلى القيروان.
وأقام داود على إفريقية حتى قدم عمه روح بن حاتم أميرا. فكانت ولاية داوود تسعة أشهر ونصف شهر. وسار إلى المشرق «3» فأكرمه الرشيد وولاه مصر، ثم ولى السند فمات بها.
ذكر ولاية روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة
قال: ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم استعمل روح بن حاتم على المغرب، وكان أكبر من يزيد سنا. فوصل إلى القيروان فى شهر
(24/88)

رجب سنة إحدى وسبعين ومائة «1» فى خمسمائة فارس من الجند.
ثم لحق به ابنه قبيصة فى ألف وخمسمائة فارس. ولم تزل البلاد معه هادئة والسبل آمنة. وملىء البربر منه رعبا. ورغب فى موادعة عبد الوهاب «2» بن رستم الإباضى صاحب تيهرت، وهو الذى تنسب إليه الوهبية. فلم تزل الأحوال مستقيمة مدة ولايته إلى أن توفى لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ومائة.
ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبى «3»
قال المؤرخ: كان روح بن حاتم قد أسنّ وكبر، وإذا جلس للناس غلبه النوم «4» من الضعف. فكتب أبو العنبر القائد وصاحب البريد إلى الرشيد بضعفه وكبره، وأنهما لا يأمنان موته، وهو ثغر لا يقوم بغير سلطان، وذكرا نصر بن حبيب، وحسن سيرته، ومحبة الناس له. وقالا: «إن رأى أمير المؤمنين ولايته فى السر إن حدث بروح حادث حتى يرى أمير المؤمنين رأيه» . فكتب الرشيد عهده سرا.
(24/89)

فلما مات روح فرش لابنه قبيصة فى الجامع فجلس واجتمع الناس للبيعة له. فركب أبو العنبر وصاحب البريد إلى نصر ومعهما عهده. فأوصلاه العهد وسلّما عليه بالإمرة «1» ، وأركباه إلى المسجد فيمن معهما. فأقاما قبيصة وأجلسا نصرا. وقرئ كتاب الرشيد على الناس فسمعوا وأطاعوا. فبسط العدل وأحسن إلى الناس. وأقام واليا على المغرب سنتين وثلاثة أشهر.
وكان الفضل بن روح لما مات أبوه عاملا على الزاب، فلما ظهر كتاب الرشيد بولاية نصر سار إلى الرشيد، ولزم بابه حتى ولاه المغرب.
ذكر ولاية الفضل بن روح
قال: ولما ولاه الرشيد كتب إلى إفريقية بعزل نصر، وأن يقوم بإفريقية المهلب بن يزيد إلى أن يقدم. ثم قدم فى المحرم سنة سبع وسبعين ومائة.
وولى على تونس ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح، وكان غرا فاستخف بالجند، وسار فيهم بغير سيرة من تقدمه، ووثق أن عمه لا يعزله. فاجتمعوا وكتبوا إلى الفضل كتابا يخبرونه بسوء صنيع المغيرة فيهم وقبيح «2» سيرته. فتثاقل الفضل عن جوابهم. فانضاف هذا إلى أمور كانوا قد كرهوها من الفضل منها استبداده برأيه دونهم. فاجتمعوا وولوا أمرهم عبد الله
(24/90)

ابن الجارود وهو المعروف بعبدويه «1» وبايعوه بعد أن استوثق منهم «2» .
ثم انصرفوا إلى دار المغيرة فحصروه. فبعث إليهم يسألهم ما الذى يريدون. فقالوا: «ترحل عنا وتلحق بصاحبك أنت ومن معك» . وكتب عبدويه إلى الأمير الفضل:
«من عبد الله بن الجارود.
أما بعد، فإنا لم نخرج المغيرة إخراج خلاف عن طاعة، ولكن لأحداث أحدثها فيها فساد الدولة. فولّ علينا من نرضاه وإلا نظرنا لأنفسنا، ولا طاعة لك علينا والسلام» .
فكتب إليه: «من الفضل بن روح إلى عبد الله بن الجارود.
أما بعد، فإن الله عز وجل يجرى قضاياه فيما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختيارى واليا اخترته لكم أو اخترتموه بحائل دون شىء أراد الله عز وجل بلوغه فيكم. وقد وليت عليكم عاملا، فإن دفعتموه فهو آية النّكث منكم. والسلام» .
وبعث عبد الله بن يزيد «3» المهلّبى عاملا على تونس. وضم إليه النّضر بن «4» حفص، وأبا العنبر، والجنيد بن سيار.
فلما وصل ظاهر تونس، أشار أصحاب عبدويه عليه بقبضه
(24/91)

هو ومن معه وحبسهم. فخرج أصحاب عبدويه إلى عبد الله ابن يزيد، فحملوا عليه وقتلوه وأسروا من معه. فقال عبدويه:
«ما لهذا بعثتكم، فأما إذ وقع فما رأيكم «1» ؟» فأجمعوا على الخلاف.
وأخذوا فى المكائد. وتولى أمر عبدويه محمد بن الفارسى، وهو الذى أثار هذه الفتنة. وشرع فى مكاتبة القواد وإفسادهم، ووعد كل واحد منهم أنه يوليه الأمر. ففسد الحال على الفضل.
وكانت أمور يطول شرحها، وحرب آخرها أن ابن الجارود سار فيمن معه إلى القيروان، وقاتل الفضل وهزمه، واستولى على البلد وأخرجه منها. ثم قبض عليه وأراد أن يحبسه. فقال أصحابه:
«لا نزال فى حرب مادام الفضل حيا» . فدافع عنه محمد بن الفارسى وأشار أن لا يقتلوه. فقاموا إليه وقتلوه. فعند ذلك أمر عبدويه المهلب بن يزيد ونصر بن حبيب وخالدا وعبد الله بن يزيد بالخروج من إفريقية، فخرجوا كلهم.
ذكر أخبار عبد الله بن الجارود
قال: ولما قتل الفضل واستولى عبد الله على القيروان، سمع شمدون القائد ما صنع بالفضل، فقام غضبا له.
واجتمع فى الأربس هو وفلاح بن عبد الرحمن الكلاعى القائد، والمغيرة، وغيرهم. وأقبل عليهم أبو عبد الله مالك بن المنذر
(24/92)

الكلبى من ميلة، وكان واليا عليها فى عدد كثير، فقدموه على أنفسهم. واجتمع إليهم الناس. والتقوا بابن الجارود واقتتلوا. فقتل مالك بن المنذر، وانهزم أصحابه حتى صاروا إلى الأربس.
فكتب شمدون إلى العلاء بن سعيد- وهو بالزاب- أن يقدم عليه. فأقبل إلى الأربس واجتمع بالمغيرة وشمدون وفلاح وغيرهم. وأقبل العلاء يريد القيروان فصادف ابن الجارود وقد خرج منها يريد يحيى بن موسى «1» خليفة هرثمة بن أعين، وذلك أن الرشيد لما اتصل به وثوب ابن الجارود على الفضل وإفساده إفريقية، وجّه يقطين بن موسى لمحله من دعوتهم، ومكانه من دولتهم، وكبر سنه، وحاله عند أهل خراسان. وأمره بالتلطف بابن الجارود وإخراجه من البلد. ووجه معه المهلب بن رافع. ثم وجه منصور بن زياد، وهرثمة بن أعين أميرا على المغرب. فأقام ببرقة.
وقدم يقطين القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير. ودفع إليه كتاب الرشيد، فقال ليقطين: «قد قرأت كتاب أمير المؤمنين، وأنا على السمع والطاعة. وفى كتاب أمير المؤمنين أنه ولى هرثمة بن أعين، وهو ببرقة يصل بعدكم.
ومع العلاء البربر، فإن تركت الثغر وثب البربر فأخذوه وقتلوا العلاء ولا يدخله وال لأمير المؤمنين أبدا، فأكون أشأم الخلق على هذا
(24/93)

الثغر. ولكن أخرج إلى العلاء، فإن ظفر بى فشأنكم بالثغر، وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة. ثم أخرج إلى أمير المؤمنين» فاجتمع يقطين مع محمد بن يزيد الفارسى- وهو صاحب ابن الجارود- ووعده التقدم وقيادة ألف فارس وصلة وقطيعة فى أى المواضع شاء، على أن يفسد حال عبد الله بن الجارود. ففعل ذلك وسعى فى إفساد الخواطر على ابن الجارود، ورغّب الناس فى الطاعة. فمالوا إليه وانضموا له. وخرج على ابن الجارود، فخرج عبد الله لقتاله. فلما تواقفا للقتال، ناداه ابن الجارود أن اخرج إلى حتى لا يسمع كلامى وكلامك غيرنا. فخرج إليه فحدثه وشاغله بالكلام، وكان قد وضع على قتله رجلا من أصحابه يقال له أبو طالب «1» فخرج إليه- وهو مشغول بحديث عبد الله- فما شعر حتى حمل عليه وضربه فدقّ صلبه، فانهزم أصحابه.
وقدم يحيى بن موسى خليفة هرثمة إلى طرابلس. فصلى عيد الأضحى بالناس وخطبهم. وقدم عليه جماعة من القواد واستفحل أمره.
وأقبل العلاء بن سعيد يريد القيروان. فعلم ابن الجارود أنه لا طاقة له بالعلاء. فكتب إلى يحيى أن اقدم إلى القيروان فإنى مسلم إليك سلطانها. وأجاب إلى الطاعة. فخرج يحيى بن موسى بمن معه من طرابلس فى المحرم سنة تسع وسبعين ومائة «2» .
فلما بلغ قابس تلقاه بها عامة الجند الذين بالقيروان. وخرج ابن
(24/94)

الجارود من القيروان فى مستهل صفر، واستخلف عليها عبد الملك بن عباس «1» . وكانت أيام ابن الجارود سبعة أشهر.
وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها. فقتل منها «2» جماعة من أصحاب ابن الجارود. فبعث إليه يحيى: «إن كنت على الطاعة ففرّق جموعك» . فأمر من معه بالانصراف إلى مواضعهم. وسار فى نحو ثلاثمائة من خاصته إلى طرابلس. وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصوله وخرج مع يقطين بن موسى نحو المشرق حتى وصل إلى هارون الرشيد.
قال: وكتب العلاء إلى منصور وهرثمة أنه الذى أخرج ابن الجارود من إفريقية. فكتب إليه هرثمة بالقدوم، وأجازه بجائزة سنية. وبلغ خبره هارون، فكتب إليه بمائة ألف درهم صلة سوى الكسا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفى بمصر.
ذكر ولاية هرثمة بن أعين
قال: وقدم هرثمة القيروان فى مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة «3» فأمن الناس وسكنهم وأحسن إليهم.
وهو الذى بنى القصر الكبير بالمنستير «4» فى سنة ثمانين
(24/95)

ومائة. وبنى أيضا سور مدينة طرابلس مما يلى البحر. وواتر الكتب إلى الرشيد أن يعفيه من إفريقية لما رأى الاختلاف بها وسوء طاعة أهلها. فكتب إليه بالقدوم إلى المشرق. فرجع فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة «1» .
ذكر ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم «2» العكى
قال: ولما كتب هرثمة إلى هارون يسأله الإعفاء وجه محمد بن مقاتل أميرا للمغرب «3» ، وكان رضيع هارون «4» .
فقدم القيروان فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة. ولم يكن بالمحمود السيرة، فاضطربت عليه أحواله واختلف جنده، وكان سبب الاضطراب عليه أنه اقتطع من أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفى الرعية. فقام فلاح القائد، ومشى فى أهل الشام وخراسان حتى اجتمع رأيهم على تقديم مرة بن مخلد الأزدى «5» .
وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التّميمى- وكان عامله عليها- فبايعه جماعة من القواد وأهل الشام وأهل خراسان. فخرج فى النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة إلى القيروان. وخرج إليه ابن العكى فيمن معه، فقاتله قتالا
(24/96)

شديدا فى منية الخيل، فانهزم ابن العكى ودخل القيروان، وتحصن فى دار كان قد بناها، وجلا عن دار الإمارة. وأقبل تمام ودخل القيروان فى يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رمضان. فأمّنه تمام على دمه وماله، على أنه يخرج عنه.
فخرج تلك الليلة وسار حتى وصل إلى طرابلس ثم مضى إلى سرت. وعاد إلى طرابلس بمكاتبة بعض أهل خراسان فنهض إبراهيم بن الأغلب من الزاب على تمام غضبا للعكى.
فلما بلغ تماما إقباله جلا عن القيروان، ودخلها إبراهيم بن الأغلب.
فخطب الناس وأعلمهم أن أميرهم محمد بن مقاتل. وكتب إليه بالرجوع، فرجع.
ثم أخذ تمام فى مراسلة الناس وإفسادهم على العكى فمالوا إليه. فكثر جمعه وطاب نفسا بقتال العكى. وكتب إليه.
«أما بعد. فإن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فبردك من كرامتك عليه ولا للطاعة التى يظهرها، ولكنه كره «1» أن يبلغك أنه أخذ البلاد فترجع إليه. فإن منعك كان مخالفا، وإن دفعها إليك كان كارها. فبعث إليك لترجع ثم يسلمك إلى القتل.
وغدا تعرف ما جربت من وقعتنا أمس» . وفى آخره:
وما كان إبراهيم من فضل طاعة ... يرد عليك الثّغر إلا لتقتلا «2»
(24/97)

فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يابن عك لتقبلا «1»
فلما وصل كتابه، قرأه العكى ودفعه إلى إبراهيم بن الأغلب.
فقرأه وضحك وقال: «قاتله الله! ضعف عقله زيّن له ما كتب به» فكتب إليه ابن العكى:
«من محمد بن مقاتل إلى الناكث تمام.
أما بعد، فقد بلغنى كتابك، ودلنى ما فيه على قلة رأيك.
وفهمت قولك فى إبراهيم. فإن كنت كتبت نصيحة، فليس من خان الله ورسوله وكان من المفسدين بمقبول منه ما يتنصّح به.
وإن كانت خديعة فأقبح الخدائع ما فطن له. وأما ما ذكرت من من إسلام إبراهيم إذا التقينا، فلعمر أبيك ما يلقاك أحد غيره.
وأما قولك: إنا جربنا من وقعتك أمس ما سنعرفه غدا، فإن الحرب «2» سجال: فلنا يا تمام عليك العقبى إن شاء الله» وفى أسفله:
وإنى لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... غداة المنايا أن تفل وتقتلا «3»
تلاقى فتى يستصحب الموت فى الوغى ... ويحمى بصدر الرمح مجدا مؤئلا «4»
(24/98)

فأقبل تمام من تونس فى جمع عظيم. وأمر ابن العكى من كان معه من أهل الطاعة بالخروج إليه وتقدمة إبراهيم بن الأغلب.
والتقوا واقتتلوا فانهزم تمام إلى تونس، وقتل جماعة من أصحابه.
وانصرف العكى إلى القيروان ثم أمر إبراهيم بالمسير «1» إلى تمام بتونس، وذلك فى شهر المحرم سنة أربع وثمانين ومائة.
فلما بلغ تماما إقباله كتب إليه يسأله الأمان، فأمنه. وأقبل به إلى القيروان يوم الجمعة لثمان خلون من الشهر. فلما صار الأمر إلى إبراهيم بن الأغلب بعث تمام بن تميم وغيره من وجوه «2» الجند الذين شأنهم الوثوب على الأمراء إلى بغداد، فحبسوا فى المطبق.
قال: ودام محمد بن مقاتل فى القيروان إلى أن عزله الرشيد واستعمل إبراهيم بن الأغلب، على ما نذكره فى أخبار دولة بنى الأغلب إن شاء الله تعالى.
(24/99)

ذكر ابتداء دولة بنى الأغلب
هذه الدولة أول دولة قامت بإفريقية وجرى عليها اسم الدولة.
وكان من قبلهم عمالا إذا مات أحد منهم أو صدر منه ما يوجب العزل، عزله من يكون أمر المسلمين إليه من الخلفاء فى الدولة الأموية والعباسية. فلما قامت هذه الدولة كانت كالمستقلة بالأمر «1» . وإنما كانت ملوكها تراعى أوامر الدولة العباسية، وتعرف لها حق الفضل والأمر، وتظهر طاعة مشوبة بمعصية.
ولو أرادوا عزل واحد منهم والاستبدال به من غير البيت لخالفوهم «2» . وصار ملوك هذه الدولة يوصون بالملك بعدهم لمن يرونه من أولادهم وإخوتهم، فلا يخالفه قوادهم ولا يراعون أهلية من يوصى إليه بل يقدمونه على أى صفة كان مستحقا أو غير مستحق. وسنذكر من أخبارهم ما يدل على ذلك. وكان عدة من ملك منهم أحد عشر ملكا. ومدة أيامهم مائة سنة واثنتى عشرة وأياما. وأول من ملك منهم إبراهيم بن الأغلب.
ذكر ولاية ابراهيم بن الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى
قال: لما كان من أمر إبراهيم بن الأغلب ما ذكرناه، من نصرته لابن العكى وإخراجه تمام بن تميم وإعادة العكى، كتب
(24/100)

يحيى بن زياد صاحب البريد بالخبر إلى هارون الرشيد. فقرأ الكتاب على أصحابه، وقال لهرثمة بن أعين: «أنت قريب العهد» . فقال: «يا أمير المؤمنين، قد سألتنى فى مقدمى منها عن طاعة أهلها، وأخبرتك أنه ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم. ثم صدق قولى قيامه بطاعتك» . فأمر الرشيد بكتابة عهده على إفريقية «1» .
فلما وصل إليه العهد، أرسل إلى ابن العكى: «أقم ما شئت حتى تتجهز» .
فأقام أياما ثم رحل إلى طرابلس. فوافاه حماد السعودى بكتابين قدم بهما إلى إفريقية على العادة. فافترى ابن العكى كتابا ثالثا بعزل إبراهيم وولايته وبعث به إلى القيروان. فلما قرئ على الناس قالوا لإبراهيم: «أقم بمكانك «2» واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن ابن العكى اختلق هذا زورا، ولم يكافئك على نصرتك له وحقنك دمه» . فقال: «والله لقد ظننت ظنكم وإنما اجترأ ابن العكى على الثغر لموضعه من جعفر بن يحيى» . ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج إلى الزاب وأتى كتاب محمد بن مقاتل إلى سهل ابن حاجب يستخلفه إلى أن يقدم. فكتب صاحب البريد إلى الرشيد. فغضب وكتب إلى ابن العكى: «أما بعد، فلم يكن آخر أمرك يشبه إلا أوله. فلأىّ مناقبك أوثرك على إبراهيم بولاية الثغر: ألفرارك وإقدامه أم لجزعك وصبره أم لخلافك
(24/101)

وطاعته؟ فإذا نظرت فى كتابى، فاقدم غير محمود الفعال» .
وكتب إلى إبراهيم بتجديد ولايته. فوصل الرسول إلى القيروان وإبراهيم بالزاب فمضى إليه. وكانت ولايته الثانية التى استقر «1» بها ملكه وملك بنيه من بعده، لاثنتى عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين ومائة. وقفل ابن العكى إلى المشرق.
قال: ولما ولى إبراهيم قمع أهل الشر بإفريقية، وضبط البلاد، وأحسن إلى من بها. وبعث بأهل الشر الذين جرت عادتهم بمخالفة الأمراء والوثوب عليهم إلى بغداد كما ذكرنا «2» .
وابتنى إبراهيم قصرا وجعله متنزها. ثم جعل ينقل إليه السلاح والأموال سرا. وهو مع ذلك يراعى أمور أجناده ويصلح طاعتهم ويصبر على جفائهم. وأخذ فى شراء العبيد وأظهر أنه يحب أن يتخذ «3» من كل صناعة من يغنيه عن استعمال الرعية فى كل شىء. ثم اشترى عبيدا لحمل سلاحه وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم عن حمله. ولما تهيأ له من ذلك ما أراده انتقل من دار الإمارة وصار إلى قصره بعبيده وحشمه وأهل بيته؛ وكان انتقاله ليلا. وأسكن معه من يثق به من الجند. وكان يتولى الصلاة بنفسه فى المسجد الجامع بالقيروان والمسجد الذى بناه بالقصر.
وفى أيامه خرج حمديس «4» بن عبد الرحمن الكندى فخلع
(24/102)

السواد. وجمع جموعا كثيرة وأتى بعرب أهل البلد وبربرها، وكثرت جموعه بمدينة تونس. فبعث إليه إبراهيم عمران بن مجالد «1» ومعه وجوه القواد. فالتقوا بسبخة تونس واقتتلو قتالا شديدا، وكثر بينهم القتل. وجعل أصحاب حمديس يقولون:
«بغداد بغداد، فلا والله لا اتخذت لكم طاعة بعد اليوم أبدا» .
ثم قتل حمديس وانهزم أصحابه. ودخل عمران تونس وتتبع من كان مع حمديس وقتلهم حتى أفناهم. وكان خروجه فى سنة ست وثمانين ومائة.
وفى أيامه جمع إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن «2» بن على بن أبى طالب جموعا كثيرة، وأطاعه من حوله من القبائل. فكره إبراهيم قتاله وعمل فى إفساد «3» أصحابه عليه.
وكتب إلى بهلول بن عبد الواحد المدغرى «4» ، وكان رئيسا مطاعا فى قومه، وهو القائم بأمر إدريس وصاحب سره، ولم يزل به حتى فارقه وعاد إلى الطاعة. فلما فعل ذلك كتب إدريس إلى إبراهيم كتابا يستعطفه ويسأله الكف عنه ويذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجر بينهما حرب.
وخرج عن طاعة إبراهيم أيضا عمران بن مجالد. وكان
(24/103)

سبب خروجه أن إبراهيم لما بنى قصره المعروف القديم ركب يوما وهو يفكر فى الانتقال إليه ومعه عمران بن مجالد. فجعل عمران يحادثه من حيث ركبا إلى أن بلغا مصلى روح، فلم يفقه إبراهيم من حديثه شيئا. فقال لعمران: «ألم تعلم أنى لم أسمع من حديثك شيئا. أعده على» . فغضب عمران وقال: «أحدثك من حيث خرجت وأنت لاه عنى» . وتغير من ذلك اليوم وألب على إبراهيم. فلما انتقل إبراهيم إلى قصره وأقام مدة، ثار عمران فى جيشه. واستولى على القيروان وقوى أمره وكثرت أتباعه. ودامت الحرب بينه وبين إبراهيم سنة كاملة، كانت خيل إبراهيم تضرب إلى القيروان فتقتل من قدرت عليه، وخيل عمران تفعل مثل ذلك.
ثم وصل إلى إبراهيم رسول أمير المؤمنين بأرزاق الجند فوجه ابنه عبد الله إلى طرابلس، فقبض أرزاق الجند ووصل بها إلى أبيه. فلما صار المال إليه، تطلعت أنفس الجند إلى أرزاقهم وهموا بإسلام عمران. وتبين ذلك له. فركب إبراهيم فى خيله ورجله وعبيده، وعبأ عساكره تعبئة الحرب، وتوجه إلى القيروان. حتى إذا قرب منها أمر مناديه فنادى: «من كان له اسم فى ديوان أمير المؤمنين فليقدم لقبض عطائه» . ثم انصرف إلى قصره ولم يحدث شيئا. فلما أمسى عمران أيقن أن الجند تسلمه. فركب وسار إلى الزاب ليلا ومعه عمرو بن معاوية وعامر بن المعتمر. فخلع»
إبراهيم أبواب القيروان
(24/104)

وثلم فى سورها. وقوي عند ذلك أمره. وزاد فى بناء القصر القديم. وأقطع فيه الدور لأهل بيته وأنصاره ومواليه.
وبقى عمران بالزاب إلى أن توفى إبراهيم وصار الأمر إلى ابنه أبى العباس. فكتب إليه يسأله الأمان فأمنه. وقدم إليه وأسكنه القصر. ثم سعى به فقتله.
واستمرت أيام إبراهيم إلى سنة ست وتسعين ومائة، فتوفى لثمان بقين من شوال منها «1» ، وهو ابن ست وخمسين سنة.
وكانت مدة ولايته اثنتى عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام.
وكان فقيها، عالما، خطيبا، شاعرا، ذا رأى وبأس «2» ، وحزم، وعلم بالحروب ومكائدها، جرئ الجنان، طويل اللسان، حسن السيرة. قال ابن الرقيق: لم يل إفريقية قبله أحد من من الأمراء أعدل منه سيرة ولا أحسن سياسة، ولا أرفق برعية، ولا أضبط للأمر «3» . وكان كثير الطلب للعلم، والاختلاف إلى الليث بن سعد. وله أخبار حسنة وآثار جميلة، رحمه الله تعالى.
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: لما مات إبراهيم بن الأغلب، صار الأمر بعده إلى ابنه أبى العباس عبد الله، وكان إذ ذاك بطرابلس، فقام له
(24/105)

أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وأهل بيته وجميع رجاله. وقدم عبد الله من طرابلس فى صفر سنة سبع وتسعين ومائة. فتلقاه زيادة الله وسلم إليه الأمر.
قال: فحمل عبد الله فى ولايته على أخيه زيادة الله حملا شديدا وتنقصه، وأمر بإطلاق من كان فى حبسه. وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتبجيل.
وأراد عبد الله أن يحدث جورا عظيما على الرعية فأهلكه الله عز وجل قبل ذلك. وكان قد أمر صاحب خراجه أن لا يأخذ من الناس العشر، ولكن يجعل على كل زوج تحرث ثمانية دنانير أصاب أم لم يصب «1» . فاشتد ذلك على الرعية وسألوه فلم يجب سؤالهم. وقدم حفص بن حميد الجزرى «2» ، ومعه قوم صالحون من أهل الجزيرة وغيرها. فاستأذنوا على أبى العباس فأذن لهم. فدخلوا عليه- وكان من أجمل الناس- فكلمه حفص ابن حميد فكان فيما قال له: «أيها الأمير، اتق الله فى شبابك، وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار. ترى على كل زوج يحرث به ثمانية دنانير. فأزل ذلك عن رعيتك، وخذ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن الدنيا زائلة عنك كما زالت عن غيرك» . فلم يجبه إلى شىء مما أراد. وتمادى على سوء فعله وأظهر الاستخفاف بهم. فخرج حفص بن حميد ومن
(24/106)

معه فتوجهوا نحو القيروان. فلما صاروا بوادى القصارين قال لهم حفص: «قد يئسنا من المخلوقين فلا نيأس من الخالق» .
فسألوا الله وتضرعوا إليه، فدعوا الله على أبى العباس أن يمنعه مما أراده بالمسلمين ويكف جوره عنهم. ثم دخلوا «1» مدينه القيروان، فخرجت لأبى العباس قرحة تحت أذنه فقتلته فى اليوم السابع «2» من دعائهم واسود لونه. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذى الحجة «3» سنة إحدى ومائتين.
فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرا واحدا وأربعة عشر يوما.
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولما توفى أخوه أبو العباس صار الأمر إليه بعده. وهو أول من سمّى زيادة الله. وكذلك هبة الله بن إبراهيم بن المهدى، هو أول من سمى هبة الله.
قال: ولما ولى زيادة الله أغلظ على الجند، وأمعن فى سفك دمائهم، واستخف بهم، وحمله على ذلك سوء ظنه بهم لتوثّبهم على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه مع عمران بن مجالد. وكان أبوه أغضى عن كثير من زلاتهم وصفح عن إساآتهم فسلك زيادة الله
(24/107)

فيهم غير سبيل أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء فعله إذا شرب وسكر. فخرجوا عليه. وكان الذى هاجهم على الخروج عليه أنه ولى عمر «1» بن معاوية القيسى، وكان من شجعان الجند ورؤسائهم وأهل الشرف منهم، على القصرين وما يليهما. فتغلب على تلك الناحية وأظهر الخلاف عليه. وكان له ولدان يقال لأحدهما حباب والآخر سكنان «2» . فوجه إليه زيادة الله موسى مولى إبراهيم المعروف بأبى هارون، وكان قد ولاه القيروان.
فخرج إليه وحاصره أياما. فلما ضاق به الأمر ألقى بيده ونزل معه. وسار إلى زيادة الله هو وولداه. فلما قدموا عليه حبسهم عند غلبون ابن عمه. ثم نقلهم إلى حبسه من يومه وقتلهم.
فلما بلغ منصور بن نصر الطّنبذى «3» وهو من ولد دريد «4» ابن الصّمّة ذلك ساءه، وكان على طرابلس. فقال: «يا بنى تميم، لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد» . فكتب صاحب الخبر بكلامه إلى زيادة الله. فعزله واستقدمه، فقدم.
وكان غلبون معتنيا به فأصلح أمره عند الأمير زيادة الله، فخلى عنه. فأقام أياما يتردد إلى زيادة الله حتى ذهب ما بقلبه عليه. ثم استأذنه فى الوصول إلى منزله فأذن له. فخرج إلى تونس، وكان له بإقليم المحمدية قصر يقال له طنبذة، وبه لقب الطنبذى،
(24/108)

فنزل به. وجعل يراسل الجند ويذكر لهم ما يلقون من زيادة الله وما فعل بعمر بن معاوية وابنيه، ويخوفهم أن يفعل بهم وبأولادهم كفعله بعمر.
فبلغ ذلك زيادة الله فعرض الجند على عادته. ثم دعا محمد ابن حمزة فأخرجه فى خمسمائة «1» فارس بالسلاح كما عرضوا بين يديه. وقال له: «امض إلى تونس فلا يشعر منصور إلا وقد أخذته ومن معه، واقدم به موثقا» . فخرج ابن حمزة حتى أتى تونس فلقى منصورا غائبا بقصره، فنزل فى دار الصناعة «2» .
ووجه إى منصور شجرة بن عيسى القاضى وأربعين شيخا من أهل تونس، يرغبه فى الطاعة ويدعوه «3» إلى إتيانه.
فمضوا إليه وأبلغوه رسالة محمد بن حمزة فقال: «ما خلعت يدا من طاعة، ولا أحدثت حدثا، وأنا صائر إليه معكم. ولكن أقيموا علىّ يومى هذا حتى أعدّ لهولاء القوم ما يصلحهم» .
فأقاموا. فوجه إلى ابن حمزة ببقر وغنم وعلف وأحمال نبيذ.
وكتب إليه: «إنى قادم بالغداة مع القاضى» . فركن إلى قوله، وأخذ هو ومن معه فى الأكل والشرب.
فلما أمسى منصور قبض على القاضى ومن معه، وحبسهم فى قصره. وجمع خيله ورجله ومضى إلى تونس. فما شعر به محمد بن حمزة حتى ضرب طبوله على باب دار الصناعة. فقام
(24/109)

ابن حمزة وأصحابه لأخذ سلاحهم وقد عمل الشراب فيهم.
فأوقع بهم منصور وأصحابه فقتلهم. ولم يسلم منهم إلا من ألقى نفسه فى البحر فسبح. وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند. وكان عامل زيادة الله على تونس إسماعيل بن سفيان ابن سالم «1» من أهل بيت زيادة الله، فقتله منصور وقتل ابنه.
فلما اتصل بزيادة الله قتل ابن عمه وولده ورجاله، جمع صناديد الجند، ووجّههم مع غلبون. وركب بنفسه مشيّعا له.
فلما ودع الجند قال لهم زيادة الله: «انظروا كيف تكونون وكيف تناصحون. فبالله أقسم إن انصرف إلىّ أحد «2» منكم منهزما لا جعلت عقوبته إلا السيف» . فكان ذلك مما ساءت به نفوس القوم حتى هموا بالوثوب على غلبون. فمنعهم من ذلك جعفر بن معبد وقال: «لا تحملكم إساءة زيادة الله فيكم أن تغدروا بمن أحسن إليكم وفك رقابكم» . وكان غلبون يعتنى بأمر القواد عند زيادة الله. فانصرفوا عن رأيهم فيه ومضوا حتى صاروا بسبخة تونس. فكاتب القواد الذين مع غلبون منصورا وأصحابه وأعلموهم أنهم منهزمون عنه. فلما التقوا حمل منصور وأصحابه عليهم فانهزموا بأجمعهم. ثم اجتمعوا بعد الهزيمة إلى غلبون واعتذروا وحلفوا أنهم ناصحون واجتهدوا. وقالوا: «نحن لا نأمن على أنفسنا. وإن أصبت لنا ما نأمن به قدمنا إن شاء الله» . وتفرقوا
(24/110)

عنه. وسار كل «1» منهم إلى جهة فتغلب عليها. واضطربت إفريقية فصارت نارا تتّقد.
وصار الجند كلهم إلى منصور الطنبذى، وأعطوه أزمة أمورهم، وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة الله فأعلمه الخبر.
فكتب الأمانات وبعث بها إلى الجند والقواد. فلم يقبلوها وخلعوا الطاعة.
ثم جمعوا جمعا ووجه عليهم منصور عامر بن نافع. فعقد زيادة الله لمحمد بن عبد الله بن الأغلب، ووجه معه جيشا كثيفا وأوعب فيه من رجاله ومواليه. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم محمد ابن عبد الله وقتل جماعة من وجوه أصحابه، منهم محمد بن غلبون، وعبد الله بن الأغلب، ومحمد بن حمزة الرازى، وغيرهم، وقتلت الرّجالة عن آخرهم. وتتبع الجند أصحاب زيادة الله فقتلوهم.
فعند ذلك زحف زيادة الله بنفسه ونزل بين القيروان «2» والقصر وخندق هناك. وكانت بينهم وقعات كثيرة تارة لهؤلاء وتارة لأولئك. ثم انهزم منصور ومن معه حتى لحقوا بتونس. وكان أهل القيروان أعانوا منصورا على قتال زيادة الله، فقال له أصحابه «ابدأ بها واقتل من فيها» . فقال: «إنى عاهدت الله تعالى إن
(24/111)

ظفرت أن أعفو وأصفح «1» » . فعفا عنهم إلا أنه هدم سور القيروان ونزع أبوابها.
قال: ثم اجتمع لمنصور أصحابه وقوى أمره. ولم يبق فى يد زيادة الله من إفريقية كلها إلا الساحل وقابس «2» . فكتب الجند إلى زيادة الله: «أن ارحل حيث شئت وخلّ عن إفريقية، ولك الأمان فى نفسك ومالك وما ضمه قصرك» . فاستشار أصحابه فى ذلك. فقال له سفيان بن سوادة: «أيها الأمير، أمكّنى من ديوان رجالك حتى أنتقى مائتى فارس ممن أثق به» . فدفع إليه الديوان فاختار منه «3» مائتى فارس «4» ، وأعطاهم وأفضل عليهم «5» ثم خرج حتى أتى نفزاوة وعليها من الجند عبد الصمد بن جناح الباهلى. فدعا سفيان بربر ذلك الموضع فأجابوه. فاجتمع إليه خلق كثير من زناتة وغيرهم وسائر القبائل. ففتح البلاد بلدا بلدا حتى بلغ قسطيلية. ثم قدم على زيادة الله فى سنة ثمانى عشرة ومائتين. فكان سعيد «6» يقول: «والله، ما رأيت أعظم بركة من تلك المائتى فارس» .
(24/112)

ووقع الشتات والحسد بين الجند. ووقع الخلاف بين منصور وعامر بن نافع. فحاصره عامر بقصره بطنبذة. فجرت بينهما السفراء على أن يؤمن منصورا على نفسه وماله وحشمه «1» ، ويركب سفينة «2» فيتوجه فيها إلى المشرق، فأجابه عامر إلى ذلك. فقال له بعض أصحابه: «تفعل ذلك بنفسك ويسومك الضيم؟ انهض إلى الأربس فإنهم سامعون مطيعون» . فوافق على ذلك وخرج من القصر ليلا وسار إلى الأربس. فلما أصبح عامر لم يره بقصره، فسار فى إثره إلى الأربس وحاصره. وآخر الأمر أنه عاد سأل «3» الأمان على أن يتوجه إلى المشرق ويركب فى سفينة من تونس. وخرج إلى عامر فوجه معه خيلا. وأمر صاحب الخيل أن يأخذ به على طريق قرنة «4» وأن يصيّره فى سجنها. ففعل ذلك وحبسه بها عند حمديس بن عامر «5» . ثم كتب عامر إلى ابنه أن يضرب عنقه ففعل. وضرب عامر عنق أخى منصور.
وصار أمر الجند إلى عامر بن نافع فظن أن الأمور تستقيم له.
فكتب إليه زيادة الله كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان.
فكتب إليه عامر يعدد عليه مساوئ أفعاله، ويقول فى آخره:
«ما بينى وبينك موادّة حتى تضع الحرب أوزارها ويحكم الله
(24/113)

بيننا وهو خير الحاكمين» . ثم اختلف الجند على عامر، وانتقض عليه أمره، ووجد عليه قواد المضرية، لما صنع بمنصور وأخيه، فنافروه وحاربوه. وخالفه عبد السلام بن المفرّج «1» ، وكان قد استولى على باجة وبايع له جماعة من الجند. وزحف إلى عامر فاقتتلوا، فانهزم عامر، ومضى إلى قرنة، وتفرق شمل الجند وأمر زيادة الله يعلو.
ثم اعتل عامر فلما أيقن بالموت استدعى بنيه وقال لهم:
«يا بنى، ما رأيت فى الخلاف خيرا. فإذا أنا مت ودفنتمونى فلا تعرّجوا على شى حتى تلحقوا بزيادة الله، فهو من أهل بيت عفو. وأرجو أن يسركم «2» ويقبلكم أحسن قبول» . فلما مات، فعلوا ذلك وأتوا زيادة الله. وجعل الجند يتسالون «3» إلى زيادة الله ويستأمنون، وهو يؤمنهم ويحسن إليهم.
وأما عبد السلام فقاتلته عساكر زيادة الله وحصروه وضايقوه فوجد ميتا فقيل مات عطشا. فبعثوا برأسه إلى زيادة الله.
واستقامت إفريقية وصفت بعد أن دامت الفتنة ثلاث عشرة سنة.
قال: ثم أمر زيادة الله ببناء المسجد الجامع بالقيروان
(24/114)

وهدم ما كان بناه يزيد بن حاتم، وذلك فى جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وذكر أن زيادة الله قال يوما لخاصته «إنى لأرجو رحمة الله، وما أرانى إلا أفوز بها إذا قدمت عليه يوم القيامة وقد عملت أربعة أشياء: بنيت المسجد الجامع بالقيروان وأنفقت عليه ستة وثمانين ألف دينار، وبنيت قنطرة باب أبى الربيع، وقصر المرابطين بسوسة، ووليت القضاء أحمد بن أبى محرز» .
وفى أيام زيادة الله فتحت صقلية، وذلك أنه وجه إليها أسد ابن الفرات القاضى فى عشرة آلاف. فزحف إليه ملكها فى مائة وخمسين ألفا. فهزمه وفتحها. واستعمل عليها زيادة الله محمد ابن عبد الله بن الأغلب.
وكانت وفاة زيادة الله فى يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر رجب سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وكانت ولايته على إفريقية إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر وثمانية أيام.
وكان من أفصح أهل بيته لسانا وأكثرهم بيانا، وكان يعرب كلامه ولا يلحن من غير تشادق ولا تقعير. وكان يقول الشعر الحسن الجيد.
حكى «1» أن رسولا أتاه من أبى عبد الله المأمون بغير
(24/115)

يحب. فكتب جواب الكتاب وهو سكران، وفى آخره أبياتا، وهى:
أنا النار فى أحجارها مستكنّة ... فإن كنت ممن يقدح الزّند فاقدح
أنا الليث يحمى غيله بزئيره ... فإن كنت كلبا حان يومك فانبح
أنا البحر فى أمواجه وعبابه ... فإن كنت ممن يسبح البحر فاسبح
فلما صحا بعث فى طلب الرسول ففاته. فكتب كتابا آخر فيه تلطف. فوصل الكتاب الأول والثانى. فأعرض المأمون عن الأول وأجاب عن الثانى بكل ما أحب.
وله حكايات حسنة تدل على عفوه وصفحه وحلمه. فمن ذلك أنه بلغ أمّه جلاجل أن أخت عامر بن نافع قالت: «والله لأجعلنّ جلاجل تطبخ لى الفول بيصارا» . فلما ظفر ابنها زيادة الله بالقيروان، أمرت جلاجل بفول فطبخ بيصارا وبعث منه إليها «1» مع بعض خدمها، فوضع بين يديها، وقالت الجارية التى أحضرته إليها: «سيدتى تسلم عليك وتقول لك: قد طبخت هذا لك لأبر قسمك» . فأوحشها ذلك وقالت: «قولى لها: قد قدرت فافعلى ما شئت» . فبلغ ذلك زيادة الله فقال لأمه: «قد ساءنى ما فعلت يا أم، إن الاستطالة
(24/116)

مع القدرة لؤم ودناءة، وقد كان أولى بك أن تفعلى غير هذا» .
قالت: «نعم، سأفعل ما يرضيك ويحسن الأحدوثة عنا» .
وبعثت إليها بكسوة وصلة وألطاف. ورفقت بها حتى قبلت ذلك وطابت نفسها.
ذكر ولاية أبى عقال «1» الأغلب ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولما توفى زيادة الله ولى أخوه أبو عقال، وهو الملقب بخزر «2» . وكان فى مبدإ ولاية أخيه زيادة الله قد خافه على نفسه لأن الأغلب كان شقيق عبد الله. فخشى أن يطالبه زيادة الله بفعل أخيه فاستأذنه على الحج، فأذن له. فخرج وأخرج معه ابنى أخيه عبد الله، وهما محمد وإبراهيم. فحج وأقام بمصر. ثم كتب إلى زيادة الله «3» يستعطفه ويستميله. فقدم إليه «4» ، فأكرمه وأحسن إليه. وجعل أمور دولته بيده.
فلما مات زيادة الله وصار الأمر إليه، لم يكن فى أيامه حروب فأمن الجند وأحسن إليهم. وغير أحداثا كثيرة كانت للعمال، وأجرى على العمال الأرزاق الواسعة والعطايا الجزيلة. وقبض أيديهم عن أموال الناس، وكفّهم عن أشياء كانوا يتطاولون إليها.
وقطع النبيذ من القيروان.
(24/117)

وتوفى فى يوم الخميس لسبع «1» بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين ومائتين. فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام «2» . وكان شبيها بجده الأغلب فى الخلق والخلق.
ذكر ولاية أبى العباس محمد بن الأغلب ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولى بعد أبيه، وكان من أجهل الناس، لكنه أعطى فى إمارته ظفرا على من ناوأه. وقلّد أخاه كثيرا من أعماله. وكان قد غلب عليه وتولى أموره ووزارته ابنا على بن حميد، وهما أبو عبد الله وأبو حميد. فساء ذلك أبا جعفر أخاه، وعظم عليه وعلى أصحابه، وحسدوهما على مكانهما من الأمير محمد وكان المقدم عند أبى جعفر أحمد بن الأغلب نصر بن حمزة الجروى. فأخذ أبو جعفر فى التدبير على أخيه الأمير محمد.
وصانع رجالا «3» من مواليه، ومحمد فى غفلة عن ذلك قد اشتغل باللهو واللعب وانهمك على الملاذّ. فلما اجتمع لأحمد من أصحابه ما علم أنه يقوم بهم ركب فى وقت الظهيرة- وقد خلا باب محمد من الرجال- فهجم على أبى عبد الله بن على بن حميد فقتله، وعلا الصياح. فبلغ الخبر محمدا فقصد قبة عمه زيادة
(24/118)

الله. ووقع القتال بين رجال الأمير محمد ورجال أخيه أحمد.
فجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: «ما لكم تقاتلون؟
لا طاعة إلا طاعة محمد. إنما قمنا على أولاد على بن حميد الذين قهروكم واستأثروا بمال مولاكم دونكم. وأما نحن ففى الطاعة ما خلعنا منها يدا» . فلما سمعوا ذلك فشلوا عن القتال.
ولما رأى محمد مادهمه- وهو على غير استعداد- جلس فى مجلس العامة. وأذن لأخيه أحمد والذين معه من الرجال بالدخول، فدخلوا عليه. فعاتب أخاه أحمد فقال له: «إن أولاد على بن حميد كادوا الدولة وأرادوا زوال ملكك، فقمت غضبا لك وحذرا على أيامك» . فلم يجد محمد بدا من مداراته والإغضاء عما فعل. فتحالفا أن لا يغدر أحد منهما بصاحبه «1» . واصطلحا على أن يدفع محمد لأخيه أحمد أبا حميد بن على، وكان قد لجأ «2» إليه فى وقت قتل أخيه. فدفعه إليه على أن أحمد لا يقتله ولا يصله بمكروه.
فانصرف إلى منزله.
وعظم قدر أحمد، واشتد سلطانه، وجعل الدواوين إلى نفسه.
وصار الأمر كله له، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا مجرد الاسم وعزل أحمد حجاب محمد، وجعل على بابه حجابا من قبله.
ووكل خمسمائة من عبيده ومواليه ببابه. وعذب أبا حميد، وأخذ أمواله. ووجه به مع أبى نصر مولى إبراهيم بن الأغلب، وأمره أن يسير به إلى طرابلس ويبعثه إلى مصر. وأسرّ إليه أنه إذا
(24/119)

صار بقلشانة يقتله. ففعل ذلك وخنقه حتى مات. وحمله على نعش إلى قلشانة. وأحضر من شهد أنه لا أثر فيه ولا جرح وقال:
«إنه سقط عن الدابة فمات» .
قال: ولما صارت الأمور إلى أحمد قدم نصر بن أحمد الجروى واستوزره. وكان داود بن حمزة الرادرى يظن أنه يكون المقدم عليه لأنّه كان المدبر لهذا الأمر. ففسدت نيته وأخذ فى العمل على أحمد ومكاتبة محمد، وكان محمد قد ترك اللهو وأخذ فى الحيلة والتدبير على أخيه أحمد. وكان محمد قد ولى سالم ابن غلبون الزاب. فلما كان من أمر أحمد ما كان، خالف سالم على أحمد، ولم يطعه. وجعل محمد يبعث إلى وجوه قرابته وجنده وعبيده ويسألهم نصرته ويعدهم ويمنّيهم. فكان ممن سعى فى نصرة محمد وأتقن له الأمور وأحسن التدبير أحمد بن سفيان بن سوادة. وكان يقال لأحمد: «إن أخاك يعمل عليك» . فلا يصدق، وعنده أنه قد أتقن التدبير. وكان من حال محمد أنه إذا جاءه رسول من أخيه أحمد يستدعى كأسا كبيرا ويمسكه بيده، ويحضر الرسول فيتوهم أنه يشرب. فإذا انصرف رد الكأس فلا يشربه.
فلما كان فى اليوم الذى عزم محمد فيه على الوثوب على أخيه، بعث إلى أحمد بن سفيان. فجعل يسلك من واعده من العبيد والموالى وغيرهم حتى أدخلهم من أبواب المدينة فى الأكسية. وجعلهم يحملون على رؤوسهم جرار الماء حتى اجتمع منهم قبل الزّوال ثلاثمائة رجل. فصيّرهم أحمد بن سفيان فى داره وأعطاهم السلاح
(24/120)

وكان أحمد إذا قيل له: «إنك تراد ويعمل عليك» . غضب على من يقول ذلك. واشتغل بالشراب كما كان أخوه فى أول أمره. وكان جماعة ممن نصر محمدا واعدوه أن ينزلوا بقصر الماء، والأمارة بينهم أن يسمعوا الطبل ويروا الشمع فى أعلى القبة. وكان أحمد قد دخل الحمام فى ذلك اليوم وأطال اللّبث فيه. وأتاه عثمان بن الربيع بعد الظهر؛ فأخبره أن أخاه يريده تلك الليلة، وأنه أعد رجالا بقصر الماء. فلم يصدق ذلك، ووجه خيلا إلى قصر الماء فلم يجدوا به أحدا. وكان الموعد المغرب، فازداد أحمد تكذيبا للأخبار وقلة الاكتراث بما يراد به.
فلما قربت صلاة المغرب، وجه محمد خادما له إلى جماعة رجال أخيه الذين كان قد جعلهم ببابه، فقال: «يقول لكم الأمير: إنى أحببت برّكم وإكرامكم، فاجتمعوا حتى أبعث إليكم طعاما وشرابا. فاجتمعوا، وبعث إليهم بطعام وشراب، فأكلوا وشربوا حتى إذا ظنّ أن الشراب قد عمل فيهم، أرسل الخادم إليهم وقال: يقول لكم الأمير: إنى قد أحببت أن أحلّى لكم سيوفكم، فمن كان عنده سيف فليأت به» . فجعلوا يتسابقون بسيوفهم طمعا فى ذلك. فلما كان رقت المغرب وغلّقت أبواب القصر، أتاهم عامر بن عمرون «1» القرشى فيمن معه. فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم «2» عن آخرهم.
ثم أمر بالطبل فضرب، والشموع فأوقدت، فأقبل أصحابه
(24/121)

من كل ناحية إلى نصرته. وخرج أحمد بن سفيان بن سوادة فجعل يقتل من علم أنه من ناحية أحمد. وأقام القتال بين أحمد بن سفيان وأصحاب أحمد بن الأغلب بقية ليلتهم كلها. وبعث أحمد ابن سفيان إلى القيروان يستنصر بأهلها. فأقبلوا إليه فى جموع عظيمة وهم ينادون بطاعة محمد. فانهزم أصحاب أحمد بن الأغلب ووضعت السيوف فيهم، وهرب أحمد إلى داره.
وكان فى حبسه خفاجة بن سفيان بن سوادة، فأخرجه وقال له: «الله الله فى دمى وحرمى، فإنها حرمك» . فقال له خفاجة: «حبستنى ظلما منذ سبعة أشهر» . فقال: «ليس هذا وقت العتاب فأغثنى» فقال له خفاجة: «أعطنى فرسا وسلاحا» ففعل فركب خفاجة. وصاح به الناس: «يا خفاجة، يا ابن شيخنا ومن نكرمه ونحفظه، إنما أخرجك هذا الملعون من حبسه الساعة بعد سبعة أشهر، فما هذه النصيحة له؟» فانصرف إلى أحمد فقال له: «أما إنه لا طاقة لك بالقوم، فاستأمن إلى أخيك من قبل أن تهلك» قال: «وكيف لى بذلك؟ فكن أنت رسولى إليه» . فسار إليه واستأمن له.
فأمنه محمد وأتاه.
فأمر محمد بالخلع على أهل القيروان ومن نصره. فخلع عليهم جميع ما كان فى خزائنه «1» ، ورجع إلى ثياب حرمه.
وأمر أهل القيروان بالانصراف. ولما صار أحمد إلى أخيه
(24/122)

محمد عدّد عليه ما فعل ثم أخرجه إلى مصر، وسار إلى العراق.
قال: وبنى محمد بن الأغلب القصر الذى بسوسة فى سنة ثلاثين.
وفى أيامه توفى سحنون «1» بن سعيد فى سنة أربعين ومائتين، ودفن بباب نافع. وكان يتولى المظالم بمدينة القيروان.
قال: واعتل محمد بن الأغلب فأقام بعلته أربعة أشهر. ثم توفى فى يوم الاثنين لليلتين خلتا من المحرم «2» سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ست وثلاثون سنة وولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام.
ذكر ولاية أبى ابراهيم أحمد بن محمد ابن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب
قال: ولما مات محمد، ولى بعده ابنه أحمد. وكانت أيامه كلها ساكنة، لم يحدث فيها إلا ما كان بناحية طرابلس.
وذلك أن قبائل البربر تجمعت، فكان بينهم وبين عاملها عبد الله ابن محمد بن الأغلب حروب كثيرة. فكتب إلى أبى إبراهيم بذلك فأرسل إليهم العساكر، فكانت بينهم وبين البربر حروب شديدة. ثم انهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. ولأبى إبراهيم
(24/123)

آثار عظيمة فى المبانى بإفريقية. فمن ذلك بنيان المأجل الكبير بباب تونس. وهو بمعنى الصهريج عندنا. وزاد فى جامع القيروان البهو والمجنّبات والبقية. وبنى المأجل الذى بباب أبى الربيع والمأجل الكبير الذى بالقصر القديم، وبنى المسجد الجامع بمدينة تونس. وبنى سور مدينة سوسة. وكان آخر ما عمل المأجل الذى بالقصر القديم. فلما فرغ اعتل أبو إبراهيم فكان يسأل: هل دخله الماء، إلى أن دخله، فعرفوه فسر به وأمرهم أن يأتوه بكأس مملوءة منه، فشربها وقال: «الحمد لله، الذى لم أمت حتى كمل أمره» . ثم مات إثر ذلك. ولم يزل أهل القيروان ومن دخلها يترحمون عليه.
وفى أيامه فتحت قصريانة، وهى من أعظم مدن الروم بصقلية.
وكانت وفاة أبى إبراهيم يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت «1» من ذى القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين وله تسع وعشرون سنة «2» . ومدة ولايته سبع سنين وعشرة أشهر وخمسة عشر يوما «3» .
وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة، جميل الأثر، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الملوك وأسمحهم وأرفقهم برعيته، مع دين وإنصاف للمظلوم، هذا مع حداثة سنه. وكان يركب ليالى شعبان وشهر رمضان، وبين يديه الشمع. فيخرج من
(24/124)

القصر القديم حتى يدخل من باب أبى الربيع، ومعه دواب محملة دراهم. فيأمر بإعطاء من لقيه حتى ينتهى إلى المسجد الجامع بالقيروان. ويقصد دور العلماء والصالحين فيأمر بقرع أبوابهم.
فإذا خرجوا إليه أمر بإعطائهم من ذلك المال.
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن محمد «1» ابن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب
ولى بعد أخيه. ولم تطل أيامه حتى توفى. وكانت وفاته ليلة السبت لعشر «2» بقين من ذى القعدة سنة خمسين ومائتين فكانت ولايته سنة واحدة وسبعة أيام «3» . وكان عالما، عاقلا جميلا، حسن السيرة، جميل الأفعال، ذا رأى ونجدة وجود وشجاعة، رحمه الله تعالى.
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن الأغلب المكنى بأبى الغرانيق
ولى بعد عمه زيادة الله.
وكان مشغوفا بالصيد، فلقب أبا الغرانيق، وذلك أنه بنى
(24/125)

قصرا فى السهلين لصيد الغرانيق «1» ، أنفق فيه ثلاثين ألف دينار «2» .
ولقّب فى آخر أيامه بالميت، وذلك أنه اعتل وطالت علته، فكان يشنّع عليه بالموت فى كثير من الأيام.
وكان فى أيامه حروب منها اضطراب ثغر الزاب عليه. فأخرج إليه أبا خفاجة محمد بن إسماعيل فى عسكر عظيم. ففتح فتوحات عظيمة فى طريقه. وخافه جميع البربر ولم يقم أحد له إلى أن وصل تهودة وبسكرة. وأعطاه أهل تلك النواحى أزمة أمورهم.
ثم نهض إلى طبنة، وأتى حى بن مالك البلوى فى خيل بلزمة، فصار فى عسكره.
ثم نهض إلى مدينة أبّة بجميع عساكره فنزلها. فخافه البربر وسمعوا له وأطاعوا «3» وبذلوا له الرهائن والخراج والعشور والصدقات فلم يقبل منهم.
ومضى يريد بنى كملان من هوارة، وكبيرهم فى ذلك الوقت مهلب بن صولات فتحرزوا منه، وأرسلوا إليه يطلبون الأمان، ويبذلون له كل ما طلب، فلم يقبل وقاتلهم. فلما نشبت الحرب بينهم، جرّ الهزيمة عليه حى بن مالك من أهل بلزمة «4» . فقتل أبو خفاجة فى جماعة من القواد وكثير من الناس. ووصلت الهزيمة إلى طبنة.
(24/126)

وفى أيامه فتحت مالطة، وهى جزيرة فى البحر على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب.
وتوفى أبو عبد الله محمد فى يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن أربع وعشرين سنة.
وكانت مدة ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما «1» .
وكان غاية فى الجود، مسرفا فى العطاء، حسن السيرة فى الرعية رفيقا بهم، غير أن اللهو والطرب والاشتغال بالصيد واللذات والشراب غلب عليه، حتى إنه مرة سكر وهو بمدينة سوسة وقد ركب فى البحر حتى صار إلى جزيرة قوصرة. فلما ذهب عنه السكر انصرف وهو خائف. وما زال على الانهماك طول عمره. ولم تكن له همة فى جمع المال، فلما مات لم يجد إخوته فى بيت المال شيئا.
ذكر ولاية أبى اسحاق ابراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب
قال ابن الرقيق: كان أبو الغرانيق قد عقد لابنه أبى العقال ولاية العهد، وبايع له، واستحلف إبراهيم بن أحمد أخاه خمسين يمينا بجامع مدينة القيروان أن لا ينازعه فى ملكه، وذلك بحضرة مشيخة بنى الأغلب وقضاة القيروان وفقهائها. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم وهو إذ ذاك وال عليهم فقالوا له: «قم فادخل القصر فإنك الأمير» . وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم.
(24/127)

فقال: «قد علمتم أن أخى عقد «1» البيعة لابنه، واستحلفنى خمسين يمينا أن لا أنازع ولده ولا أدخل قصره» . فقالوا: «نحن الدافعون له عن الأمر، والكارهون ولايته، والمانعون له. وليست له فى أعناقنا بيعة» . فركب من القيروان ومعه أكثر أهلها. فحاربوا أهل القصر حتى دخله إبراهيم. وبايعه شيوخ القيروان ووجوهها وجماعة من بنى الأغلب.
فلما ولى أمر بإنفاذ الكتب إلى العمال والجباة بحسن السيرة والرفق بالرعية. وولىّ حجابته محمد بن قرهب.
وفى صفر سنة ثلاث وستين ومائتين ابتدأ إبراهيم فى بناء رقّادة وانتقل إليها فى السنة. قال: ودورها أربعة عشر ألف ذراع «2» .
وليس بإفريقية أرق هواء ولا أعدل نسيما ولا أطيب تربة من موضعها.
قال ابن الرقيق: وقد سمعت من منتقرى «3» المعانى من يزعم أنه يعرض له فيها الضحك من غير عجب، والسرور من غير سبب.
وفى أيامه فتحت سرقوسة من صقلية فى شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، على يد أحمد بن الأغلب، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج. وأصاب من الغنائم ما لم يوجد فى مدينة من مدائن الشّرك. ولم ينج من رجالها أحد. وكان مقام المسلمين عليها إلى أن فتحت تسعة أشهر. وأقاموا بعد فتحها شهرين ثم هدموها وانصرفوا وفى سنة أربع وستين، وثب الموالى على إبراهيم وعقدوا الخلاف
(24/128)

فى القصر القديم، ومنعوا من يجوز إلى رقادة من القيروان «1» .
وسبب ذلك أن إبراهيم أمر بقتل رجل منهم يقال له مطروح بن بادر «2» فخالفوا عليه لذلك. فأقبل إليهم أهل القيروان فى عدد لا يحصى. فارتدع الموالى وسألوا الأمان فأمّنوا. فلما جاءوا وقت «3» إعطاء الأرزاق، جلس إبراهيم بقصر أبى الفتح، وحضر جميع العبيد «4» لقبض أرزاقهم. فكلما تقدم رجل نزع سيفه حتى أخذوا كلهم فقتل أكثرهم بضرب السياط وصلبوا. وحبس بعضهم بسجن القيروان حتى ماتوا فيه. ونفى بعضهم إلى صقلية. وأمر بشراء العبيد فاشترى منهم عدد كثير. وحملهم وكساهم وأخرجهم فى الحروب، فظهر منهم شجاعة وجلد وقوة.
وفى سنة خمس وستين ومائتين، تجهز العباس بن أحمد بن طولون من مصر عند خروجه على أبيه يريد برقة. واجتمع إليه الناس على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الطولونية. فأخرج إليه إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب «5» فلقيه بوادى ورداسة. فاقتتلوا فانهزم ابن قرهب. وقدم ابن طولون إلى لبدة فأخذها. ثم نهض منها يريد طرابلس فحصرها أياما. فعزم إبراهيم على الخروج بنفسه، فلما
(24/129)

صار إلى قابس لقيه ابن قرهب بالفتح وهزيمة العباس. وأخذ من أمواله كثيرا.
وفى أيامه فى سنة ثمان وستين ومائتين «1» اشتد القحط وغلت الأسعار حتى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير. والقفيز مقدار إردب وربع بالمصرى. فهلك الناس حتى أكل بعضهم بعضا.
وفى أيامه عصت «2» وزداجة ومنعوا صدقاتهم. فقاتلهم العامل عليهم وهو الحسن بن سفيان فهزموه حتى وصل إلى باجة. فأرسل إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب بالجيوش إليهم. فسار ونزل بجبل من جبال وزداجة يقال له المنار «3» . فكانت خيله تخرج إليهم صباحا ومساء. فلم يزل حتى أخذ رهائنهم وأطاعوا واستقاموا.
وكانت هوارة قد عاثت فى البلاد وقطعت السبل «4» فمضى الحاجب إليهم وعرض عليهم الأمان والرجوع إلى الطاعة. فأبوا فقاتلهم وهزمهم. ونهب العسكر ما فى منازلهم وأحرقها بالنار. وعاد الحاجب ثم استأمنت هوارة بعد ذلك.
ثم تجمعت لواتة بأجمعها وحاصروا مدينة قرنة أياما وانتهبوا ما كان فيها. ومضوا إلى باجة وقصر الإفريقى. فأخرج إليهم إبراهيم محمد بن قرهب. فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب ابن قرهب وكبابه فرسه فأدركوه، وهرب من كان معه. وذلك فى ذى
(24/130)

الحجة سنة ثمان وستين ومائتين «1» . فاشتد ذلك على إبراهيم، وأمر بحشد الجند والأنصار والموالى. وأخرجهم مع ابنه أبى العباس عبد الله فى سنة تسع وستين. فانتهى الخبر إلى لواتة فهربوا «2» بين يديه فلحقهم بباجة وقتلهم قتلا ذريعا. وافترق من سلم منهم فى كل ناحية.
وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين بلغ إبراهيم أن جماعة من الخدام والصقالبة يريدون قتله وقتل أمه، فقتلهم عن آخرهم. وقتل بناته بعد ذلك.
وفى هذه السنة «3» قتل رجال بلزمة بمدينة رقادة. وكان قبل ذلك قد زحف إليهم وبادرهم «4» بنفسه فلم يتمكن منهم. فأظهر العفو عنهم ورجع. ثم وفد عليه وفدهم ووفد أهل الزاب. فأنزلهم فى رقادة فى دار عظيمة كالفندق، وأجرى عليهم نزلا واسعا، وخلع عليهم وأكرمهم، حتى اجتمع نحو ألف رجل. فأحاط بهم فامتنعوا وقاتلوا، فقتلهم عن آخرهم. وكان قتلهم سبب انقطاع دولة بنى الأغلب، لأن أهل بلزمة كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولا وعبيدا، وفرضوا عليهم العشور والصدقات وأن يحملوا ذلك على أعناقهم.
فكان الذى صنع إبراهيم بأهل بلزمة مما أنقذ كتامة من تلك الذلة وأوجدهم السبيل إلى القيام مع الشيعى.
وفى هذه السنة أمر إبراهيم بشراء العبيد السودان، فبلغت عدتهم
(24/131)

مائة ألف. فكساهم وألزمهم بابه. وجعل عليهم ميمونا وراشدا.
وقتل حاجبه ابن الصمصامة وإخوته وقرابته «1» .
وولى حجابته الحسن بن ناقد، وأضاف إليه عدة ولايات، منها إمارة صقلية.
وفى سنة ثمان وسبعين «2» أيضا اضطربت إفريقية على إبراهيم.
فخالفه أهل تونس والجزيرة وصطفورة وباجة وقمودة والأربس، وذلك فى شهر رجب ولم يجتمع أهل هذه الكور بمكان واحد بل أقام كل رئيس بمكانه «3» . ولم يبق بيد إبراهيم من إفريقية وكورها إلا الساحل الشرقى. فأمر إبراهيم بحفر الخندق على رقادة. وجمع ثقاته على نفسه. وقرب السودان من قصره. وأحضر شيخا من بنى عامر ابن نافع فشاوره فى أمره. فقال له: «إن عاجلوك قبل أن تختلف كلمتهم خفت أن ينالوا منك. وإن صبروا أمكنك منهم ما تريد» .
فلما خرج من عنده، قال إبراهيم لابنه أبى العباس: «احبسه عندك لئلا يتكلم بهذا الرأى فيصل إليهم» . فحبسه حتى ظفر بهم.
وكان سبب ظفره أنه بعث عسكره إلى الجزيرة فقتل منهم خلقا كثيرا. وأخذ رئيسها المعروف بابن أبى أحمد أسيرا. وجىء به إلى إبراهيم فقتله وصلبه. ووجه صالحا الخادم إلى قمودة فهزمهم.
وبعث إلى تونس عسكرا عظيما عليهم ميمون الخادم والحسن بن ناقد حاجبه. فانهزم أهل تونس وقتلوا قتلا ذريعا بعد قتال شديد.
(24/132)

ودخل العسكر إلى مدينة تونس فانتهبوا الأموال واستباحوا الحرم وسبوهم. وبعثوا إلى إبراهيم بألف ومائتى أسير، وهم أكابر القوم ورؤساؤهم. وذلك فى شهر رمضان من السنة «1» . ووصل الخبر إلى إبراهيم فى وقته على جناح طائر. فبعث إلى قائده ألا يقطع رأس قتيل. ووجه العجل فحملت القتلى وشق بها سماط القيروان.
ذكر انتقال ابراهيم الى تونس
وفى سنة إحدى وثمانين ومائتين، أمر إبراهيم أن تبنى له بتونس قصوره ومساكنه، فبنيت. ثم انتقل إليها يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى «2» . وانتقل أهل بيته وجميع قواده ومواليه.
وفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، تحرك إبراهيم يريد محاربة ابن طولون بمصر. وحشد وخرج من تونس لعشر خلون من المحرم. فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر. ثم خرج بعساكره، فاعترضه أهل نفوسة بجمع عظيم فى النصف من شهر ربيع الأول. فكان بينهم قتال عظيم، فقتل «3» ميمون الخادم وجماعة ممن معه. ثم انهزم أهل نفوسة، وتبعهم إبراهيم فقتلهم قتلا ذريعا. وتطارح منهم خلق كثير فى البحر فقتلوا حتى احمر لون الماء من دمائهم. فقال إبراهيم «لو كان هذا القتل لله لكان إسرافا» . فقال له بعض رجاله:
«ليدع الأمير بعض من أحب من مشايخهم ويسأله عن اعتقاده.
(24/133)

فإذا سأله علم أن ذلك لله» . فأحضر بعضهم، فقال: «ما تقولون فى على بن أبى طالب؟» فقال: «نقول: إنه كان كافرا «1» ، فى النار من لم يكفره» . فقال إبراهيم: «فجميعكم على هذا الرأى؟» قالوا: «نعم.» قال: «الآن طابت نفسى على قتلكم» . وجلس على كرسى وبيده حربة. فكان يقدّم إليه الرجل منهم فيقد أضلاعه من تحت منكبيه ثم يطعنه فيصيب قلبه حتى قتل منهم خمسمائة رجل بيده فى وقت واحد.
ثم تمادى إبراهيم بعد فراغه من أهل نفوسة إلى طرابلس. وكان محمد بن زيادة الله عامله عليها، وكان إبراهيم كثير الحسد له من صغره على علمه وأدبه. فقتله إبراهيم وصلبه.
ثم سار من طرابلس حتى بلغ عين تاورغا «2» . فرجع كثير ممن معه «3» إلى إفريقية، ولم يبق معه إلا أقل من النصف. فلما رأى ذلك انصرف إلى رقادة ثم إلى تونس.
وفى سنة أربع وثمانين «4» ، جهز إبراهيم ابنه أبا العباس إلى صقلية لقتال أهلها. فسار إليها فى جمادى الآخرة. فقاتله أهلها قتالا شديدا ثم انهزموا. ودخل المدينة بالسيف فقتل خلقا عظيما.
ثم عفا عن الناس وأمنهم. ثم ركب حتى جاز المجاز، وأوقع بالروم فقتل المقاتلة وسبى الذرية. ورجع إلى صقلية وقد أثخن فى الروم.
(24/134)

ذكر اعتزال ابراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته
وكان سبب ذلك أن رسول الخليفة المعتضد بالله العباسى قدم عليه فى سنة تسع وثمانين «1» ومائتين من بغداد إلى تونس. فخرج إبراهيم إليه وضربت له فازة «2» سوداء فى سبخة تونس. فخلا بالرسول وكان بينهما محاورة ولم يأته بكتاب. وكان المعتضد قد أرسله على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه، وصياحهم على المعتضد، ووصفهم له ما صنع بهم إبراهيم، وقالوا: «أهدى إليك نساءنا وبناتنا» . فغضب المعتضد، وأمره باللحاق به وأن يعتزل عن إفريقية. وولى عليها ابنه أبا العباس.
فكره إبراهيم المسير إلى المعتضد. وأظهر التوبة، ورفض الملك، ولبس الخشن من الثياب. وأمر بإخراج من فى سجونه. وقطع القبالات «3» . وبعث إلى ابنه أبى العباس وهو بصقلية ليصير إليه الملك، ويخرج له من الأمر. فقدم عليه فى شهر ربيع الأول فسلم إليه الأمر وخرج من تونس. وأظهر أنه يريد الحج. ووصل إلى سوسة، ووجه رسله إلى بغداد بذلك. ثم بعث من يذكر رجوعه عن الحج وخروجه إلى الجهاد «4» خشية من بنى طولون لئلا تسفك بينهما الدماء. واستقر الناس، ودعاهم إلى الجهاد، ووسع على من أتاه.
وخرج من سوسة لئلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخرة.
(24/135)

فنزل نوبة ففرق الخيل والسلاح على أصحابه وأمر بالعطاء. فأعطى الفارس عشرين دينارا والراجل عشرة.
وخرج من نوبة إلى طرابنش «1» فى البحر. فأقام بها سبعة عشر يوما يعطى الأرزاق لمن معه.
ثم رحل فدخل مدينة بلرم «2» لليلتين بقيتا من شهر رجب.
وأمر برد المظالم. وأقام بصقلية أربعة عشر يوما يعطى أهلها ومن بها من البحريين الأرزاق.
وارتحل لتسع خلون من شعبان. فنزل على طبرمين «3» وحاصرها.
وكان بينه وبين أهلها قتال شديد حتى أثخنت الجراح فى الفريقين.
وهمّ المسلمون بالانحياز فقرأ قارىء: «هذان خصمان اختصموا فى ربهم» . الآية «4» فحمل حماة العسكر وأهل البصائر بنيات صادقة. فانهزم الكفرة هاربين. فقتلهم المسلمون أبرح قتل، وقفوا آثارهم فى بطون الأودية ورؤوس الجبال. ودخل إبراهيم ومن معه طبرمين فقتل وسبى.
وبعث زيادة الله ابن ابنه»
أبى العباس إلى قلعة ميقش «6» .
(24/136)

وبعث أبا الأغلب ولده بعسكر إلى دمنيش «1» . فوجد أهلها قد هربوا على وجوههم، فأخذ جميع ما كان بها «2» .
وبعث ابنه أبا حجر «3» إلى رمطة «4» . فطلب القوم الأمان.
وأجابوا إلى الجزية.
وبعث سعدون الجلوى بطائفة إلى لياج «5» فدعوا القوم جميعا.
فأجابوا إلى أداء الجزية. فلم يجبهم ولم يرضه إلا نزولهم عن الحصون، فنزلوا. وهدم جميع القلاع ورمى حجارتها إلى البحر.
ثم تمادى بالعساكر إلى مسّينى «6» فأقام بها يومين.
وأمر الناس بالتعدية إلى قلّورية «7» لأربع بقين من شهر رمضان وتمادى فى رحيله إلى أن قرب من مدينة كسنتة «8» . فجاءته الرسل يطلبون الأمان فلم يجبهم. وسار إلى أن وصل كسنتة وقدم العساكر وبقى فى الساقة لضعف أصابه. فنزلت العساكر بالوادى. وأمر الناس بالزحف لخمس بقين من شوال. وفرق أولاده وخاصته على
(24/137)

أبوابها، فقاتلوا «1» من كل ناحية، ونصبوا المجانيق.
واشتدت علة إبراهيم، وكانت علته البطن. وعرض له الفواق فأيس أصحابه منه. فقلدوا الأمر إلى زيادة الله بن ابنه أبى العباس سرا. وكانت وفاة الأمير إبراهيم فى ليلة السبت لاثنتى عشرة «2» ليلة بقيت من ذى القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فركب القواد إلى أبى مضر زيادة الله، وهو أكبر أولاد أبى العباس بن إبراهيم، فقالوا له: «تولّ هذا الأمر حتى تصل إلى أبيك» . فقال لعمه أبى الأغلب «3» : «أنت أحق بحق أخيك» . فلم يتقدم على زيادة الله، وكان يحب السلامة.
ثم طلب أهل كسنتة الأمان، وهم لا يعلمون بوفاة الأمير، فأمّنوا.
وأقام المسلمون حتى قدم عليهم من كان توجه إلى الجهات. فلما قدموا ارتحلوا بأجمعهم وعادوا إلى مدينة بلرم. ونقلوا إبراهيم معهم فدفنوه بها «4» . وبنى على قبره قصر. وعادوا إلى إفريقية بأجمعهم.
وكان مولد إبراهيم يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين ومائتين.
فكان عمره ثلاثا وخمسين سنة وأحد عشر شهرا وأياما «5» . ومدة
(24/138)

ولايته إلى حين وفاته ثمانى وعشرين سنة وستة أشهر واثنى عشر يوما «1» .
وكان لإبراهيم محاسن ومساوى ذكرها ابن الرقيق، ونحن نذكر لمعة من محاسن أفعاله ومساوئها، تدل على ما كان عليه. ونترك الإطالة جريا على القاعدة «2» فى الاختصار.
قال: كان على حالة محمودة من الحزم والضبط للأمور. وأقام سبع «3» سنين من ولايته، وهو على ما كان عليه أسلافه من حسن السيرة وجميل الأفعال، إلى أن خرج لمحاربة العباس بن طولون. فلما كفى مؤنته تغيرت حاله وحرص على جمع الأموال. ثم اشتد أمره فأخذ فى قتل أصحابه وكفاته وحجابه. ثم قتل ابنه وبناته وأتى بأمور لم يأت غيره بمثلها.
فمن محاسن أعماله أنه كان أنصف الملوك للرعية، لا يرد عنه متظلم يأتيه «4» . وكان يجلس بعد صلاة الجمعة، وينادى مناديه:
«من له مظلمة» . فربما لم يأته أحد لكفّ بعض الناس عن بعض.
وكان يقصد ذوى الأقدار والأموال فيقمعهم ويقول: «لا ينبغى أن يظلم إلا الملك، لأن هؤلاء إذا أحسوا من أنفسهم قوة بما عندهم من الأموال لم يؤمن شرّهم وبطرهم. فإذا كف الملك عنهم وأمنوا دعاهم ذلك إلى منازعته وإعمال الحيلة عليه. وأما الرعية فهم مادة الملك،
(24/139)

فإن أباح ظلمهم لم يصل إليه نفعهم، ولحقه الضرر، وصار النفع لغيره» .
ووقف له رجلان من أهل القيروان، وهو بالمقصورة فى جامع رقادة. فأدناهما إليه وسألهما عن حالهما فقالا له: «كنا شريكين للسيدة. «يعنيان أمه» فى جمال وغيرها. فاحتبست لنا ستمائة دينار» .
فأرسل إليها خادما فقالت: «نعم هو كما ذكرا إلا أن بينى وبينهما حسابا. وإنما احتبست هذا المال حتى أحاسبهما. فإن بقى عليهما شىء وإلا دفعت مالهما إليهما» . فقال للخادم: «ارجع إليها وقل لها: والله لئن لم توجهى بالمال وإلا أوقفتك الساعة معهما بين يدى عيسى بن مسكين» . فوجهت بالمال إليه. فدفعه إليهما وقال:
«أما أنا فقد أنصفتكما فيما ادعيتما، فاذهبا واقطعا حسابها وإلا فأنتما أعلم» .
وكان إذا تبين له الظلم قبل أحد من أهل بيته وولده بالغ فى عقوبته والإنصاف منه. فكان ولده ورجاله يوم الخميس يأمرون «1» عبيدهم ورجالهم أن يطوفوا فى الأزقة والفنادق، ويسألوا: هل أتى شاك أو متظلّم من عبد أو وكيل؟ فإذا وجدوا أحدا أتوا به إلى دار ولد الأمير أو قرابته فينصفه.
ومن مساوىء أفعاله أنه أسرف فى سفك دماء أصحابه وحجابه حتى يقال إنه افتقد منديلا كان يمسح به فمه من شرب النبيذ- وكان قد سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم- فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم. وهذا غاية فى الجور ونهاية فى الظلم.
(24/140)

وقتل ابنه المكنى بأبى الأغلب «1» لظنّ ظنّه به، فضرب عنقه بين يديه صبرا. وقتل ثمانية إخوة كانوا له رجالا، ضربت أعناقهم بين يديه صبرا. وكان أحدهم ثقيل البدن فسأله واسترحمه. فقال:
«لا يجوز أن تخرج عن حكم الجماعة» . وقتله. ثم قتل بناته.
وأتى بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك ولا أمير.
فكانت أمه إذا ولد له ابنة من أحد جواريه أخفتها عنه وربتها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية. فقالت له ذات يوم، وقد رأت منه طيب نفس: «يا سيدى، قد ربيت لك وصائف ملاحا، وأحب أن تراهن» . فقال: «نعم، قرّبيهن منى» . فأدخلتهن إليه فاستحسنهن. فقالت: «هذه ابنتك من جاريتك فلانة، وهذه من فلانة» . حتى عدّتهن عليه. فلما خرج قال لخادم له أسود كان سيافا يقال له ميمون: «امض فجئنى برؤوسهن» . فتوقف استعظاما منه لذلك. فسبّه وقال: «امض وإلا قدمتك قبلهن» . فمضى إليهن.
فجعلن يصحن ويبكين ويسترحمن، فلم يغن ذلك عنهن شيئا. وأخذ رؤوسهن وجاء بهن معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه.
ومن قبيح «2» أفعاله ما كان عليه من أمر الأحداث، وكان له نيّف وستون حدثا. وقد رتب لكل واحد منهم مرقدا ولحافا. فإذا جاء وقت النوم، طاف عليهم الموكل بهم فسقى كل واحد منهم ثلاثة أرطال، وينام كل واحد منهم فى مكانه. فبلغه أن بعضهم يمشى فى الليل إلى بعض. فجلس بباب القصر على كرسى وأمر بإحضارهم.
(24/141)

فبعضهم أقر وبعضهم جحد، حتى مر به صبى كان يحبه فقال:
«والله يا مولاى ما كان من هذا شىء» . فضربه بعمود من حديد فطار دماغه. وأمر بتنور فأحمى. فكان يطرح فيه كل يوم خمسة أو ستة حتى أفناهم. وأدخل عددا منهم الحمام وأغلق عليهم البيت السخن، فماتوا من ساعتهم.
وقتل بناته وجواريه بأنواع من العذاب: منهن من بنى عليها البناء حتى ماتت جوعا وعطشا، ومنهن من أمر بخنقها، ومنهن من ذبحها، حتى لم يبق فى قصره أحد. فدخل على أمه فى بعض الأيام فقامت إليه ورحبت به. فقال لها: «إنى أحب طعامك» . فسرت بذلك وأحضرت الطعام. فأكل وشرب وانبسط. فلما رأت سروره قالت له: «إن عندى وصيفتين ربيتهما لك وادخرتهما لمسرتك. وقد طال عهدك بالأنس بعد قتل الجوارى وهما يحسنان القراءة بالألحان.
فهل لك أن أحضرهما للقراءة بين يديك؟» . قال: «افعلى» .
فأمرت بإحضارهما فأحضرتا. وأمرتهما بالقراءة فقرأتا أحسن قراءة. ثم قالت له أمه: «هل لك أن ينشداك الشعر؟» قال:
«نعم» . فغنتا بالعود والطنبور أبدع غناء حتى عمل فيه الشراب وأراد الانصراف. فقالت له: «هل لك أن تمشيا خلفك حتى تصل إلى مكانك ويقفا على رأسك ويؤنساك، فقد طال عهدك بالأنس» . قال:
«نعم.» فمضى وهما خلفه. فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى أقبل خادم وعلى رأسه طبق وعليه منديل. فظنت أنه وجه إليها بهدية.
فوضع الخادم الطبق بين يديها ورفع المنديل، وإذا برأسيهما.
(24/142)

فصرخت أمه وغشى عليها. وأفاقت بعد ساعة طويلة، وهى تدعو عليه وتلعنه. وأخباره فى أمثال «1» هذا طويلة.
وفى أيامه ظهر أبو عبد الله الشيعى الداعى، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله عز وجل.
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن ابراهيم «2» ابن أحمد بن محمد بن الأغلب
ولى الأمر كما قدمناه فى حياة أبيه ثم استقل بالأمر بعد وفاته.
وكان على خوف شديد من أبيه لسوء أخلاقه وجرأته على قتل من قرب منه أو بعد. فكان يظهر له من الطاعة والتذلل أمرا عظيما. فكان إبراهيم يكرمه ويفضله على سائر أولاده.
وكانت ولايته بعد أبيه فى يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فجلس للناس للمظالم «3» .
وليس الصوف، وأظهر العدل والإحسان والإنصاف. ولم يسكن قصر أبيه. ولكنه اشترى دارا مبنية بالطوب فسكنها إلى أن اشترى داره التى عرف بها.
وخاف من قيام ابنه زيادة الله عليه فحبسه هو وخلقا من رجاله.
(24/143)

وولى أبا العباس محمد بن الأسود الصدينى «1» قضاء القيروان والأحكام والنظر فى العمال وجباة الأموال. فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان قويا فى قضائه، شديدا على رجال السلطان، رفيقا بالضعفاء والمظلومين. ولم يكن واسع العلم، فكان يشاور العلماء، فلا يقطع حكما إلا برأى ابن عبدون «2» القاضى. وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة.
ولم تطل أيام أبى العباس حتى وثب به ثلاثة من خدمه كان زيادة الله قد وضعهم عليه، فقتلوه وهو نائم. وأتوا بحداد إلى زيادة الله ليقطعوا قيده ويسلموا عليه بالإمارة. فخاف أن يكونوا دسيسا عليه من أبيه، فأبى ذلك. فمضوا إلى أبيه فقطعوا رأسه وأتوا به فى الليل.
فلما رأى ذلك أمر بقطع قيوده وخرج. وكان مقتل أبى العباس فى ليلة الأربعاء آخر شعبان «3» سنة تسعين ومائتين. فكانت إمارته من حين خروج أبيه وإلى أن قتل سنة واحدة واثنين وخمسين يوما، ومنذ استقل بالأمر بعد أبيه تسعة أشهر وثلاثة عشر يوما «4» .
وكان رحمه الله شجاعا بطلا عالما «5» بالحرب، حسن النظر فى الجدل «6» . وأستاذه فى ذلك عبد الله بن الأشج «7» .
(24/144)

ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس
عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال: ولما أفضى إليه الأمر بعد مقتل»
أبيه، كان أول ما بدأ به أنه أمر بقتل الخصيان الذين قتلوا أباه وصلبهم، وأظهر الكراهة لفعلهم.
وأرسل من إخوته وبنى عمه تسعة وعشرين رجلا إلى جزيرة فى البحر يقال لها جزيرة الكراث «2» فقتلوا فى شهر رمضان من هذه السنة.
وبعث زيادة الله خمسين فارسا مع فتوح الرومى إلى أخيه الأحول بكتاب على لسان أبيه أبى العباس يأمره فيه بالقدوم عليه ولا يتخلف- وكان أبو العباس قد أخرجه لقتال أبى عبد الله الشيعى- فرجع. فلما وصل أمر زيادة الله بقتله فقتل. فكان ذلك أعظم فتح عند الشيعى.
قال: وأمر زيادة الله بالعطاء.
وولى الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ. وولى الخراج أبا مسلم «3» . وعزل القاضى الصدينى لرأيه بخلق القرآن. وكتب كتابا إلى القيروان: «إنى قد عزلت عنكم الجافى الجلف، المبتدع المتعسف، ووليت القضاء حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» .
(24/145)

وفى أيامه قوى أمر أبى عبد الله الشيعى، وكان قد ظهر فى أيام جده إبراهيم بن أحمد، فاستفحل الآن أمره. وكثرت أتباعه، واشتدت وطأته. ففارق زيادة الله تونس إلى رقادة ونزلها خوفا من الشيعى أن يخالفه إليها. ولما نزلها زيادة الله عمر سورها، فلم يغن ذلك عنه شيئا لأن الشيعى لما قوى أمره بكتامة، انضمت إليه القبائل واجتمعت له الرجال، وهزم جيوش زيادة الله مرة بعد أخرى وقتل جموعه.
واستولى على البلاد: فبدأ بميلة ثم بمدينة سطيف ثم غلب على البلاد والمدن بلدا بلدا ومدينة مدينة، إلى أن غلب على مدينة الأربس، وهزم إبراهيم بن أبى الأغلب «1» . وكان زيادة الله قد جهزه لقتاله فى جيوش عظيمة، وهو آخر جيش جهزه زيادة الله. فهزمه الشيعى، وذلك فى جمادى الآخرة سنة ست وتسعين «2» ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله مبينا فى أخبار الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية.
ذكر انهزام زيادة الله الى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب
قال: ولما بلغت هزيمة إبراهيم بن الأغلب زيادة الله- وكان هذا الجمع آخر جمع جمعه- فتّ ذلك فى عضده. وكان برقادة فأظهر أنه أتاه الفتح وأرسل إلى السجون فأتى برجال منها. فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم فى القيروان والقصر القديم.
(24/146)

وأخذ في حمل «1» أثقاله وأمواله. وأرسل إلى خاصة رجاله وأهل بيته يعرّفهم الحال وأنذرهم بالخروج معه. فأشار عليه وزيره ابن الصائغ بالمقام. وقال له: «العساكر تجتمع إليك، فأخرج العطاء يأتيك الناس. والشيعى لا يجسر أن يقدم عليك» . وشجعه وقواه وذكّره بحروب جده زيادة الله، فلم يرجع إلى قوله. فلما ألح عليه ابن الصائع، قال له زيادة الله: «هذا يصدق ما قيل عنك:
إنك كاتبت الشيعى وأردت أن تمكنه منى» . فتبرأ من ذلك وأمسك عنه.
وأخذ زيادة الله فى شد الأموال والجواهر والسلاح وما خف من الأمتعة النفيسة، وفعل رجاله كذلك واتعدوا إلى الليل. ثم انتخب زيادة الله من عبيده الصقالبة ألف خادم وجعل على وسط كل خادم ألف دينار. وحمل من يعز عليه من جواريه وأمهات أولاده.
ولما عزم على الرحيل، قامت إليه جارية من قيانه، وأخذت العود واندفعت تغنى:
لم أنس يوم الرحيل موقفها ... وجفنها فى دموعها غرق «2»
وقولها، والركاب سائرة ... تتركنى سيدي وتنطلق «3»
(24/147)

فدمعت عيناه وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه «1» .
وكانت الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر، فما أذّن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من رقادة «2» . واتبعه الناس قوما بعد قوم يهتدون بالمشاعل. وأخذ طريق مصر.
وخرج عبد الله بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله. فقصد جهة لمطة، وقد كان أعد هناك مركبا لنفسه، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة الله خوفا على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله، لأنه كان معاديا لأكثرهم ورموه بمكاتبة الشيعى؛ ولم يكن كذلك.
قال: ولما علم الناس بهروب زيادة الله، أسرعوا إلى رقادة، وانتهبوا ما فيها، واحتووا على قصور زيادة الله، حتى صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حديد الأبواب وحمل الأسرّة ونقل الماعون.
وأقاموا على ذلك ستة أيام، حتى تراءت خيل الشيعى. وتخلف عن زيادة الله كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين، فافترقوا فى البلدان.
وأما إبراهيم بن أبى الأغلب، فإنه وافى القيروان فى جماعة من انضم إليه. فلما علموا بهروب زيادة الله، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم. وقصد إبراهيم دار الامارة فنزل بها. ونادى مناديه بالأمان، وسكّن الناس. وأرسل إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه بالإمارة. فذكر لهم أحوال
(24/148)

زيادة الله، وما كان عليه من سوء الحال، وأن ذلك أخل بدولته وأجلب عدوه وسلبه ملكه. وذكر الشيعى وكتامة وشنّع عليهم أقبح الأشانيع. وطلب من الناس الإعانة. وقال: «إنما قصدت المجاهدة عن حريمكم ودمائكم وأموالكم، فأعينونى على ذلك بالسمع والطاعة، وأمدونى بأموالكم ورجالكم، وادفعوا عن حريمكم ومهجكم» . فقالوا:
«أما السمع والطاعة فهما لك ولكل من ولينا. وأما إعانتك بأموالنا فهى لا تبلغ ما تريده. والقتال فما لنا به قوة ولا معرفة. وأنت فقد ناصبت هؤلاء ومعك صناديد الحرب ووجوه الرجال ووراءك بيوت الأموال، فلم تظفر بهم. وتروم الآن ذلك منا نحن وبأموالنا «1» » .
فراجعهم فى ذلك وراجعوه، حتى قال لهم: «فانظروا ما كان فى أيديكم من أموال الأحباس والودائع فأعطونى ذلك سلفا، فأنادى بالعطاء فيجتمع إلى الناس» . قالوا: «وما يغنى عنك ذلك، ولو مددت يدك إليها لأنكر الناس عليك» .
فلما يئس منهم صرفهم والناس مجتمعون حول دار الإمارة لا يعلمون ما كان الكلام. فلما خرجوا أخبروهم بما كانوا فيه. فصاحوا به: «اخرج عنا، فما لنا بك من حاجة، ولا نسمع ولا نطيع لك» .
وجلب الغوغاء وصاحوا به وشتموه. فلما سمع ذلك، وثب من كان «2» معه فى سلاحهم واقتحموا الباب. فهرب من كان على الباب.
ومضوا يركضون دوابهم، والناس يركضون وراءهم ويرجمونهم
(24/149)

بالحجارة. وانضم إلى ابن الأغلب من كان قد بقى بعد زيادة الله من رجاله ممن خاف على نفسه، ولحقوا زيادة الله.
ثم دخل الشيعى رقادة وانقرضت دولة بنى الأغلب.
ذكر ما كان من أخبار زيادة الله وقتله عبد الله ابن الصائغ ومسيره الى بلاد الشرق ووفاته
قال: ولما خرج زيادة الله من رقادة، ولحق به إبراهيم بن أبى الأغلب فيمن انضم إليه، فاجتمع «1» معه خلق كثير. فسار بهم إلى طرابلس فدخلها ونزل دار الإمارة. وافتقد ابن الصائغ فلم يره، فتحقق ما كان يرمى به من مكاتبة الشيعى. وأكثر أصحابه القول فيه. وكان قد ركب فى مركب له يريد صقلية، فصرفته الريح إلى طرابلس. فدخل على زيادة الله فعاتبه على تخلّفه. فاعتذر أنه كانت معه أثقال لم يطق حملها «2» فى البر. فلما علم أصحاب زيادة الله أنه قرب ابن الصائغ ساءهم ذلك وغمهم. فأتوه وقالوا: «إنه كذبك وإنما كان يريد صقلية» . واجتمعوا كلهم وقالوا: «هذا الذى أخرجك من ملكك، وعمل فى ذهاب دولتك، وكاتب الشيعى عليك» .
فنقم عليه وأمر بتسليمه إلى راشد- وهو أحد المتعصبين عليه- فضرب عنقه بيده. وتلاعب الصبيان برأسه حتى وقع فى قناة حمام.
وحكى عن الشيعى أنه قال: «والله ما كاتبنى قط» .
(24/150)

قال: وأقام زيادة الله بطرابلس سبعة عشر «1» يوما وخرج منها يريد مصر. وكان قد نقم على إبراهيم بن أبى الأغلب لما أراده من العقد لنفسه بمدينة القيروان، فاطرحه وأعرض عنه وعن أبى المصعب بن زرارة.
وسعى بهما عنده أنهما يقعان فيه وينالان منه، وقيل له: «هذا قولهما فيك وهما معك وفى قبضتك، فكيف إذا وصلا إلى مصر؟» فعزم على قتلهما. فهربا إلى الإسكندرية واستجارا بعاملها. فأجارهما ووجه بهما إلى مصر. فدخلا قبل زيادة الله، واجتمعا بعيسى النوشرى عاملها، ووقعا عنده فى زيادة الله، وذكروا سوء فعله وأنه يطمع نفسه بمصر.
فهم النوشرى أن يصد زيادة الله عن مصر إلى أن يكتب إلى بغداد.
فأتى زيادة الله الخبر من عيون كانت له بمصر، فأرسل ابن القديم بكتاب إلى النوشري، يبجّله فيه ويسأله أن ينظر له دارا «2» ينزل فيها، ويخبره أنه يقيم إلى أن يصل إليه الرسول. ثم سار زيادة الله فى أثر ابن القديم وجاء إلى مصر «3» . فأنزله النوشرى فى دار ابن الجصاص، وأنزل رجاله فى دور كثيرة.
وأقام بمصر ثمانية أيام ثم خرج يريد بغداد. فتخلف عنه بمصر جماعة ممن كان معه «4» . فسار حتى وصل إلى الرملة ففقد وجوه رجاله، فوجدهم هربوا عنه. وهرب له غلام بمائة ألف دينار، وصار إلى النوشرى والتحق بغلمانه. فكتب زيادة الله إلى بغداد بذلك. فورد
(24/151)

الجواب إليه، وإلى النوشرى يؤمر فيه أن يبعث إليه بكل من تخلف عنه. ففعل النوشرى ورد غلمانه وأصحابه إليه.
وسار زيادة الله حتى وصل إلى الرقة. وكتب إلى ابن الفرات الوزير أن يستأذن له المقتدر بالله فى الدخول إلى الحضرة. فأتاه كتاب يؤمر فيه بالإقامة فى الرقة حتى يأتيه رأى المقتدر. فأقام بها سنة فتفرق عنه رجاله وتشتت أمره. وباع عليه قاضى الرقة بعض خصيانه، وذلك أنه كان معه خصيان لهم وضاءة وجمال. فلما أقام بالرقة أدمن شرب الخمر وسماع الملاهى. فاحتسب عليه محتسب عند القاضى، وأقام بينة شهدت عليه أنه يفجر بأولئك الصقالبة. فباعهم عليه.
وتلطف زيادة الله فى الدخول على المقتدر بالله فلم يؤذن له. وصرفه إلى النوشرى وابن بسطام بمصر. وكتب المقتدر إليهما بتقويته بالرجال وأن يعطى من خراج مصر ما يقيم أود عسكره حتى يعود إلى المغرب ويطلب بثأره ويسترجع دولته.
فلما وصل إلى مصر شقها متقلدا بسيفين. فأخرجه النوشرى إلى ظاهرها «1» وقال له: «تكون متبرّزا حتى تأتيك الرجال والأموال» .
وجعل يمطله ويسوّف به ويتحفه بالهدايا والخمور. فأقام على اتباع شهواته والانهماك على لذاته حتى أنفق ما كان معه وباع السلاح والعدة.
ثم اعتل فيقال إن بعض عبيده سمه فى طعام فسقط. شعر لحيته
(24/152)

ورأسه. فانصرف إلى البيت المقدس فمات هناك «1» . وتفرق آل الأغلب وانقرضت دولتهم بخروج زيادة الله من الملك.
وكانت مدة ولاية زيادة الله منذ أفضى إليه الأمر بعد أبيه وإلى أن هرب إلى رقادة خمس سنين وعشرة أشهر «2» . وانقرضت دولتهم كأن لم تكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا ينقضى دوامه.
وبانقراض دولة بنى الأغلب زال ملك بنى مدرار بسجلماسة، وكان له مائة سنة وستون سنة، وزال ملك بنى رستم من تيهرت، وله مائة سنة وثلاثون سنة.
(24/153)

ذكر أخبار من ملك المغرب بعد بنى الأغلب الى أن قامت دولة بنى زيرى بن مناد
نحن نذكر ذلك فى هذا الموضع على سبيل التنبيه عليه لا الاستيعاب له. وسنذكره إن شاء الله تعالى مبيّنا مستوفى فى أخبار الدولة العبيدية مع ملوك مصر.
فنقول هاهنا: لما قام أبو عبد الله الشيعى على دولة بنى الأغلب، وهزم جيوشهم، واستولى على بلاد المغرب وانتزعها من زيادة الله بن أبى العباس، وظهر أبو محمد عبيد الله المنعوت بالمهدى- وهو الذى كان الشيعى يدعو له- فانخلع «1» له الشيعى من الأمر كله، وسلمه إليه فى سنة ست وتسعين ومائتين. فلما استقامت الأمور للمهدى، وتوطّد ملكه، واشتدت شوكته، قتل أبا عبد الله الشيعى وأخاه، واستقل بالأمر. وبنى مدينة المهدية وانتقل إليها. ودامت أيامه إلى أن توفى فى النصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
ثم قام بالأمر بعده ولده «2» أبو القاسم محمد المنعوت بالقائم بأمر الله. فملك إلى أن توفى فى يوم الأحد الثالث عشر من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنعوت بالمنصور بنصر الله. وبنى المنصورية. ودامت أيامه إلى أن توفى فى يوم الجمعة آخر
(24/154)

شوال «1» سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو تميم معد المنعوت بالمعز لدين الله.
ودامت ولايته ببلاد المغرب إلى أن جهز القائد جوهرا إلى الديار المصرية فملكها بعد انقراض الدولة الإخشيدية. وأنشأ القاهرة المعزية، ثم كتب إلى مولاه المعز لدين الله بذلك. فتوجه المعز إلى الديار المصرية، وكان رحيله من المنصورية ووصوله إلى سردانية «2» فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وسلم إفريقية وبلاد المغرب كلها ليوسف بن زيرى بن مناد فى يوم الأربعاء لسبع «3» بقين من ذى الحجة من السنة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. ثم رحل المعز لدين الله من سردانية لخمس خلون من صفر «4» سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
ثم سار منها إلى طرابلس وأقام بها أياما. ورحل منها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها. ووصل ثغر الإسكندرية لست خلون من شعبان منها «5» . فكانت مدة مقامهم ببلاد المغرب خمسا وستين سنة وشهورا «6» . وصار أمر المغرب بعده ليوسف بن زيرى ثم لبنيه من بعده، على ما نذكره إن شاء الله عز وجل. وكانوا فى مبدإ الأمر كالنواب لملوك الدولة العبيدية بمصر. ثم استقلوا بعد ذلك بالأمر على ما يأتى من أخبارهم.
(24/155)

ذكر ابتداء دولة بنى زيرى بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم الى انقضاء دولتهم
أول من ملك منهم أبو الفتوح بلكّين يوسف بن زيري. ولنبدأ بذكر نسبه وأخبار آبائه ومبدإ أمرهم.
فأما نسبه «1» فهو أبو الفتوح يوسف بن زيرى بن مناد بن منقوش «2» بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفاك بن وزعفى «3» ابن سرى بن وتلكى بن سليمان بن الحارث بن عدى الأصغر- وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد [بن الغوث] «4» الأصغر- بن سعد- وهو عبد الله بن عوف بن عدى بن مالك بن زيد ابن شداد «5» بن زرعة- وهو حمير [الأصغر] «6» بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث «7» بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير- وهو العرنجج- ابن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر- وهو هود.
هكذا قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن الأمير تميم
(24/156)

ابن المعز بن باديس فى تاريخه المترجم «بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان» . وهم المقول فيهم:
ذو والملك والتّيجان والغرر التى ... حقيق بها التيجان أن تتباهى «1»
لها معجز التّأسيس فى سدّ مأرب ... وإن كان قد أوهاه فيض نداها
لها ركن بيت الله غير مدافع ... وميقات حجّ الله غير مضاهى «2»
لها اللغة العليا التى نزلت بها ... فواتح ياسين ومبدأ طه
لها يوم بدر والنّضير وخيبر ... وأىّ مناد فى حنين دعاها
قال: وأول من دخل منهم بلاد المغرب المثنى بن المسور. وكان سبب دخوله أنه لما رأى الحبشة قد غلبت على اليمن وأخرجت حمير عن ملكها، سار إلى الشّحر فوجد به كاهنا من حمير. فلما رأي المثنى، سلم عليه وسأله عن خبره وما الذى أتى به. فأعلمه أن الحبشة غلبتهم على ملكهم. فقال له الكاهن: «اذهب إلى المغرب واتخذه قرارا. فو الله، ليكونن لولدك فيه شأن، وليملكنّ منهم جماعة، ويتوارثونه، ويطول ملكهم» . فهاج ذلك المثنى على دخول المغرب فدخله. وأعلم المثنى بنيه بذلك وأعلم بنوه بنيهم.
فمازالوا يتوقعون الملك إلى أن ولد مناد بن منقوش ونشأ، فجاء شديد القوة كثير المال والبنين. فأخذ فى الإفضال على من يمر به.
فاشتهر ذكره وشاع خبره فى الناس. وكان له مسجد يطرقه كل من يأتى إليه. فإذا خرج إلى الصلاة، سلم على من ينزل المسجد من
(24/157)

الأضياف وحمله إلى داره، ويضيفه ويكرمه. ويقيم عنده ما شاء الله أن يقيم «1» . فإذا أراد الانصراف، زوده وكساه ووصله وصرفه.
فإنه على ذلك، إذ أتاه آت فقال له: «إن فى المسجد رجلا وصل فى هذه الساعة، وهو يذكر أنه جاء من الحج» . وكان وقت صلاة الظهر. فخرج مناد إلى المسجد، فصلى وسلم على الرجل، وسأله عن حاله ومن يكون ومن أين أقبل فقال: «إنه من أهل المغرب، وإنه انصرف من الحج «2» فخرج عليه لصوص، وأخذوا ما كان معه فانقطع عن أصحابه، ووصل إلى إفريقية فسمع بمناد وما يفعل «3» مع أبناء السبيل، فقصده ليعينه على الوصول إلى أهله» . فقال له مناد: «قد وصلت فأبشر بالخير إن شاء الله» .
ومضى به مناد إلى منزله، فأكل ونام. وأمر مناد بشاة فذبحت وعمل طعام ثان. وأيقظ الرجل وأتى بالطعام فأكل منه. ونظر إلى كتف الشاة فأخذه وقلبه ونظر فيه وإلى مناد، وأقبل يتعجب. فقال له مناد: «لأى شىء تنظر فى الكتف وتنظر إلى؟» . قال: «لا لشىء» .
فعزم مناد عليه أن يخبره ممّ تعجّبه. فقال: «ألك امرأة حامل؟» .
قال: «بلى» . قال: «فلك منها أولاد؟» قال: «لا ولكن من غيرها» . قال: «فاعرضهم على» . فعرضهم مناد عليه، فقال:
«ألك غير هؤلاء؟» . قال: «ليس لى ذكر إلا من رأيت» . قال:
«احتفظ بالمرأة الحامل. فو الله، لتلدنّ ولدا يملك المغرب جميعه،
(24/158)

ويملك بنوه من بعده. فقال له مناد: «والله، مازلنا نتوكّف «1» زمان هذا القائم منا، رواية عندنا عن أسلافنا. وكنا لا نعلم من أى فخذ من أفخاذنا يكون. والآن فقد أنبأتنى بنبأ ما كنا ننتظر من «2» هذا القائم» . قال: وأكرم مناد الرجل وصرفه.
ذكر أخبار زيرى بن مناد
قال: ووضعت زوجة مناد حملها، فجاء ذكرا فسماه أبوه زيرى.
فخرج من أجمل مولود رآه الناس، وكذلك كان أولاده يضرب بجمالهم المثل فى المغرب فيقال: «لو أنك من بنى مناد» .
فلما صار له من العمر عشر سنين، كان من رآه يظنه أنه ابن عشرين سنة لبهائه. وكانت «3» الصبيان يدورون حوله، ويدعونه بالسلطان، ويركبون العيدان يتشبهون بالعساكر. ويأمرهم بالقتال بين يديه، يغرى بعضهم ببعض. ويأتى بهم إلى أمه فتصنع لهم الطعام. فيقف على رؤوسهم ويطعمهم ولا يأكل.
فلما تكامل شبابه وقوى أمره، جمع إليه جماعة من بنى عمه ومن كان له نجدة «4» . فكان يشن بهم الغارات على القبائل من زناتة فيقتل ويسبى ويقسم على أصحابه فلا يؤثر نفسه بشىء. فحسده كثير
(24/159)

من قبائل صنهاجة لأن كل قبيل كان يطمع أن يكون القائم منهم «1» .
فلما تحققوا أنه القائم اجتمعت القبائل من صنهاجة على زيرى وحاربوه. وطالت الحرب بينهم فظفر بهم وقتل وسبى ورجع بالغنائم إلى الجبل.
فلما سمعت بذلك زناتة، اجتمعوا وتحالفوا وكاتبوا من كان خالفه من صنهاجة وحالفوهم على حرب زيرى. فاتصل ذلك به فخرج إليهم وضرب على زناتة بأرض مغيلة فى الليل وهم مطمئنون، فقتلهم وسباهم، وقطع منهم رؤوسا كثيرة.
وخرج إلى جبل تيطرى وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم، وأخذ من خيلهم ثلاثمائة فرس فحمل أصحابه عليها. وشاع خبره فى سائر أقطار المغرب وتسامع الناس به، فعظموا أمره واستهالوه.
واجتمع إليه كل من فيه منعة. فكثر أصحابه وضاق بهم المتسع.
فقالوا له: «لو رأيت مكانا أوسع من مكاننا هذا» . فأتى إلى موضع آشير، وهو إذ ذاك خال ليس فيه ساكن وفيه عيون، فاستحسنه.
ذكر بناء مدينة آشير
قال: ولما نظر زيرى إلى موضعها قال لأصحابه:
«هذا موضعكم الذى يصلح أن تسكنوه» وعزم على بنائها، وذلك فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة «2»
(24/160)

أيام القائم بأمر الله بن المهدى. قال: وأمر زيرى بإحضار البنائين والنجارين من حمزة والمسيلة وطبنة. وبعث إلى القائم بأمر الله فى طلب صناع. فبعث إليه برجل لم يكن بإفريقية أعلم منه. وأعانه بعدة كثيرة من الحديد وغيره.
وشرع زيرى فى البناء إلى أن كملت المدينة.
وكانت زناتة قد استطالت على أهل تلك الناحية من أيام بنى الأغلب ثم تزايد ضررهم فى أيام المهدي والقائم.
فلما سمع القائم ببناء زيرى هذه المدينة، حمد الله لى ذلك وقال: «مجاورة العرب خير لنا من مجاورة البربر» .
وأعانه وساعده. ثم خرج زيرى إلى طبنة والمسيلة وحمزة، فنقل منها وجوه الناس إلى مدينة آشير.
فعمرت وجاءت حصنا منيعا لا يقاتل إلا من شرقيها- يحميها عشرة من الرجال، ولو لم يكن عليها سور لاستغنت بعلوها عن السور. وفى وسطها عينان تجريان بماء عذب غزير. وامتلأت البلد بالعلماء والفقهاء والتجار.
وتسامع الناس بها. ولم يكن الناس إذ ذاك يتعاملون بالذهب والفضة وإنما بالبعير والبقرة والشاة، فضرب زيرى السكة. وبسط. العطاء فى الجند، وجعل لهم الأرزاق. فكثرت الدنانير والدراهم فى أيدي الناس.
(24/161)

واطمأنت نفوس أهل البادية للحرث «1» والزراعة.
وصانهم زيري مما كان ينالهم من زناتة. وتمكنت العداوة بين صنهاجة وزناتة.
ثم خرج زيري إلى المغرب، وولى أخاه ما كسن بن مناد على آشير. فلما وصل إلى جراوة، خرج إليه صاحبها موسى بن أبى العافية، وكان واليا عليها لعبد الرحمن بن محمد الأموي صاحب قرطبة، بهدية سنية وجوار وغير ذلك. وقال له: «يا مولاي، إنما استعملت نفسى لبنى أمية لأرهب بهم على زناتة، وإذ قد أتانى الله بك وجمع بينى وبينك فأنا عبدك، ومنقطع إليك، وغوثك «2» .
أنت منى قريب، وسيف قريب من أمنع من سيف بعيد» .
فقربه زيرى وأدناه وقال له: «اكتب إلى بما يعن لك.
فأنا أمدك بالعساكر متى أردت» . فشكا إليه من غمارة وقال: «إنهم قوم على غير مذهب يبيحون المحارم. وقام فيهم رجل يدّعى النبوة، وسنّ سننا من المنكرات» .
فرحل زيري إلى غمارة وصحبه موسى، فأوقع بهم. وأخذ الذي يدعى النبوة فوصل به إلى آشير. وجمع عليه الفقهاء فقالوا له: «إن كنت نبيا فما علامة نبوتك؟» . فقال:
«اسمى فى القرآن» . قالوا: «وما اسمك؟» . قال: «اسمى
(24/162)

حم، واسم أبى من الله، وفى القرآن حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*
«1» . فأباحوا قتله فقتل.
قال: واتصلت المودة بين زيري والقائم بأمر الله.
وسبب ذلك أبا يزيد «2» لما حاصر المهدية ومنع الميرة عنها، كتب القائم إلى زيرى يعلمه ما الناس فيه من الجهد والغلاء. فبعث إليه زيرى بألف حمل حنطة. وأخرج معها مائتى فارس من صنهاجة وخمسمائة من عبيده. فلما وصل ذلك إلى المهدية، بعث القائم له هدية لم يسمع بمثلها كسا جليلة وخيل مسوّمة بسروج محلاة.
ذكر الحرب بين زيرى وزناتة
قال: ثم إن كمات بن مدينى الزناتى سيد زناتة جيّش واحتفل ونزل على آشير، فخرج إليه زيري. وكانت بينهم حروب يطول شرحها. وكان لزيري ولد صغير اسمه كباب استخلفه على البلد، ومنعه من الخروج لصغر سنه. فلما سمع الصياح وضرب الطبول، ليس لأمة الحرب وركب- وهو إذ ذاك لم يراهق الحلم- وخرج من باب المدينة. وكان كمات قد أبلى فى ذلك اليوم بلاء حسنا،
(24/163)

وقتل جماعة من أصحاب زيري. فوقعت عين كباب عليه فقصده، وعلا عليه من فوق ربوة، فضربه على عاتقه. وكانت على كمات درع، فقدّت الضربة الدرع والعاتق، وسقطت ذراع كمات إلى الأرض. فخر صريعا والناس ينظرون إليه ولا يعلمون من هو قاتله. فلما صرع انهزم أصحابه.
ورجع كباب إلى المدينة ودخل من الباب الذي خرج منه، فسمى باب كباب. قال: ولما قتل كمات وقع التكبير والصياح. فجاء بعض الجند إلى زيري- وكان قد نظر كباب وعرفه عند ضربه لكمات- وقال له: «إن ابنك كباب قاتله» . وأتى بجماعة من أصحابه أسارى، فأمر زيري بضرب أعناقهم وصلب جماعة من كبارهم.
قال: ثم ظهر فى جبل أوراس قائم يقال له سعيد بن يوسف، وأظهر النفاق على المنصور بن القائم، فأخرج إليه زيرى ولده بلكّين فى جيش كثيف «1» . فلقيه فى موضع بفحص أبى غزالة، من غربى باغاية فاقتتلوا.
وكان سعيد قد احتفل فى جمع من هوارة وغيرهم «2» .
فهزمهم بلكين وقتل سعيدا وجماعة من أصحابه. وأنفذ برؤوسهم إلى المنصور. فقوى الحسد لزيرى من جميع القبائل، وجمعوا عليه الجموع، وكان منصورا على جميع من عانده.
(24/164)

ذكر مقتل زيرى
كان مقتله فى شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة فى أيام المعز لدين الله المنصور بن القائم بن المهدى.
وسبب ذلك أن جعفر بن على صاحب المسيلة كان أميرا على الزاب كله، وأبوه هو الذى بنى المسيلة. وكبر جعفر وشمخ فكان ملكا جليلا. وكان فى طاعة المعز بن المنصور، وبينه وبين زيرى ضغائن فى النفوس وعداوة فى الصدور. ثم اتفق أن المعز لدين الله أمر ببناء دار ابن رباح، وهى المعروفة فى القيروان بدار الإمارة. فشاع عند الناس أنها بنيت لجعفر بن على، وأنه يعطى ولاية إفريقية، وأن المغرب «1» كله يعطى لزيرى. فعظم ذلك على جعفر بن على وأراد أن لا يكون لأحد معه فى المغرب ولاية. فأنفذ المعز لدين الله إليه يستدعيه، فلم يأت ولم يمتنع. فأرسل إليه ثانية فرجا الصقلبى. فلما بقى بين فرج وجعفر مقدار مرحلة، وكان فى المسيلة فخرج «2» منها وأظهر المسير إلى المعز. ثم مال بعسكره ومعه السلاح والأموال ومضى إلى زتاتة. وخلع الطاعة، وأظهر أن الذى حمله على ذلك عداوة زيرى بن مناد لأنه كان
(24/165)

يؤذيه فى أعماله «1» . ووصل فرج الصقلبى إلى المسيلة، فأخبروه بخبر جعفر.
قال: ولما وصل جعفر إلى زناتة، قبلوه أحسن قبول، وقدموه على أنفسهم. فبلغ الخبر زيرى، فبادر بالخروج إلى جعفر. وزحف إليه فى عسكر عظيم من صنهاجة وغيرها، وذلك فى شهر رمضان من السنة. وزحف جعفر فى زناتة والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. فكبا بزيرى فرسه فسقط. إلى الأرض. وكانت جولة عظيمة، وقطعت قدامه خمسمائة يمين ثم قتل. وبعث جعفر بن على أخاه يحيى إلى الحكم صاحب الأندلس يبشره بقتل زيرى. ثم أحس جعفر أن زناتة يريدون الغدر به وأنهم ندموا على قتل زيرى، فاحتال لنفسه ودخل الأندلس.
قال: وكان زيرى حسن السيرة فى الرعية والتجار.
وكان له آشير التى بناها، وأعطاه المنصور تاهرت وأعمالها وباغاية وأعمالها. وكان شديدا على البربر. وأقام على ذلك ستا وعشرين سنة. ورزق من الأولاد ما يزيد على المائة،
(24/166)

كلهم أنجاد فرسان كرماء كان يكتفى بهم «1» فى بعض حروبه «2» .
ذكر أخبار أبى الفتوح يوسف بلكين ابن زيرى بن مناد
ولى الرئاسة على صنهاجة بعد مقتل أبيه. فكان أول ما بدأ به أنه- لما جاءه الخبر بقتل أبيه وهو بآشير- جمع وحشد. ونهض لطلب دم أبيه، فاجتمع له خلق كثير.
فقال: «لا يخرج معى أحد ممن حضر مقتل والدى» فلم يخرج معه منهم غير ثلاثة رجال. ومضى مسرعا حتى لحق بزناتة. فجرت بينه وبينهم حروب صبرت فيها صنهاجة صبرا جميلا. ثم انهزمت زناتة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى جميع نسائهم، ونهب أموالهم. وهرب من بقى منهم. ونزل فى موضع المعركة «3» ثلاثة أيام.
فشكا صنهاجة ريح القتلى. فنادى أن لا يطبخ فى العسكر قدر إلا على ثلاثة رؤوس من رؤوس القتلى. وجعل الجثث أكواما. وصعد المؤذنون فأذّنوا عليها. ثم رجع إلى آشير.
فلما اتصل بالمعز لدين الله ما فعل يوسف بزناتة،
(24/167)

أعجبه ذلك وسر بقتلهم. فزاده على ما كان لأبيه المسيلة وأعمالها التى كانت لجعفر بن على.
ثم كتب المعز إلى يوسف فى المحرم سنة إحدى وستين وثلاثمائة فى القدوم عليه وأن لا يتشاغل بقتال أحد. وأمره أن لا يعترض «1» زناتة ولا غيرها فى هذا الوقت، وأن يستعمل اللين والرفق بزناتة، ويرد عليهم ما سبى من نسائهم وأولادهم. فامتثل يوسف ما أمره المعز به. ورد على زناتة سباياهم. وتجهز للمسير إليه. واستعمل على تاهرت وآشير والمسيلة وبسكرة وطبنة وباغاية ومجانة عمالا من عبيده. وسار حتى قدم على المعز. فلما دخل عليه، أكرمه وأثنى عليه وحمد أفعاله، وذكر فراسته فيه واختياره له. وخلع عليه خلعته التى كانت عليه. ونزع سيفه فقلده إياه بيده. وأمر أن يحمل بين يديه عند خروجه من عنده أربعون تختا من فاخر الكسا ومعها رزم مما يخلع على أصحابه. وقادوا بين يديه أربعين فرسا بالسروج المحلاة المثقلة. فشق ذلك على الكتاميين وحسدوه وتكلموا عليه عند المعز وعابوه، فلم يضره ذلك. ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر. أتاه بلكين بألفى جمل لحمل أمواله من إبل زناتة.
(24/168)

ذكر ولاية أبى الفتوح يوسف بلكين بلاد المغرب
وهو أول ملوك بنى زيرى. وذلك أن المعز لدين الله أبا تميم معد بن المنصور بنصر الله بن القائم بأمر الله بن المهدى لما توجه من المنصورية إلى ديار مصر فى سنة إحدى وستين وثلاثمائة بعد أن فتحها القائد جوهر له توجه بجميع من كان فى قصره وأهل بيته. ورحل معه يوسف إلى سردانية، فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. وفوض إليه جميع الأعمال إلا جزيرة صقلية فإنها كانت بيد أبى القاسم على بن حسن بن على ابن أبى الحسين، وكذلك طرابلس فإن المعز جعل عليها عند وصوله إليها عبد الله بن يخلف الكتامى فلم تزل بيده إلى أن توفى المعز. ثم سلمها ابنه نزار إلى يوسف هى وسرت وما والاهما فى سنة سبع وستين وثلاثمائة، بسؤال يوسف لذلك.
قال: ولما ولى المعز يوسف، ولى أيضا أبا مضر زيادة الله بن عبيد الله بن القديم نظر الدواوين بسائر كور إفريقية.
وقال ليوسف عند وداعه: «إنى تركت زيادة الله بن القديم عونا لك على جميع الأموال بإفريقية، كبّره» .
وأوصاه وصايا كثيرة كان آخرها أن قال له:
(24/169)

«يا يوسف، إن نسيت مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البلاد «1» ، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بأبى مضر خيرا «2» » .
ثم ودعه يوسف ورجع. فكان دخوله إلى المنصورية فى يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. فنزل بقصر السلطان وخرج إليه أهل القيروان وتلقوه، وأظهروا الفرح بمقدمه والبشر والسرور. فأخرج العمال «3» وجباة الأموال إلى سائر البلدان، وعقد الولايات للعمال.
فاستقامت الأمور بحسن تدبيره.
ولما رتب ذلك كله رحل إلى المغرب فى شعبان من السنة. فوصل إلى باغاية فولى عليها عاملا، وأمره أن يلطف بأهلها. ففعل. فدخلوا فى الطاعة. ثم خالفوا فقاتلهم العامل، فتحصنوا بمدينتهم. فهم يوسف أن يرجع إليهم، فوافاه رسول خلوف «4» بن محمد عامله على تيهرت يذكر أن أهلها خالفوا. فسار إليهم وقاتلهم.
ودخل البلد بالسيف فى شهر رمضان، فقتل وسبى ونهب وأحرق البلد.
(24/170)

وأراد الرجوع إلى باغاية، فأتاه الخبر أن زناتة قد نزلوا على تلمسان. فرحل إليهم فهربوا بين يديه. فحصر تلمسان مدة فنزلوا على حكمه. فعفا عنهم من القتل، ونقلهم إلى آشير، فبنوا بقربها مدينة سموها بلنسان «1» .
ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب
كان سبب ولايته أن يوسف كان قد ولى جعفر بن يموت «2» مدينة القيروان وصبرة، وجعل معه خيلا كثيرة، عند مسيره إلى بلاد المغرب فى شهر ربيع الأول. فمات فى جمادى الآخرة. فكتب ابن القديم إلى أبى الفتوح بموته، ويسأله أن يرسل إليه بدلا منه يعاونه على أمور البلد.
فاستعمل عبد الله على ذلك. فأبى عليه وامتنع واستعفى مرة بعد أخرى. فجمع يوسف حبوس «3» بن زيرى، وكرامة بن إبراهيم، وكبّاب بن زيرى، وخلوف بن أبى محمد. وأحضر عبد الله وقال لأولئك: «ما جزاء من من عاند أمرى، وخالف رأيى ومرادى، ولم يعبأ بما كلفته؟» . قالوا: «القتل، ونحن نتولى قتله» .
(24/171)

فقال: «كاتبى هذا أمرته بالرجوع إلى إفريقية إذ لا ينوب عنى أحد غيره فامتنع» . فقالوا له: «إن لم ترجع وإلا قتلناك» . فرجع كارها. وعبد الله هذا من بنى الأغلب، كان أبوه محمد قد هرب «1» إلى نفزاوة فولد بها عبد الله. فرباه خاله صالح وتعلم الخط والترسّل.
فاستكتبه زيرى وهو صبى شاب. ثم استكتبه بعده أبو الفتوح، فحظى عنده. وكان فصيحا بليغا، عالما بلغة العرب ولسان البربر.
قال: فلما وصل عبد الله إلى القيروان، تلقاه ابن القديم. وترجّل كل منهما لصاحبه، وتعانقا، واتفقا وصارت كلمتهما واحدة. ثم وقع بينهما بعد ذلك، وكانت فتنة عظيمة بالقيروان يطول شرحها، انتصر فيها عبد الله وقبض على ابن القديم، وأرسله إلى الأمير أبى الفتوح، فحبسه حتى مات.
وكانت ولاية ابن القديم سنتين وشهرا ونصفا. ثم توفى فى الاعتقال يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة. واستقل عبد الله بن محمد الكاتب وحده لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة.
(24/172)

ذكر اخبار خلف بن خير «1»
قال: وفى سنة أربع وستين وثلاثمائة صعد خلف بن خير من بنى هراش إلى قلعة منيعة من ناحية بلده. واجتمع إليه خلق عظيم «2» من سائر قبائل البربر. وخرج إليه كل من كان قد خالف مع ابن القديم. فكتب عبد الله إلى أبى الفتوح كتابا يذكر فيه أن إفريقية قد استوت كلها له، وأنه لا خوف بها إلا من الذين اجتمعوا مع ابن خير فى القلعة. فرحل يوسف إلى القلعة ونازلها، فى عساكر عظيمة. فظفر بها فى اليوم الرابع من منازلتها، وهرب خلف، وقتل فى القلعة ما لا يحصى. وبعث منها سبعة آلاف رأس طوفها عبد الله فى القيروان ثم بعثت إلى مصر «3» . ونفى «4» أكثر ممن قتل. وغنم جميع ما فيها. وسار خلف بن خير إلى بلد كتامة. فبعث إليهم يوسف يقول: «برئت الذمة ممن دفع عنه وآواه، ومن فعل جازيته» . فأخذه القوم الذين انتهى إليهم ومعه ابنه وأخوه وخمسة من بنى عمه، وأتوا بهم إلى يوسف. فأحسن صلة من جاء بهم. وبعثهم إلى عبد الله الكاتب وأمره أن يشهرهم ويطوف بهم على الجمال. ففعل ذلك بهم ثم صلبهم وضرب أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى مصر.
(24/173)

قال: ولما فتح أبو الفتوح هذه القلعة، اختار من عبيدهم أربعة آلاف من الشجعان فشح بقتلهم لشجاعتهم وقربهم، وأراد أن يجعلهم فى جملة عبيده. فاتفق أن أحدهم سأل عن أبى الفتوح وقال: «عندى نصيحة» . فأشاروا إليه إلى ابن عم لأبى الفتوح ولا يشك الذى أشار إليه أنه هو. فأتاه وقال له: «إنى أريد أن أخبرك بنصيحة» . فلما دنا منه، ضربه بسكين كانت معه فشق بطنه وأخرج أمعاءه فسقط من ساعته ميتا. وكان ذلك الغلام لرجل ممن قتله أبو الفتوح فى تلك القلعة. فعندها أمر بقتل أولئك فقتلوا فى ساعة واحدة.
ثم بعث عشرة من أهل القيروان إلى باغاية يحذرهم المخالفة ويطلب منهم النزول على حكمه، وإلا فعل بهم ما فعل بأهل القلعة فأجابوه إلى الطاعة ونزلوا على حكمه. فحكم أن يسلموا إليه المدينة «1» ويمضوا حيث شاؤوا. ففعلوا ذلك ووفى لهم. وأخرب المدينة القديمة التى عليها السور، وترك «2» الربض ثم أتى إفريقية.
وأتاه الخبر بوفاة المعز لدين الله وولاية ابنه نزار بن معد فكتب إليه يوسف فى سنة سبع وستين، يسأله «3» فى طرابلس وسرت وأجدابية، فأجابه ودفع ذلك إليه.
وفى سنة تسع وستين، رحل أبو الفتوح إلى فاس «4» ،
(24/174)

وسجلماسة وأرض الهبط. فملك ذلك كله وطرد منه عمال بنى أمية.
ثم بعث إلى سبتة فى طلب من لجأ إليها من زناتة. فلقى فيما قرب منها جبالا شامخة وشعارى غامضة فأمر بقطعها وإطلاق النيران فيها حتى وجد العسكر فيها مسلكا. وأمر عساكره بالوقوف. ومضى هو بنفسه وخواص أصحابه حتى أشرف على سبتة من جبل عال مطل عليها. فخاف أهل سبتة منه وغلقوا أبوابهم. فنظر إليها ورأى منعتها، فعلم أنه لا يستطيعها إلا بالمراكب، فرجع عنها «1» .
ومضى يريد البصرة، بصرة المغرب. فلما علمت به زناتة رحلوا بأجمعهم إلى الرمال والصحارى هاربين منه. ودخل البصرة وكانت قد عمرت عمارة عظيمة مع بنى الأغلب. فأمر بنهبها وهدمها، فهدّمت وحرقت «2» .
ورحل بعساكره إلى بلد برغواطة، وكان ملكهم عيسى بن أبى الأنصار «3» شعوذيا ساحرا، فسحر من عقولهم حتى جعلوه نبيا وأطاعوه فى كل ما أمرهم به، وشرع لهم شريعة، وأتاهم بغير دين الإسلام. فاتبعوه فضلّ وأضلّهم. فغزاهم أبو الفتوح، وكانت بينهم حرب شديدة لم ير مثلها، كان الظفر للمسلمين. وقتل
(24/175)

عيسى الكافر وتفرقت عساكره، فقتلوا قتلا ذريعا. وسبى من نسائهم وذراريهم ما لا يحصى كثرة، وأرسل بسبيهم إلى إفريقية.
ورجع أبو الفتوح وملك فاس وسجلماسة وبلد الهبط. «1»
والبصرة وجميع بلدان المغرب. وأقام فى تلك النواحى من سنة تسع «2» وستين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وسبعين.
ذكر وفاة أبى الفتوح يوسف
كانت وفاته رحمه الله فى يوم الأحد لسبع «3» بقين من ذى القعدة «4» سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، عند قفوله من برغواطة وقد فصل من سجلماسة، بموضع يقال له واركنين «5» ، ويقال فيه واركلان، بعلة القولنح، وقيل بحبة خرجت فى يده فمات منها.
حكى الشيخ أبو محمد بن حزم فى كتابه المترجم «بنقط العروس» «6» «أن بلكّين بن زيرى كان له فى موضع ألف امرأة
(24/176)

لا يحل له نكاح واحدة منهن، كلهن من نسل إخوته وأخواته، ومن الرجال مثل هذا العدد.
قال: وكان له قبل أن يستخلفه المعز لدين الله على المغرب قصور تشتمل على أربعمائة جارية، فيقال: إن البشارات تواترت عليه فى يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا «1» .
وكانت مدة إمارته منذ تسلم المغرب من المعز لدين الله ثنتى عشرة سنة، ومنذ قام بالأمر بعد أبيه ثلاث عشرة سنة وشهورا.
ولما مات قام بالأمر بعده ابنه المنصور أبو الفتح.
ذكر ولاية أبى الفتح المنصور ابن يوسف بلكين بن زيرى
قال: ولما توفى يوسف، أسند وصيته إلى أبى زعبل بن مسلم «2» ، وكان من جملة عبيده وخاصة قواده. فكتب إلى المنصور يعرفه بوفاة أبيه، وكان المنصور إذ ذاك بآشير. فاستقل بالأمر بعد أبيه. وأتاه عبد الله بن محمد الكاتب ومشايخ القيروان والقضاة وأصحاب الخراج؛ فعزوه بأبيه وهنئوه بالولاية، فأكرمهم وعظمهم وأحسن جوائزهم وأعطاهم عشرة آلاف دينار. فدعوا له وشكروه. فقال لهم: «إن أبى وجدى أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذ الناس إلا بالإحسان. ولست ممن يولّى ولا
(24/177)

يعزل بكتاب. ولا أحمد فى هذا الملك إلا الله ويدى. وهذا الملك ما زال فى يد آبائى وأجدادى ورثناه عن حمير» «1» . وكلام كثير فى هذا المعنى. ثم قال لهم: «انصرفوا فى حفظ الله فإن قلوب أهليكم مشغولة بكم» فانصرفوا.
وقدم المنصور إلى رقادة فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. فتلقاه عبد الله الكاتب ووجوه الناس. فأظهر لهم الخير ووعدهم بكل جميل.
وأتاه العمال من كل بلد بالهدايا والأموال. وأهدى إليه عبد الله ما لا يحيط به الوصف. فجهز المنصور هدية إلى نزار بلغت قيمتها ألف ألف دينار.
وأقام برقادة إلى يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذى الحجة «2» من السنة. ورجع إلى المغرب ومعه عبد الله الكاتب. واستخلف عبد الله ابنه يوسف على القيروان، فسار أحسن سيرة.
وفى هذه السنة، أعطى المنصور أخاه يطّوفت العساكر والعدد ووجهه إلى فاس «3» وسجلماسة يطلب ردهما، وكانت زناتة قد ملكت تلك البلاد بعد موت أبى الفتوح. فمضى حتى وصل إلى قرب فاس وبها زيرى بن عطية الزناتى المعروف بالقرطاس، ومعه
(24/178)

عساكر زناتة. فعاجله «1» زيرى والتقوا واقتتلوا. فانهزم يطّوفت وجميع من معه. وتبعه زيرى فقتل من عسكره خلقا عظيما وأسر وهرب من سلم إلى تيهرت. فلما بلغ المنصور هزيمة يطّوفت، أرسل أخاه عبد الله بعسكر يلقاه به ثم وصل يطوفت إلى آشير.
فلم يتعرض المنصور بعدها لشئ من بلد زناتة.
وفى سنة ست وسبعين، أخذ يوسف بن عبد الله بن محمد الكاتب فى بناء قصر المنصور. فبلغ الإنفاق عليه ثمانمائة ألف دينار «2» ثم عمل عليه وعلى قصر بجواره كان بناه قديما شفيع الصقلبى صاحب المظلة سورا محدقا عليهما. وغرست حوله الأشجار من كل جهة.
وفى سنة سبع وسبعين، وصل المنصور من آشير إلى إفريقية فى يوم الاثنين منتصف المحرم، ونزل فى قصره الذى بنى له. ونزل عبد الله الكاتب وجميع القواد حوله.
ووصل كتاب السلطان نزار إلى المنصور يعلمه أنه جعل الدعوة لعبد الله بن محمد الكاتب، ويأمره بذلك. ففعل المنصور ذلك وأمر أن يفرش له قصر السلطان فى الموضع المعروف بقصر الحجر، وذلك فى يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة منها. وجلس فيه المنصور وأقرباؤه ووجوه بنى عمه. ثم دخل عبد الله فأخذ عليهم الدعوة، وصار عبد الله داعيا. فذكر أنه لما تم هذا له مسح بيده على رأسه وقال: «الآن قد خلصت من القتل وأمنت على شعرى وبشرى» . وما علم أن ذلك سبب هلاكه.
(24/179)

ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف
قال: كان عبد الله قد بلغ مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من قرابة المنصور وأهل دولته، وانحصرت أمور المنصور كلها تحت قبضته.
وأعطى الرياسة حقها ووثق بما قدم من نصحه. فرفع فيه حسن ابن خاله «1» إلى المنصور أمورا من القدح فى دولته، وأنه كاتب ابن كلّس وزير نزار، واختلفت بينهم السفراء، وعقد الغدر بالمنصور. فوجد المنصور لذلك. وكان عبد الله لا يدارى أحدا من أولاد زيرى ووجوه بنى مناد وغيرهم من أكابر الدولة. فلما أحسوا من المنصور بعض الأمر وشوا بعبد الله وطعنوا عليه.
فاستراب المنصور به وأراد إبقاءه مع التحرز منه، فقال له:
«اعتزل عمل إفريقية واقتصر على الخاتم والكتابة، وكل من تولى فهو متصرف تحت أمرك ونهيك» . فكان جوابه أن قال: «القتلة ولا العزلة» . فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة سبع «2» وسبعين وثلاثمائة، ركب المنصور فركب عبد الله وهو يقول:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
فلما نزل المنصور، نزل عبد الله فقبل يده. ثم وقف ودار
(24/180)

بينهما كلام كثير لم يقف أحد على صحته. فطعنه المنصور برمحه.
فجعل أكمامه على وجهه وقال: «على ملة الله وملة رسوله» . ولم يسمع منه غير ذلك. وطعنه عبد الله أخو المنصور برمحه بين كتفيه فأخرجه من بين ثدييه. فسقط إلى الأرض. ثم أتى بابنه يوسف. فصاح واستغاث وقال: «العفو» . فضربه المنصور برمحه، وضربه ماكسن ابن زيرى، وضربه سائر من حضر. فماتا جميعا.
ولما قتلا جاء القاضى وشيوخ القيروان واجتمعوا بالمنصور. فقال لهم «ما قتلت عبد الله على مال ولا شىء اغتنمه وإنما خفته على نفسى فقتلته» .
فدعوا له بطول البقاء ثم انصرفوا. ودفن عبد الله وابنه بغير غسل ولا كفن وإنمارد عليهما التراب فى اسطبل كان للمنصور تحت الحنايا بالقرب من قصره.
قال: وولى المنصور بعده إفريقية يوسف بن أبى محمد، وكان على قفصة. فأتى يوم الخميس لخمس خلون «1» من شعبان. فأعطاه المنصور الطبول والبنود، وخلع عليه ثيابه وأنزله فى دار القائد جوهر.
فولى إلى سنة اثنتين وثمانين»
: ثم عزله يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، وولى أبا عبد الله محمد بن أبى العرب الكاتب.
(24/181)

ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخرسانى
كان أبو الفهم رجلا خراسانيّا قدم فى سنة ست وسبعين وثلاثمائة من مصر من قبل نزار داعيا. فأنزله يوسف بن عبد الله وأجرى عليه جرايات جليلة. وأعطاه أموالا سنية وبره وأكرمه. فطلب أبو الفهم الخروح إلى بلد كتامة يدعوهم وينتهى إلى ما أمره به نزار ووجهه إليه، فكاتب يوسف أباه. فكتب إليه عبد الله أن أعطه ما أراد واتركه يذهب حيث يشاء. فأعطاه يوسف ما طلب، وحمله على أفراس بسروج محلاة، وحمل بين يديه تخوت ثياب وبدر دراهم.
وتوجه إلى بلد كتامة فوصل إليهم ودعاهم. ثم تزايدت أموره حتى صار يجمع العساكر ويركب الخيل. وعمل بنودا وضرب سكة واجتمع إليه خلق كثير من كتامة، وكان هذا من الأسباب التى حقدها المنصور على عبد الله وابنه.
ثم ورد من مصر رسولان من نزار إلى المنصور فى سنة سبع وسبعين أحدهما رجل كتامى يعرف بأبى العزم، ورجل من عبيدهم يقال له محمد بن ميمون الوزان، ومعهما سجلات إلى المنصور. فقيل:
إنهما أمراه عن نزار ألا يعرض لأبى الفهم ولا لكتامة. فشتمهما المنصور وأسمعهما مكروها وقال: «أبو الفهم وكتامة فعلوا وفعلوا» .
وأغلظ لهما فى القول ولمن أرسلهما.
فأقاما عنده شعبان وشهر رمضان. ومنعهما من الخروج إلى كتامة وأبى الفهم. وقال: «امضيا معى إليه حتى تريا ما يكون منه» . ثم تهيأ المنصور للخروج إلى كتامة وأبى الفهم، وقد تفاقم أمره، وظهرت
(24/182)

سكته، وصار حوله جيوش عظيمة. فسار المنصور حتى وصل إلى بلاد كتامة. وتثاقل فى سيره «1» حتى دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. فلما قرب من ميلة عزم على قتل أهلها، فخرج إليه النساء والأطفال. فلما رآهم بكى وكف عنهم القتل. ونهبت العساكر كلّ ما فيها. وأمر بهدم سورها فهدم. ونقل أهلها إلى باغاية، فاجتمعوا ومضوا إليها وقد سلم لبعضهم ما خف من عين وورق وغير ذلك. فلقيهم ماكسن بن زيرى بعسكره فأخذ كل ما كان معهم.
ثم رحل المنصور إلى داخل بلد كتامة، فجعل لا يمر للكتاميين بمنزل ولا قصر ولا دار إلا أمر بهدم ذلك وتحريقه بالنار، ومعه أبو العزم وابن ميمون ينظران إلى فعله، ويقول لهما: «هؤلاء الذين زعمتما أنهم يمضون بى بحبل فى عنقى إلى مولاكما» . وكانا قد خاطباه بذلك لما اجتمعا به.
وسار حتى بلغ مدينة سطيف وبها جمعهم. فحاربهم وظفر بهم وهزمهم. وهرب أبو الفهم إلى جبل وعر. فأرسل إليه المنصور من أخذه وجاء به إليه. فأدخله إلى حرمه فضربنه ضربا شديدا حتى أشرف على الموت. ثم أمر المنصور بإخراجه وقد بقيت فيه حشاشة من الروح «2» فنحره وشق بطنه. وأخرجت كبده فشويت وأكلت. وشرّح عبيد المنصور لحمه وأكلوه حتى لم يبق إلا عظامه.
وذلك فى يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وسبعين. وقتل جماعة من وجوه كتامة، وأنزل بهم الذل والهوان. وولى بلدهم أبا زعبل
(24/183)

ابن مسلم وأولاده. وبقيت ميلة خرابا ثم عمرت بعد ذلك.
ودخل المنصور إلى آشير. ورد أبا العزم وابن الوزان إلى مصر ليخبرا من أرسلهما. فأخبراه بما كان منه. وقالا: «أتينا من عند شياطين يأكلون بنى آدم، ليسوا من البشر فى شىء» .
وفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، ثار ثائر آخر ببلد كتامة، يقال له أبو الفرج. وقيل: إنه كان يهوديا. وقال لكتامة: إنه من أولاد الأمراء الذين كانوا بالمهدية، وإن أباه كان من ولد القائم. فانضموا إليه وكثرت جموعه، واتخذ البنود والطبول. وزحف إلى عسكر أبى زعبل وقاتله فلم يقم بحربه. فكتب إلى المنصور فقدم بعساكره.
والتقوا واقتتلوا، فهزمهم المنصور وقتل من كتامة مقتلة عظيمة.
وهرب أبو الفرج واختفى فى غار فى جبل. فعمل عليه غلامان كانا له. فأخذاه وأتيابه إلى أبى زعبل. فأتى به إلى المنصور فقتله شر قتلة. وشحن بلد كتامة بالعمال والعساكر ورجع إلى آشير.
ذكر وفاة المنصور أبى الفتح بن يوسف
كانت وفاته فى يوم الخميس لثلاث «1» خلون من شهر ربيع الأول سنه ست وثمانين «2» وثلاثمائة. فكانت مدة ملكه ثنتى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام «3» . وكان ملكا كريما جوادا صارما.
(24/184)

وكانت أيامه أحسن أيام وأطيبها. وما زال مظفّرا منصورا لا تردّ له راية.
ذكر ولاية أبى مناد «1» باديس بن أبى الفتح «2» المنصور بن يوسف
قال: ولما مات المنصور قام بالأمر بعده بإفريقية ولده أبو مناد، وكان مولده فى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. فلما صار الأمر إليه رحل إلى سردانية يوم الأربعاء لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ونزل فى قصرها. وأتاه الناس من كل ناحية بإفريقية للتهنئة والتعزية. وأقام بسردانية أياما ثم رجع إلى قصره. وتوفى بعد ولايته الأمير نزار وولى بعده ابنه الحاكم بأمر الله.
ذكر ولاية حماد بن يوسف مدينة آشير
قال: وفى صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، عقد أبو مناد ولاية آشير لعمه حماد بن يوسف بن زيرى، وأعطاه خيلا كثيرة وكسا.
ثم اتسعت أعماله وعظم شأنه وكثرت عساكره، واجتمعت أمواله.
وفى يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع
(24/185)

وثمانين وثلاثمائة، وصل من مصر الشريف الداعى على بن عبد الله العلوى المعروف بالتّيهرتى «1» . وكان أبو مناد بعث فى حشد عساكره وأجناده، فلم يبق بإفريقية وأعمالها فارس ولا راجل إلا وصل إلى المنصورية. فنزل أبو مناد بهم إليه فى هذا اليوم، فكانوا صفوفا من باب قصر السلطان بالمنصورية إلى باب قلشانة. فرأى الداعى من العساكر والعدد ما لم ير مثله. وأتى بسجلين قرئا على منبر المنصورية والقيروان: أحدهما بولاية أبى مناد باديس، وتلقيبه نصير الدولة؛ والثانى بوفاة نزار، وولاية ابنه الحاكم، والجواب عن وفاة المنصور والعزاء عن نزار وعن المنصور. وكان معه سجل ثالث بأخذ البيعة على باديس وجماعة بنى مناد للحاكم. فأنزل الشريف بدار الأمير يوسف بجوار قصر السلطان. ثم جلس باديس بعد ذلك وأحضر الشريف. ودعا بنى مناد وسائر قبائل صنهاجة وأخذ عليهم البيعة.
ثم كان الشريف يجلس فى الدار التى نزل فيها، ويأخذ البيعة على كل من أتاه من الصنهاجيين وغيرهم. ثم وصله أبو مناد بمال جليل وتخوت ثياب وبراذين بسروج محلاة، وصرفه إلى مصر. ثم جهز هدية بعده.
ذكر خروج محمد بن أبى العرب الى زنانة
قال: وفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وصل كتاب يطّوفت بن يوسف بن زيرى إلى ابن أخيه أبى مناد يعرفه أن زيرى بن عطية الزناتى
(24/186)

قد نزل عليه بتيهرت، وسأله أن يمده بالعساكر. فأمر باديس محمد ابن أبى العرب بالخروج فنهض بالعساكر الثقيلة حتى بلغ آشير فأقام بها أياما يسيرة. ثم رحل ورحل معه حماد بن يوسف عاملها بعساكر عظيمة حتى وصلا إلى تيهرت. فاجتمعا بيطوفت فى غرة «1» جمادى الأولى من السنة. وكان زيرى بن عطية بموضع يقال له أمسان «2» على مرحلتين من تيهرت فزحفوا إليه واقتتلوا قتالا شديدا. وكان معظم جيش حماد التّلكّاتيين «3» ، وقد أساء عشرتهم، وكلف بأمورهم غلامه خلفا الجيزى «4» فسامهم الخسف. فلما حمى الوطيس واشتد البأس ولوا منهزمين، واتبعهم الناس. فكانت الهزيمة على الجميع.
ورام محمد رد الناس فلم يقدر على ذلك. ووصلوا إلى آشير، وقد أسلموا عساكرهم وما فيها من بيوت الأموال وخزائن السلاح والمضارب وغير ذلك فاحتوى زيرى على جميع ذلك وأمر ألا يتّبعوا. ووقف على باب تيهرت، فخرج إليه أهلها. فوعدهم الجميل وأطلق خلقا كثيرا ممن أسر فى المعركة أو لجأ إلى تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى آشير.
وكانت هذه الهزيمة يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منها.
قال: وبلغ خبر الهزيمة الأمير باديس، فبرز بنفسه من رقادة للقاء زيرى بن عطية، وذلك لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. فلما
(24/187)

وصل إلى قرب طبنة بعث فى طلب فلفل بن سعيد بن خزرون. فخاف وأرسل يعتذر. وسأل أن يكتب له سجل بولاية طبنة إلى أن يقدم باديس. فكتب له سجلا بولايتها وبعث به إليه. وتمادى أبو مناد فى مسيره. فلما علم فلفل أنه أبعد عنه أتى إلى طبنة فأكل ما حولها ونهب وأفسد. ومضى إلى تيجس «1» وما والاها فنهبها. وتمادى إلى باغاية فحصرها أياما ثم رحل عنها، وباديس فى هذا مستمر السير «2» إلى آشير. فلما بلغ المسيلة «3» ، رحل زيرى بن عطية عن آشير إلى تيهرت. فرحل إليها باديس. فلما بلغها توغل زيرى هاربا منه إلى داخل المغرب.
فعند ذلك ولى أبو مناد على تيهرت وآشير عمه يطوفت.
فاستخلف يطوفت على تيهرت ابنه أيوبا وتركه فى أربعة آلاف فارس.
ثم رجع باديس إلى آشير وعمه يطوفت معه. فبلغه ما فعل فلفل ابن سعيد. فأرسل إليه أبا زعبل وجعفر بن حبيب ومحمد بن حسن فى عسكر.
ثم رحل بعدهم من آشير، وبقى يطوفت ومعه أولاد زيرى وقد سألوا باديس أن يتركهم أعوانا ليطوفت. فأبى ذلك وقال: «لا بد من رحيلكم معى» . فقالوا: «لنا أمور نقضيها ونلحق بك» . فتركهم على هذا ورحل ومعه أبو البهار بن زيرى حتى وصل إلى المسيلة، فعيّد
(24/188)

بها عيد الفطر. فبينا هو فى صلاة العيد، إذ وصل إلى أبى البهار رسول أخبره أن إخوته ماكسن وزاوى ومغنين وعرما «1» نافقوا بآشير، وقبضوا على يطوفت، وأنه أفلت منهم بحيلة بعد أن عزموا على قتله. فخاف أبو البهار أن يصل يطوفت إلى باديس فيتهمه بمباطنة إخوته، فهرب لوقته. وطلب فلم يدرك. فلقى يطوفت فى طريقه فعرّفه ما كان من إخوته، فحلف أنه لم يعاقدهم على ذلك، وأنه إنما هرب خوفا على نفسه. وفارقه والتحق بإخوته. وسار يطوفت حتى لحق بابن أخيه الأمير باديس وهو بالمسيلة. فرحل إلى إفريقية، فاتصل به أن فلفل بن سعيد قتل أبا زعبل، وهزم أصحابه، وأسر حميد بن أبى زعبل فمثّل به ثم قتله، وأن فلفلا تمادى إلى القيروان.
فرحل باديس إلى باغاية فوصل إليها لإحدى عشرة بقيت من شوال. فأقام بها بقية الشهر. ورحل فى غرة ذى القعدة حتى وصل إلى مرمجنة.
فلما صار إلى بنى سعيد، زحف إليه فلفل فى يوم الخميس لست خلون من ذى القعدة. فلم يلقه باديس ولم يلتفت إليه. فلما كان يوم الاثنين، زحف فلفل إليه. فالتقيا بوادى اغلان «2» ، فكانت بينهم من الحروب العظيمة ما لم يسمع بمثلها. وقد كان اجتمع لفلفل من قبائل البربر ما لا يحصى كثرة، وكذلك من زناتة، وكلهم أصحاب خسائف. فثبتت صنهاجة بين يدى باديس. وظهر منه فى ذلك اليوم ما قرت به أعينهم. ثم أجلت الحرب عن هزيمة زناتة والبربر هزيمة
(24/189)

فاحشة. وهرب فلفل واتبعته صنهاجة والعبيد حتى حال بينهم الليل.
ورحل باديس من الغد فنزل فى مناخ فلفل. وقتل من زناتة فى ذلك اليوم تسعة آلاف رجل سوى من قتل من البربر. ثم رحل باديس فوصل إلى المنصورية فى يوم الأربعاء لعشر بقين من ذى القعدة.
ثم وصل الخبر أن فلفل بن سعيد وأولاد زيرى بن مناد عمومة والدباديس تصالحوا وتعاقدوا على قتال باديس. فلما تحقق ذلك خرج إلى رقادة سنة تسعين وثلاثمائة. ورحل حتى انتهى إلى قصر الإفريقى. فبلغه أن أولاد زيرى رجعوا إلى المغرب خوفا منه، وأنه ما بقى مع فلفل منهم سوى ما كسن وولده محسن فرجع باديس الى المنصورية.
وفى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة «1» ، دخل باديس إلى المغرب فى طلب فلفل بن سعيد. فهرب منه إلى الرمال وافترق جمعه. فرجع باديس إلى إفريقية ومعه أبو البهار بن زيرى عم أبيه، وكان قبل ذلك قد أتاه معتذرا بأنه لم يدخل فى شىء مما دخل فيه إخوته. فقبل عذره وطيب قلبه. وأما فلفل بن سعيد فإنه سار إلى طرابلس، فقبله أهلها أهلها أحسن قبول، فاستوطن بها.
وفى سنة اثنتين وتسعين «2» ، وصل رسول ابن يوسف «3» إلى ابن أخيه باديس، يذكر أنه زحف إليه عمه ماكسن وأولاده
(24/190)

ومن معهم. فكانت بينهم وقعة شديدة فقتل فيها ماكسن وأولاده محسن وباديس وحباسة.
ثم توفى زيرى بن عطية الزناتى بعد ذلك بتسعة أيام.
وفى سنة خمسة وتسعين، اشتد الغلاء بإفريقية وأعقبه وباء عظيم. وكان يدفن فى اليوم الألف والأكثر والأقل «1» .
وفى سنة أربعمائة مات فلفل بن سعيد الزناتى من علة أصابته.
وولى أخوه ورّو، فأطاعته زنانة. ثم سار باديس فى عساكر عظيمة لقتال زناتة. فلقيه فى بعض الطريق عبد الله وسواشى «2» أولاد ينال التركى وأصحابهما. فعرفوه أنهم لما علموا بخروجه أغلقوا أبواب طرابلس ومنعوا الزناتيين منها. فسر بذلك ووصلهم وأحسن إليهم. وسار إلى طرابلس فتلقاه أهلها فدخلها. ثم جاءته رسل ورو ابن سعيد ومن معه من الزناتيين، يرغبون فى الأمان، ويسألون أن يجعلوا عمالا كسائر رجال الدولة. ووصل جماعة منهم «3» ، فأحسن إليهم، وأعطاهم نفزاوة على أنهم يرحلون عن أعمال طرابلس.
وأعطى النّعيم «4» قصطيلية. ورجع إلى المنصورية.
ثم تغير ورو ومن معه وخلعوا الطاعة فى سنة إحدى وأربعمائة، ورحلوا عن نفزاوة. ولم يتغير النعيم. فأضاف باديس نفزاوة إلى النعيم.
وفى سنة خمس وأربعمائة، وصلت رسل الحاكم بأمر الله إلى
(24/191)

المنصورية، وهما عبد العزيز بن أبى كدية وأبو القاسم بن حسين، ومعهما خلع سنية، وسيف مكلّل، وسجل من الحاكم إلى المنصور بن باديس بولاية ما يتولاه أبوه فى حياته وبعد وفاته، ولقّبه عزيز الدولة.
فقرئ السجل على الناس بالمنصورية والقيروان. وسرّ باديس به.
وتقرب وجوه الدولة إلى المنصور بالهدايا الجليلة والأموال.
ذكر خلاف حماد بن يوسف وأخيه ابراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس
قال: كان سبب ذلك أنه- لما وصل سجل الحاكم إلى المنصور ابن باديس ولقّب- أراد أبوه أن يقدمه ويرفع قدره، ويضيف إليه أعمالا يستخدم له فيها أتباعه وصنائعه. وكانت قد اتصلت به عن حماد أمور أنكرها وأراد اختبار حقيقة ما هو عليه. فكتب إليه كتابا لطيفا يأمره فيه أن يسلم العمل الذى بيد أبى زعبل «1» ، وهو مدينة تيجس وقصر الإفريقى وقسطنطينة إلى خليفة ولده المنصور. ودعا باديس هاشم بن جعفر فخلع عليه وأعطاه الطبول والبنود. وأمره بالخروج إلى هذا العمل. فخرج بخزائن وعدد.
وبعث باديس إلى عمه إبراهيم بن يوسف يشاوره «2» : من يمضى بالكتاب إلى حماد؟ فقال إبراهيم: «لا يجد سيدنا من عبيده أنصح
(24/192)

له ولا أنهض بخدمته منى» . وضمن ذلك «1» وأكد على نفسه العهود والمواثيق تبرعا منه. وذكر أنه لا يقيم فى مضيه وعوده بإحكام هذا الأمر إلا أقل من عشرين يوما. فأشار على باديس ثقاته أن يعتقل «2» إبراهيم حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه. فأبت نفسه ذلك، وقال له: «امض إلى أخيك يا عم. فإن كنت صادقا فيما عقدته على نفسك ووفيت بعهدك، وإلا فاجعل يدك فى يده وافعلا ما تقدران عليه وتستطيعانه» .
فخرج إبراهيم بمال جملته أربعمائة ألف دينار عينا وبجميع خزائنه وذخائره ورجاله وعبيده. وكان خروجه على تلك الحال من أدل الأشياء على نفاقه. وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة خمس وأربعمائة. وصحبه هاشم بن جعفر، وقد أضمر إبراهيم الغدر إذا صار إلى الموضع الذى يدخل منه إلى عمل أخيه. فلما قرب منها ترك هاشما واعتذر إليه بأشغال له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحق به «3» . ومضى إبراهيم حتى وصل إلى مدينة تامديت فكاتب أخاه حمادا بالذى فى نفسه. فوصل إليه فى ثلاثين ألف فارس. فاجتمعت كلمتهما على خلع الطاعة وأظهرا النفاق.
فانتهى ذلك إلى باديس فرحل لخمس خلون من ذى الحجة «4»
(24/193)

منها. ونزل رقادة «1» ووضع العطاء. ثم رحل بعد عيد الأضحى وكتب إلى هاشم بن جعفر أن يصعد إلى قلعة شقبنا رية»
فيتحصن بها ففعل. فحاصره حماد وإبراهيم بها. ووقع بينهم قتال شديد فانهزم هاشم ومن معه إلى باجة. واحتوى حماد وإبراهيم على جميع ما كان معه من الأموال والخزائن والأثقال والخدم، ونجا هو بأولاده ووجوه أصحابه.
ورحل باديس حتى نزل بمكان يسمى قبر الشهيد. فوصل إليه جماعة كثيرة من عسكر حماد. ثم ورد عليه كتاب من حماد على يد أبى مغنين الوتلكاتى يذكر فيه أنه على الطاعة، وأنه كان قد هيأ هدية فى جملتها ألفا برذون وغير ذلك لينفذها إلى المنصور، إلى أن وافاه إبراهيم واعتذر أعذارا كثيرة، فخالفها ما يظهر من أفعاله. وذلك أنه أحرق الزرع، وسبى الذرارى، وسفك الدماء. وتواترت أصحابه واصلين إلى باديس متنصلين من فعله.
ورحل باديس حتى صار بينه وبين حماد مرحلة واحدة، وقد بلغ عسكر حماد ثلاثين ألف فارس، غير من لحق بباديس وغير الراجل.
قال: وورد الخبر وهو بتامديت بوفاة ابنه المنصور بجدرى أصابه فكتم أصحابه عنه ذلك. فبعث إليه إبراهيم يقول: «إن ولدك الذى طلبت له ما طلبت قد مات» . فما تضعضع لذلك، وتلقاه بالصبر والشكر، وجلس للعزاء، وذلك لخمس خلون من صفر.
(24/194)

ثم سار ونزل بمدينة دكمة «1» . وجاءه جماعة من أقارب حماد وخواصه ورجال دولته، وكتاب من قبل خلف الجيزى «2» ، وهو الوالى على مدينة آشير، وكان عند حماد أقرب من الولد لا يوازيه فى رتبته أحد، يذكر أنه منع حمادا من الدخول إلى مدينة آشير وأغلقها دونه. فكان ذلك أول الفتح وأعظم الظفر.
قال: فلما رأى حماد مخالفة خلف عليه مضى إلى تاهرت. ورحل باديس يوم الجمعة «3» الثانى من شهر ربيع الأول. فنزل مدينة المحمدية «4» وهى المسيلة. فأقام بها ستة أيام ثم زحف إلى القلعة.
ورجع من غير قتال.
ثم أنفذ باديس أخاه كرامت إلى المدينة التى أحدثها حماد. فخرج إليها فى عسكر كثير، فهدم قصورها ومساكنها جزاء لما فعله حماد وأخوه فى البلاد. ولم يتعرض لأخذ مال ولا سفك دم. واتصل ذلك بإبراهيم، فأقبل يهدم كل قصر كان لأخيه خارجا عن القلعة، مخافة أن يسبقه كرامت إليه. وهرب من القلعة جماعة إلى باديس وتركوا نساءهم وأولادهم وأموالهم «5» . فأقبل إبراهيم يذبح الأولاد على صدور أمهاتهم، ويشق بطونهم. وفعل أفعالا شنيعة.
قال: ورحل باديس إلى آشير ثم منها إلى وادى شلف. ونزل حماد فى الجبهة الأخرى من الوادى. ورتب كل منهما عساكره وعبأها
(24/195)

وتهيأ للحرب. والتقوا فى يوم الأحد غرة جمادى الأولى. وكان حماد قد أسند ظهره إلى جبل بنى واطيل، وهو جبل منيع صعب المرتفى، وبينه وبين عسكر باديس الوادى، وهو واد عميق لا يطمع فى تعديته لشدة توعره وعمق قعره وصعوبة انحداره وكثرة مائه. فلما رأى باديس ذلك حمل بفرسه واقتحم الوادى. فتبعته العساكر وعدت الرجالة سباحة. فما كان إلا كرجع الطّرف حتى صاروا فى الجهة الأخرى مع عساكر حماد «1» . ثم اصطفوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل. فانكشف حماد وتفرق أصحابه عنه بعد قتال شديد.
فولّى منهزما لا يلوى على شىء، وقتل حرمه بيده. فوقف باديس عليهن وهن قتيلات. وخلص حماد فيمن ثبت معه من عبيده إلى قلعه مغيلة فى خمسمائة فرس. ولولا اشتغال الناس بالنهب لما فاتهم. وأصبح باديس فبعث فى طلب حماد فسبقهم إلى القلعة. وأراد التحصن «2» بها إن أدركته العساكر. ثم سار عنها إلى قلعته فوصل إليها لسبع مضين من جمادى الأولى، واستعد للحصار.
وسار باديس إلى المحمدية فوصل إليها لليلتين بقيتا من الشهر.
فأتاه رسول عمه إبراهيم بالاعتذار ويذكّر باديس بما سلف لحماد من الخدمة فى دولته، وأنه هو الذى سد ثغور المغرب، وقام محاميا عن هذه الدولة كقيام الحجاج بن يوسف بدولة بنى أمية، واعترف بالخطأ. فرد عليه باديس رسله بجواب. واختلفت الرسائل إليه منهما طلبا للمدافعة. فأمر باديس بالبناء. وبذل لرجاله «3» الأموال
(24/196)

وأعطى الألفى دينار والخمسمائة. فاشتد ذلك على حماد، ورأى من رجاله ما أنكره، وضعفت نفسه. وغلت الأسعار عنده فجعل يكذب على من عنده، ويكتب كسبا يذكر فيها أن باديس قد عزم على الرحيل إلى إفريقية، وأن كتبه تصل إليه فى الصلح إلى غير ذلك مما يختلقه «1» . وداوم باديس الحصار حتى مات.
ذكر وفاة باديس
كانت وفاته فى ليلة الأربعاء آخر ذى القعدة سنة ست وأربعمائة وذلك أنه وصل إليه وهو فى الحصار سليمان بن خلف «2» بعساكر عظيمة، جمهورهم تلكاتة «3» وصنهاجة، فضمن لبادير فتح للقلعة وسائر بلاد المغرب. فلما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذى القعدة، أمر باديس بالعرض، فعرضهم إلى الليل. ثم مات فى نصف الليل.
فخرج الخادم إلى حبيب بن أبى سعيد وباديس بن حمامة «4» وأيوب بن يطّوفت ابن عمه، وكان حبيب من أكبر رجاله، وبينه وبين باديس بن حمامة منافسه وعداوة. فلما أعلمه الخادم، خرج حبيب مسرعا إلى فازة باديس، وخرج باديس مسرعا إلى فازة حبيب.
فاجتمعا فى الطريق، فقال كل منهما لصاحبه: «بيننا عداوة
(24/197)

ولا تبرح، والأولى بنا فى هذا الوقت الموافقة والاجتماع فى تدبير هذا المهم.
فإذا انقضى رجعنا إلى «1» ما كنا عليه» . فحضرا ومعهما أيوب بن يطوفت وقالا: «إن صاحب هذا الأمر بعيد منا والعدو قريب مشرف علينا. ومتى لم نقدم رأسا نرجع فى أمورنا إليه لم نأمن العدو على أنفسنا. ونحن نعلم أن ميل تلكاتة وصنهاجة المغرب إلى كرامت بن المنصور أخى باديس» . فاجتمع رأيهم على تولية كرامت ظاهرا. فإذا وصلوا موضع الأمن قدم المعز بن باديس، وينقطع الخلاف، وتصان بيوت الأموال «2» والعدد. فأحضروا كرامت وبايعوه وكتموا الأمر.
وأصبحت العساكر للسلام على ما جرت به العادة. ولم يعلم بوفاته سوى من ذكرناه «3» . فأرادوا صرف الناس بأن يقولوا: إن الأمير قد أخذ دواء. فبينا «4» هم فى ذلك أتى الخبر أن أهل مدينة المحمدية قد شاع عندهم موت باديس، وأنهم أغلقوا أبواب المحمدية، وطلعوا على سورها. وكأنما نودى فى الناس بوفاته. فاضطرب لموته بنو مناد وجميع القواد. وخافوا من الفرقة وشتات الكلمة فأظهروا ولاية كرامت وأمر بالكتب إلى سائل الأعمال باسمه، ولم يذكر المعز بن باديس.
فلما رأى عبيد باديس ومن كان على مثل رأيهم من الحشم والأجناد أنكروا ذلك إنكارا شديدا. فخلا حبيب بن أبى سعيد بأكابرهم وقال: «إنما رضيناه وقدمناه على أن يحوط الرجال، ويحرس
(24/198)

الخزائن والأموال، حتى يسلم جميع ذلك إلى مستحقه وهو المعز» .
ومشى بعضهم إلى بعض وتحالفوا على ذلك سرا.
ثم اتفق رأى الجميع على تقديم «1» كرامت فى الخروج إلى آشير ليحشد قبائل تلكاتة وصنهاجة. فإذا اجتمعوا رجع بهم إلى المحمدية فيقطن بها، وترحل العساكر بتابوت باديس حتى يسلمون إلى ولده المعز. ودفعوا إلى كرامت مائة ألف دينار وخزانة سلاح وأمتعة.
وتوجه إلى مدينة آشير يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة سنة ست وأربعمائة. وكان من خبره ما نذكره إن شاء الله فى أيام المعز.
وكانت مدة ولاية باديس عشرين سنة وتسعة أشهر إلا أربعة أيام. وعمره اثنان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام.
ذكر ولاية أبى تميم المعز بن أبى مناد باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بالمحمدية «2» يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجة سنة ست وأربعمائة على ما قدمناه، وله من العمر يوم ذاك ثمان سنين وسبعة أشهر «3» . وأما ولايته بالمهدية «4» فكانت يوم الاثنين لسبع «5» بقين من ذى الحجة هذا. وذلك أن الخبر لما وصل
(24/199)

بموت باديس، كانت السيدة أم ملّال «1» بالمهدية، فخرج إليها منصور بن رشيق عامل القيروان، بجماعة القضاة والفقهاء والمشايخ وشيوخ صنهاجة إلى المهدية فعزّوها. وأخرجت المعز وبين يديه الطبول والبنود. فنزل إليه الناس وهنئوه وعزّوه. وعاد إلى قصره. ودخل الناس على السيدة فهنئوها. فأمرت منصور بن رشيق بالانصراف بمن كان معه فرجعوا إلى القيروان.
قال: وأما العسكر الذى بالمحمدية فإنهم ارتحلوا عن مناخها يوم عيد الأضحى بعد أن أضرموا النار فيما كان هناك من الأبنية. وسارت العساكر على تعبئة الزحف مقدمة وساقة وقلبا، يقدمها التابوت.
وأمامه البنود والطبول والجنائب والقباب. وكان وصولهم إلى المنصورية يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة سبع وأربعمائة.
ووصلوا إلى المحمدية لثمان خلون «2» منه. فركب المعز وقام حبيب بن أبى سعيد عن يساره. ونزل الناس فوجا فوجا وحبيب يعرفه بهم قائدا قائدا وعرافة عرافة، وهو يسأل الناس عن أحوالهم ألطف سؤال.
فرأى الناس من عقله وإقباله وفطنته ما ملأ قلوبهم وأقر عيونهم. وأقاموا يركبون إليه فى كل غدوة وغشية ثلاثة أيام. ثم خرج المعز من المهدية وسار إلى القيروان. ودخل المنصورية يوم الجمعة النصف من «3» المحرم سنة سبع وأربعمائة فسر به الناس وابتهجوا.
(24/200)

ذكر قتل الروافض
قال: وفى يوم السبت سادس عشر المحرم منها، ركب المعز فى القيروان والناس يسلمون عليه ويدعون له فمر بجماعة فسأل عنهم فقيل: «هؤلاء رفضة والذين قبلهم سنة «1» » . فقال: «وأى شىء الرّفضة والسنة؟» قالوا: «السنة يترضّون عن أبى بكر وعمر والرفضة يسبونهما» . فقال: «رضى الله عن أبى بكر وعمر» «2» .
فانصرفت العامة من فورها إلى الناحية المعروفة بدرب المقلى «3» من مدينة القيروان- وهو موضع يشتمل على جماعة منهم- فقتلوا منهم جماعة، ووقع القتل فيهم. وصادفت شهوة من العسكريين وأتباعهم طمعا فى النهب. وانبسطت أيدى العامة فيهم. فأقبل عامل القيروان يظهر أنه يسكّن الناس، وهو يحرضهم ويشير إليهم بزيادة الفتنة، لأنه كان قد أصلح البلد فبلغه أنه معزول، فأراد إفساده. فقتل من الرافضة خلق كثير فى ديارهم وحوانيتهم، وأحرقوهم بالنار. وانتهبت ديارهم وأموالهم. وزاد الأمر واتصل القتل فيهم فى جميع بلاد إفريقية. وقيل: إن القتل وقع فيهم فى جميع المغرب فى يوم واحد فى المدائن «4» والقرى، فلم يترك رجل ولا امرأة ولا طفل إلا قتل وأحرق بالنار. ونجا من بقى منهم بالمهدية إلى الجامع الذى بالحصن، فقتلوا فيه عن آخرهم.
(24/201)

ولما كان فى يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة خلت من جمادى الأولى، خرج من بقى من المشارقة- وهم الرافضة «1» - إلى قصر المنصور بظاهر المنصورية، وهم زهاء ألف وخمسمائة، وتحصنوا به. فحاصرهم السنة فاشتد عليهم الحصار والجوع. فأقبلوا يخرجون والناس يقتلون منهم «2» ويحرقون إلى أن قتلوا عن آخرهم «3» ، وطهر الله تعالى المغرب منهم.
وعمل الشعراء فى هذه الواقعة القصائد. فممن عمل فيها أبو الحسن الكاتب المعروف بابن زيجى من قصيدة:
شفى الغيظ فى طىّ الضمير المكتّم ... دماء كلاب حلّلت فى المحرّم «4»
فلا أرقأ الله الدموع التى جرت ... أسى وجوى فيما أريق من الدم
هى المنّة العظمى التى جلّ قدرها ... وسارت بها الرّكبان فى كل موسم
فيا سمرا أمسى علالة منجد ... ويا خبرا أضحى فكاهة متهم «5»
(24/202)

وبانعمة بالقيروان تباشرت ... بها عصب بين الحطيم وزمزم «1»
وأهدت إلى قبر النبىّ وصحبه ... سلاما كعرف المسك عن كل مسلم
غزونا أعادى الدين لا رمح ينثنى ... نبوا ولاحد الحسام المصمّم
بكل فتى شهم الفؤاد كأنما ... تسربل يوم الروع جلدة شيهم
إذا أمّ لم يشدد عرا متخوّف ... وإن همّ لم يحلل حبا متندّم
من القيروانيين فى المنصب الذى ... نمى، وإلى خير الصحابة ينتمى
وأوسع الشعراء فى ذلك. وقالوا فيه قصائد «2» كثيرة تركناها اختصارا.
وأما كرامت بن المنصور فإنه أقام بمدينة آشير ومعه من تلكاتة وغيرهم من قبائل صنهاجة، فما شعر إلا وقد وافاه حماد فى ألف وخمسمائة. فبرز إليه كرامت فى سبعة آلاف. فلما نشبت الحرب بينهم عمد التلكاتيون إلى بيت ماله فانتهبوه، ورجعوا على أدراجهم «3» . فكانت الهزيمة على كرامت فدخل مدينة آشير
(24/203)

وحماد فى أثره. فأرسل إلى كرامت ليجتمع به فتوثّق منه وأتاه.
فزوّده «1» حماد بثلاثة آلاف دينار وبعث معه من أصحابه من يشيعه.
فوصل إلى الحضرة فى يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من المحرم سنة سبع وأربعمائة. وطلب تلكانة وصنهاجة بما صار إليهم من أموال كرامت ومواشيه، فتفرقوا عنه وامتنعوا عليه.
وفى يوم السبت لعشر بقين من صفر منها، ولى محمد بن حسن أمور المعز وجيوشه، وكان قبل ذلك على طرابلس، وأضيف إليه قابس ونفزاوة وقصطيلية وقفصة. فبعث عماله عليها. وعقد لأيوب بن يطوفت على سائر أعمال المغرب.
وفى يوم الأحد لعشر بقين من ذى الحجة سنة سبع وأربعمائة، ختن المعز وختن معه من أبناء الضعفاء عدة كثيرة. وأعطوا الكساوى والنفقة.
وفى آخر ذى الحجة هذا، وصلت الرسل من مصر بسجل الحاكم إلى المعز واللقب والتشريف، وخوطب بشرف الدولة.
ذكر مسير المعز لحرب حماد
قال: وفى يوم الخميس لسبع «2» بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة، برز المعز إلى مدينة رقادة فى عساكره وفرق الأموال.
(24/204)

ثم رحل منها لأربع خلون من شهر ربيع الأول. ووصل «1» إليه عدة من القبائل من عسكر حماد ومن كتامة «2» . فجاءه الخبر أن إبراهيم وقف على باب مدينة باغاية فدعا بأيوب بن يطوفت فخرج إليه. فعاتبه على ما كان منه وذكر أنهم إخوة، وأن الذى كان إنما وقع بقضاء الله وقدره. وقال: «نحن على طاعة سيدنا المعز. وقد أردنا أن يتم الصلح على يدك. وحماد يقرأ عليك السلام ويقول لك: ابعث من تثق به أن يحلّفنى «3» ويأخذ على من العهود ما يسكن إليه قلبك، ويكتب به» .
فانخدع أيوب ودعا بحمامة أخيه وحبوس بن القاسم بن حمامة وأنفذهما معه. ثم تبعهما تورين «4» غلام أيوب، وهو أعز عنده من إخوته. فلما وصل بهم إبراهيم إلى أخيه حماد، أنزلهم «5» فى فازة السلام. ومضى إلى أخيه فأخبره. فبعث إليهما زكنون «6» ابن أبى حلا فجرد ما عليهما من الثياب، وألقى عليهما ثيابا رثة، وقيدهما بقيدين ثقيلين وأنفذهما إلى القلعة. ودعا حماد بتورين «7» فقال له: «هذان ابنا عمى وأنت فما جاء بك معهما؟ أردت أن تتحدث فتقول: قال لى حماد، وقلت لحماد!» وأمر به فضربت عنقه.
(24/205)

فلما اتصل الخبر بالمعز، سار بالعساكر حتى انتهى إلى حماد. والتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على حماد وعساكره.
وقتل حماة أصحابة، وأسر إبراهيم، وفر حماد.
وعقد المعز لعمه كرامت بن المنصور على أعمال المغرب، ففرق عماله.
ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه
قال: ولما تمت الهزيمة على حماد، راسل «1» المعز فى طلب الصلح واعترف بالخطأ وسأل العفو عنه. فأنفذ المعز من يقف على صحة أمره وصدق طاعته، فعاد بسمعه وطاعته. ورغب فى ترك العمل، وأن يعقد له أخوه إبراهيم ما يسكن إليه من العهود والمواثيق التى يطمئن إليها، فيبعث حينئذ بولده «2» القائد أو يصل بنفسه. فحصل الاتفاق، وأرسل ابنه القائد إلى المعز. فوصل بعد عود المعز إلى المنصورية، وذلك فى النصف من شعبان من السنة. فأكرمه المعز وأحسن إليه. وكتب له منشورا بولاية المسيلة وطبنة ومرسى الدجاج وزواوة ومقرّة ودكمة وبلزمة وسوق حمزة، وأعطى البنود والطبول. وانصرف إلى أبيه لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثمان وأربعمائة. فلما وصل إلى أبيه أظهر الطاعة. وبقى القائد يتردد إلى المعز.
(24/206)

ذكر مقتل القائد محمد بن حسن
كان مقتله لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة «1» . وذلك أنه كان قد استقل بالأمور وجبى الأموال منذ فوّضت إليه أمور الدولة. فلم يدخر درهما واحدا فى سبع سنين مع ما ورد من الهدايا الجليلة والتقادم النفيسة. وانتهت حاله إلى أن أخذ مالا من الذخيرة فلم يرد عوضه. وضاقت الدولة واتسعت أحواله وكثرت أبنيته التى لا تصلح إلا للملوك. وهادى الأكابر بمصر حتى وصل إليه سجل من الحضرة. فضاق منه المعز، فدس إليه بعض خواصه، وأشار عليه أن يقتصر على الخدمة، وله ما حصّله من الأموال والأبنية. فأبى إلا تماديا واستمرارا.
فقتله المعز فى التاريخ الذى ذكرناه، وكتب بالحوطة على أمواله ونعمه ورجاله. وقلد القاسم بن محمد بن أبى العرب سيفه. وأخرج بين يديه الطبول والبنود. وصرف إليه النظر فى سائر إفريقية.
قال: ولما قتل محمد بن حسن ثار أخوه عبد الله بن حسن عامل طرابلس وغضب لذلك. وبعث إلى زناتة فعاقدهم «2» وأدخلهم طرابلس. فقتلوا كل من كان بها «3» من صنهاجة والعسكريين وأخذوا المدينة. فلما انتهى ذلك إلى المعز. وأمر بالقبض على جميع بنى محمد وحبسهم ثم ظفر محمد بن وليمة
(24/207)

بعبد الله، فأنفذه إلى المعز فاعتقله. ثم أمر بقتل الجميع «1» ، وذلك لما استغاثت نساء الصنهاجيين وأولادهم الذين قتلوا آباءهم بطرابلس.
وكان بإفريقية فى تلك السنة «2» مجاعة شديدة لم يكن مثلها قط.
وفى ليلة الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة عشرة وأربعمائة ولد للمعز مولود سماه نزار.
وفى صفر سنة تسع «3» عشرة وأربعمائة، ورد الخبر إلى المعز بوفاة حماد بن يوسف بلكّين، وهو عم أبيه. فكتب إلى ولده القائد بالتعزية بأبيه.
وفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، خرج عسكر المعز إلى الزاب. ففتح مدينة نورس «4» وقتل من البربر خلقا كثيرا.
وفتح من بلاد زنانة قلعة تسمى كردوم «5» .
وفى سنة ثلاثين وأربعمائة، دخل قائده جزيرة جربة، ففتحها وقتل رجالها، وأسر مقدمهم ابن كلدة وصلبه، لقطعهم الطريق وسوء اعتقادهم.
(24/208)

وفى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خرج المعز بجيوشه إلى قلعة حماد. وحاصرها مدة سنتين وضيق عليهم لرجوعهم إلى ما كانوا عليه من النفاق.
وفى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة «1» ، أظهر المعز الدعاء للدولة العباسية. ووردت عليه الرسل. ووصله السجل من القائم بأمر الله، وأوله: «من عبد الله ووليه أبى جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد نور الإسلام، وشرف الأيام «2» ، وعمدة الأنام، ناصر دين الله، وقاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبى تميم المعز بن باديس بن المنصور ولى أمير المؤمنين» بألفاظ طويلة، وخلع طائلة، وسيفه وفرسه وخاتمه وألوية كثيرة. فوصل ذلك فى يوم الجمعة والخطيب على المنبر فى الخطبة الثانية عند الاستغفار. فدخلت الألوية إلى الجامع، فقيل للخطيب: «اذكر الساعة ما أمكن» . فقال:
«هذا لواء الحمد يجمعكم، وهذا معز الدين يسمعكم، وأستغفر الله «3» لى ولكم» .
ذكر خروج العرب الى المغرب والسبب الموجب لذلك.
كان سبب ذلك أن المستنصر- لما ولى خلافة مصر بعد الظاهر بن الحاكم- خطب المعز فى أيامه للقائم بأمر الله العباسى. فكتب
(24/209)

إليه وهو يرغبه ويرهبه، ويقول له: «هلّا اقتقيت آثار من سلف من آبائك فى الطاعة والولاء» ويتوعده «1» بإرسال الجيوش. فكتب المعز إليه: «إن آبائى وأجدادى كانوا ملوك المغرب «2» قبل أن تملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم. ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم» .
وكان المستنصر قد ولى وزارته فى اثنتين وأربعين وأربعمائة لأبى محمد الحسن بن اليازورى، ولقبه بالوزير الأجل المكين، سيد الوزراء «3» ، وتاج الأمراء، قاضى القضاة، وداعى الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين» . ولم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، بل كان من أهل التّناية «4» والفلاحة بالشام.
فأجراه ملوك الأطراف فى مكاتباتهم «5» على عادة الوزراء إلا المعز فإنه امتنع من مخاطبته بما كان يخاطب به الوزراء قبله، وذلك أنه كان يكاتب الوزراء بعبده فكاتبه بصنيعته. فعظم ذلك عليه «6» .
فأعمل الوزير الفكرة ودس إلى زغبة ورياح دسائس ووصلهم بصلات سنية. وبعث إليهما أحد رجال الدولة حتى أصلح بين الفئتين بعد فتن توالت وحروب استمرت ودماء أريقت. ثم أحضر أمراءهم وأباحهم على لسان المستنصر أعمال القيروان. ووعدهم
(24/210)

بالمدد والعدد. وأمرهم بالعيث والإخراب. فدخلت العرب إلى بلاد المغرب فى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وأنفذ اليازورى كتابا يقول فيه «1» : «أما بعد، فقد أرسلنا إليكم فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضى الله أمرا كان مفعولا» . ودخلت العرب فوجدوا بلادا خالية طيبة كثيرة المرعى، كانت عمارتها زناتة فأبادهم المعز. فأقاموا بها واستوطنوها وعاثوا فى أطراف البلاد.
وبلغ ذلك المعز فاستحقر أمرهم لتمام المقدور.
ذكر وفاة لقائد بن حماد وولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد
وفى شهر رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة توفى القائد بن حماد ابن يوسف بلكين بن زيرى وكان فى مرضه ولّى محسنا، وأوصاه «2» بالإحسان إلى بنى حماد عمومته. فلما ولى خالف ما أمره به أبوه «3» وأراد عزل جميعهم. فلما سمع عمه يوسف بن حماد ما أراده من الغدر بإخوته بنى حماد خالف عليه. وجمع العساكر فاجتمع له خلق كثير. وكان يوسف قد بنى قلعة فى جبل منيع وسماها الطيارة. فلما اتصل بمحسن خلافه خرج إليه والتقى بعسكر عمه مدينى. فانهزمت تلكاتة عنه، فظفر به، فقتل من
(24/211)

عمومته أربعة، وهم مدينى وإخوته مناد ونغلان «1» وتميم. وكتب إلى عمه يوسف يأمره بالقدوم إليه. فقال: «كيف أطمئن إليك وقد قتلت أربعة من عمومتك؟» .
وكان ابن عمه بلكين بن محمد متولى افريون «2» فكتب إليه محسن يأمره بالقدوم، فقدم عليه. فلما قرب منه أمر محسن قوما من العرب أن يأتوه برأسه. فلما خرجوا، قال لهم أميرهم خليفة بن مكن: «هذا بلكين لم يزل محسنا إلينا. فكيف نفعل به هذا؟» فأتوه وأعلموه بما أمروا به، فخاف عند ذلك. فقال له خليفة: «لا خوف عليك إن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك» . فتدرع بلكين وركب وأقبل يريد لقاءه. فبلغ محسنا قصده إليه، فهرب إلى القلعة. فأدركوه فى الطريق فقتله بلكين، ودخل القلعة، وولى الأمر. وذلك فى شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
[بقية أخبار المعز بن باديس]
نعود إلى أخبار المعز بن باديس، قال: ولما تكاسلت صنهاجة عن قتال زناتة، اشترى المعز العبيد، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. وكانت العرب زغبة قد ملكوا مدينة طرابلس فى سنة ست وأربعين. ووصل مؤنس بن يحيى المرداسى إلى المعز بالقيروان.
(24/212)

فأكرمه المعز وأحسن إليه. فنهاه مؤنس أن يجعل للعرب سبيلا إلى دخول إفريقية وقال: «إنهم قوم لا طاقة لك بهم» . فقال له المعز: «هم دون ذلك» . فلما رأى مؤنس استهزاء المعز بالعرب، خرج عنه ولحق بأرض طرابلس.
وتتابعت بنورياح والأثبج وبنوعدى، فدخلوا إفريقية، وقطعوا السبيل، وعاثوا فى البلاد. وعزموا على الوصول إلى القيروان.
فقال لهم مؤنس: «ليس هذا عندى برأى. وهذا يحتاج إلى تدبير» . فقالوا: «وكيف تحب «1» أن نصنع؟» قال: «ائتونى ببساط.»
فأتوه به. فبسطه وقال لهم: «من يدخل إلى وسط هذا البساط من غير أن يمشى عليه؟» قالوا: «كيف يقدر أحد على ذلك «2» » قال «أنا» . قالوا: «فأرنا كيف تقدر على ذلك» . فطوى البساط، وأتى إلى طرفه ففتح منه مقدار ذراع ووقف عليه. ثم فتح شيئا آخر ودخل إليه. وقال: «هكذا فاصنعوا ببلاد المغرب املكوها شيئا فشيئا حتى لا يبقى عليكم إلا القيروان فأتوها، فإنكم تملكونها» . فقال له رافع بن حماد: «صدقت يا مؤنس. والله إنك لشيخ العرب وأميرها. فقد قدمناك على أنفسنا فلسنا نقطع أمرا دونك» .
وقدم أمراء العرب إلى المعز، وهم مطرف بن كسلان، وفرح ابن أبى حسان، وزياد بن الدونية «3» ، وفارس بن كثير، وفارس
(24/213)

ابن معروف، وهم أمراء بنى رياح وساداتهم، فأنزلهم المعز، وأكرمهم وأحسن إليهم. فخرجوا من عنده ولم يجازوه بما فعل معهم بل شنوا الغارات على البلاد، وقطعوا على الرفاق، وأفسدوا الزرع «1» ، وقطعوا الأشجار، وحاصروا المدن. فضاق الناس وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم. وحل بإفريقية من البلاء ما لم ينزل بها مثله قط.
ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه
قال: ولما كان من أمرهم ما ذكرناه، احتفل المعز وجمع العساكر. وخرج فى ثلاثين ألف فارس ومثلهم «2» رجالة «3» .
وسار حتى انتهى إلى جندران «4» ، وهو جبل على مسيرة ثلاثة أيام من القيروان. وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس «5» .
فلما شاهدوا عساكر صنهاجة هالهم ذلك. فقال مؤنس بن يحيى المرداسى: «يا وجوه العرب، ما هو يوم فرار» . فقالوا: «أين
(24/214)

نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكازغندات «1» والمغافر؟» فقال أمير منهم: «فى أعينهم» . فسمى من ذلك اليوم «أبا العينين» «2» .
والتقوا والتحم القتال وحميت الحرب، فاتفقت صنهاجة على الهزيمة. وتركوا المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم، وبعد ذلك يرجعون على العرب. فانهزمت صنهاجة، وثبت المعز والعبيد. ووقع القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير. وحاولت صنهاجة الرّدة على العرب فلم يمكنهم، واستمرت الهزيمة. وقتل من صنهاجة أمة عظيمة. وانهزم المعز ودخل القيروان مهزوما على كثرة من كان معه وقلة العرب. واحتوت العرب على الخيل والعدد والمخيّم والأثقال والأموال. وفيها يقول الشاعر «3» :
وإنّ ابن باديس لأفضل ما لك ... ولكن لعمرى ما لديه رجال «4»
ثلاثون ألفا منهم غلبتهم ... ثلاثة آلاف إنّ ذا لمحال «5»
قال: ولما كان يوم عيد النحر من السنة، جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس. وهجم على العرب وهم فى صلاة العيد.
(24/215)

فقطعت العرب الصلاة وركبوا خيولهم. فانهزمت صنهاجة وقتل منهم خلق كثير.
ثم جمع المعز وخرج فى صنهاجة وزنانة فى جمع عظيم. فلما أشرف على بيوت العرب، ركبت خيولها وهم زغبة وعدى، وكانوا سبعة آلاف. والتقوا واقتتلوا فانهزمت صنهاجة، وولى كل رجل منهم إلى منزله. ثم انهزمت زناتة وكان أميرها المنصور «1» ابن خزرون. وثبت المعز فيمن كان حوله من عبيده ثباتا ما سمع بمثله، ثم رجع إلى المنصورية. وأحصى من قتل من صنهاجة فى ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة «2» .
ثم أقبلت العرب حتى نزلوا بمصلى القيروان. ووقعت الحرب فقتل من أهل رقادة والمنصورية خلق كثير. فلما رأى المعز ذلك ذهب إلى رفع الحرب بينهم، وعلم عكس الدولة، وظن أنهم راجعون. فأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. فلما دخلوا، استطال عليهم العامة وأهانوهم. فوقع «3» بينهم حرب كانت الغلبة فيها للعرب.
قال وكانت الكسرة الأولى على المعز فى سنة ثلاث وأربعين والثانية فى سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
(24/216)

ذكر انتقال المعز الى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها
قال: وفى سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان، وأخذ مؤنس باجة. فأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية. وشرع العرب فى هدم الحصون والقصور، وقلع الثمار، وتعمية العيون، وخراب الأنهار، فخرج المعز من القيروان إلى المهدية فى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، لليلتين مضتامن شعبان «1» وكان بها ابنه الأمير تميم. فتلقى أباه ومشى فى ركابه من ميانش «2» إلى القصر.
وفى أول شهر رمضان منها نهبت العرب القيروان.
وفى سنة خمسين وأربعمائة، خرج بلكّين بن محمد، ومعه من العرب الأثبج وعدى لحرب زنانة. فكسرهم وقتل منهم عددا كثيرا.
وفى سنة إحدى وخمسين، قتل منصور أفروم البرغواطى، قتله حمّو بن مليل «3» البرغواطى غدرا، وملك سفاقس مكانه.
وفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، غدر الناصر بن علنّاس بلكين بن محمد وولى مكانه، وذلك فى غرة «4» شهر رجب.
(24/217)

ذكر وفاة المعز بن باديس
كانت وفاته فى سنة ثلاث وخمسين «1» وأربعمائة بضعف «2» الكبد. وكانت مدة إقامته فى الملك سبعا «3» وأربعين سنة.
وكان رقيق القلب، كثير الرحمة، خاشعا لله، متحرزا من سفك الدماء إلا فى الحدود، حليما يتجاوز عن كبائر الجرائم، لينا لخدامه وعبيده وجلسائه وندمائه حتى كأنه واحد منهم أو أخ لهم محبا لرعيته «4» مشفقا عليهم، مكرما لأهل الفضل والعلم كثير العطاء لهم، شجاعا كريما، رحمه الله. وكان له من الأولاد الذين مات عنهم تسعة، وهم نزار، وتميم، وعبد الله، وعلى، وعمرو «5» ، وحماد، وبلكين، وحمامة، والمنصور.
ولما مات المعز ملك بعده ابنه.
(24/218)

ذكر ولاية تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
وكان أبوه قد ولاه المهدية فى صفر سنة خمس وأربعين. وأقام بها إلى أن خرج المعز إليها. فدبر الأمر بين يديه إلى أن توفى المعز فاستقل بعده بالملك. ودخل القضاة ووجوه الناس إليه فعزوه بأبيه وهنئوه بالولاية. ووصل كتاب الناصر بن علناس بذلك.
ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة»
، خرج حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس عن الطاعة. فجمع أصحابه. واستعان بالعرب، فوافقته طائفة من الأثبج وعدى. فزحف بهم إلى المنزل المعروف ببئر قشيل «2» فملكه. ثم توجه منه نحو المهدية.
فخرج إليه تميم فى عساكره ومعه طائفة من العرب: زغبة ورياح ووصل إلى حمو والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة على حمو وأصحابه وأخذهم السيف. فقتل أكثر أصحابه ونجا هو بنفسه. وكانت هذه الواقعة بسلقطة «3» .
(24/219)

وفيها بعد الوقعة قصد تميم مدينة سوسة وكان أهلها قد خالفوا على أبيه، فملكها وعفا عنهم وحقن دماءهم «1» .
ذكر الحرب بين بنى حماد والعرب وانتصار العرب عليهم
وفى سنة سبع وخمسين وأربعمائة، كانت الحرب بين الناصر ابن علناس بن محمد بن حماد ومن معه من رجال المغاربة من صنهاجة وزناتة، ومن العرب عدى والأثبج؛ وبين العرب وهم رياح وزغبة وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيرى الزناتى. وكان سبب هذه الواقعة «2» أن حماد بن يوسف بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور الخلف الكبير «3» والحرب التى ذكرناها. ومات باديس وهو يحاصر قلعة حماد كما ذكرنا «4» .
ثم دخل حماد فى طاعة المعز. وكان القائد بن حماد بعد أبيه يضمر الغدر وخلع طاعة المعز والعجز يمنعه، إلى أن رأى قوة العرب وما نال المعز منهم. فعندها خلع الطاعة واستبد بالبلاد.
وجاء بعده ولده محسن، وبعده ابن عمه بلكين، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس، وكل منهم متحصن «5» بالقلعة، وهى
(24/220)

المعروفة بقلعة حماد وقد جعلوها دار ملكهم. فلما رحل المعز من القيروان، وصار إلى المهدية، وتمكنت العرب وأخربوا البلاد ونهبوا الأموال، انتقل كثير من أهل القرى والبلاد إلى بلاد بنى حماد لحصانتها «1» . فعمرت بلادهم وكثرت أموالهم، وفى نفوسهم ما فيها من الضغائن والحقود من باديس وبنيه، يرثه صغير عن كبير.
وولى تميم بن المعز بعد أبيه، واستبد كل منهم ببلد وقلعة، وتميم يصبر ويدارى «2» .
فاتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع فيه فى مجلسه ويذمه وأنه عزم على المسير ليحاصره بالمهدية، وأنه حالف بعض صنهاجة وزناتة وبنى هلال ليعينوه على حصار المهدية. فلما صح ذلك عنده أرسل إلى بنى رياح فأحضرهم إليه. وقال لهم: «أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع أكثرها فى البحر لا يقاتل من البر إلا من أربعة أبرجة يحميها أربعون رجلا. وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم وإلى بلادكم» . فقال له أمراء العرب: «إن الذى قاله السلطان حق ونحب منك المعونة بالعدة» . فقال: «على العدة والرّفادة» «3» . وأمر لهم بعشرة آلاف دينار، لكل أمير منهم ألف دينار، وألف درع، وألف رمح، وألف سيف هندى.
فخرجت الأمراء من عنده، وجمعوا رجالهم، وتحالفوا على لقاء الناصر. وأنفذوا شيخين سرا إلى بنى هلال الذين صاروا مع الناصر
(24/221)

فقالا لهم: «كيف وقعتم فى هذا الأمر وأردتم تلاف «1» ملككم؟
هذا الناصر قد سمعتم غدر جده حماد لباديس، وغدر بنيه بعضهم بعضا، وقد اتفق مع زناتة، فإذا وطىء بلدنا بصنهاجة وزناتة قاصدا تميم بن المعز- وتميم فى حصن منيع بالمهدية لا يقدر عليه- فعندها يملك بلاد إفريقية ويخرجنا وإياكم عنها» . فقال لهم مشايخ بنى هلال: «والله، لقد صدقتم. فإذا التقينا فقاتلونا «2» فإنا ننهزم «3» ونرجع عليهم. فإذا ملكنا رقابهم كان لنا من الغنيمة الثلث ولكم الثلثان» . فقال الشيخان: «رضينا» .
وأرسل المعز بن زيرى الزناتى إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه أن ينهزموا.
فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعا. وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبنى هلال. فالتقوا بموضع يسمى سبية. فلما ترائى الجمعان حملت «4» بنو رياح على بنى هلال. فانهزم بنو هلال كما وقع الاتفاق، وأظهروا الغدر من وراء العسكر. فانهزم عند ذلك الناصر ابن علناس، وسلم فى عشرة أفراس.
فكان جملة من قتل فى هذه الوقعة من صنهاجة وزناتة أربعة وعشرون ألفا. وصارت الغنائم كلها للعرب، وبهذه الوقعة ثم لهم ملك البلاد. فإن أكثرهم عند دخولهم كانوا رجالة، والفرسان
(24/222)

منهم فى أضيق حال. فتقاسموا هذه الغنائم على ما قرروه بينهم إلا الطبول والبوقات والفازات بأبغالها «1» ، فإنهم حملوها إلى تميم.
فردها ولم يقبلها، فعزّ ذلك على العرب وقالوا: «نحن خدمك بين يديك» فقال: «ما فعلت هذا انتقاصا بكم وإنما المانع منه أننى لا أرضى أخذ سلب ابن عمى» . وظهر عليه من الحزن بقوة العرب ما لم يوصف.
ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه
قال: ولما كانت هذه الواقعة بين بنى حماد والعرب، وبلغ الناصر ما نال ابن عمه تميم من الألم والحزن، وكان وزيره أبو بكر بن أبى الفتوح محبا فى دولة تميم، فقال «2» للناصر: «يا مولاى، ألم أشر عليك ألا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب. فلو اتفقتما لأخرجتما العرب» . فصدقه الناصر ورجع إلى قوله، وقال له:
«أصلح ذات بيننا» . فأرسل الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر ويرغب فى الإصلاح. فقبل تميم قوله.
وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر، فاستشار أصحابه. فاتفقوا على إرسال محمد بن البعبع، وقالوا: «هذا رجل غريب، قد شمله إحسانك وبرك، وقد اقتنى من إنعامك الأموال والأملاك، وهو لا يعرف صنهاجة. فما يصلح لهذا الأمر سواه» . فأحضر تميم محمد بن
(24/223)

البعبع وأمر له بعبيد وخيل وكسا ودنانير. وأوصاه وأرسله وأجاز الرسول الواصل.
وخرجا معا إلى أن وصلا إلى بجاية، وهى حينئذ منزل ينزله رعية البربر. فنظرها ابن البعبع وتأملها، وقال فى نفسه: «هذا المكان يصلح مدينة ومرسى وصناعة للسفن» . وتمادى إلى أن وصل إلى القلعة ودخل على الناصر، وقد علم ابن البعبع أن الوزير محب فى دولة تميم.
فلما انبسط ودفع المكاتبة، قال للناصر: «يا مولاى، معى وصية إليك فأحب أن يخلى المجلس» . فقال الناصر: «ليس هنا إلا الوزير، وأنا لا أخفى عنه أمرا» . فقال: «بهذا أمرنى «1» سيدنا تميم» . فقال الناصر لوزيره: «انصرف» . فلما خرج، قال محمد للناصر: «يا مولاى، إن الوزير مخامر عليك مع تميم، وهو لا يخفى عنه من أمورك شيئا، وتميم مشغول مع عبيده النصارى.
قد «2» استبد بهم واطرح صنهاجة وتلكاتة وجميع القبائل. فو الله، لو وصلت بعسكر إلى المهدية ما بتّ إلا فيها لبغض الأجناد والرعية فى تميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها. وقد عبرت الآن ببجاية فرأيت فيها مرافق من صناعة وميناء وجميع ما يصلح لبناء مدينة. فاجعلها لك مدينة، يكون فيها دار ملكك وتقرب من جميع بلاد إفريقية. وأنا أنتقل إليك بأهلى وولدى، وأترك مالى بالمهدية من الرياع، وأخدمك حق الخدمة» . فأجابه الناصر إلى ذلك واستراب من وزيره.
(24/224)

وخرج الناصر من ساعته ومعه ابن البعبع إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة. فوصلا إليها. ورسم ابن البعبع المدينة والصناعة والميناء وموضع القصر واللؤلؤة. وأمر الناصر من ساعته «1» بالبناء والعمل.
وشكره وأثنى عليه، وعاهده على وزارته. ورجعا جميعا إلى القلعة.
وأحضر الوزير وقال: «هذا محب لدولتنا ناصح فى خدمتنا.
وقد أشار علينا ببناء بجاية. وعزم على الانتقال إلينا «2» بالأهل والولد. فاكتب له جواب كتبه إلى تميم» . وأمر له بألف دينار، وأربع وصائف، وأربع بغال من مراكبه.
وسار ابن البعبع فوصل إلى المهدية بكتب ناقصة وصلة تامة.
فاستراب به تميم. وسأله عن بناء بجاية وسببه، فقال: «يا مولاى، مالى بهذا علم. أنا رجل غريب» . فتحقق تميم أنه الذى أشار عليه ببنائها. وخرج ابن البعبع إلى داره خائفا وجلا.
وكان لما فارق الناصر سأله أن ينفّذ معه رجلا من ثقاته ينفذ معه ما يعاين من الأخبار. فنفّذ معه رجلا. فلما خرج إلى داره كتب إلى الناصر: «إننى لما وصلت إلى تميم لم يسألنى عن شىء قبل سؤاله عن أمر بجاية، إنه قد وقع على قلبه منها أمر عظيم. وقد اتهمنى فانظر من تثق به من العرب ممن يصل «3» إلى أولاد عكابش، فإننى خارج إليهم مسرعا، وقد عاهدتهم «4» على ذلك «5» . فتنفذ من بنى هلال
(24/225)

من تثق به. وقد أوثقت شيوخ زويلة وغيرها على طاعتك. فالله الله أسرع إلى بمن ذكرت» .
قال: فمضى الرسول بالكتاب فقرأه الناصر وأوقف الوزير أبا بكر عليه. فاستحسن الوزير ذلك منه وقال: «لقد خدم هذا الرجل ونصح» . فقال الناصر: «خذ الكتاب إليك، وجاوب الرجل عنه، وانظر فى إنفاذ العرب إليه قولا وفعلا، ولا تؤخر ذلك عنه» . فمضى الوزير إلى داره وكتب نسخة كتاب ابن البعبع، وحكاها حتى كأنها هى، خشية أن يسأله الناصر عن الكتاب بعد ذلك.
وأنفذ كتابه الذى بخطه إلى تميم وكتب كتابا منه يصف الحال من أوله إلى آخره.
فلما وقف تميم على ذلك، عجب منه وبقى يتوقع له ما يأخذه به.
وجعل عليه من يحرسه فى ليله «1» ونهاره من حيث لا يشعر. فأتاه بعض الحرس وأخبره أن ابن البعبع صنع طعاما وأحضر عنده الشريف الفهرى- وكان هذا الشريف من خواص تميم- فلما أصبح استدعاه تميم. فحضر وقال: «يا مولاى، ما كنت إلا واصلا إليك» .
وحدثه أن محمد بن البعبع دعانى وقال لى: «أنا فى ذمامك وحسبك، أحب أن تعرفنى من أين أخرج من المهدية «2» ، فأنت أعرف الناس بذلك» . فقلت له: «ولم تفعل ذلك، وأنت فى هذه المنزلة الكبيرة مع مولانا تميم؟» فقال: «إنه اتهمنى أننى أشرت على الناصر ببناء بجاية، وقد خفت» . فقلت له: «يا أبا عبد الله،
(24/226)

إن كنت سالما من قول قلته أو أمر أبرمته فلا تبال، فسيدنا تميم رجل رؤوف لا يؤاخذ بقول ولا بظن» . فقال لى: «دعنى فلا قدرة لى على المقام» . فقلت له: «أنا أنظر فى هذا الأمر بالغداة إن شاء الله وأعرفك بمن تثق به من العرب» . فأخذ يدى على ذلك.
قال: فأخرج تميم كتاب ابن البعبع الذى بخطه إلى الناصر وأوقف الشريف عليه. ثم قال له: «أحضره إلى» . فمضى الشريف إليه وقال له: «سيدنا تميم أمر بحضورك معى ولا يكون إلا خيرا» فلبس ثيابه وخرجا. فلقيهما ماضى بن عكابش فقال له: «يا أبا عبد الله، الهلاليون قد وصلوا إلينا البارحة، وهذه كتب قد وصلت إليك منهم» «1» . فتناولها الشريف من يده فقال له ابن البعبع:
«استر على ستر الله عليك» . وسأله. فدخلا القصر وابن البعبع يسأله فيها. فقال: «خذها فو الله ما ينفعك أخذها» . فتناولها.
وخرج تميم إليهما فجزع ابن البعبع حتى سقطت الكتب من يده وإذا عنوان أحدها: «من الناصر بن علناس إلى شيخنا وخليلنا» فقال له تميم: «من أين هذه الكتب؟» فسكت. فقرأها تميم فوجد فيها الحجة عليه. فقال ابن البعبع: «العفو يا مولانا» . فقال «لا عفا الله عنك؟» وأمر بضرب عنقه وتغريق جثته «2» .
(24/227)

ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس
وفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، سير تميم عسكرا كثيفا «1» إلى مدينة تونس. فأقام محاصرا لها مضيّقا عليها سنة وشهرين. وكان بها أحمد بن خراسان وقد أظهر الخلاف.
وسبب ذلك أن المعز بن باديس أبا تميم- لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية- استخلف على القيروان وعلى تونس «2» قائد بن ميمون الصنهاجى. فأقام بها ثلاث سنين ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية. فلما ولى تميم بعد أبيه رده إليها، فأقام بها مدة ست سنين. ثم أظهر الخلاف على تميم وأطاع الناصر بن علناس. فجرد إليه تميم عسكرا من أجناده وعبيده. فعلم أنه لا طاقة له بهم، فترك القيروان وسار إلى الناصر. ودخل عسكر تميم القيروان وخربوا قصر القائد الذى بناه بباب سلم.
وسار العسكر إلى تونس وبها ابن خراسان فحصروه، فأطاع وصالح الأمير تميما.
وأما قائد بن ميمون فإنه مكث عند الناصر سنتين «3» . ثم مضى إلى حمّو بن مليل فاشترى له مدينة القيروان من العرب وولاه عليها. فابتدأ ببناء سورها وحصّنها.
(24/228)

وفى سنة سبعين وأربعمائة «1» ، تم الصلح بين تميم والناصر ابن علناس. وزوجه تميم ابنته السيدة بلارة»
وجهزها إليه من المهدية فى البر.
ذكر استيلاء مالك بن علوى الصخرى على القيروان وأخذها منه، وعودها الى تميم
وفى سنة ست وسبعين وأربعمائة، جمع مالك بن علوى العرب، وسار إلى المهدية وحصرها. فدفعه تميم عنها ولم يظفر منها بشىء.
فسار إلى القيروان فحصرها وملكها. فجرد تميم العساكر إليه فحصروه بها. فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بعساكر تميم تركها. واستولت عساكر تميم عليها وعادت إلى ملكه كما كانت.
ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها
قال: وفى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة «3» ، اجتمع الروم فى أربعمائة «4» قطعة وأعانهم الفرنج. وأتوا كلهم إلى جزيرة قوصرة
(24/229)

وأخربوا ونهبوا وأحرقوا. وملكوا مدينة زويلة وهى بقرب المهدية.
وكانت عساكر تميم غائبة فى قتال الخارجين عليه، فصالح تميم الروم على ثمانين ألف دينار «1» ، بشرط. أن يردوا «2» جميع ما حووه من السبى، ففعلوا ذلك ورجعوا جميعا.
وفيها مات الناصر بن علناس. وولى ابنه المنصور فقفا آثار أبيه فى الحزم والعزم والرئاسة. وأتته كتب تميم وغيره بالتهنئة والتعزية.
ذكر خبر شاه ملك «3» التركى ودخوله الى افريقية وغدره بيحيى بن تميم
كان شاه ملك هذا من أولاد بعض أمراء الأتراك ببلاد المشرق «4» فناله فى بلده أمر أخرجه عنها. فخرج وسار «5» إلى مصر فى مائة فارس. فأكرمه الأفضل أمير الجيوش ووصله وأعطاه إقطاعا ومالا.
ثم بلغه عنه أشياء أوجبت حبسه هو وأصحابه. وجرى بمصر أمر فخرج شاه ملك «6» هو وأصحابه هاربين، واحتالوا فى خيل «7» وعدة.
وتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس المغرب وأهل البلد
(24/230)

كارهون لواليها. فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالى. فصار شاه ملك أمير البلد. فبلغ تميم الخبر فأرسل العساكر فحصروها وفتحوها وأخذوا شاه ملك ومن معه إلى المهدية. فسر بهم تميم وقال: «قد ولد لى مائة ولد أنتفع بهم» . وكانوا لا يخطىء لهم سهم.
فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما عليهم. فعلم شاه ملك ذلك، وكان صاحب دهاء وخبث. فلما كان فى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، خرج يحيى بن تميم إلى الصيد ومعه شاه ملك ومن معه. وكان أبوه قد تقدم إليه ألا يقربه فلم يقبل منه. فلما أبعدوا فى طلب الصيد «1» ، غدر به شاه ملك، وقبض عليه، وسار به وبمن أخذ من أصحابه إلى حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس. فركب حمو وخرج للقاء يحيى بن تميم. وترجل وقبل يده ومشى فى ركابه وعظّمه واعترف له بالعبودية. وأقام عنده أياما ولم يذكره أبوه بكلمة واحدة.
وكان قد جعله ولى عهده، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا آخر اسمه مثنى.
قال: ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل البلد فيملكوه عليهم، فكتب إلى تميم يسأله «2» إنفاذ الأتراك وأولادهم إليه ليرسل إليه ابنه يحيى. ففعل ذلك بعد امتناع كثير. وقدم يحيى فحجبه أبوه عنه مدة. ثم رضى عنه وأعاده وجهزه إلى سفاقس بجيش فحصرها برا وبحرا مدة شهرين. فخرج الأتراك عنها إلى قابس.
(24/231)

ذكر خلاف مثنى بن تميم على أبيه
قال: كان سبب ذلك أن تميم بن المعز لما رضى عن ابنه يحيى وأعاده إلى ولاية عهده، عظم ذلك على المثنى وداخله الحسد فلم يملك نفسه. فنقل إلى أبيه «1» عنه ما غير قلبه عليه. فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وولده وعبيده. فركب فى البحر إلى سفاقس «2» ، فلم يمكنه عاملها من الدخول إليها.
فقصد مدينة قابس، فلقيه الثائر بها مكن «3» بن كامل الدهمانى فأنزله وأكرمه. فحسن له مثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية وأطمعه فيها، وضمن له الإنفاق على الجند من ماله. فجمع ما أمكنه جمعه. وسارا إلى سفاقس ومعهما شاه ملك التركى وأصحابه فنزلو «4» على سفاقس وقاتلوا من بها فبلغ تميما الخبر فجرد إليها جندا من الرماة.
فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طمع لهم فيها تركوها. وقصدوا المهدية فنزلوا عليها وقاتلوا. فتولى قتالهم بها يحيى بن تميم وظهر من شدته وصبره وحزمه وحسن تدبيره ما استدل به على نجاح أمره وحسن عاقبته.
ولم يبلغ أولئك منها غرضا فعادوا وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره.
(24/232)

ذكر ملك تميم مدينة قابس
وفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ملك تميم مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرو «1» بن المعز. وكان أهلها ولّوه عليها بعد موت قاضى ابن إبراهيم بن بلمويه «2» . فلم يحسن عمرو السياسة ولا نهض بشرط الولاية. وكان قاضى بن إبراهيم عاصيا على تميم، وتميم يعرض عنه. فسلك عمرو طريقته فى العصيان، فأخرج تميم العساكر إلى أخيه ليأخذ قابس «3» منه. فقال له أصحابه: «يا مولانا، لما كان فيها قاضى توانيت عنه وتركته، فلما صار أمرها إلى أخيك جردت إليه العساكر!» فقال: «لما كان فيها عبد من عبيدنا كان زواله سهلا علينا. وأما الآن فابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس. هذا لا يمكن السكوت عليه» .
وفى فتحها يقول ابن خطيب سوسة «4» قصيدته المشهورة التى أولها:
ضحك الزمان وكان يلفى عابسا ... لما فتحت بحد سيفك قابسا «5»
(24/233)

أنكحتها بكرا وما أمهرتها ... إلا قنا وصوارما وفوارسا «1»
الله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبل الفارسا «2»
من كان بالسّمر العوالى خاطبا ... جليت له بيض الحصون عرائسا «3»
فأبشر تميم بن المعز بفتكة ... تركتك فى أكناف قابس قابسا «4»
ولّوا فكم تركوا هناك مصانعا ... ومقاصرا ومخالدا ومجالسا
فكأنها قلب وهنّ وساوس ... جاء اليقين فذاد عنه وساوسا
وفى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فتح تميم جزيرة جربة وجزيرة قرقنة «5» ومدينة تونس. وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث وتسعين، فتح تميم مدينة سفاقس. وخرج
(24/234)

منها حمو بن مليل هاربا فقصد مكن بن كامل الدّهمانى، فأحسن إليه وأقام عنده حتى مات. وكان حمو قد تغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده من كتاب المعز حسن الرأى والتدبير والسياسة، فاستقامت به دولته وعظم شأنه. فأرسل إليه تميم وبالغ فى استمالته ووعده بكل جميل فلم يقبل. فاشتد أمره على تميم فسير جيشا إلى حصار سفاقس. وأمر مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير، فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ فى صيانته، ففعل ذلك. فلما رأى حمو ذلك اتهمه وقتله. فانحل نظام دولته وتسلم عسكر تميم البلد.
وفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، مات المنصور بن الناصر بن علناس، وولى بعده ولده باديس. ثم مات بعد يسير فولى أخوه العزيز بالله.
ذكر وفاة تميم بن المعز
كانت وفاته فى شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة «1» ، وله من العمر تسع وسبعون سنة «2» ، ومدة ولايته سبع وأربعون سنة وعشرة أشهر وعشرون يوما «3» .
(24/235)

وكان شهما شجاعا كريما حليما كثير العفو عن الجرائم العظيمة ذكيا حسن الشعر. فمن شعره ما قاله وقد وقع «1» حرب بين طائفتين من العرب، وهما عدى ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا دمه، وكان صلحهم مما يضر بتميم وبلاده، فقال أبياتا يحرض فيها على الطلب بدم المقتول، وهى:
متى كانت دماؤكم تطل ... أما فيكم بثأر مستقل
أغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذل
ونمتم عن طلاب الثأر حتى ... كأن العز فيكم مضمحل
وما كسرتم فيه العوالى ... ولا بيض تفلّ ولا تسل
فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من بنى عدى. فقامت الحرب بينهم واشتد القتال، وكثرت القتلى بينهم حتى أخرجوا بنى عدى من إفريقية، وبلغ تميم فيهم ما يريد. وكان يوقع بالشعر الحروب بين العرب فبلغ «2» بلسانه ما لم يبلغه»
بسنانه.
ومن أخباره فى رعيته وشفقته عليهم ما حكى أنه اشترى «4» جارية بثمن كثير. فبلغه أن مولاها الذى باعها ذهب عقله وأسف
(24/236)

على فراقها. فأحضره تميم إلى بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوة والأوانى والفضة «1» والطيب شيئا كثيرا. ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم بذلك. فلما وصل إلى داره ورآها بمنزله سقط إلى الأرض وغشى عليه لكثرة ما ناله من السرور. ثم أفاق وأصبح من الغد فحمل الثمن وجميع ما كان معها إلى دار تميم. فغضب وانتهره وأمره بإعادة ذلك إلى داره. وهذه نهاية فى الجود، وغاية فى الكرم والشفقة والإحسان.
وكان له فى البلاد أصحاب أخبار يطالعونه بأخبار الناس لئلا يظلموا.
قال: وخلّف من البنين مائة «2» ، ومن البنات ستين.
ولما مات رحمه الله ولى بعده ابنه يحيى.
ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيرى
كانت ولايته عند وفاة أبيه تميم فى يوم السبت النصف من شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة، ومولده بالمهدية فى يوم الجمعة لأربع بقين من ذى الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ولما ولى عم
(24/237)

أهل دولته من الخواص والجند بالخلع السنية، ووهب الأجناد والعبيد أموالا كثيرة.
وفى هذه السنة «1» ، جرد عسكرا إلى قلعة اقليبية «2» ، وهى من أحصن قلاع إفريقية. وقدّم عليهم الشريف «على الفهرى» . فنزل عليها وحاصرها حصارا شديدا ففتحها. وكان تميم قد رامها فلم يقدر على فتحها.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة «3» ، وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء. فكتبوا إلى يحيى يقولون إنهم يعملون الكيمياء. فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعملوا شيئا من صناعتهم. وأحضر لهم ما طلبوه من صناعتهم، وأحضر لهم ما طلبوه من آلة وغيرها. وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن «4» . فلما رأى الكيميائية المكان خاليا ثاروا بيحيى. فضربه أحدهم على رأسه، فوقعت السكين فى عمامته فلم تصنع شيئا. ورفسه يحيى فألقاه على ظهره. ودخل يحيى بابا وأغلق على نفسه. وضرب الثانى الشريف فقتله. وأخذ إبراهيم القائد السيف فقاتل الكيميائية. ورفع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا أولئك. وكان زيهم زى أهل الأندلس، فقتل جماعة فى البلد على مثل زيهم.
وقيل ليحيى: «إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن
(24/238)

الخليفة» . واتفق أن الأمير أبا الفتوح إبراهيم أخا يحيى وصل فى تلك الساعة إلى القصر، فى أصحابه وقد لبسوا السلاح. فمنع من الدخول. فثبت عند يحيى أن ذلك بوضع منهما. فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا، لأنه كان قد قتل أباهم.
وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته إلى قصر زياد بين المهدية وسفاقس، ووكل بهما. فبقى هناك حتى مات يحيى وولى ابنه على. فسيّره إلى ديار مصر فى البحر.
وفى سنة أربع وخمسمائة، أنفذ ابنه أبا الفتوح واليا على مدينة سفاقس. فقام أهلها عليه فنهبوا قصره وهمّوا بقتله. فلم يزل يحيى يعمل الحيلة حتى فرق كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم وملأ السجون منهم. ثم عفّ عن دمائهم وعفا عن ذنوبهم.
وفى أيام يحيى وصل إلى المهدية من طرابلس المهدى محمد بن تومرت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى «2» .
ذكر وفاة يحيى بن تميم وشىء من أخباره
كانت وفاته فجأة يوم عيد الأضحى سنة تسع وخمسمائة. وكان منجمه قد قال له فى تسيير مولده «1» : «إن عليه قطعا فى هذا اليوم» .
ومنعه من الركوب فلم يركب وخرج أولاده وأهل بيته وأرباب دولته إلى المصلى. فلما انقضت الصلاة حضروا للسلام عليه وتهنئته.
(24/239)

وقرأ القراء «1» وأنشد الشعراء وانصرفوا إلى الطعام. فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام «2» . فلم يمش غير ثلاث خطوات ووقع ميتا رحمه الله.
وكان عادلا فى رعيته، ضابطا لأمور دولته، مدبرا لجميع أحواله، رحيما بالضعفاء والفقراء كثير الصدقة، يقرب أهل العلم والفضل.
وكان عالما بالأخبار وأيام الناس والطب. وكان حسن الوجه، أشهل العينين، مائلا «3» فى قدّه إلى الطول.
ومات وله من العمر اثنتان وخمسون سنة إلا سبعة عشر يوما «4» .
ومدة ولايته ثمانى سنين وخمسة أشهر إلا خمسة أيام «5» .
وخلّف من الأولاد الذكور ثلاثين ولدا.
وقال عبد الجبار محمد بن حمديس الصقلى يرثيه ويهنىء ابنه عليا بالملك «6» :
ما أغمد الغضب حتى جرّد الذّكر ... ولا اختفى قمر حتى بدا قمر
(24/240)

بموت يحيى أميت الناس كلهم ... حتى إذا ما علىّ جاءهم نشروا «1»
إن يبعثوا بسرور من تملّكه ... فمن منيّة يحيى بالأسى قبروا «2»
أوفى علىّ فسنّ الملك ضاحكة ... وعينه من أبيه دمعها همر «3»
شقّت جيوب المعالى بالأسى فبكت ... فى كل أفق عليه الأنجم الزّهر «4»
وقلّ لابن تميم حزن مأتمها ... فكل حزن عظيم فيه محتقر
قام الدليل ويحيى لا حياة له ... أن المنية لا تبقى ولا تذر
ذكر ولاية على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وكان إذ ذاك بمدينة سفاقس، فاجتمع رجال الدولة منهم عبد العزيز بن عمار والقائد زكو «5» وغيرهما.
(24/241)

ووقع الاتفاق على أن يكتب كتاب على لسان يحيى لولده يؤمر فيه بالوصول إليه مسرعا. فكتب وسيّر إليه فوصل إليه ليلا. فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب «1» . وجد السير فوصل إلى المهدية الظهر من يوم الخميس الثانى «2» من يوم العيد، وهو الحادى عشر من ذى الحجة سنة تسع وخمسمائة. ودخل القصر. وبدأ بتجهيز أبيه ومواراته فى قبره ثم جلس للعزاء والهناء.
ولما استقامت له الأمور، جهز أسطولا إلى جربة، وكان أهلها يقطعون على الناس فى البحر. وجعل قائد الأسطول القائد إبراهيم قائد جيشه، وأصحبه جماعة من رجال الدولة. فمضوا إليها وحاصروها وضيقوا على أهلها، حتى أذعنوا للطاعة ونزلوا على الحكم والتزموا الكف عن الفساد. فأمن من يسافر فى البحر.
وفى سنة عشر وخمسمائة، جهز جيشا إلى مدينة تونس، وبها أحمد بن خراسان. فحاصرها وضيق على من بها. فصالح ابن خراسان السلطان على ما أراد.
وفتح أيضا فى هذه السنة جبل وسلات واستولى عليه. وهو جبل منيع لم يزل أهله طول الدهر يقطعون الطريق ويقتلون الناس. فملكه وقتل من فيه.
وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة، حاصر الأمير على مدينة قابس فى البحر. وسبب ذلك أن رافع بن مكن الدهمانى أنشأ مركبا
(24/242)

بساحلها، وقصد إجراءه فى البحر فى آخر أيام يحيى فلم ينكر ذلك وأعانه بالخشب والحديد. وتوفى يحيى قبل إكماله. فلما ولى على أنف من ذلك. فعمر ست حربيات وأربع شوان. فاستعان رافع برجار صاحب صقلية، فأنفذ رجار لإعانته أصطولا «1» جملته أربعة وعشرون شينيا، لتأخذ المركب معها وتشيعه إلى صقلية لئلا تقطع عليه مراكب على. فلما اجتاز أصطول رجار بالمهدية، أخرج على الحربيات والشوانى تتبعه إلى قابس، فتوافوا «2» بها. فرجع أسطول رجار إلى صقلية وبقى أصطول على يحاصر قابس. فضيق على من بها وأثر فى مأجلها وأفسد ثم رجع إلى المهدية. وتمادى رافع فى إظهار المخالفة والتمسك بصاحب صقلية.
ذكر حصار رافع المهدية وانهزامه
قال: ثم أقبل رافع بن مكن الدهمانى على جميع قبائل العرب وحالفهم. وسار بهم لحصار المهدية ونازلها. فأمر على العسكر بالخروج وقتاله. فخرجوا عشية النهار فحملوا على رافع ومن معه حتى أزالوهم عن مواقفهم. ووصل الجند إلى أخبية العرب. فصاح الحريم: «هكذا نسبى، هكذا نستباح» . فعادت العرب ونشبت الحرب واشتد القتال إلى المغرب. ثم افترقوا، وقد قتل من عسكر رافع خلق كثير، ولم يقتل من أصحاب «3» على إلا رجل واحد. ثم
(24/243)

خرج إليهم الجند مرة ثانية واقتتلوا. فكان الظهور «1» لأصحاب على.
وهرب رافع بالليل إلى القيروان فدخلها بعد قتال. فأرسل على ابن يحيى إليه عسكرا فحاصروه بالقيروان. ووقع بينهم قتال شديد قتل فيه أحمد بن إبراهيم صاحب الجيش بسهم أصابه. وكان الغلب مع ذلك لأصحاب على. ورجع رافع إلى قابس.
وتوسط ميمون بن زياد «2» لرافع فى الصلح مع على. فأجاب إلى ذلك بعد امتناع «3» . وتم الصلح بينهما وانتظم وزالت الوحشة.
ثم وصل رسول رجار صاحب صقلية بمكاتبة يلتمس فيها تأكيد العهود وتجديد العقود. فأجاب إلى ذلك. ثم وقعت الوحشة بينهما.
فأمر «4» على بتجديد الأصطول فعمر عشرة مراكب حربية، وثلاثين غرابا، وشحنها بالرجال والعدد والنفط. وجميع ما تحتاج إليه.
وكان دأبه الحزم والصرامة والشهادة والعزم إلى أن توفى.
وكانت وفاته فى يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الاخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وكان مولده بالمهدية صبيحة يوم الأحد للنصف من صفر سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكانت مدة ولايته خمس سنين وأربعة أشهر وثلاثة «5» عشر يوما. وخلف من الأولاد
(24/244)

أربعة، وهم الحسن وباديس وأحمد «1» وعزيز.
ولما مات ولى بعده بعهده ولده الحسن.
ذكر ولاية الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى
كانت ولايته بعهد من أبيه. فاستقل بعد وفاة أبيه، وله من العمر إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وشهورا. فدبر دولته صندل الخصى وحفظ الملك. فلم تطل أيام صندل حتى مات. ووقع الاختلاف بين أكابر الدولة والقواد، وكل منهم يطلب التقدم على الجميع، ويبدى أنه صاحب الحل والعقد. فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى القائد أبى عزيز موفق، وهو من قواد أبيه، فصلحت الأمور.
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة
وفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة «2» ، استولت الفرنج على جربة «3» من بلاد إفريقية. وكان أهلها لا يدخلون تحت طاعة سلطان.
فخرج إليها جيش من صقلية وأداروا المراكب بجهاتها. فقاتل أهلها قتالا شديدا فقتل منهم خلق كثير وانهزموا. وملكها الفرنج، وغنموا الأموال، وسبوا النساء والأطفال. وهلك أكثر رجالها، وعاد من
(24/245)

بقى منهم فأخذوا لأنفسهم أمانا من صاحب صقلية وافتكوا أسراهم «1» وسبيهم.
ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس
وفى أيامه ملك الفرنج مدينة طرابلس الغرب، وذلك فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسبب ذلك أن رجار صاحب صقلية جهز أصطولا كثيرا «2» وسيره إليها. فأحاطوا بها برا وبحرا فى ثالث المحرم من السنة. فقاتلهم أهلها ودامت الحرب بينهم ثلاثة أيام. فلما كان فى اليوم الثالث سمع الفرنج صيحة عظيمة فى البلد وخلت الأسوار من المقاتلة. وكان سبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا. وأخرجت بنو مطروح طائفة. وقدموا على أنفسهم رجلا من الملثمين «3» كان قد قدم يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم. فلما نازلهم الفرنج، أغارت تلك الطائفة على بنى مطروح. فوقعت الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار «4» . فانتهز الفرنج الفرصة، ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، وملكوا المدينة. فسفكوا دماء أهلها، وسبوا نساءهم ونهبوا أموالهم «5» . وهرب من قدر على الهرب والتجئوا
(24/246)

إلى البربر والعرب. ثم نودى بالأمان «1» للناس كافة. فرجع كل من فر منها. وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها. وعند رجوعهم أخذوا رهائن أهلها والملثم وبنى مطروح ثم أعادوا رهائنهم واستقام أمر المدينة وعمرت سريعا.
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة
كان استيلاء «2» الفرنج على ذلك فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وذلك أن الغلاء تتابع «3» فى جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان أشده فى سنة اثنتين وأربعين، فإن الناس فارقوا البلاد، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، وأكل الناس بعضهم بعضا، وكثر الفناء «4» . فاغتنم رجار ملك صقلية هذه الفرصة، وعمر أصطولا نحو مائة وخمسين «5» شينيا، وشحنها بالرجال والعدد. وساروا إلى جزيرة قوصرة- وهى بين المهدية وصقلية- فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية. فأخذ أهله وأحضروا بين يدى جرجى مقدم الأصطول، فسألهم عن حال إفريقية. ووجد فى المركب قفص حمام. فأمر الرجل الذى كان
(24/247)

الحمام صحبته أن يكتب بخطه: «إننا لما وصلنا إلى قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية. فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى القسطنطينية» . وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير والناس، وأراد جرجى بذلك أن يصل بغتة.
ثم سار الأصطول من قوصرة فوصل إلى المهدية فى ثانى صفر «1» فأرسل مقدم الأسطول إلى الحسن يقول: «إنا لم نأت إلا طلبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها «2» . (وكان قد أخرج منها وبينه وبين الفرنج مودة ومصالحة) . وأما أنت فبيننا وبينك عهود ومواثيق إلى مدة، ونريد منك عهودا ومواثيق إلى مدة.
ونريد منك عسكرا يكون معنا» .
فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم. فقالوا:
«نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين «3» » . فقال: «نخشى أن ينزلوا إلى البر، ويحصرونا برا وبحرا، وتنقطع الميرة عنا وليس عندنا ما يقوم بنا شهرا واحدا. وأنا أرى سلامة المسلمين من القتل والأسر خيرا من الملك. وقد طلب منى عسكرا إلى قابس، فإن فعلت فما يحل إعانة الكفار على المسلمين، وإن امتنعت يقول:
انتقض ما بيننا من الصلح. وليس لنا بقتاله طاقة. والرأى عندى أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد. فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا» . وأمر فى الحال بالرحيل وأخذ معه ما خف حمله
(24/248)

وخرج، وتبعه الناس على وجوهم بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم. ومن الناس من اختفى عند النصارى وفى الكنائس هذا والأسطول فى البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المدينة.
فما مضى ثلثا «1» النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد.
ودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع. ودخل جرجى القصر فوجده على حاله لم يأخذ منه الحسن شيئا إلا ما خف من ذخائر الملوك. ووجد فيه عدة من حظاياه. ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة، ومن كل شىء غريب فختم عليه. وجمع سرارى الحسن فى قصر. ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم نودى بالأمان. فخرج من كان مستخفيا. وأصبح جرجى من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا البلد. فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة. وأرسل أمانا إلى من خرج من المهدية، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا.
قال: ولما استقر جرجى بالمهدية «2» سير أسطولا بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس، وأسطولا إلى مدينة سوسة. فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية- وكان على بن الحسن واليا عليها- فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه «3» . فدخلها الفرنج بغير قتال فى ثانى عشر صفر منها. أما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من
(24/249)

العرب فامتنعوا بهم. فقاتلهم الفرنج فخرج إليهم أهل البلد.
فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم المسلمون حتى أبعدوا عن البلد. ثم عطفوا عليهم فانهزم قوم إلى البلد، وقوم إلى البرية. وقتل منهم «1» جماعة. ودخل الفرنج البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة. وأسر من بقى من الرجال وسبى الحريم. وذلك فى الثالث عشر «2» من صفر منها. ثم نودى بالأمان فعاد أهلها إليها. ووصلت كتب من رجار صاحب صقلية بالأمان إلى جميع أهل إفريقية، والمواعيد الحسنة. وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس، ومن المغرب إلى دون القيروان.
ذكر انقراض دولة بنى زيرى من افريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية
كان انقراض دولتهم من إفريقية بخروج الحسن بن على بن يحيى بن تميم من المهدية، وكان خروجه منها على ما قدمناه فى ثانى صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ومدة ملكه سبعا وعشرين سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.
وعدة من ولى «3» منهم تسعة ملوك، وهم زيرى بن مناد، ثم ابنه يوسف بلكّين، ثم ابنه المنصور بن يوسف، ثم ابنه باديس
(24/250)

ابن المنصور، ثم ابنه المعز بن باديس، ثم ابنه تميم بن المعز، ثم ابنه يحيى بن تميم، ثم ابنه على بن يحيى، ثم ابنه الحسن ابن على هذا، وعليه انقرضت الدولة.
ومدة قيامهم منذ عمّر زيرى بن مناد مدينة آشير فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وإلى هذا الوقت مائتى سنة وتسع عشرة سنة، ومنذ تسلم يوسف بلكين بلاد المغرب من المعز لدين الله أبى تميم معد- عند رحيله إلى الديار المصرية على ما قدمناه- مائة سنة، وإحدى وثمانين سنة وشهرا واحدا وتسعة أيام «1» .
ولم يبق منهم ببلاد المغرب غير بنى حماد، وسنذكر انقراض دولتهم فى أخبار عبد المؤمن إن شاء الله تعالى «2» .
ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية
قال: لما خرج من المهدية سار بأهله وأولاده، وكانوا اثنى عشر ذكرا «3» غير الإناث. وقصد محرز بن زياد وهو بالمعلّقة «4» فوصل إليه فلقيه لقاء جميلا وتوجع لما حل به. وأقام عنده شهورا والحسن كاره للمقام. وأراد المسير إلى ديار مصر إلى الحافظ العبيدى، واشترى مركبا ليسافر فيه. فاتصل ذلك بجرجى الفرنجى
(24/251)

المتغلب على ملكه، فجهز شوانى لأخذه «1» . فرجع الحسن عن ذلك.
وقصد المسير إلى عبد المؤمن ببلاد المغرب يستنصر به على الفرنج. فأرسل ثلاثة من أولاده، وهم يحيى وعلى وتميم، إلى يحيى بن العزيز بالله، وهو من بنى حماد، وهما ابنا عم يرجعون كلهم فى النسب إلى زيرى بن مناد، وكان يحيى هذا قد ولى بعد أبيه. واستأذنه فى الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده إلى عبد المومن. فأذن له يحيى فى ذلك فسار الحسن إليه.
فلما وصل إلى بلاده لم يجتمع به وسيره إلى جزيرة بنى مزغنان «2» هو وأولاده ووكل بهم من يمنعهم من التصرف. فبقوا هناك إلى أن ملك عبد المؤمن مدينة بجاية فى سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
ثم صار من أصحاب عبد المؤمن وشهد معه فتح المهدية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار عبد المومن «3» .
(24/252)

ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم
كان ابتداء أمرهم- على ما حكاه عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن شداد بن الأمير تميم بن المعز بن باديس فى تاريخه المترجم «بالجمع والبيان فى أخبار المغرب والقيروان» بسند يرفعه إلى القاضى أبى الحسن على بن فنون قاضى مراكش: أن رجلا من قبيلة جدّالة من كبرائهم اسمه الجوهر أتى «1» من الصحراء إلى بلاد المغرب طالبا للحج، وذلك فى عشر الخمسين وأربعمائة «2» . وكان مؤثرا للدين، محبا فى الخير، مكرما للصالحين. فمر بفقيه يقرأ عليه مذهب الإمام مالك بن أنس وحوله جماعة. قال: والغالب أنه أبو عمران قاضى القيروان «3» . فآوى إليه وأصغى إلى ما يذكر فى مجلسه من علم الشريعة.
فأحب سماعه وأناب إليه قلبه. ثم استمر فى وجهته إلى الحج وقد أثر ذلك فى نفسه.
فلما حج وانصرف قصد المسجد الذى كان فيه الفقيه، وسمع الكلام فيما تقتضيه ملة الإسلام من الفرائض والسنن والأحكام.
فقال الجوهر: «يا فقيه، ما عندنا فى الصحراء من هذا الذى
(24/253)

تذكرونه شى إلا الشهادتين»
فى العامة، والصلاة فى بعض الخاصة» .
فقال الفقيه: «فاحمل معك «2» من يعلمهم عقائد ملتهم وكمال دينهم» . فقال له الجوهر: «فابعث معى أحد الفقهاء، وعلىّ حفظه وبره وإكرامه» . وكان للفقيه ابن أخ اسمه عمر، فقال له:
«اذهب مع هذا السيد إلى الصحراء فعلّم القبائل بها ما يجب عليهم من دين الإسلام، ولك الثواب الجزيل من الله عز وجل، والذكر الجميل من الناس» فأجابه إلى ذلك. فلما أصبح عمر من الغد جاء إلى عمه فقال له: «أعفنى من الدخول إلى الصحراء فإن أهلها جاهلية «3» ، قد ألفوا سيرا نشئوا عليها فمتى نقلوا عنها قتلوا من أمرهم بخلافها» . وكان من طلبة الفقية رجل يقال له عبد الله بن ياسين الكزولى فرأى الفقيه وقد عزّ عليه مخالفة ابن أخيه، فقال: «يا فقيه، أرسلنى معه والله المعين» . فأرسله معه «4» . وتوجها إلى الصحراء. وكان عبد الله بن ياسين فقيها عالما ورعا دينا شهما قوى النفس حازما ذا رأى وصبر وتدبير حسن.
فدخل «5» الجوهر وعبد الله بن ياسين إلى الصحراء. فانتهوا إلى قبيلة لمتونة، وهى على ربوة عالية. فلما رأوها نزل الجوهر عن جمله، وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لدين الاسلام. فأقبلت أعيان لمتونة وأكابرهم للقاء الجوهر والسلام عليه. فرأوه يقود الجمل فسألوه عنه فقال: «هو حامل سنة
(24/254)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جاء «1» يعلم أهل الصحراء ما يلزمهم فى دين الإسلام» . فرحبوا به وأنزلوه أكرم نزل.
ثم اجتمعت طائفة كبيرة من تلك القبيلة فى محفل وفيهم أبو بكر ابن عمر. فقالوا: «تذكر لنا ما أشرت إليه أنه يلزمنا؟» فقص عليهم عبد الله عقائد الإسلام وقواعده وبيّن لهم حتى فهم ذلك أكثرهم. ثم اقتضاهم الجواب، فقالوا: «أما ما ذكرته من الصلاة والزكاة فذلك قريب. وأما قولك: من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فأمر لا نلتزمه «2» ولا ندخل تحته. اذهب إلى غيرنا» .
فرحلا عنهم والجوهر الجدالى يجر زمام جمل عبد الله بن ياسين فنظر إليه شيخ كبير منهم فقال: «أرأيتم هذا الجمل؟ لا بد أن يكون له فى هذه الصحراء شأن يذكر «3» فى العالم» .
قال: وكان بالصحراء قبائل العرب، وهى لمتونة وجدالة ولمطة وانبيصر «4» وايتوارى «5» ومسوفة «6» وأفخاذ عدة، وكل قبيلة قد حازت أرضا تسرح فيها مواشيهم، ويحمونها بسيوفهم. وهذه القبائل ينسبون إلى حمير، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن فى الجيش الذى أنفذه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى
(24/255)

الشام. وانتقلوا إلى مصر ثم توجهوا إلى المغرب مع موسى بن نصير «1» . وتوجهوا مع طارق إلى طنجة ثم اختاروا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها وأقاموا بها.
قال: وسار الجوهر حتى انتهى بعبد الله إلى قبيلة جدالة.
فخاطبهم عبد الله هم والقبائل المتصلة بهم. فمنهم من سمع وأطاع ومنهم من أعرض وعصى. ثم إن المخالفين لهم تحزبوا وانحازوا.
فقال عبد الله للذين قبلوا منه الإسلام: «قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق وأنكروا دين الإسلام. فاستعدوا لقتالهم، واجعلوا لكم حزبا، وأقيموا لكم راية، وقدموا لكم أميرا» . فقال له الجوهر:
«أنت الأمير» . فقال «2» عبد الله: «لا يمكننى هذا: إنما أنا حامل أمانة الشرع، أقص عليكم نصوصه وأبين لكم طريقه، وأعرّفكم سلوكه.
ولكن أنت الأمير» . فقال الجوهر: «لو فعلت هذا لتسلطت قبيلتى على الناس ولعاثوا فى الصحراء، ويكون وزر ذلك علىّ. لا رأى لى فى هذا» . فقال عبد الله: «فهذا أبو بكر بن عمر «3» رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل جليل القدر، مشكور الحال، محمود السيرة، مطاع فى قومه، نسير إليه ونعرض تقدمة الإمرة عليه، فلحب الرياسة يستجيب إلى ذلك بنفسه، ولمكان الجاه ستجتمع إليه طائفة من قبيلته نقوى بها على عدونا. والله المستعان» .
(24/256)

ذكر ولاية أبى بكر بن عمر اللمتونى
قال: فأتوا أبا بكر بن عمر فأجاب، وعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام، وتبعه زمرة من قومه. وسماه عبد الله بن ياسين أمير المسلمين.
ورجعوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن من الطوائف الذين حسن إسلامهم، ومن الأقوام الذين تألفت قلوبهم. وحرضهم عبد الله على الجهاد فى سبيل الله، وسماهم المرابطين. وتألبت عليهم أحزاب من الصحراء معاندين من أهل الشر والفساد، وجيشوا لمحاربتهم. فلم يناجزهم الحرب ولا بادرهم «1» بلقاء بل تلطف عبد الله وأبو بكر فى أمرهم، واستمالوهم، واستعانوا على أولئك الأشرار المفسدين بالمصلحين من قبائلهم يسبونهم «2» قوما بعد قوم بضروب من التوصل حتى حصلوا منهم تحت زرب عظيم وثيق ما ينيف على ألفى رجل من المفسدين وتركوهم فيه أياما بغير طعام وهم يحفظون الزرب من سائر جهاته، وقد خندقوا حوله. ثم أخرجوهم قوما بعد قوم وقتلوهم عن آخرهم.
فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابهم كل من فيها «3» ، وقويت شوكة المرابطين. هذا وعبد الله بن ياسين يعلم الشريعة ويقرئ الكتاب والسنة، حتى صار حوله فقهاء. وكل من انقاد
(24/257)

إلى الحق على طريق الورع «1» والتقى والخشية لله والمراقبة، فرتّب له أوقاتا للمواعظ. والتذكير وإيراد الوعد والوعيد. فاستقام منهم خلق كثير، وخلصت عقائدهم وزكت نفوسهم، وصفت قلوبهم.
ذكر مقتل الجوهر الجدالى
قال: كان الجوهر أصح القوم عقيدة، وأخلصهم لله دينا، وأكثرهم صوما وتهجدا. فلما استبد أبو بكر بالأمر دونه، وعبد الله ينفّذ الأمور بالسنة، فصارت الدولة لهما. وبقى الجوهر لا حكم له فداخله الحسد، وأزلّه الشيطان، فشرع فى إفساد الأمر سرا.
فعلم بذلك منه وعقد له مجلس. فثبت عليه ما ذكر عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة، وشق العصا، وهمّ بمحاربة أهل الحق. فقال الجوهر: «وأنا أيضا أحب لقاء الله عز وجل حتى أرى ما عنده» . فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم طائعا. فضربت عنقه رحمه الله تعالى.
قال: وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا المعاندين لهم من قبائل الصحراء بالقتل والنهب والسبى إلا من أسلم منهم وسالم.
وبلغت الأخبار الفقيه بما جرى فى الصحراء على يد ابن ياسين من سفك الدماء ونهب الأموال وسبى الحريم. فعظم ذلك عليه واشمأز منه وندم على إرساله، وكتب له فى ذلك. فأجابه عبد الله بن
(24/258)

ياسين: «أما إنكارك على ما فعلت وندامتك على إرسالى، فإنك أرسلتنى إلى أمة كانت جاهلية، يخرج أحدهم ابنه وابنته «1» لرعى السوام فيعزبان «2» فى المرعى. فتأتى المرأة حاملا من أخيها ولا ينكرون ذلك. وليس دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض وقتل بعضهم لبعض. ولادية لهم «3» فى الدماء، ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقى بينهم فى الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم. فمن قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما «4» تجاوزت حكم الله ولا تعديته. والسلام» .
ذكر خروج الملثمين الى السوس أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين
قال: وفى سنة خمسين وأربعمائة، قحطت بلاد الملثمين وماتت مواشيهم ولقوا شدة عظيمة. فأمر عبد الله ضعفاءهم بالخروج إلى السوس الأقصى وأخذ الزكاة. فخرجوا وقالوا: «نحن مرابطون خرجنا إليكم من الصحراء نطلب حق الله من أموالكم» . فجمعوا لهم شيئا له بال. فرجعوا به إلى الصحراء.
ثم ضاقت الصحراء بالمرابطين لشظفها وكثرتهم. فطلبوا إظهار كلمة الحق، فخرجوا إلى السوس الأقصى. فتسامع بهم أهل بلاد
(24/259)

السوس، فاجتمعوا وجيشوا، وخرجوا لقتالهم. وصدقوهم القتال، فكسروهم. وقتل ابن ياسين، وانهزم جيش المرابطين.
فجمع أبو بكر جيشا وخرج إلى بلاد السوس ثانية فى ألفى راكب. فاجتمع عليه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنى عشر ألف فارس. فأرسل إليهم رسلا وقال لهم: «افتحوا لنا الطريق، فما قصدنا إلا غزو المشركين» . فأبوا ذلك واستعدوا للقتال. فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته ثم قال: «اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كنا على الباطل فأرحنا بالموت مما نحن فيه» .
ثم ركب ولقيهم فانهزموا. وقتل فيهم قتلا ذريعا، واستباح أسلابهم وأموالهم وعددهم. فقويت نفسه ونفوس أصحابه.
ذكر استيلائه «1» على مدينة سجلماسة
قال: ثم سار أبو بكر فى أطراف البلاد إلى مدينة سجلماسة.
فنزل عليها وطلب أصحابه من أهلها الزكاة. فقالوا لهم: «إنكم لما أتيتمونا فى عدد قليل وسعكم فضلنا. والآن فضعفاؤنا فيهم كثرة، وقد آثرناكم سنين. وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل. وإنما أنتم قوم محتالون ولو أعطيناكم أموالنا بأسرها ما عمتكم» . وخرج إليهم صاحبها فى عسكر كبير «2» فحاربوه. وطالت الحرب بينهم.
(24/260)

ثم ساروا إلى قول «1» ، وهو جبل قريب من الصحراء. فاجتمع إليهم من كزولة خلق كثير. ورجعوا إلى سجلماسة، واستولوا عليها بعد حروب. وقتل مسعود بن ورو «2» . واستخلف أبو بكر عليها يوسف بن تاشفين اللمتونى من بنى عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء. وكان فتحها فى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة «3» .
قال: ولما ولى يوسف بن تاشفين أحسن إلى الرعية واقتصر منهم على الزكاة.
قال: وأقام أبو بكر بالصحراء مدة ثم عاد إلى سجلماسة فأقام بها سنة، والخطبة والدعاء والأمر والنهى «4» له. ثم استخلف على سجلماسة ابن أخيه أبا بكر «5» بن إبراهيم بن عمر. وجهز يوسف بن تاشفين وجيشا من المرابطين إلى السوس ففتح له وعلى يديه.
وتوفى أبو بكر فى سنة اثنتين وستين وأربعمائة بالصحراء «6» .
(24/261)

ذكر ولاية يوسف بن تاشفين
قال: ولما توفى أمير المسلمين أبو بكر بن عمر، اجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وولوه أمرهم، وسموه أمير المسلمين. وكانت الدولة حينئذ فى بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا فى أيام الفتن. وهى دولة رديئة مختلة سيئة السيرة مذمومة الطريقة. وكان يوسف ومن معه على نهج السنة واتباع أئمة الشريعة فاستغات به أهل بلاد المغرب، فافتتحها شرقا وغربا بأيسر سعى.
وأحبته الرعية وصلحت أحوالهم.
ذكر بناء مدينة مراكش
قال: ثم قصد أمير المسلمين موضع مدينة مراكش «1» ، وهو قاع صفصف لا عمارة فيه، وهو سقع «2» متوسط فى مملكة بلاد المغرب كالقيروان فى بلاد إفريقية، تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة وأمنعهم معقلا. فاختط المدينة هناك ليتقوى «3» على تدويخ أهل تلك البلاد. واتخذها دار ملكه، ومقر سكنه. فلم يعانده أحد من أهل تلك النواحى لهيبته فى نفوسهم وعظم ذكره بالمغرب. وملك المدائن المتصلة بالبحر مثل سبتة وسلا وطنجة وغيرها. وكثرت أمواله وجنوده «4» .
(24/262)

وخرج إليه جماعة لمتونة وكثير من القبائل. وضيق لثامه هو وجماعته.
ذكر ما قيل فى سبب لثام المرابطين
قيل: إنهم كانوا فى الصحراء يتلثمون لشدة الحر والبرد كما يفعل العرب فى البرية، والغالب على ألوانهم السمرة. فلما ملكوا البلاد ضيقوا ذلك اللثام.
وقيل: إن طائفة منهم من لمتونة فى الصحراء خرجوا للإغارة على عدوهم. فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا الصبيان والمشايخ والنساء. فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب رجالهن، ويتعممن بالعمائم، ويسترن وجوههن باللثام، وأن يضيقنه حتى لا يعرفن. ففعلن ذلك ولبسن السلاح. وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدرن هن بالبيوت. فلما أشرف العدو رأى جمعا عظيما هاله وقال: «هؤلاء حول حريمهم يقاتلون عليه قتال نخوة «1» وقد ترجلوا للموت. والرأى أن نسوق النعم ونمضى. فإن تبعونا قاتلناهم خارج البيوت» . فبينما هم فى جمع النعم من مراعيها إذ أقبل رجال الحى، فصار العدو بينهم، فقتلوا شر قتلة ولم يسلم منهم إلا القليل. وقتل النساء منهم «2» أكثر مما قتل الرجال. فاستنّوا اللثام من ذلك الوقت. فلا يزيلونه ليلا ولا
(24/263)

نهارا حتى إن الرجل لا يأكل ولا يشرب مع أهله إلا من تحت اللثاء والمقتول منهم فى المعركة لا يعرفه أصحابه بوجهه بل بلثامه.
قال ابن شداد: ومما رأيت أنه كان لى صديق منهم بدمشق فأتيت يوما إلى زيارته. فدخلت إليه وقد غسل عمامته، وسراويله مشدودة «1» على رأسه، وقد تلثم بخلخاله. هذا بعد أن انقضت دولتهم، وتفرقت جملتهم، وتغربوا «2» فى البلاد.
قال: ولقد حكى لى من أثق به أنه رأى شيخا من الملثمين بالمغرب بعد انقضاء الدولة، منزويا فى ضفة نهر، يغسل خلقانه «3» وهو عريان، وعورته بارزة، ويده اليمنى يغسل بها والأخرى يستر بها وجهه. فقال له: «استر عورتك بيدك» . فقال: «أنا ملثم «4» بها» .
وقال بعض الشعراء فى اللثام:
قوم لهم درك العلى فى حمير ... وإذا انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا
(24/264)

وقال آخر «1» :
إذا التثموا بالرّيط خلت وجوههم ... أزاهر تبدو من فتوق الكمائم
أو التأموا بالسابرية أبرزوا ... عيون الأفاعى من جلود الأراقم «2»
نرجع الى أخبار يوسف بن تاشفين
قال: واستقامت له الأمور. وتزوج زينب بنت إبراهيم «3» زوجة أبى بكر بن عمر، وكانت حظية عنده، وأميرة «4» عليه.
وكذلك جميع الملثمين ينقادون لأمور نسائهم، ولا يسمون الرجل إلا بأمه فيقولون: ابن فلانة، ولا يقولون: ابن فلان.
وكانت زينب لها عزم وحزم. حكى عنها أن زرهون- ويعرف بابن خلوف- وكان له أدب «5» ، فبلغ زينب أنه مدح حواء امرأة سير بن أبى بكر وفضّلها على سائر النساء بالجمال والكمال. فأمرت بعزله عن القضاء. فوصل إلى أغمات واستأذن عليها. فدخل البواب وأعلمها به، فقالت: «قل له: امض إلى التى مدحتها تردك إلى القضاء» . فبقى بالباب أياما حتى نفدت نفقته.
(24/265)

فأتى إلى خادمها فقال له: «إن مولاتك صرفتنى ونقمت على مدحى لامرأة سير. ولو علمت أن ذلك يغضبها ما قلته. وقد نفدت نفقتى، وأردت بيع هذا المهر، وعزّ على أن يصير فى يد من لا يستحقه، وأنا أحب أن تعطينى مثقالين أتزود بهما إلى أهلى. وخذ المهر فأنت أحق به» . فسر الخادم وأعطاه مثقالين وأخذ المهر.
ودخل على مولاته زينب وهو فرحان. فقالت له: «ما شأنك؟» فأخبرها الخبر. فرقت للقاضى وندمت على ما فعلت به. وقالت:
«اذهب فأتنى به الساعة» . فأحضره إليها. فقالت له: «تمدح زوجة سير وتفضلها على سائر النساء، وخرجت فى وصفك لها عن الحد، وزعمت أن ليس فى الأرض أجمل منها، وما هذه منزلة القضاء «1» ولا يليق بك أن تنزل «2» نفسك فى هذه المنزلة» . فقال ارتجالا:
أنت بالشمس لا حقه ... وهى بالأرض لاصقه
فمتى ما مدحتها ... فهى من سير طالقه
فقالت له: «يا قاضى، طلقتها منه؟» قال: «نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة» . فضحكت حتى افتضحت وقالت له: «والله، لا شم «3» لها قفا أبدا» . وكتبت إلى يوسف برده إلى القضاء، فرده.
(24/266)

ذكر استيلائه على مدينة أغرناطة من جزيرة الأندلس
كان سبب ذلك ما قدمناه فى أخبار الدولة العبادية أن المعتمد بن عباد لما وقع بينه وبين الأدفونش «1» ملك الفرنج صاحب طليطلة، وقتل ابن عباد رسله، وجمع الأدفونش عساكره؛ استنجد ابن عباد بأمير المسلمين «2» يوسف بن تاشفين. فدخل بعساكره إلى جزيرة الأندلس، واجتمع بالمعتمد بن عباد، وتوجها جميعا لقتال الفرنج.
وكانت وقعة الزلاقة التى انهزم فيها الأدفونش وقتل عامة عسكره على ما قدمناه مبيّنا فى أخبار المعتمد بن عباد. وذلك فى العشر الأول «3» من شهر رمضان سنه تسع وسبعين وأربعمائة «4» .
ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأقام بها إلى العام الآتى «5» .
ثم دخل إلى الأندلس. وخرج إليه محمد بن عباد من إشبيلية فى عسكره. وأتى عبد الله بن بلكين صاحب أغرناطة فى عسكره.
(24/267)

وساروا حتى نزلوا على ليطة «1» ، وهو حصن منيع كان فيه النصارى فحاربوه أياما فلم يطيقوا فتحه، فرحلوا عنه بعد مدة.
ورجع المعتمد إلى إشبيلية. وكان طريق يوسف بن تاشفين على مدينة أغرناطة. فدخل عبد الله بن بلكين إليها ليخرج إلى يوسف الوظائف. فغدر به يوسف ودخل أغرناطة وأخرجه منها واستولى عليها «2» . ودخل قصر عبد الله فوجد فيه من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك من ملوك الأندلس. ومما وجد فيه سبحة فيها أربعمائة جوهرة، قوّمت كل جوهرة بمائة مثقال «3» ؛ ومن أنواع الجواهر واليواقيت والزمرد ما لا تحصى قيمته؛ من العين ألف ألف «4» دينار؛ ومن فاخر الثياب وأوانى الذهب والفضة ما لا تعرف له قيمة. وأخرج منها تميم بن بلكين أخا عبد الله، وسار بهما إلى مراكش. وذلك فى سنة ثمانين وأربعمائة «5» . ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأطاعه من كان لم يطعه من بلاد السوس وورغة وقلعة مهدى.
(24/268)

ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس
وفى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ملك من جزيرة الأندلس ما كان بقى بيد المسلمين بها، وهى قرطبة وإشبيلية والمرية وبطليوس.
وذلك أنه سار فى هذه السنة من مراكش إلى سبتة. وأدخل العساكر مع سير بن أبى بكر إلى الأندلس وحشد خلقا كثيرا، وأمره بمحاصرة إشبيلية. فحاصرها وفتحها فى يوم الأحد لتسع بقين من شهر رجب من هذه السنة. وأسر المعتمد بن عباد ونقله إلى أغمات فحبسه بها حتى مات، على ما قدمناه مبينا فى أخبار ابن عباد «1» .
قال: ثم خرج سير من إشبيلية إلى مدينة المرية فنزل عليها.
وكان واليها محمد بن معن بن «2» صمادح فقال لولده: «مادام المعتمد بن عباد بإشبيلية فلسنا نساءل عنه» . فأتاه الخبر بفتح إشبيلية وأسر ابن عباد فمات غما. فخرج ولده بإخوته وأهله فى مركب حربى شحنه بأمواله. وأقلع إلى الجزائر والتحق ببنى حماد، فأحسنوا إليه وأسكنوه مدينة تدلّس.
قال: وكان أبو محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة «3» المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس ممن أعان المعتمد، فلما سمع بإشبيلية رجع إلى بلده «4» . فسار إليه سير بن أبى بكر فحاربه
(24/269)

وغلبه. وأتى به وبولده»
الفضل أسيرين، فأمر سير بضرب أعناقهما. فقال: «قدّموا ولدى قبلى للقتل ليكون فى صحيفتى» .
فقتل قبله ثم قتل هو بعده.
قال: ولم يترك سير من ممالك الأندلس وملوكهم سوى بنى هود.
فإنه لم يقصد بلادهم وهى شرقى الأندلس. وصاحبها يومئذ المستعين بالله [بن] «2» هود، وهو من الشجعان الذين يضرب بهم المثل.
وكان قد حصّل عنده من آلات الحصار والأقوات ما يكفيه عدة سنين بمدينة روطة، وكانت قلعة حصينة. وكان يهادن أمير المسلمين قبل ملكه الأندلس ويكثر مراسلته. فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه على ابن يوسف عند موته بترك التعرض إلى بلاد [بنى] هود. وقال «اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان» .
قال: وتتابعت الفتوح على أمير المسلمين حتى احتوى على جميع بلاد الأندلس التى كانت للمسلمين وما والاها من البلاد فى البر الكبير، من جميع بلاد السوس والجبال والصحراء. وفتح فى بلاد الفرنج فتوحا كثيرا.
(24/270)

ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا
قال، كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولى سيد قبيلة كزولة، ملك جبلها، وهو جبل شامخ منيف، وهى قبيلة كبيرة وكان بينه وبين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع. فلما كان فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، أرسل يوسف إليه يطلب الاجتماع به.
فركب حتى قاربه «1» ثم رجع وخافه على نفسه. فكتب إليه أمير المسلمين يحلف «2» أنه ما أراد به سوءا ولا قصد إلا خيرا. فلم يرجع لذلك.
فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مثلها إن سار إلى محمد بن إبراهيم وتحيّل فى قتله. فسار الحجام ومعه مشاريط.
مسمومة فصعد الجبل. وجعل ينادى بالقرب من مساكن محمد.
فسمعه فقال: «هذا الحجام من بلدنا؟» فقيل: «إنه غريب» .
فقال: «أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت منه» . فأحضره عنده.
واستدعى حجاما غيره وأمره أن يحجمه بمشاريطه التى معه. فامتنع الحجام الغريب. فأمسك وحجم بها، فمات. فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظا وحنقا، ولج فى السعى فى أذى يوصله إلى الكزولى.
فاستمال قوما من أصحابه فمالوا إليه. فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم. فحضروا عند محمد وقالوا: «قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل، وأردنا إتحافك به» . وأحضروها بين يديه.
(24/271)

فلما قدمت له أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك القوم الذين أحضروا العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفوا من الأكل. فقال: «من لم يأكل منه قتل بالسيف» . فأكلوا فماتوا عن آخرهم.
فكتب إلى أمير المسلمين: «إنك قد أردت قتلى بكل سبب فلم يظفّرك الله، وكشف لى عن سريرتك «1» . وقد أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطنى إلا هذا الجبل. وهو فى بلادك كالشامة البيضاء فى الثور الأسود. فلم تقنع «2» بما أعطاك الله عز وجل» .
فكفّ أمير المسلمين عنه.
ذكر ولاية أمير المسلمين من قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله
قال: كان الفقهاء بالأندلس قالوا لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين:
«إنه لا تجب طاعتك على المسلمين حتى يكون لك عهد من الخليفة» .
فأرسل قوما من أهله إلى بغداد بهدية نفيسة، وكتاب يذكر فيه ما فعل بالفرنج، وما قصده من نصرة الدين والجهاد فى سبيل الله.
فجاءه رسول من أمير المؤمنين أبى العباس أحمد المستظهر بالله «3»
(24/272)

بهدية وكتاب وتقليد وخلع. ودام ملك أمير المسلمين إلى سنة خمسمائة فتوفى فيها «1» . فكانت مدة ولايته ثمانى وثلاثين سنة تقريبا.
وكان ديّنا حازما سئوسا ذا دهاء، إلا أنه أبان عن لؤم لما اعتقل المعتمد بن عباد بأغمات، فإنه لم يجر «2» عليه ما يقوم به حتى كانت بناته يغزلن بالأجرة للناس وينفقن عليهن وعليه.
ولما مات يوسف ولى بعده ابنه.
ذكر ولاية على بن يوسف بن تاشفين
كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى سنة خمسمائة. وكان أبوه قد عقد له الأمر بعده فى سنة تسع وتسعين وأربعمائة «3» فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين. وكان يقتدى فى القضايا والأحكام بفقهاء بلاده، ويقربهم ويكرمهم. وإذا أتته نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها. وسار فى رعيته أحسن سيرة، فأحبه الناس واشتملوا عليه ومالوا اليه.
ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم
وفى سنة خمس وخمسمائة «4» ، خرج ملك الفرنج صاحب
(24/273)

طليطلة إلى بلاد الإسلام وجمع وحشد. وكان قد قوى «1» طمعه فى البلاد لما مات يوسف بن تاشفين. فخرج أمير المسلمين على لحربه، ولقيه واقتتلوا قتالا شديدا. وكان الظفر للمسلمين، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتلوا قتلا «2» ذريعا، وأسر منهم أسرى كثيرة، وسبى، وغنم من أموالهم ما يخرج عن الإحصاء. فخافه الفرنج بعد لك. وامتنعوا من قصد بلاده «3» وذل الأدفونش.
ذكر الفتنة بقرطبة
وفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل: أربع عشرة، كانت فتنة عظيمة بين عسكر أمير المسلمين على بن يوسف وبين أهل قرطبة وسببها أنه كان قد استعمل عليها أبا بكر يحيى بن داود «4» . فلما كان يوم عيد الأضحى، خرج الناس متفرجين. فمد عبد من عبيد أبى بكريده إلى امرأة ومسكها. فاستغاثت بالمسلمين فأعانوها «5» .
فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة. ودامت جميع النهار إلى الليل وتفرقوا. واجتمع الفقهاء والأعيان إلى أبى بكر وقالوا له:
«المصلحة أن تقتل واحدا من العسد الذين أثاروا الفتنة» . فأنكر ذلك وغضب منه.
(24/274)

وأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد وأراد قتال أهل البلد فركب الفقهاء والأعيان والشباب، وقاتلوه فهزموه. وتحصن منهم بالقصر، فحصروه ونصبوا السلاليم وصعدوا إليه. فهرب من البلد بعد مشقة وتعب. فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين «1» ونهبوا أموالهم. وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة.
واتصل الخبر بأمير المسلمين فأكبر «2» ذلك واستعظمه.
وجمع العساكر من صنهاجة وزنانة والبربر وغيرهم. وجاء إلى قرطبة فى سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصرها. فقاتلهم أهلها قتال من يذب عن نفسه وماله وحريمه. فلما رأى شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا فى الصلح. فأجاب إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة للمرابطين ما نهبوه من أموالهم. فاستقرت القاعدة على ذلك، وعاد عن قتالهم.
وفى أيام على بن يوسف، ظهر المهدى محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن على، فضعف أمر الملثمين. وكان بينهم من الحروب ما نذكره فى أخبار «3» الموحدين.
وكانت وفاة على بمراكش فى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة «4» .
فكانت مدة ولايته خمسا وثلاثين سنة.
وولى بعده ابنه.
(24/275)

ذكر ولاية تاشفين بن على بن يوسف بن تاشفين
كان أبوه قد ولاه العهد وأخرجه لحرب «1» عبد المؤمن.
فما زال يحاربه والغلبة والظفر لعبد المؤمن إلى أن توفى والده على بن يوسف. فاستقل بالأمر بعده ولازم حرب عساكر عبد المؤمن إلى أن مات فى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة «2»
[اسحاق بن على]
وولى بعده أخوه إسحاق بن على فضعف أمر دولتهم، واستولى عبد المؤمن على البلاد وملكها بلدا بلدا، إلى أن حاصر عبد المؤمن مراكش وملكها فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله عبد المؤمن صبرا. وانقرضت دولة الملثمين.
وكانت مدة ولايتهم من حين خرجوا من البرية فى سنة خمسين وأربعمائة إلى أن قتل إسحاق إحدى وتسعين سنة. وعدة من ملك منهم خمسة ملوك، وهم أبو بكر بن عمر، ثم يوسف بن تاشفين، ثم ابنه على بن يوسف، ثم ابنه تاشفين بن على، ثم إسحاق بن على «3» . وعليه انقرضت الدولة. وسنورد فى أخبار الموحدين طرفا من أخبارهم وحروبهم، إن شاء الله تعالى.
(24/276)

ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم
أول من ظهر من ملوك هذه الدولة، وأسس قواعدها، وقام بأعبائها وأنشأها، المهدى محمد بن تومرت. وكان ابتداء أمره وظهوره فى سنة أربع عشرة وخمسمائة «1» . وسنذكر ابتداء حاله وكيف تنقلت «2» به الحال وما كان منه، إن شاء الله تعالى
ذكر أخبار المهدى محمد بن تومرت
هو أبو عبد الله محمد بن تومرت الحسنى «3» ، وقبيلته من المصامدة تعرف بهرغة فى جبل السوس، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير. وكان ابتداء أمر المهدى أنه رحل فى شبيبته إلى بلاد المشرق فى طلب العلم. وكان فقيها فاضلا محدّثا، عارفا بأصولى الدين والفقه، محققا لعلم العربية، وكان ورعا ناسكا. ووصل فى سفره إلى العراق. واجتمع بالغزالى والكيا الهراسى، وقيل: لم يجتمع بالغزالى. واجتمع بأبى بكر الطرطوشى «4» بالإسكندرية. وحج ورجع إلى المغرب.
قال: ولما ركب البحر من الإسكندرية مغرّبا غيّر المنكرات
(24/277)

فى المركب. وألزم من فيه بإقامة الصلاة وقراءة القرآن حتى انتهوا إلى المهدية، وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وذلك فى سنة خمس وخمسمائة. فنزل بمسجد وليس معه سوى ركوة «1» وعصا. فتسامع به أهل البلد فقصدوه يقرئون عليه أنواع العلوم. فكان إذا مر به المنكر أزاله وغيره. فلما كثر ذلك منه، أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء. فأعجبه سمته وكلامه فاحترمه وسأله الدعاء.
ثم رحل من المهدية وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين «2» مدة.
وسار إلى بجاية وفعل مثل ذلك. فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة «3» ، فلقيه بها عبد المؤمن. فرأى منه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم «4» والقيام بالأمر. فسأله عن اسمه وقبيلته. فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بنى سليم فقال محمد بن تومرت: «هذا الذى بشربه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: إن الله لينصر هذا الدين فى آخر الزمان برجل من قيس. فقيل: من أى قيس؟ فقال: من بنى سليم» .
واستبشر بعبد المؤمن وسرّ بلقائه. وكان مولد عبد المؤمن بمدينة
(24/278)

تاجرة «1» من أعمال تلمسان، وهو من بنى عائد قبيلة من كومة «2» نزلوا بذلك الإقليم فى ثمانين ومائة.
قال: ولم يزل المهدى يلازم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى أن وصل إلى مراكش، وهى دار مملكة على بن يوسف ابن تاشفين. فرأى فيها من المنكرات أكثر مما عاينه فى طريقه.
فزاد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فكثر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه.
فبينما هو فى بعض الأيام فى طريقة، إذ رأى أخت أمير المسلمين فى موكبها ومعها عدة من الجوارى الحسان، وهن مسفرات. وكانت هذه من عادتهم «3» . فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن. وضرب هو وأصحابه دوابهن.
فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها. فرفع أمره إلى أمير المسلمين على بن يوسف. فأحضره الفقهاء لمناظرته، فأخذ يعظه ويذكّره ويخوفه، فبكى أمير المسلمين «4» . وأمر أن يناظروه فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته. وكان عند أمير المسلمين رجل من وزرائه «5» اسمه مالك بن وهيب «6» فقال له:
(24/279)

«يا أمير المسلمين إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما هو يريد إثارة فتنة والغلبة على بعض النواحى، فاقتله وقلّدنى دمه» . فلم يفعل ذلك فقال: «إذا لم تقتله فاحبسه وخلّده فى السجن وإلا أثار شرا لا يمكن تلافيه» . فأراد حبسه فمنعه من ذلك رجل من أكابر الملثمين يسمى بنيان بن عمران «1» . فأمر بإخراجه من مراكش.
فسار إلى أغمات ولحق بالجبل. وسار منه حتى التحق بالسوس الذى فيه قبيلته هرغة وغيرهم من المصامدة، وذلك فى سنة أربع عشرة وخمسمائة. فأتوه واجتمعوا حوله. وتسامع به أهل تلك النواحى فوفدوا إليه، وحضر أعيانهم بين يديه. فجعل يعظهم، ويذكرهم شعائر الإسلام وما غيّر منها وما حدث من الظلم والفساد، وأنه لا تجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب قتالهم ومنعهم مما هم عليه. فأقام على ذلك نحو سنة. وتابعته قبيلة هرغة.
وسمى أتباعه الموحدين. وأعلمهم أن النبى صلى الله عليه وسلم بشر بالمهدى الذى يملأ الأرض عدلا، وأن مكانه الذى يخرج منه المغرب الأقصى. فقام إليه عشرة رجال منهم عبد المؤمن فقالوا:
«لا يوجد هذا إلا فيك، وأنت المهدى» . وبايعوه على ذلك.
فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشا من أصحابه لقتاله.
فلما قربوا من الجبل الذى هو فيه قال لأصحابه: «إن هؤلاء يريدوننى وأخاف عليكم منهم. والرأى أن أخرج إلى غير هذه البلاد لتسلموا
(24/280)

أنتم» . فقال له ابن توفيان «1» من مشايخ هرغة: «هل تخاف شيئا من السماء؟» فقال: «بل من السماء تنصرون» . فقال ابن توفيان: «فليأتنا كل من فى الأرض» . ووافقته جميع قبيلته. فقال المهدى عند ذلك: «أبشروا بالنصر والظفر «2» بهذه الشرذمة. وبعد قليل تستأصلون دولتهم وترثون أرضهم» . فنزلوا من الجبل ولقوا «3» جيش أمير المسلمين، فهزموهم وأخذوا أسلابهم. وقوى ظنهم بصدق المهدى حيث ظفروا كما أخبرهم.
فأقبلت إليه أفواج القبائل من الجبال التى حوله شرقا وغربا فأقبل عليهم واطمأن إليهم، وأتته رسل أهل تينملّ «4» بطاعتهم وطلبوه إليهم. فتوجه إلى جبل تينمل وأقام به واستوطنه.
وبايعته قبيلة هنتاتة، وهى من أقوى القبائل. وألف كتابا فى التوحيد، وكتابا فى العقيدة. ونهج لمن معه طريق الأدب مع بعضهم بعضا، والاقتصار على لباس الثياب القليلة الثمن. وهو فى خلال ذلك يحرضهم على قتال عدوهم، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم. وبنى له مسجدا بتينمل خارج المدينة، فكان يصلى فيه الصلوات الخمس هو وجميع من معه، ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة.
(24/281)

فلما رأى كثرة أهل البلد وحصانة المدينة، خاف أن يرجعوا عنه. فأمرهم أن يحضروا عنده بغير سلاح. ففعلوا ذلك عدة أيام. ثم أمر أصحابه أن يقتلوهم، فقتلوهم فى ذلك المسجد.
ثم دخل المدينة فقتل فيها «1» وأكثر، وسبى الحريم، ونهب الأموال. فكانت عدة القتلى خمسة عشر ألفا. وقسم المساكن والأرض بين أصحابه. وبنى على المدينة سورا وقلعة على رأس جبل تينمل، وهو جبل عال فيه أشجار وزرع «2» وأنهار جارية، والطريق إليه صعب.
وقيل: إنه لما خاف أهل تينمل، نظر إلى أولادهم فرآهم شقرا زرقا، والذى يغلب على الآباء السمرة، فقال لهم:
«مالى أراكم سمر الألوان وأولادكم شقرا زرقا؟» فقالوا: «إن لأمير المسلمين «3» عدة من المماليك الفرنج والروم، وإنهم يصعدون إلى هذا الجبل فى كل عام مرة، يأخذون ما لهم فيه من الأموال المقررة من جهة السلطان، فيسكنون البيوت، ويخرجون أصحابها منها» فقبّح الصبر على هذا وأزرى عليهم وعظّم الأمر عندهم. فقالوا له: «فكيف الحيلة فى الخلاص منهم، وليس لنا بهم قوة؟» فقال: «إذا حضروا عندكم فى الوقت المعتاد وتفرقوا فى مساكنكم، فليقم كل رجل إلى نزيله فيقتله، واحفظوا جبلكم فإنه لا يرام» . ففعلوا ذلك عند
(24/282)

مجىء مماليك أمير المسلمين إليهم ثم خافوا على نفوسهم فامتنعوا فى الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم منه.
فقويت عند ذلك نفس المهدى ثم أرسل أمير المسلمين جيشا كثيفا. فحصرهم فى الجبل وضيق عليهم ومنع عنهم الميرة. فقلّت الأقوات عند أصحابه، فكان يطبخ لهم الحساء فى كل يوم، وجعل قوت الرجل منهم أن يغمس يده فى ذلك الحساء ويخرجها، فما علق عليها فهو قوته فى ذلك اليوم.
فاجتمع أهل تينمل وأرادوا إصلاح حالهم مع أمير المسلمين فبلغه ذلك فأعمل «1» من الحيلة عليهم ما نذكره.
ذكر خبر أبى عبد الله الونشريسى «2»
قال: كان مع المهدى إنسان يقال له أبو عبد الله الونشريسى، وهو يظهر الوله «3» وعدم المعرفة بشىء من العلم والقرآن، وبصاقه يجرى على صدره، وهو كالمعتوه، والمهدى يقربه ويكرمه ويقول: «إن لله سرا فى هذا الرجل سوف يظهر» .
هذا والونشريسى يشتغل بالقرآن والعلم فى السر بحيث لا يعلم به أحد.
فلما كان فى سنة تسع عشرة وخمسمائة، خاف «4»
(24/283)

المهدى من أهل الجبل. فخرج يوما لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا طيب الرائحة، فأظهر أنه لا يعرفه وقال: «من هذا؟» قال: «أنا أبو عبد الله الونشريسى» . فقال له المهدى: «إن أمرك لعجيب» . ثم صلى. فلما فرغ من صلاته نادى فى الجبل. فاجتمع الناس وحضروا إليه. فقال لهم:
«إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريسى، فانظروه وحققوا أمره» .
فلما أضاء النهار عرفوه. فقال له المهدى: «ما قصتك؟» قال: «إننى أتانى الليلة ملك من السماء، فغسل قلبى، وعلمنى القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث» . فبكى المهدى بحضرة الناس ثم قال: «نمتحنك؟» فقال: «افعل» .
وابتدأ بقراءة القرآن فقرأه قراءة حسنة من أى موضع سئل.
وكذلك الموطأ وغيره وكتب الفقه والعلوم والأصول. فعجب الناس من ذلك واستعظموه.
ثم قال: «إن الله قد أعطانى نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة، قد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر الفلانية يشهدون بصدقى» .
فسار المهدى والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر. ووقف عند رأسها وصلى وقال: «يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت» . فسمع من أسفل البئر: «صدق، صدق» وكان قد رتب بها رجالا يفعلون ذلك. فلما تكلموا قال المهدى: «إن هذه البئر بئر مطهّرة مقدّسة قد نزل إليها
(24/284)

الملائكة، والمصلحة أن تطمّ «1» لئلا يقع فيها نجاسة» .
فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها.
ثم نادى فى الجبل بالحضور للتمييز ومعناه العرض. فكان الونشريسى يعمد إلى الرجل الذى تخاف ناحيته فيقول: «هذا من أهل النار» . فيلقى من الجبل، وإلى الشاب الغر ومن لا يخشاه فيقول: «هذا من أهل الجنة» . فيترك عن يمينه.
فكانت عدة القتلى سبعين ألفا. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه. هذا هو المشهور عنه فى التمييز.
وقيل إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد فى الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم: «إنكم لا يصلح لكم دين ولا تقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإخراج المفسدين من بينكم، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم، فإن انتهوا وإلا فأثبتوا أسماءهم وارفعوها إلىّ لأنظر فى أمرهم.
ففعلوا ذلك وكتبوا له «2» أسماء المفسدين من كل قبيلة.
ثم أمرهم بذلك مرة ثانية «3» وثالثة. ثم جمع أوراقهم وأخذ منها ما تكرر من الأسماء «4» وأثبته عنده. ودفع ذلك إلى الونشريسى المعروف بالبشير. وأمره أن يعرض
(24/285)

القبائل، وأن يجعل أولئك من جهة الشمال، ومن عداهم فى جهة اليمين، ففعل ذلك. وأمر المهدى أن يكتف من على شمال الونشريسى فكتّفوا. ثم قال: «إن هؤلاء أشقياؤكم قد وجب قتلهم» . وأمر كل قبيلة بقتل أشقيائها.
فقتلوا عن آخرهم.
قال: ولما فرغ من التمييز رأى من بقى من أصحابه على نيات خالصة وقلوب متفقة على طاعته. فجهز جيشا وسيّرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع كبير «1» من المرابطين. فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت «2» ، وكان أميرهم الونشريسى. وقتل كثير منهم. وجرح عمر أنتات «3» وهو الهنتاتى، وكان من أكبر أصحاب المهدى وسكن حسّه ونبضه. فقالوا: «مات» . فقال الونشريسى:
«لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد» . فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه. فافتتنوا به ورجعوا إلى ابن تومرت فوعظهم وشكر صبرهم.
ثم لم يزل بعد ذلك يرسل السرايا فى أطراف البلاد فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا على أنفسهم.
وعلا أمر المهدى فرتب أصحابه على طبقات.
(24/286)

ذكر ترتيب أصحاب المهدى
قال: ورتب المهدى أصحابه مراتب. فالأولى آية عشرة، يعنى أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ثم أبو حفص عمر انتات «1» وهو الهنتاتى وغيرهما، وهم أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، والسابقون إلى مبايعته «2» .
والثانية آية خمسين، وهم دون تلك الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل «3» .
والثالثة آية سبعين، وهم دون الذين قبلهم فى الرتبة والسابقة.
[وسمى] «4» عامة أصحابه والداخلين «5» فى طاعته موحدين.
ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى
قال: وفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، جهز المهدى جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا أكثرهم رجالة «6» . وجعل عليهم الونشريسى
(24/287)

وسير معه عبد المؤمن. فساروا إلى مراكش وحصروها وضيقوا على من بها، وبها أمير المسلمين على بن يوسف. فبقى الحصار عليها عشرين «1» يوما. فأرسل أمير المسلمين «2» إلى متولى سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش. فجمع جمعا كثيرا وسار. فلما قارب عسكر المهدى، خرج أهل مراكش من غير الجهة التى أقبل «3» منها. والتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل فى أصحاب المهدى. وقتل أميرهم الونشريسى. فولوا عبد المؤمن أمرهم، وقدموه عليهم. ودام القتال بينهم «4» عامة النهار. وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة. فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير يسمونه عندهم البحيرة. وصاروا «5» يقاتلون من وجه واحد إلى أن حجز بينهم الليل.
قال: ولما قتل الونشريسى، دفنه عبد المؤمن لوقته سرا. فطلبه المصامدة فلم يروه فى القتلى فقالوا: «رفعته الملائكة» .
قال: ولما جنّهم الليل، سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل «6» إلى الجبل. وسميت هذه الوقعة بالبحيرة، وعام البحيرة.
(24/288)

ذكر وفاة المهدى محمد بن تومرت
كانت وفاته فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة «1» ، وذلك أنه مرض بعد إرسال الجيش لحصار مراكش واشتد مرضه. وأتاه خبر الهزيمة وقتل الونشريسى، فسأل عن عبد المؤمن. فقيل: «هو سالم» . فقال: «ما مات أحد، والأمر قائم، وهو الذى يفتح كل البلاد» . ووصى أصحابه بتقديمه، واتباعه، وتسليم الأمر إليه، والانقياد له. ولقبه أمير المؤمنين ثم مات. وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وقيل: مات وله خمس وخمسون سنة. ومدة ولايته عشر سنين «2» .
ذكر ولاية عبد المؤمن بن على «3»
كانت ولايته بعد وفاة المهدى محمد بن تومرت فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بوصية من المهدى كما ذكرناه «4» . وكان فى الغزو فعاد إلى تينمل وتسلم «5» الأمر، وتلقّب بأمير المؤمنين على ما لقّبه به المهدى قبل وفاته. وأقام يتألف القلوب ويحسن إلى الناس إلى «6» سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
(24/289)

ذكر خروجه للغزو «1» وما فتحه من البلاد ومن «2» أطاعه من القبائل
قال: وفى هذه السنة ابتدأ عبد المؤمن بالغزو. وسار فى جيش كثيف، وجعل يمشى فى الجبل إلى أن وصل إلى تادلة «3» .
فمانعه أهلها وقاتلوه فهزمهم وفتحها. وتم منها إلى البلاد التى تليها.
ومشى فى الجبال يفتح «4» ما امتنع عليه. وأطاعه صنهاجة الجبل.
قال: فعند ذلك جعل أمير المسلمين على بن يوسف ولده تاشفين بن على ولى عهده، وأحضره من الأندلس، وكان أميرا عليها، وندبه لقتال عبد المؤمن، وذلك فى سنة إحدى وثلاثين «5» . فسار تاشفين لحربه «6» ، فكان يمشى فى الصحراء وعبد المؤمن فى الجبال.
وفى سنة اثنتين وثلاثين، كان عبد المؤمن بجيشه فى النواظر- وهو جبل عال مشرف- وتاشفين فى الوطأة، ويخرج من الطائفتين قوم يتطاردون ويترامون، ولم يكن بينهم لقاء. وسمى هذا عام النواظر، ويؤرخونه به.
(24/290)

وفى سنة ثلاث وثلاثين، توجه عبد المؤمن مع الجبل «1» فى الشّعراء «2» حتى انتهى إلى جبل كرانطة «3» . فأقام به فى أرض صلبة بين شجر، وتاشفين قبالته فى الوطأة فى أرض لينة «4» لا نبات بها. وكان الفصل شتاء، فتوالت الأمطار أياما كثيرة. فصار الموضع الذى فيه تاشفين وعسكره كالسباخ لا يستطيع الماشى أن ينقل فيها قدما. وقلّت الأقوات عندهم فهلكوا جوعا وبردا حتى وقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم، وعبد المؤمن ومن معه فى تلك الأرض الصلبة والميرة تصل إليهم.
وفى ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجدة «5» من أعمال تلمسان. وقدم عليهم أبا عبد الله محمد بن رفوا «6» من آية خمسين.
فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى متولى تلمسان. فخرج إليهم بجيش من الملثمين فالتقوا بموضع يعرف بمرج الحمر «7» . واقتتلوا فهزمهم الموحدون. وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه، وغنم الموحدون ما معهم ورجعوا بأسلابهم إلى عبد المؤمن.
(24/291)

فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى جبال غمارة فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة. وأقام عندهم مدة.
وما برح يمشى فى الجبال وتاشفين يحاذيه فى الصحارى إلى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فتوفى على بن تاشفين بمراكش، وملك بعده ابنه تاشفين. فقوى طمع عبد المؤمن فى البلاد إلا أنه لم ينزل «1» الصحراء.
وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، توجه عبد المؤمن إلى تلمسان.
فنازلها وضرب خيامه فى جبل عال بأعلاها يسمى بين الصخرتين.
ونزل تاشفين خارج مدينة تلمسان على باب القرمادين. وكان بين أقوام من العسكرين مراماة ومطاردة مع الأيام. ودام ذلك أشهرا. ولم يكن بينهم مناجزة.
ورحل عبد المؤمن فى سنة تسع وثلاثين «2» إلى جبل تاجرة.
ووجه جيشا مع عمر بن يحيى الهنتاتى إلى مدينة وهران. فهاجمها بغتة وصار هو وجيشه فيها. فسار إليه تاشفين فخرج الهنتاتى منها.
ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد. وذلك فى شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
فلما كان فى ليلة سبع وعشرين من الشهر. وهى ليلة معظمة سيما بالمغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر، وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون- وهو موضع معظم عندهم- فسار «3» إليه تاشفين فى
(24/292)

نفر قليل من خاصة أصحابه «1» . وصعد إلى ذلك المعبد سرا بالليل، ولم يعلم به إلا النفر الذين معه. وقصد التبرك بحضور ختم القرآن مع الصالحين. فانتهى خبره إلى الهنتاتى، فسار لوقته بجميع عساكره إلى ذلك المعبد، وأحاطوا به وملكوا الربوة. فخاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه، فركب فرسه وحمل به إلى جهة البحر من جرف عال فسقط على حجارة فهلك. ورفعت جثته على خشبة، وقتل من كان معه.
وقيل: إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه «2» بستان كبير فيه من كل الفواكه. واتفق أن الهنتاتى سير سرية إلى ذلك الحصن لضعف من فيه، ولم يعلم أن تاشفين هناك. فألقوا النار فى باب الحصن فاحترق. فركب تاشفين فرسه وأراد الهرب.
فوثب به الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور فسقط فى النار.
فأخذ تاشفين فعرف. فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات لوقته.
وتفرق عسكره واحتمى بعضهم بمدينة وهران.
قال: وأرسل المرحدون بالخبر إلى عبد المؤمن. فجاء من تاجرة فى يومه «3» ، ودخل وهران بالسيف وقتل من فيها.
(24/293)

ذكر استيلاء عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلا وسبتة
قال: ثم سار عبد المؤمن إلى تلمسان، وهى مدينتان بينهما شوط.
فرس: تاجررت «1» وبها أصحاب السلطان، والأخرى أجادير.
وتاجررت ينطق بها بجيم محيرة «2» بين الكاف والجيم، وكذلك أجادير. وتاجررت محدثة البناء، وأجادير قديمة. فامتنعت أجادير وتأهب أهلها للقتال. وأما تاجررت فكان بها يحيى بن الصحراوية «3» واليا عليها فخرج منها بعسكره فارا إلى مدينة فاس. ودخلها عبد المؤمن، فلقيه أهلها بالخضوع والاستكانة. فلم يقبل ذلك منهم وقتل أكثرهم.
ثم رحل عنها فى سنة أربعين وخمسمائة إلى مدينة فاس. ورتب على أجادير جيشا يحصرها «4» ، وجعل عليهم يوسف بن وانودين ابن تامصلت الهنتاتى «5» . فداوم الحصار وضيق على من بها، ونصب عليها المجانيق وأبراج الخشب والدبابات. ودام الحصار نحو سنة «6» وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان. فلما اشتد الحصار على أهلها،
(24/294)

اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحدين بغير علم الفقيه، وأدخلوهم البلد. فلم يشعر أهله إلا والسيف قد أخذهم. فقتل أكثر أهل البلد، ونهبت الأموال، وسبيت الذرارى والحرم. وبيع من لم يقتل بأبخس الأثمان. وأخذ من الأموال والجواهر ما لا يحصى. وكان عدة من قتل مائة ألف. وقيل: إن عبد المؤمن هو الذى حصر تلمسان وفتحها، وسار منها إلى فاس «1» .
قال: ولما وصل عبد المؤمن إلى مدينة فاس، نزل على جبل الفرض المطل عليها. وعمل حول مخيّمه سورا وخندقا. وحصرها تسعة «2» أشهر، وبها يحيى بن الصحراوية بعسكره الذين فروا من تاجررت.
فعمد عبد المؤمن إلى نهر يدخل البلد فسكره «3» حتى صار بحيرة تسير السفن فيها. ثم هدم السّكر فجاء الماء دفعة واحدة، فخرب سور البلد. فأراد الدخول فقاتله أهلها خارج السور. وكان القائد عبد الله بن خيار الجيانى عاملا عليها وعلى جميع أعمالها، فاتفق هو وجماعة أعيان «4» البلد، وكاتبوا عبد المؤمن سرا فى طلب الأمان لأهل فاس. فأجابهم عبد المؤمن إلى ذلك. ففتحوا له بابا من أبواب المدينة، فدخلها عسكره. وهرب يحيى بن الصحراوية بمن معه إلى مدينة طنجة. وكان فتحها فى أواخر سنة أربعين وخمسمائة «5» .
(24/295)

ورتب عبد المؤمن أمرها وأخذ جميع ما فيها من سلاح.
وسير سرية إلى مكناسة فحصروها مدة ثم سلمها أهلها بالأمان، فوفوا لهم.
ثم سار عبد المؤمن إلى مدينة سلا ففتحها.
وحضر إليه جماعة من أعيان سبتة، فدخلوا فى طاعته وسألوا أمانه فأمنهم، وذلك فى أول سنة إحدى وأربعين «1» .
ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله اسحاق بن على وانقراض دولة الملثمين
قال: ولما فرغ عبد المؤمن من مدينة فاس وتلك النواحى، سار إلى مدينة مراكش، وهى كرسى مملكة الملثمين، وبها إسحان بن على ابن يوسف بن تاشفين، وهو صبى. فنازلها فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وضرب خيامه فى غربيها على جبل صغير، وبنى عليه مدينة له ولعسكره وجامعا. وجعل لنفسه بناء عاليا يشرف منه على المدينة ويري أحوال أهلها وأحوال المقاتلين. فأقام عليها أحد عشر «2» شهرا والقتال مستمر، ومن بها من المرابطين يخرجون ويقاتلون ظاهر البلد. فاشتد الجوع على أهله وتعذرت الأقوات عندهم.
ثم زحف إليهم يوما، وجعل لعسكره كمينا، وقال لعسكره:
(24/296)

«قاتلوهم ثم انهزموا لهم» . وقال للكمين: «لا تخرجوا حتى تسمعوا الطبل» . وجلس هو على المنظرة يشاهد القتال. وتقدم أصحابه للقتال فقاتلوا وصبروا ثم انهزموا. وتبعهم أهل مراكش حتى جاوزوا الكمين ووصلوا إلى مدينة عبد المؤمن وهدموا أكثر سورها. وصاحت المصامدة ليضرب الطبل. فقال عبد المؤمن: «اصبروا حتى يخرج كل طامع من البلد» . فلما خرج أكثر أهله أمر بضرب الطبل فضرب وخرج الكمين عليهم وعطفت المصامدة. فقتلوا الملثمين كيف شاءوا وتمت الهزيمة. فمات فى زحمة الأبواب خلق كثير.
وكان شيوخ الملثمين يدبرون «1» دولة إسحاق لصغر سنه.
فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبى بكر استأمن إلى عبد المؤمن، وأطلعه على عورة البلد وضعف من فيه، وقوى طمعه فيهم. فنصب عبد المؤمن عليه المجانيق والأبراج. وفنيت الأقوات فأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف «2» إنسان. فجاف «3» البلد من جثثهم.
وكان بمراكش جيش من الفرنج «4» كان المرابطون «5» قد استنجدوا بهم وأتوهم نجدة. فلما طال الأمر عليهم راسلوا عبد المؤمن يطلبون الأمان فأمنهم. ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له باب أغمات. فدخلت عساكر عبد المؤمن بالسيف، وملكوا المدينة عنوة،
(24/297)

وقتلوا من وجدوه. ووصلوا إلى دار أمير المسلمين، فأخرجوا إسحاق وجميع من معه من المرابطين. وقدموهم للقتل وإسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه رغبة فى البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكى. فقام إليه الأمير سير بن الحاج، وكان إلى جانبه مكتوفا، فبصق فى وجهه وقال: «تبكى على أمك أم أبيك. اصبر صبر الرجال «1» فهذا رجل لا يخاف الله تعالى ولا يدينه بدين» . فقام الموحدون إليه فضربوه بالخشب حتى مات، وكان من الشجعان. وضربت عنق إسحاق.
وذلك فى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة أو ثلاث وأربعين «2» .
قال: وأقام عبد المؤمن بمدينة مراكش واستوطنها واستقر ملكه بها. وقتل من أهلها فأكثر، واختفى كثير منهم. فلما كان بعد أسبوع أمر فنودى بالأمان، فخرج من اختفى من أهلها. فأراد المصامدة قتلهم، فمنعهم وقال: «هؤلاء صناع وأهل الأسواق ومن ينتفع به» . فتركوا وبنى بالقصر جامعا «3» كبيرا وزخرفه وأتقن عمله. وأمر بهدم الجامع الذى بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين.
(24/298)

ذكر ظفره بدكالة
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، سار بعض المرابطين من الملثمين «1» إلى دكّالة. فاجتمع إليه «2» قبائلها وصاروا يغيرون على أعمال مراكش، وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم. فلما كثر ذلك منهم، سار إليهم عبد المؤمن فى سنة أربع وأربعين «3» . فلما سمعت دكالة بمسيره، اجتمعت كلها وانحسروا «4» إلى ساحل البحر، وكانوا فى مائتى ألف راجل وعشرين ألف فارس، وهم من الشجاعة بالمكان المعروف. وكانت جيوش عبد المؤمن تخرج عن الحصر. وكان الموضع الذى فيه دكالة كثير الحجر والحزون، فكمنوا فيه كمينا ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه. فكان من الاتفاق الحسن أنه قصدهم من غير الجهة التى فيها الكمناء. فانحل عليهم النظام وفارقوا ذلك الموضع وأخذهم السيف فدخلوا البحر. فقتل أكثرهم، وغنمت أموالهم وأغنامهم، وسبيت نساؤهم. فبيعت الجارية بدراهم يسيرة.
وعاد عبد المؤمن إلى مراكش بالظفر والنصر. وثبت ملكه وخافه جميع من بالمغرب، وأذعنوا له بالطاعة.
(24/299)

ذكر ملكه «1» جزيرة الأندلس
قال: كان ملكه لها فى سنة إحدى وأربعين «2» ، وذلك أنه لما كان يحاصر مراكش، ورد عليه جماعة من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين «3» ، ومعهم مكتوب يتضمن بيعة أهل الأندلس لعبد المؤمن ودخولهم فى زمرة أصحابه الموحدين، والتزامهم لطاعته، وإقامتهم لأمره فى بلادهم. وجميع أسماء القوم الذين بايعوه مثبتة فى المكتوب. فقبل عبد المؤمن طاعتهم، وشكر هجرتهم، وطيب قلوبهم. فطلبوا منه النصرة على الفرنج، فإن الفرنج كانوا قد ملكوا من بلاد المسلمين «4» مدينة شنترين وباجة وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها، وذلك فى سنة أربعين وخمسمائة. وكان سبب ذلك ما وقع من الاختلاف بين المسلمين، فطمع العدو فيهم وأخذ هذه المدن وقوى بها. ثم ملكوا فى سنة اثنتين وأربعين مدينة المرية، ومدينة بياسة، وجميع ولاية جيان.
فجهز عبد المؤمن جيشا كثيفا وجعل مقدمه أبا عمر بن صالح من آية الخمسين. وجهز أسطولا فى البحر وجعل قائده يحيى بن
(24/300)

عيسى بن ميمون «1» . فغدوا إلى جزيرة الأندلس. ودخل الأسطول إلى مدينة إشبيلية فى النهر، وحاصروها برا وبحرا، وبها جيش من الملثمين «2» . فملكتها عساكر عبد المؤمن عنوة وقتلوا فيها جماعة.
ثم أمن الناس. واستولت عساكره على البلاد الإسلامية التى بها، ودان له أهلها.
وفى سنة ثلاث وأربعين ملك الفرنج مدنا من الأندلس، وهى طرطوشة وجميع قلاعها وحصون لاردة، وذلك لاختلاف المسلمين.
ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها
قال: وفى سنة خمس وأربعين وخمسمائة، حصر السليطين- وهو الأدفونش ملك طليطلة وأعمالها، وهو من ملوك الجلالقة- مدينة قرطبة- أعادها الله- فى أربعين ألف فارس من الفرنج. فبلغ الخبر عبد المؤمن وهو بمراكش. فجهز اثنى عشر ألف فارس ومقدمهم أبو زكريا يحيى بن يومور «3» . فساروا حتى قربوا من قرطبة. فلم يقدروا على لقاء الفرنج فى الوطأة، فساروا فى الجبال الوعرة.
وجعلوا يقطعون الأشجار حتى يجدوا مسلكا. فمشوا عشرين «4»
(24/301)

يوما فى الوعر مسافة أربعة أيام فى السهل. فأفضوا إلى جبل شامخ مطل على قرطبة. فلما رآه السليطين وتحقق أمرهم، رحل لوقته بجميع من معه وسار حتى غاب عن فجاج قرطبة. وكان بقرطبة القائد أبو الغمر السائب، من ولد القائد ابن غلبون من أبطال الأندلس فخرج لوقته من قرطبة وصعد إلى الجبل. واجتمع بيحيى وقال له:
«انزل بمن معك إلى قرطبة وعجّل» . ففعلوا ذلك وباتوا بها. فما أصبح اليوم الثانى إلا وعسكر السليطين قد غشى «1» الجبل الذى كان فيه يحيى. فقال لهم «2» أبو الغمر: «هذا الذى كنت خفته عليكم» . فلما علم أنهم قد فاتوه، ورأى أنه لا مطمع له فى قرطبة، رحل إلى بلاده بعد أن حاصرها ثلاثة أشهر قبل وصولهم.
ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم
وفى سنة ست وأربعين وخمسمائة، سار عبد المؤمن من مدينة مراكش إلى سبتة. وهيأ الأساطيل والناس يعتقدون أنه يدخل الأندلس. ونفّذ أعيان أصحابه إلى جميع القبائل: أن يجمعوا العساكر ويرتبوها. وقطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا.
ثم خرج من سبتة فى صفر سنة سبع وأربعين «3» . وتوجه إلى
(24/302)

المشرق مسرعا وطوى المراحل، والعساكر المرتبة تلقاه. فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو فى أعمالها، وكانت ليحيى بن العزيز بالله آخر ملوك بنى حماد. وكان مولعا بالصيد واللهو واللعب لا ينظر فى شىء من أمور مملكته بل فوضها لميمون بن حمدون. فجمع ميمون العساكر وخرج عن بجاية. فأقام أياما وأحجم عن اللقاء ورجع ولم يقاتل عساكر عبد المؤمن. واعتصم يحيى بن العزيز بقلعة قسنطينة. وهرب أخوه الحارث فى مركب إلى جزيرة صقلية. ولحقه أخوه عبد الله «1» وجماعة من بنى عمه إلى صقلية «2» .
ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد يحيى بن العزيز بغير قتال. ثم نزل إليه يحيى بالأمان فأمنه وأنفذه إلى المغرب، وكان فيها «3» مدة حياته رخى البال.
وانقرضت دولة بنى حماد. وكانت مدة ملكهم منذ ولى حماد مدينة آشير من قبل أبى مناد باديس بن المنصور بن يوسف فى صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة مائة سنة وستين سنة. وعدة من ملك منهم تسعة ملوك، وهم حماد بن يوسف بلكين بن زيرى، ثم القائد ابن حماد ثم محسن بن القائد بن حماد، ثم ابن عمه بلكين بن محمد، ثم الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، ثم ابنه المنصور «4» ، ثم
(24/303)

ابنه باديس بن المنصور «1» ولم تطل أيامه حتى مات، وولى بعده العزيز بالله بن المنصور بن الناصر، ثم يحيى بن العزيز هذا. وعليه انقرضت دولتهم.
وكان يحيى قد اعتقل الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس- كما ذكرناه «2» . وسر بماناله من أخذ الفرنج بلاده. فلم تطل المدة حتى فاجأه القدر واستلب ملكه. واجتمع الحسن ويحيى فى مجلس عبد المؤمن على بساط واحد. واستصحب عبد المؤمن الحسن معه، وألحقه بخاصته، وأعلى مرتبته. ولم يفارقه فى سفر ولا حضر إلى أن فتح المهدية، فأقر الحسن بها وأمر واليها أن يقتدى برأيه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ظفره بصنهاجة وملكه قلعة حماد
قال: ولما ملك عبد المؤمن بجاية، تجمعت صنهاجة فى أمم كثيرة.
وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قبيصة «3» . واجتمع معهم من كتامة ولواتة وغيرها ما لا يحصى كثرة، وقصدوا حرب عبد المؤمن. فأرسل إليهم جيشا كثيفا، ومقدمهم أبو سعد يخلف «4» ، وهو من آية خمسين. فالتقوا فى عرض الجبل شرقى بجاية. فانهزم
(24/304)

أبو قبيصة، وقتل أكثر من معه، ونهبت أموالهم، وسبيت نساؤهم وذراريهم.
ثم سار أبو سعيد إلى قلعة حماد، وهى من أحصن القلاع وأعلاها. فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها فى رؤوس الجبال. وملكت القلعة وحمل جميع ما فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك إلى عبد المؤمن.
ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم
قال: وفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فى صفر، كانت الحرب بين عساكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف «1» .
وذلك أن عبد المؤمن لما فتح بلاد بنى حماد اجتمعت العرب، وهم بنو هلال والأثبج وعدى ورياح وزغيف «2» وغيرهم ممن يقول بقولهم من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب. وقالوا: «إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من بلاد المغرب. وليس الرأى إلا اللقاء معه، وأخذه بالجد، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن» . وتحالفوا على التعاون والتعاضد، وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال.
واتصل الخبر بصاحب صقلية الفرنجى، فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد، وجبارة «3» بن كامل، وحسن بن
(24/305)

ثعلب، وعيسى بن حسن، وغيرهم، يحثهم على ذلك، ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على أن يرسلوا إليه رهائن. فشكروه وقالوا: «لا حاجة بنا إلى نجدته، ولا نستعين على المسلمين بغيرهم» .
وساروا فى عدد لا يحصى. وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب. فلما بلغه خبرهم جهز إليهم جيشا من الموحدين زهاء ثلاثين ألف فارس، ومقدمهم أبو سعيد يخلف، وعبد العزيز وعيسى أولاد أبى مغار «1» . وكان العرب أضعافهم، فاستخرجهم الموحدون. وتبعهم العرب إلى أن وصلوا أرض سطيف بين جبال.
فصدمهم الموحدون بغتة والعرب على غير أهبة. والتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال وأعظمه. فانجلت المعركة عن هزيمة العرب.
وذلك فى يوم الخميس غرة «2» صفر. وتركوا أموالهم وأهاليهم وأولادهم ونعمهم. فأخذ الموحدون جميع ذلك وعادوا به إلى عبد المؤمن. فقسم الأموال فى عسكره وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط. ووكل بهم الخصيان يخدمونهم وأمر بصيانتهم. ونقلهم معه إلى مراكش فأنزلهم فى المساكن الفسيحة وأجرى عليهم النفقات الواسعة.
وأمر عبد المؤمن محمدا بمكاتبة العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الاحتياط والحفظ والصيانة. وأمرهم أن يحضروا
(24/306)

ليسلمهم إليهم. فلما وصل كتابه إليهم سارعوا إلى المسير إلى مراكش. فأعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم، وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال الجزيلة فاسترقّ «1» قلوبهم بذلك وأقاموا عنده، واستعان بهم على ولاية ابنه محمد العهد بعده.
ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه
قال: وفى سنة إحدى وخمسين «2» وخمسمائة، أمر عبد المؤمن بالبيعة بولاية العهد لابنه محمد. وكان الشرط بين عبد المؤمن وعمر الهنتاتى أن يلى الأمر بعده. فلما تمكن «3» عبد المؤمن من الملك وكثرت «4» أولاده أحب أن يكون الملك فيهم. فأحضر أمراء العرب من هلال وزغبة وعدى وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم. ثم وضع عليهم من يقول لهم: «اطلبوا من عبد المؤمن أن يجعل لكم ولى عهد من ولده بعده» . ففعلوا ذلك. فلم يجبهم إكراما لعمر الهنتاتى لعلو منزلته فى الموحدين. فلما علم الهنتاتى ذلك خاف على نفسه. فحضر عند عبد المؤمن وخلع نفسه. فحينئذ بايع عبد المؤمن لابنه بولاية العهد. وكتب إلى جميع بلاده بذلك.
(24/307)

وخطب له فى جميع البلاد. وأخرج من الأموال شيئا كثيرا «1» فى ذلك اليوم.
ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد وأعماله
وفى سنة إحدى وخمسين أيضا «2» ، استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد والأعمال، فجعل ابنه أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها، وأبا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وأبا الحسن عليا على مدينة فاس وأعمالها، وأبا سعيد «3» على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة.
ولقد سلك عبد المؤمن فى استعمالهم من حسن السياسة وجميل التدبير طريقا عجيبا يستدل به على جودة رأيه، وتوصّله إلى مقاصده بأحسن صورة وأجمل طريقة. وذلك أنه كان قد استعمل على الأعمال شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدى، فكان يتعذر عليه أن يعزلهم. فأخذ أولادهم وتركهم عنده، وأشغلهم بالعلوم. فلما مهروا فيها، قال لآبائهم: «إنى أريد أن تكونوا عندى أستعين بكم على ما أنا بصدده وتكون أولادكم فى أعمالكم» .
فأجابوا إلى ذلك وفرحوا به، فاستعمل أولادهم. ثم وضع عليهم من يعتمد عليه منهم فقال لهم: «إنى أرى أمرا عظيما قد فعلتموه فارقتم فيه الحزم والأدب» . فقالوا: «وما هو؟» قال: «أولادكم
(24/308)

فى الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس إليهم «1» شىء منها مع ما هم فيه من العلم وحسن السياسة. وإنى أخاف أن ينظر فى هذا فتسقط منزلتكم عنده» فعلموا صدقه. وحضروا إلى عند عبد المؤمن وسألوه أن يستعمل أولاده. فقال: «لا أفعل» . فعزموا عليه حتى فعل بسؤالهم.
ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج وأغر ناطة من الملثمين
قال: وفى سنة اثنتين «2» وخمسين وخمسمائة، كاتب ميمون ابن بدر صاحب أغرناطة أبا سعيد بن عبد المؤمن صاحب مالقة والجزيرة الخضراء وسبتة أن يسلم إليه أغرناطة، فتسلمها منه.
وسار إلى مالقة «3» بأهله وولده، فسيره أبو سعيد إلى مراكش.
فأقبل عليه عبد المؤمن وأكرمه.
وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة مايرقة «4» مع حمو بن غانية اللمتونى.
قال: ولما ملك أبو سعيد أغرناطة جمع الجيوش وسلم إلى مدينة المرية- وهى بيد الفرنج، كانوا قد أخذوها فى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة- فنازلها وحصرها «5» برا وبحرا. ونزل عسكره
(24/309)

على الجبل المشرف عليها. وبنى سورا على الجبل إلى البحر، وعمل عليه خندقا، فصارت المدينة والحصن الذى فيه الفرنج محصورين بهذا السور والجبل. لا يمكن أن يصل إليها من ينجدها.
وجمع السليطين ملك الفرنج بالأندلس الجيوش وجاء إليها، فلم يتمكن منها ورجع ومات قبل وصوله إلى طليطلة. وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر، فقلّت الأقوات على الفرنج فطلبوا الأمان. فأمنهم أبو سعيد وتسلّم الحصن. ورحلوا فى البحر عائدين إلى بلادهم. وكانت مدة ملكهم المرية عشر سنين.
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد افريقية
كان الفرنج قد تغلبوا على مدينة المهدية وملكوها فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، كما قدمناه فى أخبار الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس «1» ، وفعلوا بمدينة زويلة الأفعال الشنيعة من القتل والنهب والتخريب. فسار أهلها إلى عبد المؤمن وهو بمراكش يستنجدونه ويستجيرون به فأكرمهم.
وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس فى ملوك الإسلام من يقصد غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: «أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين» .
وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفى دينار.
ثم أمر بعمل الروايا «2» والقرب والحياض وما يحتاج إليه
(24/310)

العساكر. وكتب إلى جميع نوابه ببلاد المغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس، فأمرهم بتحصيل الغلات، وأن تترك فى سنبلها وتخزن فى مواضعها، وأن يحفروا الآبار فى الطرق. ففعلوا ذلك فصارت كأنها تلال.
فلما كان فى صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة «1» ، وسار من مراكش يريد إفريقية ومعه من العساكر مائة ألف مقاتل ومن السوقة والأتباع أمثالهم. وبالغ فى حفظ العساكر حتى كانوا يسيرون بين الزروع فلا تتأذى بهم سنبلة واحدة. وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد.
وقدم بين يديه الحسن بن على بن يحيى بن تميم الذى كان صاحب المهدية وإفريقية.
فسار حتى وصل إلى مدينة تونس فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة. وأقبل الأسطول فى البحر فى سبعين شينيا وطريدة وشلندى. فنازلها وأرسل إلى أهلها يدعوهم إلى الطاعة. فامتنعوا وقاتلوا أشد قتال. فلما جاء الليل خرج إليهم سبعة عشر رجلا «2» من أعيان أهلها، وسألوا عبد المؤمن الأمان لأهل بلدهم. فأجابهم إلى الأمان لهم فى أنفسهم وأهلهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة «3» وأما من عداهم من أهل البلد فأمنهم فى أنفسهم وأهليهم «4» ،
(24/311)

ويقاسمهم أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله. فاستقر ذلك وتسلم «1» البلد. وأرسل أمناء ليقاسموا الناس على أموالهم. وأقام عليها ثلاثة أيام. وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن أبى قتل.
وسار عبد المؤمن إلى المهدية والأسطول يحاذيه فى البحر.
فوصل إليها فى ثانى عشر «2» شهر رجب من السنة. وبها أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا مدينة زويلة وبينها وبين المهدية غلوة سهم «3» . فدخلها عبد المؤمن، وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة فى ساعة واحدة. ومن لم يكن له من العسكر موضع نزل بظاهرها. وانضاف إليهم «4» من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء. وأقبلوا على قتال من بالمهدية، وهى لا يؤثر فيها شى لحصانتها وقوة سورها وضيق موضع القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها، وهى كأنها كف فى البحر وزندها متصل بالبر. فكانت شجعان الفرنج تخرج إلى أطراف العسكر فينالون منه ويسرعون العود. فأمر عبد المؤمن ببناء سور من غربى المدينة يمنعهم من الخروج. وأحاط الأسطول بها فى البحر. وهال عبد المؤمن ما رأى من حصانة البلد، وعلم أنها لا تفتح بقتال، وليس لها غير المطاولة. وقال للحسن: «كيف نزلت عن هذا الحصن؟» فقال: «لقلة من يوثق به وعدم القوت
(24/312)

وحكم القدر» . فقال: «صدقت» . وأمر بجمع الغلات فلم يمض غير قليل حتى صار فى العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير.
وتمادى الحصار.
وفى مدته أطاع عبد المؤمن أهل سفاقس وطرابلس وجيال نفوسة وقصور إفريقية وما والاها. وفتح مدينة قابس وأتاه يحيى ابن تميم صاحب قفصة ومعه جماعة من أعيانها. ولما قدموا عليه دخل حاجبه عبد السلام الكومى «1» يستأذنه عليهم. فقال له عبد المؤمن:
«أتى عليك «2» ليس هؤلاء أهل قفصة» . فقال: «لم يشتبه على وإنهم أهلها» . فقال عبد المؤمن: «كيف يكون ذلك والمهدى يقول: إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها؟
ومع هذا فنقبل منهم ونكف عنهم وننتظر ما يكون، ليقضى الله أمرا كان مفعولا» «3» وقضى شغلهم وأرسل معهم طائفة من الموحدين، وفيهم زكرى بن يومون «4» ، وولاه عليها. وورد فى جملة أهل قفصة شاعر «5» منهم، فمدحه بقصيدة أولها:
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على
فلما أنشده هذا البيت قال: «حسبك» ووصله بألف دينار «6» .
(24/313)

قال: ولما كان فى يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان سنة أربع وخمسين، جاء أسطول صاحب صقلية فى مائة وخمسين شينيا غير الطرائد، فقاتلهم أسطول عبد المؤمن فانهزموا. وتبعهم المسلمون وأخذوا منهم سبعة شوان. فحينئذ أيس من بالمهدية من النجدة.
وصبروا على الحصار إلى آخر ذى الحجة من السنة حتى فنيت أقواتهم وأكلوا خيلهم. فنزل عشرة من فرسانهم إلى عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم. فعرض عليهم الإسلام، فأبوا. ولم يزالوا يستعطفونه حتى أجابهم وأمنهم. وأعطاهم سفنا فنزلوا فيها.
وساروا إلى جزيرة صقلية. وكان الفصل شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا القليل. وكان صاحب صقلية قد قال:
«إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم» . فأهلك الله الفرنج غرقا وكان مدة استيلاء الفرنج على المهدية اثنتى عشرة سنة.
ودخل عبد المؤمن مدينة المهدية بكرة عشوراء سنة خمس «1» وخمسين وخمسمائة. وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يوما. ورتب أحوالها، ونقل إليها الذخائر من الأقوات والسلاح والعدد والرجال. واستعمل عليها أبا عبد الله محمد ابن فرج. وجعل معه الحسن بن على بن يحيى الذى كان صاحبها.
(24/314)

وأمره أن يقتدى برأيه فى أفعاله. وأقطع الحسن بها إقطاعا وأعطاه دورا بالمهدية. ورتّب لأولاده وعبيده أرزاقا. ثم رحل عبد المؤمن من المهدية فى غرة «1» صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
ذكر ايقاع عبد المؤمن بالعرب
كان سبب ذلك أنه- لما أراد العود إلى بلاد المغرب بعد فراغه من أمر المهدية- جمع أمراء العرب من بنى رياح الذين كانوا بإفريقية، وقال لهم: «إنه قد وجب علينا نصرة الإسلام، وإن المشركين قد استفحل أمرهم بجزيرة الأندلس. واستولوا على كثير منها مما كان بيد المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم، فبكم فتحت البلاد أول الإسلام، وبكم دفع عنها العدو الأول «2» . ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون فى سبيل الله» .
فأجابوه بالسمع والطاعة فحلّفهم على ذلك.
وساروا معه حتى انتهوا إلى مضيق جبل زغوان «3» . وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك، وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيهم. فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا: «إن العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس وقالوا: ما غرض عبد المومن إلا
(24/315)

إخراجنا من بلادنا، وإنهم لا يفون بأيمانهم» . فقال: «يأخذ الله تعالى الغادر» . فلما كانت الليلة الثانية، هربوا إلى عشائرهم ودخلوا البر، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك، فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق. ولم يحدث فى أمرهم شيئا.
وسار مغربا يحث السير حتى قرب من القسنطينة، ونزل فى موضع مخصب يقال له وادى النساء «1» . فأقام به وضبط الطرق فلا يسير أحد البتة «2» ودام هناك عشرين يوما. وانقطع خبره عن جميع الناس لا يعرفون للعسكر خبرا مع كثرته وعظمه، ويقولون:
«ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس» . فعادت العرب الذين أجفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه.
فلما علم برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله فى ثلاثين ألفا من أعيان الموحدين وشجعانهم. فجدوا السير وقطعوا المفاوز. فما شعرت العرب إلا والجيش قد أقبل، وجاء من ورائهم من جهة الصحراء من يمنعهم من الدخول إليها، وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل القرن، وهم زهاء ثمانين ألف بيت، ومشاهير مقدميهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل ومسعود بن زمام وغيرهم. فلما أطلت عليهم العساكر اضطربوا وماجوا واختلفت كلمتهم. ففر «3» مسعود وجبارة ومن معهما من
(24/316)

عشائرهما. وثبت محرز بن زياد ومعه جمهور العرب. فناجزهم الموحدون القتال. وذلك فى العشر الأوسط من شهر ربيع الاخر سنة ست وخمسين «1» . واشتد القتال وكثرت القتلى. فانجلت الحرب عن قتل محرز وانهزم العرب.
ولما انهزموا أسلموا البيوت والحريم والأولاد والأموال «2» .
فحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بتلك المنزلة. فأمر بحفظ النساء العربيات الصّرائح. وحملن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد المغرب. ثم أقبلت إليه وفود رياح، فأجمل لهم الصنيع ورد إليهم الحريم. فلم يبق منهم إلا من صار له كالعبد الطائع، وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان.
ثم جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول.
قال: وجمعت عظام من قتل من العرب عند جبل القرن فبقيت دهرا طويلا كالتل يلوح للناظرين من مكان بعيد. وبقيت بلاد إفريقية بيد نواب عبد المومن آمنة ساكنة، لم يبق من العرب خارج عن الطاعة إلا مسعود بن زمام وطائفة فى أطراف البلاد.
وفى سنة ست وخمسين، توجه عبد المؤمن إلى جبل طارق، وهو على ساحل الخليج مما يلى الأندلس، فعبر المجاز إليه. وبنى عليه مدينة حصينة «3» . وأقام بها أشهرا «4» ثم انصرف إلى مراكش.
(24/317)

ذكر وفاة عبد المؤمن بن على وشىء من أخباره
كانت وفاته فى العشر الآخر «1» من جمادى الآخر «2» سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بمدينة سلام. وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا. وخلف ستة عشر «3» ولدا ذكورا.
وكان عاقلا، حازما، سديد الرأى، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على صغار الذنوب. وكان يعظّم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس فى سائر بلاده بالصلاة. ومن رئى فى وقت الصلاة غير مصلّ قتل.
وجمع الناس على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله فى الفروع، وعلى مذهب أبى الحسن الأشعرى فى الأصول. وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين، وإليهم المرجع والكلام معهم.
قال ابن شداد: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، يقول فيه بعد البسملة: «من الخليفة المعصوم الرّضى الهاشمى «4» الزّكى، الدى وردت البشارة به من النبى صلّى الله عليه وسلم، العربى «5» القامع لكل مجسّم غوى، الناصر لدين الله العلى «6» ، أمير المؤمنين الولى، عبد المؤمن بن على» .
(24/318)

وحكى أيضا قال: أخبر رجل من أهل المهدية اجتمعت به بمدينة صقلية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قال: لما فتح عبد المؤمن مدينة بجاية وجميع ملك بنى حماد، وافق ذلك وصولى بعد أيام من المهدية إلى بجاية بأحمال متاع مع قفل «1» ، فبتنا «2» على مرحلة من بجاية. فلما أصبح الصباح فقدت شدّة من المتاع، فحمدت الله «3» وسألته الخلف. ودخلنا البلد وبعت المتاع أحسن بيع وأفدت «4» فيه فائدة كبيرة»
. فقلت لصاحب الحانوت الذى بعت على يديه: «فقدت من هذا المتاع شدة، وأخلف الله على فى الباقى» . فقال لى: «وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟» قلت: «لا» . قال: «والله، إن علم «6» ذلك من غيرك لحقك الضرر بسترك على المفسدين. فاتق الله فى نفسك» . فرحت «7» إلى القصر واستأذنت عليه وأعلمته. ثم خرجت فسألنى خادم عن منزلى فوصفته له. ورجعت إلى صاحب الحانوت «8» فأخبرته.
فقال: «خرجت «9» من العهدة» .
فلما كان صبيحة اليوم الثالث من وصولى إليه، جاءنى غلام
(24/319)

أسود فقال: «أجب أمير المؤمنين» . فخرجت معه. فلما وصلنا باب القصر وجدت جماعة كبيرة «1» والمصامدة دائرة عليهم بالرماح. فقال لى الأسود «تعلم «2» من هؤلاء؟» قلت: «لا» .
قال: «هم أهل المكان الذى أخذ متاعك فيه» . فدخلت وأنا خائف، فأجلست بين يديه. واستدعى مشايخهم وقال لى: «كم «3» صح لك فى الشدة التى فقدت أختها» . فقلت: «كذا وكذا» .
فأمر من وزن لى المبلغ ثم قال لى: «قم. أنت أخذت حقك وبقى حقى وحق الله عز وجل» . وأمر بإخراج المشايخ وقتل الجميع. وقال: «هذه طريق شوك أزيلها عن المسلمين» . فأقبلوا يبكون ويتضرعون ويقولون: «يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟» فقال: «نخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين» . فصار الرجل يخرج ولده وأخاه وابن عمه «4» إلى أن اجتمع منهم نحو خمسمائة فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. وخرجت أنا إلى صقلية خوفا على نفسى من أولياء المقتولين.
قال: وكان عبد المؤمن لا يداهن فى دولته، ويأخذ الحق من ولده إذا وجب عليه.
قال: ولا مشرك فى بلاده ولا كنيسة فى بقعة منها، لأنه كان إذا ملك بلدا إسلاميا لم يترك فيه ذميا إلا عرض عليه الإسلام. فمن
(24/320)

أسلم سلم، ومن طلب المضى إلى بلاد النصارى أذن له فى ذلك، ومن أبى قتل. فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم.
ولا لهو ولا هزل تحت أمره بل تلاوة كتاب الله العزيز، ومدارسة الأحاديث الصحيحة النبوية، والاشتغال بالعلوم الشرعية، وإقام الصلوات. فهذا كان دأب أصحابه.
وكان لعبد المؤمن من الأولاد الذكور ستة عشر «1» ، وهم محمد وهو ولى عهده، وعلى، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب «2» .
ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على
كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وذلك أن عبد المؤمن لما حضرته الوفاة جمع أشياخ الموحدين وقال لهم: «قد جربت ابنى محمدا فلم أجد فيه نجابة تصلح للأمر، ولا يستحق الولاية ولا يصلح لها إلا ابنى يوسف، وهو أولى بها، فقدّموه لها» . ووصاهم به فبايعوه وعقدوا له الولاية. وخوطب بأمير المؤمنين.
ثم مات عبد المؤمن فكتموا مونه وحمل فى محفة من سلا بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. وكان ابنه أبو حفص حاجبا
(24/321)

لأبيه فبقى مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج إلى الناس فيقول «1» أمر أمير المؤمنين بكذا وكذا، ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له فى جميع البلاد. فأظهر موت أبيه بعد انقضاء أشهر «2» من وفاته. واستقامت الأمور لأبى يعقوب وانقاد الناس لأمره «3» .
ذكر عصيان غمارة مع مفتاح بن عمرو «4» وقتالهم وقتل مفتاح
قال. ولما تحقق الناس موت عبد المؤمن، ثارت قبائل غمارة فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة مع مفتاح بن عمرو؛ وكان مقدما كبيرا فيهم، فاتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا فى جبالهم، وهى معاقل مانعة، وهم أمم جمة. فتجهز إليهم أبو يعقوب ومعه أخواه عمر «5» وعثمان فى جيش كثيف من الموحدين والعرب. وتقدموا إليهم والتقوا واقتتلوا فى سنة إحدى وستين. فانهزمت غمارة،
(24/322)

وقتل مفتاح وجماعة من أعيانهم ومقدميهم وخلق كثير منهم. وملكوا بلادهم عنوة. وكانت قبائل كثيرة يريدون الفتنة، وهم ينظرون ما يكون من غمارة، فلما قتلوا انقادت تلك القبائل إلى الطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة، وسكنت الدهماء فى جميع المغرب «1» .
وفى سنة خمس وستين وخمسمائة، وجه أبو يعقوب أخاه عمر ابن عبد المؤمن إلى الأندلس بالعساكر لقتال محمد بن «2» سعد ابن مردنيش. وكان قد ملك شرق الأندلس، واتفق مع الفرنج، وامتنع على عبد المؤمن ثم على ابنه، وتمادى فى عصيانه، واستفحل أمره. فدخل العسكر «3» إلى بلاده، وجاس خلال دياره، وأخذوا مدينتين من بلاده. وأقاموا مدة يتنقلون فى بلاده ويجبون أموالها.
ثم توفى محمد بن سعد فى سنة سبع «4» وستين، وأوصى أولاده أن يقصدوا الأمير أبا يعقوب، ويسلموا البلاد إليه، ويدخلوا فى طاعته. فلما مات قصدوه. فسربهم وأكرمهم وتسلم البلاد منهم، وهى مرسية، وبلنسية، وجيان، وغير ذلك، وتزوج أختهم.
وأقاموا عنده مكرمين. وكان اجتماعهم به بمدينة إشبيلية، وقد دخل الأندلس فى مائة ألف فارس فى سنة ست وستين «5» وخمسمائة.
(24/323)

ذكر غزوة الفرنج
قال: وفى سنة ثمان وستين «1» ، جمع أبو يعقوب عساكره.
وسار من إشبيلة وقصد بلاد الفرنج. ونزل على مدينة وبذى «2» ، وهى بالقرب من طليطلة شرقا منها، وحصرها. فاجتمعت الفرنج مع الأدفونش «3» ملك طليطلة فى جمع كبير، فلم يقدموا «4» على لقاء المسلمين. واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم.
فعادوا إلى إشبيلية.
وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وهو يجهز العساكر فى كل وقت، ويرسلها إلى بلاد الفرنج «5» . وكان فى هذه المدة عدة «6» وقائع وغزوات، ظهر فيها «7» من شجاعة العرب ما لا يوصف، حتى كان الفارس من العرب يسير بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد.
ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش.
(24/324)

ذكر ملك أبى يعقوب مدينة قفصة
قد ذكرنا أن صاحب قفصة قدم على عبد المؤمن وهو يحاصر المهدية، وأطاعه، وما قاله عبد المؤمن لحاجبه عند قدوم أهل قفصة من إخبار المهدى عن قفصة. فلما كان فى سنة ثمان وستين وخمسمائة، دخلت طائفة من الترك من ديار مصر فى أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب مع قراقوش مملوك تقى الدين. واجتمع إليه مسعود بن زمام وجماعة من العرب، ونزلوا على طرابلس وملكوها، واستولى على كثير من بلاد إفريقية.
فعند ذلك طمع صاحب قفصة «1» ونزع يده من الطاعة، واستبد بالأمر. ووافقه أهل بلده فقتلوا من عندهم من الموحدين وذلك فى شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. فكتب والى بجاية إلى أبى يعقوب بالخبر واضطراب أمور البلاد. فسد الثغور التى يخشى عليها بعد مسيره. وسار إلى إفريقية فى سنة خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها. فلما اشتد الأمر على صاحبها خرج منها مستخفيا لم يعلم به أحد من أهل البلد. وجاء إلى خيمة أبى يعقوب فاستأذن عليه. فأذن له وقد عجب من إقدامه على الدخول عليه بغير أمان. فدخل عليه واستعطفه وقال: «قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عنى
(24/325)

وعن أهل بلدى، وأن يفعل ما هو أهله» . فعفا عنه وعن أهل بلده.
وتسلم المدينة فى أول سنة ست وسبعين وخمسمائة وسيره إلى المغرب فكان مكرما عزيزا، وأقطعه ولاية كبيرة «1» . ورتب لقفصة واليا من الموحدين.
ووصل مسعود بن زمام «2» أمير العرب إلى يوسف. فعفا عنه وسيره إلى مراكش. وتوجه يوسف إلى المهدية وشاهدها.
ووافاه رسول من صاحب صقلية يلتمس الصلح، فهادنه عشر سنين، ورجع إلى المغرب.
ذكر وفاة أبى يعقوب يوسف
كانت وفاته فى شهر ربيع الأول «3» سنة ثمانين وخمسمائة. وكان قد سار إلى بلاد الأندلس فى جمع عظيم. فلما عبر الخليج قصد غزو الفرنج، فحصر مدينة شنترين شهرا. فأصابه بها مرض، فمات وحمل فى تابوت إلى مدينة إشبيلية.
وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة وشهورا «4» .
ومات وله عدة من الأولاد، رأيت فى بعض التواريخ أنهم كانوا
(24/326)

خمسة عشر، وهم عمر، ويعقوب وهو ولى عهده، وأبو بكر، وعبد الله، وأحمد، ويحيى، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن. فهذه «1» سبعة عشر عدها وجمع على خمسة عشر، والله أعلم «2» .
وذكر هذا المؤرخ أن وفاته كانت فى يوم السبت لسبع خلون من شهر رجب من السنة «3» ، من طعنة «4» طعنها على مدينة شنترين من أيدى الروم، لما عبر المسلمون وتركوه فى شرذمة يسيرة. ومات فى الليلة الثالثة. والله تعالى أعلم.
وقال أيضا: ودفن بتينمل عند أبيه وابن تومرت.
قال: وكان يحمل إليه من مال إفريقية فى كل سنة وقرمائة وخمسين بغلا، خارجا عما يرتفع إليه من سائر البلاد.
وكان حسن السيرة، يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم، وهم أهل خاصته، وكان فقيها عالما حافظا متقنا، رحمه الله تعالى.
(24/327)

ذكر ولاية أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن
كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة. وكان أبوه قد مات ولم يوص لأحد بالملك، فاجتمع رأى أشياخ الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تقديم أبى يوسف يعقوب.
فبايعوه وعقدوا له الولاية وقدموه للأمر، ودعوه بأمير المؤمنين «1» .
فقام بالملك أحسن قيام، ورفع راية الجهاد، وأحسن السيرة.
فاستقامت له الدولة بأسرها مع سعة أقطارها. ورتب ثغور الأندلس، وشحنها بالرجال، ورتّب المقاتلة فى سائر بلادها، وأصلح أحوالها، وعاد إلى مدينة مراكش.
ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من افريقية واستعادة ذلك منهم
قال: ولما بلغ على بن إسحاق بن محمد بن على بن غانية اللمتونى صاحب جزيرة «2» ميورقة، وكان من أعيان الملثمين، وفاة أبى يعقوب، سار إلى بجاية فى عشرين شينيا. وملكها فى شعبان سنة ثمانين «3» وخمسمائة، وأخرج من كان بها من الموحدين. وكان
(24/328)

الأمير بها سليمان «1» بن عبد الله بن عبد المؤمن. وخطب اللمتونى بها للخليفة الناصر لدين الله العباسى.
فاتصل الخبر بأبى يوسف فجهز العساكر واستعادها فى صفر سنة إحدى وثمانين. وكان بها يحيى وعبد الله أخوا على بن إسحاق قد تركهما بها وتوجه لحصار القسنطينة، فخرجا منها هاربين والتحقا بأخيهما. فأقلع إلى جهة إفريقية واجتمع بمن بها من العرب وانضاف إليه الترك الذين كانوا قد دخلوها من مصر. ودخل من مصر مملوك آخر اسمه بوزابه، فانضم إليه، وكثر جمعه، وقويت شوكته.
واتبعوه جميعا لأنه من بيت الملك ولقبوه بأمير المسلمين. فقصد بلاد إفريقية فملكها شرقا وغربا إلا مدينتى تونس والمهدية، فإن الموحدين حفظوهما على خوف وضيق وشدة. وانضاف «2» إلى الملثم كل مفسد يريد الفتنة والفساد والنهب.
فأرسل الوالى على تونس وهو عبد الواحد بن عبد الله الهنتاتى إلى أبى يوسف يعلمه بالحال. فلما ورد عليه الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين. وقصد قلة العساكر لقلة القوت فى البلاد. وسار فى صفر سنة ثلاث وثمانين «3» ، فوصل إلى مدينة تونس. وأرسل ستة آلاف مع ابن أخيه أبى حفص «4» ، فساروا
(24/329)

إلى على بن إسحاق الملثم وهو بقفصة فوافوه. وكان مع الموحدين جماعة من الترك الذين كانوا مع قراقوش، فلما التقوا خامر الترك عليهم، وانضموا إلى أصحابهم الذين مع الملثم. فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم.
وذلك فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين.
قال: فأقام أبو يوسف بمدينة تونس إلى نصف شهر رجب منها.
ثم خرج فى خمسة عشر ألف فارس من الموحدين وسار يريد حرب الملثم. فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا. فانهزم الملثم ومن معه. وأكثر الموحدون القتل فيهم حتى كادوا يفنونهم.
ورجع من يومه إلى قابس ففتحها. وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وأمواله فحملهم إلى مراكش «1» .
وتوجه إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر «2» ، وقطع أشجارها، وخرب ما حولها. فأرسل إليه الترك الذين كانوا بها فى السر يسألونه الأمان لأنفسهم ولأهل قفصة. فأجابهم إلى ذلك. وخرج الأتراك منها سالمين فسيرهم إلى الثغور لما رآه من شجاعتهم ونكايتهم.
وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين «3» . وهدم أسواره، وترك المدينة مثل قرية. وظهر ما قاله المهدى.
ولما فرغ من أمر قفصة واستقامت له إفريقية، عاد إلى مراكش.
فكان وصوله إليها فى سنة أربع وثمانين.
(24/330)

وأما ابن غانية اللمتونى فإنه ثبت بعد انكشاف أصحابه وقاتل قتالا شديدا فأصابته جراحات كثيرة. ومر على وجهه فمات فى خيمة لعجوز أعرابية. وكان معه إخوته عبد الله ويحيى وأبو بكر وسير.
فقدموا عليهم يحيى لشجاعته وشهامته ولحقوا بالمغرب. ولم يزل بإفريقية يثور تارة ويسكن أخرى.
ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها الى المسلمين
وفى سنة ست «1» وثمانين وخمسمائة، ملك الفرنج بغرب الأندلس مدينة شلب، وهى من أكبر مدن المسلمين. فوصل الخبر إلى أبى يوسف فتجهز بالعساكر الكثيرة. وعبر المجاز إلى الأندلس، وسير طائفة كثيرة فى البحر. ونازل شلب وحصرها، وقاتل من بها قتالا شديدا حتى ذلوا وطلبوا الأمان «2» . فأمنهم وتسلم البلد.
ورجع من به إلى بلادهم.
وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج.
ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة وقتلوا طائفة من الفرنج فخافهم ملك طليطلة، وأرسل فى طلب الهدنة فصالحه خمس سنين. وعاد أبو يوسف بعد ذلك إلى مدينة مراكش.
(24/331)

ذكر غزوة الفرنج بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة
كانت هذه الغزاة المباركة فى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وكان سببها أن الفنش «1» ملك الفرنج صاحب طليطلة كتب إلى أبى يوسف كتابا، نسخته «2» :
«باسمك اللهم، فاطر السموات والأرض.
أما بعد، أيها الأمير، فإنه لا يخفى على ذى عقل لازب، ولا ذى لب وذكاء ثاقب، أنك أمير الملة الحنيفية «3» كما أنا أمير الملة النصرانية. وإنك لا يخفى عليك ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية واشتمالهم على الراحات. وأنا أسومهم سوم الخسف، وأسبى الذرارى، وأخلى الديار، وأمثّل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك فى التخلف عن نصرتهم، وقد أمكنتك منهم القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم. والآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، وقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم «4» . ونحن الآن نقاتل عددا منكم
(24/332)

بواحد منا. ولا تقدرون دفاعا ولا تستطيعون امتناعا. ثم حكى لى عنك أنك أخذت فى الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك عاما بعد عام، تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى. ولا أدرى: الجبن أبطأبك أم التكذيب بما أنزل عليك؟ وحكى لى عنك أنك لا تجد سبيلا إلى جواز «1» البحر لعلة «2» ما يسوغ لك التقحّم بها فها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك. ولك أن توفينى بالعهود والمواثيق والأيمان:
أن توجّه بجملة من عبيدك «3» فى الشوانى والمراكب وأجوز إليك بجملتى. وأبارزك فى أعز الأماكن عندك. فإن كانت لك، فغنيمة عظيمة جاءت إليك وهدية مثلت بين يديك. وإن كانت لى كانت يدى العليا عليك واستحققت إمارة المسلمين والتقدم على الفئتين.
والله يسهل الإرادة ويقرب السعادة بمنه، ولا رب غيره ولا خير إلا خيره» .
قال: فلما وصل كتابه وقرأه كتب فى أعلاه «4» : «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
«5» » . وأعاده إليه. وجمع عساكره وعبر المجاز إلى الأندلس.
وقيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أنه لما صالح الفرنج فى سنة ست وثمانين على ما «6» ذكرناه، بقيت طائفة من الفرنج لم
(24/333)

ترض بالصلح. فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وأسروا وغنموا وعاثوا.
فانتهى ذلك إلى أبى يوسف. فجمع العساكر وعبر إلى الأندلس فى جيش يضيق به الفضاء. وجمعت الفرنج قاصيها ودانيها، وأقبلوا إليه مجدّين واثقين بالظفر لكثرتهم. والتقوا فى تاسع «1» شعبان من السنة شمالى قرطبة عند قلعة رباح بمكان يعرف بمرج الجديد «2» .
واقتتلوا قتالا عظيما. وكانت الحرب فى أولها على المسلمين ثم صارت الدائرة على الفرنج. فانهزموا أقبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم.
وكان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفا «3» .
وأسر ثلاثة عشر ألفا «4» . وحاز المسلمون من الخيل ستة وأربعين ألفا «5» ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. وكان يعقوب نادى فى عسكره: «من غنم شيئا فهو له سوى السلاح» .
فأحصى ما حمل إليه، فكان يزيد على سبعين ألف لباس. وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا. ولما انهزم الفرنج، اتبعهم أبو يوسف
(24/334)

فرآهم قد خلّفوا «1» قلعة رباح وساروا عنها. فملكها «2» وجعل فيها واليا وجندا. وسار إلى مدينة إشبيلية.
وأما الفنش فإنه حلق رأسه، ونكس صلبانه، وركب حمارا، وأقسم ألا يركب فرسا ولا بغلا حتى ينصر النصرانية. فجمع جموعا كثيرة. فبلغ الخبر إلى أبى يوسف، فأرسل إلى مراكش وغيرها من بلاد الغرب «3» يستنفر الناس من غير إكراه. فاجتمع إليه جمع عظيم. فالتقوا فى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة. وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك.
وتوجه أبو يوسف إلى مدينة طليطلة. فحصرها وقاتل من بها قتالا شديدا، وقطع أشجارها.
وشنّ الغارة على ما حولها من البلاد. وفتح عدة حصون، فقتل رجالها، وسبى حريمها، وهدم أسوارها، وخرب دورها. فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام بالأندلس. وعاد إلى إشبيلية فأقام بها.
فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، سار إلى الفرنج وفعل مثل فعله الأول والثانى. فذل العدو واجتمعت ماوك الفرنج وراسلوه فى الصلح، فأجابهم إليه بعد امتناع. وكان عزم على أن لا يجيبهم إلى
(24/335)

الصلح وأن يداوم الغزو حتى يفنيهم. فأتاه خبر على «1» بن إسحاق الملثم بخروجه على إفريقية. فصالحهم «2» سنين. وعاد إلى مراكش فى آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
ذكر ما فعله الملثم بافريقية
قال: ولما عبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس، وداوم الغزو، وانقطعت أخباره عن إفريقية، قوى «3» طمع على بن إسحاق «4» فيها. وكان بالبرية مع العرب «5» . فعاود قصد إفريقية. وبث جنده فى البلاد وأكثر الفساد. وأظهر أنه إذا استولى على بجاية سار إلى المغرب. فوصل الخبر إلى أبى يوسف فصالح الفرنج، وعاد إلى مراكش عازما على قصده وإخراجه.
ولما عاد استعمل على مدينة تونس أبا سعيد عثمان بن عمر الهنتاتى وولى أخاه أبا على يونس بن عمر على المهدية. وجعل قائد الجيش «6» بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو رجل مشهور بالشجاعة. فعظمت
(24/336)

نكايته فى العرب، ولم يبق إلا من يخافه. وخرج إلى طائفة من عوف، فانهزموا منه وتركوا أموالهم وعيالهم. فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية.
وأخذ من الغنيمة والأسلاب ما شاء، وسلم البعض لأبى على، والبعض للجند. فجاءت تلك الأعراب إلى أبى سعيد بن عمر فوحّدوا «1» وصاروا من حزب الموحدين. واستجاروا بأبى سعيد فى رد عيالهم وأموالهم. فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم.
فقال: «أخذه الجند ولا أقدر على رده» . فأغلظ له فى القول وأراد أن يبطش به. فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده، وما عدم غرمه من ماله؛ فأمهله. وانصرف إلى المهدية وهو لا يأمن على نفسه. فلما وصل إليها جمع أصحابه، وأعلمهم بما كان من أبى سعيد، وحالفهم على المخالفة عليه، فحلفوا له على ذلك.
فقبض على أبى على يونس «2» وتغلب على المهدية وملكها ونزع يده من الطاعة. فأرسل إليه أبو سعيد فى إطلاق أخيه يونس. فأطلقه على اثنى عشر ألف دينار، فأخذها وفرقها فى جنده. فجمع أبو سعيد الجند وأراد قصده. فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى على بن إسحاق الملثم واعتضد به. فامتنع أبو سعيد من قصده. وفى خلال ذلك مات أبو يوسف.
(24/337)

ذكر وفاة أبى يوسف يعقوب
كانت وفاته فى سابع عشر شهر ربيع الآخر «1» سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة سلا. وكان قد سار إليها من مراكش، وبنى مدينة مجاورة «2» لها وسماها المهدية «3» ، وجاءت من أحسن البلاد وأنزهها. فسار ليشاهدها فتوفى بها. وقيل: بل توفى بمراكش بعد انصرافه من سلا، فى جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. وقيل:
بل كانت وفاته فى صفر منها.
وكانت ولايته خمس عشرة سنة «4» .
وكان رحمه الله دينا، حسن السيرة، كثير الجهاد، إلا أنه كان يتمذهب بمذهب الظاهرية ولا يكتمه. فعظموا فى أيامه وانتشروا فى البلاد، ومال إليهم «5» .
وحكى بعض المؤرخين أنه كان فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة أظهر الزهد والتقشف وخشونة المأكل والملبس «6» . وانتشرت فى أيامه الصالحون وأهل الحديث. وانقطع علم الفروع. وأمر بإحراق
(24/338)

كتب المذهب بعد أن يجرد منها الحديث والقرآن. فحرق منها جملة فى سائر البلاد كالمدونة وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبى زيد، ومختصره، والتهذيب للبرادعى، والواضحة. وأمر بجمع الحديث من المصنفات كالبخارى، ومسلم، والترمذى، والموطأ، وسنن أبى داود، والبزار، وابن أبى شيبة، والدار قطنى، والبيهقى، فجمع ذلك كله. فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. قال:
وانتشر هذا المجموع فى بلاد المغرب، وحفظه العوام والخواص.
وكان يجعل لمن حفظه الجوائز السنية. وكان قصده أن يمحو مذهب مالك من بلاد المغرب، ويحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة.
وكان له من الأولاد محمد وهو ولى عهده، وإبراهيم، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد. فهؤلاء أربعة عشر ولدا.
ولما مات ولى بعده ابنه محمد.
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على الملقب الناصر لدين الله
كان أبوه قد ولاه العهد فى حياته. واستقل بالملك بعده، واستقام أمر دولته، وأطاعه الناس، وذلك فى جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة. ولما ولى اتصل به فساد إفريقية. فأنفذ عمه أبا العلاء فى سبعين شينيا مشحونة بالعدد والمقاتلة. وجهز جيشا فى
(24/339)

البر مع أبى الحسن على بن أبى حفص «1» عمر بن عبد المؤمن فوصل إلى قسنطينة الهواء. ووصل الأسطول إلى بجاية. فلما اتصل خبرهم بعلى بن إسحاق «2» ومن معه من العرب هربوا وتركوا إفريقية ودخلوا إلى الصحراء. وتمادى بعض الأسطول إلى المهدية، فقبح مقدمهم على محمد بن عبد الكريم فعله. فشكا إليه ما ناله من أبى سعيد، وقال: «أنا فى طاعة سيدنا أمير المؤمنين محمد، وما أسلم المهدية إلا له أو لمن يأمرنى بتسليمها إليه. وأما أبو سعيد فلا أسلمها إليه أبدا» .
فأرسل محمد من تسلمها منه. وعاد إلى الطاعة.
قال: وجهز محمد جماعة من العرب إلى الأندلس واحتاط. واحترز.
فأتاه جماعة رسل من ملوك الفرنج يطلبون دوام الهدنة ويشاهدون أحوال الدولة. فأنزلهم على العادة، وحضروا مجلسه فطلبوا دوام الهدنة التى كانت بينهم وبين أبيه، واستقراض مائة ألف دينار.
فقال لهم: «المال والحمد لله لدينا والرجال، ونحن نجيب إلى ذلك بشرط أن ترهنوا عندنا معاقل على المال تكون بأيدينا إلى حين الوفاء.
وإن كان هذا منكم امتحانا فالسيوف التى تعرفون ما ردّت فى أغمادها والرماح ما حصلت على أوتادها» . فانصرفوا وقد ملأ قلوبهم رعبا.
وأبقوا الهدنة على ما كانت وأعرضوا عن ذكر السلف.
قال: وخرج أقارب يحيى بن إسحاق الميورقى من ميورقة لما علموا
(24/340)

بموت يعقوب فى أسطول كبير إلى جزيرة منرقة، وهى فى طاعة محمد.
ففتحوها واحتووا على أموالها، وتركوا فيها جندا يحفظونها. فاتصل ذلك بالأمير محمد. فجهز أسطولا فى غير أوان ركوب البحر فى كانون، وقدم عليهم أبا زيد. فوصل إلى منرقة ففتحها عنوة بالسيف وقتل بعض من فيها «1» . وتوجه إلى جزيرة ميورقة «2» ففتحها وقتل بعض من بها من الجند. وأسر ثلاثة من أقارب يحيى ابن إسحاق وقتل منهم واحد فى المعركة. وذلك كله فى سنة خمس «3» وتسعين وخمسمائة.
انتهى تاريخ ابن شداد وابن الأثير «4» فى أخبار المغرب إلى هذه الغاية.
وقال غيرهما ممن أرخ للمغاربة: وفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، قام بالسوس رجل جزولى يعرف بأبى قصبة، ودعا لنفسه، واجتمع عليه خلق كثير ثم هزمه الموحدون وأسلمه أصحابه، وقتل.
وفى سنة إحدى وستمائة، تجهز محمد بن يعقوب فى جيوش عظيمة لقصد إفريقية، وكان يحيى بن غانية اللمتونى قد استولى عليها ما خلا قسنطينة وبجاية. فنزل إفريقية وملكها، ولم يمتنع عليه منها إلا المهدية. فأقام عليها أربعة أشهر، وكان فيها الحسن بن على بن عبد الله بن محمد بن غانية «5» واليا لابن عمه يحيى. فلما طال عليه
(24/341)

الحصار سلمها وخرج يقصد ابن عمه. ثم بداله فراسل الأمير محمدا فقبله أحسن قبول ووصله بالصّلات السنية.
ثم ترك بإفريقية من يقوم بحمايتها، واستعمل عليها أبا محمد عبد الواحد. ورجع إلى مراكش فى سنة أربع «1» وستمائة. وأقام بها إلى أول سنة سبع «2» وستمائة. فقصد بلاد الروم بالغزو، ونزل على قلعة تسمى شلب ترّة «3» ففتحها. فجمع له الأذفنش «4» جموعا عظيمة من الأندلس والشام «5» والقسطنطينية. فالتقيا بموضع يعرف بالعقاب. فدهم الأدفنش المسلمين وهم على غير أهبة.
فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير. وثبت الأمير محمد ثباتا لم ير من ملك قبله. ولولا ذلك لا ستؤصلت تلك الجموع. ثم رجع إلى مراكش. وكانت الهزيمة فى يوم الاثنين منتصف صفر «6» سنة تسع وستمائة. وانفصل الأدفنش، وقصد بياسة فوجدها خالية.
فقصد أبّذة فوجد فيها من المسلمين عددا كثيرا من المنهزمين وأهل بياسة. فأقام عليها ثلاثة عشر يوما، ودخلها عنوة وسبى وغنم.
فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة.
(24/342)

ذكر وفاة أبى عبد الله محمد وشىء من أخباره
كانت وفاته بمدينة مراكش لعشر خلون، وقيل: لخمس خلون من شعبان سنة عشر «1» وستمائة. فكانت ولايته خمس عشرة سنة وشهورا.
وكان شديد الصمت، بعيد الغور، كثير الإطراق، حليما، شجاعا، عفيفا عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه، إلا أنه كان نحيلا «2» ألثغ.
وكان له من الأولاد يوسف، وهو ولى عهده، ويحيى، وإسحاق توفى يحيى فى حياته.
ولما مات ولى بعده ابنه يوسف.
ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن بن على
كانت ولايته بعد وفاة أبيه فى شعبان سنة عشر وستمائة، وعمره يوم ذاك ست عشرة سنة. وقام ببيعته من القرابة أبو موسى عيسى ابن عبد المؤمن عم جده، الذى دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقى من ولد عبد المؤمن لصلبه، وأبو زكريا يحيى بن عمر بن عبد المؤمن. بويع له البيعة الخاصة فى يومى الخميس والجمعة،
(24/343)

بايعه أشياخ الموحدين والقرابة. وفى يوم السبت أذن للناس عامة وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم على رأسه يقول للناس:
«تبايعون أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين «1» ، على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السمع والطاعة فى المنشط والمكره واليسر والعسر، والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين، هذا ماله عليكم. ولكم عليه أن يحمى ثغوركم «2» ، وأن لا يدخر عنكم شيئا مما نعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم. وأن لا يحتجب دونكم. أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلده من أموركم» قال المؤرخ: ولما مضى من ولاية يوسف هذا أربعة أشهر، قبض على رجل كان قد ثار عليهم اسمه عبد الرحمن، ادعى أنه من أولاد العاضد من خلفاء المصرين «3» . وكان خروجه فى زمن أبيه محمد بن يعقوب، والتفّت عليه ببلاد صنهاجة جماعة كبيرة «4» .
وكان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة. وقصد سجلماسة فى حياة محمد بن يعقوب فى جيش عظيم. فخرج إليه متوليها سليمان بن عمر بن عبد المؤمن. فهزمه عبد الرحمن هذا، وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل يتنقل فى قبائل البربر ولا تثبت عليه جماعة لأنه غريب البلد، حتى قبض عليه بظاهر فاس.
فضربت عنقه وصلب، ووجّه برأسه إلى مراكش.
(24/344)

وثار فى أيام يوسف رجل ببلاد جزولة يدعى أنه فاطمى، فقتل وجىء برأسه «1» .
وثار آخر من صنهاجة، فقتل فى سنة ثمانى عشرة وستمائة، بعد أن أثر آثارا قبيحة، وهزم بعوثا كثيرة، وأفسد خلقا من الناس.
واستمر يوسف هذا إلى سنة عشرين وستمائة.
ذكر وفاة يوسف بن محمد
كانت وفاته فى شوال أو ذى القعدة «2» سنة عشرين وستمائة.
فكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر تقريبا «3» . ولم أقف من أخباره على غير ما وضعت، فأورده.
ذكر ولاية أبى محمد عبد العزيز بن يوسف ابن عبد المؤمن «4»
كانت ولايته فى ذى القعدة سنة عشرين وستمائة بعد وفاة يوسف ابن محمد. وكان يوسف بن محمد ولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء إدريس وولاه إفريقية. فلما توفى يوسف اضطرب
(24/345)

الأمر. فاجتمع معظم الناس «1» على تقديم أبى محمد عبد العزيز. فبايعوا له وولوه أمرهم.
قالوا: وكان عبد العزيز هذا فى أيام إمارته قبل أن يصير الأمر إليه مجتهدا فى دينه، شديد البصيرة فى أمره، قوى العزيمة، شديد الشكيمة، لا تأخذه فى الله لومة لائم، أرطب الناس لسانا بذكر الله وأتلاهم لكتابه، مع دماثة خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه، مع سخاء نفس وطلاقة وجه.
هذا ما وقفت عليه من أخبار ملوك دولة الموحدين مما دوّن لهم، على ما فيه من الاختصار. ثم انقطعت أخبار ملوك المغرب «2» عن الديار المصرية. فلم يصل إلينا من خبرهم إلا ما نتلقاه من أفواه الناس.
ولم يتحقق «3» من أخبارهم ما نورده «4» فتكون العمدة «5» عليه، لكنا علمنا من ولى الأمر من ملوك هذه الدولة بعد أبى محمد عبد العزيز هذا «6» واحدا بعد واحد إلى أن انقرضت الدولة وقامت دولة زناتة، من غير أن نتحقق تاريخ ولاية أحد منهم ولا وفاته. فرأينا أن نذكر ذلك مجردا عاريا من الأخبار والوقائع. ونقلت ذلك عن ثقة أخبرنى أنه نقله عن ثقات. وها أنا أورده كما أخبرنى.
قال: ولى الأمر بعد أبى محمد عبد العزيز المستنصر بالله
(24/346)

أبو يعقوب يوسف بن الناصر لدين الله أبى عبد الله محمد بن المنصور بالله أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن «1» .
ثم ولى الأمر بعده أبو محمد عبد الواحد بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.
ثم ولى الأمر بعده العادل أبو محمد عبد الله بن المنصور بالله أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
ثم ولى بعده «2» أبو زكريا يحيى بن الناصر لدين الله أبى عبد الله محمد، وهو أخو المستنصر «3» بالله المقدم ذكره.
ثم ولى بعده أبو العلاء إدريس المأمون بن المنصور أبى يوسف يعقوب.
ثم ولى بعده ابنه الرشيد عبد الواحد بن المأمون إدريس.
ثم ولى بعده «4» أخوه السعيد أبو الحسن على «5» بن المأمون إدريس، وهو المعروف بالبرّاك، وإنما سمى بالبراك لثبوته فى الحرب.
ثم ولى بعده «6» المرتضى أبو حفص عمر بن أبى إبراهيم إسحاق.
(24/347)

ثم ولى بعده «1» الواثق بالله أبو العلاء إدريس المعروف بأبى دبوس ابن أبى عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن، وإنما سمى بأبى دبوس لثقل دبوسه.
ثم ولى بعده «2» ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبى العلاء إدريس.
وعليه انقرضت دولتهم وقامت الدولة المرينية، وهم زنانة، وهى الدولة القائمة فى عصرنا «3» هذا. ولما انتزع من الملك انتقل إلى بلاد الفرنج فكان بها إلى أن ثار على بنى أبى حفص «4» بساحل «5» طرابلس الغرب وأعانته «6» الأعراب على ذلك. ثم قتل بعد أربعة أشهر أو نحوها من نهوضه ولم يتم له ما قصده.
ثم قام بعده أخوه أبو سعيد عثمان بن إدريس، وملك مدينة قابس وبلاد نفزاوة «7» ، وأقام بها مدة. ثم أخرج منها فتوجه مع العرب إلى البرية. ثم ثار معهم بإفريقية حتى انتهى إلى جبل الريحان، وهو على مرحلة من تونس. ثم خذله العرب فتوجه إلى بلاد الفرنج «8» .
قال: وكان انقراض دولة الموحدين فى سنة ست «9» وستين وستمائة تقريبا.
(24/348)

جامع أخبار دولة الموحدين
كانت مدة قيام هذه الدولة من حين ظهر «1» المهدى محمد بن تومرت فى سنة أربع عشرة وخمسمائة وإلى «2» حين انقراضها فى سنة ست وستين وستمائة، مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة تقريبا.
وعدة من ملك منهم سبعة عشر «3» ملكا، وهم:
المهدي محمد بن تومرت الحسنى.
عبد المؤمن بن على.
أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
أبو يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف «4» بن عبد المؤمن.
أبو عبد الله محمد بن أبى يوسف.
ولده يوسف بن محمد.
أبو محمد عبد العزيز بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
أبو محمد عبد الواحد بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
أبو محمد عبد الله بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.
(24/349)

أبو زكريا يحيى بن أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
أبو العلاء إدريس بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.
ولده عبد الواحد بن إدريس.
أخوه أبو الحسن على بن إدريس وهو البراك.
أبو حفص عمر بن أبى إبراهيم إسحاق.
أبو العلاء إدريس بن أبى عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن.
ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبى العلاء إدريس.
(24/350)

ذكر تسمية ملوك بنى مرين
أول من قام من ملوكهم «1» أبو بكر بن عبد الحق. استولى على بعض بلاد الموحدين بنى عبد المؤمن ثم مات قبل أن يخلص له الأمر ببلاد المغرب.
فملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق المعروف بابن تابطويت «2» وهى أمه نسبت إلى قبيلة بطّويت «3» ، وهى قبيلة كبيرة من قبائل زناتة. وفى أيامه انقرضت دولة بنى عبد المؤمن، وعظم شأنه، واتسع ملكه، وطالت مدته ثم مات.
فملك بعده ولده يوسف المعروف بأبى الزردات «4» واهتز له المغرب، وعظم شأنه، وهابه ملوك المغرب ومع ذلك لم يأت بطائل. وحاصر تلمسان فمكث على حصارها نحو أربع عشرة سنة، وابتنى عليها مدينة سكنها بجيوشه.
ومات قبل أن يملكها، وذلك أن بعض خدامه وثب عليه فضربه.
فلما تحقق الموت عهد بالملك إلى ولده أبى سالم إبراهيم فملك بعده.
وخالف عليه ابن أخيه أبو ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف أبى الزردات وعمه أبو يحيى أبو بكر بن يعقوب بن عبد الحق. واجتمع عليهما بنو مرين وهم على تلمسان. فخافهما إبراهيم وهرب من ليلته، فاتّبع وقتل.
واستقر الملك لعامر وعم أبيه أبى يحيى يوما واحدا. ثم قام عبد الله ابن أبى مدين المكناسى وزير يوسف بن يعقوب- وهو المستولى على
(24/351)

الدولة- وعلم أن أبا يحيى إن استمر تغلب على الملك وتحكم عليه «1» ، ورأى أنه إذا انفرد عامر بالملك مع صغر سنه كان هو المتحكم فى المملكة فأغرى عامرا بأبى يحيى، فأمر به فقتل فى اليوم الثانى. واستقل عامر بالملك مدة سنة واحدة وشهر ثم مات بطنجة.
فقام لطلب الملك بعده عمه على بن يوسف المعروف بابن رزيجة «2» ورزيجة أمه أم ولد. فلم يتم له أمر. فقام عبد الله بن أبى مدين الوزير وبايع لأبى الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب، وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها. واستقر فى الملك ثلاث سنين حتى مات بناحية تازا.
ثم ملك بعده عم أبيه عثمان بن يعقوب. وقتل ابن أبى مدين فى أيام سليمان بن عبد الله بأمره بمدينة فاس. وولى الوزارة بعده لأبى الربيع سليمان أخوه محمد بن أبى مدين. وعثمان هذا هو الملك القائم فى وقتنا هذا، فى سنة تسع عشرة وسبعمائة.
وإنما اقتصرنا من أخبارهم على هذه النبذة لأنهم منعوا فى ابتداء دولتهم أن يؤرّخ لهم أو تدون أخبارهم، وقتلوا محمد بن عبد الله ابن أبى بكر القضاعى المعروف بابن الأبار، وكان قد أرخ أخبارهم وأخبار غيرهم، وأعدموا ما وجدوه عنده وعند غيره من أوراق التاريخ المنسوبة لهم ولغيرهم. فهذا هو الذى منع من انتشار أخبارهم.
فلنذكر أخبار جزيرة «3» صقلية واقريطش.
(24/352)

ذكر أخبار جزيرة «1» صقلية
ومن غزاها من المسلمين وما افتتح منها، وكيف استولت الفرنج- خذلهم الله تعالى- عليها قد ذكرنا صفة جزيرة صقلية، وما بها من الأنهار والعيون والفواكه والأشجار والنبات والكلأ، وما بها من المدن المشهورة. وأنينا على ذلك مبينا، وهو فى السّفر الأول من كتابنا هذا فى أخبار الجزائر «2» .
فلنذكر الآن فى هذا الموضع خلاف ما قدمناه من أخبارها. فنقول:
أول من غزا جزيرة صقلية فى الاسلام
عبد الله بن قيس الفزارى «3» من قبل معاوية بن حديج، وكان قد بعثه من إفريقية، وذلك فى خلافة معاوية بن أبى سفيان «4» . ففتح وسبى وغنم فكان مما غنم أصناما من ذهب وفضة مكللة بالجواهر. فحملها إلى معاوية بن أبى سفيان.
فأنفذها معاوية إلى الهند لزيادة ثمنها. فأنكر المسلمون ذلك عليه.
ثم غزاها بعد ذلك محمد بن أبى إدريس «5» الأنصارى، فى أيام يزيد بن عبد الملك «6» ، فقدم بغنائم وسبايا.
ثم غزاها بشر بن صفوان الكلبى، فى أيام هشام بن عبد الملك فقدم بغنائم وسبايا.
(24/353)

ثم غزاها حبيب بن أبى عبيدة، فى سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ولده عبد الرحمن بن حبيب. فوجهه على الخيل «1» فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن حتى انتهى إلى سرقوسة «2» ، وهى دار الملك فقاتلوه، فهزمهم وضرب باب المدينة بسيفه فأثّر فيه.
فهابه النصارى ورضوا بالجزية. فأخذها منهم ثم توجه «3» إلى أبيه. فرجعا إلى إفريقية.
ثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب، فى سنة ثلاثين ومائة فظفر ثم اشتغل ولاة إفريقية بالفتن التى قدمنا ذكرها فى أخبارهم فأمن «4» أهل جزيرة صقلية، وعمرها الروم من كل الجهات، وبنوا بها المعامل والحصون، ولم يتركوا جبلا إلا جعلوا عليه حصنا.
وفى سنة إحدى «5» عشرة ومائتين، ولى ملك القسطنطينية على صقلية قسنطين «6» البطريق الملقب بسودة «7» فعمر اسطولا وسيره إلى بر إفريقية. وولى عليهم فيمى الرومى، وكان مقدما من بطارقته، فاختطف من بعض سواحلها مجازا «8» ، وبقى
(24/354)

مدة. فوصل كتاب صاحب القسطنطينية إلى قسنطين، يأمره بعزل فيمى وأن يعذبه لشىء بلغه عنه. فاتصل ذلك بفيمى، فمضى إلى مدينة سرقوسة. وملكها ونزع يده من الطاعة. فخرج إليه قسنطين، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسنطين وقتل. وخوطب فيمى بالملك. وكان ممن انقطع إليه علج من الأرمنيين «1» ، يقال له بلاطة. فقدمه وولاه على ناحية من الجزيرة. فخالف على فيمى وخرج إليه وقاتله. فانهزم فيمى وقتل من أصحابه ألف رجل.
ودخل بلاطة مدينة سرقوسة.
وركب فيمى ومن معه فى البحر. وتوجه إلى إفريقية إلى زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب يستنصر به. فجمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها واستشارهم فى إنفاذ «2» الأسطول إلى جزيرة صقلية.
فقال بعضهم: «نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطنا» . فقال سحنون بن قادم «3» رحمه الله: «كم بينها وبين بلاد الروم؟» فقالوا: «يروح الإنسان مرتين وثلاثة فى النهار ويرجع» . قال:
«ومن ناحية إفريقية» . قالوا: «يوم وليلة» . قال: «لو كنت طائرا ما طرت عليها» . وأشار من بقى بغزوها، ورغبوا فى ذلك، وسارعوا إليه «4» . فخرج أمر زيادة الله إلى فيمى بالتوجه إلى مرسى سوسة، والإقامة هناك إلى أن يأتيه الأسطول. وجمع الأسطول
(24/355)

والمقاتلة. واستعمل عليهم القاضى أسد بن الفرات. وأقلع الأسطول من مدينة سوسة يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة ومائتين، وهو نحو مائة مركب «1» سوى مراكب فيمى، وذلك فى خلافة المأمون. فوصل مازر «2» يوم الثلاثاء.
فأمر بالخيل فأخرجت من المراكب، وكانت سبعمائة فرس وعشرة آلاف راجل. وأقام ثلاثة أيام. فلم يخرج إليه إلا سرية واحدة.
فأخذها، فإذا هى من أصحاب فيمى، فتركها.
ثم رحل من مازر على تعبئة «3» قاصدا بلاطة وهو بمرج «4» ينسب إليه. فعبأ القاضى أسد أصحابه للقتال. وأفرد فيمى ومن معه ولم يستعن بهم. والتقوا واقتتلوا، فانهزم بلاطة ومن معه.
وقتل منهم خلق كثير. وغنم المسلمون ما معهم. ولحق بلاطة بقصريانة «5» ثم غلبه الخوف فخرج منها إلى أرض قلّورية «6» فقتل بها.
ثم سار القاضى أسد إلى الكنيسة التى على البحر وتعرف بأفيمية «7» واستعمل على مازر أبازكى «8» الكنانى.
(24/356)

ثم سار إلى كنيسة المسلقين «1» . فلقيه طائفة من بطارقة سرقوسة فسألوه الأمان خديعة ومكرا. واجتمع أهل الجزيرة إلى قلعة الكرّاث وجمعوا فيها جميع أموال أهل الجزيرة. وذل أهل سرقوسة وألقوا بأيديهم. فلما شاهد ذلك فيمى داخلته حمية الكفر. فأرسل إليهم أن يثبتوا وأن يجدوا فى الحرب ويستعدوا. وأقام القاضى أسد فى موضعه أياما. وتبين له «2» أنهم مكروا به حتى أصلحوا حصنهم وأدخلوا إليه جميع ما كان فى الرّبض «3» وفى الكنائس من الذهب والفضة والميرة. فتقدم وناصبهم القتال. وبث السرايا فى كل ناحية فغنموا وسبوا سبيا «4» كثيرا. وأتوه بالسبى والغنائم وأتته الأساطيل من إفريقية والأندلس. وشدد القاضى الحصار على مدينة سرقوسة. فسألوه الأمان فأراد أن يفعل. فأبى عليه المسلمون وعاودوا الحرب. فمرض القاضى أسد فى خلال ذلك، ومات فى شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين.
ذكر ولاية محمد بن أبى الحوارى «5»
قال: ولما توفى القاضى أسد بن الفرات، ولى المسلمون على أنفسهم محمد بن أبى الحوّارى، فضيق على أهل سرقوسة. فوصل
(24/357)

من القسطنطينية أسطول كبير «1» وعساكر فى البر. فعزم المسلمون على العود إلى إفريقية، فرحلوا عن سرقوسة وأصلحوا مراكبهم «2» وركبوها. فوقفت مراكب الروم على المرسى الكبير «3» ومنعوهم من الخروج.
فأحرق المسلمون مراكب نفوسهم. ورحلوا إلى حصن مناو «4» ومعهم فيمى. فملكوا الحصن وسكنوه.
وملكوا حصن جرجنت «5» وسكنه طائفة من المسلمين.
ثم خرج فيمى إلى قصريانة، فخرج إليه أهلها وبذلوا له الطاعة وخدعوه. وقالوا له: «نكون نحن وأنت والمسلمون على كلمة واحدة ونخلع طاعة الملك» . وسألوه أن يرجع عنهم ذلك اليوم لينظروا فيما يصالحون عليه. فرجع عنهم يومه ذلك. ثم جاءهم فى الغد فى نفر يسير. فخرجوا يقبلون الأرض بين يديه، وكانوا قد دفنوا سلاحا فى تلك البقعة. فلما قرب منهم، أخرجوا السلاح وثاروا به فقتلوه.
ثم وصل تودط البطرك «6» من القسطنطينية فى عساكر عظيمة
(24/358)

من الأرمن «1» وغيرهم، وتوجه إلى قصريانة. وخرج بمجموعه «2» للقاء المسلمين. فالتقوا فانهزم تودط. وقتل من عسكره خلق كثير، وأسر من بطارقته تسعون «3» بطريقا. ثم توفى محمد بن أبى الحوارى فى أول سنة أربع عشرة ومائتين.
فولى المسلمون عليهم زهير بن برغوث «4» . وكان بينه وبين تودط حروب كثيرة. وحاصر المسلمين فى حصنهم وضاقت عليهم الميرة وقلّت الأقوات حتى أكلوا دوابهم. ولم يزالوا كذلك حتى قدم أصبغ بن وكيل الهوارى فى مراكب كثيرة من الأندلس قد خرجوا غزاة، وقدم سليمان بن عافية الطرطوشى «5» بمراكب. فأرسل المسلمون إليهم وسألوهم النصرة، وأرسلوا إليهم دواب. فخرجوا وقصدوا تودط، وهو مقيم على مناو. فانصرف إلى قصريانة وارتفع الحصار عن المسلمين، وذلك فى جمادى الآخرة سنة خمس «6» عشرة ومائتين.
(24/359)

ذكر فتح مدينة بلرم
كان ابتداء حصارها فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ومائتين.
ودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتين «1» ،، وفتحت بالأمان، وذلك فى ولاية محمد بن عبد الله بن الأغلب.
وفى سنة خمس وعشرين ومائتين، استأمنت قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها جرصة «2» وقلعة البلوط «3» ، وابلاطنوا «4» وقلعة قرلّون «5» ، ومرتاو «6» ، وغير ذلك.
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن الأغلب وولاية العباس بن الفضل بن يعقوب
وفى سنة ست «7» وثلاثين ومائتين، توفى محمد بن عبد الله ابن الأغلب لعشر خلون من شهر رجب. فكانت ولايته تسع عشرة سنة. وكان فى مدة ولايته لا يخرج من مدينة بلرم بل كان يخرج
(24/360)

السرايا مع ولاته. فلما مات اجتمع الناس على ولاية العباس بن الفضل فولوه. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن الأغلب أمير القيروان فولاه الجزيرة. فكان يخرج بنفسه تارة وبسراياه أخرى. وهو يخرب فى بلاد العدو وينكى، وينال منهم ومن بلادهم، ويصالحونه على الأموال والرقيق.
ذكر فتح قصريانة وهى دار مملكة الروم بجزيرة صقلية
قال المؤرخ: كانت سرقوسة دار ملك الجزيرة إلى أن فتح المسلمون بلرم.
فانتقل الروم إلى قصريانة لحصانتها وجعلوها دار ملكهم. فلما كان فى سنة أربع وأربعين «1» ومائتين، خرج العباس بن الفضل فوصل إلى قصريانة وسرقوسة. وأخرج أخاه عليا فى المراكب الحربية فى البحر. فلقيه الإقريطشى فى أربعين شلنديا. فقاتلهم أشد قتال، فهزمهم وأخذ منهم عشر شلنديات برجالها، ورجع.
ثم سير العباس سرية إلى قصريانة فغنموا وقدموا بعلج. فأمر العباس بقتله، فقال له العلج: «استبقنى ولك عندى نصيحة» .
فخلا به وسأله: «ما النصيحة؟» فقال: «أدخلك قصريانة
(24/361)

فعند ذلك خرج العباس فى كانون فى أنجاد «1» رجاله، والعلج معه، وهو فى ألف فارس وسبعمائة راجل «2» ، فجعل على كل عشرة مقدما. ثم سار بهم ليلا حتى نزل على مرحلة من جبل الغدير.
وقدم عمه رباحا «3» فى خيار أصحابه. وأقام هو بموضعه وهو مستتر»
. ومضى عمه رباح بمن معه يدبون دبيبا حتى صاروا إلى جبل المدينة، والعلج معهم. فأراهم الموضع الذى ينبغى أن توضع عليه السلاليم. فتلطفوا فى الصعود إلى الجبل، وذلك الوقت قريب الصبح وقد نام الحرس. فلما وصلوا إلى السور، دخلوا من خوخة كانت فى السور يدخل منها الماء. ووضعوا السيف.
وفتحوا الأبواب. وأقبل العباس يجد السير. وقصد باب المدينة، ودخلها صلاة الصبح من يوم «5» الخميس لأربع عشرة ليلة بقيت «6» من شوال. وقتل من وجد بها من المقاتلة، وكان بها بنات البطارقة وأبناء ملوك الروم. فوجد المسلمون بها ما لا يحصى من الأموال.
وبنى العباس فيها مسجدا فى يومه، ونصب فيه «7» منبرا، وخطب عليه الخطيب يوم الجمعة.
وما زال العباس يداوم الغزو بنفسه إلى أن توفى فى يوم الجمعة
(24/362)

لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة سبع «1» وأربعين ومائتين.
فكانت ولايته إحدى عشرة سنة.
قال: ولما مات العباس، ولّى الناس على أنفسهم أحمد بن يعقوب «2» .
ثم ولوا عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى أمير القيروان. فولى خمسة أشهر.
ثم وصل إليهم خفاجة بن سفيان فى سنة ثمان وأربعين ومائتين.
ودام الغزو إلى أن اغتاله رجل من جنده عند منصرفه من غزاة فقتله.
وذلك فى يوم الثلاثاء مستهل شهر رجب «3» سنة خمس وخمسين ومائتين. ويقال: إن الذى قتله خلفون بن أبى زياد الهوارى.
قال: ولما قتل خفاجة، ولى الناس على أنفسهم ابنه محمد بن خفاجة. ثم أتته الولاية من قبل أمير القيروان. ثم قتله خدامه الخصيان لثلاث خلون من شهر رجب سنة سبع وخمسين ومائتين وهربوا. فأخذوا وقتلوا.
فولى الناس عليهم محمد بن أبى الحسين «4» ، وكتبوا إلى
(24/363)

إفريقية. فبعث أمير إفريقية بولايتها إلى رباح بن يعقوب «1» .
وولّى الأرض الكبيرة «2» عبد الله بن يعقوب. فمات رباح فى المحرم سنة ثمان وخمسين ومائتين. ومات بعده أخوه فى صفر من السنة.
فولى الناس عليهم أبا العباس بن عبد الله بن يعقوب «3» فأقام أشهرا «4» ثم مات. فولوا أخاه «5» .
ثم ولى الحسين بن رباح «6» من قبل أمير إفريقية.
ثم عزله واستعمل عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب فى شوال سنة تسع وخمسين ومائتين.
ثم عزله وولى أبا مالك أحمد بن عمر بن عبد الله بن [إبراهيم] «7» ابن الأغلب المعروف بحبشى. فبقى متوليا عليها ستا وعشرين سنة.
ثم وليها أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد فى سنة سبع «8» وثمانين ومائتين. فأقام إلى أن انخلع له أبوه إبراهيم بن أحمد
(24/364)

من الملك، فرده إلى إفريقية. وسار إبراهيم إلى صقلية وغزا بنفسه، كما ذكرناه فى أخباره آنفا «1» . ومات فى الغزو.
ثم وليها محمد بن السرقوسى مولى إبراهيم بن أحمد «2» .
ثم ولى على بن أبى الفوارس «3» فى سنة تسعين ومائتين.
«4» فأقام بها إلى سنة خمس وتسعين ومائتين «5» . فعزله زيادة الله.
واستعمل أحمد بن أبى الحسين بن رباح «6» .
ثم بلغ أهل صقلية تغلب أبى عبد الله الشيعى على بلاد إفريقية.
فوثب أهل صقلية على أحمد، وانتهبوا ماله وحبسوه. وولوا عليهم على بن أبى الفوارس لعشر من شهر رجب سنة ست وتسعين ومائتين. وأرسلوا ابن أبى الحسين إلى أبى عبد الله الشيعى.
وكتبوا إليه كتابا يسألونه إبقاء علىّ عليهم، فأجابهم إلى ذلك.
وكتب إليه أن يغزو برا وبحرا. وكان أحمد بن أبى الحسين آخر ولاة بنى الأغلب بصقلية.
وكان لكل واحد من الولاة الذين ذكرناهم غزوات وسرايا وجهاد فى العدو.
قال: ولما ولى المهدى بعد بنى الأغلب، كتب إليه ابن أبى الفوارس
(24/365)

يستأذنه فى القدوم إلى إفريقية، فأذن له فخرج إليه. فلما وصل حبسه برقادة.
ذكر ولاية حسن بن أحمد «1» بن أبى خنزير
كانت ولايته من قبل المهدى. فوصل إلى صقلية فى عاشر ذى الحجة سنة سبع وتسعين ومائتين. فثار به أهل المدينة فى سنة ثمان وتسعين «2» وقبضوا عليه. وكان سبب ذلك أن عماله جاروا على الناس. واتفق أنه صنع طعاما ودعا إليه وجوه الناس.
فلما صاروا عنده زعم بعضهم أنه رأى عبيده يتعاطون السيوف المسلولة. فخافوا وفتحوا طاقات المجلس وصاحوا: «السلاح، السلاح» . فثار إليهم الناس، واجتمعوا حول الدار، وأطلقوا النار فى الأبواب. فأخرج إليهم من كان عنده من وجوه الناس، وأنكر أن يكون أراد بهم سوءا فلم يقبلوا منه وتألبوا عليه. فوثب من داره إلى دار رجل من جيرانه فسقط فانكسر ساقه. فأخذوه وحبسوه. وكتبوا بذلك إلى المهدى. فعزله واغتفر فعلهم. وضبط المدينة خليل صاحب الخمس «3» .
ثم استعمل المهدى على بن عمر البلوى. فوصل إلى المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين. فلم يرض أهل صقلية سيرته، وكان شيخا هينا لينا رفيقا بالرعية. فألب
(24/366)

عليه أحمد بن قرهب «1» ودعا الناس إلى طاعة المقتدر بالله.
فأجابه إلى ذلك جماعة وولوه على أنفسهم «2» . ووردت عليه رسل المقتدر بالله العباسى فى سنة ثلاثمائة بكتاب بالولاية «3» والخلع والبنود وطوق ذهب وسوار. ثم عصى عليه أهل صقلية وكاتبوا المهدى. واجتمعوا إلى أبى الغفار فزحف بهم إلى ابن قرهب، وقالوا له: «اخرج عنا واذهب حيث شئت» . فأبى ذلك وقاتلهم ثم تحصن منهم ثم قتل بعد ذلك فى آخر سنة ثلاثمائة «4» .
فكانت ولايته أحد عشر شهرا.
ذكر ولاية أبى سعيد موسى بن أحمد
قال: ولما قتل ابن قرهب، أرسل المهدى موسى بن أحمد واليا. وأرسل معه جماعة ليساعدوه على أهل صقلية إن أرادوا به سوءا. فلما قدم، ورد عليه رؤساء جرجنت، فأكرمهم وكساهم.
ثم أخذ بعد ذلك أبا الغفار فقيده وحبسه. فهرب أخوه أحمد إلى جرجنت، فألب على موسى بن أحمد. فوافقه الناس عليه. وكانت بينه وبينهم حرب شديدة. ثم طلبوا الأمان فأمنهم. وكتب
(24/367)

بذلك إلى المهدى، فولى مكانه سالم بن أبى راشد الكنانى فى سنة خمس وثلاثمائة «1»
ذكر ما فتح من بلاد قلورية
قال المؤرخ: وفى سنة ست «2» عشرة وثلاثمائة وصل صابر الصقلبى من إفريقية فى ثلاثين حربيا. فخرج معه سالم إلى أرض قلّورية ففتحا مدينة طارنت عنوة. ووصلا إلى مدينة أذرنت، وحاصراها وخربا منازلها. وأصاب الناس وخم فرجعوا إلى المدينة.
ثم عاودوا الغزو إلى أن أذعن أهل قلورية لإعطاء الجزية وأدوها مدة بقاء المهدى.
وفى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، أخرج القائم بن المهدى يعقوب بن إسحاق فى أسطول إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها وأحرقوا مراكب كثيرة.
وفى هذه السنة، كان الطوفان بصقلية فهدم الدور.
وفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، خالف أهل جرجنت على سالم. وأخرجوا عامله ابن أبى حمران فأخرج إليهم سالم عسكرا فهزموه. ورجعوا إلى سالم فقاتلهم سالم وهزمهم. ثم خرج على
(24/368)

سالم أهل المدينة وحاربوه مع إسحاق البستانى ومحمد بن حمّو وكانت بينهم حرب. فهزمهم وحصرهم بالمدينة.
واتصل الخبر بالقائم «1» ، فأنفذ خليل بن إسحاق فى عسكر وجماعة من القواد لقتال أهل صقلية. فورد كتاب أهل البلد على القائم بطاعتهم وأنهم كرهوا أفعال سالم. فاستعمل عليهم خليل ابن إسحاق. فوصل إلى المدينة فى آخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. فأطاعه أهل صقلية فأكرمهم. وعزل عنهم عمال سالم.
فأقام خليل بها أربع سنين ثم رجع إلى إفريقية.
فوليها محمد بن الأشعث وعطّاف فى سنة ثلاثين وثلاثمائة.
فمات محمد بن الأشعث فى سنة أربع وثلاثين.
واستقل عطّاف بالأمر إلى سنة ست وثلاثين. فكتب إلى المنصور يخبره بتحامل أهل البلد وأن أمرهم يؤول إلى فساد.
فاستعمل المنصور بن القائم بن المهدى على صقلية الحسن ابن على بن أبى الحسين الكلبى «2» ، وكان مكينا عند المنصور لمحبته ونصحه وتقدم خدمة سلفه لآبائه. فوصل إلى صقلية وأقام بها سنتين وأشهرا «3» . ورجع إلى إفريقية فى ولاية المعز لدين الله ابن المنصور. فسأله تشريف ولده أبى الحسين «4» بالولاية، فولاه فى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
(24/369)

ذكر فتح قلعة طبرمين «1»
قال المؤرخ: وفى أيام أبى الحسين فتح المسلمون طبرمين، وكانت يومئذ أشد قلاع الروم شوكة. وكان فتحها لخمس بقين من ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، بعد أن حوصرت سبعة أشهر ونصفا، ونزلوا على حكم الملك دون القتل. فأمر المعز بتسميتها المعزّية. ووجه الأمير أحمد إلى المعز بسبيها وهو ألف وخمسمائة وسبعون رأسا.
ذكر فتح رمطة «2» وما كان بسبب ذلك من حروب
قال: لما فتح المسلمون طبرمين، وسكنوها وعمرت بهم وتحصنت، خرج أهل رمطة عن الطاعة، واستنصروا بالدّمستق «3» ملك القسطنطينية. فورد كتاب المعز إلى أحمد يأمره بإخراج الحسن بن عمار إلى حصار رمطة وقتال من بها وإزالتهم منها. فنزل ابن عمار عليها فى يوم الخميس آخر شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، ونصب عليها المجانيق والعرادات. ودام القتال فى كل يوم. وبنى له قصرا وسكنه. وأخذ الناس فى بنيان البيوت.
(24/370)

فلما بلغ ذلك الدمستق، أمر بالحشود، وجهز العساكر صحبة منويل، وأمرهم بالتعدية إلى صقلية. فابتدئوا بالتعدية يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. وأقاموا يعدون تسعة أيام فى عدد عظيم. وحفروا خندقا حول مدينة مسّينى وشيدوا أسوارها. وكاتب الحسن بن عمار بذلك، فخرج الأمير أحمد بالجيوش. ورحل الكفرة من مسينى قاصدين الحسن بن عمار بقلعة رمطة.
ذكر وقعة الحفرة على رمطة
قال: وفى النصف من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، زحف منويل بجميع عسكره من المجوس والأرمن والروس، فى جمع لم يدخل الجزيرة مثله قط. فلما علم الحسن بن عمار بتقدمهم استعد للقاء، وجعل عسكرا فى مضيق ميقش «1» وعسكرا فى مضيق دمنّش. فبلغ ذلك منويل فوجه عسكرين بإزائهما، ووجه عسكرا ثالثا إلى طريق المدينة يمنع من يصل إليهم «2» بنجدة. ورتب الحسن المقاتلة على القلعة وبرز بالعساكر للقاء الكفرة. وقد عزموا على الموت.
وزحف الكفرة فى ستة مواكب. وأحاطوا بالمسلمين من كل ناحية. ونزل أهل رمطة إلى من يليهم. والتقوا وقاتلت كل طائفة
(24/371)

من يليها. فقاتلوا «1» حتى دخل المسلمون خيام أنفسهم «2» وأيقن العدو بالظفر. فاختار المسلمون الموت، ورأوا أنه أسلم لهم وأوفر لحظوظهم، فحميت الحرب. ونادى الحسن بن عمار بأعلى صوته: «اللهم، إن بنى آدم أسلمونى فلا تسلمنى» . وحمل بمن معه حملة رجل واحد. فصاح منويل بالكفرة يقول: «أين افتخاركم بين يدى الملك؟ أين ما ضمنتم له فى هذه الشرذمة القليلة؟» . فحمى الوطيس عند ذلك. وحمل منويل وقتل رجلا من المسلمين. فطعن عدة طعنات فلم تعمل فيه شيئا لحصانة ما عليه من اللباس. فحمل عليه رجل من المسلمين فطعن فرسه فعقره، وقتل. وجاءت سحابة ذات برق ورعد وظلمة، وأيد الله المسلمين «3» بنصره. فانهزم الكفرة وركبهم المسلمون بالقتل. فمالوا إلى موضع ظنوه سهلا، فوقعوا فى الوعر، وأفضى بهم إلى حرف خندق عظيم كالحفرة من بعد قعره. فسقطوا فيها وقتل بعضهم فيها بعضا.
وامتلأت الحفرة منهم على طولها وعرضها وعمقها حتى مرت الخيل عليهم «4» مسرعة. وحصل من بقى منهم فى مواضع وعرة وخنادق هائلة. وكانت الحرب من أول النهار إلى بعد صلاة الظهر، وتمادت هزيمة من بقى إلى الليل. وبات المسلمون يقتلونهم فى كل ناحية وأسر جماعة من أكابرهم، وغنم المسلمون من الأموال والخيل
(24/372)

والسلاح ما لا يحد. وبلغ القتلى «1» فوق العشرة آلاف. وكان فيما غنموه سيف فيه منقوش: «هذا سيف هندى وزنه مائة وسبعون مثقالا، طالما ضرب به بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلم» . فبعث به الحسن إلى المعز لدين الله، مع مائتى علج من وجوههم، ودروع وجواشن وسلاح كثير. ونجا من الكفرة نفر يسير فركبوا المراكب. وجاء الخبر إلى الأمير أحمد بالهزيمة قبل وصوله إلى ابن عمار.
وفى أثر هذه الوقعة توفى الحسن بن على بن أبى الحسين والد الأمير أحمد.
قال: وبلغ «2» الدمستق خبر هذه الوقعة وكسرة أصحابه، وهو بالمصيصة وقد ضيّق على أهلها، فرجع مسرعا إلى القسطنطينية.
ودام الحصار على رمطة أشهرا. فنزل منها ألف نفس من شدة ما نالهم من الجوع. فوجه بهم الحسن بن عمار إلى المدينة وبقيت المقاتلة ثم فتحت رمطة.
وكان بين المسلمين بعد ذلك وبين الكفار وقائع كثيرة، منها وقعة الأسطول بالمجاز، قتل فيها من الكفار فى الماء حتى احمر المجاز.
ثم وقع الصلح بعد ذلك بين المعز والدمستق فى سنة ست وخمسين وثلاثمائة وأتته هداياه. ووصل كتاب المعز إلى الأمير
(24/373)

أحمد يعرفه بالصلح، ويأمره ببناء أسوار المدينة وتحصينها ويعلمه أن البناء اليوم خير من غد، وأن يبنى فى كل إقليم من أقاليم الجزيرة مدينة حصينة وجامعا ومنبرا، وأن يأخذ أهل كل إقليم بسكنى «1» مدينتهم ولا يتركوا متفرقين فى القرى. فسارع الأمير أحمد إلى ذلك، وشرع فى بناء سور المدينة. وبعث إلى جميع الجزيرة مشايخ ليقفوا على العمارة.
ذكر اخلاء طبرمين ورمطة
وفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وصلت هدية ملك القسطنطينية فأمر المعز لدين الله بإخلاء طبرمين ورمطة، فاغتم المسلمون لذلك.
فأمر الأمير أحمد أخاه أبا القاسم وعمه جعفرا، فنزلا بينهما وهدمتا وأحرقتا بالنار.
وفيها أمر المعز لدين الله الأمير أحمد بمفارقة صقلية والقدوم إلى إفريقية. ففارقها بجميع أهله وماله وأولاده وإخوته. فركبوا فى ثلاثين مركبا. ولم يبق منهم بصقلية أحد. فكانت ولايته خاصة ست عشرة سنة. واستخلف على صقلية يعيش مولى أبيه «2» .
(24/374)

ذكر ولاية أبى القاسم نيابة عن أخيه أحمد واستقلاله
قال: وفى نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وصل الأمير أبو القاسم إلى صقلية نيابة عن أخيه الأمير أحمد. ثم توفى الأمير أحمد فى بقية السنة، فوصل سجل المعز إلى ألى القاسم بالاستقلال «1» . وكانت «2» له غزوات كثيرة مع العدو. فالأولى فى سنة خمس وستين وثلاثمائة. وفيها أمر بعمارة قلعة رمطة، فعمرت وولى بعض عبيده عليها. ودوام الغزو إلى أن استشهد فى غزاته الخامسة، فى المحرم سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
وولى بعده الأمير جابر بن أبى القاسم «3» . وأتاه سجل العزيز بالله بن المعز لدين الله من مصر. فولى سنة.
ثم عزله العزيز واستعمل جعفر بن محمد بن الحسين «4» فوصل إلى صقلية فى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. فبقى بها إلى أن توفى فى سنة خمس «5» وسبعين.
(24/375)

وولى بعده أخوه عبد الله بن محمد إلى أن توفى فى شهر رمضان سنة تسع «1» وسبعين وثلاثمائة.
وولى بعده ابنه يوسف.
ذكر ولاية أبى الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة
كانت ولايته عند وفاة والده بعهد منه، ثم أتاه سجل العزيز بالله من مصر بالولاية فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا. واستمر إلى أن أصابه الفالج، فى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، فبطل شقه الأيسر وضعف الأيمن.
فاستناب ولده جعفر، وكان بيده سجل من الحاكم بولايته بعد أبيه. ثم بعث إليه الحاكم بعد ذلك تشريفا، وعقد له لواء، ولقبه بتاج «2» الدولة سيف الملة. فضبط الأحوال إلى سلخ شهر رجب سنة خمس وأربعمائة. فأظهر عليه أخوه الأمير على بن أبى الفتح الخلاف، وخرج إلى موضع بقرب المدينة. فاجتمع إليه البربر والعبيد الذين عاقدهم على القيام معه. فأخرج إليه جعفر عسكرا فالتقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من شعبان. فجرى بينهم قتال شديد قتل فيه كثير من البربر والعبيد الذين مع على. وهرب من بقى منهم.
وأسر على وجىء به إلى أخيه الأمير جعفر فقتله. فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام. فعزّ ذلك على أبيه. ثم أمر جعفر بنفى
(24/376)

من بالجزيرة من البربر بعيالاتهم، فنفوا حتى لم يبق منهم أحد.
وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم. وجعل جميع جنده من أهل صقلية. فقل العسكر عنده. وأدى ذلك إلى وثوب أهل صقلية به وإخراجه.
ذكر وثوب أهل صقلية بالأمير جعفر واخراجه
قال المؤرخ: كان سبب ذلك أنه ولى عليهم كاتبه حسن بن محمد الباغائى «1» ، فصادر الناس وعاملهم بسوء. وأشار على جعفر أن يأخذ من صقلية الأعشار فى طعامهم وثمارهم على عادة البلاد. ولم يجر لهم بذلك عادة وإنما كانت العادة أن يؤخذ على الزوج البقر شىء معلوم ولو أصاب ما أصاب. ثم أظهر جعفر الاستخفاف بأهل صقلية، وشيوخ بلادها، واستطال عليهم.
فزحف إليه أهل البلد صغيرهم وكبيرهم. فحاصروه فى قصره وهدموا بعض أرباضه. وباتوا ليلة الاثنين لست خلون من المحرم سنة عشر وأربعمائة، وقد أشرفوا على أخذه. فخرج إليهم أبوه يوسف فى محفة، وكانوا له مكرمين. فلطف بالناس ووعدهم أنه لا يخرج عن رأيهم. فذكروا له ما أحدث ولده. فقال: «أنا أكفيكم أمره، وأعتقله وأولى عليكم من ترضونه» . فوقع اختيارهم على ولده أحمد الأكحل.
(24/377)

ذكر ولاية الأمير تأييد الدولة «1» أحمد الأكحل
كانت ولايته فى يوم الاثنين السادس من المحرم سنة عشر وأربعمائة. وتسلم أهل صقلية حسن الباغائى الكاتب، فقتلوه، وطافوا برأسه، وأحرقوه بالنار. وخاف يوسف على ابنه جعفر، فحمله فى مركب حربى «2» إلى مصر، وسار يوسف أيضا، ومعهما من الأموال ستمائة ألف وسبعون ألف دينار. وكان ليوسف ثلاثة عشر ألف حجر «3» سوى البغال وغيرها، فمات بمصر وليس له إلا دابة واحدة.
قال: ولما ولى الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد. فسكن الناس وصلحت أحوالهم.
ثم وصل كتاب الحاكم ولقب الأكحل تأييد الدولة.
وجمع الأكحل المقاتلة، وبث سراياه فى بلاد الكفرة، وكانوا يحرقون ويغنمون ويخربون البلاد. فأطاعه جميع القلاع.
وكان للأكحل ابن اسمه جعفر، كان يستخلفه إذا سافر للغزاة فخالف سيرة أبيه فى العدل الإحسان. ثم جمع أهل صقلية وقال:
«إنى أحب إخراج أهل إفريقية عنكم، فإنهم قد شاركوكم فى بلادكم وأموالكم» . فقالوا: «كيف يكون ذلك، وقد صاهرناهم
(24/378)

واختلطنا بهم وصرنا شيئا واحدا؟» فصرفهم. ثم أرسل إلى الإفريقيين وقال لهم مثل ذلك فى حق أهل صقلية، فأجابوه إلى ما أراد. فجمعهم حوله فكان يحمى أملاكهم، ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية.
فسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وأعلموه بما حل بهم. وقالوا: «نحب أن نكون فى طاعتك وإلا سلمنا الجزيرة إلى الروم» . وذلك فى سنة سبع وعشرين «1» وأربعمائة. فوجه المعز ولده عبد الله «2» إلى صقلية بعسكر عدته ثلاثة آلاف فارس ومثلهم رجالة «3» . فسار إلى الجزيرة ووقعت بينه وبين الأكحل حروب، وحصره فى قصره بالخالصة. ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصرة الأكحل. فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز غدرا، وأتوا برأسه إلى عبد الله.
ثم رجع بعض الصقليين عن بعض، وندموا على إدخال عبد الله إلى الجزيرة، واجتمعوا على حربه، وقاتلوه فانهزم عسكر عبد الله وقتل منهم نحو ثلاثمائة «4» رجل. ورجعوا فى المراكب إلى إفريقية.
وولى أهل صقلية على أنفسهم الصمصام أخا الأكحل. واضطربت أحوال أهل الجزيرة، وانفردت كل طائفة بجهتها. فرجع أمر أهل المدينة إلى المشايخ الذين بها، وأخرجوا الصمصام. وانفرد القائد
(24/379)

عبد الله بن منكوت بمازر وطرابنش والشاقة»
ومرسى على «2» وما حولها من البوادى. وانفرد القائد على بن نعمة المعروف بابن الجواش «3» بقلعة قصر يانة ومدينة جرجنت وقصر نوبو «4» ومايلى ذلك. واختبطت الجزيرة. ثم ثار رجل يعرف بابن الثّمنة فاستولى على مدينة سرقوسة وما يليها. وخرج منها بعسكر إلى مدينة قطانية «5» فدخلها، وقتل ابن المكلاتى «6» وملكها.
وكان ابن المكلاتى مصاهرا للقائد على بن نعمة المعروف بابن الجواش بأخته ميمونة. فلما انقضت عدّتها، خطبها ابن الثمنة لأخيها، فزوجه بها، وكانت امرأة عاقلة. فجرى بينها وبينه فى بعض الأيام خصام أدى إلى أن أغلظ لها فى القول، فأجابته بمثله.
وكان سكران، فغضب وأمر بفصدها فى عضديها وتركها لتموت.
فسمع ولده إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء، وعالجها إلى أن عادت قوتها. ولما أصبح أبوه ندم واعتذر إليها بالسكر، فأظهرت قبول عذره. ثم طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها، فأذن لها وسير معها التحف والهدايا. فلما وصلت إليه ذكرت له ما فعل بها، فحلف
(24/380)

أنه لا يعيدها إليه. فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها إليه، فجمع عساكره، وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة وسار لحرب ابن الجواش بقصريانة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم ابن الثمنة، وتبعه وقتل من أصحابه فأكثر. فلما رأى ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت أراد لانتصار بالكفار.
ذكر استيلاء الفرنج- خذلهم الله تعالى- على جزيرة صقلية
كان سبب ذلك أنه لما وقعت الحرب بين ابن الثمنة وابن الجواش وانهزم ابن الثمنة، سار إلى مدينة ملطية «1» ، وكانت بيد الفرنج ملكوها فى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. وكان ملكها حينئذ رجار «2» الفرنجى. فوصل إليه وقال: «أنا أملّكك الجزيرة» . فسار معه فى شهر رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة. فلم يلقوا من يدافعهم، واستولوا على مامروا عليه فى طريقهم. وقصد بهم «3» قصريانة فقاتلهم ابن الجواش. فهزمه الفرنج «4» فرجع إلى الحصن. فرحلوا عنه واستولوا على مواضع كثيرة. ففارق الجزيرة كثير من العلماء والصالحين.
وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وذكروا له
(24/381)

ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف وغلبة الفرنج على كثير منها.
فعمر أسطولا كبيرا وشحنه بالرجال والعدد. وكان الزمان شتاء، فساروا إلى قوصرة «1» . فهاج عليهم البحر، فغرق أكثرهم ولم ينج إلا القليل. وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز بن باديس وقوى العرب عليه حتى أخذوا البلاد منه. فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤدة لا يمنعهم أحد. واشتغل المعز بما دهمه من العرب.
ثم مات فى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولى ابنه تميم. فبعث أسطولا وعسكرا إلى الجزيرة، وقدّم عليه ولديه أيوب وعليا.
فوصلوا إلى صقلية. فنزل أيوب والعسكر المدينة، ونزل على جرجنت. ثم انتقل أيوب إلى جرجنت فأحبه أهلها. فحسده ابن الجواش فكتب إلى أهلها ليخرجوه، فلم يفعلوا. فسار إليه فى عسكره وقاتله. فقتل ابن الجواش بسهم غرب «2» أصابه. وملك أيوب ابن تميم. ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة «3» وبين عسكر أيوب فتنة، أدت إلى القتال. ثم دار الشر «4» بينهم وتراقى، فرجع أيوب وأخوه فى الأسطول إلى إفريقية، وذلك فى سنة إحدى وستين وأربعمائة. وصحبهم جماعة من أعيان صقلية.
فلم يبق للفرنج مانع ولا ممانع، فاستولوا على الجزيرة. ولم يثبت
(24/382)

بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت. فحصرهما الفرنج وضيقوا على المسلمين حتى أكلوا الميتة وعدموا ما يأكلونه. فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وبقيت قصريانة بعد ذلك ثلاث سنين. فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم. فتسلمها الفرنج خذلهم الله تعالى فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وملك رجار جميع الجزيرة، وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين. ولم يترك لأحد من أهلها حماما ولا دكانا ولا طاحونا ولا فرنا.
ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين وأربعمائة «1» ، وملك بعده ولده روجار «2» . فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والسلاحية والجاندارية «3» وغير ذلك. وخالف عادة الفرنج. وجعل له ديوانا للمظالم يرفّع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم ولو من ولده، وأكرم المسلمين، ومنع عنهم الفرنج فأحبوه. وعمر أسطولا كبيرا وملك الجزائر التى بين المهدية وصقلية مثل مالطة وقوصرة وغيرهما.
وتطاولوا بعد ذلك إلى سواحل إفريقية وملكوا المهدية وغيرها. ثم استرجعت منهم على ما ذكرناه فى أخبار عبد المؤمن بن على «4» .
(24/383)

ذكر أخبار جزيرة أقريطش
هذه الجزيرة دون جزيرة صقلية، وهى كثيرة الخصب «1» مستطيلة الشكل.
وأول من غزاها فى الإسلام ابن أبى أمية الأزدى، فى أيام معاوية ابن أبى سفيان.
فلما كان فى أيام الوليد فتح بعضها.
ثم غزاها حميد بن معيون «2» الهمدانى فى أيام الرشيد ففتح بعضها.
ثم غزاها أبو حفص عمر بن شعيب «3» الأندلسى المعروف بالاقريطشى فى أيام المأمون. ففتح منها «4» حصنا واحدا. ولم يزل يفتح شيئا بعد شىء حتى لم يبق بها من الروم أحد، وأخرب حصونهم وتداولها بنوه بعده.
ولما جرى لأهل قرطبة مع الحكم بن هشام الأموى وقعة الربض التى ذكرناها فى سنة ثمان وسبعين ومائة «5» ، أخرج جماعة منهم.
فوصلوا إلى الإسكندرية وأقاموا بها، فعمرت بهم وصار فيها منهم خلق كثير. فغلبوا على الإسكندرية وملكوها إلى أن جاء عبد الله بن
(24/384)

طاهر إلى الإسكندرية وأخرجهم منها كما ذكرنا ذلك فى أخبار الدولة العباسية فى أيام المأمون بن الرشيد. فصالحهم على مال ونقلهم إلى جزيرة أقريطش. فعمروها وملكوا عليهم رجلا منهم «1» . وعمروا فيها أربعين قطعة. وغزوا جميع ما حولها من جزائر القسطنطينية ففتحوا أكثر الجزائر وغنموا وسبوا.
ولم يكن لملك القسطنطينية بهم قبل، فأفكر فيما يفعله معهم من المكر والخديعة. فأقبل الملك أرمانوس «2» إلى عبد العزيز بن شعيب ابن عمر «3» صاحب جزيرة أقريطش. وتقرب إليه بالهدايا والتحف، وأظهر له المودة والمحبة. فلما استحكمت الوصلة بينهم وتأكدت، أنفذ أرمانوس رجلا من المسلمين ومعه هدية جليلة. فلما حضر بين صاحب أقريطش وقدم الهدية، قال له: «الملك يسلم عليك ويقول لك: نحن جيران وأصدقاء «4» ، وهؤلاء المساكين سكان الجزائر «5» قوم ضعفاء فقراء، وقد خلا أكثرهم من خوفك، وقلوبهم تحن إلى أوطانهم. ولى ولك بهم راحة وفائدة. فإن خفّ عليك أن تحسب ما يحصل لك من غزوهم فى كل عام وأنا أضاعفه لك أضعافا، وتؤمنهم وترفع عنهم الغزو وتفسح لهم فى السفر إلى
(24/385)

جزيرتك، ويتوجه التجار إليك، ويحصل لك من الحقوق أضعاف ما يحصل لك من الغزو» . فأجابه إلى سؤاله. وتحالفا وتصالحا واتفقا على مال يؤدّى فى كل عام. فوفى له أرمانوس بجميع ذلك. وألزم التجار بالسفر إلى اقريطش والقسطنطينية وجميع الجزائر. فكثرت أموال صاحبها وأخذ فى جمع الأموال واختصر العطاء للجند.
ثم وقع بالقسطنطينية قحط وغلاء. فأنفذ الملك إلى صاحب اقريطش رسولا يقول: «قد وقع بالبلاد ما اتصل بك من الجدب.
ولنا خيل عراب «1» برسم النتاج تعزّ علينا، فإن رأيت أن أنفذها «2» إلى الجزيرة، وما نتجت من الذكور تكون للملك، وما نتجت من الإناث فهو لك» . فأجابه «3» إلى ذلك. فأرسل إلى الجزيرة خمسمائة فرس فى المراكب ومعها رعاتها.
فلما استقرت الخيل بالجزيرة، عبأ»
العساكر على تلطف واستخفاء، وقدم عليها نخفور «5» الدمستق وأنجاد رجاله، وذلك فى غرة المحرم سنة خمس وثلاثمائة. فدخل الأسطول إلى الجهة التى فيها الأفراس. ونزل كل فارس بسرجه ولجامه وشدوا له على فرس وفاجئوا أهل الجزيرة على غرة وغفلة. فملكوها وقتلوا صاحبها ومن معه من الجند، وعفوا عن قتل الرعية. ووجدوا الأموال التى كانوا
(24/386)

بذلوها مضاعفة فأخذوها. وسبوا نساء الأجناد وذراريهم. وشحنوها بالعدد والأجناد.
ذكر تنصر أهل اقريطش
قال المؤرخ: ولما قرب عيد الميلاد، أمروا أكابر الجزيرة بالمسير إلى الملك للهناء بالعيد. فتوقف الأمائل ونفّذوا مائة رجل من أوساط القوم. فلما وصلوا إلى الملك وسلموا عليه، أمر بإكرامهم، وخلع عليهم، وأمر لكل رجل منهم بعشر أوان من الذهب. فرجعوا فرحين، وندم من تأخر عن المسير.
فلما أقبل عيد الفصح، تهيأ أكابر أهل الجزيرة للمسير، واجتمع منهم جماعة كبيرة. فلما وصلوا إلى القسطنطينية، أمر الملك أن يجعلوا فى موضع، وجعل عليهم حرسا. ومنعوا من الطعام والشراب إلى أن أيقنوا بالهلاك. فشكوا ذلك إلى الموكلين بهم وقالوا: «القتل خير لنا من هذا. وما الذى يريده الملك منا؟» قالوا «1» : «إنه يريد دخولكم فى دين النصرانية، فإن لم تجيبوا متم «2» على هذه الحالة وسبيت «3» ذراريكم» . فلما اشتد عليهم البلاء تنصروا فخلع عليهم، وتوجهوا إلى أهاليهم.
(24/387)

فلما وصلوا الجزيرة منعوا الدخول «1» إلى بيوتهم. وقيل لهم:
«أنتم نصارى وهؤلاء مسلمون. فإن دخلوا فى دين الملك اجتمعتم، وإن أبوا ملكناهم» . فتنصر الباقون فى يوم واحد. ثم مات الاباء وبقى الأولاد على أشد ما يكون فى دين النصرانية والبغض فى المسلمين. نسأل الله تعالى أن لا يمكربنا ولا بأهالينا ولا بذرا رينا «2» ولا بعقبنا، ولا بمتحننا فى ديننا، وأن يجعل عواقب أمورنا خيرا من مبادئها، بمنّه وكرمه.
ولنصل هذا الفصل بذكر ما استولى عليه الفرنج من جزيرة الأندلس.
ذكر ما استولى عليه الفرنج- خذلهم الله تعالى- من البلاد الاسلامية بجزيرة الأندلس بعد أخذ طليطلة
هذه المدن التى نذكرها مما «3» استولى الفرنج خذلهم الله تعالى عليه من أعمال جزيرة الأندلس. كان الاستيلاء عليها فى التواريخ التى نذكرها، وهى فى المدة التى انقطعت فيها الأخبار وتعطلت التواريخ. فلم تصل إلينا مفصلة، ولا علمنا كيف أخذت ولا ممن انتزعت من ملوك المسلمين، فنذكر ذلك على وجهه. وإنما اطلعنا من حالها على تواريخ الاستيلاء عليها خاصة. فرأينا ذكر ذلك أولى من إهماله.
(24/388)

والمدن التى أخذت هى مدينة قرطبة استولى الفرنج عليها فى يوم السبت الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة «1» .
ومدينة بلنسية، نازلها الروم وملكوها صلحا فى يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ست وثلاثين «2» وستمائة.
وجيّان: استولوا عليها فى سنة ثلاث «3» وأربعين وستمائة.
وطرطرشة: أخذت فى سنة ثلاث «4» وأربعين وستمائة.
ولاردة: أخذت فى سنة خمس «5» وأربعين وستمائة.
ومدينة إشبيلية: أخذت فى مستهل شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة «6» .
ولم يتأخر للمسلمين بجزيرة الأندلس إلى وقتنا هذا غير الجزيرة الخضراء وما يليها. وهى «7» جزء يسير جدا بالنسبة إلى ما أخذ
(24/389)

أعاد الله ما أخذ، وحمى ما بقى. وقد بلغنا أن الجزيرة الخضراء حاصرها الفرنج خذلهم الله تعالى فى سنة خمس عشرة وسبعمائة ونحوها. ولم يصل إلينا ما تجدد من ذلك. فإن وصل إلينا من خبرها شىء أوردناه فى حوادث السنين فى أخبار ملوك الديار المصرية.
إن شاء الله تعالى.
فهذا ما أمكن إيراده من أخبار بلاد المغرب. فلنذكر خلاف ذلك.
(24/390)

الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيين فى الدولة الأموية والدولة العباسية فقتل دونها
وذلك بعد مقتل الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما كان أول من رام ذلك منهم فى الدولة الأموية:
زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم وكان ظهوره فى سنة إحدى وعشرين ومائة، وقتل فى سنة اثنتين وعشرين فى أيام هشام بن عبد الملك بن مروان «1» . وقد اختلف فى سبب قيامه وطلبه الخلافة ما هو. فقيل «2» : إن زيدا هذا وداود بن على بن عبد الله بن عباس ومحمد بن عمر بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم قدموا على خالد بن عبد الله القسرى، وهو أمير العراق. فأجازهم وأكرمهم ورجعوا إلى المدينة. فلما ولى
(24/391)

يوسف بن عمر الثّقفى العراق كتب [إلى] «1» هشام بذلك. وذكر له أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم رد الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه ففعل. فسألهم هشام عن ذلك، فأقروا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، وحلفوا فصدقهم. وأمرهم بالمسير إلى العراق، ليقابلوا خالد بن عبد الله. فساروا على كره وقابلوا خالدا فصدقهم فعادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم.
وقيل: بل ادعى خالد القسرى أنه أودع زيدا وداود بن على ونفرا من قريش مالا. فكتب يوسف الثقفى بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة، وسيرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد. فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: «إن خالدا زعم أنه أودعك مالا» . قال: «كيف يودعنى وهو يشتم آبائى على منبره؟» فأرسل إلى خالد فأحضره فى عباءة «2» . فقال: «هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئا» . فنظر خالد إليه وإلى داود، وقال ليوسف: «أتريد أن تجمع مع إثمك فى إثما فى هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر؟» فقال لخالد «3» :
(24/392)

«ما دعاك إلى ما صنعت؟» فقال: «شدّد على العذاب فادّعيت ذلك، وأملت أن يأتى الله بفرج قبل قدومك» . فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة.
وقيل «1» : إن يزيد بن خالد القسرى هو الذى ادعى المال وديعة عند زيد. فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف، استقالوه خوفا من شر يوسف وظلمه. فقال: «أنا أكتب إليه بالكف عنكم» . وألزمهم بذلك، فساروا على كره. فجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: «ليس لى عندهم قليل ولا كثير» .
قال يوسف: «أفبى تهزأ أم بأمير المؤمنين؟» فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه. ثم أمر بالقرشيين فضربوا وترك زيدا. ثم استحلفهم وأطلقهم فلحقوا بالمدينة. وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: «والله، ما آمن إن بعثتنى إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين «2» أبدا» . قال: «لا بد من المسير إليه» .
وقيل «3» : كان السبب فى ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن «4» بن على فى وقوف «5» على ابن أبى طالب رضى الله عنه؛ زيد يخاصم عن بنى حسين، وجعفر
(24/393)

يخاصم عن بنى حسن. فكانا يتبالغان كل غاية «1» ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا. فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن حسن بن الحسن. فتنازعا يوما بين يدى خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة. فأغلظ عبد الله لزيد وقال: «يابن السندية» فضحك زيد وقال: «قد كان إسماعيل لأمة، ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم تصبر غيرها» . يعنى فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله فإنها تزوجت بعد أبيه الحسن. ثم ندم زيد واستحيى من فاطمة وهى عمته، فلم يدخل عليها زمانا. فأرسلت إليه:
«يا ابن أخى إنى لأعلم أن أمك «2» عندك كأم عبد الله عنده» وقالت لعبد الله: «بئس ما قلت لأم زيد، أم والله لنعم دخيلة القوم كانت» .
قال: فذكر أن خالدا قال لهما: «اغدوا علينا غدا. فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما» . فباتت المدينة تغلى كالمراجل يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد الله كذا. فلما كان من الغد، جلس فى المسجد واجتمع الناس، فمن بين شامت ومهموم. فدعا بهما خالد، وهو يحب أن يتشاتما. فذهب عبد الله يتكلم. فقال زيد: «لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا» ثم أقبل على خالد فقال له: «أجمعت ذرية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأمر ما كان يجمعهم عليه
(24/394)

أبو بكر أو عمر؟ «1» فقال خالد: «أما لهذا السفيه أحد؟» فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: «يا ابن أبى تراب، وابن حسين السفيه، أما ترى لوال عليك حقا ولا طاعة؟» فقال زيد «اسكت أيها القحطانى، فإنا لا نجيب مثلك» . قال: «ولم ترغب عنى؟ فو الله إنى لخير منك، وأبى خير من أبيك، وأمى خير من أمك» . فتضاحك زيد وقال: «يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، أفتذهب الأحساب؟ فو الله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم» . فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: «كذبت والله أيها القحطانى، فو الله لهو خير منك نفسا وأما وأبا ومحتدا» . وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفا من حصباء فضرب بها الأرض ثم قال: «إنه والله ما لنا على هذا من صبر» . وقام.
وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص «2» . فكلما رفع قصة يكتب هشام فى أسفلها «ارجع إلى منزلك «3» » . فيقول زيد: «والله، لا أرجع إلى خالد أبدا» . ثم أذن له يوما بعد طول حبس، ورقى علّية طويلة.
وأمر خادما «4» أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول. فصعد زيد، وكان بادنا، فوقف فى بعض الدرجة فسمعه يقول: «والله،
(24/395)

لا يحب الدنيا أحد إلا ذل» ثم صعد إلى هشام فحلف له على شىء. فقال: «لا أصدقك» فقال: «يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحدا عن أن لا يرضى بذلك منه» فقال هشام: «لقد بلغنى يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها.
ولست هناك وأنت ابن أمة» . قال زيد: «إن لك جوابا» قال: «فتكلم» قال: «إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة من نبى ابتعثه.
وقد كان إسماعيل عليه السّلام ابن أمة وأخوه من صريحة. فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر. وما على أحد من ذلك إذا كان جده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما كانت أمه» . قال له هشام:
«اخرج» قال: «أخرج ثم لا أكون «1» إلا بحيث تكره» فقال له سالم «2» : «يا أبا الحسين، لا يظهرن هذا منك» .
فخرج من عنده وسار إلى الكوفة. فقال له محمد بن عمر بن أبى طالب: «أذكّرك الله يا زيد، لما لحقت بأهلك، ولا تأت أهل الكوفة فإنهم لا يفون لك» . فلم يقبل وقال: «خرج بنا أسرى على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى تيس ثقيف يلعب بنا» . وقال «3» :
بكرت تخوّفنى الحتوف كأننى ... أصبحت من غرض الحياة بمعزل
(24/396)

فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل
إن المنية لو تمثّل مثّلت ... مثلى إذا نزلوا بضيق المنزل
فاقنى حياءك لا أبا لك واعلمى ... أنى امرؤ سأموت إن لم أقتل
ثم قال زيد: «أستودعك الله، وإنى أعطى الله عهدا أن [لا] دخلت يدى فى طاعة هؤلاء ما عشت» .
وفارقه وأقبل إلى الكوفة. فأقام بها مستخفيا يتنقل فى المنازل.
وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعة «1» . فيايعه جماعة منهم سلمة ابن كهيل، ونصر بن خزيمة العبسى، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصارى، وناس من وجوه أهل الكوفة. وكانت بيعته:
«إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفىء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، وإقفال المجمر «2» ونصرة أهل البيت. أتبايعون على ذلك؟» فإذا قالوا: «نعم» . وضع يده على أيديهم ويقول: «عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم لتفينّ ببيعنى، ولتقاتلن عدوى، ولتنصحن لى فى السر والعلانية» فإذا قال: «نعم» . مسح يده على يده.
(24/397)

ثم قال: «اللهم اشهد» . فبايعه خمسة عشر ألفا، وقيل:
أربعون ألفا. وأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفى له ويخرج معه يستعد ويتهيأ. فشاع أمره فى الناس. هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس.
وأما على قول من زعم أنه أتى الكوفة إلى يوسف بن عمر لمقابلة خالد بن عبد الله القسرى أو ابنه يزيد بن خالد، فإنه يقول: إنه أقام بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن على بن عبد الله بن عباس. وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد، وتأمره بالخروج، ويقولون: «إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وأن هذا الزمان هو الذى يهلك فيه بنو أمية» . فأقام بالكوفة.
وجعل يوسف بن عمر الثقفى يسأل عنه، فيقال: «هو هاهنا» . ويبعث إليه ليسير فيقول: «نعم» ويعتل بالوجع.
فمكث ما شاء الله. ثم أرسل إليه يوسف ليسير، فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها. ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله فى ملك بينهما بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها.
فلما رأى جد يوسف فى أمره سار حتى أتى القادسية وقيل الثّعلبية. فتبعه أهل الكوفة وقالوا: «نحن أربعون ألفا لم يتخلف عنك أحد، نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة بعض قبائلنا تكفيهم بإذن الله تعالى» . وحلفوا بالأيمان المغلظة، فجعل يقول: «إنى أخاف أن تخذلونى وتسلمونى كفعلكم بأبى وجدى» فيحلفون له. فقال له داود بن على:
(24/398)

«يا ابن عم، إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك: جدك على بن أبى طالب حتى قتل، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له ثم خذلوه وأسلموه، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ فلا ترجع معهم» فقالوا لزيد: «إن هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم» فقال زيد لداود: «إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ومكره، وإن الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم» . فقال داود: «إنى خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم» . ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة.
فلما رجع زيد، أتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحقه فأحسن. ثم قال له: «نشدتك الله: كم بايعك؟» قال: «أربعون ألفا» قال: «فكم بايع جدك؟» قال: «ثمانون ألفا» . قال: «فكم حصل معه؟» قال:
«ثلاثمائة» قال: «نشدتك الله: أنت خير أم جدك؟» قال:
«جدى» . قال: «فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟» قال:
«ذلك القرن» . قال: «أفتطمع أن يفى لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟» قال: «قد بايعونى ووجبت البيعة فى عنقى وعنقهم» . قال: «أفتأذن لى أن أخرج من هذا البلد، فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسى» . فأذن له فخرج إلى اليمامة.
وكتب عبد الله بن الحسن «1» بن الحسن إلى زيد: «أما
(24/399)

بعد، فإن أهل الكوفة نفخ العلانية، خور السريرة، هرج فى الرخاء «1» ، جزع فى اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم وألبست قلبى غشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم. وما لهم مثل إلا ما قال «2» على بن أبى طالب رضى الله عنه: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم «3» خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقّة نكصتم» فلم يصغ زيد إلى شىء من ذلك وأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج.
وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمى. وتزوج أيضا ابنة عبد الله بن أبى العنبس الأزدى. وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع، فأتت زيدا تسلم عليه، وكانت جميلة حسنة قد دخلت فى السن ولم يظهر عليها. فخطبها زيد إلى نفسها «4» . فاعتذرت بالسن وقالت له: «لى بنت «5» هى أجمل منى وأبيض وأحسن دلا وشكلا» فضحك زيد ثم تزوجها وكان ينتقل بالكوفة تارة عندها، وتارة عند زوجته الأخرى، وتارة فى بنى عبس، وتارة فى بنى نهد، وتارة فى بنى تغلب «6» وغيرهم إلى أن ظهر.
(24/400)

ذكر ظهور زيد بن على بن الحسن ومقتله
كان ظهور زيد ومقتله فى سنة اثنتين وعشرين ومائة. وذلك أنه لما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج، أخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهز. فانطلق سليمان بن سراقة البارقى إلى يوسف بن عمر فأخبره. فبعث يوسف فى طلب زيد فلم يوجد.
وخاف زيد أن يؤخذ فتعجل الخروج قبل الأجل الذى جعله بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصّلت، وعلى شرطته عمرو بن عبد الرحمن «1» من القارة، ومعه عبيد الله بن العباس الكندى فى ناس من أهل الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة.
فلما رأى أصحاب زيد بن على أن يوسف بن عمر قد بلغه حاله وأنه يبحث عن أمره، اجتمع إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا «رحمك الله، ما قولك فى أبى بكر وعمر؟» قال زيد: «رحمهما الله وغفر لهما. ما سمعت أحدا من أهل بيتى يقول فيهما إلا خيرا وإن أشد ما أقول فيما ذكرتم: أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الناس أجمعين، فدفعونا عنه. ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا. وقد ولوا فعدلوا فى الناس، وعملوا بالكتاب والسنة» قالوا: «فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم؟» فقال: «إن هؤلاء ليسوا كأولئك. هؤلاء ظالمون لى ولأنفسهم ولكم. وإنما ندعوهم إلى كتاب الله وسنة
(24/401)

نبيه صلّى الله عليه وسلم، وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل» ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: «سبق الإمام» ، يعنون محمد الباقر، وكان قد مات. وقالوا: «جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه» فسماهم زيد الرافضة. وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حيث فارقوه. وكانت طائفة أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج زيد فأخبروه ببيعة زيد. فقال: «بايعوه، فهو والله أفضلنا وسيدنا» فعادوا وكتموا ذلك.
وكان زيد قد واعد أصحابه أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة. فبلغ يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم يأمره أن يجمع أهل الكوفة فى المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم فيه. وطلبوا زيدا فى دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة «1» الأنصارى، فخرج منها ليلا. ورفعوا النيران ونادوا: «يا منصور «2» » حتى طلع الفجر.
فلما أصبحوا بعث زيد القاسم الحضرمى وآخر من أصحابه يناديان بشعارهم. فلما كانوا بصحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس «3» الكندى. فحملوا عليه وعلى أصحابه، فقتل الذى كان
(24/402)

مع القاسم، وارتثّ «1» القاسم وأتى به الحكم فضرب عنقه. فكانا أول من قتل من أصحاب زيد.
فأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس.
وبعث إلى يوسف بالحيرة فأخبره الخبر. فأرسل جعفر بن العباس «2» ليأتيه بالخبر. فسار فى خمسين فارسا حتى بلغ جبانة سالم، فسأل ثم رجع إلى يوسف فأخبره. فسار يوسف إلى تل قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه أشراف الناس. فبعث الريان بن سليمة الإراشى «3» فى ألفين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم النشّاب.
وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتى رجل وثمانية عشر رجلا. فقال زيد: «سبحان الله! أين الناس؟» فقيل:
«إنهم فى المسجد الأعظم محصورون» . فقال: «والله، ما هذا بعذر لمن بايعنا» وسمع نصر بن خزيمة العبسى النداء فأقبل إليه.
فلقى عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم فى خيله من جهينة فى الطريق فحمل عليه نصر، فقتل عمرو وانهزم من كان معه.
وأقبل زيد على جبانة سالم حتى انتهى إلى جبانة الصائديين «4»
(24/403)

وبها خمسمائة من أهل الشام. فحمل عليهم زيد فيمن معه فهزمهم.
وانتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدى، وكان فيمن بايعه، وهو فى الدار. فنودى فلم يجبهم. وناداه زيد فلم يخرج إليه. فقال زيد: «ما أخلّفكم! قد فعلتموها! الله حسيبكم!» ثم انتهى زيد إلى الكناسة فحمل على من بهامن أهل الشام فهزمهم. ثم سار زيد ويوسف ينظر إليه فى مائتى رجل، فلو قصده زيد لقتله، والريان يتبع آثار زيد بالكوفة فى أهل الشام. فأخذ زيد على مصلى خالد حتى دخل الكوفة. وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم فلقوا أهل الشام فقاتلوهم. فأسر أهل الشام منهم رجلا، فأمر به يوسف بن عمر فقتل.
فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: «يا نصر بن خزيمة، أتخاف أن يكونوا فعلوها حسينية؟» قال: «أما أنا فو الله لأقاتلن معك حتى أموت، وإن الناس بالمسجد فامض بنا إليهم» . فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندى عند دار عمر بن سعد» فاقتتلوا فانهزم عبيد الله وأصحابه. وجاء زيد حتى انتهى إلى باب المسجد. فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: «يا أهل المسجد، اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم فى دين ولا دنيا» . فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد.
وانصرف الريان عند المساء إلى الحيرة. وانصرف زيد فيمن معه. وخرج إليه ناس من أهل الكوفة. فنزل دار الرزق. فأتاه
(24/404)

الريان بن سليمة فقاتله عن دار الرزق. وخرج أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شئ ظنا.
فلما كان الغد أرسل يوسف بن عمر العباس بن سعد «1» المزنى فى أهل الشام، فانتهى إلى زيد فى دار الرزق. فلقيه زيد وعلى مجنبتيه نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة، فقتتلوا قتالا شديدا. وحمل نائل بن فروة العبسى من أهل الشام على نصر بن خزيمة. فضربه بالسيف فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله. ولم يلبث نصر أن مات. واشتد قتالهم فانهزم أصحاب العباس، وقتل منهم نحو من سبعين رجلا.
فلما كان العشى عبأهم يوسف بن عمر ثم سرحهم. فالتقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم فى أصحابه، فكشفهم. وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة ثم حمل عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بنى سليم.
وجعلت خيلهم لا تثبت لخيله. فبعث العباس إلى يوسف يعلمه ذلك وقال له: «ابعث إلى الناشبة» . فبعثهم إليه، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصارى بين يدى زيد قتالا شديدا فقتل. وثبت زيد ومن معه إلى الليل. فرمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت فى دماغه. ورجع أصحابه.
ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل.
ونزل زيد فى دار من دور أرحب. وأحضر أصحابه طبيبا، فانتزع
(24/405)

النصل فضج زيد. فلما نزع مات زيد رحمه الله. فقال أصحابه:
«أين ندفنه؟» فقال بعضهم: «نطرحه فى الماء» . وقال بعضهم:
«بل نقطع رأسه ونلقيه فى القتلى» . فقال ابنه يحيى: «والله، لا يأكل لحم أبى الكلاب» . وقال بعضهم: «ندفنه فى الحفرة التى يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء «1» » . ففعلوا. فلما دفنوه أجروا الماء عليه. وقيل: دفن بنهر يعقوب: سكر «2» أصحابه الماء.
ودفنوه وأجروا الماء. وكان معهم مولى لزيد سندى «3» ، وقيل:
رآهم قصار، فدل عليه. وتفرق الناس عنه.
وسار ابنه يحيى نحو كربلاء. فنزل نينوى «4» على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر. ثم إن يوسف بن عمر تتبع الجرحى فى الدور. فدله السندى مولى زيد يوم الجمعة على زيد. فاستخرج من قبره فقطع رأسه وسير إلى يوسف بن عمر، وهو بالحيرة، سيره إليه الحكم بن الصلت. فأمر يوسف أن يصلب، فصلب زيد بالكناسة، هو ونصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق وزياد النهدى.
وأمر بحراستهم. وبعث الرأس إلى هشام بن عبد الملك، فصلب على باب مدينة دمشق. ثم أرسل إلى المدينة. وبقى البدن مصلوب إلى أن مات هشام وولى الوليد، فأمر بإنزاله وإحراقه.
وقيل: كان خراش «5» بن حوشب بن يزيد الشيبانى على
(24/406)

شرطة يوسف بن عمر «1» ، وهو الذى نبش زيدا «2» وصلبه.
فقال السيد الحميرى:
بت ليلى مسهّدا ... ساهر العين مقصدا «3»
ولقد قلت قولة ... وأطلت التّبلّدا:
لعن الله حوشبا ... وخراشا ومزيدا
ويزيدا فإنه ... كان أعتى وأعتدا «4»
ألف ألف وألف أل ... ف من اللعن سرمدا
إنهم حاربوا الإل ... هـ وآذوا محمدا
شركوا فى دم الحسين وزيد تعبّدا «5» ... ثم عالوه فوق جذ
ع صريعا مجردّا ... يا خراش بن حوشب
أنت أشقى الورى غدا
وأما يحيى بن زيد بن على فإنه قيل فيه غير ما قدمناه. وهو أنه لما قتل زيد قال له رجل من بنى أسد من أهل خراسان: «إن بخراسان لكم شيعة، والرأى أن تخرج إليها» . قال: «وكيف لى بذلك؟» قال: «تتواري حتى يسكن الطلب ثم تخرج» . فواراه عنده.
(24/407)

ثم خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له: «قرابة زيد بك قريبة وحقّه عليك واجب» . فقال: «أجل، ولقد كان العفو عنه أقرب للتقوى» . فقال: «قد قتل وهذا ابنه غلام حدث لا ذنب له، وإن علم يوسف به قتله أفتجيره؟» قال: «نعم» .
فأتاه به، فأقام عنده. فلما سكن الطلب سار فى نفر من الزيدية إلى خراسان.
ذكر مسير يحيى بن زيد بن على الى خراسان ومقتله
قال: ولما سكنت الفتنة، سار يحيى إلى خراسان. فأتى بلخ فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود «1» . حتى هلك هشام ابن عبد الملك وولى الوليد بن يزيد. فكتب يوسف بن عمر الثقفى إلى نصر بن سيار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، وقال له: «خذه أشد الأخذ» . فأخذ «2» نصر الحريش فطالبه بيحيى.
فقال: «لا علم لى به» . فأمر به فجلد ستمائة سوط.. فقال الحريش:
«والله، لو أنه تحت قدمى ما رفعتهما عنه» . فلما رأى ذلك قريش «3» ابن الحريش قال: «لا تقتل أبى وأنا أدلك على يحيى» . فدله عليه.
(24/408)

فأخذه وحبسه. وكتب نصر إلى الوليد يخبره به. فكتب إليه الوليد يأمره أن يؤمنه ويخلى سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه نصر، وأمره أن يلحق بالوليد، وأمر له بألفى درهم.
فسار إلى سرخس وأقام بها. فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس ابن عباد يأمره أن يسيره عنها.
فسار حتى انتهى إلى بيهق. وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور «1» ، وبها عمرو بن زرارة «2» ، وكان مع يحيى سبعون رجلا. فرأى يحيى تجارا فأخذ هو وأصحابه دوابهم، وقالوا:
«علينا أثمانها» . فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره. فكتب إليه نصر يأمره بمحاربته. فقاتله عمرو وهو فى عشرة آلاف ويحيى فى سبعين رجلا. فهزمهم يحيى وقتل عمرا، وأصاب دواب كثيرة.
وسار حتى مر بهراة فلم يعرض لمن بها، وسار عنها. وسرّح نصر ابن سيار سلم بن أحوز «3» فى طلب يحيى. فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالا شديدا. فرمى يحيى بسهم فأصاب جبهته: رماه رجل من عنزة يقال له عيسى. وقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم.
وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه.
فلما بلغ الوليد بن يزيد قتل يحيى، كتب إلى يوسف بن عمر:
«خذ عجل «4» أهل العراق فأنزله من جذعه- يعنى زيدا- وأحرقه
(24/409)

بالنار ثم انسفه فى اليم نسفا» . فأمر به يوسف فأحرق ثم رضّه وحمله فى سفينة. ثم ذراه فى الفرات «1» . وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان. فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم الخراسانى واستولى على خراسان، فأنزله وصلّى عليه ودفنه. وأمر بالنياحة عليه فى خراسان. وأخذ أبو مسلم ديوان بنى أمية، وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى. فمن كان حيا قتله، ومن كان ميتا خلفه فى أهله بسوء.
وكانت أم يحيى بن زيد ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية.
وكان مقتل يحيى فى سنة خمس وعشرين ومائة.
هذا ما كان من خبر زيد وابنه يحيى، ثم ظهر عبد الله بن معاوية فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب «2»
كان ظهوره بالكوفة فى سنة سبع وعشرين ومائة، فى أيام مروان بن محمد الحمار بن مروان، ودعا إلى نفسه. وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي الكوفة «3»
(24/410)

فأكرمه وأجازه «1» ، وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم.
فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.
فلما بلغ خبر بيعتهما عبد الله بن عمر بالكوفة بايع لهما الناس، وزاد فى العطاء، وكتب ببيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة. ثم بلغه امتناع مروان بن محمد بن البيعة ومسيره من الشام إليهما، فحبس عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجريه عليه، وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد، ليبايع له ويقاتل به مروان. فماج الناس وورد مروان الشام وظفر بإبراهيم.
فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسرى إلى الكوفة مسرعا، وافتعل كتابا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة، وجمع اليمانية وأعلمهم ذلك فأجابوه. وامتنع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عنه «2» وقاتله.
فلما رأى إسماعيل الأمر كذلك، خاف أن يظهر أمره ويفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: «إنى أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم» .
فكفوا وظهر أمر إبراهيم وهربه.
ووقعت العصبية بين الناس. وكان سببها أن عبد الله بن عمر كان قد أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة. ولم يعط. جعفر بن نافع بن لقعقاع بن شور الذهلى وعثمان بن الخيبرى «3» من تيم اللات
(24/411)

ابن ثعلبة شيئا، وهما من ربيعة، فكانا مغضبين وغضب لهما ثمامة بن حوشب بن رويم الشيبانى. وخرجوا من عند عبد الله بن عمر وهو بالحيرة إلى الكوفة، فنادوا: «يا آل ربيعة» فاجتمعت ربيعة وتنمروا «1» . وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فأرسل إليهم أخاه عاصما. فأتاهم وهم بدير هند. فألقى نفسه بينهم وقال: «هذه يدى لكم فاحكموا» . فاستحيوا ورجعوا وعظّموا عاصما وشكروه.
فلما كان المساء، أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرى بمائة ألف، فقسمها فى قومه بنى همام بن مرّة بن ذهل الشّيبانى «2» ، وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف، فقسمها فى قومه. وأرسل إلى جعفر بن نافع بمال، وإلى عثمان بن الخيبرى بمال.
فلما رأى الشيعة ضعف عبد الله بن عمر، طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية. واجتمعوا فى المسجد، ودعوا إلى عبد الله «3» ابن معاوية، وأخرجوه من داره، ثم أدخلوه القصر. ومنعوا عاصم ابن عمر عن القصر فلحق بأخيه بالحيرة. وجاء ابن معاوية الكوفيون وبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسرى أخو خالد. وأقام أياما يبايعه الناس وأتته البيعة من المدائن وفم النيل.
واجتمع إليه الناس، فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة.
(24/412)

فقيل لابن عمر: «قد أقبل ابن معاوية فى الخلق» . فأطرق رأسه عليا. وأتاه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام. فأمر بإحضاره، فأكل هو ومن معه وهو غير مكترث «1» ، والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية. وفرغ من طعامه وأخرج المال وفرقه فى قواده.
ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه، كان اسمه إما ميمونا وإما رباحا أو فتحا أو اسما يتبّرك به. فأعطاه اللواء وقال: «امض به إلى موضع كذا فاركزه، وادع أصحابك، وأقم حتى آتيك» .
ففعل.
وخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية.
فأمر عبد الله بن عمر مناديا ينادى: «من جاء برأس فله خمسمائة» .
فأتى برؤوس كثيرة وهو يعطى ما ضمن.
وبرز رجل من أهل الشام، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلى. فسأله الشامى فعرفه. وقال: «قد ظننت أنه لا يخرج إلىّ إلا رجل من بكر بن وائل. والله، ما أريد قتالك ولكنى أحببت أن ألقى إليك حديثا أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر، وكاتبته مضر. وما أرى لكم يا ربيعة كتابا ولا رسولا وأنا رجل من قيس، فإن أردتم الكتاب أبلغته. ونحن غدا بإزائكم، فإنهم اليوم لا يقاتلونكم» . فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبر عمر بن الغضبان.
فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما، فلم يفعل.
(24/413)

وأصبح الناس [من] «1» الغد غادين على القتال. فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر، انكشفوا. ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة. فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم. فدخلوا القصر. وبقى من بالميسرة من ربيعة ومضر، ومن بإزائهم من أصحاب ابن عمر. فقالوا لعمر بن الغضبان:
«ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم، فانصرفوا» . وقال ابن الغضبان: «لا أبرح حتى أقتل» . فأخذ أصحابه بعنان دابته فأدخلوه الكوفة.
فلما أمسوا قال لهم ابن معاوية: «يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعلقنا دماءنا فى أعناقكم. فإن قاتلتم قاتلنا معكم وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم، فخذوا لنا ولهم «2» أمانا» . فقال له عمر بن الغضبان: «إما أن نقاتل معك وإما أن نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا فطيبوا نفسا» . فأقاموا فى القصر والزيدية على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياما ثم إن ربيعة أخذت أمانا لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية [ليذهبوا] «3» حيث شاءوا.
وسار ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة «4» . فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان وأصفهان والرى. وخرج إليه عبيد أهل الكوفة.
(24/414)

ذكر غلبته على فارس وأخذها منه وقتله
كانت غلبة عبد الله بن معاوية على فارس فى سنة تسع وعشرين «1» ومائة. وذلك أنه لما غلب على ما ذكرناه أقام بأصبهان. وكان محارب «2» بن موسى مولى بنى يشكر عظيم القدر بفارس. فجاء إلى دار الإمارة باصطخر، فطرد عامل ابن عمر عنها. وبايع الناس لعبد الله بن معاوية. وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليها. وانضم إلى محارب قواد «3» من أهل الشام. فسار إلى سليم «4» بن المسبب، وهو عامل ابن عمر بشيراز، فقتله فى سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم خرج محارب إلى أصبهان إلى عبد الله بن معاوية، فحوله إلى اصطخر.
فاستعمل عبد الله أخاه الحسن على الجبال. وأقبل معه إلى اصطخر، فأقام بها. وأتاه الناس: بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال، وبعث العمال. وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك. وأتاه شيبان بن عبد العزيز الحرورى الخارجى، وكان قد خرج فى جموع كثيرة، كما ذكرنا فى أخباره فلم يتفق بينهما أمر «5» . وأتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله وعيسى
(24/415)

ابن على «1» .
فلما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابى إلى عبد الله بن معاوية. وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نباتة على الأهواز، فسرح داود بن حاتم بكربج دينار «2» ليمنع نباتة من الأهواز. فقاتلة فقتل داود. وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور «3» وفيها الأكراد وقد غلبوا عليها. فقاتلهم سليمان فطردهم عن نيسابور وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة.
ثم إن محارب بن موسى اليشكرى نافر ابن معاوية وفارقه.
وجمع جمعا وأتى نيسابور. فقاتله يزيد بن معاوية، فانهزم محارب. وأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه. ثم نافره فقتله ابن الأشعث وأربعة وعشرين ابناله.
ولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخر حتى أتاه داود بن ضبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة. وسير ابن هبيرة أيضا معن ابن زائدة من وجه آخر. فقاتلهم معن عند مرو الشاذان، ومعن يقول:
ليس أمير القوم بالخبّ الخدع ... فر من الموت وفى الموت وقع
وانهزم ابن معاوية فكف معن عنهم. وقتل فى المعركة رجل من آل
(24/416)

أبى لهب، وكان يقال: يقتل «1» رجل من بنى هاشم بمرو الشاذان. وأسروا أسرى كثيرة، وقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة.
وهرب منصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهيل «2» بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر.
وبعث «3» ببقية الأسرى»
إلى ابن هبيرة فأطلقهم.
ومضى ابن معاوية إلى خراسان «5» . فسار معن بن زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم يدركه، فرجع. وكان مع ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير، فأسر منهم أربعون ألفا «6» ، وكان ممن أسر عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس فسبّه «7» ابن ضبارة وقال: «ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين» فقال: «كان علىّ دين فأتيته «8» » فشفع «9» فيه حرب بن قطن الهلالى «10» وقال: «هو ابن أختنا» فوهبه له. فعاب عبد الله بن على عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط. فسيّره ابن ضبارة إلى ابن هبيرة ليخبره أخبار ابن معاوية.
(24/417)

وسار فى طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحصره بها. فخرج عبد الله منها هاربا ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه. وسلك «1» المفازة على كرمان. وقصد خراسان طمعا فى أبى مسلم لأنه يدعو إلى الرّضا من آل محمد، وقد استولى على خراسان. فوصل إلى نواحى هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعى. فأرسل إلى ابن معاوية يسأله عن قدومه، فقال:
«بلغنى أنكم تدعون إلى الرضا من آل محمد» فأرسل إليه مالك:
«انتسب نعرفك» . فانتسب له فقال: «أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأما معاوية فلا نعرفه فى أسمائهم» . فقال: «إن جدى كان عند معاوية بن أبى سفيان لما ولد له أبى، فطلب إليه أن يسمى ابنه باسمه، ففعل، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم» . فأرسل إليه مالك: «لقد اشتريتم الاسم الخبيث بالثمن اليسير، ولا نرى لك حقا فيما تدعو إليه» «2» ثم أرسل إلى أبى مسلم يعرفه خبره. فأمره بالقبض عليه وعلى من معه، فقبض عليهم وحبسوا. ثم ورد عليه كتاب أبى مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ابنى معاوية وقتل عبد الله بن معاوية.
فأمر من وضع فراشا على وجهه. فمات وأخرج فصلى عليه ودفن.
وكان عبد الله بن معاوية شاعرا مجيدا. فمن قوله:
ولا تركبّن الصّنيع الذى ... تلوم أخاك على مثله «3»
(24/418)

ولا يعجبنّك قول امرئ ... يخالف ما قال فى فعله
فهؤلاء الذين ظهروا من الطالبيين فى الدولة الأموية وقتلوا. ثم ظهر فى الدولة العباسية من نذكرهم إن شاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
(24/419)

مراجع التحقيق
1- الدكتور حسين مؤنس: فجر الأندلس، 1959 م.
2- الدكتور حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، 1947 م.
3- اليعقوبى: تاريخه، دارا صادر وبيروت 1960
4- ابن خلدون: تاريخه، دار الكتاب اللينانى.
5- الذهبى: دول الإسلام، حيدر أباد 1364 هـ.
6- ابن عذارى المراكشى: البيان المغرب فى أخبار المغرب 1950.
7- أبو الفدا: المختصر فى أخبار البشر، المطبعة الحسينية بمصر 1325 هـ.
8- الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربى فى ليبيا، دار المعارف بمصر.
9- أحمد بن خالد الناصري: الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، دار الكتاب بالدار البيضاء.
10- ابن العماد الحنبلى: شذرات الذهب فى أخبار من ذهب مكتبة القدسى.
11- الكندى: ولاة مصر، دار صادر وبيروت 1959.
(24/421)

12- المسعودى: مروج الذهب ومعادن الجوهر، مطبعة السعادة 1958.
13- ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة فى أخبار مصر والقاهرة، طبع دار الكتب المصرية.
14- عبد الواحد المراكشى: المعجب فى تلخيص أخبار المغرب، طبع أوربا.
15- عبد الله بن أبى عبد الله: رياض النفوس، 1951 م المالكى
16- ابن القوطية: تاريخ فتح الأندلس، طبع لبنان.
17- الطبري: تاريخه، المطبعة الحسينية المصرية
18- ابن كثير: البداية والنهاية: طبع مصر.
19- ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب، طبع أوربا.
20- البلاذرى: فتوح البلدان، طبع أوربا.
21- المقرى: نفح الطيب، طبع أوربا.
22- محمد بن عبد الحليم المعروف بابن أبى زرع: الأنيس المطرب بروض القرطاس فى أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، 1305 هـ.
23- ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، طبع دمشق.
24- أمارى: المكتبة الصقلية، طبع أوربا.
(24/422)

25- أبو الفرج: مقاتل الطالبيين، تحقيق السيد صقر.
26- ابن أبى دينار: المؤنس فى تاريخ إفريقية والأندلس.
27- البكرى: المسالك والممالك (وصف إفريقية)
28- الإدريسى: نزهة المشتاق، طبع أوربا.
(24/423)

فهرس موضوعات الجزء الرابع والعشرون
مقدمة المحقق 1
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار إفريقية وبلاد المغرب ومن وليها من العمال ومن استقل منهم بالملك وسميت أيامهم بالدولة الفلانية
ذكر فتوح إفريقية 7
ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندى وفتح إفريقية ثانيا 18
ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهرى وفتح إفريقية الفتح الثالث وبناء القيروان 21
ذكر بناء مدينة القيروان 22
ذكر ولاية مسلمة بن مخلد 24
ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية 25
ذكر خروج كسيلة وقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان 30
ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربرى 32
ذكر ولاية حسان بن النعمان الغسائى إفريقية 34
ذكر فتح قرطاجنة وتخريبها 35
ذكر حروب حسان والكاهنة وتخريب إفريقية وقتل الكاهنة 35
ذكر ولاية موسى بن نصير إفريقية وما كان من حروبه وآثاره 39
ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها 40
(24/425)

ذكر غزو جزيرة سردانية 53
ذكر ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى ابن نصير 54
ذكر ولاية اسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم 56
عبيدة بن عبد الرحمن السلمى 57
عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول 58
حنظلة بن صفوان الكلبى 62
ذكر أخبار عبد الرحمن بن حبيب وتغلبه على إفريقية ورجوع حنظلة إلى المشرق 64
ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه إلياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله 67
ذكر تغلب ورفجومة على إفريقية وما كان منهم ومن ولى بعدهم إلى أن ولى محمد بن الأشعث 72
ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعى 73
ذكر ولاية الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى 76
ذكر ولاية عمر بن حفص هزار مرد 79
ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة 85
ذكر ولاية داود بن يزيد بن حاتم 88
ذكر ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة 88
ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبى 89
ذكر ولاية الفضل بن روح 90
ذكر أخبار عبد الله بن الجارود 92
ذكر ولاية هرثمة بن أعين 95
ذكر ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكى 96
ذكر ابتداء دولة بنى الأغلب 100
ذكر ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمى 100
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب 105
(24/426)

ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب 107
ذكر ولاية أبى عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب 117
ذكر ولاية أبى العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب 118
ذكر ولاية أبى إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب 123
ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب 125
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب المكنى بأبى الغرانيق 125
ذكر ولاية أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب 127
ذكر انتقال إبراهيم إلى تونس 133
ذكر اعتزال إبراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته 135
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب 143
ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس 145
ذكر انهزام زيادة الله إلى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب 149
ذكر ما كان من أخبار زيادة الله وقتله عبد الله بن الصائغ ومسيره إلى بلاد المشرق ووفاته 150
ذكر أخبار من ملك المغرب بعد بنى الأغلب إلى أن قامت دولة بنى زيرى بن مناد 154
ذكر ابتداء دولة بنى زيرى بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم إلى انقضاء دولتهم 156
ذكر أخبار زيرى بن مناد 159
ذكر بناء مدينة أشير 160
ذكر الحرب بين زيرى وزناته 163
ذكر مقتل زيرى 165
ذكر أخبار أبى الفتوح يوسف بلكين بن زيرى بن مناد 167
ذكر ولاية أبى الفتوح يوسف بلكين بلاد المغرب 169
ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب 171
(24/427)

ذكر أخبار خلف بن خير 173
ذكر وفاة أبى الفتوح يوسف 176
ذكر ولاية أبى الفتح المنصور بن يوسف بلكين بن زيرى 177
ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف 180
ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخراسانى 182
ذكر وفاة المنصور أبى الفتح بن يوسف 184
ذكر ولاية أبى مناد باديس بن أبى الفتح المنصور بن يوسف 185
ذكر خروج محمد بن أبى العرب إلى زناته 186
ذكر خلاف حماد بن يوسف وأخيه إبراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس 192
ذكر وفاة باديس 197
ذكر ولاية أبى تميم المعز بن أبى مناد باديس بن المنصور بن يوسف ابن زيرى 199
ذكر قتل الروافض 201
ذكر مسير المعز لحرب حماد 204
ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه 206
ذكر مقتل القائد محمد بن حسن 207
ذكر خروج العرب إلى المغرب والسبب الموجب لذلك 209
ذكر وفاة القائد بن حماد وولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد 211
بقية أخبار المعز بن باديس 212
ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه 214
ذكر انتقال المعز إلى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها 217
ذكر وفاة المعز بن باديس 218
ذكر ولاية تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن يوسف بن زيرى 219
ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه 219
(24/428)

ذكر الحرب بين بنى حماد والعرب وانتصار العرب عليهم 220
ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه 223
ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس 228
ذكر استيلاء مالك بن علوى الصخرى على القيروان وأخذها منه، وعودها إلى تميم 229
ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها 229
ذكر خبر شاه ملك التركى ودخوله إلى إفريقية وغدره بيحيى بن تميم 230
ذكر خلافة مثنى بن تميم على أبيه 232
ذكر ملك تميم مدينة قابس 233
ذكر وفاة تميم بن المعز 235
ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور يوسف بن زيرى 237
ذكر وفاة يحيى بن تميم وشىء من أخباره 239
ذكر ولاية على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن يوسف ابن زيرى 241
ذكر حصار رافع المهدية وانهزامه 243
ذكر ولاية الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى 245
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة 245
ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس 246
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة 247
ذكر انقراض دولة بنى زيرى من إفريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية 250
ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية 251
ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم 253
ذكر ولاية أبى بكر بن عمر اللمتونى 257
ذكر مقتل الجوهر الجدالى 258
(24/429)

ذكر خروج الملثمين إلى السوس أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين 259
ذكر استيلائه على مدينة سجلماسة 260
ذكر ولاية يوسف بن تاشفين 262
ذكر بناء مدينة مراكش 262
ذكر ما قيل فى سبب لثام المرابطين 263
نرجع إلى أخبار يوسف بن تاشفين 265
ذكر استيلائه على مدينة اغرناطة من جزيرة الأندلس 267
ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس 269
ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا 271
ذكر ولاية أمير المسلمين من قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله 272
ذكر ولاية على بن يوسف بن تاشفين 273
ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم 273
ذكر الفتنة بقرطبة 274
ذكر ولاية تاشفين بن على بن يوسف بن تاشفين 276
اسحق بن على 276
ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم 277
ذكر أخبار المهدى محمد بن تومرت 277
ذكر خبر أبى عبد الله الونشريسى 283
ذكر ترتيب أصحاب المهدى 287
ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى 287
ذكر وفاة المهدى محمد بن تومرت 289
ذكر ولاية عبد المؤمن بن على 289
ذكر خروجه للغزو وما فتحه من البلاد ومن أطاعه من القبائل 290
ذكر استيلاء عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلاوسبته 294
ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله اسحق بن على وانقراض دولة الملثمين 296
(24/430)

ذكر ظفره بدكالة 299
ذكر ملكه جزيرة الأندلس 300
ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها 301
ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم 302
ذكر ظفره بصنهاجة وملكه قلعة حماد 304
ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم 305
ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه 307
ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد وأعماله 308
ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج وأغرناطة من الملثمين 309
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد إفريقية 310
ذكر ايقاع عبد المؤمن بالعرب 315
ذكر وفاة عبد المؤمن بن على وشىء من أخباره 318
ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على 321
ذكر عصيان عمارة مع مفتاح بن عمرو وقتالهم وقتل مفتاح 322
ذكر غزوة الفرنج 324
ذكر ملك أبى يعقوب مدينة قفصة 325
ذكر وفاة أبى يعقوب يوسف 326
ذكر ولاية أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن 328
ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من إفريقية واستعادة ذلك منهم 328
ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين 331
ذكر غزوة الفرنج بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة 332
ذكر ما فعله الملثم بافريقية 336
ذكر وفاة أبى يوسف يعقوب 338
ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على الملقب الناصر لدين الله 339
ذكر وفاة أبى عبد الله محمد وشىء من أخباره 343
(24/431)

ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن على 343
ذكر وفاة يوسف بن محمد 345
ذكر ولاية أبى محمد عبد العزيز بن يوسف بن عبد المؤمن 345
جامع أخبار دولة الموحدين 349
ذكر تسمية ملوك بنى مرين 351
ذكر أخبار جزيرة صقلية 353
أول من غزا جزيرة صقلبة فى الإسلام 353
ذكر ولاية محمد بن أبى الحوارى 357
ذكر فتح مدينة بلرم 360
ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن الأغلب، وولاية العباس بن الفضل بن يعقوب 360
ذكر فتح قصريانة وهى دار مملكة الروم بجزيرة صقلية 361
ذكر ولاية حسن بن أحمد بن أبى خنزير 366
ذكر ولاية أبى سعيد موسى بن أحمد 367
ذكر ما فتح من بلاد قلورية 368
ذكر فتح قلعة طبرمين 370
ذكر فتح رمطة وما كان بسبب ذلك من حروب 370
ذكر وقعة الحفرة على رمطة 371
ذكر اخلاء طبرمين ورمطة 374
ذكر ولاية أبى القاسم نيابة عن أخيه أحمد واستقلاله 375
ذكر ولاية أبى الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة 376
ذكر وثوب أهل صقلية بالأمير جعفر واخراجه 377
ذكر ولاية الأمير تأييد الدولة أحمد الأكحل 378
ذكر استيلاء الفرنج- خذلهم الله- على جزيرة صقلية 381
ذكر أخبار جزيرة اقريطش 384
ذكر تنصر أهل اقريطش 387
ذكر ما استولى عليه الفرنج- خذلهم الله من- البلاد الإسلامية بجزيرة الأندلس بعد أخذ طليطلة 388
(24/432)

الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيين فى الدولة الأموية والدولة العباسية فقتل دونها، وذلك بعد مقتل الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنهما
ذكر ظهور زيد بن على بن الحسن ومقتله 401
ذكر مسير يحيى بن زيد بن على إلى خراسان ومقتله 408
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب 410
ذكر غلبته على فارس وأخذها منه وقتله 415
مراجع التحقيق 421
(24/433)