Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 027

الجزء السابع والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إذا كانت الأجزاء السابقة واللاحقة فى موسوعة «نهاية الأرب» للنويرى قد عالجت فى الجانب التاريخى دولا وأحداثا سبق النويرى إلى التأريخ لها عديد من الكتاب والمؤرخين المسلمين، فإن هذا الجزء السابع والعشرين من نهاية الأرب يمتاز بعلاج نواح فى تاريخ الشرق الأوسط. تفتقر إليها المكتبة العربية. ففى هذا الجزء يعالج النويرى تاريخ السلاجقة فى العراق والشام وبلاد الروم (آسيا الصغرى) .
وتاريخ الدولة الخوارزمية حتى سقوطها عند مقتل السلطان جلال الدين سنة ثمان وعشرين وستمائة؛ وأخيرا تاريخ المغول وحركتهم التوسعية ودويلاتهم التى انقسمت إليها دولة جتكزخان، وما كان من توسعهم فى الشرق الأوسط على حساب القوى الإسلامية العديدة،، ويدخل ضمن ذلك علاقتهم بسلطنة المماليك حتى عهد السلطان الناصر محمد ابن قلاوون.
ومن هذا العرض الموجز نخرج بفكرة عن أن النويرى خصص معظم هذا الجزء السابع والعشرين لعلاج تاريخ السلاجقة والخوارزمية والمغول، وقدم لنا فى علاجه لهذه الجوانب كثيرا من المعلومات الطريفة الجديدة المفصلة التى يندر أن نجد لها شبيها فى الموسوعات
(27/5)

العربية السابقة بل إن المؤرخين اللاحقين بالنويرى- مثل المقريزى وابن تغرى بردى والعينى لم يعطوا تلك الجوانب- وخاصة ما يتعلق بالمغول ودولهم وأخبارهم الداخلية- القدر الكافى من الأهمية؛ مما جعل كتابات النويرى فى هذا الجزء بالذات تبدو فى نظرنا ذات أهمية خاصة.
وربما كان فى هذه الحقيقة بعض السر فى الصعوبات الكبيرة التى اعترضتنا عند تحقيق هذا الجزء بالذات. فما أسهل أن يقوم محقق بتحقيق كتاب أو جزء من كتاب يعالج أحداثا ودولا- مثل دولة المماليك- سبق أن نشرت فيها كتب بالعربية. مما يمكنه من مقارنة الأسماء وتصحيح الأعلام فى سهولة؛ وما أصعب أن يقوم محقق بتحقيق فصول جديدة على المكتبة العربية مما يجعله يقف وقفة طويلة أمام كل اسم وكل علم. وهو فى وقفته هذه لا بد وأن يفترض الكثير من إهمال الناسخين وخطأ الرواة وعبث الزمان على مر العصور والأجيال.
هذا إلى أنه إذا كان النويرى نفسه قد اعتمد فى الفصول الأخرى التى حواها القسم التاريخى من كتابه على كتابات غيره من المؤرخين السابقين أو المعاصرين- مثل ابن الأثير- فإنه فما يتعلق بتاريخ الخوارزميين والمغول لم يجد فيما يبدو كتابات عربية وافية ينقل عنها- سوى المنشى النسوى- مما جعله يركن إلى الروايات الشفوية. وقد أدى ذلك إلى وجود كثير من الأخطاء أو التحريفات فيما كتبه النويرى عن المغول بصفة خاصة. الأمر الذى جعلنا نعتمد على المصادر الفارسية والمراجع الأوربية فى تحقيق هذا الجزء. وهنا لا يسعنى
(27/6)

سوى أن أشكر زميلى وصديقى الدكتور فؤاد عبد المعطى الصياد لما قدمه لى من معونة صادقة فى استشارة المصادر الفارسية على وجه الخصوص.
وقد اعتمدنا فى تحقيق هذا الجزء على عدة نسخ، منها نسخة مكتبة كوبريللى باستنبول وتوجد منها صورة كاملة بدار الكتب المصرية (رقم 549) ، واتخذنا حرف «ك» رمزا لهذه النسخة.
ومنها نسخة أيا صوفيا، وتوجد أيضا منها صورة كاملة بدار الكتب المصرية (رقم 551) ، ورمزنا لهذه النسخة بحرف «ص» . ومنها نسخة بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية (رقم 1214) . وهى التى رمزنا إليها بحرف «ع» . وأخيرا تأتى نسخة المكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية (رقم 699) وهى مرموز لها بحرف «ت» .
ورأت اللجنة المشرفة على تحقيق هذا الكتاب أن تتخذ النسخة الأولى «ك» أصلا معتمدا للتحقيق، وذلك توحيدا لخطة العمل فى جميع أجزائه من ناحية، ولأنها أكمل النسخ من ناحية أخرى غير أننا عند مقابلة هذه النسخة ببقية النسخ أثناء قيامنا بتحقيق هذا الجزء، وجدنا نقصا كبيرا فيها، وصفحات عديدة ساقطة منها وخاصة فى باب المغول- الأمر الذى تطلب منا مقابلة النسخ الأربع بعضها ببعض مقابلة دقيقة، بحيث نقدم للباحث صورة صادقة كاملة للمتن كما أورده المؤلف. ولا يفوتنى فى هذا الموضع أن أقدم شكرى للدكتور حستين محمد ربيع- تلميذى سابقا وزميلى حاليا-
(27/7)

لمعاونته الصادقة لى فى عملية مقابلة نسخ الكتاب لاستكمال النقص فى النسخة الأصلية.
والله نسأل أن يوفقنا دائما فى المحافظة على تراث الآباء والأجداد ليظل حيا قويا، نستمد منه، ونتخذ منه أساسا سليما فى بناء مجدنا الحديث.
23- 8- 1966 المحقق سعيد عبد الفتاح عاشور.
(27/8)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار ملوك العراق و ... ]
[تتمة ذكر أخبار الدولة السلجقية]
[تتمة ذكر أخبار الدولة السلجقية بالعراق]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه توفيقى
ذكر أخبار السلطان مغيث الدين
هو أبو القاسم محمود بن محمد طبر بن ملكشاه. جلس على تخت السلطنة فى النصف من ذى الحجة، سنة إحدى عشرة وخمسمائة، كما قدمنا ذكر ذلك فى أخبار أبيه السلطان محمد، ثم خطب له بالسلطنة ببغداد بعد وفاة أبيه على عادة الملوك السلجقية، فى يوم الجمعة ثالث عشر المحرم سنة ثنتى عشرة وخمسماية، فى خلافة المستظهر بالله، ودبر دولته الوزير الربيب أبو منصور.
ولما ولى (السلطان مغيث الدين) عزل بهروز عن شحنكية «1» ، بغداد، وولى اقسنقر البرسقى،- وكان بالرحية- فى إقطاعه، فسار إلى السلطان محمد قبل وفاته يسأله الزيادة فى إقطاعه، فبلغه وفاته قبل وصوله إلى بغداد، وأرسل مجاهد الدين بهروز يمنعه من دخول بغداد، فسار إلى السلطان محمود فلقيه توقيع السلطان بولاية
(27/9)

شحنكية بغداد وهو بحلوان «1» ، فلما ولى هرب بهروز إلى تكريت «2» وكانت له.
ثم ولى السلطان شحنكية بغداد للأمير منكبرس «3» ، وهو من أكابر الأمراء، فسير إليها ربيبه الأمير حسين بن أرديل، أحد أمراء الأتراك لينوب عنه. فلما فارق باب همذان اتصل به جماعة من الأمراء البلخية، فلما بلغ البرسقى ذلك خاطب الخليفة المستظهر بالله أن يأمره بالتوقف عن العبور إلى بغداد إلى أن يكاتب السلطان، فأرسل إليه الخليفة فى ذلك، فأجابه: إن رسم الخليفة بالعود عدت، وإلا فلا بد من الدخول إلى بغداد. فجمع البرسقى أصحابه وسار إليه والتقوا واقتتلوا، فقتل أخ للأمير حسين وانهزم هو ومن معه، وعادوا إلى عسكر السلطان، وذلك فى شهر ربيع الأول من السنة.
قال: وكان الأمير دبيس بن صدقة عند السلطان محمد منذ قتل والده، فلما توفى السلطان خاطب السلطان محمود فى العودة إلى بلدة الحلة «4» ، فأذن له فعاد إليها، فاجتمع له خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم.
(27/10)

ذكر مسير الملك مسعود ابن السلطان محمد وجيوش بك وما كان بينهما وبين البرسقى والأمير دبيس بن صدقة
قال: وفى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وخمسماية برز اقسنقر البرسقى، ونزل بأسفل الرقة فى عسكره، ومن انضاف إليه، وأظهر أنه على قصد الحلة وإخراج الأمير دبيس بن صدقة عنها، وجمع جموعا كثيرة من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح. وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل عند أتابكه «1» الأمير جيوش بك كما ذكرناه فى أخبار السلطان محمد، فأشار عليهما جماعة بقصد العراق، وقالوا لا مانع دونه، فسارا فى جيوش كثيرة، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو على بن عمار صاحب طرابلس، وقسيم الدولة اقسنقر جد نور الدين الشهيد «2» ومعهم صاحب سنجار، وصاحب أربل، وكرباوى بن خراسان التركمانى صاحب البوازيج «3» .
فلما علم البرسقى بقربهم خافهم، وتجهّز لقتالهم عند ما قربوا من بغداد، فسار إليهم ليقاتلهم، فأرسل إليه الأمير كرباوى
(27/11)

فى الصلح، وأعلمه أنهم إنما جاءوا نجدة له على دبيس، فاصطلحوا وتعاهدوا. ووصل الملك مسعود إلى بغداد، ونزل بدار المملكة، فأتاهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس المقدم ذكره فى جيش كبير، فسار البرسقى عن بغداد ليحاربه ويمنعه من دخولها، فلما علم منكبرس بذلك قصد النعمانية واجتمع هو والأمير دبيس ابن صدقة واتفقا على المعاضدة والتناصر وقوى كل منهما بصاحبه.
فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبرسقى وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس، فأتتهم الأخبار بكثرة جمعهما، فعاد البرسقى والملك مسعود وعبرا نهر صرصر «1» ، وحفظا المخائض عليه، ونهب الطائفتان السواد نهبا فاحشا، واستباحوا النساء، فأرسل الخليفة المسترشد بالله- وكان قد بويع له بعد وفاة أبيه- إلى الملك مسعود وإلى البرسقى ينكر ذلك، ويأمرهم بحقن الدماء، وترك الفساد، والموادعة والمصالحة. فأنكر البرسقى أن يكون ذلك قد وقع، وأجاب إلى العود إلى بغداد، وعاد، ووقع الصلح والاتفاق بينهما. وكان سبب الاتفاق أن جيوش بك كتب إلى السلطان محمود يطلب الزيادة للملك مسعود ولنفسه، فوصل كتاب الرسول يذكر أنه لقى من السلطان إحسانا كثيرا، وأنه أقطعهم أذربيجان.
فوقع الكتاب إلى منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له إصلاح السلطان محمود له وللملك مسعود. وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان، فعند ذلك تفرق عن البرسقى
(27/12)

من كان معه، وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان والتحق بخدمة الملك مسعود، واستقر منكبرس فى شحنكية بغداد، وعاد الملك مسعود وجيوش بك إلى الموصل وعاد دبيس إلى الحلة واستقر منكبرس ببغداد، وأخذ فى الظلم والعسف والمصادرات، فاختفى أرباب الأموال، وانتقل جماعة إلى حريم الخلافة خوفا منه، وكثر فساد أصحابه، حتى أن بعض أهل بغداد تزوج بامرأة فلما زفت إليه أتاه بعض أصحاب منكبرس وكسر بابه وجرح الزوج عدة جراحات، وابتنى بالمرأة. فكثر الدعاء على منكبرس وأصحابه واستغاث الناس وأغلقوا الأسواق. فبلغ السلطان ذلك فاستدعاه إليه وحثه على اللحاق به، وهو يغالط ويدافع. فلما بلغ أهل بغداد ذلك طمعوا فيه وهموا به، ففارق بغداد، وسار إلى السلطان.
وظهر من كان قد استتر من الناس.
ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان محمود
كان الملك طغرل لما توفى والده بقلعة من سرجهان «1» . وكان والده قد أقطعه ساوه وآوه «2» وزنجان فى سنة أربع وخمسماية:
وعمره إذ ذاك سنة، فإن مولده كان فى سنة ثلاث وخمسماية.
(27/13)

وجعل السلطان أتابكه الأمير شيركير، ففتح عدة من قلاع الاسماعيلية فى سنة خمس وخمسمائة، منها قلعة كلام وقلعة بيرة «1» .
وغيرهما. فازداد ملك طغرل بما فتحه أتابكه شيركير، فأرسل السلطان. محمود الأمير كندغدى «2» ليكون أتابكا لأخيه الملك طغرل ومدبرا لأمره، وأمره بحمله إليه. فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه ونزع يده من طاعته، فوافقه على ذلك، فسمع السلطان الخبر، فأرسل شرف الدين أنوشروان بن خالد، ومعه خلع وتحف وثلاثين ألف دينار، ووعد أخاه باقطاع كثير زيادة على ما بيده إن هو قصده واجتمع به،. فلم يجب إلى الاجتماع به. وقال كندغدى: «نحن فى طاعة السلطان، وأى جهة أراد قصدناها، ومعنا من العساكر ما نقاوم بهم من أمرنا بقصده» . فبينما هم فى ذلك إذ ركب السلطان محمود من باب همذان فى عشرة آلاف فارس جريدة. وذلك فى جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وكتم مقصده، وعزم على أن يكبس أخاه طغرل والأمير كندغدى.
فرأى أحد خواص السلطان تركيا من أصحاب الملك طغرل. فأعلم السلطان به، فقبض عليه. وكان معه رفيق سلم، وسار عشرين فرسخا فى ليلة، ووصل إلى الأمير كندغدى وهو سكران، فأيقظه بعد جهد، وأعلمه بالخبر، فقام كندغدى لوقته وأخذ الملك طغرل
(27/14)

وسار به مختفيا، وقصدا قلعة سميران «1» ، فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجا هان «2» ، وكان ضلالهما سببا لسلامتهما، فإن السلطان جعل طريقه على قلعة سميران، فسلما منه بما ظناه عطبا.
ووصل السلطان إلى عسكر أخيه فكبسه ونهب ما فيه وأخذ من خزانة أخيه ثلثماية ألف دينار. وأقام السلطان بزنجان وتوجه منها إلى الرى ونزل طغرل من قلعة سرجاهان، ولحق هو وكندغدى، بكنجة «3» ، وقصده أصحابه فقويت شوكته، وتمكنت الوحشية بينهما.
وفى سنة ثلاث عشرة وخمسماية كانت الحرب بين السلطان سنجرشاه وبين السلطان محمود، وكان الظفر لعمه سنجرشاه عليه، وقطعت خطبته من بغداد، وخطب لسنجرشاه، ثم اتفقا وحضر (السلطان محمود) إلى خدمة عمه فأكرمه وأحسن إليه وجعله ولى عهده كما قدمناه فى أخبار السلطان سنجر.
قال: وأقطعه عمه سنجرشاه من حد خراسان إلى الداروم «4» بأقصى الشام، وهى من الممالك: همذان، وأصفهان، وبلد
(27/15)

الجبال جميعها، وديار مضر «1» ، وبلاد فارس، وكرمان وخوزستان والعراق، وأذربيجان، وأرمينية، وديار بكر، وبلاد الموصل، والجزيرة، وديار ربيعة»
، وما بين هذه من الممالك.
قال القاضى عماد الدين بن الأثير فى تاريخه: ورأيت منشوره بذلك، وليس ابن الأثير هذا هو الجزرى صاحب التاريخ المترجم بالكامل بل هو صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية وهو الذى عاصرناه.
ذكر مقتل الأمير منكبرس
ومنكبرس هو الذى كان شحنة بغداد الذى قدمنا ذكره، وكان مقتله فى سنة ثلاث عشرة وخمسماية. وكان سبب قتله أنه لما انهزم السلطان محمود من عمه، عاد إلى بغداد، فنهب عدة مواضع من طريق خراسان، وقصد دخول بغداد. فسير دبيس بن صدقة من منعه، فعاد وقد استقر الصلح بين السلطان وعمه. فدخل إلى السلطان سنجر ومعه سيف وكفن، فقال له: «انا لا أؤاخذ أحدا» وسلمه إلى السلطان محمود وقال له: «هذا مملوكك، اصنع به ما تريد» فأخذه، وكان فى نفسه منه أشياء: منها أنه لما توفى السلطان محمد أخذ سريته والدة الملك مسعود قهرا قبل انقضاء عدتها، ومنها استبداده بالأمور دونه، ومسيره إلى شحنكية العراق والسلطان
(27/16)

كاره لذلك، وما فعله ببغداد. فقتله السلطان محمود صبرا وأراح الناس من شره والله أعلم.
ذكر مقتل الأمير على بن عمر
وفيها أيضا قتل الأمير على بن عمر، حاجب السلطان محمد، وكان قد صار أكبر الأمراء، وانقادت له العساكر، فحسده الأمراء وأفسدوا حاله مع السلطان محمود وحسنوا له قتله. فعلم بذلك فهرب إلى قلعة برجين- وهى بين بروجرد «1» وكرج- وكان بها أهله وماله، وسار منها فى مائتى فارس إلى خوزستان، وكانت بيد أقبورى بن برسق وابنى أخويه أرغلى بن يلبكى وهندو بن زنكى.
فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانه وحمايته. فلما سار إليهم أرسلوا عسكرا منعوه من قصدهم، ولقوه على ستة فراسخ من تستر «2» فانهزم هو وأصحابه ووقف به فرسه، فانتقل إلى غيره، فنشب ذيله «3» بسرجه الأول (فأزاله) «4» ثم عاود التعلق فأبطأ فأدركوه وأسروه وكاتبوا السلطان محمود فى أمره، فأمرهم بقتله فقتلوه.
(27/17)

ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما والصلح
وفى سنة أربعة عشرة وخمسماية فى شهر ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود. وكان لمسعود الموصل وأذربيجان وكان سبب هذه الحرب أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك الملك مسعود، ويحثه على طلب السلطنة. وكان مقصد أن يقع الاختلاف بينهما، فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبو باختلاف السلطان محمد وبركياروق. وكان اقسنقر البرسقى مع الملك مسعود منذ فارق شحنكية بغداد، وأقطعه الملك مسعود مراغا مضافة إلى الرحبة. وكان بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة.
فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بالقبض على البرسقى، فعلم البرسقى بذلك، ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه وأعلا محله وزاده.
واتصل الأستاذ أبو اسماعيل الحسين بن على الأصبهانى الطغرائى بالملك مسعود. فاستوزره مسعود بعد (أن) عزل (أبا على) «1» بن عمار، فحسن له أيضا مخالفة السلطان، والخروج عن طاعته. فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يحذرهم من مخالفته، ويعدهم الإحسان إن أقاموا على الطاعة، فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا أضمروه،
(27/18)

وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، وضربوا له النوب الخمس «1» ، وكان ذلك على تفرق عساكر السلطان محمود، فقوى طمعهم وأسرعوا إليه ليلقوه وهو فى قلة من العسكر. واجتمع إليه نحو خمسة عشر ألف فارس.
فسار السلطان إليهم فالتقوا عند عقبة استراباد «2» نصف شهر ربيع الأول، واقتتلوا نهارا كاملا والبرسقى فى مقدمة عسكر السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسنا. فانهزم عسكر الملك مسعود فى آخر النهار، وأسر جماعة كبيرة من أعيان أصحابه. وأسر الوزير، فأمر السلطان بقتله وقال: «ثبت عندى فساد نيته» وكان حسن الكتابة والشعر، وله تصانيف فى صنعة الكيميا ضيعت للناس من الأموال ما لا يحصى كثرة.
قال: ولما انهزم أصحاب الملك مسعود وتفرّقوا، قصد جبلا بينه وبين المصاف اثنى عشر فرسخا، واختفى فيه بألفى فارس، وأرسل إلى أخيه يطلب منه الأمان، فرق له وأجابه إلى ما طلب، وأمر اقسنقر البخارى بالمسير إليه وإعلامه بعفو السلطان وبسط أمله.
ولما كتب إلى أخيه فى طلب الأمان وصل إليه بعد ذلك بعض
(27/19)

الأمراء، وحسن له المسير إلى الموصل، ومكاتبة دبيس بن صدقة، والاتفاق معه، ومعاودة طلب السلطنة، فسار من ذلك الموضع ووصل اقسنقر البخارى فلم يجده فسار فى أثره وجد المسير، فأدركه على ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك، فاجتمع به وعرفه عفو أخيه عنه، وضمن له ما أراد، وأعاده إلى العسكر، فأمر السلطان العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك. وأمر السلطان بإنزاله عند والدته وجلس له وأحضره، واعتنقا وبكيا، وانعطف عليه السلطان محمود، ووفّى له، وخلطه بنفسه فى جميع أحواله، فعد الناس ذلك من مكارم السلطان محمود. وكانت الخطبة لمسعود بالسلطنة بأذربيجان والجزيرة والموصل ثمانية وعشرين يوما.
وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة استراباد، وانتظر الملك مسعود فلم يره، فلما أيس منه سار إلى الموصل، ونزل بظاهرها وجمع الغلات من السواد إليها، واجتمع إليه عسكره فلما بلغه ما كان من أمر الملك مسعود وأخيه، سار إلى السلطان هو بهمذان ودخل إليه فأمنه.
وأما الأمير دبيس بن صدقة، فإنه نهب البلاد وخربها وفعل الأفعال القبيحة، فأمنه السلطان، والله أعلم.
ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود
قال: كان دخول الملك طغرل فى طاعة أخيه السلطان محمود فى المحرم سنة ست عشرة وخمسماية، وكان قد قصد أذربيجان
(27/20)

فى سنة أربع عشرة. وكان أتابكه كندغدى يحسن له ويقويه عليه، فاتفقت وفاته فى شوال سنة خمس عشرة وكان الأمير اقسنقر صاحب مراغة «1» عند السلطان ببغداد، فاستأذن السلطان فى المضى إلى إقطاعه فأذن له، فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كندغدى عند الملك طغرل ويتنزل منزلته، فسار إليه واجتمع به، وأشار عليه بمكاشفة أخيه، وقال له: «اذا وصلت إلى مراغة، اتصل بك عشرة آلاف فارس وراجل» فسار طغرل معه، فلما وصلا إلى اردبيل «2» ، أغلقت أبوابها دونهما، فسارا عنها إلى قرية تبريز، فأتاهما الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان، وأقطعه البلاد، وأنه نزل على مراغة فى عسكر كثيف، فعدلا إلى خويه «3» وانتقض عليهما ما كانا فيه، وراسلا الأمير شيران «4» - الذى كان أتابك طغرل- (أيام أبيه) «5» يدعوانه إلى إنجادهما. وكان باقطاعه أبهر وزنجان «6» ، فأجابهما واتصل بهما، وساروا إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوه فعند ذلك راسلوا السلطان بالطاعة وسألوا الأمان، فأجابهم إلى ذلك، واستقرت القاعدة، وتم الصلح.
(27/21)

ذكر قتل الوزير السميرمى
وفى سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة قتل الوزير كمال الدين أبو طالب السميرمى وزير السلطان محمود وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان، فدخل إلى الحمام وخرج وبين يديه الرجالة والخيالة، وهو فى موكب عظيم، فاجتاز بمنفذ ضيق فيه (حظائر الشوك) «1» فتقدم أصحابه لضيق المكان، فوثب عليه باطنى، وضربه بسكين فوقعت فى بغلته، وهرب الضارب إلى دجلة، وتبعه الغلمان فخلا الموضع، فظهر رجل آخر فضربه بسكين فى خاصرته، وجذبه عن البغلة إلى الأرض، وضربه عدة ضربات.
وعاد أصحاب الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان، فانهزموا منهما ثم عادوا وقد ذبح الوزير مثل الشاة، وبه نيف وثلاثون «2» ، جراحة فقتلوا قتلته.
قال: ولما كان فى الحمام أخذ المنجمون له الطالع للخروج فقالوا:
«هذا وقت جيد، وإن تأخرت يفوت طالع السعد» فأسرع وركب وأراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع، فقتل ولم ينفعه ذلك.
وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر، وانتهب ماله، وأخذ السلطان خزانته. وكانت زوجته قد خرجت فى هذا اليوم فى موكب كبير ومعها نحو ماية جارية وجمع من الخدم، والجميع بمراكب
(27/22)

الذهب.. فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات، وقد تبدلن عن العز هوانا، وعن المسرة أحزانا.
وكان السميرمى ظالما كثير المصادرات للناس، سيىء السيرة، فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من المكوس، واستوزر بعده شمس الملك عثمان بن نظام الملك.
ذكر قتل الأمير جيوش بك
كان مقتله فى شهر رمضان سنة ست عشرة وخمسماية. وكان السلطان قدمه بعد عوده إليه، وأحسن إليه، وأقطعه أذربيجان، وجعله مقدم عسكره، فجرى بينه وبين الأمراء منافرة ومنازعة، فوشوا به عند السلطان فقتله. وكان عادلا، حسن السيرة.
وفيها أقطع السلطان محمود الأمير اقسنقر البرسقى مدينة واسط. وأعمالها، مضافة إلى ولاية الموصل وشحنكية العراق، فسير البرسقى إلى واسط عماد الدين زنكى.
ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج
وفى سنة سبع عشرة وخمسماية اشتدت نكاية الكرج «1» فى بلاد الإسلام، ونظم الامر على الناس، لا سيما أهل
(27/23)

دربند شروان «1» ، فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان، وشكوا إليه ذلك، فسار إليهم وقد وصل الكرج إلى شماخى «2» فنزل السلطان ببستان هناك، وتقدم الكرج إليه، فخافهم العسكر خوفا شديدا، وأشار الوزير على السلطان بالعود. فلما سمع أهل شروان بذلك، قصدوا السلطان وقالوا: «نحن نقاتل ما دمت عندنا وإن تأخرت ضعفت نفوس المسلمين وهلكوا» فأقام بمكانه، وبات العسكر على وجل عظيم، فأتاهم الله بفرج من عنده، وألقى بين الكرج والقفجاق الاختلاف، فاقتتلوا تلك الليلة، ورحلوا شبه المنهزمين، وكفى الله المؤمنين القتال. وأقام السلطان بشروان ثم عاد إلى همذان.
وفى سنة ثمان عشرة وخمسماية عزل اقسنقر البرسقى عن شحنكية العراق ورسم له بالعود إلى الموصل، وأرسل السلطان محمود إليه ولدا صغيرا له مع أمه ليكون عنده. فلما وصل الصغير إلى العراق تلقته المواكب، وكان لدخوله يوما مشهودا. وتسلم البرسقى الصغير وسار به وبأمه إلى الموصل. وولى شحنكية العراق سعد الدولة برنقش «3» . وملك البرسقى فى هذه السنة مدينة حلب وقلعتها.
(27/24)

ذكر وصول الملك ودبيس بن صدقة الى العراق وعودهما
كان الخليفة المسترشد بالله خرج لقتال دبيس بن صدقة فى سنة سبع عشرة وخمسماية، وقاتله، فانهزم دبيس كما ذكرناه فى أخبار المسترشد، ثم التحق بعد هزيمته بالملك طغرل أخى السلطان محمود. فلما وصل إليه أكرمه وأحسن إليه، وجعله من أعيان خواصه وأمرائه. فحسن له دبيس قصد العراق، وهون الأمر عليه، وضمن له أن يملكه، فسار معه إلى العراق فى سنة تسع عشرة وخمسماية فوصلوا إلى دقوقاء «1» فى عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة بذلك، فخرج الخليفة فى العساكر والرجال ونزل بصحراء الشماسية «2» ، وبرنقش أمامه.
فلما بلغ الملك طغرل الخبر، عدل إلى طريق خراسان، وتفرق أصحابه للنهب وتوجه هو ودبيس إلى الهارونية «3» . وسار الخليفة حتى أتى الدسكرة «4» ، فاستقر الأمر بين طغرل ودبيس أن يسيرا حتى يعبرا نهر ديالى «5» ويقطعا جسر النهروان، ويقيم دبيس لحفظ.
المخايض، ويتقدم الملك طغرل إلى بغداد فيملكها وينهبها.
(27/25)

فسارا على ذلك فحصل لطغرل حمى شديدة منعته من ذلك، وبلغ الخليفة الخبر، فعاد إلى بغداد. وانتقض على طغرل ودبيس مادبراه، فقصدا السلطان سنجر واجتازا فى طريقهما بهمذان. فبسط على أهلها ما لا كثيرا وأخذاه، فبلغ خبرهما السلطان محمود فجد السير فى إثرهما، فانهزما منه إلى خراسان، واجتمعا بالسلطان سنجر، وشكيا من الخليفة، وبرنقش، وأقاما عند السلطان سنجر؛ ثم كان من أمرهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر مقتل البرسقى وملك ابنه عز الدين مسعود
وفى سنة عشرين وخمسماية قتل اقسنقر البرسقى صاحب الموصل بمدينة الموصل، قتله الباطنية فى يوم الجمعة بالجامع. وكان من عادته أنه يصلى الجمعة فى الجامع مع العوام. وكان قد رأى فى منامه فى تلك الليلة أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضهم ونال منه الباقى ما أذاه، فقص ذلك على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام. فقال: «لا أترك الجمعة لشئ أبدا» فغلبوه على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، وأخذ المصحف ليقرأ فيه، فأول ما خرج له وله تعالى: «وكان أمر الله قدرا مقدورا» فركب إلى الجامع على عادته. وكان يصلى فى الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفسا، عدة الكلاب التى رآها، فجرحوه بالسكاكين، فجرح (هو) «1» ، بيده ثلاثة منهم، وقتل رحمه الله تعالى.
(27/26)

وكان تركيا خيرا، يحب أهل العلم والدين، كثير العدل يحافظ.
على الصلوات لأوقاتها، ويصلى بالليل تهجدا. ولما قتل كان ابنه مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه أصحاب والده بالخبر فسار إلى الموصل، ودخلها فى أول ذى الحجة، ثم توجه إلى السلطان محمود فأحسن إليه وأعاده.
وفى هذه السنة وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله.
وكان سببه برنقش، فسار السلطان إلى العراق، وكان بينه وبين الخليفة ما قدمناه فى أخبار المسترشد بالله، ثم اتفقا على مال حمله الخليفة إليه.
وفى سنة إحدى وعشرين وخمسماية.
أسند السلطان شحنكية العراق إلى عماد الدين زنكى على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
وفيها فى عاشر شهر ربيع الآخر سار السلطان محمود من بغداد وحمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة، فقبل جميع ذلك، ولما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبى القاسم على بن الناصر النسابادى «1» فى شهر رجب لأنه اتهمه بممالأة المسترشد بالله، وأرسل إلى بغداد وأحضر شرف الدين أنوشروان بن خالد، فوصل إلى السلطان وهو بإصفهان، فخلع عليه الوزارة واستوزره، فاستمر عشرة أشهر وعزل نفسه، وعاد إلى بغداد فى شعبان سنة اثنتين وعشرين، فأعيد الوزير أبو القاسم.
(27/27)

وفى سنة إحدى وعشرين توفى عز الدين مسعود بن البرسقى أمير الموصل فأقام السلطان مقامه عماد الدين زنكى.
وفى سنة اثنتين وعشرين وخمسماية قدم السلطان سنجر عم السلطان (محمود) إلى الرى، واستدعى السلطان (محمود) «1» فسار إليه فأكرمه وأجلسه معه على التخت، ولما عاد (سنجر) «2» إلى خراسان سلم دبيس بن صدقة إلى السلطان محمود، وأوصاه بإكرامه وإعادته إلى بلده، فرجع محمود إلى همذان، ودبيس فى صحبته.
ثم سار إلى العراق، وقدم بغداد فى المحرم سنة ثلاث وعشرين:
ودبيس معه ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد بالله. فامتنع الخليفة من إجابة السلطان إلى ولاية دبيس ابن صدقة البتة، فلم يمكن السلطان إجباره وأقام ببغداد إلى رابع جمادى الآخرة من السنة، وعاد إلى همذان، وجعل بهروز على شحنكية بغداد، وسلم إليه الحلة واستصحب دبيس بن صدقة معه.
ذكر ما فعله دبيس بن صدقة وما كان من أمره
قال: ولما سار السلطان محمود من بغداد إلى همذان ماتت زوجتا ابنة عمه السلطان سنجر، وكانت تعتنى بأمر دبيس. فلما ماتت انحل نظامه. واتفق أن السلطان مرض مرضا شديدا، فأخذ دبيس ابنا له صغيرا وقصد العراق، فلما بلغ المسترشد خبره، جند
(27/28)

الأجناد وحشّد وجمع. وكان بهروز بالحلة ففارقها ودخلها دبيس فى شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسماية. فلما بلغ السلطان الخبر أحضر الأميرين نيزك «1» والأحمديلى وقال: «أنتما ضمنتما منى دبيس بن صدقة وأريده منكما» . فسار الأحمديلى إلى العراق فاتصل خبره بدبيس، فكتب إلى الخليفة يستعطفه ويقول: «إن رضيت عنى فأنا أرد أضعاف ما أخذت، وأكون العبد المملوك» ، وترددت الرسائل بينهما، ودبيس فى خلال ذلك يجمع الرجال والأموال «2» ، وكان معه ثلاثمائة فارس فصار فى عشرة آلاف فارس: ووصل الأحمديلى بغداد فى شوال، وسار إلى دبيس، وسار السلطان بعد ذلك إلى العراق، فأرسل إليه دبيس هدايا جليلة وبذل ثلاثمائة حصان منعولة بالذهب ومائتى ألف دينار إن رضى عنه السلطان والخليفة، فلم يجبه إلى ذلك. فسار إلى البصرة وأخذ منها أموالا كثيرة، فسير الخليفة فى إثره عشرة آلاف فارس ففارق البصرة ودخل البرية، ثم سار إلى الشام فى سنة خمس وعشرين ليملك صرخد، وكان صاحبها قد توفى، واستولت جاريته على القلعة وما فيها، فاستدعت دبيس بن صدقة ليتزوج بها، ويملك القلعة. فسار إليها فضلّ عن الطريق، فنزل بناس من كلب «3»
(27/29)

كانوا بنواحى الغوطة»
فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق، فحبسه عنده، فسمع أتابك زنكى خبره، فأرسل إليه يطلبه منه ويتهدده إن لم يرسله إليه، فأرسله إليه، فأحسن إليه زنكى إحسانا لم يسمع بمثله، وكان قد ظن أنه يهلكه فأقام عنده وانحدر معه إلى العراق (والله اعلم) .
وفى سنة أربع وعشرين وخمسماية خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوه. فسار السلطان من بغداد إلى همذان، وفى ظنه أن مسعود يخالفه على عادته. فلما وصل إلى كرمان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه، فأقطعه كنجه وأعمالها.
ذكر وفاة السلطان محمود وشىء من اخباره وملك ابنه داود
كانت وفاته بهمذان فى شوال سنة خمس وعشرين وخمسماية وكان له من العمر نحو سبع «2» وعشرين سنة، وكانت مدة سلطنته ثلاث عشرة سنة «3» وتسعة أشهر وعشرين يوما وكان حليما كريما عاقلا، يسمع ما يكره فلا يعاقب عليه مع القدرة، قليل الطمع
(27/30)

فى أموال الناس، عفيفا عنها، كافا لأصحابه عن الظلم والتطرق إلى أموال رعيته.
ونقل بعض المؤرخين أن الأموال ضاقت فى آخر أيامه حتى عجزوا فى بعض الأيام عن إقامة وظيفة الفقاعى، فدفعوا له بعض صناديق الخزانة فباعها وصرف ثمنها فى حاجته. ولما توفى والد السلطان محمد خلف ثمانية آلاف ألف دينار، سوى المصوغات والجواهر وأصناف الثياب وغير ذلك، فآل الأمر فى أيام محمود إلى هذه الغاية. قال: وطلب يوما من سابور الخادم الخازن غالية «1» ، فشكا «2» إليه الإقلال واستمهله. ثم أحضر إليه بعد مدة ثلاثين مثقالا، فقال له السلطان وكان خازن أبيه: «كم كان فى خزانة السلطان والدى من الغالية؟» فقال: «كان فى قلعة أصفهان منها فى أوانى الذهب والفضة والبلور المحكم والصينى ما يقارب ماية وثمانين رطلا، ومعنا فى خزانة الصحبة ما يقارب ثلاثين رطلا» فجعل يتعجب من ذلك ويقول لمن حضر: اعجبوا من التفاوت بين هذه الأيام وتلك» .
وكان له من الأولاد. محمدشاه ولى السلطنة، وملكشاه وليها أيضا، وجفرى شاه، وداود ووزراؤه ربيب الدولة أبو منصور وزير والده. ثم نظام الدين كمال الملك أبو طالب على بن أحمد السميرمى، صفى أمير المؤمنين إلى أن قتل كما ذكرناه. واستوزره بعده شمس الدين عثمان بن نظام الملك إلى أن قتله فى سنة سبع
(27/31)

عشرة وخمسماية. واستوزر الوزير القوام أبا القاسم على بن الناصر النساباذى، وقبض عليه فى شهر رجب سنة عشرين. واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، ثم استعفى من الوزارة وأعيد الوزير أبو القاسم.
قال: ولما توفى السلطان محمود جلس ابنه داود فى السلطنة باتفاق من الوزير أبى القاسم، وأتابكه اقسنقر الأحمديلى، وخطب له فى جميع بلاد الجبل [وأذربيجان] «1» . ولما اطمأن الناس وسكنوا سار الوزير بأمواله إلى الرى ليأمن بها حيث هى للسلطان سنجر.
وكان سبب خوفه أنه قبل وفاة السلطان محمود خاف من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم: عين الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفى، والأمير أنوشتكين المعروف بشير كير. وولده عمر وهو أمير حاجب، فقبض عليهم. فأما عين الدولة فإنه أرسله إلى مجاهد الدين بهروز فحبسه بتكريت، ثم قتل بها، وأما شير كير وولده.
فقتلهما فى جمادى الآخرة.
ذكر أخبار السلطان غياث الدنيا والدين أبى الفتح مسعود بن ملكشاه وما كان من أمره، وخروجه من السلطنة وسلطنة أخيه السلطان طغرل، وعوده اليها
وقد رأيت من قدم أخبار السلطان طغرل على أخبار أخيه السلطان مسعود ثم ذكر سلطنة مسعود بعدها. وليس كذلك لأن السلطان
(27/32)

طغرل ما تسلطن إلا بعد حرب السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، ومسعود لم يحارب عمه سنجر بعد أن خطب له بالسلطنة فتعين بهذا أن السلطان مسعود تقدمه فى السلطنة وقد بدأت بأخبار السلطان مسعود وجعلت أخبار السلطان طغرل مندمجة فى أخبار السلطان مسعود وبينتها بالتراجم الدالة عليها لأن السلطان مسعود تسلطن قبله وعاش بعده.
ذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق شاه وداود بن محمود واستقرار السلطنة بالعراق لمسعود
قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه المترجم بالكامل: لما توفى السلطان محمود بن محمد، وخطب لولده الملك داود ببلاد الجبل أذربيجان سار الملك داود من همذان فى ذى القعدة سنة خمس وعشرين وخمسماية إلى زنكان «1» ؛ فأتاه الخبر بمسير عمه. السلطان مسعود من جرجان، وأنه وصل إلى تبريز واستولى عليها. فسار الملك داود إليه، وحصره بها وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين، ثم اصطلحا وتأخر الملك داود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبريز، واجتمعت عليه العساكر وسار إلى همذان وكانت رسل الملك داود تقدمت إلى بغداد فى طلب الخطبة، فأجاب المسترشد بالله إن الحكم فى الخطبة للسلطان سنجر، فمن أراد
(27/33)

خطب له. وأرسل الخليفة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن فى الخطبة لأحد، وأنه ينبغى أن تكون الخطبة له وحده دون بنى أخيه، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. ثم إن السلطان مسعود كاتب عماد الدين أتابك زنكى صاحب الموصل وغيرها يستنجده ويطلب مساعدته فوعده بالنصر، فقويت نفسه بذلك على طلب السلطنة.
قال: ثم إن السلطان «1» سلجق شاه بن محمد ساربه أتابكه قراجا الساقى صاحب بلاد فارس وخوزستان فى عسكر كثير إلى بغداد، فوصل إليها قبل وصول أخيه السلطان مسعود، ونزل بدار السلطنة، فأكرمه الخليفة واستخلفه لنفسه. ثم [وصل رسول السلطان] «2» يطلب الخطبة لنفسه ويتهدد إن منعها، فلم يجبه المسترشد إلى ما طلب، فسار حتى نزل عباسية «3» الخالص. فبرز عسكر الخليفة وعسكر سلجق شاه قراجا الساقى نحو مسعود، وقد عزموا على حربه، فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكى إلى المعشوق «4» ، فعبر قراجا الساقى فى أكثر العساكر إلى الجانب الغربى وسار فى يوم وليلة إلى المعشوق، والتقى هو وزنكى فهزمه الساقى وأسر جماعة من أصحابه، وانهزم زنكى إلى تكريت، وسار إلى الموصل.
(27/34)

قال: وسار السلطان مسعود من العباسية المالكية «1» ، وحصلت المناوشة بين عسكره وعسكر أخيه سلجق شاه ودامت يومين، فأرسل سلجق شاه إلى قراجا يستحثه فى العود، فعاد مسرعا. فلما علم مسعود بهزيمة زنكى رجع إلى ورائه، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الرى، وأنه عازم على قصد الخليفة وغيره، ويقول: «إن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن العراق [ويكون العراق] «2» لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك» . وترددت الرسائل بينهم، فوقع الاتفاق على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، والسلطنة لمسعود وسلجق شاه ولى عهده، وتحالفوا على ذلك.
ودخل السلطان مسعود بغداد ونزل بدار السلطنة ونزل سلجق شاه بدار الشحنكية، وذلك فى جمادى الأولى سنة ست وعشرين وخمسماية.
ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجرشاه وهزيمة مسعود وسلطنة طغرل
قال: ولما وصل الخبر بوفاة السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجرشاه، سار عن خراسان إلى بلاد الجبال «3» ومعه الملك طغرل ابن السلطان محمد، وكان قد لازمه، فوصلا إلى الرى ثم إلى همذان، فاتصل الخبر المسترشد بالله والسلطان مسعود ومن
(27/35)

قال: ولما تمت الهزيمة على مسعود، نزل السلطان سنجر وأحضر قراجا الساقى وسبه ووبخه وقال له: «يا مفسد، أى شىء كنت ترجو بقتالى» قال: «كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطانا أحكم عليه» . فقتله صبرا، وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه، فحضر إليه فأكرمه، وعاتبه على عصيانه ومخالفته وأعاده إلى كنجه.
وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد فى السلطنة، وخطب له فى جميع البلاد، واستوزر له الوزير: أبا القاسم النساباذى وزير السلطان محمود، وعاد إلى خراسان.
ذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود بن محمود
قال: لما توجه السلطان سنجر إلى خراسان عصى الملك داود بن محمود على عمه السلطان طغرل وجمع العساكر، وسار إلى همذان فى مستهل شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسماية. فخرج إليه السلطان طغرل، وعبى كل منهما أصحابه، والتقوا فوقع الخلف فى عسكر داود، فهرب أتابكه اقسنقر الأحمديلى، وتبعه الناس، وبقى الملك داود متحيرا إلى أوائل ذى الحجة منها فقدم بغداد هو وأتابكه الأحمديلى.
(27/37)

ذكر عود السلطان مسعود [بن محمد] «1» الى السلطنة وانهزام طغرل
قال: لما سمع السلطان مسعود انهزام داود، وأنه قصد بغداد، سار هو أيضا إلى بغداد فى سنة سبع وعشرين وخمسماية. فلما قاربها لقيه داود ودخل فى خدمته إلى بغداد، ونزل بدار السلطنة فى صفر، وخاطب فى الخطبة، فأجيب إلى ذلك، وخطب له ولداود بعده. ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما وخلع على مسعود فى يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة. وكانت الخلع سبع دراريع مختلفات الأجناس والألوان والسابعة سوداء، وتاجا مرصعا بالجوهر والياقوت، وطوق ذهب وسراويل، وقلده بسيفين وعقد له لواءين بيده، وسلم إليه داود بن أخيه وأوصاه به مشافهة.
ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان، وأرسل الخليفة معهما عسكرا فساروا.
وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، وهرب من بها من الأمراء مثل قراسنقر وغيره، وتحصن كثير منهم بمدينة أردبيل «2» ، فقصدهم مسعود وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون. ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فاستولى عليها فى شعبان. ولما استقر بها قتل اقسنقر الأحمديلى،
(27/38)

قتله الباطنية. وسار طغرل حتى بلغ قم «1» ، ثم عاد إلى أصفهان وأراد أن يتحصن بها، فسار إليه مسعود ليحاصره بها فرحل طغرل إلى بلاد فارس. واستولى مسعود على أصفهان، وفرح أهلها به، ثم سار منها نحو فارس، فوصل إلى موضع بقرب البيضا «2» ، فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه طغرل معه أربعماية فارس، فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن يلتحقوا بأخيه، فانهزم وقصد الرى.
قال: ولما تم على طغرل ماتم من الهزيمة، قال لوزيره أبى القاسم النساباذى: «قد علمت أنه ماتم علىّ هذا الخذلان إلا لظلمك للعباد فقال له: «لا تقلق، قد أمرت أهل ألموت بقتل اقسنقر وسائر أعدائك وهم فاعلون» فأمر به فضرب وصلب، فانقطع به الحبل، فقطع إربا إربا، وطيف بأعضائه فى كل بلد عضو، وكان قتله بأصفهان.
واستمر طغرل حتى أتى الرى فى ثلاثة آلاف فارس، وسار الملك مسعود فى طلبه فلحقه بموضع يقال له ذكراور، فوقع بينهما مصاف هناك، فانهزم طغرل ووقع عسكره فى أرض قد نضب عنها الماء، وهى وحل، فأسر منهم جماعة فأطلقهم مسعود، ولم يقتل فى هذا المصاف إلا نفر يسير. وكان هذا المصاف فى ثامن عشر شهر رجب سنة سبع وعشرين وخمسماية، ورجع الملك مسعود إلى همذان.
(27/39)

ذكر عود الملك طغرل الى الجبل وانهزام السلطان مسعود
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية عاد الملك طغرل إلى بلاد الجبل فملكها؛ وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما عاد من حربه، بلغه عصيان داود ابن أخيه بأذربيجان، فسار إليه وحصره بقلعة روندر «1» واشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر، واستمال بعض أمراء السلطان مسعود، وتقدم لفتح البلاد وفتحها أولا فأولا، وكثرت عساكره، فقصد مسعود. فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، ولما تدانا العسكران انهزم السلطان مسعود وذلك فى أواخر شعبان من السنة، فأرسل إلى الخليفة المسترشد بالله فى القدوم إلى بغداد فأذن له. وكان نائبه بأصفهان النفيس «2» السلاحى ومعه الملك سلجق شاه، فلما سمعا بانهزام مسعود قصدا بغداد فنزل سلجق شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم مسعود إلى بغداد، وأكثر أصحابه على الجمال لعدم الخيل، فأرسل إليه الخليفة ما يحتاج إليه من الخيل والخيام والسلاح والثياب وغير ذلك، ونزل بدار السلطنة، وذلك فى منتصف شوال من السنة. وأقام طغرل بهمذان فعاجلته المنية.
(27/40)

ذكر وفاة الملك طغرل وملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل
كانت وفاته بهمذان فى المحرم سنة تسع وعشرين وخمسماية ومولده فى المحرم سنة ثلاث وخمسماية. وكان عاقلا خيرا عادلا، محسنا إلى الرعية قريبا منهم. وكان قبل وفاته قد خرج يريد السفر لقتال أخيه مسعود، فدعا له الناس فقال: «ادعو لخيرنا للمسلمين» وكان له من الأولاد أرسلان شاه، ولى السلطنة، ومحمد ألب أرسلان لم يلها. وزراؤه: الوزير قوام الدين النساباذى وزير السلطان محمود إلى أن قتله، ثم استوزر شرف الدين على بن رجا. قال: ولما توفى وصل الخبر بموته أخيه السلطان مسعود، فسار من وقته نحو همذان، وأقبلت العساكر إليه ودخلت فى طاعته، واستقل بالسلطنة بعده.
وفى هذه السنة وقع بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت عساكر الخليفة ثم قتل على ما قدمناه فى أخبار الدولة العباسية.
ذكر قتل الأمير دبيس بن صدقة
وفى سنة تسع وعشرين وخمسماية قتل السلطان مسعود الأمير دبيس بن صدقة وهو على باب سرادقه بظاهر مدينة خوى. أمر غلاما أرمنيا بقتله، فقام على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه فضرب عنقه وهو لا يشعر. وكان صدقة يعادى المسترشد كما
(27/41)

ذكرناه، فلما قتل المسترشد ظن صدقة أن الدنيا قد صفت له، فما لبث بعده. وهذه عادة الدنيا يتبع صفاها كدرها، وجودها ضررها كما قيل.
إن الليالى لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
قال: ولما قتل دبيس كان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه مماليك أبيه وأصحابه وكثر جمعه، وبقى بها إلى أن قدم السلطان بغداد فى سنة إحدى وثلاثين، فقصده وأصلح حاله معه، ولزم بابه.
ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته
وفى سنة ثلاثين وخمسماية اجتمع كثير من أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان [مسعود] . فسار الملك داود ابن أخى السلطان فى عسكر أذربيجان إلى بغداد، فوصل إليها فى رابع صفر ونزل بدار السلطنة. ووصل بعده عماد الدين زنكى صاحب الموصل.
ووصل الأمير برنقش بازدار صاحب قزوين وغيرها؛ والنفيس الكبير [صاحب أصفهان وصدقة بن دبيس] «1» صاحب الحلة وغيرهم. فجعل الملك داود فى شحنكية بغداد برنقش بازدار، وقطعت خطبة السلطان مسعود وخطب لداود، فسار السلطان مسعود إلى بغداد، فتفرقت تلك الجيوش وسار الخليفة وزنكى إلى الموصل
(27/42)

وخلع الراشد، وبويع المقتضى على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية..
وفى سنة ثلاثين وخمسماية عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلمة الدر كزينى وهو من خراسان.
وفيها أرسل السلطان قراسنقر بعساكر كثيرة فى طلب الملك داود، فسار وأدركه عند مراغة، فالتقيا واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم داود إلى خوزستان، فاجتمع عليه هناك كثير من التركمان وغيرهم، فبلغت عدتهم عشرة آلاف فارس، فقصد بهم تستر «1» وحاصرها. وكان عمه السلطان سلجق شاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده ويستمده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، فالتقوا فانهزم سلجق شاه.
وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية أذن السلطان مسعود للعساكر التى عنده ببغداد فى العود إلى بلادهم، وذلك فى المحرم منها. وسبب ذلك أنه بلغه أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل. قال: وزوج ابنته للأمير صدقة بن دبيس بن صدقة، وتزوج الخليفة المقتضى بفاطمة أخت السلطان فاطمأن السلطان عند ذلك وفرق العساكر.
(27/43)

ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء
وفى سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية كانت الحرب بينهم، وسبب ذلك أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل وسار نحو أذربيجان فوصل إلى مراغة. وكان الملك داود بن محمود والأمير منكبرس صاحب فارس والأمير بوزابه نائبه بخوزستان، والأمير عبد الرحمن طغايرك على خوف ووجل من السلطان. فتجمعوا كلهم ووافقوا الراشد على الاجتماع معه ليكونوا يدا واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك، إلا أنه لم يجتمع معهم. ووصل الخبر إلى السلطان وهو ببغداد، فسار عنها فى شعبان، والتقوا واقتتلوا، فانهزم الملك داود، وأسر الأمير منكبرس فقتل صبرا بين يدى السلطان وتفرقت عساكر السلطان مسعود فى النهب واتباع من انهزم، وكان بوزابه وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان وقد تفرقت عساكره، فحملا عليه، فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض بوزابه على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة وأتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبى العساكر، وتركهم عنده. فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعا وصار العسكران مهزومين، وهذا من عجيب الاتفاق.
وقصد السلطان مسعود أذربيجان وقصد الملك داود همذان، ووصل إليها الراشد بعد الوقعة واختلفت آراء الجماعة، فمنهم
(27/44)

عز الملك. وضاقت الأمور على السلطان، فاستقطع البلاد على غير رضاه، ولم يبق له غير اسم السلطنة.
وفيها توفيت زبيدة خاتون زوجة السلطان مسعود، وهى ابنة السلطان بركياروق، فتزوج مسعود بعدها سفرى ابنة دبيس بن صدقة فى جمادى الأولى وتزوج أيضا ابنة قاروت، وهو من البيت السلجقى.
وفيها أيضا قتل السلطان [مسعود] ابن البقش السلاحى شحنة بغداد لظلمه وعسفه للناس، وجعل شحنة العراق مجاهد الدين بهروز، فأحسن السيرة.
وفى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية قدم السلطان مسعود إلى بغداد فى فصل الشتاء، وصار يشتو «1» بالعراق ويصيف بالجبال. ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها، ووضعت على أبواب الجوامع وفى الأسواق. وتقدم إلى الجند أن لا ينزل أحد منهم فى دار عامى إلا من اذن له، فكثر الدعاء له والثناء عليه.
وفى سنة تسع وثلاثين وخمسماية قبض السلطان على وزيره البروجردى، واستوزر بعده المرزبان أبا عبد الله بن نصر الأصفهانى وسلم إليه البروجردى، فاستخرج منه الاموال، ومات مقبوضا عليه.
(27/46)

ذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود
وفى سنة أربعين وخمسماية سار بوزابة صاحب فارس وخوزستان فى عساكره إلى قاشان، ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود، واتصل بهم الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، واجتمع بوزابه والأمير عباس صاحب الرى، واتفقا على الخروج عن طاعة السلطان وملكا كثيرا من بلاده. فأتاه الخبر وهو ببغداد ومعه الأمير عبد الرحمن طغايرك- وهو الحاكم فى دولته- وكان ميله إليهما. فسار السلطان عن بغداد فى شهر رمضان. فلما تقابل العسكران ولم يبق إلا القتال، لحق سليمان شاه بأخيه السلطان مسعود، وشرع عبد الرحمن فى تقرير الصلح على القاعدة التى أرادوها. وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وارّانية على ما بيده، وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان مسعود، [وهو وزير بوزابه] «1» وصار السلطان معهم تحت الحجر.
ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك وعباس صاحب الرى
وفى سنة إحدى وأربعين وخمسماية قتل السلطان مسعود الأمير عبد الرحمن طغايرك أمير حاجب دولته والحاكم عليها، وكان لم يبق للسلطان معه غير الاسم وكان سبب قتله أنه لما ضيق على السلطان
(27/47)

وحجر عليه واستبد بالأمر دونه وأبعد خواصه عنه، فكان ممن أبعد عنه بك أرسلان المعروف بخاص بك، وكان السلطان قد رباه وقربه فأبعده عنه وحجبه، وصار لا يراه. وكان فى خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة، فاستقر بينه وبين السلطان قتل عبد الرحمن.
فاستدعى خاص بك من يثق به وتحدث معهم، فكلهم خاف الإقدام عليه إلا رجل اسمه زنكى- وكان جاندارا- فإنه بذل من نفسه أن يلقاه ويبدأه بالقتل، ووافق خاص بك على ذلك جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن فى موكبه بظاهر جنزه «1» ، إذ ضربه زنكى الجاندار على رأسه بمقرعة حديد كانت فى يده، فسقط إلى الأرض وأجهز عليه خاص بك، وأعانه جماعة ممن كان واطأه من الأمراء.
وبلغ السلطان الخبر وهو ببغداد، ومعه الأمير عباس صاحب الرى وعسكره أكثر من عسكر السلطان، فأنكر الأمير عباس ذلك وتألم له، فداراه السلطان ولطف به، ثم استدعاه فى بعض الأيّام.
فلما عبر إليه، منع أصحابه من الدخول وعدل به إلى حجرة، وقيل له: اخلع الزردية، وكان لا يزال يلبسها، فقال: إن لى مع السلطان أيمانا وعهودا، فلكموه وخرج عليه غلمان أعدوا له، فتشاهد وخلع الزردية وألقاها فضربوه بالسيوف، واحتزوا رأسه، وألقوه إلى أصحابه، ثم ألقوا جسده ونهبت خيامه. وكان مقتله فى ذى القعدة.
وكان من غلمان السلطان محمود حسن السيرة ودفن بالجانب الغربى ثم أرسلت ابنته وحملته إلى الرى ودفنته هناك.
(27/48)

قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل: ومن الاتفاق العجيب أن العبادى كان يعظ يوما فحضره عباس فأسمع [العبادى] بعض من حضر المجلس، ورمى بنفسه نحو الأمير عباس، فضربه أصحابه خوفا عليه، لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية، لا يفارق لبس الزردية ومعه الغلمان الأجلاد، فقال له العبادى: «يا أمير كم ذا الاحتراز، والله لئن قضى عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية، فينفذ القضاء فيك» فكان كما قال كان السلطان قد استوزر ابن دارسست وزير بوزابة كارها، فلما كان الآن استعفى وسأل العزل والعود إلى صاحبه فعزله وقرر معه أن يصلح له بوزابه ويزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن وعباس.
وفيها حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت، والله أعلم.
ذكر قتل الأمير بوازبة
قال: ولما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكر فارس وخوزستان وسار إلى أصفهان فحصرها وسير عسكرا آخر إلى همذان، وعسكرا ثالثا إلى قلعة الباهلى «1» ثم سار هو عن أصفهان
(27/49)

وراسل السلطان مسعود فى الصلح فلم يجبه؛ وسار مجدا فالتقيا بمرج قراتكين «1» واقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان وميسرته واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه، وصبر الفريقان فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه. وقيل بل كبابه فرسه فأخذ أسيرا، وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه، وانهزم أصحابه،. وبلغت هزيمة ميمنة السلطان وميسرته إلى همذان. وقتل من الفريقين خلق كثير. وكانت هذه الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم.
وكانت فى سنة اثنتين وأربعين والله أعلم.
ذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم الى بغداد وما كان منهم
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فارق السلطان مسعود جماعة من الأمراء الأكابر وهم: ايلدكز المسعودى صاحب كنجة وأرانية «2» ، وتبر الحاجب، وطرنطاى المحمودى شحنة واسط، وابن طغايرك وغيرهم.
وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى [خاص بك] ، واطراحه لهم فخافوا أن يفعل بهم كما فعل بعبد الرحمن وعباس وبوزابة، ففارقوه وساروا نحو العراق. فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال
(27/50)

العراق، وغلت الأسعار وأرسل الخليفة إليهم العبادى الواعظ فلم يرجعوا، ووصلوا إلى بغداد فى شهر ربيع الآخر، ومعهم الملك محمد ابن السلطان محمود، فنزلوا بالجانب الشرقى.
ووقع القتال بين الأمراء وعامة بغداد ومن بها من العسكر عدة وقعات، فانهزم الأمراء من العامة فى بعض الأيّام خديعة ومكرا، فلما تبعوهم عطفوا عليهم وقتلوهم، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله وتفرق العسكر بالمحال الغربية، وأخذوا من أهلها الأموال الكثيرة ونهبوا بلد دجيل «1» وغيره، وأخذوا النساء والولدان ثم اجتمع الأمراء ونزلوا مقابل التاج «2» وقبلوا الأرض أمام الخليفة المقتفى، وترددت الرسائل بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار، وعادوا إلى خيامهم ثم تفرقوا وفارقوا العراق.
هذا كله والسلطان ببلد الجبل، والرسل بينه وبين عمه سنجر تتردد. وكان سنجر يلومه على تقدمه خاصبك [خاص بك] ويتهدده أن يزيله عن السلطنة إن لم يبعده، وهو يغالط ولا يفعل. فسار السلطان سنجر إلى الرى، وسار السلطان مسعود إلى خدمته واسترضاه فسكن. وكان اجتماعهما فى سنة أربع وأربعين وخمسماية.
(27/51)

ذكر وفاة السلطان مسعود
كانت وفاته بهمذان فى شهر رجب سنة سبع وأربعين وخمسماية ومرض بحمى حادة نحو أسبوع ومات، ودفن بمدرسة جمال الدين إقبال الجمدار. وكان مولده فى ذى القعدة سنة اثنتين وخمسماية، فيكون عمره أربعا «3» وأربعين سنة وثمانية أشهر، ومدة سلطنته منذ وقع اسم السلطنة عليه إحدى وعشرين سنة وشهورا، بما فى ذلك من أيام أخيه السلطان طغرل. وكان رحمه الله حسن الأخلاق والسيرة كريما عفيفا عن أموال الرعية من أصلح الملوك سيرة، وألينهم عريكة. ولما مات زالت سعادة البيت السلجقى بموته، ولم يقم له بعده قائمة، فكأنه المعنى بقول الشاعر:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
ذكر سلطنة ملكشاه بن محمود بن محمد طبر بن ملكشاه والقبض عليه
قال المؤرخ: كان السلطان مسعود قبل موته قد استدناه وقربه وأقره عنده، وعهد إليه بالسلطنة بعده. فلما توفى السلطان خطب الأمير خاصبك بن بلنكرى لملكشاه بالسلطنة باتفاق الأمراء، ورتب الأمور وقررها بين يديه، وأذعنت له جميع العساكر بالطاعة.
وكان ملكشاه شريبا خميرا، لا يصحو ساعة واحدة، كثير الاشتغال
(27/52)

باللهو، فاجتمع الأمراء على خلعه وتولية السلطنة محمد بن محمود فخلعوه وقبض عليه خاصبك واعتقله بمرج همذان فتراخى مستحفظوه فهرب، ولم يطلب ولا علم له خبر فكانت مدة سلطنته شهرين أو ثلاثة. وقال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه: إنه توجه إلى أصفهان وكثرت جموعه، وكتب إلى بغداد فى طلب الخطبة لنفسه، فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصيا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهزاتينى «1» فمضى إلى بلاد العجم واشترى جارية من قاضى همذان بألف دينار، وباعها من ملكشاه ووضعها لتسمه، ووعدها بمواعيد كثيرة، فسمته فى لحم مشوى. فمات فى سنة خمس وخمسين وخمسماية، وجاء الطبيب فأعلم أصحابه أنه مات بسم، فقررت الجارية فأقرت. ولما مات خرج أهل البلد أصحابه وخطبوا لسليمان شاه بن محمد والله أعلم.
ذكر سلطنة محمد بن محمود
هو أبو شجاع محمد بن محمود ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان محمد جغرى بيك داود بن ميكائيل بن سلجق. ومحمد هذا فى طبقة محمود ومسعود ابنى محمد طبر، وقيل هو محمد بن محمود بن محمد طبر أخو ملكشاه الذى ذكرناه آنفا.
قال: ولما قبض خاصبك على ملكشاه أرسل إلى محمد وهو بخوزستان وكان عمه السلطان سنجر قد ملكه إياها، واستدعاه ليسلطنه،
(27/53)

وسير إليه الأمير مشيد الدين وكاتبه الزنجانى، وكان قصد خاصبك أنه إذا حضر عنده قبض عليه وخطب لنفسه بالسلطنة. فلما اجتمعا بمحمد حسنا له قتل خاصبك إذا استقر فى السلطنة، وقالا له ان أمرك لا يتم إلا بقتله. وعادا إلى خاصبك وأخبراه أن محمدا قد حلف له، وسار محمد من خوزستان إلى همذان فى عدة يسيرة، فتلقاه خاصبك وخدمه وأجلسه على تخت المملكة، وذلك فى أوائل صفر سنة ثمان وأربعين وخمسماية، وخطب له بالسلطنة، وبالغ فى خدمته، وحمل إليه هدايا عظيمة جليلة المقدار.
ولما كان فى اليوم الثانى أو الثالث من جلوسه، استدعى خاصبك ليشاوره فجاء إليه ومعه زنكى الجاندار، وهما قتلة عبد الرحمن طغايرك فقتلهما جميعا، وألقى رأسيهما إلى أصحابهما، فتفرقوا ولم ينتطح فيها عنزان. ووجد فى خزانة خاصبك ألف وسبعماية ثوب من الديباج لون العنابى خاصة، سوى أنواع الثياب الأطلس والمصور وغير ذلك. وطلب له كفن فلم يقدر عليه، حتى جبى له من سوق العسكر.
قال وكان أيدغدى التركمانى- المعروف بشملة- مع خاصبك لما استدعاه السلطان، فنهاه عن الدخول إليه فلم يرجع إلى قوله، فلما قتل خاصبك مضى هو إلى خوزستان.
قال: وكان خاصبك صبيا تركمانيا، اتصل بالسلطان مسعود تقدم عنده على سائر الأمراء.
قال: ولما قتل السلطان خاصبك أشار عليه وزيره جلال الدين
(27/54)

ابن الوزير قوام الدين أن يبعث برأس خاصبك إلى الأميرين صاحبى أذربيجان، ففعل. فلما وصل الرأس إليهما أكبرا ذلك، وعزما على إخراج سليمان شاه عليه.
ذكر سلطنة سليمان شاه بن محمد طبر بن ملكشاه
قال: لما أخرج سليمان شاه من محبسه بقزوين اتصل به الأمير مظفر الدين بن ألب أرغو أو أخرجه معه إلى زنجان واتصل به الأمير شمس الدين ايلدكز والأمير آق سنقر بعسكريهما، وأخذاه من زنجان ومضيا إلى همذان فأجفل منهما محمد إلى أصفهان.
وجلس سليمان شاه على سرير السلطنة بهمذان، وأخذ فى الشرب واللهو فكان لا يصحو، وكذلك وزيره فخر الدين أبو طاهر القاشانى فلما رأى أيلدكز ذلك عزم على الرجوع فعاد إلى بلاده، ورجع نصرة الدين آق سنقر إلى أعماله. ثم اجتمع الأمراء مع نصير الدين أرسلان وقرروا أن ينتقلوا إلى مرج قراتكين ويتركوه بهمذان، ويقبضوا على وزيره. وكان مع سليمان شاه تباتكين بن خوارزم شاه وأخوه يوسف وأختهما زوجته والغالبة على أمره، فجاءت إليه ليلا وهو معرس على ابنة ملك الكرج، وأخبرته باجتماع الأمراء بالمرج، واتفاقهم على القبض عليه وعلى وزيره، فهرب بها وبأخويها ليلا، وترك خاتون الكرجية؛ وأصبح الأمراء فما علموا أين راح ولا كيف ذهب.
(27/55)

ذكر عود السلطان محمد من أصفهان الى مقر ملكه
قال: لما فارق همذان وصل إلى أصفهان كاتب أمراء الأطراف فأتى إليه الأمير إينانج صاحب الرى فقويت به يده، واتفق رجوع أيلدكز فسار السلطان محمد إلى همذان، فدخلها فى سنة ثمان وأربعين وخمسماية، واستقامت له المملكة.
وفى سنة تسع وأربعين عزم الخليفة المقتفى على قطع دعوة الترك من بغداد، وفعل ما قدمنا ذكره فى أخبار المقتفى من إخراج الشحنة مسعود البلالى الخادم منها؛ وتقوية الخليفة لوزيره عون الدين بن هبيرة، وما أقطعه من الإقطاعات، وما حازه الخليفة من ملك العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان ومن تكريت إلى عبادان.
قال: ولما عاد السلطان بعد هرب سليمان شاه، راسل الخليفة فى الخطبة فامتنع، واجتمع عند السلطان الأمراء الذين انقطعت أرزاقهم من بغداد، وسألوه فى الرحيل معهم إليها. وكان يرجع إلى عقل ودين، فاستمهلهم حتى يكاتب الخليفة كرة ثانية، فامتنعوا وقالوا: «نحن نكفيك أمره» فوافقهم فتأهبوا وخرجوا وعليهم مسعود البلالى الذى أخرجه الخليفة من بغداد، وأخذوا معهم لفيفا من التركمان، وساقوا مواشيهم وأغنامهم ليقاتلوا عليها. وكانت تكريت قد بقيت بيد مسعود البلالى، وملكشاه بن سلجق معتقل بها وأرسلان شاه بن طغرل، فلما احتاج هذا الجمع إلى ملك يضم شملهم اجتمعوا على إخراج أرسلان شاه بن طغرل. فأخرجوه وركبوه ووصلوا به إلى نواحى العراق، وأرهبوا على الناس.
(27/56)

وخرج الخليفة بعسكره وجنوده متوشحا بالبردة، وبيده القضيب، وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة. وخيم الخليفة على مرحلتين، من بغداد وتقابلا قريبا من شهر والخليفة ينتظر البداية. فظن مسعود البلالى أنه إنما ترك البداية بالحرب خورا فبدأه، وركب الجيشان والتقيا، وكانت وقعة عظيمة انهزم فيها الملك أرسلان بن طغرل ووصل إلى أرانية، واستقر عند شمس الدين أيلدكز زوج أمه. وغنم الخليفة وعسكره معسكرهم وأغنام التركمان وذراريهم والترك، وقتلوا فى كل واد. وعاد الخليفة إلى بغداد فى أواخر سنة تسع وأربعين وخمسماية.
قال: ولما رجع العسكر إلى السلطان محمد عاتبهم، وقال: لقد أتيتم بعثرات لا تقال، وأفسدتم هيبتنا عند الخليفة، وأخرجتم أرسلان بن طغرل وما حفظتموه، وقد صار عند أيلدكز، وصار الخليفة لنا خصما. ولم يستقم للملوك السلجقية بعدها ببغداد سلطنة.
(27/57)

ذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبر الى بغداد وخروجه بالعساكر وحربه هو والسلطان محمد وهزيمته وحصار السلطان محمد بغداد ورجوعه
وفى سنة خمسين وخمسماية وصل السلطان سليمان شاه إلى بغداد مستنجدا بالخليفة المقتفى على السلطان محمد، فلم يلقه الوزير عون الدين بل لقيه ابنه عز الدين محمد. فلما أخبره ابن الوزير سلام أمير المؤمنين عليه ترجل وقبل الأرض ودخل بغداد.
فلما وصل إلى باب النوبى من القصر، أنزلوه ليقبل العتبة، فقبلها وما قبلها قبله ملك سلجقى ولا ديلمى. وأنزله الخليفة بدار السلطنة وخطب له على المنابر، ولم ينعته بالسلطان ولا بالمعظم «1» وجهز معه الخليفة جيشا كثيفا، واستوزر له شرف الدين الخراسانى وسار سليمان شاه بالجيوش إلى أذربيجان ثم إلى أرانية ثقة أن يخرج معه شمس الدين ايلدكز. وتحرك السلطان محمد إليه من همذان، والتقوا؛ فانهزم سليمان وعاد إلى بغداد على طريق الدربند، فقبض عليه على كورجك، واعتقله بقلعة الموصل وذلك فى شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وتجهز السلطان محمد بقصد بغداد، فوصل إليها فى ذى القعدة من السنة، وقد جمع الجيوش
(27/58)

العساكر وحاصرها، وكان الخليفة قد حصن بغداد بالمجانيق والرجال والسفن وغير ذلك، واستمر الحصار والحرب إلى سنة اثنتين وخمسين وجرت فى خلال هذه المدة وقائع كثيرة يطول شرحها كان آخرها أنه وقع الاختلاف بين أصحاب السلطان فهزمتهم جيوش الخليفة ونهبوا أثقالهم، ولم تفلح السلجقية بعدها مع الخلفاء.
ذكر وفاة السلطان محمد بن محمود وما اتفق بعد وفاته
قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن على بن أبى المنصور ظافر ابن حسين الأزدى فى أخبار الدولة. أنه توفى فى سنة خمس وخمسين وخمسماية، وقال: ولم أعرف له عقبا فأذكره وقرض الدولة السلجقية بوفاته. وقال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل أنه توفى سنة أربع وخمسين بباب همذان، وكان مولده فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسماية، وأنه لما حضرته الوفاة أحضر أمواله وجواهره وخصاياه ومماليكه ونظر إليها من طيارة وبكى، وقال:
«هذه العساكر والأموال والمماليك وغيرها لم تغن عنى مقدار ذرة ولا يزيدون فى أجلى ذرة» وفرق من ذلك شيئا كثيرا وكان كريما عادلا كثير التأنى فى أموره. وكان له ولد صغير فسلمه إلى اقسنقر الأحمديلى وقال له: «أنا أعلم أن العساكر لا تطيع هذا الطفل وهو وديعة عندك فارحل به إلى بلادك» فرحل به إلى مراغة. فلما مات مختلف الأمراء فطائفة طلبوا ملكشاه وأخاه وطائفة طلبوا سليمان شاه عمه وهم الأكثر، وطائفة طلبوا أرسلان الذى مع ايلدكز فأما ملكشاه فإنه سار من خوزستان ومعه دكلا صاحب فارس وشملة
(27/59)

التركمانى وغيرهما، فوصل إلى أصفهان فسلمها إليه ابن الخجندى وجمع له مالا أنفقه عليه وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه لعدم الاتفاق ولأن أكثرهم كان يريد سليمان شاه.
ذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر الى همذان
وفى سنة خمس وخمسين وخمسماية سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان وكان معتقلا بها كما قدمناه؛ فلما مات السلطان محمد بن محمود. أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكى صاحب الموصل فى طلبه منه ليولوه السلطنة، فاستقرت القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه هو السلطان وقطب الدين ودود أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيره؛ وتحالفوا على ذلك وجهزه قطب الدين بما يحتاج إليه من الأموال والخيول وغير ذلك. فلما قارب بلاد الجبل أقبلت العساكر إليه أرسالا فاجتمع عسكر عظيم فخافهم قطب الدين مودود على نفسه؛ وعاد إلى الموصل.
فلما فارقه قطب الدين لم ينتظم أمره وقبض العسكر على سليمان شاه بباب همذان فى شوال سنة ست وخمسين وخمسماية.
ذكر سلطنة أرسلان شاه ابن الملك طغرل ابن محمد طبر
قال: لما قبض الأمراء على سليمان شاه فى شوال خطبوا لأرسلان شاه، وهو الذى كان قد تزوج أيلدكز بأمه، ثم خطب له فى سنة
(27/60)

ثمان وخمسين بقومس وبسطام ودامغان «1» . وذلك أن المؤيد صاحب نيسابور فتح هذه الجهات وخطب بها لأرسلان شاه فأرسل إليه الخلع فلبسها المؤيد؛ ودام ملك أرسلان شاه إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية، فتوفى ولم أقف من أخباره على شىء فأذكره. وذلك أن الدولة السلجقية كانت قد ضعفت وبقى ملوكها يقتصرون على حفظ ما بأيديهم دون التطلع إلى ما سواه. ولما مات أرسلان شاه خطب بعده لولده طغرل.
ذكر أخبار السلطان طغرل بن أرسلان شاه ابن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان
خطب له بالسلطنة ببلاد الجبل بعد وفاة أبيه أرسلان شاه فى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية، ونحن نذكر ما ظفرنا به من أخباره على سبيل التلخيص والاختصار:
ذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم
وفى سنة أربع وثمانين وخمسماية جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيفا؛ وجعل المقدم على الجيش وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس، وسيرهم لمساعدة قزل على كف السلطان طغرل عن البلاد.
(27/61)

فسار العسكر فى ثالث صفر إلى أن قارب همذان، وخرج طغرل إليهم، والتقوا واقتتلوا فى ثامن شهر ربيع الأول عند همذان، فانهزمت عساكر بغداد ولم تثبت، وأخذ أصحابه ما كان مع الوزير من خزانة وغيرها وعاد إلى همذان.
ذكر اعتقال طغرل وخلاصه وما كان من أمره الى أن قتل، وانقراض الدولة السلجقية
قال: واتفق أن قزل أرسلان بن أيلدكز ظفر بالسلطان طغرل، واعتقله، ولم أظفر بتاريخ اعتقاله «1» ولا كيفيته «2» فأذكره، إلا أنه لم يزل فى اعتقاله إلى أن مات قزل أرسلان فى سنة ثمان وثمانين وخمسماية، فخرج طغرل من حبسه بعد قزل واجتمع عليه جماعة والتقى هو و [قتلغ اينانج] «3» بن البهلوان بن ايلدكز، فانهزم اينانج إلى الرى، وملك طغرل همذان وغيرها؛ فأرسل قتلغ اينانج إلى علاء الدين خوارزم شاه تكش يستنجده، فسار إليه فلما تقاربا ندم قتلغ اينانج على استدعائه خوارزم شاه وخاف على نفسه فمضى
(27/62)

بين يديه؛ وتحصن فى قلعة له، فوصل خوارزم شاه إلى الرى وملكها، وفتح قلعة طبرك «1» فراسله طغرل واصطلحا.
ذكر مقتل السلطان طغرل وانقراض الدولة السلجقية
كان مقتله فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسماية؛ وسبب ذلك أنه قصد الرى فأغار على من به من أصحاب خوارزم شاه تكش وفر منه قتلغ اينانج بن البهلوان، فراسل خوارزم شاه يسأله النصر مرة ثانية. واتفق وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد. فسار خوارزم شاه لقتاله. فلما سمع طغرل بذلك كانت عساكره متفرقة فما أمهل حتى يجمعها، بل سار فيمن معه وكان يدل بشجاعته؛ فالتقى العسكران بالقرب من الرى؛ فحمل طغرل بنفسه فى وسط عسكر خوارزم شاه، فأحاطوا به وألقوه عن فرسه، وقتلوه وحملوا رأسه إلى خوارزم شاه، فأنفذ الرأس إلى بغداد فنصبها بباب النوبى. وملك خوارزم شاه جميع تلك البلاد وانقرضت الدولة السلجقية من العراق والجبال وخراسان، ولم يبق من البيت السلجقى إلا من هو ببلاد الروم، على ما نذكره بعد ذكر الملوك السلجقية بالشام إن شاء الله.
وكانت مدة هذه الدولة منذ خطب لداود فى شهر رجب سنة ثمان وعشرين وأربعماية؛ ماية سنة وإحدى وستين سنة وثمانية
(27/63)

أشهر وأياما. ومدتها بالعراق منذ خطب للسلطان طغرل بك ببغداد فى الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعماية، وإلى أن قطعت عند إخراج مسعود البلالى الشحنة من بغداد فى شهور سنة تسع وأربعين وخمسماية؛ ماية سنة وستين. فلنذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام.
ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام وحلب
[ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام]
وأول من ملك منهم السلطان تاج الدولة
تتش بن ألب أرسلان محمد بن جغربيك داود بن ميكائيل بن سلجق وهو أخو ملكشاه وكان السلطان ملكشاه قد أقطعه الشام وما يفتحه من تلك النواحى فى سنة سبعين وأربعماية، فجاء إلى حلب وحصرها ولحق أهلها مجاعة شديدة. وكان معه جماعة كثيرة من التركمان فأنفذ إليه الأقسيس «1» صاحب دمشق يستنجده على العساكر المصرية، لأنها كانت قد حاصريه بدمشق من قبل أمير الجيوش بدار الجمالى، فسار إلى نصرة الأقسيس. فلما سمع العسكر المصرى بقربه فارقوا البلد وعادوا إلى مصر، وخرج الأقسيس يلتقيه عند سور دمشق، فاغتاظ منه تتش كونه لم يتقدم فى تلقيه، وعاتبه، فاعتذر بأمور لم يقبلها منه، فقبض عليه تتش فى الوقت وقتله، وملك دمشق
(27/64)

وأحسن السيرة فى أهلها، وعدل فيهم، وذلك فى سنة إحدى وسبعين وأربعماية وقيل فى سنة اثنتين وسبعين.
وفى سنة أربع وسبعين افتتح تاج الدولة [تتش] انطرطوس بعض الحصون الساحلية وعاد إلى دمشق. وفى سنة تسع وسبعين وأربعماية كانت الحرب بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجقى صاحب الروم وانطاكية، فهزم عسكره وقتله على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار سليمان. وملك تتش مدينة حلب خلا القلعة، فكتب العتابى إلى السلطان ملكشاه يستدعيه، فوصل إليها وفارقها تتش كما قدمنا ذكره.
ذكر استيلائه على حمص وغيرها من ساحل الشام
كان تاج الدولة تتش قد توجه إلى أخيه السلطان ملكشاه إلى بغداد فى سنة أربع وثمانين، وجاء إليه أيضا زعماء الأطراف، فلما أذن لهم فى العود أمر [ملكشاه] اقسنقر صاحب حلب، وتوران صاحب الرها، أن يسيرا فى خدمة أخيه [تتش] بعساكرهما إلى أن يستولى على ما هو للمستنصر العلوى صاحب مصر بساحل الشام من البلاد؛ ويتوجها معه إلى مصر ليملكها.
فساروا فى سنة خمس وثمانين، ونزل [تتش] على حمص وحصرها وبها صاحبها ملاعب، وكان الضرر به وبأولاده عظيما على المسلمين، فحصروا البلد وضيقوا على من به وملكه تتش، وأخذ ملاعب وولديه.
(27/65)

ثم سار إلى قلعة عرقة، وهى بالقرب من طرابلس فملكها وملك أفامية، ثم نازل طرابلس وبها جلال الملك بن عمار، فراسل [ابن عمار] اقسنقر وحمل إليه ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها وعرض عليه المناشير التى بيده من السلطان بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، والتحذير من محاربته فقال اقسنقر لتتش: «أنا لا أقاتل من هذه المناشير بيده» ورجل من الغد، فرحل تاج الدولة وعاد بوزان إلى بلاده، والله أعلم.
ذكر ما تقوله فى طلب السلطنة
قال: لما بلغ تاج الدولة تتش قدوم أخيه السلطان ملك شاه إلى بغداد توجه من دمشق إلى خدمته،، فلما وصل إلى هيت «1» أتاه الخبر بموته، فاستولى على هيت وعاد إلى دمشق. فتجهز لطلب السلطنة، وجمع العساكر وأخرج الأموال وسار إلى حلب وبها قسيم الدوله اقسنقر، فصالحه قسيم الدولة وأتبعه لما علم من اختلاف أولاد صاحبه، وأرسل إلى ياغى سيان صاحب أنطاكية وإلى بوزان صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة، حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه، ففعلوا ذلك وصاروا معه وخطبوا له فى بلادهم.
وقصد تتش الرحبة فملكها فى المحرم سنة ست وثمانين وأربعماية،
(27/66)

ثم سار إلى نصيبين ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهب الأموال وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلى. وسار يريد الموصل، وأتاه الكافى بن فخر الدولة بن جهير وكان بجزيرة ابن عمر «1» فاستوزره، والتقى بإبراهيم ابن قريش بن بدران أمير بنى عقيل «2» فى شهر ربيع الأول.
وكان إبراهيم فى ثلاثين ألفا وتتش فى عشرة آلاف، فاقتتلوا فانهزم ابراهيم والعرب، ثم اخذ أسيرا وجماعة من العرب فقتلوا صبرا، ونهبت أموالهم وما معهم من الخيل والإبل والأغنام وغيرها وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من السبى والفضيحة، وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها على بن شرف الدولة مسلم وهو ابن صفية عمة تتش.
ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده الى الشام
قال: ثم سار تاج الدولة تتش فى شهر ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان، وسار منها إلى أذربيجان.
وانتهى خبره إلى ابن أخيه بركياروق وكان قد استولى على كثير من البلاد، فسار فى عسكره ليتبع عمه، فلما تقارب العسكران
(27/67)

اجتمع قسيم الدولة وبوزان وقالا: «نحن إنما أطعنا هذا حتى ننظر ما يكون من ابن صاحبنا وقد ظهر أمره» ففارقاه والتحقا ببركياروق فعاد تتش إلى الشام.
ذكر عود تتش الى البلاد وملكه همذان وغيرها
قال: ولما عاد إلى الشام أخذ فى جمع العساكر فكثرت جموعه وعظم جنده. فسار فى سنة سبع وثمانين وأربعماية عن دمشق نحو حلب لطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة اقسنقر وبوزان وأمدهما السلطان ركن الدولة بركياروق بالأمير كربوقا. فالتقوا بالقرب من تل السلطان «1» قريب حلب واقتتلوا واشتد القتال فانهزموا، وثبت قسيم الدولة فأخذ أسيرا وجىء به إلى تاج الدولة فقال له: «ما كنت تصنع بى لو ظفرت» قال: «كنت أقتلك» قال: «فأنا أحكم عليك بحكمك» فقتله صبرا. وسار نحو حلب، ودخلها وأسر بوقا وبوزان وتسلم الرها وحران. وسار إلى بلاد الجزيرة فملكها جميعها، وملك ديار بكر وخلاط. وسار إلى أذربيجان فملك جميع بلادها، ثم منها إلى همذان فملكها، واستوزر فخر الملك بن نظام الملك.
ذكر انهزام بركياروق منه
قال: ولما سار تتش إلى أذربيجان كان بركياروق بنصيبين فبلغه الخبر. فسار إلى قتاله ولم يكن معه غير ألف رجل، وعمه
(27/68)

فى خمسين ألفا. فجهز إليه عمه بعض الأمراء فكبسه وهزمه ونهب سواده، فسار إلى أصفهان على ما ذكرناه فى أخباره وخطب للسلطان تاج الدولة ببغداد.
ذكر قتل تاج الدولة تتش
قال: ولما هزم بركياروق سار من موضع الوقعة إلى همذان، ثم سار إلى الرى وكاتب الأمراء الذين بأصفهان يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم الأموال الكثيرة. وكان بركياروق مريضا بالجدرى، فأجابوه يعدونه أنهم ينحازون إليه، وهم ينتظرون ما يكون من صاحبهم. فلما عوفى بركياروق أرسلوا إلى تتش أنه ليس لك عندنا إلا السيف، وخرجوا له والتقوا بموضع قريب من الرى، وقد كثرت جموع بركياروق، فانهزم أصحاب تتش وثبت هو فى القلب فقتله أصحاب قسيم الدولة بثأر صاحبهم، والله أعلم.
ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش
قال: كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان. وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذى قتل فيه يأمره بالمسير إلى بغداد، وأن يقيم بدار المملكة. فسار فى عدد كثير منهم إيلغازى بن أرتق، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ابن مرداس وغيرهما. فلما قارب هيت جاءه الخبر بقتل أبيه، فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها، وكان بها أبو القاسم بن على
(27/69)

الخوارزمى قد سلمها تتش إليه، وحكّمه فيها وفى القلعة. ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن إيتكين، وكان مع تتش فسلم من المعركة. وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام فكانوا كلهم مع أبى القاسم كالأضياف لتحكمه فى البلد؛ فاستمال جناح الدولة المغاربة، وكانوا أكثر أجناد القلعة. فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان، واحتاطوا على أبى القاسم، وأرسل إليه الملك رضوان يطيب قلبه، فاعتذر فقبل عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، وكانت الخطبة قد دامت باسم أبيه بعد قتله نحو شهرين.
وسار جناح الدولة فى تدبير الدولة أحسن سيرة، وخالف عليهم الأمير ياغى سيان «1» بن محمد بن ألب التركمانى صاحب انطاكية ثم صالحهم، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها. فساروا جميعا وقدم عليهم من بالأطراف الذين كان تتش قد رتبهم فيها، وقصد واسروج، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق فأخذها ومنعهم منها، وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا من عساكره وما يفسدونه من غلاتهم، ويسألونه الرحيل. فرحل عنهم إلى الرها، وكان بها رجل يقال له الفارقليط- كان يضمن البلد من بوزان- فقاتل قتالا شديدا ثم ملكها. وطلب ياغى سيان القلعة من رضوان فوهبها له، فتسلمها وحصنها، فهرب رجالها وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم
(27/70)

البلد، فسمع ذلك قراجا فصلب ابن الفتى وغيره ممن اتمهم وجاء الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وياغى سيان وأضمر كل منهما لصاحبه الغدر، فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها، واجتمع بزوجته أم الملك رضوان. وسار رضوان وياغى إلى حلب، فسمع بدخول جناح الدولة إليها، ففارق ياغى سيان الملك رضوان وسار إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى ودخل رضوان حلب.
هذا ما كان من أمر رضوان، وأما الملك دقاق بن تتش، فإنه كان قد حضر المصاف مع أبيه، فلما قتل أبوه أخذه إيتكين الحلبى- وهو من غلمان أبيه- وسار به إلى حلب، فأقام عند أخيه الملك رضوان.
ثم راسله الأمير ساوتكين الخادم- متولى دمشق- سرا يدعوه ليملكه دمشق؛ فهرب من حلب. فأرسل أخوه رضوان فى طلبه عدة من الخدام فلم يدركوه، وسار حتى وصل إلى دمشق ففرح به ساوتكين الخادم وأظهر البشر لورده. فلما صار بدمشق أرسل إليه ياغى سيان يشير عليه أن ينفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان.
واتفق وصول معتمد الدولة طغتكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا من الوقعة وكان طغتكين قد أسر ثم خلص فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب الدولة وبالغوا فى تعظيمه وإكرامه. وكان طغتكين زوج والدة دقاق، فمال إليه لذلك ووثق به وحكمه فى بلاده. ثم اتفقا على قتل ساوتكين الخادم فقتلاه.
وسار إليه ياغى سيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمى فجعله وزيرا لدقاق، وحكمه فى دولته. فصارت دمشق لدقاق وحلب لرضوان.
(27/71)

ذكر الحرب بين الملكين رضوان وأخيه دقاق
وفى سنة تسعين وأربعماية سار الملك رضوان من حلب إلى دمشق يريد الاستيلاء عليها وانتزاعها من أخيه دقاق. فلما قاربها رأى حصانتها وامتناعها، فعلم عجزه عنها. فسار إلى نابلس وإلى القدس ليأخذه، فلم يمكنه ذلك وانقطعت العساكر عنه فعاد إلى حلب ومعه ياغى سيان صاحب انطاكية وجناح الدولة وكانا قد التحقا به.
ثم فارقه ياغى سيان وقصد دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب.
فجمع دقاق عساكره وسار ومعه ياغى سيان، فأرسل رضوان إلى سقمان بن ارتق وهو بسروج يستنجده، فأتاه فى خلق كثير من التركمان. فسار بهم رضوان نحو دقاق والتقيا بقنسرين «1» ، واقتتلا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم وأموالهم وعاد رضوان إلى حلب. ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق وأنطاكية قبل أخيه دقاق، وقيل كان ذلك فى سنة تسع وثمانين.
وفى سنة تسعين وأربعماية خطب الملك رضوان فى أكثر ولايته للمستعلى بأمر الله صاحب مصر. «2» وسبب ذلك أن جناح الدولة كان قد فارق رضوان لتغير رآه منه، وجاء إلى حمص وكانت له، فلما رأى ياغى سيان بعده عن رضوان صالحه،
(27/72)

وجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها وكان لرضوان منجم يقال له الحكيم أبو سعد يميل إليه، فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذهب العلويين. وأتته رسل المستعلى تدعوه إلى طاعته ويبذل له المال وإنفاذ الجيوش لأخذ دمشق، فخطب له بشيزر وجميع أعمال ولايته سوى أنطاكية، وقلعة حلب، والمعرة «1» ، وكانت الخطبة أربع جمع.
ثم حضر إليه سقمان بن أرتق وياغى سيان فأنكرا ذلك واستعظماه فأعاد الخطبة العباسية. وسار ياغى سيان إلى انطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها وملكوها فى سنة إحدى وتسعين وأربعماية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار المستعلى صاحب مصر.
ذكر ملك دقاق مدينة الرحبة
وفى شعبان سنة ست وتسعين وأربعماية ملك الملك دقاق مدينة الرحبة؛ وكانت بيد قايماز أحد مماليك السلطان ألب أرسلان، استولى عليها لما قتل كربوقا، فسار دقاق وطغتكين «2» أتابكه إليه وحصراه، ثم رحلا عنه. فاتفقت وفاته فى صفر من هذه السنة، وقام مقامه غلام تركى اسمه حسن، وخطب لنفسه وخاف من الملك دقاق، فاستظهر لنفسه وأخذ جماعة من أعيان
(27/73)

البلد وصادرهم وحبس آخرين، فسار دقاق إليه وحاصره، فسلم العامة البلد واعتصم هو بالقلعة فأمنه دقاق وسلمها له فتسلمها وأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام، وقرر الرحبة وجعل فيها من يحفظها وعاد إلى دمشق.
ذكر وفاة الملك دقاق وملك ولده ثم أخيه
كانت وفاته فى شهر رمضان سبع وتسعين وأربعماية. ولما توفى خطب أتابكه طغرتكين لولد له صغير عمره سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش «1» ابن تتش عم هذا الطفل فى ذى الحجة وله من العمر اثنتا «2» عشرة سنة. ثم أشار عليه طغرتكين بقصد الرحبة فخرج إليها وملكها، وعاد فمنعه من دخول البلد، فمضى إلى حصون له. وأعاد طغرتكين خطبة الطفل ولد دقاق، وقيل إن والدة بلتاش خوفته من طغرتكين وقالت له: إنه زوج أم دقاق، وهى لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولد ابنها، فخاف. ثم حسن له من [كان] «3» يحسد طغرتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج، والعود إلى دمشق وأخذها من طغرتكين.
فخرج من دمشق سرا فى سنة ثمان وتسعين وأربعماية مع صغر سنه، ولحقه الأمير إيتكين الحلبى وهو صاحب بصرى، فعاثا فى ناحية حوران ولحق بهما من كان يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الفرنج «4»
(27/74)

يستنجدانه، فأجابهما إلى ذلك. فسارا إليه واجتمعا به، وقررا معه القواعد، وأقاما عنده، فلم يريا منه إلا التحريض على الإفساد فى أعمال دمشق وتخريبها. فلما يئسا من نصرته فارقاه وتوجها فى البرية إلى الرحبة فملكها بلتاش «1» وعاد عنها، واستقام أمر طغرتكين بدمشق، واستبد بالأمر وأحسن إلى الناس ونشر فيهم العدل.
هذا ما كان من أمر ملوك دمشق ثم انتقل مكلها إلى طغرتكين وأولاده من بعده على ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لملوك حلب السلجقية ومن ملكها بعدهم إلى أن ملكها أتابك زنكى بن اقسنقر.
ذكر أخبار ملوك حلب
قد قدمنا أن حلب كانت بيد الملك رضوان بن تتش، فلم تزل بيده إلى أن توفى فى سنة سبع وخمسماية. وكانت أموره غير مشكورة فإنه قتل (أخويه) «2» أبا طالب وبهران وكان يستعين فى كثير من أموره بالباطنية لقلة تدبيره. فلما مات ملك بعده ابنه تاج الملوك ألب أرسلان الأخرس، وعمره ست عشرة سنة. ولم يكن أخرس، وإنما كان فى لسانه حبسه وتمتمة وأمه بنت ياغى سيان الذى كان صاحب أنطاكية.
قال: ولما ملك تاج الملوك سلك سنة أبيه فى قتل إخوته فقتل
(27/75)

أخوين له وهما شقيقه ملكشاه، ومبارك لأبيه، واستولى على أمور دولته لؤلؤ الخادم، فلم يكن لتاج الملوك معه فى السلطنة غير اسمها، ومعناها للؤلؤ. ولم تطل مدته فى الملك، فإن غلمانه قتلوه فى سنة ثمان وخمسماية، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، فكان مع لؤلؤ كعادة أخيه. فلما كان فى سنة إحدى عشرة وخمسماية- وقيل سنة عشر- قتل لؤلؤ المستولى على الأمر. وكان سبب قتله أنه أراد قتل سلطان شاه كما فعل بأخيه، ففطن غلمان سلطان شاه لذلك، فبادروه بالقتل. وولى أتابكة سلطان شاه بعده شمس الخواص يارقتاش، فبقى شهرا وعزلوه، وولى بعده أبو المعالى بن الملحى الدمشقى ثم عزلوه وصادروه. فخاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق وانقرضت الدولة السلجقية من حلب، والله أعلم.
ذكر أخبار من ملك حلب بعد انقراض الدولة السلجقية منها
ملكها الأمير نجم الدين إيلغازى بن أرتق باتفاق أهلها فى سنة إحدى عشرة وخمسماية، فتسلمها. وكان له مع الفرنج وقائع كثيرة وحروب يطول شرحها. واستناب بحلب ولده سليمان، فخالفه وعصى عليه. فى سنة خمس عشرة وخمسماية وكان عمره إذ ذاك عشر سنين، فبلغ والده الخبر، فسار مجدا فلم يشعر إلا وقد هجم البلد وقبض على من كان حسن لابنه العصيان، وقتلهم. وكان منهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، كان إيلغازى قد قدمه على أهل حلب وجعل إليه الرئاسة فجازاه بذلك،
(27/76)

فقطع يديه ورجليه وسمله [فمات] «1» . وأراد قتل ولده فمنعته رقة الوالد، واستناب بحلب سليمان شاه ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق، ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين؛ فلم تزل حلب بيده، إلى أن توفى فى سنة ست عشرة وخمسماية بميافارقين. وبقى سليمان بحلب إلى أن استولى عليها، ابن عمه بلك بن بهرام بن أرتق؛ وبقيت بيد بلك إلى أن قتل فى سنة ثمان عشرة وخمسماية وهو يحاصر منبج «2» ، وكان قد قبض على صاحبها حسان البعلبكى، وملك المدينة وحاصر القلعة، فأتاه سهم فقتله وكان حسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى مع عمه بلك، فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب، فتسلمها فى العشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة، واستولى عليها، وجعل فيها نائبا يثق به، وعاد إلى ماردين. وكان يحب الدعة والرفاهية، فلما عاد إلى ماردين ملك حلب اقسنقر البرسقى صاحب الموصل بمكاتبة من أهلها، لأن الفرنج كانوا حاصروهم وضيقوا عليهم، فكتبوا إليه يستنجدونه، فحضر بعساكره، فرحل الفرنج عنها، وملكها فى ذى الحجة سنة ثمانى عشرة، فكانت بيده إلى أن قتل فى سنة عشرين وخمسماية على يد الباطنية.
وملك بعده ابنه عز الدين مسعود إلى أن توفى فى سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فبقيت بيد نائبه قومان، ثم استناب بعده بها قتلغ، فوصل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسماية، فظهر منه بعد
(27/77)

أيام جور عظيم وظلم شديد، ومديده إلى أموال الناس. وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق- الذى كان صاحبها قديما- فأطاعه أهلها، وقبضوا على أصحاب قتلغ الذين بالمدينة فى شوال من السنة، وحاصروه فى القلعة. فسمع الفرنج بذلك فتقدموا إلى المدينة، فصولحوا بمال حتى رحلوا عنها. وداموا على حصار قتلغ بالقلعة إلى منتصف ذى الحجة، ثم ملكها عماد الدين زنكى بن اقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الأتابكية. هذا ما كان من أمر حلب، فلنذكر أخبار دمشق.
ذكر أخبار من ملك دمشق بعد انقراض السلجقية منها الى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى
أول من ملكها معتمد الدولة ظهير الدين طغرتكين، وقيل فيه طغركين وطغدكين. استولى على دمشق كما قدمناه فى سنة سبع وتسعين وأربعماية، واستقل بالأمر منذ فارقها الملك بلتاش بن تتش وكان لطغرتكين مع الفرنج وقائع كثيرة فى سنين عديدة يطول شرحها، أضربنا عن ذكرها لأنها لم تسفر عن فتح بلد ولا أسر ملك وملك طغرتكين بصرى فى سنة تسع وتسعين وأربعماية، وكانت بيد إيتكين الحلبى، فلما صار مع السلطان الملك بلتاش كما ذكرنا سلمها أهلها لطغرتكين، فتسلمها وأحسن إليهم، واستمر فى ملك دمشق إلى سنة اثنتين وعشرين وخمساية، فتوفى فى ثامن عشر صفر منها، وكان عاقلا خيرا، كثير الغزو والجهاد للفرنج، حسن
(27/78)

السيرة فى رعيته، مؤثرا للعدل فيهم. ولما توفى ملك بعده ابنه والله أعلم.
ذكر أخبار تاج الملوك بورى بن أتابك طغرتكين
ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى ثامن عشر صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسماية بوصية من أبيه له بالملك. وكان أكبر أولاده، فلما ملك أقر وزير والده- وهو أبو على طاهر بن سعيد المزدغانى- على وزارته.
ذكر أخبار الاسماعيلية وقتل الوزير المزدغانى
كان بهرام مقدم الإسماعيلية قد هرب قديما من بغداد إلى الشام بعد قتل أخيه إبراهيم الإسدابادى، وملك قلعة بانياس، وجعل خليفته بها يدعو الناس إلى مذهبه، فكثروا وانتشروا؛ وملك عدة حصون منها القدموس وغيره، وهى الآن تعرف بقلاع الإسماعيلية، من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية.
وكان بوادى (التيم) من أعمال بعلبك أرباب مذاهب مختلفة منهم النصيرية الدرزية والمجوس وغيرهم، وأميرهم اسمه الضحاك، فسار إليهم بهرام فى سنة اثنتين وعشرين وخمسماية وقاتلهم، فخرج إليه الضحاك فى ألف رجل، وكبس عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل بهرام فيمن قتل، وانهزم من بقى وأتوا بانياس على أقبح صورة. وكان بهرام قد استخلف على بانياس رجلا من
(27/79)

أعيان أصحابه اسمه إسمعيل، فقام مقامه، وجمع شمل من سلم من أصحابه، وبث دعاته فى البلاد، وساعده الوزير المزدغانى وعاضده وأقام المزدغانى بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفا، فقوى أمره على شأنه، وكثر أتباعه حتى صار هو المستولى على دمشق، وحكم أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدغانى راسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر بينهم على ذلك، وتقرر الميعاد فى يوم جمعة عينوه، وقرر المزدغانى مع الإسماعيلية أن يحتاطوا على أبواب الجامع فى ذلك اليوم، فلا يمكنوا أحدا من الخروج منه، لتجيىء الفرنج ويملكوا البلد.
فاتصل الخبر بتاج الملوك. فاستدعى الوزير المزدغانى فحضر إليه فلما خلا به قتله وعلق رأسه على باب القلعة، ونادى فى [الناس] «1» بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف؛ وذلك فى منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسماية. فخاف إسماعيل متولى بانياس عند ذلك من الناس أن يثوروا به وبأصحابه، فسلم بانياس إلى الفرنج، وانتقل إليهم هو ومن معه، فلقوا شدة عظيمة وهوانا ومات إسمعيل فى أوائل سنة أربع وعشرين وخمسماية.
ذكر حصار الفرنج دمشق وانهزامهم
قال: ولما بلغ الفرنج ما كان من قتل المزدغانى عظمت المصيبة عليهم، واجتمعوا بجملتهم، صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب
(27/80)

طرابلس وغيرهم من ملوك الفرنج وقمامصتهم ومن وصل إليهم فى البحر فكانوا فى ألفى فارس. وأما الراجل فلا يحصى كثرة، وساروا إلى دمشق لمحاصرتها، فبلغ ذلك تاج الملوك، فجمع العرب والتركمان فاجتمع معه ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج إلى دمشق فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين فنازلوها، وأرسلوا سراياهم إلى أعمالها لجمع الميرة والإغارة. فبلغ تاج الملوك أنهم ساروا إلى حوران، فسير أميرا من أمرائه اسمه شمس الخواص فى جمع من المسلمين، فلقوا الفرنج وقاتلوهم قتالا شديدا، كان الظفر للمسلمين وقتل الفرنج فلم يفلت منهم غير مقدمهم فى أربعين رجلا، وأخذوا [أخذ المسلمون] ما معهم وكان عشرة آلاف دابة موقرة، وثلثماية أسير، وعادوا إلى دمشق بالظفر والغنيمة. فألقى الله الرعب فى قلوب الفرنج فرحلوا شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وغيره، وتبعهم المسلمون يقتلون من تخلف منهم. وكان نزولهم ورحيلهم فى ذى الحجة. وفى سنة أربع وعشرين استوزر تاج الملوك الرئيس أبا الدوّاد المفرج بن الحسن بن الصوفى.
وفى سنة خمس وعشرين وخمسماية ثار الباطنية بتاج الملوك. فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وبقى الآخر، فاشتد عليه فى شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسماية فأضعفه وأسقط قوته فمات، فى الحادى والعشرين من الشهر.
وكانت مدة إمارته أربع سنين وخمسة أشهر وأياما، وكان كثير الجهاد مقداما فأقام فى حروبه مقام أبيه وفاق عليه ولما مات قام بعده ولده إسمعيل بوصية منه.
(27/81)

ذكر أخبار شمس الملوك اسماعيل ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين
ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى الحادى والعشرين من شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسماية. وكان والده قد أوصى له بالملك ولولده الآخر شمس الدولة محمد بمدينة بعلبك وأعمالها. فنفذت وصيته وقام بتدبير الأمر بين يدى شمس الملوك الحاجب فيروز شحنة دمشق- وهو صاحب أبيه- واعتمد عليه، وابتدأ أمره بالرفق بالرعية، والإحسان إليهم.
قال: وبلغ شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة صاحب بعلبك استولى على حصنى اللبوة والراس واستمال من بهما وتسلمهما، وجعل فيهما من الجند من يحفظهما. فراسله فى ذلك وتلطف معه وقبح عليه فعله، وطلب إعادتهما إليه، فامتنع. فتجهز بعساكره فى آخر ذى الحجة من السنة وقصد جهة الشمال، ثم عطف مغربا، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم، وزحف لوقته فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ولا غيره، فراسلوه فى طلب الأمان، فأمنهم وتسلم الحصن من يومه. وسار إلى حصن الراس وفعل به كذلك، وتسلمه وجعل فيهما من يحفظهما. ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وبها شمس الدولة وقد استعد، فوالى الزحف حتى ملك البلد بعد قتال شديد. وتحصن شمس الدولة فنازله فراسله فى طلب الأمان وأن يقره على ما أوصى له به والده، فأجابه إلى ذلك وعاد إلى دمشق.
(27/82)

ذكر ملكه قلعة بانياس
وفى سنة سبع وعشرين وخمسماية ملك شمس الملوك قلعة بانياس من الفرنج. وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه. وكانت قد تقررت بينهم هدنة، فقصدوا نقضها، ومدوا أيديهم إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت، فشكا «1» التجار ذلك إلى شمس الملوك، فراسل الفرنج فى إعادة ما أخذوه، فلم يردوا شيئا. فجمع العساكر وتأهب ولم يعلم أحدا بمقصده.
ثم سار فى آخر المحرم من السنة ونزل على بانياس فى صفر.
وزحف زحفا متتابعا. وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه، وتبعه الناس فوصلوا إلى السور ونقبوه، ودخلوا البلد عنوة، والتجأ من كان فيه من جند الفرنج إلى الحصن، فقتل كثير من الفرنج بالبلد وقاتل من بالقلعة قتالا شديدا، ثم ملك القلعة بالأمان فى رابع صفر وعاد إلى دمشق.
ذكر ملكه مدينة حماة
وفى شوال سنة سبع وعشرين وخمسماية ملك شمس الملوك مدينة حماة وهى لأتابك زنكى بن اقسنقر،. وذلك أنه لما ملك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر رمضان، وسار إلى حماة فى العشر الأخر منه. وكان قد بلغه أن الخليفة
(27/83)

المسترشد بالله قد حضر إلى الموصل، فطمع فى البلاد لتغير الخليفة على زنكى، فحصر حماة وقاتل من بها يوم العيد، وملك البلد فى اليوم الثانى قهرا، وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة، واستولى عليها وعلى ما بها من الذخائر، وسار منها إلى قلعة شيزر، وبها صاحبها ابن منقذ، فحصرها ونهب بلدها. فراسله صاحبها وسار معه بمال، فعاد إلى دمشق فى ذى القعدة من السنة.
وفى تاسع شهر ربيع الآخر وثب على شمس الملوك بعض مماليك جده طغرتكين، فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئا، وتكاثر عليه مماليك شمس الدولة فمسكوه، فقرره ما الذى حمله على ما فعل، فقال: «أردت راحة المسلمين من شرك وظلمك» فلم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك، فقتلهم من غير تحقيق، وقتل أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس، ونفروا عنه وأنفوه.
ذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية سار إلى شقيف تيرون «1» وهو فى الجبل المطل على بيروت وصيدا، وكان فى يد الضحاك بن جندل رئيس وادى التيم قد تغلب عليه وامتنع به واحتمى على المسلمين والفرنج. فسار إليه [شمس الملوك] وملكه فى المحرم من هذه السنة؛ فعظم أخذه على الفرنج، لأن الضحاك كان لا يتعرض إلى شىء من بلادهم المجاورة له، فجمع الفرنج جموعهم فساروا إلى بلد حوران
(27/84)

يخربون أمهات الضياع. فسار إليهم [شمس الملوك] ونزل بإزائهم وجرت بينهم مناوشة عدة أيام، ثم نهض ببعض عسكره وجعل بقيتهم قبالة الفرنج. وسار وقصد بلاد طبرية والناصرة وعكا وما جاورها من البلاد، والفرنج لا يشعرون به، فقتل وخرب وأحرق وسبى وامتلات أيدى المسلمين من الغنائم، فبلغ الفرنج خبره، فرجعوا إلى بلادهم، وعاد هو على غير الطريق الذى سلكه، فوصل سالما وراسله الفرنج فى تجديد الهدنة.
ذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه شهاب الدين محمود
وفى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسماية، قتل شمس الملوك إسمعيل. وسبب ذلك أنه كان قد ركب طريقا شنيعا من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم من أهل البلد وأعيانه، وبالغ فى العقوبات، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس. ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكى ليسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول، وأخلى المدينة من الذخائر والأموال، ونقل ذلك إلى صرخد وتابع الرسل إلى زنكى يحثه على الوصول ويقول: إن أهملت المجىء سلمت البلد إلى الفرنج. فامتغص أصحاب أبيه وجده منه، وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر. ثم ارتقب غفلة غلمانه وأمرت غلمانها بقتله فقتلوه. وأمرت بإلقائه فى موضع من الدار ليشاهده غلمانه، فلما رأوه سروا بمقتله.
وأمه زمود خاتون ابنة جاولى، وهى التى بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادى الشقراء، ونهر بردى. هذا أحد ما قيل فى قتله.
(27/85)

وقيل كان سبب مقتله أن والده كان له صاحب اسمه يوسف بن فيروز، وكان متمكنا منه حاكما فى دولته ثم فى دولة ولده هذا، فاتهم بأم شمس الملوك. وبلغه الخبر فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر، وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك. وأراد [شمس الملوك] ، قتل أمه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا على نفسها، والله أعلم.
وكان مولده فى سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسماية، فتكون مدة حياته اثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، ومدة ملكه سنتين وتسعة أشهر وأياما.
ذكر أخبار شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين
ملك دمشق بعد مقتل أخيه شمس الملوك فى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسماية. وحلف له الناس واستقر له الأمر ثم وصل أتابك زنكى إلى دمشق ونازلها فى أول جمادى الأولى من السنة، فبينما هو يحاصر [دمشق] إذ ورد عليه رسول الخليفة المسترشد بالله بالخلع ويأمره بصلح صاحب دمشق والرحيل عنها، فصالحه، وخطب له بدمشق مع صاحبها، وفارق البلد لليلتين بقيتا من الشهر.
ذكر ملكه مدينة حمص
وفى الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسماية، تسلم شهاب الدين محمود مدينة حمس وقلعتها. وذلك أن أصحابها
(27/86)

أولاد الأمير خرخان بن قراجا «1» الوالى عليها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عسكر زنكى إليها وإلى أعمالها، وتضييقهم على من بها، فراسلوا شهاب الدين فى تسليمها، فأجابهم، وسار إليها وتسلمها، وسلم إليهم تدمر، وأقطع حمص لمملوك جده معين الدين أنر «2» وجعل فيها نائبا عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه، وعاد إلى دمشق ثم ملكها أتابك زنكى فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية، وتزوج زمرد خاتون والدة شهاب الدين لتحكمها بدمشق، وظن أنه تملك البلد باتصاله بها، فلم يتهيأ له ملكها.
قال: واستمر ملك شهاب الدين محمود إلى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية، فقتل على فراشه فى شوال منها، قتله ثلاثة من خواصه كانوا يبيتون عنده فقتلوه ليلا، وخرجوا من القلعة فنجا أحدهما وقتل الاخران.
ذكر ملك جمال الدين محمد ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين
ملك دمشق بعد مقتل أخيه شهاب الدين محمود فى شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية. وذلك أن محمود لما قتل، كتب معين الدين أنر إلى جمال الدين صاحب بعلبك بالخبر، واستدعاه ليملكه
(27/87)

البلد، فجاء مسرعا وجلس لعزاء أخيه، وخلف الجند وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنر، وزاده فى علو مرتبته، وأقطعه بعلبك، وزوجه بأمه.
قال: ولما اتصل بزمرد خاتون قتل ابنها محمود كتبت إلى زوجها أتابك زنكى وهو بالجزيرة أن ينهض فى طلب ثار ابنها، فسار مسرعا وملك بعلبك عنوة فى ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين، وحصر دمشق فى سنة أربع وثلاثين، وبذل لمعين الدين حمص وبعلبك وغير ذلك على أن يسلم إليه دمشق فلم يوافق، فجد فى الحصار.
فبينما هو يحاصرها مرض جمال الدين محمد ومات فى ثامن شعبان منها، فطمع زنكى حينئذ فى البلد ووالى الزحف والقتال. قال:
ولما مات جمال الدين ولى بعده ولده.
ذكر أخبار مجير الدين ابق ابن جمال الدين محمد بن بورى ابن طغرتكين
ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسماية، وهى إذ ذاك محاصرة، فقام بتدبير دولته معين الدين مدبر دولة أبيه. وداوم زنكى الحصار وضيق على أهل البلد، فعند ذلك راسل أنر الفرنج واستدعاهم لنصرته، وإعانته على حرب زنكى. وبذل لهم بذولا من جملتها أن يحاصر بانياس ويسلمها إليهم. وخوفهم أن زنكى إن ملك دمشق قصدهم وغزاهم. فاجتمعوا وعزموا على المسير إلى دمشق، فاتصل ذلك بزنكى فتوجه إلى حوران
(27/88)

وقصد غزو الفرنج وذلك فى منتصف شهر رمضان. فبلغ خبره الفرنج فأقاموا ببلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ثم نزل بعذرا «1» فى سادس شوال، وأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة، وعاد إلى بلاده.
ووصل الفرنج إلى دمشق فى ميعاد أنر، بعد رحيل زنكى فسار معهم إلى بانياس وحصرها وأخذها وسلمها للفرنج. ولما فعل ذلك عاد زنكى لمحاصرة دمشق فقاتله أهلها، فرحل عنهم. ثم اتفق قتل عماد الدين زنكى فى سنة إحدى وأربعين وخمسماية، فسار مجير الدين ابق إلى بعلبك وحصرها وبها نجم الدين أيوب، فخاف أن أولاد زنكى لا يمكنهم إنجاده فى عاجل الحال، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعا ومالا، وملكه عدة قرى من بلد دمشق.
وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق وسكنها، وأقام بها، واستمرت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى فى سنة تسع وأربعين وخمسماية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ولما ملكها [نور الدين] تحصن مجير الدين بالقلعة، فراسله فى تسليمها وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم القلعة وتسلم الإقطاع، وسار إلى حمص. ثم راسل أهل دمشق بعد ذلك على أن يسلموها إليه. فعلم نور الدين به،
(27/89)

وأخذ منه حمص وعوضه عنها بالس «1» فلم يرض بها، وسار إلى بغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية. وتوفى بها.
هذا ما كان من أخبار ملوك دمشق على سبيل الاختصار، وإنما أوردنا أخبارهم فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، ولئن تكون أخبارهم متتابعة. فلنرجع إلى أخبار الملوك السلجقية، ولنذكر ملوك الروم منهم.
ذكر أخبار الملوك السلجقية أصحاب قوينة واقتصرا «2» وملطية ودقوقا من الروم
أول من ملك منهم شهاب الدولة قتلمش بن أرسلان بيغو ابن سلجق.
وكان ابتداء أمره أنه عصى على السلطان طغرل بك فى سنة ثلاث وخمسين وأربعماية، وملك قلعة كردكوه وامتنع بها، وأخذ أموالا كانت حملت من خوارزم إلى السلطان.
فسير إليه طغرلبك جيشا فهزمه مرة بعد اخرى. فلما مات طغرلبك أظهر [شهاب الدين قتلمش] العصيان على ألب أرسلان ابن جغربيك «3» داود، وجمع جموعا كثيرة، وقصد الرى ليستولى عليها عند ما بلغه وفاه طغرلبك، فسار إليه السلطان ألب أرسلان والتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر قتلمش، وفر هو لقصد كردكوه.
(27/90)

فوجد ميتا غير مقتول، كما ذكرنا ذلك فى أخبار ألب أرسلان فى سنة ست وخمسين وأربعماية ولما مات ملك بعده ابنه سليمان.
ذكر أخبار الملك سليمان ابن شهاب الدولة قتلمش وهو الثانى من الملوك السلجقية بالروم،
ملك ما كان بيد أبيه بعد وفاته فى سنة ست وخمسين وأربعمائة.
ذكر فتح مدينة أنطاكية
وفى سنة سبع وسبعين وأربعماية سار سليمان من بلاده، وقصد الشام وملك مدينة انطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثماية. وكان سبب ملكه إياها أن صاحبها الفزدرؤس الرومى «1» كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب فى انطاكية شحنة وكان الفزدرؤس كثير الإساءة إلى أهل البلد وإلى جنده، حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه فركب فى البحر ومعه ثلثماية فرس وكثير من الرجالة، وخرج منه وسار فى جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها فى وقت الموعد، فنصب السلاليم وصعد باتفاق من الشحنة وابن صاحبها، فملكها فى شعبان من السنة. وقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى، وقتل كثيرا منهم، ثم عفا
(27/91)

عنهم، وتسلم القلعة وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة، وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بالفتح فأظهر الفرح بذلك وهنأ الناس.
قال: ولما فتحها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب حلب يطلب منه حمل ما كان صاحب انطاكية يحمله إليه، ويخوفه معصية السلطان. فأجابه أن صاحب انطاكية كان كافرا يحمل الجزية عن رأسه وأصحابه، وأنا مسلم والخطبة والسكة فى بلادى للسلطان، وهذا الفتح إنما فتحته بسعادته وكاتبته به. فنهب شرف الدولة بلد انطاكية، ونهب سليمان بلد حلب، فلقيه أهل السواد، فشكوا إليه من نهب عسكره. فقال لهم: «أنا كنت أشد كراهة لما جرى، ولكن صاحبكم أحوجنى إلى ما فعلت، فلم تجر عادتى بنهب مال مسلم. ولا أخذ ما حرمته الشريعة» وأمر أصحابه بإعادة ما نهب على أصحابه، فأعادوه. ثم جمع شرف الدولة الجموع وسار لقتال سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل هو؛ وذلك فى يوم الجمعة لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعماية.
ذكر قتل الملك سليمان قتلمش
قال: ولما قتل سليمان بن شرف الدولة، أرسل إلى مقدم حلب يطلب تسليمها له، فأنفذ إليه مالا، واستهمله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه. وأرسل المقدم إلى تتش صاحب دمشق يعده بتسليمها إليه، فسار تتش إلى حلب. فعلم سليمان بذلك،
(27/92)

فسار نحوه والتقوا وقاتلوا، فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو فى القلب. فلما عاين الهلكة. قتل نفسه بسكين، وقيل بل قتل فى المعركة، واستولى تتش على معسكره، وذلك فى سنة تسع وسبعين وأربعماية. وكان سليمان قد أرسل جثة شرف الدولة مسلم فى صفر سنة ثمان وسبعين على بغل، ملفوفة فى إزار إلى حلب، وطلب من أهلها تسليمها إليه، فأرسل تتش جثة سليمان فى صفر من السنة التى تليها على تلك الهيئة، وطلب منهم تسليمها. ولما قتل ملك بعده ببلاد الروم ولده والله أعلم.
ذكر أخبار قلج أرسلان بن سليمان وهو الثالث من الملوك السلجقية بالروم.
ملك بعد قتل أبيه فى صفر سنة تسع وسبعين وأربعماية، واستمر فى المملكة الرومية وملك الموصل فى سنة خمسماية. وذلك أن صاحبها جكزمش كان قد حاصره جاولى سقاووا «1» ، وأسره ومات فى أسره. فكتب أصحاب جكرمش إلى الأمير صدقة، وإلى قسيم الدولة اقسنقر البرسقى، وإلى قلج أرسلان، يستدعون كل واحد منهم إليها، ليسلموا إليه الموصل، فامتنع صدقة، وسار قلج أرسلان. فلما وصل إلى نصيبين رحل جاولى عن الموصل، واتفق وصول البرسقى وهو شحنة بغداد إلى الموصل، ونزل بالجانب الشرقى بعد رحيل جاولى وفى ظنه أنه يملك البلد، فلم يخرج إليه
(27/93)

أحد من أهلها ولا راسلوه بكلمة واحدة، فعاد فى بقية يومه. وأرسل أصحاب جكرمش وأهل الموصل إلى قلج أرسلان واستحلفوه لهم، فحلف، وحلفهم على الطاعة له والمناصحة، وسار إلى الموصل وملكها لخمس بقين من شهر رجب سنة خمسماية، وأسقط خطبة السلطان وخطب لنفسه بعد الخليفة، وأحسن إلى العسكر وخلع على ولد جكرمش وأخذ القلعه، من غزغلى «1» مملوك جكرمش وجعل عليها دزدارا، ودفع الرسوم المحدثة فى الظلم، ونشر العدل وتألف الناس، وقال: «من سعى إلى بأحد قتلته» فلم يسع إليه أحد بأحد.
ذكر قتل الملك قلج أرسلان وملك ولده الملك مسعود
كان مقتله فى العشرين من ذى القعدة من سنة خمسماية.
وذلك أنه لما فارق جاولى الموصل سار إلى الرحبة وملكها بعد حصار وقتال، فلما أحكم الملك قلج أمر الموصل، سار عنها لقتال جاولى، وجعل ابنه ملكشاه فى دار الإمارة بالموصل، وسنّه إحدى عشرة «2» سنة، وجعل معه أميرا يدبره وجماعة من العسكر. وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدد الكاملة والخيل الجيدة. فسمع عسكره بقوة جاولى وكثرة أتباعه وجنده، فاختلفوا، فكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال صاحب آمد «3» ، وكان معه لما فتح
(27/94)

الموصل. ففارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور «1» إلى بلده ثم فارقه غيره. فعمل قلج فى المطاولة لما بلغه من قوة جاولى وكثر جموعه، وأرسل فى طلب عساكره من الروم. وكان فى جملة عسكر جاولى الملك رضوان صاحب حلب، فاغتنم جاولى قلة أصحاب قلج فقاتله قبل وصول عسكره، واقتتلوا قتالا شديدا، فحمل قلج بنفسه وانهزم أصحابه. فلما رأى قلج انهزم عسكره ألقى نفسه فى الخابور، وحمى نفسه بالنشاب، فانحدر به الفرس إلى ماء عميق، وغرق، فظهر بعد أيام، فدفن بالسليمانية وهى قرية من قرى الخابور. وسار جاولى ودخل الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج إلى السلطان محمد.
قال: وملك بعده ولده الملك مسعود بن قلج، [وهو الرابع من الملوك السلجقية ببلاد الروم.]
وأقام فى الملك إلى سنة إحدى وخمسين وخمسماية، فتوفى فيها. ولم أقف من أخباره على شىء أورده له، وملك بعده ولده.
ذكر أخبار الملك عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج ارسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو الخامس من الملوك السلجقية ببلاد الروم.
ملك بعد وفاة والده فى سنة إحدى وخمسين وخمسماية.
وكان ذا سياسة، وعدل وافر، وهيبة عظيمة، وله غزوات كثيرة إلى بلاد الروم. وكان له من بلاد الروم قونية وأعمالها واقصرا وسيواس
(27/95)

وملطية وغير ذلك. وكان له عدة أولاد، فلما كبرت سنه فرق بلاده على أولاده فى حياته، وملك نحو تسع «1» وعشرين سنة.
ذكر تسليمه البلاد لبنيه وبنى أخيه وما جعل لكل منهم
قال المؤرخ: لما ضعف الملك عز الدين قلج أرسلان هذا عن القيام بوظائف الملك لكبر سنه، أفرد البلاد لأولاده وأولاد أخيه وسلم لكل واحد منهم جهة، فسلم إلى ابنه ركن الدين سليمان دوقاط، وإلى ابنه غياث الدين كيخسرو قونية، ولولده محى الدين أنقره- وتسمى أنكورية- ولولده معز الدين قيصر شاه ملطية، ولولده مغيث الدين طغرل شاه أبلستين، ولولده نور الدين محمود قيسارية، ولولده قطب الدين سيواس وأقصرا، ولولد أخيه نكسار، ولولد أخيه أماسيا. هذه أمهات البلاد، ويضاف إلى كل جهة ما تجاورها. ثم ندم على ذلك وأراد أن يجمع جميع المملكة لولده الأكبر قطب الدين، وخطب له ابنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب مصر ليتقوى به، فلما اتصل ذلك ببقية أولاده امتنعوا من طاعته، وأزالوا حكمه عنهم، فكان يتردد بينهم على سبيل الزيارة، ثم توجه إلى ولده غياث الدين [كيخسرو] «2» صاحب قونية. فخرج إليه وقبل الأرض بين يديه واستبشر بقدومه.
واتمر بأمره. فقال له: «أريد أن أسير إلى ولدى محمود صاحب
(27/96)

قيسارية، وآخذها منه» فسار هو وولده كيخسرو، وحصرا محمود، فمرض قلج أرسلان، وتوفى فى منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسماية فعاد كيخسرو إلى بلده، واستقر كل واحد منهم على ما بيده من البلاد.
ذكر قتل نور الدين محمود واستيلاء قطب الدين على قيسارية ووفاته واستيلاء ركن الدين سليمان على سائر المملكة
قال: كان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا توجه من أحدهما إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية، ويجتمع بأخيه نور الدين محمود صاحبها، ويظهر له المودة. فاطمأن له محمود.
وكان الأمير اختيار الدين حسن أحد أمراء والده يحذره عاقبة طمأنينته لأخيه، فنزل قطب الدين فى بعض الأحيان بظاهر قيسارية وجاء نور الدين إليه فقتله، ورمى برأسه إلى أصحابه، وتسلم البلد بعد أن امتنع من بها عليه، ثم قتل الأمير اختيار الدين حسن وكان من أكابر الأمراء الديانين، وألقاه فى الطريق، فجاء كلب ليأكل من لحمه، فثار الناس وقالوا: «لا سمعا ولا طاعة هذا أمير كبير فى الإسلام، وبنى مدرسة للعلم، وله صدقات دارة، ولا نتركه نأكله الكلاب» فأمر عند ذلك بدفنه، فدفن فى مدرسته. ثم مرض قطب الدين ومات، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى سيواس، وهى تجاوره، فملكها ثم ملك قيسارية أقصرا.
(27/97)

ثم سار بعد ذلك إلى قونية، وبها أخوه غياث الدين فحصره بها.
وملكها، ففارقها غياث الدين إلى الشام. ثم عاد إلى الروم وسار إلى القسطنطينية، ثم ملك البلاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وسار ركن الدين بعد ذلك إلى نكسار وأماسيا فملكها من ابنى عمه، وملك ملطية فى شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسماية، وفارقها أخوه معز الدين قيصر شاه، وسار إلى الملك العادل أبى بكر» وكان زوّجه ابنته. فاجتمع لركن الدين سليمان ملك جميع البلاد التى كانت بيد إخوته وأولاد عمه إلا أنقره، فإنها امتنعت عليه لحصانتها، فجعل عليها من عسكره من يحصرها، فحوصرت ثلاث سنين كوامل وتسلمها فى سنة ستماية، وعوض أخاه محى الدين عنها قلعة فى أطراف بلاده، وحلف له عليها، فسار محى الدين إليها فجهز فى إثره من قتله.
ذكر وفاة ركن الدين سليمان وملك ولده قلج أرسلان
قال: ولما غدر بأخيه محى الدين صاحب أنكورية وقتله، لم يمهله الله عز وجل، فمرض بالقولنج، بعد قتله لخمسة أيام، ومات فى سبعة أيام، وكانت وفاته فى سادس ذى القعدة سنة ستماية.
وكان قيما بأمر الملك، شديدا على الأعداء، إلا أن الناس كانوا ينسبونه إلى فساد فى اعتقاده، وأنه يقول بقول الفلاسفة.
وكان كل من رمى بهذا المذهب يأوى إليه، لكنه كان يستر ذلك عن الناس، ولا يتظاهر به.
(27/98)

قال: ولما مات اجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان، وملكوه عليهم وكان صغير السن، فبقى إلى بعض سنة إحدى وستماية.
ذكر ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قلتمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، بلاد الروم من ابن أخيه، وهو الثانى من ملوك السلجقية بالروم
ملك المملكة الرومية فى شهر رجب، سنة إحدى وستماية. وذلك أن ركن الدين سليمان لما أخذ منه قونية، كما قدمناه، قصد الشام إلى الملك الظاهر غازى بن صلاح الدين صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولا، فسار من عنده وتنقل فى البلاد إلى أن سار إلى القسطنطينية،، فأحسن إليه ملك الروم وأكرمه وأقطعه إقطاعا، فأقام عنده وتزوج بابنة بعض البطارقة الأكابر.
وكان للبطريق قلعة من قلاع القسطنطينية، فلما ملك الفرنج قسطنطينية «1» ، هرب غياث الدين إلى [حميه] «2» ، بالقلعة، فنزل عنده وقاسمه فيما هو فيه وقنعا بها فلما مات أخوه فى سنة ستماية كما ذكرناه، وملك ولده قلج أرسلان، فخالف عليه بعض الأمراء الأكابر وكان من الترك، فأنف أن يملك صغيرا، فراسل غياث الدين فحضر إليه فى جمادى الأولى، واجتمع معه بعض العسكر وتوجه إلى قونية وبها قلج أرسلان بن أخيه، فخرج له بعض عسكرها
(27/99)

فهزموه وبقى حيران ولا يدرى ما يصنع، ولا أين يتوجه. فقصد بلدة صغيرة من بلاد قونية يقال لها أو كرم، فقدر الله أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على واليها، فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين.
فلما وصل الخبر أهل قونية قال أهلها: «نحن أولى بذلك منهم، لأنه كان حسن السيرة فينا» فنادوا باسمه، وأخرجوا من عندهم، واستدعوه، فملك المدينة وقبض على ابن اخيه، وملك البلاد أجمع فى ساعة واحدة، فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه. وحضر إليه أخوه قيصر شاه الذى كان صاحب ملطية، فلم يجد عنده قبولا، فأعطاه شيئا وأمره بمفارقة البلاد، فعاد إلى الرها، واستتب الملك لكيخسرو وأعظم شأنه، والله أعلم.
ذكر ملكه مدينة أنطاكية
وفى ثالث شعبان سنة ثلاث ستماية ملك الملك غياث الدين كيخسرو مدينة أنطاكية بالأمان، وكانت للروم. وكان قد حصرها قبل هذا التاريخ وهدم عدة أبرجة من سورها، وأشرف على فتحها عنوة، فاستنجد من بها من الروم بفرنج جزيرة قبرص، فوصل إليها جماعة منهم فيئس منها وفارقها وترك طائفة من أصحابه بالقرب منها فى الجبال التى بينها وبين بلاده، وأمرهم بقطع الميرة عنها. فضاق أهلها فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظنوا أنهم يريدون إخراجهم من المدينة. فوقع الخلف بينهم، فأقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين يطلبونهم ليتسلموا البلد، فوصلوا إليهم واجتمعوا
(27/100)

معهم على قتال الفرنج، فانهزم الفرنج منهم واعتصموا بالحصن.
فأرسل المسلمون يطلبون كيخسرو، فجاء من قونية وحصر الفرنج وتسلم الحصن. واستمر غياث الدين كيخسرو فى الملك إلى أن توفى سنة سبع وستماية وملك بعده ولده الملك الغالب عز الدين كيكاووش «1» بن كيخسرو، وملك كيكاووش هذا بعض بلاد حلب، وانتزعت منه، واستمر فى المملكة الرومية إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفى ولم يكن له ولد فملك بعده أخوه.
ذكر ملك علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو العاشر من ملوك السلجقية بالروم
ملك بعد وفاة أخيه فى سنة ست عشرة وستماية، وكان أخوه كيكاووش قد اعتقله لما ملك، وأشار عليه أصحابه بقتله فلم يفعل.
فلما مات كيكاووش أخرج الجند كيقباذ وملكوه عليهم. وقيل إنه لما اشتدت علة كيكاووش أخرجه من الاعتقال، وحلف له العساكر.
قال: ولما ملك كيقباذ خالف عمه مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان صاحب أرزن الروم؛ ومغيث الدين هذا هو الذى أمر ولده أن ينتصر وزوجه ملكة الكرج، وأقام معها مدة، فهويت غيره من مماليكها فرآه معها، فأنكر ذلك عليها، فاعتقلته. ومات مغيث الدين هذا فى سنة اثنتين وعشرين وستماية، وملك بعده ابنه.
(27/101)

قال: ولما ملك كيقباذ خاف من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف صاحب دمشق وصالحه، وتعاهد على المصافاة والتعاضد، والله أعلم.
وفى سنة ثلاث وعشرين وستماية فى شعبان سار كيقباذ إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد، وملك عدة من حصونه. وكان صاحب آمد قد اتفق مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه على مخالفة الأشرف صاحب دمشق، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ بقصد آمد، فسار وفتح حصن منصور «1» وحصن سمسنكاذا وغيرهما. فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الملك الأشرف، وعاد إلى موافقته. فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه الصلح وأن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذه، فامتنع وقال: «ما أنا نائب الأشرف يأمرنى وينهانى» فأمر الأشرف عساكره بمساعدة صاحب آمد إن أصر ملك الروم على قصد محاصرته «2» . فاجتمع العسكر الأشرفى مع صاحب آمد وساروا إلى كيقباذ وهو يحاصر قلعة الكختا، فالتقوا فى شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه هزيمة عظيمة، وأسر كثير من أصحابه، وجرح، وملك كيقباذ قلعة الكختا.
(27/102)

وفى سنة خمس وعشرين وستماية ملك كيقباذ أرزنكان «1» وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه بها، وجاوز ستين سنة، ولم يزل فى طاعة السلجقية ملوك الروم. فلما توفى ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلبه بعسكره يسير معه إلى مدينة: أرزن «2» الروم ليحاصرها. فحضر إليه فقبض عليه وأخذ مدينته، ثم ملك حصن كماخ «3» ، وكان من أمنع الحصون.
وقصد أرزن الروم ليأخذها من ابن عمه طغرل شاه، فاستنجد صاحبها بالأمير حسام الدين على نائب الأشرف بخلاط، وأظهر طاعة الأشرف، فسار إليه بمن عنده من العسكر خوفا أن كيقباذ إذا ملك أرزن الروم قصد خلاط وغيرها، فعاد ولم يقدم على قصدها، وتوجه إلى مدينة أنطاكية ليشتو بها والله أعلم.
ذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما
كان سبب ذلك أن جلال الدين خوارزم شاه لما حاصر خلاط حضر إليه صاحب أرزن الروم. وهو طغرل شاه السلجقى ابن عم كيقباذ، وأطاعه وأعانه على الحصار. وكان بينه وبين ابن عمه
(27/103)

عداوة مستحكمة فخاف كيقباذ أن السلطان جلال الدين يتوصل إلى ملك بلاده، فراسل الملك الكامل صاحب مصر «1» وهو إذ ذاك بحران، وساله أن يستدعى الملك الأشرف من دمشق، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف «2» واجتمع هو وكيقباذ، واتفقا على حرب جلال الدين. وكان عسكر كيقباذ عشرين ألف فارس وعسكر الأشرف خمسة آلاف فارس، إلا أنهم كانوا من الشجعان الذين لا يقوم أحد بحربهم. فسار جلال الدين لقتالهم والتقوا يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستماية بمكان من أعمال أرزنجان، فانهزم جلال الدين وعاد إلى خلاط، فأخذ من كان بها من أصحابه وفارقها، وأسر فى هذه الوقعة جماعة من أصحاب السلطان. فأمر كيقباذ بضرب أعناقهم، وأسر ابن عمه صاحب أرزن الروم، وقصد به بلده، فتسلم أرزن الروم وما معها من القلاع، وما بها من الخزائن وغيرها. فكان طغرل شاه كما قيل:
«خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا اذنين» ؛ وكان هذا قد عاهد جلال الدين على أنه يملكه بعض بلاد كيقباذ، فأخذ ما بيده.
واستمر كيقباذ فى الملك إلى أن توفى، وكانت وفاته فى سنة أربع وثلاثين وستماية، وملك بعده ولده.
(27/104)

ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، وهو الحادى عشر من الملوك السلجقية، بالروم
ملك المملكة الرومية بعد وفاة أبيه الملك كيقباذ فى سنة أربع وثلاثين وستماية. وجلس على تخت السلطنة بمدينة قونية وراسله الملوك فى الموافقة، وهى السنة التى وصل التتار فيها إلى الروم.
وفى سنة خمس وثلاثين أرسل غياث الدين إلى والدة الملك العزيز مخطب بنت ابنها العزيز لنفسه، وأن يتزوج الملك الناصر صاحب حلب أخت السلطان غياث الدين. فاستقر بينهما الأمر، وعقا عقد السلطان على غازية خاتون ابنة الملك العزيز على خمسين ألف دينار. ووصل الصاحب كمال الدين بن العديم من حلب إلى السلطان.
فزوج أخته من الملك الناصر على نظير هذا الصداق. فحصل الاتفاق بينهما، ثم أرسل السلطان غياث الدين إلى حلب يطلب أن تقام له الخطبة بها وتضرب السكة باسمه. فتوقفت الصاحبة والدة العزيز فى ذلك، فأشير عليها بالموافقة فأجابت إلى ذلك، وخطب له بحلب.
وفى سنة إحدى وأربعين وستماية، دخل بيجو مقدم التتار إلى بلاد الروم، والتقى هو والسلطان غياث الدين فكسرهم كيخسرو، ثم عاودوا القتال فهزموه، وقتل جماعة من أصحابه، والتجأ إلى بعض المعاقل؛ ثم حصلت المهادنة على أتاوة يؤديها غياث الدين للتتار فى كل سنة.
(27/105)

وفى سنة أربع وخمسين وستماية وصل التتار إلى بلاد الروم صحبة جرماغون وبيجو من قبل منكوفان الملك. فخرج السلطان غياث الدين لقتالهم بجميع عساكره، واستصحب حريمه ليقاتل قتال الحريم. واستشار أصحابه فيما يفعل، فكان منهم من هول عليه أمر التتار وكان غياث الدين قد زوجه والده بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج. فلما أفضت السلطنة إليه جعل أخاها مقدما على الجيش، وكان نصرانيا، لم ينتقل عن ملته، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان بسببه. فلما كان فى هذا الوقت قال للسلطان غياث الدين: «ضم إلى من فى عسكرك من الكرج والفرنج، وأنا ألقى التتار بهم» . فغاظ الأمراء كلامه، وتقدم أحد أعيانهم فحلف أنه لا بد أن يلقى التتار بنفسه، ومن صحبه، وركب فى نحو عشرين ألف فارس، وتقدم إلى التتار وهم بصحراء اقشهر زنجان، وكان غياث الدين على الجبل الأقرع واسمه كوسا داغ، وهو مشرف على الوطأة التى نزل بها التتار. وسار الأمير فيمن معه، وتبعه السلطان ببقية الجيش فوجد المقدم أمامه واد قطعه السيل، فلم يستطع قطعه إلى جهة التتار، فسار مع لحف لجبل، يطلب طريقا يمكنه التوصل منه إلى التتار. فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وراسلوه بالسهام، فأهلكوا أكثر الخيل التى معه، فكان السهم لا يقع إلا فى فرس أو فارس، فتفرقوا عند ذلك، وطلبوا النجاة لأنفسهم. وعاد السلطان غياث الدين إلى المخيم. وجهز حريمه إلى قونية، وهى دار المملكة، ومسافتها من المكان الذى هو فيه نحو شهر، فسرن صحبة أمير، ولم يحملن معهن إلا ماخف، ورجع
(27/106)

السلطان وترك الوطاق والدهاليز والخيام منصوبة، وبها الأثقال والخزائن والذحائر وأقام التتار ثلاثة أيام لم يقدموا على دخول الوطاق ظنا منهم أنها مكيدة، ثم عبروا الوطاق واستولوا على ما فيه، ورجعوا.
وتوفى غياث الدين فى هذه السنة، وخلف ثلاثة أولاد: عز الدين كيكاووش، وركن الدين قلج أرسلان وعلاء الدين كيقباذ.
ذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم
قال: لما توفى غياث الدين استقر أولاده الثلاثة فى السلطنة، ولم ينفرد بها أحد عن الآخر، وضربت السكة باسمهم جميعا، وخطب لهم وكان والدهم قد جعل ولاية عهده لولده علاء الدين كيقباذ بن كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرر له أتاوة. هذا بعد أن استولى بيجو على قيسارية وأعمالها وما حولها، وصار بيده من المملكة الرومية مسافة شهر.
قال: فتوجه علاء الدين كيقباذ إلى منكوقان ملك التتار ومعه الهدايا والتحف، وذلك فى سنة خمس وخمسين وستماية. وقصد الأرد «1» ومعه الأمير سيف الدين طرنطاى، وهو من أكابر الأمراء
(27/107)

وشجاع الدين ملك السواحل. وأقام أخواه بقونية فاختلفت آراؤهما وآل أمرهما إلى القتال. فانتصر عز الدين كيكاووش واستقر بقونية بمفرده، واعتقل ركن الدين قلج أرسلان، كل ذلك وبيجو بالروم قال: ولما اعتقل قلج أرسلان، ضاق أصحابه ومنهم الصاحب شمس الدين الطغراى والأمير سيف الدين جاليش وغيرهم، ففكروا فيما يفعلون فزورّوا كتابا عن السلطان عز الدين كيكاووش إلى سيف الدين طرنطاى ورفيقه، أن يسلما إليهم السلطان علاء الدين كيقباذ، وما معهما من الهدايا والتحف، ليتوجه الصاحب بذلك إلى منكوقان، ويعود طرنطاى ورفيقه إلى قونية. وساروا بهذه الكتب الموضوعة فى إثر السلطان كيقباذ، فلحقوه وقد وصل إلى أردوباطو.
فدخلوا على باطو وقالوا: «إن السلطان عز الدين كان قد أرسل أخاه ليتوجه إلى القان وأرسل معه هذين- يعنون طرنطاى ورفيقه- ثم اتضح له أنهما قد أضمرا السوء، وأن طرنطاى ضربته صاعقة فيما مضى من الزمان، فلا يصلح أن يدخل بين يدى القان «1» . ورفيقه شجاع الدين طبيب ساحر، وقد أخذ صحبته شيئا من السم القاتل ليغتال به منكوقان. فأرسلنا عوضا عنهما وأمر بردهما، فلما سمع باطو ما قاله الصاحب، أمر بإحضار طرنطاى ورفيقه وفتش ما معهما من القماش والأصناف، فكان فيه برانى أشربة وعقاقير، من جملتها السقمونيا، فأمره أن يأكل من ذلك فأكل وامتنع من السقمونيا:
فظنها باطوسمّا، واستدعى الأطباء فقالوا إنها من الأدوية وآخر الأمر
(27/108)

أن باطو خير الصاحب ورفقته بين أن يستصحبوا الهدايا إلى القان، ويكون السلطان صحبة طرنطاى ورفيقه أو العكس. فاختار الصاحب أن يكون السلطان معه والهدايا مع طرنطاى، وافترقا على. ذلك.
وتوجه السلطان كيقباذ والصاحب إلى القان وتوجه طرنطاى ورفيقه بالهدايا إليه، وافترقوا فى الطريق، فكل قصد جهة. واتفقت وفاة السلطان فى طريقه، وجرت لهم خطوب يطول شرحها، آخرها أنهم وصلوا إلى القان بالأردو وتنافسوا الرياسة فى مجلسه، ثم اتفق الحال أن تكون مملكة الروم مقسومة بين الأخوين، فجعل لعز الدين كيكاووش من نهر سيواس إلى حد بلاد اشكرى «1» ، ولركن الدين قلج أرسلان من نهر سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة الشمالية المتصله ببلاد التتار. واستقر عليهما اتاوة يحملونها إلى الأردو وعاد الصاحب شمس الدين وطرنطاى ورفقتهما من عنده، فما وصلوا إلى الروم حتى دخله التتار، وكان بينهم وبين السلطان عز الدين ما نذكره إن شاء الله فى أخبار التتار.
قال: ووصل الصاحب ورفقته الى الروم
فى سنة سبع وخمسين وستماية، واستقرت القسمة بين الأخوين على ما قرره منكوقان، وانفرد كل منهما بما استقر له، وانضم إليه جماعة من الأمراء. ثم قدم هولاكو وملك بغداد، فاستدعاهما فسار إليه، وحضرا معه أخذ حلب، ثم عادا إلى بلادهما على القسمة التى قسمها منكوقان. فلما كان فى سنة ستين
(27/109)

وستماية بعث هولاكو يستدعى شمس الدين يوتاش نائب السلطان عز الدين، فأرسله إليه فوصل إلى أرزنكان صحبة رسل هولاكو.
فوافق وصولهم إليها عند غطاس النصارى، فخرجوا إلى الفرات بجمع كثير، ومعهم الجاثليق وقد رفعوا الصلبان على الرماح، وأعلنوا بالنواقيس والصياح، فأنكر عليهم شمس الدين، وقصد منعهم، فمنعه رسل هولاكو، وقالوا: «هذه بلاد السلطان ركن الدين فلا يحدث فيها» وسألوا الجاثليق: «كيف كان عادتكم فى أيام السلطان غياث الدين؟» فقال: «كنا نحمل له ثلاثة آلاف درهم، ونعمل ما نختار» فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم ومكنوه من عمل العيد كما أراد. فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هولاكو وشمس الدين، عاد مغضبا ورجع إلى السلطان عز الدين، وحمله على المخالفة والعصيان، فوافقه على ذلك واستولى على أكثر بلاد أخيه ركن الدين.
فتوجه ركن الدين إلى هولاكو واستنصر به، فبعث معه تومانا «1» من التتار، فكسرهم عز الدين. ثم استمدوا هولاكو، فأمدهم بتومان آخر فهرب عز الدين وفارق البلاد ودخل إلى الأشكرى بالقسطنطينية، وصحبته أخواله، وهما على دين النصرانية، وثلاثة نفر من أمرائه. واستولى ركن الدين على جميع البلاد واستقل بملكها.
وأما عز الدين فإنه لما وصل إلى الأشكرى أكرمه وأحسن إليه،
(27/110)

فأقام عنده إلى سنة اثنتين وستين وستماية، فقصد الأمراء الذين كانوا معه وهم عز الدين أمير آخر، وعلى بهادر، وأمير مجلس، أن يثبوا على الأشكرى فيقتلوه، وأعلموا صاحبهم عز الدين بذلك.
وقالوا له: «اكتمه عن خاليك» فلم يكتمه عنهما، وأعلمهما به، وأمرهما أن يعرفا الأشكرى بذلك، وأنه لا يركب فى اليوم الذى قصد الأمراء الفتك به فيه. فعرفاه، فقبض على الأمراء وكحلهم، وقبض على السلطان عز الدين واعتقله بقلعة من القلاع الغربية، فأقام بها إلى سنة ثمان وستين وستماية. وجمع الأشكرى أصحاب الأمراء وأتباعهم، وعرض عليهم الدخول فى دينه. فمن وافق تركه، ومن أبى كحله. فمنهم من وافق وتنصّر، ومنهم من امتنع فكحل، وعرض على رجل منهم أن يتنصر فصاح وقال: «الجنة معدة للإسلام، والنار معدة لكم» فقال: هذا رجل ثابت على دينه وأطلقه، وكتب له ورقة للطريق.
وفى سنة ثمان وستين وستماية خلص السلطان عز الدين وأهله من الاعتقال، وسبب ذلك أن منكوتمر بن طغان جهز عسكر إلى اسطنبول، فأغاروا عليها، وأخذوا عز الدين من القلعة التى كان بها، وأحضروه إلى منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام ببلاده قرم، وتزوج بها، واستمر إلى أن توفى فى سنة سبع وسبعين وستماية.
(27/111)

ذكر قتل السلطان ركن الدين قلج أرسلان وولاية ابنه غياث الدين كيخسرو
وفى سنة ست وستين وستماية دبر البرواناه على السلطان ركن الدين، واتفق مع التتار الذين عنده على قتله ليتمكن من البلاد. فعمل وليمة واجتمع فيها التتار، واستدعوا السلطان فحضر إليهم وأكل وشرب، فقاموا إليه وخنقوه بوتر، فمات، واستقر فى الملك بعده ولده السلطان غياث الدين كيخسرو، وله من العمر أربع سنين، واستولى البرواناه على الحكم فى المملكة الرومية، والله أعلم.
ذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله وتنقله
أما أصله فمن الديلم. وكان والده مهذب الدين على. حضر وهو شاب فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ إلى سعد الدين المستوفى بالروم، وهو إذ ذاك نافذ الحكم، فسأله أن يجرى عليه جاريا فى بعض المدارس، يكون درهما فى اليوم، يقتات به. وكان شاب جميلا وسيما من طلبة العلم، فمال إليه المستوفى فقال: «أريد أن أتخذك ولدا» وأخذه وقربه وأدناه وأحسن إليه، وزوجه بابنته ثم اتفقت وفاة المستوفى، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالكفاية والمعرفة والفضيلة، فقربه منه، وترشح للوزارة واستوزره
(27/112)

وألقى إليه مقاليد الدولة، ورزق مهذب الدين ولده معين الدين سليمان المسمى بالبرواناه.
وتقدم معين الدين فى الدولة السلجقية إلى أن استولى على الحل والعقد. ولم يكن للسلطان غياث الدين كيخسرو هذا معه فى السلطنة غير الاسم. ومعين الدين هذا هو والد الأمير علاء الدين على بن البرواناه، أحد أمراء الدولة الناصرية «1» . وولى القاهرة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، وتقدم على الجيوش. قال: واستمر غياث الدين كيخسرو فى اسم السلطنة بالروم إلى أيام السلطان أحمد «2» فى سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستدعاه إلى الأردو، وعزله عن السلطنة، ورسم له بالإقامة بارزنكان، فأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين وستماية. فدس عليه أرغون بن أبغا من خنقه بوتر فمات.
ولما عزل غياث الدين فوض السلطان أحمد السلطنة فى الروم إلى السلطان مسعود ابن السلطان غياث الدين كيكاووش ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان عز الدين قلج أرسلان ابن الملك
(27/113)

مسعود ابن الملك قلج أرسلان ابن الملك سليمان ابن الملك شهاب الدولة قتلمش بن رسلان بيغو بن سلجق ملك المملكة الرومية، بعد عزل غياث الدين كيخسرو ابن ركن الدين قلج أرسلان فى أيام السلطان أحمد فى سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستمر وليس له من الأمر شىء إلا اسم السلطنة خاصة، والحكم فى المملكة الرومية للتتار وشحانهم (جمع شحنة) .
هذا آخر ما اتصل إلينا من أخبارهم إلى حين وضعنا هذا التأليف فى سنة أربع عشرة وسبعماية. فلنذكر أخبار الدولة الأتابكية، لأنها من فروع الدولة السلجقية، وبتمامها يتم هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ذكر أخبار الدولة الأتابكية
وهذه الدولة من فروع الدولة السلجقية كان ابتداؤها أولا بحلب فى سنة تسع وسبعين وأربعماية، ثم انقطعت بقتل اقسنقر مدة ثم قامت بالموصل وحلب والشام وبمصر خطبة. وقاعدة هذه الدولة وعمادها المشار إليه من ملوكها نور الدين محمود بن زنكى. ونحن نذكر أصل هذا البيت الأتابكى وننقله إلى أن ملك نور الدين الشهيد وما انتهى إليه حال هذه الدولة إلى حين انقراضها، فنقول أصل البيت الأتابكى اقسنقر التركى.
(27/114)

ذكر أخبار قسيم الدولة اقسنقر التركى
كان تركيا من أصحاب السلطان ركن الدولة ملكشاه السلجقى، وتربى معه من صغره وهو من أترابه، واستمر فى صحبته حتى أفضت إليه السلطنة، فكان من أعيان أمرائه، واعتمد عليه فى مهماته وزاد فى علو مرتبته، فصار الوزير نظام الملك مع عظم شأنه وجلالة قدره، يتقيه ويداريه. ومما يدل على مكانته وعلو شأنه كونه لقب قسيم الدولة مع صون الألقاب والمشاححة فيها فى ذلك الوقت.
ولما ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب كما ذكرناه فى أخباره سلمها لقسيم الدولة فى سنة تسع وسبعين وأربعماية، وقيل فى سنة ثمانين، فعمرها وأحسن السيرة فيها فمال الناس إليه وأحبوه، ثم تسلم من الأمير نصر بن على بن منقذ الكنانى صاحب شيزر، اللاذقية وأفامية وكفر طاب، فأشار الوزير نظام الملك على السلطان ملكشاه أن يسلم ذلك إلى قسيم الدولة مع حماه ومنبج، فأقطعه السلطان جميع ذلك، فعظمت هيبته، وظهرت كفايته، وقمع أهل الفساد والبغى. ثم استدعاه السلطان إلى العراق فقدم متجملا بعسكر عظيم، فاستحسن ذلك منه وعظمه وأعاده إلى أعماله.
وفى سنة إحدى وثمانين وأربعماية قصد اقسنقر شيزر ونهبها وعاد إلى حلب. وفى سنة ثلاث وثمانين حاصر مدينة حمص وملكها، فسار صاحبها ملاعب إلى الديار المصرية.
وفى سنة أربع وثمانين ملك حصن أفامية والرحبة. واستمر قسيم الدولة كذلك إلى أن مات السلطان ملكشاه فى سنه خمس
(27/115)

وثمانين، فجهز عند ذلك جيشا إلى تكريت فملكها. واتفق أن تاج الدولة تتش صاحب دمشق طمع بعد وفاة أخيه السلطان ملكشاه فى السلطنة، فسار من دمشق إلى حلب، فلم يمكن قسيم الدولة إلا موافقته والدخول فى طاعته. وكان من أمر تتش ما قدمناه فى أخباره، وفارقه قسيم الدولة والتحق بالسلطان بركياروق ولد صاحبه السلطان ملك شاه كما قدمنا ذكر ذلك مبينا.
ذكر قتل قسيم الدولة
قال: ولما فارق قسيم الدولة تتش واستمر فى خدمة السلطان بركياروق وعاد تتش إلى الشام، أمر بركياروق قسيم الدولة وبوزان صاحب حوران بالعود إلى بلادهما ليمنعا تتش من التغلب عليها، فعادا، وجمع تتش العساكر وسار نحو حلب، فاجتمع قسيم الدولة وبوزان، وأمدهما السلطان بركياروق بالأمير كربوقا صاحب الموصل. فالتقوا مع تتش بالقرب من تل السلطان على ستة فراسخ من مدينة حلب. فانهزم جيش قسيم الدولة وأخذ أسيرا، فقتله تتش صبرا، ودخل بوزان وكربوقا حلب، فحصرهما تاج الدولة تتش وفتحها وأخذهما، فقتل بوزان واعتقل كربوقا، فلم يزل إلى أن خلص فى أيام الملك رضوان بعد قتل تتش. وكان مقتل قسيم الدولة فى سنة سبع وثمانين وأربعماية. وكان رحمه الله حسن السيرة والسياسة كثير الإحسان إلى رعيته فكانوا فى أيامه بين عدل غامر ورخص شامل وأمن واسع، رحمه الله تعالى.
(27/116)

ذكر أخبار عماد الدين أتابك زنكى بن قسيم الدولة اقسنقر
قال المؤرخون: لما قتل قسيم الدولة كان عمر ولده زنكى نحو عشر سنين، ولم يخلف من الذرية غيره، فاجتمع مماليك والده عليه وأصحابه. فلما خلص قوام الدين كربوقا من السجن، بعد قتل تتش فى سنة تسع وثمانين وأربعماية، وملك حران ونصيبين والوصل وماردين، وعظم شأنه وهو فى طاعة السلطان بركياروق، أحضر مماليك قسيم الدولة، وأمرهم بإحضار عماد الدين زنكى، وقال: «هو ابن أخى، وأنا أولى الناس بتربيته» فأحضروه إليه، وأقطعهم كربوقا الإقطاعات السنية واستعان بهم فى حروبه، وسار بهم إلى آمد وصاحبها من أمراء التركمان، والتقوا فهزمهم كربوقا.
وهو أول مصاف حضره زنكى بعد قتل والده. ولم يزل عند كربوقا إلى أن توفى [كربوقا] فى سنة أربع وتسعين وأربعماية. وملك بعده موسى التركمانى، فقتل ولم تطل مدته. ثم ملك الموصل شمس الدولة جكرمش، وهو من مماليك السلطان ملكشاه، فاتخذ عماد الدين زنكى كالولد، فكان عنده إلى أن قتل فى سنة خمسماية. ثم ملك الموصل بعده جاولى سقاور، فاتصل به عماد الدين، وقد كبر وظهرت شهامته. ولم يزل معه حتى عصى على السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، فأرسل السلطان الأمير مودود إلى الموصل، فى سنة اثنتين وخمسماية، وأقطعه إياها، ففارقه عماد الدين وغيره من الأمراء، والتحقوا بمودود، فأكرم زنكى وشهد حروبه.
(27/117)

ثم سار مودود إلى الشام ففتح فى طريقه قلاعا كانت للفرنج، ثم حضر عند أتابك طغرلتكين (طغتكين) صاحب دمشق وسار إلى طبرية وحاصرها، وقاتلوا قتالا شديدا، فظهر من عماد الدين زنكى شجاعة عظيمة، منها أنه كان فى نفر وخرج الفرنج من البلد، فحمل عليهم هو ومن معه فهزمهم، واستمر فى حملته وهو يظن أن أصحابه يتبعونه، فتخلفوا عنه وتقدم وحده إلى أن وصل إلى باب المدينة، وأثر رمحه فيه. وقاتل الفرنج عليه وحمى نفسه، وعاد سالما، فعجب الناس من إقدامه وسلامته. ثم عاد إلى دمشق صحبة الأمير مودود، فخرج مودود لصلاة الجمعة، فلما صلى وانصرف، فبينما هو فى صحن الجامع ويده بيد طغرلتكين وثب عليه إنسان فضربه بسكين، فحمل إلى بيت طغرلتكين فمات فى بقية يومه، وكان صائما ولم يفطر، وقتل قاتله. قال: ولما قتل كتب ملك الفرنج إلى طغرلتكين يقول:
«إن أمة قتلت عميدها، فى يوم عيدها، فى بيت معبودها، حقيق على الله أن يبيدها» ثم أقطع السلطان الموصل وغيرها بعد قتل مودود للأمير جيوش بك، وسير معه ولده الملك مسعود، كما ذكرناه. ثم جهز السلطان اقسنقر البرسقى فى العساكر لقتال الفرنج، وكتب إلى عساكر الموصل وغيرها يأمرهم بالمسير معه، فساروا وفيهم عماد الدين زنكى. وكان يعرف فى عساكر العجم زنكى الشامى، فسار اقسنقر إلى الرها وإلى سميساط «1» وبلد سروج،
(27/118)

وقاتل الفرنج وأبلى زنكى فى هذه المواقف بلاء حسنا. فعادت العساكر تتحدث بما فعله، وعاد البرسقى وأقام زنكى بالموصل مع الملك مسعود، والأمير جيوش بك، إلى أن أظهر العصيان على السلطان فى سنة أربع عشرة وخمسماية، ثم استأمن الملك مسعود لأخيه السلطان على ما قدمنا ذكر ذلك فى أخبار الدولة السلجقية.
ذكر ابتداء حال عماد الدين زنكى وترقيه وتنقله فى الولايات
كان ابتداء ولايته فى سنة ست عشرة وخمسماية، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقى مدينة واسط.
وأعمالها، مضافا إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق وغير ذلك. فسير البرسقى إليها عماد الدين زنكى وأمره بحمايتها.
فسار إليها فى شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة. وكان لعماد الدين فى ذلك آثار حسنة، وأقام إلى أن عزل اقسنقر البرسقى عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل فى سنة ثمانى عشرة وخمسماية.
وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقى لحمايتها.
فلما توجه البرسقى إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: «قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل، فى كل يوم أمير جديد، ونحتاج نخدمه، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه» ؛ فأشاروا عليه بذلك. فسار إلى السلطان [محمود] فقدم عليه وهو بإصفهان، فأكرمه. وكان يقف عن يمين تخت السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره، وهى منزلة والده من قبله.
(27/119)

ثم بلغ السلطان [محمود] أن العرب تجمعت ونهبت البصرة، فأقطعها لعماد الدين زنكى، وأعاده إليها، وهذه الولاية هى أول ولاياته من قبل السلطان، فضبط عماد الدين زنكى البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام، وكف الأيدى عنها.
فلما وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله، وحضر السلطان إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك، أرسل إلى عماد الدين زنكى وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة فى السفن وعلى الدواب. ففعل [عماد الدين زنكى] ذلك وجاء فى موكب عظيم فى البر والبحر، فركب السلطان للقائه، ورأى الناس من ذلك ماهالهم، وعظم عماد الدين فى أعينهم. ثم حصل الاتفاق بعد ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا.
ذكر ولاية عماد الدين زنكى شحنكية العراق
وفى شهر ربيع الاخر سنة إحدى وعشرين وخمسماية أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى الأمير عماد الدين زنكى. ومسبب دلك أن السلطان لما عزم على المسير عن بغداد إلى همذان، نظر فيمن يصلح لشحنكية العراق ممن يأمن جانبه مع الخليفة. واعتبر أعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم بأعباء هذا الأمر مقامه، فاستشار أصحابه فى ذلك فكل أشار عليه به [عماد الدين] وقالوا: «لا يقدر على سد هذا الخرق، وإعادة ناموس هذه الولاية، ولا يقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر، غير عماد الدين زنكى، ففوض إليه
(27/120)

ولايتها، مضافا إلى ما بيده من الإقطاع. وكانت شحنكية العراق من أعظم الولايات. وسار السلطان عن بغداد وقد اطمأن من جهة العراق. ولم يطل مقام زنكى ببغداد حتى انتقل إلى ولاية الموصل.
ذكر ولاية عماد الدين زنكى الموصل وأعمالها
كانت ولاية عماد الدين زنكى الموصل وأعمالها فى سنة إحدى وعشرين وخمسماية. وسبب ذلك أن اقسنقر البرسقى لما قتل على ما ذكرناه، وولى بعده ابنه مسعود فى ثامن ذى القعدة سنة عشرين وخمسماية، فمات مسعود فى سنة إحدى وعشرين وهو يحاصر الرحبة. فلما مات قام بعده أخ له صغير، واستولى على البلاد جاولى مملوك أبيه، ودبر أمر الصبى وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير أعمال الموصل على الصغير ولد اقسنقر البرسقى، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك. وكان الرسول فى ذلك القاضى بهاء الدين على ابن القاسم الشهرزورى وصلاح الدين محمد [الباغسيانى] «1» أمير حاجب البرسقى، فسارا حتى حضرا دركاة السلطان ليخاطباه فى ذلك. وكانا يكرهان جاولى ويخافانه، ولا يرضيان بطاعته، فاجتمع صلاح الدين مع نصير الدين جغر الذى صار ينوب عن عماد الدين. فذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وكان بينهما صهارة.
فخوفه نصير الدين من جاولى، وقبح عنده طاعته، وقرر فى نفسه أن جاولى إنما أبقاه لحاجته إليه وأنه متى أجيب إلى مطلوبه لا يبقى على أحد منهم، وحسن له المخاطبة فى ولاية عماد الدين زنكى،
(27/121)

وضمن له الولايات والإقطاعات الكبيرة وكذلك للقاضى بهاء الدين، فقاما وركبا إلى دار الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد، واجتمعا به وقالا له: «قد علمت وعلم السلطان أن ديار الجزيرة والشام قد يمكن الفرنج منهما، وقويت شوكتهم بها، واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر، ما عدا البلاد الباقية للمسلمين. وكان البرسقى بشجاعته وانقياد العساكر إليه، يكف بعض عاديتهم وشرهم، وقد زاد طمعهم منذ قتل، وولده هذا طفل صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذى رأى وتجربة، يذب عنها، ويحمى حوزتها. وقد أنهينا الحال لئلا يجرى خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال» ، فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه، وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكى، وبذلا عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا، فأجاب السلطان إلى ولايته، فأحضره وولاه جميع تلك البلاد، وكتب منشورة بها، وسار عماد الدين زنكى إليها فبدأ بالبوازيج «1» ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره، لأنه خاف من جاولى أنه ربما يصده عن البلاد. ثم سار عن البوازيج إلى الموصل، فلما سمع جاولى بقربه خرج إلى لقائه ومعه سائر العسكر، وترجل عند مقابلته، وقبل الأرض بين يديه، وعاد فى خدمته إلى الموصل، فدخلها فى
(27/122)

شهر رمضان من السنة. وأقطع جاولى الرحبة وسيره إليها، وولى نصير الدين دزداريّة قلعة الموصل وجعل إليه سائر دزدارية القلاع، وجعل صلاح الدين محمد أمير حاجب، وبهاء الدين على الشهرزورى قاضى القضاة بجميع بلاده، وزاده إقطاعا وأملاكا، وكان لا يصدر إلا عن رأيه.
فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمرو بها مماليك البرسقى، فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة على التسليم، فلم يجيبوه إلى ذلك فجد فى قتالهم. «1»
وكان بينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس بإلقاء أنفسهم فى الماء، ففعلوا وعبروا سباحة وعبر بعضهم فى السفن والأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة. وكانوا قد خرجوا إلى أرض بين الجزيرة ودجلة، تعرف بالزلاقة، ليمنعوا عسكر عماد الدين، فلما رأوه قد عبر دجلة انهزموا ودخلوا البلد، وأرسلوا فى طلب الأمان، فأمنهم ودخل البلد بعسكره. ثم زادت دجلة فى تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد، وصارت الزلاقة مملوءة بالماء، فلو أقام بها عماد الدين تلك الليلة هلك هو وعسكره ولم يسلم منهم أحد، فأيقن الناس بسعادته.
ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين، وكانت لحسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى صاحب ماردين، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا
(27/123)

فاستنجده على أتابك زنكى، فوعده النجدة بنفسه وجميع عسكره.
وعاد تمرتاش إلى ماردين، وأرسل رقعة على جناح طائر إلى نصيبين، يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه واصلان إليهم بالعسكر الكثير لدفع زنكى عنهم، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام.
فبينما أتابك زنكى فى خيمته وإذا بطائر سقط على الخيمة وهو ينظر إليه، فأمر بمسكه فمسك، فرأى فيه الرقعة فقرأها، وأمر بكتب غيرها يقول: «إننى مضيت إلى ركن الدولة وقد وعدنى النصرة بجميع العساكر وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما» وأمرهم بحفظ البلد هذه المدة، إلى أن يصلوا وجعلها على الطائر، وأرسله. فوصل إلى نصيبين فلما قرأ من بها الرقعة، سقط فى أيديهم، وعلموا عجزهم عن حفظ البلد هذه المدة، فأرسلوا إلى زنكى وصالحوه وسلموا إليه البلد، فبطل على داود وتمرتاش ما كانا عزما عليه.
ولما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار، فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموها إليه، وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه. ثم سار إلى حران وهى للمسلمين. وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحى جميعها للفرنج، وأهل حران معهم فى ضر عظيم، وضيق شديد، لخلو تلك البلاد من حامى يذب عنها.
فلما قاربها خرج أهل البلد إلى لقائه، وسلموها إليه، فأرسل إلى خوستكين»
صاحب الرها، وتلك البلاد وهادنه مدة يسيرة،
(27/124)

وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلد، ويحشد، ويملك حلب والشام، ثم يقاتل الفرنج.
ذكر ملك عماد الدين حلب
وفى المحرم سنة اثنتين وعشرين وخمسماية، ملك عماد الدين زنكى حلب وقلعتها. وسبب ذلك أنها كانت بيد قرمان نيابة عن عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقى. ثم استناب بعده قتلغ فوضل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها. ثم ثار به أهل المدينة وسلموها إلى سليمان بن عبد الجبار. فسير عماد الدين إليها الأمير سنقردار والأمير حسن قراقوش فى عسكر قوى، ومعهما التوقيع من السلطان لعماد الدين بالموصل والجزيرة والشام. فوصلا إلى حلب وسيرا قتلغ وابن عبد الجبار إلى عماد الدين بالموصل، فسار إليه وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها. فلما وصل بدر الدولة [سليمان] بن عبد الجبار وقتلغ إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يردهما إلى حلب، وسير حاجبه صلاح الدين محمد الباغسيانى فى عسكر إلى حلب، فصعد إلى قلعتها ورتب الأمور، وجعل فيها واليا. وسار عماد الدين إلى الشام فى جيوشه، فملك فى طريقه مدينة منيح وبزاعة، ووصل إلى حلب، فتلقاه أهلها، فدخلها ورتب أحوالها، وجعل رئاستها لأبى الحسن على بن عبد الرزاق.
(27/125)

ذكر ملكه مدينة حماه
وفى سنة ثلاث وعشرين ملك عماد الدين زنكى مدينة حماة.
وسبب ذلك أنه أظهر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إليه تاج الملوك بورى بن أتابك طغرتكين صاحب دمشق يستنجده، ويطلب منه معونته على جهاد الفرنج، وكانوا قد حصروا دمشق. فأجاب إلى ذلك وجرّد تاج الملوك عسكرا من دمشق، وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماه يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير به إلى زنكى. ففعل وساروا جميعهم فوصلوا إليه، فأكرمهم وأحسن لقاءهم، وتركهم أياما، ثم قبض على سونج بن تاج الملوك، وعلى جماعة من الأمراء والمقدمين، وأنهب خيامهم وما فيها واعتقلهم بحلب.
وسار من يومه إلى حماة، فوصل إليها وهى خالية من الجند فاستولى، عليها، ورحل عنها إلى حمص. وكان صاحبها خيرخان «1» بن قراجا فى عسكر عماد الدين، وهو الذى أشار عليه بالقبض على تاج الملوك، فقبض عليه أيضا. ونزل على حمص، وطلب منه أن يأمر أصحابه وولده بحمص بتسليمها، فأرسل إليهم فلم يفعلوا، فحصرها مدة طويلة، ثم رحل عنها وعاد إلى الموصل.
(27/126)

ذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج
قال: ولما فرغ عماد الدين من أمر البلاد الشامية، رجع إلى الموصل فأراح واستراح، وأمر أصحابه بالاستعداد فاستعدوا. ورجع إلى حلب وعزم على قصد حصن الأثارب، وهو فيما بين حلب وانطاكية على ثلاثة فراسخ من حلب. وكان من به من الفرنج يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان، بينها وبين البلد عرض الطريق. فلما علم الفرنج بقصده جمعوا فارسهم وراجلهم واستعدوا وساروا نحوه، فتقدم إليهم والتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، وأسر كثير من فرسانهم، وقتل كثير، وتقدم إلى الحصن فنازله وفتحه عنوة، وعم من فيه بالقتل والأسر وأخربه، وجعله دكا. ثم سار إلى قلعة حارم وهى بالقرب من انطاكية فحصرها، فبذل الفرنج نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك، وعاد عنهم وقد اشتد أزر المسلمين وصار قصار الفرنج حفظ ما بأيديهم، وذلك فى سنة أربع وعشرين وخمسماية.
ولما عاد إلى ديار الجزيرة ملك سرجا «1» ودارا وهما من أعمال ركن الدولة صاحب حصن كيفا.
(27/127)

وفى سنة ست وعشرين سار عماد الدين بالعساكر من الموصل إلى العراق لنصرة السلطان مسعود بعد وفاة السلطان محمود. وكان مسعود قد كاتبه واستنجد به، فسار إليه ومعه الأمير دبيس بن صدقة فسار حتى نزل إلى البادية. وخرج الخليفة المسترشد بالله لحربه- وذلك فى سابع عشرين شهر رجب من السنة- والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة إقبال فهزمها، فحمل الخليفة بنفسه واشتد القتال فانهزم دبيس، وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرقوا عنه فانهزم، وقتل من العسكر جماعة.
ثم سار المسترشد وحاصر الموصل كما ذكرناه فى أخباره. وأن سبب ذلك أن الخليفة أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفراينى الواعظ إلى عماد الدين برسالة فيها خشونة، زادها الشيخ [أبو الفتوح] زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين وأهانه ولقبه بما يكره. فسار الخليفة فى النصف من شعبان سنة سبع وعشرين ونازل الموصل، ففارقها زنكى ببعض العسكر، وترك بعضه مع نائبه نصير الدين جقز دزدار القلعة. ووصل عماد الدين إلى سنجار وقطع الميرة عن عسكر الخليفة وتخطف من ظفر به من العسكر. وقام الحصار ثلاثة أشهر، ثم رحل الخليفة عنها ولم يظفر منها بشىء.
وفى مدة الحصار ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة.
(27/128)

ذكر حصره مدينة آمد وملكه قلعة الصور
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية اجتمع عماد الدين أتابك زنكى وتمرتاش صاحب ماردين، وحصرا مدينة آمد فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده، فجمع عساكره وغيرها وسار نحو آمد ليرحلهما عنها، فالتقوا على بابها، واقتتلوا فى جمادى الآخرة. فانهزم داود وقتل جماعة من عسكره. ولم يبلغ عماد الدين من آمد غرضا، فقصد قلعة الصور «1» من ديار بكر، وحصرها وضايقها، فملكها فى شهر رجب واتصل به ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثى «2» فاستوزره. وكان حسن السيرة عظيم الرياسة والكفاية، والله أعلم.
ذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية
وفى سنة ثمان وعشرين وخمسماية أيضا استولى [عماد الدين زنكى] على جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش «3»
(27/129)

وغيرهما. وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدى على ولايتها وأعمالها، فلما حضر المسترشد الموصل حضر عيسى إليه وجميع الأكراد معه. فلما رحل المسترشد أمر عماد الدين بحصر قلاع الأكراد فحصرت مدة طويلة، وقوتل من بها إلى أن ملكت فى هذه السنة، فاطمأن حينئذ أهل السواد المجاورين لهذه القلاع، لأنهم كانوا مع الأكراد فى ضيق عظيم من نهب أموالهم.
وفيها صلح أمر زنكى مع الخليفة.
ذكر حصره مدينة دمشق
وفى سنة تسع وعشرين وخمسماية نازل عماد الدين أتابك زنكى مدينة دمشق، وحصرها فى جمادى الأولى. وكان سبب ذلك أن صاحبها شمس الملوك كان قد كتب إليه يستدعيه ليسلم إليه البلد، فسار إليها، فقتل شمس الملوك قبل وصوله وملك أخوه شهاب الدين محمود كما ذكرناه. فاستمر فى مسيره فحاصرها. فأتاه وهو فى الحصار رسول الخليفة بالخلع، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق والرحيل عنها فصالحهم، وخطب له بدمشق ورحل عنها لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة.
وفى سنة ثلاثين وخمسماية استنصر الخليفة الراشد بالله بعماد الدين على السلطان مسعود كما ذكرناه فى أخبار الدولة العباسية فجاء إليه هو وأصحاب الأطراف إلى بغداد. وكان بين الخليفة والسلطان ما ذكرناه من غلبة السلطان مسعود ومسير الخليفة إلى
(27/130)

الموصل مع عماد الدين، وقد شرحنا ذلك مبينا فى أخبار الدولة العباسية، فلا فائدة فى إعادته، وإنما نبهنا عليه فى هذا الموضع جريا على القاعدة.
ولما خلع الراشد وبويع للمقتضى «1» لأمر الله، أرسل إليه عماد الدين محمد بن عبد الله الشهرزورى، فحضر إلى الديوان، فأمر الخليفة أن يعطى أتابك زنكى صريفين «2» ودرب هرون وجرّى ملكا، وهى من خاص الخليفة، وزاد فى ألقابه وقال: «هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب من خاص الخليفة.» فعظم بذلك شأنه، وبايع للمقتفى لأمر الله وخطب له بالموصل.
ذكر غزاة العسكر الأتابكى الى بلاد الفرنج
وفى شعبان سنة ثلاثين وخمسماية جهز عماد الدين أتابك زنكى عساكره مع الأمير أسوار نائبه بحلب، فقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، وساروا نحو جهة اللاذقية، فنهبوا منها شيئا كثيرا، وقتلوا وأسروا سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبى، وغنموا ماية ألف رأس من الدواب، ما بين فرس وحمار وبقر وغنم،
(27/131)

وغنموا غير ذلك من الأقمشة والعين والحلى ما لا يدخل تحت الإحصاء وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها، ورجعوا بالظفر والغنيمة، والله أعلم
ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج
وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية حصر عماد الدين زنكى حمص، وهى لصاحب دمشق، فلم ينل منها غرضا. فرحل عنها إلى بعرين «1» وهى للفرنج، فحاصرها فى شوال، وهى من أمنع الحصون وأحصنها، وزحف عليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وساروا بملوكهم وقمامصتهم وكنودهم «2» ليرحلوه عنها. فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فأجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ناحية، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه، فحصرهم. فدخل القسوس والرهبان إلى بلاد الفرنج والروم وما ولاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين، وقالوا:
«إن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس» فاجتمعت ملوك النصرانية وصاروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام، وجدّ عماد الدين فى الحصار، فقلت الأقوات عندهم، فسألوا الأمان على أن يتركهم يتوجهوا إلى بلادهم. فلم يجب إلى ذلك، إلى أن بلغه أن ملك الروم قد أقبل بجموع الفرنج والنصرانية، فآمنهم على تسليم الحصن وخمسين ألف دينار. ففعلوا ذلك. فلما فارقوا
(27/132)

الحصن بلغهم اجتماع الروم والفرنج بسببهم، فندموا على تسليمه وفتح عماد الدين فى مقامه المعرة وكفر طاب من الفرنج.
ولما فتح المعرة حضر إليه أهلها أرباب الأملاك، وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فاعتذروا أنها عدمت عند ما ملكها الفرنج، فأمر بإحضار دفاتر الديوان بحلب، وكشف منها فمن وجد باسمه خراج فيها عن ملك سلمه إليه أو لعقبه إن كان قد مات. وأعاد الأملاك بهذه الطريق. وهذه غاية فى الإحسان وفى تسهيل البر والخير ونهاية فى العدل وفيها سار [عماد الدين] إلى دقوقا وملكها بعد قتال شديد
ذكر ملكه مدينة حمص وغيرها من أعمال دمشق
وفى المحرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية وصل زنكى إلى حماة، وسار منها إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل «1» وسار إلى حمص وحصرها وملكها وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وكان لصاحب دمشق، وبعث إلى شهاب الدين محمود صاحب دمشق يخطب أمه زمرد خاتون ابنة جاولى، فتزوجها وحملت إليه.
(27/133)

ذكر وصول ملك الروم الى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين
كان ملك الروم صاحب القسطنطينية قد دخل إلى البلاد فى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، وخرج على انطاكية وسار إلى أذنه والمصيصة «1» ، وهما بيد ابن لاون الأرمنى «2» صاحب الدروب «3» فحصرها وملكها ورحل إلى عين زربة «4» فملكها عنوة، وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص، وعمر ميناء اسكندرونه ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة انطاكية فى ذى القعدة فصالحه صاحبها ريمند الفرنجى «5» ، فرحل عنها إلى بغراس «6» ودخل ابن ليون فى طاعته.
ثم سار إلى الشام فى سنة اثنتين وثلاثين وقصد بزاعة فحصرها وهى مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فملكها بالأمان فى
(27/134)

الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى فتنصر قاضيها وجماعة من أهلها وأعيانها نحو من أربعماية نفس.
وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى، ودخنوا على من دخل المغاير، فهلكوا. ثم رحل [ملك الروم] إلى حلب ونزل على قويق «1» ومعه الفرنج الذين بساحل الشام، وكان عماد الدين يحاصر حمص فلما بلغه خبرهم، سير طائفة من العسكر ليحفظوا حلب منهم، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم أحداث البلد وقاتلوهم قتالا شديدا، فقتل كثير من الروم وجرح كثير، وقتل بطريق عظيم القدر عندهم.
فأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى قلعة الأثارب «2» ، فخاف من بها من المسلمين فهربوا عنها فى تاسع شعبان، فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى، ومعهم جمع كثير من الروم يحفظونهم، وساروا. فلما سمع الأمير سوار نائب عماد الدين بحلب بذلك، سار بمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بالروم وقتلهم وخلص الأسرى وعاد إلى حلب.
وأما عماد الدين فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية «3» فنزلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة. وقصد الروم شيزر، وهى من أمنع الحصون وكانت للأمير أبى المعالى سلطان بن على بن منقذ الكنانى، فنازلوها وحاصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا
(27/135)

فأرسل صاحبها إلى عماد الدين يستنجده، فسار إليه ونزل على نهر العاصى بينها وبين حماه، فكان يركب بعسكره إلى شيزر ويقفون «1» حيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم.
ثم أرسل إلى ملك الروم يقول: «إنكم قد تحصنتم منى بهذه الجبال، فانزلوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقى، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم بى استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها» .
ولم تكن له بهم قوة، وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بقتاله وهونوا عليه أمره، فلم يفعل، وقال: «أتظنون أن ليس لهم من العسكر إلا ما ترون، إنما هو يريد أن تلقوه «2» فيأتيه من نجدات المسلمين ما لا يحد» وكان عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يقول إن فرنج الشام خائفون منه، ولو فارق مكانه لتخلفوا عنه. ويرسل إلى الفرنج فيقول: «إن ملك ملك الروم من الشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعها» . فاستشعرت كل طائفة من الأخرى. فرحل ملك الروم من شيزر فى شهر رمضان وكان مقامه عليها أربعة وعشرين «3» يوما وترك المجانيق وآلات الحصار كما هى، فسار عماد الدين يتبع ساقة العسكر، فظفر بكثير منهم ممن تخلف.
(27/136)

ذكر ملك عماد الدين بعلبك
وفى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين] زنكى مدينة بعلبك وهى لصاحب دمشق. وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه فى هذه السنة كما ذكرنا، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد. وكانت والدة محمود زوجة عماد الدين بحلب، فوجدت لذلك وجدا عظيما وحزنت حزنا شديدا وكتبت إلى أتابك زنكى وهو بالجزيرة تعرفه بالحادثة وتطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ولدها. فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازما على قصد دمشق. فبلغ ذلك صاحبها فاحتاط واستعد، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها فى العشرين من ذى القعدة، وضيق على أهلها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقا ترمى ليلا ونهارا. فأشرف أهلها على الهلاك، فطلبوا الأمان فأمنهم وتسلم المدينة. وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فلما أيسوا من نصرة معين الدين أتابك صاحب دمشق- وكانت بعلبك له- فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم القلعة منهم. ثم غدر بهم وصلبهم ولم ينج منهم إلا القليل. فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وحذروه ونفروا منه.
قال: ولما فتح بعلبك كان لمعين الدين بها جارية وكان يهواها، فأخذها زنكى وسيرها إلى حلب، فلم تزل بها إلى أن قتل زنكى، فسيرها نور الدين إلى معين الدين، فكانت أعظم أسباب المودة بينهما. قال:
(27/137)

ولما فرع عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق فى شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وخمسماية ونزل على داريا «1» ، فقاتله أهل دمشق فكسرهم وتقدم إلى المصلى «2» فقاتلوه مرة بعد أخرى.
كل ذلك والظفر له عليهم. وأرسل إلى صاحب دمشق يبذل له بعلبك وحمص وغيرها مما يختاره من البلاد، فمال إلى تسليمها، فحذره أصحابه وخوفوه عاقبة غدره، فامتنع من الإجابة فعاد عماد الدين القتال والزحف. واتفقت وفاة جمال الدين صاحب دمشق فى ثامن شعبان، وولى بعده ابنه مجير الدين أبق، فاشتد طمع عماد الدين وزحف زحفا شديدا، فلما رأى أنابك [أنر] «3» أن عماد الدين لا يندفع عنهم، راسل الفرنج واستنصر بهم، فاجتمعت الفرنج وعزموا على المسير لدفعه عن دمشق، فعلم عماد الدين بذلك فتوجه إلى حوران فى خامس «4» عشر رمضان عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدماشقة. فلما بلغ الفرنج خبره لم يتحركوا من بلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ونزل بعذرا «5» شماليها فى سادس شوال، وأحرق عدة من قرى المرج والغوطة، ورحل إلى بلاده.
ثم وصل الفرنج إلى دمشق، وكان معين الدين قد بذل لهم أنه يحاصر بانياس ويسلمها إليهم، وكانت فى طاعة زنكى. ففعل
(27/138)

معين الدين ذلك وسلمها للفرنج. فلما بلغ عماد الدين ذلك رجع إلى بعلبك وفرق عساكره للإغارة على بلد حوران وأعمال دمشق.
وسار جريدة، فنزل على دمشق بخواصه فى آخر الليل، ولم يعلم به أحد من أهلها. فلما أصبح الناس ورأوا عسكره ارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وخرجوا إليه فقاتلوه، فلم يمكنه الإقدام على القتال لتفرق عساكره، فأحجم عنهم وعاد إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم فلما اجتمعوا رحلوا إلى بلاده.
ذكر ملكه شهرزور وأعمالها
وفى سنة أربع وثلاثين وخمسماية ملك [عماد الدين زنكى] شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون، وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركمانى. وكان حكمه نافذا على سائر التركمان، قاصيهم ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا؛ وتحاماه الملوك، وأتاه التركمان من كل فج عميق. فلما كان فى هذه السنة سير أتابك عماد الدين عسكرا، فجمع قفجاق أصحابه ولقيهم، واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح عسكره، وسار الجيش الأتابكى فى أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع وبذلوا الأمان لقفجاق فسار إليهم، وانخرط فى سلك العسكر وسار فى الخدمة هو وابنه من بعده.
وفى سنة خمس وثلاثين وخمسماية كان بين أتابك زنكى وبين داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة انهزم فيها
(27/139)

داود، وملك زنكى من بلاده قلعة بهمود «1» ، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل.
وفيها خطب له بمدينة آمد وصار صاحبها فى طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكى فلما رأى قوة زنكى سار معه.
وفيها أغار العسكر الأتابكى من حلب على بلد الفرنج، فأخربوا ونهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم وكان عدة من قتل سبعماية رجل.
توفى ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثى وزير عماد الدين أتابك زنكى، وكان رحمه الله حسن السيرة كريما رئيسا
ذكر ملك عماد الدين زنكى قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية «2»
وفى سنة سبع وثلاثين وخمسماية أرسل عماد الدين جيشا إلى قلعة آشب «3» ، وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلوهم»
. فحصرها الجيش الأتابكى وضيق على من بها وملكها، فأمر عماد الدين بهدمها، وبنى القلعة العمادية وكانت العمادية حصنا عظيما من حصونهم فخرّبوه لكبره، لأنه كبير جدا، فعجزوا عن حفظه فخربت الآن آشب وعمرت العمادية. والعمادية
(27/140)

نسبة إلى عماد الدين زنكى. وكان نصير الدين جقر نائب عماد الدين بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية.
ذكر صلحه والسلطان مسعود
وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته، وجمع العساكر وتجهز لقصد بلاد زنكى، وكان قد حقد عليه واتهمه أنه أفسد عليه أصحاب الأطراف وحرضهم على الخروج على السلطان. فلما بلغ زنكى ذلك أرسل إلى السلطان يستعطفه ويستميله، وأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنبارى فى تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار، يحملها عماد الدين إلى السلطان ليعود عنه، فحمل منها عشرين ألف دينار أكثرها عروضا. ثم تنقلت الأحوال بالسلطان حتى احتاج إلى مدارة زنكى، فأطلق له ما بقى. ومن جيد الرأى ما فعله عماد الدين زنكى فى هذه الحادثة، فإن ولده الأكبر سيف الدين غازى كان لا يزال عند السلطان- سفرا وحضرا- بأمر والده، فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل، وأرسل إلى نائبه بالموصل أن يمنع ابنه المذكور من الدخول. فلما هرب غازى أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول: «إن ولدى هرب خوفا لما رأى تغير السلطان على، وقد أعدته، ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك» فوقع ذلك من السلطان بموقع عظيم، ومال إلى زنكى
(27/141)

ذكر ملكه بعض ديار بكر
وفى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية سار عماد الدين زنكى إلى ديار بكر، فملك بها عدة حصون منها مدينة طنزة «1» ومدينة أسعرد «2» ومدينة المعدن التى يعمل بها النحاس، ومدينة حيزان «3» وحصن الرونق «4» ، وحصن قطليس «5» ، وحصن باناسا «6» وحصن ذى القرنين وغير ذلك. وأخذ من بلاد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين والموزر «7» وتل موزر «8» وغيرها من حصون شبختان «9» ، ورتب أمور الجميع وجعل فيها من يحفظها. وقصد مدينة آمد وحانى. «10»
فحصرهما وأقام بتلك الناحية. وفيها سير عسكرا إلى مدينة عانة من أعمال الفرات فملكها.
(27/142)

ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج
وفى سادس جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسماية فتح عماد الدين أتابك زنكى مدينة الرها من حصون الفرنج الجزيرية.
وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكانت مملكة الفرنج بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها وسروج والبيرة وسن بن عطير «1» وحملين والموزر والقرادى وغير ذلك.
وكانت هذه الأعمال وغيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين «2» الفرنجى، وكان صاحب رأى الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما فيه من الشجاعة والمكر وكان عماد الدين يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع من الفرنج بها من يمنعها ويتعذر عليه ملكها لما هى عليه من الحصانه، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم. فاطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاده الغربية. فبلغ أتابك زنكى ذلك فنادى فى العسكر بالرحيل إلى الرها وجمع الأمراء عنده وقدم الطعام وقال: «لا يأكل معى على مائدتى هذه إلا من يطعن معى غدا فى باب الرها.» فلم يتقدم غير أمير واحد وصبى لا يعرف، لما يعلمو من إقدام زنكى وشجاعته، وأن أحدا لا يقدر على مساواته فى الحرب. فقال الأمير لذلك الصبى:
(27/143)

«ما أنت فى هذا المقام» فقال أتابك زنكى: «دعه فو الله إنى أرى وجهه لا يتخلف عنى.»
وسار والعسكر معه فوصل إلى الرها، فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج والصبى معه، وحمل فارس من الفرنج على زنكى عرضا فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله، وسلم زنكى.
ونازل البلد وقاتل عليه ثمانية وعشرين يوما وملكه عنوة، وملك القلعة، ونهب الناس الأموال، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء.
فلما رأى عماد الدين البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز فى السياسة، فنودى بالعسكر برد ما أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم، ورد ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا ذلك وعاد البلد إلى حالته الأولى، وجعل فيه عسكرا يحفظه وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التى كانت بيد الفرنج شرقى الفرات ما عدا البيرة لحصانتها.
وحكى ابن الأثير رحمه الله فى تاريخه الكامل قال: حكى لى بعض العلماء بالأنساب والتواريخ، قال: كان صاحب صقلية قد أرسل سرية إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا. وكان عند صاحب صقلية رجل مسلم كان يكرمه ويحترمه، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان، حتى كان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب. ففى بعض الأيام كان جالسا فى منظرة يشرف على البحر، وإذا بموكب لطيف قد أقبل وأخبر من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام وظفروا وغنموا وقتلوا. وكان المسلم
(27/144)

إلى جانبه، وقد أعفى فقال له الملك: «يا فلان ألا تسمع إلى ما يقولون» قال: «لا» قال: «إنهم يخبرون بكذا وكذا، أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها.» قال: «كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها، فقد فتحها المسلمون الآن» فضحك من هناك من الفرنج فقال الملك:
«لا تضحكوا فما يقول والله إلا الحق» فوصل بعد أيام الخبر من فرنج الشام بفتحها. قال ابن الأثير: وحكى لى جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى الشهيد زنكى فى منامه فقال له:
«ما فعل الله بك» قال: «غفر لى بفتح الرها» .
ذكر مقتل نصير الدين جقر، وولاية زين الدين على كورجك
كان مقتله فى ذى القعدة تسع وثلاثين وخمسماية. وسبب ذلك أنه كان ينوب عن عماد الدين أتابك زنكى بالموصل وسائر الأعمال التى شرقى الفرات. وكان الملك ألب أرسلان المعروف بالخفاجى ولد السلطان محمود عند زنكى. وكان يظهر للخلفاء والسلطان مسعود وأصحاب الأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك.
وكان ألب أرسلان فى هذه السنة بالموصل، ونصير الدين يحضر إلى خدمته فى كل يوم، فحسن له بعض المفسدين طلب الملك وقالوا له: «إن قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها، ولا يبقى مع أتابك زنكى فارس واحد» فمال إلى ذلك. فلما دخل نصير الدين إليه وثب إليه من عنده فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظنا
(27/145)

منهم أنهم يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلاد، فلما رأى أصحابه الرأس قاتلوا من بالدار مع الملك واجتمع معهم الخلق الكثير، فدخل القاضى تاج الدين يحيى بن الشهرزورى إلى الملك ألب أرسلان وخدعه، وكان فيما قاله حين رآه منزعجا: «يا مولانا لم تحرد من هذا الكلب؟ هو وأستاذه «1» مماليكك، الحمد لله الذى أراحنا منه ومن صاحبه على يديك» ثم قال له: «وما الذى يقعدك فى هذه الدار؟
قم لتصعد إلى القلعة وتأخذ الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند وليس دون البلاد بعد الموصل مانع» فقام معه وركب وأصعده إلى القلعة، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد القتال، فتقدم إليهم القاضى تاج الدين فقال: «افتحوا الباب وتسلموه وافعلوا ما أردتم» ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضى إلى القلعة ومعهما من أعان على قتل نصير الدين. فلما صاروا بالقلعة سجنوا كلهم إلا القاضى.
وبلغ الخبر عماد الدين وهو يحاصر قلعة البيرة، وقد أشرف على فتحها، فخاف أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، ففارق البيرة وأرسل زين الدين على بن بكتكين «2» إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه. وسار عماد الدين عن لبيرة، فخاف من بها من الفرنج أن يعود إليهم. فسلموها لصاحب
(27/146)

ماردين. وملكها المسلمون. فإن لم يكن عماد الدين زنكى فتحها فهو سبب فتحها.
ذكر مقتل عماد الدين زنكى
كا مقتله رحمه الله لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وذلك أنه كان يحاصر قلعة جعبر، وكانت بيد سالم بن مالك العقيلى منذ سلمها السلطان ملكشاه إلى أبيه، عوضا عن قلعة حلب كما تقدم فى أخبار السلجقية. فحاصرها عماد الدين الآن وأقام عليها إلى هذا التاريخ، فدخل عليه نفر من مماليكه فقتلوه غيلة، وهربوا إلى القلعة ولم يشعر أصحابه. فلما صعد أولئك النفر إلى القلعة صاح من بها بالعسكر، وأعلموهم بقتل صاحبهم، فبادر أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق. ثم مات رحمه الله تعالى وكان عمره نحوا من أربع «1» وستين سنة، ومدة ملكه منذ ولى الموصل وإلى أن قتل عشرين سنة.
وكان حسن الصورة أسمر اللون، وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة لا يقدر القوى معه على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلات بأهلها وغير أهلها. وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك ويقول: «مهما كانت البلاد لنا فأى حاجة لكم إلى أملاك؟ فإن خرجت عن أيدينا فالأملاك تذهب معها، ومتى
(27/147)

صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم، والإقطاعات تفنى أصحاب السلطان عنها» «1» وخلف من الأولاد سيف الدين غازى وهو أكبر أولاده ونور الدين محمود وهو الملك العادل، وقطب الدين مودود، وهو أبو الملوك بالموصل، ونصير الدين أمير أميران. فانقرض عقب سيف الدين من الذكور والإناث، ونور الدين من الذكور، وبقى فى عقب قطب الدين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: ولما قتل أتابك زنكى كان ولده نور الدين محمود معه، فأخذ خاتمه من يده وسار إلى حلب فملكها. وسنذكر أخباره مفصلة بعد سيف الدين غازى، والله أعلم.
ذكر ملك سيف الدين غازى ابن الشهيد عماد الدين أتابك زنكى
قال: لما قتل أتابك زنكى كان الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود معه، فاجتمعت العساكر عليه وكان الحاكم على دولة زنكى والمدبر لها من أرباب الأقلام جمال الدين محمد بن على بن منصور الإصفهانى شبه الوزير، ومعه الحاجب صلاح الدين محمد بن أيوب الباغسيانى فاتفقا على حفظ الملك لأولاد صاحبهم عماد الدين وتحالفا على ذلك، وركبا إلى خدمة الملك ألب أرسلان، وخدماه،
(27/148)

وضمنا له فتح البلاد، وقالا له: «إن أتابك زنكى إنما كان الناس يطيعونه لأنه كان نائبك» فقبل منهما ذلك وظن صدقهما ومناصحتهما وقربهما، وأرسلا إلى زين الدين على بن مظفر الدين صاحب اربل بالموصل يعرفانه «1» بوفاة الشهيد ويأمرانه «2» أن يرسل إلى ابنه سيف الدين غازى ليحضر إلى الموصل، وكان بشهرزور وهى إقطاعه من قبل أبيه، ففعل ذلك ووصل إلى الموصل. وأشار جمال الدين على الملك بإرسال الحاجب صلاح الدين إلى حلب ليدبر أمر نور الدين فأمره بالمسير إليها فسار، وكانت حماه إقطاعه، وانفرد جمال الدين الملك ألب أرسلان فقصد به الرقة، واشتغل بالشرب واللهو واستمال جمال الدين العسكر، وحلفهم لسيف الدين غازى، وصار يأمر من تخلف بالمسير إلى الموصل هاربا من الملك، وبقى جمال الدين يسير بالملك من الرقة إلى سنجار، ويخذله ويطعمه، وما زال حتى انتهى به إلى الموصل. وأرسل الأمير عز الدين الدبيسى إلى الملك فى عسكر، والملك فى نفر يسير، فأخذه وأدخله الموصل، فكان آخر العهد به. فاستقر أمر سيف الدين بالموصل واستوزر جمال الدين وأرسل إلى السلطان مسعود فى إمرة الموصل فأمره على البلاد، وأرسل له الخلع. وكان سيف الدين قد تقدمت له خدمة على السلطان مسعود ولازمه سفرا وحضرا فى أيام زنكى.
قال: ولما استتب الأمر لسيف الدين غازى بالموصل عبر إلى الشام لينظر فى أمور البلاد، ويقرر قاعدة بينه وبين أخيه نور الدين،
(27/149)

ولما عبر الفرات لم يحضر نور الدين إليه وخافه فراسله واستماله بحسن سياسته، فاستقرت الحال بينهما أن يجتمعا خارج العسكر السيفى، وكل منهما فى خمسمائة فارس. فسار نور الدين يوم الميعاد من حلب بهذه العدة، وسار سيف الدين من معسكره فى خمسة فوارس، فلما رآه نور الدين ترجل وقبل الأرض، وأعاد أصحابه فاجتمعا وتحالفا واتفقا أحسن اتفاق، واستقر نور الدين بحلب وما معها، وسيف الدولة بالموصل وما معها.
ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعله سيف الدين غازى
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية وصل ملك الألمان «1» فى جمع كثير من الفرنج وعزم على ملك الشام، وظن أنه يملكه لا محالة لكثرة أصحابه، واجتمع عليه من بالشام والسواحل من الفرنج. ووصل إلى دمشق وحاصرها، ونزل الميدان الأخضر، فأيقن أهلها بخروجها عن الإسلام. وكان ملكها يوم ذاك مجير الدين أبق بن محمد ابن بورى بن طغرتكين، وليس له من الأمر شىء والحكم فى البلد لأتابكه معين الدين [أنر] مملوك جد أبيه، فأرسل إلى سيف الدين غازى يستنجده، فجمع عساكره والعساكر الحلبية، وسار إلى دمشق، فخافه الفرنج. ثم راسل فرنج الساحل وأوعدهم بحصر بانياس، فاجتمعوا بملك الألمان وقالوا له: «إن هذا ملك بلاد المشرق
(27/150)

قد قدم» وخوفوه عاقبة أمره، فرحل ملك الألمان إلى بلاده، وتسلم الفرنج بانياس، كما وقع الاتفاق عليه، وعاد سيف الدين إلى الموصل.
ذكر وفاة سيف الدين غازى ابن عماد الدين زنكى
كانت وفاته فى أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية بالموصل لمرض حاد، ودفن بمدرسته التى بناها بالموصل. فكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما، وعمره نحوا من أربع «1» وأربعين سنة. وخلف ولدا ذكرا رباه عمه نور الدين محمود أحسن تربية، وزوجه بابنة عمه قطب الدين، ولم تطل مدته، ومات فى عنفوان «2» شبابه، وانقرض عقب غازى بوفاته.
قال: وكان سيف الدين غازى يمد لعسكره فى كل يوم سماطا كبيرا، طرفى النهار يكون فى سماطه للغذاء مائة رأس من الغنم، وأمر الأجناد أن يركبوا بالسيوف والدبابيس، فاقتدى به أصحاب الأطواف وهو أول من حمل على رأسه السنجق من عمال الأطراف، وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل، ووقفها على طائفتى الشافعية والحنفية، وبنى رباط الصوفية بالموصل. ولم تطل أيامه حتى يفعل ما فى نفسه من وجوه البر، رحمه الله. وسنذكر إن شاء الله تعالى من ملك الموصل بعده إذا انقضت أخبار الشهيد نور الدين وولده.
(27/151)

ذكر أخبار الملك العادل نور الدين أبى القاسم محمود ابن أتابك عماد الدين أبى سعيد زنكى بن أقسنقر
قد ذكرنا أنه لما مات والده رحمه الله فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية، توجه بخاتمه إلى حلب وملكها، وذكرنا أيضا ما كان بينه وبين أخيه سيف الدين غازى رحمه الله، وما اتفقا عليه، فلنذكر من أخباره خلاف ذلك. ولنبدأ بغزواته وفتوحاته؛ ثم نذكر ما استولى عليه من الممالك وغير ذلك.
ذكر الغزوات والفتوحات النورية وما استنقذة من أيدى الفرنج
ذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثانى ونهبها
قال: لما قتل أتابك زنكى كان جوسكين الفرنجى صاحب الرها فى ولايته وهى تل باشر، فراسل عامة أهل الرها من الأرمن وحملهم على العصيان والامتناع على المسلمين، فأجابوه إلى ذلك. فسار فى عساكره إلى الرها وملك البلد، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها فسار نور الدين، وجد السير إليها. فلما قاربها هرب جوسكين عنها، وعاد إلى بلده، ودخل نور الدين البلد. ونهب المدينة، وسبى أهلها، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل، وذلك فى سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وفى سنة اثنتين وأربعين وخمسماية،
(27/152)

فتح [نور الدين] مدينة ارتاح «1» بالسيف، ونهبها وحصر ما يوله «2» وبصر فوث «3» وكفر لاثا «4» ، وكان الفرنج بعد قتل أتابك زنكى قد طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذ منهم فخاب ظنهم.
ذكر فتح حصن العريمة
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فتح حصن العريمة، وهو من أعمال طرابلس. وكان ملك الألمان لما سار عن دمشق وجه إلى العريمة ولد ألفتش «5» صاحب ظليطه، وهو من أولاد أكابر ملوك الفرنج. وكان جده هو الذى فتح طرابلس، فملك العريمة، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين، وإلى معين الدين صاحب دمشق أن يقصدا حصن العريمة ويملكاه.
فسار نور الدين من حلب ومعين الدين من دمشق واستمدا سيف الدين غازى، فأمدهما بعسكر كثيف مع الأمير عز الدين الدبيسى صاحب جزيرة ابن عمر. فنازلوا الحصن، وحصروه وبه ولد ألفتش، فاستسلم من به بعد متناع، وملكه المسلمون، وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبى وامرأة. وكان ولد ألفتش ممن أسر وأخربوا الحصن ثم عادوا
(27/153)

ذكر انهزام الفرنج بيغرا «1»
وفى سنة ثلاث وأربعين أيضا، اجتمع الفرنج لقصد حلب:
فسار إليهم الملك العادل نور الدين بعسكره، فالتقوا بيغزى، واقتتلوا قتالا شديدا، أجلت الحروب عن ظفر الملك العادل، وانهزام الفرنج وأسر جماعة من مقدميهم. ولم ينج من ذلك الجمع إلا اليسير. وأرسل نور الدين من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم. وفى هذه الوقعة يقول ابن القيسرانى من قصيدة أولها.
يا ليت أن الصد مصدود ... أو لا، فليت النوم مردود
جاء منها
وكيف لا يثنى على عيشنا المحم ... ود والسلطان محمود
وصارم الإسلام لا ينثنى ... إلا وشلو الكفر مقدود
مكارم لم تك «2» موجودة ... إلا ونور الدين موجود
وكم له من وقعة يومها ... عند ملوك الكفر مشهود
(27/154)

ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية
وفى سنة أربع وأربعين وخمسماية، غزا نور الدين بلاد الفرنج، من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم «1» وهو للفرنج، وحصره وخرب ربضه، ونهب سواده ثم رحل إلى حصن إنب «2» فحصره، فاجتمعت الفرنج لقتاله مع البرنس، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الفرنج وقتل البرنس «3» وجماعة كثيرة من أصحابه، وأسر خلق كثير. وكان البرنس من عتاة الفرنج. ولما قتل ملك بعده انطاكية ابنه بيمند»
، ثم غزاهم نور الدين غزوة ثانية، فقتل وأسر، وكان ممن أسر البرنس الثانى زوج أم بيمند صاحب انطاكية. وكان قتل البرنس [ريموند] عظيما عند الطائفتين وأكثر الشعراء مدح نور الدين بهذا الظفر، فكان ممن قال فيه ابن القيسرانى الكاتب قصيدته المشهورة وهى:
هذى العزائم لاما تدعى القضب ... وذى المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللائى متى خطبت «5» ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب
صافحت يابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعى درنها تعب «6»
(27/155)

ما زال جدّك يبنى كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب
أغرت سيوفك بالإفرنج «1» راجفة ... فؤاد روميّة الكبرى لها يجب
ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها «2» الصلب وانحطت لها الصلب
طهرت أرض الأعادى من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب
ذكر فتح حصن أفامية
وفى سنة خمس وأربعين وخمسماية فتح الملك العادل نور الدين حصن أفامية من الفرنج، وهو مجاور شيزر وحماة، وهو من أحصن القلاع وأمنعها، فاجتمع الفرنج من الساحل وساروا نحوه ليرحلوه، فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه من الذخائر والسلاح وشحنة بالرجال. وسار عنه فى طلب الفرنج، فعدلوا عن طريقه وسألوه الهدنة، وعاد مظفرا منصورا.
ذكر أسر جوستكين وفتح بلاده
كان نور الدين قد جمع عساكره فى سنة ست وأربعين وخمسماية وسار إلى بلاد جوستكين الفرنجى وهى شمالى حلب، وعزم على محاصرتها. وكان جوستكين فارس الفرنج وطاغيتهم، صاحب رأى وشجاعة، فجمع وأكثر، وسار نحو نور الدين والتقوا واقتتلوا،
(27/156)

فكانت الهزيمة على المسلمين، وقتل كثير منهم. وأسر سلحدار نور الدين فيمن أسر، فأخذ جوستكين سلاحه، وأرسله إلى الملك مسعود قلج صاحب الروم، وقال: «هذا سلاح زوج ابنتك وسآتيك بعده بما هو أعظم منه» فأهم نور الدين ذلك وعظم عليه، وعلم أنه لا يتمكن من جوستكين فى حرب، لأنه إما أن يحارب أو يحتمى بحصونه. فجعل عليه العيون من التركمان، ووعدهم إن أسروه وأتوا به أو برأسه بمواعيد كثيرة. فرصدوه إلى أن خرج إلى الصيد، وأسروه فصالحهم على مال يؤديه إليهم، فسير فى إحضار المال إليهم فجاء بعضهم إلى أبى بكر بن الداية، نائب نور الدين بحلب، وأخبره بالقضية. فسير عسكرا مع من حضر إليه بالخبر، وكبس التركمان وأخذوا جوستكين أسيرا. وكان من أعظم الفتوحات:
وأصيبت النصرانية كافة بأسرها «1» ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها، وهى تل باشر وعين تاب وإعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البادة وكفر سود، وكفر لاثا، ودلوك، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك من أعماله فى مدة يسيرة. واجتمع الفرنج فى سنة سبع وأربعين، وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين وهو بدلوك، فلما قربوا منه رجع إليهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر له وقتل وأسر منهم. وعاد إلى دلوك فملكها. وكان نور الدين إذا فتح حصنا من هذه الحصون شحنه بما يحتاج إليه من الرجال والسلاح والذخائر وغيرها.
(27/157)

ذكر حصر قلعة حارم وفتحها
وفى سنة إحدى وخمسين وخمسماية حصر نور الدين قلعة حارم وشدد الحصار، فصالحه الفرنج على نصف أعمال حارم، وصالحهم ورحل عنهم ثم فتحها فى شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسماية.
ذكر ملكه بانياس وما قرره على طبرية وأعمالها
وفى سنة تسع وخمسين ملك حصن بانياس، وكان بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسماية، كما قدمنا. فنازله، فجمع الفرنج لقصده، فلم يكمل جمعهم إلا وقد ملك الحصن وشحنه بالرجال والذخائر، ثم شاطر الفرنج على أعمال طبرية، وقرروا له على الأعمال التى لم يشاطرهم عليها فى كل سنة ما لا يحملونه إليه، والله أعلم.
ذكر فتح المنيطرة
والمنيطرة فيما بين طرابلس وبعلبك وهى الآن من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية. فلما كان فى سنة إحدى وستين وخمسماية، سار نور الدين إليها جريدة، وملكها وأعجل الفرنج عن الاجتماع لرده، وسبى وغنم، فجاء الفرنج بعد أن ملكها فأيسوا منها، ورجعوا عنها، والله أعلم.
(27/158)

ذكر فتح صافيثا وعريمة
وفى سنة اثنتين وستين وخمسماية جمع نور الدين العساكر وسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل واجتمعا على حمص، فدخل بالعساكر إلى بلاد الفرنج بالساحل واجتاز على حصن الأكراد «1» ، فأغاروا ونهبوا وسبوا. وقصدوا عرقة «2» فنازلوها وحصروها، وحصروا حلبة وأخذوها وخربوها. وسارت عساكر المسلمين فى بلادهم يمينا وشمالا تغير وتخرب، وفتحوا العريمة، وصافيثا، وعادوا إلى حمص فصاموا بها شهر رمضان، وكان الفرنج فى سنة ثمان وأربعين قد كبسوا عسكر نور الدين بالبقيعة على حين غفلة من العسكر، فنالوا من المسلمين منالا عظيما، فجعل نور الدين فى مقابلة ذلك فتح حارم وبانياس والمنيطرة وصافيثا وعريمة وتخريب بلادهم، وأدرك ثأره عن غير بعد.
ثم سار بعد شهر رمضان إلى بانياس، وقصد العبور إلى بيروت، فجرى بين العسكر اختلاف أوجب رجوعه. وأعطى قطب الدين فى هذه السنة الرقة، وأعاده إلى بلده. هذا ما فتحه رحمه الله من بلاد الفرنج، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية.
(27/159)

ذكر ما استولى عليه من البلاد الاسلامية
فى سنة أربع وأربعين وخمسماية، استولى الملك العادل [نور الدين] على سنجار، وكانت بيد أخيه قطب الدين، ملكها بعد وفاة سيف الدين غازى، ثم حصل الاتفاق بينهما على أن يكون نور الدين صاحب حلب وحمص والرحبة والشام؛ وقطب الدين بالموصل وديار الجزيرة، وسلم سنجار لأخيه قطب الدين، وأخذ نور الدين ما كان من الذخائر بسنجار، وكانت كثيرة جدا، وعاد إلى حلب وقد حصل الاتفاق بينه وبين أخيه.
ذكر ملكه مدينة دمشق
وفى سنة تسع وأربعين وخمسماية ملك دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بورى بن طغرلتكين. وسبب قصده لها أن الفرنج ملكوا فى السنة التى قبل هذه السنة مدينة عسقلان، واستولوا على تلك النواحى، فلم يتمكن نور الدين من غزوهم ودفعهم، لأن دمشق تحول بينه وبينهم. ولم تمكنه مفاجأة صاحبها لعلمه أنه إن سار إليها راسل صاحب دمشق الفرنج واستنجد بهم. وكان قد استقر لهم ضريبة على دمشق تحمل إليهم فى كل سنة، ويحضر رسلهم لقبضها، فزاد استيلاؤهم إلى أن أخذوا كل من فيها من الغلمان والجوارى، بحيث أنهم يطلبون الغلام أو الجارية ويخيروه، فان أختار الرجوع إليهم أخذوه، اختار مولاه أو امتنع؛ وان اختار
(27/160)

المقام عند مواليه تركوه. فأهم ذلك نور الدين، وخاف أن الفرنج متى استولت على دمشق ملكوا الشام أجمع، فأخذ فى إعمال الحيلة وراسل مجير الدين صاحبها وهاداه وداهنه واستماله. وبقى يوقع بينه وبين أمرائه، فكتب إليه يقول: «إن فلانا الأمير قد كاتبنى فى تسليم دمشق» فقبض عليه مجير الدين حتى اختل أمر عسكره وضعف. ثم راسل نور الدين الأحداث من الأمراء بدمشق، ووعدهم الجميل فمالوا إليه ووعدوه بتسليمها له، فسار إليها. فلما نازلها كاتب مجير الدين الفرنج وبذل لهم بعلبك ليمنعوا نور الدين عنه، فحشدوا فارسهم وراجلهم، فلم يتكامل جمعهم إلا وقد ملك نور الدين دمشق، سلمها له الأمراء، ودخلها من الباب الشرقى. وتحصن صاحبها بالقلعة، فبذل له نور الدين حمص، فرضى وسلم القلعة وسار إلى حمص، ثم عوضه عن حمص مدينة بالس فامتنع، وتوجه إلى بغداد ومات بها.
وفى سنة اثنتين وخمسين، ملك نور الدين حصن شيزر من آل منقذ وكانت الزلزلة قد هدمت أسواره فعمرها والله أعلم.
ذكر ملكه بعلبك
وفى سنة اثنتين وخمسين وخمسماية ملك بعلبك وقلعتها.
وكانت بيد إنسان يقال له ضحاك البقاعى، منسوب إلى البقاع البعلبكى، كان صاحب دمشق قد ولاه إياها، فلما ملك نور الدين دمشق لم تمكنه مشاححته لقربه من الفرنج، فطاوله إلى الآن وملكها منه.
(27/161)

ذكر ملكه قلعة جعبر
وفى سنة أربع وستين وخمسماية ملك [نور الدين] قلعة جعبر من صاحبها شهاب الدين مالك بن على بن مالك العقيلى وكانت بيده وبيد آبائه كما تقدم. وكان السبب فى ملكه لها أن صاحبها سار إلى الصيد، فأسره بنو كلاب «1» وجاؤوا به إلى نور الدين فى شهر رجب سنة ثلاث وستين، فاعتقله نور الدين وأكرمه فى اعتقاله.
وأخذ فى طلبها باللين، فلم يوافق على إعطائها ثم أخذه بالشدة فلم يوافق، فسير الجيوش لحصرها، فحوصرت مدة فلم يظفر منها بطائل، فعاود صاحبها بالملاطفة، وعوضه عنها سروج وأعمالها والملاحة التى من بلد حلب وباب بزاعه. وعشرين ألف دينار معجلة.
فقبل العوض وسلم القلعة. وهذه القلعة فى عصرنا هذا إلى سنة أربع عشرة وسبعماية خرابا لا باب عليها والله أعلم.
ذكر ملكه الديار المصرية
وفى سنة أربع وستين وخمسماية ملك أسد الدين شيركوه الديار المصرية بجيوش الملك العادل نور الدين، وهى السفرة الثالثة له إليها من قبل نور الدين ونذكر ذلك مفصلا فى أخبار الدولة الأيوبية، ودامت الخطبة بها للملك العادل مدة حياته، وصدرا من أيام ولده الملك الصالح إسمعيل.
(27/162)

ذكر ملكه الموصل
وفى سنة ست وستين وخمسماية ملك الموصل بعد وفاة أخيه قطب الدين، وأقر عليها سيف الدين غازى بن قطب الدين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار غازى. وأطلق نور الدين سائر المكوس بالموصل وبسائر البلاد. وجاءته الخلع من الخليفة المتسنصر بالله، فلبسها، ثم خلعها على سيف الدين غازى ابن أخيه. وأمر ببناء الجامع النورى بالموصل، فبنى وأقام بالموصل عشرين يوما وعاد إلى الشام.
ذكر وفاته رحمه الله وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاة الملك العادل نور الدين محمود فى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية، بعلة الخوانيق، ولقب بعد موته بالشهيد. ومولده فى سنة إحدى عشرة وخمسماية، فيكون عمره نحوا من ثمان «1» وخمسين سنة، ومدة ملكه منذ وفاة أبيه ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر وستة أيام. ومن العجب أنه ركب إلى الميدان الأخضر بدمشق فى ثانى شوال، ونصب فيه قبقا «2» ،
(27/163)

فسايره الأمير همام الدين مودود، وقال له: «أترى هل نكون ههنا فى مثل هذا اليوم من العام المقبل؟» فقال له نور الدين: «لا تقل هكذا، قل هل نكون ههنا بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة» ورجع إلى القلعة، وختن ابنه وأصابته العلة، فمات بعد عشرة أيام.
ومات الأمير همام الدين قبل استكمال الحول. ودفن نور الدين بقلعة دمشق، ثم نقل إلى مدرسته التى بناها بجوار سوق الخواصين بدمشق وقبره هناك مشهور.
وأما سيرته وأفعاله رحمه الله تعالى فانه أفرغ وسعه فى الجهاد، واستنقذ من أيدى الفرنج ما ذكرناه. وكان ثابتا فى حروبه، وبنى المدارس والمساجد والربط والبيمارستان والخانات والطرق والجسور، وجدد القنى وأصلحها، وأوقف الوقوف على معلمى الخط لتعليم الأيتام، وعلى سكان الحرمين الشريفين، وأقطع أمراء العرب الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج. وبنى أسوار المدن والحصون التى هدمتها الزلزلة التى ذكرناها فى أخبار الدولة العباسية.
وكان رحمه الله مواظبا على الصلاة فى الجماعة، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا فى الإنفاق والمطاعم والملابس، لم تسمع منه كلمة فحش فى رضاه ولا فى سخطه وعاقب على شرب الخمر قال الشيخ عز الدين أبو الحسن على بن عبد الكريم الجزرى المعروف بابن الأثير رحمه الله: «قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين
(27/164)

ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه» قال: وكان رحمه الله لا يفعل فعلا إلا بنية حسنة. كان بالجزيرة رجل من الصالحين العباد، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله فيرجع إلى قوله، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالأكرة «1» فكتب إليه يقول: «ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل لغير فائدة» فكتب إليه نور الدين بخطه يقول: «والله ما يحملنى على اللعب بالكرة اللهو والبطر، إنما نحن فى ثغر، العدو قريب منا، وبينما نحن جلوس إذ يقع الصوت فنركب فى الطلب ولا يمكننا أيضا ملازمة الجهاد ليلا ونهارا شتاء وصيفا. إذ لا بد من الراحة للجند ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت حماما لا قدرة لها على إدمان السير فى الطلب، ولا معرفة لها بسرعة الانعطاف فى الكر والفر فى المعركة فنحن نركبها ونروضها بهذا اللعب، فيذهب حمامها، وتتعود سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها فى الحرب. فهذا والله الذى بعثنى على اللعب بالكرة» .
قال: وحكى عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة، فلم يحضرها عنده، فوصفت له، فلم يلتفت إليها؛ فبينما هم معه فى حديثها إذ جاءه رجل صوفى فأمر له بها. فقيل له إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطى غيرها كان أنفع له. فقال:
«أعطوها له، فانى أرجو أن أعوض عنها فى الآخرة» فسلمت إليه.
قيل والذى أعطيها شيخ الصوفية عماد الدين بن حمويه، فبعثها إلى همذان، فبيعت بألف دينار.
(27/165)

قالوا وكان عارفا بالفقه على مذهب أبى حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان يعظم الشريعة المطهرة، ويقف عند أحكامها، فمن ذلك أنه كان يلعب بالكرة عند دمشق، فرأى إنسانا يحدث آخر ويومئ إليه بيده، فأرسل يسأله عن حاله، فقال: «لى مع الملك العادل حكومة، وهذا غلام القاضى ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمنى على الملك الفلانى» فلما قيل ذلك له ألقى الجوكات من يده وخرج من الميدان وتوجه إلى القاضى كمال الدين بن الشهرزورى وأرسل إليه يقول: «انى قد جئت فى محاكمه فاسلك معى ما تسلكه مع غيرى.» فلما حضرا، ساوى خصمه وحاكمه، فلم يثبت قبله حق، وثبت الحق لنور الدين. فعند ذلك أشهد على نفسه أنه وهب الملك للذى حاكمه، وقال: «كنت أعلم أن لاحق له عندى، وإنما حضرت معه لئلا يظن بى أنى ظلمته، فحيث ظهر أن الحق لى، وهبته له» .
قال: وهو أول من بنى دار الكشف وسماها دار العدل. وكان يجلس فيها فى الأسبوع يومين، وعنده القاضى والفقهاء لفصل الحكومات بين القوى والضعيف. وكان شجاعا حسن الرأى والمكيدة فى الحرب، عارفا بأمور الأجناد. وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين. وتركشين «1» ، وباشر القتال بنفسه. وكان يقول:
«طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها» .
قال: ومن أحسن الآراء ما كان يفعله مع أجناده. كان إذا توفى
(27/166)

أحدهم وخلف ولدا، أقر الإقطاع عليه: فإن كان كبيرا استبد بتدبير نفسه، وإن كان صغيرا رتب معه رجلا عاقلا يثق إليه يتولى أمره إلى أن يكبر. فكان الأجناد يقولون هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها، وكان ذلك سببا عظيما للنصر فى المشاهد والحروب. قال: وبنى أسوار مدن الشام وقلاعها، فمنها حلب وحماه وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنيج، وغيرها من القلاع والحصون، وأخرج عليها الأموال الكثيرة التى لا تسمح النفوس بمثلها. وبنى المدارس بحلب وحماه ودمشق وغيرها. وبنى الجوامع فى كثير من البلاد، فمنها جامعه بالموصل، إليه النهاية فى الحسن والإتقان وفوض عمارته والخرج عليه للشيخ عمر الملا، وكان من الصالحين. فقيل له إنه لا يصلح لمثل هذا العمل، فقال:
«إذا وليت بعض أصحابى من الأجناد والكتاب، أعلم أنه يظلم فى بعض الأوقات، فلا يقى عمارة الجامع بظلم رجل مسلم، وإذا وليت هذا الشيخ غلب على ظنى أنه لا يظلم، فإن ظلم كان الاثم عليه لا على» وبنى أيضا بمدينة حماه جامعا على نهر العاصى من أحسن الجوامع وأنزهها، وجدد فى غيرها من عمارة الجوامع ما كان قد تهدم بسبب زلزلة وغيرها. وبنى البيمارستانات فى البلاد، ومن أعظمها وأشهرها البيمارستان الذى بناه بدمشق، وقفه على كافة المسلمين من غنى وفقير، وبنى الربط والخانقاهات «1» للصوفية، ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وأدر عليهم الإدرارات الصالحة.
(27/167)

قال: وكان قد ضبط ناموس الملك إلى غاية لا مزيد عليها، فكان يلزم الأجناد بوظائف الخدمة، ولا يجلس عنده أمير من غير أن يأمره بالجلوس، إلا نجم الدين أيوب، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه وغيره، فإنهم كانوا يقفون حتى يأمرهم بالجلوس. وكان مع ذلك إذا دخل عليه الفقير والصوفى والفقيه يقوم له ويجلسه إلى جانبه. وكان إذا أعطى أحدهم شيئا يقول إن هؤلاء لهم فى بيت المال حق، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.
ولم يزل الناس معه فى غاية الأمن والخير والبركة والنمو والإحسان والعدل والبر وإظهار السنة وقمع البدعة إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى.
ذكر أخبار الملك الصالح اسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك زنكى بن أقسنقر
ملك بعد وفاة والده فى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية. وحلف له الأمراء وأطاعه الناس فى سائر البلاد وخطب له الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية. ولم يكن الملك الصالح إذ داك قد بلغ الحلم. وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن المقدم. قال العماد الأصفهانى الكاتب: وورد كتاب صلاح الدين بالثال الفاضلى معزيا للملك الصالح وفى آخره:
«وأما العدو خذله الله تعالى فوراءه من الخادم من يطلبه طلب ليل لنهاره، وسيل لقراره، إلى أن يزعجه من مجاثمه، ويستوقفه عن مواقف مغانمه، وذلك من أقل فروض البيت الكريم، وأيسر
(27/168)

لوازمه. أصدر هذه الخدمة يوم الجمعة رابع عشر ذى القعدة وهو اليوم الذى أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم، وصرح فيه بذكره فى الموقف العظيم، والجمع الذى لا لهو فيه ولا تأثيم، وأشبه يوم الخادم أمسه فى الخدمة، وفيما لزمه من حقوق النعمة، وجمع كلمة الإسلام عالما أن الجماعة رحمة» .
قال: ولما بلغ سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود وفاة عمه، استبشر لذلك، ونادى بالموصل بالفسحة فى الشرب واللهو. وكان الخبر قد أتاه وهو سائر إلى خدمة عمه نور الدين، فإنه كان قد استدعاه بالجيوش، فعاد وهرب سعد الدين كمشتكين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار سيف الدين غازى مبينا. قال: ولما اتفق ذلك منه لم يكتب الجماعة الذين فى خدمة الملك الصالح إلى صلاح الدين يوسف بالخبر، خوفا أنه إذا بلغه ذلك أقصدهم، واستولى على الملك الصالح وأبعدهم، فشق ذلك عليه وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وأقام الملك الصالح بدمشق وجماعة الأمراء عنده لم يمكنوه من المسير إلى حلب، لئلا يغلبهم عليه شمس الدين بن الداية، ويختص بخدمته، فإنه كان من أكبر الأمراء النورية. ولما وصل كمشتكين من الموصل إلى حلب أحسن إليه الأمير شمس الدين بن الداية، وأكرمه، وجهزه إلى دمشق لإحضار الملك الصالح منها إلى حلب، وجهز معه العساكر. فلما قارب دمشق سير الأمير شمس الدين محمد بن المقدم عسكرا إليه، فهزموه. ونهبوا ما معه،
(27/169)

فعاد إلى حلب منهزما، فأخلف عليه ابن الداية عوض ما أخذ منه ثم نظر أمراء دمشق المصلحة، فعلموا أن مسيره إلى حلب أجود من مقامه بدمشق. فأرسلوا إلى ابن الداية يطلبون سعد الدين كمشتكين ليأخذ الملك الصالح، فجهزه إليهم، فسار إلى دمشق فى المحرم سنة سبعين وخمسماية، فأخذ الملك الصالح وعاد به إلى حلب.
فلما وصل إليها، قبض سعد الدين على ابن الداية وإخوته، وعلى الرئيس ابن الخشاب رئيس حلب، ومقدم الأحداث بها.
واستبد سعد الدين بتربية الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء بدمشق أن سعد الدين يسير إليهم ويفعل بهم كما فعل بابن الداية، فراسل سيف الدين غازى بن مودود فى الحضور من الموصل ليتسلم دمشق فخشى غازى أن تكون مكيدة فلم يحضر، فراسله سعد الدين، واتفق الحال على أن يستقر بيده ما استولى عليه من الأعمال الجزيرية. فقال أمراء دمشق: حيث صالح سيف الدين، لم يبق له مانع من المسير إلى دمشق. فراسلوا الملك الناصر صلاح الدين فى الحضور من مصر ليتسلمها. فوصل إليها، وتسلمها، وملك حمص وحماه وبعلبك. ولم يقطع خطبة الملك الصالح، وأظهر أنه إنما حضر لخدمته، واسترجاع ما استولى عليه سيف الدين غازى وغيره من الأعمال الجزيرية. ثم كان بينه وبين العسكر الحلبى من الحروب ما نذكره فى أخبار الدولة الأيوبية، إلى أن أحوجوه إلى الاستقلال بالأمر والخطبة لنفسه وملك البلاد.
(27/170)

ذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم
وفى سنة ثلاث وسبعين وخمسماية قبض الملك الصالح على سعد الدين، وهو المتولى على أمر دولته، والحاكم فيها. وسبب ذلك أن أبا صالح بن العجمى كان من أكابر حلب، وكان مقدما عند نور الدين، وتقدم عند ولده وأطاعه الناس، وكثرت أتباعه، فوثبت عليه بعض الباطنية بالجامع فقتله، فنسب ذلك لسعد الدين فوشوا به عند الملك الصالح، فقبض عليه. وكانت حارم اقطاعه، فامتنع من بها من تسليمها فسيره الملك الصالح تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها؛ فأمرهم فلم يرجعوا إلى قوله، وعذب وهم ينظرون إليه إلى أن مات تحت العقوبة. فبلغ الفرنج ذلك، فنازلوا قلعة حارم ونصبوا عليها المجانيق، فصالحهم الملك الصالح على مال ففارقوها، وتسلمها بعد حصار ثان، ورتب فيها من المماليك النورية من يحفظها.
ذكر وفاة الملك الصالح اسماعيل
كانت وفاته لخمس بقين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسماية. وابتدأت علته فى تاسع الشهر، وكان مرضه القولنج ومات وله من العمر تسع عشرة سنة. وقيل فى سبب وفاته إن علم الدين سليمان بن جندر «1» سقاه فى عنقود عنب وهو فى الصيد؛
(27/171)

وقيل بل سقاه ياقوت الأسدى فى شراب، فعظم موته على سائر الناس، وحزنوا لفقده حزنا شديدا.
قال ابن الاثير: ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوى، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشانى وأفتاه بجواز شربها، فقال: «إن كان الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر» فقال: لا والله فقال: «والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه على» ومات رحمه الله ولم يشربها.
ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والأجناد فى الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم بتسليم البلد لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، واستحلفهم على ذلك. فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الموصل وله ما يكفيه، ولو أوصيت بها لابن عمك عماد الدين زنكى فإنه تربية والدك، وزوج أختك، وليس له غير سنجار. فقال: «إن هذا لم يغب عنى، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد يمكن وتغلب على عامة البلاد الشامية، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين يحفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك منه، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره. ثم مات رحمه الله.
وكان عفيف اليد والفرج واللسان، لا يعرف له شىء مما يتعاطاه الملوك والشباب، حسن السيرة، عادلا فى رعيته. وبوفاته انقرض عقب نور الدين المذكور.
(27/172)

ولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف الدين غازى بن عماد الدين زنكى.
ذكر أخبار قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر
ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازى فى أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية. وذلك أنه لما مات سيف الدين غازى اجتمعت كلمة الوزير جمال الدين الأصفهانى وزين الدين على أمير الجيش على تولية قطب الدين طلبا للسلامة، فاستحلفوه وحلفوا له وركبوه إلى دار السلطان، وأطاعه سائر البلاد التى كانت تحت يد أخيه. وتزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين. وكان سيف الدين غازى قد تزوجها ولم يدخل بها، فنزوجها قطب الدين وهى أم أولاده الملوك.
قال: ولما قطب الدين كان نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه، فسار إليهم، وقصد انتزاع الملك من أخيه قطب الدين، ثم اتفقا وعاد نور الدين إلى حلب، وشهد قطب الدين بعض الحروب مع أخيه نور الدين؛ كما ذكرناه فى أخبار نور الدين.
(27/173)

ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن على ابن منصور الأصفهانى ووفاته وشىء من أخباره وسيرته
وفى سنة ثمان وخمسين وخمسماية قبض قطب الدين على الوزير جمال الدين واعتقله، فتوفى فى اعتقاله فى شعبان سنة تسع وخمسين [ولعمرى ما كان يستحق أن يعتقل، وهو الذى عمل على إثبات الملك فى البيت الأتابكى بعد قتل الشهيد أتابك زنكى، على ما قدمنا فى أخبار سيف الدين غازى] «1» قال بن الأثير الجزرى رحمه الله فى تاريخه الكامل: حكى لى إنسان صوفى يقال له أبو القاسم؛ كان مختصا بخدمته فى الحبس، قال: «لم يزل مشغولا فى محبسه بأمر آخرته، وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلما أن مرض قال لى فى بعض الأيام: يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفنى» قال: «فقلت فى نفسى قد اختلط عقله» فلما كان الغد أكثر السؤال عنه، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط، فقلت: «قد جاء الطائر» فاستبشر ثم قال: «جاء الحق» وأقبل على الشهادة، وذكر الله تعالى إلى أن توفى. فلما توفى طار ذاك الطائر، فعلمت أنه رأى شيئا فى معناه» .
ودفن بالموصل عند فتح [الكرامى] «2» رحمة الله عليهما نحو
(27/174)

سنة، ثم نقل إلى المدينة، فدفن بالقرب من حرم النبى صلى الله عليه وسلم فى رباط بناه لنفسه. وقال لأبى القاسم: «بينى وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها فى التربة التى عملها، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره» .
فلما توفى سار أبو القاسم إلى شيركوه فى المعنى، فقال له شيركوه:
«كم تريد» فقال «أريد أجرة جمل يحمله، وجمل يحملنى وزادى» فانتهره وقال: «مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة» وأعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة يقرءون بين يدى تابوته إذا حمل وإذا أنزل عن الجمل. فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة عليه، فيصلى عليه فى كل بلد يجتاز بها، وأعطاه أيضا مالا للصدقة فصلى عليه فى تكريت وبغداد والحلة فيد «1» ومكة والمدينة، وكان يجتمع له فى كل بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلا صوته:
سرى نعشه «2» فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادى فتنشنى «3» رماله ... عليه وبالنادى فتثنى أرامله
فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم، وطافوا به حول الكعبة، وصلوا
(27/175)

عليه بالحرم الشريف، وبين قبره وقبر النبى صلى الله عليه وسلم خمسة عشر ذراعا.
وأما سيرته رحمه الله فكان [الوزير جمال الدين محمد بن على] أسخى الناس وأكثرهم بذلا للمال، رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم، فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف «1» بمنى وغرم عليه أموالا كثيرة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة وأذهبها وعملها بالرخام. ولما أراد ذلك أرسل إلى المتقى لأمر الله هدية جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة، وخلعا ثنية، منها عمامة شراها بثلثماية دينار، حتى مكنه من ذلك. وعمر أيضا المسجد الذى على جبل عرفات، والدرج الذى يصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدة فى صعودهم. وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء، وأجرى الماء إليها عن نعمان فى طرق معمولة تحت الأرض. وأخرج على ذلك مالا كثيرا وكان يجرى الماء فى المصانع فى كل سنة أيام الحج. وبنى سورا على مدينة النبى صلى الله عليه وسلم. وعلى فيد.
وكان يخرج على باب داره فى كل يوم للصعالك والفقراء ماية دينار أميرى؛ هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت. ومن أبنيته العجيبة التى لم ير الناس مثلها الجسر الذى
(27/176)

بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلز فقبض قبل أن تكمل عمارته وبنى أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالأرفاد، وبنى الربط. وقصده الناس من أقطار الأرض. وكانت صدقاته وصلاته من أقاصى خراسان إلى حدود اليمن، وكان يشترى الأسرى فى كل سنة بعشرة آلاف دينار، هذا من الشام حسب، سوى ما يشترى من الكرج.
وقال ابن الأثير: أيضا حكى لى والدى عنه قال كثيرا ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه فى خبز بين يديه. فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده على. فاتفق أنه فى بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين، وكنت أتولى ديوانها، وحمل جاريته أم ولده إلى دارى لتدخل الحمام، فبقيت فى الدار أياما. فبينما أنا عنده فى الخيام، وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل. ثم تفرق الناس فقمت فقال:
«اقعد» فقعدت. فلما خلا المكان قال لى: «قد آثرتك اليوم على نفسى، فإننى فى الخيام ما يمكننى أن أفعل ما كنت أفعله. خذ هذا الخبر واحمله أنت فى كمك فى هذا المنديل، واترك الحماقة من رأسك، وعد إلى بيتك، فإذا رأيت فى طريقك فقيرا يقع فى نفسك أنه مستحق، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام» قال: ففعلت ذلك، وكان معى جمع كثير ففرقتهم فى الطريق لئلا يرونى أفعل ذلك، وبقيت فى غلمانى، فرأيت فى موضع إنسانا أعمى وعنده أولاد له وزوجته، وهم من الفقر على حال شديد، فنزلت عن دابتى إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه. وقلت للرجل تجيىء غدا بكرة إلى دار فلان، أعنى دارى- ولم أعرفه نفسى- فإننى آخذ لك
(27/177)

من صدقة جمال الدين شيئا. ثم ركبت إليه العصر، فلما رآنى قال: «ما الذى فعلت فى الذى قلت لك» فأخذت أذكر له شيئا يتعلق بدولتهم فقال: «ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك عن الطعام الذى سلمته إليك» فذكرت له الحال ففرح، ثم قال: «بقى أنك قلت للرجل يجىء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجرى لهم كل شهر دنانير» قال: فقلت له: «قد قلت للرجل يجى إلى» فازداد فرحا وفعل للرجل ما قال. ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض.
قال: وله من هذا كثير. فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه فى بعض السنين التى تعذرت فيها الأقوات.
ولما وقفت على ترجمته لهجت بالترحم عليه، وقرأت ختمة شريفة فى شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبعماية وسألت الله تعالى أن يسطر ثوابها فى صحيفة حسناته، وقررت ذلك على نفسى فى كل سنة فى شهر رمضان وأرجو أن لا أقطعها ما لم أنس ذلك، رحمه الله تعالى.
ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين
وفى سنة ثلاث وستين وخمسماية فارق زين الدين على بن بكتكين النايب عن قطب الدين خدمته، وسار إلى أربل. وكان هو الحاكم فى الدولة وأكثر البلاد بيده، ومنها أربل وبها أهله وأولاده وخزانته، وشهرزور وجميع القلاع التى معها، وجميع بلاد الهكارية وبلد الحمدية، وتكريت وسنجار، وحران، وقلعة الموصل هو بها. وكان قد أصابه طرش ثم عمى، فما عزم على
(27/178)

مفارقة الموصل إلى بيته بأربل، سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين، وبقى معه أربل خاصة. وكان شجاعا عاقلا حسن السيرة سليم القلب ميمون النقيبة، ما انهزم من حرب قط. وكان كريما كثير العطاء للجند وغيرهم، فمن عطاياه أن الحيص بيص الشاعر قد امتدحه بقصيدة، فلما أراد إنشادها قال له: «أنا لا أعرف ما تقول ولكنى أعلم ما تريد» وأمر له بخمسمائة دينار وخلعة وفرس فكان مجموع ذلك بألف دينار. ولم يزل بأربل إلى أن مات بها فى هذه السنة.
ولما فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد المسيح وحكمه فى البلاد، فعمر القلعة وكانت خرابا لأن زين الدين كان قليل الالتفات إلى العمارة. وسار عبد المسيح سيرة شديدة وسياسة عظيمة وكان خصيا أبيض من مماليك أتابك زنكى.
ذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين غازى
كانت وفاة قطب الدين مودود بن زنكى بالموصل فى ذى الحجة سنة خمس وستين وخمسماية، وقيل فى شوال منها. وكان مرضا حمى حادة فكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهورا. وكان من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال الرعية، كثير الإنعام والإحسان إليهم، محبوبا إلى كبيرهم، وصغيرهم عطوفا على شريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق. ولما مات رحمه الله تعالى ملك بعده ولده سيف الدين غازى.
(27/179)

ذكر أخبار سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى
ملك الموصل وما كان بيد والده قطب الدين بعد وفاته فى ذى الحجة أو شوال سنة خمس وستين وخمسماية؛ بوصية من أبيه. وكان والده قد أوصى بالملك بعده لولده الأكبر عماد الدين زنكى، فعرف عبد المسيح رأيه عنه. فلما كان فى اليوم الثانى استخلف سيف الدين غازى، فاستقر فى الملك بعد وفاة أبيه، واستولى عبد المسيح على المملكة. ولم يكن لغازى معه غير الاسم، فاتصل ذلك بنور الدين محمود، فأزعجه وأنف منه وكبر لديه، فسار إلى الموصل سنة ست وستين ودخلها من غير قتال. وكان الجند والعوام قد كاتبوه فى تسليم البلد إليه. فلما علم بذلك عبد المسيح كاتبه أيضا وسأله الأمان، فأمنه وقال: «لا سبيل أن يكون بالموصل» ؛ ونقله إلى الشام ودخل نور الدين الموصل فى ثالث عشر جمادى الأولى.، وأقر سيف الدين غازى على الموصل، وولى القلعة خادما يقال له سعد الدين كمشتكين، وجعله دزدارا ثم عاد إلى الشام رحمه الله.
ذكر ملك سيف الدين غارى البلاد الجزيرية
كان سبب ذلك أن عمه الملك العادل نور الدين قد استدعاه بعساكر الموصل وديار الجزيرة وغيرها لقصد الغزاة فسار سيف الدين غازى وجعل على مقدمته سعد الدين كمشتكين. فلما كانوا ببعض
(27/180)

الطريق، وافاهم الخبر بوفاة نور الدين، فهرب سعد الدين جريدة، واستولى غازى على بركه وثقله وموجوده. وعاد إلى نصيبين فملكها، وأرسل الشحن إلى الخابور، واستولى عليه وأقطعه. وسار إلى حران فحصرها عدة أيام، وبها قايماز الحرانى مملوك نور الدين، فأطاعه بعد امتناع على أن تكون حران له. فلما نزل إليه، قبض عليه سيف الدين غازى، وسار إلى الرها فحصرها وملكها، وبها خادم خصى أسود لنور الدين، فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر، فأعطيها ثم أخذت منه، ثم انتهى حاله إلى أن استعطى ما يقوم به.
وسير سيف الدين إلى الرقة، فملكها وملك سروج وجميع بلاد الجزيرة، إلا قلعة جعبر لحصانتها، ورأس عين لأنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين. وعاد عبد المسيح إلى خدمة سيف الدين من سيواس، وحسن لسيف الدين العبور إلى الشام ليملكه، فأشار عليه عز الدين محمود- وهو من أكابر الأمراء- أن يقتصر على ما بيده، فرجع إليه وعاد إلى الموصل، وذلك فى سنة تسع وستين وخمسماية
ذكر حصره أخاه زنكى بسنجار
وفى سنة سبعين وخمسماية فى شهر رمضان حصر سيف الدين غازى أخاه عماد الدين زنكى بسنجار. وكان سبب ذلك أن الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين كتب إلى [ابن عمه] سيف الدين
(27/181)

[غازى] «1» يستحثه على الوصول إليه ليدفع الملك الناصر صلاح الدين يوسف عن حلب، فجمع سيف الدين غازى العساكر، وكاتب [أخاه] عماد الدين فى اللحاق به. وكان صلاح الدين قد كاتبه وأطمعه فى الملك، فامتنع عماد الدين بسبب ذلك. فجهز سيف الدين العساكر مع أخيه عز الدين مسعود إلى الشام. وتوجه هو [سيف الدين] لحصار أخيه بسنجار، فحصرها، وبينما هو كذلك، إذ أتاه الخبر بانهزام أخيه مسعود من صلاح الدين، فراسل حينئذ أخاه عماد الدين وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل. ثم كان بين سيف الدين وبين الملك الناصر [صلاح الدين] ما نذكره فى أخبار الملك الناصر من هزيمة غازى فى سنة إحدى وسبعين.
ورجع [سيف الدين] إلى الموصل. وعزل عز الدين زلفندار «2» استعمل مكانه فى إمارة الجيش مجاهد الدين قايماز.
وفى سنة اثنتين وسبعين وخمسماية عصى شهاب الدين محمد بن مروان «3» صاحب شهرزور على سيف الدين غازى وكان قبل ذلك فى طاعته، فراسله فى معاودة الطاعة. فعاد وحضر إلى الخدمة
(27/182)

ذكر وفاة سيف الدين غازى
كانت وفاته فى ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية وكان مرضه السل، فطال به، ثم أدركه سرنيام «1» فمات، وعمره نحوا من ثلاثين سنة، وكانت مدة ولايته عشر سنين وشهورا وكان حسن الصورة تام القامة أبيض اللون. وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس ولم يذكر عنه فى نفسه ما ينافى العفاف. وكان شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدام الصغار فإذا كبر أحدهم منعه. وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموال على شحه وجبنه.
ولما اشتد مرضه أوصى بالملك لولده معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتى عشرة «2» سنة، فخاف على الدولة من ذلك، لتمكن صلاح الدين يوسف بالشام، وامتنع عز الدين مسعود من الموافقة والأيمان. فأشار الأمراء أن يكون الملك بعده لعز الدين مسعود أخيه. ففعل، وجعل لولده سنجرشاه جزيرة ابن عمر وقلاعها، وجعل قلعة الحميدية لولده الصغير ناصر الدين كسك «3»
(27/183)

ذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى
ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازى فى ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية، وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايماز. وفى سنة سبع وسبعين كانت وفاة الملك الصالح اسماعيل، وأوصى بحلب لعز الدين مسعود كما ذكرناه فى أخباره. فكاتبه الأمراء بذلك واستدعوه لتسليمها. فسار إليها ومعه مجاهد الدين قايماز، فدخلها فى العشرين من شعبان منها وأقام بحلب عدة شهور ثم سار إلى الرقة.
ذكر تسليم حلب الى عماد الدين زنكى وأخذ سنجار عوضا عنها
قال: ولما فارق عز الدين مسعود حلب ووصل إلى الرقة، جاءته رسل أخيه عماد الدين زنكى صاحب سنجار يطلب منه أن يسلم إليه مدينة حلب ويأخذ سنجار، فلم يجب إلى ذلك، فراسله مرة أخرى وألح فى طلبها، وقال متى لم تسلم إلى حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين، فأشار [الأمراء] «1» بتسليمها إليه فسلمها له، وتسلم سنجار، وعاد إلى الموصل.
(27/184)

ذكر القبض على مجاهد الدين قايماز
وفى جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وخمسمائة قبض عز الدين مسعود على نائبه مجاهد الدين قايماز. ولما قصد القبض عليه لم يقدم عليه مفاجأة لقوة مجاهد الدين، فأظهر المرض وانقطع عن الركوب فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان خصيصا به لا يمنع من الدخول على النساء. فقبض عليه وركب لوقته إلى القلعة. واحتوى على أموال وقايماز وخزائنه، وولى زلفندار قلعة الموصل وجعل شرف الدين أحمد بن أبى الخير- وهو ابن أمير حاجب العراق- أمير حاجب، وحكمه فى دولته. وكانت أربل وأعمالها تحت حكم مجاهد الدين، ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين على، وهو صبى صغير.
وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن عمر وهى لمعز الدين سنجرشاه ابن سيف الدين غازى، وهو صبى أيضا؛ وبيده شهرزور وأعمالها ونوابه بها، ودقوقا، وقلعة عقر الحميدية ونائبه بها. ولم يكن مع عز الدين إلا الموصل خاصة وقلعتها لمجاهد الدين «1» . فلما قبض امتنع صاحب أربل عن الطاعة، واستبد صاحب الجزيرة وأرسل الخليفة من حصر دقوقا وأخذها، ولم يحصل لعز الدين غير شهرزور والعقر، وصارت أربل والجزيرة أضر شىء عليه وأرسل صاحب أربل إلى الملك الناصر صلاح الدين بالطاعة له، وقوى طمع الملك الناصر فى الموصل لما قبض على مجاهد الدين، فلما
(27/185)

رأى عز الدين ما حصل من الضرر والفساد بسبب قبض مجاهد الدين، قبض على شرف الدين أحمد الحاجب وزلفندار، عقوبة لهما كونهما حسنا له القبض على قايماز.
ذكر اطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم
قال: وفى المحرم سنة ثمانين وخمسماية أطلق عز الدين مسعود مجاهد الدين قايماز، وذلك بشفاعة شمس الدين بن البهلوان صاحب همذان وبلاد الجبل. ولما أطلقه سيره إلى ابن البهلوان وإلى أخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين. فبدأ فى مسيره بقزل وهو صاحب أذربيجان، فلم يمكنه من المضى إلى شمس الدين، وقال:
«مهما يختار أنا أفعله» وجهز معه ثلاثة آلاف فارس، وساروا نحو أربل ليحصروها. فلما قاربوها أفسدوا فى البلاد وخربوها، وسبوا وأخذوا النساء قهرا، ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم.
وسار إليهم زين الدين يوسف صاحب أربل فى عسكره، فلقيهم وهم قد تفرقوا للنهب، فانتهز الفرصة وقاتل من لقى منهم، فهزمهم وتمت الهزيمة على العجم، وغنم الإربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وعاد العجم إلى بلادهم، وعاد مجاهد الدين إلى الموصل، وكان يقول: مازلنا ننتظر العقوبة من الله عز وجل على سوء فعل العجم» .
(27/186)

ذكر وفاة عز الدين مسعود
كانت وفاته فى التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ودفن بالمدرسة التى أنشأها بالموصل مقابل دار المملكة وبقى فى مرضه ما يزيد على عشرة أيام لا ينطق إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن والاستغفار. وكانت مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة وسبعة أشهر إلا أياما. وكان خيّر الطبع كثير الخير والإحسان وزيارة الصلحاء وبرهم. وكان حليما قليل المعاقبة كثير الحياء لا يكلم جلساءه إلا وهو مطرق. وما قال فى شيئ سئله «لا» ولبس خرفه التصوف «1» بمكة، وكان يلبسها فى كل ليلة، ويخرج إلى مسجد بناه فى داره فيصلى فيه نحو ثلث الليل، رحمه الله.
وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وقام بتدبير دولته فى ابتدائها مجاهد الدين قايماز مدبر دولة والده، واستمر نور الدين أرسلان شاه فى الملك إلى سنة سبع وستماية، فتوفى فى أوائل شهر ربيع منها، ودفن فى مدرسته التى أنشأها مقابل داره بالموصل. وكانت علته قد طالت، وكانت مدة ملكه سبع عشرة «2» سنة وأحد عشر شهرا. وكان بينه وبين الملك
(27/187)

العادل بن أيوب مخالفة، ثم اتفاق ومصاهرة. وكان شهما شجاعا ذا سياسة للرعايا شديدا على أصحابه مانعا من تعدى بعضهم على بعض.
ولما مات ملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى. وكان والده قد حلّف له العساكر وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكى قلعة عقر الحميدية»
وقلعة سوس وأمر أن يتولى تدبير دولة القاهر فتاه بدر الدين لؤلؤ، فقام بتدبير الدولة والنظر فى مصالحهما. واستمر الملك القاهر فى الملك إلى سنة خمس عشرة وستماية، فتوفى فى ليلة الأثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول منها، فكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر. وكان كريما قليل الطمع فى أموال رعيته مقبلا على أمرائه. وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه ملك الموصل، بوصية من أبيه. وكان عمره يوم ذاك عشر سنين. وجعل الوصى عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ فقام أحسن قيام وراسل الملوك أصحاب الأطراف المجاورين له، وطلب منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التى كانت اتفقت بينهم وبين أبيه، فوافقوه. وكتب إلى الديوان العزيز، فجاءته الخلع والتقليد من الخليفة بولاية نور الدين. ونظر بدر الدين فى أمور الدولة فلم يلبث نور الدين إلى أن توفى فى هذه السنة.
(27/188)

ولما مات استحلف بدر الدين لؤلؤ العساكر لأخيه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه، وله من العمر ثلاث سنين. واستمر بدر الدين لؤلؤ فى تدبير الدولة، فتجدد طمع عز الدين زنكى بن مسعود ومظفر الدين عمّيه فى ملك الموصل لصغر سنة، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة، وقصدا أطراف الموصل بالنهب والفساد، فخرج إليهم بدر الدين لؤلؤ بعساكر الموصل، والتقوا، فكانت الهزيمة على العسكر البدرى، وعاد إلى الموصل وتبعه مظفر الدين، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك واستقر كل واحد على ما بيده. ثم ملك عماد الدين قلعة كواشى «1» وهى من أحسن قلاع الموصل.
ثم مات ناصر الدين محمود بعد مدة يسيرة، واستقر بدر الدين لؤلؤ بملك الموصل، وتلقب بالملك الرحيم ودامت أيامه إلى أن توفى فى سنة سبع وخمسين وستماية، فكانت مدة ملكه نحو أربعين سنة، وملك بعده أولاده، فكان الذى استقل بملك الموصل من أولاده الملك الصالح ركن الدين إسمعيل، قتله التتار فى سنة تسع وخمسين وستماية، وملك ولده الملك المجاهد سيف الدين إسحاق بلاد الجزيرة؛ وملك الملك المظفر علاء الدين على سنجار. ولما استولى التتار على هذه الممالك وصل هؤلاء إلى الديار المصرية المحروسة فى أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وجهزهم صحبة فى أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وجهزهم صحبة الخليفة المستنصر بالله؛ فكان من أمره وأمرهم ما ذكرناه ونذكره
(27/189)

إن شاء الله تعالى؛ فلنرجع إلى ذكر أخبار عماد الدين زنكى بن مودود.
ذكر أخبار عماد الدين زنكى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن اقسنقر
إستقر ملكه بسنجار بعد وفاة أبيه واستقلال أخويه سيف الدين غازى ثم عز الدين مسعود بملك الموصل، ثم تعوض عماد الدين بحلب عن سنجار كما قدمنا ذكره فى أخبار عز الدين مسعود.
ثم أخذ الملك الناصر يوسف منه حلب، وعوضه عنها بسنجار وربض الخابور والرقة، على ما نبينه إن شاء الله فى أخبار الملك الناصر فاستقر ملكه أخيرا بسنجار وما معها فى سنة تسع وسبعين وخمسماية ولم يزل بها إلى أن توفى فى المحرم سنة أربع وتسعين وخمسماية وكان عادلا حسن السيرة فى رعيته عفيفا عن أموالهم، كثير التواضع، يحب أهل العلم والدين، ويجلس معهم، ويرجع إلى آرئهم إلا أنه كان شديد البخل.
ولما مات ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى.
وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برنقش مملوك أبيه، وكان دينا خيرا عادلا حسن السيرة. واستمر ملك قطب الدين بسنجار إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفى فى ثامن صفر منها. وكان كريما حسن السيرة فى رعيته كثير الإحسان إليهم. وكان قد سلم الأمور إلى نوابه.
(27/190)

ولما مات ملك بعده ابنه عماد الدين شاهان شاه بن محمد.
ولما ملك سار بعد شهور إلى تلعفر «1» ، وهى فى مملكته فدخل عليه أخوه عمر بن محمد فى جماعة فقتلوه.
وملك عمر بن محمد- وهو فروخ شاه- فبقى بسنجار إلى أن أخذها الملك الأشرف فى سنة سبع عشرة وستماية، وعوضه عنها الرقة. وهو آخر من ملك سنجار من البيت الأتابكى، فكانت مدة ملكهم لها أربعا وتسعين سنة. وتوفى بعد أخذها منه بقليل.
فلنذكر أخبار أولاد غازى.
ذكر أخبار معز الدين سنجرشاه ابن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى
ملك جزيرة ابن عمر بعد وفاة والده فى صفر سنة ست وسبعين وخمسماية. وكان كثير الأذى لعمه عز الدين مسعود، فحاصره مسعود فى سنة سبع وثمانين أربعة أشهر، واستقرت القاعدة بينهما على أن يكون لكل منهما نصف أعمال الجزيرة، وتكون الجزيرة بيد سنجرشاه فى جملة النصف. ودام ملكه بالجزيرة إلى أن قتل.
(27/191)

ذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود
كان قتله فى سنة خمس وستماية على يد ولده غازى. وسبب ذلك أن سنجرشاه كان سى السيرة فى رعيته وأولاده وجنده وغيرهم، فكان من جملة ما اعتمده مع أولاده أنه بعث ابنيه «1» محمودا وسودودا إلى قلعة فرح «2» من بلد الزوزان «3» وأخرج ابنه غازى إلى دار بالمدينة أسكنه بها ووكل به من يمنعه من التصرف وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية فكان يدخل إليها من البستان الحيات والعقارب وغير ذلك من الحشرات، فاصطاد غازى حية وسيرها إلى أبيه لعله يرق له ويعطف عليه، فلم يزده إلا تماديا وإصرارا. فعندها أيس من خيره وأعمل الحيلة حتى نزل من الدار، ووضع إنسانا كان يخدمه أظهر أنه غازى، وخرج من بلاد الجزيرة وقصد الموصل. فشاع الخبر أن غازى قد توجه إلى الموصل وهو مختلف بالجزيرة ما خرج منها، ثم أعمل الحيلة وتسلق فنزل إلى دار أبيه، فستر عليه سرارى والده لبغضهم فى أبيه. ثم اتفق أن والده شرب فى بعض الأيام وسكر ودخل الخلاء، فضربه ابنه غازى هذا بسكين فقتله، ثم ذبحه وتركه ملقى وقعد يلعب مع الجوارى.
.
(27/192)

فخرج بعض الخدم الصغار إلى باب الدار وأعلم أستاذ الدار بالخبر فأحضر أعيان الدولة، وعرفهم الأمر وأغلق الأبواب على غازى واستحلف الناس لمحمود بن سنجرشاه ودخل على غازى فمانع عن نفسه ثم قتلوه ورمى على باب الدار، وأكلت الكلاب بعضه ودفن باقيه.
ووصل محمود إلى البلد وملك ولقب معز الدين لقب أبيه.
وغرّق الجوارى اللوائى اتفقن مع غازى على قتل أبيه فى دجلة. ثم قتل محمود أخاه مودودا بعد مدة يسيرة.
ثم استقرت هذه الممالك الجزيرية وغيرها فى يد بدر الدين لؤلؤ وهو الملقب بالملك الرحيم، وملك أولاده من بعده إلى أن استولى عليها التتار فى سنة سبع وخمسين وستماية. هذا ملخص ما وصل الينا من أخبار هذه الدولة فلنذكر ما عداها.
(27/193)

الباب الحادى عشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية
الدولة الخوارزمية هى من أعظم الدول الإسلامية والدولة الجنكزخانية هى دولة التتار وإنما جمعناهما فى باب واحد لتعلق كل دولة منهما بالأخرى، ولأن الدولة الخوارزمية انقرضت عند قيام الجنكزخانية، وغلبة جنكزخان التمرجى على البلاد على ما نشرح ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.
(27/195)

ذكر أخبار الدولة الخوارزمية وابتداء أمر ملوكها وظهورهم وما استولوا عليه من البلاد والأقاليم وما كان بينهم وبين الملوك من الحروب والوقائع
وهذه الدولة هى من جملة فروع الدولة السلجقية لأن أصل البيت الخوارزمى من مماليك أحد أمراء الدولة السلجقية، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ولنبدأ بذكر ابتداء أمر ملوكها. وأول من نبغ منهم وترشح للولايات وما وليه وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملكوا أقاصى البلاد وأدانيها وما آل إليه أمرهم إلى حين انقراض دولتهم، فنقول:
أول من نبغ منهم خوارزم شاه محمد بن انوشتكين «1» ولى خوارزم من قبل أمير (داذ) «2» حبشى متولى خراسان فى شهر رجب سنة تسعين وأربعماية وأبوه انوشتكين مملوك الأمير تلكاتك «3» أحد أمراء السلجقية، إشتراه من رجل من غرشستان «4» . وكان
(27/197)

حسن الطريقة كامل الأوصاف فكبر وعلا محله، وولد له محمد هذا، فانتشأ أحسن نشأة، وتعلم وتدرب، وتقدم بنفسه كما قيل:
نفس عصام سودت عصاما. ولحظته العناية الأزلية لظهور ما هو كامن فى الغيب.
وكان سبب ولايته خوارزم أنه لما ولى أمير داذ حبشى خراسان كان خوارزم شاه البلخى قد قتل «1» فنظر الأمير حبشى فيمن يوليه خوارزم، فوقع اختياره على محمد هذا، فولاه خوارزم، ولقبه خوارزم شاه على عادة ولاة خوارزم فقصر أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين، فازداد ذكره حسنا وظهر اسمه، وعلا محله فلما ملك السلطان سنجرشاه السلجقى خراسان أفر محمد على ولاية خوارزم وظهرت كفايته فعظم محله عند السلطان سنجر، واصطلى حرب الأتراك بنفسه، وهزمهم ودام فى ولاية خوارزم إلى أن توفى فى سنة [إحدى وعشرين وخمسمائة «2» وولى بعده ولده اتستز بن محمد.
ذكر أخبار خوارزم شاه اتسز بن محمد
ولى خوارزم من قبل السلطان سنجر بعد وفاة أبيه. وكان قد انتشأ فى حياة أبيه، وقاد الجيوش، وقصد بلاد الأعداء وقاتلهم
(27/198)

وملك مدينة منقشلاغ «1» . فلما مات أبوه ولاه السلطان بعده، فأفاض العدل، وأمن البلاد، فأحبه السلطان سنجر وقربه وأدناه وعظمه واعتضد به، واستصحبه معه فى أسفاره وحروبه؛ فظهرت- كفايته فزاده تقدما وتقريبا. ولم يزل عنده فى هذه النزلة إلى أن فسد ما بينهما واقتتلوا على ما نذكره.
ذكر الحرب بين خوارزم شاه اتسز والسلطان سنجر السلجقى، واستيلاء سنجر على خوارزم، وما كان من أمر اتسز الى أن استقر الصلح بينه وبين السلطان سنجر
وكانت الحرب بينهما فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية.
وسبب ذلك أن السلطان بلغه أن خوارزم شاه أتسز قد عزم على الخروج من طاعته والامتناع عليه، فقصد خوارزم بعساكره فلما قاربها جمع أتسز عساكره وخرج لقتاله. والتقوا، فلم يكن له قبل بعساكر سنجر لكثرتها، فانهزم هو ومن معه وقتل من أصحابه خلق كثير، وقتل له ولد، فوجد اتسز عليه وجدا عظيما.
ولما انهزم السلطان اتسز ملك سنجر خوارزم وأقطعها لابن أخيه سليمان شاه بن محمد على ما قدمناه فى أخبار الدولة السلجقية.
ثم عاد السلطان إلى مرو فجمع خوارزم شاه أصحابه ورجع إلى خوارزم فأعانه أهلها على ملكها، ففارقها سليمان شاه ومن معه، ورجع إلى
(27/199)

عمه السلطان سنجر، واستحكمت العداوة بين السلطان سنجر وأتسز، وعلم أتسز أنه لا قبل له به، فكاتب ملك الخطا «1» بما وراء النهر، وحثه على المسير لقتال السلطان سنجر وأطمعه فى ملك بلاده. فسار ملك الخطا فى ثلثماية ألف فارس، وكان من انهزام سنجر، وملك الخطا ما وراء النهر ما قدمنا ذكره فى أخبار سنجر، وذلك فى سنة ست وثلاثين وخمسماية.
ولما تمت الهزيمة على سنجر استولى خوارزم شاه اتسز على البلاد وقصد خراسان فوصل إلى سرخس «2» فى شهر ربيع الأول من السنة ورحل منها إلى مرو الشاهجان «3» ، فنزل بظاهر البلد واستدعى الفقهاء والأعيان، فثار عامة مرو، وقتلوا بعض أصحاب خوارزم شاه وأخرجوهم من البلد، وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع، فقاتلهم، ودخل البلد فى سابع عشر الشهر، وقتل جماعة كثيرة من أعيان البلد، وعامتهم واستصحب جماعة من فقهائها معه، وسار فى شوال إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء والزهاد، وسألوه أن لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو. فأجابهم
(27/200)

إلى ذلك، وأخذ أموال أصحاب السلطان جميعها، وقطع خطبة سنجر وخطب لنفسه، وسير جيشا إلى أعمال بيهق «1» فقاتلوا أهلها خمسة أيام ثم ساروا ينهبون البلاد.
واستمرت حال خوارزم شاه أتسز إلى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية فجمع السلطان عساكره وسار إلى خوارزم، فتحصن أتسز بها، وجمع عساكره ولم يخرج من المدينة. وكان القتال يقع بينهما من وراء السور. ثم راسل السلطان فعفا عنه وبذل له الأموال، فأجابه إلى ذلك على قاعدة استقرت بينهما، وعاد سنجر إلى مرو واستقر خوارزم شاه بخوارزم، إلى أن مات وكانت وفاته فى تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وكان قد أصابه فالج فعالجه الأطباء منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير رأى الأطباء، فاشتد مرضه وضعفت قوته فمات.
ولهج عند موته بقوله تعالى: «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ»
«2» وكان حسن السيرة، كافا عن أموال رعيته، محبوبا إليهم.
ولما توفى ملك بعده أحد أولاده، فقتل نفرا من أعمامه وسمل أخا له، فمات بعد ثلاثة أيام، وقيل بل قتل نفسه. وملك بعده أيل «3» أرسلان بن اتسز بن محمد، وأرسل إلى السلطان سنجر، وبذل له الطاعة والانقياد لأمره. فكتب له منشورا بولاية خوارزم،
(27/201)

وسير إليه الخلع فى شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسماية، وذلك بعد هرب سنجر من أمر الغزو، وعوده إلى مرو واستقرار ملكه. فأمن أيل أرسلان بهذه الولاية واستمر إلى سنة ثمان وستين وخمسماية فتوفى بعد عوده من قتال الخطا. ولما مات ملك بعده ولده السلطان شاه.
ذكر ملك سلطان شاه محمود بن ايل أرسلان ابن اتسز بن محمد، واخراجه من الملك، وملك أخيه علاء الدين تكش
لما مات ايل أرسلان ملك بعده ولده سلطان شاه محمود، ودبرت والدته المملكة والعساكر. وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما بجند «1» وكان والده أقطعها له، فأنف من تولية أخيه الصغير وتقديمه عليه، وقصد ملك الخطا بما وراء النهر، واستمده على أخيه، وأطمعه فى الأموال والذخاير، فجهز معه جيشا كثيفا. فلما قارب خوارزم، خرج منها سلطان شاه وأمه، وسارا إلى المؤيد صاحب نيسابور واستنجداه. ودخل علاء الدين تكش خوارزم وملكها بغير قتال.
ولما اجتمع السلطان شاه وأمه بالمؤيد أهديا له هدايا جليلة، وأطمعاه فى الذخائر والأموال، فجمع جيوشه وسار حتى بقى من
(27/202)

خوارزم على عشرين فرسخا، فتقدم إليهم تكش بعساكره، فانهزم المؤيد، ثم أخذ أسيرا وجىء به إلى خوارزم شاه تكش، فقتل بين يديه صبرا. وهرب سلطان شاه إلى دهستان. «1» فقصده تكش، وافتتح المدينة عنوة، وهرب سلطان شاه منها، وأخذت أمه فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم وتوجه سلطان شاه إلى غياث الدين ملك الغز فأكرمه وعظمه.
قال: ولما ثبت قدم علاء الدين فى الملك ترادفت عليه رسل ملك الخطا بالتحكم فى بلاده، وطلب الأموال والمقترحات، لأنهم رأوا أنهم هم الذين ملكوه، فأنفت نفسه من ذلك، وداخلته حمية الإسلام والملك، فقتل أحد أقارب ملك الخطا، وأمر وجوه أهل خوارزم أن يقتل كل رجل منهم واحدا من الخطا ففعلوا. ونبذ عهد ملك الخطا. فبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واستنجده على أخيه وزعم أن أهل خوارزم معه، وأنه إذا وصل إليهم سلموا إليه البلد، فجهز معه جيشا كثيفا من الخطا، فسار بهم وحصر خوارزم، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا عن البلد ولم يبلغوا منها غرضا، وندموا على قصدهم خوارزم.
ولم يزل سلطان شاه مشردا فى البلاد، تارة عند الخطا، وتارة عند غياث الدين، وكرة يغار بالخطا على مرو وسرخس إلى أن مات فى شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسماية.
(27/203)

ذكر ملك تكش مدينة بخارى من ملك الخطا
وفى سنة أربع وتسعين وخمسماية جهز ملك الخطا جيشا كثيفا لحصر خوارزم، فحصروها. فكان خوارزم شاه يخرج إليهم فى كل ليلة، ويقتل منهم خلقا كثيرا، حتى أتى على أكثرهم، فدخل من بقى منهم إلى بلادهم. ورحل تكش فى آثارهم، وقصد مدينة بخارى فنازلها، ففاتله أهلها مع الخطا، وانتهى حالهم فى نكايته أنهم أخذوا كلبا أعور وألبسوه قباء وقلنسوة وقالوا هذا خوارزم شاه وكان تكش أعور- وطافوا بالكلب على السور، ثم رموه بالمنجنيق، وقالوا للعسكر هذا ملككم. ثم ملك تكش البلد عنوة بعد أيام يسيرة وعفا عن أهله، وأحسن إليهم وفرق فيهم مالا كثيرا، وأقام بها مدة ثم عاد إلى خوارزم..
وفى سنة خمس وتسعين وخمسماية وصلت الخلع من جهة الخليفة إلى خوارزم شاه تكش ولولده قطب الدين محمد والتقليد بما بيده من البلاد، فلبسا الخلع، واشتغل تكش بقتال الملاحدة «1» فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان [كشاى] «2» وانتقل
(27/204)

إلى حصار الموت. ثم عاد إلى خوارزم، وأمر ولده قطب الدين بحصار قلعة نرشيش «1» من حصون الملاحدة، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة وصالحوه على ماية ألف دينار، ففارقها وأجابهم إلى الصلح لما بلغه من مرض أبيه. ورحل عنها، وعاد إلى خوارزم فمات والده قبل وصوله إليه.
ذكر وفاة خوارزم شاه تكش
كانت وفاته فى العشرين من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية بشهر ستانه «2» بين نيسابور وخوارزم. وكان قد سار من خوارزم لقصد خراسان وبه مرض الخوانيق، فاشتد مرضه ومات. ولما اشتد به المرض أرسل من معه إلى ولده قطب الدين يستدعونه، فوصل بعد وفاة أبيه، وتولى الملك، ولقب بلقب أبيه علاء الدين خوارزم شاه، وأمر بحمل أبيه إلى خوارزم، فحمل إليها ودفن فى تربة كان قد عملها فى المدرسة التى بناها، وكان عادلا سن السيرة وله معرفة وعلم. وكان حنفى المذهب ويعرف الأصول رحمه الله تعالى.
(27/205)

ذكر أخبار السلطان علاء الدين أبى الفتح محمد ابن علاء الدين تكش بن ألب أرسلان بن أتسز ابن محمد بن أنوشتكين
وهو الذى عظم من ملوك هذه الدولة شأنه، وكثرت جيوشه وأعوانه، وشاع بين الملوك ذكره، وعم الممالك نهيه وأمره، واجتمع فى ملكه ما افترق لغيره من الممالك، وتسهل لديه ما شسع على من سواه من المسالك، ودان لطاعته ملوك الأقطار، فتساوى عنده الآمر والمأمور، والمملوك والمالك.
قال شهاب الدين محمد بن أحمد بن على المنشى النسوى. «1»
فى تاريخه، أنه ضم إلى ما ورثه من أبيه من ملك خراسان وخوارزم والعراق ومازندران «2» ؛ وضم إلى هذه الواسطة كرمان ومكران وكيش وسجستان وبلاد الغور وغزنة وباميان «3» إلى ما يليها من الهند بأغوارها وأنجادها، والسيوف مهملة فى أغمادها، والعواتق
(27/206)

معطلة فى نجادها، ملكها بالهيبة عفوا صفوا، وملك عن الخطاية «1» وغيرهم من ملوك الترك، وقروم «2» ما وراء النهر ما يقارب أربعماية مدينة. وخطب له على منابر فارس وأران «3» وأذربيجان إلى مايلى در بند شروان.
قال: واشتملت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعماية ألف فارس، فلما عظم شأنه وتمكن سلطانه تطاول إلى طلب ملك آل سلجوق والحكم ببغداد، وتكررت مراسلاته إلى الخليفة فلم يجب إلى ذلك، فاحتفل بهذا الأمر، فكان من جملة ذلك أن بطل النوب الخمس التى كانت تضرب على أبواب الملوك فى أوقات الصلوات الخمس على عادة من تقدمه «4» ، وجعلها إلى أولاد السلاطين يضربونها فى الأقاليم التى سماها لهم على أبواب دور السلطنة واختص هو بضرب نوبة الاسكندر ذى القرنين- وهى عند طلوع
(27/207)

الشمس وعند غروبها- واستعمل بهذه النوبة سبعا «1» وعشرين دبدبة من الذهب ورصعها بأنواع الجواهر؛ وكذلك جمع ما يحتاج إليه من الآلات. ونص فى أول يوم اختاره لضربها على سبعة وعشرين ملكا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين ليسمع بذلك. وكان منهم ابن طغرل السلجقى، وأولاد غياث الدين صاحب الغور وغزنة والهند، والملك علاء الدين صاحب باميان والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ «2» ، والملك سنجر صاحب بخارى، وأشباه هؤلاء وأعوزه لتمام سبعة وعشرين ملكا فكملهم بابن أخيه أدبزخان «3» ، ووزير الدولة نظام الملك ناصر الدين محمد بن صالح، فهؤلاء الذين ضربوها فى اليوم الذى اختير لضربها فشغله عن ملك بغداد حادثة التتار، وهى الداهية العظمى؛ على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وها نحن نذكر سياقه أخباره وابتداء سلطنته فنقول:
كان ابتداء ملكه بعد وفاة أبيه فى العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية. ولما ملك استدعى أخاه على شاه ابن تكش عن إصفهان، فسار إليه فنهب أهل إصفهان خزانته.
فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على جندها وسلم إليه نيسابور. قال وكان هندوخان ابن أخيه ملكشاه بن تكش، فخاف عمه محمد فهرب منه بعد أن نهب كثيرا من خزائن جده تكش عند وفاته، فإنه كان معه وسار إلى مرو وجمع جموعا كثيرة، فسير إليه
(27/208)

عمه جيشا مقدمه جقر التركى، فهرب هندوخان عن خراسان، وسار إلى غياث الدين ملك غزنة يستنجده على عمه. فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه أقطاعا، وأوعده النصرة، ودخل جقر مدينة مرو وبها والده هندوخان وأولاده، فأرسلهم، إلى خوارزم مكرمين، ثم راسل جقر غياث الدين صاحب غزنة فى الانضمام إليه ومفارقة الخوارزمية، فأطمعه ذلك فى البلاد، وجهز أخاه شهاب الدين لقصد خراسان، والاستيلاء على ما بها من بلاد خوارزم شاه. فسار فى جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، وملك مرو وسلمها غياث الدين إلى هندوخان بن ملكشاه، وملك سرخس، وملك طوس، وملك نيسابور وبها على شاه أخو السلطان خوارزم شاه، فسلمه إلى أخيه شهاب الدين على ما قدمناه فى أخبار الدولة الغورية.
ذكر ملك خوارزم شاه وما كان الغورية قد ملكوه من بلاده
كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغورى بعد أن ملك ما ملك من بلاد خوارزم شاه، توجه إلى الهند، بعد أن رتب فى كل بلد من نوابه من يحفظه ويقوم بمصالحه فلما توجه إلى الهند راسل خوارزم شاه غياث الدين وعاتبه، وقال فى جملة رسالته: إننى كنت أظن أنك تنصرنى على من يقصد التطرق إلى بلادى من ملوك الخطا وغيرهم، فحيث لم تفعل فلا أقل أن لا تؤذينى فى ملكى. وطلب منه إعادة ما أخذه من بلاده. وقال: ومتى لم تفعل انتصرت عليك بالخطا
(27/209)

وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن استرجاع بلادى، إلى غير ذلك من الكلام فأخذ غياث الدين يغالطه فى الجواب ويكرر الرسائل، وهو ينتظر خروج شهاب الدين من الهند، فإن غياث الدين كان يعجز عن ملاقاته لما به من النقرس، فجمع علاء الدين العساكر وسار فى منتصف ذى الحجة سنة سبع وتسعين وتوجه إلى مرو، فلما قاربها هرب منها ابن أخيه هندوخان بن ملكشاه وتوجه إلى غياث الدين، وملكها خوارزم شاه، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين محمد الغورى صهر غياث الدين، وهو الذى كان يلقب ضياء الدين، فقاتله قتالا شديدا. وطال مقام خوارزم شاه، فراسله غير مرة فى تسليم البلد وهو لا يجيب، رجاء أن يصله المدد من غياث الدين فلما طال عليه الحصار وأيس من وصول الأمداد إليه، راسل فى طلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، فأجابه إلى ذلك وتسلم البلد، وأحسن إلى علاء الدين ومن معه.
ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس وبها الأمير زنكى فحصره أربعين يوما، فضاقت الميرة على أهل البلد، فراسله زنكى أن يتأخر عن باب البلد ليفارقها هو ومن معه، واعتذر أنه لا يمكنه الاجتماع به لقرب نسبه من غياث الدين، فتأخر خوارزم شاه عن المدينة وأبعد. فخرج زنكى، وأخذ من الغلات والأقوات والأحطاب التى كانت فى العسكر ما يحتاج إليه، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان ضاق به الأمر، فندم خوارزم شاه على موافقته، ورحل عن البلد، وترك عليه جماعة من أمرائه يحاصرونه. فلما سار خوارزم شاه
(27/210)

عن سرخس قصد نائب الغورية بالطالقان «1» أن يكبس العسكر الخوارزمى المحاصر لسرخس. وكتب بذلك إلى زنكى؛ فشعر الخوارزميون بذلك ففارقوا سرخس، فأدركهم نايب الطالقان، وأوقع بهم، وقتل أمير علمهم، وكسر كوساتهم «2» ، فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا الأعلام، فانهزموا، ونال الغورية منهم منالا عظيما قتلا وأسرا.
فلما اتصل هذا الخبر بخوارزم شاه، عاد إلى خوارزم، وكتب إلى غياث الدين وراسله فى الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسن بن محمد المرغنى، ومرغن من قرى العور، فقبض عليه خوارزم شاه، وكان أخوه عمر بن محمد المرغنى نائب الغورية بهراة. وسار خوارزم شاه إلى هراة بمكاتبة بعض أمرائها، فنمى خبر من كاتبه إلى المرغنى، فأمسكهم، وأقام خوارزم شاه يحاصر المدينة أربعين يوما، ثم رجع عنها لما بلغه عود شهاب الدين الغورى من الهند وذلك بعد مصالحة أميرها المرغنى على مال حمله إليه.
ولما عاد شهاب الدين من الهند بلغه ما فعله خوارزم شاه فى غيبته، وما ملكه من بلاد خراسان، فسار إلى خراسان، فانتهى إلى بلخ ثم إلى باميان وإلى مرو، عازما على حربه. فالتقت أوائل عسكريهما،
(27/211)

فاقتتلوا قتالا شديدا، وتوجه خوارزم شاه شبه المنهزم، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فشتا «1» بها وهو على عزم المسير لمحاصرة خوارزم، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فعاد إلى هراة وجلس للعزاء واستخلف بطوس محمد بن جريك «2» ، فجهز خوارزم شاه من عساكره من حصر طوس فجرى بينهم وبين النايب بها حروب كثيرة، آخرها أن النايب بها سأل الأمان لنفسه فأمنه منغور «3» التركى- وهو مقدم العسكر الخوارزمى- فلما خرج إلى العسكر قتلوه، وأخذوا ما معه، وملكوا طوس. واتصل هذا الخبر بشهاب الدين الغورى فعظم عليه، وترددت الرسائل بينه وبين خوارزم شاه، فلم يحصل بينهما اتفاق.
ثم قصد شهاب الدين غزو الهند على عادته، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازى، وقلد الملك علاء الدين محمد بن على الغورى بمدينة فيروزكوه «4» وبلد الغور، وولاه حرب خراسان. وتوجه إلى الهند، فقصد خوارزم شاه مدينة هراة وحاصرها. وذلك فى شهر رجب سنة ستماية. واستمر إلى سلخ شعبان، وكثرت القتلى بين العسكرين، فراسل خوارزم شاه ألب غازى أن يخرج إليه ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ذلك ثم اتفق
(27/212)

مرض ألب غازى، واشتد به فخاف أن يشتغل بمرضه، فيملك البلد فأجاب إلى ذلك، واستحلفه على الصلح، وأهدى له هدية جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض، فمات ولم بشعر به أحد. وارتحل خوارزم شاه إلى سرخس فأقام بها.
قال: ولما اتصل الخبر بشهاب الدين عاد من الهند، وقصد خوارزم، فراسله خوارزم شاه فى العود، وتهدده إن لم يعد بحرب هراة، ومنها إلى غزنة، فعاد عليه جوابه أن خوارزم تجمعنا. وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، ونزل بظاهرها، فلما أتاه جواب شهاب الدين فرق عساكره وأحرق جميع ما معه من العلوفات ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها، وقطع الطريق التى تسلكها الغورية بإجراء المياه فيها، فتعذر على شهاب الدين سلوكها، وأقام فى إصلاحها أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم. والتقى العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، وجرى بينهم قتال شديد، كثرت فيه القتلى من الطائفتين، فأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم على الغورية، وهم حينئذ ملوك ما وراء النهر، فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية، فبلغ شهاب الدين خبر مسيرهم، فعاد عن خوارزم.
وكان من أمره مع الخطا وقتالهم وهزيمته منهم ما قدمناه فى أخباره وذلك فى صفر سنة إحدى وستماية، فلا فائدة فى إعادته فى هذا الموضع. ولم تطل مدة شهاب الدين بعد ذلك فإنه فتل فى أوائل شعبان سنة اثنتين وستماية، فاستولى خوارزم شاه حينئذ على ما نذكره بخراسان وغيرها
(27/213)

ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان
كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغورى لما قتل كما ذكرنا استقر الملك بعده لغياث الدين بن غياث الدين أخيه ووقع من الاختلاف بين الغورية وافتراقهم ما ذكرناه فى أخبارهم، واتفق أن الحسين بن [خرميل] «1» والى هراة كاتب خوارزم شاه فى الانتماء إليه والخروج عن طاعة الغورية. وشرع يغالط فى الخطبة بهراة لغياث الدين وهو ينتظر وصول العسكر الخوارزمى إليه، فراسله غياث الدين، فى الخطبة له، وجهز إليه الخلع فلبسها ابن خرميل وأصحابه ووعد بالخطبة له فى يوم الجمعة. فلما كان فى يوم الجمعة قرب العسكر الخوارزمى من هراة فطالبه رسل غياث الدين بالخطبة، فقال نحن فى أشغل من ذلك بقرب هذا العدو.
ولما وصل العسكر الخوارزمى تلقاهم ابن خرميل وأنزلهم بظاهر هراة، وجهز إليهم الإقامات، فقالوا قد رسم لنا خوارزم شاه أن نطيعك ولا نخالف أمرك، فشكرهم على ذلك. ثم بلغه أن خوارزم شاه نزل على بلخ وحاصرها، وأن صاحبها قاتله بظاهر البلد، وأنه نزل على أربعة فراسخ منها، فاستدل ابن خرميل بذلك على عجزه.
وندم على مراسلته، وقال للعسكر إن خوارزم شاه قد صالح غياث الدين والمصلحة أن ترجعوا، فرجعوا. واتفق أن غياث الدين
(27/214)

بلغه ما فعله ابن خرميل، فاحتاط على إقطاعه وقبض على من يلوذ به، فوصل الخبر إليه بذلك فأعاد العسكر الخوارزمى بعد رحيله بيومين وسلم لهم البلد، وأخرج من كان بها من العورية، ومن يميل إليهم، ثم ملك خوارزم شاه مدينة بلخ فى سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستماية صلحا، بعد حروب كثيرة بينه وبين عماد الدين. وخلع خوارزم شاه عليه، وأقره بالبلد ثم سار عنها إلى جرزبان «1» ، وبها على بن أبى على، فراسله وآيسه من نجدة غياث الدين، فنزل عنها وسلمها له، وتوجه إلى غياث الدين وسلّم خوارزم شاه جرزبان إلى ابن خرميل فإنها كانت أقطاعه، ثم قبض على عماد الدين صاحب بلخ وسيره إلى خوارزم، واستناب ببلخ جقر التركى.
ذكر ملكه ترمذ وتسليمها للخطا
قال: ثم سار خوارزم شاه من مدينة بلخ إلى ترمذ مجدا، وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ، فراسله فى تسليمها، ووعده الخير، واعتذر من إرسال أبيه إلى خوارزم أنه أنكر منه حاله، وأنه سيره مكرما، فرأى ابن عماد الدين أن خوارزم شاه قد حاصره من جانب والخطا حاصروه من جانب، فضعفت نفسه وسلم البلد، بعد أن استحلف خوارزم شاه على الوفاء له. ولما تسلم خوارزم شاه البلد، سلمها للخطا خديعة منه ليتمكن من ملك خراسان.
(27/215)

وفى سنة اثنتين وستماية، سار من عسكر خوارزم شاه عشرة آلاف فارس إلى بلد الجبل، فوصلوا أرزنكان، وكان صاحبها أيتغمش قد اشتغل بحرب صاحب أريل ومراغه، فاغتنموا خلو البلاد وأفسدوا وقتلوا ونهبوا، ثم عاد أيتغمش فاوقع بهم، فانهزم الخوارزميون، وأخذهم السيف من كل جانب.
ذكر ملكه الطالقان
قال: ولما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار إلى [اندخوى] «1» وكان النايب بها عن غياث الدين سونج أمير شكار، فاستماله خوارزم شاه، فأبى إلا القتال، وبرز لقتاله فالتقوا بالقرب من الطالقان. فلما تقابل العسكران حمل سونج بمفرده حتى قارب عسكر خوارزم شاه، وألقى نفسه إلى الأرض، ورمى سلاحه، وقبل الأرض، وسأل العفو عنه. فذمه خوارزم شاه وسبه، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب، وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول، وأراد بذلك التقرب إليه وملاطفته. واستناب بالطالقان بعض أصحابه، ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا.
قال: وتوجه ابن خرميل نائب خوارزم شاه بهراة إلى اسفزار «2» فى صفر سنة ثلاث وستماية. وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين
(27/216)

فحصرها وتسلمها فى شهر ربيع الأول من السنة بالأمان. ولما أخذها أرسل إلى صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه، والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك وخطب له.
ذكر أسر خوارزم شاه وخلاصه
وفى سنة أربع وستماية عبر السلطان علاء الدين خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا. وسبب ذلك أنهم كانت قد طالت مدتهم ببلاد تركستان وما وراء النهر، وثقلت وطأتهم على الناس. وكان لهم فى كل مدينة نائب يجبى لهم الأموال وهم يسكنون الخركاهات «1» على عادتهم قبل الملك. وكان مقامهم بنواحى أوزكند «2» وبلاساغون «3» وكاشغر «4» . فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى ويلقب قان قانان ومعناه سلطان السلاطين، وهو من أولاد الملوك الخانية عريق فى الإسلام والملك، أنف من تحكم الكفار الخطا على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يحثه على قصد الخطا وقتالهم، وأنه يكون معه عليهم، ويحمل إليه ما يحمله إليهم، ويخطب له ببلاده،
(27/217)

ويضرب السكة باسمه، وحلف له على ذلك، وسير إليه أكابر بخارى وسمرقند. فاستوثق خوارزم شاه منه وأخذ فى إصلاح بلاده وتقرير النواب بها، وصالح غياث الدين محمود الغورى على ما بيده ثم جمع العساكر وسار إلى خوارزم، وتجهز منها وعبر جيحون.
واجتمع بسلطان سمرقند، فاجتمع الخطا، وجاء إليه. وكان بينهم حروب كثيرة تارة له وتارة عليه، ودامت على ذلك مدة، فاقتتلوا فى بعض الأيام فانهزم عسكره، وقتل منهم وأسر جماعة، فكان من أسر خوارزم شاه، أسر هو وابن شهاب الدين مسعود وهو من أكابر أمرائه، أسرهما رجل واحد. ووصلت العساكر الخوارزمية إلى خوارزم وقد فقدوا السلطان فاتصل الخبر بكزلك «1» خان والى نيسابور وكان إذ ذاك يحاصر هراه بعد قتل ابن خرميل على ما نذكره، ففارق هراه وتوجه إلى نيسابور وكان خوارزم شاه لما ملكها من الغورية خرب سورها فشرع فى إصلاحه وشحنها بالجند واستكثر من الميرة وعزم على الاستيلاء على خراسان، إن صح له فقد السلطان. واتصل خبر خوارزم شاه بأخيه على شاه وهو بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة.
هذا ما كان من أولئك، وأما خوارزم شاه فأنه لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود: «المصلحة أن تصير خادما لى فى هذه المدة لأتحيل فى خلاصك» فصار خوارزم شاه يخدمه، ويقف بين.
(27/218)

يديه، ويلبسه قماشه، ويطويه إذا قلعه، ويقدم له الطعام، ويعامله معاملة الغلمان. فقال الذى أسرهما لابن مسعود: «أرى هذا يخدمك» فقال: «هو غلامى» قال: «فمن أنت» قال: «أنا فلان» فأكرمه الخطاى وعظمه وقال له: «لولا أن القوم قد عرفوا بمكانك عندى أطلقتك» فشكره ابن مسعود وأعقله أياما وقال له: «إنى أخاف أن يرجع المنهزمون فلا يرانى أهلى معهم، فيظنون إننى قتلت، فيقتسمون مالى فأهلك، وأحب أن تقرر علىّ ما تريد من المال، أحمله إليك، فقرر عليه مالا وقال: «أريد أن تأمر رجلا عاقلا من أصحابك يذهب بكتابى إلى أهلى، ويخبرهم بعافيتى، ويحضر معه المال» ثم قال:
إن أصحابك لا يعرفون أهلنا، وهذا غلامى أنا أثق به، ويصدقه أهلى بسلامتى. فأذن الخطاى فى إرساله، فجهزه وأرسل معه عدة من الفرسان يحمونه، فسار حتى قارب خوارزم، وعاد الفرسان ووصل خوارزم شاه إلى خراسان، فاستبشروا به وضربت البشائر وبلغه ما فعله أخوه بطبرستان وكذلك خان بنيسابور. فأما كزلك خان فإنه لما بلغه وصوله أخذ أمواله وأهله وأصحابه وهرب صوب العراق؛ وأما على شاه فهرب إلى غياث الدين الغورى فأكرمه. ودخل خوارزم شاه إلى نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائبا وأما ابن مسعود فإن الخطاى قال له: «قد عدم خوارزم شاه فهل عندك شىء من خبره» قال: «هو أسيرك» قال: فلم لا أعلمتنى به حتى كنت أبالغ فى خدمته وأسير بين يديه إلى ملكه؟» قال: خفت عليه منك. فسار الخطائى وابن مسعود إلى خوارزم شاه فأكرمهما إكراما كثيرا وبالغ فى الإحسان إليهما.
(27/219)

ذكر قتل الحسين بن خرميل وحصرهراه وملك فيروزكوه والفور
كان سبب ذلك أن خوارزم شاه لما سار إلى بلاد الخطا ساءت سيرة من بهراة «1» من العسكر الخوارزمى، وتعدوا على الرعية.
فقبض ابن خرميل النايب بهراة عليهم وحبسهم. وكتب بذلك إلى خوارزم شاه، فعظم ذلك عليه، وما أمكنه الإنكار عليه لبعده عن البلاد، فكتب إليه يستصوب رأيه فيهم، ويأمره بإنقاذه، إليه لاحتياجه إلى الجند. وقال: «قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل أن يكون عندك لعقله وحسن سيرته، وأرسل إلى جلدك أن يحتال وفى القبض على ابن خرميل» فسار جلدك فى ألفى فارس إلى هراه، فخرج إليه ابن خرميل، فنهاه الوزير المعروف بخواجا الصاحب، كان قد حنكته التجارب، وقال: «أخشى عليك أن تكون مكيدة» فخالفه وخرج للقاء جلدك، فلما التقيا ترجلا للسلام؛ فحال جلدك بين ابن خرميل وأصحابه وأمسكه، فانهزم أصحابه ودخلوا مدينة هراة، وأعلموا الصاحب بذلك، فأغلق الأبواب وامتنع على جلدك، فقدم ابن خرميل إلى السور، وخاطب الوزير فى فتح الباب، فامتنع وأظهر شعار غياث الدين الغورى، فعندها قتل جلدك ابن خرميل، وكتب إلى خوارزم شاه يعلمه بذلك، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان والى نيسابور، وإلى أمير الدين صاحب زوزن «2» يأمرهما
(27/220)

بالمسيرة إلى هراة وحصارها، فسارا فى عشرة آلاف فارس، فعجزا عنها وقال الوزير: «ما أسلمها إلا لخوارزم شاه، إذ أعاد هذا كله قبل أسر خوارزم شاه» . فلما أسر وشاع عدمه فارقها كزلك خان إلى نيسابور كما ذكرنا، واستمر من سواه على حصارها فلما عاد خوارزم شاه ودخل إلى نيسابور كما ذكرنا، سار منها إلى هراة، وأحسن إلى العسكر الذى استمر على حصارها وشكرهم، وطلب تسليمها فامتنع الوزير وقال: لا أسلمها إلا إلى غياث الدين. ثم اتفقت فتنة بهراة بين الوزير والجند، فكتب إلى خوارزم شاه من البلد، فزحف عليها وهدم برجين من أبراجها، وأهلها قد اشتغلوا بالفتنة الكائنة بين الوزير والجند، فملكها خوارزم شاه وقبض على الوزير وقتله وذلك فى سنة خمس وستماية. وأصلح حال البلد وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، وأمره بالمسير إلى غياث الدين محمود الغورى بفيروزكوه، وأن يقبض عليه وعلى أخيه على شاه بن تكش، ويأخذ فيروزكوه. فسار إلى فيروزكوه، فاتصل الخبر بصاحبها غياث الدين محمود، فبذل الطاعة وسأل الأمان، فأمنه ونزل غياث الدين إليه، فقبض أمير ملك عليه وعلى على شاه أخى خوارزم شاه، وكتب إلى خوارزم شاه بذلك، فأمره بقتلهما فقتلا فى يوم واحد، وذلك فى سنة خمس وستماية. وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا واستقامت خراسان لخوارزم شاه.
(27/221)

ذكر عوده الى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما وراء النهر
قال: ولما استقر ملك خراسان للسلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد، جمع العساكر وعبر نهر جيحون، وجمع الخطا جمعا عظيما، وكان المقدم عليهم طاينكوه، وهو شيخ دولتهم والقائم مقام الملك فيهم، وكان عمره قد تجاوز ماية سنة، وله خبرة بالحروب.
فاجتمع خوارزم شاه- هو وصاحب سمرقند- والتقوا هم والخطا، وذلك فى سنة ست وستماية. فجرى بينهم حروب كان الظفر فيها لخوارزم شاه وانهزم الخطا وقتل منهم وأسر خلقا كثيرا. فكان ممن أسر مقدمهم طاينكوه، فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه، ثم جهزه إلى خوارزم. وقصد خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر، فملكها مدينة بعد أخرى حتى بلغ أوزكند «1» ، فجعل نوابه فيها على عادة الخطا وعاد إلى خوارزم، ومعه سلطان سمرقند. وكان من أحسن الناس صورة، فكان أهل خوارزم يتجمعون حتى ينظروا «2» إليه، فزوجه خوارزم شاه ابنته، ورده إلى سمرقند، وبعث معه شحنة يكون بها على عادة الخطا.
(27/222)

ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين
قال: ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه الشحنة، أقام معه سنة، فرأى صاحب سمرقند من سوء سيرة الخوارزميين ماندم بسببه على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته، وأمر بقتل كل من بسمرقند من الخوارزمية، ممن كان بها قديما وحديثا، وأخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم فى الأسواق كما يعلق القصاب اللحم. ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته- ابنه خوارزم شاه- فأغلقت الأبواب، ووقفت بجواريها، ومانعت عن نفسها، وأرسلت إليه تقول: «أنا امرأة وقتل مثلى قبيح عليك، وما فعلت معك من الإساءة ما استوجب ذلك منك، ولعل تركى أحمد عاقبة، فاتق الله.» فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف فى نفسها.
ووصل الخبر إلى خوارزم شاه، فعظم عليه، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه من ذلك، وقالت: «هذا بلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل.» فأمر بقتل أهل سمرقند فمنعته من ذلك أيضا، فتركهم.
وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر، وسيرهم أرسالا، فعبروا جيحون، وعبر هو فى آخرهم، وسار حتى نزل على سمرقند. وأنفذ إلى صاحبها يقول: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لم يقدم عليه غيرك من مسلم ولا كافر، والآن عفا الله
(27/223)

عما سلف، فاخرج من البلاد وامض إلى حبث شئت. فامتنع من ذلك، فأمر خوارزم شاه بالزحف على سمرقند، فلم يكن بأسرع من أن فتح البلد، وأمر أن لا يتطرق إلى الغرباء بسوء، وأذن لأصحابه فى نهب البلد، وقتل أهله، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فيقال أنهم قتلوا من أهل سمرقند مايتى ألف إنسان، وسلم الدرب الذى فيه الغرباء، فلم يعدم منهم أحد، ثم أمر بالكف عن النهب والقتل.
ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ماملأ قلبه هيبة ورعبا، فطلب الأمان فلم يجبه خوارزم شاه إلى ذلك، وزحف على القلعة وملكها، وقتل صاحبها صبرا. وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك أحدا ممن ينسب إلى الخانية. ورتب فيها وفى سائر البلاد نوابه ولم يبق لغيره بها حكم.
ذكر الواقعة التى أفنت الخطا
وهذه الواقعة قد اختلف فى إيرادها ابن الأثير الجزرى فى تاريخه المترجم بالكامل، وشهاب الدين محمد المنشى فى التاريخ الجلالى، ونحن الآن نذكر فى هذا الموضع ما نقله ابن الأثير، ونذكر فى أخبار الدولة الجنكزخانية ما نقله المنشى. وإتما نبهنا على ذلك فى هذا الموضع لئلا يقف عليه متأمل فيرى فى النقل الاختلاف فيظن أن ذلك عن سهو أو غلط أو التباس.
فأما ما حكاه ابن الأثير فإنه قال: لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما فعل- يعنى من هزيمتهم وأسر مقدمهم طاينكوه- مضى من سلم
(27/224)

منهم إلى ملكهم، فإنه لم يكن قد شهد الحرب، فاجتمعوا عنده.
وكانت طائفة عظيمة من التتار قد خرجوا من بلادهم حدود الصين ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا حروب كثيرة وعداوة. فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بعساكر الخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان «1» فأرسل ملك الخطا إلى خوارزم شاه يقول: «أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه، وقد أتانا من هذا العدو مالا قيل لنا به، فإن انتصروا علينا وملكوا البلاد، فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض لما بيدك من البلاد، ونقنع بما فى أيدينا.» وأرسل إليه كشليخان يقول: «إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداؤنا، فساعدنا عليهم، ونحلف لك أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، ونقنع بالمواضع التى ينزلونها، والمراعى التى يرعونها.» فأجاب كل منهما: «إننى معك على خصمك،» وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذى يتصافون «2» ، فيه ولم يخالطهم مخالطة يعلمون بها أنه مع أحد منهم على الآخر، فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها.
والتقى التتار والخطا فانهزم الخطا منهم هزيمة عظيمة، فعند ذلك مال خوارزم شاه على الخطا، وجعل يقتل منهم ويأسر وينهب، فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم، فى موضع من نواحى
(27/225)

بلاد الترك، تحيط بها جبال يتعذر الوصول إليها إلا من جهة واحدة، فتحصنوا بها، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة. وصاروا فى عسكره فأنفذ خوارزم شاه إلى كشليخان ملك التتار يمت عليه «1» بأنه ساعده، ولولا ذلك ما تمكن من الخطا. فاعترف له بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا. وقال: «كما أن نحن اتفقنا على إبادتهم ينبغى أن نقتسم بلادهم،» فقال: «ليس لك عندى إلا السيف، ولستم بأقوى منه شوكة، ولا أعز ملكا، فإن رضيت بالمسالة وإلا سرت إليك وفعلت بك شرا مما فعلت بهم» وتجهز كشليخان ونزل بالقرب من خوارزم شاه، فعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به، فكان يراوغه، فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم، فينهبها، وإذا سارت طائفة منهم عن مكانهم سار فأوقع بهم. فأرسل إليه كشليخان يقول: «ليس هذا فعل الملوك وإنما هو فعل اللصوص، فإن كنت سلطانا كما تقول فيجب أن نلتقى، فإما تهزمنى وتملك البلاد التى بيدى، أو أفعل أنا بك ذلك. فكان خوارزم شاه يغالطه فى الجواب، ولا يصمم على حربه، ولكنه أمر أهل الشاش «2» وفرغانة وأسفيجاب «3» وكاشان، وما حول ذلك من المدن التى لم يكن فى الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة، بالجلاء
(27/226)

منها واللحاق ببلاد الإسلام، ثم خربها جميعا خوفا من التتار أن يملكوها.
ثم اتفق خروج جنكزخان التمرجى ملك التتار على كشليخان، فاشتغل بقتاله عن قتال خوارزم شاه، فخلا وجهه، وعاد من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان.
ذكر ملك خوارزم شاه كرمان ومكران من السند
قال: كان من جملة نواب خوارزم شاه تاج الدين أبو بكر نايبه بمدينة زوزن. وكان تاج الدين هذا فى ابتداء أمره جمّالا، يكرى الجمال للأسفار، ثم صار على جمال خوارزم شاه، فرأى منه جلدا وأمانة، فقدمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، ثم ولاه مدينة زوزن. وكان ذا عقل وسياسة، فقال يوما لخوارزم شاه: «إن بلاد كرمان مجاورة لبلدى، فلو أضاف السلطان إلىّ عسكرا لملكتها فى أسرع وقت» فسير معه عسكرا فمضى إلى كرمان، فقاتل صاحبها [حرب] «1» بن محمد بن أبى الفضل، وملكها فى أسرع وقت، وسار منها إلى نواحى مكران، فملكها إلى السند من حدود كابل، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه، وخطب له
(27/227)

بقلهات «1» وبعض عمان، وذلك فى سنة إحدى عشرة وستماية أو ما يقاربها.
ذكر ملكه غزنة وأعمالها
قال: ولما استولى خوارزم شاه على عامة بلاد خراسان، وملك باميان»
وغيرها، أرسل إلى تاج الدين الدز صاحب غزنة، وهو الذى ملكها من الغورية، وهو من مماليكهم، أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويسير إليه قبلا، ليصالحه ويقر بيده غزنة. واستشار تاج الدين أمراءه فى ذلك فأشاروا به، وكان الحاكم على دولته والمتصرف فيها خوشداشه قتلغ تكين وهو النايب عنه بغزنة، فكان ممن أشار بذلك، فخطب لخوارزم شاه بغزنة، وضرب السكة باسمه، واستقر ذلك. ثم مضى تاج الدين الدز إلى الصيد، فأرسل قتلغ تكين إلى خوارزم شاه يستدعيه ليسلم إليه غزنة، فسار مجدا، وسبق خبره، وتسلم غزنة والقلعة من قتلغ تكين، وقتل من بها من عسكر الغورية، فوصل الخبر إلى صاحبها تاج الدين الدز فهرب هو ومن معه إلى لهاوور «3» .
(27/228)

وأقام خوارزم شاه بغزنة، فلما تمكن أحضر قتلغ تكين، وسأله كيف كانت حاله مع الدز، فأخبره أنه كان الحاكم على دولته، والمتصرف فى الحكم وغيره، وكان يعرف ذلك، وإنما أراد إقامة الحجة عليه. فلما انتهى حديثه قال [خوارزم] شاه له: «إذا كنت ما رعيت الحق لمن أنت وهو من بيت واحد، وقد حكمك فى ملكه وصرفك فيه، فكيف تفعل مع ابنى إذا تركته عندك؟» وأمر بالقبض عليه، وأخذ منه أموالا جمة حملها على ثلاثين دابة وأربعماية مملوك، ثم قتله. وترك ولده جلال الدين بغزنة فى جماعة من عساكره وأمرائه وكان ملكه لها فى سنة ثنتى عشرة وستماية، وقيل سنة ثلاث عشرة.
ذكر عزمه على المسير الى العراق وقصد بغداد، ومراسلته فى طلب آل سلجق ببغداد وما أجيب به
قال شهاب الدين محمد المنشى فى تاريخه: لما عظم أمر السلطان [خوارزم شاه] وتجلت له الدنيا فى أرفع ملابسها وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها، واستملئت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعمائة ألف فارس، سمت همته إلى طلب ما كان لبنى سلجوق من الحكم والملك ببغداد، وترددت الرسل فى ذلك مرارا «1» فلم يجبه الخليفة إلى مراده لعلمه بما بين يديه من الشواغل عما وراء
(27/229)

النهر وبلاد الترك. قال: وحكى القاضى فخر الدين عمر بن سعد الخوارزمى- وكان عند السلطان من ذوى الحظوة والاختصاص- وقد أرسله إلى بغداد مرارا، قال: كان آخر رسالاتى إليها مطالبة الديوان بما ذكرناه، فأبوا ذلك وأنكروه كل الإنكار، وقالوا: إن اختلاف الدول، وتقلب الدهر، وتغلب الخارجى على بغداد، وتسحب الإمام القائم بأمر الله منها إلى مدينة عانة، وانتصاره بطغرلبك ابن ميكائيل هو الذى اقتضى تحكم بنى سلجوق فى بغداد، «1» وإلا فليس يحسن أن يكون مع الزمان على أكتاف الخلافة محتكم يأمر فيها كيف شاء بما سر وساء، وليس فيما أنعم الله عليه به من الممالك الواسعة والأقاليم المتباعدة المتشاسعة غنية عن الطمع فى ملك أمير المؤمنين، ومشاهد آبائه الراشدين، قال: وأصحب فى عوده الشيخ شهاب الدين السهروردى «2» رحمه الله مدافعا، وواعظا وازعا، عما كان السلطان يلتمسه.
وتراجعت المراسلات فى المعنى وتكررت، فكانت غير مجدية، وانضاف إلى ذلك كثرة استهانتهم بالسبيل الذى كان للسلطان فى طريق مكة، حتى بلغه تقديمهم سبيل صاحب الإسماعيلية جلال الدين الحسن على سبيله.
(27/230)

قال المنشى: وسمعت القاضى فخر الدين المذكور يقول: إن الشيخ شهاب الدين لما دخل على السلطان، وعنده من حسن الاعتقاد برفيع منزلته، وعالى قدره، وتقدمه فضلا على مشايخ عصره، ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان، فوقف قائما فى صحن الدار ثم أذن له فى الدخول.، فلما استقر المجلس بالشيخ قال: إن من سنة الداعى للدولة القاهرة أن يقدم على أداء الرسالة حديثا من أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم، تيمنا وتبركا، فأذن له السلطان فى ذلك، وجثا على ركبتيه أدبا عند سماع الحديث. فذكر الشيخ حديثا معناه التحذير من أذية بنى العباس، فلما فرغ من رواية الحديث قال السلطان: «أنا وإن كنت رجلا تركيا قليل المعرفة باللغة العربية، لكنى فهمت معنى ما ذكرته من الحديث، غير أننى ما أذيت أحدا من ولد العباس، ولا قصدتهم بسوء، وقد بلغنى أن فى محابس أمير المؤمنين منهم خلقا مخلدين «1» ، يتناسلون بها، ويتوالدون، فلو أعاد الشيخ الحديث بعينه على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع وأجدى وأنجع.» فقال الشيخ: إن الخليفة اذا بويع فى مبدأ خلافته على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاده، فإن أفضى اجتهاده إلى حبس شرذمة لإصلاح أمة، لا يقدح ذلك فى طريقته المثلى. وطال الكلام «2» ، وعاد الشيخ والوحشة قائمة على ساقها. واتفق بعد ذلك قتل الاسماعيلية
(27/231)

أغلمش الأتابكى، وكان ينوب عن السلطان بالعراق، فركب يلتقى الحاج عند منصرفهم من الحج. قفز عليه باطنى فى زىّ حاج فقتله، وانقطعت حينئذ خطبة السلطان بالعراق فحركه ذلك إلى المسير لإعادتها.
ذكر مسيره الى العراق وما اتفق له
قال: ولما قتل أغلمش، وكان يقيم رسمى الخطبة والطاعة للسلطان بالعراق، طمع الأتابك أزبك بن محمد صاحب أران وأذربيجان، وسعد بن زنكى «1» صاحب فارس فيه فنهضا إليه لعلمهما ببعد السلطان، وأنه فى أعماق بلاد الترك. فرحل أزبك ودخل أصفهان بمواطأة من أهلها، وملك سعد الرى وقزوين وسمنان «2» وما تاخم ذلك وداناه. فانتهى الخبر إلى السلطان وهو بسمرقند، فاختار من العساكر ماية ألف، وترك معظم عساكره مع أمرائه بما وراء النهر وثغور الترك. فلما وصل إلى قومس اختار ممن استصحبه معه اختيارا ثانيا، ونهض فى اثنى عشر ألف فارس وسار مجدا فسبق خبره إلى جبل برزك وهى كورة من كور الرى، وسعد بظاهرها.
فلما رأى سعد أوائل الخيل قد أقبلت، ظن أنهم من الأزبكية «3»
(27/232)

المنازعين له فى ملك العراق، فركب بنفسه وعسكره وصدق القتال.
فلما شاهد السلطان جده أمر بنشر الجتر «1» . وكان ملفوفا فنشر، فحين تحقق أصحاب سعد أن الجيش جيش السلطان ولوا الأدبار ونزل سعد فقبل الأرض، فأخذ وكتف وأحضر بين يدى السلطان فأمر بالاحتياط عليه، وحمله على بعل حتى وصل إلى همذان، وقضى وطره من أزبك على ما سنذكره.
وأما الأتابك أزبك صاحب أران وأذربيجان فإنه لما سمع ماحل بسعد من الأسر والإهانة «2» ، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يبق له هوى العود إلى ملكه، وقنع من العنيمة بالإياب. فركب وأعد السير إلى أن قارب همذان، وهو يظن أن السلطان بالرى. فلما بقى على مرحلة من همذان، بلغه أن السلطان بها، فسقط فى يده، وتحير لا يعرف طريق الرى. فاستشار أصحابه، فأشار بعضهم بعوده إلى أصفهان، وأشار بعضهم بالمبادرة إلى أذربيجان جريدة، وترك أثقاله. وأشار عليه وزيره ربيب الدين أبو القاسم بن على بالتحصن بقلعة قزوين، وكانت قريبة منه، وهى من أمهات قلاع الأرض، ومشاهير حصونها، فلم يوافقه. واجتمع رأيه أن وجه أثقاله وخزائنه ومعظم حاشيته مع الملك نصرة الدين محمد بن تتشتكين «3»
(27/233)

صوب تبريز، واستصحب من خواصه زهاء مائتى فارس، وأخذ بهم نحو أذربيجان فى المسالك الوعرة والجبال الصعبة. ووجه الوزير ربيب الدين إلى السلطان برسالة، يعتذر إليه، فوقع الأمير دكجك السلحدار على أثقاله ومن معها، فهزمهم وتبعهم إلى ميانج «1» وهى كورة من كور أذربيجان على حافة النهر الأبيض، وأسر الملك نصرة الدين ومعظم من معه، وانتهبت الخزائن والأثقال، ووجد الوزير ربيب الدين فى الطريق فساقه فى جملة الأسرى إلى المخيم، فلم يصدق فى رسالته، واعتقد أنه زورها عند أسره. قال: وبقى فى كل يوم يساق الأتابك سعد ونصرة الدين والوزير ربيب الدين إلى الميدان بهمذان فيهانون والسلطان يلعب بالأكرة إذلالا لهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن عاد نصير الدين دولتيار وهو متولى منصب الطغرا «2» للسلطان، وهو من المناصب الجليلة. غير أنه دون كتابة الإنشا فى بيت الخوارزمشاهية وفوقها عند السلاجقة وكان السلطان قد بعثه رسولا إلى الأتابك أزبك، بعد هربه يأمره بإقامة رسمى الخطبة والسكة باسمه فى عامة مملكته، وأن يحمل فى كل سنة إلى الخزانة السلطانية أتاوة معلومة، فجعل بالسكة والخطبة، وخطب للسلطان على منابر أذربيجان وأران، إلى ما يلى دربند شروان وسير إلى السلطان من الهدايا والتحف والألطاف جملة طائلة، وسلم
(27/234)

قلعة قزوين إلى نواب السلطان، واعتذر فى أمر الأتاوة أن الكرج استضعفوا جانبه، واستولوا على أطراف بلاده، وهذه حاله والبلاد بما تثمر من الأموال، فكيف إذا انقسمت، وحمل منها أتاوة؟.
فقبل السلطان عذره فى ذلك، ورضى منه بالسكة والخطبة، وبعث إلى الكرج رسولا من جهته يقول: إن بلاد الأتابك أزبك صارت من جملة بلادنا، وهى كأحد ممالكنا، وحذرهم من الوصول إليها وقصدها، فعاد رسول السلطان من الكرج، ومعه رسولهم مصحوبا بالتقادم. هذا ما كان من أمر أزبك.
وأما الملك نصرة الدين فإنه كان يحضر إلى الميدان فى كل يوم كما ذكرنا. فنظر السلطان إليه فى بعض الأيام فاذا بأذنيه حلقتان كبيرتان مجوفتان فى غلظ السوار، فسأله عن ذلك فقال: إن السلطان ألب أرسلان. السلجقى لما غز الكرج ونصره الله عليهم وأسر أمراءهم من عليهم، وأطلقهم، وأمر أن يشنقوا كل واحد منهم بحلقتين، يكتب عليهما اسسه، فلما تطاولت المدة ووهت قواعد الدولة السلجقية خلع أولئك ربقة الطاعة، ما خلا جدى فإنه أسلم وسلمت بلاده وأعقابه، ببركتى الإسلام والوفاء فرق له السلطان، وأمر بإطلاقه، وخلع عليه، وغير الحلقتين، وكتب عليهما اسمه، وأمر له بتوقيع بما كان تحت يده من البلاد التى ورثها أبا عن جد مثل مدينتى أبهر «1» وفراوى «2» بقلاعهما وأعمالهما وأضاف إليه مدينة
(27/235)

سراة وهى أقرب المدن إليه مما يملكه أزبك، وخلع عليه خلعة ملوكية.
وأما الأتابك سعد الدين زنكى صاحب فارس فإن السلطان أطلقه وتسلم قلعتى اصطخر «1» واسكناباد وسلمها السلطان إلى المؤيد الحاجب، وزوّج الأتابك سعد بامرأة من بيت والدته، وشرط عليه أن يحمل فى كل سنة إلى الخزانة ثلث الخراج من بلاده، وأعاده بالخلع والتشاريف، وكان ولده نصرة الدين أبو بكر لما بلغه أسر والده انتصب مكانه واستمال قلوب الأمراء وبذل الأموال فأطاعوه. فلما أطلق الأتابك سعد، ووصل إلى شيراز- وهى كرسى مملكته- امتنع ولده من تسليم الملك. فبينما نصرة الدين دات يوم فى داره لم يرعه إلا وقد فتح عليه الباب، ودخل حسام الدين تكين باش «2» - وهو أكبر مماليك الأتابك والمقدم فى دولته- والأتابك وراه وبيده سيف مجرد، فضرب به وجه ابنه ضربة أثرت فى وجهه، وححز بينهما اختلاط الفريقين، فأمر الأتابك بالقبض على ابنه، فقبض عليه واعتقله مدة ثم أطلقه وعظم حال حسام الدين عنده ورقاه إلى درجة الملوكية، هذا ما كان من أمره.
(27/236)

ذكر قصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال مملكته وعوده بعد مسيره
قال شهاب الدين محمد المنشى: ثم عزم السلطان على قصد بغداد، ورتب أحوال مملكته، وأظهر الناموس. فمن ذلك أنه ضرب نوبة الإسكندر على ما قدمناه، ومنها أنه سير الملك تاج الملك بلكان خان «1» صاحب أترار إلى مدينة نسا «2» ليقيم بها، وسير إلى خوارزم برهان الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز البخارى المعروف بصدر جيهان «3» ، رئيس الحنفية ببخارى وخطيبها. قال: ولعله بعد من الملوك والأكابر، وكان تحت يده ستة آلاف فقيه. ومنها
(27/237)

أنه قسم الملك بين أولاده، وعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولى عهده قطب الدين أزلاغ شاه، واختار لتواقيعه طرة من غير تلقيب، وهى السلطان أبو المظفر ازلاغ شاه ابن السلطان محمد ناصر أمير المؤمنين. وإنما خصصه بولاية العهد دون جلال الدين اتباعا لرأى أمه تركان خاتون. وفوض ملك غزنة وباميان والغوروبست «1» وتكياباذ وزمين «2» وما يليها من الهند إلى ولده الملك جلال الدين منكبرتى، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروى، واستناب عنه كريره «3» ملك، واستصحب جلال الدين معه، وفوض ملك كرمان وكيش ومكران لولده غياث الدين [بيرشاه] «4» واستوزر له الصدر تاج الدين ابن كريم الشرق النيسابورى، وسلم ملك العراق إلى ولد، ركن الدين غور شايجى واستوزر له عماد الملك محمد بن الشديد الساوى واختار لتواقيعه من الطرة السلطان المعظم ركن الدنيا والدين أبو الحارث غور شايجى ابن السلطان الأعظم محمد قسيم أمير المؤمنين.
(27/238)

قال: ولما رتب هذه القواعد وقرر هذا النظام عزم على قصد بغداد وسير أمامه من العساكر ما غصت به البيداء فضاقت برحبها، وسار وراءهم إلى أن علا عقبة سراباد. وكان قد قسم نواحى بغداد وهو بهمذان أقطاعا وعملا، وكتب بها توقيعات، فسقط عليه بالعقبة ثلج عظيم، فأهلك خلقا كثيرا من الجيش وتلفت الأثقال، فرجع السلطان منها، وتطير من قصد بغداد، وكان ذلك فى سنة أربع عشرة وستماية. قال: ولما رجع السلطان إلى نيسابور أتاه الخبر بوفاة مؤيد الملك قوام الدين والى كرمان ونايبه بها، فملّك السلطان ولده غياث الدين بيرشاه كرمان وكيش ومكران فسار إليها واستقام أمره بها.
ذكر عود السلطان إلى بلاد ما وراء النهر ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من الحوادث
قال: ثم عاد السلطان عند منصرفه من العراق إلى ما وراء النهر ووصل إلى سمرقند، فوافته بعد ذلك رسل جنكزخان ملك التتار وهم محمود الخوارزمى وعلى خواجه البخارى ويوسف بن كنكا الأترارى «1» مصحوبين بمجلوبات الترك من نقر المعادن ونصب الختو ونوافج المسك وأحجار اليشب والثياب التى تسمى طرقوا وتتخذ من وبر الجمال البيض يباع الثوب منها بخمسين دينارا
(27/239)

وأكثر. وكانت الرسالة تشتمل على طلب المسالمة والموادعة، وقالوا له: إن الخان الكبير يسلم عليك ويقول: ليس يخفى علىّ عظم شأنك وسعة سلطانك، ولقد علمت بسطة ملكك ونفاذ حكمك فى أكثر أقاليم الأرض، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجب، وأنت عندى مثل أعز أولادى وغير خاف عنك أيضا أننى ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لى قبايلهم وأنت أخبر الناس أن بلادى مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها لغنية عن طلب غيرها فإن رأيت أن تفتح للتجار فى الجهتين سبيل التردد، عمت المنافع وشملت الفوائد.
قال المنشى: فلما سمع السلطان الرسالة صرف الرسل، ثم استدعى محمود الخوارزمى ليلا بمفرده، وقال له: أنت رجل خوارزمى، ولا بد لك من موالاة فينا وسبيل إلينا، ووعده بالإحسان إن صدقه فيما يسأله عنه، وأعطاه جوهرة نفيسة من معضدته علامة للوفاء بما وعده، وشرط عليه أن يكون عينا له على جنكزخان. فأجابه إلى ذلك رغبة أو رهبة ثم قال: «أصدقنى فيما يقول جنكزخان أنه ملك الصين واستولى على مدينة طوغاج «1» أصادق فيما يقول أم كاذب؟» قال: «بل صادق ومثل هذا الأمر لا يخفى» .
ثم قال له: «أنت تعرف ممالكى وبسطتها وعساكرى وكثرتها، فمن هذا اللعين حتى يخاطبنى بالولد «2» ؟ وما مقدار ما معه من
(27/240)

العساكر؟» فلما شاهد محمود الخوارزمى آثار الغيظ على وجه السلطان أعرض عن النصح، وقال: ليس عسكره بالنسبة إلى عسكرك إلا كفارس فى خيل، أو دخان جنح ليل.
ثم أجاب السلطان إلى المهادنة واستقر الحال على المسالمة إلى أن وصل من بلاد التثار تجار إلى أترار وهم عمر خواجه الأترارى، والجمال المراغى «1» ، وفخر الدين البخارى «2» وأمين الدين الهروى وكان ينال خان «3» ابن خال السلطان ينوب عن السلطان بأترار فشرهت نفسه فى أموال أولئك التجار «4» ، فكاتب السلطان يقول:
[إن] «5» هؤلاء القوم قد جاءوا إلى أترار فى زى التجار وليسوا بتجار، وإنما هم أصحاب أخبار، وإنهم إذا خلوا بأحد من العوام يهددونه، ويقولون إنكم لفى غفلة عما وراءكم، وسيأتيكم ما لا قبل لكم به فأذن له السلطان فى الاحتياط عليهم إلى أن يرى فيهم رأيه، فقبض ينال خان عليهم، وانقطع خبرهم، وأخذ ما كان معهم من الأموال والأمتعة ثم وردت رسل جنكزخان بن كفرج بغرا كان أبوه من
(27/241)

أمراء السلطان تكش ومعه رجلان يقولون للسلطان: «إنك قد كتبت خطك وأمانك للتجار أن لا تتعرض إليهم، وقد غدرت ونكثت، والغدر قبيح على الملوك، فإن زعمت أن الذى ارتكبه ينال خان كان من غير أمرك فسلمه إلىّ لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب» فلم يرسل ينال خان، وظن أنه إن لاطف جنكزخان، أطمعه، وأمر بقتل رسله، فقتلوا. فيالها من قتلة هدرت دماء الإسلام، وأجرت بكل قطرة سيلا من الدم الحرام. فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصده.
ذكر ما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما قصده التتار
كان أول ما اعتمده من سوء التدبير لنفاذ حكم العلى القدير أنه لما بلغه خبر التتار وقصدهم البلاد، عزم أن يبتنى سورا على مدينة سمرقند على كبرها ودورها، على ما قيل اثنى عشر فرسخا، ثم يشحنها بالرجال، لتكون سدا بينه وبين الترك. ففرق عماله فى سائر أقاليم مملكته، وأمرهم أن يستسلفوا خراج سنة خمس عشر وستماية برسم عمارة السور، فجبى خراجا كاملا وأعجله التتار فلم يتمكن من عمارته، ثم بعث الحياة مرة ثانية إلى سائر الممالك، وأمرهم بجباية خراج ثالث فى سنتهم، وهى سنة أربع عشرة وستماية، وأن يستخدم بذلك رجالة ورماة، يستخدم من كل بلد بقدر ما يتحصل من المال. ثم فرق عساكره بمدن ما وراء النهر وبلاد الترك فترك ينال خان بأترار فى عشرين ألف فارس
(27/242)

وقتلغ خان فى جماعة أخرى فى عشرة آلاف فارس بشهر كنت، «1» والأمير اختيار الدين كشكى أمير آخور، واغل حاجب الملقب باينانج خان فى ثلاثين ألف فارس ببخارى، وطغاينجان «2» خاله وأمراء الغور فى أربعين ألف فارس بسمرقند وفخر الدين حبش النسوى وعسكر سجستان بترمذ، وبلخمورخان بوخش «3» وأبا محمد خال أبيه ببلخ. ولم يترك بلدا مماوراء النهر خاليا من عسكر كبير فكان ذلك من أعظم الأسباب التى استولى بها جنكزخان على البلاد الإسلامية، ولو جمع عساكره ولقى التتار لهزمهم.
ولما شارف جنكزخان تحوم البلاد الإسلامية تباشر صوب أترار، واستولى عليها «4» بعد قتال، وأحضر ينال خان بين يديه، وأمر بسبك الفضة، وقلبها فى أذنيه وعينيه فمات. ثم استولى جنكزخان على البلاد وتحيل حتى أوقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله.
(27/243)

ذكر ما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت بجنكزخان عليهم وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل اليه أمرها
كان سبب ذلك أن جنكزخان لما ملك أترار، أحضر نايب الوزارة بها، وهو بدر الدين العميد، واتفق معه على أن زور كتبا على لسان الأمراء أقارب والدة السلطان إلى جنكزخان، يبذلون له الدخول فى طاعته، ويقولون: «إنا تسحبنا من بلاد الترك بعشائرنا ومن يلوذ بنا إلى السلطان، رغبة فى خدمة والدته، فما نصرناه على كافة ملوك الأرض، وذلت له الجبابرة وخضعت له الرقاب فها هو الآن تغيرت نيته فى حق والدته، عتوا منه وعقوقا، وهى تأمرنا بخذلانه، فنحن على انتظار وصولك واتباع أمرك.» وكان هذا تدبير نايب الوزارة المذكور «1» . وسلم جنكزخان الكتب إلى بعض خواصه، وأمره أن يتوجه بها إلى السلطان، ويظهر له أنه قد هرب من صاحبه إليه، ففعل ذلك. فلما وصل إلى السلطان ووقف على الكتب لم يشك فى صحة ذلك، ونفر من هؤلاء «2» الأمراء، ونأى عنهم وبدد شملهم.
(27/244)

فلما فعل ذلك بأقارب والدته تركان خاتون غضبت لذلك، وكتب جنكزخان إليها على يد دانشمند الحاجب- وهو من خواصه- وهى إذ ذاك بخوارزم، يقول: «قد عرفت مقابلة ابنك حقوقك بالعقوق، وقد قصدته بمواطأة من أمرائه، ولست بمعترض إلى ما تحت يدك من البلاد، وأسلم لك خوارزم وخراسان وما يتاخمهما من قاطع جيحون. فكان جوابها عن هذه الرسالة أن خرجت عن خوارزم، واستصحبت ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفايس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك المعتقلين وأبناء الملوك وأكابر الصدور، فقتلت زهاء اثنين وعشرين «1» نفسا منهم إبنا السلطان غياث الدين الغورى وابن طغرل السلجقى وعماد الدين صاحب بلخ وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ وعلاء الدين صاحب باميان، وجمال الدين عمر صاحب وخش وابنا «2» صاحب سقتاق من بلاد الترك، وبرهان الدين محمد وصدر جهان وأخوه «3» افتخار جهان وابناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام واستصحبت معها عمرخان صاحب يازر «4» فصحبها إلى بلاده، وخدمها أتم خدمة، حتى إذا قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا.
وسارت بمن معها إلى قلعة ايلال من قلاع مازندران، فأقامت بها
(27/245)

وذلك فى سنة خمس عشرة وستماية؛ وأمرت بتحصين القلعة، فحصنت؛ ثم حوصرت أربعة أشهر فكان من الاتفاق العجيب أن القلعة نفذ ماؤها، وكانت العادة أن تلك القلعة دائمة الأنواء، فقدر الله عز وجل أن صحت السماء فى زمن الحصار حتى نفذ الماء، فألجأها ذلك إلى طلب الأمان، فأجيبت إليه، ونزلت من القلعة ومعها الوزير محمد بن صالح. وذكر أنها لما نزلت من القلعة فاضت الصهاريج فى هذا اليوم، حتى نزل السيل من باب القلعة وحملت تركان خاتون أسيرة إلى جنكزخان. قيل أنه انتهى حالها إلى أن كانت تحضر سماط جنكزخان وتحمل منه فى كل وقت ما يقوتها مدة بعد أن حكمت فى أكثر البلاد على ما نذكره.
وأما صغار أولاد ابنها الذين كانوا معها فقتلوا عن آخرهم إلا أصغرهم فإنه ترك عند جدته مدة ثم قتل بعد ذلك خنقا. هذا ما كان من الذكور. وأما الإناث فزوجوا بالمرتدة إلا سلطان خان «1» - التى كانت امرأة صاحب سمرقند- أخذها دوشى خان واصطفاها لنفسه هذا ما كان من أمرها وأمر من معها بعد وفاة ابنها، فلنذكر شيئا من أخبارها وما كان لها من الحكم فى دولة ابنها..
كانت تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد من قبيلة بياووت «2» وهى فرع من فروع يمك، وهى بنت
(27/246)

خان جنكش، ملك من ملوك الترك وتزوج بها السلطان تكش.
ولما انتقل الملك إلى ابنها أتته قبائل يمك ومن يجاورها من الترك فكثر بهم، واستظهر بمكانهم وتحكمت هى بهذا السبب فى الممالك، فلم يملك السلطان إقليما إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة. ولقبت عند ارتفاع شأنها بخداوند جهان، معناه صاحبة العالم. وكانت [ذات] «1» مهابة ورأى. وإذا رفعت الظلامات إليها حكمت فيها على قانون العدل والإنصاف، غير أنها كانت [جسورا] «2» على سفك الدماء، وكان لها خيرات وسبلات فى البلاد قال المنشى: وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الأكابر وإذا ورد عنها وعن السلطان توقيعان مختلفان فى قضية واحدة لم ينظر إلا فى التاريخ فيعمل بالآخر منهما فى سائر الأقاليم. وكان طغرا تواقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة فيها بحيث يعسر أن يزور عنها، فلنرجع إلى أخبار السلطان.
(27/247)

ذكر ما اتفق للسلطان بعد أن ملك التتار البلاد إلى أن توفى
قال: لما ملك جنكزخان أترار، ملك بعدها بخارى ثم سمرقند، فاتصل الخبر بالسلطان وهو مقيم بحدود كتلف «1» وأندخوذ «2» ينتظر وصول الجموع المتفرقة إليه من الجهات. فلما اتصل خبر ملك جنكزخان بخارى بالسلطان، عبر جيحون وقد أيس من بلاد ما وراء النهر، وفارقه إلى التتار من الأتراك عشيرة أخواله زهاء سبعة آلاف من الخطايية، واتصل علاء الدين صاحب قندز وغيره بجنكزخان وأخذ الناس فى التخاذل والتسلل، فلما اتصلت هذه الجموع بجنكزخان عرفوه بمكان السلطان وبما هو عليه من الوجل.
وبما داخله من الخوف فعند ذلك جرّد يمنويّة «3» وسبطى «4» بهادر فى ثلاثين ألف فارس فعبروا النهر صوب خراسان ورحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، وتسلل عنه الناس فلم يقم بنيسابور إلا ساعة من نهار، ثم سار حتى أتى العراق فنزل بمرج دولت أباد.
وهى من أعمال همذان وأقام أياما يسيرة ومعه زهاء عشرين ألف فارس فلم يرعه إلا صيحة الغارة وإحداق خيول التتار به، فغاتهم بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، ونجا السلطان فى نفر يسير
(27/248)

من خواصه إلى بلد الجبل ثم منها إلى الاستنداد «1» وهى أمنع ناحية من نواحى مازندران ذات دربندات ومضايق ثم منها إلى حافة البحر وأقام عند الغرضة بقرية من قراها، يحضر إلى المسجد فيصلى به إمام القرية الصلوات الخمس ويقرأ له القرآن، وهو يبكى وينذر النذور ويعاهد الله تعالى بإقامة العدل. ولم يزل كذلك إلى أن كبسه التتار فحين هجموا الضيعة ركب السلطان المركب وخاضت خلفه طائفة منهم فلم يدركوه.
قال شهاب الدين المنشى: حدثنى غير واحد ممن كان مع السلطان فى المركب قال: كنا نسوق المركب بالسلطان وبه من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وهو يظهر الاكتئاب، ويقول لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين. فلما وصل الجزيرة «2» سر بذلك سرورا تاما وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد به. وكان فى أهل مازندران ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب وما يشبهه، فقال فى بعض الأيام: أشتهى أن يكون عندى فرس يرعى حول خيمتى هذه- وقد ضربت له خيمة صغيرة- فلما سمع تاج الدين حسن وكان من جملة سرهنكيته «3» أهدى إليه فرسا أصفر قال: وكانت
(27/249)

جشارات خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة فى ممالكه ويدل على ذلك ما قاله الأمير اختيار الدين أكبر أمير أخورية السلطان؛ وكان قد ضم إليه ثلاثين ألف فارس، فكان يقول: إن المرتب معى ثلاثون ألف فارس ولو شئت جعلتها ستين ألفا من غير أن أتكلف صرف دينار أو درهم، وذلك أننى أستدعى من كل جشار «1» من جشارات خيل السلطان جوبانا واحدا فينيفوا على ثلاثين ألفا، فانظر إلى ما بين الحالتين فى الكثرة والقلة والعزة والذلة.
قال: وكان من حمل إليه شيئا من المأكولات وغيره فى تلك الأيام كتب له توقيعا بمنصب جليل وإقطاع طايل فربما كان الرجل يتولى كتابة التوقيع لنفسه لعدم من يكتب عند السلطان. وكانت هذه التواقيع تسمى التواقيع الجزيرية، وكلها برسالة جلال الدين.
فلما ظهر أمر جلال الدين أحضرت إليه التواقيع فأمضاها بكمالها ومن كان معه منديل أو سكين علامة من السلطان بإقطاع أو غيره قبلها جلال الدين وأمضى حكمها.
ذكر وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش
كانت وفاته بالجزيرة فى سنة سبع عشرة وستماية. وذلك أنه لما استقر بها اشتدت به علة ذات الجنب فمات وغسله شمس الدين محمود بن يلاغ الجاوش ومقرب الدين مهتر مهتران «2» مقدم
(27/250)

الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن فيه فكفنه شمس الدين محمود المذكور بقميصه، ودفن بالجزيرة فكانت مدة سلطنته إحدى وعشرين سنة، وكان له من الأولاد خمسة وهم جلال الدين منكبرتى، وقطب الدين أزلاغ شاه، وآق شاه، وركن الدين غورشايجى- وكان بالعراق- وغياث الدين بيرشاه وفيه يقول المنشى:
أذل «1» الملوك وصاد القروم ... وصيّر كل عزيز ذليلا
وحف الملوك به خاضعين ... وزفوا إليه رعيلا رعيلا
فلما تمكن من أمره ... وصارت له الأرض إلا قليلا
وأوهمه العز أن الزمان ... إذا رامه ارتد عنه كليلا
أتته المنية مغتاظة ... وسليت عليه حساما صقيلا
فلم تغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد قيل عليه فتيلا «2»
كذا يفعل الله بالشامتين ... ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا
هذا ما اتفق للسلطان؛ وأما التتار الذين ساقوا خلفه فإنهم خربوا البلاد وسفكوا الدماء واستولوا على الممالك وساووا فى القتل بين المملوك والممالك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم. فلنذكر الآن أخبار أولاد السلطان علاء الدين محمد وما كان من أمرهم بعد وفاة أبيهم ونورد أخبارهم فى جملة أخبار أخيهم السلطان جلال الدين فإنه الملك المشار إليه منهم.
(27/251)

ذكر أخبار السلطان جلال الدين منكبرتى
وقيل فيه منكوبرتى ابن السلطان علاء الدين أبى الفتح محمد ابن تكش بن ألب أرسلان بن اتسز بن محمد بن انوشتكين.
ملك بعد وفاة أبيه فى سنة سبع عشرة وستماية، وذلك أن والده السلطان لما اشتد مرضه بالجزيرة خلع قطب الدين أزلاغ شاه من ولاية العهد وفوضها للسلطان جلال الدين بحضور أخويه أزلاغ شاه وآق شاه. وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهت قواعدها وتهدمت، وهذا العدو قد تأكدت أسبابه وتشبثت بالممالك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ بثارى منه إلا ولدى منكوبرتى وهأنا موليه ولاية العهد فعليكما بطاعته والانخراط فى سلك تباعته.
وشد سيفه بيده فى وسط جلال الدين ثم مات بعد ثلاثة أيام.
قال: ولما دفن السلطان بالجزيرة ركب جلال الدين البحر ومعه أخواه «1» ومعهم زهاء سبعين نفسا لقصد خوارزم، فلما قاربوها التقوهم منها بالدواب والأسلحة والأعلام، وتباشر الناس بمقدمهم واجتمع عندهم من العساكر ممن أضمرته البوادى ونقضتهم المجالس والنوادى زهاء سبعة آلاف فارس، أكثرهم البياووتية ومقدمهم توخى بهلوان الملقب بقتلغ خان، فمالوا إلى أزلاغ شاه للقرابة التى بينهم، وعزموا على القبض على جلال الدين وقتله أو سمله. فعلم إينانج خان بما دبروه، فأعلم بذلك جلال الدين وأشار عليه بالرحيل
(27/252)

فرحل صوب خراسان فى ثلثماية فارس، مقدمهم دمر ملك «1» وقطع المفازة الحاجزة بين خوارزم وخراسان وهى ست عشرة «2» مرحلة فى أيام قلايل، وتخلص منها إلى بلد نسا «3» . وكان جنكزخان لما بلغه عود أولاد السلطان إلى خوارزم وجه إليها عسكرا كثيفا وتقدم إلى من بخراسان من عساكره بالتفرق على حافات تلك البرية مترصدين فضربوا على البرية المذكورة حلقة من تخوم مرو إلى حدود شهرستان، حتى إذا هم أولاد السلطان بالمسير إلى خراسان عند إزعاجهم من خوارزم يقبضون عليهم. وكان بحافة برية نسا منهم سبعماية فارس فلما خرج جلال الدين من البرية صادفهم أمامه، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه لجلال الدين عليهم، فعمهم بالقتل وغنم ما معهم، ولم يفلت منهم إلا الشارد. وهذا أول مصاف كان بين جلال الدين وبينهم فتقوى بما غنمه منهم ووصل إلى نيسابور.
وأما أخواه «4» فإنهما أقاما بعده بخوارزم ثلاثة أيام؛ وأتاهم الخبر بحركة التتار فخرجا بمن معهما مجفلين إلى صوب خراسان.
فلما انتهوا إلى مرج سابغ «5» ونزلوا به، وافتهم الأخبار أن طائفة من التتار أقبلت فى طلبهم، فركب أزلاغ شاه ومن معه ورحل والتتار
(27/253)

فى طلبه إلى استوى «1» بلد خيوشان «2» فأدركه التتار بقرية تسمى فرست «3» ، فوقف لهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأزلاغ شاه عليهم، فسروا بذلك وظنوا أنه لم يكن من التتار بتلك الناحية غير هذه الطائفة التى انهزمت، واستقروا بتلك المنزلة، فلم يرعهم إلا وخيول التتار قد أحدقت بهم إحداق الأطواق بالأعناق فثوى اليسر عسرا وترادف النصر كسرا، فكانوا إن شاء الله كما قيل:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
فاستشهد أزلاغ شاه وآق شاه ومن معهما وعاد التتار برأسيهما وقد نصبوهما على الرماح.
ذكر مسير جلال الدين من نيسابور الى غزنة
قال: وأقام جلال الدين بنيسابور شهرا يتابع الرسل إلى الجهات فى الاحتشاد والاستمداد، إلى أن علم التتارية فأسرعوا نحوه وأعجلوه عن مراده، فخرج من نيسابور فى من انضوى إليه من الخوارزمية، إلى أن وصل إلى القلعة القاهرة وهى التى بناها مؤيد الملك صاحب كرمان بزوزن، فهم أن يتحصن بها فبعث إليه عين الملك ختن مؤيد
(27/254)

الملك- وهو مستحفظها- يحذره ذلك، ويقول: إن ملكا «1» لا يحسن به أن يتحصن بقلعة ولو بنيت على قرن الفرقد أو هامة الجوزاء بل أعلا وأبعد، وحصون الملوك متون الحصن، وما للضراغم وللمدن ولو تحصنت بالقلعة لأفنت التتار أعمارهم إلى أن ينالوا الغرض.
فأمر جلال الدين بإحضار ما فى القلعة من الذهب فأحضر، وفرق أكياسه على من صحبه من خواصه، وفارق القاهرة، وجد السير إلى تخوم بست، فأعلم أن جنكزخان مقيم بالطالقان «2» بجيوش عظيمة، فتحير فى أمره لا يدرى ما يصنع. ثم خاطر بنفسه واستمر فى السير، فبلغه أن أمين ملك وهو ابن خالة متولى هراة ومقطعها بالقرب منه، وقد أخلى هراة ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، والأتراك الذين سلموا من النكبة، فبعث جلال الدين إليه يعلمه بقربه ويحثه على سرعة الوصول إليه، فاجتمعوا واتفقا على كبس التتار الحاصرين قلعة قندهار «3» فنهضا إليهم وأوقعا بهم فلم يسلم من التتار إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان وهم نفر يسير، فأخبروه بما تم على عسكره، فغضب لذلك. وساق جلال الدين حتى أتى غزنة وكان بها كربر ملك ينوب عنه منذ جعلها والده له كما قدمناه، وقد ضبطها. فوصل إليها جلال الدين فى سنة ثمانى عشرة
(27/255)

وستماية، فسر الناس بوصوله واتصل به سيف الدين بغراق «1» الخلجى وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأيغانية والحسن قزلق وهم فى زهاء ثلاثين ألف فارس ومعه عسكره وعسكر أمين ملك مثلها.
ذكر الحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى خان
قال المنشى: ولما بلغ جنكزخان ما حل بعسكره بقندهار، جرد ابنه تولى خان فى عسكر كثيف، فاستقبله جلال الدين بنية فى الجهاد قوية وهمة فى الإسلام أبية. فلما تراءى الجمعان حمل بنفسه على قلب تولى خان، فبدد نظامه ونثر تحت قوائم الخيل أعلامه وألجأه فى الانهزام وإسلام المقام، وتحكمت فيهم سيوف الانتقام وقتل تولى خان «2» فيمن قتل، وكثر الأسر فى التتار حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يديه فيدقون الأوتاد فى آذانهم تشفيا بهم، وكانت شرذمة من التتار قد حاصرت قلعة ولخ وضايقتها فلما بلغهم ما حل بأولئك رجعوا عنها.
(27/256)

ذكر الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين
قال: ولما عاد من سلم من المعركة إلى جنكزخان قام بنفسه وعساكره لقصد حرب جلال الدين. واتفق أن العساكر الخلجية فارقوا جلال الدين فى ذلك الوقت صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك.
وسبب ذلك أنهم لما كسروا التتار زاحمهم الأتراك فيما أفاء الله عليهم من الغنائم، فاتفق أن بعض الأتراك الأرمينية نازع أعظم ملك فى فرس من خيل التتار. وطال بينهما التنازع فضربه التركى بمقرعة، فاشمأزت لذلك نفوسهم ونفرت قلوبهم وفارقوا جلال الدين، واجتهد على ردهم فأبوا ذلك. ولما بلغه أن جنكزخان قد قاربه بجيوشه علم أنه لا طاقة له بملاقاته بعد مفارقة هذه الجيوش له، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند ثم يستأنف مكاتبة من فارقه، فإن رجعوا إليه لقى جنكزخان بهم وبمن معه من الأتراك. فعاجله جنكزخان عن إمضاء ما دبره؛ وكان جلال الدين قد أصابه قولنج شديد عند خروجه من غزنة ولم ير مع ذلك الجلوس فى المحفة، وركب الفرس تجلدا، فمن الله عليه بالعافية، فورد عليه الخبر أن مقدمة جنكزخان نزلت بجردين فركب ليلا وكبس المقدمة فقتلهم ولم يفته إلا من نجا به فرسه. فلما بلغ جنكزخان هذا الخبر هاله، وجاء جلال الدين إلى حافّة ماء السند، وصاق عليه الوقت عما كان يثق به من جمع المراكب واسترجاع الكتايب، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه ومن ضمته الدور وحجبته الستور، فانكسر المركب قبل عبورهم.
(27/257)

ووصل جنكزخان فلقبه جلال الدين واقتتلوا قتالا شديدا فحمل جلال الدين بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه، وانهزم جنكزخان وكادت الدائرة تكون عليهم، لولا أن جنكزخان كان قد كمن كمينا فيه عشرة آلاف فارس فخرجوا على ميمنة جلال الدين- وفيها أمين ملك- فكسروها وطرحوها على القلب، فتبدد نظامه، وتزعزعت عن الثبات أقدامه، وانجلت المعركة عن قتلى مصرعين فى الدماء، وغرقى غاطسين فى الماء، فكان الرجل يأتى إلى الماء يهوى بنفسه فى تياره وهو يعلم أنه غريق لا محالة. وأسر ولد جلال الدين وهو ابن سبع أو ثمانى سنين فقتل بين يدى جنكزخان.
قال: ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كثبرا رأى والدته أم ولده وجماعة من حرمه يصحن بأعلى أصواتهن: بالله عليك اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن. فهذه من عجائب البلايا ونوادر المصايب والرزايا. وأما العساكر الخلجية المفارقة لجلال الدين فاستنزلهم جنكزخان بعد فراغه من جلال الدين من عصم الجبال والحصون، وقتلهم أجمعين.
ذكر حال جلال الدين بعد عبوره ماء السند
قال: ولما وصل جلال الدين إلى حافة ماء السند اقتحم بفرسه ذلك الماء العظيم، فخلص إلى البر، وخلص معه أربعة آلاف رجل من عسكره حفاة عراة، وفيهم ثلثماية فارس كانوا قد تقدموا جلال الدين (ومعهم) من خواصه ثلاثة نفر وهم قلبرس بهادر وقابقح
(27/258)

وسعد الدين على الشربدار «1» ، ورمى بهم الماء إلى جهة بعيدة عن القوم ولم يعلموا ما كان منه، فاتصل بهم فى اليوم الثانى.
قال: وكان فى الزردخانا «2» الجلالية «3» شخص يعرف بجمال الزراد، وقد انتبذ قبل الوقعة بما كان له من المال إلى بعض الجهات، فوصل إذ ذاك بمركب فيه ملبوس ومأكول، فوقع ذلك عند جلال الدين موقعا عظيما وولاه أستاذ داريته «4» ، ولقبه اختيار الدين.
قال: ولما علم زانه شنزه صاحب جبل الجودى بما كان من أر جلال الدين وانهزامه، وأنه فى قلة من أصحابه، ركب فى ألف فارس وخمسة آلاف راجل. فقصد جلال الدين عبور الماء إلى جهة التتار ويختفى بمن يسلم معه فى الغياض ويعيشون «5» بالغارات، لعلمه أن الجنود إن ظفروا به قتلوه وقتلوا من معه. فحين تواتروا على ذلك توجهت الرجالة لهذا القصد، وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم الترك، فجاء زانه شنزه، ومعه
(27/259)

أعيان أصحابه وخيالته. فلما رأى جلال الدين حمل عليه بمن معه، فلما قاربه رماه جلال الدين بسهم فى صدره فقتله وانهزم عسكره وتحمل جلال الدين فيما غنمه من خيله وعدته، وما أفاء الله عليه من أمواله وأسلحته.
قال: ولما سمع قمر الدين نائب قباجة بدبدبة وساقون، تقرب إلى جلال الدين بهدايا جليلة وألطاف، وفى جملتها الدهلين، فوقع ذلك من جلال الدين موقعا عظيما «1» .
ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة «2» من وفاق وخلاف
قال: ثم بلغ جلال الدين أن بنت أمين ملك سلمت من الغرق إلى أوجاهى من مدن قباجة، فراسله جلال الدين يذكر أنها تمت له بقرابة، وأن نساءه غرقن وطلبها، فتقدم قباجة بتجهيزها إليه وجهز معها هدايا تليق بجلال الدين. فقبل جلال الدين ذلك منه وانتظم بينهما الصلح وأمنت البلاد إلى أن قضت الفرقة وتأكدت أسباب الوحشة وسبب ذلك أن شمس الملك شهاب الدين ألب، كان السلطان علاء الدين قد استوزره لجلال الدين، فرمته الوقعة إلى قباجة،
(27/260)

فأمنه وآواه وأحسن إليه. واعتقد قباجة أن جلال الدين قتل، فاسترسل مع شمس الملك فى أمور كان الحزم يقضى إخفاءها عنه، فلما تحقق سلامة جلال الدين استوحش من شمس الملك وندم على ما كان قد أبداه له، ولما بلغ جلال الدين أن شمس الملك عنده استدعاه، فحمل قباجة التوهم منه على قتله فقتله، لما كان قد أودعه من أسرار خشى إذاعتها. ومن ذلك أن قرن خان بن أمين ملك كانت الوقعة طرحته إلى مدينة كلور «1» من مدن قباجة، فشرهت نفوس عامتها إلى سلبه، فقتل وحمل إلى قباجة من سلبه درة كانت فى أذنه فأخذها، فحقد جلال الدين ذلك عليه وأسره فى نفسه إلى أن اتصل بخدمته جماعة من الأمراء المفارقين لخدمة أخيه غياث الدين بمن معهم من العسكر، فقويت نفسه بهم وقصد مدينة كلور فحاصرها وداوم القتال والزحف بنفسه فأصابته نشابة فى يده، ولم يفتر فى القتال ليلا ولا نهارا حتى ملكها وملك مقاتلتها ثم رحل منها إلى قلعة برنوزج فحاصرها وباشر القتال بنفسه وأصابته هناك نشابة أخرى، فألحق برنوزج بأختها وتأكدت الوحشة بهذه الأسباب بينه وبين قباجة. ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا فزع إلى الاحتشاد، فركب فى زهاء عشرة آلاف فارس، وأنجده شمس الدين ايلتتمش «2» ببعض عساكره، فعلم جلال الدين بخبره
(27/261)

ونيته ليلا، وأحاط بعسكره فأعجلهم عن الركوب، فانهزم قباجة بنفسه ومن نجا به فرسه، وترك العسكر شاغرا بما فيه من الخيام والخزائن والعدد المتوفرة، فاحتوى جلال الدين على ذلك.
ذكر الحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين ايلتتمش
قال: لما كسر جلال الدين قباجة نزل على نهاوور «1» وكان بها ابن لقباجة «2» وقد عصى على والده وتغلب عليها، فأقرها جلال الدين عليه على مال يحمله فى كل سنة ومال يعجله. ورحل صوب سيستان وبها فخر الدين السلارى واليا عليها من جهة قباجة، فتلقاه بالطاعة، وسلم إليه مفاتيحها، فجبى المال ثم رحل عنها صوب أوجا فحاصرها أياما، وقاتله أهلها فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صالحوه على مال حمل إليه. ورحل صوب خانسر «3» وكان ملكها من أتباع شمس الدين فخرج طائعا للخدمة الجلالية. فألقى بها عصى القرار ليريح من معه، فأتاه الخبر أن إيلتتمش قاصده فى ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلثماية فيل، فخرج جلال الدين نحوه مجدا، وقدم أمامه جهان بهلوان أزبك باين- وهو من حماة الأبطال-
(27/262)

فساق، وخالفه يزك شمس الدين، فتوسط أزبك عسكر شمس الدين فهجم على جماعة منهم، فقتل منهم وحضر إلى جلال الدين من أخبره بذلك الجمع الكثير ثم ورد عليه برسول إيلتتمش فى طلب الموادعة ويقول: «ليس بخفى علىّ ما وراءك من عدو الدين، وأنت سلطان المسلمين وابن سلطانهم، ولست استحل أن أكون عليك عونا، ولا يليق بمثلى أن يجرد السيف فى وجه مثلك، إلا لضرورة الدفع، وإن رأيت أن أزوجك ابنتى لتزول الوحشة وتتأكد الثقة بينى وبينك فافعل» .
فمال جلال الدين إلى ذلك وأصحب رسوله باثنين من أصحابه، يزيدك بهلوان وسنقرجق طايسى، فمضيا إليه وأقاما لديه وترادفت الأخبار على جلال الدين أن ايلتتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد تآمروا على أن بمسكوا على جلال الدين حافة ماء خجنير، فعظمت إذ ذاك بليته وفترت فى وجوه العزائم نيته، ورأى أن الزمان حزّب عليه أحزابا ومتى سد للحوادث بجهده بابا فتح عليه أبوابا، فاستشار نصحاءه فى ذلك، فأشار عليه الذين وردوا من العراق وهم الذين انفصلوا من أخيه غياث الدين أن يقصد العراق وينتزعه من يد أخيه، وأشار عليه جهان بهلوان أزبك باين بلزوم بلاد الهند خشية من جنكزخان واستضعافا لملوك الهند، فحمله شغفه بحب الممالك الموروثة والحكم فيها على قصد العراق، فاستناب جهان بهلوان على ما كان يملكه من بلاد الهند، والحسن قزلق على ما قد نجا من بلاد الغور وغزنة من صدمات التتار، فاستمر جهان بهلوان فيما ولاه إلى سنة
(27/263)

سبع وعشرين وستماية، ثم طرد عنها ووصل إلى العراق على ما نذكره فى موضعه؛ واستمر قزلق إلى حين وفاته.
ذكر طلوع جلال الدين من الهند ووصوله الى كرمان وما جرى له من الحوادث الى أن ملك العراق
كان عوده من الهند فى سنة إحدى وعشرين وستماية. قال شهاب الدين محمد المنشى: قاسى جلال الدين ومن معه من رذايا الأرواح المتخلصة من مشتجر الرياح فى البوادى، القاطعة بين كرمان والهند، شدائد نستهم سائر الكرب، وأوردتهم بأجمعهم سواقى العطب. وقد أوعزتهم فى تلك القفار علالات الشفاه «1» ، وبلالات الأفواه، فضلا عن الأقوات، فكان الرجل يتنفس عند هبوب السموم كتنفس المحموم. قال: فتخلص إلى كرمان فى أربعة آلاف، فيهم ركّاب أبقار وحمر. وكان بها براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين بيرشاه. وبراق هذا كان حاحبا لكورخان ملك الخطايية، ورد رسولا على السلطان مبدأ المكاشفة بينهما، فمنعه أن يعود إلى مرسله رغبة فيه، ثم اتصل بخدمة غياث الدين.
فلما وصل جلال الدين أقام بكراشير «2» - وهى دار المملكة- شهرا ثم أحس أن براقا قد أضمر الغدربه، فقصد جلال الدين
(27/264)

القبض عليه واستشار فى ذلك، فأشار أورخان بالقبض عليه، وأن يواليه مملكة كرمان ويستظهر بها على غيرها من الممالك. وخالفه فى هذا الرأى شمس الملك على بن أبى القاسم المعروف بخواجه جهان، وقال: هذا أول من بذل الطاعة من نواب الأطراف، وولاة البلاد، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته، فمتى عوجل نفرت القلوب واشمأزت النفوس وتبدلت الأهواء، وتغيرت النيات والآراء.
فرحل جلال الدين إلى صوب شيراز، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يزد، مذعنا بالطاعة، وقدم له تقادم كثيرة فكتب له توقيعا بتقرير بلاده عليه. وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من أخيه غياث الدين لإساءة سبقت، فرغب جلال الدين فى إصلاحه لنفسه، وسير الوزير شرف الملك إليه خاطبا ابنته، فأسرع إلى الإجابة والانقياد وزوجه ابنته وحملها إليه فاستظهر جلال الدين بمصاهرته ثم تقدم من شيراز إلى أصفهان، فخرج إليه القاضى ركن الدين مسعود بن صاعد بأحسن اللقاء، قال: ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين فى بلاده، ركب إليه فى جموعه فى زهاء ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين حين سمع بقربه وقد أيس مما طمحت إليه نفسه، وسير إلى غياث الدين أدك أمير أخور؛ وكان من دهاة خواصه، يقول: «إن الذى قاسيته بعد السلطان من الشدايد الفادحة، لو عرضت على الجبال لأشفقن منها واستثقلتها فأبين أن يقبلنها، وحين ضاقت على الأرض بما رحبت، وانتفضت يدى عما ورثت وكسبت، وكنت قصدتك لأستريح عندك أياما وحيث علمت أن ليس عندك للضيف إلا ظبى
(27/265)

السيف، ورجعت بظمأ من الشوق عن المناهل.» وسير إليه سلب تولى خان بن جنكزخان وفرسه وسيفه. فلما سمع غياث الدين الرسالة انصرف إلى الرى، وتفرقت عساكره فى المصايف.
قال: وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمره بإيصالها إلى جماعة من الأمراء علامات منه، يستميلهم ويمنيهم الإحسان، فمنهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى الانقطاع إليه أو التقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من سارع إلى غياث الدين فناوله الخاتم، فعند ذلك أمر بالقبض على الرسول المذكور والاحتياط عليه. وبادر إلى خدمة جلال الدين، أبو بكر ملك- وهو من بنى أخواله- وذكر له أن القلوب مجتمعة على محبته، فركب جلال الدين فى ثلاثة آلاف ضعاف، وجد السير حتى وافى غياث الدين وأعجله عن التدبير. فلما أتاه النذير ركب فرس النوبة إلى قلعة سلوقان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواى والدة غياث الدين، فاستوفى لها أدب الخدمة، وشرط التعظيم والحرمة وأنكر انزعاج غياث الدين وإخلاءه «1» مكانه، وذكر لها إشفاقه عليه. فسيرت إليه من سكن روعته، فعاد إلى خدمة أخيه جلال الدين ونزل جلال الدين فى منزلة السلطان، وأتته الأمراء واستعفوا مما كان منهم، فأقبل عليهم وعاملهم بالإحسان. ثم جاءه من كان بخراسان والعراق ومازندران من المتغلبين. فمنهم من حسنت سيرته فى أيام الفتنة، فأقره وأعاده إلى مكانه، ومنهم من ساءت طريقته فأذيق
(27/266)

وبال طغيانه، وتفرقت الوزراء والعمال فى الأطراف فضبطوها بتواقيع جلال الدين.
ذكر مسيره صوب خوزستان
ولما تمكن السلطان جلال الدين من أخيه غياث الدين، وصار معه كأحد أمرائه، توجه نحو خوزستان، وشتى بها، ووجه من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود العارض النسوى رسولا إلى الديوان العزيز. وكان من قبل ذلك قد جرد جهان بهلوان إيلجى برسم اليزك، فصادف المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربان خفاجة، فأوقع بهم وأخرق الهيبة، وهتك الحرمة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضى، وأحضرت طائفة منهم إلى المخيم الجلالى، فأطلقوا. ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد فطال مقامه، وأرجف الناس به إلى أن ملك السلطان مراغة، فأذن له فى العود بوفور الحظ من الإنعام.
قال: ولما انجلى الشتاء رحل السلطان نحو أذربيجان، فلما أشرف على دقوقا صعد أهلها السور وشتموه، لما بلغهم من شنه الغارات على بلاد الديوان، فغاظه ذلك وأمر بالزحف عليها، فلم تكن إلا حملة واحدة حتى ملكوا البلد ووضعوا السيف فى أهلها.
ثم سار نحو أذربيجان. فلما حاذى جبال همذان أتاه إيغان طايسى «1» من أذربيجان، وانتظم فى الخدمة.
(27/267)

ذكر ملكه أذربيجان ومراغة
قال: ولما انتظم أيغان طايسى فى الخدمة رحل السلطان صوب أذربيجان، فلما قاربها ورد على شرف الملك كتب من أهل مراغة، حاثين عزائم السلطان بالمسير إليها لضعف الأتابك صاحبها عن دفع الكرج. فساق إليها ودخلها من غير مدافع، وأقام بها أياما.
ووجه من هناك القاضى مجير الدين عمر بن أسعد الخوارزمى رسولا إلى ملك الروم وملك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان وقلعه ما تشبثت بها من أنياب الكرج، وإعلامهم أنه نوى أن يغزو الكرج.
ثم رحل من مراغة صوب أذربيجان، وهى أرض معشبة ذات مياه جارية، وقد خرب التتار مدينتها، فأقام بها أياما والناس يمتارون من تبريز وبها بنت طغرل بن أرسلان زوجة الأتابك أزبك، فلم يمنعوهم. وجاءه من أهل تبريز من أطمعه فى ملكها، فسار نحوها، وأحاط بها من كل جانب، فخرج إليه الرئيس نظام الدين ابن أخى شمس الدين الطغرائى، وكان متحكما فيها، يملك رقاب أهلها موالاة له ولأسلافه. وتقدم إلى الأمراء بترتيب آلات الحصار من المحانيق والذبابات والسلاليم، فأخذوا فى ترتيب ذلك. فلما كان بعد سبعة أيام خرج إليه رسول من جهة بنت السلطان طغرل فى طلب الأمان لها ولجواريها وخدمها، على أموالهم ودمائهم، وعلى أن تكون مدينة خوى مفردة باسمها. فأجاب إلى ذلك، وتسلم تبريز، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وستماية، وسير معها خادميه تاج الدين قليج وبدر الدين هلال، فأوصلاها إليها بمن معها من أتباعها. وولى السلطان رياسة تبريز للرئيس نظام الدين.
(27/268)

ذكر كسر السلطان الكرج
قال: ولما ملك السلطان أذربيجان اجتمع الكرج بموضع يعرف بكربى- من حدود دوين «1» - فى ستين ألفا، وقد قلقوا لمجاورته، وقصدوا باجتماعهم أعلامه بما هم عليه من الكثرة والقوة، لعله يرغب فى مهادنتهم. فلما بلغ السلطان اجتماعهم توجه نحوهم فيمن حضر من عساكره، وقد كان أكثرهم تفرقوا إلى إقطاعاتهم بالعراق وغيره.
فحين وصل إلى شاطئ نهر أرس، «2» وجد هناك أمراء الترك ومقدمهم جهان بهلوان ايلجى، فأعلموه بأن العدو بالقرب منهم، وأن فيهم كثرة، فكان جوابه عن ذلك عبوره إلى المخاضة بفرسه، وتبعته العساكر. فلما انتهى إلى كربى رأى الكرج وقد نزلوا على نشزعال، فلم يتقدموا، إليه وبات ليلته وعليه الحرس حتى الصباح، وقال لأصحابه: إن هؤلاء قصدهم المطاولة. وأمر بالحملة عليهم من كل جهة، فحملوا عليهم صاعدين إليهم، فبادرت ميسرة السلطان بالصعود، وفيهم غياث الدين أخوه وأورخان وأيغان طايسى وغيرهم، فحمل عليهم شلوة- وكان من فرسان الكرج المشهورين- والتقى
(27/269)

الفريقان برأس الجبل، فولت الكرج، وقتل منهم زهاء أربعة آلاف، ووقف السلطان على التل، والكرج تساق إليه، وتبع المسلمون من انهزم من الكرج. قال المنشى: حكى شمس الدين القمى، وكان من حجاب الأتابك أزبك- قال: «أرسلنى صاحبى إلى الكرج أيام استيلائهم، فخاشننى شلوة فى الكلام، حتى قال وددت أن يكون على- يعنى ابن أبى طالب (رضى الله عنه «1» - باقيا فى زمانى، لأريه من سطوتى ما ينسى يومى بدر وحنين» فلما كان فى هذه الوقعة نزل إلى الأرض ولطخ وجهه بالدم، ونام بين القتلى. فحدث ابن داية غياث الدين وهو صبى به، فأخرجه وأحضره إلى السلطان مكتوفا فأمنه. قال: ووجه السلطان ملك الخواص تاج الدين قليج إلى تبريز بجماعة من أمرائهم الأسرى ورؤوس القتلى. وساق من المعركة إلى مدينة دوين فزحف عليها وافتتحها فى الوقت.
ذكر عوده من دوين الى تبريز وتركه الميمنة ببلاد الكرج
قال: لما حصل للسلطان ما ذكرناه من النصر والظفر والفتوح، بث غيارته إلى أخريات بلاد أبخاز وفى نفسه قصد تفليس، فورد عليه كتاب من شرف الملك بتبريز يذكر فيه أن شمس الدين الطغرائى وابن أخيه الرئيس نظام الدين قد تآمرا «2» على الفتك به والعصيان
(27/270)

على السلطان، وكان ذلك إفكا وزورا وكذبا، افتراه من كان يلوذ بشرف الملك من نوابه وخواصه. وذلك أن الطغرائى كان دينا، منصفا، حسن السيرة، ذابا عن الرعية، لا يمكن من الحيف عليهم، تارة بالشفاعة، وطورا بالتوبيخ والتشنيع؛ ونواب شرف الملك يكرهون ذلك. فلما وقف على الكتاب عزم على العود إلى تبريز، وأحضر أمراء الميمنة بباب سرادقه، وخرج إليهم بعض الحجاب، وقال: السلطان يقول لكم: «إنا قد تحققنا تقصيركم فى المصاف، واتفاقكم على أن تولوا وجوهكم إن حمل الكرج عليكم، وحيث وهب الله لنا النصر والظفر، فقد عفونا عنكم ما تحققناه، على أن تقيموا ببلادها فتقلبوها بغاراتكم ظهرا لبطن إلى أن تعود إليكم» .
فضمنوا له ذلك، وأقاموا ثلاثة أشهر يشنون عليها الغارات إلى أن أخلوها قتلا وسبيا، ورخصت المماليك الكرجية، حتى أن المملوك منها يباع بدينارين أو ثلاثة.
قال: ورجع السلطان إلى تبريز، وكان رجوعه فى شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وستماية، وأحضر شرف الملك إلى بين يديه من الأوباش من شهد على الطغرائى وابن أخيه بما كان أنهاه عنهما.
فأمر بالقبض عليهما. فأما الرئيس فقتل فى الوقت وترك بالشارع طريحا، وأما الطغرائى فحبس وصودر على ما ينيف على ماية ألف دينار كان الذى وصل منها إلى الخزانة السلطانية دون الثلاثين ألفا، ثم حمل من تبريز إلى مراغة محتاطا عليه. هذا وشرف الملك يعمل الحيلة
(27/271)

على قتله حتى أخذ خاتم السلطان بذلك، وأراد الله تعالى إبقاءه «1» فضن «2» النائب بمراغة بقتله، فأعانه بالخيل وهربا جميعا وسارا إلى أربل ومنها إلى بغداد. وحج فى سنة خمس وعشرين فلما ازدحم الناس حول الكعبة وقف تحت الميزاب وعلى رأسه مصحف، والحاج من الأقاليم وقوفا، والذى كان يتولى ركب السلطان فيهم، وقال:
«أيها الناس، قد أجمع المسلمون كافة أن ليس لله فى أرضه مقام «3» أشرف من هذا المقام، ولا يوم «4» أجل من هذا اليوم، ولا كتاب «5» أعظم من هذا الكتاب، وأنا حالف بهذه الثلاثة أن الذى نسبنى إليه شرف الملك ما كان إلا إفكا مفترى» . وغلظ بما تغلظ به أيمان البيعة فى البراءة، وتفرق الناس إلى بلادهم وتحدث بذلك كل طائفة.
وتواترت به الأخبار على السلطان، فعلم عند ذلك براءته، وندم على فعله، وأمنه وأعاده إلى تبريز، ورد عليه أملاكه هذا ما كان من أمره.
قال: وأقام السلطان بتبريز، فصام بها شهر رمضان، وأمر بمنبر فوضع بدار السلطنة، ونص على ثلاثين من علماء الأطراف وفضلائها، وقد حضروا لحاجاتهم، فوعظ كل واحد منهم يوما والسلطان لجانب المنبر، فشكر منهم من وعظ وقال حقا، وذم من بالغ فى الإطراء.
(27/272)

ذكر ملك السلطان كنجة وسائر بلاد أران
قال: ولما استقر السلطان بتبريز بعد انصرافه من الكرج، وجه أورخان فى رجالة إلى كنجة، فتسلمها وما يضاف إليها من الكور، مثل بيلقان «1» وبرذعة «2» وسكور «3» [وشيز] «4» . فتمكن أورخان بكنجة.
ذكر نكاح السلطان بنت طغرل بن أرسلان
قال: وورد على السلطان نساء من قبل بنت طغرل بن أرسلان وهو بتبريز، يعلمن السلطان برغبتها فى أن يملكها، ويعلن أنها أثبتت بالشهود أنها مطلقة من زوجها الأتابك أزبك، فأجابها إلى ذلك وشهد لها أن زوجها حلف بطلاقها أن لا يغدر بفلان وغدر به، وحكم
(27/273)

بذلك قاضى تبريز عز الدين القزوينى. فتزوج بها السلطان جلال الدين وسار بعد عقد النكاح إلى خوى ودخل بها، وزادها على خوى مدينتى سلماس وأرمية «1» باعمالهما. قال: وكان الأتابك بقلعة ألنجة من أعمال نخجوان «2» يسمع باستيلاء السلطان على بلاده، فلم يزد على قوله: «إن الأرض لله يورثها من يشاء «3» » ؛ فلما بلغه أمر النكاح وأنه برغبة الملكة، حم لوقته ومات بعد أيام.
ذكر عوده الى بلد الكرج وفتحه تفليس
قال: ثم سار السلطان بعد عيد الفطر من سنة اثنتين وعشرين وستماية إلى غزو الكرج فلما وصل إلى نهر أرس مرض مرضا شديدا تعذرت بسببه حركته، فشتا «4» هنالك، وقاسى من معه من شدة الثلوج أمرا عظيما. فلما انكشف الشتاء، تقدم السلطان إلى مروج تفليس، وجر العساكر إليها متجردة عن أثقالها، فوجدها منيعة حصينة، قد بنى معظم سورها على الجبال والشقفان. فخرج عامة أهلها فتأخر الجيش حتى أبعدهم عن المدينة، وحملوا عليهم حملة
(27/274)

كان فيها بوارهم، وسبقهم إلى الباب غياث الدين، فملكت المدينة، وتحكمت السيوف فى أهلها، وقتل من بها من الكرج والأرمن، وتحصن أجناد الكرج بالقلعة- وبينها وبين المدينة نهر عظيم لا يخاض-.
وكان بينهما جسران «1» من الخشب فأحرقا، فلم يبت السلطان حتى عبر النهر إلى صوب القلعة، وأمر بنصب آلات الحصار، فخرج رسول الكرج فى طلب الأمان، فأجاب [السلطان] «2» إلى ذلك، وتسلمها بما فيها.
ذكر المصاف الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان
وفى سنة أربع وعشرين وستماية وردت الأخبار من خراسان بحركة التتار، وأنهم على عزم العبور، فجمع السلطان عساكره وتوجه إلى أصفهان، وجرد أربعة آلاف فارس صوب الرى ودامغان «3» لليزك، فكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما فيوما؛ والتتار يتقدمون واليزك يتأخر، إلى أن عادوا إلى السلطان. ونزل التتار شرقى أصفهان على مسيرة يوم بقرية تسمى السين «4» وفيهم تاجن نوين «5»
(27/275)

وباناك نوين وباقو نوين وأسن طغان نوين وياتماس نوين وباشاور نوين وغيرهم. وكان المنجمون أشاروا على السلطان بمصابرتهم ثلاثة أيام والتقائهم فى اليوم الرابع، فتأخر عن الملتقى وظن التتار أن ذلك فشلا منه ووهنا، فجردوا ألفى فارس إلى جبال بلاد اللؤلؤ للإغارة.
فاختار السلطان من عسكره ثلاثة آلاف، فأخذوا عليهم المضايق وأوقعوا بهم، وأحضروا منهم إلى السلطان زهاء أربعماية أسير، فأمر بضرب أعناقهم. ثم خرج للقاء التتار فلما تراى الجمعان خذله غياث الدين وفارقه بعسكره وطائفة من عسكر السلطان مقدمهم جهان بهلوان أيلحى، فلم يعبأ السلطان بمفارقتهم، وصمم على لقاء التتار، فالتقوا واقتتلوا، وحملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار فانهزموا وركبهم السيف إلى تخوم قاشان «1» ، وهم يظنون أن الميسرة فعلت بالميمنة كذلك.
وكان للتتار كمين «2» ، فخرج وقد جنحت الشمس للغروب على ميسرة السلطان، فضربها على القلب، فثبت الأمراء والخانات أصحاب السلطان حتى قتلوا، ولم يسلم منهم إلا ثلاثة وهم كوج تكين بهلوان والحاجب الخاص خان بردى وأودك أمير أخور. وأسر علاء الدولة أباخان صاحب يزد، أخذه رجل من المرتدة، فأعطاه ما كان معه من المال، فأطلقه فوقع بالليل فى بئر فمات. ووقف السلطان فى القلب وقد أحاطت به التتار من كل جانب، ولم يبق
(27/276)

معه الا أربعة عشر من خواص مماليكه، فالتفت فإذا هو بحامل [سنجقه] «1» قد ولى منهزما، فلحقه وطعنه فقتله، وحمل على التتار، فأفرجوا له ولخواصه، فخرج. قال: ثم تفرق القلب والميسرة وطرحتهم الجفلة إلى كرمان وأذربيجان، ومنهم من دخل إلى أصفهان. وعادت الميمنة بعد يومين من جهة قاشان، وظنوا أن السلطان بأصفهان، فلمّا تحققوا الحال تسحبوا.
قال: وخفى أمر السلطان ثمانية أيام، وكان المصاف فى الثانى والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستماية. وكان الأتابك إيغان طايسى لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه، فاتفق القاضى ومن تخلف بها من أرباب الدولة على أنهم إن صلوا العيد ولم يظهر السلطان أجلسوه على سرير الملك، فلما خرج الناس لصلاة العيد حضر السلطان إلى الصلاة، فسر الناس به وأقام بها عدة أيام إلى أن تجمع ما تشتت من عساكره المتفرقة.
وأما التتار فإن السيوف نالت منهم منالا عظيما، ولم يخلص منهم- مع انتصارهم- إلى ما وراء جيحون إلا قليل «2» ؛ فإن السلطان لما تجمعت عساكره سار «3» فى آثارهم إلى الرى. وحكى ابن الأثير فى تاريخه الكامل أن ابن جنكزخان أرسل إلى السلطان إثر هذه الوقعة يقول: إن هؤلاء ليسوا منا «4» .
(27/277)

ذكر ما آل اليه أمر غياث الدين
قال: وأما غياث الدين، فإنه لما فارق السلطان عند لقاء التتار، سار إلى خوزستان، وأرسل وزيره كريم الشرق إلى الديوان العزيز معلما بمفارقته لأخيه، ويذكر أنه قد جاور الممالك الديوانية زمانا بالعراق فأحسن الجوار، إلى أن حضر أخوه من الهند فشن الغارات عليها وقلبها بطنا لظهر وسأل أن يعان على استرجاع ما غصبه جلال الدين من ملكه، ويكون من جملة غلمان الديوان، فأعيد رسوله بوعد جميل، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار. ثم تسحب غياث الدين إلى ألموت لما بلغه ظهور السلطان.
قال: ولما وصل السلطان إلى الرى مقتفيا آثار التتار بعد الوقعة، ففرق عساكره بتخوم ألموت من حدود الرى إلى أبخاز «1» فصار علاء الدين صاحب ألموت كالمجنون، فراسل السلطان يلتمس الأمان لأخيه غياث الدين ليعود إلى الخدمة، فأجابه إلى ذلك وحلف له؛ وأصحب رسوله رسولين من عنده إلى غياث الدين وهما تاج الملك نجيب الدين يعقوب الخوارزمى وجمال الدين فرج الطشتدار. فلما وصلا إلى غياث الدين ندم على طلبه الأمان، وسأل صاحب ألموت أن يعينه بما يحمله هو ومن معه، فأعانه بثلاثمائة فرس أو أربعماية، فخرج ووقعت عليه طائفة من العساكر المركزة حول ألموت فلحقوه
(27/278)

بحدود همذان وكادوا يمسكونه، ثم خلص منهم ونجا إلى كرمان- وبها الحاجب براق نائبه- فسار إليه طمعا فى وفائه. فأول ما اعتمده معه أنه تزوج بوالدته على كره منها ومنه. ثم ذكر بعد ذلك أنها قصدت أن تسقيه سما فقتلها وقتل معها الوزير كريم الشرق وجهان بهلوان إيلجى، وحبس غياث الدين ببعض القلاع، واختلفت الأقاويل فى عاقبة أمره، فقيل إن براقا قتله بعد حين وقيل إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان وقتل فيها بأمر السلطان والله أعلم.
ذكر مسير السلطان الى خلاط ومحاصرتها
قال: وسار السلطان إلى خلاط وكان قدم العساكر والأثقال كلها، وتوجه هو جريدة فى ألف فارس صوب نخجوان وحث السير إلى ناحية بجنى «1» وكمن بها ليلا حتى إذا أصبحت رعية الكرج، وسرحوا بمواشيهم على عادتهم، ضرب عليها وساقها إلى نخجوان، فكان الثور الجيد يباع بدينار. وكان سبب مسيره إلى نخجوان رغبة صاحبتها فى الاتصال به، فتزوجها وأقام بها أياما، ثم سار حتى أتى خلاط، وقد سبقته العساكر إلى تخومها، وأقامت على مسيرة يوم منها. فلما وصل إليهم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك نائب السلطان الملك الأشرف موسى بها، يذكر أن السلطان استنابه، وقبض على الحاجب لإساءته وتطرقه إلى بلاد السلطان
(27/279)

جلال الدين وأنه من جملة نوابه، وبالغ فى الملاطفة. فأجابه السلطان عن ذلك بجواب مغالط، وقال: إن كنت تقصد رضاى فابعث إلى بالحاجب على. فلما عاد الرسول بهذا الجواب قتل الحاجب على، ورحل السلطان، ونزل على خلاط وحاصرها ونصب عليها اثنى عشر منحنيقا كانت العمالة منها ثمانية.
ذكر الحوادث فى مدة حصار خلاط
كان من ذلك وصول ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، فتلقاه السلطان أحسن لقاء. وقدم المذكور إلى السلطان ما قيمته عشرة آلاف دينار، وخلع السلطان عليه وعلى أصحابه وأعاده إلى بلده. وأمره أن يجهز إليه ما يمكنه من آلات الحصار، فسير منجنيقا كبيرا وأتراسا ونشابا وغير ذلك.
ومنها أن خان سلطان أخت السلطان «1» التى كانت أسرت مع تركان خاتون، واستخصها دوشى خاتون بن جنكزخان لنفسه على ما قدمناه، وصل رسولها إلى السلطان بخاتم كان لإبنها أمارة، وهى تذكر أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، «وقد بلغه أخبار شوكتك وعزم على مصاهرتك والمهادنة معك، على أن تشاطره الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه وله ما وراءه، فان كنت تجد من قوتك ما تقاومهم وتنتقم منهم فشأنك وما أردت،
(27/280)

وإلا فاغتنم السلامة والمسالمة حال رغبتهم فيها.» فتشاغل عنها بخلاط ولم يعد عليها جوابا يقتضى الصلح.
ومنها ورود سعد الدين الحاجب رسولا من الديوان العزيز إلى السلطان يلتمس أشياء، منها أنه يستصحب معه رسولا من أجلاء أصحاب السلطان وخواص حضرته ليعود بالخلع؛ ومنها أن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومظفر الدين كوكبرى صاحب أربل وشهاب الدين سليمان شاه ملك الأبويه وعماد الدين بهلوان بن هزار سف ملك الجبال، بل يعدهم فى جملة أولياء الديوان وأتباعه وخدمه وأشياعه.
ومن جملتها أن السلطان علاء الدين لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما نواه من قصد بغداد، أسقط خطبة الخليفة بعامة ممالكه، واستمر الحال على ذلك. فلما خاطبه رسول الديوان فى ذلك أصدر تواقيعه إلى عامة بلاده بالخطبة لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبى جعفر.
ذكر مسير رسول السلطان الى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف
قال شهاب الدين محمد المنشى وهو كاتب السلطان جلال الدين:
لما انقضت أشغال رسول الخليفة سعد الدين بن الحاجب أعاده السلطان وأصحبه الحاجب الخاص بدر الدين طولق. وكتب السلطان إلى أمير المؤمنين يسأله أن يحضر بين يدى المواقف الشريفة،
(27/281)

تميزا له على سائر الملوك بمزيد الإكرام، فأجيب إلى ذلك. قال المنشى: حدثنى الحاجب الخاص قال: كان السلطان أمرنى أنى إذا حضرت إلى الديوان لا أقبل يد الوزير بدر الدين القمى «1» ، ولا أوفيه حق التعظيم لأمور كان ينقمها عليه، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر. فلما مضت أيام فإذا بحراقة فى بعض العشيات وصلت إلى منزلى بحافة دجلة، ودخل على سعد الدين الحاجب، وقال:
استعد لخدمة أمير المؤمنين. فركبت الحراقة وركبها سعد الدين معى، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها؛ فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركنى منفردا فيها، فسألته عن ذلك، فقال: ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة، وقد سيروها لك تشريفا، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير، فدخلت وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك. فقلت: «لم لا تدخل؟» فقال: «وما منا إلا له مقام معلوم، ليس لى أن أتعدى هذا المقام» . وكان خلف الباب خادم، فأوصلنى إلى باب آخر وطرق الباب، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة وبين يديه مصحف وشمعة، فأجلسنى ورحب بى إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة فصافحنى ولاطفنى بالعجمى وأخذ بيدى وأوصانى بتعظيم المواقف الشريفة، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلى. فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى إلى
(27/282)

الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير، ثم قال له أمير المؤمنين: كيف الجناب العالى الشاهنشاهى- وهكذا كان يخاطب فى الكتب- ثم وعده بمواعيد جميلة فى حق السلطان، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه، وخلع عليه وأعيد؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن الحاجب، ومعهما خلعة للسلطنة؛ فوصلوا إلى خلاط فى فصل الشتاء، والسلطان يحاصرها.
قال: وكان الذى استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان إحداهما حبة وعمامة وسيف هندى مرصع النجاد والثانية قباء وكمة وفرجية «1» وسيف قلاجورى محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير، وقلادة مرصعة يمنية، وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى، وثمان تطبيقات طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار، وترس ذهب مرصع بنفائس الجواهر، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومى مبطنة الجلال بالأطلس البغدادى وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب عليه ستون دينارا خليفتية؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب، وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار الحب، ومائة وخمسون بقجة فى كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر الأشهب مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع أو ستة تحمل بين يدى رجلين، وأربع عشرة خلعة برسم الخانات كلها بالخيل والساجات
(27/283)

والكرفسارات والطوق وحوائص الذهب والكنابيش؛ وثلاثمائة خلعة برسم الأمراء، كل خلعة قباء وكمة فحسب. وكانت خلعة شرف الملك الوزير عمامة سوداء وقباء وفرجية وسيفا «1» هنديا «2» وأكرتين «3» من العنبر وخمسين «4» ثوبا وبغلة. وعشرون خلعة برسم أصحاب الديوان كل خلعة منها جبة وعمامة. قال المنشى:
وخصصت من سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة وعشرين «5» ثوبا أكثرها أطلس رومى وبغدادى.
قال: فلبس السلطان الخلع خلعة بعد أخرى فى نهار واحد ولبس الناس بعده. ثم خاطب رسولا الخليفة السلطان فى الشفاعة فى أمر خلاط وترك الحصار فلم يرد عليهما جواب شفاعتهما. ثم بعث إليهما بعد عودهما إلى منازلهما معاتبا، وقال: قد بلغتمانى عن أمير المؤمنين أنه يريد إعلاء أمرى وتعظيم شأنى وتحكيمى على ملوك الزمان ثم تشيران على بإزالة الحصار بعد أن آن الفتح؟ وهذا ينافى ما ذكرتما، فاعتذرا، وقالا: «إنما قلنا ذلك شفقة، وخشينا أن يطول الحصار، ولا تتمكن منها فترجع عنها، فيكون ذلك بوساطتنا أسلم من مطاعن المستعجزين» فقبل عذرهما، واستمر الحصار. وكان أهل خلاط قد كفوا عن الشتم فى أيام حضور رسل الخلافة فلما تحققوا أنهم ما شفعوا عادوا إلى عادتهم فى السب
(27/284)

والشتم. ثم وردت عليه رسل الملوك، كالملك المسعود صاحب آمد والملك المنصور صاحب ماردين يبذلان الطاعة، فكتب إليهما بالخطبة له فى بلادهما.
ومما اتفق له أن امرأة عجوزا أتته وهى من دهاة الأرض تتكلم بثلاث لغات: الفارسية والتركية والأرمينية، وكان مضمون رسالتها أن ركن الدين العجمى- وهو من ذوى الحظ عند الملك الأشرف- استدعى من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها فى الأجناد بخلاط فتجلب أهواءهم وتسلم للسلطان خلاط. قدفع السلطان لها ألف دينار وقال: إذا ثبت صدقك وعدت برسالة ثانية كملت لك المال، وكانت الرسالة غير صحيحة، فشاع الخبر فى العسكر حتى بلغ عز الدين أيبك فقتل ركن الدين، ثم ظفر السلطان بالعجوز بعد فتح خلاط واستعاد الذهب منها وقد صرفت منه ثلثماية دينار، وأمر بقتلها فقتلت.
ذكر ملكه مدينة خلاط
قال: وملك السلطان جلال الدين خلاط فى آواخر سنة ست وعشرين وستماية وقيل إنه حاصرها فى أوائل سنة ست وعشرين وملكها يوم الأحد لئلاث بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين قال: ولما طالت مدة الحصار وعدمت الأقوات حتى أكل الناس الكلاب والسنانير، أدلى الأمير إسمعيل الإيوانى بعض أصحابه ليلا من السور؛ فحضر إلى السلطان وأعلمه أن اسمعيل يلتمس
(27/285)

من السلطان أن يعين له أقطاعا بأذربيجان ليسلم المدينة، فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع بأذربيجان، وحلف له على تقريرها بيده، ولبس الناس لامة حربهم وأدلى إسمعيل الحبال ليلا، فطلعت أعلام السلطان مع رجاله، واستعد الناس للزحف. فلما أصبحوا زحفوا على الثلمة فقاتل من بخلاط من بقايا الأجناد القيمرية «1» قتالا شديدا، ثم نظروا إلى الأبراج وإذا أكثرها قد مليت بالرجال والأعلام السلطانية فزحف عليهم من بالأبراج فولوا منهزمين، وأسرت الأمراء القيمرية والأسد بن عبد الله وغيرهم، وتحصن عز الدين أيبك ومجير الدين وتقى الدين ابنا الملك العادل بن أبى بكر ابن أيوب بالقلعة. وأراد السلطان أن يحمى خلاط من النهب فغلبوا على رأيه فيها، فأباحها ثلاثة أيام، ومات جماعة كثيرة من أهلها بالعقوبات فى طلب الأموال. ثم نزل تقى الدين وناصر الدين القيمرى وطلبا الأمان لعز الدين أيبك، فأمنه. ونزل إليه هو ومجير الدين ثم قبض السلطان بعد ذلك على عز الدين وحبسه وترددت رسل الملك الأشرف فى الصلح فأمر السلطان بقتل عز الدين أيبك فى محبسه فقتل. قال: ولما ملك السلطان خلاط أمر بعمارة ما هدمته المجانيق منها فعمر وأقطع كورها للخانات والأمراء، ثم وردت رسل الديوان بالشفاعة فى تقى الدين ومجير الدين، فسلم السلطان تقى الدين خاصّة.
(27/286)

ذكر مسيره الى بلد الروم وانهزامه من عسكرى الشام والروم
قال: ولما ملك السلطان خلاط سار منها إلى منازجرد «1» ليرتب الحصار، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم نائبا، وأعلم السلطان باتفاق ملوك الشام والروم عليه وقال: «إن الرأى أن تبادرهم قبل أن يجتمعوا» فصوب السلطان رأيه، وعرف نصيحته، فاتفقا على أن يقيما بخرت برت «2» وينظرا حركة العساكر، فأيهما تحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله بصاحبه.
فلما وصل السلطان إلى خرت برت مرض مرضا شديدا يئس منه من الحياة، وتواترت كتب ركن الدين صاحب أرزن الروم يحرضه على الحركة، ويعلمه بحركة العسكر، والسلطان فى شغل بنفسه عن قراءتها. فحين خف عنه المرض ركب بعد اجتماعهما، وكان قد أذن لبعض العساكر الأرانية والأذربيجانية والعراقية والمازدندانية فى العود إلى أوطانهم، ولم يستحضرهم وسار، وجرد أمامه أوترخان فى ألفى فارس برسم اليزك. ثم التقى الجمعان بعد ذلك واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على أصحاب السلطان،
(27/287)

وأسر ألغ خان وأطلس ملك وعدة من المفاردة «1» ؛ فأمر صاحب الروم بضرب أعناقهم. وأسر ركن الدين صاحب أرزن الروم على ما ذكرناه فى أخبار السلجقية ملوك الروم.
قال: وسار السلطان جلال الدين إلى أن وصل إلى منازجرد، فوجد وزيره شرف الملك قد ضايقها ونصب عليها عدة من المجانيق وأشرف على فتحها، فاستصحبه معه إلى خلاط، فلما وافاها حمل ما أمكنه من الخزائن، وأحرق البقية لقلة الظهر وضيق الوقت وفارقها إلى أذربيجان. فلما وصل إلى سكماناباذ، خلف شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك برسم اليزك، وأقام بخوى. وأما أصحاب السلطان الذين كانوا بزكا، فإن الهزيمة استمرت بهم إلى موقان «2» . قال: ولما بلغ الملك الأشرف أن شرف الملك هو المقيم بسكماناباذ راسله فى طلب الصلح، وقال: إن سلطانك هو سلطان الإسلام والمسلمين وسيدهم، والحجاب دونهم ودون التتار؛ وغير خاف علينا ماتم على حوزة الإسلام وبيضة الدين بموت والده، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف الإسلام. وطلب منه أن يرغبه فى الألفة وضمن له من علاء الدين كيقباذ والملك الكامل أخيه، والقيام بما يزيل عارض الوحشة؛ فركن السلطان إلى ذلك، وترددت الرسائل إلى أن تم الصلح.
(27/288)

ذكر وصول مقدمة التتار الى تخوم أذربيجان ورحيل السلطان من تبريز الى موقان
قال: كان السلطان قد جرد يرغو أحد بهلوانيته «1» ليكشف بالعراق أخبار التتار فلما وصل إلى مرج شروان «2» بين زنجان «3» وأبهر صادق «4» يزك التتار، وكان معه من أصحابه أربعة عشر نفسا فلم ينج منهم غيره، فرجع إلى تبريز بالخبر المزعج. فرحل السلطان من تبريز إلى موقان، اذ كانت عساكره بها متفرقة فى مشاتيها، فأعجلته الحادثة قبل أن ينظر فى أمر حرمه فيسيرها إلى قلعة حصينة من حصونه، فخلفها بتبريز، وسار فيمن معه من خواصه متوجها إلى موقان، حاثا فى السير ليجمع بها متفرق عساكره. فوصلها فوجد عساكره متفرقة، منهم من أقام بها ومنهم من توجه ليشتى بشروان، ومنهم من امتد إلى المكتور «5» .
فوجه إليهم البهلوانية بقداح كانت علامات الاستقرار والاستحضار وقد هجم التتار عليهم قبل اجتماعهم وانتقض هذا النظام.
(27/289)

ذكر كبسة التتار السلطان وهو بحد (شيركبوت)
قال: لما انفصلت البهلوانية لجمع العساكر اشتغل السلطان بالصيد وهو فى قلّ من العدد زهاء ألف فارس من خواصه، فترك ليلة بقرب شيركبوت، وهى قلعة مبنية على تل بموقان، يحيط بها خندق بعيد القعر، متصل متسع العرض، ينبع الماء منه فيفيض فيسقى البلد. فبينما هو بتلك المنزلة كبسه التتار ليلا فانهزم وساقوا فى أثره. فلما وصل إلى نهر آرس أوهم التتار أن قطع النهر صوب كنجة وعطف إلى أذربيجان، فأقام بماهان «1» ، وهى فضاء كثيرة الصيد فشتا «2» بها. وكان عز الدين صاحب قلعة شاهق يبعث إلى السلطان ما يحتاج إليه من المأكل وغيره فى المراكب. وقد كان قبل ذلك يجاهره بالعداوة، فرضى عنه السلطان كل الرّضى، وكان عز الدين يعلم بأخبار التتار فلما انقضى الشتاء أخبره أن التتار قد ركبوا من أوجان «3» لقصده، وأنهم تحققوا مكانه؛ وأشار إليه بالعود إلى أران فرحل صوبها.
(27/290)

ذكر القبض على شرف الملك وزير السلطان وقتله
قال المنشى: لما نبت الجفلة بالسلطان شرع شرف الملك فى تمهيد القواعد لنفسه، وكاتب الملك الأشرف وغيره من الملوك، وذكر رجوعه عن السلطان، ونعت جلال الدين بالمخذول، وكتب إلى نواب الأطراف فى ذلك وذكره فى كتبه إليهم بالظالم المخذول؛ وصدر منه من الأفعال ما يناسب ذلك، فظفر السلطان بشيئ من هذه الكتب وكتمها؛ لكنه كان يكتب إلى نواب الأطراف يحذرهم منه ومن امتثال أمره، ويغض منه فى كتبه. وكان شرف الملك قد استقر بقلعة حيزان «1» وعمرها وصادر أصحاب السلطان، وجاهر بالعداوة، فلما رجع السلطان من ماهان وقارب حيزان، راسله فى النزول إليها وتغافل عن جميع ما صدر منه، وأوهمه أنه باق على ما عهده. ونزل شرف الملك إليه فأكرمه بما لم يكن يعامله به قبل ذلك، فإنه أحضره فى مجلس شرابه وشرب معه، ولم تكن هذه عادتهم مع وزرائهم، فسر شرف الملك بذلك وظن أنه زاده تقريبا وتعظيما.
قال: وسار السلطان حتى قارب قلعة جاريبرد- وهى من مضافات أران- وعزم على أن يحبس شرف الملك بها، فركب إليها وصعد
(27/291)

لكشفها، وصعد شرف الملك معه، فأمر السلطان واليها سرا- واسمه سملان سلك بك وهو شيخ تركى ظالم شرير- أنه إذا نزل يمنع شرف الملك من النزول ويحبسه بالقلعة ويقيده. وكان يخشى منه أنه يفارقه إلى بعض الجهات فيثير فتنة، وعزم على حبسه إلى أن تخمد فتنة التتار، ثم يخرجه ويعيده إلى الوزارة من غير تقرير عشر البلاد، بل يقرر باسمه فى كل شهر ألف دينار أسوة بوزير الخليفة، ولا يطلق يده فى الإطلاقات، فحبس شرف الملك بالقلعة، ونزل إلى متولى القلعة بعد حبسه بأيام وقد جلس السلطان للمظالم، فكثرت الشكوى فى متولى القلعة والسلطان لا يجيب فى أمره بشيئ تألفا له. فخاف المتولى أن السلطان يعزله، فاتفق مع شرف الملك.
وكان السلطان لما اعتقل شرف الملك ضم مماليكه الذين أمّرهم إلى أوترخان وكان كبيرهم ناصر الدين قشتمر، فدخل يوما على أوترخان بخاتم شرف الملك وقال إن متولى القلعة سيره إليه يقول: إننى قد واطأت صاحبك على إطلاقه، وأننا نصالح الكرج، فمن رغب منكم فى خدمته فليأت القلعة. فلما سمع السلطان بذلك سقط فى يده وفت فى عضده. وكان ابن المتولى فى جملة بهلوانية السلطان وجماقداريته، فبعثه إلى أبيه يقبح عليه فعله ويذكره بإحسانه إليه وأنه ليس لجنايته موجب. فرجع الغلام وأخبر السلطان عن أبيه.
أنه على الطاعة إن وثق من السلطان أنه لا يعزله. فقال السلطان مصداق هذا القول أنه يبعث إليه برأس شرف الملك. ووجه صحبة ابن المتولى خمسة من السلحدارية. قال: فلما دخلوا عليه وعلم مقصدهم استمهلهم ريثما يتوضأ ويصلى ركعتين. فلما فرغ من صلاته أذن لهم فى
(27/292)

الدخول. فقالوا له: ماذا تختار: الخنق أم السيف؟ فاختار السيف فقالوا: إن الملوك لا تقتل بالسيف، والخنق أهون عليك، فقال: شأنكم وما تريدون. فخنقوه وخرجوا من عنده حتى يبرد ثم يدخلوا عليه فيقطعوا رأسه. فلما دخلوا عليه وجدوه قد أفاق وجلس، فضربوا عنقه. هذا ما نقله شهاب الدين المنشى فى سبب قتله.
وقال غيره من المؤرخين: إن سبب خلاف شرف الملك على السلطان وانضمام الناس إليه أن جلال الدين ظهر منه فى هذه السنة- وهى سنة ثمان وعشرين وستمائة- نقائص وأمور دلت على نقص عقله، وأوجبت انحراف وزيره وعساكره عنه. فمنها أنه كان له خادم خصى يسمى قلج، وكان جلال الدين يحبه، فمات فأظهر عليه من الهلع والجزع ما لم يسمع بمثله، ولا نقل عن مجنون ليلى ولا غيره من جهال العرب، الذين ضرب بهم المثل، وأمر الجند والأمراء أن يمشوا فى جنازته رجّاله. وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ فمشى الناس كما أمرهم، ومشى هو بعض الطريق راجلا، فألزمه وزيره وأمراؤه بالركوب، وأرسل إلى أهل تبريز أن يتلقوا الجنازة فتلقوها، فأنكر عليهم لتأخرهم وكونهم ما تقدموا الموضع الذى لقوها فيه، وكونهم لم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما أظهروا، وقصد معاقبتهم على ذلك، فشفع فيهم الأمراء فتركهم ولم يدفن الخادم، وكان يستصحبه معه أين سار وهو يلطم ويبكى، وامتنع من الأكل والشرب. وكان إذا اقدم له طعام يقول: احملوا من هذا إلى قلج، فيحملونه ويعودون فيقولون: هو يقبل الأرض ويقول: إننى الآن أصلح مما كنت، ولا يتجاسر أحد يقول: إنه مات،
(27/293)

فإنه قيل له مرة إنه مات فقتل القائل. فحصل لأمرائه من الغيظ والأنفة ما حملهم على الخروج عن طاعته والانحياز عنه والانضمام إلى وزيره؛ فكان ذلك سبب خروجه.
ذكر رحيل السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا
قال: كان أوباش كنجة قد قتلوا من بها من الخوارزمية وتجاهروا بالفساد، وملك زمام أمرهم رجل يعرف ببندار وأطاعه الأوباش فبسط يده فى المصادرات، واقتصرت أذيته على من لم يدخل معه فى العتو. فوجه السلطان إليه يدعوه إلى الطاعة، ويحذره ويحذرهما من المخالفة، فلم يجيبوا إلى ذلك. فسار السلطان إليها، ونزل ببعض بساتينها، وترددت الرسائل فى بذل الأمان والوعد بالعفو، فلم يجيبوا إلى ذلك، وخرجوا للحرب، ورموا خيمة السلطان بالسهام ووصلوا إلى حائط البستان. فركب فيمن حضر من خواصه، وأوقع بهم، وسار حتى دخل المدينة. وأقام بكنجة سبعة عشر يوما ينتظر ما يسوغه التدبير، ثم أجمع على الاستنجاد بالملك الأشرف موسى على التتار، وكان جماعة من الجبناء يسيرون عليه بذلك وهو يخالفهم باطنا ويوافقهم ظاهرا. فسار إلى خلاط من طريق كيلكون، والغارات تنقلب بلاد الكرج بطنا لظهر، والسلطان يتابع رسله إلى الملك الأشرف يستنجد به. ولما بلغ الملك الأشرف توجه الرسل إليه يستمدونه، توجه إلى مصر واجتمع رسل السلطان بدمشق، والكتب ترد عليهم من الملك الأشرف بأننا واصلون من مصر لإنجاد السلطان.
(27/294)

مواعيد كما لاح سراب المهمه القفر ... فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر
ثم وردت عليه كتب رسله يؤيسونه من إنجاد الملك الأشرف، فبعث إلى الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل أبى بكر يستصرخه بنفسه، ومن عنده ومن حوله من الملوك، مثل صاحب آمد وماردين. فأجاب الملك المظفر أنه غير مستقل بالأمر وإنما هو ينوب عن إخوته. وأما صاحب آمد وماردين فلم يسمعا الرسالة.
ذكر نزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما كان من أمره
قال: لما آيس السلطان جلال الدين من إنجاد الملوك أحضر أمراءه واتفقوا على أن يتركوا أثقالهم بديار بكر، ويتجردوا «1» خفافا بمن يعز عليهم من نسائهم وأولادهم إلى أصفهان. فورد علم الدين سنجر- المعروف بقصب السكر- رسول الملك المسعود صاحب آمد رسالة تشتمل على الطاعة والخدمة، ويزين للسلطان قصد الروم، وأطمعه فى الاستيلاء عليها وعدم من ينازعه، ووعد السلطان أن يخرج بنفسه وأربعة آلاف فارس ولا يفارق خدمته. وكان سبب ذلك أن صاحب الروم قد أوغر صدر الملك المسعود صاحب آمد، واستولى على عدة من قلاعه. فمال السلطان إلى كلامه، وعدل عما كان قد عزم عليه من المسير إلى أصفهان، وعطف صوب بلد آمد،
(27/295)

ونزل الجسر بقربها. قال: وشرب تلك الليلة حتى سكر، فأتاه وهنا من الليل شخص تركمانى وقال: «إننى رأيت فى منزلتك التى كنت بها أمس عسكرا قد نزلها غير ذى عسكرك بخيل أكثرها شهب.»
فكذبوه، وقالوا: هذه حيلة. فلما كان قبيل الفجر، أحاط التتار به وبمن معه، فكانوا كما قيل:
فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
ومن فى كفه منهم قناة ... كمن فى كفه منهم خضاب
قال: وأحاط التتار بخركاة «1» السلطان وهو نائم فى سكره، وإذا بأورخان قد وصل بأصحابه، وحمل على التتار حتى كشفهم عن الخركاة، ودخل بعض الخواص فأخذ بيد السلطان وأخرجه من الخركاة وعليه طاقية بيضاء. فركب فرسه ولم يذكر فى ذلك الوقت إلا الملكة ابنة الأتابك سعد، فجهز فى خدمتها من يسوق بها إلى حيث ترميهم الجفلة، وساق وأطلاب التتار تتبعه مجدة فى السير خلفه فلما رأى ذلك، أمر أورخان أن يفارقه بمن معه من العسكر ليتبع التتار سواده، ويخلص هو بمفرده، ففعل ذلك.
قال المنشى: ولقد أخطأ، فإن أورخان لما فارقه انضوى إليه خلق كثير، ووصل إلى أربل ومعه أربعة آلاف فارس، وساق إلى أصفهان وملكها زمنا إلى أن قصدها التتار. وأما السلطان فساق بعد فراقه لأورخان إلى أن وصل إلى باشورة آمد، فرموه بالحجارة
(27/296)

ومنعوه الدخول، فتيا سر عنها، وانضم إليه تقدير مائه فارس، فرمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة، وبها الدربندات المنيعة، فمنعوه من العبور، فأشار عليه أوترخان بالعود، وقال: إن أسلم الطّرق اليوم طريق سلكه التتار، فرجع ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل ببيدرها وسيب الخيل لتستوفى شبعها، ثم ركب أوترخان وفارقه فى ذلك الوقت جبنا منه وخورا، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازى من المكاتبات، وأقام السلطان بالبيدر طول ليلته، فلما أصبح طلع عليه طائفة من التتار فركب وعوجل أكثر من معه عن الركوب فقتل بعضهم وأسر بعضهم. (والله أعلم)
ذكر مقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة الخوارزمية
كان مقتله رحمه الله فى النصف من شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة وذلك أنه لما كبسه التتار بالبيدر وركب، أخبرهم من أسر من رفاقه أن الذى انهزم هو السلطان، فجدوا فى طلبه وساق خلفه منهم خمسة عشر فارسا، فلحقه منهم فارسان فقتلهما، ويئس الباقون من الظفر به فرجعوا، ثم صعد جلال الدين إلى جبل. وكان الأكراد يحفظون الطرق لما يتخطفونه «1» فأخذوه وسلبوه على عادتهم بمن يظفرون «2» به، وأرادوا قتله فقال لكبيرهم سرّا: «إننى
(27/297)

أنا السلطان فلا تعجل بقتلى، ولك الخيار فى أن تحضرنى عند الملك المظفر شهاب الدين فيغنيك أو إيصالى إلى بعض بلادى فتصير ملكا» فرغب الرجل فى إيصاله إلى بلده، ومشى به إلى عشيرته، وتركه عند امرأته ومضى بنفسه إلى الخيل لإحضار ما يحمله عليه. فلما توجه الكردى جاء شخص من سفلة الأكراد وأراذلها وبيده حربة، فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمى؟ ولم لا تقتلونه؟» فقالت: «قد آمنه زوجى وهو السلطان» فقال الكردى: «كيف تصدقون أنه السلطان وقد قتل لى بخلاط أخ خير منه» وضربه بالحربة ضربة فمات منها. فكانت مدة ملكه منذ وفاة أبيه اثنتى عشرة «1» سنة تقريبا قال: وكان أسمر قصيرا، تركى العبارة. وكان يتكلم بالفارسية، وكان حليما عفيف اللسان لا يكاد يضحك إلا تبسما، وكان يحب العدل. قال المنشى: وكان يكتب إلى الخليفة فى مبدأ خروجه من الهند والوحشة قائمة، حذوا على منوال أبيه خادمه المطواع منكوبرتى ابن السلطان سنجر. ولما أتته الخلع الخليفتية بالسلطنة كتب إليه «عبده» والخطاب: «سيدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين وإمام المسلمين، خليفة رسول رب العالمين، إمام المشارق والمغارب المنيف على الذروة العلياء من لؤى بن غالب» . وكان يكتب إلى علاء الدين كيقباذ وملوك مصر والشام أجمع اسمه واسم أبيه منعوتا بالسلطان، ولا يزيدهم على ذلك. وكانت علامته على تواقيعه «النصرة من الله وحده» .
وكان يكاتب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأشباهه بهذه العلامة وخوطب من الخليفة فى مبدأ طلوعه من الهند: الجناب الرفيع الخاقانى
(27/298)

ولم يزل يقترح عليهم أن يخاطب بالسلطان، فلم تحصل الإجابة لذلك إذ لم تجر به عادة، فلما كثر إلحاحه خوطب بالجناب العالى الشاهنشاهى.
وانقرضت الدولة الخوارزمية بقتل السلطان جلال الدين، وكانت مدة قيام هذه الدولة منذ ولى خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين خوارزم من قبل أمير داذ حبشى متولى خراسان فى شهر رجب سنة تسعين وأربعماية، وإلى أن قتل السلطان جلال الدين هذا، مائة سنة وثمان «1» وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وأياما. وعدة من ولى منهم سبعة وهم خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين «2» ، ثم ابنه اتسز بن محمد، ثم ابنه ايل «3» أرسلان بن اتسز، ثم ابنه سلطان شاه محمود بن ايل «4» أرسلان،- ولم تطل أيامه-، ثم أخوه علاء الدين تكش، ثم ابنه علاء الدين محمد بن تكش، ثم ابنه جلال الدين منكوبرتى.
(27/299)

ذكر أخبار الدولة الجنكزخانية وابتداء أمرها وما تفرع عنها
والدولة الجنكزخانية هى دولة التتار وقيل فيهم التاتار، وهذه النسبة إلى جنكزخان التمرجى. «1» ونحن نذكر ملخص أخباره وابتداء ظهوره وما كان من أمره إلى أن ملك البلاد، ونشرح من ذلك ما لخصناه مما طالعناه ونورد ما تلقفناه من أفواه الرجال وسمععناه.
ولما اتسعت ممالك هذه الدولة وبعدت، وكانت بين المؤرخين الضالة التى ما نشدت، تعذر علينا أن نتحقق أحوالها، ونجوس خلالها ونستوعب أخبارها، ونستقصى آثارها. ولم يمكن أن نخلّ بها وقد اشتهرت، ونطوى أخبارها وقد انتشرت، فأوردنا من أخبار ملوكها طرفا على غير مساق، ونبذة على غير اتساق، مما أورده المنشى فى تاريخه الجلالى، وعز الدين بن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل. وأما غيرهما ممن لعله أرخ لهم فلم يصل ما أرخه إلينا، ولا ورد ما دونه من أخبارهم علينا، فنقلنا ما نورده مما لم يتضمن تاريخيهما، وما بعدهما مما نقل إلينا عن رسلهم الذين وردوا إلى أبواب ملوكنا من جهتهم، ومن غيرهم ممن ورد من تلك البلاد على ما سنقف عليه إن شاء الله. ولنبدأ بذكر أخبار جنكزخان.
(27/300)

ذكر أخبار جنكزخان التمرجى وابتداء أمره وسبب ظهور ملكه
وجنكزخان التمرجى هو أصل هذه الدولة، والقائم بأمرها، والناشر لذكرها. وإليه يرجع ساير ملوكها الذين استولوا على أقاصى البلاد وأدانيها، ورقاب العباد ونواصيها من الصين إلى الفرات وما دانا ذلك وتخلله وجاوره من الممالك والمدن والحصون والقلاع والأقطار. وقد اختلف فى نسبة جنكزخان إلى التمرجى فقال قوم إنه كان حدادا والتمرجى بلغتهم هو الحداد، وقال قوم بل هى نسبة إلى قبيلة تعرف بالتمرجى، وأنهم سكان البرارى ببلاد الصين وجين الصين. وتسمى هذه البلاد بلغتهم جين «1» [وما جين] «2» بين الجيم والشين. ومسيرة أقطارها ستة أشهر، وبها جبال منيعة تحيط بها كالسور، بها الأنهار العذبة المتسعة، وقيل إنه يحوى ملك الصين سور واحد لا ينقطع إلا عند الجبال المنيعة والأنهار الوسيعة وكان ملك الصين ينقسم قديما إلى ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر يتولى أمره خان، والخان بلغتهم الملك، يحكم ذلك الخان على القوم القاطنين بذلك السقع، ومرجع هؤلاء الخانات الستة
(27/301)

إلى خان واحد هو ملكهم الأكبر، ومقامه بطوغاج بوسط أرض الصين، وله مصايف ومشاتى يصيّف فى هذه ويشتى فى الأخرى.....
وأما مبدأ أمر جنكزخان وسبب ملكه فقيل إنه تزهّد مدة طويلة وانقطع بالجبال. وكان سبب زهده أنه سأل بعض اليهود فقال له:
«بم أعطى موسى وعيسى ومحمد هذه المنزلة العظيمة، وشاع لهم هذا الذكر» ، فقال له اليهودى: «لأنهم أحبّوا الله وانقطعوا إليه فأعطاهم» ، فقال جنكزخان: «وأنا إذا أحببت الله وانقطعت إليه يعطينى؟» قال: «نعم، وأزيدك أن فى كتبنا أن لكم دولة ستظهر» فترك جنكزخان ما كان فيه من عمل الحديد أو غيره وتزهد، وفارق قومه وعشيرته، والتحق بالجبال وكان يأكل من المباحات، فشاع ذكره فكانت الطائفة من قبيلته تأتيه للزيارة فلا يكلمهم، ويشير إليهم أن يصفقوا بأكفهم، ويقولوا: يا الله يا الله يخشى در، فيفعلون ذلك ويوقعون له وهو يرقص، فكان هذا دأبه وطريقته مع من يقصده للزيارة، وهو مع ذلك لا يدين لديانة ولا يرجع إلى ملة بل مجرد محبة الله بزعمه، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فهذه كانت بدايته.
وأما سبب ملكه فحكى شهاب الدين محمد المنشى وغيره فى سبب ملك جنكزخان أنه كان من جملة الستة خانات الذين يحكمون على مملكة الصين خان يسمى دوشى خان. وكان الخان الكبير الذى مرجع الستة إليه فى زمن ظهور جنكزخان التمرجى ملك اسمه الطون خان «1» فاتفقت وفاة دوشى خان أحد الخانات الستة ولم يخلف
(27/302)

ولدا، وله زوجة هى عمة جنكزخان التمرجى، فاختارت أن ترتبه مكان زوجها دوشى خان. وكان الخان الأكبر غائبا عن مدينة طوغاج «1» فلما قصدت ذلك أرسلت إلى اثنين من الخانات الستة يسمى أحدهما كشلوخان والآخر جنكزخان وهما متوليان على ما يتاخم ولاية زوجها دوشى خان، فأعلمتهما بوفاة زوجها، وأنه لم يخلف ولدا، وأنها تقصد ترتيب ابن أخيها مكانه. وسألتهما الإعانة والمساعدة على ذلك. فأجاباها إليه وأشارا أن تقيمه مقام زوجها، وضمنا لها أمر التون خان الأكبر. فأقامته ولقبته جنكزخان، وانضم إليه أقوام من عشيرته. فلما عاد التون خان إلى طوغاج حضر الخانات إلى خدمته وجاء كل منهم بما جرت به العادة من التقادم، وعرض عليه الحجاب الأمور التى اتفقت فى غيبته، وقدموا بين يديه التقادم إلى أن وصلوا إلى تقدمة جنكزخان التمرجى بحضور الخانين اللذين أشارا على عمته بتقدمته. فعجب التون خان من توليته فى غيبته.
وكونه ترشح لما لا يستحقه، فغضب من ذلك وخرج وأمر أن تقطع أذناب خيله وترد مطرودة. ففعل ذلك وشتمه الحجاب وشتموا صاحبيه كشلوخان وجنكزخان، وبالغوا فى وعيده ووعيدهما.
فلما خرجوا من بين يديه نزعوا أيديهم من الطاعة وانفردوا عن الخان الكبير التون خان، وخالفوه وانضم إليه خلق كثير، فكثرت جموعهم وأهم التون خان أمرهم، فكاتبهم يعدهم تارة ويتهددهم أخرى، على أن يرجعوا إلى الطاعة، فأبوا إلا الخلاف. فلما أيس
(27/303)

التون خان من رجوعهم إلى الطاعة جمع جموعه وخرج فالتقوا واقتتلوا فكسروه، وقتلوا من قبائل الترك الذين معه مقتلة عظيمة، وهرب التون خان بنفسه إلى وراء كنك «1» وأخلى البلاد، فتمكنوا منها وملكوها، وضعف أمر التون خان ووهى حتى راسلهم يطلب المهادنة وقنع بالسقع الذى انتهى هربه إليه، فأجابوه إلى ذلك.
واستمر الأمر بين الثلاثة: كشلوخان وجنكزخان الأكبر، وجنكزخان الأصغر تمرجى، هذا على المشاركة، فكانوا كذلك إلى أن مات جنكزخان الأكبر، وبقى كشلوخان، وجنكزخان تمرجى مشتركين فى الأمر، وامتدت أيديهما فى البلاد، وسارا إلى بلاساغون «2» فملكاها وما يتاخمها ويدانيها من البلاد. فاتفقت وفاة كشلوخان فقام ولده مقامه، ولقب كشلوخان بلقب أبيه، فلم ينصفه جنكزخان واستضعف جانبه لحداثة سنه، ولم يعامله بما كان يعامل به أباه من الاشتراك فى الأمر والنهى والتناصف فى قسمة الممالك. فجرى بينهما مراسلات ومعاتبات أفضت إلى مفارقة كشلوخان بن كشلوخان إلى قيالق «3» والمالق «4» ، فصالحه صاحبها ممدوخان بن أرسلان واتفقا وتعاضدا.
واتفق أن كورخان- خان الخانية ملك الخطا- كان بينه وبين
(27/304)

السلطان علاء الدين محمد بن تكش من الحروب ما ذكرناه فى أخباره، وكان السلطان علاء الدين لما هزم كورخان التجا إلى حدود كاشغر فقصده كشلوخان وممدوخان «1» وأرادا أنهما يجلسانه على تخت الملك لينضاف إليهما بسببه قبائل الترك، فنهضا إليه من قيالق وكبسا عليه وهو بحدود كاشغر وأخذاه وأجلساه على سرير الملك. وكان كشلوخان يقف بين يديه عند الإذن العام موقف الحجاب، فيشاوره فى سائر الأمور ولا يعمل منها إلا بما يختاره، فكانت واقعتهم هذه شبيهة بواقعة السلطان سنجرشاه السلجقى مع الغز لما أسروه، قال: واستوليا على خزانته وأمواله وذخائره، فبلغ السلطان علاء الدين محمد بن تكش ذلك، فأرسل إلى كشلوخان يطالبه بإرساله إليه ويتهدده إن أخره عنه، ويقول: إنه كان هادنه على أن يزوجه ابنته طوغاج خاتون ويزفها إليه بما فى خزانته من الجواهر النفيسة والأعلاق الثمينة، على أن يتركه فى أخريات بلاده؛ فما أجاب إلى ذلك، ودافعه عنه بالملاطفة والممالطة.
وفى أثناء ذلك بلغ جنكزخان تمرجى أن كشلوخان استولى على كاشغر وبلاساغون وأن ملك الخطا قد وقع بين يديه، فبعث إليه ولده دوشى خان «2» فى زهاء عشرين ألف فارس فأوقع بهم دوشى خان ابن جنكزخان، وغنم ما معهم وذلك فى سنة ثنتى عشرة وستمائة وكان السلطان علاء الدين قد عبر النهر لقصد كشلوخان وقتاله، فبلغه أن دوشى خان بن جنكزخان أوقع به، وجاءته رسالة دوشى خان
(27/305)

مع من يقول له: إنه يقبل الأرض ويعتذر من عبوره إلى البلاد، ويقول:
إنه إنما عبر لطلب كشلوخان وينازله فى رسالته وقال: إن الغنائم بين يديه إن شاء أن ينعم على من باشر القتال بشىء منها، وإلا فالأمر إليه وإلا يرسل من يتسلمها ويسوقها إلى عنده، وذكر له أن أبا جنكزخان أوصاه بسلوك الأدب فى خدمة السلطان علاء الدين إن صادفه أو صادف بعض عساكره. فلم يصغ علاء الدين إلى كلامه وقال:
إن كان جنكزخان أمرك أن تقاتلنى فالله أمرنى بقتالك. وتقدم إليه والتقيا، فكسر دوشى خان ميسرة السلطان علاء الدين ومزقها، وكادت تكون الهزيمة حتى عطفت الميمنة على ميسرة دوشى خان ثم حجز بينهما الليل فأججوا نيرانا كثيرة. وركبوا وساقوا فى تلك الليلة مسيرة يومين، وتمكن الرعب فى قلب السلطان محمد وعاد إلى سمرقند. ثم راسل جنكزخان السلطان علاء الدين خوارزم شاه وهاداه، وطلب منه أن يفسح للتجار أن تتواصل من بلادهما واتفقا على ذلك على ما قدمناه فى أخبار خوارزم شاه.
ذكر خروج التتار الى البلاد الاسلامية
كان سبب ذلك أن جنكزخان لما راسل السلطان محمد وهاداه، وانتظم بينهما الصلح، وفسحا للتجار فى الوصول إلى بلاد الإسلام وبلاد الصين، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى أترار «1»
(27/306)

- وهى من ممالك السلطان علاء الدين محمد- عدة من تجار جنكزخان.
وكان بها ينال خان ينوب عن السلطان، فقتلهم وأخذ أموالهم.
فاتصل ذلك بجنكزخان، فراسل السلطان يلومه على ذلك، ويقول:
إنك كتبت خطك وأمانك للتجار، وقد غدرت ونكثت، فإن زعمت أن الذى ارتكبه ينال خان كان عن غير أمرك فسلمه إلى لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب. فقتل رسله كما قدمنا ذلك فى أخبار خوارزم شاه، فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصد البلاد الإسلامية.
وكان من سوء تدبير علاء الدين خوارزم شاه وتفرقة عساكره فى كل مدينة من مدن ما وراء النهر ما ذكرناه، فتجهز جنكزخان بجموع التتار، ولما شارف البلاد الإسلامية تياسر صوب أترار واستولى عليها بعد قتال شديد، وأحضر ينال خان بين يديه وأمر بسبك الفضة وقلبها فى أذنيه وعينيه، فمات.
ذكر استيلاء جنكزخان على بخارا
قال: ولما استولى جنكزخان على أترار وقتل النائب بها، ورتب الحيلة التى أوقع بها بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله على ما قدمناه فى أخبار الدولة الخوارزمية، تقدم إلى بخارا، وقصد بذلك أن يقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، حتى أنه لو أراد جمعهم لعجز عن ذلك فلما انتهى إليها حاصرها، وقدم بين يديه رجال أترار، وداوم الحصار والقتال ليلا ونهارا وكان بها
(27/307)

الأمير اختيار الدين كشلى أمير آخور «1» وأغلى حاحب الملقب بإينانج خان فى ثلاثين ألف فارس، فلما رأوا أنها قد أشرفت على الأخذ تخاذلوا، وأجمعوا على الهزيمة، فخرجوا وحملوا على التتار حملة رجل واحد، فأفرجوا لهم وانهزموا أمامهم حتى كادت الهزيمة تكون على جنكزخان، وظن أنهم يعودون للقتال. فلما علم جنكزخان أن مقصدهم الهرب أرسل فى آثارهم من أكابر التتار من يتبعهم ويتخطفهم إلى أن وصلوا إلى حافة نهر جيحون، فلم ينج منهم إلا إينانج خان فى شرذمة يسيرة، وشمل القتل معظم ذلك الجيش وغنم التتار ما معهم.
قال: ولما فارق العسكر الخوارزمى بخارا طلب أهلها الأمان فآمنهم وكان قد بقى من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة، وفتحت أبواب المدينة بالأمان، وذلك فى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة. فدخل التتار بخارا ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم: أخرجوا إلينا جميع ما هو متعلق بالسلطان من الذخائر وغيرها، وساعدونا على قتال من بالقلعة، وأظهروا لهم العدل وحسن السيرة. ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى فى البلدان أن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل. فحضروا بأجمعهم وأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى كان التتار يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها فى الخندق.
(27/308)

ثم تابعوا الزحف على القلعة وبها أربعماية فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم ومانعوا اثنى «1» عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فما زالوا كذلك إلى أن وصل النقابون إلى القلعة. واشتد الأمر ورمى المسلمون بجميع ما عندهم من حجارة وسهام ونار ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وملك جنكزخان القلعة، فلما فرغ من أمر القلعة أمر بجمع رؤساء البلد، فجمعوا وعرضوا عليه فقال لهم:
«أريد منكم النقرة التى باعكم خوارزم شاه فإنها لى وأخذت من أصحابى» فأحضر كل من كان عنده شىء منها ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين فخرجوا ليس مع أحد منهم غير ثيابه التى عليه، ونهب التتار البلد وقتلوا من تخلف فيه. وأحاطوا بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم ففعلوا ذلك وأصبحت بخارى خاوية؛ على عروشها، وارتكب التتار من الفساد العظيم والناس ينظرون إليهم ولا يستطيعون ردهم. فمنم من لم يرض بذلك واختار الموت وقاتل حتى قتل، ومنهم من استسلم وأسر. وألقوا النار فى البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب فى طلب الأموال ثم ساروا إلى سمرقند.
ذكر استيلائه على سمرقند
قال: ولما فرع جنكزخان من أمر بخارا سار إلى سمرقند وقد تحقق عجز السلطان علاء الدين عن قتاله، وهو بمكانه بين ترمذ
(27/309)

وبلخ، وأمر جنكزخان أن يتوجه من سلم من أهل بخارا فخرجوا مشاة على أقبح حال، فمن أعياه التعب وعجز عن المشى قتل. فلما قاربوا سمرقند، ورموا الخيالة، وتركوا الأثقال والأسارى والرجالة وراهم، وتقدموا شيئا فشيئا ليكون ذلك أرعب لقلوب المسلمين، فاستعظم أهل البلد سوادهم فلما كان فى اليوم الثانى وصلت الأسارى والرجال والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظنه أهل البلد أن الجميع مقاتلة وأحاطوا بالبلد، وكان [طغانخان] «1» خال السلطان وأمراء الغور فى أربعين ألف فارس وقيل فى خمسين ألف فارس، وعامة البلد لا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلاد رجال، ولم يخرج معهم أحد من العسكر الخوارزمى لما فى قلوبهم من الجزع فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتار يتأخرون وأهل البلد يتتبعونهم ويطمعون، فيهم، حتى بعدوا عن البلد، وكان التتار قد كمنوا كمينا، فلما جاوزه المسلمون خرج الكمين من ورائهم وحال بينهم وبين البلد وعطف عليهم التتار فصاروا فى وسط القوم وآخرهم السيف، قتلوا عن آخرهم، وكانوا سبعين ألفا. فضعفت نفوس الجند ومن بقى من العامة وأيقنوا بالهلاك؛ فقال الجند- وكانوا أتراكا- نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا «2» ، فطلبوا الأمان فأجابوهم له، ففتحوا أبواب البلد وخرج الجند إليهم بأهاليهم وأموالهم فقال لهم التتار: «إدفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم» . ففعلوا ذلك ثم وضعوا فيهم السيف
(27/310)

وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا نساءهم فلما كان فى اليوم الرابع نودى فى البلد أن يخرج أهله بأجمعهم ومن تأخر قتل، فخرج جميع من به من الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند كفعلهم مع أهل بخارا من النهب والقتل والسبى والفساد، ونهبوا ما فى البلد، ثم أحرقوا الجامع وتركوا البلد على حاله، وذلك فى المحرم سنة سبع عشرة وستمائة. هذا وخوارزم شاه مقيم بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون عليهم. نعوذ بالله من الخذلان.
قال: ولما ملك جنكزخان بخارى وسمرقند فرق عساكره للاستيلاء على الممالك، فجهز طائفة خلف خوارزم شاه وهى المغربة، وطائفة إلى خراسان وطائفة إلى خوارزم وطائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمذ وطائفة إلى كلاية، فاستولت كل طائفة على ما توجهت إليه وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبى والتخريب وأنواع الفساد ما فعله أصحابهم. فأول طائفة جهزها من أصحابه الطائفة المغربة وفعلت ما نذكره.
ذكر ما فعلته الطائفة المغربة من التتار
قال ابن الاثير: لما ملك جنكزخان سمرقند جهز خمسة وعشرين ألف فارس من أصحابه فى طلب خوارزم شاه حيث كان. وهذه الطائفة تسميها التتار المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق بينهم وبين غيرهم لأنهم الذين أوغلوا فى البلاد وكان المقدم
(27/311)

على هذه الطائفة سبطى بهادر «1» ويمنويه «2» فساروا وقصدوا موضعا يسمى فنج اب ومعناه خمس مياه، فلم يجدوا سفينة، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها جلود البقر ووضعوا فيها أسلحتهم وأمتعتهم. وألقوا الخيل فى الماء وأمسكوا أذنابها وشدوا تلك الحياض إليهم، فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم دفعة واحدة فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه فى أرض واحدة. وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وحصل بينهم اختلاف، فكان ثباتهم بسبب أن نهر جيحون فاصل بينهم وبين التتار. فلما عبروه كان من أمر السلطان علاء الدين وانهزامه ووفاته ما قدمناه فى أخباره.
ذكر استيلائهم على مازندران ووصولهم الى الرى وهمذان
قال ابن الأثير: لما أيس التتار المغربة من إدراك خوارزم شاه قصدوا بلاد مازندران فملكوها فى أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها، فقتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد وألحقوها بغيرها ثم سلكوا نحو الرى، ووصلوا إليه فى سنة سبع عشر وستماية أيضا. وكان مسيرهم إلى الرى فى طلب خوارزم شاه، لأنهم بلغهم أنه توجه نحو الرى، فجدوا السير فى أثره وانضاف
(27/312)

إليهم كثير من العساكر المسلمين والكفار والمفسدين، فوصلوا الرى على حين غفلة من أهلها فملكوها، ونهبوا وسبوا الحريم، وأسرفوا فى القتل ومضوا مسرعين فى طلب خوارزم شاه، ونهبوا فى طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها، ووضعوا السيف فى الرجال والنساء والأطفال، ولم يبقوا على شيئ. وانتهوا إلى همذان، فلما قاربوها خرج رئيسها إليهم ومعه الجمل من الأموال والأقمشه والخيل وغير ذلك، وطلب الأمان لأهل البلد، فأمنوهم ثم فارقوها. وساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ما فعلوه بالرى، ووصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا فى قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف واقتتلوا هم وأهل البلد فى باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين وقتل من الفريقين مالا يحصى، فزادت القتلى من أهل قزوين على أربعين ألف قتيل ثم فارقوا قزوين.
ذكر مسيرهم الى أذربيجان وقتالهم مع الكرج
قال: لما هجم الشتاء على التتار بهمذان وبلد الجبل وترادفت الثلوج ساروا إلى أذربيجان، وعاثوا فى طريقهم ونهبوا وخربوا ما مروا عليه من المدن الصغار والقرى على عادتهم، ووصلوا إلى تبريز وبها أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان، فلم يخرج إليهم ولا قاتلهم لاشتغاله باللهو والشرب، وصالحهم على مال وثياب ودواب، وحمل ذلك إليهم، فتوجهوا من عنده يريدون ساحل البحر لقلة رده وكثرة مراعيه. فوصلوا إلى موقان «1» وتطرقوا فى مسيرهم إلى بلاد الكرج
(27/313)

فجاء إليهم من الكرج نحو عشرة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح، والاتفاق على دفع التتار، فاتفقا على أنه إذا انحسر الشتا لقوهم. وراسلوا الملك الأشرف بن العادل صاحب خلاط وديار الجزيرة فى ذلك، وظنوا جميعهم أن التتار لا يتحركون إلى انقضاء فصل الشتاء، فما صبروا (التتار) وتحركوا وتوجهوا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم (إلى التتار) مملوك تركى من مماليك أزبك اسمه أقوش، وجمع أهل بلد الجبل والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم، فاجتمع إليه جماعة منهم، فمال التتار إليه للجنسية فسار فى مقدمتهم إلى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وقتلوا ووصلوا إلى قرب تفليس، فاجتمعت الكرج، قلقيهم أقوش بمن معه فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أدركهم التتار فلم يثبت الكرج وانهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف من كل جانب وقتل منهم ما لا يحصى كثرة- وذلك فى ذى القعدة- ونهبوا من البلاد ما كان قد سلم منهم.
ذكر ملكهم مدينة مراغة
قال: ولما فعلوا بالكرج ما فعلوه، ودخلت سنة ثمان عشر وستمائة ساروا من بلاد الكرج ومروا على تبريز، فصانعهم صاحبها أيضا بمال وثياب ودواب، فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها، وليس بها من يمنعها لأن صاحبتها كانت امرأة وكانت مقيمة بقلعة رويندز «1» ، فقاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق واستعانوا بأسرى السلمين.
(27/314)

وكانت عادتهم (التتار) إذا فتحوا مدينة استعانوا بأسراها على فتح غيرها، ويجعلون الأسرى أمامهم عند القتال، فيقع القتل فيهم.
فإذا فتحوا البلد قتلوهم بعد ذلك وتعوضوهم بمن أسروه من البلد الآخر. فأقاموا عليها عدة أيام وملكوها عنوة، وذلك فى رابع صفر من السنة، ووضعوا السيف فى أهلها، ونهبوا ما صلح لهم وحرقوا ما سواه. قال: واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا فى الدروب أن التتار قد رحلوا فينادون فيسمعهم من اختفى فيظهر فيقتلونه.
قال ابن الأثير: ولقد بلغنى أن امرأة من التتار دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنون أنها من الرجال، فلما وضعت السلاح، رأوها امرأة، فقتلها رجل كانت أخذته أسيرا. قال: وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتار دخل دربا فيه ما يزيد على مائة رجل فقتلهم واحدا واحدا، حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه. وقعت الذلة على الناس، نعوذ بالله من الخذلان.
قال: ثم رحلوا نحو مدينة أربل، فكتب مظفر الدين صاحبها إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه نجدة من العساكر، فسير إليه جماعة، وكتب الخليفة إلى صاحبى الموصل وأربل يأمرهما بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا «1» لمنع التتار، لما بلغه أنهم عدلوا عن إربل لصعوبتها وقصدوا العراق. فسار مظفر الدين ومن معه من العسكر الموصلى فى صفر. وكتب الخليفة إلى الملك الأشرف
(27/315)

بأمره بالحضور بنفسه فى عساكره لتجمع العساكر ويقصدون التتار فمنعه من ذلك مسيره إلى الديار المصرية لنصرة الملك العادل بن أيوب على الفرنج، واستعادة دمياط من أيديهم. فلما اجتمع مظفر الدين هو والعسكر الموصلى بدقوقا، سير إليهم الخليفة مملوكه قشتمر «1» - وهو أكبر أمير بالعراق- ومعه عشرة من الأمراء فى نحو ثمان مائة فارس، فاجتمعوا ليتصل بهم عساكر الخليفة، والمقدم عليهم مظفر الدين صاحب إربل، فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على التتار. ولما سمع التتار باجتماع العسكر رجعوا القهقرى، ظنا منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يتبعهم أقاموا وأقام العسكر بدقوقا، ثم تفرق المسلمون وعادوا إلى بلادهم.
ذكر ملكهم همذان وقتل أهلها
قال: لما تفرق العسكر الإسلامى عاد التتار إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، وكان لهم شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه أن يطلب لهم من أهلها ما لا وثيابا وكان رئيس همذان من الأشراف ذا رئاسة قديمة بها وهو الذى سعى فى أمر أهل البلد مع التتار، وتوصل إليهم بما جمع من الأموال فما طلب المال ثانيا من أهل همذان لم يجدوا ما يحملونه لهم، فاجتمعوا إلى الشريف ومعهم انسان فقيه قام فى اجتماع الكلمة على التتار، فشكوا إلى الشريف حالهم، وما نالهم من الهوان، وطلب ما لا يقدرون عليه. فقال: إذا كنا نعجز
(27/316)

عن دفعهم فليس إلا مصانعتهم بالأموال، فثاروا عليه، وأغلظوا له فى القول، فوافقهم على مرادهم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتار فوثب العامة على الشحنة فقتلوه، وامتنعوا. فتقدم إليهم التتار وحصروهم، فقاتلهم أهل البلد قتالا شديدا، والرئيس والفقيه فى أوائلهم، فقتل من التتار خلق كثير، وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا. ثم اقتتلوا من الغد أشد مما مضى بالأمس. وأرادوا الخروج فى اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب ولم يوجد الرئيس، وهرب من سرب كان قد صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله، واستعصم بقلعة هناك على جبل عال. فحار الناس ثم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلما تقاصر أهل البلد عن الخروج إليهم طمعوا واستدلوا على ضعفهم، فقصدوهم وقاتلوهم، ودخلوا المدينة بالسيف، وذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة. وقاتلهم الناس فى الدروب بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم قوى التتار على المسلمين فأفنوهم وما سلم منهم إلا من كان عمل له نفقا فى الأرض، واختفى فيه، ثم أحرقوا البلد ورحلوا عنه.
(27/317)

ذكر مسيرهم الى أذربيجان وملكهم أردويل «1» وغيرها
قال: لما فرغوا من همذان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل فملكوها، وقتلوا وخربوا أكثرها وساروا إلى تبريز، ففارقها صاحبها أزبك بن البهلوان وتوجه إلى نقجوان وكان كثير التخلف والشرب واللهو، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائى، وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل والتوانى، وحصن البلد. فبلغ التتار ذلك فراسلوه يطلبون منه مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو «2» فنهبوها وقتلوا جميع من فيها. ورحلوا عنها إلى بيلقان من بلاد أران «3» فنهبوا كل ما مروا به من البلاد والقرى وقتلوا من ظفروا به وحصروا بيلقان «4» ، فاستدعى أهلها منهم رسولا ليقرر الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدميهم، فقتلوه، فزحف
(27/318)

التتار إليهم وقاتلوهم وملكوا البلد عنوة، وذلك فى شهر رمضان من السنة، ووضعوا السيف فلم يبقوا على أحد من الرجال والنساء والأطفال حتى شقوا بطون النسوان الحوامل وقتلوا الأجنة. وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها. ثم ساروا إلى مدينة كنجة- وهى أم بلاد أران- فعلموا بكثرة من فيها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج، فلم يقدموا عليهم لذلك ولحصانة البلد. فراسلوا أهلها فى طلب المال والثياب، فحمل إليهم ما طلبوا وساروا عنها..
ذكر وصولهم الى بلاد الكرج
قال: لما فرغوا من البلاد الإسلامية أذربيجان وأران بعضها بالملك وبعضها بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا:
وكان الكرج قد استعدوا لهم، وسيروا جيشا كثيفا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتار عنها، فالتقوا، فلم يثبت الكرج وولوا منهزمين فأخذتهم سيوف التتار، فلم يسلم منهم إلا الشديد. فكانت الفتلى منهم نحو ثلاثين ألفا، ونهبوا ما وصلوا إليه من بلادهم وخربوها، كعادتهم. ووصل من سلم من الكرج إلى مدينة تفليس- وبها ملكهم- فجمع جموعا أخرى، وسيرهم ليمنعوا التتار من توسط بلادهم فرأوهم قد دخلوا البلاد ولم يمنعهم وعر ولا مضيق، فعادوا إلى تفليس ونهب التتار مامروا عليه من بلادهم، ورأوا البلاد كثيرة المضايق والدربندات فما أوغلوا فيها، وداخل الكرج منهم خوف عظيم قال ابن الأثير: سمعت عن بعض أكابر الكرج أنه قال: من
(27/319)

حدثكم أن التتار انهزموا وأسروا فلا تصدقوه، وإذا حدثتم أنهم قتلوا فصدقوا، فإنهم قوم لا يفرون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه عن الدابة وضرب رأسه بالحجر حتى مات، ولم يسلم نفسه للأسر ...
ذكر وصولهم الى دربند شروان «1» وما فعلوه فيه
قال: لما عادوا من بلاد الكرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخى «2» وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصار وقاتلوا أشد قتال، وعلموا أن الموت لا بد منه، فقالوا نموت كراما وصبروا إلى أن كلوا وتعبوا. وتوالى الزحف، فملك التتار البلد، وأكثروا القتل ونهبوا الأموال. ثم أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا إلى شروان ملك الدربند، وطلبوا منه أن يرسل إليهم رسولا يسعى بينهم فى الصلح، فأرسل عشرة من أعيان أصحابه، فقتلوا أحدهم وقالوا لمن بقى: دلونا على طريق نعبر فيه ولكم الأمان، وإلا قتلناكم. فقالوا: ليس فيه طريق البتة، وإنما فيه موضع هو أسهل ما فيه، فساروا بهم إلى ذلك الطريق فعبروا فيه.
(27/320)

ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق
قال: لما عبر التتار دربند شروان، ساروا فى تلك البلاد والأعمال- وفيها أمم كبيرة من اللان واللكز وطوائف من الترك- فنهبوا وقتلوا كثيرا من اللكز- وهم مسلمون وكفار- ووصلوا إلى اللان وهى أمم كثيرة، فبلغهم الخبر فجدوا وجمعوا جمعا من قفجاق، فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى. فأرسل التتار إلى قفجاق فقالوا: نحن وأنتم جنس واحد واللان ليسوا منكم، ولا دينكم كدينهم حتى تنصروهم، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم، ونحمل لكم من الأموال والثياب ما شئتم، وتتركوننا وإياهم.
فاستقر الأمر بينهم على ما حملوه لهم من مال وثياب وغير ذلك ففارقهم قفجاق فأوقع التتار عند ذلك باللان، فقتلوا منهم وسبوا وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون. لما استقر بينهم من الصلح فطرقوا بلادهم وأوقعوا بهم الأول فالأول، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم. وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر، ففروا من غير قتال، واعتصم بعضم بالغياض وبعضهم بالجبال ولحق بعضهم ببلاد الروس. وأقام التتار ببلاد قفجاق، وهى أرض كثيرة المرعى صيفا وشتاء وفيها أماكن باردة فى الصيف وأماكن حارة فى الشتاء، وغياض، وهى على ساحل البحر، ووصلوا إلى مدينه سوداق- وهى مدينة قفجاق- فملكوها، وفارقها أهلها، فبعضهم صعد إلى الجبال بأهله وماله. وبعضهم ركب فى البحر وساروا إلى بلاد الروم التى بيد الملوك السلجقية ...
(27/321)

ذكر ما فعلوه بقفجاق والروس
قال: لما استولى التتار على قفجاق وتفرقوا، والتحقت طائفة كثيرة منهم ببلاد الروس- وهى بلاد كبيرة طويلة عريضة تجاور القفجاق وأهلها يدينون بدين النصرانية- فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم، واتفقوا على قتال التتار إن قصدوهم. فسار التتار إلى بلاد الروس فى سنة عشرين وستمائة، فسار قفجاق والروس إلى طريق التتار ليلقوهم قبل وصولهم إلى بلادهم ويمنعوهم عنها، فبلغ التتار مسيرهم، فرجعوا على أعقابهم. فطمعت القفجاق والروس فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم، وعجزوا عن قتالهم، فأتبعوهم وساقوا فى إثرهم اثنى عشر يوما، فعطف التتار عليهم وهم على غرة، لأنهم كانوا قد آمنوا ووثقوا بالقدرة عليهم: فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتار منهم مبلغا عظيما.
فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله. ودام القتال عدة أيام، فاستظهر التتار عليهم، فانهزمت قفجاق والروس هزيمة فاضحة، وكثر القتل فى المنهزمين، فلم يسلم منهم إلا القليل. ووصل من سلم منهم على أقبح حال، والتتار تتبعهم يقتلون وينهبون ويخربون فاجتمع كثير من أغنياء تجار الروس وأعيانهم، وحملوا ما يعز عليهم، وتوجهوا فى البحر فى عدة مراكب إلى بلاد الإسلام، فلما قاربوا المرسى الذى يقصدونه انكسر منهم مركب فغرق ونجا من فيه وسلم باقى المراكب [وأخبر من بها بهذه الحال] «1»
(27/322)

ذكر عود التتار الى ملكهم
قال: ولما فعل التتار بالروس ما ذكرناه عادوا عنها وقصدوا بلغار فى أواخر سنة عشرين وستمائة «1» . فلما سمع بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم فى عدة مواضع، وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا مواضع الكمناء، فخرجوا من وراء ظهورهم. وبقى التتار فى وسطهم، وأخذهم السيف من كل ناحية، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلا القليل نحو أربعة آلاف رجل، فساروا إلى سقسين وعادوا إلى ملكهم جنكزخان. وكانت الطرق منقطعة تتخللهم فى البلاد. فلما خلت البلاد منهم اتصلت الطرق وحمل التجار الأمتعة على عادتهم.
هذا ما فعله التتار المغربة منذ مفارقتهم جنكزخان وإلى أن عادوا إليه فى مدة أربع سنين فلنذكر أخبار غير هذه الطائفة ممن سيرهم جنكزخان.
قال: ولما جهز جنكزخان هذه الطائفة المغربة جهز طائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمز وطائفة إلى كلانة «2» وهى قلعة حصينة
(27/323)

إلى جانب جيحون، فسارت كل طائفة إلى الجهة التى أمرت بقصدها ونازلتها، واستولت عليها، وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبى والتخريب وأنواع الفساد كما فعل أصحابهم. فلما فرعوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان، وهو مقيم بسمرقند، فجهز جيشا إلى خوارزم مع أحد أولاده وجهز جيشا آخر فعمروا نهر جيحون إلى خراسان.
ذكر ملك التتار خراسان
قال أبو الحسن بن الأثير: لما سار الجيش الذى جهزه جنكزخان إلى خراسان عبروا جيحون، وقصدوا مدينة بلخ. وطلب أهلها الأمان فأمنوهم، فسلم البلد ولم يتعرضوا إليه بنهب ولا قتل، بل جعلوا فيه شحنة. وقصدوا الزوزان «1» وميمند واندى خوى «2» وفارياب «3» فملكوا الجميع، وجعلوا فيه ولاة، ولم يتعرضوا إلى أهلها بسوء، سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، وذلك فى سنة سبع عشرة وستماية. ثم قصدوا الطالقان، وهى ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها (منصور كوه) لا ترام علوا وارتفاعا وبها رجال شجعان يقاتلون فحصروها مدة ستة أشهر يقاتلون أهلها ليلا ونهارا، ولم يظفروا
(27/324)

منها بشى فكاتبوا جنكزخان، وأعلموه بالعجز عنها لحصانتها وكثرة من بها من المقاتلة. فسار بنفسه وبجموعه، وحصرها ومعه خلق كثير من الأسرى والمسلمين، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم، فقاتلوا، وأقام عليها أربعة أشهر أخرى، فقتل من التتار خلق كثير. فلما رأى جنكزخان ذلك أمر أن يجمع له الأحطاب والأخشاب فجمعت، وصار يعمل صفا من خشب وحطب وفوقه من التراب ما يغطيه، حتى صار تلا عاليا يوازى القلعة، فعند ذلك اجتمع من بالقلعة وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا الجبال والشعاب، وقتل الرجالة، ودخل التتار القلعة وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأمتعة.
قال: ثم جمع جنكزخان أهل البلاد الذين أعطاهم الأمان ببلخ وغيرها، وسيرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما يزيد على مائتى ألف رجل، وهم معسكرون بظاهر مرو، وقد عزموا على لقاء التتار؛ فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. ولما رأى المسلمون إقدام التتار وصبرهم، ولوا منهزمين، فقتل منهم وأسر خلق كثير، ولم يسلم منهم إلا القليل، ونهبت أموالهم. وأرسل ابن جنكزخان إلى ما حوله من البلاد، وأمرهم بجمع الرجال لحصار مرو، فاجتمعوا وتقدموا للحصار ولازموا القتال. هذا وأهل البلد قد ضعفت نفوسهم بانهزام تلك الطائفة الكبيرة. فلما كان فى اليوم الخامس من نزولهم أرسل التتار إلى أمير البلد يقولون له: «لا تهلك نفسك ومن معك، واخرج إلينا ولك الأمان، ونحن نجعلك أمير
(27/325)

هذه البلد ونرحل عنك!» . فطلب الأمان لنفسه وأهل البلد فأمنوهم؛ فخرج إليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترمه وقال له:
«اعرض على أصحابك حتى أستخدم منهم من يصلح لخدمتنا وأعطيه إقطاعا ويكون معى» فجمعهم له، فلما تمكن منهم أمر بالقبض عليهم وعلى أميرهم ثم قال: «اكتبوا لنا تجار البلد ورؤساء أرباب الأموال فى جريدة واكتبوا أرباب الصناعات والحرف فى أخرى واعرضوا ذلك علينا» . ففعلوا، فأمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم وأموالهم فخرجوا بأجمعهم، فجلس على كرسى من الذهب، وأحضر أولئك الجند الذين قبض عليهم، وأمر بضرب أعناقهم فقتلوا صبرا، والناس ينظرون إليهم ويبكون عليهم، وأما العامة فتقاسمهم التتار فكان يوما مشهودا، وأخذوا أرباب الأموال، فاستصفوا أموالهم وعذبوهم على طلب المال؛ ثم أحرقوا لبلد وتربة السلطان سنجر، ونبشوا القبر طلبا للمال. ودأبوا على ذلك ثلاثة أيام، فلما كان فى اليوم الرابع، أمر بقتل أهل البلد كافة؛ وقال: هؤلاء عصوا علينا؛ فقتلوا أجمعين، وأمر بإحصاء القتلى فكانوا سبعمائة ألف قتيل.
ثم ساروا إلى نيسابور، فحوصرت خمسة أيام، وبها جمع صالح من العسكر الإسلامى، فلم تكن لهم بالتتار قوة، فملك التتار المدينة، وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، وأقاموا خمسة عشر يوما بخربون ويفتشون المنازل، وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم أن قتلاهم سلم كثير منهم ولحقوا ببلاد الإسلام، فأمروا أن تقطع
(27/326)

رؤوس أهل نيسابور حتى لا يسلم منهم أحد. فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك، وخربوها، وأحرقوا المشهد الذى فيه على بن موسى الرضا والرشيد. ثم ساروا إلى هراة وهى من أحصن البلاد، فحصروها عشرة أيام فملكوها وآمنوا وقتلوا بعضهم وجعلوا فيها شحنة.
ذكر ملكهم مدينة غزنة وبلاد الغور
قال ابن الأثير: لما فرغ التتار من خراسان وعادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان، جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها السلطان جلال الدين منكوبرتى ابن السلطان جلال الدين خوارزم شاه وكان قد وصل إليها بعد مفارقته خوارزم كما قدمناه، وقد اجتمع عنده من الجيوش نحوا من ستين ألفا. وكان الجيش الذى سار إليه من عسكر التتار نحو اثنى «1» عشر ألفا. فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع السلطان جلال الدين إلى موضع يقال له بلق «2» فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، ودامت الحروب بينهم ثلاثة أيام، فانتصر المسلمون وانهزم التتار، وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا، وعاد من سلم منهم إلى ملكهم بالطالقان.
قال: فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا على الوالى الذى عندهم من قبل التتار فقتلوه، فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه وقتلوا من فيه وسبوا الحريم، ونهبوا السواد أجمع وأحرقوا المدينة.
(27/327)

وهذه الحرب والواقعة لم يذكرها شهاب الدين المنشى فى تاريخه، وإنما قال: إن جلال الدين لما سار إلى غزنة اجتمع فى طريقه بابن خالد أمين ملك، وهو الذى كان يتولى هراة وهى إقطاعة، وكان قد فارقها ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، فاتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قندهار، فنهضا إليها وأوقعا بمن عليها من التتار، فلم يسلم منهم إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان فغضب لذلك وجهز ابنه تولى خان، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار جلال الدين فلنذكر ما ساق ابن الأثير.
قال: ولما انهزم التتار أرسل جلال الدين إلى جنكزخان رسولا يقول له فى أى موضع يختار أن تكون الحرب حتى يأتى إليه، فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا مع ابنه تولى خان «1» فوصل إلى كابل فتوجه إليهم جلال الدين بالعساكر الإسلامية، فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم جيش التتار، وقتل تولى خان بن جنكزخان وغنم المسلمون ما معهم واستنقذوا ما فى أيديهم من الأسارى، ولم يذكر ابن الأثير قتل تولى خان، وانما ذكره المنشى وهو الصحيح «2» .
فلما بلغ جنكزخان انهزام عساكره وقتل ولده غضب لذلك، وتجهز بنفسه وبجيوشه، وسار إلى صوب غزنة لحرب جلال الدين وطلب
(27/328)

ثأر ابنه. واتفق اختلاف المسلمين، ومفارقة العساكر الخلجية صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك للسلطان جلال الدين بسبب ما وقع منهم عند قسم الغنيمة على ما بيناه فى أخبار جلال الدين.
واجتهد جلال الدين فى ردهم فعجز، ودهمه وصول جنكزخان، ففارق غزنة وتوجه صوب السند، فأدركه جنكزخان قبل عبوره ماء السند فاضطر جلال الدين إلى القتال فكان من أمره وانهزامه وعبوره إلى بلاد الهند ما قدمناه فى أخباره. ولما فارق جلال الدين البلاد رجع جنكزخان إلى غزنة فملكها من غير مدافع ولا ممانع لخلوها من العساكر فقتل التتار أهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم وألحقوها بخراسان ...
ذكر ملكهم مدينة خوارزم
قال شهاب الدين المنشى: كان حصار خوارزم فى ذى القعدة سنة عشرين وستماية، واستيلاؤهم عليها فى صفر. قال: لما انفصل جلال الدين وإخوته عن خوارزم كما ذكرناه فى أخباره، وافى التتار تخومها، وأقاموا بالبعد منها حتى تكاملت عدتهم وآلات الحصار.
ثم تقدموا إليها. فأول من وصل إليها منهم باجى ملك «1» فى عسكر كثيف ثم بعده أوكتاى «2» بن جنكزخان وهو الذى انتهت إليه
(27/329)

القانية «1» فيما بعد ثم سير جنكزخان بعدهم حلقته الخاصة ومقدمها بقرجن نوين وأردفهم بابنه جغطاى ومعه طولن نوين «2» واستون نوين وقاضان نوين فى مائة ألف فارس. وطفقوا يستعدون للحصار ويستعملون آلاته من المجانيق والدبابات وغير ذلك. ولما رأوا خوارزم وبلدها خالية من حجارة المنجنيق وجدوا هناك من أصول التوت الغلاظ ما استعملوه بدلا من الحجارة، فكانوا يقطعونها وينقعونها فى الماء فتصير كالحجارة ثقلا وصلابة، فتعوضوا بها عن الحجارة.
ثم وصل دوشى خان بن جنكزخان إلى بلاد ماوراء النهر فراسلهم فى الأمان وقال: إن جنكزخان قد أنعم عليه بها وأنه لا يؤثر تخريبها ويضن به ويحرص على عماراتها. قال: ومما يدل على ذلك أن العساكر مدة مقامهم بالقرب منها ما تعرضوا إلى الغارات على رساتيقها فمال ذووا النباهة من أهلها إلى المسالمة، فغلب عليهم السفلة وامتنعوا، فعند ذلك ساق إليها دوشى خان، وأخذ يطويها محلة محلة، فكلما أخذ واحدة منها التجأ الناس إلى أخرى، وهم يحاربون أشد حرب إلى أن أعضل الأمر، ولم يبق معهم إلا ثلاث محال تراكمت الناس فيها متزاحمين. فأرسلوا إلى دوشى خان
(27/330)

الفقيه علاء الدين الخياطى «1» محتسب خوارزم- وكان من أهل العلم والعمل- مستعطفا له؛ فأمر دوشى خان باحترامه، وأن تنصب له خيمة. ثم أحضره فأدى رسالته فقال فى جملة ما قال: إننا قد شاهدنا هيبة الخان وقد آن أن نشاهد مرحمته. فاستشاظ غضبا وقال: «ماذا رأوا من هيبتى وقد أفنوا رجالى؟ فأما أنا فشاهدت هيبتهم وها أنا أريهم هييتى.» وأمر بإخراج الناس ونودى فيهم بانفراد أرباب الصنائع وانعزالهم على حدة، فمنهم من فعل ونجا، «2» ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف تساق إلى بلادهم وغيرهم يترك فى وطنه فلم ينفرد، ثم وضع السيف فيهم فقتلوا جميعا وحكى ابن الأثير فى تاريخه الكامل أن التتار بعد ذلك فتحوا السكر «3» الذى يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق جميعه وتهدمت الأبنية ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن الذين اختفوا من التتار غرقهم الماء وقتلهم الهدم. وهذا ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان ولا حديثه.
ثم عاد التتار إلى جنكزخان وهو بالطالقان..
ذكر عود طائفة من التتار الى همذان وغيرها
وهم غير التتار المغربة الذين قدمنا ذكرهم قال ابن الأثير: وفى سنة إحدى وعشرين وستمائة وصلت طائفة
(27/331)

من التتار من جهة جنكزخان إلى الرى؛ وكان من سلم من أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فوضع التتار فيهم السيف وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد وخربوه، وتوجهوا إلى ساوة «1» ففعلوا بها كذلك، ثم إلى قم وقاجان «2» وكانتا قد سلمتا من التتار والمغربة.
ثم عاثوا فى البلاد يخربون ويقتلون ثم قصدوا همذان، وقد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا.
قال: وكانوا لما وصلوا إلى الرى رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية فقتل بعضهم وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا إلا والتتار قد كبسوهم، ووضعوا فيهم السيف، فانهزموا فوصلت طائفة منهم إلى تبريز، وتفرق الباقون ووصل التتار إلى قرب تبريز فراسلوا صاحبها أزبك بن البهلوان فى طلب من التحق به من الخوارزمية، فعمد إلى من عنده منهم فقتل بعضهم وأسر البعض، وساق الأسرى وحمل الرؤوس إلى التتار، وأنفذ إليهم من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا فعادوا عن بلاده نحو خراسان.
قال: ولم تكن هذه الطائفة أكثر من ثلاثة آلاف، وكانت الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف فارس؛ وعسكر أزبك أكثر من الجميع، ومع هذا فلم يمتنعوا عنهم ولا حدثوا نفوسهم بحربهم
(27/332)

هذا كله وجلال الدين خوارزم شاه ببلاد الهند. ثم اتفق خروجه منها فى سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ واستولى على ملك العراق، وانتزعه من يد أخيه غياث الدين [ببرشاه] «1» وملك أذربيجان ومراغة وغيرها» وقاتل الكرج على ما قدمناه فى أخباره. ولم يهجه التتار ولا قاتلوه إلى سنة خمس وعشرين وستمائة بعد وفاة جنكزخان وقام ولده [أوكداى] «2» مقامه.
هذا ما انتهى إلينا من وقائع التتار وحروبهم وما استولوا عليه فى أيام ملكهم جنكزخان التمرجى؛ وهو على سبيل الاختصار لعدم من تحقق من أخبارهم ويدون آثارهم. ثم كان بعد وفاة جنكزخان وقيام من قام بعده من أولاده حروب ووقائع، نذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا وفاة جنكزخان.
(27/333)

ذكر وفاة جنكزخان التمرجى وأسماء أولاده واخوته وما قرره لأولاده من الوظائف والبقاع وغير ذلك
كانت وفاة جنكزخان فى سنة أربع وعشرين وستماية، وقيل فى سنة خمس وعشرين فى فصل الشتاء. قال: ولما حضرته الوفاة طلب إخوته وهم أوتكين [وبلكوتى] «1» ونوين و [الحاى نوين ووكوب ووكابى] «2» وحضر من أولاده جغطاى و (أوكتاى) «3» وكتب لهم وصية وقال امتثلوها بعدى، وإذا أنا مت وجاء وقت الربيع تجمعوا كلكم وتعمل وليمة عظيمة ثم تقرأ هذه الوصية بحضوركم، وينصب فى الملك من عينته فيها وامتثلوا أمره، ثم فرقهم فى مشاتيهم التى قررها لهم ففعلوا ذلك وامتثلوا أمره على ما نذكره، ومات هو. وكان له من الأولاد تسعة عشر ولدا من امرأة واحدة وهى تسوجى خاتون؛ «4»
(27/334)

[منهم تلى خان وهو طلوخان وهو الذى قتل فى سنة ثمانى عشرة وستمائة] «1» فى الحرب التى كانت بينه وبين السلطان جلال الدين منكوبرتى على ما قدمنا ذكر ذلك. وكان لتلى خان من الأولاد منكوقان وهو الذى استقر فى القانية بعد على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وهولاكو وأريق بوكا وقبلاى، وهو الذى جلس على تخت القانية بعد منكوقان واستقرت القانية فيه وفى بنيه من بعده إلى آخر وقت، وسنذكر لك ذلك إن شاء الله تعالى. وكان جنكزخان قد فوض لابنه تلى خان هذا ترتيب العساكر والجيوش وتدبيره فى المقام فى مشتاه ومصيفه وجعل له من البلاد خراسان والعراقين وما يليها، فقتل قبل تمام الفتوح.
ومنهم دوشى خان بن جنكزخان وهو الذى فتح خوارزم فى حياة أبيه كما تقدم، وفتح أيضا بعد وفاة أبيه بلاد الشمال، واستولى على ملكها، وأباد من بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق وغيرهم من القبائل: كاللان، وآلاص «2» ، والأولاق «3» ، و [الجركس] «4» والروس وغيرهم من سكان البلاد الشمالية. واستقر ملك هذه البلاد بيده، ثم بيد باطوخان بن دوشى خان ثم فى (صرطق بن دوشى خان) «5» ، ثم فى أولاد باطوخان وإخوته على ما نذكره بعد.
(27/335)

ومن أولاد دوشى خان بن جنكزخان أرديوا وهو صاحب غزنة وباميان. وقد قيل إن أرديوا بن جنكزخان، وكان جنكزخان قد جعل وظيفة دوشى خان ترتيب الصيد، وهى عندهم أكبر المراتب، وعين له من البلاد والمياه لمشتاه ومصيفه حدود قيالق وبلاد خوارزم إلى أطراف [سقسين] «1» وبلغار إلى حيث تنتهى حوافر خيلهم من الفتوح.
ومنهم أوكتاى خان بن جنكزخان وهو أوكتاى، وهو الذى جلس على تخت القانية بعد وفاة أبيه جنكزخان، وكان جنكزخان، قد جعله مشيره وصاحب الرأى وعين له من البلاد آمل «2» وقوتاق «3» وجعله ولى عهده من بعده، وعهد إليه أنه إذا انتهى الملك إليه أن يعطى ما بيده من البلاد لولده كيوك خان ثم يتحول إلى مستقر الملك من بلاد الخطا والأيغور بقرا قورم وغيرها.
ومنهم جغطاى بن جنكزخان كان أبوه قد فوض إليه مهمات
(27/336)

السياسة والحكومة للياسا «1» واليرغو «2» ، وجعل له من البلاد للمراعى والمشاتى والمصيف من حدود بقاع الأيغور وسمرقند وبخارى وما يتاخم ذلك من البلاد. وكان مقامه قبل ذلك بقرب المالق وما يليها.
فهؤلاء الأربعة هم المشار إليهم من أولاد جنكزخان وله غير هؤلاء منهم أورخان، وكلكان، والغوانوين، وجورجاى «3» ، وأولطاى خان، وأرديوا، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو ابن جنكزخان أو ابن دوشى خان «4» ومن أولاده مغل بن جنكزخان وهو جد نوغية، ولنوغية هذا أخبار تذكر بعد ان شاء الله تعالى. وقد قيل إن مغل بن دوشى خان.
وأما بقية أولاد جنكزخان فلم تنقل إلينا أسماؤهم بحكم أنه لم يكن لهم ملك وإنما كانوا فى خدمة إخوتهم. وعين جنكزخان أيضا لأخوته وأقاربه أماكن من ملكه، فاستقرت حالهم على ما قرره
(27/337)

لهم، وكان قد خالف جنكزخان من قبائل التتار أويرات وقنورت «1» فلم يزل جنكزخان يلاطفهم ويسوسهم إلى أن قرر على نفسه أن يزوجوهم ما لهم من البنات ولذريتهم. واستقرت هذه القاعدة فيهم إلى وقتنا هذا.
هذا ملخص ما انتهى إلينا من أخبار أولاد جنكزخان وما قرره لهم؛ فلنذكر أخبار من انتصب فى القانية بعد وفاة جنكزخان من أولاده وأولادهم.
ذكر ملك أوكتاى بن جنكزخان
قد ذكرنا أن جنكزخان كان قد كتب وصية قبل وفاته بمحضر إخوته وبعض بنيه، وقرر معهم أن يعملوا بها بعده، وأمرهم أنه إذا دخل فصل الربيع يجتمع إخوته وأولاده، والخواتين «2» والأمراء وأن يذبحوا الدبائح ويعملوا الأفراح أربعين يوما من حين اجتماعهم؛ ثم تقرأ وصيته ويعمل بمقتضاها. فلما دخل فصل الربيع وذلك فى سنة خمس وعشرين وستمائة، سير حلف الأعمام والأخوة والخواتين وأمراء التمانات «3» ؛ فكان أول من حضر منهم جغطاى بن جنكزخان ثم أخوه أوكتاى ثم حضر نقيبهم
(27/338)

ولم يتخلف منهم أحد. ثم ذبحوا الذبائح وأحضروا الخمور وألبان الخيل، وهى القمز «1» . وعملوا الأفراح إلى أن مضت المدة التى عينها لهم، ثم اجتمعوا وأخرجوا كتاب الوصية الذى اكتتبه جنكزخان، فقرىء بمشهد منهم، فإذا الوصية فيه بالملك لأوكديه خان. فلما سمع أوكديه خان ذلك قال: كيف أجلس على كرسى الملك وفى إخوتى وأعمامى من هو أكبر منى وأصلح، فلا أجلس.
فلم يرجعوا إلى قوله، وأقام أخوه جغطاى وأخذ بيده اليمنى وأخذ عمه أوتكين بيده اليسرى فأقاماه وأجلساه على كرسى الملك. ثم ملأ أخوه الأصغر وهو ألغو نوين هنابا «2» من المشروب فناوله إياه، فعند ذلك قام جميع من حضر من أعمامه وإخوته وأمراء التمانات فضربوا جوك- وهو الخدمة عندهم-؛ وكيفيته أن يبرك الرجل منهم على أحد ركبتيه ويسير بمرفقه إلى الأرض؛ وهذه الخدمة عندهم غاية التعظيم. وشرب أوكديه خان ذلك الهناب، وأمر بإجلاس الناس على مراتبهم، ونزلهم منازلهم، فأجلس الأعمام والإخوة عن يمينه وأجلس الخواتين عن يساره. فقام الإخوة وجلسوا بين يديه وقالوا: قد امتثلنا ياسا أبينا جنكزخان، ونشد أوساطنا فى الخدمة والإخلاص، ونبذل أنفسنا فى الطاعة، فشكرهم أوكديه وفتح الخزائن، وفرق الأموال والخلع، وأنعم حتى على الغلمان
(27/339)

والرعاة، وفرق الناس فى مصايفهم ومنازلهم واستقر هو بقرا قروم وجهز أخاه دوشى خان «1» إلى بلاد الشمال ففتحها فى سنة سبع وعشرين وستماية وملكها وأقام بها على ما نذكر ذلك فى أخبارهم.
فلنذكر الحروب الكائنة بين عساكر أوكديه خان وبين السلطان جلال الدين وغيره من المسلمين.
ذكر الحروب الكائنة بين التتار والسلطان جلال الدين، وما كان من أمرهم الى أن ملكوا ما كان بيده
كانت أول حرب وقعت بين السلطان جلال الدين منكوبرتى وبين التتار بعد خروجه من الهند فى سنة خمس وعشرين وستمائة بظاهر أصفهان، فهزموه ثم هزمهم، وأذاهم بالقتل ولم يسلم منهم إلا قليلا. وحكى أن هذه الطائفة من التتار كان جنكزخان قد نقم على مقدمها وأبعده عنه، وأحرجه من بلاده، فقصد خراسان فرآها خرابا، فقصد الرى لتغلبه على تلك النواحى.
ثم تقدم إلى قرب أصفهان فالتقى هو وجلال الدين، ولما هزمه جلال الدين، أرسل إليه أوكديه بن جنكزخان يقول إن هذه الطائفة ليست منا، فأمن عند ذلك جانب أوكتاى، ثم انقطعوا عنه ثلاث سنين.
(27/340)

وفى سنة ثمان وعشرين وستمائة فى أوائلها، وصلت طائفة من التتار من بلاد ما وراء النهر إلى تخوم أذربيجان. وكان سبب ذلك أن مقدم الاسماعيلية كاتبهم وعرفهم أن جلال الدين قد ضعف وانهزم من كيقباذ صاحب الروم ومن الأشرف، وأنه وقع بينه وبين من يجاوره من الملوك، ووصلت إساءته إلى كل منهم وأنهم لا ينصرونه وضمن لهم الظفر به. «1» فبادرت طائفة منهم من التتار ودخلوا البلاد، واستولوا على الرى وهمذان وما بينهما من البلاد، ثم قصدوا أذربيجان وقتلوا من ظفروا به من أهلها، ولم يقدم جلال الدين على قتالهم لتفرق عساكره ومخالفة وزيره شرف الملك عليه. وكان من كبسهم للسلطان جلال الدين، وانهزامه منهم، وتنقله من مكان إلى آخر ما قدمناه فى أخباره. ثم كبسه التتار وهو بالقرب من آمد فهرب منهم. وكان من خبر مقتله ما قدمناه، فتمكن التتار بعد مقتله من البلاد وملكوها من غير ممانع عنها ولا مدافع.
(27/341)

ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتار
قال ابن الأثير الجزرى: وفى سنة ثمان وعشرين وستمائة أطاع أهل أذربيجان التتار. وسبب ذلك أن جلال الدين لما كبسه التتار بآمد وانهزم منهم، وانقطع خبره، سقط فى أيدى الناس وأذعنوا بطاعة التتار وحملوا إليهم الأموال والثياب وغير ذلك. فممن دخل فى طاعتهم أهل مدينة تبريز- وهى توريز- وهى أصل أذربيجان ومرجع الجميع إليها. وكان مقدم جيش التتار نزل بعساكره بالقرب منها ودعا أهلها إلى طاعته، وتهددهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه الأموال والتحف ومن كل شى حتى الخمر، وبذلوا الطاعة.
فشكرهم على ذلك، وطلب حضور أكابر أهلها إليه، فتوجه إليه قاضى البلد ورئيسه وجماعة من الأعيان، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائى وكان مرجع الجميع إليه، إلا أنه لا يظهر ذلك. فلما حضروا عنده سألهم عن سبب امتناع الطغرائى من الحضور، فاعتذروا بانقطاعه وعدم تعلقه بالملوك وأنهم الأصل، فسكت. ثم طلب صناع الثياب الخطاى وغيرها فحضروا إليه، فأمرهم أن يستعملوا للقان ثيابا، وقرر ثمنها على أهل تبريز، وطلب منهم خركاة للقان أيضا فعملوا خركاة عظيمة غشوا ظاهرها بالأطلس وباطنها بالسمور والقندر، وقرر عليهم فى كل سنة من المال والثياب شيئا معلوما.
(27/342)

ذكر دخول التتار ديار الجزيرة
قال: لما انهزم جلال الدين من التتار على آمد نهب التتار سواد آمد وميافارقين وقصدوا مدينة أسعرد «1» فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان، فسلموا لهم البلد، فعند ذلك بذلوا فيهم السيف حتى كادوا يأتون عليهم. فما سلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. قيل إن القتلى بلغت تقدير خمسة عشر ألفا، وكانت مدة الحصار خمسة أيام، ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة «2» ففعلوا فيها كذلك، وساروا منها إلى واد بالقرب منها يقال له وادى القريشية، فيه طائفة من الأكراد القريشية، وفيه مياه جارية وبساتين كثيرة، والطريق إليه ضيق، فمنعهم القريشية منه وقتلوا كثيرا منهم، فعاد التتار ولم يبلغوا منهم غرصا، وساروا فى البلاد لا مانع يمنعهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما مروا عليه من بلدها واحتمى صاحبها وأهل دنيسر بقلعة ماردين. ثم وصلوا إلى نصيبين الجزيرة فأقاموا عليها بعض يوم ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به، وغلقت أبوابها فعادوا عنها؛ وتوجهوا إلى بلد سنجار، فوصلوا إلى البلاد من أعمالها، فنهبوا ودخلوا الخابور فوصلوا إلى عربان «3» ، فنهبوا
(27/343)

وقتلوا وعادوا وتوجهت طائفة منهم على طريق الموصل، فوصلوا إلى قرية تسمى المؤنسة، وهى على مرحلة من نصيبين بينها وبين الموصل، فنهبوا واحتمى أهلها وغيرهم بخان فيها، فقتلوا كل من فيه ومضت طائفة منهم إلى نصيبين الروم وهى على الفرات من أعمال آمد، فنهبوا وقتلوا منها ثم عادوا إلى آمد ثم إلى بلد بدليس «1» فتحصن أهلها بالقلعة وبالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، وأحرقوا المدينة، ثم ساروا من بدليس إلى خلاط فحصروا مدينة من أعمالها يقال لها باكرى [وهى] «2» من أحصن البلاد، فملكوها عنوة وقتلوا كل من بها، وقصدوا مدينة أرجيش «3» من أعمال خلاط، وهى مدينة كبيرة عظيمة ففعلوا كذلك، وذلك فى ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وستمائة.
قال ابن الأثير فى تاريخه الكامل: لقد حكى لى عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذى ألقاه الله تعالى فى قلوب الناس منهم، حتى قيل إن الواحد منهم كان يعبر «4» القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس فيقتلهم واحدا بعد واحد ولا يجسر أحد يمد يده إليه. قال: ولقد بلغنى أن إنسانا منهم أخذ رجلا ولم يكن معه ما يقتله به فقال له: وضع رأسك على الأرض ولا تبرح،
(27/344)

فوضع رأسه على الأرض ومضى التتارى وأتى بسيف فقتله به. قال:
وحكى لى كثير من ذلك أعفيت عنه رغبة فى الاختصار.
قال: وفى ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وصلت طائفة من التتار من أذربيجان إلى أعمال أربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوائية والأكراد وغيرهم إلى أن دخلوا إلى بلد أربل، فنهبوا القرى وقتلوا من ظفروا به، ثم وصلوا إلى بلد دقوقا وغيرها وعادوا، ولم يرعهم أحد ولا وقف فى وجوههم فارس.
هذا آخر ما أورده ابن الأثير والمنشى فى تاريخيهما من أخبار التتار لم يتجاوزا سنة ثمان وعشرين وستمائة، وبعض ما أوردناه لم يورداه فى تاريخيهما كوفاة جنكزخان وقيام ولده، فإنه ما وصل إليهما. والله أعلم.
ذكر وفاة آوكتاى خان وقيام ولده كيوك خان بعده وقتله
كانت وفاة أوكديه خان بن جنكزخان فى «سنة إحدى وثلاثين وستمائة» «1» ولما دنت وفاته استدعى أعمامه والأمراء وأمرهم بإجلاس ولده كيوك خان على كرسى المملكة، وأمر أن يكون جلوسه بحضور الأعمام والإخوة والأمراء. فلما مات اجتمعوا كلهم، إلا دوشى خان «2» فإنه كان قد أوغل فى بلاد الشمال واستولى
(27/345)

عليها وعلى ما يدانيها من القفجاق وغيرها، فلم يمكنه الحضور لبعد المسافة، فأرسل أخاه مغل بن جنكزخان، ومغل هذا هو جد نوغيه فسار مغل وأوصى على أولاده لعلمه ببعد المسافة. فلما وصل إلى قرا قروم اجتمع أهل البيت الجنكزخانى والخواتين فأنكروا عليه وقالوا له: ولم لم يأت دوشى خان، فاعتذر عنه بأعذار، فلم يقبلوها وأشاروا أن يسقوه سما فيقتلوه، فناولوه قدحا فشربه.
فلما علم أن فيه السم أيس من الحياة وأخرج سكينا كان فى خفه ووثب على كيوك فقتله «1» ، وخرج جماعة من أكابر الناس عليه فقتلوه.
ذكر جلوس منكوقان «2» بن (تلى خان «3» ) بن جنكزخان على تخت القانية
ومنكوقان هو الملك الرابع من الملوك الذين جلسوا على تخت القانية. قال: ولما قتل كيوك خان من غير وصية اجتمع أولاد الخانات وأمراء التمانات، واتفقت آراؤهم على إقامة منكوقان، فإنهم لم يجدوا فى البيت أرجح منه ولا أرشح للملك، فأجلسوه
(27/346)

على كرسى القانية. ولما استقر جرد أخاه قبلاى إلى بلاد الخطائية «1» فعاد منهزما منهم، فأعاد وجهز معه أرنيكا «2» ، فتوجها إليهم بعساكرهما فكسروهم وغنموا غنايم كثيرة، فوقع بين الأخوين التنازع فى الغنايم، حتى كان بينهما «3» قتال، فهزم أرنيكا قبلاى ثم اصطلحا واستقر الأمر بينهما وكانت سائر ملوك التتار داخلة تحت طاعة من ينتصب على تخت القانية يأتمرون بأمره. وانما استقل كل منهم بنفسه وانفرد بمملكته بعد وفاة منكوقان. ولما ملك منكوقان انقطع التتار عن الوصول إلى العراق والروم وغيرهما مما يكون داخلا «4» فى طاعة الخلفاء العباسيين مدة سنين، وأرى ذلك إنما كان لاشتغالهم بقتال من يليهم، ثم رجعوا إلى هذه الممالك ففتحوها مملكة بعد أخرى «5» .
(27/347)

ذكر دخول التتار الى بلاد الروم وما استولوا عليه من البلاد
كان أول دخول التتار إلى البلاد الرومية فى سنة أربع وثلاثين وستمائة، فى أواخر أيام السلطان علاء الدين كيقباد وابتداء سلطنة ولده غياث الدين كيخسرو. ثم وردت طائفة منهم إلى الروم فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، فى أيام السلطان غياث الدين كيخسرو.
وكانت هذه الطائفة من قبل باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، ملك البلاد الشمالية؛ فجمع كيخسرو العساكر وخرج إليهم والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة أولا على التتار ثم تراجعوا، فهزموا صاحب الروم هزيمة عظيمة، وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا من المسلمين، ونهبوا من الأموال ما لا يحصى كثرة. وهرب غياث الدين إلى بعض المعاقل، وتحكمت التتار فى البلاد، ثم استولوا على بلاد خلاط وآمد، ودخل غياث الدين بعد ذلك فى طاعة التتار على مال يحمله إليهم.
وفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، قصد التتار بغداد ونهبوا ما مروا عليه فى طريقهم، ووصلوا إلى ظاهرها، واستعدت عساكر الخليفة للقائهم. فلما جاء الليل أوقد التتار نارا عظيمة ورجعوا تحت الليل. ثم انقطعت أخبار التتار إلى أن جردهم منكوقان فى سنة أربع وخمسين وستمائة على ما نذكره.
(27/348)

ذكر تجريد منكوقان العساكر الى بلاد الروم وما استولوا عليه منها
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة جرد منكوقان جرماغون وبيجو «1» وجماعة من عساكره إلى بلاد الروم؛ وهى يومئذ فى يد السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ السلجقى. فساروا إليها ونزلوا على أرزن الروم «2» ، وبها يومئذ سنان الدين ياقوت العلائى أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ. فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها اثنى عشر منجنيقا. فهدموا أسوارها، ودخلوها عنوة، وأخذوا سنان الدين ياقوت، وملكوا القلعة فى اليوم الثانى، وقتلوا الجند واستبقوا أرباب الصنائع وذوى المهن، وقتلوا ياقوت؛ وغنموا وسبوا، وعادوا، ومات جرماغون ثم عاد بيجو إلى الروم مرة ثانية فى هذه السنة، فوصل إلى آقشهر زنجان، ونزل بالصحراء التى هناك. فجمع غياث الدين كيخسرو عساكره وسار للقائهم، فانهزم من غير لقاء، كما ذكرناه فى أخباره، وغنم التتار خيامه وخزائنه وأثقاله إلا ما حمله مما خف منها. وفر غياث الدين إلى قونية وتوفى فى هذه السنة.
(27/349)

وعاد بيجو ثم رجع إلى بلاد الروم فى سنة خمس وخمسين وستمائة فدخلها وشن الغارات وسبى، وكان المحرك لعوده أن بيجار الرومى حضر إلى باب السلطان غياث الدين ليحضر السماط، ولم تكن له صورة بعسكر الروم، فمنعه البرددارية «1» وضربه بعضهم بعصاه على رأسه، فسقط طرطوره إلى الأرض فشق ذلك عليه، وقال: أنتم رميتم طرطورى فى هذا الباب، لا بد أن أرمى عوضه رؤوسا كثيرة. وخرج من فوره وتوجه إلى بيجو وحثه على قصد الروم، فقصده وأغار وخرج بعد الإغارة.
ثم عاد إلى الروم فى هذه السنة، وقد استقل عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو بالسلطنة. فلما بلغه عود التتار، جهز جيشه وقدم عليهم أميرا من أكابر أمرائه اسمه أرسلان دغمش، فتوجه بعساكر الروم وكان بيجو قد نزل بصحراء قونية. فلما كان بعد توجه أرسلان بأيام شرب كيكاوس مسكرا وتوجه إلى بيت أرسلان دغمش وهو على حالة من السكر ليهجم على حريمه؛ فبلغه ذلك فغضب له وقال: أكون قد بذلت نفسى فى دفع عدوه ويخلفنى فى حريمى بهذا. وأجمع على الخلاف، وأرسل إلى بيجو ووعده أنه يتخاذل عند اللقاء وينحاز إليه.
فلما التقوا، عمل أرسلان إلى سناجق «2» صاحبه فكسرها
(27/350)

وانهزم بالعسكر ثم توجه إلى بيجو فأكرمه وتلقاه وحضر معه إلى قونية. ولما اتصل خبر الكسرة بالسلطان عز الدين فر من قونية إلى العلايا «1» وأغلق أهل قونية أبواب المدينة. فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله وحلى نسائه وأحضره معه إلى الجامع، ورقى المنبر وقال: «يا معشر المسلمين، إننا قد ابتلينا بهذا العدو وليس لنا من يعصمنا منه، وقد بذلت مالى، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم، واسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا ما نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا» . ثم بكى وأبكى الناس وسمح كل أحد بما أمكنه.
وجهز الخطيب المذكور الإقامات وخرج إلى مخيم بيجو فلم يصادفه، لأنه كان قد توجه إلى الصيد، فقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجة بيجو. فقبلته منه وأقبلت عليه وأكل من المأكول فأكلت وقدم المشروب فأخذ منه شيئا على سبيل الشاشنى «2» ، وناوله لصغير. فقالت له: لم لا تشرب أنت منه؟ فقال: هذا محرم علينا. قالت: من حرمه؟ قال: الله حرمه فى كتابه. قالت: فكيف لم يحرمه علينا؟ فقال: أنتم كفار ونحن مسلمون. فقالت له: أنتم خير عند الله أم نحن؟ قال: بل نحن. قالت: فإذا كنتم خيرا
(27/351)

منا عنده، فكيف نصرنا عليكم؟ فقال: هذا الثوب الذى عليك- وكان ثوبا نفيسا يمنيا مرصعا بالدراتب «1» - تعطيه لمن يكون خاصا بك أو بعيدا عنك؟ قالت: بل أخص به من يختص بى.
قال: فإذا أضاعه وفرط فيه ودنسه، ما كنت تصنعين به؟ قالت:
كنت أنكل به وأقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر، والله أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم واقتص منا بأيديكم. فبكت زوجة بيجو وقالت للخطيب:
من الآن تكون أبى وأكون ابنك. فقال: ما يمكن حتى تسلمى:
فأسلمت على يديه، وأجلسته إلى جانبها على السرير، فحضر بيجو من الصيد، فهم الخطيب أن يقوم له، فمنعته وقالت: «أنت قد صرت حماه «2» وهو يريد يجئ إليك ويخدمك» . فلما دخل بيجو إلى الخيمة قالت له: هذا قد صار أبى. فجلس بيجو دونه وأكرمه وقال لزوجته: أنا عاهدت الله أننى إذا فتحت قونية وهبتها لك. فقالت: وأنا وهبتها لأبى. ثم أمر بفتح قونية، وأمن أهلها ورتب على كل باب شحنة من التتار ورسم أن لا يدخلها من التتار إلا من له حاجة، وأن يكونوا خمسين خمسين، لا يزيدون على ذلك.
فلم يتعرضوا لأهلها بسوء. ثم اتفق بعد هذه الواقعه توجه رسل صاحب الروم إى منكوقان، ومصالحتهم وبذلهم ما بذلوه وقسمه البلد بين ولدى كيخسرو على ما قدمناه فى أخبارهم.
(27/352)

ذكر مهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع فى القانية
كانت وفاة منكوقان بمقام نهر ألطاى من بلاد أيغور، سنة ثمان وخمسين وستمائة «1» . وكان قد قصد غزو الخطا. وكان منكوقان يدين بدين النصرانية «2» ، وكان أخوه «3» أرنيكا «4» ينوب عنه فى كرسى المملكة بقراقروم. فلما مات منكوقان، أراد [أرنيكا] الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاى مجردا ببلاد الخطا من جهة منكوقان، فجلس فى دست القانية. فأرسل بركة بن باطوخان صاحب البلاد الشمالية إلى أرنيكا يقول: أنت أحق بالقانية، لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، وانضم إليه بنو عمه قجى «5» ابن أوكتاى وإخوته. ثم عاد قبلاى من بلاد الخطا، فسار أرنيكا لحربه، والتقوا واقتتلوا فكانت الكسرة على قبلاى، وانتصر أرنيكا، واحتوى على الغنائم والسبايا واختص بها، ولم يسهم منها لأحد
(27/353)

من بنى عمه شيئا. فوجدوا عليه وتفرقوا عنه ومالوا إلى قبلاى، فعاود القتال، فاستظهر [قبلاى] عليه وأخذ أرنيكا أسيرا.
ذكر ملك قبلاى بن تولى خان بن جنكزخان القانية وهو الخامس من ملوكهم
قال: ولما انهزم جيش أرنيكا وأسر هو، استقر قبلاى فى القانية بقراقروم، وسقى أرنيكا سما فمات. وبلغ ذلك هولاكو، فسار فى طلب القانية لنفسه، فما وصل إلى البلاد إلا وقد استقر (أخوه) «1» قبلاى فى القانية فاستقرت له ما افتتحه من الأقاليم.
وفى سنة سبع وثمانين وستمائة كانت الحرب بين جيوش قبلاى القان وبين قيدوا «2» بن قيجى بن طلوخان بن جنكزخان صاحب ما وراء النهر، وكان سببها أنه (قبلاى) غضب على أمير من أمرائة اسمه طردغا، فأحس أن قبلاى قد عزم على الإيقاع به، فهرب ولحق بقيدو وحسن له قصد قبلاى وحربه، وأطمعه فى القانية. وقال: إن قبلاى قد كبر سنه وما بقى ينهض بتدبير مملكته وإنما أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان، فسار قيدو بجيوشه وطردغا صحبته، وبلغ قبلاى الخبر فجهز جيوشه صحبة ولده نمغان «3» . فلما صار قيدوا بالقرب من القوم بلغه ما هم عليه
(27/354)

من الكثرة، فهم بالرجعة فقال له طردغا: «يعطينى الملك تمانا «1» من نقاوة العسكر، وأنا أدبر الحيلة وأهزمهم» فقال له قيدوا:
«وكيف تصنع؟» فقال: «إن الطريق أمامنا فيه واد بين جلبين، فأتوجه أنا بالتمان وأكمن فى الوادى، ويتقدم الملك إلى القوم، فإذا التقى الجمعان يرجع الملك فهم لا بد يتبعونه، فإذا تبعوه نستدرجهم إلى أن يصيروا بينه وبين الوادى، فأخرج أنا إليهم ويعطف الملك عليهم بمن معه» . ففعل قيدو ذلك وفر أمامهم حتى تجاوزوا الكمين. فخرج عليهم طردغا وعطف قيدو بمن معه فانكسر نمغان وعساكره وقتل منهم خلق كثير. وسار قيدو ومن معه فى آثارهم حتى أشرفوا على منازلهم، ونهبوا من النساء والصبيان شيئا كثيرا. وجلبت المماليك التتار إلى الديار المصرية إثر هذه الوقعة. قال: ولما وصل نمغان إلى أبيه غضب عليه، وأرسله إلى بلاد الخطا فأقام حتى مات.
ودامت أيام قبلاى وطالت إلى سنة ثمان وثمانين وستمائة «2» ، فكانت مدة ملكه نحوا من ثلاثين سنة «3» . ولما مات جلس بعده ابنه شرمون بن قبلاى بن تلى خان بن جنكزخان وهو السادس من ملوكهم.
كان جلوسه على تخت القانية بعد وفاة أبيه فى شهور سنة ثمان
(27/355)

وثمانين وستمائة وكان لقبلاى ثلاثة أولاد وهم نمغان وشرمون «1» وكملك «2» . فأما نمغان فإنه كان ببلاد الخطا كما ذكرنا، فمات بها. وكان شرمون هو الأكبر، فجلس فى الملك ودامت أيامه إلى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وتوفى فيها أو فيما يقاربها. ولما مات سار طقطا بن منكوتمر صاحب البلاد الشمالية فى طلب القانية، فمات أيضا ولم يلها. وجلس على كرسى القانية أحد أولاده ولم يصل إلينا جلية الخبر فنذكره.
فلنذكر ملوك البلاد الشمالية من البيت الجنكزخانى
ذكر أخبار ملوك البلاد الشمالية من أولاد جنكزخان التمرجى
هذه المملكة ببلاد الشمال ونواحى الترك والقفجاق وكرسيها مدينه حراى «3» . وأول من ملك هذه المملكة من أولاد جنكزخان.
(27/356)

دوشى خان «1» وهو الذى فتحها لما جهزه أخوه أوكديه خان عند انتصابه فى القانية بعد مهلك جنكزخان، وذلك فى سنة سبع وعشرين وستمائة، وهلك فى سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وملك بعده ابنه باطوخان بن دوشى خان، وهو الملقب صاين قان، واستمر فى الملك من سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى أن توفى فى سنة خمسين وستمائة. وكانت مدة ملكه عشر سنين وهو الثانى من ملوك هذه المملكة.
ولما مات صاين قان خلف من الأولاد ثلاثة، وهم طغان وبركة وبركجار «2» . فنازعهم عمهم صرطق «3» بن دوشى خان بن جنكزخان الملك، واستبد به دونهم، فملك فى سنة خمسين وستمائة وهو الثالث من ملوك هذا البيت واستمر فى الملك إلى أن هلك فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فكانت مدة ملكه سنة وشهورا. ولم يكن له ولد.
وكانت براق شين «4» زوجة طغان ابن أخيه باطوخان قد
(27/357)

أرادت أن تولى ولدها تدان منكوا السلطنة بالبلاد الشمالية بعد وفاة صرطق، وكان لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها الخانات أولاد باطوخان عمومة ابنها، وأمراء التمانات على ذلك. فلما رأت ذلك من اقناعهم راسلت هولاكو بن تلى خان وأرسلت إليه نشابة بغير ريش، وقباءا بغير بنود؛ وأرسلت إليه تقول له: «قد تفرع الكاشن من النشاب وخلا القرنان من القوس، فتحضر لتتسلم الملك» ثم سارت فى إثر الرسول، وقصدت اللحاق بهولاكو أو إحضاره إلى بلاد الشمال. فلما بلغ القوم ما دبرته أرسلوا فى إثرها وأعادوها، على كره منها وقتلوها.
هذا ما انتهى علمه إلينا من أخبار هؤلاء الملوك الثلاثة، ولم نطلع على ما كان لكل منهم من الأخبار والحروب والوقائع والفتوحات فنذكره، وإنما أوردنا ما أوردناه وما نورده مما تلقفناه من أفواه الرجال.
ذكر ملك بركة بن باطوخان بن دوشى خان ابن جنكزخان وهو الرابع من ملوك هذه المملكة الشمالية
كان جلوسه على تخت المملكة الشمالية فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة بعد وفاة عمه صرتق، وأسلم بركة هذا وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأشهر شعائر الإسلام وأكرم الفقهاء وأدناهم منه، وقربهم لديه ووصلهم. وابتنى المساجد والمدارس بنواحى مملكته، وهو أول من دخل فى دين الإسلام من عقب جنكزخان.
(27/358)

لم ينقل إلينا أن أحدا منهم أسلم قبله «1» . ولما أسلم أسلم أكثر قومه وأسلمت زوجته ججك خاتون، واتخذت لها مسجدا من الخيام تسافر به.
وفى سنة ثلاث وخمسين وستمائة كانت الحرب بين بركة وهولاكو «2» ملك خراسان والعراقين وما مع ذلك. وذلك أن هولاكو لما انتهت إليه رسالة براق شين زوجة طغان كما ذكرناه، أطمعه ذلك فى ملك هذه المملكة ليضمها إلى ما بيده من الممالك.
فتجهز وسار بجيوشه إليها، فكان وصوله بعد قتل براق شين وجلوس بركة على سرير الملك وانتظام الأمر له.
ولما اتصل ببركة خبر هولاكو وقربه من البلاد سار بجيوشه للقائه وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك وقد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هولاكو بعساكره إلى بلاد بركة. فلما التقوا واقتتلوا كانت الهزيمة على هولاكو. فلما وصل إلى ذلك النهر تكردس أصحابه عليه. فانخسف بهم، ففرق منهم خلق كثير «3» ، ورجع هولاكو بمن بقى معه من أصحابه إلى بلاده. ونشأت الحرب بينهم من هذه
(27/359)

السنة، وكان فيمن شهد هذه الوقعة مع بركة ابن عمه نوغيه «1» ابن ططر بن مغل بن جنكزخان فأصابته طعنة رمح فى عينه فغارت.
ولنوغيه هذا أخبار نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
وراسل بركة هذا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى ملك الديار المصرية والممالك الشامية فى سنة إحدى وستين وستمائة يخبره بما من الله تعالى به عليه من الإسلام فأجابه السلطان يهنيه بهذه النعمة، وجهز له هدايا جليلة، من جملتها ختمة شريفة ذكر أنها من المصاحف العثمانية، وسجادات للصلاة وأكسية لواتية، وعدة من النطوع المصرطقة والأديم وسيوف قلاجورية مسقطة، ودبابيس مذهبة، وخوذ وطوارق، وفوانيس وشمعدانات، ومشاعل جفناوات وقواعد برسمها مكفتة، وسروج خوارزمية؛ ولجم؛ كل ذلك بسقط الذهب والفضة، وقسى حلق وقسى بنيدق وحروج وأسنة ونشاب بصناديقه وقدور برام، وقناديل مذهبة، وخدام سود، وجوارى طباخات، وخيول عربية سبق، وهجن نوبية، وحمير فرة، ونسانيس وبغانغ وغير ذلك. «2» وأعاد السلطان الملك الظاهر رسله فى شهر رمضان من السنة المذكورة، وكتب إليه يغريه بهولاكو ويحضه على حربه.
(27/360)

وفى سنة ثلاث وستين وستمائة كانت الحرب بين عساكر بركة وعساكر أبغا بن هولاكو، وذلك أن هولاكو لما توفى فى هذه السنة وجلس ابنه أبغا بعده، جهز جيشا لقتال بركة، فلما بلغه الخبر جهز جيشا وقدم عليه ييسوا نوغا «1» بن ططر بن مغل، فصار فى المقدمة ثم أردفه بمقدم آخر اسمه بستاى فى خمسين ألف فارس، فسبق نوغا بمن معه وتقدم إلى عسكر أبغا وبستاى على إثره.
فلما أشرفت عساكر أبغا على بستاى وهو مقبل فى سواده العظيم تكردسوا وتجمعوا للهزيمة، فظن بستاى أنهم أحاطوا بنوغا ومن معه فانهزم راجعا من غير لقاء. وأما نوغا فإنه تبع عساكر أبغا وواقعهم وهزمهم، وقتل منهم جماعة وعاد إلى بركة؛ فعظم قدره عنده وارتفع محله، وقدمه على عدة تمانات. وعظم ذنب بستاى عند بركة.
ودامت أيام بركة هذا بهذه المملكة إلى أن توفى فى سنة خمس وستين وستمائة وهو على دين الإسلام، رحمه الله تعالى ولم يكن لبركة ولد يرث الملك من بعده فاستقر الملك من بعده لابن أخيه منكوتمر «2» .
(27/361)

ذكر ملك منكوتمر بن طوغان «1» بن باطوخان ابن دوشى خان بن جنكزخان وهو الخامس من ملوكهم بهذه المملكة
ملك هذه المملكة وجلس على كرسى الملك بصراى، وصار إليه ملك بلاد الشام والترك والقفجاق وباب الحديد وما يليه؛ وذلك فى سنة خمس وستين وستمائة. ولما ملك كاتبه السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى من الديار المصرية بالتهنئة والتعزية بعمه «2» ، وأغراه بأبغا بن هولاكو وحرضه عليه كما كان قد فعل لما كاتب بركة، وذلك فى سنة ست وستين وستمائة.
ذكر مسير عساكر منكوتمر الى بلاد القسطنطينية
وفى سنة ثمان وستين وستمائة جهز منكوتمر جيشا إلى اصطنبول.
وكان رسول السلطان الملك الظاهر ركن الدين يومذاك عند الأشكرى «3» ، وهو فارس الدين المسعودى. فخرج المذكور إلى عسكر منكوتمر وقال: أنتم تعلمون أن صاحب اصطنبول صلح مع صاحب مصر وأنا رسول الملك الظاهر، وبين أستاذى وبين الملك منكوتمر مراسلة ومصالحة واتفاق. واصطنبول مصر ومصر اصطنبول. فرجعوا عنها
(27/362)

ونهبوا بلادها وشعثوا. فلما وصل الفارس المسعودى فى الرسلية إلى الملك منكوتمر من جهة السلطان، أنكر عليه كونه صد جيوشه عن أخذ اصطنبول. وكان المسعودى قد فعل ذلك من قبل نفسه وبرأيه، لا برأى السلطان الملك الظاهر وأمره. فلما عاد المسعودى إلى السلطان الملك الظاهر نقم عليه وضربه واعتقله.
ولما كان جيش منكوتمر باصطنبول ورجعوا، مروا بالقلعة التى فيها عز الدين كيكاوس صاحب الروم معتقلا فأخذوه منها، وأحضروه إلى الملك منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام عنده إلى أن مات.
ودامت أيام منكوتمر إلى سنة تسع وسبعين وستمائة وتوفى، ووردت الأخبار بوفاته إلى الديار المصرية فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. وكان سبب وفاته أنه طلع له دمل فى حلقه فبظه فمات منه فى شهر ربيع الأول من السنة. فكانت مدة ملكه نحو أربع عشرة «1» سنة.
وخلف منكوتمر من الأولاد تسعة «2» ، وهم ألغى «3» وأمه ججك خاتون «4» وكان لها حرمة وبسطة لأنها من الذرية القانية،
(27/363)

وبرلك «1» ، وصراى بغا «2» ، وطغرلجا «3» ، وتلغان «4» ، وتدان «5» وطقطا «6» وهو الذى ملك البلاد فيما بعد، وقدان، وقطغان «7» .
وكان له (منكوتمر) من الإخوة لأبيه تدان منكوا «8» ، وأدكجى «9» ؛ وتدان منكوا أكبرهم. فدفع تدان منكوا أولاد أخيه عن الملك واستقر هو فى الملك بعد أخيه منكوتمر.
ذكر ملك تدان منكوا «10» بن طغان بن باطوخان ابن دوشى خان بن جنكزخان
ملك البلاد الشمالية بعد وفاة أخيه فى شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وستمائة «11» . وقيل إنه جلس فى جمادى الآخرة سنة ثمانين. وهو السادس من ملوك هذه المملكة. وكان السلطان الملك المنصور قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية قد أرسل
(27/364)

رسلا إلى منكوتمر وهما شمس الدين سنقر الغتمى، وسيف الدين تلبان الخاص تركى؛ وسير معهما ستة عشر تعبية من القماش النفيس لمن يذكر: الملك منكوتمر، وأدكجى، وتدان منكو، وتلابغا «1» ، ونوغاى؛ وكان قد تقدم عنده. وما هو للخواتين من الأقمشة وهن: ججك خاتون وإلجى خاتون وتوتكين خاتون، وبدارن خاتون وسلطان خاتون وخطلوا خاتون. وما هو للأمراء وهم:
الأمير مادوا أمير الميسرة، والأمير طبرا أمير الميمنة. وما هو لقيالق زوجة ايلجى. وما هو للسلطان غياث الدين صاحب الروم. وكانت هدية جليلة من الأقمشة والتحف والقسى والجواشن والخوذ. فلما وصلا وجدا منكوتمر قد مات، وجلس تدان منكوا فى الملك، فقدموا له الهدية فقبلها.
واستمر تدان منكوا فى الملك إلى سنة ست وثمانين وستمائة، فأظهر الزهد والتخلى عن النظر فى أمور المملكة وصحب الفقراء والمشايخ وقنع بالقوت، فقيل له: إن المملكة لا بد لها من ملك يسوس أمورها، فنزل عن الملك لتلابغا «2» .
(27/365)

ذكر ملك تلابغا بن طربوا بن دوشى خان ابن جنكزخان
ملك البلاد الشمالية بعد تزهد تدان منكوا فى سنة ست وثمانين وستمائة، وهو السابع من ملوك هذه المملكة. فلما ملك تجهز بعساكره لغزو الكرك. «1» واستدعى نوغيه بن ططر بن مغل بن دوشى خان، وهو الذى قلعت عينه فى حرب هولاكو كما ذكرناه.
وأمره بالمسير بمن معه من التمانات، فسار إليه وتوافيا فى المقصد، وشنوا الغارة على بلد كرك ونهبوا وقتلوا وعادوا وقد اشتد البرد وكثرت الثلوج، ففارقهم نوغيه بمن معه وسار إلى مشاتيه، فوصل سالما. وسار تلابغا، فضل عن الطريق فهلك جماعة ممن معه واضطره الحال إلى أن أكل أصحابه دوابهم وكلاب الصيد ولحوم من مات منهم لشدة ما نالهم من الجوع. فتوهم أن نوغيه قصد له المكيدة فأضمر له السوء، وكان ذلك سبب قتله.
ذكر مقتل تلابغا
كان مقتله فى سنة تسعين وستمائة وذلك أنه لما عاد من غزو الكرك اجتمع على الإيقاع بنوغيه، ووافقه على ذلك من انتمى إليه من أولاد منكوتمر. وكان نوغيه شيخا مجربا له معرفة وممارسة بالمكائد،
(27/366)

فنمى الخبر إليه فكتمه، ثم أرسل تلابغا يستدعى نوغيه وأظهر له احتياجه إلى مشورته وأخذ رأيه، فراسل نوغيه والدة تلابغا وقال لها: إن ابنك شات وإننى أحب أن أبذل له النصيحة وأعرفه بما يعود عليه نفعه من مصالح ملكه، ولا يمكن أن أبديها له إلا فى خلوة يجب ألا يطلع عليها سواه، وأختار أن ألقاه فى نفر يسير. فمالت المرأه إلى مقالته وأشارت على ابنها بموافقته والاجتماع به وسماع ما يقول. ففرق تلابغا عساكره التى كان جمعها وأرسل إلى نوغيه ليحضر عنده، فتجهز بجميع من عنده من العساكر وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم طقطابرلك وصراى بغا وتدان باللحاق معهم. ثم سار مجدا فلما صار بالقرب من مقام تلابغا الذى تواعدا أن يجتمعا فيه ترك العسكر الذى معه وأولاد منكوتمر طقطا وإخوته كمينا واستصحب معه نفرا يسيرا، وتوجه نحو تلابغا، فصار تلابغا لتلقيه ومعه من أولاد منكوتمر أولغى وطغرلجا وتلغان وقدان وقتغان، وهم الذين انحازوا إليه. فلما اجتمع تلابغا ونوغيه وأخذا فى الحديث لم يشعر تلابغا إلا وخيول أصحاب نوغيه قد أقبلت، فتحير فى أمره وتقدم العسكر، فأمرهم نوغيه بإنزال تلابغا ومن معه من أولاد منكوتمر عن خيولهم فأنزلوهم، ثم أمر بربطهم فربطوا وقال لطقطا: هذا تغلب على ملك أبيك وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك وقتلك. وقد سلمتهم إليك، فاقتلهم أنت كما تشاء، فقتلهم جميعا.
(27/367)

ذكر ملك طقطا بن منكوتمر بن طوغان ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان وهو الثامن من ملوك هذه المملكة
ملك البلاد الشمالية فى سنة تسعين وستمائة. وذلك أنه لما قتل تلابغا وإخوته الخمسة أولاد منكوتمر أجلسه نوغيه على كرسى الملك، ورتب أمور دولته، وسلم إليه من بقى من إخوته الذين اتفقوا معه. وقال: «هؤلاء إخوتك يكونون فى خدمتك فاستوص بهم» . وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقى فى نفسه من الأمراء الذين اجتمعوا مع تلابغا عليه عند ما أرسل إليه يستدعيه.
ذكر ايقاع طقطا بجماعة من أمرائه
وفى سنة اثنتين وتسعين وستمائة. جهز نوغيه زوجته ييلق خاتون إلى الملك طقطا برسالة. فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام واحتفل بها غاية الاحتفال، ثم سألها عن موجب حضورها، فقالت له:
أبوك يسلم عليك ويقول لك: قد بقى فى طريقك قليل شوك فنصفه. قال: وما هو؟ فسمت له الأمراء وهم: «كلكتاى «1» ويوقق وقرا كيوك وما جار (وتاين «2» طقطا) وكبى وبركوا «3» وطراتمر والتمر ونكا وبيطرا وبيملك تمر وبيطقتمر (وبيقور الطاجى) «4»
(27/368)

وتادوة «1» وملخكا وبرلغى «2» وكنجك وشردق وقراحين وجاجرى وابشقا بينننجى. وهؤلاء هم الذين اتفقوا مع تلابغا على نوغيه» .
فلما أبلغتة هذه الرسالة، وسمت له هؤلاء الأمراء، طلبهم وقتلهم جميعا، وعادت ييلق خاتون إلى نوغية فاطمأن خاطره؛ وتحكم أولاد نوغيه وأولاد أولاده. وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة «3» وهم جكا وتكا «4» وطراى وابنة تسمى طغلجا وابن بنت يسمى أقطاجى.
وكانت ابنته متزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك، فقويت شوكتهم، ثم وقع الخلف بين طقطا ونوغيه.
ذكر ابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة ابتدأ الخلف بين طقطا ونوغيه، وكان لذلك أسباب منها أن ييلق خاتون زوجة نوغيه نفرت من ولديه جكا وبكا وأظهرا لها الإساءة والامتهان، فأغرت طقطا بهما وأرسلت إليه تحرضه عليهما. ومنها أن بعض أمراء طقطا أو جسوا منه خيفة ففارقوه وانحازوا إلى نوغيه؛ فقبلهم وأحسن إليهم، وأنزلهم فى حوزته، وزوج أحدهم وهو طاز بن منجك بابنته، فطلبهم طقطا منه فمنعهم عنه فأغضبه ذلك، وأرسل إليه رسولا وصحبته محراث «5» وسهم نشاب وقبضة تراب. فجمع أكابر
(27/369)

عشيرته وقال: «ما عندكم فيما أرسله طقطا؟» فقال كل منهم قولا، فقال: «ما أصبتم وأنا أخبركم بمراده. أما المحراث فهو يقول: إن نزلتم إلى أسافل الأرض أطلعتكم بهذا المحراث؛ وأما النشابة فيقول: إن طلعتم إلى الجو أنزلتكم بهذا السهم، وأما التراب فيقول: اختاروا لكم أرضا تكونون فيها للملتقى» . فقال نوغيه لرسوله: «قل لطقطا إن خيلنا قد عطشت ونريد نسقيها من ماء تن- وهو نهر على مقام صراى وفيه منازل طقطا- وجمع جنوده وسار للقائه.
ذكر الوقعة الأولى بين طقطا ونوغيه
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة سار طقطا للقاء نوغيه، فجمع عساكره ومن انضاف إليه، وكانوا يزيدون على مائتى ألف فارس.
وسار كل منهما لقصد صاحبه، فالتقوا على نهر يقصى بين مقام طقطا ومقام نوغيه. فكانت الهزيمة على طقطا وعساكره، وانتهت بهم الهزيمة إلى نهر تن، فمنهم من عبر وسلم ومنهم من هوى به فرسه فغرق. وأمر نوغيه عساكره أن لا يتبعوا منهزما ولا يجهزوا على جريح، وأخذ الغنائم والسبايا والأسلاب وعاد إلى مكانه.
(27/370)

ذكر الوقعة الثانية وقتل نوغيه
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة، عزم طقطا على حرب نوغيه، واتفق أن جماعة من أمراء نوغيه الذين كان يعتمد عليهم فارقوه وانحازوا إلى طقطا. فقويت به شوكتهم، وكانوا فى ثلاثين ألف فارس. ولما تجهز طقطا اتصل خبره بنوغيه، فتجهز أيضا لحربه وخرج كل منهما للقاء الآخر. فلما صار بينهما مسافة يوم، أرسل نوغيه شخصا ومعه مائة فارس للكشف، فظفر بهم طقطا وقتلهم ونجا مقدمهم بمفرده. فأخبر نوغيه أن العسكر قد دهمه، فركب فيمن معه والتقوا على كو كان لك واقتتلوا، فكانت الكسرة على نوغيه فى وقت المغرب، فانهزم أولاده وعشائره وثبت هو على ظهر فرسه، وكان قد كبر وطعن فى السن، وتغطت عيناه بشعر حواجبه، فوافاه رجل روسى من عسكر طقطا وقصد قتله، فعرفه بنفسه وقال:
«أنا نوغيه فاحملنى إلى طقطا فلى معه حديث» . فلم يصغ الروسى لمقالته وقتله. وحمل رأسه إلى طقطا وقال: «هذا رأس نوغيه» .
فقال له: «ومن الذى أعلمك أنه نوغيه؟» فقص عليه القصة.
فآلمه ذلك، وأمر بقتل قاتله، وقال: «إن من السياسة قتله حتى لا يجترئ أمثاله على قتل مثل هذا الرجل الكبير» . ثم عاد طقطا إلى مقامه.
(27/371)

ذكر أخبار أولاد نوغيه
ولما انهزم عسكر نوغيه وقتل، استقر أولاده بمقامه فلم تطل بهم الأيام حتى وقع الخلف بينهم. وقتل جكا بن نوغيه أخاه بكا، واستبد جكا بملك أبيه وأقام له نائبا يسمى طنغر؛ فنفر عنه أصحابه وعلموا أنه لا يبقى عليهم بعد أن قتل أخاه. واتفق نائبه طنغر مع طاز بن منجك- وهو صهر نوغيه، زوج ابنته طغلجا- على الإغارة على بلاد أولاق والروس. فسارا وتذاكرا سوء سيرة جكا فيهم، واتفقا على أن يقبضا عليه عند عودهما، وعادا لذلك. فبلغه الخبر ففر منهما فى مائة وخمسين فارسا، ودخل بلاد آص وكان بها مقدم وطمأن من عسكره فأقام بينهم. ووصل طنغر ثانية وطاز بن منجك صهره إلى بيوته فنهبوها واستولوا عليها.
ولما أقام جكا ببلاد آص تسلل إليه كثير من عسكره. فكثرت بهم عدته، وسار لحرب طنغر وطاز بن منجك، والتقوا واقتتلوا فاستظهر جكا عليهما وأسروا بيوتهما به. وكانت أخته طقلجا تقاتله بنفسها فى هذه الوقعة. فلما انكسر زوجها ومن معه، كاتبوا طقطا يستمدونه، فأمدهم بجيش صحبة أخيه برلك بن منكوتمر.. فلما جاءهم المدد والتقوا للقتال لم يكن لكيجا «1» بهم قبل. فهرب إلى بلاد «2» أولاق. وكان ملكها والحاكم عليها صروجا أحد
(27/372)

أقارب جكا فآوى إليه، فاجتمع أصحابه وقالوا: هذا عدو طقطا، ولا نأمن أنه إذا بلغه أنه انحاز إلينا يقصدنا بجيوشه ولا قبل لنا به.
فأمسكه دعوقه فى قلعته واسمها تزنوا وطالع طقطا بأمره فأمره بقتله، فقتله فى هذه السنة وهى سنة سبعمائة، ودخلت مملكة الملك طقطا ممن يساويه، واستقر يزلك «1» بن منكوتمر فى مقام نوغيه من قبل أخيه طقطا. ولم يبق من أولاد نوغيه إلا أصغرهم وهو طراى.
ورتب طقطا بيجى بن قرمسى يرصع أباجى أخاه. وجهز ولديه يكل بغا وأربصا إلى بلاد نوغيه، فاستقر يكل بغا فى صنعجى ونهر طنا «2» وتايل باب الحديد، وهى منازل نوغيه. وأقام ايربصا، بنق ورتب أيضا أخاه صراى بغا. «3» .
ذكر ما اتفق طراى بن نوغيه وصراى بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة الملك طقطا وقتلهما
وفى سنة إحدى وسبعمائة تحرك طراى بن نوغيه فى طلب ثار أبيه وأخيه من طقطا، ولم يكن له قوة بنفسه، فجاء إلى صراى بغا ابن منكوتمر. وكان أخوه «4» طقطا قد رتبه فى مقام نوغيه فتوصل طراى إليه ولازمه، ولم يزل يلاطفه حتى حسّن له الخروج على أخيه طقطا وأن يستقل بالملك. فوافقه صراى بغا ومال إليه
(27/373)

وركب بتمانه وعبر نهر اتل، وترك العسكر، وتوجه جريدة، اجتمع بأخيه برلك، وعرفه ما عزم عليه وطلب منه الموافقة فأجابه إلى ما طلب. ثم بادر برلك «1» بالاجتماع بأخيه طقطا، وعرفه الصورة وما همّ به صراى بغا وطراى بن نوغيه. فركب طقطا لوقته فى خواصه وجهز إليهما من أحضرهما، فقتلا بين يديه، ورتب ولده فى المكان الذى كان قد رتب فيه صراى بغا. ولما قتل طقطا طراى هرب قرا كشك بن جكا بن نوغيه، وهرب معه اثنان من أقاربه وهما جركتمر ويلتطلوا.- وكان بزلك قد أرسل فى طلبه- فانهزم هو وهذان إلى بلاد ششتمن «2» إلى مكان يسمى يدرك بالقرب من كدك ومعهم نحو ثلاثة آلاف فارس، فآواهم ششتمن وأصحابه وقاموا عنده يعبرون على الأطراف ويأكلون من كسبهم إلى آخر أيام طقطا.
وفى سنة سبع وسبعمائة وردت الأخبار إلى الديار المصرية أن طقطا نقم على الفرنج الجنوبية الذين بقرم وكفار البلاد الشمالية لأمور نقلت إليه عنهم، منها استيلاؤهم على أولاد التتار وبيعهم بالبلاد الإسلامية، فأرسل جيشا إلى مدينة كفا وهى مسقط رؤوسهم.
فشعر الفرنج بهم فركبوا فى مراكبهم وتوجهوا فى البحر فلم يظفر الجيش منهم بأحد. فنهب طقطا أموال من كان منهم بمدينة صراى وما يليها.
(27/374)

وفى سنة تسع وسبعمائة كانت وفاة ايرصا «1» بن طقطا حتف أنفه. وكان مرشحا عند أبيه للتقدمة على العساكر. وتوفى أيضا أخوه برلك بن منكوتمر ودامت أيام طقطا إلى أن توفى فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة وملك بعده؟
أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان وهو التاسع من ملوك هذه المملكة
ووصلت رسله إلى أبواب مولانا السلطان الملك الناصر «2» سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها من الممالك الإسلامية وكان وصولهم فى ذى الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وصحبهم من التقادم لمولانا السلطان ما لم تجر بمثله عادة. وكان من جملة رسالته أنه هنأ مولانا السلطان الملك الناصر بإيصال الإسلام من الصين إلى أقصى بلاد الغرب؛ وقال إنه كان قد بقى فى مملكته طائفة على غير دين الإسلام فلما ملك خيرهم بين الدخول فى دين الإسلام أو الحرب؛ فامتنعوا وقاتلوا، فأوقع بهم وهزمهم واستأصل شأفتهم بالقتل والأسر. وجهز إلى مولانا السلطان عدة من سباياهم، فأعاد مولانا السلطان رسله صحبة رسل منه وأنعم عليهم وأرسل معهم الهدايا الوافرة. هذا ما نقل إلينا من أخبار ملوك هذه المملكة
(27/375)

الشمالية إلى حين وضعنا لهذا التأليف. ومهما اتصل بنا من أخبارهم بعد ذلك نورده إن شاء الله فى جملة أخبار الدولة الناصرية بالديار المصرية المحروسة.
وأما ملوك ما وراء النهر من ذرية جنكزخان
فلم يصل إلينا من أخبارهم ماندونه لبعد بلادهم وانقطاع رسلهم عن ملوكنا؛ إلا أن ملك ما وراء النهر انتهى إلى قيدوا بن قيجى بن طلوا بن جنكزخان، وطلوا هو تلى خان. ورأيت فى شجرة وضعها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى أن قيدوا ابن قيجى بن أوكديه بن جنكزخان «1» . وطالت أيام قيدوا واستمر الملك إلى أن توفى فى تسع وسبعمائة «2» . وكرسى مملكته.
كاشغر وقلا صاق «3» ، وله تركستان وقيالق «4» والمالق «5» وبخارى وغير ذلك. ولما مات ملك بعده ابنه جابار واستمر إلى أن مات فى سنة سبع عشرة وسبعمائة «6» . وملك بعد أخوه ألوين بغا
(27/376)

ابن قيدوا. ولقيدوا غير هؤلاء من الأولاد تانجار «1» وأروس «2» .
وهذه الطائفة يقابلون القان الكبير الجالس على تخت القانية بقراقروم وغيره.
وأما ملوك غزنة وباميان وهم أولاد أرديوا «3» بن دوشى خان ابن جنكزخان وهم أقرب إلى ملوك البلاد الشمالية من غيرهم من البيوت لأن أرديوا بن دوشى خان هو أخوباطوخان بن دوشى خان.
فدوشى خان بن جنكزخان يجمعهم وأخبارهم أيضا منقطعة عن بلادنا لبعد بلادهم، لأن بيت هولاكو بيننا وبينهم. والذى وصل إلينا من أخبارهم أن ملك غزنة وباميان انتهى إلى قيجى «4» بن أرديوا بن دوشى خان.
ودامت أيامه إلى أن توفى فى سنة إحدى وسبعماية، فاختلف أولاده وبنو عمه فى الملك بعد وفاته وتنازعوه بينهم وافترق بعضهم عن بعض، وكان له من الأولاد «5» . نيان. وكبلك «6» وطقتمر. وبغانمر. ومنغطاى.
(27/377)

وصاحى. وكان كبلك قد استقر فى الملك بعد وفاة أبيه فسار أخوه نيان إلى الملك طقطا واستنجد به، واستمده على أخيه، فأمده بأخيه برلك وسار كبلك إلى قيدوا واستعان به فأمده بجيش. وعادا من جهة طقطا وقيدوا، والتقوا واقتتلوا فكسر كبلك ثم مات واستقر أخوه نيان فى المملكة الغزنوية: واستمر إلى سنة ثمان وسبعماية، فوقع الخلف بينه وبين أخيه منغطاى بن قيجى «1» وتنازعا الملك، وانحاز إلى كل واحد منهما فئة، فاستظهر منغطاى على أخيه نيان بكثرة من انحاز إليه، فانهزم نيان واستقر منغطاى فى الملك. وأقام نيان ببلاد بكمرش وهى على أطراف حدودهم. ثم توجه قرشياى بن كبلك إلى قيدوا فى سنة تسع وسبعماية، واستنجده على عمه نيان، فأنجده عليه، وجرد معه جيشا. فقصد نيان واقتتلا فانهزم نيان وتوجه إلى عند الملك طقطا، لأنه كان قد أمده أولا وأعانه. وتمكن قرشتاى من بلاد نيان واستقر بها، واستمر منغطاى فى ملك المملكة الغزنويّة إلى وقتنا هذا.
وانقطعت أخبارهم عنا من سنة عشر وسبعمائة فلم يصل إلينا منها ما نشرحه. وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار هذين البيتين لتكون دالة على وجودهم ومنبهة عن ممالكهم، وإلا فأخبارهم كثيرة لم نظفر بها. فلنذكر الآن نبذة من أخبار هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان، وأخبار أولاده، وما ملكه وملكوه بعده من الأقاليم.
والممالك.
(27/378)

ذكر أخبار هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان وابتداء أمره وما استولى عليه من الممالك والأقاليم ومن ملك من ذريته
وهذا البيت من التتار وهو أقرب البيوت إلى القان الكبير، لأن القانية استقرت فى إخوة هولاكو، ثم فى بنى أخيه قبلاى بن تولى خان، كما قدمناه فى أخبارهم.
وكان ابتداء أمر هولاكو أن أخاه منكوقان وهو الجالس فى أيامه على تخت القانية بقراقروم بعثه لفتح العراق فى سنة خمسين وستماية، فسار فيمن معه من الجيوش إلى بلاد الاسماعيلية، ويسمون ببلاد العجم الملاحدة، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا وأسرا وسبيا ونهبا.
ثم كان بينه وبين بركة من الحرب ما شرحناه فى أخبار بركة.
وكانت الهزيمة على هولاكو وقتل كثير من أصحابه وغرق كثير منهم. وعاد هولاكو إلى العراق بمن بقى معه. وتمكنت العداوة بين هذين البيتين ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة وهى سنة ثلاث وخمسين.
(27/379)

ذكر استيلائه على بغداد وقتله الخليفة المستعصم بالله
وفى سنة ست وخمسين وستماية سار هولاكو بعساكر التتار إلى مدينة بغداد ونازلها. وكان قد أرسل إلى بيجو «1» يستدعيه من بلاد الروم، فكره بيجو اللحاق به. وما أمكنه مفاجأته بذلك؛ فاعتذر إليه أن جمعا كثيرا من القرى تليه والأكراد والياروقية قد تجمعوا فى الطرقات، ومقدمهم شرف الدين بن بلاش، وأنهم أخذوا عليه وعلى من معه المضيق، ولا سبيل لهم إلى الخروج من حدود ديار بكر. وقصد بيجو بذلك المدافعة. فجهز هولاكو تمانين من التوامين «2» التى معه، مقدم أحدهما قدغان ومقدم الآخر كتبغا «3» نوين لفتح الطريق. وفى أثناء ذلك أوقع. «4» بالأكراد والقراتلية وقعة عظيمة وجعل منهم أهل أرزنجان وتحصنوا بجبل يسمى أرن سور. فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلموها وحاصروا
(27/380)

كماج، وهزموا الأكراد وقتلوا منهم وسبوا، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهما بيجو.
وأخبرنى الأتمر البدرى رحمه الله وهو من ذرية بيجو كما زعم، وكان له معرفة بأخبارهم، أن منكوقان لما جهز بيجو لفتح الروم، أوصاه أنه لا يتعرض إلى بغداد، وأنه لما جهز هولاكو أوصاه أن لا يخالف بيجو وأنه لا يصل إلى بغداد، وكتب معه إلى بيجو بذلك.
فغير هولاكو الكتب وجعل معناه أن بيجو لا يخالف أمر هولاكو، وكانت كراهية منكوقان لفتح بغداد أنهم رأوا فيما عندهم أنها إذا فتحت لا تطول مدة القان.
ثم توجه بيجو ومن عنده إلى هولاكو ونزلوا بالجانب الغربى من بغداد، ونزل هولاكو بالجانب الشرقى منها. وحاصروها واشتد الحصار، فخرج إليهم عسكر الخليفة صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الكبير «1» - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس- فالتقن مع التتار وهزمهم. فولوا عامة ذلك النهار، وقتل كثيرا منهم إلى أن حجز بينهم الليل، واستبشر المسلمون بالنصر. فلما أصبحوا تراجع التتار إليهم، فانكسر الدوادار ومن معه. وكان أكثر أصحابه لما أيقنوا بالظفر دخلوا بغداد فى تلك الليلة، فلما انهزم مجاهد الدين
(27/381)

بمن بقى معه قصد التحصن ببغداد، فحال بينه وبينها- للقضاء المقدر- شق انبثق من دجلة، وساحت منه مياه عظيمة، فصار الماء أمامه والتتار وراءه، فأدركوه هو ومن معه، وأخذهم السيف، ومرق جماعة منهم. وقتل مجاهد الدين أيبك وولده أسد الدين- وكان مقدم خمسة آلاف فارس-، «وسليمان شاه ترجم «1» » .
أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء، وأسروا خلقا. وحملت رؤوس هؤلاء الثلاثة إلى الموصل، وحملت على باب المدينة ترهيبا لأهلها.
ورمى أهل بغداد بالداهية الكبرى والمصيبة العظمى، وارتاع الخليفة وأغلقت أبواب المدينة، وأحاط بها التتار وضايقوها وفتحوها عنوة، ودخلوها فى العشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستماية؛ ووضعوا السيف فيها سبعة أيام، لم يرفعوه عن شيخ كبير ولا طفل صغير. وجىء بالخليفة إلى هولاكو فأمر أن يجعل فى جولق ويداس بأرجل الخيل، ففعل به ذلك حتى مات، كما ذكرناه فى أخبار الدولة العباسية. ومن عادة التتار أنهم لا يسفكون دماء الملوك والأكابر غالبا.
وسبى التتار من بالقصر، وأخذوا ذخائر الخلافة، واستدعى هولاكو الوزير ابن العلقمى، وكان قد كاتبه وحثه على قصد بغداد وأضعف جيوش الإسلام. فلما مثل بين يدى هولاكو سبه
(27/382)

ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذى نعمته، وأمر بقتله فقتل.
وقيل لم يقتله بل استبقاه. ثم عزم هولاكو على إحراق مدينة بغداد، فمنعه كتبغا نوين، وقال هذه أم الأقاليم ويتحصل منها الأموال العظيمة، والمصلحة إبقاؤها، فأبقاها ورتب فيها شحنة، ثم سار عنها بعد انقضاء الشتاء إلى الشام، وجرد إلى مياّفارقين، والله أعلم.
ذكر استيلاء التتار على ميافارقين
وفى سنة ست وخمسين أيضا أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين صحبة صرطق «1» نوين وقطغان نوين. وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازى بن العادل أبى بكر ابن أيوب، فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق من كل ناحية، فقاتله أهلها، وامتنعوا وصبروا على شدة الحصار، وقلت الأقوات عندهم حتى أكلوا الكلاب والسنانير والميتة. ففتحها التتار بعد سنتين، بعد أن فنى الجند من كثرة القتال، وأسر من بقى، وأخذ الملك الكامل صاحبها وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدى هولاكو فقتلوا، إلا مملوكا واحدا يسمى قراسنقر سأله عن وظيفته، فذكر أنه أمير شكار «2» ، فأبقاه وسلم إليه طيوره.
وجاء قراسنقر هذا بعد موت هولاكو إلى الديار المصرية فى الأيام
(27/383)

الظاهرية، فجعله السلطان من مقدمى الحلقة المنصورة. وكان استيلاء التتار على ميافارقين فى سنة ثمان وخمسين وستماية.
ولما قتل الملك الكامل هذا حمل التتار رأسه على رمح وطيف به البلاد ومروا به على حلب وحماه ووصلوا به إلى دمشق فى سابع عشرين جمادى الأولى من السنة، وطافوا به فى دمشق بالمغانى والطبول، وعلق رأسه بباب الفراديس فلم يزل إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس.
ذكر وفاة بيجو مقدم التتار
وفى سنة ست وخمسين أيضا نقم هولاكو على بيجو لما بلغه عنه من إضمار الخلاف وما قصده من التأخير عنه لما طلبه وأنه قصد الانفراد ببلاد الروم. فلما فرغ من فتح بغداد والعراق سقاه سما فمات. وقيل إنه كان قد أسلم قبل موته، ولما حضرته الوفاة أوصى بأن يغسل ويدفن على عادة المسلمين. وكان له من الأولاد أفاك «1» .
وسوكناى. وأفاك هذا هو أبو سلامش «2» وقطقطو اللذين وفدا إلى الديار المصرية فى الأيام المنصورية.
ولما فتح هولاكو العراق جاءه ملوك الأطراف، فكان ممن جاءه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل بهدايا جليلة وتحف.
(27/384)

ولما قصد السفر من الموصل جاءه أهلها وقالوا: «إنا نخشى عليك من سطوة هذا الملك الجبار» فقال: «أرجو أن أتمكن منه وأعرك أذنيه» فلما جاءه وقدم ما معه أعجب هولاكو وأقبل عليه. فلما فرغ من تقدمته قال: «قد بقى معى شيئ خاص بالقان» وأخرج له حلقتى أذن من الذهب، فيهما درتان كبيرتان، فأعجباه فقال: «أشتهى القان يشرفنى بأن أجعلهما بيدى فى أذنيه ليعظم قدرى بذلك عند الملوك وأهل بلادى وأعلم رضاه عنى» فأصغى إليه بأذنيه فمسكهما ووضع الحلقتين فيهما، ونظر إلى من معه من أهل الموصل يعنى:
«اننى قد قلت قولا وقد حققته» .
وأرسل إليه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب الشام ولده العزيز بهدايا وتحف اقتداء بصاحب الموصل، فقبل تقدمته وسأله عن تأخير أبيه، فاعتذر بأنه لا يمكنه مفارقة البلاد خوفا عليها من عدو الإسلام الفرنج، فقبل عذره وأعاده إلى أبيه.
وجاءه عز الدين كيكاوس، وركن الدين قلج أرسلان ملك الروم فقسم البلاد بينهما على ما قرره منكوقان.
وفى سنة سبع وخمسين وستماية وجه هولاكوا أرغون- وهو من أكابر المقدمين- فى جيش إلى كرجستان، فغزا تفليس وأعمالها، فأغار ونهب وعاد إليه وهو بالعراق.
وفيها أيضا قدم هولاكو إلى شرقى الفرات ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزيرية، وذلك بعد وفاة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.
(27/385)

وأرسل هولاكو أحد أولاده إلى حلب فوصل إليها فى العشر الآخر من ذى الحجة من السنة. وكان الملك المعظم تورانشاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بحلب ينوب عن ابن أخيه الملك الناصر، فخرج بالعسكر الحلبى لقتال التتار، فأكمن التتار كمينا عند الباب المعروف بباب الله قريب من مدينة حلب من شمائلها، والتقوا واقتتلوا عند بانقوسا «1» ، فاندفع التتار بين يدى العسكر الحلبى وتبعهم العسكر حتى خرجوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فطلب المسلمون المدينة والتتار يقتلون فيهم. وهلك فى الأبواب جماعة من المنهزمين.
ثم رحل التتار إلى اعزاز وتسلموها بالأمان، ثم تقدم هولاكو بجيوشه فبدأ بالبيرة فملكها، ووجد بها الملك السعيد ابن الملك العزيز أخا الملك الناصر معتقلا فأطلقه، وسأله عما كان بيده فقال:
الصبيبة وبانياس، فكتب له بذلك فرمانا، ثم تقدم هولاكو إلى حلب.
ذكر منازلة هولاكو مدينة حلب واستيلائه عليها وعلى بلاد الشام
وفى سنة ثمان وخمسين وستماية عبر هولاكو الفرات بجموعه، ونازل حلب، وأرسل إلى الملك المعظم توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف يقول: «إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر، فاجعلوا عندكم شحنة وبالقلعة شحنة
(27/386)

ونتوجه نحن إلى العسكر فإن كانت الكسرة عليهم كانت البلاد لنا وتكونون «1» قد حقنتم دماء المسلمين. وان كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين فى الشحنتين إن شئتم القتل أو الإطلاق فقال له الملك المعظم: «ليس له عندى إلا السيف» . وكان الرسول إليه من جهة هولاكو صاحب أرذن الروم، فعجب من جوابه، وتألم لما علم من ضعف المسلمين عن ملاقاة التتار وأحاط التتار بحلب فى ثانى صفر وهجموا على البواشير فى الثالث من الشهر؛ فقتل من المسلمين جماعة، منهم أسد الدين ابن الملك الزاهر صلاح الدين. واشتدت مضايقة التتار لحلب، وهجموه من عند حمام حمدان وذلك فى يوم الأحد تاسع صفر، وصعد إلى القلعة خلق كثير. وبذل التتار السيف والنهب فى أهل حلب إلى يوم الجمعة رابع عشر الشهر، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودى بالأمان، فقتل منها فى هذه المدة ما لا يحصى كثرة، وكان قد تجمع بها من أهل القرى خلق كثير. وسبى من النساء والذرارى زهاء مائة ألف، بيعوا فى جزائر الفرنج وبلاد الأرمن، ولم يسلم ممن كان بحلب إلا من التجأ إلى أماكن كان مع أهلها فرمانات من هولاكو منها: دار شهاب الدين بن عمرون، ودار نجم الدين أخى مزدكين، ودار البازيار، ودار علم الدين قيصر الموصّلى، والخانقاه التى فيها زين الدين الصوفى، وكنيسة اليهود. فقيل إن الذين سلموا فى هذه الأماكن يزيدون على خمسين ألف إنسان.
(27/387)

واستمر الحصار على القلعة والمضايقة لها نحو شهر، فوثب جماعة ممن بالقلعة على صفى الدين بن طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز ابن القاضى نجم الدين بن أبى عصرون فقتلوهما لأنهم توهموا أنهما باطنا التتار. ثم سأل من بالقلعة الأمان، فأمنوا، وتسلمها التتار فى يوم الإثنين حادى عشر ربيع الأول من السنة. وأمر هولاكو من كان بالقلعة أن يعود كل منهم إلى داره وملكه وأن لا يعارض. ونزل العوام والغرباء إلى الأماكن التى أحميت بالفرمانات. وكان بقلعة حلب فى الاعتقال جماعة من البحرية الصالحية الذين حبسهم الملك الناصر، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسكز، وترامق، وغيرهم؛ فأخذهم وأضافهم إلى مقدم يسمى سلطان جق من أكابر القفجاق. وكان سلطان جق هذا قد هرب من التتار لما استولوا على بلاد القفجاق وقدم إلى حلب، فأكرمه الملك الناصر وأحسن إليه وأقام عنده، فلم توافقه البلاد فالتحق بهولاكو فأكرمه؛ هذا ما كان من أمر حلب.
وأما حماه فان صاحبها الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب كان قد فارقها وتوجه إلى دمشق، وترك بها الطواشى مرشد. فلما بلغه أخذ حلب فارق حماه، وتوجه إلى الملك المنصور بدمشق، فتوجه أكابر حماه بمفاتيحها إلى هولاكو.
وسألوه الأمان لأهل البلد، وطلبوا منه شحنة يكون عندهم؛ فامنهم وأرسل معهم شحنة من العجم اسمه خسروشاه، كان يدعى أنه من ولد خالد بن الوليد، فقدم حماه وأقام بها وآمن أهلها. وكان
(27/388)

بقلعة حماه مجاهد الدين قايماز أمير جاندار فسلم القلعة إليه.
ودخل فى طاعة التتار.
ووصل إلى هولاكو وهو على حلب جماعة منهم الملك الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه وهو صاحب حمص، فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص. وكان الملك الناصر قد أخذها منه فى سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل باشر، فأعادها هولاكو عليه الآن. ووصل إليه أيضا من دمشق القاضى محيى الدين بن الزكى فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام. ولما عاد ابن الزكى إلى دمشق لبس خلعة هولاكو، فكانت مذهبة، وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق وقرأ عليهم تقليد هولاكو.
ثم رحل هولاكو إلى حارم بعد أن ولى على حلب عماد الدين القزوينى. فلما وصل إليها طلب تسليمها، فامتنع من بها أن يسلموها إلا إلى فخر الدين متولى قلعة حلب. فأحضره هولاكو فتسلمها، فغضب هولاكو وأمر بقتل من بها فقتلوا عن آخرهم وسبى النساء.
ذكر استيلاء التتار على دمشق
قال: وجرد هولاكو إلى دمشق مقدما يسمى السبان وصحبته علاء الدين الكازى وزين الدين الحافظى وزير الملك الناصر بحلب؛ وكان قد خدم هولاكو. وكان الملك الناصر قد فارق دمشق فى منتصف صفر فوصل التتار إلى دمشق، وملكوا المدينة بالأمان، ولم يتعرضوا إلى قتل ولا إلى نهب. وعصيت القلعة عليهم فحاصرها
(27/389)

التتار، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة، وضايقوا القلعة ونصبوا عليها المجانيق ثم تسلموها بالأمان فى منتصف جمادى الأولى من السنة. ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها فتسلموها وخربوا قلعتها.
وجرد هولاكو إلى الشام كتبغا نوين فى اثنى عشر ألف فارس وأمره أن يقيم بالشام، فوصل إلى دمشق وهو الذى حاصر قلعتها وفتحها وقتل واليها بدر الدين بن [قرمجاه] «1» ونقيبها. ونزل كتبغا بالمرج، وحضر إليه رسل الفرنج بالساحل، وأحضروا معهم التقادم، وحضر إليه أيضا الملك الظاهر أخو الملك الناصر، وكان بصرخد فأقره على حاله.
ثم توجه كتبغا إلى عجلون فامتنعت عليه قلعتها، فحاصرها وأحضر إليه الملك الناصر وهو فى حصار عجلون، فأمر من بالقلعة أن يسلموها إلى التتار فسلموها. وجهز كتبغا الملك الناصر إلى هولاكو فوصل إليه وهو بحلب فسأله عن عساكر الديار المصرية، فقال:
«عساكر ضعيفة، وهم نفر قليل» وصغرهم عنده. وقال: «يكفيهم القليل من الجيش» . فاقتصر هولاكو عند ذلك على كتبغا نوين ومن معه ولم يردفه بغيره.
وعاد هولاكو من حلب إلى بلاد قراقروم لطلب القانية لنفسه، فوجدها قد استقرت لأخيه قبلاى، كما قدمنا ذكر ذلك. ولما فارق
(27/390)

حلب أمر عماد الدين القزوينى فى المسير إلى بغداد، ورتب مكانه رجلا أعجميا. وأمر هولاكو أن يخرب أسوار قلعة حلب، وأسوار المدينة، فخربت عن آخرها. وأمر الملك الأشرف موسى صاحب حمص أن يتوجه إلى حماه ويخرب أسوارها وأسوار قلعتها، فوصل إلى حماه ونزل بدار المبارز وشرع فى تخريب سور القلعة، فخربت أسوارها وأحرقت زردخاناتها، وبيعت الكتب التى بدار السلطنة بأبخس الأثمان، وسلمت أسوار المدينة، لأن حماه كان بها رجل يقال له إبراهيم بن الفرنجية كان ضامن الجهة المفردة، فبذل لخسروشاه جملة كثيرة من المال وقال: إن الفرنج بالقرب منا، فى حصن الأكراد، ومتى ضربت أسوار المدينة لا يقدر أهلها على المقام بها.
فأخذ منه المال وأبقى أسوار المدينة. ولم يزل خسروشاه بمدينة حماه إلى أن انهزم التتار على عين جالوت ففارقها وعاد إلى هولاكو.
وأما كتبغا نوين فإنه أرسل إلى الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية يطالبه ببذل الطاعة أو تعبية الضيافة، فقتل (قطز) رسله إلا صبيا واحدا فإنه استبقاه وأضافه إلى مماليكه. وتجهز وسار إلى لقاء التتار، فتجهر كتبغا لقتاله والتقوا بعين جالوت، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم التتار وأخذهم السيف والأسار، وقتل كتبغا نوين، وفر من بقى من أصحابه إلى هولاكو. ولما استقرت القانية لقبلاى، استقر لهولاكو ما نذكره.
(27/391)

ذكر الأقاليم التى استقرت فى ملك هولاكو بعد وفاة منكوقان
منها:
إقليم خراسان: وكرسيه نيسابور ومن مدنه المشهورة طوس وهراة وترمذ ولحج ومرو. ويضاف إليه همذان ونسا وكنجة ونهاوند.
عراق العجم: وكرسيه أصفهان. ومن مدنه قزوين وقم وقاشان وسجستان وطبرستان وكيلان وبلاد الاسماعيلية وغيرها.
عراق العرب: وكرسيه بغداد ومن مدنه واسط والكوفة والبصرة والدينور وغير ذلك.
أذربيجان: وكرسيها تبريز وهى توريز؛ ومن مدنها الأهواز وغيرها.
بلاد فارس: ومدينتها شيراز؛ ومن أعمالها كنشن وكرمان وكازرون والبحرين.
ديار بكر: وكرسيها الموصل ومن مدنها ميافارقين ونصيبين وسنجار وأسغرد «1» ورأس العين ودنيسر وحران والرها وجزيرة ابن عمر وخرتبرت وملطية وسمياط وغيرها.
بلاد الروم: وكرسيها قونية وتشتمل البلاد الرومية على عده أعمال منها: أرمينية الكبرى، ومن ملكها سمى شاه أرمن. ومن مدنها خلاط وأعمالها وان وسطان وأرجيس وما معها.
(27/392)

أرزن الروم وأعمالها؛ ومن مدنها شهر وبانوب وقجمار وتسمى دار الجلال.
مدينة ألتى «1» وأعمالها، وهى متصلة ببلاد الكرج وتخومها وهى ذات قلعة حصينة.
أرزنجان وأعمالها، ومن مدنها أقشهر ودرخان وكماج وقلعة كغونية وما مع ذلك.
سيواس وبلاد دانشمند وتسمى دار العلاء، ومن مدنها أماسية وتوقات وقمنات وبلاد كنكر وبلاد انكورية ومدينة سامسون وكستمونية وطرخلوا وبرلوا وهذه متصلة بسواحل البحر المحيط، وطنغزلوا وأعمالها وقرا حصار ودمرلوا وأقصرا وأنطاليا والعلايا.
ذكر مهلك هولاكو ونبذة من أخباره
كانت وفاته فى تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستماية بالقرب من كورة مراغة. وقيل إنه حمل إلى قلعة تلا «2» ودفن بها. وكانت مدة ملكه منذ فتح بغداد سبع سنين وشهورا ومنذ وفاة أخيه منكوقان واستقلاله بالملك خمس سنين.
(27/393)

وكان لهولاكو أحكام غريبة منها ما حكى عنه أن قوما أتوه واستغاثوا أن بعض صناع المبارد قتل قرابة لهم، وسألوه أن يمكنهم منه ليقتلوه بصاحبهم فسأل عن صناع المبارد وكم عدتهم، فذكر له عدة يسيرة فأطرق ساعة ورفع رأسه إلى أولياء المقتول، وأمرهم أن يقتلوا بصاحبهم بعض صناع البرادع والرحال، فقالوا: إن الذى قتل صاحبنا. مباردى ولا يقتل به غيره. فسأله بعض خواصه عن ذلك فقال: إن صناع المبارد عندنا قليل ومتى قتلناه احتجنا إليه، ولا يقوم غيره مقامه، وصناع البرادع والرحال كثير، ومن قتلناه منهم استغنينا عنه. فلما امتنع أولياء المقتول من ذلك أطلق لهم بقرة وقال: خذوا هذه بدلا من صاحبكم.
ومنها أن بعض الصناع الزراكشة تخاصم مع رجل فضربه ضربة أصابت إحدى عينيه فزالت، فجاء إلى هولاكو واستغاث على الزركشى أنه قلع عينه، فأمره أن يقلع عين أحد صناع النشاب.
فقيل له عن ذلك فقال: إن الزركشى يحتاج إلى عينيه ومتى قلعت إحداهما تضرر، والنشابى لا يحتاج إلا إلى عين واحدة فإنه إذا قوم السهم غلق إحدى عينيه ونظر بالأخرى، وما أشبه هذه الأحكام.
ولهولاكو وقائع من هذا الجنس أضربنا عن ذكرها.
وكان له من الأولاد الذكور خمسة عشر وهم جمغار «1» وهو
(27/394)

أكبرهم سنا، وأباقا وهو أبغا وهو الذى ملك بعده. ويصمت «1» ، وتشتشين «2» وبكشى «3» . وتكدار «4» - وهو أحمد وملك بعد أبغا-. وأجاى. وألاجو «5» وسبوجى «6» . ويشودار «7» .
ومنكوتمر. وقنغرطاى «8» . وطرغاى و «طغاى تمر» وهو أصغرهم ولما مات هولاكو ملك بعده أبغا.
ذكر ملك أبغا بن هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان
وهو الثانى من ملوك هذا البيت جلس على كرسى المملكة بعد وفاة أبيه هولاكو فى تاسع عشر شهر ربيع الاخر سنة ثلاث وستين وستماية. فأول ما بدأ به أن جهز جيشا لحرب عساكر بركة ملك
(27/395)

البلاد الشمالية، فتوجه العسكر والتقى مع عساكر بركة، فكانت الهزيمة على أصحاب أبغا كما شرحنا ذلك فى أخبار بركة، وهى الوقعة الثانية بين عسكريهما.
وفى سنة اثنتين وسبعين وستماية وقع بين أبغا وبين ابن عمه تكدار «1» بن موجى بن جغطاى بن جنكزخان. وكان تكدار مقدما على ثلاثين ألفا، وهو مقيم ببلاد كرجستان، فكاتب قيدو وقصد الاتفاق معه على أبغا، فوقعت الكتب فى يد أبغا فطلب عساكره المتفرقة من الروم وغيرها وقصد تكدار، فانهزم والتجأ إلى بلاد الكرج بمن معه، فمنعه صاحبها الملك كركيس من دخولها، فأوى إلى جبل من جبالها هو ومن معه، فأكلت خيولهم من عشبه وكان فيه حشيشة مضرة بالدواب، فنفقت خيولهم، فطلبوا الأمان من أبغا فأمنهم فنزلوا إليه، ففرّق أصحاب تكدار فى جيوشه، ورسم لتكدار أن لا يركب فرسا قارحا ولا جزعا «2» إلا مهرا صغيرا، وأن لا يمس بيده قوسا. فبقى كذلك حتى مات، حتى أن ولدا له صغيرا أحضر إليه قوسه ليوتره له، فامتنع وقال: ما أقدر أمس القوس بيدى لأجل مرسوم أبغا.
وفى سنة خمس وسبعين وستمائة وقع المصاف الكائن بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وبين المغل أصحاب أبغا،
(27/396)

ومعهم العسكر الرومى بالبلستين «1» من بلاد الروم. فكانت الهزيمة على المغل وعساكر الروم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار دولة الترك فى أيام الملك الظاهر. وقتل وأسر من المغل فى هذا لمصاف خلق كثير، وقيل أيضا وأسر من عسكر الروم. فلما اتصلت هذه الوقعة بأبغا جاء إلى موضع المضاف وشاهد القتلى، فاستعظم قتل المغل وأسرهم؛ وجاءه أيبك الشيخ أحد أمراء الملك الظاهر- وكان قد هرب- فأطلعه على أن البرواناه- وهو المتحكم فى الروم نيابة عن الملوك السلجقية- كاتب المك الظاهر، وحثه الى قصد الروم، فنقم أبغا على البرواناه وأكد ذلك عنده أنه وجد القتلى من المغل وليس من الروم إلا القليل، فأمر عند ذلك بنهب بلاد الروم، وقتل من بها من المسلمين، فتفرقت عساكره تقتل وتنهب المسلمين خاصة سبعة أيام، ووكل أبغا بالبرواناه من يحفظه من حيث لم يشعر بذلك.
ثم سار إلى أرزنكان «2» اشتراها؛ واعتد ثمنها من الإتاوة التى على بلاد الروم، وأخذ فى استرجاع قلاع الروم. فلما وصل إلى قلعة بابرت «3» ، خرج إليه شيخ منها، وقال له: «أريد أمان القان لأتكلم بين يديه» . فقال: «قل ولك الأمان» . فقال: «إن
(27/397)

عدوك حضر إلى بلادك ولم يتعرض إلى رعيتك، ولا أسأل لهم محجمة دم، وأنت قصدت العدو وجئت فى طلبه، فلما فاتك قتلت رعيتك ونهبت بلادهم وخربتها. فمن هو من الخانات الذين تقدموك من أسلافك فعل مثل هذا الفعل وسن هذه السنة؟» فأنكر أبغا عند ذلك على الأمراء الذين أشاروا عليه بذلك وأمر بإطلاق الأسرى المسلمين، فأطلقوا، وكانوا أربعمائة ألف أسير، وعاد إلى الأردو.
ذكر قتل سليمان البرواناه «1»
قال: ولما وصل أبغا إلى الأردو استشار فى أمر البرواناه، فطائفة أشارت بقتله، وطائفة أشارت بإبقائه، فهم بإعادته إلى الروم.
فتجمع نساء من قتل من المغل ونحن وبكين، فسمعهن أبغا وسأل عن شأنهن، فقيل إنهن بلغهن أن القان يريد إطلاق البرواناه، فهن يبكين على أهلهن وأزواجهن. فعند ذلك أمر أبغا كوكجى بهادر- وهو من أمرائه- أن يأخذ البرواناه ويتوجه به إلى موضع عينه له فيقتله. فاستدعى البرواناه وقال: إن أبغا يريد أن يركب، ورسم أن تركب أنت وأصحابك معه، فركب فى اثنين وثلاثين نفرا من
(27/398)

مماليكه وألزامه، وتوجه مع كوكجى، فأخذ به نحو البر ومعه مائتا «1» فارس. فلما انتهوا إلى المكان المعين أحاط به فسأل المهلة أن يصلى ركعتين، فأمهله. فلما قضى صلاته قتله وقتل من معه. ولما بلغ من بقى من مماليك البرواناه قتل صاحبهم تجمعوا وفيهم سنجر البروانى، وبكتوت أمير أخور، وأوتروا قسيّهم ونكثوا نشابهم، وقالوا: نموت كراما. فطولع أبغا بخبرهم فشكرهم على ذلك وأعادهم إلى الروم. وكان مقتل البرواناه فى آخر صفر سنة ست وسبعين وستمائة.
وفى سنة ثمانين وستماية فى رابع عشر شهر رجب انهزم التتار أصحاب أبغا الذين حضروا مع جهته إلى الشام والتقوا مع السلطان الملك المنصور قلاوون، وكانوا صحبة منكوتمر بن هولاكو. وكان أبغا قد نازل الرحبة ثم جرد هؤلاء وعاد إلى الأردو، ووصل منكوتمر بمن معه إلى حمص، والتقوا هم والعساكر الإسلامية. فاستظهر التتار فى مبادئ الوقعة فانهزمت ميسرة الملك المنصور، وما شك التتار فى الظفر، ونزلوا وأكلوا الطعام. ثم كانت الدائرة عليهم فانهزموا أقبح هزيمة على ما نبينه فى أخبار السلطان الملك المنصور. وأما منكوتمر ابن هولاكو فإن الهزيمة استمرت به إلى جزيرة ابن عمر، فلما وصل إليها مات. وقيل إن علاء الدين الجوينى صاحب الديوان كان قد عزم على اغتياله واغتيال أبغا ونقل الملك عنه، فكتب إلى مؤمن أغا- شحنة الجزيرة- يأمره أن يتحيل على منكوتمر ويقتله، فسقاه
(27/399)

مؤمن سما فمات. ولما مات هرب مؤمن الشحنة من الجزيرة، وعلم أصحاب منكوتمر بأمره فطلبوه فلم يدركوه، فقتلوا نساءه وأولاده.
وتوجه مؤمن إلى الديار المصرية ومعه ولداه فأعطوا بها أقطاعا، وحمل منكوتمر إلى قلعة تلا فدفن بها.
وفى سنة ثمانين وستماية أيضا كانت وفاة علاء الدين الجوينى «1» صاحب الديوان. وكان قد تمكن فى دولة التتار تمكنا عظيما بسبب أخيه الصاحب شمس الدين، فإنه كان المشار إليه. ثم نقم عليه أبغا لما توهم أنه واطأ المسلمين، واستصفى أمواله. ثم مات بعراق العجم وولى بعده ولد أخيه هارون بن الصاحب شمس الدين.
ذكر وفاة أبغا بن هولاكو
كانت وفاته فى أوائل المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة.
وكان سبب موته أن الصاحب شمس الدين محمد الجوينى صاحب الديوان كان إليه التصرف فى الأموال، وكانت تحمل إليه من سائر بلاد التتار، وتصرف بقلمه، فخاف غائلة أبغا، فتحيّل فى قتله، ودس إليه من سقاه سما، فمات. وقيل إنه منذ انكسرت جيوشه على حمص أخذ حاله فى النقص، ثم أتاه الخبر أن الخزائن التى جمعها هولاكو- وكانت ببرج بقلعة فى وسط البحر- فسقط
(27/400)

البرج بجميع ما فيه من الأموال والذخائر والجواهر فى البحر. ثم دخل الحمام وخرج فسمع أصوات الغربان، فقال لمن حوله: إننى أسمع هذه الغربان تقول: «أبغا مات» ، وركب فعوت كلاب الصيد فى وجهه، فتشاءم بذلك. ولم يلبث أن مات فى التاريخ، وقيل فى نصف ذى الحجة سنة ثمانين وستمائة. «1»
وخلف من الأولاد أرغون، وكيختو «2» . ومات أخوه أجاى بعده بيومين.
ذكر ملك توكدار بن هولاكو وهو المسمى أحمد سلطان، وهو الثالث من ملوك هذا البيت
كان جلوسه على كرسى المملكة بعد وفاة أخيه أبغا فى المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة. وذلك أن أبغا لما مات كان ولده الأكبر أرغون بخراسان. وكان كيختو عنده بالأردو فاجتمع الأمراء ليقع اتفاقهم على من يجلس مكان أبغا. وكان بعض المغل يختار توكدار «3» لأنه كان قد استمالهم إليه، فاجتمع رأيهم عليه. فجلس على كرسى المملكة، وأرسل أخاه قنغرطاى يقول لأرغون ابن أخيه أبغا: «إن الشرط فى الياسا أنه إذا مات ملك لا يجلس عوضه إلا الأكبر
(27/401)

من أهل بيته، وهذا عمك أحمد هو الأكبر، وقد أجلسناه، ومن خالف يموت» فأطاعوه.
ولما جلس كان أول ما بدأ به أنه أظهر دين الإسلام وأشاعه، وكتب إلى بغداد كتابا، نسخته بعد البسملة: «إنا جلسنا على كرسى الملك، ونحن مسلمون، فتبلغون أهل بغداد هذه البشرى، ويعتمدون فى المدارس والوقوف وجميع وجوه البر ما كان يعتمد فى أيام الخلفاء العباسيين، ويرجع كل ذى حق إلى حقه فى أوقاف المساجد والمدارس، ولا يخرجون عن القواعد الإسلامية. وأنتم يا أهل بغداد مسلمون، وسمعنا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال هذه العصابة الإسلامية مستظهرة ظافرة إلى يوم القيامة. وقد عرفنا أن هذا خبر صحيح ورسول صحيح. رب واحد. أحد. فرد. صمد.
فتطيبون قلوبكم وتكتبون إلى جميع البلاد» . وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاوون يعلمه بإسلامه.
واستولى على السلطان أحمد وعلى دولته الشيخ عبد الرحمن، وأصله من الموصل، وكان مملوكا؛ ويقال له عبد الرحمن النجار، وأظهر للمغل المخاريق والخيل، وأخذ فى إفساد ما بين السلطان أحمد وبين أهله، وقصد بذلك الاستبداد، وعظم أمره، وتحدث فى سائر الأوقاف، ومال إليه أبناء المغل. وانتهى من أمره أن أحمد سلطان كان يقف فى خدمته، ويقتدى بما يقول، وركب بالخبز والسلاح داربة.
وحضر عبد الرحمن هذا فى رسلية إلى السلطان الملك المنصور (قلاوون) .
فقتل أحمد فى غيبته، فأقام هو بالشام. ومات به، على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الملك المنصور.
(27/402)

ذكر ما اتفق بين توكدار وبين أرغون ابن أخيه أبغا
وفى سنة اثنتين وثمانين وستماية سار أرغون بن أبغا من خراسان لقتال عمه توكدار، فجرد إليه عمه جيوشا صحبة الناق نائبه، فكبسهم أرغون وهم على غير استعداد، فقتل منهم جماعة. فركب أحمد سلطان فى أربعين ألف فارس وسار لقصد أرغون، وأسره من غير حرب، وعاد إلى تبريز. فجاءت زوجة أرغون وخواتين كثيرة من النساء اللواتى لهن الدخول على أحمد، وسألته العفو عن أرغون وإطلاق سبيله والاقتصار به على خراسان. فلما أجاب إلى ذلك- وكان أحمد قد أمسك من أكابر أمراء المغل اثنى عشر أميرا وقيدهم وأهانهم- فتغيرت خواطر الأمراء عليه وعزموا على قتله.
ذكر مقتل توكدار بن هولاكو
كان مقتله فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة. وذلك أنه لما أسر أرغون ابن أخيه أبغا، وكل به من يحفظه. واتفق تشويش خواطر المغل عليه من أسباب: منها إساءته إلى أكابرهم؛ ومنها ما ألزمهم به من الدخول فى دين الإسلام طوعا أو كرها؛ ومنها وثوبه على أخيه قنغرطاى «1» وإحضاره من الروم وقتله؛ وغير ذلك مما نقل عنه فى ميله إلى أبناء المغل والخلوة بهم، وهو أمر لم يألفوه قبله. فأجمعوا على قتله،
(27/403)

وإقامة أرغون. وكان من جملة الأمراء ثلاثة وهم بغا «1» وأروق- وهما أخوان- وقرمشى بن هندغون «2» ، فتوجهوا إلى ججكب «3» وشكوا إليه ما يلقون من أحمد، وعرفوه ما عزموا عليه، فوافقهم ججكب، واتفقوا جميعا. وجاءوا إلى المكان الذى فيه أرغون تحت التوكيل، فأطلقوه وكبسوا الناق «4» نائب أحمد فقتلوه؛ وقصدوا الأردو، فأحسّ بهم أحمد فركب فرسا وانهزم فأدركوه وقتلوه وأقاموا أرغون.
ذكر ملك أرغون بن أبغا بن هولاكو ابن تولى خان بن جنكزخان، وهو الرابع من ملوك هذا البيت
كان جلوسه على كرسى المملكة فى جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين «5» وذلك أن الأمراء لما أطلقوه من توكيل عمه توكدار وفرّ توكدار، أجلسوه على كرسى السلطنة. وساق المغل خلفه وكان قد هرب هو وصاحب الديوان شمس الدين، فأدركوا توكدار وقبضوا عليه، وأحضروه إلى أرغون فقتل بين يديه. وأما شمس الدين صاحب الديوان، فإن أرغون اتهمه أنه دبر على [ابيه] «6» أبغا
(27/404)

وعمه منكوتمر حتى ماتا، وأخرج الملك منه إلى عمه أحمد، فطلبه ففر منه ولجأ إلى بعض القلّاع، فأخذ وجى به إليه، فقتله صبرا، وأرسل كل قطعة منه إلى مكان من بلاده، واستناب أرغون (الأمير) أبغا- أحد الأمراء الثلاثة الذين اتفقوا على إقامته- ثم أوقع به بعد مدة يسيرة وبالأميرين الآخرين، واستناب طاجار «1» ، ودس على ججكب جوشكاب من سقاه سما فمات. وقتل غياث الدين كيخسرو صاحب الروم لتوهمه أنه واطأ «2» عمه أحمد على قتل عمه قنغرطاى، وكان قنغرطاى قد أقام ببلاد الروم من أيام أبغا، وقرر أرغون أن بيدو يحكم على إقليم بغداد، وأولاجو يحكم على إقليم الروم، وترك ولديه غازن وخربندا بخراسان، ووكل أمرهما إلى نيروز «3» ، وجعله أتابكهما، واستوزر سعد الدولة اليهودى، وأصله من أبهر من كور عراق العجم. وكان (سعد الدولة) فى أول أمره يشتغل بالطب، فتميز وانتقل إلى أن ترشح للوزارة.
وأحسن أرغون إلى والدة عمه أحمد وهى [قوتوى خاتون] »
، وأبقى عليها بلادها التى كانت لها فى زمن ابنها وهى طوبان، وميّافارقين. ودامت أيامه إلى سنة [تسعين] «5» وستمائة فمات
(27/405)

حتف أنفه فى شهر ربيع الأول منها على شاطئ نهر الكر «1» من بلاد أران. وقيل إنه مات مغتالا بسم. وقيل إنّه كان يدين بدين البخشيّة وهى الطائفة المشهورة بعبادة الأصنام. وكان يجلس فى السنة أربعين يوما فى خلوة، ويتجنب أكل لحوم الحيوان. فوفد عليه رجل من الهند يزعم أنه يعلم علم الأديان والأبدان، وأوحى إليه أنه يتخذ له معجونا، من داوم مناولته طالت حياته، وركب له. فتناول منه فأوجب له انحرافا وصرعا، فمات وملك بعده أخوه كيخاتو.
ذكر ملك كيخاتو «2» بن أبغا بن هولاكو وهو الخامس من ملوك هذا البيت
جلس على كرسى المملكة بعد وفاة أخيه أرغون فى شهر ربيع الأول سنة تسعين وستمائة. وذلك أن أرغون لما مات كان له من الأولاد غازان وخربندا؛ وكانا بخراسان، فاجتمع الأمراء وأرباب الرأى على إقامة كيخاتو فأقاموه فى المملكة.
فلما استقر حكمه ونفذ أمره أساء السيرة، وخرج عن الياسا المقررة. وأفحش فى الفسق، وتعرض إلى نسوان المغل وأولادهم الذكور. وتمادى على ذلك فاجتمعوا وشكوا ذلك إلى بيدو «3» ابن
(27/406)

عمه، فوثب به [بيدو بن طرغاى] «1» وبشتاى وصنجك، فعلم بهم فهرب من الأردو إلى نحو كرخستان «2» ، فقتل بمقام سلاسوار «3» من أعمال موغان، فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وستمائة «4» .
ذكر ملك بيدو بن طرغاى بن هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان، وهو السادس من ملوك هذا البيت
جلس على كرسى المملكة فى جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وستماية بعد مقتل كيخاتو. ولما ملك كان غازان بن أرغون بخراسان وصحبته أتابكه نيروز، فحسن له قصد بيدو وانتزاع المملكة منه.
فجمعا وحشدا وحضرا من خراسان، وسار بيدو بعساكره إليهما.
فلما تراءى الجمعان تبين لغازان أن جمعه لا يقوم بمن مع بيدو، فراسله واتفقا على الصلح وعاد غازان إلى خراسان. وأقام نيروز عند بيدو، فإنه منعه من الرجوع مع غازان لئلا يتفقا على حربه مرة ثانية.
فأعمل نيروز الفكرة واغتنم الفرصة فى مدة إقامته عند بيدو.
(27/407)

واستمال جماعة من الأمراء لغازان واستوثق منهم أنه متى دنا منهم انحازوا إليه وفارقوا بيدو. فلما استوثق منهم أعلم غازان بأمرهم فتجهز للمسير من خراسان وبلغ بيدو خبره فأوجس منه خيفة، وذكر ذلك لنيروز، فقال: «أنا أكفيك أمره وأدفعه عن قصدك، ومتى توجهت إليه ثنيت عزمه، وأرسلته إليك مربوطا.» فاستحلفه بيدو أنه لا يخون ثم جهزه. فسار إلى غازان وأخبره بما اتفق عليه الأمراء وتعاضدا وخرجا معا لقصد بيدو، وأرسل إليه نيروز قدرا مربوطا فى عدل، وقال: «قد وفيت بما قلت لك وأرسلت قازان إليك» ومعنى قازان فى لغتهم القدر، فغضب بيدو لهذه الرسالة وتحقق أنه خدعه ومكر به، وسار بيدو للقائهما. فلما التقى الجمعان بنواحى همذان، انحاز الأمراء الذين وافقوا نيروز إلى جهة غازان، فقوى بهم وضعف بيدو وهرب، فأدركوه بنواحى همذان، وقتلوه فى ذى الحجة «1» من السنة، فكانت مدة ملكه نحو سبعة أشهر.
(27/408)

ذكر ملك غازان «1» بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ابن تولى خان بن جنكزخان وهو السابع من ملوك هذا البيت
جلس على كرسى المملكة بعد مقتل بيدو ابن عم أبيه فى ذى الحجة سنة أربع وتسعين وستماية. وترك أخاه خربندا بخراسان واستقر نيروز أتابك العسكر ومدبر المملكة.
وفى سنة خمس وتسعين وستمائة فارقت الطائفة الأويراتية «2» بلاد التتار، وحضروا إلى الديار المصرية والشام، والتجأوا إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، وكانوا زهاء ثمانية عشر ألف بيتا ومقدمهم طرغاى، وسنذكر أخبارهم فى دولة الترك فى الأيام العادلية، وكان سبب هربهم أن مقدمهم طرغاى كان ممن وافق بيدو على قتل كيخاتو، فلما صار الملك إلى غازان خافه طرغاى على نفسه، فهرب هو ومن انضاف إليه.
وفى سنة سبع وتسعين وستماية حضر إلى غازان جماعة من
(27/409)

النواب بالممالك الإسلامية والأمراء، وهم: الأمير سيف الدين قفجاق. «1» نائب الشام، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار المعروف بالسلاحدار، والأمير فارس الدين البكى الساقى نائب المملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بوزلار، والأمير سيف الدين عزاز الصالحى، والتحقوا به للسبب الذى نذكره إن شاء الله فى أخبار الملك المنصور لاجين المنصورى وفيها قتل غازان أتابكه نيروز «2» وسبب ذلك أن نيروز أحس بما أضمر له غازان من قتله، فكاتب الملك المنصور لاجين، والتمس منه أن يجرد عسكرا ليساعده على الحضور إلى أبوابه، فوقعت الأجوبة فى يد غازان، فأحضره وقتله. وقتل أخويه فيما بعد، وقتل الذى وصل إليه بالأجوبة من الديار المصرية. ورتب قطلوشا «3» فى نيابته عوضا عن نيروز.
وفيها أيضا فارق سلامش بن أفاك بن بيجو وأخوه قطقطو بلاد التتار إلى الديار المصرية وكان سلامش معدما على التمان ببلاد الروم.
فلما وصل إلى الديار المصرية خيره الملك المنصور لاجين فى المقام بمصر أو الشام، فسأله أن يجرد معه عسكرا ليخلص أهله من الروم، فجرد معه طائفة من العسكر بحلب. فلما قاربوا بلاد الروم ظفر بهم التتار وأخذوا عليهم المضايق ففر سلامش، والتجا إلى قلعة من قلاع الروم، ثم أحضر إلى غازان فقتله، واستقر قطقطو بمصر.
(27/410)

ذكر مسير غازان الى الشام ووقعة مجمع المروج واستيلائه على البلاد الشامية وعوده عنها
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة توجه غازان بعساكره وجموعه ومن انضم إليه من الكرج والأرمن وصحبته الأمراء والنواب الذين التحقوا به من الديار المصرية والشام، وسار بهم حتى قطع الفرات وانتهى إلى حلب، وتقدم إلى مجمع المروج بالقرب من حمص.
وجاء السلطان الملك الناصر «1» بعساكره والتقوا فى يوم الأربعاء ثامن وعشرين «2» شهر ربيع الأول من هذه السنة، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة التتار هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير، فاعتزل غازان فى نحو ثلاثين فارسا واعتد للهزيمة. ثم ركب من التتار من لم يشهد الوقعة، وحملوا على ميسرة الملك الناصر، فانهزمت وكانت الكسرة. وعاد الملك الناصر إلى الديار المصرية. وكانت القتلى من جيش غازان أضعاف من قتل من العساكر الإسلامية، والنصر لهم.
ولما عاين غازان من قتل من عساكره ورأى الهزيمة ظنها مكيدة
(27/411)

فتوقف عن اتباع من انهزم. ثم سار إلى حمص وبها الخزائن السلطانية فسلمها إليه والى حمص من غير ممانعة، وأخرج إليه مفاتيح البلد فتسلمها، وأمن أهلها. ورحل منها إلى دمشق ونزل بالغوطة وهى أحد مستنزهات الدنيا الأربعة، وخرج إليه أكابر دمشق بالتقادم والتحف والهدايا. وتعرض من فى عسكره من الأرمن إلى المدارس والمساجد والجامع بجبل الصالحية وخربوه وحرقوه. ورتب الأمير سيف الدين قفجاق لتحصيل الأموال من الدماشقة، فأخذ فى جبايتها فجبى من الأموال ما لا يحصى كثرة. ورسم بمحاصرة القلعة فحوصرت وبها الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى فحفظها فلم يتمكن غازان منها ولما اشتد الحصار خشى أرجواش أن يتمكن التتار من القلعة بما حولها من البنيان، فهدمه جميعه، فكان من جملة ما هدم دار السعادة وهى الدار التى يسكنها نواب السلطنة؛ ودار الحديث الأشرفية، والمدرسة العادلية، ودار تعرف بالزين الحافظى، وطواحين باب الفرج، وغير ذلك مما جاور القلعة. وجاء رجل منجنيقى فالتزم لغازان بأخذ القلعة، وقرر أن ينصب المجانيق عليها فى جامع دمشق، فأجمع أرجواش رأيه أنه متى نصبت المجانيق بالجامع رمى عليها بمجانيق القلعة. وكان ذلك يؤدى إلى هدم الجامع، فانتدب رجال من أهل القلعة بعد أن تهيأت أعواد المجانيق ولم يبق إلا رميها وخرجوا بحمية الإيمان، وهجموا الجامع ومعهم المياسير، فأفندوا ما رتبه التتار وهيؤوه من أعواد المجانيق، ثم جددوا غيرها واحترزوا عليها.
فانتدب رجل من أهل القلعة، وبذل نفسه والتزم بقتل المنجنيقى، وخرج إلى الجامع والمنجنيقى بين المغل، فتقدم إليه وضربه بسكين
(27/412)

فقتله، وهجم رجال القلعة فنفرت الناس عن القاتل وحماه أصحابه فجاء إلى القلعة وبطل ما دبروه من عمل المجانيق ونصبها على القلعة.
وكتب غازان إلى سائر نواب القلاع والحصون الشامية والساحلية فى تسليمها فما أجابه أحد إلى تسليم ما بيده، وتربصوا ثقة بالله تعالى ثم بالعساكر الإسلامية أنها لا تتأخر عن دفع غازان. وتقدم بكتابة الفرمانات وابتدأها بقوله بعد البسملة: بقوة الله تعالى وميامين الملة المحمدية، وأظهر فيها شعائر الإسلام واتباع السنة. هذا وأفعاله تناقض أفعاله لأنه رضى بما فعله الأرمن من الفساد. ثم رتب الأمير سيف الدين قفجاق قبجق فى النيابة عنه بالشام، ورتب الامير سيف الدين بكتمر السلحدار فى النيابة بالممالك الحلبية والحموية وحمص، ورتب الأمير فارس الدين البكى الساقى فى النيابة بالممالك الطرابلسية والصفدية والفتوحات والسواحل، وجعل الأمير يحيى ابن جلال الدين على جباية الأموال، ومرجع نواب الممالك إليه، وجرد من عسكره عشرين ألف فارس صحبة بولاى «1» وانشقا «2» وججك وهولاجو، فنزلوا الأغوار، وشنوا الغارات، فانتهت غاراتهم إلى القدس وبلد الجبل ونابلس ووصلوا إلى غزة، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا.
ورحل غازان عائدا إلى الشرق فى منتصف جمادى الأولى، وترك نائبه قطلوشاه يحاصر قلعة دمشق، فحصرها أياما فلم يتمكن منها،
(27/413)

فجبى له قفجاق من أهل المدينة مالا فأخذه وتوجه إلى غازان. ثم لم يلبث بولاى ومن معه من التتار إلا قليلا، وتوجهوا إلى بعلبك والبقاع فأغاروا عليها ورجعوا إلى الشرق فى ثامن شهر رجب من هذه السنة، لما بلغهم أن السلطان الملك الناصر تجهز بجيوشه لدفعهم.
وأما السلطان الملك الناصر، فإنه لما دخل إلى الديار المصرية شرع فى الاهتمام والاحتفال بالعساكر، وأنفق فيهم الأموال، وعاد إلى الشام فبلعه توجه غازان، فجرد نائبه الأمير سيف الدين سلار واستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس، ثم انحاز إليه الامراء:
سيف الدين قفجاق، وسيف الدين بكتمر، وفارس الدين البكى.
على ما نذكر ذلك فى أخبار الدولة الناصرية.
وفى سنة سبعماية عاد غازان لقصد الشام، وانتهى إلى حلب وتقدم ونزل فيما بينها وبين حماه. ثم خرج السلطان الناصر بعساكره إلى الشام، وأقام بمنزله بدعرش بالقرب من غزة، وجرد من العساكر طائفة. ثم عاد غازان إلى الشرق والملك الناصر إلى مصر من غير قتال.
(27/414)

ذكر مسير غازان الى الشام وعوده وتجريد عساكره وانهزامها بمرج الصفر
وفى سنة اثنتين وسبعماية سار غازان من الأردو ونازل الرحبة وحاصرها، فخرج إليه نائبها بلبان «1» الغتمى بالإقامات ولاطفه، وقال: «أنت أيها الملك متوجه إلى الشام فإذا أخذت البلاد فهذه القلعة لا تمتنع عليك» فوافقه غازان، وأخذ ابنه ومملوكه رهينة، ثم رحل عنها وعاد إليها. وجرد قطلوشاه وصحبته اثنا عشر تمانا لقصد الشام وعاد غازان إلى العراق فى أوائل شعبان من السنة.
وهجم عساكره على أطراف البلاد الحلبية فتأخر العسكر إلى حماة وغارت كل طائفة منهم على القريتين «2» ونهبوا من هناك من التركمان وسبوا نساءهم وذراريهم، وتوجهوا منها فى البرية إلى صوب عرض «3» ، وهم زهاء عشرة آلاف فخرج إليهم طائفة من العساكر الإسلامية مقدمهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وعدتها على التحرير ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا هم والتتار على عرض، واقتتلوا أشد قتال، فكانت الكسرة على التتار، وقتل منهم خلق كثير.
ثم اتفق بعد ذلك اجتماعهم ووصولهم إلى الشام والعساكر
(27/415)

تتأخر عنهم منزلة بعد أخرى، إلى أن قاربوا دمشق ونزلوا على مرج الصفر، واجتمع به سائر نواب السلطنة بالشام، والعساكر المجردة من الديار المصرية. ووصل السلطان بعساكره إلى المرج فى مستهل شهر رمضان، وفى الساعة التى انتهى السلطان فيهما إلى هذه المنزلة كان وصول التتار، وكنت ممن شهد هذا المصاف فى جملة العساكر الإسلامية. فالتقى الجمعان يوم السبت مستهل شهر رمضان من بعد الزوال إلى عشية النهار، فهزمت ميسرة التتار ميمنة المسلمين، فأردفها القلب، وألجأوا التتار إلى جبل هناك، فارتقوا ذروته وأحاطت العساكر الإسلامية بهم وهرب فى هذا اليوم بولاى فى نحو عشرين ألف فارس. وكان مقابل الميسرة الإسلامية فلما رأى كثرة جموعها فرّ من غير قتال طائل. وبات التتار على الجبل فى تلك الليلة، وأصبحوا يوم الأحد إلى وقت الزوال ففرج لهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجى نائب الفتوحات فرجة من طرف الميسرة، فانهزموا منها على فرقتين فرقة تتلوها أخرى، وأخذهم السيف من كل مكان.
وسنذكر إن شاء الله هذه الوقعة فى أخبار الدولة الناصرية ونزيدها بيانا وتفصيلا.
ذكر وفاة غازان
كانت وفاته فى الثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعماية بمقام جبل من نواحى الرى، فكانت مدة ملكه ثمان سنين وعشرة شهور. ولما مات ملك بعده أخوه خربندا ويقال فيه خدابندا.
(27/416)

ذكر ملك خدابندا «1» بن أرغون بن أبغا ابن هولاكو بن تولى خان
وهو الثامن من ملوك هذا البيت جلس على تخت المملكة بعد وفاة أخيه غازان فى الثالث والعشرين من ذى الحجة سنة ثلاث وسبعماية، وتلقب بأولجاتو سلطان، وذلك بمقام أوجان. ولما جلس أطلق رسولى الملك الناصر، وكان غازان قد عوقهما؛ وهما الأمير حسام الدين ازدمر المجيرى، والقاضى عماد الدين بن السكرى، وجهزهما إلى الديار المصرية، وأصحبهما رسولا من جهته. فوصلوا فى سنة أربع وسبعماية وكان مضمون رسالته التماس الصلح والاتفاق.
ذكر قتل قطلوشاه نائب خربندا وتولية جوبان النيابة
وفى سنة خمس وسبعماية جرد خربندا نائبه قطلوشاه وهو الذى كان ينوب عن غازان، وأقره خربندا إلى جبال كيلان لقتال الأكراد فسار إليهم والتقوا واقتتلوا فهزمه الأكراد وقتلوه؛ ورتب خربندا بعده فى النيابة جوبان.
وفى سنة سبع وسبعمائة سار خربندا «2» إلى جبال كيلان،
(27/417)

وأوقع بالأكراد وقتل منهم خلقا كثيرا، وسبى نساءهم وأولادهم، وأمر ببيعهم بمدينة تبريز، فبيعوا بها.
وفى سنة تسع وسبعمائة ابتنى خربندا بابنة الملك المنصور نجم الدين غازى بن المظفر قرا أرسلان صاحب ماردين، وحملت إليه إلى الأردو، وحمل جهازها على ما نقل إلينا على ألف جمل.
وفيها توفى ولد خربندا واسمه أبو يزيد «1» .
وفى سنة اثنتى عشرة وسبعماية وصل إلى خربندا من نواب السلطنة بالشام والأمراء جماعة وهم. الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب المملكة الحلبية، والأمير جمال الدين أقش الافرم نائب المملكة الطرابلسية، والأمير عز الدين أزدمر الزردكاش، والأمير سيف الدين بلبان الدمشقى، وبدر الدين بيسرا الحسامى؛ والتحقوا به وأقاموا عنده.
وكان سبب ذلك أن السلطان الملك الناصر قبض على جماعة من الأمراء ممن اتهمهم ونقم عليهم. فخاف هؤلاء على أنفسهم ففارقوا البلاد، ولجأوا إليه، فقبلهم وأكرمهم وتجهز بعساكره وقصد الشام ونازل الرحبة والأمراء معه. وقيل إن خربندا لم يصل إلى الرحبة، وإنما وصلت جيوشه إليها، وحاصروها وأقام هو شرقى الفرات. ثم رجعت عساكره عنها فى السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتى عشرة وسبعمائة ولم يعلم سبب رجوعهم، وعادوا إلى بلادهم.
(27/418)

ذكر خبر مدينة قنغر لام «1» وتسمى السلطانية
هذه المدينة كان غازان قد شرع فى إنشائها واهتم بأمرها، فهلك قبل تكملتها، فأمر خدابندا بالاهتمام بعمارتها. وهى مدينة بالقرب من قلعة كردكوه على عشرة مراحل من مدينة تبريز. ووصلت إلينا الأخبار فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة أنها كملت وسكنت وأن خدابندا نقل إليها من مدينة تبريز جماعة كثيرة من التجار والمتعيشين والحاكة والصناع وغيرهم، وألزمهم سكناها والإقامة بها، فسكنوها على كره منهم. ثم وصلت الأخبار إلينا أن أكثر الحاكة والصناع نسحبوا منها وعادوا إلى تبريز وغيرها من البلاد التى نقلوا منها.
ذكر وفاة خدابندا وملك ابنه أبى سعيد بن خدابندا
وفى سنة ست عشرة وسبعمائة وردت الأخبار بوفاة خدابندا وأن وفاته كانت فى سابع شوال من السنة. وكان قد أظهر الرفض وتمذهب به، وقرب الروافض، وأبعد أهل السنة وأطرحهم وأهانهم، ونقل إلينا أنه قبل وفاته أمر بإشهار النداء بنواحى مملكته أنه من تلفظ بذكر أبى بكر وعمر مات؛ فأهلكه الله تعالى بعد سبعة أيام من حين أمر بذلك. ولما هلك اختلفت آراء الأمراء وأرباب دولته، فيمن يجلس على تخت السلطنة، فذكر لنا أن منهم من مال إلى
(27/419)

ابن قازان «1» ، ومنهم من مال إلى غيره من أهل هذا البيت الجنكزخانى ثم اجتمعت كلمتهم على أن أقاموا أبا سعيد بن خدابندا وعمره أحد عشر «2» سنة فنصبوه فى الملك، وقام بتدبير دولته جوبان نائب أبيه، ووصلت رسله وهداياه إلى السلطان الملك الناصر بالديار المصرية.
وتكرر ذلك منه، وانتظم الصلح، وحصل الاتفاق. هذا ما انتهى إلينا من خبر التتار إلى حين وضعنا لهذا التأليف، ومهما ورد علينا من أخبارهم بعد هذا أوردناه فى أخبار الدولة الناصرية بالديار المصرية آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
كمل الجزء الخامس والعشرون من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب يتلوه إن شاء الله تعالى فى أول الجزء السادس والعشرين الباب الثانى عشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار ملوك الديار المصرية والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وانتهينا من المراجعة الخامسة فى تمام الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة 21 جمادى الآخرة سنه 1385. الموافق 16 أكتوبر سنه 1965.
وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
(27/420)

مراجع التحقيق
أولا- المراجع العربية
- ابن الأثير:
1- الكامل فى التاريخ- 12 جزءا. (القاهرة 1290 هـ)
2- اللباب فى تهذيب الأنساب- 3 أجزاء (القاهرة 1357 هـ)
إبن تغرى بردى (أبو المحاسن يوسف)
1- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة- 12 جزءا طبعة دار الكتب المصرية- بقية الكتاب طبعة كاليفورنيا (1931 م)
2- المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى- 3 أجزاء- مخطوط بدار الكتب المصرية.
- إبن الجوزى (أبو الفرج عبد الرحمن) :
المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك (حيدرأباد 1357 هـ)
- إبن حوقل (أبو القاسم محمد) :
المسالك والممالك والمفاوز والمهالك (ليدن 1822 م)
- إبن خلكان (شمس الدين أبو العباس أحمد) :
وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان 3 أجزاء (القاهرة 1299 هـ)
- رشيد الدين (الهمذانى) :
جامع التواريخ- نقله من الفارسية إلى العربية محمد صادق
(27/421)

نشأت ومحمود موسى هنداوى وفؤاد عبد المعطى الصياد (القاهرة 1960) .
- زكريا القزوينى آثار البلاد- نشر وستنفلد (جوتنجن 1848 م)
- زامباور:
معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى نقله إلى العربية الأستاذ الدكتو زكى محمد حسن وآخرون (القاهرة 1951 م)
- سعيد عبد الفتاح عاشور:
الحركة الصليبية- جزءان (القاهرة 1963 م.)
- السيوطى (جلال الدين عبد الرحمن) :
تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة (القاهرة 1351 هـ)
- إبن شاكر الكتبى:
فوات الوفيات (القاهرة 1299 هـ)
- إبن طباطبا:
الفخرى فى الآداب السلطانية (القاهرة 1913 هـ)
- إبن العبرى:
تاريخ مختصر الدول (بيروت 1958 م)
(27/422)

- العينى (بدر الدين محمود) :
عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان (مخطوطة دار الكتب المصرية فى 23 جزءا) .
- فؤاد عبد المعطى الصياد:
المغول فى التاريخ (القاهرة 1960 م) .
- أبو الفدا (الملك المؤيد اسماعيل)
المختصر فى أخبار البشر- 4 أجزاء (القاهرة 1325 هـ) .
- أبو الفضائل (مفضل ابن) :
كتاب النهج السديد والدر الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد (باريس 1932 م) .
- القلقشندى (أبو العباس أحمد) :
صبح الأعشى فى صناعة الإنشا (القاهرة 1913 م) .
- إبن كثير (عماد الدين أبو الفدا إسماعيل)
البداية والنهاية (مخطوط بدار الكتب المصرية)
- لسترانج:
بلدان الخلافة الشرقية.
ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد (بغداد 1954 م)
- المقريزى (تقى الدين أحمد بن على)
السلوك لمعرفة دول الملوك. تحقيق محمد مصطفى زيادة حتى سنة 755 هـ- بقية الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية
(27/423)

- المنشى النسوى:
سيرة جلال الدين منكبرتى تحقيق حافظ حمدى (القاهرة 1953) .
(وطبعة باريس 1891)
- إبن واصل (جمال الدين محمد بن سالم) :
مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب تحقيق جمال الدين الشيال حتى سنة 615 هـ- بقية الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية.
- ياقوت (شهاب الدين أبو عبد الله)
معجم البلدان- 5 مجلدات (بيروت 1955 م) .
(27/424)

ثانيا- المراجع الفارسية
- حافظ آبرو:
ذيل جامع التواريخ رشيدى- نشر الدكتور خانبابابيانى (طهران 1317 هـ. ش) .
- رشيد الدين فضل الله:
جامع التواريخ- جزءان.
نشر الدكتور بهمن كريمى (طهران 1338 هـ. ش.)
- رشيد الدين
تاريخ مبارك غازانى- داستان غازان خان (هرتفورد 1940 م)
- عبد الله بن فضل الله الشيرازى:
تاريخ وصاف (بمباى 1926 م) .
- عطا ملك الجوينى:
تاريخ ملك نكشاى تحقيق محمد بن عبد الوهاب القزوينى (ليدن 1911- 1937 م)
- محمد بن على بن سليمان الراوندى:
راحة الصدور وآية السرور تحقيق محمد إقبال (ليدن 1921 م) .
(27/425)

- محمد عوفى:
لباب الألباب- تحقيق سعيد نفيسى (طهران 1335 هـ. ش)
- محمود بن محمد المشتهر بالكريم الاقسرايى:
مسامرة الأخيار ومسايرة الأخبار.
تحقيق عثمان توران (أنقرة 1944 م) .
- منهاج سراج الجوزجانى:
طبقات ناصرى- الجزء الأول- تحقيق عبد الحى حبيبى (كابول 1342 ش.)
(27/426)

ثالثا- المراجع الأوربية
Allen (W. E. D.) :
A Hist. of the Georgian PeoPle (London, 1932)
:relupS ;dlohtraB.
Die Mongolen in Iran. (LeiPzig 1939) .
Barthold:
Turkestan down to the Mongol Invasion. (Oxford 1928)
-
Cahen
.) 5491:.A.I (.edikujileS arhguT aL: (.)
-
Cam. Med. Hist (Cambridge 1957)
-
Dozy
.sebarA sel zehc stnemeteV sed smoN sed.tciD.1: (.)
(Cambridge, 1957)
2. SuPPlement Aux Dictionnaires Arabs.
D (M.) :
Histoire des Mongols dePuis Tchinguiz Khan Jusqu چa Timour
Bey ou Tamerlan. (Paris, 1824) .
EncycloPaedia of Islam.
Howorth (H.) :
The History of the Mongols (4. Vols.) (London, 1876) .
Lane Poole (S.) :
Mohammadan Dynesties.
(Westminster, 1894) .
Quatremere (E.) :
Hist. des Sultans Mamlouks de l. (Paris, 1845
(.
(27/427)

فهرس موضوعات الجزء السابع والعشرون
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري
.... رقم الصفحة
- المقدمة 5
- ذكر أخبار السلطان مغيث الدين 9
- ذكر مسير الملك مسعود ابن السلطان محمد وجيوش بك، وما كان بينهما وبين البرسقى والأمير دبيس بن صدقة 11
- ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان محمود 13
- ذكر مقتل الأمير منكبرس 16
- ذكر مقتل الأمير على بن عمر 17
- ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود 20
- ذكر قتل الوزير السميرمى 22
- ذكر قتل الأمير جيوش بك 23
- ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج 23
- ذكر وصول الملك ودبيس بن صدقة وعودهما 25
- ذكر مقتل البرسقى وملك ابنه عز الدين مسعود 26
- ذكر ما فعله دبيس بن صدقة وما كان من أمره 28
- ذكر وفاة السلطان محمود، وشىء من أخباره، وملك ابنه داود 30
- ذكر أخبار السلطان غياث الدين والدنيا، أبى الفتح مسعود ابن ملكشاه، وما كان من أمره وخروجه من السلطنة وسلطنة أخيه السلطان طغرل وعوده إليها 32
(27/429)

- ذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق شاه وداود ابن محمود واستقرار السلطنة بالعراق لمسعود 33
- ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجرشاه وهزيمة مسعود وسلطنة طغرل 35
- ذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود ابن محمود 37
- ذكر عود السلطان مسعود بن محمد إلى السلطنة وانهزام طغرل 38
- ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام السلطان مسعود 40
- ذكر وفاة الملك طغرل وملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل 41
- ذكر قتل الأمير دبيس بن صدقة 41
- ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته 42
- ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء 44
- ذكر قتل الوزير الدركزينى ووزارة ابن الخازن وزير قراسنقر 45
- ذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود 47
- ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك وعباس صاحب الرى 47
- ذكر قتل الأمير بوزابة 49
- ذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد، وما كان منهم 50
- ذكر وفاة السلطان مسعود 52
- ذكر سلطنة ملكشاه بن محمود بن محمد طبر بن ملكشاه والقبض عليه 52
- ذكر سلطنة محمد بن محمود 53
- ذكر سلطنة سليمان شاه بن محمد طبر بن ملكشاه 55
(27/430)

... رقم الصفحة
- ذكر عود السلطان محمد من أصفهان إلى مقر ملكه 56
- ذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبر إلى بغداد، وخروجه بالعساكر وحربه هو والسلطان محمد، وهزيمته، وحصار السلطان محمد بغداد ورجوعه 58
- ذكر وفاة السلطان محمد بن محمود وما اتفق بعد وفاته 59
- ذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر إلى همذان 60
- ذكر سلطنة أرسلان شاه ابن الملك طغرل بن محمد طبر 60
- ذكر أخبار السلطان طغرل بن أرسلان شاه بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه بن ألب أرسلان 61
- ذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم 61
- ذكر اعتقال طغرل وخلاصه وما كان من أمره إلى أن قتل، وانقراض الدولة السلجقية 62
- ذكر مقتل السلطان طغرل وإنقراض الدولة السلجقية 63
- ذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام وحلب 64
- ذكر إستيلاء (تتش) على حمص وغيرها من ساحل الشام 65
- ذكر ما اتفق فى طلب السلطنة 66
- ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام 67
- ذكر عود تتش إلى البلاد وملكه همذان وغيرها 68
- ذكر انهزام بركياروق منه 68
- ذكر قتل تاج الدولة تتش 69
- ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش 69
- ذكر الحرب بين الملكين رضوان وأخيه دقاق 72
- ذكر ملك دقاق مدينة الرحبة 74
- ذكر وفاة الملك دقاق وملك ولده ثم أخيه 74
(27/431)

... رقم الصفحة
- ذكر أخبار ملوك حلب 75
- ذكر أخبار من ملك حلب بعد انقراض الدولة السلجقية منها 76
- ذكر أخبار من ملك دمشق بعد انقراض الدولة السلجقية منها، إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى 78
- ذكر أخبار تاج الملوك بورى بن أتابك طغرتكين 79
- ذكر أخبار الإسماعيلية وقتل الوزير المزدغانى 79
- ذكر حصار الفرنج دمشق وانهزامهم 80
- ذكر أخبار شمس الملوك إسماعيل ابن تاج الملوك بورى ابن طغرتكين 82
- ذكر ملكه قلعة بانياس 83
- ذكر ملكه مدينة حماة 83
- ذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج 84
- ذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه شهاب الدين محمود 85
- ذكر أخبار شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين 86
- ذكر ملكه مدينة حمص 86
- ذكر أخبار مجير الدين أبق بن جمال الدين محمد بن بورى بن طغرتكين 88
- ذكر أخبار الملوك السلجقية أصحاب قونية واقصرا، وملطية ودقوقا من الروم 90
- ذكر أخبار الملك سليمان ابن شهاب الدولة قتلمش 91
- ذكر فتح مدينة أنطاكية 91
- ذكر قتل الملك سليمان قتلمش 92
- ذكر أخبار قلج أرسلان بن سليمان 93
- ذكر قتل الملك قلج أرسلان وملك ولده الملك مسعود 94
(27/432)

... رقم الصفحة
- ذكر أخبار الملك عز الدين قلج أرسلان بن مسعود 95
- ذكر تسليمه البلاد لبنيه وبنى أخيه وما جعل لكل منهم 96
- ذكر قتل نور الدين محمود واستيلاء قطب الدين على قيسارية ووفاته واستيلاء ركن الدين سليمان على سائر المملكة 97
- ذكر وفاة ركن الدين سليمان وملك ولده قلج أرسلان 98
- ذكر ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم من ابن أخيه، وهو الثانى من ملوك السلجقية بالروم 99
- ذكر ملكه مدينة أنطاكية 100
- ذكر ملك علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان ... ، وهو العاشر من ملوك السلجقية بالروم 101
- ذكر إجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما 103
- ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ ابن غياث الدين كيخسرو....، وهو الحادى عشر من الملوك السلجقية بالروم 105
- ذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم 107
- ذكر قتل السلطان ركن الدين قلج أرسلان وولاية ابنه غياث الدين كيخسرو 112
- ذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله وتنقله 112
- ذكر أخبار الدولة الأتابكية 114
- ذكر أخبار قسيم الدولة أقسنقر التركى 115
- ذكر قتل قسيم الدولة 116
- ذكر أخبار عماد الدين أتابك زنكى بن قسيم الدولة اقسنقر 117
- ذكر إبتداء حال عماد الدين زنكى وترقيه وتنقله فى الولايات 119
(27/433)

... رقم الصفحة
- ذكر ولاية عماد الدين زنكى شحنكية العراق 120
- ذكر ولاية عماد الدين زنكى الموصل وأعمالها 121
- ذكر ملك عماد الدين حلب 125
- ذكر ملكه مدينة حماه 126
- ذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج 127
- ذكر حصره مدينة آمد وملكه قلعة الصور 129
- ذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية 129
- ذكر حصره مدينة دمشق 130
- ذكر غزاة العسكر الأتابكى إلى بلاد الفرنج 131
- ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج 132
- ذكر ملكه مدينة حمص وغيرها من أعمال دمشق 133
- ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين 134
- ذكر ملك عماد الدين بعلبك 137
- ذكر ملكه شهرزور وأعمالها 139
- ذكر ملك عماد الدين زنكى قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية 140
- ذكر صلحه والسلطان مسعود 141
- ذكر ملكه بعض ديار بكر 142
- ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج 143
- ذكر مقتل نصير الدين جقر، وولاية زين الدين على كورجك 145
- ذكر مقتل عماد الدين زنكى 147
- ذكر ملك سيف الدين غازى ابن الشهيد عماد الدين أتابك زنكى 148
(27/434)

... رقم الصفحة
- ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعله سيف الدين غازى 150
- ذكر وفاة سيف الدين غازى ابن عماد الدين زنكى 151
- ذكر أخبار الملك العادل نور الدين أبى القاسم محمود ابن أتابك عماد الدين أبى سعيد زنكى بن أقسنقر 152
- ذكر الغزوات والفتوحات النورية وما استنقذه من أيدى الفرنج- ذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثانى ونهبها 152
- ذكر فتح حصن العريمة 153
- ذكر انهزام الفرنج بيغرا 154
- ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية 155
- ذكر فتح حصن أفامية 156
- ذكر أسرجوستكين وفتح بلاده 156
- ذكر حصر قلعة حارم وفتحها 158
- ذكر ملكه بانياس وما قرره على طبرية وأعمالها 158
- ذكر فتح المنيطرة 158
- ذكر فتح صافيثا وعريمة 159
- ذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية 160
- ذكر ملكه مدينة دمشق 160
- ذكر ملكه بعلبك 161
- ذكر ملكه قلعة جعبر 162
- ذكر ملكه الديار المصرية 162
- ذكر ملكه الموصل 163
- ذكر وفاته رحمه الله وشىء من أخباره وسيرته 163
- ذكر أخبار الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك زنكى بن أقسنقر 168
(27/435)

... رقم الصفحة
- ذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم 171
- ذكر وفاة الملك الصالح إسماعيل 171
- ذكر أخبار قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر 173
- ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن على بن منصور الأصفهانى ووفاته وشىء من أخباره وسيرته 174
- ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين 178
- ذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين غازى 179
- ذكر أخبار سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى 180
- ذكر ملك سيف الدين غازى البلاد الجزيرية 180
- ذكر حصره أخاه زنكى بسنجار 181
- ذكر وفاة سيف الدين غازى 183
- ذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى 184
- ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين زنكى وأخذ سنجار عوضا عنها 184
- ذكر القبض على مجاهد الدين قايماز 185
- ذكر إطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم 186
- ذكر وفاة عز الدين مسعود 187
- ذكر أخبار عماد الدين زنكى بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر 190
- ذكر أخبار معز الدين سنجرشاه بن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى 191
- ذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود 192
(27/436)

الباب الحادى عشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية
.... رقم الصفحة
- ذكر أخبار الدولة الخوارزمية وابتداء أمر ملوكها وظهورهم، وما استولوا عليه من البلاد والأقاليم، وما كان بينهم وبين الملوك من الحروب والوقائع 197
- ذكر أخبار خوارزم شاه إتسز بن محمد 198
- ذكر الحروب بين خوارزم شاه إتسز والسلطان سنجر السلجقى، واستيلاء سنجر على خوارزم، وما كان من أمر إتسز إلى أن استقر الصلح بينه وبين السلطان سنجر 199
- ذكر ملك سلطان شاه محمود بن أيل أرسلان بن إتسز بن محمد، وإخراجه من الملك، وملك أخيه علاء الدين تكش 202
- ذكر ملك تكش مدينة بخارى من ملك الخطا 204
- ذكر وفاة خوارزم شاه تكش 205
- ذكر أخبار السلطان علاء الدين أبى الفتح محمد بن علاء الدين تكش بن ألب أرسلان بن إتسز بن محمد بن أنوشتكين 206
- ذكر ملك خوارزم شاه وما كان الغورية قد ملكوه من بلاده 209
- ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان 214
- ذكر ملكه ترمذ وتسليمها للخطا 215
- ذكر ملكه الطالقان 216
- ذكر أسر خوارزم شاه وخلاصه 217
- ذكر قتل الحسين بن خرميل وحصر هراة وملك فيروزكوه والغور 220
(27/437)

... رقم الصفحة
- ذكر عوده إلى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما وراء النهر 222
- ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين 223
- ذكر الواقعة التى أفنت الخطا 224
- ذكر ملك خوارزم شاه كرمان ومكران من السند 227
- ذكر ملكه غزنة وأعمالها 228
- ذكر عزمه على المسير إلى العراق وقصد بغداد، ومراسلته فى طلب آل سلجق ببغداد وما أجيب به 229
- ذكر مسيره إلى العراق وما اتفق له 232
- ذكر قصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال مملكته وعوده بعد مسيره 237
- ذكر عود السلطان إلى بلاد ما وراء النهر، ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من الحوادث 239
- ذكر ما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما قصده التتار 242
- ذكر ما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت بجنكزخان عليهم، وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل إليه أمرها 244
- ذكر ما اتفق للسلطان بعد أن ملك التتار البلاد إلى أن توفى 248
- ذكر وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش 250
- ذكر أخبار السلطان جلال الدين منكبرتى 252
- ذكر مسير جلال الدين من نيسابور إلى غزنة 254
- ذكر الحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى خان 256
- ذكر الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين 257
- ذكر حال جلال الدين بعد عبوره ماء السند 258
(27/438)

... رقم الصفحة
- ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة من وفاق وخلاف 260
- ذكر الحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين إيلتتمش 262
- ذكر طلوع جلال الدين من الهند ووصوله إلى كرمان، وما جرى له من الحوادث إلى أن ملك العراق 264
- ذكر مسيره صوب خوزستان 267
- ذكر ملكه أذربيجان ومراغة 268
- ذكر كسر السلطان الكرج 269
- ذكر عوده من دوين إلى تبريز وتركه الميمنة بيلاد الكرج 270
- ذكر ملك السلطان كنجة وسائر بلاد أران 273
- ذكر نكاح السلطان بنت طغرل بن أرسلان 273
- ذكر عوده إلى بلد الكرج وفتحه تفليس 274
- ذكر المصاف الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان 275
- ذكر ما آل إليه أمر غياث الدين 278
- ذكر مسير السلطان إلى خلاط ومحاصرتها 279
- ذكر الحوادث فى مدة حصار خلاط 280
- ذكر مسير رسول السلطان إلى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف 281
- ذكر ملكه مدينة خلاط 285
- ذكر مسيره إلى بلد الروم وانهزامه من عسكرى الشام والروم 287
- ذكر وصول مقدمة التتار إلى تخوم أذربيجان ورحيل السلطان من تبريز إلى موقان 289
- ذكر كبسة التتار السلطان وهو بحد (شيركبوت) 290
- ذكر القبض على شرف الملك وزير السلطان وقتله 291
- ذكر رحيل السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا 294
(27/439)

... رقم الصفحة
- ذكر نزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما كان من أمره 295
- ذكر مقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة الخوارزمية 297
- ذكر أخبار الدولة الجنكزخانية وابتداء أمرها وما تفرع عنها 300
- ذكر أخبار جنكزخان التمرجى وابتداء أمره وسبب ظهور ملكه 301
- ذكر خروج التتار إلى البلاد الإسلامية 306
- ذكر استيلاء جنكزخان على بخارا 307
- ذكر استيلائه على سمرقند 309
- ذكر ما فعلته الطائفة المغربة من التتار 311
- ذكر استيلائهم على مازندران ووصولهم إلى الرى وهمذان 312
- ذكر مسيرهم إلى أذربيجان وقتالهم مع الكرج 313
- ذكر ملكهم مدينة مراغة 314
- ذكر ملكهم همذان وقتل أهلها 316
- ذكر مسيرهم إلى أذربيجان وملكهم أردويل وغيرها 317
- ذكر وصولهم إلى بلاد الكرج 319
- ذكر وصولهم إلى دربند شروان وما فعلوه فيه 320
- ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق 321
- ذكر ما فعلوه بقفجاق والروس 322
- ذكر عود التتار إلى ملكهم 323
- ذكر ملك التتار خراسان 324
- ذكر ملكهم مدينة غزنة وبلاد الغور 327
- ذكر ملكهم مدينة خوارزم 329
- ذكر عود طائفة من التتار إلى همذان وغيرها 331
- ذكر وفاة جنكزخان التمرجى، وأسماء أولاده وإخوته وما قرره لأولاده من الوظائف والبقاع وغير ذلك 334
(27/440)

... رقم الصفحة
- ذكر ملك أوكتاى بن جنكزخان 338
- ذكر الحروب الكائنة بين التتار والسلطان جلال الدين، وما كان من أمرهم إلى أن ملكوا ما كان بيده 340
- ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتار 342
- ذكر دخول التتار ديار الجزيرة 343
- ذكر وفاة أوكتاى خان وقيام ولده كيوك خان بعده وقتله 345
- ذكر جلوس منكوقان بن (تلى خان) بن جنكزخان على تخت القانية 346
- ذكر دخول التتار إلى بلاد الروم وما استولوا عليه من البلاد 348
- ذكر تجريد منكوقان العساكر إلى بلاد الروم وما استولوا عليه منها 349
- ذكر مهلك منكوقان وما حصل بين إخوته من التنازع فى القانية 352
- ذكر ملك قبلاى بن تولى خان بن جنكزخان القانية، وهو الخامس من ملوكهم 354
- ذكر أخبار ملوك البلاد الشمالية من أولاد جنكزخان التمرجى 356
- ذكر ملك بركة بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، وهو الرابع من ملوك هذه المملكة الشمالية 358
- ذكر ملك منكوتمر بن طوغان بن باطوخان بن دوشى خان ابن جنكزخان، وهو الخامس من ملوكهم بهذه المملكة 362
- ذكر مسير عساكر منكوتمر إلى بلاد القسطنطينية 362
- ذكر ملك تدان منكوا بن طغان بن باطوخان بن دوشى خان ابن جنكزخان 364
- ذكر ملك تلابغا بن طربوا بن دوشى خان بن جنكزخان 366
(27/441)

... رقم الصفحة
- ذكر ملك طقطا بن منكوتمر بن طوغان بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، وهو الثامن من ملوك هذه المملكة 368
- ذكر إيقاع طقطا بجماعة من أمرائه 368
- ذكر ابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه 369
- ذكر الوقعة الأولى بين طقطا ونوغيه 370
- ذكر الوقعة الثانية وقتل نوغية 371
- ذكر أخبار أولاد نوغية 372
- ذكر ما اتفق طراى بن نوغية وصراى بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة الملك طقطا وقتلهما 373
- أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان 375
- ذكر أخبار هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان، وابتداء أمره وما استولى عليه من الممالك والأقاليم ومن ملك من ذريته 379
- ذكر استيلائه على بغداد وقتله الخليفة المتعصم بالله 380
- ذكر استيلاء التتار على ميافارقين 383
- ذكر وفاة بيجو مقدم التتار 384
- ذكر منازلة هولاكو مدينة حلب واستيلائه عليها وعلى بلاد الشام 386
- ذكر استيلاء التتار على دمشق 389
- ذكر الأقاليم التى استقرت فى ملك هولاكو بعد وفاة منكوقان 392
- ذكر ملك هولاكو ونبذة من أخباره 393
- ذكر ملك أبغا بن هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان 395
(27/442)

... رقم الصفحة
- ذكر قتل سليمان البرواناه 398
- ذكر وفاة أبغا بن هولاكو 400
- ذكر ملك توكدار بن هولاكو، وهو المسمى أحمد سلطان وهو الثالث من ملوك هذا البيت 401
- ذكر ما اتفق بين توكدار وبين أرغون ابن أخيه أبغا 403
- ذكر مقتل توكدار بن هولاكو 403
- ذكر ملك أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان، وهو الرابع من ملوك هذا البيت 404
- ذكر ملك كيخاتو بن أبغا بن هولاكو، وهو الخامس من ملوك هذا البيت 406
- ذكر ملك بيدو بن طوغاى بن هولاكو بن تولى خان بن جنكزخان، وهو السادس من ملوك هذا البيت 407
- ذكر ملك غازان بن أرغون بن ألغا بن هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان، وهو السابع من ملوك هذا البيت 409
- ذكر مسير غازان إلى الشام، ووقعة مجمع المروج واستيلائه على البلاد الشامية وعوده منها 411
- ذكر مسير غازان إلى الشام وعوده، وتجريد عساكره وانهزامها بمرج الصفر 415
- ذكر وفاة غازان 416
- ذكر ملك خدابندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى خان 417
- ذكر قتل قطلوشاه نائب خربندا وتولية جوبان النيابة 417
- ذكر خبر مدينة قنغرلام، وتسمى السلطانية 419
- ذكر وفاة خدابندا وملك ابنه أبى سعيد بن خدابندا 419
(27/443)

مراجع التحقيق
.... رقم الصفحة
(أولا) المراجع العربية 421
(ثانيا) المراجع الفارسية 425
(ثالثا) المراجع الأوربية 425
مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب رقم الايداع بدار الكتب ISBN -977 -01 -0608 -9 1985/3475
(27/444)