Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 031

الجزء الحادي والثلاثون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقديم
يسر مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب أن يقدم الجزء الحادى والثلاثين من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى.
وهذا الجزء يقابل الجزء التاسع والعشرين من مخطوطة كوير يللى المحفوظة بدار الكتب تحت رقم 549 معارف عامة.
وبالمخطوط اضطراب فى ترتيب الصفحات مما أدى إلى اختلال السياق بين الصفحات 67، 87 وقد أجرى ترتيب صفحات المخطوط بما يتفق مع الترتيب الزمنى للأحداث «1» . وبالمخطوط أيضا الكثير من الأخطاء اللغوية وقد جرى تصويبها بالمتن مع الإشارة إليها بالهامش.
ويشير النويرى إلى تاريخ تأليفه لهذا الجزء بقوله: «...... إلى حين وضعنا لهدا الجزء، وذلك فى سلخ شهر رجب سنة خمس وعشرين وسبعمائة» «2» .
كما يشير أيضا إلى ما اتخذه من نهج فى كتابته، بأن يورد أولا ما وقع من أحداث بالغة الأهمية فى داخل المملكة، ثم يذكر ما جرى من الغزوات والفتوحات، حسب ترتيبها الزمنى، ثم يشرح بعد ذلك حوادث السنين، وما وقع فيها من الولاية والعزل والأخبار والوفيات إلى انقضاء الدولة المنصورية «3» .
(31/5)

والنويرى فى كل ذلك لم يختلف عن ابن الفرات، إلا فى ترتيب الأحداث، أما المادة التاريخية فتكاد تكون متطابقة.
والمعروف أن ابن الفرات عاش فى زمن لا حق لزمن النويرى ولعله نقل عنه، أو استخدم مصدرا رجع إليه النويرى ولم يشر إليه ابن الفرات، وسوف تجرى الإشارة إلى هذا التطابق فى مواضعه.
وهذا الجزء مبدأ بذكر أخبار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النجمى، وهو السابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية، وجلوسه على تخت السلطنة يقلعة الجبل فى يوم الأحد العشرين من شهر رجب الفرد سنة ثمان وسبعين وستمائة.
وينتهى بذكر وصول رسل غازان ملك التتار إلى البلاد الشامية، وحضورهم بين يدى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بقلعة الجبل عشية نهار الثلاثاء سادس عشر ذى الحجة سنة سبعمائة، وما وصل على أيديهم من المكاتبة وما أجيبوا به.
نسأل الله التوفيق والسداد مركز تحقيق التراث جمادى الآخر 1412 هـ ديسمير 1991 م
(31/6)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[تتمة ذكر اخبار دولة الترك]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
هو حسبى وكفى
ذكر أخبار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النجمى وهو السابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.
وهو من خالصة القفجاق «1» ، من قبيلة برج أغلى «2» . وكان مملوك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقى العادلى.
اشتراه بألف دينار، فعرف بالألفى. وانفقت وفاة أستاذه «3» فى الأيام الصالحية، فى يوم الجمعة، الثامن والعشرين، من شهر رجب، سنة ثمان وسبعين وستمائة،
(31/7)

فارتجع إلى المماليك السلطانية «1» هو وجماعة من خشداشيته «2» ، فهم يعرفون بالعلائية.
وكان السلطان الملك المنصور هذا، فى جملة البحرية الذين خرجوا من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى. ثم تنقلت به الحال إلى هذه الغاية. ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وما مع ذلك. وجلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، فى يوم الأحد، العشرين من شهر رجب الفرد، سنة ثمان وسبعين وستمائة. واستحلف «3» الأمراء والمقدمين، ومن جرت العادة باستحلافه. وخطب له على المنابر، وكتب إلى دمشق، وإلى سائر الممالك يخبرهم بذلك. فوصل البريد إلى دمشق فى الثامن والعشرين من الشهر. وساق
(31/8)

[بعض مماليك الملك المنصور «1» ] من باب الأسطبل السلطانى، بظاهر قلعة الجبل إلى دمشق، فى يومين وسبع ساعات. وحلف الناس له بالشام. وخطب له على منابر دمشق، فى يوم الجمعة ثانى شعبان.
وكان من أول ما اعتمده السلطان عند جلوسه على تخت السلطنة، أنه أمر بإبطال زكاة الدولية «2» ، بالديار المصرية، وكانت قد اجحفت بالرعية. وأفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم «3» الصالحى، ورتبه فى نيابة السلطنة. فتولاها مدة يسيرة، ثم استعفى منها فأعفاه، وفوض نيابة السلطنة بعده، لمملوكه الأمير حسام الدين طرنطاى، وذلك فى يوم السبت الثالث والعشرين من شهر رمضان من السنة. وأقر الصاحب برهان الدين [السنجارى «4» ] على الوزارة، ورتب مملوكه الأمير علم الدين سنجر الشجاعى فى شد الدولة.
وكان أول ركوب السلطان الملك المنصور بشعار السلطنة، فى يوم السبت
(31/9)

الثالث من شعبان. وكتب إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بركوبه.
والكتاب بخط القاضى تاج الدين بن الأثير، جاء منه «1» :
ولا زالت أيامه بمحابتها تنهى «2» ، وترى من النصر ما كانت تتمنى، وتتأمل آثارها فتملأها حسنا. وتشاهد من أماير الظفر ما يوسع على العباد أمنا.
ويستزيد الحمد على ما وهب من الملك، الذى أولى كلّا منّا منّا.
المملوك يهدى من لطيف أنبائه، ووظائف دعائه «3» ، وما استقر من عوارف الله لديه، وما حباه به من النعم، التى ملأت يديه، ما يستروح بنسيمه؛ ويستفتح لسان الحمد بتقديمه، وتزداد «4» به مسرة نفسه «5» وابتهاجها،
(31/10)

وتزدان عقود السعود، وإنما يزين اللآلىء فى العقود ازدواجها، وتقوى به قوى العزائم، وتمثله الأعداء فى أفكارها، فتكاد تجر ذيول العزائم، وتبعت الآمال على تمسكها بالنصر، وتظهر منه المحاب التى «1» لو قصدت الأقلام لحصرها، لعجزت عن الحصر. وهو أن العلم الكريم، قد أحاط بالصورة التى استقرت، من دخول الناس فى طاعة المملوك، واجتماع الكلمة عليه، واستقلاله بأمر السلطنة المظمة.
ولما كان يوم السبت، الثالث من شعبان المبارك، سنة ثمان وسبعين وستمائة، ركب المملوك بشعار السلطنة، وأبهة الملك؛ وسلك المجالس العالية، الأمراء والمقدمون والمفاردة «2» والعساكر المنصورة، من آداب الخدمة، وإخلاص النية، وحسن الطاعة كل «3» ما دلّ على انتظام الأمر واتساق عقد النصر.
ولما قضينا من أمر الركوب وطرا «4» ، وأنجزنا للأولياء وعدا من السعادة منتظرا، عدنا إلى قلعة الجبل المحروسة، والأيدى بالأدعية الصالحة لنا مرتفعة، والقلوب على محبة أيامنا مجتمعة، والآمال قد توثفت بالعدل واستمراره، والأبصار قد استشرفت من التأييد مطالع أنواره. وشرعنا من الآن فى أسباب الجهاد، وأخذنا فى كل ما يؤذن، إن شاء الله تعالى، بفتح ما بأيدى العدو من البلاد.
(31/11)

ولم يبق إلا أن تتثنى»
الأعنة، وتسدد «2» الأسنة، ويظهر ما فى النفوس، من مضمرات المقاصد المستكنة.
[ورسمنا «3» ] بأن تزين دمشق المحروسة، وتضرب البشائر فى البلاد، وأن يسمعها كل حاضر وباد. والله تعالى، يجعل أوقاته بالتهانى مفتتحة، ويشكر مساعيه، التى ما زالت فى كل موقف ممتدحة، إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده.
ذكر عزل الصاحب برهان الدين السنجارى عن الوزارة، وتفويضها للصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان وغير ذلك.
وفى هذه السنة، فى السادس والعشرين، من شهر رمضان، عزل السلطان، الصاحب برهان الدين الخضر السنجارى عن الوزارة، ولزم مدرسة أخيه قاضى القضاة بدر الدين، بالقرافة الصغرى. واستوزر السلطان بعده، الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان.
وفيها، فى شعبان، رسم السلطان باعفاء تقى الدين توبة «4» التكريتى بيع «5» الخزانة بدمشق، من هذه الوظيفة؛ وأن يسامح بما عليه من البواقى «6» . وفوض إليه
(31/12)

نظر الخزانة بدمشق فباشرها، واستمر إلى خامس شوال منها. ثم فوض إليه وزارة الشام، وخلع عليه خلع الوزراء.
وفيها، فى أواخر شوال، حضر الأمير عز الدين ايدمر الظاهرى، من دمشق، تحت الاحتياط، وجرد معه جماعة، فلما وصل إلى قلعة الجبل اعتقل [بها «1» ] .
وفيها، فوض السلطان نيابة قلعة دمشق لمملوكه الأمير حسام الدين لاجين السلاح دار، وهو المعروف بلاجين الصغير، فوصل إليها وسكنها، وذلك فى العشرين من ذى الحجة من هذه السنة، فتخيل منه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، نائب السلطنة بالشام. وكان من خروجه عن طاعة السلطان، وسلطنته بدمشق ما نذكره.
وقد رأينا أن نذكر أخباره «2» ، وما كان من أخبار أولاد السلطان الملك الظاهر بالكرك فى هذا الموضع إلى آخر أخبارهم، ليكون ذلك سياقة. ثم نذكر الغزوات والفتوحات فى الأيام المنصورية بجملتها، على توال واتساق. بمقتضى ما يقدمه التاريخ. ثم نشرح بعد ذلك حوادث السنين، وما وقع فيها من الولاية والعزل والأخبار، والوفيات، إلى انقضاء الدولة، على ما نقف على ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.
(31/13)

ذكر أخبار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وخروجه عن طاعة السلطان، وسلطنته بدمشق، وما كان من أمره إلى أن عاد للطاعة، ورجع إلى الخدمة السلطانية
قد قدمنا أن السلطان الملك المنصور، فى زمن أتابكيته، فى سلطنة الملك العادل [بدر الدين «1» ] سلامش. جهزه إلى الشام، نائبا عن السلطنة بدمشق، وكان قد نقل الأمير جمال الدين أفش الشمسى من دمشق إلى نيابة السلطنة بحلب.
فلما ملك السلطان الملك المنصور، واستقر بالسلطنة، خطر ببال الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أن يستبد بسلطنة الشام، ويصير الأمر على ما كان عليه فى أواخر الدولة الأيوبية. فجمع الأمراء الذين عنده، وأوهمهم أن الأخبار وصلت إليه، أن السلطان الملك المنصور قد قتل، وهو يشرب الخمر «2» . ودعاهم إلى طاعته، واستحلفهم لنفسه. فأجابوه «3» ، وحلفوا له، وتلقب بالملك الكامل، وركب بشعار السلطنة، [وأبهة الملك «4» ] ، بدمشق، وذلك فى الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة. وفى الوقت، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بقلعة دمشق، وعلى الصاحب
(31/14)

تقى الدين توبة. وجهز الأمير سيف الدين بلبان الحبيشى «1» ، إلى سائر الممالك الشامية والقلاع، ليحلف من بها من النواب وغيرهم، واستوزر الصدر مجد الدين أبا الفدا إسماعيل بن كسيرات [الموصلى «2» ] ، وجعل وزير الصحبة الصدر عز الدين أحمد بن ميسّر [المصرى «3» ] ، وانتقل بأها من دار السعادة، التى يسكنها نواب السلطنة [بدمشق «4» ] ، إلى القلعة، وأمر عند انتقال أهله، بفلق باب النصر، وفتح باب سر القلعة، المقابل لدار السعادة، بجوار باب النصر، [ففعلوا ذلك «5» ] . فتطاير الناس له بأشياء، وقالوا: أغلق باب النصر، وانتقل من دار السعادة، وسكن القلعة، وولى وزارته ابن كسيرات، فهذا لا يتم أمره، وكان كذلك.
ذكر التقاء العسكر المصرى والعسكر الشامى، وانهزام عسكر الشام، وأسر من يذكر من أمرائه فى المرة الأولى.
كان السلطان الملك المنصور، قد جهز الأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى الكرك [على سبيل الإرهاب «6» ] ، عند ما بلغه وفاة الملك السعيد، على ما نذكر ذلك، إن شاء الله. فبلغ الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أنه خرج من الديار
(31/15)

المصرية، فى طائفة من عساكرها، فظن أنه يقصده. فكتب إليه ينهاه عن التقدم، ويقول: «إننى مهدت الشام، وفتحت القلاع، وخدمت السلطان، وكان الاتفاق بينى وبينه، أن أكون حاكما على ما بين الفرات والعريش، فاستناب أقوش «1» الشمسى بحلب، وعلاء الدين الكبكى بصفد، وسيف الدين بلبان الطباخى بحصن الأكراد، وآخر الحال أنه يسيّر إلى من يقصد مسكى «2» » .
واتبع سنقر الأشقر كتابه، بتجريد العساكر. فلما وصل الكتاب إلى الأمير عز الدين الأفرم، كتبت مطالعة «3» إلى السلطان، وجهّز الكتاب [الذى أرسله سنقر الأشقر «4» ] عطفها «5» . فكتب السلطان إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وكتب إليه أيضا الأمراء خوشداشيته، يقبحون عليه فعله، ويحضونه على الرجوع إلى الطاعة. وتوجه بالكتب الأمير سيف الدين بلبان الكريمى العلائى خوشداشة «6» ، فوصل إلى دمشق فى ثامن المحرم سنة تسع وسبعين وستمائة، فخرج إليه سنقر الأشقر، وتلقاه وأنزله عنده، بقلعة دمشق وأكرمه. ومع
(31/16)

ذلك، لم يصغ إلى قوله، ولا رجع إلى ما أشار به خوشداشيته.
قال «1» : ولما وصل كتاب سنقر الأشقر إلى الأمير عز الدين الأفرم، رجع إلى غزة. وعاد الأمير بدر الدين الايدمرى من الشوبك، بعد أخذها، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فاجتمعا على غزة.
وجمع سنقر الأشقر العساكر، من حلب وحماه وحمص. واستدعى على الكبكى من صفد، والعربان من البلاد، وجهّز جماعة من عسكر الشام، وقدم عليهم الأمير شمس الدين قراسنقر المعزى، فتوجه إلى غزة. والتقوا هم والعسكر المصرى. فانكسر عسكر الشام، وأسر جماعة من أعيان الأمراء، منهم بدر الدين كنجك «2» الخوارزمى، وبهاء الدين يحك الناصرى، وناصر الدين باشقرد الناصرى، وبدر الدين بيليك الحلبى، وعلم الدين سنجر التكريتى، [وسنجر البدرى «3» ] ، وسابق الدين سليمان صاحب صهبون، وسيّروا إلى السلطان، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، ولم يؤاخذهم.
ذكر تجريد العساكر إلى دمشق، وحرب سنقر الأشقر وانهزامه، وإخلائه دمشق، ودخول العسكر المصرى «4» إليها قال: ولما وصل خبر الكسرة، إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، المنعوت بالملك الكامل، بدمشق، أخذ فى الأهتمام وجمع العساكر. وكتب نهاية الإرب ج 31- م 2
(31/17)

إلى الأمراء الذين بغزة، [من جهة الملك المنصور «1» ] ، يعدهم ويستميلهم، وعين لكل منهم قلعة. وعسكر بظاهر دمشق. فجرّد السلطان، الأمير علم الدين سنجر الحلبى، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، بالعساكر ومن معهما من مضافيهما. فاجتمعا بالأميرين عز الدين الأفرم، وبدر الدين الايدمرى ومن معهما. وساروا، والمقدم عليهم الأمير علم الدين سنجر الحلبى.
وكان سنقر الأشقر، قد برز من قلعة دمشق، بعساكر الشام فى ثانى عشر صفر، سنة تسع وسبعين وستمائة، ونزل بالجسورة. ووصل العسكر المصرى إلى الكسوة. وترتبت الأطلاب وتقدمت. والتقى العسكران بالجسورة، فى خامس عشر الشهر. وعند اللقاء انهزم عسكر حماه والعسكر الحلبى. وانحاز جماعة من الشاميين إلى العسكر المصرى. وحمل [سنجر «2» ] الحلبى على سنقر الأشقر، فانهزم لوقته. وصحبه من الأمراء الأخصاء به، الأمير عز الدين ازدمر الحاج، والأمير علاء الدين الكبكى، والأمير شمس الدين قرا سنقر المعزى، والأمير سيف الدين بلبان الحبيشى «3» . وكان [سنقر الأشقر»
] ، من عشية يوم الجمعة، ثالث عشر صفر، قد جهز أولاده وحريمه وحواصله إلى صهيون. فلما انهزم توجه به العرب إلى الرحبة «5» ، وكان من خبره ما نذكره.
(31/18)

قال: ولما انهزم سنقر الأشقر غلقت أبواب المدينة «1» ، مخافة أن ينهبها العسكر المصرى. وامتنعت القلعة أيضا. ونزل الأمير علم الدين الحلبى بالقصر الأبلق، بالميدان الأخضر، وبات العسكر حوله إلى اليوم الثانى. فجاء الأمير سيف الدين الجو كندار «2» ، وهو نائب القلعة، من جهة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، إلى الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، والأمير حسام الدين لاجين المنصورى، والصاحب تقى الدين توبة، وهم فى الاعتقال بالقلعة، وحلّفهم أنهم لا يؤذونه إذا أخرجهم، ولا يؤذون أحدا من مستخدمى «3» القلعة، وأمنوا الناس. وكان الأمير علم الدين [الحلبى «4» ] قد نادى ظاهر دمشق بالأمان، ثم فتح الأمير حسام الدين لاجين [المنصورى «5» ] باب الفرج، ووقف عليه، ومنع العسكر المصرى من الدخول إلى المدينة خوفا أن يشعثوا «6» . ثم نودى بإطابة قلوب الناس، وأمر بالزينة ودق البشائر.
وكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبى، إلى السلطان بالنصر. وسير الأمراء الذين قبض عليهم، فأحسن إليهم، ولم يؤاخذهم. وتوجه بالبشائر إلى السلطان
(31/19)

الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، فأنعم السلطان عليه. وأمرّه بعشرة طواشية «1» . ثم كان من أمر دمشق وأخبار أهلها، وما استقر من أمر النيابة بها، ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى حوادث السنين.
ذكر توجه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون وتحصنه بقلعتها
قال: لما انهزم الأمير شمس الدين المشار إليه، من دمشق، كما تقدم توجه إلى الرحبة، ففارقه أكثر من كان معه، وامتنع الأمير موفق الدين خضر الرحبى، النائب بقلعة الرحبة، من تسليمها إليه. فعند ذلك كاتب أبغا بن هولاكو «2» ، ملك التتار، يعرفه بما وقع بين العساكر الإسلامية من الاختلاف، وحثه على قصد البلاد بجيوشه، ووعده الانحياز «3» إليه، والإعانة والمساعدة على ذلك وكتب إليه «4» ، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، بمثل ذلك وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وكان سنقر الأشقر، لما تغلب على الشام، كاتب نواب القلاع.
(31/20)

فمنهم من أطاعه، ومنهم من امتنع عليه. وكان ممن أطاعه، نائب صهيون وبرزية «1» وبلاطلس والشغر «2» وبكأس، وشيزر وعكار «3» وحمص. فلما انهزم [سنقر الأشقر «4» ] ، جرّد السلطان خلفه جيشا صحبة الأمير حسام الدين [ايتمش «5» ] بن أطلس خان. فبادر هو، وعيسى بن مهنا، بالهرب إلى صهيون، وذلك فى جمادى الأولى «6» من السنة المذكورة. وعاد ابن أطلس خان ومن معه، واستمر سنقر الأشقر بصهيون.
ذكر انتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور، وبين سنقر الاشقر، وما استقر بينهما، وانتقاض ذلك، وأخذ صهيون منه
وفى سنة ثمانين وستمائة، انتظم الصلح بين السلطان الملك المنصور، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر. وذلك أن السلطان جرّد الأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدى «7» الشمسى إلى شيزر، فترددت الرسائل بين السلطان وبين سنقر الأشقر، وطلب منه تسليم شيزر، فطلب منه الشغر وبكأس،
(31/21)

وكانتا قد أخذنا منه، وطلب معهما [فامية «1» ] ؛ وكفر طاب [وأنطاكية «2» ] وبلادها، فأجيب إلى ذلك. وتقرر أن يقيم [شمس الدين سنقر الأشقر «3» ] ، على هذه البلاد، [وعلى ما بيده قبل ذلك من البلاد، وهى صهيون وبلاطلس واللاذقية «4» ] بستمائة «5» فارس، لنصرة الإسلام، وإن الأمراء الذين معه، إن أقاموا عنده، يكونون من أمرائه، وإن حضروا إلى السلطان يكونون آمنين، ولا يؤاخذون.
وحضر عنده الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، بنسخة اليمين على ما تقرر، فحلف السلطان على ذلك. وكتب له تقليدا بالبلاد، وسأل [سنقر الأشقر «6» ] ، أن ينعت بلفظ الملك، فما أجاب السلطان إلى ذلك، ونعت بالإمرة. وسير السلطان، الأمير فخر الدين [أباز «7» ] المقرى [الحاجب «8» ] فحلّفه، وسير إليه السلطان من الأقمشة والأوانى والأنعام شيئا كثيرا. وانتظم الصلح والاتفاق.
(31/22)

وحضر مع السلطان فى مصاف «1» حمص، وعاد إلى صهيون على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ واستمر ذلك إلى سنة أربع وثمانين وستمائة.
فلما حضر السلطان لحصار المرقب، وهى بالقرب من صهيون، لم يحضر الأمير شمس الدين إلى خدمة السلطان. فتنكر السلطان لذلك، وحنق [عليه «2» ] بسببه. وأرسل سنقر الأشقر ولده ناصر الدين صمغار إلى خدمة السلطان يتلافى ذلك، فمنعه السلطان من العود إلى والده. واستمر إلى سنة ست وثمانين وستمائة.
فجرد السلطان نائبه [بالديار المصرية «3» ] ، الأمير حسام الدين طرنطاى، إلى صهيون، فى جماعة كثيرة من العساكر، فنازلها، وراسله فى تسليمها، وذكر له مواعيد السلطان له. فامتنع من ذلك، فضايقه، ونصب المجانيق حتى أشرف على أخذ حصن صهيون عنوة. فلما رأى [الأمير شمس الدين سنقر الأشقر «4» ] ذلك، أرسل فى طلب الأمان والأيمان. فحلف له الأمير حسام الدين طرنطاى، إن السلطان لا يضمر له سوءا. فنزل إلى الأمير حسام، وسلّم إليه الحصن.
فأخبرنى «5» من ذكر أنه شهد كيف كان نزوله إليه، وما عامل كل منهما الآخر به،
(31/23)

فقال: بينما الأمير حسام الدين جالس فى خيمته، إذ قيل له، هذا الأمير شمس الدين قد جاء. فوئب وأسرع المشى، وخرج إليه وتلقاه، فترجل الأمير شمس الدين.
وخلع الأمير حسام الدين قباء كان عليه، وبسطه على الأرض، ليمشى الأمير شمس الدين عليه. فرفعه الأمير شمس الدين عن الأرض، وقبّله ولبسه. فأعظم الأمير حسام الدين طرنطاى ذلك، وعامل الأمير شمس الدين بأتّم الخدمة وغاية الأدب. ورتّب فى الحصن تائبا وواليا ورجّاله. وسار هو والأمير شمس الدين إلى الديار المصرية. فلما قرب من قلعة الجبل، ركب السلطان وولداه الملك الصالح علاء الدين على، والملك الأشرف صلاح الدين خليل، وأولاد الملك الظاهر، والعساكر. وتلقاه الأمير شمس الدين وتعانقا، وطلعا إلى القلعة، وحمل السلطان إليه الخلع والأقمشة والحوائص الذهب والتحف، وساق إليه الخيول، وأمّره بمائة فارس، وقدّمه على ألف. واستمر فى الخدمة السلطانية، من أكابر أمراء الدولة.
فهذا ما اتفق له، فى خروجه وعوده على سبيل الاختصار. ثم كان من أخباره بعد ذلك، ما نذكره إن شاء الله تعالى فى مواضعه. فلنذكر حال الملك السعيد وأخيه المسعود.
ذكر خبر الملك السعيد وما كان من أمره بالكرك واستيلائه على الشوبك واستعادتها منه.
قال المؤرخ «1» : لما توجه الملك السعيد إلى الكرك، كان السلطان الملك
(31/24)

المنصور، قد شرط عليه، أنه لا يكاتب الأمراء، ولا يفسد العساكر، ولا يتطرق إلى غير الكرك. فلما استقر بها حركه مماليكه، وحسنوا له التطرق إلى الحصون وأخذها، أولا فأولا، فوافقهم على ذلك. وكاتب النواب وسير الأمير حسام الدين لاجين، رأس نوبة الجمدارية، إلى الشوبك، فتغلب عليها، وأقام بها. فكاتبه السلطان الملك المنصور، ونهاه فلم ينته، فجرد الأمير بدر الدين بيليك الايدمرى إلى الشوبك، فنزل عليها، وضايق أهلها، وتسلمها فى العاشر من ذى القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، ورتب بها نائبا وعاد عنها.
ذكر وفاة الملك السعيد، وقيام أخيه الملك المسعود خضر مقامه بالكرك.
قال «1» : وفى سنة ثمان وسبعين وستمائة، ركب الملك السعيد، إلى الميدان بالكرك، ولعب بالكرة، فتقنطر عن فرسه، فصدع وحمّ [أياما قلائل «2» ] ، فمات. وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، فى ثالث عشر ذى القعدة، من السنة.
وعمل السلطان الملك المنصور له عزاء، بقلعة الجبل، فى الثانى والعشرين من الشهر. وحضره وعليه ثياب البياض، وحضر الأمراء والقضاة والعلماء، والوعاظ. ولما توفى صبّر، ووضع فى تابوت مدة، ثم حمل إلى التربة الظاهرية بدمشق، وذلك فى سنة ثمانين وستمائة، ووصلت والدته إليها فى ثامن
(31/25)

عشرين شهر ربيع الآخر، والسلطان الملك المنصور يوم ذاك بالشام. فادخل التربة الظاهرية ليلا فى تابوت، ولم يدخلوا به من باب المدينة، وإنما رفعوا تابوته من أعلا السور، ودلّوه من الجانب الآخر، ووضع فى قبره، وألحده القاضى عز الدين بن الصائغ، كما ألحد والده.
وحضر السلطان الملك المنصور فى بكرة دفنه إلى التربة الظاهرية، ومعه القضاة والعلماء والقراء والوعاظ، وأظهر الحزن عليه، وذلك فى سلخ شهر ربيع الآخر «1» . ومولده بمنزلة العش «2» ، من ضواحى القاهرة، فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة.
قال «3» : وكان الملك السعيد، لما استقر بالكرك، رتب فى النيابة بها الأمير علاء الدين ايدغدى الحرانى الظاهرى، لما فارقه الأمير علاء الدين الفخرى النائب بها إلى الديار المصرية. فلما مات اتفق [نائبه الأمير علاء الدين ايدغدى] الحرانى «4» ومن معه، وأقاموا أخاه خضرا مقامه، ولقب بالملك المسعود. فشرع المماليك، الذين حول الملك المسعود نجم الدين خضر، فى سوء التدبير، ففرقوا أموال الذخائر «5» ، وأرادوا أن يستجلبوا بها الناس، وانضم إليه كل من قطع رزقه. وتوجه منهم جماعة إلى الصلت فاستولوا عليها،
(31/26)

وأرسلوا إلى صرخد، وقصدوا الاستيلاء عليها، فعجزوا عن ذلك. وشرعوا فى استفساد الناس، وتسامع بهم العربان والطماعة، أنهم يبذلون الأموال، فقصدوهم من كل الجهات، وهم يبذلون الأموال لمن يقصدهم ويصل إليهم.
فكان جماعة من العربان وغيرهم يقصدونهم من أطراف البلاد، ويجتمعون ويحضرون إلى الملك المسعود، ويبذلون له الطاعة، ويتقربون إليه بالنصيحة.
فإذا وثق بهم، وأنفق فيهم الأموال، وحصلوا عليها، وبلغوا الغرض مما راموه تسللوا وفارقوه، وعادوا من حيث جاءوا وتفرقت جماعاتهم. وهو ومن عنده لا يرجعون عن بذل المال لمن يصل إليهم، إلى أن فنيت أكثر تلك الذخائر، التى كانت بالكرك، التى حصنها السلطان الملك الظاهر، وجعلها بهذا الحصن ذخيرة لأوقات الشدائد، فنفقوها فيما لا أجدى نفعا، بل جلب ضررا، وغلّت الخواطر. ثم كانبوا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر [نائب السلطنة بدمشق «1» ] فى الموافقة [معهم «2» ] . واتصل ذلك بالسلطان، فجرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى الكرك على سبيل الإرهاب. وكان بينه وبين الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ما قدمناه «3»
ذكر الصلح بين السلطان والملك المسعود وانتقاض ذلك وإخراجه من الكرك.
وفى سنة ثمانين وستمائة، وردت رسل الملك المسعود إلى السلطان فى طلب الصلح، والزيادة على الكرك، وأن يكون له ما كان للناصر داود، فلم يجبه
(31/27)

السلطان إلى ذلك، ولا إلى إقامته بالكرك بالأصالة. وترددت رسائله إلى السلطان، وسأل أن يقر بيده الكرك وأعمالها من حد الموجب «1» إلى الحسا «2» .
فأجابهم السلطان، وحلف لهم، والتمسوا شروطا: منها تجهيز الإخوة الذكور والإناث، أولاد الملك الظاهر إلى الكرك، وردّ الأملاك الظاهرية عليهم، وتمّ الصلح وحلف السلطان عليه.
وتوجه الأمير بدر الدين بيليك المحسنى السلاح دار، والقاضى تاج الدين ابن الأثير، إلى الكرك، وحلفا الملك المسعود. وكوتب من ديوان الإنشاء، كما يكانب صاحب حماه، واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين وثمانين [وستمائة «3» ] ، فبلغ السلطان أنهم نقضوا ما كان قد تقرر. وحضر الأمير علاء الدين ايدغدى الحرانى، نائب الملك المسعود بالكرك، وأنهى إلى السلطان ما اعتمدوه، مما يغلّت الخواطر. فكتب السلطان إلى الملك المسعود ومن معه ينهاهم عن ذلك، فلم ينتهوا. فجرد إلى الكرك فى هذه السنة «4» الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، وأمره بمراسلتهم، فراسلهم، فلم يرجعوا عن اعتمادهم، فضايق الكرك، ورعت خيول العسكر تلك الزراعات كلها، ثم عاد عن الكرك.
وتراخى الأمر، واستمر الملك المسعود بالكرك إلى سنة خمس وثمانين وستمائة.
فجرد السلطان الملك المنصور، الأمير حسام الدين طرنطاى، نائب السلطنة،
(31/28)

بجيش كثيف، وأمره بمنازلة الكرك ومحاصرتها «1» فتوجه إليها، وأحضر آلات الحصار، من الحصون الإسلامية، وضايقها وقطع الميرة عنها. واستدعى بعض الرّجالة «2» ، وأحسن إليهم، فوافقوه «3» على الملك المسعود. فلما رأى الملك مسعود نجم الدين خضر، وأخوه بدر الدين سلامش الحال على ذلك، أرسل الملك المسعود إلى الأمير حسام الدين طرنطاى، فى طلب الأمان، فأمنّه عن السلطان. فقال لا بد من أمان السلطان وخاتمه. وفطالع الأمير حسام الدين السلطان بذلك، فأرسل السلطان بأمانه الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصورى، فاجتمع بهما، وأبلغهما أمان السلطان، فنزلا من قلعة الكرك، إلى الأمير حسام الدين طرنطاى، وذلك فى صفر سنة خمس وثمانين [وستمائة «4» ] .
فرتب الأمير حسام الدين، عز الدين أيبك الموصلى المنصورى، فى نيابة السلطنة بالشوبك منذ استعيدت من الملك السعيد.
ورحل الأمير حسام الدين طرنطاى، وولدا الملك الظاهر صحبته، فلما وصلوا إلى الديار المصرية، وقربوا من قلعة الجبل، ركب السلطان، وتلقاهما وأقبل عليهما، وطلعا إلى القلعة، وذلك فى يوم الثلاثاء ثانى عشر ربيع الأول. وأمّر كلا منهما [إمرة «5» ] مائة فارس. واستمرا يركبان معه فى الموكب والميدان، ونزّلهما «6» منزلة أولاده. ثم بلغه عنهما ما تنكر له، فقبض عليهما واعتقلهما، وبقيا فى الاعتقال فى أيام السلطان الملك الأشرف، فسيرهما إلى القسطنطينية.
(31/29)

هذا ما كان من أخبار هؤلاء المناوئين فى الملك، فلنذكر الفتوحات والغزوات، ونوردها فى الترتيب، على حكم السنين، إن شاء الله تعالى.
ذكر الفتوحات والغزوات التى شهدها السلطان بنفسه، والتى ندب إليها عساكره المؤيدة
ذكر «1» عبور التتار إلى الشام، والمصاف الذى وقع بينهم وبين العساكر المنصورة، بحمص وانهزام التتار.
قال المؤرخ «2» : وفى سنة ثمانين وستمائة، وردت الأخبار بدخول منكوتمر «3» ، إلى بلاد الروم، بعساكر المغل، وأنه نزل بين قيسارية وابلستين، فتوجه كشافة من عين تاب، فوقعوا بفرقة من التتار بالقرب من صحراء هوتى «4» ، الذى كسر الملك الظاهر التتار عليها. فظفروا منهم بإنسان يسمى حلتار بهادر «5» [أمير «6» ] آخور أبغا ابن هولاكو، كان قد توجه لكشف المروج، فأمسكوه وأحضروه إلى السلطان
(31/30)

إلى دمشق. فوانسه السلطان، وسأله عن الأخبار، فذكر أنهم فى عدد كثير يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل، وعزمهم أنهم يقصدون البلاد، قولا جزما، ويركبون من منزلتهم أول شهر رجب.
ثم ورد الخبر فى جمادى الآخرة، أنهم ركبوا من منزلتهم، وأنهم يسيرون برفق، وأن فرقة منهم توجهت صحبة أبغا إلى الرحبة، ومعه صاحب ماردين، فسير السلطان كشافة إلى الرحبة، صحبة بجكا «1» العلائى. وركب السلطان من دمشق، ووصل العدو المخذول إلى صوب حارم. وراسل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر عدة مراسلات، إلى أن تقرر أنه ينزل من صهيون بمن معه للغزاة، بشرط أن يعود إليها، إذا انقضى المصاف. فنزل ووافى السلطان على حمص، هو ومن كان عنده من الأمراء، وهم ايتمش السعدى، وازدمر الحاج، وسنجر الداوادارى، وبجق البغدادى، وكراى، وشمس الدين الطنطاش وابنه، ومن معهم من الظاهرية. ففرح المسلمون بحضورهم، وكان ذلك قبل المصاف بيومين.
ثم ورد الخبر أن منكوتمر على حماه بعساكر التتار، فى ثمانين ألف، منهم خمسون ألف من المغل، وبقيتهم مرتدة «2» وكرج وروم وأرمن «3» وفرنج، وأنه نفر
(31/31)

إليهم مملوك من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الصالحى الجالق، ودلّهم على عورات المسلمين وأخبرهم بعددهم.
ورحلوا ليلة الحميس عن حماه، ورتبوا جيشهم. فكان طرف ميمنتهم حماه، وطرف ميسرتهم [ «1» ] ، وساقوا طالبين اللقاء، والمقدم عليهم من قبل أبغا، منكوتمر [بن «2» ] هولاكو، أخو أبغا.
ورتب السلطان الملك المنصور عساكره، وبات المسلمون على ظهور خيولهم.
واتفق أن شخصا من عسكر التتار، دخل حماه، وقال للنائب بها: «اكتب الساعة إلى السلطان، على جناح طائر، وعرفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل فى القلب، منهم أربعة وأربعون ألف من المغل وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جدا، فتقوى ميسرة المسلمين، وتحترز على الصناجق» . فكتب النائب بذلك إلى السلطان. فلما قرأ الكتاب ركب عند إسفار الصباح، فى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، سنة ثمانين وستمائة، وهو يوم اللقاء. ورتب العساكر المنصورة الإسلامية، على ما نذكره، بمقتضى ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصورى فى تاريخه «3» وهو:
(31/32)

الميمنة المنصورة «1» ، فيها الملك المنصور صاحب حماه، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى والأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدى «2» الشمسى ومضافوهم «3» ، والأمير حسام الدين لاجين نائب الشام والعسكر الشامى. وفى رأس الميمنة الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا وآل فضل وآل مرى، وعربان الشام، ومن انضم إليهم.
الميسرة المباركة، فيها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمرى، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الحلبى، والأمير بجكا العلائى، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والأمير سيف الدين خبرك «4» التترى، ومن معهم من المضافين. وفى رأس الميسرة التركمان بجموعهم وعسكر حصن الأكراد.
ذكر الجاليش وهو مقدمة القلب «5» ، فيه الأمير حسام الدين طرنطاى، نائب السلطنة، ومن معه من مضافيه، والأمير ركن الدين اياجى «6» الحاجب، والأمير
(31/33)

بدر الدين بكتاش بن كرمون، ومن معهم من المماليك السلطانية. ووقف السلطان تحت الصناجق، وحوله مماليكه وألزامه وأرباب الوظائف.
وأشرفت كراديس النتار. وكان الملتقى بوطأة حمص، بالقرب من مشهد خالد بن الوليد. فالتقى الجمعان، فى الساعة الرابعة، من نهار الخميس، وجاءت ميسرة العدو، تجاه الميمنة الإسلامية، وصدموا «1» الصدمة الأولى، فثبت المسلمون، وانكسرت ميسرة التتار كسرة تامة، وانتهت إلى القلب الذى للتتار، وبه منكوتمر.
وأما الميسرة الإسلامية، فصدمتها ميمنة التتار، فلم تثبت لترادف كراديسهم.
وساق التتار وراء المسلمين، حتى انتهوا إلى تحت حمص. ووقعوا فى السوقة والعوام، فقتلوا منهم خلقا كثيرا. ولم تعلم المسلمون ما تهيأ للميمنة من النصر، ولا علم التتار ما أصاب ميسرتهم. فاستقل بعض من انهزم إلى دمشق، وبعضهم إلى قرب صفد. ومنهم من وصل غزة.
ولما رأى التتار، أنهم قد استظهروا، نزلوا «2» عن خيولهم فى المرج الذى عند حمص، وأكلوا الطعام، ونهبوا الأثقال «3» والوطاقات «4» ، والخزانة. وانتظروا
(31/34)

قدوم بقيتهم، فلما ابطأوا عنهم، أرسلوا من يكشف خبرهم، فعاد الكشافة وأخبروهم [أن «1» ] منكوتمر هرب، فركبوا خيولهم، وكروا راجعين.
هذا والسلطان ثابت فى موقفه، فى نفر يسير من المماليك، والعساكر قد تفرقت، منهم من تبع التتار الذين انهزموا، ومنهم من استمر به الهرب. فلما رجعت ميمنة التتار، أمر السلطان أن تلف الصناجق، وتبطل الكوسات «2» ، فمروا ولم يقدموا عليه. وأخذوا على طريق الرستن، ليلحقوا بأصحابهم. [وعند ما تقدموه قليلا، ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شىء. وكان ذلك تمام النصر، وهو عند غروب الشمس من يوم الخميس. ومرّ هؤلاء المنهزمون من التتار نحو الجبل، يريدون منكوتمر. وكان ذلك من تمام نعمة الله على المسلمين وإلا لو قدر الله أنهم رجعوا على المسلمين، لما وجدوا فيهم قوة. ولكن الله نصر دينه، وهزم عدوه مع قوتهم وكثرتهم. وانجلت هذه الواقعة عن قتلى كثيرة من التتر لا يحصى عددهم] «3» . وكتبت البطائق بالنصر.
وعاد السلطان من يومه إلى المنزلة، [بعد انفصال الحرب «4» ] . وكان قد فرق ما بالخزانة من الذهب، فى أوساط مماليكه، فسلم بجملته. وباب السلطان بالمنزلة ليلة الجمعة. فلما كان عند السحر، ثار صياح بالوطاقات، فظن الناس عود العدو، فركب السلطان ومعه من وكان بالوطاقات، فانكشف الخبر بعد
(31/35)

ساعة، أن جماعة من العسكر، الذين تبعوا التتار عند الهزيمة رجعوا. وقتل من التتار فى الهزيمة، أكثر من الذين قتلوا فى المصاف، واختفت منهم طائفة بجانب «1» الفرات. فأمر السلطان أن تضرم النيران بالأزوار «2» التى على الفرات، فأحرق أكثر من اختفى فيها. وهلكت فرقة منهم، كانوا سلكوادرب سلمية.
ولما وصلت البطائق إلى الرحبة، بخبر النصر وهزيمة التتار، كان أبغا ملك التتار يحاصرها، فدقت البشائر، وأعلن الناس بالنصر، ففارقها أبغا وتوجه إلى بغداد.
وعاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون. ورجع إلى الخدمة السلطانية ممن كان معه، ايتمش السعدى، وسنجر الداوادارى وكراى التتارى وولده، وتماجى «3» ، وجماعة من الأمراء الذين كانوا عنده. وعاد السلطان إلى دمشق، فكان وصوله إليها، فى يوم الجمعة ثانى عشر شهر رجب الفرد. وامتدحه الشعراء، وأكثروا المدائح والهناء بهذا النصر.
وخرج السلطان من دمشق، عائدا إلى الديار المصرية، فى يوم الأحد ثانى شعبان. وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر، فزينت له المدينة. ودخل، وبين يديه الأسرى، وبعضهم يحمل صناجقهم المكسورة وطبولهم. وخلع السلطان على الأمراء والأكابر.
(31/36)

واستشهد فى هذه الواقعة من الأمراء من نذكر: منهم الأمير عز الدين ازدمر الحاج. وهو الذى جرح منكوتمر، وكان من أعيان الأمراء، وكانت نفسه تحدثه أنه يملك. والأمير بدر الدين بكتوت [الخازندار، والأمير سيف الدين بلبان الرومى الداوادار الظاهرى، والأمير شهاب الدين توتل «1» ] الشهرزورى، رحمهم الله تعالى.
هذا ما كان من خبر هذه الواقعة.
ذكر فتوح قلعة قطيبا «2»
وهذه القلعة كانت فى الزمن الأول محسوبة فى جملة قلعة آمد، ثم صارت فى يد ملك الروم، وصارت فى يد العدو المخذول [من «3» ] التتار، وفيها نوابهم.
وكانت مضرّة بقلعة كركر والثغور المجاورة لها، وما كان يمكن أخذها بحصار، فتلطف النواب، واستمالوا من كان بها.
فلما كان فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة. خلت هذه القلعة من الغلال. فجرد السلطان إليها رجالة كركر، فضايقوها. فسأل «4» أهلها مراحم «5» السلطان فأجيبوا إلى ملتمسهم. وتسلمها نواب السلطان، وأحضروا إليها جماعة من الرجالة من
(31/37)

قلعة البيرة وعين تاب والروندان. وجعل فيها ما يحتاج إليه من الغلال والسلاح والعدد. وصارت من حصون الإسلام المنيعة.
ذكر فتوح ثعز الكختا
وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضا، فتحت قلعة الكختا. وهى من أمنع الحصون وأعلاها وأتقنها بنية «1» . فاجتهد السلطان فى تحصيلها وإضافتها إلى الحصون الإسلامية. ووعد من بها المواعيد الجميلة. فأجابوا بالسمع والطاعة.
وقتلوا النائب بها، وهو الشجاع موسى. وراسلوا نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية، وبذلوا تسليم القلعة. فجهز إليهم الأمير جمال الدين الصرصرى «2» ، والأمير ركن الدين بيبرس السلاح دار، والأمير شمس الدين أقش الشمسى العينتابى، ومن معهم. فتسلموا الحصن، وحلفّوا من به للسلطان ولولده الملك الصالح، والبسوهم التشاريف، ثم جهزوا من كان بها، طائفة بعد أخرى إلى الأبواب الشريفة السلطانية. فأحسن السلطان إليهم، وأقطع منهم من يستحق الإقطاع، وجهزت إليها الزردخانات، وآلات الحصار، واستقرت فى جملة الحصون الإسلامية. وصارت هذه القلعة شجىّ فى حلق الأرمن، وحصل الاستظهار بها على الغارات.
وذكر الإغارة على بلاد سيس
وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضا، كتب السلطان إلى نائب السلطنة
(31/38)

بالمملكة الحلبية، أن يوجه من يغير «1» على بلاد سيس، بسبب ما كان الأرمن اعتمدوه، من إحراق جامع حلب، لما جاءوا صحبة التتار. وجرد السلطان عسكرا من الديار المصربة، ومن عسكر الشام لذلك. فتوجهوا وأغاروا، ووصلوا إلى مدينة أياس، فقتلوا من أهلها جماعة، ونهبوا وخربوا. فلما عادوا ووصلوا إلى باب اسكندرونه، أتاهم عسكر الأرمن فاقتتلوا. فانهزم الأرمن، وتبعهم العسكر إلى تل حمدون، واقتلعوا جماعة من خيالتهم، وعاد العسكر الإسلامى بالظفر والغنيمة.
ذكر فتوح حصن المرقب
وفى سنة أربع وثمانين وستمائة، توجه السلطان الملك المنصور إلى المرقب، ونازله فى أوائل شهر ربيع الأول. وذلك أن أهله فعلوا ما يوجب نقض الهدنة، التى كانت حصلت بينهم وبين السلطان، على ما نذكرها فى حوادث السنين، ولم يتفقوا عند شروطها. فحاصر السلطان الحصن، وعملت النقوب، وأشرفت الفرنج على أنه يفتح عنوة. فطلبوا الأمان، وسلموا الحصن. فتسلمه السلطان، وذلك فى الساعة الثامنة من نهار الجمعة سابع «2» عشر شهر ربيع الأول. وكان هذا الحصن لبيت الاسبتار، وجهز أهله إلى طرابلس.
ذكر غزوتى النوبة الأولى والثانية
كانت الغزوة الأولى فى سنة ست وثمانين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك المنصور، جهز الأمير علم الدين سنجر المسرورى، المعروف بالخياط، متولى
(31/39)

القاهرة والأمير عز الدين الكورانى، وجماعة من أجناد الولايات، بالوجه القبلى والقراغلامية «1» . وجرد الأمير عز الدين أيدمر السيفى، السلاح دار، متولى الأعمال القوصية، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية، المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليلم وهم: أولاد أبى بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنز، وجماعة من العربان الريسية «2» وبنى هلال. فتوجه الأمير علم الدين الخياط بنصف الجيش من البر الغربى. وتوجه الأمير عز الدين ايدمر بالنصف الثانى من البر الشرقى، وهو الجانب الذى فيه مدينة دنقلة. وكان متملك النوبة فى ذلك الوقت اسمه سمامون «3» ، وكان ذادهاء ومكر وبأس، بالنسبة إلى أمثاله.
فلما وصل الجيش إلى أطراف البلاد، أخلا سمامون البلاد، وأرسل إلى نائبه بجزائر ميكائيل وعمل «4» الدّر، وهو جريس «5» - ويسمى من يتولى هذه الولاية، عند النوبة، صاحب الجبل «6» - فأمره بإخلاء البلاد التى تحت يده أمام الجيش.
فكانوا يرحلون أمام الجيش منزلة بمنزلة، إلى أن انتهوا إلى متملك النوبة بدنقلة.
(31/40)

فأقام بها إلى حيث وصل الأمير عز الدين ومن معه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سمامون، وقتل من أصحابه خلق كثير. واستشهد من المسلمين أناس قلائل.
ولما انهزم [سمامون «1» ] ، تبعه الجيش إلى مسيرة «2» خمسة عشر يوما من دنقلة، فادركوا جريس، فأخذوه، وأخذوا ابن خاله متملك النوبة، وهو من أعيان أصحابه، وممن «3» يرجع إليه الملك. فرتب الأمير عز الدين، ابن أخت الملك ملكا، ورتب جريس فى النياية عنه، وجرد معهما جماعة من العسكر، وقدر «4» عليهما قطيعة، يحملونها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة. وعاد الجيش [بعد أن «5» ] غنموا غنائم كثيرة من الرقيق، والخيل، والجمال، والأبقار، والأكسية.
ولما فارق الجيش النوبة وعاد، وتحقق سمامون عودهم، رجع إلى دنقلة، وقاتل من بها، وهزمهم واستعاد البلاد. فحضر الملك المستجد وجريس، ومن كان معهما من العسكر المجرد، إلى الأبواب السلطانية، وأنهوا ما اتفق من سمامون. فغضب السلطان لذلك، وجرد جيشا كثيفا.
ذكر تجريد الجيش فى المرة الثانية إلى النوبة
قال «6» : وجرد السلطان الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار إلى
(31/41)

النوبة، وصحبته من الأمراء، الأمير سيف الدين قبجق المنصورى، والأمير سيف الدين بكتمر الجو كندار، والأمير عز الدين أيدمر، متولى الأعمال القوصية. وجرد أيضا من أطلاب «1» الأمراء، من نذكر: طلب الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، وطلب الأمير بدر الدين بيدرا، وطلب الأمير سيف الدين بهادر، رأس نوبة الجمدارية، وطلب الأمير علاء الدين الطيبرس، وطلب الأمير شمس الدين سنقر الطويل. وسار أجناد المراكز بالوجه القبلى، ونواب الولاة من العربان بالديار المصرية، من الوجهين القبلى والبحرى، وعدتهم أربعون ألف راجل. وجهز معهم متملك النوبة، ونائبه جريس.
وكان توجه الجيش من الأبواب السلطانية، فى يوم الثلاثاء، [ثا «2» ] من شوال، سنة ثمان وثمانين. وصحب هذا الجيش من الحراريق والمراكب الكبار والصغار، لحمل الأذواد، والزردخاناة والأثقال، ما يزيد على خمسمائة مركب.
ولما وصل العسكر إلى ثغر أسوان، مات متملك النوبة، فدفن بأسوان.
وطالع الأمير عز الدين الأفرم [السلطان «3» ] بذلك. فأرسل إليه، من أولاد أخت الملك داود رجلا، كان بالأبواب السلطانية. ورسم له أن يملّكه
(31/42)

بالنوبة، فأدركهم على خيل البريد، قبل رحيل العسكر من أسوان. ولما وصل إليهم أنفسهم العسكر نصفين على العادة. فكان الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق «1» ، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الغربى، والأمير عز الدين أيدمر، متولى الأعمال القوصية، والأمير سيف الدين بكتمر الجو كندار، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الشرقى.
وتوجهوا ورسموا الجريس نائب النوبة أن يتقدمهم، منزلة بمنزلة، ومعه أولاد الكنز، أمراء أسوان، ليطمئنوا أهل البلاد ويؤمنوهم «2» ، ويجهزوا الإقامات للعسكر. فكان الجيش إذا وافى بلدا، خرج من بها من المشايخ وأعيانها، وقبلوا الأرض بين يدى الأمراء، وأخذوا أمانا واستقروا ببلدهم، وذلك من الدّو إلى جزائر ميكائيل، وهى البلاد التى كانت تحت يد جريس، صاحب الجبل «3» .
وأما ما عدا ذلك من البلاد، التى لم يكن لجريس عليها ولاية، فإنها أخليت «4» ، طاعة لمتملك النوبة. فكان العسكر ينهب ما يجده بها، ويقتل من تخلف من أهلها بها، ويرعون «5» زروعهم، ويحرقون «6» سواقيهم ومساكنهم، إلى أن انتهوا إلى مدينة دنقلة. فوجدوا الملك قد أخلاها، وأجلى أهلها، ولم يجد الأمراء بها إلا شيخا كبيرا وعجوزا. فسألوهما عن أخبار الملك، فذكرا أنه توجه إلى جزيرة وسطى، فى بحر النيل، مسافتها من دنقلة خمسة عشر يوما. واتساع هذه الجزيرة
(31/43)

مسافة ثلاثة أيام طولا. فتبعهم الأمير عز الدين ومن معه إلى الجزيرة المذكورة ولم يصحبهم حراق ولا مركب، لتوعر البحر بالأحجار. فلما انتهوا إلى قبالة الجزيرة، شاهدوا بها عدة من مراكب النوبة، وجمعا كثيرا. فسألوهم عن الملك، فأخبروهم أنه بالجزيرة المذكورة، فعرضوا عليه الدخول فى الطاعة والحضور، وبذلوا له الأمان، فأبى ذلك. فأقام العسكر ثلاثة أيام، وأو هموه «1» أنهم أرسلوا يطلبون المراكب والحراريق، ويعدون إليه ويقاتلونه. فانهزم من الجزيرة إلى جهة الأبواب، وهى مسافة ثلاثة أيام من الجزيرة، وليست داخلة فى مملكته. ففارقه من كان معه من السواكرة «2» ، وهم الأمراء، وفارقه أيضا الأسقف والقسوس، ومعه الصليب الفضة، الذى يحمل على رأس الملك، وتاج المملكة، وطلبوا الأمان، ودخلوا تحت الطاعة. فأمنهم عز الدين المتولى، وخلع على أكابرهم، ورجعوا معه إلى دنقلة، وهم فى جمع كثير. ولما وصلوا إليها، عدّى الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق، إلى البر الشرقى، دون من معهما من العساكر.
واجتمع الأمراء بدنقلة، ولبست العساكر آلة الحرب، وطلّبوا من الجانبين وزينت الحراريق فى البحر. ولعب الزارقون بالنفط، ومدّ [الأمراء «3» ] الأخوان [السماط «4» ] فى كنيسة أسوس «5» ، وهى أكبر كنيسة بدنقلة. فلما أكلوا الطعام، ملّكوا الملك الواصل من الأبواب السلطانية. والبسوه التاج،
(31/44)

وحّلفوه للسلطان. وحّلفوا له أهل البلاد. وتقرر عليه البقط «1» المستقر أولا، والبقط هو المقرر. وجرّد عنده طائفة من العسكر «2» . وقدّم عليهم ركن الدين بيبرس العزى، أحد مماليك الأمير عز الدين متولى قوص.
وعاد العسكر، وكان وصوله إلى القاهرة فى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، وكانت مدة غيبته منذ خرج من ثغر أسوان، إلى أن عاد إليه ستة أشهر، وعنموا غنائم كثيرة.
فلما عاد العسكر عن دنقلة، حضر سمامون إليها ليلا، وصار يقف على باب كل سوكرى «3» بنفسه ويستدعيه. فإذا خرج ورآه، قبّل الأرض بين يديه وحلف له. فما طلع الفجر حتى ركب معه جميع العسكر النوبى. فزحف بهم على دار الملك، وقبض على الملك. وأرسل إلى ركن الدين بيبرس [العزى «4» ] .
أن يتوجه إلى مخدومه، بحيث لا يلتقيان. «5» فتوجه ركن الدين، ومن معه إلى قوص. [واستقر «6» الملك] سمامون بد نقلة. وأخذ الملك
(31/45)

الذى ملكّه العسكر، فعراه من ثيابه، وذبح ثورا، وقدّ جلده [سيورا «1» ] ، ولفّها عليه طريّة، وأقامه مع خشبة. فيبست عليه تلك السبور فمات.
وقتل جريس أيضا.
وكتب سمامون إلى السلطان الملك المنصور يستعطفه ويسأله الصفح عنه.
والتزم «2» أن يقوم بالبقط «3» المقرر فى كل سنة، وزيادة عليه. وأرسل من الرقيق والتقادم عدة كثيرة، فوصل ذلك فى أواخر الدولة المنصورية. وحصل اشتغال السلطان بما هو أهم من النوبة. فاستقر سمامون بالنوبة إلى أيام العادلية الزيتية كتبغا، وكان من أمره، ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر فتوح طرابلس الشام
كان فتح طرابلس، فى الساعة السابعة، فى يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين وستمائة، عنوة. وذلك أن السلطان الملك المنصور توجه إلى الشام، فى شهر المحرم من هذه السنة، وعزم على غزو طرابلس.
لأن أهلها كانوا قد نقضوا قواعد الصلح، ونكثوا أسباب «4» الهدنة. فكتب
(31/46)

السلطان إلى النواب بالممالك الشامية، والحصون الإسلامية، بتجهيز الجيوش إليها، وإنفاذ المجانيق وآلات الحصار.
ووصل السلطان إلى دمشق، بعساكر الديار المصرية، فى يوم الاثنين ثالث عشر صفر من هذه السنة. وتوجه منها فى العشرين من الشهر، ونازل طرابلس بالجيوش وحاصرها. ووالى الزحف والحصار والرمى بالمجانيق. وعملت النقوب، فنقبت «1» الأسوار، وافتتحت عنوة فى التاريخ المذكور. وكانت مدة المقام عليها، أربعة وثلاثين يوما. وكانت عدة المجانيق التى نصبت عليها، تسعة عشر منجنيقا، وهى فرنجية ستة، [و «2» ] قرابغا ثلاثة عشر. وعدة الحجارين والزراقين ألف وخمسمائة نفر.
ولما فتحت المدينة، فرت طائفة من الفرنج إلى جزيرة تعرف بجزيرة «3» النخلة، حيال طرابلس فى البحر، لا يتوصل إليها إلا فى المراكب. فكان «4» من
(31/47)

السعادة الأزلية للمسلمين، أن البحر زجر وانطرد عن طرابلس فظهرت للناس المخائض.
فعبر الفارس والراجل إلى هذه الجزيرة، وأسروا وقتلوا من فيها، وغنموا ما كان معهم. وكان جماعة من الفرنج قد ركبوا فى مركب وتوجهوا، فألقتهم الريح إلى الساحل، فأخذهم الغلمان والأوشاقية. وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون غنائم كثيرة.
وكان السلطان أمر بإبقاء المدينة، وإنزال الجيش بها. فأشير عليه أن هدمها أولى من بقائها، فأمر بهدمها فهدمت. وكان عرض سورها بمقدار ما يسوق عليه ثلاثة فرسان بالخيل. ووصل إلى الزرد خاناة السلطانية من الأسرى، ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من المسلمين ممن يعرف، الأمير عز الدين معن «1» ، والأمير ركن الدين منكورس الفارقانى، ومن الحلقة.
خمسة وخمسون نفرا، رحمهم الله تعالى.
وحكى «2» الشيخ قطب الدين اليونينى فى تاريخه قال: ولما فتح السلطان طرابلس، تسلم أنفة «3» ، وأمر بإخراب حصنها، وكان حصنا منيعا. وأبقى على أخت البرنس صاحب طرابلس قريتين من قراها.
(31/48)

قال، وحضر إلى السلطان، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركى صاحب جبيل «1» ، وكان صاحب طرابلس قتل أباه فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. فخلع السلطان عليه، وأقر جبيل عليه، على سبيل الإقطاع، وأخذ منه معظم أموالها.
وتسلم السلطان البترون «2» ، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل. ثم عاد السلطان بعد النصر إلى دمشق، وكان من خبره ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين.
ذكر أخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون فى خلاقة عثمان إلى وقتنا هذا
وإنما ذكرناه فى هذا الموضع ملخصا مختصرا، لتكون أخبارها مجتمعة «3» ، فنقول وبالله التوفيق:
كان ابتداء فتح طرابلس، أنه لما استخلف عثمان بن عفان
(31/49)

رضى الله عنه، وأقر معاوية بن أبى سفيان على الشام، وجه معاوية إلى طرابلس سفيان بن نجيب «1» الأزدى، وكانت إذ ذاك ثلاث «2» مدن مجتمعة، فبنى فى مرج على أميال منها حصنا، سمى بحصن سفيان. وقطع الميرة عن أهل طرابلس، وحاصرها. فلما اشتد الحصار على أهلها، اجتمعوا فى أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم، يسألونه أن يمدهم، أو يبعث إليهم بمراكب ينهزمون فيها. فسير إليهم مراكب كثيرة، فركبوها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، وتقدم لقتالهم على عادته، وجد الحصن خاليا، فملكه، وكتب إلى معاوية بالفتح. فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الحصن الذى فيه المينا ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه.
وكان معاوية يوجه فى كل سنة جماعة من الجند، يشحنها بهم، ويوليها نائبا. فإذا غلق «3» البحر، عاد الجند وبقى النائب فى جماعة يسيرة. فما برح أمرها كذلك، حتى ولى عبد الملك بن مروان. فقدم بطريق فى بطارقة الروم، ومعه خلق كثير. فسأل أن يعطى الأمان، على أن يقيم بها، ويؤدى الخراج، فأجيب إلى ذلك. فلم يلبث غير سنتين أو أكثر بأشهر، عند عود الجند منها، حتى أغلق بابها، وأسر من بقى بها من الجند، وعدة من اليهود، وتوجه هو وأصحابه إلى بلاد الروم. فقدر الله، عز وجل
(31/50)

أن ظفر به المسلمون بعد ذلك، فى البحر وهو متوجه فى مراكب كثيرة، فأسر وأحضر إلى عبد الملك، فقتله وصلبه. وقد قيل إنه إنما كان تغلبه عليها، وقتل من بها، بعد وفاة عبد الملك. ثم فتحها الوليد بن عبد الملك.
ولم يزل فى طرابلس نواب الخلفاء، مدة أيام بنى أمية، وأيام بنى العباس، إلى أن استولى العبيديون ملوك مصر على دمشق، على ما قدمنا ذكر ذلك فى أخبارهم «1» . فأفردوا طرابلس عن دمشق، وكانت قبل ذلك مضافة إليها.
وولوا عليها من جهتهم ويان «2» الخادم، ثم سند الدولة ثم أبا السعادة، ثم على بن عبد الرحمن بن حيدرة، ثم نزال «3» ، ثم مختر الدولة بن نزال «4» . [ثم تغلّب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار «5» ] . ولم يزل بها إلى أن توفى، فى سنة أربع وستين وأربعمائة. وكان ابن عمار هذا، رجلا عافلا، سديد الرأى. وكان شيعيا، من فقهائهم. وكانت له دار علم بطرابلس، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا. وهو الذى صنّف كتاب «ترويح الأرواح ومصباح السرور والأفراح» ، المنعوت بجراب الدولة «6» . ولما مات [أمين الدولة «7» ] ، كان بطرابلس، سديد الملك بن منقذ، هرب من محمود بن صالح. فساعد جلال الملك أبا الحسن على بن محمد بن عمار وعضده بمماليكه، وبمن كان معه من
(31/51)

أصحابه. فأخرجوا أخا أمين الدولة من طرابلس، وولى جلال الملك. فلم يزل متوليا عليها، حتى مات فى سلخ شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد [بن عمار «1» ] ، واستقر بها، إلى أن نازلها صنجيل، واسمه ميمنت «2» وهو ميمون. وصنجيل «3» اسم مدينة نسب إليها. فنزل صنجيل بجموعه على طرابلس، فى شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وابتنى عليها حصنا، يقاتل أهلها منه، ويعرف به إلى وقتنا هذا.
فبعث فخر الملك الهدايا والتحف إلى الملوك واستنجدهم واستنصرهم، فلم ينجده أحد منهم. فلما أيس منهم، بذل لصنجيل فى رحيله عنه أموالا، وبعث إليه ميرة، فلم يجبه إلى ذلك. فلما ضاق ذرعا بالحصار، وعجز عن دفعه، خرج من طرابلس، بعد أن استناب بها ابن عمه، أبا المناقب، ورتب معه سعد الدولة فتيان ابن الأغر. وانفق «4» فى العسكر ستة شهور. وسار يقصد السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقى. فجلس أبو المناقب فى بعض الأيام، وعنده وجوه طرابلس وأكابرها، فخلط فى كلامه. فنهاه سعد الدولة بلطف فجرد سيفه، وضرب سعد الدولة فقتله. وانهزم من كان فى المجلس. وقام أبو المناقب، وصعد على السور، وصفق بإبطيه، فأمسكه أهل البلد وحبسوه، ونادوا
(31/52)

بشعار الأفضل أمير الجيوش، [شريك الخليفة الفاطمى صاحب مصر «1» ] ، وذلك فى شهر رمضان سنة خمسمائة.
ثم مات صنجيل فى ثامن وعشرين رمضان، وتولى مكانه مقدم اسمه السردانى «2» . ولما نادى أهل طرابلس بشعار الأفضل، [وبلغه ذلك «3» ] حضر إليهم جيشا فى البحر، وقدم عليهم تاج العجم. فلما وصل إلى طرابلس، أخذ جميع الأموال، وما يحفظ به البلد. وبلغ الأفضل أنه يقصد العصيان بطرابلس. فقبض على ما كان حصّله، وولّى بدر الدولة ابن أبى الطيب الدمشقى. فوصل إلى طرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم، من طول الحصار. ثم رأوا من خلفه «4» ، ما رغبهم عنه، ونفرهم منه، فعزموا على طرده.
ثم رأوا إبقاءه، لأنهم لا ملجأ لهم إلا من جهة المصريين.
ثم وصلت مراكب من مصر بالغلات والرجال، فقرر المذكور مع مقدم «5» الأسطول، القبض على أعيان البلد، وأصحاب فخر الملك بن عمار وحريمه.
فأخذهم وسيّرهم فى البحر إلى مصر. وبعث معهم ما كان فى طرابلس من السلاح والذخائر، ما لم يكن عند أحد من الملوك مثله. وبعث مائة ألف دينار عينا. فلما وصلوا إلى مصر، اعتقل [الأفضل «6» ] أهل بنى عمار.
(31/53)

وأما فخر الملك بن عمار، فإنه وصل إلى بغداد، واجتمع بالسلطان محمود.
وأقام ببغداد، فما تهيأ له منه ما طلبه، وبلغه رجوع أمر طرابلس إلى المصريين، وأن حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه نقل إلى مصر. فرجع إلى دمشق، فدخلها فى نصف المحرم، سنة اثنتين وخمسمائة، فاكرمه أتابك طغتكين «1» صاحب دمشق. فسأله أن يعينه على الدخول إلى جبله، فسير معه عسكرا فدخلها.
وأما الفرنج، فإنهم لازموا الحصار، وضايقوا البلد حتى ملكوه، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا، وذلك فى يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة سنة اثنتين وخمسمائة.
وقد تقدم أن أخذها كان فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة ثلاث وخمسمائة، والله أعلم.
وحكى»
أن السبب فى أخذ طرابلس، أنه لما ضايقها الفرنج، كتب من بها إلى الديار المصرية، يستنجدون الخليفة، ويسألونه الميرة. وأقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميرة. فبينما هم فى ذلك، إذا بمركب قد أقبل، فما شكوا أن فيه تجدة. فطلع منه رسول، وقال قد بلغ الخليفة، أن بطرابلس جارية حسنة الصورة، وأنها تصلح للخدمة. وقد أمرنا بإرسالها إليه، وأرسلوا إليه من حطب المشمش ما يصنع منع عبدان الملاهى. فعند ذلك آيسوا من نصره، وضعفت قواهم، وخارت نفوسهم وذلوا، وملكها الفرنج [فى التاريخ المذكور «3» ] . وكانت مدة الحصار سبع سنين وأربعة أشهر.
(31/54)

ولما ملكها السردانى، تحكم «1» فيها واستقل بملكها. فبينما هو كذلك، وإذا بمركب «2» قد وصل إليها، وفيه صبى ادّعى أنه ولد الملك صنجيل، واسمه تبران «3» ، ومعه مشايخ من أصحاب والده، يخدمونه ويدبرون أمره. فطلعوا إلى السردانى، وقالوا له هذا ولد صنجيل، وهو يريد تسليم «4» مدينة والده التى فتحها عسكره، فأنكر السردانى ذلك، وقام ورفس الصبى وأخرجه. فأخذه أصحابه، وجعلوا يطوفون به على الفرسان. فرحموه، وتذكروا أيمانهم لأبيه، وقالوا:
إذا كان نهار الغد، ونحن عنده، فاحضروا وتحدثوا معه، ففعلوا. وتحدث الصبى ابن صنجيل، فصاح به السردانى، فقام الفرسان كلهم على السردانى، وأخرجوه من المملكة، وسلموها إلى الصبى [ابن صنجيل «5» ] . فأقام ملكا حتى قتله بزواج «6» ، وذلك فى يوم الأحد، لأربع خلون من شهر رجب، سنة إحدى
(31/55)

وثلاثين وخمسمائة. وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور، واستخلف فى طرابلس ولد القومص بدران «1» ، فأسره أتابك زنكى، [لما كان فى صحبة متملك القدس فلك «2» بن فلك، وذلك بالقرب من قلعة بعرين، فطلع الملك وجماعة معه إلى قلعة بعرين، فحاصرهم زنكى «3» ] وضايقهم، فصالحه الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب طرابلس وجميع الأسرى. وعاد القومص إلى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية، فقتلوه. فتولى بعده ريمند «4» ، وهو صبى، وحضر الحرب مع الفرنج على حارم. فكسرهم الملك العادل نور الدين [محمود «5» ] الشهيد [ين زنكى] ، وقتل منهم «6» مقتلة عظيمة وأسر.
وكان من أسر، القومص ريمند، وذلك فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبقى فى اعتقاله إلى أن ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. فأعتقه فى
(31/56)

تاسع عشرى «1» شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة «2» . وبقى الملك بيده، ويد أولاده من بعده، إلى أن فتحت هذا الفتح المبارك [سنة ثمان وثمانين وستمائة «3» ] فى الأيام المنصورية وهدمت المدينة «4» .
واستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد والنائب عن السلطنة الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، وكان اليزك «5» ينزل إلى طرابلس، من حصن الأكراد. ثم عمرّ المسلمون مدينة مجاورة للنهر. واختلفوا «6» بها، وعمروا فيها حمامات وقياسر ومساجد ومدارس للعلم. وأجريت المياه فى دورها بقساطل «7» وعمرت دار السلطنة، ينزلها نائب السلطنة بالمملكة، وهى عالية مشرفة على المدينة.
واستمر الأمير سيف الدين الطباخى فى النيابة، إلى أن نقل إلى حلب، فى الدولة الأشرفية، فى سنة إحدى وتسعين وستمائة. وولّاها [السلطان «8» ] الأمير سيف الدين طغريل الإيغانى، فأقام أياما، واستعفى فاعفاه السلطان الملك الأشرف. ورتب فى النيابة، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، فبقى فى النيابة إلى الأيام العادلية الزينية كتبغا المنصورى، فعزله عنها فى سنة أربع وتسعين وستمائة. ودفن بتربته التى أنشأها، وهى بجوار حمامه بطرابلس
(31/57)

وفوّضت النيابة بها بعده إلى الأمير سيف الدين كرت الحاجب، فلم تطل أيامه إلى أن كان من دخول التتار البلاد، ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية، فشهد الوقعة وعدم، وربما استشهد رحمه الله تعالى.
ثم فوضت النيابة بعد خروج التتار من الشام، إلى الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى، فتوجه إليها، وأقام بها، إلى سنة سبعمائة. واستعفى من النيابة فأعفى، واستقر فى جملة الأمراء بدمشق.
وفوضت نيابة السلطنة إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى المنصورى، فاستمر بها إلى سنة تسع وسبعمائة «1» . وعمرّ بها حماما عظيما، أجمع التجار ومن يجوب البلاد، أنه ما عمرّ مثله فى بلد من البلدان، وعمّر قيسارية وطاحونا. وأنشأ مماليكه بها مساكن حسنة البناء، تجرى إليها المياه بالقنوات، وتجرى فى طباقها، وعمرّ أيضا بعض القلعة، وأقام أبراجا، وهذه القلعة مجاورة لدار السلطنة بطرابلس. وتمكنّ استدمر تمكنّا كثيرا، وتامّر عدّه من مماليكه، ثم نقل إلى حماه.
وفوض السلطان الملك الناصر نيابة المملكة الطرابلسية وما معها إلى الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، كان المعروف بالحلبى فاقام بها إلى أن توفى فى ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. وفوضت النيابة بها إلى الأمير جمال الدين أقش الأقرم، فأقام بها إلى مستهل المحرم سنة ثنتى عشرة وسبعمائة وفارقها، وتوجه إلى بلاد التتار، على ما نذكر ذلك، إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الناصرية.
(31/58)

وفوّضت النيابة بعده إلى الأمير سيف الدين كستاى الناصرى، فأقام بها، إلى أن توفى فى شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة. وفوضت النيابة بعده إلى الأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى، وهو النائب بها الآن، إلى حين وضعنا «1» لهذا الجزء، وذلك فى سلح شهر رجب، سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وسنذكر إن شاء الله تعالى، أخبار هؤلاء النواب فى موضعها من هذا الكتاب على ما سنقف عليه. وإنما أوردناها فى هذا الموضع، لتكون اخبار طرابلس سيافة، وإن كانت على سبيل الإجمال والاختصار. ولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة المنصورية.
(31/59)

ذكر ما اتفق فى الدولة المنصورية على حكم السنين خلاف ما ذكرناه من إقامة النواب، ومهادنة الفرنج، والحوادث الغريبة، التى يتعين ايرادها والوفيات
سنة ثمان وسبعين وستمائة [678- 1279]
قد قدمنا بعض حوادث هذه السنة، فى ابتداء الدولة المنصورية، وبقى منها تتمة نذكرها فى هذا الموضع.
فى هذه السنة فوض السلطان الملك المنصور نيابة السلطنة، بحصن الأكراد، وما معه من الفتوحات، لمملوكه الأمير سيف الدين بلبان الطباخى.
وفيها، فى ذى القعدة، فوّض نظر الدواوين بدمشق، للصدر «1» جمال الدين إبراهيم بن صصرى، وذلك بعد وفاة الناظر بها، القاضى علم الدين محمد بن العادلى. وكانت وفاته فى يوم الأربعاء خامس عشرين شوال. وتوفى أيضا قبله، أخوه القاضى تاج الدين ناظر حلب، بها فى حادى عشرين شهر رمضان.
(31/61)

وفى هذه السنة، توفى الأمير بدر الدين محمد ابن الأمير حسام الدين بركة خان الخوارزمى، خال الملك السعيد. وكانت وفاته بدمشق، فى تاسع شهر ربيع الأول. وصلى عليه الملك السعيد، بسوق الخيل، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
وفيها، لما كان العسكر ببلاد سيس، فى الأيام السعيدية، توفى جماعة من الأمراء، أصحاب الطبلخانات، منهم سيف الدين البطاح، وعلم الدين بلبان المشرفى «1» ، وناصر الدين بلبان النوفلى، وسيف الدين جمق «2» ، وسيف الدين قلاحا الركنى، وجمال الدين أقش الشهابى وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
وفيها، فى يوم الأحد، ثامن شوال، توفى شيخ الشيوخ شرف الدين أبو بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين، أبى محمد عبد السلام، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن على بن محمد حمويه بدمشق، ودفن بقاسيون، رحمه الله تعالى.
(31/62)

واستهلت سنة تسع وسبعين وستمائة [679- 1280]
فى هذه السنة، فى يوم الاثنين خامس المحرم، توفى الأمير جمال الدين أقش الشمسى، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية. وهو خوشداش «1» الأمير بدر الدين بيسرى، كلاهما كان مملوك الأمير شمس الدين صراسنقر الكاملى. ففوض بعد وفاته، نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية، للأمير علم الدين سنجر الباشقردى.
وفى هذه السنة، كان من خبر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وانهزامه من دمشق، وتوجهه إلى صهيون ما قدمناه. وكان بدمشق بعد مفارقته لها، أمور نذكرها فى هذا الموضع.
ذكر ما تجدد بدمشق، بعد أن فارقها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر.
لما انهزم الأمير شمس الدين، المشار إليه، كما تقدم، دخل العسكر المصرى إلى دمشق. ونزل الأمير علم الدين سنجر الحلبى بالقصر الأبلق، بالميدان الأخضر. وكان هو المشار إليه فى الولاية والعزل، والعطاء والمنع وغير ذلك.
فرسم بإيقاع الحوطة على مجد الدين إسماعيل بن كسيرات، وزير سنقر الأشقر، وجمال الدين بن صصرى ناظر الدواوين بدمشق، وأخذ خطوطهما بجملة.
(31/63)

رسم على قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان. وضرب زين الدين وكيل بيت المال، ومحيى الدين بن النحاس. ثم ورد بعد ذلك كتاب السلطان بأمان أهل دمشق.
ذكر تقويض «1» نيابة السلطنة بالشام للأمير حسام الدين لاجين، وشدّ الدواوين للأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والوزارة للصاحب تقى الدين توبة التكريتى.
كان الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، قد وصل إلى دمشق، فى جملة الجيش المجرّد إليها، لدفع سنقر الأشقر عنها، صحبة الأمير علم الدين الحلبى. فلما استقر أمر دمشق للسلطان، تحدث فى نيابة السلطنة بدمشق. واستند فى ذلك، إلى أن السلطان الملك المنصور، لما جرده رسم له بها «2» مشافهة. إلا أنه كان فى نيابته يلزم الأدب مع الأمير علم الدين الحلبى. واستمر الأمر على ذلك، إلى حادى شهر ربيع الأول من هذه السنة. فلما كان فى هذا اليوم، ورد من الباب السلطانى، سبعة نفر على خيل البريد، ومعهم تقليد للأمير حسام الدين لاجين [الصغير «3» ] المنصورى، بنيابة السلطنة بالشام، وتقليد للأمير بدر الدين بكتوت العلائى، بشد الدواوين، وتقليد للصاحب تقى الدين توبة التكريتى بوزارة الشام، ولكل منهم تشريف «4» ، وتشريف «5» لصاحب حماه.
(31/64)

فلما كان فى يوم الخميس، ثانى عشر الشهر، اجتمع سائر الأمراء بالميدان الأخضر. وليس الأمير حسام الدين لاجين تشريف النيابة، [ولبس «1» ] الأمير بدر الدين بكتوت تشريف الشد. وركب الأمير علم الدين الحلبى، والأمير عز الدين الأفرم، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمرى، وسائر الأمراء والعساكر المصرية والشامية، وساقوا كلهم فى خدمة الأمير حسام الدين. فلما انتهوا إلى باب سر القلعة، ترجلوا بأجمعهم، وقبّل الأمير حسام الدين عتبة باب السر، ثلاث مرات. ثم تقدم الأمير علم الدين الحلبى، [والأمير «2» ] عز الدين الأفرم ليعضداه حتى يركب، ويمشيان فى خدمته، إلى دار السعادة. فسلك سبيل الأدب معهما، وامتنع من الركوب، واستمر ماشيا، والأمير علم الدين عن يمينه، والأمير عز الدين الأفرم عن يساره، وبقية الأمراء والعساكر، بين يديه، وكذلك القضاة والأعيان والأكابر. ولم يزل ماشيا، إلى أن دخل دار السعادة، وجلس بها فى رتبة النيابة، وقرىء تقليده. ثم خلع فى هذا النهار، بعد الظهر، على الصاحب تقى الدين توبة، وأعطى دواة الوزارة بالشام.
ذكر عزل قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان عن القضاة بدمشق واعادته، وما اتفق فى هذه السنة الحادثه
كان السلطان الملك المنصور، قد رسم بشنق قاضى القضاة شمس الدين ابن خلكان لأنه بلغه أنه أفتى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، بجواز قتال
(31/65)

السلطان. فلما ورد كتاب السلطان بأمان أهل دمشق، قرىء بحضور القاضى شمس الدين. فقال الأمير علم الدين الحلبى: هذا كتاب أمان لمن سمعه، وقد سمعه القاضى، فهو آمن. ثم عزله فى حادى عشر صفر، وفوض القضاء لقاضى القضاة، نجم الدين ابن قاضى القضاة صدر الدين سنى الدولة. وكان ابن خلكان بالمدرسة العادلية، فطاليه القاضى نجم الدين بإخلاء مسكنها ليسكن فيه، وكرر عليه الطلب. وكان ابن سنى الدولة، قد أرسل إلى حلب، لاحضار أهله.
فاتفق وصولهم إلى ظاهر دمشق، فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول. فخرج لتلقيهم، ورسم على القاضى شمس الدين بن خلكان، إلى أن ينتقل من المدرسة، وضيق عليه، وبقى فى شدة بسبب ذلك. وسئل ابن سنى الدولة، أن يمهل عليه أياما، إلى أن ينتقل إلى مكان آخر، فامتنع وشدّد فى ذلك، وصمم عليه.
وبقى القاضى شمس الدين فى الترسيم، إلى الرابعة من النهار المذكور، وهو يجمع كتبه، ويعبّى قماشه للنقلة، ونقل بعضه. فبينما هو كذلك، وإذا بجماعة من الجاندارية حضروا فى طلبه، فظن أن ذلك بسبب خلو المكان فأراهم أنه يهتم «1» فى النقلة. فقالوا له، أنك لم تطلب لذلك، وإنما قد حضر بريدية من باب السلطان، فطلبت لذلك. وظن أن الطلب لأمر، هو أشد من النقلة. وخاف، وتوجه إلى نائب السلطنة. فإذا كتاب السلطان قد ورد، وهو ينكر ولاية ابن سنى الدولة القضاء وهو أطروش. ويقول «2» نحن بيننا وبين القاضى شمس الدين
(31/66)

معرفة، من الأيام الصالحية. وسيّر إليه تقليدا بالقضاء على عادته. فرجع إلى المدرسة قاضيا واستقر بها. وعدّت هذه الواقعة من الفرج بعد الشدة.
ويقال إن ابن سنى الدوله كان قد أعطى الحلبى على ولايته القضاء ألف دينار، والله أعلم.
ذكر إعادة الصاحب برهان الدين السنجارى إلى الوزارة وعزله
وفى هذه السنة، فى أواخر جمادى الآخرة، أعيد الصاحب برهان الدين الخضر السنجارى إلى الوزارة، وعزل الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان، فعاد إلى ديوان الإنشاء. وكتب من جملة الكتاب، وتصرف عن أمر صاحب الديوان. وولى الصاحب برهان الدين الوزارة، واستمر إلى أن عزل وقبض عليه، وعلى ولده وألزامه، فى شهر ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة. واعتقل إلى يوم عرفة من السنة، فأفرج عنه فى اليوم المذكور ولزم داره.
وفيها، جرد السلطان، الأمير عز الدين أيبك الأفرم لحصار «1» شيزر، وبها الأمير عز الدين أيبك كرجى من قبل الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. فبينما هو يحاصرها، وردت الأخبار، أن التتار قد وصلوا على ثلاث فرق «2» : [فرقة «3» ] من جهة الروم، ومقدمتهم «4» صمغار «5» ، وتنجى «6» ، وطونجى «7» ، وفرقة من الشرق ومقدمتهم
(31/67)

بيدو «1» بن طوغاى «2» بن هولاكو، وصحبته صاحب ماردين، والفرقة الثالثة فيها معظم العسكر، شرة «3» المغل صحبة منكوتمر بن هولاكو. فرحل الأمير عز الدين عن شيزر، وكتب السلطان إلى سنقر الأشقر يستميله، وذلك قبل أنتظام الصلح فجنح إلى السلم، ونزل من صهيون، على عزم إنجاد «4» المسلمين. وجفل عسكر حلب وحماه وحمص. ولم يحصل قتال التتار هذه السنة.
ذكر «5» تفويض السلطنة ولاية العهد للملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور
فى هذه السنة، فى شهر رجب «6» ، فوّض السلطان الملك المنصور ولاية عهده وكفالة السلطنة لولده السلطان الملك الصالح علاء الدين أبى الفتح على، وذلك عند ما عزم على التوجه للقاء التتار. وركب [الملك الصالح «7» ] بالقاهرة بشعار السلطنة، وخطب له على سائر المنابر بعد والده. وكتب تقليده بذلك، وهو من إنشاء المولى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر وبخطه، أجاد فيه وأبلغ، تركنا إيراده اختصارا «8»
(31/68)

وفيها، فى شهر رمضان، عزل السلطان القاضى صدر الدين عمر ابن قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، عن القضاء بالديار المصرية.
وكان قد سلك فى ولايتة، طريق الخير والصلاح والصلابة، وتحرى الحق والعدل فى أحكامه. ثم مات رحمه الله تعالى، فى عاشر المحرم سنة ثمانين وستمائة.
ولما عزل، أعيد قاضى القضاة تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين إلى القضاء بالديار المصرية «1» .
ذكر توجه السلطان إلى غزة، وعوده إلى الديار المصرية
وفى هذه السنة، توجه السلطان إلى الشام، وصحبته العساكر الإسلامية، لدفع التتار، فوصل إلى غزة. وكان التتار قد وصلوا «2» إلى عين تاب وبغراس والدر بساك، وتقدموا إلى حلب، فوجدوها خالية، وقد جفل العسكر وأهلها منها، فأحرقوها وذلك فى العشر الأوسط من جمادى الآخرة. ولما بلغهم اهتمام السلطان وخروجه، تفرقوا إلى مشاتيهم. وعاد السلطان إلى الديار المصرية؛ لاستحقاق الربيع.
وجرد الأمير بدر الدين بكتاش النجمى إلى حمص، والأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحى، إلى الساحل لحفظ البلاد من الفرنج.
وفيها، كتب الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، نائب السلطنة الشريفة بحصن الأكراد؛ إلى السلطان يستأذن فى غزو الفرنج بالمرقب، لأنهم لما بلغهم
(31/69)

قدوم التتار، قويت نفوسهم، وامتد طمعهم. فأذن السلطان له فى ذلك.
فجمع جيوش الحصون، وأمر التركمان والرجالة، واستصحب المجانيق وآلات الحصار. وتقدم إلى حصن المرقب، ونزل بالقرب منه، فاختفى أهله، ولم يتحركوا فى مبدأ الحال. فقوى طمع العسكر فيهم، وتقدموا إلى جانب الحصن، فرشقهم الفرنج بالسهام والجروخ «1» من أعلا الحصن، وسهام المسلمين لا تصل «2» إليهم. فاضطرب العسكر، وأمرهم الطباخى أن يتأخروا عن الحصن، فظنوها هزيمة وولوا، فما أمكنه إلا أن يتبعهم. وخرج الفرنج فى أعقابهم ونالوا من المسلمين، وجرحوا منهم جماعة، ونهبوا وأسروا جماعة من الرجالة. وبلغ السلطان ذلك، فانكره وكبر لديه، وعزم على السفر.
ذكر توجه السلطان إلى الشام.
وفى سنة تسع وسبعين وستمائة أيضا، عاد السلطان إلى الشام. وكان خروجه من قلعة الجبل، فى مستهل ذى الحجة. ونزل بها ولده الملك الصالح، ورتب فى خدمته الامير علم الدين سنجر الشجاعى، لاستخراج الأموال، وغير ذلك.
وفى هذه السنة، فى ذى الحجة، وصل الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا من العراق، إلى خدمة السلطان. وعاود الطاعة، وسأل الصفح، عن ما فرط من ذنبه، من إعانة سنقر الأشقر، وما كان عزم عليه من الانضمام إلى التتار، وكان اجتماعه بالسلطان بمنزلة الروحاء. ولما وصل إلى الخدمة، ركب السلطان إليه، وتلقاه وأكرمه، وبالغ فى إكرامه وأحسن إليه.
(31/70)

وفيها، فى يوم الأربعاء، وقت العصر، رابع عشر المحرم، توفى الشيخ نور الدين أبو الحسن على ابن الشيخ جلال الدين أبى العزائم همام ابن راجى الله سرابا بن أبى الفتوح ناصر بن داود الشافعى، إمام الجامع الصالحى بظاهر القاهرة، خارج باب زويلة، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.
وولى الإمامة بالجامع الصالحى بعده، ولده الشيخ تاج الدين أبو محمد عبد الله محمد.
وفيها، فى يوم الثلاثاء، ثانى عشر شوال، توفى الأديب جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن على المصرى، المعروف بالخرّاز الشاعر المشهور، مولده بمصر، سنة إحدى وستمائة. سمع أبا الفضل أحمد بن محمد الحباب، وروى وسمع من غيره. وكان أديبا فاضلا، جيد البديهة حلو المجون، حسن المحاضرة، كثير النادرة، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير سيف الدين أبو بكر، المعروف بابن اسباسلار، متولى مصر. وكان قد سمن، وأفرط به السمن، حتى منعه الأطباء من الرقاد على فرش وطى، ومن النوم إلا إغفاء، وقالوا إنه متى استغرق فى النوم مات. فكان كذلك إلى أن مات. وكانت وفاته فى شهر ربيع الآخر، ودفن بتربته بالقرافة.
وله فى ولايته بمصر أخبار كثيرة مشهورة من المصريين، سامحه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير نور الدين على بن عمر الطورى. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم وفرسانهم. وله صيت عظيم عند الفرنج، ومعرفة بالبلاد الساحلية ومرابطة وآثار جميلة، ومواقف محمودة. وكان ممن جمع الله له، بين قوة البدن والقلب. كان يقاتل «1» بلتّ حديد، لا يستطيع الشباب حمله، ولازم المرابطة
(31/71)

ببلاد الساحل، فى وجه العدو سنين كثيرة. وكان كريما ديّنا، وتنقل فى الولايات بالشام. وكان محترما فى الدول، مكرما عند الملوك، يعرفون قدره، وحضر المصاف الكائن بين عسكر مصر وسنقر الأشقر، فجرح ووقع تحت حوافر الخيل. ومات فى أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول، بجبل الصالحية وقد ناف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى.
(31/72)

واستهلت سنة ثمانين وستمائة [680- 1281]
ذكر ما تقرر من المهادنات مع الفرنج وبيت الاسبتار «1»
فى هذه السنة، وصل إلى السلطان، وهو بمنزلة الروحاء، وصل الفرنج يسألون تقرير الهدنة، والزيادة على الهدنة الظاهرية. وما زالوا يترددون إلى أن تقررت الهدنة، بين السلطان وولده معا، ومع مقدم «2» بيت الاسبتار،
(31/73)

وجميع الإخوة الاسبتارية، [بعكا «1» ] ، لمدة عشر سنين كوامل متتابعات، وعشرة شهور، وعشرة أيام، وعشرة ساعات، أول ذلك يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة ثمانين وستمائة، الموافق للثالث من شهر أيار، سنة ألف وخمسمائة واثنتين وتسعين للإسكندر بن فيلبس «2» اليونانى، [وذلك «3» ] على جميع بلاد السلطان، وما اشتملت عليه من الأفاليم والممالك والقلاع والحصون، والمدن والبلاد والقرى، والمزارع والأراضى، والموانى والبحور، والمراسى والثغور، وسائر البلاد من الفرات إلى النوبة، وعلى التجار المسافرين فى البر والبحر، والسهل والجبل، فى الليل والنهار، وعلى قلعة المرقب، والربض المرقبى بحقوقه وحدوده.
وتقررت الهدنة مع متملك طرابلس، بيمند «4» بن بيمند، لمدة عشر «5» سنين كوامل متواليات، أولها يوم السبت السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة، الموافق للخامس من تموز سنة ألف وخمسمائة واثنتين وتسعين، للإسكندر. وذلك على بلاد السلطان الملك المنصور والملك الصالح ولده، قريبها وبعيدها، صهلها وجبلها، غورها ونجدها، قديمها ومستجدها، وما هو مجاور
(31/74)

لطرابلس ومحادد لها، من المملكة البعلبكية، وجبالها وقراها الدخلية «1» والجبلية، وجبال الضنيين والقصبين «2» ، وما هو من حقوق ذلك، وعلى الفتوحات المستجدة:
وهى حصن الأكراد وافليس والقليعات وصافيتا، وميعار، واطليعا، وحصن عكار ومرقية «3» ، ومدينتها وبلادها، ومناصفاتها، وهى «4» بلاد اللكمة، وجميع بلاد هذه الجهات التى ذكرناها، ومناصفات المرقب التى دخلت فى الصلح مع بيت الاسبتار وبلده ومدينته، وما هو محسوب منها ومعروف بها من حصون وقرى، وبلاد الست وبلاطنس وبلادها، وقرقص «5» وبلادها، وجبلة ولاذقية وأنطاكية والسويدية وبلاد ذلك، وحصن بغراس، وحصن دير كوش وصهيون وبرزية، وحصون «6» الدعوة، وغير ذلك من سائر الممالك الإسلامية، وما سيفتحه الله تعالى، على يد السلطان ويد ولده، وعلى الموانى والسواحل والأبراج وغير ذلك؛ وعلى بلاد الإبرنس «7» ، وعلى طرابلس وما هو
(31/75)

داخل فيها، وأنفه واليترون وجبيل وبلاد ذلك، وعرقا وبلادها المعينّة فى الهدنة، وعدتها إحدى وخمسون ناحية، وما هو للخيّالة والكنائس وعدّتها أحد وعشرون بلدا، وما هو للفارس روجاردلا «1» لولاى، من قبلى طرابلس، يكون مناصفة، وعلى أن يستقر برج اللاذقية وميناؤها فى استخراج الحقوق والجنايات «2» والغلات وغيرها مناصفة، ويستقر مقامهم باللاذقية على حكم شروط الهدنة الظاهرية «3» ، وعلى أن يكون على جسر أرتوسية «4» ، من غلمان السلطان ليحفظ الحقوق، ستة عشر نفرا وهم: المشد والشاهد والكاتب وثلاثة «5» غلمان لهم، وعشرة رجّالة فى خدمة المشد، ويكون لهم فى الجسر بيوت يسكنونها، ولا يحصل منهم أذية لرعية الإبرنس، وإنما يمنعون «6» ما يجب منعه من الممنوعات، ولا يمنعون «7» ما يكون من عرقا، من الغلات الصيفية والشتوية وغيرها، لا يعارضهم المشد فيه. وما عدا ذلك مما يعبر «8» من بلاد السلطان، يؤخذ عليه الحقوق. ولا يدخل إلى طرابلس غلة محمية للإبرنس ولا غيره، إلا [و] يؤخذ الموجب عليها؛
(31/76)

وعلى أن البرنس لا يستجد خارج ما وقعت الهدنة عليه، بناء يدفع ولا يمنع، وكذلك السلطان لا يستجد بناء قلعة ينشئها من الأصل فى البلاد، التى وقعت الهدنة عليها، وعلى الشوانى من الجهتين أن تكون آمنة، كل طائفة من الأخرى.
ولا ينقض ذلك بموت أحدهما. ولا بتغييره، وأن لا يحسّن لأحد من أعداء مولانا السلطان، ولا يتفق عليه، برمز ولا خط، ولا مراسلة ولا مكاتبة ولا مشافهة. وتقررت الحال على ذلك وعادت الرسل، وتوجه الأمير فخر الدين أياز الحاجب ليحلف الفرنج ومقدم بيت الاسبتار. على ما انعقد عليه الصلح، فخلفهم.
ذكر حادثة «1» الأمير سيف الدين كوندك ومن معه، والقبض عليه
وفى هذه السنة، بلغ السلطان وهو بمنزلة الروحاء، أن الأمير سيف الدين كوندك وجماعة من الأمراء الظاهرية، قد توافقوا على الغدر به. ووصلت إلى السلطان كتب المناصحين من عكا يقولون له احترز على نفسك، فإن عندك جماعة من الأمراء قد اتفقوا على قتلك، وكاتبوا الفرنج، وقالوا لهم لا تصالحوا فالأمر لا يبطىء. وعزم كوندك ومن معه، أن يهجموا بالليل على السلطان فى الدهليز ويغتالونه. ووافقهم جماعة من الظاهرية الجوانية «2» . فاحترز السلطان
(31/77)

ورحل «1» من الروحاء. وتقدم وتلاطف الأمر، حتى اجتمع «2» الأمراء عنده بحمرة «3» بيسان، فوبخ كوندك ومن معه، وذكر لهم ما اعتمدوه من مكاتبة الفرنج فاعترفوا بذلك، وقرّوا به. وسألوه العفو. فأمر السلطان بالقبض عليهم، فقبض [على] «4» كوندك «5» وايدعمش الحكيمى وبيبرس الرشيدى، وساطلمش السلاح دار الظاهرى فى الدهليز، وأمر السلطان بإعدامهم. وسير إلى الخيام فأمسك من كان قد وافقهم من [الأمراء] «6» البرانيين والمماليك الجوانية، وكانوا ثلاثة وثلاثين نفرا، وخاف جماعة فهربوا، فساق العسكر خلفهم. فأحضر بعضهم من جبال بعلبك، وبعضهم من ناحية صرخد.
وفيها، هرب الأمير سيف الدين أينمش «7» السعدى. وسيف الدين بلبان
(31/78)

الهارونى «1» ، وجماعة من البحرية الظاهرية. والتتار الوافدية «2» ، يقال كانوا نحو ثلاثمائة فارس. وتوجهوا إلى صهيون، ولحقوا بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وذلك قبل انتظام الصلح الذى قدمناه. وجرد السلطان خلفهم، الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، والأمير ركن الدين بيبرس طقصوا «3» وجماعتهم فلم بدر كوهم.
ورحل السلطان إلى دمشق، وكان وصوله إليها فى يوم السبت العشرين من المحرم، وهو أول دخوله إليها. وكان من انتظام الصلح بين السلطان والأمير شمس الدين ستقر الأشقر والملك المسعود ما قدمناه»
. وكانت الوقعة مع التتار على حمص، وقد تقدم ذكرها فى الغزوات «5» .
وفى هذه السنة، فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم، والسلطان بدمشق، فوّض السلطان قضاء القضاة بدمشق، على مذهب الإمام الشافعى، لقاضى القضاة عز الدين بن الصائغ، وعزل القاضى شمس الدين أحمد ابن خلكان. وفوّض أيضا قضاء الحنابلة بدمشق للقاضى نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن الحنبلى. وكان القضاء على مذهب أحمد، قد
(31/79)

شغر «1» ، منذ عزل الشيخ شمس الدين نفسه من القضاء، وتوجه إلى الحجاز، فى سنة ثمان وسبعين وستمائة، ففوضه السلطان الآن لولده المذكور، بإشارة والده وخلع على القاضيين، واشترط القاضى عز الدين شروطا، فأجيب إليها.
وفيها، فى العشر الأوسط من شهر ربيع الأول، دارت الجهة المفردة «2» بدمشق وأعمالها وضمنت. فقيل «3» إنها ضمنت فى كل سنة بسبعمائة ألف درهم.
ثم تزايد فيها الضمان حتى بلغت ألفى ألف درهم فى كل سنة. فلما كان فى يوم الأحد، الخامس والعشرين من الشهر، خرج مرسوم السلطان بإراقة الخمور وإبطال [هذه] الجهة [الخبيثة] فبطل ذلك ولله الحمد «4» .
وفيها، فى شعبان، فوض السلطان شاد الدواوين بالشام، للأمير علم الدين سنجر الدوادارى و [فوض «5» ] نظر النظار للقاضى تاج الدين عبد الرحمن بن الشيرازى.
(31/80)

وفى هذه السنة، وصلت رسل الملك المظفر يوسف بن عمر، صاحب اليمن إلى السلطان بالهدايا والتحف. وكان من جملة سؤال صاحب اليمن أن يرسل السلطان إليه قميص أمان «1» ، ويكتب عليه هو وابنه الملك الصالح، فأجابه السلطان إلى ذلك. وجهّز له هدايا وتحفا وقطعة زمرد وخيلا من خيل التتار الأكاديش «2» ، وشيئا من عددهم «3» .
وفيها، فى شهر رمضان، قبض السلطان على الأمير ركن الدين أياجى «4» الحاجب. وفى ذى القعدة، قبض على الأمير سيف الدين أيتمش «5» السعدى، وجماعة من الأمراء، وقبض بدمشق على الأمير سيف الدين بلبان الهارونى،
(31/81)

وسنقر الكردى وغيرهم. وكان أيتمش والهارونى، قد عادا إلى الخدمة من جهة سنقر الأشقر بعد المصاف، كما تقدم ذكر ذلك «1» .
وفيها، رسم السلطان بإبطال زكاة الدولبة «2» ، والزكاوات المقررة بالديار المصرية. وكان الناس يجدون مشقة كبيرة لذلك، لأن المال كان ينفد والزكاة باقية، وإذا مات رجل طولب ورثته بالزكاة المقررة عليه.
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين رزين، وولاية القاضى وجيه الدين، واستعفائه من قضاء القاهرة، وولاية القاضى شهاب الدين الخويى «3» .
وفى هذه السنة، فى ليلة الأحد ثالث شهر رجب، كانت وفاة قاضى القضاة، تقى الدين أبى عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى بن عيسى، ابن موسى بن نصر الله بن هبة الله العامرى الشافعى، ودفن بالقرافة.
ومولده فى يوم الثلاثاء، ثالث شعبان سنة ثلاث وستمائة بحماه، رحمه الله تعالى.
وفضائله وعلومه مشهورة، وسماعاته عالية. ولما مات، فوّض السلطان قضاء
(31/82)

القضاة بالديار المصرية، للقاضى وجيه الدين عبد الوهاب بن حسين البهنسى المهلبى، فى سلخ شعبان، فولى ذلك إلى آخر جمادى الآخرة، سنة إحدى وثمانين [وستمائة «1» ] . ثم استعفى من قضاء القاهرة والوجه البحرى، وذكر أنه يضعف عن الجمع بين قضاء المدينتين والوجهين. فأعفى من قضاء القاهرة والوجه البحرى، وفوض السلطان ذلك إلى القاضى شهاب الدين الخويى «2» ، وكان يلى قضاء الغربية. فنقل إلى قضاء «3» القضاة بالقاهرة والوجه البحرى. واستمر إلى أن نقل إلى الشام، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وفيها، توفى قاضى القضاة، نفيس الدين أبو البركات محمد، ابن القاضى المخلص، ضياء الدين هبة الله ابن القاضى كمال الدين أبى السعادات أحمد بن شكر المالكى، قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية، فى يوم الجمعة مستهل ذى الحجة، ومولده فى سنة خمس وستمائة. وولّى القضاء من بعده للقاضى تقى الدين أبى على الحسين، فى سنة تسع وستين وستمائة. ولما مات، فوّض السلطان القضاء بعده، للقاضى تقى الدين أبى علّى الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبى الفضائل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام مفتى «4» الفرق جلال الدين أبى محمد عبد الله ابن شاس الجذامى السعدى المالكى.
(31/83)

وفيها، توفى قاضى القضاة نجم الدين أبو بكر محمد ابن قاضى القضاة صدر الدين أبو العباس أحمد ابن قاضى القضاة شمس الدين أبى البركات «1» يحيى ابن هبة الله، المعروف بابن سنى الدولة. وكانت وفاته بدمشق، فى ثامن المحرم، ودفن بتربة جده، بقاسيون، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى ثالث عشر شهر ربيع الآخر تو، فى الشيخ الصالح مجد الدين عبد العزيز ابن الحسين بن إبراهيم الخليلى الدارى بدمشق، ودفن بقاسيون «2» . وهو والد الصاحب الوزير فخر الدين عمر الخليلى.
وفيها، فى سحر يوم الجمعة، ثامن ذى الحجة، توفى الشيخ الإمام، بقية العلماء، علم الدين أبو الحسن محمد ابن الإمام أبى على الحسين بن عتيق بن عبد الله بن رشيق الربعى المالكى الفقيه، شيخ مشايخنا. ودفن بالقرافة، وكانت جنازته مشهودة. ومولده فى يوم الأحد، العشرين من شهر رجب، سنة «3» خمس وتسعين وخمسمائة بمصر، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير بهاء الدين ابن الأمير حسام الدين بيجار «4» ، وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم. وكانت وفاته بغزة، وهو منصرف إلى الديار المصرية،
(31/84)

فى رابع عشر شعبان، وهو فى عشر السبعين تقريبا، ووالده الأمير حسام الدين البايبرتى «1» باق، وقد كف بصره.
وفيها، توفى الأمير شمس الدين سنقر الألفى. وهو الذى ولى نيابة السلطنة بالديار المصرية، بعد الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقانى كما تقدم. وكانت وفاته فى معتقله بثغر الإسكندرية، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير نور الدين أحمد، ويدعى رباله، ابن الملك الظاهر على ابن الملك العزيز محمد، ابن الملك الظاهر غياث الدين غازى ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وأمه زوجة الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى المعروفة، بوجه القمر. وكانت وفاته بالقاهرة، فى شوال، و [كان «2» ] عمره يؤمئذ ستا وعشرين سنة. وكان بديع الحسن، تام الخلقة، عنده شجاعة وكرم وسكون، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى موفق الدين خضر بن محاسن الرحبى، النائب بالرحبة. وكان يعد من رجال الدهر شجاعة وإقداما وحزما، وتدبيرا ومكرا، وحيلا ومداراة وسياسة. وكان فى بدايته جماسا «3» بالرحبة، لإنسان من أهلها، فمات، فتزوج بامرأته، وحاز موجوده، فصلحت حاله. وخدم من جملة قراغلامية «4» الرحبة لما كانت الرحبة للملك الأشرف، صاحب حمص. وخدم النواب بالرحبة،
(31/85)

وتنقلت به الأحوال، وترقى إلى أن ولى نيابة السلطنة بالرحبة. وكانوا بعد ذلك يسمونه الموفق صاحب الرحبة. فلما كان فى هذه السنة، حضر إلى دمشق، يتقاضى مواعيد كانت سبقت له من السلطان بالإمرة، فمات بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، وعمره نحو سبعين سنة، رحمه الله.
(31/86)

واستهلت سنة إحدى وثمانين وستمائة [681- 1282]
ذكر تفويض نياية السلطنة بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى
فى هذه السنة، فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية، إلى الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصورى. فاستأذن السلطان فى عمارة جامع مدينة حلب وقلعتها، وكان التتار قد أخربوهما «1» فأذن له فى ذلك، فعمّر هما «2» أحسن ما كانا.
وفيها، فى حادى شهر ربيع الآخر، فوّض السلطان الوزارة للقاضى الصاحب نجم الدين حمزة بن محمد الأصفونى، وكان قبل ذلك يلى نظر الدواوين. وكان فى ابتداء ترقيه يلى نصف مشارفة الأصل «3» ، بالأعمال القوصية. ثم ولى فى الدولة الظاهرية، نظر الأعمال القوصية، ثم وضع إلى نظر الأعمال الأخميمية. ثم تنقلّ فولى نظر النظار بالديار المصرية، ثم الوزارة. ولم تطل مدة وزارته، فإنه مات بعد سنة من يوم وزارته، رحمه الله تعالى. وفوضت الوزاره بعده، للأمير علم الدين سنجر الشجاعى المنصورى.
(31/87)

وفيها، وفد إلى خدمة السلطان، شخص من أولاد الأويراتية «1» ، يسمى الشيخ على. كان قد دخل فى دين الإسلام، وخدم المشايخ، وعانى أسباب الرياضة والانقطاع. فظهرت له كرامة من كرامات الفقراء، فتبعه جماعة من أولاد المغل. فخرج بهم من تلك البلاد إلى الشام، ثم إلى الديار المصرية. ومثلوا بين يدى السلطان، فأحسن إليهم، منهم الأقوش وتمر وعمر، ثلاثة إخوة، وجويان «2» وجماعة، رتب السلطان بعضهم فى جملة الخاصكية، وتنقلوا إلى الإمرة. ثم ظهر من الشيخ على أمور أنكرت عليه فسجن، ثم سجن الأقوش، ومات نمر وعمر فى الخدمة.
وفى هذه السنة، فى صفر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير علاء الدين كشتغدى الشمسى وغيرهما، واعتقلوا. واستمر الأمير بدر الدين بيسرى فى الاعتقال إلى الدولة الأشرفيه، فأفرج عنه، على ما نذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى.
وفيها، فى يوم عرفة، قبض بدمشق على الأمير عز الدين أيبك كرجى، والأمير علم الدين الروباسى «3» ، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر
(31/88)

الظاهرى. نائب السلطنة، والده بدمشق كان «1» ، وعلى زين الدين ابن الشيخ عدى «2» ، واعتقلوا.
وفيها، فى حادى عشرين، شهر رمضان احترق سوق اللبادين وسوق جيرون بدمشق، إلى حيطان الجامع. واتصل الحريق إلى حمام الصحن، ودار الخشب.
وكان ابتداء الحريق من وقت المغرب، واستمر ثلاثة أيام، وركب بسببه نائب السلطنة وسائر الأمراء، والعسكر، والحجارين والنجارين، حتى «3» خرّبوا قدام النار فانقطعت. واحترق سوق الكتبيين، فكان ما احترق فيه لشمس الدين إبراهيم الجزرى الكتبى، خمسة عشر ألف مجلد، غير الكراريس والأوراق. وكان سبب هذا الحريق، أن بعض الذهبيين «4» غسل ثوبه ونشره، وجعل تحته مجمرة نار وتركها، وتوجه للفطور، فتعلقت النار بالثوب، واتصلت ببارية «5» كانت معلقة، ومنها إلى السقف. وسلم أربعة دكاكين من ناحية درج اللّبادين.
ذكر وصول رسل أحمد سلطان، وهو توكدار ابن هولاكو، ملك التتار.
وفى هذه السنة، وصل رسل أحمد سلطان بن هولاكو، وهو الذى ملك بعد أبغا، وهم قطب الدين محمود الشيرازى، قاضى سيواس، والأمير بهاء الدين
(31/89)

أتابك السلطان مسعود صاحب الروم، والصاحب شمس الدين محمد ابن الصاحب، وهو من أصحاب صاحب ماردين. وعند ورود الخبر بوصولهم إلى البيرة، أمر السلطان، الاحتراز عليهم، بحيث لا يشاهدهم أحد. فساروا بهم فى الليل، إلى أن حضروا بين يدى السلطان. واحضروا كتابا من أحمد سلطان، يتضمن أنه قد ملك التتار، وهو مسلم. وقد أمر ببناء المسجد والمدارس والأوقاف، وأمر بتجهيز الحاج، إلى غير ذلك من أنواع وجوه البر والقربات.
وطلب اجتماع الكلمة، وإخماد نار الفتن والحروب. وذكر أن أصحابه وجدوا جاسوسا فى زى الفقراء فمسكوه، وإن عادة مثله القتل. وجهزه إلى الأبواب السلطانية. وقال إنه لا حاجة إلى الجواسيس ولا غيرهم، بعد الاتفاق واجتماع الكلمة، إلى غير ذلك مما فيه استجلاب خاطر السلطان. وظهرت رغبته فى الصلح، وأنه كتب من واسط، فى جمادى الأولى. فاجابه السلطان جوابا حسنا، يتضمن تهنئته بالإسلام، وأجابه إلى ما طلب من الصلح، وأعاد رسله مكرّمين. فوصلوا إلى حلب فى سادس شوال، وتوجهوا إلى بلادهم «1» .
وفيها، بنى السلطان ببنت «2» سكتاى بن قراحين بن جنغان نوين. وكان سكتاى هذا، قد ورد إلى الديار المصرية، هو وقرمشى، فى سنة أربع وسبعين وستمائة، صحبة بيجار «3» الرومى، فى الدولة الظاهرية. وهذه هى والدة السلطان الملك الناصر.
(31/90)

وفيها، تزوج الملك الصالح ابن السلطان الملك المنصور بمنكيك «1» ، ابنة الأمير سيف الدين نوكية بن شان «2» قطعان. وكان نوكيه إذ ذاك معتقلا بثغر الإسكندرية.
فرسم السلطان بالإفراج عنه، وأحضره إلى الأبواب العالية، وشمله الإنعام.
وتقرر العقد على خمسة آلاف دينار عينا، قدّم منها ألفا دينار.
وفيها، استقرت الهدنة بين السلطان والمقدم افرير كليام ديباجوك «3» ، مقدم بيت الديوية بعكا والساحل وديوية «4» انطرطوس «5» ، لمدة عشر سنين، أولها خامس المحرم، سنة إحدى وثمانين وستمائة.
ذكر الظفر بملك من ملوك الكرج وإمساكه.
وفيها، بلغ السلطان الملك المنصور، أن ملكا من ملوك الكرج، خرج من بلاده، لزيارة القدس الشريف، ويعود خفية، واسمه توما سوطياس «6» كليارى. ووضعت له صفته، ومعه رفيق يسمى طيبغا بن انكوار، وأنهما ركبا المراكب من ساحل
(31/91)

بوط «1» ، فحفظت عليه الطرقات من كل جهة، فلم يصل إلى موضع إلا وخبره قد سبق إلى السلطان. فلما وصل إلى القدس الشريف، أمسك هو وترجمانه «2» ، وأحضرا «3» إلى الديار المصرية، واعتقلا بها.
وفى هذه السنة، ولى القاضى بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن جماعة الكنانى الشافعى، تدريس المدرسة القيمرية. وذكر الدرس بها، فى تاسع عشر شوال. وحضر دروسه القضاة والعلماء.
وفيها، فى يوم الثلاثاء، ثامن شهر رجب، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد، زين الدين أبى محمد عبد السلام بن على بن عمر الزاووى المالكى، بدمشق. ومولده بظاهر بجايه فى سنة تسع أو ثمان وثمانين وخمسمائة. ووصل إلى دمشق فى سنة ست عشرة وستمائة، وأقام بها إلى حين وفاته. وولى القضاء فى الدولة الظاهرية، بعد امتناع منه، كما تقدم. ولم يأخذ عنه جامكية، ولا لبس تشريفا. ثم عزل نفسه، فى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وحلف ألا بلى القضاء بعدها. فأقر السلطان نائبه وصهره القاضى جمال الدين يوسف، وقد تقدم ذكر ذلك فى مواضعه. وكان رحمه الله تعالى، كثير التواضع، يشترى حاجته وبحملها «4» بنفسه.
(31/92)

وفيها، فى يوم الأحد سادس عشرين شعبان، توفى الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن شيخ الإسلام، عز الدين أبى محمد عبد العزيز بن عبد السلام، ودفن بتربة والده بالقرافة. ومولده بدمشق، فى سنة خمس وستمائة، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الملك الظاهر شادى ابن الملك الناصر داود ابن الملك المعظم سيف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل، سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب. وكانت وفاته بالغور، فى السابع والعشرين من شهر رمضان. ونقل إلى البيت المقدس، فدفن به. ومولده بقلعة دمشق، بعد صلاة الجمعة، سابع عشر ذى الحجة، سنة خمس وعشرين وستمائة.
وفيها، توفى القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان البرمكى. الشافعى الاربلى. وكان وفاته بالمدرسة النجيبية بدمشق، فى عشية يوم السبت سادس عشر شهر رجب. ومولده بمدينة إربل، فى يوم الخميس بعد صلاة العصر، حادى عشر، شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة. وقد تقدم ذكر ولايته «1» القضاء بالشام. وكان رجلا عالما، وحاكما عادلا، وأديبا بارعا، ومؤرخا جامعا، وكريما سمحا، جوادا مداريا. يحب الرفق بالناس، وكان طاهر المجلس، لا يغتاب أحد أحدا فى مجلسه. وله مناقب مشهورة، وحكايات مذكوره، تدل على حسناته وستره، رحمه الله تعالى «2» .
(31/93)

وفيها، توفى الشيخ الصالح، أبو الفدا إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين البعلبكى بها، فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من صفر. ومولده سنة أربع وستمائة. سمع صحيح البخارى، على ابن الزبيدى واسمعه، رحمه الله تعالى «1» .
وفيها، كانت وفاة السديد هبة الله النصرانى القبطى المعروف بالماعز، ستوفى الصحبة بالديار المصرية. وكان قد تمكن فى هذه الوظيفة عند الملك الظاهر، وتقدم على أبناء جنسه. وله معرفة تامة بالديار المصرية والبلاد الشامية، لم يشاركه أحد فى زمانه من أبناء جنسه كلّهم، قد أقر له بالفضل فى صناعته، وكان متعففا عن الأموال، وعنده ستر على الكتاب والمتصرفين. ولما مات، رتب السلطان فى وظيفته، ولده الأسعد جرجس. وتمكن الأسعد فى الدولة المنصورية تمكنا كثيرا، ما سمع بمثله لمثله.
(31/94)

واستهلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة [682- 1283/1284]
فى هذه السنة، توجه السلطان إلى البحيرة، لحفر الخليج المعروف بالطيرية «1» .
وتوجه صاحب حماه فى خدمته، وكان قد وصل إلى الأبواب السلطانية فى هذه السنة. فحفر هذا الحليج، وكان طوله ستة آلاف [و «2» ] ستمائة قصبة، وعرضه ثلاث قصبات، وعمقه أربع قصبات، بالقصبة الحاكمية «3» . وكان نجازه فى عشرة أيام، وروى بسببه من أعمال البحيرة «4» ، ما لم يكن يروى قبله، فى سنة من السنين.
وفيها، فى عاشر شهر ربيع الأول، فوّض السلطان إلى الصاحب برهان الدين الخضر السنجارى، النظر والتدريس، بمدرسة الإمام الشافعى [بالقرامة «5» ] ، بالجامكية «6» والجراية «7» . والرسم الشاهد به، كتاب الوقف الصلاحى، يوسف
(31/95)

ابن أيوب، رحمه الله تعالى، وهو عن [معلوم «1» ] التدريس، فى كل شهر أربعون دينارا معاملة، صرف [كل «2» ] دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم وعن النظر عشرة دنانير [والجراية «3» ] ، والرسوم فى كل يوم، من الخبز ستون «4» رطل، بالرطل المصرى، وراويتان «5» من الماء الحلو. وكانت هذه المدرسة، خلت من مدرس، من ثلاثين سنة، وأكتفى فيها بالمعيدين «6» ، وهم عشرة.
واستمر الحال على ذلك، إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة. فولى تدريسها قاضى القضاة تقى الدين بن رزين، عند عزله من القضاء وقرر له نصف المعلوم. ثم انتقلت بعد وفاته إلى غيره بربع المعلوم، وبقى الأمر على ذلك إلى الآن «7» ، ففوضت إليه بتوقيع شريف سلطانى منصورى.
ذكر توجه السلطان إلى الشام وعوده
وفى هذه السنة توجه السلطان إلى الشام، فى النصف من جمادى الأولى، ووصل إلى غزة، فى سابع جمادى الآخرة. وأقام بها أياما، ثم رحل «8» إلى دمشق. فدخلها فى ثامن شهر رجب، ونزل بالقلعة.
(31/96)

ذكر عزل قاضى القضاة عز الدين ابن الصائغ الشافعى عن القضاء، وتولية قاضى القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكى
كان سبب عزل قاضى القضاة عز الدين ابن الصائغ عن القضاء بدمشق، أن تاج الدين بن السنجارى قاضى [قضاة «1» ] حلب، أثبت «2» محضرا، أن الطواشى ريحان الخليفتى، أودع شرف الدين بن الإسكاف، ثمانية آلاف دينار، وأن ذلك انتقل إلى يد القاضى عز الدين المذكور بحكم الوصية. فطلب القاضى عز الدين، فى يوم الجمعة حادى عشرين شهر رجب، وكان قد حضر إلى الجامع الأموى، لسماع خطبة القاضى جمال الدين بن عبد الكافى، وكان قد ولى الخطابة والإمامة بدمشق. فتوجه من الجامع إلى القلعة، «3» وحضر إلى الأمير بدر الدين الأقرعى مشد الصحبة، والقاضى شهاب الدين بن الواسطى، الناظر بالصحبة. فرسم المشدّ على القاضى بمسجد الحبالة «4» ، ولم يصلّ الجمعة. ثم شدد عليه الأمر، وعزل عن القضاء فى يوم الأحد ثالث عشرين الشهر. وفوّض القضاء للقاضى بهاء الدين يوسف ابن القاضى محيى الدين بن الزكى. ومنع الناس عن الدخول على القاضى عز الدين والاجتماع به، إلا من لا بد منه. ثم ادعى
(31/97)

عليه أن عنده حياصة «1» وعصابة «2» ، القيمة «3» عنهما خمسة وعشرون «4» ألف دينار، وأنهما كانا عند عماد الدين ابن الشيخ محيى الدين بن العربى «5» ، للملك الصالح إسماعيل بن أسد الدين شيركوه، وانتقل ذلك إلى عماد الدين ابن الصائغ، ومنه إلى أخيه القاضى عز الدين. ثم ادعى عليه، أن الأمير ناصر الدين ابن الأمير عز الدين أيدمر، نائب السلطنة، والده، كان أودع عنده جملة كثيرة، واشتد عليه الأمّر، ووكل الملك الزاهر «6» فى مطالبته، فظهر الأمر بخلاف ذلك. وهو أن القاضى عز الدين أثبت عداوة تاج الدين السنجارى، الحاكم [بحلب «7» ] ، وعجز الخصم عن تحقيق حال العصابة والحياصة، وما فيهما من اللؤلؤ والبلخش «8» .
وظهرت براءته من الوديعة بأمور يطول شرحها. وانتصر له الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام. واستمال حسام الدين طرنطاى، فخاطبا السلطان فى أمره فأفرج عنه، فى ثامن عشرين شعبان من السنة، واستمر معزولا إلى
(31/98)

أن مات، وكانت وفاته بحميص، ظاهر دمشق، فى عشية يوم الأحد، تاسع شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وقد بقى من النهار ساعة. ودفن فى يوم الاثنين بتربته بقاسيون، رحمه الله تعالى.
وأما السلطان، فإنه أقام بدمشق، إلى أن رتب أحوالها، وقدر مصالحها ثم عاد إلى الديار المصرية، وكان استقلال ركابه من دمشق، فى يوم الأربعاء ثانى شهر رمضان، ووصل إلى قلعة الجبل، فى الخامس والعشرين من الشهر.
وفيها، وصلت رسل عكا، وتقررت الهدنة مع الديوية والاسبتار والملك [المنصور «1» ] لعشر سنين، وعشرة شهور، وعشرة أيام، وعشر ساعات.
أولها خامس شهر ربيع الأول منها.
وفيها، تزوج السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور باردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وهى أخت زوجة أخيه الملك الصالح.
ذكر وصول الشيخ عبد الرحمن ومن معه من جهة احمد سلطان، ووفاة مرسلهم، وما كان من خبرهم
وفى هذه السنة، وصل الشيخ عبد الرحمن، من جهة أحمد سلطان ملك التتار، وصحبته صمد «2» اغوا، والأمير شمس الدين محمد بن التيتى «3» ، المعروف بابن الصاحب وزير صاحب ماردين، وجماعة فى صحبتهم نحو مائة وخمسين نفرا.
(31/99)

وكان هذا الشيخ قدوة أحمد سلطان ملك التتار. وهو الذى استسلمه، وقرر قواعد الصلح بينه وبين السلطان، وبلغ منه مبلغا عظيما، إلى أن كان يقف بين يديه، وظهرت منه أمور للمغل استمالهم بها. وتحدث فى سائر الأوقاف وعظم ذكره ببلاد الشرق. وركب بالجتر «1» والسلاح دارية والجمدارية. وظن أنه إذا حضر إلى السلطان تمكن منه، ويتم له فى هذه المملكة، ماتم له بالعراق.
فلما وصل إلى البيرة، تلقاه الأمير جمال الدين أقش الفارسى، أحد الأمراء بحلب، ومنعه من حمل الجتر والسلاح ونكب به عن الطريق المسلوك، إلى أن أدخله إلى حلب، ثم إلى دمشق. كان وصوله إلى دمشق، فى ليلة الثلاثاء، ثانى عشر ذى الحجة، ولم يتمكن أحد من الناس أن يراه ولا يكلمه.
ولما وصل إلى دمشق، أنزل فى قلعتها بقاعة رضوان، إلى أن وصل السلطان إلى دمشق. ويقال إنه رتب للشيخ ولمن معه، فى كل يوم ألف درهم نفقة وأطعمة وحلوى، وغير ذلك بألف درهم أخرى. واستقر بالقلعة، إلى أن وصل السلطان إلى دمشق، فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فاستدعاهم ليلا.
ووقف بين يدى السلطان ألف مملوك وخمسمائة. مملوك، عليهم الأقبية الأطلس الأحمر، بالطرز «2» ، والكلوتات «3» الزركش. ووفد بين يديه ألف شمعة وخمسمائة
(31/100)

شمعة، وحضر الشيخ عبد الرحمن والأمير صمد اغوا وشمس الدين ابن الصاحب، وأدوا الرسالة فسمعها السلطان، وأعادهم إلى مكانهم، ثم استحضرهم مرة ثانية وثالثة، حتى استوعب ما عندهم من الأخبار، وما وردوا به من الرسالة.
ثم أعلمهم السلطان فى المرة الثالثة، أن مرسلهم قد قتل، وجلس على تخت المملكة أرغون بن أبغا. وكانت القصاد قد وصلت بهذا الخبر.
ونقلوا من قاعة رضوان، إلى بعض قاعات القلعة، ورتب لهم بقدر الكفاية.
ثم سيّر إليهم الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، استاذ الدار، وقال: قد رسم السلطان بانتقالكم إلى غير هذا المكان، فليجمع كل واحد منكم قماشه، ففعلوا ذلك.
فلما صاروا فى دهليز الدار فتشوا، فأخذ منهم جملة كثيرة من اللؤلؤ وغيره. ويقال إنه كان بيد الشيخ عبد الرحمن سبحة لؤلؤ، قيمتها تزيد على مائة ألف درهم، فأخذت فى جملة ما أخذ، واعتقلوا. فمات الشيخ عبد الرحمن، فى ثامن عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين بقلعة دمشق، ودفن بمقابر الصوفية. وهذا الشيخ المذكور، هو تلميذ شيخ الإسلام موفق الدين الكواشى، ثم رباه الشيخ المشار إليه، واشتغل عليه وخدمه. وقيل إنه علم منه الاسم الأعظم، ويقال إن الشيخ أعطاه كتابا فى علم السيمياء «1» . وقال له توجه بهذا إلى النهر واغسله،
(31/101)

فأخذه وأخفاه. ومعاد إلى الشيخ، وأخبره أنه غسله. ثم اشتغل بهذا العلم، وتوجه إلى التتار، واجتمع بالخوانين وأراهم من هذا العلم، ما اقتضى تمسكهم به، وحظى عند والدة السلطان أحمد، فى صغر أحمد، وتألّف به فلما ملك التتار، حكّمه فى سائر ممالكه. ورسم له أن يركب بالجتر، فركب به، ثم جهزه فى هذه الرسالة فمات. وبقى أصحابه فى الاعتقال مدة، وضيّق عليهم. ثم كتب الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، إلى السلطان بسببهم، فرسم بإطلاقهم.
واستمر الأمير شمس الدين فى الاعتقال، ونقل إلى قلعة الجبل، واعتقل بها مدة طويلة. ثم أفرج عنه بعد ذلك، وولى نيابة دار العدل بالديار المصرية.
وفى سنة اثنتين وثمانين أيضا، وصل من جهة تدان منكو «1» ، الجالس على كرسى الملك، ببيت بركة، نفران من فقهاء القفجاق، وهما مجد الدين أطا ونور الدين وأحضرا على أيديهما كتابا من جهته بالخط المغلى، فقرئ فكان مضمونه، أنه دخل فى دين الإسلام، وأنه أقام شرائع الملة المحمدية، وأوصى على الفقيهين «2» الواصلين بكتابه، وأن يساعدا «3» على الحج المبرور. وذكرا من ألسنتهما مشافهة، أن الملك سأل السلطان، أن ينعته نعتا، يتسمى به من أسماء المسلمين،
(31/102)

ويرسل إليه علما خليفتيا، وعلما سلطانيا، يقاتل بهما أعداء الدين. فجهز السلطان الفقيهين «1» إلى الحجاز ولما عادا جهزهما «2» إلى مقصد هما» .
وفيها، أمسك تبرك «4» ، كان بالحدث من جبال طرابلس. وكانت شوكته قد قويت، وانضم إليه جماعة كثيرة من أهل تلك الجبال، وتحصن بالحدث.
فقصده التركمان، وتحيلوا عليه، حتى تمكنوا منه وأسروه وأحضروه «5» ، وكفى الله المسلمين شره.
وفيها، خرج صاحب «6» قبرص غازيا، لقصد الساحل، فرمته الريح إلى جهة بيروت، فخرج منها، وقصد الإغارة على تلك الجهات. فكمن له أهل جبل الخروب، وخرجوا عليه، فقتلوا وأسروا من جماعته ثمانين رجلا، وأخذوا له شيئا كثيرا من المال والخيل والبغال، وركب فى البحر، وتوجه إلى صور، ولم يلبث أن هلك.
وفيها، وصل إلى السلطان رسول أبونكيا «7» ، ملك سيلان، وأحضر كتابا
(31/103)

فى حق من ذهب. وقال الرسول، وهو الحاج أبو عثمان، هذا الكتاب بخط الملك، فلم يوجد من يقرأه. فسألوا عن مضمونه. فقال مضمونه. إن سيلان مصر، ومصر سيلان، وأنه قد ترك صحبة صاحب اليمن، فى محبة السلطان.
وقال أريد رسولا من جهة السلطان، يحضره رسولى، ورسولا «1» يقيم «2» فى عدن.
والجواهر واليواقيت واللؤلؤ عندى كثير، والمراكب والقماش وغيره عندى.
والبقم والقرفة وجميع ما يجلبه الكارم «3» [عندى «4» ] . والرماح الكثيرة «5» عندى.
وعندى الفيلة «6» . ولو طلب السلطان كل سنة عشرين مركبا، سيرتها إليه وأطلق
(31/104)

تجار السلطان. وأنا لى سبع «1» وعشرون قلعة، [وفيها معادن «2» :] جواهر ويواقيت.
والمغاص «3» ، وكل ما يحصل منها فهولى. فاكرم السلطان هذا الرسول، وكتب جوابه وجهزه.
وفيها، نجزت عمارة تربة، كان السلطان قد رسم [لشاد الأمير علم الدين سنجر الشجاعى «4» ] بعمارتها لوالده وولده الملك الصالح، بالقرب من مشهد السيدة نفيسة وعمرت. ونزل السلطان وولده إليها، وتصدقا، ورتبا وقوفها. ورسم السلطان بعمل تربة ومدرسة وبيمارستان بالقاهرة.
ذكر عمارة التربة المنصورية والمدرسة والبيمارستان ومكتب السبيل
قال «5» ، ولما رأى السلطان الملك المنصور التربة الصالحية، أمر بانشاء تربة
(31/105)

[له «1» ] ، ومدرسة وبيمارستان ومكتب سبيل. فاشتريت الدار القطبية «2» ، وما يجاورها- وهى بين القصرين- من خالص مال السلطان، وعوض مكان الدار القطبية «3» بالقصر المعروف بقصر الزمرد. وكان انتقال الدار القطبية «4» منها إلى قصر الزمرد، ثانى عشر ربيع الأول من السنة «5» .
ورتب الأمير علم الدين الشجاعى مشدا على العمارة، قاظهر من الاهتمام بالعمارة والاحتفال، ما لم يسمع بمثله. فعمرت فى أيسر مدة، ونجزت العمارة فى شهور سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وإذا شاهد الرائى هذه العمارة العظيمة، وسمع أنها عمرت فى هذه المدة القريبة، ربما أنكر «6» ذلك.
ولما كملت العمارة، وقف السلطان من أملاكه القياسرو والرباع «7» ، والحوانيث والحمامات، والفنادق والأحكار وغير ذلك «8» ، من الضياع بالشام، ما يحصل من أجر ذلك وريعه وغلاته، فى كل شهر جملة كثيرة. وجعل أكثر ذلك على البيمارستان ثم [التربة بالقبة «9» ] . ورتب وقف المدرسة، إلا أنه يقصر عن كفايتها. ورتب لمكتب السبيل، من الوقف بالشام ما يكفيه.
ولما تكامل ذلك، ركب السلطان وشاهده، وجلس بالبيمارستان ومعه الأمراء، والقضاة والعلماء. فأخبرنى بعض من شهد السلطان، وشهد عليه،
(31/106)

عليه، أنه استدعى قدحا من الشراب فشربه. وقال قد وقفت هذا على مثلى، فمن دونى. وأوقفه السلطان على الملك والمملوك، [والجندى والأمير والوزير «1» ] والكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى. وجعل لمن يخرج منه، من المرضى، عند برئه كسوة. ومن مات جهّزه، وكفن ودفن. ورتب فيه الحكما، الطبائعية «2» والكحالين والجرائحية والمجبرين، لمعالجة الرمدى والمرضى والمجرحين والمكسورين من الرجال والنساء. ورتب «3» به الفراشين والفراشات، والقومة، لخدمة المرضى، وإصلاح أما كنهم وتنظيفها، وغسل ثيابهم، وخدمتهم فى الحمام. وقرر لهم على ذلك، الجامكيات الوافرة.
وعملت النخوت والفرش والطراريح والأنطاع والمخدات واللحف والملاوات لكل مريض فرش كامل. وأفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة تختص بهم. فجعلت الأواوين الأربعة المتقابلة للمرضى بالحميات «4» وغيرها، وجعلت قاعة للرمدى، وقاعة للجرحاء، وقاعة لمن أفرط به الاصهال، وقاعة للنساء، ومكان حسن للمرورين «5» من الرجال ومثله للنساء، والمياه تجرى فى أكثر هذه الأماكن. وأفردت أماكن. لطبخ الطعام، والأشربة والأدوية، والمعاجين وتركيب الأكحال، والشيافات «6» ،
(31/107)

والسفوفات، وعمل المراهم والأدهان، وتركيب الترياقات «1» ، وأماكن لحواصل العقاقير، وغيرها من هذه الأصناف المذكورة. ومكان يفرّق منه الشراب. وغير ذلك من جميع ما يحتاج إليه. ورتب فيه مكان يجلس فيه رئيس الأطباء، لإلقاء درس طب، ينتفع به الطلبة، ولم يحصر «2» السلطان، أثابه الله، هذا المكان المبارك بعده فى المرضى، يقف عندها المباشر، ويمنع من عداها، بل جعله سبيلا، لكل من يصل إليه، فى سائر الأوقات، من غنى وفقير. ولم يقتصر أيضا فيه، على من يقيم به للمرضى، بل يرتب لمن يطلب، وهو فى منزله ما يحتاج إليه، من الأشربة والأغذية والأدوية، حتى أن هؤلاء زادوا فى وقت من الأوقات، على ماتبين، غير من هو مقيم بالبيمارستان.
ولقد باشرته «3» فى شوال سنة ثلاث وسبعمائة، وإلى آخر رمضان سنة سبع وسبعمائة. فكان يصرف منه، فى بعض الأيام، من الشراب المطبوخ خاصة، ما يزيد على خمسة قناطير بالمصرى، فى اليوم الواحد، للمرتبين والطوارى، غير السكر والمطابيخ من الأدوية وغير ذلك من الأغذية والأدهان والترياقات وغيرها ورتب فى البيمارستان من المباشرين والأمناء، من يقوم بوظائفه، واتباع ما يحتاج إليه من الأصناف، وضبط ما يدخل إلى المكان، وما يخرج منه خاصة، من غير أن يكون لهم تعلق فى استخراج الأموال. وإنما يبتاعون الأصناف، ويحيلون بثمنها على ديوان صندوق المستخرج، ويكتبون فى كل شهر، عمل استحقاق «4»
(31/108)

لسائر أرباب الجامكيات والجرايات من سائر أرباب الوظائف والمباشرين، يكتبه «1» العامل، ويكتب عليه الشهور. ويأمر الناظر بصرفه، ويخلد [فى «2» ] ديوان الصندوق «3» ويصرف على حكمه. وهذه الطائفة من المباشرين بالبيمارستان، هم مباشر والإدارة.
وأما مباشرو «4» الصندوق والرباع، فإليهم يرجع تحرير جهات الأوقاف، فى الخلق والسكون والمعطل، واستخراج الأموال، ومحاسبات المستأجرين وصرف الأموال، بمقضى حوالة مباشرى الإدارة، ومباشرة العمارة، وعمل الاستحقاق لا يتصرفون فى غير ذلك، كما لا يتصرف مباشر والإدارة، فى صرف الأموال، إلا حوالة «5» بأوراقهم.
وأما العمارة، فلها مباشرون ينفردون بها، من ابتياع الأصناف، واستعمال الصناع «6» ، ومرمّة «7» الأوقاف، وغير ذلك مما يدخل فى وظيفتهم، كما يفعل فى الإدارة، وينقل عليهم من الصندوق من المال، ما يصرفونه لأرباب الأجر
(31/109)

خاصة. ويكتبون فى كل شهر، عمل استحقاق، بثمن الأصناف وأرباب الأجر، ويخصمونه بما أحالوا به على الصندوق، وما وصل إليهم من المال ويسوقونه إلى فائض أو متأخر.
وترفع كل طائفة من هؤلاء المباشرين حسباناتهم، مباومة ومشاهرة ومساناة إلى الناظر «1» والمستوفى «2» .
هذا ما يتعلق بالمارستان.
وأما القبة المباركة المنصورة، وهى التربة «3» ، فإنه رتّب فيها خمسون مقرئا، يقرأون كتاب الله تعالى، ليلا ونهارا بالنوب. وجعل لكل منهم، فى كل شهر عشرون درهما. ورتب بها إمام، على مذهب الإمام أبى حنيفة، رحمه الله تعالى، وله فى كل شهر ثمانون درهما من أصل الوقف، وفى كل سنة فى ليلة ختم صلاة قيام رمضان، خلعة من خزانة السلطان، كاملة مسنجبة «4» مقتدرة «5» ورتّب بها ريس ومؤذنون «6» ، يعلنون «7» الأذان، بالمأذنة الكبرى، ويقيمون
(31/110)

الصلاة، ويبلغون خلف الإمام. وهم سبعة نفر. الرئيس، وله فى كل شهر أربعون درهما، والمؤذنون ستة، لكل منهم فى كل شهر ستون درهما.
ورتب بها درس تفسير لكتاب الله تعالى، فيه مدرس «1» يلقيه، رتب له فى كل شهر [مائة درهم، وثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم، ومعيد «2» له] فى كل شهر أربعون درهما، وطلبة عدتهم ثلاثون [نفرا «3» ] ، لهم فى كل شهر ثلاثمائة درهم، ودرس حديث يذكر فيه حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، له مدرس ومعيد وطلبة، لهم فى كل شهر نظير ما لمدرس التفسير ومعيده وطلبته، وزيادة على ذلك قارىء، يقرأ الحديث، بين يدى المدرس، فى أوقات الدروس، ويقرأ ميعادا «4» للعوام بين يديه أيضا، فى صبيحة كل يوم أربعاء، رتب له فى كل شهر ثلاثون درهما. ورتّب لخازن كتبها فى كل شهر أربعون درهما، ولخزانة كتبها من الخستمات الشريفة، والربعات المنسوبة الخط، وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة، والطب والأدبيات، ودواوين الشعر شىء كثير «5» . ورتب بها [ا «6» ] لخدام أزمة، يقيمون بالقبة، لحفظ حواصلها، ومنع من يعبر إليها فى غير أوقات الصلوات، وهم ستة، لكل منهم فى كل شهر خمسون درهما، وغير هؤلاء من القومة والفراشين والبوابين.
(31/111)

وأما المدرسة المباركة المنصورية، فإنه رتب بها إماما شافعى المذهب، له فى كل شهر ثمانون درهما، وريسا «1» ومؤذنين «2» ، يعلنون بالأذان بالمئذنة الكبرى المذكورة، هم ومؤذنو القبة بالنوبة «3» ، وهم ريس وأربعة مؤذنين «4» ، لهم فى كل شهر نظير ما لمؤذنى القبة. ورتّب بها متصدر لإقراء كتاب الله، عز وجل، ورتب له فى كل شهر أربعون درهما. ورتب بها دروس للمذاهب الأربعة، الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، لكل طائفة مدرس، له فى كل شهر مائتا درهم، وثلاثة معيدين لكل منهم خمسة وسبعون درهما، وغير هؤلاء من القومة والفراشين وبواب «5» .
وأما مكتب السبيل، فإنه رتّب فيه فقيهان يعلمان [ستين «6» ] صغيرا من أيتام المسلمين، كتاب الله تعالى. ورتب لهما جامكية فى كل شهر، وجراية فى كل يوم، وهى لكل منهما فى كل شهر ثلاثون درهما، وفى كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال، وكسوة فى الشتاء، وكسوة فى الصيف. ورتّب للأيتام، لكل منهم، فى كل يوم رطلان خبزا، وكسوة فى الشتاء، وكسوة فى الصيف. وتنوّع
(31/112)

السلطان، أجزل الله ثوابه، فى وجوه البر والقربات. وهذه الجهات المباركة المبرورة باقية مستمرة، يزيد وقفها وينمو، بحسن «1» نية واقفها. قدّس الله روحه، ونور ضريحه.
ولنرجع إلى بقية حوادث سنين اثنتين وثمانين وستمائة.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام، عماد الدين أبو الفضل محمد ابن قاضى القضاة، شمس الدين أبى نصر محمد بن هبة الله الشيرازى، ببستانه «2» بالمزه، فى فى يوم الاثنين، سابع عشر صفر. وصلى عليه بعد صلاة العصر، بجامع الجبل، ودفن بتربة فيها قبر أخيه علاء الدين. رحمهما الله تعالى. وكان شيخ الكتابة، أتقن الخط المنسوب، وبلغ فيه مبلغا عظيما، حتى يقال إنه أتقن قلم «3» المحقق، وكتبه أجود من شيخ الصناعة ابن البواب «4» .
(31/113)

وفيها، توفى الصاحب مجد الدين أبو الفدا إسماعيل بن إبراهيم بن أبى القاسم ابن أبى طالب بن كسيرات الموصلى. وكانت وفاته فى سابع عشرين شهر رمضان، بداره بجبل الصالحية. وكان رحمه الله كثير المروءة، واسع الصدر، كثير الهيبة والوقار، جميل الصورة، حسن المنظر والشكل، كثير التعصب لمن يقصده، محافظا على مودّة أصحابه وقضاء حوائجهم، كثير التفقد لهم، وأصله من الموصل، من بيت الوزارة. كان والده، وزير الملك المنصور عماد الدين زنكى ابن الملك العادل نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى بن آقسنقر. ثم باشر نظر الخزانة، للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ [صاحب الموصل «1» ] ثم نقله إلى نظر الجزيرة العمرية «2» ، لما فتحها. ووصل إلى الشام صحبة الملك المجاهد سيف الدين اسحاق، لما وصل فى الدولة الظاهرية.
وسكن دمشق، وولى نظر البر بها «3» . ثم نقل إلى نظر نابلس، ثم أعيد إلى دمشق فباشر نظر الزكاة بها. ثم انتقل إلى صحابة الديوان بالشام، إلى أن ملك سنقر الأشقر دمشق، فاستوزره كما تقدم. وتعطل «4» بعد ذلك عن المباشرة، وسكن داره التى أنشأها بجبل قاسيون، جوار البيمارستان، فكان بها إلى أن مات.
(31/114)

قال شمس الدين الجزرى «1» : قلت له يوما- وقد أضرته «2» البطالة- يا مولانا لو ذكرت واحدا من أصحابك الأمراء، حتى يذكر بك السلطان، أو نائب السلطنة، فكاتب فى أمرك فإن لك خدما «3» وتفضلا «4» على الناس، فنظر إلى وأنشد:
لذّ خمولى وحلا مره ... وصاننى عن كل مخلوق
نفسى معشوقى ولى غيرة ... تمنعنى عن بذل معشوقى «5»
وفيها، فى يوم الخميس عاشر شهر رمضان، توفى الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن الملك الناصر صلاح الدين داود، ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. وكانت وفاته بدمشق، وصلى عليه بعد صلاة الجمعة، ودفن بالتربة المعظمية. وكان رحمه الله تعالى، قد جمع بين الرئاسة والفضيلة، والعقل الوافر، والخصال الجميلة. وكان مجانب الناس، محبوب الصورة، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى سادس عشرين شعبان، توفى القاضى عز الدين إبراهيم ابن الصاحب الوزير الأعز، فخر الدين أبى الفوارس مقدام ابن القاضى كمال الدين أبى السعادات، أحمد بن شكر [المصرى «6» ] . وكان قد ولى نظر الجيوش، بالديار المصرية، فى شهر رمضان، سنة خمس وسبعين وستمائة، كما تقدم، رحمه الله تعالى.
(31/115)

وفيها، توفى الشيخ الإمام العّلامة، العابد الزاهد، شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام، أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسى، شيخ الحنابلة بالشام. وكان قد ولى قضاء القضاة على كره منه، فى سنة أربع وستين كما تقدم. ثم ترك الحكم، وتوفر على العبادة والتدريس، وأشغال الطلبة، والتصنيف. ويقال إنه قطب بالشام. واستدل على ذلك بحرائى «1» توافقت عليها، جماعة تعرفه «2» ، فى سنة سبع وسبعين وستمائة أنه قطب، وكان أوحد زمانه. وكانت وفاته فى يوم الاثنين، سلخ ربيع الآخر منها.
ودفن بقاسيون، بتربة والده، قدس الله روحه. ومولده فى السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ولما مات رثاه المولى الفاضل شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء بقصيدة أولها.
ما للوجود وقد علاه ظلام ... أعراه «3» خطب أم عداه مرام
أم قد أصيب بشمسه فغدا وقد ... لبست عليه حدادها الأيام
جاء منها:
لكم الكرامات الجليلات التى ... لا تستطيع حجودها الأقوام
وهى قصيدة تزيد على ستين بيتا، ورثاه جماعة، رحمه الله تعالى.
(31/116)

وفيها، توفى الأمير علاء الدين كندغدى «1» المشرقى الظاهرى، المعروف بأمير مجلس. كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية. وظهر قبل وفاته بمدة يسيرة، أنه باق على الرق. فاشتراه السلطان الملك المنصور بجملة وأعتقه، وقربه لديه. وكان شجاعا بطلا مقداما. وكانت وفاته بالقاهرة، فى يوم الجمعة مستهل صفر. ودفن بمقابر باب النصر، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجى بن يزيد البرمكى، أمير آل مرى «2» ، وكانت وفاته ببصرى. وكانت غاراته تنتهى إلى أقصى نجد والحجاز.
وأكثرهم يؤدون «3» إليه إتاوة فى كل سنة، فمن قطعها منهم أغار عليه. وكان يدعى أنه من نسل جعفر البرمكى، من العباسة أخت الرشيد. ويقول إنه تزوجها ورزق منها أولادا. ولما جرى على البرامكة ما جرى، هرب أولاده منها إلى البادية، فأحدهم جده، والله أعلم. وكان يقول للقاضى شمس الدين بن خلكان [البرمكى «4» ] ، أنت ابن عمى. وكانت بينهما مهاداة. وانتفع ابن خلكان به وباعتنائه، عند السلطان.
وفيها، فى سابع عشرين المحرم، كانت وفاة القاضى شمس الدين عيسى ابن الصاحب برهان الدين الخضر «5» السنجارى. كان ينوب عن والده فى الوزارة
(31/117)

الأولى، فى سنة ثمان وسبعين وستمائة. وولى نظر الأحباس، ونظر خانقاه سعيد السعداء. ثم ولى بعد ذلك تدريس المدرسة الصلاحية المعروفة بزين التجار «1» ، ثم قبض عليه مع والده، بعد انفصاله من الوزارة الثانية، كما تقدم.
فلما أفرج «2» عنه سكن المدرسة المعزية بمصر، وكان بها إلى أن توفى. وكان حسن الصورة والشكل، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى سادس عشر شوال، توفيت زوجة السلطان الملك المنصور، والدة ولده، الملك الصالح علاء الدين على، رحمهما الله تعالى.
وفيها، فى يوم الأحد، ثانى عشر جمادى الأولى، توفى الشيخ ظهير الدين جعفر بن يحيى بن جعفر القرشى التزمنتى الشافعى، مدرس المدرسة القطبية بالقاهرة، وأحد المعيدين بمدرسة الشافعى، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى يوم السبت، ثانى عشرين شهر رجب، توفى الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار، أحد الأمراء بالديار المصرية. وكانت وفاته بدمشق لما كان السلطان بها. ودفن بظاهرها، عند قباب التركمان، بميدان الحصار «3» :
رحمه الله تعالى.
(31/118)

واستهلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة [683- 1284]
ذكر توجه السلطان إلى الشام وعوده
فى هذه السنة، توجه السلطان الملك المنصور إلى الشام، وكان وصوله إلى دمشق، فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة، ونزل بقلعتها. وكان جل توجهه إلى الشام، بسبب رسل السلطان أحمد، فاستحضرهم وسمع رسالتهم، كما قدمنا «1» ذكر ذلك. وأقام السلطان بدمشق، إلى أن رتب أحوالها.
وعزل الأمير علم الدين سنجر الداوادارى، من وظيفته شاد الدواوين بدمشق، وأضاف هذه الوظيفة إلى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وكان استاذ دار السلطنة بالشام. فاجتمع له شاد الدواوين واستاذ الدارية. ونقل أيضا الأمير ناصر الدين الحرانى، من ولاية مدينة دمشق إلى نيابة السلطنة بحمص، وأضاف ولاية مدينة دمشق، إلى الأمير سيف الدين طوغان، متولى «2» البر. ثم عزم على الرحيل، والعود إلى مقر ملكه، فبرز الأمراء أثقالهم إلى ظاهر قلعة دمشق، فكانت حادثة السيل.
ذكر حادثة السيل بدمشق
وفى يوم الأربعاء، العشرين من شعبان، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، الموافق لأول تشرين الثانى، وهو خامس هاتور، أمطرت السماء، فى أول
(31/119)

الليل، وتوالى المطر وهطل وكثر، واشتد صوت الرعد، وتوالى البرق طول الليل إلى أول النهار. ثم أقبل السيل وارتفع، حتى بلغ إلى حد السبل الذى ذكرناه فى سنة تسعة وستين وستمائة «1» . وحمل جميع أثقال من برز ثقله من الأمراء المصريين والجند، وحمل الخيل والجمال والصناديق وغير ذلك. فيقال إنه عدم للأمير بدر الدين بكتاش النجمى، ما تزيد قيمته على أربعمائة ألف درهم وخمسين درهم، وصدم السيل باب الفراديس، فكسر أقفاله، وما خلفه من المتاريس، ودخل الماء إلى المدرسة المقدمية، وبقى كذلك حتى ارتفع النهار. ثم جف «2» الماء فى يومى الأربعاء والخميس. ثم جاء مطر شديد، وهو دون المطر الأول، فهدم عدة مساكن، فى جبل قاسيون، وبظاهر دمشق وحواضرها «3» . ثم انحط الماء، وتوجه السلطان بعد أن نضب الماء، إلى الديار المصرية، واستقل ركابه من دمشق، فى يوم السبت الثالث والعشرين من شعبان، ووصل إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان من السنة.
ذكر وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وشىء من أخباره، وأمر ولده الأمير حسام الدين مهنا
فى هذه السنة، كانت وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع بن حذيفة أمير العرب. وصلّى عليه بدمشق صلاة الغائب، فى يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول. وقد ذكرنا ابتداء إمرته، فى إبتداء الدولة الظاهرية. وكان رحمه الله رجلا دينا خيرا، انتفع الإسلام به، فى مواطن كثيرة، وصلحت العربان
(31/120)

فى أيامه، وقل فسادهم، بل كاد «1» يعدم، مع لينه وحسن سياسته. وكانت الإمرة قبله لابن عمه الأمير على بن حذيفة. وكان كثير السفك للدماء، ويقتل مفسدى «2» العرب، بأنواع القتل، فكانت له قدر كبيرة منصوبة، لا تزال على النار مملوءة ماء، والنار توقد تحتها، فمنى وقع له مفسد من العرب ألقاه فيها حيّا، قيسقط لحمه لوقته. وقتل خلقا كثيرا بذلك وبغيره من أنواع العذاب. هذا والفساد فى أيامه مستمر، وأمر العرب لا يزداد إلا شدة. فلما ولى الأمير شرف الدين عيسى بعد وفاته، أنزل القدر وامتنع من سفك دم إلا بحكم الله. فعلم الله صدق نيته، وأصلح له من أمر العرب ما فسد فى أيام غيره، وصلحت سيرتهم فى أيامه، وانحسمت مادة أذاهم للقفول «3» وغيرها، منّا من الله تعالى.
ولما مات رحمه الله تعالى، فوض السلطان إمرة العرب بعده، لولده الأمير حسام الدين مهنا. وزاده السلطان إقطاعا، وبسط يده، فسلك سبيل والده فى الخير والإحسان. وأطاعه العرب كافة، وعظم شأنه عند الملوك وغيرهم.
وهو على ذلك إلى وقتا هذا، الذى وضعنا فيه هذا الكتاب «4» .
ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حماه وولاية ولده الملك المظفر
فى حادى عشر شوال من هذه السنة، توفى الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد ابن الملك المظفر، تقى الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك
(31/121)

المظفر تقى الدين عمر ابن شاهانشاه بن أيوب، صاحب حماه، رحمه الله تعالى.
ومولده فى الساعة الخامسة، من يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فتكون مده حياته، إحدى وخمسين سنة، وستة أشهر، وأربعة عشر يوما. وملك حماه يوم السبت ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو اليوم الذى توفى فيه والده، فتكون مدة مملكته بحماه، إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام.
ولما ورد الحبر بوفاته، رسم السلطان الملك المنصور، بتفويض ملك حماه، لولده الملك المظفر تقى الدين محمود، وأجراه مجرى والده فى التشاريف والمكاتبات.
وجهّز إليه التشريف والتقليد، صحبة الأمير جمال الدين أقوش الموصلى الحاجب، وجهّز معه عدة تشاريف لعمه الملك الأفضل، وابن عمه الأمير عماد الدين، وجماعة من أهل بيته وأمرائه.
وفيها، فى نصف ذى الحجة، توجه السلطان إلى الشام.
وفيها، فى ثالث شهر رمضان، توفى الملك السعيد فتح الدين عبد الملك، ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، رحمه الله تعالى. ودفن بتربة جدته، والدة السلطان الملك الصالح، داخل دمشق.
وفيها، توفى قاضى القضاة نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم ابن قاضى القضاة شمس الدين أبو الظاهر إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد البارزى، الجهنى الشافعى، الحموى، قاضى حماه.
وكانت وفاته ليلة الخميس عاشر ذى القعدة، سنة ثلاث وثمانين وستمائة. ومولده
(31/122)

يوم الأربعاء، السادس والعشرين، من المحرم سنة ثمان وستمائة بحماه. وتوفى بطريق الحجاز، وحمله أولاده إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفن بالبقيع. وكان رحمه الله تعالى، ممن صنّف التصانيف المفيدة، وسمع وحدّث، وولى قضاء حماه، بعد أبيه مدة طويلة. ثم عزل مدة يسيرة. وله نظم حسن ومشاركة فى العلوم الكلامية والحكمية، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى قاضى القضاة جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن أبى محمد عبد الله بن عمر الزواوى، قاضى المالكية بدمشق. وكانت وفاته بطريق الحجاز، قبل الحج بالقرب من تبوك، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى القاضى ناصر الدين أبو العباس أحمد بن أبى المعالى، محمد ابن منصور بن أبى بكر قاسم بن مختار الجذامى «1» الجروى «2» المالكى الإسكندرى المعروف بابن المنير. وكانت وفاته بالإسكندرية، فى ليلة الخميس، مستهل شهر ربيع الأول. ودفن بتربة والده، عند الجامع الغربى. ومولده بالإسكندرية، فى ثالث ذى القعدة، سنة عشرين وستمائة. وكان فاضلا عالما، وله اليد الطولى فى علم العربية والأدب، جيد النظم. باشر بالثغر عدة جهات. ثم ولى القضاء بالثغر، وولى الخطابة مدة يسيرة. ثم نكب فى سنة ثمانين وستمائة.
وهجم داره، ويقال إن الذين هجموا الدار، أدخلوا معهم قنانى خمر، تحت ثيابهم، وادعوا أنها وجدت عنده، فعزل عن مناصبه. ثم توجه إلى باب
(31/123)

السلطان. وسعى فيمن سعى به، فنال بعضهم. وأعيدت إليه مناصبه، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير شمس الدين محمد ابن الأمير بدر الدين أبى المفاخر باخل ابن عبد الله بن أحمد الهكارى، متولى ثغر الإسكندرية. وكانت وفاته بالثغر، فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب. ودفن يوم الأحد، عند رباطه خارج باب رشيد، رحمه الله تعالى «1» .
وفيها، فى ليلة الجمعة، ثالث عشرين ذى الحجة، توفى الشيخ الصالح العارف القدوة، أبو القاسم، وينعت وقار الدين، بن أحمد بن الرحمن المراغى. والمراغة التى ينسب إليها، [بلدة «2» ] معروفة باقليم «3» إخميم، من البر «4» الغربى.
ودفن بالقرافة، بزاويته المشهورة، فى يوم الجمعة، بعد الصلاة، رحمه الله وابّانا.
(31/124)

واستهلت سنة أربع وثمانين وستمائة [684- 1285]
والسلطان الملك المنصور متوجه إلى الشام. فوصل إلى دمشق فى يوم السبت، ثانى عشر المحرم. وتوجه إلى المرقب، وأفتتح الحصن على ما تقدم ذكره.
ذكر مولد السلطان الملك الناصر
كان مولده المبارك الميمون، بقلعة الجبل، فى يوم السبت الخامس عشر من شهر المحرم، سنة أربع وثمانين وستمائة، الموافق للثامن والعشرين من برمهات من شهور القبط. وطالع الوقت السرطان. فوردت البشائر على والده «1» السلطان بمولده، وهو بمنزلة «2» خربة اللصوص، قبل وصوله إلى دمشق. فاستبشر السلطان بمولده، وتيمن به، وبلغ مقصوده، من فتح المرقب.
وفيها، بعد عود السلطان من فتح المرقب، دخل إلى الخزانة بدمشق، فى يوم الخميس سابع جمادى الأولى. وولى القاضى محيى الدين بن النحاس الوزارة بدمشق، عوضا عن الصاحب تقى الدين [توبة التكريتى «3» ] . وكان
(31/125)

محيى الدين إذ ذاك، ناظر الخزانة. فخلع عليه خلعة الوزارة، وكانت الخلعة جبة عتابى «1» حمراء، وفوقها فرجية زرقاء، مسنجبة «2» مقتدرة وطرحة «3» . وعزل الأمير سيف الدين طوفان، عن ولاية مدينة دمشق، وأقره على ولاية «4» البر خاصة.
وولى مدينة دمشق الأمير عز الدين محمد بن أبى الهيجا، فى يوم الجمعة، خامس عشر جمادى الأولى. ثم توجه إلى الديار المصرية، فى بكرة نهار الاثنين، ثامن عشر الشهر. ووصل إلى قلعة الجبل، فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين شعبان.
وكان قد أقام مدة بتل العجول.
وفيها، وصلت رسل ملوك الفرنج، وأحضروا بين يدى السلطان، فى يوم الثلاثاء سابع شهر رمضان. وقدّموا ما معهم من التقادم، وهى: ما هو من جهة الأنبرور «5» ، ما حمله اثنان وثلاثون جملا «6» ، سنجاب وسمور أربعة عشر، [و] سقلاط خمسة، [و] أطلس وبندقى ثلاثة عشر. وما هو من جهة الجنوية، سار سينا «7» حملان «8» ، [و] سناقر ستة، [و] كلب أبلق، ذكر أنه
(31/126)

أكبر من الأسد. وما هو من جهة الأشكرى «1» ، حمل أطلس، وأربعة أحمال بسط. فقبلت تقادمهم، وأجروا على عاداتهم فى الإحسان والصلة.
وفيها، وصل رسول صاحب اليمن، وصحبته الهدايا والتقادم، وأحضر إلى بين يدى السلطان، فى يوم السبت مستهل ذى القعدة، وأحضر من الهدية على ما نقل، ما هو «2» : خدام «3» أزمة ثلاثة عشر، خيل فحول عشرة، فيل واحد، كركدن واحد، نعاج يمنية ثمانية، طيور ببغاء ثمانية «4» ، قطع عود كبار ثلاثة، حملت كل قطعة منها على رجلين، رماح قنا أربعون حمل جمل. ومن أصناف البهار ما حمل على سبعين جملا، ومن القماش ما حمل على مائة قفص، ومن تحف اليمن ما حمل على مائة طبق نحاس، فقبل ذلك [منه «5» ] ، وأنعم على رسله وعليه على العادة.
وفيها، فى سادس ذى الحجة، وقع الحريق بقلعة الجبل المحروسة، فاحترقت الخزانة السلطانية والقاعة الصالحية.
(31/127)

وفيها، فى سلخ شهر رمضان، كانت وفاة الأمير سيف الدين أيتمش «1» السعدى فى محبسه.
وفيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى الصالحى، بالقاهرة، ودفن بتربته بالشارع الأعظم.
وفيها، فى يوم الأربعاء، سابع عشر صفر، توفى الصاحب المشير عز الدين محمد بن على بن إبراهيم بن شداد الأنصارى الحلبى، بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم. وكان فاضلا دينا، رئيسا مؤرخا، معظّما عند الأمراء الأكابر محبوبا إليهم. ولازم الصاحب بهاء الدين مدة حياته. وكان الأمراء الأكابر يحملون إليه فى كل سنة دراهم وغلة وكسوة وغير ذلك، رحمه الله تعالى «2» .
وفيها، فى منتصف شعبان توفى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير افتخار الدين أباز «3» بن عبد الله الحرانى، بمدينة حمص، وهو يومئذ نائب السلطنة بها، وحمل إلى دمشق، ودفن بقاسيون، فى يوم الخميس سابع عشر الشهر «4» .
وفيها، فى يوم الأربعاء، سلخ شعبان، توفى الطواشى شبل «5» الدولة كافور الصفوى الخزندار بقلعة دمشق. ودفن يوم الخميس مستهل شهر رمضان، بتربته بسفح قاسيون. كان رجلا صالحا، كثير الصدقة والمعروف والإحسان، رحمه الله تعالى، والحمد لله وحده «6»
(31/128)

واستهلت سنة خمس وثمانين وستمائة [685- 1286]
فى هذه السنة، أعيد الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، إلى شد الشام، عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر. وباشر الديوان فى بكرة يوم الاثنين خامس عشر المحرم.
وفيها، فى سلخ ربيع الآخر، وصل تقى الدين توبة التكريتى من الديار المصرية إلى دمشق. وقد أعيد إلى الوزارة بالشام، عوضا عن الصاحب محيى الدين بن النحاس.
ذكر حادثة غريبة اتفقت بحمص
وفى هذه السنة، فى سابع عشر صفر، ورد إلى الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام، كتاب من الأمير بدر الدين بكتوت العلائى وكان مجردا بحمص، وصحبته من عسكر دمشق ألفا «1» فارس، من مستهل هذه السنة، مضمونه بعد البسملة:
يقبل الأرض وينهى أنه لما كان فى يوم الخميس رابع عشر صفر، وقت العصر، حصل بالغسولة «2» إلى جهة عيون القصب، غمامة سوداء إلى الغاية،
(31/129)

وأرعدت رعدا كثيرا زائدا. وظهر من الغمامة شبه دخان أسود، من السماء متصل بالأرض، وصور من الدخان، صورة أصلة «1» هائلة، مقدار العمود الكبير، الذى لا يحضنه جماعة من الرجال، وهى متصلة بعنان السماء، تلعب بذنبها فيتصل بالأرض، شبه الزوبعة الهائلة. وصارت تحمل الحجارة الكبار المقادير، وترفعها فى الهواء، كرمية سهم نشاب وأكثر. وصار وقعها «2» ، وتلاطم الحجارة بعضها ببعض «3» ، يسمع له صوت هائل، من المكان البعيد. وما برح ذلك مستمرا فى قوته، واتصل بأطراف العسكر المنصور. وما صادف شيئا إلا رفعه فى الهواء، كرمية نشاب وأكثر. وما صادف شيئا من الأشياء، من السروج والجواشن «4» ، والعدد والسيوف، والتراكيش «5» والقسى، والقماش والشاشات «6» .
والكلوتات «7» ، والنحاس، والأسطال، إلا صار طائرا فى الهواء كشبه الطيور.
(31/130)

ومن جملة ذلك، أنه كان فى اسطبل المملوك، خرج آدم ملآن تطابيق «1» بيطارية حمله فى الهوا والجو، كرمية نشاب. ودفع من جملة ما دفعه، عدة من الجمال بأحمالها، قدر رمح وأكثر. وحمل جماعة من الجند والغلمان، وأهلك شيئا كثيرا من السروج، التى صدفها «2» ، والرماح، وطحن ذلك، إلى أن بقى لا ينتفع به. وأتلف شيئا كثيرا مما صادفه فى طريقه، وأضاع «3» أشياء كثيرة من العدد والقماش، لمقدار مائتى نفر من الجند وأصحاب الأمراء، إلى أن صاروا بغير عدة، ولا قماش «4» . وغابت تلك الحية عن العين، فى عنان السماء، فتوجهت فى البرية، صوب الشرق. والذى عدم من قماش الجند، منه ما راح فى الغمامة السوداء، ومنه ما أخذه بعض الجند، مع أن المملوك ركب بنفسه، ودار فى المعسكر المنصور، واستعاد «5» كثيرا مما عدم، وبعد هذا، عدم ما تقدم ذكره. وهذه الوقعة ما سمع بمثلها أبدا، ثم وقع بعد «6» هذا يسير من مطر. ثم إن اللواحيق «7» الكبار، حملها الهواء وهى منصوبة، وصارت مرتفعة فى الجو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(31/131)

وفى هذه السنة، فى جمادى الأولى، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين قطلبجا أخى الرومى.
وفيها، رسم السلطان بهدم القبة الظاهرية، التى بقلعة الجبل بالرحبة.
فحصل الشروع فى هدمها، فى يوم الأحد، عاشر شهر رجب. وأمر ببناء قبة فى مكانها، فعمرت، وكان الفراغ منها فى شوال [من هذه السنة «1» ] .
ذكر توجه السلطان إلى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده
فى هذه السنة، فى يوم الخميس، سابع شهر رجب، توجه السلطان إلى غزة، ثم توجه من بعدها جريدة «2» إلى الكرك، فوصل إليها فى شعبان، وصعد إلى قلعتها، ورتب أحوالها. ورسم بتنظيف البركة التى فيها من الطين، فنظفت.
وعمل فيها جميع من كان فى خدمة السلطان، من المماليك والحاشية مدة سبعة أيام. واستناب بها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى. ونقل الأمير عز الدين الموصلى منها إلى نيابة السلطنة بغزة، وتقدمة العسكر بها. ولم يطل مقامه بها، فإنه نقل منها إلى نيابة قلعة صفد.
وعاد السلطان من الكرك، ونزل بغابة أرسوف، فأقام بها إلى أن وقع الشتاء، وأمن حركة العدو، وعاد إلى الديار المصرية. وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم الاثنين رابع عشر شوال منها.
(31/132)

وفيها، فى شوال، أفرج عن الأمير بدر الدين بكتوت الشمسى، والامير جمال الدين أقوش الفارسى.
ذكر وفاة قاضى القضاة وجيه الدين، وتفويض القضاء بمصر والوجه القبلى، لقاضى القضاة، تقى الدين ابن بنت الأعز
فى هذه السنة، فى يوم الأربعاء، مستهل جمادى الأولى «1» ، كانت وفاة قاضى القضاة وجيه الدين عبد الوهاب ابن القاضى سديد الدين الحسين المهلبى، المعروف بالبهنسى، قاضى القضاة بمصر والوجه القبلى. وولى بعده، قاضى القضاة، تقى الدين بن عبد الرحمن ابن بنت الأعز، فى يوم الأربعاء خامس عشر الشهر.
وكان قاضى القضاة بالقاهرة والوجه البحرى القاضى شهاب الدين الخويى «2» .
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين بن شاس المالكى وتفويض القضاء لقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى
وفى هذه السنة، فى ذى القعدة، كانت وفاة قاضى القضاة تقى الدين الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبى الفضل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام مفتى الفرق جلال الدين أبى محمد عبد الله بن شاس الجذامى السعدى المالكى، قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية. وفوض السلطان القضاء بعده، على مذهب الإمام مالك بن أنس، لقاضى القضاة زين الدين أبى الحسن على ابن الشيخ
(31/133)

رضى الدين أبى القاسم مخلوف ابن الشيخ تاج الدين أبى المعالى ناهض النويرى المالكى، وهو يومئذ ناظر الخزانة السلطانية. وكان فى ابتداء ترقيه بلى أمانة الحكم العزيز بالقاهرة. فاتفق أن السلطان الملك المنصور، فى حال إمرته، ابتاع منه، من تركة بعض الأمراء، عدة بجملة، كانت الغبطة فيها للأيتام.
فطالبه القاضى زين الدين بالمال، فتوقف عن أدائه، وقصد ردما ابتاعه.
وتحدث فى ذلك مع القاضى زين الدين فامتنع عن رده. واقتضى الحال ان شكاه للملك الظاهر، والزم بالقيام بالثمن. فبقى ذلك فى خاطر السلطان. فلما ملك، انتفع بذلك عنده غاية النفع، ورتبه فى الخزانة، ووثق به، وتمكن عنده تمكنا عظيما. ثم فوض إليه القضاء، وأقره «1» معه على الخزانة. واستمر فى القضاء إلى أن توفى، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية.
ذكر وفاة قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى وشىء من أخباره
وفى هذه السنة، فى يوم الاثنين، حادى عشر ذى الحجة، توفى بدمشق قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد، ابن قاضى القضاة، ركن الدين أبى الحسن على ابن قاضى القضاة، مجد الدين أبى المعالى محمد ابن قاضى القضاة ركن الدين أبى الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثمانى الأموى القرشى، المعروف بابن الزكى، قاضى قضاة الشافعية بدمشق. اجتمع فيه وله ما لم يجتمع فى غيره، ولا له. كان من أحسن الناس صورة،
(31/134)

وأكملهم قواما، وهيئة وهيبة. وكان من العلماء الفضلاء فى المذهب وعلم الأصولين «1» والعربية، والمنطق، وعلم الكلام، والحساب، والفرائض، والنظم، وعلم البيان، وحل «2» المترجم، والكتابة الجيدة الحسنة، مع الذكاء المفرط. وكان له دنيا عريضة من المال والعقار. وكانت داره بباب البريد، من أحسن الدور بدمشق وبستانه بالسهم الأعلى من أصح الغوطة وأطيبها هواء. وضيعته الملك قرية الميدانية، من غوطة دمشق. [وكانت «3» ] زوجته من أحسن النساء صورة و [كان «4» ] أولاده تامّين الصورة. وجمع له من المدارس بدمشق أجلها، وهى العزيزية والتقوية والفلكية والعادلية والمجاهدية والكلّامسة وغيرها. وأنظار أوقاف كثيرة، وقضاء قضاة دمشق وسائر أوقافها. فلما كمل له ذلك. أتاه الموت الذى لا حيلة فيه ولا دافع له، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأديب الفاضل، الشاعر المجيد، شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن يوسف بن أحمد الأنصارى اليمنى المحتد «5» المصرى الدار والمولد، الشافعى الصوفى، المعروف بابن الخيمى، الشاعر المشهور، المبرز على نظرائه. وكانت وفاته بالقاهرة المعزية، بمشهد الحسين، فى التاسع والعشرين من شهر رجب الفرد، سنة خمس وثمانين وستمائة. ومولده تخمينا «6» فى سنة اثنتين
(31/135)

وستمائة. روى عن ابن باقا، وسمع من ابن البنا وغيره، وحدّث. وكان يعانى الخدم الديوانية، وله نظم كثير جيد. فمنه قصيدته المشهورة البائية، التى ادعاها الشيخ نجم الدين بن اسرائيل. وقد رأينا أن نذكر هذه القصيدة، وما وقع فى أمرها، وما قيل فى وزنها ورويها، وكيف حكم بها للمذكور. وأول «1» القصيدة:
يا مطلبا ليس لى فى غيره أرب ... إليك آل التقصى وأنتهى الطلب
وما طمحت لمرأى «2» أو لمستمع ... إلا لمعنى إلى علياك ينتسب
وما أرانى «3» أهلا أن تواصلنى ... حسبى علوا، بأنى فيك مكتيب
لكن ينازع شوقى تارة أدبى ... فأطلب الوصل، لما يضعف الأدب
ولست أبرح فى الحالين ذا قلق ... باد وشوق له فى أضلعى لهب
وناظر كلما كفكفت أدمعه ... صونا لحبك يعصينى وينسكب
ويدعى فى الهوى دمعى مقاسمتى ... وجدى وحزنى ونجوى وهو مختضب «4»
كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا ... يزال «5» فى ليله للنجم يرتقب
يا صاحبى قد عدمت المسعدين فما ... عدنى على وصبى لا مسّك الوصب
(31/136)

بالله إن جزت «1» كثبانا بذى سلم ... قف بى عليها، وقل لى هذه الكتب
ليقضى الخد فى أجراعها وطرا ... من تربها وأؤدى بعض ما يجب
ومل إلى البان من شرقى كاظمة ... فلى إلى البان من شرقيها طرب
وخذ يمينا لمغنى «2» تهتدى بشذا ... نسيمه «3» الرطب إن ضلت بك النجب
حيث الهضاب «4» وبطحاها يروضها ... دمع المحبين لا الأنداء والسحب
اكرم به منزلا تحميه هيئته ... عنى وأنواره لا السمر والقضب
دعنى أعلل نفسا عزّ مطلبها في ... هـ، وقلبا لعذر «5» ليس ينقلب
ففيه عاهدت قدما حب من حسنت ... به الملاحة واعتزت به الرتب
دان وأدنى وعز الحسن يحجبه ... عنى وذلى والإجلال والرهب
أحيا إذا مت من شوق لرؤيته ... لأننى لهواه فيه منتسب
ولست أعجب من حبى «6» وصحته ... من صحتى إنما سقمى هو العجب
يا لهف نفسى «7» لو يحدى تلهفها ... عونا ووا حربا «8» ، لو ينفع الحرب
(31/137)

يمضى الزمان وأشواقى مضاعفة ... يا للرجال ولا وصل ولا سبب
هبت لنا نسمات من ديارهم ... لم يبق فى الركب من لا هزه الطرب
كدنا نطير سرورا من تذكرهم ... حتى لقد رقصت من تحتنا النجب
يا بارقا بأعالى «1» الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فانك الشنب «2»
أما خفوق «3» فؤادى فهو عن سبب ... وعن خفوقك «4» قل لى ما هو السبب
ويا نسيما سرى من جو كاظمة ... بالله قل لى كيف البان والعذب
وكيف جيرة ذاك الحى هل حفظوا ... عهدا أراعيه إن شطوا وإن قربوا
أم ضيعوا ومرادى منك ذكرهم ... هم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا
إن كان يرضيهم ابعاد عبدهم ... فالعبد منهم بذاك البعد مقترب
والهجر إن كان يرضيهم بلا سبب ... فإنه من قبيل الوصل محتسب
ولما بلغت هذه القصيدة نجم الدين محمد بن إسرائيل، ادعاها لنفسه.
فاجتمع هو وابن الخيمى بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، وجرى الحديث فى ذلك، فأصر ابن إسرائيل على أنهاله. فتحا كما إلى الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض، رحمه الله، وكان يومئذ هو المشار إليه فى معرفة الأدب ونقد الشعر. فأشار أن ينظم كل واحد منهما أبياتا على الوزن والروى فنظم ابن الخيمى:
(31/138)

لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... جنوا علىّ، ولما أن جنوا عتبوا
يا قوم «1» هم أخذوا قلبى فلم سخطوا ... وانهم غصبوا عيشى هام غضبوا
هم العريب بنجد مذ عرفتهم ... لم يبق لى معهم مال ولا نسب
شاكون للحرب لكن من قدودهم ... وفاترات اللحاظ السمر والقضب
فما ألموابحى «2» أو ألم «3» بهم ... إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا
عهدت فى دمن «4» البطحاء عهد هوى ... إليهم وتمادت «5» بيننا حقب
فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا ... لكن لغيرى ذاك العهد قد نسبوا
من منصفى من لطيف فيهم غنج ... لدن القوام لاسرائيل ينتسب «6»
مبدل القول ظلما لا يفى بموا ... عيد الوصال ومنه الذنب والغضب
فى لثغة الراء منه صدق نسبته ... والمّن منه برور الوعد والكذب
موحد فيرى كل الوجود له ... ملكا ويبطل ما يقضى به النسب
فعن عجائبه حدث ولا حرج ... ما ينتهى فى المليح المطلق العجب
بدر ولكن هلالا لاح اذهو ... بالوردىّ «7» من شفق الخدين منتقب
فى كاس مبسمه من حلو ريقته ... خمر ودر ثناياه بها حبب
(31/139)

فلفظه أبدا سكران «1» يسمعنا ... من معرب اللحن ما ينسى له الأدب
تجنى «2» لواحظه فينا ومنطقه ... جنايه يجتنى من مرّها الضرب
قد أظهر السحر «3» فى أجفانه سقما ... البرء منه إذا ما شاء والعطب
حلو الأحاديث وألفاظ ساحرها ... تلقى «4» إذا نطق الألواح والكتب
لم يبق منطقه قولا يروق لنا ... لقد شكت ظلمه الأشعار والخطب
فداؤه «5» ما جرى فى الدمع من مهج «6» ... وما جرى فى سبيل الحب محتسب
ويح المتيم شام بارق من أضم ... فهزه كاهتزاز البارق الحرب
واسكن البرق من وجد ومن كلف ... فى قلبه فهو فى أحشائه لهب
فكلما لاح منه بارق بعثت ... قطر المدامع من أجفانه سحب
وما أعادت نسيمات الغوير له ... أخبار ذى الأثل إلا هزهّ الطرب
واها له أعرض الأحباب عنه وما ... أجدت وسائله الحسنى ولا القرب
ونظم الشيخ نجم الدين محمد بن اسرائيل [رحمه الله تعالى «7» ] .
لم يقض من حبكم بعض الذى يجب ... قلب متى ما جرى تذكاركم يجب
(31/140)

ولى، وفىّ لرسم الدار بعدكم ... دمع متى جاد ضنت «1» بالحيا السحب
أحبابنا والمنى تدنى مزاركم «2» ... وربما حال من دون المنى الأدب «3»
ما رابكم من حياتى بعد بعدكم ... وليس لى فى حياة بعدكم أدب
قاطعتمونى فأحزانى مواصلة ... وحلتم «4» فحلالى فيكم التعب
[رحتم بقلبى وما كادت لتسلبه ... لولا قدودكم الخطّية السلب «5» ]
يا بارقا ببراق «6» الحزن لاح لنا ... أأنت أم أسلمت أقمارها النقب
ويا نسيما سرى والعطر يصحبه ... أجزت «7» حين مشين الخرد «8» العرب
أقسمت بالمقسمات الزّهر يحجبها»
سمر العوالى والهندية القضب
لكدت تشبه يرقا من ثغورهم ... مادر «10» دمعى لولا الظلم والشنب
وجيرة جار فينا حكم معتدل ... منهم ولم يعتبوا لكنهم عتبوا
(31/141)

ما حيلتى قربونى من محبتهم ... وحال دونهم التقريب والخبب «1»
وعرضتا على الشيخ شرف الدين بن الفارض. فأنشد مخاطبا لابن اسرائيل عجز بيت من أبيات ابن الخيمى:
لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وحكم بالقصيدة لابن الخيمى. واستحسن بعض من حضر المجلس من الأدباء أبيات ابن اسرائيل، وقال: من ينظم مثل هذه الأبيات، ما الحامل له على ادعاء ما ليس له؟. فقال ابن الخيمى: هذه سرقة عادة، لا سرقة حاجة.
وانفصل المجلس. وفارق الشيخ نجم الدين بن إسرائيل من وقته الديار المصرية، وتوجه إلى الشام. ولما بلغت هذه الواقعة القاضى شمس الدين أحمد بن خلكان وهو إذ ذاك يتولى نيابة الحكم بالقاهرة، خلافة عن قاضى القضاة بدر الدين السنجارى، رحمهما الله تعالى، أرسل إلى الشيخ شهاب الدين ابن الخيمى، يطلب منه الأبيات التى نظمها، وادعاها ابن اسرائيل، فذيلها بأبيات وهى:
إن كان يرضيهم إبعاد عبدهم ... فالعبد منهم بذاك البعد مقترب
والهجر إن كان يرضيهم بلا صبب ... فإنه من لذيذ الوصل محتسب
وإن هم احتجبوا عنى فإن لهم ... فى القلب مشهور حسن ليس يحتجب
(31/142)

قد نزه «1» اللطف والإشراق بهجته ... عن أن تمنعها «2» الأصتار والحجب
لا ينتهى نظرى منهم إلى رتب ... فى الحسن إلا ولاحت فوقها رتب
وكلما لاح معنى من جمالهم ... لبّاه شوق إلى معناه منتسب
أظل «3» دهرى ولى من حبهم طرب ... ومن أليم اشتياقى نحوهم حرب
فالقلب يا صاح منى بين ذاك وذا ... قلب لمعروف شمس الدين منتهت
إن الحديث شجون فاستمع عجبا ... حديث ذا الحبر «4» حسنا كله عجب
وشرع فى مدحه وذكر أوصافه. إلى نهاية سبعة وثلاثين بيتا، تركنا ايراد بقيتها اختصارا «5» . وشعره، رحمه الله تعالى، كثير جيد مشهور. فلنرجع إلى سياق أخبار الدولة المنصورية.
(31/143)

واستهلت سنة ست وثمانين وستمائة [686- 1287]
فى هذه السنة، تسلم الأمير حسام الدين طرنطاى صهيون، وعاود الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الطاعة «1» . وقد تقدم ذكر ذلك.
وفيها، كانت غزوة النوبة الأولى. وقد تقدم ذكرها.
ذكر تفويض قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى برهان الدين السنجارى، ونقلة القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام ووفاة السنجارى، وإضافة قضاء القاهرة للقاضى تقى الدين ابن بنت الأعز
كان سبب هذه الولايات ما قدمناه، من وفاة قاضى القضاة بدمشق، بهاء الدين بن الزكى، فى حادى عشر ذى الحجة، سنة خمس وثمانين. فلما اتصل خبر وفاته بالسلطان، رسم بتعيين قاض للشام. فعين قاضى القضاة شهاب الدين الخويى «2» لذلك، فيما بلغنى، القاضى شرف الدين إبراهيم «3» بن عتيق، وكان إذ
(31/145)

ذاك ينوب عنه، وأحضره لذلك. وسعى قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز، أن ينقل القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام، ويستقل هو بقضاء المدينتين والعملين، فنتج سعيه الآن فى أخذ الطرفين. وذلك أن القاضى شهاب الدين الخويى، طلع فى يوم الأحد، خامس عشر المحرم، من هذه السنة، إلى قلعة الجبل، وصحبته القاضى شرف الدين بن عتيق، الذى عينه لقضاء الشام.
وحضر قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز المجلس، وطلب [السلطان] «1» قاضى القضاة برهان الدين الخضر السنجارى، فخلع عليه، وقوض له قضاء القاهرة والوجه البحرى ونقل القاضى شهاب الدين الخويى إلى قضاء الشام، فتوجه إلى دمشق، فى ثالث عشر صفر، ووصل إليها فى يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول. وأما القاضى برهان الدين، فإنه جلس للحكم بالقاهرة بالمدرسة المنصورية. وتقدم فى الجلوس بدار العدل، على قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز، فتألم لذلك، وندم على سعيه فى نقلة القاضى شهاب الدين الخويى إلى الشام، وسعى أن يتوفر من حضور دار العدل.
فبينما هو فى ذلك، توفى قاضى القضاة برهان الدين السنجارى. وكانت وفاته فى تاسع صفر من السنة، بالمدرسة المعزّية بمصر، ودفن بتربة أخيه بدر الدين بالقرافة. فكانت مدة ولايته أربعة وعشرين يوما، ومولده فى سنة ست عشرة وستمائة. ولما مات، فوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى لقاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز.
وخلع عليه، وجمع له القضاء بالمدينتين والعملين. وبلغنى أنه صلى على القاضى برهان الدين، وعليه خلعة القضاء «2» .
(31/146)

ذكر خبر واقعة ناصر الدين بن المقدسى واعيان دمشق، ومصادرة أكابر دمشق، وتوكيل ناصر الدين بن المقدسى عن السلطان
وفى هذه السنة، وصل ناصر الدين محمد ابن الشيخ عبد الرحمن المقدسى، إلى الأبواب السلطانية. وكان قد حضر، ليرفع «1» على قاضى القضاة بهاء الدين ابن الزكى أمورا. فاتفقت وفاة قاضى القضاة كما تقدم، فبطل عليه ما دبره من أمره، فعدل عن ذلك إلى غيره. واجتمع بالأمير علم الدين [سنجر «2» ] الشجاعى، وزير الدولة، وتحدث معه فى أمر بنت «3» الملك الأشرف موسى ابن السلطان الملك العادل، وأنها أباعث أملاكها بدمشق، وأنه ثبت أنّها حالة البيع كانت سفيهة، وقد حجر عليها عمها الملك الصالح، عماد الدين إسماعيل، ويستعيد الاملاك ممن ابتاعها، ويرجع عليهم بما تسلموه من الريع، فى المدة الماضية، ويشترى هذه الأملاك للخاص «4» السلطانى، فأجابه إلى ذلك.
وكتب يطلب سيف الدين أحمد السامرى من دمشق، وكان قد ابتاع منها
(31/147)

حرزما «1» . فحضر فى شهر رمضان، والسلطان إذ ذاك بغزة، فسيره إلى الديار المصرية. فطلب منه ابتياع حرزما، فادعى أنه وقفها من مدة. فعند ذلك، سطر محضر، يتضمن ابنة الملك الأشرف، كانت فى مدة كذا وكذا سفيهة، وذلك فى زمن البيع. ولم تزل مستمرة السفه، إلى تاريخ كذا وكذا. ثم صلحت واستحقت رفع الحجر عنها من مدة كذا وكذا. ولفّق بينة شهدت بذلك، وثبت على أخذ قضاء القضاة بالديار المصرية، وقد شاهدت «2» أنا هذا المحضر.
ولما ثبت ذلك فى وجه سيف الدين السامرى، بطل البيع من أصله. ثم طولب «3» بما تحصل «4» له من الريع، لمدة عشرين سنة، وكان مائتى ألف درهم وعشرة آلاف درهم، بعد الاعتداد له، بنظير الثمن الذى دفعه. فاشترى منه سبعة عشر مهما، من قرية الزنبقية، بسبعين ألف درهم، وحمل مائة ألف وأربعين ألف درهم. وقوض السلطان وكالته، لناصر الدين المقدسى المذكور، فشرع فى أذى أهل دمشق وأعيانها، فطلب جماعة منهم، فى سنة سبع وثمانين، وهم الصدر عز الدين حمزة بن القلانسى، والصدر نصير الدين بن سويد، وشمس الدين ولد جمال الدين بن يمن، وجمال الدين بن صصرى. وطلب أيضا قاضى القضاة حسام الدين الحنفى، والصاحب تقى الدين توبة، وشمس الدين ابن غانم، فصودر هؤلاء. فأخذ من الصدر عز الدين بن القلانسى، فيما قيل،
(31/148)

مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم، ومن جمال الدين بن صصرى، ثلاثمائة ألف درهم، قيمة ملك ودراهم. وحمل [من «1» ] نصير الدين ثلاثون ألف درهم، ومن ابن يمن، عن قيمة أملاك، مائة ألف درهم وتسعون «2» ألف درهم، ومن شمس الدين بن غانم خمسة آلاف درهم؛ ومن قاضى القضاة حسام الدين ثلاثة آلاف درهم. واعتذر أكابر الدماشقة، أنهم حضروا على خيل البريد، وأن أموالهم وموجودهم بدمشق، وسألوا أن يقرر عليهم ما يحملونه. فطلب الأمير علم الدين [سنجر الشجاعى وزير الديار المصرية «3» ] ، جماعة من تجار الكارم «4» ، وأمرهم أن يقرضوا الدماشقة مالا يحملونه، ففعلوا ذلك. وكتب عليهم الحجج، وأعيدوا إلى دمشق، وقاموا بالمبلغ لأربابه. وإنما فعل الأمير علم الدين الشجاعى ذلك، خشية أنهم إذا توجهوا إلى دمشق، استشفعوا فيسامحوا.
فأراد أن يكون ذلك فى ذمتهم، لغير بيت المال. ثم عاد الدماشقة إلى دمشق، وولى جمال الدين بن صصرى نظر الدواوين بدمشق، وذلك فى سنة سبع وثمانين وستمائة.
(31/149)

وفى سنة ست وثمانين وستمائة أيضا، توجه السلطان إلى جهة الشام، واستقل ركابه من قلعة الجبل، فى يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب، ووصل إلى غزة، وأقام بتل العجول، ثم عاد إلى قلعة الجبل. وكان وصوله إليها، فى يوم الاثنين ثالث عشرين، شوال من السنة.
وفيها، فى تاسع عشر محرم، كانت وفاة علاء الدين ابن الملك الناصر، صاحب الشام، الذى كان فى الاعتقال. وكان قد اعتقل، فى أوائل الدولة المنصورية، فى سابع عشر رمضان، سنة ثمان وسبعين وستمائة. وكان قد حصل له مرض المالنخوليا. فلما اشتد به، قتل نفسه. ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وفيها، فى ليلة السبت، الثامن والعشرين، من شهر المحرم، توفى الشيخ الإمام، قطب الدين أبو بكر، محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن عبد الله ابن أحمد بن ميمون القيسى الشاطبى، المعروف بابن القسطلانى، بالمدرسة الكاملية، دار الحديث بالقاهرة، وهو مدرسها، ودفن من الغد، بالقرافة الصغرى. وكانت جنازته مشهورة، رحمه الله تعالى «1» .
وفيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قجقار «2» المنصورى، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية. وكان السلطان قد رباه فى صغره، كالولد، رحمه الله تعالى.
(31/150)

وفيها، كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الباشقردى الصالحى بالقاهرة، فى ليلة الثلاثاء، تاسع عشر، شهر رمضان، ودفن بالقرافة. وكان من أكابر الأمراء المقدمين بالديار المصرية. وتولى نيابة السلطنة بحلب «1» كما تقدم، وعزل بالأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى.
(31/151)

واستهلت سنة سبع وثمانين وستمائة [687- 1288]
ذكر عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعى عن الوزارة ومصادرته، وتفويض الوزارة لقاضى القضاة، تقى الدين ثم إلى الأمير بدر الدين بيدرا
وفى هذه السنة، فى يوم الخميس، ثانى عشر شهر ربيع الأول، عزل السلطان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، عن الوزارة، وصادره وأخذ أمواله. وكان سبب ذلك، أن النجيب المعروف بكاتب بكجرى، أحد مستوفى «1» الدولة، برزله، وانتدب لمرافعته، بموافقة تقى الدين بن الجوجرى، ناظر «2» الدواوين ومباطنته «3» له، وحاققه «4» بين يدى السلطان. وكان من جملة ما حاققه «5» عليه، وأغرى السلطان به، أنه قال للسلطان بحضوره، إنه أباع جملة من الرماح والسلاح، الذى كان فى الذخائر السلطانية للفرنج. فاعترف الأمير علم الدين بذلك. وقال نعم أنا بعته بالغبطة «6» الوافرة، والمصلحة الظاهرة. فالغبطة أنى
(31/153)

أبعتهم من الرماح والسلاح، ما عتق وفسد، وقلّ الانتفاع به، وبعته بأضعاف قيمته. والمصلحة، ليعلم الفرنج أنا نبيعهم السلاح هوانا بهم، واستحقارا لأمرهم، وعدم مبالاة بهم. فكاد السلطان يصغى إلى ذلك. فأجابه النجيب عن ذلك، بأن قال له يا مكثل «1» ، الذى خفى عنك أعظم مما لمحت هذا الكلام، الذى صورته أنت بخاطرك، وأعددته جوابا. وإنما الفرنج والأعداء لا يحملون بيع السلاح لهم، على ما ظننت أنت وزعمت. وإنما الذى يشيعونه بينهم وينقله الأعداء إلى أمثالهم، أن يقولوا، قد احتاج صاحب مصر، حتى باع سلاحه لأعدائه، أو ما هذا معناه من الكلام. فعند ذلك أحتد السلطان عليه، غاية الاحتداد، وأشتد غضبه، وأمر بمصادرة الأمير علم الدين، على جملة كثيرة من الذهب، والزمه أن لا يبيع فيما طلب منه، شيئا من خيله وسلاحه ولا [من «2» ] عدة الإمرة ورختها «3» ، وأنه لا يحمل المطلوب منه إلا عينا، قفعل ذلك. وبلغ السلطان، أن الأمير علم الدين، قد ظلم الناس وصادرهم، وأن فى اعتقاله جماعة كثيرة، قد مرّ عليهم شهور وسنون، وباعوا موجودهم، وصرفوه فى أجرة المترسمين «4» عليهم.
(31/154)

واحتاج بعضهم إلى أن استعطى من الناس بالأوراق «1» . فرسم السلطان للأمير بهاء الدين بعدى «2» الدوادار، أن يكشف أمر المصادرين، ويطالع السلطان به. فخرج إليهم وسألهم، فذكروا ما هم فيه من الضرورة والفاقة، فأعلم السلطان بخبرهم. فرسم «3» للأمير حسام الدين طرنطاى بالكشف عنهم، فأفرج عن جميعهم. ثم أفرج عن الأمير علم الدين فى يوم الأربعاء، تاسع شهر ربيع الآخر من السنة.
ولما عزل السلطان الأمير علم الدين عن الوزارة، فوضها «4» السلطان للأمير بدر الدين بيدرا، فى يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول فى السنة. ثم فوضت الوزارة لقاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، فى يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الآخر، مضافة إلى ما بيده من قضاء القضاة، ونظر الخزائن.
ولم يترك نظر الخزانة، فربما جلس فى اليوم الواحد فى دست الوزارة، ومجلس الحكم، وديوان الخزانة. واستمر على ذلك مدة يسيرة، ولم يوف منصب الوزارة حقه العادى، لتمسكه بظاهر الشرع الشريف. ثم توفر من الوزارة، وفوضت للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى، وكان أمير مجلس السلطان، ثم نقل إلى الاستادارية، ثم إلى الوزارة، واستقر كذلك إلى آخر الدولة المنصورية.
(31/155)

وفيها، فى ليلة يسفر «1» صباحها عن يوم الاثنين سادس عشر ربيع الأول، وقع الحريق، فى خزائن السلاح والمشهد الحسينى بالقاهرة، ثم طفىء.
وفيها، بنى السلطان الملك المنصور بابنة «2» الأمير شمس الدين سنقر التكريتى «3» الظاهرى، وأفرج عن والدها من الاعتقال، وأمرّه بالشام. ثم فارقها السلطان، فقيل فى سبب فراقه لها، إن والدها زوج أختها من أحد مماليكه، فكره السلطان، وأنف منه، وفارقها بسببه. وقيل، بل تعاطت نوعا من الكبر وأقامت لها من الجوارى سلاح دارية وجمدارية وسقاة «4» وغيرهن، مما يتعلق «5» بالسلطنة، ففارقها السلطان لذلك. ولما انقضت عدّتها، أمر السلطان أن تزوج لأردى أولاد الأمراء سيرة، نكاية لها. فكشف عن سير أولاد الأمراء ممن اشتهر بسوء السيرة، فوقع الأتفاق على جمال الدين يوسف بن سنقر الألفى، فزوجت منه.
وفى هذه السنة، ولى القاضى بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن جماعة الشافعى الكنانى، قضاء القدس الشريف، والخطابة [به «6» ] . وتوجه من دمشق، فى رابع شوال، ووصل إلى القدس فى يوم الاثنين حادى عشر الشهر. وولى الخطابة بالقدس، بعد وفاة الشيخ قطب الدين أبى الذكاء عبد المنعم
(31/156)

ابن يحيى بن إبراهيم القرشى. وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، بالقدس الشريف فى يوم الجمعة، سابع عشر شهر رمضان، من هذه السنة «1» .
وولى بعد القاضى بدر الدين، تدريس المدرسة القيمرية، القاضى علاء الدين أحمد ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز. وجلس لإلقاء الدرس بها، فى يوم الأحد تاسع عشر شوال.
وفيها، فى شهر رمضان، فوضى نظر الحسبة بدمشق للصدر شمس الدين ابن السلعوس. ووصل توقيعه بذلك من الأبواب السلطانية، عوضا عن شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرحى «2» . وكان ابن الشيرحى قدوليها، فى جمادى الآخرة من السنة.
وفيها، فوض قضاء المالكية بدمشق، لقاضى القضاة جمال الدين الزواوى «3»
ذكر توجه ناصر الدين بن المقدسى [إلى دمشق «4» ] ، وما فوض إليه من مناصبها، وما اعتمده
فى هذه السنة، توجه ناصر الدين بن المقدسى، من الأبواب السلطانية، إلى دمشق. وقد فوض له السلطان الملك المنصور وكالته «5» ، ونظر الأوقاف
(31/157)

بدمشق والشام أجمع. ومن جملة ذلك، نظر الجامع الأموى، والبيمارستانات الثلاثة، ونظر الأشراف والأسرى، والأيتام والصدقات، والأسوار والخوانق والربط وغير ذلك. وحضر صحبته مشدان، من الأبواب السلطانية، وهما بدر الدين القشتمرى، وصارم الدين الأيدمرى. فتردد الناس إلى خدمته، وخافوا شره. ولزم أرباب السعايات والمرافعات بابه. وشرع يتتبع الناس فيما ابتاعوه من الأملاك، وقصد إثبات سفه من أباع، وأن يسلك فى ذلك، الطريق الذى سلكه فى أمر ابنة الملك الأشرف «1» . فامتنع القضاة بدمشق، من موافقته على ذلك، وعضدهم الأمير حسام الدين نائب السلطنة. فمنع ناصر الدين القضاة الجامكية المرتبة لهم على مصالح الجامع الأموى. فلم يردهم ذلك إلا امتناعا من موافقته على أغراضه. وشرع فى عمارة الأملاك السلطانية، واستجد حوانيتا على جسر باب الفراديس من الجانبين. وأصلح الجسر، قبل عمارة الحوانيت. ثم أصلح باب الجابية «2» الشمالى، وكان مستقلا فهدمه وعمره. ولم يكن له حسنة، غير إصلاح هذين الجسرين والباب، ومساطب الشهود بباب الجامع «3» .
وفى هذه السنة، فى شهر رمضان المعظم، كبس بدر بن النفيس «4» النصرانى الكاتب بدمشق، وعنده إمرأة مسلمة، وهم يشربون الخمر. فطولع الأمير حسام الدين نائب السلطنة بدمشق بذلك. فأمر أن يحرق النصرانى، فبذل فى نفسه جملة من المال، وسأل مخدومه الأمير سيف الدين كجكن فى أمره،
(31/158)

فلم يجب نائب السلطنة إلى إبقائه. وأضرمت له نار بسوق الخيل، وألقى فيها.
وأما المرأة، فقطع بعض أنفها، وشفع فيها فأطلقت.
وفى هذه السنة، فى مستهل رجب، توفيت الست «1» غازية خاتون زوجة الملك السعيد، ودفنت عند والدتها، بالقبة الصالحية، بجوار مشهد السيدة نفيسة، بظاهر القاهرة.
ذكر وفاة الملك الصالح وتفويض ولاية العهد إلى الملك الأشرف
فى هذه السنة، فى يوم الجمعة رابع شعبان، توفى الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور، وكانت علته «2» دوسنطاريا كبدية. وصلى عليه بالقلعة، قاضى القضاة، تقى الدين ابن بنت الأعز، وصلّى خلفه والده السلطان الملك المنصور، وأخوه الملك الأشرف، وصلى عليه خارج القلعة، قاضى القضاة معز الدين الحنفى. ودفن بتربته المجاورة لمشهد السيدة نفيسة. وحصل لوالده السلطان عليه من الآلم، مالا مزيد عليه. وخلف ولدا واحدا، من زوجته منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وهو الأمير مظفر الدين موسى، وله أخبار، ترد إن شاء الله تعالى «3» .
(31/159)

ولما مات الملك الصالح، فوض السلطان ولاية «1» العهد بعده، لولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وركب بشعار السلطنة، فى حادى عشر شعبان من قلعة الجبل، إلى باب النصر. وشق المدينة، وخرج من باب زويلة، وعاد إلى القلعة، والأمراء فى خدمته. وكتب بذلك إلى الشام، وسائر البلاد، وخطب له بولاية العهد، بعد أبيه على عادة أخيه الملك الصالح. وكتب تقليده فتوقف السلطان على الكتابة عليه. وسنذكر ذلك، إن شاء الله تعالى، فى أخبار الملك الأشرف «2» .
وفى هذه السنة، توفى الأمير بدر الدين الأيدمرى الصالحى، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين، خامس المحرم. وتوفى الأمير فخر الدين اياز «3» ، المعروف بالمعزى «4» الحاجب، فى ليلة يسفر صباحها، عن يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول، وذلك عقيب عوده من الحجاز. وكان رحمه الله تعالى، من حسنات الدهر. وكانت الملوك تعتمد عليه فى المهمات الجليلة. وتوفى الأمير سيف الدين بلبان العلائى الصالحى النجمى، المعروف بقول الله كريم الدين، رحمه الله تعالى، فى يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الآخرة منها، ودفن بتربته بالقرافة الصغرى. وهو خوشداش السلطان الملك المنصور، وسنقر الأشقر
(31/160)

وغيرهما، كانوا كلهم مماليك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقى العادلى. وكان السلطان يرعى له حق الخوشداشية ويكرمه. ويزوره إذا مرض فى منزله، رحمه الله تعالى «1» .
وفيها، توفى القاضى الخطيب، فخر الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن السكرى. وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العز بمصر، فى رابع عشرين شوال. ومولده فى سنة أربع وستمائة؛ رحمه «2» الله تعالى.
(31/161)

واستهلت سنة ثمان وثمانين وستمائة [688- 1289]
فى هذه السنة، فى المحرم، توجه السلطان إلى الشام، وافتتح طرابلس، وقد ذكرنا ذلك فى الفتوحات.
ولما افتتح السلطان طرابلس، جهّز الأمير حسام الدين طرنطاى، إلى المملكة الحلبية، بطائفة من العسكر. وكان قد وصل إلى «1» [السلطان «2» ] ، وهو بطرابلس، رسل صاحب سيس، يسألون مراحم «3» السلطان، ويطلبون مراضيه.
فطلب منهم السلطان تسليم مرعش، وبهسنا والقيام بالقطيعة «4» على العادة، وخلع عليهم وأعادهم. ورحل عن طرابلس ونزل على حمص، وأقام بها أيّاما.
فعادت رسل سيس بهدية كثيرة، واعتذارات عن تسليم مرعش وبهسنا، وبذل جملة كثيرة من المال فى كل سنة. فرحل السلطان عن حمص، ودخل إلى دمشق، فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى.
ذكر ما اتفق بدمشق من المصادرات
كان السلطان قد استصحب [معه «5» ] فى هذه السفرة، الأمير علم الدين
(31/163)

سنجر الشجاعى، بعد عزله من الوزارة. فلما عاد إلى دمشق من طرابلس، أمره أن يتحدث فى تحصيل الأموال بدمشق، ومكّنه من ذلك، فأوقع الحوطة، على الصاحب تقى الدين توبة. فوجد له أخشابا «1» كثيرة وبضائع وسكّرا، فطرح ذلك على أهل دمشق، بأضعاف قيمته. فكان يحفظ لمن يطرح عليه منه الربع فمادونه. فحصل من ذلك تقدير خمسمائة ألف درهم. وكان غرضه بذلك، أن يطلع السلطان، على أن تقى الدين توبة قد حصل الأموال الكثيرة، لعداوة كانت بينهما. ثم شرع فى مصادرات الناس، فهرب أكثر الدماشقة إلى القرى والضياع، واختفوا منه. وطلب نجم الدين عباس الجوهرى، بسبب ضيعة كان قد اشتراها من ابنة الملك الأشرف، بالبقاع العزيز، فطولب بما أخذه من ريعها، فكان خمسمائة ألف درهم، فحمل جوهرا، قوّم له، بثمانين ألف درهم. فشدّد عليه الطلب، فجاء إلى مدرسته التى أنشأها بدمشق، وحفر فى دهليزها، وأخرج خونجاه «2» ذهب، مرصعة بالجوهر، وعليها فرقة «3» مرصعة، فقوم ذلك بأربعمائة ألف درهم، وسبك الذهب، وكان سبعة آلاف دينار، ونقل الجوهر إلى الخزانة.
وأظهر السلطان للأمراء، أن إقامته بدمشق، لانتظار الأمير حسام الدين طرنطاى، فوصل فى سابع عشر شهر رجب. وتلقاه السلطان بالعساكر، وأقام بدمشق، إلى يوم الخميس ثانى شعبان. فتوجه فى هذا اليوم إلى الديار المصرية،
(31/164)

بعد أن حصل الإحجاف بأهل دمشق، واستصحب تقى الدين توبة مقيّدا.
فلما وصل إلى حمراء بيسان «1» ، مرّ عليه الأمير حسام الدين طرنطاى، والأمير زين الدين كتبغا، وهو بالزردخاناة، فسبهما أقبح سب، وكانت هذه عادته، وذكر ما فعل به، وهما يضحكان من سبه لهما. فتوجها إلى السلطان، وسألاه فى أمره، وضمناه فأفرج عنه. وأخذاه عندهما. فتألم الأمير علم الدين الشجاعى لذلك ألما شديدا. وكان قد كتب إلى نابلس والقدس وبلد الخليل والبلاد الساحلية، يطلب الولاة والمباشرين، وأن يجهزوا إلى غزة. فلما حصل الإفراج عن تقى الدين توبة، غضب الشجاعى وأظهر حردا. وامتنع من الحديث [فى المصادرين «2» ] ، فكان ذلك من الألطاف بمن طلب. ووصل السلطان إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء.
وفى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء [ثا «3» ] من عشرى «4» شعبان، وقت الظهر توفى بدمشق الملك المنصور شهاب الدين محمود ابن الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل.
وفيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين الكبكى بالقدس الشريف، فى شهر رمضان، رحمه الله تعالى.
(31/165)

واستهلت سنة تسع وثمانين وستمائة [689- 1290]
فى هذه السنة، فى أولها توجه الأمير حسام الدين طرنطاى، ومعه جماعة من الأمراء والعساكر، إلى الوجه القبلى. فوصل إلى منزلة طوخ دمنوا «1» ، قبالة مدينة قوص. وتصيّد فى هذه السفرة، ومهد البلاد، وقتل جمامة من العربان، وحرق بعضهم بالنار، وأخذ خيولهم وسلاحهم ورهائن أكابرهم، وعاد إلى قلعة الجبل.
وفيها، فى شهر ربيع الأول، استدعى السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، من دمشق، على خيل البريد. فلما وصل إلى بابه أكرمه، وقال له: اعلم أننى ما اشترتيك، وأمرتك، ووليتك شاد الدواوين بالشام، إلّا ظنا منى، أنك تنصحنى وتحصل أموالى، وتنهض فى مصالح دولتى، فالتزم بتحصيل الأموال. فخلع عليه، وفوّض له، مضافا إلى شدّ الشام، الحصون بسائر الممالك الشامية والساحل، وديوان الجيش. فعاد إلى الشام، وكان وصوله
(31/167)

إلى دمشق، فى يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الآخر، وتعاظم فى نفسه وكثر تجبرّه «1» .
وفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين جرمك «2» الناصرى، وذلك فى جمادى الأولى.
وفيها، جهز السلطان الأمير سيف الدين التقوى، إلى طرابلس، واستخدم معه ستمائة فارس بطرابلس. وهو أول جيش استخدم بها. وكان الجيش قبل ذلك بالحصون.
ذكر ايقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسى وشنقه
وفى هذه السنة، فى جمادى الآخرة، برز أمر السلطان بالكشف على ناصر الدين بن المقدسى وكيله بالشام. فورد المرسوم إلى دمشق، فى ثانى عشرين الشهر، فكشف عليه، فظهرت له مخازى كثيرة. وسر الناس بذلك، فرسم عليه، وطولع السلطان بما ظهر عليه. فورد الجواب، فى يوم الجمعة، تاسع عشر شهر رجب، أن يستخرج منه، ما التمسه، فطولب بذلك، وضرب بالمقارع، فى يوم ورود المرسوم. وشرع فى بيع موجوده، وحمل ثمنه، واستمر كذلك، وهو بالمدرسة العذراوية فى الترسيم، إلى يوم الخميس ثانى شعبان. فورد المرسوم السلطانى، يطلبه إلى الأبواب السلطانية. فلما اجتمع الناس، بكرة نهار الجمعة،
(31/168)

دخلوا عليه، فوجدوه قد شنق. فحضر أولياء الأمر والقضاة والشهود، وشاهده على تلك الصورة، وكتبوا محضرا بذلك. ودفن، واستراح الناس من شره.
وفى هذه السنة، رسم السلطان لنائب السلطنة «1» بالشام، والأمير شمس الدين الأعسر، لعمل مجانيق، وتجهيز زرد خاناة، لحصار عكا. فتوجه الأمير شمس الدين الأعسر، إلى وادى مريين «2» ، وهو بين جبال عكار وبعلبك، وفيه من الأخشاب وأعواد المجانيق، أشياء كثيرة «3» لا يمكن أن يوجد مثلها فى غيره. وأخبرنى «4» جماعة أثق بأخبارهم، فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وأنا يوم ذاك، بالقرب من هذا الوادى، أن به عودا قائما طوله أحد وعشرون ذراعا، بذراع العمل، ودوره كذلك، وأنهم حققوا ذلك، بأن صعد رجل إلى أعلاه، ودلّى حبلا إلى الأرض، من أعلاه، وأداروا الحبل عليه، فجاء سواء، لا يزيد ولا ينقص.
فتوجه الأمير شمس الدين إلى هذا الوادى، وقرر على ضياع المرج «5» والغوطة بدمشق مال، من ألفى درهم إلى خمسمائة درهم، كلّ ضيعة بحسب متحصلها، لأجرة جر أعواد المجانيق، وكذلك ضياع بعلبك والبقاع. وجى «6» المال، ونال أهل بعلبك والبقاع شدة عظيمة، بسبب ذلك. وبينا الأمير شمس الدين بالوادى
(31/169)

المذكور، وهو مهتم فى قطع الأعواد وجرها، سقط عليه ثلج عظيم، فركب خيله، وخرج منه. وأعجله كثرة الثلج وترادفه، عن نقل أثقاله وخيامه، فتركها ونجا «1» بنفسه، ولم يلو على شىء. ولو تأخر بسببها، واشتغل بحملها هلك هو ومن معه، وارتدمت أثقاله بالثلوج، وبقيت تحتها إلى فصل الصيف، وتلف أكثرها «2» .
وفى هذه السنة أيضا، فوض السلطان تقدمة العسكر بغزة والأعمال الساحلية، إلى الأمير عز الدين أيبك الموصلى، عوضا عن الأمير شمس الدين أقسنقر كرتيه.
فتوجه إليها من دمشق، فى رابع شهر رجب.
وفيها، فى شعبان، اشتد الحر بحماه، حتى شوى اللحم على بلاط الجامع، على ما حكاه الشيخ شمس الدين الجزرى «3» فى تاريخه. ووقعت نار فى دار صاحب حماه فاحترقت، وأرسل الله ريحا واشتدت، فقويت النار واستمرت يومين وبعض الثالث، وما قدر أحد أن يتقدم إليها، فاحترقت الدار بما فيها، وكان صاحب حماه فى الصيد.
(31/170)

وفيها، فى شعبان، خرج مرسوم السلطان إلى الشام، أن لا يستخدم أحد من أهل الذمة، اليهود والنصارى، فى المباشرات الديوانية «1» ، فصرفوا منها.
وورد مثال «2» بالإفراج عن المعتقلين.
وفيها، ثار «3» جماعة من الفرنج بعكا، فقتلوا جماعة من تجار المسلمين بها، كانوا قدموا للمتجر، تمسكا بالهدنة، وذلك فى شعبان. فادعى أهل عكا، أن ذلك إنما فعله الفرنج الغرب، وأنه ليس برضاهم. فكان ذلك من أكبر الأسباب التى أوجبت أخذ عكا، على ما نذكره إن شاء الله تعالى «4» .
ذكر وفاة قاضى القضاة نجم الدين المقدسى الحنبلى وتفويض القضاء بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسى
وفى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء، ثانى عشر جمادى الأولى، توفى قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد ابن قاضى القضاة شمس الدين أبى محمد عبد الرحمن المقدسى، قاضى الحنابلة بدمشق. فعين [الأمير حسام الدين لاجين «5» ] نائب السلطنة ثلاثة، وكتب فى حقهم إلى السلطان، وهم الشيخ زين
(31/171)

الدين بن المنجا «1» ، والشيخ تقى الدين سليمان، والشيخ شرف الدين الحسن.
فورد المثال السلطانى، فى غرة جمادى الآخرة، لنائب السلطنة، أن يفوض القضاء بدمشق للقاضى شرف الدين الحسن ابن الخطيب شرف الدين أبى العباس أحمد بن أبى عمر بن قدامه المقدسى. ففوض إليه نائب السلطنة القضاء، حسب الأمر السلطانى. وكتب تقليده عن نائب السلطنة، وخلع عليه فى يوم الاثنين تاسع الشهر. وجلس بجامع دمشق، وحكم بين الناس، على عادة القضاة قبله.
وفيها، توفى الشيخ الإمام العالم، رشيد الدين أبو حفص عمر بن إسماعيل ابن مسعود الفارقى الشافعى. وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية بدمشق، فى يوم الأربعاء، رابع شهر المحرم، ودفن بمقابر الصوفية. ويقال إنه وجد مخنوقا «2» ، وكان من العلم والفضيلة بالمكان المشهور، وشهرته بذلك تغنى عن «3» وصف محاسنه، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى ليلة الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، توفى الطواشى شرف الدين مختص «4» الظاهرى، مقدم المماليك السلطانية، فى الدولة الظاهرية والسعيدية والمنصورية، ودفن من الغد بالقرافة. وكان مهيبا سلطا على المماليك السلطانية، مبسوط اليد فيهم، ذا حرمة وافرة، رحمه الله تعالى.
(31/172)

ذكر وفاة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون، رحمه الله
كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بمنزلة مسجد تبر «1» ، وهى المنزلة الأولى، وذلك فى العشر الأخير من شوال، فعلمت به علته إلى أن مات، رحمه الله تعالى، وحمل إلى قلعة الجبل ليلا، واستمر بها إلى آخر يوم الخميس غرة المحرم سنة تسعين وستمائة «2» . ففى هذا اليوم [قال] «3» : أرسل السلطان الملك الأشرف، إلى التربة المنصورية بالقاهرة جملة يصدق بها. فلما كان فى ليلة الجمعة المسفرة عن ثانى المحرم، نقل رحمه الله تعالى، من القلعة إلى تربته التى أنشأها بالقاهرة وأدخل من باب البرقية، وصلّى عليه بالجامع الازهر، ثم حمل منه إلى التربة.
ونزل قبره الأمير بدر الدين بيدرا، والأمير علم الدين سنجر الشجاعى. وفرق فى صبيحة ذلك اليوم، جملة من الذهب على القراء. وكانت مدة سلطنته إحدى عشرة سنه وشهرين وأربعة عشر يوما.
(31/173)

وخلّف من الورثة؛ أولاده الخمسة، وهم السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل، وهو الذى ملك بعده، والسلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد، وهو سلطان هذا العصر «1» ، والأمير أحمد- مات فى سلطنة أخيه الملك الأشرف- وابنتان، وهما دار مختار الجوهرى، واسمها التطمش، ودار عنبر الكمالى، وزوجته والدة السلطان الملك الناصر.
ذكر تسمية نواب السلطان الملك المنصور ووزرائه
ناب عن السلطان الملك المنصور، رحمه الله تعالى، بأبوابه الشريفة فى أول سلطنته، الأمير عز الدين ايبك الأفرم الصالحى، ثم استعفى كما تقدم. واستقر فى نيابة السلطنة، الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى، واستمر إلى أن كانت وفاة السلطان. وناب عن السلطان بدمشق، بعد استعادتها من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، المعروف بالصغير. وناب عن السلطنة بالمملكة الحلبية فى ابتداء الدولة، الأمير جمال الدين أقش الشمسى، إلى أن مات، ثم الأمير علم الدين سنجر الباشقردى إلى أن عزل، وولى الأمير شمس الدين قراسنقر الجو «2» كان دار المنصورى إلى آخر الدولة. وناب عن السلطنة بحصن الأكراد، الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، وبالكرك الأمير عز الدين أيبك
(31/174)

الموصلى، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الداوادارى «1» المنصورى. وناب عن السلطنة بالمملكة الصفدية فى ابتداء الدولة، الأمير علاء الدين الكبكى وغيره، وتقدم ذكرهم. وناب عن السلطنة بغزة وحمص، جماعة قد تقدم ذكرهم.
وأما الوزراء، فوزر للسلطان، رحمه الله تعالى، سنة [نفر «2» ] ، أربعة من [أرباب «3» ] الأقلام، وهم الصاحب برهان الدين الخضر «4» السنجارى مرة بعد أخرى، والصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان، والصاحب نجم الدين «5» حمزة بن محمد الأصفونى، وقاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وقد تقدم ذكر ولايتهم فى أثناء أخبار الدولة. ومن الأمراء [اثنان «6» ] الأمير علم الدين سنجرى الشجاعى، كان يتولى شد الدولة المنصورية وتدبيرها. فإذ شغرت «7» الوزارة من متعمم، جلس مكان الوزير، وكتب على عادة الوزراء، وولّى وعزل، واستخدم وصرف. ثم استقل بالوزارة، بعد وفاة الصاحب نجم الدين حمزة بن الأصفونى «8» . وكان فى وزارته وشده، كثير العسف والمصادرات، محصلا للأموال من وجوهها وغير وجوهها
(31/175)

شديدا على المباشرين. قد أوقع الرعب فى قلوبهم، حتى كرهه الخاص والعام، وتمنوا زوالى الدولة بسببه، واستمر فى الوزارة إلى أن عزل كما تقدم. وولى الأمير بدر الدين بيدرا المنصورى إلى آخر الدولة.
وولى القضاء فى الأيام المنصورية، بالديار المصرية والشامية، جماعة قد تقدم ذكرهم «1» .
وملك السلطان الملك المنصور، من المماليك الأتراك والمغل وغيرهم، ما لم يملكه ملك بالديار المصرية فى الإسلام قبله. فيقال إن عدتهم بلغت اثنى عشر ألفا، وتأمّر منهم فى الأيام المنصورية جماعة كثيرة. ومنهم من ناب عن السلطنة الشريفة فى الممالك الشامية والديار المصرية. ومنهم من استقل بالسلطنة وخطب له على المنابر، وضربت السكة باسمه، على ما نذكر ذلك فى مواضعه إن شاء الله تعالى. وبقايا المماليك المنصورية إلى الآن، هم أعيان الأمراء فى وقتنا هذا «2» .
ولما مات الملك المنصور، ملك بعده ولده الملك الأشرف.
(31/176)

ذكر أخبار السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحى وهو الثامن من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.
ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وما أضيف إلى ذلك من الممالك الإسلامية والأقطار الحجازية، بعد وفاة والده السلطان الملك المنصور رحمه الله تعالى.
وكان جلوسه على تخت السلطنة بقلعة الجبل المحروسة. فى يوم الأحد المبارك السابع من ذى القعدة، سنة تسع وثمانين وستمائة، ولم يختلف عليه اثنان. لأن الأمراء، أرباب الحل والعقد، ونواب السلطنة بسائر الممالك، مصرا وشاما، مماليك والده، ومن عداهم من الأمراء الصالحية، لم يظهر منهم إلا الموافقة والطاعة والانقياد، والمبادرة إلى الحلف. وقد تقدم «1» أن السلطان الملك المنصور كان قد جعل له ولاية العهد من بعده، بعد وفاة أخيه الملك الصالح علاء الدين على، وركّبه بشعار السلطنة، وتأخرت كتابة تقليده، وطلب ذلك مرة أخرى، والسلطان يتوقف فى الإذن بكتابة التقليد. ثم تحدث مع السلطان الملك المنصور فرسم بكتابته، فكتب- وقد شرحنا مضمونه فى الجزء الثامن من كتابنا هذا «2» - فلما قدم إلى السلطان، ليكتب عليه، توقف وأعاده «3» إلى القاضى فتح الدين ابن عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشاء، ولم يكتب عليه.
فأرسل الملك الأشرف إلى القاضى فتح الدين، يطلب التقليد، فاعتذر أنه
(31/177)

لم يقدمه للعلامة. وقدّمه ثانيا إلى السلطان، فردّه. وقال يا فتح الدين: أنا ما أولى خليلا على المسلمين. ثم أرسل الملك الأشرف يطلبه، فخشى [فتح الدين «1» ] أن يقول إن السلطان امتنع من الكتابة عليه؛ واعتذر أيضا. وخاطب السلطان فى معناه، وقدمه إليه، فرماه به. وقال: قد قلت لك أننى ما أولى خليلا على المسلمين. فأخذ التقليد بغير علامة، وخرج. واتفق فى خلال ذلك، خروج السلطان ووفاته.
فلما تسلطن الملك الأشرف، طلب فتح الدين بن عبد الظاهر، وقال له:
أبن تقليدى. فأقام وأحضره إليه، وهو بغير علامة السلطان، واعتذر أن السلطان الملك المنصور، شغلته الحركة والفكرة فى أمر العدو عن الكتابة عليه.
فقال له السلطان الملك الأشرف: يا فتح الدين، إن السلطان امتنع أن يعطينى، فأعطانى الله. ورمى له التقليد، فكان عنده بغير علامة. ثم عند ابنه المرحوم علاء الدين، إلى أن مات رحمه الله تعالى «2» .
قال بعض الشعراء يمدحه:
فداك «3» يا عادل يا منصف ... أرجى من الغيث الذى يوصف
أغنى عباد الله عن نيلهم ... فجودك البحر الذى يعرف
أطاعك الناس اختيارا وما ... أذلهم رمح ولا مرهف
(31/178)

كم ملكت مصر ملوك وكم ... جادوا وما جادوا ولا أسرفوا «1»
حتى أتى المنصور أنسى الورى ... بفعله سائر ما أسلفوا
ما قدموا مثل تقاه «2» ولا ... مثل الذى خلفه خلفوا
فته «3» على الأملاك فخرا بما ... نلت فأنت الملك الأشرف
قال «4» ، وخلع الملك الأشرف على سائر الأمراء وأرباب المناصب. ثم ركب بشعار السلطنة، فى يوم الجمعة بعد الصلاة، الثانى عشر من الشهر. وسيّر بالميدان الأسود؛ والأمراء والعساكر فى خدمته. وطلع إلى قلعة الجبل، قبل أذان العصر. ويقال إن الأمير حسام الدين طرنطاى، كان قد قصد اغتيال الملك الأشرف، فى يوم ركوبه، وأنه عزم على قتله عند ابتداء التسيير، إذا قرب من باب الإصطبل، وأن السلطان شعر بذلك. فلما سيّر السلطان أربعة ميادين «5» ، والأمير حسام الدين ومن وافقه عند باب سارية. فلما انتهى السلطان إلى رأس الميدان، وقرب من باب الإصطبل، وفى ظن الناس أنه يعطف إلى جهة باب سارية. ليكمل التسيير على العادة، عطف إلى جهة القلعة، وأسرع وعبر من
(31/179)

باب الإسطبل «1» . ولما عطف، ساق الأمير حسام الدين ومن معه. ملء «2» الفروج، ليدركه «3» . فما وصل إلى باب الإسطبل. إلا والسلطان قد دخل منه، وحف به مماليكه وخواصه، فبطل على طرنطاى ما دبره. وبادر السلطان بالقبض عليه.
ذكر القبص على الأمير حسام الدين طرنطاى وقتله وعلى الأمير زين الدين كتبغا واعتقاله
لما استقل السلطان الملك الأشرف فى السلطنة، وقف الأمير حسام الدين طرنطاى؛ بين يديه فى نيابة السلطنة، على عادته مع السلطان الملك المنصور أبيه «4» . وكان الملك الأشرف يكره الأمير حسام الدين طرنطاى أشد الكراهية لأمور:
منها ما كان يعامله به من الاطراح لجانبه، والغض منه، واهنة «5» نوابه، وأذى من ينسب إليه. ومنها ترجيح جانب أخيه، الملك الصالح على جانبه، والميل إليه. ولما مات الملك الصالح، وأنتقلت ولاية العهد بعده، إلى الملك الأشرف مال إليه من كان يميل عنه، وتقرب إلى خاطره من كان يجفوه «6» . ولم يزد ذلك
(31/180)

الأمير حسام الدين إلا تماديا فى الإعراض عنه، وجريا على عادته، فى أذى من ينتسب إليه. وأغرى السلطان الملك المنصور، بناظر الديوان الأشرفى، شمس الدين محمد بن للسلعوس، حتى ضربه وصرفه على ما نذكر ذلك، وعامله بمثل هذه المعاملة، والملك الأشرف لا يستطيع دفع ذلك، لتمكن الأمير حسام الدين، من السلطان الملك المنصور، ويكتم ما عنده منه، ويصبر «1» من ذلك، على ما لا يصبر «2» مثله على مثله.
فلما ملك السلطان الملك الأشرف، تحقق الأمير حسام الدين أنه يحقد عليه أفعاله، وأن خاطره لا يصفوله. فشرع فى إفساد نظامه سرّا، وإخراج الأمر عنه. وتحقق السلطان ذلك، ووشى به بعض من باطنه. فلما نزل السلطان من الركوب فى يوم الجمعة، الثانى عشر من ذى القعدة، استدعاه فدخل عليه، وهو يظن أن أحدا لا يجسر أن يقدم عليه، لمهابته فى القلوب، ومكانته من الدولة، وظن أن السلطان لا يبادره بالقبض عليه. ولما استدعاه [السلطان «3» ] ، نهاه الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، عن الدخول على السلطان وحذّره، وقال له: والله أخاف عليك منه، فلا تدخل عليه، إلا فى عصبة وجماعة، تعلم أنهم يمانعون عنك أن لو وقع أمر. وقال له:- فيما حكى لى «4» - والله لو كنت نائما، ما جسر «5» خليل ينبهنى. وقام ودخل على السلطان، فحمل زين الدين كتبغا
(31/181)

الإشفاق عليه، أن دخل معه. فلما صار طرنطاى بين يدى السلطان، وكان قد قرر مع الأمراء الخاصكية «1» القبض عليه، فبادروا إلى ذلك، وقبضوا على يديه، وأخذوا سيفه. فصرخ كتبغا، وجعل يقول: «إيش عمل، إيش عمل» ، يكرر ذلك. فأمر السلطان بالقبض على كتبغا، فقبض عليه واعتقل، ثم أفرج عنه بعد ذلك.
وأما طرنطاى، فإنه لما قبض عليه، أمر بقتله، فقتل. وقيل إنه عوقب بين يدى السلطان حتى مات. وقيل كانت وفاته فى ثامن عشر ذى القعدة، وبقى ثمانية أيام، بعد وفاته. ثم أخرج من القلعة، ليلة الجمعة سادس عشرين الشهر، وقد لفّ فى حصير، وحمل على جنوية «2» ، إلى زاوية الشيخ أبى السعود.
فغسله الشيخ عمر السعودى، وكفنه ودفنه، خارج الزاوية. وبقى كذلك، إلى أن ملك الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، فأمر بنقله إلى تربته التى أنشأها بالقاهرة، بمدرسته التى بجوار داره بخط المسطاح «3» .
(31/182)

ولما قبض السلطان عليه، ندب الأمير علم الدين سنجر الشجاعى لإيقاع الحوطة على «1» موجوده، واستصفاء أمواله، لما كان بينهما من العداوة. فنزل الشجاعى إلى دار طرنطاى التى بالقاهرة، وحمل ما فى خزانته وذخائره. وطلب ودائعه، ونبش مواضع من داره، وشعثها. وحمل من أمواله إلى الخزائن وبيت المال جملة عظيمة، يقال إن جملة ما حمل من ماله، ستمائة ألف دينار عينا، ومن الدراهم سبعة عشر ألف رطل ومائة رطل بالمصرى، ومن العدد والأقمشة والخيول والمماليك ما لا يحصر قيمته كثرة. ويقال إنه كان قد جمع ذلك وادخّره، لطلب السلطنة لنفسه، فلم ينل ما تمناه «2» .
ووقف الأمير علم الدين الشجاعى، بعد القبض على طرنطاى، أياما قلائل، من غير أن يخلع عليه خلع النواب، ولا كتب تقليده، ولم يشتهر ذلك.
ثم فوضت النيابة، للأمير بدر الدين بيدرا.
ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى
لما قبض على الأمير حسام الدين طرنطاى كما تقدم، قام الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، بوظيفة النيابة أياما قلائل، كما ذكرناه. ثم فوض السلطان النيابة عن السلطنة، للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى. وخلع عليه، على عادة نواب السلطنة، وأجرى عليه، ما كان جاريا على الأمير حسام الدين طرنطاى، من الإقطاعات وغيرها.
(31/183)

وفى هذه السنة، رسم السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، فوصل البريد إلى دمشق يطلبه، فى رابع ذى الحجة منها، فتوجه إلى الأبواب السلطانية، فى ثامن الشهر. ولما وصل إلى بين يدى السلطان، ضربه مرة بعد أخرى، وبقى فى الترسيم، إلى أن حضر الصاحب شمس الدين [بن السلعوس «1» ] فسلّمه إليه. وولّى شاد الدواوين بدمشق، الأمير سيف الدين طوغان المنصورى. وأعاد السلطان الصاحب تقى الدين توبة التكريتى إلى وزارة الشام، فوصل إلى دمشق، فى خامس المحرم، سنة تسعين وستمائة. وأوقع الحوطة على موجود الأمير شمس الدين سنقر الأعسر.
حسب المرسوم السلطانى.
وفيها، رسم السلطان الملك الأشرف، باحضار الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، من حمص إلى الباب السلطانى، فى ذى الحجة، فحضر.
وفيها، فى ذى الحجة، رسم السلطان بتجديد تقليد الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام، فكتب. وزاده السلطان على إقطاعه المستقر، إلى آخر الأيام المنصورية، خرستا «2» ، وجهز ذلك على يد مملوكه شمس الدين أقسنقر الحسامى. وأعطى أقسنقر إمرة عشرة طواشية «3» . فوصل إلى دمشق فى ثامن عشر ذى الحجة من السنة.
(31/184)

وفيها، فى الخامس والعشرين من ذى الحجة، كان وفاة الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى. وكان ديّنا كثير الصدقه والمعروف، قليل الأذى، وخلّف أموالا عريضة، فأوصى بثلاثمائة ألف درهم من ماله، تنفق فى العساكر وأوقف مدرسة بمصر، على طائفة الشافعية والمالكية. وأوقف خانا بظاهر دمشق، على الصدقات، ريعه فى كل شهر تقدير خمسمائة درهم، وله أثار حسنة، رحمه الله تعالى «1» .
(31/185)

واستهلت سنة تسعين [وستمائة «1» ] [690- 1391]
فى هذه السنة، فى سادس المحرم، أفرج السلطان عن الملك فخر الدين عثمان ابن الملك «2» المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل، سيف الدين أبى بكر، ابن الملك الكامل ابن الملك العادل صاحب الكرك والده. وكان قد اعتقل فى الدولة الظاهرية، فى رابع عشر، شهر ربيع الأول، سنه تسع وستين وستمائة، كما قدمنا ذكر ذلك «3» . وكانت مدة اعتقاله عشرين سنة، وتسعه أشهر، واثنين وعشرين يوما. ولما أفرج السلطان عنه، رتّب له راتبا جيدا. ولزم داره، واشتغل بالمطالعة والنسخ، وانقطع عن السعى، إلا للجمعة أو الحمام، أو ضرورة لابد منها «4» .
ذكر تفويض الوزارة للصاحب شمس الدين ابن السلعوس وشىء من أخباره
كان الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن أبى الرجا، بن
(31/187)

السلعوس قد توجه إلى الحجاز الشريف، قبيل وفاة السلطان الملك المنصور.
فاتفقت وفاة السلطان وسلطنة الملك الأشرف فى غيبته. فكتب السلطان إليه كتابا يعلمه أنه قد ملك، ويستحثه على سرعة الوصول إليه. فوصل إليه كتاب السلطان، وهو فى أثناء الطريق، وقد عاد من الحجاز الشريف. فاجتمع من كان بالركب، من الأعيان والكتاب، وانضموا إليه، وركبوا فى خدمته، وسايروه وعاملوه من الآداب بما يعامل به الوزراء وعظموه، فكان كذلك، إلى أن وصل إلى باب السلطان. وكان وصوله، فى يوم الثلاثاء، العشرين من المحرم سنة تسعين وستمائة. فاجتمع بالسلطان، ففوض إليه السلطان الوزارة، فى يوم الخميس، الثانى والعشرين من الشهر، وخلع عليه. وكان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى يتحدث فى الوزارة فى هذه المدة، قبل وصوله، من غير تقليد ولا تشريف.
وكان شمس الدين [بن السلعوس «1» ] هذا، تاجرا من أهل دمشق، ولم يكن من التجار المياسير. ولكنه كان يأخذ نفسه بالحشمة والوئاسة، حتى كان التجار فيما بينهم ينعتونه بالصاحب «2» استهزاء به. ثم تعلق بالخدم، وانتمى «3» إلى تقى الدين توبة التكريتى وزير دمشق، فى الدولة المنصورية، فاستخدمه فى بعض الجهات. وتنقل إلى أن ولى نظر الحسبة بدمشق، فى شهر رمضان، سنة سبع وثمانين وستمائة كما تقدم «4» . ثم ولى نظر ديوان الملك الأشرف بالشام.
(31/188)

فأظهر الأجتهاد، واستأجر للملك الأشرف ضياعا بالشام، وعمل له متجرا، وحصل من ذلك أموالا، فتقدم عند الملك الأشرف، ومال إليه.
وحضر إلى باب الملك «1» الأشرف، فى صفر، سنة ثمان وثمانين وستمائة.
واستناب عنه فى نظر الحسبة [بدمشق «2» ] والديوان الأشرفى، القاضى تاج الدين أحمد ابن القاضى عماد الدين محمد بن الشيرازى. ولما حضر إلى باب الملك الأشرف «3» ، نقله إلى نظر ديوانه نيابة، عوضا عن تاج الدين بن الأعمى. وخلع عليه خلع الوزارة. واستمر فى نظر ديوان الملك الأشرف ووكالته، إلى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة. فاتفق أن الملك الأشرف، خلع عليه خلعة سنية تشبه خلع الوزراء. فرآه السلطان الملك المنصور، وعليه تلك الخلعة، فأنكر هيئته، وسأل الأمير حسام الدين طرنطاى عنه. فقال هذا وزير الملك الأشرف، وذكر مساوئه «4» للسلطان.
فغضب السلطان الملك المنصور لذلك «5» ، وأنكره. وأمر باحضاره، فأحضر بين يديه، فأنكر عليه كونه خدم ولده، بغير أمره، ولا أمر نائبه، ولا وزيره.
وأمر السلطان بنزع الخلعة، التى ألبسها، فنزعت. وسلمه إلى شاد الدواوين [يومئذ «6» ] ، وهو الأمير زين الدين أحمد الصوابى، وأمر بمصادرته، والإخراق
(31/189)

به، وضربه. وأرسل إليه الأمير حسام الدين طرنطاى، أن يوقع به الأهنة والإخراق، ويبادر بضربه. وأرسل إليه الملك الأشرف، إلى «1» [مشد الدواوين «2» ] ، يستوقفه عند «3» ذلك، ويتوعده إن ناله منه سوء «4» . فخاف للشد المذكور غائلة الملك «5» الأشرف، وتوقف عن الإخراق به. ورسم عليه فى قاعة، كان المشد يجلس فيها، فى وقت استراحته. ثم تلطف الملك الأشرف فى أمره، مع الأمير حسام الدين طرنطاى، وراسله «6» بسببه. وتكررت رسائله إليه، وإلى غيره فى معناه، حتى حصلت الشفاعة [فيه «7» ] عند السلطان، فأطلقه. وأمر السلطان بصرفه، فصرف، ولزم داره. وكانت هذه الواقعة من أضرر شىء على الأمير حسام الدين طرنطاى، ومن أكبر أسباب القبض عليه وقتله.
واستمر الصاحب شمس الدين بداره إلى زمن الحج، فتوجه إلى الحجاز الشريف. واتفقت وفاة السلطان الملك المنصور، وسلطنة الملك الأشرف، كما تقدم، فكتب إليه يعلمه بذلك. ويقال إن السلطان كتب بخطه إليه، بين سطور الكتاب، يا شقير، يا وجه الخير، عجل بالسير، فقد ملكنا.
ويقال إنه لما حملت إلى السلطان الملك الأشرف، أموال طرنطاى، ووضعت بين يديه، جعل يقلبها ويقول:
(31/190)

من عاش بعد عدوه ... يوما فقد بلغ المنى
ثم يقول أين أنت يا ابن السلعوس.
فلما وصل [ابن السلعوس] «1» إلى السلطان، فوض إليه الوزارة، ومكّنه من الدولة تمكينا عظيما، ما تمكن وزير قبله مثله فى دولة الترك. وجرّد فى خدمته جماعة من المماليك السلطانية، يركبون فى خدمته، ويترجلون فى ركابه، ويقفون بين يديه، ويمتثلون أوامره. فعظم بذلك شأنه، وتعاظم فى نفسه واستخف بالناس. وتعدى أطوار الوزراء، حتى كان أكابر الأمراء يدخلون إلى مجلسه، فلا يستكمل «2» لهم القيام. ومنهم من لا يلتفت إليه. وكان فى بعض الأوقات يستدعى أمير جاندار «3» وأستاذ الدار، على كبر مناصبهما. فكان إذا استدعى أحدا منها «4» ، يقول اطلبوا فلانا أمير جاندار، وفلانا «5» أستاذ للدار، يسمى كل واحد منهما باسمه، دون نعته. ثم ترفّع عن هذه الرتبة إلى الاستخفاف بنائب السلطنة [الأمير بيدرا «6» ] ، وعدم الالتفات إلى جهته ومشاركته فى بعض وظيفته، والاستبداد عنه، ومعارضته فيما يقصد فعله، وتعطيل ما يؤثره. هذا، والأمير بدر الدين بيدرا يصبر على جفاه، ولا يمكنه. مفاجأته لما يشاهده من ميل
(31/191)

السلطان إليه. حتى أخبرنى «1» شهاب الدين بن عبادة: قال: رأيت الصاحب شمس الدين فى بعض أيام المواكب، قد قام من مجلس الوزارة، يقصد الدخول إلى الخزانة، فصادف ذلك خروج الأمراء من الخدمة، هم ونائب السلطنة.
فكان الأمراء الأكابر يبادرون إلى خدمته ومنهم من يقبل يديه، وكلهم يخلى له الطريق، ويومىء بالرجوع بين يديه، فيشير إليه بالانصراف. فلما وطىء عتبة «2» باب القلة برجله، توافى «3» هناك، هو والأمير بدر الدين، نائب السلطنة. فسلّم كل منهما على الآخر، وأومأ له بالخدمة، إلا أن النائب خدم الوزير، أكثر من خدمة الوزير له. قال: لقد رأيته، وقد رجع مع الصاحب، ولم يسامته فى مشيه، بل كان النائب يتقدمه يسيرا، ويميل بوجهه إلى جهة الصاحب ويحدثه. فكانا كذلك إلى أن وصلا إلى المصطبة، التى يجلس عليها أستاذ الدار وناظر البيوت، وهى من داخل الباب الثانى، من باب القلة لجهة الخزانة، على باب الفراش خاناه قديما. وهذا الموضع «4» الآن «5» ، هو أحد أبواب «6» الجامع الذى عمر فى أيام السلطان الملك الناصر. وسنذكر إن شاء الله تعالى، خبر هذا الجامع فى
(31/192)

الأيام الناصرية. قال «1» : فلما أنتهيا إلى ذلك المكان، مسك الصاحب بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، وأشار إليه بالرجوع. قال: وسمعت الصاحب يقول له:
«بسم الله يا أمير بدر الدين» ، لم يزده على ذلك، وهذا أمر لم يسمع بمثله «2» .
والذى شاهدته أنا، غير مرة ولا مرّتين، أن الصاحب كان إذا أراد الركوب إلى القلعة، اجتمع ببابه «3» نظار النظار وشاد الدواوين ووالى القاهرة ووالى مصر، ومستوفى «4» الدولة، ونظار الجهات، ومشدى «5» المعاملات؛ وغير هؤلاء من الأعيان.
ثم يحضر قضاة القضاء الأربعة ومن يتبعهم. فإذا اجتمع هؤلاء كلهم ببابه، عرّفه حجّابه أن الموكب قد كمل. وكان كمال الموكب عندهم، حضور قضاة القضاة الأربعة، فيخرج عند ذلك، ويركب ويسوق الناس بين يديه على طبقاتهم.
فيكون أقرب الناس إليه، قاضى القضاة الشافعية، وقاضى القضاة المالكية «6» ، يكونان أمامه. وأمامهما قاضيا القضاة الحنفية والحنبلية «7» ؛ ثم نظار النظار والأعيان، ومستوفى «8» الدولة، ونظار الجهات على قدر مراتبهم. ويستمر القضاة معه، إلى أن يستقر فى المجلس. فينصرفون ثم يعودون عشية النهار إلى القلعة، ويركبون فى موكبه بين يديه إلى أن يصل إلى داره؛ حتى إنه تأخر ليلة بالقلعة إلى قرب
(31/193)

العشاء الآخرة، وغلق باب القلعة. وانقلب موكب الصاحب، إلى جهة باب السلطان، وجاء القضاة ووقفوا على بغالهم، بظاهر باب الإسطبل السلطانى، ولم ينصرفوا حتى خرج وركب، وساقوا فى خدمته، إلى داره على عادتهم، لم يخلوا بها. وكان لا ينتصب قائما ليعض أكابرهم، ولم ينتظم هذا لوزير قبله.
ولما عظم موكبه، وبقى الأكابر، يزدحمون فى شوارع القاهرة، ويضيق بهم لكثرة من معه، ويزدحم الغلمان، انتقل إلى القرافة، وسكنها بسبب ذلك «1» . ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى موضعه.
ذكر القبض والإفراج على من نذكر من الأمراء، وعنه «2»
وفى يوم الجمعة، سابع صفر، أمر السلطان بالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين جرمك الناصرى، وعدّد لهما ذنوبا كثيرة.
وكان مما عدّه على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أن قال هذا ما أحسن إليه أحد، إحسان طرنطاى، فإنه ما زال يدافع عنه السلطان [المنصور «3» ] ويمنعه من القبض عليه، إذا أراده. ويقول له، والله لا يقبض عليه، حتى يقبض على قبله. ووفى له طرنطاى بما عاهده عليه، بصهيون، لما استنزله منها. ولم يرع له حق هذا الإحسان العظيم والذب عنه. وكان [هو «4» ] أكبر أسباب القبض عليه، فإنه أفشى سره.
(31/194)

وأفرج السلطان فى هذا اليوم، عن الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، وأعاد عليه إمرته، وأنعم عليه إنعاما كثيرا. وكان قد قبض عليه، كما تقدم لما همّ بالمدافعة عن طرنطاى.
ذكر فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا
قد ذكرنا أن السلطان الملك المنصور، والد السلطان، كان قد أهمه أمر عكا وتجهز لغزوها. وخرج لذلك، وعاجلته المنية، دون الأمنية. فلما استقر أمر السلطان الملك الأشرف، وخلا وجهه، ممن كان يقصد مناوأته، صرف اهتمامه إلى عكا وغزوها. وندب العساكر من الديار المصرية، وسائر الممالك والحصون. وأمر نواب السلطنة بالممالك الشامية والساحلية، ونواب القلاع والحصون، بتجهيز الزردخانات وأعواد المجانيق والحجارين وغيرهم. وندب الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار لذلك. فتوجه من الباب السلطانى، ووصل إلى دمشق، فى سلخ صفر. فجهزت أعواد المجانيق من دمشق، وبرزت إلى ظاهرها فى مستهل شهر ربيع الأول، وتكامل ذلك، فى يوم الخميس ثانى عشر الشهر. وتوجه بها الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، أحد الأمراء بالشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمى «1» الألوف، فتوجه كل أمير ومضافوه «2» منها، بما أمر بنقله. ثم توجه الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام، فى آخر الجيش «3» ، ببقية العسكر، فى يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول. وندب
(31/195)

السلطان أيضا، الأمير سيف الدين طغريل الايقانى «1» إلى الحصون والممالك يستنجدهم «2» على سرعة تجهيز المجانيق والآلات، فبادر النواب إلى ذلك.
ووصل الملك المظفر صاحب حماه إلى دمشق، فى ثالث عشرين شهر ربيع الأول، بعسكر حماه، وصحبته مجانيق وزردخانات «3» ، ووصل الأمير سيف الدين
(31/196)

بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالفتوحات، بعساكر الحصون وطرابلس وما معها، بالمجانيق والزردخانات، فى رابع عشرين الشهر. ووصل سائر النواب، وتوجهوا إلى عكا. هذا ما كان من أمر نواب الممالك الشامية وعساكرها «1» .
وأما السلطان الملك الأشرف، فإنه لما عزم على التوجه إلى عكا، أمر بجمع «2» القراء والعلماء والقضاة والأعيان، بتربة والده السلطان الملك المنصور. فاجتمعوا فى ليلة الجمعة، الثامن والعشرين من صفر، وبانوا بالقبة المنصورية، يقرأون القرآن. وحضر السلطان إلى التربة فى بكرة النهار، وتصدق بجملة من المال والكساوى، ثم عاد إلى قلعة الجبل. واستقل ركابه منها، فى ثالث شهر ربيع الأول. وجهز السلطان آدره العالية «3» إلى دمشق، فوصلوا إلى قلعتها، فى يوم الاثنين، سابع شهر ربيع الآخر. ووصل السلطان إلى المنزلة بعكا، فى يوم الخميس، ثالث شهر ربيع الآخر. ووصلت المجانيق إلى عكا فى اليوم الثانى،
(31/197)

من وصلوه، وهى اثنان وتسعون منجنيقا، [ما بين افرنجى وقرابغا وشيطانى «1» ] ، فنصبت وتكامل نصبها فى أربعة أيام، وأقيمت الستائر.
وكان الفرنج، لما بلغهم اهتمام السلطان وعزمه، كاتبوا ملوك البحر، وسألوهم إنجادهم، فأتوهم من كل مكان. واجتمع بعكا منهم جموع كثيرة، فقويت نفوسهم، ولم يغلقوا أبواب البلد. واستمر الحصار وعملت النقوب، إلى السادس عشر من جمادى الأولى «2» .
فلما كان فى يوم الجمعة السابع عشر من الشهر، أمر السلطان أن تضرب الكوسات جملة واحدة، وكانت [على «3» ] ثلاثمائة جمل. فلما ضربت، هال أهل عكا ما سمعوه منها. وزحف السلطان بالعساكر، قبل طلوع الشمس من هذا اليوم. فما ارتفعت الشمس: إلا والصناجق السلطانية على أسوارها.
ولما أشرف المسلمون على فتح عكا، وتحقق من بها ذلك، خرجت طائفة منهم، نحو عشرة آلاف رجل مستأمنين، فرّقهم السلطان على الأمراء، فقتلوا عن آخرهم. وأرسل السلطان جماعة من الأسرى، إلى الحصون الإسلامية.
(31/198)

وكانت مدة الحصار على عكاء منذحل ركاب السلطان، إلى أن فتحت، أربعة وأربعين يوما. واستشهد من الأمراه على حصارها، الأمير علاء الدين كشتغدى «1» الشمسى، ونقل إلى جلجولية «2» ودفن بها، والأمير عز الدين أيبك المعزى «3» ، نقيب «4» العساكر، والأمير جمال الدين آقش الغتمى «5» ، والأمير بدر الدين بيليك المسعودى، والأمير شرف الدين قيران السكرى، وأربعة من مقدمى «6» الحلقة، وجماعة يسيرة من العسكر.
وكانت عكا بيد الفرنج، منذ استرجعوها من السلطان، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وإلى هذا التاريخ، مائة سنة وثلاث سنين، وأمر السلطان الآن بإخرابها، فخربت «7» .
وفتح الله تعالى على يد السلطان، فى بقية الشهر، من المدن المشهورة الساحلية، صور، وصيدا، وحيفا، وعثليث، بغير قتال. وذلك أن الله تعالى،
(31/199)

أوقع فى قلوب أهلها الرعب، لما فتحت عكا، وعلموا أنهم لا يقدرون على حفظها، ففارقوها ونجوا بأنفسهم. فملكها السلطان، فأمر بهدمها جميعها فهدمت. ثم فتجت صيدا وبيروت، على يد الأمير علم الدين الشجاعى، على ما نذكره «1» إن شاء الله تعالى.
وأكثر الشعراء ذكر هذا الفتح. فكان ممن «2» امتدح السلطان، وذكر هذا الفتح من الشعراء، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنيجى «3» التاجر المقيم بالقاهرة، فقال:
بلغت فى الملك أقصى غاية الأمل ... وفتّ شأو ملوك الأعصر الأول
وحزت رق العلى بالجد مجتهدا ... وجزت غاياتها سيقا على مهل
ونلت بالحول دون الناس منفردا ... ما لم ينله ملوك الأرض بالحيل
فطل بدولتك الميمون طائرها ... فإنها غرة فى أوجه الدول
واسعد بهمتك العليا التى وصلت ... لك السعود بحبل غير منفصل
فأنت للدين والدنيا صلاحهما ... وفيهما حمل ضيم غير محتمل
فكم بلغت مرادا بت «4» تأمله ... بعزمك الباتر العارى من الفلل
(31/200)

وكم فتحت حصونا طالما رجعت ... لليأس «1» عنها الملوك الصيد فى خجل «2»
حررت «3» من عكة الغراء ما عجزت ... عنه الملوك بعزم غير منتثل
عقيلة المدن أمست من حصانتها ... وصونها من ليالى الدهر فى عقل
وقد دعتها ملوك الأرض راغبة ... وعطفها عنهم بالتيه فى شغل
صدت عن الصيد لا تلوى فلم تطل ... الأوهام منها إلى وصل ولم تصل
أم لهم «4» برّة كم رام خطبتها ... بعل «5» سواك، فلم تذعن ولم تنل
حتى أمرك فأمست وهى طائعة ... بعد الإباء لأمر منك ممتثل
مازال غيرك فيها طامعا وعلى ... يديك، قد كان هذا الفتح فى الأزل
فتحا «6» تطاول عن نثر «7» يحوط به ... وصفا، وعن نظم شعر محمد الطّول
قصدتها فأصيبت بعد ما فجعت ... فى أهلها من أسود الغيل بالغيل
فى جحفل لجب «8» كالليل انجمه ... تبدو لرائيه من قضب ومن أسل
تمم المهامه من وعر «9» ومن أكم ... وطبّق الأرض من سهل ومن جبل
(31/201)

تخالهم وجياد الخيل تحتهم ... لليأس «1» فى الروع آسادا على قلل «2»
لا تنظر العين منهم إن هم لبسوا ... لا مات حربهم يوما، سوى المقل
صدمتها بجيوش لو صدمت بها ... صم الجبال، أزالتها ولم تزل
فأصبحت بعد عز الملك خاضعة ... من ذلة الملك طول الدهر فى سمل
أمست خرابا وأضحى أهلها ومما ... وسطرتها يد الأيام فى المثل
فسلب «3» بزتها «4» عنها وقد عطلت ... ألذ للطرف من حلى ومن حلل
ومحو أثارها منها وقد خربت ... أشبى إلى التفس من زوض الربى «5» الخضل
بالأشرف السيد السلطان «6» زال عنا ... التثليث وابتهج التوحيد بالجدل
تدبير «7» ذى حكم «8» فى عز منتقم ... وعمر مقتبل فى رأى مكتهل
راحت وقد سلبت أرواحهم بشبا ... الهندى أموالهم من «9» جملة النفل
هدمت ما شيدوا، فرقت ما جمعوا ... نقضت ما ابرموه غير محتفل
وعند ما أصبحت قفرا بلادهم ... من السواحل بعد الأهل فى العطل «10»
(31/202)

رحلت عنها، ولكن كم أقمت بها ... من خوف بأسك جيشا غير مرتحل
لازلت ذا رتب فى المجد سامية ... وسؤدد بنواصى الشهب متصل
وقال المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبى كاتب الانشاء، لما عاين النيران فى جوانب عكا. وقد تساقطت أركانها، وتهدمت جدرانها.
مررت بعكا بعد تخريب سورها ... وزند أوار النار فى وسطها وار «1»
وعاينتها بعد التنصر قد غدت ... مجوسية الأبراج تسجد للنار
وقال أيضا:
الحمد لله زالت دولة الصّلب ... وعزبا لترك دين المصطفى العربى
هذا الذى كانت الأمال لو طلبت ... رؤياه فى النوم لا ستحيت من الطلب
ما بعد عكا وقد هدت قواعدها ... فى البحر للشرك عتد البر من أرب
عقيلة ذهبت أيدى الخطوب بها ... دهرا وشدت عليها كف مغتصب
لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت ... فى البر والبحر ما ينجى سوى الهرب
كانت تخيلها آمالنا فترى ... إن التفكر فيها أعجب العجب
أم الحروب فكم [قد «2» ] أنشأت فتنا ... شاب الوليد بها هولا ولم تشب
سوران بر وبحر حول ساحتها ... دارا، وأدناهما أتأى «3» من القطب
خرقاء «4» أمنع سوريها وأحصنه ... غلب الكماة، وأقواه على النوب
(31/203)

مصفح مصفاح، حولها شرف ... من الرماح وأبراج من اليلب «1»
مثل الغمامة «2» تهدى من صواعقها ... بالنبل أضعاف ما تهدى «3» من السحب
كأنما كل برج حوله فلك ... من المجانيق يرمى الأرض بالشهب
ففاجأتها جنود الله يقدمها ... غضبان «4» لله لا للملك والنشب
ليث أبى أن يرد الوجه عن أمم ... يدعون رب الورى سبحانه بأب
كم رامها ورماها قبله ملك ... جم الجيوش فلم يظفر ولم يصب
لم يلهه ملكه، بل فى أوائله ... قال الذى لم ينله الناس فى الحقب
لم ترض همته إلا التى قعدت ... للعجز عنها ملوك العجم والعرب
فأصبحت وهى فى بحرين مائلة ... ما بين مضطرم نارا «5» ومضطرب
جيش من الترك ترك الحرب عندهم ... عار، وراحتهم ضرب من الوصب
خاضوا إليها الردى والبحر فاشتبه ال ... أمران واختلفا فى الحال والسبب
تسنموها فلم يترك «6» ثباتهم «7» ... فى ذلك الأفق برجا غير منقلب
تسلموها فلم تخل الرقاب بها ... من فتك منتقم أو كف منتهب
(31/204)

أتوا حماها فلم تدقع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيئا «1» ولم يثب
يا يوم عكا لقد انسيت ما سبقت ... من «2» الفتوح وما قد خطّ فى الكتب
لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما ... عسى يقوم به ذو الشّعر والخطب
كانت تمنى بك الأيام عن أمم ... والحمد لله شاهدناك عن كتب
أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهم «3» ... لله أى رضى فى ذلك الغضب
وأطلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلائع الفتح بين السمر والقضب
وأشرف المصطفى الهادى البشير على ... ما أسلف «4» الأشرف السلطان من قرب
فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت ... ببشره «5» الكعبة الغراء فى الحجب
وسار فى الأرض مسرى الريح سمعته ... فالبر فى طرب والبحر فى حرب
وخاضت البيض فى بحر الدماء فما ... أبدت من البيض إلا ساق مختضب
وغاص «6» زرق الفنا «7» فى زرق أعينهم ... كأنها شطن يهوى «8» إلى قلب
توقدت وهى تروى فى نحو رهم ... فزادها الرى فى الإشراق واللهب «9»
(31/205)

أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم ... فراح كالراح «1» إذ غرقاه كالحبب «2»
وذاب من حرّها عنهم حديدهم ... فقيدتهم «3» به ذعرا يد الرهب «4»
تحكمت فسطت فيهم قواضيها ... قتلا وعفت لحاويها عن السلب
كم أبرزت بطلا كالطود قد بطلت ... حواسه فغدا كالمنزل الخرب
كأنه وسنان الرمح يطلبه ... برج هوى ووراه كوكب الذنب
بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الوثب
ما بعد عكا، وقد لانت عربكتها ... لديك شىء تلاقيه «5» على تعب
فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها ... مدت إليك نواصيها بلا نصب
كم قد دعت، وهى فى أسر العدا زمنا ... صيد الملوك فلم تسمع «6» ولم تجب «7»
لبيتها «8» يا صلاح الدين معتقدا ... بأن ظنّ صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهم ... من قبل إحرازها بحرا من الذهب
أدركت ثأر صلاح الدين إذ غضبت ... منه لعمر «9» طواه الله فى الكتب
(31/206)

وجئتها بجيوش كالسيول على ... أمثالها «1» بين أجام من القضب «2»
وحطتها «3» بالمجانيق «4» التى وقفت ... أمام أسوارها فى جحفل لجب
مرفوعة نصبوا أضعافها قبلت «5» ... للجزم والكسر منها كل منتصب
ورضتها بنقوب ذللت شمما ... منها وأبدت محياها بلا نقب
وبعد صبحتها بالزحف فاضطربت ... رعبا وأهوت بخديها «6» إلى الترب
وغنت «7» البيض فى الأعناق فار تقصت «8» ... أجسادها لعبا منها مع اللعب
وخلّقت بالدم الأسوار فابتهت ... طيبا ولولا دماء القوم لم تطب «9»
وأبرزت كل خود «10» كاعب نثرت «11» ... لها الرؤوس وقد زفت بلا طرب
باتت «12» وقد جاورتنا ناشزا وغدت ... طوع الهوى فى يدى جيرانها الجنب
ظنوا بروج البيوت الشم تعقلهم «13» ... فاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب
(31/207)

فأحرزتهم ولكن للسيوف لكى ... لا يلتجى أحد منهم إلى هرب
وجالت «1» النار فى أرجائها وعلت ... فاطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها حمالة الحطب
وأفلت «2» البحر منهم من يخبر من ... يلقاه من قومه بالويل والحرب
وتمت النعمة العظمى وقد ملكت ... بفتح صور بلا حصر ولا نصب
أختان فى أن كلا منهما جمعت ... صليبة الكفر لا أختان فى النسب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
إن لم يكن ثمّ كون البحر منصبغا ... بها إليها والألسن اللهب «3»
فالله أعطاك ملك البر وأبتدأت ... لك السعادة ملك البحر فارتقب
من كان مبدأه «4» عكا وصور معا ... فالصين أدنى إلى كفيه من حلب «5»
علا بك الملك حتى إن قبته ... على الثريا غدت ممدودة الطنب
فلا برحت عزيز النصر مبتهجا ... بكل فتح قريب المنح مقترب
وعمل الشعراء فى هذا الفتح قصائد كثيرة، اقتصرنا «6» منها، على ما أوردناه، فلنذكر خلاف ذلك.
(31/208)

ذكر القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام
وفى هذه السنة، والسلطان على حصار عكا، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام. وسبب ذلك، أن الأمير علم الدين سنجر الحموى المعروف بأبى خرص «1» ، سعى إلى السلطان به، ثم أوهم الأمير حسام الدين المذكور من السلطان، وقال إنه قد عزم على القبض عليك، فحمله الخوف على أنه ركب من الوطاق «2» بعكا ليلا، وقصد الهرب. فركب الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، وساق خلفه. فأدركه، وقال له، بالله لا تكن سبب هلاك هذا الجيش، فإن هذا البلد قد أشرف [الناس «3» ] على فتحه. ومن علم الفرنج بهروبك، قويت نفوسهم، وركب العسكر خلفك، وانصرفت عزائم السلطان عن حصار عكا إليك. فوافقه، ورجع إلى خيمته، وظن أن ذلك يستتر، ولا يشعر السلطان به. وكان [ذلك «4» ] ، فى ثامن جمادى «5» الأولى. فلما كان فى اليوم الثانى من هذه الحادثة، خلع السلطان عليه، وطيّب قلبه، ثم قبض عليه
(31/209)

فى اليوم الثالث، وجهّزه إلى قلعة صفد، تحت الاحتياط، ثم جهّز منها إلى قلعة الجبل.
ذكر رحيل السلطان عن عكا ودخوله إلى دمشق وما قرره من أمر النيابة بها، وبالكرك وغير ذلك
ولما قضى السلطان الوطر من فتح عكا وما يليها، عاد إلى دمشق. فكان وصوله إليها، فى الساعة الثالثة من يوم الاثنين، ثانى عشر جمادى الآخرة، ودخل دخولا ما دخله ملك قبله. وزينت البلد أحسن زينة، ونزل بالقلعة. وفى يوم دخوله إلى دمشق، فوض نيابة السلطنة بالشام [إلى «1» ] الأمير علم الدين سنجر الشجاعى المنصورى. ورتب الأمير جمال الدين أقش الأشرفى فى نيابة الكرك، عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى، بحكم استعفائه من النيابة بها. وأقره السلطان فى جملة الأمراء بالديار المصرية «2» .
وفى هذا اليوم، قبض السلطان على الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى النائب بقلعة دمشق. وسبب ذلك، أنه وقف بين يدى السلطان، وكان الأمير شرف الدين [بن «3» ] الخطير الرومى، يكثر من البسط بين يدى السلطان على الأمراء وغيرهم. ويقصد بذلك أن يشرح خاطر السلطان ويضحكه. وكان السلطان فى بعض الأوقات، ينظر إليه نظرا يفهم منه مراد السلطان فى البسط على من يشير إليه. فنظر إليه السلطان وأومأ إليه أن يبسط على أرجواش. فنظر ابن الخطير
(31/210)

إلى علم الدين أرجواش، وكان لا يعرف البسط ولا يعانيه، ولا يزال فى تصميم.
فقال «1» ابن الخطير للسلطان: كان لوالد المملوك بالروم، حمار أشهب أعور، أشبه شىء بهذا الأمير علم الدين، فضحك السلطان، وغضب أرجواش، وقال هذه صبيانية، فاشتد غضب السلطان لذلك، وأمر بالقبض عليه. وضرب بين يدى السلطان ضربا كثيرا مؤلما. ثم أمر أن يقيد ويلبس عباءة، ويستعمل مع الأسرى، قفعل به ذلك. ثم رسم بحمله على خيل البريد، إلى الديار المصرية مقيدا. فتوجه البريدية به، وحصلت الشفاعة فيه، فردّ من أثناء الطريق.
ثم أفرج السلطان عنه، بعد أن أوقع الحوطة على موجوده، وكان يحتوى على جملة كثيرة من الأموال والعدد. وأعاده السلطان إلى نيابة القلعة، فى شهر رمضان، فاستمر بها إلى أن مات.
وفى يوم الأحد، ثامن عشر جمادى الآخرة، رتب السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، فى شد الشام على عادته، وكان قد أفرج عنه قبل ذلك. ونقل الأمير سيف الدين طوغان، من الشد إلى ولاية البر، على عادته الأولى «2» .
وفيها، فى يوم الأربعاء، ثانى عشر شهر رجب، ولى القاضى محيى الدين ابن النحاس نظر الشام، عوضا عن تقى الدين توبة، وبطل اسم الوزارة بدمشق.
وولى شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرجى، نظر الحسبة، عوضا عن تاج الدين بن الشيرازى، فى ثانى عشر الشهر «3» .
(31/211)

ذكر فتوح برج صيدا
كان قد بقى بصيدا برج عاص «1» ، فندب السلطان لحصاره، الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، فتوجه لذلك، فى يوم الثلاثاء رابع شهر رجب. ووصل إلى صيدا وحاصر البرج، وافتتحه فى يوم السبت، خامس عشر الشهر. وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق، بعد فتحه، على خيل البريد، فوصل إليها عند رحيل السلطان إلى الديار المصرية، وذلك فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب.
وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم الاثنين تاسع شعبان، ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة «2» .
ذكر فتح بيروت
لما توجه السلطان إلى الديار المصرية، أمر الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، أن يتوجه إليها، فتوجه وأفتتحها فى يوم الأحد ثالث عشرين شهر رجب. وذلك أن الأمير علم الدين سنجر وصل إليها، وكانت داخلة فى الطاعة، فتلقاه أهلها وأنزلوه بقلعتها. فأمرهم أن ينقلوا أولادهم وحريمهم وأثقالهم إلى قلعتها، ففعلوا ذلك، وظنوه شفقة عليهم. فلما صاروا بالقلعة، قبض على الرجال، وقيدهم وألقاهم فى الخندق، وملك البلد. وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق، فوصل إليها، فى يوم الجمعة سابع عشرين شهر رمضان من السنة. ولم يبق بالساحل أجمع، من الفرنج أحد، وخلا الساحل بجملته منهم. ولم يتأخر بالبلاد
(31/212)

[الشامية «1» ] غير فلاحيها النصارى، وهم داخلون فى الذمة، يؤدون الجزية.
ولما فتح السلطان هذا الفتح «2» ، أوقف منه ضياعا على تربة والده السلطان الملك المنصور، وهى: الكابرة من عكا، وتل «3» المفتوح منها، وكردانه «4» وضواحيها «5» منها. ومن ساحل صور معركه، وصريفين «6» . وأوقف على تربته ضياعا، وهى قرية «7» الفرج من عكا، وقرية شفر عمر منها: وقرية الحمراء «8» منها، وقربة طبرنية «9» من ساحل صور.
(31/213)

ذكر إنفاذ ولدى السلطان الملك الظاهر ووالدتهما إلى بلاد الأشكرى «1»
وفى هذه السنة، أمر السلطان، بإخراج ولدى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وهما الملك المسعود نجم الدين خضر، والملك العادل بدر الدين سلامش، من الاعتقال «2» ، وجهزهما ووالدتهما إلى ثغر الإسكندرية، صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلى، استاذ الدار العالية. فتوجه بهم، وسفّرهم منها فى البحر المالح، إلى القسطنطينية. فلما وصلاها، أحسن الأشكرى إليهما، وأجرى عليهما ما يقوم بهما وبمن معهما. فاتفقت وفاة الملك العادل بدر الدين سلامش هنا، فصبّرته والدته بالصبرة «3» ، وجعلته فى تابوت، ولم تدفنه، إلى أن عادت به إلى الديار المصرية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى «4» .
ذكر الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره من الأمراء
وفى هذه السنة، فى يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، أمر السلطان بالإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى. وكان السلطان الملك
(31/214)

المنصور، قد اعتقله فى أوائل دولته، كما تقدم ذكر ذلك «1» ، فأفرج السلطان عنه الآن. وكتب له إفراج شريف سلطانى، ونسخته بعد البسملة «2» :
«الحمد لله على نعمه الكاملة، ومراحمه الشاملة، وعواطفه التى أضحت بها بدور الإسلام بازغة غير آفلة، ومواهبه التى تجول وتجود وتحيى رميم الآمال [فى يومها «3» ] بعد رمسها بأمسها، فى أضيق اللحود «4» ، ويقرّ لها بالفضل كل جحود» .
«أحمده حمدا يعيد سالف النعم، ويفيد آنف الكرم الذى خص وعم.
ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نؤدى «5» حقوقها ونجتنب «6» عقوقها. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث بمكارم الأخلاق، والموصوف بالعلم والحلم على الإطلاق، صلاة لا تزال عقودها حسنة الانساق، ونسلم تسليما كثيرا» .
«وبعد، فإن أحق من عومل بالجميل، وبلغ من مكارم هذه الدولة القاهرة، الرجا والتأميل، من إذا ذكرت أبطال الإسلام، كان أول مذكور. وإذا وصفت الشجعان، كان إمام صف كل شجاع مشهور. وإذا تزينت سماء الملك بالنجم، كان بدرها المنير. وإذا اجتمع ذوو الآراء على امتثال أمر، كان
(31/215)

خير مشير، وإذا عدت أوصاف أولى الأمر كان أكبر أمير. كم تجمّلت «1» المواكب بحلوله «2» بأعلى قدر، وتزينت «3» المراتب منه بأبهى بدر. وهو المقر الأشرف العالى المولوى الأميرى»
الكبيرى- وذكر القابه، [فقال «5» ]- البدرى بيسرى الشمسى الصالحى النجمى الملكى الأشرفى. فهو الموصوف بهذه الأوصاف والمدح «6»
، [و «7» ] المعروف بهذه المكارم والمنح» .
«فلذلك، اقتضى حسن الرأى الشريف العالى المولوى السلطانى الملكى «8» الأشرفى الصلاحى، لا زالت الكرب فى أيامه تكشف، والبدور تكتمى «9» فى دولته الغراء، إشراقا «10» ولا تخسف، أن يفرج عنه فى هذه الساعة، من غير تأخير، ويمثل بين يدى المقام الأعظم السلطانى بلا استئذان نائب ولا وزير، إن شاء الله تعالى» .
وجعل هذا الإفراج فى كيس أطلس أصفر، وختم عليه بخاتم السلطان،
(31/216)

وتوجه به إلى باب الجب «1» ، الأمير بدر الدين بيدرا، والأمير زين الدين كتبغا، وجماعة من أكابر الأمراء. وأخرج الأمير بدر الدين من الجب، وقرىء عليه هذا الإفراج، ورسم بكسر قيده، واحضر له التشريف السلطانى. فقال [بيسرى] :
لا يفك القيد من رجلى، ولا أليس التشريف، إلا بعد أن أتمثل بين يدى السلطان، وصمم على ذلك. فأعلم السلطان بذلك، فرسم بفك قيده، وأن يحضر إلى بين يدى السلطان بملبوسه. الذى كان عليه فى الجب. فحضر إلى بين يدى السلطان، فانتصب له قائما. وتلقاه وأكرمه، وألبسه التشريف، وأجلسه إلى جانبه، وأنعم عليه بالأموال والأقمشة، وأمرّه لوقته، بمائة فارس، وأقطعه إقطاعا وافرا، من جملته منية بنى «2» حصيب، دريستا «3» ، بالجوالى والمواريث «4» الحشرية، وقرّبه السلطان لديه، وأدناه إليه. وكان يخلو به ويؤانسه ويبرّه، ويضاعف له الإنعام، حتى أن الأمير بدر الدين بيسرى، انتسب إلى الأشرفيه.
(31/217)

وكان فيما مضى من عمره فى الأيام الظاهرية وغيرها، يكتب بيسرى الشمسى، فصار «1» يكتب بيسرى الأشرفى.
وفيها، فى يوم الجمعة رابع شهر رمضان، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير حسام الدين لاجين المنصورى، والأمير ركن الدين بيبرس صقصوا «2» ، والأمير شمس الدين سنقر الطويل، من الأعتقال، وأمرهم على عادتهم «3» .
وفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، فقبض عليه من دمشق، وجهز إلى الأبواب السلطانية مقيدا. وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس، سابع عشر شهر رمضان.
ذكر عزل قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته
وفى هذه السنة، عزل السلطان قاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة، تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز. من منصب القضاء، بالديار المصرية، لأمور، منها ما كان فى نفس الصاحب شمس الدين الوزير منه، [ومنها أنه «4» ] كان فى الدولة المنصورية، يراعى خاطر الملك الصالح،
(31/218)

ويقدّمه على الملك الأشرف. فذكّر الوزير السلطان بذلك، فعزله وانتدب لمرافعته «1» جماعة، وشهد عليه آخرون بأمور برأه الله منها. وأوغلوا فى الكلام عليه، ورموه بالعظائم. وكان محاشا منها «2» . فرسّم عليه، وصودر، ونكل به.
وكان قصد الوزير الإخراق به، بالضرب، فحماه الله تعالى منه، ثم تشفع «3» فيه الأمير بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، مع ما كان بينهما من الشحناء، فأفرج السلطان عنه. وكان سبب هذه الشفاعة، أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، كان له اعتناء بقاضى القضاة تقى الدين، فلما امتحن بهذه المحنة، ورسم بمصادرته، ضمّه إليه، وعزم على سؤال السلطان فى أمره، والشفاعة فيه. وكان السلطان قد قبض على الأمير سنجر الحموى، المعروف بأبى خرص «4» ، وكان للأمير بدر الدين بيدرا به اعتناء، فتحدث مع الأمير بدر الدين أمير سلاح، أن يشفع فيه، فاعتذر عن ذلك، أنه يقصد أن يشفع فى قاضى القضاة ولا يمكنه أن يشفع فى اثنين فى وقت واحد. فاتفقا أن [الأمير] يشفع «5» فى قاضى القضاة. وأمير سلاح يشفع فى أبى خرص. فشفعا فيهما. فأفرج عنهما «6» .
(31/219)

ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى
لما عزل السلطان؛ قاضى القضاة تقى الدين عن القضاء، أشار الصاحب شمس الدين ابن السلعوس الوزير، بتفويض القضاء، للقاضى بدر الدين أبى عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن أبى الفضل سعد الله ابن جماعة بن على بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكنانى الشافعى الحموى.
وكان يتولى قضاء القدس الشريف والخطابة كما قدمنا. فاستدعاء الصاحب شمس الدين، فى يوم الأربعاء، تاسع شهر رمضان، فتوجه البريد إليه. وكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الاثنين، رابع عشر شهر رمضان، سنة تسعين وستمائة.
وكانت ولايته من قبل السلطان الملك الأشرف، فى يوم الخميس، سابع عشر الشهر. وفوّض إليه مع القضاء، وتدريس المدرسة الصالحية، خطابة جامع الأزهر، وغير ذلك. وهذه ولاية قاضى القضاة بدر الدين الأولى «1» .
وفى هذه السنة، فى شوال، أمر السلطان بإخراج الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد، وأن يخطب للناس «2» بجامع القلعة، ويذكر السلطان فى خطبته.
فخطب فى رابع عشرين شوال. وعليه شعار بنى العباس، وهو متقلد سيفا. فلما فرغ من الخطبة. لم يصلّ بالناس. وقدم قاضى القضاة بدر الدين، فصلى بهم صلاة الجماعة. واستمر يخطب بالقلعة، واستناب عنه بجامع الأزهر القاضى صدر الدين عبد البر ابن قاضى القضاة تقى الدين بن رزين.
(31/220)

وفيها، فى ليلة الإثنين، رابع ذى القعدة أمر السلطان باجتماع القضاة والفقهاء والأعيان والقراء، بتربة والده السلطان الملك المنصور، فاجتمعوا.
وبات نائب السلطنة والوزير بالقبة المنصورية فى تلك الليلة. فلما كان وقت السحر، من يوم الجمعة، وحضر السلطان والخليفة إلى التربة، والخليفة لابس السواد، وخطب الخليفة خطبة بليغة. حرض فيها على أخذ العراق، وكان يوما مشهودا. وتصدق السلطان بصدقات وافرة، وعاد هو والخليفة إلى قلعة الجبل «1» .
وكتب السلطان إلى دمشق أن يعمل مهم «2» ، مثل ما عمل بالقبة المنصورية.
فاهتم «3» الأمير علم الدين الشجاعى نائب السلطنة بدمشق بذلك. وجمع الناس له فى ليلة الإثنين، حادى عشر الشهر، بالميدان الأخضر، أمام القصر الأبلق. واجتمع الناس لتلاوة القرآن، من ظهر يوم الأحد إلى نصف الليل، من ليلة الإثنين.
ثم تكلم الوعاظ، وانصرف الناس فى بكرة النهار «4» .
ذكر متجددات كانت بدمشق
فى هذه السنة، فى شوال شرع الأمير علم الدين الشجاعى، نائب السلطنة بدمشق، فى عمارة آدر «5» بقلعتها اقترحها السلطان عليه. واهتم بذلك، وطلب الرخام
(31/221)

من سائر الجهات. وكملت عمارة ذلك، فى آخر سنة إحدى وتسعين.
وفيها، فى تاسع شوال، أمر السلطان الملك الأشرف بالقبض على الأمير سيف الدين قرارسلان «1» ، وجمال الدين أقوش الأفرم المنصوريين، فقبض عليهما الأمير علم الدين الشجاعى واعتقلهما بالقلعة. وأقطع السلطان إقطاعيهما «2» للأميرين عز الدين أزدمر العلائى، وشمس الدين سنقر المسّاح.
وفيها، فى ثانى شوال، أمر الأمير علم الدين الشجاعى، بإخراب ما على جسر الزلابية بدمشق، من الحوانيت، وبإخراب جميع ما هو مبنى على نهر بانياس «3» ونهر المجدول من تحت القلعة، إلى باب الميدان الأخضر، وإلى الخانقاه، فأخربت المسايح «4» ودار الصناعة، وبيوت ومساكن وخانات ودار الضيافة، وحمام كان بنى للملك السعيد، والمسايح «5» التى على نهر بردى، والسقاية التى تعرف بالعجمى، وسقاية أرجواش، ولم يبق غير المساجد «6» .
وفيها، فى يوم الخميس، ثالث عشر ذى الحجة، زاد الأمير علم الدين [الشجاعى] فى الميدان الأخضر الصغير، الذى فيه القصر الأبلق، مقدار سدسه من جهة الشمال إلى قريب النهر، حتى صار بين حائط الميدان والنهر مقدار ذراع ونصف ذراع بالعمل «7» . وقسم الحيطان على الأمراء والأجناد وبعض
(31/222)

عوام البلد. وعمل هو بنفسه ومماليكه، فلم يوفر أحد نفسه من العمل، فكانت عمارة ذلك فى يومين «1» .
وفيها، فى العشر الآخر «2» من ذى الحجة، قبّض على الشيخ سيف الدين الرجيحى «3» وهو من ذرية الشيخ يونس. وجهز من دمشق إلى الباب السلطانى، على خيل البريد.
وفى هذه السنة، فى أوائلها، كملت عمارة قلعة حلب. وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى، نائب السلطنة بحلب، قد شرع فى عمارتها فى الأيام المنصورية، فكملت الآن، وكتب عليها اسم السلطان الملك الأشرف.
وكان هولاكو قد خرّبها كما تقدم «4» ذكر ذلك.
وفيها، فى يوم الخميس، ثالث عشر رجب، كانت وفاة الأمير بهاء الدين يمك «5» الناصرى، مقدم الميسرة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، بمقبرة الرباط الناصرى. وكان رجلا عاقلا قليل الاجتماع بالناس «6» .
(31/223)

وفيها، كانت وفاة الأمير سابق الدين لاجين العمادى، رحمه الله تعالى.
كان يتولى الأعمال القوصية قديما، فى «1» الدولة المعزية، إلى أوائل الظاهرية.
وعّمر بمدينة قوص مدرسة معروفة به. ثم ولى فى الدولة الظاهرية الأعمال الشرقية. وكانت وفاته بالقاهرة، فى العشر الآخر «2» من شهر رمضان منها، وذلك بعد عزله من الأعمال الشرقية، وعمر نحو اثنتين وثمانين سنة. وكان دينّا خيرا، كثير الصدقة والإحسان، أمينا عفيفا، ما سمع عنه، أنه ارتكب معصية قط، ولا شرب خمرا، ولا ارتشى، ولا أتى مكروها. وكان محترما عند الملوك.
وأصله مملوك الصاحب عماد الدين، وزير صاحب الجزيرة. ثم أنتقل مع أستاذه فى أواخر الدولة الكاملية، وتقدم فى الدولة الصالحية وما بعدها، وولى الولايات. وكانت الولايات يومذاك لا يصل إليها إلا أكابر الأمراء وتقاتهم، رحمه الله «3» تعالى.
وفيها، فى العشرين الأخر، من شهر رمضان، توفى الأمير علاء الدين أيدكين الصالحى، نائب السلطنة بصفد بها، رحمه الله «4» تعالى.
وفيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قطز المنصورى. وكان من أكابر المماليك المنصورية، وأكابر الأمراء. وكانت وفاته بحمص. وكان مجردا بها، رحمه الله تعالى.
(31/224)

واستهلت سنة إحدى وتسعين وستمائة [691- 1291/1292]
فى هذه السنة، فى يوم الجمعة، رابع عشر صفر، وقع بقلعة الجبل حريق عظيم فى بعض الخزائن، وأتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب «1» .
وفيها، فى يوم الخميس، حادى عشر شهر ربيع الأول، أمر السلطان أن يجمع القراء والعلماء والأكابر، بالقبة المنصورية، لقراءة ختمة شريفة، فاجتمع الناس لذلك. ونزل السلطان من الغد، لزيارة قبر والده، وتصدق بأموال جزيلة.
وفيها، فى تاسع عشرين شهر ربيع الأول، فى يوم الجمعة، خطب الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد، بجامع قلعة الجبل، خطبة بليغة، حث فيها على الجهاد، وأمر بالنفير، وصلّى بالناس الجمعة.
ذكر توجه السلطان إلى الشام «2»
وفى هذه السنة، فى الساعة الثامنة من يوم السبت، ثامن شهر ربيع الآخر استقل ركاب السلطان إلى جهة الشام، بجميع العساكر. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت سادس جمادى الأولى، وأمر بالنفقة على جميع العساكر فى ثامن
(31/225)

الشهر، ووصل صاحب حماه لتلقى السلطان «1» . ثم عرض السلطان الجيوش، وقدمهم «2» أمام ركابه إلى جهة حلب، وتوجه هو من دمشق فى الساعة الخامسة من يوم الاثنين، سادس عشر جمادى الأولى، ووصل إلى حلب فى ثامن عشرين الشهر «3» .
ذكر فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين «4»
كان فتوح هذه القلعة، فى يوم السبت، حادى عشر رجب، سنة إحدى وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان رحل من حلب بسائر العساكر المصرية والشامية، فى رابع جمادى الآخرة، ونزل على قلعة الروم، يوم الثلاثاء ثامن الشهر وحاصرها وضايقها، ونصب عليها عشرين منجنيقا، خمسة منها إفرنجية، وخمسة عشر قرابغا وشيطانية «5» . ورمى بالمجانيق، وعملت النقوب، فيسّر الله فتحها. وكانت مدة المقام عليها، إلى أن فتحت، ثلاثة وثلاثين يوما. وكان للأمير علم الدين الشجاعى فى فتحها النصيب الأوفى، فإنه تحيلّ فى عمل سلسلة بالقرب من شراريف القلعة، [وأوثق طرفها بالأرض، فتمسك الجند بها، وطلعوا إلى القلعة] «6» . وكان ممن طلع إلى القلعة، سيف الدين أقجبا، أحد مماليك
(31/226)

الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، ولم يكن من أعيان مماليكه، بل كان فى خدمة ولده صلاح الدين خليل. فتحيل وطلع إلى سور القلعة، وقاتل قتالا شديدا، وجرح ثم رجع، والسلطان ينظر إليه. فسأل عنه، فعرف به، فأرسل إليه خلعة، وأنعم عليه بمال، ووعده بإقطاع، وأمر أستاذه الأمير بدر الدين، أن يذكر السلطان به، إذا عاد إلى حلب، فلم يفعل. ثم صار بعد ذلك، من جملة مقدمى الحلقة. وتأمّر بعد ذلك، فى سنة تسع عشرة وسبعمائة بطبلخاناة، وتولى عمل الفيوم من الديار المصرية. وفتحت القلعة عنوة «1» ، وقتل من كان بها من المقاتلة، وسبيت النساء والذرية، ووجد فيها بطرك الأرمن، فأخذ أسيرا. ومحا السلطان عن هذه القلعة، تسميتها بالروم، وسماها قلعة المسلمين.
ووصل إلى الزرد خاناة السلطانية، من الأسرى ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من الأمراء: الأمير شرف الدين بن الخطير، وشهاب الدين بن ركن الدين أمير جاندار. ورتب السلطان الأمير علم الدين الشجاعى لعمارة القلعة، وأمره بإخراب ربضها وابعاده عنها. فتأخر لذلك، وصحبته عسكر الشام «2» .
ولماتم هذا الفتح، أنشئت كتب البشائر إلى الممالك. وكان مما كتب إلى دمشق، كتاب عن السلطان إلى قاضى القضاة شهاب الدين الخويى «3» ونسخته:
(31/227)

بسم الله الرحمن الرحيم، أخوه خليل بن قلاوون.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامى، القاضى الأجل،- وذكر القابه ونعوته- خصه الله بأنواع التهانى، وأتحفه بالمسرات التى تعوّذ بالسبع المثانى.
وأورد على سمعه، من بشائر نصرنا وظفرنا، ما يستوعب فى وصفه ومدحه الألفاظ والمعانى.
نبشره «1» بفتح ما سطرت الأقلام إلى الأقاليم أعظم من بشائره، ولا نشرت برد المسرات، بأحسن من إشارته وأشائره. ولا تفوهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر، بأفصح من معانيه، فى سالف الدهر وغابره، وهو البشرى بفتح قلعة الروم، والهنا لكل من رام بالإسلام نصرا ببلوغ مارام وما يروم. [ونقصّ «2» ] أحسن قصص هذا الفتح المبين، والمنح الذى تباشر به سائر المؤمنين، ونساوى فى الإعلان والإعلام به كل من قرّ عينا من الأبعدين والأفربين. ونخضّ بمصرى مبشراته الحكام ليعمّوا بنشرها عامة الناس. ونفرض لكل ذى مرتبة عليه منه نصيبا يجمع من الابتهاج والأنواع والأجناس. وذلك أنا ركبنا لغزوها، من مصر، وقد كان من قبلنا من الملوك، يستبعد مداها، ويناديها فلا يجيب إلا بالصد والإعراض صداها، ويسائل عن جبالها «3» ؛ فتحيل فى الجواب على النسور المهومة، ويستشير «4» أولى الرأى فى حصرها، فلا يسمع إلا الأقوال المثلوبة والأراء
(31/228)

المتلومة، ومازلنا نصل السرى «1» ، ونرسل الأعنة إلى نحوها، فتمدّ الجياد أعناقها إليها مدا، ينقطع بين قوتها وقوته السير. واستقبلنا من جبالها «2» كل صعب المرتقى، وعر «3» المنتقى، شاهق لا يلقى «4» به مسلك ولا يلتقى. فما زالت العزائم الشريفة تسهل «5» حزونه، والشكائم تفجر «6» بوقع السنابك على حجارته «7» عيونه «8» ، والجياد المطهمة ترتقى، مع امتطاء متونها بدروع الحديد متونه. فلما أشرف عليها منا أشرف سلطان، جعل جبلها دكا، وحاصرناها حصارا ألحقها بعكا وأخواتها، وإن كانت أحصن من عكا. ونصبنا عليها عدة مجانيق تنقض حجارتها انقضاض النسور، وتقبض «9» الأرواح من الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم بسور، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس الأسد الهصور. هذا والبقوب تسرى فى بدناتها سريان الخيال، وإن كانت جفونها المسهدة، وعمدها الممددة وحفظنها المجندة، ورواسيها على جبل الفرات موطدة. وقد خندقوا عليها خندقا
(31/229)

جرت فيه الفرات من جانت ونهر مرزبان من جانب، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب، وسفح صرحها الممدد فكأنه عرش لها على الماء وإذا رمقها طرف رائيها اشتبهت عليه بأنجم السماء. وما زالت المضايقة تقص «1» من حبلها «2» أطرافه، وتستدر «3» بحلبها «4» أخلافه، وتقطع بمسائل جلاد معاولها وجدالها خلافه. وتورد عليها من سهامها كل إيراد لا يجاوب إلا بالتسليم، وتقضى عليها بكل حكم لا تقابل توبته إلا بالتحكيم.
ولما أذن الله بالفتح الذى أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى «5» على أهل الإيمان من المجاهدين أثواب. الثواب. فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره، فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب الفرد. فسبحان من صهل صعبها، وعجل كسبها، وأمكن منها ومن أهلها، وجمع شمل الممالك الإسلامية بشملها. فالمجلس السامى يأخذ خطه من هذه البشرى، التى بشرت بها ملائكة السماء، ملك البسيطة وسلطان الأرض. وتكاثر على شكرها كل من أرضى الله طاعة وأغضب من لم يرض، من ذوى الإلحاد «6» ، وممن حاد الله [و] حاد،
(31/230)

وممن ينتظر من هذا الإيعاز «1» إنجاز الإيعاد، فلا ينجيه الإمضاء «2» هربا ولا الإبعاد.
فإنه بفتح «3» هذه القلعة وتوقلها «4» ، وحيازة ثغرها ومعقلها، تحقق من بسيحون وجيحون، أنهم بعد فتح باب الفرات، بكسر أقفال هذه القلعة لا يرجونّ أنهم ينجون «5» .
وما يكون بعد هذا الفتح، إن شاء الله إلا فتح المشرق والروم والعراق، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى مطلع الإشراق. والله تعالى يمدنا من دعواته الصالحه، بما تعدو به عقود الآمال حسنة الانساق، إن شاء الله.
كتب يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين وستمائة، حسب المرسوم الشريف «6» .
وكتب عن الأمير علم الدين الشجاعى، نائب السلطنة بدمشق، إلى قاضى القضاة، شهاب الدين الخويى «7» أيضا. وهو من إنشاء الفاضل شرف الدين القدسى، ما مثاله بعد البسملة:
(31/231)

ضاعف الله مسار الجناب العالى المولوى الفضائى الشهابى- وذكر القابه ونعوته- ولا زالت وفود البشائر إليه تنرى، وعقود النهانى تنص «1» إليه نظما ونثرا. وفواتح الفتح تتلى عليه لكل آية نصر يسجد لها القلم فى الطرس شكرا، وتشتمل على أسرار الظفر فيأنى الإسماع من غرابتها بما لم يحط به خبرا «2» .
وتتحفه «3» بظهور أثر المساهمة فتهدى إليه سرورا وأجرا.
المملوك يستفتح من حمد الله على ما منح من آلائه، وفتح على أوليائه، ووهب «4» من الإعداء على أعدائه، ويسرّ من الظفر الذى أيد فيه بنصره وأمدّ بملائكة سمائه، ما يستديم الإنجاد بحوله، ويستزيد به الأمداد من فضله وطوله. ويوالى «5» من الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما يستدر «6» به أخلاف الفتوح، ويسترهف بيمنه الصوارم التى هى على من كفر بالله ورسوله دعوة نوح. ويهدى من البشائر ما تختال به أعطاف المنابر سرورا، ويتعطر بذكره أفواه المحابر حبورا، وترشف «7» الأسماع موارد وارده، فيستحيل فى قلوب الأعداء
(31/232)

نارا وفى قلوب الأولياء نورا. ويبادر مساهمة الحاضر فى استماعه كل باد «1» فينقلب إلى أهله مسرورا.
وينهى أنه أصدرها والنصر قد خفقت بنوده، وصدقت وعوده، وسار بمختلفات البشائر فى كل قطر بريده. والأعلام الشريفة السلطانية، قد امتطت من قلعة الروم صهوة لم تذلّ لراكب. وحلت من قنتها «2» وفلتها بين الذروة والغارب.
وأراقت أسنتها من دمائهم ما ترك الفرات «3» لا يحل «4» لشارب. ومدّ الأيمان بها أطنابه، وأعجلت السيوف المنصورة الشرك أن يضم للرحلة أثوابه. واستقرت بها قدم الإسلام ثابتة إلى الأبد، وقتّلت بأرجائها، سيوف أهل الجمعة، حتى رق أهل السبت لأهل «5» الأحد. وأذهب الله عنها التثليث حتى كاد حكم الثلاثة أن يسقط من العدد، وتبرأ منهم من كان يغرهم بامداده، حتى الفرات لمجاورتهم، ودّت النقص خوفا أن يطلق على زيادتها اسم المدد. ونطق بها الأذان فخرس «6» الجرس.
وعلت بها كلمة الإيمان، فأضحت لها بعد الإبتذال آية الحرس. وأسمعت دعوة الحق ما حولها من الجبال فسمعت وهى الصم، ولبت الداعى بلسان الصدى الناطق عن شوامخها الشم.
(31/233)

وكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى فى الحلق «1» ، والغلة فى الصدر، والخسوف الطارئ على طلعة البدر. لا تخلو من غل تضمره، فى لين تظهره، وغدر تستره، فى عذر تورده وتصدره. وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار، وموادعة التتار، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال، ومساواتهم لهم حتى فى الزى والحال. يمدونهم بالهدايا والألطاف، ويدلونهم على عورات الأطراف. وهم يتقون بمسالمة الأيام، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث فى زمام، ويغترون بها. ولولا السطوات الشريفة، لحق بمثلها أن يغتر.
ويسكنون إلى حصانتها كلما أو مض فى حلك «2» السحب برق ثغرها المفتر.
وهو حصن صاعد منحدر، بارزه مستدير، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر، ولا تنظره العيون حتى تبلغ «3» القلوب الحناجر، كأنه فى ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن، ويجرف الظاهر وهو باطن. قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها، ومدت عليه الغمائم أطنابها ومضاربها. وقد تنافست فيه الرواسى الرواسخ فأخفاه بعضها عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك بين النار والهواء والماء والأرض. وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف فى كف طالب ثأر، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف معها كالسوار. وفى قنة «4» قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل،
(31/234)

ويصل «1» النظر إلى تخيل «2» هضابه فلا يهتدى إلى تصورها بغير دليل، وكذلك من شرقها وغربها، فلا تنظرها الشمس وقت الشروق «3» ، ولا يشاهدها [القمر] وقت الأصيل. وحولها من الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلا بوصفه، ولا الشهر إلا بنصفه.
وأما الطريق إليها فيزل «4» الذرّ عن متنها. ويكل طرف الطرف عن سلوك سهلها فضلا عن حزنها. «5» وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور «6» ، ومن التتار فرق زيادتهم للتغوير «7» ، قد بذلوا دونها النفوس، وتدرعوا للذب عنها لبوس.
(31/235)

وأقدموا على شرب كأس الحمام، خوفا أن يكفرهم التكفور؛ ويحرمهم خليفتهم الحاكم بها، كتبغا نميكوس «1» . وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وفسح فى ميدان الضلالة آمالهم، فلما تراءت الفئنان، نكص على عقبية، وترك «2» كلا منهما «3» يعض من الندم يديه. وحين أمر مولانا السلطان، خلّد الله سلطانه، الجيوش المنصورة بالنزول عليها، والهجوم من خلفها ومن بين يديها، ذللت مواطىء جيادها صهوات تلك الجبال. وأحاطت بها من كل جانب إحاطة الهلال بالهلال. وسلكوا إليها تلك المخارم «4» ، وقد تقدمهم «5» الرعب هاديا وأقدموا على [قطع] «6» تلك المسالك والمهالك، بالأموال والأنفس، ثقة بأنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا. فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام، فى أجنحة السهام. وخضّبت «7» الأحجار تلك الغاده العذراء «8» للضرورة،
(31/236)

وللضرورات أحكام. وأزالت «1» النقابة عنها نقاب احتشامها. ودبّت فى مفاصلها دبييب السقم فى عظامها، مع أنها مستقرة على الصخر الذى لا مجال فيه للحديد، ولكن الله أعز بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب الفتح على ما يريد. وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها فأيقنوا بالعذاب الأليم، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التى ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وساهموها صلاة الخوف، فلسهامهم الركوع، ولبروجهم السجود، ولقلعتهم التسليم. ولم تزل تشن عليهم غارة بعد غارة، وتسقيهم على الظمأ صوب «2» أحجارها، وإن من الحجارة، وهى مع ذلك تظهر الجلد والجد، وتغضب غضب الأسير، على القد.
وتخفى ما تكابد من الألم، وتشكو بلسان الحال شكوى الجريح إلى العقبان والرخم، إلى أن جاءت «3» من الأنجاد «4» ما كانوا يأملون. وسطت مجانيقنا «5» على مجانيقهم فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. وكلما سقطت أسوارها، وتهتكت بيد النقوب «6» أستارها، وتوهم الناظر أنها هانت، رآها المباشر فى تلك الحالة
(31/237)

أشد ما كانت، وثبتت على الرمى والارتماء، وعزّت «1» على من اتخذ نفقا فى الأرض أو سلّما فى السماء، واستغنت بمكان السور، وانفضت أحجارها على أسوار الحرب انقضاض النسور.
وكان الفتح المبارك فى صباح يوم السبت، حادى عشر رجب الفرد، سنة إحدى وتسعين وستمائة بالسيف عنوة. فشفت «2» الصوارم من أرجاس الكفر العلل «3» بقمع «4» العدى وكبتها. وسطا خميس الأمة يوم السبت، على [أهل] «5» يوم الأحد، فبارك الله لخميس الأمة فى سبتها.
فليأخذ [القاضى] «6» من هذه البشرى، التى أصبح الدين بها عالى المنار، بادى الأنوار. ضارب مضارب دعوته على الأقطار، ذاكرا بموالاة «7» القتوح أيام الصدر الأول من المهاجرين والأنصار. وليشعها على رءوس الإشهاد
(31/238)

ويجعلها فى صحف الفتوح السالفة بمنزلة المعنى فى القرينة والمثل فى الاستشهاد.
ويمدّ الجيش بهمته التى ترهف الهمم، وأدعيته التى تساعد الساعد وتؤيد اليد وتقدم القدم. ويشارك بذلك فى الجهاد حتى يكون فى نكاية الأعداء على البعد كسهم أصاب ورامية بذى سلم. ويستقبل من البشائر بعدها ما تكون له هذه بمنزلة العنوان فى الكتاب، والأحاد فى الحساب، وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس.
والله تعالى يجعل شهاب فضله لامعا، ونور علمه فى الأفاق ساطعا، ويتحفه من مفرقات «1» التهانى بكل ما يغدو «2» لشمل المسرات جامعا، إن شاء الله تعالى.
كتب فى يوم الفتح المذكور «3» .
وكتب غير ذلك من كتب البشائر، اقتصرنا منها على ما أوردناه «4» .
ثم رحل السلطان من قلعة الروم إلى حلب، فأقام بها بقية شهر رجب، ونصف شعبان. وعزل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى عن نيابتها.
ورتب بها الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى. وجعل الأمير عز الدين أيبك الموصل شاد الدواوين.
(31/239)

وقيل إنه ولاه قلعة الروم «1» وما جمع إليها، فامتنع من قبول هذه الولاية. فغضب السلطان وأمر بالقبض عليه، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين أقش الفارسى فبقى بها أياما وتوفى، فأعاد السلطان الأمير عز الدين الموصلى. ورحل السلطان عن حلب إلى دمشق، فكان وصوله إليها، فى يوم الثلاثاء العشرين من شعبان فأقام بها بقية شعبان وشهر رمضان وبعض شوال.
وفيها، حصل لجمال العسكر مرض، سلّت منه حتى جانت الوطاقات منها. ولم يجد الأمراء من الجمال ما يحملون عليه أثقالهم، فحملوها على البغال والأكاديش.
ذكر توجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر إلى جبال الكسروان واضطراب العسكر
وفى هذه السنة، فى شعبان توجه الأمير بدر الدين بيدرا بمعظم العساكر المصرية، وصحبته من الأمراء الأكابر، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير بدر الدين بكتوت الأتابكى، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى وغيرهم، وقصد جبال الكسروان. وأتاهم من جهة الساحل، الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا؛ والأمير عز الدين أيبك الحموى وغيرهما. والتقوا بالجبل» وحضر [إلى] «2» الأمير بدر الدين بيدرا من أثنى «3» عزمه. وكسر حدته. فحصل الفتور فى أمرهم، حتى تمكنوا من بعض
(31/240)

العسكر، فى تلك الأوعار، ومضايق الجبال، فنالوا منهم. وعاد العسكر شبه المنهزم، وطمع أهل تلك الجبال، فاضطر الأمير بدر الدين إلى إطابة قلوبهم والإحسان إليهم. وخلع على جماعة من أكابرهم، فاشتطوا فى الطلب، فأجابهم إلى ما التمسوه، من الإفراج عن جماعة منهم، كانوا قد اعتقلوا بدمشق، لذنوب وجرائم صدرت منهم. وحصل للكسروان من القتل والنهب والظفر، ما لم يكن فى حسابهم. وحصل للأمراء والعسكر من الألم لذلك، ما أوجب تصريح بعضهم بسوء تدبير الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، ونسبوه إلى أنه إنما أهمل أمرهم، وفتر عن قتالهم، حتى تمكنوا مما تمكنوا منه لطمعه، وأنه تبرطل منهم وأخذ جملة كثيرة، ولهج الناس بذلك. وتوجه الأمير بدر الدين بيدرا بالعساكر إلى دمشق. فتلقاه الملك الأشرف، وأقبل عليه وترجل لترجله عند السلام [عليه] «1» . فلما خلا به، أنكر عليه سوء اعتماده وتفريطه فى العسكر، فمرض لذلك، حتى أشاع «2» الناس أنه سقى. ثم عوفى فى العشر الأوسط من شهر رمضان، فتصدق السلطان بجملة كثيرة، شكرا لله تعالى على عافيته، وأطلق جماعة كثيرة ممن كان فى السجون. وتصدق هو أيضا بجملة، ونزل عن كثير مما كان قد اغتصبه من أملاك الناس، بالإيجار «3» الذى هو على غير الوجه الشرعى. وجمع العلماء والقضاة والقراء والمشايخ، فى العاشر من شهر رمضان، بالجامع بدمشق لقراءة ختمة. وأشعل «4» الجامع فى هذه الليلة، كما
(31/241)

يشعل «1» فى نصف شعبان.
ذكر هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله، والقبض على طقصوا «2»
وفى هذه السنة، فى ليلة عيد الفطر، هرب الأمير حسام الدين لاجين من داره بدمشق. فنودى عليه، من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق.
وركب السلطان فى خاصكيته وجماعة من الأمراء. وترك سماط العيد، وساق فى طلبه، وعاد بعد العصر، ولم يظفر به. «3»
واتفق أنه التجأ إلى طائعة من العرب كان يثق بصحبتهم. فقبضوا عليه وجىء به إلى السلطان فاعتقله. وقبض أيضا على الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا، وجهز إلى قلعة الجبل. وكان السبب فى القبض على طقصوا، أنه كان قد تكلم على الأمير بدر الدين بيدرا. وقال إنه ارتشى من الكسروان.
فوجد بيدرا عليه، وأسرها فى نفسه، وتربص به الدوائر. فلما قبض على الأمير حسام الدين لاجين، خاطب بيدرا السلطان فى القبض على طقصوا، لأن لاجين كان قد تزوج ابنته، فقبض عليه.
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات وعود السلطان إلى الديار المصرية
وفى هذه السنة، فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير عز الدين أيبك
(31/242)

الحموى الظاهرى، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الشجاعى. وفوّض نيابة السلطنة بالفتوحات «1» للأمير سيف الدين طغريل الإيغانى «2» ، عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، بحكم انتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية كما تقدم «3» . ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل. وكان رحيله من دمشق، فى الثلث الآخر من ليلة الثلاثاء عاشر شوال. وكان قد رسم لأهل الأسواق بدمشق أن يخرج كل واحد منهم، وبيده شمعة يوقدها، عند ركوب السلطان، فخرجوا بأجمعهم.
ورتبوا من باب النصر [أحد أبواب دمشق] «4» ، إلى مسجد القدم. ولما ركب السلطان، اشتعلت تلك الشموع، وساق وهى كذلك إلى نهاية ذلك الجمع.
وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل، فى يوم الأربعاء ثانى ذى القعدة.
ذكر عدة حوادث كانت فى خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده
فى هذه السنة، فى أو آخر شهر ربيع الآخر، ورد البريد من الرحبة إلى دمشق، يخبر أن طائفة من التتار، أغادوا على ظاهر الرحبة، واستاقوا مواشى كثيرة. فجرد نائب السلطنة إليها جماعة من عسكر دمشق، فى ثامن عشرين الشهر «5»
(31/243)

وفيها، فى العشر الأوسط من جمادى الأولى، تزوج الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، بابنة الصاحب شمس الدين بن السلعوس، على صداق مبلغه ألف دينار وخمسمائة دينار عينا، عجّل من ذلك خمسمائة دينار.
وفيها، بعد أن توجه السلطان إلى قلعة الروم بأيام يسيرة، تسوّر عبد أسود إلى أسطحة أدر الحرم السلطانية بقلعة دمشق. فأمسك وقررّ، فذكر أن أحد المؤذنين بجامع القلعة نصب له سلّما، وأصعده إلى هناك. فطولع السلطان بذلك، فورد المرسوم بقطع أطرافهما وتسميرهما، ففعل ذلك بهما «1» .
وفيها، فى شعبان طلّق الملك المظفر، صاحب حماه، زوجته، وهى ابنة خاله الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك العزيز محمد، ابن الملك الظاهر غازى، ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فعاب الناس عليه ذلك، واستقبحوه [منه] «2» . وتوجهت هى من حماه إلى الديار المصرية، فتوفيت بعد وصولها إليها بعشرين يوما.
وفيها، بعد أن توجه السلطان من دمشق إلى الديار المصرية، استعفى القاضى محيى الدين بن النحاس، من مباشرة نظر الدواوين بالشام، فأعفى من ذلك.
ورتب فى نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين بن هلال. ورتب فى نظر الدواوين جمال الدين إبراهيم بن صصرى.
وفيها، أفرج السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، بعد عوده من قلعة الروم، وأمر بإحضاره من الديار المصرية إلى دمشق، فأحضر. فخلع عليه السلطان، واستصحبه معه إلى الديار المصرية وأمرّه.
(31/244)

وفيها، رتب السلطان الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصورى، فى تقدمة المماليك السلطانية «1» .
ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك الناصرى ووفاتهما، ووفاة طقصوا والإفراح عن الأمير حسام الدين لاجين
وفى هذه السنة، لما عاد السلطان إلى الديار المصرية، قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين جرمك الناصرى. وأمر باعدامهما، وإعدام طقصوا ولاجين. فكان الذى تولى خلق لاجين، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فتلطف به، وانتظر أن تقع به شفاعه.
فشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا، فأمر السلطان بالإفراج عنه، وهو يظن أنه قدمات «2» . فسلّمه الله تعالى، لما كان له فى طى الغيب ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى «3» . وقيل إن السلطان قبض على سنقر الأشقر من دمشق.
وفيها، فى منتصف شهر رمضان، توفى القاضى فتح الدين محمد ابن القاضى محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشاء. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. ومولده فى أحد الربيعين «4» ، سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان قد تمكّن فى الدولة المنصورية، والدولة
(31/245)

الأشرفية تمكنا كثيرا، وتقدم على أبيه وغيره. ولما اعتلّ، رحمه الله، كتب إلى أبيه:
إن شئت تنظرنى وتنظر حالتى ... قابل إذا هب النسيم قبولا
لتراه مثلى رقة ولطافة «1» ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا
وهو الرسول إليك منى ليتنى ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ولما مات، أجرى السلطان الملك الأشرف جامكيته وجرايته وراتبه، على ولده القاضى، علاء «2» الدين على، واستقر فى جملة كتاب الإنشاء. وولىّ صحابة ديوان الإنشاء، بعد وفاة القاضى فتح الدين، القاضى تاج الدين أبو الظاهر أحمد ابن القاضى شرف الدين أبى البركات سعيد بن اشمس لدين أبى جعفر محمد ابن الأثير الحلبى التنوخى، فلم يلبث إلا شهرا أو قريبا من شهر، وتوفى إلى رحمة الله تعالى. وكانت وفاته، يوم الخميس تاسع عشر شوال من هذه السنة، بظاهر غزة، ودفن هناك رحمه الله تعالى. وولى بعده صحابة ديوان الإنشاء، ولده القاضى عماد الدين إسماعيل، واستمر إلى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة «3» وفيها، فى يوم السبت العشرين من شوال، توفى الأمير سابق الدين الميدانى بدمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
(31/246)

واستهلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة [692- 1292/1293]
فى هذه السنة، فى أولها فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والحصون، إلى الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، عوضا عن الأمير سيف الدين طغربل الإيغانى «1» ، بحكم استعفائه من النيابة، وسؤاله. فوصل إلى دمشق فى سابع عشرين المحرم، وصحبته خمسة أمراء بطبلخاة، وتوجه إلى جهته.
وفيها، فى صفر، حصل ببلاد غزة والرملة ولد «2» والكرك «3» ، زلزلة عظيمة، كان معظمها بالكرك، فإنها هدمت ثلاثة أبراج من قلعتها. فندب الأمير علاء الدين أيدغدى الشجاعى من دمشق، وصحبته الصناع لعمارة ما انهدم بالكرك.
وفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أزدمر العلائى، أحد الأمراء بدمشق: فقبض عليه، وجهز إلى الأبواب السلطانية فى غرة شهر ربيع الأول «4»
(31/247)

ذكر توجه السلطان إلى الصعيد
وفى هذه السنة، توجه السلطان إلى جهة الصعيد للصيد، واستصحب معه الصاحب شمس الدين [بن السلعوس] «1» ، وترك الأمير بدر الدين بيدرا بقلعة الجبل. وانتهى السلطان إلى مدينة قوص، وتصيد بها. وأمر الحجاب والنقباء أن ينادوا «2» فى العسكران يتجهزوا لغزو اليمن. ثم عاد السلطان إلى قلعة الجبل.
ولما كشف الصاحب شمس الدين [بن السلعوس] «3» الوجه القبلى فى هذه السفرة، وجدت الجهات الجارية فى ديوان الأمير بدر الدين بيدرا من الافطاعات والمشتروات «4» والحمايات «5» ، أكثر مما هو جار فى الخاص السلطانى.
ووجد الشون «6» السلطانية «7» بنواحى الوجه القبلى، خالية من الغلال والحواصل، وشون الأمير بدر الدين بيدرا مملوءة. فأنهى ذلك إلى السلطان وأطلعه عليه، فتغير السلطان على بيدرا. واتصل هذا الخبربه، فقصد تلافيه. وجهز للسلطان تقدمة عظيمة، كان من جملتها، خيمة أطلس معدنى أحمر، بأطناب ابريسم «8»
(31/248)

بأعمدة صندل، محلاة ومفصلة «1» بالفضة المذهبة، وبسطها «2» ببسط الحرير، وما يناسب هذه الخيمة من التقادم. وضرب هذه الخيمة بالعدوية «3» ، فنزل السلطان بها ساعة من نهار، وما أظهر البشاشة للتقدمة «4» ، ولا استحسنها مع عظمها.
ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل، وارتجع بعض جهات بيدرا للخاص [السلطانى] «5»
ذكر توجه السلطان إلى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن، وإضافتها الى الممالك الإسلامية
وفى هذه السنة، بعد عود السلطان من جهة الصعيد، تجهز بعساكره إلى إلى الشام. وأمر الأمير بدر الدين بيدرا، أن يتوجه بالعساكر إلى دمشق على الطريق الجادة «6» . وتوجه الصاحب بالخزانة إليها، وركب السلطان على الهجن، وفى خدمته جماعة من الأمراء والخاصكية. وتوجه إلى الكرك وشاهد حصنها ورتب أموالها، وتوجه منها إلى دمشق. فكان وصوله إليها، فى تاسع جمادى الآخرة. ووصل نائب السلطنة والصاحب قبله بثلاثة أيام.
ولما حلّ ركابه بدمشق، أمر بتجهيز العساكر إلى بلاد سيس، فوصل رسل صاحب سيس، يسألون مراحم السلطان وعواطفه، ويبذلون له الرغائب.
(31/249)

فاتفق الحال على أن يسلموا لنواب السلطان بهسنا ومرعش وتل حمدون. فأعاد السلطان رسله، وصحبتهم الأمير سيف الدين طوغان والى بر دمشق، فتسلمها وبلادها. ووصل البريد بذلك فى العشر الأول من شهر رجب. ودقت البشائر لذلك. ورتب السلطان فى نيابة السلطنة ببهسنا «1» ، الأمير بدر الدين بكتاش المنصورى، وعين لها قاضيا خطيبا. واستخدم بها رجالا وحفظة. ثم وصل الأمير سيف الدين طوغان، وصحبته رسل سيس، بالحمل والتقادم. وكان وصولهم إلى دمشق، فى ثامن عشرين شهر رجب بعد عود السلطان، فتوجهوا إلى الديار المصرية.
وهذه بهسنا من أعظم القلاع وأحصنها، ولها ضياع كثيرة. وهى فى فم الدربند «2» ، وكانت بيد ملوك الإسلام بحلب، إلى أن ملك هولاكو حلب.
وكان النائب بها من جهة الملك الناصر، الأمير سيف الدين العقرب، فأباعها لصاحب سيس، بمائة ألف درهم، أعطاه منها ستين ألف درهم، وتسلمها الأرمن [أهل سيس] «3» ، وبقيت فى أيديهم إلى الآن «4» .
ذكر القبض على الأمير حسام الدين مهنا ابن عيسى وأخوته
وفى هذه السنة، فى ثانى «5» من شهر رجب، توجه السلطان من دمشق إلى
(31/250)

حمص، بجماعة من العساكر، وأعاد ضعفة العساكر إلى الديار المصرية. ثم توجه السلطان من حمص إلى سلمية، فى ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى.
فلما قدّم للسلطان ضيافته، أمر بالقبض عليه، وعلى إخوته فقبض عليهم «1» ، وهو على الطعام، وجهّزه تحت الاحتياط، صحبة الأمير حسام الدين لاجين، فوصل به إلى دمشق، فى يوم الأحد سابع شهر رجب. ووصل السلطان إلى دمشق، فى بقية النهار. وجعل السلطان إمرة العرب، بعد القبض على مهنا، لابن عمه الأمير محمد بن أبى بكر على بن حذيفة «2» . ثم أمر السلطان الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، أن يتوجه بالعساكر إلى الديار المصرية، هو والصاحب شمس الدين والخزانة، كما حضرا [من حمص] «3» . فتوجها من دمشق فى يوم الخميس حادى عشرة شهر رجب. وتوجه السلطان بعدهما، ببعض الأمراء والخاصكية. وركب من دمشق فى الساعة السابعة من يوم السبت ثالث عشر الشهر. وأراد بذلك الانفراد بنفسه وخواصه، والأنفراد بهم «4» فى الصيد، وأن لا يشتغل بالعساكر. ووصل إلى غزة، فى بكرة يوم الأربعاء سابع عشر الشهر.
ووصل إلى القاهرة فى الثامن والعشرين من شهر رجب «5» .
ذكر هدم قلعة الشوبك
وفى هذه السنة، فى شهر رجب، أمر السلطان الأمير عز الدين أيبك
(31/251)

الأفرم، أمير جاندار أن يتوجه إلى قلعة الشوبك ويهدمها، وذلك عند توجه السلطان من دمشق إلى حمص. فراجعه فى ذلك، وبيّن له فساد هذا الرأى، فانتهره، فتوجه إليها وهدمها، وأبقى القلة. وكان هدمها من الخطأ، وسوء التدبير، فإن الفلاع والحصون معاقل الإسلام، وذخائر المسلمين، وإليها يلجأون فى أوقات الشدائد والحصارات، ومنازلة الأعداء، وهو أمر لا يؤمن «1» .
[وبعد عود السلطان إلى الديار المصرية] «2» ، رسم السلطان للأمير سيف الدين طوغان، أن يتوجه إلى نيابة السلطنة، بقلعة المسلمين «3» ، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى. وولى الأمير سيف الدين استدمر «4» كرجى بر «5» دمشق، عوضا عن طوغان.
ذكر حادثة السيل ببعلبك
وفى هذه السنة، فى رجب، وصل كتاب النائب ببعلبك، يخبر أنه وقع على مدينة بعلبك، أمطار وثلوج كثيرة جدا، وأن المطر كان ينزل [وكانه] «6» قد جبل بطين، وأن السيل وصل إلى باب بعلبك، المسمى بباب دمشق،
(31/252)

وعلا حتى وصل إلى شرفات السور. ثم انحدر بعد ذلك، واقتلع كروما كثيرة، ونقل أحجارا وصخورا، وطم أكثر الطرقات، وأنه أحصى ما أفسد ببعلبك، وكانت قيمته تزيد على مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وفيها، أمر السلطان، بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار، فقبض عليه فى شوال، ووقعت الحوطة على موجوده وحواصله بالديار المصرية والشام.
ذكر ختان الملك الناصر، وما حصل من الأهتمام بذلك
وفى هذه السنة، أمر السلطان بالأهتمام، لختان أخيه الملك الناصر، ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور، وأن ينصب القبق «1» تحت قلعة الجبل مما يلى باب النصر. فنصب فى العشرين من ذى الحجة، ورماه الأمراء والأكابر ومن له ولمثله عادة بذلك. وفرّق السلطان الأموال على من أصابه. وكان ممن
(31/253)

أصابه الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى. فرماه ما لم يرمه «1» غيره قبله.
وذلك أنه كان قد اقترح سرجا وطىء الرادفة «2» جدا. فلما رآه السلطان، قال له قد كبرت يا أمير بدر الدين، فاقترحت هذا السرج. ليسهل عليك الركوب.
فقال: إن كان المملوك قد كبر، فقد رزقت ستة أولاد، وهم فى خدمة السلطان ولم أكن أفترح «3» هذا السرج إلا لأجل القبق، ثم ساق الأمير بدر الدين نحو صارى القبق. والعادة جارية أن الرامى لا يرميه إلا إذا صار بجانب الصارى، فساق إلى أن تعدى الصارى، فما شك الناس أنه فاته الرمى. ثم استلقى على ظهر فرسه، حتى صار رأسه على كفل الفرس، فرماه وهو كذلك، بعد أن تعداه، فأصاب القرعة وكسرها. فصرخ الناس لذلك واستعظموه. وظهرت للسلطان فائدة السرج، فأمر أن ينعم عليه بما بقى فى ذلك الوقت، من المال المرصد للإنعام فأعطيه، وكان خمسة وثلاثين ألف درهم. وخلع عليه، وعظم فى صدور الناس، زيادة عما عندهم من تعظيمه. وعلموا عجزهم عن الإتيان بما أتى به، وفعل ما فعله «4» ثم كان الختان المبارك، فى يوم الاثنين، الثانى والعشرين من ذى الحجة.
ونثر الأمراء الذهب الكثير فى الطشوت حتى امتلأت «5» .
(31/254)

وفيها، فى ليلة الثلاثاء حادى عشر صفر، توفى الأمير الصالح شمس الدين أبو البيان، نبا ابن الأمير نور الدين أبى الحسن على ابن الأمير شجاع الدين هاشم ابن حسن بن حسين، أمير جاندار المعروف بابن المحفدار «1» ، بداره بالروضة، قبالة مصر، بعد أن صلى العشاء الآخرة، بسورة «2» (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)
فلما فرغ من الصلاة، سجد سجدة، فمات فى سجدته، وكانت عادته أن بسجد عقيب صلاته، ويدعو الله فى سجوده. ودفن من الغد فى القرافة بتربته، بقرب تربة الإمام الشافعى. وكان رحمه لله تعالى، دينا حسن السيرة والوساطة، احتوى «3» على أوصاف جميلة، يثق الملوك به ويعلمون خيره، وديانته، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى ليلة الأربعاء، ثانى عشر جمادى الآخرة، توفى الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى بن مروان، ببستانه المعروف ببستان سامه «4» ، بالسهم، ظاهر دمشق. وصلى عليه ظهر يوم الأربعاء بالجامع المظفرى، ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى «5» . ذكر وفاته «6» الشيخ شمس الدين الجزرى «7»
(31/255)

وفيها، توفى القاضى محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، كانت وفاته بالقاهرة فى يوم الأربعاء ثالث رجب الفرد، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى. وفضائلة وشهرته بالرئاسة والآداب «1» ، تغنى عن شرح، وقد قدمنا من كلامه فى كتابنا هذا، ما يقف عليه فى مواضعه، وله شعر رقيق.
فمن شعره قوله:
ما غبت عنك لجفوة وملال ... يوما ولا خطر السلّو ببالى
يا مانعى طيب المنام وما نحى ... ثوب السقام وتاركى كالال
عن من أخذت جواز منعى ريقك ال ... عسول يا ذا المعطف العسال
عن ثغرك النظام «2» أم عن شعرك ال ... - فحام أم عن جفنك الغزالّى
فأجابنى أنا مالك شرع الهوى ... والحسن أضحى شافعى وجمالى
وشقائق النعمان أينغ نبتها ... فى وجنتى وحماه رشق نبالى
والصبر أحمد للمحبّ إذا ابتلا ... هـ الحب فى شرع الهوى بسؤال
وعلى أسارى الحبّ فى حكم الهوى ... بين الأنام عرفت بالقفّال «3»
وتفقّه العشاق فّى فكّل من ... نقل «4» الصحيح أجزته «5» بوصالى «6»
(31/256)

وفيها، فى يوم الحميس، سابع عشر شعبان، كانت وفاة قاضى القضاة معز «1» الدين النعمان بن الحسن بن يوسف، قاضى الحنفية بالديار المصرية، ودفن يوم الجمعة بالقرافة. وولى قضاء الحنفية بعده، قاضى القضاة شمس الدين أحمد السروجى الحنفى.
وفيها، كانت وفاة الملك الأفضل نور الدين على ابن الملك المظفر محمود، وهو عم الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب حماه. وقد تقدم ذكر نسبه فى مواضع من كتابنا هذا «2» . وتوفى بدمشق فى يوم الاثنين، مستهل ذى الحجة.
وصلّى عليه بجامعها، فى الثالثة من النهار، ونقل لوقته إلى حماه، فدفن بها، رحمه الله. وهو والد الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماه فى وقتنا هذا «3» .
وفيها، كانت وفاة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس «4» ، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب؛ قبل العصر من يوم الخميس، خامس شهر رجب من السنة.
ومولده بالكرك، بعد العشاء الآخرة، من ليلة الأربعاء سادس عشر شوال، سنة تسع وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.
(31/257)

واستهلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة [693- 1293/1294]
ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمهما الله تعالى
كان مقتله رحمه الله، فى يوم السبت ثانى عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة. وذلك أنه توجه إلى الصيد بجهة البحيرة. وركب من قلعة الجبل فى ثالث المحرم، وعزم على قصد الحمامات الغربية. وتوجه الصاحب شمس الدين [ابن السلعوس] «1» إلى ثغر الإسكندرية، لتحصيل الأموال، وتجهيز تعابى «2» الأقمشة. فوجد نواب الأمير بدر الدين بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر والاستعمالات «3» وغير ذلك. فكاتب السلطان بذلك، وعرفه أنه لم يجد بالثغر
(31/259)

ما يكفى الإطلاقات «1» ، على جارى العادة. فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، واستدعى بيدرا بحضور الأمراء، وأغلظ له فى القول، وشتمه وتوعده. فتلطف بيدرا فى الجواب حتى خرج من بين يدى السلطان، وجمع أعيان الأمراء من خوشداشيته، وهم الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان وغيرهما.
فاتفقوا على الوثوب به. وكان السلطان قد أعطى الأمراء الأكابر دستورا، أن يتوجهوا إلى إقطاعاتهم، وانفرد هو بخاصكيته. وفى أثناء ذلك، ركب السلطان فى نفر يسير من مماليكه للصيد بقرب الدهليز، بمنزلة تروجة «2» . فانتهز بيدرا الفرصة، وركب وصحبته لاجين وقراسنقر وبهادر، رأس نوبة، وأقسنقر الحسامى، وتوغيره «3» ، ومحمد خواجا، وطرنطاى الساقى، والطنبغا، رأس نوبة، ومن انضم إليهم.
وتوجهوا نحو السلطان، وكان بينهم وبينه مخاضة، فخاضوها وقدموا عليه. فقيل إن بيدرا ضربه بالسيف، فالتقاه بيده، فلم يعمل عملا طائلا. فسبّه لاجين، وضربه بالسيف ضربة هدلت كتفه، وأخذته السيوف حتى قتل، فى التاريخ الذى ذكرناه.
(31/260)

وحكى عن شهاب الدين أحمد بن الأشل، أمير شكار، فى كيفية مقتل السلطان.
قال: لما رحل «1» الدهايز والعسكر، جاء الخبر إلى السلطان أن بنزوجة طيرا كثيرا، فساق، وأمرنى أن أسوق فى خدمته، فسقت معه. وقال لى: عجّل بنا، حتى نسبق الخاصكية. فسقنا فرأينا طيرا كثيرا، فصرع منه بالبندق. ثم التفت إلىّ، وقال لى: أنا جيعان، فهل معك ما آكل. فقلت: والله ما معى غير رغيف واحد وفروج فى صواقى «2» ، ادخرته لنفسى. فقال: ناولنيه، فتاولته له، فأكله جميعه.
ثم قال لى: امسك فرسى، حتى أنزل أبول. وكنت كثير البسط معه. فقلت:
ما فيها حيلة، السلطان راكب حصان، وأنا راكب حجر «3» ، وما يتفقان.
فقال لى: انزل أنت، واركب خلفى حتى أنزل أنا.
قال: فنزلت وناولته عنان فرسى، فامسكه. وركبت خلفه. ثم نزل وقعد على عجزه وبال، وبقى يعبث بذكره، ويمازحنى. ثم قام، وركب حصانه، ومسك فرسى حتى ركبت. فينما أنا وهو نتحدث، وإذا بغيار عظيم قد ثار نحونا. فقال لى السلطان: اكشف لى خبر هذا الغيار، ما هو. قال: فسقت وإذا أنا بالأمير بدر الدين بيدرا والأمراء معه. قسألتهم عن سبب مجيئهم.
فلم يكلمونى ولا التفتوا إلىّ، وساقوا على حالهم، حتى قربوا من السلطان.
فابتدره الأمير بدر الدين بيدرا، وضربه بالسيف. فقطع يده. ثم ضربه لاجين على كتفه فحله، وسقط إلى الأرض. وجاء بهادر، رأس نوبة، فوضع السيف
(31/261)

فى دبره، [وأتكأ عليه] «1» حتى أطلعه من حلقه، واشترك من ذكرنا من الأمراء فى قتله «2» .
وهذه الحكاية تدل على أن السلطان، كان قد انفرد عن مماليكه، ولم يكن معه غير شهاب الدين أمير شكار، الحاكى. وبقى الملك الأشرف ملقى فى المكان، الذى قتل فيه يومين. ثم جاء [الأمير عز الدين ايدمر العجمى] «3» متولى تروجة وأهلها إليه، وحملوه إليها فى تابوت. وغسلوه فى الحمام وكفنوه، وجعلوه فى تابوت، ووضعوه فى بيت المال، فى دار الولاية بنزوجة، إلى أن حضر من القاهرة الأمير سيف الدين كوجبا «4» الناصرى. فنقله فى تابوته إلى تربته، التى أنشأها بظاهر القاهرة، بجوار مشهد السيدة نفيسة، ودفن بها فى سحر يوم الخميس «5» الثانى والعشرين من صفر، من هذه السنة. وكانت مدة سلطنته، ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام.
وكان رحمه الله تعالى، ملكا شجاعا كريما، خفيف الركاب، مظفرا فى حروبه. ولم يخلف ولدا ذكراه وإنما مات عن بنتين، وزوجته أردكين «6» أمهما
(31/262)

ابنة الأمير سيف الدين نوكيه. وورثه معهن «1» أخواه السلطان الملك الناصر، ودار مختار الجوهرى.
ذكر خبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه، وما كان منهم، ومقتل بيدرا.
قال: «2» ولما قتل السلطان الملك الأشرف، عاد الأمير بدر الدين بيدرا، ومن معه من الأمراء إلى الوطاق. فتقرر بينهم أن السلطنة تكون لبيدرا، ولقب الملك القاهر، وقيل «3» الملك الأوحد. ثم ركبوا وقبضوا على الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أمير جاندار، وقصدوا قتلهما. فشفع فيهما بعض الأمراء. وكان بالدهليز السلطانى من الأمراء: الأمير سيف الدين برلغى «4» ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وجماعة من المماليك السلطانية. فركبوا فى آثار بيدرا ومن معه. وكان الأمير زين الدين كتبغا المنصورى فى الصيد، فبلغه الخبر، فلحق بهم. وجدوا فى طلب بيدرا ومن معه «5»
(31/263)

فلحقوه على الطرابة «1» . فلما التقى الجمعان، أطلق بيدرا الأميرين «2» اللذين «3» كان قد قبض عليهما، ليكونا عونا له، فكانا عونا عليه.
وتقدم الأمراء، وحملوا على بيدرا حملة منكرة، فاتهزم هو ومن معه، فأدركوه فقتل. وهرب لاجين وقراسنقر، قد خلا «4» القاهرة واختفيا بها «5» ، ثم ظهرا «6» بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وحكى الأمير سيف الدين أبو بكر بن الجمقدار «7» ، نائب أمير جاندار. قال: ارسلنى السلطان أول النهار، إلى الأمير بدر الدين بيدرا، ان يتوجه فى تلك الساعة، بالعسكر، ويسوق تحت الصناجق، فأتيته فأخبرته بما أمر به السلطان، فنفر فى [وجهى] «8» ، وقال
(31/264)

السمع والطاعة. ثم قال: لم «1» يستعجلنى «2» ؟. ورأيت فى وجهه أثر الغيظ والغضب، وما لم أعهده منه. ثم تركته، وتوجهت إلى الزرد خاناة وحملتها، وحملت ثقلى.
وتوجهت أنا ورفيقى الأمير صارم الدين [الفخرى] «3» والأمير ركن الدين [بيبرس] «4» أمير جاندار. فبينما نحن سائرون «5» عند الماء، إذ نحن بنجاب سائق، فأخبرنا بمقتل السلطان. فتحيرنا «6» فى أمرنا، وإذا بالصناجق السلطانية قد لاحت وقربت.
والأمير بدر الدين [بيدرا] «7» تحتها، والأمراء محدقون به. فتقدمتا وسلمتا عليه.
فقال له الأمير ركن الدين بيبرس، أمير جاندار، ياخوند، هذا الذى فعلته كان بمشورة الأمراء. فقال: نعم، أما قتلته بمشورتهم وحضورهم، وهاكلهم حاضرون. وكان من جملة من معه، الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيسرى، وأكثر الأمراء سائقون معه.
ثم شرع يعدد مساوئ السلطان [الأشرف] «8» ومخازيه، واستهتاره بالأمراء، ومماليك أبيه، وإهماله لأمور المسلمين، ووزارته ابن السلعوس. قال:
ثم سألنا، هل رأيتم الأمير زين «9» الدين كتبغا؟. قلنا: لا. فقال له بعض الأمراء:
(31/265)

يا خوند، هل كان عنده علم من هذا الأمر الذى وقع؟ فقال: نعم، وهو أول من أشار به. فلما كان فى اليوم الثانى، إذا نحن بالأمير زين الدين كتبغا، قد جاء فى طلب كبير «1» ، فيه من المماليك السلطانية نحو ألفى فارس؛ وجماعة من العسكر والحلقة، والأمير حسام الدين أستاذ الدار؛ فالتقوه بالطرانة فى يوم الأحد أول النهار. ففوّق الأمير زين الدين كتبغا نحو بيدرا سهما، وقال له يا بيدرا، أين السلطان. ثم رماه به، ورمى جميع من معه. فقتل بيدرا، وتفرق جمعه. وكانت الإشارة أن أصحاب كتبغا، شدوا مناديلهم من رقابهم إلى تحت أباطهم، ليعرفوا من غيرهم. ثم حمل رأس بيدرا إلى القاهرة، وطيف به «2» .
هذا ما كان من خبر مقتل بيدرا.
ولما قتل السلطان، كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى نائب السلطنة، بقلعة الجبل، فاحترز على المعادى، وأمر أهلها أن لا يعدّوا بأحد من الجند من بر الجيزة إلى ساحل مصر «3» . ثم حضر الأمراء الذين قتلوا بيدرا، وهم الأمير زين الدين كتبغا، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى، والأمراء الخاصكية، وهم الأمير سيف الدين طغجى، والأمير عز الدين «4» طقطاى، والأمير سيف الدين قطبية، وغيرهم من المماليك السلطانية. فراسلوا الأمير علم الدين [سنجر] «5»
(31/266)

الشجاعى فى طلب المعادى، فأرسلها إليهم، فعدّوا بجملتهم، وطلعوا إلى القلعة.
واجتمعوا وانفقوا كلهم مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، على أن تكون السلطنة، للسلطان ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور. فنصبوه فى السلطنة، وكان ما نذكره.
ذكر أخبار السلطان الملك الناصر، ناصر الدين محمد، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى. وهو التاسع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.
وأمّه أشلون خاتون ابنة سكناى بن قراجين «1» بن جنكاى «2» نوين، ملك الديار المصرية والممالك الشامية والساحلية والحلبية والفراتية، وغير ذلك مما هو مضاف إلى هذه الممالك من القلاع والحصون والثغور والأعمال.
وجلس على تخت السلطنة بالديار المصرية، بقلعة الجبل، بعد مقتل أخيه، السلطان الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، وذلك فى رابع عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وعمره يومذاك تسع سنين سواء، فإن مولده فى يوم السبت، خامس عشر المحرم، سنة أربع وثمانين وستمائة كما تقدم، وذلك باتفاق الأمراء المنصورية، ومن بقى من الأمراء الصالحية النجمية وغيرهم، وإجماعهم على سلطنته «3»
(31/267)

واستقر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، نائب السلطنة الشريفة، والأمير علم الدين سنجر الشجاعى وزير الدولة ومدبّرها، والأمير ركن الدين بيبرس المنصورى الدوادار، وأعطى إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء فى المكاتبات والأجوبة والبريد. وحصلت النفقة فى العساكر، واستحلفوا للسلطان «1» الملك الناصر، فحلفوا بأجمعهم.
هذا ما كان بالديار المصرية ومقر السلطنة.
وأما الشام، فإنه كتب عن السلطان الملك الأشرف كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق، وجهز مع الأمير سيف الدين ساطلمش، وسيف الدين بهادر التتارى. فوصلا به إلى دمشق، فى يوم الجمعة رابع عشرين المحرم من هذه السنة.
ومضمونه: أنا قد استنبنا أخانا «2» ، الملك الناصر، ناصر الدين محمدا، وجعلناه ولى عهدنا، حتى إذا توجهنا إلى لقاء عدّو، يكون لنا من يخلفنا. ورسم فيه، أن يحلف الناس له، ويقرن اسمه باسم السلطان فى الحطبة. فجمع نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى الأمراء والمقدمين والقضاة والأعيان، وحلفوا على «3» ذلك. وخطب له فى يوم الجمعة هذا بولاية العهد، بعد الملك الأشرف.
وكان ذلك بتدبير الأمير علم الدين الشجاعى. واستمر الحال على ذلك، والخطبة للملك الأشرف، [ثم] «4» من بعده لأخيه الملك الناصر، بولاية العهد، إلى حادى عشر
(31/268)

شهر ربيع الأول فورد المثال السلطانى الناصرى بالخطبة له استقلالا بالسلطنة.
فخطب له فى دمشق، فى يوم الجمعة، الحادى عشر، من الشهر المذكور. وورد البريد إلى الشام، بإيقاع الحوطة على موجود الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيدرا وغيرهم من الأمراء [أصحاب بيدرا] «1» فى اليوم الثامن من ورود المرسوم الأول بالخطبة للسلطان بولاية العهد، فوقعت الحوطة على موجودهم وحواصلهم.
ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف
لما استقر الحال فى سلطنة السلطان الملك الناصر، أمر بطلب الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل أخيه الملك الأشرف. فأول من وجد منهم، الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، والأمير جمال الدين آقش الموصلى الحاجب، فضربت رقبتاهما «2» وأحرقت جثتاهما بالمجاير «3» . ثم حصل الظفر بعد هما بسبعة من الأمراء وهم: طرنطاى الساقى، و [سيف الدين] «4» الناق [الساقى] «5» الحسامى [ويقال له عناق «6» ] السلاح دار، و [سيف الدين «7» ] اروس [الحسامى] «8» السلاح دار،
(31/269)

و [شمس الدين «1» ] أقسنقر الحسامى، و [علاء الدين «2» ] الطنبغا الجمدار، [وناصر الدين «3» ] محمد خواجا، فاعتقلوا بخزانة البنود «4» . وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يتوجه إليهم ويعاقبهم، ويقررهم على من باطنهم. واستمر ذلك إلى يوم الاثنين خامس صفر. ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وسمروا على الجمال، وطيف بهم، وأيديهم فى أعناقهم، وماتوا شرميتة. ثم وجدوا بعد قجقر الساقى، فشنق فى سوق الخيل. وأما الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، فإنهما هربا واختفيا. وكان من أمرهما، ما نذكره إن شاء الله تعالى. هذا ما كان من أمر هؤلاء.
ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير وما كان من امره، منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات
كان الصاحب شمس الدين المذكور، قد توجه إلى تغر الإسكندرية كما ذكرنا، وطالع السلطان فى حق الأمير بدر الدين بيدرا، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة. ولما وصل الصاحب «5» إلى الإسكندرية، ضيق على أهل الثغر، وشدّد
(31/270)

عليهم الطلب. وعزم على مصادرة أعيانهم، وذوى الأموال منهم. وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر. فبقى الناس من ذلك فى شدة عظيمة، لا يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال والأبشار؛ وأهان متولى الثغر.
فبينما الناس على مثل ذلك، إذ وقعت يطاقه لمتولى الثغر، فى عشية النهار، تنضمن خبر مقتل السلطان. فكتمها المتولى عن الصاحب وغيره، وصبر إلى أن دخل الليل، وجاء إلى باب الصاحب، واستأذن عليه، فأذن له. فوقف بين يديه على عادته. فقال له الصاحب: ما الذى جاء بك فى هذا الوقت، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها؟ فقال: يا مولانا، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون، وما قصد أحد أذاهم، فتم له مقصوده، والذى يراه المملوك، أن يحسن مولانا إليهم، ويطيب خواطرهم، ويفرج عنهم- هذا اللفظ أو معناه «1» - فسبه الصاحب أقبح سب. وهم أن يوقع به، والوالى لا يزيده أن يقول: مولانا يروض نفسه، فلا فائدة فى هذا الحرج. والصاحب يزيد فى سبه، والإغلاظ له، ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ.
فلما أفرط [الصاحب] «2» فى سبه، وزاد به الحرج، تقدم إليه بالبطاقة. وقال يقف مولانا على هذه. فلما قرأها، سقط فى يده، وخاطبه بياخوند. فقال له المتولى: ما الذى تختار. فقال: الخروج من هذه الساعة. فلم يؤاخذه المتولى، بما صدر منه فى حقه وفتح له باب المدينة، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع. وخرج من الثغر فى ليلته. ولو أصبح به لقتله أهله.
(31/271)

واستمر به السير إلى أن وصل إلى القاهرة ليلا. فبات بزاوية «1» الشيخ جمال الدين ابن الظاهرى، ولم ينم فى معظم الليل. وركب بكرة النهار من الزاوية، وجاء إلى داره، وهو على حاله وهيئته. وحضر للسلام عليه القضاة وأعيان الدولة ونظارها. فعاملهم بما كان يعاملهم به من الكبر، وعدم القيام لأكابرهم. ثم استشار بعض الناس فيما يفعل. فأشار بعضهم عليه، بالاختفاء إلى أن تسكن هذه الفتنة، وتستقر القاعدة، فقال هذا لا نفعله ولا نرضاه لعامل من عمالنا.
فكيف نختاره لأنفسنا. واستمر على ذلك خمسة أيام.
وكانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت إلى الأمير زين الدين كتبغا، مضمونها الشفاعة فى أمره، وأنه لا يؤذى. وذكروه بمحبة السلطان له. وأنهم إنما قاموا فى طلب ثأر السلطان، وقتل أعدائه. و [أما] «2» هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته، وأدومهم على طاعته- هذا اللفظ أو معناه-.
فسكن أمره فى هذه الأيام الخمسة الماضية. فغضب الأمير علم الدين الشجاعى، واجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وغيره من أكابر الأمراء.
وقال: هذا الصاحب هو الذى أوقع بين السلطان ومماليكه وأمرائه ونائبه. وإنما قتل السلطان بسبب هذا، فاتبّع رأيه فيه.
(31/272)

فلما كان فى اليوم السادس، وهو اليوم الثانى والعشرين من المحرم، طلع [الصاحب شمس الدين بن السلعوس «1» ] إلى قلعة الجبل، فحضر إلى الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فسلّمه للأمير علم الدين الشجاعى، فسلّمه الشجاعى للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، وكان من أعدائه، ليطالبه بالأموال فضربه ضربا شديدا. فأنكر عليه الأمير علم الدين. ثم سيّره إلى الأمير بدر الدين المسعودى، شاد الدواوين، وهو نشو ابن السلعوس، فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة، لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاى، وكان يتولى ديوانه بالشام. فأحسن الصاحب إليه، وأفرج عنه، وولاه شد الدواوين بالديار المصرية. فلما سلّم إليه، عاقبه واستصفى أمواله. وكان يجلس لمصادرته وعقوبته فى المدرسة الصاحبية «2» التى بسوبقة الصاحب بالقاهرة. ولم يزل يعاقبه إلى أن مات تحت الضرب، وقيل إنه ضرب بعد موته، ثلاثة عشر مقرعة، ولم يعلم أنه مات. وكانت وفاته فى يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ودفن بالقرافة «3» .
ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى وزين الدين كتبغا، ومقتل الشجاعى.
كان الأمير علم الدين الشجاعى قد استمر فى الوزارة وتدبير الدولة، وأحكم
(31/273)

أمرها، وهابه الناس. فلما كان فى يوم الخميس، ثانى عشرين صفر، من هذه السنة، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة على العادة، ينتظرون فتح باب القلعة، ليزكبوا فى خدمة الأمير زين الدين كتبغا، نائب السلطنة. فلم يشعروا إلا وقد خرجت رسالة على لسان الأمير جاندار، يطلب جماعة من الأمراء، وهم سيف الدين قبجاق، وبدر الدين عبد الله السلاح دار، وسيف الدين قبلاى «1» ، وركن الدين عمر [السلاح دار] «2» أخوتمر، وسيف الدين كرجى، وسيف الدين طرقجى، فدخلوا إلى الخدمة السلطانية. وقام الأمراء للركوب، فبينما هم يسيرون تحت القلعة، بالميدان الأسود، جاء اثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعى، وهما الأمير سيف الدين قنغر «3» ، وولده حاروشى «4» . فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا اعتقلوا، وأن الشجاعى قد دبّر الحيلة عليك وعلى الأمراء، إذا طلعتم إلى القلعة، ودخلتم إلى الخوان أن يقبض عليكم. فعرّف كتبغا الأمراء الذين معه فى المواكب الصورة. فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة، وتوهموا أن الشجاعى اتفق مع الأمراء المنصورية والأمراء البرجية، والمماليك السلطانية. وكان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير سيف الدين برلغى، أمير مجلس، فأمسكوهما فى الموكب، وأرسلوهما إلى ثغر الإسكندرية.
(31/274)

وأخبرنى الأمير ركن الدين «1» بيبرس، فى ليلة الثامن من شوال سنة سبع وسبعمائة، أنه ضرب على رأسه بدبوس، وأرانى «2» أثر الضربة.
وكان قد ذكر لى ذلك، فى أثناء ذكره لسالف خدمة السلطان، وما لقيه وقاساه.
ولما مسكا، حصلت مفاوضة بين الأمير علم الدين سنجر البندقدارى، وبين الأمير زين الدين كتبغا. فقال البندقدارى له: أين لاجين، أحضره.
فقال: ما هو عندى. فقال: بل هو عندك. فجرد البندقدارى سيفه ليضرب به كتبغا، فضربه بدر الدين بكتوت الأزرق، مملوك كتبغا بسيفه، حل كتفه ثم ألقوه عن فرسه، وذبح يسوق الخيل.
وتوجه الأمير زين الدين كتبغا ومن معه من الأمراء، إلى الباب المحروق وخرجوا منه ونزلوا بظاهر السور، وأمروا مماليكهم وألزامهم وأجنادهم أن يلبسوا عددهم. وأرسل الأمير زين الدين كتبغا نقباء «3» الحلقة، وطلب المقدمين فحضروا إليه، وراسل السلطان [الملك «4» الناصر] ، فى طلب الأمير علم الدين الشجاعى. وقال إن هذا قد انفرد برأيه فى القبض على الأمراء. وبلغنا عنه ما أنكرناه، ونختار حضوره ليحاقق عما نقل عنه. فامتنع عن الحضور. ثم
(31/275)

طلع السلطان على البرج الأحمر، وتراءى للأمراء، فنزلوا وقيلوا الأرض من مواقفهم «1» . وقالوا نحن مماليك السلطان، ولم نخلع يدا عن طاعة، وليس قصدنا إلا حفظ نظام الدولة، واتفاق الكلمة، وإزالة أسباب المضار والفساد عن المملكة. واستمر الحصار سبعة أيام، وكان الشجاعى ينزل إليهم، ويناوشهم القتال، ومعه طائفة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين بكتمر، السلاح دار، وسيف الدين طفجى «2» ، وجماعة من المماليك السلطانية. ثم فارقة الأمراء والمماليك، فكانوا يتسللون عشرة عشرة. فلما رأى حاله انتهت إلى هذه الغاية، قال إن كنت أنا الغريم، فأنا أتوجه إلى الحبس طوعا منى، وأبرأ إلى الأمراء مما نقل إليهم عنى. وحضر إلى باب الستارة السلطانية، وحلّ سيفه بيده، وذهب نحو البرج. وتوجه معه الأمير سيف الدين الأقوش، والأمير سيف الدين صمغار، ليحبساه بالبرج الجوانى، فوثب عليه مملوك الأقوش، فقتله وحز رأسه. وأنزلوه إلى الأمير زين الدين كتبغا، وقد لفّ فى بقجة. فأمر بأن يطاف برأسه القاهرة ومصر، وظواهر هما. فطاف به المشاعلية على رمح، واشهروا «3» قتله. ثم طلع الأمير زين الدين كتبغا والأمراء إلى القلعة، فى يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر، وأفرج عن الأمراء الذين اعتقلوا. وجددت الأيمان، وأنزل من كان بالأبراج والطباق، من المماليك السلطانية، الذين اتهموا بهذه الفتنة. فأسكنت طائفة
(31/276)

منهم فى مناظر الكبش، وطائفة فى دار الوزارة، وطائفة فى الميدان الصالحى والميدان الظاهرى. واعتقل منهم جماعة. وكان من خبرهم، بعد ذلك، ما نذكره فى سنة أربع وتسعين وستمائة.
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة خلاف ما قدمناه، من ولاية وعزل وغير ذلك، والوفيات
فى هذه السنة، فى تاسع عشر صفر، عزل قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعى عن القضاء بالديار المصرية. وأعيد قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز إلى القضاء. واستقر قاضى القضاة بدر الدين فى تدريس مدرسة الشافعى ومشهد الحسين. فلم يزل كذلك، إلى أن توفى قاضى القضاة، شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويى «1» قاضى القضاة الشافعى بدمشق. وكانت وفاته بدمشق فى يوم الخميس، خامس عشر، شهر رمضان من هذه السنة. ومولده فى رابع عشرين شوال، سنة ست وعشرين وستمائة، وقيل فى رجب من السنة. ففوض [الملك الناصر محمد بن «2» قلاوون] ، القضاء بعد وفاته لقاضى القضاة، بدر الدين بن جماعة، فتوجه إلى الشام. وكان وصوله إلى دمشق فى رابع عشر ذى الحجة من السنة.
وفيها، فى تاسع عشرين صفر فوضت الوزارة للصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على، المعروف
(31/277)

بابن حنا. وفوضت وزارة الصحبة، لابن عمه الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين ابن الصاحب بهاء الدين، وكانا يجلسان جميعا فى شباك الوزارة، ويوقع الصاحب تاج الدين «1» .
وفيها، فى سلخ صفر. أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى.
وكان الملك الأشرف قد اعتقله، فى يوم السبت ثانى شوال، سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
وفيها، فى يوم عيد الفطر، ظهر الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان، من الاستتار «2» ، وكانا عند هربهما، أطلعا الأمير سيف الدين بتخاص الزينى، مملوك كتبغا على حالهما. فأعلم أستاذه بهما، ونلطف فى أمرهما. فتحدث الأمير زين الدين كتبغا مع السلطان، فعفا عنهما، وأمّرهما كما كانا أول مرة. وتلطّف كتبغا فى إظهار لاجين تلطفّا حسنا.
وهو أنه تحدث مع الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح فى إحضاره.
فركب معه، ووقف تحت قلعة الجبل، ولم يزل إلى أن أذن له، وأصلح بينه وبين الأمراء والمماليك السلطانية، وزال ما بينهم من الوحشة. وكان كتبغا فى أمر لاجين، كالباحث عن حتفه «3» بظفه «4» . فإنه فعل معه، ما نذكره إن شاء الله تعالى «5» .
(31/278)

وفى هذه السنة، قصر النيل فلم يوف، وانتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا، وثلث ذراع. فارتفعت بسبب ذلك الأسعار. وكان من الغلاء ما نذكره بعد «1» .
وفى هذه السنة، فى رابع عشرين ربيع الأول، كانت وفاة الملك شهاب الدين «2» غازى ابن الملك المعز مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر محمد بن أيوب، بداره بالخور بدمشق، ودفن بتربتهم بقاسيون، رحمهم الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الأسعردى. وقد قدمنا ذكر وزارته مرة بعد أخرى. وكان إذ عزل عن الوزارة، أخذ دواته وعاد إلى ديوان الإنشاء، وكتب من جملة الكتاب. وأصله من المعدن «3» ، من أعمال أسعرد «4» . فلما فتح الملك الكامل آمد، كان ابن لقمان يكتب على عرصة الغلة، وينوب عن ناظر البيوت بها. وكان بهاء الدين زهير، صاحب ديوان الإنشاء للملك الكامل، وبعده للملك الصالح، وهو يومئذ وزير الصحبة. فكانوا يستدعون من صاحب أسعرد أصنافا، فتأتى الرسائل بالأصناف بخط ابن لقمان،
(31/279)

فتعرض على بهاء الدين زهير، فيعجبه خطه وعبارته. فطلبه فحضر إلى خدمته، وتحدث معبه، فأعجبه كلامه، وسأله عن جامكيته. فقال دون دينارين فى الجهتين، فعرض عليه أن يسافر صحبته [إلى الديار المصرية «1» ] ، فأجاب إلى ذلك.
وسربه، فاستصحبه معه، وناب عنه بديوان الإنشاء إلى الأيام الصالحية.
ثم استقل بعد ذلك بصحابة ديوان الإنشاء، ووزر كما تقدم. ولما انفصل من الوزارة [قال] «2» : جاءت فما كثّرت، وراحت فما أثّرت. وله نظم حسن، وقد قدمنا ذكر شىء من كلامه، رحمه الله تعالى «3» .
وفيها، فى يوم الخميس، منتصف جمادى الآخرة، توفى الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وكانت وفاته بالقاهرة. وقد عظم شأنه، وسمت همته، حتى تعرض لطلب بعض الأكابر الأمراء الخاصكية الأشرفية، مقدمى «4» الألوف. فيقال أنه سقى سما فمات، سامحه الله تعالى.
وفيها، فى يوم الخميس، خامس شعبان، توفى الملك الحافظ غياث الدين أبو عبد الله محمد ابن الملك السعيد معين الدين بن شاهانشاه ابن الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فروخ شاه بن شاهانشاه بن أيوب، وصلّى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفن بتربة ابن المقدم، بمقبرة باب الفراديس، رحمه الله «5» .
(31/280)

واستهلت سنة أربع وتسعين وستمائة [694- 1294/1295]
ذكر الفتنة التى قصد المماليك السلطانية إثارتها
لما كان فى ليلة العاشر من المحرم، من هذه السنة، تجمعت المماليك السلطانية، الذين فى الكبش، ومناظر الموادين «1» ، وحرقوا باب السعادة، ودخلو منه إلى المدينة. وطلبوا خوشداشيتهم المعتقلين [بها] «2» ، الذين بدار الوزارة، للركوب معهم، فما أجابوهم لذلك. فكسروا خزانة البنود، وأخرجوا من كان بها من خوشداشيتهم، ونهبوا الإسطبلات التى تحت القلعة. وركبوا الخيول، وداروا عليها تحت القلعة، من جهة سوق الخيل، طول الليل. فلما كان من الغد، ركب الأمراء الذين فى القلعة وقصدوهم، وتصافّوا واقتتلوا يسيرا. ثم جاء الأمير سيف الدين الحاج بهادر، السلاح دار، الحلبى، وهو يومئذ أمير حاجب، فهزمهم فتفرّقوا فى ضواحى القاهرة وشوارعها، فأخذوا وجئ بهم. وجلس الأمير زين «3» الدين كتبغا بباب القلعة، وضربت رقاب بعضهم بين يديه، وفرق بعضهم على الأمراء، وغرّق بعضهم سرا. وكانت هذه الحادثة سببا لحركة الأمير زين الدين وركوبه فى السلطنة.
(31/281)

ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، وهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.
كان جلوسه على تخت السلطنة فى يوم الأربعاء «1» ، حادى عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة. وكان سبب ذلك، أنه لما ملك السلطان الملك الناصر، واستقر هو فى نيابة السلطنة كما تقدم، شرع يمهد القواعد لنفسه فى مدة نيابته، ويقرر «2» الأحوال، ويستميل الأمراء. فلما كان فى أول هذه السنة، انقطع فى دار النيابة، بقلعة الجبل، وادّعى الضعف. وإنما كان انقطاعه لتقرير أمر السلطنة له. وركب السلطان الملك الناصر، رجاء إلى دار النيابة للسلام عليه وعيادته فلما اتفقت فتنة المماليك المتقدمة، جلس [الأمير زين الدين كتبغا «3» ] فى اليوم الثانى منها، بدار النيابة. وجمع الأمراء، وذكر لهم أن ناموس السلطنة، وحرمة المملكة، لا يتم لصغر سن السلطان الملك الناصر. فاجتمعت آراء الأمراء على إقامة الأمير زين الدين كتبغا فى السلطنة. وحلفوا له، وقدم له فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وعليها ألقابه. وركب من دار النيابة، قبل أذان العصر، من هذا اليوم. ودخل من باب القلعة «4» إلى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة فى خدمته. ودخل على تخت السلطنة، ونلقب بالملك العادل. وحجب السلطان الملك الناصر، وجعله فى بعض القاعات هو وأمه. وعامله بما لا يليق أن يعامله
(31/282)

به. فكانت مدة سلطنة السلطان الملك الناصر هذه- وهى السلطنة الأولى- سنة واحدة إلا ثلاثة أيام. ولم يكن له فى هذه المدة من الأمر شىء. وإنما جرى عليه أمر السلطنة، وخطب باسمه على المنابر، وضربت السكة باسمه. وأما غير ذلك من الأمر والنهى، والولاية والعزل، والإطلاق والمنع، والتأمير وإعطاء الإقطاعات، وغير ذلك من الأوامر، فللأمير زين الدين كتبغا النائب، الملقب الآن بالملك العادل «1» .
وفى يوم الخميس ثانى عشر المحرم، مد [الملك العادل زين الدين كتبغا «2» ] سماطا عظيما، وجلس على عادة الملوك. ودخل الأمراء إليه، وقبلوا يده، وهنوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفوض إليه نيابة السلطنة، وجعل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى، أمير حاجب. وأمر أن تجهّز الخلع لسائر الأمراء والمقدمين، وللوزيرين الصاحب تاج الدين وابن عمه عز الدين، وقضاة القضاة وأرباب المناصب، ومن جرت عادتهم بالخلع، والمماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، كونهم لم يوافقوا خوشداشيتهم، على إقامة الفتنة.
وركب الناس بالتشاريف، فى يوم الخميس، تاسع عشر المحرم. ولما جلس على تخت السلطنة، كتب إلى نائب السلطنة بدمشق، وسائر النواب بالممالك
(31/283)

الشامية والأعمال، يخبرهم بخبر سلطنته، ويطلب منهم بذل اليمين. وكل أجاب بالسمع والطاعة، وبادر إلى الحلف، وما اختلف عليه اثنان.
ومن غريب ما حكى فى أمر الملك العادل هذا، أن هولاكو لما استولى على حلب، وملك الشام أجمع، كما تقدم، وعزم على تجريد العساكر إلى الديار المصرية، أحضر نصير الدين «1» الطوسى، وقال له: تكتب أسماء مقدمى عساكرى، وتنظر أيهم يملك مصر، ويجلس على تخت السلطنة بها. فكتب أسماءهم، وحسب ودقق النظر، فما ظهر له، أنه يملك الديار المصرية إلا كتبغا، فذكر ذلك لهولاكو. وكان كتبغا نوين صهر هولاكو، فقدّمه على العساكر وسيّره، فقتل فى وقعة عين جالوت، كما تقدم. وكان كتبغا هذا، فى عسكر كتبغا نوين، فسبى وهو شاب. ولعله كان فى سن بلوغ الحلم أو نحوه. وأخّر الله السلطنة بالديار المصرية لهذا الاسم. وكان بين الحادثين ست وثلاثون «2» سنة.
ولما ملك [كتبغا] «3» ، شرع فى تأمير مماليكه وتقدمتهم. فكان أول من أمر
(31/284)

منهم أربعة، وهم سيف الدين بتخاص «1» ، وجعله أستاذ الدار، وسيف الدين أغرلو «2» وبدر الدين بكتوت الأزرق، وسيف الدين فطلوبك «3» . وركب هؤلاء بالإمرة فى يوم واحد. وركب هو بشعار السلطنة على عادة الملوك فى يوم الأربعاء، مستهل شهر ربيع الأول. وأقر نواب السلطنة على حالهم فى الأيام الناصرية وفوّض الوزارة بدمشق للصاحب تقى الدين توبة التكريتى على عادته، فى الأيام المنصورية. وكان وصوله إلى دمشق، لمباشرة هذه الوظيفة، فى سادس عشر صفر. وكتب السلطان له نوقيعا، برد ما أخذ منه، فى «4» الدولة الأشرفية.
ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى
وفى يوم الثلاثاء، خامس عشرين جمادى الأولى «5» من هذه السنة، عزل السلطان الصاحب تاج الدين، وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلى. وكان هذا الصاحب فخر الدين قد ولى نظر ديوان الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور. فلما مرض
(31/285)

واشتد به الوجع، دخل الصاحب فخر الدين عليه وبكى، وأظهر الألم الشديد وقال أخشى إن قدر الله تعالى أمرا محتوما، والعياذ بالله، أن أوذى، ويتمكن منى الأمير علم الدين الشجاعى. وطلب الملك الصالح والده السلطان الملك المنصور وأوصاه أن لا يتعرض إليه. ولا إلى أحد من ديوانه بأذية «1» ، وأن لا يمكن الأمير علم الدين الشجاعى منهم. فلما مات الملك «2» الصالح، أحسن السلطان [المنصور] «3» إليه، وولاه نظر النظار بالديار المصرية، ونظر الصحبة، ثم عزل فى الدولة الأشرفية. وباشر نظر ديوان الملك العادل، فى مدة نيابته عن السلطنة، وفوض إليه نظر الدواوين، ثم الوزارة «4» .
وفى هذه السنة، قصر النيل ولم يوف، فحصل الغلاء واشتد البلاء بالديار المصرية. وتوقف الغيث بالشام، فاستسقى الناس، مرة بعد أخرى. وأجدبت برقة وأعمالها، وبلاد المغرب ونواحيها. وعمّ الغلاء أكثر البلاد والممالك، شرقا وغربا وحجازا. واختصت مصر من ذلك البلاء العظيم. وبلغ سعر القمح عن كل أردب مائة درهم وخمسين درهما، والشعير مائة درهم. واستمر إلى سنة خمس وتسعين وستمائة «5» .
(31/286)

وفيها، فوض السلطان قضاء العساكر بالشام، للقاضى نجم الدين محمد بن صصرى وكان بالديار المصرية. فعاد إلى دمشق متوليا هذه الوظيفة، وكان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء سادس عشرين «1» شهر رمضان.
وفيها، فوض السلطان الملك العادل، الخطابة والإمامة، بالجامع الأموى بدمشق، لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، مضافا إلى ما بيده من القضاء والتدريس. فصلّى بالناس صلاة الظهر، من يوم الخميس الخامس من شوال، وخطب يوم الجمعة السادس من الشهر، واجتمع له القضاء والخطابة، ولم يجتمع ذلك لقاضى قبله بدمشق، فيما عرفناه. ونقل إلينا «2» .
ذكر القبض على الأمير عز الدين ايبك الخزندار نائب السلطنة بالفتوحات، وولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى
وفى هذه السنة، رسم السلطان الملك العادل، بالقبض على خوشداشه، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، نائب السلطنة، بالفتوحات الطرابلسية.
وندب لذلك أمير بن، فتوجها إلى دمشق على خيل البريد، فوصلا إليها، فى تاسع عشرين شوال. وجرد من دمشق الأمير عز الدين أيبك كرجى، والأمير سيف الدين استدمر كرجى «3» بسبب ذلك. فلما توجهوا إليه، لم يمتنع عليهم، وقال: قد كنت عزمت على مفارقة هذه المملكة. والتوجه إلى باب «4»
(31/287)

السلطان، فقبض عليه. وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة من السنة، فاعتقل. واستمر فى الاعتقال، إلى يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ولما قبض عليه، فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات، للامير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى «1» .
وفيها أيضا، رسم بالحوطة على القاضى مجد الدين يوسف بن القباقبى ناظر المملكة الطرابلسية. وندب الأمير شمس الدين الأعسر لذلك. فتوجه إلى طرابلس، فى العشر الأوسط، من شوال، وأوقع الحوطة على موجوده. فيقال إنه وجد فى جشاره «2» ، ما ينيف على سبعين رأس بغالا واكاديش جياد. وجهز إلى الديار المصرية، فتكمل حمله، فيما أدعاه ألف ألف درهم. ثم أعيد بعد ذلك إلى نظر المملكة الطرابلسية، وكأنه لم يصادر. فبلغنى «3» أنه جلس ليلة، وهو يضحك مع أصحابه بطرابلس. فقال له بعضهم: أخذ منك ألف ألف درهم، وأنت تضحك. فقال: والله أقدر أنفق فى جيش مصر- وأرى أن هذا الكلام «4» ، إن كان قاله، فهو من التغالى فى القول- والله أعلم.
(31/288)

ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن
وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك المظفر شمس الدين أبى المظفر يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول، صاحب اليمن، فى شهر رمضان، بقلعة تعز. وكان جوادا شهما، عفيفا عن أموال الرعايا، قليل التطلع إلى ما بأيديهم، حسن السيرة فيهم، يمنع أصحابه من التطرق إلى ظلم أحد.
وكانت مدة ملكه، بالبلاد اليمانية، نحو «1» خمس وأربعين سنة.
وكان للملك المظفر من الأولاد خمسة، وهم الملك الأشرف ممهد الدين عمر، والملك المؤيد هزبر الدين داود، والواثق إبراهيم، والملك المسعود تاج الدين حسن، والملك المنصور زين الدين أيوب. وللملك المسعود هذا ولد اسمه أسد الإسلام محمد. وللملك المنصور ولد اسمه مأمور «2» الدين عيسى. ولما مات الملك المظفر هذا، ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر، وهو ولى عهده.
فلما ملك نازعه أخوه الملك المؤيد هزير الدين داود فى الملك. وكان المؤيد يوم ذاك ببلاد الشحر، فجمع جمعا من الجحافل، وتوجه إلى ثغر عدن، وحاصر الثغر ثلاثة عشر يوما. وكان متوليه الأمير سيف الدين بن برطاس، فملك المؤيد الثغر، واستولى على ما به. فاقترض أموال التجار وأموال الأيتام التى بمودع الحكم.
وتوجه من ثغر عدن نحو تعز. فجرد الملك الأشرف لقتاله الشريف على بن عبد الله، بجماعة من الجيش، وولده جلال الدين بن الأشرف. فتوجهوا والتقوا، فيما بين تعز وعدن، بمكان يسمى الدعيس. واقتتلوا فخذل الجحافل المؤيد، وتفرقوا عنه، وبقى فى نفر يسير. فتقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، وأشار عليه بالدخول
(31/289)

فى الطاعة، وحذر عاقبة المخالفة. وقال له: الملك الأشرف أخوك، ولا يقتلك، وأنت بينك وبين الأشراف حرب قبل هذا الوقت، فإن ظفروا بك قتلوك.
وأشار عليه بعض أصحابه بمثل ذلك، فرجع إلى قولهم، ورجع إلى الطاعة.
فأراد جلال الدين أن يتوجه به إلى والده [الملك الأشرف «1» ] على حاله. فامتنع عليه الشريف على بن عبد الله، وقال: إن أمر هذا الجيش إلىّ. وقيّد المؤيد، وحمله إلى قلعة تعز، فاعتقله بها إلى أن مات الملك الأشرف. وكانت وفاته فى سنة ست وتسعين وستمائة. فأخرج من الاعتقال ليلا، قبل دفن أخيه، فأمر بدفنه. وأصبح الحراس بالقلعة، فدعوا للملك المؤيد، وترحّموا على الملك الأشرف وكان ملك المؤيد باتفاق عمته الشمسية، وقيامها فى أمره. واستمر فى الملك إلى أن مات، فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. فى موضعه.
وفيها، فى يوم السبت، رابع شهر ربيع الأول، توفى الأمير بدر الدين بكتوت الأفرعى بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير.
وفيها، كانت وفاة الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين أحمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد، رحمهم الله تعالى.
وفيها، فى شهر رجب توفى بالقاهرة، الأمير بدر الدين بكتوت الفارسى الأتابكى، رحمه الله تعالى.
(31/290)

وفيها، فى وقت السحر، من يوم السبت عاشر شعبان، توفيت ملكة خاتون، ابنة الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. وهى زوجة الملك المنصور ابن الملك الصالح إسماعيل وأم ولديه. وهى التى كان ناصر الدين بن المقدسى أثبت سفهها فى الدولة المنصورية، واستعاد أملاكها من سيف الدين المسامرى وغيره، كما تقدم ذكر ذلك، رحمهما الله تعالى.
(31/291)

واستهلت سنة خمس وتسعين وستمائة [695- 1295/1296]
فى هذه السنة، اشتد الغلاء بالديار المصرية، وكثر الوباء وانتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهما، عن كل أردب، وقيل إنه بلغ مائة وثمانين. وأعقب ذلك وباء عظيم. وغلت الأسعار فى سائر الأصناف. وبلغ ثمن الفروج عشرين درهما. وسمعت أن بعض الناس اشترى فراريج لمريض عنده، فوزن لحمها، فكان بوزن «1» الدراهم التى اشتراها بها. فتقوّم عليه لحمم الفراريج، الدرهم بدرهم فضة. وبيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة. وابيعت السفر جلة، بثلاثين درهما، هذا بالقاهرة ومصر. وأما الصعيد الأعلى، وهو عمل فوص وما يجاوره، فإن القمح لم يزد ثمنه، على خمسة وتسعين درهما الأردب. وأعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم. كان يحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات فى اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة، من أحد الأبواب. والقاهرة بالنسبة إلى ظواهرها، كالشارع «2» الأعظم، والحسينية والأحكار، جزء لطيف. وعجز الناس عن دفن الأموات أفرادا، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، ويرص «3» فيها الأموات، من الرجال والنساء، ويجعل الأطفال بين أرجلهم، ويردم عليهم. وبعض الأموات
(31/293)

لم يجدوا من يواريهم فى قبورهم، فأكلتهم الكلاب، وأكل الأحياء الكلاب.
وكان الفناء أيضا بالأعمال البرانية [عن القاهرة ومصر «1» ] ، حتى خلت بعض القرى وأطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت.
ثم انحطت الأسعار بالديار المصرية فى شهر رجب، ونزل سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الأردب، والشعير بخمسة وعشرين [درهما الأردب «2» ] وكان أكبر أسباب هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية، خلو الأهراء «3» السلطانية من الغلال، وذلك أن السلطان الملك الأشرف، كان قد فرّق الغلال، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم، حتى نفد ما فى الأهراء. وقصر النيل بعد ذلك، فاحتاج وزير الدولة إلى مشترى الغلال للمؤونة والعليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك.
وفيها أيضا، قلّ المطر بدمشق وبلاد حوران، وجفّ الماء حتى شق ذلك على المسافرين. فكان المسافر يسقى دابته بدرهم، ويشرب بربع درهم. فلما اشتد ذلك على الناس، أشار قاضى القضاة، بدر الدين محمد بن جماعة، بقراءة صحيح البخارى بدمشق. وتقرر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموى، تحت النسر فى سابع «4» صفر. وطلب الشيخ شرف الدين الغزارى لقراءته. فأنزل الله تعالى
(31/294)

الغيث فى تلك الليلة قبل الشروع فى القراءة. ثم قرىء الصحيح، ووقع المطرفى آخر يوم من كانون الأول، واستمر يومين وبعض ليلة، فاستبشر الناس بذلك وترادف نحو جمعه. ثم جاء بعد ذلك ثلج كثير، فى مستهل شهر ربيع الأول.
ثم ارتفع السعر، وبلغ [سعر] «1» القمح، عن كل غرارة مائة درهم، وخمسة وستين درهما. [واشتد الغلاء بالحجاز «2» ] أيضا فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة، بسبعمائة درهم، وغرارة القمح بألف [درهم] «3» . وأبيعت بمكة، شرفها الله تعالى، بألف درهم ومائة درهم. ثم جاء المطر بدمشق فى ثانى جمادى الآخرة.
ذكر حادثة عجيبة بالشام
وفى هذه السنة، فى العشر الأول من المحرم، استفاض بدمشق وشاع، وكثر الحديث عن قاضى جبة أعسال «4» ، من قرى دمشق، أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال. وهو أن الثور خرج ليشرب من ماء هناك، ومعه صبى فلما فرغ من شربه، حمد الله، فتعجب الصبى. وحكى ذلك لمالك الثور، فشك فى قوله. وخرج فى اليوم الثانى بنفسه، فلما شرب الثور، حمد الله. وحضر فى اليوم الثالث جماعة، وسمعوه يحمد الله، بعد شربه. فكلّمه بعضهم، فقال الثور: إن الله كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدباء ولكن بشفاعة النبى، صلى الله عليه وسلم، أبدلها الله بالخصب. وذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم،
(31/295)

أمره بتبليغ ذلك، وأنه قال له يا رسول الله، ما علامة صدقى عندهم. قال:
«إنك تموت عقيب الأخبار» .- قال الحاكى لذلك- ثم تقدم الثور إلى مكان مرتفع فسقط ميتا. فأخذ أهل القرية من شعره للتبرك، وكفن ودفن. حكى هذه الحادثة، شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه حوادث الزمان «1» ، والله علم.
وفيها، فى العشر الأوسط، من شهر ربيع الآخر، قتل بدمشق جماعة بالليل فى الدروب. ومعظم من قتل، من حراس الدروب، واستمر ذلك عدة ليال.
وفى كل يوم يوجد قتيل واثنان. ولم يعدم لأحد شىء «2» ، مع ذلك، ولا سرق منزل.
فاحترز متولى المدينة فى ذلك. وبقى يركب طول الليل، فى جماعة كثيرة، ويطوف البلد، والأمر يتزايد. فلما كان فى العشر الأوسط، من جمادى الأولى، ميسك فقير مولّه، فاعترف أنه هو الذى قتل الحراس، فسمر وبقى يومين، ثم خنق فى اليوم الثالث.
ذكر وفود الأويرانية من بلاد التتار
فى هذه السنة، وردت طائفة من التتار، تسمى الأويرانية، ومقدمهم
(31/296)

طرغاى، ووصلوا إلى الشام. وكانوا على ما قيل، ثمانية عشر ألف بيت «1» .
وكان السبب فى هربهم «2» من بلادهم، أن طرغاى، هذا المذكور، كان متفقا مع بيدو ابن طرغاى على قتل كيختو. فلما صار الملك إلى غازان، خافه طرغاى على نفسه، أن يقتله بعمه كيخنو. وكان مقيما بتمانه «3» [بين بغداد والموصل «4» ] .
وكان اشتبغا مقيما بتمانه بديار بكر. فأرسل غازان بولاى ومعه تمان «5» إلى ديار بكر، عوضا عن اشتبغا، وأوصاه بحفظ الطرقات على طرغاى، وأن يساعد من يندب لقتله، ثم جهز غازان أميرا يسمى قطغوا فى ثمانين فارسا للقبض على طرغاى ومن معه، من أكابر قبيلة أو يرات. فاتفق طرغاى، ومن معه من ألأمراء، وهم ألوص وككباى «6» ، وقتلوا قطغوا ومن معه. وغيروا الفرات «7» إلى جهة الشام، فتبعهم بولاى يتمانه، فقاتلوه وهزموه، وقتلوا أكثر من معه.
ولما وردت مطالعات نواب الشام إلى السلطان الملك العادل بوصولهم، اهتم بأمرهم. وكتب إلى [نائب السلطنة بدمشق «8» ] ، أن يتوجه الأمير علم الدين
(31/297)

سنجر الدوادارى، بجماعة إلى الرحبة لتلقبهم «1» . فتوجه من دمشق فى غرة شهر ربيع الأول. ثم توجه بعده، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، ليلقاهم أيضا. وجهّز السلطان أيضا، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، من الديار المصرية إلى دمشق، بسبب ذلك، فوصل إليها فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول. ثم أردفه بالأمير سيف الدين بهادر الحاج الحلبى الحاجب، فأقاما بدمشق، إلى أن وصل أعيان الأويرانية إلى دمشق، صحبة الأمير شمس الدين الأعسر. وكان وصولهم فى يوم الاثنين، ثالث عشرين شهر ربيع الأول، وعدتهم مائة وثلاثة عشر نفرا، والمقدم عليهم طرغاى، ومن أكابرهم الوص وككباى. فتلقاهم نائب السلطنة والأمراء، واحتفل بقدومهم «2» احتفالا كبيرا. ثم توجه بهم الأمير شمس الدين قراسنقر، إلى الديار المصرية فى يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول. وتوجه بعده الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، على خيل البريد إلى الأبواب السلطانية، فى حادى عشر الشهر. ولما وصلوا إلى باب السلطان بالغ فى إكرامهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم، وأمّرهم بالطبلخاناة. وهم على دين الكفرة، ويأكلون فى شهر رمضان، ولا يذبحون الخيل ذبيحة ولا نحرا، بل يربطون الفرس، ويضربونه على وجهه حتى يموت، فيأكلونه بعد ذلك. وكانوا يجلسون مع الأمراء بباب القلة، فأنفت نفوس الأمراء من ذلك وكرهوه، حتى أوجب ذلك خلع السلطان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(31/298)

وأما بقية الأويرانية، فإن السلطان كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى أن يتوجه بهم إلى الساحل فينزلهم به، فتوجه بهم. ولما مرّوا بدمشق، أنزلهم بالمرج، ولم يمكّن أحدا منهم من دخول المدينة. ورسم بإخراج الأسواق إليهم للبيع والشراء بالمرج، إلى الكسوة والصنمين «1» . وفعل ذلك فى كل منزلة إلى أن وصل بهم إلى أراضى عثليث، وامتدوا «2» فى بلاد الساحل.
ورسم «3» السلطان باقامة الأمير علم الدين [سنجر] «4» الدوادارى معهم، إلى أن يحضر السلطان إلى الشام، ومات منهم خلق كثير. وأخذ الأمراء أولادهم الشباب للخدمة، وكانوا من أجمل الناس، وتزوج الجند وغيرهم من بناتهم. ثم انغمس من بقى منهم فى العساكر، وتفرقوا فى الممالك الإسلامية، ودخلوا فى دين الإسلام.
وبقاياهم فى الخدمة إلى وقتنا هذا «5» .
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز وتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد.
وفى هذه السنة، فى يوم الخميس، سادس عشر جمادى الأولى، توفى
(31/299)

قاضى القضاة، تقى الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن بنت الأعز، قاضى القضاة الشافعى، بالديار المصرية، ودفن بالقرافة، فى تربة والده، رحمهما الله. وفى يوم وفاته، توفى كاتبه نور الدين بن السوسى، وكان خصيصا به. وحملت جنازتاهما «1» معا.
وقد قدمنا من ذكر أخبار قاضى القضاة تقى الدين هذا وولاياته القضاء والوزارة ونظر الخزائن، ما نستغنى الآن عن إعادته، رحمه الله تعالى. ولما مات، فوّض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية، لشيخنا «2» الإمام العلامة، تقى الدين بقية المجتهدين أبى الفتح محمد ابن شيخ الإسلام مجد الدين على بن وهب بن مطيع القشيرى، المعروف بابن دقيق العيد. وكانت ولايته فى يوم السبت ثامن عشر الشهر المذكور. ولما ولى القضاء كان كثير التطلع إلى أخبار نوابه بالأعمال «3» البرانية. وكان يذكرهم بكتبه المشتملة على المواعظ والتحذيرات، من عواقب الغفلة والإهمال. فكان مما كتب به، إلى بعض نوابه، فى سنة سبع وتسعين.
وقيل إنه كتب إلى جميع النواب مثل ذلك. وكان مضمون كتابه الذى نقلت «4» نسخته هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الفقير إلى الله تعالى، محمد بن على.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
(31/300)

عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)
«1» .
هذه المكاتبة إلى، فلان، وفقه الله لقبول النصيحة، وأتاه لما يقربه قصدا صالحا، ونية صحيحة. أصدرناها إليه، بعد حمد الله الذى (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ)
«2» ، ويمهل حتى ينتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيام الله، (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)
«3» . وتحذره «4» صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون. عسى أن يرشده بهذا التذكار وينفعه وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، فإنى أخاف أن يتردى، فيجز من ولاه، والعياذ بالله، معه.
والمقتضى لإصدارها ما لمحناه «5» من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يحب الرب على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، ومن علمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتحققون «6» منها، ولا سيما القضاة الذين يحملون عبء «7» الأمانة، على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار، وهمم «8» نحيفة. والله إن الأمر العظيم، وإن الخطب لجسيم، ولا
(31/301)

أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا، ولا راحة، اللهم [إلا] «1» رجلا «2» نبذ الآخرة وراءه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمته على حظ نفسه من دنياه، فغاية مطلبه «3» الحياة والمنزلة فى قلوب الناس وتحسين الزى «4» والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر «5» خيبة حاله، ولا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنك لا تسمع الموتى، وما أنت بمسمع من فى القبور. فاتق الله الذى يراك حين تقوم؛ واقصر أملك عليه، فالمحروم من أمله غير مرحوم. وما أنا وأنتم أيها النفر، إلا كما قال حبيب العجمى، وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق فقال قد وقعتم فاحتالوا. وإن خفى عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا، أن تقضى من معرفته الوطر. فتأمل [من] «6» كلام النبوة القضاة ثلاثة، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن خاطبه مشفقا عليه: لا تأمرن على اثنين، ولا تليّن مال اليتيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم «7» .
وما أنا والسير فى متلف ... يبرح بالذّكر الضابط
هيهات جف القلم، ونفذ أمر الله، ولا راد لما حكم. ومن هناك شمّ الناس فى الصّديق رضى الله عنه، راتحة الكبد المشوى. وقال الفاروق: ليت أم عمر
(31/302)

لم تلده. واستسلم عثمان وقال من أغمد سيفه، فهو حر. وقال علىّ:- والخزائن بين يديه مملوءة- من يشترى منى سيفى هذا، ولو وجدت ما اشترى به رداء ما بعته. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض.
وعلق بعص السلف فى بيته سوطا، مؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سدى؟
أو وضح إنا نحن المقربون وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا توجد فى كتاب السلم ولا الإجارة «1» ولا الجنايات. نعم إنما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمى عينك الهجوع. ومما يعينك على الأمر الذى دعوت إليه، ويزوّدك فى سيرك إلى الغرض «2» عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالفكر والتدبير، وأناة تجعلها معدة لجلاء قلبك. فإنه [إن] «3» استحكم صدأه، صعب تلا فيه «4» .
واعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك لاستعداد المعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد. فإنه يقول (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ)
«5» .
(31/303)

ومهما وجدت من همتك قصورا، واستشعرت من نفسك عما بدا إليها نفورا، فاجأر إليه وقف ببابه واطلب منه، فإنه لا يعرض عمن صدق، ولا تعزب «1» عن علمه «2» خفايا الضمائر، ألا يعلم من خلق وهذه نصيحتى إليك، وحجتى بين «3» يدى الله، إن فرّطت، عليك، اسأل الله لى ولك، قلبا واعيا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنة، بمنّه وكرمه.
وفى هذه السنة، عزل القاضى جمال الدين بن الشريشى نفسه من نيابة الحكم بدمشق، عن قاضى القضاة بدر الدين [بن جماعة «4» ] ، وذلك فى الجمعة، رابع عشرين شهر رجب. فوقع اختيار قاضى القضاة، بدر الدين [بن جماعة «5» ] فى النيابة عنه، على القاضى جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعى «6» ، المعروف بالزرعى قاضى زرع «7» . فاحضره منها واستنابه بدمشق، وذلك فى يوم الاثنين تاسع عشر شوال من السنة.
وفيها، قدمت والدة الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس من بلاد الأشكرى «8» ، إلى دمشق. وكان وصولها
(31/304)

فى حادى عشر رمضان. ونزلت بدار الحديث الظاهرية بدمشق.
وأرسل إليها نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى، التحف والهدايا والألطاف، وخدمها أتم خدمة. ثم توجهت من دمشق إلى القاهرة فى عشية الجمعة، ثامن عشر رمضان.
ذكر توجه السلطان الملك العادل وعزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموى، وتولية الأمير سيف الدين أغرلوا «1» العادلى وغير ذلك
وفى هذه السنة، توجه السلطان الملك العادل إلى الشام بجميع العساكر.
وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل، فى يوم السبت سابع عشر شوال، بعد الزوال. ووصل إلى دمشق فى الساعة الخامسة من يوم السبت، خامس عشر ذى القعدة، والأمير بدر الدين بيسرى حامل الجتر «2» على رأسه. وحضر فى خدمته نائب السلطنة، الأمير حسام الدين لاجين، والصاحب فخر الدين بن الخليلى ونزل
(31/305)

الوزير بدار الملك الزاهر. وفى يوم وصوله إلى دمشق، توجه إلى زيارة قبر والده، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية. فلقيه القاضى تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلّم عليه، فعرّف به. فأمر أن يركب بغلته الجنيب، فركبها، وحضر معه إلى تربة والده.
فلما فرغ من القراءة، ولّاه الصاحب قضاء القضاة على مذهبه، فقبل. وخلع عليه فى بكرة النهار، وعلى بقية القضاة. وكان قاضى الحنابلة قبله، القاضى شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسى قد توفى، وكانت وفاته فى أول ليلة الخميس، الثانى والعشرين من شوال، ودفن ضحى يوم الخميس، رحمه الله تعالى «1» .
ولما استقر السلطان بدمشق، خلع على الأمراء والمقدمين، وعلى الصاحب تقى الدين توبة، والشيخ نجم الدين بن أبى الطيب، وولّاه وكالة بيت المال، وعلى شهاب الدين الحنفى.
ثم شرع الصاحب فخر الدين فى مصادرات الولاة والمباشرين. ورسّم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين [بدمشق «2» ] ، وعلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «3» والى البر، وعزله عن ولاية البر. وولّى الأمير علاء الدين ابن الجاكى عوضه، وطلب منهما الأموال، ورسّم على سائر المباشرين، وطلب من كل منهم جامكية سنة. واستخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثمانين ألف درهم، وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقيا على ولايته، وهو الذى تولّى
(31/306)

المستخرج من المصادرين، استدمر وغيره. وهو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه من الأموال «1» .
وفى يوم الاثنين رابع عشر ذى القعدة، وصل الملك المظفر صاحب حماه إلى خدمة السلطان بدمشق، فتلقاه السلطان وأكرمه. ثم جرد السلطان جماعة من العسكر المصرى، وعسكر دمشق إلى جهة حلب «2» .
وفى يوم الجمعة، ثامن عشرين ذى القعدة، حضر السلطان إلى جامع بنى أمية وصلى به الجمعة. وخلع على الخطيب قاضى القضاة بدر الدين [بن جمامة «3» ] ، وزار مصحف عثمان.
وفى يوم الاثنين مستهل ذى الحجة، حضر الأمير عز الدين الحموى الظاهرى، نائب السلطنة بدمشق، إلى خدمة السلطان. فأنكر عليه سوء اعتماده، وطمع نفسه، وما بلغه عنه من بسط يده فى أخذ المصانعات «4» . وأخذ السلطان خيوله المسوّمة وأمواله وأقمشته، ثم عزله عن النيابة، وفوضها لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، وباشر النيابة من يومه. ثم خلع بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموى، وأنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار المصرية. وانتقل الحموى عند عزله من دار السعادة، ونزل بداره المعروفة بالجيشى التى بالقصاعين.
(31/307)

وفيها، فى ثامن ذى الحجة، فوض السلطان وزارة الشام، لوكيله شهاب الدين الحنفى، عوضا عن تقى الدين توبة، وكان قبل ذلك يلى الحسبة بدمشق. وخلع عليه خلعة الوزارة فى يوم عيد الأضحى. ثم توجه السلطان فى ثامن [عشر] «1» ذى الحجة، إلى جهة حمص، وتصيّد فى تلك الجهة. ودخل حمص فى تاسع عشر ذى الحجة، وحضر إليه نائب السلطنة بحلب، وبقية النواب. وانسلخت السنة، والسلطان بمخيمه على جوسيه «2» ، وهى قرية من قرى حمص، كان قد اشتراها.
وفى هذه السنة، توفى الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار.
وكانت وفاته بمصر، فى يوم الأربعاء، السادس والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ودفن بتربته بالرصد وكان رحمه الله تعالى، كثير الخير والإحسان إلى خلق الله تعالى. وعمّر المدارس والمساجد والجوامع، وله بإسنا من عمل قوص، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية. وبقوص مدرسة على ساحل البحر كذلك، وبجوار المدرسة مسجد له، يجتمع فيه الفقراء الأعجام القرندلية «3» فى شهر رمضان من كل سنة، ويذبح لهم فى كل يوم رأس غنم،
(31/308)

وما يحتاجون إليه من التوابل «1» والخبز. وله بمصر مدرسة، وبكرسى الجسر جامع، وبالرصد جامع، وغير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة. ووقف عليها الأوقاف المبرورة الوافرة، رحمه الله تعالى.
وتوفى أيضا بالديار المصرية جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسنى أبو شامة، وهو الذى كان يندب إلى الكشف بالوجه القبلى بالديار المصرية، فى الدولة المنصورية، وما بعدها، رحمه الله تعالى «2» .
(31/309)

واستهلت سنة ست وتسعين وستمائة [696- 1296/1297]
والسلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيه. ثم رحل منها وعاد إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأربعاء ثانى المحرم. وفى يوم الجمعة، حضر السلطان إلى الجامع، وصلى بالمقصورة، وأخذ من الناس قصصهم. ورأى شخصا بيده قصة، فتقدم إليه بنفسه خطوات، وأخذ القصة منه «1» .
وفيها، أمّر السلطان الملك العادل، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين بن أبى بكر محمد بن أيوب، وجعله من أمراء الطبلخاناة بدمشق، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم.
وفيها، فى يوم الاثنين، حادى عشرين المحرم، قبض على الأمير سيف الدين استدمر كرجى «2» ، واعتقل بالقلعة، وعزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر، عن وظيفة الشد، وولى عوضه الأمير فتح الدين بن صبره.
ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق
وفى بكرة نهار الثلاثاء، الثانى والعشرين من المحرم، توجه السلطان بعساكره
(31/311)

نحو الديار المصرية، وقد أجمع أكابر الأمراء على خلعه. فلما انتهوا إلى منزلة «1» العوجا، جلس السلطان فى الدهليز، وحضر الأمراء إلى الخدمة، وطلب الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى طلبا مزعجا. وكان قد توجه إلى الزيارة، فلما حضر، لم يقم له على عادته. ويقال إنه كلمة بكلام غليظ، ونسبه إلى أنه كاتب التنار، وحصل بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان من المجلس.
وقام الأمراء، واجتمعوا فى خيمة الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة، وتكلموا فيما وقع. فسأل الأمير بدر الدين بيسرى، الأمير حسام الدين عن موجب إغلاظ السلطان له. فقال: إن مماليكه قد كتبوا عنك كتبا إلى التتار، وأحضروها إليه، ونسبوك إلى أنك كتبتها، ونيته إذا وصل إلى قلعة الجبل، أن يقبض على وعليك، وعلى أكابر الأمراء، ويقدم مماليكه. فأجمعوا عند ذلك على «2» خلعه.
وركب الأمير حسام الدين لاجين، والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب ومن انضم إليهم. واستصحبوا معهم حمل نقّارات «3» ، وساقوا إلى باب الدهليز. وحركت النقارات حربيا، وذلك فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة. فلما مروا بخيمة بكتوت الأزرق العادلى
(31/312)

قتلوه. وركب بتخاص «1» العادلى، وتوجه إلى باب الدهليز فقتلوه أيضا. ولما شاهد الملك العادل ذلك، خرج من ظهر الدهليز، وركب فرس النوبة، وعبر على القنطرة التى على ماء العوجا، وساق ركضا، وأدركه خمسة أو ستة من مماليكه.
واستقر به السير إلى دمشق. ودخل قلعتها، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى «2» .
ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى وهو السلطان الحادى عشر من ملوك الترك، بالديار المصرية.
وهو من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. اشتراه فى زمن إمرته «3» مرتين. وكان من مماليك الملك المنصور نور الدين على ابن الملك المعز [أيبك «4» ] ، فلما سفّر إلى بلاد الأشكرى، تأخر بالقاهرة، فاشتراه السلطان الملك المنصور، فى أيام إمرته بسبعمائة وخمسين درهما. ثم تبيّن له بعد ذلك أنه من مماليك الملك المنصور ابن الملك المعز، وقيل له إنه غائب ولا يصح بيعه إلا من حاكم [شرعى] «5» ، فاشتراه ثانيا من قاضى القضاة، تاج الدين بن بنت الأعز،
(31/313)

بما يزيد عن ألف درهم. وباعه على الغائب، بالغبطة له. وقد شاهدت أنا عهديته «1» فى جملة عهد المماليك المنصورية السيفية، وشدّ عنى تحقيق الثمن الثانى، إلا أنه يزيد على ألف درهم. ولعل ذلك ألف وخمسون درهما. وكان يوم ذاك يدعى شقير. كذا رأيت عهديته (لاجين المدعو شفير) ، وكان فى البيت المنصورى يعرف بلاجين الصغير. وتأمر وناب عن السلطنة بدمشق، وهو لا يعرف بين الناس إلا بلاجين الصغير «2» . وسألت بعض أكابر الأمراء من المماليك المنصورية، الذين كانوا فى خدمة السلطان، فى زمن إمرته، عن لاجين الكبير، الذى ميّز هذا بالصغير بسببه، فما عرفوه. ولعل هذه الشهرة وقعت عليه وقوع اللقب، والله أعلم.
وتنقل لاجين هذا فى خدمة السلطان الملك المنصور، من وظيفة الأوشاقية إلى السلاح دارية. ولما قبض عليه السلطان الملك الأشرف، بعد عزله من نيابة الشام، ثم أفرج عنه وجعله سلاح دارا كما كان، فى خدمة أبيه السلطان الملك المنصور، قبل أن يستنيبه بدمشق. وقد تقدم من أخباره وتنقلاته، ما نستغنى الآن عن إعادته «3» .
ملك بمنزلة العوجاء من بلاد الساحل. وذلك أنه لما هرب الملك العادل كتبغا من الدهليز، وتوجه إلى نحو دمشق، فى الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، اجتمع الأمراء وتشاوروا فمن ينصب فى السلطنة.
(31/314)

فاتفقوا على إقامته فى السلطنة، وتلقب بالملك المنصور. وشرط الأمراء عليه شروطا فقبلها والتزمها. منها أن يكون معهم كأحدهم، وأن لا ينفرد برأى دونهم، وأن لا يبسط أيدى مماليكه فيهم، ولا يقدمهم عليهم، وحلّفوه على ذلك، فحلف عليه. فقال له الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى:- وكان من جملة الأمراء المشار إليهم- نخشى أنك إذا جلست فى المنصب، تنسى هذا الذى تقرر بيننا وبينك، وتقدم مماليك، وتخوّل «1» منكوتمر. فكرر الحلف أنه لا يفعل [ذلك] «2» ، ولا يخرج عمّا التزمه. فعند ذلك، حلفوا له وركب بشعار السلطنة، وتوجه بالعساكر نحو الديار المصرية.
ولما وصل إلى غزة، حمل الأمير بدر الدين بيسرى الجتر على رأسه.
ثم رحل منها، وكان وصوله إلى قلعة الجبل، وجلوسه على تخت السلطنة، فى يوم الجمعة عاشر صفر، سنة ست وتسعين وستمائة. ثم ركب بشعار السلطنة، وشقّ المدينة فى يوم الخميس سادس عشر صفر «3» .
ورتب فى نيابة السلطنة [بالديار المصرية «4» ] مقر ملكه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، وجعل الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار أمير جاندار، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى حاجبا. واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليلى فى الوزارة برهة،
(31/315)

ثم عزله على ما نذكره إن شاء الله. وفوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى.
هذا ما كان بالديار المصرية، فلنذكر أخبار الملك العادل [كتبغا «1» ]
ذكر أخبار الملك العادل وما اعتمده بدمشق «2» وما كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد
لما فارق الملك العادل الدهليز والأمراء، توجه إلى دمشق. وقدم قبله أحد مماليكه ليعلم مملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا نائب السلطنة بدمشق ما تجدد، ويخبره بوصول السلطان. فوصل [أمير شكار «3» ] فى بكرة نهار الأربعاء، سلخ المحرم. فجمع [نائب السلطنة بدمشق «4» ] الأمراء، وركب جماعة من العسكر، وأمرهم بالوقوف خارج باب النصر.
ثم وصل الملك العادل إلى دمشق، فى وقت العصر من اليوم المذكور، ومعه أربعة أو خمسة من مماليكه. ودخل إلى القلعة، واستقر بها، وحضر إلى خدمته الأمراء، وخلع على جماعة. وأمر بإيقاع الحوطة على حواصل الأمير حسام الدين لاجين ونوابه «5» . ثم وصل الأمير زين الدين غلبك العادلى «6» فى
(31/316)

يوم الخميس، مستهل صفر، بجماعة يسيرة من المماليك العادلية. وجلس شهاب الدين الحنفى وزير الملك العادل فى الوزارة بالقلعة. ورتب أحوال السلطنة.
وأمرّ العادل جماعة من دمشق، ووضع بعض «1» المكوس، وقرىء بذلك توقيع فى يوم الجمعة سادس عشر صفر.
وفى يوم السبت رابع عشرين الشهر، وصل الأمير سيف الدين كجكن وجماعة من الأمراء، كانوا معه بالرحبة مجردين، فلم يدخلوا دمشق، وتوجهوا إلى جهة ميدان الحصا. وأعلن باسم السلطان الملك المنصور [حسام الدين لاجين «2» ] ، وخرج إليه الأمراء بدمشق، طائفة بعد طائفة. فلما علم الملك العادل بذلك، وتحقق انحلال أمره، وتخاذل الناس عنه، وثبات قدم الملك المنصور فى السلطنة، وانضمام الناس إليه، أذعن إلى الطاعة، والدخول فيما دخل الناس فيه. وقال للأمراء: السلطان الملك المنصور، هو خوشداشى، وأنا فى خدمته وطاعته، وأنا أكون فى بعض القاعات بالقلعة إلى أن يكاتب السلطان، ويرد جوابه بما يقتضيه رأيه فى أمرى. فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب الميدان، وحلفوا بأجمعهم للسلطان الملك المنصور، وكتبوا إليه بذلك.
وتوجه البريد إليه بالخبر، ودخل الأمير سيف الدين جاغان إلى القلعة ورتب من يحفظ الملك العادل بها، إلى أن يرد جواب السلطان [المنصور «3» ] فى أمره، وغلقت أبواب دمشق، فى يوم السبت خلا باب النصر. وركب عسكر دمشق بالسلاح، وأحاطوا بالقلعة حفظا لها، وخوفا أن يخرج الملك العادل منها،
(31/317)

ويقصد جهة أخرى قبل ورود جواب السلطان فى أمره «1» . ثم دقت البشائر فى وقت العصر من يوم السبت المذكور، وأعلن باسم السلطان الملك المنصور.
وقرأ المؤذنون فى ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر بالمأذن (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)
«2» إلى آخر الآية. ودعوا للملك المنصور، ودعا له قارىء المصحف، بعد صلاة الصبح وضربت البشائر على أبواب الأمراء، وأظهروا الفرح والسرور بسلطنته، وفتحت أبواب البلد وزينت، وفتح «3» الناس حوانيتهم.
وفى يوم الأحد المذكور، اجتمع القضاة بدار السعادة، وحضر الأمراء والعساكر، وحلفوا للملك المنصور. وتولى النحليف القاضى شمس الدين بن غانم، بحضور الأمير سيف الدين أغرلوا، نائب السلطنة، وحلف هو أيضا، وأظهر السرور بسلطنة الملك المنصور. وقال: السلطان، أعز الله تعالى نصره، هو الذى عيننى لنيابة السلطنة، وأستاذى كان قد استصغرنى، فأشاد هو بى، فأنا نائب السلطان الملك المنصور. ثم توجه هو والأمير سيف الدين جاعان إلى الأبواب السلطانية «4» .
وخطب للملك المنصور حسام الدين لاجين، بجوامع دمشق، فى يوم الجمعة، مستهل شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين وستمائة. وكان الأمير شمس الذى سنقر الأعسر، قد حضر من جهة السلطان الملك المنصور إلى ظاهر
(31/318)

دمشق، فى ليلة الأحد رابع صفر. وأرسل إلى الأمراء كتبا كانت معه، وحلف جماعة منهم. وتوجه إلى قارا «1» فى ليلته، وكان بها جماعة من الأمراء المجردين، فاجتمع بهم، وقرّر الأمر معهم، وكتب إلى السلطان بذلك. ثم رجع وأقام بلد بجماعته، حفظا للبلاد بتلك الجهة «2» . فلما بلغه «3» استقرار الأمور بدمشق، توجه إليها، ودخلها فى يوم الخميس، سابع عشرين صفر. فتلقاه الناس، واشتعلت الشموع لمقدمه نهارا، وحضر الأكابر والأعيان إلى خدمته. ونودى بدمشق، من له مظلمة، فليحضر إلى دار الأمير شمس الدين [سنقر الأعسر «4» ] .
ثم وصل الأمير حسام الدين أستاذ الدار إلى دمشق، بجماعة من العسكر.
وجمع الأمراء بدار السعادة، بحضور القضاة. وقرئ عليهم كتاب السلطان، يتضمن استقراره فى الملك، وجلوسه على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، واجتماع الكلمة عليه، وركوبه بالخلع الخليفية، والتقليد من أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله، أبى العباس أحمد «5» .
ثم وصل الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، من الأبواب السلطانية، فى عشية يوم الاثنين، حادى عشر شهر ربيع الأول. ودخل فى بكرة نهار الثلاثاء،
(31/319)

إلى قلعة دمشق، هو والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير سيف الدين كجكن، وقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، واجتمعوا بالملك العادل. فحلف للسلطان الملك المنصور يمينا مستوفاة مغلظة، أنه فى طاعة السلطان الملك المنصور وموافقته، وإخلاص النية له، وأنه رضى بالمكان الذى عينه له، وهو قلعة صرخد، وأنه لا يكاتب ولا يستفسد أحدا، إلى غير ذلك، مما اشترط عليه. ثم وصل الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، إلى دمشق فى يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول، ونزل بدار السعادة، على عادة النواب «1» .
وخرج الملك العادل، من قلعة دمشق، وتوجه إلى صرخد، فى ليلة الثلاثاء تاسع عشر، شهر ربيع الأول. وتوجه معه مماليكه، وجرد معه جماعة من العسكر الشامى، إلى أن وصل إلى قلعة صرخد.
فكانت مدة سلطنة الملك العادل، منذ جلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، فى يوم الأربعاء حادى عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وإلى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجا، وتوجه إلى دمشق، فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، سنتين وسبعة عشر يوما، وإلى أن خلع نفسه من السلطنة بدمشق، فى يوم السبت رابع عشرين صفر، شهرا واحدا، وأحد عشر يوما «2» .
ولما وصل الأمير سيف الدين جاغان إلى دمشق، أحضر على يديه توقيعا
(31/320)

للصاحب تقى الدين توبة، بوزارة دمشق على عادته، وتوقيعا للقاضى أمين الدين بن حلال، بنظر الخزانة، عوضا عن تقى الدين توبة، وتوقيعا للشيخ أمين الدين العجمى بنظر الحسبة بدمشق. فباشر كل منهم ما فوض إليه. ثم خلع على الأمراء والمقدمين، والقضاة، وأعيان الدولة بدمشق، فى يوم الاثنين ثانى شهر ربيع الآخر. فيقال إن عدة التشاريف التى فرقت ستمائة تشريف «1» .
ذكر الإفراج عن جماعة من الأمراء
وفى هذه السنة، أفرج السلطان الملك المنصور عن جماعة من الأمراء المعتقلين، وهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى الأشرفى، والأمير شمس الدين الركن السلاح دار، وغيرهم من المماليك السلطانية. وأعطى الأمير ركن الدين بيبرس [الجاشنكير «2» ] إمرة بالديار المصرية، والأمير سيف الدين برلغى إقطاعا بدمشق، فتوجه إليها.
وفيها، أمّر السلطان الملك المنصور جماعة من مماليكه، وهم الأمير سيف الدين منكوتمر، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، والأمير سيف الدين بيدوا «3» ، والأمير سيف الدين جاغان، والأمير سيف الدين بهادر المعزى.
ذكر تجديد عمارة الجامع الطولونى وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك
وفى هذه السنة، أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بتجديد
(31/321)

عمارة الجامع الطولونى. وندب لذلك الأمير علم الدين سنجر الدوادارى. وأقر لعمارته من خالص ماله، عشرين ألف دينار عينا. فاهتم الأمير علم الدين، المشار إليه، بعمارته وعمارة أوقافه. وابتاع السلطان من بيت المال منية أندونه «1» ، من الأعمال الجيزية، ووقفها على المدرسين والمشتغلين وأرباب الوظائف بالجامع.
ورتب فيه درسا لتفسير كتاب الله العزيز، ودرسا لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودروسا للفقه على المذاهب الأربعة. وجعل لهذه الدروس مدرسا لكل طائفة، ومعيدين وطلبة. ورتب دروسا للطب «2» ، وميعادا «3» للرقائق «4» ، وشيخا للسبحة، ومكتب سبيل، وغير ذلك من أنواع البر. ورتب لهم الجامكيات المتوفرة، واستمر ذلك إلى الآن «5» .
وفى هذه السنة، نقل السلطان، الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس «6» أحمد
(31/322)

العباس أمير المؤمنين، من البرج الذى كان يسكنه بقلعة الجبل إلى مناظر الكبش. وأجرى عليه وعلى أولاده الأرزاق الواسعة، ووصله بالصلات الجزيلة، وصار يركب معه فى الموكب. والتمس الخليفة من السلطان الإذن فى الحج، فأذن له فى سنة سبع وتسعين وستمائة، وجهزه بما يحتاج إليه «1» .
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر
. وفى هذه السنة، حضر إلى الأبواب السلطانية جماعة من قضاة القضاة والأعيان بدمشق، منهم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، وقاضى القضاة جمال الدين المالكى، والقاضى إمام الدين القزوينى، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى وغيرهم. فلما وصلوا، أكرمهم السلطان، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. وفوض إلى قاضى القضاة حسام الدين الحنفى قضاء القضاة بالديار المصرية، وعامله بمالم يعامل به أحدا من الإكرام، والتقريب والبر والتشاريف.
وأقر ولده القاضى جلال الدين على قضاء الشام. وفوض إلى القاضى إمام الدين القزوينى الشافعى، قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام الشافعى. وكتب تقليده فى رابع جمادى الأولى، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة.
واستقر بيد القاضى بدر الدين الخطابة بالجامع الأموى بدمشق، وتدريس المدرسة القيمرية، وأعيد القاضى جمال الدين الزواوى المالكى إلى دمشق على عادته، وخلع عليهما، فكان وصولهما إلى دمشق فى ثامن شهر رجب. وجلس القاضى إمام الدين للحكم بالمدرسة العادلية، وامتدحه الشعراء. فكان ممن امتدحه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى بقصيدته التى أولها:
(31/323)

تبدّلت الأيام من عسرها يسرا ... فأضحت ثغور الشام تفتر بالبشرى «1»
وأما الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، فإنه تأخر بالديار المصرية مدة، ثم عاد إلى دمشق، فوصلها فى الخامس والعشرين من شهر رمضان. وقد خلع عليه خلع الوزراء، تشريفا كاملا بطرحة ومنديل هنكرى «2» مزركش، وخلع على ولديه. واستعاد [له] «3» من ورثة السلطان الملك المنصور، ما كان قد صودر به، وأخذ منه فى «4» الأيام المنصورية. وأثبت ذلك فى وجه وكيل الورثة المنصورية، وتعويض عنها أملاكا، من الأملاك المنصورية. فذكر أن قيمتها أضعاف ما أخذ منه، منها حصة بقرية الرمثا «5» وغير ذلك.
وفيها، ولى الأمير سيف الدين جاغان الحسامى شد الشام، وباشر ذلك فى يوم الاثنين العشرين من شهر رجب، عوضا عن الأمير فتح الدين بن صبره «6» .
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر.
وفى هذه السنة، تقدم أمر السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى، من دمشق، على خيل البريد. فركب منها فى سابع عشر جمادى الآخره. ووصل إلى الأبواب السلطانية فى الشهر المذكور، فأكرمه السلطان
(31/324)

وأحسن إليه، وشرّفه وأمّره بالديار المصرية. ثم فوض إليه الوزارة، وتدبير الدولة، بالديار المصرية والممالك الشامية «1» .
وكان جلوسه فى دست الوزارة، فى السادس والعشرين، من شهر رجب.
وعزل الصاحب فخر الدين بن الخليلى، وسلّم إليه، ليستخرج منه «2» مالا. واستمر فى الوزارة إلى يوم السبت ثالث عشرين ذى الحجة، فقبض عليه لأمور أنكرها السلطان، وظهرت له منه.
ذكر القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة، وتفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر.
وفى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء منتصف ذى القعدة، قبض السلطان على نائبه وخوشداشه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى واعتقله. وأمر بإيقاع الحوطة على موجوده وحواصله، بالديار المصرية والبلاد الشامية. وفوّض السلطان، بعد القبض عليه، نيابة السلطنة بمقر ملكه، لمملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامى «3» .
وفى هذه السنة، بعد القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، ركب السلطان الملك المنصور إلى الميدان، للعب بالكرة، فتقنطر به فرسه، فسقط إلى الأرض، وانكسر أحد جانبى يديه وبعض أضلاعه. ووجد شدّة
(31/325)

عظيمة لذلك. واحتاج الجبرون إلى كسر عظم الجانب الآخر من يده، لأجل صحة الجبر، فإنه لا «1» يجبر أحد الجانبين، وإن انجبر قصر عن الجانب الآخر، فنعذّر «2» الانتفاع باليد، واضطرّ إلى ذلك، وتوقف عن الإجابة إليه. فدخل عليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر- وكان ذلك قبل القبض عليه- وقال له:
أنا حصل لى مثل هذا، فلما احتجت إلى كسر النصف الآخر، ضربته بدقماق حديد «3» ، فانكسر ثم جبر. وكلّمه فى ذلك بكلام فيه غلظ واستخفاف. ولم يسلك ما جرت العادة به من الآداب الملوكية. فكان هذا من أسباب القبض عليه كما تقدم.
واستمر السلطان على الانقطاع لهذه الحادثة، إلى أن كملت صحته، وصح ما جبر من يده وجسده. ثم ركب فى حادى عشر صفر، سنة سبع وتسعين وستمائة فاستبشر الناس بذلك، ودقّت له البشائر بمصر والشام.
وفى سنة ست وتسعين وستمائة، فى الحادى والعشرين من شهر ربيع الأول كانت وفاة الشيخ الإمام، السيد الشريف ضياء الدين مفتى المسلمين، أبى الفضل جعفر ابن الشيخ العارف القطب اتفاقا، عبد الرحيم بن أحمد بن مجنون الحسينى الشافعى، رحمه الله. وكان قد ولى وكالة بيت المال، فى أول الدولة المنصورية، مدة لطيفة، ثم عزل نفسه.
(31/326)

وفيها، فى ليلة الثلاثاء، سادس عشرين ربيع الأول، توفى الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد بن عبد الله الظاهرى، وولده محمد، عتيق السلطان الملك الظاهر غازى. ودفن بتربته بمقبرة باب النصر، ظاهر القاهرة، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان، توفى الصدر سيف الدين أحمد ابن محمد بن جعفر الساوى بدمشق، ودفن بداره، جوار المدرسة الكروسية، داخل دمشق. وكان كبير المحل فى النفوس، مشهور المكانة عند الخليفة المستعصم بالله وغيره. وقد تقدم ذكره فى الدولة المنصورية. وكان حسن الشعر إلا أنه كان كثير الهجاء. وأهاجيه مشهورة، منها الأرجوزة التى عملها فى مباشرى «1» الدولة المنصورية الناصرية بدمشق، وهى مشهورة.
وفيها، فى ليلة الخميس الثالث والعشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الأمير عز الدين أزدمر العلائى، أحد الأمراء بدمشق. وهو أخو الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى، رحمهما الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الصاحب محيى الدين أبى عبد الله محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس الأسدى. وكانت وفاته ببستانه بالمزة، فى سلخ ذى الحجة ودفن فى مستهل المحرم. ولى الوزارة بالشام مرارا. ولما توفى، كان مدرسا بالمدرسة الريحانية والظاهرية وناظر الخزانة، رحمه الله تعالى.
(31/327)

واستهلت سنة سبع وتسعين وستمائة [697- 1297/1298]
ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر ومن معه من القسطنطينية إلى الديار المصرية «1»
كان السلطان قد كتب إلى الأشكرى، صاحب القسطنطينية، فى سنة ست وتسعين وستمائة، إذ تجهّزوا أولاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية مكرمين، هم ومن معهم. فجهز إليه الملك المسعود نجم الدين خضر ووالدته.
وأحضر الملك العادل سلامش فى تابوت مصبرا، وكان قد مات بالقسطنطينية.
وكان وصولهم فى هذه السنة، فأكرمهم السلطان، وأحسن إليهم. وكان قد تزوج إحدى بنات الملك الظاهر، فلذلك كتب بإحضارهم، ودفن الملك العادل بدر الدين سلامش. ثم استأذن الملك المسعود السلطان فى الحج، فأذن له، فحج فى هذه السنة. وجهزه السلطان بما يحتاج إليه. ولما عاد، سكن القاهرة المعزية.
وفى هذه السنة، كتب تقليد الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، بنيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، وجهزّ إليه إلى دمشق، فوصل إليه فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، يزينه التشريف السلطانى والسيف والحياصه والفرس. ويقال إنه تولى نيابة دمشق فى هذه المدة الماضية بغير تقليد، فوصل
(31/329)

إليه الآن، فجدّد الحلف للسلطان بحضور القضاة والأمراء. وركب بكرة نهار الخميس، وعليه التشريف، وقبّل عتبة باب السر بقلعة دمشق على العادة.
ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك وإقامته بها
وفى هذه السنة، جهز السلطان الملك المنصور حسام الدين [الملك السلطان الناصر «1» ] إلى الكرك، فتوجه إليها، وتوجه فى خدمته الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، فوصل إليها فى رابع شهر ربيع الأول. فأخبرنى قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى، عن خبر إرساله إلى الكرك. قال: طلبنى الملك المنصور حسام الدين، وقال لى: «إعلم أن السلطان الملك الناصر ابن أستاذى، وأنا والله فى السلطنة مقام النائب عنه. ولو علمت أنه الآن يستقل بأعباء السلطنة ولا تنخرم هذه القاعدة، ويضطرب الأمر، أقمته وقمت بين يديه. وقد خشيت عليه فى هذا الوقت، وترجح عندى إرساله إلى قلعة الكرك. فيكون بها إلى أن يشتد عضده، ويكون من الله الخير. والله ما أقصد بإرساله إليها إبعاده، ولكن حفظه، [وأما «2» ] السلطنة فهى له» . وأمثال هذا الكلام. قال: فشكرته على ذلك، ودعوت له. ولعل السلطان الملك المنصور، إنما قال هذا القول تطبيبا لقلب قاضى القضاة، لا حقيقة، وكان فى طى الغيب كذلك.
ولما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك، توجه فى خدمته جماعة من مماليكه ومماليك أبيه السلطان الملك المنصور، منهم الأمير سيف الدين بهادر الحموى المنصورى وهو أكبرهم سنا. وهو القائم فى خدمته مقام اللالا، والأمير
(31/330)

سيف الدين أرغون المنصورى الناصرى الدوادار، وكان قد تربى فى خدمة السلطان من صفره، وسيف الدين طيدمر جوباش «1» ، رأس نوبة الجمدارية وغيرهم.
وكان النائب بالكرك يوم ذاك، الأمير جمال الدين أقش الأشرفى المنصورى وكان فى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، وهو باق على نيابته بها.
ذكر القبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره
وفى هذه السنة، فى سادس شهر ربيع الآخر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى. واعتقله بالقاعة الصالحية، بقلعة الجبل.
وكان مكرما فى اعتقاله، وأحضر إليه زوجته المنصورية، والدة أحمد ابن السلطان الملك المنصور. وكان سبب ذلك أن السلطان ندبه فى هذه السنة لكشف جسور الجيزية واتقانها. وهذه الوظيفة بالنسبة له إطراح «2» كثير له ولعظامته «3» ، وإن كانت كثيرة فى حق غيره. فتوجه إلى الجيزية بسائر مماليكه وألزامه. فاجتمع معه جمع كثير، يقال إنهم كانوا نحو سبعمائة. وكان يحضر إلى الخدمة فى يومى الاثنين والخميس، ويعود إلى مخيمه. فلما تكامل اتقان الجسور، استأذن فى عمل ضيافة للسلطان هناك. فأذن له واهتم لها اهتماما كثيرا. وحصل بسببها جملة من الأغنام والأصناف وغير ذلك. وقرر مع السلطان أنه يحضر هذه الضيافة.
فأوهم نائبه الأمير سيف الدين «4» منكوتمر، السلطان من خروجه وحذره منه.
(31/331)

وأحضر بهاء الدين أرسلان، أستاذ دار الأمير بدر الدين بيسرى، وهو ابن مملوكه بدر الدين بيليك، أمير مجلس. وكان قد ربى أرسلان هذا كالولد.
فلما كبر قدّمه على جماعة من أكابر مماليكه الذين كانوا فى منزلة أبيه، وجعله أستاذ داره، وأحسن إليه إحسانا كثيرا، فخدمه الأمير سيف الدين منكوتمر ولاطفه ووعده بإمرة طبلخاناة، إن هو أنهى إلى السلطان، أن مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى يقصد اغتياله. فأطمعت أرسلان نفسه، بما وعده منكوتمر، ووافقه على ما قصده. وحضر إلى السلطان وأوهمه من أستاذه أنه إن حضر ضيافته قبض عليه وقتله. ثم عّضد ذلك أن الأمير بدر الدين بيسرى، أرسل إلى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطانى، لينصب فى مكان المهم، ولم يشعر بما وقع. فرسم بتسليم الدهليز لمماليك الأمير بدر الدين بيسرى، وأن يتوجه مقدم الفراشين السلطانية ومن معه لنصبه، ولم يطلع السلطان على ذلك.
فلما حمل الدهليز السلطانى على الجمال، ومرّبه المماليك والغلمان، تحت القلعة ليتوجهوا به إلى الجيزية، رآه السلطان من القلعة. فأرسل إلى الأمير سيف الدين منكوتمر، وسأله عن أمره، فأنكر أن يكون اطلع على شىء من حاله. وقال إن مماليك بيسرى أخذوه من الفراش خاناة السلطانية من غير استئذدان. ثم قال للسلطان، هذا مما يحقق صدق ما نقل عنه، وأغراه به. فأمر السلطان بإعادة الدهليز إلى الفراش خاناة «1» .
وكان الحامل للأمير سيف الدين منكوتمر على ذلك أن أستاذه الملك المنصور حسام الدين، كان قد عزم على أن يجعله ولىّ عهده بعده، كما فعل السلطان الملك المنصوره والملك الظاهر بأولادهما، ويقرن اسمه مع اسمه فى الخطبة، لأن لاجين لم يكن له ولد ذكر. فتحدث فى ذلك مع الأمير بدر الدين بيسرى، فأنكره غاية
(31/332)

الإنكار، وأجاب عنه بأقبح جواب، وردّه بأشنع ردّ. فكان مما حكى أنه قال للسلطان: أعلم أن مملوكك هذا الذى أشرت إليه، لا يصلح للجندية، وقد أمرّته وقدمته، فصبر الناس لك على هذا. وجعلته نائب السلطنة، ومشيّت الأمراء والجيوش فى خدمته، فأجابوا إلى ذلك، طاعة لك، وطلبا لرضاك، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة، أنّك لا تقدم مماليكك على الأمراء، ولا تمكنهم منهم. ثم لم تقنع له بما خوّلته فيه، ومكنته منه، ورفعته من قدره، حتى نقصد أن تجعله سلطانا مثلك، هذا لا يوافقك الناس عليه أبدا.
وحذره من ذلك غاية التحذير، ونهاه عنه، وعن الحديث فيه مع غيره. ولعمرى لقد بالغ فى النصحية «1» له. فأعلم السلطان منكوتمر، بما دار بينه وبين الأمير بدر الدين بيسرى فى أمره، وبما أجاب به فى معناه. فرأى منكوتمر أنه منعه ملكا عظيما، وسلبه أمرا جسيما. وعلم أنه لا يتم له هذا الأمر، الذى أشار به السلطان، ولا يتمكن منه، مع بقاء بيسرى وأمثاله من الأمراء. فشرع فى التدبير عليهم، وأغرى مخدومه بهم. وابتدأ بالتدبير على بيسرى. وعلم أنه إن ينقل «2» عنه أمرا، ربما أن السلطان لا يتلقاه بقبول، فأخذه من مأمنه. وتحيّل على أستاذ داره أرسلان، حتى أنهى عنه ما أنهاه. ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز، فتحقق ما نقل عنه. ولما وقع ذلك، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسرى، وأعلموه، بما اطلعوا عليه وكان ممن راسله فى ذلك، الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى وغيره من الأمراء، وحذروه من السلطان، وحلفوا له على الموافقة والمعاضدة. فلم يرجع إلى قولهم، ولا أصغى
(31/333)

إليهم. ثم أرسل إليه سيف الدين أرغون، أحد مماليك الملك المنصور، وخاصكيته وأقربهم عنده، يخبره أن السلطان قد عزم على القبض عليه، ويحذره من الحضور إلى الخدمة، وإنه إن حضر يكون فى أهبة واستعداد. وكان الحامل لأرغون على ذلك، أن أستاذه أمرّ غيره من مماليكه، ولم يؤمره بطبلخاناة مع اختصاصه به، وانما أعطاه إمرة عشرة «1» ، فوجد فى نفسه. ومن العجب أن كل واحد، من السلطان وبيسرى، أتى فى هذا الأمر من مأمنه، وأذاع سره أخص الناس به، فإن أرسلان كان من بيسرى بالمكان الذى ذكرناه، كأعز أولاده عنده، وأرغون هذا كان من أخص المماليك المنصورية الحسامية، حتى لقد بلغنى أنه أعطاه فى يوم واحد، سبعين فرسا، وغير ذلك. فحمل أرسلان الطمع بالإمرة، و [حمل] «2» أرغون الغيرة من تقديم أمثاله عليه. ففعلا ما فعلا، ونقلا ما نقلا.
وحضر الأمير بدر الدين بيسرى إلى الخدمة، فى يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الآخر. فأخبرنى ركن الدين بيبرس الجمدار، أحد المماليك «3» البدرية، الذين كانوا معه، يوم القبض عليه، أنه لما عبر إلى الخدمة، تلقاه السلطان قائما على عادته. وجلس إلى جانبه، وبالغ السلطان فى إكرامه. ولما قدم السماط، امتنع الأمير بدر الدين من الأكل، واعتذر بالصوم. فأمر
(31/334)

السلطان برفع مجمع من الطعام لفطوره، فرفع له. وبقى السلطان يحادثه سرا، ويؤانسه ويشغله عن القيام، إلى أن رفع السماط. وخرج الأمراء، وقام الأمير بدر الدين معهم على عادته. فلما انتهى إلى بعض الإيوان، استدعاء السلطان، فعاد إليه. فقام له أيضا وجلس معه، وحدّثه طويلا. والحجاب والنقباء يستحثون الأمراء على الخروج «1» . ثم قام [بيسرى] «2» ، فاستدعاه [السلطان] «3» أيضا، فعاد إليه. وقام السلطان له، وجلس معه وتحدثا.
قال الحاكى لى: ورأيت السلطان قد ناوله شيئا من جيبه، ما أعلم ما هو، فتناوله الأمير بدر الدين، ووضعه فى جيبه، وقبّل يد السلطان وفارقه. وقد خلى المجلس والدهاليز إلا من المماليك السلطانية. فلما خرج، أتاه الأمير سيف الدين طقجى، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى، وعدلا به إلى جهة أخرى.
وقبض ايدغدى شقير على سيفه، وأخذه من وسطه، ونظر إليه طقجى وبكى عند القبض عليه. وتوجها به إلى المكان الذى جهز لاعتقاله به. ولم يزل الأمير بدر الدين معتقلا إلى أن مات، فى الدولة الناصرية على ما نذكره إن شاء الله تعالى «4» .
وقبض السلطان أيضا على الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب، ونقل الأمير سيف الدين كرد أمير آخور إلى الحجبة «5» . وقبض على الأمير شمس
(31/335)

سنقر شاه «1» الظاهرى. وقبض أيضا فى أواخر السنة على الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى.
[وفى جمادى الأولى «2» ] ، أمر السلطان بمصادرة القاضى بهاء الدين بن الحلى ناظر الجيوش المنصورة، وأخذ خطه بألف ألف درهم، وعزله عن الوظيفة «3» .
أو حضر عماد الدين بن المنذر، ناظر جيش الشام، فولّاه النظر. وكان قد جلس فى نظر الجيش، فيما بين عزل بهاء الدين وحضور ابن المنذر، القاضى أمين الدين المعروف بابن الرقاقى. فلما وصل ابن المنذر، فوض إليه النظر. ومرض أمين الدولة، وانقطع فى داره لما حصل له من الألم «4» .
وفى هذه السنة، أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون، ولم تكن قبل ذلك، وخطب بها مدرسها شمس الدين بن الشرف بن العز الحنفى، فى يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، باتفاق الملك الأوحد ناظر المدرسة «5» .
ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى إلى الوزارة
وفى هذه السنة، فى جمادى الأولى، رسم السلطان بإعادة الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلى إلى الوزارة فعاد،
(31/336)

وصادر ألزام الأمير شمس الدين [سنقر] «1» الأعسر «2» .
ذكر تجريد العساكر إلى سيس وما فتح من قلاعها
وفى هذه السنة، جرّد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى الصالحى أمير سلاح، والأمير حسام الدين لاجين الرومى، أستاذ الدار، والأمير شمس الدين آقسنقر كرتاى «3» ، ومن معهم من مضافيهم. وأمرهم أن يتوجهوا إلى بلاد سيس. فتوجهوا من القاهرة، فى جمادى الأولى، والمقدم على الجيش أجمع الأمير بدر الدين [بكتاش] «4» أمير سلاح.
وكان وصولهم إلى دمشق فى يوم الخميس، خامس جمادى الآخرة، وتوجهوا منها فى ثامن الشهر. وجرّد، معهم من عسكر دمشق، الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى ومضافيهم «5» . وجرد العسكر الصفدى، ومقدمه الأمير علم الدين [ايدغدى «6» ] الإلدكزىّ «7» . وجرّد جماعة من العسكر الطرابلسى، والملك المظفر صاحب حماه بعسكرها.
(31/337)

ولما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس، جهز رسله إلى الأبواب السلطانية، يستعطف السلطان، ويسأل مراحمه، فلم تجد «1» رسالته نفعا.
ووصلت هذه العساكر إلى حلب. وأردف السلطان هذه العساكر بالأمير علم الدين سنجر الدرادارى، أحد مقدمى العساكر بالديار المصرية، ومضى فيه، فخرج مسرعا، وأدرك الجيش بحلب. وجرد من العسكر الحلبى الأمير علم الدين المعروف بالزغلى و [الأمير علم الدين سنجر الحلبى «2» ] ، ومضافيهما. وتوجهت هذه الجيوش بجملتها إلى بلاد سيس. فلما نزلوا بالعمق، افترقت العساكر فرقتين. فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين الجالق، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان، والعسكر الصفدى من عقبة بفراس إلى باب اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون. وتوجه الملك المظفر صاحب حماه، والأمير علم الدين سنجر الدوادارى، والأمير شمس الدين آفسنقر كرتاى «3» ، وبقية الجيش من عقبة المريت «4» . وصار نهر «5» جهان بين الفريقين وكان دخولهم إلى در بند سيس، فى يوم الخميس، رابع شهر رجب.
(31/338)

ولما صاروا ببلاد سيس، اختلف الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير علم الدين الدوادارى، فأشار أمير سلاح بالحصار ومنازلة القلاع. وأشار الدوادارى بالإغارة والإفتصار عليها. وقال أنا المقدم على هذه الجيوش كلها، وأنا آخركم عهدا بالسلطان، وإنما رسم السلطان بالإغارة. فاضطر أمير سلاح ومن معه، لموافقة الدوادارى، وقطعوا جهات من مخاضة العمودين، وتوجهوا للإغارة. فتوجه صاحب حماه والدوادارى، ومن معهما إلى سيس نفسها. وتوجه أمير سلاح ومن معه إلى تاورزه «1» ، وأقاموا عليها يوما وليلة. ورحلوا إلى أذنة، واجتمعت الطائفتان «2» بها، بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن، واستاقوا ما مرّوا به من الأبقار والجواميس. وعادوا من أذنة إلى المصيصة بعد الإغارة، وأقاموا بها ثلاثة أيام، حتى نصبوا جسرا مرت العساكر عليه، ورجعوا إلى بغراس، ثم إلى مرج أنطاكية. وأقاموا ثلاثة أيام، ورحلوا إلى جسر الحديد بأرض الروج «3» ، عازمين على العود إلى الديار المصرية، بالعساكر «4» المصرية إلى مستقرها.
وكان الأمير بدر الدين أمير سلاح، لما نازعه الدوادارى فى التقدمة، ومنعه من الحصار، وصمم على الأقتصار على الإغارة، قد كتب إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، يعلمه بما وقع والتمس منه مطالعة السلطان بذلك. فطالع بصورة الحال، فورد الجواب من السلطان، والعساكر
(31/339)

بالروج، يتضمن الإنكار على الأمير علم الدين الدوادارى، كونه ادّعى التقدمة على الأمير بدر الدين أمير سلاح، واقتصر على الإغارة، وأن الدوادارى إنما خرج مقدما على مضافيه خاصة، وإن التقدمة على سائر الجيوش للأمير بدر الدين أمير سلاح. ورسم السلطان أن العساكر لا تعود، إلا بعد فتح تل حمدون. وإن عادت قبل فتحها، فلا إقطاع لهم بالديار المصرية؛ إلى غير ذلك من الحث على فتحها. فعند ذلك، عطفت العساكر من الروج إلى جهة حلب، ووصلوا إليها، وأقاموا بها ثمانية أيام، وتجهّزوا منها بما يحتاجون إليه. ودخلوا إلى بلاد سيس بأثقالهم، وعبروا بجملتهم من عقبة بغراس. وجرّد الأمير بدر الدين [بكتاش] «1» أمير سلاح، الأميرين سيف الدين كجكن، وبهاء الدين قرا أرسلان، إلى إياس، فأكمن لهم الأرمن فى البساتين، فلم تتمكن العسكر من قتالهم، ورحلوا شبه المنهزمين، فأنكر أمير سلاح عليهم وسبّهم، فاعتذروا بضيق المسلك والتفاف الأشجار، وعدم التمكن من العدو. ثم رحل بجميع الجيش، ونزل على تل حمدون، فوجدها خالية، وقد أنتقل من بها من الأرمن إلى قلعة نجيمة، فتسلمها، فى سابع شهر رمضان، وسلمها للأمير علم الدين الشيبانى، النائب ببغراس.
ولما دخل الجيش إلى بلاد سيس، جرّد الأمير سيف الدين الطباخى، نائب السلطنة بحلب، طائفة من عسكرها، ومن انضم إليهم من التركمان وغيرهم، ففتحوا قلعة مرعش، فى عاشر شهر رمضان أيضا. ثم جاء الخبر إلى العسكر أن واديا تحت قلعة نجيمة وحموّص «2» قد امتلأ بالأرمن، وأن المقاتلة من قلعة
(31/340)

نجمية يحمونهم. فندب إليه طائفة من العسكر، فرجعوا ولم يبلغوا غرضا.
ثم [سيّر] «1» طائفة ثانية، فرجعوا كذلك «2» . فرحل الأمراء بجملتهم فى نفر من أعيان الجيش وأقويائه، وقاتلوا أهل نجيمة، حتى ردوهم إلى القلعة.
ثم تقدم الجيش إلى الوادى، وقتلوا من به من الأرمن، وأسروا ونهبوا، ونازلوا قلعة نجيمة، ليلة واحدة. ثم خرج العسكر إلى الوطاة «3» ، وبقى صاحب حماه وأمير سلاح، فى مقابلة من بالقلعة، حتى خرج العسكر، خشية أن يخرج أهل نجيمة، فينالوا من أطراف العسكر. ثم خرجوا بجملتهم واجتمعوا بالوطاة. فوصل البريد بكتب السلطان، يتضمن أنه بلغه أن تل حمدون أخليت، وأنها أخذت بغير قتال ولا حصار، وانتقل من بها إلى قلعة نجيمة. وأمر بمنازلة قلعة نجيمة وحصارها، إلى أن تفتح، فعادت العساكر إليها وحاصروها. واختلف أمير سلاح والدوادارى أيضا، فقال الدوادارى: إن هذا الجيش بجملته إذا نازل هذه القلعة، لا يظهر من اجتهد وقاتل، ممن تخاذل وعجز. والقتال عليها إنما هو من وجه واحد. والرأى أن يتقدم فى كل يوم مقدم ألف، ويزحف بجماعته ليظهر فعله، واستقل القلعة واستصغرها وحقّر أمرها. وكان فى جملة كلامه أن قال:
أنا آخذ هذه القلعة فى حجرى. فاتفق الأمر على أن يتقدم الدوادارى بألفه، للزحف فى أول يوم. فزحف بمن معه حتى لا حف «4» السور. فأصابه حجر منجنيق فى مشط رجله، فقطعه وسقط إلى الأرض. فتبادر الأرمن بالنزول إليه،
(31/341)

وكادوا يأسرونه. فحمل أمير سلاح بجماعته، حتى حجزهم عنه. وأخرج الدوادارى على جنوية «1» ، وحمل إلى وطاقه «2» . وعادوا إلى حلب، ثم توجه منها إلى الديار المصرية. وقد سكنت نفسه، ونقصت حرمته عما كانت عليه، وكان قبل ذلك له حرمة وافرة وقتل الأمير علم الدين سنجر طقصبا الناصرى، على هذه القلعة. وزحف الأمير شمس الدين آقسنقر كرتاى «3» فى اليوم الثانى، وانتهى إلى سور القلعة ونقيه، وخلّص منه ثلاثة أحجار. واستشهد من مماليكه وأجناده أحد عشر رجلا، ونفران من الحجارين.
ثم زحف أمير سلاح، وصاحب حماه، وبقية الجيش. ورتّبهم أمير سلاح طوائف، طائفة تتلو أخرى. وقرر معهم، أن يردف بعضهم بعضا. وتقدموا بالجنويات، حتى وصلوا إلى السور، وأخذوا مواضع النقوب «4» ، وأقاموا الستائر «5» .
ولازموا الحصار عليها واحدا وأربعين يوما. وقد اجتمع بها جمع كثير من الفلاحين والنساء والصبيان من أهل القرى المجاورة لها، فقلّت المياه بالقلعة.
فاضطر الأرمن إلى إخراجهم منها، فأخرجوهم فى ثلاث دفعات. فأخرجوا فى المرة الأولى مائتى رجل، وثلاثمائة امرأة ومائة وخمسين صبيا. فقتل العسكر الرجال، وتفرّقوا النساء والصبيان. ثم أخرجوا فى المرة الثانية مائة وخمسين
(31/342)

رجلا، ومائتى امرأة، وخمسة وسبعين صبيا، ففعلوا بهم كذلك. ثم أخرجوا جماعة أحرى فى المرة الثالثة. ولم يتأخر بالقلعة الا المقاتلة، وقلّت عندهم المياه، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء، فسألوا الأمان فأعطوه، وسلموا القلعة فى ذى القعدة من السنة. وخرجوا منها، وتوجهوا إلى مأمنهم «1» .
وفى أثناء هذا الحصار، وصلت إلى العسكر مفاتيح النقير «2» وحجر شغلان وسرقند كار وزنجفره وحموّص «3» ، وتتمة أحد عشر حصنا من حصون الأرمن.
وسلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه «4» الفتوح إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «5» أحد الأمراء بدمشق، وجعله نائبا بها. فلم يزل [استدمر «6» ] بهذه الحصون، إلى أن بلغه حركة التتار وقربهم، فأباع ما بها من الحواصل وتركها خالية، فاستولى الأرمن عليها.
ولما تكامل هذا الفتح، عادت العساكر إلى حلب، ونزلوا بها، ليريحوا خيولهم. وترادف عليهم الأمطار وتزايدت، حتى سكنوا الخانات والدور. ثم أردفهم السلطان بتجريدة أخرى، من الديار المصرية، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير مبارز الدين أوليا
(31/343)

ابن قرمان، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى. فوصلوا إلى دمشق، فى ذى القعدة، وتوجهوا إلى حلب، وأقاموا بها مع العسكر. وجهز صاحب سيس رسلا إلى الأبواب السلطانية يسأل عواطف السلطان ومراحمه «1» . واستمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد عليهم، من أبواب السلطان. فأقاموا عليها شهورا، إلا الأمير حسام الدين أستاذ الدار، فإنه توجه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد. وكان عود هذا العسكر إلى الديار المصرية، ووصوله إلى القاهرة، فى منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله عز وجل
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة، فى العشر الأول، من جمادى الأولى «2» ، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، مطالعة مضمونها: أن شخصا بقرية جينين «3» ، من الساحل الشامى، كانت له زوجة، فتوفيت إلى رحمة الله تعالى. فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت. فلما عاد زوجها من المقبرة، تذكر أن منديله وقع فى القبر، وفيه جملة من الدراهم. فأتى إلى فقيه فى القرية، فاستفناء ف نبش القبر. فقال له فى ذلك يجوز نبشه وأخذ المال منه. ثم تداخل الفقيه المفتى فى ذلك شىء فى نفسه. فقام وحضر معه إلى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال، والفقيه على جانب القبر. فوجد الزوج زوجته مقعدة «4»
(31/344)

مكتوفة بشعرها، ورجليها مكتوفتين بشعرها، [فحاول حل كتافها «1» ] ، فلم ينحل له ذلك، فأمعن فى ذلك، فخف به وبزوجته. ولم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. وأما الفقيه فإنه أقام مغشيا عليه يوما وليلة أو ليلتين.- نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا-. ولما وردت المطالعة على السلطان بهذه الحادثة، عرضها على شيخنا قاضى القضاة تقى الدين ابن دقيق العبد وغيره. وكتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة والزوج المخسوف بهما، فما علمت ما ورد عليه من الجواب فى ذلك «2» .
ذكر روك «3» الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة أيضا، رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، بروك الإقطاعات والمعاملات والنواحى والجهات بالديار
(31/345)

المصرية. وندب لذلك من الأمراء، الأمير بدر الدين بيليك «1» الفارسى الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، المعروف بالبريدى.
وتوجه الكشاف إلى الأقاليم البرانية، بالوجهين القبلى والبحرى، ومسحوا البلاد مساحة روك، وحرروا الجهات وعادوا. وانتصب لهذا جماعة من الكتاب، كان المشار إليه فيهم، تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل، وهو أحد مستوفيى «2» الدولة، من مسالمة «3» القبط، وممن يشار إليه فى معرفة صناعة الكتابة، ويعتمد على قوله، ويرجع إليه فيها، فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأى السلطان فى تقريره.
واستقرّ فى الخاص السلطانى الأعمال الجيزية والأطفيحية وثغر الإسكندرية وثغر دمياط ومنفلوط وكفورها، وهو، والكوم الأحمر من الأعمال القوصية، وفى كل إقليم بلاد.
وتقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات وأكثرها متحصلا. فكان من جملته بالأعمال القوصية، مرج بنى هميم وكفورها، وسمهود وكفورها، ودواليبها ومعاصرها، وحرجة «4» مدينة قوص وأدفو. وهذه النواحى يزيد متحصلها
(31/346)

من الغلال خاصة، على مائة ألف وعشرة آلاف أردب، خارجا عن الأموال والقنود «1» والأعسال والتمر والأحطاب وغير ذلك. وفى كل إقليم من الديار المصرية نواحى ومعاصر، فكان فى خاصه سبع «2» وعشرون «3» معصرة، لاعتصار قصب السكر.
وكان نجاز الروك فى ذى الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة. واستقبل به سنة ثمان وتسعين الهلالية «4» . وحوّلت السنة الخراجية من سنة ست وتسعين إلى سنة سبع وتسعين. وهذا التحويل جرت به العادة، بعد انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، تحوّل سنة، وهو التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية. فيجمع من ذلك فى طول السنة، ما ينغمس به سنة. وهو حجة ديوان الجيش فى اقتطاع التفاوت الجيشى. وقيل إن قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً)
«5» ، إن التسعة هى هذا التفاوت «6» ، ما بين السنتين، والله تعالى أعلم.
وهذا التحويل لا ينقص بسببه شىء من الأموال البتة، وإنما هو تحويل بالأقلام خاصة «7» .
(31/347)

ولما نجز هذا الروك، أقطعت البلاد للأمراء والأجناد دربسته «1» ، لم يستثن منها غير الجوالى «2» والمواريت الحشرية «3» ، فإن ذلك جعل فى جملة الخاص السلطانى.
واستثنيت الرزق الأحباسية «4» المرصدة لمصالح الجوامع والمساجد، والربط والزوايا، والخطباء والفقراء. واستقرت فى سائر البلاد على ما يشهد به ديوان الأحباس.
وما عدا ذلك من سائر الأموال وغيرها، دخل فى الإقطاع.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير عز الدين الجناجى، نائب السلطنة ومقدم العسكر بغزة. وكان قبل وفاته قد أودع عند فخر الدين الاعزازى التاجر بقيسارية الشرب بدمشق صندوقا، ولم يطلع على ذلك إلا خزنداره. وكان الصندوق المودع عنده قبل ذلك وديعه، عند بعض أصحاب الأمير المذكور، فأخذ منه، ثم أودعه عند فخر الدين. واتفقت وفاة خزندار الأمير، وهو الذى اطلع على الوديعة قبل وفاة مخدومه بأيام. ثم مات الأمير، فلما اتصلت وفاته بفخر الدين الاعزازى، اجتمع بقاضى القضاة إمام الدين الشافعى بدمشق، وعرفه خبر الوديعة. فأمره بالتأنى فى أمرها؛ حتى تثبت وفاة المذكور، ويتحقق أمر ورثته، ففعل ذلك. وفى أثناء ذلك، طلب الأمير سيف الدين جاغان؛
(31/348)

شاد الدواوين بالشام، الوديع الأول وطالبه بما عنده من الوديعة. فادعى أن الجناجى استعاد ذلك منه، فلم يصدقه، وقصد ضربه وعقوبته، بسبب ذلك.
فأتاه فخر الدين المذكور واعترف أن الوديعة عنده، وأحضر الصندوق إلى الديوان السلطانى. وفتح واعتبر ما فيه، فكان فيه من الذهب اثنان وثلاثون «1» ألف دينار، ومائتا «2» دينار، وأربعة «3» وثلاثون دينارا، وحوائص ذهب، وطرز زركش بتتمة خمسين ألف دينار، هكذا نقل إلىّ ثقة.
وفيها، توفى الأمير سيف الدين بلبان الفاخرى، أمير نقباء العساكر المنصورة بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته فى رابع عشر ربيع الآخر. وأعطى إقطاعه سيف الدين بكتمر الحسامى الطرنطاى أمير آخور. وكان السلطان، قبل ذلك أمرّه بعشرة طواشية، فنقله الآن إلى إمرة الطبلخاناة. ثم تنقّل بعد ذلك فى المناصب والنيابات عن السلطنة والوزارة وغير ذلك، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.
وفيها، فى يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى، كانت وفاة الأمير سعد الدين كوجا الناصرى. وكان يتولى نيابة دار العدل، وتولى تغر الإسكندرية وكان بيده إمرة عشرة طواشية.
(31/349)

وفيها، توفيت الخاتون الجليلة الكبرى، نسب خاتون، ابنة الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر أيوب، فى العشر الأوسط فى، شهر ربيع الأول. ودفنت عند والدها بقاسيون، رحمهما الله تعالى.
(31/350)

واستهلت ثمان وتسعين وستمائة [698- 1298/1299]
فى هذه السنة، فى أولها جهز السلطان الأمير جمال الدين أقش الأفرم، والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى «1» إلى الشام، وأمرهما أن يتوجها إلى دمشق، ويخرجا نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجاق «2» وبقية العسكر إلى البلاد الحلبية. فوصلا إلى دمشق على خيل البريد، فى يوم الأربعاء سابع المحرم.
فتجهز الأمير سيف الدين قبجاق نائب السلطنة، وخرج بسائر عساكر دمشق حتى بحرية القلعة، وجماعة الأمير علم الدين سنجر أرجواش نائب القلعة، وتأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان. وكان خروج نائب السلطنة من دمشق، فى عشية الأربعاء، رابع عشر المحرم، وبات بالميدان الأخضر. وركب فى بكرة النهار؛ وتوجه بالعساكر إلى جهة حمص. وكان سبب هذه الحركة ظاهرا، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على الدخول إلى البلاد الإسلامية بالشام.
وعلم الأمير سيف الدين قبجاق، أن الأمر ليس كذلك. فإن القصاد قبل ذلك بيسير، حضروا إليه من بلاد الشرق، وأعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا وعزموا على الحضور إلى الشام. فلما كانوا باثناء الطريق، وقعت عليهم صواعق كثيرة، وأهلكت منهم خلقا كثيرا، فتفرقوا فى مشاتيهم، ولم يرد خلاف ذلك.
(31/351)

والقصاد لاتصل إلى الباب السلطانى بالديار المصرية، إلا بعد الإجتماع بنائب السلطنة بدمشق، فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء، وعلم أن هذه الحركة إنما هى تدبير «1» عليه، وعلى غيره من الأمراء. فأوجب ذلك توجههم إلى التتار.
ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء الخدمة السلطانية، ولحاقهم بقازان ملك التتار
وفى هذه السنة، فى شهر ربيع الآخر، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أحد مقدمى الجيوش المنصورة المصرية، والأمير فارس البكى الساقى، نائب السلطنة بالمملكه الصفدية، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار [الصالحى «2» ] ، إلى بلاد التتار، والتحقوا بملكها قازان محمود.
وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر، نائب السلطنة، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر. وقصد القبض عليهم أولا، وإقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت، ويخلص له الأمر، ويتمكن السلطان بما قصده من تفويض ولاية العهد بعده له. فحسّن للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم، فقبض عليهم. ثم شرع فى التدبير على من بالشام من الأمراء والنواب، الذين يعلم منهم الممالاة «3» والمناوأة. فجهز الأمير علاء الدين ايدغدى «4» شقير إلى حلب، كما تقدم، وأردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى، وعلى يده كتاب إلى نائب السلطنة
(31/352)

بالمملكة الحلبية، بالقبض على الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، [وعلى «1» ] الأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار. ومن يعذر عليه القبض عليه، يتحيّل فى سقيه.
فسقى الأمير سيف الدين طقطاى فمات بحلب، فى أول شهر ربيع الأول.
واتصل الخبر ببقية الأمراء، فاحتاطوا لأنفسهم، واحترزوا فى مأكلهم ومشربهم وملبسهم. وأعمل الأمير سيف الدين الطباخى الحيلة فى القبض عليهم، وذلك بعد خروجهم من سيس. فجهز سماطا، واحتفل به، وتحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه، ويحضروا السماط، فامتنعوا من ذلك، واعتذروا له، وتوجهوا إلى خيامهم.
فلم تجمع «2» هذه المكيدة. وكان السلطان قد كتب إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أن يجهز طلبه وأثقاله إلى المملكة الطرابلسية، ويكون نائبا عن السلطنة بها، وذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلى. وأن يحضر هو بنفسه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد، ليوصيه السلطان مشافهة.
فأظهر البشر لذلك، وعلم أنه خديعة.
ولما كان فى مساء النهار، الذى عمل الطباخى فيه السماط، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخى النائب بحلب، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، وأرسلوا إلى الأمير بكتمر السلاح دار والبكى ومن معهما، يطلبونهم للحضور لمشورة. وأن سبب هذا الاجتماع، أن بطاقة وردت فى البيرة فى أواخر النهار، تتضمن أن التتار أغاروا على ما حول البيرة، فأجابوا بالأمتثال، وأنهم يحضرون إلى الخدمة فى إثره. فعاد، وركبوا فى الوقت على حميّة.
(31/353)

فأما بزلار فإنه ساق هو وخمسة نفر، وعبر الفرات إلى رأس العين وانتهى إلى سنجار فتوفى بها. وأما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الذين البكى، والأمير سيف الدين عزار، فإنهم توجهوا إلى حمص، واجتمعوا بالأمير سيف الدين قبجاق، وأطلعوه على جلية الحال، وحلفوه لأنفسهم، وحلفوا له. وكتب إلى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف، وبوصول الأمراء إليه، ويسأل لهم الأمان» وأن يطيب السلطان خواطرهم.
وسيّر بذلك الأمير سيف الدين بلغاق «1» ابن الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمى على خيل البريد. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، وتوجه منها إلى باب السلطان.
وكتب الأمير سيف الدين قبجاق إلى الأمير سيف الدين جاغان، وهو بدمشق، يطلب منه أن يرسل إليه مالا وخلعا من الخزانة، لينفق المال على الأمراء، ويخلع عليهم، ويطيب خواطرهم. فلم يجب إلى ذلك. وكتب إليه يلومه على إغفاله أمر الأمراء، الذين وصلوا إليه، وهم طلبة السلطان، وكونه تمكن من القبض عليهم، ولم يفعل. وكتب إليه الأميران سيف الدين كجكن، وعلاء الدين ايدغدى شقير، وهما يلومانه وينكران عليه كونه أقر هؤلاء الأمراء عنده، مع تمكنه من القبض عليهم، وقد علم خروجهم على الطاعة وأغلظا له فى القول، وتواعداه، أنه متى لم يقبض عليهم، حضروا إليه، وقبضوا عليه وعليهم، وكاشفاه فى القول مكشفة ظاهرة. فتسلّل «2» عن الأمير
(31/354)

سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامى: وعادوا إلى دمشق، أولا فأولا. فكتب إلى جاغان فى ذلك، وأن يردّهم إليه، فلم يفعل. وشكر [جاغان «1» ] من حضر.
فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص، وبلغه أن العسكر المجرد بحلب قد توجه نحوه. فركب فى ليلة الثلاثاء، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص، هو والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين عزار، وقبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص، واستصحبوه معهم إلى القريتين، ثم أخذوا فرسه وأطلقوه.
وتوجهوا فى جماعة، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم ومماليكهم خمسمائة فارس. وتوجهوا لا يلوون على شىء، وتعقبهم الأمير سيف الدين كجكن والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، فى طائفة من العسكر إلى الفرات، فما أدركوهم، ووجدوا بعض أثقالهم فأخذوها «2» .
ثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان، فانحلت عزائمهم، وتفلّلت أراؤهم. وساق سيف الدين بلبان القصاص البريدى إلى رأس عين، ولحق الأمير سيف الدين قبجاق بها. وأعلمه بمقتل السلطان، وسأله الرجوع بمن معه. وحلف له على صحة ما أخبره به، فظن أن ذلك مكيدة. ثم تحقق الحال بعد ذلك وقد تورط، وصار فى بلاد العدو، فلم يمكنه الرجوع.
ولما وصل الأمراء إلى رأس عين، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم، فخافهم. ثم تحقق أنهم حضروا إلى خدمة الملك قازان، فحضر إليهم وأكرمهم،
(31/355)

وخدمهم صاحب ماردين، وقدّم لهم أشياء كثيرة. وقصد بولاى مقدم التتار، بتلك الناحية، أن الأمراء يتوجهون «1» إلى جهة فازان على خيل البريد. ويتأخر من معهم من أتباعهم وألزامهم عن الوصول إلى البلاد، حتى يرد المرسوم.
فامتنع قبجاق من ذلك، وأبى إلا الدخول بالطّلب «2» والجماعة الذين معه، فامتنع التتار عليه. فيقال إنه أخرج إليهم كتاب الملك قازان إليه، وهو فى بالشت «3» ذهب. فعند ذلك خضعوا له، ومكّنوه مما أراد، من الدخول بالطّلب.
وتوجهوا كذلك، ودخلوا إلى الموصل بطلبين «4» ، والتقاهم أهل البلد. وتوجهوا من الموصل، وانتهوا إلى بغداد. فخرج إليهم عسكر المغل والخواتين والتقوهم.
ثم توجهوا إلى قازان، وهو يومئذ بأرض السيب «5» من أعمال واسط. فأكرمهم وأحسن إليهم، وأوجب ذلك وصول قازان بجيوشه إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(31/356)

ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى ونائبه منكوتمر
كان مقتلهما فى ليلة يسفر «1» صباحها عن يوم الجمعة، الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة. وسبب ذلك، أن السلطان كان قد فوض الأمور إلى مملوكه نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، وقصد التخلى والراحة والدعة، وعزم على أنه إذا خلى وجهه من الأمراء، وقبض على من يخشى غائلته منهم، فوّض إليه أمر السلطنة، واحتجب هو، على قاعدة الخلفاء.
وإنما كان يمنعه من ذلك، وجود أكابر الأمراء، الذين لا يوافقونه «2» على الرأى هذا. فلما قبض على من ذكرنا من أكابر الأمراء، وأبعد من بقى منهم بالتجريد إلى جهة الشام، استخف حينئذ منكوتمر، بمن بقى منهم، واستبد بالأمر. وآخر ذلك، أن السلطان رسم له أنه إذا كتب مرسوم سلطانى بإنعام أو غيره، بغير إشارته، يقطعه بعد العلامة السلطانية. فثقلت وطأته على الناس، وأنفت نفوس الأمراء من ذلك، وكرهوا بقاء الدولة، وأحبوا زوالها بسببه، مع إحسان السلطان إلى كثير منهم «3» . وكان الأمير سيف الدين كرجى، أحد الأمراء المماليك السلطانية، قد اختص بخدمة السلطان، وتقدم عنده، وجعله مقدما على المماليك السلطانية، على ما كان عليه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فى الدولة الأشرفية. فبقى كرجى هو الساعى فى مصالح المماليك
(31/357)

السلطانية والمتلقى لمصالحهم، فانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، وقويت شوكته بهم، وشوكتهم به. فثقل ذلك على منكوتمر، وعمل على إبعاده.
وحسّن إلى السلطان أن يبعثه إلى نيابة السلطنة بالفتوحات ببلاد سيس «1» .
وكان قد تقدم من الأمراء، قبل كرجى، الأمير سيف الدين تمربغا، فعمل عليه منكوتمر وأبعده وأخرجه إلى الكرك. ثم نقله من الكرك إلى طرابلس، فى جملة الأمراء، فمات بها. فلما اتصل الخبر بكرجى، حضر إلى بين يدى السلطان، وتضرر واستعفى من هذه الولاية فأعفاه السلطان، وشرع فى العمل على منكوتمر. وأتفق أن الأمير سيف الدين طقطاى، أحد الأمراء الخاصكية، وهو نسيب الأمير سيف الدين طقجى، خاطب منكوتمر فى أمر فأغلظه فى القول، وسبّه، فشكا ذلك إلى الأمير سيف الدين طقجى «2» ، فأسّرها فى نفسه.
واجتمع هؤلاء الأمراء، وتشاكوا فيما بينهم، وذكروا سوء سيرة منكوتمر فيهم، وقبح فعله واستخفافه بهم، وعلموا أنهم لا يتمكنون «3» منه، مع بقاء السلطان مخدومه، فاجتمع رأيهم على اغتيال السلطان.
فلما كان فى هذه الليلة المذكورة، جلس السلطان يلعب الشطرنج مع إمامه [نجم الدين] بن «4» بن العسال، وكان قد تقدم عنده، وعنده قاضى القضاة
(31/358)

حسام الدين الحنفى «1» ، وكانت له عادة بالمبيت عند السلطان فى بعض الليالى.
فدخل عليه كرجى على عادته، فسأله السلطان عما فعل. فقال: قد أغلقت على الصبيان فى أماكن مبيتهم، وكان قد رتب بعضهم فى أماكن من الدهاليز. فشكره السلطان، وأثنى عليه. وذكر للقاضى حسام الدين خدمته للسلطان، وملازمته الخدمة. فقبّل كرجى الأرض، ثم تقدم لإصلاح الشمعة التى بين يدى السلطان، فأصلحها وألقى فوطة خدمة كانت بيده على نمجاة «2» السلطان. وكان سلاح دار النوبة قد وافقه وباطنه على قتل السلطان. ثم قال كرجى للسلطان: ما يصلى مولانا السلطان العشاء، فقال نعم، وقام للصلاة. فأخذ السلاح دار النمجاه من تحت الفوطة. فعند ذلك، جرد كرجى سيفه، وضرب السلطان به على كتفه، فأراد السلطان أخذ النمجاه فلم يجدها. فقبض على كرجى، ورماه تحته، فضربه السلاح دار بالنمجاه على رجله، فقطعها. فانقلب [السلطان] «3» على ظهره، وأخذته السيوف، حتى قتل. وهرب ابن العسال الإمام إلى خزانة، وصرخ قاضى القضاة حسام الدين عند ضرب السلطان، لا يحل [هذا لكم «4» ] ، فهم كرجى بقتله. ثم تركه، وأغلق كرجى الباب عليه، وعلى السلطان.
(31/359)

ثم خرج [كرجى] «1» . إلى الأمير سيف الدين طقجى، وقد استعد هو أيضا، وهو ينتظر ما يفعله كرجى، فأعلمه بقتل السلطان. ثم توجهوا إلى دار النيابة، وقد أغلقت. فطرق كرجى الباب، واستدعى الأمير سيف الدين منكوتمر برسالة السلطان، فأنكر حاله، واستشعر السوء، وامتنع من الإجابة. ثم قال له:
كأنكم فتلتم السلطان، فقال: نعم قتلناه، وسبّه. فعند ذلك ذلّ منكوتمر، وضعفت نفسه، واستجار بالأمير سيف الدين طقجى، فأجاره وحلف له أنه لا يؤذيه، ولا يمكن من أذاه، فاطمأن ليمينه وخرج إليهم. فأرسلوه إلى الجب، وأنزلوه إليه، فلما رآه الأمراء، قاموا إليه، وظنوا أن السلطان نقم عليه، وسألوه عن الخبر. فأخبرهم بقتل السلطان، فسبوه، وذكّروه بسوء فعله، وقصدوا قتله، ثم تركوه.
ثم رجع كرجى بعد اعتقال منكوتمر إلى مجلسه. وقال لطقجى: نحن ما قتلنا السلطان لإساءة صدرت منه إلينا، وإنما قتلناه بسبب منكوتمر، ولا يمكن ابقاءه. ثم قام، وتوجه إلى الجب، وأخرجه وذبحه من قفاه على باب الجب «2» .
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين، منذ فارق الملك العادل الدهليز، وحلف الأمراء له بمنزلة العوجا، فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، وإلى أن قتل فى هذه الليلة، سنتين وشهرين وثلاثة عشر يوما، ومنذ خلع الملك العادل نفسه بدمشق، وحلف له، واجتمعت الكلمة عليه بمصر والشام، فى يوم السبت رابع عشرين صفر من السنة
(31/360)

المذكورة إلى هذا التاريخ الذى قتل فيه، سنتين وشهرين إلا ثلاثة عشر يوما.
ودفن بتربته بالقرافة، ودفن نائبه منكوتمر بالتربة أيضا.
وكان رحمه الله تعالى ملكا عادلا، يحب العدل ويعتمده، ويرجع إلى الخير ويميل إليه، ويقرب أهله. وكان حسن العشرة، يجتمع بجماعة من المتعممين والعوام، ويأكل طعامهم. وكان أكولا، ولم يكن فى دولته وأيامه ما يعاب وينكر، إلا انقياده إلى مملوكه نائبه منكوتمر، والرجوع إلى رأيه، وموافقته على مقاصده حتى كان عاقبة ذلك قتلهما. واثرت موافقته له، من الفساد على العباد والبلاد وسفك دماء المسلمين، ما لم يستدرك. وذلك أن الأمراء الذين فارقوا الشام، وتوجهوا إلى التتار خوفا منه، أوجب توجههم إلى قازان، وصوله إلى الشام وخراب البلاد، وسفك الدماء، على ما نذكره بعد فى موضعه إن شاء الله تعالى.
وبلغنى أن الملك المنصور هذا مازال يستشعر القتل، منذ قتل السلطان الملك الأشرف، وأنه فى يوم الخميس بعد العصر، العاشر من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الذى قتل فيه عشيته، أحضر إليه ندب نشاب «1» ميدانى، من السلاح خاناة السلطانية. فجعل يقلبه فردة فردة، ويقتل كل فردة منها، ويقول عند قتلها، من قتل قتل، وكرر هذا القول مرارا. فقتل بعد أربع ساعات من كلامه أو نحوها. وأجرى الله هذا الكلام على لسانه، والنفوس حساسة فى بعض الأحيان.
(31/361)

وحكى لى بعض من أثق به، عن الأمير بدر الدين بكتوت العلائى حكاية عجيبة تتعلق به، وبالسلطان الملك الأشرف، أحبيت ذكرها فى هذا الموضع، فالشىء بالشىء يذكر.
قال بكتوت العلائى: كنت فى خدمة السلطان الملك الأشرف فى الصيد، وأنا يومئذ والأمير حسام الدين لاجين سلاح دارية، نحمل السلاح خلف السلطان. فاجتمعنا بحلقة صيد، وكانت النوبة فى حمل السلاح «1» خلف السلطان للأمير حسام الدين. وقد تقدمت إليه أنا، فى مكان من الحلقة، وإذ أنا بلاجين قد أدركنى، وأعطانى سلاح السلطان. وقال: خذ السلاح، وتوجه إلى السلطان، فإنه قد رسم بذلك. فأخذت السلاح، وتوجهت إلى خدمة السلطان. وساق لاجين فى مكانى الذى كنت به من الحلقة. فلما انتهيت إلى السلطان، وجدته وهو على فرسه، وقد جعل طرف عصا المقرعة على رأس النمازين «2» ، والطرف بجهته، وكأنه فى «3» غيبة من حسه. فلما جئت قال لى: يا بكتوت والله، التفت إلى ورائى، فرأيت لاجين خلفى، وهو حامل سلاحى، والسيف فى يدّه. فخّيل إلىّ أنه يريد أن يضر بنى به، فنظرت إليه، وقلت له يا أشقر «4» ، أعط السلاح لبكتوت يحمله، وتوجه أنت مكانه. قال بكتوت العلائى: فقلت للسلطان، أعيذ مولانا السلطان بالله، أن يخطر هذا بباله، ولاجين أقل من هذا، وأضعف نفسا أن يخطر هذا بباله، فضلا [عن] «5» أن يقدم عليه، وهو
(31/362)

مملوك السلطان، ومملوك السلطان الشهيد، وتربية بيته الشريف. هذا معنى كلامه.
قال: وشرعت أصرفه عن هذا. فقال لى: والله ما عرفتك إلا ما خطر لى وتصورته. قال بكتوت العلائى: فخشيت على لاجين، كون هذا السلطان يتخيل هذا الأمر فيه، وينكفه عنه. وأردت أن أنصحه، فاجتمعت به فى تلك الليلة فى خلوة. وقلت له: بالله عليك، تجنب هذا السلطان، ولا تكثر من حمل السلاح، ولا تنفرد معه. فسألنى عن موجب هذا الكلام. فأخبرته بما ذكره السلطان لى، وبما أجبته. فشرع يضحك ضحكا كثيرا ويتعجب.
فقال، ما ضحكى إلا من إحساسه، والله لما نظر إلىّ، وقال لى يا اشقر «1» كنت قد عزمت على تجريد سيفه وقتله به. قال بكتوت العلائى: فعجبت من ذلك غاية العجب. ولنرجع إلى سياقة الأخبار بعد مقتلهما، إن شاء الله تعالى.
ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر
لما قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين، ونائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، كان بالقلعة من الأمراء، غير طقجى وكرجى، الأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير [وسيف الدين سلار الأستادار «2» ] ، والأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، وكان قد وصل
(31/363)

على خيل البريد من حلب، بعد خروجه من بلاد سيس، والأمير جمال الدين آقش الأفرم، وكان قد عاد من دمشق، بعد إخراج نائبها والعسكر منها إلى حمص، كما تقدم، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار، والأمير سيف الدين كرد «1» الحاجب، هؤلاء الأمراء المشار إليهم. فاجتمعوا، واتفقت آراؤهم على مكاتبة السلطان الملك الناصر وإحضاره من الكرك، وإعادة السلطنة إليه، وأن يكون الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى نائب السلطنة، وانفصل الحال على ذلك.
ثم سمت بالأمير سيف الدين طقجى نفسه، إلى طلب السلطنة لنفسه، وتقرير النيابة لكرجى. وتأخر الإرسال إلى السلطان الملك الناصر. وركب الأمير سيف الدين طقجى فى يوم السبت حادى عشر «2» ، شهر ربيع الآخر، فى موكب النيابة، والأمراء فى خدمته. وعاد إلى القلاعة، وجلس. ومدّ السلطان السماط، وقد تفوه الناس له بالسلطنة، ولكرجى بالنيابة «3» .
حكى تاج الدين عبد الرحمن الطويل، مستوفى الدّولة، قال: طلبنى الأمير سيف الدين طقجى، وسألنى عن إقطاع نيابة السلطنة، فذكرت له بلاده
(31/364)

وعبرها «1» ومتحصلاتها، وما انعقدت عليه جملة ذلك، فاستكثره، وقال هذا كثير، وأنا لا أعطيه لنائب. ورسم أن يوفّر منه جملة، تستقر فى الخاص.
ولم يبرز المرسوم بذلك. ثم خرجت من عنده، فطلبنى كرجى، وسألنى عن إقطاع النيابة، كما سألنى طقجى، فأخبرته بذلك. فاستقلّه، وقال أنا ما يكفينى هذا، ولا أرضى به. وشرع يسأل عن بلاد يطلبها زيادة على إقطاع منكوتمر.
قال: فعجبت من ذلك، كونهما جعلا فكرتهما وحديثهما فى هذا الأمر، قبل وقوع سلطنة هذا، ونيابة هذا «2» .
ذكر مقتل سيف الدين طقجى «3» وسيف الدين كرجى
كان مقتلهما فى يوم الإثنين، رابع عشر شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة. وذلك أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، وصل من غزاة سيس، فى هذا اليوم، هو ومعه. وقد اتصل به خبر مقتل السلطان فاتفق الأمراء الأكابر على الخروج لتلقيه. وعرضوا ذلك على الأمير سيف الدين طقجى، وأشاروا أن يركب معهم. فامتنع من ذلك، وأظهر عظمة وكبرا.
فقالوا له إن عادة الملوك تتلّقى أكابر الأمراء، إذا قدموا من الغزاة، سيّما مثل هذا الأمير الكبير، الذى هو بقية الأمراء الصالحية. وقد طالت غيبته، وفتح هذه الفتوح. ولا طفوه، إلى أن ركب معهم، وخرج للقائه. فلما التقوا،
(31/365)

سلّموا عليه، وسلّم عليهم. ثم قال الأمير بدر الدين [بكتاش] «1» ، أمير سلاح، للأمراء: «أنا عادتى إذا قدمت من الغزاة، يتلقانى السلطان. وكيف ما أجرانى على عادتى» . وكان قد علم بمقتل السلطان. وإنما أراد بذلك فتح باب للحديث. فقال له طقجى:- وهو إلى جانبه- «السلطان قتل» . فقال: «ومن قتله» . قال بعض الأمراء: «قتله كرجى، وهذا» .
- وأشار إلى طقجى- فقال: «لا بد من قتل قاتله» . ونفر فى طقجى، وقال له: «لا تسوق إلى جانبى» . فرفس طقجى فرسه، وبرز عنه. فحمل عليه أحد المماليك السلطانية، فضربه بسيفه، فقتل. واتصل خبر مقتله بكرجى، وكان قد تأخر فى طائفة من المماليك السلطانية، تحت القلعة. فهرب وقصد جهة القرافة فأدركوه عند قبور أهل الذمة، ببساتين الوزير، فقتل هناك، ولقى عاقبة بغيه «2» .
قضى الله أن البغى يصرع أهله ... وأن على الباغى تدور الدوائر
ولما قتل الأمير سيف الدين طقجى، توجه الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح إلى «3» داره بالقاهرة «4» ، واستقر بها. وكانت غيبته فى غزوة سيس هذه، أحد عشر شهرا وأياما. وحضر إليه بعض الأمراء الأكابر، واستشاره فى أمر السلطنة. فأشار بإعادة السلطان الناصر، ووافق رأيه رأيهم واتفقت الأراء على أن ترجع الحقوق إلى نصلبها، وتقرّ السلطنة الشريفة بيد
(31/366)

من هو أحق وأولى بها، وتعود السلطنة إلى من نشأ فى حجرها وليدا، وتخول من منصبها الشريف طارفا وتليدا. وندبوا الأمير سيف الدين آل «1» ملك الجوكندار «2» ، والأمير علم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، على خيل البريد، لإحضاره. وطالعه الأمراء بما وقع، وما اجتمعت الأراء عليه.
وبقى الأمر بالديار المصرية مشتركا، يعد مقتل طقجى، بين الأمراء، إلى أن وصل السلطان الملك الناصر من الكرك. وكانت الكتب تصدر، وعليها خط ستة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير جمال الدين آقش الأفرم، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، والأمير سيف الدين كرد «3» الحاجب. وصدرت الكتب فى بعض الأوفات، وعليها خط ثمانية، خط هؤلاء الستة والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين «4» عبد الله السلاح دار.
(31/367)

وجلس الأمير عز الدين أيبك الخزندار، فى ابتداء الأمر فى مرتبة النيابة.
فإن الأمراء دعوا له حق النقدمة فى خدمة البيت المنصورى. وكان له رأى فاسد فى مملوك، كان عند الأمير سيف الدين طقجى، اسمه تستاى «1» ، فطلبه وهو فى المجلس بالدركاه، بباب القلعة، وألحّ فى طلبه فأحضر إليه. فلما رآه، لم يتمالك عند رؤيته، أن لف شعره على يده، وقام من الدركاه، وخدم الأمراء، وتوجه بالصبى إلى داره. وكان غرضه من المناصب والتقدم فى الدولة، تحصيل هذا المملوك، فاشتغل به عما سواه، وفارق المجلس، وقد ظفر بما تمناه، فعلم الأمراء عند ذلك، سوء تدبيره، وقلة دينه، وأنه لا يعتمد عليه فى شىء، ولا يصلح للتقدم، وأنه لم يكن فيه من الصبر، عن غرضه الفاسد، التأنى بعض ساعة، حتى ينقضى ذلك المجلس، ويتفرق ذلك الجمع الكثير، وشاهدوا فعله بحضرتهم، وعدم تحاشيه منهم. فتقدم الأمير سيف الدين سلار عند ذلك وصار يجلس فى مرتبة النيابة، إلى أن حضر السلطان الناصر من الكرك.
هذا ملخص ما كان بالديار المصرية.
وأما دمشق وما اتفق بها، بعد توجه الأمير سيف قبجاق، نائب السلطنة بها، منها:
فإن الأمير سيف الدين بلغاق «2» الخوارزمى، لما توجه إلى الديار المصرية، من جهة الأمير سيف الدين قبجاق- كما قدمنا ذكر ذلك- وصل إلى القاهرة، فى يوم السبت ثانى عشر، شهر ربيع الآخر، بعد مقتل الملك المنصور [لاجين «3» ] ،
(31/368)

فاجتمع بالأمير سيف الدين طقجى، وهو صاحب الأمر يومئذ، وأوصله ما كان على يده من المطالعات من جهة الأمير سيف الدين قبجاق، فقرئت عليه. وقال نكتب بإطابة قلبه، وقلوب الأمراء. ثم كان من قتل طقجى ما قدمناه. فكتب الأمراء الثمانية على يده إلى الأمراء بدمشق، بما وقع من قتل السلطان ونائبه منكوتمر، وطقجى وكرجى. وأن الحال قد استقر على عود الدولة الناصرية، وإطابة قلوب الأمراء. فوصل إلى دمشق فى يوم السبت، تاسع عشر الشهر، وكان المتحدث بها يومئذ الأمير سيف الدين جاغان والحسامى. فقبض الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى السيفى على جاغان وحسام الدين لاجين الحسامى، وكان قد ولى برّ دمشق، فى أوائل سنة ثمان وتسعين وستمائة، واعتقلهما بقلعة دمشق. وأوقع الحوطة على نواب الأمراء الأربعة المقتولين، وحواصلهم بدمشق. وجمع الأمراء بدمشق، وحلّفهم للسلطان الملك الناصر، وتحدّث بدمشق حديث نواب السلطنة. ولم تطل مدته، فإنه مات فى ثانى جمادى الأولى «1» ، فيقال إنه سقى.
ثم وردت كتب الأمراء، مدبرى «2» الدولة بالديار المصرية إلى دمشق، فى يوم السبت، رابع جمادى الأولى «3» ، وهى مؤرخة بالسادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، أن يستقر الأمير سيف الدين قطلبك «4» المنصورى السيفى، فى وظيفة الشد بالشام، عوضا عن جاغان. فباشر فى يوم الاثنين بعد العصر، وكان الملك المنصور لاجين قد جهّزه إلى حلب، يتحدث فى الأموال والحصون، ويشارك
(31/369)

الأمير سيف الدين الطباخى فى الأمر، فوصل إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق.
واتفق قتل السلطان وهو بدمشق، فلم يمكنه التوجه إلى حلب وأقام بالميدان.
فلما ورد هذا الكتاب، انتقل من القصر، وسكن دار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وتحدث فى الأموال وغيرها. وبقى هو المشار إليه، إلى أن وصل إلى نائب السلطنة بدمشق.
ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا
قد ذكرنا أن الأمراء أرسلوا إلى خدمة السلطان الأمير بن سيف الدين آل «1» ملك الجوكندار «2» ، وعلم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى السلطان، فوجداه يتصيد بجهة بحور الكرك. فلما شاهداه ترجلا، وقبلّا الأرض بين يديه، وقدّما إليه مطالعات «3» الأمراء، وأعلماه بهذه الحوادث. فركب من وقته وعاد إلى الكرك، وتجهز منها، وركب إلى الديار المصرية.
وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم السبت الرابع من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة. وجلس على تخت «4» السلطنة، فى يوم الاثنين سادس الشهر
(31/370)

المذكور، فكأنه المعنّى بقول القائل:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته بد ... ثم أعادته إلى قرابه
وركب فى ثانى عشر الشهر بشعار السلطنة. ولما جلس، استشار الأمراء الأكابر، فيمن يرتبه فى النيابة والوظائف. فوقع الأتفاق على أن يكون الأمير سيف الدين سلار المنصورى الصالحى نائب السلطنة بالأبواب الشريفة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصورى أمير جاندار، والأمير جمال الدين أقش الدوادارى الأفرم الحاجب، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين «1» كرد الحاجب، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية وما معها، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى، وكان قد توفى إلى رحمة الله تعالى، فى صفر من هذه السنة. وأحضر الأمير سيف الدين قطلبك «2» المنصورى من الشام، ورتّب أمير حاجب بالأبواب السلطانية. وأقر السلطان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى على وزارته. وخلع السلطان على الأمراء والأعيان، على جارى العادة.
وتوجه الأمير جمال الدين آقش الأفرم إلى دمشق، على خيل البريد، فكان وصوله إليها، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين جمادى الأولى. وأفرج عن الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، فى يوم الأربعاء، تاسع عشرين الشهر، حسبما رسم به من الأبواب السلطانية. فتوجه إلى الديار المصرية، فوجد البريد وهو فى أثناء الطريق، بإعادته إلى الأمرة بدمشق، فعاد واستقر.
(31/371)

وفى يوم الخميس حادى عشر جمادى الآخرة، خلع على الأمراء والأعيان بدمشق، ولبسوا تشاريف السلطان. ووصل طلب نائب السلطنة، الأمير جمال الدين فى هذا اليوم، فتلقاه والأمراء فى خدمته، وعليه التشاريف، ودخل دخولا حسنا.
وفيها، فى شهر رجب، توجه الأمير سيف الدين كرد «1» الحاجب، لنيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية.
وفيها، رسم السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين كجكن، أحد الأمراء الأكابر المقدمين بدمشق. فقبض عليه فى يوم الجمعة، ثانى عشرين شهر رجب، واعتقل بقلعة دمشق. ثم جهّز إلى الأبواب السلطانية مقيدا، ثانى شهر رمضان، هو وحمدان وأخوه، ولدا صلغاى. وجرد معهم مائة فارس من عسكر الشام.
فوصلوا بهم إلى الأبواب السلطانية «2» .
ذكر الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتفويض الوزارة إليه
وفى هذه السنة، فى شهر رمضان، أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر العزّى المنصورى، وفوض إليه وزارة المملكة الشريفة، وتدبير الدولة بالديار المصرية، وعزل الصاحب فخر الدين الخليلى «3»
(31/372)

ذكر وفود سلامش بن أفال بن بيجو «1» وأخيه قطقطوا ومن معهما، وعود سلامش وقتله
كان سلامش هذا، قد جهزه قازان «2» ملك التتار إلى بلاد الروم، مقدما على تمان «3» ، وقيل بل كان معه خمسة وعشرون «4» ألف فارس. وأمره قازان أن يأخذ عساكر الروم، ويتوجه إلى الشام من جهة سيس، وأن قازان يحضر بنفسه، ببقية جيوشه من جهة الفرات، وأن يكون اجتماعهم على حلب، ثم يعبرون «5» بجملتهم إلى الشام. فلما وصل سلامش إلى بلاد الروم، خلع طاعة قازان، وحدثته نفسه بالملك، وكاتب ابن قرمان أمير التركمان، فأطاعه وانضم إليه فى عشرة آلاف فارس. وكتب إلى السلطان [المنصور لاجين «6» ] ، يستنجده على قازان. ووصل برسالته وكتبه إلى الأبواب السلطانية، مخلص الدين الرومى.
فكتب السلطان إلى دمشق بتجهيز العساكر لنصرته وإنجاده.
(31/373)

ولما اتصل بقازان خبر خروجه عن الطاعة، انثنى عزمه عن قصد الشام، فى هذه السنة. وجرد العساكر إلى سلامش فى أوائل جمادى الآخرة، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا، مع ثلاثة «1» مقدمين، ومرجعهم إلى بولاى «2» . فتوجهوا إلى سلامش، وكان قد جمع نحو ستين ألف فارس. وهو يحاصر سيواس، فإنها كانت قد عصت عليه. فأتته العساكر فى شهر رجب، والتقوا، ففارقه من كان معه من عسكر التتار، والتحقوا ببولاى، وكذلك عسكر الروم، ولحق التركمان بالجبال.
وبقى سلامش فى دون خمسمائة فارس، ففر من سيواس إلى بلاد سيس، ووصل إلى بهسنا «3» فى أواخر شهر رجب «4» ، ثم وصل إلى دمشق فى يوم الخميس، ثانى عشر شعبان، وصحبته الأمير بدر «5» الدين الذردكاش نائب بهسنا «6» ، فتلقته عساكر دمشق بأحسن زى صحبة نائب السلطنة بدمشق.
ثم توجه سلامش إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الأحد خامس عشر شعبان، على خيل البريد، فوصل إلى الأبواب السلطانية، وهو وأخوه قطقطوا،
(31/374)

فأكرمهما السلطان والأمراء، وأحسنوا إليهما. وخيّر [سلامش «1» ] بين المقام بالديار المصرية أو العود. فسأل أن يجرد السلطان معه جيشا، ليتوجه إلى بلاد التتار، ويأخذ عياله «2» ؛ ويرجع إلى خدمة السلطان. فجهزه السلطان إلى حلب.
ورسم أن يجرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى «3» ، وأعانه «4» . فوصل إلى دمشق فى الحادى والعشرين من شهر رمضان. وتوجه فى الثالث والعشرين من الشهر، صحبة الأمير بدر الدين الذردكاش. ولما وصل إلى حلب، جرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى حسب المرسوم. فساروا إلى بلاد سيس، فشعر بهم صاحبها والتتار الذين بتلك الأعمال. فأخذوا عليهم الطرق والمضايق، والتقوا واقتتلوا، فقتل الجلمى، ولجأ «5» سلامش إلى بعض القلاع. فأرسل قازان فى طلبه، واستنزله فحمل إليه فقتله.
واستقر قطقطو «6» ومخلص الدين الرومى فى الخدمة الشريفة السلطانية بالديار المصرية. فأنعم السلطان على قطقطو بإقطاع، وعلى مخلص الدين براتب.
(31/375)

وفى هذه السنة، فى شهر رمضان، وصل رسول صاحب سيس ورسول صاحب القسطنطينية بتحف وهدايا، وتقادم للسلطان. فوصلوا إلى دمشق فى رابع الشهر، وتوجهوا منها إلى الأبواب السلطانية، فى سادسه «1» . ويقال إن مضمون رسالة صاحب القسطنطينية، الشفاعة فى صاحب سيس، والله أعلم.
ذكر وصول مراكب الفرنج إلى ساحل الشام وتكسير بعضها «2» ، ورجوع ما «3» سلم منها «4»
وفى هذه السنة، فى العشر الأخر من شعبان، وصل إلى بيروت مراكب كثيرة. وبطش «5» للفرنج فيها جماعة كثيرة من المقاتلة، يقال إن البطش كانت ثلاثين بطشة، فى كل بطشة منها، نحو سبعمائة. وقصدوا أن يطلعوا من مراكبهم إلى البر، وتحصل إغارتهم على بلاد الساحل. فلما قربوا من البر، أرسل الله عز وجل عليهم ريحا مختلفة. فغرقت بعض هذه المراكب، وتكسر بعضها. ورجع من سلم منهم على أسوأ حال، وكفى الله تعالى شرهم. وحكى عن
(31/376)

الرئيس ببيروت، أنه قال: والله لى خمسون «1» سنة، ألازم هذا البحر، فما رأيت مثل هذه الريح، التى خرجت على هذه المراكب، وليست من الرياح المعروفة عندنا «2» .
وفى هذه السنة، عزل قاضى القضاة حسام الدين الرومى الحنفى عن القضاء بالديار المصرية، وأعيد إلى القضاء بدمشق عوضا عن ولده القاضى جلال الدين.
وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الخميس، سادس ذى الحجة. ولما عزل فوض القضاء بالديار المصرية، على مذهب الإمام أبى حنيفة، للقاضى شمس الدين أحمد السروجى الحنفى، على عادته.
وفيها، كانت وفاة الأمير الزاهد بدر الدين الصوابى فجأة فى ليلة الخميس، تاسع جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون بكرة النهار. وكان أميرا دينا صالحا، خيرا كثير البر والصدقة. وروى الحديث النبوى، وكان له فى الإمرة نحو أربعين سنة. وكان من مقدمى الألوف وأمراء المائة بالشام، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى، الأمير الكبير المشهور فى معتقله، بالفاعة الصالحية، بقلعة الجبل المحروسة، وأخرج ودفن بتربته. وكان الملك الناصر، لما عاد الى الملك، رسم بالإفراج عنه. فوقف الأمراء فى ذلك، وحسّنوا للسلطان «3» إبقاءه على ما هو عليه. فرجع إلى رأيهم وأبقاه «4» ، فمات بعد ذلك بمدة يسيرة. وكان رحمه الله تعالى، كريم النفس، عالى الهمة، يعطى الكثير ويستقّله، وكان عليه فى أيام إمرته لجماعة كثيرة من
(31/377)

مماليكه وأولادهم، وخدامه، الرواتب الوافرة من اللحم والتوابل والجرايات والعليق. فرتب لبعضهم فى كل يوم سبعين رطلا من اللحم بالمصرى، وما يحتاج إليه من التوابل والخضراوات والحطب، وسبعين عليقة، ولأقلهم خمسة أرطال، وخمس علائق، ولبعضهم عشرين رطلا وعشرين عليقة، هذا زيادة من جهته على ما لهم من الإقطاعات السلطانية. وبلغ ما يحتاج إليه فى كل يوم بسماطه ودوره المرتب عليه فيما بلغنى، ثلاثة آلاف رطل لحم، وثلاث «1» آلاف عليقة. وكان ينعم بألف دينار عينا، وبألف أردب غلة، وبألف قنطار من العسل. ويتصدق على الفقراء بألف درهم وخمسمائة درهم. ولا يعطى أقل من ذلك إلا فى النادر عند التعذر. ولا يفعل ذلك عن امتلاء «2» ولا سعة. ما زال عليه لأرباب الديوان أربعمائة ألف درهم، وأكثر من ذلك. وإذا وفى دينا، اقترض خلافه، يتكرم بذلك. ولا يتجاسر أحد من مماليكه وألزامه أن يعدله عن ذلك، ولا يشافهه فى الإمساك عنه، والاختصار منه. وإن كلمه أحد منهم، أنكر عليه، وربما ضربه وأهانه، وعزله عن وظيفته، وإن كان أستاذ دار أو مباشرا عنده. وكانت مكارمه كثيرة مشهورة وعطاياه وصلاته وافره مذكورة، ما رأى أهل عصره من أمثاله فى المكارم والعطايا والإنفاق والهبات والصلات مثله، رحمه الله تعالى، ومات وعليه من الديوان، ما يزيد على أربعمائة ألف درهم، ورتب بعده من موجوده وأملاكه، رحمه الله تعالى «3»
(31/378)

ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه، بها. ودفن ليلة الجمعة، آخر الليل عنده أبيه رحمهما الله تعالى. ومولده فى الساعة العاشرة، من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة. وأمه عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب. فيكون عمره، رحمه الله تعالى، إحدى وأربعين سنة وعشر أشهر وسبعة أيام، ومدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة «1» وشهرا واحدا ويوما واحدا، رحمه الله تعالى. وانقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبى سنين «2» ، إلى أن أعاده السلطان الملك الناصر فى سلطنته الثالثة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى موضعه.
ولما مات، فوضت نيابة السلطنة بحماه إلى الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كما تقدم، وتداولها جماعة من النواب يأتى ذكرهم، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه.
وفيها، توفى الملك الأوحد نجم الدين يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، فى ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة بالقدس الشريف، ودفن من الغد برباطه عند باب خطّه شمالى الحرم، وكان
(31/379)

من المشهورين بالجلالة والتقدم فى المجالس، وعند الملوك، وكان كثير الإحسان إلى الضعفاء، رحمه الله تعالى «1» .
وفيها، توفى نجم الدين أيوب ابن الملك الأفضل على ابن الملك الناصر داود بدمشق، وصلى عليه يوم الجمعة، رابع عشر ذى الحجة، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبى عبد الله محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نصر بن النحاس الحلبى النحوى بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى، فى الثالثة من النهار. وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة، ومولده بحلب، فى يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى «2» .
وفيها، توفى تقى الدين توبة بن على بن مهاجر التكريتى، فى ليلة الخميس، ثانى جمادى الآخرة بدمشق. ودفن بتربته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى «3» .
وفيها، كانت وفاة الأمير جمال الدين آفش المغيثى، متولى البيرة، وكان له بها نحو أربعين سنة «4» .
ذكر توجه السلطان إلى الشام
وفى هذه السنة، تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب السلطان الجيوش المصرية وجردها. وكان قد جرد فى جمادى الآخرة، الأمير سيف الدين بلبان
(31/380)

الجيشى ومضافيه، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار ومضافيه، والأمير جمال الدين آقش الموصلى المعروف قتال السبع، والأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق، فى سابع شهر رجب. فلما قويت الأجناد الآن، جرّد الأمير سيف الدين قطابك الحاجب ومضافيه، والأمير سيف الدين نوكيه التتارى ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الاثنين رابع عشرين ذى الحجة. ثم توجه السلطان بعد ذلك، بالعساكر المنصورة. فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل فى الرابع والعشرين من ذى الحجة. واستناب فى غيبته بقلعة الجبل المحروسة، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى.
(31/381)

واستهلت سنة تسع وتسعين وستمائة [699- 1299/1300]
والسلطان الملك الناصر متوجه «1» بالجيوش إلى الشام، فوصل إلى غزة فى المحرم. ونزل بتل العجول.
ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة «2»
لما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول، اتفق جماعة من الأويرانية، الذين وفدوا إلى الديار المصرية، فى الأيام العادلية الزينية، مع الأمير سيف الدين برلطاى «3» ، أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، على إثارة فتنة. فبينما الأمراء فى الموكب، لم يشعروا إلا وقد شهر برلطاى سيفه، وحمل نفسه، وكرّ صوب الدهليز المنصور السلطانى، فأمسك. وسيره السلطان إلى الأمراء، فقتل لوقته. وقبض على جماعة من المماليك السلطانية، وسيروا إلى قلعة الكرك، واعتقلوا بها. وقبض على جماعة من الأويرانية، فشنقوا بظاهر غزة. وكان من أنهم بمباطنتهم قطلو برس «4» العادلى، فطلب فلم يوجد. واختفى مدة، ثم حصل الظفر به، بعد ذلك، فشنق بسوق الخيل تحت القلعة.
(31/383)

وأقام السلطان [الناصر»
] بهذه المنزلة مدة، ثم رحل منها، وتوجه نحو دمشق، فوصل إليها فى يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأول، ونزل بقلعتها.
وهذه السفرة، هى أول وصول السلطان الملك الناصر إلى دمشق، وحال وصوله، أمر بخروج العسكر الشامى، فخرج من دمشق، وتلته العساكر المصرية. ثم توجه السلطان فى أعقابهم، إلى جهة حمص، لقتال التتر، ودفعهم عن الشام، وكان رحيله من دمشق، فى وقت الزوال، من يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول «2» .
ذكر وقعة غازان «3» ملك التتار بمجمع المروج «4» ببلاد حمص
كانت هذه الوقعة فى يوم الأربعاء، الثامن والعشرين، من شهر ربيع الأول، سنة تسع وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك الناصر، لما رحل من دمشق، إلى جهة حمص، تواترت الأخبار بوصول التتار «5» إلى وادى الخزندار.
فسار السلطان إليهم، وحثّ السير. فقطع ثلاث مراحل، فى مرحلة واحدة، فأشرف على مجمع المروج، وقد تعبت خيول العساكر الإسلامية، وركب غازان فى جيوش التتار، ومن أنضم إليها من الكرج والأرمن وغيرهم، ومعه الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس
(31/384)

فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين عزاز «1» . والتقى الجمعان فى الخامسة من النهار المذكور. فحملت الميسرة الإسلامية على ميمنة التتار، فهزمتها أقبح هزيمة، وقتل من التتار خلق كثير. فلما عاين غازان انهزام ميمنته، اعتزل فى نحو ثلاثين فارسا، وعزم على الفرار. فمنعه الأمير سيف الدين قبجاق، وثبته ومناه بالظفر «2» .
وكان قصده بذلك، فيما قال بعد عوده، القبض على غازان عند استمرار الهزيمة بجيوشه.
ثم ركبت فرقة من التتار، كانت لم تشهد الحرب، واجتمعوا كراديس «3» ، وحملوا حملة منكرة. وقصدوا قلب العساكر الإسلامية، وضعفت الميمنة الإسلامية، عن لقاء ميسرتهم. فكان من الهزيمة ما كان، وذلك بعد العصر من اليوم المذكور.
ذكر تسمية من استشهد وفقد، فى هذه الوقعة من المشهورين
كان من استشهد وفقد من الأمراء والمشهورين، فى هذه الوقعة، الأمير سيف الدين كرد، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الحلبى، أحد الأمراء بالديار المصرية، والأمير سيف الدين بلبان التقوى، من أمراء طرابلس، والأمير ركن الدين بيبرس الغتمى «4» ، النائب بحصن المرقب، والأمير صارم الدين أزبك، النائب بقلعة
(31/385)

بلاطنس، والأمير بدر الدين بيلبك المنصورى المعروف بالطيار، من أمراء دمشق، قتل فى عوده بعد الوقعة، والأمير سيف الدين نوكيه «1» التتارى، والأمير جمال الدين أقش كرجى الحاجب، والأمير جمال الدين أقش المطروحى، حاجب الشام «2» فقدوا نحو ألف فارس من الحلقة والمماليك السلطانية وأجناد الأمراء ومماليكهم. وهؤلاء الأمراء، منهم من استشهد فى المعركة، ومنهم من أصابته جراحة، فمات بعد انفصال الوقعة فيعد شهيدا «3» ، ومنهم من عدم ولم تتحقق وفاته.
وعدم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، والقاضى عماد الدين إسماعيل ابن الأثير «4» الموقع. وقتل من التتار فيما قيل نحو أربعة عشر ألف «5» .
ولما تمت الهزيمة، وشاهد غازان من قتل أصحابه وكثرتهم، وقلة من قتل من العساكر الإسلامية، بالنسبة إلى من قتل من التتار، ظن أن هذه الهزيمة مكيدة، واستجرار «6» لعساكره، فتوقف عن اتباع العساكر الإسلامية، حتى تبين له صحة الهزيمة. ثم سار من مكان الوقعة إلى حمص، وبها الخزائن السلطانية،
(31/386)

فسلمها متوليها محمد بن الصارم، من غير ممانعة. ولا مدافعة «1» . ثم رحل عنها إلى جهة دمشق ونزل بالغوطة «2» .
ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية فى مدة استيلاء التتار عليها، إلى أن فارقوا البلاد، وعادوا إلى الشرق كانت «3» الأخبار وصلت إليهم بانهزام الجيوش الإسلامية، وتحققوا فى يوم السبت، مستهل شهر ربيع الآخر. فتوجه من أمكنه السفر إلى الديار المصرية فى هذا اليوم فكان ممن توجه قاضى القضاة إمام الدين الشافعى، وقاضى القضاة جمال الدين الزواوى المالكى، وابن الشيرازى، ومتولى مدينة دمشق، ومتولى برّها، ومحتسب المدينة، وجماعة كبيرة من أهل البلد، ممن قدر على الانتزاح.
وفى ليلة الأحد، أحرق المعتقلون بسجن باب الصغير بابه، وخرجوا منه، وكانوا نحو مائة وخمسين. وتوجهوا إلى باب الجابية، وكسروا الأقفال، وخرجوا منه وبقى البلد لا حامى له، ولا ممانع عنه. فاجتمع أكابر دمشق، فى يوم الأحد الثانى من الشهر، بمشهد علىّ بالجامع الأموى. وانفقوا على أن يتوجهوا إلى الملك غازان، ويسألوا «4» الأمان لأهل البلد. فتوجه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، وهو الخطيب يومئذ، والشيخ تقى الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقى، والقاضى نجم الدين بن صصرى، والقاضى
(31/387)

شمس الدين الحريرى، والقاضى جلال الدين ابن القاضى حسام الدين، وفخر الدين ابن الشيرجى، وعز الدين بن الزكى، ووجيه الدين بن منجا، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، وابن عمه الصدر شرف الدين، وأمين الدين بن شقير الحرانى، والشريف زين الدين بن عدنان، ونجم الدين بن أبى الطيب، وناصر الدين بن عبد السلام، وشريف الدين بن الشيرجى، وشهاب الدين الحنفى، والشيخ محمد ابن قوام البالنى، وجلال الدين أخو القاضى إمام الدين، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول. وتوجهوا بعد صلاة الظهر، من يوم الاثنين، ثالث الشهر، واجتمعوا بالملك غازان، وهو عند النبك «1» ، وهو سائر. ونزلوا عن مراكيبهم. وقبلّ بعضهم الأرض، فوقف غازان بفرسه لهم. وترجل جماعة من التتار عن خيولهم. وتكلم الترجمان بينهم وبين الملك غازان، وسألوا الأمان لأهل دمشق. وكان المخاطب له عن أهل دمشق، فخر الدين بن الشيرجى.
فقال غازان: الذى حضرتم بسببه «2» من الأمان قد أرسلناه قبل وصولكم. وقدّموا ما كان معهم من المأكول، فلم يكن له وقع عندهم. وأذن لهم فى الرجوع إلى دمشق، فرجعوا. وكان وصولهم بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة، سابع الشهر.
ولم يخطب فى هذه الجمعة لسلطان «3» .
وكان قد وصل إلى دمشق، فى يوم الخميس، سادس «4» الشهر أربعة من التتار،
(31/388)

من جهة غازان، ومعهم الشريف القمّى «1» . وكان قد توجه قبل توجه الجماعة، هو وثلاثة من أهل دمشق إلى غازان. فعاد وبيده أمان لأهل دمشق.
ثم وصل بعد صلاة الجمعة، الأمير إسماعيل وجماعة من التتار. فنزلوا بالبستان الظاهرى، بطريق القابون. ثم ركب [الأمير] إسماعيل فى يوم السبت، ودخل إلى دمشق، وجاء إلى مقصورة الخطابة بالجامع الأموى، لقراءة «2» الفرمان «3» .
وقرأه «4» أحد العجم الواصلين صحبة الأمير إسماعيل، وبلّغ عنه المجاهد المؤذن، ومضمونه:- بقوة الله تعالى، ليعلم أمراء التومان «5» والألوف والمائة، وعموم عساكرنا المنصورة، من المغول والتازيك «6» والكرج «7» وغيرهم، ممن هو داخل تحت زبقة
(31/389)

طاعتنا. إن الله لما نوّر قلوبنا بنور الإسلام، وهدانا إلى ملة النبى، عليه أفضل الصلاة والسلام أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
«1» .
ولما أن سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طريق الدين، غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء ولا ذمام، ولا لأمورهم التئام ولا انتظام، وكان أحدهم إذا تولى، سعى فى الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. وشاع من شعارهم الحيف على الرعية، ومدّ الأيدى العارية، إلى حرمهم وأموالهم، والتخطى عن جادة العدل والإنصاف، وارتكابهم الجور والإعساف، حملتنا الحمية الدينية، والحفيظة الإسلامية، على أن توجهنا إلى تلك البلاد، لإزالة هذا العدوان، وإماطة هذا الطغيان، مستصحبين الجم الغفير من العساكر.
ونذرنا على أنفسنا، إن وفقنا الله تعالى بفتح تلك البلاد، أزلنا العدوان والفساد، وبسطنا العدل والإحسان فى كافة العباد، ممتثلا للأمر الإلهى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
«2» . وإجابة لما ندب إليه الرسول، صلى الله عليه وسلم، «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الدين، يعدلون فى حكهم وأهليهم وما ولوا» . وحيث كانت طويتنا
(31/390)

مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور «1» الأكيدة. منّ الله علينا بتبلّج «2» تباشير النصر المبين، والفتح المستبين. وأتمّ علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، فقهرنا العدو الطاغية، والجيوش الباغية، وفوّقناهم أيدى سبا، ومزقناهم كل ممزق، حتى جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين فى زمرة من حبّب إليهم الإيمان، وزينه فى قلوبهم، وكّره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة.
فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثفة، والنذور المؤكدة. فصدرت مراسيمنا العالية، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طباقاتها لدمشق وأعمالها، وسائر البلاد الإسلامية الشامية، وأن يكفوا أظفار التعدّى عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، ولا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، وآمال «3» مفسوحة بعمارة البلاد، وبما هو كل واحد بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك. وكان هذا الهرج العظيم، وكثرة العساكر، فتعرّض «4» بعض نفر يسير من السلاحية وغيرهم، إلى نهب بعض الرعايا وأسرهم،
(31/391)

فقتلناهم ليعتبر الباقون، ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر، وغير ذلك من الفساد. وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البته، وأن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان، على اختلاف أديانهم، من اليهود والنصارى والصائبة. فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم، من الوظائف الشرعية، لقول علىّ عليه السّلام: «إنما يبذلون الجزية، لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا» . والسلاطين موصّون على أهل الذمة الطيعين «1» ، كما هم «2» موصون على المسلمين، فإنهم من جملة الرعايا.
قال صلى الله عليه وسلم: «الإمام الذى على الناس، راع عليهم وكل راع مسئول عن رعيته» .
فسبيل «3» القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء والشرفاء والأكابر والمشاهير وعامة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهنى والفتح السنى، وأخذ الحظ الوافر من السرور، والنصيب الأكبر من البهجة والحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة، والمملكة الظاهرة، أناء الليل وأطراف النهار.
وكتب فى خامس ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة.
ولما قرىء هذا الفرمان، حصل للناس بعض الطمأنينة، وجلس التتار بالمقصورة إلى أن صلوا العصر، وعادوا إلى منزلتهم بالبستان الظاهرى. وأغلق الأمير علم الدين سنجر أرجواش أبواب قلعة دمشق، وامتنع بها فى أول هذه الحادثة.
(31/392)

واجتمع أهل دمشق فى يوم الأحد تاسع الشهر بالقيمرية، واهتموا فى تحصيل الخيل والبغال والأموال، ليرضوا بها التتار، ونزل غازان ملك التتار بالغوطة، فى يوم الاثنين العاشر من الشهر، وأحدقت الجيوش بالغوطة، وقتلوا طائفة من أهل القرى.
ووصل الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، وغيرهما فى هذا اليوم، ونزلوا بالميدان. ولما مروا بالقلعة، خاطبوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش، نائب القلعة، وأشاروا عليه بتسليمها، فسبهم أقبح «1» سب.
وفى بكرة نهار الثلاثاء، حادى عشر الشهر، ورد مثال الأمير إسماعيل نائب التتار، يأمر العلماء والمشايخ والرؤساء، أن يتوجهوا إلى القلعة، ويتحدثوا مع نائبها فى تسليمها، وأنه متى امتنع من ذلك، دخل الجيش البلد ونهبها، وسفكت الدماء. فاجتمع جماعة كثيرة إلى باب القلعة، وسألوا الأمير علم الدين [سنجر أرجواش «2» ] ، أن يرسل إليهم رسولا، فامتنع وسبهم أقبح سب. وقال: قد وردت علّى بطاقة من السلطان، أنه جمع الجيوش بغزة، وكسر الطائفة التى اتبعتهم من التتار، والسلطان يصل عن قريب بعساكره «3» .
ثم دخل قبجاق دمشق فى يوم الأربعاء، ثانى عشر الشهر، وجلس بالمدرسة العزيزية، وأمر العلماء والأكابر بمراجعة أرجوش فى تسليم القلعة، فتوجهوا
(31/393)

إليه، فلم يسمع كلامهم. وكتب فى هذا اليوم بالعزيزية فرامانات من شيخ الشيوخ [نظام الدين محمود بن على الشيبانى «1» ] ، ومقدم من مقدمى التتار، ذكر أنه رضيع الملك غازان، ومن قبجاق، فسلم تجد نفعا.
وفى يوم الجمعة رابع عشر الشهر [ربيع الآخر «2» ] خطب لغازان على منبر دمشق، بما رسم لهم به من الألقاب والنعوت وهى «مولانا السلطان، الملك الأعظم، سلطان الإسلام والمسلمين، مظفر الدنيا والدين، محمود غازان» . وصلى بالمقصورة جماعة من المغل. وحضر إلى المقصورة، عقيب الصلاة الأمير سيف الدين قبجاق، وصعد هو والأمير إسماعيل، إلى سدّة المؤذنين. واجتمع جمع كثير من عامة الناس تحت النصر «3» . وقرئ عليهم تقليد بتولية الأمير سيف الدين قبجاق الشام أجمع، وعيّن فيه مدينة دمشق وحلب وحماه وحمص وغير ذلك، من الأعمال والجهات. وجعل إليه، أن يولى القضاة، والحكماء والخطباء، وغيرهم.
ونثر على الناس الذهب والدراهم، فاستبشر الناس بولاية قبجاق، ظنا منهم أنه يرفق بهم. وحضر فى هذا اليوم شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن على الشيبانى، إلى المدرسة العادلية. وأحضرت إليه ضيافة، وأظهر العتب «4» على أهل البلد، كونهم لم يترددوا إليه. وذكر أنه يصلح أمرهم، ويتفق معهم، على ما يفعل، فى أمر القلعة. فقال بعض من حضر [إن] «5» الأمير سيف الدين قبجاق يخبر أمر «6»
(31/394)

متولى القلعة. فقال [شيخ الشيوخ «1» ] : «خمسمائة من قبجاق ما يكونون فى خانمى» ، وعظّم نفسه تعظيما كثيرا.
وفى يوم السبت خامس عشر الشهر. ابتدئ بنهب جبل الصالحية، وما به من الندب والمدارس وغيرها. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى شيخ الشيوخ، فركب إليهم فى يوم الثلاثاء. فلما وصل إلى جبل الصالحية، هرب من به من التتار، ودخل أهل الجبل إلى دمشق عرايا فى أسو أحال «2» .
وتوجه التتار إلى قرية المّزة «3» ، فنهبوها وسبوا أهلها. وتوجهوا إلى داريا «4» ، وفعلوا كذلك، وقتلوا جماعة من أهلها، وقتل أهلها جماعة من التتار. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية. يوم الخميس إلى الملك غازان، وهو بتل رأهط «5» ، فدخل عليه ليشكو له ما جرى من التتار بعد أمانه، فلم يمكّن «6» من ذلك. وقيل له: إن شكوت إليه أمرا، يقتل «7» بعض المغل. فيكون ذلك سبب الإختلاف، وتدور الدائرة على أهل دمشق. فعدل الشيخ عن الشكوى إلى الدعاء، وفارقه واجتمع بالوزير [ين] سعد الدين، ورشيد الدين، وتحدث معهما. فذكر «8» أن
(31/395)

جماعة من المقدمين الأكابر، لم يصل إليهم من مال دمشق شىء، ولا بد من إرضائهم. وأمر الوزير بإطلاق الأسرى.
ثم اشتد الأمر على أهل دمشق، فى طلب الأموال وحصار القلعة. وجاء منجنيقى، فالتزم بأخذ القلعة. وقرر أن يكون نصب المجانيق عليها بالجامع الأموى. فأجمع أرجواش رأيه، أنه متى نصب المجانيق بالجامع، رمى عليها بمجانيق القلعة. وكان ذلك يؤدى إلى هدم الجامع. فانتدب رجال من أهل القلعة، بعد أن تهيأت أعواد المجانيق، ولم يبق إلا نصبها. وخرجوا بالحمية الإيمانية، وهجموا الجامع، ومعهم المناشير، فأفسدوا ما تهيأ من أعواد المجانيق. ثم جددوا غيرها، واحترزوا عليها. وحضر جماعة من المغل يبيتون بالجامع. فيقال إنهم انتهكوا حرمته، وارتكبوا فيه المحارم، من شرب الحمور والزنا، وطرح القاذورات والنجاسات، وقلّ حضور الناس فيه، حتى أنه لم تقم فيه صلاة العشاء الآخرة، فى بعض الليالى. ونهب التتار سوق باب البريد.
وتحول الناس من حول الجامع، وزهدوا فى قربه لمجاورة التتار. فانتدب رجل من أهل القلعة. وبذل نفسه، والتزم بقتل المنجنيقى. وخرج إلى الجامع، والمنجنيقى بين المغل، وهو فى ترتيب العمل. فتقدم إليه، وضربه بسكّين فقتله. وهجم رجال القلعة، فتفرق المغل عن القاتل، وحماه أصحابه، فلجأ «1» إلى القلعة، وبطل على التتار ما دبروه من عمل المجانيق. واضطر أرجواش إلى هدم ما حول القلعة، من المساكن والمدارس والأبنية ودار السعادة، وطواحين باب
(31/396)

الفرج، وغير ذلك. كل ذلك احترازا على حفظ القلعة، وأن يتطرّق العدوّ إليها. وحصل من إفساد التتار والأرمن وإخرابهم الأماكن، بإفسادهم الصالحية، وحرق «1» جامع التوبة «2» بالعقيبة «3» وغير ذلك، ما بقيت آثاره، بعد ذهاب العدو زمنا طويلا. ثم أعاد المسلمون ذلك، والحمد لله تعالى، إلى أحسن ما كان.
واشتد الأمر على أهل دمشق فى طلب الأموال، فى أواخر شهر ربيع الآخر؛ وأوائل جمادى الأول، وطلب من البلد ما لا يتحمله أهله. وتولى استخراج الأموال، والمطالبة بها من أهل دمشق، صفى الدين السنجارى، وولد الشيخ محمد ابن الشيخ على الحريرى. وغلت الأسعار بدمشق هذه المدة «4» .
ثم رجع غازان إلى بلاد الشرق، فى يوم الجمعة، ثانى عشر جمادى الأولى ونزل قطلو «5» شاه نائبه بدمشق وجماعة كثيرة من التتار معه، وجعل نيابة الشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق، ونيابة حلب وحمص إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، ونيابة صفد وطرابلس والسواحل إلى الأمير فارس الدين البكى ولما توجه غازان، استصحب الوزير معه، من أكابر دمشق بدر الدين
(31/397)

ابن فضل الله، وعلاء الدين على ابن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى، وشرف الدين بن الأثير.
وفى يوم السبت ثالث عشر «1» جمادى الأولى، رسم التتار بإخلاء المدرسة العادلية، ووقف جماعة منهم على بابها يفتشون من يخرج منها، ويأخذون ما أحبوا من أمتعتهم، وعجز أهلها عن نقل أكثر أثاثهم. ودخل التتار إليها، عقيب خروجهم منها، وكسروا أبواب البيوت، ونهبوا ما بها، وأخلى التتار ما حول القلعة، وطلعوا إلى الأسطحة، ورموا منها النشاب على الفلعة. فعند ذلك، أمر أرجواش بإحراق ذلك كما تقدم. وكان إحراق المدرسة العادلية فى الحادى والعشرين من جمادى الأولى.
وفى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر، قرىء «2» على سدة الجامع كتابان: أحدهما يتضمن تولية الأمير سيف الدين قبجاق النيابة بالشام «3» ، والثانى يتضمن تولية الأمير ناصر الدين يحيى بن جلال الدين شد الشام. وتضمن أحد الكتابين أن يصرف ما كان لخزائن السلاح، من مال الجامع فى مصالح السبيل إلى الحجاز الشريف. ويتضمن أيضا أن غازان يعود إلى الشام فى فصل الخريف «4» ، ويتوجه إلى الديار المصرية، وأنه توجه [إلى البلاد «5» ] ونزل نائبه قطلوشاه فى ستين ألف فارس لحماية الشام، إلى غير ذلك مما تضمنه.
(31/398)

واستمر قطلوشاه بعد توجه غازان أياما يحاصر القلعة، فلم يتهيأ له منها ما يريد، فجمع له قبجاق مالا من أهل البلد، فأخذه وعاد إلى بلاد الشرق. وكان رحيله فى يوم الثلاثاء «1» الثالث والعشرين من جمادى الأولى. وتوجه الأمير سيف الدين قبجاق لوداعه. وعاد فى يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ودخل إلى دمشق، من باب شرقى، وشق البلد، وخرج من باب الجابية، وكانا مغلقين فى مدة مقام التتار، ففتحا له الآن، ونزل بالقصر الأبلق.
وعاد الأمير يحيى بن جلال الدين والصفى السنجارى بجماعة من التتار، وشقوا البلد، وتوجهوا إلى القصر أيضا. ثم نودى فى البلد، فى يوم الجمعة، أن يتوجه الناس إلى ضياعهم وقراهم. وكان قد نودى فى أول هذا النهار، أن لا يخرج أحد إلى الجبل والغوطة «2» ، وأن لا يخاطر بنفسه، ولا يغرر بنفسه.
وفى تاسع عشر جمادى الأولى، دخل الأمير سيف الدين قبجاق، ومن معه إلى المدينة، ونزلوا بدار الأمير سيف الدين بهادر آص، وما يجاورها من الأدر، بقرب مأذنه فيروز.
وفى يوم الثلاثاء، مستهل جمادى الآخرة، وثانيه، نودى فى دمشق بأمر الأمير سيف الدين قبجاق أن يخرج الناس إلى «3» أما كنهم. وانضم إلى قبجاق
(31/399)

جماعة من الجند فى أول هذا الشهر، يركبون فى خدمته، ويترجلون فى ركابه، وفتحت أبواب البلد، إلا ما بجوار القلعة منها.
وفى يوم الجمعة رابع الشهر، ضربت البشائر بالقلعة. وفى يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة، أمر الأمير سيف الدين قبجاق، أستاذ داره علاء الدين، وطاجار، وركبا بالشرابيش «1» والطبلخاناة «2» . ثم أمّر ثلاثة فى العشر الأوسط من الشهر، وركبوا بالشرابيش والطبلخاناة. وأمر بإدارة الخمارة بدار ابن جراده، فأظهرت الخمور والفواحش، وضمنت فى كل يوم ألف درهم «3» ، واستمر الحال على على ذلك بقية جمادى الآخرة وبعض شهر رجب.
وكان غازان قد جرد من عسكره عشرين ألف فارس، صحبة بولاى «4» ، وأشبقا «5» وحجك «6» وهو لاجو، فنزلوا بالأغوار. وشنوا الغارات ونهبوا، ووصلت غاراتهم إلى بلد القدس والخليل، ودخلوا إلى غزة، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا من
(31/400)

المسلمين «1» ، ثم رجعت هذه العساكر إلى دمشق، وعادت إلى بلاد الشرق، فى ثانى شهر رجب، واستصحبوا معهم أمين الدين بن شقير الحرّانى.
وعاد التتار بجملتهم فى ثامن شهر رجب، لما بلغهم اهتمام السلطان، وخروج العساكر. ولم يفتح غازان شيئا من القلاع الشامية، بل امتنعت بجملتها، اقتداء بقلعة دمشق. وتمسك نواب القلاع من تسليمها، واعتذروا أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بعد تسليم قلعة دمشق، فسلمت القلاع بجملتها.
ثم توجه الأمير سيف الدين قبجاق والأمراء إلى خدمة السلطان الملك الناصر على ما نذكره.
ولما توجه قبجاق من دمشق، دبّر أمر البلد الأمير علم الدين أرجواش.
وأعيدت الخطبة بدمشق، باسم السلطان فى يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب. وكانت انقطعت من سابع شهر ربيع الآخر، فانقطعت مائة يوم.
وفى هذا اليوم أبطل ما كان جدّد من المنكرات، وأغلقت الخمارات، وأريق ما فيها، وكسرت المواعين، وشقت «2» الظروف. وتولى ذلك الشيخ تقى الدين بن تيمية وأصحابه.
هذا ما كان بدمشق، فلنذكر ما اعتمده السلطان عند عوده.
ذكر ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر الجيوش والعساكر
لما كان من أمر هذه الحادثة ما قدمناه، رجع السلطان من مكان الوقعة
(31/401)

إلى الديار المصرية. وتفرقت العساكر، فأخذت كل فرقة طريقا. وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل، فى يوم الأربعاء، ثانى عشر شهر ربيع الآخر ولم يصحبه فى هذه السفرة إلا بعض خواصه، والأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير أخور، والأمير زين الدين قراجا، فى نفر يسير. وخدم الأمير سيف الدين بكتمر، المشار إليه، السلطان فى هذه السفرة أتم خدمة. فكان يركبه وينزله، ويشد خيله، ويشترى لها العليق، ويسقيها، إلى غير ذلك من أنواع الخدمة «1» .
ثم ترادفت الجيوش إلى الديار المصرية متفرقة. ووصل النواب بالممالك الشامية. وكان فيمن وصل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى. فمشى فى خدمة نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار، وجلس بين يديه، وكان يرمّل علامته إذا كتب. ووصلت العساكر، وعدمت خيولهم وأقمشتهم وأموالهم، وأثقالهم وأسلحتهم. فجرد السلطان الأهتمام، وأخرج الأموال الكثيرة، وأنفق فى الجيوش، ووسع عليهم، وسلّم إلى كل نائب من نواب الشام نفقة عسكره.
فسلم إلى الأمير جمال الدين أقش الأفرم نفقة عسكر الشام، وإلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى نفقة عسكر حلب، وإلى الأمير سيف الدين كراى المنصورى نفقة عسكر صفد. وسلّم نفقة عسكر طرابلس «2» إلى الأمير شرف الدين قيران الدوادارى، ثم إلى الأمير سيف الدين قطلبك. وكانت النفقة فى الجيوش ذهبا.
ورخص سعر الذهب بالديار المصرية، حتى بلغ صرف الدينار سبعة عشر درهما وارتفعت أسعار العدد والسلاح والأقمشة والدواب. ومع ذلك فلم تمض الأيام
(31/402)

القلائل على العسكر، حتى كملت عدتهم وخيولهم، وجميع ما يحتاجون إليه من الأسلحة والأقمشة «1» .
وجهّز السلطان إلى نواب الحصون بالشام أجمع القصاد بالملطفات يعلمهم ما هو عليه، من الاهتمام وصرعة حركة ركابه، ويحثهم على حفظ الحصون.
فوصلت القصّاد إليهم، فامتثلوا ذلك، وحفظوا الحصون، فحفظت وسلمت، ولله الحمد والمنة. وأحسن السلطان إلى نواب الحصون، وكافأهم على اهتمامهم بها وحفظها. ولما تكامل ما تحتاجه العساكر، توجه السلطان بهم، لقصد الشام.
ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام، ووصوله إلى منزلة الصالحية وإرسال الجيوش إلى دمشق والممالك الشامية، وعود الأمراء إلى الخدمة السلطانية ورجوع السلطان إلى قلعة الجبل، وما تقرر من أمر النواب
وفى تاسع شهر رجب، من هذه السنة، توجه السلطان بجميع العساكر
(31/403)

والنواب إلى الشام، لدفع التتار. فاتصل به عود التتار ومفارقتهم الشام، فأقام بالصالحية. وتوجه نائبه الأمير سيف الدين سلار، وأستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس إلى الشام، وصحبتهما سائر النواب والأمراء. ورحلوا من الصالحية فى الثانى العشرين من هذا الشهر. وكانت الملطفات «1» قد سيرت إلى الأمراء: سيف الدين قبجاق، وسيف الدين بكتمر، وفارس الدين البكى، بالحضور إلى الخدمة السلطانية، ومراجعة الطاعة، واستدراك ما فرط، فأجابوا بالسمع والطاعة.
وبادروا بالحضور إلى الخدمة الشريفة السلطانية، واجتمعوا بالأمراء بمنزلة سكرير «2» . وتوجهوا إلى خدمة السلطان، وهو مقيم بمنزلة الصالحية، وذلك فى العاشر من شعبان. فركب السلطان وتلقاهم وأكرمهم وأحسن إليهم، وعاد وهم فى خدمته إلى قلعة الجبل. وكان وصوله إليها فى رابع عشر شعبان، وأسكن الأمراء المذكورين بالقلعة، وأجرى عليهم الإقامات، وشملهم بالإنعام «3» .
وأما الأمير سيف الدين سلار والعساكر، فإنهم توجهوا إلى دمشق. وكان وصول الأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بدمشق إليها بالعسكر «4» الشامى، فى يوم السبت عاشر شعبان.
(31/404)

وفى يوم الأحد وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب بعساكرها، وكان قد فوض إليه نيابتها، والأمير سيف الدين قطلبك نائب الفتوحات الطرابلسية جميعا «1» .
وفى يوم الاثنين، ثانى عشر الشهر، وصلت ميسرة الجيوش المصرية، ومقدمها الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار. وفى يوم الأربعاء، رابع عشر الشهر، وصل قلب الجيش، وفيه الأمير سيف الدين سلار، نائب السلطنة الشريفة.
والمماليك السلطانية، والعادل زين الدين كتبغا المنصورى فى خدمته. ونزلت العساكر بالمرج «2» .
وقرر الأمير سيف الدين سلار النواب بالممالك على ما رسم به السلطان له عند سفره. فأقر الأمير جمال الدين أقش الأفرم على عادته بدمشق. وفوض إلى الأمير زين الدين كتبغا الملقب- كان- بالملك العادل، نيابة السلطنة بالمملكة الحموية «3» ، عوضا عن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى المذكور، وذلك بحكم أن الأمير سيف الدين بلبان الطباخى استعفى من النيابة بحلب واستقر فى جملة الأمراء المقدمين بالديار المصرية، على اقطاع الأمير شمس الدين آقسنقر كرتيه «4» ، بحكم وفاته. وفوض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين قطلوبك «5» المنصورى. وأعاد الأمير سيف الدين كراى المنصورى إلى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية على عادته.
(31/405)

وفّوض قضاء القضاة الشافعية بدمشق لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الحموى، فى خامس شهر شعبان، بحكم وفاة القاضى إمام الدين عمر ابن القاضى سعد الدين بن الكرجى القزوينى القونوى. وكانت وفاته بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء خامس عشرين، شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة. وفوّض قضاء القضاة الحنفية، لقاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفى الدين الحريرى، فى يوم الأربعاء الحادى والعشرين من الشهر.
وفوّض شاد الدواوين بالشام، إلى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى. وولى بر دمشق للأمير عز الدين أيبك التجيبى. وفوّض حسبة دمشق لأمين الدين الرومى، إمام المنصور لاجين «1» .
وأقام الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس بدمشق، إلى أن استقرت أحوالها، وترتبت وظائفها. ثم رجعا إلى الديار المصرية. وكان رحيلهما من دمشق بالجيوش المصرية المنصورة، فى يوم السبت ثامن شهر رمضان. ووصلا إلى خدمة السلطان بقلعة الجبل، فى يوم الثلاثاء، ثالث شوال. ولما وصلا، فوّض إلى الأمير سيف الدين قبجاق نيابة السلطنة بالشوبك. وأعطى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، بالديار المصرية، والأمير فارس الدين البكى الساقى، إمرة بدمشق.
واستقرت الحال على ذلك.
(31/406)

ذكر ما اعتمده الأمير جمال الدين [أقش «1» ] نائب السلطنة بدمشق، بعد عود العساكر المصرية
. لما عاد الأمير سيف الدين سلار والعساكر المصرية من دمشق، وخلاوجه الأمير جمال الدين أقش الأقرم، نائب السلطنة بالشام، تتبع من أذى المسلمين عند التتار، وتجاهر بذلك. فعامل كلا «2» منهم بما نذكره، مما أدى إليه اجتهاده، واقتضاه رأيه وتدبيره. فكحّل الحاج مندوبه «3» ، وسمر الشريف «4» القمى، وابن العونى «5» البرددار، وابن خطلبشا «6» المزى، وحملهم على الجمال، ثم أطلق ابن العونى، بعد ثلاثة أيام. وشنق كانب مسطبة الولاية بدمشق، وإبراهيم مؤذن بيت لهيا «7» ، ورجلا من اليهود. وقطع لسان ابن طاعن، وقطع يد ورجل أحد من أمّرهم «8» قبجاق، فمات بعد ثلاثة أيام. وكحّل الشجاع همام، فمات بعد ليلة.
ثم توجه فى العشرين من شوال إلى جبال الكسر وان والدرزية «9» ، وقصد
(31/407)

استئصال شأفتهم، لما عاملوا به العساكر الإسلامية، عند هزيمتها، من السلب والأذى. فالتزموا برد ما أخذوه من أقمشة العسكر، وحمل ما ترد عليهم، وعاد إلى دمشق، فى يوم الأحد ثالث ذى القعدة من السنة.
وألزم أهل دمشق أرباب الحوانيت بتعليق الأسلحة فى حوانيتهم، وأمروا برماية النشاب، ونودى بذلك. وحضرت رسالة قاضى القضاة بذلك إلى فقهاء المدارس. وعرض عوام البلد فى الحادى والعشرين من القعدة، فحضروا بالسلاح. وقدم على أهل كل سوق رجلا منهم. ثم عرض السادة الأشراف، فى يوم الخميس رابع عشرين الشهر، بالعدّة الكاملة، مع نقيبهم نظام الملك.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير الطواشى حسام الدين جلال المغيثى الجلالى، نسبة إلى الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. وكانت وفاته فى تاسع شهر ربيع الآخر، بمنزلة السوادة «1» ، وحمل إلى قطيا «2» ، ودفن بها. وكان قد مرض بدمشق، فأعيد، ولم يشهد الوقعة. وكان رحمه الله تعالى دينا خيرا.
(31/408)

وفيها، توفى القاضى علاء الدين أحمد ابن قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن خلف بن بدر العلائى. وكانت وفاته............... ... «1»
وصليت عليه فيمن صلى، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بتربتهم بالقرافة رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير سيف الدين جاغان الحسامى بأرض البلقاء من الشام.
وفيها، توفى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى بحصن الأكراد، فى ثالث شهر رجب وكان قد انصرف من الوقعة، والتحق بحصن الأكراد، فمات به، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى والدى، رحمه الله تعالى، تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب ابن أبى عبد الله، محمد بن عبد الدائم بن منجا بن على البكرى، النيمى القرشى المعروف بالنويرى. وقد تقدم ذكر باقى نسبه، عند ذكر مولدى فى سنة سبع وسبعين وستمائة «2» . وكانت وفاته رحمه الله، قبل أذان المغرب، من يوم الخميس الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وتسعين وستمائة، بالمدرسة الصالحية النجمية، بقاعة التدريس المالكية. وكان ابتداء مرضه، فى يوم الأربعاء، الرابع عشر من الشهر. ومولده بمصر بالمدرسة المعروفة بمنازل العز سنة ثمان عشرة وستمائة. ومات رحمه الله تعالى، ولم تفته صلاة. ولقد توضأ لصلاة
(31/409)

العصر، من يوم وفاته أربع مرات، وكان به ذرب، ثم صلى صلاة العصر جالسا. ومات قبل أذان المغرب من يومه. وكان آخر كلامه، بعد أن دعا الله تعالى لى بخير، التلفظ بالشهادتين. ثم قبض رحمه الله تعالى، ودفن من الغد، فى يوم الجمعة الثالثة من النهار، بتربة قاضى القضاة زين الدين المالكى، بالقرافة، رحمه الله تعالى وإيانا.
(31/410)

واستهلت سنة سبعمائة يوم الجمعة [700- 1300/1301]
والسلطان الملك الناصر بقلعة الجبل، ومدبر «1» والدولة، ونواب المملكة من ذكرناهم.
ذكر جباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال بالديار المصرية والشام
وفى هذه السنة، فى أولها قرر ناصر الدين محمد [بن «2» ] الشيخى، أحد الأمراء بالديار المصرية، ومتولى القاهرة، أن يستخرج من أرباب العقارات والأموال مالا «3» سماه مقرر الخيالة «4» ، وانتصب لإستخراج ذلك بدار العدل، تحت قلعة الجبل.
وأحضر أرباب الأموال والأملاك، وقرر على كل منهم بحسب قدرته، واستخرج من ذلك تقدير مائة ألف دينار «5» . وتعدّى ضرره إلى سائر الناس، حتى أراد [أن «6» ]
(31/411)

يستخرج من العدول «1» الجالسين بسوق الوراقين، من كل عدل عشرين دينارا، ومن كل «2» عاقد أربعين دينارا. فنهض قاضى القضاة زين الدين المالكى فى ذلك، وتحدث مع الأمراء فى ذلك. وذكر ضرورة العدول وفاقتهم واحتياجهم، وأن جلوسهم فى سوق الوزاقين، لتحصيل أقواتهم، ولو قدروا على القوت ما جلسوا، وقام فى ذلك أتمّ قيام، حتى اندفعت عنهم هذه المظلمة، وأعفوا «3» منها. واستخرج من سائر الأعمال والبلاد والقرى بالديار المصرية أموال، قررت على كل بلد من البلاد المقطعة، واستخرجت الأموال من الرعايا والفلاحين.
وأما دمشق، فإنه رسم باستخراج أجرة أربعة أشهر من أرباب الأملاك والأوقاف التى بدمشق وظاهرها، ومن الضياع، التى ضمانها أكثر من أمدائها ثلث ضمانها. وإن كانت أمداؤها أكثر من ضمانها، استخرج عن كل مدى، ستة دراهم وثلثا درهم- والمدى أربعون ذراعا فى مثلها، يكون تكسيره ألف ذراع وستمائة ذراع، بذراع العمل «4» - فنال الناس من ذلك شدة. وكان المال المطلوب، عن ما تحصل فى سنة تسع وتسعين وستمائة.
وفيها، فى المحرم، كثرت الأراجيف بحركة التتار، فجفل أهل الشام أجمع، منهم من التجأ إلى الحصون، وأكثرهم وصلوا إلى الديار المصرية، حتى امتلأت
(31/412)

القاهرة ومصر منهم. وكان سعر القمح، قبل وصول هذه الجفول، عن كل أردب عشرين درهما. فنزل إلى خمسة عشر درهما، على ما نذكره إن شاء الله تعالى «1» .
ذكر توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر إلى الشام وعوده
لما كثرت الأراجيف وقويت الثناعة، بقرب التتار، توجه السلطان بالعساكر إلى الشام. واستقل ركابه من منزلة. مسجد التبن «2» ، وهى المنزلة الأولى من قلعة الجبل، فى يوم السبت ثالث عشر صفر، ووصل إلى غزة، ونزل بمنزلة بدعرش «3» ، وأقام بها. وتوالت الأمطار وكثرت، واشتد البرد، وانقطعت الأجلاب عن العسكر، حتى عدمت الأقوات. واستمر السلطان بهذه المنزلة إلى سلخ شهر ربيع الأخر. ثم عاد إلى القاهرة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الاثنين، حادى عشر جمادى الأولى، بعد أن جرد من منزلته بدعرش «4» ، الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى
(31/413)

ومضافيه. فتوجهوا إلى دمشق بألفى فارس، فوصلوا إليها، فى سابع جمادى الأولى «1» .
ولما ظهر بدمشق عود السلطان إلى الديار المصرية؛ خرج من بقى من الدماشقة إلى الديار المصرية. وذلك أن متولى دمشق، كان يمر بالأسواق فيقول للناس: ما يجلسكم هاهنا، وأى شىء تنتظرون، وأشباه هذا الكلام «2» . ثم نودى بدمشق فى تاسع جمادى الأولى، من أقام، فدمه فى عنقه، ومن عجز عن السفر فليتحصن بالقلعة «3» .
وفى مدة مقام السلطان بمنزلة بدعرش، توفى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى.
واستعفى الأمير سيف الدين كراى المنصورى «4» من نيابة السلطنة بصفد، فادفى منها؛ وأقطع إقطاع الأمير سيف الدين الطباخى بالديار المصرية. وفوضت نيابة المملكة الصفدية إلى الأمير سيف الدين بتخاص «5» المنصورى، أحد أمراء الشام.
ذكر وصول غازان إلى الشام وعوده وما فعلته جيوشه
كان من خبر غازان فى هذه السنة، أنه وصل بجيوشه إلى بلاد حلب،
(31/414)

ونزل بقرون حماه إلى بلاد سرمين. وبعث معظم جيوشه إلى جبال أنطاكية وجبال السماق «1» . فنهبوا من الدواب والأغنام والأبقار شيئا كثيرا. وسبوا من النساء والصبيان وأسروا من الرجال خلفا كثيرا. وكانوا فى سنة تسع وتسعين وستمائة لم يصلوا إلى هذه الجهة، فظن الناس أنهم لا يقصدونها «2» فى هذه السنة.
فاجتمع بها خلق كثير، فقتلوا وأسروا وسبوا. ورخصت الأسرى من المسلمين، حتى أبيع الأسير والأسيرة بعشرة دراهم. واشترى الأرمن منهم خلقا كثيرا، وسيروا فى المركب إلى بلاد الفرنج. وأرسل الله تعالى على غازان وجيوشه أمطارا كثيرة وثلوجا، حتى هلك كثير منهم. فرجع بعساكره إلى بلاد الشرق، وقد نفق من خيولهم ما لا تحصى كثرة، فرجعوا شبه المكسورين. وعجزت كل طائفة من المسلمين والتتار، عن ملافاة الأخرى. وكان رجوعهم فى جمادى»
الآخرة. وغلت الأسعار فى هذه السنة بدمشق، فابيعت غرارة القمح بثلاثمائة درهم، ورطل اللحم بتسعة دراهم، ثم رخصت الأسعار «4» .
وفيها، استعفى الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى من نيابة المملكة الطرابلسية، فأعفى. وفوضت النيابة بها إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «5» .
(31/415)

وفيها، فنيت الأبقار بالديار المصرية فناء، لم يسمع بمثله. وحكى لى أن بعض مشايخ البلاد بأشموم طناح، كان يملك ألف رأس وأحد وعشرين رأسا من بقر الخيس «1» ، فمات منها ألف رأس وثلاثة وعوس، وبقى له ثمانية عشر رأسا، وغلت الأبقار بعد هذا الفناء، حتى كادت تعدم. وبيع الثور منها بألف درهم وما يقارب هذا الثمن. واستعمل الناس فى السواقى بالديار المصرية لإدارتها، الخيل والجمال والحمير «2» .
ذكر خبر أهل الذمة وتغيير لباسهم وما تقرر فى ذلك، والسبب الذى أوجبه
فى هذه السنة، وصل وزير بلاد المغرب «3» إلى الديار المصرية، بسبب الحج.
وتكلم مع الأمراء فى أمر أهل الذمة، وذكر ما هم فيه من الذل والصغار ببلاد المغرب، وأنهم لا يمكنونهم «4» من ركوب الخيل والبغال، ولا يستخدمونهم «5» فى المناصب، وذكر أشياء كثيرة من هذا القول. فرسم أن يعقد مجلس بحضور الحكام، وندب لذلك قاضى القضاة شمس الدين السروجى الحنفى، فجلس بالمدرسة الصالحية.
وحضر القاضى مجد الدين بن الخشاب، وكيل بيت المال، وجماعة من الفقهاء، وأحضر بطرك النصارى «6» وجماعة من أساقفتهم، وأكابر قسيسيهم، وأعيان ملتهم
(31/416)

وديان اليهود وأكابر ملتهم، وسئلوا عما أقروا عليه فى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من عقد الذمة. فلم يأتوا عن ذلك بجواب.
وبحث الفقهاء فى ذلك، فاقتضت المباحث الشريفة بين العلماء، أن يميز النصارى بلبس العمائم الزرق غير الشعرى «1» ، واليهود بلبس العمائم الصفر. وتميز نساء أهل كل ملة كذلك بعلامة تظهر. ولا يركبون «2» الخيول ولا يحملون «3» سلاحا، ويركبون الخيول الحمر بالأكف «4» عرضا من غير تربين لها ولا قيمة، ويتجنبون «5» أوساط الطرق للمسلمين فى مجالسهم «6» عن مراتبهم، ولا يرفعون «7» أصواتهم على أصوات المسلمين. ولا يعلو بناؤهم على بناء المسلمين، ولا يظهرون «8» شعانيهم «9» ، ولا يضربون «10» بالنواقيس. ولا ينّصرون مسلما ولا يهودونه. ولا يشترون من
(31/417)

الرقيق مسلما ولا من سباه مسلم، ولا من «1» جرت عليه سهام المسلمين. ومن دخل منهم الحمام يميز نفسه بعلامة عن المسلمين، بجرس فى حلقه. ولا ينقشون «2» فصوص خواتيمهم بالعربية «3» ، ولا يعلمون «4» أولادهم القرآن، ولا يستخدمون «5» فى أعمالهم الشافة مسلما، ولا يرفعون «6» النيران. ومن زنى منهم بمسلمة قتل.
وقال بطرك النصارى بحضرة جماعة العدول: «حرّمت على أهل ملتى وأصحابى مخالفه ذلك، والعدول عنه» . وقال رئيس اليهود وديانهم: «أوقعت الكلمة على أهل ملتى وطائفتى فى مخالفة ذلك، والخروج عنه «7» » .
ونظمت المكاتيب بذلك، ورسم بحمل الأمراء «8» على حكمها. وكتب إلى سائر أعمال الديار المصرية بإجرائهم على ذلك. وكتب إلى [أمراء «9» ] الشام بذلك، فالتزموا به فى شعبان من السنة.
وتقرر بدمشق أن تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، والسامرة العمائم الحمر. واستقر ذلك فى سائر المملكة. إلا بالكرك، فإن النائب بها الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، رأى إبقاءهم على حالتهم. واعتذر أن أهل
(31/418)

الكرك نصارى، وأن المسلمين بها قليل، وأن هذا القدر «1» يؤدى إلى ظهور كثرتهم للغريب، وما أشبه هذه الأعذار. فاستقر ذلك بالكرك والشوبك إلى الآن «2» .
وأخبرنى الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى فى سنة إحدى وسبعمائة وهو يؤمئذ أستاذ الدار السلطانية وشاد الدواوين بدمشق، قال: ركبت فى الموكب مع الأمير جمال الدين آقش الأفرم، نائب السلطنة بها، فمر بنا طائفة من أهل الذمة، بالأقمشة النفيسة والعمائم اللانس «3» . قال: فشق ذلك علىّ كونهم لم يتميزوا بعلامة. فذكرت ذلك لنائب السلطان، وقررت معه أن يأمر بتغيير هيأتهم، وأن تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، والسامرة «4» العمائم الحمر. وتقرر أن يطالع فى ذلك، فورد مثال السلطان بذلك، قبل وصول المطالعة إليه، ووافق تاريخ تلبيسهم بالديار المصرية، التاريخ الذى حدثت نائب السلطان فيه بسببه. ولما منعوا من الاستخدام بالديار المصرية، أسلم جماعة كثيرة من أعيانهم، لأجل مناصبهم. فاستمروا بعد إسلامهم على ما كانوا عليه «5» .
(31/419)

وقد وقفت على كتاب «الدر الثمين فى مناقب المسلمين ومثالب المشركين» ، تصنيف محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكاتب «1» . وهو كتاب خدم به السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى «2» .
وقد رأيت أن أذكر منه نبذة فى هذا الموضع، لتعلفه به، فالشىء بالشىء يذكر. جاء «3» فى الكتاب المذكور، فى صدره، بعد تفويض السلطان الملك الناصر المشار إليه. نثرا، والاستشهاد بأبيات من الشعر فى معناه. ثم قال: وكان مولانا الملك الناصر، خلد الله ملكه، وأبقى دولته، لما ملكه الله الديار المصرية والشامية وما قاربها. ووعده على لسان عدله، أن يفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها. انتصر لله، وتعصب لدينه، واجتهد فى رضاه، والعمل بحكم كتابه، وسنة نبيه، ولحقته الحميّة الإسلامية، وسار السيرة العمرية. وأمر بصرف الذمة وأن لا يتصرفوا ما بقيت هذه الأمة. وسطرها الكاتبان «4» فى صحائف حسناته.
وأثبتها المؤرخون فى محاسن سيرته، ونظمها الشعراء فى مدائح عقد مدائحه.
وشغله النظر فى مصالح الإسلام، عن تميم هذا الاهتمام، والأعمال بخواتيمها.
(31/420)

ونرجو من الله، أن يبادر بتكميلها وتتميمها. ولقد قيل إن الشريف مسعود بن المحسن المعروف بالبياضى، رؤى فى المنام بعد موته، فقيل له ما فعل الله بك.
قال: غفر لى بأبيات قلتها، وكتبت بها إلى الراضى وهى:
يا ابن الخلائف من قريش والاؤلى ... طهرت أصولهم من الأدناس
قلدت أمر المسلمين عدوهم ... ما هكذا فعلت بنو العباس
حاشاك من قول الرعية أنه ... ناس لقاء الله أو متناسى
ما العذر إن قالوا غدا هذا الذى ... ولّى اليهود على رقاب الناس
أتقول كانوا وفّروا أموالهم ... قبيوتهم قفر بلا آساس
لا تذكرن إحصاءهم ما وفّروا ... ظلما وتنسى محصى الأنفاس
وخف القضاء غدا إذا وافيت ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاس
فى موقف ما فيه إلا شاخص ... أو مهطع أو مقنع للراس
أعضاؤهم فيه الشهود وسحتهم ... نار وخازنهم شديد الباس
إن عطل اليوم الديون مع الغنى ... فغدا يؤديها مع الإنلاس.
لا تعتذر عن صرفهم بتعذر الم ... تصرّفين الحذّق الأكياس
ما كنت تفعل بعدهم لو أهلكوا ... فافعل وعّد القوم فى الأرماس،
ثم قال المصنف محمد بن عبد الرحمن: قرأت أن النصيحة من الدين.
وقرأت: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«1» . ثم ذكر ما ورد فى كتاب الله تعالى
(31/421)

من التحذير، فبدأ بقوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«1» وقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ
«2» وقوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
«3» .
ثم ذكر نسخة كتاب كتب إلى عمر بن الخطاب، عن أهل الذمة، فقال:
قال عبد الرحمن بن عثمان: كتبنا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فى نصارى أهل الشام ومصر ما نسخته:
«هذا كتاب لعبد الله عمر، أمير المؤمنين، من نصارى أهل الشام ومصر.
لما قدمتم علينا، سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا، وأهل ملّتنا.
وشرطنا على أنفسنا، أن لا نحدث فى مدائننا، ولا فيما حولها، ديرا ولا كنيسة، ولا قلاية «4» ، ولا صومعة لراهب «5» . ولا نجدد «6» ما خرب منها، ولا ما كان فى خطط
(31/422)

المسلمين، وأن نوسع «1» للمارة ولبنى السبيل. وأن تنزل «2» من مربّنا من المسلمين ثلاث ليال، نطعمهم. ولا نأوى فى كنائسنا ولا فى منازلنا جاسوسا، ولا نكتم عينا على المسلمين. «3» ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ولا ندعو إليه أحدا.
ولا نمنع أحدا من ذوى قرابتنا الدخول فى دين الإسلام، إن «4» أراد. وأن نوقّر المسلمين، ونقوم لهم فى مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس. ولا نتشبه بهم فى شىء من ملابصهم، فى قلنسوة، ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر. ولا نتسمى بأسمائهم، ولا نتكنى بكناهم. ولا نركب بالسروج «5» ، ولا نتقلد السيوف «6» ، ولا نتخد شيئا من السلاح ولا نحمله. ولا ننقش على خواتمنا «7» بالعربية. وأن «8» نجز مقادم رؤوسنا. ونلزم زيّنا حيث كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر صلياننا، ولا نفتح كتبنا «9» فى طرق «10» المسلمين ولا أسواقهم. ولا نضرب بنواقيسنا، فى كنائسنا، فى شىء من حضرة المسلمين. ولا نخرج [فى «11» ] شعانيننا، ولا طاغوتنا. ولا نرفع
(31/423)

أصواتنا مع موتانا. ولا نوقد النيران فى طرق المسلمين ولا أسواقهم. ولا نجاورهم بموتانا. ولا نتخذ «1» من «2» الرقيق، من جرت عليه سهام المسلمين. ولا نطلع [عليهم] «3» فى منازلهم، ولا تعلو منازلنا منازلهم. فلما أتيت أمير المؤمنين عمر بالكتاب زاد فيه: «ولا نضرب أحدا من المسلمين» .
شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان. فإن نحن خالفنا فى شىء مما اشترطناه لكم علينا، وضمناه عن أنفسنا، وأهل ملتنا، فلا دية لنا عليكم، وقد حل بنا ما حل بغيرنا، من أهل المعاندة والشقاق. فكتب عمر رضى الله عنه: امض ما سألوه، والحق فيه حرفين، اشترطهما «4» عليهم، مع ما شرطوه، أنه من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده «5» .
قال عبد الرحمن بن عثمان: وأجمع العلماء بعد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على أنه متى نقض الذمى عهده، بمخالفة شرط من هذه الشروط
(31/424)

المأخوذة عليهم، فالإمام مخيّر فيه بين القتل والأسر. ويلزمهم مع ذلك أن يتميزوا عن المسلمين فى اللباس والزى، ولا يتشبهون بهم «1» فى أمر من أمور زيهم. ويشدّون الزنانير «2» فى أوساطهم. ويكون فى رقابهم خواتم رصاص أو نحاس أو جرس، يدخل معهم فى الحمام. وليس لهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان.
وأما المرأة فتشد الزنار من تحت الإزار، وقيل من فوق الإزار وهو الأولى.
ويكون فى عنقها خاتم رصاص، يدخل معها الحمام. ويكون أحد خفيها أسود، ليبقى مشتهرا ظاهرا، والآخر أبيض.
ويركبون الحمير بالأكف، ولا يركبون بالسروج. ولا يتصدرون فى المجالس ولا يبدأون بالسلام. ويلجأون إلى أضيق الطرق. ويمنعون أن يعلو بناؤهم على ابنية المسلمين، وتجوز المساواة، وقيل لا تجوز، بل يمنعون. ويجعل الإمام عليهم رجلا يكتب أسماءهم وحلاهم، ويستوفى عليهم ما يؤخذون «3» به من هذه الشرائط. وإن زنى منهم أحد بمسلمة، أو أصابها بنكاح، برئت منه الذمة.
وقال أبو هريرة: أمر أمير المؤمنين عمر بن خطاب، رضى الله عنه،
(31/425)

بهدم «1» كل كنيسة استجّدت بعد الهجرة، ولم يبق إلا ما كان قبل الإسلام، وسيّر عروة بن محمد، فهدم الكنائس بصنعاء. وصانع القبط على كنائسهم بمصر، وهدم بعضها، ولم يبق من الكنائس إلا ما كان قبل بعثة النبى، صلى الله عليه وسلم. هذا آخر ما لخصناه من الكتاب المذكور «2» . فلنزجع إلى تتمة حوادث سنة سبعمائة.
ذكر وصول رسل غازان ملك التتار وما وصل على أيديهم من المكاتبة وما أجيبوا به
وفى هذه السنة، فى ذى القعدة، وصل رسل غازان إلى البلاد الشامية «3» ، وهم الأمير ناصر الدين على خواجا، والقاضى كمال الدين موسى بن يونس، ورفيقهما. فوصل البربد من حلب بوصولهم. فرسم بتوجه الأمير سيف الدين كراى المنصورى لإحضارهم. فتوجه على خيل البريد فأحضرهم إلى الأبواب السلطانية. وكان وصولهم إلى قلعة الجبل، فى ليلة الاثنين، خامس عشر ذى الحجة. وأحضروا بين يدى السلطان، فى عشية نهار الثلاثاء. فخطب كمال الدين خطبة فى معنى الصلح، واتفاق الكلمة، ورغب فيه. ثم أخرج كتابا نسخته «4» :
بسم الله الرحمن الرحيم. بقوة الله تعالى، وميامين الملة المحمدية فرمان السلطان محمود غازان.
(31/426)

ليعلم السلطان الملك المعظم الناصر، أنه فى العام الماضى، بعض عساكرهم «1» المفسدة، دخلوا أطراف بلادنا، وأفسدوا فيها، لعناد الله وعنادنا، كماردين ونواحيها، وجاهدوا الله بالمعاصى فيمن ظفروا به من أهلها، وأقدموا على أمور بديعة، وارتكبوا آثما شنيعة، من محاربة الله وخرق ناموس الشريعة. فأنفنا من تهجمهم «2» ، وغرنا من تقحمهم «3» . وأخذتنا الحمية الإسلامية، فحدتنا «4» على دخول بلادهم، ومقاتلتهم على فسادهم. فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجهنا بمن اتفق منهم أنه حاضر. وقبل وقوع الفعل منا، واشتهار الفتك عنا، صلكنا سنن سيد المرسلين، واقتفينا آثار المتقدمين «5» . واقتدينا بقول الله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)
«6» . وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجى، جماعة من القضاة والأئمة والثقات. وقلنا: (هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ)
«7» .
فقابلتم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليهم وعلى المسلمين بالأضرار، وأهنتموهم وسجنتموهم. وخالفتم سنن الملوك فى حسن السلوك. فصبرنا «8» على تماديكم فى غيّكم، وخلودكم إلى بغيكم، إلى أن نصرنا الله، وأراكم فى أنفسكم قضاه. (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ
(31/427)

اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ)
«1» . وظننا أنهم حيث تحققوا كنه الحال، وآل بهم الأمر إلى ما آل، أنهم ربما تداركوا الفارط فى أمرهم، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم، وأوجه «2» إلينا وجه عذرهم، وأنهم ربما سيروا إلينا حال دخولهم إلى الديار المصرية، رسلا لإصلاح تلك القضية. فبقينا بدمشق غير متحثحثين، وتثبطنا تثبط المتملكين المتمكنين. فصدهم عن السعى فى صلاح حالهم التوانى، وعلّلوا نفوسهم عن اليقين بالأمانى.
ثم بلغنا، بعد عودنا إلى بلادنا، أنهم القوا فى قلوب العساكر والعوام، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، أنهم فيما بعد يلقوننا «3» على حلب أو الفرات.
وأن عزمهم مصر على ذلك لا سواه. فجمعنا العساكر وتوجهنا للقياهم. ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم، وقلنا ولعلهم وعساهم «4» . فما طلع لهم بارق، ولا ذرّ شارق. فتقدمنا «5» إلى أطراف حلب، وتعجبنا من بطئهم غاية العجب.
فبلغنا رجوعهم «6» بالعساكر، وتحققنا نكوصهم عن الحرب. وفكرنا فى أنه متى تقدمنا بعساكرنا الباهرة وجموعنا العظيمة القاهرة، ربما أخرب البلاد مرورها، وباقامتهم فيها فسدت أمورها. وعم الضرر العباد، والخراب البلاد. فعدنا بقيا عليها، ونظرة لطف من الله إليها.
(31/428)

وها نحن الآن [أيضا «1» ] مهتمون بجمع العساكر المنصورة، ومشحذون «2» غرار «3» عزماتنا المشهورة، ومشتغلون بصنع المجانيق وآلات الحرب، وعازمون بعد الإنذار (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)
«4» .
وقد سيرنا حاملى هذا الفرمان: الأمير الكبير ناصر الدين على خواجه، والإمام العالم ملك القضاة، كمال الدين موسى بن يونس. وقد حملنا هما كلاما يشافهاهم «5» به. فليثقوا «6» بما تقدمنا به إليهما. فإنهما من الأعيان المعتمد عليهما، لنكون كما قال الله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ)
«7» .
فيعدوا «8» لنا الهدايا والتحف. فما بعد الإنذار من عاذر. وإن لم يتداركوا الأمر، فدماء المسلمين وأموالهم مطلوله «9» بتدبيرهم، ومطلوبة منهم عند الله على طول «10» تقصيرهم.
(31/429)

قليمعن السلطان لرعيته النظر فى أمره. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ولاه الله أمرا من أمور هذه الأمة، واحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم.
احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» . وقد أعذر من أنذر، وانصف من حذّر.
والسلام على من اتبع الهدى.
كتب فى العشر الأوسط من شهر رمضان سنة سبعمائة بجبال الأكراد، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا [محمد «1» ] المصطفى وآله الطاهرين «2» .
فقرئ كتابه، ورسم بإنشاء جوابه، فكتب. وهو من إنشاء المولى القاضى علاء الدين على ابن المولى المرحوم فتح الدين محمد ابن القاضى المرحوم محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر. وأعاد السلطان رسله، من غير أن تصحبّهم رسولا، بل استحضرهم بمنزلة الصالحية، وأنعم عليهم وجهزهم، فتوجهوا فى سنة إحدى وسبعمائة.
ونسخة الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، بقوة الله تعالى، وميامين الملة المحمدية.
أما بعد حمد الله، الذى جعلنا من السابقين الأوّلين، الهادين المهتدين، التابعين لسنة سيد المرسلين، بإحسان إلى يوم الدين. والصلاة على سيدنا محمد والسلام على آله وصحبه الذين فضل الله من سبق منهم إلى الإيمان فى كتابه
(31/430)

المكنون: فقال سبحانه وتعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)
«1» بإقبال دولة السلطان الملك الناصر.
كلام محمد بن قلاوون:
«ليعلم «2» السلطان المعظم، محمود غازان، أن كتابه ورد، فقابلناه بما يليق بمثلنا لمثله من الإكرام. ورعينا له حق القصد، فتلقيناه منّا بسلام. وتأملناه تأمّل المتفهم لدقائقه، المستكشف عن حقائقه. فألفيناه قد تضمن مؤاخذت «3» بأمور، هم بالمؤاخذه عليها أحرى، معتذرا فى التعدى بما جعله ذنوبا لبعض، طالب بها الكل. والله تعالى يقول: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) *
«4» .
أما حديث إغارة من أغار على ماردين من رجّاله بلادنا المتطرفة، وما نسبوه إليهم من [الإقدام على «5» ] الأمور البديعة والآثام «6» الشنيعة، وقولهم: إنهم أنفوا من تهجمهم، وغاروا من تقحمهم، واقتضت الحميّة ركوبهم فى مقابلة ذلك، فقد تلمّحنا هذه الصورة التى أقاموها عذرا فى العدوان، وجعلوها سببا إلى ما ارتكبوه من طغيان. والجواب عن ذلك أن الغارات من الطرفين، لم يحصل من المهادنه [و «7» ] الموادعة، ما يكف يدها الممتدة، ولا يفتر هممها المستعدّة، وقد
(31/431)

كان أباؤكم وأجدادكم على ما علمتم من الكفر والشقاق «1» ، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق. ولم يزل ملك ماردين ورعيته «2» منقذين «3» ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد عنهم، متولين كبر مكرهم، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
«4» .
«وحيث جعلتم هذا ذنبا، موجّبا للحميّة الجاهلية، وحاملا على الانتصار، الذى زعمتم أن همتكم به مليّة، فقد كان [هذا «5» ] القصد، الذى ادعيتموه «6» ، يتم «7» بالانتقام من أهل تلك الأطراف، التى أوجب ذلك فعلها، والاقتصار على أخذ الثأر ممن ثار اتباعا لقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)
«8» ، لا أن تقصدوا الإسلام بالجموع الملّفقة، على اختلاف الأديان وتطأوا «9» البقاع الطاهرة بعبدة الصلبان، وتنتهكوا حرمة البيت المقدس، الذى هو ثانى بيت الله الحرام، وشقيق مسجد رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وإن احتججتم أن زمام الغارة «10» بيدنا «11» ، وسبب تعدّيهم من سنّتنا. فقد أو ضحنا الجواب عن ذلك، وأن عدم الصلح والموادعة، أوجب سلوك هذه المسالك» .
(31/432)

وأما ما ادعوه من سلوك سنن المرسلين واقتفاء آثار المتقدّمين، فى انفاذ الرسل أولا، فقد تلمحنا هذه الصورة، وفهمنا ما أوردوه من الآيات «1» المسطورة. والجواب عن ذلك أن هؤلاء الرسل ما وصلوا إلينا [إلا «2» ] وقد دنت الخيام من الخيام، وناضلت السهام السّهام، وشارف القوم القوم. ولم يبق للقاء إلا يوم أو بعض يوم، وأشرعت «3» الأسنّة من الجانبين، ورأى كلّ خصمه رأى العين. وما نحن ممن لاحت «4» له رغبة راغب، فتشاغل عنها ولهى، ولا ممن يسالم فيقابل «5» ذلك بجفوة النفار «6» ، والله تعالى يقول: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
«7» . كيف والكتاب بعنوانه. وأمير المؤمنين على بن أبى طالب، رضى الله عنه، يقول:
«ما أضمر إنسان شيئا إلا ظهر، فى صفحات وجهه وفلتات لسانه» .
ولو كان حضور هؤلاء الرسل والسيوف وادعة فى أغمادها، والأسنة «8» مستكنّة فى أعوادها، والسهام غير مفوفة، والأعنة غير مطلقة، لسمعنا خطابهم وأعدنا جوابهم.
(31/433)

وأما ما أطلقوا به لسان قلمهم «1» ، وأبدوه من غليظ كلمهم فى قولهم: فصبرنا على تماديكم فى غيكم، وإخلادكم إلى بغيكم. فأىّ صبر ممن أرسل عنانه إلى المكافحه، قبل إرسال رسل المصالحه، وجاس خلال الديار قبل ما زعمه من الإنذار والأعذار؟ وإذا فمكروا فى هذه الأسباب، ونظروا فيما صدر عنهم من خطاب، علموا «2» العذر فى تأخير «3» الجواب، وما يتذكر «4» إلا أولوا الألباب.
وأما ما تحججوا «5» به «6» مما اعتقدوه من نصره، وظنّوه من أن الله جعل لهم على حزبه الغالب [فى] «7» كل كرة الكرة. فلو تأملوا ما ظنوه ربحا، لوجدوه هو الخسران المبين. ولو أنعموا النظر فى ذلك، لما كانوا به مفتخرين، ولتحقّقوا أن الذى اتفق لهم، كان غرما «8» لا غنما، وتدبروا معنى قوله تعالى، (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «9»
. ولم يخف عنهم من أبلته «10» السيوف الإسلامية منهم. وقد رأوا عزم من حضر من عساكرنا، التى لو كانت مجتمعه عند اللقاء، ما ظهر خبر عنهم.
(31/434)

فإنا كنا فى مفتتح ملكنا، ومبتدإ أمرنا، حللنا بالشام للنظر فى أمور البلاد والعباد. فلما تحققنا خبركم، وقفونا أثركم، بادرنا «1» نقدّ أديم الأرض سيرا، وأسرعنا لندفع عن المسلمين ضررا وضيرا، ونؤدى من الجهاد السنة والفرض ونعمل بقوله تعالى: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ)
«2» فاتفق اللقاء بمن حضر من عساكرنا المنصورة، وثوقا بقوله تعالى:
(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)
«3» وإلا فأكابركم «4» يعلمون وقائع الجيوش الإسلامية، التى كم وطئت موطئا يغيظ الكفار. فكتب لها [به «5» ] عمل صالح، وسارت فى سبيل الله، ففتح الله عليها أبواب المناجح. وتعددت أيام نصرتها «6» ، التى لو دققتم الفكر فيها لأزالت ما حصل عندكم من لبس، ولما قدرتم [على «7» ] أن تنكروها، وفى تعب من يجحد ضوء الشمس. وما زال الله لنا نعم المولى ونعم النصير. وإذا راجعتموهم قصّوا عليكم نبأ الاستظهار، ولا ينهتك مثل خبير.
وما زالت تتفق الوقائع بين الملوك والحروب، وتجرى المواقف التى هى بتقدير الله؛ فلا فخر فيها للغالب، ولا عار على المغلوب. وكم من ملك استظهر عليه،
(31/435)

ثم نصر «1» ، وعاوده التأييد. فجبر بعد ما كسر، خصوصا ملوك هذا الدين، فإن الله تكفل لهم بحسن العقبى. فقال سبحانه: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) *
«2» .
وأما إقامتهم الحجة علينا، ونسبتهم التفريط إلينا، فى كوننا لم نسيّر إليهم رسولا، عندما حلوا «3» بدمشق فنحن عند ما وصلنا إلى الديار المصرية، لم نزد على أن اعتددنا «4» وجمعنا جيوشنا من كل مكان. وبذلنا فى الاستعداد غاية الجهد والإمكان وأنفقنا جزيل الأموال فى العساكر والجحافل. ووثقنا بحسن الخلف، لقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ)
«5» .
ولمّا خرجنا من الديار المصرية، وبلغنا خروج الملك من البلاد، لأمر حال بينه وبين المراد، توقفنا «6» عن المسير، توقف من أغنى رعبه عن حث الركاب، وتثبتتا تثبت الراسيات (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ)
«7» وبعثنا طائفة من العساكر لمقاتلة من أقام بالبلاد، فما لاح لنا منهم بارق ولا ظهر. وتقدمت فتخطفت من حمله على التأخر الغرر؛ ووصلت الفرات فما وقفت للقوم على أثر.
(31/436)

وأما قولهم: أننا ألقينا فى قلوب العساكر والعوام، أنهم فيما بعد يلتقوننا «1» على حلب أو الفرات، وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا «2» إلى الفرات وإلى حلب، مرتقبين وصولنا. فالجواب عن ذلك، أنه من حين بلغنا حركتهم، جزمنا، وعلى لقائهم عزمنا «3» ، وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، ابن عم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الواجب الطاعة عل كل مسلم، المفترض المبايعة والمتابعة على كل منازع ومسلم، طائعين لله ولرسوله فى أداء فرض «4» الجهاد، باذلين فى القيام بما أمرنا الله تعالى غاية الاجتهاد، عالمين أنه لا يتم أمر دين ولا دنيا إلا بمشايعته. ومن والاه «5» فقد حفظه الله وتولاه. ومن عانده أو عاند من أقامه، فقد أذله الله، فحين وصلنا إلى البلاد الشامية، تقدمت عساكرنا إلى «6» السهل والجبل، وتبلغ بقوة الله تعالى فى النصر الرجاء والأمل. ووصلت أوائلها إلى أطراف حماه وتلك النواحى «7» ، فلم يقدم أحد منهم عليها. ولا جسر أن يمد [حتى «8» ] ولا الطرف إليها. فلم نزل مقيمين، حتى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد، وإخلافه موعد اللقاء، والله لا يخلف الميعاد. فعدنا لاستعداد جيوشنا التى لم تزل تندفع فى
(31/437)

ولما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس، جهز رسله إلى الأبواب السلطانية، يستعطف السلطان، ويسأل مراحمه، فلم تجد «1» رسالته نفعا.
ووصلت هذه العساكر إلى حلب. وأردف السلطان هذه العساكر بالأمير علم الدين سنجر الدوادارى، أحد مقدمى العساكر بالديار المصرية، ومضى فيه، فخرج مسرعا، وأدرك الجيش بحلب. وجرد من العسكر الحلبى الأمير علم الدين المعروف بالزغلى و [الأمير علم الدين سنجر الحلبى «2» ] ، ومضافيهما. وتوجهت هذه الجيوش بجملتها إلى بلاد سيس. فلما نزلوا بالعمق، افترقت العساكر فرقتين. فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين الجالق، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان، والعسكر الصفدى من عقبة بغراس إلى باب اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون. وتوجه الملك المظفر صاحب حماه، والأمير علم الدين سنجر الدوادارى، والأمير شمس الدين آفسنقر كرتاى «3» ، وبقية الجيش من عقبة المريت «4» . وصار نهر «5» جهان بين الفريقين وكان دخولهم إلى دربند سيس، فى يوم الخميس، رابع شهر رجب.
(31/438)

إلى أحد من المسلمين يد أضراره. هذه سنة أهل الإسلام، وفعل من يريد لملكه الدوام.
وأما ما أرعدوا به وأبرقوا، وأرسلوا به عنان قلمهم وأطلقوا، وما أبدوه «1» من الاهتمام بجمع عساكرهم، وتهيئة المجانيق، إلى غير ذلك مما ذكروه من التهويل، فالله تعالى يقول: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
«2» .
وأما قولهم: وإلا فدماء المسلمين مطلوله، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب، وأولاهم بأن [لا «3» ] يصدر إليهم عن ذلك جواب، ومن قصد «4» الصلح والإصلاح، كيف يقول هذا القول، الذى عليه فيه من جهة الله، ومن جهة رسوله أى جناح؟. وكيف يضمر هذه النية، ويتبجح بهذه الطوية؟ ولم يخف مواقع الزلل [من «5» ] هذا القول وخلله، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول «نية المرء أبلغ من عمله» . وبأى طريق تهدر دماء المسلمين، التى من تعرض إليها، يكون الله له فى الدنيا والآخرة مطالبا وغريما، ومؤاخذا بقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)
«6» .
وإذا كان الأمر كذلك، فالبشرى لأهل الإسلام، بما نحن عليه من الهمم المصروفة إلى الاستعداد، وجمع العساكر التى يكون لها الملائكة الكرام،
(31/439)

إن شاء الله تعالى من أنجاد، والاستكثار من الجيوش الإسلامية المتوفرة العدد، المتكأثرة المدد، الموعودة بالنصر، الذى يحفها فى الظعن والإفامة، الواثقة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على عدوهم إلى يوم القيامة» . المبلغة فى نصر دين الله آمالا، المستعدة لإجابة داعى الله إذا قال: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا)
«1» .
وأما رسلهم، وهم [فلان وفلان «2» ] ، فقد وصلوا إلينا، ووفدوا علينا، وأكرمنا وفادتهم، وغزرنا لأجل مرسلهم من الإقبال مادتهم، وسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم هذا، مع كوننا لم يخف علينا انحطاط قدرهم، ولا ضعف أمرهم.
وأنهم ما دفعوا لأفواه الخطوب إلا لما ارتكبوه من ذنوب. وما كان ينبغى أن يرسل مثل هؤلاء لمثلنا من مثله. ولا ينتدب لهذا الأمر المهم إلا من يجمع على فصل خطابه وفضله.
وأماما بالتسموه من الهدايا والتّحف، فلو قدموا من هداياهم حسنة، لعوضناهم بأحسن منها. ولو أتحفونا بتحفة لقابلناهم «3» بأجمل عوض عنها. وقد كان عمّهم الملك احمد «4» ، راسل والدنا السلطان الشهيد وناجاه «5» بالهدايا [والتحف «6» ] من مكان بعيد. وتقرب إلى قلبه بحسن الخطاب، فأحسن له الجواب، وأتى البيوت من أبوابها، بحسن الأدب، وتمسك من الملاطفة بأقوى سبب.
(31/440)

والآن، فحيث انتهت الأجوبة إلى حدها، وأدركت الأنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها، فنقول: إذا جنح الملك للسلم، جنحنا لها، وإذا دخل فى الملّة المحمدية، ممتثلا ما أمر الله به، مجتنبا ما عنه نهى، وانضم «1» فى سلك الإيمان، وتمسك بموجباته، تمسك المتشرف بدخوله فيه لا المنانّ، وتجنّب التشبه بمن قال الله عز وجل فى حقهم: (قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ)
«2» . وطابق فعله قوله: ورفض الكفار الذين لا يحل له أن يتخذهم حوله، وأرسل إلينا رسولا من جهته يرتّل آيات الصلح ترتيلا؛ ويروق خطابه وجوابه، حتى يتلو كل أحد عند عوده (يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)
«3» . صارت حجّتنا وحجّته المركبة «4» على من خالف ذلك، وكلمتنا وكلمته قامعة أهل الشرك فى سائر الممالك، ومظافرتنا له تكسب «5» الكافرين هوانا؛ والمشاهد لتصافينا يتلو قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)
«6» .
وينتظم إن شاء الله تعالى شمل الصلح، أحسن انتظام. ويحصل التمسك من الموادعة والمصافاة «7» بعروة ولا انفصال لها ولا انفصام. وتستقر قواعد الصلح، على ما يرضى الله ورسوله علية أفضل الصلاة والسلام، إن شاء الله تعالى.
(31/441)

كتب فى ثامن وعشرين المحرم سنة إحدى وسبعمائة «1» .
وفى سنة سبعمائة، ولى الأمير الدين البكى الساقى نيابة السلطنة بحمص.
وفيها، توجه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وزير الدولة ومدبّرها، إلى الممالك الشامية لكشفها، ووصل إلى المملكة الحلبية، وعاد إلى الديار المصرية، فى سنة إحدى وسبعمائة، وعزل عن الوزارة فى غيبته «2» .
وفيها، توجه الأمير سيف الدين بكتمر الجو كان دار، أمير جاندار؛ إلى الحجاز الشريف؛ وتصدق بصدقات عظيمة. فيقال إنه أنفق فى هذه السفرة خمسة وثمانين ألف دينار عينا. «3»
وفى هذه السنة، توفى الأمير عز الدين ايدمر الظاهرى؛ وهو الذى ناب عن السلطنة بالشام، فى الدولة الظاهرية والسعيدية. وكانت وفاته برباطه بجبل الصالحية، فى يوم الأربعاء ثانى شهر ربيع الأول ودفن هناك رحمه الله تعالى «4» .
وفيها، توفى الشيخ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، أخو قاضى القضاة بدر الدين. وكانت وفاته بحماه فى سابع
(31/442)

واستهلت ثمان وتسعين وستمائة [698- 1298/1299]
فى هذه السنة، فى أولها جهز السلطان الأمير جمال الدين أقش الأفرم، والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى «1» إلى الشام، وأمرهما أن يتوجها إلى دمشق، ويخرجا نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجاق «2» وبقية العسكر إلى البلاد الحلبية. فوصلا إلى دمشق على خيل البريد، فى يوم الأربعاء سابع المحرم.
فتجهز الأمير سيف الدين قيجاق نائب السلطنة، وخرج بسائر عساكر دمشق حتى يخربة القلعة، وجماعة الأمير علم الدين سنجر أرجواش نائب القلعة، وتأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان. وكان خروج نائب السلطنة من دمشق، فى عشية الأربعاء، رابع عشر المحرم، وبات بالميدان الأخضر. وركب فى بكرة النهار؛ وتوجه بالعساكر إلى جهة حمص. وكان سبب هذه الحركة ظاهرا، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على الدخول إلى البلاد الإسلامية بالشام.
وعلم الأمير سيف الدين قبجاق، أن الأمر ليس كذلك. فإن القصاد قبل ذلك بيسير، حضروا إليه من بلاد الشرق، وأعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا وعزموا على الحضور إلى الشام. فلما كانوا باثناء الطريق، وقعت عليهم صواعق كثيرة، وأهلكت منهم خلفا كثيرا، فتفرقوا فى مشانيهم، ولم يرد خلاف ذلك.
(31/443)

كمل الجزء التاسع والعشرون من كتاب نهاية الآرب فى فنون الأدب وافق الفراغ من كتابته، فى يوم الاثنين السادس من شهر رمضان سنة ست وستين «1» وستمائة» على يد الفقير إلى الله تعالى عبد المنعم بن شرف الدين السنبلاوينى.
يتلوه إن شاء الله تعالى فى أول السفر الموفى ثلاثين واستهلت سنة إحدى وستعمائة للهجرة النبوية والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل
(31/445)

فهرس موضوعات الجزء الحادي والثلاثون
من كتاب نهاية الأرب للنويري
تقديم 5
ذكر أخبار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النجمى 7
ذكر عزل الصاحب برهان الدين السنجارى عن الوزارة، وتفويضها للصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان، وغير ذلك 12
ذكر أخبار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وخروجه عن طاعة السلطان، وسلطنته بدمشق، وما كان من أمره إلى أن عاد للطاعة، ورجع إلى الخدمة السلطانية 14
ذكر التقاء العسكر المصرى والعسكر الشامى وانهزام عسكر الشام، وأسر من يذكر من أمرائه فى المرة الأولى 15
ذكر تجريد العساكر إلى دمشق، وحرب سنقر الأشقر وانهزامه، إخلائه دمشق، ودخول العسكر المصرى إليها 17
ذكر توجه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون وتحصنه بقلعتها 20
(31/447)

ذكر انتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور وبين سنقر الأشقر، وما استقر بينهما وانتقاض ذلك وأخذ صهيون منه 21
ذكر خبر الملك السعيد وما كان من أمره بالكرك واستيلائه على الشوبك واستعادتها منه 24
ذكر وفاة الملك السعيد، وقيام أخيه الملك المسعود خضر مقامه بالكرك 25
ذكر الصلح بين السلطان المسعود وانتقاض ذلك، وإخراجه من الكرك 27
ذكر الفتوحات والغزوات التى شهدها السلطان بنفسه والتى ندب إليها عساكره المؤيده ذكر عبور التتار إلى الشام، والمصاف الذى وقع بينهم وبين العساكر المنصورة بمحص وانهزام التتار 30
ذكر الميمنة المنصورة 33
ذكر الجاليش؛ وهو مقدمة القلب 33
ذكر فتوح قلعة قطبيا 37
ذكر فتوح ثغر الكختا 38
ذكر الإغارة على بلاد سيس 38
(31/448)

ذكر فتوح حصن المرقب 39
ذكر غزوتى النوبة الأولى والثانية 39
ذكر تجريد الجيش فى المرة الثانية إلى النوبة 41
ذكر فتوح طرابلس الشام 46
ذكر أخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون فى خلافة عثمان إلى وقتنا هذا 49
ذكر ما اتفق فى الدولة المنصورية على حكم السنين خلاف ما ذكرناه من إقامة النواب، ومهادنة الفرنج، والحوادث الغريبة، التى يتعين إيرادها، والوفيات سنة ثمان وسعبين وستمائة 61
سنة تسع وسبعين وستمائة 64- 72
ذكر ما تجدد بدمشق بعد أن فارقها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر 64
ذكر عزل قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان عن القضاة بدمشق، واعادته، وما اتفق فى هذه السنة الحادثه 65
ذكر تفويض السلطنة ولاية العهد للملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور 68
ذكر توجه السلطان إلى غزة، وعوده إلى الديار المصرية 69
ذكر توجه السلطان إلى الشام 70
(31/449)

سنة ثمانين وستمائة 73- 86
ذكر ما تقرر من المهادنات مع الفرنج وبيت الاسبتار 73
ذكر حادثة الأمير سيف الدين كوندك ومن معه، والقبض عليه 77
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين رزين، وولاية القاضى وجيه الدين، واستعفائه من قضاء القاهرة، وولاية القاضى شهاب الدين الخوبى 82
سنة إحدى وثمانين وستمائة 87- 94
ذكر تفويض نيابة السلطنة بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى 87
ذكر وصول رسل أحمد سلطان، وهو توكدار بن هولاكو، ملك التتار 89
ذكر الظفر بملك من ملوك الكرج وإمساكه 91
سنة اثنتين وثمانين وستمائة 95- 118
ذكر توجه السلطان إلى الشام وعوده 96
ذكر عزل قاضى القضاة عز الدين بن الصائغ الشافعى عن القضاء، وتولية قاضى القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكى 97
ذكر وصول الشيخ عبد الرحمن ومن معه من جهة أحمد سلطان، ووفاة مرسلهم، وما كان من خبرهم 99
(31/450)

ذكر عمارة التوبة المنصورية والبيمارستان ومكتب السبيل 105
العودة إلى بقية حوادث سنة اثنتين وثمانين وستمائة 113
سنة ثلاث وثمانين وستمائة 119- 124
ذكر توجه السلطان إلى الشام 119
ذكر حادثة السيل بدمشق 119
ذكر وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وشىء من أخباره، وأمر ولده الأمير حسام الدين مهنا 120
ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حماه وولاية ولده الملك المظفر 121
سنة أربع وثمانين وستمائة 125- 128
ذكر مولد السلطان الملك الناصر 125
سنة خمس وثمانين وستمائة 129- 143
ذكر حادثة غريبة اتفقت بحمص 129
ذكر توجه السلطان إلى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده 132
ذكر وفاة القضاة وجيه الدين، وتفويض القضاة بمصر والوجه القبلى، لقاضى القضاة تقى الدين بن بنت الأعز 133
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين بن شاس المالكى، وتفويض القضاة لقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى 133
ذكر وفاة قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى، وشىء من أخباره 134
(31/451)

سنة ست وثمانين وستمائة 145- 151
ذكر تفويض قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى برهان الدين السنجارى، ونقلة شهاب الدين الخوبى إلى الشام، ووفاة السنجارى، وإضافة قضاء القاهرة للقاضى تقى الدين بن بنت الأعز 145
ذكر خبر واقعة ناصر الدين بن المقدس وأعيان دمشق، ومصادرة أكابر دمشق، وتوكيل ناصر الدين بن المقدسى عن السلطان 147
سنة سبع وثمانين وستمائة 153- 161
ذكر عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعى عن الوزارة ومصادرته، وتفويض الوزارة لقاضى القضاة تقى الدين، ثم إلى الأمير بدر الدين بيدرا 153
ذكر توجه ناصر الدين بن المقدسى إلى دمشق وما فوض إليه من مناصبها، وما اعتمده 157
ذكر وفاة الملك الصالح وتفويض ولاية العهد إلى الملك الأشرف 159
سنة ثمانين وثمانين وستمائة 163- 165
ذكر ما اتفق بدمشق من المصادرات 163
سنة تسع وثمانين وستمائة 167- 185
ذكر إبقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسى وشنقه 168
(31/452)

ذكر وفاة قاضى القضاة نجم الدين المقدسى الحنبلى وتفويض القضاء بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسى 171
ذكر تسمية نواب السلطان الملك المنصور ووزرائه 174
ذكر أخبار السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحى 177
ذكر القبض على الأمير حسام الدين طرنطاى وقتله، وعلى الأمير زين الدين كتبغا واعتقاله 180
ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى 183
سنة تسعين وستمائة 187- 224
ذكر تفويض الوزارة للصاحب شمس بن السلعوس وشىء من أخباره 187
ذكر القبض والإفراج على من نذكر من الأمراء 194
ذكر فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا 195
ذكر القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام 209
ذكر رحيل السلطان عن عكا ودخوله دمشق، وما قرره من أمر النيابة بها، وبالكرك وغير ذلك 210
ذكر فتوح برج صيدا 212
ذكر فتح بيروت 212
(31/453)

ذكر إنفاذ ولدى السلطان الملك الظاهر ووالدتهما إلى بلاد الأشكرى 214
ذكر الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، وغيره من الأمراء 214
ذكر عزل قاضى القضاة تقى الدين بن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته 218
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعى 220
ذكر متجدات كانت بدمشق 221
سنة إحدى وتسعين وستمائة 225- 246
ذكر توجه السلطان إلى الشام 225
ذكر فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين 226
ذكر توجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر إلى جبال الكسروان واضطراب العسكر 240
ذكر هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله، والقبض على طقصوا 242
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات، وعود السلطان إلى الديار المصرية 242
ذكر عدة حوادث كانت فى خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده 243
(31/454)

ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وجرمك الناصرى ووفاتهما، ووفاة طقصوا، والإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين 245
سنة اثنتين وتسعين وستمائة 247- 257
ذكر توجه السلطان إلى الصيد 248
ذكر توجه السلطان إلى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن وإضافتها إلى الممالك الإسلامية 249
ذكر القبض على الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وأخوته 250
ذكر هدم قلعة الشوبك 251
ذكر حادثة السيل بيعليك 252
ذكر ختان الملك الناصر، وما حصل من الاهتمام بذلك 253
سنة ثلاث وتسعين وستمائة 259- 280
ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمهما الله 259
ذكر خبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه وما كان منهم، ومقتل بيدرا 263
ذكر أخبار السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى 267
ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف 269
(31/455)

ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير، وما كان من أمره منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات 270
ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى وزين الدين كتبغا ومقتل الشجاعى 273
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة، خلاف ما قدمناه، من ولاية وعزل وغير ذلك والوفيات 277
سنة أربع وتسعين وستمائة 281- 291
ذكر الفتنة التى قصد المماليك السلطانية إثارتها 281
ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، وهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية 282
ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى 285
ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك الخزندار نائب السلطنة بالفتوحات، وولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى 287
ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن 289
سنة خمس وتسعين وستمائة 293- 309
ذكر حادثة عجيبة بالشام 295
ذكر وفود الأويراتية من بلاد التتار 296
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز، وتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد 299
(31/456)

ذكر توجه السلطان الملك العادل، وعزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموى، وتولية الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، وغير ذلك 305
سنة ست وتسعين وستمائة 311- 327
ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق 311
ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى 313
ذكر أخبار الملك العادل وما اعتمده بدمشق، وما كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد 316
ذكر الإفراج عن جماعة من الأمراء 321
ذكر تجديد عمارة الجامع الطولونى، وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك 321
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر 323
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر 324
ذكر القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة، وتفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر 325
(31/457)

سنة سبع وتسعين وستمائة 329- 350
ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر ومن معه، من القسطنطينية إلى الديار المصرية 329
ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك وإقامته بها 330
ذكر القبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره 331
ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى إلى الوزارة 336
ذكر تجريد العساكر إلى سيس وما فتح من قلاعها 337
ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله عز وجل 344
ذكر روك الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة 345
سنة ثمان وتسعين وستمائة 351- 381
ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء الخدمة السلطانية ولحاقهم بقازان ملك التتار 352
ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى ونائبه منكوتمر 357
ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر 363
ذكر مقتل سيف الدين طقجى وسيف الدين كرجى 365
(31/458)

ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا 370
ذكر الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتفويض الوزارة إليه 372
ذكر وفود سلامش بن أفال بن بيجو وأخيه قطقطوا ومن معهما، وعود سلامش وقتله 373
ذكر وصول مراكب الفرنج إلى ساحل الشام وتكسير بعضها، ورجوع ما سلم منها 376
ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه 379
ذكر توجه السلطان إلى الشام 380
سنة تسع وتسعين وستمائة 383- 410
ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة (تل العجول) 383
ذكر وقعة غازان ملك التتار بجمع المروج ببلاد حمص 384
ذكر تسمية من استشهد وفقد فى هذه الوقعة من المشهورين 385
ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية فى مدة استيلاء التتار عليها، إلى أن فارقوا البلاد وعادوا إلى الشرق 387
ذكر ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر الجيوش والعساكر 401
ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام ووصوله إلى منزلة الصالحية وإرسال الجيوش إلى دمشق والممالك الشامية، وعود الأمراء
(31/459)

إلى الخدمة السلطانية، ورجوع السلطان إلى قلعة الجبل، وما تقرر من أمر النواب 403
ذكر ما اعتمده الأمير جمال الدين أقش نائب السلطنة بدمشق، بعد عود العساكر المصرية 407
سنة سبعمائة 411- 443
ذكر جباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال بالديار المصرية والشام 411
ذكر توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر إلى الشام وعوده 412
ذكر وصول غازان إلى الشام وعوده، وما فعلته جيوشه 413
ذكر خبر أهل الذمة وتغيير لباسهم وما تقرر فى ذلك، والسبب الذى أوجبه 641
ذكر وصول رسل غازان ملك التتار وما وصل على أيديهم من من المكاتبة وما أجيبوا به 426
(31/460)