Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 029

الجزء التاسع والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
باسم الله، والحمد لله، وبعد:
فقد عهد إلىّ تحقيق هذا الجزء (التاسع والعشرين) من موسوعة «نهاية الأرب» للنّويرى (أحمد بن عبد الوهاب- المتوفّى سنة 733 هـ.) : الأديب المؤرخ- إعدادا لنشره.
ولما شرعت فى العمل، لم أجد فى أول الأمر غير نسخة مخطوطة واحدة لهذا الجزء، هى النسخة التى أخذت بالتصوير الشمسى عن الأصل المحفوظ بمكتبة «كوبريلّلى» بالأستانة، وهى موجودة بدار الكتب المصرية، وهى التى نرمز إليها بحرف (ك) . فعند المراجعة تبيّن لى أن هذه النسخة (ك) تحتوى على أخطاء عديدة، كما أن هناك نقصا فى بعض الكلمات أو العبارات. ولم يكن هناك سبيل لمعرفة صواب هذه الأخطاء، أو إكمال النقص، إلا بالرجوع إلى المصادر الأخرى التى كتبت عن هذا العصر- ولا سيما كتب المعاصرين للفترة، أو من تلاهم- فرجعت إلى «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزى وهو «أبو المظفّر» ، الذى يشير إليه المؤلف وينقل عنه كثيرا فى المتن، وكان معاصرا للدولة الأيوبية، كما رجعت إلى «الذّيل على الرّوضتين» لأبى شامه المؤرخ المعروف، وكان معاصرا أيضا- وان كان يتأخر فى الزمن قليلا عن ابن الجوزى- وإلى كتاب «الرّوضتين» أيضا لنفس المؤرخ، وكذلك كتاب «مفرّج الكروب» لابن واصل، وكتاب «السّلوك» للمقريزى و «النجوم الزاهرة» لابن تغرى بردى، ثم كتب التاريخ والتّراجم مثل: «الكامل» لابن الأثير و «وفيات الأعيان» لابن خلّكان، و «حسن المحاضرة» للسّيوطى وهكذا.
(29/5)

ومع ذلك، فما كان يمكن أن نعتبر أن التحقيق قد تمّ، أو بلغ الدرجة التى نشعر فيها بالتّقة، إلا إذا وجدت نسخة أخرى مخطوطة للأصل. وقد تم نقل صورة شمسية عن نسخة محفوظة بمعهد مخطوطات جامعة الدول العربية وتبين أن هذه النسخة بخط المؤلف «النويرى» نفسه! فحينئذ وصل التحقيق إلى مرحلته النهائية. وهذه النسخة الثانية نرمز إليها بحرف (ع) وبمراجعتها على النسخة (ك) اكتشفنا أن هذه ناقصة بعض الكلمات والعبارات، بل ناقصة بضع صفحات كاملة، وذلك فى أحداث سنتى: 619 و 620 هـ، ولما كانت النسخة (ع) هى بخط المؤلف فقد جعلناها الأصل المعتمد للتحقيق، فهى أقدم وأثبت، وجعلنا النسخة الأخرى (ك) مساعدة لها. ومن ثم أكملنا النقص الذى أشرنا إليه، ونقلنا الصفحات من النسخة (ع) ، وساعدتنا هذه أيضا على تصحيح كثير من الألفاظ. لم يكن من اليسير الوصول إلى صوابها بغيرها، وإن كانت هذه النسخة من وجه آخر، غير حسنة الخط، وتترك كلمات كثيرة بدون نقط، فالأولى تفوقها فى حسن الخط وظهوره، كما وجدنا أن النسخة (ع) بدورها ناقصة بضع صفحات، فعلى العموم كانت كل منهما مكمّلة للأخرى. وبهما، وبالمصادر السابقة وغيرها، وصلنا إلى اكمال وتصويب المتن إلى أقصى درجة ممكنة.
وكان لابدّ من تنظيم المتن، وتقسيمه إلى فقرات، وتحديد الجمل بالفواصل، وضبط أسماء الأعلام والأماكن، وغيرها من الكلمات التى تحتاج إلى الضّبط، حتى تكون قراءة المتن سهلة، ويمكن الإفادة منها. وكان من الضرورى بعد ذلك- وهذه هى المرحلة الثانية فى المهمة- إكمال المتن بشرح ألفاظه، والتعليق على الأحداث، والمصطلحات التّاريخيّة، وتحديد المواضع الجغرافية، والتعريف بالأعلام الواردة فيه بنبذ موجزة، حتى تتّضح معانى الوقائع، وتظهر روح العصر الذى حدثت فيه، وتزيد الفائدة العلمية للكتاب.
(29/6)

وهذه الحقبة التى يتناولها هذا الجزء من كتاب «النويرى» - تمتد من عام 596 هـ: من بدء دخول «العادل» أبى بكر بن أيوب القاهرة، ليبدأ ملكه وملك أسرته فيها، ثم فى الأقطار المجاورة: فلسطين وسوريا ولبنان والعراق والجزيرة، واليمن أيضا- حتى آخر سنة 658 هـ: أى بدء عهد الظاهر بيبرس.
فهى حقبة تبلغ أكثر من ستين عاما وتشمل أحداثا هامة من تاريخ مصر والشرق العربى، فهى تضمّ جزءا من تاريخ الحروب الصّليبيّة، وتاريخ الدولة الأيّوبيّة فى مصر والشام والجزيرة منذ بدء عهد العادل، ثم نهاية هذه الأسرة وقيام دولة المماليك، وغزو التّتار وموقعة عين جالوت، وغير ذلك. هذا إلى الجوانب الأدبية والاجتماعية.
ونأمل أن نكون قد أدّينا مهمتنا التى عهد إلينا بها على الوجه الذى يحقق أكبر فائدة. والعصمة لله وحده، وبالله تعالى التّوفيق.
القاهرة صفر 1383 يوليه 1963 محمد ضياء الدين الريس
(29/7)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر أخبار الدولة الأيوبية]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
ذكر أخبار السّلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وسلطنته
كان دخول السلطان الملك العادل إلى القاهرة فى يوم السبت، لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، سنة ستّ وتسعين وخمسمائة- فى يوم خروج الملك الأفضل «1» منها.
فاستبقى رضاء الأمراء النّاصريّة «2» ، بإبقاء الخطبة للملك المنصور بن
(29/9)

الملك العزيز. وأعاد قاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس «1» ، إلى القضاء- وكان الأفضل قد عزله واستقضى زين الدّين علىّ بن يوسف «2» .
واستدعى الملك العادل ابنه الملك الكامل من حرّان «3» إلى الديار المصرية، ليستنيبه بها. فسلّم تلك الولاية لأخيه الملك الفائز، ووصل إلى دمشق، فى سادس عشر شعبان من السنة- ومعه شمس الدين، المعروف بقاضى دارا، وهو وزيره. وخرج من دمشق فى الثالث والعشرين من الشهر، ووصل إلى القاهرة لثمان بقين من شهر رمضان. فالتقاه والده وأنزله بالقصر. ثم ركب إليه بعد يومين، واستصحبه معه إلى الدار- وكان قد زوّجه بابنة عمه الملك الناصر، فدخل بها.
(29/10)

قال: وركب الملك العادل- فى يوم الاثنين- بالصّنجق «1» السّلطانى. وأمر الخطباء بالخطبة له ولولده: الملك الكامل بولاية العهد من بعده- بعد الخليفة «2» - فخطب لهما فى الحادى والعشرين من شوال، سنة ست وتسعين وخمسمائة. وانقطعت خطبة المنصور بن الملك العزيز، وأولاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فلم تعد إلى الآن. وانتقل ملك الديار المصرية إلى البيت العادلى، فكان فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيّوبيّة.
قال المؤرّخ: ولم يقطع الملك العادل خطبة الملك المنصور إلا بعد أن أحضر الفقهاء والقضاة، واستفتاهم: هل تجوز ولاية الصغير والنيابة عنه؟
فقالوا: إن الولاية غير صحيحة، ولا تصح النيابة- لا سيما فى السلطنة- فإنه لا حقّ فيها للصغير. فأحضر الأمراء وخاطبهم فى اليمين له، فأجابوه إلى ذلك، وحلفوا له. قال: وركب الملك الكامل فى يوم السبت بالصّنجق السلطانى- على عادة الملوك.
قال: ولما وصل الملك العادل، كان الصاحب: صفى الدين عبد الله ابن على بن شكر «3» فى صحبته، فاستوزه. وكان- على ما حكى- قد استحلف الملك العادل بالبيت المقدس، أنه متى حصل له ملك الديار
(29/11)

المصرية يمكّنه من المصريّين، فحلف له على ذلك. فلما ولى السلطنة استوزره، ومكّنه.
ذكر الغلاء الكائن بالديّار المصرية فى الدولة العادلية وهو الغلاء المشهور
قال المؤرخ: كان ابتداء هذا الغلاء من استقبال شوال- وقيل ذى القعدة- سنة ست وتسعين وخمسمائة، إلى ذى القعدة سنة تسع وتسعين، فكانت مدته ثلاث سنين وشهرا.
وذلك أن قرار النيل فى سنة ست وتسعين كان مقداره ذراعان «1» ، وبلغ غايته إلى اثنى عشر ذراعا «2» وإحدى وعشرين إصبعا. فصام الناس ثلاثة أيام، قبل يوم التّروية «3» ، واستسقوا ثلاثة أيام، آخرها يوم العيد. ثم أخذ الماء فى النقص، فاشتد الغلاء وامتد البلاء، وهلك القوىّ، فكيف الضّعيف!. قال العماد الأصفهانى: وبلغ سعر القمح عن كل إردب الكيل المصرى خمسة دنانير. واستقر القاع فى سنة سبع وتسعين على ذراعين، وبلغ
(29/12)

غايته خمسة عشر ذراعا ونصف ذراع. فعدم الناس القوت، وأكل بعضهم بعضا، وأكلوا أولادهم والميتة. وخرج خلق كثير من الديار المصرية إلى الشام والسواحل.
وحكى ابن جلب راغب «1» فى تاريخ مصر: أنه نودى على دجاجة، تزويد فيها إلى أن بلغت ألف درهم ورقا. وبيعت بطيخة بفرس. قال:
وكانت الدّجاجة تباع بالأوقية. وحكى- أيضا- أن بعض الناس سمع صياح امرأة، تفتر ثم تعاود الأنين والصراخ! فتتبع الصوت، حتى انتهى به إلى منزل وفيه امرأة سمينة ملقاة، وشاب يقطع من لحم فخذها. فلما راتهم قالت: لا تعارضوه فإنه ابنى، وأنا قلت له يقطع من لحمى، ويأكل ويطعمنى، مما آلمنا من الجوع! ولم يسمع بمثل هذا.
ذكر وفاة القاضى الفاضل وشىء من أخباره
هو القاضى الفاضل الأسعد محيى الدين، أبو على عبد الرحيم، بن القاضى الأشرف أبى الحسين على بن الحسن، بن الحسين بن أحمد، بن الفرج «2» بن أحمد، اللّخمى- الكاتب. كانت وفاته فجأة فى ليلة الأربعاء، السابع من شهر ربيع الآخر، سنة ست وتسعين وخمسمائة.
ومولده بعسقلان فى خامس عشر جمادى الآخرة، سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
(29/13)

وكان أبوه قاضى عسقلان «1» ، وصاحب ديوانها. ونسبته إلى بيسان نسبة انتقال. وذلك أن قاضى عسقلان كان قاضى البلاد الشمالية من ساحل الشام، وبيسان «2» فى ولايته. وكان إذا خرج إليها قاض لحقه من الوخم ما يوجب مرضه، ومنهم من يموت. فقرر قاضى عسقلان على الشهود أن يخرج كلّ واحد منهم إلى بيسان ثلاثة أشهر، ويعود، ويخرج غيره. فجاءت النّوبة لحد القاضى الفاضل «3» ، فمضى إليها وصح بها جسمه. فاختار الإقامة بها. فأجيب إلى ذلك وعمر بها أملاكا، فعرف بالبيسانى.
ثم تقلبت بوالد القاضى الأحوال إلى أن ولى القضاء بعسقلان، والنظر فى أموالها. وبقى إلى زمن الظافر «4» ، فدخل إلى مصر لمحاققة واليها «5» بسبب كند كبير «6» ، من الفرنج كان الوالى داجى عليه وأطلقه. فانتصر
(29/14)

بعض الأمراء للوالى ونصروه، فخانق الأسعد «1» . وصودر، ووقع التحامل عليه، إلى أن لم يبق له شىء.
وخرج ولده الفاضل إلى ثغر الإسكندرية، واجتمع بابن حديد- القاضى والناظر بها- وعرّفه بوالده فعرفه بالسّمعة، فاستكتبه ابن حديد، وأطلق له معلوما. وبقيت كتبه ترد إلى مجلس الخلافة بخط الفاضل وهى مشحونة بالبلاغة. فكشف عن ذلك ابن الخلّال والجليس بن الحبّاب- وكانا فى ديوان المكاتبات- فحسداه على فضيلته، وعلما أنه يتقدم، فقالا للظافر عنه: انه قصّر فى المكاتبة.
وكان صاحب ديوان المجلس- الأثير بن بنان- يحكى أنه دخل على الظافر، فأمره أن يكتب لابن حديد بقطع يد كاتبه، بسبب أنه جعل بين السطرين الأولين مقدار شبر، وهذا سوء أدب، فقال الأثير للظافر: يا أمير المؤمنين، تأمر بإحضار الكتب، فأحضرت. فلما قرأها الأثير علم فضل الفاضل، فقال له: هذا الكاتب لم يحصل منه سوء أدب، وانما حسد على بلاغته، فعمل على أذاه. فقال: اكتب لابن حديد يسيره إلينا،
(29/15)

لسنتخدمه. فصار من كتاب الدّرج «1» ، فى أواخر الدولة العبيديّة «2» .
وأما اتصاله بملوك الدولة الأيوبية فحكى عن الأثير بن بنان أنه قال:
لما ولى أسد الدين شيركوه اختص به ابن الصقيل البلنسى «3» . وكنت بالقصر أنا والفاضل، فدخل علينا ابن الصقيل وقال: كنت البارحة عند السلطان، وذكركما وتوعّدكما بالقتل. ثم خرج من عندنا. فلم يكن بأسرع من أن طلبنا أسد الدين من العاضد، فأرسلنا إليه.
قال الأثير: فلما دخلنا عليه وجدنا الأمراء عنده. فسلمت سلاما سمعه من حضر، فلم يرد علينا! فقلت له: ولم لا ترد السلام؟ فالتفت إلىّ، وقال: لستما عندى من أهل السلام! لأن النبى صلى الله عليه وسلم يقول:
السلام تحية لملّتنا، وأمان لذمتّنا. ولا تحية لكما عندى! فوقفنا، فقلت:
لا قدرة لى على القيام، فقال أجث، فجثوت. ثم قلت ولم لا أتربع؟
ففسح لى فى ذلك. قلت: وصاحبى. قال: وصاحبك.
(29/16)

ثم التفت إليه دونى، وقال له: تكتب للفرنج، على لسان شاور، وتقول فى حقنا ما قلت، وتحثهم على قتالنا! والله لأقتلنك شرّ قتلة، ولأسلّن لسانك، ولأقطعنّ يدك ورجلك، من خلاف!! فقلت: أدام الله سلطان مولانا. هذا القاضى إذا عدم، لا يوجد مثله فى جميع البلاد. فالتفت إلىّ، وقال: نجرّب قولك. وقال له: أكتب كتابين: أحدهما للمولى نور الدين بن زنكى، يقرأ على منبر دمشق يهنّيه بالفتوح، وكتاب يقرأ على منبر القاهرة. واشتغل فى الحديث. فسارع الفاضل فى نجاز «1» الكتابين، وجعل أسد الدين يسارقه النظر، والفاضل يكتب كأنه يكتب من حفظه. وفرغ منهما إلى أسرع وقت. فقال أسد الدين: أقرأهما، فقرأهما. قال الأثير: والله لو حسن الرقص فى ذلك المكان، لرقصت!.
فعند ذلك التفت إلىّ أسد الدين، وقال: يا قاضى، جزاك الله خيرا فى حقه. عندنا كتبة بالشام نأمرهم بالشىء، فيمضون ويقيمون اليوم واليومين، ولا يأتون به على الغرض. وهذا قلنا له كلمتين، كتب هذه الكتب التى لا نظير لها. وأقمنا عنده إلى صلاة المغرب، فقام للصلاة. فقال لى: تقدم. فقت: هذا أفضل منى، لأنى توليت المكوس «2» ، وهذا لم يل شيئا منها. فتقدم الفاضل وصلّى. واتصل به. هذا ما نقل عن الأثير بن بنان.
(29/17)

وقيل: إنه لما اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين، وأن الأثير كان يكتب بين يديه قبله، فاشتكى من بطئه فى المكاتبات، فقيل له: إن الأسعد البيسانى لم يكن فى الكتاب أرشق منه. فاستدعاه وأمره بكتاب، فكتب بين يديه وبالغ فيه، وأسرع فى نجازه وقرأه عليه. فعظم عند الملك الناصر، ونعته بالقاضى الفاضل. وكان له شعر حسن.
وقيل: إن أول اتصال الفاضل بالدولة العبيديّة فى أيام العادل بن الصالح ابن رزّيك «1» . وأنه استخدم فى ديوان الجيوش، فأقام فيه مدة.
فلما كانت دولة شاور الثانية، نقله إلى ديوان المكاتبات شريكا للموفّق بن الخلّال. فلم يزل إلى أيام أسد الدين، فاتفق له ما ذكرناه.
ولما استقرّ الملك الناصر فى الملك، علت منزلته عنده، واختص به وقرب منه، وتمكن فى دولته. قال: ومن سعادة الفاضل أنه مات قبل ملك العادل، لأنه كان بينهما شحناء باطنة. ولما مات، صلىّ عليه الملك الأفضل. ودفن بسفح المقطم- رحمه الله. وقد ذكرنا من كلامه فى باب كتابة الإنشاء ما يدل على تمكنه وفضله.
(29/18)

واستهلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة
ذكر الخلف الواقع بين الأمراء الصّلاحيّة «1» والسلطان الملك العادل
قال المؤرخ: كان ابتداء فساد الحال بينهم فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
وسبب ذلك أن الملك العادل لما ملك الديار المصرية أقطع الإقطاعات المخلولة عن الأمراء المنصرفين عن الخدمة، وحاسب المستمرين حسابا شديدا، فساءت ظنونهم وتغيرت قلوبهم، وفسدت نياتهم.
وكان فارس الدين ميمون القصرى «2» مقيما بنابلس، فلما بلغه إسقاط خطبة الملك المنصور بن العزيز، واستقلال الملك العادل بالملك- عظم ذلك عليه ونفر منه، وأنكره. وكتب إلى الملك العادل يقول: «إنا دخلنا فى طاعتك، ونصرناك على موالينا: أولاد الملك الناصر، مراعاة للملك العزيز، وخوفا أن يتطرق إلى ولده ضرر ويزول عنه ملكه، ولا بد أن تعيده إلى حاله. وإن لم ترجع عما فعلت، كان ذلك سبب فساد قلوب الجند، ودخول الوهن على الدولة» . فغالطه العادل فى الجواب.
فراسله ميمون ثانيا يقول إنا كنا حلفنا على قاعدة، فإن كانت تغيرت فلا يسعنا المقام بعد ذلك بهذه الدار، وأنا أسال أن أعطى دستورا «3» ليقوم
(29/19)

عند الله وعند الناس عذرى، فأرسل إليه الملك العادل، يقول: لم أدخل فى هذا الأمر إلا بعد أن رضى به الجماعة. فإن كرهت مجاورتى فصر إلى أرزن الروم»
، وتزوج بصاحبتها ماما «2» خاتون، فإنها أرسلت إلىّ وطلبت منى من أنفذه إليها.
وكان «ميمون» قد كاتب الأمراء الصّلاحيّة، فأجابوه: «إنا قد افتضحنا بين الناس بأننا نقيم فى كل يوم ملكا، ونعزل آخر. ثم إلى من نسلم هذا الأمر؟ أما الملك الأفضل فغير أهل، وغيره من إخوته فغير عظيم فى الأنفس. والملك الظاهر بعيد عنا، ولا يمكنه أن يترك بلاده ويصير إلينا.
قال: واتفق ورود رسل الملك الظاهر- صاحب حلب- إلى عمه العادل، فى شهر ربيع الآخر من السنة، وهما: نظام الدين كاتبه، وعلم الدين قيصر الصّلاحى. فلما وصلا إلى بلبيس، أرسل العادل إليهما أن لا يدخلا القاهرة. وأن يذكرا رسالتهما لقاضى بلبيس يبلغها عنهما، وإن لم يفعلا فيرجعا إلى صاحبهما.
فعادا إلى الملك الظاهر، واجتمعا بميمون القصرى فى عودهما، ورغباه فى الخدمة الظاهرية. فمضى إلى صرخد «3» وبها الملك الظافر أخو الأفضل. ولحق بميمون جماعة من الصلاحية.
(29/20)

واعتزل عنه فخر الدين جهاركس «1» فى قلاعه- وكان معه بانياس «2» وتبنين «3» وشقيف أرنون «4» ووافقه على الاعتزال زين الدين قراجا، وأظهر الاعتزال عن الفريقين. وباطنهما مع الملك العادل.
قال: ولما وصل ميمون إلى صرخد، كاتب الأفضل والظاهر ودعاهما إليه. وأنفذ إلى الملك الظاهر فخر الدين الطّنبا الجحاف «5» فلما وصل إليه، قوى عزم الملك الظاهر على الخروج. فراسل ميمون، وأخذ عليه وعلى من معه من الأمراء العهود والأيمان.
(29/21)

ثم قدم عليه أخوه الأفضل فى تاسع جمادى الأولى، وسارا إلى أفاميه «1» ، وبها قراقوش- مملوك شمس الدين بن المقدّم «2» - فأغلق الأبواب دونهما، وامتنع من تسليمها. فضرب الظاهر ابن المقدّم «3» تحت القلعة ضربا موجعا، بحيث يراه مملوكه قراقوش، فلم يكترث لذلك. وراسله ابن المقدّم فى تسليمها، فامتنع كل الامتناع. فلما أيس الظاهر منه أرسل ابن المقدم إلى حلب، وأمر باعتقاله بها.
وسارا بعد ذلك إلى بعلبك لقصد دمشق، وسار إليهما ميمون القصرى ومن معه والملك الظافر، واجتمعوا بمكان يعرف بالزّرّاعة «4» . وتشاوروا على قصد دمشق، وبها يومئذ الملك المعظم عيسى بن العادل وهو صغير، والقيّم بأمره فلك الدين سليمان بن شروة بن جلدك- وهو أخو العادل لأمه- ومن الأمراء الأكابر عز الدّين أسامة «5» . فساروا بأجمعهم إلى دمشق، وحاصروها فى رابع عشر ذى القعدة، سنة سبع وتسعين، واشتد الحصار.
(29/22)

قال: ولما اتصل بالملك العادل خروج الظاهر من حلب، خرج من القاهرة فى شهر رمضان من السنة. وجدّ السير إلى أن نزل على نابلس، وجعل يعمل الحيل والمكايد بين الظاهر والأفضل، وإفساد قلوب الأمراء الذين مع الظاهر. وأرغب الملك الظاهر أنه إن فارق أخاه الأفضل يملكه قطعة من بلاد المشرق، التى بيد العادل.
وكاتب الظاهر فخر الدين جهاركس، وزين الدين قراجا، وأرغبهما فى الانضمام إليه. فوقع الاتفاق معهما- بعد مراجعة- أن الأفضل يسلم لزين الدين قراجا صرخد وعشرة آلاف دينار، وللأمير فخر الدين جهاركس عشرين ألف دينار. واستقرت القاعدة على ذلك. فلما تسلما ذلك وصلا إلى الخدمة الظاهرية، واجتمعا بالأفضل والظاهر.
ثم شرعا يستوقفان الأمراء عن حصار دمشق «1» . فاتصل ذلك بالملكين فهرب جهاركس وقراجا وصار إلى بانياس، فراسلهما الظاهر وقبّح فعلهما.
فأعادا الجواب: إنا قد استشعرنا الخوف بسبب ما نسب إلينا. ونحن على الطاعة ومتى فتحت دمشق كنا فى خدمتكما. وجدّ الظاهر فى حصار دمشق إلى أن نزل وقاتل بنفسه، وجرح فى رجله بسهم. ثم هرب الطّنبا الهيجاوى من عسكر الظاهر وتلاه علاء الدين شقير، ودخلا دمشق. ودخل معهما
(29/23)

جماعة من المفاردة «1» فانحلّ لذلك عزم الظاهر، ورجع عن دمشق إلى بلاده وصحبه الملك الأفضل.
وقيل: بل كان سبب الرجوع عن دمشق أن الاتفاق كان قد حصل بين الأخوين: الأفضل والظاهر، على أنه إذا فتحت دمشق كانت للأفضل. فإذا استقر بها، سار هو والظاهر إلى مصر، وقاتلا العادل، فإذا حصلت مصر لهما تكون حينئذ للأفضل، ودمشق للظاهر. فلما قوى الحصار على دمشق ولم يبق إلا فتحها، حسد الظاهر أخاه الأفضل عليها، وقال آخذها لنفسى. فلاطفه الأفضل وسأل أن ينعم بها عليه، فامتنع، وقال:
إن فتحت تكون لى دونك. فلما أيس منه الأفضل، خرج من ساعته واجتمع بالأمراء، وقال: إن كنتم خرجتم إلى فقد أذنت لكم فى الرجوع إلى العادل، وإن كنتم خرجتم إلى أخى الظاهر فشأنكم وإياه. وكتب فى الوقت إلى عمه الملك العادل، وهو يطلب منه سميساط «2» وسروج «3» ورأس العين «4» ، فأعطاه ذلك، وحلف عليه. فلما اتصل ذلك بالظاهر كتب أيضا
(29/24)

إلى عمه العادل، يطلب منه منبج «1» وأفامية «2» وكفر طاب «3» ، فأعطاه ذلك. وارتحلا عن دمشق.
فبقى الأفضل بسميساط، إلى أن مات.
وعاد الظاهر إلى حلب. وصحبه ميمون القصرى. فأقطعه الظاهر إقطاعات عظيمة. وهى: أعزاز «4» وقلعتها، والخوار «5» وبلدها، ونهر الجوز «6» وبلده، وجسر «7» الحديد وبلدها، وأماكن متفرقة، وأكرمه إكراما تاما. وبقى فى خدمته، إلى أن مات فى سنة عشر وستمائة. وسار معه أيضا سرا سنقر والفارس البكّى، وجماعة الصّلاحيّة، وأقطعهم الإقطاعات الحسنة.
(29/25)

وكان رحيلهم عن دمشق فى ذى الحجة، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسار الملك العادل ودخل دمشق. واصطلح مع الملك المنصور صاحب حماه. وتزوج العادل ابنته.
ذكر اتفاق الملوك الأيّوبيّة وما استقر لكل منهم من الممالك
قال المؤرخ: ثم استقرت القاعدة بين الملوك، فى سنة تسع وتسعين وخمسمائة على أن يكون للملك العادل الديار المصرية، ودمشق والسواحل وبيت المقدس، وجميع ما هو فى يده ويد أولاده ببلاد الشرق.
وأن يكون للملك الظاهر حلب وما معها. وأن يكون للملك المنصور- ناصر الدين محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب- حماه وأعمالها، والمعرّة وسلميّه «1» وبارين «2» .
وأن يكون للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه
(29/26)

حمص، والرّحبة «1» ، وتدمر «2» . وأن يكون للملك الأمجد، بن فرّخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، بعلبك وأعمالها.
وأن يكون للملك الأفضل، بن الملك الناصر، سميساط «3» وبلادها، لا غير.
وأن يقطع الملك الظاهر خبز «4» عماد الدين المشطوب «5» ولا يستخدمه. فقطع خبزه، فصار إلى الملك العادل فلم يستخدمه، وقال له: تخدم بعض أولادى. فقصد الملك الأوحد، فلم يستخدمه. فاستخدمه الملك الأشرف، وندبه لحصار ماردين، وحلف له على أربعمائة فارس، إذا فتحت. فسار ابن المشطوب إليها وحاصرها، فأرسل صاحبها إلى الملك الأشرف خمسة آلاف دينار، فتركها.
نعود إلى أخبار الملك العادل، فى أثناء هذه المدة التى قدمنا ذكرها، والحوادث التى وقعت فى خلالها.
(29/27)

وفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فى ذى القعدة، اعتقل الملك العادل، الملك المؤيد والملك العزيز وهما: ابنا أخيه صلاح الدين يوسف.
رحمه الله تعالى.
ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وغيرها
وفى هذه السنة فى شعبان، جاءت زلزلة من الصعيد، فعمت الدنيا فى ساعة واحدة. وهدمت أماكن كثيرة بالديار المصرية، ومات تحت الهدم خلق كثير.
وامتدت إلى الشام والساحل، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق بها جدار قائم إلا حارة السامرة «1» ، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا. وهدمت عكا وصور وجميع قلاع الساحل. وامتدت إلى دمشق، فرمت بعض المنارة بالجامع، وأكثر الكلّاسة والبيمارستان النّورى، وعامة دور دمشق إلا القليل. وهرب الناس إلى الميادين. وسقط من الجامع ستة عشر شرفة «2» ، وتشققت قبّة النّسر «3»
(29/28)

وتهدمت بانياس «1» وهونين «2» وتبنين «3» . وخرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس «4» من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، فماتوا بأسرهم.
وتهدمت قلعة بعلبك- مع عظم حجارتها. وامتدت إلى حمص، وحماه، وحلب، والعواصم.
وقطعت البحر إلى قبرص، وانفرق البحر فصار أطوادا، وقذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت. ثم امتدت إلى خلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة.
وأحصى من هلك فى هذه السنة، بسبب هذه الزلزلة، فكانوا ألف ألف إنسان، ومائة ألف. وكانت قوة الزّلزلة، فى مبدأ الأمر، بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف. ثم دامت بعد ذلك أياما.
حكى ذلك أبو المظفر يوسف سبط بن الجوزى «5» فى تاريخه: «مرآة الزمان» . وقد ذكرت زلزلة أيضا فى شعبان، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة،
(29/29)

وذكر مما حدث بسببها نحو هذا. فالله أعلم: هل هى هذه، أو هما اثنتان؟.
وفى هذه السنة توفى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، الزّمام «1» ، فى مستهل شهر رجب بالقاهرة، وله من العمر ثمان وثمانون سنة:
وهو الذى عمّر سور القاهرة، وقلعة الجبل «2» وقناطر نهيا «3» من الجيزة. وعمر بالمقس «4» رباطا، وبظاهر القاهرة- خارج باب الفتوح- سبيل. والناس ينسبون إليه فى ولايته أحكاما غريبة، حتى وضع الأسعد بن ممّاتى خبرا لطيفا، سماه «الفاشوش فى أحكام قراقوش» ، ذكر فيه أشياء يبعد وقوعها من مثله «5» ، فإن الملك الناصر صلاح الدين يوسف،
(29/30)

مع حسن تدبيره وسداد رأيه، كان يعتمد عليه فى المهمات الجليلة والمناصب العالية، وثوقا بمعرفته وكفايته. والله أعلم. ولما مات، أقطع الملك العادل إقطاعه لابنه الملك الكامل.
وفيها، فى يوم الاثنين مستهل شهر رمضان، توفى بدمشق القاضى عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، الأصفهانى، الكاتب، صاحب الخريدة، والرسائل المشهورة «1» . ومولده فى يوم الاثنين، ثانى جمادى الآخرة، سنة تسع عشرة وخمسمائة.
وفيها كانت وفاة الشيخ جمال الدين أبو الفرج: عبد الرحمن، بن على، بن عبيد الله، بن حماد، بن أحمد، بن جعفر، الجوزى الواعظ، البكرى التّيمى ببغداد، فى الليلة المسفرة عن يوم الجمعة، ثالث عشر رمضان. ودفن يوم الجمعة عند قبر الإمام أحمد بن حنبل- رحمهما الله تعالى.
(29/31)

واستهلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:
ذكر عمارة المسجد الجامع بقاسيون
فى هذه السنة، شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى شيخ المقادسة- رحمه الله تعالى- فى بناء المسجد الجامع، بجبل قاسيون «1» . وكان بالجبل رجل فامى «2» ، يقال له أبو داود، فوضع أساسه وبلغ قامة، وأنفق عليه ما كان يملكه. وبلغ مظفّر الدين بن زين الدين صاحب إربل ذلك، فبعث إلى الشيخ أبى عمر مالا يملكه، ووقف عليه وقفا. ثم أرسل ألف دينار. وأراد أن يسوق إليه الماء من برزه «3» ، فقال الملك المعظم عيسى: طريق الماء كلها مقابر، فكيف يجوز أن تنبش أموات المسلمين! وأشار أن يشترى بغل يدور بدولاب، ويشترى ببقية المال مكان يوقف عليه. ففعلوا ذلك.
ذكر وفاة الملك المعز صاحب اليمن وقيام أخيه نجم الدين أيوب
كانت وفاة الملك المعز: فتح الدين أبى الفدا إسماعيل، بن الملك العزيز، ظهير الدين أبى الفوارس: سيف الإسلام طعتكين «4» بن أيوب،
(29/32)

ملك اليمن بالقرو «1» من أعمال زبيد، فى شهر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وكان قد ادعى أنه من بنى أمية، وتلقب بألقاب الخلفاء، وهو الإمام الهادى بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين. وغيّر زيّه، فلبس القميص الواسع والعمامة والطّيلسان. وكتب إليه عمه العادل ينكر عليه ذلك، فلم يجبه. وكان سبب ذلك أن الشعراء باليمن سموه فى مدائحهم بالخليفة، وفضلوه على من سواه. ومنهم من امتدحه بقوله:
بنى العباس هاتوا ناظرونا..
وهى أبيات لم يقع منها غير هذا.
ولما مات، قام بعده بملك اليمن أخوه: نجم الدين أيوب، وتلقب بالناصر. وكان دون البالغ، فقام بأمره سيف الدين: مملوك أبيه.
وفيها توفى الرئيس مؤيّد الدين، أبو المعالى: أسعد، بن عز الدين أبى يعلى حمزة، بن القلانسى التّميمى «2» بدمشق، فجأة فى رابع عشرين شهر ربيع الأول. ومولده فى سابع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة.
(29/33)

وكان رئيس دمشق وكبيرها وصدرها. وسائر أهل البلد تحت حكمه، وهو المقدم عليهم. وكان الدماشقة فى الزمن الأول لكل طائفة منهم مقدم، يركبون «1» مع الملوك ويجاهدون «2» الفرنج. ولكل طائفة قطعة من السور يحفظونها، بغير إقطاع لهم على ذلك ولا جامكيّة «3» . وما برح الحال على ذلك إلى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فأبطل ذلك وقال:
لا نقاتل بالعوام. وإنما فعل ذلك خوفا على نفسه منهم، فإنهم كانوا إذا طلبهم ملك قتلوه. ولما ولى الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق، شرع فى مصادرة أكابر دمشق واستئصال أموالهم. فاشتغلوا بالظلم عما كانوا بصدده، من ركوب الخيل وجمع السلاح، وغير ذلك.
وكان مؤيّد الدين هذا رئيس دمشق فى زمانه، ومقدم الجماعة. بحيث أنه لا يباع من أملاك دمشق ملك، حتى يأتيه جماعة ويشهدون عنده أنه ملك البائع، انتقل إليه بالميراث أو الابتياع. فإذا ثبت ذلك عنده كتب بخطه فى ذيل الكتاب ليشهد فيه بالتبايع، فيشهد الشهود بعد ذلك. وخطه موجود فى الكتب القديمة بذلك. وكان رحمه الله تعالى من أرباب المروءات لمن قصده ولجأ إليه.
وله نظم حسن، فمن نظمه:
يا رب جد لى إذا ما ضمّنى جدثى ... برحمة منك تنجينى من النار
أحسن إلىّ إذا أصبحت جارك فى ... لحدى، فإنك قد أوصيت بالجار
(29/34)

وتوفى والده عز الدين «1» حمزة يوم الجمعة، سابع شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ودفن بقاسيون. وكان فاضلا حسن الخط والنظم. وجمع تاريخا لحوادث سنة أربعمائة إلى حين وفاته- رحمهما الله تعالى.
وفى يوم عيد النحر من هذه السنة، ورد إلى فوّه»
مراكب الروم فنهبوها نهبا شديدا.
واستهلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة:
فى هذه السنة أخرج الملك العادل الملك المنصور، بن العزيز، من الديار المصرية إلى الرّها «3» .
وفيها ملك الفرنج القسطنطينية من الروم.
وخرج الفرنج منها لقصد الساحل. [فجمع الملك العادل عساكره وخرج إليهم. فاستقر الصلح بينه وبينهم على أن يكون لهم من بلاد المناصفات «4» أشياء، مثل الرّملة والناصرة.
(29/35)

وفيها بعث الخليفة- الناصر لدين الله- الخلع إلى الملك العادل وأولاده، وسراويلات الفتّوة «1» ، فلبسوها فى شهر رمضان «2» ] .
ذكر حصار ماردين «3» وما حصل من الاتفاق
وفى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، جمع السلطان الملك العادل عساكره، وفرق فيهم السلاح والأموال، وقدم عليهم ولده: الملك «الأشرف موسى» ، وأمره بالمسير إلى ماردين. فسار إليها وحاصرها، وشدد الحصار.
فدخل الملك الظاهر غازى، صاحب حلب، فى الصلح بين عمه وصاحب ماردين. فأجاب الملك العادل إلى الصلح- على أن يخطب له صاحب ماردين فى جميع بلاده، ويضرب السّكّة باسمه، ويحمل إليه مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويكون عسكر ماردين فى خدمته، متى طلبه.
فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك.
فرحل الملك الأشرف عنها، وحمل صاحب ماردين إلى الملك الظاهر عشرين ألف دينار، لتوسطه فى الصلح.
(29/36)

وحكى أن السبب فى حصار ماردين أن شاعرا، يقال له الكمال، قال:
متى تقبل الرايات من أرض جلّق «1» ... وتنتزع الشهباء من كفّ أرتق «2» !
فبلغ هذا البيت أرتق صاحب ماردين، فاعتقل هذا الشاعر. فاتصل خبره بالملك العادل، فندب هذا الجيش إليها. والله أعلم.
وفى هذه السنة- فى أواخرها- حصل الشروع فى عمارة سور قلعة دمشق. فابتدىء ببرج الزاوية القبلى منها، المجاور لباب النصر.
وفيها ماجت النجوم شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر، يمينا وشمالا. ولم ينقل ذلك إلا فى مبعث النبى صلى الله عليه وسلم، وفى سنة إحدى وأربعين ومائتين. ويقال إن هذه السنة كانت أكثر انتشارا. والله أعلم.
واستهلت سنة ستمائة
فى هذه السنة وصلت مراكب الفرنج من ساحل عكا إلى فوّه «3» ، فنهبوها وغنموا كثيرا من أطرافها. وأقاموا عليها خمسة أيام. وخرج بعض عساكر مصر فقاتلتهم.
(29/37)

وفيها كانت وفاة الحافظ: عبد الغنى بن عبد الواحد بن على، ابن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسى الحنبلى، الجمّاعيلى. ولد بجمّاعيل «1» - وهى قرية من أعمال نابلس، فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
وفيها، فى العاشر من جمادى الأولى، كانت وفاة القاضى السعيد أبو القاسم: هبة الله بن أبى الرّدّاد «2» - متولى المقياس بجزيرة مصر- وكان خطيب الجامع.
واستهلت سنة إحدى وستمائة:
فى هذه السنة رخصت أسعار الديار المصرية. وبلغ سعر القمح ستة أرادب بدينار.
وفيها قدم الملك العادل من الشام فى ثالث جمادى الآخرة وتوجه إلى الإسكندرية، وحصّل منها أموالا جمّة.
(29/38)

وفيها، أخرج الملك الكامل أولاد الخليفة العاضد لدين «1» الله، وهم: داود والمظفّر، إلى الإيوان بالقصر، وقيدهم، وأخذ جميع ما كان عندهم من الأقمشة والأوانى وغير ذلك.
وفيها ابتدأ الصاحب صفى الدين بن شكر بمصادرة أصحاب الدواوين، ومستخدمى الدولة والمتعينين، وأهانهم، لما كان فى باطنه منهم.
وفيها توفى القاضى كمال الدين أبو السعادات: أحمد بن القاضى جلال الدين أبى المعالى شكر، بن محمود بن يعقوب اللّخمى. وكان ناظر الدواوين فى الأيام الناصرية والعزيزية. وكانت وفاته بثغر الإسكندرية. وهو الذى نوّه بذكر الصاحب صفى الدين ورباه، وصفىّ الدين ربيبه. كان جلال الدين شكر والمخلص أبو الحسن- والد الصاحب صفى الدين- إخوة لأم.
واستهلت سنة اثنتين وستمائة:
فى هذه السنة هدمت قنطرة الباب الشرقى بدمشق، وبلط بحجارتها صحن الجامع، وفرغ منها فى شهر رمضان سنة أربع وستمائة، وفيها فى شوال غير قبّة النّسر بجامع دمشق، عدة أضلاع من شماليها. والله أعلم.
(29/39)

واستهلت سنة ثلاث وستمائة:
ذكر قصد العادل بلاد الفرنج
فى هذه السنة فى جمادى الأولى، وقيل فى شعبان، خرج الملك العادل بعساكره وقصد عكا. فصالحه أهلها. فعاد إلى دمشق.
وخرج الفرنج من طرابلس، وأغاروا على حمص. فخرج الملك العادل من دمشق، ونزل على بحيرة قدس «1» بظاهر حمص، وحضرت إليه عساكر البلاد. فأقام إلى آخر شهر رمضان. وتوجه يوم العيد إلى حصن الأكراد «2» ، وقاتل أشد قتال، وفتح برجا بالقرب من الحصن، وأخذ منه خمسمائة رجل وسلاحا. ثم سار إلى القليعات «3» ، فأخذها بعد حصار.
وتقدم إلى طرابلس، وقاتل قتالا شديدا، وأقطع ثمارها. ثم أنس من عسكره فشلا، فعاد إلى حمص. فأنشذ إليه صاحب طرابلس وطلب الصلح، وأرسل مالا وأسرى.
وفيها توفى الطواشى جمال الدين إقبال، الخادم الصّلاحى، من خدام
(29/40)

الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكانت وفاته بالبيت المقدس، بعد أن وقف داريه بدمشق مدرستين: إحداهما على الطائفة الشافعية، والأخرى على طائفة الحنفية، ووقف عليهما أوقافا: جعل ثلثيها للشافعية وثلثها للحنفية. وذلك فى رابع عشر ذى القعدة.
واستهلت سنة أربع وستمائة:
ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل
وأول من سكن قلعة الجبل من الملوك الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل. وذلك فى سنة أربع وستمائة- وهو إذ ذاك ينوب عن والده بالديار المصرية.
وأول من بدأ بعمارتها الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فعمر بها برجا، وهو المطل على مشهد السيدة نفيسة. ثم كملت فى أيام الملك العادل.
ونقل أولاد العاضد من القصر إلى قلعة الجبل، وبنى لهم بها مكان اعتقلوا فيه. فكانوا فيه إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة. وتوفى الأمير داود فى هذه السنة.
ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره
كان السلطان الملك العادل قد جهز القاضى نجم الدين خليل الحنفى- قاضى عسكر الشام- رسولا إلى الخليفة الناصر لدين الله، فوصل إلى بغداد
(29/41)

فى هذه السنة فجهز الخليفة إلى السلطان رسولين، وهما: الشيخ شهاب الدين السّهروردى «1» ونور الدين سنقر الرّكنى الخليفتى. وأصحبهما الخلع للسلطان، ولولديه: الأشرف والمعظم، ولوزيره صفى الدين بن شكر، ولأستاذ داره شمس الدين إلدكز العادلى.
وكانت خلعة السلطان جبة أطلس وسيعة الكم بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب مجوهر، وسيف جميع؟؟؟
ملبس بالذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وقصبة ذهب عليها علم أسود، مكتوب عليه بالبياض.
فتلقاها السلطان الملك العادل إلى الغسولة «2» بجميع عساكره، وعاد.
ولبسوا الخلع من القصر إلى القلعة بدمشق. وحمل الأمير بدر الدين دلدرم التقليد على رأسه بين يدى السلطان، ودخلوا جميعهم من باب الحديد وقت أذان الظهر. وقرأ الوزير التقليد قائما، بمحضر من القضاة وبياض البلد، بإيوان القلعة، والسلطان وأولاده وسائر من حضر قياما إلى أن تكاملت قراءته.
وتضمن التقليد تفويض البلاد إلى السلطان، وهى ديار مصر والساحل ودمشق، وبلاد الشرق وخلاط. وحضرت رسل الملوك: الظاهر صاحب
(29/42)

حلب، والمنصور صاحب حماة، وصاحب حمص، ومع كل منهم ألف دينار، ينثرها على السلطان. فرسم السلطان بتوفير ذلك لرسول الخليفة.
وسار الشيخ شهاب الدين ورفيقه إلى القاهرة، بخلعة الملك الكامل.
فتلقاهما الملك الكامل، وزينت القاهرة ومصر لدخول الرسل. ولبس الكامل الخلعة الخليفية.
ثم عاد الشيخ شهاب الدين السّهروردى ورفيقه إلى بغداد. وأصحبهما السلطان أستاذ داره شمس الدين، وصحبته التحف والألطاف. فوصل إلى بغداد فى سنة خمس وستمائة. فتلقى بالموكب. ونقم الخليفة على الشيخ شهاب الدين السهروردى كونه مد يده إلى الأموال وقبلها، وحضر دعوات الأمراء بالشام، منهم الأمير عز الدين سامه وغيره. وكان قبل ذلك قد اشتهر بالزهد. فاعتذر أنه إنما قبل الأموال ليفرقها فى الفقراء فلم يقبل عذره. ومنع من الوعظ، وأخذ منه الرّبط التى كانت بيده. وفرق الشيخ ما كان قد حصل له من الأموال- وكانت جملة طائلة- فاغتنى بها جماعة من الفقراء.
وقبل الخليفة ما كان مع شمس الدين إلّدكز من الهدايا، وشرّفه وأعاده إلى مرسله.
ذكر استيلاء الملك الأوحد بن السلطان الملك العادل على خلاط «1»
وفى سنة أربع وستمائة، استولى الملك الأوحد: نجم الدين أيوب، بن الملك العادل على مدينة خلاط، بمكاتبة أهلها.
(29/43)

وكان سبب ذلك أن الهزار دينارى قتل صاحبها ابن بكتمر- وكان شابا لم يبلغ عشرين سنة- وقيل انه غرّقه فى بحر خلاط. وكانت أخته بنت بكتمر زوجة صاحب أرزن الروم «1» ، فقالت: لا أرضى إلا بقتل قاتل أخى. فسار صاحب أرزن إلى خلاط فخرج إليه الهزار دينارى وتبارزا، فقتله صاحب أرزن الروم. وعاد إلى أرزن. وبقيت خلاط بغير ملك.
وكان الملك الأوحد- صاحب ميّافارقين «2» - يكاتبه أعيان خلاط.
فجاء إليهم واستولى على المدينة. واشترط عليه مقدموها شروطا، وكانوا جبابرة، فقبل الشروط. ثم أبادهم- قتلا وتغريقا- وبدد شملهم.
ومن عجيب ما اتفق أن الملك العادل، سيف الدين، كان له عدة أولاد، ليس فيهم أقبح صورة من الملك الأوحد هذا، فإنه كان قصيرا ألثغ زرىّ المنظر.
فخرج مع والده وإخوته إلى الصيد. فأرسل والده بازيّا على طائر، فسقط البازى على رأس الأوحد، فضحك السلطان والده، وقال: قد صاد بازيّنا اليوم بومة! فانكسر خاطر الأوحد لذلك، وتألم وأسرّها فى نفسه. فلما قدر الله تعالى له بفتح خلاط، وخطب له بشاه أرمن على قاعدة ملوك خلاط، كتب إلى أبيه الملك العادل، يبشره بالفتح، ويقول له: إن البومة- التى صادها بازى مولانا السلطان فى اليوم الفلانى- قد اصطادت مدينة خلاط، وصارت شاه أرمن! وكان بين الواقعتين عشر سنين.
(29/44)

وفى هذه السنة، فى شهر رجب، وضعت الساعات بالمئذنة الشمالية بجامع دمشق. وفيها حصل الشروع فى عمارة البرج الذى يقابل المدرسة القيمازيّة «1» من قلعة دمشق. وفيها حدثت زلازل ورياح شديدة ببلاد خلاط.، وخسف بمكان الملك الأوحد بن الملك العادل قد نزل به ثم رحل عنه، قبل الخسف بليلة.
وفيها كانت وفاة الأمير داود، بن الخليفة العاضد لدين الله، فى محبسه بقلعة الجبل. وكان دعاة الإسماعيلية يقولون إن العاضد نصّ عليه بالإمامة، وأنه صاحب الأمر بعده. وكان عظيما عند العامّة. فلما توفى انقطعت دعوة الإسماعيلية «2» وزال أمرهم.
وأشهر العادل وفاته، فعظم موته على من هو يتوالى فيهم. فاستأذن الناس الملك الكامل فى النياحة عليه وندبه، فأذن لهم. فبرز النساء حاسرات، والرجال فى ثياب الصوف والشعر، وأخذوا فى ندبه والبكاء عليه. واشتهر من كان مستترا من الإسماعيلية. فلما اجتمعوا وكملوا، أرسل الملك الكامل جماعة من عسكره، فنهبوا ذلك الجمع، وقبض على المعروفين منهم، وملأ بهم الحبوس، واستصفى أموال ذوى اليسار منهم، وهرب جماعة آخرون. وزال أمر الإسماعيلية من الديار المصرية. ولم يتجاهر بعد ذلك أحد بمذهبهم.
(29/45)

واستهلت سنة خمسة وستمائة:
فى هذه السنة فى يوم الجمعة، خامس شهر رمضان، ولى قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، بن عبد العلى، بن على، السّكّرى- القضاء بالديار المصرية.
وذلك أن الملك العادل كان قد خرج إلى الشام فى شعبان، فلما وصل إلى العبّاسة «1» ، بلغه وفاة قاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن درباس. وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء، الخامس من شهر رجب، من هذه السنة. ومولده فى أواخر سنة ست عشرة، أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة. ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
ولما اتصلت وفاته بالسلطان، استدعى الفقيه عماد الدين، فسار إلى العبّاسة. فولاه الحكم، وعاد «2» إلى القاهرة. فدخلها فى يوم الاثنين، ثامن الشهر. ولما وصل إلى مسجد التّبن، دخل إليه- ومسجد التبن بظاهر القاهرة- ولبس الطّرحة وألقى الطّيلسان «3» . وكانت العادة جارية أن لا يتطرح إلا من علم فضله واشتهر.
وفيها كانت وفاة الملك الأمجد: مجد الدين حسن، بن السلطان الملك
(29/46)

العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بالقدس- وهو شقيق الملك المعظم والملك العزيز- رحمهم الله تعالى.
واستهلت سنة ست وستمائة:
فى هذه السنة- وقيل فى سنة سبع- نزلت الكرج «1» على خلاط، وبها الملك الأوحد، بن الملك العادل. وملك الكرج اسمه إيرانى «2» .
واتفق فى أمر هذا الحصار واقعة غريبة، ذكرها الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه: «حوادث الزمان» عمّن حكى لوالده، قال:
كنت فى خلاط، وقد أشرف الكرج على فتحها، ولم يبق إلا دخولهم إليها. فبلغ الملك الأوحد أن منجم ايرانى قد حكم لصاحبه أنه متى زحف يوم السبت أول النهار، دخل خلاط، وجلس على تخت الملك، ولا يبيت ليلة الأحد إلا فى قلعتها. فأحضر الملك الأوحد منجمه، وذكر له ما بلغه، فقال له: لا تخف، فإن خلاط لا تخرج عن ملكك، وأنت مستظهر على الكرج.
(29/47)

واتفق أن إيرانى شرب الخمر، وركب فى جيوشه وقصد باب أرجيش «1» ، وحمل ليدخل البلد قبل أخيه، فكبا به فرسه فى حفيرة، فسقط إلى الأرض. واتفق خروج جماعة من القيمريّة «2» من ذلك الباب، ليدفعوا الكرج من البلد، فرأوا إرانى قد سقط، فحملوا على أصحابه وكشفوهم عنه، وأسروه. ودخلوا باب المدينة، وقد تجهز الملك الأوحد للهزيمة، فجلس فى القلعة أمام تخت المملكة على كرسى. وكان بقلعة خلاط تخت عظيم، لا يجلس عليه الملك إلا فى يوم ملكه، ثم لا يعود يجلس عليه.
فلما أحضر ملك الكرج إليه، تلقاه وأكرمه، وأجلسه على تخت الملك وجلس بين يديه على كرسى، وقال له: البلاد لك. فكتب إيرانى إلى أخيه، وإلى الكرج، بالانصراف عن البلد، فرحلوا.
وتحالف الملك الأوحد وملك الكرج على الموافقة والمعاضدة. وتزوج الملك الأوحد ابنة إيرانى، وجهزه إلى مدينته تفليس، بعد أن استأذن والده على ذلك، فأذن له. ويقال كان إطلاقه فى ثانى عشر جمادى الأولى، سنة سبع وستمائة. والله أعلم. وزفّت البنت إلى الملك الأوحد بعد ذلك، وهى على دينها، وبنى لها بيعة بقلعة خلاط. وأطلق الكرج القلاع التى كانت أخذت- وهى إحدى وعشرون قلعة- ومائة ألف دينار. ووافق قول كل من المنجمين: جلس الكرجى على تخت الملك، وبات بالقلعة، وانتصر الأوحد.
(29/48)

وفيها جهز الملك العادل جمال الدين المصرى «1» رسولا إلى الخليفة.
فأدى، وأعيد. وصحبه من الديوان العزيز ابن الضحاك وأقباش «2» الناصرى. فاجتمعوا بالسلطان الملك العادل على رأس العين.
ذكر حصار الملك العادل سنجار ورجوعه عنها وأخذ نصيبين والخابور
وفى سنة ست وستمائة، سار الملك العادل إلى سنجار «3» - وصاحبها، يوم ذاك، قطب الدين بن عماد الدين زنكى.
فلما خيم بظاهرها، أخرج صاحبها نساءه وخدمه، يسألن العادل إبقاء المدينة عليه. فلما حصلن عنده، أمر باعتقالهن. وأرسل إلى قطب الدين، يقول: انه لا يطلقهن إلا بعد تسليم البلد. فاضطر إلى موافقته. وتقررت الحال بينهما: أن يعوض قطب الدين الرّقّة وسروج وضياع فى بلاد حرّان.
فأطلق العادل النسوة، وأرسل أعلامه إلى البلد، فلما دخلن البلد، ودخلت الأعلام العادلية، أمر قطب الدين بغلق الأبواب وتكسير الأعلام.
وأرسل إلى العادل، يقول: غدرة بغدرة، والبادى أظلم.
(29/49)

فحاصرها العادل، وقطع أشجارها وهدم جواسقها. فانتصر صاحب الموصل لصاحب سنجار، خوفا على بلاده. وراسل مظفر الدين صاحب إربل، وكان بينهما وحشة. وكان من جملة رسالة صاحب الموصل له: أن الأحقاد تذهبها الشدائد. فراسل مظفر الدين العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فرد رسوله أقبح رد. فمضى إلى صاحب الموصل، واتفق معه، وراسلا صاحب الجزيرة.
وأرسل مظفر الدين إلى صاحب سنجار، يشير عليه بمراسلة الخليفة.
فأرسل إليه، فمضى الرسول إلى بغداد. فأرسل الخليفة إلى العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فلم يجب العادل لذلك. فغضب رسول الخليفة، وعاد إلى الموصل، وقال لمن بها من الملوك: قد أذن لكم أمير المؤمنين فى قتال العادل.
فكتبوا إلى الملك الظاهر صاحب حلب، وأغروه بعمه. فأرسل أخاه الملك المؤيد: نجم الدين مسعود إلى عمه، يشفع فى صاحب سنجار. فرده أقبح رد. فبرز الظاهر من حلب، فى ثامن شعبان، لقصد العادل. فتفرقت عساكره، والتحق بعضها بالعادل.
ثم رأى أهل سنجار أن من خرج منهم غضبه عسكر العادل، وفسقوا بمن خرج من النساء، فقاتلوا قتال الحريم. فاضطر العادل إلى الصلح مع صاحب سنجار. فتقرر أن يسلموا إلى العادل: نصيبين والخابور، ويحملوا إليه مالا. ففعل، وفارق سنجار.
وفيها كانت وفاة الملك المؤيّد: نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، برأس عين، عند منصرفه من عند عمه الملك
(29/50)

العادل، برسالة أخيه بسبب سنجار. وكان قد نام فى بيت مع ثلاثة نفر، وعندهم منقل فيه نار، والبيت بغير منفذ، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم، فماتوا جميعا فحمل المؤيد فى محفة إلى حلب، فدفن بها وفيها توفى الشيخ الإمام العلامة: فخر الدين أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن على بن محمد، التّيمى البكرى الطّبرستانى الأصل، الرّازى- المعروف بابن خطيب الرّىّ، الفقيه الشافعى، صاحب التصانيف المشهورة «1» . وكانت وفاته بهراه «2» فى يوم الاثنين- وهو يوم عيد الفطر- سنة ست وستمائة. ومولده فى خامس عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وفيها كانت وفاة القاضى الأسعد: أبى المكارم أسعد بن الخطير أبى سعيد، مهذّب بن مينا بن زكريا بن أبى قدامة، بن أبى مليح ممّاتى، المصرى الكاتب الشاعر.
كان يتولى نظر الدّواوين بالديار المصرية. وكان نصرانيا فأسلم فى ابتداء الدولة الناصرية الصلاحية، هو وجماعته. وله مصنفات عديدة: نظم سيرة الملك الناصر صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة. وله ديوان شعر.
وباشر ديوان الجيش الصّلاحى، ثم ولى نظر الدواوين. وخاف الصاحب صفى الدين بن شكر فهرب إلى حلب، والتحق بالملك الظاهر صاحبها.
(29/51)

وكانت وفاته بحلب فى سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة. ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام، على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ الهروى. وممّاتى لقب أبى المليح جده الأعلى. وسبب تلقيبه بهذا اللقب أنه وقع بمصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام، خصوصا لأطفال المسلمين، وكان الأطفال إذ رأوه نادوه: ممّاتى، فغلب عليه. حكى ذلك ابن خلّكان عن الحافظ زكىّ الدين عبد العظيم- رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة سبع وستمائة:
فى هذه السنة- فى يوم الاثنين الثانى والعشرين من شعبان- قدم الملك العادل إلى القاهرة، وصحبته الصاحب صفى الدين عبد الله بن شكر. ثم توجه إلى الطّور «1» لعمارته.
وفى هذه السنة، فى سابع شوال، حصل الشروع فى عمارة مصلّى ظاهر دمشق، وهى المجاورة لمسجد النارنج، فعمرت لصلاة العيدين، ثم عمل بالمصلى رواقات فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، وعملت حيطانه ورتب فيه خطيب لإقامة صلاة الجمعة فى سابع عشر من شهر رمضان. وفيها، فى حادى عشر من شهر شوال جددت أبواب جامع دمشق من جهة باب البريد، وعملت بالنحاس الأصفر وركبت. وفى سادس عشر من شوال حصل الشروع فى إصلاح الفوارة بجيرون «2» . وعمل الشّاذروان والبركة
(29/52)

بساحتها، واتخذ فيها مسجد بإمام راتب. وأول من رتب فيه- بأمر الصاحب صفى الدين بن شكر- الشيخ نفيس الدين المصرى، كان يلقب بوق الجامع لقوة صوته، وكان حسن الصوت.
وفيها فى سابع عشر من ذى القعدة، وصلت مراكب الفرنج إلى ثغر دمياط، على غرّة من أهله. فنهبوا أطراف الثغر، وأسروا جماعة من المسلمين.
واستهلت سنة ثمان وستمائة:
والسلطان الملك العادل، وابنه الملك المعظم، نازلان بالمخيّم على الطور «1» ، ومعهما العساكر، لعمارة حصنه. وهما مجتهدان فى إدارته حوشا.
ذكر بناء القبة على ضريح الإمام الشافعى- رحمه الله تعالى- وعمارة السوق
كان ابتداء عمارة هذه القبّة فى سنة ثمان وستمائة وكانت أرض هذا المكان مقبرة عتيقة. فاتفق أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف أنشأ المدرسة المجاورة للضريح. فلما كان فى هذه السنة، فى خامس عشر من صفر، توفيت والدة الملك الكامل، وكان الملك الكامل، قبل وفاتها بأيام، ركب وطوّف القرافة على مكان يبنيه عليها، ويجعل فيه سوقا. فوقع الاختيار على دفنها بالضريح. فلما توفيت، دفنها وعمر عليها هذه القبة الموجودة الآن.
(29/53)

وغرم عليها أموالا جليلة المقدار، أجرى إليها الماء الحلو من بركة الحبش «1» وانتقل البناء من القرافة الكبرى إلى هذا الموضع. ثم تغالى الناس بعد ذلك فى العمائر بالقرافة وزخرفوها، حتى صارت على ماهى عليه الآن.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير فخر الدين أبى المنصور، أياز جهاركس، الناصرى الصلاحى، بدمشق فى صفر، ودفن بقاسيون.
وكان الملك العادل قد أقطعه بانياس وتبنين والشّقيف وهونين «2» وتلك البلاد، لأجل انحرافه عن الملك الأفضل، ابن أخيه الملك الناصر. ولما مات جهاركس، أقر السلطان ما كان بيده على ابنيه. وقام بالأمر والتدبير الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى أحسن قيام، وسد تلك الثغور. واشترى صارم الدين ضيعة بوادى بردى «3» تسمى الكفر، ووقفها على تربة جهاركس، وعمر له قبة.
وفيها توفى الأمير صارم الدين برغش العادلى، بدمشق، فى ثالث وعشرين صفر، ودفن بقاسيون غربى بالجامع المظّفرى.
(29/54)

واستهلت سنة تسع وستمائة:
ذكر عزل الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر وولاية الصاحب الأعز بن شكر
وفى يوم الاثنين، لسبع مضين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وستمائة، صرف الصاحب صفى الدين من الوزارة والزم داره.
ونحن الآن نذكر فى هذا الموضع سبب اتصاله بخدمة السلطان العادل، وموجب انفصاله.
كان قد اتصل بالخدمة العادلية فى أواخر الأيام الناصرية. فلما مات ابن النّحّال النصرانى- كاتب الملك العادل- تقدم صفى الدين، فرآه شهما مقداما فقدمه، وتمكن من دولته. فلما كانت حادثة الأفضل، ورجوعه عن دمشق بعد حصارها، وخرج العادل فى طلبه اجتاز بالبيت المقدس، ومعه صفى الدين، فتحلف معه أنه إن قدّر الله تعالى له بملك الديار المصرية، يمكنه من المصريين، وحلفه على ذلك فحلف له.
فلما ملك العادل الديار المصرية، لم يتمكن صفى الدين من مصادرات المصريين، لأمرين: أحدهما ما حل بالناس من الغلاء المشهور، والثانى ملازمة العادل ببلاد الشام. فلم يزل كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة عند قدوم العادل من الشام، فأمسك الصاحب جماعة من رؤساء المصريين، وأصحاب الدواوين والمستخدمين وغيرهم، وعاقبهم أشد عقوبة ونكّل بهم، وفعل بهم ما أوجب حقد الناس عليه. وكثر بطشه بالناس، وأقام لنفسه حرمة عظيمة زادت على حرمة السلطان وعظم أمره، حتى كان أولاد
(29/55)

الملك العادل يأتون إلى داره فيجلسون على بابه، حتى يؤذن لهم، فثقل ذلك على أمراء الدولة وخاطبوا السلطان فى أمره، وهو لا يسمع فيه كلام متكلّم.
فلما كان فى سنة ست وستمائة- والسلطان على سنجار- اتفق أن الصاحب تحدّث معه فى شىء، لم يوافق رأى السلطان، فتوقف عن إجابته. فقام الصاحب من مجلس السلطان، وقد غضب، وجرح جرحا مفرطا فى المجلس، حتى خجل العادل ممن حضره، ووجدوا للكلام مجالا فتكلموا فيه. وكان العادل من أثبت الناس، وأحلمهم وأقلهم بطشا، وصفىّ الدين بخلاف ذلك. فبقيت هذه الحادثة فى نفس السلطان كامنة.
وكان القاضى الأعز بن شكر فى هذه السفرة نائب الوزارة بالديار المصرية، وهو ناظر الدواوين بها فى خدمة الملك الكامل، فحصل بينهما مودة.
فحسده من كان ينوب عن الصاحب فى الوزارة قبله. وكانوا يكاتبون «1» الصاحب ويقولون له إنّ الأعز قد توثب عليك، واتصل بالكامل وتمكن منه.
فلما كان فى ذى الحجة، سنة سبع وستمائة، اجتمع بنو شكر عند الصاحب على طعامه. فأشار أن توضع زبديّة «2» طعام مخصوص بين يدى الموفق- وهو أحد من كان ينوب عن الوزارة- فقال أحد الحاضرين: يده طويلة! - يريد أنها تطول لمكان الزبدية. فقال آخر: طوّلها الذى صرفه من نيابة الوزارة- يعرض به أنه كان يتبرطل! فضحك الأعز ضحكا مفرطا،
(29/56)

بمعنى أنه أمين، ليس فيه ما يقال كما قيل فى غيره! فغضب الصاحب لذلك وانتهره، لإساءته فى مجلسه بالضحك.
فأسرع الأعز فى القيام إلى داره. فلما قام، قال بعض من حضر للصاحب: لا تأمنه من سوء يكيدك به. وأغروه به، فأمر باحضاره. فلما جاءه الرسول، علم أنه إن وقع فى يده لا يأمنه على نفسه. فتسّور من مكان فى داره، وطلع إلى القلعة، واحتمى بالكامل. فلما سمع الصاحب بذلك طلبه من الكامل، فدافعه به. فغضب واجتمع بالملك العادل، وقال: ان الأعز لزمه حساب، وقد أحماه الكامل علينا. وكرر عليه القول. فتحدث العادل مع ابنه الكامل فى ذلك، فقال: يصلح بينهما. وقصد الكامل بذلك مدافعة الأيام، ليقع سفر العادل إلى الشام معه، فيسكن ما عند الصاحب منه، فلم يزده ذلك إلا حنقا.
فلما كان فى آخر ذى الحجة- سنة ثمان وستمائة- ركب الكامل إلى دار الوزارة، وحضر مجلس الوزير، والأعز معه، وأصلح بينهما. فاصطلحا ظاهرا، والبواطن بخلاف ذلك. وقصد الصاحب أن الأعز إذا انصرف إلى داره، قبض عليه، فلم يفارق الأعز الخدمة الكاملية بالقلعة. فازداد الصاحب حنقا عليه، وتحدث مع العادل أن يعزله عن نظر الدواوين.
فتوقف السلطان فى ذلك.
وتمادى الأمر، إلى آخر صفر. فامتنع الصاحب من الكتابة على المناشير والتّواقيع، وحلف أنه لا يباشر والأعزّ يكتب معه أيدا. فتعطلت أحوال الناس، وشكوا ذلك إلى السلطان. فأرسل إلى الصاحب بروضه،
(29/57)

ويقول: لا بد أن أمكّنك من الأعز، وهو لا يزداد إلا غضبا وإساءة فى الجواب. فإذا عاد رسول السلطان إليه، لا يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب، ويغالط فى الجواب. فأرسل السلطان بعض الأمراء إلى الصاحب برسالة، ومعه أحد مماليكه، وقال له احفظ ما يقوله الصاحب، وأعده علىّ. فكان من جملة قول الصاحب: والله لا كتبت والأعز يكتب معى أبدا. فعند ذلك، خرج السلطان على ابنه الكامل وانتهره، وأغلظ فى القول، وقال: يسلّم الأعز إلى الصاحب فى هذه الساعة!.
فلما عاد الكامل إلى القلعة، تلقاه الأعز على عادته. فقال: قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب، وخرج علىّ بسببك، وعجزت عن حمايتك.
فقال له الأعز: يا مولانا، والله عداوتى للصاحب بسببك! وهو أنه كاتبنى فى حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من مملكة الديار المصرية، وأن يجعل عوضا عنك الأشرف موسى. وهذه كتبه إلىّ. فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته: «وأما هذا المجنون- يشير إلى الكامل- فلا بد من صرفه، وإحضار الأشرف إلى الدّيار المصرية» . وتضمنت من سبه وشتمه كثيرا.
فعاد الكامل للعادل، والكتب معه، وجاء فى غير الوقت المعتاد.
فقال له العادل: ما جاء بك الآن؟ فقال: هذا الصاحب يريد أن يوقع بين السلطان وأولاده، وبين الإخوة. هذه كتبه للأعز، وعداوته بسببها. فلما وقف العادل عليها، عظم عليه سبه لابنه- وكان العادل يدارى جميع أولاده، خوفا أن يقوم أحدهم عليه، فتنخرق حرمته- فقال نعزله، ولا يسلّم إليه الأعز. ويكتب الأعز وحده.
(29/58)

فخرج الكامل لوقته، واستدعى الأعز فخر الدين أبا الفوارس مقدام، بن القاضى جمال الدين أحمد بن شكر. وأمر أمير جانداره «1» بجمع الدواوين وتسليمهم للأعز. فسلمهم إليه. وجلس الصاحب الأعز، وتحدث فى الوزارة لوقته. وقام الصاحب صفى الدين من مجلس الوزراة ولازم داره. ثم كان من خبر مصادرته، وإخراجه من الديار المصرية ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه
كان الأمير عز الدين أسامة الجبلى من أكابر الأمراء، وصهر الملك العادل. وهو الذى بنى الجسر الذى على نهر الأردن، المعروف بجسر أسامة.
وقيل أنه هو الذى بنى قلعة عجلون «2» . وكانت داره بدمشق، التى هى الآن
(29/59)


المدرسة البادرائيّة «1» بدمشق.
فاتهمه السلطان بمباطنة الملك الظاهر صاحب حلب، واستوحش هو أيضا من السلطان الملك العادل وأولاده، فقصد الانحياز إلى قلاعه- وكان له عجلون وقلعة كوكب «2» . واتفق أن السلطان توجه فى هذه السنة إلى ثغر دمياط، وصحبته أولاده الملك الكامل والملك المعظم والملك الفائز، فاغتنم عز الدين أسامة غيبتهم، وركب من القاهرة فى يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة، وخرج وأظهر أنه يريد الصيد.
فلما مر ببلبيس، بطق «3» متوليها إلى السلطان يخبره. فقال الملك العادل: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فانتدب الملك المعظم لذلك.
وركب من ثغر دمياط ليلة الثلاثاء، غرة شهر رجب. وساق فى ثمانية ممن يعتمد عليهم، وعلى يده حصان جنيب «4» فوصل إلى غزة صبح الجمعة،
(29/60)

وسبق أسامة إليها، وأمسك عليه الطرق. وأما أسامة فإنه تقطعت عنه مماليكه ومن كان معه، وبقى وحده، وبه مرض النّقرس. ووصل إلى الدّاروم «1» فعرفه بعض الصيادين، فأعطاه أسامة ألف دينار، وقال: خذ هذه وأوصلنى إلى الشام. فأخذه وجاء إلى رفاقه فعرفوه، وتوجهوا به على طريق الخليل، ليتوجهوا به إلى عجلون. فوصلوا به إلى القدس، فى يوم الأحد سادس من شهر رجب. ونزل بصهيون- وهى ضيعة بالقدس.
وعلم به الملك المعظم، فأرسل إليه بثياب وطعام، ولاطفه، وقال له أنت شيخ كبير ما يصلح لك الحصون، فسلّم الىّ كوكب وعجلون. وقال أنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد.
فامتنع من ذلك، وسب المعظم أقبح سب. فلما يئس منه، بعث به إلى الكرك «2» واعتقله بها واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره. فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار.
وأما السلطان الملك العادل فانه كان توجه فى العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط، وتوجه منه إلى ثغر الاسكندرية، ثم عاد وتوجه إلى الشام، فى ثانى شوال من هذه السنة. وحاصر كوكب أشد حصار، واستولى عليها. وأخذ منها أموالا عظيمة وهدمها وعفّى أثرها. وذلك فى العشر الأوسط من ذى القعدة
(29/61)

ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها
وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب، بن السلطان الملك العادل، وهو صاحب خلاط. وكانت وفاته بملازكرد «1» فى ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بها.
وكان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حرّان، فأقام عنده أياما.
واشتد مرضه، فقصد الأشرف الرجوع إلى حرّان لئلا يتخيّل «2» منه الأوحد. فقال له الأوحد: يا أخى كم تلح؟ والله، إنى ميت، وأنت تأخذ البلاد! ثم مات. فدفنه الملك الأشرف. وجاء إلى خلاط، واستولى عليها، وعلى ما بها من الأموال.
فتوجه الملك العادل إليه، وقد غضب لكونه «3» فعل بغير أمره. فلما وصل إليها، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفا أن يسبقه غيره من ملوك الأطراف إليها، فقبل عذره، واستمر به فيها «4» . وأنعم السلطان على ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى بميّافارقين وأعمالها.
(29/62)

واستهلت سنة عشر وستمائة:
ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل، ورجمه
وفى جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، شغب العوامّ بمصر على الملك الكامل ورجموه، وسبب ذلك أن أبا شاكر النصرانى الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه، وكان إلى جانب الكنيسة المعلّقة بمصر مسجد قد عفى أثره، فقصد العوام تجديده. فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك، بسبب أبى شاكر. فثار العوام، وقالوا لا بد من عمارته. فركب الملك الكامل من القلعة، وجاء إلى الكنيسة المعلّقة «1» ، وكشف المكان بنفسه. فلما شاهده، قال: ما كان هذا مسجدا قط. فاستغاث العوام، وشغبوا ورموه بالحجارة، فهرب منهم إلى القلعة.
وفيها توجه الملك الظافر الخضر، بن السلطان الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب، من حلب لقصد الحج. فنزل بالقابون «2» فى يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم «3» فى خامس الشهر. وكان الملك المعظم بحوران، فوصل إلى دمشق، وأدخله إليها وعمل له ضيافة. ثم توجه
(29/63)

إلى الحجاز، صحبة الركب الشامى، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحرم بالحج من ذى الحليفة «1» ، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر، خوفا منه أن يتوجه إلى اليمن. فقالوا له: ترجع. فعلم مرادهم. فقال إنه قد بقى بينى وبين مكة مسافة يسيرة، وانى قد أحرمت. وو الله ما قصدى اليمن ولا أقصد غير الحج، فقيدونى، واحتاطوا بى، حتى أقضى المناسك وأعود. فلم يوافقوه على ذلك، وأعادوه إلى الشام فصنع كما صنع النبى صلى الله عليه وسلم حين صده المشركون عن البيت: قصّر وذبح ما تيسر، وعاد إلى الشام.
وفيها توفى الأمير فارس الدين ميمون القصرى بحلب فى رابع عشر من شهر رمضان. وكان من أكابر الأمراء الناصرية. وكانت أعزاز «2» اقطاعه.
وخلف أموالا جمّة. وهذه النسبة إلى القصر الذى بالقاهرة، كان تربّى «3» فيه- رحمه الله.
(29/64)

واستهلت سنة إحدى عشرة وستمائة:
ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن
وفى هذه السنة جهز الملك الكامل ابنه الملك المسعود، صلاح الدين أتسز- وهو أقسيس «1» - إلى الحجاز، ويتوجه من هناك إلى اليمن.
وكان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب، بن سيف الإسلام بن أيوب، قد توفى، واستولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه، بن تقى الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب- باتفاق من أجنادها- وتزوج بأم الناصر.
ووصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك، فجهز ابنه الملك المسعود. فرحل من بركة الجبّ «2» فى يوم الاثنين، سابع عشر من شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجانداريّة «3» والرّماة خمسمائة و [كان] ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان الملك العادل بدمشق، ولقبه بالملك المسعود، وأعاده إلى القاهرة.
(29/65)

فتوجه إلى مكة- شرفها الله تعالى، فلما قضى مناسك الحج توجه إلى بلاد اليمن. فكان وصوله إلى زبيد فى يوم السبت مستهل المحرم، سنة ثنتى عشرة وستمائة. فملكها من غير قتال، وتسلم ثمانية حصون من تهامة. وندب قطعة من العسكر لحصار تعزّ «1» - وكان سليمان قد تحصن بها- ففتح الحصن فى ثالث صفر، ودخله العسكر المسعودى، ومسك سليمان واعتقل. ثم جهزه إلى الديار المصرية هو زوجته.
وكانت صنعاء فى يد عبد الله بن حمزة- المدعى الخلافة- فجرد الملك المسعود إليه عسكرا، فوصل العسكر إلى صنعاء فى مستهل جمادى الأولى.
فهرب عبد الله لما سمع بقرب العسكر، وجعل لا يخرج من مدينة إلا بعد تخريب أسوارها، وتعفية ما يستطيع من أثرها، وهدم منار المساجد، ولحق بالجبال وتعلق بها. وملك الملك المسعود البلاد. وكان جبّارا فاتكا، فيقال إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف، وخلقا كثيرا من الأكابر.
وفيها استولى الملك المعظّم- شرف الدين عيسى- على قلعة صرخد «2» ، وأخذها من ابن قراجا، وعوضه عنها مالا وإقطاعا، وأعطاها لمملوكه، أستاذ داره عز الدين أيبك المعظمى. فبقيت فى يده إلى أن أخرجه منها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى سنة أربع وأربعين وستمائة.
(29/66)

وفيها أحدثت المعاملة بالقراطيس السّود العادلية بدمشق، كما يتعامل الناس بالورق بالديار المصرية. فبقيت زمانا، ثم بطل ضربها وتناقصت من أيدى الناس، إلى أن توفى الملك العادل.
وفيها توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن الملك العادل، من دمشق إلى الحجاز. وجدد فى الطريق البرك والمصانع والمناهل، وأحسن إلى الناس، وتصدق، وحجّ قارنا- وكان حنفىّ المذهب- وعاد إلى الشّام.
وفيها اهتم السلطان- الملك العادل- بعمل الميدان الذى بسوق الخيل، بظاهر القاهرة، والفساقى المجاورة لها.
وفيها، فى ثالث شهر ربيع الأول، فوض تدريس الحنفية، بالمدرسة النّورية بدمشق، للشيخ جمال الدين محمد بن الحصيرى «1» العجمى.
وحضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء.
واستهلت سنة ثنتى عشرة وستمائة:
فى هذه السنة، وصل الملك المعظم شرف الدين عيسى من الحجاز، وصحبته الأمير السيد الشريف: سالم بن قاسم «2» ، أمير المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وكان قد شكى من قتادة: أمير مكة، فوعده بالمساعدة عليه. فلما وصل الآن معه، اجتمع بالسلطان الملك
(29/67)

العادل- وكان بخربة اللّصوص «1» - وقدّم الشريف إلى السلطان ما أحضره- على سبيل الهدية- من تحف الحجاز، وعشرين فرسا من خيل الحجاز، فأكرمه السلطان. واستخدم معه جماعة من أمراء التركمان والرجال، فتوجه بهم فى ثالث عشر شعبان.
واتفقت وفاته قبل وصوله إلى المدينة، فقام ولد أخيه الأمير جمّاز بن شيحه بالأمر بعد عمه، واجتمع أهله على طاعته. فمضى من كان مع عمه لقصد قتادة أمير مكة. فجمع قتادة «2» عسكره وأصحابه والتقوا بوادى الصّفراء «3» . وكان الظفر لجمّاز ومن معه، واستولوا على عسكر قتاده، قتلا ونهبا وأسرا. وانهزم قتادة إلى الينبع «4» وتحصن بقلعته، فتبعوه وحصروه.
(29/68)

ثم عاد من كان مع الأمير سالم من التركمان وغيرهم، صحبة الناهض ابن الجرخى، وفى صحبتهم كثير مما غنموه، من أموال قتادة ومن النساء والصبيان. وظهر منهم جماعة من الأشراف، فسلموا إلى أكابر أشراف دمشق، ليكفلوهم ويشركوهم فى وقف الأشراف وفى هذه السنة حصل الشروع فى عمارة المدرسة العادلية «1»
بدمشق وحضر السلطان الملك العادل لترتيب وضعها.
وفيها فى سابع من شهر ربيع الأول، عزل قاضى القضاة: زكى الدين أبو العباس الطاهر، بن محيى الدين، [عن] الحكم بدمشق وأعمالها. وولى من الغد الشيخ جمال الدين الحرستانى «2» ، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وشهور.
وفيها أبطل السلطان الملك العادل ضمان الخمر والقيان بدمشق، فى رابع عشرين جمادى الآخرة. وبقى الأمر على ذلك، إلى أن توفى الملك العادل فى سنة خمس عشرة وستمائة.
(29/69)

وفيها وصل رسول الخليفة من بغداد، وهو الشيخ شهاب الدين السّهروردى «1» ونزل بجوسق «2» العادل. وتوجه إلى السلطان فلحقه بالقدس الشريف، فأدى الرسالة وعاد، فى خامس عشر شوال.
وفيها- فى منتصف شعبان، توفى الشيخ الصالح العارف: أبو الحسن على بن حميد، المعروف بابن الصّبّاغ قدس الله روحه. وكانت وفاته بقنا- من الأعمال القوصيّة من الصعيد الأعلى. ودفن بجانبها عند قبر شيخه:
الشيخ السيد القطب عبد الرحيم «3» . وضريحهما من المزارات المشهورة- نفع الله تعالى بهما.
(29/70)

واستهلت سنة ثلاث عشرة وستمائة:
فى هذه السنة كانت الحادثة بين أهل الشّاغور «1» والعقيبة «2» بدمشق. وحملت كل طائفة منهم السلاح، واقتتلوا. فركب العسكر للفصل بينهم «3» . وحضر الملك المعظم من جوسق الرئيس لتسكين الفتنة- وكان مقيما به. وقبض على جماعة من مقدمى الحارات واعتقلوا، بسبب ذلك.
ذكر القبض على الصاحب الأعز
وفى يوم الاثنين، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة. قبض الملك العادل على وزيره الصاحب فخر الدين الأعز، وضربه وقيده، وحمله إلى قلعة بصرى «4» فاعتقله بها.
وكان لذلك أسباب: منها أنه صرف ما غرم على القبة بالشافعى من مال الديوان- وكان وتقرر صرفه من مال الديوان الكاملى. ومنها أنه كشف على الأموال التى أنفقت فى تجهيز الملك المسعود إلى اليمن، وكانت جملة عظيمة، فأنكر عليه ذلك، وفعل به ما فعل.
(29/71)

وعرضت الوزارة على القاضى الأشرف: أحمد بن القاضى الفاضل عبد الرحيم، فتوقف عنها. ثم خوطب فقال: كان والدى فى الأيام الناصرية لا يكتب فى الدولة. فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة أنه يتحدث فى الأموال بلسانه، دون قلمه. ورتب القاضى عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة، ورتب شمس الدين أبو القاسم بن التبنى وزير الصّحبة.
وفيها فى شهر المحرم، صرف قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، ابن عبد العلى بن على السّكّرى «1» - عن القضاء بالديار المصرية.
وكان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلسا بحضوره بسبب وقف المدرسة- التى أوقفها إبراهيم بن شروه «2» ، وولى القطب، قاضى قوص، النظر عليها- فلم يمض القاضى عماد الدين الوقف. فقال السلطان: هذه القضية أنا أعرفها وأشهد بها. فامتنع من إثباتها. فغضب السلطان، وأشهد على نفسه بعزله فى المجلس. ثم صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمى، وولاها الشيخ بهاء الدين بن الجمّيزى «3» لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة.
(29/72)

ولما عزله السلطان عن القضاء، استشار شيخ الشيوخ: صدر الدين أبا الحسن بن حمّويه «1» ، فيمن يوليه القضاء. فأشار أن يقسم العمل شطرين: قبليّا وبحريّا، وأن يولى ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحرى، وابن الخرّاط مصر والوجه القبلى. فعمل برأيه.
وفوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى شرف الدين بن عين الدولة، فى يوم السبت ثانى صفر منها- وقيل فى المحرم- وفوض قضاء مصر والوجه القبلى للقاضى تاج الدين: أبى محمد عبد السلام بن على بن الخراط- وكان قاضى دمياط- وذلك فى يوم الاثنين سابع عشر صفر- وقيل فى يوم الاثنين ثالث عشر المحرم.
هذا هو السبب الظاهر [للناس «2» فى عزل القاضى عماد الدين بن السكرى] وأما السبب الباطن- وهو مما أخبرنى به والدى رحمه الله تعالى عن جده زكى الدين عبد الدايم، وغيره- أن الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق: رضى الدين: عبد الرحمن العقيلى، المعروف بالنّويرى (وهى نسبة انتقال، وانما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه وسكنا النّويرة، واستطونها
(29/73)

الشيخ عبد الرحمن وخدمه أهلها، وكانوا يفتخرون بالانتساب إلى خدمته، واختص بخدمته جد والدى زكى الدين عبد الدايم، فكان أخص الناس به، وأعلاهم منزلة عنده) كان مع ما هو عليه من العبادة والصلاح المشهور، ينوب عن القاضى عماد الدين فى الحكم بالنّويرة، وما معها. فاتفق أن رجلين «1» تداعيا فى بقرة، فكتب أحدهما محضرا أن البقرة ملكه وشهد فيه جماعة من الشهود، وأدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه، ولم يبق إلا تسليمها لصاحب المحضر.
فتأمل الفقيه البقرة، ونظر إليها. وسأله الذى شهد له الحكم بما ثبت عنده، وتسليمها إليه. فقال: كيف أسلمها إليك، وهى تقول أنها لخصمك، وتخبرنى أن المحضر زور- أو ما هذا معناه؟!. وسلمها لخصمه.
فاعترف الخصم الذى أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضى الدين عن البقرة، وأظهر التوبة والإنابة. فلما اتصلت هذه الواقعة بالقاضى عماد الدين، كتب إلى الشيخ رضى الدين يقول: كان ينبغى أن تعمل فى هذه القضية بظاهر الشرع، وتسلم البقرة لمن أثبت. وعزله عن نيابته.
فلما اتصل العزل به، قال لمن حضر عنده: اشهدوا علىّ أنى قد عزلته، وعزلت ذريته من بعده. فعزل فى تلك الساعة. ولم يعد إلى القضاء بعدها، ولاولى القضاء بعده أحد من ذريته. وأعرف أن القاضى عماد
(29/74)

الدين، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة، [وعيّن] «1» وربما فصّلت له خلعة الولاية، ورسم بكتابة تقليده، ثم يعدل عنه إلى غيره، ولا يتم أمره.
ومات- رحمه الله تعالى- ولم يل القضاء. ولم يبق من ذريته فى وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك. وهذه الحكاية التى ذكرتها لا أشك فيها ولا أرتاب، وهى مشهورة يعرفها كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث عشرة وستمائة- فى العشرين من جمادى الآخرة- توفى الملك الظاهر: غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب- رحمه الله تعالى بحلب.
وكان مولده بالقاهرة، فى منتصف شهر رمضان، سنة ثمان وستين وخمسمائة. وملك بعده ولده: الملك العزيز غياث الدين محمد. وكان صغير السن، يقال كان عمره ثلاث سنين، فقامت ضيفة «2» خاتون- ابنة الملك العادل- بتدبير الدولة. ونصبت شهاب الدين طغرل الخادم فى أتابكيّة «3» الدولة.
(29/75)

ذكر مصادرة الصاحب صفى الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية
كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل، لما قدم من الشام، ظن الصاحب صفى الدين أنه يعيده إلى الوزارة. فصار يركب فى المواكب، ويستعرض للقاء السلطان. ثم فتح بابه وصار الناس يدخلون إليه، والأعز وغيره يذكرون ذلك للملك الكامل. فاتفق أن الملك الكامل مرّ بدار الصاحب فوجد الخيل على بابه، فقال لمن معه من الأمراء: ما هذا إلا أحمق! يفتح بابه ويأمر الناس أن يدخلوا إليه ويمد السّماط، والسلطان غير راض عنه. فبلغ العادل ما قاله الكامل. فقال فى مجلسه: ما يكفى ابن شكر أنه أخذ مالى، حتى أطّرح جانبى بفتح بابه.
فاتصل ذلك بالصاحب، فركب إلى القلعة، وأراد الاجتماع بالملك الكامل- وكان الملك الكامل على الشراب. فسير إليه، وقال ما حاجتك؟
فإن لنا الآن شغلا! فقال: القصد أن يستخدمنى السلطان، أو يتركنى أخرج من بلاده. وسأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك العادل. فعزّ كلامه عليه، وقال للرسول قل له: هذا ما لا أدخل فيه.
فعاد خجلا، ومضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدّين يعقوب، بن السلطان الملك العادل، وتعلق بذيل ستر الباب. ووافق أن العادل كان عندها فى ذلك الوقت. فعظم ذلك عليه. لكونه قصد زوجته، وأراد قتله، ثم سكن، وأرسل إلى الملك الكامل يقول: إن ابن شكر أخذ منى وأنا على سنجار ستمائة ألف دينار، فطالبه بها.
(29/76)

فأحضره الملك الكامل فى مجلس شرابه، ووبخه، وأمر بأخذ أملاكه وحسبها له، بستمائة ألف دينار. ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى الملك الكامل، فقالوا: هذا كان فى ابتداء أمره قطّانا، فمن أين له هذا المال؟ فقال ابن التبنى: أنا صانعته عن نفسى بمائتى ألف دينار، وصانعه شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار. فنقل المجلس إلى الملك العادل، وذكر له من أخذ منه المصانعات، فأمر بنفيه.
فاستمهل إلى أن يبيع موجوده، فأذن له. فشرع فى بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول: أخرج من بلادى إلى بلد، لا تقام لى فيه خطبة. فخرج من القاهرة فى يوم الخميس، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة. فلما وصل إلى بلبيس أمر السلطان الملك العادل بتعويقه، وأخذ منه مالا ووكل به أياما ببلبيس ثم أطلقه فتوجه إلى آمد «1» .
وفيها صادر السلطان الملك العادل حسام الدين يونس، متولّى الإسكندرية، على ثلاثمائة ألف دينار.
وفيها فى سابع شوال، توجه العادل إلى ثغر الإسكندرية. وذلك أنه اجتمع بها من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل، فخاف أهل الثغر جانبهم.
(29/77)

فخرج السلطان بعساكره إلى الثّغر، وبه ملكان «1» من ملوك الفرنج.
فأحضرهما، فذكرا أن التجار صمموا على الوثوب بأهل الثغر وقتلهم، وأخذه. فقبض حينئذ على تجار الفرنج واستصفى أموالهم، واعتقلهم، واعتقل الملكين. وعاد إلى القاهرة، فى سابع ذى الحجة من السنة.
واستهلت سنة أربع عشرة وستمائة:
ذكر مسير السلطان إلى الشام
وفى يوم الأحد، التاسع من شهر ربيع الآخر، من هذه السنة- توجه السلطان الملك العادل إلى الشام، لما بلغه قصد الفرنج بلاد الشام.
وكان رحيله من البركة «2» يوم السبت لثمان بقين من الشهر، وتوجه إلى البيت المقدس. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، فى كتاب «الروضتين فى أخبار الدولتين» أنه توجه إلى قلعة الكرك بذخائره وأمواله، وأقام بها مدة، وترك الأموال والذخائر بها.
وقال غيره: إنه بقى بالقدس إلى أن وصلت أمداد الفرنج فى البحر، من روميه الكبرى ومن الغرب الشمالى- وكان المقدم عليهم صاحب روميه- فنزلوا على عكا. وسار الملك العادل على أنه يسبقهم إلى الماء بخربة اللّصوص «3» ، فسبقوه إليها. فلما قاربهم، حيّد عنهم إلى جهة دمشق. فأغاروا
(29/78)

على بيسان فنهبوها وما حولها، وعادوا إلى مرج عكّا بالسبى والغنائم.
وجهزوا آلات الحصار، وقصدوا الطّور «1» - وكان العادل قد بناه فى سنة تسع وستمائة- فحاصروه سبعة عشر يوما. فقتل بعض ملوكهم بسهم، ففارقوا الحصن. واستشهد على حصار الطور من أبطال المسلمين: الأمير بدر الدين محمد بن أبى القاسم، وسيف الدين بن المرزبان- وكان من الصالحين الأجواد.
وكتب الملك المعظم إلى الخليفة كتابا أوله:
قل للخليفة- لا زالت عزائمه ... لها على الكفر إبراق وإرعاد
إن الفرنج بأرض القدس قد نزلت ... لا تغفلنّ، فأرض القدس بغداد
وفى نسخة:
إن الفرنج بحصن الطّور قد نزلوا ... لا تغفلنّ، فحصن الطّور بغداد
(29/79)

ذكر قصد الفرنج جزين «1» وقتلهم
قال: ولما انفصل الفرنج، قصد ابن أخت الهنكر «2» جبل صيدا وقال: لا بدّ لى من أهل هذا الجبل. فنهاه صاحب صيدا، وقال إن أهله رماة، وبلده وعر. فلم يقبل قوله. وصعد فى خمسمائة من أبطال الفرنج إلى مدين- وهى ضيعة الميادنة «3» بالقرب من مشغرا «4» - فأخلاها أهلها.
ونزلها الفرنج وترجّلوا عن خيولهم للراحة. فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم. وأسروا ابن أخت الهنكر. وهرب من بقى منهم نحو صيدا.
وكان معهم رجل «5» يقال له الجاموس، كانوا أسروه من المسلمين، فقال لهم أنا أعرف إلى صيدا طريقا سهلا أوصلكم إليها. فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون،
(29/80)

ففهموا أن الجاموس قصد ذلك، فقتلوه. ولم يفلت منهم إلى صيدا غير ثلاثة، وكانوا خمسمائة. وجاءوا بالأسرى إلى دمشق، وكان يوما مشهودا.
وفى هذه السنة، احترق مسجد الحسين بالقاهرة.
وفيها، توفى قاضى القضاة جمال الدين أبو القاسم: عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل، الأنصارى الحرستانى «1» وكانت وفاته بدمشق فى رابع ذى الحجة، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة عشرين وخمسمائة.
وأعيد القاضى زكىّ الدين إلى القضاء، بعد وفاته.
واستهلت سنة خمس عشرة وستمائة:
ذكر تخريب حصن الطّور «2»
فى هذه السنة استدعى السلطان الملك العادل ولده الملك المعظم، وقال له: إنك قد بنيت هذا الطّور، وهو يكون سبب خراب الشام، وقد سلّم الله تعالى من كان فيه من أبطال المسلمين، والسلاح والذخائر. وأرى من المصلحة خرابه، ليتوفر من فيه من المسلمين والعدد على حفظ دمياط، وأنا أعوضك عنه. وكانت دمياط قد حوصرت- على ما نذكره. فتوقف الملك المعظم، وبقى أياما لا يدخل على أبيه العادل. فبعث إليه وأرضاه بمال، ووعده ببلاد بالديار المصرية. فأجاب، وبعث فنقل ما كان فيه من العدد والذخائر إلى القدس وعجلون والكرك، ودمشق، وهدمه.
(29/81)

ذكر وفاة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر: محمد بن أيوب وشىء من أخباره
كانت وفاته- رحمه الله تعالى- فى يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة، بعالقين «1» .
وذلك أنه لما عرج عن الفرنج وقصد دمشق، أقام بظاهرها مدة وهو مريض. فلما بلغه أخذ برج السّلسلة بثغر دمياط، ضرب بيده على صدره، وانزعج، وحصل له من الغم ما أفضى به إلى الوفاة- رحمه الله تعالى.
ومات، وله ست وسبعون سنة تقريبا. وذلك أنه سئل عن مولده، فقال:
ولدت سنة فتوح الرّها. وذلك فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقيل كان مولده ببعلبك، لما كان والده فى خدمة الملك العادل: نور الدين الشهيد.
ومدة ملكه تسع عشرة سنة «2» ، وأربعين يوما. ولما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطى. وكان ولده الملك المعظم عيسى بنابلس.
وكان قد التقى مع الفرنج على القيمون «3» فى هذا الشهر، فانتصر عليهم،
(29/82)

وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر من الدّاويّة «1» مائة فارس، وأدخلهم القدس منكّسة أعلامهم. وأقام بنابلس. فكتب إليه على جناح طائر يعلمه بالخبر، فجاء يوم السبت إلى عالقين. فاحتاط على الخزائن، وصبّر أباه العادل وكتم موته، وجعله فى محفّة «2» ، وعنده خادم يروح عليه، ورفع طرف سجاف المحفّة وأظهر أنه مريض. ودخلوا به إلى دمشق فى يوم الأحد، والناس يشيرون إلى من بالمحفّة بالخدمة والسلام، والخادم يومىء إلى جهة السلطان، كأنه يخبره بمن يسلم عليه، ودخلوا به إلى قلعة دمشق.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزى، فى تاريخهما: ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة النّجيب الفقيه ابن فارس فكفنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدّة فلفوه به، ولم يقدروا على ما يحفرون به، فسرق كريم فأسا من الخندق فحفروا له به. ودفن بقلعة دمشق، إلى أن بنى له القبة المجاورة لمدرسته، فنقل إليها فى سنة تسع عشرة وستمائة. وحصل لابنه الملك المعظم وهم، فلما دفن السّلطان قام قائما، وشقّ ثيابه ولطم على رأسه ووجهه.
(29/83)

واشتهرت وفاته بعد دفنه. وعمل عزاؤه ثلاثة أيام، وصلى عليه فى غالب مدن الإسلام. ونودى ببغداد: من أراد الصلاة على الملك العادل الغازى، المجاهد فى سبيل الله، فليحضر إلى جامع القصر. فحضر الناس وصلّوا عليه صلاة الغائب. ولم يتأخر غير الخليفة. وتقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة.
وكان- رحمه الله- قد امتد ملكه واتسعت ممالكه. وكان ثبتا حازما، حسن التدبير صفوحا، يدبّر الملك والممالك على الوجه المرضى، متمسكا بأوامر الشرع الشريف ونواهيه، منفذا للأحكام الشرعية، عادلا مجاهدا عفيفا، كثير الصّدقة، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. طهّر جميع ممالكه من الخمور والفواحش بأسرها، وأسقط كثيرا من المكوس والمظالم. وكان الذى يتحصّل من هذه الجهات بدمشق خاصة مائة ألف دينار، فأبطل ذلك.
وشدّد فى أمر الخمر، ومنع من دخوله إلى دمشق- رحمه الله تعالى.
ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل وما استقر لهم من الممالك والإقطاع
كان له رحمه الله تعالى من الأولاد الذكور سبعة عشر، وهم:
الملك الكامل، ناصر الدين محمد، ملك الديار المصرية. والملك المعظم: شرف الدين عيسى، صاحب دمشق والبيت المقدس، والكرك «1»
(29/84)

والشّوبك «1» ، والسواحل. والملك الأشرف: مظفر الدين موسى، صاحب خلاط وما والاها وحرّان والرّها، وما مع ذلك.
والملك المظفر شهاب الدين غازى، صاحب ميّافارقين وما والاها والملك المظفّر شهاب الدين الحافظ أرسلان صاحب قلعة جعبر «2» وأعمالها.
والملك العزيز: عثمان له بانياس وتبنين وأعمال ذلك، وعدة أماكن من بلد دمشق، مثل نوى «3» وغيرها. والملك الصالح: عماد الدين اسماعيل، له قلعة بصرى وأعمالها، والسواد جميعه- وهو والعزيز فى خدمة أخيهما الملك المعظم.
والملك الفائز: إبراهيم، كان السلطان قد أقطعه الأعمال القوصية والملك المفضل: قطب الدين، أقطعه السلطان أيضا الأعمال الفيّومية، فأقر الملك الكامل ذلك بأيديهما. والملك المعز: مجير الدين يعقوب. والملك الأمجد: تقى الدين أبو الفضائل عباس- عند أخيهما الملك الأشرف صاحب خلاط. وله أيضا غير هؤلاء: الملك القاهر: إسحاق، وخليل- وهو أصغرهم.
(29/85)

ومات له من الأولاد- فى حياته- أربعة، وهم: شمس الدين مودود، والد الملك الجواد يونس. والملك الأوحد: نجم الدين أيوب، الذى افتتح خلاط، كما تقدم. والملك المغيث: محمود. والملك الأمجد حسن- وهو شقيق الملك المعظم، والملك العزيز.
وكان له عدة بنات، أجلهن ضيفة خاتون، والدة الملك العزيز، ابن الملك الظاهر صاحب حلب.
ولما مات السلطان الملك العادل، أقر ولده- الملك المعظم- أحوال دمشق، على ما هى عليه فى أيام والده، بقية جمادى الآخرة. فلما استهل شهر رجب، أعاد المكوس وأطلق الخمور والمنكرات، وما كان والده السلطان قد أبطله. فقيل له فى ذلك، فاعتذر بقلة الأموال وقتال الفرنج.
ثم سار إلى بانياس، وراسل الأمير صارم الدين التبّينى فى تسليم الحصون التى بيده، فأجاب إلى ذلك، وسلمها، فأخرب الملك المعظم بانياس وتبنين. وأعطى ما كان بيد أولاد الأمير فخر الدين جهاركس لأخيه الملك العزيز عثمان، وزوّجه ابنة «1» جهاركس. ونزل الأمير صارم الدين وولده وأصحابه من الحصون، فأكرمهم الملك المعظم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرب بانياس وتبنين، إلا خوفا من استيلاء الفرنج عليها.
(29/86)

ذكر أخبار السلطان الملك [الكامل] » ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين، أبى بكر محمد بن أيوب
وهو السادس من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية.
ملك الديار المصرية بعد وفاة والده الملك العادل، فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وكان قبل ذلك ينوب عن والده بها كما تقدم.
ونحن نذكر أخبار الملك الكامل، وما اتفق من الحوادث والوقائع فى أيامه، بالديار المصرية: فى كل سنة نبدأ بذلك، ثم نذكر فى بقية السنة أخبار ملوك الشام من إخوته وغيرهم، ومن توفى فيها من المشهورين، ونأتى بالسنة التى بعدها، على ما تقف عليه- إن شاء الله.
ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط
كان نزول الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، سنة خمس عشرة وستمائة- وذلك قبل وفاة الملك العادل، وهو اذ ذاك بمرج الصّفّر «2» .
ونزلوا بالبر الغربى «3» . فخرج إليهم الملك الكامل بعساكره، وكتب إلى السلطان بالخبر. فأرسل إليه عساكر الديار المصرية التى كانت فى صحبته. وأقام الملك الكامل بثغر دمياط بظاهرها، واتصل القتال بين الفريقين.
(29/87)

فلما كان فى جمادى الأولى، ملك الفرنج برح السّلسلة- وهو بين دمياط والبر الغربى، فى وسط بحر النيل- وذلك أنهم عملوا برجا من الخشب على بطسة «1» كبيرة، وأسندوه إلى البرج. وحصل القتال بين المسلمين المقيمين به وبين الفرنج، إلى أن ملكوه فى يوم السبت، ثامن الشهر.
ثم كانت وقعة كبيرة بين المسلمين والفرنج. فلما كان فى شهر رمضان، عمل الفرنج مرمّة عظيمة «2» ، وزحفوا بها فى بطسة، وقصدوا سور دمياط.
فأحرقها المسلمون. وغرق للفرنج «3» فى هذا الشهر مراكب كثيرة، فى البحر الملح.
ذكر حوادث وقعت فى مدة حصار ثغر دمياط
كان مما اتفق فى مدة الحصار جباية التبرع من التجار، من أرباب الأموال وذلك فى ذى القعدة، سنة خمس عشرة.
(29/88)

وفى يوم الثلاثاء، سابع عشر من الشهر، رحل السلطان الملك الكامل عن ثغر دمياط، وتأخر إلى أشموم «1» .
وسبب ذلك أن الملك الفائز كان عند أخيه الملك الكامل بثغر دمياط، وكان الأمير عماد الدين بن المشطوب يكره الملك الكامل، فأراد القبض عليه، وإقامة الملك الفائز. فاتصل ذلك بالكامل، فارتحل عن دمياط ليلا، وترك خيامه وخزائنه. فشعر المسلمون برحيله، فارتحلوا بأجمعهم، وتركوا أثقالهم وأموالهم. وأصبح الفرنج فلم يروا أحدا فى البر الشرقى. فظنوا أن ذلك مكيدة، فارتابوا. ثم حققوا الأمر، فلما اتضح لهم عدّوا بجملتهم، وكبسوا المنزلة «2» ونهبوا ما كان بها، واحتاطوا بدمياط برا وبحرا.
وكان السلطان قصد أن يتوجه إلى مصر، لخوفه من ابن المشطوب.
فأشار عليه بعض الأمراء بالإقامة على المنصورة، فاستقر بها. وثارت الفتن بالديار من العربان، فكانوا على المسلمين أشد من الفرنج.
(29/89)

ذكر وصول الملك المعظم عيسى- صاحب دمشق وإخراج عماد الدين بن المشطوب وما اتفق له بعد خروجه
كان وصول الملك المعظّم شرف الدين عيسى إلى المنصورة فى يوم الخميس، لليلة بقيت من ذى القعدة، من السنة. فاشتد به عضد أخيه الملك الكامل.
ولما وصل، شكى له ما يحذره من أمر عماد الدين بن المشطوب «1» .
فركب الملك المعظم وجاء إلى خيمة عماد الدين. فلما أخبر بذلك، قال لغلمانه قولوا له هو نائم! فذكروا ذلك للملك المعظم، فقال: ننتظره إلى أن يستيقظ، وثنى رجله إلى عنق فرسه. فلما طال ذلك على عماد الدين، خشى عاقبة هذا الأمر. فخرج إليه وهو بغير خفّ، وقبّل يده. فقال له المعظم:
ليركب الأمير، حتى يحصل الاتفاق معه على نصب المجانيق على أطراف البحر.
(29/90)

فلما ركب، سايره الملك المعظم وشغله بالحديث حتى أحاط به عسكر المعظم. ثم نظر إليه نظرة مغضب، وقال له: لما مات السلطان الملك العادل كان من أولاده من اسمه: عماد الدين بن المشطوب؟! قال: الله الله، يا مولانا! فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل. وحمل على بغلة إلى أشموم.
ولما أمر الملك المعظم بسفره، اعتذر أن لا نفقة معه، وسأل الرجوع إلى خيمته ليلبس خفّه، ويأخذ نفقة. فأعطاه الملك المعظم خمسمائة دينار، وقال له: جميع ما تخلّف من أموالك وأثقالك ودوابك يصل إليك. ثم رجع المعظم إلى خيمة ابن المشطوب، فجهز إليه خيله وأثقاله وغلمانه، وجميع ما يتعلق به، فلحقوه إلى الشام.
ووصل ابن المشطوب إلى دمشق، ثم إلى حماه وأقام بها. فبعث إليه الملك الأشرف منشورا، بأرجيش «1» ببلاد خلاط، وزيادة. وبعث إليه بالخلع. فتوجه إلى خدمته، فأكرمه وأحسن إليه. فصار يركب بالشّبّابة «2» ، ويمشى مشى الملوك.
ثم خرج عن طاعة الملك الأشرف، فى سنة سبع عشرة. وعاث فى أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين. فسار إليه الملك الأشرف، ونزل على دنيسر «3» . وجاء الملك الصالح، فأصلح بين الأشرف صاحب
(29/91)

ماردين. ودخل ابن المشطوب إلى تل أعفر «1» . فسار إليه فارس الدين بن صيره من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحصراه بها. فاستنزله الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالأمان، وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الملك الأشرف. فاعتقله بالجب فمات بالجوع والقمل. وكانت وفاته فى سنة تسع عشرة وستمائة. على ما نذكره.
ذكر وصول الصاحب صفى الدين بن شكر ووزارته
وفى مستهل ذى الحجة، سنة خمس عشرة وستمائة، قدم الصاحب صفى الدين بن شكر من آمد، وكان السلطان قد استدعاه. فلما قدم، ركب إليه وتلقاه وأكرمه وذكر له السلطان ما يحتاج إليه من الأموال والكلف، فالتزم له بتحصيل ذلك. وشرع فى مصادرات أرباب الأموال والتجار والأكابر. وقرر التبرع على الأملاك، وأحدث حوادث كثيرة. وجبى الأموال، حتى من الساسة والصوانع والمغانى ومعلمى المكاتب، وغيرهم.
واستهلت سنة ست عشرة وستمائة:
فى مستهل المحرم منها، أمر السلطان بخروج أهل مصر والقاهرة، لقتال الفرنج. فخرج الناس. وأقام الصاحب بالقاهرة إلى سابع عشرين من شهر
(29/92)

رمضان، سنة ست عشرة. فاستدعاه السلطان واستوزره، وصرفه.
واحتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك. وكان قبل ذلك يركب بنفسه، ويستحث العوام على جهاد الفرنج.
ذكر خراب القدس
كان ابتداء الخراب بالقدس فى بكرة يوم الأحد سابع المحرم، سنة ست عشرة وستمائة.
وسبب ذلك أن الملك المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا على قصد القدس. فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه. وقال: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق وبلاد الشام. فأمر بإخرابه. وكان بالقدس الملك العزيز عثمان، وعز الدين أيبك أستاذ الدار.
ووقع فى البلد ضجة عظيمة. وخرج الناس أجمع، حتى البنات المخدّرات والعجائز والشيوخ وغيرهم، إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم. وخرجوا على وجوههم وتركوا أموالهم. وامتلأت بهم الطرقات، فمنهم من توجه إلى الديار المصرية، ومنهم من توجه إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق. وصار البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويلففنها على أرجلهن، من الحفا. ومات خلق كثير من الجوع والعطش. ونهب ما كان لهم بالقدس، حتى بيع القنطار الزيت بالقدس بعشرة دراهم، ورطل النحاس بنصف درهم.
(29/93)

وأكثر الشعراء القول فى ذلك، فقال بعض أهل العلم- يشير إلى الملك المعظم- من أبيات:
فى رجب حلّل الحميّا ... وأخرب القدس فى المحرّم!
ذكر استيلاء الفرنج على دمياط
كان استيلاء الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لخمس بقين من شعبان سنة ست عشرة- وقيل لثلاث بقين منه.
وذلك أنهم كانوا قد أحاطوا بها برا وبحرا، ومنعوا الميرة عن أهلها، حتى هلكوا من الجوع، ومات أكثرهم. وعدمت الأقوات، وغلت الأسعار حتى بيع السكر بزنته ذهبا، والدجاجة بثلاثين دينارا، والبيضة بدينار، وبيعت بقرة بألف وستمائة دينار، واشترط البائع أن يكون له بطنها ورأسها، فباع ذلك بمائة دينار وأربعة عشر دينارا مصرية- على ما حكاه ابن جلب راغب فى تاريخه.
قال: فلما اشتد بهم ذلك، بذل لهم الفرنج الأمان على أنهم يخرجون منها ويتسلمها الفرنج، فأجابوه إلى ذلك، وخرج الناس منها. وبقى من عجز عن الحركة، فأسرهم الفرنج، وحملوا فى المراكب إلى عكا. فكانت مدة الحصار على ثغر دمياط ستة عشر شهرا، واثنين وعشرين يوما. وكان السلطان إذا أراد أن يرسل إلى دمياط أرسل العوامين، فيحملون الكتب ويغطسون فى الماء، ويطلعون من تحت سور دمياط. فلما أحسن الفرنج بذلك، عملوا شباكا وخطاطيف من دمياط إلى البر الغربى، وثبتوا ذلك فى
(29/94)

المراكب. فصار العوّام إذا غطس فى الماء وقع فى الشباك أو الخطاطيف، فيأخذونه فلا يكاد يفوتهم عوّام، ويقتلون من يجدونه. فامتنع الدخول إليها.
ولما استولى الفرنج على ثغر دمياط، أشار السلطان الملك الكامل على أخيه الملك المعظم بالعود إلى الشام، وغزو الفرج من تلك الجهة، واستجلاب العساكر من بلاد الشرق.
ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده
قال الشيخ أبو المظفر: يوسف، سبط بن الجوزى فى تاريخه:
لما استولى الفرنج على ثغر دمياط، كتب إلىّ الملك المعظم كتابا بخطه، يخبرنى بما جرى على أهل دمياط من الكفر، ويقول: إنى كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفى ضيعة: ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية «1» . وكم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر؟ وأريد أن يخرج الدماشقة، ليذبوا عن أملاكهم- الأصاغر منهم والأكابر- ويكون لقاؤنا وهم فى صحبتك إلى نابلس، فى وقت سمّاه.
(29/95)

قال: فجلست فى جامع دمشق، وقرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة فلما حلّ ركابه بالساحل وقع التقاعد من الأماثل، فأوجب ذلك أخذ الثّمن والخمس من أموالهم، مؤاخذة لهم. قال: وخرجت أنا إليه بالساحل وهو نازل على قيساريّة «1» ، فأقام بها حتى فتحها عنوة، وفتح غيرها. وعاد إلى دمشق.
ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب وايقافها أملاكها، وتفرقة أموالها، وما فعله الملك المعظم مع قاضى الشام، بسبب ذلك
وفى هذه السنة فى ذى القعدة، كانت وفاة ست الشام بنت أيوب:
أخت السلطان الملك الناصر صلاح الدين، والملك العادل. وهى شقيقة الملك المعظم: شمس الدولة تورانشاه، وسيف الاسلام «2» : ابنى أيوب.
وكانت سيدة الخواتين. وهى التى ينسب إليها المدرستان، بدمشق وظاهرها، أحداهما قبلىّ البيمارستان النّورى، والأخرى ظاهر دمشق بالعوينة. وتعرف أيضا بالحسامية، نسبة إلى ابنها حسام الدين بن
(29/96)

لاجين «1» - وكانت دفنته بها. ودفنت هى معه فى قبره. وهو القبر الذى يلى الباب القبو من القبور الثلاثة. والقبلىّ قبر تورانشاه بن أيوب، والأوسط قبر ابن عمها: ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى- وكان قد تزوجها بعد لاجين.
وكانت- رحمها الله- كثيرة الصدقة والبر. وكانت تصنع الأشربة والأدوية والمعاجين والعقاقير، فى كل سنة بألوف دنانير، وتفرقها على الناس. وكانت ست الشام، وأختها ربيعة خاتون، محرما على نيف وثلاثين ملكا وسلطانا.
وكان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ما لا يحصى قيمته.
وأن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة. وكان كثير الإحسان إليها والبر بها، ويمنعها من الخروج من دمشق. ويظهر أن ذلك برأيها. ويرجو وفاتها عنده، ليستولى على أموالها وأملاكها، فاتفقت وفاتها وهو بالصيد.
ولما مرضت، جاء وكيلها ابن الشيرجى إلى قاضى القضاة: زكى الدين، وطلبه إليها بدارها. فأخذ معه أربعين عدلا من أعيان دمشق، فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها، ووجوه البر وأنواع القربات، وجعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفا، وأبرأت جواريها وخدمها ووكلاءها. وماتت بعد ذلك. وأسندت وصيتها إلى القاضى. فعاد
(29/97)

السلطان من الصيد، فوجد الأمر قد مضى على ذلك. فتألم لوقوعه، وأنكر على القاضى، وقال: يحضر إلى دار عمتى من غير إذنى، ويسمع كلامها، هو والشهود!.
ثم اتفق بعد ذلك أن القاضى طلب جابى أوقاف المدرسة العزيزيّة «1» - وهو سالم بن عبد الرازق، خطيب عقربا «2» - أخو المؤيد العقربانى- وطلب منه حسابها، فأغلظ له فى القول. فأمر القاضى بضربه، فضرب بين يديه، كما تفعل الولاة.
فوجد الملك المعظم سبيلا إلى إظهار ما عنده، فأرسل إلى القاضى بقجة، وهو فى مجلس حكمه، وفى مجلسه الجمال المصرى وكيل بيت المال، وجماعة كثيرة من العدول والمتحاكمين، فجاءه الرسول، وقال للقاضى: السلطان يسلم عليك ويقول لك: الخليفة- سلم الله عليه- إذا أراد أن يشرف أحدا من أصحابه خلع عليه من ملابيسه، ونحن نسلك طريقه! وقد أرسل إليك من ملابيسه، وأمرأن تلبسها فى مجلسك هذا،
(29/98)

وأنت تحكم بين الناس. وكان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباء «1» أبيض، وكلّوتة صفراء «2» . وفتح الرسول البقجة. فلما نظر القاضى إلى ما فيها وجم!.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: فأخبرنى الرسول الذى أحضر هذه الخلعة والرسالة بذلك، قال: وكان السلطان قد أمرنى أن ألبسه إياها بيدى، إن امتنع أو توقف. فأشرت عليه بلبسها، وأعدت عليه الرسالة.
فأخذ القباء ووضعه على كتفه، ووضع عمامته بالأرض ولبس الكلّوتة الصفراء على رأسه، ثم قام ودخل بيته إثر هذه الحادثة، ورمى كبده ومات. ويقال أن ذلك كان فى يوم الأربعاء، سابع عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة.
وفوّض السلطان قضاء الشام بعده للجمال المصرى «3» وكيل بيت المال، وذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: وكانت حركة قبيحة وواقعة شنيعة، لم يجر فى الإسلام أقبح منها. وكانت من غلطات الملك المعظم. قال ولقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضى.
فقال: هو أحوجنى إلى هذا. ولقد ندمت.
(29/99)

واتفق أن الملك المعظم بعث إلى شرف الدين بن عنين الشاعر «1» - حين تزهّد- خمرا ونردا، وقال: سبّح بهذا- إشارة إلى أن زهده ليس حقيقة! فكتب إليه ابن عنين:
يا أيها الملك المعظم، سنّة ... أحدثتها، تبقى على الآباد
تجرى الملوك على طريقك بعدها ... : خلع القضاة وتحفة الزّهّاد
وفى هذه السنة، توفى الشيخ جلال الدين أبو محمد: عبد الله بن نجم ابن شاس بن نزار، بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامى السّعدى: الفقيه المالكى. وكان عالم مذهب مالك فى زمانه. وصنّف فى مذهب مالك كتابا نفيسا، سماه: «الجواهر الثمينة فى علم صاحب المدينة» . فانتفع به المالكية انتفاعا كثيرا. وكان مدرّسا بمدرسة المالكية بمصر، المجاورة للجامع. ثم توجه إلى ثغر دمياط بنيّة الجهاد، فتوفى هناك فى جمادى الآخرة، أو رجب، سنة ست عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى بالقاهرة القاضى: جمال الدين أبو الحسن على، ابن القاضى شرف الدين أبو المعالى شكر، بن القاضى كمال الدين أبو السّعادات: أحمد بن شكر، الشافعى- رحمه الله تعالى.
(29/100)

واستهلت سنة سبع عشرة وستمائة:
فى هذه السنة، كانت وقعة البرلّس «1» : بين السلطان الملك الكامل والفرنج. وكانت من الوقعات العظيمة، المشهورة. قتل من الفرنج فيها عشرة آلاف. وغنم المسلمون خيولهم وسلاحهم. فرجعوا إلى دمياط.
وفيها أخذ ابن حسّون- مقدّم الشّوانى «2» الإسلامية- للفرنج إحدى عشرة حرّاقة «3»
(29/101)

وفيها فى يوم الاثنين، السابع عشر من جمادى الآخرة، احترق بمدينة قوص، بظاهرها- خان الأمير مجد الدين مكرم بن اللمطى. وعدم للتجار فيه ما يقارب قيمته خمسمائة ألف دينار.
وكان متولى الأعمال القوصية، يومئذ، الأمير سيف الدين: سنقر الدّوادار العادلى. فكتب الأديب الفاضل: نجم الدين عبد الرحمن ابن وهيب القوصى «1» ، عن المتولى، كتابا إلى السلطان الملك الكامل، يخبره بهذه الحادثة، وهو:
«المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالى، المولوىّ السلطانى، الملكى الكاملى الناصرى: غياث الاسلام، سلطان الأنام، ولىّ النعمة، كاشف غياهب الغمّة، جامع فضيلتى السيف والقلم، ورافع زينتى العلم والعلم- لا زالت آيات ملكه باهرة، ونجوم خرصانه «2» فى سماء العجاج «3» زاهرة، ووجوه أوليائه ناضرة، إلى ربها ناظرة ووجوه أعدائه ساهية ساهرة، تظنّ أن يفعل بها فاقرة «4»
(29/102)

وينهى وقوع الكائنة التى عظم مصابها وأصاب عظيمها، وآلم موجعها وأوجع أليمها، وسقم بها من القلوب صحيحها، وصحّ بها من الخطوب سقيمها. وأحالت الأفكار فى ميدان الفكرة، وأطلق من الألسن والأعين عنان العبرة والعبرة. وهى حلول النار بالخان، الذى أنشأه الأمير مجد الدين مكرم بن الّلمطى بظاهر مدينة قوص وهذا الخان المذكور، قد كان محطا للرفيق ومجتمعا للسّفّار، يأتون إليه من كل فجّ وطريق، خصوصا الكارم «1» الإسكندرى- عوّضهم الله أموالهم، وبلّغهم آمالهم- فلا ينزلون بغيره منزلا، ولا يختارون سواه حصنا وموئلا. وإذا حل به أحدهم فكأنه ما فارق وطنه. يتخيّرون منازله وغرفه، ويهرعون إليه كما يهرعون ليوم عرفة.
فاتفق لقضاء الله السابق وقدره اللاحق، وإظهار ما كان من مغيّبه مستورا، وتلاوتهم كان ذلك فى الكتاب مسطورا- فاتفق يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة، أن خطبت على أعاليه ألسن النّيران، واسودّ الفضاء المشرق لتتابع الدّخان. وعاين أهله الهلاك، وجاءهم الموت من كل مكان. فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وقد احدقت بهم النار إحداق الأجفان بالأحداق واستدار عليهم اللهب استدارة الأطواق بالأعناق. وتلالهم لسان القدر: ما عندكم ينفد وما عند الله باق.
(29/103)

وزحفت الخطوب إليه زحفا، وصار للوقت دكا دكّا. والناس حوله صفّا صفّا. هذا، ولسان النار يقول: هل من مزيد؟ ومدامع الخلق تهمى وتزيد، فعلت الأصوات عند ذلك بالدعاء، وكاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء، وشهد الناس منه اليوم المشهود. وهبّت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما، وخالفت هذه النار نار الخليل «1» ، فلم تعقب بردا وسلاما! فكلّ مالك لموضع صار فيه «مالكا «2» » . وكلّ ذى حال حسنة حاله حالكا. فمن فائز بنفسه دون نفائسه، ومن راغب فى هربه لشدة رهبه، ومن آبق «3» بمرده «4» دون أهله وولده. قد لزم كل منهم ما يعنيه، وعمل بقوله عز وجل: «يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه» . فإنا لله وانا اليه راجعون، ولأمره طائعون.
لا صادف لمصادف قضائه، ولا صارف لصرف بلائه.
لم يبق هذا المصاب لهولاء القوم جلدا، ولم يؤخّر عنه حزنا ولا كمدا.
وكلّ أحد منهم يقول: أهلكت مالا لبدا «5» . فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدّق بها عليه. وكم من مموّل كان يؤدى الزكاة فصار مستحقا بأن تصرف إليه. كانوا أعزّاء فى الغربة بأموالهم، فصاروا
(29/104)

أذلّاء فى المواطن لإقلالهم. لم يخلص لهم إلا النّزر اليسير، والشىء الحقير، والقليل من الكثير مقدار أزوادهم إلى مواطنهم، وكفافهم إلى وصول مساكنهم.
هذا، ولم يعلم السبب فى وقوع النار. فقال قوم: صاعقة سمائية، وقال قوم: آفة أرضية. وتزاحمت فى ذلك الظنون، وعند الله من علمه السّرّ الكنون. إلا أن المملوك أرسل عليه من الماء طوفانا، وأجرى اليه بحارا- ولا أقول غدرانا- إلى أن عاد غريقا بعد ما كان حريقا، وصار موردا بعد ما كان موقدا. وأصبح ماء ثجّاجا «1» بعد ما كان سراجا وهاّجا. وعلموا أن المدفوع من بلاء الله أعظم، وقرأوا: «ولكن الله سلّم» .
أنهى المملوك ذلك، ليطالح بخفىّ الأحوال وجليّها، حتى لا يخفى عن علمه السامى خافية- لا زالت أنوار المملوك بذلك المقام متوالية متلالية- إن شاء الله تعالى.
وفيها، فى العشر الآخر من شعبان، صرف قاضى القضاة تاج الدين ابن الخرّاط «2» عن القضاء، بمصر والوجه القبلى.
وسبب ذلك أن إحدى بنات مرزوق العلائى تزوجت بإنسان علّاف اسمه داود، وهو غير كفء لها. فاستدعاه السلطان إلى المنصورة، وعقد له
(29/105)

مجلسا وسلم المرأة لزوجها. وصرف القاضى عن الحكم، وصك الشهود.
وأضاف قضاء مصر والوجه القبلى لقاضى القضاة: شرف الدين بن عين الدولة الصّفراوى. «1»
ثم ولى القاضى تاج الدين المذكور، بعد ذلك، قضاء دمياط وكان بها، إلى أن مات- رحمه الله.
وفيها خرّبت صفد «2» . ثم عمّرها الفرنج بعد ذلك، عندما تسلموها من الملك الصالح إسماعيل- فى سنة ثمان وثلاثين.
وفيها قتل صاحب سنجار «3» أخاه. فسار الملك الأشرف إليها، فأخذها وعوض صاحب سنجار الرّقّة «4» وفيها قصد مظفّر الدين بن زين الدين- صاحب إربل «5» - الموصل.
فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فهزمه زين الدين، فأفلت لؤلؤ وحده. فانتصر الملك الأشرف له، ونازل إربل. فبعث الخليفة إليه، فردّه عنها، وأصلح بين الملوك.
(29/106)

وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك الفائز: إبراهيم، بن الملك العادل.
وكان قد وافق الأمير عماد الدين بن المشطوب، وحلف له جماعة من الأمراء بالديار المصرية على الملك الكامل. وكاد أمره يتم. فاتفق من إخراج ابن المشطوب ما قدّمناه. وبقى الملك الكامل فى ضيق منه.
فيقال انه استشار الصاحب- صفى الدين بن شكر الوزير- فى أمره، فأشار بإرساله إلى الملوك ببلاد الشّرق، يستحثّهم على الحضور. فلما كانت واقعة البرلّس، قال السلطان الملك الكامل للملك الفائز: إن الملك المعظّم قد أبطا علينا والملك الأشرف، وليس لهذا المهم سؤال، فتوجّه إلى أخيك الملك الأشرف، وعرّفه ما نحن فيه من الضائقة. فتوجه.
وكان الملك الأشرف على الموصل. فمرض الفائز بين سنجار والموصل.
فمات- وقيل انه سمّ- فردّه من معه الى سنجار. فدفن عند تربة عماد الدين زنكى- رحمهما الله تعالى.
وحكى ابن جلب راغب، فى وفاته، أن السلطان جهّزه إلى الملك الأشرف، باتفاق من الملك المعظم، وبرأى الصاحب صفى الدين، وأنه.
جهز معه شيخ الشيوخ، فسقاه سمّا فى طريقه. فلما شعر الفائز به، قال له:
يا شيخ السّوء فعلتها بى! كل من هذا الذى أحضرته. فأكل منه، فماتا جميعا «1»
(29/107)

وحكى غير ابن جلب راغب- وهو أقعد منه بهذه الحادثة- فى وفاة شيخ الشيوخ، فقال ما معناه: كانت وفاة شيخ الشيوخ: صدر الدين «1» أبى الحسن محمد، بن الإمام شيخ الشيوخ عماد الدين أبى الفتوح عمر «2» ، ابن الفقيه أصيل خراسان أبى الحسن على، بن الإمام الزاهد: أبى عبد الله محمد، بن حمّويه «3» ، الحمّوى الخراسانى النّيسابورى الجوينى، البحيراباذى «4» الشافعى- فى منتصف جمادى الآخرة- وقيل فى يوم الاثنين رابع عشرين الشهر بالموصل، بعلة الذّرب «5» . وكان الملك الكامل قد أرسله إلى الخليفة، يستنجده على الفرنج، فمرض بين حرّان والموصل، فوصل إلى الموصل ومات بها. وقيل كانت وفاته فى جمادى الأولى.
(29/108)

ومولده بجوين فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وجوين هذه، التى نسب إليها، ناحية كبيرة من نواحى نيسابور، وإليها ينسب إمام الحرمين أبو المعالى: عبد الملك الجوينى. وأما أبو المعالى الجوينى: محمد بن الحسن ابن عبد الله- فهو منسوب إلى جوين: قرية من قرى سرخس. وهو إمام فاضل. وأما وقّاد بن قيس الجوينى الشاعر فمنسوب إلى جوين: بطن من سنبس «1» .
وفى هذه السنة كانت وفاة السيد الشريف: قتادة بن إدريس، الزّيدى الحسنى «2» العلوى، أمير مكة. وكنيته أبو عزيز. كان رحمه الله- عادلا منصفا. واطمأن الحاجّ فى أيامه. وما وطىء بساط خليفة قط. وكان يحمّل إليه فى كل سنة من بغداد الخلع والذهب. وكان يقول: أنا أحقّ بالخلافة من غيرى.
وبعث إليه الخليفة الناصر يستدعيه، ويقول له: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغنى شهامتك وحفظك للحاج، وعدلك وشرف نفسك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك، وأحسن إليك. فكتب إليه:
(29/109)

ولى كفّ ضرغام أدلّ ببسطها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع
تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفى وسطها للمجدبين «1» ربيع
أأجعلها تحت الرّجا، ثم أبتغى ... خلاصا لها، إنى إذا لوضيع
وما أنا إلا المسك فى كل بقعة ... يضوع «2» ، وأما عندكم فيضيع
وكانت وفاته- رحمه الله- إحدى الجماديين، بمكة- شرفها الله تعالى- وله سبعون سنة.
وملك بعده ابنه الحسن- وقيل أن ابنه الحسن سمّه- وكان له ولد آخر اسمه: راجح. وكان قتادة قد اتسعت ولايته من حدود اليمن إلى المدينة: وله قلعة ينبع واستكثر من المماليك. وذكر ابن الأثير وفاته فى سنة ثمان عشرة.
والله أعلم.
وفيها، كانت وفاة الملك المنصور: محمد بن عمر بن شاهنشاه ابن أيوب- صاحب حماه.
وكان شجاعا محبّا للعلماء. وصنف كتابا سماه: «المضمار» جمع فيه جملة من التواريخ، وأسماء من ورد عليه وأقام عنده، فى عشرة مجلدات. وكان كثير الصدقة، حافظا لرعيته. وكانت وفاته بحماه فى شوال، ودفن عند أبيه.
وقام بعده بملك حماه ولده الأكبر: الملك الناصر قليج أرسلان.
(29/110)

ثم أخذ منه الملك الكامل حماه، وأعطاها لأخيه الملك المظفّر، واعتقل قليج أرسلان فى الجبّ بقلعة الجبل، بظاهر القاهرة المعزّية.
وفيها كانت وفاة الملك الصالح: نجم الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد. وكان شجاعا عاقلا جوادا، محبا للعلماء. وكان الملك الأشرف يحبّه، وحضر إلى خدمة الأشرف غير مرة إلى دنيسر، وغيرها. ومات بآمد فى صفر.
وقام بعده ولده الملك المسعود. وكان ضد اسمه: بخيلا فاسقا. حضره الملك الكامل بعد ذلك فى آمد، ووجد فى قصره خمسمائة امرأة من الحرائر يفترسهنّ، من بنات الناس. فأخذه الكامل إلى مصر، وأحسن إليه.
وكاتب الروم وسعى فى هلاك الكامل. فقبض عليه واعتقله فى الجبّ. ثم أطلقه، فتوجه إلى التتار. وكان معه جواهر كثيرة، وأخت جميلة، فقتله التتار، وأخذوا ما معه.
وفيها، فى العشر الأول من ذى الحجة، توفى الشيخ القدوة العارف:
أسد الشام عبد الله اليونانى «1» صاحب الكرامات المشهورة والرّياضات والمجاهدات. وكان- رحمه الله ورضى عنه- لا يقوم لأحد من الملوك ولا لغيرهم، تعظيما لله تعالى، ويقول: لا ينبغى القيام لغير الله تعالى.
وكان لا يمسّ بيده درهما ولا دينارا، ولا يلبس غير الثوب الخام، وقلنسوة
(29/111)

من جلد الماعز. ويبعث إليه بعض أصحابه فى الشتاء بفروة قرظ «1» ؛ يلبسها، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد. وكان إذا لبس ثوبا قال: هذا لفلان وهذا لفلانة، يوعد به ويعطيه إذا أتاه غيره.
وكان من خبر وفاته أنه دخل الحمام فى يوم الجمعة واغتسل، ولبس ثوبيه، وكان قد سمّاهما لا مرأتين، وصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح. وجاءه داود المؤذّن وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك يا داود، انظر كيف تكون غدا! فلم يفهم. ثم صعد الشيخ المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التى عند الّلورة، التى كان ينام تحتها ويجلس عندها، وعندها قبره. فنجّزت فى نهار الجمعة، وبقى منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها.
وبات فى ليلة السبت، وهو يذكر أصحابه ومعارفه، ويدعو لهم حتى طلع الفجر. فصلى بهم الصبح، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس وبيده سبحة. وقام الفقراء ليكملوا حفر الصخرة، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعد وبيده السّبحة. وجاء خادم من القلعة إليه فى شغل، فرآه نائما، فما تجاسر أن يوقظه. فجلس ساعة، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ: يا عبد الصمد، ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا. قال عبد الصمد: فتقدمت إليه، وناديته: سيّدى سيّدى! فما تكلم.
فحركته، فإذا هو ميت! فارتفع الصياح.
(29/112)

وكان الملك الأمجد- صاحب بعلبك- فى الصيد، فأرسلوا إليه.
فجاء، فرآه على تلك الحال: لم يقع: ولا وقعت السّبحة من يده، وهو كأنه نائم! فقال: نبنى عليه بنيانا وهو على حاله، ليكون أعجوبة! فقال أتباع الشيخ: السّنّة أولى. وغسله داود، ودفع الثوبين للمرأتين ولما الحدوه، قال له الحفّار: يا شيخ عبد الله، اذكر ما فارقتنا، أو اذكرنا عند ربك. قال: ففتح عينيه، ونظر إلىّ شزرا «1» . ودفن رحمه الله فى يوم السبت، وقد جاوز ثمانين سنة. والأخبار عنه فى الكرامات كثيرة، قد اقتصرنا على هذه النبذة.
واستهلت سنة ثمانى عشرة وستمائة:
ذكر وصول ملوك الشرق إلى السلطان الملك الكامل وانهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط، وتقرير الهدنة
فى هذه السنة، توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل، إلى أخيه الملك الأشرف، واجتمعا على حرّان «2» .
وكان الملك المعظم من أحرص الناس على إعانة أخيه الملك الكامل، على استعادة ثغر دمياط من الفرنج. وكان الملك الأشرف قد باين الملك الكامل، وتقاعد عنه فى هذه الحادثة: فتلطف الملك المعظم بالملك
(29/113)

الأشرف، ولم يزل به حتى قطع الفرات بالعساكر، والمعظم يقدمه، إلى أن نزل الملك المعظم على حمص، والأشرف على سلمية «1» .
قال أبو المظفّر يوسف، فى تاريخه: وكنت قد توجهت إلى حمص لطلب الغزاة، وكان العزم قد وقع على دخول العساكر إلى طرابلس.
فاجتمعت بالملك المعظم على حمص فى شهر ربيع الآخر. فقال لى: قد سحبت الأشرف إلى ههنا بأسنانى وهو كاره، وكل يوم أعتبه فى تأخره وهو يكاشر «2» ، وأخاف من الفرنج أن يستووا على مصر. وهو صديقك، فتوجّه إليه، فإنه قد سألنى عنك مرارا.
قال: ثم كتب كتابا إلى أخيه بخطّه نحو ثمانين سطرا، فأخذته وتوجهت إليه إلى سلميّة؟ فتلقانى وأكرمنى، فقلت له: المسلمون فى ضائقة، واذا أخذ الفرنج الديار المصرية، ملكوا حضرموت وعفوا آثار مكة، وأنت تلعب؟ قم الساعة وارحل. فأمر برمى الخيام والدّهليز «3» لوقته. وقمت فركبت، وسبقته إلى حمص. فركب المعظم والتقى بى، وقال: والله ما نمت البارحة، ولا أكلت فى يومى هذا! فأخبرته أن الملك
(29/114)

الأشرف يصل إليه بكرة الغد. فسرّ بذلك، ودعا لى. وأقبلت الأطلاب «1» من الغد. وجاء الأشرف فما رأيت أجمل من طلبه «2» ، ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة.
قال: وبات الأخوان الملكان فى تلك الليلة يتشاوران. فاتفقا على الدخول فى السحر إلى طرابلس، وكانوا على أحسن حال. فأنطق الله الملك الأشرف- من غير قصد- وقال للمعظم: ياخوند «3» ، م عوض دخولنا إلى الساحل ونضعف عساكرنا وخيلنا، ونضيع الزمان، ما نتوجه إلى دمياط ونستريح! فحلّفه المعظم بقول رماة البندق «4» فحلف، وقبّل المعظم قدمه.
ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة ونادى فى الناس: الرحيل إلى دمياط، وما كان يظنّ أن الأشرف يسمح بذلك. وساق المعظم إلى دمشق، وتبعته العساكر. ونام الأشرف فى خيمته إلى وقت الظهر، وانتبه فدخل الحمّام فلم يرحول خيمته خيمة! فسأل عن العساكر، فأخبر بالخبر. فسكت وركب إلى دمشق. ونزل القصر فى رابع عشر جمادى الأولى، فأقام بها إلى سلخ الشهر.
(29/115)

وعرض العساكر، وتوجه إلى مصر، هو والملك المعظم- فى غرة جمادى الآخرة. ووصلوا إلى المنصورة، فى ثالث شهر رجب من السنة.
ووصل أيضا الملك المظفر بن الملك المنصور، صاحب حماه، وغيره من الملوك. هذا ما كان من خبر هؤلاء.
وأما الملك الكامل، فإنه فى هذه السنة اجتهد فى قتال الفرنج.. واستمر القتال بينهم وبينه فى البر والبحر. وطلع النيل وعم البلاد، وجرى فى بحر المحلّة، فرتّب السلطان مراكب الأسطول فى بحر المحلّة، ومنع الميرة «1» عن الفرنج. فاشتد ضررهم لذلك، وعدموا القوت. وعزموا على الرجوع إلى دمياط، فأحرقوا أثقالهم وهربوا ليلا. فأمر السلطان بقطع جسر البرمون «2» ، وغيره من الجسور، فقطعت. فأحاط بهم النيل من كل جانب. وكان فيهم مائة كند «3» ، وثمانمائة من الخيّالة المعروفين، وملك عكا، والدّوك «4» واللّو كان «5» نائب الباب «6» ، ومن الرّجّالة ما لا يحصى كثرة.
فلما عاينوا الهلاك، راسلوا السلطان، وبذلوا له أن ينزلوا على ثغر دمياط، ويؤمّنهم على أنفسهم وأموالهم. فأجابهم إلى ذلك. ووصل
(29/116)

الملكان: الأشرف والمعظّم فى هذه الأيام. وتقررت الهدنة ثمانى سنين، وأنه يطلق جميع الأسرى من الجهتين.
وجلس الملك الكامل مجلسا عظيما. ووقف الملك الأشرف والملك المعظم وسائر الملوك فى خدمته. ولم يجلس معه إلا الملك المعظم محمد [بن] سنجرشاه، بن أتابك، صاحب جزيرة ابن «1» عمر- وكان قد وصل إلى الملك الكامل فى أوائل هذه السنة، قبل وصول الأشرف والمعظم- وعظّمه الملك الكامل تعظيما كثيرا. وكان فى مدة مقامه عنده، إذا حضر رسل الفرنج يقول لهم الملك الكامل: إنه الآن لا حكم لى، وحديثكم مع ملك الشّرق، والأمر له. وحضر رسول الفرنج مرة، فوقف الملك الكامل بين يدى الملك المعظّم هذا، وكذلك من كان بحضرته من الملوك الأيوبية. وكان الملك المعظم محمد شكلا مهيبا، جهورىّ الصوت، هيول الخلقة ففرق رسل الفرنج منه. ولما جلس السلطان فى هذا اليوم، أراد الملك المعظم الوقوف بين يديه مع الملوك الأيوبية، فلم يمكّنه من ذلك، وأجلسه إلى جانبه.
وحضر الملك يوحنا- صاحب عكا- إلى السلطان بظاهر البرمون، بعد أن أعطاه السلطان رهاين: ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخاه الملك المفضل قطب الدين، وجماعة من أولاد الأمراء. فحلف يوحنا
(29/117)

للسلطان، ولأخويه: الأشرف والمعظم، وحلفوا له. وذلك فى يوم الأربعاء، لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، من السنة.
وتسلم ثغر دمياط فى تاسع عشر شعبان من السنة. فكانت مدة استيلاء الفرنج على الثغر سنتين، إلا ستة أيام. ومدة مقامهم بالديار المصرية ثلاث سنين، وأربعة أشهر، وستة عشر يوما. وتوجه الفرنج إلى عكا: بعضهم فى البر، وبعضهم فى البحر.
وعاد الملك المعظم، صاحب الجزيرة، والملك المعظم، صاحب دمشق، إلى ممالكهما. وتأخر الملك الأشرف عند السلطان الملك الكامل، وتصافيا، وزال ما عند كلّ منهما من الآخر. واتفقا على الملك المعظم صاحب الشام.
ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء إلى الشام
قال: ولما تسلم السلطان ثغر دمياط، وعاد الفرنج إلى بلادهم، رجع السلطان إلى القاهرة. واستقر بقلعة الجبل.
ثم ركب فى ذى القعدة، وجاء إلى منظرة الصاحب صفى الدين بن شكر، لزيارته. فزاره، واستشاره فى أمر الأمراء، الذين كانوا مع عماد الدين بن المشطوب، لما قصد إقامة الفائز. فأشار بإخراجهم من البلاد.
وكانوا فى الجزيرة، مقابل ثغر دمياط، لعمارتها. فكتب السلطان إليهم بالانصراف، إلى حيث اختاروا. فتوجهوا إلى الشام. ولم يتعرض لشىء من
(29/118)

موجودهم، وأقطع أخبازهم «1» لمماليكه.
فى هذه السنة- أعنى سنة ثمانى عشرة وستمائة- كانت وفاة أمين الدين أبو الدرّ: ياقوت بن عبد الله الموصلى، الكاتب المعروف بالمالكى- نسبة إلى السلطان ملكشاه السّلجقى. إليه انتهى حسن الخطّ وجوده الكتابة فى زمانه، وما أدّى أحد طريقة ابن البوّاب «2» فى زمانه مثله. وكتب كثيرا من الكتب. وانتشر خطه. وكان مغرى بنقل صحاح الجوهرى، كتب منها نسخا كثيرة: كل نسخة فى مجلدة واحدة. قال ابن خلّكان: ورأيت منها نسخا عدة، وكل نسخة تباع بمائة دينار. وكتب عليه خلق كثير، وانتفعوا به. وقصده الناس من البلاد إلى الموصل. وبها مات، وقد أسنّ وتغير خطّه- رحمه الله.
واستهلت سنة تسع عشرة وستمائة:
فى هذه السنة- فى أولها- وصل الملك الأشرف إلى القاهرة إلى أخيه الملك الكامل، وأمر بعمارة تربة لوالدته بالقرافة. وعاد فى شعبان من السنة.
وفيها ظهر بالشام جراد كثير، لم يعهد مثله. فأكل الزرع والشجر.
فأظهر الملك المعظم أن ببلاد العجم طائرا، يقال له: السّمرمر يأكل الجراد.
فأرسل الصدر البكرى محتسب «3» دمشق، ورتّب معه صوفيّة، وقال:
(29/119)

تمضى إلى العجم. فهناك عين يجتمع فيها السّمرمر، فتأخذ من مائها قوارير، وتعلقه على رءوس الرماح، فكلما رآه السمرمر يتبعك! وكان قصد الملك المعظم فى إرسال البكرىّ أن يتوجه إلى السلطان:
جلال الدين خوارزم شاه ويتفق معه، لما بلغه إتفاق الملك الكامل والأشرف عليه. فتوجه البكرى، واجتمع بالسلطان جلال الدين، وقرر معه الأمور، وجعله سندا للملك المعظم. وكان الجراد قد قلّ، فلما عاد البكرى كثر وولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ «1» مضافة إلى الحسبة «2» .
وفيها نقل الملك العادل فى تابوته من قلعة دمشق إلى مدرسته «3» ، التى أنشأها عند دار العقيقى «4» . وأخرجت جنازته من القلعة، وعليها مرقعته، وأرباب الدولة حوله. ودخلوا من باب البريد إلى الجامع، ووضع فى صحن الجامع، قبالة حائط النّسر. وصلى عليه الخطيب الدّولعى «5» . ثم حملوا جنازته وخرجوا من باب البطّاقين، خوفا من ازدحام الناس فى الطريق. فلم يصل إلى تربته إلا بعد جهد، لضيق المسلك. وتردّد القراء والفقهاء مدة إلى التربة، غدوة وعشية. ولم تكن كملت عمارتها.
(29/120)

ثم درس فيها قاضى القضاة جمال الدين المصرى، قبل كمال عمارتها.
وحضر السلطان الملك المعظّم، وتكلم فى الدرس مع الجماعة.
وكان الإجتماع بالإيوان الشمالى بالمدرسة. وجلس عن يمين السلطان إلى جانبه- الشيخ جمال الدين الحصيرى شيخ الحنفية، ويليه شيخ الشافعية:
الشيخ فخر الدين بن عساكر، ثم القاضى شمس الدين الشّيرازى، ثم القاضى محيى الدين بن الزّكى. وجلس عن يسار السلطان، الى جانبه، مدرّس المدرسة قاضى القضاة «1» ، والى جانبه سيف الدين على الآمدى، ثم القاضى شمس الدين يحيى بن سنىّ الدولة، ثم القاضى نجم الدين خليل قاضى العسكر. ودارت حلقة صغيرة، والناس وراءهم متصلون ملء الايوان. وكان فى تلك الحلقة أعيان المدرسين والفقهاء. وقبالة السلطان الشيخ تقىّ الدين بن الصّلاح وغيره. وكان مجلسا جليلا، لم يقع مثله إلا فى سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز، وما اعتمده
فى هذه السنة، حج الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل بالناس من اليمن، فى عسكر عظيم.
(29/121)

وجاء إلى الجبل وقد لبس هو وأصحابه السلاح، ومنع علم الخليفة «1» . أن يصعد إلى الجبل. وأصعد علم أبيه: الملك الكامل، وعلمه. وقال لأصحابه: إن طلع البغاددة بعلم الخليفة فاكسروه، وانهبوهم. ووقفوا تحت الجبل من الظهر إلى غروب الشمس، يضربون الكوسات «2» ويتعرضون إلى الحاجّ العراقى، وينادون: يا ثارات ابن المقدّم «3» فأرسل «4» إليه حسام الدين بن أبى فراس- أمير الحاج العراقى- أباه، وكان شيخا كبيرا، فعرّفه ما يجب من طاعة الخليفة، وما يلزمه من ذلك من الشّناعة. فيقال إنه أذن فى صعود العلم قبيل الغروب. وقيل لم يأذن.
وبدا من الملك المسعود أقسيس «5» فى هذه الواقعة جنون عظيم، وأفعال شنيعة. قال أبو المظفّر «6» : حكى لى شيخنا جمال الدين
(29/122)

الحصيرى «1» ، قال: رأيت أقسيس قد صعد على قبّة زمزم، وهو يرمى حمام مكة بالبندق! قال: ورأيت غلمانه فى المسعى يضربون الناس بالسيوف فى أرجلهم، ويقولون: اسعوا قليلا قليلا، فإن السلطان نائم سكران فى دار السلطنة التى بالمسعى. والدّم يجرى من ساقات الناس!.
وفيها، فى العشرين من شعبان، ظهر كوكب كبير فى الشرق، له ذؤابة طويلة غليظة. وكان طلوعه وقت السّحر، فبقى كذلك عشرة أيام.
ثم ظهر أول الليل فى المغرب مما يلى الشمال. فبقى كذلك إلى آخر شهر رمضان.
وفى هذه السنة، توفى الملك المفضّل قطب الدين أحمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، بالفيوم. ونقل إلى القاهرة فدفن بالقرافة الصغرى.
وإلى قطب الدين هذا، تنسب الدار القطبيّة التى بين القصرين بالقاهرة المعزّيّة، التى هى الآن البيمارستان المنصورى. وكان قد جمع أخواته بنات الملك العادل، بعد وفاة أبيه، وسكنها، وهنّ تحت كنفه، فسمّيت الدار القطبية به- رحمه الله تعالى.
(29/123)

وفيها توفى الأمير عماد الدين: أبو العباس أحمد، بن الأمير الكبير سيف الدين أبى الحسن على، بن أحمد، بن أبى الهيجا، بن عبد الله، بن أبى الخليل بن مورتان، الهكّارى «1» ، المعروف بابن المشطوب «2» .
والمشطوب لقب والده، لقّب به لشطبة كانت بوجهه.
وكان أميرا كبيرا، وافر الحرمة عند الملوك، يعدّونه بينهم كواحد منهم. وكان عالى الهمة غزير الجود، واسع الكرم، شجاعا أبىّ النفس.
وكان من أمراء الدولة الصّلاحيّة. فإن والده لما توفى «3» ، كانت نابلس إقطاعا له، أرصد منها السلطان الملك الناصر صلاح الدين الثّلث لمصالح بيت المقدس، وأقطع ولده عماد الدين هذا بقيّتها. ولم يزل قائم الجاه والحرمة نافذ الكلمة، الى أن صدر منه على ثغر دمياط ما قدمنا ذكره. وكان من خبره واعتقاله ما قدمناه. ثم كانت وفاته بحرّان. وبنت له ابنته قبّة على باب مدينة رأس عين، ونقلته من حرّان إليها، ودفنته بها.
وأما والده- رحمه الله تعالى- فكان من أكابر الأمراء الصّلاحيّة.
وكان الملك الناصر «4» قد رتّبه بعكا، هو وبهاء الدين قراقوش الأسدى. ولما خلص منها، وصل إلى السلطان وهو بالقدس. قال ابن شدّاد: إنه دخل عليه بغتة، وعنده الملك العادل، فنهض إليه واعتنقه، وسر به سرورا عظيما. وأخلى له المكان، وتحدث معه طويلا.
(29/124)

ولم يكن فى الدولة الناصرية من يضاهيه فى الرّتبة وعلو المنزلة. وكانوا يسمونه: الأمير الكبير. وكان ذلك علما عليه عندهم، لا يشاركه فيه غيره. وكان إقطاعه- نابلس وغيرها- بعد خلاصه من الأسر- ثلاثمائة ألف دينار. وكانت وفاته- أعنى والده- بالقدس، فى يوم الخميس سادس عشر شوال، سنة ثمان وثمانين «1» وخمسمائة، بعد خلاصه من الأسر بعكا بمائة يوم. ودفن بداره، بعد أن صلّى عليه فى المسجد الأقصى- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى جلال الدين أبو بكر، بن القاضى كمال الدين أبى السعادات: أحمد بن شكر.
واستهلت سنة عشرين وستمائة:
ذكر ملك الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل مكة- شرفها الله تعالى
وفى هذه السنة، ملك الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل- صاحب اليمن- مكة- شرفها الله تعالى. وكان صاحبها يومئذ:
الأمير حسن بن قتادة «2» ، وكان قد أساء السيرة. فسار إليه الملك المسعود وقاتله بالمسعى ببطن مكة، فى رابع شهر ربيع الآخر. فتغير الخليفة الناصر لدين الله على الملك الكامل، بسبب ذلك.
(29/125)

ذكر عصيان الملك الملك المظفّر شهاب الدين غازى على أخيه الملك الأشرف وقتاله، وانتصار الملك الأشرف
وفى هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى من الديار المصرية، من عند أخيه الملك الكامل. فلما وصل إلى دمشق، تلقاه أخوه الملك المعظم عيسى، وعرض عليه النزول بالقلعة. فامتنع، ونزل بجوسق أبيه. وبدت الوحشة بين الإخوة: الكامل والمعظم والأشرف.
وركب الأشرف من الجوسق فى وقت السحر، فسار ونزل ضمير «1» .
ولم يعلم المعظم برحيله. وسار يطوى البلاد إلى حرّان. وكان الأشرف قد استناب أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازى، صاحب ميّافارقين، بخلاط، لما توجه إلى مصر، وجعله ولىّ عهده، ومكّنه فى جميع بلاده.
فسوّلت له نفسه العصيان، وحسّنه له أخوه الملك المعظم، وغيره، ووعدوه المساعدة والإنجاد على أخيه الأشرف.
فسار الأشرف من حرّان إلى سنجار. وكتب إلى أخيه غازى أن يحضر إليه، فامتنع. فكتب إليه ثانيا، يحذّره عاقبة العصيان، ويلاطفه ويقول له: أنت ولىّ عهدى، والبلاد والخزائن بحكمك، فلا تخرّب بيدك وتسمع كلام أعدائك. فأصرّ على العصيان.
(معجم البلدان: ج 4- 441)
(29/126)

فجمع الأشرف عساكر الشرق وحلب، وتجهز وسار إليه. وجمع غازى جمعا، وخرج إليه. والتقوا، واقتتلوا، فى سنة إحدى وعشرين وستمائة. وقاتل غازى قتالا شديدا. وكان أهل خلاط يحبون الملك الأشرف.
فبينما غازى يقاتل من باب فتح أهل خلاط بابا آخر. وأصعدوا صناجق الأشرف منه، ونادوا بشعاره. فهرب غازى إلى القلعة، وتحصن بها يومين.
ثم نزل إلى أخيه الملك الأشرف، واعتذر. فقبل عذره، وأعاده إلى ميّافارقين وديار بكر. فتوجه إلى ميّافارقين، مريضا من جراحات أصابته.
وأقام الملك الأشرف بخلاط ثلاثة أيام، وسلّمها لمملوكه أيبك والحاجب علىّ، ورجع إلى رأس عين.
وكان الملك المعظم قد خرج من دمشق، ونزل بالقطنة «1» ، لإنجاد أخيه غازى على أخيه الأشرف. وبعث إليه عيسى الدّباهى سرّا. فوصل، وقد فات الأمر. ورجع المعظم إلى دمشق، وذلك فى سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وفيها كانت وفاة مبارز الدين سنقر الحلبى- الصّلاحى- والد الظّهير.
وكان قبل ذلك مقيما بحلب، ثم انتقل إلى ماردين فخاف الملك الأشرف عاقبة قربه، فبعث إلى أخيه الملك المعظم يقول: ما دام المبارز فى الشرق لا آمن على نفسى! فبعث إليه الملك المعظم ولده الظّهير غازى، يلتمس منه وصوله إليه، ويعرّفه رغبته فيه، ووعده أن يقطعه نابلس، وما اختار من بلاد الشام.
(29/127)

فتوجه إليه ولده الظّهير، وأبلغه رسالة الملك المعظم إليه. وعرفه رغبته فيه. فأشار عليه صاحب ماردين أن يقيم، ولا يتوجه، وقال: هذه خديعة. ومكّنه من مملكته وخزائنه. فأبى إلّا الانحياز إلى الملك المعظم.
وتوجه إلى الشام، فى سنة ثمانى عشرة «1» وستمائة.
فخرج المعظم إليه وتلقاه، ولم ينصفه. ونزل بدار شبل الدولة الحسامى «2» بقاسيون. وأعرض المعظم عنه، إلى أن تفرق عنه من كان حوله، وأنفق ما كان فى حاصله، واحتاج إلى بيع دوابه وقماشه. ولم يزل كذلك إلى أن مات غمّا، فى هذه السنة. وكان قد وصل إلى الشام، ودائرته بمائة ألف دينار، فمات وليس له ما يكفّن فيه! فقام بتجهيزه شبل الدولة كافور الحسامى، وابتاع له تربة بألف درهم، ودفنه بها.
وكانت للمبارز المواقف المشهودة، حتى يقال إنه لم يكن فى زمانه أشجع ولا أكرم منه. ويقال إنه كان مملوك شمس الدولة تورانشاه بن أيوب «3» - رحمهما الله تعالى.
واستهلت سنة إحدى وعشرين وستمائة:
ذكر وصول الملك المسعود من اليمن
وفى هذه السنة، قدم الملك المسعود أقسيس- بن الملك الكامل- من اليمن إلى القاهرة، من جهة الحجاز. وإنما جاء طمعا فى أخذ دمشق والشام.
(29/128)

وكان معه من الهدايا والتحف أشياء كثيرة: من جملة ذلك ثلاثة أفيلة، الكبير منها يدعى بالملك، وعليه محفة بدرابزين، يجلس فيها على ظهره عشرة أنفس، وفيّاله راكب على رقبته، وبيده كلّاب يضربه به، ويسوقه كيف أراد! وركب السلطان الملك الكامل للقائه. فلما دنت الفيلة منه، وضعت رؤوسها إلى الأرض، خدمة للسلطان! وكان فى جملة الهدية مائتا «1» خادم، وأحمال من العود والمسك والعنبر، وتحف اليمن.
وقيل إن قدمته هذه كانت فى سنة ثلاث وعشرين. والله أعلم.
وفيها، أنشأ الملك الكامل دار الحديث الكامليّة «2» التى بالقاهرة المعزّيّة بين القصرين وهى تقابل باب القصر، المعروف بباب البحر.
وفى سنة إحدى وعشرين أيضا- فى سلخ شعبان- توفى الوزير الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضى كمال الدين أبو السعادات أحمد بن شكر ومولده فى سنة إحدى وستين وخمسمائة.
(29/129)

وتوفى الصاحب صفى الدين أبو محمد عبد الله، بن المخلص أبى الحسن على، بن الحسين بن عبد الخالق، بن الحسين بن الحسن بن منصور- الشّيبى القرشى المالكى، المعروف بابن شكر. ولم يكن من بنى شكر، إنما هو ابن عم كمال الدين أحمد بن شكر لأمّه، فعرف به.
ومولده بالدّميرة: بلدة من الأعمال الغربيّة بالديار المصرية- فى تاسع صفر، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر وزارته وعزله وإعادته، وغير ذلك من أحواله. وكانت وفاته فى يوم الجمعة ثامن شعبان، ودفن برباطه الذى أنشأه بالقاهرة، بالقرب من مدرسته «1» .
وكان شديد البطش، عظيم الهيبة سريع البادرة، جسورا مقداما.
وقاسى الناس منه شدائد كبيرة. وانتزح جماعة من الأكابر عن أوطانهم بسببه. وكان كريما، إلا أنه لم يسمع بوزير من المتعمّمين «2» كان أظلم منه.
ولما مات، استوزر السلطان الملك الكامل بعده ولده: الصاحب تاج الدين يوسف، نحو شهرين. ثم قبض عليه واعتقله. وانتصب السلطان الملك الكامل للأمور بنفسه، وقرّر مصالح دولته، ونظر فى وجوه الأموال ومصارفها، واستصفى أموال الصاحب صفى الدين، وذخائره وأملاكه.
وفيها، فى سلخ شوال، توفى القاضى الأسعد: أبو البركات عبد القوى، بن القاضى الجليس: مكين الدولة أبى المعالى عبد العزيز بن الحسين، بن عبد الله بن الحبّاب- رحمه الله تعالى.
(29/130)

واستهلت سنة ثنتين وعشرين وستمائة:
ذكر ابتداء المعاملة بالفلوس بالديار المصرية
فى هذه السنة فى ذى القعدة، ضربت الفلوس «1» بالقاهرة ومصر، وصارت من جملة النقود. وتقررت القيمة عن كل درهم ورق «2» ، من معاملة الديار المصرية، ستة عشر فلسا. ثم أبطلت المعاملة بها، فى سنة ثلاثين وستمائة. ثم عادت.
وفيها ضربت دراهم مستديرة، وأمر السلطان أن لا يتعامل بالدراهم المصرية العتق «3» ، وحصل للناس ضرر عظيم بسبب ذلك «4» ، وصار كل ما يتحصّل منها يسبك ويضرب من الجديد، وبلغ ضرب العتيق ستين درهما بدينار.
(29/131)

وفيها، فى يوم الأربعاء سابع عشر شعبان، استخدم السلطان الملك الكامل القاضى سديد الدين: أبا عبد الله محمد بن سليم، صاحب ديوان الجيوش. ثم صرف بعد ذلك بمدة يسيرة. وهو والد الصاحب بهاء الدين على، المعروف بابن حنا: وزير الدولة الظاهرية الرّكنيّة «1» - وسيأتى ذكره- إن شاء الله تعالى.
وفيها صلب الملك المعظم عيسى رجلا، يقال له: ابن الكعكى، ورفيقا له.
وكان ابن الكعكى رأس حرب «2» ، وله جماعة أتباع وكانوا ينزلون على الناس فى البساتين، ويقتلون وينهبون. والمعظم يوم ذاك بالكرك، وبلغه أن ابن الكعكى قال لأخيه الملك الصالح إسماعيل: أنا آخذ لك دمشق، وكان إسماعيل ببصرى. فكتب الملك المعظم إلى متولّى دمشق أن يصلب ابن الكعكى، ورفيقه، منكّسين. فصلبا، فى العشر الآخر من شهر رمضان.
فأقاما أياما لا يجسر أحد أن يطعمهما ولا يسقيهما، فماتا. وقدم الملك المعظم دمشق بعد وفاتهما، فمرض مرضا أشفى منه، ثم أبلّ. ولم يزل ينتقض عليه، حتى مات. وكان رفيق ابن الكعكى خيّاطا، شهد له أهل دمشق بالصلاح، والبراءة مما رمى به.
(29/132)

وفيها كانت وفاة الملك الأفضل، نور الدين على بن السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- فجأة- فى صفر، سنة ثنتين وعشرين وستمائة، بسميساط. ونقل إلى حلب، فدفن بها بظاهرها بتربته.
وكان مولده بالقاهرة فى سنة خمس وستين وخمسمائة، يوم عيد الفطر. وكان فاضلا شاعرا حسن الخط قليل الحظّ، تقلّبت به الأحوال.
وقد تقدم ذكر ملكه دمشق ومصر، وغير ذلك. ثم استقر آخرا بسميساط.
ومما يعزى إليه من الشعر أنه كتب الى الخليفة الناصر- لما أخرج من دمشق «1» ، واتفق عليه أخوه الملك العزيز عثمان وعمه الملك العادل أبو بكر:
مولاى، إن ابا بكر «2» ، وصاحبه ... عثمان «3» ، قد غضبا بالسيف حقّ على «4»
فانظر إلى حظ هذا الاسم، كيف لقى ... من الأواخر، ما لاقى من الأول
فأتاه الجواب من الإمام الناصر، وفى أول الكتاب:
وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالود، يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا عليّا حقّه إذ لم يكن ... بعد النبى له بيثرب ناصر
فابشر، فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر، فناصرك الامام الناصر
(29/133)

وقيل أن الخليفة جرّد لنصرته سبعين ألف فارس، فبلغه فوات الأمر فأعاد العسكر إلى بغداد.
وفيها، فى يوم الخميس سادس عشر ذى الحجة- وقيل سابع عشر ذى القعدة- توفى الإمام فخر الدين أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن أحمد ابن طاهر، بن أبى الفوارس الخبرى الفارسى الشّيرازى الفيروزبادى، الشافعى الصوفى، من أجلّ مشايخ الطريقة، كبير الشأن. وكانت وفاته بمعبده: معبد ذى النّون بالقرافة الصغرى، على شفير الخندق من غربيّه.
ودفن بتربته، وقبره من المزارات المباركة المشهورة. وكان من علماء مشايخ وقته، شديد الهيبة فى قلوب الناس. وله تصانيف كثيرة فى الطريق، وشعر.
قدم دمشق فى شهر رجب، سنة ست وستين وخمسمائة، ودخل مصر فى نصف شعبان من السنة: ورحل الى الإسكندرية، وسمع بها من الحافظ السّلفى «1» ، وحدّث بالكثير عنه. وتوفى، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة. وجاور بمكة، وحدّث بها. وقال: نحن من خبر سروشين، وهو إقليم من عمل شيراز، مشربهم من جبل الدينار. ولهم خبر آخر يقال له: خبر سمكان، من عمل شيراز أيضا. وخبر ثالث، يقال له: خبر فيروز أباد- خبر بإسكان الباء الموحّدة.
(29/134)

واستهلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة:
ذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، وطلب الصلح بينهم والاتفاق
فى هذه السنة، قدم الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزى «1» ، رسولا من الخليفة الظاهر بأمر الله «2» - إلى السلطان الملك الكامل وإخوته، وصحبته الخلع للملك الكامل، والتقليد بالولاية.
والخلع لولديه: الملك المسعود، والملك الصالح. وخلعة لوزيرة الصاحب صفى الدين- وكان قد مات- فأمر السلطان الفخر سليمان، كاتب الإنشاء، أن يلبس خلعة الصاحب، فلبسها.
ولبس السلطان وولداه الخلع، وعبروا من باب النصر، وخرجوا من باب زويلة «3» بالقاهرة، وطلعوا إلى القلعة. وكان يوما مشهودا.
ووصل أيضا- صحبته- الخلع للملك المعظم شرف الدين عيسى، وللملك الأشرف: مظفر الدين موسى.
(29/135)

وتضمنت رسالته إلى الملك المعظم رجوعه عن السلطان جلال الدين خوارزم شاه»
، والصلح مع إخوته: الملك الكامل والملك الأشرف.
وكان الملك المعظم قد راسل السلطان جلال الدين- كما تقدم. ثم بعث إليه مملوكه الركين، فرحّله من تفليس، وأنزله على خلاط. والأشرف يومئذ بحرّان.
فقال الملك المعظم للشيخ جمال الدين: الرسول: «إذا رجعت عن السلطان جلال الدين، وقصدنى، إخوتى ينجدوننى؟ قال: نعم. فقال:
ليس لكم عادة تنجدون أحدا! هذه كتب الخليفة الناصر عندنا ونحن على دمياط، ونحن نكتب إليه نستصرخ به، ونقول انجدونا. فيجيىء الجواب:
إنا قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا. ثم ضرب له مثلا وحكى عليه حكاية. وقال: إن إخوتى قد اتفقوا علىّ، وقد أنزلت السلطان جلال الدين خوارزم شاه على خلاط. فإن قصدنى الأشرف منعه، وإن قصدنى الكامل قدرت على ملاقاته ودفعه.
وفى هذه السنة، عاد الملك المسعود إلى اليمن. وكان عوده فى ذى القعدة. وقد تقدم ذكر وصوله إلى خدمة أبيه بالهدايا، فى سنة إحدى وعشرين وستمائة. وذكر ابن جلب راغب: أن قدومه وعوده كان فى هذه السنة. والله أعلم.
(29/136)

وفيها وصل الملك الأشرف إلى أخيه الملك المعظم بدمشق، وأعطاه رسالة، وتضرع إليه واعترف له بسابق فضله وسالف إحسانه، وسأله أن يرسل إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه يرحّله عن خلاط. فبعث إليه فرحّله عنها، وكان قد أقام عليها أربعين يوما. وسقط عليه وعلى أصحابه بها ثلج عظيم.
وأقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق. وكان المعظم يلبس خلعة خوارزم شاه، ويرحّله عن خلاط. فبعث إليه فرحّله عنها، وكان قد أقام عليها أربعين يوما. وسقط عليه وعلى أصحابه بها ثلج عظيم.
وأقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق. وكان المعظم يلبس خلعة خوارزم شاه، ويركب فرسه، وإذا جلسوا على الشراب يحلف برأس خوارزم شاه، والأشرف يتألم لذلك أشدّ الألم، ولا يستطيع أن يتكلم. ثم توجه الملك الأشرف إلى ضيافة أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.
وفيها، عقد السلطان الملك الكامل نكاح ابنته على ابن صاحب الروم «1» .
وفيها توفى شبل الدولة: كافور بن عبد الله الحسامى «2» ، خادم ست الشام.
وكان عاقلا أديبا فاضلا، له حرمة وافرة فى الدولة، ومنزلة عالية عند الملوك.
وبنى مدرسة على نهر ثورا «3» وتربة، ووقف عليها الأوقاف، ونقل إليها الكتب الكثيرة. وبنى الخانقاه للصوفية، إلى جانب مدرسته. وفتح
(29/137)

طريقا للناس من الجبل إلى دمشق، قريبة عند القفارات، على طريق عين الكرش. وبنى المصنع الذى على رأس الزّقاق، ومصنعا آخر عند المدرسة.
وكان كثير الإحسان إلى الفقراء، وصدقاته دارّة إلى الآن. وسمع الحديث ورواه. وكانت وفاته فى شهر رجب الفرد، ودفن بترتبه إلى جانب مدرسته «1» - رحمه الله تعالى.
وفيها فى نصف شهر رجب، توفى قاضى القضاة جمال الدين: أبو محمد وأبو الفضل وأبو الوليد وأبو الفرج: يونس بن بدران بن فيروز، بن صاعد بن على بن محمد بن على، القرشى الشّيبى، الحجازى الأصل، المليجى المولد «2» المصرى الدار، الدّمشقى الوفاة، المعروف بالمصرى.
مولده تقريبا سنة خمسين وخمسمائة. وبلده التى ولد بها مليج: من الأعمال المنوفية، بالديار المصرية. تفقه بمصر، وسمع بالإسكندرية والقاهرة.
وترسّل لبغداد. وتولى وكالة بيت المال بدمشق، ثم ولى القضاء بها- كما تقدم- فى سنة ثمان عشرة وستمائة. رحمه الله تعالى.
وفيها كانت وفاة الشريف حسن بن قتادة، بن إدريس الحسنى:
أمير مكة- شرفها الله تعالى.
وكان قد ولى الإمارة بعد أبيه كما تقدم- مغالبة- وكان سيىء السّيرة، ظلوما مقداما. وقتل أقباش «3» أمير الحاج العراقى، فى سنة سبع عشرة. وأحدث بمكة أمورا منكرة. ولما وصل الملك المسعود إلى مكة،
(29/138)

وأخذها منها، هرب. فتوجه إلى بغداد مريضا، فمات بالجانب الغربى على دكة. فلما علم به، غسّل وكفّن وصلّى عليه وحمل إلى مشهد موسى، ودفن هناك.
واستهلت سنة أربع وعشرين وستمائة:
فى هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى إلى بلاده.
وفيها قدم رسول الأنبرور «1» إلى الملك الكامل، بطلب الفتوح «2» .
وتوجه إلى الملك المعظم بدمشق، فأغلظ له. وقال: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، ليس عندى إلا السيف! وفيها كان ختان الملك العادل بن الملك الكامل، وعمل سماط «3» عظيم بالميدان الأسود، تحت قلعة الجبل.
ذكر هدم مدينة تنّيس «4»
وفى شوال، سنة أربع وعشرين وستمائة، أمر السلطان الملك الكامل
(29/139)

بهدم مدينة تنّيس. وسيّر إليها النّقّابين والحجّارين، فهدّمت بكمالها فى هذا الشهر، وأخليت ولم يبق بها ساكن. وكانت من المدن الجليلة: كدمياط والإسكندرية.
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين اخيه المعظم
وفى هذه السنة، تأكدت الوحشة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه الملك المعظم: صاحب دمشق. فكتب الملك الكامل إلى الأنبرور- ملك الألمان- أن يحضر إلى الشام والساحل، ويعطيه البيت المقدس، وجميع الفتوحات الصّلاحيّة بالساحل.
وكتب الملك المعظم إلى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه، يسأله أن ينجده ويعينه على أخيه الملك الكامل. ويكون من جملة المنتمين إليه، ويخطب له على منابر بلاده، ويضرب باسمه الدينار والدرهم، فأجابه إلى ذلك. وسيّر إليه خلعة فلبسها، وشقّ بها مدينة دمشق. وغرم على رسل السلطان جلال الدين، فى مدة تسعة أشهر، تسعمائة ألف درهم. وقطع خطبة الملك الكامل.
(29/140)

فتجهز الملك الكامل وخرج لقصد دمشق. فكتب إليه الملك المعظم يقول: إننى قد نذرت لله تعالى أن كل مرحلة رحلت منها لقصدى أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معى وكتبهم عندى، وأنا آخذك بعسكرك. هذا ما كتب له فى الباطن. وكتب إليه فى الظاهر يقول: أنا مملوكك، وما خرجت عن محبتك وطاعتك، وأنا أول من حضر لخدمتك قبل ملوك جميع الشام والشرق. فأظهر السلطان هذا الكتاب للأمراء، وعاد إلى القاهرة، وقبض على جماعة من الأمراء الذين توهّم فيهم أنهم كاتبوا الملك المعظم: من جملتهم الأمير فخر الدين الطّنبا الحبيشى «1» ، وفخر الدين الطّنبا الفيّومى أمير جاندار، وعشرة من الأمراء البحرية العادلية، وأخذ جميع أموالهم.
وفيها، فى يوم الأربعاء، سابع عشر شهر ربيع الأول، توفى القاضى ناصر الدولة أبو الحجاج يوسف، بن الأمير فخر الدين شاهان شاه، بن الأمير عز الدين أبى الفضل غسّان، بن الأمير العظم جلال الدين أبى عبد الله: محمد بن جلب راغب الآمرى «2» ، وقد تجاوز سبعين سنة.
وهو من أولاد الأمراء المصريين، لم يزالوا أمراء من الدولة الآمريّة إلى أيام شاور الوزير، فأبادهم وقتل بعضهم. ولما جاء أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية تزيّا القاضى ناصر الدين بزىّ القضاة، وخدم فى الخدم الديوانية، وعند الأمراء. وناصر الدولة هذا هو جد تاج الدين محمد بن
(29/141)

على، المعروف بابن ميسّر «1» ، صاحب التاريخ- رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم الأحد تاسع عشر شوال، كانت وفاة قاضى القضاة:
عماد الدين عبد الرحمن، بن عفيف الدين أبى محمد عبد العلى بن على، السّكّرى. تفقّه على الفقيه شهاب الدين الطّوسى «2» ، وعلى الفقيه أبو المنصور ظافر بن الحسين «3» . وسمع الحديث وحدّث به. وولى القضاء- كما تقدم. وولى الخطابة بالجامع الحاكمى بالقاهرة، والتدريس بمدرسة منازل العزّ بمصر «4» . ثم صرف عن القضاء والخطابة كما تقدم. وكان هيوبا.
وصحب جماعة من المشايخ، وله معهم أحوال ومكاشفات. ومولده بمصر فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
(29/142)

ذكر وفاة الملك المعظم عيسى وشىء من أخباره وسيرته، وقيام ولده الملك الناصر داود
وفى هذه السنة، فى يوم الجمعة مستهلّ ذى الحجة، كانت وفاة الملك المعظّم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق، وكانت مدة ملكه، بعد وفاة والده الملك العادل، تسع سنين وستة أشهر، إلا ثمانية أيام. ومولده بالقاهرة فى سنة ست وسبعين وخمسمائة.
وكان- رحمه الله- قد جهّز العساكر إلى نابلس، خوفا من اتفاق أخيه الملك الكامل مع الأنبرور، فمرض فى منتصف شوال واشتد به مرضه، وأصابه ذرب مفرط حتى رمى قطعة من كبده. وقيل أنه سمّ، ومات وغسّله كريم الدين الخلاطى، والنّجم يصب عليه الماء. وكان قد أوصى أن لا يدفن بقلعة دمشق، وأن يخرج إلى الميدان فيصلّى عليه ويحمل إلى قاسيون، فيدفن على تربة والدته تحت الشجرة. فلم تنفّذ وصيته، ودفن بالقلعة. ثم أخرج منها بعد مدة، لما ملك الملك الأشرف، على حالة غير مناسبة لمثله، وبين يديه نصف شمعة ومعه العزيز خليل، ودفن مع والدته فى القبّة- وفيها أخوه الملك المغيث.
(29/143)

وكان الملك المعظم- رحمه الله تعالى- فقيها فاضلا، نحويّا، قرأ القرآن وتفقه على مذهب أبى حنيفة على الشيخ فخر الدين الرّازى، وحفظ المسعودى، واعتنى بالجامع الكبير. واشتغل بالأدب على تاج الدين الكندى «1» ، فأخذ عنه كتاب سيبويه، وشرحه للسّيرافى، والحجّة فى القراءات لأبى على الفارسى، والحماسة. وقرأ الإيضاح لأبى على، حفظا.
وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد «2» ، وأشياء من مسموعاته. وسمع السّيرة لابن هشام، وغير ذلك. وله ديوان شعر. وصنّف فى العروض، وكان مع ذلك لا يقيم وزن الشعر فى بعض الأوقات.
وكان شجاعا مقداما كثير الحيا متواضعا، حسن الصّوت ضحوكا غيورا، جوادا حسن العشرة، محافظا على الصّحبة والمودة وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح، وزرديّته مخدّته. ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه. وكان يركب فى كل يوم غالبا، فإذا نزل مدّ السّماط، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى الظهر.
(29/144)

وكان فى أيام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال، من باب نابلس إلى عكّا. وله جماعة على جبل الكرمل- المقابل لعكا- عليه المنورون، وبينهم وبين الجواسيس علامات. وله فى عكا أصحاب أخبار- وأكثرهم نساء الخيّالة- وكانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل- فإذا عزم الفرنج على الإغارة فتحت المرأة طاقتها. فإن كان يخرج مائة فارس، أوقدت شمعة واحدة. وإن كانوا مائتين، أوقدت شمعتين. وتشير بالنار إلى الجهة التى يقصد الفرنج الإغارة عليها. وكان الفرنج لا يقصدون جهة، إلا يجدون عسكر المعظم قد سبقهم إليها. وكان يعطى النساء الجواسيس فى كل فتح جملة كثيرة.
قال الشيخ أبو المظفر، يوسف سبط ابن الجوزى: قلت للملك المعظم فى بعض الأيام: هذا إسراف فى بيوت الأموال. فقال: أنا أستفتيك:
لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام، أراد أن يخرج من عكا بغتة، ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارسا عظيما، وقال له: أخف أمرنا ومجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة. وكان بعكا إمرأة مستحسنة، فكتبت إلىّ تخبرنى الخبر. فبعثت إليها ثيابا ملوّنة، ومقانع «1» وعنبرا، فلبست ذلك، واجتمعت بذلك الفارس. فدهش، وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من عند
(29/145)

صديق لى من المسلمين. فقال: من هو؟ فقالت: الكريدى. فصلّب «1» على وجهه، وقام فخرج من عندها. فمازالت تلك المرأة تتلطف به، حتى تسحب المودة بينى وبينه. فصرت أهاديه، حتى كان يبعث إلىّ كتب الأنبرور التى يبعثها إليه، مختومة. وأرسل إليه، فيكتب ما أقول. فأنا أدارى عن المسلمين بهذا القدر اليسير، وأفدى به الخطير، فإن الأنبرور لو جاء بغتة، أسر من أهل الشام، وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته.
وكان الملك المعظم- رحمه الله- قد أمر الفقهاء أن يجرّدوا «2» له مذهب أبى حنيفة، دون صاحبيه. فجّردوا له المذهب فى عشر مجلّدات، وسماه التّذكرة. فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا، ويديم مطالعته. ويكتب على كل مجلّد: أنهاه- حفظا- عيسى بن أبى بكر بن أيوب. قال أبو المظفر:
فقلت له: ربما تؤخذ عليك، لأن أكبر مدرس فى الشام يحفظ القدورى «3» مع تفرّغه، وأنت مشغول بتدبير الملك. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعانى. باسم الله، سلونى عن جميع مسائلها
(29/146)

وكان رحمه الله تعالى- حسن التدبير للملك. وكان وزيره شرف الدين بن عنين، الشاعر الهجّاء المشهور. واستعفى من الوزارة، وكتب إلى الملك المعظم:
أقلنى عثارى، واتّخذها وسيلة ... تكون برحماها إلى الله راقيا
كفى حزنى أن لست ترضى، ولا أرى ... فتى راضيا عنى، ولا الله راضيا
أخوض الأفاعى طول دهرى دائبا ... وكم يتوفّى من يخوض الأفاعيا
فأعفاه. ولابن عنين أخبار نذكرها، إن شاء الله تعالى- عند وفاته.
ولما مات الملك المعظم، ملك بعده دمشق ولده: الملك الناصر صلاح الدين داود. فأساء السّيرة، واشتغل عن مصالح دولته بالشرب واللهو والطرب. فاقتضى ذلك ما نذكره، من إخراجه من دمشق.
واستهلت سنة خمس وعشرين وستمائة:
فى هذه السنة، وصل إلى دمشق الأمير عماد الدين بن الشيخ «1» ، من جهة السلطان الملك الكامل، إلى ابن أخيه الملك الناصر، ومعه جلدك بالخلع والتغيير للملك الناصر. وأقام عماد الدين بدمشق.
(29/147)

وفيها عزم. الملك الكامل على المسير إلى الشام، وبرز بخيامه ظاهر القاهرة. ولما عزم على ذلك سلطن «1» ولده نجم الدين أيوب، ونعته بالملك الصالح، وركب بشعار السّلطنة «2» فى سلخ شعبان، ووالده الملك الكامل مبرّز بظاهر القاهرة.
ورتّب السلطان مع الملك الصالح- فى النيابة- الأمير فخر الدين:
يوسف بن الشيخ «3» . فأساء الملك الصالح السيرة بعد توجه والده، واشترى بستان الخشّاب «4» ، وعمّر فيه مناظر. ففارقه الأمير فخر الدين بن الشيخ، فى العشرين من شوال، ولحق بالسلطان الملك الكامل.
وفيها فى سادس عشر شعبان، أفرج السلطان الملك الكامل عن تاج الدين: يوسف، بن الصاحب صفىّ الدين بن شكر- وكان قد استوزره بعد وفاة والده، ثم اعتقله بعد شهرين- كما تقدم. فأفرج عنه الآن، وأنعم عليه بمائة وخمسين دينارا، واستخدمه موقّعا «5»
(29/148)

وفيها كانت الوقعة على صور «1» . وذلك أن الملك العزيز عثمان، وصارم الدين التّبنينى، كمنا للفرنج قريبا من صور. فلما تعالى النّهار.
خرج أهل صور «2» : فارسهم وراجلهم بمواشيهم، فخرجا عليهم فيمن معهما من الكمين، فقتلوا وأسروا سبعين فارسا، واستاقوا الأغنام والجواميس. ولم يسلم ممن خرج من الفرنج، غير ثلاثة.
وفيها توفى شرف الدين أبو المعالى: شكر بن القاضى كمال الدين أبى السعادات، أحمد بن شكر. وهو أخو الوزير الأعز فخر الدّين مقدام. وكان قد ولى نظر ثغر الإسكندرية وغيرها- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى أبو الفتح: نصر بن صغير بن داغر، أبو خالد القيسرانى الحلبى كان شيخا أديبا، له نظم حسن. رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة ست وعشرين وستمائة:
ذكر تسليم البيت المقدس وما جاوره للفرنج
كان تسليم البيت المقدّس وما جاوره للفرنج فى العشر الآخر، من شهر ربيع الأول، من هذه السنة.
(29/149)

وسبب ذلك أن السلطان الملك الكامل، لما اتصلت به أفعال ابن أخيه الملك الناصر داود، خرج من القاهرة فى الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين، واستناب ولده الملك الصالح كما تقدم، وبقى إلى العشر الأوسط من شهر رمضان، وسار إلى البيت المقدس. ثم عاد ونزل بتلّ العجول «1» . فأرسل الملك الناصر داود الفخر بن بصاقة «2» إلى عمه الملك الأشرف ليستنجده، ويعرفه قصد الملك الكامل بلاده. فجاء الأشرف إلى دمشق، ونزل ببستانه بالنّبرب «3» . ولما شاهد حركات ابن أخيه المذمومة، أطمعته نفسه فى أخذ دمشق لنفسه.
ووصل الملك الكامل إلى نابلس، ورتّب الولاة والنّوّاب فى البلاد الساحلية. فبلغه أن الأنبرور فرديك «4» قد وصل إلى يافا فى ميعاده. فعاد إلى تل العجول، وتردّدت الرسائل بينه وبين الأنبرور. وكان السفير بينهما الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ، والصّلاح الإربلىّ. فتقرر الصلح على: أن السلطان يعطى الأنبرور البيت المقدس، والقرايا التى على طريقه من يافا إلى
(29/150)

القدس، ومدينة لدّ «1» وتبنين «2» وأعمالها. ووقّعت الهدنة مدة عشر سنين.
وتسلم الأنبرور البيت المقدس، وهذه الأماكن. فحضر الأئمة والمؤذنون، الذين كانوا بالصخرة والمسجد الأقصى، إلى باب الدّهليز الكاملى، وأذّنوا فى غير وقت الأذان. فأمر الملك الكامل أن يؤخذ منهم ما معهم من السّتور والقناديل والآلات، وأن يتوجهوا إلى حال سبيلهم.
قال: ولما وصلت الأخبار بتسليم بيت المقدس للفرنج، عملت الأعزية فى جميع بلاد الإسلام، بسبب ذلك. وأشار الملك الناصر داود- صاحب دمشق- إلى الشيخ شمس الدين أبى المظفّر: يوسف سبط ابن الجوزى، أن يذكر ما جرى على القدس فى مجلس وعظه بجامع دمشق، ليكون ذلك زيادة فى الشناعة على عمه الملك الكامل.
فجلس ووعظ، وقال: انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين! يا وحشة للمجاورين! كم كانت لهم فى تلك الأماكن ركعة! كم جرت لهم فى تلك المساكن من دمعة. بالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت. ولو انقطعت قلوبهم أسفا لما اشتفت. أحسن الله عزاء المسلمين. يا محلّة ملوك المسلمين. لهذه الحادثة تسكب العبرات، ولمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات.
(29/151)

ثم أنشد قوله:
أعينىّ لا ترقى «1» من العبرات ... صلى بالبكا الآصال بالبكرات
وهى أبيات ذكر فيها البيت المقدّس وفضله، وزوّاره، وما حل به من هذه الحادثة- تركنا ذكرها اختصارا.
وكان الملك الأشرف قد قال للملك الناصر داود: أنا أتوجّه إلى عمك الملك الكامل، وأصلح حالك معه. وتوجه إلى السلطان فوجده قد سلّم البيت المقدس للفرنج، فشق ذلك عليه ولامه. فقال الملك الكامل:
ما أحوجنى إلى هذا إلا المعظّم- يشير إلى أن المعظم أعطى الأنبرور من الأردنّ إلى البحر، وأعطاه الضّياع التى من باب القدس إلى يافا، وغيرها.
ولما اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل اتفقا على حصار دمشق.
وقبض الملك الناصر على فخر الدين بن بصاقة «2» ، وابن عمه المكرّم، واعتقلهما فى الجبّ «3» ، واستأصل أموالهما. وكان قد اتهم الفخر أنه حسّن للأشرف الاستيلاء على دمشق.
(29/152)

وفى هذه السنة فى آخر صفر، فوّض الملك الناصر داود القضاء بدمشق للقاضى: محيى الدين أبى الفضائل، يحيى بن محمد بن على بن محمد بن يحى، القرشى: المعروف بابن الزّكى- شريكا لقاضى القضاة: شمس الدين أحمد الخويى «1» . وعزل القاضى نجم الدين: أحمد بن محمد بن خلف المقدسى- وكان ينوب عن القاضى شمس الدين الخويىّ فى القضاء.
وصار الخويىّ وابن الزّكى فى القضاء جميعا.
ذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها، وأخذها من ابن أخيه: الملك الناصر داود، واستقرار الملك الناصر بالكرك وما معها
قال: لما سلم السلطان الملك الكامل البيت المقدس وما جاوره إلى الأنبرور، سار إلى دمشق، وصحبه الملك الأشرف. ووصل إليه الملك العزيز عثمان، صاحب بانياس، ومعه ولده الملك الظاهر، فأعطاه خمسين ألف دينار، وأعطى ولده عشرة آلاف، وأنعم عليهما بقماش وخلع، وذلك بمنزلة سكّاء «2»
(29/153)

ثم قدم عليه الأمير عز الدين أيدمر المعظّمى- وكان الملك الناصر بن سيده قد أساء إليه- فأنعم عليه السلطان بعشرين ألف دينار من الخزانة، وكتب له توقيعا بعشرين أردب غلة، على الأعمال القوصيّة، وأعطاه أملاك الصاحب صفى الدين بن شكر. وكان قد عزم على العود إلى الديار المصرية، فلما جاءه الأمير عز الدين قال: قد جاءنى مفتاح الشام، وسار إلى أن وصل إلى دمشق وحاصرها. وكان نزوله عليها فى شهر ربيع الآخر.
وشدد الحصار، وضيّق على من بالبلد. فخرج إليه الملك الناصر داود سرّا، ووقف على باب الدّهليز «1» وأرسل مملوكه خلف أحد الحجّاب، فلما جاء إليه الحاجب، قال له: قل لمولانا السلطان: مملوكك داود ابن أخيك بالباب، فأعلم الحاجب السلطان فخرج إليه وتلقاه واعتنقه، فقبّل الناصر رجله وقال: يا عم قد جئتك بذنوبى وهؤلاء حرم أخيك. فبكى الملك الكامل، وقال: والله يا ولدى، لو كان وصولك إلىّ قبل إستنجادك بعمك الأشرف، وحضوره من بلاده- أبقيت دمشق عليك. ولكن إذ جاء الملك الأشرف إلى عندى، أنا أعطيك الكرك والشّوبك «2» والساحل «3» والغور «4» . وإذا سيّرت إليك فلا توافق حتى يكمل لك ألف وخمسمائة فارس. عد إلى مكانك. فعاد الناصر، وهو طيب النفس.
(29/154)

وبلغ الملك الأشرف خروج الملك الناصر الى السلطان، فركب وأسرع ليدركه ويقبض عليه، فلم يدركه. فوبخ الأشرف الكامل على إطلاقه وتمكينه من دمشق. فقال له الملك الكامل: إنه جاءنى وبكى، وقال هؤلاء حرم أخيك. ثم قال الملك الكامل: هؤلاء أولادنا، لابد لهم من مكان يأوون إليه. فقال الأشرف: يكون لهم الشّوبك. فقال الكامل: ما يكفيهم إلا أن تكون الكرك معها. فسيّر إلى الناصر فى إعطائه الكرك والشّوبك، فلم يرض بذلك. ولم يزل إلى أن يقرّر له الكرك والشّوبك والغورين والبلقاء، فأجاب إلى ذلك.
وخرج الناصر عن دمشق، وتسلمها الملك الكامل فى غرة شعبان.
فكان مدة المقام عليها أربعة أشهر. ومضى إلى الكرك، وتسلم ما أقطع باسمه.
وقيل إن السلطان لم يعطه الشّوبك، وسأله إياها، فقال له: يا ابن أخى أنا ليس لى حصن يحمى رأسى، وافرض أن هذا الحصن لك وقد وهبتنى إياه.
وإنه أعطاه الكرك وعجلون ونابلس وبلاد القدس. والله أعلم.
ذكر تسليم دمشق للملك الأشرف
قال: لما تسلم الملك الكامل دمشق، سأله أخوه: الملك الأشرف موسى، أن يهبه دمشق، ويعوّضه عنها حرّا وأعمالها، والرّها وسروج، ورأس عين والرّقّة، وجملين. فرضى كلّ منهما بذلك. وتسلم الملك الأشرف دمشق. ووجه الملك الكامل الأمير فخر الدين بن الشيخ، فتسلم ذلك.
وتسلم الملك الأشرف دمشق. وتوجه الملك الكامل إلى هذه الجهات، فرتّب أحوالها.
(29/155)

قال: ولما أقام الملك الأشرف بدمشق، دخل عليه شرف الدين بن عنين الشاعر، فلم ير منه ما كان يعهده من الملك المعظم، من الإنبساط، وما كان يقع فى مجلسه من سماع أهاجى ابن عنين، فيما كان يفعله. فنهاه الملك الأشرف، وقال: ليس مجلسى كما عهدت. يكفينى ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين. فخرج من عنده، وقال:
وكنا نرجّى بعد عيسى «1» محمدا «2» ... لينقذنا من شدّة الضّر والبلوى
فأوقعنا فى تيه موسى «3» كما ترى ... حيارى، بلا منّ لديه ولا سلوى!
فبلغ الأشرف ذلك، فأمر بقطع لسانه. فدخل على جماعة من الأكابر، وحلف أن الشعر ليس له. ثم هرب إلى بلاده بزرع «4» وحوران.
فكف الملك الأشرف عن طلبه.
ذكر أخذ مدنية حماه وتسليمها للملك المظفر
قال: لما توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، اجتاز بمدينة حماه، فأخذها من صاحبها: قليج أرسلان بن الملك المنصور «5» - وكان قد
(29/156)

استولى عليها لما قدم الملك المظفر «1» إلى الملك الكامل بالمنصورة. فلما استقر الملك الكامل بمصر، أرسل إلى قليج أرسلان يقبّح عليه فعله، ويلتمس منه الخروج عن حماه، وإعادتها إلى أخيه. فلم يجب إلى ذلك. فأقطع الملك الكامل المظفر إقطاعا بمصر.
فلما اجتاز الملك الكامل الآن بحماه، خرج إليه قليج أرسلان فقبض عليه، وسلّم حماه للملك المظفر، وهو أخو قليج أرسلان، فتسلمها.
وفى هذه السنة فى شهر رجب، وصل القاضى بهاء الدين بن شدّاد، قاضى حلب، فى خطبة ابنة السلطان الملك الكامل للملك العزيز بن الملك الظاهر، صاحب حلب. فزوجه السلطان بابنته.
وفيها قبض السلطان الملك الكامل على ورثة ولد القاضى الفاضل، وسائر أملاكه. وأخذت الكتب من داره وحملت إلى القلعة، فكانت عدّتها أحد عشر ألف مجلّدا.
ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن
كانت وفاة الملك المسعود صلاح الدين أقسيس «2» بن السلطان الملك الكامل، صاحب الحجاز واليمن- فى ثالث جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة. ومولده فى شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
(29/157)

وكان بلغه وفاة عمه الملك المعظم بدمشق، فطمع فى الشام. وتجهز جهازا لم يسبقه أحد من الملوك إليه. وذلك أنه نادى فى التجار ببلاد اليمن: من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز.
فتجهز معه سائر التجار الذين وصلوا من الهند، بالأموال والأقمشة والجواهر. فلما تكاملت المراكب، قال اكتبوا لى [ما] معكم من البضائع، لأحميها من الزكاة. فكتبوها له. فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله على بعض بلاد اليمن، واستولى على البضائع. فاجتمعوا واستغاثوا، فلم يسمع شكواهم. فيقال إن نقله كان فى خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار من العنبر والعود والمسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق فيها الأموال والجواهر.
وركب إلى مكة، فمرض فى طريقه. فما دخل مكة إلا وقد فلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر. فلما احتضر بعث إلى رجل مغربى بمكة وقال: والله ما أرضى لنفسى، من جميع ما معى، كفنا أكفّن فيه، فتصدّق على بكفن! فبعث إليه نصف ثوب بغدادى، ومائتى درهم، فكفنوه بهما. ودفن بالمعلّى. ويقال إن الهواء ضرب المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها.
(29/158)

وحكى أن الملك الكامل- والده- سرّ بوفاته. ولما جاء خزنداره «1» إليه، لم يسأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف! وكان الملك المسعود قد استناب باليمن أستاذ داره «2» : عمر بن على ابن رسول. فتزوج زوجته: ابنة صاحب جوزا «3» وملك البلاد. وكتب إلى السلطان الملك الكامل، وجهّز إليه الأموال والتحف. واستقر على حكم النيابة.
ثم استقلّ بعد ذلك بملك اليمن، وتلقب بالملك المنصور. وأرسل رسولا إلى الديوان العزيز فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، فوصل فى سابع عشر صفر منها، فتلقاه بعض الأمراء ودخل، وقبّل العتبة بالباب النّوبى. وحضر فى اليوم الثالث من وصوله إلى دار الوزير وأدّى رسالته، وأنهى إلى الديوان العزيز استيلاء مرسله على جميع بلاد اليمن، وأنه مخلص فى طاعة الديوان.
(29/159)

وهو يسأل قبول ما سيّره من التحف والهدايا. حكاه ابن الساعى فى تاريخه.
واستمر الملك بالديار اليمانية فيه وفى أولاده من بعده، إلى وقتنا هذا.
وفيها فى جمادى الأولى، توفى ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمارتكين عتيق مجاهد الدين بزان صاحب صرخد. وكان ناصر الدين المذكور صاحب صهيون «1» . وتولى مملكة صهيون بعده ولده مظفّر الدين عثمان.
واستهلت سنة سبع وعشرين وستمائة:
فى هذه السنة، فى ثانى عشر شهر رجب منها، قدم السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية.
وكان سبب عوده أنه بلغه أن ابنه الملك الصالح- نجم الدين أيوب- قد ترتب على الملك بالديار المصرية، وأنه اشترى ألف مملوك، فعاد.
وأخرج ابنه الملك الصالح إلى بلاد الشرق، ولم يعطه شيئا.
(29/160)

ولما وصل الملك الكامل إلى قلعة الجبل، عمل له صلاح الدين الإربلى دعوة فى داره، فحضرها السلطان. فأنشده الصلاح:
لو تعلم دارنا بمن قد جمعت ... مالت طربا وصفّقت واستمعت
والخمرة لو تعلم من يشربها ... كانت شكرت لعاصريها، ودعت
وفيها قصّر النيل فلم يوف، وانتهى إلى ثلاثة عشر ذراعا وثلاثة وعشرين أصبعا وقيل أنه انتهى إلى أربعة عشر ذراعا، وأصابع، وقيل بل بلغ ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع. فارتفع سعر الغلّة. فسعّر الملك الكامل القمح بعشرين درهما ورقا «1» الإردب. وأمر مستخدمى «2» الأهراء السلطانية ببيع القمح بخمسة وعشرين درهما ورقا. ومنع الناس من شراء الكثير منه، إلا المئونة. واستمر السعر كذلك بقية السنة.
ثم أطلق السلطان سعر الغلّة، فى ثالث المحرم سنة ثمان وعشرين، وأمر أن يباع بالسعر الواقع. فأبيع القمح فى هذا الوقت بخمسين درهما ورقا الإردب، والخبز أربعة أرطال بدرهم ورق. فنال الناس من ذلك شدّة عظيمة.
هكذا نقل مؤرخو «3» ذلك العصر. فكيف لو شاهدوا ما شاهدناه فى- سنة خمس وتسعين وستمائة، على ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
(29/161)

ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك
وفى هذه السنة، بعث الملك الأشرف- صاحب دمشق- أخاه الملك الصالح إسماعيل إلى بعلبكّ. فحصرها ونصب عليها المجانيق «1» ، ورماها بأحجارها.
ثم توجه إليها الملك الأشرف. ودخل الصاحب صفى الدين- إبراهيم ابن مرزوق- بين الملك الأشرف والملك الأمجد صاحب بعلبك، وحصل الاتفاق. فتسلمها الملك الأشرف، وانتقل الأمجد منها إلى دمشق. وأقام بداره بها، وهى الدار المعروفة بدار السعادة، التى ينزلها نوّاب السلطنة فى وقتنا هذا. ولم تطل مدة حياته، فإنه قتل فى سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وفيها استولى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه «2» على مدينة خلاط، بعد أن حاصرها مدة عشرة أشهر. وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار جلال الدين. ولما ملكها، أخذ منها مجير الدين يعقوب وتقىّ الدين عباس: ابنى «3» الملك العادل، وأخذ الكرجيّة: زوجة الملك الأشرف، ودخل بها من ليلته. وقتل عز الدين أيبك الأشرفى.
(29/162)

وبلغ الملك الأشرف ذلك، وهو بدمشق، والملك الكامل بالرّقّة «1» فتوجه من دمشق إلى الرقة. وأتته رسل السلطان علاء الدين كيقباذ- صاحب الروم «2» - فى الإجتماع على حرب جلال الدين. فاستشار الملك الأشرف أخاه الملك الكامل فى ذلك، فأشار به. وقطع الملك الكامل الفرات فى سبعة آلاف فارس، وتوجه إلى الديار المصرية- للسبب الذى ذكرناه.
وسار الملك الأشرف إلى حرّان فى سبعمائة فارس، فأقام بها. وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة فجاءته العساكر، وتوجه إلى صاحب الروم واجتمعوا. والتقوا بالسلطان جلال الدين خوارزم شاه، فكسروه.
وقد ذكرنا خبر استيلاء جلال الدين على خلاط، فى أخباره. وذكرنا خبر هذه الكسرة فى أخبار السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم، فى أخبار الدولة السّلجقيّة. فلنذكر الآن ما يتعلق بالملك الأشرف.
ولما انهزم جلال الدين، قال الملك الأشرف للسلطان علاء الدين كيقباذ: لا بدّلى من خلاط. فأعطاه علاء الدين. وأنعم على أصحابه: من الأموال والخلع. والثياب والتّحف والخيول، ما قيمته ألفا ألف دينار.
(29/163)

وتوجه كيقباذ إلى بلاده، وجرّد فى خدمة الملك الأشرف جماعة، فتوجه بهم إلى خلاط. فوجد جلال الدين قد أخذ مجير الدين وتقىّ الدين والكرجيّة معه. فساق الأشرف خلفه. ثم تراسلا، واصطلحا. فأطلق جلال الدين مجير الدين وتقىّ الدين، وبعث بهما إلى الخليفة ببغداد. فأنعم الخليفة على كل منهما بخمسة آلاف دينار. وعاد الملك الأشرف إلى دمشق، فى سنة ثمان وعشرين وستمائة. فأقام بها شهرا، وتوجه إلى أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.
وفى هذه السنة، استخدم الملك المظفّر: شهاب الدين غازى- صاحب ميّافارقين- العزّ بن الجاموس على ديوانه. وأمّره وأعطاه الكوسات «1» والأعلام، وقدّمه على جماعة ومكّنه. ودعى بالصاحب الأمير عز الدين. فظلم الناس وعسفهم، وأخذ أموالهم. فلم تمهله المقادير، ومات فى بقية سنة سبع وعشرين بميّافارقين. واستولى الملك المظفر على تركته، وظهر له سوء فعله، فصار يصرّح بلعنه. وجاء عمه من دمشق يطلب ميراثه، فسبه المظفر، ثم أعطاه ألف درهم وعاد إلى دمشق.
(29/164)

وفيها، فى ثامن جمادى الآخرة، توفى بمصر الفقيه الإمام: شرف الدين أبو عبد الله محمد، بن الشيخ أبى حفص عمر، بن الشيخ أبى عبد الله محمد بن عمرو بن جعفر، الأزدى الغسّانى، المالكى- المعروف بابن الّلهيب. ومولده فى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وتولى التدريس بالمدرسة الصّاحبيّة «1» بالقاهرة، إلى حين وفاته. وهو من بيت الخير والصلاح والفقه.
واستهلت سنة ثمان وعشرين وستمائة:
فى يوم الاثنين، عاشر جمادى الآخرة، قدم الملك الأشرف إلى القاهرة، لخدمة السلطان الملك الكامل- ومعه صاحب الجزيرة.
وفيها، فى منتصف شعبان، إبتدأ السلطان الملك الكامل بحفر البحر، من دار الوكالة إلى صناعة التّمر الفاضلية. واستعمل فيه الملوك والأمراء، وعمل بنفسه.
وكان هذا البحر فى أوان احتراق النيل يكون طريقا سالكا إلى المقياس. وتمر المراكب ما بين الروضة والجيزة. ثم صار على العكس من ذلك فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة «2» ، فصار فى احتراق النيل ليس بين الروضة وبين بر الجيزة غير ماء قليل يخاض، فلا يغطّى أكثر من خلخال. ثم أخذ فى الزيادة بعد ذلك. إلى أن صار، فى سنة عشرين وسبعمائة «3»
(29/165)

وما بعدها تسافر فيه المراكب صيفا وشتاء. والبحران الآن على ذلك. ولكن البحر فيما بين الروضة ومصر أكثر، وهو البحر الذى تسافر فيه السفن فى الاحتراق.
نعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان وعشرين وستمائة. وفيها بنى أسد الدين شيركوه- صاحب حمص والرّحبة- قلعة بالقرب من سلميّة «1» وسماها شميمس، وهى على تلّ عال.
وفيها كان مقتل الملك الأمجد: بهرام شاه، بن فرّخشاه، بن شاهنشاه ابن أيوب- صاحب بعلبكّ. كان وكانت بعلبك بيده، منذ أعطاه إياها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه، فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. فلم تزل بيده، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه- كما تقدم- فى السنة التى قبلها. وأعانه على ذلك صاحب حمص: أسد الدين شيركوه.
وكان سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة «2» ودواة- قيمة ذلك مائتا دينار- وخبّأ هما عند مملوك آخر، فلما ظهر له ذلك حبس السارق فى خزانة داره- والخزانة خلف المكان الذى يجلس فيه الملك الأمجد- وتوعّد ذلك المملوك- بقطع اليد. فلما كانت ليلة الأربعاء، ثانى عشر شوال، جلس على عادته أمام الخزانة- وعنده عباس بن أخى الشريف البهاء وهما يلعبان بالنّرد، وعنده فهيد المنجّم وبيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت.
(29/166)

فقال له فهيد: يا مولانا انظر إلىّ، فهذه ساعة سعيدة، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها. فقال له: لا تكلّمنى، فقد تعيّن لى الغلب! وكان مع المملوك الذى فى الخزانة سكّين، فعالج رزّة الخزانة برفق فقلعها، وفتح الباب. فهجم على الملك الأمجد وأخذ سيفه فجذبه وضربه به. فصاح، فحلّت الضّربة كتفه، ونزل السيف إلى ثديه. ثم ضربه أخرى، فقطع يده وقطعته فى خاصرته. وهرب يصعد إلى السطح، فتبعوه. فألقى نفسه إلى الدار. فماتا جميعا. وجهّز الملك الأمجد ودفن فى تربة أبيه، التى على الميدان على الشّرف الشّمالى.
وكان فاضلا شاعرا، وله ديوان شعر بأيدى الناس- رحمه الله تعالى.
قال أبو المظفر: ورآه بعض أصحابه فى المنام بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال:
كنت من ذنبى على وجل ... زال عنى ذلك الوجل
أمنت نفسى بوائقها «1» ... عشت لما متّ يا رجل
قال أبو المظفر: وكان الأمجد قد قتل ابنا له جميلا، كان واطأ عليه الملك العزيز عثمان «2» ، وكتب إليه يقول: قد يسّرت باب السّرّ «3» فسر إلينا
(29/167)

وقت السّحر. وكان الملك العزيز بالصّبيبة «1» ، فسار منها فى أول الليل- والمسافة بعيدة- فوصل إلى بعلبك وقد طلعت الشمس ففاته الغرض. واطلع الأمجد على ما فعله ابنه فقتله. وقيل بنى عليه بيتا، فمات.
وفيها توفى المهذّب الدّخوار، الطبيب «2» : رئيس الأطباء بدمشق.
وكان طبيبا حاذقا، وما كان يرى أن فى الدنيا مثله. وكان يقرأ عليه الطّب.
وكانت له دار بدمشق وبستان، فوقف الدار مدرسة يقرأ فيها الطب، ووقف بستانه عليها. والمدرسة باقية بدمشق، تعرف بالدّخوارية، رأيتها فى سنة ثلاث وسبعمائة.
وفيها، فى ثامن عشر شعبان، توفى الأمير شجاع الدين أبو المنصور:
جلدك بن عبد الله المظّفرى التّقوى «3» ، بالقاهرة. سمع من الحافظ السّلفى. وكان مكرّما لأهل العلم والفضلاء، مساعدا لهم بماله وجاهه.
وحضر مواقف كثيرة فى قتال العدو بالساحل. وتولى ثغر دمياط والإسكندرية، وقوص، وشدّ الدواوين «4» ، وغير ذلك. وكان يكتب فى
(29/168)

كل بلد يتولاه ختمة. فحكى عنه أنه قال: كتبت بخطى أربعا وعشرين ختمة. وكان قد قارب ثمانين سنة- وقيل مات فى عشر التسعين. والله أعلم.
واستهلت سنة تسع وعشرين وستمائة:
فى هذه السنة توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، بسبب فتح آمد. وسنذكر ذلك.
وفيها- فى جمادى- عزل قاضى القضاة: شمس الدين بن سنىّ الدولة الخويّى، وقاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة- جميعا- عن قضاء القضاة بدمشق، وفوّض ذلك إلى قاضى القضاة: عماد الدين عبد الكريم، بن قاضى القضاة جمال الدين الحرستانى.
وفيها توفى الأمير فخر الدين عثمان بن قزل الكاملى بحرّان، فى الثامن والعشرين من ذى الحجة، ودفن بظاهرها. ومولده بحلب فى سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وكان أحد الأمراء الأكابر فى الدولة الكاملية. وكان راغبا فى فعل الخير، مبسوط اليد بالصدقة والإسعاف، يتفقّد أرباب البيوت وغيرهم.
وأنشأ المدرسة المعروفة بالقاهرة المعزّيّة، والمسجد المقابل لها، وكتّاب السبيل والرّباط بالقرافة بسفح المقطّم. وأوصى بوصيّة ذكر فيها كثيرا من أنواع البر- رحمه الله تعالى.
(29/169)

واستهلت سنة ثلاثين وستمائة:
ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا «1»
كان الاستيلاء على ذلك فى سنة ثلاثين وستمائة. وكان السلطان قد توجّه فى سنة تسع وعشرين وستمائة، واستقّل ركابه من مقرّ ملكه، بقلعة الجبل المحروسة بظاهر القاهرة المعزّيّة، فى ثامن جمادى الآخرة، واستصحب عساكر الديار المصرية. ووصل إلى دمشق واستصحب أخاه الملك الأشرف، وولده الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وكان سبب قصده هذه الجهة أن أخاه الملك الأشرف، بما حضر إلى الديار المصرية، عرّف السلطان أن الملك المسعود مودود بن الملك الصالح بن أرتق، صاحب آمد وبلادها وحصن كيفا- قد اشتغل عن مملكته باللهو والشرب والطرب، وأنها خالية من العساكر. فتجهّز إليها.
ولما بلغ الملك المسعود أن السلطان قصد بلاده، بادر بإرسال وزيره شرف العلا إلى السلطان يستعطفه، ويسأل مراحمه فى إبقاء ما بيده والكفّ عن طلبه. فوصل إلى السلطان، وكان إلبا «2» على صاحبه، وعرّف السلطان إقباله على اللهو والطرب، وأن مملكته خالية من العساكر، فأطمعه فى أخذ البلاد.
(29/170)

فسار إليها، ونازلها فى يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذى الحجة ونصب عليها المجانيق. وأنذر صاحبها الملك المسعود ووعده بالإقطاعات الكبيرة، فلم يصغ إلى ذلك. ثم شاهد الغلبة، فخرج إلى السلطان وفى عنقه منديل. فوكّل به، وتسلّم آمد فى مستهل المحرم، سنة ثلاثين وستمائة.
واستولى على أمواله وذخائره، وطلب منه تسليم القلاع فسلّمها بجملتها.
ودخل الملك الكامل إلى آمد. فترجّل فى خدمته جميع الملوك الأيوبية، وسائر ملوك الشرق- إلا صاحب الروم السلطان: علاء الدين كيقباذ السّلجقى، وصاحب الجزيرة «1» الملك المعظّم: محمد بن سنجر شاه، فإنهما أرادا أن يترجّلا فلم يمكّنهما الملك الكامل من ذلك، ودخلا راكبين لركوب السلطان، ونزلوا جميعا فى القلعة.
وبقى حصن كيفا بيد نائبه، لم يسلّمه. فكتب الملك المسعود إلى نائبه أن يسلمه، فامتنع من ذلك. فبعث السلطان الملك الكامل أخاه الملك الأشرف إلى الحصن، ومعه الملك المسعود، فتوجه به وعاقبه تحت الحصن، وكان يبغضه، فأصر النائب على الامتناع من تسليمه. وكان بينهما إشارة، فلما آلمته العقوبة جاء إلى تحت الحصن، وقبض على شعر نفسه وقطعه بمقصّ، فعند ذلك سلّم النائب الحصن- وكانت هذه إشارة بينهما. وكان تسليم الحصن فى صفر من السنة.
(29/171)

وكان الملك المسعود، لما حاصر السلطان آمد، قد كتب إلى نائبه بحصن كيفا يقول له: من مرّ عليك من أهل الجزيرة فاعتقله، لأن صاحب الجزيرة كان قد توجه إلى خدمة السلطان الملك الكامل. وكان المتولى يرصد القفول إذا مرّت بالحصن، فمن كان منهم من أهل الجزيرة قبض عليه واعتقله. واجتمع فى حبسه خلق كثير منهم. فلما فتح الحصن أفرج السلطان عنهم.
وأنعم الملك الكامل على ولده، الملك الصالح نجم الدين أيوب، بحصن كيفا وأعماله- وكان، منذ أخرجه من الديار المصرية، بغير ولاية.
وجعل شهاب الدين غازى- بن شمس الملوك- نائب السلطنة بآمد. ومعين الدين بن الشيخ الوزير، والطّواشى شمس الدين صواب العادلى متولى تدبير تلك الممالك. قال أبو المظفر: قال لى الملك الأشرف: وجدنا فى قصر الملك المسعود خمسمائة حرّة من بنات الناس للفراش.
وعاد السلطان إلى الديار المصرية فى سنة ثلاثين وستمائة، واستصحب أكابر أهل آمد وأعيانها، صحبته، إلى الديار المصرية- وكان منهم بدر الدين، وموفق الدين، وابن أخيهما شمس الدين، وجماعة كبيرة. فأما هؤلاء الثلاثة فإنهم باشروا وترقوا فى المناصب بالديار المصرية، والشام. ومن عداهم من أهل آمد نالتهم فاقة شديدة وضرورة، حتى استعطوا بالأوراق.
وأما الملك المسعود فإن السلطان أنعم عليه بالإقطاعات بالديار المصرية.
(29/172)

ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد «1»
فى هذه السنة توجّه القاضى الأشرف: بهاء الدين أبو العباس، أحمد ابن القاضى محيى الدين عبد الرحيم البيسانى- رسولا من جهة السلطان الملك الكامل إلى الدّيوان العزيز. فعاد فى صحبة رسول الخليفة «2» ، وهو الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزى، ومعهما جماعة من الأجناد. وأعطى ابن الجوزى محفّة تمييزا له.
ونفّذ معهما تقليد، من إنشاء الوزير أبى الأزهر: أحمد بن النّاقد «3» ، بخطّ العدل ناصر بن رشيد الحربوى «4» . وفى أعلاه بخط الوزير ما مثاله: للآراء المقدسة- زادها الله تعالى جلالا وتعظيما- مزيد فى شرفها فى تتويجه. والعلامة المستنصرية عليه، تحت البسملة: «الله القاهر فوق عباده» .
(29/173)

ونسخة التقليد
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى أطمأنّت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كلّ شىء رحمته، وظهرت فى كلّ أمر حكمته. ودلّ على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعا وتدبيرا، وخلق كلّ شىء فقدّره تقديرا- ممدّ الشاكرين بنعمائه التى لا تحصى عددا. وعالم الغيب الذى لا يظهر على غيبه أحدا. لا معقّب لحكمه فى الإبرام والنّقض، ولا يئوده حفظ السموات والأرض. تعالى أن يحيط به الضّمير، وجلّ أن يبلغ وصفه البيان والتفسير، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.
وأحمد الله الذى أرسل محمدا- صلى الله عليه وسلم- بالحق، بشيرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. وابتعثه هاديا للخلق، وأوضح به مناهج الرّشد وسبل الحق. واصطفاه من أشرف الأنساب وأعزّ القبائل.
واجتباه لإيضاح البراهين والدلائل، وجعله لديه أعظم الشّفعاء وأقرب الوسائل. فقذف- صلى الله عليه- بالحقّ على الباطل. وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجّة»
البيضاء والسّنن العادل، حتى استقام إعوجاج كل زائغ، ورجع إلى الحق كلّ حائد عنه ومائل. وسجد لله كلّ شىء يتفيّا ظلاله عن اليمين والشمائل. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام
(29/174)

الأفاضل، صلاة مستمّرة بالغدوات والأصائل- خصوصا على عمّه وصنو «1» أبيه: العباس بن عبد المطلب، الذى اشتهرت مناقبه فى المجامع والمحافل. ودرّت ببركة الاستسقاء به أخلاف «2» السّحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول- صلى الله عليه وسلم- على عقبه. فى الخلافة المعظّمة، بما لم يفز به أحد من الأوائل.
والحمد الله الذى حاز شريف مواريث النبوة والإمامة، ووفّر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيه ومحيى شريعته: الذى أحلّه الله عز وجلّ من معارج «3» الشرف والجلال فى أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهى بأمتن عصمة وأوثق عروة، واستخرجه من أشرف نجار «4» وعنصر، واختصه بأزكى منحة وأعظم مفخر، ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماما وحكما، وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القوىّ والضعيف: إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين: أبى جعفر المنصور، المستنصر بالله، أمير المؤمنين، ابن الإمام السعيد التقىّ أبى نصر محمد: الظاهر بأمر الله، [ابن الإمام السعيد الوفىّ أبى العباس أحمد: الناصر لدين الله] «5» ، ابن الإمام السعيد الزكى: أبى محمد الحسن المستضىء بأمر الله، أمير المؤمنين-
(29/175)

صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديّين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض، وهم عنه راضون.
وبعد: فبحسب ما أفاضه الله تعالى على أمير المؤمنين- صلوات الله عليه وسلامه- من خلافته فى الأرض، وفوّضه إلى نظره المقدّس فى الأمور من الإبرام والنقض، واستخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدّس اجتهاده- لا يزال صلوات الله عليه- يكلأ العباد «1» بعين الرّعاية، ويسلك بهم فى المصالح العامة والخاصة مذاهب الرّشد وسبل الهداية، وينشر عليهم جناحى عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر فى ارتياد «2» الأمناء الصّلحاء، من خلصاء أكفائه وأعوانه- متخيّرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعى وتعرّف إليه فى سياسة الرعايا بجميل الأسباب والدّواعى، وسلك فى مفروض الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل.
وعلم منه حسن الاضطلاع فى مصالح المسلمين بالعبء الثقيل. والله عز وجل يؤيّد آراء أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بالتأييد والتسديد. ويمدّه أبدا من أقسام التوفيق الإلهى بالموفور والمزيد، ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنجاح ويسنّى له فيما يأتى ويذر أسباب الخير والصلاح. وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله- عليه يتوكّل وإليه ينيب.
(29/176)

ولما وفّق الله تعالى نصير الدين: محمد «1» ، بن سيف الدين أبى بكر، بن أيوب- من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والخطوة فى جهاد أعداء الدين بالمساعى الصالحة، والفوز من المراضى الشريفة الإمامية- أجلّها الله تعالى- بالمغانم الجزيلة والصّفقة الرابحة- لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه. وشفع تالده «2» فى تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه «3» . واستوجب بسلوكه فى الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع فى الإنعام عليه بمنشور شريف إمامى يسلك فى اتّباعه هداه. والعمل بمراشده سواء الصراط وقصد السبيل- اقتضت الآراء الشريفة المقدسة- زادها الله تعالى جلالا متألّق الأنوار، وقدسا يتساوى فى تعظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار- الإيعاز بإجابته إلى ما وجّه أمله إلى الإنافة «4» فيه به إليه. والجذب بضبعه «5» إلى ذروة الاجتباء الذى تظهر أشعّة أنواره الباهرة عليه.
فقلّده- على خيرة الله تعالى- الزّعامة والصّلاة، وأعمال الحرب، والمعاون «6» والأحداث «7» ، والخراج والضّياع، والصّدقات والجوالى «8» ، وسائر وجوه الجبايات، والفرض والعطاء «9» والنفقة فى
(29/177)

الأولياء، والمظالم والحسبة فى «1» بلاده، وما يفتتحه ويستولى عليه من بلاد الفرنج الملاعين، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده، من المارقين عن الإجماع المنعقد بين المسلمين، ومن يتعدّى حدود الله تعالى، بمخالفة من جعلت الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته- ضاعف الله جلاله- بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولة، حيث قال- عزّ من قائل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم.
واعتمد- صلوات الله عليه وسلامه- فى ذلك على حسن نظره، ومدد رعايته. وألقى مقاليد التفويض فيه إلى وفور اجتهاده، وكمال سياسته.
وخصّه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلّد له على ممرّ الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره. وحباه بتقليد يوطّد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده «2» رتاج «3» الأبواب والمسالك، ويفيد قاعدته فى بلاده زيادة تقرير وتمهيد، ويطير به صيته فى كل قريب وبعيد.
(29/178)

ووسمه بالملك الأجلّ: السيد الكامل، المجاهد المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، جمال الأنام، جلال الدولة فخر الملة. عزّ الأمة.
سند الخلافة. تاج الملوك والسلاطين.، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، إلب غازى بك، محمد، بن أبى بكر بن أيوب، معين أمير المؤمنين- رعاية لسوابق خدمه، وخدم آبائه وأسلافه، وإبانة عن وفور احتبائه «1» ، وكمال ازدلافه «2» . وإنافة به «3» من ذروة القرب إلى محلّ كريم، وإختصاصا له بالإحسان الذى لا تلقّاه إلا من هو- كما قال الله تعالى- ذو حظّ عظيم- وثوقا بصحة ديانته التى يسلك فيها سواء سبيله، وإستنامة إلى أمانته فى الخدمة التى ينصح فيها لله تعالى ولرسوله. وركونا إلى [كون] الإنعام عليه موضوعا بحمد الله تعالى فى أحسن موضع، واقعا به لديه فى خير مستقرّ ومستودع.
وأمير المؤمنين- صلوات الله عليه- لا زالت الخيرة موصولة بآرائه، والتأييد الإلهى مقرونا بإنفاذه وإمضائه- يستمدّ من الله عز وجل حسن الإعانة فى اصطفائه، الذى اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدى إليه إرتياده المقدّس الإمامى واجتهاده. وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل-.
أمره بتقوى الله تعالى، التى هى الجنّة الواقية، والنّعمة الباقية، والملجأ المنيع والعماد الرفيع، والذّخيرة النافعة فى السّر والنّجوى، والجذوة
(29/179)

المقتبسة من قوله سبحانه: وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى. وأن يدّرع شعارها فى جميع الأقوال والأفعال، ويهتدى بأنوارها فى مشكلات الأمور والأحوال. وأن يعمل بها سرّا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجهة صدرا. قال الله تعالى: ومن يتّق الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجرا.
وأمره بتلاوة كتاب الله متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرّشاد والهداية فى العمل به. وأن يجعله مثالا يتّبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدى بمراشده الواضحة فى أوامره ونواهيه. فإنه الثّقل الأعظم، وسبب الله المحكم، والدليل الذى يهدى للّتى هى أقوم. ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبيّن لهم بهداه الرّشد والضلال. وفرّق بدلائله الواضحة وبراهينه الصادعة بين الحرام والحلال. فقال- عزّ من قائل-: هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتّقين. وقال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب.
وأمره بالمحافظة على مفروض الصّلوات، والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات. وأن يكون نظره فى موضع نجواه من الأرض، وأن يمثّل لنفسه فى ذلك موقفه بين يدى الله تعالى يوم العرض.
قال الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون. وقال سبحانه: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسبب عن اقامة سننها الراتبة، فانها عماد الدّين الذى سمت أعاليه، ومهاد الشّرع الذى رست قواعده ومبانيه. قال الله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين. وقال سبحانه: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
(29/180)

وأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد. ويقوم فى ذلك بما فرض الله تعالى عليه وعلى العباد. وأن يتوجه إلى المساجد والجوامع متواضعا، ويبرز إلى المصلّيات الضاحية فى الأعياد خاشعا. وأن يحافظ فى تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب. ويعظّم باعتماد ذلك شعائر الله التى هى من تقوى القلوب. وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكمال نظره وإرعائه، بيوت الله التى هى محالّ البركات ومواطن العبادات، والمساجد التى تأكّد فى تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وأن يرتّب لها من الخدم من يتبتّل «1» لإزالة أدناسها. ويتصدّى لإذكاء مصابيحها فى الظلام وإيناسها. ويقوم لها بما تحتاج إليه من أسباب الصلاح والعمارات. ويحضر إليها ما يليق من الفرش والكسوات.
وأمره باتّباع سنّة النبى- صلى الله عليه وسلم- التى أوضح جددها «2» وثقّف- عليه السلام- أودها «3» . وأن يعتمد فيها على الأسانيد التى نقلها الثّقات. والأحاديث التى صحّت بالطّرق السليمة والروايات. وأن يقتدى بما جاءت به من مكارم الأخلاق، التى ندب- صلى الله عليه وسلم- إلى التمسك بسببها، ورغّب أمته فى الأخذ بها والعمل بأدبها. قال الله تعالى:
«وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»
. وقال سبحانه وتعالى:
«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» .
(29/181)

وأمره بمجالسة أهل العلم والدين، وأولى الإخلاص فى طاعة الله تعالى واليقين. والاستشارة بهم فى عوارض الشك والالتباس. والعمل بآرائهم فى التمثيل والقياس. فإن فى الاستشارة بهم عين الهداية، وأمنا من الضّلال والغواية. وبها يلقح عقم الأفهام والألباب، ويقتدح زناد الرّشد والصواب. قال الله تعالى فى الإرشاد إلى فضلها، والأمر فى التمسك بحبلها: «وشاورهم فى الأمر» .
وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر فى ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره. مستصلحا نيّاتهم بإدامة التلطف والتعهد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التّفحّص عنها والتّفقّد. وأن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم. وتهديهم فى انتظامها واتّساقها إلى الصراط المستقيم.
وتحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتّلزّم بها بأقوى الأسباب وأمتن العصم. ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والئتلاف. ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف. وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم فى الإعطاء والمنع. وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرّفع. وأن يثيب المحسن منهم على إحسانه، ويسبل على المسىء- ما وسعه العفو واحتمل الأمر- صفحه وامتنانه. وأن يأخذ برأى ذوى التجارب منهم والحنكة، ويجتنى بمشاورتهم فى الأمر ثمر الشّركة. إذ فى ذلك أمن من خطأ الإفراد، وتزحزح عن مقام الزّيغ والاستبداد.
(29/182)

وأمره بالتّبتّل «1» لما يليه من البلاد ويتّصل بنواحيه من ثغور أولى الشرك والعناد. وأن يصرف مجامع الالتفات إليها. ويخصّها بوفور الإهتمام بها والتطلع عليها. وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان، وينتهى فى أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان، وأن يشحنها بالميرة «2» الكثيرة والذخائر، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخير لحراستها من يختاره من الأمناء التّقاة.
ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة «3» . وأن يتأكد عليهم فى أسباب الحيطة والاستظهار، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار. وأن يكون المشار إليهم ممن تربّوا فى ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا فى نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد وكثرة العدد، والتوسعة فى النفقة والعطاء.
والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم فى التقصير والغناء. إذ فى ذلك حسم لمادّة الأطماع فى بلاد الإسلام، ورد لكيد المعاندين من عبدة الأصنام.
فمعلوم أن هذا الغرض أولى ما وجّهت إليه العنايات وصرفت، وأحقّ ما قصرت عليه الهمم ووقفت. فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التى ألزم فيها القيام بحقه، وأكبر الواجبات التى كتب العمل بها على خلقه. فقال سبحانه وتعالى- هاديا فى ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرضا لعباده على
(29/183)

قيامهم له بفروض الجهاد: «ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة «1» فى سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفّار، ولا ينالون من عدوّ نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا- إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون» . وقال تعالى: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» *
«2» . وقال النبى صلى الله عليه وسلم: من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر. وقال عليه السلام:
غدوة فى سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس. هذا قوله- صلى الله عليه وسلم- فى حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها. فكيف بمن كان كما قال عليه السلام: ألا أخبركم بخير الناس: ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله، كلّما سمع هيعة «3» طار إليها.
وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى فى رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه، وأن يسلك فى السياسة بهم سبل الصلاح، ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح. ويمدّ ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم، ويزحزح الأقذاء والشّوائب عن مناهلهم فى العدل ومواردهم. وينظر فى مصالحهم نظرا يساوى بين الضعيف والقوى، ويقوم بأودهم قياما يهتدى به ويهديهم فيه إلى الصّراط السّوىّ.
(29/184)

قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» .
وأمره باعتماد أسباب الاستظهار والأمنة، واستقصاء الطاقة المستطاعة والقدرة الممكنة، فى المساعدة على قضاء تفث «1» حجّاج بيت الله الحرام وزوّار نبيّه- عليه أفضل الصلاة والسلام. وأن يمدّهم بالإعانة فى ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التّخطّف والأذى فى حالتى الظّعن والمقام. فإن الحجّ أحد أركان الدين المشيّدة وفروضه الواجبة المؤكّدة. قال الله تعالى: ولله على الناس حجّ البيت.
وأمره بتقوية أيدى العاملين بحكم الشرع فى الرّعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا، والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوى الاستحقاق، والشّدّ على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق. وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعى الحكم، أو تقاعس فى ذلك لما يلزم من الأداء والغرم- جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشّرع، واضطره بقوة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع. وأن يتوخّى عمّال الوقوف التى تقرّب المتقرّبون بها، واستمسكوا فى ظل ثواب الله بمتين سببها. وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة وحسن الموازرة والمعاضدة، فى الأسباب التى تؤذن بالعمار والاستنماء، وتعود عليها بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء. قال الله تعالى: وتعاونوا على البرّ والتقوى.
(29/185)

وأمره أن يتخيّر من أولى الكفاية والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب من أداء الأمانة والحراسة والتّتمير، لبيت المال وأن يكونوا من ذوى الاضطلاع بشرايط الخدم المعيّنة وأمورها، والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها. وأن يتقدّم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقّنة، وجبايتها فى أوقاتها المعيّنة. إذ ذاك من لوازم مصالح الجند ووفور الاستظهار، وموجبات قوّة الشّوكة بكثير الأعوان والأنصار، وأسباب الحيطة التى يحمى بها البلاد والأمصار. ويأمرهم بالجرى فى الطّسوق «1» والشّروط على النّمط المعتاد، والقيام فى مصالح الأعمال أقدام الجدّ والاجتهاد. وإلى العاملين على الصّدقات بأخذ الزّكوات على مشروع السّنن المهيع «2» ، وقصد الصّراط المتّبع، من غير عدول فى ذلك عن المنهاج الشرعى، أو تساهل فى تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعى فإذا أخذت من أربابها الذين يطّهّرون ويزكّون بها سعى فى العمل فى صرفها إلى مستحقّيها بحكم الشريعة النبوية وموجبها. وإلى جباة الجزية من أهل الذّمّة بالمطالبة بأدائها فى أول السّنة، واستيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة فى الثّروة والمسكنة. إجراء فى ذلك على حكم الاستمرار والانتظام، ومحافظة على عظيم شعائر الإسلام.
وأمره أن يتطّلع على أحوال كل من يستعمله فى أمر من الأمور، ويصرّفه فى مصلحة من مصالح الجمهور، تطلّعا يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم،
(29/186)

ويوجب تهديتهم فى حركاتهم وسكناتهم، ذهابا مع النّصح لله تعالى فى بريّته، وعملا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته.
وأمره أن يستصلح من ذوى الاضطلاع والغناء، من يرتّب للفرض والعطاء، والنّفقة فى الأولياء وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة، والموسومين فى المناصحة بإخلاص الطّويّة وإصفاء السّريرة، حالين من الأمانة والصّون بما يزين. ناكبين عن مظانّ الشّبه والطمع الذى بصم ويشين. وأن يأمرهم باتّباع عادات أمثالهم فى ضبط أسماء الرجال، وتحلية الأشخاص والأشكال واعتبار شيات «1» الخيول وإثبات أعدادها، وتحريض الجند على تخيّرها واقتناء جيادها. وبذل الجهد فى قيامهم من الكراع «2» والبرك «3» والسّلاح بما يلزمهم، والعمل بقول الله تعالى:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ»
. فإذا نطقت جرائد «4» الجند المذكورين بما أثبت لديهم، وحقّق الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب عليهم، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم. فإن هذه الحال أصل حراسة البلاد والعباد، وقوام الأمر فيما أوجبه الله تعالى من أمر الاستعداد
(29/187)

بفرض الجهاد. قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» .
وأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، وللسنة النبوية فى إقامة حدودها متّبعا. فيعتمد فى الكشف عن أحوال العامّة فى تصرفاتها الواجب. ويسلك فى التطلع على معاملاتهم السّبيل الواضح والسّنن اللاحب «1» . ويأتيهم فى الأسواق لاعتبار المكاييل والموازين، ويعتمد فى مؤاخذة المطفّفين «2» وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين. ويحذّرهم فى تعدّى حدود الإنصاف شدّة نكاله، ويقابل المستحقّ للمؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله. قال الله تعالى: «أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»
. وقال سبحانه: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» .
فليتولّ الملك الأجلّ، السيد الكامل المجاهد المرابط، نصير الدين ركن الإسلام أثير الإمام، جمال الأنام، جلال الدولة، فخر الملة عزّ الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، أمير المجاهدين: ألب غازى بك، معين أمير المؤمنين- ما قلّده عبد الله وخليفته فى أرضه، القائم له بحقّه الواجب
(29/188)

وفرضه: أبو جعفر المنصور «المستنصر بالله» أمير المؤمنين- بقلب مطمئن بالإيمان، ونصح لله تعالى ولخليفته- صلوات الله عليه- فى السر والإعلان وليشرح بما فوّض إليه من هذه الأمور صدرا، وليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سرّا وجهرا. وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإمامية، وليقتف آثار مراشدها المقدّسة النبوية. وليظهر من أثر الجدّ فى هذا الأمر والإجتهاد، وتحقيق الظن الجميل فيه والإرشاد- ما يكون دليلا على تأيد الرأى الأشرف المقدس- أجلّه الله تعالى- فى اصطناعه واستكفائه، وإصابة مواقع النّجح والرّشد فى التفويض إلى حسن قيامه وكمال غنائه وليقدر النّعمة عليه فى هذه الحال حقّ قدرها. وليمتر- «1» بأداء الواجب عليه من جزيل الشكر- غزير درّها، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض. ولينه إلى العلوم الشريفة المقدسة- أجلّها الله تعالى- ما يلتبس عليه من الشكوك والعوارض. ليرد عليه من الأمثلة ما يوضّح له وجه الصّواب فى الأمور، ويمدّ من المراشد الشريفة التى هى شفاء لما فى الصدور، بما يكون وروده عليه. وتتابعه إليه، نورا على نور- إن شاء الله تعالى.
وكتب فى شهر رجب من سنة ثلاثين وستمائة «2» . والحمد رب العالمين.
وصلواته على سيدنا محمد النبى الأمّى، وآله الطاهرين.
وفى هذه السنة، فتحت دار الحديث الأشرفية «3» المجاورة لقلعة دمشق المحروسة، ليلة النصف من شعبان. وأملى بها الشيخ الإمام العلامة: تقى
(29/189)

الدين بن الصّلاح الشافعى «1» . ووقف عليها الملك الأشرف أوقافا جليلة.
ذكر ركوب الملك العادل بشعار السّلطنة
وفى الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء، ثامن عشر شهر رمضان، من هذه السنة- سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر، وركّبه فى هذه الساعة بشعار السّلطنة. وشقّ القاهرة، وفى خدمته جميع الأمراء والقضاة وأصحاب الدواوين والأماثل وغيرهم.
وفيها- فى صفر- تسلم راجح بن قتادة مكة- شرّفها الله تعالى- وكان قد قصدها فى سنة تسع وعشرين، وصحبته عسكر صاحب اليمن: الملك المنصور عمر بن علىّ بن رسول. وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بمكة، ففارقها.
وفيها كانت وفاة الملك العزيز: فخر الدين عثمان بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وهو شقيق الملك المعظم. وكان صاحب بانياس وتبنين وهونين والحصون. وهو الذى بنى قلعة الصّبيبة وكان عاقلا قليل الكلام، مطيعا لأخيه الملك المعظم، وإنما أخرجه عن موالاة ولده- الملك الناصر داود- أنه كان قصد بعلبك فى سنة خمس وعشرين وستمائة، بمواطئة من ابن الملك الأمجد صاحبها- كما تقدم- فلما
(29/190)

فاته وقت الميعاد، الذى اتفقا عليه، نزل على بعلبك، وأخذ فى حصارها.
فأرسل الملك الأمجد إلى الملك الناصر يقول له: أنت تعلم ما كان بينى وبين والدك الملك المعظم من المودة، وأننى كنت صديق من صادقه وعدوّ من عاداه، فرحّل عنى الملك العزيز.
فأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلا إلى الملك العزيز، وأمره بالرحيل. وقال له: متى لم يرحل، ارم خيمته على رأسه! فرحل العزيز إلى بانياس وأوجبت هذه الحادثة غضبه، إلى أن التحق بالملك الكامل، وجاء معه إلى دمشق- كما تقدم.
وكانت وفاة الملك العزيز فى يوم الاثنين، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين وستمائة، ببستانه فى النّاعمة، ببيت لهيا «1» من غوطة دمشق. ودفن بقاسيون فى تربة الملك المعظّم، عند والدته- رحمه الله تعالى.
وفيها، فى يوم الاثنين، سابع عشرين شهر ربيع الأول، توفى بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم: همّام بن راجى الله سرايا، بن أبى الفتوح ناصر. بن داود الشافعى: إمام جامع الصالح، بظاهر باب زويلة «2» رحل إلى بغداد واشتغل بها مدة، وسمع الحديث، واشتغل بالأدب بمصر على ابن برّى «3» ولقى جماعة من الأدباء، وصنّف كتبا كثيرة فى
(29/191)

الأصول والفروع والخلاف، مختصرة ومطولة. وله شعر. ومولده بونا من صعيد مصر، فى ذى القعدة أو ذى الحجّة سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
رحمه الله. ولما مات، ولى الإمامة بالجامع الصالحى بعده ولده:
نور الدين على.
وفيها كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبى حفص: عمر بن محمد بن عبد الله السّهروردى. وهو ينتسب إلى أبى بكر الصّدّيق- رضى الله عنه- فيما قيل. وذكر ابن خلّكان أن وفاته كانت فى مستهلّ ذى الحجة، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ومولده بسهرورد، فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر ترّدده فى الرّسالة، من جهة الخليفة إلى الملك العادل، وغيره.
وكان رجلا صالحا عابدا، زاهدا ورعا. وصنّف كتابا للصوفية، سماه عوارف المعارف.
حكى أنه جلس يوما ببغداد على منبر وعظه، فذكر أحوال القوم، وأنشد:
ما فى الصّحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد، ولا صبّ نجاريه
وجعل يردّد البيت ويطرب! فصاح به شاب من طرف المجلس- عليه قباء وكلّوتة «1» - وقال: يا شيخ، كم تشطح وتنتقص القوم! والله إن
(29/192)

فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما تقول! هلا أنشدت:
ما فى الصحاب، وقد سارت حمولهم ... إلا محب له فى الركب محبوب
كأنما يوسف فى كل راحلة ... والحىّ فى كل بيت منه يعقوب
فصاح الشيخ، ونزل عن المنبر وقصد الشاب، ليعتذر إليه. فلم يجده. ووجد فى موضعه حفرة فيها دم، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت!.
وفيها توفى الشيخ الفاضل: عز الدين أبو الحسن على، بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الواحد الشّيبانى- المعروف بابن الأثير الجزرى «1» . وكانت وفاته فى هذه السنة من شعبان. ومولده فى رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، بجزيرة ابن عمر «2» .
وكان رجلا فاضلا، صنّف فى التاريخ كتاب «الكامل» من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو من أجود التواريخ التى رأيناها. واختصر كتاب «الأنساب» لأبى سعيد عبد الكريم بن السّمعانى،
(29/193)

واستدرك عليه فى مواضع. ونبّه على أغاليط، وزاد أشياء. وهو كتاب مفيد فى ثلاث مجلّدات وأصله فى ثمانية، وهو عزيز الوجود. وفضائله وآدابه مشهورة- رحمه الله تعالى.
وفيها كانت وفاة شرف الدين أبى المحاسن: محمد بن نصر بن مكارم، ابن الحسن بن على بن محمد، بن غالب الأنصارى، المعروف بابن عنين- الكوفى الأصل، الدّمشقى المولد. وقيل بل هو من زرع من إقليم حوران.
نشأ فى دمشق، وسافر عنها، وطوّف البلاد شرقا وغربا. ودخل بلاد الجزيرة والروم والعراق وبغداد وخراسان وما وراء النهر، وبلاد الهند واليمن والحجاز ومصر. ومدح ملوك هذه الأماكن وأعيانها.
وكان ظريفا حسن الأخلاق جميل العشرة. غزير المادّة فى الشّعر، مولعا فى الهجاء وثلب أعراض الناس- خصوصا الأكابر. وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا كثيرا من رؤساء الشام وأهل دمشق، سماها: «مقراض الأعراض» ، يقال إنها خمسمائة بيت.
وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق، بسبب وقوعه فى الناس. ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق:
فعلام أبعدتم أخاثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا
انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا
(29/194)

ولما مات الملك الناصر صلاح الدين، وملك الملك العادل دمشق، سار متوجها إلى الشام. وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة، واستأذنه فى الدخول إلى دمشق. ووصفها وصف ما قاسى فى الغربة، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها، قال فى قصيدته:
فارقتها لا عن رضى، وهجرتها ... لا عن قلى، ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزق فى البلاد مشتّت ... ومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحى متقنّعا ... وأكفّ ذيل مطامعى متستّرا
جاء منها فى شكوى الغربة، وما قاساه منها:
أشكو إليك نوى، تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفنى يصافحه الكرى
أضحى عن الأخوى المريع محلّا «1» ... وأبيت عن ورد النّمير «2» منفرّا
ومن العجائب أن تفيّأ ظلّكم ... كلّ الورى، ونبذت وحدى بالعرا
فلما وقف العادل على هذه القصيدة، أذن له فى الدخول إلى دمشق، فدخلها.
(29/195)

وقال:
هجوت الأكابر فى جلّق «1» ... ورعت الوضيع بسبّ الرّفيع
وأخرجت منها، ولكننى ... رجعت على رغم أنف الجميع
وكانت وفاته فى عشية يوم الأثنين، العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وستمائة. ومولده فى يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع وأربعين وخمسمائة- حكاه ابن خلّكان وابن السّاعى.
وقال أبو المظفّر فى مرآة الزمان: إن وفاته كانت فى سنة ثلاث وثلاثين.
قال: وكان خبيث اللسان هجّاء. فاسقا متهتّكا. قال: ولما عاد إلى دمشق، استوزره الملك المعظم. وكانت مجالسه معمورة بقبائحه.
قال: وحضر مجلس الإمام فخر الدين الرّازى بن خطيب الرّىّ، وهو يعظ، فجاءت حمامة وخلفها جارح، فألقت نفسها على الإمام فخر الدين، فغطّاها بكمّه. فقال ابن عنين، بديها:
يا ابن الكرام، المطعمين إذا شتوا ... فى كل مسغبة «2» وثلج خاسف
العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين المخارم والوتين «3» الرّاعف
(29/196)

من أنبا الورقاء «1» أنّ بحلّكم ... حرما، وأنّك ملجأ للخائف
وفدت عليك، وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستانف
ولو انّها تحيى بمال، لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزّمان بشكرها ... والموت يلمع من جناحى خاطف
قرم «2» لواه الفوت حتى ظلّه ... بإزائه يجرى بقلب خائف
قال: فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه، وفعل الحاضرون كذلك. فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار! وكتب معه كتابا إلى الملك الناصر، وكتابا إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته.
ولما عاد هجا العادل، فقال:
إن سلطاننا الذى نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق
هو سيف كما يقال، ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق
وهجا أيضا أولاد شيخ الشيوخ الأربعة، فقال:
أولاد شيخ الشيوخ قالوا ... ألقابنا كلّها محال
لا فخر فينا ولا عماد ... ولا معين، ولا كمال
وأهاجيه فى الأكابر والأعيان كثيرة- سامحه الله تعالى وإيانا:
(29/197)

واستهلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة:
ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم
وفى هذه السنة، وصل الملك الأشرف، صاحب دمشق، إلى السلطان بالديار المصرية، وحرّضه على قصد بلاد الروم. فخرج بالعساكر من القاهرة فى ليلة السبت، لخمس خلون من شعبان، واستناب بالديار المصرية ولده الملك العادل: سيف الدين أبا بكر.
وسار حتى وصل إلى دمشق، وجمع سائر الملوك. وسار من دمشق، فنزل بظاهر البيرة «1» . واجتمعت الملوك، فكانوا ثلاثة عشر ملكا: كلهم من بنى أيوب. وعرض العساكر أطلابا، فكبرت نفسه وتعاظم. ثم دخل بهم الدّربندات «2» ، وأشرف على أرض الروم، وما شكّ فى أخذها.
فاجتمع الملوك إلى الملك الأشرف، قالوا: متى فتح الملك الكامل بلاد الروم، استولى على ممالكنا، وعوّضنا عنها من بلاد الروم. فاتفقوا على خذلانه، ومكاتبة صاحب الروم: علاء الدين كيقباد، بن كيخسرو
(29/198)

السّلجقى، فكاتبوه. فوقعت الكتب إلى الملك الكامل، فرحل عن الدّربندات لوقته، وعاد إلى السّويداء «1» وخيّم بها.
وكان عند نزوله على الدّربندات، أرسل الملك المظفّر صاحب حماه، والطّواشى شمس الدين صواب، وجماعة من الأمراء، إلى خرت برت «2» .
وكان بها عسكر كثيف من عساكر الروم، فكسروهم، وأسروا بعض الأمراء الكاملية، وطلع الملك المظفر، والطواشى صواب، والبانياسى وجماعة من الأمراء، إلى القلعة، فأقاموا بها سبعة عشر يوما، وطلبوا الأمان من صاحب الروم. فأمّنهم على تسليم القلعة، ولا يأخذوا منها شيئا.
ففعلوا ذلك، ونزلوا إليه. فخلع عليهم وأعادهم إلى الملك الكامل.
ولم يسلم من خيلهم فى هذه الوقعة إلّا سبعة أو ثمانية: كلّ أمير على فرس.
فسيّر السلطان الملك الكامل إليهم الخيول، فركبوها ووصلوا إلى السلطان إلى السّويدا، فأحسن إليهم. ثم عاد إلى الديار المصرية، وقد حصلت الوحشة بينه وبين سائر الملوك. وكان وصوله فى جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين.
(29/199)

ولما رجع، جهّز صاحب الروم جيشا كثيفا إلى حرّان والرّها وآمد، والسّويدا وقطينا «1» ، فاستولى على ذلك، ورتّب فيهم من يحفظهم. وكانت هذه الجهات تحت يد شهاب الدين غازى- أخى السلطان- والملك الصالح نجم الدين أيوب: ولده.
فلما اتصل ذلك بالملك الكامل، تجهز بعساكره وخرج من القاهرة، فى ثالث عشرين ذى القعدة من السنة: وكان قد أوصى ولده الملك الصالح نجم الدين وأخاه شهاب الدين غازى- أن صاحب الروم إذا قصد البلاد يتركونها، ويحضرون، وقال له: إذا أخذ البلاد استعدتها منه، وإذا أخذكم لا أقدر على استعادتكم منه. فلما وصل عسكر صاحب الروم إلى البلاد، تركاها، وسارا بعسكرهما إلى سلميّه.
ولما قدم السلطان إلى دمشق، كان بها ولدا «2» ولده الملك الصالح، وهما: جلال الدين، وتورانشاه، فخرجا يسلّمان على جدّهما، فانتهرهما، فخرجا من عنده. واتصل ذلك بأبيهما، فعلم أن الغضب انما هو عليه، لا على ولديه. فأرسل إليهما وأخذهما من دمشق، ولم يشعر بذلك جدّهما.
وسار عن سلميّه، ومعه شهاب الدين غازى، فوصل إلى حصن كيفا، ووصل شهاب الدين إلى ميّافارقين. فعظم ذلك على السلطان، وذكر ما فعله الصالح لبعض الأمراء. فتلطف فى الاعتذار عنه، وقال: الملك الصالح معذور، لأ السلطان سلّم له البلاد وجعله تحت الحجر. ثم فعل
(29/200)

السلطان بأولاده ما فعل. فأرسل إليه وطيّب قلبه، وأمره أن يمضى هو وشهاب الدين غازى لمحاصرة السّويداء، فتوجّها إليهما.
ووصل السلطان إليها أيضا. ثم مضى إلى آمد، فهرب العسكر الرّومىّ منها. ووصل السلطان إلى حرّان، وفتحها عنوة فى ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وفتح قلعة الرّها عنوة. وتسلّم السّويداء عنوة، فى جمادى الآخرة. وهدم قلعة الرّها. وأسر من كان فى هذه القلاع من الروم. وأخذ قطينا فى شهر رجب عنوة، ونزل على دنيسر «1» فأخربها، إلا الجامع.
وسيّر جميع. الأمراء إلى الديار المصرية فى الجوالق، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف. ورتب ولده الملك الصالح بآمد. وأضاف إليه حرّان والرّها ونصيبين، والخابور «2» ورأس عين والرّقّة، وجعله سلطانا مستقلا. وعاد إلى الديار المصرية. فوصل إلى القاهرة فى شعبان، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
(29/201)

نعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
فيها ولى الأمير جمال الدين يغمور «1» شدّ الدواوين بالديار المصرية وفيها عمّر الملك الأشرف مسجد جرّاح خارج باب الصّغير بدمشق، ورتّب فيه خطبة للجمعة، يصلى فيه سكان الشّاغور وغيرهم.
وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا والتّحف، وفى جملة ذلك دب أبيض، شعره مثل شعر السّبع، ينزل إلى البحر فيصيد السمك ويأكله، وطاووس أبيض، وغير ذلك.
وفيها عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الحرستانى عن قضاء الشام، ووليه قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدّولة.
وفيها، توفى الأتابك: شهاب الدين طغرل الخادم، عتيق السلطان الملك الظاهر، صاحب حلب- وكان أرمنىّ الجنس، حسن السّيرة محمود الطريقة، صالحا عفيفا، زاهدا كثير الصدقة والإحسان، يقسّم الليل أثلاثا: فالثّلث الأول يجرى حكايات الصالحين وأحوال الناس ومحاسنهم، وينام الثلث الأوسط، ويحيى الثّلث الآخر قراءة وصلاة وبكاء. وكان حسن الوساطة عند الملك الظاهر
(29/202)

ولما توفى الظاهر، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام. واستمال الملك الأشرف، حتى حفظ على الملك العزيز البلاد- ولما استعاد الملك الأشرف تلّ باشر «1» ، دفعها لهذا الخادم، وقال هذه تكون لصدقاتك وما يلزمك، فإنك تكره أن تتصرف فى أموال الصغير، فنقل إليها من الأموال والذخائر كلّ نفيس. وكان قد طهّر حلب من الفسق والفجور والمكوس. وكان الملك الأشرف يقول: إن كان لله تعالى فى الأرض ولىّ، فهو هذا الخادم، الذى فعل ما عجز عنه الفحول.
فلما ترعرع الملك العزيز بن الملك الظاهر، فى سنة تسع وعشرين وستمائة- قال له بعض خواصّه: قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم! فأخذ منه تلّ باشر، ونزع يده منه. وبقى الأتابك لا ينفّذ له أمر ثم مرض وتوفى بحلب، فى ليلة الحادى عشر من المحرم، من هذه السنة.
ودفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الشيخ أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن يحيى، بن مسلم الزّبيدى. سمع أبا الوقت عبد الأوّل «2» بن عيسى، وغيره.
(29/203)

وهو من ساكنى باب البصرة، وحضر إلى الشام وحدّث بدمشق بصحيح البخارى عن أبى الوقت غير مرّة. وهو شيخ شيوخنا. ولما وصل إلى دمشق، أكرمه الملك الأشرف، وحصل له دنيا صالحة بعد فقر وضرورة.
ثم عاد إلى بغداد، فمرض قبل وصوله إليها، وتوفى بعد أن دخلها بأيام.
كانت وفاته يوم الاثنين، الثالث أو الرابع والعشرين من صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وسئل عن مولده، فقال: سنة ست، أو سبع، وأربعين وخمسمائة- الشّكّ منه- ودفن بمقبرة جامع المنصور.
وفيها توفى ركن الدين منكرس الفلكى: مملوك فلك الدين- أخى الملك العادل لأمّه- كان من أكابر الأمراء. ولّاه العادل مصر والشام نيابة عنه. وكان صالحا ديّنا، عفيفا عادلا، كثير الصدقات. وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها أشياء كثيرة. وكانت وفاته. بجرود «1» : قرية من قرى دمشق، وحمل منها فدفن بتربته بقاسيون- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الأمير كريم الدين الخلاطى. وكان كثير المروءة حسن الملتقى، يتعصّب فى الخير. خدم الملك الكامل والمعظم والأشرف. وتقدّم فى زمن الملك العادل. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.
(29/204)

وفيها توفى صلاح الدين أبو العباس: أحمد بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر، بن قحطان الإربلى- وهو من بيت كبير بإربل «1» .
وكان حاجبا عند الملك المعظم: مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل.
فتغير عليه واعتقله مدة. فلما أفرج عنه، خرج منها إلى الشام، واتصل بخدمة الملك المغيث: محمود بن العادل- وكان قد عرفه من إربل- فحسنت حاله عنده.
فلما توفى الملك المغيث، انتقل الصّلاح إلى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختصّ به فى خلواته. وجعله أميرا.
وكان الصلاح ذا فضيلة تامة، ومشاركة حسنة. وله نظم حسن، ودوبيت «2» . ثم تغيّر عليه الملك الكامل، واعتقله، فى المحرم سنة ثمانية عشر وستمائة، والسلطان بالمنصورة. فاستمر فى الاعتقال بقلعة الجبل، مضيّقا عليه، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين.
فعمل الصلاح دوبيت، وأملاه على بعض المطربين، فغنّى به عند الملك الكامل. وهو:
ما أمر تجنّيك على الصّبّ خفى ... أفنيت زمانى بالبكا والأسف
ماذا غضب بقدر ذنبى، ولقد ... بالغت وما قصدك إلا تلفى
(29/205)

فاستحسنه الملك الكامل، وسأل لمن هو؟ فقيل: للصلاح الإربلى.
فأمر بالإفراج عنه. وقيل إن الشعر غير هذا، وهو:
اصنع ما شئت، أنت أنت المحبوب ... ما لى ذنب، بلى- كما قلت- ذنوب
هل يسمح بالوصال فى ليلتنا ... يجلو صدا القلب ويعفو، وأتوب
ولما أفرج عنه، عادت مكانته عنده إلى أحسن ما كانت عليه ولما توجه الملك الكامل إلى بلاد الروم كان فى خدمته، فمرض بالعسكر بالقرب من السّويدا، فحمل إلى الرّها فمات قبل وصوله إليها، فى خامس عشرين ذى الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان مولده فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ولما مات وجد بداره بدمشق خمسة عشر ألف دينار، وبداره بالقاهرة خمسة آلاف دينار. ولما عاد السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية، أقطع ولده صنافير «1» بالقليوبيّة خاصا له، وجعل معه أقارب والده ومماليكه- وعدتهم سبعة عشر نفرا- وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين.
وتوفى الأديب الفاضل: نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى محمد عبد الوهاب بن الحسن بن على، المعروف بابن وهيب القوصى، بحماه.
(29/206)

وكان قد توجّه فى خدمة الملك المظفر- صاحب حماه- ووزر له.
وكانت بينهما مودة ورعاية. ثم نقم عليه أمرا، فقتله- رحمه الله تعالى.
وكان فاضلا، له اليد الطّولى فى الأدب والتّرسّل، والشّعر الرائق. وقد تقدم من كلامه ما كتب به عن متولّى الأعمال القوصية، فى معنى حريق خان المكرم، ظاهر مدينة قوص.
واستهلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة:
فى هذه السنة، توجه الأمير أسد الدين جغريل أحد مماليك السلطان الملك الكامل- إلى مكة، شرفها الله تعالى، وصحبته سبعمائة فارس فتسلمها فى شهر رمضان. وهرب منها الأمير: راجح بن قتادة، ومن كان بها من عسكر اليمن.
ذكر إنشاء جامع التّوبة بالعقيبة «1» بدمشق
فى هذه السنة، شرع السلطان الملك الأشرف فى هدم خان الزّنجبيلى «2» ، الذى كان بالعقيبة بظاهر دمشق، وكان قد جمع أنواع الفساد من الخمور والفسق فقيل للسلطان إن مثل هذا لا يصلح أن يكون فى بلاد الإسلام، فهدمه وعمره جامعا، غرم عليه جملة كثيرة، وسماه الناس جامع التّوبة.
(29/207)

قال القاضى شمس الدين بن خلّكان فى وفيات الأعيان: «وجرت فيه نكتة لطيفة أحببت ذكرها، وهى أنه كان بمدرسة ستّ الشام التى خارج البلد إمام، فعرف بالجمال السّتّى- أعرفه شيخا حسنا، ويقال إنه كان فى صباه يلعب بشىء من الملاهى، وهى التى تسمى الجعانه. ولما أسنّ حسنت طريقته، وعاشر العلماء وأهل الصلاح، حتى عدّ فى الأخيار. فولاه الملك الأشرف خطابة الجامع، لثناء الناس عليه. فلما توفى، ولى بعده العماد الواسطى الواعظ، وكان يتّهم بالشّراب.
وكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم: المعروف بابن زوينة الرّحبى:
يا مليكا أوضح الحقّ لدينا وأبانه جامع التّوبة قد قلّدنى منه أمانه قال: قل للملك الصالح- أعلى الله شانه:
يا عماد الدين، يا من حمد الناس زمانه كم إلى كم أنا فى ضرّ وبؤس وإهانه لى خطيب واسطى يعشق الشّرب ديانه والذى قد كان من قبل يغنّى بالجعانه فكما نحن، وما زلنا- ولا أبرح- حانه ردّنى للنّمط الأوّل، واستبق ضمانه
(29/208)

وفى هذه السنة، فى تاسع صفر، كانت وفاة الملك الزاهد:
مجير الدين أبو سليمان، داود بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب- صاحب قلعة البيرة «1» .
وكان يحب العلماء وأهل الأدب، ويقصدونه من البلاد. وكان فاضلا أديبا شاعرا، جوادا سمحا. ومولده بالقاهرة لسبع بقين من ذى القعدة- وقيل ذى الحجة- سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ولما مات، توجه الملك العزيز، ابن أخيه الملك الظاهر، إلى قلعة البيرة، فملكها.
وفيها توفى الأمير الأجل الطواشى: شمس الدين صواب، مقدّم عسكر الملك العادل.
وكانت وفاته بحرّان، فى العشر الآخر من شهر رمضان. وكان السلطان الملك الكامل قد جعله بها، وبغيرها، من تلك البلاد- كما تقدم.
وكان أميرا كبيرا فى الدّولتين: العادلية والكاملية. وكان خادما عاقلا، ديّنا شجاعا جوادا. وكان العدل والكامل يعتمدان عليه.
وكان له مائة خادم، تعيّن جماعة منهم وتأمّروا بعد وفاته: منهم بدر الدين الصّوابى، وشبل الدولة: كافور الخزندار بدمشق، وشمس الدين صواب السّهيلى بالكرك، وغيرهم. وكان شمس الدين صواب العادلى-
(29/209)

هذا- إذا حمل فى الأعداء يقول: أين أصحاب الحصى «1» . وكان له برّ وصدقة، وفيه إنصاف- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الصاحب تاج الدين: أبو اسحاق يوسف بن الصاحب الوزير: صفى الدين أبى محمد عبد الله، بن القاضى المخلص أبى الحسن على، الشّيبى المالكى بمدينة حرّان، فى الحادى عشر من شهر رجب، ودفن بها ومولده بمصر فى شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وكان فقيها مالكيا، درّس بمدرسة أبيه بالقاهرة. وناب عن والده فى الوزارة بالديار المصرية. وولى الوزارة بعد والده نحو شهرين. ثم صرف واستخدم فى التّوقيع. ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية.
ثم عزل واعتقل، ثم أفرج عنه فى سادس عشر شعبان، سنة خمس وعشرين وستمائة. ثم ولى الجزيرة وديار بكر وحرّان فى الدولة الكاملية ومات هناك- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى شرف الدين، أبو حفص وأبو القاسم: عمر بن على بن المرشد بن على، الحموىّ الأصل، المصرى الدار والمولد والوفاة: المعروف بابن الفارض، الشاعر.
(29/210)

له ديوان شعر مشهور. وكانت وفاته بالجامع الأزهر بالقاهرة المعزّيّة، فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الأولى، ودفن من الغد بسفح المقطم.
ومولده بالقاهرة فى الرابع والعشرين من ذى القعدة، سنة ست وسبعين وخمسمائة.
واستهلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة:
فى هذه السنة، حصل بمصر وباء عظيم، مات فيه خلق كثير. واستمر ثلاثة أشهر.
وفيها، فى المحرم، وصل الملك الناصر داود، صاحب الكرك، إلى بغداد. واجتاز فى طريقه بالحلّة «1» ، وبها الأمير شرف الدين، بن الأمير جمال الدين قشتمر، زعيم الحلّة ومقدّم الجيوش، فتلقاه وأكرمه، وأقام له الإقامات الوافرة. وعمل له دعوة عظيمة اشتملت على أنواع من المآكل.
قال ابن الساعى فى تاريخه: بلغت النفقة على تلك الدعوة اثنى عشر «2» ألف دينار.
ثم قصد بغداد، فوصل إليها فى يوم الاثنين سادس عشر المحرم، فبرز لتلقّيه الموكب، وفيه جميع الحجاب والدعاة، وفى صدره قطب الدين:
أبو عبد الله بن الأقساسى،- نقيب الطالبيّين- وعن يمينه وشماله خادمان من
(29/211)

خدم الديوان العزيز «1» . وحين وافى باب النّوبى «2» نزل وقبّل العتبة.
وحضر دار الوزارة، فأكرم وخلع عليه قباء «3» أطلس، وشربوش «4» ، وأعطى فرسا بمركب ذهب. وأسكن محلّة المقتدى، بالدار المنسوبة إلى أبى تميم الموسوى، وأقيمت له الإقامات الوافرة من المخزن المعمور «5» فى كل يوم.
وأنهى للديوان العزيز ما اعتمده معه عمّاه من إخراجه من دمشق- وهى مملكة أبيه- ونقله إلى الكرك.
وأقام ببغداد إلى خامس عشرين شعبان. ثم أحضر إلى دار الوزارة، وخلع عليه قباء أطلس أسود، وفرجيّه «6» مموّج، وعمامة قصب كحلية مذهّبة. وأنعم عليه بفرس عربى بمركب ذهب، وكنبوش «7» ومشدّة إبريسم «8» . وأعطى العلم والجفتاوات «9» والكراع «10» . والخيام والمفارش
(29/212)

والآلات، وخمسة وعشرين ألف دينار، وعدّة من الخيل وجوز من الثياب الفاخرة. وشرّف من معه من أصحابه وأتباعه ومماليكه.
وأذن له فى التوجه إلى بلده- وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه:
الكامل والأشرف. وخرج من بغداد فى ثالث شهر رمضان- وصحبته الأمير: سعد الدين حسن بن على- إلى الملك الكامل، يأمره عن الديوان العزيز بإجابة سؤاله. ذكر ذلك ابن الساعى فى تاريخه.
وفيها، توفى الحافظ: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن محمد بن دحية الأندلسى البلنسى «1» ، المعروف بذى النّسبين.
طلب الحديث فى أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقى علماءها ومشايخها. ثم رحل الى بر العدوة «2» ودخل مراكش واجتمع بفضلائها. ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام والشرق والعراق.
ودخل إلى عراق العجم وخراسان، وما والاها، ومازندران «3» ، فى طلب الحديث والاهتمام بائمته، والأخذ عنهم. وهو فى ذلك يؤخذ عنه، ويستفاد منه.
(29/213)

وقدم مدينة إربل، فى سنة أربع وستمائة، عند توجهه إلى خراسان.
واجتمع بصاحبها: الملك المعظم بن زين الدين. وكان المعظم عظيم الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم، فألف له كتابا سماه: التّنوير فى مولد السّراج المنير، وقرأه عليه فأعطاه ألف دينار. وله عدة تصانيف.
ولما عاد إلى الديار المصرية، ولّاه الملك الكامل دار الحديث الكاملية «1» بالقاهرة. ثم عزله منها قبل وفاته، وولى أخاه محيى الدين أبا عمرو.
وتوفى أبو عمرو بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان حافظا للغة العرب. وكانت وفاة أبى الخطاب بالقاهرة فى الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ودفن بسفح المقطم. ومولده فى مستهل ذى القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة.
وفيها، فى سلخ شهر ربيع الآخر- توفى الأمير أبو التّقى صالح بن الأمير المكرم أبى الطاهر «2» إسماعيل بن أحمد بن الحسن بن اللّمطي، بمنية بنى
(29/214)

خصيب «1» من صعيد مصر. وصلّى عليه على ساحل البحر، وحمل فى مركب وأحدر إلى مصر، فوصل بعد صلاة العصر مستهل جمادى الأولى، ودفن بسفح المقطم، بتربة كان أنشأها لنفسه قبل وفاته بيسير- وقد قارب الستين. سمع ببغداد جماعة كبيرة وبنيسابور وبمرو وهراه وهمدان ودنيسر ودمشق. وجال فى البلاد كثيرا، ودخل ما وراء النهر. ولم يحصّل من مسموعاته إلا اليسير- رحمه الله تعالى.
وفيها فى شهر ربيع الأول، توفى الأمير فخر الدين أياز البانياسى بخرتبرت من ديار الجزيرة. وحمل إلى القاهرة، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة الصغرى، وأنشأ بجانبها حوض سبيل. وكان قد ولى مصر مدة، وله غزوات وتقدّم فى الدولتين العادلية والكاملية. وكان مشهورا فى شبيبته بالقوة. وكان محبا لأهل الخير متفقدا لهم- رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى خطيب مصر الشيخ الفقيه: أبو الطاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الجابرى- من ولد جابر بن عبد الله الأنصارى- رضى الله عنه. وهو المشهور بالمحلّى، وهو من أصحاب الشيخين: الشاطبى والقرشى.
(29/215)

واستهلّت سنة أربع وثلاثين وستمائة:
ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف
كان وقوع الوحشة بين الملكين الأخوين فى هذه السنة.
وسبب ذلك أن الملك الأشرف طلب من أخيه الملك الكامل الرّقّة، وقال إن الشّرق قد صار للسلطان، وأنا فى كل يوم فى خدمته، فتكون هذه برسم عليق دوابّى. وجعل الفلك المسيرى واسطة بينه وبين السلطان.
فكتب الفلك إلى الملك الكامل بذلك، فأجابه الملك الكامل بكتاب أغلظ له فيه.
وكان الملك الكامل، لما عاد من بلاد الشرق فى سنة ثلاث وثلاثين، بلغه اتفاق الملوك عليه، فعجّل السير إلى الديار المصرية.
فكتب إليه الملك الأشرف يقول: إنك أخذت منى الشرق. وقد افتقرت لهذه البواكير، ودمشق بستان ليس لى فيها شىء. فبعث إليه عشرة آلاف دينار، فردّها عليه، وقال: أنا أدفع هذه لأميرين.
فغضب الملك الكامل، وقال: الملك الأشرف يكفيه عن الملك عشرته للمغانى وتعلّمه لصناعتهم! فاتصل ذلك بالملك الأشرف، فتنمّر له وقال: والله لأعرّفنّه قدره. وراسل الملوك: بحلب وحماه وبلاد الشرق، وصاحب الروم، وقال: قد عرفتم بخل الكامل وطمعه فى البلاد.
(29/216)

فحلفوا كلهم واتفقوا، وسيروا رسلهم إلى الملك الكامل يقولون: انهم معه صلحا، ما أقام بالديار المصرية ولم يخرج إلى الشام لفتح شىء من البلاد.
ذكر وفاة الملك العزيز صاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر
وفى سنة أربع وثلاثين وستمائة، كانت وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- صاحب حلب، بها. ومولده فى ذى الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة. وملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدن يوسف. وكان عمره يوم ذاك ست سنين. فقام بتدبير المملكة والدة أبيه، وهى ابنة الملك العادل.
وجعلت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه. ثم زوّجه السلطان الملك الكامل ابنته عاشورا شقيقة الملك العادل، فى تاسع عشر ذى الحجة من السنة.
(29/217)

واستهلّت سنة خمس وثلاثين وستمائة:
ذكر وفاة الملك الأشرف وشىء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك
فى يوم الخميس رابع المحرم، سنة خمس وثلاثين وستمائة، توفى الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب- صاحب دمشق- بها. ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى تربته بالكلّاسه «1» ، بجوار الجامع الأموى.
ومولده بالقاهرة- وقيل بقلعة الكرك- فى سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه قبل أخيه الملك المعظم بليلة واحدة. وكان- رحمه الله تعالى- عفيفا عن المحارم، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته.
وحكى أبو المظفر يوسف بن قزوغلى سبط ابن الجوزى عنه، فى كتابه: «مرآة الزمان» ، من الأوصاف الجميلة، والمروءة الغريرة، والكفّ عن المحارم، والعفة عنها مع التمكن منها، ما يرجى له به الخير عند الله تعالى.
وكان مما حكاه عنه قال: جلست يوما عنده فى منظرة بقلعة خلاط، يعتب على أخيه الملك المعظم فى قضية بلغته عنه، ثم قال: والله ما مددت عينى إلى حريم أحد: لا ذكر ولا أنثى.
(29/218)

ولقد كنت يوما قاعدا فى هذه الطّيّارة، فدخل الخادم فقال: على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن- صاحب خلاط.
فأذنت لها، فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط، تذكر أن الحاجب «علىّ» «1» قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها، وما تتجاسر أن تظهر، خوفا منه. فكتبت على الورقة بإطلاق القرية، ونهيت الحاجب عنها.
فقالت العجوز: هى تسأل الحضور بين يديك، فعندها سرّ ما يمكن ذكره إلا للسلطان! فأذنت لها. فتوجّهت وعادت بعد ساعة، ومعها امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن من قدّها، ولا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها! فخدمت ووقفت. فقمت لها وقلت: وأنت فى هذا البلد، وما علمت بك؟! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة! فقلت: غطّ وجهك، وأخبرينى بحالك.
فقالت: أنا بنت شاه أرمن، صاحب هذه البلاد. مات أبى، واستولى بكتمر على الممالك، وتغيرت الدّول، وكانت لى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب «علىّ» وما أعيش إلا من عمل النّقش، وأنا ساكنة فى دار بالأجرة! قال: فبكيت، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضّيعة وبالوصيّة، وأمرت لها بقماش من الخزانة، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها، وقلت باسم الله، امضى فى حفظ الله ودعته.
(29/219)

فقالت العجوز: يا خوند «1» ، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة! قال: فلما سمعت كلامها، وقّع الله فى قلبى تغيّر الزمان، وأن يملك خلاط غيرى، وتحتاج بنتى إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه:
فقلت: يا عجوز، معاذ الله! والله ما هو من شيمتى، ولا خلوت بغير محارمى، فخذيها وانصرفى، وهى العزيزة الكريمة! ومهما كان لها من الحوائج تنفّذ إلى هذا الخادم. فقامت، وهى تبكى، وتقول- بالأرمنية:
صان الله عاقبتك، كما صنتنى. قال: فلما خرجت، أفتتنى نفسى، وقالت: ففى الحلال مندوحة عن الحرام، تزوّجها. فقلت: يا نفسا خبيثة، فأين الحيا والكرم والمرؤة! والله لا فعلته أبدا.
ومما حكاه أبو المظفر- أيضا- قال: كنت عنده بخلاط، فقدم النظّام بن أبى الحديد، ومعه نعل النبى صلى الله عليه وسلم. فأخبرته بقدومه، فأذن بحضوره. فلما جاء، ومعه النعل، قام ونزل من الإيوان، وأخذ النعل فقبّله، ووضعه على عينيه، وبكى! وخلع على النظّام وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال يكون فى الصّحبة نتبرك به.
ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده. قال بعد ذلك: فلما عزمت على ذلك بتّ مفكرا، وقلت: إن فعلت هذا فعل غيرى مثله، فيتسلسل الحال ويؤدى إلى استئصاله. فرجعت عن هذا الخاطر. وتركته لله، وقلت: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه. ثم أقام النظّام عندى شهورا ومرض، وأوصى لى بالنعل، ومات وأخذته بأسره.
(29/220)

ولما اشترى دار قايماز النّجمى، وجعلها دار حديث، ترك النعل فيها، ونقل إليها الكتب الثمينة، وأوقف عليها الأوقاف. وعمر غيرها من الأماكن الشريفة: منها مسجد أبى الدّرداء بقلعة دمشق- بناه وزخرفه- وكان غالب إقامته به. والمسجد الذى عند باب النصر، وجامع العقيبة ومسجدا خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار. ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة. وزاد وقف دار الحديث النّوريّة.
هذا وتربته بالكّلّاسة بدمشق، وتربة والدته بالقرافة بمصر. وبنى أيضا ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل.
وكان- رحمه الله تعالى- حسن الظن بالفقراء، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة. وكان فى ليالى شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق، ويرسل فى الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والرّبط، ما قرب منه وما بعد.
وكان ابتداء مرضه فى شهر رجب، سنة أربع وثلاثين وستمائة، مرضين مختلفين فى الأعالى والأسافل. وكان الحرائحى يخرج العظام من رأسه، وهو يسبّح الله ويحمده ثم اشتد به الذّرب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره- جمال الدين بن جرير-: فى أى شى تكفننى؟ فقال: حاشاك! فقال دعنى من هذا، فما بقى فى قوّة يحملنى أكثر من نهار غد، وتوارونى. فقال فى الخزانة تصافى. فقال: حاش لله أن أكفن من هذه الخزانة.
(29/221)

وقال: لعماد الدين بن موسك أحضر لى الوديعة. فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقى الأولياء، وفيه إزار عتيق ما يساوى خمسة قراطيس. فقال يكون هذا على جسدى أتقى به حرّ الوطيس، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشيّا، أقام بحبل الرّها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها، وكنت أصعد إليه وأزوره، وأعرض عليه المال فلا يقبله، فسألته شيئا من أثره أجعله فى كفنى، فأعطانى هذا الإزار، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجّة. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. ثم مات فى التاريخ المذكور.
قال أبو المظفر: ولما أحسّ بوفاته فى آخر سنة أربع وثلاثين، قلت له:
استعد للقاء الله فما يضيرك، قال: لا والله بل ينفعنى. ففرّق البلاد، وأعتق مائتى مملوك وجارية. ووقف دار فرّخشاه، التى يقال لها دار السعادة، وبستان النّيرب «1» على ابنته. وأوصى لها بجميع الجواهر.
قال أبو المظفر: وحكى لى الفقيه محمد اليونانى «2» ، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان.، قال: لما مات الأشرف رايته فى المنام وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء. فقلت له يا موسى، إيش تعمل مع هؤلاء، وانت كنت تفعل فى الدنيا وتصنع؟
فالتفت إلى وتبسم، وقال: الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، والروح التى كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم- رحمه الله تعالى.
(29/222)

ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- ابن الملك العادل- دمشق، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها
لما مات الملك الأشرف: مظفر الدين موسى- رحمه الله تعالى- ملك دمشق بعده- بوصية منه- أخوه الملك الصالح: عماد الدين إسماعيل، الملقب بأبى الخيش! وإنما لقّب بذلك، لأنه- فيما حكى عنه- كان يملأ خيشة تبنا ويبيّتها فى الماء، ثم يطعنها برمحه فيرفعها عليه. فلقب بذلك.
ولما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف، ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة، وترجّل الناس فى ركابه، وأسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه، وحمل الأمير عز الدين أيبك- صاحب صرخد- الغاشية «1» بين يديه. ثم عاد كل منهما إلى مملكته، واستقر هو بدمشق.
وصادر جماعة من أهلها، اتهمهم بمكاتبة الملك الكامل: منهم العلم تعاسيف «2» وأولاد مزهر وابن عريف البدرى، واستصفى أموالهم. وأفرج
(29/223)

عن الشيخ على الحريرى من الاعتقال بقلعة عزّتا- وكان الملك الأشرف قد اعتقله بها فى سنة ثمان وعشرين وستمائة- فأفرج عنه الآن، ومنعه من الدخول إلى دمشق.
وأما الملك الكامل فإنه لما بلغه وفاة أخيه الملك الأشرف، سر بذلك سرورا عظيما، لما كان قد وقع بينهما من الوحشة التى تأكدت أسبابها- وقد تقدم ذكرها. فتجهز بعساكر الديار المصرية وتوجه من قلعة الجبل، لقصد دمشق، فى ثالث عشرين صفر. ولما اتصل خبره بالملك الصالح حصّن دمشق، وقسم الأبراج على الأمراء، وغلّق أبواب المدينة. وجاء الأمير عز الدين أيبك من صرخد، وأمر بفتح الأبواب ففتحت.
ووصل الملك الكامل بعساكره، ونزل عند مسجد القدم. ونزل الملك الناصر داود بالمزّة «1» ، ونزل مجير الدين وتقىّ الدين ابنا الملك العادل بالقابون «2» ، وهم فى طاعة الملك الكامل. وأحدقت العساكر بدمشق،
(29/224)

وقطع الملك الكامل عنها المياه. وردّ ماء بردى «1» إلى ثورا «2» . وشدد الحصار، فغلت الأسعار. وسد الصالح أبواب دمشق، إلا بابى الفرج والنصر. وتقدم الملك الناصر داود إلى باب توما، وعمل النّقوب فيه. ولم يبق إلا فتح البلد.
فأرسل الملك الكامل إليه فخر الدين بن الشيخ، فرده عنها، ورحّله إلى أرض برزه. «3» وأحرق الصالح إسماعيل قصر حجّاج والشّاغور، وأخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد مثله. واحترق جماعة من سكان هذه الجهات فى دورهم، ومن سلم منهم لم يبق له ما يرجع إليه إلا الكدية وسؤال الناس.
وحكى أن الصالح- أو ابنه- وقف على العقيبة «4» ، وقال للزّرّاقين «5» أحرقوها، فضربوها بالناس. وكان لرجل من سكانها عشر بنات، فقال لهن: اخرجن، فقلن لا والله، النار ولا العار، ما نفتضح بين الناس! فاحترقت الدار وهم فيها، فاحترقوا. وجرى من الخراب بظاهر دمشق ما لم يحر مثله قبل ذلك.
(29/225)

ثم راسل الملك الصالح أخاه الملك الكامل يقول: بلغنى أنك تعطى دمشق للملك الناصر داود وأنت أحق بها، وان أنت لم تعطنى ما أريد، وإلا ضربت قوارير النّفط فى أربع جوانب دمشق وأحرقتها، وأحرقت قلعتها، وأخرّبها خرابا لا تعمر بعده أبدا. فعلم الملك الكامل من جرأته أنه يفعل، فأعطاه ما طلب.
ودخل بينهما الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- وكان بدمشق- فوقع الاتفاق والصلح على أن الملك الكامل أقرّ بيد أخيه الملك الصالح بصرى «1» والسّواد «2» ، وأعطاه بعلبك وأعمالها. ولو طلب أكبر من ذلك أعطاه، خوفا من أن يحرق دمشق.
وتسلم الملك الكامل دمشق، ودخلها فى عاشر جمادى الأولى- وقيل فى أواخر الشهر المذكور. وأفرج عن الفلك المسيرى، وكان الملك الأشرف قد اعتقله فى حبس الحيّات. ولما دخل الملك الكامل إلى دار رضوان بقلعة دمشق، رأى قبر أخيه الأشرف فرفسه برجله وسبّه، وقال انقلوه الساعة.
فنقلوه إلى الكلّاسة.
ولما ملك الملك الكامل دمشق، عزم على قصد حمص، لاتفاق صاحبها الملك المجاهد شيركوه، فيما مضى، مع الأشرف. فصالحه الملك المجاهد على أن يحمل إلى خزانته ألف درهم، ودخل عليه بالنساء، فأجاب الملك إلى ذلك. ومات الكامل قبل حمل المال.
(29/226)

ذكر وفاة السلطان الملك الكامل
كانت وفاته فى يوم الأربعاء، وقيل ليلة الأربعاء- الحادى والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة، بقلعة دمشق بقاعة الفضّه.
ومولده بالقاهرة فى ذى الحجة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وكان أسنّ أولاد الملك العادل. وكانت مدة عمره تسعا وخمسين سنة وسبعة أشهر- تقريبا. ومدة ملكه- بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة، وشهرين وستة عشر يوما. وملك دمشق واحدا «1» وسبعين يوما. ومنذ خطب له بولاية العهد، ثمانيا وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وستة عشر يوما.
ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بجوار الجامع الأموى بدمشق. وكان مدة مرضه نيفا وعشرين يوما، بالإسهال والسّعال ونزلة فى حلقه، ونقرس فى رجله. وأظهروا موته يوم الجمعة. ولم يظهروا الحزن عليه بدمشق. حكى عن خادمه الذى كان يعلّله فى مرضه، قال: طلب منى الملك الكامل الطّشت «2» لسقيا، فأحضرته له. وكان الناصر داود على الباب يطلب الإذن. فقلت له: داود على الباب. فقال: ينتظر موتى! وانزعج.
فخرجت إليه، وقلت له: ليس هذا وقت عبورك، فإن السلطان منزعج.
فتوجه إلى دار أسامة «3» - وكان قد نزل بها. ودخلت إلى السلطان، فوجدته قد قضى، والطّشت بين يديه، وهو مكبوب على المخدة.
(29/227)

وكان ملكا حازما، ضابطا لأموره. متطلعا لجمع المال، يباشر الحمول التى تصل إليه بنفسه ويكتبها بخطه فى دفتر له، ويحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه. وجمع مالا عظيما، حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب.
وهذا ما لم يسمع بمثله. وأراه- والله أعلم- من التغالى.
وكان يجلس فى مجلس خاص فى كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم. وله فى بقية الجمعة ليال، يختلى فيها مع ندمائه على الشراب وسماع القيان «1» . وكان حسن الاعتقاد فى السّنّة. وكان جهورىّ الصوت، وله هيبة عظيمة فى قلوب الرّعايا والخواصّ. وعمّر قاعة بقلعة الجبل، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين فى شهر رمضان، سماها قاعة رمضان. وهى الآن من جملة الخزائن السلطانية.
ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل فى هذه السنة
لما توفى الملك الكامل اجتمع الأمراء، وهم: سيف الدين على بن قليج، وعز الدين أيبك، وركن الدين الهيجاوى، وعماد الدين، وفخر الدين: ابنا شيخ الشّيوخ «2» ، وتشاوروا فى أمر دمشق، وانفصلوا
(29/228)

عن غير شىء. وكان الملك الناصر داود بدار أسامة، فأتاه الرّكن الهيجاوى ليلا، وبيّن له وجه الصواب. وأرسل إليه أيبك المعظّمى يقول له: أخرج المال، وفرّقه فى مماليك أبيك والعوامّ، فهم معك، وتملك البلد، ويبقى هؤلاء بالقلعة محصورين. فلم يتّفق ذلك.
ثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة فى يوم الجمعة، وذكروا الملك الناصر داود، والملك الجواد مظفر الدين: يونس بن مودود بن الملك العادل.
وكان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر، وعماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد، ووافقه الأمراء، وقالوا لفخر الدين بن الشيخ: ما تقول فيه؟ فقد اتفق الأمراء عليه. فقال: المصلحة أن نولّى بعض الخدام نائبا عن الملك العادل: ابن أستاذنا الملك الكامل، فمتى شاء عزله [وإن رضى أبقاه، ولا تولوا من بيت الملك فيتعذر عزله] «1» ويستقل بالملك.
وبلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه، وتحدث معه، وذكر له سالف صحبة ومودة، وترفق له ووعده أن يعطيه إقطاع مائة وخمسين فارسا، وعشرة آلاف دينار. فقال: والله لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن أستاذى. فلما يئس منه، فرّق ضياع الشام على الأمراء وخلع عليهم، وأعطاهم ما فى الخزائن- وكان بها تسعمائة ألف دينار. وتوجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية، ومعه جماعة من الأمراء، بعد أن تردّد إلى الملك الناصر مرارا، وهو بالقابون.
(29/229)

واستقر أمر الملك الجواد فى يوم الجمعة. وأرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوى إلى الملك الناصر داود- وهو فى دار أسامة- فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك. فقام وركب، وقد اجتمع الناس من باب داره إلى القلعة. وهم لا يشكّون أنه يطلع إلى القلعة. فتوجه. وخرج من باب الفرج، وصاحت العامّة واستغاثوا. محبة له ورغبة فيه. وتوجه إلى القابون.
وأما الملك الجواد فانه فرّق الأموال وخلع الخلع. فيقال إنه خلع خمسة آلاف خلعة، غير الأموال. وأبطل الخمور والمكوس، ونفى الخواطى «1» . وأقام الملك الناصر بالقابون أياما، وعزموا على القبض عليه، فرحل، وبات بقصر عفرا. وركب خلفه أيبك الأشرفى ليمسكه.
فبعث إليه عماد الدين بن موسك فى السّر فعرفه. فسار فى الليل إلى عجلون «2» وعاد أيبك إلى دمشق.
ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد وهرب الناصر إلى الكرك
قال: ولما توجه الملك الناصر إلى عجلون، سار منها إلى غزّة. واستولى على الساحل بموافقة عسكره، ومقدمهم. الأمير مجد الدين عمر- أخو الفقيه عيسى الهكّارى «3» - ووصلت غاراته إلى الورّادة «4» وخرّب برج الحمام
(29/230)

بها. فخرج إليه الملك الجواد فى عسكر مصر والشام، وأمر الأمراء الأشرفية بمكاتبة الناصر وإطماعه فى الملك، ففعلوا ذلك. فاغتر بكتبهم واطمأن إليهم، وركب من غزة فى سبعمائة فارس، وقصد نابلس باثقاله وخزائنه وأمواله- وكانت على سبعمائة جمل- وضرب دهليزه على سبسطيه «1» ، وترك عساكره مقطّعة خلفه.
والملك الجواد على جينين «2» فركب بعسكره وأحاط به. فركب الناصر فى نفر يسير، وساق نحو نابلس، واستمرت به الهزيمة إلى قلعة الكرك لا يلوى على شىء. واستولى الملك الجواد على خزائنه وذخائره، وخيوله وخيامه وأثقاله- وكان فيها ما لا يحصى قيمته. وكانت هذه الواقعة فى رابع عشرين ذى الحجة من السنة.
قال أبو المظفر: وبلغنى أن عماد الدين بن الشيخ وقع بسفط صغير، فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر، وفصوص ليس لها قيمة، فدخل على الجواد وطلبه منه، فأعطاه إياه. قال: وهذه الأموال- التى كانت على جمال الملك الناصر- هى التى جهّز بها الملك المعظم ابنته دار مرشد، لما زوجها بالسلطان: جلال الدين خوارزم شاه- أخذها الناصر منها ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد، فكان الأمر بخلاف ما ظنّ.
(29/231)

وكان نصحاؤه أشاروا عليه- وهو بغزّة أنه يبعث بالأموال والأثقال إلى الكرك، على عقبة الزّوبرة «1» ، ويجمع عسكره ويتوجه إليهم جريدة «2» .
فاغتر بمكاتبة الأشرفيّة. وجهز الملك الجواد الطلعات والصّناجق «3» إلى الديار المصرية، فوصلت فى سادس وعشرين الشهر. وعاد إلى دمشق بالظفر والغنيمة.
هذا ما كان بدمشق، فلنذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب، ببلاد الشرق.
ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق فى هذه السنة
كان الملك الصالح نجم الدين قد استخدم الخورازميّة، الذين سلموا من أصحاب السلطان جلال الدين خوارزم شاه «4» ، فى سنة أربع وثلاثين
(29/232)

وستمائة. وكانوا- قبل ذلك- خدموا صاحب الروم السلطان: علاء الدين.
كيقباذ، ففارقوه. واستخدمهم الملك الصالح، واستعان بهم، فخالفوا عليه فى سنة خمس وثلاثين. وأرادوا القبض عليه- وكان على الفرات- فهرب إلى سنجار، وكان قد ملكها واستولى عليها بعد وفاة عمه الملك الأشرف. وترك خزانته وأثقاله، فنبهوا ذلك بجملته. ولما صار بسنجار، وعلم الملك الرحيم: بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل- مخالفة الخوارزميّة، قصده وحصره بسنجار، فى ذى القعدة. فأرسل الملك الصالح إليه يسأله الصلح. فقال: لابد من حمله إلى بغداد فى قفص! وكان بدر الدين لؤلؤ وملوك الشرق يكرهون مجاورة الملك الصالح، وينسبونه إلى الكبر والظلم.
فبعث الملك الصالح القاضى بدر الدين- أبا المحاسن يوسف- قاضى سنجار إلى الخوارزميّة، فتحيّل فى الخروج من سنجار، بأن حلق لحيته وتدلّى من السّور بحبل، وتوجه إليهم. وشرط لهم كل ما أرادوا. فساقوا جرايد «1» من حرّان، وكبسوا بدر الدين لؤلؤ وعسكر الموصل بسنجار. فهرب منهم على فرس، وترك خزائنه وأثقاله وخيوله. فنهبت الخوارزمية جميع ذلك، واقتسموه. فصلحت به أحوالهم واستغنوا.
هذا ما كان من أخبار دمشق والشام، وأخبار الملك الصالح بالشرك بعد وفاة والده: الملك الكامل، فى سنة خمس وثلاثين. فلنذكر أخبار الملك العادل.
(29/233)

ذكر أخبار السلطان الملك العادل
هو سيف الدين: أبو بكر، بن السلطان الملك الكامل: ناصر الدين أبى المعالى محمد، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، ابن أيوب. وهو السابع من ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية.
استقر فى الملك بعد وفاة والده: السلطان الملك الكامل. وذلك أنه لما مات والده بدمشق، كان هو ينوب عنه بالديار المصرية. فاجتمع الأمراء الذين كانوا بدمشق، فى خدمة السلطان الملك الكامل، الأمير سيف الدين على بن قليج، والأمير عماد الدين، وفخر الدين: ابنا الشيخ، وغيرهم من أكابر الأمراء، فى قاعة المسرّة بقلعة دمشق، وحلفوا للملك العادل هذا، واستحلفوا له جميع العساكر المصرية والشامية. وذلك فى يوم الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة.
ورتّبوا الملك الجواد: مظفر الدين يونس بن مودود- ابن عمه- فى نيابة السلطنة بدمشق، كما تقدم. وطالعوا السلطان الملك العادل بالخبر.
فخطب للملك العادل بالديار المصرية، فى سابع شعبان من السنة، وأعلن بوفاة الملك الكامل. فقال القاضى برهان الدين بن الفقيه نصر:
(29/234)

قل للذى خاف من مصر، وقد أمنت ... ماذا تألّمه منها وخيفته
إن كان قد مات عن مصر محمّدها ... فقد أقيم أبو بكر خليفته «1»
قال: ولما استقر فى الملك، وضع المكوس «2» ، وزاد الأجناد «3» ، ووسّع على الناس فى أرزاقهم. ورضى ما قرره الأمراء من استنابة الملك الجواد بدمشق، وأرسل إليه الخلع والصّنجق. فركب بذلك فى يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان من السنة.
ووصلت العساكر المصرية التى كانت مع الملك الكامل بالشام- وكان ابتداء وصولهم فى ثانى عشر شعبان، وكملوا فى مستهل شهر رمضان من السنة- وتأخر منهم من جرّد مع الملك الجواد. فأكرمهم الملك العادل وخلع عليهم، وزاد فى أرزاقهم. ثم عاد من تأخر منهم إلى الديار المصرية، بعد هرب الملك الناصر داود من سبسطية- كما تقدم. وكان وصولهم فى ثامن المحرم سنة ست وثلاثين وستمائة.
وفى سابع عشرين شوال، من سنة خمس وثلاثين، وصل الشيخ محيى الدين يوسف بن أبى الفرج الجوزى، برسالة الخليفة بالتّعزية للملك العادل بأبيه، والتهنئة له بالملك. واستحلفه للخليفة. فى ثانى ذى القعدة منها.
(29/235)

ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم-
فى هذه السنة، فى ليلة الإثنين سادس جمادى الآخرة، أمر السلطان الملك الكامل أن لا يصلّى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام واحد: وهو خطيب الجامع الشافعى. وأبطل من عداه من الأئمة المالكية والحنفية والحنابلة، فى صلاة المغرب خاصة، لانحصارها فى وقت واحد، واشتباه الحال على المأمومين وفيها قصد الملك المنصور: عمر بن على بن رسول- متملك اليمن- مكة. فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر، خرج من مكة بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية، فى سابع شهر رجب، ووصلوا إلى القاهرة متفرقين، فى العشر الأوسط من شعبان. ودخل صاحب اليمن مكة فى تاسع شهر رجب.
وفيها ولى الشريف: شمس الدين الأرموى «1» الشافعى- قاضى العسكر- نقابة الأشراف بالديار المصرية- وذلك فى يوم الأربعاء سلخ ذى القعدة. وقرىء تقليده بجامع مصر، وحضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور، وفلك الدين المسيرى، وابن النجيلى.
(29/236)

وفيها فى شعبان، ولى الشيخ كمال الدين: عمر بن أحمد بن عبد الله ابن طلحة النّصيبى «1» - الخطابة، بعد وفاة عمه الدّولعى «2» - وكانت وفاته فى رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بالمدرسة التى أنشأها بجيرون «3» .
وكان له أخ جاهل فولى الخطابة، ثم عزل. فوليها الشيخ كمال الدين.
وفيها كانت وفاة قاضى القضاة: شمس الدين أبو البركات- يحيى بن هبة الله- بن الحسن، المعروف بابن سنىّ الدولة، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة، ودفن بقاسيون. وكان فقيها إماما فاضلا عفيفا- رحمه الله تعالى.
وولى القضاء بعده قاضى القضاه: شمس الدين أحمد بن الخليل الخويّى فى ذى القعدة، استقلالا وعدّل جماعة كبيرة من أهل دمشق وهو أول قاض رتّب مراكز الشهود بدمشق وكان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب، ويتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهّدونهم.
وفيها توفى الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى، فى يوم الاثنين ثالث شعبان، ودفن بتربته التى أنشأها بقاسيون. وكان ديّنا صالحا عاقلا. أقام فى الثّغور مدة سنين، يجاهد العدوّ. وكان كثير الصدقة دائم المعروف، طاهر اللسان، رحمه الله تعالى.
(29/237)

واستهلّت سنة ست وثلاثين وستمائة:
ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله
فى هذه السنة- فى أولها- قبض الملك الجواد على الصاحب صفى الدين بن مرزوق، وصادره، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار.
وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين الملك المجاهد- أسد الدين صاحب حمص- عداوة مستحكمة، لما استوزره الملك الأشرف. وكان الملك الجواد لا يخرج عن رأى الملك المجاهد، فحسّن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه. وكان ابن مرزوق قد استشعر ذلك، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر ولآلىء، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت وهى عزيزة عنده. وأنه يريد دفنها فى داره المجاورة للمدرسة النّوريّة، بالقرب من الخوّاصين- وهى التى تعرف الآن بالنّجيبيّة الشافعية- وعمل فى القبّة أزجا، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه وخدامه إلى الجامع، وحضر الناس للصلاة على الميّتة، بزعمهم، وعمل العزاء وتردّد القرّاء إلى التربة أياما.
ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل، وأخذ جميع موجوده، وحبس بقلعة دمشق. فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادما صغيرا، فجاء الخادم، وسأل الاجتماع بالملك الجواد. واجتمع به وأخبره بالواقعة. فأرسل القاضى والشهود وأمير جاندار وأستاذ الدار، فتوجهوا وفتحوا التربة، وأحضروا التابوت بحاله. وكشف بين يدى الجواد وصاحب حمص، فوجد فيه من
(29/238)

الجواهر ما قوّم بمائتى ألف دينار وستين ألف دينار «1» . وكانوا- قبل ذلك بأيام- قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئا. فلما وجد هذا التابوت، سلّمه الجواد للملك المجاهد. فاعتقله بقلعة حمص. فأقام سنين لا يرى الضّوء. وقيل أنه حبس اثنتى عشرة سنة.
وأظهر أسد الدين موته، وكتب بينه وبينه مبارأة «2» .
ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب
كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل- لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية- أنكر عليه، ولامه وتهدده (لكونه) «3» سلم دمشق للملك الجواد. فقال: أنا أتوجه إلى دمشق وأنزل بالقلعة، وأبعث الملك الجواد إلى السلطان. وان امتنع، أقمت نائبا عن السلطان عوضه.
وتوجه من القاهرة فى شهر ربيع الأول، وقرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية. ولما عزم على المسير، أشار عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه إلى دمشق، وقال أخاف عليك من ابن ممدود- يعنى الجواد.
(29/239)

فقال أنا ملّكته دمشق، ولا يخالفنى فقال: أنت فارقته وهو أمير، وتعود إليه وقد صار سلطانا، فتطلب منه تسليم دمشق، وتعوضه الإسكندرية، ويقيم عندكم، فكيف يطيب له هذا؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه، فانزل على طبريّة وكاتبه. فإن أجاب، وإلا تقيم مكانك وتكتب إلى الملك العادل.
فلم يرجع إلى رأيه، وتوجه إلى دمشق. وخرج الجواد إليه، وتلقاه بالمصلّى، وأنزله بالقلعة فى قاعة المسرّة. وأرسل إليه الملك الجواد الخلع والأموال والأقمشة والخيل، ففرق عماد الدين الخلع على أصحاب. وجاء الملك المجاهد أسد الدين- صاحب حمص- إلى دمشق.
قال: ولما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار المصرية، ويأخذ ثغر الإسكندرية- غضب، ورسم عليه فى الدار «1» ، ومنعه من الركوب.
ثم جاء إليه وقال: إذا أخذتم دمشق منى، وأعطيتمونى الإسكندرية، لا بد لك من نائب بدمشق، فاجعلونى ذلك النائب. ومتى لم تفعلوا هذا، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسلّم إليه دمشق، وأتعوض عنها سنجار. فقال له ابن الشيخ: إذا فعلت هذا، اصطلح السلطان الملك العادل والملك الصالح، ولا تحصل أنت على شىء ألبتّة
(29/240)

ففارقه الجود وخرج مغضبا، وحكى ما جرى بينه وبين ابن الشيخ للملك المجاهد. فقال: والله إن اتّفق الصالح والعادل لا تركا بيد أحد منا شيئا، وسلبانا ملكنا وما بأيدينا، حتى نحتاج إلى الكدية «1» فى المخالى. ثم جاء صاحب حمص إلى ابن الشيخ، وقال له: المصلحة أن تكتب إلى الملك العادل، وتشير عليه بالرجوع عن هذا الرأى: يعنى إخراج الملك بالرجوع عن هذا الرأى. يعنى إخراج الملك الجواد من دمشق. فقال: حتى أتوجه إلى برزه «2» ، وأصلّى صلاة الاستخارة. فقال له أسد الدين: كأنك تريد أن تتوجه إلى برزة، وتهرب منها إلى بعلبك. فغضب عماد الدين وانفصلا على هذه الحال واتفق الجواد وصاحب حمص على قتل عماد الدين وتوجه أسد الدين إلى حمص. وكان عماد الدين قد مرض، وأبل «3» .
فلما كان فى يوم الثلاثاء، السادس والعشرين من جمادى الأولى، بعث الجواد إلى الأمير عماد الدين يقول له: إن شئت أن تركب وتتنزه فاركب إلى ظاهر البلد. فظن أن ذلك بوادر الرضا. ولبس فرجيّة كان الجواد قد بعث بها إليه، وقدموا له حصانا كان سيّره إليه أيضا، فلما خرج من باب الدار إذا
(29/241)

هو بنصرانى من نصارى قارا «1» قد وقف وبيده قصبة وهو يستغيث، فأراد الحاجب أن يأخذ القصبة منه، فقال: لى مع الصاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه.
فتقدم إليه، وناوله القصبة. فلما تناولها، ضربه النصرانى بسكّين فى خاصرته! وجاء آخر وضربه بسكين على ظهره، فمات وأعيد إلى الدار ميّتا واحتاط الجواد على جميع موجوده، وكتب محضرا أنه ما مالأ على قتله.
وقصد استخدام مماليكه، فامتنعوا وقالوا له: أنت تدّعى أنك ما قتلته، وهذا له إخوة وورثة، فبأى طريق تأخذ ماله؟ فاعتقلهم. وجهّز عماد الدين، ودفن بقاسيون فى زاوية الشيخ سعد الدين. وكان مولده فى يوم الاثنين سادس عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
ولما قتل عماد الدين، علم الجواد أنه إن دخل الديار المصرية وسلم من القتل، صار ضميمة «2» . واتفق وصول رسول الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الملك الجواد، وهو يبذل له أن يكون له سنجار والخابور ونصيبين والرّقّة، ويسلّم دمشق للملك الصالح. فأذعن إلى ذلك، لعلمه أن دمشق لا تبقى له. وقيل إن الملك الجواد هو الذى كتب إلى الملك الصالح، والتمس منه ذلك، فأجاب الملك الصالح إليه.
(29/242)

ورتّب ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه فى بلاد الشرق، وجعل مقامه بحصن كيفا. ورتب النّواب بآمد، وأقطع الخوارزميّة حرّان والرّها والرّقّة وبلاد الجزيرة وسار إلى دمشق، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين وستمائة.
وحمل الجواد الغاشية «1» بين يديه من تحت القلعة، وحملها الملك المظفر صاحب حماه- من باب الحديد. وتسلم الملك الصالح القلعة، وخرج الجواد منها فى تاسع الشهر، وترك دار فرّوخشاه. واستوزر الملك الصالح جمال الدين بن جرير. ثم توجه الملك الصالح فى شهر رمضان إلى نابلس، وكان ما نذكره.
ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق
قال المؤرّخ: لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق، رتّب له الملك الجواد الضّيافات كل يوم، فى قاعة من قاعات دمشق، ورتّب فى كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش والآلات وأوانى الفضة، وغير ذلك. وكان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيها، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى، وكان آخر الضيافة فى قاعة المسرّة. ثم خرج الملك الجواد، وركب والعسكر فى خدمته، فقال لهم: سلطانكم الملك الصالح. فحلّف الصالح العساكر فى تلك الساعة، إلا الأمير سيف الدين على ابن قليج، فإن الصالح قبض عليه.
(29/243)

فعظم ذلك على النّوّاب، ولامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح. فأراد نقض ما أبرمه، والقبض على الملك الصالح. فاستدعى المقدّمين والجند واستحلفهم، وجمع الصالح أصحابه عنده فى القلعة، وأراد أن يحرق دار فرّخشاه. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما، وأصلح الأمر.
وخرج الجواد إلى النّيرب «1» ، واجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه ويسبّونه فى وجهه- وكان قد أساء السّيرة فيهم، وسلط عليهم خادما لبنت كرجى يقال له الناصح، فأخذ أموالهم وصادرهم، وعلقهم وضربهم، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم. وأرسل الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم، فلم يصغ إلى قوله، ولا أجابه عن ذلك بجواب. وتوجه إلى بلاد الشرق.
فلما وصل إلى ضمير «2» رأى بدويّا فاستراب منه، فقبض عليه، فوجد معه كتبا من الملك الصالح إلى الخوارزميّة- وكانوا على حمص- يحسّن لهم القبض على الملك الجواد، وأخذ ما معه، وأن يسيّروه إليه. فعند
(29/244)

ذلك أخذ على طريق السّماوة «1» وعرج عن حمص، وسار إلى عانة، «2» فدخلها وأقام بها.
فبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار- وبها أيدمر مملوك الجواد- فسار إليه فى مائتى فارس. ولما قرب منها رسم أن يضرب فى كل ناحية طبل باز وفرّق من معه فرقا، وجعل كل فرقة طبلخاناه «3» ومشاعل، وأمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملة واحدة وسار إلى سنجار ليلا على هذه الصّفة، فظن صاحب الموصل أن معه عسكرا، فارتحل عن سنجار فى ليلته، ودخلها الملك الجواد بكرة النهار، وأقام بها سنة.
وحاصره الخوارزميّة، وعادوا عنه وترددت الرسائل بينه وبين صاحب الموصل فى المصاهرة بينهما. وقصد الجواد أن يتصل بابنة صاحب الموصل، ليكون عضدا له. فعقد عقد النكاح بالموصل، وكان وكيل الجواد زريق مملوكة.
(29/245)

ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع، وسير ولده رهينة. فوافق الجواد على ذلك وتوجه إلى عانة. هذا، وصاحب الموصل قد أفسد أهل سنجار.
ولما سار الجواد من سنجار، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ممانع- وذلك فى سنة سبع وثلاثين وستمائة.
فسار الجواد إلى بغداد، واستنصر بالخليفة. وأقام ببغداد ستة أشهر.
فوصله الخليفة بأربعة آلاف دينار، وأمره بالخروج عن بغداد. فسار إلى عانه وأقام ها، ثم اشتراها الخليفة منه بمائة وعشرين ألف درهم. فقبض الجواد المال وسلّمها- وهى جزيرة فى وسط الفرات. وسار الجواد بعد تسليمها إلى حرّان، وهى بيد الخوارزمية، فأقام عندهم سنة. وسار إلى حلب معهم وقاتل أهلها، ثم عاد معهم الى حرّان.
فاستدعاه الملك الصالح نجم الدين- بعد أن ملك الديار المصرية- فسار ومر على قرقيسيا «1» ، واجتاز بالرّحبة بالبريّة، وأقام عند ابن صدقه «2» أياما. وسار فى البرّيّة إلى الشّوبك، وسير مملوكه زريق إلى الصالح فى البرية.
فعظم ذلك على الصالح، وأنكر كونه حضر من البرية. ووصل الجواد إلى العبّاسة «3» ، فأرسل إليه الملك الصالح الطّواشى دينارا وأمره برده. وأن يعود إلى الشّوبك «4» ، ولا يدخل مصر. فسار على طريق الرّمل يريد الساحل، ووصل إلى رفح.
(29/246)

فندب الملك الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه. فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر داود- وكان إذ ذاك بالقدس- وتحالفا على قتال الصالح، وذلك فى سنة تسع وثلاثين وستمائة. فاستبشر الناصر بقدومه، وجرّد العساكر معه. وجاء كمال الدين بن الشيخ، والتقوا على مكان يقال له بيت قوريك- وهى قرية من قرى نابلس- بالقرب منها، فيما بينها وبين الغور من جهة أريحا، فكسره الجواد وأسره. وأحضره إلى عند الملك الناصر داود، فوبخ الناصر كمال الدين.
وأقام الجواد عند الناصر فتخيّل منه وقبض عليه بعد أيام، وأراد قتله، لما كان بينهما من الذّحول «1» القديمة. ثم سيّره إلى بغداد فى البرّية تحت الاحتياط، فنزل قريبا من الأزرق، فعرفه جماعة من العرب فأطلقوه.
فتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- فلم يمكّنه من الدخول إليها، وبعث إليه بالنفقات. وجرّد معه خمسمائة فارس، وكتب إليه بالمسير إلى الساحل والاجتماع بملوك الفرنج ومقدّم الدّيويّة «2» .
فتوجه إليهم واجتمع بهم بقيساريّة «3» - وكانت أمه فرنجية- فمالوا إليه.
فبلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة، وطلب منه أن يستميل الفرنج إلى طاعته، ويعدهم عنه بجميع ما يختارونه. ففعل الجواد ذلك، واستمالهم، وكتب إليه أن يسير رسوله إليهم.
(29/247)

ففعل الملك الصالح ذلك، وأرسل رسوله إلى الفرنج، واستحلف الملك الجواد ومقدّم الدّيويّة وأكابر الفرنج. فلما وثق الصالح بذلك، سير الأمير ركن الدين الهيجاوى. إلى غزّة بعسكر، وكتب إلى الجواد أن يرحل وينزل عند الهيجاوى، ويتفق معه على الصلح. ففعل الجواد ذلك.
ثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوى يأمره بالقبض على الملك الجواد، وإرساله إليه. فأخبره الهيجاوى بذلك. فاتفقا على مفارقة الملك الصالح أيوب. فتوجه الجواد إلى عكّا، والتجأ إلى الفرنج. وتوجه الركن الهيجاوى إلى دمشق، والتحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل وأقام عنده. ولم يخدمه، بل كان يتردد إليه فيكرمه ويستشيره فى أموره.
ثم كتب الملك الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنّفه. على لحاقه بالفرنج وطلبه إليه ثم أرسل إلى الفرنج وطلب منهم المعاضدة على صاحب مصر. ووعدهم أنه إذا ملك مصر أعطاهم البلاد الساحلية. وجميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فاستشاروا الجواد فى ذلك، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل، وينهاهم عن موافقته. فوقع بخطه للملك الصالح إسماعيل، فقبض عليه بمنزلة العوجاء «1» ، وسيّره إلى دمشق، واعتقله بعربا. فمات فى شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة. وطلبه الفرنج وشددوا فى طلبه، فأظهر أنه مات. وأهله يقولون إنه خنقه. والله أعلم. ولما مات دفن بقاسيون فى تربة الملك المعظم- رحمهما الله تعالى.
هذا ما كان من أمر الملك الجواد. فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر.
(29/248)

ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق
وفى سنة ست وثلاثين وستمائة، ندب السلطان الملك العادل العساكر إلى الساحل، وقدّم عليهم الأمير ركن الدين الهيجاوى، وأنفق فيه الأموال- وذلك فى جمادى الآخرة. فأقاموا ببلبيس إلى العشرين من شهر رمضان.
وأظهر جماعة من الأتراك والمضافين إليهم الخروج عن طاعة الملك العادل، وشيّعوا أنه يقصد القبض عليهم، وعزموا على قصد الملك الصالح أيوب. فأرسل الملك العادل إليهم الأمير فخر الدين بن الشيخ، وبهاء الدين ابن ملكشو، وطيّب قلوبهم واستمالهم، فلم يجيبوا ولما كان فى الحادى والعشرين من شهر رمضان، خرج جماعة من الحلقة «1» من القاهرة، من باب النصر وغيره، تقدير ألف فارس من الأتراك- وأظهروا أن السلطان عزم على القبض عليهم، وقصدوا اللحاق بمن كان على بلبيس من الأمراء فبطق «2» الملك العادل إلى الأمراء الأكراد
(29/249)

ببلبيس، بمناجزة الأتراك وقتالهم، فقاتلهم الأكراد قبل وصول الحلقة إليهم. فانهزم الأتراك إلى جهة الشام وانضم أكثرهم إلى الأكراد. ولما انهزموا تبعهم الأكراد، ثم رجعوا خوفا على أثقالهم من الحلقة فوجدوا الحلقة قد وصلوا إلى بلبيس، فلم تتعرض إحدى الطائفتين إلى الأخرى بقتال، لدخول الليل. وتوجه الأتراك للّحاق بأصحابهم الذين انهزموا، وساروا إلى دمشق واتصلوا بخدمة الملك الصالح أيوب.
ذكر وصول الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان الملك العادل
وفى خامس شوال، سنة ست وثلاثين وستمائة، وصل نجّاب «1» من الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان، يخبره بوصوله. فخرج السلطان للقائه فى سابع الشهر، وزيّنت القاهرة ومصر زينة لم يشاهد مثلها، وعاد السلطان والملك الناصر معه فى ثامن الشهر، واستبشر بقدومه وحلف كلّ منهما لصاحبه.
وفى العشرين من شوال، وردت الأخبار بوصول عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب- صحبة ولده الملك المغيث جلال الدين عمر- إلى جينين فجمع الملك العادل والناصر الأمراء، وتحالفوا على قتاله. وخرج الملك الناصر داود فى يوم الأحد تاسع ذى القعدة، لقصد الشام. وندب الملك العادل جماعة من الأمراء فى خدمته، لقتال الملك الصالح نجم الدين أيوب. وجهّز صحبته خزانة مال وسلاح خاناه، وخرج لوداعه إلى بركة
(29/250)

الجبّ، وعاد إلى القلعة. ثم خرج الملك العادل فى يوم الثلاثاء- سلخ ذى الحجة- لقصد الشام، لقتال أخيه الملك الصالح، فنزل على بلبيس وفى هذه السنة، فى يوم الأحد ثامن صفر، كانت وفاة الشيخ الإمام جمال الدين أبى المحامد، محمود بن أحمد الحصيرى الحنفى، بدمشق.
وأصله من بخارى، من قرية يقال لها حصيره. تفقه فى بلده، وسمع الحديث الكثير. وقدم الشام، ودرّس بالنّوريّة. وانتهت إليه رياسة أصحاب أبى حنيفة. وقرأ عليه الملك المعظم الجامع الكبير، وغيره. وصنّف الكتب الحسان، وشرح الجامع الكبير. وكان كثير الصدقة غزير الدّمعة نزها عفيفا.
وكان إذا أتى قلعة دمشق لا ينزل عن حماره إلا على الإيوان السلطانى، والملوك تعظّمه وتجلّه. ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع «1» ، على الجادّة رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الوزير جمال الدين بن جرير، وزير الملك الأشرف. ثم وزر للملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق دون الشهر، ومات. وأصله من الرّقّة. وكانت وفاته فى يوم الجمعة- السابع والعشرين من جمادى الآخرة- بعلة الخوانيق. ودفن بمقابر الصّوفية عند المنيبع- رحمه الله تعالى.
وفيها فى شعبان، توفى الأمير علاء الدين أبو الحسن على، بن الأمير شجاع الدين أبو المنصور جلدك، بن عبد الله المظفّرى التّقوى، بثغر دمياط- وكان واليا به- رحمه الله تعالى.
(29/251)

ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل
قد ذكرنا أن السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل فى سلخ ذى الحجة سنة ست وثلاثين، لقصد الشام. ونزل على بلبيس وأقام بها، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة، ثم رجع.
وكان سبب رجوعه أن الأمراء قصدوا القبض عليه، وتحيّلوا على ذلك، فسألوه أن يعمل كلّ منهم دعوة ويحضّرها للسلطان، ففسح لهم فى ذلك. وحضر عند بعضهم فأكل، ثم قدّم الشراب فشرب، ورأى ما أنكره فقام، ودخل إلى خربشت «1» لقضاء الحاجة، فخرج من ظهر خربشت، وركب فرسا وساق إلى القلعة. فلما طال على الأمراء انتظاره، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا، وعلموا أنه شعر بما أرادوه من اغتياله.
فسيّروا إليه يطلبونه، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة إلا ليخلّق «2» المقياس ويكسر الخليج «3» ، ويعود إليهم. ثم ألجأته الضرورة إلى الخروج،
(29/252)

فخرج إلى العبّاسة فى يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر، وقبض على الأمير فخر الدين بن الشيخ، وزين الدين غازى، وفتح الدين بن الرّكن، ووصل بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع والعشرين من الشهر. وفى خامس عشرين صفر، توجه الملك الناصر داود من العبّاسة إلى الكرك، وصحبته ابن قليج وجماعة من أمراء مصر.
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، عملت والدة الملك العادل وليمة عظيمة فى الميدان تحت قلعة الجبل، لجميع الناس: الخواصّ والعوامّ، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم، وجملة من الخيل والبقر والجاموس والإبل، وحلت ما يزيد على مائة قنطار من السّكّر، فى ثلاث فساقى كانت على جانب الميدان مما يلى القلعة، وتفرق الناس ذلك بالأوانى. وكان ذلك فرحا باعتقال الملك الصالح أيوب، فإنه كان قد اعتقل بالكرك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ذكر قتال الفرنج وفتح القدس
وفى يوم الخميس- ثامن عشر شهر ربيع الأول، من السنة- وردت الأخبار، إلى السلطان الملك العادل، أن الفرنج قصدوا الأمير ركن الدين الهيجاوى ومن معه من العسكر، والتقوا واقتتلوا، فى يوم الأحد رابع عشر الشهر، عند سطر الجمّيز بالقرب من غزّة.
وكانت الهزيمة على الفرنج. وأسر ملكهم، وثلاثة من ينودهم، وما يزيد على ثمانين فارسا، ومائتين وخمسين راجلا. وقتل منهم ألف وثمانمائة إنسان. ولم يقتل من المسلمين فى هذه الوقعة إلا دون العشرة،
(29/253)

منهم: الأمير سيف الدين محمد بن الأمير أبى عمر، وعثمان بن الأمير علكان ابن أبى على الكردى الهيجاوى- وكان شابا صالحا- وعمره ثلاثون سنة- رحمه الله تعالى. فخذلت هذه الكسرة الفرنج.
ثم فتح الملك الناصر داود صاحب الكرك- ومن معه من العسكر المصرى- البيت المقدّس، فى يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى. فقال جمال الدين بن مطروح:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت، فصارت مثلا سائرا
إذا غدا للشّرك مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصر «1» طهّره أوّلا ... وناصر «2» طهّره آخرا
قال: ولما فتح البيت المقدّس، تحصن جماعة من الخيّالة والرّجّالة، ببرج داود والأبراج والبدنات، فنصب عليها المجانيق وهدمها. فسألوا الأمان على أنفسهم خاصة، فأمّنهم.
ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص
وفى ثامن عشر شهر رجب، من السنة- وقيل فى يوم الثلاثاء العشرين منه- توفى الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، بن شادى- صاحب حمص- بها، ودفن بها.
(29/254)

وكانت حمص بيده، منذ أعطاها إياه السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- عم أبيه- بعد وفاة والده، فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. فكانت مدة ملكه بحمص سبعا وخمسين سنة، تقريبا.
وكان شجاعا شهما، مقداما، يباشر الحروب بنفسه. وحفظ بلاده من الفرنج والعرب. وبنى الأبراج على مخائض العاصى «1» ورتّب فيها الرجال والطيور. وكان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرجال الطيور، فيركب بنفسه وعساكره، فيسبق الفرنج ويردّهم. وكذلك كان يقصد العرب من جهة البرّيّة. وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص، مدة ولايته.
وكان إذا اعتقل إنسانا أطال حبسه. وملك بعده حمص ولده الملك المنصور إبراهيم.
ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتّشاريف
وفى ثامن عشر شهر رمضان- سنة سبع وثلاثين وستمائة- وصل الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- وفلك الدين المسيرى، بخلع الخليفة إلى السلطان الملك العادل، ولولده. ولقّب ولده- الملك المغيث- من الدّيوان العزيز بألقاب الملك الكامل جدّه، وسمّى باسمه، ثم انتفض ذلك، وأعيد إلى ألقابه الأول، وهى الملك المغيث فتح الدين عمر.
(29/255)

ووصلت الخلع أيضا لجماعة من الأمراء، وخلعة للوزير- ولم يكن للسلطان الملك العادل وزير- فرسم بنقل خلعة الوزير إلى الخزانة العادلية.
وكانت جملة الخلع ثمانى عشرة خلعة. وسيّر للسلطان مع خلعته فرس له سرج مشغول بالذهب، وعلمان، وسيفان، تقلد بهما عن اليمين والشمال.
فلبس السلطان الخلعة بظاهر القاهرة، وشقّ البلد.
ثم اتصل بالملك العادل أن الملك الصالح قد أطلق من حبسه بالكرك، وأنه قصد نابلس، وخطب له بها. فخرج من القاهرة فى يوم السبت الخامس من شوال، ونزل على بلبيس، فأقام بها، إلى أن قبض الأمراء عليه.
ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه
وفى يوم الجمعة، لثمان مضين من ذى القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة- وقيل لسبع بقين من شوال، منها- قبض الأمراء على السلطان الملك العادل، وخلعوه.
وذلك أن الأمير عز الدين أيبك الأسمر- مقدّم الأشرفيّة- ومقدّمى «1» الحلقة، وهم: الطّواشى مسرور الكاملى، وكافور الفائزى، وجوهر النّوبى، وجماعة من الحلقة- اتفقوا على خلعه، والقبض عليه، واستدعاء أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب. فخلعوه وقبضوا عليه. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثلاثة أشهر، وثمانية عشر يوما.
(29/256)

ولما قبض على الملك العادل، ركب جماعة من الأتراك وقصدوا أمراء الأكراد، لما كان بينهم من الذّحول «1» التى أثرتها وقعة بلبيس. وكان الأكراد على غير أهبة، فنهبهم الأتراك. ووافقهم ممالك الأكراد على أستاذيهم «2» ، ومالوا للأتراك للجنسيّة، فاستولى الأتراك على خيامهم وأثقالهم وخيولهم. وانهزم الأكراد، كلّ منهم على فرس، ودخلوا القاهرة.
وقبض الأمراء على خواصّ الملك العادل وحرفائه.
وكان الملك العادل قد اشتغل باللهو والهزل واللعب. وكان لا يؤثر قيام ناموس المملكة. ووثق بكرمه وبذله الأموال، وظن أن ذلك يغنيه عن التحفظ. وكان من أكرم الناس وأكثرهم عطاء، ودليل ذلك أنه فرّق فى مدة سلطنته ما يزيد على ستة آلاف (ألف) «3» دينار، وعشرين ألف ألف درهم، من الأموال التى خلّفها والده: السلطان الملك الكامل.
ذكر أخبار السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل- وما كان من أمره بعد وفاة أبيه إلى أن ملك الديار المصرية
كان السلطان الملك الصالح، لما توفّى والده السلطان الملك الكامل، مقيما بسنجار «4» - وله آمد وحرّان والرّها، ونصيبين والخابور، ورأس عين
(29/257)

والرّقّة «1» - من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وتوفى السلطان الملك الكامل والده، والأمر على ذلك.
ثم كان من أخباره مع الخوارزميّة، ومفارقتهم له، ومحاصرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ له بسنجار، واستنصاره بالخوارزمية وعودهم إلى خدمته، وهرب بدر الدين لؤلؤ- ما قدّمناه.
وملك بعد ذلك دمشق من الملك الجواد- كما تقدم. ولما ملك دمشق، راسل عمّه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- صاحب بعلبك- والتمس منه مساعدته على قصد الديار المصرية، وانتزاعها من أخيه الملك العادل. وشرط له أنه إذا فتح الديار المصرية تكون له، وتكون دمشق للصالح إسماعيل. فأجابه إلى ذلك، وشرع فى الاستعداد والاستخدام والاحتشاد.
فاتصل ذلك بالملك العادل ووالدته، فكتبا إلى الملك الصالح إسماعيل، وكتب إليه بعض الأمراء المصريين، وهم يصرفون رأيه عن مساعدة الملك الصالح أيوب، وحسّنوا له أخذ دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل، وصاحب حمص على مخالفة الملك الصالح نجم الدين.
وخرج الملك الصالح أيوب من دمشق فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين وستمائة، وقصد نابلس- وهى فى جملة مملكة الملك الناصر داود، صاحب الكرك- فاستولى عليها وعلى بلادها- وذلك فى شوال من السنة.
وتوجه الملك الناصر داود إلى الديار المصرية- كما تقدم.
(29/258)

وأقام الملك الصالح نجم الدين بنابلس، ينتظر وصول عمه الملك الصالح إليه بعسكره، ليتوجها إلى الديار المصرية. وكان بقلعة دمشق الأمير ناصر الدين القيمرى، ينوب عن الملك الصالح، فاتصل به خبر الملك الصالح إسماعيل وما عزم عليه. فكتب إلى الملك الصالح أيوب، يعلمه أن عمه الصالح إسماعيل قد عزم على مخالفته، واستخدم الرجال لذلك، وحذّره منه مرّة بعد أخرى. ووالى كتبه إليه، وهو لا يكترث بقوله. فلما كرر كتبه بذلك، أجابه: إن مقرعتى إذا وقعت فى فلاة لا يقدر أحد أن يمسّها بيده، ولا يتجاسر عليها! فلما وقف على جوابه كفّ عنه.
وكان الملك المسعود بن الملك الصالح إسماعيل فى خدمة الملك الصالح أيوب- هو والأمير ناصر الدين بن يغمور- فتواترت كتب الملك الصالح إلى عمه الصالح يستحثه على اللحاق به. وهو يتقاعد عنه، ويجيبه إننى لا يمكننى إخلاء قلعة بعلبك بغير حافظ، والقصد إرسال ولدى إلىّ لأجعله بها، وأحضر إليك. فعند ذلك جهّز الملك الصالح نجم الدين أيوب الحكيم سعد الدين بن صدقة المعرّى، إلى عمه الملك الصالح، برسالة، ظاهرها استحثاثه على سرعة الوصول إليه، وأمره أن يطالعه بما يظهر له من أحوال عمه، وهل هو على الطاعة أو العصيان.
فلما وصل الحكيم إلى بعلبك، اطلع على ما اتفق عليه الصالح إسماعيل وصاحب حمص: من قصد دمشق، وانحرافهما عن الملك الصالح. فكان يكتب إليه بذلك، ويدفع البطايق إلى البرّاج ليرسلها على الحمام، فيرصده الصالح إسماعيل ويأخذها منه، ويغيّرها بخط أمين الدولة السامرى،
(29/259)

بما معناه أن الملك الصالح إسماعيل محبّ فى السلطان، وقد استخدم واحتفل، وهو على عزم القدوم إلى السلطان. فتصل هذه البطايق المزوّرة إلى الملك الصالح أيوب، فلا يشك أنها صحيحة. فعند ذلك أرسل الملك المسعود الى أبيه ببعلبك، وقد طابت نفسه ووثق [أن عمه] معه.
فلما حصل ولده عنده، سار من بعلبك، وسار صاحب حمص من حمص، وتوافوا بجبل قاسيون. وكان جملة من استخدم الملك الصالح إسماعيل ألف فارس وأحد عشر ألف راجل. واستخدم صاحب حمص أربعة آلاف راجل. وتقرر بينهما أن يكون ثلثا دمشق وأعمالها للملك الصالح إسماعيل، والثلث لصاحب حمص. وكان الصالح إسماعيل قد أفسد بعض أمراء الصالح أيوب. كل ذلك والأمير ناصر الدين القيمرى يطّلع عليه، ويطالع به الملك الصالح أيوب، وهو لا يلتفت إليه، ولا يرجع إلى نصحه.
ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- على دمشق
قال: ولما تكامل للملك الصالح ما أراد من الاستخدام والاحتشاد، ووافقه صاحب حمص- الملك المجاهد أسد الدين شيركوه- راسل الأمير ناصر الدين القيمرى النائب بقلعة دمشق، وبذل له عشرة آلاف دينار على تسليم القلعة. فوافقه على ذلك، ووقع منه بموقع، لأنه كان قد كرّر نصائحه لمخدومه الملك الصالح- نجم الدين أيوب- وحذّره، فما رجع إليه، وأجا؟؟؟
بما تقدم ذكره. فحمله ذلك على موافقة الملك الصالح عماد الدين، وتفرر
(29/260)

بينهما أن الصالح يحاصر قلعة دمشق ثلاثة أيام، ويسلّمها إليه، ففعل ذلك.
ودخل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء، سادس أو سابع عشرين صفر، سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وكان دخوله من باب الفراديس، من غير ممانعة، فإنه لم يكن عليه من يدفع عنه، ولا عن البلد. ونزل الصالح بداره بدرب الشّعّارين. ونزل صاحب حمص فى داره. وزحفوا فى يوم الأربعاء ثامن عشرين الشهر على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج، وقاتل عليها ثلاثة أيام، وتسلّمها من القيمرى- كما تقرر بينهما وكان بها الملك المغيث: جلال الدين عمر بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاعتقله الملك الصالح إسماعيل عم أبيه فى برج بالقلعة.
واتصل الخبر بالملك الصالح أيوب، وهو بمخيّمه بظاهر نابلس، وقيل له: إن القلعة ما أخذت فاستحلف عسكره، وخلع على عمّيه: مجير الدين وتقىّ الدين، والرّكن والنّميس وغيرهم، وأعطاهم الأموال واستشارهم. فقالوا: نتوجه إلى دمشق قبل أخذ القلعة. فركب بهم من نابلس، فلما انتهوا إلى القصير «1» المعينى بالغور «2» أنفق فى عسكره، وجدّد
(29/261)

عليهم الأيمان وقت صلاة المغرب. وبلغهم أن قلعة دمشق قد استولى عليها الصالح إسماعيل.
فلما كان فى نصف الليل، رحلوا عنه بأجمعهم، وتركوه وليس معه إلا دون المائة من مماليكه. وتفرق عنه بقية مماليكه وخواصّه. فرجع يقصد نابلس، ومعه جاريته أمّ ولده خليل: المدعوة شجر الدّر. وطمع فيه حتى الغوارنة «1» والعشران «2» وكان مقدّمهم رجل شيخ جاهل، يقال له تبل «3» من أهل بيسان، قد سفك الدماء وركبت الجيوش بسبه مرارا، فتبعه بمن معه. وقد توجه الملك الصالح على طريق جينين يريد نابلس، والغوارنة والعشران يتبعونه، وهو يرجع إليهم ويحمل عليهم بمماليكه فيفرّق جماعتهم.
وأخذ بعض خيولهم، واستولوا هم أيضا على بعض ثقله.
ووصل إلى سبسطية «4» . وكان الوزيرىّ- نائب الملك الناصر داود- عاد إلى نابلس، بعد خروج الملك الصالح منها. فأرسل إليه الملك الصالح أيوب يقول: إنه قد مضى ما مضى، وما زال الملوك على هذه الحال. وقد جئت الآن مستجيرا بابن عمى الملك الناصر. ونزل فى الدار بنابلس. وكان الملك الناصر داود قد عاد من الديار المصرية على غير رضا. ووصل إلى الكرك. فكتب إليه الوزيرىّ يخبره بخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب.
(29/262)

ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك
قال: ولما وصل كتاب الوزيرىّ إلى الملك الناصر بالكرك، ندب الأمير عماد الدين بن موسك، والظّهير بن سقر الحلبى، فى ثلاثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح أيوب وتلقاهم، فخدموه وقالا له: طيّب قلبك. إنما جئت إلى بيتك. فقال: لا ينظر ابن عمى إلى ما فعلت، فما زال الملوك على هذا. وقد جئت إليه، أستجير به، فقالا له: قد أجارك، ولا بأس عليك. وأقاموا أياما حول الدار.
فلما كان فى بعض الليالى، ضرب بوق النّفير، وقيل جاء الفرنج إلى الظّهر. فركب الناس وركب مماليك الملك الصالح ووصلوا إلى سبسطية.
فجاء عماد الدين والظّهير والعسكر إلى الدار التى بها الملك الصالح. ودخل الظّهير عليه، وقال له: تتوجه إلى الكرك، فإن ابن عمك له بك اجتماع.
وأخذ سيفه. وكانت جاريته حاملا، فأسقطت. وأخذوه، وأركبوه بغلة، بغير مهماز فى رجله، ولا مقرعة فى يده- وذلك فى ليلة السبت، لثمان بقين من شهر ربيع الأول- وتوجهوا به حتى وصلوا إلى الرّيّة «1» .
قال أبو المظفر: إن الملك الصالح أخبره، قال: إلى الرّيّة فى ثلاثة أيام، والله ما كلّمت أحدا منهم كلمة، ولا أكلت لهم طعاما، حتى جاء خطيب الرّيّة ومعه بردة وعليها دجاجة، فأكلت منها- قال: وأقاموا بالرّيّة
(29/263)

يومين، وما علمت المقصود بى ما هو؟ وإذا هم يريدون أن يأخذوا طالعا نحسا، يقتضى أن لا أخرج من الكرك. ثم أدخلونى الكرك ليلا، على الطالع الذى كان سبب سعادتى. ووكّل بى الناصر مملوكا له فظّا غليظا، يقال له زريق وكان أضرّ علىّ من كلّ ما جرى.
قال: فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر- يعنى من سنة سبع وثلاثين. وحكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة والشّدة والإهانة شيئا كثيرا.
ولما توجهوا به إلى الكرك، جهز الوزيرىّ خزانته ونساءه، وخيله وأسبابه، إلى الصّلت «1» . وعاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه، فتفرقوا وأما عسكره الذى فارقه من منزلة القصير «2» - فانهم توجهوا إلى دمشق.
فمنعهم الصالح من الدخول إليها، وقال: هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه. ثم استخدم بعد ذلك جماعة منهم، وطرد طائفة واعتقل طائفة.
وزيّنت مصر والقاهرة للقبض على الملك الصالح شهرا. وعملت والدة الملك العادل الوليمة التى ذكرناها. وأرسلت القاضى الشريف شرف الدين موسى، والعلاء بن النابلسى، إلى الملك الناصر، بقفص حديد، ليجعل فيه الملك الصالح، ويرسله معهما إلى الديار المصرية! وبذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار. وكاتبه الصالح إسماعيل وصاحب حمص، فى
(29/264)

إرساله إلى دمشق. وبذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ربع دمشق. فما أجاب الناصر إلى ذلك وقيل: كان السبب فى امتناع الملك الناصر من تسليمه، لمن بذل فيه ما بذل، أن الصالح أيوب كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح- الكاتب- إلى الخوارزميّة فى الحضور إليه، لمحاصرة دمشق. فتوجه لذلك.
فلما قبض على الصالح، أرسل ابن مطروح رسولا على النّجب إلى الملك الناصر، يقول له: إن فرط فى الملك الصالح أمر، فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك فى البلاد قعر قصبة، فقد حلفوا على ذلك.
وقيل إن والدة الملك الناصر اهتمّت بأمر الملك الصالح، وخدمته أتم خدمة، وتولت ذلك بنفسها، وكانت تطبخ له بيدها. وحلفت على ولدها أنه إن فعل به ما يكره، لا أقامت عنده. وقالت له: ما ملّكنا البلاد، وجعلنا فى هذا الحصن إلا والده- تعنى: الملك الكامل. فتوقف عن إرساله. والله أعلم.
ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية
قال: ولما كان فى أواخر شهر رمضان، استشار الملك الناصر داود الأمير عماد الدين بن موسك، وابن قليج، والظّهير، فى أمر الملك الصالح.
فوقع الاتفاق على تحليفه وإخراجه. فاجتمع الناصر والصالح وتحالفا، وأفرج عنه وذلك فى أواخر شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ولما أخرجه الناصر من اعتقاله، ركّبه بالكرك بشعار السّلطنة، وحمل الغاشية بين يديه، وأظهر الناصر الخلاف على الملك العادل.
(29/265)

وحكى عماد الدين بن شدّاد- فى سبب خلاص الملك الصالح- أن الملك العادل كان قد حلّف الناصر، وحلف له على الاتفاق واجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح، وأن تكون دمشق إذا فتحت للملك الناصر.
فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق، وأخذها، أرسل إليه الملك العادل يصوّب رأيه، ويشكر فعله. فعظم ذلك على الملك الناصر، وكان سبب خلاص الملك الصالح.
وحكى أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزى، فى كتابه: «مرآة الزمان» أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره- بعد أن ملك الديار المصرية- قال: حلّفنى الناصر على أشياء، ما يقدر عليها ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق، وحمص، وحماه وحلب، والجزيرة والموصل وديار بكر، وغيرها، وأن يكون له نصف الديار المصرية، ونصف ما فى الخزائن: من الأموال والجواهر والخيول والثياب وغيرها. فحلفت من تحت القهر والسيف.
وقد شاهدت أنا بعض نسخة اليمين عند المولى الملك العزيز: فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث فتح الدين عمر- صاحب الكرك- كان بالقاهرة- وفيها أشياء كثيرة من هذا النّوع، وإلزامات، يعلم المستحلف العاقل أن الحالف لا يفى بها، لكثرتها وخروجها عن حد القدرة البشرية، وأن النفوس لا تسمح بها لوالد مشفق، ولا ولد بارّ، فكيف لابن عمّ عدوّ.
(29/266)

قال المؤرّخ: ولما أطلقه الملك الناصر، ركب الملك الصالح من يومه، وسار إلى نابلس. فوصل إليها فى يوم السبت، تاسع عشرين الشهر، وخطب له بها يوم عيد. ونثر ابن موسك على الخطيب والناس الذهب.
وخرج الرّكن الهيجاوى إلى الديار المصرية، فأرسل إليه الملك العادل يأمره بالإقامة على بلبيس، إلى أن تصل إليه العساكر. ثم خرج الملك العادل بعساكره- فى خامس شوال- لقتال أخيه الصالح، فقبض الأمراء عليه- كما قدّمنا.
ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية
قال المؤرّخ: لما قبض الأمراء الذين قدمنا ذكرهم على الملك العادل، كتبوا إلى الملك الصالح يستدعونه، فسار لوقته.
وكان وصوله- والملك الناصر داود- إلى بركة الجبّ «1» ، فى يوم الخميس الحادى والعشرين من ذى القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة.
فنزل فى خيمة الملك العادل- والملك العادل معتقل فى خركاه «2»
(29/267)

واستدعى الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ، واستوزره، ورد إليه النظر فى الدواوين. وأقام ببركة الجبّ إلى يوم الأحد، لستّ بقين من الشهر. فركب وصعد إلى القلعة فى الثالثة من النهار- وذلك باتفاق المنجّمين.
واعتقل أخاه الملك العادل فى بعض آدر القلعة. وبقى ابنه الملك المغيث- فتح الدين عمر- فى خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة، ثم رأى منه نجابة فحجبه فى الدار القطبيّة، عند عمته ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل. فلم يزل الملك المغيث بها، إلى أن مات عمه الملك الصالح وملك ابنه الملك المعظم، فنقله إلى الشّوبك واعتقله بها.
وكان من أمره ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
وفى الثامن والعشرين من ذى القعدة، من السنة- تقدم أمر السلطان بتجريد جماعة من الأمراء والعساكر إلى الأعمال القوصيّة، لإصلاح العربان بالوجه القبلى. وجعل المقدّم عليهم الأمير زين الدين بن أبى زكرى.
ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك
كان عوده إلى الكرك فى ذى الحجة، من السنة.
وسبب ذلك أنه اجتمع هو والسلطان الملك الصالح، بقلعة الجبل على شراب، فلما جنّهم الليل وأخذ منهم الشراب، قال الملك الناصر للسلطان:
أفرج عن أخيك الملك العادل فى هذه الساعة. فلاطفه الملك الصالح، وهو يكرر عليه القول! وكان آخر كلام الملك الناصر أن قال للسلطان: لو غسلت رجلىّ وشربت ماءهما، ما أدّيت حقّى! فأمر السلطان مماليكه بإخراجه.
(29/268)

فأخرجوه وركّبوه إلى الوزارة. فلما أصبح، سأل عما كان منه، فأخبر به. فقال: ما بقى لنا مقام فى هذه الديار. وأحضر النّجب، وعمل عليها الأخراج- وفيها ما كان معه من الأموال- وهمّ أن يركبها. فبينما هو يتهيأ للركوب، إذ حضر إليه الأمير: عز الدين أيدمر الجمدار «1» الصالحى، ومعه عشرة آلاف دينار، وعشرة أفراس وخلع، وقال له: يقول لك السلطان: هذه ضيافة، خذها وامض إلى بلادك. فأخذها، وركب من وقته، وسلك طريق البرّيّة. ثم ندم السلطان على إطلاقه، وكونه ما قبض عليه ليأمن شره.
وقيل: إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج، فى قصد بلاد الناصر. فتوجهوا إلى نابلس، فقاتلهم أهلها وهزموهم، فرجعوا إلى بلادهم. فعاد بسبب ذلك. هذا ما حكاه ابن جلب راغب، فى تاريخه، فى سبب عود الملك الناصر.
وحكى أبو المظفر يوسف، فى «مرآة الزمان» ، عما أخبره به الملك الصالح نجم الدين- من لفظه- عندما حضر إليه فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، عن وقائع اتفقت له، بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك ورجع الناصر.
(29/269)

منها أنه قال: والله لم أحضر الملك الناصر معى إلى الديار المصرية، إلا خشية أن يكون قد عمل علىّ. ومنذ فارقنا غزّة، تغيّر علىّ ولا شك أن بعض أعدائى أطمعه فى الملك. فذكر لى جماعة من مماليكى أنه تحدث معهم فى قتلى. قال: ومنها أنه لما أخرجنى ندم، وعزم على حبسى، فرميت روحى على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولا، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.
ومنها أنه لما وصلنا إلى بلبيس، شرب وشطح إلى العادل، فخرج العادل من الخركاه «1» وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت به عليك، ولم تقبل منّى؟! فقال: يا خوند «2» ، التّوبة. فقال طيّب قلبك، الساعة أطلقك. قال الصالح: وجاء فدخل علينا الخيمة، ووقف. فقلت له: باسم الله اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل.
فقلت: اجلس- وهو يكرر هذا القول. ثم سكت. ولو أطلقته ضربت رقابنا كلّها ثم نام وما صدّقت بنومه. وقمت فى بقية الليل، وأخذت العادل فى محفّة، ودخلت به إلى القاهرة. قال: ولما دخلنا القاهرة، بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت لى مع مماليكى. ومنها أنه قال فى بعض الأوقات: قبّل قدمىّ ورجلىّ- إلى غير ذلك، مما لا تصبر عليه النّفوس.
(29/270)

ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع وثلاثين وستمائة- خلاف ما قدّمناه
فى هذه السنة- فى شهر ربيع الأول- أخرج الملك الكامل من مدفنه بقلعة دمشق، إلى تربته شمالىّ حائط الجامع الأموى، وفتح فى الحائط ثلاث شبابيك الى الجامع: أحدها باب يتوصّل منه إلى الجامع.
وفيها فوّض السلطان الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- الخطابة بالجامع الأموى لشيخ الإسلام: عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام- وذلك فى شهر ربيع الآخر.
وفيها أمر الملك الصالح- المذكور- الخطباء بدمشق والشام، بالخطبة لصاحب الروم.
وفيها فوّض الصالح- أيضا- قضاء الشام للقاضى: رفيع الدين أبى حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد، بن إسماعيل بن عبد الهادى بن عبد الله الجيلى «1» الشافعى- وكان قبل ذلك قاضى بعلبك. وظهر منه من سوء السّيرة والعسف والظلم، ومصادرات أرباب الأموال، ما لا يصدر مثله من ظلمة الولاة. وكانت عاقبة ذلك ما نذكره- إن شاء الله تعالى- من قتله.
وفيها، فى ليلة الثلاثاء خامس عشر ذى القعدة، سقط كوكب عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديرا على هيئة ومقدار، فأضاءت منه
(29/271)

الدنيا، وصارت الأرض أشدّ نورا من ليلة التّمام. وشاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان بظاهر القاهرة، عابرا من جهة باب النّصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورة قدر رمحين. واعتقبه رعد شديد، وتقطّع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النّظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الانسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة- هكذا قدّره من شاهده- على ما نقل إلينا.
وفيها فى شعبان- كانت وفاة قاضى القضاء، شمس الدين أحمد، ابن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الخويّى «1» الشافعى، بالمدرسة العادلية، بدمشق، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان- رحمه الله تعالى- حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف، عالما فاضلا فى علوم متعددة، عفيفا متواضعا- رحمه الله تعالى.
وكان وروده إلى دمشق، فى أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وحكى أنه لما ورد إلى دمشق، كان مع فضيلته وعلومه يلعب بالقانون، ويغنّى عليه، وقد أتقن صناعته. فأنهى إلى الملك المعظم أمره، فاستحضره إلى مجلس أنسه، ولعب بين يديه بالقانون، وغنّى عليه، ونادمه فأعجبه. وأمره بملازمته فى أوقات خلواته ومجالس شرابه. هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم.
(29/272)

وأما سبب ولايته القضاء بدمشق، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضى جمال الدين المصرى- قاضى قضاة دمشق- أنه يتعاطى الشراب.
فأراد تحقيق ذلك عيانا، فاستدعاه، وهو فى مجلس الشراب، فحضر إليه.
فلما رآه قام إليه، وناوله هنّابا «1» مملوءا خمرا. فولى القاضى جمال الدين المصرى ورجع، فغاب هنيهة، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء: الطّرحة «2» والبقيار «3» والفوقانيّة «4» ، ولبس قباء «5» ، وتعمّم بتخفيفه وحمل منديلا.
ودخل على الملك المعظم فى زى النّدماء. وقبّل الأرض، وتناول الهنّاب من يده وشرب ما فيه. ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه. واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطى ذلك، وهو فى زىّ القضاة. فاغتبط الملك المعظم به.
(29/273)

ولما انقضى مجلس الشراب، ورجع المعظم إلى حسّه، علم أنه لا يجوز له أن يقرّه على ولاية القضاء- وقد شاهد من أمره ما شاهد. ففوّض القضاء للقاضى شمس الدين الخويّى، وخلع عليه. وجلس للحكم بين الناس، وأحسن السّيرة. وانقطع عن مجلس الملك المعظم وحضوره، إلا فى أوقات المواكب، على عادة القضاة.
واستمر على ذلك مدة. ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته، وسماع قانونه. فاستدعاه وتحدث معه، واستوحش منه. ثم كلمه فى الحضور إلى مجلس الأنس معه، فى بعض الأوقات، وأنه لا يخليه منه جملة، وتلطف به فى ذلك. فأجابه عن ذلك، بأن قال: إذا أمر السلطان- أعزّه الله بهذا- امتثلت أمره، وفعلت. ولكن يكون هذا بعد عزلى عن منصب القضاء والحكم بين الناس، وتولية قاض غيرى. فإننى لا أجمع بين منصب القضاء وما يضادّه أبدا، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين، ويتعلق ذلك بذمة السلطان. فإن أحبّ السلطان ذلك، فليولّ قاض غيرى.
فأعجب الملك المعظم ذلك منه، وسرّبه، وقال: بل نرجّح مصلحة المسلمين على غرضنا. واستقر على القضاء. وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه فى دينه ولا يغضّ من منصبه- رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة ثمان وثلاثين وستمائة:
فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر، رتّب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار العدل. وجعل افتخار الدين ياقوت الجمالى نائبا عنه بها. ونصب معه شاهدان من العدول، وجماعة من الفقهاء، منهم:
(29/274)

الشريف شمس الدين الأرموى «1» نقيب الأشراف، والقاضى فخر الدين بن السّكّرى، والفقيه عز الدين. فصار الناس يأتون إليها، ويتظلمون وتكشف ظلاماتهم. وإنما فعل السلطان ذلك، لأنه كان غليظ الحجاب، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس.
وفيها، فى رابع المحرم، حصل الشروع فى بناء القنطرة على الخليج الحاكمى- وهى المعروفة فى وقتنا هذا بقنطرة السّدّ.
وفيها فى تاسع شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتجهيز زرد خاناه «2» وشوانى «3» وحراريق «4» إلى القلزم «5» لقصد اليمن. وجرّد جماعة من الأمراء والجند بسبب ذلك، فى سادس عشر الشهر.
ثم عاد العسكر فى خامس شهر رمضان، بسبب حادثة الأشرفية التى نذكرها. لأنهم بلغهم أن الأشرفية ومن شايعهم عزموا على نهب العسكر المذكور- وكان ببركة الجبّ. وبطل التّجريد «6» إلى اليمن.
(29/275)

ثم توجه من جملة العسكر ثلاثمائة إلى مكة، فى أواخر شهر رمضان.
فدخلوا مكة سلما «1» ، فى ذى القعدة، وهرب من كان بها من العسكر اليمنى.
وفى شهر ربيع الأول من السنة، قبض السلطان على الأمير عز الدين أيبك الأسمر، والخدام الذين وافقوه على القبض على أخيه الملك العادل، وهم: جوهر النّوبى، وشمس الخواص سرور، وكافور الفايزى، وعلى جماعة من الأتراك والحلقة «2» ، ونفى جماعة من الأتراك، وسيّرهم مخشّبين فى المراكب نحو الصعيد وبلاد المغرب، وأخذ أموالهم وقتل بعضهم. وانهزم بعض الأشرفية، واختفى بعضهم. وأمّر السلطان مماليكه، وأعطاهم الإقطاعات.
وفيها فى يوم السبت- تاسع شهر ربيع الآخر- وقيل فى خامس عشرة- ولد للسلطان الملك الصالح ولد ذكر، من سرّيّته: شجر الدّرّ، وسمّاه خليلا. ثم مات بعد مدة يسيرة.
وفيها، فى تاسع شهر ربيع الأول، صرف الأمير سيف الدين بن عدلان، عن ولاية الصناعة بمصر. ووليها أسد الدين، بن الأمير شجاع الدين جلدك.
(29/276)

وفيها، فى سابع عشرين شهر ربيع الآخر، نقل الأمير بدر الدين باخل من ولاية مصر إلى ولاية ثغر الإسكندرية. وفيها، فى سابع شهر ربيع الآخر، صرف عن شدّ «1» الدواوين علم الدين كرجى، وولّى الأمير حسام الدين لؤلؤ.
وفى يوم الاثنين خامس شعبان، أمر السلطان بالشروع فى عمارة قلعة البحر، التى بالروضة. فابتدىء فى حفر أساسها فى هذا اليوم، وبنى فيها فى آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة، سادس عشر الشهر. وهدمت الدّور التى كانت بالجزيرة وتحوّل الناس إلى مصر.
ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، منها لقصد الديار المصرية، وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك، وعوده إلى دمشق
قال المؤرخ: لما اتصل بالملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- ما وقع بمصر من الفتن، والقبض على الأمراء الأشرفية والخدّام وغيرهم، عزم على قصد الديار المصرية، وأطمعته آماله فى الإستيلاء عليها. فتجهز بعساكره، ومعه الملك المنصور صاحب حمص، ونجدة من حلب، وقصد الديار المصرية.
(29/277)

فبلغه أن الملك الناصر صاحب الكرك على حسبان «1» من بلد البلقاء، فقصده بمن معه. والتقوا واقتتلوا، فانكسر صاحب الكرك. واستولى الصالح إسماعيل على أثقاله، وأسر جماعة من أصحابه. ثم رحل ونزل على نهر العوجا «2» ، وطلب الملك الجواد- وكان عند الفرنج- فحضر إليه.
واستنصر بالفرنج، فكتب الجواد إليهم يحذرهم منه. فوقع كتابه للصالح، فقبض عليه واعتقله- كما ذكرنا- وعاد إلى دمشق، وتفرقت العساكر التى كان قد جمعها.
ذكر تسليم صفد وغيرها للفرنج وما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام- بسبب ذلك- وما اتفق له مع الملك الصالح
وفى هذه السنة، خاف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على نفسه من الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكاتب الفرنج واستنصر بهم، واتفق معهم على معاضدته. وأعطاهم قلعة صفد وبلادها، وقلعة الشّقيف «3» وبلادها، ومناصفة صيدا، وطبوية وأعمالها، وجبل عامله، وجميع بلاد الساحل. ومكّنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح.
(29/278)

فشقّ ذلك على المسلمين. واستفتى المتديّنون، ممن يبيع السلاح، الشّيخ عزّ الدين: عبد العزيز بن عبد السلام، فى مبايعة الفرنج السلاح.
فأفتاهم أنه يحرم عليهم بيعه للفرنج. وتوقّف عن الدعاء للملك الصالح إسماعيل على منبر الجامع بدمشق، وجدّد دعاء يدعو به على المنبر، بعد الخطبة الثانية قبل نزوله، وهو: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا، يعزّ فيه وليّك ويذلّ فيه عدوّك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك» .
والناس يصيحون بالتّامين، والدعاء للمسلمين.
فكوتب الصالح إسماعيل بذلك، فورد كتابه بعزله واعتقاله. واعتقل الشيخ أبو عمرو بن الحاجب أيضا، لموافقته الشيخ على الإنكار. ثم وصل الصالح بعد ذلك إلى دمشق، فأفرج عنهما، واشترط على الشيخ عز الدين أنه لا يفتى، ويلزم بيته، ولا يجتمع بأحد. فسأله الشيخ أن يفسح له فى صلاة الجمعة، والاجتماع بطبيب أو مزيّن، إن دعت حاجته إليهما، وفى دخول الحمّام، فأذن له فى ذلك. ثم انتزح الشيخان: عز الدين وأبو عمرو، عن دمشق إلى الديار المصرية- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
وفيها كانت الوقعة بين عسكر حلب والخوارزميّة «1» . وكان الملك الجواد والملك المنصور- صاحب حمص- مع الخوارزميّة. فقصدوا حلبا، ونزلوا على باب بزاعة «2» فى خمسة آلاف فارس. وخرج إليهم عسكر حلب
(29/279)

فى ألف وخمسمائة، فكسروهم، وأسروا من أمرائهم ونهبوا من أثقالهم.
فتوجه الخوارزمية حيلان «1» وقطعوا الماء عن حلب، وضايقوهم. ثم عادوا إلى منبج «2» ، فنهبوها، وقتلوا أهلها وفضحوا النساء، ثم عادوا الى حرّان «3» . وكان الملك المنصور إبراهيم- صاحب حمص- قد نزل على شيزر «4» ، فاستدعاه الحلبيون، فجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها- ومعه عسكر حمص.
وفيها سلّم الملك الحافظ قلعة جعبر «5» إلى صاحب حلب، وعوضه عنها أعزاز. وكان سبب ذلك أنه حصل له فالج، فتوجه ولده إلى الخوارزميّة يستنجدهم على أبيه، وطلب منهم عسكرا لمحاصرته، فخشى من ذلك، فسلّمها لصاحب حلب.
وفيها تسلم عسكر صاحب الروم آمد، بعد حصار شديد. ويقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار.
(29/280)

وفيها، فى ليلة الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، توفى الشيخ محيى الدين: أبو عبد الله محمد بن على بن محمد، المغربى الحاتمى الطائى، المعروف بابن العربى، وهو من أهل الأندلس. ومولده فى ليلة الاثنين، سابع عشر شهر رمضان، سنة ستين وخمسمائة، بمرسية من بلاد الأندلس.
ونشأبها، وانتقل إلى إشبيليّة «1» ، فى سنة ثمان وتسعين. ثم رحل إلى بلاد الشرق، ودخل بلاد الروم. وطاف البلاد وحج. وصحب الصوفية.
وصنف كتبا كثيرة فى علوم القوم. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون.
واستهلّت سنة تسع وثلاثين وستمائة:
وفى هذه السنة، حصل الشروع فى عمارة المدرستين الصّالحيّتين، بالقاهرة المعزّيّة، بين القصرين- والمكان التى عمرتا فيه من جملة القصر.
وكان الشروع فى الهدم والإنشاء فى ذى الحجة. ولما كملتا، أوقفهما على طوائف الفقهاء: الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، وأوقف عليهم الأوقاف. ويقال انه لما فرغ من عمارتها ندم، لكونه لم يبن مكانهما جامعا، ويرتّب فيه الدروس التى رتبها فيهما.
(29/281)

ذكر صرف قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وتفويض ذلك لقاضى القضاة بدر الدين السّنجارى
وفى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر، من هذه السنة، كتب السلطان الملك الصالح إلى قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة كتابا، من جملته: أن القاهرة المحروسة لما كانت دار المملكة، وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بها، وحاكمها مختص بحضور دار العدل- تقدّمنا أن يتوفّر القاضى على القاهرة وعملها، لا غير. وفوّض السلطان قضاء القضاة، بمصر والوجه القبلى، للقاضى بدر الدين أبى المحاسن: يوسف السّنجارى قاضى سنجار. ثم مرض القاضى شرف الدين المذكور، إثر ذلك، ومات فى هذه السنة.
ذكر وفاة قاضى القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، وشىء من أخباره
وفى ليلة الخميس، التاسع عشر من ذى القعدة، سنة تسع وثلاثين وستمائة- كانت وفاة قاضى القضاة شرف الدين أبو المكارم: محمد بن عبد الله ابن الحسن بن على، بن عين الدولة: أبى القاسم صدقة بن حفص الصّفراوى الإسكندرانى.
وكان قد ولى القضاء فى أيام السلطان الملك العادل: سيف الدين- جدّ السلطان- كما تقدّم، واستمّر بعده.
(29/282)

ولما مات- رحمه الله- صلّى عليه بمصلّى بنى أميّة، وشهد جنازته خلق كثير، ودفن بعد صلاة الظهر بالقرافة، وأمّ الناس عليه ولده محيى الدين: أبو الصلاح عبد الله. ومولده- رحمه الله تعالى- بثغر الإسكندرية فى يوم السبت، مستهلّ جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وكانت مدة عمره ثمانيا وثمانين سنة، وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما. ومدة ولاية القضاء- استقلالا- ستا وعشرين سنة، وتسعة أشهر، وسبعة عشر يوما. وناب عن القضاء قبل ذلك ثمانيا وعشرين سنة. وشهرين وأياما.
وكان رحمه الله تعالى- ذا رياسة قديمة، ووالده وجده من كبراء أهل الثّغر. وجدّ أبيه- القاضى الجليل- من رؤسائه. وبلغ من محلّه فى الدولة العبيديّة «1» أن لقّب بعين الدولة، ولقّب ولده بثقة الدولة، وولد ولده بعين الدولة. فسأل تخصيصا مانعا، لاشتباه الولد بالجدّ، فميّز الولد «2» بعين الدولة ومكينها، ووالده بثقة الدولة وأمينها- بتقليد من الخلفاء العبيديّين. وعمّر القاضى الجليل مائة سنة وأربع سنين. ومات عن عدة أولاد ذكور، ما منهم إلا من عدّل «3» بالديار المصرية، وتولى الأحكام الشرعية.
وكان القاضى شرف الدين- رحمه الله تعالى- مالكىّ المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعى
(29/283)

وسبب ذلك أنه قدم من ثغر الإسكندرية إلى مصر وسكن بها، فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. واتصل بالقاضى المرتضى ابن القسطلانى، ثم اتصل بقاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى ابن درباس الهذبانى «1» ، فعدّله واستكتبه، فى ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فلما عزل ابن الجاموس «2» من خطابة الجامع بالقاهرة، أمره القاضى صدر الدين أن يخطب، فخطب وأجاد وأبلغ فى الموعظة، ونزل فصلّى وجهر بالبسملة.
فلما فرغ من الصلاة، وجلس بين يدى القاضى صدر الدين، شكره وأثنى عليه- والمجلس غاصّ بالفقهاء والصّدور وأرباب المناصب- فقال بعض الأكابر: يا شرف الدين جهرت بالبسملة، وخالفت مذهبك. فأنشد قول المتنبّى فى كافور:
فراق، ومن فارقت غير مذمّم ... وأمّ، ومن يممّت خير ميمّم
(29/284)

فاستحسن ذلك القاضى والجماعة. وصار شافعيّا من ذلك اليوم. واشتغل بمذهب الشافعى على القاضى: ضياء الدين أبى عمرو عثمان بن درباس «1» ، مصنّف الاستقصاء، وعلى الفقيه: أبى إسحاق إبراهيم بن منصور العراقى «2» واستنابه القاضى صدر الدين عنه فى الحكم بمصر، فى يوم الاثنين والخميس، فى العشر الأوسط من ذى القعدة، سنة أربع وثمانين وخمسمائة. فحضر إليه يستعفى من ذلك. وكان جمال الدولة: أبو طالب شراتكين- سلف القاضى صدر الدين- حاضرا، هو من الأجناد- فأسرّ إليه، وقال له: لا تستعفى، فأنت، والله، بعد اثنتين وثلاثين سنة، قاضى القضاة. فأرّخها فلم تزد ولم تنقص.
ووقّع للقاضى زين الدين على بن يوسف الدّمشقى «3» ، أيام ولايته.
ثم عاد القاضى صدر الدين إلى الحكم، فعاد إليه. وولّى القاضى محيى الدين: أبو حامد محمد بن القاضى شرف الدين بن أبى عصرون، فوقّع له.
(29/285)

ثم عاد صدر الدين، فعاد إليه، ولم يزل كاتبه إلى أن توفى. وكان كثير الرّكون إليه، والاعتماد عليه. حتى إن شرف الدين مرض، فسأل عنه القاضى صدر الدين، فأخبر بشدة مرضه، فقال: والله لئن قضى عليه بمحتوم، لأعزلنّ نفسى، لأننى لا أجد من أثق به سواه.
ولما ولّى القاضى عماد الدين: عبد الرحمن بن عبد العلىّ السّكّرى القضاء، كتب له، إلى أن عزل القاضى عماد الدين فى شهر المحرم، سنة ثلاث عشرة وستمائة، فقسّم السلطان الملك العادل القضاء شطرين: فولّى القاضى شرف الدين هذا القاهرة والوجه البحرى، فى الشهر المذكور- وقيل فى يوم السبت ثانى صفر- وولّى القاضى تاج الدين بن الخرّاط مصر والوجه القبلى، كما تقدم. ثم أضاف السلطان الملك الكامل إليه قضاء مصر والوجه القبلى، فى العشر الآخر من شعبان- أو فى شهر رمضان- سنة سبع عشرة وستمائة، كما تقدم ذكر ذلك وكان السلطان الملك الكامل كثير التّنويه بذكره، والافتخار بولايته، والابتهاج بما يراه من أحكامه، وما يبلغه من سيرته، وما يتحققه من حسن طويّته، وجميل سريرته. وكان إذا نظر إليه يقول: والله لنتعبنّ بعد هذا، إذا فقدناه، ولا نجد بعده من يقوم مقامه
(29/286)

وكان إذا كتب إلى السلطان، يستأذنه فى عزل نائب من نوابه بالأعمال، أو فى أمر يقصد فعله، يجيبه عن كتابه بخطّه على ظهر كتابه، أو بين سطوره. وكان يقترح ذلك على السلطان، فى بعض الأحيان. وكان الرّسم فى المكاتبات والأجوبة جاريا «1» على غير ما هو عليه، فى عصرنا هذا.
وقد رأينا أن نثبت من مكاتبات قاضى القضاة إلى السلطان، وأجوبته له، فى هذا الموضع، ما يعلم منه كيف كان الرّسم جاريا «2» . فمن ذلك ما كتب به إلى السلطان الملك الكامل:
«اللهم إنى أسألك حسن الفاتحة، والخاتمة فى عافية. المملوك يخدم المقام المولوىّ السّلطانى المالكىّ، الكاملى- بلّغه الله تعالى كلّ مراد وأمل، ووفّقه لطاعة ربه فى كل قول وعمل- وينهى: أن النائب فى الحكم بإطفيح «3» قد كثر من القول فيه ما تقتضى المصلحة الاستبدال به وهو ابن أخت الأجلّ مجد الدين، أخى الفقيه الأجل عيسى «4» - وقد كان المتظلمون، من مدة، حضروا شاكين لأمره، وطالع المملوك مولانا بحاله، وكان مولانا فى بعض متوجّهاته الميمونة. فورد الجواب، بأن مولانا ينظر فى ذلك. وقد كثر القول. والمملوك يستأذن على ما يفعله فى أمره، من صرف أو إبقاء.
(29/287)

المملوك يخدم، وينهى أن النائب فى الحكم بالمحلّة قد ظهر من أحواله، وتحايفه على من يحقد عليه، ويقصد مضادّته لما فى نفسه- ما يقتضى كفّ يده وهو يستند إلى متولّى الحرب بالمحلة، ويعوّل على ثنائه عليه وميله إليه- على ما ذكر للمملوك. وهو يستأذن على أمره.
المملوك يسأل الإجراء- على عادة الفضل والكرم- فى أنه، إن حسن التشريف عن هذين الفضلين بالجواب، أن يكون تشريف الخطّ الكريم- لا زال عاليا- ليكون سببا لستر القضية، إلى أن يعتمد فيها ما يرسم من توقّف أو إمضاء والله تعالى يمنّ على المملوك بدوام جميل آراء مولانا وعضده له، وتقوية يده فى نيابته عن مولانا فيما فوّضه إليه.
المملوك ينهى أن من اعتمد فى أمره من الشهود والنوّاب- الأمر الذى أرشد مولانا المملوك فيه إلى الصواب- لكلّ منهم جهة «1» ربما شقّ عليها ما جرى، وحصل منها فى حقّ المملوك ما يقضى بتغيير خاطر وتقسيم فكر.
والله ما يبالى المملوك- بعد رضى الله تعالى-[إلا] برضى مولانا بمن أحب أو أبغض، أو أعان أو تعصب.
ولو كان كلّ الناس عنى بجانب ... لما ضرّنى، إذ كنت منك بجانب
المملوك ينهى أن مولانا، لما شرّف المملوك فى الخدمة، كان فى التقليد أنه لا يستنيب إلا من كان على مذهب الإمام الشافعى- قدّس الله روحه.
ولما كان بعد ذلك، ورد مكتوب من مولانا فى زمن إقامة ركابه بالمنصورة،
(29/288)

يتضمن أن أمر الإستنابة إلى المملوك. وفى النواب اليوم شخصان على مذهب مالك- رحمه الله تعالى. فيحيط العلوم أنه ما خالف إلا بعد ما ورد ما ذكره. وكان ممنّ تقدّم المملوك فى الحكم من استناب الشافعية والحنفية والمالكية بمصر نفسها، وبالأعمال. أنهى ذلك، والرأى أعلى فى التشريف بالجواب- إن شاء الله ربّ العالمين.
فأجابه على ظهر كتابه- بخطّه- ما مثاله: «اخترتك دون غيرك، لبراءة ذمّتنا وذمّتك. افعل ما يخلّصك عند الله، من خير معنا تفعله، ومع نفسك- إن شاء الله تعالى» وختمه. وكتب على الختم القاضى شرف الدين قاضى القضاة.
وأضاف السلطان إليه الحكم فى الينبع، فى بعض شهور سنة ست وعشرين وستمائة، فاستناب فيه. ثم أضاف إليه الحكم بغزّة والخليل والأردنّ وطبريّة وبانياس، فى سنة إحدى وثلاثين، فاستناب عنه فيها نوابّا.
ثم تقدم إليه أن يستنيب عنه خطيبا وحاكما بثغر دمياط، فى شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة، فاستناب فى ذلك.
وكتب إلى السلطان- قبل أن يستنيب- يستأذنه فى النيابة، ويستوضح عن أمر البلاد الشامية، فأجابه:
«ورد كتاب الحضرة- أعاد الله علينا من بركاتها، ونفعنا بمتقبّل دعواتها، وأسعد آراءها، ووفّق قصودها وأنحاءها، ولا زالت تصرفاتها فى الشريعة أبدا ميمونة، وأحكامها بإصابة الحق مقرونة- وفضضنا ختمها ووقفنا عليها، وأحاط علمنا بما اشتملت عليه، وما أومأت الحضرة إليه
(29/289)

وشكرنا اجتهادها المفوّف البرود، وتحرّزها فى الأمور الشرعية الجليلة العقود. وأتينا على ديانتها التى رقّتها عندنا إلى المقام المحمود.
فأما إشارتها إلى أنها تستنيب فى غزّة وما معها، عنا أو عن نفسها، فنحن أضفنا ذلك إليها، وهى تستنيب عن نفسها من يكون أهلا لذلك.
وأما استفهامها أن المواضع المذكورة: هل لها جامكيّات «1» مقرّرة أم لا؟
نعم لها جامكيّات مقررة، والديوان شاهد بها. وأما استيضاحها: هل لهذه المواضع أصل، حتى يقال: الموضع الفلانى وعمله، فيولّى فيه شخصا واحدا، أو كلّ موضع، وإن قلّ، مفتقر إلى نائب مفرد- فلتعلم الحضرة أن مرادنا أن نستنيب شخصين: أحدهما لغزّة وطبريّة والأردن وجبل الخليل، والآخر لبانياس وعملها.
ثم ذكر غير ذلك فى جوابه، وقال: وكتب لسبع خلون من شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بمنزلة تقابل البيرة بشاطىء الفرات، من برّ الشام المحروس- شفاها.
وكتب إلى السلطان أيضا يستأذنه فى صرف بعض النوّاب، فأجابه:
«وردت مكاتبة الحضرة- أيّدها الله بتوفيقه فى جميع حالاتها، ولا أخلى من صالح دعواتها فى شريف أوقاتها، وأجراها من السّداد والتّحرّز على مختار عاداتها- ووقفنا عليها جميعا، وأحاطت علومنا بما أشارت إليه، وما نبّهت فيها عليه.
(29/290)

فأما إشاراتها إلى صرف قاضى الفيّوم والاستبدال به بخطيب البلد وصرف قاضى قوص، وتعريضها بأنها لا يجوز لها إعادته. وعزمها على صرف قاضى إخميم، وما عرّضت به من انتمائه إلى كريم الدين الخلاطى.
وإصرارها على صرف قاضى منية زفتى، وتصريحها بأنه ذاكر أنّا نعرفه.
وقد خلعنا عليه- فجوابنا عن جميع ذلك: أنا قلّدناها هذا الأمر العظيم.
وذمّمناها هذا الخطب الجسيم، ونهجنا بها السّلوك فى طريقه المستقيم، وفوّضنا ذلك إليها، وجعلنا أزمّة نقضه وإبرامه بيديها، وصيّرنا ركائب آمال طالبى التّولية مناخة لديها- نرجو بذلك براءة الذّمّة عند الله تعالى، وأن لا تقوم الحجّة علينا ولا عليها.
فمن استصلحته ورضيته من النّواب، فلتقرّه على حاله. ومن ظهر لها اعوجاجه وسخطته، فلتصرفه، ولا تعرّج على أساطير أقواله. فالإرهابات والتّمويهات لا مدخل لها فى أمور الدين، والشّرع الشريف منزّه عن شفاعة الشافعين. فلتعلم الحضرة ذلك، ولتواصل بالمتجدّدات «1» ، موفّقة فى ذلك- إن شاء الله تعالى. سطّرت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بظاهر السّويدا- مشافهة.
هذا كان الرّسم فى المكاتبات والأجوبة. وفيه دليل على أن قاضى القضاة بالديار المصرية، فى ذلك الوقت، كان لا يستقلّ بعزل نائب من نوّابه بالأعمال- وإن صغرت جهة ولايته- إلا بعد مراجعة السلطان،
(29/291)

واستئذانه. وما زال الأمر جاريا على ذلك، إلى أن ملك السلطان الملك الصالح نجم الدين، فغلظ حجابه، وتعذّر خطابه وجوابه، وتعاظم أن يشاور فى الجزئيات، وأن يشافه إلا فى الأمور المعضلات. فاستقلّ حينئذ القضاة وغيرهم، واستبدّوا بالولايات والعزل.
ولنرجع إلى أحوال قاضى القضاة: شرف الدين، وسيرته.
وكان- رحمه الله تعالى- جوادا كريما، زاهدا لا يدّخر شيئا:
ولا يملك إلا سجّادة خضراء من الصوف، وسجّادة من أدم ومشطا وسبحه، ومقراضا، وعودا من أراك «1» . وليس له إلا بدلة واحدة، فإذا تغيّرت، غسلت له ليلا. وبغلة واحدة. فإذا كان زمن الربيع، استأجر بغلة فى كل يوم بثلاثة دراهم، ويقوم بعلفها من عنده، ما ملك عقارا، ولا وجبت عليه زكاة فى عمره.
وكان مضبوط المجلس، لا يسارّ أحدا فى مجلسه ولا يضحك فيه.
وكان كثير العبادة، يسرد الصّوم، ولا يفطر إلا الأيام التى لا يجوز صومها، كثير التلاوة للقرآن، والذّكر والأدعية. وكان. لا يكلّف أحدا قضاء حاجة، إلا ويعطيه فوق أجرته. حتى كان يدفع ملء إبريق ماء حارا فى الشتاء من الحمّام، عند كل صلاة، نصف درهم للحمّامى، وربع درهم لحامل ذلك إليه. وكان يدفع لبارى أقلامه أجرة، من درهمين إلى ثلاثة.
(29/292)

وكان له شعر حسن، قد وقفت منه على قصائد، يمدح بها السلطان الملك الكامل- تركنا إيرادها إختصارا. فمن شعره، بديهة:
وليت القضاء، وليت القضا ... ء لم يك شيئا تولّيته
وقد قادنى للقضاء القضا ... وما كنت قدما تمنّيته
وكان حسن النّثر. وكانت علامته: الحمد لله متولّى السرائر.
ويكتب تحت خط الشهود: أقام شهادته عندى بذلك، وشخص المذكور. والله على كل شىء شهيد. وأخباره- رحمه الله تعالى- وأوصافه الحسنة كثيرة، وقد أتينا منها بما فيه الكفاية.
ولما مات قاضى القضاة شرف الدين فى التاريخ المذكور، خرج الأمر السلطانى بالإذن للعقّاد والنواب عنه بالقاهرة- فى يوم الأحد الثانى والعشرين من ذى القعدة من السنة- بالإستمرار، إلى أن يقع الإختيار على قاض، ولم يؤذن لنائبه: القاضى محيى الدين عثمان بن يوسف القليوبى- بشىء- وهو الذى كان خليفة القاضى شرف الدين بن عين الدولة فى الحكم- إلى أن مات. واستمر ذلك إلى يوم الأربعاء، الخامس والعشرين من الشهر.
ففوّض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى لقاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى- وصرف عن الحكم بمصر والوجه القبلى. وكان قد
(29/293)

استناب بمصر ابن عمه: القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلّكان «1» ، وفوّض إليه عقود الأنكحة وقضاء الجيزة، واستناب شمس الدين عنه فى قضاء الجيزة أخاه: بهاء الدين محمد بن محمد. فلما ولى القاضى بدر الدين القاهرة، استناب القاضى شمس الدين- المذكور- بها فجلس فى يوم الخميس- السادس والعشرين من ذى القعدة- بجامع الأزهر، وأمر الشهود بالانتقال إلى حرم الجامع. ثم شرك بينه وبين القاضى محيى الدين، فى النيابة بالقاهرة. وولّى قضاء مصر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام.
ذكر وصول شيخ الإسلام «2» عبد العزيز بن عبد السلام- إلى الديار المصرية، وما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها- وغير ذلك- إليه، وما فعله وعزله نفسه
كان وصوله إلى الديار المصرية فى سنة تسع وثلاثين وستمائة وذلك أنه لما وقع له مع الملك الصالح إسماعيل بدمشق ما وقع، وعزله وألزمه داره- كما تقدم- فارق دمشق، وقصد البيت المقدس.
(29/294)

فوافاه الملك الناصر داود صاحب الكرك بالغور «1» ، فأكرمه ونقله إلى الكرك. وقال له: تقيم عندى بهذا الحصن وأنا لا أخرج عن أمرك. فأقام عنده مدة يسيرة. ثم استأذنه فى الخروج، فسأله عن موجب خروجه وكراهة مقامه. فقيل إنه قال له: هذا بلد صغير، وأنا أحبّ الانتقال إلى بلد أنشر به ما عندى من العلم.
فأذن له، وتوجه الشيخ إلى القدس، وأقام به. فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس- وصحبته الفرنج- فأرسل إلى الشيخ بعض خواصّه بمنديله، وقال له: ادفع إليه منديلى وتلطّف به واستنزله، وعده بعوده إلى مناصبه. فإن أجاب، فائتنى به. وإن خاشنك فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمتى.
فأتاه الرسول ولاطفه، ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك، وتعود إلى ما كنت عليه وزيادة، أن تقبّل يد السلطان. فقال له: «والله ما أرضاه أن يقبّل يدى، فضلا أن أقبّل يده» !! فقال: إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق. فقال افعلوا ما بدالكم! فاعتقله فى خيمة إلى جانب خيمة السلطان.
وكان يقرأ القرآن والسلطان يسمعه. فقال يوما لملوك الفرنج: تسمعون هذا الذى يقرأ؟ قالوا نعم: قال هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره علىّ تسليمى لكم حصون المسلمين، وعزلته من الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس. وقد جددت اعتقاله
(29/295)

لأجلكم. فقالوا له: لو كان هذا قسّيسنا، لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها!. ثم فارق الصالح القدس.
وقدم الشيخ إلى الديار المصرية. فأقبل عليه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأكرمه، وفوّض إليه الخطابة والإمامة بجامع عمرو بن العاص بمصر، فى يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثلاثين وستمائة، عوضا عن أبى المجد الإخميمى- وكان أبو المجد قد ولى الخطابة بعد وفاة أبى طاهر المحلّى، وكان ينوب عنه فى حال حياته. وخطب الشيخ عز الدين فى هذا اليوم. وأذّن الأذان الثانى على الدّكّة يومئذ، مؤذّن واحد- خلاف العادة.
ثم فوضّ إليه القضاء بمصر والوجه القبلى- فى يوم الثلاثاء التاسع من ذى الحجة، من السنة- بعد انتقال قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى منها إلى القاهرة والوجه البحرى. وشغرت «1» مصر عن حاكم، فيما بين نقل القاضى بدر الدين وتولية الشيخ، أربعة عشر يوما ووليها الشيخ مضافة إلى الخطابة.
وجلس فى هذا اليوم، وحكم بين الناس. واستناب الشيخ عنه، فى الحكم، القاضى صدر الدين موهوب: قاضى جزيرة ابن عمر. وفى يوم جلوس الشيخ للحكم، أسقط عدلين من العدول المتقدّمة.
(29/296)

وسبب ذلك أنه وجد مسطورا «1» ، فيه شهادتهما، وهو غير مؤرّخ، وفى خطّ كلّ منهما: كتبه فلان فى تاريخه. وسأل أحدهما عن فرائض الصلاة، فلم يجبه جوابا مرضيا. ثم أسقط، بعد ذلك بأيام، القاضى فخر الدين بن قاضى القضاة عماد الدين بن السّكّرى- مدرّس منازل العزّ- لأنه وجد شرط الواقف بالمدرسة أن يكون المدرّس بها عارفا بالأصولين «2» ، وهو عار عن معرفتهما. فأسقطه لذلك.
وأسقط أيضا جماعة من عدول «3» القاضى شرف الدين بن عين الدولة. ثم أسقط ولده محيى الدين أبا الصلاح. وطلبه فخرج مستخفيا إلى ثغر الإسكندرية. واستند فى إسقاط كلّ منهم إلى موجب ظاهر. ثم عزل نفسه. فتلطف السلطان فى إعادته، فعاد.
ثم أسقط الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ: وزير السلطان الملك الصالح ونائبه، ومقدّم جيوشه. وعزل نفسه عن القضاء ثانيا.
وسبب ذلك: أن الصاحب معين الدين كان قد بنى فراشخاناه «4» على ظهر مسجد، بجوار داره. وكان السلطان قد فوّض إلى الشيخ أيضا
(29/297)

النظر فى عمارة المساجد، بمصر والقاهرة. فأرسل إليه يأمره بهدم ما استجدّه على ظهر المسجد وإزالته، وإعادة المسجد الى ما كان عليه. فلم يجب إلى ذلك. ثم عاوده فلم يفعل.
فلما طال ذلك على الشيخ، أمر الفقهاء طلبته أن يأتوه فى غد- ومع كل واحد منهم معول- ففعلوا ذلك. فلما رآهم العوامّ اجتمع منهم خلق كثير بالمساحى. وركب الشيخ إلى دار الصاحب معين الدين، وهو فى خدمة السلطان، وأمر بإخراج ما فى ذلك المكان، فأخرج، ثم أمر بهدمه فهدم.
فتألم الصاحب معين الدين لذلك، ولم يمكنه أن يحدث فيه شيئا.
فلما كان بعد مدة يسيرة، جلس الشيخ بجامع مصر لتعديل من شهد بعدالته، منهم: فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد. واجتمع لذلك جمع كثير من العلماء والفقهاء والأكابر والقرّاء- وكانت العادة كذلك فى إنشاء العدالة. فاتصل الخبر بالصاحب معين الدين، فأمر والى مصر أن يدخل إلى المجلس، ويفرّق ذلك الجمع، ويقول للشيخ عز الدين: يقول لك الصاحب: بلد السلطان لا يجتمع فيه الجموع. ففعل الوالى ذلك.
فصرخ الشيخ فى المجلس بإسقاط عدالة الصاحب معين الدين! ثم عزل نفسه عقيب ذلك. وكثر اللّغط، وارتفعت الأصوات. ولما اتصل خبر هذا الإسقاط بالسلطان، منع الصاحب معين الدين من الدخول إليه ثلاثة أيام، حتى لفّق صيغة شهدت أن الشيخ إنما أسقطه بعد أن عزل نفسه، وأن إسقاطه لم يصادف محلّا، وأنه باق على عدالته.
(29/298)

وأثّر هذا الإسقاط فى الصاحب معين الدين أثرا مؤلما. وهو أنه حكى أن السلطان أرسل رسولا إلى الدّيوان العزيز «1» ببغداد، وكان المشافه للرسول عن السلطان الصاحب معين الدين. فلما أبلغ الرسالة قال له الوزير:
أيوب شافهك بهذه الرسالة؟ قال: لا، إنما شافهنى بها عنه الصاحب معين الدين. فقال له الوزير: معين الدين أسقط الشيخ عزّ الدين عدالته، فلا يرجع إلى مشافهته.
ولما عزل الشيخ نفسه، أراده السلطان على العود إلى القضاء، فامتنع من ذلك. ففوّض السلطان الملك الصالح القضاء بعده، بمصر والوجه القبلى، إلى نائبه: القاضى صدر الدين أبى منصور موهوب، بن عمر بن موهوب، بن إبراهيم، الجزرى «2» الشافعى- وذلك فى سنة أربعين وستمائة. فأعاد بعض من أسقطهم الشيخ عز الدين إلى العدالة. ولم تطل ولايته، فإنه استمر فى القضاء نحو سنة. وعزل، ولم يل القضاء بعدها.
وفى سنة تسع وثلاثين وستمائة- أيضا- توجه السلطان الملك المنصور- صاحب حمص- وعسكر حلب، إلى حرّان، والتقوا مع الخوارزميّة، ومزّقوهم كلّ ممزّق، فكسروا الخوارزمية.
(29/299)

واستهلّت سنة أربعين وستمائة:
فى هذه السنة، عزم السلطان الملك الصالح نجم الدين على التوجه إلى الشام، فبلغه أن العساكر مختلفة، والبلاد مختلّة، فأقام.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين عسكر حلب والخوارزمية. وكان الملك المظفّر شهاب الدين غازى- صاحب ميّافارقين «1» - مع الخوارزميّة، وكانوا قد حلفوا له وحلف لهم. وأخربوا بلاد الموصل وماردين، فاضطر صاحب ماردين إلى موافقتهم. وجمع غازى الخانات الخوارزمية، وأشار عليهم بقصد بلاد الموصل فقالوا: لا بد من لقاء العسكر الحلبى، فألجأته الضرورة إلى موافقتهم.
وركبوا فى ثامن عشرين المحرم، من جبل ماردين إلى الخابور «2» ، وساقوا إلى المجدل «3» . ووقف الخانات ميمنة وميسرة، ووقف الملك المظفر غازى فى القلب، والتقوا. فصدمهم العسكر الحلبى صدمة رجل واحد.
فانهزموا لا يلوون على شىء، ومعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون.
وأخذوا أثقال غازى وأغنام التركمان، وخيلهم ونساءهم، وكانوا خلقا
(29/300)

كثيرا. فبيع الفرس بخمسة دراهم، ورأس الغنم بدرهم. ونهبت نصيبين، وسبى نساؤها- وكانت قد نهبت مرارا فى سنة تسع وثلاثين- يقال نهبت سبع عشرة مرة، من المواصلة والخوارزمية وعسكر ميّافارقين وماردين- وعاد الملك المظفر غازى إلى ميّافارقين.
وتفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نصيبين. ثم رحلوا فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها، ونهبوا الأموال وسبوا النساء. وفعلوا بالخابور كذلك، ونهبوا أغنام التّركمان.
وفيها وصل إلى الملك المظفّر- شهاب الدين غازى- منشور بخلاط وأعمالها، مع شمس الدين النائب بالروم، فتسلّمها وما فيها.
وفيها توفيت ضيفة خاتون، ابنة الملك العادل: سيف الدين أبى بكر ابن أيوب.
وهى والدة الملك العزيز: بن الملك الظاهر صاحب حلب- والد الملك الناصر. وكانت هى التى دبّرت الدولة، وحفظ الملك بسببها على ابنها وابنه، بعد وفاة الملك الظاهر، ولما توفيت، قام بتدبير الدولة الحلبية الأمير الأتابك: شمس الدين لؤلؤ، أتابك الملك الناصر صاحب حلب.
(29/301)

ذكر الإتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق
فى هذه السنة ترددت الرّسل بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية، وعمّه عماد الدين إسماعيل صاحب الشام، وتوجه شرف الدين بن التّينى والأصيل الإسعردى «1» الخطيب، إلى دمشق. فأطلق الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث جلال الدين- ولد السلطان الملك الصالح نجم الدين- من الاعتقال. وركب وخطب لابن أخيه الملك الصالح أيوب بدمشق. ورضى الملك الصالح أيوب بإقرار دمشق بيد عمّه الصالح إسماعيل، بعد أن يسلّم إليه ولده.
وحصل الاتفاق على ذلك، ولم يبق إلا أن يتوجه الملك المغيث إلى أبيه. فصرف أمين الدولة السّامرى- وزير الملك الصالح إسماعيل- رأيه عن ذلك وقال: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك يعدم الملك.
فتوقّف، ولم ينتظم الحال. وقطع خطبة ابن أخيه، وأعاد الملك المغيث إلى الاعتقال بالبرج، واستمر به إلى أن مات. وكانت وفاته يوم الجمعة ثانى عشر شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. وحمل إلى تربة جده الملك الكامل فدفن بها. وكان عاقلا، ما حفظت عنه كلمة فحش- رحمه الله تعالى.
(29/302)

ولما رجع الصالح إسماعيل عن الصلح، كتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزمية فى الحضور إلى الشام. فعبروا إلى الفرات وانقسموا قسمين: قسم جاءوا على البقاع البعلبكّى، وقسم على غوطة دمشق. ونهبوا وسبوا وقتلوا.
وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق. وتوجه الخوارزمية إلى غزّة. وكان من خبرهم ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل قاضى القضاة: صدر الدين موهوب الجزرى عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وفوّض السلطان الملك الصالح ذلك إلى القاضى:
أفضل الدين أبى عبد الله، محمد بن نامادر، بن عبد الملك، بن زنجلين، الخونجى «1» ، وكانت ولايته فى يوم عيد النّحر من هذه السنة. واستمر فى القضاء إلى أن مات.
وفيها فى يوم الجمعة بعد الصلاة، ثانى العيد الأضحى، أمر الملك الصالح إسماعيل بالقبض على أعوان القاضى رفيع الدين الجيلى- وكانوا ظلمة آذوا الناس. وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبّار- المعروف بابن الواسطى. ثم قبض على القاضى الرفيع بعد أيام. وأمر بمصادرتهم فصودروا، وعوقبوا وعذبوا بأنواع العذاب- وكانوا لذلك أهلا.
ثم قتل الرفيع فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ببعلبك: جهّزه أمين الدولة السّامرى إليها، فقتل هناك.
(29/303)

وكان القاضى الرفيع هذا قد صادر أهل دمشق، وفعل ما لا يفعله ظلمة الولاة. وكتب إلى السلطان يقول: إننى قد حملت إلى خزانتك ألف ألف دينار، من أموال الناس. فقال السامرى: ولا ألف ألف درهم. وكان السامرىّ قد تمكن من الملك الصالح تمكّنا عظيما، لا يخالفه فى شىء ألبتّه.
فقال الملك الصالح: أنا أحاققه، فإنه قد أكل الأموال، وأقام علينا الشّناعة، والمصلحة تقتضى عزله ومؤاخذته، ليعلم الناس أنك لم تأمره بأذاهم. فعزله عن القضاء. ثم تسبب فى قتله.
ولما عزل، فوّض القضاء بعده لقاضى القضاة محيى الدين يحيى، بن قاضى القضاة محيى الدين محمد، بن على بن محمد بن يحيى، القرشى.
وقرىء تقليده بالجامع بدمشق، فى خامس عشرين ذى الحجة. وحكم بإسقاط عدالة أصحاب الرّفيع، وهم: المعزّ بن القطّان، والزّين الحموى، والجمال بن سيده، والموفّق الواسطى، وسالم المقدسى، وابنه محمد- لما فعلوه بالمسلمين من أنواع الأذى، وقطع المصانعات.
(29/304)

واستهلّت سنة اثنتين وأربعين وستمائة:
ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر- ومن معه من الخوارزمية- وبين عسكر الشام- ومن شايعهم من الفرنج، وانهزام الفرنج وعسكر الشام، على غزّه
قد ذكرنا وصول الخوارزمية إلى الشام، ونزولهم على غزّه.
ولما استقروا بها، أرسل إليهم السلطان الملك الصالح النفقات والخلع والكساوى، وطائفة من العسكر المصرى. فاتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق، والملك المنصور صاحب حمص، والملك الناصر داود صاحب الكرك، وراسلوا الفرنج. وكان الصالح إسماعيل قد سلّم إليهم من الحصون ما تقدم ذكره. ووعدهم الآن أنه متى ملك الديار المصرية، أعطاهم الأعمال الساحليّة بأسرها. واستقر ذلك بينهم وبين الملوك الثلاثة المذكورين.
وخرج الملك المنصور- صاحب حمص- بعسكره وعساكر دمشق.
وأقام الصالح بدمشق. وجهّز الملك الناصر داود عسكره من نابلس- صحبة الظهير سنقر الحلبى والوزيرىّ، وأقام هو بالكرك. واجتمعت هذه العساكر، وعساكر الفرنج: الدّيويّة والإسبتار والكنود «1» ، على يافا. والعسكر المصرى والخوارزمية على غزّه.
(29/305)

قال أبو المظفّر: وساق صاحب حمص وعسكر دمشق، تحت أغلام الفرنج- وعلى رءوسهم الصّلبان، والأقساء «1» فى الأطلاب «2» يصلّبون «3» على المسلمين ويقسّسّون عليهم، وبأيديهم كئوس الخمر والهنّابات «4» يسقونهم. وساق العسكر المصرى والخوارزمية. والتقوا بمكان يقال له أربيا «5» - بين غزّة وعسقلان.
وكان الفرنج فى الميمنة، وعسكر الناصر داود فى الميسرة، وصاحب حمص فى القلب. وكان يوما عظيما، لم يجر فى الإسلام بالشام مثله، واقتتلوا. فانكسرت الميسرة، وهرب الوزيرى، وأسر الظّهير سنقر الحلبى وجرح فى عينه. ثم انهزم صاحب حمص. وكان العسكر المصرى قد انهزم، ووصل إلى قرب العريش. وثبت الخوارزمية والفرنج، واقتتلوا، فمالت الخوارزمية عليهم بالسيوف، يقتّلونهم كيف شاءوا.
قال أبو المظفّر: وكنت يوم ذاك بالقدس، فتوجهت فى اليوم الثانى من الكسرة إلى غزة، فوجدت الناس يعدّون القتلى بالقصب، فقالوا: إنهم يزيدون على ثلاثين ألفا.
(29/306)

وبعث الخوارزمية بالأسارى والرءوس إلى الديار المصرية. وفى جملة الأسرى الظّهير سنقر وجماعة من المسلمين. وكان يوم وصولهم إلى القاهرة يوما مشهودا. وعلّقت رءوس القتلى على الأسوار، وامتلأت الحبوس بالأسرى.
ووصل صاحب حمص إلى دمشق فى نفر يسير، ونهبت خزانته وخيله وسلاحه، وقتل أكثر أصحابه. فكان يقول: والله لقد علمت، حيث سقنا تحت أعلام الفرنج- أننا لا نفلح! وفى هذه السنة، توفى شيخ الشيوخ: تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن على بن محمد بن حمّويه، بن محمد بن محمد بن أبى نصر بن أحمد، بن حمّويه بن على. وكانت وفاته بدمشق، فى سادس صفر.
وصلّى عليه بجامعها، ودفن بمقابر الصّوفية. ومولده يوم الأحد، رابع عشر شوال، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وهو عمّ الأمراء: فخر الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين: أولاد صدر الدين شيخ الشيوخ. وكان شيخا حسنا متواضعا، عالما فاضلا، نزها عفيفا أديبا، صحيح الاعتقاد، شريف النفس عالى الهمة، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد من أبناء الدنيا، لا إلى أهله ولا إلى غيرهم، بسبب دنياهم. وصنف التاريخ وغيره- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الأمير عمر: بن الملك المظفر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وكان يلقّب: بالملك السعيد.
وكان شابا حسن الأخلاق، جميل الصورة، جوادا شجاعا.
(29/307)

وكان التّتار قد استولوا على ديار بكر، وأخذوا خلاط. فخرج الملك المظفر غازى من ميّافارقين، ليستنجد عليهم الخليفة والملوك. وخرج معه ولده عمر هذا، وأمير حسن بن تاج الملوك أخى غازى. فوصلوا إلى الهرماس «1» ، لوداع الملك المظفر: فقال المظفر لولده عمر: المصلحة تقتضى أن ترجع إلى ميّافارقين، وتحفظ المسلمين من التتار، وأنا أتوجه إلى بغداد وإلى مصر أستنجد الملوك.
فقال: والله لا أفارقك. وجاء حسن بن تاج الملوك وجلس إلى جنبه، وأخرج سكّينا وضرب عمر فى خاصرته. وهرب ليرمى نفسه فى ماء العين فيغرق. فصاح الملك المظفر: امسكوه، فقد قتل عمر ولدى! وقام غازى ليقتله، فقصد حسن الملك المظفر ليقتله. فرمى عمر نفسه على أبيه، وقال لحسن: يا عدّو الله، قتلتنى وتقتل والدى! فضربه حسن بالسيف، فقطع خاصرته فسقط إلى الأرض. وأمر غازى بحسن فقطّع قطعا، وحمل عمر إلى الحصن فدفن به- رحمه الله.
ذكر وفاة الملك المظفر تقىّ الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور
وفى هذه السنة، فى يوم السبت ثامن جمادى الأولى، توفى الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد، بن
(29/308)

الملك المظفر تقى الدين عمر، بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن أيوب- صاحب حماه.
ومولده فى يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وملك حماه فى سنة ست وعشرين وستمائة، كما تقدم. ولما مات ملك بعده ولده الملك المنصور: ناصر الدين محمد.
وفيها كانت وفاة السلطان نور الدين أرسلان شاه، بن عماد الدين زنكى، بن نور الدين أرسلان شاه، بن عز الدين مسعود، بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى «1» ، بن قسيم الدّولة: آقسنقر «2» . كان والده- رحمه الله تعالى- لما ملك شهرزور، وحضرته الوفاة- أخذ العهود على الأمراء والأجناد والأعيان، فاستقرّ بها. وقاتل التتار مرارا عديدة. ثم مات- رحمه الله تعالى. وكانت وفاته فى يوم الأحد، رابع عشر شعبان.
وفيها فى يوم الأربعاء، العشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبو طالب: محمد بن أبى الحسن بن على، بن على بن الفضل ابن التامغاز، المعروف بابن الخيمى. كان إماما فى اللغة، راوية للشعر والأدب. وكان مولده فى الثامن والعشرين من شوال، سنة تسع وأربعين وخمسمائة، بالحلّة المزيديّة «3» . وله نظم حسن: رحمه الله تعالى.
(29/309)

واستهلّت سنة ثلاث وأربعين وستمائة:
ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل. وعود الصالح إسماعيل إلى بعلبك وما معها
لما اتّفقت الوقعة- التى ذكرناها- بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين ومن انضم إليها من الخوارزمية، وبين عسكر الملك الصالح إسماعيل والفرنج وحصلت المكاشفة- جهّز الملك الصالح نجم الدين جيشا كثيفا إلى دمشق، فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وقدّم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ. وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يجلس فى رأس السّماط على عادة الملوك، ويقف الطواشى شهاب الدين رشيد- أستاد الدار- فى خدمته، وأمير جاندار، والحجّاب.
فسار إلى دمشق، ومعه الخوارزمية، فحاصروها أشد حصار. فلما كان فى يوم الإثنين ثامن المحرم- سنة ثلاث وأربعين، بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب- معين الدين بن الشيخ- سجّادة وإبريقا وعكّازا، وقال: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك! فبعث إليه الصاحب معين الدين جنكا «1» وزمرا، وغلالة حرير أصفر وأحمر، وقال: أما ما أرسلت به إلىّ فهو يصلح لى، وقد أرسلت بما يصلح لك!
(29/310)

ثم أصبح معين الدين وركب فى العسكر، وزحفوا على دمشق من كل ناحية، ورميت بالمجانيق. وكان يوما عظيما.
وبعث الملك الصالح إسماعيل الزّرّاقين «1» ، فى يوم الثلاثاء تاسع الشهر، فأحرقوا الجوسق «2» العادلى، ومنه إلى زقاق الرّمّان والعقيبة بأسرها. ونهبت أموال الناس. وفعل فيها كما فعل عند حصار الملك الكامل دمشق، وأشدّ منه. واستمر الحال على ذلك. ثم خرج الملك المنصور صاحب حمص فى شهر ربيع الأول إلى الخوارزمية، واجتمع ببركة خان «3» وعاد إلى دمشق. وجرت وقائع فى خلال هذا الحصار.
ثم أرسل السامرىّ وزير الملك الصالح إلى الأمير معين الدين، يطلب منه شيئا من ملبوسه. فأرسل إليه فرجيّة وعمامة وقميصا ومنديلا، فلبس ذلك وخرج إليه بعد العشاء الآخر، وتحدث معه وعاد إلى دمشق.
ثم خرج إليه مرة أخرى، فوقع الاتفاق على تسليم دمشق- على أن يكون للملك الصالح إسماعيل ما كان له أوّلا، وهو بعلبك وأعمالها وبصرى وبلادها، والسّواد. وأن يكون للملك المنصور حمص وبلادها، وتدمر والرّحبة.
فأجاب الأمير معين الدين إلى ذلك، وتسلّم دمشق. ودخلها فى يوم الإثنين- العاشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وتوجه الملك الصالح إلى بعلبك. وصاحب حمص إلى بلده.
(29/311)

ونزل الأمير الصاحب معين الدين- بدار أسامة، والطواشى شهاب الدين رشيد بالقلعة. وولّى الأمير معين الدين بن الشيخ الجمال هارون المدينة. وعزل قاضى القضاة محيى الدين، وفوّض القضاء لقاضى القضاة:
صدر الدين بن سنىّ الدولة. ووصل الأمير سيف الدين بن قليج من عجلون، منفصلا من خدمة الملك الناصر داود، وأوصى بعجلون وما له بها من الأموال للملك الصالح، ونزل بدمشق بدار فلوس.
وجهّز الأمير- معين الدين بن الشيخ- الأمير ناصر الدين بن يغمور إلى الديار المصرية- وكان الملك الصالح إسماعيل قد اعتقله بقلعة دمشق، فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، لموافقته الملك الجواد، فاستمر فى الاعتقال إلى الآن- فجهّزه، وجهّز أيضا أمين الدولة السامرى إلى الديار المصرية، تحت الاحتياط. فاعتقلا مدة، ثم شنقهما الملك الصالح نجم الدين على قلعة الجبل.
وكان أمين الدولة يطبّ فى ابتداء أمره. ثم تمكن من الملك الصالح إسماعيل، ووزر له. وارتفع محلّه عنده، بحيث إنه ما كان يخرج عن إشارته. وكان يتستّر بالإسلام ولا يتمسك بدين. وقيل إنه مات فى سنة ثمان وأربعين وستمائة.
(29/312)

قال أبو المظفر: وظهر له من الأموال والجواهر واليواقيت، والتّحف والذخائر ما لا يوجد فى خزائن الخلفاء والسلاطين. وأقاموا ينقلونه مدة.
قال: وبلغنى أن قيمة ما ظهر له ثلاثة آلاف ألف دينار- غير الودائع التى كانت له عند ثقاته والتجار. ووجد له عشرة آلاف مجلد، من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة.
وأما الخوارزمية فإنهم ما عملوا بالصلح إلا بعد وقوعه. فرحلوا إلى داريّا «1» ، فنهبوها. وقيل إن معين الدين منعهم من الدخول إلى دمشق، وأقطعهم أكثر بلاد الشام والسواحل بمناشيره. ودبّر الأمر أحسن تدبير.
قال: ولما بلغ السلطان خروج عمه الملك الصالح إلى بعلبك، كتب بالإنكار على الطّواشى شهاب الدين رشيد والأمراء، لكونهم «2» مكنوه من المسير إلى بعلبك. وقال إن الأمير معين الدين حلف، وأنتم ما حلفتم. فلم يفد إنكاره شيئا، بل أثّر ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
(29/313)

ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين
وفى ليلة الأحد- ثانى عشر شهر رمضان، من السنة- كانت وفاة الأمير الصاحب معين الدين الحسين، بن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد، ابن عمر بن حمّويه- بدمشق، وهو يومئذ نائب السلطنة بها.
ومات وله ست وخمسون سنة. ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين.
وكان جوادا كريما ديّنا صالحا- رحمه الله تعالى. ولما مات، كتب السلطان إلى الطّواشى شهاب الدين رشيد أن يتولى نيابة السلطنة، بدمشق.
ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، وما حصل بها من الغلاء بسبب الحصار
قال المؤرخ: لمّا بلغ الملك الصالح عماد الدين- صاحب بعلبك- إنكار الملك الصالح نجم الدين أيوب- ابن أخيه- على الأمراء، لكونهم «1» مكّنوه من التوجه إلى بعلبك- خاف على نفسه، وعلم سوء رأى السلطان فيه، وأنه متى ظفر به لا يبقى عليه، فكاتب الأمير عزّ الدين أيبك
(29/314)

المعظّمى صاحب صرخد وأكابر الخوارزمية، واتفقوا ونازلوا دمشق، فى ثالث عشرين ذى القعدة، من السنة. وحاصروها، ونهبوا بلادها وعاثوا فيها، وقطعوا الميرة «1» عنها.
فغلت الأسعار، وعدمت الأقوات. وبلغ سعر القمح- عن كل غرارة- ألف درهم وثمانمائة درهم ناصرية. فمات أكثر أهل البلد جوعا واستمر ذلك مدة ثلاثة شهور.
وفى هذه السنة، وصل رسول الخليفة المستعصم بالله «2» - وهو الشيخ جمال الدين «3» عبد الرحمن، بن الشيخ محيى الدين يوسف بن الجوزى- إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، بالخلع والتقليد.
وكانت خلعة السلطان عمامة سوداء، وفرجيّة مذهّبة، وثوبين مذهّبة، وسيفين محلّاة، وقلمين، وطوق ذهب، وحصان بسرج ولجام وعدة خلع لأصحاب السلطان. وقرأ الشيخ جمال الدين- رسول الخليفة- التقليد على منبر والسلطان قائم على قدميه، وقد لبس خلعة الخليفة، حتى انتهت قراءة التقليد.
(29/315)

وكان من جملة الخلع الواصلة من الخليفة خلعة سوداء للوزير معين الدين- وكان قد توفى- فرسم السلطان أن يلبسها أخاه الأمير فخر الدين بن الشيخ، فلبسها- وكان السلطان قد أفرج عنه من الاعتقال فى هذه السنة، بعد أن لاقى شدائد كثيرة- وكان له فى الاعتقال ثلاث سنين.
وفى هذه السنة، بعث الملك الصالح نجم الدين الأمير حسام الدين بن بهرام الى حصن كيفا، لإحضار ولده الملك المعظم تورانشاه الى الديار المصرية. وكتب إليه: الولد يقدّم خيرة الله، ويصل الى بالس «1» ، ويعدّى عندها، فقد اتفقنا مع الحلبيّين، وذكروا أنهم يجرّدون ألف فارس فى خدمتك. واعبر ببلد ماردين ليلا، فما نحن متفقين. فلما قرأ الكتاب كره ذلك، وما كان يؤثر الخروج من الحصن. وقال لابن بهرام: يكون الانسان مالك رأسه يصبح مملوكا محكوما عليه! ولم يجبه.
ولما اتصل خبر طلبه بالملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ- صاحب الموصل أرسل إليه المماليك والخيل والخيام. وكذلك فعل شهاب الدين غازى. قال أبو المظفّر: حكى لى الأمير حسام الدين بن أبى على أن الملك الصالح كان يكره مجىء ابنه المظم اليه. وكنا إذا قلنا له: أحضره، ينفض يديه ويغضب، ويقول: أجيبه أقتله؟! وكأنّ القضاء موكّل بالمنطق!
(29/316)

وفيها وصلت الكرجيّة بنت إيوانى ملك الكرج «1» . وهى التى كانت زوجة الملك الأوحد بن الملك العادل، وتزوجها بعده أخوه الملك الأشرف موسى. ثم أخذها جلال الدين خوارزم شاه، عند ما استولى على خلاط.
فوصلت الآن الى خلاط، ومعها فرمان القان- ملك التّتار- بخلاط وأعمالها.
فراسلت الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل تقول: أنا كنت زوجة أخيك، والقان قد أقطعنى خلاط، فان تزوجت بى فالبلاد لك. فما أجابها إلى ذلك. فأقامت بخلاط. وكانت غارات عساكرها تصل الى ميّافارقين.
وفى هذه السنة، توفى فلك الدين المسيرى، وزير العادل وابنه الكامل. وكانت وفاته فى يوم الجمعة تاسع شهر رجب. وكان عالى المنزلة فى الدولة الأيوبية.
وفيها توفيت ربيعة خاتون بنت أيوب، أخت الملك الناصر والملك العادل، وأخت ست الشام. وكانت وفاتها بدمشق بدار العقيقى- وقد قاربت ثمانين سنة.
(29/317)

وكانت زوجة سعد الدين مسعود، بن معين الدين أتسز، ثم مات عنها. فزوجها الملك الناصر- أخوها- من مظفر الدين بن زين الدين- صاحب إربل- فأقامت بإربل. ثم قدمت دمشق فأقامت بها، وخدمتها أمة اللطيف العالمة- بنت الناصح بن الحنبلى- وحصل لها من جهتها الأموال الكثيرة.
فلما ماتت ربيعة خاتون، لقيت أمة اللطيف شدائد كثيرة، وصودرت وطولبت بالأموال، واعتقلت بقلعة دمشق ثلاث سنين. ثم أطلقت من الحبس وتزوجت بالملك الأشرف- ابن صاحب حمص- وتوجه بها إلى الرّحبة. فتوفيت فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وظهر لها من الأموال والذخائر ما قيمته ستمائة ألف درهم- غير الأملاك والأوقاف.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام: تقىّ الدين أبو عمرو عثمان، بن عبد الرحمن بن عثمان، بن الصّلاح- المحدّث «1» المفتى المشهور. وكانت وفاته بدمشق فى ليلة الأربعاء، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر.
ومولده فى سنة سبع وسبعين وخمسمائة، بشهرزور.
وفيها فى ثانى عشر المحرّم، توفى بالقاهرة الأمير شجاع الدين بن أبى زكرى. كان من أعيان الأمراء.
وفيها توفى القاضى الأشرف: بهاء الدين أبو العباس أحمد، بن القاضى الفاضل: محيى الدين عبد الرحيم البيسانى، فى سابع جمادى الآخرة بمصر. ومولده فى المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان الملك الكامل
(29/318)

قد عرض عليه الوزارة فأباها، وتوفر على التّرسّليّة إلى الدّيوان العزيز، والمشورة. وكان صالحا نزها عفيفا، سمع الحديث وأسمعه.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، المقرىء المفتى: علم الدين أبى الحسن على بن محمد بن عبد الصمد، المصرى السّخاوى «1» . قرأ القرآن على الشاطبى، وشرح قصيدته. وكانت وفاته بدمشق، فى ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. سمع الحافظ السّلفى وأبا القاسم البوصيرى، وغيرهما.
واستهلّت سنة أربع وأربعين وستمائة:
ذكر وقعة الخوارزمية وقتل مقدمهم واستيلاء الملك الصالح على بعلبك وأعمالها، وصرخد
وفى سنة أربع وأربعين، كانت الوقعة بين الخوارزمية- ومن انضم إليهم- وبين العساكر الحلبية والشامية والحمصية.
وذلك أن السلطان الملك الصالح نجم الدين كان قد استمال الملك المنصور- صاحب حمص- إليه. فوافقه ومال إليه، وانحرف عن الملك الصالح إسماعيل. ثم كتب إلى الحلبيين يقول: إن هؤلاء الخوارزمية قد كثر فسادهم، وأخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم، فأجابوه.
(29/319)

وخرج الأتابك شمس الدين لؤلؤ بالعساكر الحلبية. وجمع صاحب حمص أصحابه، ومن إنضم إليه من العربان والتّركمان. وخرج إليهم عسكر دمشق. واجتمعت هذه العساكر كلها على حمص.
واتفق الملك الصالح إسماعيل والخوارزمية، والملك الناصر داود صاحب الكرك، وعز الدين أيبك المعظّمى صاحب صرخد، واجتمعوا على مرج الصّفّر «1» ولم ينزل الملك الناصر من الكرك، بل سيّر عسكره وأقام.
وبلغهم أن صاحب حمص يريد قصدهم. فقال بركة خان: إن دمشق لا تفوتنا، المصلحة أن نتوجه إلى هذا الجيش ونبدأ بهم. فساروا والتقوا على بحرة حمص، فى يوم الجمعة- سابع أو ثامن المحرم- من هذه السنة. وكانت الدائرة على الخوارزمية. وقتل مقدمهم بركةخان فى المعركة.
وهرب الملك الصالح إسماعيل، وعز الدين أيبك المعظمى، ومن سلم من العسكر، كلّ منهم على فرس ونهبت أموالهم. ووصلوا إلى حوران.
وتوجه صاحب حمص والعسكر الحلبى إلى بعلبك، واستولى على الرّبض «2» ، وسلّمه للأمير ناصر الدين القيمرى، وجمال الدين هارون. وعاد إلى حمص، وودع الحلبيين. وتوجهوا إلى حلب. وجاء الملك المنصور إلى دمشق، خدمة للملك الصالح، فنزل ببستان أسامة.
(29/320)

ومضت طائفة من الخوارزمية إلى البلقاء «1» ، فنزل إليهم الملك الناصر صاحب الكرك وصاهرهم واستخدمهم، وأسكن عيالهم بالصّلت «2» .
وفعل الأمير عز الدين المعظمى كذلك. وساروا فنزلوا نابلس، واستولوا عليها. وعاثوا فى الساحل.
فندب السلطان الملك الصالح نجم الدين الأمير فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى الشام. فلما وصل إلى غزّة، عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصّلت. فتوجه إليهم، وقاتلهم على حسبان «3» وكسرهم، وبدّد شملهم.
وكان الملك الناصر معهم، فسار إلى الكرك وتحصّن بها. وتبعه الخوارزمية، فلم يمكّنهم من دخول الكرك. وأحرق ابن الشيخ الصّلت. وكان الأمير عز الدين أيبك المعظمى مع الناصر، فعاد إلى صرخد وتحيّز بها.
وكانت كسرة الخوارزمية هذه فى سابع عشر شهر ربيع الآخر.
ونزل الأمير فخر الدين بن الشيخ على الكرك، فى الوادى. وكتب إلى الملك الناصر يطلب من عنده من الخوارزمية.
وكان عنده صبى مستحسن من الخوارزمية، اسمه طاش بورك بزخان، فطلبه ابن الشيخ، فقال الناصر: هذا طيّب الصوت، وقد أخذته ليقرأ عندى القرآن. فكتب إليه ابن الشيخ كتابا غليظا، وذكره غدره بأيمانه
(29/321)

وخبثه، وقال: لا بدّ من الصبى، وأنا أبعث إليك عوضه أعمى يقرأ أطيب منه. فبعثه إليه. وتسلم أعيان الخوارزمية. ورحل عن الكرك. وأحسن الأمير فخر الدين إلى الخوارزمية وخلع عليهم. واستصحبهم معه.
ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخروج الملك الصالح إسماعيل عنها
وفى هذه السنة- أيضا- توجه الأمير حسام الدين بن [أبى] على من دمشق إلى بعلبك، وتسلم قلعتها- باتفاق من السّامانى، مملوك الملك الصالح إسماعيل، وكان حاكما عليها. وبعث أولاد الصالح إسماعيل وعياله إلى مصر وتسلم نوّاب الملك الصالح نجم الدين بصرى- وكان بها الشهاب غازى واليا، فأعطى حرستا «1» القنطرة وفيها، فى شهر ربيع الآخر، توجه الملك الصالح إسماعيل فى طائفة من الخوارزمية، هاربين إلى حلب. ولم يبق للصالح إسماعيل بالشام مكان يأوى إليه. فتلقّاهم الملك الناصر يوسف- صاحب حلب- وأنزل الصالح إسماعيل فى دار جمال الدولة الخادم. وقبض على كشلوخان والخوارزمية، وملأ بهم الحبوس.
(29/322)

ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، وقيام ولده الملك الأشرف
وفى هذه السنة- فى العاشر من صفر- وقيل فى يوم الأحد حادى عشرة- كانت وفاة الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى، ببستان الملك الأشرف بالنّيرب، بظاهر دمشق وكانت مدة ملكه حمص ست سنين، وسبعة أشهر. وكان شجاعا مقداما. وملك بعده ولده الملك الأشرف: مظفر الدين موسى.
وفيها بعث السلطان الملك الصالح نجم الدين الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح إلى دمشق، وزيرا. وأنعم عليه بإقطاع، وعدّة سبعين فارسا، فوصل إلى دمشق وباشر ما رسم له به. ثم كان من أمره وعوده ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام، وما استولى عليه فى هذه السفرة، وما قرره، وعوده
فى هذه السنة، توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى الشام.
فوصل إلى دمشق فى تاسع عشر ذى القعدة، وأحسن إلى أهلها وفرح الناس به وزيّنت البلد لمقدمه، وكان يوما مشهودا. وأقام خمسة عشر يوما وتوجه إلى بعلبك وكشفها
(29/323)

ثم رجع، وتوجه نحو صرخد. وسعى الأمير ناصر الدين القيمرى والصاحب جمال الدين بن مطروح، فى الصلح بين السلطان والأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد. وتوجه السلطان من دمشق إلى بصرى.
ونزل إليه الأمير عز الدين أيبك. وتسلّم صرخد، وصعد إليها- وذلك فى ذى الحجة منها. وقدم عز الدين أيبك إلى دمشق، ونزل بالنّيرب «1» وكتب له منشور بقرقيسيا «2» والمجدل «3» وضياع فى الخابور، فلم يحصل له منها شىء. ثم كان من خبره ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى سنة خمس وأربعين وستمائة.
ولما تسلم الملك الصالح صرخد، عاد إلى الديار المصرية ودخل إلى القدس. وتصدق فيه بألفى دينار عينا. وأمر بعمارة سور القدس فذرع، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمى «4» ، فرسم أن يصرف مغلّ بلاد القدس عليه، وإن احتاج إلى زيادة جهّزت من الديار المصرية. قال أبو المظفّر:
وكنت لما أطلقه الملك الناصر من اعتقاله، وجاء إلى القدس، أخذت يده على ذلك.
(29/324)

وفى هذه السنة، تسلم السلطان- أيضا- حصن الصّبيبة «1» من الملك السعيد: مجد الدين حسن، بن الملك العزيز، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر، فى سابع عشرين ذى الحجة. وتسلم الصّلت من ابن عمه الملك الناصر داود.
وفيها قبض الملك الناصر داود على عماد الدين، بن الأمير عز الدين بن موسك فى الكرك، واحتاط على موجوده. ثم شفع فيه الأمير فخر الدين بن الشيخ فأفرج عنه. وخرج من الاعتقال، وفى حلقه خرّاج كبير فبطّ، وحشى من الدواء الحارق، فمات بالكرك. ودفن بمشهد جعفر الطّيّار.
وكان- رحمه الله تعالى- من الأجواد.
وفيها توفى الأمير ركن الدين الهيجاوى، فى معتقله بالديار المصرية.
وكان سبب اعتقاله أنه فارق خدمة السلطان الملك الصالح، والتحق بدمشق. وكان قدومه على العساكر، فقبض عليه، واعتقله. فمات فى اعتقاله- رحمه الله تعالى. وكان خيّرا جوادا، عفيفا نزها، كثير الإحسان إلى جيرانه، يبرّ غنيّهم وفقيرهم.
واستهلّت سنة خمس وأربعين وستمائة:
فى هذه السنة، جهز السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب جيشا، وقدم عليه الأمير فخر الدين بن الشيخ، وبعثه إلى بلاد الفرنج.
(29/325)

ففتح عسقلان- فى ثامن عشرين جمادى الآخرة- وأخربها. ورحل عنها إلى طبريّة، ففعل بها كذلك. ثم كتب إليه أن يتوجه إلى دمشق، ويقيم بها بمن معه من العساكر، لأمر بلغه عن الملك الناصر- صاحب حلب.
وفيها تسلم نوّاب السلطان الملك الصالح نجم الدين قلعة شميمس «1» ، من الملك الأشرف صاحب حمص. فأمر السلطان بتحصينها، وبعث إليها الخزائن.
وفيها جهز السلطان تاج الدين بن مهاجر، والمبارز نسيبه، إلى دمشق، ومعهما تذكرة فيها أسماء جماعة من الدماشقة، رسم بانتقالهم إلى الديار المصرية، وهم: القاضى محيى الدين بن الزّكى، وابن الحصيرى، وابن العماد الكاتب، وبنو صصرّى الأربعة، وشرف الدين بن العميد، وابن الخطيب العقربانى، والتاج الإسكندرانى- الملقب بالشّحرور، وأبو الشامات، مملوك الملك الصالح إسماعيل، وغازى- والى بصرى- والحكيمى، وابن الهادى المحتسب.
فتوجهوا إلى الديار المصرية، وأمروا بالمقام بها، ولم يحجر عليهم، وخلع على بعضهم. وأقاموا بالديار المصرية، إلى أن توفى الملك الصالح أيوب، فعادوا إلى دمشق. وكان سبب طلبهم أن السلطان بلغه أنهم خواصّ الملك الصالح إسماعيل.
وفيها فى شهر ربيع، فوّضت الخطابة بدمشق للقاضى عماد الدين بن الحرستانى، ورسم بإخراج العماد خطيب بيت الآبار «2» ، الخطيب بالجامع، إلى بيت الآبار.
(29/326)

ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك المعظمى، ووفاته
وفى هذه السنة- فى ثالث عشر ذى القعدة- اعتقل الأمير عز الدين أيبك المعظّمى صاحب صرخد- كان- فى دار فرّخشاه. وذلك بترتيب الصاحب جمال الدين بن مطروح وغيره. ووضعوا مترجما أنه جاءه من حلب، من جهة الملك الصالح إسماعيل. وكتبوا بذلك إلى السلطان الملك الصالح. [فأمر] أن يحمل إلى القاهرة تحت الاحتياط. فحمل واعتقل فى دار صواب. ورافعه ولده إبراهيم، وقال للسلطان: إن أموال أبى قد بعث بها إلى الحلبيين وأنه لما خرج من صرخد كانت أمواله فى ثمانين خرجا، أودعها عند ابن الجوزى.
ولما وصل إلى الديار المصرية مرض، ولم يسمع منه كلمة حتى مات.
ودفن بمقابر باب النصر، ثم نقل إلى دمشق، ودفن بتربته. وكان خيّرا ديّنا، كثير الصدقة والإحسان إلى خلق الله تعالى. اشتراه الملك المعظم، فى سنة سبع وستمائة، لما كان على الطّور، وجعله أستاد داره، وأعطاه صرخد.
وكان عنده فى منزلة الولد. رحمهم الله تعالى.
وطلب جماعة اتهموا بأمواله، بسعاية ولده إبراهيم، وهم: البرهان كاتبه، وابن الموصلى صاحب ديوانه، والبدر الخادم، وسرور، وغيرهم، وحملوا إلى الديار المصرية. فمات البرهان بظاهر دمشق، عند مسجد النّارنج، لما ناله من الفزع. وأما بقيّتهم فإنهم عوقبوا على أمواله، فلم يظهر عندهم الدّرهم الواحد.
(29/327)

وفيها كانت وفاة الشيخ الصالح المحقّق على الحريرى، المقيم بقرية بشر، المجاورة لزرع «1» من بلاد حوران. وبهذه القرية قبر اليسع- عليه السلام. وهذا الشيخ هو شيخ طائفة الحريريّة.
واستهلّت سنة ست وأربعين وستمائة:
فى هذه السنة، استولى الملك الناصر- صاحب حلب- حمص، وانتزعها من الملك الأشرف موسى صاحبها، وعوّضه عنها تلّ باشر.
ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق، وما اعتمده
فى هذه السنة، توجه السلطان من الديار المصرية إلى دمشق، وعزل الطواشى شهاب الدين رشيد الدين عن النيابة، والصاحب جمال الدين بن مطروح عن الوزارة. وفوّض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور.
وجهّز العساكر مع الأمير فخر الدين بن الشيخ إلى حمص. وسخّر الفلاحين لحمل المجانيق إلى حمص، فنالهم لذلك مشقة عظيمة، وكان يغرم على العود الذى يساوى درهما ألف درهم، فخرب الشام لذلك ونصب المجانيق على حمص. وكان الشيخ نجم الدين البادرائى بالشام، فدخل بين الطائفتين، وردّ الحلبيين إلى حلب، والعسكر الصالحى إلى دمشق.
(29/328)

وفيها احترق المشهد الحسينى بالقاهرة. وذكر من تتّبع التواريخ أنه ما احترق مكان شريف إلا وأعقبه غلاء، أو جلاء من العدو. وكان كذلك: أخذت دمياط، على ما نذكره.
ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى وقيام ولده الملك الكامل
فى هذه السنة، توفى الملك المظفر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- صاحب ميّافارقين. وقام بأمر مملكته بعده ولده الملك الكامل، ناصر الدين محمد.
وفيها، توفى الملك العادل: سيف الدين أبو بكر، بن الملك الكامل، بن الملك العادل- أخو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وكان السلطان قد رسم أن يتوجه إلى الشّوبك، بنسائه وولده وعياله، فى خامس شوال، على ما حكاه سعد الدين مسعود بن شيخ الشيوخ تاج الدين. وبعث إليه الطواشى محسن الخادم، فأخبره بما رسم به السلطان من توجهه. فامتنع، وقال: إن أراد قتلى فى الشّوبك فههنا أولى، ولا أتوجه أبدا. فعذله محسن الخادم، فرماه بدواة كانت عنده.
فعاد إلى السلطان وأخبره. فقال له: دبّر أمره. فأخذ ثلاثة مماليك- وقيل أربعة- ودخلوا عليه، فى ليلة الاثنين ثانى عشر شوال، فخنقوه بشاش علمه- وقيل بوتر- وعلّقوه بعمامته، وأظهروا أنه شنق نفسه. وخرجت جنازته كجنازة الغرباء، ودفن بتربة شمس الدولة. ولم يتمتع الملك الصالح بعده بالدنيا، فإنه مات بعد ذلك بعشرة أشهر.
(29/329)

وفيها، فى خامس شهر رمضان، كانت وفاة قاضى القضاة: أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن ناماد بن عبد الملك، ابن زنجلين، الخونجى «1» - قاضى مصر والوجه القبلى. ودفن بالقرافة، بالقرب من تربة الإمام الشافعى. ومولده فى جمادى الأولى، سنة تسعين وخمسمائة. وكان قد تفرّد فى زمانه بعلم المنطق، حكيما أصوليا، فاضلا، مشاركا فيما عدا ذلك «2» ولما مات- رحمه الله تعالى- أقرّ نائبه- القاضى جمال الدين يحيى- على القضاء، إلى جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ثم فوّض القضاء بمصر والوجه القبلى للقاضى عماد الدين أبى القاسم إبراهيم. بن هبة الله بن إسماعيل ابن نبهان، بن محمد الحموى المعروف بابن المقنشع «3» - فى جمادى الأولى سنة سبع وأربعين.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام العلّامة: جمال الدين أبو عمرو عثمان، ابن عمر بن أبى بكر بن يونس، الدّوينى «4» ثم المصرى، الفقيه المالكى- المعروف بابن الحاجب.
(29/330)

كان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصّلاحى- متولّى الأعمال القوصية- ومولده بإسنا- مدينة مشهورة من عمل قوص- فى سنة سبعين وخمسمائة. وانتقل إلى القاهرة فى صغره، فقرأ القرآن، واشتغل بالعلم على مذهب الإمام مالك، فتفقه. واشتغل بالعربية، فبرع وأكبّ على الاشتغال حتى صار يشار إليه. انتقل إلى دمشق، ودرس بجامعها. وكان من أحدّ الناس ذهنا. وغلب عليه علم العربية. وقيل أنه قدم إلى دمشق مرارا، آخرها سنة سبع عشرة وستمائة. وصحب شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، واختص به ولازمه.
وخرج معه من دمشق، فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وقدم إلى الديار المصرية. وأقام بالقاهرة واشتغل الناس عليه. وله مصنّف فى مذهب الإمام مالك- هو من أجود مختصرات المالكية، ما حفظه طالب منهم إلا وأشير إليه بالفقه. ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية للإقامة به، فلم تطل مدة إقامته بالثغر. وكانت وفاته فى ضحى يوم الخميس، سادس عشر شوال، ودفن بخارج باب البحر- رحمه الله تعالى.
وفيها، فى شهر رمضان، توفى الوزير: أبو الحسن على بن يوسف بن إبراهيم، بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد إسحاق، القفطى- المعروف بالقاضى الأكرم، وزير حلب.
كان جمّ الفضائل ذا فنون، مشاركا لأرباب كل علم فى علومهم: من القراءات، والحديث والفقه، والنحو واللغة، والأصول والمنطق، والنجوم
(29/331)

والهندسة، والتاريخ، والجرح والتّعديل «1» - يتكلم فى كل علم مع أربابه أحسن كلام. وله شعر حسن.
وصنف كتبا كثيرة، منها: كتاب الضاد والظاء، وهو ما اشتبه فى اللفظ واختلف فى الخط، وكتاب الدّرّ الثّمين فى أخبار المتيّمين. وكتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته، ثم ألوت عليه فوضعته. وكتاب أخبار المصنّفين، وما صنّفوه. وكتاب أخبار النّحويّين. وكتاب تاريخ مصر، من ابتدائها إلى حين ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- فى ستّ مجلدات. وكتاب تاريخ الألموت «2» ، ومن تولّاها. وكتاب تاريخ اليمن، منذ اختطّت إلى زمانه. وكتاب الحلى والشيآت. وكتاب الإصلاح لما وقع من الخلل فى كتاب الصّحاح «3» . وكتاب الكلام على الموطّا «4» وكتاب الكلام على صحيح البخارى. وكتاب تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه، إلى حين انقراض دولتهم، وكتاب تاريخ السّلجقيّة، من ابتداء أمرهم إلى انتهائه. وكتاب الإيناس فى أخبار آل مرداس. وكتاب الرد على النصارى. وغير ذلك.
(29/332)

وكان- رحمه الله- سخىّ الكفّ، طلق الوجه. وكان محبا للكتب، جمّاعا لها، جمع منها ما لم يجمعه أحد من أمثاله. واشتهر بالرغبة فيها، والمغالاة فى أثمانها، فقصده الناس بها من الآفاق. فاجتمع له منها ألوف كثيرة، بالخطوط المنسوبة، وخطوط المشايخ والمصنّفين. ولم يقع له كتاب مليح فردّه، بل يبالغ فى إرضاء صاحبه بالثّمن. فإذا ملكه استوعب قراءته، ثم جعله فى خزائنه، ثم يشحّ فى إخراجه، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانة له وضنّا به!.
قال الحافظ محبّ الدين بن النجار: كنّا عنده ليلة، فى شهر رمضان، فجرى بحث أفضى إلى اعتبار كلمة وكشفها من كتاب الصّحاح.
فقال لبعض مماليكه: إذهب إلى المؤيّد- يعنى أخاه- وأحضر من عنده نسخة من الصّحاح. قال: فقلت له: والمولى ما عنده نسخة من الصّحاح؟! فقال: وحياتك- يا محبّ- عندى خمس نسخ، وما يطيب على قلبى أن أخرج منها نسخة- لا سيما بالليل، ونحتاج إلى إدخال الضوء. وله فى شغفه بالكتب حكايات كثيرة، أضربنا عن ذكرها. وأوصى بكتبه بعد وفاته للملك الناصر: صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، صاحب حلب. وكانت تساوى خمسين ألف دينار. ودفن بحلب- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى عماد الدين، بن سديد الدين، محمد بن سليم بن حنّا- وهو أخو الصاحب بهاء الدين.
(29/333)

واستهلّت سنة سبع وأربعين وستمائة:
والسلطان الملك الصالح نجم الدين بدمشق، وهو مريض. فعاد إلى الديار المصرية فى محفّة «1» ، لشدة ما ناله من المرض. وكان خروجه من دمشق فى يوم الإثنين، رابع المحرم، ونادى فى الناس: من كان له علينا أو عندنا شىء، فليحضر لقبضه. فطلع الناس إلى القلعة، وأخذوا ما كان لهم.
وفى هذه السنة؛ رسم السلطان لنائبه بدمشق- الأمير جمال الدين بن يغمور- بهدم دار أسامة، وقطع أشجار بستان القصر بالقابون، وهدم القصر. فتوقف عن ذلك مدة، ثم ترادفت عليه الكتب بذلك، ففعل.
ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط
وفى سنة سبع وأربعين وستمائة، وصل ريد افرنس «2» بعساكره وجموعه إلى ثغر دمياط.
وخرج السلطان الملك الصالح بعساكره إلى المنصورة، ونزل بها.
وجرّد إلى ثغر دمياط جماعة من الأمراء، فالتقوا مع ريدا فرنس، واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الأمير شهاب الدين بن شيخ الإسلام، والأمير صارم الدين أزبك الوزيرى.
وخرج أمراء الكنانيّة من دمياط وأخلوها، فاستولى عليها ريدا فرنس
(29/334)

فى يوم الأحد، لسبع بقين من صفر، من السنة. فشنق السلطان أمراء الكنانية- وكانوا نيّفا وخمسين أميرا- بعد أن استفتى فى شنقهم- لخروجهم عن الثّغر بغير أمره. وكان قد جعل [عندهم من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا «1» ] .
ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها
وفى هذه السنة، ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الكرك، وبلادها.
وسبب ذلك أن صاحبها الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى- توجه منها إلى بغداد، واستخلف أولاده بها. فكاتبوا السلطان، واتفقوا معه على تسليمها. واشترطوا عليه شروطا، وتولى ذلك من أولاده: الملك الأمجد أبو على الحسن.
فأجاب السلطان إلى ما التمسوه، وتسلم القلعة، ووفى لهم بما اشترطوه- وذلك فى جمادى الآخرة. وأخرج عيال الملك المعظم وأولاده وبناته، وأمّ الملك الناصر، وجميع من كان بالحصن. وبعث الملك الصالح الى الحصن ألف ألف دينار- عينا- وجواهر وذخائر وأسلحة، وغير ذلك.
(29/335)

ولما عاد الملك الناصر من بغداد، ووجد الأمر على ذلك، توجه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، وأقام عنده، إلى أن ملك دمشق. وحضر فى خدمته إليها. ثم بلغه عنه أسباب رديّة، فأخرجه إلى البويضا بظاهر مدينة دمشق. فمات بها حتف أنفه.
وكانت وفاته فى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ونقل من البويصا، وصلّى عليه عند باب النصر، ودفن عند أبيه بالتربة المعظّميّة، بقاسيون- رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب
كانت وفاته- رحمه الله تعالى- بمنزلة المنصورة، فى ليلة الإثنين النصف من شعبان، سنة سبع وأربعين وستمائة. ومولده بالقاهرة المعزّيّة فى سنة ثلاث وستمائة.
ولما مات، كتم أمر وفاته، ودفن بالمنصورة. ثم نقل- فى سنة ثمان وأربعين وستمائة- إلى تربته، التى بنيت بعد وفاته، بجوار مدرسته بالقاهرة المحروسة، بين القصرين فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية عشر سنين، إلا خمسين يوما.
وكان ملكا مهيبا، شجاعا حازما، ذا سطوة. وكانت البلاد فى أيامه آمنة، والطرق سابلة. وكان عفيف الذّيل. غير أنه كان عظيم الكبر، غليظ الحجاب. وكان محبّا لجمع المال. ويقال إنه عاقب امرأة أبيه- أمّ أخيه الملك العادل- وأخذ منها الأموال والجواهر. وقتل أخاه وجماعة من الأمراء ومات فى حبسه ما يريد على خمسة آلاف.
(29/336)

ولما مات، كانت سرّيّته- والدة خليل- فى صحبته بالمنصورة. فكتم أمر وفاته إلا عن خواصّ الأمراء. وكان السّماط «1» يمدّ على العادة.
والأمراء، ومن جرت عادته بحضور السّماط، يدخلون ويأكلون وينصرفون. ويظنون أن السلطان إنما احتجابه بسبب مرضه. وكانت والدة خليل تكتب خطّا يشبه خطّ السلطان، فتخرج العلائم «2» بخطّها.
واتفق الأمراء على إحضار ولده: الملك المعظّم غياث الدين تورانشاه من حصن كيفا. وكان السلطان الملك الصالح قد كتب كتابا بخطّه. يشتمل على وصيته لولده الملك المعظم. نذكر- إن شاء الله تعالى- مضمونه فى أخبار الملك المعظم. فتوجّه لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاى الصالحى- مملوك والده وقام بتدبير الدولة- فيما بين وفاة السلطان الملك الصالح ووصول الملك المعظم- الأمير فخر الدين: يوسف بن الشيخ. إلى أن قتل.
(29/337)

ذكر خبر الأمير فخر الدين أبى الفضل يوسف ابن الشيخ، وقتله
لما مات السلطان الملك الصالح، قام بتدبير الأمر بعده- إلى أن يصل ولده الملك المعظم- الأمير فخر الدين أبو بكر أبو الفضل: يوسف، بن شيخ الشيوخ صدر الدين «1» . وكان هو وزير السلطان ومقدّم جيوشه، والمشار إليه فى دولته.
فدبّر الأمر أحسن تدبير، وأقطع البلاد بمناشيره. وأطلق السّكّر والكتّان أن يسافر به التّجّار إلى الشام- وكان ذلك قد منع، وأراد جماعة من العسكر أن يملكوه، فامتنع من ذلك.
وتنكر له بعض الأمراء المماليك الصالحية، وعزموا على قتله فاستدعى أكابر الأمراء، وأعلمهم أنه لا طمع له فى الملك ولا رغبة، وأنه إنما يحفظه للملك المعظّم إلى أن يصل. فاعتذروا له وحلفوا. وكان المتّهم بإغراء الأمراء الطواشى محسن، وجماعة. وجهّز جماعة يستحث الملك المعظم من دمشق، بعد وصوله إليها.
فلما كان فى يوم الثلاثاء- رابع ذى القعدة أو خامسه- هجم الفرنج على عساكر المسلمين، واندفع المسلمون بين أيديهم. وكانت وقعة عظيمة.
(29/338)

فركب فخر الدين فى وقت السحر ليكشف الخبر، وأنفذ إلى الأمراء والحلقة «1» ليركبوا. وساق بنفسه فى طائفة من مماليكه وأجناده. فصدمه طلب «2» الدّاويّة «3» وحملوا عليه. فهرب من كان معه، وثبت هو. فطعن فى جنبه، فوقع عن فرسه. فضربوه ضربتين فى وجهه، طولا وعرضا، بالسيف فقتلوه!.
وجاء مماليكه إلى داره، فكسروا صناديقه، ونهبوا أكثر ما فيها.
ونهبت أمواله وخيله. وأخذ الجولانى «4» قدور حمّامه، والدّمياطىّ أبواب داره. ثم أخرج من المعركة بقميص واحد، وجعل فى حرّاقة «5» وأرسل إلى مصر. وحمل إلى تربته بالقرافة الصغرى، بجوار تربة الإمام الشافعى، فدفن عند والدته. واشتد بكاء الناس عليه، وعملت له الأعزية. وكان له من العمر، يوم مات ست وستون سنة- رحمه الله تعالى. وكان له شعر جيّد كثير، فمن شعره:
عصيت هوى نفسى صغيرا، فعندما ... رمتنى الليالى بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى- عكس القضيّة- ليتنى ... خلقت كبيرا، وانتقلت إلى الصّغر
(29/339)

ذكر أخبار السلطان الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب، وهو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية
ملك الديار المصرية والشام، بعد وفاة والده السلطان الملك الصالح وكان مقيما بحصن كيفا «1» ، وما مع ذلك، منذ تركه والده هناك- كما تقدم. فلما مات السلطان، اجتمع رأى الأمراء على إقامته، وجهزوا لإحضاره الامير فارس الدين أقطاى، كما ذكرنا آنفا.
وكان السلطان الملك الصالح، فى مرض موته، قد كتب إلى ولده الملك المعظم هذا كتابا، أسند فيه الملك إليه، واشتمل كتابه على جملة من الوصايا. وقد وقفت على الكتاب المذكور- وهو بخطّ السلطان الملك الصالح بجملته. وقد رأيت أن أشرح ما تضمّنه، لما فيه من الوصايا التى يتعين على الملوك التمسك بها والرجوع إليها، والإعتماد عليها.
ابتدأ السلطان الملك الصالح كتابه هذا- الذى منه نقلت- بأن كتب فى طرّته قبل البسملة: والده أيوب بن محمد «2»
(29/340)

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
الولد تورانشاه- أصلحه الله ووفّقه يا ولدى، أنت تعلم ما سبب تأخير طلبك إلا ما أعلمه منك، من الصّبيانية والجرأة وقلة الثبات. والملك ما يحتمل هذا. والوالد ما يشتهى لولده إلا الخير. والخصائل التى أعرفها منك اتركها، يدوم لك الملك. وإن أنت خالفت أمرى وبقيت على ما أعلمه منك، يروح منك الملك. واثبت فى جميع أمورك. وسنّ سيرتى فى العسكر. واترك الأشياء على ما هى عليه: كل أحد متولّى الشغل الذى هو فيه، ولا تحدث حادث.
والوصية بجميع الأمراء، وأكرمهم واحترمهم، وأرفع منزلتهم. فهم جناحك الذى تطيربه، وظهرك الذى تركن إليه. وطيّب قلوبهم، وزيد فى إقطاعهم. وزيد كلّ أمير على [ما] معه من العدّة عشرين فارس. وأنفق الأموال. وطيّب قلوب الرجال، يحبوك وتنال غرضك فى دفع هذا العدو.
ولا تؤاخذ بما جرى فى دمياط، فهذا أمر سماوىّ، ما لأحد فى هذا حيلة.
والأخ فخر الدين بن الشيخ ما عندى من أقدّم سواه، فأكرمه، واحترمه كما تحترمنى. واجعله عندك كالوالد. واسمع قوله ورأيه ولا تخالفه.
واجعل له من العدة مائتى فارس.
يا ولدى: الوصية بأم خليل، فلها علىّ من الحقوق والخدمة ما لا أقدر أصفه، ارعى جانبها وأكرمها واحترمها، وارفع منزلتها، فهى عندى بمنزلة عظيمة. وكنت طيّب القلب بصحبتها، آمنا على نفسى من جهتها، فاجعلها لك مثل الوالدة. واجتهد فى اتصال الراحة إليها، وطيّب
(29/341)

قلبها، واجعلها حاكمة على جميع أمورك وأموالك. ولا يبدو منك كلمة تضيّق صدرها، ولا توجع لها قلبا أبدا، ولا من يتعلق بسببها، ولا من يضيق صدرها بسببه.
ولا تخرج عن رأيها وتدبيرها. وهذه وصيتى فلا تخالف أمرى.
واخدمها كما تخدمنى، واحترمها كما تحترمنى. ولا تجعل على يدها يد.
والوصية بجميع العيال، أحسن إليهم فلهم علىّ خدمة. ولا تقصّر فى حق الصغير منهم والكبير. واحفظ وصيتى، فمتى خالفتنى يروح منك الملك، وتكون عاقّا لى. وكتبت هذه الوصية ولم يطلع عليها أحد، لئلا تضيق صدورهم. وكتبتها فى مدة طويلة.
واعلم يا ولدى أن الملك فى ابتداء ملكه كمثل الشّجرة فى ابتداء طلوعها، فيأتى ريح يهب عليها يحرّكها، وربما يقلعها من أصلها. فإذا مضت عليها الأيام والسنين قوى أصلها، واشتد ساقها، فلا تحركها الرياح العواصف. فاعلم يا ولدى إشارتى، وتنبّه لغرضى. وإن ضاق صدرك من شخص فاحتمله، وأحسن إليه تحسن سيرتك، ويحبّك عدوّك. ولا تعجل بالعقوبة. واعلم أن الناس أعداء لبعضهم البعض، فلا تسمع كلام أحد دون أن تقابل بينه وبين خصمه، ولو أتاك مقطوع اليد. فربما خصمه أسوأ حالا منه. فإذا عرف هذا منك، تقلّ الشّكاوى والرّفاعات «1» ، ويستريخ خاطرك.
(29/342)

والذى أعرّفك به يا ولدى: لمّا نزل العدوّ على زمن الشّهيد «1» - رحمه الله- على دمياط، ما كان فيها سوى الوالى والكنانيّة، وأهلها حفظوها إلى أن وصل الشّهيد من القاهرة، وعسكر مصر من الشام. وما قدر العدو ينزل برّ دمياط، وما كان فيها ذخيرة شهر واحد.
فلما اختلف العسكر على الشّهيد- رحمه الله- وتحزّبوا- مثل ابن المشطوب «2» والأكراد- مع الملك الفائز، غضب الشّهيد، وساق إلى أشموم. وتبعه العساكر، وتركوا جميع الخيم والقماش. وخرج من دمياط من خرج، والوالى.
وما بقى فيها إلا أهلها. وغلّقوها وقعدوا فيها وحفظوها، إلى أن مات أكثر من فيها والباقى تكشّحوا، وخلت الأصوار من المقاتلين. فصعدت الفرنج وأخذتها، بعد أن تعبوا من النّقوب من تحت الأرض، وشربوا بالبتاتى، والزحف عليها من جميع الجهات، وما قدروا يأخذوها.
وأنا قويّت دمياط، وملأتها ذخائر من كل شىء، يكفيها عشرين سنة، مع ما كان عند أهلها من الذخائر. واكشف من الديوان يعرّفوك ما كان فيها من الخيرات. وقويّتها بجميع عسكر الديار المصرية، من فارس وراجل، ونقدى، وما خليت لها عذر، حتى بقيت وحدى فى أشموم بسبب المرض.
(29/343)

فلما أن أقبل العدو وشاهدوه وطلبوا البرّ بالحراريق، انهزموا وسلّموا لهم البرّ، واشتغلوا بالنساء ونقلهم من دمياط، وهربت العوامّ وتبعهم الأجناد.
وكان المقدّم عليهم الأخ فخر الدين ساق خلفهم وردّهم، وجعل على أبواب دمياط كل باب أمير. فلما أصبح، ما وجد فى المدينة أحد. هربوا الكنانية فى الليل، وكسروا الخوخ «1» ونزلوا من السّور، وتركوا أموالهم وذخائرهم نهبوها المسلمين بعضهم بعض. وأخلوا دمياط، حتى أخذتها الفرنج ثانى يوم. وهذا كله بقضاء الله وقدره.. واصبر تنال ما تريد.
وهذا العدو المخذول، إن عجزت عنه، وخرجوا من دمياط وقصدوك، ولم يكن لك بهم طاقة وتأخّرت عنك النّجدة، وطلبوا منك الساحل وبيت المقدس وغزّة وغيرها من الساحل- أعطيهم ولا تتوقّف، على أن لا يكون لهم فى الديار المصرية قعر قصبة.
وإن نزلوا منزلة من تقدّمهم من العدوّ قبالة المنصورة، فرتب العسكر يكونوا ثابتين خلف السّتاير مع البحر، ليل ونهار. فهم ما لهم زحف إلا بالشّوانى «2» ، فقوّوا الشّوانى، كيفما قدرتم. واجهدوا أن يكون بعض الحراريق «3» على بحر المحلّة من خلف مراكبهم، تقطع عنهم الميرة. وهو يكون- إن شاء الله- سبب هلاكهم. فتلك المرّة ما انتصر الشهيد- رحمه الله- عليهم إلا من بحر المحلّة.
(29/344)

وتكون العرب مع الخوارزمية مع ألفين فارس بينهم وبين دمياط.
واستخدم، الفارس والراجل. وأنفق الأموال ولا تتوقف. وإن كان الشّرق لا ينجدوك لأجل الناصر وإسماعيل، واشترطوا أن تردّ عليهم بلادهم، ورأيت الغلوبيّة، ولا بدّ من ذلك وإلا ذهب الملك- فالضرورات لها أحكام.
إعلم- يا ولدى- أن الديار المصرية هى كرسىّ المملكة، وبها تستطيل على جميع الملوك. فإذا كانت بيدك، كان بيدك جميع الشّرق. ويضربوا لك السّكّة والخطبة.
فاتّفق أنت والأخ فخر الدين، وأرضى الناصر «1» بما يطيب به قلبه.
فالناصر ما أخرجه من يدى إلا تغيّرى عليه، بسبب أوراق كانت تصل إلىّ عنه أنه فعل وصنع. وكشفت عن ذلك، ما رأيت لها صحّة. فلما انقطع رجاه منىّ لتغيّرى، استند إلى إسماعيل وابن ممدود، وجرى منهم ما جرى.
كل ذلك من إسماعيل وابن ممدود، وهو يشاركهم فى جميع ما يفعلوه.
وأما الذى فعله معى على نابلس فما كان إلا مصلحة عظيمة، أنا أشكره عليها. طلع بى الكرك إلى أن ذهبت أيام القطوع. لولا ذلك أخذنى إسماعيل «2» ، لأنه ضيّق علىّ أرض الشام بالعسكر فى طلبى، فما فعل فى حقى إلا خير. فهو كان السبب فى خروجى، فى الوقت الذى كان قدّر الله بتوجهى فيه إلى الديار المصرية بالملك. فلا يضيع له هذا القدر.
(29/345)

وكنت نويت له كلّ خير. فإن حصل بينكما اتّفاق، وصفت نيّته فى محبتك، ووفى لك باليمين، فخاطرك به مستريح فى أمر الساحل. فما ذنوبه عندى ذنوب إسماعيل، الذى بارزنى، وأخذ منّى دمشق، واعتقل ولدى، وفعل فى حقّى ما فعل، وأعطى الساحل والحصون التى فيه لعدوّ الدّين، واستعان بالكفر «1» علىّ، وعلى أخذ بلادى. فارضيه بشىء يستعين به: بصرى مع السّواد، ولا تعطى له قلعة بعلبك. وتحسن إلى أولاده وأهله، وينفذوا إليه. فالله يقابل المسىء، ويجازى المحسن وأطلق المحتبسين كلهم، إلا من كان له تعلّق فى قبض عمك، أو مفسد فى الدولة.
فإن قدّر الله لك بالنصر على هذا العدوّ المخذول «2» ، وأخذت دمياط- إن شاء الله تعالى- ابنى باشورة «3» تكون طول قامة، وبسطة بشراريف، ومرامى من فوق وأسفل، وتكون الباشورة عرّض يتمكّن القتال عليها، إما بالحجر أو بالطوب الأحمر، ويكون لها سلالم، بين كل سلّم وسلّم ثلاثين خطوة. تعمل هذه الباشورة من قبالة برج السّلسلة، قريب من الماء البحر إلى البرزخ، إلى المكان الذى نزلوا فيه الفرنج، وفوق منه بثلاث رميات نشّاب. ومن آخر هذه الباشورة تحفر خندق، من البحر المالح إلى البحر الحلو، مثل ما حفره الشّهيد «4» تلك المرّة، بحيث إذا جاء العدو
(29/346)

لا يقدر على الماء الحلو، ولا يبقى له منزلة ينزل فيها. وبين كل سلمين لعبتين يرموا بالحجارة، والعسكر تقاتل من على الباشورة والمنجنيق والرّماة ترمى من خلف الباشورة من المرامى، ما يقدر أحد يقرب البر. وعجبت كيف غفل عن هذا الشهيد- رحمه الله- وعمل قلعة.
فهذه الباشورة فيها ألف مصلحة قسّطها على الأمراء وعلى بيت المال والأسرى الفرنج تعمل فيها. واجتهد فى عملها تأمن على دمياط وتستريح وإن لم يخرج العدوّ من دمياط وتطاول الأمر ينتظروا نجدة تصل إليهم، ازحف عليهم من برّ دمياط ومن برّ البرزخ، بالفارس والراجل وبالشّوانى من البحر، لعل أن تملكوا برّ البرزخ. فإذا ملكتوه ملكتم فم البحر، ومنعتوا أن يدخل إليه مركب، أو يخرج.
ويا ولدى: قلّدت إليك أمور المسلمين، فافعل فيهم ما أمرك الله به ورسوله. يا ولدى إياك والشّرب، فإن جميع الآفات ما تأتى على الملوك إلا من الشّرب. ولا تخالفنى تندم، وتدخل عليك العارض «1» . فما يسقيك إلا من تأمن إليه، ولا يدخل عليك العارض إلا من القريب. يا ولدى:
وامنع المسلمين والنصارى أن يعصروا الخمر. وطهّر العساكر من القحاب، والمدن. ولا تجلس مع من يشرب، فيزين لك الشيطان فتشرب، فتكون قد خالفتنى، وتدخل عليك العارض. وأنا قد جرّبت الأشياء ووقعت فيها، وتحقّقت الخطأ من الصواب، وندمت وقت لا ينفع الندم. فاجتنب يا ولدى ما حذّرتك منه. فقد أخبرك مجرّب صادق، مشفق عليك
(29/347)

وانظر يا ولدى فى ديوان الجيش. فهم الذين أفسدوا البلاد وأخربوها- وهم النّصارى- أضعفوا العساكر، وكأن البلاد ملكهم يبيعوها بيع. إذا كتب منشور لأمير يأخذوا منه المائتين وأكثر، ومن الجندى من المائة ونازل. ويكون الجندى خبزه «1» ألف دينار يفرقوا خبزه فى خمس ست مواضع: فى قوص وفى الشرقية وفى الغربية، فيريد الجندى أربع وكلاء، يروح الخبز للوكلا. ومتى يحصل للجندى من خبزه شىء، إذا كان مثلا فى بيكار «2» ويقاسى العليقة بثلاثة نقرة «3» ، كيف يكون حاله؟ يخرب بيته ويهلك! فهذا سبب هلاك الجندى. والنصارى يقصدوا هذا، لخراب البلاد وضعف الأجناد، حتى تروح منا البلاد. وجندى يحصل له وجندى ما يحصل له شىء أصلا.
تردّ عبرة البلاد «4» إلى ما كانت عليه فى زمن صلاح الدين- رحمه الله. والجندى لا يكون خبزه مفرّق، بل فى موضع أو موضعين قريبين.
فتعمر البلاد ويقوى الجندى ويقوى الفلاح. فإذا كانوا جماعة فى بلد، وكل أحد يخرب من ناحية ويجور المقطعين على الفلّاحين، تخرب البلاد. وهذا كله فعل النصارى.
(29/348)

وبلغنى أنهم بعثوا إلى ملوك الفرنج فى الساحل فى الجزائر، وقالوا لهم.
أنتم ما تجاهدوا المسلمين، بل نحن نجاهدهم الليل والنهار، بأخذ أموالهم ونستحلّ نساهم، ونخرّب بلادهم ونضعف أجنادهم. تعالوا خذوا البلاد، ما تركنا لكم عاقة. فالعدوّ معك فى دولتك- وهم النصارى. ولا تركن لمن أسلم منهم ولا تعتقد عليه، فما يسلم أحد منهم إلا لعلّة، ودينه فى قلبه باطن كالنار فى الحطب! يا ولدى، أكثر الأجناد اليوم عامّة، وباعة وقزّازين: كل من لبس قباء «1» وركب فرس، وجاء إلى أمير من هؤلاء الترك، وقدم له فرس، ويبرطل نقيبه وأستاذ داره «2» على خبز جندى، من جندى معروف بالشجاعة والحرب- طرده أميره، وأعطى خبزه لذاك العامى الذى لا ينفع وأكثرهم على هذه الحالة. فإذا عاينوا العدو وقت الحاجة هربوا، وينكسروا العسكر. لأنهم ما يعرفوا قتال، ولا هو شغلهم. فينبغى أن لا يستخدم [إلا] من يعرف يلعب بالرمح على الفرس، ويرمى بالنّشّاب والأكرة، وتظهر فروسيته- حينئذ يستخدم.
واحفظ يا ولدى ما أقوله لك، فهذا جميعه ما عرّفنى به إلا الأخ فخر الدين، وأخبرنى أنه وقف على كتاب بخط صلاح الدين، أن الفيّوم وسمنّود والسواحل والخراج للأسطول. فالأسطول أحد جناحى الإسلام.
فينبغى أن يكونوا شباعا. ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين
(29/349)

درهم مستمرة راتبه، جاءوا من كل فجّ عميق، ورجال معروفين بالقذف والقتال. وإنما تجو «1» وقت الحاجة تقبضوا ناس مستورين لهم أطفال وبنات، وهو الذى يطعمهم ويسقيهم، تأخذوه فى الأسطول ولا ينفع، تموت أطفاله بالجوع، ويدعو علينا! كيف تنتصر على العدو؟! وتأخذوا إلى البحر عند قبض الأسطول كل يوم ألف دينار، لأنه يقبض من الصبح إلى المغرب، مساتير وبياعين وأرباب معايش، يجو أهاليهم إلى بيت الوالى، كل أحد يزن الذهب ويخلّص نفسه «2» . والفقير الذى ماله قدرة تحدّروه فى المراكب. فقد نبّهت الولد على هذه الأشياء. والأخ فخر الدين عرفنى بهذه الأحوال جميعها. فاسمع ما بقوله لك.
الولد يتوصّى بالخدام: محسن ورشيد والخدام المقدّمين، لا تغيرهم. فما قدّمت أحد من الخدام ولا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه وشفقته. وأستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم. وكذلك الحسام لا تغيرهم. فإنى أعتمد عليهم فى جميع أمورى.
القيمريّة «3» ، الولد لا يسمع كلام بعضهم فى بعض. وناصر الدين عند كذب وخبث. وما باطنه جيّد. وقد عرّفت الأخ فخر الدين الرّسل الذى مسكوا من دمشق إلى حلب من عنده. والحسام يكون بمفرده لا حلّ ولا ربط. وضيا الدين القيمرى، إن احتاجوا إلى أن يخرج عسكر إلى جهة من الجهات، يكون مقدّم. وناصر الدين أرجل لا يخرج مع عسكر.
(29/350)

وسيف الدين القيمرى تعمل معه ما يقرّر مع الأخ فخر الدين، يكون مقدّم العسكر فى دمشق. وابن يغمور مشدّ «1» ، وناصر الدين على المظالم. فابن يغمور يصلح يكون مشدّ ووالى وجابى الأموال، ولا يصلح يكون مقدّم على عسكر، ولا يصلح لجنديه. ولا تؤمن إليه كل الأمن. بل تمشّى به الحال فى مكان مدة، ثم ينقل إلى غيره. وهو بالكتّاب أليق.
وكذلك قرائب فخر الدين عثمان كلهم لا يصلحوا لجندية. ابن العزيز الرأى عندى أن تؤخذ جماعته، ويبقى هو ومماليكه بمفردهم، ويقطع له ولمماليكه، وحاشيته ودوره، ما يقوم بهم من خاصة. فالأخ فخر الدين يعرف ما جرى منه، فهو نحس مفسد مخسخس. وقد عرف الأخ فخر الدين حاله وما جرى منه فى دمياط وغير دمياط، فما يصلح لصالحة.
متولّى ديوان الأحباس «2» اصرفه. وولىّ ابن النّحوى، فقد سألنى المتصدرين ذلك. وطرائق بن الجباب غير صالحة. والوكيل اصرفه. وولىّ ابن الفقيه نصر، فهو رجل جيّد فقيه عنده خوف من الله.
وقد عيّنت فى ورقة عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدّمهم، تعطى لكل واحد كوس «3» وعلم، وتحسن إليهم.
وتتوصّى بالمماليك غاية الوصية. فهم الذى كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم. وهم ظهرى وساعدى. تتلطّف بهم، وتطيّب قلوبهم، وتوعدهم بكل خير. ولا تخالف وصيتى. ولولا المماليك ما كنت قدرت أركب فرس، ولا أروح إلى دمشق، ولا إلى غيرها. فتكرمهم وتحفظ جانبهم.
(29/351)

فهذه وصيتى إليك، فاعمل بما فيها ولا تخالف وصيتى. وكل يوم طالعها، واقف عليها. ولا تعمل شىء دون أن تشاور الأخ فخر الدين. والله يقدر بما فيه الخير- إن شاء الله تعالى.
يا ولدى، إن ألزموك- الحلبيين- أن تدفع الكرك «1» إلى الناصر، فأعطه الشّوبك. وإن لم يرض زده من الساحل، حتى يرضى. ولا تخرج الكرك من يدك. الله الله احفظ وصيتى. فلا تعلم ما يكون من هذا العدو والمخذول، لعله- والعياذ بالله- أن يتقدم إلى مصر يكون ظهرك الكرك، تحفظ فيه رأسك وحريمك، فمصر ما لها حصن. ويجتمع عندك العسكر وتتقدم إليهم، تردهم عن مصر. وإن لم يكون لك ظهر مثل الكرك، تفرقت عنك العساكر. وقد عزمت أن أنقل إليها المال والذخائر والحرم، وكل شىء أخاف عليه، واجعلها ظهرى. والله ما قوى قلبى واشتد ظهرى، الا لما حصلت فى يدى.
الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه- وآله وصحبه- وسلامه هذا آخر ما تضمنه كتاب الوصية. وقد نقلته بنصّه وهيئته- على ما فيه من لحن فى بعض ألفاظه، ونقص ألفات فى بعضه.
ولم يعتمد الملك المعظم ما أوصاه به، ولا رجع إليه ولا عرّج عليه، بل خالفه فى جميع ما تضمنته وصيته. وكان من أمره، وزوال ملكه، ما نذكره.
(29/352)

ولنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعظم:
قال: ولما وصل إليه الأمير فارس الدين، وهو بحصن كيفا، رحل وسلك البرّيّة «1» . وأخفى أمره عن الملوك المجاورين له. خشية من غائلتهم.
وترك بالحصن ولده الملك الموحد، وسار حتى انتهى إلى دمشق.
فكان وصوله إليها فى يوم السبت، سلخ شهر رمضان، سنة سبع وأربعين وستمائة. وعيّد بها عيد الفطر. وخلع وأنعم على الأمراء، وأقرّ الأمير جمال الدين موسى بن يغمور على النّيابة بدمشق. وأفرج عن كل من كان فى حبس والده. قال أبو المظفر: وبلغنى أنه كان بدمشق ثلاثمائة ألف دينار، فأخذها صحبته، وتجهز إلى الديار المصرية وكان رحيله من دمشق فى الخامس والعشرين من شوال، منها. وكان سبب تأخره بدمشق، هذه المدة، أن الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ كان قد سيّر إليه جماعة من المماليك الصالحية. يستحثه على سرعة الحضور فأوهمه بعضهم أن فخر الدين حلّف العساكر لنفسه. وأنه متى حضر قتله، واستقلّ بالأمر. فأنفق الملك المعظم الأموال بدمشق. واستحلف العساكر.
وحلّف المماليك الذين حضروا من جهة الأمير فخر الدين، على قتل فخر الدين. فحلفوا له. فاتفق قتل فخر الدين قبل وصول الملك المعظم، كما تقدم.
وجهز الملك المعظم كاتبه- معين الدين، هبة الله بن أبى الزّهر حشيش- إلى قلعة الكرك، فى مستهل ذى القعدة فحقّق ما بها من الأموال
(29/353)

والذخائر، وحمل إليه من حاصلها مائتى ألف دينار، عينا، مما كان الملك الصالح قد نقله إليها. ولحق معين الدين السلطان إلى الرّمل «1» . وكان نصرانيا فوعده بالوزارة، فأسلم. ووصل السلطان إلى العساكر الديار المصرية، بمنزلة المنصورة- فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى القعدة، من السنة.
ولما وصل، وضع يده على ما سلم من تركة الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ، وأخذ مماليكه الصغار، وبعض قماشه- وثمّن ذلك بخمسة عشر ألف دينار- وهى دون نصف القيمة، فيما قيل. ولم يعوّض الورثة عن ذلك شيئا، فإنه قتل قبل ذلك.
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم
فى هذه السنة تأمّر بمكة- شرّفها الله تعالى- أبو سعد على بن قتادة، وذلك فى العشرين من ذى القعدة.
وفيها قتل الأمير شيحه، صاحب المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وولى بعده ولده عيسى بن شيحه.
وفيها فى خامس عشر شعبان، توفى الطّواشى مسرور بالقاهرة، ودفن بتربته بالقرافة.
(29/354)

وفيها توفى الشيخ صالح أبو الحسن على، بن أبى القاسم بن عربى بن عبد الله، الدّمياطى، المعروف بابن قفل- فى يوم الأحد الرابع والعشرين من ذى الحجة، برباطه بالقرافة، وبه دفن.
وفيها توفى شهاب الدين ابن قاضى دارا «1» . وكان من النّظّار فى الدولة الكاملية، وبعدها. ولى نظر الأعمال القوصيّة. «2» وكان السلطان الملك الكامل يكتب إليه بخطّه، ويأمره وينهاه. ويقال إنه كان من ظلمة النّظّار، يضرب بظلمه المثل. سامحه الله- وإيانا بكرمه.
واستهلّت سنة ثمان وأربعين وستمائة:
ذكر هزيمة الفرنج وأسر ملكهم ريدا فرنس
قال المؤرّخ: لما وصل السلطان الملك المعظم إلى المنصورة، كان ملك الفرنج ريدا فرنس «3» - بعساكره وجموعه- بالجزيرة التى قبالة المنصورة، وهى الدّقهلية. فرحل بمن معه طالبا دمياط. وذلك فى ليلة الأربعاء، مستهل المحرم، من السنة.
(29/355)

فتبعته عساكر المسلمين إلى فارس كور «1» ، وقاتلوه قتالا شديدا وأخذوه أسيرا- هو وأخوه- واستولوا على عساكر الفرنج، وقتلوا منهم زيادة عن عشرة آلاف فارس. وأسر من الخيّالة والرّجّالة ما يناهز مائة ألف.
وجىء بريدا فرنس وأخيه إلى المنصورة، فاعتقلا فى دار فخر الدين بن لقمان «2» بها. ورتّب السلطان الأمير فخر الدين الطّورى «3» لقتل أسرى الفرنج فكان يقتل منهم فى كل ليلة ثلاثمائة نفر، ويرميهم فى البحر.
وكتب السلطان الملك المعظم- كتابا بخطّه إلى الأمير جمال الدين موسى ابن يغمور النائب بدمشق، مضمونه بعد البسملة:
«ولده تورانشاه. الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن. وما النصر إلا من عند الله. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وأما بنعمة ربك فحدّث. وان تعدّوا نعمة الله لا تحصوها. يبشّر المجلس السامى الجمالى- بل يبشّر الإسلام كافّة- بما منّ الله به على المسلمين، من الظفر بعدوّ الدين. فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شرّه، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد. فنودوا: لا تيأسوا من روح الله.
(29/356)

ولما كان فى يوم الأربعاء- مستهلّ السنة المباركة- تمّم الله على الإسلام بركاتها- فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرّقنا السّلاح، وجمعنا العربان والمطّوّعة «1» ، واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاءوا من كل فجّ عميق، ومن كل مكان بعيد سحيق. ولما رأى العدوّ ذلك أرسل يطلب الصلح، على ما وقع الاتفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأبينا. ولما كان الليل، تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين، ونحن فى آثارهم طالبين. وما زال السيف يعمل فى أدبارهم، عامّة الليل.
وحلّ بهم الحرب والويل.
فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه فى الّلجج. وأما الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج. والتجأ الإفرنسيس إلى المنية «2» ، وطلب الأمان فأمّنّاه، وأخذناه وأكرمناه. وتسلّمنا دمياط بعون الله تعالى، وقوته وجلاله وعظمته. وذكر كلاما طويلا.
(29/357)

وبعث مع الكتاب غفارة «1» ريدا فرنس إلى الأمير جمال الدين، فلبسها. وهى اسقلاط «2» أحمر، تحته سنجاب «3» ، وفيها شكل يكلة «4» ذهب. فنظم الشيخ نجم الدين محمد، بن الخضر بن إسرائيل، مقطّعات ثلاثا، ارتجالا، وهى:
إن غفارة الفرنسيس التى جا ... ءت حباء لسيّد الأمراء
كبياض القرطاس لونا، ولكن ... صبغتها سيوفنا بالدّماء
وقال- يخاطب الأمير جمال الدين:
يا واحد العصر الذى لم يزل ... يجوز فى نيل المعالى المدا
لا زلت فى عزّ وفى رفعة ... تلبس أسلاب ملوك العدا
(29/358)

وكتب عن الأمير جمال الدين مقدّمة كتاب، للسلطان:
أسيّد أملاك الزمان بأسرهم ... تنجّزت من نصر الإله وعوده
فلا زال مولانا يبيح حمى العدا ... ويلبس أسلاب الملوك عبيده
ولما وصل هذا الكتاب بهذه البشرى، اجتمع عوامّ دمشق فى العشرين من المحرم ودخلوا كنيسة مريم بالمغانى والبشائر، وهمّوا بهدمها.
وأما النصارى ببعلبك فيقال إنهم سوّدوا وجوه الصّور، التى فى كنائسهم، حزنا على هذه الحادثة. فعلم بهم متولّى البلد، فجنّاهم جناية شديدة «1» ، وأمر اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم.
وفيها نفى السلطان الملك المعظم الملك السعيد مجير الدين حسن، بن الملك العزيز عثمان، بن الملك العادل- وهو ابن عم أبيه- من الديار المصرية إلى الشام. ووصل إلى دمشق، واعتقل بعزّتا «2» ثم أفرج عنه، على ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
ذكر مقتل السلطان الملك المعظم
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من المحرّم، سنة ثمان وأربعين وستمائة.
(29/359)

وسبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده وغلمانه وترابيه، ويقرّب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق وجعل خادمه الطواشى مسرور أستاد داره «1» ، والطّواشى صبيح أمير جاندار «2» - وكان عبدا حبشيا فحلا- وأمر أن يصاغ عصاة من ذهب، وأنعم عليه بالأموال والإقطاعات.
وتوعد جماعة من مماليك والده، وأهانهم. وكان يسميهم بأسمائهم، من غير أن ينعت أحدا منهم.
وكان قد وعد فارس الدين أقطاى بالإمرة، فلم يف له. فاستوحش منه. وكانت والدة خليل- سرّيّة أبيه- قد توجهت إلى القلعة لمّا وصل إلى الشام، فأرسل إليها يتهدّدها، ويطلب منها الأموال والجواهر. فيقال إنها خافته، وكتبت إلى المماليك الصالحية بسببه.
فاجتمع منهم جماعة، واتفقوا على قتله. فلما كان يوم الإثنين- سادس أو سابع عشرين المحرم، جلس السلطان على السّماط، واجتمع الأمراء على العادة. فلما تفرقوا، تقدم أحد مماليك والده، وضربه بالسيف. فالتقى الضربة بيده، فانهزم الضارب فقام السلطان، ودخل إلى برج خشب كان فى خيمته، وقال: من ضربنى؟ قالوا: الحشيشيّة «3» . فقال: لا والله،
(29/360)

إلّا البحريّة «1» ! والله لا أبقيت منهم بقيّة! وقد عرفت الضارب واستدعى الجرائحىّ «2» ليخيط يده فاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله، وهجموا عليه، وبأيديهم السيوف مجذوبة. فهرب إلى أعلى البرج، وأغلق بابه. فحرقوه بالنار، فنزل من البرج، وهرب إلى البحر. فأدركوه، وضربوه بالسيوف! فرمى نفسه فى البحر، وهو يستغيث بهم. وتعلق بذيل أقطاى، واستجار به، فما أجاره. وهو يقول: دعونى أعود إلى الحصن، فو الله ما أريد الملك.
وهم لا يلتفتون إلى قوله. وقتلوه فى الماء، فمات قتيلا حريقا غريقا! وكانت مدة سلطنته واحدا وسبعين «3» يوما. وانهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشّرق، واختفوا.
وكان الذين باشروا قتل الملك المعظم، من مماليك أبيه، أربعة حكى عن سعد الدين مسعود، بن تاج الدين شيخ الشيوخ، أنه قال:
أخبرنى صادق أن السلطان الملك الصالح، لما أمر الطّواشى محسن الخادم بقتل أخيه الملك العادل- أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم. إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم أجابوه وتوجهوا معه، وخنقوا الملك العادل. فسلّطهم الله تعالى على ولده الملك المعظم؟؟؟، فقتلوه
(29/361)

قال أبو المظفّر يوسف سبط ابن الجوزى: وحكى لى العماد بن درباس، قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين فى المنام، وهو يقول:
قتلوه شرّ قتله ... صار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلّا «1» ... لا، ولا من كان قبله
ستراهم عن قليل ... لأقلّ الناس أكله
والملك المعظم هذا هو آخر ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية، المستقلين بالملك. وملكت بعده شجر الدّر.
ذكر ملك شجر الدر: والدة خليل سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب
قال: ولما قتل الملك المعظم، اتفق الأمراء الصالحية والبحرية على إقامة شجر «2» الدّرّ- سرّيّة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب- وحلفوا لها، واستحلفوا جميع العساكر الشامية والمصرية.
(29/362)

وكانت المناشير والتّواقيع تخرج باسمها. ويكتب عليها ما صورته:
والدة خليل. ويكتب الموقّع: خرج الأمر العالى المولوى السّلطانى الخاتونى الصالحى، الجلالى العصمى الرّحيمى- زاده الله شرفا ونفاذا.
وقد شاهدت منشورا منها، هذه ترجمته. وتواقيعها موجودة بأيدى الناس، إلى وقتنا هذا. وخطب باسمها على المنابر. واستقّر الأمير عز الدين أيبك- التّركمانى الصالحى- أتابك العساكر.
ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس
قال: ثم حصل الاتفاق بين الأمراء وريدا فرنس- ملك الفرنج- على أن يسلّم ثغر دمياط، ويحمل إليهم وظيفة «1» تقرّرت بينهم، ويطلقوه. فسلّم إليهم الثّغر فى يوم الجمعة، ثالث صفر، سنة ثمان وأربعين وستمائة. وتوجه هو- وأخوه وزوجته، ومن بقى من الفرنج- إلى بلادهم.
فكانت مدة استيلائهم على الثّغر أحد عشر شهرا، وتسعة أيام.
ذكر خلع شجر الدّرّ نفسها من الملك وانقراض الدولة الأيوبية من الديار المصرية
كان سبب ذلك أن الأمراء اتفقوا على أن يتزوج الأمير عز الدين أيبك التّركمانى شجر الدر، فتزوجها، وخلعت نفسها من الملك، وسلّمت
(29/363)

السّلطنة إليه- فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت مدة ملكها ثلاثة أشهر وقد قيل إن زواجه بها كان فى سنة تسع وأربعين وستمائة.
وانتصب الأمير عزّ الدين فى السلطنة، وتلقّب بالملك المعزّ. وأقام معه الملك الأشرف: مظفّر الدين موسى، بن صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلح الدين أقسيس ملك اليمن، بن الملك الكامل- وكان عمره ست سنين. فأقام على ذلك زمنا، ثم حجبه الملك المعزّ، واستقلّ بالملك.
وانقرضت الدولة الأيوبية من الديار المصرية.
[الأيوبيون فى غير الديار المصرية «1» ]
وبقى من ملوكها من نذكرهم: بالشام، وحصن كيفا، ونصيبين، وميّافارقين. وهم:
الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق وحلب وحمص، وما مع ذلك
(29/364)

وليس من الذّرّيّة الصّلاحيّة من يخطب له بمملكة، سواه.
ومن الذّرّيّة العادلية من نذكرهم، وهم:
الملك المغيث فتح الدين عمر، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب- صاحب الكرك والشّوبك.
والملك الموحّد: تقىّ الدين عبد الله، بن الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب- صاحب حصن كيفا ونصيبين، وأعمال ذلك.
والملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك المظفّر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صاحب ميّافارقين.
ومن الذّرّيّة الأيوبية:
الملك المنصور ناصر الدين محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين محمود ابن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعد عمر، بن شاهنشاه، بن أيوب- صاحب جاه.
هؤلاء بنو أيوب ومن الذرية الأسدية: شيركوه بن شادى الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك
(29/365)

المنصور أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى- صاحب تل باشر والرّحبة.
وسنورد فى هذا الموضع نبذا من أخبارهم، تدل على ملخّص أحوالهم، إلى حين وفاة كل منهم، ومن قام بعده من أولاده، إن كان- على سبيل الاختصار.
أما السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، بن الملك الظاهر، ابن الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب- فإنه كان بيده ملك حلب وأعمالها
ملك ذلك بعد وفاة والده الملك العزيز- كما تقدم- فى سنة أربع وثلاثين وستمائة. ثم استولى على حمص، فى سنة ست وأربعين وستمائة:
انتزعها من الملك الأشرف موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن شيركوه، وعوّضه عنها تلّ باشر- وقد تقدم أيضا. ثم استولى على دمشق.
ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة- بعد مقتل الملك المعظم تورانشاه- تجهز الملك الناصر من حلب بعساكره، فوصل إلى قارا «1» فى مستهل شهر ربيع الآخر.
(29/366)

وسبب ذلك أن الأمراء القيمرية، «1» الذين بدمشق، كاتبوه وباطنوه على أخذها فإن الأمير جمال الدين موسى بن يغمور- نائب السلطنة بها- اتفق هو والأمراء الصالحية النّجميّة، الذين كانوا بدمشق، وتظافروا، واجتمعت كلمتهم فتغيرت بواطن الأمراء القيمريّة، فكاتبوه، فسار إلى دمشق. ولما اتصل خبر مقدمه بالأمير جمال الدين بن يغمور، أحضر الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، من قلعة عزّتا «2» إلى دمشق- وكان قد اعتقله بها- كما تقدم، وأنزله فى دار فرّخشاه.
وتقدم الملك الناصر بعساكره، ونزل القصر. ثم انتقلوا إلى داريّا «3» ، فى يوم السبت سابع الشهر. وزحفوا على المدينة يوم الأحد ثامنه، وجاءوا إلى باب الصغير- وكان مسلّما إلى الأمير صارم الدين القيمرى، وإلى باب الجابية وكان مسلّما إلى الأمير ناصر الدين القيمرى. فلما انتهى العسكر الناصرى إلى البابين، كسرت أقفالها من داخل المدينة، وفتح البابان، ودخل العسكر الناصرى منهما.
ونهبت دار الأمير جمال الدين، بن يغمور، وسيف الدين المشدّ ونهب عسكر دمشق، وأخدب خيولهم من إسطبلاتهم. ودخل الأمير جمال الدين بن يغمور القلعة، وبها الملك المجاهد إبراهيم، ثم نودى بالأمان
(29/367)

ونزل الملك الناصر فى دهليز «1» ضرب له بالميدان الأخضر. ونزل الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فى الجوسق «2» العادلى. ثم انتقل الملك الناصر بعد ذلك إلى القلعة، واستولى على ما بها من الخزائن والذخائر.
واعتقل الأمير جمال الدين بن يغمور، ثم أفرج عنه وأحسن إليه. واعتقل الأمراء الصالحية، وأرسلهم إلى الحصون، وأقطع أصحابه أخبازهم «3» وكان الملك الناصر داود- بن الملك المعظم- قد نزل بالعقيبة «4» ، فجاءه الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، فبات عنده ليلة. ثم هرب إلى قلعة الصبيبة «5» - وكان بها أحد خدامه، وقد كاتبه- فوصل إليها وفتح له الباب، فدخلها واستقرّ بها.
وتسلّم الملك الناصر داود بعلبك من الحميدى، وتسلم بصرى وصرخد. ثم قبض عليه الملك الناصر يوسف بعد ذلك- فى ثانى شعبان من السنة. وذلك أن السلطان كان قد مرض ونزل بالمزّة «6» ، ونزل الناصر داود بالقصر بالقابون «7» ، فأرسل إليه الأمير ناصر الدين القيمرى ونظام الدين بن المولى، فأحضراه إلى المزّه، وضربت له خيمة واعتقل بها.
(29/368)

واختلف فى سبب القبض عليه: فنقل أنه كان قد طلب من السلطان دستورا إلى بغداد، فأذن له وأعطاه أربعين ألف درهم، فانفقها فى الجند وعزم على قصد الديار المصرية. وقيل: إن الملك الصالح إسماعيل جاءه كتاب من الديار المصرية، فأوقف الأتابك شمس الدين لؤلؤ عليه. وأخبر القاصد أنه أحضر إلى الناصر داود كتابا، فسئل عن ذلك، فأنكره. فنقم عليه السلطان بسبب ذلك. وقيل: بل أشار عليهم الملك الصالح إسماعيل بالقبض عليه، وقال أنتم ما تعرفونه، نحن نعرفه. وأنتم على قصد الديار المصرية، والمصلحة أن لا نتركه خلفنا، ولا نستصحبه.
فقبض عليه، واعتقل بالمزّة أياما. ثم نقل فى قلعة حمص، واعتقل بها. وأسكن أهله ووالدته وأولاده فى خانقاه الصوفية، التى بناها شبل الدولة كافور الحسامى. ثم نقل إلى البويضا- وهى قرية قبلىّ دمشق، كانت تكون لعمّه الملك المعزّ مجير الدين يعقوب بن العادل. وتوفى بها، كما تقدم.
(29/369)

ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد، وما جهزه صحبته من الهدايا والتقادم، وما أورده الرسول فى الديوان العزيز من كلامه
ولما استولى الملك الناصر على دمشق، جهز الصاحب كمال الدين أنا حفص عمر بن أبى جراده- المعروف بابن العديم «1» إلى الديوان العزيز «2» .
قال تاج الدين على بن أنجب- المعروف بابن السّاعى- فى تاريخه:
كان وصول كمال الدين بن أبى جراده إلى بغداد، فى شعبان، سنة ثمان وأربعين فأكرم، وخرج إلى لقائه موكب الديوان العزيزى، مصدّرا بعارض الجيش، مجنّحا بخادمين من خدم الدار العزيزة. فالتقاه ظاهر البلد، ودخل معه. وقبّل صخرة باب النّوبى على العادة، وانكفا إلى حيث أنزل
(29/370)

وحضر- فى اليوم الثالث من قدومه- دار الوزير، وأدى رسالته.
وعرض ما صحبه من تحف وهدايا. ومن جملة ذلك: دار خشب بديعة الصنعة، وخمسة وعشرون «1» جملا، وعشرة أرؤس من الدواب: منها أربع بغلات، وبقيتها من جياد الخيل، مجلّلة بالأطلس [وزرديات «2» وخوذ- عمل الفرنج- ومائة وخمسين طقشا «3» ، وثلاثمائة ترس لليد، وعشرين ثوبا سقلاط «4» . ومن الثياب: الأطلس] والرّوسى والخطائى «5» والمموّج، ومقاصير ونقايير وخياشى مذهبة، وحريرى ألف وخمسمائة قطعة، وصناديق بها أوانى ذهب وفضة مجوهرة، وثلاثمائة مجلّد بخطوط منسوبة، وأصول صحيحة الضّبط، ومصحف كريم بخط ابن الخازن، وكتب عليه من نظمه قوله:
«وعليكم نزل الكتاب وفيكم ... وإلى ربوعكم نحنّ ونرجع»
(29/371)

قال: وكان قد جلس له الوزير فى الشّبّاك العالى، وجلس بين يديه على الصّفّة الطويلة، ظاهر الشباك، حاجبا باب النّوبى- وذكر جماعة.
قال: ثم أذن للرسول فى الدخول، وجلس إلى جانب حاجب باب النّوبى. وقرأ القرّاء، ثم نهض الرسول، وخطب خطبة بليغة من إنشائه قال ابن أنجب: وكنت حاضرا ومن خطّه الرائق نقلتها، وهذه نسختها:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
الحمد لله الذى أسبغ علينا جزيل النّعمة. ودفع عنا وبيل النّقمة.
ومنّ علينا بالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين وجعلنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بأنوارهم خير أمّة.
أحمده على هباته السنيّة، وصلاته الهنيّة، ومننه التى لا تحصى بحدّ ونعمه التى لا تستقصى بعدّ- حمد من لزمه الحمد ووجب. وتمسك من الطريقة المثلى بأقوى سبب. وأحلّنا الله دار المقامة من فضله، لا يمسّنا فيها نصب.
وأشهد أن لا إله الله وحده، شهادة من أزال عنه الشكّ ونفى، وخلص منه الإيمان وصفا. وتبوّأ من منازل الفوز غرفا، واكتسب بطاعة إمامه فخرا وشرفا. وأشهد أن محمدا عبده المصطفى المجتبى، ورسوله
(29/372)

الذى اقتعد ذروة الشّرف واحتبى. وتبّوأ على المقامات رتبا، وفضل العالمين أصلا ونسبا- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما هبّت شمال وصبا.
والصلاة والسلام على قسيم النّبىّ فى النّسب، وشريكه فى مدارج الفخار والرّتب. واحدىّ ماله من المناقب والحسب: خليفة الله فى أرضه.
القائم بسننه وفرضه. المستخرج من عنصر النبوة، المخصوص بفضيلتى.
العلم والأبوة:
إمام الزمان، المتهجّد بتلاوة القرآن. الذى هجر فى حفظ دين الله وسنه «1» . ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. ذى الفضل المبين، والحقّ اليقين. الإمام الأوّاه: المستعصم بالله، أمير المؤمنين «2» لا زالت جباه الملوك العظماء بثرى عتباته الشريفة موسومة. وأرزاق العباد بما جرى من أوامره اللطيفة مقسومة. والأقضية والأقدار جارية بما يوافق حكمه ومرسومة. والأقذية والأقذار بطول بقائه منفيّة محسومة:
ماذا يقول الذى يتلو مدائحه ... وقد أتتنا بها الآيات والسّور
إن قال، فالقول يفنى دون غايتها ... وإن أطال، ففى تطويله قصر
خليفة الله، لا تحصى مناقبكم ... إنّ البليغ بها فى حصرها حصر «3»
(29/373)

أما الشفاعة عنكم فى المعاد لنا ... لذى الكبائر والزّلّات تدّخر
أما النّدى من نداكم جاد صيّبه «1» ... من بعد ما ضنّ، فاستسقى به عمر «2»
فالغيث فى هذه الدنيا لنا بكم ... والغوث نرجوه فى الأخرى وننتظر
وبعد: فإن الله- وله الحمد- جعل لنا أئمّة خيرة، راشدين بررة.
يهتدى بهداهم، ويجتدى «3» نداهم. دفع عنّا الشّبه والياس، ورفع بهم النّقمة والالتباس. وآخر نسل عمّ نبيّه العبّاس. من تمسك بهداهم اهتدى.
ومن حاد عن طريقهم حادّ «4» الله واعتدى. بحبّهم يدرك الأمل والسّول.
وطاعتهم مقرونة بطاعة الله والرسول. تعظيمهم واجب مفترض وبموالاتهم يدرك الفوز والغرض. أقرب الناس إلى الله من هو فى ولايتهم عريق، وأولاهم بالنجاة من هو فى بحر محبّتهم غريق.
ولما كان عبد الديوان العزيز: يوسف بن محمد بن غازى- المستعصمى «5» - ممّن تقمّص بلباس هذه الأوصاف، وتخصص باقتباس هذه الشّيم الشّراف. وتردّى بالتمسك فى هذه الحلّة الجميلة، وتبدّى بالتّنسّك بهذه الخلّة الجليلة. واغتدى متقلّبا فى صدقات الدّيوان. واغتذى
(29/374)

من نعمه بلبان الإحسان، وورث ولاء هذا البيت النبوى الفاخر، كابرا عن كابر، وأصبح أوّلا فى العبوديّة، وإن أمسى زمنه الآخر. وكان أحقّ العبيد بأن يقبل- لسلفه سوالف الخدم. وأولاهم بأن يسبل عليه معاطف أذيال الجود والكرم- أحبّ أن تظهر عليه آثار هذه النّعمة، وأن يدرك بها الفضل فى الدنيا، كما يرجو فى الآخرة الرّحمة.
فارتاد من رعيّته من يقوم مقامه فى تقبيل الأرض، ويقف عنه هذا الموقف الجميل لأداء الفرض. ووجد هذا العبد المملوك- الماثل بين يدى مولانا: سلطان الوزراء وسيد الملوك- أقدمهم فى ولايات هذه الدولة النّبويّة المعظّمة أصلا، وأبلغهم فى موالاة المواقف المقدسة المكرمة نسلا، وأصلبهم، عند العجم «1» فى دعوى الرّقّ والولاء عودا. وأثبتهم فى التّعلّق بدولة الحقّ والانتماء عمودا. فندبه إلى المسير إلى دار السلام.
والنيابة عنه فى هذا المقام. والطّواف حول كعبة الرجاء والاستلام. وإنهاء ما تجدّد من الأحوال بمصر والشّام. وأن يضرع إلى عواطف الإفضال، ومشارع النّوال. ويخضع لمواقف الآمال، وشوارع الإقبال فى أن يحفظ له حقّ الآباء والجدود.
وقد وقف العبد المملوك عنه فى هذا الموقف الجليل، وحجّ عن فرضه إلى كعبة الجود والتّأميل. وحظى باستلم حجر ركنها وفاز بالتّقبيل. ويودّ مرسله لو فاز به أو استطاع إليه سبيل. فإنه قد حصل للعبد من القبول والثواب. ما أفاء على الأمل وزاد على الحساب. وتصدّق عليه من الديوان
(29/375)

العزيز بصدقة، يبقى فخرها فى الأعقاب. ولا ينسخ حكمها مرّ السّنين والأحقاب. والله تعالى يسبغ ظلّ الديوان العزيز على كافّة أوليائه. ويمتّعهم بدوام اقتدار سلطانه وطول بقائه. ويوزعهم «1» شكر مولانا سلطان الوزراء وجزيل آلائه. ويتولّى حسن مجازاته عنهم، فإنهم عاجزون. والحمد لله رب العالمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.
قد سيّر عبد الديوان العزيز: يوسف، إلى الخزائن المقدسة، والمواطن التى هى على التقوى مؤسّسة- خدمة على يد أقلّ مماليك الديوان وعبيده من طارف إنعام الديوان العميم وتليده، وسالف الإحسان القديم وجديده. وهو يضرع إلى العواطف الرحيمة، ويسأل من الصّدقات العميمة، أن ينعم عليه بقبولها، والتّقدّم بحملها إلى الخزائن الشريفة ووصولها، وأن يكسى بذلك فخرا لا يبلى جدّته مرّ الليالى والأيام. ولا يذهب نضرته كرّ السّنين والأعوام. والسلام.
فعند ذلك، أذن الوزير مؤيّد الدّين بن العلقمى فى إحضار الهدايا والمدّ، المقدّم ذكره، فأدخل شيئا فشيئا- والرسول قائم- إلى أن أحضر جميعه، وعرف قبوله. ثم انكفأ إلى منزله، واستحسن إيراده، واستجيد إنشاده وزيد فى احترامه، وبولغ فى إكرامه
(29/376)

[الحرب بين الملك الناصر والملك المعز]
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة- أيضا- كانت الحرب بين الملك الناصر، والملك المعز صاحب الديار المصرية.
وذلك أنه لما استقر له ملك دمشق، وأضافها إلى ما بيده، حسّن له أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- والأمراء القيمريّة، أن يقصد الديار المصرية، وينتزعها من الملك المعزّ: عزّ الدين أيبك التّركمانى. وكان شمس الدين لؤلؤ- المذكور- يستقلّ عساكر الديار المصرية، ويقول: أنا آخذ الديار المصرية بمائتى قناع «1» !.
فسار بجيوشه إليها، فخرج إليها الملك المعزّ بالعساكر المصرية. والتقوا واقتتلوا بمنزلة الكراع «2» ، بالقرب من الخشبى «3» . فكان الظفر له أوّلا، وبلغت الهزيمة بالعسكر المصرى إلى القاهرة. ومنهم من فرّ إلى جهة الصّعيد وذلك فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة. واتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة الجبل، فخطب للملك الناصر بها- فى يوم الجمعة الحادى عشر من الشهر.
(29/377)

ولما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصرى، ثبت الملك المعز فى نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه. وحمل بهم على الصّناجق الناصرية، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها، فيظفر به. وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة، وتحيّز إلى فئة. فرجع إلى الشام- وصحبه نوفل الزّبيدى، وعلى السّعدى. وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه، وقتل أتابكه، ما نذكره فى أخبار الملك المعز- جريا على القاعدة.
وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر، فأراد الملك المعز إبقاءه، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبى على، وقال: لا تقتله، فإنك تأخذ به الشام. فقال الأمير فارس الدين أقطاى: هذا الذى يقول: إنه يأخذ مصر بمائتى قناع! فضربوا عنقه!. وكان- رحمه الله تعالى- أرمنىّ الجنس، صالحا عابدا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقتل وقد ناف على ستين سنة.
ولما حصلت هذه الوقعة، تأكّدت أسباب الوحشة بين الملكين:
الناصر والمعزّ، وثارت الفتن بينهما. وتجرّدت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فأصلح بين الملكين. ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزّة، وجميع البلاد الساحلية، فتسلّم ذلك. وحلف كلّ من الملكين للآخر. ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعزّ، لمّا التحق بها لأمراء البحريّة عند هربهم من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى- على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.
(29/378)

ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ
وفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وصلت الخاتون الكبرى، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السّلجقى «1» - صاحب الروم «2» ، وأمّها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب- صحبة الشريف عز الدين المرتضى- وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك، فزفّت إليه الآن. «3» ووصلت إلى دمشق، واحتفل لها إحتفالا عظيما، وتلقاها القضاة والأكابر، وقدّموا لها التّقادم «4» الكثيرة، وتجمّل الملك الناصر لقدومها تجمّلا، «5» لم ير الناس مثله.
وفى هذه السنة، توفى الملك القاهر: نصرة الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وهو عمّ والد الملك الناصر. وكانت وفاته بحلب- رحمه الله تعالى.
(29/379)

وفى سنة أربع وخمسين وستمائة:
فتحت المدرسة الناصرية، التى عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس «1» بدمشق، وذكر بها الدرس بحضرة السلطان.
وفيها شرع الملك الناصر فى عمارة تربته ورباطه، غربىّ قاسيون.
وفيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائى «2» رسولا من جهة الخليفة، إلى دمشق. فرتّب له فى كل يوم مائة دينار، والإقامات الوافرة. وبنيت له المدرسة البادرائيّة بدمشق- وكانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامه.
وفيها- أيضا- كانت وفاة الملك المعزّ مجير الدين يعقوب، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. ودفن بتربة والده بالمدرسة العادلية بدمشق، وحضر السلطان جنازته وغلق البلد. وخلّف ولدين وهما: شهاب الدين غازى المعروف بالأسود، وسيف الدين أبو بكر، وابنة- رحمه الله.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، العالم الواعظ، شمس الدين أبى المظفّر يوسف بن قزغلى: سبط الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى.
كان والده قزغلى تركيّا من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة «3» ، زوجه أبو الفرج بن الجوزى ابنته، فولدت شمس الدين هذا، فنسب إلى جدّه، لا إلى أبيه.
(29/380)

وكانت وفاته بدمشق فى ليلة الثلاثاء، حادى عشر ذى الحجة، بمنزله بقاسيون، ودفن هناك. ومولده فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد.
وشهد السلطان جنازته. وكان كريما على الملوك الأيوبية، تقدّم من أخباره ما يدلّ على ذلك. وله مصنّفات منها: «مرآة الزّمان» - رحمه الله تعالى.
وفى سنة ست وخمسين وستمائة:
كانت وفاة الأمير سيف الدين: على بن عمر بن قزل التّركمانى، الياروقى، المصرى المولد والمنشأ، الدّمشقى الوفاة، المعروف بالمشدّ «1» .
ودفن بقاسيون. ومولده فى شوال سنة اثنتين وستمائة. وكان فاضلا أديبا. وله ديوان شعر مشهور- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الشيخ محيى الدين: محمد بن على بن محمد بن أحمد، الطائى الحاتمى، المعروف بابن العربى، بدمشق- فى ثانى جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومولده فى سابع عشر رمضان، سنة ثمان عشرة وستمائة.
ذكر سياقة أخبار الملك الناصر ومراسلته هولاكو، وغير ذلك من أحواله- إلى أن قتل- رحمه الله
قالوا: ولما اتّصل بالملك الناصر صلاح الدين ما ذكرناه، من أخبار هولاكو «2» ، واستيلائه على الممالك، وتقدّم جيوشه، ارتاع لذلك وسقط
(29/381)

فى يده. وكان قبل ذلك قد تغافل عن مراسلة هولاكو منذ وصل إلى العراق، فاستدرك الفارط، وجهّز ولده الملك العزيز إلى خدمته، وبعث معه كتابا إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والتمس منه أن يحسن السّفارة بينه وبين هولاكو، ويعتذر عنه. وكتب علاء الدين بن يعيش- كاتب الملك الناصر- كتابا إلى صاحب الموصل، يذكر أنه سيّر ولده إلى خدمة هولاكو، واستشهد فيه بقول الشاعر:
والجود بالنفس أقصى غاية الجود..
فقال الملك الناصر: لو استشهدت ببيتى أبى فراس كان أنسب.
فقال: وما هما؟ قال: قوله:
فدى نفسه بابن عليه كنفسه ... وفى الشّدّة الصّمّاء تفنى الذّخائر
وقد يقطع العضو النّفيس لغيره ... ويدفع بالأمر الكبير الكبائر
فأصلح الكاتب الكتاب.
وتوجه الملك العزيز بالهدايا النفيسة والتّحف، و؟؟؟ الملك الناصر زين الدين الحافظى والأمير سيف الدين الجاكى، وجماعة من الحجّاب- وذلك فى سنة خمس وخمسين وستمائة.
فلما وصلوا إلى هولاكو وقدّموا التقادم، سأل عن سبب تأخر الملك الناصر عن خدمته. فاعتذروا أن الفرنج بجوار بلاده، وأنه خشى إن فارقها أن يستولى عدوّه عليها، وأنه سيّر ولده ينوب عنه. فأظهر هولاكو قبول العذر- وباطنه بخلاف ذلك- وأعادهم. وكان وصولهم إلى الملك الناصر فى سنة سبع وخمسين وستمائة.
(29/382)

فعرّف الزين الحافظى الملك الناصر أن هولاكو أقبل عليهم، وأحسن إليهم. فقال بعض الأمراء، الذين كانوا فى صحبة الملك العزيز: ليس الأمر كذلك، وإنما الزّين الحافظىّ كان يتردد إلى هولاكو ويجتمع به سرا، وأطمعه فى البلاد. وكان الأمر كذلك.
وفى خلال ذلك، وصل الأمراء الشّهرزوريّة «1» إلى الشام، عند انهزامهم من هولاكو- وكانوا نحو ثلاثة آلاف فارس. فأشار الأمراء القيمرية باستخدامهم، ليكثر بهم جمعه ويستظهر بهم على أعدائه. فاستخدمهم، وأنعم عليهم وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال، وهم لا يزدادون إلا طلبا.
ثم بلغه عنهم أنهم مالوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، فزاد فى الإحسان إليهم، فلم يفد ذلك فيهم. ثم فارقوه، وقصدوا الملك المغيث واتصلوا به. فاجتمع عنده البحريّة والشّهرزوريّة، فقويت نفسه وطمع فى أخذ دمشق، وكاتب جماعة من الأمراء الناصرية وكاتبوه.
فاتصل ذلك بالملك الناصر، فأنعم على أمرائه وطيّب خواطرهم، وجدّد عليهم الأيمان. فامتنع جماعة من الأمراء العزيزية- مماليك والده- من الحلف، فزادهم وبالغ فى الإحسان إليهم، ولم يكلّفهم اليمين.
(29/383)

ثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد دمشق. فخرج بعساكره فى أوائل سنة سبع وخمسين، ونزل ببركة زيزا «1» ، وخيّم بها نحوا من ستة أشهر. ثم وقع الصلح بين الملكين. وحصل الاتفاق على أن يسلم الملك المغيث إليه البحريّة، فسلّم إليه من نذكره منهم.
وعاد إلى دمشق. فلما استقر بها، بلغه أن هولاكو وصل إلى حرّان، ونازلها بعساكره. فاستشار الأمراء فيما يفعله. فأشاروا عليه أن يخرج بالعسكر الشامى إلى ظاهر دمشق، وصمموا على قتال هولاكو. فخرج بعسكره وخيموا بظاهر برزة «2» . فصار نجم الدين الحاجب والزّين الحافظى- وجماعة معهما- يذكرون شدة عزم هولاكو، ويعظّمون أمره، ويقولون: من الذى يلتقى مائتى ألف فارس؟! فضعفت نفسه عن ملاقاته.
ثم بلغه أن هولاكو ملك قلعة حرّان، وأنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام، ومنازلة حلب. فازداد ضعفا إلى ضعفه. فاجتمعت آراء الأمراء والعساكر أن يسيّروا نساءهم وأولادهم إلى الديار المصرية، ويقيمون ثم فى خدمة الملك الناصر جرائد، ففعلوا ذلك. وبعث الملك الناصر زوجته: ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السّلجقى صاحب الروم- وكان قد تزوج بها فى سنة تسع وأربعين وستمائة- إلى الديار المصرية، وبعث معها ولده وأمواله وذخائره. وكذلك فعل جميع أمرائه وأجناده،
(29/384)

وصار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم يوصلونهم ويرجعون، فمنهم من يعود، ومنهم من لا يعود. فتفلّلت العساكر وتفرقت الجنود، وضعفت النفوس. ولم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من أمرائه جرائد «1» .
ونازل هولاكو مدينة حلب فى المحرم، سنة ثمان وخمسين وستمائة.
وفتحها عنوة. وسفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله، ببلاد العجم! وأسر التتار من النساء والصبيان ما يزيد على مائة ألف.
ثم فتح قلعة حلب، فى حادى عشر ربيع الأول من السنة، وأخذ جميع ما فيها. وأسر أولاد الملك الناصر وأمهاتهم. وخرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وكان شيخا كبيرا- فلم يتعرض هولاكو إليه، وأمّنه على نفسه. ومات الملك المعظم بعد أيام يسيرة. واستمرّ هولاكو بالوزير «2» المؤيد بن القفطى، على حاله.
فورد الخبر على الملك الناصر بأخذ حلب، وهو نازل على برزة.
فاستشار الأمراء، فأشاروا عليه أن يتأخر إلى غزّة، وأن يكاتب الملك المظفر قطز ويستدعيه بعساكر الديار المصرية، ليجتمع الكل على لقاء هولاكو، ودفعه عن البلاد.
(29/385)

فعمل برأيهم. ورحلوا يوم الجمعة بعد الصلاة، منتصف صفر، سنة ثمان وخمسين وستمائة. فانقضت مملكة الملك الناصر فى ذلك اليوم.
وكانت مدة ملكه بحلب ثلاثا وعشرين سنة، وسبعة أشهر، ومدة ملكه منها بدمشق عشر سنين، إلا خمسين يوما. ونزل الملك الناصر بمن معه على غزة، وأقام بها.
ولما توجه الملك الناصر، دخل الزّين الحافظى «1» إلى دمشق وجمع أكابرها، واتفقوا على تسليم دمشق لنوّاب هولاكو، وأن يحقنوا دماء أهلها.
فتسلمها فخر الدين المردغاوى وابن صاحب أرزن والشريف على- وكان هؤلاء رسل هولاكو إلى الملك الناصر- وكانوا عنده بظاهر دمشق: فلما دخلوا إليها وتسلموا قلعتها، كتبوا بذلك إلى هولاكو. فسير إليها المان التترى وعلاء الدين الكازى العجمى، نوّابا، وأمرهما هولاكو أن لا يخرجا عن إشارة الزّين الحافظى. وأوصاهما بالإحسان إلى أهل دمشق.
ثم بلغ هولاكو وفاة أخيه منكوقان «2» ، فعاد من حلب- كما قدمناه فى أخباره.
(29/386)

وبعث كتبغانوين «1» فى جيش كثيف إلى الشام فوصل كتبغا إلى دمشق، وأقام بها أياما، ورحل عنها إلى مرج برغوث «2» . ثم وصل الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو- وكان قد توجه إلى خدمته وهو بحلب- فعاد، وبيده مرسومة، أن يكون نائب المملكة بدمشق وحلب، وجميع البلاد الشامية.
فاجتمع بكتبغا فى مرج برغوث. فبعث إلى الزّين الحافظى ونواب دمشق بالاتفاق مع الملك الأشرف، على مصالح البلاد. ثم عصى بعد ذلك محمد بن قرمجاه، وجمال الدين بن الصّيرفى- نقيب قلعة دمشق- وأغلقوا أبواب القلعة. فحصرها كتبغا ومن معه وقاتل قتالا شديدا، ثم تسلمها بالأمان. فكتب الزين الحافظى بذلك إلى هولاكو، فعاد جوابه بقتل محمد ابن قرمجاه وجمال الدين بن الصّيرفى. فقال كتبغا للزين الحافظى: أنت كتبت إلى هولاكو بسببهم، فاقتلهم أنت. فقتلهما الزين الحافظى صبرا، بيده وسيفه، بمرج برغوث.
وبعث كتبغا نوين جيشا إلى نابلس، وقدم عليهم كشلوخان، فمضى إليها، وبها فخر الدين إبراهيم بن أبى ذكرى، نائب السلطنة بها. فركب
(29/387)

ومعه الأمير على بن الشجاع الأكتع، وفخر الدين درباس المصرى وجماعة، فصادفهم كشلوخان فى زيتون نابلس، فقتلهم بأجمعهم.
قال: ولما اتصل بالملك الناصر ومن معه من الأمراء وصول كشلوخان إلى نابلس وما فعله، حملهم الخوف على دخول الرّمل «1» فبلغ الملك المظفّر دخولهم، فتوهم أن ذلك مكيدة لتملك الديار المصرية. فكتب إلى الأمراء الناصرية والشّهرزوريّة، يعدهم بالإكرام والإحسان إن وصلوا إليه. ففارقوا الملك الناصر ومضوا إلى المظفر، أوّلا فأوّلا. ولم يبق مع الملك الناصر إلا الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن صاحب حمص، والأمير ناصر الدين القيمرى، وأخوه شهاب الدين، وابن عمه شهاب الدين يوسف بن حسام الدين. فوصلوا إلى قطيا «2» .
ثم خشى عاقبة دخوله إلى الديار المصرية، فعطف من قطيا، وسلك البرّيّة إلى الشّوبك بهم. فوصلوا إليها، ولم يبق لكل واحد منهم الا الفرس الذى تحته، وكل منهم فى نفرين أو ثلاثة، وقد نهبت خزائنهم وأموالهم وذخائرهم وبيوتات الملك الناصر.
ثم توجه الملك الناصر بمن معه إلى الكرك. وأرسل إليه الملك المغيث ما يحتاج إليه من الخيل والأقمشة والبيوتات وغير ذلك، وعرض عليه المقام عنده، والانفراد بالشّوبك. وقصد مكافاته عن سالف إحسانه، فإنه كان
(29/388)

قد أحسن إلى ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، لما توجه إليه إلى دمشق- على ما نذكره. فلم يجب الملك الناصر إلى ذلك، ومضى إلى البلقاء وأقام بأطراف البلاد.
وسير حسين الكردى الطّبردار إلى كتبغا نوين، يلتمس أمانه. وقيل:
بل حسين الكردى، لما شعر بالملك الناصر، توجه إلى كتبغا وأعلمه بمكانه.
فركب كتبغا بنفسه فى جيش كثيف إلى الملك الناصر وقبض عليه، وعلى من معه. فاعتقل الأمراء القيمرية بدمشق. وكان الملك الظاهر- أخو الناصر- نازلا على قلعة صرخد بحربها، بأمر هولاكو. فأمر كتبغا بطلبه، وقبض عليه. وجاء إلى قلعة عجلون وحاصرها- والملك الناصر معه- وقدّمه إلى القلعة، فأمر من بها أن يسلّموها، فسلموها بعد امتناع.
ثم جهز الملك الناصر وأخاه الملك الظاهر، والملك الصالح بن الملك الأشرف، صاحب حمص، إلى هولاكو- وصحبتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث صاحب الكرك. فأخبرنى المولى الملك العزيز المشار إليه- مدّ الله فى عمره- أنهم توجهوا جميعا إلى هولاكو، واجتمعوا به بتوريز «1» . فأما الملك العزيز فأعاده بعد يومين أو ثلاثة، فوصل إلى دمشق- على ما نذكره. وأما الملك الناصر وابنه الملك العزيز، والملك الظاهر، وابن صاحب حمص- فإن هولاكو أخّرهم عنده.
(29/389)

قال: وبلغنى أنه سأله عن أحوال الديار المصرية وعساكرها، فهوّن أمرها عنده، والتزم له بفتحها، وحمل أموالها وأموال الشام إليه. ولم يزل يتلطف إلى أن أمر بعوده.
فلما رجع من عنده، لقيه من سلم من الجيش الذين كانوا مع كتبغا نوين، لمّا كسرهم الملك المظفر قطز. فقبضوا عليه وأعادوه معهم إلى هولاكو. وقالوا له: ما كان على عسكرك أضرّ من مماليك هذا، ومماليك أبيه. وهم الذين قاتلونا وقتلوا كتبغا نوين، وهزموا عساكرك. فأمر بضرب عنقه، وعنق ولده الملك العزيز، وأخيه الملك الظاهر، وابن صاحب حمص- وذلك فى سنة ثمان وخمسين وستمائة.
واجتمع الناس لعزائه بجامع دمشق فى سابع جمادى الأولى، سنة تسع وخمسين وستمائة. ومولده بقلعة حلب فى يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وستمائة.
وكان- رحمه الله تعالى- ملكا حليما كريما، لم يكن لأحد من الملوك قبله- فيما سمعنا- ما كان له من التّجمّل. فإنه كان يذبح فى مطبخه فى كل يوم، أربعمائة رأس من الغنم الكبار- خارجا عن الخراف الرّضّع والأجدية والدّجاج والحمام. وكان الغلمان يبيعون فضلات الطعام بظاهر قلعة دمشق، بأبخس الأثمان، حتى استغنى أهل دمشق فى أيامه عن الطبخ فى بيوتهم.
حتى حكى عن علاء الدين على بن نصر الله، قال: جاء السلطان إلى دارى بغتة، ومعه جماعة من أصحابه. فمددت له فى الوقت سماطا، فيه من
(29/390)

الأطعمة الفاخرة والدجاج المحشو بالسكر والحلويات شيئا كثيرا. فعجب من ذلك، وقال: فى أى وقت تهيّا لك هذا كلّه؟ فقلت: والله هذا كله من نعمتك وسماطك، ما صنعت منه شيئا، وإنما اشتريته من عند باب القلعة.
وحكى مباشرو البيوت بدمشق أن نفقة مطابخه كانت فى كل يوم تزيد على عشرين ألف درهم. وكان إذا مات أحد من أرباب الوظائف فى دولته، وله ولد فيه أهليّة، فوّض ما كان بيده من المناصب لولده. فإن كان صغيرا استناب عنه إلى أن يصلح. ومن مات من أرباب الرواتب والصدقات، أقرّ ما كان باسمه باسم أولاده- رحمه الله تعالى.
وكان له شعر رقيق جيد. فمن شعره قوله، يتشوق إلى حلب:
سقى حلب الشهباء فى كل لزبة «1» ... سحابة غيث نوءها ليس يقلع
فتلك ربوعى، لا العقييق ولا الغضا ... وتلك ديارى، لا زرود ولعلع «2»
إلا أنه كان ضعيف الرأى، شغلته الملاذّ والشّعر والغزل وتلحين الأقوال عن النظر فى أمر دولته. فآل أمره إلى ما ذكرناه.
هذا ما كان من أمر الملك الناصر- على سبيل الاختصار.
وبقى بعد مقتله عند التتار صغار أولاده، الذين أسروا من حلب، زمنا طويلا بعد أن هلك هولاكو. ومات بعضهم هناك. وبقى منهم ولده الصغير
(29/391)

نجم الدين أيوب، فحضر إلى الشام، ثم إلى الديار المصرية، ورتّب له راتب من جهة الملوك- أسوة أولاد الملوك الأيوبية. وهو باق إلى وقتنا هذا، مقيم بالقاهرة المعزّيّة- حماها الله تعالى.
وأما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السلطان الملك العادل، بن السلطان الملك الكامل، بن السلطان الملك العادل بن أيوب- صاحب الكرك والشّوبك
فإنه لما قبض الأمراء على والده- كما قدّمنا ذكر ذلك- وملك عمّه الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، مشى فى خدمته مدة. ثم رأى منه نجابة ونبلا وشهامة، فأمر باعتقاله فى الدار القطبيّة «1» عند عمّة السلطان وعمة والد الملك المغيث- وهى ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل- رحمهم الله تعالى. فلم يزل عندها، إلى أن مات الملك الصالح وملك ولده الملك المعظم تورانشاه. فأمر بإرساله إلى قلعة الشّوبك، واعتقاله بها. وندب لذلك الأمير عز الدين الحلّى، والأمير سيف الدين بلبان النّجاحى، فتوجها به إلى الشّوبك، واعتقلاه بها، وعادا إلى الديار المصرية.
(29/392)

فما كان بأسرع من أن قتل الملك المعظم تورانشاه- كما ذكرنا- فلما اتصل خير مقتله بابن رسول، وشهاب الدين عمر بن صعلوك- وكانا متولّيى «1» أمر الشّوبك- نهضا وأخرجا الملك المغيث من الاعتقال، وملّكاه وحلفا له، وحلّفا من عندهما- وكانوا نحو عشرة- وحلّفاه بالوفاء لهم.
فأرسل إليهما بدر الدين بدر الصّوابى الخادم- النائب بقلعة الكرك- وأنكر عليهما إقدامهما على هذا الأمر بغير إذنه. فأرسلا إليه يقولان: بك فعلنا ذلك. فأعاد عليهما الجواب: إذا كان كذلك، فانقلاه إلى عندى فحلف للملك المغيث وحلف الملك المغيث له، وتوثّق كلّ منهما من صاحبه بأكيد الأيمان. فانتقل الملك المغيث من الشّوبك إلى الكرك- فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وتسلّم ما بها من الخزائن، التى بقيت مما نقل إليها الملك الصالح نجم الدين أيوب- بعد ما أخذه الملك المعظّم منها فوجد بها تسعمائة ألف وتسعين ألف دينار عينا. واستمرّ بالكرك والشّوبك، ورزق بها أولاده.
وراسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف- صاحب دمشق وحلب- وأرسل إليه والده الملك العزيز: فخر الدين أبا المظفر عثمان، برسالة.
فأكرمه الملك الناصر وأبرّه وقرّبه، وأجلسه فى مجلسه بالقرب منه ورتّب له فى كل يوم ألف درهم، وأربعمائة جراية وأربعمائة عليقة، وغير ذلك، ونقّله فى مستنزهات دمشق، وأقام عنده نحو ثلاثة شهور. ثم ركّبه الملك الناصر بشعار السّلطنة، وأعاده إلى أبيه. وقد عامله بنهاية البر وغاية الإكرام.
(29/393)

وكان للملك المغيث أخبار، يأتى ذكرها فى أثناء دولة الترك.
وبعث الملك المغيث ولده العزيز الى هولاكو، يلتمس له أمانا. وجهز معه شهاب الدين بن صعلوك والنجيب خزاعة- وهما أعيان أصحابه.
فأخبرنى الملك العزيز أنه اجتمع بهولاكو بتوريز، فأمره بالجلوس، مع صغر سنه فى ذلك الوقت. فنظرت اليه الخاتون- زوجة هولاكو- وسألته بترجمان عن أمّه، وهل هى باقية أم لا؟ فقال: هى باقية عند أبى. فقالت للترجمان: قال له: تحبّ أن أردّك الى أبيك وأمك، أو تقيم عندى؟
قال: فأعدت عليها: أنه لا أمر لى فى هذا، وإنما أبى أرسلنى إلى القان»
يسأله الأمان لنفسه ولمن عنده، وأنا تحت أوامره. فنهضت قائمة وكلّمت هولاكو، وشفعت. فأشار إليها، فقالت: قد أعطاك القان أمانا لأبيك، ودستورا «2» بالعود!.
قال: فضربت له جوكا، ورجعت من عنده. وأرسل معى من التتار من يوصلنى إلى الكرك، ويكون بها شحنه «3» . قال: فلما وصلت إلى دمشق نزلت بدار العقيقى، ونزل التتار بمدرسة العادلية. وكان كتبغا نوين قد توجه للقاء العساكر المصرية. فكانت الكسرة على التتار- على ما نذكره.
قال: فاتصل الخبر بنا، فتحصّنا بدار العقيقى «4» . فلما كان فى نصف الليل رجع التتار هاربين. فقصدوا أخذى معهم، فمانع عنى من
(29/394)

معى، وأعجلهم الهرب عن حصار الدار، فتركونى. قال: ولما جاء الأمير جمال الدين المحمّدى إلى دمشق- قبل وصول الملك المظفر قطز إليها- خرجت إليه وتلقيته، وسلمت عليه. فسأل عنى، فأخبر أننى ابن الملك المغيث، فعوّقنى إلى أن قدم السلطان الملك المظفر قطز. فأمر بإرسالى إلى قلعة الجبل.
فنقل إليها. فكان بها معوّقا فى برج، عند الأمير سيف الدين بلبان النّجاحى. إلى أن أعاده الملك الظاهر بيبرس إلى أبيه الملك المغيث- على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى أخباره.
ولم يزل الملك المغيث بالكرك والشّوبك، إلى أن استولى الملك الظاهر على الشّوبك، لأربع بقين من ذى الحجة، سنة تسع وخمسين، عند ما جرّد إليها الأمير بدر الدين الأيدمرى. وبقى بيد الملك المغيث الكرك وأعمالها.
ثم حصل الاتفاق بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس والملك المغيث، وحلف السلطان الملك الظاهر له يمينا مستوفاة، وأشهد عليه بما تضمنه مكتوب الحلف.
وقد شاهدت المكتوب. وهو بخط القاضى فخر الدين: إبراهيم بن لقمان- صاحب ديوان الإنشاء. وما فيه من اسم السلطان بخطّ السلطان، ومثاله: «بيبرس» .
ونسخة هذه اليمين- على ما شاهدته ونقلت منه:
(29/395)

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» *
أقول وأنا بيبرس. والله والله والله، وتا لله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله، العظيم الرحمن الرحيم، الطالب الغالب الضار النافع، عالم الغيب والشهادة والسّر والعلانية، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازى لها بما احتسبت. وجلال الله وعظمة الله وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا- إننى من وقتى هذا وساعتى هذه، وما مدّ الله فى عمرى، قد أخلصت نيّتى وأصفيت سريرتى، وأجملت طويّتى، فى موافقة المولى: الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الشهيد الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن محمد، بن أبى بكر بن أيوب، ومصافاته ومودّته.
لا أضمر له سوءا ولا غدرا، ولا خديعة ولا مكرا لا فى نفسه ولا فى ماله، ولا فى أولاده، ولا فى مملكته ولا فى قلعته، ولا فى بلاده، ولا فى أمرائه، ولا فى أجناده، ولا فى غلمانه، ولا فى مماليكه، ولا فى ألزامه ولا فى عربانه، ولا فى رعيّته، ولا فيما يتعلّق به وينسب إليه، من قليل وكثير.
(29/396)

وإننى والله لا أعارضه ولا أشاققه، ولا آمر من يعارضه فى بلاده الجارية فى مملكته، وهى: قلعة الكرك المحروسة، وربضها وسائر عملها، والغور المعروف بغور زغر «1» - بكماله، وحدّ ذلك من القبلة الحسا، ومن الشمال حد الموجب نصف القنطرة والمسيل، ومن الشرق الثنيتين، ومن الغرب السبخة المعروفة بأبى ضابط، ومنتهى حد الغور المذكور من القبلة الكثيب الرمل المعروف بالدبة، ومن الشمال الماء النازل من الموجب إلى البحيرة.
وإننى والله لا آمر ولا أشير، ولا أكتب، ولا آذن بصريح ولا بكناية، ولا بقول لأحد، فى التعرض لبلاده المذكورة، ولا السعى فيها بفساد. وإننى والله متى حضر المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور إلى خدمتى، عند حلولى بالشام المحروس، لمنازلة عدوّ يطرق بلادى، أو لعدو يطرق بلاده، لا أتعرض إليه بأذيّة، ولا أقصده بسوء فى نفسه ولا فى ماله ولا فى بلاده، ولا فى أمرائه ولا فى أجناده، ولا فى عربانه ولا فى مماليكه، ولا فى رعيته، ولا فيمن يصل صحبته من أصحابه.
(29/397)

وإننى والله لا أطالبه، ولا أطالب أحدا من أمرائه وأجناده، وأصحابه ومماليكه ولا من غلمانه، ولا من رعيته ولا من عربانه، ولا أحدا من سائر أصحابه، بسبب متقدّم إلى تاريخ هذه اليمين المباركة. ولا أمكّن أحدا من أمراء دولتى، ولا من جندها، ولا من سائر مماليكى، وأصحابى من الجماعة البحريّة وغيرهم، من مطالبته ولا مطالبة أحد من أمرائه وأجناده ومماليكه ورعيته، وسائر أصحابه، أهل الكرك وغيرهم، بسبب متقدّم عن تاريخ هذه اليمين المباركة- صامت كان أو غير صامت- من قماش وأثاث، وغير ذلك.
وإننى والله، لا أستخدم أحدا من أمراء المولى الملك المغيث: فتح الدين عمر المذكور، ولا من أجناده ولا من أجناد أمرائه، ولا من مماليكه ولا من مماليك أمرائه، ولا من عربانه ولا من غلمانه، الا من انفصل عنه بدستور. ومتى تسحّب أحد من أمرائه أو أجناده، أو أجناد أمرائه أو مماليكه، أو مماليك أمرائه أو غلمانه أو عربه، أو غير ذلك من أصحابه وفلاحى بلاده، وحضر إلى بلادى أو الى مملكة من ممالكى، والتمس عوده اليه- تقدّمت باعادته اليه، بجهدى وطاقتى.
وإننى والله متى قصد بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور عدوّ- مسلما كان أو كافرا- أعنته على دفعه وزجره وردعه، جهدى وطاقتى. وإننى والله، متى تعرض أحد من عرب بلادى الى بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور، أو الى جهة من جهات مملكته، أو الى أحد من رعيته أو أحد من سائر أصحابه، أو سعى بفساد فيما يتعلق بمملكته، واطّلعت عليه- تقدّمت بزجره وردعه عن ذلك. وفعلت فى أمره ما تقتضيه السّياسة.
(29/398)

وإننى والله- أفى للمولى الملك المغيث: فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل محمد، بن أبى بكر بن أيوب- بهذه اليمين من أولها إلى آخرها، ما دام وافيا لى باليمين التى يحلّفه بها نائبى، لا أنقضها ولا شيئا منها، ولا أستثنى فيها ولا فى شىء منها، ولا أستفتى فيها ولا فى شىء منها، طلبا لنقضها أو نقض شىء منها.
ومتى نقضتها أو نقضتها فيها أو فى شىء منها، طلبا لنقضها أو نقض شىء منها، فكلّ ما أملكه من صامت وناطق- صدقة على الفقراء والمساكين من المسلمين. وكلّ مملوك أو أمة فى ملكى، أو أتملكهما فيما بقى من عمرى، حرّ من أحرار المسلمين. وعلىّ أن أفكّ عشرة آلاف رقبة مؤمنة من أيدى الكفار، إن خالفت هذه اليمين أو شيئا منها.
وهذه اليمين يمينى، وأنا بيبرس. والنّيّة فيها بأسرها نيّة المولى الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن أبى بكر، بن أيوب، ونيّة مستحلفى له بها- أشهد الله علىّ بذلك، وكفى به شهيدا. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.
وشهد على السلطان الملك الظاهر، بهذه اليمين، من نذكرهم وهم:
الأتابك فارس الدين أقطاى، وأقوش النّجيبى، وقلاوون الألفى، وعز الدين أزدمر «1» ، وأيدمر الحلّى، وبيسوى الشّمسى، وبيليك
(29/399)

الطرندار، وأيبك الأفرم، وكاتب اليمين إبراهيم بن لقمان بن أحمد. وهى مؤرّخة فى الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة. وشهد على السلطان اثنان ممن حضر من الكرك، وهما: أمجد الكركى- وهو كاتب الملك المغيث- وكان قد أمّره، وآخر لم أحقّق اسمه عند قراءته.
وبآخر رسم خط الشهود خط المستحلف. وصورته:
أحلفت مولانا السلطان الكبير، العالم المجاهد، المرابط المؤيّد المنصور، الملك الظاهر أبا الفتح بيبرس بن عبد الله، الصالحى، أعزّ الله سلطانه- بهذه اليمين المباركة من أولها إلى آخرها، على الوجه المشروح فيها، تاريخ الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة- أحسن الله تقضّيها. وكتبه خزاعة بن عبد الرّزّاق بن على- حامدا لله تعالى ومصلّيا.
وجهز السلطان الملك الظاهر للملك المغيث ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان- وكان معتقلا بالقلعة من الأيام المظفّريّة، كما قدمنا- فأطلقه السلطان الآن، وأقطعه ذبيان «1» بمنشور، ثم سيّر إليه السلطان بعد ذلك صنجقا وشعار السلطنة. فقبّل الملك المغيث عقب الصّنجق، وركب بشعار السلطنة.
وظن الملك المغيث أن الصلح قد انتظم بمقتضى هذه اليمين، فركن إلى ذلك. ثم جهّز والدته فى سنة إحدى وستين وستمائة إلى الملك الظاهر.
فوجدها السلطان بغزّة، فأنعم عليها إنعاما كبيرا، وعلى من معها. وأجرى معها الحديث فى وصول الملك المغيث إليه، لينتظم الصلح شفاها، وتتأكد
(29/400)

أسبابه. وأعاد عليها العطاء ثانيا، وجهّزها إلى الكرك. وجهز فى خدمتها الأمير شرف الدين الجاكى المهمندار «1» ، لتجهيز الإقامات للملك المغيث.
فاغترّ الملك المغيث بذلك. واستخلف ابنه الملك العزيز فخر الدين بالكرك، واستحلف له من تركه بقلعة الكرك، وترك عنده بقية أولاده- إخوة الملك العزيز- وكان له سبعة أولاد ذكور، أسنّهم الملك العزيز فخر الدين عثمان. وولد له بعد قبضه ابنان. وكان الملك العزيز، يوم ذاك، صغير السن، فإن مولده- كما أخبرنى به- فى الأول من يوم الإثنين ثالث شوال، سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وفارق الملك المغيث الكرك، وتوجه إلى السلطان الملك الظاهر، وهو بمنزلة الطّور. فلما بلغ السلطان وصول الملك المغيث إلى بيسان، ركب إليه وتلقاه، وساقا جميعا إلى منزلة السلطان. فلما وصل الملك المغيث إلى باب الدّهليز، ترجّل ودخل إلى الخيمة. فأدخل على خركاه «2» ، وقبض عليه وعلى من معه- وذلك فى يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة إحدى وستين وستمائة. وأظهر السلطان لقبضه سببا، نذكره فى أخبار السلطان الملك الظاهر- إن شاء الله تعالى- تقف عليه بعد هذا.
(29/401)

ولمّا قبض عليه، جهّزه فى تلك الليلة إلى قلعة الجبل- صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى. ولما وصل إلى قلعة الجبل، أدخل البرج الذى كان به ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، فقال للأمير سيف الدين بلبان النّجاحى- متولّى قلعة الجبل-: فى هذا البرج كان ولدى عثمان؟
قال: نعم.
ولم يستقّر بذلك البرج، بل نقل منه فى يومه، وأدخل إلى قاعة من قاعات الدور السلطانية، فقتل من يومه. وكان آخر العهد به.
وتولى ذلك الأمير عز الدين أيدمر الحلّى- نائب السلطنة- بالغيبة.
واستدلّ على قتله أن بعض الخدام حكى، فقال: لما أدخل الملك المغيث إلى القاعة، طلب له طعام من الآدر «1» السلطانية- قال الخادم: فتوجهت لإحضار الطعام، فأتيت به على رأس خادم آخر، فوجدت الأمير عز الدين قد خرج من القاعة، وأغلق الباب! فقلت: قد حضر الطعام. فقال: بعد أن أغلقنا الباب لا نفتحه فى هذه الليلة. فرجعت بالطعام. ولم يفتح ذلك الباب، إلى ثلاثة أشهر أو نحوها.
وكان مولد الملك المغيث- رحمه الله تعالى- بمنزلة العبّاسة «2» فى شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وستمائة.
(29/402)

ولما قبض عليهم، جهز الملك الظاهر، إلى الكرك، الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير أيدمر الظاهرى، وكتب إلى من بها يعدهم الإحسان. ثم توجه بنفسه إليها، وتسلّمها على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى أخباره.
وأنعم على ولده: الملك العزيز فخر الدين عثمان بإمرة مائة فارس. ورتّب لإخوته وأهله الرواتب. ثم قبض عليه، بعد ذلك، واعتقله- على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وأما الملك الموحّد تقىّ الدين عبد الله ابن الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- صاحب حصن كيفا ونصيبين وأعمالها
فإن والده الملك المعظم كان قد تركه بحصن كيفا، عند قدومه إلى الديار المصرية، وهو دون البلوغ. فاستمر بالحصن بعد مقتل والده، ودبّر.
أمر دولته خادما أبيه: افتخار الدين ياقوت، وجمال الدين طقز. فلم تزل هذه المملكة بيده، إلى أن استولى هولاكو على البلاد.
(29/403)

فلما قارب بلاد الملك الموحد خرج إليه بأمان وتلقاه، وقدم له أشياء مما كان عنده من التّحف ونفائس الذخائر، فأقرّه على عمله. ولم يتعرض لحصن كيفا، ولا هراق به دما. وقرر عليه قطيعة فى كل سنة أحد عشر ألف دينار ثمنها «1» ستة وستين ألف درهم. ثم خرجت نصيبين عنه. وذلك أن صاحب ماردين: الملك المظفر، بن الملك السعيد بن أرتق- ضمنهما من التتار، وأضافها إلى مملكته.
ثم نقل أبغا بن هولاكو- فى أول دولته- الملك الموحّد إلى الأردوا «2» ، أخلى قلعة حصن كيفا، وخرّبها.
وسبب ذلك أن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، لما ملك الديار المصرية وما معها، خشى عاقبة الملك الموحد، وأنه من البيت الأيوبى، وملك الديار المصرية لأبيه وجده، وجدّ أبيه وجد جده. فأمر بمكاتبته ومكاتبة خادميه- عن جماعة من الأمراء الصالحية- يستدعون الملك الموحّد إليهم، ليملّكوه ملك آبائه. ووصلت الكتب بذلك إليهم، فمالت نفوس الخدّام إلى ذلك ورغبوا فيه، ولم يخشوا عاقبة المكايد.
(29/404)

فحملهم حبّ ذلك على أن أجابوا الأمراء عن كتبهم: أنهم يصلون إليهم بالملك الموحد. وأخذ القصّاد «1» الكتب ورجعوا، فظفر بهم مقدّم التتار. فأرسل الكتب إلى أبغا، فأحضره، وأحضر الخادمين، وقتلهما.
وأقره بالأردوا مدة سبع سنين- هذا، ونائبه مقيم بحصن كيفا. ثم أطلقه وأعاده إلى الحصن. فكان به إلى أن توفى. وكانت وفاته- رحمه الله- ضحى يوم الأحد، النصف من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة.
وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة عشر، وهم: الأمير سيف الدين أبو بكر شادى الكبير، وعلاء الدين على الكبير، ومغلطاى- وإنما سمّى بذلك، لأنه ولد بالأردوا «2» ، فأمرت قولى «3» خاتون، زوجة هولاكو، أن يسمّى بذلك. وأرسلان، ويوسف، وزكرى، وعثمان، وخليل، وعلى الأصغر، وإبراهيم شقيقه، وأبو بكر الأصغر- وهو ابن أخت ناصر الدين يحيى، بن جلال الدين الحيتى، أحد مقدّمى التتار. ونجم الدين أيوب، وحسن. ومات من أولاده- قبل وفاته- الملك المعظم محمد- مات قبل والده بسبعة أيام. واللّمسن- وهو شقيق أرسلان.
ولما مات الملك الموحّد، ملك حصن كيفا بعده ولده: الملك الكامل سيف الدين أبو بكر شادى- بتقرير التتار. فاستمر إلى شهر رجب، سنة تسع وتسعين وستمائة. ثم قتله قازان، ملك التتار. وسبب ذلك أن بعض إخوته شكوه له، وذكروا أنه قتل بعضهم.
(29/405)

وملك بعده الملك العادل سيف الدين أبو بكر الأصغر، ملّكه قازان.
رعاية لحق أخواله. فملك أربعة أشهر، وقتل بمنزلة الميدان- بقرب إربل- قتله الأكراد، هو وأخوه أرسلان- وكانا نازلين بتلك المنزلة مع جماعة من التتار، كبسهم الأكراد الشّهريّة «1» بها.
وملك بعده أخوه الملك المعظم، حسام الدين خليل- أربعة أشهر- فعسف وظلم فنازعه فى المملكة ابن أخيه الملك الصالح صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل سيف الدين أبى بكر، بن الملك الموحّد، وشكاه إلى التتار، فسلّم إليه عمّه الملك المعظم، فخنقه.
واستقر الملك الصالح هذا فى المملكة بحصن كيفا، خمس سنين. ثم نازعه (عمّه) «2» حسن، وتوجه إلى التتار فملّكوه الحصن. ولقّب الملك الظاهر بدر الدين حسن، وأرسلوا معه عسكرا، فهرب ابن أخيه أمامه.
وأقام بالحصن سنة.
ولحق الملك الصالح بالشيخ الشرف، بن الشيخ عدىّ الهكّارى، بجبل هكّار «3» ، وأقام سنة. ثم جمع جمعا كثيرا من الأكراد، وعاد إلى الحصن، عند خلو البلاد من التتار، وحاصر عمّه الملك الظاهر حسن، مدة أربعة أشهر. فوافقه أهل القلعة وسلموه إليه، فقتله، وعاد إلى مملكته.
وأرسل إلى التتار وأرضاهم، فأقروه. فهو إلى وقتنا هذا.
(29/406)

أخبرنى بذلك المولى الأمير علاء الدين على، بن الملك الموحّد- وهو على الأصغر، المقدّم الذكر- وهو يوم ذاك بالقاهرة المعزّيّة.
وكان قد فارق الحصن، لمّا حصل من ابن أخيه هذا: من قتل إخوته أولاد الملك الموحّد. ووصل إلى الديار المصرية، فى أوائل سنة ثلاث وسبعمائة، واستقر بها. وأقطعه السلطان الملك الناصر إقطاعا متميزا، بحلقتها. وأخبرنى أنه لم يبق من أولاد الملك الموحّد- لصلبه- سواه. وأن بقية من ذكرناهم أفناهم الموت والقتل.
وذلك فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وأما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر بن أيوب صاحب ميّافارقين
فإنه لم يزل بها، إلى أن ملك التتار البلاد. فندب هولاكو صرطق نوين، وقطغان نوين «1» لمحاصرته بميّافارقين، بطائفة كثيرة من التتار.
فحاصروه مدة سنتين، حتى قلّت الأقوات عندهم، وأكلوا الكلاب والسّنانير والميتة. ففتحها التتار بعد أن فنى من عنده من الجند من القتال- وذلك فى سنة ثمان وخمسين وستمائة. وأسر الملك الكامل، وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدى هولاكو، فقتلوا، إلا مملوكا واحدا- كما تقدم فى أخبار هولاكو
(29/407)

وكان الملك الكامل هذا- رحمه الله تعالى- ملكا حازما كريما، كثير الزّهد والوّرع. ولما قتل- رحمه الله- حمل التتار رأسه على رمح، وطيف به البلاد. ومرّوا به على حلب وحماه وأتوا به إلى دمشق- فى سابع عشر جمادى الأولى من السنة- وطافوا به دمشق، وأمام الرأس المغانى والطّبول! وعلّق رأسه بباب الفراديس، إلى أن دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق- بعد هزيمة التتار- فأنزل الرأس، ودفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس فقال الشيخ شهاب الدين أبو شامه «1» فى ذلك، من أبيات:
ابن غازى غزا وجاهد قوما ... أثخنوا «2» فى العراق والمشرقين
طاهرا عاليا، ومات شهيدا ... بعد صبر عليهم عامين
لم يشنه إذ طيف بالرأس منه ... وله أسوة برأس الحسين
ثم واروا بمشهد الرأس ذاك الرأ ... س، فاستعجبوا من الحالتين
(29/408)

وأما الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور أبى عبد الله محمد، بن الملك المظفر تقى الدين أبى سعيد عمر، بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه
فإنه كان قد ملك حماه بعد وفاة والده- فى ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. فاستمر فى ملك حماه، وطالت مدته. وكان يتردد إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية والمنصورية، وهم يعظّمونه. وهداياه وتقادمه تصل إلى الملوك. وهو يشهد معهم الحروب والوقائع، بعسكر حماه.
وما زال كذلك، إلى أن توفى فى شوال، سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ومولده فى الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
ولما توفى، رتّب السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى ملك حماه ولده: الملك المظفر تقىّ الدين محمود بن محمد. وكوتب من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب به والده. وحملت إليه وإلى أهله وإلى أهل بيته الخلع والتشاريف السلطانية واستقر فى ملك حماه إلى أن توفى فى يوم الخميس، الحادى والعشرين من ذى القعدة، سنة ثمان وتسعين وستمائة،
(29/409)

ودفن ليلة الجمعة. وكان مولده فى الساعة العاشرة من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة.
واستقرت المملكة الحمويّة بعد وفاته فى يد نوّاب ملوك مصر. وكان أول من وليها من النواب: الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى، نقل من الصّبيبة إليها. ثم نقل منها إلى نيابة حلب، فى سنة تسع وتسعين وستمائة، بعد وقعة قازان «1» . وفوّضت نيابة السلطنة بحماه إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى- وكان قبل ذلك بصرخد- فلم يزل بها إلى أن مات، فى سنة اثنتين وسبعمائة. فوليها الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، فكان بها إلى أول الدولة الناصرية الثانية. ونقل منها، فى سنة تسع وسبعمائة، إلى نيابة المملكة الحلبية. وفوّضت نيابة السّلطنة بحماه للأمير سيف الدين أسندمر كرجى «2» فكان بها، إلى أن فوّض السلطان- الملك الناصر- نيابة المملكة الحمويّة إلى الأمير عماد الدين إسماعيل، بن الملك الأفضل نور الدين على، ابن الملك المظفر محمود، بن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقىّ الدين عمر، بن شاهانشاه بن أيوب، فى سنة عشر وسبعمائة
(29/410)

فاستمر فى نيابة السلطنة مدة ثم كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالى الملكى العمادى ولم يزل كذلك، إلى أن فوّض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه، ولقبه بالملك المؤيّد. وركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم، سنة عشرين وسبعمائة- على ما نذكره ذلك، إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية. وهو باق إلى وقتنا هذا. ويصل فى كل سنة إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم والتّحف، ويحصل له الإنعام السلطانى، والتشاريف، وغير ذلك.
وملوك حماه- وإن لقّبوا بألقاب الملوك، وخوطبوا وكوتبوا بما يخاطب ويكاتب به الملوك- فلا تعدّ أيامهم من جملة الدولة الأيوبية، لأنهم فى الخدمة السلطانية على رسم النّواّب. وإنما أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم، لتعلم.
(29/411)

وأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادى.. صاحب تلّ باشر والرّحبة
فقد ذكرنا أنه كان بيده حمص وتدمر والرّحبة «1» ، إلى أن استولى الملك الناصر- صاحب حلب- على حمص، فى سنة ست وأربعين وستمائة، وعوّضه عنها تلّ باشر «2» . فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب- كما ذكرنا فى سنة ثمان وخمسين وستمائة- فحضر إليه، فأكرمه هولاكو، وأعاد عليه حمص، وفوّض إليه نيابة السلطنة بالشام والسواحل.
فلما هزم الملك المظفر سيف الدين قطز التتار على عين جالوت، ووصل إلى دمشق- أقرّه على حمص والرحبة وتدمر. وأقر الملك الظاهر- بعده- ذلك بيده، إلى أن توفى فى حادى عشر صفر، سنة اثنتين وستين وستمائة.
ولم يكن له عقب، فاستقرّ ما كان بيده فى يد نوّاب السلطنة، إلى وقتنا هذا. ولبعض من ذكرنا أخبارهم فى هذا الوضع، أخبار ووقائع مع الملوك، يأتى ذكرها فى أخبار ملوك الديار المصرية- على ما تقف على ذلك، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه. وإنما ذكرناهم فى هذا الموضع، لتكون أخبارهم مجتمعة، على سبيل الاختصار.
(29/412)

[إنتهاء الدولة الأيوبية] «1»
وكانت هذه الدولة الأيوبية بالديار المصرية- منذ ولى الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة العاضد لدين الله العبيدى، ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش، فى سابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمسمائة، إلى أن ملك السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانى الصالحى، فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة- أربعا وثمانين سنة، وأربعة أشهر، واثنى عشر يوما- وإلى أن استولى هولاكو على الشام، وهرب الملك الناصر، صاحب الشام وحلب، فى النصف من صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثلاثا وتسعين سنة، وعشرة أشهر، تقريبا.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة الأيوبية، على سبيل الاختصار. فلنذكر أخبار دولة التّرك، وهى فرع الدولة الأيوبية.
(29/413)

ذكر أخبار دولة التّرك «1» وابتداء أمر ملوكها، وما ملكوه من الممالك والحصون والأقاليم والثغور والأعمال، وما افتتحوه، وغير ذلك من أخبارهم
كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية. ثم انتشرت بالبلاد الشامية، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية والفراتية. ثم استولت على الثّغور والقلاع والحصون الساحلية. واستنقذت حصون الدّعوة من أيدى الإسماعيلية «2» .
وبلغت المملكة الرومية. ودانت لها الأقطار اليمانية والحجازية.
وانتمت إليها الطوائف القرمانية «3» . ورغب فى مسالمتها الملوك.
الجنكزخانيّة. ونفذت أوامرها واتّصلت أحكامها ببلاد إفريقية وما يليها، والتّكرور «4» وما يدانيها. ودخل فى طاعتها وعقد ذمّتها من بإقليم النّوبة، من بلاد الدّوّ «5» ، المجاور لثغر أسوان، إلى بلاد الكرسى والعريان «6» ، وهو آخر العمل بالقرب من مجرى نهر النيل. على ما نورد ذلك، إن شاء الله تعالى، ونوضّحه ونبيّنه ونشرحه.
(29/414)

ولنبدأ بذكر أخبارهم، وسبب الاستيلاء عليهم.
ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم، واتصالهم بملوك الإسلام. ومن استكثر منهم، وتغالى فى اتباعهم وقدّمهم على العساكر
قد ذكرنا فى أخبار الدولة العبّاسيّة من اتصل منهم بالخلفاء، وتقدم على العساكر، وعلا قدره وطار اسمه. وذكرنا أيضا فى أخبار الدولة العبيديّة- فى أيام المستنصر بالله- ما كان من أمرهم، وقيامهم، ومحاربتهم ناصر الدولة بن حمدان- تارة، ومعه أخرى.
ثم ذكرنا أن الملك الناصر- صلاح الدين يوسف بن أيوب- كان ممن اهتمّ بتحصيلهم، وأخوه الملك العادل، ثم ابنه الملك الكامل. وكانوا إذ ذاك لا يجلبهم التّجّار إلا خفية، ولا يقدرون على تحصيلهم إلا سرقة، لأن حماهم كان مصونا من التّجاهر ببيعهم، أو التطرق إليهم.
وأما السبب الموجب للاستيلاء عليهم، وبيعهم فى الأمصار- فهو أنه لما ظهر جنكزخان التمرجى، ملك التتار، واستولى على البلاد الشرقية
(29/415)

والشمالية، وبثّ عساكره فى البلاد، فانتهوا إلى بلاد القفجاق واللّان «1» ، وأوقعوا بهم- على ما قدّمنا ذكره، فى أخبار الدولة الجنكزخانيّة- فبيعت ذرارى التّرك والقفجاق، وجلبها التجار إلى الأمصار.
ثم رجعت عنهم هذه الطائفة الذين ندبهم جنكزخان إليهم، فى سنة ست عشرة وستمائة- وهم التتار المغرّبة «2» - وعادوا إلى ملكهم جنكزخان.
واستقرت طوائف الأتراك بأماكنهم من البلاد الشمالية. وهم أصحاب عمود «3» ، لا يسكنون دارا، ولا يستوطنون جدارا، بل يصيّفون فى أرض ويشتّون بأخرى. وهم قبائل كثيرة فمن قبائلهم ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس، الدّوادارى المنصورى، نائب السلطنة الشريفة كان- أحسن الله عقباه، وقد فعل، وعامله بألطافه فيما بقى من الأجل- فى تاريخه «4» :
قبيلة طقصبا. وتيبا. وبرج أغلى. والبرلى، وقنغر أغلى. وأنجغلى.
ودروت. وقلابا أغلى. وجرثان. وقرا تركلّى. وكتن.
قال: ولم يزالوا مستقرين فى مواطنهم، قاطنين بأماكنهم، إلى سنة ست وعشرين وستمائة. فاتفق أن شخصا من قبيلة دروت يسمى منغوش بن
(29/416)

كتن خرج متصيّدا، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه آق كبك- وكان بينهما منافسة قديمة- فأخذه أسيرا، ثم قتله. وأبطأ خبر منغوش عن أبيه وأهله، فأرسلوا شخصا اسمه جلنغر لكشف خبره، فعاد إليهم وأخبرهم بقتله. فجمع أبوه أهله وقبيلته وساق إلى آق كبك. فلما بلغه مسيرهم نحوه، جمع أهل قبيلته وتأهب لقتالهم. فالتقوا واقتتلوا، وكان الظفر لقبيلة دروت، وجرح آق كبك وتفرق جمعه.
فعند ذلك أرسل أخاه أنص إلى دوشى خان بن جنكزخان- وكان أوكدى «1» ، وهو الملك يومئذ بكرسى جنكزخان «2» ، قد ندبه إلى البلاد الشمالية- مستصرخا به، وشكا إليه ما حلّ بقومه من قبيلة دروت القبجاقيّة، وأعلمه أنه إن قصدهم لم يجد دونهم من يمانع. فسار إليهم فى عساكر، وأوقع بهم، وأتى على أكثرهم قتلا وأسرا وسبيا. فاشتراهم عند ذلك التجار، ونقلوهم إلى البلاد والأمصار.
وأما أول من استكثر منهم وتغالى فيهم، وقدّمهم على العساكر، فهو الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.
وقد ذكرنا فى أخبار الدولة الكاملية- فى سنة سبع وعشرين وستمائة- أن الملك الكامل اتصل به أن ابنه الملك الصالح ابتاع ألف مملوك، وأنه توثّب على الملك، فنقم عليه وأخرجه من الديار المصرية.
(29/417)

فلما أفضت السلطنة إليه، استكثر منهم، وأمرهم وقدّمهم على العساكر. فكانوا فى خدمته، إلى أن مات. وملك بعده ابنه الملك المعظم تورانشاه، فعاملهم بما يكرهونه. وبذل لسانه فيهم، وتواعدهم، فحملهم ذلك على قتله، وطلب الملك لأنفسهم. وكان ما ذكرناه من إقامة شجر لدّرّ، وخلعها.
فلنذكر ملوك دولة الترك:
(29/418)

أول من ملك من ملوك هذه الدولة: السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى
وليس بتركمانى، وإنما هى نسبة إلى أولاد التركمانى، لأنه كان عند أحدهم، ثم ملكه الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهو تركىّ الجنس.
ملك الديار المصرية، فى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة. وأقام معه فى السلطنة الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل، وأجلسه على كرسى السلطنة فى يوم الأربعاء- ثالث جمادى الأولى، سنة ثمان وأربعين. وركب وشقّ المدينة فى يوم الخميس- وكان عمره نحو ست سنين.
وكانت المناشير والتّواقيع والمراسم تخرج عن الملكين، وليس للأشرف معه إلا مجرد التسمية، والأمر للملك المعزّ. ولم يزل كذلك، إلى أن قتل الأمير فارس الدين أقطاى فى سنة اثنتين وخمسين- على ما نذكره.
فاستقل حينئذ بالملك. وكان الملك الأشرف فى هذه المدة قد حجب عن الناس، واسمه قائم دون شخصه.
(29/419)

ذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز والملك الناصر صاحب الشام، وانتصار المعز
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة، كانت الحرب بين السلطان الملك المعزّ وبين الملك الناصر- صاحب الشام.
وسبب ذلك أن الملك الناصر، لما استولى على دمشق فى هذه السنة- كما قدّمنا فى أخباره- أشار عليه أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- والأمراء القيمرية، بقصد الديار المصرية. فسار من دمشق. واتصل خبره بالملك المعز، فخرج إليه بعساكر الديار المصرية. والتقيا على منزلة الكراع، بالقرب من الخشبى «1» .
واقتتل العسكران، فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة.
فكانت الهزيمة على العسكر المصرى. ووصلت طائفة من العسكر المصرى إلى القاهرة. ومنهم من فرّ إلى جهة الصعيد. وثبت الملك المعز، واختار من عسكره ثلاثمائة فارس، وحمل بهم على صناجق الملك الناصر، طمعا أن يكون بجهتها فيظفر به. وكان الملك الناصر تحيّز إلى فئة، واعتزل المعركة خوفا على نفسه، واحتياطا لها. فلما عاين حملة الملك المعز، وشاهد إقدامه، انهزم، ورجع إلى الشام- كما تقدم.
(29/420)

وساقت الأمراء العزيزيّة- مماليك والده- بأطلابهم «1» إلى خدمة الملك المعزّ، ودخلوا فى طاعته، وهم: الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى، والأمير شمس الدين أقش البرلى، والأمير شمس الدين أقش الحسامى، وأمثالهم. وكان سبب انصرافهم عن سلطانهم الملك الناصر أنه أضافهم، يوم الحرب، إلى طلب «2» الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فعزّ ذلك عليهم، وفارقوا خدمة الملك الناصر.
قال: واجتمع الأمراء القيمريّة، وغيرهم، إلى شمس الدين لؤلؤ، وهنّوه بالنصر على زعمهم- وتفرقت جماعتهم فى طلب المكاسب. فلم يبق معهم من مماليكهم إلا نفر قليل. فصادفهم الملك المعزّ بمن معه من عسكره، فقاتلهم. فقتل شمس الدين لؤلؤ، وجماعة من الأمراء القيمرية، وهم: حسام الدين، وصارم الدين، القيمريّان، وسعد الدين الحميدى، ونور الدين الزّرزارى، وجماعة من أعيان مماليك الملك الناصر.
وقتل أيضا تاج الملوك، بن الملك المعظم تورانشاه.
وأسر جماعة، وهم: الملك الصالح بن العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب. ثم قتله الملك المعز فى سنة تسع وأربعين، ودفنه بالقرافة. وأسر أيضا الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأخوه نصرة الدين، والملك الأشرف صاحب حمص، وشهاب الدين بن حسام الدين القيمرى، وغيرهم.
(29/421)

وأما بقية الأمراء الناصرية، فانهم ما علموا بشىء من ذلك. بل ساقوا خلف من انهزم من العسكر، إلى أن وصلوا إلى العبّاسة «1» وخيّموا بها. ثم بلغهم الخبر فرحلوا بمكاسبهم وأثقالهم. قال: ولما انتصر الملك المعز، وقتل من قتل، وأسر من أسر، ساق إلى العبّاسة ليلتحق بعساكره.
فرأى دهليز الملك الناصر وعساكره قد خيم على العبّاسة، فعرّج عن طريقها.
وسار على طريق العلاقمة «2» إلى بلبيس فلم يجد بها من العسكر أحدا. وبلغه أن منهم من دخل إلى القاهرة، ومنهم من انهزم إلى الصعيد. فنزل على بلبيس بمن كان معه، إلى أن تحقق عود من سلم من العسكر الشامى. وعاد الملك المعز إلى قلعة الجبل، مؤيدا منصورا.
قال: ولما طلع إلى القلعة، وجد جماعة من الأمراء المعتقلين بها، لمّا بلغهم وصول المنهزمين من العسكر المصرى، ظنوا أن الهزيمة تستمر، فخطبوا للملك الناصر على منبر الجامع بالقلعة، فى يوم الجمعة حادى عشر ذى القعدة من السنة. فعظم ذلك على الملك المعز، وشنق الأمير ناصر الدين إسماعيل بن يغمور الصالحى، وأمين الدولة وزير الملك الصالح، على شراريف قلعة الجبل- وكانا من جملة المعتقلين بها- ومن أشار بالخطبة للملك الناصر. ثم أخرج جميع من دخل إلى القاهرة من العسكر الناصرية، وأعادهم إلى دمشق على دوابّ- وكانوا ثلاثة آلاف نفس- ولم يركب أحدا منهم فرسا، إلا نور الدين بن الشجاع الأكتع، وأربعة من مماليك الملك الناصر.
(29/422)

واستهلّت سنة تسع وأربعين وستمائة:
فى هذه السنة، خرج الملك المعز بعساكر الديار المصرية، لقصد الملك الناصر، فنزل على أمّ البارد عند العبّاسة. واتصل ذلك بالملك الناصر، فجهز العسكر الشامى إلى غزّة، ليكون قبالة العسكر المصرى. وأقام العسكران فى منازلهما ستين يوما. ونزل الملك الناصر على غمّتا من الغور، وخيّم عليها. وأقام بعسكره ستة أشهر.
وفيها فى شعبان، عزل قاضى القضاة: عماد الدين أبو القاسم إبراهيم ابن هبة الله بن إسماعيل بن نبهان بن محمد، الحموى، المعروف بابن المقنشع- عن القضاء بمصر والوجه القبلى. وأضيف ذلك إلى قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى. فاجتمع له الآن قضاء القضاة بالمدينتين، والوجهين القبلى والبحرى، ولم يجتمعا له قبل ذلك.
وفيها، قصد الأمير جمّاز بن شيحة المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وقبض على أخيه عيسى، وأقام بالمدينة.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين على بن سلامة بن المسلم بن أحمد، بن على اللّخمى المصرى، المعروف بابن الجمّيزى.
وكان إماما فاضلا، عالما بمذهب الإمام الشافعى. وأخذ العلم عن الشيخ شهاب الدين محمد الطّوسى، وعن محمد بن يحيى، وشرف الدين بن أبى عصرون. وتفقّه بالشام، وقرأ القرآن على جماعة منهم الشاطبى
(29/423)

والبطايحى. وسمع الحديث الكثير، ورواه. سمع شهدة «1» ببغداد.
والحافظ السّلفى بمصر. وأجيز بالفتيا فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وهو سبط الفقيه أبى الفوارس الجمّيزى.
وكان دمث الأخلاق، كريم النفس، قل أن يدخل إليه أحد إلا وأطعمه وكان يخالط الملوك، ويعظّمونه. ولم يزل كذلك إلى أن حج فى سنة خمس وأربعين وستمائة. فأهدى له صاحب اليمن هدية بمكة.
فقبلها. فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وكانت وفاته بمصر فى ليلة الخميس، رابع عشر ذى الحجة. ودفن يوم الخميس بالقرافة، قريبا من روزبهان. ومولده يوم النحر سنة تسع وخمسين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الفقيه الشيخ، الرّياضى، علم الدين قيصر: بن أبى القاسم بن عبد الغنى بن مسافر، الحنفى المصرى، المعروف بتعاسيف. كان إماما فى علوم الرياضة، وفى فنون كثيرة.
وكانت وفاته بدمشق، فى يوم الأحد ثالث عشر شهر رجب. ودفن خارج باب شرقى، ثم نقل إلى الباب الصغير. ومولده سنة أربع وسبعين
(29/424)

وخمسمائة، بأصفون من أعمال مدينة قوص، من الصّعيد الأعلى بالديار المصرية «1» . وأصفون بلدة مشهورة هناك.
وفيها، توفى الصاحب الوزير: جمال الدين أبو الحسين يحيى، بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن على بن حمزة بن إبراهيم، بن الحسين- بن مطروح.
من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك. وأقام بمدينة قوص مدة. وتنقلت به الأحوال فى الخدم والولايات. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى نيابته عن أبيه السلطان الملك الكامل بالديار المصرية.
وانتقل فى خدمته عند توجهه إلى بلاد الشرق، فى سنة تسع وعشرين وستمائة. ولم يزل هناك إلى أن ملك الملك الصالح الديار المصرية، فوصل إلى خدمته، فى أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة. فرتّبه ناظر الخزانة.
ثم نقله إلى دمشق، لما ملكها ثانيا، من عمه الملك الصالح إسماعيل، وجعله وزيرا وأميرا. واستمر إلى أن وصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق فى شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، فعزله عن الوزارة وسيّره مع العسكر لحصار حمص. ثم عاد فى خدمة السلطان الى الديار المصرية، وأقام معه بالمنصورة- وقد تغيّر عليه لأسباب اتصلت به عنه- ومع ذلك فلم يزل يلازم الخدمة. إلى أن مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة. فجاء إلى مصر، وأقام بداره إلى أن مات.
(29/425)

وكان حسن الأخلاق. وله ديوان شعر وكانت وفاته بمصر فى ليلة الأربعاء، مستهلّ شعبان، سنة تسع وأربعين وستمائة. ودفن بسفح المقطم.
ومولده بمدينة سيوط من صعيد مصر، فى يوم الإثنين ثامن شهر رجب، سنة اثنتين وتسعون وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة خمسين وستمائة:
والاختلاف بين الملكين: الناصر- صاحب دمشق والشام- والمعزّ صاحب الديار المصرية- على حاله، والعساكر من الطائفتين مجرّدة، كل طائفة معتدّة للأخرى. ولم يكن فيها من الأخبار ما نذكره.
واستهلّت سنة إحدى وخمسين وستمائة: ذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر
قال: ولم تزل الفتنة بين الملكين: المعز والناصر قائمة، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فسعى فى الصلح بينهما.
فوقع الاتفاق: على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة، وجميع البلاد الساحلية- إلى حدود نابلس. واستحلف الشيخ نجم الدين الملكين على ذلك. فتم الصلح بينهما وانتظم.
(29/426)

وأفرج الملك المعز عن الملك المعظم صلاح الدين يوسف بن أيوب، والملك الأشرف صاحب حمص، وأولاد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وغيرهم. من الأمراء الذين كانوا قد أسروا فى المصافّ، الكائن فى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وذلك فى المحرم من هذه السنة.
وفى هذه السنة، لثلاث خلون من شعبان، قتل أبو سعد: الحسن بن على بن قتادة- صاحب مكة- شرّفها الله تعالى.
واستهلّت سنة اثنتين وخمسين وستمائة:
ذكر خبر عربان الصعيد، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم وإبادتهم
كان من خبر العربان بالصعيد، أنه لما اشتغل الملك الصالح نجم الدين أيوب وعساكره بقتال الفرنج بالمنصورة، وحصل ما قدّمنا ذكره: من وفاته، ومقتل ولده الملك المعظّم، واشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر، وتجريد الجيوش إلى جهتة، وعدم الالتفات إلى غير ذلك- تمكن العربان بهذه الأسباب من البلاد، وكثر شرّهم، وزاد طغيانهم وبغيهم.
وحصل لأهل البلاد منهم، من أنواع الأذى ونهب الأموال والتعرض إلى الحريم، وأمثال ذلك، ما لا حصل من الفرنج أكثر منه.
(29/427)

واجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفرى «1» وأطاعوه ظاهرا، وانقادوا له. إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ما يقصدونه من أذى. وأخذ أموالهم، وكثرت جموعهم معه، حتى زادوا على اثنى عشر ألف فارس، وستين ألف راجل، بالسلاح والعدد.
فلما تم الصلح بين الملكين، وتفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام، صرف فكرته إلى جهتهم، وانتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاى. واستشار الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى فى عدّة العسكر الذى يقوم بحربهم، فأشار بانتخاب ألفى فارس من العسكر، والتزم أنه يفرّق بهذه العدة جموعهم، ويبيدهم بها.
فانتخب الأمير فارس الدين هذه العدّة من العسكر، وتوجه بهم- وصحبته الأمير عز الدين المذكور- وتوجه إلى جهة الصعيد، وقصد العربان. وكانوا قد اجتمعوا بمكان يسمى الصّلعا «2» بمنشاة إخميم، فى البر الغربى- وهى أرض وسيعة، تسع عدّتهم. فساق الأمير فارس الدين ومن معه من العسكر، من جهة الحاجز بالبر الغربى، سوقا عظيما، ما سمع الناس بمثله، وانتهى إليهم فى ثلاث علايق- وهذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها فى مثال هذه المدة، إلا إن أجهد نفسه.
(29/428)

وطلع عليهم فى صبح اليوم الرابع، ودهمهم بغتة بهذا المكان. فلما شاهد كثرتهم، كاد يقف عن ملاقاتهم، وأنكر على الأمير عز الدين، وقال: لقد غششتنا، فإن هذه العدّة التى معنا لا تقوم بهذه الجموع الكثيرة.
فقوّى نفسه، وقال: أنا أعرف هؤلاء، وهذه بلاد ولايتى. وحمل عليهم، ورمتهم العسكر بالنّشّاب، فما كان السّهم يقع إلا فى أحدهم. فما كان بأسرع من أن انهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف. وتفرقت تلك الجموع، واختفوا، وغيّروا لباسهم. وقتل منهم فى المعركة والطّلب خلق كثير.
ولما عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه، بادر بالهزيمة.
وحمل معه ألف دينار، واستصحب حظيّة له، وتوجه إلى الوجه القبلى. ثم قبض عليه بعد ذلك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وعاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره، ومعه جماعة من العربان، من جملتهم: ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب، فشنق تحت قلعة الجبل. ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاى، فى هذه السنة.
ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاى، وما كان من أمره إلى أن قتل
كان الأمير فارس الدين أقطاى، الجمدار «1» الصالحى، قد استفحل أمره فى الدولة المعزّيّة بالديار المصرية، وقويت شوكته فى سنة إحدى وخمسين وستمائة.
(29/429)

وانضم إليه الأمراء البحريّة واعتضد بهم. وتطاول، إلى أن خطب ابنة الملك المظفّر صاحب حماه. وكان الرسول فى ذلك الصاحب فخر الدين محمد، بن الصاحب بهاء الدين على- قبل وزارة والده- فأجيب إلى ذلك.
وعقد النكاح، وحملت إليه، فوصلت إلى دمشق. وقتل، قبل وصولها إليه. ولما تزوج بها زادت نفسه قوة، وعظّمه الأمراء، وخفّضوا من جانب الملك المعز، وألان الملك المعزّ جانبه له، ولهم.
واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة. فامتدت أطماعه إلى صلب ثغر الإسكندرية، إقطاعا، فلم يمكن الملك المعز مخالفته، لقوة شوكته. وتطاول البحريّة، واشتطوا فى طلب الإقطاعات والزيادات.
واتصل بالملك المعز أنهم يدبّرون عليه، وأنهم قد عزموا على الوثوب، فبادر عند ذلك بالتدبير والاحتياط.
ولما كان فى يوم الإثنين- حادى عشر شعبان، من هذه السنة، استدعاه السلطان على العادة، وكمن له عدّة من مماليكه، بقاعة الأعمدّة.
وقرر معهم أنه إذا عبر إليه يغتالوه. فحضر فى نفر يسير، ثقة منه واسترسالا، واطّراحا لجانب السلطان، وأنه لا يجسر أن يقدم عليه، ولم يشعر به خوشد اشيّته «1» . فلما قرب، منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزّية فقتلوه
(29/430)

وحكى عن عز الدين أيبك الفارسى- أحد مماليكه- فى خبر مقتله، قال: كان قد ركب إلى قلعة الجبل فى يوم مقتله، واجتمع بالسلطان، وطلب منه أن ينعم على بعض البحرية بمال. فاعتذر الملك المعز أن الخزائن قد خلت من الأموال، وقال له: توجّه بنا إلى الخزانة لنشاهدها، ونتحقق حالتها. فتوجها جميعا إلى الخزانة من جهة الدّور. وإنما فعل المعز ذلك، لأن الوصول إلى الخزانة من جهة الدور حرج «1» المسلك، ويمرّ المارّ على بعض قاعات الحريم، فلا يمكن استصحاب الكثير من المماليك. وكان الملك المعز قد كمن فى عطفة من عطفات الدهاليز مملوكه الأمير سيف الدين قطز- ومعه عشرة من المماليك المعزّيّة، من ذوى القوة والإقدام. فلما وصلوا إلى ذلك المكان، تأخر السلطان: واسترسل الأمير فارس الدين على ما هو عليه، وتقدم إلى المكان. فوثبوا عليه، وقتلوه. قال: وأمر الملك المعز بغلق قلعة الجبل، فغلقت.
وركب مماليكه وحاشيته- وكانوا نحو سبعمائة فارس- وجماعة من البحرية، وقصدوا قلعة الجبل، وظنوا أنه قد قبض عليه، ليطلقوه. فلما صاروا تحت القلعة، أمر السلطان بإلقاء رأسه إليهم، من أعلى السور فعلموا
(29/431)

فوات الأمر فيه، فتفرقوا. وكانت هذه الواقعة شبيهة بواقعة عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان «1» . وتفرّق شمل البحريّة لمقتله، وانتشر نظامهم. وكان من خبره ما نذكره.
ولما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، وهرب البحرية ومماليكه، ركب السلطان الملك المعزّ بشعار السّلطنة بالقاهرة. وذلك فى يوم الأحد، سابع عشرين شعبان المذكور. وجهّز الملك الأشرف، الذى كان قد شركه معه فى الملك إلى دمشق- فى هذا الشهر. واستقلّ بالسلطنة. وانفرد بالأمر، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى.
ومن المؤرخين من جعل هذا التاريخ ابتداء سلطنة الملك المعز، وجعله فيما مضى أتابكا للملك الأشرف مظفر الدين موسى. إلا أن الأمر منذ خلعت شجر الدر نفسها، كان للملك المعز، مع تمكّن الأمير فارس الدين أقطاى من الدولة وتحكّمه.
وفى هذه السنة، أقطع الأمير جمال الدين أيد غدى العزيزى دمياط- زيادة على إقطاعه- وكان متحصّلها يومئذ ثلاثين ألف دينار.
(29/432)

وفيها، عزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، عن تدريس المدرسة الصالحية، بالقاهرة المعزّيّة. وفوض ذلك لشيخ الاسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. وتوجه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى الى الحجاز الشريف، من جهة البحر، وعاد فى البر.
وفى هذه السنة، وصلت الأخبار من مكة- شرفها الله تعالى- أن النار ظهرت من بعض جبال عدن، وأن شررها يطير فى الليل ويقع فى البحر، ويصعد منها دخان عظيم فى النهار. فظن الناس أنها النار التى أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تظهر فى آخر الزمان، وهى من أشراط «1» الساعة.
فتاب الناس، وأقلعوا عما كانوا عليه من الظلم والفساد، وشرعوا فى أفعال الخير والصّدقات.
ذكر أخبار الأمراء البحرية، وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى
قد رأينا أن نذكر أخبار الأمراء البحريّة فى هذا الموضع- متتابعة- من حين هربهم، ولانقطعها بالسنين، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضا.
كان من خبرهم، أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاى، واتصل ذلك بالأمراء خوشداشيّته- وفيهم الأمير ركن الدين البندقدارى،
(29/433)

والأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير شمس الدين سنقر الأشفر.
والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، والأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين سكر، والأمير عز الدين أزدمر السّيفى، والأمير سيف الدين سنقر الرّومى، والأمير سيف الدين بلبان المستعربى، والأمير سيف الدين برامق، وغيرهم من الأمراء، ومن انضم إليهم من خوشداشيهم- خرجوا من القاهرة ليلا، وأحرقوا باب القراّطين، وتوجهوا إلى الشام.
واعتقل السلطان- الملك المعزّ- من بقى منهم بالقاهرة.
وتوجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزّة، وكاتبوا السلطان الملك الناصر صاحب الشام، وسألوه أن يأذن لهم فى الوصول إليه، فأجابهم إلى ذلك. ووصلوا إليه، فأنعم عليهم بالأموال والخلع، وأقطعهم الإقطاعات. وأقاموا عنده يحرّضونه على قصد الديار المصرية، فما وثق بهم. وكان الملك المعز قد كتب إليه وخيّله منهم، وأوهمه: فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس وجميع البلاد الساحلية- التى كان قد أخذها منه عند وقوع الصلح- بحكم أنها كانت جارية فى إقطاع البحرية، وأنهم انتقلوا إلى مملكته، واستقروا فى خدمته، فأعادها الملك المعزّ إليه. فأمّر الملك الناصر كل من له إقطاع فى هذه البلاد على إقطاعه، وكتب مناشير بذلك. وأقاموا فى خدمته إلى سنة خمس وخمسين وستمائة.
ثم فارقوه، لما رأوه من ضعف رأيه، وتوجهوا إلى نابلس. وقصدوا الملك المغيث صاحب الكرك، فوصلوا إلى خدمته- فى عاشر شوال- فقبلهم وأكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية، وأوهموه أن الأمراء بالديار المصرية كانبوهم، وراسلوهم فى ذلك. فجمع الملك
(29/434)

المغيث من قدر عليه، وسار بهم وبسائر البحرية- وذلك فى سلطنة الملك المنصور نور الدين، بن الملك المعز. فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزّى بالعساكر المصرية، والتقوا واقتتلوا- فى يوم السبت الخامس والعشرين، من ذى القعدة، سنة خمس وخمسين وستمائة. فانكسر الملك المغيث، ومن معه من البحرية. واستولى العسكر المصرى على أثقالهم.
وقتل: الأمير عز الدين الرّومى الصالحى، وسيف الدين الكافورى، وبدر الدين إيغان الأشرفى. وأسر الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى.
ولما أسر الأمير سيف الدين قلاوون، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزّى أستاذ الدار السلطانية، فما تعرض إليه أحد. وأقام بالقاهرة برهة يسيرة. ثم تسحب واختفى بالحسينيّة، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومى. وقصد اللحاق بخوشداشيّته، فزوّده وجهّزه، فتوجه إلى الكرك.
ثم فارق البحريّة الملك المغيث، وتوجهوا نحو الغور «1» . فصادفهم الأمراء الشّهرزوريّة «2» ، عندما جفلوا من بلاد الشّرق. فاجتمع البحرية بهم، وتزوج الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- وهو الملك الظاهر- منهم. فبلغ الملك الناصر ذلك، فجهز جيشا لقتالهم، فالتقوا بالغور،
(29/435)

واقتتلوا. فانهزم العسكر الناصرى. فغضب الملك الناصر لذلك، وخرج بنفسه إليهم. فعلموا عجزهم عن مقابلته، فتوجهوا إلى الملك المغيث بالكرك، وتوجه الشّهرزوريّة إلى الديار المصرية.
واتّفق للأمير ركن الدين البندقدارى مع الملك المغيث حكاية عجيبة. وهو أنه كان فى يده نتوء فى اللحم شبه خرزة، فجلس فى بعض الأيام بين يدى الملك المغيث- وقد أتى بلوز أخضر وعسل، فجعل يفرك اللّوز على العسل- فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذى فى يده، فقال:
ما هذا يا ركن؟ قال: هذه خرزة الملك! فتغير وجه الملك المغيث، وعلم جرأته. وقصد قتله، ثم تركه. أخبرنى بذلك المولى شرف الدين أبو الروح، عيسى بن الملك المغيث، عمن حضر هذه الواقعة وسمع ذلك من لفظهما.
قال المؤرخ: ولما بلغ الملك الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث، كتب إليه يطلب منه تسليمهم، ويهدده إن لم يفعل. فدافع عنهم.
فسار الملك الناصر بنفسه، ونزل ببركة زيزا «1» ، وعزم منازلة الكرك- إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم إليه.
وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قد تخيّل «2» من الملك المغيث، للحكاية التى قدمناها. فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين أمير أخور ليلا «3» ، يطلب منه الإذن فى حضوره إلى خدمته، ومفارقة
(29/436)

الملك المغيث، وأن يستحلفه له ولجماعة معه أن لا يغدر بهم، وأن يكون السفير فى ذلك الأمير عماد الدين بن المجير. فأجاب الملك الناصر إلى ذلك.
فبعث إليه الأمير ركن الدين الشيخ يحيى، برسالة، مضمونها: أن يحلف له ولعشرين من أصحابه، وأن يقطعه خبز مائة فارس، وشرط أن تكون قصبة نابلس وجينين «1» وزرعين «2» مما يقطعه له. فأجاب إلى نابلس لا غير، وحلف له.
فقدم الأمير ركن الدين إلى الملك الناصر، فى العشر الأول من شهر رجب- وصحبته الجماعة الذين حلف لهم، وهم: الأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين أتامش المسعودى، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، وجمال الدين أقش الرّومى، وسيف الدين بلبان الدّاودار، وعلاء الدين كشتغدى الشّمسى، وحسام الدين لاجين الدّوادار، المعروف بالدّرفيل، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمى، وعلاء الدين كستغدى المشرفى، وعز الدين أيبك الشيخ، وركن الدين بيبرس خاص ترك الصغير، وسيف الدين بلبان المهرانى، وعلم الدين سنجر الأسعدى، وعلم الدين سنجر الهمامى، وشمس الدين أباز الناصرى، وشمس الدين طمان، وعز الدين أيبك العلائى، وحسام الدين لاجين
(29/437)

الشّقيرى، وسيف الدين بلبان الأقسيسى، وعلم الدين سلطان الألدكزى- فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأقطعهم.
ثم أمسك الملك المغيث من بقى عنده من البحرية، وسيّرهم إلى الملك الناصر، وهم: الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين سكز، والأمير سيف الدين برامق- فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، واعتقلهم بها. حتى استولى هولاكو على حلب، فأفرج عنهم وأضافهم إلى عسكره.
وبقى الأمير ركن الدين البندقدارى، والأمير سيف الدين قلاوون، وغيرهما، ممن لم يمسك من خوشداشيّتهما، فى خدمة الملك الناصر، إلى أثناء سنة ثمان وخمسين وستمائة. ففارقوه، لما ملك التتار حلب، وعلموا عجزه عن ملاقاتهم، ففارقوه وتوجهوا إلى غزّة.
وكان للبحرية فى بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها، حتى أعوزهم القوت فى بعض الأوقات. ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر، وتوجهوا إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز، وشهدوا معه حرب التتار- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى موضعه.
فلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز.
(29/438)

واستهلّت سنة ثلاث وخمسين وستمائة:
ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة، وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه، وانتقاض أمره
كان الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى أقام فى البلاد، بعد أن هزم الأمير فارس الدين أقطاى الصالحى العرب- كما تقدم- وتأخر هو لتمهيد البلاد.
فلما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، تظاهر بالعصيان، واستولى على الأعمال القوصيّة- بموافقة متولّيها الأمير ركن الدين الصّيرمى. واستولى أيضا على الأعمال الإخميميّة والأسيوطيّة، وقطع الحمول عن بيت المال بقلعة الجبل من هذه الأعمال، واقتطع الأموال لنفسه. ووافقه الشريف حصن الدين بن ثعلب.
فندب السلطان العساكر لذلك، وقدّم عليها الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزى. فتوجه إلى جهة الصعيد، وظفر بالشريف حصن الدين بن ثعلب. فأحضره إلى السلطان، فاعتقله بقلعة الجبل، ثم نقله إلى ثغر الإسكندرية، واعتقله هناك. فلم يزل فى الاعتقال، إلى أن شنقه السلطان الملك الظاهر ركن الدين- على ما نذكره
(29/439)

وأما الأمير عز الدين الأفرم، فإنه [] «1» وأما الأمير ركن الدين الصّيرمى- متولّى الأعمال القوصية- فإنه كان قد ظن أنه يستبدّ بالأمر، ويستولى على البلاد ويستمر له ذلك، وتخيّل ذلك بذهنه. فلما انتقض عليه هذا الأمر، تحيّل فى الهرب، وتوجه إلى دمشق. والتحق بخدمة السلطان الملك الناصر.
وكان وصوله إلى دمشق فى جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة- بعد أن نهبت أمواله، وقتلت رجاله. ولما وصل، أنزل بالمدرسة العزيزيّة «2» على الشّرف الأعلى، فقال للفقهاء: اعذرونى، فأنتم اخلوا لى الجوسق الذى على الميدان، وما أنتقل إليه إلا بطالع. وأحضر المنجمّ، وأخذ له الطالع، وانتقل إلى الجوسق. فاستقل الناس عقله.! فإنه وصل من النهب والهرب، والشّتات وقتل الرجال، وهو يتمسك بالطوالع وأقوال المنجّمين.
(29/440)

واستهلّت سنة أربع وخمسين وستمائة:
ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضى: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف
فى هذه السنة، فوّض السلطان- الملك المعز- قضاء القضاة بمصر والوجه القبلى، لقاضى القضاة: تاج الدين عبد الوهاب، بن القاضى الأعزّ خلف، بن محمود بن بدر العلامى «1» - وهو المعروف بابن بنت الأعزّ.
وكتب له تقليد شريف معزّى، تاريخه تاسع شهر رمضان. وكان ذلك جاريا «2» فى ولاية قاضى القضاة: بدر الدين يوسف السّنجارى.
فاستقر القاضى بدر الدين- قاضى القضاة- بالقاهرة والوجه البحرى.
ثم فوّض ذلك، فى بقية هذا الشهر، لقاضى القضاة تاج الدين- المشار إليه- بتقليد تاريخه لثمان بقين من شهر رمضان من السنة. فكمل له بهذه الولاية قضاء القضاة بالمدينتين، والعملين القبلى والبحرى، وسائر أعمال الديار المصرية. وعزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى عن القضاء.
(29/441)

وقد شاهدت تقليدى قاضى القضاة تاج الدين. ونسخة التقليد الأول- بعد البسملة، ومثال العلامة المعزية:- «حسبى الله. الحمد لله مقيم منار الشريعة الهادية، وناشر أعلامها.
ورافع محلّها على الشرائع ومعلى مقامها. وهادى الخليقة إلى اتباع أقضيتها وأحكامها. وناصر دينه باتّساقها وانتظامها. ومشيد أركانها بصالحى أئمّتها وحكامها، وجاعلهم أئمة يهدون بأمره فى نقض الأمور وإبرامها. وصلّى الله على سيدنا محمد، خاتم الرسل وإمامها. ومنير الملّة بعد إظلامها. وعلى آله وأصحابه، نجوم سماء المعارف وبدور تمامها- صلاة لا تنقطع مادة دوامها، ولا يأتى النّفاد على لياليها وأيامها.
أما بعد. فإنا لما فوّض الله إلينا من أمور بريّته، واستحفظنا إياه من تدبير خليقته، وآتانا بقدرته من اليد الباسطة، وجعلنا بينه وبين عقد خلقه الواسطة، ومنحناه من السلطان والتّمكين، وخصّنا به من الفضل المبين- لا نزال من حسن التدبير فى تصعيد وتصويب، ومن مصالح الإسلام فى تمهيد وترتيب، ومن الرأى الأصيل فى خبب وتقريب «1» ، عالمين بأن الله تعالى يسأل كلّ راع عما استرعاه، وكلّ ساع عما سعاه، ويحاسبه عليه يوم رجعاه، ويجد عمله مكتوبا مسطّرا، وتجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا- وكان أولى الأمور بالنظر، وأحقّها أن يصان صفوها عن الكدر،
(29/442)

منصب الشريعة، الذى هو ملاك الدين وقوامه، وانتظام الإسلام والتئامه، والطريق التى فرض الله اتباعها على خلقه، والسبيل التى من فارقها فقد خلع ربقة «1» الإسلام من عنقه-.
ارتدنا لهذا المنصب الشريف من يرعاه ويصونه، وتجرى على يده حياطته وتحصينه. ونظرنا فيمن يقع عليه سهم الاختيار، ويظهر جوهره الابتلاء والاختبار. فكان المجلس السامى القاضى الأجلّ، الإمام الصدر، الفقيه الكبير العالم العامل الفاضل، الأعزّ المرتضى، الورع الكامل المجتبى، الأشرف السعيد، تاج الدين جلال الإسلام، مفتى الأنام، شمس الشريعة، صدر العلماء، قاضى القضاة، سيد الحكام، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب بن القاضى الأجل، الفقيه العالم الأعز، أبى القاسم خلف- أدام الله تأييده وتمكينه، ورفعته وتمهيده، وقرن بالنّجح قصوده- طلبتنا المنشودة، وإرادتنا المقصودة. لما جمع الله فيه من الخلال الفاخرة، والديانة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، والعلم الذى أمسى به للهداة علما، وعلى أئمة وقته مقدّما. وأصبح كل مانع إليه مسلّما. وراح بقداح الفضائل فائزا، ولكنوز العلوم الشريفة حائزا. فهو فقيه مصره، لا،
(29/443)

بل فقيه عصره. وبكّار «1» زمانه علما وورعا، وسوّار «2» وقته تقمّصا بالتقوى وتدرّعا.
قدّمنا خيرة الله تعالى، وولّيناه قضاء القضاة وحكم الحكام، بمصر المحروسة، وجميع الوجه القبلى: من البرّين الشرقى والغربى، إلى منتهى ثغر عيذاب «3» ، وما يجاوره- من حدود مملكتنا، وبلاد دعوتنا، وجميع ما فى هذه الولاية من المدارس وأوقافها، وكلّ ما كان فى نظر القاضى الفقيه شرف الدين بن عين الدولة- رحمه الله- من ذلك، وما استجدّ بعده، واستقرّ فى نظر الحكام. وفوّضنا إليه ذلك التفويض التام. وبسطنا يده فى الولاية والعزل. وحكّمناه فى العقد والحلّ. فليستخر الله فى تقلّد ما قلّدناه، وقبول ما فوّضناه إليه ورددناه. وليحكم بين الناس بما أراد الله. فإن قبول ذلك يجب عليه وجوبا، لما يتحقق أن الله يجريه فى أحكامه، ويقدّره فى أيامه، من حياطة الدين ومصالح المسلمين.
(29/444)

وإذا احتاج الحكّام وولاة الأمور إلى وصايا يطال فيها ويطنب، ويبالغ فى توكيدها ويسهب- وجدناه غنيّا عن ذلك، بما سنّاه الله له ويسّره، وخلقه من كماله وقدّره، ومثله لا يوصّى، ولا يستوعب له القول ولا يستقصى. والله تعالى يرقّيه إلى درجات الكرامة، ويجعل فيما فوّض صلاح الخاصّة والعامّة والاعتماد فيه على العلامة الشريفة، السلطانية الملكية المعزّيّة- زاد الله علاها وشرفها، إن شاء الله عز وجل. كتب فى التاسع من شهر رمضان، سنة أربع وخمسين وستمائة. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيّبين الطّاهرين، وسلم تسليما كثيرا. وحسبنا الله ونعم الوكيل» .
ونسخة التقليد الثانى:
«الحمد لله، كافل المزيد لمن شكره، ورافع الدرجات لمن أطاعه فيما نهاه وأمره، وهادى أمّة الحق إلى السبيل الذى يسّره، وشرعه الذى ارتضاه لدينه وتخيّره. وجاعل العلماء ورثة أنبيائه، فيما أباحه من الأحكام وحظّره.
أحمده حمدا لا يحصى عدده. وأشكره شكرا يتجدّد كلما طال أمده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، شهادة تستنفد الإمكان. ويشهد بالإخلاص فيها الملكان-. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذى اصطفاه وانتخبه. وفرض اتباعه على خلقه وأوجبه. وبعثه رسولا فى الأميّين. وأرسله رحمة للعالمين.
(29/445)

ونصب شريعته سبيلا منجّيا. وطريقا إلى الرسل مؤدّيا. وشرف رتبتها وعظّمها. وأعلى قدر من رقى ذروتها وتسنّمها- صلى الله عليه- ما تعاقب شمس وقمر. وذكر مبتدأ وخبر وجرى بالكائنات مشيئة وقدر.
وعلى الأنبياء الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار، وجعلهم من المصطفين الأخيار. وعلى آله أولى الأيدى والأبصار. وأصحابه المهاجرين والأنصار. صلاة دائمة الاستمرار. باقية على تعاقب الليل والنهار.
أما بعد، فإن الله. تعالى- جعل شريعة نبيّه صراطا متّبعا وطريقا مهيعا «1» ومحلّا مرتفعا. وأنزل بتعظيمها قرآنا، وجعلها بين الحق والباطل فرقانا. فقال مخاطبا لنبيّه- تنبيها وتعليما، وتبجيلا لقدرته وتعظيما: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. وعظّم قدر العلماء فى آياته المحكمات، وكلماته البيّنات، فقال عزّ وجل: يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.
فتعيّن بذلك على ولاة الأمور، من الاجتهاد المأثور، أن يتخيّروا لهذا المنصب الشريف، من الولاة: من هو أجلّهم علما. وأعدلهم حكما، وأنفذهم فى الحقّ سهما. وأضواهم حسّا، وأشرفهم نفسا، وأصلحهم يوما وأمسا. وأطهرهم وأورعهم. وأجداهم للإسلام وأنفعهم.
وكنا قد مثلنا كنانة «2» العلماء بمصرنا، فعجمنا عيدانها. واختبرنا أعيانها. فوجدنا المجلس العالى: القاضى الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام
(29/446)

العالم العامل. الزاهد العابد، الكامل الأوحد، المجتبى المؤيد الأعز الأسعد، تاج الدين جلال الإسلام، ضياء الأنام، بهاء الملّة، شمس الشريعة سيد الحكام، قدوة العلماء: يمين الملوك والسلاطين، قاضى قضاة المسلمين، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب، بن القاضى الفقيه، الأجلّ الأعز، أبى القاسم خلف- أدام الله تأييده وبسطته، وتمكينه ورفعته- قد زادت صفاته على هذه الصفات، وأوفت عليها أتمّ الموافاة.
واختبرنا منه رجلا، لو عرضت عليه الدنيا لم يردها. ولو صوّر نفسه لم يزدها. ووقع على سيادته إجماع الحاضرين والبادين، والمسودين والسّائدين. وشهدوا بها، ونحن على ذلك من الشاهدين.
ففوّضنا إليه ما فوّضناه: من قضاء القضاة بمصر المحروسة، والأقاليم القبلية، وما معها. والأوقاف والمدارس وما جمعها- الجارية فى نظر الحكم العزيز. ثم تجدّد لنا نظر يعمّ المسلمين شانه، ومنظر يرمقهم بالمصالح إنسانه. وعلمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه، وأنها قليلة فى جنب نصحه للمسلمين وإشفاقه. وأن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا، ولا يعجز- بحمد الله- أن يرعيها بصرا من إيالته وسمعا. إذ كان قد.
أحيى بها السّنّة السّلفيّة، وأظهر أسرار العدل الخفيّة. وزاد الحقّ بنظره وضوحا، والمعروف دنواّ والمنكر نزوحا- رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية والوجه البحرى، وما كان يتولاه من قبله، من أوقاف البلاد ومدارسها، وربطها ومحارسها، ومنابت العلوم ومغارسها.
وقد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار المصرية: أرجاء وأكنافا، ومداين وأريافا، وأوساطا وأطرافا. وجعلناه الحاكم فى أقضيتها،
(29/447)

والمتصرف فى أعمالها ومدانيها. وأقاصى بلادها وأدانيها. وأطلقنا يده فى أحكامها، وما يراه من تولية وعزل لحكّامها. والنظر فيما كان الحكّام قبله يتولونه من الوقوف. وهو غنىّ أن يوصّى بنهى عن منكر أو أمر بمعروف. لما فيه من صفات الكمال، وشريف الخلال. ولم نستوف وصية فى عهدنا إليه ولم نستقصها، واستغنينا عن مبسوط الأقوال بملخّصها- تحقّقا أنه صاحب قياس الشريعة ونصّها.
فليحكم بما فوّضناه إليه، وبسطنا فيه يديه: من الجرح والتّعديل «1» ، والإقرار والتّبديل. والله يوفّقه فيما تولاه قائلا وفاعلا، ويرشده لمراضيه مسئولا وسائلا، ويجعل الصلاح للكافّة به شاملا. ويقرن التقوى بلسانه وقلبه، ويلبسه من السعادة ملبسا لا تتخطّى الخطوب إلى سلبه. ويجعله داعيا إلى الله على بصيرة من ربه. إن شاء الله عز وجل.
«كتب لثمان بقين من شهر رمضان المعظم، من سنة أربع وخمسين وستمائة. بالإشارة العالية الصاحبية، الوزيريّة المولويّة الشّرفيّة، ضاعف الله علاها. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله، وسلّم.
حسبنا الله ونعم الوكيل» .
وكتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزى- على كلّ من هذين التقليدين، تحت خط السلطان فى بيت العلامة، ما مثاله: «تمثيل الأمر العالى- أعلاه الله وشرّفه» .
(29/448)

وقد نقلت ذلك من التقليدين، كما شاهدته. ولم يتعرض الموقّع فيهما إلى ذكر جامكيّة «1» ولا جراية. والله أعلم.
ولم تطل مدة هذه الولاية. فإنه صرف فى السنة التى تليها، سنة خمس وخمسين- فى ثالث شهر ربيع الأول، وقيل بعد ذلك بقليل. والله أعلم.
ذكر ما حدث بالمدينة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- من الزلازل، والنار التى ظهرت بظاهرها
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة، وردت كتب من المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- بخبر هذه الحادثة. من جملتها، كتاب القاضى شمس الدين سنان، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى- قاضى المدينة- وإلى بعض أصحابه بدمشق، مضمونه:
«لما كانت ليلة الأربعاء. ثالث جمادى الآخرة- حدث بالمدينة فى الثّلث الأخير من الليل، زلزلة عظيمة، أشفقنا منها، ودامت بقيّة تلك الليلة. تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات. والله، لقد زلزلت مرة، ونحن حول حجرة النبى- صلى الله عليه وسلم- حتى اضطرب لها المنبر، وسمعنا منه صوت الحديد الذى فيه! واضطربت قناديل الحرم الشريف! ودامت
(29/449)

الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوىّ مثل دوىّ الرعد القاصف! ثم طلع، يوم الجمعة، فى طريق الحرّة «1» فى رأس قريظة، على طريق السّوارقيّة «2» بالمقاعد، مسيرة من الصبح إلى الظهر- نار عظيمة مثل المدينة العظيمة! وما ظهرت لنا إلا ليلة السبت. وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما.
وطلعت إلى الأمير وكلّمته، فقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى. فأعتق مماليكه، وردّ على جماعة أموالهم. فلما فعل هذا، قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم. فهبط، وبتنا ليلة السبت، والناس جميعا والنسوان وأولادهم، وما بقى أحد، لا فى النخيل ولا فى المدينة- إلا عند النبى صلى الله عليه وسلم.
وأشفقنا منها، وظهر لها لسان- حتى رؤيت من مكة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال منها نهر من نار، وأخذ فى وادى أحيلين «3» ، وسدّ الطريق. ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو نهر نار يجرى- وفوقه جمر تسير إلى أن قطعت الوادى- وادى الشّظاة «4» . وما عاد يجىء فى الوادى سيل قط،
(29/450)

لأنها حرّة، تجى قامتين وثلاثا علوّها. وتمت تسير، إلى أن سدّت بعض طرق الحاج، وبعض البحرة، بحرة الحاج. وجاء فى الوادى إلينا منها قتير «1» وخفنا أنه يجيئنا. واجتمع الناس، ودخلوا على النبى صلى الله عليه وسلم، وياتوا عنده جميعهم ليلة الجمعة. فطفىء قتيرها الذى يلينا، بقدرة الله سبحانه.
وهى الى الآن وما نقصت، الّا ترى مثل الجمال حجارة من نار. لها دوىّ، ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب. وما أقدر أصف لك عظمها، وما فيها من الأهوال. وأبصرها أهل التّنعيم «2» ، وندبوا قاضيهم ابن أسعد.
وجاء وعدّى اليها، وما قدر يصفها من عظمها. قال: وكتبت الكتاب، يوم خامس رجب، وهى على حالها، والناس منها خائفون. والشمس والقمر، من يوم طلعت، ما يطلعان إلا كاسفين. نسأل الله العافية.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان. وكنا حيارى من ذلك، لا ندرى ما هو؟ إلى أن اتضح، وجاء هذا الخبر عن هذه النار.
(29/451)

وجاء كتاب آخر من بعض بنى القاشانى بالمدينة، يذكر فيه خبر هذه الحادثة، نحو ما تقدم، ويقول:
«ومن قبل ذلك بيومين، سمع الناس صوتا مثل صوت الرعد- ساعة بعد ساعة- وما فى السماء غيم، حتى يظنّ أنه منه. ثم زلزلت الأرض فى يوم الأربعاء المذكور آنفا، فرجفت بنا رجفة لها صوت كدوى الرعد. ففزع الناس إلى المسجد، وضجّوا بالستغفار والصلاة. ودامت ترجف بالناس، ساعة بعد ساعة، من ليلة الأربعاء إلى صبح يوم الجمعة. فارتجت الأرض رجة قوية، إلى أن اضطرب بنا المسجد، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم! وسكتت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة، إلى قبل الظهر.
ثم ظهرت نار من الحرّة تتفجر من الأرض، فارتاع الناس لها روعة عظيمة. ثم ظهر لها دخان عظيم فى السماء، ينعقد، حتى بقى كالسحاب الأبيض، يتصل إلى قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة. ثم ظهر للنار ألسن تصعد إلى السماء حمر، وعظمت حتى غطّت حمرة النار السماء كلّها. وبقى الناس فى مثل ضوء القمر. وأيقن الناس بالهلاك والعذاب. وذكر من توبة الناس، وفعل الأمير بالمدينة وعتقه مماليكه، ووضعه المكوس، نحو ما تقدم.
قال: وبقيت النار تلتهب التهابا، وهى كالجبل العظيم، ولها حسّ كالرعد. فدامت كذلك. فدامت كذلك أياما. ثم سالت فى وادى أحيلين «1» ، فتحدرت فى الوادى إلى الشّظاة، حتى لحق سيلانها بالبحرة
(29/452)

بحرة الحاج، والحجارة معها تتحدر وتسير، حتى كادت تقارب حرّة العريض. ثم سكنت ووقفت أياما. ثم عاد يخرج من النار حجارة أمامها وخلفها، حتى بنت جبلين أمامها وخلفها، وما بقى يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما. ثم انها عظمت الآن، وسناها إلى الآن، وهى تتّقد كأعظم ما يكون. ولها صوت عظيم من آخر الليل إلى صحوة فى كل يوم. ولها عجائب ما أقدر أصفها، ولا أشرحها لك على الكمال. وإنما هذا منها طرف. قال: وكتبت هذا الكتاب، ولها شهر وهى فى مكانها، ما تتقدم ولا تتأخر.
وقال بعض أهل المدينة فى ذلك شعرا، وهو:
يا كاشف الضّرّ: صفحا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها ... حملا، ونحن بها، حقاّ أحقّاء
زلازلا تخشع الصّمّ الصّلاب لها ... وكيف يقوى على الزلزال شمّاء
أقام سبعا يرجّ الأرض، فانصدعت ... عن منظر، منه عين الشمس عشواء
بحر من النار، تجرى فوقه سفن ... من الهضاب، لها فى الأرض إرساء
كأنما فوقه الأجبال، طافية ... موج علاه لفرط الهيج غثّاء «1»
يرى لها شرر كالقصر طائشة ... كأنّها ديمة تنصبّ هطلاء
تنشقّ منها قلوب الصّخر، إن زفرت ... رعبا، ويرعد مثل السّعف رضواء
منها تكاثف فى الجوّ الدّخان إلى ... أن عادت الشمس منه وهى دهماء
(29/453)

قد أثّرت سفعة فى البدر لفحتها ... قليلة التّمّ بعد النور ليلاء
تحدّث النّيرات السّبع ألسنها ... بما يلاقى بها تحت الثّرى الماء
وقد أحاط لظاها بالبروج، إلى ... أن كاد يلحقها بالأرض إهواء
فيالها آية «1» من معجزات رسول ... الله يعقلها القوم الألبّاء
فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت ... منا الذّنوب، وساء القلب أسواء «2»
فاسمح وهب وتفضّل وامح واعف وجد ... واصفح «3» ، فكل لفرط الجهل خطّاء
فقوم يونس لما آمنوا أمنوا ... كشف العذاب، وعمّ القوم نعماء
ونحن أمة هذا المصطفى، ولنا ... منه إلى عفوك المرجوّ دعّاء
هذا الرسول الذى لولاه ما سلكت ... محجّة فى سبيل الله بيضاء
فارحم وصلّ على المختار، ما خطبت ... على علا منبر الأوراق ورقاء
ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
وفى هذه السنة- فى ليلة الجمعة أول شهر رمضان- احترق مسجد المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
(29/454)

ابتدأ حريقه من زاويته الغربية، من الشمال. وكان سبب ذلك أن أحد القومة دخل إلى الخزانة، ومعه نار، فعلقت فى آلات ثمّ، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبّت فى السقوف، فأعجلت الناس عن قطعها. فما كان إلا ساعة، حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، [ووقعت «1» بعض أساطينه وذاب رصاصها- وذلك قبل أن نام الناس. واحترق سقف الحجرة الشريفة] .
قلت: وفى وقوع هذه النار معجزة لنبينا- صلى الله عليه وسلم، فإن الخلفاء والملوك بعده- صلى الله عليه وسلم- زادوا فى عمارة المسجد بأنواع من العمارة، وتفنّنوا فى النقوش والإتقان، وهو- صلى الله عليه وسلم- كره ذلك، وقال- فى مرضه الذى انتقل فيه إلى جوار ربه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وقالت عائشة- رضى الله عنها- ولولا ذلك لأبرز قبره- صلى الله عليه وسلم. فجاءت هذه النار، فأكلت ما كرهه صلى الله عليه وسلم.
(29/455)

واستهلّت سنة خمس وخمسين وستمائة:
ذكر مقتل السلطان الملك المعز وشىء من أخباره، ومقتل شجر الدر الصالحية
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة.
وسبب ذلك أن شجر الدّرّ- سرّيّة «1» الملك الصالح زوجته- اتصل بها أنه سيّر يخطب ابنة صاحب الموصل فتنكرت لذلك. وكان هو أيضا قد تغيّر عليها، بسبب امتنانها عليه، وأنها هى التى ملّكته الديار المصرية، وسلمت إليه الخزائن. وعزم المعزّ على قتلها، فلم يخفها ذلك. فبادرت بالتدبير عليه، واتفقت هى ومحسن الجوجرى الخادم، ونصر العزيزى، على قتله.
فلما كان فى هذا التاريخ، طلع الملك المعزّ من الميدان إلى قلعة الجبل عقيب اللعب بالكرة- فأمر بإصلاح الحمّام، وعبر إليها. فدخل عليه محسن الجوجرى، وغلام له شديد القوة، فقتلوه فى الحمّام!
(29/456)

وشاع الخبر بقتله، فى بكرة نهار الأربعاء، فسمّر محسن الجوجرى الخادم وغلامه على باب قلعة الجبل. وأما نصر العزيزى فإنه هرب إلى الشام. وأحضرت شجر الدر إلى أم نور الدين بن الملك المعز، فما زالت تضربها- هى وجواريها وخدمها- إلى أن ماتت. وألقيت من أعلى السور الى الخندق. وبقيت أياما عريانة ملقاة فى الخندق. ثم حملت ودفنت فى تربتها المجاورة لمشهد السيدة نفيسة.
وكانت شجر الدر هذه سرّيّة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهى والدة خليل ابنه. وكانت قد ملكت الديار المصرية، وخطب لها وخرجت تواقيعها ومناشيرها، بالأرزاق والمباشرات والإقطاعات- وقد تقدم ذكر شىء منها. ولما ملك السلطان الملك المعز وتزوجها، ما زالت تخاطب بالسلطنة، وتخرج تواقيعها بالاطلاقات وإبطال الحوادث وكف المظالم، فتنفذ كنفوذ التواقيع السلطانية.
وقد شاهدت منها توقيعا على ظهر قصة، مترجمها على بن هاشم، مضمونها: «يقبّل الأرض بالمقام العالى السلطانى الخاتونى، عصمة الدين، بسط الله ظلها فى مشارق الأرض ومغاربها- وينهى أن له خدمة على مولانا الشهيد- قدّس الله روحه- وله مليك اقتناه فى أيامه، ولم يسقّع «1» عليه قط.
وفى هذه الأيام التمسوه، وسأل إجراءه على عادته، من غير حادث.
(29/457)

وخرج التوقيع فى ظهرها، ومثال العلامة عليه: والدة خليل الصالحية: «المرسوم، بالأوامر العالية المولوية السلطانية- زادها الله شرفا وعلوا- أن يجرى الأمير الأجل الأخص الأمجد الأعز: نور الدين مترجمها- أدام الله توفيقه- على عادته. ولا يطلب بسبب تصقيع «1» ولا غيره، وليعف من ذلك- رعاية لحق خدمته على الدولة الشريفة، ولقدم هجرته وانقطاعه إلى الله تعالى. فليعتمد ذلك بعد الخط الشريف أعلاه وثبوته- إن شاء الله تعالى. كتب فى ثانى عشرين جمادى الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وستمائة- برسالة الطواشى شرف الدين مختص الجمدار- أيّده الله تعالى.
وكتب عليه بالامتثال. ونفّذ حكمه وعمل بمقتضاه. وإنما شرحنا هذا التوقيع، ليعلم أن تواقيعها كانت جارية بلفظ السلطنة، فى الدولة المعزّيّة.
وكانت مدة سلطنة الملك المعز ست سنين وأحد عشر شهرا، إلا أربعة أيام. وكان ملكا حازما شجاعا، سئوسا حسن التدبير- إلا أنه كان سفّاكا للدماء. قتل جماعة من خوشداشيّته بغير ذنب، ليقيم ناموس ملكه.
ووزر له الصاحب الأسعد: شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزى.
وتمكّن منه تمكنا عظيما. وقدّمه على العساكر وصرّفه فى الأموال.
(29/458)

وكان الوزير المذكور من قبط مصر. خدم الملك الفائز أخا الملك الكامل كاتبا، ثم تقدم وترقى وتنقل فى المراتب، إلى أن وزر. وتحول فى الدولة وابتاع المماليك لنفسه. وتعالى فى أثمانهم، فكان يبتاع المملوك بألف دينار عينا. واجتمع له نحو من سبعين مملوكا، يركبون فى خدمته وينزلون.
وكان يقول فى وزارته: كنت كاتب المصايد بقنطرة سيوط، بدرهم وثلث فى كل يوم، ثم ترقيت إلى هذه الغاية.
وكان ظالم النفس، أحدث فى وزارته حوادث كثيرة ومكوسا.
واستناب القاضى زين الدين بن الزّبير، لفضيلته وكفايته ومعرفته باللغة التركية. وكان يحفظ له نظام المجلس.
ولما قتل الملك المعزّ ملك بعده ولده الملك المنصور.
ذكر أخبار السلطان الملك المنصور نور الدين: على بن السلطان الملك المعز وهو الثانى من ملوك دولة الترك بالديار المصرية
ملك الديار المصرية بعد مقتل أبيه- رحمه الله تعالى- فى يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة.
وذلك باتّفاق من الأمراء المعزّيّة- مماليك والده- فحلفوا له، واستحلفوا
(29/459)

جميع العساكر. وجعلوا الأمير فارس الدين أقطاى، المستعرب الصالحى-.
خوشداش «1» والده- أتابكه، بحكم صغر سنّ الملك المنصور. ثم استقرت الأتابكية- بعد ذلك- للأمير سيف الدين قطز، المعزّى- مملوك والده.
ووزر له الصاحب شرف الدين الفائزى، أياما قلائل، ثم قتل.
وذلك أن الأمير سيف الدين قطز عزله عن الوزارة، وأمر بالحوطة على أمواله وأسبابه وذخائره. وكان مثريا، وله ودائع كثيرة، فتتبّعت واستخرجت ممن كانت تحت يده. واعتقل، فسأل أن يعطى مالا، فداء عن نفسه.
حكى عن الصاحب بهاء الدين السّنجارى أنه قال: دخلت عليه فى محبسه، فسألنى أن أتحدث فى إطلاقه- على أن يحمل فى كل يوم ألف دينار. قال: فقلت له: كيف تقدر على هذا؟ فقال: أقدر عليه إلى تمام سنة. وإلى انقضاء سنة يفرج الله! ولما بذل هذا المال، امتنعت والدة الملك المنصور من ذلك، ولم ترض إلا بقتله. لأنها كانت مجفوّة من السلطان الملك المعزّ، وكان قد اتّخذ سرارى «2» وجعلهنّ عند الوزير شرف الدين، فنقمت ذلك عليه، وأمرت بقتله. فقتل صبرا.
(29/460)

ذكر أخبار الوزراء، ومن ولى وزارة الملك المنصور إلى أن استقر فى الوزارة قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز
لما صرف الصاحب شرف الدين الفائزى، فوّضت الوزارة بعده للفقيه: نور الدين بن على بن رضوان القرافى مؤدّب الملك المنصور هذا، وخلع عليه خلع الوزراء. فامتنع أن [يخطّ] بقلمه، أو يكتب على توقيع أو منشور، واستمر كذلك عشرين يوما، واستعفى. فأرسل إليه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى، يلتمس منه أن يتحدث له فى الوزارة، ويعده أنه لا يخرج عن أمره. فقال للسلطان، ولوالدته- وكانت لا تحتجب عنه، فيما قيل- للأتابك: أنا لا أصلح لهذا المنصب، ولا أنفع ولا أنتفع به.
وأشار بالقاضى بدر الدين.
فعند ذلك فوّض للفقيه نور الدين هذا نظر الأحباس والأوقاف، والشافعى والخانقاه والتّرب، وغير ذلك من الأوقاف وفوّضت الوزارة لقاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، فوليها ثلاثة أشهر وأياما، ثم عزل.
وفوّضت الوزارة بعده لقاضى القضاة: تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ- وكان قد صرف عن القضاء قبل ذلك، وأعيد قاضى القضاء بدر الدين. وكانت وزارته فى العاشر من شهر رمضان، سنة خمس وخمسين وستمائة.
(29/461)

ونسخة التّقليد- على ما نقلته عنه- ومثال العلامة السلطانية بعد البسملة:
«الحمد لله وبه توفيقى. الحمد لله الذى أوضح بعد الغىّ سبيل الرّشد.
وتدارك من المجد ما أخلق من أبراده «1» الجدد. وثقّف «2» قناة الملك حتى لا يرى فيها عوج ولا أود «3» . واستغنى فى تدبير سلطانه العظيم عن وزير به يعتضد.
أحمده على نعم سهّلت صعبا. وسقت على ظمأ باردا عذبا. ورجع بها ما ضاق من الأمور واسعا رحبا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذى أضحى به معهد الإيمان معهودا. ونظام المكرمات منضودا. وعلى آله وأصحابه، الذين كان سعيهم فى الإسلام محمودا، وأنوار مناقبهم متوقّدة لا تعرف خمودا.
وبعد، فلما كان المجلس السامى، الصاحب الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام العالم، الوزير الكامل، المجتبى المختار، تاج الدين، بهاء الإسلام، مجد الأنام، شرف الوزراء زين الفضلاء، رئيس الأصحاب، صفوة الملوك والسلاطين، مفتى الفرق، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب
(29/462)

ابن القاضى الأعز خلف- أدام الله سعادته، وقرن بالتأييد بدأه وإعادته- ممن سلكت به التّجربة حزنا وسهلا «1» ، وراض جامح الأمور ناشئا وكهلا، وتمّت كلمات تفضيله بفضائله صدقا وعدلا، وجدّدت له مساعيه الحميدة ملابس ثناء لا تبلى. وأجلى من أبكار معانيه بدورا لا تعرف أفولا ولا كسوفا، واستلّ من آرائه شعلا، فلو طبعت لكانت سيوفا. واتّسق نظام بلاغته، فكأنه نظام فريد. واستعيدت ألفاظه فما أخلقها العود على المستعيد.
وحلّى بدرر مساعيه جيدا من الملك عاطلا، وعاد ربع المكارم بمناقبه عامرا آهلا.
رسم بالأمر العالى المولوى السلطانى، الملكى المنصورى النّورى- شرّفه الله وأعلاه، وأنفذه وأمضاه- أن يفوّض إليه أمر الوزارة، لما علم فيه من السّودد الذى اقتاد به صعب المكارم والمفاخر، التى حاز منها ما لم يحزه الأوائل، وإن جاء فى الزّمن الآخر. والفضائل التى فاز منها بقصب السّبق، والأحكام التى تحلّى فيها بدرّ الأناة والرّفق. والسياسة التى سلك بها نهج السبيل إلى الحق. والمعالى التى أبدى فى كسبها ما أبداه، من ثغره الضاحك ووجهه الطّلق. والنزاهة التى أهّلته لأشرف المناصب، وقضت له بسلامة العواقب، والصنايع التى غذت معارفه عند مناكرة النوائب، والمكارم التى لحّت فى العلوّ، فكأنها تحاول أخذ ثأر من الكواكب
(29/463)

ولقد أمعنّا النظر فى إرتياده. وانتقدناه من بين الناس، فلم نأل جهدا فى انتقاده. وخطب لهذه الرّتبة الرفيعة لما أوراه فى المكرمات من زناده.
وأهّل لهذا المنصب الشريف الذى يدع الآباء والأبناء من حسّاده.
فليتولّ ما ولّيناه من أمر الوزارة، فهو لها من الأكفاء. وما اصطفيناه إلا هو جدير بهذا الاصطفاء. ولمثل هذه الرتبة يتخيّر الأكارم من الرجال.
وإذا تناسبت الأشياء، ظهر عليها نضرة وجمال. فليرهف لتدبيره عزمه الماضى الضّرائب. وليستر بمحاسن سعيه ما يبدو له من المعايب. وليهتم بأمر الأموال، فان الأغراض منها مستفادة. وليولّ من الأمناء من يستحق منا الحسنى وزيادة.
ولينعم النّظر فى عمارة البلاد. واستعمال العدل الذى به تدرّ أرزاق العباد. وبنوره يهدى إلى سبيل المراشد كلّ هاد. وعنده يوجد تصديق ظنون الرّوّاد والورّاد. وليكن لأحوال ولاة الأمور متفقّدا، وللنظر فى أحوالهم مجدّدا. وليضرب عليهم بالأرصاد مغيبا ومشهدا. وليصفح عن من لم يكن منهم للزّلّة متعمدا. فما نؤثر إلا أن يكون الإحسان للناس شاملا، والبرّ إليهم متواصلا. وما تحسن السّير إلا إذا تحلّت بالمناقب والمفاخر. وتضمنت محاسنها بطون الأوراق وصدور الدّفاتر.
وليتناول من الجامكيّة والجراية «1» ، لاستقبال المباشرة فى الشهر، من العين مائة دينار من الجوالى «2» بالصّرف الحاضر. ومن الغلّات، من
(29/464)

الأهراء المباركة بمصر المحروسة، خمسين إردبا قمحا وشعيرا- ثلثين وثلث.
ومن الراتب- الشاهد به الديوان المعمور لمن تقدّمه- النصف» .
وعيّن جهات الراتب، فقال: «الخبز من المخابز، واللحم مع التّوابل والخضر المثمّنة، وما هو مقرّر على دار الوكالة مشاهرة، من عرصتى الفاكهة بالقاهرة ومصر والرّباع، وغير ذلك. والعليق المقرر على الاسطبلات من الأهراء أيضا. وإن تعذّر حصول الغلّة المقدّم ذكرها، والعليق المذكور، يثمّن بالسعر الحاضر، وتكون جهته من جهة الجامكية.
فليستعن بهذا المقرّر على كلف أوقاته. وليصرفه فى وجوه نفقاته، بعد العلامة الشريفة أعلاه، وثبوته بحيث يثبت مثله، إن شاء الله تعالى.
وكتب فى العاشر من شهر رمضان المبارك، سنة خمس وخمسين وستمائة، بالإشارة العالية المولويّة الأتابكيّة الفارسية- أدام الله علوّها.
الحمد لله وحده. وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله، وسلامه» .
وكتب هذا التقليد فى ورق بغدادى فى قطع الرّبع. وعادة تقاليد الوزراء- فى وقتنا هذا- تعظّم أربابها فى النّعوت والكتابة، أكثر من هذا.
وفى هذه السنة- وقيل فى السنة الآتية- كانت الوقعة بين العساكر المصرية والملك المغيث والبحرية، وانتصر العسكر المصرى، وانهزم الملك المغيث والبحرية. وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار البحرية، فلا فائدة فى إعادته.
(29/465)

واستهلّت سنة ست وخمسين وستمائة:
فى هذه السنة، كانت وفاة بهاء الدين أبو الفضل زهير، بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن، بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلّبى «1» الكاتب.
كان من فضلاء عصره. وكان قد خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب، لمّا كان ينوب عن والده الملك الكامل. وتوجه فى خدمته إلى الشّرق، ولازمه إلى أن قبض على الملك الصالح واعتقل بالكرك. فأقام بنابلس محافظة لمخدومه، إلى أن خلص، فعاد إلى خدمته. وحضر فى صحبته إلى الديار المصرية، وتمكن منه واطّلع على سره.
وكانت وفاته قبيل المغرب من يوم الأحد، رابع عشر ذى القعدة.
ودفن من الغد، بعد صلاة الظهر، بتربته بالقرافة الصغرى، بالقرب من تربة الإمام الشافعى. ومولده بمكة- شرّفها الله تعالى- فى يوم الأربعاء، خامس ذى الحجة، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
وفيها، توفّى الإمام الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم، بن عبد القوى بن عبد الله بن سلام، بن سعد بن سعيد المنذرى.
(29/466)

وكانت وفاته بالقاهرة، فى يوم السبت، أول الساعة العاشرة، ثالث أو رابع ذى القعدة، سنة وخمسين وستمائة. وصلّى عليه فى يوم الأحد- بعد الظهر- بالمدرسة الكاملية بالقاهرة المعزّيّة. ثم صلى عليه تحت القلعة.
وصلى عليه عند قبره قبل العصر. ودفن بسفح المقطم. وكان مولده بفسطاط مصر، فى غرّة شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وانتهت إليه رياسة الحديث فى زمانه- رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الشيخ الفقيه الإمام: أبو إسحاق إبراهيم، بن يحيى بن أبى المجد، الأسيوطى الشافعى.
وكانت وفاته بالقاهرة المعزّيّة، فى عشية اليوم السابع من ذى القعدة، من هذه السنة، ودفن بسفح المقطّم. ومولده فى سنة سبعين وخمسمائة- تقريبا. وكان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة مذهب الشافعى.
وكان كثير الإيثار مع الإقتار، والإفضال مع الإقلال، كريم الأخلاق.
رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة سبع وخمسين وستمائة:
فى هذه السنة- ثانى عشر جمادى الآخرة- جبى التّسقيع «1» بالقاهرة.
(29/467)

وفيها، فى شعبان- أمسك شخص يعرف بالكورانى، فضرب ضربا شديدا، وحبس على بدع رؤيت منه وسمعت عنه. ثم جدّد إسلامه وتاب، على يد شيخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وأطلق من الحبس. وكان مقامه بالجبل الأحمر.
ذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما
كان القبض على السلطان الملك المنصور، بن السلطان الملك المعزّ، فى يوم الجمعة- السابع والعشرين من ذى القعدة- سنة سبع وخمسين وستمائة.
وسبب ذلك أنه تشاغل باللهو واللعب، والمسابقة بالحمير الفره، بين يديه، وأمثال ذلك. وكانت أمه تدبّر المملكة تدبير النساء. فأطمعت الأمير سيف الدين قطز المعزّى نفسه بالملك. واتفق خروج خوشداشيّته إلى الصيد، فانتهز الفرصة، وقبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، وعلى والدته. واعتقلهما فى برج السّلسلة «1» بثغر دمياط، ثم سفّر إلى القسطنطينية فى الأيام الظاهرية الرّكنية. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثمانية أشهر، ويومين.
(29/468)

ذكر أخبار السلطان الملك المظفّر سيف الدين قطز المعزّى. وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية
ملك الديار المصرية فى يوم السبت، لليلتين بقيتا من ذى القعدة، سنة سبع وخمسين وستمائة- بعد أن قبض على الملك المنصور، بن مولاه الملك المعزّ.
قال: ولما ملك، حضر خوشداشيّته من الصيد، وتنكروا له، وامتعضوا من ملكه. فقبض عليهم واعتقلهم، وأعجلهم عن التدبير.
وهم: الأمير علم الدين سنجر الغتمى، والأمير شرف الدين قيزان «1» المعزّى، وعز الدين أيبك النّجيبى الصغير، وشمس الدين قرا سنقر المعزّى. واعتقل أيضا شمس الدين الدود: خال الملك المنصور بن المعزّ، والطّواشى حسام الدين بلال المغيثى اللّالا.
واستحلف الأمراء والعساكر، وأظهر الحزم. واستوزر الصاحب زين الدين بن الزبير. وعزل الأمير حسام الدين بن باذ عن وظيفة شاد الدواوين.
وولى الأمير نور الدين بن السديد. واستمرّ بالأمير فارس الدين أقطاى المستعرب على الأتابكة، وفوض إليه أمر العساكر.
(29/469)

واحتفل بامر الجند، واستعد للجهاد، وأرسل إلى الملك الناصر صاحب الشام، وطلب منه الاتفاق واجتماع الكلمة. والمظافرة على العدو، وأن يكونا يدا واحدة على حرب التتار. فحلف له على ذلك. ثم كان من أمر الملك الناصر، واضطراب أمره، وزوال ملكه، واستيلاء التتار على حلب ودمشق وغيرها- ما قدمناه.
وملك التتار الشام بأسره. وجرّد هولاكو كتبغا نوين فى جيش كثيف، اختاره من المغل، وبعثه إلى الشام. وكان من أمره، وأمر جيوش الشام، وتحلّلهم بلاد الشام، ووصولهم إلى نابلس، وقتل من قدمنا ذكره بها- ما شرحنا ذلك فى أخبار الملك الناصر. فلا فائدة فى إعادته.
وفى سنة سبع وخمسين وستمائة.
توفى الأمير منيف بن شيحة، صاحب المدينة النبوية. وقام بعده بالمدينة أخوه: جمّاز بن شيحه.
وفيها، توفى الشيخ الفاضل الصّدر الكبير فتح الدين أبو العباس:
أحمد بن الشيخ جمال الدين أبى عمرو عثمان، بن أبى الحوافر- رئيس الأطباء بالديار المصرية.
وكانت وفاته فى ليلة الخميس، رابع عشر رمضان، ودفن بالقرافة.
وولى رياسة الأطباء بعده ابن أخيه: الصّدر شهاب الدين أحمد، بن محيى الدين رشيد بن جمال الدين عثمان، بن أبى الحوافر.
(29/470)

واستهلّت سنة ثمان وخمسين وستمائة:
ذكر وصول البحرية والشهرزورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر
فى هذه السنة، فارق الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- ومن معه من الأمراء البحريّة- السلطان الملك الناصر صاحب الشام، لما رأوه من ضعف رأيه، وتخاذله عن ملاقاة عدوه. وتوجهوا إلى غزّة. واجتمعوا هم والأمراء الشّهرزوريّة.
وأرسل الأمير ركن الدين بيبرس- المذكور- الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى إلى السلطان الملك المظفّر، يستأذنه فى الحضور إلى خدمته- هو ومن معه- ويلتمس إيمانه لهم. فأجاب الملك المظفر إلى ما طلب. فتوجه من غزّة بمن معه. وكان وصولهم إلى القاهرة فى يوم السبت، الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول.
فركب الملك المظفر للقائهم، وأنزل الأمير ركن الدين بدار الوزارة.
وأقطعة قصبة قليوب، لخاصّه. فأشار الأمير ركن الدين عليه بحرب التتار.
وقوّى عزائمه على ذلك.
(29/471)

ذكر خبر المصافّ «1» الكائن بين السلطان الملك المظفّر ومن معه من الجيوش الإسلامية، وبين جيش التتار على عين جالوت «2» . وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتبغا نوين، وما يتصل بذلك من الأخبار
لما ملك التتار الممالك الشامية، وزالت دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف من الشام- كما قدمنا ذكر ذلك- راسل كتبغا نوين، مقدّم جيش التتار، السلطان الملك المظفّر، وأرسل إليه، يطالبه ببذل الطاعة، وتعبئة الضّيافة. فقتل الملك المظفّر رسله، إلا صبيّا واحدا، فإنه استبقاه، وضمه إلى جملة مماليكه.
واستعدّ للجهاد، وخرج بعساكر الديار المصرية، ومن انضم إليه من جيوش الشام- الذين فارقوا الملك الناصر- ومن حضر إليه من الأمراء البحريّة، والأمراء الشّهرزوريّة، وغيرهم.
(29/472)

وراسل الملك الأشرف مظفر الدين موسى، صاحب حمص- وكان قد عاد من جهة هولاكو من حلب- وفوّض إليه نيابة السلطنة بالشام أجمع، وحلب، وغير ذلك، والملك السعيد بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل- وكان قد أخذ من هولاكو فرمانا بالصّبيبة وبانياس «1» .
وسألهما المظافرة والمعاونة على حرب العدوّ، وأن تكون الكلمة واحدة.
فتوجه رسوله، واجتمع بالملك السعيد. فسبّه وسبّ من أرسله، وقال: من هو الذى يوافق هذا الصبى، أو يدخل فى طاعته أو ينضم إليه؟! ونحو هذا من الكلام. ففارقه وتوجه إلى الملك الأشرف. فخلا الملك الأشرف بالرسول، وقبّل الأرض بين يديه تعظيما لمرسله. وأجلسه مكانه على مرتبته وجلس بين يديه، وسمع رسالته. وقال له: قبّل الأرض بين يدى مولانا السلطان الملك المظفّر، وأبلغه عنى أننى فى طاعته وموافقته، وامتثال أمره. والحمد لله الذى أقامه لنصرة هذا الدين. ووعد أنه، إن حضر المصافّ مع التتار، انهزم بهم، إلى غير ذلك. وأعطى الرسول ذهبا جيّدا، واعتذر إليه.
فعاد الرسول، وأبلغ الملك المظفر عن كل من الملكين ما قال له.
فعامل كلا منهما، عند ظفره، بما نذكره.
(29/473)

قال: وجمع السلطان الملك المظفر الأمراء بالصالحيّة «1» ، واستشارهم: أين يكون لقاء العدو؟ فأشاروا أن يكون بالصالحيّة.
وصمّموا على ذلك. فوافقهم على رأيهم ظاهرا. وركب فى صبيحة ليلة المشورة من منزلة الصالحية. وحرّك الكوسات «2» ودخل الرّمل. فانجرت العساكر خلفه، ولم يتخلف منهم أحد عنه. وسار بعساكره وجموعه، حتى انتهى إلى عين جالوت- من أرض كنعان «3» ، بالقرب من بيسان، مدينة غور الشام.
وأقبل كتبغا نوين بجيوش التتار، ومن انضم إليه. والتقوا واقتتلوا- وذلك فى يوم الجمعة، الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة ثمان وخمسين وستمائة. وثبت الملك المظفّر أحسن ثبات. حكى بعض من حضر هذه الواقعة قال: كنت خلف السلطان الملك المظفّر، لما التحم القتال ووقعت الصّدمة الأولى، فاضطر جناح عسكر السلطان، وتتعتع طرف منه.
فلما رأى الملك المظفر ذلك، رمى خوذته عن رأسه، وصاح: وا إسلاماه! وحمل، فأعطاه الله تعالى النصر. وكانت الدائرة على التتار، وأخذهم السيف والإسار. وقتل كتبغا نوين، فيمن قتل. وانهزم من سلم من التتار، لا يلوون على شىء. وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى ممن شهد هذه الوقعة، وأبلى يومئذ بلاء حسنا.
(29/474)

وكان ممن أسر من التتار، فى هذه الوقعة: كتبغا المنصورى- وهو يومئذ شاب- وهو الذى ملك الديار المصرية- بعد ذلك- فى سنة أربع وتسعين وستمائة، ولقب بالعادل. ووقع فى ذلك حكاية غريبة، نذكرها- ان شاء الله تعالى- عند ذكرنا لسلطنة الملك العادل كتبغا.
قال: ولما تمت الهزيمة على التتار، جاء الملك السعيد- بن الملك العزيز- إلى السلطان الملك المظفر، مستأمنا. وكان شهد الوقعة مع التتار.
فترجّل عن فرسه، وتقدم إلى السلطان ليقبّل يده. فضربه برجله على فمه، فأدماه. وجاء أحد سلاح دارية «1» السلطان، فضرب عنقه! وفعل ذلك به، مؤاخذة له على جوابه، الذى ذكره لرسول السلطان.
ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها، وملكه الممالك الشامية، وما قرره من ترتيب الملوك والنواب، وغير ذلك مما اتفق بدمشق
قال المؤرخ: ولما تم النصر، تقدم السلطان الملك المظفر، طالبا جهة دمشق. واتصل [الخبر] بالزين الحافظى ونواب التتار بدمشق، ومن كان قد وصل- صحبة الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث، صاحب
(29/475)

الكرك- من جهة هولاكو من توريز «1» ، ليكون شحنة «2» بالكرك، وكانوا بدمشق. فخرجوا هاربين إلى هولاكو.
وكان النصارى بدمشق، فى أيام التتار، قد استطالوا على المسلمين، ومدوا أيديهم، وبسطوا ألسنتهم فيهم. فلما اتصل خبر النصر بالمسلمين، ثار جماعة من العوام، وحرقوا كنيسة مريم، وخربوا بعضها. فأقاموا كذلك من يوم الجمعة إلى يوم الثلاثاء. إلى أن وصل الأمير جمال الدين أقش المحمّدى، بكتاب السلطان الملك المظفر، ودخل دمشق. ونزل دار السعادة، وسكّن الناس وطمّنهم.
ثم وصل السلطان فى يوم الأربعاء، سلخ شهر رمضان. ونزل على الجسورة «3» ، وخيّم بها. وعيّد عيد الفطر، ثم دخل إلى دمشق، فى ثانى شوال، وملك البلاد.
ورتّب النوّاب فى المماليك الشامية: ففوّض نيابة دمشق إلى الأمير- علم الدين سنجر الحلبى- الصالحى. وجعل معه الأمير فخر الدين:
أبا الهيجا بن خشترين. وأقر الملك الأشرف مظفر الدين موسى على مملكته، بحمص والرّحبة وتدمر. وبعث الملك المظفر بن الملك الرحيم- بدر الدين
(29/476)

لؤلؤ- إلى حلب نائبا بها، ونعته بالملك السعيد- لمشاركة النّعت. وأقر الملك المنصور بن الملك المظفر على مملكته بحماه. وأقطع البلاد الشامية والحلبية.
وأصلح ما اضطرب من الأمور. وعاد لقصد الديار المصرية، فقتل- قبل وصوله إليها.
ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز، ونبذة من أخباره
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم السبت، الخامس عشر من ذى القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة- وقيل فى سابع عشر الشهر.
وذلك أنه لما قرّر أمور الشام، ورتب الملوك والنواب والممالك، عاد من دمشق لقصد الديار المصرية، فى سادس عشر شوال. فلما وصل إلى منزلة القصير من منازل الرّمل «1» ، ركب إلى الصيد. وكان الأمير بدر الدين أنص الأصفهانى، وجماعة معه، تظافروا هم والأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، على اغتياله. فقصدوه- وهو فى الصيد- وقتلوه غيلة!
(29/477)

وحكى فى كيفية قتله: أنه كان قد تغير خاطره على الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. فلما تقدّم الأمراء إليه، سأله الأمير بدر الدين أنص الرضا عن الأمير ركن الدين. فقال: قد رضيت عنه. فترجل الأمير ركن الدين ليقبّل يده. فلما تناولها قبض عليها، وجذبه عن سرجه، وبدره أولئك الأمراء بالضرب، فقتلوه- رحمه الله تعالى.
ويقال: إن الأمراء الذين اتفقوا على قتله [هم] : الأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، والأمير سيف الدين بهادر المعزّى- خوشداشه «1» - والأمير بدر الدين بكتوت الجو كان دار «2» المعزّى، والأمير سيف الدين بيغان الرّكنى، والأمير سيف الدين بلبان الهارونى، ومن ذكرنا.
وكان الملك الظاهر يدّعى أنه هو الذى قتله بيده. وقال جماعة: إنه لم يباشر قتله، وإنما كان يدّعى ذلك، افتخارا. وقد نقل أن الملك الظاهر لما قبض على يده، ضربه الأمير بدر الدين بكتوت الجو كان دار على عاتقه بالسيف، فأبانه. وألقاه الأمير بدر الدين أنص عن فرسه. ثم رماه الأمير سيف الدين بهادر المعزّى بسهم، أتى على روحه- رحمه الله تعالى. فكأنه المعنى بقول الشاعر:
وما كان إلا السيف، لاقى ضريبة «3» ... فقطّعه، ثم انثنى فتقطّعا
(29/478)

وكانت مدة ملكه أحد عشر شهرا، وسبعة عشر يوما.
وأما غير ذلك من أحواله- رحمه الله تعالى-: فقد حكى أنه كان من أولاد الملوك الخوارزميّة. وأنه محمود بن ممدود، ابن أخت السلطان خوارزم شاه. وإنما أبيع، لما استولى التتار على البلاد، وملكوا ملك الخوارزميّة. وقتلوا الرجال وأسروا النساء والصبيان، وكان هو ممن أسر وأبيع. وقد كان هو يصرّح بذلك- فيما حكى عنه- ويستكتم من يحكيه له.
وقد نقل الشيخ شمس الدين: محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم ابن عبد العزيز، بن أبى الفوارس الجزرى، ثم الدّمشقى- فى تاريخه:
«حوادث الزمان وأنبائه» أن والده أخبره أن الحاج على الفرّاش أخبره، قال:
لما كان قطز فى رقّ ابن الزّعيم «1» بدمشق- وكان سكنه بالقصّاعين «2» - غضب عليه فى بعض الأيام فلطم وجهه، ولعبة ولعن والديه وجدّه. قال: فبكى قطز بكاء شديدا، وجعل ينتحب طول نهاره، وامتنع من الأكل. وركب أستاذه بعد صلاة الظهر إلى الخدمة، فقال لى:
استرضه وأطعمه، واعتبه على بكائه.
(29/479)

قال الفرّاش: فجئت إليه وجعلت ألومه على بكائه من لطمة واحدة، فكيف لو ضربت ألف عصاة أو دبّوس، أو جرحت بسيف؟! فقال: والله ما بكائى وغيظى من أجل لطمة، وإنما كونه لعن أبى وأمى وجدى. فقلت له: ومن أبوك وجدك وأمك؟ فقال: والله أبى خير من أبيه، وأمى خير من أمه، وجدى خير من جده. فقلت له: أنت مملوك تركى، كافر بن كافرين.
فقال: والله، ما أنا إلا مسلم، ابن مسلمين: أنا محمود بن ممدود، ابن أخت خوارزم شاه، من أولاد الملوك. قال: فسكتّ عنه وطايبته.
وتقلّبت به الأحوال، إلى أن ملك الديار المصرية والشام. ولما ملك دمشق أحسن إلى الحاج على الفراش المذكور، وأعطاه خمسمائة دينار، ورتب له راتبا جيّدا.
قال الشيخ شمس الدين: وقد حكى لى ولوالدى، هذه الحكاية عنه. هذا معنى كلامه ولفظه.
ومما يؤيّد هذه الحكاية أيضا- ويشهد لها- ما حكاه الشيخ شمس الدين- المذكور- عن والده، قال: حكى لى الحاج أبو بكر بن الدّريهم الإسعردى، والحاج زكى الدين إبراهيم الجزرى- المعروف بالجبيلى، أستاذ الفارس أقطاى- قالا:
كنا عند الأمير سيف الدين قطز فى أول دولة أستاذه: الملك المعزّ، وقد حضر عنده منجّم ورد من بلاد المغرب- وهو موصوف بالحذق فى علم الرّمل والفلك. فأمر قطز أكثر من عنده من حاشيته بالانصراف، فانصرفوا.
(29/480)

وهممنا بالقيام، فأمرنا بالجلوس، فجلسنا. وما ترك عنده إلا من يثق به من خواصّه. وقال للمنجّم: اضرب الرمل. ففعل. وحدّثه بأشياء كثيرة، مما كان فى نفسه.
وكان آخر ما قال له: اضرب وانظر من يملك بعد أستاذى، ومن يكسر التتار؟ فضرب، وحسب حسابا طويلا، وبقى يفكر ويعدّ أصابعه.
وقال: قد طلع معى خمس حروف بغير نقط، وأبوه أيضا خمس حروف بغير نقط. وأنت اسمك ثلاث حروف، وابن السلطان كذلك. فقال له: لم لا تقول: محمود بن ممدود؟ فقال المنجم: لا يقع غير هذا الاسم. فقال قطز: أنا محمود بن ممدود. وأنا أكسر التتار، وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه.
ثم استكتمنا هذا الأمر. وأنعم على المنجم بثلاثمائة درهم، وصرفه.
وحكى عن المولى المرحوم تاج الدين أحمد بن الأثير- رحمه الله تعالى- ما معناه:
أن الملك صلاح الدين يوسف صاحب الشام- رحمه الله تعالى- لما كان على برزة «1» ، فى أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة- وصل إليه قصّاد «2» من الديار المصرية، بكتب، تتضمن أن قطز قد تسلطن وملك الديار المصرية، وقبض على الملك المنصور بن أستاذه الملك المعز. قال القاضى تاج الدين: فطلبنى السلطان- رحمه الله- فقرأت عليه الكتب.
(29/481)

فقال لى: خذ هذه الكتب، وتوجه إلى الأمير ناصر الدين القيمرى، والأمير جمال الدين بن يغمور، وأوقف كلّا منهما عليها. قال: فأخذتها وخرجت من عنده. فلما بعدت عن الدّهليز، لقينى حسام الدين البركة خانى «1» ، فسلم على، وقال، جاءكم بريد أو قصّاد من الديار المصرية فورّيت «2» ، وقلت: ما عندى علم بشىء من هذا. قال: قطز يتسلطن، ويملك الديار المصرية، ويكسر التتار. قال القاضى تاج الدين: فعجبت من كلامه، وقلت له: ايش هذا القول؟ من أين لك هذا؟
قال: والله، هذا قطز هو خوشداشى «3» . كنت أنا واياه عند الهيجاوى من أمراء مصر، ونحن صبيان وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرّح رأسه- على أننى كلما أخذت عنه قملة، آخذ منه فلسا أو صفعة. فلما كان بعض الأيام أخذت عنه قملا كثيرا، وشرعت أصفعه، ثم قلت فى غضون ذلك: والله ما أشتهى إلا أن الله يرزقنى إمرة خمسين فارسا، فقال لى: طيّب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين فارسا. فصفعته، وقلت:
والك «4» ، أنت تعطينى إمرة؟! قال نعم! فصفعته! فقال لى: والك، ايش يلزم لك إلا إمرة بخمسين فارس، أنا والله، أعطيك. قلت: والك، كيف تعطينى؟.
(29/482)

قال: أملك الديار المصرية: قلت: تملك الديار المصرية؟! قال: نعم، رأيت النبى- صلى الله عليه وسلم- فى المنام، وقال لى: أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار. وقول النبى صلى الله عليه وسلم لا شك فيه. فسكت. وكنت أعرف منه الصّدق فى حديثه وعدم الكذب.
وتنقّلت به الأحوال، وارتفع شأنه. إلى أن صار هو المحتكم فى الدولة. وما أشك أنه يملك الديار المصرية- مستقبلا- ويكسر التتار- كما أخبره النبى صلى الله عليه وسلم- فى المنام.
قال القاضى تاج الدين: فلما قال لى هذا القول، قلت له: والله قد وردت الأخبار أنه تسلطن فى الديار المصرية. قال لى: والله، وهو يكسر التتار. فما مضى إلا مدة يسيرة، حتى خرج وكسر التتار.
قال المولى تاج الدين- رحمه الله- فرأيت الأمير حسام الدين البركة خانى، الحاكى لى- بعد ذلك- بالديار المصرية، بعد كسرة التتار. فسلّم على وقال لى: تذكر ما قلت فى الوقت الفلانى؟ قلت: نعم. قال: والله، حالما عاد الملك الناصر «1» من قطيا «2» ، ودخلت أنا إلى الديار المصرية، أعطانى إمرة خمسين فارسا، كما قال- رحمه الله- لا زايد على ذلك.
وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ قطب الدين اليونينى «3» فى تاريخه، وقال أيضا:
(29/483)

وحكى لى الأمير عز الدين بن أبى الهيجا ما معناه: أن الأمير سيف الدين بلقاق حدثه، أن الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكى حكى له، قال:
كنت أنا والملك المظفر قطز، والملك الظاهر ركن الدين بيبرس- رحمهم الله تعالى- فى حال الصّبا، كثيرا ما نكون مجتمعين فى ركوبنا وغير ذلك. فاتفق أن رأينا منجّما فى بعض الطرق بالديار المصرية. فقال له الملك المظفر: أبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال له: أنت تملك هذه البلاد، وتكسر التتار! فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر: فأبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال: وأنت تملك الديار المصرية وغيرها. فتزايد استهزاؤنا به! ثم قالا لى: لا بد أن يبصر نجمك. فقلت له أبصر لى. فضرب وحسب، وقال لى: وأنت تحصل لك إمرة بمائة فارس، يعطيك هذا- وأشار إلى الملك الظاهر. فاتفق أن الأمر وقع كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق.
قال الشيخ قطب الدين اليونينى- نفع الله به-:
وكان السلطان الملك المظفّر بطلا شجاعا، ولم يكن يوصف بشح ولا كرم، بل كان متوسطا. وهو أول من أجترأ على التتار، وكسرهم، بعد خوارزم شاه، كسرة عظيمة، جبر بها الإسلام.
(29/484)

قال: ومما حكى لى عنه: أنه قتل فى يوم المصافّ «1» جواده بعين جالوت، ولم يصادف فى تلك الساعة أحد من أوشاقيّته «2» ، الذين معهم جنائبه، فبقى راجلا. ورآه بعض الأمراء الشجعان، فترجل عن حصانه وقدمه له ليركبه. فامتنع، وقال له ما معناه: ما كنت لآخذ حصانك فى هذا الوقت، وأمنع المسلمين الانتفاع بك، وأعرضك للقتل. وحلف عليه أن يركب فرسه. فامتثل أمره، وركب. ووافاه الأوشاقيّة بالجنائب «3» ، فركب جنيبا.
فلامه بعض خواصّه على ذلك، وقال: لو صادفك- والعياذ بالله- بعض المغل، وأنت على الأرض راجلا، كنت رحت، وراح الإسلام! فقال:- أما أنا فكنت أروح إلى الجنة- إن شاء الله تعالى. وأما الإسلام، فما كان الله عز وجل ليضيعه. فقد مات الملك الصالح، وقتل ولده الملك المعظم، والأمير فخر الدين بن الشيخ- مقدّم العساكر- ونصر الله الإسلام، بعد اليأس من نصره- يشير إلى نوبة المنصورة «4»
(29/485)

قال: ولما قدم إلى دمشق بعد الكسرة «1» ، أجرى الناس كافّة، على ما كانوا عليه إلى آخر الأيام الناصرية، فى رواتبهم ومقرّراتهم وإطلاقاتهم.
ولم يتعرض إلى مال أحد، ولا إلى ملكه.
ثم توجّه «2» ، بعد تقرير قواعد الشام. فرزقه الله الشهادة، فقتل مظلوما. رحمه الله تعالى
(29/486)

انتهى الجزء التاسع والعشرون من كتاب «نهاية الأرب» للنويرى الحمد لله
(29/487)

فهرس موضوعات الجزء التاسع والعشرون
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري
الصفحة
تمهيد 5
ذكر أخبار السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وسلطنته 9
ذكر الغلاء الكائن بالديار المصرية فى الدولة العادلية وهو الغلاء المشهور 12
ذكر وفاة القاضى الفاضل وشىء من أخباره 13
ذكر الخلف الواقع بين الأمراء الصلاحية والسلطان الملك العادل 19
ذكر اتفاق الملوك الأيّوبية وما استقر لكل منهم من الممالك 26
ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها 28
ذكر عمارة المسجد الجامع بقاسيون 32
ذكر وفاة الملك المعز صاحب اليمن وقيام أخيه نجم الدين أيوب 32
ذكر حصار ماردين وما حصل من الاتفاق 36
ذكر قصد العادل بلاد الفرنج 40
ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل 41
ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره 41
(29/488)

الصفحة
ذكر استيلاء الملك الأوحد بن السلطان الملك العادل على خلاط 43
ذكر حصار الملك العادل سنجار ورجوعه عنها وأخذ نصيبين والخابور 49
ذكر بناء القبة على ضريح الإمام الشافعى- رحمه الله تعالى- وعمارة السوق 53
ذكر عزل الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر وولاية الصاحب الأعز بن شكر 55
ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه 59
ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها 62
ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل ورجمه 63
ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن 65
ذكر القبض على الصاحب الأعز 71
ذكر مصادرة الصاحب صفى الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية 76
ذكر مسير السلطان إلى الشام 78
ذكر قصد الفرنج جزين وقتلهم 80
ذكر تخريب حصن الطور 81
ذكر وفاة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر: محمد بن أيوب وشىء من أخباره 82
ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل وما استقر لهم من الممالك والإقطاع 84
ذكر أخبار السلطان الملك الكامل ناصر الدين بن السلطان الملك العادل سيف الدين، أبى بكر محمد بن أيوب 87
ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط 87
ذكر حوادث وقعت فى مدة حصار ثغر دمياط 88
ذكر وصول الملك المعظم عيسى- صاحب دمشق- وإخراج عماد الدين بن المشطوب وما اتفق له بعد خروجه 90
ذكر وصول الصاحب صفى الدين بن شكر ووزارته 92
ذكر خراب القدس 93
ذكر استيلاء الفرنج على دمياط 94
ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده 95
ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب وإيقافها أملاكها، وتفرقة أموالها، وما فعله الملك
(29/489)

المعظم مع قاضى الشام: بسبب ذلك 96
ذكر وصول ملوك الشرق إلى السلطان الملك الكامل وانهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط، وتقرير الهدنة 113
ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء إلى الشام 118
ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز. وما عتمده 121
ذكر ملك الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل مكة 125
ذكر عصيان الملك المظفر شهاب الدين غازى على أخيه الملك الأشرف وقتاله.
وانتصار الملك الأشرف 126
ذكر وصول الملك المسعود من اليمن 128
ذكر ابتداء المعاملة بالفلوس بالديار المصرية 131
ذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، وطلب الصلح بينهم والاتفاق 135
ذكر هدم مدينة تنّيس 139
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه المعظم 140
ذكر وفاة الملك المعظم عيسى، وشىء من أخباره وسيرته، وقيام ولده الملك الناصر داود 143
ذكر تسليم البيت المقدس وما جاوره للفرنج 149
ذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها، وأخذها من ابن أخيه: الملك الناصر داود، واستقرار الملك الناصر بالكرك وما معها 153
ذكر تسليم دمشق للملك الأشرف 155
ذكر أخذ مدينة حماه وتسليمها للملك المظفر 156
ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن 157
ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك 162
ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا 170
ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد 173
ذكر ركوب الملك العادل بشعار السلطنة 190
ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم 198
(29/490)

الصفحة
ذكر إنشاء جامع التوبة بالعقيبة بدمشق 207
ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف 216
ذكر وفاة الملك العزيز صاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر 217
ذكر وفاة الملك الأشرف وشىء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك 218
ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- بن الملك العادل- دمشق، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها 223
ذكر وفاة السلطان الملك الكامل 227
ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل فى هذه السنة 228
ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد، وهرب الناصر إلى الكرك 230
ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق فى هذه السنة 232
ذكر أخبار السلطان الملك العادل 234
ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم- 236
ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله 238
ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب 239
ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق 243
ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق 249
ذكر وصول الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان الملك العادل 250
ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل 252
ذكر قتال الفرنج وفتح القدس 253
ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص 254
ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتّشاريف 255
ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه 256
ذكر أخبار السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل- وما كان من أمره بعد وفاة أبيه إلى أن ملك الديار المصرية 257
ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين
(29/491)

أبى بكر محمد بن أيوب- على دمشق 260
ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك 263
ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية 265
ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية 267
ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك 268
ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع وثلاثين وستمائة خلاف ما قدمناه 271
ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق منها لقصد الديار المصرية، وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك وعوده إلى دمشق 277
ذكر تسليم صفد وغيرها للفرنج وما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام- بسبب ذلك- وما اتفق له مع الملك الصّالح 278
ذكر صرف قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وتفويض ذلك لقاضى القضاة بدر الدين السّنجارى 282
ذكر وفاة قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة، وشىء من أخباره 282
ذكر وصول شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد السلام- إلى الديار المصرية، وما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها- وغير ذلك- إليه، وما فعله، وعزله نفسه 294
ذكر الاتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق 302
ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر- ومن معه من الخوارزمية- وبين عسكر الشام- ومن شايعهم من الفرنج- وانهزام الفرنج وعسكر الشام، على غزه 305
ذكر وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور 308
ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل، وعود الصالح إسماعيل إلى بعلبك وما معها 310
ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين 314
ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، وما حصل بها من الغلاء
(29/492)

بسبب الحصار 314
ذكر وقعة الخوارزمية وقتل مقدمهم، واستيلاء الملك الصالح على بعلبك وأعمالها، وصرخد 319
ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخروج الملك الصالح إسماعيل عنها 322
ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، وقيام ولده الملك الأشرف 323
ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام وما استولى عليه فى هذه السفرة، وما قرره، وعوده 323
ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك المعظمى، ووفاته 327
ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق وما اعتمده 328
ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى وقيام ولده الملك الكامل 329
ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط 334
ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها 335
ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب 336
ذكر خبر الأمير فخر الدين أبى الفضل يوسف بن الشيخ- وقتله 338
ذكر أخبار السلطان الملك المعظم غياث الدين تورانشاه وهو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية 340
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم 354
ذكر هزيمة الفرنج وأسر ملكهم ريدا فرنس 355
ذكر مقتل السلطان الملك المعظم 359
ذكر ملك شجر الدر: والدة خليل، سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب 362
ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس 363
ذكر خلع شجر الدر نفسها من الملك وانقراض الدولة الأيوبية من الديار المصرية 363
الأيوبيون فى غير الديار المصرية 364
ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق 366
ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد. وما جهزه
(29/493)

صحبته من الهدايا والتقادم وما أورده الرسول فى الديوان العزيز من كلامه 370
الحرب بين الملك الناصر والملك المعز 377
ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ 379
ذكر سياقة أخبار الملك الناصر ومراسلته هولاكو. وغير ذلك من أحواله 381
ذكر أخبار دولة الترك 414
ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم. واتصالهم بملوك الاسلام. وما استكثر منهم. وتغالى فى اتباعهم وقدمهم على العساكر 415
السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى 419
ذكر الحرب الكائنة بين الملك المحز والملك الناصر صاحب الشام. وانتصار المعز 420
ذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر 426
ذكر خبر عربان الصعيد. وتوجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم وإبادتهم 427
ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاى. وما كان من أمره إلى أن قتل 429
ذكر أخبار الأمراء البحرية، وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى 433
ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة. وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه، وانتقاض أمره 439
ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضى: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف 441
ذكر ما حدث بالمدينة النبوية من الزلازل. والنار التى ظهرت بظاهرها 449
ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية 454
ذكر مقتل السلطان الملك المعز وشىء من أخباره. ومقتل شجر الدر الصالحية 456
ذكر أخبار السلطان الملك المنصور نور الدين: على بن السلطان الملك المعز وهو الثانى من ملوك دولة الترك بالديار المصرية 459
ذكر أخبار الوزراء، ومن ولى وزارة الملك المنصور 461
ذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما 468
ذكر أخبار السلطان الملك المظفر سيف الدين قطر المعزى وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية 469
(29/494)

الصفحة
ذكر وصول البحرية والشهر زورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر 471
ذكر خبر المصاف الكائن بين السلطان الملك المظفر ومن معه من الجيوش الإسلامية.
وبين جيش التتار على عين جالوت. وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتيغانوين.
وما يتصل بذلك من الأخبار 472
ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها. وملكه الممالك الشامية.
وما قرره من ترتيب الملوك والنواب. وغير ذلك مما اتفق بدمشق 475
ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز. ونبذة من أخباره 477
(29/495)