Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 032

الجزء الثاني والثلاثون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد، فهذا هو الجزء الثانى والثلاثون من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة من الهجرة. وهو يؤرخ للحقبة الزمنية التى تبدأ من سنة إحدى وسبعمائة وتنتهى بنهاية سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وفيها تقع أحداث دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية اعتبارا من السنة الرابعة من ولايته إلى منتصف شوال من سنة ثمان وسبعمائة، وأحداث دولة الملك المظفر بيبرس المنصورى الجاشنكير، والتى انتهت فى رمضان سنة تسع وسبعمائة. ثم دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة حتى نهاية السنة الحادية عشرة من ولايته وهى سنة عشرين وسبعمائة هذا فضلا عن الأحداث والحروب التى وقعت بين مملكة غرناطة الإسلامية بالأندلس، ومملكة قشتالة المسيحية فى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وانتصرت فيها الجيوش الإسلامية.
وكذلك أخبار إمارة الأشراف الحسنيين أولاد أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى وهم عز الدين حميضة، وأسد الدين رميثة، وعماد الدين أبو اليث، وسيف الدين عطيفة، والنزاع الذى وقع بينهم على تولى إمارة مكة. وموقف السلطنة فى مصر منهم، وتدخلها فى النزاع لضمان استتباب الأمن بمكة وبخاصة فى مواسم الحج وحماية للمجاورين من ظلم الأمراء وأتباعهم.
(32/5)

وترجع أهمية هذا الجزء إلى أن النويرى عايش كل الأحداث التى وقعت فى هذه الحقبة إما من مشاهدة، أو سماع ممن شهدها أو نقل عن رسائل ممن شهدها، ويسر له ذلك ما كان يتولاه من أعمال تجعله قريبا من صناع القرار ومدبرى تلك الأحداث.
من ذلك أنه يقول فى أخبار سنة 107 هـ: رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة، لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، وتوجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، وفيه وصلت إلى دمشق- وهو أول دخولى إليها.
ويقول فى أخبار حرب التتار سنة 702 هـ وفى يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان اختبط الناس بدمشق. وجفلوا من الحواضر والقرى، وخرج أكابر أهل دمشق وأعيانها فى هذا اليوم منها. فمنهم من التحق بالحصون، ومنهم من توجه نحو الديار المصرية، وكنت يوم ذاك بدمشق، فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، والتحقت بالعسكر بعد الغروب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجهوا إلى مرج الصفر، فلحقته الجيوش فى يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر- وهو سلخه- وأقمنا بالمرج يوم الخميس ويوم الجمعة.
ثم يسوق أخبار الحرب إلى أن انتهت بنصر جيوش السلطان على التتار.
ويقول فى أخبار سنة 703 هـ وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام حتى كاد أن يأتى عليها، ونفقت أكثر خيول الناس، وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيول الجياد أو أكثر، فنفقت كلها، واحتجت إلى ابتياع ما أركبه. ثم أخذ فى الحديث عن غلاء أسعار الخيل بعد أن كانت تدنت بعد الانتصار على التتار وأخذ خيولهم وأسلحتهم.
وفى هذه السنة يقول أيضا وفيها فى شهر رمضان توجهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، وكان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر، وباشرت ديوان الخاص، والبيمارستان المنصورى وما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، ورفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس.
(32/6)

وفى أخبار سنة 709 هـ- بعد أن غادر الناصر محمد بن قلاوون قلعة القاهرة، وتوجه إلى قلعة الكرك ونزل بها هو وخواصه، وكتب إلى الأمراء بالقاهرة أنه تخلّى عن الملك- يقول النويرى: وفى أوائل شهر ربيع الآخر توجهت من القاهرة إلى الكرك، والتحقت بالأبواب السلطانية إلى أن عاد الركاب الشريف السلطانى الملكى الناصرى، وعدت إلى القاهرة في سلخ رمضان.
وفى أخبار سنة 710 هـ يقول: وفى هذه السنة رسم لى أن أتوجه إلى المملكة الطرابلسية صاحب الديوان بها، وكتب توقيعى، وهو من إنشاء شهاب الدين محمود الحلبى، بخط ولده، القاضى جمال الدين إبراهيم، وهو مؤرخ فى الخامس عشر من المحرم، وتوجهت فى مستهل صفر، ووصلت إلى طرابلس، وباشرت الوظيفة، ثم انتقلت إلى نظر الجيوش بها في مستهل شوال من السنة.
وفى أخبار سنة 712 هـ يقول: وفى هذه السنة حصل انفصالى من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية فى منتصف جمادى الأولى، وتوجهت إلى الديار المصرية، فكان وصولى إلى القاهرة فى العشرين من شهر رجب من السنة.
ثم إنه يتابع أخبار مواقف الإمام ابن تيمية منذ الخلاف الذى حصل بينه وبين الصوفية، أو بينه وبين قاضى قضاة المالكية وغيره، والطعن فى رأى ابن تيمية وفتاويه فى مسألة الطلاق، وقوله فى كلام الله تعالى وقدمه وهل هو بصوت أو بلا صوت. واستوائه تعالى على العرش، ومحاققته، والتحامل عليه، ومنعه من الفتوى فى موضوع الطلاق، وترحيله إلى القاهرة وسجنه إلخ.
كما يتابع أحداث النصيرية وآراءهم، وموقف السلطان منهم ومراسيمه فى شأنهم والقضاء عليهم وفتوى الإمام ابن تيمية بخروجهم من ملة الإسلام.
وفى عرض المؤلف للأحداث فى الأندلس سنة 719 هـ والحرب بين المسلمين والمسيحيين، وانتصار الجيوش الإسلامية فى وقائع متتالية يحرص النويرى على توثيق الأخبار حين يقول: كانت هذه الوقعة المباركة التى أجلت
(32/7)

عن الظفر والغنيمة فى شهر ربيع الأول من سنة تسع عشرة وسبعمائة، ووصل الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة عشرين وسبعمائة، واجتمع بى من حضر هذه الوقعة، وقص على نبأها. وعلقت ذلك منه ثم فقدته، ورأيت هذه الوقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقى، وملخص ما نقله عنه ... وبعد سرده للملخص يقول: وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة. وسرد ما جاء بكتابه.
ومن هذه النقول يتضح حرص المؤلف على متابعة الأخبار التى عايشها بما يضفى أهمية كبيرة على تاريخ النويرى لتلك الحقبة ويجعل منه المصدر الموثوق به لدى المؤرخين فاعتمدوا على النقل منه- ليس من أرخوا لمصر والشام فقط ولكن من أرخوا للحجاز أيضا، وقد عايشت تاريخ مكة فى كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد المتوفى سنة 885 هـ، وكتاب «غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام» للعز عبد العزيز بن عمر بن فهد المتوفى سنة 922 هـ ورأيت مدى اعتمادهما على النقل من نهاية الأرب فيما يتصل بإمارة مكة المكرمة وعلاقتها بالسلطنة فى مصر. كما رأيت تقى الدين محمد ابن أحمد بن على الفاسى المتوفى سنة 832 هـ يعتمد عليه فى كتابيه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» و «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» وهذا الجزء من كتاب نهاية الأرب يعتبر النص الأول الذى قمت بتحقيقه، وكان تقرير أستاذنا الكبير المرحوم الدكتور عبد العزيز الأهوانى- الذى كان لى شرف أن يراجع عملى فيه- دافعا قويا لى على مواصلة الاشتغال بتحقيق التراث التاريخى؛ ذلك لأنه أثنى على جهدى بقوله: إنه جهد باحث واعد فى تحقيق النصوص. وكان رحمه الله صاحب مدرسة فى التحقيق؛ كان لا يرضى أن يتجرأ محقق على انتقاص جهد الأساتذة الذين سبقوه فى هذا الميدان، وعاهدنى ألا أعرّض بخطأ أحد مهما كبر هذا الخطأ أو صغر، وقال: يكفيك أنك عرفت الصواب.
(32/8)

ومضيت فى التحقيق لكتب التاريخ، وكنت أقدم له كل نص يطبع، وكان يذكرنى بما قاله فى تقريره عنى وعن جهدى.
وقد اختاره الله إلى جواره فى 13 مارس سنة 1979 م، وبفقده فقدنا عالما جليلا، يسابق أدبه علمه. كان أستاذا للأدب العربى بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم وكيلا لوزارة الثقافة، ثم رئيسا للهيئة المصرية العامة للفنون، وكنت من الذين يتمتعون بعطفه ورعايته وما أكثر مريديه الذين شاركونى فى هذا العطف وتلك الرعاية. فجزاه الله أجر ما قدم من فضل لأبنائه والعاملين معه وأسكنه فسيح جناته.
وقد تم تحقيق هذا الجزء فى سنة 1962 م وسلم للمؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، لدفعه إلى المطبعة. ولكنه بقى فى مخازن المؤسسة حتى سنة 1992 م. وعنّ لى أن أعود إليه مرة أخرى قبل دفعه للمطبعة- وبعد أن حققت منفردا ستة عشر مجلدا من التراث التاريخى وأربعة مجلدات بالاشتراك مع أساتذة أفاضل. وطلبت ذلك من مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتفضل المركز فوافق. وقد أضفت إلى جهدى فى التحقيق السابق كثيرا، وأعدت ضبط ما كنت ضبطته بالشكل لأن طول المدة أتى على الضبط ومحاه كله تقريبا. أما ما أضفته فأغلبه فى أخبار إمارة مكة، وأزمة الإمام ابن تيمية، وأخبار النصيرية، وتراجم بعض الأعلام.
وقد حظى هذا الجزء بما لم يحظ به غيره من الأجزاء إذ تفضل أستاذنا الجليل الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بمراجعته- بعد إضافاتى الجديدة، وأضفى عليه من علمه وفضله ونظراته الثاقبة، فجزاه الله عنى خير الجزاء، ومد فى عمره حتى ينعم الكثير من أبنائه بأستاذيته الكريمة.
(32/9)

وقد اعتمدت فى تحقيق هذا الجزء على مصورات ثلاث:
إحداها: مصورة مخطوطة «كوبريلى» ورقمها فى دار الكتب المصرية هو 549 معارف عامة وقد رمزت إليها بحرف «ك» وتقع هذه المصورة فى 142 لوحة، وقد تبين أنه يسقط منها ما يوازى 55 صفحة من المنسوخة عنها استكملتها من مصورة أخرى، وهى مكتوبة بخط نسخى جميل غير أنها كثيرة البياض فى صفحاتها الأخيرة وأكثر البياض عناوين، ولعلها كانت فى الأصل مكتوبة بقلم أحمر ولم تظهر فى التصوير، وقد ملأت هذا البياض من النسختين الأخريين.
والثانية: هى المصورة عن مخطوطة «أيا صوفيا» ورقمها فى دار الكتب المصرية 551 معارف عامة.
وقد رمزت إليها بالحرف «ص» ويرجح أن هذه النسخة بخط المؤلف، وتقع فى 241 لوحة مقسمة على ثلاثة أقسام، كل قسم فى مجلد، ويصل ترقيم اللوحات فى الأقسام الثلاثة إلى رقم 482، وهذه النسخة مصدرة بوقفية ومنهية بخاتمة، وتعتبر أتم النسخ الثلاث، وخطها نسخى معتاد، وقد استكملت الساقط فى «ك» منها.
والثالثة مصورة عن مخطوطة «الفاتيكان» ورقمها فى دار الكتب المصرية 592 معارف عامة وقد رمزت إليها بالحرف «ف» وهى تنقص مقدار 89 صفحة من المنسوخة، ويشتمل الساقط على بعض أحداث سنة 701، 702 وبينها وبين مخطوطة كوبريلى شبه كبير. لكنها تتميز بضبط بعض الكلمات بالشكل وخصوصا أسماء الأعلام.
وقد تم مقابلة المنسوخة على المصورات الثلاث، وعلقت على مواطن الاختلاف فى العبارة أو الفروق فى بعض الكلمات. مع إثبات الراجح فى متن المنسوخة قمت بضبط الألفاظ التى تحتاج إلى الضبط بالشكل، وخصوصا الأعلام، والمصطلحات الحضارية كالوظائف والآلات والصنائع والألفاظ
(32/10)

المقحمة على اللغة العربية من الفارسية والتركية. وصوبت لغة الكتاب من حيث قواعد الإعراب. وسلامة الرسم الإملائى: ووضعت علامات الترقيم المتعارف عليها فى أماكن الحاجة إليها من أسلوب الكتاب.
وقابلت أحداث الجزء على التواريخ وغيرها من الفنون التى عالجت التأريخ لهذه الحقبة الزمنية، ووثقت الأحداث بما جاء فى تلك المراجع، وأثبت ما يكون من خلاف بينها في التعليقات على النص، وسيضمّن فهرس المراجع أسماء الكتب التى استعنت بها.
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل، تحريرا فى 12 من رمضان سنة 1412 (16 مارس سنة 1992 م) المحقق فهيم محمد علوي شلتوت ولا يفوتنى أن أذكر ما قام به الأستاذ عز الدين محمد أبو الحسن والسيدة أسما محمود محمد من التصحيح الطباعى لهذا الجزء ومتابعته فى المطبعة من حيث سلامة التجارب بحيث أصبح هذا الجزء فى مستوى الأجزاء الأخرى من هذا الكتاب فلهما الشكر على ما قاما به.
فهيم محمد علوي شلتوت
(32/11)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]
واستهلت سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء فى هذه السنة
فى يوم الجمعة عاشر شهر [1] المحرم- فوّضت الوزارة وتدبير الدولة الشريفة الناصرية إلى الأمير عز الدين أيبك البغداديّ المنصورى [2] ، وجلس فى يوم السبت على قاعدة الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى [3] . وكان الأمير شمس الدين قد توجه لكشف الممالك الشامية- كما تقدم- فعاد بعد عزله، واستقر فى جملة الأمراء المقدمين.
وفيها- فى العشرين من المحرم- توجّه السلطان إلى الصيد بجهة العباسة [4] ، وفى خدمته جماعة من الأمراء، وتصيّد بالبرية [5] ، وضرب الدّهليز فى منزلة الصالحية [6] ، ووصل السلطان إلى الدهليز بهذه المنزلة فى الثامن والعشرين من الشهر، وخلع على كلّ من كان فى خدمته من الأمراء، وأحضر السلطان رسل غازان [7] ليلا وخلع عليهم، وأمر بعودهم. وقد تقدم ذكر ما تضمنه الجواب السلطانى إلى غازان فى سنة سبعمائة عند ذكر كتابه، وعاد
__________
[1] هذا اللفظ إضافة من ص.
[2] هو عز الدين أيبك البغدادى المنصورى أحد الأمراء البرجية، وهو الرابع من الوزراء الأمراء بالديار المصرية. وأنظر النجوم الزاهرة 8: 140، 141 وحسن المحاضرة 2: 223، ابن حجر: الدرر الكامنة ج، ص 422 ترجمة 1105.
[3] هو سنقر المنصورى الأعسر، شمس الدين، أحد الأمراء الكبار، وكان مملوكا لعز الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام، توفى سنة 709 هـ الدرر الكامنة 2: 273 والنجوم الزاهرة 8: 278 والدليل الشافى 1: 327.
[4] العباسة: قرية بنيت بأمر العباسة أخت أحمد بن طولون سنة 282 هـ فنسبت إليها ولا تزال موجودة إلى اليوم، وهى إحدى قرى مركز الزقازيق بمحافظة الشرقية.
(خطط المقريزى، المسماة بالمواعظ والاعتبار 1: 232، ومعجم البلدان لياقوت 3: 599) .
[5] المراد هنا أرض الصحراء الشرقية- شرقى الدلتا-، وهى الجهات المتاخمة لبلاد مركزى الزقازيق وفاقوس، حيث توجد مناطق الصيد، وانظر النجوم الزاهرة 8: 142 تعليق 2.
[6] الصالحية: مدينة بناها السلطان الملك الصالح أيوب بأول الرعل، وجعلها سوقا جامعا ليكون مركزا لعساكره عند خروجهم من الرمل.
(السلوك للمقريزى 1: 33، محمد رمزى: القاموس الجغرافى ق 2 ج 1 ص 112.
[7] هو ملك التتار ويقال قازان، ويسمى محمودا، وقد أسلم. وانتصر على جيوش الناصر محمد بن قلاوون سنة 699 هـ، ومات سنة 703 هـ بعد هزيمة جيوشه فى وقعة شقحب سنة 1702 هـ أمام جيوش الناصر محمد ابن قلاوون ويقال إنه مات حزنا قهرا بسبب هزيمة جيشه أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة لابن حجر، ج 3، ص 212- 214 ترجمة 514.
(32/13)

السلطان من الصالحية إلى بركة الجب [1] فى ثالث صفر والتقى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان [2] دار وأمير جاندار عند عوده من الحجاز الشريف، ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل.
وفى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أسندمر كرجى [3] إلى نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات، عوضا عن الأمير سيف الدين قطلوبك بحكم استعفائه من النيابة، وقد تقدم ذكر ذلك فى سنة سبعمائة، وكان عود الأمير سيف الدين قطلوبك إلى دمشق فى أوائل هذه السنة، وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر من دمشق إليها فى يوم السبت حادى عشر المحرم.
وفيها فى شهر المحرم أيضا فوض شادّ الدواوين [4] والأستاداريّة [5] بالشام إلى الأمير سيف الدين بلبان الجوكاندار المنصورى عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا الناصرى، ونقل أقجبا إلى نيابة السلطنة، وتقدمة العسكر بغزة عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس [6] الموفّقىّ واستقر الموفقى [7] فى جملة الأمراء المقدمين بدمشق.
وفيها رمى فتح الدين أحمد بن البققى [8] الحموى بالزندقة، واعتقل بسجن الحكم، ونهضت البيّنة عليه، وسطّر محضر بما صدر منه من الألفاظ التى لا تصدر مع من شم رائحة الإيمان، ولا تخطر بباله، وشهد عليه جماعة من
__________
[1] بركة الجب: اسمها القديم بركة عميرة كما جاء فى كتاب البلدان لليعقوبى. ذكر المقريزى فى المواعظ 1: 489- أنها متنزه شمال شرقى القاهرة وكان يخرج إليه صلاح الدين ويقيم به أياما للصيد، وفعل ذلك الملوك قبله وبعده وقد تغير اسمها فى القرن الثامن الهجرى إلى بركة الحاج أو الحجاج؛ لأنهم كانوا ينزلون بها فى سفرهم من القاهرة وعودتهم إليها. وتعتبر أول منازل الحاج من القاهرة- أنظر (محمد رمزى القاموس الجغرافى، ق 2، ج 1، ص 31) .
[2] الجوكان دار: لفظ فارسى مركب من كلمتين: جوكان وهو المحجن الذى تضرب به الكرة، ويعبر عنه بالصولجان أيضا. والثائية دار ومعناها ممسك والمعنى الجملى ممسك الصولجان أو صاحب الصولجان.
(القلقشندى: صبح الأهشى 5: 458، السبكى (عبد الوهاب بن على) : معيد النعم ص 35) .
[3] له ترجمة فى الدرر الكامنة 1: 414، والوافى بالوفيات 9: 248، والدليل الشافى 1: 132، وشذرات الذهب 6: 25.
[4] شاد الدواوين، ويقال للوظيفة شد الدواوين: ويكون صاحبها رفيقا للوزير متحدثا فى استخلاص الأموال وما فى معنى ذلك، وعادتها إمرة عشرة (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 4، ص 22، 28، 186.
[5] الأستادارية: وظيفة موضوعها التحدث فى أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان وله تصرف تام فى استدعاء ما يحتاجه كل من فى بيت السلطان من النفقات والكساوى (القلقشدى: صبح الأهشى، ج 4 ص 20) . وانظر معيد النعم ص 26 وهامشها.
[6] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 43، والنجوم الزاهرة 8: 216.
[7] ما بين القوسين إضافة من ص.
[8] فى الأصول «البقى» وفى شذرات الذهب 6: 1 «الثقفى» والمثبت من السلوك 1: 923، والدليل الشافى 1: 87 وفيه «أحمد بن محمد البقى، فتح الدين بباء موحدة وبعدها قافان» .
(32/14)

الشهود، تزيد عدتهم على ثلاثين نفرا، وثبت مضمون المحضر على قاضى القضاة زين الدين المالكى، فلما تكامل ذلك عنده أعذر إليه، فلما انقضت مدة الاعتذار حكم قاضى القضاة بإراقة دمه فى عشيّة نهار الأحد الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وجلس قاضى القضاة فى بكرة نهار الاثنين الرابع والعشرين من الشهر بالمدرسة الصّالحية [1] النجمية بين القصرين بالشّبّاك الكبير الأوسط، وحضر المجلس قاضى القضاة شمس الدين الحنفى وجماعة من الأعيان والعدول، وأحضر الفتح بن البققى من الاعتقال، وهو يستغيث ويعلن بالشهادتين. فقال له قاضى القضاة شمس الدين الحنفى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[2] وقال قاضى القضاة زين الدين له: إسلامك لا يفيدك عندى. ثم أمر بضرب عنقه، فتقدم إليه علاء الدين آقبرص الموصلى وضرب ضربتين فى عنقه بالسيف؛ ضربة بعد أخرى ولم يخلّص رقبته، ثم قطعها رجل من الضوية [3] بسكين فأبان رأسه عن بدنه ورفع رأسه على عصا من عصى النادشتية [4] ، وسحب بدنه إلى باب زويلة فصلب هناك، ثم دفن.
وقال علاء الدين أقبرص الموصلى، وحلف بالله أنه رافق ابن البققى فى سفرة سافرها من حماة، وأنه سمع منه ألفاظا من الزندقة حتى همّ مرارا أن يضرب عنقه، ثم قدر الله قتله بسيف الشرع بيده، وما اختلف أحد فى فساد عقيدته.
وفى هذه السنة فى شهر المحرم سقط برد ما بين حماه وحصن الأكراد، وفى بعضه صور تشبه صور بنى آدم من الذكور والإناث. وصور قرود وغيرها، وطولع السلطان بذلك.
__________
[1] المدرسة الصالحية النجمية: أنشأها الملك الصالح نجم الدين فى سنة 639 هـ وكان مكانها بين القصرين بشارع القاهرة الأعظم (المعز لدين الله الفاطمى حاليا، (المقريزى: كتاب المواعظ، ج 2، ص 374- 375) .
[2] سورة يونس آية 91.
[3] الضوية: هم الأشخاص المكلفون بأعمال الإضاءة، ويقال لهم أرباب الضوء، والمشاعلية. (زيادة: حاشية 2 فى كتاب السلوك 1: 525) ويفهم من عبارة معيد النعم ص 143: أنهم كانوا يكلفون يتنفيذ الإعدام، وأن عليهم أن يحسنوا القتلة، وهذا يفسر قيام أحدهم بالإجهاز على ابن البققى.
[4] عصا النادشتية أو النارشتية: فى السلوك 1: 925 «أن رأس البققى رفع على رمح» ولعل هذا يفسر هذه العصا، ولم أعثر على تعريف بها فى دوزى ولا فى المعجم الفارسى.
(32/15)

ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان
كانت عرب الوجه القبلى بالديار المصرية قد كثر فسادهم، وامتدت أيديهم، وقطعوا الطريق على المسافرين، واشتد طمعهم إثر وقعة غازان، فتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء بسبب ذلك فى أوائل جمادى الآخرة، وانقسم العسكر على ثلاث فرق، فرقة فى البر الشرقى، وفرقة فى البر الغربى، وفرقة سلكت الحواجر [1] من البر الغربى مما يلى الواحات، وضربوا على الوجه القبلى حلقة كحلقة الصيد، وبقى العرب فى وسطها، وأخذهم السيف من كل مكان، فتمهدت البلاد واطمأنت الرعايا، وزال الخوف وظهر الأمن بعد أن كان العرب قد كادوا يتجاهرون بالعصيان، وحمل من موجودهم وسيق خمسة آلاف فرس وعشرون ألف جمل ومائة ألف رأس من الغنم، وعدة كثيرة من الأبقار والجواميس والحمر، ومن السيوف والرماح عدة كثيرة، وعاد العسكر فى أواخر شعبان من السنة.
وفى هذه السنة رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة
لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، وكتب توقيعى [2] بذلك فى ثانى عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، وهو من إنشاء المولى الفاضل العابد الصالح بهاء الدين ابن سلامة [3] كاتب الدرج الشريف [4] وخطّه، وشمل الخط
__________
[1] فى الأصول «الهواجر» والمثبت من النجوم الزاهرة والسلوك. والحواجر هى الطرق الواقعة على الجانب الغربى لوادى النيل، فى الحد الفاصل بين الأراضى الزراعية والصحراء بالوجه القبلى والفيوم وإقليم البحيرة (النجوم الزاهرة 8: 151 وهامشها، السلوك 1: 920 وهامشها) .
[2] الأصل فى هذا المصطلح التوقيع على حواشى القصصى بخط الخليفة أو السلطان أو الوزير أو غيرهم بما يعتمد فى القضية التى رفعت القصة بسببها؛ ثم أطلق المصطلح على كتابه الإنشاء بوجه عام (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 1، ص 52) .
[3] هو أحمد ابن أبى الفتح محمود بن أبى الوحش أسد بن سلامة بن فتيان المعروف بالقطار، كمال الدين، وليس بهاء الدين، أحد كتاب الدرج بدمشق توفى فى ذى القعدة سنة 702 (النجوم الزاهرة 8: 203 وهامشها) .
[4] كاتب الدرج الشريف: هو صاحب ديوان الإنشاء، وقد سمى بكاتب الدرج فى دولتى المماليك البحرية والبرجية سنة 647- 922 هـ.
(السلوك 1: 246 هامش الدكتور زيادة) .
(32/16)

السلطانى الملكى الناصرى، وتوجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، وفيه وصلت إلى دمشق وباشرت ما رسم لى بها، وهو أول دخولى إليها.
وفيها فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى وصل إلى دمشق الصدر علاء الدين بن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى من بلاد التتار بغتة، ووصل قبله رفيقه شرف الدين بن الأثير، وقد ذكرنا أن التتار لما دخلوا الشام استصحبهما الوزير معه، ثم هربا وسلما بعد مشقة عظيمة كثيرة، وتوجّها إلى الديار المصرية فى شهر رجب، وعادا وقد كتب فى ديوان الإنشاء بدمشق.
وفى هذه السنة فى رابع صفر توفّى السيد الشريف نجم الدين [1] أبو نمىّ، وأبو مهدى محمد بن أبى سعد الحسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب، أمير مكة شرفها الله تعالى، ولى الإمارة بها نحوا من أربعين سنة، وخلف من الأولاد واحدا وعشرين ذكرا، واثنتى عشرة بنتا، وأربع نسوة، ولما مات وثب ولداه أسد الدين رميثة [2] وعز الدين حميضة [3] على أخويهما عطيفة [4] وأبى الغيث [5] واعتقلاهما، واستقلا بالأمر دونهما، واتفق فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير توجّه إلى الحجاز هو وثلاثون أميرا، فجاء هؤلاء وشكيا من أخويهما، فأمسك حميضة ورميثه واعتقلهما لما صدر منهما من ذلك وغيره، ورتّب عطيفة وأبا الغيث فى الإمرة بمكة، وأحضر حميضة ورميثة صحبته إلى الأبواب السلطانية، فاعتقلا مدة ثم أفرج عنهما.
وفيها توفى الشيخ الأصيل شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف [6] بن شيخ الشيوخ شرف الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى محمد
__________
[1] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 1: 456، وغاية المرام بأخيار سلطنة البلد الحرام 2: 9.
[2] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 403، وغاية المرام 2: 78- 111، وقد توفى سنة 746 هـ.
[3] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 232، وغاية المرام 2: 53- 78، وإتحاف الورى بأخبار أم القرى 2: 168، ومات قتيلا سنة 720.
[4] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 6: 95، وغاية المرام 2: 113- 129، وقد توفى بمصر سنة 743.
[5] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 8: 79، وغاية المرام 2: 111- 113، وقد مات قتيلا فى سنة 714 هـ.
[6] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 4: 482، وقد ذكره النعيمى فى الدارس فى تاريخ المدارس 2: 156، وابن كثير فى البداية والنهاية 14: 17.
(32/17)

عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبى حفص عمر بن على بن محمد بن حمّوية الجوينىّ فى يوم الاثنين سابع عشرين شهر ربيع الأول بالخانقاه السميساطية [1] بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وولى مشيخة الشيوخ بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة [2] ، وذلك باتفاق من الصوفية وسؤالهم، فاجتمع له بدمشق قضاة القضاة، وخطابة الجامع الأموى، ومشيخة الشيوخ وغير ذلك من الأنظار والتدريس.
وفيها كانت وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد العباسى فى ثامن عشر جمادى الأولى، وبويع ولده المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار الخلفاء العباسيين.
وفيها توفى الأمير علاء الدين مغلطاى التقوىّ المنصورىّ أحد الأمراء بدمشق فى رابع وعشرين شهر رجب، وأقطع خبره للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير آخور [3] ، وكان أخرج من الديار المصرية فى هذه السنة لقربه من السلطان وخدمته له وتمكنه منه، فعزل من وظيفة أمير آخورية، ووليها الأمير علم الدين سنجر [4] الصالحى، ووصل الأمير سيف الدين بكتمر إلى دمشق بغير إقطاع، فلما مات التقوى أنعم عليه بإقطاعه، ثم كان من أمره وتنقّله ما نذكره.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام الشهيد شرف الدين أبى الحسين على بن الشيخ الحسن الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن اليونينىّ [5] الحنبلى ببعلبك فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان فى
__________
[1] الخانقاه السميساطية- نسبة إلى أبى القاسم على بن محمد السميساطى السلمى المعروف بالحبيش المتوفى بدمشق سنة 453 هـ وكان قد اشترى مكان هذه الخانقاه وبناها، (الدارس فى تاريخ المدارس 2:
151 وما بعدها، ياقوت: معجم البلدان مادة سميساط) .
[2] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 248، والوافى بالوفيات 2: 18، والدليل الشافى 2: 578 والبداية والنهاية 14: 163، وشذرات الذهب 6: 105، والنجوم الزاهرة 9: 298، وقد توفى سنة 733 هـ.
[3] أمير آخور: اسم فارسى لوظيفة يتولى صاحبها أمر الأشراف على اسطبل السلطان أو الأمير ورعاية ما فيه من خيل وحيوانات (كتاب السلوك للمقريزى، ج 1 ص 438، حاشية 3 للدكتور زيادة) .
[4] هو علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصورى نائب قلعة دمشق، وسترد وفاته فى هذه السنة (النجوم الزاهرة 8: 198.
[5] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 98، والبداية والنهاية 14: 20، والنجوم الزاهرة 8: 198، والدليل الشافى 1: 476.
(32/18)

الساعة الثامنة من النهار شهيدا. وسبب ذلك أنه دخل فى يوم الجمعة خامس الشهر إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه موسى غير معروف بالبلد- قيل إنه مصرى- فضربه بعصا على رأسه عدّة ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده، فجرحه فى يده، ثم مسك ذلك الرجل وحمل إلى متولى بعلبك فضرب، فصار يظهر منه الاختلال فى الكلام، فحبس.
وأما الشيخ فحمل إلى داره، وتحدّث معه أصحابه على عادته، وأتمّ صوم يومه ثم حمّ واشتد به المرض فمات فى التاريخ المذكور، وجاوز الثمانين سنة- رحمه الله تعالى- روى عن جماعة منهم ابن الزّبيدى، واليها عبد الرحمن وابن الّلتّى، والإربلى، وجعفر الهمذانى، وابن رواحة، وابن الجمّيزىّ وغيرهم واجتهد فى خدمة الحديث النبوىّ وأسمعه كثيرا، واعتنى بصحيح البخارى من سائر طرقه، وحرّر نسخته تحريرا شافيا، وجعل لكل طريق إشارة، وكتب عليه حواشى صحيحة، وقد نقلت صحيح البخارى من أصله مرارا سبعة، وحرّرته كما حرّره وقابلت بأصله وهو أصل سماعى على الحجّار ووزيرة [1] .
وفى هذه السنة توفى الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى نائب السلطنة بقلعة دمشق، وكانت وفاته فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجة ودفن بسفح قاسيون وكانت له آثار جميلة فى حفظ قلعة دمشق لمّا ملك التتار دمشق، وبسبب حفظها حفظت سائر القلاع بالممالك الشاميّة، وخلّف من الورثة أربع بنات وابن معتقه السلطان [2] الملك الناصر، وترك دنيا عريضة، ولما مرض أحضر قاضى القضاة بدر الدين وجماعة من أكابر العدول، وأشهدهم على نفسه أن مجموع ما يخلفه من الذّهب أربعة عشر ألف دينار ومائتى دينار وستة
__________
[1] وزيرة هى أم محمد ست الوزراء ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية وتعرف بالوزيرة، وسترد ترجمتها فى وفيات سنة 716 هـ.
[2] أى والسلطان الملك الناصر ابن معتق الأمير علم الدين سنجر وهو السلطان المنصور قلاوون.
(32/19)

وستين دينارا مصرية. وأربعين ألف درهم وحوايص [1] ذهب وكلوتات [2] زركش منحوا ألفى دينار، ووقع الإشهاد عليه فى سابع عشر ذى الحجة وأعتق مماليكه، وأوصى بحجة وصدقة وفكّ الحجر عن بناته، وأسند وصيّته إلى خوشداشه [3] الأمير سيف الدين بليان الجوكندار. ولما مات كنت ممن حضر تركته، واحتوت على أشياء كثيرة، كان فيها من القسىّ الحلق ما يزيد على ستمائة قوس، وكثير من الأقمشة والعدد والسلاح والأصناف فبيعت الأصناف وقسّمت بالفريضة الشرعية، وأمضى السلطان وصيّته- أثابه الله تعالى.
واستهلت سنة اثنتين وسبعمائة
فى هذه السنة وصل رسل غازان ملك التتار إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل فى ليلة ثانى المحرم، فقرئت كتبهم، وسمعت مشافهتهم، وكتب الجواب السلطانى إلى مرسلهم، وأمر السلطان بعودهم فعادوا من الديار المصرية وجهّز السلطان إلى جهته الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ [4] ، والقاضى عماد الدين بن السكّرىّ [5] فوصلوا إلى دمشق فى ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأوّل، وكان خروجهم من القاهرة فى عاشر الشهر، وأقاموا بدمشق ثلاثة أيام، وتوجهوا واجتمعوا بغازان، ومنعهم من العود بسبب الوقعة الكائنة التى نذكرها إن شاء الله تعالى، واستمروا ببلاد التتار إلى أن هلك غازان وعادوا فى أيّام خربندا. [6]
__________
[1] الحوائص- جمع حياصه وهى حزام كان يسمى منطقة ثم أطلق عليه اسم حياصة، وكانت تصنع من معدن ثمين كالفضة، وأثمنها ما كان يصنع من الذهب، وقد تحلى بالجواهر (الملابس المملوكية ترجمة الأستاذ صالح الشينى صLSuPP.Dict.Ar.LDozy:.103،49،47
[2] الكلوتات- جمع كلوتة وهى غطاء للرأس تشبه الطاقية. وانظر أصلها وتاريخها وتطورها فى خطط المقريزى 2: 98، وصبح الأعشى 4: 5، 6، الملابس المملوكية ص 31، 42، 51، 52- 55.
[3] خوشداش، وخشداش: معرب اللفظ الفارسى «جوجاناش» أى الزميل فى الخدمة، والخشداشية هى رابطة الزمالة بين الأمراء الذى أنشئوا مماليك عند أستاذ أو سيد واحد وربطتهم رابطة الزمالة القديمة (النجوم الزاهرة 7: 330 هامش، والسلوك 1: 388، 389 حاشية للدكتور زيادة) .
[4] هو الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى نسبة إلى مجير الدين، وهو التاجر الذى اشتراه (كنز الدرر لابن أيبك الدوادارى 9: 71، الدرر الكامنة لابن حجر، ج 1 ص 355) .
[5] هو عماد الدين على بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، المعروف بالسكرى، توفى سنة 713 هـ (النجوم الزاهرة 9: 225، وشذرات الذهب 6: 32) .
[6] خربندا: هو اسم ملك التتار قبل أن يسلم فلما أسلم صار الاسم خدابندا وتسمى بمحمد وسترد وفاته فى سنة 716 من هذا الجزء، وانظر ترجمته فى النجوم الزاهرة 9: 238.
(32/20)

ذكر فتح جزيرة أرواد [1]
وفى المحرم من هذه السنة جهزت الشوانى [2] من مصر إلى جزيرة أرواد وهى جزيرة تقابل مدينة انطرسوس، وكان قد اجتمع بها جمع كثير من الفرنج وسكنوها وأحاطوا بها سورا وحصنوها، وبقيت مضرّة على أهل ساحل طرابلس فجهّزت الشّوانى لقصدها صحبة الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، وجرّد من كل أمير جندى، ورسم لكل أمير أن يجهز جنديّة بما يحتاج إليه، فكان ممن جهّز من أصحابه الأمير جمال الدين آقش العلائى فامتنع من تجهيز جنديّة، فشكاه الجندى إلى الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، فأرسل إليه نقيبا يأمره بتجهيزه، فشتم الجندىّ وضربه، فعاد إلى نائب السلطنة وأخبره، فغضب وطلب آقش وألزمه بالسّفر عوضا عن الجندىّ، فتوجه وسلّم إليه شانى وركب فيه، ولعبت الشوانى فانقلب الشينى الذى فيه آقش فغرق، ومرّ الشانى على الصنّاعة وهو مقلوب؛ فتطيّر الناس بذلك وظنّوا أن هذه الشوانى لا تفتح شيئا، فقال بعض أهل [3] الدين والخير: هذا أوّل الفتح بغرق آقش، وكان آقش هذا ظالما عسوفا قبيح السيرة، فكان ذلك أوّل الفتوح كما قال، وأصلح الشانى وتوجّهت الشّوانى إلى الجزيرة، وجهّز الأمير سيف الدين أسندمر الكرجى نائب السلطنة بالفتوحات مركبا فيه جماعة من الجند، وتوجّه هو بالعسكر الطرابلسىّ. ونزل قبالة الجزيرة بالبر الشرقى، وتوجهت الشوانى بالعسكر إليها، ففتحت فى يوم الأربعاء ثانى صفر، وقتل من كان بها من الفرنج، وأسر من بقى، وكان القتلى نحو ألفين، والأسرى نحو خمسمائة، وغنم العسكر جميع ما بالجزيرة، وجهّزت الأسرى إلى الأبواب السلطانية صحبة الأمير فلان الدين فلان الإبراهيمى [4] من أمراء طرابلس، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الإثنين حادى عشرين صفر، وفرق بعضهم فى القلاع بالشام.
__________
[1] جزيرة أرواد: جزيرة صغيرة فى الجهة الشمالية من طرابلس الشام على بعد خمسين ك م، وطولها 800 متر، وعرضها 500 متر، وهى فى الجانب الغربى من انطرطوس على بعد ثلاثة كيلو مترات. وانظر ياقوت: معجم البلدان، النجوم الزاهرة 8: 11 هامش، 154- 157.
[2] الشوانى- جمع شينى أو شانى: وهو نوع من السفن الحربية الكبيرة، وكانت من أهم القطع التى يتألف منها الأسطول الإسلامى 1: 56 هامش الدكتور زيادة درويش النخيلى: السفن الإسلامية على حروف المعجم، ص 83) .
[3] كذا فى ك، وفى ص، ف «أهل الخير والدين» .
[4] كذا فى ك، وفى ص، بياض مكان كلمتى «فلان» ولعله الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى؛ لأنه ليس من بين الأمراء فى تلك الحقبة من يسمى بالإبراهيمى غيره.
(32/21)

ذكر وفاة قاضى القضاة [1] تقى الدين ابن دقيق العيد وتفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة.
وفى يوم الجمعة حادى عشر صفر توفى شيخنا قاضى القضاة تقى الدين بقية المجتهدين أبو الفتح محمد بن الشيخ الزاهد العالم مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المعروف بابن دقيق العيد، والذى جرى عليه هذا اللقب هو وهب جده، وذلك أنه لبس فى يوم عيد ثيابا بيضا، فرآه جماعة من أهل الريف، فقال قائل منهم: كأن ثيابه دقيق العيد، فلزمه هذا اللقب واشتهر به وكانت وفاته ببستان بظاهر القاهرة بقرب باب اللوق بعد صلاة الجمعة، وحمل يوم السبت وصلى عليه تحت القلعة وكانت جنازته مشهودة، ودفن بتربته بالقرافة، ومولده يوم السبت خامس عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل ينبع من أرض الحجاز، ونشأ بمدينة قوص، وتفقّه بها على أبيه وبرع، وكان من أجل من [2] رأينا ديانة وعلما وورعا وتقشّفا، وكان شديد الاحتراس من النجاسة حتى أفرط به ذلك وانتقل من مدينة قوص إلى القاهرة، وله رحلة إلى دمشق بعد سنة ستين وستمائة، وولى مشيخة دار الحديث الكاملية [3] بالقاهرة، وولى غير ذلك. ثم فوض إليه قضاء القضاة كما تقدم فوليه، ثم عزل نفسه فسئل العود، فامتنع من القبول، وحضر إليه أكابر الأمراء بسبب ذلك وهو يمتنع، فتحيّل بعض أولاده عليه بأن قال له: إنه قد عيّن للقضاء عز الدين بن [4] مسكين إن أصررت على الامتناع، فقال: الآن
__________
[1] فى (ك) «القاضى» والمثبت من ص، وف. وانظر الوافى بالوفيات 4: 193، وفوات الوفيات 3:
442، والدرر الكامنة 4: 210، وشذرات الذهب 6: 5، والنجوم الزاهرة 8: 206.
[2] فى ك «ما رأينا» والمثبت من ص، وف.
[3] دار الحديث الكاملية: أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب سنة 622 هـ، وهى ثانى دار أنشئت للحديث، وأول دار للحديث على وجه الأرض بناها الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكى بدمشق. ثم بنى الكامل هذه الدار ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوى، وكانت بخط بين القصرين من القاهرة. (خطط المقريزى 2: 375) .
[4] إضافة من ص، وف.
(32/22)

وجب علىّ قبول الولاية. فقبلها وعاد، وهو الذى نقل خلع القضاة من الحرير إلى الصوف، وكان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجى والصمت [1] وله رحمه الله تعالى فضائل كبيرة، ومناقب جمة مشهورة شهدها وعلمها من رآه. وهى أشهر من أن يأتى عليها، وأكثر من أن نسردها [2] .
ولما توفى اجتمعت الآراء على ولاية قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى، وهو يومئذ قاضى القضاة بالشام، وخطيب الجامع الأموى، وشيخ الشيوخ، فبرزت المراسيم بطلبه، وتوجّه البريد لإحضاره، فوصل البريد إلى دمشق فى يوم الخميس سابع عشر صفر وتوجّه قاضى القضاة بدر الدين إلى الديار المصرية فى يوم السبت تاسع عشر الشهر على خيل البريد، ووصل إلى القاهرة فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، وخلع عليه على عادة الشيخ تقى الدين، وفوض إليه القضاء بالديار المصرية، وجلس للحكم فى يوم السبت رابع الشهر [3] وأنعم عليه ببغلة من الإسطبلات السلطانية، وفرقت جهاته بدمشق.
ففوض قضاء القضاة بالشام لقاضى القضاة
نجم الدين أبى العباس أحمد بن صصرى [4] وكتب تقليده فى عاشر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعمائة، وقرئ تقليده فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر بمقصورة الخطابة بجامع دمشق بحضور نائب السلطنة الشريفة، ثم [5] جلس فى الشباك الشمالى بالجامع وقرئ ثانيا.
__________
[1] الصمت: نوع من الثياب الحريرية به، ليس لها بطانة طيلسان، أو ثياب قطنية، أو صوفية ولكن بغير حشو (السلوك 1: 847 هامش) .
[2] فى ك، وص «يسيرها» والمثبت من ف.
[3] ما بين القوسين من ص.
[4] هو أحمد بن محمد بن سالم بن أبى المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن الربعى ابن صصرى نجم الدين الدمشقى. توفى سنة 723 هـ (فوات الوفيات 1: 125، ودول الإسلام الذهبى 2: 230، والدرر الكامنة 1: 280، وطبقات الشافعية للسبكى 9: 20، وشذرات الذهب 6: 58، والنجوم الزاهرة 9: 258 وكذلك اختلف فى صصرى فضبطها محقق النجوم الزاهرة بفتح الصاد الأولى، وضم الصاد الثانية، وتشديد الراء مع فتحها ج 8 ص 123 س 8. كما ضبطها بفتح الصاد الأولى، وإسكان الصاد الثانية. وفتح الراء ج 9 ص 258 س 11. كذلك اختلف الضبط فى السلوك ج 1 ص 929 س 11، ج 2 ص 18 س 15. وضبطها محقق كنز الدرر فى جميع المواضع بإسكان الصاد الثانية دون ضبط بقية الحروف.
[5] بياض فى ك، والمنيت من ص، وف.
(32/23)

وولى الخطابة والإمامة لجامع دمشق الشيخ نجم الدين عبد الله بن مروان الشافعى الفارقى [1] ، وخطب فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر المذكور.
وولى مشيخة الشيوخ القاضى جمال الدين الزّرعى [2] ولم تتم الولاية، ثم ولى ذلك الخطيب ناصر الدين أحمد بن الشيخ بدر الدين يحيى بن [3] شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام فى يوم السبت ثالث شعبان، ثم اجتمع الصوفية فى يوم الجمعة سادس شوال، وحضروا إلى نائب السلطنة فى الشباك بالجامع، وسألوا أن يولى عليهم الشيخ صفى الدين محمد الأرموى المعروف بالهندى [4] ، فأجيبوا إلى ذلك وولى عليهم فى التاريخ المذكور.
وفى هذه السنة ولى الأمير ركن الدين بيبرس التّلاوىّ [5] شاد الشام وأستاذ داريّه عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار، وخلع عليه فى يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى، ونقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى إلى نيابة السلطنة بقلعة دمشق، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر أرجواش، وكان بالقلعة فى هذه المدة الأمير سيف الدين بلبان السنجرى، فخرج منها، وانتقل إليها الأمير سيف الدين الجوكندار فى الخامس والعشرين من الشهر.
وفيها فى جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطان بالشام كتاب كتب على لسان قطز أحد مماليك الأمير سيف الدين قبجق مضمونه فضول نصيحة، منها:
__________
[1] هو عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيروز بن الحسن الفارقى، المتوفى سنة 703 هـ (الدرر الكامنة) 2: 304، والبداية والنهاية 14: 30، وذيول العبر ص 25، وطبقات الشافعية 6: 107، مرآة الجنان 4: 239) وشذرات الذهب 6، 8 وفيها جميعها زين الدين. وليس كمال الدين.
[2] هو سليمان بن عمر بن عثمان الزرعى، توفى سنة 734 هـ (طبقات الشافعية 6: 105، والدرر الكامنة 2: 159، ودول الإسلام 1832، والبداية والنهاية 14: 167 ورفع الإصر 2: 250، والدليل الشافى:
1: 320، والنجوم الزاهرة 9: 304، وشذرات الذهب 6: 107) .
[3] فى الأصول «ناصر الدين أحمد بن الشيخ فلان الدين شيخ الإسلام» والمثبت عن البداية والنهاية 14:
56، وفيه مات يوم الأربعاء النصف من المحرم سنة 709 هـ.
[4] هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموى الهندى، صفى الدين أبو عبد الله، توفى سنة 715 (شذرات الذهب 6: 37. والبداية والنهاية 14: 74 وذيول العبر ص 83 والدرر الكامنة 4: 14، ودول الإسلام 2: 169، وطبقات الشافعية 5: 240) .
[5] من هنا إلى قوله «يشبه بطن الشعبان» سقط فى ص.
(32/24)

أن الشيخ تقى الدين بن تيمية [1] وقاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى [2] يكاتبان مخدومه، ويؤثران أن يكون نائب السلطنة بالشام، وأن القاضى كمال الدين العطار، وكمال الدين بن الزملكانى كاتب الإنشاء يطالعانه بالأخبار، وأن جماعة من الأمراء فى هذا الأمر، حتى ذكر جماعة من مماليك نائب السلطنة وخواصه.
فلما قرأ الكتاب استراب به، وأطلع عليه بعض الكتّاب، وأمره بالفكرة فيمن اختلقه، فوقع الحدس على فقير يعرف باليعفورى كان ينسب إلى فضول وتزوير، فمسك فوجد معه منشورة بالكتاب، فضرب فأقرّ على إنسان يعرف بأحمد القبّارى، فأخذ وضرب فاعترف على جماعة، وأنّ الذى كتب الكتاب التاج بن المناديلىّ الناسخ، فلما كان فى يوم الإثنين مستهل جمادى الآخرة جرّسوا الثلاثة بدمشق، ثم أخرجوا إلى سوق الخيل، فأمر نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم أن يوسّط القبارىّ واليعفورىّ فوسّطا، وقطعت يد ابن المناديلى الناسخ.
وفى هذه السنة ظهر بنيل مصر دابة عجيبة
وهى التى تسمى فرس البحر، وكانت تطلع إلى البرّ وترعى البرسيم ثم تعود إلى البحر، فلما كان فى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة صيدت ببلاد المنوفية. وصفتها أن لونها لون الجاموس، وهى بغير شعر، ولها آذان كآذان الجمل، وفرج مثل فرج الناقة تغطيه بذنب طوله شبر ونصف، طرفه كذنب
__________
[1] هو شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة 728 هـ وانظر دول الإسلام 2: 180، والوافى بالوفيات 7: 15، والبداية والنهاية 14: 135، وذيل طبقات الحنابلة 2:
387، والدرر الكامنة 1: 154، وفوات الوفيات: 1: 35، وشذرات الذهب 6: 180، والنجوم الزاهرة 9: 271.
[2] هو قاضى القضاة شمس الدين محمد بن عثمان بن أبى الحسن بن عبد الوهاب الأنصارى الحنفى المعروف بابن الحريرى المتوفى سنة 728 هـ وانظر الوافى بالوفيات 4: 90، وذيول العبر ص 157، والدرر الكامنة 4: 158. والدليل الشافى 2: 653، وحسن المحاضرة 1: 468. وشذرات الذهب 6: 88.
(32/25)

السمك، ورقبتها فى غلظ التليس المحشو، وفمها وشفتاها كالكربال [1] ، ولها أربعة أنياب طول كل ناب دون شبر فى عرض أصبعين، وفى فمها ثمانية وأربعون ضرسا ونابا وسنا مثل بيادق الشطرنج، وطول بدنها من بطنها إلى الأرض نحو الذراع، ومن ركبتها إلى حافرها يشبه بطن الثعبان [2] أصفر مجعد، ودور حافرها مثل الأسكرجة [3] بأربع أظفار كأظافير الجمل وعرض ظهرها تقريبا تقدير ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما، ووجد فى بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر زفر كزفرة السمك وغلظ جلدها أربع أصابع ما تعمل فيه السيوف، ولما صيدت سلخ جلدها [4] وحمل إلىّ بين يدى السلطان بقلعة الجبل، وتبدّل على حمله لثقله خمسة أجمال، فلا يستطيع الجمل أن يحمله أكثر من ساعة، ولما صار [5] بين يدى السلطان حشى تبنا، وأقيم بين يديه، وهذا الحيوان لم يعهد ببحر النيل بمصر وإنما هو موجود ببلاد النّوبة، وأهل النوبة يتخذون من جلدة سياطا، يسوقون بها الجمال، وهى سياط سود إذا دهنت بالزّيت لا تكاد تنقطع والله أعلم.
ذكر وصول غازان ملك التتار إلى الرحبة [6]
ومحاصرتها، وانصرافه عنها، وتجريد عساكره إلى الشام، ووقعة عرض [7] .
فى هذه السنة تواترت الأخبار بحركة التتار، فأخذ السلطان فى الاستعداد والتأهّب للقائهم، ورسم للأمراء أن يستخدم كل أمير نظير الرّبع من عدّته من ماله، ووصل غازان إلى الرّحبة بجيوشه، ونازلها بنفسه وعساكره، وكان النائب
__________
[1] الكربال: فى اللغة الفارسية يعنى القوس الذى يندف به القطن (المنجد) .
[2] إلى هنا ينتهى السقط فى نسخة ص.
[3] الأسكرجة: إناء صغير توضع فيه الكوامخ ونحوها من المشهيات على المائدة (المعجم الوسيط) .
[4] ما بين القوسين من ص، وف.
[5] فى ك «ساد» خطأ من الناسخ.
[6] الرحبة: بلدة صغيرة ولها قلعة على تل تراب، وهى إحدى الثغور الإسلامية بين حلب ودمشق (معجم البلدان 4: 764) .
[7] عرض: بلد فى برية الشام من أعمال حلب بين تدمر والرصافة (النجوم الزاهرة 8: 158 هامش) .
(32/26)

بها الأمير علم الدين سنجر الغتمى، فخرج إليه بالإقامات، وقال له: هذا المكان قريب المأخذ، والملك يقصد المدن الكبار، فإذا ملكت البلاد التى هى أمامك فنحن لا نمتنع عليك. فأخذ ولده ومملوكه رهنا على الوفاء بذلك؛ فرحل عنها، ثم عاد إليها وجرّد نائبه قطلو شاه فى اثنى عشر تمانا [1] ، وأمره بقصد الشام، وعاد غازان إلى بلاد الشّرق.
وأما العسكر الشامى فإن عسكر حلب جمعه الأمير شمس الدين قراسنقر [2] ، والعسكر الحموىّ مع الأمير زين الدين كتبغا الملقّب بالعادل وعسكر الساحل مع الأمير سيف الدين أسند مركرجى، وجماعة من عسكر دمشق مع الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين أنص [3] الجمدار ونزلت هذه العساكر بالقرب من حماه، وجاءت طائفة من التتار للإغارة فوصلوا إلى القريتين [4] وبها جمع من التركمان بحريمهم وأولادهم وأغنامهم فأوقع التتار بهم ونهبوهم، واتصل خبرهم بالأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام؛ فجرد طائفة من عسكر الشام صحبة الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى، وركب معه الأمير ثابت بن يزيد، وتوجّهوا جرائد إلى القريتين فوجدوا التتار قد فارقوها، فعادوا ولم يظفروا بهم، واتّصل خبر هذه الطائفة من التتار بالأمراء المقيمين على حماه؛ فانتدب لذلك الأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، وانتدب معه من عسكر حلب الأمير سيف الدين كجكن، ومن عسكر الشام الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى السلوك 1: 933 هامش للدكتور زيادة «تومان، والجمع توامين. وهى الفرقة التى يبلغ عدد أفرادها عشرة آلاف جندى» والرسم عشرة آلاف جندى الزاهرة 8: 138 «طومان» وعرفه المحقق بأنه مقدم عشرة آلاف جندى.
[2] ومعناه السنقر الأسود وقد تسمى به بعض الأمراء أخذا من اسم الطائر المسمى بالسنقر والذى كان يستعمله ملوك الشرق فى الصيد (الخطط التوفيقية 10: 78) .
[3] كذا فى الأصول، وقد رسمه النجوم الزاهرة «أنس» .
[4] القريتين: قرية كبيرة من أعمال حمص فى طريق البرية، وتدعى «حوادين» وبينها وبين تدمر مرحلتان (معجم البلدان 3: 78) .
(32/27)

الدين أنص الجمدار [1] والأمير سيف الدين أغرلو [2] من عسكر حماه، ومن انضم إليهم، وتوجّهوا فى ألف فارس وخمسمائة فارس لا يزيد على ذلك وساقوا فى البريّة إلى مكان يسمى عرض لقصد هذه الطائفة من التتار، فتوافوا بها- وعدة التتار عشرة آلاف من المغل [3]- فلما شاهدهم التتار أطلقوا من كان معهم من التركمان وحريمهم ومواشيهم؛ ليشغلوا العسكر بهم، فلم يعرّج العسكر عليهم، وحملوا على التتار حملة رجل واحد، واقتتلوا أشد قتال فنصر الله جيش الإسلام، وقتلوا من التتار خلقا كثيرا، وفرّ من بقى منهم، وذلك فى عاشر شعبان من هذه السنة، وكانت هذه الوقعة مقدمة النصر، واستشهد فى هذه الوقعة الأمير سيف الدين أنص الجمدار، ومن أمراء دمشق. وحضر إلى دمشق جماعة أسروا من أعيان التتار فى يوم الخميس منتصف شعبان. هذا ما كان بالشام.
ذكر توجه السلطان الملك الناصر من الديار المصرية
بالجيوش الإسلامية إلى الشام، والوقعة بمرج الصّفرّ [4] ، وانهزام التتار.
قد ذكرنا اهتمام السلطان واحتفاله وما رسم به من الاستخدام، ثم جرّد العساكر من مدنه [5] يتلو بعضها بعضا، فوصلوا إلى دمشق. فأوّل من وصل منهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين لاجين الرّومىّ والأمير سيف الدين كراى المنصورىّ، والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار ومضافيهم فى يوم الأحد ثامن عشر شعبان. ثم وصل الأمير بدر الدين بكتاش
__________
[1] الجمدار: هو الذى يتولى إلباس السلطان أو الأمير ثيابه، مركب من كلمتين فارسيتين «جاما» بمعنى الثوب، و «دار» بمعنى ممسك، وأكثر ما يكون الجمدارية من الصبيان الملاح المرد، ويتحلون بالملابس المزركشة أكثر مما تتحلى النساء (معيد النعم ص 35) .
[2] كذا فى الأصول وفى السلوك 1: 931، 932 «غزلوا» و «أغرلوا» فى النجوم الزاهرة 8: 158 «أغزلو العادلى» .
[3] المغل: هم المغول وهم التتار (النجوم الزاهرة 8: 317 هامش) .
[4] مرج الصفر: ضبطها محقق السلوك 1: 60 بتشديد الصاد وضمها وفتح الفاء، وهو أحد المروج الواقعة حول مدينة دمشق. وانظر معجم البلدان 4: 488.
[5] فى الأصول «من مدينة» والمثبت يقتضيه السياق.
(32/28)

الفخرىّ أمير سلاح، والأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، والأمير بهاء الدين يعقوبا، ومضافيهم، واستقلّ ركاب السلطان من قلعة الجبل فى ثالث شعبان.
وأما التتار الذين سلموا من وقعة عرض فإنهم التحقوا بقطلو شاه وأخبروه أن السلطان لم يخرج من الديار المصرية، وأنه ليس بالشام غير العسكر الشامى؛ فأقبل قطلو شاه بعسكر التتار. فتأخّرت الجيوش التى بحماه، ونزلوا بالمرج بدمشق، ثم اجتمع الأمراء الذين بدمشق من العساكر المصرية والشامية، واتفقوا على أن يتأخروا عن دمشق إلى نهر الصّفّر ويقيموا به إلى أن يصل السلطان بعساكر الديار المصرية، بعد أن كانوا اتفقوا على لقاء العدوّ التتار إن تأخّر السلطان، ونقلوا حريمهم إلى قلعة دمشق، ثم لم يروا ذلك ووصل الجيش الذى كان بالمرج، ونزلوا بأجمعهم بميدان الحصا [1] فى يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان، واختبط الناس بدمشق وجفلوا من الحواضر والقرى إليها، وخرج أكابر أهل دمشق وأعيانها فى هذا اليوم منها فمنهم من التحق بالحصون، ومنهم من توجّه إلى نحو الديار المصرية، وكنت يوم ذاك بدمشق فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، والتحقت بالعسكر ووجدت الجفّال قد ازدحموا بالأبواب زحاما شديدا، وذهلوا عن أموالهم وأولادهم، ووصلت بعد المغرب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجّهوا إلى مرج الصّفّر، فلحقت الجيوش فى يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر- وهو سلخه، وأقمنا بالمرج يوم الخميس والجمعة.
فلما كان فى ليلة السبت المسفرة عن ثانى شهر رمضان دارت النّقباء على العساكر، وأخبروهم أن العدوّ قد قرب منهم، وأن يكونوا على أهبة واستعداد فى تلك الليلة، وأنه متى دهمهم العدوّ يركبوا خيولهم، ويكون الاجتماع عند قرية المجّة بقرب خربة [2] اللصوص فبتنا فى تلك الليلة وليس
__________
[1] هو أحد ميادين دمشق القديمة (النجوم الزاهرة 7: 75) .
[2] خربة اللصوص: تقع على الطريق بين دمشق وبيسان (السلوك 1: 281 هامش) .
(32/29)

منا إلا من لبس لأمة حربه، وأمسك عنان فرسه فى يده، وتساوى فى ذلك الأمير والمأمور، وكنت قد رافقت الأمير علاء الدين مغلطاى البيسرىّ أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، لصحبة كانت بينى وبينه، فلم نزل على ذلك وأعنة خيلنا بأيدينا حتى طلع الفجر فصلّينا وركبنا، واصطفّت العساكر إلى أن طلعت الشمس وارتفع النهار فى يوم السبت المذكور، ثم أرسل الله مطرا شديدا نحو ساعتين ثم ظهرت الشمس، ولم نزل على خيولنا إلى وقت الزّوال، وأقبل التتار كقطع اللّيل المظلم، وكان وصولهم ووصول السلطان بالعساكر المصرية فى ساعة واحدة.
ذكر خبر المصاف وهزيمة التتار
كان المصاف المبارك فى يوم السبت ثانى شهر رمضان المعظّم سنة اثنتين وسبعمائة، وهزيمة التتار فى يوم الأحد بعد الظهر، وذلك أن السلطان الملك الناصر- قرن الله مساعيه بالظفر، وحكمّ مرهفاته فى رقاب من طغى وكفر- حال وصوله إلى مرج الصّفّر بالقرب من شقحب [1] تولى [2] ترتيب عساكره فوقف- خلّد الله سلطانه- فى القلب وبإزائه الخليفة أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، وفى خدمته الأمير سيف الدين سلّار نائبه، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورىّ والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار [3] ، والأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بالشام، ومضافيهم، والمماليك السلطانية [4] هؤلاء فى القلب.
__________
[1] شقحب- ويقال تل شقحب: وهى قرية فى الشمال الغربى من غباغب. وهذه قرية فى أول أعمال حوران من نواحى دمشق، وبينهما ستة فراسخ (معجم البلدان 3: 871، وهامش النجوم الزاهرة 8: 159) .
[2] زيادة يقتضيها السياق.
[3] أمير جاندار: لفظ مركب من كلمتين «جان» بمعنى روح أو نفس، و «دار» بمعنى ممسك. والمعنى الجملى حارس وحافظ السلطان أو الأمير- أو الحارس الخاص- ويتولى الاستئذان لدخول الأمراء للخدمة ويدخل أمامهم إلى الديوان. (صبح الأعشى 4: 20) .
[4] المماليك السلطانية: فرقة من المماليك التى اشتراها السلطان أو جلبت إليه أو آلت إليه من مماليك من سبعة فى السلطنة ومرتبات هذه الفرقة من ديوان المفرد (السلوك 1: 22 هامش الدكتور زيادة) .
(32/30)

ووقف فى الميمنة الأمير حسام الدين لاجين الرّومى أستاذ الدار، والأمير جمال الدين أقش الموصلىّ أمير علم [1] المعروف بقتّال السّبع، والأمير جمال الدين يعقوب الشّهرزورىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان ومضافيهم، وفى جناح الميمنة الأمير سيف الدين قبجاق، والعربان أجمع- والله أعلم.
ووقف فى الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى نائب السلطنة بالمملكة الحلبيّة، والأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، والأمير سيف الدين بتخاص [2] نائب المملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانى [3] والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورىّ، والأمير ركن الدين بيبرس الموفقى، وغيره من مقدمى أمراء الشام، وكنت فى الميسرة. وأما غير هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمراء مقدمى الألوف من العساكر المصرية وغيرها فلم أتحقق مواقفهم [4] فأذكرها.
وأقبل التتار وفيهم من مقدمى التمانات قطلوشاه، وقرمشىّ [5] بن الناق، وسوتاى، وجوبان بن تداون، وأقطاجى، وبولاى [6] ، وطوغان، وسياومى بن قطلوشاه، وطغريل بن أجاى، وأبشقا، وأولاجقان، وألكان، وطيطق، وهم فى مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم. ولما جاوزوا منزلة الكسوة [7] طلّبوا تحت الجبل المسمى كنف المصرى، وحملوا على الميمنة فصدموها بمعظم جموعهم؛ فاضطربت وقاتل من بها قتالا شديدا، فاستشهد
__________
[1] أمير علم: هو الذى يتولى أمر الإعلام والسناجق والرايات السلطانية ويشترط فيه الدراية بنوع الإعلام اللازمة لكل موكب من المواكب السلطانية- انظر (القلقشندى: صبح الأعشى ج 4 ص 8، ج 5 ص 456- 458) .
[2] كذا فى الأصول. وفى السلوك 1: 932 «بد خاص» .
[3] فى الأصول بدون نقط، والمثبت من السلوك 1: 932، والنجوم الزاهرة 8: 159، وجاء فى هامش النجوم «ورد فى الدرر الكامنة» طغريل الإتقانى وكان من مماليك إتقان الملقب «سم الموت» .
[4] فى ك «موافقتهم» والمثبت من ص، وف.
[5] كذا فى الأصول، وفى النجوم الزاهرة والسلوك 1: 933 «قرمجى» .
[6] فى الأصول «مولاى» والمثبت من المرجعين السابقين.
[7] منزلة الكسوة: منزلة وضيعة يمر بها نهر الأعرج، وبينها وبين النهر اثنا عشر ميلا، وهى أول منزلة للقوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر (النجوم الزاهرة 8: 124 هامش) .
(32/31)

الأمير حسام الدين الرّومىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير شمس الدين سنقر الكافرى، والأمير جمال الدين أقش الشمسى الحاجب، والأمير عز الدين أيدمر النقيب، والأمير عز الدين أيدمر الرّفّا، والأمير عز الدين أيدمر [1] الشمسى القشاش، والأمير علاء الدين على بن داود التركمانى والأمير حسام الدين على بن باخل، ونحو ألف فارس من مماليك الأمراء وأجنادهم، وانهزم بعض الأمراء، فكان منهم: الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى. فأردف السلطان الميمنة بالقلب حتى ردّ التتار.
وأما الميسرة فقاتلها بولاى فى حماية من التتار، فلم تكن لهم طاقة بملاقاة من فيها من الجيوش؛ فهرب بولاى فى هذا اليوم بعد العصر فى نحو عشرين ألف فارس من غير طائل قتال، وتبعهم بعض الجيش الإسلامى وعادوا، ثم حجز الليل بين الفريقين، فلجأ التتار إلى الجبل، وأضرموا النيران، وأحاطت بهم العساكر الإسلامية طول الليل. فلما أسفر الصباح عن يوم الأحد ثالث شهر رمضان تقدّمت العساكر الإسلامية إلى الجبل، وضايقوهم أشدّ المضايقة، فكان ينزل من شجعانهم طائفة وتتقدّم إلى طلب [2] من أطلاب العساكر وتقاتل فيردها من يقابلها أقبح ردّ. وكان هذا اليوم بالحصار أشبه منه بالمصافّ، واستمر الحال على ذلك إلى وقت الظهر ففرّج لهم الأمير سيف الدين استدمر كرجى فرجة من رأس الميسرة، فلمّا رأوها بادروا بالفرار، وخرجوا على فرقتين، فالفرقة الأولى فيها جوبان فى نحو ثلاثين ألف فارس حتى أبعد. ثم تلاه قطلوشاه فى نحوها، وبقى منهم فرقة ثالثة فيها طيطق [3] فى زهاء عشرين ألف فارس، فلما فرّوا حملت العساكر عليهم وأبادوهم قتلا وأسرا، وتبعتهم العساكر بقيّة النهار إلى الليل.
__________
[1] هذا اللفظ من ص.
[2] الطلب لفظ كردى: كان يطلق على الأمير يقود مائتى فارس فى ميدان القتال، ويطلق أيضا على قائد المائة أو السبعين، وأول ما استعمل هذا اللفظ بمصر والشام أيام السلطان صلاح الدين الأيوبى. ثم عدل مدلوله فأصبح يطلق على الكتيبة أو الفرقة من الجيش. (السلوك 1: 248 حاشية للدكتور زيادة، والنجوم الزاهرة 7: 391 هامش) .
[3] فى ك «طيطلق» والمثبت من ص، وف.
(32/32)

ولما كان فى يوم الإثنين رابع شهر رمضان جرّد السلطان الأمير سيف الدين سلّار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، وغيرهم من العساكر يقفّون آثارهم. ثم ركب السلطان فى يوم الإثنين من مكان الوقعة وبات بالكسوة ودخل إلى دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء خامس الشهر، هو والخليفة، ونزل بالقصر الأبلق [1] ، ثم بالقلعة، ونزل الخليفة بالتّربة الناصرية [2] ، وأقام السلطان بدمشق إلى ثانى شوّال، ورحل من دمشق فى يوم الثلاثاء الثالث من شوال ووصل إلى القاهرة، ودخل فى الثالث والعشرين منه، وشقّ المدينة، ونزل بالمدرسة المنصورية؛ لزيارة قبر والده السلطان الملك المنصور، ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل، واحتفل الناس لمقدمه احتفالا عظيما، وزيّنت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى، واستمرت الزينة بها بعد وصول الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح بكتاب البشارة، فى يوم الأحد عاشر شهر رمضان، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيّام.
وقد ذكر الناس هذه الغزوة نظما ونثرا، ووقفت ممّا عمل فيها على أشياء كثيرة، وقد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم والنثر، فكان ممن عمل فى ذلك القاضى الرئيس الفاضل علاء الدين على بن عبد الظاهر [3] صنّف فى خبر هذه الوقعة جزءا سماه الرّوض الزاهر فى غزوة الملك النّاصر [4] ابتدأه بأن قال: الحمد لله الذى أيّد الدين المحمدى بناصره، وحمى حماه بمن مضى هو وسلفه بأداء فرض الجهاد فى أوّل الزمان وآخره، وجعل من الذرّيّة المنصورية من يجاهد فى الله حقّ جهاده، ويسهر فى سبيل الله فيمنع طرف السيف أن يغفى [5] فى إغماده، ويقدم يوم الوغى والموت من بعوثه للعدى
__________
[1] القصر الأبلق: هو قصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى أنشأه بظاهر غربى دمشق بين المبدأتين الأخضريين، وسمى بذلك لأن بناءه كان بحجارة مختلفة الألوان. وأنظر البداية والنهاية 13: 274، والدارس فى تاريخ المدارس 1: 350.
[2] التربة الناصرية: أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن غازى بن أيوب بجبل قاسيون على نهر يزيد وبجوارها خانقاه له أيضا (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 178.
[3] هو علاء الدين على بن محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر، توفى بمصر سنة 717 هـ (ذيول العبر ص 94، الدرر الكامنة 3: 109، حسن المحاضرة 1: 571، شذرات الذهب 6: 246.
[4] هذا الجزء ورد بنصه فى ملحقات السلوك 1: 1027 ملحق 16، وقد أشار الدكتور زيادة إلى نقله من نهاية الأرب للنويرى.
[5] يغطى: من أغفى بمعنى أخذه النوم أو النعاس (القاموس المحيط) .
(32/33)

وأجناده نحمده على ما وهبنا من نصره، ونشكره على نعمه التى خوّلنا منها بأسا أذاق العدوّ وبال أمره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين، وتضاعف أجر المجاهدين الذين [10] أضحوا فى درج المتقين مرتقين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه وضروع الكفر حوافل، وربوع البغّى أواهل. فلم يزل يجرّد الصّفاح من مقرّها، ويطلق جياد الغرم فى مجراها وصعاد الحزم فى بحرها، إلى أن أخمد نار الشرك والنفاق، وظهرت معجزاته بإطفاء نار فارس بالعراق، صلى الله عليه وعلى آله الذين جرّدوا بين يديه سيوف الحتوف، فاستغلقت الأعمار، وهاجروا إليه ونصروه فسموا المهاجرين والأنصار، وبعد: فإن الوقائع التى عظمت آثارها فى الآفاق، وحفظت بها دماء المسلمين من أن تراق، وبقى بها الملك والممالك، وأشرق بها سواد الخطب الحالك، وسطّرها الله تعالى فى صحائف مولانا السلطان الملك الناصر، وآتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد، فأورثه به ظفرا مخلّدا لا يفنى وإن طال المدار والأمد، وأشبه فى ثباته ووثباته بها أباه رضىّ الله عنه، والشبل فى المخبر مثل الأسد، واستقر بها الملك فى مهاد السكون بعد القلق، وتبدلّت بها الملة الإسلامية الأمن بعد الفرق، وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه، وطلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه، وعمّت الأيام إحسانا من الملك وحسنى وعلّم المؤمنين بها تحقيق قوله عز وجل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[1] حقها [2] أن يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور ويؤنس معاهده، ويقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده ويذيع أنباء هذه النّصرة فى الأقطار، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن دين الله بالسّمر الطّوال والبيض القصار، وسلطانا ما أغمد سيفه فى جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممّن ثار.
__________
[1] سورة النور آية 55.
[2] زيادة يقتضيها السياق.
(32/34)

ولما كانت هذه الغزاة المبرورة، والحركات التى عدت حسناتها فى صحائف القبول مسطورة، والسّفرة التى أسفرت بحمد الله عن الغنيمة والسلامة، وأعلمت الأمة بركة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتّى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة» . وكنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها، وهبّت عليه رياح النّصر التى كانت ترجّيها [1] ، وشاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية، التى طلعت فى سماء النّقع نجوما وقّادة، وشهدت فى محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز، وكيف لا وذاك الموطن محلّ الشهادة، ورأيت كيف أثبت السيف لنا الحقّ لأنه القاضى فى ذلك المجال، وكيف نفذت السهام لأجل تصميمه فى الحكم، فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال وهو حالّ، وقد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها [2] الصدور، وآتى بلمعة تعرب عن ذلك النور، وها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه، وأشرح حديث هذه الغزاة من وقت صباحه، فأقول:
ركب مولانا السلطان الملك [3] الناصر خلد الله ملكه- بنيّة صالحة أخلصها فى سبيل ربّه، وعزيمة ناجحة ماثلت فى المضاء سمر عواليه وبيض قضبه، من قلعة مصر التى هى كنانة الله فى أرضه، بجيوشه التى نهضت بسنن الجهاد وفرضه، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب، أو غيوث سحاب، أو بدور ليال، أو عقود لآل [4] معتضدا [5] ببضعة من الرسول، منتصرا بابن عمه، الذى لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه، ولا يطول، ملتمسا بركة هذا البيت الشريف الذى طالما كانت الملائكة من نجده وجنده، مسترسلا بيمنة الإيمان سحب كرمه، مستدعيا صادق وعده. وسار على اسم الله تعالى بالجاريات الجياد، التى تعدو فى سبيل الله النجاد، وتعلو الهضاب، وسرى يقطع المنازل، ويطوى المراحل طىّ السّجلّ للكتاب، والجيوش المنصورة قد أرهفت
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى السلوك 1: 1028 «تزجيها» .
[2] وفى ص «ينشرح بها» .
[3] الإضافة من السلوك 1: 1029.
[4] أى لآلىء.
[5] فى الأصول «مقتصدا» والمثبت من السلوك 1: 1029.
(32/35)

حدّ سيوفها وأشرعت أسنة حتوفها، وهى تسير كالجبال، وتبعث كالصدى [1] ما يرهب من طيف الخيال.
فبينما الركاب قد استقلت فى السّرى، ورقمت [2] فى البيداء من أعناق جيادها سطور من قرأها استغنى بحسنها عن القرى، إذا بالبشير قد وفد ونجم المسرّة قد وقد، وأخبر بأن جمعا من التتار قصدوا القريتين للإغارة، ما علموا أن ذلك مبدأ خمولهم الذى فتح الله به للإسلام باب الهناء والبشارة، وغرتهم الآمال، وساقتهم الحتوف للآجال، فنهض بعض العساكر المؤيدة، فأخدتهم أخذ القرى وهى ظالمة، وأعلمتهم أن السيوف الإسلامية ما تترك لهم بعد هذا العام- بقولة يدا [3] فى الحرب مبسوطة، ولا رجلا فى المواقف قائمة، وأرى الله العدوّ مصارع بغيه، وعاقبة استحواذه، وتلا لسان الوعد الصادق على حزب الإيمان وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
[4] ، ووصل مولانا السلطان- خلّد الله ملكه- غزّة، والإسلام بحمد الله قد زاد قوة وعزّة، ثم رحل بحمد الله- بعزم لا يفتر عن المسير، وجيش أقسم النصر أن لا يفارقه وأن يصير معه حيث يصير، إلى أن وصلوا يوم السبت الثانى من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعمائة، وهو أوّل أيام السعود، واليوم الذى جمع فيه الناس ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
[5] إلى مرج الصّفّر الذى هو موطن الظّفر، ومكان النصر الذى يحدّث عنه السّمار بأطيب سمر.
والسلطان بين عساكره كالبدر بين النجوم، والملائكة الكرام تحمى الجيوش المؤيدة بإذن الله، وطيور النصر عليها تحوم، وهو- خلّد الله ملكه- قد بايع الله على نصرة هذه الملّة التى لا يحيد عن نصرها ولا يريم، وعاهده على بذل الهمم التى انتظمت فى سبيل الله كالعقد النّظيم، وخضع لله فى طلب النصر
__________
[1] فى الأصول «كالعدى» والمثبت من المرجع السابق.
[2] فى الأصول «ورقت» والمثبت من السلوك 1: 1029.
[3] هنا انقطع الكلام فى ك بما يعادل منتصف صفحة 33 من ص إلى أول صفحة 63 وقد أكملت النص منها.
[4] سورة الفتح آية 20.
[5] سورة هود آية 103.
(32/36)

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
[1] ، وقال: رب قد بذلت نفسى فى سبيلك فتقبّلها بقبول حسن، ونويت المصابرة فى نصرة دينك، وأرجو أن أشفع النّيّة بعمل يغدو لسان السّنان فى وصفه ذا لسن، وتلا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[2] واهزم عدونّا فقد بايعناك على المصابرة وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
. [3] ، وابتهل إلى الله فى طلب التأييد، وتضرّع إليه فى ذلك الموقف الذى ما رآه إلّا من هو فى الآخرة شهيد، وفى الدنيا سعيد، هذا والسيوف قد فارقت الأغماد، وأقسمت أنها لا تقرّ إلا فى الرؤوس، والأسنة قد أشرعت وآلت أنها لا تروى ظمأها إلا من دماء النفوس، والسهام قد التزمت أنها لا تتخذ كنائنها إلّا من النّحور، ولا تتعوّض عن حنايا القسىّ إلا بحنايا الأضالع أو لترفّعها لا تحلّ إلّا فى الصدور، والدروع قد لزمت الأبطال قائلة: لا أفارق الأبدان حتى تتلى سورة الفتح المبين، والجياد حرّمت وطء الأرض وقالت لفرسانها: لا أطا إلّا جثث القتلى، ورؤوس الملحدين. فلا ترى إلا بحرا من حديد، ولا تشاهد إلا لمع أسّنّة أو بروق سيوف تصيد الصيد [4] ، والسلطان قد أرهف ظباه [5] ليسعّر بها فى قلوب العدى جمرا. وآلى أنه لا يورد سيوفه الطلى بيضا إلا ويصدرها حمرا، والإسلام كأنه بنيان مرصوص، ونبأ النصر على مسامع أهل الإيمان مقصوص، والنفوس قد أرخصت فى سبيل الله، وإن كانت فى الأمن غالية، وأرواح المشركين قد أعدّ لها الدّرك الأسفل من النار، وأرواح المؤمنين فى جنة عالية.
ولما كان بعد الظهر أقدم العدو- خذله الله- بعزائم كالسيوف الحداد وجاء على قرب من مقدمنا، فكان هو والخذلان على موافاة، وجئنا نحن والنصر على ميعاد؛ وأتى كقطع الليل المظلم بهمم لا تكاد لولا دفع الله عن بزاتها
__________
[1] سورة آل عمران آية 126.
[2] سورة البقرة آية 250.
[3] سورة البقرة آية 249.
[4] الصيد: جمع أصيد، والمراد به البطل الشجاع (لسان العرب) .
[5] الظبا: حد السيف (محيط المحيط)
(32/37)

تحجم [1] ، معتقدا أن الله قد بسط يده فى البلاد- ويأبى الله إلا أن يقبضها- متخيّلا أنّ هذه الكرّة مثل تلك- ويأبى الله إلا أن يخلف لهذه الأمة بالنصر ويعوّضها- متوهما أن جيشه الغالب، وعزمه القاهر، متحققا أنه منصور وكيف ذاك ومعنا الناصر!! والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها [2] فى الحرب نكول ولا تقصير، فكان جمعنا ولله الحمد جمع سلامة وجمعهم جمع تكسير؛ وحمى الوطيس، وحمل فى يوم السبت الخميس [3] على الخميس، ودارت رحا الحرب الزّبون [4] ، وغنّت السيوف بشرب الكماة كأس المنون، والسلطان قد ثبت فى موقف المنايا، حتى كأنه فى جفن الرّدى وهو نائم، ورأى الأبطال من أوليائه جرحى فى سبيل الله والأعداء مهزومين [5] . والوجه منه وضّاح والثغر باسم، وقابل العدوّ بصدره وقاتل حتى أفنى حديد بيضه وسمره، وخاطر بنفسه والموت أقرب إليه من حبل الوريد. ونكّب عن ذكر العواقب جانبا، ولم يستصحب إلا سيفه المبيد، واشتد أزرا بامرائه الذين رأوا الحياة فى هذا اليوم مغرما، وعدوّا الممات فيه مغنما وقالوا: لا حياة إلا بنصر الإسلام، ولا استقرار حتى تطأ بين يدى السلطان سنابك الخيول هذه الهام، وما أعددنا العزائم [35] إلا لهذا الموقف، ولا أحددنا الصوارم وخبأناها إلا لنبذلها فى السفك فنسرف [6] ، وهم بين يدى سلطانهم يحثّون جيوشهم على المصابرة، ويقولون: هذا يوم تصيبنا فيه إحدى الحسنيين: فإما سعادة الدنيا وإما جنة الآخرة، وقالت الملائكة للجيوش المنصورة: يا خيل الله اركبى ويا يد النصر اكتبى، وقامت الحرب على ساق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
[7] ، وأتى العدوّ جملة واحدة، وحمل حملة أمست بالنفوس جائدة، ونكب عن الميسرة وقصد الميمنة
__________
[1] كذا فى ف وفى ص «برأتها» .
[2] كذا فى ص، وف. وفى السلوك 1: 1031 «لم ييئسها» .
[3] الخميس: الجيش (المعجم الوسيط) .
[4] الحرب الزبون: الشديدة (المعجم الوسيط) .
[5] كذا فى ف. وغير واضحة فى ص. وفى السلوك 1: 1031 «مهزومة» .
[6] كذا فى السلوك 1: 1031. وغير منقوطة فى ص، وف.
[7] سورة القيامة الآيتان 29 و 30.
(32/38)

والقلب، وهاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه من شدة ذلك الكرب، واستمرت المناضلة تمتد بين الفريقين وتنتشر، والمؤمنون قد وفّوا بما عاهدوا الله عليه. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
[1] ، ومولانا السلطان يردف مواكبه بحملاته، ويقدم فتخشى الأعداء مواقع مهابته وترجو الأولياء منافع هباته، ويرى غمرات الموت ثمّ يزورها، ويمر فى مجال المنايا فيحلوله مريرها ومزورها [2] ، ويقاسم سيوف العدى شرّ قسمة، فعلى عاتقه غواشيها [3] وفى صدورهم صدورها.
ولما كان وقت المغرب لجأوا- خذلهم الله [36]- إلى هضاب اعتقدوا أن فيها النجاة، وقالوا: نأوى إلى جبل يعصمنا من الموت ونسوا أنه لا عاصم اليوم من أمر الله.
راموا النجاة وكيف تنجو عصبة مطلوبة بالله والسلطان؟
وحصرتهم العساكر الإسلامية بعزائم كالشهاب أو النار [4] ، ودارت عليهم كالسّوّار والسّوار [5] ، وصيّرتهم بقدرة الله فى ربقة الإسار، وقاتلتهم الجيوش المنصورة غير مستجنّة بقرى محصّنة ولا من وراء جدار، تتلظى كبودهم عطشا وجوعا، ويكادون من شدة الهجير يشربون من سيل قتلاهم نجيعا [6] ، ويودّون لو كانوا أولى أجنحة، ويندمون حين رأوا صفقتهم خاسرة وكان ظنهم أنها تكون مربحة، ويأسفون على فوات النجاة، ويتحيّرون عند مواقعة الجيوش المؤيدة حيث رأوا ما شملها من نصر، ويتضرّمون بنار الخيبة على حركتهم التى أدبرت لهم مآبا، وينظرون فيما أسلفوه من ذنوب ولسان الانتقام يتلو عليهم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[7] .
__________
[1] سورة الأحزاب آية 23.
[2] كذا فى الأصل.
[3] غواشيها:/ جمع غاشية وهى غلاف السيف (لسان العرب) .
[4] فى ص، وف «النهار» والمثبت من السلوك 1: 1032.
[5] السوار- بكسر السين وضمها مع التشديد: حلية للمرأة. وبفتح السين مع التشديد والواو هو من الكلاب الذى يأخذ بالرأس، وأيضا الرجل يواثب نديمه إذا شرب، وهو سوار أى وثاب معربد (لسان العرب) .
[6] النجيع: هو الدم، وقيل دم الجوف خاصة، وقيل هو الطرى منه أو المصبوب (لسان العرب) .
[7] سورة النبأ آية 40.
(32/39)

ودخلت ليلة الأحد وهم فى حصرهم وقد أوقعهم الله فى حبائل مكرهم، وأراهم من الحصر والضيق ما لا رأوه مدّة عمرهم، وأيقنوا بالهلاك [37] ، وتحققوا أن لا خلاص لهم من تلك الأشراك، ولو سمعوا ما سبق من الإنذار لما أتوا للمبارزة مظهرين، ولو علموا سوء صباحهم كفروا عشاء ونجوا من قبل أن يتلى فى حقهم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ
[1] وأصبح الإسلام يوم الأحد فى قوته المنيعة، وأرواح العدى فى أجسادهم وديعة، ومولانا السلطان يصطبح من دمائهم كما اغتبق، ويريهم عزما ينثر عقد اجتماعهم الذى انتظم واتّسق، ويفهمهم أنّه لا مردّ له عن مراد الصّوارم، وأنه لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم، وأمراؤه- أعزّ الله نصرهم بين يديه- أولو همم فى الحرب وأولو عزائم، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
[2] يعدّون المصابرة فى طاعة الله وطاعة سلطانهم غنيمة جمعت لهم أسباب الفخار؛ ويمتازون بأنّ منهم من هاجر إليه، ومنهم من نصره، فعدّوا- حقا- كونهم مع محمد تابعى المهاجرين والأنصار، وزحف السلطان وبين يديه أمراؤه وعساكره المؤيدة فضيقوا عليهم الخناق، وأحدقوا بهم إحداق الهدب بالأحداق، وراسلوهم بالسهام، وشافهوهم بالكلام لا الكلام، ورفعوا من راياتهم [38] المنصورة ما طاول المنشآت فى البحر كالأعلام، وحمل بها الأبطال، فكلما رآها العدى تهتزّ بتحريك نسيم النّصر سكنوا خوف الحمام، ثم فرّجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنّوها فرجا، وخيّل لهم أنّه من سلك تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما، وما دروا أنه سلك طريقا عوجا، واستترت لهم الجيوش المنصورة إلى الوطاة لتمكّن سيوفها من سفكهم، ويقرب مدى هلكهم، وتسلمهم إلى الحمام الذى لا ينجى منه خيل ولا جبل، وتملأ الوطاة من دمائهم، فتساوى السهل من قتلاهم بالجبل، وحلّ الحمام بساحتهم، وامتدت الأيدى لاستباحتهم، وضاقت عليهم المسالك، وغلبوا هنالك، وأنزل الله نصره على المؤمنين وأيدهم بجنود لم يروها، واشترى منهم أنفسهم بأنّ لهم الجنة- فيا طيب ما شروها، وفرّت من العدو فرقة،
__________
[1] سورة الصافات آية 177.
[2] سورة المائدة آية 54.
(32/40)

وضلّت فى حالة الحرب عن السيف فأدركهم العزم الماضى الغرار [1] وتلا عليهم لسان الحق قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
[2] وما انقضى ظهر يوم الأحد إلا والنصر قد خفقت بنوده، والحق- سبحانه وتعالى- قد صدقت وعوده، وطائر الظفر قد رفرف بجناحه وطار باليمن والسرور [39] ونسيم الريح قد تحمّلت رسالة التأييد، فصارت إلى الإسلام بالصّبا وإلى العدوّ بالدّبور والألطاف- ولله الحمد- قد زادت للإسلام قوّة وتمكينا، ولسان النصر يتلو على السلطان إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[3] والسيف قد طهّر ديار الإسلام من تلك الأدناس ومولانا السلطان يتلو ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
[4] ، وأمست الوحوش تنوش أشلاءهم، والحوائم ترد دماءهم، والعساكر فى أعقابهم تقتل وتأسر، وتبدى فى استئصالهم [5] كل عزيمة وتظهر، وتنظم أسنتها برؤوس القتلى، وتعقد لها على عقائل النصر فتزفّ لديها وتجلى، إلى أن ناحتهم بالخيف [6] من مكان قريب، وبسطت فيهم السيف فسأل الأسر أن يسمح له بحظّ فأعطى أيسر نصيب، وملئت من قتلاهم القفار، وأمسوا حديثا فى الأمصار، وعبرة لأولى الأبصار.
ثم رحل السلطان يوم الإثنين الرابع من شهر رمضان المعظم إلى منزلة الكسوة من مكان النصر، وبقاعه تنبئ [7] على معاليه، وتشهد بمضاء قواضبه ونفوذ عواليه، ودمشق قد أخذت زخرفها وازّيّنت، وتبرّجت محاسنها للنواظر، وما باتت بل تبيتت، وكادت جددها تسعى للقائه، لتؤدّي السّنّة من خدمته والفرض، غير أنها استنابت الأنهار فسعت وقبّلت بين يدى جواده الأرض.
__________
[1] الغرار: حد السيف (المعجم الوسيط) .
[2] بياض فى ص، وف. المثبت يقتضيه المعنى والسياق الذى التزمه المؤلف. والآية رقم 16 من سورة الأحزاب.
[3] سورة الفتح آية 1.
[4] سورة يوسف آية 38.
[5] فى ص، وف «إيصالهم» والمثبت يقتضيه السياق.
[6] الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن الوادى ومجرى السيل (لسان العرب) .
[7] كذا فى ص، وف. وفى السلوك 1: 1034 «تثنى» .
(32/41)

ثم رحل فى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان، ودخلها فى هذا اليوم والملائكة تحيّيه عن ربّه بتحيّة وإكرام، وتتلو عليه وعلى جيوشه ادْخُلُوها بِسَلامٍ [1] *
فى موكب كأنه نظام الدّرر، أو روضة كلها زهر، بل هو- حقا- هالة القمر، والدنيا قد تاهت به عجبا، والناس يدعون لسلطان قد شغفوا بدولته حبّا، ويتعجبون من نضارة ملكه الذى سرّ النواظر، ويرون أولياءه فى فلك إنعامه، فيقولون:
أبدّلت الأرض غير الأرض أو صارت سماء وإلا فما هذا القمر حوله النجوم الزواهر! وعادت المآتم بدمشق أفراحا وأعراسا، وربوع الهناء قد عوّضها أمن مقدمه عن الوحشة إيناسا، والقلعة بآلات حصارها مزينة قائلة:
كيف يستباح حماى وأنا بهذا السلطان محصّنة، وبشهادته [2] محصنة.
هذا والأنهار تساير ركابه وقد صبغت من دماء العدى بأحمر قان، والأشجار تميل طربا بالهناء كما يميل النشوان بين الأغانى، والحمام يطرب بحسن الألحان والتغريد، وقد أقسمت لا تنوح، وكيف تنوح وقد خضّبت كفّها وطوّقت الجيد، والناس يقولون: أيا عجبا فى أوّل رمضان يكون عيد، وفى آخره عيد؟! والعزائم للعدى تردى، وبنصر الله ترتدى، وتهتز [3] بردى تقول عند تغريد الحمامة:
«يا برد ذاك الذى قالت على كبدى» والأقاليم قد تاهت بسلطانها بهجة وسرورا، وهام الجوزاء تودّ لو كانت منبرا وسريرا، والرعايا تقول: هذا الملك الذى حمى الله بعزائمه الدّيار، وأدار العدى إلى دار البوار، ووقف لا يبتغى إلا وجه ربه، وقابل اليوم بنفسه وبكتائبه، وناضل الأمس بكتبه، والله لدعائهم سامع ومجيب، ومكافئه بكل فتح مبين ونصر قريب.
__________
[1] سورة الحجر آية 46.
[2] كذا فى ص، وف. وفى السلوك 1: 1034 «بسعادته» .
[3] فى ص، وف، والسلوك 1: 1034 «ونهر» .
(32/42)

ووصل الميدان الأخضر وقد أذاق العدوّ الأزرق الموت الأحمر، فى يوم السعد الأبيض، بعلم النصر الأصفر- إلى القصر الأبلق، وقد طلع شمسا فى سماء الملك أنار به أفق الآفاق وأشرق، ففخر القصر بحلوله فيه، وقال: هذا اليوم الذى كنت أرتجيه، وهذا الوقت الذى ما برحت تبشّرنى به [43] نسمات البكر والأصائل. لأنها تمرّ لطيفة، فأعلم أن معها منه- خلّد الله ملكه- رسائل، وهذا الملك الذى أعرف فيه من الله شمائل؛ فغبطته القلعة المنصورة، وسألته [1] أن لا تبقى بغير الجسد محسورة [2] ، وفاخرت القصر بمالها من محاسن، وما شرفت به من إشراف على أنضر الأماكن، وامتازت به من حصانتها الذى ما امتطى سواه ذروتها، ولا علا غيره- خلّد الله ملكه- صهوتها، فأراد أن يعظم لقلعته الشأن- فحلّ بها مرة ثم بتلك أخرى، وطاب بحلوله الواديان.
ثم أذهب عن أوليائه وجيوشه مشقة التعب، ببذل الذهب، وأنسى بمكارمه حاتم طيئ، فلو عاش لا ستجدى ممّا وهب، وأمر بعود نوّاب ممالكه إلى أماكنهم المحروسة، وقال: قد خلت ربوعكم هذه المدّة.
وحيث حللنا بالبلاد نبتغى أن تكون مأنوسة، فتضاعف الشكر على إتمام هذه النعمة، وابتهلت الألسن بالمحامد، وكيف لا وقد طلع صبح النصر فجلّى ليل تلك الغمة، وشكر الناس منّة الله التى أعادت إليهم بالأمن الوسن [3] ، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [4]
وأقام بدمشق [44] المحروسة يتبوّأ منها أحسن الغرفات، واستقر من بقاعها [5] فى جنّات، فحييت به بعد الممات، وعادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد المفارقة، وتمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقة، وهو يحمى حماها، ويحلى مواطن ملكها الزواهر رباها، ويزيّنها بمواكبه التى ماثلت الكواكب فى سنائها وسناها، وتطأ سنابك جياده أرضها فيدانى الثريا فى الافتخار ثراها، إلى أن قضى شهر صيامه
__________
[1] كذا فى ص، وف. وفى السلوك 1: 1035 «وسألت» .
[2] فى ص وف «محصورة» ونقل الصواب ما أثبته.
[3] الوسن: الحاجة والوطر، النوم والنعاس (لسان العرب) .
[4] سورة فاطر آية 34.
[5] كذا فى ص، وف. فى السلوك 1: 1035 «ويستقر من بقعتها» .
(32/43)

المقبول. وأتاه عيد الفطر مبشرا بإدراك آماله فى عز مستمر ونصر موصول، وأسبغ من عطاياه ما أربى على عدد أمواج البحر، وتعدّدت لدولته المسرّات فى هذا الشهر الميمون، فآخره عيد فطر، وأوّله عيد نحر.
ثم رحل عن دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث شوال، ويعزّ عليها أن تفارقه. أو تبعد عن محيّاه الذى أنار مغارب الملك ومشارقه، أو يسيّر عنها عزمه الذى إن غاب أغنت مهابته، أو حضر أرهف على العدو بوارقه، وأغصان رياضها تحسد بنود سناجقه، وأوراق روحها تودّ لو كانت مكان أعلامه وخوافقه، وزهرها يتمنى لو كان وشيا [45] لحلل [1] جياده، وأرضها النضرة تكاد تنطوى بين يديه لتكون مراكز السعادة [2] ، وقصرها الأبلق يتوسّل إليه فى أن يتخذه بدل خيامه، وستائره ليسر مسكنه [3] فيه ومقامه، ومصر تبعث إليه مع النسيم رسائل، وتبذل له فى تعجيل عوده وسائل [4] ، وكرسىّ سلطنتها يودّ لو سعى من شوق إليه، أو شافهه بالهناء وبالنعمة التى أتمّها الله عليه، فلبّى دعوتها ولم يطل جفوتها، وسار إليها سير الأقمار إلى منازل الضّياء والنور، ووطئ بمواكبه الأرض فظهرت بها من مواطئ جياده أهلّة، ومن آثار أخفاف مطيّه بدور، ووصل ديار مصر المحروسة وقد زفّت عروسا تجلى فى أبهى الحلل، وجمعت أنواع المحاسن، فلا يقال لشىء منها كمل لو أنّ ذا كمل، وفضح الدجى إشراقها، وبهر العيون جمالها، فإلى أقصى حدائق حسنها. رنت أحداقها، وسبت النفوس منازلها، وكيف لا، وهى المنازل التى لم نزل نشتاقها، وشغلت القلوب أبياتها، وكيف لا وقد زانها ترصيعها وطباقها، وحوت من البهاء ما لو حوته البدور لما شانها بعد التمام محاقها، وأمست روضة أثمرت اللآلى والدرر، وفلكا زها بالمشرقات فيه، [46] وكيف لا وفى كل ناحية من وجهها قمر.
وحلّ- خلّد الله ملكه- بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها وجدرانها، غير أنّه أثقلها الحلى فأخّرها لتبدو إليه فى أوانها المراد، وما أحسن الأشياء فى أوانها، وهمّ نيلها أن يجرى فى طريقه لكنه أخّره النقص
__________
[1] فى ص، وف «لحلك» ولعل الصواب ما أثبته.
[2] كذا فى ص، وف. ولعلها «الصعاده» .
[3] فى ص، وف «ممكنه» ولعل الصواب ما أثبته.
[4] فى ص، وف «رتائل» والمثبت من السلوك 1: 1035.
(32/44)

والتقصير، واستحيا أن يقابله وهو دون غاية التمام، أو يسير من مواكب أمواجه فى عدد يسير، وخشى أن يتخلّل السبل بين يديه فيحصل فى ريها الخلل، أو تظهر عليه- كونه فى زمن توحمه- حمرة الخجل، وكأنّ عمود مقياسه قد آلى أن لا يضع أصابعه فى اليّمّ إلا بإذن سلطانه، ولا يلبس ثوب خلوق إلّا ما يزره عليه ببنانه، ولا يأتى بزيادة إلا بعد مقدمه، وكيف لا ومدده من إحسانه؟! وركب سحر الإثنين الثالث والعشرين من شوال سنة اثنتين وسبعمائة من ظاهر القاهرة فى موكب حفّ به الظّفر، وأضحى حديثا للأنام وذكرى للبشر، وسيفه المنصور قد أذهب عن الملّة الإسلامية ليل الخطب ومحا، والأمة يترقبون طلوع فجر بدره، ولسان المسرّة يتلو عليهم مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [1]
ودخل البلد وقد تزايدت بمقدمه سرورا [47] وبشرا، وأنشدته:-
أنت غيث إذا وردت إلى الش ... ام ونيل إذا تيمّمت [2] مصرا
أطلع الشرق من جبينك شمسا ... ليس تخفى ومن محياك بدرا
كان أمر التتار مستصعب الح ... ال فصيّرت عسر ذلك يسرا
وفتحت له أبواب نصرها التى يفضى منها إلى نعمة ونعيم، وشاهدته [3] عيون أهلها. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [4]
والرعايا قد أصبحوا كما أمسوا بالدعاء له مبتهلين، والألسنة تتلو عليه وعلى أمرائه ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [5]
وقد
__________
[1] سورة طه آية 59.
[2] فى ص، وف، والسلوك 1: 1036 «يممت» والوزن يقتضى ما أثبته.
[3] فى ص، وف والسلوك 1: 1036 «وشاهدت» .
[4] سورة يوسف آية 31.
[5] سورة يوسف آية 99.
(32/45)

أظلتّه سماء أديمها الحرير، ونجومها الذهب، وسحبها تنثر اللؤلؤ المكنون، وحيل بين سنابك خيله وبين الأرض بأثواب من استبرق تستوقف العيون، وكوفئت عن وطء الأحجار بالأمس فى سبيل الله بوطء الديباج فى هذا اليوم، وكادت الأيدى تلمس معارفها تبركا بترب الجهاد الذى حملت إليه أكرم قوم، فرأى فيها جنّة أوردت من مناهلها كوثرا، وكان قد أنهى بين يديه حديث زينتها [1] فوجد خبرها يجاوز خبرا، ولم يجد بها عيبا غير أن صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السّرى، وتبرّجت عقائلها نزها للنواظر [48] ، وتظهر كلّ واحدة منهن فى وشى أبهى من الزواهر، ولبست جدرانها حلل السرور النّضرة، وأبرزت بعولتهن ما فى ذخائرهم ولم يسألوا نظرة إلى ميسرة- وما ثنت [2] أعطافها- كما أمست وجوه التهانى بها ضاحكة مستبشرة، ولمّا مر بسبلها حلا له ذلك النّور، ولمّا سلك بين قصريها تحقق الناس أن أيامه زادت على أيام الخلفاء؛ فإنها أنشأت قصرين وهذا أنشأ لها قصورا ما بها من قصور، فمن بروج تمنّت البدور لو كانت لها منازل، ومن قلاع لو تحصّن بها جان لما دارت عليه دوائر الدهر الغوائل، ومن قباب علت وليس لها غير الهمم من عمد، وضربت على السماحة والنّدى فما عدم مشيّدها حسن البناء ولا فقد، ومن عقود عقد لها على عرائس السعود، وتمكّنت فى الصّعود، ومن حلى لو ظفر بها الحسن بن سهل لاتخذ منها لجهاز ابنته على المأمون ما لا ألف مثله فى زمنه ولا عهد، ولو [3] رآه ابن طولون لاعتضد به فى إهداء عقيلته للمعتضد، ومن أواوين تزرى بإيوان كسرى الذى [4] تعظّم بناؤه وتحمّد، ويستصغر فى عين من رأى إيوانا واحدا من هذه، وكيف لا وذاك هدم فى زمن [49] محمد- صلى الله عليه وسلم- وهذا عمّر لنصرة محمد، وذاك أهلك بانيه وزجر، وهذا أيّد بانيه ونصر، ومن سواق
__________
[1] فى ص، السلوك 1: 1037 «رتبتها» والمثبت من ف.
[2] كذا فى ص، وفى السلوك 1037 «وماست» .
[3] فى ص، وف «ولا رآه» والمثبت يقتضيه السياق.
[4] فى ص، ف «التى» .
(32/46)

جوار وجوار سواق، وآلات تبهر عند رؤية حدائقها الأحداق، ومن عروش وأشجار، ورياض نضرة تبهت الأبصار، قد أخذت من كل المحاسن بشطر، وحلت مذاقا. وكيف لا وقد سقيت بالقطر؟! ومن سفائن قد ترفعت حتى مرت فى الجوّ من بحر النسيم فى لجج، ومن عجائب إذا حدّث المرء عنها قيل له:
حدّث عن البحر ولا حرج، ومن شخوص بالألحاظ تغازل، ودمى تسحر العقول بسحر بابل، وصور يخيّل للرائى أنها تنطق، وأشكال وضعت صفة للحرب التى أضحت رايتها فى الآفاق تخفق، ومن هيبة للعدى التى أبادتها الأبطال، وأعدمت حقيقتها فلم يبق منها إلا مثال يبزر فى خيال، ومن جتور [1] ظهرت بها آية ملكه لمّا مرّت بنفسها على رأسه الكريم مر السحاب، وسارت بين السماء والأرض فلم تحتج مع سعادته إلى عمد ولا إلى أطناب، ومن فوسان جمّلّت [2] الجيوش المنصورة حيث لبست لأمة حربها، وأعتقلت رماحها وبارزت الأقران [50] فكان النصر من حزبها.
ومن أنواع احتفال يعجز عن وصفها البديع الفطن ولولا خوف الإطالة [3] لقلت ومن ومن إلى أن تنفد كلمة ومن.
والأمة يبذلون فى خدمته الجمل والتفاصيل، ويصنعون له ما يريد من النّزه، ويعملون ما شاءوا من تماثيل، والأسارى قد جعلوا بين يديه مقرنين فى الأصفاد، يشاهدون مدينة ماثلت إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
[4] وهو- خلدّ الله سلطانه- يسير الهوينا، وينظر بعين حبره هذا المحفل، ويقبل، وأسراؤه بين يديه كالليث أقبل للفريسة ينقل [5] ، وهم
__________
[1] جتور- جمع جتر وهو مظلة أو قبة من حرير تحمل على رأس السلطان فى موكب الصيد (القلقشندى:
صبح الأعشى، ج 4، ص 7- 8) .
[2] فى ص، وف «خلت» ولعل الصواب ما أثبته.
[3] سقط فى ص، وف. والإضافة عن السلوك 1: 1038) .
[4] سورة الفجر الآيتان 7، 8.
[5] كذا فى ص، وف. والمعنى غير مفهوم.
(32/47)

يشكرون حلمه [1] على السلامة من ريب المنون والأفواه تنطق بشكر الله إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [2]
وقد بهتوا لما رأوه من نعم الله التى تنوّعت له- خلد الله ملكه- حتى أتت كلّ نعمة فى وقتها، وعظمت فى عيونهم آيات الله سبحانه، ولسان الأقدار يتلو وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [3]
فلما نظروا بالأمس فى إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبرى، شاهدوا اليوم من سعادة هذا الملك الذى بنت له الأقدار بين السماء والأرض [51] مدينة فقالوا: هذه آية أخرى، واستقلّوا ما مرّوا به من المدائن والأمصار، وغدوا وعيونهم فى جنة وقلوبهم فى نار، واستصغروا ملكهم المخذول وملكه، وقالوا: غير عجيب لمن أقدم على هذا الملك أن يبدد جمعه، ويفرط سلكه، وتحققوا أنه من أوتى هذا السعد لا يؤخّر- إن شاء الله- إمساك كبيرهم وهلكه، ونودوا أن شاطروه فى السلاسل والقيود، والسيف يقول: ليس الأمر لمن يسمى- خديعة- محمودا، محمود ووصل مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد- قدس الله روحه- وأمراؤه قد بذلوا فى محبته نفائس النفوس، وجزيل الأموال، وأخاير الذخائر، وركبوا بالأمس للمناضلة عن دولته فى سبيل الله، وقد بلغت القلوب الحناجر، وترجّلوا اليوم فى خدمته تعظيما لشعائر سلطنته، وطلعوا فى سماء المعالى كالنجوم الزواهر، وصعد- خلد الله ملكه- تربة والده- رضى الله عنه- وأنوار النصر على أعطاف مجده لائحة، ودخلها فلولا خرق العوائد لنهض من ضريحه وصافحه، وشكر مساعيه التى اتصّلت بها أعماله، وكيف لا وهى أعمال صالحة [52] ، وقصّ مولانا السلطان- خلد الله ملكه- عند قبره المبارك من غزوته أحسن القصص، وأسهم من بركة جهاده أوفر الحصص، فلو استطاع- رحمه الله- أن ينطق لقال:
هذا الولد البار، والملك الذى خلفنى وزاد فى نصرة الإسلام وكسر التّتار،
__________
[1] كذا فى ص، ف.
[2] سورة غافر آية 71.
[3] سورة الزخرف آية 48.
(32/48)

ولو تمكّن- رضى الله عنه- لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد فى جنات وعيون، وبشره بما أعدّه الله لمن فقد من المجاهدين فى هذه الغزاة المبرورة بين يديه، وتلا عليه وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[1] ولأثنى على امرائه الذين فعلوا من المصابرة والمحافظة ما أوجبه حسن التهذيب منه- رحمه الله- وجميل التربية، وشكر عزائمهم التى ما ناداها أهل مملكة لكشف خطب إلا أجابوهم بمواقع التّلبية، واعتدّ بطاعتهم للميّت والحىّ، وموالاتهم التى ذاعت فى كل ناد وحىّ، والقرّاء حول ضريحه يتلون آيات الله التى كان- رضى الله عنه- بها عاملا، ولم يزل ربع تقواه بها آهلا، فشمل مولانا السلطان- خلد الله ملكه- الأنام بالصدقات المتوفرة، [53] وسمح من الذهب والفضة بالقناطير المقنطرة، وازدحمت الأمانى على سيبه كما ازدحمت الأعادى على سيفه، فكان كما قيل:
(قدّاح زند المجد لا تنفكّ من ... نار الوغى إلّا إلى نار [2] القرى)
وركب من التّربة الشريفة والرعايا يدعون بدوام دولته التى أضحت قواعد الأمن بها متينة، ويرتعون بالمدينة فى لهو ولعب وزينة.
وسار جواده بين حلىّ وحلل، فاستوقف الأبصار، فى مسلك حفّت به غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار.
وعاد إلى قلعته ظافرا عود الحلى إلى العاطل، وغدت ربوعه الموحشة لبعده بقربه أواهل، وطلعها فى أيمن طالع لا يحتاج معه إلى اختبار ولا رصد، وحلّت شمس ملكه فى برجها وكيف لا وهو فى برج الأسد، فالله تعالى يمتع الدنيا بملك حمى شاما ومصرا، وأذاق التتار بعزائمه مصائب تترى.
__________
[1] سورة آل عمران آية 169.
[2] البيت من مقصورة ابن دريد.
(32/49)

وحسبنا الله ونعم الوكيل
ولما صنّف المولى علاء الدين هذه الغزاة، وعرضت [54] على المسامع الشريفة السلطانية شمله الأنعام والتشريف السلطانى، ووفر حظّه من ذلك، وقد سمعت هذه الغزوة من لفظه، ونقلتها من خطه، وقد أتى فيما أورده بالواقعة المشاهدة، ووفّى بقوله: إن الغائب إذا وقف على خبره يكون كمن شاهده.
وقد وقفت أيضا على جملة مما صنّفه الفضلاء فى خبر هذه الغزاة، وهذا الذى أوردته أتمّها وأكملها وأكثرها استيعابا للواقعة من ابتدائها إلى انتهائها.
فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه.
وعمل أيضا الشعراء قصائد كثيرة يطول الشرح بإيرادها، وها نحن نذكر منها قصيدة نظمها القاضى الفاضل جمال الدين أبو بكر عبد القاهر بن الشيخ نجم الدين أبى عبد الله بن محمد بن عبد الواحد بن محمد التبريزى الشافعى قاضى عجلون وخطيبها وهى [1] :
__________
[1] روجعت القصيدة على النص الوارد فى كتاب «كنز الدرر وجامع الغرر» لأبى بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادارى بتحقيق هانس روبرت هويمر ج 9 طبعة الخانجى (ص 93- 100) .
(32/50)

الله أكبر جاء النّصر والظّفر ... والحمد لله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئه ... سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصّعب بالفتح المبين لكم ... ربّ يهون عليه المقفل العسر
ولم تزل شرعة الإسلام ظاهرة ... أجزم به فبهذا صحّح الخبر
أين النجوم وتأثير القران وما ... تخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا غير أمرهم ... وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
وأقبل العسكر المنصور يقدمه ... من الملائك جند ليس تنحصر
وقد أحفّوا به والأرض من زجل [1] ... ترتجّ إن سبّحوا لله أو ذكروا
كنانة الله مصر جندها ثبتت ... لا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم ... وهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدت ... أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
لله كم ديّنوا فى نصر دينهموا ... وأنفقوا فى سبيل الله ما ادّخروا
صانوا الجياد وسنّوا كلّ ذى شطب [2] ... وجدّدت للقسىّ النّبل والوتر
حماهم الله كم حاموا وكم منعوا ... وكم أغاثوا وكم آووا وكم نصروا
وخلّفوا خلفهم لذّات أنفسهم ... وهاجروا ولذيذ العيش قد هجروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة ... وبالركاب وما [3] ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا جلّقا [4] فى يوم ملحمة ... فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
__________
[1] فى ص، وف «رجل» والمثبت من المرجع السابق.
[2] ذو شطب: يعنى السيف. (لسان العرب) .
[3] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «ولا» .
[4] جلق: لفظ أعجمى، يطلق على كورة الغوطة كلها، وقيل يطلق على دمشق، وقيل موضع بقرية من قرى دمشق (معجم البلدان 6: 154) .
(32/51)

لها السّنابك فى الميدان قد حنيت ... صوالجا [1] ولها روس [2] العدا أكر [3]
والجوّ أغبر والتاتار [4] زاحفة ... مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا
وددت لو كنت بين الصف منجدلا ... قد ارتوت من دمى الخطية السّمر
وكوثر الحرب قد راقت مشاربه ... تحت العجاجة والأبطال تعتكر [56] [5]
والسيف ينشى بديعا من فواتره ... والرّمح ينظم والهامات تنتثر
والنّبل يخقط والأقلام كاتبة ... والضرب يعرب والأبدان تستطر
حتى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا ... ومدّ فيضا على أعدائنا جزروا
أصلوهم جاحما يشوى الوجوه وقد ... حمى الوطيس ونار الحرب تستعر
وأحرقتهم سراعا كلّ صاعقة ... من السيوف بنيران لها شرر
لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فما ... حمتهم قلل منها ولا مغر [6]
ومزّقوا شردا [7] بين الزحام فكم ... شلو تنازع فيه الذئب النّمر
أين المفر وقد حام الحمام بهم ... هيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر
نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهم ... فإن سألت فلا خبر ولا خبر
كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذرا ... والآن ناموا فلا خوف ولا حذر
قولوا لغازان يا ذا ما لعلّك أن ... تروع من مخلب الرّئبال يا بقر
__________
[1] الصوالج:/ جمع صولج وهو مضرب تضرب به الكرة، ويقال صلج الكرة إذا ضربها (محيط المحيط) .
[2] أى رءوس وخففت للوزن.
[3] الأكر- جمع أكرة، وهى لغة فى الكرة، وتعرف اليوم باسم بولو وشغف بهذه اللعبة معظم سلاطين المماليك وأمرائهم (كتاب السلوك للمقريزى، ج 1 ص 444، حاسية 1 للدكتور زيادة) .
[4] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «والأتراك.
[5] تعتكر: تختلط وتتشاجر (محيط المحيط) .
[6] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «صور» . ولعل الشاعر جمع مغارة على مغر.
[7] شرد: جمع شارد (لسان العرب) .
(32/52)

تلك الجموع التى وافى يدلّ بها ... تالله ما بلغوا سؤلا ولا نصروا
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلبا [1] ... ألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا
وسكّروا فى أراضينا مباذرة ... والآن قد حصدوا أضعاف ما بذروا
وافى بهم أجل يمشى على مهل ... حتّى محاهم فلا عين ولا أثر
لم ينفروا خيفة من كل قسورة ... وفرّ جمعهم إلّا وهم حمر
أموا الفرات وقد راموا النجاة فكم ... حلّت بهم عبر فيها وما اعتبروا
مرائر القوم من خوف قد انفطرت ... والكلّ من قبل عيد الفطر قد نحروا [57]
جميعهم قتّلوا صبرا [2] وأعظمهم ... جميعها بضواحى جلّق صبروا
لم يقبروا فى نواويس [3] ولا جدث ... وإنما فى بطون الوحّش قد قبروا
والطير ترعى نهارا لحمهم فإذا ... ما الليل جنّ ففى أقحافهم تكر
فخذ عزاءك فيهم إنّهم أمم ... هم اللّعاوس [4] إن قلّوا وإن كثروا
كم كابروا الحسّ فى قصد الشّام وكم ... قد جرّبوا حظّهم بالشام واختبروا
فقاتلوهم جميعا إنّهم تتر ... كم أرسلوا رسلهم تترى وكم مكروا
هبّوا إلى سيس من أحلام رقدتكم ... وسارعوا فى طلاب الثّأر وابتدروا
بكلّ غيران أخذ الرّوح همّته ... فى غير نفس المردّى ما له وطر
أيرقد اللّيل فى أمن وفى دعة ... عن كيد قوم لهم فى شأنكم سهر
__________
[1] القلب:/ جمع قليب للبئر أو البئر القديمة، أو للحفرة (محيط المحيط) .
[2] قتلوا صبرا أمسكوا ونصبوا للقتل، يقال للرجل يقدم فيضرب عنقه قتل صبرا (لسان العرب) .
[3] النواويس: جمع ناووس. وهو صندوق من خشب أو نحوه، تضع فيه النصارى جثة الميت. كذلك يقال لمقبرة النصار ناووس (المعجم الوسيط) .
[4] اللعاوس: جمع اللعوس، وهو الأكول الحريص، ومنه قيل للذئب لعوس (لسان العرب) .
(32/53)

إن تتركوهم فإنّ القوم ما تركوا ... يوما عليكم ولا أبقوا ولم يذروا
أما رأيتم وعاينتم وقد فعلوا ... فى الصّالحيّة ما لا تفعل التّتر
اشفوا صدوركم إن كنتم غيرّا ... على نسائكم يا قوم وادّكروا [1]
كم من عجوز ومن شيخ ومكتهل ... ومن فتاة نماها الحسن والخفر
بيضاء خرعوبة [2] بكر محجّبة ... لا الشمس تنظرها صونا ولا القمر
وذات بعل مخبّاة مخدّرة ... من دونها تضرب الأستار قد أسروا
ومطفل أثكلوا وجدا بمخولها [3] ... وحامل أجهضت خوفا وقد ذكروا
ومربع أقفروا من بعد ساكنه ... وعقد شمل نظيم جامع نثروا [58]
وكم أراقوا وكم ساقوا وكم هتكوا ... وكم تملّوا بما نالوا وكم فجروا
وحرّقوا فى نواحيها فواحربا ... وخرّبوا الشامخ العالى وكم دثروا
وجامع التوبة [4] المحروق مهجته ... يشير لا توبة للقوم إن ظفروا
إشارة تترك الأنفاس صاعدة ... لها الدّموع من الآماق تنحدر
لهم حزازات فى قلبى مخبّاة ... تكاد من حرّها الأكباد تنفطر
فما يثبّطكم [5] عن أخذ ثأركم ... هبّوا سراعا وخافوا اللّوم يا غير
وفّوهم الحرب إنصافا ومعدلة ... وحرّروا نوب الأيّام واعتبروا
__________
[1] ادّكروا: أى تذكروا واتعظوا (لسان العرب) .
[2] الخرعوبة: الشابة الحسنة الخلق، الرخصة البيضاء الجسيمة (محيط المحيط) .
[3] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «بواحدها» .
[4] جامع التوبة: ويقع بالعقيبة، أنشأه الملك الأشرف أبو الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب فى سنة 632 هـ، وكان يعرف قديما بخان الزنجارى، وكان به كل مكروه من القيان وغيره (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 426) .
[5] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «فما قعادكم عن أخذ ثأركم» .
(32/54)

لا يظلمن بعضكم بعضا بخردلة ... ولا يدع عنده حقّا ولا يذر
وسارعوا واقتلوهم إنّهم قتلوا ... وبادروا وأسروهم مثلما أسروا
جوسوا [1] ديارهم واسبوا حريمهم ... وأوقروا ضعف ما أوعوا وما وقروا
سجلا [2] بسجل فإنّ الدّهر ذو نوب ... من ذا يغالب ما يأتى به القدر
بزّوهم [3] الملك قهرا عن جواركم ... وخرّبوا كلّ ما شادوا وما عمروا
فما [4] يفكر فى أدبار عاقبة ... ويحزم الأمر إلّا من له نظر
ولا يعاف شراب الذّل عن ظمأ ... ويومق [5] العزّ إلّا من له خطر
فمهّدوا بالظّبا مجرى سوابقكم ... ما يرفع الذّكر إلا الصّارم الذكر
وخلّدوا فى المعالى ما نعنعنه [6] ... عنكم وتروى به الأخبار والسّير
فكلّ ذنب جناه الدهر معتمدا ... فى جنب ما أبقت الأيّام مغتفر [59]
يا أهل جلّق أمنا فى مساكنكم ... وعاملوا الله ربّ العرش وانزجروا
صوموا وصلّوا وزكّوا وارحموا وصلوا ... وابغوا النّجاة وحجّوا البيت واعتمروا
ذروا [7] التّكاثر فالدّنيا لمن زويت ... فى جنب ما وعد الرّحمن تحتقر
فالوقت أقرب والأنفاس سائرة ... والعمر [8] منصرم والمرء محتضر
ولا تخافوا من التاتار مجلبة ... من بعد ما ارتفع التدليس والغرر [9]
__________
[1] كذا فى ص، وف وفى كنز الدرر «وخربوا دارهم إلخ» .
[2] سجلا بسجل: أى نصيبا بنصيب، ومنه الحرب سجال (لسان العرب) .
[3] بزوهم: يقال بز الشئ إذا انتزعه وغصبه وسلبه (لسان العرب) .
[4] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «فما يفكر فى الأدبار عاقبة) .
[5] يومق: يرغب، يحب، يود (لسان العرب) .
[6] نعنعنه: عنعن الراوى قال فى روايته عن فلن عن فلان إلخ. (المعجم الوسيط) .
[7] كذا فى ص، وفى كنز الدرر «دعوا التكاثر» .
[8] كذا فى ص، وف كنز الدرر «والعيش منصرم والعمر مختصر» .
[9] الغرر: يعنى المخادعة «لسان العرب» .
(32/55)

لم يطلبوا جلّقا بغيا بظلمهم ... إلا وردّوا على الأعقاب وانكسروا
حاشا دمشق من الأسواء [1] تطرقها ... أو أن تغيّرها عن وصفها الغير
ملائك الله تحميها وتحرسها ... تعاقبا ولها من ربّها خفر
وفى جوار خليل الله ما برحت ... وحضرة القدس قل لى: كيف تحتقر
بالله عدوى [2] على من رامها بأذى ... وبالخليفة والسلطان أنتصر
هما ملاذكم فى كلّ نائبة ... بالرّوح أفديهما والسمع والبصر
إذا [3] تأمّلت فحوى سر حكمهما ... لم تدر أيّهما فى عدله عمر
ولو رأيتهما يوما لخالك أن ... موسى بن عمران قد وافاك والخضر
هما رضيعا لبان عفّة وتقى ... وحسن ذكر شذاه فائح عطر
فذا [4] مليك لكم طابت أرومته ... وذا أمير بأمر الله يأتمر
أبو الربيع سليمان الذى شهدت ... بفضله المستفاض [5] البدو والحضر
وزمزم والصّفا والمأزمان [6] معا ... والبيت يعرفه والحجر والحجر [60]
خليفة الله فى الدنيا وطاعته ... فرض عليكم وهذا القول مختصر
ما زال مستكفيا بالله معتصما ... مستنصرا مستعينا وهو منتصر
لولاه فى الأرض قد مادت جوانبها ... وما سقاها إذا غيث ولا مطر
__________
[1] الأسواء- جمع السوء: وهو القبيح (المعجم الوسيط) .
[2] بالله عدوى: أى بالله مسعاى.
[3] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «لما تألمت» .
[4] كذا فى ص، وف. كنز الدرر «فذاك ملك» .
[5] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «المستقام» .
[6] المأزمان: تثنية مأزم. وهو مكان بمكة بين المشعر الحرام وعرفه، وقيل هما جبلا مكة (معجم البلدان) ويقول البلازرى فى معالم مكة ص 241 هو طريق ضيق بين الجيلين يأتى من المزدلفة من جهة عرفة، يدفع الحاج من عرفة إلى المزدلفة إلا منه.
(32/56)

خليفة من بنى العباس باقية ... به إلى الله نستسقى فنمتطر
ضاهت يداه عهاد [1] الغيث فانهملت ... والغيث مندفق الشؤبوب [2] منهمر
لو مسّ عودا يبيسا بطن راحته ... أعاده وهو رطب يانع خضر
ماذا أقول بمدحيه وقد تليت ... فى مدح آبائه الآيات والسّور
جاءت بنعتهم التوراة معربة ... ومحكم الذّكر والإنجيل والزّبر
به إلى الله ضجّوا فى حوائجكم ... وبعده بالمليك الناصر انتصروا
ملك أعيد به عصر الشّباب لكم ... مسترغدا [3] صافيا واستؤنف العمر
ترى الملوك صفوفا حوله زمرا ... من فرط هيبته لا يرجع البصر
تذلّ أعناقهم صغرى لطاعته ... وليس يعصونه أمرا إذا أمروا
صونوا جيادكم اللّاتى بكم لجبت [4] ... فى بارق الحرب والرمضاء تستعر
إنّا لنرجوه من بغداد ينهلها ... بماء دجلة يرويها فتصطدر
ويجمع الشمل فى دار السّلام بمن ... يودّها ويؤدون الذى نذروا
يؤمّها وإمام المسلمين معا ... ثقوا بقولى فهذا منه منتظر
فالشام وافاه مع بغداد فى قرن [5] ... ومصر فى ملكه والبرّ والبحر [61]
والعرب والعجم فى ميمون قبضته ... ومن سطى بأسه قد حارت التتر
تنشّروا فى الفلا سود الوجوه وقد ... طوى بأبيضه البتّار ما نشروا
__________
[1] عهاد الغيث: المطر الأول (لسان العرب) .
[2] الشؤبوب: الدفعة من المطر (لسان العرب) .
[3] كذا فى ص، وفى. وفى كنز الدرر «مستوردا صافيا واستوفق العمر» .
[4] فى ص، وف «هميت» ولعل الصواب ما أثبته. واللجب صهيل الخيل.
[5] فى قرن: أى مجتمعة من قرى ى ى ى ى ى ى بالشئ إذا ضمهما بحبل ونحوه (لسان العرب) .
(32/57)

فدام للدّين والدنيا يسوسهما ... فكنّ فيه له حزر ومستتر
وعمره الجمّ أعياد مجدّدة ... وأشهر بعزيز النصر تشتهر
على الدّوام ولا زالت مدائحه ... تفشى وغرّ القوافى فيه تبتكر
وافاكم بعزيز النّصر فى نفر ... وقاهم الله. ما أو فاهم نفر
قد [1] أيقنوا أنهم جادوا بأنفسهم ... من أجل ذا ظهر الإسلام مذ ظهروا
كم فرّجوا مأزقا ضنكا بمعترك ... وكابدوا فى مجال الموت واصطبروا
فبيّض الله منهم أوجها كرمت ... فإنّهم بالأيادى البيض قد غمروا
وحاطهم أين ما كانوا ولا برحوا ... فى ذمّة الله إن غابوا وإن حضروا
هذا ما كان من خبر هذه الغزوة المباركة ونبذة مما قيل فيها، فلنرجع إلى سياق حوادث سنة اثنتين وما وقع فيها خلاف ما قدمناه. وفى سنة اثنتين وسبعمائة صام الحنابلة من أول شهر رمضان على عادتهم فى الاحتياط، واستكمل الشافعية والمالكية عدّة شعبان [62] ، فلما مضى ثلاثون يوما من صوم الحنابلة لم ير الهلال فأفطروا تكملة للعدّة من يوم صيامهم، وأقاموا الخطبة، وصلّوا صلاة العيد، وصام من عداهم من الشافعية وغيرهم ذلك اليوم الذى عيّد فيه الحنابلة وعيّدوا فى اليوم الثانى. وأقاموا الخطبة، فحصل الإنكار الشديد من نائب السّلطنة فى الشام على متوّلّى نابلس، وهو يومئذ:
بدر الدين الصّوابى؛ كونه مكّن من ذلك ولم يجمع الناس على يوم واحد، ولم يسمع بمثل هذه الوقائع فى بلد واحد. وأما البلاد المتباعدة فقد تختلف مطالعها.
ومن غريب ما وقع فى شهر رمضان ما حكاه ناصر الدين محمد بن عليا بن محمود ابن سليمة الأغرناطى: أنّ أهل أغرناطة [2] صاموا فى بعض السنين
__________
[1] كذا فى ص، وف. وفى كنز الدرر «قد أبطنوا» .
[2] أغرناطة: هى غرناطة من أشهر مدن الأندلس وكانت مركزا حضاريا فى عهد حكامها وأعظمها وأحسنها وأحصنها، تقع فى كورة البيرة، ومن أهم أثارها العربية قصر الحمراء الذى يعد رائعة الأندلس (ياقوت:
معجم البلدان) .
(32/58)

شهر رمضان ستة وعشرين يوما. وذلك أنّ الغيوم تراكمت عندهم عدّة شهور قبل شهر رمضان. فاستكملوا عدتها وصاموا شهر رمضان بعد استكمال شعبان وما قبله. ومن عادة أغرناطة أنّ أهلها يحتفلون فى ليلة السابع والعشرين [1] من شهر رمضان، يوقدون المآذن كما تفعل أهل مصر والشام فى نصف شعبان، فلما صعدوا ليوقدوا المآذن- على عادتهم- أقلعت الغيوم فرأوا الهلال وهو هلال شوال؛ فأفطر الناس وعيّدوا، وقضوا صيام أربعة أيام، وهذا أيضا غريب.
ومن غريب الاتفاق فى رؤية الهلال أن الناس بدمشق طلعوا إلى المئذنة لارتقاب هلال رمضان، والحاكم يومئذ بالشام قاضى القضاة شهاب الدين الحموى، وكانت الغيوم قد عمّت السماء، فطلع الناس للعادة مع تحقيقهم أنهم لا يرون شيئا، فاتفق عند ارتقابهم مطلع الهلال انفراج دائرة من الغيم ظهر من تحتها الهلال، فلما عاينه الناس التأم الغيم لوقته، وصام الناس عن رؤية ويقين، وما علمت كان هذا فى أى سنة وإنما نقله لى ثقة أرجع إلى نقله.
ذكر حدوث الزلزلة
وفى يوم الخميس الثالث والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وسبعمائة عند طلوع الشمس، حدثت زلزلة عظيمة بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية كلها، ودمشق والشام أجمع والسّواحل والجبال الشامية، وكان معظمها بالديار المصرية، فهدمت منائر كثيرة، منها: منائر الجامع الحاكمى وشعّثته، وهدمت بعض جدرانه، وتشقّقت مئذنة المدرسة المنصورية على عظمها، وإتقان بنائها، حتى دعت الضرورة إلى هدمها وإعادتها، وهدمت منارة الجامع الظافرى بالقاهرة [2] ومنارة الجامع الصالحى وغير ذلك، وشعثت جدر جامع عمرو بن العاص بمصر، وانهدم بسببها كثير من العمائر، وأقامت مقدار مضى خمس درج، وكانت مزعجة، وأثرّت بالإسكندرية أثرا عظيما هدمت أكثر المنارات وبعض الأسواق وغرق جماعة كثيرة عند مده وعوده وعدم قماش التجار وجزر
__________
[1] هنا ينتهى السقط فى ك.
[2] هذا اللفظ من ص.
(32/59)

البحر الملح حال الزلزلة، وانطرد عن مكانه. ثم مدّ حتى دخل الصناعة، ووصل إلى الأسوار الذى كان عند القصارين بجملته، وأثرّت هذه الزلزلة بصفّد أثرا عظيما، وسقط جانب من قلعتها، وانطرد البحر بعكّا حتى انكشف ما بين عكّا وبرج الذّبّان [1] الذى بالبحر [2] ومسافته بعيدة، وظهر أنه كان [3] بساحلها أشياء مما ألقاه أهل عكّا فى البحر لما حاصرها المسلمون، فتبادر من كان هناك بالنزول لأخذ ما ظهر لهم، فجاء الماء أمثال الجبال فغرقوا، ووصل فى مدّه إلى قرب تل الفضول، وخربت دمنهور الوحش- وهذه مدينة أعمال البحيرة- خرابا شنيعا؛ وأبيارا [4] ، وغير ذلك من البلاد، ولعظم هذه الزلزلة بالديار المصرية أرّخ كثير من العوامّ بها فهم يذكرونها إلى وقتنا هذا.
ولمّا أثّرت هذه الزلزلة بالجوامع ما أثّرت، اهتمّ الأمراء بالديار المصرية بها، فعمرّ الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما تشعّث بجامع عمرو بن العاص بمصر، وعمّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، جامع الحاكم بالقاهرة، وجدد مآذنه وسقوفه، وبيّضه وبلّطه، وأصلحه إصلاحا جيّدا حتى عاد أحسن مما كان، ووقف عليه أوقافا متوفرة، ورتّب فيه من الدروس ووجوه البرّ والخير ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة ثلاث وسبعمائة.
وأعيدت المئذنة المنصورية من مال الوقف ليصرفه، وصرف فى عمارتها فى نصفها الذى هدم وهو من سطح القبّة إلى انتهائها ما عدا ما يقارب تسعين ألف درهم، خارجا عمّا استعمل من أحجارها المنقوضة منها، وعن تفاوت أجر الأسرى وما حمل على ذوات [5] مرمات الوقف.
__________
[1] برج الذبان: برج فى وسط البحر مبنى على الصخر على جانبى ميناء يحرص به ومتى عبره الراكب أمن غائلة العدو (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 217) .
[2] فى ص، وف «فى البحر» .
[3] كذا فى ك، وف. وعبارة ص «وظهر لبعض من كان- إلخ» .
[4] أبيار: هى بلدة من بلاد محافظة الغربية، وتقع على بحر سيف شرقى كفر الزيات (على مبارك: الخطط التوفيقية 8: 28، محمد رمزى: القاموس الجغرافى، ج 2، ق 2، ص 119) .
[5] فى ك «دواب» والمثبت من ص، وف.
(32/60)

وندب لعمارتها الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، وعادت أحسن ما كانت، وعمّر ما تشعّث من الجامع الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وعمّر الجامع الصّالحى الذى هو خارج باب زويلة، والجامع الظافرى من الأبواب السلطانية، وعمرت سائر الأماكن والمساجد [12] التى تهدمت بالقاهرة ومصر حتى عادت أحسن مما كانت والحمد لله وحده [1] .
وفى هذه السنة توفّى فارس الدين ألبكى الساقى المنصورى [2] ، نائب السّلطنة بحمص، فى يوم الثلاثاء ثامن ذى القعدة بها، وفوضّت نيابة السّلطنة بحمص بعده إلى الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى نقل إليها من صرخد.
وتوفّى الأمير سيف الدين سنقر العين تابى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق فى ليلة الجمعة ثامن عشر ذى القعدة، ودفق بسفح قاسيون رحمه الله، وتوفّى بدمشق الشيخ الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد بن أبى الفتح محمود الشّيبانى المعروف بابن العطار [3] ، أحد أعيان كتّاب الدّرج بدمشق، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذى القعدة، وصلّى عليه بالجامع، الرابعة من النهار، ودفن بتربته بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى فاضلا ديّنا خيّرا، سمع الكثير من الحديث النبوى، وله نظم ونثر.
ذكر وفاة الأمير زين الدين كتبغا المنصورى وهو الملك العادل [4]
كانت وفاته يوم الجمعة- رحمه الله تعالى- وهو يوم عيد الأضحى من سنة اثنتين وسبعمائة بحماه، ونقل منها ودفن بتربته بجبل الصالحية بدمشق،
__________
[1] فى ص «والحمد لله تعالى» .
[2] هو ألبكى بن عبد الله الظاهرى- الأمير فارس الدين (الوافى بالوفيات 9: 351، والدرر الكامنة 1: 432، والنجوم الزاهرة 8: 96، والدليل الشافى 1: 147) .
[3] وانظر ترجمته فى الوافى بالوفيات 8: 167، والبداية والنهاية 14: 27، والنجوم الزاهرة 8: 203، والدليل الشافى 1: 88.
[4] وانظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 27، والدرر الكامنة 3: 348، والنجوم الزاهرة 8: 55- 70، والدليل الشافى 2: 553، وشذرات الذهب 6: 5.
(32/61)

وقد قدّمنا من أخباره وتنقلاته وتقلب الأيام به من الأسر فى حال شبيبته والمبيع، ثم الإمرة ونيابة السلطنة، ثم السّلطنة والخلع، والإمرة والنّيابة عن السّلطنة بحماه ما يستغنى عن إعادته.
ولمّا مات فوّضت نيابة السّلطنة بحماه بعده إلى الأمير سيف الدين فبجاق المنصورى، نقل إليها من نيابة الشوبك- والله أعلم.
واستهلت سنة ثلاث وسبعمائة.
ذكر الجلوس بالمدرسة الناصرية [1] والقبة وأوقاف ذلك وشروطه
فى هذه السنة فى أوّلها فتحت المدرسة المباركة النّاصرية، والقبّة الشريفة، وانتصب المدرسون والفقهاء بالمدرسة، والقراء بالقبّة، وجلس شيخ الحديث برواق القبة- وفوّض التدريس بالمدرسة لمن نذكرهم، وهم: قاضى القضاة زين الدين على المالكى [2] ، والطائفة المالكية جلسوا فى الايوان القبلى بالمدرسة بمقتضى شرط الواقف لهم، وقاضى القضاة شمس الدّين أحمد السروجى [3] الحنفى، والطائفة الحنفية جلسوا فى الإيوان الغربى، وقاضى القضاة شرف الدين عبد الغنى الحرانى الحنبلى [4] ، والطائفة الحنابلة بالايوان الشرقى وكان جلوسهما بهذين الإيوانين بخلاف شرط الواقف، فإنه جعل الإيوان
__________
[1] المدرسة الناصرية: نسبة إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان أصلها دارا عرفت بالأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، واشتراها الملك العادل كتبغا وشرع فى بنائها مدرسة ولكنه خلع قبل أن يتمها واشتراها الناصر محمد وأتمها، وعمل لها الأوقاف الجليلة. ومكانها حاليا بشارع المعز لدين الله الفاطمى بجوار مسجد ومستشفى قلاوون (المقريزى. المواعظ، ج 2، ص 382، الخطط التوفيقية، والسلوك 1: 951) .
[2] هو على بن مخلوف بن ناهض النويرى، زين الدين. توفى سنة 713 هـ على الخلاف، وانظر الدرر الكامنة 3: 202، والدليل الشافى 1: 484، وحسن المحاضرة: 1: 458 وشذرات الذهب 6: 49.
[3] هو أحمد بن إبراهيم بن عبد الغنى الحنفى، شمس الدين أبو العباس السروجى المتوفى سنة 710. (انظر البداية والنهاية 14: 60، والدرر الكامنة 1: 91، والطبقات السنية 1: 300، والدليل الشافى 1: 234) .
[4] هو عبد الغنى بن يحيى بن محمد بن أبى بكر بن عبد الله بن نصر بن محمد بن أبى بكر الحرانى الحنبلى، المتوفى سنة 709 هـ (انظر البداية والنهاية 14: 56، والدرر الكامنة 2: 498، وحسن المحاضرة 6: 481، 2: 191، والنجوم الزاهرة 8: 278، والدليل الشافى 1: 421) .
(32/62)

الشرقى للحنفية، والإيوان الغربى للحنابلة، فجلسا على عكس الشرط، ولعل ذلك عن غير قصد، ثم انتقض ذلك على ما نذكره.
وجلست كل طائفة منها فى المكان المعيّن لها بشرط الواقف، وجلس القاضى صدر الدّين محمّد بن الشيخ زين الدين المعروف بابن المرحّل [1] ، والطائفة الشّافعية بالإيوان البحرى، وحضر درسه الأمير عز الدين أيبك البغدادى وزير الدّولة ومدبّرها.
وهذه المدرسة والقبة كان أنشأهما الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى فى أيام سلطنته، واشترى أرضهما، وكانت دارا تعرف بالرشيدى، وحمّاما ومساكن، [13] فابتاع ذلك وهدمه، وأنشأقبّة ومدرسة. وكملت عمارة القبة، وبنى من المدرسة إيوانها القبلىّ وبعض ما يليه، ثم خلع الملك العادل من السلطنة- كما تقدم- فغلّقت المدرسة وبطلت عمارتها، فلما عاد السلطان الملك النّاصر إلى السلطنة ثانيا فى سنة ثمان وتسعين وستمائة. حسّن له قاضى القضاة زين الدين المالكى ابتياعها وتكملة عمارتها وإتقانها، فابتاعها وعوّض الملك العادل، عن ثمنها حصصا من ضياع من أملاكه بدمشق، وحصل الشروع فى عمارتها، وعيّن لها من الأملاك السلطانية ما يوقف عليها، وكان المعيّن لذلك قاضى القضاة زين الدين المالكى، وهو يومئذ ناظر الأملاك السلطانية التى ورثها السلطان عن والده وإخوته، والمبتاعة من أجر أملاكه، وكانت أجرتها فى كل شهر بالقاهرة وظواهرها خاصة تزيد على ثمانية عشر ألف درهم.
ولما عزم السلطان على الحركة إلى الشام للقاء غازان وحزبه عند طروقه الشام وقف القبّة والمدرسة، ووقف على مصالحهما من أملاكه [2] ما يذكر،
__________
[1] هو محمد بن عمر بن مكى بن عبد الصمد صدر الدين ابن المرحل، المتوفى سنة 716 هـ (انظر الوافى بالوفيات 4: 264، وفوات الوفيات 4: 13، والدرر الكامنة 4: 234، والبداية والنهاية 14: 80، وطبقات الشافعية 9: 53، والنجوم الزاهرة 9: 233، وذيول العبر ص 90، والدليل الشافى 2: 668، وحسن المحاضرة 1: 419.
[2] «ومن أملاكه» ساقطة من ك، والمثبت من ص، وف.
(32/63)

وذلك فى الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وتسعين وستمائة قبل استقلال ركابه الشريف إلى الشام بيومين، وكان قاضى القضاة زين الدين قد رتّب كتاب وقف [1] ، جعل النظر فيه على الوقف، والمدرسة والقبّة لنفسه أيام حياته، ثم من بعده للأرشد فالأرشد من أولاده وأولادهم وذريّتهم، ثم من بعدهم لقاضى القضاة المالكى، وشرط أيضا التدريس فى إيوان المالكية لنفسه ولأولاده من بعده، وكتب الكتاب ووقع الإشهاد على السلطان فيه بذلك، فضاق شهاب الدين أحمد بن عبادة من ذلك، وكان قاضى القضاة زين الدين قد استخدمه مشارفا بالديوان الناصرى، وتقدم عند السلطان، وأوضح للسلطان أمر الوقف وبيّنه له، وقال: إن قاضى القضاة إنّما جعل هذا لنفسه ولأولاده وذرّيّته ولم يجعل للسلطان ولا لعتقائه فى ذلك شيئا، وحسّن للسلطان تغيير كتاب الوقف، وأن يجعل النظر فيه لعتيقه الطواشى شجاع الدين عنبر اللّالا ومن بعده للأمثل فالأمثل من عتقاء الواقف، ثم عتقاء والده؛ ففعل ذلك، وجعل له أن يتناول من ريع الوقف المذكور فى كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة [2] مدة حياته.
وجعل لمن يؤول النظر إليه بعده فى كل شهر مائتى درهم، وأبطل الكتاب الأوّل وثبّت الكتاب الثانى.
وسألت شهاب الدين بن عبادة عن السبب الحامل له على إخراج النظر عن قاضى القضاة ونقله إلى غيره. فقال: إنه جعل النّظر والتّدريس لنفسه ولأولاده من بعده، وما جعل لى منه نصيبا، ولا ذكر لى وظيفة، وكنت طلبت منه أن يجعلنى مشارفا بشرط الواقف فشحّ علىّ بذلك، فأخرجت النّظر عنه وعن ذرّيته.
وقد رأيت أن أذكر ملخّص ما تضمّنه كتاب وقف القبّة والمدرسة، وما رتب فيهما فيه من أرباب الوظائف، وما شرط لهم من المعلوم، وما شرط
__________
[1] كذا فى ص، وف وفى ك «وقفه» .
[2] الدراهم النقرة: الأصل فيها أن يكون ثلثاها من فضة، وثلثها من نحاس، وتضرب بدور الضرب وتطبع بالسكة السلطانية، وتكون منها دراهم صحاح، وفراضات مكسرة، والعبرة فى وزنها بالدراهم، وهو معتبر بأربعة وعشرين قيراطا وقدر بست عشرة حبة من حب الخروب، فتكون كل خروبتين ثمن درهم، وهى أربع حبات من حب البر المعتدل (صبح الأعشى 3: 443) .
(32/64)

عليهم، والجهات الموقوفة على ذلك، وما يتحصل من أجورها فى كل شهر وألخص المقاصد فيه مع عدم الإخلال بها، ولا أحذف منها إلّا حشو الكتاب الذى لا يخل حذفه بالمعنى، وأورد ذلك بمقتضى كتاب الوقف وارتفاع الجهات الموقوفة بمقتضى حساب المباشرين، والذى حملنى على ذلك وأوجب لى إيراده فى هذا الكتاب مع ما فيه من الإطالة والخروج عن القاعدة التاريخية ما وقع فى مثل ذلك من إخفاء كتب الأوقاف إذا تطاول عليها المدد، وبعد العهد بالأوقاف والشروط، وتداولها النّظّار والمباشرون واستولوا على الأوقاف وغيّروا المصارف عن شروط الواقفين، ونسبوها إلى العادة، فيخرج عن شرط الواقف إلى رأى المباشرين [1] ، وعادة الصرف. ثم بعثنى على ذلك وأكّده عندى ما وقع فى هذه المدرسة المباركة فى ابتداء أمرها مع بقاء واقفها- خلد الله سلطانه- وتوفر الداعى على ملاحظتها، ونصب [2] قضاة القضاة وأعيان العلماء ونبلاء الفقهاء فى دروسها، ومع ذلك كلّه حصل الخروج فيها عن شرط واقفها فى كثير من أحوالها، واختصر المرتب عن شرط الواقف مع توفّر المال وزيادته عن كفاية الشروط، وإنما ظهر ذلك عند وفاة ناظرها الطواشى شجاع الدين فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وظهور كتاب الوقف، ولعلّ الناظر المذكور لم يفعل ذلك عن علم واطلاع على الشّروط، وإنما فعله عن اغفال وإهمال وجهل وعدم احتفال بإمعان النظر فيما أسند إليه، واعتمد فيه عليه [14] ، فلما أسند النّظر إلى أهله، وانتهى إلى من يتحرىّ الصّواب فى قوله وفعله، أجرى الأمور فيها على شرط واقفها، وصرف أموالها فى وجوه مصارفها، وما عدل عن شرط الواقف ولا خرج، ولا اعتمد ما يترتب عليه فيه أدنى حرج [3] ، والذى تضمنه كتاب الوقف الثانى الصادر عن مولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين أبى المعالى محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحى- خلد الله تعالى سلطانه، وأفاض على الكافة عدله وإحسانه- أنه وقف جميع المكان أرضا وبناء، وما هو من حقوقه،
__________
[1] فى ص «المباشر» .
[2] ما بين الرقمين بياض ك. وما أثبته من ص، وف والسلوك 1: 1042.
[3] فى ك، وف «إذا خرج» والتصويب من ص.
(32/65)

والساحة التى هى أمام المكان المذكور التى هى من حقوقه، وذلك بعد أن كملت عمارة القبة، وقبل أن تكمل عمارة المدرسة، وشرط تكملة عمارتها وإنشاء المئذنة، فقال بعد الوصف لها والتحديد ما معناه [1] بعد ذكر ألفاظه وتحرير مقاصده:
أمّا القبّة فإنه وقفها للقرّاء بها، وشيخ الحديث
والإمام والمؤذنين والقومة والفراشين والخدّام والمترددين والمجتازين [2] لها للصلوات وأداء الفرائض والواجبات، وسماع [3] القرآن العظيم وحديث النبى- صلى الله عليه وسلم- خلا موضع الضّريح الذى بوسط القبة فإنّه مرصد للدّفن، وخلّى بينهم وبين القبّة المذكورة، وأذن لهم فى الدخول إليها والصلاة فيها على العادة فى مثل ذلك، فصار لا حقّ له فيها إلا كسائر الناس أجمعين، وجعل للناظر أن يرتّب بالقبة المذكورة إماما يؤمّ بالمسلمين فى الصلوات الخمس، ويفعل ما يفعله الأئمة على ما يراه الناظر من المذاهب، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف له فى كل شهر- بالهلال- ثمانين درهما أو ما يقوم مقامها، ويرتّب فيها شيخا لإقراء الحديث النّبوى ينتصب فى المكان الذى يعيّنه الناظر منها فى الوقت الذى يجعله له لمن يقصده، ويشغل عليه به، أو لسماع الحديث وتصحيحه، ويصرف له من ريع الوقف فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة ويرتب بها من القراء الحافظين لكتاب الله العزيز خمسة وعشرين نفرا على ما يراه فى ترتيبهم فى النوبة، يقرءون ما تيسر لهم قراءته ليلا ونهارا فى الوقت الذى يعيّنه لهم ويدعون عقيب قراءتهم للواقف ووالديه بالرحمة والرضوان وجميع المسلمين، ويصرف لهم فى كل شهر خمسمائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتّب بالقبة والمدرسة من المؤذنين ثمانية نفر يجعل من العدد رئيسين [4] عارفين بالأوقاف يعلنون بالأذان الشرعى فى المئذنة التى تنشأ على الباب ليلا ونهارا وإقامة الصلوات والتسبيح، والتذكار فى الأسحار
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «مع ذكر بعض ألفاظه» .
[2] فى ك «والمجتازين» والمثبت من ص، وف، والسلوك 1: 1043.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «واستماع» .
[4] فى ك «رقيبين» والمثبت من ص، والسلوك 1: 1044.
(32/66)

على ما يراه الناظر متناوبين أو مجتمعين، وعلى ما يراه من ترتيبهم فى القبة والمدرسة، ويصرف لهم فى كل شهر مائتى درهم وثلاثين درهما نقرة يصرف للرئيسين فى كل شهر ثمانين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويصرف للستّة الباقين فى كل شهر مائة درهم وخمسين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتب بالقبة من القومة اثنين يقومان بخدمة القبة المذكورة والإيوان والساحة التى من حقوقها، ووقود مصابيحها، والكنس والتنظيف والغسل للصحن المرخم، ودائره والسقاية التى للقبّة وإماطة الأذى عن ظاهرها كعادة القومة فى مثل ذلك. ويصرف لهما فى كل شهر ثمانية وخمسين درهما نقرة أو ما يقوم مقامها على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها ثلاثة من الفراشين الذين خبروا الخدمة، يقومون بفرش القبّة المذكورة، ورفع فرشها فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ويفعلون ما يفعله مثلهم فى مثل ذلك، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وواحدا [1] وستين درهما نقرة، من ذلك ما يصرف للحاج صبيح القطبى أحد الفراشين مائة درهم نقرة فى كل شهر، أو ما يقوم مقامها من النقود مادام حيّا مباشرا، وباقيها لرفيقيه [2] بينهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل. فإن توفّى صبيح المذكور، أو تعذر مباشرته بسبب من الأسباب وزال استحقاقه عوّض الناظر مكانه غيره من شاء [3] ، ويصرف له أسوة برفيقيه [15] والباقى منه يعود فى مصالح الوقف.
ويرتب بها أربعة من الخدام من عتقاء الواقف، فإن لم يوجد من عتقائه فمن عتقاء والده. ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وستين درهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل، فإن لم يوجد من عتقائه ولا عتقاء والده وتعذرت مباشرة الخدام بوجه من وجوه التّعذّرات رجع ما كان يصرف لهم على المصالح المذكورة.
__________
[1] فى الأصول «وأحد» .
[2] فى ك «لرفيقه» والتصويب من ص، والسلوك 1: 1044.
[3] فى ك «ما» والمثبت من ص، والسلوك 1: 1044.
(32/67)

ويرتب بها بوّابا حافظا لها يحتاط فى الداخلين والخارجين، ويمنع المرتبات بهم، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ولا يترك الباب [1] إلا لعذر ويستخلف مكانه زمان [2] غيبته، ويصرف له فى كل شهر عشرين درهما أو ما يقوم مقامها.
ويصرف فى ثمن زيت يستصبح به بالقبة المذكورة وما حوته من الأماكن ما يراه، وفى ثمن حصر من العبادانى الأحمر أو الأبيض بحسب ما يراه، وفيما يحتاج إليه من القناديل والبصّاقات والسلاسل والأباريق والكيزان، وجميع ما يحتاج إليه ما يراه.
وأما الموضع الذى فيه الأواوين الأربعة وما به من البيوت السفلية والعلوية والقاعة المجاورة للإيوان القبلى وما حواه من الأبنية فإنه وقف ذلك على المدرسين بها، والمعيدين والفقهاء المتفقهين بها المشتغلين بالعلم الشريف على مذاهب الأئمة الأربعة، وعلى الإمام والمؤذنين والقومة والبوّاب بهذه المدرسة وغير ذلك، يسكن بها المدرسون والمعيدون والفقهاء والأئمة فى بيوتها للاشتغال بالعلم الشريف، ويؤدى كل واحد منهم ما يلزمه بهذه المدرسة على العادة فى مثلها وعلى المترددين بهذه المدرسة، والمجتازين للصلوات وأداء الفرائض، وخلّى بين المسلمين وبينها تخلية شرعية، وأذن لهم فى الصلاة فيها، وصار حكمها حكم سائر المدارس.
وجعل للناظر أن يرتب بالمدرسة المذكورة فى كل من أواوينها الأربعة مدرسيها على المذاهب الأربعة، ينتصب المدرس المالكى المذهب بالإيوان القبلى، والمعيدون المالكية والطلبة المالكية فى الوقت الذى يعين فيه، وهو ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، أى وقت رآه المدرس من ذلك لإلقاء فروع مذهبه، وما تيسر له من إلقائه من تفسير وأصول وغير ذلك، بحيث يلازم الجلوس على العادة فى الوقت المعيّن بعد أن يتيمّن كلّ واحد من المدرسين هو وجماعته بقراءة ما تيسّر من القرآن الحكيم، إمّا من ربعة [3] أو من
__________
[1] كذا فى ص، وف. وفى ك «البيات» .
[2] فى ص «زمن» .
[3] الربعة: تطلق على المصحف المجزء إلى أجزاء كل جزء فى تجليدة خاصة مستقلة عن غيرها.
(32/68)

صدورهم، ويدعون عقيب ذلك للواقف، وسائر المدرسين. ويعيّن من المعيدين المالكية ما يراه الناظر من العدد.
وكذلك ينتصب المدرس الشافعى المذهب بالإيوان البحرى كما حكى بأعاليه هو ومن يعيّنه الناظر من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور.
وكذلك ينتّصب المدرّس الحنفى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور فى الإيوان الشرقى وكذلك ينتصب المدرس الحنبلى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور بالإيوان الغربى، ويعين الناظر لكل مدرس منهم من المعيدين والطلبة ما يراه من العدد.
وينتصب كل معيد ممن عيّن فى جهته لأهل مذهبه لاستعراض طلبته، ويشرح لمن احتاج [1] الشرح درسه ويصحح له مستقبله [2] ، ويرغّب الطلبة فى الاشتغال، ولا يمنع فقيها أو مستفيدا ما يطلب من زيادة تكرار وتفهّم معنى، ولا يقدم أحدا من الطلبة فى غير نوبته إلّا لمصلحة ظاهرة، ويشتغل كل واحد من الطلبة بما [3] يختاره من أنواع العلوم الشرعية، ويراه المدرس له على مذهبه، ويبحث فى كل ما أشكل عليه من ذلك، ويراجع فيه، وأن ينظر المدرس فى طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال، ويجعل من يختاره نقيبا عليهم، ويقرر له ما شاء.
ويصرف لكل واحد من المدرسين ولمعيديه وطلبته، والداعى عنده والنقيب، فى كل شهر من شهور الأهلة ألف درهم نقرة، من ذلك ما يختص به المدرس عن التدريس مائتا درهم، والمعيدين والطلبة والداعى والنقيب ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بالمدرسة المذكورة بالإيوان القبلى بها إماما [16] يؤم بالمسلمين فى الصلوات الخمس على أى مذهب كان من المذاهب الأربعة، يقوم بوظيفة الإمامة كجارى عادة المدارس، ويصرف له فى كل شهر ثمانين درهما.
__________
[1] فى ص «لن يحتاج» .
[2] مستقبله: أى ما سيتولى المدرس قراءته وشرحه بعد.
[3] فى ك «ما يختاره» والتصويب من ص.
(32/69)

ويرتّب من المؤذنين الثمانية المشار إليهم من يختاره كما بين فيه، ويرتب بها أربعة من القومة العارفين بما يلزمهم، من ذلك يقومون بخدمة المدرسة، ووقود مصابيحها، وكنسها وتنظيفها، وتنظيف فسقيتها ودائرها، وتنظيف السقاية وغسل ما بظاهرها من الأوساخ كجارى عادة القومة فى مثلها، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها شاهدا لخزانة الكتب يحفظ ما فيها [1] من الكتب، ويضبط ما يؤخذ منها للاشتغال بها، بحيث لا تخرج الكتب من المدرسة، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما أو ما يقوم مقامها من النقود.
ويرتب بالمدرسة بوابا بالباب الكبير الجامع للقبة والمدرسة حافظا محتاطا فى أمور المدرسة والقبة من الداخلين إليها والخارجين، مانعا من يرتاب به، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ويلازم حفظ الباب ليلا ونهارا، وفتحه وغلقه فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ولا ينفصل عن الباب إلا بعذر، فإن اتفق له عذر استخلف فى موضعه من يختاره عنه حين غيبته، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة [2] وما يقوم مقامها من النقود ويرتب سوّاقا لإدارة الساقية، وإجراء الماء من البئر إلى الصحن أمام إيوان القبة، وإلى الفسقية التى بوسط المدرسة، وإلى الميضأة التى بالمدرسة، ويفعل ما جرت العادة فى مثل ذلك، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما، ويصرف فى ثمن ثور لإدارة الساقية المذكورة ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف فى ثمن ما تحتاج إليه الساقية من الخشب والآلات والنّجر والحديد ما يراه.
ويصرف فى ثمن زيت الزّيتون أو ما يقوم مقامه مما يستصبح به فى المدرسة المذكورة، والأواوين الأربعة والمطلع ولسكن الطلبة والميضأة ما يراه ويؤدى إليه اجتهاده.
__________
[1] فى ص «ما بها» .
[2] هذا اللفظ من ص.
(32/70)

ويصرف فيما تحتاج إليه المدرسة المذكورة من الحصر والقناديل والبصاقات الزّجاج والأطباق النحاس والسلاسل والأباريق والجرار وجميع ما يحتاج إليه بالمدرسة المذكورة ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده.
ويصرف الناظر فى كل سنة فى ملء الصهريج من بحر النيل المبارك ثمن ستمائة راوية ما يراه ويؤدى إليه اجتهاده.
وجعل الواقف أعز الله نصره النظر فى هذا الوقف لعتيقه الطواشى شجاع الدّين عنبر بن عبد الله الحرّ الّلالا [1] أيام حياته، ثم من بعده يكون النظر للأمثل فالأمثل من عتقاء الواقف فإن استوى اثنان فأكثر قدّم الأكبر سنا مع ظهور الأهلية لذلك، فإن استووا أقرع بينهم ثم بعدهم يكون النظر لعتقاء والد الواقف للمذكور الأمثل فالأمثل صح منهم فإن استوى اثنان فأكثر قدّم الأكبر سنّا مع ظهور [2] أهليته لذلك، فإن استووا أقرع بينهم، فإن انقرض عتقاؤه وعتقاء والده أو تعذر نظر أحد منهم كان النظر فى ذلك والولاية عليه لحاكم المسلمين، فإن عاد إمكان نظر من تعذّر نظره عاد النظر إليه، فإن تعذر أيضا كان لحاكم المسلمين يجرى الحال فى ذلك أبد الآبدين.
وفى ظهر كتاب الوقف المذكور إسجال على قاضى القضاة شمس الدين أحمد السّروجى الحنفى، يتضمّن أن الحاكم الآيل النظر إليه يكون مالكّى المذهب. وشرط الواقف أن لكل من له وظيفة فى هذا الوقف المذكور أن يستنيب عنه عند ضرورة لسفر أو مرض، وأن لكلّ من المدرسين والطلبة والمعيدين البطالة المعروفة فى رجب وشعبان ورمضان وعشر ذى الحجة من كل سنة على جارى العادة فى مثل ذلك، وأن من شرط هذا الواقف أن يتعاهد إثباته عند الحكام، ويحفظ بتواتر الشهادات، كل ذلك بعد البدأة بعمادة الوقف ومرمّته وصلاحه وإصلاحه [3] وما فيه الإفضاء إلى بقاء عينه، ودوام منفعته، ونموّ غلّته، وما فضل بعد ذلك يصرف فى المصارف المعينة فيه على أنّ الناظر فيه يؤجّره وما شاء منه مدة سنة فمادونها بأجرة المثل فما فوقها،
__________
[1] اللالا: أى المربى.
[2] فى ك «من ظهور» وما أثبته من ص.
[3] فى ص «وإصلاحه وصلاحه» بالتقديم والتأخير.
(32/71)

ولا يزيد على السنة إلّا لمصلحة ظاهرة للوقف، أو ضرورة لابد منها، ويؤجره إذ ذاك مدة تفى أجرتها بالضرورة، ويسلك فى ذلك الاستغلال الشرعى بحيث لا يفّرّط ولا يفرط، ولا يعدل عن السنن المتوسطة، ومهما حصل من ريع الوقف وهو ما ذكره ووصفه وحدّده.
ونحن الآن نذكر الوقف المذكور على القبة والمدرسة بمقتضى كتاب الوقف، ونذكر أجرة كل مكان منه بمقتضى حساب المباشرين، ثم نذكر ما تجدّد من الأماكن الجارية [17] فى الوقف المذكور بعد صدور كتاب الوقف المشروح على ما نقف على ذلك إن شاء الله تعالى.
والأماكن الموقوفة بمقتضى الكتاب منها ما هو بالقاهرة المحروسة:
قيسارية أمير [1] . على بخط الشرابشيين [2] ظاهرها وباطنها، سفلها وعلوها ونربيعيتها، وسائر حقوقها وأجرة هذه القيسارية فى كل شهر على [3] ما استقر إلى آخر ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ألف درهم وستمائة درهم وتسعة وخمسون درهما، والقاعة المجاورة للقيسارية المذكورة يتوصل إليها من الزقاق الشارع بدرب قيطون على يسرة السالك فيه إلى أقصاه، وأجرتها فى كل شهر ثمانية وأربعون درهما.
وجميع الرّبع المعروف بالدّهيشة [4] بخط باب زويلة [5] . فيما بين البابين
__________
[1] قيسارية أمير على: وكانت تقع بشارع القاهرة الأعظم، وكان يسمى قصبة القاهرة- حاليا يسمى شارع المعز لدين الله الفاطمى- بجوار قيسارية جهاركس، ويفصل بينهما درب قيطون عرفت بالأمير على بن عبد الملك المنصور قلاوون (الخطط للمقريزى 3: 140) .
[2] خط الشرابشيين: كان فى الشارع الأعظم فى المسافة المحصورة حاليا بين شارع الأزهر وبين عطفة البارودية، وكان تباع فيه الشرابيش وهى لباس الرأس، وأخذ منها لفظ الطربوش المعروف (الخطط للمقريزى 2: 99) .
[3] هذا الدرب يعرف حاليا بحارة البارودية (النجوم الزاهرة 8: 209، 9: 214) .
[4] ربع الدهيشة: هذا الربع ضمن أعيان وقف رضوان بك الغفارى تجاه جامع الصالح طلائع بن رزيق فى أول قصبة رضوان على اليمين من باب زويلة. وقد أنشئ على جزء من أرضه زاوية الدهيشة نقلا من مكانها الأصلى، لأنها كانت تزاحم الطريق العام أمام باب زويلة ونقلت بمعرفة مصلحتى التنظيم والآثار سنة 1342 هـ (خطط المقريزى 2: 212، وهامش النجوم الزاهرة 8: 210) .
[5] باب زويلة: بناه بدر الجمالى وزير الخليفة المستنصر الفاطمى سنة 484 هـ ورفع أبراجه، ولما أنشأ الملك المؤيد شيخ المحمودى، مسجده داخل باب زويله هدم الأبراج وأقام على أساسها مئذنتى مسجده، ولا يزال باب زويله موجودا إلى اليوم على رأس شارع المعز لدين الله الفاطمى الذى يوصل بين هذا الباب وباب الفتوح. والعامة يسمونه «بوابة المتولى» لأن متولى الحسبة فى الزمن الماضى كان يجلس بهذا الباب لتحصيل العوائد والرسوم من أصحاب الأملاك ومن التجار، وللنظر فيما يعرض عليه يوميا من قضايا المخالفات والفصل فيها (هامش النجوم الزاهرة 8: 47) .
(32/72)

يعرف سفلها بسكن المجبرين والحريريين، يشتمل على ستة حوانيت ومقاعد فيما بين ذلك، وستة طباق علوية وأجرة ذلك فى كل شهر مائتا درهم وثمانية وستون درهما.
وجميع الحوانيت الثلاثة المتجاورة بخط باب الزهومة [1] ويعرف بسكن العطارين، والسيوفى، ويعلو الحوانيت طبقة ليست من الوقف، وإنما هى من حقوق المسجد المجاور للحوانيت وأجرة هذه الحوانيت فى كل شهر خمسة وسبعون درهما.
وجميع المسمط [2] والحوانيت التى بظاهره وعدتها سبعة وذلك بالقاهرة بخط باب الخوخة [3] ، وأجرة ذلك فى كل شهر خمسمائة درهم وخمسة وعشرون درهما.
وجميع الحمام المعروفة بالفخرية [4] بالقاهرة المحروسة وتجاور المدرسة السيفية [5] والدار الكبرى المعروفة بالسلطان الملك المنصور، والد الواقف، ويعرف قديما بالسيفى وأجرتها فى كل شهر أربعمائة درهم وتسعون درهما.
وجميع الحمامين المعروفين بالشيخ خضر بظاهر القاهرة بخط بستان ابن صيرم [6] والجامع الظاهرى، إحداهما لدخول الرجال، والأخرى للنساء وأجرتهما فى كل شهر ألف درهم وخمسمائة درهم وخمسون درهما.
__________
[1] خط باب الزهومة: عرف هذا الخط بذلك وكان هذا الباب فى آخر ركن القصر الكبير الشرقى، الذى كان يعرف بالقصر المعزى نسبه للمعز لدين الله الفاطمى. وسمى بذلك لأن اللحوم وحوائج الطعام كانت تدخل مطبخ القصر منه والزهومة معناها الزفر. (الخطط للمقريزى 2: 215، 297) .
[2] فى ك «الخط» التصويب من ص.
[3] باب الخوخة- هو أحد أبواب القاهرة مما يلى الخليج فى حد القاهرة البحرى يسلك إليه من سويقة الصاحب ومن سويقة المسعودى، وكان يعرف أولا بخوخة ميمون دبة، ويخرج منه إلى الخليج الكبير (خطط المقريزى 3: 72) .
[4] حمام الفخرية- بناه الأمير فخر الدين عبد الغنى بن عبد الرزاق بن أبى الفرج الأرمنى، وعرف بحمام الكلاب، ثم عرف بحمام البنات لأنه يجاور جامع البنات بشارع جامع البنات بالقاهرة، حاليا «بور سعيد» وقد هدم هذا الباب ودخل فى سراى أم حسين. بك، وهدمت هذه وأقيم محلها محال تجارية (هامش النجوم الزاهرة 8: 211) .
[5] المدرسة السيفية: كانت تقع فيما بين خط البندقانيين وخط الملحيين، وموضعها من جملة دار الديباج، وكانت دارا، فسكنها شيخ الشيوخ صدر الدين بن محمد بن حمويه، وبنيت فى وزارة صفى الدين عبد الله ابن على بن شكران سيف الإسلام، واسمه طغتكين بن أيوب ظهير الدين سيف الإسلام الملك المعز ابن نجم الدين أيوب بن شادى (خطط المقريزى 4: 200.
[6] خط بستان ابن صيرم: يقع خارج باب الفتوح مما يلى الخليج وزقاق الكحل، وكان من جملة حارة البيارة فأنشأ زمام القصر المختار الصقلبى بستانا، وبنى فيه منظرة عظيمة، فلما زالت الدولة الفاطمية استولى عليه الأمير جمال الدين سوينج بن صيرم، أحد أمراء الملك الكامل فعرف به، ثم اختط وصار من أجل الأخطاط يسكنه الأمراء والأعيان من الجند (الخطط للمقريزى 3: 57) .
(32/73)

وجميع خان الطّعم [1] بظاهر دمشق المحروسة، وهو مشهور معروف، وقد وصفه وحدده هكذا «تضمن كتاب الوقف جميع الخان المذكور» وليس كذلك؛ فإن الخان المذكور من جملة الأملاك الموروثة عن السلطان الشهيد الملك المنصور والد السلطان الواقف- قدس الله روحه- والذى كمل للسلطان الملك الناصر- خلد الله ملكه- من الأملاك المخلفة عن والده السلطان الملك المنصور مما جرّه إليه الإرث عن والده السلطان المشار إليه وأخيه الأمير أحمد وأخته جهة عنبر الكمالى، وأخيه الملك الأشرف، وبنات أخيه الملك الأشرف، وأخته داره مختار الجوهرى، وما خصه من نصيب والدته الذى وهبته له ولأخيه الملك الأشرف ولأخته: داره مختار الجوهرى المذكورة، وذلك إلى حين صدور هذا الوقف سبعة عشر سهما ونصف سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم وسدس ثمن عشر سهم- هذا الذى لا خلاف فيه ولا نزاع- وهذه الحصة المذكورة هى التى استقرّت فى الوقف من هذا الخان، وإطلاق الكاتب فى كتاب الوقف جميع الخان غلط وغفلة ممن أملاه، أو ذهول ممن عيّن ذلك من المباشرين. وأجرة هذا الخان بجملته فى كل سنة على ما استقر إلى آخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة تزيد على سبعين ألف درهم، يخص الوقف منها ما يزيد على خمسة وأربعين ألف درهم، ثم تجدد بعد كتاب الوقف المشروح فى الوقف المذكور زيادات منها المقاعد التى أنشئت بالساحة بباب المدرسة، وعدتها ثمانية، ومسطبة ومخزن، أجرتها فى كل شهر مائة درهم وأربعون درهما، ومنها ما اشترى من فائض ريع الوقف وألحق به، وهو نصف وربع وثمن طاحون بمصر.
وأجرة ذلك فى كل شهر سبعة وثمانون درهما، وإسطبل وطبقة بخان السبيل [2] أجرة ذلك فى كل سنة ستة عشر درهما.
__________
[1] خان الطعم: جاء فى صبح الأعشى 4: 187 «هذا الخان يعرف بدار الطعم، وكانت بدمشق بمثابة الوكالة بالديار المصرية وكان لها حشد يوليه نائب دمشق من بين أمراء العشرات أو مقدمى الحلقة أو الأجناد» وانظر السلوك 1: 768 هامش الدكتور زيادة.
[2] خان السبيل: كان خارج باب الفتوح، بناه الأمير بهاء الدين أبو سعيد قراقوش ابن عبد الله الأسدى، خادم أسد الدين شيركوه، وبه بئر ساقية وحوض. (خطط المقريزى 3: 150) .
(32/74)

وجعل الواقف- خلّد الله سلطانه- للناظر فى الوقف المذكور أن يصرف لمباشرى الوقف واستخراجه وصرفه فى مصارفه، ولمباشرى العمارة بالمدرسة والأوقاف، والجابى، والمعمار وغير ذلك ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده. من عدد المباشرين وتسويتهم وتفضيلهم، وجعل للناظر أيضا أن يصرف من ريع الوقف إذا فضل عن المرتب المعين فيه فى ليالى الجمع والأعياد والمواسم وشهر رمضان ما يراه من التوسعة عليهم، فإن تعذّر الصرف لجهة من الجهات عاد الصرف [18] إلى باقيها، فإن تعذّر صرف ذلك للفقراء والمساكين من المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، فإن زال التعذر عاد على الحكم المذكور، فإن تعذر أيضا كان على الفقراء والمساكين كما تقدم، يصرفه الناظر فيهم على ما يراه من مساواة وتفضيل، وعلى ما يرى صرفه من نقد أو ثوب أو كسوة. أو غير ذلك مما يراه ويؤدى إليه إجتهاده.
ولما تم هذا الوقف وكملت عمارة المدرسة، وجلس المدرسون والمعيدون والفقهاء بالمدرسة، وانتصب كل من ذكر فى هذا الوقف وظيفته صرف الناظر للمدرسين خاصة معلومهم الشاهد به كتاب الوقف، وصرف للمعيدين والفقهاء بكل إيوان من الأواوين الأربعة على مذهبه من جملة ما شرط لهم فى كتاب الوقف. وهو ثمانمائة درهم فى كل شهر ثلاثمائة وخمسون درهما صرف منها لمعيدين لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، وصرف للطلبة والنقيب والداعى فى كل شهر مائتى درهم وسبعين درهما، وقطع من هذا المرتب المصروف [1] لهم فى كل [2] سنة ثلاثة شهور. واستمر ذلك مدة طويلة.
واتفق فى غضون ذلك أن باشرت ديوان الخاص السلطانى بالأبواب الشريفة وغيرها، وسكنت بالمدرسة الناصرية، وآطّلعت على متحصل جهات الوقف بالقاهرة وغيرها، ونظرت فى ذلك، فرأيته يفيض على المصروف فى كل
__________
[1] فى ك «المعروف» .
[2] هذا اللفظ من ص.
(32/75)

سنة جملة كثيرة، فقمت فى ذلك قياما أدى إلى أن صرف لهم ذلك مكملا من غير اقتطاع ثلاثة شهور، واستمر الأمر على ذلك إلى أن توفّى الطواشى شجاع الدين ناظر الوقف فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وفوض الأمر إلى الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، فأظهر كتاب الوقف وأذاعه، وحمل الأمر على حكمه على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى- فى موضعه.
ونقل السلطان إلى القبة المباركة ما تحتاج إليه من البسط والشمعدانات الكفت [1] ، والأطباق النحاس، وغير ذلك من الآلات مما جعله فى حاصلها، ونقل والدته من مدفنها بالتربة المجاورة لمشهد السيدة نفيسة إلى مدفن هذه القبة، وذلك فى سنة ثلاث وسبعمائة، وهى أول من دفن بمشهد القبة، ثم دفن بعد ذلك ابنة له توفيت صغيرة- رحمها الله تعالى- وقد أخذ هذا الفصل حدّه من الإطالة، فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث، والله أعلم.
وفى سنة ثلاث وسبعمائة أفرج عن الأميرين السيدين الشريفين عزّ الدين حميضة وأسد الدين رميثة ولدى الأمير نجم الدين أبى نمىّ وأعيدا إلى مكة- شرفها الله تعالى.
وفيها فوّضت نيابة السّلطنة يحمص إلى الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى، نقل من نيابة قلعة دمشق إليها عوضا عن عز الدين أيبك الحموى الظاهرى بحكم وفاته، وكانت وفاته فى يوم الأحد تاسع شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وتوجّه الأمير سيف الدين إليها فى ثامن [2] عشر جمادى الأولى وجعل نائب قلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر السنجرى.
__________
[1] الشمعدان الكفت: المصنوع من النحاس ومشغول بزخارف من سلوك الفضة أو الذهب، وانظر خطط المقريزى 2: 105.
[2] كذا فى ك، وف. وفى ص «ثانى عشر» .
(32/76)

ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [1]
وفى هذه السنة جرّدت العساكر إلى بلاد سيس؛ وكان سبب ذلك أنّ طائفة من العسكر الحلبى دخلت إلى بلاد الأرمن للإغارة، فلما رجعوا كبسهم التّتار ببلاد سيس، وسلموا؛ فرسم بتجريد العساكر إليها، وجرّد من الديار المصرية فى شعبان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وهو المقدّم على الجيش، والأمير شمس الدين سنقر جاه المنصورى، والأمير علم الدين سنجر الصوابى ومضافيهم، فوصلوا إلى دمشق ودخلوا إليها فى ثلاثة أيام، أولها يوم السبت ثانى عشر شهر رمضان، وآخرها يوم الاثنين رابع عشره، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بهادر آص ومن تبعه فى ألفى فارس، وتوجهوا بجملتهم فى يوم الخميس سابع عشر رمضان، وجرّد [19] الأمير سيف الدين قبجق بعسكر حماه، والأمير سيف الدين أسندمر كرجى بعسكر الفتوحات، والأمير سيف الدين بلبان الجوكندار بعسكر حمص، والعسكر الحلبى صحبة الأمير شمس الدين قراسنقر.
ولما وصل العسكر إلى حلب حصل للأمير فخر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح مقدم العسكر المصرى مرض منعه من الدخول إلى سيس؛ فأقام بحلب، وتوجّهت العساكر، وافترقوا فرقتين؛ فتوجّه الأمير سيف الدين فبجق بنصف العسكر من جهة قلعة [2] الرّوم إلى صوب ملطية [3] ، والفرقة الأخرى إلى دربند [4] فأغاروا ونهبوا وقتلوا وأسروا من ظفروا به، ثم رجعوا ونازلوا تل
__________
[1] بلاد سيس: دسيس هى عاصمة أرمينيات الصغرى، وكانت مدينة كبيرة ذات أسوار على جبل مستطيل، ولها بساتين ونهر صغير، وهى الآن بلدة فى جنوب شرق آسيا الصغرى- وأرمينية الصغرى تشمل إقليم قيليقية (هامش النجوم الزاهرة 7: 139، والمنجد فى الأعلام 37) .
[2] قلعة الروم: قلعة حصينة فى غربى الفرات مقابل البيرة، وبينها وبين سميساط كان معظم سكانها من الأرمن مع أنها وسط بلاد المسلمين، فتحها الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، وسماها قلعة المسلمين (ياقوت: معجم البلدان، صبح الأعشى 1194، 120.
[3] ملطية: مدينة شمالى حلب، وأعالى نهر الفرات، من بلاد الثغور، وعدها ابن حوقل من جملة بلاد الشام، وعدها أبو الفدا إسماعيل من بلاد الروم. وعمرها أبو جعفر المنصور ثانى خلفاء بنى العباس، وجعل عليها سورا محكما، وهى مدينة ذات فواكه وأشجار وأنهار، فتحها محمد الناصر يوم الأحد الحادى والعشرين من المحرم سنة 715 هـ (معجم البلدان 4: 633- 635، وهامش النجوم الزاهرة 9: 172) .
[4] الدربند: قرية على فم الطريق الجبلى بين نهر كوكو وأبلستين، وتطلق على المضايق والطرقات والمعابر الواقفة شمال البيرة والنهر الأزرق (معجم البلدان 2: 564، وصبح الأعشى 4: 364) .
(32/77)

حمدون [1] وحاصروها، واستولوا عليها فى يوم الخميس ثالث عشر ذى القعدة، وملكت بالأمان، وكان قد اجتمع بها جماعة من أصحاب القلاع المجاورة لها، وسبب اجتماعهم بها أنّ صاحب سيس أرسل إليهم أن يجتمعوا بتلّ حمدون، ويقبضوا منها نفقة ويعودوا إلى قلاعهم ويحفظوها، ويقول لهم: إن هذه العساكر إنما دخلت للإغارة والعود. فاجتمعوا بتل حمدون لقبض النفقة، وجاء العسكر إليها وحاصرهم بها، فسألوا الأمان، فلما أطلقوا وصل رسول صاحب سيس إلى العسكر يقول: هؤلاء الذين بتّلّ حمدون هم ملّاك القلاع، فإن قبضتم عليهم وأردتم المال بذلوه لكم أو القلاع سلّموها إليكم. وشكا منهم أنهم لا يرجعون إليه ولا يسمعون منه ويخالفونه إذا قصد بذل الطاعة للسلطان، أو إرسال الحمول، ويقولون: إذا حضر العسكر خلّ بيننا وبينه. فعند ذلك أرسل الأمراء من أدركهم قبل وصولهم إلى مأمنهم، وقبضوا عليهم وقتل بقيتهم، وكان الذين قبض عليهم ثمانية من أصحاب القلاع المشار إليهم، منهم أمير اسمه السرمساق صاحب قلعة بخيمة، وبقيتهم لكل منهم قلعة. فلما تحقق السرمساق أن صاحب سيس عمل عليهم أسلم وتلفّظ بالشهادتين المعظمتين، وقال: أنا لى أخ فى خدمة السلطان، وأنا أسلّم قلاعى وألتزم للسلطان بفتح بلاد سيس بألفى فارس من نهر جهان [2] إلى بلاد [3] قرمان، فعاد العسكر به وببقية الواصلين، وكان وصولهم إلى دمشق فى الحادى والعشرين من ذى الحجة، ورحل العسكر المصرى منها فى تاسع عشرين الشهر، ووصلوا إلى الأبواب السّلطانية فى المحرم سنة أربع وسبعمائة.
وفى يوم الإثنين تاسع عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة فوضت الوزارة بالديار المصرية للأمير ناصر الدين محمد الشيخى، نقل من ولاية الجيزية إليها عوضا عن الأمير عز الدين أيبك البغدادى، فأحدث الشيخّى مظالم كثيرة، ولم تطل أيامه.
__________
[1] تل حمدون: بلدة من بلاد الروم تتاخم الشام (معجم البلدان 4: 633) .
[2] نهر جهان: هو نهر جيحان، وهو نهر المصيصة بالثغر الشامى، ومنيعه من بلاد الروم، ويمر حتى يصب فى مدينة تعر بكفر بيا بإزاء المصيصة (هامش النجوم الزاهرة 7: 168) .
[3] بلاد قرمان: هى دولة بآسيا الصغرى، نشأت أواسط القرن السابع الهجرى. (السلوك 1: 630 هامش) .
(32/78)

وفى هذه السنة وصل إلى الخدمة السلطانية من بلاد الشرق الأمير بدر الدين جنكلى [1] بن شمس الدين المعروف بالبابا، وهو أحد مقدمى جيوش التتار، ووصل معه أحد عشر نفرا من ألزامه، منهم أخوه نيروز، ووصل الأمير بدر الدين بأهله، وكان مقامه ببلاد [2] آمد وكانت مكاتباته ترد على السلطان ببذل النصيحة للإسلام من مدة طويلة، ثم فارق الآن التتار وجاء، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى القعدة، ثم توجه منها بمن معه ووصلوا إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل، وأحسن السلطان إليهم، وشملهم بالخلع والإنعام، وأمّر الأمير بدر الدين جنكلى بطبلخاناه، واستمر من جملة الأمراء، وظهر للسلطان من أدبه وعقله وجميل نيته وحسن طاعته وصدق إخلاصه فى الموالاة [3] والمصافاة، وعدم اجتماعه واختلاطه بمن يرتاب منه من أهل الأهواء والفتن، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة ما أوجب ترقّيه وانتقاله إلى إمرة المائة، وتقدّمة الألف، ثم إلى رتبة الخصوصية والتقريب والدنو، والجلوس فى مجلس السلطان بالقرب منه، واستشارته والرجوع إلى كثير من آرائه، وهو كذلك إلى الآن.
وفيها أيضا وصل إلى الأبواب السلطانية رسول من جهة الرندراكون [4] البرشنونى صاحب برشنونة يشفع فى النصارى بالديار المصرية [20] أن تفتح كنائسهم على عادتهم، فقبلت شفاعته، ورسم أن يفتح للطائفة اليعاقبة [5] من
__________
[1] كذا فى الأصول: والدليل الشافى 1: 251، والدرر الكامنة 2: 76. وذيول العبر ص 253، والنجوم الزاهرة 10: 143 وقد توفى سنة 746. والرسم فى السلوك 1: 95 «جنغلى» .
[2] بلاد آمد: وآمد بلد قديم حصين، مبنى بالحجارة على نشز دجلة وهو محيط بأكثر البلد فى استدارة كالهلال، ويعتبر أعظم مدن ديار بكر (معجم البلدان) .
[3] فى ك «الولاة» والتصويب من ص.
[4] الرندراكون: جاء فى هامش السلوك 1: 950 «وهذا اللفظ المركب هو Barcelona LAragon ElReyde أى ملك أراجون وبرسنونة هى برشلونة.
[5] اليعاقبة: نسبة إلى يعقوب البراذعى الذى تزعم فى القرن السادس للميلاد مذهبا فى الكنيسة الشرقية ينادى بأن للمسيح طبيعة واحدة تجمع بين صفاته جميعا. وقد تعرضت هذه الفرقة لاضطهاد شديد من جانب امبراطور الروم جستنيان. (سعيد عاشور: أوربا القصور الوسطى (خطط المقريزى 2: 481 وما بعدها) .
(32/79)

النصارى كنيسة بحارة زويلة، وللملكيين [1] كنيسة بخط البندقانيين [2] ، وكتب جوابه وأعيد رسوله وسفر إليه من الأبواب السلطانية مع فخر الدين عثمان الأفرمى فتوجها من الأبواب السلطانية إلى ثغر الإسكندرية، وتجهزا منها وركبا فى المركب فى سنة أربع وسبعمائة، فلما عزما على الإقلاع تفاوضا مفاوضة أدّت إلى أنّ رسول البرشنونى طرح فخر الدين عثمان من المركب إلى القارب الذى خرج يشيعهم من الميناء هو وغلمانه، ولم يعطه شيئا مما كان معه، وأقلع من فوره، وعاد فخر الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية فى سنة أربع وسبعمائة. والله أعلم.
وفى سنة ثلاث أيضا وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام. حتى كاد يأتى عليها، ونفقت أكثر خيول الناس، وكنت يومئذ بدمشق، وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيل الجياد أو أكثر، فنفقت بجملتها، واحتجت إلى ابتياع ما أركبه، وكانت الخيل قبل ذلك قد كثرت بالشام وهانت، وقلّت أثمانها، لما هرب التتار من مرج الصفر، حتى أبيع الإكديش [3] من خيل التتار فى موضع الوقعة بخمسة دراهم، ثم تزايد ثمنها، ثم أبيع الفرس منها بدمشق بثلاثين درهما، فلما فنيت الآن وارتفع الفناء غلت أثمانها بدمشق لقلتها.
وفيها فى شهر رمضان توجّهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، وكان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر، وباشرت ديوان الخاصّ والبيمارستان المنصورى، وما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، ورفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس من اليوم المذكور.
__________
[1] الملكيون، أو الملكية، أو الملكانية: هى الفرقة الثانية من المسيحيين الشرقيين الذين عارضوا مذهب الصبغة الواحدة وقالوا بأن للمسيح طبيعين (سعيد عاشور- أوربا العصور الوسطى (خطط المقريزى 2:
481 وما بعدها، وصبح الأعشى 13: 275 وما بعدها) .
[2] خط البندقانيين: من أكبر أخطاط القاهرة حيث يشمل المنطقة التى يخترقها اليوم سوق السمك القديم، وسوق الصيارف الكبير، وحارة السبع قاعات البحرية والقبلية، وما بين ذلك من شارع السكة الجديدة امتداد شارع الموسكى (هامش النجوم الزاهرة 4: 52) .
[3] الإكديش: نوع من الأفراس غير الجياد (فهرس كنز الدرر ج 9 والمنجد- كدش) .
(32/80)

وفيها توجّه الأمير سيف الدين سلّار نائب السّلطنة إلى الحجاز الشريف، وتصدّق صدقات كثيرة بمكة والمدينة، سدّ بها حاجة ذوى الحاجات، ووسّع على المجاورين والمقيمين.
وفيها فى أواخر شهر رمضان ولد لمولانا السلطان الملك الناصر ولد من زوجته أردكين آبنة الأمير سيف الدين نوكيه، سمّاه عليّا، ونعت علاء الدين، ثم لقّب بعد بالملك المنصور.
وفى هذه السّنة كانت وفاة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار الظاهرى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية، وهو أحد من كان توجّه إلى غازان ملك التتار وعاد كما تقدم ذكر ذلك.
ذكر وفاة الشيخ زين الدين الفارقى وما اتفق بسبب مناصبه بدمشق.
وفى هذه السّنة فى يوم الجمعة تاسع عشر صفر توفى الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو محمد عبد الله بن مروان بن عبد الله الفارقى [1] الشافعى الخطيب بدمشق بقاعة الخطابة بالجامع الأموى، وجهّز وصلّى عليه فى بكرة نهار السّبت فى ثلاثة أماكن، فصلّى عليه بجامع دمشق قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى الشافعى، وصلّى عليه بسوق الخيل قاضى القضاة شمس الدين الحنفى، وصلّى عليه بباب جامع الجبل قاضى القضاة تقى الدين الحنبلى، ودفن بتربة أهله، وكانت جنازته مشهورة. ومولده فى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكان بيده من المناصب خطابة الجامع الأموى، وتدريس دار الحديث [2] الأشرفية، ولى مشيختها سبعة وعشرين سنة، وتدريس المدرسة [3]
__________
[1] وانظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 30، والدرر الكامنة 2: 304، وطبقات الشافعية 6: 107 وشذرات الذهب 6: 4، وذيول العبر ص 25.
[2] دار الحديث الأشرفية: بجوار باب قلعة دمشق الشرقى، غربى العصرونية وشمالى القيمازية، وكانت دارا للأمير قايماز النجمى فبناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل أبى بكر بن أيوب بعد أن اشتراها، وكان افتتاحها فى ليلة النصف من شعبان سنة 630 هـ، وعين الشيخ تقى الدين بن الصلاح شيخا لها. (الدارس فى تاريخ المدارس: 1: 19) .
[3] المدرسة الشامية البرانية: من مدارس الشافعية بدمشق بمحلة العقيبة أنشأتها ست الشام بنت نجم الدين أيوب بن شادى، والدة الملك إسماعيل، المتوفاه سنة 616 هـ وتعرف بالحسامية لأن ابنها حسام الدين دفن فيها، كما أنها دفنت فيها أيضا، وهى الآن مدرسة ابتدائية للأيتام (خطط الشام لكرد على 6: 281) .
(32/81)

الشامية البرانية، ولما مات- رحمه الله تعالى- كان نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم بالضّفة القبلية، فوصل إلى دمشق فى شهر ربيع الأوّل، فتكلم الناس معه فى مناصب الشيخ زين الدين المشار إليه، فعيّن الخطابة للشيخ شرف الدين الفزارى، [21] وتدريس المدرسة الشامية البرانية، ودار الحديث الأشرفية للشيخ كمال الدين الشريشى بحكم أن تؤخذ منه المدرسة الناصرية بدمشق فيليها الشيخ كمال الدين بن الزّملكانى [1] ، واستقر ذلك.
ولما اتصل خبر وفاته بالأبواب السلطانية سعى الشيخ صدر الدين محمد ابن الوكيل المعروف بابن المرحل فى مناصبه بالشام، وأن يعاد إليه معها ما كان بيده قبل انتقاله إلى الديار المصرية، وهو تدريس المدرسة [2] الشامية الجوانية، والمدرسة العذراوية [3] فأجيب إلى ذلك، وكتب توقيعه به.
وولى بعده تدريس المدرسة الناصرية بالقاهرة القاضى مجد الدين عيسى ابن الخشاب، وكان تدريسها قد عيّن له قبل تكملة عمارتها، ثم وليه الشيخ صدر الدين كما تقدم، فوليه القاضى مجد الدين بعده، وجهز توقيع الشيخ صدر الدين صحبة البريد إلى دمشق فزين مكاتبات من اعتنى به من الأمراء إلى نائب السلطنة بإمضائه، فوصل البريد بذلك إلى دمشق فى يوم الاثنين منتصف شهر ربيع الأول، فكتب نائب السلطنة عليه، وبطل ما كان قد تقرّر من الولايات لمن ذكرنا، ثم وصل الشيخ صدر الدين فى يوم الاثنين الثانى والعشرين من الشهر إلى دمشق على خيل البريد، وعلى يده أمثلة سلطانية، فاجتمع بنائب السلطنة، وأمضى ولايته، وركب من غده وجاء إلى الجامع الأموى بعد الظهر،
__________
[1] هو جمال الإسلام كمال الدين أبو المعالى محمد بن على بن عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكانى الشافعى، توفى بمدينة بلبيس فى سادس عشر رمضان سنة 727 هـ وانظر ترجمته فى الوافى بالوفيات 4: 214، والبداية والنهاية 14: 131، والدرر الكامنة 4: 192، وطبقات الشافعية 9: 190، وشذرات الذهب 6: 78، والنجوم الزاهرة 9: 270.
[2] المدرسة الشامية الجوانية: وتقع قبلى البيمارستان النورى، من إنشاء ست الشام زمردة خاتون بنت أيوب، وقد خربت ولم يبق منها سوى بابها وواجهتها الحجرية، واتخذت دارا (خطط الشام 6: 81، 82) .
[3] المدرسة العذراوية: بحارة الغرباء داخل باب النصر المسمى الآن بباب دار السعادة بدمشق. وهى وقف على الشافعية والحنفية، أنشأتها الست عذراء بنت نور الدولة شاهنشاه بن أيوب أخى صلاح الدين الأيوبى فى شهور سنة 580 هـ (الدارس فى تاريخ المدارس 1: 373) .
(32/82)

ودخل دار الخطابة وصلّى بالناس صلاة العصر بالجامع [1] فتألم الناس لذلك تألما [2] شديدا لاجتماعهم [3] على الشيخ شرف الدين الفزارى، واتفق الأعيان على أنهم لا يصلّون خلفه، واجتمع جماعة كثيرة [4] فى يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر مع الشيخ تقى الدين ابن تيمية وتوجهوا إلى نائب السلطنة، وتحدّثوا معه فى المطالعة إلى الأبواب السلطانية فى أمر صدر الدين وأن لا يخطب إلا بعد ورود الجواب، وثلبوه بأمور كثيرة، فأجاب نائب السلطنة سؤالهم، ومنع صدر الدين من الخطابة والإمامة حتى يرد جواب السلطان، وطالع فى أمره، وذكر ما قاله العلماء والأكابر وما صمّموا عليه من الامتناع عن الصلاة خلفه، وما شرطه الواقفان لدار الحديث الأشرفية، والشامية البرانية فى أمر التدريس، واستنيب فى الإمامة الشيخ أبو بكر الجزرى، وفى الخطابة الشيخ تاج الدين الجعبرى، وأمضى نائب السلطنة ولاية صدر الدين فيما عدا ذلك من المدارس، فجلس فى بكرة نهار الأحد الثامن والعشرين من الشهر، وألقى الدروس بالمدارس، وهى الشامية البرانية، والجوانية، ودار الحديث الأشرفية، والمدرسة العذراوية، وكانت مع جلال الدين القزوينى، والشامية الجوانية مع كمال الدين بن [5] الزملكانى، واستمر الحال على ذلك إلى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر، فعاد البريد بالأجوبة أن يولّى الخطابة والإمامة بدمشق من يتّفق المسلمون عليه ويرضونه، وأن يسلك فى أمر الشامية ودار الحديث ما شرط واقفاها، فتولىّ تدريس الشامية البرانية الشيخ كمال الدين ابن [5] الزملكانى، وذكر الدرس فى مستهل جمادى الأولى، وفوّضت الخطابة للشيخ شرف الدين الفزارى، وخطب فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، وخلع عليه فى يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة.
__________
[1] هذا اللفظ من ص.
[2] فى ص «ألما شديدا» .
[3] فى ص «لإجماعهم» .
[4] فى ص «كبيرة» .
[5] هذا اللفظ من ص.
(32/83)

وفيها فى ليلة الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر توفى الصدر فتح الدين عبد الله ابن الصاحب معين الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن خالد القيصرانى [1] بالقاهرة- رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع شهر رجب الفرد الفرد توفى الأمير ركن الدين بيبرس التلاوى [2] أستاذ الدار العالية، وشاد الدواوين المعمورة بالشام، وكان ظالما عسوفا متكبّرا، فابتلاه الله تعالى- بالأمراض الشديدة، وكانت مدّة ولايته الوظيفة ثلاثة عشر شهرا وتسعة عشر يوما، مرض منها سبعة أشهر وأياما، ولما مات ولى شدا الشام بعده الأمير شرف الدين قيران الدوادارى، فى يوم الخميس حادى عشر شعبان، نقل من شدّ طرابلس إلى دمشق.
وفى هذه السنة توفى الشيخ الصالح العارف القدوة السيد الشريف أبو فارس عبد العزيز عبد الغنى بن سرور بن سلامة بن بركات بن داود بن أحمد ابن يحيى بن زكريا بن القاسم بن أبى عبد الله بن إبراهيم الغمر طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم، وهو المعروف بالمنوفى [3] وكانت وفاته بمصر فى ليلة الاثنين خامس عشر ذى الحجة، ودفن بكرة النهار بالقرافة، وكان من الصلحاء المعمرين، [22] مات عن مائة وعشرين سنة، وهو من أصحاب الشيخ أبى الحجاج الأقصرى، وله- رحمه الله تعالى- نظم حسن اجتمعت به فى سنة ست وتسعين وستمائة بمدينة قوص، وكان قد توجّه لزيارة شيخه الشيخ أبى الحجاج، ومرض بمدينة الأقصرين [4] فى هذه السفرة، فرآه القاضى جمال الدين يحيى بن يحيى الأرمنتى [5] أحد السعداء فى الصعيد فوجده قد أغمى عليه، فلما أفاق قال له جمال الدين: كيف تجدك؟ فأنشده:
هذى الجفون وإنما أين الكرى ... منها وهذا الجسم أين الرّوح
ومتّع- رحمه الله تعالى مع طول عمره- بعقله وحواسه.
__________
[1] القيصرانى: كذا ص ك، وفى ص، والسلوك، والنجوم الزاهرة «القيسرانى» وانظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 31، والدرر الكامنة 2: 389، وشذرات الذهب 6: 9، والنجوم الزاهرة 8: 213، والدليل الشافى 1: 390، وحسن المحاضرة 1: 387.
[2] فى الأصول «البلاوى» والمثبت من النجوم الزاهرة 8: 212، والدرر الكامنة 1: 508 وفيه «بيبرس التلاوى بكسر المثناة وتخفيف اللام، شاد الدواوين بدمشق، كان عسوفا، مات فى رجب سنة 703 هـ» .
[3] ترجم له فى الدرر الكامنة 2: 373، والسلوك 1: 957، والنجوم الزاهرة 8: 214، والدليل الشافي 1: 415.
[4] الأقصرين: كذا فى الأصول، والمراد الأقصر وهى مدينة سياحية بها كثير من الآثار الفرعونية، وتقع الضفة الشرقية للنيل وهى إحدى مدن محافظة قنا بصعيد مصر.
[5] فى ك «الأرمينى» والتصويب من ص.
(32/84)

واستهلت سنة أربع وسبعمائة
فى هذه السنة عزل الأمير سيف الدين بنخاص من نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية، وأحضر إلى الأبواب السلطانية، واستقر فى جملة الأمراء مقدمى الألوف، وفوّضت نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى، فتوجّه إليها، وكان من الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية.
ذكر عمارة الجامع الحاكمى بالقاهرة وما رتّب فيه من الدروس والطوائف.
قد قدمنا أن الجامع الحاكمى بالقاهرة تداعت أركانه وسقط بنيانه، وأن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية انتدب لعمارته، فحصل الشروع فيها فى أوائل سنة ثلاث وسبعمائة، ووقع الاهتمام بأمر العمارة حتى عاد أحسن ما كان، وانصرف عليه جملة كثيرة، وتكاملت عمارته فى هذه السنة، ووقف الأمير ركن الدين من أملاكه على مصالحه- التى تذكر- أملاكا يتحصل من ريعها جملة فى كل شهر، ورتّب به من الدروس والتصدرات وغير ذلك من جهات البرّ ما نذكره، وقدّر لهم من المعلوم، وهو: دروس الفقه على المذاهب الأربعة: الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنابلة، وولّى تدريس ذلك قضاة القضاة الأربعة وهم: قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى [1] ، وقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف [2] المالكى، وقاضى القضاة شمس الدين أحمد السروجى [3] الحنفى، وقاضى القضاة شرف الدين عبد الغنى الحرّانى الحنبلى [4] ، ورتّب لكل واحد منهم عن وظيفة التدريس فى كل شهر مائة درهم وثلاثين درهما نقرة، وجعل لكلّ درس معيدين، ورتّب لكل واحد منهما فى كل شهر خمسين درهما، ورتّب للطلبة لكل مذهب فى كل شهر ثلاثمائة نقرة، ورتّب درس حديث فرض تدريسه للشيخ سعد الدين مسعود [5] الحارثى وجعل له ولمعيدين ولطلبة نظير ما لطائفة من الطوائف المذكورة.
ورتب فيه ميعادا للعامة جعل شيخه القاضى مجد الدين بن الخشاب، ورتب له
__________
[1] انظر مراجع ترجمته فى ص 7.
[2] انظر مراجع ترجمته فى ص 90.
[3] انظر مراجع ترجمته فى ص 91.
[4] انظر مراجع ترجمته فى ص 91.
[5] هو سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثى الحنبلى توفى سنة 711 هـ، وأنظر البداية والنهاية 14: 64، وذيول العبر ص 64، والسلوك 2: 113، وحسن المحاضرة 1: 358، وشذرات الذهب 6: 28.
(32/85)

فى كل شهر مائة وثلاثين درهما. ورتّب متصدرين [1] لأقراء القرآن، لكل منهما ستون درهما. ورتّب متصدرين [1] لإلقاء العلوم وهما الشيخ علاء الدين القونوى [2] والشيخ زين الدين بن الكتانى [3] ورتّب لكل منهما فى كل شهر ستين درهما. ورتّب متصدرين لإلقاء النحو، وهما الشيخ أثير الدين [4] أبو حيّان، وتاج الدين محمد البار نبارى [5] . رتّب لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، ورتّب ملقّنين للقرآن العظيم، رتّب لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، ورتّب لعشرين متلقّن لكل واحد منهم فى كل شهر عشرة دراهم.
ورتّب عشرين مقرئا يتلون كتاب الله تعالى عقب صلاة الصبح وصلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب، ورتّب لكل واحد منهم عشرة دراهم.
ورتّب ثلاثة أئمة على ثلاثة مذاهب: مالك بن أنس، وأبى حنيفة، وأحمد ابن حنبل، [23] يصلون بالجامع، ورتّب لكل واحد منهم فى كل شهر ثلاثين درهما.
__________
[1] فى ك «مصدرين» والمثبت من ص.
[2] فى ك «مصدرين» والمثبت من ص.
[3] هو علاء الدين بن إسماعيل بن يوسف القونوى الفقيه الشافعى ينسب إلى قونية من بلاد الروم، توفى سنة 729. وأنظر البداية والنهاية 4: 147، وذيول العبر ص 162، والدرر الكامنة 3: 24، والدليل الشافى 1: 451، وطبقات الشافعية 6: 144، وشذرات الذهب 6: 91، والنجوم الزاهرة 9: 279، ودول الإسلام 2: 181.
[4] هو عمر بن الجمال أبى الحزم بن عبد الرحمن بن يونس، الشيخ زين الدين المعروف بابن الكتانى الدمشقى الشافعى، توفى فى رمضان سنة 738 هـ، وأنظر ذيول العبر ص 203، والبداية والنهاية 14: 183، والسلوك 212: 456، وشذرات الذهب 6: 117، وطبقات الشافعية 6: 245، والدرر الكامنة 3: 161
[5] هو أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن على بن يوسف بن حيان الغرناطى المغربى المالكى ثم الشافعى، توفى فى صفر سنة 745 هـ، وأنظر الوافى بالوفيات 5: 267، وفوات الوفيات 4: 71، والنجوم الزاهرة 10: 111، وشذرات الذهب 6: 145.
[6] هو تاج الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم البارنبارى، توفى سنة 747 هـ وقيل سنة 756، وأنظر الوافى بالوفيات: 1: 249، والدرر الكامنة 4: 315، والسلوك 2: 673، والدليل الشافى 2: 695، والنجوم الزاهرة 10: 320.
(32/86)

ورتّب فقيهين يعلمان عدّة من الصبيان الأيتام، ورتّب لهما فى كل شهر خمسين درهما. ولعدة من الصّبيان ما يكفيهم على العادة.
وأنشأ بالجامع خزانة كتب، وقف بها نحو خمسمائة مجلّد من كتب العلوم، والآداب، والتواريخ وغير ذلك، وختمات شريفة، وربعات، وغير ذلك، ورتّب لشاهدها فى كل شهر ثلاثين درهما، واستنسخ ختمة شريفة سبعة أجزاء، فى ورق بغدادى كامل كتبت بالذهب المحلول، بخط شرف الدين بن [1] الوحيد، حلّ له جملة من الذهب، وصرف عليها جملة فى أجرة كاتب وترميل [2] ، وتذهيب آيات وأعشار وسور وفواتح وتجليد، ووقفها بالجامع يقرأ منها فى كل جمعة قبل الخطبة، ورتّب للقارئ فى كل شهر معلوما.
ورتّب غير ذلك من وجوه البر والقربات، وجلس المدرسون المذكورون وغيرهم من أرباب الوظائف بالجامع الحاكمى المذكور فى أول شهر ربيع الأول من هذه السنة- أثابه الله تعالى- وكان الذي حسّن له ترتيب ذلك وحثّه عليه الشيخ العارف نصر المنبجى [3] نفع الله به- وكان الأمير ركن الدين لا يخرج عن إشارته.
وفى هذه السنة عاد الأمير سيف الدين قطايا بن يوسف [4] أمير بنى كلاب، وسلطان، وجماعة من مشايخهم إلى الخدمة السلطانية.
وكان قد خرج عن الطاعة من مدة طويلة، وتوجّه إلى بلاد الشرق، ولحق بالتتار، فعاد الآن بمن معه، فأحسن السلطان إليهم، وشملهم بالإنعام والإقطاعات، وفرقهم فى بلاد الشام وعفا عن ذنوبهم السالفة، ولم يؤاخذهم.
__________
[1] هو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن شريف بن يوسف بن الوحيد الزرعى، توفى سنة 711 هـ. وانظر الوافى بالوفيات 3: 150، وفوات الوفيات 3: 390، والدرر الكامنة 4: 73، والسلوك 2: 113، والدليل الشافى 2: 627.
[2] الترميل: مأخوذ من المرملة وهى إناء يوضع فيه نوع من الرمل لتجفيف الكتابة (دوزى 1: 509) .
[3] هو أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجى، الحنفى، توفى سنة 719 هـ، وكان محدثا فقيها عارفا بالقراءات، وانظر غاية النهاية 2: 335، والدرر الكامنة 4: 392، والدليل الشافى 2: 833، وشذرات الذهب 6: 136.
[4] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2: 3 «سيف الدين قطايا بن سيفر. أو بن سعيد» كما جاء بهامشه.
(32/87)

وفيها فى شهر ربيع الأول وصل رسل [1] الملك طقطاى صاحب صراى [2] وبلاد القبجاق [3] ، فأكرمهم السلطان وأحسن إليهم، وأنزلهم بمناظر الكبش، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسوله إليه وهو الأمير سيف الدين بلبان الصّرخدى [4] وذلك فى شهر رجب.
وفيها فى جمادى الأولى وفد إلى الأبواب السلطانية جماعة من التتار نحو مائتى فارس بنسائهم وأولادهم، وكان وصولهم إلى دمشق فى تاسع الشهر، وقيل: إن منهم أربعة من سلاح سارية الملك غازان.
وفيها عاد القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله العمرى [5] من بلاد التتار، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأربعاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وكان ممن استصحبه وزير غازان معه إلى بلاد الشرق فى سنة تسع وتسعين وستمائة فعاد الآن.
وفيها فى شهر رمضان عاد رسل السلطان الذين كانوا توجهوا إلى غازان، وهما: الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى [6] ، والقاضى عماد الدين بن السكرى وصحبتهما رسول خربندا ملك التتار [7] القائم بعد أخيه غازان، وكان وصولهم إلى دمشق فى يوم الأحد رابع عشرين شعبان، فتلقاهم نائب السلطنة بالشام وسائر الجيش بظاهر دمشق بأحسن زينة وأفخر ملبوس. ثم توجهوا إلى الأبواب
__________
[1] فى الأصول «رسول» والمثبت يقتضيه السياق.
[2] صراى: مدينة عظيمة. وهى عاصمة بلاد التتار الشمالية، تقع غربى بحر الخزر وشماليه على نحو مسيرة يومين، على شط نهر الأثل (الفولجا) من الجانب الشمالى الشرقى، وهى فرصة عظيمة للتجار ورقيق الترك (السلوك 1: 395) (أبو الفدا: تقويم البلدان، ص 216- 217) .
[3] بلاد القبجاق. وترسم القفجاق، والقيثاق. وهى عبارة عن الإمبراطورية التترية التى قسمها جنكيزخان بين أبنائه الأربعة، وأطلق على القسم الشرقى منها اسم القبشاق الشرقى، والقسم الغربى منها القيشاق الغربى (السلوك 1: 394، 395 هامش) .
[4] هو الأمير سيف الدين بلبان الصرخدى الظاهرى، توفى سنة 730 هـ (السلوك 2: 326) .
[5] هو أول بدر الدين من بنى فضل محمد بن فضل الله بن مجلس العمرى الدمشقى ذكر فى وفيات سنة 706 هـ، وأنظر الوافى بالوفيات 4: 328، والدرر الكامنة 4: 254، والنجوم الزاهرة 8: 224.
[6] فى الأصول «المحمدى» والمثبت من السلوك 1: 916، 927، 2: 16.
[7] هذا اللفظ من ص، وف.
(32/88)

السلطانية فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر، وكان مضمون رسالتهم- فيما بلغنى- طلب الصلح والموادعة، وكفّ الغارات من الجهتين، وانتظام الصلح، واجتماع كلمة الاتفاق. فأحسن السلطان إلى رسله وأكرمهم، وأعادهم صحبة رسوله علاء الدين على بن الأمير سيف الدين بلبان القليجى أحد مقدمى الحلقة المنصورة، والقاضى سليمان المالكى الشبرايريقى، وشيرايريق قرية من قرى الغربية بالديار المصرية، وهو أحد نوّاب الحكم، وتوجهوا فى ذى القعدة وعادوا فى شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة، ومعهم رسل الملك خربندا.
وفيها عزل الأمير ناصر الدين محمد الشيخى [1] عن الوزارة فى أواخر شعبان، ورسم بمصادرته، وصودر وضرب بالمقارع بين يدى عز الدين أيبك الشجاعى شاد الدواوين [2] إلى أن مات، وكان قد أحدث مظالم كثيرة وقصد تجديد ما هو أشنع منها وأفحش من المكوس المنكرة والحوادث التى ما سمع بمثلها، [24] فما أمهله القدر، وأخذه الله تعالى شر إخذة، وأراح الناس من شره.
وكان ناصر الدين فى ابتداء أمره يخيط الأقباع بالقاهرة فى كل يوم بنصف درهم، ثم خدم الأمير شمس الدين بن التيتى [3] وحضر معه من بلاد التتار فى الدولة المنصورية، ثم توصّل وخدم جنديا من الحلقة فأعطى إقطاعا بساحل الغلّة، فبذل فى شد الجهة بذلا ووليها، فظهر منه اجتهاد، ثم نقل إلى شدّ الدواوين مدة، ثم نقل إلى ولاية القاهرة، وتأمّر بطبلخاناه، ثم ولى الجيزية، ومنها إلى الوزارة.
__________
[1] هو محمد ويقال: ذبيان وفى الدرر الكامنة 2: 195، والدليل الشافى 1: 301 «ذبيان بن عبد الله المادى الشيخى، ناصر الدين. توفى سنة 704 وأنظر النجوم الزاهرة 8: 214.
[2] شاد الدواوين: هو متولى التفتيش على الدواوين، والشاد هو متولى الوظيفة المخصصة بالكلمة المضافة إليه، وكان عمل شاد الدواوين بمصر فى أيام الأيوبيين والمماليك هو معاونة الوزير فى مراقبة الحسابات ومراجعتها. (السلوك 1: 105 حاشية للدكتور زيادة) .
[3] ما بين الحاصرتين ساقط من ك. وهو الأمير شمس الدين محمد بن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعيد بن التيتى الآمدى (السلوك 2: 13) وفى شذرات الذهب 6: 11 «هو الأمير الكبير الأديب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أبى سعد بن على بن المنصور بن محمد بن الحسين الشيبانى الآمدى- توفى سنة 704 هـ» .
(32/89)

ولما عزل فوضت الوزارة إلى القاضى سعد الدين بن عطايا [1] ، وكان يلى نظر البيوت السلطانية [2] فنقل إلى الوزارة، وخلع عليه فى يوم الأربعاء ثانى عشر شهر رمضان، وكان الذى اعتنى بأمره وعيّنه لهذا المنصب الأمير علم الدين سنجر، الجاولى [3] أستاذ الدار العالية. ولقد شاهدت الصاحب سعد الدين هذا قبل وزارته بثلاثة أيام وهو قائم بين يدى الأمير علم الدين المذكور وهو يقرأ عليه ورقة حساب لعلها تتعلق بديوان البيوت، فلما ولى الوزارة حضر الأمير علم الدين معه إلى مجلس الوزارة، وجلس بين يديه ووقّع الصاحب، وكتب بالامتثال فرمّل على خطه فيما بلغنى.
وفى هذه السنة وصل رسول من جهة أبى يعقوب [4] المرينى صاحب بلاد المغرب: وهو علاء الدين الشهرزورى [5] وأصله من أولاد الشهرزورية الذين نفوا فى الدولة الظاهرية، وحضر صحبته هدايا جليلة كثيرة، كثير من الخيل والبغال بالسروج، وجملة من القماش والذهب على سبيل الهدية والأمداد، فقبلت هديّته، وأنعم على رسول له. فى سنة خمس، وأعيد إلى مرسله على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
__________
[1] هو سعد الدين محمد بن محمد بن عطايا، توفى سنة 730 هـ (السلوك 2: 327) .
[2] هى وظيفة من الوظائف الديوانية التى يتولاها عادة أرباب القلم، وعمل شاغلها مشاركة الاستدار فى إدارة بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه، والحاشية والغلمان (صبح الأعشى 4: 20، 31) .
[3] هو علم الدين سنجر بن عبد الله الجاولى أبو سعيد. من أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون. توفى سنة 745 هـ. (الدرر الكامنة 2: 226، والنجوم الزاهرة 8: 155 هامش، والدليل الشافى 1: 324، وشذرات الذهب 6: 142) .
[4] هو أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق محبوب أبى بكر المرينى، ملك المغرب. توفى سنة 706.
وأنظر الدرر الكامنة 4: 480، والنجوم الزاهرة 8: 225، والسلوك 2/1: 23، والدليل الشافى 2: 808 هـ وشذرات الذهب 6: 13.
[5] الشهرزورى: نسبة إلى شهرزور إحدى جهات كردستان، وتوجد بها مدينة تسمى شهرزور. وانظر صبح الأعشى 4: 373.
(32/90)

وفيها وصل متملّك [1] دنقلة وبلاد النوبة إلى الأبواب السلطانية، وأحضر صحبته التّقدمة الجارى بها العادة، والبقط [2] من الرّقيق والهجن والثمار والسنباذج [3] وغير ذلك، وسأل السلطان معه عسكرا لينهض به على أعدائه الذين يؤخرون مطيعه؛ فجرّد معه الأمير سيف الدين طقصبا فى طائفة من العسكر فتوجّه بهم وأغار وأوغل فى بلاد النّوبة وعاد.
ذكر ما وقع فى هذه السنة بدمشق من الحوادث والولايات
كان مما وقع فى هذه السنة بدمشق أن نائب السلطنة بها الأمير جمال الدين آقش [4] الأفرم أمر بعقد مجلس لنجم الدين أبى بكر ابن القاضى بهاء الدين خلّكان، وسماع ما يدّعيه، وكان قد تكرر منه أنه حكيم الزمان، وأنه يخاطب بكلام يشبه الوحي بزعمه، وذكر ألفاظا يدّعى أنه خوطب بها وهى:
يا أيها الحكيم افعل كذا، وأشباه ذلك، وادعى أنّه قد آطلع على علوم كثيرة؛ منها: عمل طبل إذا ضرب به انهزم جيش العدوّ، وعمل طلسم إذا كان مع الملك وأحضر إلى مجلسه السّم حصل للملك أعراض، يعلم ذلك منها، وأشباه هذا من الأعمال، فأحضر بين يدى نائب السلطنة وحضر المجلس الشيخ صدر الدين ابن الوكيل [5] والشيخ كمال الدين بن الزملكانى [6] خاصّة، وطولب بإقامة البرهان على صّحة دعواه، فلم يأت بما يدل على ذلك، فاعتذر عنه عند
__________
[1] سماه المقريزى فى السلوك 2/1: 7 «أياى» ويذكر القلقشندى فى صبح الأعشى 5: 276 «أن ملك النوبة فى أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون رجل اسمه أمى. وقد توفى سنة 716 هـ.
[2] البقط: هو ما يقبض من سبى النوبة فى كل عام، ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم. وقد تقرر هذا البقط على النوبة فى عهد إمارة عمرو بن العاص، لما بعث عبد الله بن سعد بن أبى السرح بعد فتح مصر إلى النوبة سنة عشرين- وقيل سنة إحدى وعشرين من الهجرة. وكان البقط فى عهد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى سنة 674 هـ فى كل سنة ثلاثة أفيال، وثلاث زرافات، وخمسة فهود من إناثها، ومائة نجيب إصهيب وأربعمائة رأس من البقر المنتجة مع البقط القديم وهو أربعمائة رأس من الرقيق فى كل سنة وزرافة، على أن يدفع مقابل ذلك ألف إردب من القمح وثلاثمائة إردب. (خطط المقريزى 3: 352 وما بعدها ط بيروت) .
[3] السنباذج: هو مادة حجرية للجلاء. واللفظ فى السلوك 2/1: 8 وهامشها بدال غير منقوطة بدل الذال.
[4] وترسم «آقوش» كما فى النجوم الزاهرة 8: 105.
[5] لفظ «ابن» سقط من ك. وهو صدر الدين محمد بن عمر بن مكى بن عبد الصمد الشهير بابن المرحل وبابن الوكيل- توفى سنة 716 هـ (السلوك 2/1: 65، 74، 167، وشذرات الذهب 6: 40، والنجوم الزاهرة 9: 233) .
[6] هو كمال الدين محمد بن علاء الدين على بن كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الزملكانى الشافعى. توفى سنة 727 هـ (البداية والنهاية 14: 131، والوافى بالوفيات 4: 214، والدرر الكامنة 4: 192، وطبقات الشافعية للسبكى 9: 190، والنجوم الزاهرة 9: 270، والسلوك 2/1: 290، وذيول العبر ص 154 وشذرات الذهب 6: 78) .
(32/91)

نائب السلطنة أنّه من بيت رياسة، ورجل فقير، وأنه قليل الاجتماع بالناس، وأن هذا الذى يعرض له نوع من الوسواس، وتاب هو إلى الله تعالى مما كان يدّعيه، واستمر مدّة ثم عاد إلى ما كان عليه من الدعوى فعقد له مجلس فى ثالث شهر رمضان سنة سبع وسبعمائة بدمشق أيضا [25] بحضور نائب السلطنة المشار إليه وقضاة القضاة والعلماء، وحصل البحث فى أمره فأفتى بعض العلماء بقتله، وأفتى بعضهم باستتابته وتعذيره، فجدّد عليه مكتوب بالتوبة عن الكلام فى المغيّبات، واعتنى به الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب كما أخبرنى فأقامه من المجلس وقال: هذا رجل مجنون وأرسله إلى البيمارستان [1] النورى، فأقام به مدة ثم خرج منه، ثم عاد إلى ما كان عليه، وهذا المذكور مستمر على دعواه لا يرجع عنها إلى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وهو بالقاهرة لا يزال يذكر هذا القول ويلهج به ويدّعيه وحضر إلىّ مرارّا ونهيته عنه فلم ينته ولا يرجع، ويقول: إنه حكيم الزمان، وإنه يخاطب بما صورته بيأيها الحكيم، ويذكر السلطان الملك الناصر ويقول: إنّه أرسل إليه، وإنه إذا اجتمع به له من الأوفاق والطلمسات أشياء كثيرة ذكرها لي يطول شرحها، وهو يتردّد إلى قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعى، ويعرض عليه أقواله، ويسأله الحديث له مع السلطان، فيصرفه عن ذلك، ويصرف له من الصدقات الحكمية ما يرتفق به.
ولما تكرر هذا القول منه وشاع وذاع عنه اتّصل بالأمير سيف الدين ألجاى الدوادار الناصرى فى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضره وطالبه بإقامة البرهان على صحة ما يدّعيه فذكر أن الذى يذكره إنما يظهر ويفيد بين يدي السلطان، فقال له: انا أجمع بينك وبين السلطان، فقال نجم الدين: إنما أمرت أن يتحدّث لى مع السلطان قضاة القضاة، ولم أومر بك، فقال، أنا أدع القضاة، يتكلّمون مع السلطان فى أمرك، وحصره وضايقه بكل طريق وأقام
__________
[1] البيمارستان النورى: بدمشق وينسب إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى بن آقسنقر. أنشأه ضمن ما أنشأ من مدارس ودور العدل والخوانق والبيمارستانات والخانات سنة 563 هـ وبناه بمال افتدى به ملك الفرنج نفسه من الأسر ابن الأثير: التاريخ الباهرى الدولة الأتابكية، ص 170- 171 والنويرى:
نهاية الأرب ج 27، ص 167، أبو شامة: كتاب الروضتين ج 1 ق 1 ص 21.
(32/92)

عنده بمنزله بالقلعة أياما ثم عرض عليه التوبة والرجوع عن هذه الأقوال فتاب ورجع عنها بحضوره، وأخذ منه كتابا كان يدّعى أنّه جميعه ممّا خوطب وأطلقه ثم اجتمع بى بعد ذلك فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة وهو باق على دعواه مصّر على مقالته- عافاه الله تعالى- وهذا الرجل كان قبل هذه الدعوى ينوب عن القضاة بالشام، وناب عن القاضى بدر الدين بن جماعة فى بعض الأعمال، فلما غلب عليه هذا الحال ترك الولايات الحكمية وأخذ فى هذا النوع.
وفى هذه السنة رسم للأمير ركن الدين بيبرس العلائى أحد الأمراء بالشام أن يكون حاجيا بدمشق رفيقا للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى، فامتنع من ذلك، وسأل الإعفاء، ثم أجاب ولبس التشريف السلطانى ووقف فى الخدمة وآستمر فى الحجبة هو والأمير سيف الدين بكتمر وذلك فى منتصف جمادى الآخرة، وكانا حاجبين كبيرين.
وفيها فى يوم الإثنين سادس عشرين شهر رجب توجه الشيخ تقى الدين ابن تيمية وجماعة إلى مسجد التاريخ [1] ظاهر دمشق، وأحضر جماعة من الحجّارين وقطع صخرة هناك كان الناس يزورونها وينذرون لها، وكان للناس فيها أقاويل، فأزالها.
وفى يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر رمضان ضرب عنق الكمال الأحدب رئيس قلعة جديا من غوطة دمشق، وسبب ذلك أنه حضر إلى قاضى القضاة جمال الدين المالكى مستفتيا [2] وهو لا [3] يعلم أنه قاضى القضاة فاستفتاه فى رجل خاصم رجلا فقال أحدهما للآخر: تكذب ولو كنت رسول الله فسأله القاضى، من قال هذا؟ قال: أنا. فأشهد عليه من حضر مجلسه وذلك فى يوم الإثنين رابع عشرين الشهر، وحكم فى يوم الثلاثاء بإراقة دمه فى دار العدل، فضربت عنقه بسوق الخيل، ثم غسّل وكفّن وصلّى عليه ودفن.
__________
[1] مسجد التاريخ، ويسمى مسجد الحجر؛ بحيث يوجد به حجر قيل عليه أثر قدم النبى صلى الله عليه وسلم. ويقع بظاهر دمشق قبلى مسجد المصلى، وفيه بئر وساقية، وله منارة (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 361) .
[2] فى ك «مستغيثا» والمثبت من ص، وف.
[3] «لا» ساقطة من ك.
(32/93)

وفيها فى يوم الجمعة سادس عشرين من شوال حكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى بدمشق بإراقة دم أبى السرور السامرى كاتب الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بالفتوحات، وأن ماله فيئ للمسلمين، وأشهد على نفسه بذلك بعد أن شهد عنده على المذكور بما يقتضى الحكم عليه بذلك من العظائم، وكان هذا الكاتب المذكور قد تمكّن من الأمير سيف الدين أسندمر بطرابلس تمكنا عظيما، فكان يركب معه فى الموكب الخيل المسوّمة [26] بالسروج المذهبة، والكتابيش [1] الحرير، ويسايره فى المواكب، وإذا قرب من دار السلطنة وترجّل الأمراء فى الخدمة تقدّم هو بفرسه والأمراء وغيرهم مشاة، وهو مستمر الركوب إلى باب دار السلطنة، وقصد الأمير سيف الدين بالوج [2] الحسامى أحد [3] الأمراء بطرابلس قتله ورتّب له من يقتله، فضربه بالسيف بعد المغرب فوقعت عمامته، فظن الضارب أنه ضرب عنقه، وجرى فذلك أمور يطول شرحها أوجبت اعتقال بالوج.
ولما اتّصل خبره بالأبواب السلطانية رسم بطلبه فأخفاه مخدومه وادّعى هربه، وخشى أنه إن أرسله تكلّم عليه بما يؤذيه، فاقتضى رأيه أنه جهّزه إلى دمشق مختفيا صحبه عزّ الدين أيدمر أحد مماليكه، وأمره أنه إذا قرب من دمشق يقتله ليلا، ففعل ذلك ووجد مقتولا، وعرف بأثر كان فى جسده.
وفيها فى يوم الخميس ثانى ذى القعدة بعد العصر حكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى أيضا بإراقة دم شمس الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الباجريقى [4] وعدم قبول توبته، وكان قد شهد عليه بأمور توجب ذلك، وكان الذين شهدوا عليه الشيخ مجد الدين التونسى، وعماد الدين محمد
__________
[1] كتابيش- جمع كتبوش- وهو البرذعة تجعل تحت السرج (محيط المحيط) ويقال هو الغاشية المطرزة توضع فوق البرذعة (هامش الدكتور زيادة على السلوك 1: 452) .
[2] فى ك، ص فى هذا الموضع «فالوج» وفى مواضع أخرى «وهو ما أقره السلوك 2/1: 423.
[3] هذا اللفظ ساقط من ك.
[4] الضبط بالشكل عن السلوك 2/1: 4. والباجريقى نسبة إلى باجريق بالعراق الأعلى بين البلقاء ونصيبين. وله ترجمة فى الدرر الكامنة 4: 12 وقد توفى سنة 724 هـ وأنظر شذرات الذهب 6: 64.
(32/94)

ابن القاضى شرف الدين بن مزهر، والشيخ أبو بكر ابن شرف الصالحى، وجلال الدين ابن البخارى خطيب [1] الزنجيلية ومحيى الدين محمد الرفاعى، وإبراهيم ابن إسماعيل اللبنانى [2] فهرب المذكور خوفا من القتل، فلما كان فى السابع عشر من رمضان سنة ست وسبعمائة نهضت بينه عند القاضى تقي الدين سليمان الحنبلى أن بين شمس الدين المذكور وبين من شهد عليه عداوة توجب إسقاط شهادتهم فى حقه، وشهد بذلك الشيخ ناصر الدين ابن عبد السلام، والشريفان زين الدين ابن عدلان، وأخوه وقطب الدين بن شيخ السلامية، وشهاب الدين الرومى، وشرف الدين قيران الشمس وغيرهم، قريبا من عشرين شاهدا، فحكم القاضى تقي الدين عند ذلك بحقن دمه وإبطال ما حكم به فى حقه، ونفّذ حكمه القاضى شمس الدين الأذرعى الحنفى، فأنكر المالكي ذلك وأشهد على نفسه أنّه باق على حكمه بإراقة دمه، ولم يظهر ابن الباجريقىّ بسبب هذا الاختلاف.
وفى هذه السنة توفى السيد الشريف
عز الدين جمّاز [3] بن شيحة أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وكان، قد أضر فى آخر عمره، وأقام بإمرة المدينة بعده ولده الأمير ناصر الدين منصور وتوفى الصاحب أمين الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جدّه بابن حنّا، وكانت وفاته فى ليلة الخميس ثامن صفر، وكان فقيها شافعيا ديّنا خيّرا كثير البر والصّدقة والمعروف والإيتار مع تخلّيه عن المناصب، ودفن فى قبر كان قد حفره لنفسه بقرب الشيخ ابن أبى حمزة- رحمهما الله تعالى [4] وتوفّى بدمشق فى يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الآخرة الأمير ركن الدين بيبرس الموفقى المنصورى [5] ، أحد الأمراء مقدمى الألوف بدمشق، وظهر بعد وفاته أنّ مماليكه خنقوه وهو سكران، ولم يخلف وارثا غير من يرثه
__________
[1] الزنجيلية: إحدى مدارس الحنفية- ويقال الزنجارية- وتقع خارج باب توما بدمشق وباب السعادة تجاه دار الأصعمة، وتنسب إلى الأمير عز الدين أبى عمرو عثمان بن الزنجبيلى صاحب اليمن بناها سنة 626 هـ (الدارس فى تاريخ المدارس 1: 526) .
[2] فى ك «اللبانى» والمثبت من ص، وف.
[3] فى الأصول «حماد» والمثبت من العقد الثمين 3: 436، والتحفة اللطيفة فى تاريخ المدينة الشريفة للسخاوى 1: 423، والنجوم الزاهرة 8: 58، والدليل الشافى 1: 250.
[4] انظر النجوم الزاهرة 8: 215، وفيه «زين الدين» .
[5] انظر الدرر الكامنة 2: 43، والنجوم الزاهرة 8: 216، والدليل الشافى 1: 205.
(32/95)

بالولاية، فادعى أولاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر أنّه مملوك أبيهم باق على رقّه وأن عتق السلطان الملك المنصور له لم يصادف محلّا، فطولبوا بالإثبات فعجزوا عنه، وشهد الأمير شجاع الدين نقيب العساكر بدمشق أن ركن الدين المذكور كان مملوك الموفق نائب الرّحبة وأنّه جهزّه فى جملة تقدمة إلى السلطان الملك المنصور فى ابتداء سلطنته، فوصل إلى دمشق وقد استولى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر عليها فوضع يده على التقدمة وأخذ بيبرس هذا فى جملة ما أخذ، فلما أخرج الأمير شمس الدين من دمشق استعيد بيبرس هذا، وأحضر إلى السلطان، وقال الموفق إنه إنما سيّره السلطان الملك المنصور فورثه السلطان الملك الناصر بالولاء الشرعى، ودفع أولاد سنقر الأشقر عن ميراثه.
وتوفى الأمير شمس الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعد [1] الآمدى المعروف بابن التيتى فى أحد الجمادين وكان رجلا فاضلا سمع الحديث وأسمعه، وولى نيابة [27] دار العدل مدة فى الدولة المنصورية الحسامية، وفيها قتل الأمير سيف الدين بهادر شمس المنصورى [2] أحد الأمراء بدمشق، وكان قد توجه فى خدمة نائب السلطنة إلى الصيد بالمرج فكبسهم طائفة من عرب غزنة، ولم يعلموا أن نائب السلطنة بالعسكر، فركب بهادر سمز هذا وحمل، على العرب وجعل يرميهم بالنّشّاب ويقول أنا بهادر دمشق، فرماه بعض العرب بحربة وقال: خذها وأنا عصفور بن عصفور فقتله، وحمل إلى تربة قبر ابن الست [3] فدفن هناك، وقتل أكثر العرب، ولم ينج منهم الّا من أسرع به فرسه، ولما مات ورثه أخوه بهادر الجمالى مملوك نائب السلطنة أثبت أخوّته، ولم يحصل له من ميراثه إلّا نحو عشرين ألف درهم، فإنه ظهر عليه من الديون ما يقارب ثلاثمائة ألف درهم، فبيع موجوده ووفّيت ديونه وتسلم أخوه ما بقى.
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى النجوم الزاهرة 8: 217 «أبى سعيد» كذلك فى السلوك 2: 13. وفى شذرات الذهب 6: 11 «أبى سعد» .
[2] هو الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنصورى، المعروف بسمز؛ أى السمين (الدرر الكامنة 2: 31، والبداية والنهاية 14: 34، والدليل الشافى 1: 201، والنجوم الزاهرة 8: 217) .
[3] فى ص، وفى ف «قبر الست» ، ولعلها ست الشام صاحبة المدرسة الشالية البرانية (خطط الشام 6: 281) .
(32/96)

واستهلت سنة خمس وسبعمائة
فى هذه السنة عاد علاء الدين أيدغدى رسول المرينى ملك المغرب والحجاز [1] الشريف، وكتب جوابه وجهّز إلى مرسله، وأرسل معه الأمير علاء الدين أيدغدى التليلى والأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمىّ، وجهز معهما إلى الملك ما يليق به من الهدايا النّفيسة، وجهّز له خمسة عشر مملوكا من التتار الذين أسروا فى وقعة مرج الصّفّر وخمسة مماليك أتراكا وفيها وصل رسول الملك المؤيد هزبر الدين داود [2] وصاحب اليمن ومعه الهدايا والتقادم من البهار والقتا والأقمشة والتحف، وغير ذلك، فعرضت هديّته وقوبلت بما جرت العادة به من هديتهم فكانت أقلّ منها، فصدرت إليه الأمثلة السلطانية بالإنكار والتهديد والإغلاظ له فى القول [3] وأرسلت فعاد الرسول بغير جواب فأوجب ذلك ما نذكره من الاهتمام بقصد اليمن وإرسال الرسل والله أعلم.
ذكر الإغارة على بلاد سيس [4] وأسر الأمراء
وفى هذه السنة فى شهر المحرم أغارت العساكر الحلبية على بلاد سيس وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى قد جرّد طائفة من العسكر الحلبى فى ذى الحجة سنة أربع وسبعمائة، وقدم عليهم مملوكه الأمير سيف الدين قشتمر، وكان ولد قطلوشاه بأطراف الروم فى ثلاثة آلاف فارس فأرسل إليهم صاحب سيس، وبذل لهم مالا جزيلا يقال إنه بذل لكل واحد سبعمائة درهم وكان عنده جمع من الفرنج فاجتمعوا هم والتتار فى ستة آلاف فارس، فلما كان فى مستهلّ هذه السنة بلغ العسكر الحلبى اجتماعهم، فذكر الأمراء ذلك لمقدمهم الأمير سيف الدين قشتمر وأشاروا عليه أنهم يرحلون بالغنائم قبل أن يلحقهم
__________
[1] هو أبو يعقوب يوسف بن يعقوب المرينى. وانظر وفاته فى هذه السنة. وانظر فى النجوم الزاهرة 8: 215.
[2] هو الملك هزبر الدين داود بن يوسف بن عمر بن رسول التركمانى فى الأصل، ولى اليمن بعد أخيه الملك الأشرف فى المحرم سنة 696 هـ وتوفى سنة 721 هـ (فوات الوفيات 1: 428، والدرر الكامنة 2: 190، والدليل الشافى 1: 297، وشذرات الذهب 6: 55.
[3] وقد جاء فى النجوم الزاهرة 8: 217 «أن هذه الهدية قوبلت بالإنكار الشديد» .
[4] سيس: عاصمة أرمينية الصغرى، وموقعها بين أنطاكية وطربوس، وتقع فى جنوب تركيا الآسيوية (معجم البلدان 3: 217، والمنجد فى الأعلام 377) .
(32/97)

العدو، فلم يرجع إلى رأيهم وقال: أنا بمفردى [1] ألتقى [2] هذا الجمع فراجعوه فلم يرجع، ففارقه بعض الأمراء فى نحو ربع [3] العسكر، وساق تلك الليلة جميعها ونجا بمن معه، وبقى بقية العسكر فجاءهم التتار ومن انضم إليهم من الأرمن، فانهزم من بقى من العسكر الحلبى من غير قتال، فأسر التتار منهم وقتلوا، وأسروا من الأمراء بحلب فتح الدين صبّرة المهمندار، وشمس الدين آقسنقر الفارسى، وسيف الدين قشتمر النّجيبى، وسيف الدين قشتمر المظفرىّ فى جماعة من العسكر وأرسلوا إلى الأردو [4] وسلم الأمير سيف الدين قشتمر الشّمسىّ مقدم الجيش فى جماعة، ووصلوا إلى حلب.
ولما وقع ذلك ندم صاحب سيس وخشى غائلة العساكر، وكتب إلى الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب يبذل له الطاعة والأموال، ويسأل الصفح عن ذنبه، وأنه يقوم بالقطيعة المقررة عليه، فطالع قراسنقر الأبواب السلطانية فى ذلك فأجيب سؤاله [28] .
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل ملك الكرج [5] وكان وصولهم من جهة القسطنطينيّة، وجهزهم الأشكرى صحبة رسله، فوصلوا إلى الأبواب السلطانية، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان أن تعاد عليهم كنيسة معروفة بهم بالقدس تسمى المصالبة [6] كانت قد أخذت منهم فأعيدت إليهم وفيها وصل إلى الأبواب السلطانية من بلاد التتار سيف الدين حنا وفخر الدين داود إخوة، الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة الشريفة، ووصلت والدته أيضا معهما فأنعم السلطان عليهما وأمرهما طبلخانات.
__________
[1] فى ص «بمنفردى» .
[2] كذا فى الأصول، والمعنى ألتقى هذا الجمع بمفردى.
[3] يقول ابن أيبك الروادارى فى كنز الدرر 9: 132 «أن الذى فارقه هو ابن حاجا فى أكثر من ثلث العسكر» .
[4] الأردو: لفظ مغولى معناه المعسكر. وقد استعمل فى المراجع العربية والفارسية للدلالة على معسكر رئيس المغول (ابن أبى الفضائل- النهج السديد 116، 117، 240، 273) .
[5] الكرج: جيل من الناس يدينون بالنصرانية، كانوا يسكنون فى جبال القيق، وبلد السرير، تقويت شوكتهم حتى ملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب إليهم، وهى جورجيا من جمهوريات الاتحاد السوفييتى حاليا (النجوم الزاهرة 7: 163، والمنجد فى الأعلام 424) .
[6] كذا فى ك وف. وفى ص. والسلوك 2/1: 17 «المصلبة» .
(32/98)

ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان [1] وإبادة من بها وتمهيدها
كان أهل جبال الكسروان قد كثروا وطغوا واشتدت شوكتهم، وتطرقوا إلى أذى العسكر الناصرى [2] عند انهزامه فى سنة تسع وتسعين وستمائة، وتراخى الأمر وتمادى وحصل إغفال أمرهم فزاد طغيانهم وأظهروا الخروج من الطاعة، واغترّوا بجبالهم المنيعة، وجموعهم الكثيرة، وأنه لا يمكن الوصول إليهم، فجهّز إليهم الشريف زين الدين بن عدنان، ثم توجّه بعده فى ذى الحجة سنة أربع وسبعمائة الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، وتحدثا معهم فى الرجوع إلى الطاعة فما أجابوا إلى ذلك، فعند ذلك رسم بتجريد العساكر إليهم من كل جهة ومملكة من الممالك الشامية، وتوجّه نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من دمشق بسائر الجيوش فى يوم الإثنين ثانى المحرم وجمع جمعا كثيرا من الرجال فيقال إنه اجتمع من الرجالة نحو خمسين ألفا وتوجهوا إلى جبال الكسروانيين [3] والجرديين وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر بعسكر الفتوحات من الجهة التى تلى بلاد طرابلس، وكان قد نسب إلى مباطنتهم، فكتب إليه فى ذلك، فجرّد العزم وأراد أن يفعل فى هذا الأمر ما يمحو عنه أثر هذه الشناعة التى وقعت وطلع إلى جبل الكسروان [4] من أصعب مسالكه واجتمعت عليهم العساكر فقتل منهم خلق كثير، وتبدد شملهم وتمزقوا فى البلاد، واستخدم الأمير سيف الدين أسندمر جماعة منهم بطرابلس بجامكية وجراية من الأموال الديوانية، وسمّاهم رجال الكسروان [4] وأقاموا على ذلك سنين وأقطع بعضهم أخبارا من حلقة طرابلس، وتفرق بقيتهم فى البلاد واضمحل أمرهم وخمل ذكرهم، وعاد نائب السلطنة إلى
__________
[1] فى ك «الكيروان» والتصويب من ص والسلوك 2/1: 15، وهى جبال تتصل بسلسلة جبال لبنان ويسكنها الدروز (السلوك 1/2: 902 حاشية للدكتور زيادة) .
[2] فى الأصول «المنصورى» والصواب ما أثبته لأن هذا العسكر هو عسكر الناصر محمد بن قلاوون فى سلطنته الأولى.
[3] فى ك «الكيروانيين» والتصويب من ص والسلوك 2/1: 15.
[4] فى ك «الكيروان» .
(32/99)

دمشق فى رابع عشر صفر من السنة وأقطع جبال الكسروانيين والجرديين لجماعة من الأمراء التركمان وغيرهم منهم: الأمير علاء الدين بن معبد البعلبكى وعز الدين خطاب، وسيف الدين بكتمر الحسامى، وأعطوا الطبلخانات وتوجّهوا لعمارة إقطاعهم وحفظ ميناء البحر من جهة بيروت.
وفى هذه السنة فى شهر ربيع الأول نقل الأمير. سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب من الحجبة بدمشق إلى شد الدواوين وأستاذ الدارية بالشام فامتنع من ذلك ثم الزم فاشترط شروطا فطولع بها فأجيب إليها وباشر الوظيفة، وأوقعت الحوطة على الأمير شرف الدين قيران المشد وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى وأنعم عليه بإمرة بدمشق، وتوجه إليها وكان فى الاعتقال من الأيام المنصورية الحسامية والله أعلم [29] .
وفى هذه السنة كانت بدمشق فتنة بين جماعة من الفقراء الأحمدية والشيخ تقى الدين بن تيمية وذلك أنهم اجتمعوا فى يوم السبت تاسع جمادى الأولى عند نائب السلطنة وحضر الشيخ تقى الدين فطلبوا منه أن يسلم إليهم حالهم وأن تقى الدين لا يعارضهم ولا ينكر عليهم وأرادوا أن يظهروا شيئا مما يفعلونه فقال لهم الشيخ: إن اتّباع الشريعة لا يسع الخروج عنه، ولا يقرّ أحد على خلافه، وهذه البدع التى تفعلونها من دخول النار وإخراج الزبد من الحلق لها [1] حيل ذكرها وقال: من أراد منكم دخول النار فليغسل جسده فى الحمام ثم يدلكه بالخل ثم يدخل بعد ذلك فإن قدر على الدخول دخلت معه ولو دخل بعد ذلك لم يرجع إليه بل هو فعل من أفعال الدجال فانكسرت حدّتهم وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من أعناقهم، وعلى أن من خرج منهم عن الكتاب والسنة قوبل بما يستحقه وضبط المجلس المذكور وما وقع فيه وما التزم الفقراء الأحمدية الرفاعية به [2] ، وصنف الشبخ جزءا يتعلق بهذه الطائفة وأفعالهم.
__________
[1] فى ك «من الحلو» والمثبت من ص، وف.
[2] سقط هذا اللفظ من ك.
(32/100)

ذكر حادثة الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية
وما اتفق لطائفة الحنابلة، واعتقال تقى الدين وما كان من خبره إلى أن أفرج عنه أخيرا كانت هذه الحادثة التى نذكرها فى سنة خمس وسبعمائة وانتهت فى أواخر سنة تسع وسبعمائة وكان لوقوعها أسباب وموجبات ووقائع اتفقت بالقاهرة ودمشق وقد رأينا أن نذكر هذه الواقعة ونشرح أسبابها من ابتداء وقوعها إلى انتهائها ولا نقطعها بغيرها وإن خرجت سنة ودخلت أخرى السبب المحرك لهذه الواقعة الموجب لطلب الشيخ تقى الدين المذكور إلى الديار المصرية فقد أطلعت عليه من ابتدائه وهو أن بعض الطلبة واسمه عبد الرحمن العينوسى [1] سكن بالمدرسة الناصرية التى تقدم ذكرها بالقاهرة وكنت بها وبها قاضى القضاة زين الدين المالكى وغيره، فاتفق اجتماعى أنا والقاضى شمس الدين محمد بن عدلان الكنانى القرشى الشافعى بمنزلى بالمدرسة المذكورية فى بعض الليالى وهو أيضا ساكن بالمدرسة ومعيد بها فحضر عبد الرحمن المذكور إلينا ومعه فتيا وقد أجاب الشيخ تقى الدين عنها فأخرجها من يده وشرع يذكر الشيخ تقى الدين وبسط عبارته وعلمه وقال هذه من جملة فتاويه ولم يرد فيما ظهر أذاه وإنما قصد والله أعلم نشر فضيلته فتناولها القاضى شمس الدين ابن عدلان منه وقرأها فإذا مضمونها.
بسم الله الرحمن الرحيم ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة وأبينها من أن ما فى المصاحف هو كلام الله القديم أم هو [2] عبارة عنه لا نفسه وأنه هو حادث أو قديم وأن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[3] هو استواء حقيقة أم لا؟ وأن كلام الله عز وجل بحرف وصوت أم كلامه صفة قائمة لا تفارق وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول [4] شيئا منه ويقول أو من به كما أنزل هل يكفيه ذلك فى الاعتقاد أم يجب عليه التأويل وأن السائل رجل متحير لا يعرف شيئا وسؤاله بجواب ليّن ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم الله.
__________
[1] وفى ص «العنوسى» .
[2] سقط هذا اللفظ من ك.
[3] سورة طه آية 5.
[4] فى ك «يتناول» والمثبت من ص، وف.
(32/101)

فأجاب الشيخ تقى الدين ما صورته: الحمد لله رب العالمين الذى يجب على الإنسان اعتقاده فى ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذى أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه قرآن كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وأنه قرآن مجيد [30] فى لوح محفوظ وأنه فى أم الكتاب لدى الله تعالى حفيظ وأنه فى الصدور كما
قال النبى- صلى الله عليه وسلم- «استذكروا القرآن فهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها»
وقال:
«الجوف الذى ليس فيه شئ من القرآن كالبيت الخرب» أن ما [1] بين لوحى المصحف الذى كتبه الصحابة كلام الله كما
قال النبى صلى الله عليه وسلم: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم»
فهذه الجملة [2] تكفى المسلم فى هذا الباب وما تفصيل ما وقع فى ذلك من النزاع فكثير منه [3] يكون كلام [4] الاطلاقين خطأ ويكون الحق فى التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر حق صاحبه وهذا من التفرق والاختلاف الذى ذمه الله ونهى عنه: فقال: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
[5] قال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
[6] وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[7] وقال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
[8] فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه الراشدين والسابقين [9] من الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فإن مواقع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن
__________
[1] فى ك «انما» .
[2] فى ك «الحكمة» والمنبت من ص، وف.
[3] ما بين القوسين ساقط من ك.
[4] فى ك «كلام» والمثبت من ص، وف.
[5] سورة البقرة آية 176.
[6] سورة آل عمران آية 105.
[7] سورة آل عمران آية 103.
[8] سورة البقرة آية 213.
[9] عبارة ص «السابقين الراشدين» .
(32/102)

اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، وقد بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذى اتفق عليه العقل [1] والسمع وبيان ما يدخل فى هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط فى مواضع متعددة ولكن نذكر هنا جملة مختصرة بحسب حال السائل، والواجب أمر العامة بالحمل على الثابت [2] بالنص والإجماع ومنعهم من الخوض فى التفصيل الذى يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله، والتفصيل المختصر [3] فنقول: من اعتقد أن المداد الذى فى المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهذا ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قط [4] من علماء المسلمين إن ذلك [5] قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم [6] ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ فى هذا النقل أو متعمد الكذب بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع [7] من قال لفظى بالقرآن غير مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروزى أخص أصحاب الإمام أحمد به فى ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال فى كتاب السنة الذى جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من السنة فى أبواب الاعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظى بالقرآن غير مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ذلك من يحكى عن بعض العلماء أنّ المداد الذى فى المصحف قديم، وجميع أئمّه أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك، وما علمت أنّ عالما نقل ذلك إلّا
__________
[1] فى ك «بالقول» والمثبت من ص، ف.
[2] كذا عبارة ص، وف «بالجمل الثابتة» .
[3] فى ص «المختص» والمثبت من ص، وف.
[4] وفى ص «ولم يقل قط أحد» .
[5] فى ك «فى» والمثبت من ص، وف.
[6] كذا فى ك، وف. وفى ص «أصحاب الإمام أحمد ونحوهم» .
[7] أى نسبتهم إلى البدعة.
(32/103)

ما بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم وقد ميزّ الله- تعالى- فى كتابه بين الكلام والمداد، فقال: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[1] فهذا خطأ من هذا الجانب، وكذلك من زعم أنّ القرآن محفوظ فى الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب فى المصحف، كما أنّ الله مكتوب فى المصحف، وجعل ثبوت القرآن فى الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات [2] الله فى هذه المواضع، فهذا أيضا مخطئ فى ذلك، فإنّ الفرق بين ثبوت الأعيان فى المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بيّن واضح، فإن الأعيان لها أربع مراتب: مرتبه فى الأعيان، ومرتبه [31] فى الأذهان، ومرتبة فى اللسان، ومرتبة فى البيان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ، فإذا قيل: إن العين فى الكتاب كما فى قوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[3] فقد علم أن الذى فى الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهى اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما بل نفس الكلام يجعل فى الكتاب، وإن كان بين [4] الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من [5] غير وجه آخر الا إذا أريد أن الذى فى المصحف هو ذكره والخبر عنه، مثل قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[6] إلى قوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
[7] فالذى فى زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد. إن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن فى زبر الأولين صح ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد وخبره، كما أن أفعال العباد فى الزبر كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[8] فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء
__________
[1] سورة الكهف آية 109.
[2] فى ك «كتاب» والمثبت من ص، وف.
[3] سورة القمر آية 52.
[4] فى ك، وفى «من» والمثبت من ص.
[5] فى ك «عن» والمثبت من ص، وف.
[6] سورة الشعراء، الآيات 191- 192.
[7] سورة الشعراء 196- 197.
[8] سورة القمر آية 52.
(32/104)

فى الزبر وبين كون الكلام نفسه فى الزبر، كما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
[1] وقال: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
[2] فمن قال: إنّ المداد قديم فقد أخطأ، ومن قال: ليس فى المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الذى هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن فى المصحف، كما أنّ سائر الكلام فى الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة، وكما هو فى نظر المسلمين، فإنّ كلّ مرتبة لها [3] حكم يخصها، وليس وجود الكلام من الكتاب لوجود الصفة بالموصوف، مثل العلم والحياة بمحلها حتى يقال: إنّ صفة الله حلت بغيره أو فارقته، ولا وجوده فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على البارى تعالى، حتى يقال: ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله، بل هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداء الطرق حقها فيفرق بين وجود الجسم فى الحيز وفي المكان، ووجود العرض بالجسم، والصورة بالمرآة ويفرق بين رؤية الشئ بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ومناما، ونحو ذلك، وإلا اضطرب عليه الأمر [4] ولذلك سؤال السائل عما فى المصحف، هل هم حادث أو قديم، سؤال مجمل. فإنّ لفظ القديم أولا مأثور عن السلف [ليس] [5] وأما الذى اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تلى وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام وإن تنوعت الصور التى يتلى بها، وتكتب من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام كلام من قاله مبتدءا، لا كلام من بلغه مؤديا، فإذا سمعنا محدثا يحدث
بقول النبى- صلى الله عليه وسلم- «إنما الأعمال بالنيات»
قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه، مع أن علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارئ من قرأه فى المصحف فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع
__________
[1] سورة الواقعة الآيتان 77، 78.
[2] سورة البينة الآيتان 2، 3.
[3] فى ك «بها» والمثبت من ص، وف.
[4] فى ص «الأمور» .
[5] ما بين الحاصرتين ساقط فى الأصول، وبه يستقيم السياق. والمعنى.
(32/105)

النظر عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومداد الكاتب، فمن قال: صوت القارئ ومداد [1] الكاتب كلام الله الذى ليس بمخلوق فقد أخطأ، وهذا الفرق الذى بينه الإمام [أحمد] [2] لمن سأله وقد قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[3] فقال:
هذا كلام الله غير مخلوق؟ فقال نعم فنقل السائل عنه أنه قال: لفظى بالقرآن غير مخلوق قد عابه أحمد وزبره زبرا [4] شديدا وطلب عقوبته وتعذيره [5] وقال: أنا قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا ولكن قلت لى لما قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
هذا كلام الله غير مخلوق، فقال: فلم تنقل عنى ما لم أقله بين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما يسمعه من المبلغين والمؤذنين هذا كلام الله، فالإشارة إلى الحقيقة التى تكلم بها الله وإن كنا إنما سمعناها ببلاغ المبلغ وحركته وصوته فإذا أشار إلى شئ من صفات المخلوق لفظه أو صوته أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ، فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، والقرآن فى المصاحف كما أن سائر الكلام فى المصحف ولا يقال إن شيئا من المداد والورق غير مخلوق، بل كل ورق ومداد فى العالم فهو مخلوق، ويقال أيضا: القرآن الذى فى المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله غير مخلوق.
وتبيين هذا الجواب عن المسألة الثانية [32] وهو قوله: أن كلام الله هل هو بحرف وصوت أم لا فإن [6] إطلاق الجواب فى هذه المسألة نفيا وإثباتا خطأ، وهى من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إنّ كلام الله الذى أنزله على أنبيائه كالتوراة، والإنجيل والقرآن، والذى لم ينزله، والكلمات التى [7] كون بها الكائنات والكلمات المشتملة على أمره، ونهيه وخبره ليس إلا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت بالله إن عبر عنها بالعبرية [8] كانت
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «المتكلم» .
[2] هكذا اللفظ ساقط فى ك.
[3] سورة الإخلاص آية 1.
[4] زبره بمعنى عزره (محيط المحيط) .
[5] فى ك «تقريره» والمثبت من ص.
[6] فى ك «فشأن» والمثبت من ص، وف.
[7] فى ك «الذى» والمثبت من ص، وف.
[8] فى ك «بالعربية» والمثبت من ص، وف.
(32/106)

التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر [1] ، والنهى والخبر صفات لها لا أقسام لها وأن حروف القرآن مخلوقة خلقها الله تعالى ولم يتكلم بها وليست كلامه؛ إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم، والصواب الذى عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخارى صاحب الصحيح فى كتاب خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع سلف الأمة وهو أن القرآن جميعه كلام الله تعالى: حروفه ومعانيه ليس شيئا من ذلك كلاما لغيره ولكن أنزله على رسله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجرد الحرف بل لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعانى فقط بل مجموعهما كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل مجموعهما وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك هو أصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره فإن الله ليس كمثله شئ لا فى ذاته ولا فى صفاته، ولا فى أفعاله، وكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد فى أسمائه وآياته، ومن حجد ما وصف به نفسه فقد ألحد فى أسمائه وآياته وقد بينت فى الجواب المبسوط مراتب مذاهب أهل الأرض فى ذلك وأن المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا فى نفس الأنبياء تفيض عليهم المعانى من العقل الفعال فتصير فى نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ما يحدث فى نفوس الأنبياء من الصور النورانية، وهذا من جنس قول [2] فيلسوف قريش الوليد بن المغيرة إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
فحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف الرسول لكنه كلام شريف صادر عن نفس
__________
[1] فى ص «الأمور» .
[2] فى ك «قوله» والمثبت من ص، وف. وانظر خبر الوليد المغيرة المخزومى فى تفسير القرآن العظيم لابن كثير، سورة المدثر من أولها إلى قوله تعالى إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
، ج 4: 469- 472.
(32/107)

صافية، وهؤلاء هم الصابئة [1] فنفرت منهم الجهمية [2] فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام وإنما كلامه ما يخلقه من الهواء أو غيره فأخذ بعض ذلك قوم من متكلمة الصفات [3] فقالوا: بل نصفه، وهو المعنى [4] كلام الله ونصفه وهو الحروف ليس كلام الله بل هو خلق من خلقه وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال: إنه قديم لم يزل لا متعلق المشيئة؟ أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء على قولين مشهورين فى ذلك وفى السمع والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل السنة، وذكرهما أبو بكر عن أهل السنة من أصحاب أحمد وغيرهم وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة فى جنس هذا الباب وليس هذا موضع بسط ذلك الفصل.
وأما سؤاله عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[5] فهو حق أخبر الله به، وأهل السنة متفقون على ما قاله ربيعة بن أبى عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهما من الأئمة أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف بدعة فمن زعم أن الله مفتقر إلى عرش يقله أو أنه محصور فى سماء تظله أو أنه محصور فى شئ من مخلوقاته، أو أنه تحيط به جهة من جهات مصنوعاته فهو مخطئ ضال ومن قال إنه ليس على العرش رب ولا فوق السموات خالق بل ما هنا لك إلا العدم المحض والنفى الصرف فهو معطل جاحد
__________
[1] الصابئة: قوم دينهم التعصب للروحانيات: أى الملائكة. وضد الحلفاء الذين دعوتهم الفطرة، ومؤدى مذهبهم: أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالوسطاء المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة، وقالوا إن الأنبياء أمثالنا فى النوع، وأشكالنا فى القدرة، وأناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأية مزية لهم لزم متابعتهم إلخ. (دائرة المعارف لمحمد فريد وجدى مجلد «5» مادة صبأ) .
[2] الجهمية: هم أصحاب جهم بن صفوان. قالوا: لا قدرة للعبد أصلا- لا مؤثرة ولا كاسبة- بل هو بمنزلة الجمادات. والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى الله تعالى (التعريفات للشريف الجرجانى ص 55 ط مطبعة الاتحاد) .
[3] متكلمة الصفات: جماعة كبيرة كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام إلخ. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف تثبتها سمى السلف صفاتية، والمعتزلة معطلة. (دائرة المعارف لفريد وجدى المجلد «5» .
[4] فى الأصول «بمعنى» والمثبت «يقتضيه السياق.
[5] سورة طه آية 5.
(32/108)

لرب العالمين مضاه [1] لفرعون الذى قال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
[2] بل أهل السنة والحديث وسلف الأمة متفقون على أنه فوق سماواته على عرشه بأين من مخلوقاته ليس فى ذاته شئ من مخلوقاته [33] ولا فى مخلوقاته [3] شئ من ذاته وعلى ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة بل على ذلك جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وأهل السنة وسلف الأمة متفقون على أن من تأول استوى بمعنى استولى أو بمعنى آخر ينفى أن يكون الله فوق السموات فهو جهمى ضال مضل.
وأما سؤاله عن إجراء القرآن على ظاهره فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين ولفظ الظاهر فى عرف المستأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه علي الظاهر الذى هو فى خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه فهذا ضلال بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شئ لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله بل قد قال ابن عباس رضى الله عنهما [4] ليس فى الدنيا مما فى الآخرة إلا الأسماء يعنى أن موعود الله فى الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن يخالف حقا بقية حقائق هذه الأمور الموجودة فى الدنيا فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا تدركه العباد؛ إذ ليست حقيقته كحقيقة شئ منها وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر [الذى هو الظاهر] [5] فى عرف سلف الأمة بحيث لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد فى أسماء الله تعالى ولا يفسر القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب فى ذلك وهو الحق وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم.
__________
[1] هذا اللفظ ساقط من ك.
[2] سورة غافر الآيتان 36، 37.
[3] عبارة الأصول «ليس فى ذاته شئ من مخلوقاته شئ من ذاته» والمثبت يستقيم معه الرأى» .
[4] الترضية ساقطة من ك.
[5] ما بين القوسين ساقط من ك.
(32/109)

فلما وقف القاضى شمس الدين بن عدلان على هذه الفتيا أنكر منها مواضع وعرضها على القاضى زين الدين المالكى فقال قاضى القضاة أحتاج أن يثبت عندى أن هذا خط تقى الدين المذكور فإذا ثبت ذلك رتبت عليه مقتضاه، وانفصل المجلس فى تلك الليلة على هذا، ثم شهد جماعة عند قاضى القضاة أن الجواب المذكور بخط تقى الدين المذكور فثبت ذلك عنده وأشهد على نفسه به فى شعبان من السنة واجتمع قاضى القضاة زين الدين بالأمراء وعرفهم ما أنكره من فتياه فرسم بطلبه إلى الأبواب السلطانية وتوجه البريد بذلك فتوقف نائب السلطنة بالشام الأمير جمال الدين فى إرساله واتفق وصول الأمير سيف الدين الطنقش الجمالى أستاذ دار نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب السلطانية فى الشهر المذكور فى بعض المهمات وملك السلطان مخدومه من أملاكه بالشام أماكن أحتاج إلى إثباتها على قاضى القضاة زين الدين المالكى فاجتمع بى بسبب ذلك فدخلت على قاضى القضاة وعرفته مكانة سيف الدين المذكور ومنزلته من أرباب الدولة، ومحل مخدومه والتمست منه الإذن له فى الدخول وإكرامه إذا دخل عليه فأذن له فى الدخول فلما دخل عليه اطرحه ولم يكترت لدخوله وكلمه بكلام غليظ فكان مما قال له عند دخوله عليه: أنت أستاذ دار جمال الدين؟ قال: نعم: قال: لا بيّض الله وجهه. وحمله رسالة لمخدومه فقال: قل له عنى أنت تعرف كيف كنت، وأننى اشتريتك للسلطان الملك المنصور وكنت على حال من الضرورة فى جنديتك وإمرتك ثم خوّلك الله تعالى من نعمه وأفاض عليك منها ما أنت عليه الآن وألحقك بأكابر الملوك ونعتّ بملك الأمراء، ثم أنت تدافع عن رجل طلبته لقيام حق من حقوق الله عليه، والله لئن لم ترسله ليعجلن الله تعالى [1] هلاكك إلى غير ذلك مما قاله فى وقت خروجه فالتزم الأمير سيف الدين الطنقش أنه عند وصوله إلى دمشق لا يبيت ابن تيمية بها، ويرسله إليه، ثم لم يقنع قاضى القضاة بذلك إلى أن اجتمع بالأمراء، وجدد معهم الحديث فى أمر تقى الدين فاقتضى ذلك إرسال الأمير حسام الدين لاجين العمرى أحد الحجاب بالأبواب السلطانية إلى دمشق بمثال شريف سلطانى بطلبه فتوجه ووصل إليها فى خامس شهر رمضان.
__________
[1] ما بين القوسين ساقط من ك.
(32/110)

هذا هو السبب الموجب لطلبه وانحمال [1] قاضى القضاة زين الدين المالكى عليه نقلته عن مشاهدة واطلاع واتفق [2] فى هذه المدة له وقائع بدمشق نحن نوردها ملخصة بمقتضى ما أورده الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم [3] الجذرى [34] فى تاريخه ليجمع بين أطراف هذه الحادثة وأسبابها بمصر والشام وهو أنه لما كان فى يوم الإثنين ثامن شهر رجب عقد مجلس بين يدى نائب السلطنة بدمشق حضره القضاة والعلماء والشيخ تقى الدين المذكور وسئل عن عقيدته فأملى شيئا منها ثم أحضر عقيدته الواسطية [4] وقرئت فى المجلس وحصل البحث فى مواضيع منها وأخرت مواضيع إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا فى يوم الجمعة ثانى عشر الشهر وحصل البحث وسئل عن مواضيع خارجة عن العقيدة وندب للكلام معه الشيخ صفي الدين الهندى [5] ثم عدل عنه إلى الشيخ كمال الدين بن الزملكانى [6] فبحث معه من غير مسامحة فأشهد الشيخ تقى الدين على نفسه من حضر المجلس أنه شافعى المذهب يعتقد ما يعتقد الإمام الشافعى فحصل الرضى منه وعنه بهذا القول وانفصل المجلس ثم حصل بعد ذلك من بعض أصحاب الشيخ تقى الدين كلام وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا فأحضر الشيخ [7] كمال الدين القزوينى نائب قاضى القضاة نجم [8] الدين أحدهم إلى المدرسة العادلية وعزره وفعل قاضى القضاة الحنفى مثل ذلك باثنين من أصحابه فلما كان يوم الإثنين ثانى عشرين الشهر قرأ الشيخ جمال الدين المزى [9] فصلا فى الرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد من كتاب
__________
[1] فى ك «وأعمال» والمثبت من ص، وف.
[2] هذا اللفظ ساقط من ك.
[3] وانظر ترجمته فى الوافى بالوفيات 3: 22، والبداية والنهاية 14: 186، والسلوك للمقريزى 2/2: 471، والدرر الكامنة 3: 301، وشذرات الذهب 6: 124. وقد توفى سنة 739 هـ.
[4] الواسطية رسالة لابن تيمية نشرت فى كتاب طبع عدة مرات وآخرها نشرا كانت سنة 1380 هـ (1961 م) طبع بمطبعة المدنى بالقاهرة.
[5] هو صفى الدين محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموى الهندى توفى سنة 715 هـ (البداية والنهاية 14: 74، وشذرات الذهب 6: 37) .
[6] هو كمال الدين محمد بن على بن عبد الواحد بن الزملكانى، توفى سنة 727 هـ (البداية والنهاية 14: 131، وشذرات الذهب 6: 78) .
[7] فى ك «كمال الدين» والمثبت من ص، والسلوك للمقريزى 2/1: 14- وهو محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزوينى. توفى سنة 739 هـ (البداية والنهاية 14: 185، وشذرات الذهب 6: 123.
[8] المقصود هو نجم الدين ابن صصرى أحمد بن محمد بن صصرى، توفى سنة 723 هـ.
[9] هو يوسف بن عبد الرحمن المزى الشافعى، الحافظ جمال الدين أبو الحجاج، توفى سنة 742 هـ والبداية والنهاية 14: 191، وشذرات الذهب 6: 136.
(32/111)

البخارى وكان ذلك بالجامع الأموى تحت النسر [1] فى المجلس العام المعقود لقراءة صحيح البخارى فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقال نحن قصدنا بهذا التكفير فبلغ ما قاله قاضى القضاة نجم الدين الشافعى فأحضره ورسم باعتقاله فبلغ ابن تيمية الخبر فقام حافيا وتبعه أصحابه وأخرجه من الحبس فغضب القاضى [2] وتوجه إلى نائب السلطنة واجتمع هو وتقى الدين فاشتط تقى الدين عليه وذكر نائبه جلال الدين وأنه آذى أصحابه فرسم نائب السلطان بإشهار النداء فى البلد بالكف عن العقائد والخوض فيها، ومن تكلم فى ذلك سفك دمه ونهب ماله. وأراد بذلك تسكين هذه الفتنة ثم عقد مجلس فى ثانى يوم الثلاثاء سلخ رجب بالقصر الأبلق بحضور نائب السلطنة والقضاة والفقهاء وحصل البحث فى أمر العقيدة وطال البحث فوقع من الشيخ صدر الدين كلام فى معنى الحروف فأنكره الشيخ كمال الدين بن [3] الزملكانى فأنكر صدر الدين القول، فقال كمال الدين لقاضى القضاة نجم الدين بن صصرى: ما سمعت ما قال؟
فتغافل عن إجابته لتنكسر الفتنة فقال ابن الزملكانى ما جرى على الشافعية قليل إذ [4] صرت رئيسهم يريد بذلك ابن الوكيل فيما يزعم فظن قاضى القضاة أنه أراده بكلامه فأشهد عليه أنه عزل نفسه عن القضاء وقام من المجلس فرسم نائب السلطنة بعوده فأدركه الأمير ركن الدين بيبرس العلائى الحاجب وغيره من الأمراء وأعادوه إلى المجلس، وجرى كلام كثير ثم ولاه نائب السلطنة القضاء وحكم قاضى القضاة الحنفى بصحة ولايته ونفذها المالكى فلما وصل إلى داره انقطع عن الحكم وطالع نائب السلطنة فى أمره فعاد الجواب السلطانى باستمراره فى القضاة فى ثامن عشرين شعبان.
ثم وصل الأمير حسام الدين لاجين العمرى فى خامس شهر رمضان بطلب قاضى القضاة نجم الدين وتقى الدين بن تيمية وتضمن المثال السلطانى بأن [5] يطالع بما وقع من أمر تقى الدين المذكور فى سنة ثمان وتسعين وستمائة بسبب عقيدته وأن تكتب صورة العقيدتين الأولى والثانية فأراد نائب السلطنة
__________
[1] المراد قبة النسر بالمسجد الأموى، وانظر فيها الدارس فى تاريخ المدارس.
[2] أى نجم الدين بن صصرى.
[3] هذا اللفظ ساقط من ك.
[4] فى ك «إذا» والمثبت من ص، وف.
[5] كذا فى ك، وف. وفى ص «أن يطالع» .
(32/112)

أن يدافع عنه ويكتب فى حقه فوصل مملوكه سيف الدين الطنقش من الديار المصرية وأخبر باشتداد الحال عليه وقيام الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وذكر له كلام قاضى القضاة زين الدين فعند ذلك أمر بإرساله وإرسال قاضى القضاة نجم الدين فتوجها فى يوم الإثنين ثانى عشر شهر رمضان فتوجه القاضى نجم الدين فى الخامسة من النهار وتوجه تقى الدين فى التاسعة وصحبته جماعة من أصحابه منهم تقى الدين بن سنقر [1] وزين الدين بن زين الدين بن منجا وشمس الدين التدمرى وفخر الدين وعلاء الدين أولاد شرف الدين الصايغ وابن بحبح وشرف الدين عبد الله أخو الشيخ وكان وصولهم إلى القاهرة فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر رمضان وعقد مجلس بدار النيابة بقلعة الجبل وحضره الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وغيره من الأمراء والقضاة والعلماء وذلك بعد صلاة الجمعة الثالث والعشرين من الشهر [35] فادعى القاضي شمس الدين محمد بن عدلان [2] دعوى شرعية على تقى الدين فى عقيدته عند قاضى القضاة زين الدين [3] فى المجلس وطالبه بالجواب فنهض تقى الدين قائما وقال: الحمد لله وأراد أن يذكر خطبة ووعظا، ويذكر عقيدته فى أثناء ذلك فقيل له أجب عما أدعى عليك به ودع هذا فلا حاجه لنا بما تقول فأراد أن يعيد القول فى الخطبة فمنع وطولب بالجواب فقال: عند من الدعوى علىّ؟ فقيل عند قاضى القضاة زين الدين المالكى فقال هو عدوى وعدو مذهبى فلم يرجع إلى قوله ولما لم يأت بجواب أمر قاضى القضاة زين الدين باعتقاله على رد الجواب فأقيم من المجلس واعتقل هو وأخواه شرف الدين عبد الله وعبد الرحمن وحبسوا فى برج فتردد إليه بعض الناس فاتصل ذلك بقاضى القضاة زين الدين فأمر بالتضييق عليه، فنقل إلى الجب فى ليلة عيد الفطر وكتب مثال شريف سلطانى وسير إلى دمشق فى أمر تقى الدين والحنابلة ونسخته [4] .
__________
[1] كذا فى ك. وفى ص، والسلوك 2/1/11 «ابن شقير» .
[2] أنظر ترجمته فى النجوم الزاهرة 9: 262، وذيول العبر ص 270، وشذرات الذهب 6: 164، والدرر الكامنة 3: 333. وقد توفى فى سنة 749 هـ.
[3] هو زين الدين على بن مخلوف بن ناهض النويرى قاضى الملكية بمصر، توفى سنة 718 هـ. «البداية والنهاية 14: 90، وشذرات الذهب 6: 49، والدرر الكامنة 3: 127، والسلوك للمقريزى 2/1: 179) .
[4] ورد نص هذا المثال السلطانى فى كتاب كنز الدرر وجامع الغرر ص 9: 140 وما بعدها وقد راجعت عليه النص المخطوط.
(32/113)

(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله الذى تنزه عن التشبيه والتنظير، وتعالى عن المثيل فقال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[1] نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ورفع فى أيامنا أسباب الشك والارتياب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير وينزه خالقه عن التحييز فى جهة لقوله عز وجل: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[2] ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذى نهج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكر فى آلآء الله، ونهى عن التفكر فى ذاته- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه- الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد: فإن العقيدة الشرعية [3] وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية هى الأساس الذى يبنى عليه، والموئل الذى يرجع كل أحد إليه، والطريق الذى من سلكها فقد فاز فوزا عظيما ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها وتصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف وتزان قواعد الأمة بالائتلاف وتغمد [4] بواتر البدع ويفرق من فرقها ما اجتمع، وكان التقى ابن تيمية فى هذه المدة قد بسط لسان قلمه ومد عنان كلمه وتحدث فى مسائل الذات والصفات ونص فى كلامه على أمور منكرات وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون وفاه بما تجنبه السلف الصالحون وأتى فى ذلك بما أنكره أئمة الإسلام واتفق [5] على خلافه إجماع العلماء والحكام وشهر من فتاويه فى البلاد ما استخف به عقول العوام وخالف فى ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره وبعث رسائله إلى كل مكان وسمى فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
__________
[1] سورة الشورى آية 11.
[2] سورة الحديد آية 4.
[3] فى ك «العقد» والمثبت من ص، وف.
[4] فى الأصول «وتحمد» ولعل الصواب ما أثبته.
[5] كذا فى ك، وف. وفى ص «أئمة السلف وانعقد» .
(32/114)

ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه مريدوه من هذه المسائل وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا فى حق الله بالحرف والصوت والتجسيم قمنا فى الله تعالى مشفقين [1] من هذا النبأ العظيم وأنكرنا هذه البدعة وأنفنا [2] أن يشيع [3] عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة وكرهنا ما فاه به المبطلون وتلونا قوله: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ*
[4] فإنه جل جلاله تنزه عن العديل والنظير لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[5] وتقدمت مراسمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى بابنا عندما سادت فتاويه شاما ومصر وصرّح فيها بألفاظ وضعها ذوقهم إلا وتلا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
[6] ولما وصل إلينا أمرنا بجمع أولى الحل والعقد وذوى التحقيق والنقد وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين وفقهاء المسلمين وعقد له مجلس شرع فى ملأ من الأئمة وجمع فثبت عند ذلك عليه جميع ما نسبه إليه [36] بمقتضى خط يده الدال على منكر معتقده وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه تالين سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
[7] وبلغنا أنه كان استتيب فيما تقدم وأخره الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم ثم عاد بعد منعه ولم تدخل تلك النواهى فى سمعه ولما ثبت ذلك فى مجلس الحكم العزيز المالكى حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور ويمنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به فى اعتقاد مثل هذا أو يغدو له فى هذا القول متبعا ولهذه الألفاظ مستمعا أو يسرى فى التجسيم مسراه أو أن يفوه بجهة العلو مخصصا أحد كما فاه أو يتحدث إنسان فى صوت أو حرف أو يوسع القول فى ذات أو وصف أو ينطق
__________
[1] فى كنز الدرر 9: 140 «مستعظمين لهذا النبأ.
[2] فى ك «وقرنا» وفى فرص، وف «وغرنا» والمثبت من كنز الدرر 9: 140.
[3] كذا فى الأصول. وفى كنز الدرر 9: 140 «أن تسمع» .
[4] سورة المؤمنون آية 91، وسورة الصافات آية 159.
[5] سورة الأنعام آية 103.
[6] سورة الكهف آية 74.
[7] سورة الزخرف آية 19.
(32/115)

بتجسيم أو يحيد عن طريق الحق المستقيم أو يخرج عن آراء الأئمة أو ينفرد عن علماء الأمة أو يحيز الله فى جهة أو يتعرض إلى حيث أو كيف فليس لمن يعتقد هذا المجموع [1] عندنا إلا السيف فليقف كل أحد عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة أو الخروج من هذه المشتبهات الشديدة ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسك بمذهب أهل الإيمان الحميدة فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل وليس له غير السجن الطويل من مستقر ولا مقيل.
رسمنا بأن ينادى فى دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات بالنهى الشديد والتخويف والتهديد لمن يتبع ابن تيمية فى الأمر الذى أو ضحناه ومن تبعه فيه تركناه فى مثل مكانه وأحللناه ووضعناه من عيون الأمم كما وضعناه ومن أصر على الدفاع وأبى إلا الامتناع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم وأن لا يكون لهم فى بلادنا حكم ولا قضاء ولا إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا رتبة ولا إقامة فإننا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد وأبطلنا عقيدته التى أضل بها كثيرا من العباد أو كاد ولتكتب المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير إلينا بعد إثباتها على قضاة الممالك وقد أعذرنا وحذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر ليكون أبلغ واعظ وزاجر وأحمد ناه وآمر والاعتماد على الخط الشريف أعلاه وكتب فى ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة.
ولما وصل هذا المثال الى دمشق قرئ على المنابر كما رسم فيه وأشهر وأعلن [2] وأما قاضى القضاة نجم الدين ابن صصرى فإنه عومل بالإكرام وخلع عليه ونزل بدار الحديث الكاملية بقاعة التدريس بها وأذن له السلطان أن يحكم بالقاهرة فأثبت مكاتيب كثيرة وجلس كتاب الحكم بين يديه، وخرجت إسجالاته وشهدت عليه في بعضها، ثم عاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها فى يوم الجمعة سادس ذى القعدة وفى أثناء هذه الحادثة فى غضون هذه
__________
[1] لعل المقصود: المجموع من آراء ابن تيمية ومن شايعه.
[2] فى ص «وأعلى به» .
(32/116)

المدة كان للحنابلة فى القاهرة مع قاضى القضاة زين الدين المالكى وقائع أهين فيها بعض أعيانهم واعتقل وعزر بعضهم.
وكان ممن تعصب لتقى الدين ابن تيمية فى هذه الواقعة بالشام قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الحريرى الحنفى وأثبت محضرا له مما هو عليه من الخير وكتب فى أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرا يقول فى جملتها إنه منذ ثلاثمائة سنة ما رأى الناس مثله وأرانى قاضى القضاة زين الدين المالكى هذا المحضر وغضب منه وسعى فى عزل قاضى القضاة الحنفية بدمشق شمس الدين ابن الحريرى [1] فعزل وفوض قضاء القضاة الحنفية بدمشق بعده لقاضى القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعى الحنفى [2] مدرس المدرسة الشبلية فوصل تقليده إلى دمشق فى ثانى ذى القعدة [3] .
وأما تقى الدين فإنه استمر فى الجب بقلعه الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى [4] الأبواب السلطانية فى شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة فسأل السلطان في أمره وشفع فيه فأمر بإخراجه فأخرج فى يوم الجمعة [37] الثالث والعشرين من الشهر وأحضر [5] إلى دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضى القضاة زين الدين المالكى ولم يحضر غيره من القضاة، وحصل البحث وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
شهد من يضع خطه
__________
[1] هو محمد بن عثمان بن عبد الوهاب الأنصارى. شمس الدين ابن الحريرى، توفى سنة 728 هـ والوافى بالوفيات 4: 90، والبداية والنهاية 14: 142، والدرر الكامنة 4: 158، وشذرات الذهب 6: 88) .
[2] هو محمد بن ابراهيم بن داوود بن حازم الأذرعى ثم الدمشقى، توفى سنة 712 هـ (البداية والنهاية 14:
168، والجواهر المضيئة 2: 2، والدرر الكامنة 3: 246، والنجوم الزاهرة 9: 223، والدارس فى تاريخ المدارس 1: 528، والدليل الشافى 2: 575) .
[3] وفى ص «ثانى عشر ذى القعدة» .
[4] . هو حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا أمير آل فضل، توفى سنة 735 هـ (البداية والنهاية 14: 172، والدرر الكامنة 5: 138، وذيول العبر ص 187، والسلوك 2/2: 389، والدليل الشافى 2: 747، وشذرات الذهب 6: 112) .
[5] فى ك «فأحضر» والمثبت من ص، وف.
(32/117)

آخره أنه لما عقد مجلس لتقى الدين أحمد بن تيمية الحرانى الحنبلى بحضرة المقر الأشرف العالى المولوى الأميرى الكبيرى العالمى العادلى السيفى ملك الأمراء سلار الملكى الناصرى نائب السلطة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نقل عنه ووجد بخطه الذى عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت وأن الاستواء على حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده فى [1] ذلك إلى أن قال بحضرة شهود: أنا أشعرى ورفع كتاب الأشعرية على رأسه وأشهد عليه بما كتب به خطا وصورته: الحمد لله الذى أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، كتبه أحمد بن تيمية والذى أعتقده من قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[2] أنه على ما قاله الجماعة أنه ليس على حقيقته وظاهره ولا أعلم كنه المراد منه بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. كتبه أحمد بن تيمية، والقول فى النزول كالقول فى الاستواء أقول فيه ما أقول فيه ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وليس على حقيقته وظاهره كتبه أحمد بن تيمية وذلك فى يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
هذا صورة ما كتب به خطه وأشهد عليه أيضا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافى [3] هذا الاعتقاد فى المسائل الأربع المذكورة بخطه وتلفظ بالشهادتين المعظمتين وأشهد عليه أيضا بالطواعية والاختيار فى ذلك ووقع ذلك كله بقلعه الجبل المحروسة من الديار المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة وشهد عليه فى هذا المحضر جماعة من الأعيان المقنتين والعدول، وأفرج عنه واستقر
__________
[1] فى ك «وذلك» والمثبت من ص، وف.
[2] سورة طه آية 5.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «عند ما» .
(32/118)

بالقاهرة بدار شقير ثم عقد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية [1] بالقاهرة فى يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر وكتب بخطه نحو ما تقدم ووقع الإشهاد فيه عليه أيضا وسكن الحال مدة ثم اجتمع جماعة من المشايخ والصوفية مع الشيخ تاج الدين بن عطاء الله [2] فى نحو خمسمائة نفر وتبعهم جمع كثير من العوام وطلعوا إلى قلعة الجبل فى العشر الأوسط من شوال من السنة واجتمع الشيخ المذكور وأعيان المشايخ بنائب السلطان وقالوا إن تقى الدين يتكلم فى حق مشايخ الطريقة وإنه يقول: لا يستغاث بالنبى صلى الله عليه وسلم فرد الأمر إلى قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى واقتضى الحال أن رسم بتسفيره إلى الشام على خيل البريد فتوجه وكان قاضى القضاة زين الدين المالكى فى ذلك الوقت فى حال شديدة من المرض وقد أشرف على الموت، فبلغه ذلك عقيب أفاقة من غشى كان قد حصل له فأرسل إلى الأمير سيف الدين سلار وسأله فى رده فأمر برده إلى القاهرة فتوجه البريد وأعاده من [3] مدينة بلبيس فوصل وقاضى القضاة زين الدين مغلوب بالمرض فأرسل إلى نائبه القاضى نور الدين الزواوى فحضر به إلى مجلس قاضى القضاة بدر الدين وحررت الدعوى عليه فى أمر اعتقاده وما وقع منه فشهد عليه الشيخ شرف الدين بن الصابونى، وقيل إن الشيخ علاء الدين القونوى يشهد عليه فاعتقل بسجن الحاكم [4] بحارة الديلم [5] وذلك فى ثامن عشر شوال سنة سبع وسبعمائة واستمر به إلى سلخ صفر سنة تسع وسبعمائه فأنهى عنه أن جماعة
__________
[1] هى إحدى المدارس الصالحية بين القصرين، عمرها السلطان الملك الصالح نجم الدين سنة 639 هـ ضمن المدارس التى عمرها بواسطة الأسرى الفرنج الذين أسرهم فى حربه مع الصالح إسماعيل والفرنج سنة 638. (السلوك 1: 305- 308) .
[2] هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى المالكى الصوفى، توفى سنة 709 هـ (الدرر الكامنة 1: 142، والنجوم الزاهرة 81: 280، وذيول العبر ص 48، وشذرات الذهب 6: 19) .
[3] فى ك «فى» والمثبت من ص، وف.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «الحكم» .
[5] حارة الديلم: عرفت بذلك لنزول الديلم بها. والديلم طائفة من الترك الواصلين مع هفتكين الشرابى حين قدومه إلى مصر، ومعه أولاد مولاه معز الدولة البويهى، وجماعة من الديلم والأتراك فى سنة 368 هـ، وسكنوا تلك الحارة فعرفت بهم، وكانت تجاه الجامع الأزهر، وعرفت بدرب الأتراك وتقع فى المنطقة التى تشمل عدة طرق منها شارع حوش قدم، وحارة حوش قدم، وحارة الحمام، وعطفة السباعى، وشارع الكحكيين وغيرها بقسم الدرب الأحمر (النجوم الزاهرة 9: 64 هامش خطط المقريزى، ج 1 بولاق) .
(32/119)

يحضرون إليه بالسجن وأنه يعظهم ويتكلم فى أثناء وعظه بما يشبه ما تقدم من كلامه، فأمر بنقله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله هناك فجهز إلى الثغر فى هذا التاريخ وحبس ببرج شرقى واستمر به إلى أن عادت الدولة الناصرية ثالثا فتحدث مع السلطان فى يوم السبت ثامن عشر شوال سنة تسع وسبعمائة فأكرمه السلطان وجمع القضاة وأصلح بينه وبين قاضى القضاة زين الدين المالكى فأشرط عليه قاضى القضاة أن يتوب عما تقدم الكلام فيه [38] ويتوب عنه ولا يعود إليه فقال السلطان: قد تاب وانفصل المجلس على خير وسكن الشيخ تقى الدين بالقاهرة ببعض القاعات وتردد الناس إليه واستمر إلى أن توجه السلطان إلى الشام فى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، فتوجه بنية الغزاة، وأقام بدمشق إلى أن سطرنا هذه الأحرف فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وكان له فى غضون هذه المدة بدمشق وقائع نذكرها [1] فى مواضعها إن شاء الله تعالى ولنرجع إلى تتمة سياقة الحوادث فى سنة خمس وسبعمائة.
وفيها فى العشر الأوسط من ذى الحجة
وفر الأمير بدر الدين بكتاش البدرى الصالحى النجمى أمير سلاح من الخدمة، وقطع خبره وجعل له مرتب فى كل شهر وأقر مماليكه وأجناده على إقطاعاتهم، الشاهد بها مدرج [2] عرضه إلى آخر وقت وجعلوا فى جملة رجال الحلقة المنصورة، وأضيفوا إلى مقدمين من أعيانهم وارتجع خاصة إلى الخاص السلطانى، ورسم بمسامحته بما يلزمه من التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية وكان جملة كثيرة لو طولب لها استغرقت أمواله وموجوده ولم يف بها، وكا ولده الأمير ناصر الدين محمد قد علم عجز والده عن الخدمة وضعف نظره وتحقق من حال الأمراء أنهم عزموا على قطع خبزه فسعى هو معهم فى ذلك وذكر عجز والده فأجيب إلى ملتمسه وتألم [3] الأمير بدر الدين المذكور لذلك ألما [4] شديدا وسب ولده الأمير ناصر الدين والذى حضر بالرسالة أيضا، وهو
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «وقائع تذكر فى موضعها» .
[2] المدرج، والدرج: الكتاب أو المرسوم الخاص بإقطاعهم، ومن شأنه أن يكتب على ورق خاص. وانظر صبح الأعشى 1: 138.
[3] فى ك «ما التمسه» والمثبت من ص، وف.
[4] فى ك «تألما» والمثبت من ص، وف.
(32/120)

الأمير بدر الدين الوزيرى الحاجب وأرسل إلى الأمراء يقول: إننى لم أتاخر عن الخدمة ولا انقطعت عن مهمّ من مهمات السلطان وما زلت أتوجه إلى الغزوات والشباب من الأمراء موفرون من ذلك فأمسكوا عن جوابه ولم تطل مدة حياته بعد قطع خبزه فإنه مات فى حادى عشرين ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة ودفن بتربته خارج باب النصر [1] رحمه الله تعالى.
وفى سنة خمس وسبعمائة أيضا توفى الملك الأوحد تقى الدين شادى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه ابن شادى بن مروان فى يوم الأربعاء ثانى [2] صفر بجبال الجرديين [3] وحمل إلى قاسيون فدفن بتربة والده، وكان من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق رحمه الله تعالى. وتوفى شيخنا الإمام الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن الحسن بن العفيف بن شرف بن الخضر الدمياطى [4] وكانت وفاته بالقاهرة المحروسة فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة سنة خمس وسبعمائة من غير مرض وذلك أنه حضر الميعاد بالقبة المنصورية على عادته ثم قام بعد الميعاد ومشى إلى منزله بالمدرسة الظاهرية فمات من ساعته- رحمه الله تعالى- ودفن من الغد بمقابر باب النصر وكانت جنازته مشهودة وهو آخر من بقى من الحفّاظ ويقال: إنه ما رأى مثل نفسه [5] فى فنه وشهرته ومشايخه، ورحلته أشهر [6] من أن يأتى عليها وشرح ذلك يطول وفيما أشرت [7] إليه كفاية.
__________
[1] وانظر ترجمة بدر الدين بكتاش فى الدرر الكامنة 2: 14، والنجوم 8: 224.
[2] وانظر البداية والنهاية 14: 39، والدرر الكامنة 2: 281، والدليل الشافى 1: 339، والنجوم الزاهرة 8: 219.
[3] جبال الجرديين: وفى السلوك 2/1: 14، وكنز الدرر 9: 131 «أهل جبال كسروان وكسروان حاليا إحدى مقاطعات لبنان، ويقال: فضاء فى جبل لبنان، وكانت من مراكز الشبعة (المنجد الأعلام ص 589) .
[4] وانظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 40، وفوات الوفيات 2: 409، وطبقات الشافعية 6: 132 وشذرات الذهب 6: 12، وذيول العبر ص 33.
[5] كذا فى ص، وك. وفى ف «مثل تفنينه فى فنه» .
[6] هذا اللفظ سقط من ك.
[7] فى ص «أشرنا» .
(32/121)

واستهلت سنة ست وسبعمائة
فى هذه السنة فى شهر المحرم عزل الأمير علم الدين سنجر الجاولى [1] أستاذ الدار من وظيفته وقطع خبزه وسفره إلى دمشق بغير إقطاع وذلك لتغير حصل من الأمير ركن [2] الدين عليه ثم أنعم عليه بعد وصوله إلى دمشق بإمرة طبلخاناه [39] .
وفيها عزل الصاحب سعد الدين عطايا [3] من الوزارة فى الشهر المذكور وصودر على مائة ألف درهم خرجت فى ديوان البيوت السلطانية فى مدة نظره، فحمل من ذلك الى بيت المال ثمانين ألف درهم وسومح بما بقى وأفرج عنه ولزم داره ولما عزل فوضت الوزارة لتاج الدين بن سعيد الدولة الناظر وألبس التشريف السلطانى على كره منه وجلس فى المجلس إلى آخر النهار وقام وتوجه إلى بيته بعد العصر ومنع من لهم عادة بالركوب فى خدمة الوزير من الركوب معه ولما وصل إلى داره حضر قضاة القضاة للسلام عليه وتهنئته بالوزارة فلم يأذن لهم فى الدخول، وخرج غلامه إليهم وإلى من حضر ببابه فقال:
من كان له حاجة فليطلع إلى القلعة. فانصرفوا من غير اجتماع به، وهرب هو في تلك الليلة واختفى وأعاد خلعة الوزارة واستمر فى اختفائه إلى أن رسم بإعفائه واستقراره على عادته وكان الحامل له على ذلك والذى أوجب له كراهة الوزارة أنه توهم من الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة كراهة ذلك فخاف عاقبته وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار شديد الاعتناء به وفوضت الوزارة بعد ذلك للصاحب ضياء الدين أبى بكر بن عبد الله النشائى، وكان أحد [4] النظار فلم يكن له الوزارة إلا مجرد التسمية والمعلوم [5] وما عدا ذلك من الأمر والنهى والاستخدام والعزل فهو لتاج الدين بن سعيد الدولة لا يخرج عن إشارته ورضى بذلك.
__________
[1] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 226، والدليل الشافعى 1: 324، والنجوم الزاهرة 10: 109.
[2] هو الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير البرجى، كان من مماليك المنصور قلاوون، وترقى حتى تولى السلطنة سنة 708 هـ ولقب بالملك المظفر حين تولى عن الملك الناصر محمد بن قلاوون. وقتل سنة 709 هـ وسيرد ذلك كله فى هذا الجزء- انظر كذلك ترجمته فى الدرر الكامنة لابن حجر ج 1 ص 502- 507 ترجمة رقم 1373.
[3] هو سعد الدين محمد بن محمد بن عطاء الله الشهير بابن عطايا (حسن المحاضرة للسيوطى 2: 223) .
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «أحد نظار النظار» .
[5] فى ك «العلوم» والمثبت من ص، ولعل المقصود به راتب الوظيفة.
(32/122)

وفى هذه السنة عادت رسل السلطان
الملك الناصر من عند الملك طقطاى [1] ملك التتار بالبلاد الشمالية: وهم الأمير سيف الدين بلبان الصرخدى، وسيف الدين بلبان الحكيمى وفخر الدين أمير آخور الشمسى وصحبتهم رسول من الملك طقطاى واسمه نامون فبولغ فى إكرامه وأعيد بالجواب وسفر مع الأمير بدر الدين بكتمش الخزندارى وفخر الدين محمود أمير آخور الشمسى وفيها في شهر ربيع الأول وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه، وأطلق من أسرى المسلمين مائتين وسبعين أسيرا وأوصلهم إلى مدينة حلب.
وفى هذه السنة كتب تقليد شريف سلطانى لقاضى القضاة شمس الدين الحنفى الأذرعى [2] بدمشق وتوجه به البريد فوصل الى دمشق فى يوم العشرين من شهر ربيع الآخر فظن البريدى أن التقليد [3] للقاضى شمس الدين محمد بن الحريرى المعزول فتوجه به إليه إلى المدرسة الظاهريه، وشاع ذلك وحضر الناس لتهنئته بالعود واتصل ذلك بالقاضى شمس الدين الأذرعى وهو بمجلس حكمه ففارقه جميع من كان فى المجلس من الشهود وغيرهم والمتحاكمون والوكلاء والرسل ولم يبق عنده غير نقيبه، وتوجهوا كلهم إلى القاضى شمس الدين بن الحريرى فلما اجتمع الناس عنده أمر الشيخ علم الدين البرزالى بقراءة التقليد على من حضر من الناس فقرأه رافعا به صوته فلما انتهى إلى ذكر الاسم والنسب سكت فقال له النقيب اذكر ألقاب سيدنا قاضى القضاة ونعوته وقال له القاضى شمس الدين: اقرأ فقال: يا مولانا ما هو لك، هو للأذرعى وطواه وتفرق ذلك الجمع وأخذه البريدى وتوجه به إلى القاضى شمس الدين الأذرعى وهو بمجلس الحكم لم يقم منه وعاد إلى مجلسه من كان قد فارقه وغيرهم وحصل له جبر بعد كسر وخجل القاضى [40] شمس الدين بن الحريرى من الناس للمبادرة بقراءة التقليد قبل تحقيق الحال فيه.
__________
[1] فى الأصول «طقطا» والتصويب من النجوم الزاهرة 9: 226، وفيه توفى سنة 713 هـ.
[2] مرت مراجعته ...
[3] كذا فى ك، وفى ص «التقلد» .
(32/123)

ذكر حادثه غريبة
وفى هذه السنة وردت مطالعة نائب السلطان بحماة تتضمن أن [1] أراضى بارين [2] من بلد حماه جبلين بينهما واد يجرى الماء فيه وانتقل [3] نصف الجبل الواحد من موضعه إلى الجبل الآخر والتصق ولم يسقط فى الوادى الذى بينهما شئ من حجارته وأن النائب بحماة كشفه بالقاضى ببارين وعمل به محضرا وطول النصف الذي انتقل من الجبل مائة ذراع وعشرة أذرع وعرضه خمسة وخمسون ذراعا ومسافة الوادى الذى بين الجبلين مائة ذراع وقرئت المطالعة بمحضر نسخته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
لما اشتهر فى البلاد وانتشر فى الحاضر والباد أن يعمل حصن الأكراد جبلا بوادى بارين قد أفضى بعضه الى التحويل ولم يكن ذلك فى القدرة الإلهية بمستحيل واتصل ذلك بالمسامع الشريفة المولوية السيفية كافل الممالك الشريفة الحموية شنفها الله تعالى بما تحب أن تسمع وطوقها بلطائف الخير أجمع فأحب- أعلى الله له شأنا وملا قلبه نورا وإيمانا- أن يعلم حقيقة ذلك إيقانا وأن يكشف كنهه وضوحا وبيانا انتدب لتحقيق هذه الصورة الجناب العالى الحسامى نقيب العساكر المنصورة وعلى يده المرسوم الكريم إلى المجلس العالى الشهابى متولى بارين المعمورة أن يخرجا والحاكم الذى سيضع خطه أعلاه ومعهم [4] من الشهود من سيرقم شهادته أدناه وأن ينتهوا إلى الوادى المشار إليه ويشاهدوا هذا الجبل ويقفوا عليه وأن يحققوا فى ذلك قصة الحال أحق ما قيل عنه أو محال؟ فبادروا الى امتثال [5] ما رسم لهم به مسرعين وخرجوا نحو الجبل مهرعين، وحضروا جميعا بقرية بقعبرا وسألوا أهلها ما حدث على الجبل وطرأ فإذا برجلين قد دخلا فى واد بين جبلين وقالا [6] هذا الجبل الذى نزل به ما نزل وفى قعر الوادى الماء
__________
[1] فى ك «بأن بأرضى» .
[2] بارين أو بعدين: بلدة صغيرة بها قلعة وعيون وبساتين وصفها ياقوت بأنها مدينة حسنة بين حلب وحماة من جهة الغرب (معجم البلدان) .
[3] فى ص «فانتقل» .
[4] فى ك «ومعه» والمثبت من ص، وف.
[5] هذا اللفظ ساقط من ك.
[6] فى ك «وقال» المثبت من ص، وف.
(32/124)

يترقرق ويسيل ويتدفق ووقفوا عند عرقوب فى الجبل القبلى ناتئ مستعل صفته بين الانضمام والانسطاح وقد تحلق على صفحة الجبل المقابل له وطاح ولم يقع منه فى قعر المسيل الا النزر القليل مع أن أصله تراب أن هذا الشئ عجاب وبقى ما انسلخ منه متقعرا فى الجبل كهيئة محراب [1] وسفل الوادى على حاله لم يتغير والماء جار على العادة فيه يتكسر ويتحدر لم يحصل له سدة ولا احتقان ولا انتقل جريانه من مكان إلى مكان على أن ما انقلع منه طولا عشرة أذرع ومائة جملة وتفصيلا، وعرضا نصف ذلك قليلا، وعفا مثل نصف العرض تقريبا ومدي الحذف [2] كالطول أو يكون منه قريبا، وذكر من حضر من أهل المكان أن وقوع ذلك فى أواخر رجب وأوائل شعبان ومن وقف على أثر هذا المكان ورآه وعلم من هذا الكتاب فحواه وضع به خطه أدناه وكان ذلك فى نهار الخميس ثامن عشرين شعبان سنة ست وسبعمائة وبذيل المحضر خط شهود وما علاه خط الحاكم ببارين ومثاله: الحمد لله حمدا يرضاه وقفت على الوادى المذكور وشاهدت العرقوب الذى انقلع ونقل ترابه وفيه نبات وحجارة على صفحة الجبل الذى قابله والتأم فى ذرعه [3] وعدم وقع التراب فى مسيل الماء كما شرح فيه، كتبه أبو بكر بن نصر الهاشمى المعاد [4] الشافعى العباسى الحاكم ببارين- عفا الله عنه وفيها فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شوال خطب بالجامع الجديد الغربى بسفح جبل قاسيون الذى أنشأه الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة الشريفة بالشام مقابل الرباط الناصرى وخطب فيه القاضى شمس الدين بن المعز الحنفى.
وفى هذه السنة ولى قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى [41] الدين أبى القاسم بن محمد الحنفى البصروى [5] القضاء بدمشق عوضا عن القاضى شمس الدين الأذرعى الحنفى، وكان وصوله إلى دمشق فى تاسع عشرين ذى القعدة.
__________
[1] فى ك «المحراب» والمثبت من ص، وف.
[2] عبارة الأصول «مثل نصفه العرض بقربها ومعا للحذف» وليس لها بهذا الشكل أى معنى. ولعل الصواب ما أثبته.
[3] ذرعه: أى فى قياسه على رواية ص- أو فى جانبه- على رواية ك.
[4] كذا فى الأصول، ولعل المراد أن نسبه يعود إلى بنى هاشم.
[5] هو قاضى القضاة صدر الدين على بن محمد بن عثمان البصراوى، توفى سنة 727 هـ (شذرات الذهب لابن العماد الحنبلى 6: 78، والنجوم الزاهرة 9: 268) .
(32/125)

وفيها فى يوم الثلاثاء ثامن عشر ذى الحجة أعيد الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى إلى الحجبة بالشام وولى وظيفة الشد بدمشق الأمير جمال الدين آقصى الرستمى نقل من ولاية الولاة بالضفة القبلية إلى هذه الوظيفة ببذل وهو ثمانمائه ألف درهم فى أربع سنين واشترط أنه لا يحدث حادثا ولا يجدد رسما وباشر الوظيفة في يوم الخميس العشرين من الشهر وحضر الأمير سيف الدين بكتمر معه إلى الديوان حتى رتبه فى الوظيفة وتوجه الأمير عز الدين حسين بن صبرة إلى الضفة القبلية والى الولاة وكان خروجه لذلك فى ثامن المحرم سنة سبع وسبعمائة.
وفى سنة ست وسبعمائة أيضا فى تاسع جمادى الأولى ورد إلى دمشق فقير أعجمى اسمه براق فى جمع كثير من الفقراء، وشعارهم أنهم يحلقون لحاهم ويبقون شواربهم ويلبسون على رءوسهم كلاوت من اللباد الأبيض يتعممون فوقها وفوق الكلاوت قرون ومعهم أجراس فأنزلهم نائب السلطنة بالمنيبع [1] ورتب لهم راتبا كثيرا ثم توجه براق ومن معه إلى القدس وقصد دخول الديار المصرية فلم يؤذن له فى ذلك فرجع، ومن سنة هؤلاء أنه [2] من تأخر منهم عن صلاة فى وقتها ضرب أربعين سوطا وفيها توفى الطواشى عز الدين دينار الغزنوى [3] الخزندار الظاهرى الدوادار الناصرى، كان دوادار السلطان الملك الناصر، وناظر الأوقاف الظاهرية، وكانت وفاته فى يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول، وكان ديّنا خيّرا، كثير المطالعة، لين الجانب، يحب أهل الخير ويكرمهم- رحمه الله تعالى-[4] .
وفيها توفى الأمير عز الدين أيبك الطويل الخازندار المنصورى بدمشق فى حادى عشر شهر ربيع الأول، ودفن بقاسيون وكان مشكور السيرة والديّانة- رحمه الله تعالى-.
__________
[1] المنيبع: محلة غربى دمشق، ومن متنزهاتها (ذيول العبر ص 24 هامش) .
[2] فى ك «أنهم» والمثبت من ص، وف.
[3] كذا فى الأصول. وفى النجوم الزاهرة 8: 225 وفهارس هذا الجزء «الطواشى عز الدين العزيزى الخازندار الظاهرى.
[4] هذا اللفظ ساقط من ك، والمثبت من ص، وف.
(32/126)

وفيها فى ذى الحجة توفى الأمير سيف الدين بلبان الجوكان [1] دار المنصورى نائب السلطنة بحمص- رحمه الله تعالى- وهو من المماليك السلطانية فى زمن إمرة السّلطان الملك المنصور، وكان رجلا جيّدا أمينا ثقة ما رأيت فى أبناء جنسه ممن اختبرته فى الأمانة والعفة مثله، رافقته مدّة فى ديوان الخاص بدمشق واطّلعت منه على أمانة غزيرة، ونزاهة وافرة ومعرفة تامة وكان يوم ذاك ينوب عن السلطنة بقلعة دمشق وفوض إليه السلطان شد ديوان أملاكه بالشام، وكتبت يومئذ مباشرها، وذلك فى شوال سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن نقل إلى نيابة السلطنة بحمص فاطلعت من أمانته ونزاهته ومعرفته على ما أشرت إليه، وكان قد اشتهر عنه فى مباشرة شدّ الدواوين عدم المعرفة والغفلة والبلادة، فلما رافقته ظهر لى منه معرفة تامة، وخبرة واطلاع ينافى ما كان قد اشتهر عنه، فسايرته يوما وانفردت بمسايرته، وجرى بنا الحديث فسألته عن ذلك، وعرّفته ما ظهر لى منه وما كان قد اشتهر عنه، فتبسّم وقال: والله ما لمح أحد من أمرى ما لمحته، وما سألنى أحد عنه قبلك، وأنا أخبرك عن ذلك، وهو أننى والله ما ولّيت للسلطان ولاية قطّ وأنا راض بها، وشرع يذكر لى ولايته وتنقلاته من الجندية وما بعدها، ثم قال: ولما نقلت من نيابة قلعة صفد إلى دمشق ووليت شاد الدواوين وأستاذ دارية كرهت ذلك أشدّ كراهة واستعفيت منه فلم أعف، والله كان إذا أحضرت إلىّ النفقة المقررة لى على بيت المال عن وظيفة الشد. وهى فى كل يوم خمسة وسبعون درهما- ووضعت بين يدى يخيّل لى أنها عقارب تلدغنى ولقد والله كنت أعرض على نفسى أنواع البلاء والعاهات، وولاية الشد [42] فيسهل على أن ابتلى ببعض العاهات ولا أكون مشدّا، إلا العمى فإنى كنت أستصعبه وأختار الشد عليه، وأما لو خيرت أن يبطل إحدى يدى أو رجلىّ أو عينىّ تزول إحدهما وأبصر بالأخرى وأعفى من الشد لا خترت ذلك، ورضيته على الشد فقصدت إظهار عدم المعرفة والتغافل عن المهمات والمصالح حتى شاع ذلك عنى واتصل بأبواب السلطنة ورجوت بذلك الخلاص من وظيفة الشد، فلم يجد ذلك لى نفعا ولا عزلت، ففكرت بعض
__________
[1] كذا رسم الكلمة من الأصول. وترسم أيضا «الجوكندار» وانظر الدليل الشافى 1: 198.
(32/127)

الليالى فى أمر أفعله يكون سبب خلاصى، فألهمنى الله تعالى أنه لا يخلصنى من الشد إلا أن أردّهم عن المظالم، وألّا أوافق على فعلها، واتّفق فى غضون ذلك أنّ القاضى شرف الدين بن مزهر [1] ناظر الدواوين حضر إلىّ وقد عين أسماء جماعه من الولاة والمباشرين بالأعمال البرانية أن يستخرج منهم مبلغ ثمانين ألف درهم لبيت المال، فلم أوافقه على ذلك، ورددته عنه، وقبحت عليه فعله، ففارقنى واجتمع بنائب السلطنة الأمير جمال الدين، وشكا إليه ذلك، وكتب تذكرة، وعلم نائب السلطنة عليها وسلمها إلىّ فى المجلس وقال لى استخرج مبلغها من هؤلاء. فقلت والله لا أفعل هذا أبدا ولا أوافق عليه، وإنما أنا أطلب هؤلاء الذين عينوا فى هذه التذكرة، ويحاققهم هذا الناظر وجماعة المستوفيين، فمن ظهرت خيانته استعدت منه ما التمسه، وأدّبته أدبا شافيا، ومن ظهرت أمانته خلعت عليه وأحسنت إليه وأعدته إلى جهته، أو نقلته إلى أجود منها، وأما خلاف هذا فلا أفعل. فطالع شرف الدين بن مزهر الأبواب السلطانية بذلك، فوصلت تذكرة سلطانية من الديار المصرية باستخراج المال المذكور عن ممّن عيّن، ووصل إلى قرينها [2] كتاب السلطان باعتماد ما تضمنه، واستخراج المال وحمله، فامتنعت من ذلك وصممت على أن لا أتحدث فيه أبدا ولا أوافق عليه إلا بعد المحاققة. فلما علموا منى معارضتهم ودفعهم عما يقصدونه من المظالم صرفت من الشّدّ، وأفادنى هذا الرأى. فلما ولّيت ديوان الخاص هذا. وهو أملاك ومواريث شرع ليس فيه مظلمة ولا مكس انبعثت لمباشرته، وطابت نفسى بالحديث فيه، وأظهرت ما أعرفه فهذا هو السبب. واستكتمنى- رحمه الله تعالى- ذلك، فكتمته مدّة حياته، ثم ذكرته بعد وفاته. وكان رحمه الله حسن الرّفقة لا ينفرد برأى، ولا يستقل بأمر قبل أن يعرضه على رفقته، ولقد كانت تأتيه كتب السلطان له فيما يتعلق بديوان الخاص فلا يفتحها حتى أحضر ويخرجها إلىّ مختومة فأقرأها عليه- وكان يحسن القراءة- ثم اتّفق معه على الجواب عنها وأكتبه عنه ويكتب عليه،
__________
[1] هو شرف الدين يعقوب بن فخر الدين مظفر بن أحمد بن مزهر الحلبى، توفى سنة 714 هـ (البداية والنهاية 14: 146، والدرر الكامنة 5: 209- وفيها توفى سنة 729 هـ والسلوك 2/1: 141، والدليل الشافى 2: 791- توفى سنة 714 هـ) .
[2] فى ك «فرسها» والمثبت من ص، وف.
(32/128)

وكان يخصنى بذلك دون بقية الرفقة- هذا إذا كنت بدمشق- وأما إن توجّهت لكشف جهة أو قسمتها فإنه يكتب الجواب إلى من يراه ولمامات ولى بعد وفاته نيابة السلطنة بحمص الأمير سيف الدين بكتمر الساقى المنصورى وتوجه إليه فى المحرم سنة سبع وسبعمائة
واستهلت سنة سبع وسبع مائة.
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء
فى هذه السنة فى أول المحرم ظهرت الوحشة بين السلطان والأمير سيف الدين سلّار، والأمير ركن الدين بيبرس، وكان السلطان قد امتنع [1] من العلامة أياما، وظنّ الناس أن ذلك لمرض اعتراه ثم عبرا له فى ثالث الشهر فتنكر لهما وسبهما، فاستعطفاه وألانا له وقالا: نحن مماليك السلطان ومماليك والده السلطان الشهيد وبناة دولته إلى غير ذلك مما استعطفاه، فخلع عليهما وعلى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار. وخرجا من عنده فلما صار بظاهر باب القلعة [2] قويت نفوسهما، وشرعا فى إظهار ما عندهما، وتركا باب القلعة فى تلك الليلة مفتوح الأقفال، ورسما بأن تركب جماعة من العسكر تحت القلعة، فركب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر فى جماعة من مماليكه بعد العشاء الآخرة مظهرين السلاح وشقّ المدينة وخرج من باب زويلة إلى تحت القلعة، وكان قبل ذلك قد انقطع فى داره، وادّعى المرض، فلما كانت [43] هذه الفتنة كان أوّل من ركب وكان ممن ركب أيضا أخوه الأمير سيف الدين سلار فخرج لهم بعض المماليك السلطانية الأوشاقية [3] من الإسطبل، فراشقهم [4] بالسهام ورمى الأمير سيف الدين سموك [5] أخو سلار بسهم فوصل إلى الشباك الذى يجلس فيه السلطان، فشق ذلك على السلطان وكبر لديه،
__________
[1] فى ك، وف «أمنع» والمثبت عن ص.
[2] فى ص «القلة» وهو أيضا أحد أبواب القلعة، والمثبت من ك.
[3] الأوشاقية ومفردها أوشاقى، وهم فرقة من خدم السلطان يتولون ركوب الخيل للتسيير والرياضة (صبح الأعشى 5: 454) .
[4] فى ص «فراسلهم» .
[5] ف ك، وص «سمول» ثم تعود ص فترسمه «سموك» والتصويب من ص فى بعض المواضع، والنجوم الزاهرة 8: 172.
(32/129)

وبات الأمراء الأكابر فى تلك الليلة على مساطب الدّركاه بباب القلعة متلازمين، ولما فتح باب القلعة وقف أمامه مماليك الأمراء الأكابر وهم مكيّزون [1] سهامهم فى قسيّهم، وظنوا أن المماليك السلطانية يخرجون عليهم إذا فتح الباب، فلم يقع ذلك فصرف الأمراء أكثر مماليكهم، وجلس الأمراء بالدّركاه بباب القلعة [2] وترددت الرسائل بينهم وبين السلطان على لسان الأمير جمال الدين أقش الموصلى والأمير سيف الدين كراي، والأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزورى [3] ، وسألوا رضا السلطان والتمسوا [4] منه تسليم بعض الخاصكية [5] الذين نسبوهم إلى تغيير خاطر السلطان، فما وسع السلطان إلا إخماد هذه الفتنة الثائرة فسيّرهم إليهم بعد مراجعات وأيمان أنهم لا ينالهم من الأمر أذى وهم سيف الدين بيبغا التركمانى، وكان من أخص الناس بالسلطان وأقربهم عنده وسيف الدين خاص ترك وسيف الدين بيتمر الحاج فأنزلهم الأمراء لوقتهم من القلعة وتوجهوا إلى جهة القدس ثم دخل الأمراء إلى الخدمة على عادتهم، ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالأمير جمال الدين أقش الأفرم كتب إلى الأمراء يلومهم ويعنّفهم على ما وقع من إخراج هؤلاء المماليك ويلتمس إعادتهم، ويقسم أنهم متى لم يعادوا إلى خدمة السلطان حضر هو بهم، وكتب إلى السلطان مطالعة يقول: إن المملوك بلغه أن الخواطر الشريفة تغيّرت على فلان وفلان والمملوك يسأل عود العواطف الشريفة عليهم، وشمولهم بالمراحم السلطانية وإعادتهم إلى الخدمة أو نحو هذا ولما وصل كتاب نائب الشام إلى الأمراء بذلك سألوا السلطان فى إعادة المماليك المذكورين فرسم بإعادتهم
__________
[1] كذا فى الأصول. والسياق يقتضى أن يكون معناها: معدون ومهيئون.
[2] فى ص «القلة» .
[3] هو يعقوب الشهرزورى نسبة إلى إقليم شهرزور ماربل وهمذان اشتهر منه جمع من الأئمة والعلماء، شهد مع المظفر قطز وقعة عين جالوت ضد التتار، ومعه جمع كثير من الشهرزورية، ومات فى أواخر سنة 707 هـ (الدرر الكامنة 4: 436) .
[4] فى ك «وسألوا» والمثبت من ص، وف.
[5] الخاصكية: جماعة من حاشية السلطان يأتون فى الترتيب بعد الأمراء المقدمين تمتعوا بمكانة كبيرة وخصصت لهم الأرزاق الواسعة، ومنهم كان الحرس الخاص بالسلطان (السلوك 1/2: 644 هامش الدكتور زيادة، خليل بن هاشم: زبدة كشف الممالك ص 115- 116) .
(32/130)

فعادوا، ولم يسكن الأمير سيف الدين بيبغا بالقلعة وإنما سكن بداره بسويقة [1] العزى وما لبث أن مرض ومات فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفيها فى يوم الإثنين خامس عشر محرم بعد إخراج المماليك السلطانية رسم بإخراج الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جنذار فأخرج من ساعته، وقطع خبره، وبات فى تلك الليلة بظاهر القلعة، ورحل فى يوم الثلاثاء، وولى وظيفة الأمير جاندارية بعده الأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار، المعروف بالفتاح، وتوجه الأمير سيف بكتمر إلى الشام بغير إقطاع، فلما وصل إلى غزة عيّنت له الصّبيبة [2] فتوجه إليها واسترخمها وكره المقام بها، فكتب إلى الأبواب السلطانية وإلى الأمراء شكا من وخمها، وسأل نقلته إلى غيرها فعين له صرخد، [3] ثم اتفقت وفاة الأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى نائب السلطنة بصفد فى شعبان فكتب منشورة بإقطاعه وتقليده بنيابة السلطنة بها، فتوجّه إليها، ثم كان من خبره ما نذكره وفيها وصل الأمير فتح الدين بن صبرة من أسر التتار، وقد تقدم ذكر أسره فى بلاد سيس.
وفى هذه السنة طلع النيل بالديار المصرية طلوعا عاما وروى البلاد وزرع وطلع الزرع طلوعا حسنا، فلما كان فى شوال الموافق لبرمهات- وهو وقت كمال الغلال- هبّت ريح جفّفت الزّرع قبل أن يشتد فهاف جميع ما مرت عليه تلك الريح، وهو أكثر الزّرع حتى ترك أكثره بغير حصاد وارتفعت أسعار الغلال بسبب ذلك فبلغ سعر القمح كل أردب تسعين درهما وفيها جرّد جماعة من العسكر الشامى إلى الرحبة فتوجه الأمير علاء الدين أيدغدى شقير فى طائفة من العسكر فى ثانى جمادى الأولى، ثم تلاه الأمير سيف الدين قطلوبك
__________
[1] سويقة العزى: عرفت بالأمير عز الدين أيبك العزى نقيب الجيوش، كانت تقع خارج باب زويلة قرب قلعة الجبل، ومكانها حاليا الجزء الجنوبى من شارع سوق السلاح. بين شارع الغندور والقلعة. وقد اختفى اسمها من جداول الطرق بالقاهرة (المقريزى: المواعظ، ج 2 ص 106- بولاق (النجوم الزاهرة 8: 204 هامش) .
[2] الصبيبة: اسم لمكان به قلعة بانياس، وهو من الحصون المنيعة (النجوم الزاهرة 6: 356 هامش) .
[3] صرخد: بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق، وهى قلعة حصينة وولاية واسعة (معجم البلدان، وصبح الأعشى 4: 107) .
(32/131)

المنصورى فى رابع عشر الشهر وتوجه الأمير سيف الدين بهادر آحى فى التاريخ المذكور.
وفيها فى يوم الإثنين العشرين من شهر رجب توجه الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام إلى القدس الشريف لقصد الزيارة وتوجّه معه جماعة من أعيان دمشق [44] وعاد إلى دمشق فى تاسع شعبان.
وفيها توجه ركب من الديار المصرية إلى الحجاز الشريف فى السابع والعشرين من شهر رجب صحبة الأمير ركن الدين الكوندكي وجماعة المشار إليه منهم الشيخ نجم الدين بن عبّود ونجم الدين بن الرفعه [1] وغيرهم ووصلوا إلى مكة فى سادس شهر رمضان.
ذكر الاهتمام بقصد اليمن والاحتفال لذلك وتعيين العساكر المجردة إليه وتأخير ذلك وإرسال الرسل
وفى هذه السنة حصل عزم الأمراء ولاة الأمر على قصد اليمن وتجريد العساكر وتقرر أن يتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة بالجيوش، وعيّن من يتوجه معه، وعرض رجال الحلقة واحتفل لذلك احتفالا عظيما، ورسم لكل أمير مقدم ألف ومضافيه أن ينشئوا مركبا كبيرا وفلوه [2] برسم حمل الأزواد وحصل الشروع فى ذلك وندب الأمير عز الدين أيبك الشجاعى شاد الدواوين لعمل المراكب فتوجّه إلى الوجه القبلى، وقطع الأخشاب لذلك، وكان سبب هذا العزم ما حصل للملك المؤيد هزبر الدين داود [3] صاحب اليمن من اختصار الهدايا، وإعادة الرسول المتوجه إليه من الأبواب السلطانية بغير جواب، ولما حصل هذا العزم سأل أعيان الكارم [4] مراحم السلطان فى الإمهال [5] إلى أن يتوجه إليه الرسل من الأبواب السلطانية ويعود جوابه، ودخل فى هذا السؤال جماعة من المشايخ فأجيبوا إلى ذلك، وكتب لصاحب
__________
[1] فى الأصول «نجم الدين رفعة» وهو نجم الدين ابن الرفعة، أحمد بن محمد بن مرتفع توفى سنة 710 هـ (ذيول العبر ص 54، والبداية والنهاية 14: 60، وشذرات الذهب 6: 22) .
[2] الفلوة: عبارة عن قباسة لحمل الأزواد وغيرها مما يحتاجه الجيش.
[3] هو المؤيد هزبر الدين داوود ابن الملك المظفر يوسف بن عمر التركمانى، ولى ملك اليمن بضعا وعشرين سنة، وتوفى سنة 721 هـ. (شذرات الذهب 6: 55، والدرر الكامنة، 2: 190، الدليل الشافى 1: 297) .
[4] فى ك «الكلام» والتصويب من ص، وف. وأعيان الكارم: هم أعيان تجار الكارم، وهم تجار البهار والأفاويه الواردة من الهند عن طريق اليمن (السلوك 1/2: 899 هامش الدكتور زيادة.
[5] فى ك «الامتهال» والمثبت من ص، وف.
(32/132)

اليمن عن الخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين العباسى والسلطان، وتوجه القاضى شمس الدين محمد بن عدلان الشافعى أحد المفتيين بالقاهرة، وشمس الدين سنقر السعيدى أحد مقدمى الحلقة المنصورة، فتوجها وحملا مشافهة إليه، وتأخر تجهيز العسكر.
وفيها نزل الأمير سيف الدين كراي المنصورى عن إقطاعه بالديار المصرية، وكان إقطاع إمرة مائة فارس، وذلك أنه توجه للصعيد لكشف إقطاعه، وانتهى إلى مدينة إسنا من الأعمال القوصية- وهى من جملة إقطاعه وتجهز منها، وحمل ما يحتاج إليه من الروايا والقرب وغير ذلك، وتوجه هو ومن معه فى البرية لقصد بلاد التاكة [1] فوردت مطالعة متولّى الأعمال القوصية بذلك، فقطع خبره، وأنعم به على الأمير سيف الدين بتخاص، وكان إخراج الإقطاع هو غرض الأمير سيف الدين كراى، ثم رجع الى الأبواب السلطانية بعد أن أوغل فى البرية، وسأل الإعفاء من الإمرة والخدمة، وأن يتوجه إلى القدس الشريف ويقيم هناك- وما علم موجب ذلك- فأذن له فتوجه بحريمه ومماليكه وأقام بالقدس.
وفيها اهتم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار [2] بعمارة دار الوزارة خانقاه ورباطا وتربة لدفنه- اهتماما عظيما، فعمر ذلك عمارة متقنة وحصّل الرخام من كل جهة، ودلّه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح. على أن بظاهر دورهم بالقصر فساقى من الرخّام الأبيض مدفونة تحت الرّدم، وأخرج منه فسقيتان من الرخام على غاية الكبر والحسن وإتقان الصنعة، وكل منهما قطعة واحدة، وهى طويلة عميقة متسعة الجوف والوسط، ثم تنخرط من طرفها إلى أن ترقّ فيكون طرفها كالمجراة، فأخرجتا [3] وعمل لإخراجهما آلات معينة على ذلك، وحصل التعب فى جرّهما، ثم نشرتا [4] ألواحا وفرش بهما أرض المكان ووقف الأمير ركن الدين على هذا المكان أوقافا متوفرة جليلة المقدار، وعيّن فى هذا الوقف عدّة كثيرة من الفقراء الصوفية، والجند البطالين وغيرهم، ورتّب أن يكون بالمكان شيخين [5] أحدهما بالخانقاه والآخر بالرباط وأئمة ومؤذنين ومقرئين وغير ذلك، وكملت
__________
[1] بلاد التاكة: يراد بها بلاد السودان كما جاء فى السلوك 2/1: 37.
[2] عبارة «أستاذ الدار» ساقطة من ك.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «لجرهما» .
[4] فى ك، وف «نشرت» والمثبت من ص.
[5] فى ك، وف «شخصين» والمثبت من ص.
(32/133)

عمارتها [45] والأوقاف عليها فى سلطنته، وخلع ومات قبل فتحها؛ فأغلقت مدة ثم أمر السلطان الملك الناصر بفتحها ففتحت، ورتب فيها جماعة من الصوفية وغيرهم بالخانقاه والرباط، وأما القبة التى بها المدفن فإنها مغلقة على ما هى عليه لم تفتح إلى أواخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة ولم تستقر جملة الأوقاف على هذا المكان؛ فإن منها ما حلّ ورجع إلى بيت المال، واستقر بعضها فصرف لمن استقر بها من الصوفية وغيرهم.
ذكر وفاة الأمير سيف الدين بيبغا المعروف
بالتركمانى وأنشأ تربته وما وقف عليها وفى هذه السنة فى العشر الأخير من شعبان توفى الأمير سيف الدين بيبغا الناصرى المعروف بالتركمانى أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، وهو من أكابر أخصّاء المماليك السلطانية وأحد من أخرج فى هذه السنة إلى الشام وأعيد، وكان متمكنا عند السلطان خصّيصا بخدمته، لا يتقدم عليه غيره فى وقته، وكان السلطان قد ملّكة جملة من أملاكه بالقاهرة من ذلك [1] تربيعة الجمالون بخط الشرابشين وأجرتها فى كل شهر ألف درهم ومائة درهم واشتريت هذه التربيعة للسلطان بمائتى ألف درهم وأربعين ألف درهم، وحمامى [2] ابن سويد، وقيسارية أخرى وغير ذلك وأنعم عليه بجملة كثيرة من الأموال، والحوايص الذهب والجواهر مما لا يدخل تحت الإحصاء. ولما مات كنت يومئذ فى خدمة السلطان فأمرنى والأمير عزّ الدين الحاج أزدمر رأس نوبة الجمدارية بإيقاع الحوطة على موجوده ففعلت وحرّرت ذلك وعرضت الأوراق على مولانا السلطان وحملت من موجوده وذخائره إلى السلطان ما أمر [3] بحمله ثم أمر لى ببقيّة بيع الموجود أو أن أعمر به تربة
__________
[1] فى ك «بتربيعة» والمثبت من ص. وهذه التربيعة كانت تعرف بسوق الجمالون، ومكانها حاليا حارة الجمالون المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمى، بجوار جامع الغورى (النجوم الزاهرة 8: 209 هامش) .
[2] حماما ابن سويد: ذكر المقريزى فى خططه (3: 134) «أنهما يقعان بآخر سويقة أمير الجيوش، وقد عرفتا بالأمير عز الدين معالى بن سويد، وقد خربت إحداهما، ويقال إنها غارت فى الأرض وهلك جماعة فيها، وبقيت الأخرى.
[3] فى ك «ما أثر بحمله» والمثبت من ص وف.
(32/134)

بالقرافة، وقبة على قبره فبادرت إلى امتثال أمره، وشرعت فى ذلك، وجمعت جماعة من المهندسين والصنّاع لقسمة [1] التربة ووضع الأساس، وحضر السلطان إلى التربة بالقرافة، ونزل عن فرسه، ووقف وقسم التربة وخطّها بعصا فى يده ورتبها على حسب ما اقتضاه رأيه الشريف ثم رسم إلى أن أوقف عنه على هذه التربة من الأملاك المذكورة آنفا التى ورثها عن بيبغا، وهى مما كان قد وهبه له، فوقفت تربيعة الجملون وغيرها على مصالح تربة سيف الدين بيبغا بطريق الوكالة عن السلطان، وذلك بمجلسه بحضور قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى وجماعة من العدول، ولما شرعت فى ترتيب الوقف سألت السلطان- خلّد الله ملكه- أن أرتبه وأوقفه على أيسر الوجوه وأهنئها، وأطيبها فأذن لى فى ذلك، فشرطت فى الوقف أن من مرض من أهل الوقف من إمام ومؤذن ومقرئين وغيرهم أورمد يصرف له معلومه الشاهد به كتاب الوقف بجملته ويستناب عنه فى مدّة مرضه أو رمده من يقوم بوظيفته بنظير نصف معلومه من مال الواقف، وأنّ من حجّ من أهل الوقف يجعل له معلوم أربعة أشهر، ويستناب عنه بنظير نصف معلومه فى مال الوقف، وغير ذلك من التيسيرات، وعرضت، ذلك على السلطان- خلد الله ملكه- فأمر لى بإمضائه، فوقفته على هذا الحكم، وهو باق على ذلك والحمد لله تعالى- والوقف ينمو ويزيد إلى وقتنا هذا.
وفى هذه السنة فى ليلة يسفر صباحها
عن يوم السبت خامس جمادى الآخرة وقت السحر توفى الصاحب الوزير تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جده بابن حنا [2] بداره ببركة الحبش، ودفن بتربته بالقرافة- رحمه الله تعالى- ومولده فى التاسع من شعبان سنة أربعين وستمائة.
__________
[1] فى ك، وف «بقسم» والمثبت من ص.
[2] له ترجمة فى الوافى بالوفيات 1: 217، وذيول العبر ص 38، والسلوك 2/41، وشذرات الذهب 6: 14، والنجوم الزاهرة 8: 228.
(32/135)

وتوفى فى دمشق [46] الأمير علاء الدين مغلطاى
البيسرى [1] أحد الأمراء الأعيان بها، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين ثانى جمادى الأولى، ودفن فى يوم الإثنين بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى من أحسن الناس عشرة، وأكملهم مروءة وأوفاهم بحقوق أصحابه كان لا يدّخر عن صاحبه أو قاصده مالا ولا جاها، صحبته مدّة فلم أر أحسن من صحبته ولا مودته، وكان لنا بهذا البيت البيسرى خدمة قديمة، ثم صحبة أكيدة، وتجددت بعد ذلك بينى وبينه بدمشق عند مقدمى إليها فى جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمائة إلى أن عدت إلى الديار المصرية فى رمضان سنة ثلاث وسبعمائة، وكان- رحمه الله تعالى- من أشجع الأمراء، وهو ذو فهم بالحروب والوقائع وترتيب الجيوش، وممن يرجع إليه فى ترتيب المحافل والمهمات، وعرض التقادم وغير ذلك من أحوال الملوك، وكان أيضا قد انفرد فى معرفة طير الجارح وتدريبه والاصطياد به وجيّده ورديئه، ومداواة سقيمه وغير ذلك من أحواله، وكان أصله من مماليك زين الدين الحافظى وزير الملك الناصر صاحب الشام اشتراه الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى بعد هروب الزين الحافظى بما ينيف عن أربعين ألف درهم ويقارب الخمسين ألفا وحرص الملك الظاهر ركن الدين على تملّكه فما قدر على ذلك، واجتهد بكل طريق فلم يتهيّا له حتى عزم فى أواخر أمره على القبض على الأمير بدر الدين بيبرس أستاذه ليتمكن من أخذه فمات الملك الظاهر قبل ذلك، ولما اعتقل مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى فى أوائل الدولة المنصورية ضبط موجوده وخدم أولاده وربّاهم وحفظهم وكانوا ستة، وانفق عليهم أمواله، ولازم باب أستاذه فى مدة اعتقاله، ورغب السلطان الملك المنصور فى استخدامه ورتبه فى جمداريته، ووعده بالإمرة، وأسكنه بالقلعة فاستعفى من ذلك وكره مفارقة باب أستاذه والاشتغال عن حفظ أولاده، ولم يزل يتنصل من الخدمة حتى أعفى منها، وكان إقطاعه فى جنديته أمير من خاص جماعة من الأمراء، قال لى يوما بدمشق وهو أمير تسعة وستين فارسا: وددت أن إقطاعى الآن وإقطاع أصحابى نظير إقطاعى فى الجندية فسألته عن متحصل إقطاع جنديته، فأخبرنى أنه كان يحصل له منه لخاصة
__________
[1] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 4: 355.
(32/136)

ولأربعة أتباع فى كل سنة مائة ألف درهم وخمسة الآف درهم وخمسة الآف إردب غلة ومات- رحمه الله تعالى- وعليه جملة من الديون، صرفها فى المكارم ومحاسنه- رحمه الله- كثيرة.
وتوفى الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجمدار
الصالحى النجمى المعروف بالجالق [1] أحد الأمراء الأعيان مقدمى الألوف بدمشق وكانت وفاته بظاهر الرّملة [2] فى العشر الأوسط من جمادى الأولى فى خامس عشر الشهر، وقيل فى تاسع عشرة، ونقل إلى القدس فدفن هناك، وكان- رحمه الله تعالى- أميرا خيّرا ديّنا، كثير البرّ، كان يرصد من ماله جملة يقرضها للجند عند تجريدهم، ويصبر عليهم بذلك إلى أن يتيسّر لهم إعادته، وعدم له جملة كثيرة من أمواله بسبب ذلك، ولا يردّه ذلك عن هذه الحسنة رحمه الله تعالى.
وفيها- فى ثانى جمادى الآخر- كانت وفاة الشيخ الصالح العابد عمر السعودى [3] بزاويته بالقرافة، ودفن بها- رحمه الله تعالى وفيها توفي الشيخ القاضى شرف الدين محمد بن القاضى فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد ابن خالد القيسرانى [4] الحلبى، أحد أعيان كتّاب [5] الدرّج بالباب الشريف السلطانى، وكانت وفاته بعد العصر من يوم الجمعة، ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى، وكان- رحمه الله تعالى- رجلا جيّدا خيّرا ديّنا متواضعا فاضلا أمينا، لا يغتاب أحدا من الناس، ويكره الغيبة من غيره، ولا يسمعها، [47] وسمع الحديث النبوى الكثير، وكان متمكنا من صناعة الإنشاء، طاهر اللسان والقلم كثير الأدب غزير المروءة- رحمه الله تعالى.
__________
[1] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة (2: 41) ، والبداية والنهاية (14: 47) ، وذيول العبر ص 31، والدليل الشافى 1: 204، والنجوم الزاهرة 8: 227. ومعنى الجالق فى اللغة التركية: الفرس الحاد المزاج الكثير اللعب.
[2] الرملة: مدينة بفلسطين شمالى شرق القدس، أسسها سليمان بن عبد الملك سنة 716 م استولى عليها الصليبيون سنة 492 هـ واستردها صلاح الدين منهم وخربها سنة 583 هـ خوفا من استيلائهم عليها مرة أخرى (ياقوت: معجم البلدان) . (ياقوت: معجم البلدان) .
[3] أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 275. وفى السلوك 2/1: 41.
[4] والرسم فى ك «القيصرانى» .
[5] فى ك «نياب الدرج» والمثبت من ص، والسلوك 2/1: 42.
(32/137)

وفيها فى يوم السبت خامس عشر رجب توفى الشيخ تقى الدين الرجيحى [1] بن سابق بن هلال بن يونس: شيخ الفقراء اليونسية بدمشق، وصلى عليه بجامعها، وأعيد إلى داره فدفن بها، وجلس مكانه فى مشيخة اليونسية ولده الشيخ حسام الدين فضل.
وفيها فى يوم السبت تاسع عشرين شهر رجب الفرد توفى الأمير على ابن الملك القاهر عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق أيضا الأمير فارس [2] الدين
الردّادى أحد الأمراء بها فى ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم وتوفى بها الأمير سيف الدين كاوركا [3] المنصورى، وهى من المماليك المنصورية فى زمن الإمرّة، وكانت وفاته فى الخامس عشر من ذى القعدة.
وتوفى الأمير بهاء الدين أسلم بن دمرداش أحد الأمراء بدمشق فى يوم الجمعة رابع ذى القعدة وتوفى بالكرك الطواشى شمس الدين صواب السهيلى [4] الخازندار، وقد قارب المائة سنة، وكان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس قد سلّم إليه قلعة الكرك كما تقدم واستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المسعود [5] نجم الدين خضر بن الملك الظاهر فتوجه إلى الحجاز الشريف فى جملة الركب الشامى فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عبيّة أمير بنى عقبة فى نحو مائتى فارس، فقبض عليه وحمله إلى الأبواب السلطانية المنصورية، فلما ملك السلطان الملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانته وديانته، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى.
__________
[1] وفى الدارس فى تاريخ المدارس 2: 216 سيف الدين الرجيحى بن سابق بن هلال بن يونس توفى سنة 706 هـ، وكذا فى البداية والنهاية 14: 44.
[2] وأنظر ترجمته فى النجوم الزاهرة 8: 225، والدليل الشافى 1: 134، وفيهما سيف الدين بن أسلم بن عبد الله الردادى.
[3] كذا فى الأصول. وفى الدرر الكامنة 3: 230 «كاوزكا» أحد الأمراء الكبار بدمشق. وعلق عليه محقق الدرر بأنه كاوركا كما فى أصول نهاية الأرب.
[4] الدرر الكامنة 2: 307، والدليل الشافى 1: 356.
[5] فى ك «المنصور» والمثبت من ص. وانظر الدرر الكامنة 2: 172، والدليل الشافى 1: 288.
(32/138)

وتوفى فى ليلة الإثنين حادى عشر شعبان القاضى جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى المعروف بابن السقطى [1] خليفة الحّكم العزيز بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة وولى نيابة الحكم بالقاهرة نحو أربعين سنة وكان دربا بالأحكام الشرعية، وترك النيابة عن الحكم فى آخر عمره، ومولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الأمير بهاء الدين يعقوبا بن نور الدين بدر الشّهرزورىّ أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية قديم الإمرة- وكانت وفاته فى ليلة تسفر عن سابع عشر ذى الحجة.
وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين فاخر المنصورى، مقدم المماليك السلطانية، وأحد الأمراء أصحاب الطبلخاناه، بالديار المصرية فى سابع عشر ذى الحجة وكان- رحمه الله تعالى- ذامهابة وسطوة على المماليك السّلطانيّة يحترمه كبيرهم ويخافه صغيرهم [2] وكان كريم النفس- رحمه الله تعالى-.
واستهلت سنة ثمان وسبعمائة
فى هذه السنة فى مستهل شهر ربيع الأول أخرج الأمير نجم الدّين خضر الملقب بالملك المسعود ابن الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس من البرج بقلعة الجبل، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عزّ الدّين، ايبك الأفرم وكانت اشتريت له، ولم تطّل مدّته فإنه توفى خامس شهر رجب بالقاهرة بدار الحلبى.
وتوفى ولده قبل وفاته بيوم، وخلّف ولدّا ذكرا وابنة، رحمه الله تعالى.
وفيها فى ثالث شهر ربيع الآخر فوضت الخطابة بجامع قلعة الجبل لقاضى القضاة بدر الدّين محمّد بن جماعة عوضا عن الشّيخ شمس الدّين محمّد الجزرى.
وفيها وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه وهديته، ووصل فى جملة ذلك طشت وإبربق ذهب مرصع بالجوهر.
__________
[1] وانظر ذيول العبر ص 39، والدرر الكامنة 4: 18، والسلوك 2/1: 42، وشذرات الذهب 6: 16.
[2] فى ك «يحترمه صغيرهم، ويخافه كبيرهم» والمثبت من ص. وفى الدرر الكامنة 3: 299 توفى سنة 704 هـ. وفى الدليل الشافى 2: 519. وفيه توفى سنة 706 هـ.
(32/139)

وفيها فى جمادى الآخرة وصلت طائفة من التّتار الذين هم شرقى الفرات إلى بلد كركر، وأغاروا عليها، [48] وكان هناك سيف الدين بتخاص أحد مماليك الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب، فتوجّه بجماعة من الرجالة وكبس التتار، وأوقع بهم واستظهر عليهم، وأسر بعضهم وحضر إلى الأبواب السلطانية فأنعم عليه.
ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك
وإقامته بها وفى هذه السنة أظهر السلطان أنه قد عزم على الحجاز الشريف وأشاع ذلك وأذاعه، وأظهر الاهتمام به وأمر بجهازه: وتجهز معه جماعة من مماليكه الذين اختارهم، وبرز من قلعة الجبل المحروسة فى يوم السبت الرابع والعشرين من شهر رمضان، وركب الأمراء فى خدمته لوداعه فأعاد الأمير سيف الدين سلّار وركن الدّين بيبرس إلى قلعة الجبل، واستقل ركابه، وعيّد عيد الفطر بالصالحية [1] ثم سار ووصل إلى قلعة الكرك فى يوم الأحد العاشر من شوال منها ولما صعد إلى الكرك تقدمت الأثقال والبيوتات السلطانية، ومرت على الجسر الخشب المنصوب على الخندق بباب القلعة، ثم مر السلطان على الجسر المذكور وحوله مماليكه، الخاصكية وأرباب الوظائف، وازدحموا على الجسر فضعف عن حملهم فتكسرت أخشابه، وقد صارت [2] يدا فرس السلطان داخل باب القلعة وأطراف حوافر رجليه على الجسر فوثب الفرس به فصادر داخل القلعة، فسلم وانكسر الجسر بمن كان عليه من الخاصكية فسقطوا إلى أسفل الخندق، وهو من أعمق الخنادق وأبعدها، فسقط بعضهم على بعض فسلموا كلهم إلا اثنين منهم أحدهما الأمير عز الدين أزدمر الحاج رأس نوبة الجمدارية فإنه انقطع نخاعه، وبطل نصفه مما يلى رجليه، وعاش كذلك إلى أن مات فى سنة عشر وسبعمائة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية.
__________
[1] الصالحية قرية من قرى الشرقية مركز فاقوس، وأنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب 644 هـ على بداية الطريق من مصر إلى الشام لتكون منزلة للعساكر (محمد رمزى: القاموس الجغرافى، ق 2 ج 1، ص 112) .
[2] فى ك «سارت» والمثبت من ص.
(32/140)

ولما استقر السلطان بقلعة الكرك طلب ورقة بالحاصل بخزانتها من الأموال، فكتبت له ورقة بمبلغ مائتى ألف درهم، وكان الحاصل أضعاف ذلك مرارا وإنما كتبت بأمر النائب بها خشية أن السلطان يأخذ ما بها من المال بجملته. فلما أخذ الورقة أظهر ما كان قد أضمره وأخرج النائب بالكرك وهو جمال الدين آقش الأشرفى، وجماعة من البحرية، وجماعة من الرّجّالة، واستقر بها بمماليكه الذين رضيهم، وأعد ما كان قد استصحبه من شعار السلطنة والبيوتات إلى الديار المصرية، والممالك الشامية يعلمهم أنه قد استقرّ بالكرك، ونزل عن السلطنة أو أن يدبّر والأمر على ما يختارونه، وإنما فعل ذلك لما حصل له من الأمير بن سيف الدين سلّار وركن الدين بيبرس من المضايقة والحجر والاستبداد بالأمر دونه ففعل ذلك وتحقق أنهما لا يتفقان بعده، وأن الأمر يؤول إليه كما يختار، فوردت مكاتباته إلى الأمراء بقلعة الجبل فى يوم الجمعة الثانى والعشرين من شوال من هذه السنة.
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس
العثمانى المنصورى لما وصلت كتب السلطان الملك الناصر إلى الأمير سيف الدين سلّار والأمراء بما قدمناه اجتمعوا فى يوم السبت الثالث والعشرين من شوال بدار النيابة، وتشاوروا فيمن ينصب فى السلطنة فمال جماعة إلى الأمير سيف الدين سلّار النائب فقال لمن اختاره أنتم رضيتم بى أن أكون عليكم سلطانا، وأنا قد رضيت لى ولكم هذا وأشار إلى الأمير ركن الدين بيبرس العثمانى أستاذ الدار، وكان ذلك رأى جماعة الأمراء [1] البرجية خواشداشيته، فوافق قوله رأيهم، فاجتمعت الكلمة بالديار المصرية عليه وإنما صرفها الأمير سيف الدين سلّار عن نفسه إليه لعلمه بعاقبة الأمر وأن ذلك لا يتم له، فعند ذلك حلف له الأمراء، وركب من دار النيابة بعد العصر من اليوم المذكور ودخل إلى دور السلطنة داخل باب القلعة والأمراء مشاة فى خدمته إلى
__________
[1] الأمراء البرجية: ذكر المقريزى فى السلوك 1/2: 756 «أن السلطان المنصور قلاوون كان قد أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف وسبعمائة من الآص: وهى الجزء الجنوبى من شبه جزيرة القرم، وبها سوق للرقيق، والجركس جعلهم فى أبراج القلعة، وسماهم بالبرجية، وانظر هامش الدكتور زيادة.
(32/141)

أن استقر على تخت السلطنة ولقّب بالملك المظفر، وزفّت البشائر، وكتب بذلك إلى سائر الممالك [49] الإسلامية وتوجه إلى الشام الأمير عزّ الدّين أبيك البغدادى والأمير سيف الدين ساطى فوصلا إلى دمشق على خيل البريد فى مستهل ذى القعدة، وخطب له بالقاهرة فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة ثمانى وسبعمائة وحضر الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان وقلده السلطنة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وكتب عهده بذلك وقد تقدم ذكر هذا العهد وما اشتمل عليه فيما سلف من كتابنا هذا فى الجزء الثامن منه فى ترجمة القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر وركب الملك المظفر فى يوم السبت السابع من ذى القعدة بشعار السلطنة وعليه خلعة الخليفة، وهى خلعة سوداء بطرحة وتقلّد سيفين على العادة، وسيّر فى الميدان الأسود [1] وخلع على الأمير سيف الدين سلّار وأقرّه على نيابة السلطنة وأقر سائر النواب بالممالك الشامية، ولم يغيّر منهم إلا الأمير ركن الدّين بيبرس العلائى النائب بغزة فإنه أعاده إلى الإمرة بدمشق وولّى نيابة غزة الأمير سيف الدين بلبان البدرى وذلك فى المحرم سنة تسع وسبعمائة.
ولما وصل كتاب الملك المظفر إلى دمشق صحبة من ذكرنا توقّف الأمير جمال آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام عن الحلف إلا بعد أن يثبت على حاكم من حكام المسلمين أن السلطان الملك الناصر نزل عن السلطنة، وخلع نفسه، فأحضر كتاب السلطان الملك الناصر الذى قد كان وصل إليه وشهد جماعة من الموقعين أن الكتاب بخط القاضى علاء الدين بن الأثير كاتب السلطان وأن الخط الذى أعلاه خط السلطان الملك الناصر، فثبت ذلك لذلك وعمل بمقتضاه، وحلف الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ومن عنده من الأمراء وغيرهم، وكذلك سائر النواب بسائر الممالك وأقر الملك المظفر الصاحب [2] ضياء الدين النّشائى على وزارته على عادته- وليس له من الأمر شئ وإنما الأمر لتاج الدين بن سعيد الدولة وزاده بسطة وتمكينا، وكان الملك المظفر لا يكتب على تقليد أو توقيع أو كتاب إلا بعد أن يكتب تاج الدين عليه
__________
[1] الميدان الأسود: ويقال له ميدان العيد، والميدان الأخضر، وميدان السباق، وميدان الملك الظاهر بيبرس البند قدارى، ومكانه حاليا الأرض المشغولة بترب جبانة باب الوزير (هامش النجوم الزاهرة 7: 165) .
[2] مكان هذا اللفظ بياض فى ك. والمثبت من ص، وف.
(32/142)

ما مثاله يحتاج إلى الخط الشريف ورسم للدوادارية أن لا يقدموا له ما يعلم عليه إلا بعد خط تاج الدين صح المذكور، وتطاول إلى أن قصد أن يقف على أجوبة البريد إلى النواب وغيرهم ويكتب عليها فقام القاضى شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان فى ذلك وعرّف السلطان ما يترتب على ذلك من المفسدة، من إذاعة أسرار السلطنة وإفشائها، فاستقر الأمر أنه يكتب على ما يتعلق بالأموال والإقطاعات دون ما هو متعلق بسرّ الدولة وكتب الملك المظفر للسّلطان الملك الناصر تقليدا بالكرك، ومنشورا بإقطاع مائة فارس، ثم أبطل المنشور الأول، وكتب منشورا ثانيا بريع [1] المغل ولخاصه ولمائة طواشى وقال فيه بعد إبطال ما كتب به أولا وسيّر المنشور إلى دمشق وكتب عليه النائب ونزل فى الدواوين وكتب عليها الكتّاب ثم لم يلبث [2] الملك المظفر أن كتب إلى الملك الناصر يطلب منه ما عنده من الأموال الحاصلة بالقلعة، ويطلب إعادة المماليك السلطانية الذين استقروا عنده، وكان عدة من استقر فى خدمة السلطان نحو مائتى مملوك، وطلب أيضا الخيول التى للسلطان معه، وقال إن القلاع لا تحتاج إلى كثرة الخيول ولا الأموال، فأرسل إليه السلطان الملك الناصر مائتى ألف درهم فأعاد الجواب بتجديد طلب [3] الأموال، فكتب اليه: إن خط نائبكم عندى أنه لم يكن بخزانة الكرك غير مائتى ألف درهم وقد أرسلتها، ولم يرسل غيرها، وأهان رسول الملك المظفر وهو الأمير علاء الدين مغلطاى أبتغلى [4] وأمر بإخراجه ماشيا من قلعة الكرك إلى الغور وتحقق الملك الناصر سوء رأى الملك المظفر، وأنه لا يبقى عليه، فشرع عند ذلك فى التدبير، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
__________
[1] فى ص «بريع» .
[2] فى ك «يكتب» والمثبت من ص، وف.
[3] فى ك «بطلب تجديد» والمثبت من ص.
[4] وهذا اللفظ مجرد من النقط فى ك.
(32/143)

وفى هذه السنة فى ليلة السبت ثانى المحرم
توفى الشيخ الصالح أحمد بن أبى القاسم المراغى بمصر ودفن من الغد بالقرافة رحمه الله تعالى.
وفيها توفى القاضى برهان الدين ابراهيم بن أحمد بن ظافر البرلسى، ناظر بيت المال فى خامس صفر، وكان من الفقهاء الفضلاء [50] المالكية ممّن عين لقضاء القضاة، وكان طاهر اللسان عفيف البد كثير المروءة- رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء تاسع عشر شوال توفى عز الدين أيدمر الرشيدى أستاذ دار الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، وكان رجلا عاقلا مثريا اتّسعت أمواله، وعرض جاهه، وعلا محله، وكان قد مرض وطال مرضه وحصل له مالينخوليا- ثم مات [1] رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الشيخ المحدث شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن سامة [2] الطائى بمصر فى يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى القعدة وصلى عليه بجامع عمرو بن العاص ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعى وكان مشهورا بقراءة الحديث والاشتغال به والرحلة إليه ومولده فى سنة اثنتين وستين وستمائة رحمه الله تعالى [3]
واستهلت سنة تسع وسبعمائة
فى هذه السنة وصل الأمير علاء الدين أيدغدى [4] التليلى، والأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى من بلاد المغرب، ووصل معهما الشيخ أبو يحيى زكريا الّلحيانى نائب تونس بطرابلس المغرب لقصد الحج وعاد الأميران
__________
[1] فى ك «ومات» والمثبت من ص، وف.
[2] فى ك «شامة» والمثبت من ص، وف. والدرر الكامنة 3/497، وذيول العبر 43، والدليل الشافى 2: 633، وشذرات الذهب 6: 17.
[3] جملة الترجمة ساقطة من ك.
[4] أيدغدى: كذا الضبط فى النجوم الزاهرة. وفى السلوك 2/1: 51 سطر 17 ضبط بفتح الدال الأولى.
(32/144)

المذكوران وقد نهبت العربان ببلاد المغرب ما كان قد أرسل معهما من الهدية وغيرها وكان فى جملة الهدية من الخيل والبغال والجمال سبعمائة رأس.
وفيها أيضا عاد القاضى شمس الدين محمد بن عدلان الذى كان قد جهز إلى اليمن فى الرسالة فى الدولة الناصرية، ومات رفيقه شمس الدين سنقر السعيدى ببلاد اليمن، بعد انفصالهما من الملك المؤيد صاحب اليمن.
وفيها فى أوائل شهر ربيع الآخر توجّهت من القاهرة إلى الكرك والتحقت بالأبواب السلطانية إلى أن عاد الركاب الشريف السلطانى الملكى الناصرى، وعدت إلى القاهرة فى سلخ رمضان.
ذكر ما كان من أمر النيل فى هذه السنة
كان من خبر النيل فى هذه السنة أن زيادته بمقياس مصر انتهت إلى العشرين من شهر ربيع الأول وهو الموافق للثالث من أيام النسئ إلى أربعة عشر ذراعا ونصف فغلت الأسعار بسبب ذلك وانتهى سعر القمح إلى خمسين درهما ثمن كل إردب واستسقى الناس بالمصلّى بالقرافة الكبرى، وكسر خليج مصر فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول بغير وفاء وأيس الناس من زيادة النيل فى هذه السنة، وفات وقته المعتاد، ثم أخذ فى الزيادة فانتهت زيادته الى ستة عشر ذراعا وإصبعين، وذلك إلى آخر الثالث والعشرين من بابه، وزرع الناس على هذه الزيادة.
وفى هذه السنة فى ثالث عشر شهر ربيع الآخر فوّض قضاء القضاة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للشيخ سعد الدين مسعود [1] بن أحمد بن مسعود ابن زيد الحارثى، وخلع عليه يوم الأربعاء، وحكم فى يوم الخميس خامس الشهر، وذلك بحكم وفاة القاضى شرف الدين عبد الغنى بن يحيى بن محمد بن عبد الله الحرانى [2] وكانت وفاته فى ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول ودفن من الغد بالقرافة ومولده بحران سنة خمس وأربعين وستمائة رحمه الله
__________
[1] الإضافة من السلوك 2/1: 54.
[2] وأنظر الدرر الكامنة 2: 498، والبداية والنهاية 14: 57.
(32/145)

تعالى، وكان فى مبدأ أمره شافعىّ المذهب إلى آخر الأيام الأشرفية بالحسامية [1] الصلاحية وبعدها، ثم قلّد الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بعد ذلك واستقل وولى القضاء.
ذكر اضطراب أمر الملك المظفر ركن الدين
بيبرس الجاشنكير وما كان من أخباره إلى أن خلع نفسه وفارق قلعة الجبل.
كان ابتداء اضطراب أمر دولته أنه خرج من القاهرة الأمير سيف الدين أبغية قبجق [2] والأمير علاء الدين مغلطاى القازانى، [51] والأمير سيف الدين طقطاى [3] أمير مجلس، وجماعة من المماليك [4] السلطانية فارين إلى خدمة السلطان الملك الناصر، وكان خروجهم من القاهرة بعد أذان المغرب من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة ووصولهم إلى خدمة السلطان الملك الناصر إلى الكرك، وطلوعهم إلى قلعتها فى بكرة نهار الأربعاء الثامن والعشرين منه، فأحسن الملك الناصر إليهم، وخلع عليهم، ولما توّجوا أتّهم بعض المماليك السلطانية بمواطأتهم فأمسك منهم نحو ثلاثمائة نفر، وقطعت أخبازهم وأخباز المتسحبين وجرد الأمير سيف الدين برلغى مقدما وصحبته الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، والأمير عز الدين أيبك البغدادى والأمير شمس الدين الدكن ومن معهم من مضافيهم، فبرزوا فى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رجب وخيموا بمسجد التين [5] ، ثم عادوا بعد أربعة أيام وكان سبب عودهم أن
__________
[1] هذا اللفظ ساقط من ك. والحسامية والصالحية من مدارس دمشق، وانظر فهارس الدارس فى تاريخ المدارس.
[2] فى السلوك 2/1: 59 «سيف الدين نوغاى القبجاقى. وفى النجوم الزاهرة 8: 248، 255 «نوغاى ونوغيه» .
[3] كذا فى الأصول. ورسمها النجوم الزاهرة «تقطاى» وضبطت بضم التاء وسكون القاف.
[4] وفى السلوك 2/1: 59 «أنها كانت سنين مملوكا» .
[5] مسجد التين: أنشئ سنة 145 هـ وعرف بمسجد الجميزة. وفى زمن الدولة الإخشيدية عمره الأمير تبر أحد الأمراء الأكابر فى أيام كافور الإخشيدى فعرف بمسجد تبر، وتسميه العامة مسجد التين. وهذا المسجد لا يزال قائما إلى أيامنا باسم زاوية الشيخ محمد التبرى فى وسط أرض زراعية تابعة لسراى القبة. وفى الشمال الغربى من محطة حمامات القبة (هامش المرحوم محمد رمزى بك على النجوم الزاهرة 7: 196) .
(32/146)

الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ورد كتابه على يد أستاذ داره سيف الدين الطنقش يتضمن أن الملك الناصر وصل إلى البرج الأبيض [1] قاصدا دمشق، ورجع إلى الكرك، ثم وصلت كتبه بعد ذلك تتضمن أن الأمراء بالشام مالوا إلى الملك الناصر وأنه يخشى من انتقاض الأمر فعند ذلك شرع الملك المظفر فى النفقة العامة على سائر الجيش، وكملت فى سبعة أيام، وكان الجند يأخذون النفقة ويقول بعضهم لبعض: ادعوا للملك الناصر، وأمر الملك المظفر جماعة من مماليكه، فركب منهم من أمراء الطبلخانات سبعة عشر، ومن أمراء العرب ثلاثة عشر وذلك فى مستهل شهر رمضان من السنة.
وفى هذا التاريخ خرج الأمير سيف الدين برلغى [2] مجّردا فى أربعة آلاف فارس، ثم أردفه بالأمير سيف الدين طغريل الإيغانى فى أربعة آلاف أخر فمرض طغريل فرجع ومات فى عاشر شهر رمضان، وتوفى الأمير عز الدين أيبك الخزندار قبله فى سابع الشهر. ولما خرج هذا العسكر أرسل الملك [3] المظفر للأمراء نقودا ذهبا غير النفقة الأولى فيقال: إن الذى وصل إلى الأمير سيف الدين برلغى فى هذه الحركة ستون ألف دينار عينا.
وفى يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رمضان خرجت جماعة من المماليك السلطانية على الهجن، وقصدوا اللحاق بالسلطان الملك الناصر، فجرّد الملك المظفر فى آثارهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى واقتتلوا فجرح الأمير سيف الدين سموك [4] أخو سلّار، وصارم الدين الجرمكى، وقتل من الفريقين ونجا المماليك السلطانية، والتحقوا بالسلطان الملك الناصر، فجرد الملك المظفر جماعة من الأمراء لحفظ الطرقات، من جملتهم الأمير جمال الدين آقش الرومى الحسامى، فساق فى إثر هذه الطائفة من المماليك فلم
__________
[1] البرج الأبيض: قيل هو من أعمال البلقاء، وقيل بالقرب من طفس» وقيل هو مركز من مراكز الطريق البريدى بين غزة ودمشق. (صبح الأعشى 14: 380. وانظر هامش الدكتور زيادة على السلوك 2/1: 59) .
[2] برلغى: ضبطه محقق النجوم الزاهرة بضم الباء والراء وسكون وكسر الغين، وضبطه محقق السلوك 2/1: 25 يفتح الباء وضم الراء وسكون اللام.
[3] عبارة ص «أرسل إلى الملك المظفر» ولا تستقيم مع السياق.
[4] والرسم فى النجوم الزاهرة 7: 709 «سمك» .
(32/147)

يدركهم، فلما رجع نزل ليستريح ويريح، فوثب عليه من مماليكه فقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى الملك الناصر وحملت جثته إلى القاهرة، وفى أثناء هذه المدة تجمع خلق كثير من الغوغاء والعامة والسوقة [1] وجاءوا تحت القلعة، وأعلنوا بسبّ الملك المظفر فأمسك بعضهم وضرب وطيف به فلم يرتدعوا، ثم جلس المظفر فى يوم الخميس الحادى عشر من شهر رمضان جلوسا عاما وأحضر الخليفة المستكفى بالله أبا الربيع سليمان، وجدّد البيعة لنفسه والتولية بحضور الحكام والأمراء وكتب كتابا بتجديد البيعة، ورسم بقراءته على المنابر، فلما شرع القارئ له فى قراءته استغاثت العامة من كل جانب ليس لنا سلطان إلّا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وأخرت قراءة كتاب البيعة وكتب إلى الأمير سيف الدين برلغى ومن معه من الأمراء والمقدمين وغيرهم أن يجددوا الحلف للسلطان، فاجتمعوا بجملتهم وقرئ عليهم كتاب الخليفة، ونسخة البيعة الثانية، وطلب منهم أن يجدّدوا الحلف فامتنع بعضهم وقال بعضهم قد حلفنا وإن كنا لا نفى باليمين الأولى فلا نفى بالثانية، وانفصلوا من المجلس على غير حلف فلما تفرقوا ركب بعض الأمراء وتوجه نحو الشام للقاء السلطان الملك الناصر خدمة، ودخولا فى طاعته وأنقل [2] الجيش المجرد، فعلم برلغى أن النظام قد انحل وأتاه خبر مقتل آقش الرومى، فعند ذلك ركب وتوجه إلى خدمة السلطان الملك الناصر هو وسائر الأمراء المجردين ورجع بعض الحلقة إلى القاهرة وكان السلطان قد أنفق جملة كثيرة من الأموال، وفرق خيولا كثيرة، وعزم على الخروج بنفسه [52] لحرب السلطان الملك الناصر ودفعه فلما بلغه أن برلغى ومن معه توجهوا إلى السلطان الملك الناصر فت ذلك فى عضده وسقط فى يده وعلم أنه لا بقاء لملكه.
ذكر خلع الملك المظفر ركن الدين بيبرس
الجاشنكير نفسه من السلطنة، ومراسلته الملك الناصر وخروجه من القلعة وتوجهه نحو الصعيد.
__________
[1] فى ك «العومة» والمثبت من ص، وف.
[2] فى ص «ونقل» .
(32/148)

ولما كان فى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان اجتمع الأمير سيف الدين سلّار والأمير بدر الدين بكتوب الفتّاح أمير جندار، والأمير سيف الدين قجماز [1] بتخاص بالملك المظفر وقالوا له: إنا قد رأينا من المصلحة أن نراسل الملك الناصر وتسأله قلعة تكون بها أنت ومن معك من مماليك وألزامك فوافقهم على ذلك وتقرر أن يتوجه بالرسالة الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى فتوجه ضحى يوم الثلاثاء وكان مضمون سؤاله أن ينعم عليه بأحد ثلاث جهات إما الكرك وأعمالها، أو حماة وبلادها أو صهيون ومضافاتها ونزل عن الملك وخلع نفسه من السلطة، ثم اضطرب أمره فى عشية النهار اضطرابا شديدا، فدخل إلى الخزائن واستصحب معه جملة من الأموال والذخائر، وخرج من القلعة وصحبته مماليكه وهم نحو سبعمائة مملوك، وصحبته من الأمراء الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح أمير جندار، والأمير عز الدين أيدمر الخطيرى أستاذ دار والأمير سيف الدين قجماز بتخاص ومماليكهم، وأخذ الخيول الجياد من الاستطبلات السلطانية، وشعر العوام بخروجه فتجمعوا وسبّوه وتبعوه فقيل إنه شغلهم بدراهم نثرها عليهم فاشتغلوا بجمعها، وتوجه بمن معه إلى إطفيح [2] ثم منها إلى الصعيد: ولما فارق القلعة خرج من بقى من الأمراء والعساكر لتلقى السلطان الملك الناصر، واستقر الأمير سيف الدين سلّار بالقلعة يحفظها للسلطان وأفرج عن المعتقلين من المماليك السلطانية، وطالع السلطان الملك الناصر بما اتفق، وأعلن باسم السلطان والدعاء له على أسوار قلعة الجبل فى صبحة نهار الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان، وخطب له يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وانتهت أيام سلطنة الملك المظفر، وكان مدة جريان اسم السلطنة عليه عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما.
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى النجوم الزاهرة 5: 261، وهامش 8: 251 «قحماش بجاس» ، وفى السلوك 2/1:
64 «بشاش» وفى 2/1: 371 «بشاش» .
[2] إطفيح: كانت عاصمة الأعمال الإطفيحية التى تمتد شرقى النيل مما يلى أعمال الجيزة، وتنحصر بينه وبين جبل المقطم، وهى الآن تتبع مركز الصف بمحافظة الجيزة (صبح الأعشى 3: 380، 384، 396، 402) .
(32/149)

ذكر سلطنة السلطان الملك الناصر
ناصر الدنيا والدين أبى الفتح محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحى وعود دولته ثالثا ولنبدأ بسياقة أخباره منذ وصل إلى الكرك إلى أن ملك الممالك الشامية، ثم الديار المصرية.
قد قدمنا آنفا وصول السلطان الملك الناصر إلى الكرك واستقراره بقلعتها وإخراجه الأمير جمال الدين آقش الأشرفى النائب بها، وجماعة من البحرية [1] وبعض الرجال فيها ولما استقر بها اعتبر ما بها من الأموال والذخائر فوجد بها فيما بلغنى سبعة وعشرين ألف دينار عينا، وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم، فاحترز على ذلك وادخره ولم يصرف منه شيئا فى النفقات وغيرها بل جعله ذخيره لمهماته، واقتصر فى النفقات، وكلف الدولة وأقام المملكة على ما يتحصل من الكرك وأعمالها خاصة وسيّر إلى الديار المصرية من جملة الحاصل ما تقدم ذكره وهو مائتا ألف درهم وكان السلطان قد جّهز زوجته أم ولده وولده وحريمه إلي الحجاز الشريف صحبة الركب، فلما استقر بالكرك أرسل الأمير سيف الدين كستاى فى جماعة من المماليك السلطانية إلى عقبة [2] أيلة فأحضرهم إلى الكرك وأمر السلطان بالخطبة للملك المظفر بجامعى مدينة الكرك [53] وقلعتها فخطب له، وأمر الحراس بذكره فى الصباح فكانوا يفعلون ذلك وهو يسمعهم، وانتهت حاله فى الأدب معه إلى أن كان يكتب فى الكتب الصادرة عنه بعد البسملة الملكى المظفرى، وسلك معه من التواضع والأدب ما لا يزيد عليه نواب السلطنة، وقصد بذلك أن تكون الأحوال ساكنة، والأمر ماشيا على سداد وانتظام واتفاق هذا والمظفر من جملة مماليك والده وليس من أكابرهم وتنازل معه إلي هذه الغاية وسلك معه مسلك النواب لا الملوك، فلم يرض المظفر منه بذلك، ولا قنع به بل شرع فى الغض من عالى
__________
[1] البحرية: هم المماليك الأتراك الذين اشتراهم السلطان الصالح نجم الدين أيوب وأسكنهم جزيرة الروضة حتى انتزعوا الحكم من سادتهم بنى أيوب وأقاموا دولة من سنة 648 هـ، وكانت شجرة الدر أول من ملك مصر. هذه الدولة. انظر المقريزى: كتاب السلوك، ج 1 ص 361.
[2] عقبة أيلة: العقبة تطلق على الجبل الذى يتعرض الطريق فيضطر سالكه إلى صعود الجبل ثم ينحدر عنه، وأيلة مدينة صغيرة عامرة لليهود الذين حرم الله عليهم السمك فى يوم السبت فخالفوه (النجوم الزاهرة 3: 85، 101) .
(32/150)

رتبته والتضييق عليه، فكان أول ما بدأ به أن كتب إليه يطلب منه الأموال الحاصله بالكراك، والمماليك والخيول التى عنده كما تقدم ذكره، ثم أعاد المكاتبات ثانيا بتجديد الطلب من غير تحاش ولا حياء منه، ولا مراعاة لإحسانه وسالف عتق أبيه، ولا حفظ لحق ولا ذمام فعند ذلك تحقق السلطان سوء رأى المظفر فيه، وآيس من خير يحصل له من جهته، وتوقع منه الشر، فأخذ عند ذلك فى استئناف ما فرط وراسل من يثق بمودته ومحافظته وموالاته من الأمراء وكاتب الأمير حسام الدين مهنا، وأمراء العرب، ووردت عليه أجوبتهم وترددت قصّادهم، ولم يزل الأمر على ذلك سرا إلى أن التحق بخدمة السلطان والأمراء الثلاثة الذين خرجوا من الديار المصرية كما تقدم، ووصلوا إلى خدمته وهم، الأمير سيف الدين أبغية قبجق فى ثمانية وعشرين نفرا من مماليكه والأمير علاء الدين مغلطاى القازانى فى ثلاثة عشر نفرا، والأمير سيف الدين طقطاي أمير مجلس فى اثنى عشر نفرا ومن الماليك السلطانية نحو أربعين فارسا، وكان عدة جمعهم يقارب التسعين نفرا، وكان وصول أوائلهم إلى الكرك يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة، ووصلوا والسلطان بالصيد فى برية الكرك، فركب إليه الأمير سيف الدين أيتمس المحمدى أحد مماليكه من القلعة وتوجه إليه وهو يتصيد، وعرفه خبر من وصل فعاد السلطان من الصيد ووصل إلى الكرك فى نصف الليل ففتح له الأمير سيف الدين أرغون نائبه بالقلعة والمدينة وطلع إلى القلعة وأذن فى دخول من وصل إليه ممن ذكرنا فدخلوا إلى الكرك فى بكرة نهار الأربعاء الثانى والعشرين من الشهر، ومثلوا بين يدى السلطان، فأحسن إليهم وخلع عليهم، وكانوا لما خرجوا من القاهرة وجدوا تقدمة الأمير سيف الدين طوغان نائب السلطنة بقلعة البيرة [1] قد وصلت من جهته إلى الملك المظفر، فأخذوها بجملتها، وأحضروها إلى السلطان ودخلوا إلى قطيا [2] وأخذوا ما بها من المال الحاصل وأحضروه فأنعم السلطان عليهم به وأحضروا معهم أيضا خيل البريد
__________
[1] قلعة البيرة: بلد قريب من سميساط بين حلب وثغور الروم، وهى قلعة حصينة مرتفعة على شاطئ الفرات (ياقوت: معجم البلدان، النجوم الزاهرة 85: 117 هامش) .
[2] قطيا: قرية مصرية كانت بين القنطرة والعريش، وقد اندثرت ولم يبق منها إلا أطلال (النجوم الزاهرة:
7: 77، 8: 253 هامش) .
(32/151)

التى وجدوها بما مرّوا عليه من المراكز، وكان خروجهم من القاهرة باتفاق من الأمير سيف الدين سلّار ومباطنه، فعند ذلك أظهر السلطان من أمره ما كان يبطنه، وأعلن بما كان يسرّه وخرج بما كان يخفيه ويضمره، وأمر بالخطبة لنفسه فخطب له بجامعى القلعة والمدينة فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر، وأنفق فيمن وصل إلى خدمته وتجهز للمسير وأجمع على قصد دمشق واستقل ركابه العالى من قلعة الكرك بمن عنده من مماليكه، ومن وصل إلى خدمته فى الساعة الثالثة من يوم الإثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وترك بقلعة الكرك نائبه الأمير سيف الدين أرغون فى طائفة من المماليك السلطانية حتى انتهى إلى منزله الخمان [1] بالقرب من أذرعات، وكان قد كاتب الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب وغيره من النواب فلما وصل إلى هذه المنزلة وركب منها لقصد دمشق ورد عليه مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المذكور بأجوبة مخدومه تتضمن وفاة ولده [2] الأمير ناصر الدين محمد وأنه لا يمكنه اللحاق بالسلطان فى هذا الوقت ويقول:
إن كان السلطان قد خرج من الكرك فيعود إليها ويظهر أنه إنما خرج للصيد ونحو هذا من الكلام المخذل له عن القصد ولم يكن قراسنقر كتب ذلك وإنما كتب ببذل الطاعة والنصيحة والموافقة فلما وصل مملوكه إلى دمشق ظفر به الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام، فتحيل عليه وبذل له ذهبا وأخذ منه الكتب وغير [3] ما تضمنته إلى هذا القول، فلما وصل كتاب قراسنقر إلى السلطان بذلك عاد إلى الكرك، وكان قد التحق بركابه فى هذه السفرة من الأمراء بدمشق الأمير ركن الدين بيبرس الشرفى المعروف بالمجنون، والأمير ركن الدين بيبرس العلمى، وغيرهما من أمراء العشرات والجند، فعاد السلطان بهم جميعا إلى الكرك وكان وصوله إليها فى الساعة السابعة من يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رجب فأسكن الأمراء الذين معه بالكرك، ووصلهم بصلات وأنعم عليهم، وشرع فى إعمال الفكرة وتجهز لقصد دمشق ثانيا فلما بلغ
__________
[1] الخمان: فى ك، وص «الحمان» والمثبت من ف: والخمان بفتح أوله وتشديد الميم من نواحى البثنية من أرض الشام (معجم البلدان 2: 444 تحقيق فريد الجندى ط دار كلمات العلمين ببيروت.
[2] هذا اللفظ سقط من ك.
[3] فى الأصول «وغيرها» والسياق يقتضى ما أثبته.
(32/152)

المظفر عوده إلى الكرك ظنّ أن ذلك عن عجز وخور، فكتب إليه كتبا وسيرها صحبة الأمير علاء الدين مغلطاي ابتغلى يتضمن الإنكار، والوعيد وأنه لابد أن يفعل معه ما فعل بابن الملك المعز أولاد الملك الظاهر، ولم يراقب الله تعالى فى مقالته، ولا خشى غيرة الله تعالى [1] فلما وصل كتابه بذلك حملت السلطان أنفة الملك على أن ضرب مغلطاى أبتغلى ضربا وجيعا واعتقله.
وكان أيضا قد وصل إلى السلطان كتابه
عند وصول الأمراء والمماليك السلطانية إلى الكرك على يد بينجار [2] يتضمن أن طائفة هربوا من القاهرة خشية من القبض عليهم، وتوجهوا نحو الشام وربما يقصدون الكرك فإن وصلوا إليه، لا يقربوا، ولا يرجع إليهم ويقبض عليهم ويعيدهم فاعتقل السلطان قاصده الأول أيضا، وترادفت المكاتبات والرسل إلى السلطان الملك الناصر من جهة النواب والأمراء تتضمن أنهم على الطاعة والموالاة وبذل النفوس والأموال بين يديه، ولم يبق من النواب ما لم ترد مطالعته بالانقياد والطاعة إلّا الأمير جمال الدين الأفرم فإنه أظهر المخالفة، وأصرّ على الامتناع، وكان قد جرد الأمير سيف الدين قطلوبك وأردفه بالأمير سيف الدين الحاج بهادر فى أربعمائة فارس وأمرهم أن يكونوا بأذرعات يمنعان السلطان الملك الناصر إن قصد دمشق ويكونا بمن معهما يزكا على [3] تلك الجهة.
فلما كان فى يوم الثلاثاء حادى عشر شعبان استقل ركاب السلطان من الكرك وفى خدمته من التحق به من الأمراء والمماليك السلطانية، وترك الأمير سيف الدين أرغون فى طائفة بقلعة الكرك.
فلما وصل السلطان إلى بركة زيزا [4] وهى المنزلة الثالثة من الكرك إلى جهة دمشق وصل إلى خدمته الأميران سيف الدين بهادر وسيف الدين قطلوبك ومن معهما، وقبّلا الأرض بين يديه، وبذلا الطاعة والمناصحة والمؤازرة، فسار بهم إلى أذرعات [5] ورسم بجميع خيل البريد وسياقتها من المراكز إلى دمشق
__________
[1] وفى ص «غيرة الله عز وجل» .
[2] مكان هذه الكلمة بياض فى ك، والمثبت من ص، وف.
[3] اليزك: لفظ فارسى معناه الطلائع (السلوك 1: 105 هامش 3) .
[4] زيزا: قرية كبيرة من قرى البلقاء يطؤها الحجاج ويقام بها سوق لهم، وفيها بركة عظيمة (النجوم الزاهرة 5: 53 هامش) .
[5] أذرعات: من أعمال البلقاء فى أطراف الشام (معجم البلدان 1: 175) .
(32/153)

فجمعت من بيسان [1] من الغور وما بعدها من المراكز إلى دمشق، وقصد بذلك تعذر وصول البريد من الديار المصرية إلى الشام وترادفت الأمراء من دمشق إلى خدمته أولا فأولا، ولما شاهد الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ذلك من حال الأمراء، ولم يكن قد قدّم من الخدمة ما يقضى اللحاق بخدمة السلطان والانضمام إلى، ثم أجمع أمره على مفارقة دمشق، وتوجّه بعض مماليكه إلى شقيف أرنون [2] وكان خروجه من دمشق فى ليلة الأحد سادس عشر شعبان، وصحبه الأمير علاء الدين بن صبح مقدم الجبلي، والتحق بركاب السلطان جماعة من مماليكه، واستمر السلطان على المسير إلى أن وصل إلى دمشق فى الساعة السابعة من يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان ونزل، بالقصر الأبلق وانتظم له الأمر واستوثق.
وكان كتاب الملك المظفر قد وصل إلى سائر
النواب والأمراء بالممالك الشامية: أنه متي استدعاهم الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام لا يتأخرون عن خدمته، فأوّل من استدعى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بالشام بالمملكة الصفدية فحضر بعسكر صفد فلما وصل السلطان تلقاه بالطاعة وحلف له، ثم أرسل السلطان الأمير جمال الدين آقش الأفرم فى العود، [55] وبذل له الزمان، ووعده بمضاعفة الإحسان والعفو عما سلف من ذنبه فحضر إلى الخدمة السلطانية فى يوم السبت ثانى عشرين شعبان وهو مشدود الوسط بمنديل فتلقّاه السلطان، وترجل لترجله وأحسن إليه وخلع إليه، وتحدث معه فى النيابة على عادته، ثم ترادف وصول نوّاب السلطنة بالممالك الإسلامية وعساكرها، فوصل الأمير سيف الدين تمر الساقى بعسكر حمص ثم وصل الأمير سيف الدين قبجق نائب السلطنة بحماة، والأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة بالفتوحات وعساكرهما فى يوم
__________
[1] بيسان: مدينة بين حوران وفلسطين (معجم البلدان 1: 788) .
[2] شقيف أرنون: عمرها السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارى سنة 662 هـ وكانت قد خربت فى سنة 658 وهو قلعة حصينة قرب بانياس، وحاليا تقع فى جنوب لبنان، ويقال قلعة الشقيق ومعجم البلدان 3: 403 تحقيق فريد الجندى، والمنجد فى الأعلام ص 37) .
(32/154)

الإثنين رابع عشرين الشهر فركب السلطان وتلقاهما، وعاملهما بما عامل به الأمير جمال الدين الأفرم، ثم وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب فى يوم الجمعة ثامن عشرين الشهر، فتلقاه السلطان كما تقدم، ووصل العسكر الحلبى فى بكره نهار السبت بأحسن زى وأفخر ملبوس وأكمل عدة، وقدم سائر النواب من الأموال والمماليك والخيول والأقمشة والتحف وغير ذلك ما يخرج عن الإحصاء، وظهر من حسن إخلاصهم ما لا يزيد عليه، وخطب للسلطان الملك الناصر على منابر دمشق فى يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان، وأقيمت الجمعة بالميدان، وحمل إليه منبر وصناجق وخطب خطيب الجامع واستناب عنه، وصلى السلطان الجمعة بالميدان، والقضاة والنواب والأمراء وكذلك أيضا فى الآتية [1] فى خامس شهر رمضان وأعاد السلطان قاضى القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى [2] ، وكان قد عزل فى أيام المظفر- فأعاده السلطان فى يوم الإثنين رابع عشرين شعبان وخلع عليه فى يوم الأربعاء، وحكم فى يوم الخميس.
ولما تكامل وصول النواب والعساكر أمر السلطان بالنفقة فى سائر الجيوش، وابتدى بها فى يوم الإثنين مستهل شهر رمضان وجرّدت العساكر أولا فأولا، فجرد السلطان الأمير سيف الدين اسندمر والأمير سيف الدين تمر الساقى وأمرهما أن يتقدما إلى غزة بمن معهما، فتوجها، واستدعى السلطان الأمير سيف الدين كراى المنصورى- وكان بالقدس كما تقدم ذكر ذلك- فوصل إلى دمشق مسرعا بهمة عالية، ورغبة فى الخدمة ظاهرة، فرسم السلطان له ولمن معه من مماليكه بالنفقة، فامتنع من قبولها وسأله أن يؤذن له فى النفقة من ماله على جماعة من العسكر فشكر له ذلك، وخلع عليه وسأل أن يتقدم إلى غزة فأذن له بالتقدم بمن معه، وجمع طائفة من العرب ونفق فيهم من ماله ووصل إلى الخدمة السلطانية فى ثامن شهر رمضان من الديار المصرية أربعة من المماليك السلطانية، وأنهوا له الأحوال على جليتّها وأن جماعة من الأمراء المصريين
__________
[1] أى فى الجمعة المقبلة.
[2] هى تقى الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر المقدسى الحنبلى المتوفى سنة 715 هـ (البداية والنهاية 14: 75، والنجوم الزاهرة 9: 231، والدرر الكامنة 2: 146، وطبقات الحنابلة 2: 264، وشذرات الذهب 6: 35) .
(32/155)

يترقبون قرب ركاب السلطان ليحضروا إلى الخدمة وأنهم على وجل أن يعلم بحقيقة حالهم فيقبض عليهم فبرز السلطان بالعساكر والنواب من دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء تاسع عشر رمضان، وصحبه قاضيا القضاة نجم الدين الشافعى وصدر الدين الحنفى، والخطيب جلال الدين، وكاتب [1] الدرج وجماعة من الأعيان.
ووصل إلى الخدمة الشريفة بين منزلتى إربد والقصير قبل وصوله الى العقبة جماعة من المماليك السلطانية، وهم يستحثون ركاب السلطان، فساق فى هذا اليوم منزلتين فى منزلة، ثم ترادف وصول المماليك وبعض الأمراء إلى أن حلّ ركاب السلطان بغزة فى يوم الخميس ثامن عشر الشهر، وكانت المياه بها قليلة والعساكر ومن انضم إليها قد طبقت الأرض، وشق على الناس قلة المياه، وازدحموا عليها، فأرسل الله تعالى سحابة فى بقية ذلك اليوم فأمطرت مطرا كثيرا غزيرا إلى أن جرت منه الغدران، واجتمع منه ببركة بغزّة ما شاهدت فى اليوم الثانى منه الخيل تسبح فى البركة، فحصل للعسكر بذلك غاية الرفق.
ولما استقل ركاب السلطان بغزة
وصل إلى باب الدّهليز الشريف الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار والأمير سيف الدين بهادر آص وكان بهادر آص قد توجّه إلى الملك المظفر فى شهر رجب وتأخر عوده فعاد الآن فى ليلة السبت العشرين من الشهر [56] ، وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار بمطالعة المظفر يسأل قلعة كما تقدم، ثم وصل الخبر بعودته.
وفى يوم السبت العشرين من الشهر وصل إلى الخدمة السلطانية الأمراء الذين كانوا جرّدوا من الديار المصرية، وهم الأمير سيف الدين برلغى، والأمير جمال الدين أقش الأشرفى والأمير عز الدين أيبك البغدادى، والأمير شمس الدين الركن وغيرهم من الأمراء فتلقاهم السلطان وأحسن إليهم، وخلع عليهم.
__________
[1] فى ص «كتاب» .
(32/156)

واستقل ركاب السلطان بسائر العساكر من غزة فى يوم الإثنين الثانى والعشرين من شهر رمضان ثم ترادف الأمراء بعد ذلك فى طول منازل الرمل يصل منهم فى كل منزلة جماعة، والسلطان يشمل من وصل إليه منهم بخلعه وإنعامه، وجهز الأمير سيف الدين سلار إلى السلطان الكوسات [1] والعصائب [2] ، وكان وصولها بمنزلة السعيدية [3] ثم وصل السلطان إلى بركة [4] الجب فى يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان وتلقاه الأمير سيف الدين سلّار وبات السلطان بهذه المنزلة وعيّد بها عيد الفطر، وركب منها ووصل إلى قلعة الجبل فى التاسعة من يوم الأربعاء، وهو يوم العيد وبات بالإسطبل ثم أصبح وصعد إلى القلعة وجلس على تخت السلطنة بقلعة الجبل فى يوم الخميس ثانى شوال، وسأل الأمير سيف الدين سلّار دستورا فى التوجه إلى الشّوبك وكانت جارية فى إقطاعه- فأجيب إلى ذلك وخلع عليه خلعة العزل من النيابة وأنعم عليه بحياصة [5] من الذهب مجوهرة وكان توجهه إلى الشوبك فى يوم جمعة ثالث شوال، وودعه الأمراء فكانت مدة نيابته عن السلطان منذ فوضها السلطان إليه فى يوم الإثنين سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى أن عزل إحدى عشرة سنة وأربعة أشهر وستة وعشرين يوما ورسم بإقامة ولده علاء الدين أميرا على الأبواب السلطانية، وأنعم عليه بأمره عشرة طواشية.
وفى يوم الخميس سادس عشر شوال جلس السلطان بالإيوان الكبير بقلعة الجبل وحضر الأمراء إلى الخدمة على العادة، فأمر بالقبض على اثنين وعشرين أميرا من جملتهم عز الدين أيبك البغدادى، وسيف الدين بتاكز [6] وغيرهم واعتقلوا.
__________
[1] الكوسات: (فارسية معربة) وهى صنوجات من نحاس تشبه الترس الصغير يدق بإحداهما على الأخرى بإيقاع مخصوص، وهى من رسوم الملك وآلاته فى العصور الوسطى (صبح الأعشى 4: 9، 13) .
[2] العصائب: جمع عصابة، وهى راية عظيمة من حرير أصفر مطرزة بالذهب عليها ألقاب السلطان واسمه (صبح الأعشى 4: 8) .
[3] منزلة السعيدية: كانت تقع فيما بين بلبيس والصالحية، وعلى مسافة ثلاث مراحل من الفسطاط (معجم البلدان 2: 445) .
[4] بركة الجب: عرفت قديما ببركة الحاج وبركة جب عميرة- نسبة إلى عميرة بن جزء التجيبى صاحب الجب المعروف باسمه فى الموضع الذى يبرز إليه الحجاج عند خروجهم من مصر إلى مكة. وتعرف حاليا باسم البركة وهى قرية من قرى مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية شرقى محطة المرج (خطط المقريزى 1: 489، والنجوم الزاهرة 5: 18 هامش- وانظر ما سبق ص 1) .
[5] الحوائص: جمع حياصة: وهى المنطقة أو الحزام، وتصنع من معدن ثمين أو فضة مذهبة. أو من الذهب الخالص وقد ترصع بالجواهر، وهى جزء من ثياب التشريف، والسلطان وحده هو الذى يمنحها. وانظرLDict.VetArabe (.) Dozy:
[6] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 62، 71، 76 «تناكر» وفى النجوم الزاهرة 9: 13 «باكير» .
(32/157)

ذكر استعادة ما أخذه الملك المظفر بيبرس
من أموال الخزائن وعود الأمراء الذين توجهوا صحبته والقبض عليهم.
ولما استقر [السلطان الناصر] [1] بقلعة الجبل أرسل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى والأمير سيف الدين بهادر آص إلى المظفر ركن الدين بيبرس فتوجها إلى الأعمال الإخميمية من الصعيد وحلفاه للسلطان واستعادا ما اعترف أنه التمسه من أموال الخزائن وتسلمها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار وحضر بها فى البحر، وسافر المظفر بيبرس ومن معه والأمير سيف الدين بهادر آص فى البر الشرقى ليتوجه إلى صهيون [2] فلما وصل إلى إطفيح فارقه الأمراء الذين كانوا معه وهم الأمير بدر الدين بكتوت المفتاح والأمير عز الدين الخطيرى والأمير سيف الدين قجماز بجاص وحضروا إلى الأبواب السلطانية وصحبتهم من مماليك المذكور نحو ثلاثمائة مملوك والخيل التى كان قد أخذها من الإسطبلات السلطانية، فخلع السلطان على الأمراء الثلاثة، وأمر بسياقة الخيل والبغال إلى الإسطبلات، وفرق أكثر المماليك على الأمراء، وأقر بعضهم فى الخدمة السلطانية، ثم أمر بالقبض على الأمراء الثلاثة واعتقلهم.
ذكر ما رتبه السلطان [57] وقرره من النواب
والوزارة وأرباب الوظائف بأبوابه وممالكه الشريفة [3] لما عزل الأمير سيف الدين سلار وتوجه إلى الشّوبك جلس الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى فى مرتبة النيابة من غير تقليد ولا تفويض، ثم رسم له بنيابة السلطنة بالشام عوضا عن الأمير جمال الدين الأفرم، ونقل الأمير جمال الدين المذكور إلى صرخد وأنعم عليه بمائة فارس، وفوّض السلطان نيابة السلطنة بمقر مملكته وكرسى سلطنته للأمير سيف الدي بكتمر الجوكندار وأمير جنداركان [4] وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلى [5] وذلك فى الثانى
__________
[1] الإضافة للتوضيح.
[2] صهيون: حصن من أعمال حمص قرب ساحل البحر (معجم البلدان 3: 438) .
[3] كذا فى ك وف، وفى ص «بأبوابه الشريفة والممالك الشريفة» .
[4] أمير جنداركان: كثيرا ما يورد المؤلف لفظ كان عقب الوظيفة، وذلك للدلالة على أنها كانت وظيفة المذكور قبل آخر وظيفة تولاها.
[5] وكذا فى النجوم الزاهرة 9: 220، وفى حسن المحاضرة 2: 223 «فخر الدين عثمان بن مجد الدين عبد العزيز بن الخليل.
(32/158)

والعشرين من شوال وعوّق النشائى [1] عوضا عن الصاحب ضياء الدين النشائى بالقلعة أيّاما [1] ، ثم أفرج عنه من غير مصادرة، وفوضت نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية للأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، ونيابة السلطنة الحموية للأمير سيف الدين أسند مركرجى، ونيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى، ونيابة السلطنة بالمملكة الصّفديّة للأمير سيف الدين قطلوبك المنصورى، وعيّن للأمير سيف الدين أبغية قبجق إقطاع الأمير سيف الدين قطلوبك بدمشق، واقتطع ما كان فيه من الزيادات وأقرّ السلطان الأمير شمس الدين سنقر الكمال فى الحجبة على عادته، والأمير سيف الدين بلبان المحمدّى المعروف طرناه أمير جندار، والأمير حسام الدين قر الاجين أمير مجلس إستاد دار العالية، والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى فى نيابة دار العدل الشريفة، ونظر الأحباس والأوقاف بالديار المصرية والبلاد الشامية.
وفى يوم الأربعاء الخامس عشر من شوال أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء الذين اعتقلوا فى الأيام الزينية [2] كتبغا وهم: الأمير علاء الدين الشيخ على، وسيف الدين جاورشى [3] قنقز وموسى وغازى ملك أخوا حمدان [4] ابن صلغاى، أخوا حمدان وناصر الدين منكلى التتارى، وسيف الدين منكجار وغيرهم، وأنعم عليهم بالإقطاعات بالشام، وأفرج عن الشيخ تقى الدين بن تيمية وقد تقدم ذكر ذلك.
وفى الشهر المذكور أيضا حضر ناصر الدين محمد بن الأمير جمال الدين آقش الرومى الحسامى مطالبا بدم أبيه فأمر السلطان بالقصاص ممّن قتله فقتلوا- وكانوا سبعة-.
__________
[1- 1] ما بين الرقمين إضافة من ص.
[2] أى أيام الملك العادل زين كتبغا بن عبد الله المنصورى.
[3] كذا فى ك، وف، والنجوم الزاهرة 9: 15. وفى ص «جاوتشى بن قنفر» .
[4] فى ك، وف «عمدان» والمثبت من ص، والنجوم الزاهرة 9: 15، والسلوك 2/1: 78.
(32/159)

وفى نفس الشهر أمّر السلطان جماعة من مماليكه وغيرهم منهم من المماليك السلطانية الأمير سيف الدين تنكز، والأمير سيف الدين طغاي والأمير سيف الدين خاص ترك، والأمير عز الدين أيدمر الخازن، ثم أمّر طائفة أخرى بعد هذه منهم: الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، ولم يؤخره عن هؤلاء إلا أنه كان قد تأخر بالكرك حتى أحضر أدر [1] السلطان وولده الملك المنصور علاء الدين على.
ذكر القبض على المظفر ركن الدين بيبرس
وقتله لما فارقه الأمراء والمماليك من إطفيح كما تقدم توجّه وصحبته الأمير سيف الدين بهادر آص، وعز الدين أيدمر الشجاعى إلى قصد صهيون، وساروا على الطريق البرية [2] فلما انتهى إلى شرقى غزة على أميال منها اعترضه [3] الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بالشام ومن معه من الأمراء، وقبضوا عليه وعلى من معه من المماليك من غير ممانعة ولا مدافعة، وعاد به الأمير شمس الدين المذكور بشرذمة يسيرة من مماليكه، وهو على بغل مشدود الوسط بمنديل، ووصل به إلى منزلة الخطارة- وهى على مسافة يومين من القاهرة- فوافاه لها الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بحماة [58] وقد جرّد من الباب الشريف فى جماعة من المماليك السلطانية- فتسلمهّ بهذه المنزلة من الأمير شمس الدين، وعادبه إلى القاهرة، ووصل إلى قلعة الجبل سحر يوم الخميس رابع عشر ذى القعدة سنة تسع وسبعمائة، وأدخل من باب الإسطبل السلطانى، ومثل بين يدى السلطان فى مجلس خلوة حضره الأمراء الخاصكية، ويقال إن السلطان وبّخه وأنكر عليه تجرّيه وتطاوله إلى ما لا يستحقه من الملك وآخر الأمر أن السلطان سأله [4] عن مغلطاي السّويدى أحد رجّاله الحلقة، وكان قد حضر بين يدى نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلّار وتضرر من ضعف إقطاعه فعارضه بيبرس فى حال إمرته، فقال له السّويدى: أنت قد وسّع الله عليك أو أعطاك ما أعطاك، وأنا
__________
[1] آدر، وأدر والسلطان: أى حريمه وجواريه.
[2] فى الأصول «البدرية» ولعل الصواب ما أثبته. وقد مضى أنه سار ومن معه على طريق البر الشرقى للنيل.
[3] فى ك «أعرضه» والمثبت من ص، وف.
[4] فى ك «يسأله» والمثبت من ص، وف.
(32/160)

رجل جندىّ أشكو لنائب السلطان ضعف إقطاعى، فما يحل لك أن تتعصّب عليّ فغضب منه وأحضره إلى داره وضربه بالدبابيس ضربا مؤلما فمات ويقال إن بيبرس أعترف بذلك، فأمر السلطان بقتله قودا بمغلطاي السّويدى، فقتل خنقا فى بقية يوم الخميس المذكور، ودفن ليلة الجمعة منتصف ذى القعدة، وأخرج من باب السّرّ من جهة القرافة وعفّى أثر قبره، ثم أمر السلطان فى سابع وعشرين الشهر بنقله إلى تربته التى بالقرافة، فنقل إليها ودفن بها ليلا، ثم أمر السلطان بنقل الأمراء الذين قبض عليهم من قلعة الجبل إلى ثغر الإسكندرية، فتوجه بهم الأمير ناصر الدين بن أمير سلاح.
وفى هذه السنة أمر السلطان بالقبض
على الأمير علاء الدين مغلطاي القازانى أحد من توجه إليه إلى الكرك، وسبب ذلك أنه شرع يدل بخدمته، وأنعم السلطان عليه بإقطاع بالديار المصرية فرده فإعطاه غيره فرد الثانى والثالث فنقم السلطان عليه ذلك، وأمر باعتقاله له بالزردخاناه [1] ثم نقله إلى البرّج فى عشية النهار إلى الجب، ثم إلى الإسكندرية، وبلغه أيضا عن الأميرين سيف الدين أبغيه قبجق وركن الدين بيبرس العلمى بدمشق أنهما تطاولا على الرعيّة ومد أيديهما إلى الظلمّ فأمر بالقبض عليهما:
فقبض علي أبغية فى يوم الأحد ثالث عشرين ذى الحجة وقبض على بيبرس العلمى فى يوم الإثنين رابع عشرين الشهر، واعتقلا بقلعة دمشق، فمات أبغية فى معتقله فى جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة.
وفيها فى العشر الآخر من ذى الحجة رسم السلطان للأمير سيف الدين سلّار بأمرة مائة طواشى وعيّن لخاصة وأصحابه من بلاد الكرك أجود ضياعها مضافا إلى الشّوبك، فنظر إلى ذلك مع كثرته فوجده يسيرا بالنسبة إلى ما كان بيده بالديار المصرية.
__________
[1] الزردخاناه: هى دار السلاح، وقد تطلق على السلاح نفسه، ومن معناها أيضا السجن المخصص للمجرمين من الأمراء وأصحاب الرتب (السلوك 1/1: 306 هامش الدكتور زيادة.
(32/161)

وفى هذه السنة توفى القاضى عز الدين بن عبد العزيز ولد القاضى شرف الدين بن محمد بن القيسرانى [1] أحد أعيان كتاب الدرج الشريف وفضلائهم، والمدرس بالمدرسة الفخريّة، وكانت وفاته فى يوم الخميس عاشر صفر، ودفن بكرة نهار الجمعة بالقرافة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى [2] بداره بالقاهرة فى شهر ربيع الأول، ودفن بتربته التى أنشأها خارج باب النصر، وكان من الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية.
وتوفى الشيخ العارف العالم تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الجذامى الإسكندري [3] فى ليلة السبت حادى عشر جمادى الآخرة، وكان من الصلحاء، يتكلم على كرسيّ ويعظ الناس، وله معرفة بكلام الصوفية وأرباب الطريق والسلف، وله كلام حسن مفيد فى هذا الشأن- رحمه الله تعالى-.
وتوفى القاضى نبيه الدين حسن بن بدر الدين نصر بن الحسن الإسعردى [4] [59] بالقاهرة فى مستهل جمادى الآخرة، وكان قد ترشّح للمناصب العالية- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى فى سابع شهر رمضان وكان من أكابر أمراء الديار المصرية مقدمى الألوف ومن المماليك المنصورية فى زمن الإمرة.
وتوفى الأمير سيف الدين طغريل [5] الإيغانى فى عاشر الشهر وقد تقدم ذكر ذلك.
__________
[1] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 492، والنجوم الزاهرة 8: 280، والدليل الشافى 1: 416.
[2] له ترجمة فى البداية والنهاية 14: 57، وذيول العبر ص 48، والدرر الكامنة، 2: 177، والنجوم الزاهرة 8: 278، والدليل الشافى 1: 327.
[3] له ترجمة فى ذيول العبر ص 48، والنجوم الزاهرة 9: 280، وطبقات الشافعية 5: 176، والدرر الكامنة 1: 142.
[4] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 47، وذيول العبر ص 49، وشذرات الذهب 6: 20.
[5] هذا اللفظ من ص، وف. وهو سيف الدين طغريل بن عبد الله الإيغانى. (النجوم الزاهرة 8: 279) .
(32/162)

وتوفى من الأمراء بدمشق الأمير شرف الدين قيران الدوادارى المنصورى المشد- كان- بدمشق فى يوم الجمعة سابع عشرين شهر ربيع الآخر ودفن يقاسيون وكان بعد انفصاله من شد الشام ونكبته قد أمّر بحلب، ثم قطع خبزه، وحضر ليتوجه إلى الأبواب السلطانية فأدركته منيته، فمات رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين بلغاق ابن الأمير بدر الدين كونجك الخوارزمى فى سابع جمادى الأولى بقرية المغاربة من عمل بيروت الجارية فى أوقاف القدس، وحمل إلى قاسيون فدفن به، وكان أميرا صالحا جيدا سمع الحديث وولى آخر عمره نظر أوقاف القدس والخليل- رحمه الله تعالى.
وتوفى أيضا الأمير علاء الدين أقطوان الدوادارى [1] بدمشق.
واستهلت سنة عشر وسبعمائة
فى هذه السنة فى المحرم ولى الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزة، عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان البدرى، وتوجّه إلى دمشق فى رابع عشرين الشهر، واجتمع بنائب السلطنة، وتوجه إلى غزة فى يوم الجمعة سابع عشرين الشهر.
وفيها فوّضت وزارة دمشق لنجم الدين البصروى [2] على عادة تقى الدين توبة التكريتى [3] فوصل إلى دمشق سابع صفر.
وفى هذه السنة رسم لى أن أتوجه إلى المملكة الطرابلسية صاحب الديوان بها وكتب توقيعى بذلك وهو من إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبى، وبخط ولده القاضى جمال الدين إبراهيم، وهو مؤرخ فى الخامس عشر من المحرم، وتوجهت فى مستهل صفر، ووصلت إلى طرابلس وباشرت الوظيفة ثم انتقلت [4] إلى نظر الجيوش [5] بها فى مستهل شوال من السنة عوضا عن
__________
[1] فى ك «الدوادارى» والمثبت من ص وف والسلوك 2/1: 85. وهو أقطوان الدوادارى. له ترجمة فى الدرر الكامنة 1: 394.
[2] فى ك وف «القصروى» المثبت من ص، والسلوك 2/1: 90، وفى البداية والنهاية 14: 58 «النجم محمد بن عثمان البصراوى.
[3] هو الصاحب تقى الدين توبة بن على بن مهاجر بن شجاع الدين بن توبة الربعى التكريتى توفى سنة 699 هـ عن نحو ثمانين سنة، وولى وزارة دمشق سبع مرات (السلوك 1/2: 881، والنجوم الزاهرة 8: 188، والدليل الشافى 1: 229، وفوات الوفيات 1: 261، وشذرات الذهب 5: 451) .
[4] فى ص «تنقلت» .
[5] فى ص «الجيش» .
(32/163)

نجم الدين القصير، واتّفقت وفاته فى سابع شوال قبل وصول توقيعى بذلك فباشرت فى أول هذه السنة عوضا عن التاج الطويل، وفى آخرها عوضا عن النجم القصير.
ذكر الاستبدال بقاضى القضاة الشافعى والحنفى بالديار المصرية
وفى هذه السنة فى يوم السبت التاسع والعشرين من صفر عزل قاضى القضاة بدر [1] الدين ابن جماعة عن القضاء بالديار المصرية وفوض ذلك إلى نائبه القاضى جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعى المعروف بالذرعى [2] وخلع عليه واستقلّ بالقضاة، وطلب قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفى الدين الحريرى الحنفى من دمشق إلى الديار المصرية لولاية قضاء القضاة على مذهب أبى حنيفه فوصل البريد بطلبه إلى دمشق فركب منها فى العشرين من شهر ربيع الأول، ووصل القاهرة، وفوض إليه قضاء القضاة الحنفية فى رابع شهر ربيع الآخر عوضا عن القاضى شمس الدين أحمد السّروجى وخلع عليه ولم تطل مدة القاضى شمس الدين السّروجى بعد العزل فإنه مات فى هذه السنة على ما يذكر إن شاء الله تعالى.
وفيها بلغ السلطان عن إخوة الأمير سيف الدين سلّار ما أوجب القبض عليهم واعتقالهم وكتب إلى أخيهم [60] يعرفه ذلك وقبض [3] أيضا على جماعة من الأمراء بالديار المصرية، وكتب إلى الشام بالقبض على جماعة من أمراء دمشق فى شهر ربيع الأول؛ فقبض على سبعة منهم الأمير علاء الدين أقطوان الأشرفى، والأمير سيف الدين الأقوش، والأمير علاء الدين الشيخ على التتارى وغيرهم وكتب إلى طرابلس بالقبض على الأمير حسام الدين طرنطاى المحمدى، وناصر الدين منكلى، وسيف الدين منكجار [4] ومرسى وغازى أولاد صلغاى.
__________
[1] فى الأصول «عز الدين» والمثبت من النجوم الزاهرة 9: 9، 298. وهو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة قاضى القضاة بدر الدين الكنانى الحموى الشافعى، توفى فى سنة 733 هـ (الوافى بالوفيات 2: 18، والدرر الكامنة 3: 367، والبداية والنهاية 14: 163، والدليل الشافى 2: 578، وطبقات الشافعية 5: 230، ودول الإسلام 2: 183، وشذرات الذهب 6: 105) .
[2] انظر ترجمته فى دول الإسلام 2: 183، والبداية والنهاية 14: 167، والدرر الكامنة 2: 159، وطبقات الشافعية 6: 15.
[3] فى ك «فقبض» والمثبت من ص، وف.
[4] فى ك «منكهاى» والمثبت من ص، وف.
(32/164)

ذكر القبض على الأمير سيف الدين سلار ووفاته رحمه الله تعالى
وفى هذه السنة قبض على الأمير سيف الدين سلّار المنصورى الصالحى العلائى وسبب ذلك أن السلطان اتصل به أنه كاتب جماعة من الأمراء، وشرع فى استفسادهم وإثارة فتنة، فبادر السلطان بالقبض على من ذكرنا من الأمراء ممن اتهم بمباطنته، وكتب إلى الأمير سيف الدين سلّار المذكور يستدعيه إلى الأبواب السلطانية، وجهز إليه الأمير ناصر الدين محمد بن أمير سلاح، فتوقّف واعتذر عن الحضور، فأرسل إليه الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى، فحضر وكان حضوره فى سلخ شهر ربيع الآخر تحت الطاعة، وحال وصوله اعتقل واسترجع السلطان قرية المعيصرة والإسطبل من قرى المرج بدمشق، وكان السلطان قد ملّكه من هذه القرية الذى انتقل إليه من ميراث الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى وزوجته الأشرفيه، وهو الربع والسدس في سنة ثلاث وسبعمائة، ثم ابتاع سلّار من الورثة ما بقى منها، فاسترجعها السلطان منه الآن بمكتوب شرعى، ولم تطل مدة اعتقال سلّار فإنه توفى إلى- رحمة الله تعالى- فى رابع عشرين جمادى الأولى من السنة، ودفن فى الخامس والعشرين من الشهر بتربته التى أنشأها بجوار الكبش بظاهر القاهرة، ووقعت الحوطة على موجوده وأمواله وحواصله وذخائره، ووصل طلبه [1] من الشّوبك [2] فقرّقت مماليكه على الأمراء ثم ماتت والدته بعده بأيام يسيرة ودفنت عنده.
وسلّار هذا- رحمه الله تعالى- كان من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى أيام إمرته، وهو من كسب التتار فى وقعة ابلستين [3] فى أواخر الدولة الظاهرية، وأعطاه السلطان لولده الملك الصالح علاء الدين،
__________
[1] الطلب: الضبط بالشكل من السلوك 2/1: 88. والطلب هو الفرقة من المماليك أو العسكر والحرس الخاص بالأمير (النجوم الزاهرة 14: 13 هامش) .
[2] الشوبك: قلعة حصينة فى أطراف الشام بين عمان والكرك وأيلة والقلزم. قرب الكرك (معجم البلدان 3: 332) .
[3] أبلستين: مدينة مشهورة ببلاد الروم، وسلطانها من ولد قليج أرسلان السلجوقى، قريبة أبسس مدينة أصحاب الكهف (معجم البلدان 1: 93) .
(32/165)

فاختص به وخدمه وتقدم عنده، أخبرنى الأمير بدر الدين بكتوب الشرفى المنصورى، وكان من الدّواداريّة المنصورية- قال: توجه الملك الصالح ابن السلطان الملك المنصور إلى الصيد فأرسل إلى السلطان من صيده خمسين حملا، وأرسل إلى الأمير حسام الدين طرنّطاى خمسة أحمال، وأرسل إلى غيره وأرسل بذلك الأمير سيف الدين سلّار قال ففرح السلطان بذلك فرحا شديدا، وحضر الأمير حسام طرنطاى إلى خدمة السلطان والصيد بين يديه، فأراه ذلك وقال له أى شئ تنعم به على سلّار، فقال له طرنطاى، سلّار مملوك مولانا السلطان ومملوك ولده الملك الصالح، والسلطان الملك الصالح يحبّ أن يفرح بمملوكه أمير عشرة، قال فنظر إليه السلطان وقال: يا طرنطاى، والله إن دولة يكون فيها سلّار أمير عشرة دولة كذا وأمر له بخمسة آلآف درهم إنعاما ولم يسمح له بإمرة عشرة، ثم أمّر بعد ذلك، وبلغ فى نيابته من التمكن ونفاذ الكلمة والاستقلال بالأمر وكثرة الإقطاعات، وسعة الأموال والمتاجر وغير ذلك ما لم يبلغه نائب سلطنة قبله، وكان يعد من الشجعان، ومن عقلاء الناس- رحمه الله تعالى.
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية
للأمير جمال الدين الأفرم [61] فى هذه السنة فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكه الطرابلسية والفتوحات للأمير جمال الدين آقش الأفرم وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين بهادر الحلبى الحاج- نائب السلطنة بها- توفى إلى رحمة الله تعالى فى يوم الأحد- العاشرة من النهار- ثامن عشر ربيع الآخر بطرابلس، ودفن بها، وطولع السلطان بذلك، فرسم للأمير جمال الدين المذكور أن يتوجه إليها من صرخد، فاستعفى من ذلك، فرسم بعود الأمير سيف الدين أسندمر كرجى إليها، فاستعفى أيضا، وصمم أن لا يعود إلى طرابلس، فرسم ثانيا للأمير جمال الدين أن يتوجه إليها وكتب تقليده بالنيابة ومنشوره بالإقطاع، وتوجّه إليه بذلك من الأبواب السلطانية الأمير ركن الدين بيبرس الأوحدى، فنقله من صرخد إلى طرابلس، وكان وصوله إليها فى نصف شهر رجب سنة عشر وسبعمائة.
(32/166)

ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحموية للأمير عماد الدين إسماعيل وانتقال الأمير سيف الدين أسدمر إلى حلب.
وفى هذه السنة وصل الأمير حسام الدين مهنّا [1] إلى الأبواب السلطانية فعامله السلطان بالإحسان والقبول على عادته فشكا من الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بحماة أو ذكر سوء اعتماده، ففوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحموية للأمير عماد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل على، ورسم بانتقال الأمير سيف الدين أسندمر إلى طرابلس، فتوقف عن العود إليها، ووصل الأمير عماد الدين إلى مدينة حماة ونزل بظاهرها فى أواخر جمادى الآخرة، وما أمكنه الدخول إليها، والأمير سيف الدين أسندمر بها، واتفقت وفاة الأمير سيف الدين قبجق المنصورى نائب بالمملكة الحلبية، فتوجه أسندمر من حماة إلى جهة حلب، وكتب إلى السلطان يقول: إن المواعيد الشريفة تقدمت للملوك أنه متى شغرت نيابة حلب تكون للمملوك، وقد شغرت الآن وتوجّه المملوك إليها حسب المواعيد الشريفة فأجابه السلطان إلى ذلك وأدركه تقليد النيابة ومنشور الإقطاع قبل دخوله إلى حلب، واستقر بها الأمير عماد الدين بحماة.
وفى شهر ربيع الأول قبض على الأمير فخر الدين إياز
نائب السلطنة بقلعة المسلمين [2] ، وأوقعت الحوطة على موجوده، ووصل إلى دمشق فى أواخر الشهر، ونسب إلى أنه كان يظهر الطاعة ويضمر العصيان ثم فوض إليه شاد الدواوين بدمشق عوضا عن الأمير سيف الدين كتبغا المنصورى رأس نوبه، ووصل إلى دمشق فى يوم الإثنين رابع عشر رمضان، وباشر فى يوم الخميس سابع عشر الشهر، وكان كتبغا قد ولى شاد الشام فى الثالث والعشرين من شوال سنة تسع وسبعمائة، عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى.
__________
[1] هو الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا أمير آل فضل والعرب بالشام، توفى 735 هـ، وانظر البداية والنهاية 14: 172، والدرر الكامنة 5: 138، والسلوك 2/1: 389.
[2] قلعة المسلمين: تقع غربى الفرات مقابل البيرة، وتتوسط بينها وبين سميساط، وكانت تسمى قلعة الروم، فلما فتحها الأشرف خليل بن قلاوون سماها قلعة المسلمين (معجم البلدان 4: 164، وصبح الأعشى 4: 119) .
(32/167)

ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب
فى هذه السنة استدعى الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى من نيابة السلطنة بغزة إلى الأبواب الشريفة، وفوّضت إليه الوزارة وتدبير الدولة [62] فى حادى عشر رمضان، وعزل الصاحب فخر الدين عمر الخليلى من الوزارة، وولى نيابة [1] غزة الأمير سيف الدين قطلقتمر [2] وفيها وصلت رسل الأشكرى وصحبتهم رسل الكرج [3] إلى الأبواب السلطانية يسألون إعادة كنيسة المصلبية بالقدس الشريف إليهم وكان الشيخ خضر قد انتزعها فى الدولة الظاهرية وجعلها زاوية- كما تقدم- فأعيدت إليه بمقتضى فتاوى العلماء أنه لا يجوز اغتصابها ... وسأل الأشكرى إجراء أهل الذمة بالديار المصرية على عادتهم، وفتح كنائسهم، فأجيب إلى ذلك وفتحت لهم كنيستان للملكية واليعاقبة، وكنيسة لليهود بمصر، ورسم لهم بالاستواء، فى الركوب وكانوا قبل ذلك يركبون عرضا من جهة واحدة.
ذكر تفويض الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى
وفى ذى القعدة من سنة عشر وسبعمائة وصل تقليد الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين بن القلانسى فتوقف عن القبول واستعفى فألزم بالمباشرة، ولبس التشريف فى يوم الخميس ثالث ذى القعدة وركب من داره وشاد الدواوين فى خدمته، وأرباب الدولة وتوجه إلى نائب السلطنة وباشر وجلس بالدار الحسامية المشرفة على الديوان.
__________
[1] فى ك «نائب» والمثبت من ص، وف.
[2] فى الأصول «قلقطمر» والمثبت من السلوك 2/1: 89، 101، والنجوم الزاهرة 9: 24، ويرسم قطلوقتمر.
وتوفى سنة بضع عشرة وسبعمائة.
[3] الكرج- بضم فسكون: جيل من الناس، يدينون بالنصرانية، كانوا يسكنون جبال القبق وبلد السرير، فقويت شوكتهم حتى ملكوا مدينة تفليس ولهم ولاية تنسب إليهم (معجم البلدان 4: 251.
(32/168)

ذكر القبض على الأمير سيف الدين أسندمر
كرجى وتفويض نيابة السلطنة بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى وتفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين كراى.
وفى هذه السنة اتصل بالسلطان عن الأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة بحلب أشياء لا يمكن الإقرار [1] عليها من الظلم والعسف وأخذ الأموال وأضاف إليها ما اعتمده بحماة، فجرّد السلطان من الديار المصرية الأمير سيف الدين كراى المنصورى والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب، والأمير سيف الدين باينجار [2] والأمير عز الدين أيبك الرّومى ومضافيهم، وجعل التقدمة على الجيش للأمير سيف الدين كراى المذكور، وتوجهوا ووصلوا إلى دمشق فى يوم الأحد ثالث عشر ذى القعدة، ونزلوا بمنزلة [3] القابون، وجرّد من دمشق جماعة والمقدم عليهم الأمير سيف الدين بهادر آص، وتوجهوا بجملتهم وجرّد جماعة من الجيش الطرابلسى واجتمعوا بجملتهم على حمص ووقعت الشائعة أن قصد العسكر الدخول إلى بلاد الأرمن، ثم ركب هذا الجيش من حمص فى ليلة عيد النحر قبل غروب الشمس، فساقوا طول الليل ونهار العيد بجملته، وثلث الليلة المستقبلة، فوصلوا إلى حلب وقد تقطعت أكثر الجيوش لشدة السوق، ووصلوا والأمير سيف الدين أسندمر بدار السلطنة، فأحاطوا بها، وكان الخبر قد وصل إليه فأغلق باب الدار، وكان بالقرب من دار السلطنة أخشاب وعجل قد هيئت لجرّ أعواد المجانيق إلى سيس، فأمر الأمير سيف الدين كراى بجرها إلى رحبة باب الدار وتوعير الطريق بها خوفا من أن يركب ويهجم على العسكر، واستمرت العساكر تتواصل فى طول تلك الليلة، ثم أرسل إليه ناصر الدين أمير سلاح فدخل عليه واجتمع به، ودخل إليه أيضا غيره من الأمراء، ثم خرج هو فى بكرة نهار السبت حادى عشر ذى الحجة، ونقل إلى
__________
[1] فى ك «الاحتراز» والمثبت من ص، وف.
[2] كذا الرسم فى الأصول «باينجار» النجوم الزاهرة 9: 27، والسلوك 2/1: 95 «ببنجار» وقد توفى فى سنة 731 هـ.
[3] منزلة القابون: قابون مرضع بينه وبين دمشق ميل واحد فى طريق القاصد إلى العراق، فى وسط البساتين (معجم البلدان 4: 290) .
(32/169)

قلعة حلب وقد أوقعت الحوطة على موجوده، ثم جهز إلى الأبواب السلطانية صحبه جماعة من الأمراء منهم الأمير سيف الدين منكوتمر الطباخى، فوصلوا به فاعتقل بقلعة الجبل، ثم نقل إلى الإسكندرية، ثم إلى قلعة الكرك ومات بها.
وفيها أيضا بعد القبض على أسندمر قبض على الأمير سيف الدين طوغان نائب قلعة [1] البيرة [63] وكان القبض عليه باتفاق من رجّالة القلعة.
وذلك أن الأمراء كتبوا إليه أن بعض مماليك أسندمر قد هربوا فركّب مماليكك ومن تثق به خلفهم إلى أن تعيدهم، ففعل ذلك، وبقى بالقلعة وحده، فقبض عليه رجال القلعة واعتقلوه إلى أن حضر من العسكر من تسلّمه وسيّر إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط.
ولما قبض على الأمير سيف الدين أسندمر رسم بنقل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى من نيابة السلطنة بالشام إلى حلب بسؤاله لذلك، وتوجّه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصرى إلى الشام بتقليدين أحدهما للأمير شمس الدين قراسنقر بنيابة السلطنة بحلب، والثانى للأمير سيف الدين كراي المنصورى بنيابة السلطنة بدمشق، فوصل إلى دمشق فى يوم السبت خامس عشر ذى الحجة، فتجهز الأمير شمس الدين للسفر، فلما كان فى يوم الثلاثاء ورد عليه كتاب من أحد مماليكه بحلب يذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الكمالى تحدث فى نيابة السلطنة بحلب، فخشى قراسنقر أن يكون الغرض القبض عليه فشاع أنه فرّق ما فى خزانته من الذهب على مماليكه، وعزم على الهرب، ونقل حريمه من القصر إلى داره التى بدمشق داخل باب الفراديس، واتصل هذا الخبر بالأمراء فركب الأمير ركن الدين بيبرس العلائى وجماعة من العسكر وأحاطوا بالقصر الأبلق فى ليلة الأربعاء فلما أصبح اجتمع هو والعلائى وسأله عن السبب الحامل له على ما فعل، فذكر ما بلغه عنه، ثم توجّه الأمير شمس الدين إلى حلب من دمشق فى يوم الأحد ثالث محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى حلب لإحضار الأمير سيف الدين كراى إلى دمشق، فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة على ما نذكره.
__________
[1] سبق التعليق عليها.
(32/170)

ذكر حادثة الأميرين مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح. وسيف الدين بتخاص والقبض عليهما
كان القبض على الأمير سيف الدين بتخاص فى سلخ ذى الحجة سنة عشر وسبعمائة، وسبب ذلك أن السلطان بلغه أن المذكور حسّن للأمير مظفر الدين موسى ابن أخيه السلطان الملك الصالح الخروج على عمه السلطان الملك الناصر، وطلب الملك لنفسه، واتفقا على ذلك وعزما على إثارة فتنة، واعتضد بمماليك بيبرس المنعوت بالمظفر، وكانوا قد تفرقوا عند الأمراء، فقرر معهم أن كل مملوك يثب على أميره فيقتله ثم يتجمعون على الأمير مظفر الدين وبتخاص، وتثور الفتنة. فلما تحقق السلطان ذلك جلس فى ليلة الخميس سلخ ذى الحجة، وطلب الأمير سيف الدين بتخاص. وكان يسكن بقلعة الجبل بدار العدل الكاملية. فعلم المراد بطلبه وتحقق أن السلطان بلغه ما اتفقا عليه فأغلق داره وامتنع من الإجابة؛ ووقف مماليكه بأعلى الدار وبأيديهم قسيهم للممانعة عنه، وترددت الرسائل من السلطان فى طلبه وهو لا يجيب إلى الحضور، وقصد خلع الشباك الكبير الذى بالدار المطل على دركات القلعة والخروج منه، فأرسل السلطان جماعة من المماليك الأوشاقية وغيرهم، فوقفوا تحت الشباك، فتعذر عليه ما دبّره وحضر إليه الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى وعنّفه ولامه على ما فعله، وقال له إن السلطان فى هذا الوقت قد طلب سائر الأمراء وطلّبت من جملتهم، فلا تجعل لك ذنبا. وكان قد لبس عدة الحرب فنزعها وخرج وحضر بين يدى السلطان، فأمر بالقبض عليه واعتقاله، وطلب السلطان الأمير مظفّر الدين موسى ابن أخيه الملك الصالح، فهرب من داره بالقاهرة، فرسم السلطان بهدم الأماكن التى يظّن أنه اختفى بهاء وندب لذلك الأمير علاء الدين أيدغدى شقير [1] وغيره، فهدموا بعض الأماكن واشتد الأمر يومى الخميس والجمعة مستهل محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة إلى بعد الصلاة، فحضر بعض فقهاء المكاتب وذكر أنه أختفى عند سيف الدين بلبان
__________
[1] هو الأمير علاء الدين أيدغدى المنكوغرى، المعروف بشقير، وكان من مماليك لاجين، وقتل سنة 715 هـ (الدرر الكامنة 1: 425) .
(32/171)

أستاذ دار قطز بن الفارقانية فى حارة [1] الوزيرية، فقبض عليه [46] وأحضر إلى السلطان، فأمر أن يسمر الذى أخفاه، فسمر وطيف به على جمل، ثم شفع فيه فأطلق، وأحضر السلطان الأمير موسى وبتخاص [وقررهما] [2] فأقر كل منهما على الآخر فعرف الأمير [3] موسى ببعض قاعات القلعة، ثم أخرج منها فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وأشيع أنه جهز إلى اليمن، ثم أظهر السلطان موته فى العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وأمر بعمل عزائه فعملته أمّه منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وثبتت وفاته على الحكام، وكان ممن شهد بوفاته الطواشى شجاع الدين عنبر الّلالا، ولما قبض السلطان عليهما أمر بالقبض على جماعة من المماليك الركنية وقطع يد أحدهم، وكان للأمير سيف الدين بتخاص؛ لأنه رمى فردة نشاب عند طلب بتخاص، ثم شفع فى بقيتهم.
وفى سنة عشر وسبعمائة
توفى قاضى القضاة شمس [4] الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغنى السّروجى الحنفى معزولا عن القضاء وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة الصّغرى، بقرب تربة الإمام الشافعى، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى عز الدين الحسن بن الحارث ابن مسكين [5] الشافعى، بداره بمصر فى ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، عين لقضاه القضاة ولم يل.
__________
[1] حارة الوزيرية: كانت فى المنطقة التى تحد من الشمال حاليا بعطفة الصاوى، ومن الغرب بشارع درب سعادة، ومن الجنوب بالجزء الغربى من سكة النبوية، ومن الشرق بالجزء الغربى من حارة الجودرية (النجوم الزاهرة 4: 51 هامش) .
[2] كلمة «قررها» ساقطة من ك، وف.
[3] كذا فى ك. وفى ص الكلمة غير منقوطة. وفى السلوك 2/1: 922، والنجوم الزاهرة 9: 26 «فحمل إلى القلعة وسجن بها» .
[4] ترجم له النجوم الزاهرة 9: 212، والدرر الكامنة 1: 96، والطبقات السنية للتميمى 1: 300، والبداية والنهاية 14: 60، وذيول العبر ص 53، والدليل الشافى 1: 34.
[5] هو عز الدين الحسن بن الحارث بن الحسين بن يحيى بن خليفة بن نجا بن حسن بن محمد بن ولد الحارث ابن مسكين (السلوك 2/1: 95، وحسن المحاضرة 1: 422.
(32/172)

وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد بن علاء الدين بن عبادة وكيل الخواص الشريفة، وكانت وفاته بباب داره بالقاهرة، فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بتربته بالقرافة، وولى وكالة الخواصّ بعده، القاضى كريم الدين عبد الكريم [1] ، وهو الذى كان ناظر ديوان بيبرس الجاشنكير المنعوت بالمظفر، وكان السلطان شديد الكراهية له، وصمم على قتله، ثم انتقل من هذه الرتبة إلى منزلة الخصوصية والتمكن من الدولة وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وتوفى القاضى أمين الدين أبو بكر ابن وجيه الدين عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الوقاقى ناظر الدواوين بالديار المصرية فى ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى جيدا خيّرا كثير المروءة والإحسان إلى خلق الله تعالى.
وتوفى فى ثالث عشرين [2] جمادى الأولى الأمير خضر ابن الخليفة [3] المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ودفن بتربته بجوار مشهد السيدة نفيسة.
وتوفى القاضى بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف ابن قاضى القضاء تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين الحموى [4] بالقاهرة فى يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخر، ودفن من يومه عند والده بالقرافة، وكان قاضى العساكر المنصورة، ومولده بدمشق فى تسع وأربعين وستمائة.
وتوفى الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى [5] فى ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب ودفن، وذلك بعد القبض عليه واعتقاله، رحمه الله وتوفي الملك المنصور علاء الدين على ابن الملك الناصر فى ليلة الجمعة المسفرة عن حادى عشر رجب بقلعة الجبل، ودفن من الغد بتربته بالقبة الناصرية بالقاهرة، وكان
__________
[1] هو كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله بن السديد المصرى، كريم الدين الكبير ناظر الخواص. قتله السلطان الناصر محمد بن قلاوون فى سنة 724 هـ (الدرر الكامنة 3: 15، والنجوم الزاهرة 9: 75، والدليل الشافى 1: 426، وشذرات الذهب 6: 63) .
[2] فى ك، وف «ثالث عشر» .
[3] هو الأمير خضر بن سليمان بن أحمد العباسى. كان ولى عهد والده المستكفى بن الحاكم. ومات وهو شاب فى جمادى الآخرة بخلاف ما ورد هنا. الدرر الكامنة 2: 84) .
[4] ترجم له شذرات الذهب 26 فى وفيات الأعيان سنة 711 هـ وقال: وفيها أو فى التى قبلها جزم به غير واحد.
[5] ترجم له النجوم الزاهرة 9: 216، والدرر الكامنة 2: 9، والدليل الشافى 1: 190.
(32/173)

السلطان والده فى الصيد، فنزل نائب السلطنة الأمير سيف الدين بكتمر والأمراء مشاة أمام تابوته إلى أن دفن، وكان عمره ست سنين وشهورا، ولما مات وقفت والدته أردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ما خصها بالإرث الشرعى عن زوجها الملك الأشرف وابنتها منه من خان دار [1] الطعم بدمشق وهو ثلاثة أسهم وثلث سهم وربع سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم، وشرطت أن يرصد ما يتحصّل من ريع هذه الحصة المذكورة لثمن خبز ويفرق على أهل المكان من القراء والمؤذنين والقومة وغيرهم.
وتوفى القاضى بهاء الدين عبد الرحمن ابن القاضى الخطيب [56] عماد الدين على بن عبد العزيز بن السّكرى بمصر عشية الجمعة حادى عشر شهر [2] رجب، ودفن بالقرافة فى حياة والده رحمه الله تعالى.
وتوفي الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد ابن الرّفعة [3] بمصر فى ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب، ودفن من الغد بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى من فضلاء الشافعية وأكابر المفتين، وصنف كتابا فى الفقة على مذهب الأمام [4] الشافعى فى نحو عشرين مجلدا. وتوفى الأمير جمال الدين آقش الموصلى [5] المعروف بقتال السبع، أمير علم أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية، فى ليلة السبت تاسع عشر شهر رجب رحمه الله تعالى.
وتوفي الشيخ العارف كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم بن الحسين [6] الطبرى شيخ الشيوخ بخانقاة [7] الملك الناصر صلاح الدين فى ليلة السبت سابع شوال رحمه الله تعالى.
__________
[1] فى الأصول «العظم» وانظر صبح الأعشى 4: 187.
[2] هذا اللفظ من ص.
[3] وانظر البداية والنهاية 14: 60، والدرر الكامنة 1: 284، وذيول العبر ص 54، والوافى بالوفيات 7: 395، وطبقات الشافعية 9: 24، والنجوم الزاهرة 9: 213، وشذرات الذهب 6: 22، وحسن المحاضرة.
[4] هذا اللفظ من ص، وف.
[5] هو جمال الدين آقوش المنصورى الموصلى المعروف بقتال السبع (الوافى بالوفيات 9: 351، والدرر الكامنة 1: 432، والنجوم الزاهرة 9: 216، والدليل الشافى 1: 145) .
[6] فى الأصول «الحسن» والمثبت من الدرر الكامنة 2: 397، والسلوك 2/1: 95، والدليل الشافى 1: 425.
[7] الخانكاه الصلاحية أو خانكاه سعيد السعداء، وهى خانقاه الملك الناصر صلاح الدين وهى أول خانقاه عملت بالديار المصرية سنة 569 برسم الفقراء الصوفية الوافدين من البلاد الشاسعة، ونعت شيخها بشيخ الشيوخ. (المقريزى المواعظ، ج 2، ص 415- بولاق) .
(32/174)

وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين مرشد الخزندار المنصورى بداره بالقاهرة فى ليلة الخميس ثالث ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من الخدام المنصورية فى زمن إمرة السلطان الملك المنصور، وكان رجلا جيّدا خيّرا. رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ المسند بهاء الدين أبو الحسن على بن الفقية عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبى [1] المعروف بابن القيم بمنزله بالقاهرة، فى يوم السبت سادس عشرين ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ نجم الدين الفارسى سمع عليه فى سنة عشرين وستمائة وروى عن ابن باقا [2] وسبط السّلفى، ومولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، ومات وقوّته جيّدة، وحواسّه صحيحة رحمه الله تعالى.
وتوفى من الأمراء بدمشق الأمير سيف الدين قشتمر الشمسى مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كان من الأمراء بدمشق، وتقدم على الجيوش بحلب، وكانت وفاته فى عشية الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأول رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى بدمشق، فى ليلة الإثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد بتربته خارج باب الجابية [3] ، وكان أميرا كبيرا خيّرا أمينا، ولى نيابة السلطنة بدمشق، وتقدمة العسكر بغزة، وولى شاد الدواوين وأستاذ الدوادارية بدمشق رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة
فى هذه السنة عادت رسل السلطان الملك الناصر من جهة الملك طقطاى فأسرهم الإفرنج هم درسل الملك طقطاى إلى السلطان، وكانوا هم وأتباعهم وغلمانهم نحو ستين نفرا، وذلك فى شهر ربيع الأول ومرّوا بهم على البلاد الساحلية، وقصدوا بيعهم ووصلوا بهم إلى طرابلس الشام، وعرضوا بيعهم بها
__________
[1] فى الأصول «البعلى» والمثبت من الدرر الكامنة 3: 91، وذيول العبر ص 56، ودول الإسلام 2: 164، والسلوك 2/1: 96، وشذرات الذهب 6: 23.
[2] فى الأصول «وافا» والمثبت من المراجع السابقة.
[3] باب الجابية: هو الباب السابع من أبواب دمشق، وينسب إلى قرية الجابية، وكانت فى الجاهلية مدينة عظيمة (النجوم الزاهرة 7: 287 هامش) .
(32/175)

واشتطوا فى الثمن، وطلبوا ستين ألف دينار عينا ثم توجهوا بهم إلى أياس [1] وعرضوهم على صاحب سيس بهذا الثمن، فامتنع أن يبتاعهم فتوجهوا بهم إلى جزيره [2] المصطكى، فعند ذلك أمر السلطان بالقبض على تجار الفرنج الذين بثغر الإسكندرية والاحتياط على أموالهم، والتزم أنه لا يطلقهم ولا يفرج عن أموالهم إلا بعد حضور رسله، فخرج سكران الجنوى التاجر إلى المصطكى وخلصهم وأرسلهم إلى الديار المصرية وكان مثولهم بين يدى السلطان فى سادس عشر ربيع الأول سنة ثنتى عشرة وسبعمائة.
ذكر انتقال الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى
من الوزارة إلى الحجبة وتفويض الوزارة للصاحب أمين الدين عبد الله.
فى هذه السنة فى مستهل ربيع الآخر نقل الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى من الوزارة، وتدبير الدولة إلى الحجبة، ورسم للأمير [66] شمس الدين سنقر الكمالى أمير حاجب بالجلوس، فجلس فى رأس الميمنة، وفوض السلطان الوزارة للصاحب [3] أمين الدين عبد الله بن الغنام وخلع عليه فى سادس الشهر وكان قبل ذلك قد ولى نظر النظار فى وزارة الأمير سيف الدين بكتمر.
وفى الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر أعيد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى إلى قضاء القضاة بالديار المصرية واستقر القاضى جمال الدين الأذرعى قاضى العسكر، وجلس بين قاضى القضاة شمس الدين الحنفى، وقاضى القضاة تقى الدين الحنبلى.
وفيها فى مستهل جمادى الأولى فوض السلطان نيابة السلطنة بغزة وتقدمة العسكر بها للأمير علم الدين سنجر الجاولى وقبض على نائب السلطنة بها للأمير [4] سيف الدين قطلقتمر ولبس الأمير علم الدين فى التّشريف ثالث الشهر.
__________
[1] أياس: ثغر بأرمينية الصغرى على شاطئ البحر الأبيض المتوسط قرب طرابلس الشام (السلوك 1/2:
618 هامش) .
[2] جزيرة المصطكى: إحدى جزر الأرخبيل اليونانى، وقد عرفت بهذا الاسم عند جغرافيى العرب لشهرتها بذلك الصمغ (صبح الأعشى 5: 372، وتعليق الدكتور زيادة على هذه الجزيرة وصلتها بملوك مصر (السلوك 2: 101) .
[3] هو الوزير أمين الدين أمين الملك أبو سعيد عبد الله بن تاج الرياسة بن الغنام، (الدرر الكامنة 2: 251، والنجوم الزاهرة 9: 325، والدليل الشافى 1: 384) .
[4] هو قطلقتمر صهر الجالق، ولى نيابة غزة قبل الجالق (الدرر الكامنة 3: 221) .
(32/176)

ذكر القبض على الأمير سيف الدين بكتمر
نائب السلطنة وإلزامه، وتفويض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار.
وفى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأول أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير سيف الدين بكتمر وعلى إلزامه فقبض عليه وعلى صهره الأمير سيف الدين بكتمر [1] وصهره الثانى علاء الدين أيدغدى العثمانى، والأمير سيف الدين منكوتمر الطباخى والأمير بدر الدين بكمش [2] الساقى وعز الدين أيدمر الشمسى المعروف بالصفدى، وذلك بعد صلاة الجمعة، وقبض فى يوم السبت على الأمير عز الدين أيدمر الشيخى واعتقلوا كلهم. وكان سبب ذلك أنه اتصل بالسلطان أنه شرع فى التدبير عليه وطلب الأمر لنفسه، وأن هؤلاء ممن باطنه فقبض عليهم، وقتل [3] منكوتمر الطباخى لوقته، لأنه فاجأ بالإقرار، وتكلم بكلام قوى فيما قيل، ولما قبض السلطان على الأمير سيف الدين بكتمر فوّض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري.
ذكر جلوس السلطان بدار العدل
وفى هذه السنة فى يوم الإثنين العشرين من جمادى الأولى- جلس السلطان بدار العدل الشريف، وجلس معه قضاة القضاء الأربعة بعد أن نودي فى المدينتين. أنه من كانت له مظلمة فليحضر إلى دار العدل، ويرفع قصته ويشكو حاله. فحضر الناس وقرئت قصصهم بين يدي السلطان، وكان جلوسه بالإيوان الذي جدّده فى موضع الإيوان الكبير المنصورى، واستمر الملك يجلس بدار العدل فى كل يوم اثنين إلى هذا الوقت فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وفى جمادى الآخرة عزل السلطان قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى [4] عن القضاء، بسبب مكتوب أثبته فأراد السلطان أن يرجع عن إثباته فأبى [67] قاضى القضاة وطعن السلطان فيمن شهد عند قاضى القضاة من الخدام، فلم يرجع قاضى القضاة، وصمم على حكمه، فقال له السلطان: قد
__________
[1] وقد توفى سنة 718 هـ (النجوم الزاهرة 9: 241) .
[2] كذا فى ك 2 وف. وفى ص «بكتمش» .
[3] فى ك «وفصل» والمثبت من ص، وف.
[4] سبق ذكر مراجع ترجمته فى ص.
(32/177)

أعزلتك. فقال: قد راحنى الله، وقام من المجلس ولم يول غيره، وسعى من له تشوّف [1] إلى القضاء، فلما اتصل خبر سعيهم بالسلطان، أعاد قاضى القضاة زين الدين، وخلع عليه فى يوم الأحد سادس شهر رجب من السنة.
ذكر عدة حوادث بالشام فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة
فى هذه السنة فى ثالث المحرم توجه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى من دمشق إلى نيابة السلطنة بحلب كما تقدم، ولما توجه رسم للأمير سيف الدين بهادر السّنجرى نائب السلطنة بقلعة دمشق بتنفيذ الأمور إلى أن يصل نائب السلطنة، فجلس بالقلعة، وحضر إليه الصاحب عز الدين وغيره، واستخدم الصاحب المذكور جماعة من المباشرين فى هذه المدة، فتغيّر الأمير سيف الدين كراي عليه عند وصوله بسبب ذلك، ثم وصل نائب السلطنة الأمير سيف الدين كراى إلى دمشق فى يوم الخميس العشرين من المحرم، ونزل بدار الأمير علم الدين سنجر الجاولى المشرفة على الميدان، ونصب بالميدان خيمة، ولبس تشريف النيابة فى يوم الإثنين خامس عشرين الشهر، وفرىء تقليده بالميدان بحضرة الأمراء، ثم قرئ ثانيا فى يوم الجمعة سلخ الشهر بالجامع، ثم توجه الأمير سيف الدين أرغون إلى الأبواب السلطانية فى مستهل صفر، وكان لما عاد من حلب عرّج إلى طربلس، واجتمع بالأمير جمال الدين الأفرم نائب السلطنة بها، وأحضر إليه أمثلة السلطان تتضمن ذكر السبب الموجب القبض على أسندمر، ويطّيب قلبه. ولما حضر تلقّاه نائب السلطنة والأمراء، وبات ليلة واحدة، وركب من الغد فى الموكب، وجلس بدار العدل مع نائب السلطنة، ثم توجه فى بقية يومه، وركب نائب السلطنة والأمراء لوداعه، وسكن خاطر الأمير جمال الدين الأفرم بعد قلق كثير.
وفى يوم الخميس ثالث عشر صفر وصل الأمير سيف الدين طوغان المنصورى من الأبواب السلطانية إلى دمشق متوليا وظيفه الشاد بها عوضا عن الأمير فخر الدين إياز وقبض على إياز فى يوم الثلاثاء من عشر الشهر،
__________
[1] فى ك «شرف» . وفى ص «شوق» والمثبت من ف.
(32/178)

وقّرر عليه ثلاثمائة ألف درهم يحملها إلى بيت المال، وسلمه إلى الأمير سيف الدين طوغان يستخرج منه ذلك. وفى شهر ربيع الآخر رسم للأمير ركن الدين العلائى أن يكون نائب السلطنة بحمص، فتوجه لذلك.
ذكر عزل الصاحب عز الدين بن القلانسى عن وزارة الشام وانتداب أعدائه لمرافعته وخلاصه
وفى الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر أوقع نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين كراى الحوطة على الصاحب عز الدين حمزة بن القلانسى، ورسم عليه بالدار الحسامية، ومنع الناس من الاجتماع به، وأمر بالكشف عليه ومحاققته على مباشرته [1] ، وهل تعرض للأموال؟ فما وجد فى مباشرته ما يشينه، فعدل عن ذلك إلى مطالبته بما انساق من البواقى [2] على ضمان الجهات فى مدة مباشرته: وهو أربعون ألف درهم، فحملها إلى بيت المال.
ولما ظهر انحمال نائب السلطنة عليه انتدب لمرافعته نجم الدين عبد الرزاق بن الشهاب الدّنيسرى [3] ، وكتب محضرا يتضمن أنه لما اشترى من وكيل السلطان الحصة من الرمثاء والفضالية، والتوجه [4] كانت القيمة عن ذلك مائتى ألف درهم وأربعين ألف درهم [68] وأنه ابتاع ذلك بمائة ألف وخمسين درهما، وشهد فى المحضر جمال الدين ابن شمس الدين ابن الشيخ صدر الدين سليمان الحنفى، وشرف الدين، وبهاء الدين أولاد عز الدين بن الشّيرجى، وشمس الدين ابن أفتكين. وقام فى ذلك الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح إسماعيل [5] وحضر من حماة وهو الذى كان توكّل عن السلطان فى بيع الحصص المذكورة للرئيس عز الدين، فأحضر
__________
[1] فى ص «مباشريه» .
[2] البواقى: لفظ اصطلاحى، كان يطلق على ما يتأخر كل سنة عند الضمان والمتقبلين من مال الخراج، وكذلك ما يتأخر منه (خطط المقريزى 1: 82) .
[3] فى ك «الدنيشرى» والمثبت من ص، وف.
[4] الرمثاء والفضالية والتوجه: كذا فى الأصول. ولعلها أسماء قرى أو ما أشبه ذلك ولم يتيسر لى التعريف به فى المراجع المختصة. وهى كذلك فى البداية والنهاية 14: 61.
[5] هذا اللفظ سقط من ك.
(32/179)

محضرا يتضمن أنه عزل نفسه قبل البيع من الوكالة السلطانية بخمسة عشر يوما، وثبت ذلك على القاضى نجم الدين الدمشقى، وأشهد عليه فى مستهل جمادى الأولى ببطلان البيع، لأنه بدون القيمة، ولعزل الوكيل [البائع] [1] نفسه قبل صدور المعاقدة، ولوجود ما يوفىّ منه الدين [غير العقار] [2] ثم نفّذه القضاة فى يوم الجمعة ثالث جمادى الآولى، وأحضر الرئيس عز الدين فى يوم الإثنين سادس الشهر فى مجلس نائب السلطنة، وادعّى عليه بما تحصّل من ريع الملك المذكور منذ تسلمّه، واعتقل بدار السعادة، واستمر بها إلى أن وصل الأمير سيف الدين أرغون وقبض على نائب السلطنة فى ثالث عشر الشهر، فأفرج عنه، ثم وصل تقليده باستمراره على وكالة الخواص الشريفة فى حادى عشرين جمادى الآخرة، وتوجه إلى الأبواب السلطانية فى يوم السبت رابع عشرين الشهر، فشمله الإنعام السلطانى بالتشريف، والإشهاد بإمضاء البيع، والمسامحة بالريع فى المدة الماضية، وعاد إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثانى شعبان من السنة، ثم أثبت على قاضى القضاة تقى الدين الحنبلى [3] مكتوب بعداوة القاضى نجم الدين الدمشقى له، وإبطال ما حكم به عليه، ورسم السلطان أن يعاد إليه ما كان حمّله منسوبا إلى البواقى، فأعيد إليه كملا [4] .
ذكر طلب أعيان دمشق وما قرر عليهم من استخدام الخيالة وما وقع بسبب ذلك من الفتن [5]
كان سبب هذا الطلب أن الشناعة قويت بحركة العدو المخذول التتار فورد المرسوم السلطانى فى عاشر شهر ربيع الآخر أن يستخدم الأمراء بدمشق على خواصهم نظير عدتهم من الجند، وأن يكونوا على أهبة متى طلبوا، وأن يستخرج من أهل الشام خيل الحجر [6] المقررة قديما فلما كان فى يوم الأربعاء
__________
[1] هذا اللفظ سقط من ك.
[2] عبارة «غير العقاد» ساقطة من ك.
[3] فى ك، وص «الحلبى» ؛ والمثبت من ف فى البداية والنهاية 14: 62.
[4] كذا فى ك، وص. وفى ف «جملة» .
[5] فى الأصول «الدين» والمثبت يستقيم به السياق.
[6] كذا فى الأصول. وجاء فى السلوك 2/1: 104 «وفيها قرر على أملاك دمشق وأوقافها ألف وخمسمائة فارس، وهى التى كانت تسمى مقرر الخياله» ولم يشر السلوك «إلى خيل الحجر» هذه كذلك لم يشر إليها البداية والنهاية 14: 62.
(32/180)

مستهل جمادى الأولى طلب أكابر دمشق وقرر عليهم استخدام ألف وخمسمائة فارس، وكانت العادة المقررة مائتى فارس، فاجتمع الأعيان لتقرير ذلك على الناس، فقرروا استخدام ثمانمائة فارس على نحو ثلاثمائة إنسان، وعجزوا.
فسألوا أن يقرروا على أهل الأسواق وخواص البلد، فأجيبوا إلى ذلك، وجلسوا فى خامس الشهر بالمدرسة القليجية لتقرير [1] ذلك، فغلّقت أسواق البلد يومين، وتعطّلت جهات الهلال بسبب ذلك، ثم فتحت الأسواق وحصل الشروع فى تسقيع الأملاك، والأوقاف، وتحقيق أمرها والمطالبة من نسبتها، فضج الناس لذلك، واجتمعوا بالقضاة والخطيب، وتواعدوا كلهم على الاجتماع بنائب السلطنة فلما كان فى يوم الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى أخرج الخطيب جلال الدين القزوينى المصحف الكريم العثمانى ونعل [2] النبى صلى الله عليه وسلم، وصحبه العلماء والفقهاء والقراء والمؤذنون وعامة الناس وحملت صناجق الجامع، وخرجوا بجملتهم من باب الفرج إلى سوق الخيل، وكان قد تقدمهم [3] العميان واستغاثوا وشكوا أنه قرر على الأوقاف التى عليهم أجرة أربعة شهور.
فصرفهم الحاجب وقال قد أعفيتم من الطلب، ثم تلاهم الجذماء وشكوا مثل ذلك، فقيل لهم مثل ذلك، ثم جاء صبيان مكاتب السبيل الأيتام، وهم يرفعون أصواتهم بالتهليل، فبكى الأمراء ومن حضر الموكب من الناس. ثم جاء الجمع الكثير ونقدموا الخطيب إلى الموكب، وهم يستغيثون، فضربهم النقباء بأمر نائب السلطنة [4] وسقط المصحف الكريم والنعل المكرم النبوى إلى الأرض، والصناجق، ثم رفعت وأعيدت إلى البلد، ورسم أن يتوجه الخطيب إلى القصر فتوجه. فلما حضر إلى نائب السلطنة لكمه بيده ثلاث لكمات، وسبّ قاضى القضاة نجم الدين كونه ما أنهى إليه هذه الصورة قبل وقوعها، ثم توجها إلى بيوتهما [69] ، ومدّ السماط على العادة فما تقدم إليه أحد من الأمراء
__________
[1] المدرسة القليجية: مدرسة بدمشق تنسب إلى الأمير سيف الدين على بن قلج النورى عمرها سنة 645 هـ، وكانت قبلى الجامع الأموى، وشمالى الصدرية (الدارس فى تاريخ المدارس 1: 569، 570) .
[2] كذا فى الأصول. وفى البداية والنهاية 14: 62 «والأثر النبوى» .
[3] فى ك «تقدم» والمثبت من ص، وف.
[4] فى ك «السلطان» والمثبت من ص، وف.
(32/181)

ولا نائب السلطنة ولا حاشيته، ثم تفرق الناس وطلب نائب السلطنة الخطيب جلال الدين، والشيخ مجد الدين التّونسى فضرب التونسى بين يديه تسعين عصاه ضربا وجيعا، ورسم عليه وعلى الخطيب، ثم ضمّن عليهما، وأفرج عنهما، ثم تقرر الحال فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر على استخدام أربعمائة فارس، وأن يؤخر استخراج المال إلى أن يحل ركاب السلطان بالشام، وسكن الحال بعض السكون، وتوقع الناس لنائب السلطنة حلول النقمة لما أمر بضرب العوام وحملة المصحف والنعل النبوى، وكان الأمر كما توقعوه.
ذكر القبض على الأمير سيف الدين كراى
نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية.
كان القبض على الأمير سيف الدين كراى فى يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وذلك أن الأمير سيف الدين أرغون الدّوادار الناصري وصل على خيل البريد فى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من الشهر، ووصل أيضا فى هذا اليوم مملوك نائب السلطنة من الأبواب السلطانية بأجوبة تقادمه، وأحضر لمخدومة تشريفا وحياصة وسيفا، وكان على يد الأمير سيف الدين أرغون عدّة كتب من السلطان إلى الأمراء بالقبض على الأمير سيف الدين كراى. فلما وصل وجد الأمير سيف الدين كجكن [1] بظاهر دمشق وصحبته رسل التتار يتوجه بهم إلى الأبواب السلطانية، فاجتمع به وأوصله كتاب السلطان إليه، والكتب لبقية الأمراء، وردّه إلى دمشق، ففرق كجكن الكتب السلطانية على أربابها من أعيان الأمراء الأمير سيف الدين بهادر آص وغيره فى ليلة الخميس، وقرّر معهم الحال، وركب الأمير سيف الدين كراى فى يوم الخميس بالتشريف السلطانى، وقبّل عتبة باب السر [2] على العادة، ورجع من الموكب، ومد السماط، وكان قد احتفل به بسبب التشريف، وحضور رسل التتار، فلما رفع السماط رسم للرسل بالانصراف فانصرفوا، ونهض الأمير سيف الدين أرغون والأمراء، وأحدقوا بنائب السلطنة
__________
[1] فى ك «كجكين» والمثبت من ص. وهو سيف الدين كجكن بن عبد الله المنصورى، توفى سنة 739 هـ (النجوم الزاهرة 8: 65 هامش) .
[2] باب السر: هو أحد أبواب قلعة دمشق، وانظر الدارس فى تاريخ المدارس 2: 54.
(32/182)

وأخرج مثال [1] السلطان فقرئ عليه فإذا هو يتضمن القبض عليه، فأجاب بالسمع والطاعة، وقلع شاش التشريف والكلوته وضرب بهما الأرض، ولبس تخفيفة [2] ونزع التشريف، وقيد فى المجلس، وحمل على بغل وسلّم للأمير سيف الدين أغرلو وركن الدين بيبرس الشرفى المعروف بالمجنون، فتوجها به من ساعته إلى جهة الكرك، واعتقل بها، ورسم للأمير سيف الدين بهادور آص أن يتحدث فى النيابة إلى أن يصل نائب السلطنة.
وقبض على الأمير سيف الدين قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر، ونقل إلى الكرك أيضا، وما علم الناس ذنبا للأمير سيف الدين كراى فيما سلف وقيل إن القبض عليه إنما وقع خوفا من تغيره بسبب القبض على خوشداشه الأمير سيف الدين بكتمر النائب،
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام
للأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصورى، ونيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف الدين بهادر آص.
لما قبض على الأميرين التائبين سيف الدين كراي وسيف الدين قطلوبك فوّض السلطان نيابة السلطنة بالشام للأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصوري، وتوجه إلى دمشق، وكان وصوله إليها فى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة، ووصل معه لتقريره فى النيابة الأمير عز الدين أيدمر الخطيرىّ، وأحضر على يده مثالا شريفا بالمسامحة بالبواقى، وأبطال ما كان قد قرر على الرعايا، والأحسان إليهم، [70] فقرى فى يوم الجمعة سادس عشر الشهر بالجامع بدمشق، فاطمأن الناس وتضاعفت أدعيتهم للسلطان، ثم خلع على الأمير سيف الدين بهادر آص بنيابة المملكة الصفدية فى يوم الإثنين تاسع عشر الشهر، وتوجه إليها يوم الثلاثاء العشرين من الشهر.
__________
[1] المثال: هو الوثيقة المكتوبة والمكتوب أو المرسوم الصادر عن السلطان إيذانا بإعطاء أحد المماليك إقطاعا من الإقطاعات، أو وظيفة من الوظائف، أو القبض عليه مثلا، أو عزله عن الوظيفة، وكان المثال يخرج من ديوان الجيش، ويقدم للسلطان أثناء جلوسه بدار العدل لتوقيعه فإذا وقعه صدر (صبح الأعشى 13: 152) .
[2] التخفيفة: هى العمامة الصغيرة (الملابس المملوكية لماير ترجمة الأستاذ صالح الشيتى ص 214 من الفهرس) ويشير الدكتور زيادة فى هامش السلوك 2/1: 105- إلى ما ذكره ابن أبى الفضائل فى النهج السديد: أن كراى خلع التشريف، وتعمم بتخفيفة؛ إشارة إلى أنه صار من المغضوب عليهم.
(32/183)

وفى يوم السبت ثامن شهر رجب قبض بدمشق- على السماط- على الأميرين بدر الدين بكتوت الشّجاعى، وسيف الدين جقّار [1] ، وكانا من أمراء طرابلس، فرسم بنقلهما إلى دمشق على إقطاع الأمير سيف الدين بهادر آص، فقبض عليهما الآن [2] واعتقلا بقلعة دمشق، ثم سفّر إلى الكرك فى ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان من السنة.
وفى ثامن شهر رمضان وصل إلى دمشق بتقليد للأمير بدر الدين بكتوت القرمانى بولاية شاد دمشق، وأستاذ دارية عوضا عن الأمير سيف الدين طوغان، ورسم للأمير زين الدين كتبغا المنصوري رأس نوبة أن يكون حاجبا بالشام عوضا عن الأمير سيف الدين قطلو بك الجاشنكير، وخلع عليهما.
وفى ثامن عشر شهر رمضان ورد المرسوم السلطانى إلى دمشق بولاية الأمير سيف الدين بلبان البدرى نيابة قلعة دمشق، عوضا عن الأمير سيف الدين بهادر السنجرى، وكان المرسوم على يد الأمير عز الدين أيدمر الخازن، وتوجّه هو إلى نيابة السلطنة بقلعة المسلمين، وتوجه السنجرى إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم، فرسم له بنيابة قلعة البيرة، وعاد وتوجه من دمشق إليها بعد عوده فى ثانى شوال من السنة.
وفيها وصلت رسل متملّك اليمن إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم، فقدمت هديتهم وقبلت فى ثالث ذى الحجة وخلع عليهم فى سابع المحرم.
وفيها فى ذى الحجة فوّض السلطان صحابة ديوان الإنشاء للقاضى علاء الدين على ابن القاضى تاج الدين أبى الظاهر أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبى [3] عوضا عن القاضى شرف الدين بن فضل الله العمرى، وتوجّه شرف الدين إلى دمشق بمعلومه عوضا عن أخيه الصدر محيى الدين، واستقر محيى الدين فى جملة كتّاب الإنشاء بدمشق بمعلومه، وسبب نقل المذكور إلى دمشق ثقل سمعه وشيخوخته،
__________
[1] كذا فى الأصول، وفى السلوك 2/1: 105 «جنقار» وانظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1: 498.
[2] هذا اللفظ سقط من ك.
[3] انظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 63، والدرر الكامنة 3: 82، والدليل الشافى 1: 447.
(32/184)

ذكر مفارقة الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى
المملكة الحلبية، وخروجه عن الطاعة، ولحاق الأمير جمال الدين آقش الأفرم ومن انضم إليه من الأمراء به، وتجريد العساكر إليهم، وما كان من خبرهم إلى أن توجّهوا للعراق.
كانت هذه الحوادث فى سنة إحدى عشرة وبعض شهور سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وقد رأينا أن نسردها بجملتها فى هذا الموضوع إلى نهايتها لتعلق بعضها ببعض، وذلك أن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى كتب إلى السلطان فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة يسأل دستورا إلى الحجاز الشريف، وأرسل فى ذلك مملوكه علاء الدين مغلطاي، فأذن له فى ذلك، وأنعم عليه بألفى دينار عينا، فتوجه من حلب وفوض السلطان نيابة حلب فى غيبته إلى الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب، فلما وصل الأمير شمس الدين إلى أطراف بلاد البلقاء [1] بلغه أن السلطان قد جرد جماعة من مماليكه جرائد بالخيل والهجن، فخشى أن يكونوا جرّدوا لقصده والقبض عليه، فرجع إلى حلب وقصد الدخول إليها، فاجتمع الأمراء مع الأمير شهاب الدين قرطاى ومنعوه من ذلك، وأرسل إليه الأمير شهاب الدين يقول إنك توجّهت إلى الحجاز بدستور سلطانى، ونحن فلا نمكنك من العبور إلا بعد عودك من الحج وبمرسوم سلطانى. فطلب موجوده الذى بحلب فمنع من ذلك، فجاء الأمير حسام الدين مهنا وأرسل إلى الأمراء فى تمكنه من موجوده، وحلف أنهم متى استمروا على منعه منه هجم بمجموعة حلب ونهبها، فمكنوه من أخذ موجوده وانصرف عن حلب، وقصد جهة البرية.
ثم جهز ولده الأمير عز الدين فرج ونائبه [71] عبدون إلى الديار المصرية، وجهز مع ولده جملة من أمواله، فوصل إلى القاهرة فى أواخر ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وما علم مراده بذلك ولما وصل ولده عز الدين أحسن السلطان
__________
[1] البلقاء: إحدى كور الشراة، وقاعدتها حيان، وهى بلدة صغيرة لها واد به أشجار وبساتين وزروع، ويتصل هذا الوادى بغور دمشق. والبلقاء على مرحلة من أريحا التى تقع غربها، وتكون بين دمشق ووادى القرى (صبح الأعشى 4: 106، ومعجم البلدان: 579 تحقيق فريد الجندى ط بيروت) .
(32/185)

إليه وأنعم عليه بإمرة عشرة طواشية، واستقر بالقاهرة بدار أبيه مع أخيه الأمير علاء الدين على- وهو أحد أمراء الطبلخاناه بالقاهرة- وبعد أن أرسل قراسنقر ولده المذكور وأمواله ونائبه أظهر العصيان وتجاهر به، وخلع الطاعة وكاتب الأمراء، وراسل الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وبذل له الطاعة، وأن يكون هو صاحب الأمر دون قراسنقر، وبذل له المال مع ذلك ليعينه به، فأرسل إليه [1] مرة ثلاثة الآف دينار عينا، ومرة أخرى، ومرة ثالثة فوافقه على ذلك وباطنه وكتب إلى السلطان [بخبره] [2] بما كاتبه به قراسنقر ومهنّا، وبقى ذلك فى يسّر حسوا فى ارتغاء [3] ، واستمر الأمير جمال الدين يدافع الأيام، ويقدم رجلا ويؤخر أخرى، ويكاتب السلطان ويرد عليه الأجوبة فى بقية سنة إحدى عشرة وسبعمائة وكنت يوم ذاك- ناظر الجيش الطرابلسى وكان لى عليه إدلال كثير، فشرع يكتم ذلك عنىّ وعن غيرى إلا من علم أنّه يوافقه على رأيه ويباطنه على مقصده، وظهر لى من صفحات وجهه وحركاته واضطراب أمره وشلش [4] بعض مماليكه ما دلّنى على مراده، فدخلت عليه فى أثناء ذى الحجة وهو بطرابلس، وكاشفته، وتحدثت معه وحذرته عاقبة هذا الأمر، وبذلت له النصيحة فكاد يكشف لى عن باطنه ويخبرنى بما أضمره وعزم عليه، فلحظت بعض أكابر مماليكه وهو يغمزه ويشير إليه أن لا يفعل، فعدل عما أراد أن يخبرنى به، ثم قال لى أنا أتحقق محبتك ونصحك [5] ، وأنه ما حملك على أن ذكرت ما ذكرت إلا الشفقة على. وجزانى خيرا، ثم قال لى. هذا الأمر الذى لحظته وظننته قد طالعت السلطان مما وقع فيه، وأرسلت إليه ما ورد علىّ من كتب قرا سنقر والعرب، وهذا الذى يظهر لك أننى أفعله هو عن أمر السلطان، وسوف يظهر لك. فما شككت فى قوله، واستكتمنى هذا الأمر فكتمته، ثم ظهر أن الأمر فى باطنه بخلاف ما أظهر لى.
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «وأرسل إليه من ماله» .
[2] هذا اللفظ من ص.
[3] يسرحوا فى ارتغاء: مثل يضرب لمن يريك أنه يعينك، وإنما يجر النفع إلى نفسه. يعنى من يظهر أمرا وهو يريد غيره، أو يضرب لمن يظهر طلب القليل وهو يسر أخذ الكثير (مجمع الأمثال 2: 417 برقم 4680، ولسان العرب 19: 46 ط. بولاق) .
[4] الشلش: كلمة يستعملها أهل شبه الجزيرة العربى تعنى كثرة الحركة والشغب والصياح، ولم ترد فى قواميس اللغة.
[5] فى ك «نصيحتك» والمثبت من ص.
(32/186)

ولما اتصل بالأبواب السلطانية أظهر قراسنقر العصيان
جهز [1] السلطان الأمير حسام الدين قرا لاچين أستاذ الدار والأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصرى، والأمير سيف الدين أيدمر الخطيرى، والأمير حسام الدين لاچين الجاشنكير المعروف بالزيرباج ومضافيهم، فوصلوا إلى دمشق فى العشرين من ذى القعدة، وجرّد معهم من دمشق جماعة من عسكرها، وتوجّهوا إلى حمص ثم إلى حلب لتمهيد البلاد ومنع قراسنقر إن قصد الهجوم على المملكة الحلبيّة، ثم أردف السلطان هذه العساكر المذكورة بالأمير سيف الدين قلىّ السلاحدار، والأمير بدر الدين جنكلى بن البابا، ومضا فيهما فوصلوا إلى حمص فى ذى الحجة، ونزلوا بمرجها، فقلق الأمير جمال الدين الأفرم [2] غاية القلق، وارتاع لنزولهم بالقرب منه، وخشى أن يقبض عليه، وكان قد حذر منذ قبض على الأمير سيف الدين كراى، والأمير سيف الدين قطلوبك، ورأى أن السلطان قد قبض على من لم يسلف ذنبا ولا وقع منه مخالفة فيما مضى- وإنما مسكا احتياطا لما تقدم من القبض على خوشداشيتهما، فكيف يكون حال من له ذنوب قديمة، ومخالفة فى ابتداء الأمر. فبقى ولا يزال فى الصيد وهو يتنقل فى المملكة الطرابلسية، فتارة يكون بالجون وتارة يكون باللاذقية وجبلة [3] ، ومرة بالجبال.
فلما كان فى مستهل محرم سنة ثنتى عشرة وسبعمائة ركب من طرابلس [72] وتوجه إلى الصيد بمرج جبلة على عادته، ونزل على رأس العين [4] بالقرب من مدينة طرابلس مما يلى الجبل، فوصل إليه مملوكه مغلطاى الحلبى على خيل البريد بأجوبة السلطان يتضمن. أنه أنعم عليه بنيابة
__________
[1] فى الأصول «أظهر» ولعل الصواب، ما ذكرته، والمراد أخرج أو جرد.
[2] هذا اللفظ سقط من ك.
[3] جبلة قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقية، بناها معاوية بن أبى سفيان، وكانت حصنا للروم جلوا عنها عند فتح المسلمين حمص وشحنها بالرجال وبنى معاوية بجبلة حصنا خارجا من الحصن الرومى القديم. (انظر معجم البلدان لياقوت الحموى) .
[4] رأس العين: مدينة كبيرة مشهورة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيس وهى إلى دنيس أقرب، بها عيون كثيرة عجيبة صافية تجتمع كلها فى موضوع فتصب فى نهر الخابور (وانظر معجم البلدان 3: 15 تحقيق فريد الجندى، وهامش النجوم الزاهرة 3: 282.
(32/187)

السلطنة بالمملكة الحلبيّة، ولم يحضر تقليدا ولا تشريفا، وذكر أن السلطان شافهه بطلبه إلى الأبواب الشريفة ليجدّد عهدا برؤية السلطان، ويلبس التشريف، ويأخذ التقليد، ويتوجه إلى حلب وشافهه عن الأمير علاء الدين أيدغدى شقير الحسامى بكلام ردىء، وهو أنه أخبر عنه أنه قال له: قل له إياك أن تتأخر عن الحضور، فوالله لو اختار السلطان القبض عليك أرسل إليك من قدر [1] وقبض عليك. فارتاع لهذه المشافهة، وخشى عاقبة حضوره، وركب من رأس العين إلى مرج جبل على مرحلتين من طرابلس، فلما استقر بالمرج جاءه الأمير عز الدين أيدمر الزّردكاش المنصورى أحد الأمراء مقدمى الألوف، وكان الأفرم زوج ابنته والأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخاناه وبدر الدين بيسرى الحسامى أحد أمراء العشرات، وكلهم من أمراء دمشق، وكانوا قد خرجوا عقيب المواكب من دمشق فى نيابة الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، ولم يجرد خلفهم من يدركهم، وحال وصولهم إليه ذكروا أن الكلمة اجتمعت عليه فركب من المرج لوقته، واستصحب معه من كان فى صحبته من أمراء طرابلس وهم علاء الدين مغلطاى الشيخى، وسيف الدين قطليجا [2] الجاشنكير من أمراء الطبلخاناه، من أمراء العشرات ستة وهم: علاء الدين أيدغدى التّقوى، وركن الدين بيبرس بن عبد الله، وعز الدين حسن بن يوسف السّيفى الحاجب، وناصر الدين محمد الفارقى، وشمس الدين طشلق [3] الشيوخى، وعلاء الدين مغلطاى الجمالى ومن أمراء التركمان [4] أصحاب الطبلخاناه خمسة وهم: علاء الدين على بن الدربساكى مقدم التركمان وعلاء الدين [5] على بن إلياس الفتقى، وحسام الدين حسن بن أسيجا وسيف الدين أبو بكر بن الحاج طوغان، وسيف [6] الدين بن إليا، ومن أمراء العشرات منهم صارم الدين صاروجا بن ناصى وتوجه من مرج الجبل إلى مرج الأسل، وحكى أنه تلقّب بالملك الرحيم، وكتب لوقته كتبا إلى الأمراء بطرابلس يتضمن: وصل إلى مخيمنا الكريم
__________
[1] فى ك «أرسل إليك مرقدا وقبض عليك» وفى ص «أرسل إليك مرقدا وأقبض عليك» . وعبارة ف مضطرية. ولعل الصواب ما أثبته.
[2] فى ك، وفى «قصليخا» والمثبت من ص والسلوك والنجوم الزاهرة.
[3] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 22، 23 «الطشلاقى» .
[4] (5 ما بين الرقمين من ص.
[6] كذا فى ك، وف. وفى ص «سيف الدين من إليا» .
(32/188)

المقر العالى الأميرى. الغرّى الزردكاش، والجناب العالى الأمير السيفى بلبان الدمشقى، والمجلس العالى الأميرى البدرى البيسرى الحسامى، وقد اجتمعت الكلمة علينا ولم يبق إلا الركوب. ويقول فى كتابه لكل منهم فمن قدم [1] خيّره الله تعالى ويعجل بسرعة الحضور، ليكون [2] من السابقين الأولين، ويحصل له فضيلة السبق، ويعلم أنا لم نطلبه لحاجة بنا إليه. وإنما عرفناه بما حدده الله لنا لئلا يتأخر ويعتذر حيث لا ينفعه العذر. إلى غير ذلك، وتضمن كتابه للأمير شمس الدين سنقر الرّومى [3] . وقد حقق الله تعالى [4] مناماتك التى كنت تراها وتخبرنا بها، ونحو هذا من الكلام.
ولما وصلت كتبه إلى الأمراء كنت يومئذ بطرابلس
لم أتوجه فى صحبته، وكان قد كتب إلىّ يطلبنى وهو بمرج الجبل، فاعتذرت ولم أتوجّه إليه- لطفا من الله بى- فقمت حين وصلت كتبه واجتمعت بأعيان الأمراء ونهيتهم عن الدخول فى الأمر، وعرفتهم سوء عاقبة الخروج عن الطاعة، ومفارقة الجماعة، وجدّدت على أكثرهم الأيمان للسلطان الملك الناصر فحلفوا، واجتمع جماعة منهم عند الأمير شمس الدين سنقر الرومى. فتأخروا عن اللحاق به [5] ولم يتوجه من طرابلس إليه غير علاء الدين أيدغدى الأتقوى أحد أمراء العشرات فإنه هرب إليه ولم يشعر به، وكنت قد حذرته هذا الأمر قبل ذلك بيوم أو يومين، وحلفته فحلف، وتوثقت منه أنه لا يفارق الطاعة والجماعة فلذلك أهملته عند وصول المكاتبات إلى الأمراء، وانتظر الأمير جمال الدين وصول العسكر الطرابلسى إليه وهو بمرج الأسل ليكبس بهم العسكر المصرى الذى بحمص، فلم يلتحق به غير أيدغدى الأتقوى المذكور، فلما أيس منه
__________
[1] فى ك «متقدم» والمثبت من ص.
[2] فى ك «لتكون» .
[3] فى ص وف «النورى» وهو سنقر الرومى المستأمن قدم فى زمن الناصر رسولا فأسلم وأقام بالقاهرة، ومات فى الطاعون عام 749 هـ (الدرر الكامنة 2: 176) .
[4] لفظ «تعالى» سقط فى ك.
[5] لفظ «به» سقط من ك.
(32/189)

ركب من مرج الأسل، ونزل إلى منزل القصب بالقرب من حمص ومرّ [1] على جانب خيام [2] العسكر المصرى، وقصد جهة البرية، فركب بكتمر خلفه الأمير سيف الدين [73] وبكتمر [3] الجمدار الناصرى فى شرذمة يسيرة، وتتبعه فلحق أثقاله فأخذها ورجع، واستمر السير بالأفرم ومن معه حتى دخل البرية.
ولما بلغ الأمير شمس الدين قراسنقر دخوله إلى البرية خلفه ظن أن ذلك مكيدة عليه، وتقدم فى البرية، وبقى الأفرم إذا نزل منزلة وجد قراسنقر قد رحل عنها، فاستمر كذلك أياما، ثم أرسل إليه من أدركه وأعلمه أنه [4] إنما جاء فى ميعاده، فأرسل إليه يقول، إن كان الأمر كذلك فتحضر إلى عندى بمملوكين، وتؤخر هذا الجمع حتى نجتمع. فركب إليه على الهجن هو ومملو كان من مماليكه، وأدركه واجتمعا. فلما تحقق قراسنقر أنه حضر لموافقته اطمأن إليه، وتربّص حتى التحق به بقية أصحاب الأفرم، فاختار الأفرم ممن معه ومع قراسنقر أربعمائة فارس، وأمرهم أن يتوجهوا ويكبسوا الأمير سيف الدين أرغن الناصرى ليلا فى خيامه ويقتلوه، وكان الأمير سيف الدين أرغن بقرب حلب- وقال: إنه إذا قتل هذا احتاج من معه إلى الانضمام إلينا خوفا من السلطان كون مملوكه قتل بينهم، وتمّ لنا الأمر بهذا ولا يختلف علينا أحد بالشام، فتوجّه أولئك غير بعيد ثم ردّهم قراسنقر وجهّز الأفرم لمضاء [5] هذا الأمر [6] فلم يوافق عليه، ثم قال له قراسنقر، إن هذا الجمع الذى معك لا نقدر أن نملك بهم البلاد، ولا نلقى [7] بهم الجيوش، وهؤلاء يضيقون علينا، ويأكلون ما معنا، ولا يحصل لنا بهم انتقاع، والمصلحة تقتضى أن نردهم. فأعمل الأفرم الحيلة وجردهم على أن
__________
[1] فى ك، وف «وهو على» والمثبت من ص.
[2] هذا اللفظ لم يرد فى ك.
[3] فى ك «وكتمر» وفى ص «أركتمر» والمثبت من النجوم الزاهرة 9: 300، والدرر الكامنة 2: 19، وشذرات الذهب 6: 104.
[4] لفظ «أنه» سقط من ك.
[5] هذا اللفظ سقط من ك.
[6] فى ص «هذا الرأى» .
[7] فى ك وص «تلتقى» .
(32/190)

يكونوا يزكا فى مكان عيّنه لهم، وقال، لا تفارقوا هذا المكان حتى نأتيكم [1] بما تعتمدونه، وركب هو وقراسنقر ومماليكها والأمراء الثلاثة الذين وصلوا من دمشق ومغلطاى الشيخى [وقطليجا الجاشنكير] [2] وتوجهوا هم والأمير حسام الدين مهنا إلى الرحبة، وعاد بقية الأمراء العشرات، وأمراء التركمان الى طرابلس ثم [3] فارق الأمير جمال الدين الأفرم جماعة من أعيان مماليكه وعادوا إلى طرابلس [4] وتبع العسكر الناصرى الأفرم وقراسنقر ومن معهما إلى الرهبة ففاتوا ولزموا البرية، ثم كتب الأفرم وقراسنقر إلى خربندا ملك التتار يستأذناه فى الوصول إليه بمن معهما، وسيّرا بذلك بدر الدين بيسرى [5] الحسامى، فتوجّه إليه وعاد بجوابه إليها وخلعه عليهما، فتوجها إليه وصحبتهما بعض مماليكهما والأمير عز الدين الزردكاش والأمير بلبان الدمشقى وبيسرى الحسامى [6] ورجع بقية الأمراء الذين كانوا مع الأفرم.
فأما أمراء التركمان وأمراء العشرات الذين ليسوا من مماليك السلطان وهم. حسن السيفى، ومحمد الفارقى وطشلق الشويخى، فاستمروا فى الخدمة بطرابلس على عادتهم، وقبض على أمراء التركمان ثم أفرج عنهم واستمروا فى الخدمة.
وأما بيبرس بن عبد الله، وأيدغدى الأتقوى فورد المرسوم بالقبض عليهما، فقبض عليهما وسيّرا إلى الأبواب السلطانية، فماتا فى محبسهما، واما قطليجا [7] الجاشنكير فإنّه غيّر هيأته واختفى إلى أن وصل إلى الأبواب السلطانية، فما شعر السلطان به إلا وهو قائم بين يديه فى الإيوان، فأمر باعتقاله، ثم نقل إلى ثغر الإسكندرية، وقيل إنه مات.
__________
[1] فى ك «ونرسل» والمثبت من ص.
[2] هذان اللفظان سقطا من ك.
[3] ما بين الرقمين من ص، وف.
[4] ما بين الرقمين من ص، وف.
[5] فى ك «بيبرس» والمثبت من ص، وف.
[6] فى ك «بيبرس» والمثبت من ص، وف.
[7] فى ك «قلطيشا» والمثبت من ص.
(32/191)

وأما علاء الدين مغلطاى الشّيخى فإنه توجّه إلى الأمير فضل بن عيسى ودخل إليه، فحضر به إلى الأبواب السلطانية وشفع فيه، فأمر السلطان بإرساله إلى مدينة قوص، ثم إلى ثغر أسوان، ورتب له كل يوم أربعة دراهم، فأقام هناك مدة، ثم طلب إلى الأبواب السلطانية، ورتّب فى جملة المماليك أرباب الجامكيات [1] ثم أنعم عليه بإقطاع، وجعل من جملة مقدمى الحلقة، هذا ما كان من أمر هؤلاء.
__________
[1] الجامكية: فارسية معناها الراتب أو المربوط الشهرى أو السنوى وقد يعنى الرواتب بعامة (صبح الأعشى 3: 457) .
(32/192)

وأما الأمراء الذين توجهوا إلى خربندا
فإنه أكرمهم وأقاموا فى خدمته مدة [74] ، فأعطى الأمير جمال الدين الأفرم همذان، فتوجّه إليها ومات بها ودفن بها. وبلغنا أنه عمّر له تربة، ووقف عليها فى كل سنة جملة من أموال همذان.
ومات الزّردكاش، وبيسرى الحسامى فيما بلغنا واستمر قراسنقر عند التتار إلى أن مات فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
نعود إلى سياقة الأخبار فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة
فيها كانت وفاة القاضى مجد الدين أبى الرّوح عيسى بن عمر بن عبد المحسن بن الخشاب المخزومى الشافعى [1] بالقاهرة، فى يوم الإثنين ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، ومن رجال الدهر دهاء، وولى المناصب الجليلة: وكالة بيت المال سنين كثيرة، وولى نظر الحسبة بالقاهرة، ودرس بأجلّ المدارس، وعين [2] للقضاء مرار وحرص على ذلك فلم ينله، وفرقت مناصبه بعده، فولى القاضى بدر الدين محمد بن جماعة تدريس الناصرية، وولى ولده صدر الدين أحمد وكالة بيت المال، وولى الصاحب ضياء الدين النشائى تدريس زاوية الشافعى بمصر.
وتوفى القاضى جمال الدين أبو الفضل محمد بن الشيخ الإمام جلال الدين أبى العز المكرم بن على بن [3] أحمد بن أبى القاسم الأنصارى الخزرجى الأفريقى الأصل من ولد رويفع [4] بن ثابت [الأنصارى] رضى الله عنه، وكانت وفاته بالقاهرة فى حادى عشر شعبان، ودفن بالقرافة، ومولده بالقاهرة فى يوم
__________
[1] له ترجمة فى الدرر الكامنة 3: 206.
[2] كذا فى الأصول، والمراد ورشح للقضاء.
[3] لفظ «ابن» سقط من ك.
[4] فى الأصول «رفيع» والمثبت من الدرر الكامنة 4: 262. وانظر الوافى بالوفيات 5: 54، وفوات الوفيات 4: 39، وشذرات الذهب 6: 26، والدليل الشافى 2: 706 والاضافة عنها وهو صاحب لسان العرب.
(32/193)

الإثنين الثالث والعشرين من محرم سنة ثلاثين وستمائة، وكان من أعيان كتاب الإنشاء وفضلائهم، روى الحديث النبوى، وكان عالى السّند [1] رحمه الله تعالى، وله شعر وقصائد.
وتوفى الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز ابن الحسن الخليلى التيمى الدّارمى [2] وكانت وفاته فى يوم عيد الفطر، معزولا عن الوزارة- ودفن بالقرافة الصغرى، ومولده فى سنة أربعين وستمائة، وقد تقدم ذكر مناصبه وولايته الوزارة، رحمه الله تعالى.
وتوفى الحكيم الفاضل الرئيس شرف الدين عبد الله بن شهاب الدين أحمد بن محيى الدين رشيد ابن الشيخ جمال الدين أبى عمر وعثمان بن أبى الحوافر فى ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال، ودفن من الغد بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى من أجود الناس صحبة، وأكثرهم مروءة، وأحسنهم أخلاقا وأصحهم عقيدة- رحمه الله تعالى
وتوفى تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل [3]
ناظر النظار بالديار المصرية، وكانت وفاته فى ليلة السبت الثانى والعشرين من ذى القعدة، وهو من مسالمة [4] القبط، وكان علم صناعة الكتابه الديوانية انتهى إليه فى زمانه.
وتوفى القاضى محيى الدين قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف [5] المالكى ليلة الخميس حادى عشر ذى الحجة، وكان رحمه الله تعالى ينوب عن والده فى القضاء فى حياته، ورسم باستقلاله بعد وفاته، فمات قبل والده [6]- أصيب- وكان يعد من نجباء الأبناء رحمه الله تعالى.
__________
[1] فى ك «النسب» والمثبت من ص.
[2] له ترجمة فى ذيول العبر ص 58، والسلوك 2/1: 113، والدليل الشافى 1: 500، وشذرات الذهب 6: 28.
[3] له ترجمة فى السلوك 2/1: 114.
[4] مسالمة القبط: هم الذين دخلوا الإسلام من أهل الذمة فأطلق عليهم اسم المسالمة.
[5] له ترجمة فى الدرر الكامنة 4: 90.
[6] فى ك، وف «أصبت» والمثبت من ص. ولا دلالة لها فى السياق.
(32/194)

وتوفى قاضى القضاة الشيخ الأمام الحافظ سعد الدين أبو محمد مسعود ابن محمد بن مسعود بن زيد الحارثى الحنبلى [1] بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذى الحجة، ودفن من يومه بالقرافة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير بدر الدين بكتوت أمير شكار [2] متولى ثغر الإسكندرية- كان- فى ثامن عشرين شهر رجب، وكانت وفاته بالقاهرة بعد أن نكب وصودر.
وتوفى فى التاريخ المذكور الشيخ الصالح محمد العريان رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق الأمير شجاع الدين يوسف نقيب نقباء العساكر المنصورة بالشام [75] ، فى يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى، بمولده فيما قيل وفى ثلاثة عشرة وستمائة، ولى نقابة العساكر بدمشق فى الأيام الناصرية إلى أن توفى، وكان عدلا مقبول القول عند قضاة القضاة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير شمس الدين سنقر [3] جاه الظاهرى بدمشق فى يوم الإثنين ثامن ذى الحجة، ودفن بكرة الثلاثاء بمقابر الصوفية- رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة ثنتى عشرة وسبعمائة
فى هذه السنة كملت عمارة الجامع [4] الناصرى بساحل مصر فى صفر، وكان موضعه بشونة التبن، وكان الابتداء بعمارته فى بعض شهور سنة إحدى
__________
[1] انظر البداية والنهاية 14: 64، والسلوك 2/1/113، وشذرات الذهب 6: 28.
[2] أمير شكار: هو الذى يقوم برعاية الجوارح السلطانية من طيور وغيرها وكذلك كل ما يتعلق بالصيد وحيواناته (القلقشندى: صبح الأعشى ج 4 ص 22، ج 5 ص 461. وانظر ترجمة الأمير بكتوت فى الدرر الكامنة 1: 489، والنجوم الزاهرة 9: 217) .
[3] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 174.
[4] وأنظر وصف هذا المسجد فى السلوك 2/115، وخطط المقريزى 2: 403، والنجوم الزاهرة 9: 33 هامش المرحوم محمد رمزى بك.
(32/195)

عشرة وسبعمائة، وولى خطابته قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، ورسم أن يبنى فى سطح الجامع المذكور بيوتا لشيخ وجماعة من الصوفية، وطهارة [1] ومزملة، وبنى فى أسفله مزملة، ولما كملت عمارته حضر إليه السلطان وشاهده، ووقف على مصالحه مواضع من أملاكه، منها قيسارية [2] العنبر بالقاهرة، وحمام [3] ابن سويد، وأنشا ربعا بجواره، ووقفه عليه، وعمّر بظاهره طهارة للسبيل، وبها فسقية، وساقية ورتب السلطان بالجامع إماما ومؤذنين وقومة وشيخهم وشحنة [4] وبوابا، وجعل لكل منهم جامكية وجراية، ورتب بالخانقاه الشيخ قوام الدين الشيرازى شيخا للصوفية، وثمانين صوفيا أربعين مجردا بسطح الجامع فى البيوت التى عمّرت لهم وأربعين متأهلين، ورتّب لكل صوفى منهم فى كل شهر خمسة عشر درهما، وفى كل يوم ثلاثة أرطال من الخبز العلامة، وللمجردين خاصة فى كل يوم ثلث رطل لحم مطبوخ، وزبدية مرق، ورتب للشيخ مثل ما رتب للصوفيين منهم، وأفرد للصوفية مقصورة بالجامع بحائطه الغربى. وهو البحرى، يجتمعون فيها لصلاة العصر فى كل يوم، ويقرءون القرآن بعد الصلاة، ويدعون للواقف، وينصرفون ويحضرون أيضا لصلاة الجمعة، وليس بشرط.
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية
والمملكة الطرابلسية للأميرين سيف الدين سودى [5] الجمدار، وسيف الدين تمر الساقى [6] .
__________
[1] المزملة: مكان لتبريد الماء توضع فيه الأزيار وما أشبه ذلك.
[2] قيسارية العنبر: كانت بشارع القاهرة الأعظم، وكان سجنا فعمرها الملك المنصور قلاوون (خطط المقريزى 2: 89) .
[3] فى الأصول «حمامى» والمثبت من المرجع السابق، والسلوك 2/1: 115 هامش الدكتور زيادة.
[4] الشحنة: من يقوم بحراسة المكان.
[5] أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة 2: 179.
[6] أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1/2: 519.
(32/196)

وفى هذه السنة فوّض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية للأمير سيف الدين سودى الجمدار فى صفر، وتوجه إليها من الديار المصرية، ووصل إلى دمشق فى ثامن شهر ربيع الأول. وفوّض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير سيف الدين تمر الساقى، فوصل إلى دمشق فى ثامن عشرين شهر ربيع الأول بطلبه [1] وجماعته، ووصل إلى طرابلس فى العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر. وكان سبب تأخره هذه المدة توجّهه إلى حمص للقبض على نائبها على ما نذكره.
وفيها: فى عاشر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض على القاضى فخر الدين ناظر الجيوش، وكان قد تقدّم عنده وعظم شأنه، وارتفع محله وعلت كلمته، فحسد على ذلك، ونقل إلى السلطان عنه ما غيّر خاطره عليه، فأمر بالقبض عليه ومصادرته، فأخذ من أمواله- فيما قيل- أربعمائة ألف درهم، وفوّض نظر الجيوش للقاضى قطب الدين ابن شيخ السلامية ناظر جيش الشام نقله إلى الديار المصرية، فلم يقم مقام القاضى فخر الدين، ولا نهض بسد الوظيفة وتصحّفت عليه أسماء البلاد، ثم أفرج السلطان عن القاضى فخر الدين فى خامس عشر شهر ربيع الآخر، واستقر صاحب ديوان الجيوش مدّة، ثم شركه فى النظر، فصارا ناظرين بغير صاحب ديوان، ثم أعاده إلى النظر مستقلا به منفردا، وأعاد قطب الدين إلى الشام على عادته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها [76] فى عاشر شهر ربيع الأول فوّض قضاء القضاة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للقاضى تقى الدين أحمد بن قاضى القضاة عز الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى.
__________
[1] الطلب: الفرقة من المماليك أو العسكر الخاصة بالأمير وتكون كالحرس الخاص له (النجوم الزاهرة 12: 186، 13: 55) .
(32/197)

ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس العلائى نائب السلطنة بحمص ومن يذكر من الأمراء بدمشق
كان الأمير ركن الدين بيبرس العلائى المذكور فى هذه السنة قد طالع الأبواب السلطانية وسأل دستورا فى الحضور إلى الأبواب، فأذن له، فحضر على خيل البريد فى العشر الأخر من صفر وشمله الإنعام السلطانى بالتشريف، وعاد إلى نيابته فى العشر الأول من شهر ربيع الأول، ثم تحقق السلطان منه سوء طويّته وخبث نيته وأنه كان قد باطن الأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير جمال الدين الأفرم، وأنه كان يظهر خلاف ما يبطن. فكتب السلطان إلى الأمير سيف الدين تمر الساقى قبل وصوله إلى طرابلس أن يتوجه إلى حمص ويقبض عليه، وكتب بمثل ذلك إلى الأمير بدر الدين بكتوب القرمانى أحد الأمراء بدمشق، وكان مجردا بجهة حمص، فتوجّها إليه وقبضا عليه فى بكرة نهار الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر، وتوجّها به إلى دمشق، ورسم عليه الأمير سيف الدين كجكن، وقبض على جماعة من الأمراء بدمشق، وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الشّرفى المعروف بالمجنون، والأمير علم الدين سنجر البروانى [1] ، والأمير سيف الدين طوغان المنصورى، والأمير ركن الدين بيبرس التاجى، وذلك فى يوم الإثنين عاشر شهر ربيع الآخر، وصل فى هذا اليوم إلى دمشق الأمير ركن الدين بيبرس العلائى، وحال وصوله قبض [2] عليه الأمير سيف الدين كجكن، وهو المرسم عليه، وسيّروا فى ليلة الأربعاء ثانى عشر الشهر إلى قلعة الكرك، واعتقلوا بها وفيها فى سادس شهر ربيع الآخر.
__________
[1] فى ك «البراوى» والمثبت من ص، والنجوم الزاهرة 8: 180.
[2] فى الأصول «على» والسياق يقتضى ما أثبته.
(32/198)

ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار
المنصورى نائب السلطنة بالباب الشريف، والآمير جمال الدين آقش الأشرفى نائب السلطنة بالشام وغيرهما من الأمراء بالديار المصرية.
وفى هذه السنة استدعى السلطان الأمير جمال الدين آقش الأفرمى نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب العالية، فحضر على خيل البريد، وكان ركوبه من دمشق فى ثانى شهر ربيع الأول، ووصل إلى الأبواب السلطانية يوم السبت تاسع الشهر، ولما وصلا إلى الأبواب السلطانية أكرمه السلطان وأحسن إليه وشمله بالإنعام، واستقر عوده إلى نيابة السلطنة بالشام. فأنهى إلى السلطان عنه أنه كان ممن باطن الأمراء [المنسحبين] [1] الثلاثة الذين لحقوا بالأمير جمال الدين الأفرم، وأنه كان يقدر على التجريد خلفهم والقبض عليهم وما فعل، وإنما كان امتنع من التجريد خلفهم [2] أنه توهم من كثير من الأمراء بدمشق مباطنة الأمراء المخالفين فخشى إن هو جرّد من يردّ هؤلاء أن يلتحق بهم فيضطرب الأمر وتعم المفسدة، فاقتصر على حفظ من بقى عنده، وترك الإرسال خلفهم [3] ، لهذا الأمر وبلغهم وبلغ السلطان أيضا عن جماعة من الأمراء مثل ذلك، فأمر بالقبض عليهم، وهم: هذا المقدم الذكر والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب- كان- والأمير علاء الدين مغلطاى المسعودى، والأمير شمس الدين الدكن الأشرفى والأمير حسام الدين لاچين الجاشنكير، والأمير سيف الدين باينجار وكل هؤلاء من مقدمى الألوف بالديار المصرية، وقبض أيضا على الأمير حسام الدين لاچين العمرى، وذلك فى يوم الإثنين ثالث شهر ربيع الآخر من السنة، وشغرت نيابة السلطنة بالباب السلطانى بقية الشهر والله أعلم.
__________
[1] هذا اللفظ من ص.
[2- 3] ما بين الرقمين من ص.
(32/199)

ذكر تفويض [77] نيابة السلطنة بالشام
للأمير سيف الدين تنكز [1] وفى هذه السنة بعد القبض على الأمير جمال الدين فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين تنكز وتوجه إلى دمشق على خيل البريد، فكان وصوله إلى دمشق فى الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر، ووصل معه جماعة من المماليك السلطانية على أخبار الأمراء المعتقلين منهم الأمير سيف الدين الحاج أرقطاى الجمدار [2] .
وفيها أمر السلطان بعرض أجناد الحلقة بالديار المصرية، وانتصب لذلك بنفسه وأعرضوا بين يديه، وابتدىء بالعرض فى خامس عشر شهر ربيع الآخر وكمل فى مستهل جمادى الآخرة، وأبقى منهم من صلح للخدمة على إقطاعه، وقطع من ظهر عجزه، ورتب للمشايخ العاجزين عن الخدمة الرواتب
ذكر تفويض السلطنة بالباب الشريف للأمير سيف الدين أرغن
وفى هذه السنة فى يوم الإثنين مستهل جمادى الأولى فوض السلطان نيابة السلطنة بأبوابه الشريفة لمملوكه وعتيقه وغذىّ نعمته، ومن نشأ من صغره فى خدمته، وقرأ القرآن معه، الأمير سيف الدين أرغن الدوادار، وهو من المماليك المنصورية السيفية وكان السلطان الملك المنصور قد ابتاعه هو وأمه، وخصّه بخدمة السلطان الملك الناصر ولده من صغره وحال طفولتيه، فنشأ معه ولم يفارق خدمته فى وقت من الأوقات، وتوجّه فى خدمته إلى الكرك فى السفرتين، ففوض السلطان إليه نيابة السلطنة الآن، وهو أعرف الناس بخلق السلطان، وأكثرهم سياسة وسكونا وديانة وخيرا وعفة وطهارة، واشتغل بالعلوم الشرعية، وسمع الحديث وكتب صحيح البخارى بيده، وحصل الكتب النفسية، وهو مستمر فى نيابة السلطنة إلى وقتنا هذا فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وجرت أحوال الدولة فى مدة أيام نيابته على أحسن سداد وأكمل نظام.
__________
[1] فى ك «تنكيز» والمثبت من ص، والدرر الكامنة 1: 521.
[2] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1: 354.
(32/200)

وفى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة أيضا
فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف الدين بلبان [1] ظرنا أمير جاندار ورسم بعود الأمير سيف الدين بهادر آص إلى دمشق أميرا على عادته فكان وصوله إلى دمشق فى تاسع عشر الشهر.
وفى يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى ولى نيابة قلعة دمشق الأمير عز الدين أيبك الجمالى عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان البدرى.
ثم رسم فى شهر رمضان من السنة أن يكون الأمير سيف الدين بهادر الشمسى فى القلعة شريكا للأمير عز الدين الجمالى، فدخلها فى سادس عشر شهر رمضان.
وفى هذه السنة حصل انفصالى [2]
من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية فى منتصف جمادى الأولى، فتوجهت إلى الديار المصرية، فكان وصولى القاهرة فى العشرين من شهر رجب من السنة.
وفى شهر رجب فى أواخره وصلت رسل الأشكرى، ومثلوا بين يدى السلطان فى عاشر شعبان بقلعة الجبل، وقدموا ما معهم من الأقمشة والسكلاط [3] والطيور الجوارح
ذكر عرض العساكر [78] والنفقة فيها وتجريدها وتوجه السلطان إلى الشام.
كان السلطان قد توجه إلى الصيد فى شهر رجب، وأقام بمنزلة الأهرام، وكثر الإرجاف وتواترت الأخبار بوصول خربندا ملك التتار بجيوشه وقصده الشام، فعاد السلطان إلى قلعة الجبل وجرد الاهتمام ونفق فى عامة العساكر، واستخدم جماعة، وأقطعهم ساحل الغلة [4] فى شعبان، وأمر الأمراء والمقدمين
__________
[1] هو الأمير سيف الدين بلبان طرثا بن عبد الله المسعودى القرانى، ويسمى عبد اللطيف، ويقال له البيسرى نسبة لبيسرى مات سنة 736 (الدرر الكامنة 1: 492، والنجوم الزاهرة 9: 304 وفيه مات سنة 734 هـ وكذلك فى الدليل الشافى 1: 198) .
[2] أى انفصال المؤلف من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية. وفى ك «الانفصال» والمثبت من ص، وف.
[3] السكلاط: كذا فى ك. وفى ص السقلاط. وفى معجم دوزى (تكملة المعجمات العربية 1: 663 «سقلاط، وسقلاطون نوع من القماش الحريرى المطرز بالذهب وكان يصنع فى بغداد، وقد انتشر هذا اللفظ فى اللغات فى الأوربية فى العصر الوسيط» .
[4] ساحل الغلة: هو ساحل مصر ببولاق (السلوك 2/1: 14) .
(32/201)

بالعرض فى سوق الخيل والخروج إلى الشام فابتدأ الجيش بالعرض والخروج فى حادى عشر رمضان، واستمر ذلك إلى يوم الثلاثاء ثانى شوال، فركب السلطان فى هذا اليوم من قلعة الجبل وتوجّه لقصد الشام ولقاء العدوّ ودفعه.
فلما وصل إلى منزلة السعيدية وهى على مسافة يومين من القاهرة وردت مطالعة الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام قرين مطالعة نائب الرحبة يخبر أن جيش التتار كان قد نازل الرّحبة فى ثانى عشرين شعبان، وأنه فى يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان عاد التتار إلى بلاد الشرق، وما علم سبب عودهم وأن النائب بالرحبة ركب فى آثارهم، وحمل إلى القلعة ما كانوا قد أعدّوه [1] من آلات الحصار، وما تركوه من أثقالهم وخيلهم، وكانوا قد حاصروا الرحبة وأشرفوا على أخذها، فاستمر السلطان على المسير، ووصل إليها فى يوم الثلاثاء سادس عشر شوال.
ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف
لما وصل السلطان إلى دمشق وتعذّر عليه الغزو، لعود التتار. صرف ذلك إلى الحج وقضاء الفرض الواجب عليه حين أمكنه، فأقام بدمشق أياما وجرد عساكره إلى الجهات بالشام صوب [2] حلب وحمص وحصن الأكراد وغيرهما أرغون نائب السلطنة ونزل الأمير سيف الدين أرغون [3] نائب السلطنة بدمشق، والصاحب أمين الدين لتحصيل الأموال وتقرير المصالح، وتوجّه السلطان بجماعة من مماليكه وأمرائه، وانتقل ركابه الشريف من دمشق فى يوم السبت ثانى ذى القعدة، ووصل إلى الكرك، ومنها إلى المدينة النبوية فزار ثم توجّه إلى مكه- شرفها الله تعالى- يقضى فرض الحج ومناسكه، وتصدق وعاد إلى المدينة النبوية، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا، وعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
__________
[1] فى ك «ما كان وراء عدوه» والمثبت من ص.
[2] فى ك «ناحية» والمثبت من ص، وف.
[3] كذا فى ص «أرغون نائب السلطنة وفى ك، وف «أرغون ونائب بواو العطف وهو خطأ لأن أرغون نائب السلطنة فى مصر تركه السلطان بدمشق وسافر للحج (النجوم الزاهرة 9: 35) . ويلاحظ أنه سبق فى الأصول رسم أرغون: أرغن.
(32/202)

وفى ذى الحجة ورد البريد من دمشق بإيقاع الحوطة على دار الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، وحمل ما يوجد بها من خزائنه، فوقعت الحوطة عليها وأخذ منها صناديق كانت وصلت مع ولده عز الدين فرج، فوجد فى أحدها فيما قيل اثنان وثلاثون ألف دينار عينا، وفى بعضها مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم، وعدة سروج مسقطة محلاة بالذهب والفضة وغير ذلك فحمل إلى بيت المال.
وفى هذه السنة توفى الشيخ تاج الدين عبد الرحيم
ابن تقى الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيى بن السنهورى أحد النظار بالديار المصرية- كان- وكانت وفاته بمصر فى سابع عشر ربيع الآخر، وكان من الأمراء الأخيار، والكتاب المشهورين، الذين يرجع الكتّاب إلى قولهم، وتنقّل من المباشرات فى عمره إلى أن انتهى إلى نظر النظار، وعين للوزارة مرارا فكرهها، وكان الوزراء يرجعون إلى قوله، ولا يخرجون عن رأيه فى جليل الأمر ولا حقيره، ثم عطّل قبل وفاته عن المباشرة [79] ، وتجاوز المائة سنة أخبرنى والدى- رحمه الله- غير مرّة أنه أسن منه بخمس عشرة سنة، وكان مولد والدى فى سنة ثمانى عشرة وستمائة فعلى هذا يكون عمره مائة سنة وتسع سنين تقريبا رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى شهاب الدين غازى بن أحمد بن [1] الواسطى ناظر حلب بها فى ثامن عشر ربيع الآخر، وكان يتنقل فى المناصب الجليلة، ولى نظر الدواوين بالديار المصرية، ونظر الصحبة [2] ، ونظر دمشق وحلب وطرابلس، وكتب بديوان الإنشاء مدة- رحمه الله تعالى-.
وتوفى القاضى تاج الدين أحمد ابن القاضى عماد الدين محمد بن هبة الله الشيرازى [3] الدمشقى ببستانه [4] بالمزة فى رابع عشر رجب، ودفن بقاسيون- رحمه الله- وكان من أعيان أهل دمشق، وولى نظر الدواوين بها وغير ذلك.
__________
[1] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 294، والدليل الشافى 2: 517.
[2] نظر الصحبة: صاحب هذه الوظيفة وزير متنقل يرافق السلطان فى أسفاره وحروبه فيقوم بوظيفة الوزير، ويصرف شئونها معه ليتسنى للوزير الأصلى أن يقيم بالقاهرة (السلوك 1/2: 627 هامش الدكتور زيادة) .
[3] وانظر ترجمته فى ذيول العبر ص 68، والسلوك 2/1: 120، وشذرات الذهب 6: 30.
[4] المزة: قرية كبيرة تمتاز فى أعلى الغوطة فى سفح الجبل من أعلى دمشق، وبينهما نصف فرسخ (النجوم الزاهرة 8: 112 هامش) .
(32/203)

وتوفى الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب [1] بالقاهرة بعد العصر من يوم الإثنين ثانى عشر رجب.
وتوفيت زوجته وهى ابنة عمة الملك المغيث ابن الملك المعظم وقت عشاء الآخرة، وخرجت جنازتهما جميعا فى يوم الإثنين، وكان قد حج وزار البيت المقدس، وتوجه إلى دمشق ثم عاد إلى القاهرة، فأقام نحو خمسة أيام ومات- رحمه الله تعالى- وكان من خيار المسلمين محترما مبجلا معظما فى صدور الناس، متواضعا فى نفسه، له فضيلة تامة، وروى الحديث، ومولده فى ليلة السبت عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة بقلعة الكرك
وتوفى القاضى نور الدين أحمد بن الشيخ
شهاب الدين عبد الرحيم، بن عز الدين بن عبد الله بن رواحة الحموى الأنصارى كان رأس كتاب الدرج بطرابلس، فلما هرب الأمير جمال الدين الأفرم فى هذه السنة استصحبه معه، ثم رجع من البرية ووصل إلى طرابلس ومرض، فلما وصل الأمير سيف الدين تمر الساقى إلى نيابة طرابلس عزله، فتوجه إلى حماة فمات بها فى سادس عشر شعبان- رحمه الله تعالى- وكان رجلا صالحا جيدا أمينا طاهر القلم، رافقته مدة فى السفر والحضر، فلم أر منه إلا خيرا وعفة وأمانة ونزاهة رحمه الله تعالى.
وتوفى فى يوم الإثنين خامس عشرين شعبان بالقاهرة شرف الدين محمد ابن خليل المقدسى [2] الكاتب المنشىء، كان كاتبا فاضلا متمكنا من صناعة الإنشاء، حسن النظم جيدّ النثر، لكنه كان كثير الهجاء- سامحه الله تعالى وإيانا.
وتوفى الأمير سيف الدين قطلوبك الشيّخى [3] المنصورى أحد الأمراء بدمشق فى خامس عشر شهر ربيع الآخر، وهذه النسبة إلى الشيخ عمر بن الشيخ جاه.
__________
[1] وانظر البداية والنهاية 14: 268، وشذرات الذهب 6: 31، والنجوم الزاهرة 9: 224.
[2] النجوم الزاهرة 9: 223، والدليل الشافى 2: 709، والوافى بالوفيات 5: 93. وفوات الوفيات 4: 42، والدرر الكامنة 5: 39، وشذرات الذهب 6: 32.
[3] انظر البداية والنهاية 14: 68، والنجوم الزاهرة 9: 224.
(32/204)

وتوفى الآمير علاء الدين مغلطاى البهائى [1] أحد الأمراء بطرابلس فى حادى عشر شهر ربيع الآخر، وكان قد رسم بالقبض عليه، فوصل البريد بذلك بعد وفاته بيوم أو يومين رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة ثلاث عشرة وسبعمائة
والسلطان الملك الناصر- خلّد الله سلطانه- ببرية الحجاز عائدا.
ففى يوم السبت مستهل محرم وصل إلى دمشق الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار الناصرى، وبشّر بعافية السلطان وعوده من الحجاز بعد أن قضى فريضة الله فى الحج، وأخبر أنه فارقه من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ثم وصل البريد [80] بعد ذلك وأخبر أن السلطان وصل إلى الكرك فى ثانى محرم، ثم وصل السلطان إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم ونزل بالقصر الأبلق، وصلى الجمعة فى رابع عشر بجامع دمشق، وكذلك الجمعة التى تليها ولعب بالكرة بالميدان الأخضر فى يوم السبت خامس عشر المحرم، وفوّض نظر الدواوين بالشام لشمس الدين عبد الله ابن غبريال، فى سادس عشر الشهر، وكان قبل ذلك يلى نظر البيوت السلطانية، وتوجّه فى خدمة السلطان إلى الحجاز [2] فرأى منه نهضة وكفاية فنقله إلى نظر دمشق، وولى فخر الدين أياز [3] الشمسى شدّ الدواوين بالشام نقله من شدّ مصر إليها، عوضا عن الأمير بدر الدين القرمانى، وولى القرمانى نيابة الرحبة عوضا عن الأمير بدر الدين [4] موسى الأزكشى، ثم توجه السلطان إلى الديار المصرية، وكان استقلال ركابه من دمشق فى بكرة نهار الخميس سابع عشرين المحرم، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من يوم الجمعة ثانى صفر.
__________
[1] له ترجمة فى النجوم الزاهرة 9: 224.
[2] عبارة «إلى الحجاز» سقطت من ك.
[3] إياز- وبرسم أيضا «إياس» وانظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1: 420.
[4] هو موسى بن أبى بكر الأزكشى، الأمير بدر الدين نائب الرحبة كانت له اليد البيضاء فى قتال التتار، ومات بدمشق سنة 715 هـ (الدرر الكامنة 4: 384) .
(32/205)

وفى هذه السنة كملت عمارة الميدان
الذى أمر السلطان بإنشائه تحت قلعة الجبل من الجانب الغربى مما يلى سوق الخيل، وكان الشروع في عمارته فى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، وأدخل فيه بعض السور ما يلى باب القرافة إلى جهة القلعة، وجعل الحائط الدائر على هذا الميدان من جهات ثلاث سورا، وردم قرار الميدان بالطين الأبليز، وأمر السلطان بسد باب [1] سارية، وفتح باب إلى جانبه، ثم أمر فى هذه السنة بإدارة السواقى على البئر التى كانت عمرت فى الدولة الأشرفية الصالحية خارج باب القنطرة [2] بمصر بشادّ الأمير عز الدين الأفرم، فركبّ على فوهتها أربع محال وعمل لها أربع مجارى على السور يجرى الماء فيها إلى حفرة ثانية على شكل بئر فى أثناء الطريق، يتحصل الماء الجارى من البئر الأولى فيها. وركّب عليها ثلاث محال، ويجرى الماء إلى بئر ثالثة تحت القلعة، ولم يزل ينقله إلى أن [3] جرى الماء العذب من بحر النيل أعلى [4] إلى قلعة الجبل وقسم على أماكن وقاعات بها،
ذكر تفويض نيابة دار العدل وشد الأوقاف للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى
وفى هذه السنة فى يوم الخميس السادس عشر من شهر ربيع الأول فوّض السلطان نيابه دار العدل الشريفة وشدّ الأوقاف بالديار المصرية للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، أحد الحجاب، وكانت وظيفة نيابة دار العدل قد
__________
[1] باب سارية: أحد أبواب القرافة الموصل لقبر سارية، وهو من مزارات القاهرة ومشاهدها، وصاحبه سارية ابن أبى زنيم البيسانى، وهو الذى ناداه الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من فوق المنبر: يأساريه الجبل. ويسمى هذا الميدان بميدان القلعة والميدان الأسود أو قراميدان «انظر خطط المقريزى. معجم وهامش المرحوم محمد رمزى بك على النجوم الزاهرة 9: 179.
[2] باب القنطرة: هو أحد أبواب القاهرة، سمى بذلك من أجل القنطرة التى بناها جوهر القائد على الخليج الكبير سنة 362 هـ. ويقول على باشا مبارك: وهى لا تزال موجودة إلى الآن، والباب هدمه محافظ القاهرة قاسم باشا. وكان بقرب قراقول باب الشعرية (الخطط التوفيقية 3: 2) .
[3] إضافة يقتضيها السياق.
[4] هذا اللفظ سقط من ك.
(32/206)

توفّرت منذ نقل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار منها إلى نيابة السلطنة، وخلع عليه، وبسطت يده فأساء التصرف، ووسع الطلب، وضيّق على الناس، وتعرض إلى العدول والأئمة وغيرهم، فلم تطل أيام ولايته، فإن السلطان اتصل به لسوء فعله فعزله، وأقره على وظيفة دار الحجبة خاصة على عادته الأولى، ولم تكن خرجت عنه، ثم أخرجه السلطان إلى الشام بعد ذلك فمات بدمشق.
ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة وترتيب الأمير بدر الدين بن التركمانى فى الشد
وفى هذه السنة فى مستهل جمادى الآخرة عزل الصاحب أمين عبد الله من الوزارة، وصودر وحمل من أمواله ثلاثمائة ألف درهم، ثم أفرج عنه، ورتّب فى شادّ الدواوين الأمير بدر الدين محمد بن الأمير فخر الدين التركمانى، وكان قبل ذلك يلى الأعمال الجبرية [81] وألزم الصاحب أمين الدين داره إلى التاسع والعشرين من ذى الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة، فطلب فى هذا اليوم ورتّب ناظر النّظار والصحبة عوضا عن الصاحب ضياء الدين أبى بكر النشائى، ونقل النشائى إلى نظر الخزانة عن سعد الدين الأقفاصى بحكم وفاته.
ذكر روك [1] الإقطاعات بالشام
وفى هذه السنة رسم بكشف البلاد الشامية والقرى والضياع والنواحى والجهات بدمشق وأعمالها، وحمص وبعلبك وغزّة، والمملكة الصفدية، وانتصب لذلك بدمشق وأعمالها القاضى معين الدين بن هبة الله بن حشيش [2] ناظر الجيوش بالشام، فكان يتلقّى ما يرد من الكشوف ويحررها، وانتصب معه جماعة من الكتاب، ثم وصل إلى الأبواب السلطانية فى شهر رمضان بعد إنجاز العمل بدمشق، ووصل القاضى شمس الدين عبد الله ناظر الشام، ورسم
__________
[1] الروك: معناه مسح وقياس الأرض الزراعية، وهى العملية التى يطلق عليها اليوم فك الزمام، وذلك لتقدير الخراج المستحق عليها لبيت المال، (المقريزى الخطط، ج 1 ص 80- 87- بولاق، وكذلك السلوك 2/1: 146 هامش الدكتور زيادة) .
[2] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 5: 177، والسلوك 2/2: 315، والنجوم الزاهرة 9: 280، وشذرات الذهب 6: 92. وقد توفى سنة 729 هـ.
(32/207)

للأمير علم الدين سنجر الجاولى نائب السلطنة بغّزة أن يحضر ذلك، فوصل أيضا فانتصب مباشر والجيوش بالديار المصرية: القاضى فخر الدين، وقطب الدين ابن شيخ السلامية، وجماعة من الكتاب لتحرير الرّوك وقسمة الإقطاعات، وكان جلوسهم لهذا العمل داخل باب القلعة والرحبة فى مكان أفرد لجلوسهم. فلما انتهى العمل حوّلت سنة ثنتى عشرة وسبعمائة الخراجية إلى سنة ثلاث عشرة بحكم دوران السنين وكتبت الأمثلة بالإقطاعات، ثم رسم أن يستمر القاضى فخر الدين محمد فى نظر الجيوش بمفرده على عادته، ورتّب القاضى معين الدين هبة الله بن حشيش صاحب ديوان الجيوش، وأعيد القاضى قطب الدين بن شيخ السلامية إلى نظر جيش الشام على عادته الأولى، وذلك فى ذى الحجة، وخلع على كل منهم. وتوجه قطب الدين إلى دمشق وصحبته الأمثلة، فكان وصوله إليها فى سادس عشرين ذى الحجة وقرنت الأمثلة، وحصل فى تفريقها اختلاف واضطراب، فاعتذر قطب الدين أنّ الرّوك إنما رتبه معين الدين فاقتضى ذلك توجهه إلى دمشق، فتوجه فى سنة أربع عشرة وسبعمائة على خيل البريد، وفرقت الأمثلة بحضوره على ما استقر بالأبواب السلطانية، ثم عاد إلى الديار المصرية.
ذكر تجريد جماعة من الأمراء إلى مكة
وفى هذه السنة جرد السلطان جماعة من الأمراء إلى مكة- شرفها الله تعالى- وهم سيف الدين طقصبا [1] الناصرى وهو المقدم على الجيش، وسيف الدين يلوا [2] ، وصارم الدين [3] صاروجا الحسامى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وتوجهوا فى شوال فى جملة الركب، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بلبان التترى، وسبب ذلك ما اتصل بالسلطان من شكوى المجاورين والحجاج من أميرى مكة حميضة ورميثة ولدى الشريف أبى نمى، فندب
__________
[1] طقصبا: الضبط بالشكل من السلوك 2/1: 128 والنجوم الزاهرة 8: 152.
[2] فى ك، ود «يلو» والمثبت من ص، والنجوم الزاهرة «وفهارس ج 8، ج 9. وفى السلوك 2/1: 128 «سيف الدين بيدوا» .
[3] هو صاروجا بن عبد الله المظفرى قائد الجيش، أحد الأمراء الناصرية. وانظر السلوك 4/2: 277، والدليل الشافى 1: 349، والدرر الكامنة 2: 198.
(32/208)

السلطان هذا الجيش وجهّز أخاهما الأمير أبا الغيث بن أبى نمىّ، فلما وصل العسكر إلى مكة فارقها حميضة وأقام الجيش بمكة بعد عود الحاج نحو شهرين فقصّر أبو الغيث فى حقهم، وضاق منهم ثم كتب خطه باستغنائه عنهم فعادوا، وكان وصولهم إلى الأبواب السلطانية فى أواخر شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبعمائه، ولما علم حميضة بمفارقة الجيش مكة عاد إليها بجمع، وقاتل أخاه أبا الغيث، ففارق أبو الغيث مكة والتحق بأخواله من هذيل بوادى نخلة وأرسل حميضة إلى السلطان رسولا وخيلا للتقدمة، فاعتقل السلطان رسوله [1] .
وفى يوم الإثنين لست بقين من شّوال أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الرومى، واعتقاله فاعتقل.
وفيها فى يوم السبت سادس عشرين ذى الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل رسل الملك أزبك [2] الجالس على كرسى الملكة بصراى [3] وما معها وهى مملكة بيت بركة، ومعهم رسل الأشكرى [4] [82] على العادة، فأنزل رسل الملك أزبك بمناظر الكبش، وشملهم الإحسان السلطانى.
وفيها فى ذى الحجة تسحّب جماعة من الجند البطالين يقال إن عدتهم نحو مائتى فارس، وتوجهوا إلى بلاد المغرب، وتقدم عليهم ابن المحسنى [5] فرسم السلطان للأمير حسام الدين القليجى أن يتوجه خلفهم، فسارفى آثارهم وجدّ السير فلم يدرك منهم إلا رجلا واحدا كان قد ضل عن الطريق فأحضره فى المحرم سنة أربع عشرة فاعتقل.
__________
[1] وانظر هذا الخبر فى إتحاف الورى بأخبار أم القرى 3: 150.
[2] تولى أزيك خان هذا سنة 712 هـ وامتد حكمه حتى سنة 741 هـ. وكان عدة رسله مائة وأربعة وسبعين نفرا (النهج السديد لأبى الفضائل 3: 238) .
[3] صراى: مدينة عظيمة، وهى كرسى ملك التتار، صاحب البلاد الشمالية. وتقع غربى بحر الخرز وشماله على مسيرة يومين على شط نهر الأثل من الجانب الشمالى الشرقى، وهى فرصة عظيمة للتجار ورقيق الترك (هامش النجوم الزاهرة 9: 226) .
[4] الأشكرى: لقب اختص به العرب أباطرة الدولة البيزنطية، وكان الإمبراطور فى تلك السنة «أندرنيق الثانى» (السلوك 2/1: 132 هامش الدكتور زيادة) .
[5] هو علاء الدين على ابن الأمير بدر الدين بن المحسنى (السلوك 2/1: 132) .
(32/209)

وفى هذه السنة فى ذى الحجة أنشا السلطان بقلعة الجبل القصر [1] الأبلق، وهو مطل على الميدان الجديد وسوق الخيل، ولما كملت عمارته عمل السلطان وليمة عظيمة، وجلس فيه وأحضر الأمراء وأنعم عليهم بمبلغ جملته ألف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم وذلك فى يوم الإثنين سابع عشر شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة
وفى هذه السنة رسم السلطان أن يساق الماء
من عين بلد الخليل إلى القدس الشريف، فتولى ذلك الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ووصل الماء إلى القدس، وارتفق الناس به.
وفى سنة ثلاث عشرة أيضا توفى القاضى عماد الدين أبو الحسن على ابن القاضى فخر الدين بن عبد العزيز ابن قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحيم [2] بن السكرى، وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العزّ فى سحر يوم الجمعة سادس عشرين صفر ودفن بالقرافة، ومولده فى الخامس والعشرين من محرم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهو الذى كان قد توجّه فى الرسالة إلى غازان، وكان يلى تدريس مدرسة منازل العزّ هو وأبوه وجده، وتدريس المشهد الحسينى بالقاهرة، وخطابة الجامع الحاكمى، فولى ولده القاضى تاج الدين التدريس بمنازل العز والخطابة وولى تدريس المشهد الحسينى صدر الدين محمد بن المرحّل.
وتوفى الخطيب قطب الدين يوسف ابن الخطيب أصيل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن على العوفى الأسعردى [3] ، خطيب الجامع الصالحى خارج باب زويلة فى ليلة السبت العشرين من شهر رجب فجأة ودفن بسفح المقطم وولى الخطابة بعده الشيخ زين الدين عمرو بن مؤنس الكتانى [4] الشافعى.
__________
[1] وفى النجوم الزاهرة 9: 36 «وقصد أن يحاكى به قصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الذى بظاهر دمشق، ويقول المرحوم محمد رمزى بك فى تعليقه «وبالبحث تبين أن هذا القصر قد اندثر، وكان قائما فى الجهة الغريبة من القلعة.
[2] كذا فى الأصول. وفى السلوك 4/1: 133، والنجوم الزاهرة 9: 225، وشذرات الذهب 6: 32 «عماد الدين عبد الرحمن» .
[3] السلوك 2/1: 133، والدرر الكامنة 5: 243، والدليل الشافى 2: 807.
[4] ترجم له شذرات الذهب 6: 117.
(32/210)

وتوفى الشيخ تاج الدين محمد بن على بن همام بن راجى الله بن أبى الفتوح ناصر بن داود بن عبد الله بن أبى الحسن العسقلانى [1] الشافعى الإمام بالجامع الصالحى، وكانت وفاته بمسكنه بالجامع فى ليلة السبت الحادى عشر من شعبان- رحمه الله تعالى- ومولده فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وستمائة، وولى الإمامة بعده بالجامع ولده القاضى تقى الدين محمد.
وتوفى عز الدين بن عبد العزيز بن منصور الكولمى التاجر الكارمى بثغر الإسكندرية فى شهر رمضان، وكان والده من يهود حلب يعرف بالحموى، وأسلم والده فى أول الدولة الظاهرية هو وأخواه [2] وتوفى أول الدولة المنصورية فجمع عز الدين هذا ما يملكه وتوجّه إلى بغداد ويقال إن جملة ما توجه [3] خمسة عشر ألف درهم أو دونها، وانحدر من بغداد إلى البصرة، ثم توجه إلى كبش [4] وركب منها فى الزو [5] إلى بلاد الصين فدخل الصين وخرج منه خمس مرات ودخل إلى الهند، وكان يحكى عجائب كثيرة يذكر أنه شاهدها، لا يقبل بعضها العقل، والقدوة صالحة أغضينا عن ذكرها، وما كان يتّهم بكذب، ثم عاد من الهند إلى عدن من بلاد اليمن فى الزّو الهندى، وأخذ صاحب اليمن جملة من ماله، وما أحضر من تحف الصين، والصينى زيادة على ما جرت عادتهم بأخذه، ثم وصل إلى الديار المصرية أرى فى سنة أربع وسبعمائة ومعه [6] ما قيمته أربعمائة ألف دينار عينا، ولما مات خلّف تركة جليلة، وكان كثير الصدقة والمعروف والبر رحمه الله تعالى.
__________
[1] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 383، وذيول العبر ص 75، والنجوم الزاهرة 9: 225.
[2] فى الأصول «وأخويه» وصوب نحويا، وربما تكون «إخوته» وترجم له النجوم الزاهرة 9: 229.
[3] كلمة «توجه» بياض فى ك، والمثبت من ص، وف.
[4] كبش: قال ياقوت: هو تعجيم قيس، جزيرة فى وسط البحر تعد من أعمال فارس لأن أهلها فرس، وقد ذكرتها فى قيس، وتعد من أعمال عمان (معجم البلدان 4: 565) .
[5] الزو: اسم لنوع من الفن (تكملة المعجمات العربية لدوزى) وجاء فى السلوك 2/1: 133 هامش الدكتور زيادة «أنه ركب فى الزو الهندى» .
[6] كذا فى ك. وفى ص «ونفذ ما قيمته أربعة إلخ.
(32/211)

وتوفى الأمير جمال الدين آقش الكنجى النائب بحصن مصياف [1] به يوم الأحد ثامن عشر ذى [2] القعدة، وكان قد بلغ تسعين سنة، وولى نيابة الحصن سنين كثيرة، وكان أهل الحصن الفداوية [3] يحبونه ويجيبون إلى ما أمرهم به من بذل نفوسهم وهو يكرمهم ويبرهم ويحسن إليهم رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة أربع [83] عشرة وسبعمائة
فى أول هذه السنة- فى يوم الأربعاء مستهل محرم الموافق الحادى والعشرين من برمودة القبطى- تغيّر نهر النيل بمصر تغيّرا ظاهرا مائلا إلى الخضرة، وتغير طعمه وريحه حتى شرب كثير من الناس من الآبار العذبة والصهاريج التى يخزن بها الماء والعادة أن يكون ماء النيل فى هذا الفصل فى غاية الصفاء، وما علم سبب تغيّره، ثم عاد إلى صفوه بعد ذلك.
ذكر واقعة الشيخ نور الدين على البكرى [4] . وغضب السلطان عليه وخلاصه
كان سبب ذلك أن الشيخ نور الدين المذكور انتصب بمصر للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حسبة من غير ولاية سلطانية ولا إذن حكمى، ورأى أن ذلك قد تعيّن عليه، وهو من أعيان الفضلاء وأكابر المفيدين، واجتمع معه جماعة من البكريّين وغيرهم يأتمرون [5] بأمره، فاتصل به فى شهر المحرم من السنة أن النصارى بمصر اجتمعوا فى كنيسة من كنائسهم لعيد لهم، وأنهم استعاروا من الجامع العمرى بمصر قناديل وبصّاقات وأطباق وأشعلوها فى
__________
[1] مصياف- فى الأصول «ميصاف» والمثبت من ص، والسلوك 2/1: 207، ومعجم البلدان 5: 168، وفيها أنها مصياب وهى حصن حصين مشهور للإسماعيلية بالساحل الشامى قرب طرابلس، وبعضهم يقول: مصياف.
[2] لفظ «ذى» سقط من ك والإثبات من ص، وف.
[3] الفداوية: جماعة تكلف بالقتل والاغتيال، ولا يمكن أن يعترف أحدهم- فى حال القبض عليه- باسم شركائه. وانظر قصة إرسال الملك الناصر محمد بن قلاوون ثلاثين فداويا من أهل قلعة مصياف لقتل الأمير قراسنقر بتبريز من بلاد المغول- فى السلوك 2/1: 207، 209.
[4] هو على بن يعقوب بن جبريل البكرى، توفى سنة 724. وانظر البداية والنهاية 14: 144، والدرر الكامنة 3: 214، وطبقات الشافعية 6: 242، وشذرات الذهب 6: 64.
[5] فى ك «يأمرون» والمثبت من ص.
(32/212)

الكنيسة، فما صبر على ذلك، وجاء إلى الكنيسة ودخلها بمن معه وأخذ ما استعاروه من قناديل الجامع وما عونه، وأعاد ذلك إلى الجامع، وأحضر مباشر الجامع وأنكر عليه إقدامه على عارية ذلك للنصارى، فاعتذر أن الخطيب [1] هو الذى أمر بذلك، فطلبه الشيخ وأنكر عليه، وكلمّه بكلام غليظ فانضم [2] للخطيب القاضى فخر الدين ناظر الجيش، وأنهى إلى السلطان ما فعل الشيخ بالخطيب، وعرّفه أن الخطيب رجل صالح من بيت كبير، وأن مثله لا يعامل بمثل هذه المعاملة، وأنهى إلى السلطان أن الشيخ نور الدين فيه جرأة عظيمة واطّراح للدولة وغضّ منها، إلى غير ذلك من الإغراء، وطلع الشيخ نور الدين إلى قلعة الجبل فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر محرم، واجتمع بنائب السلطنة وبات عنده ليلة السبت، واجتمع أيضا بالأمير ركن الدين بيبرس الأحمدى أمير جاندار وقصد الاجتماع بالسلطان [وكان] [3] طلب فى بكرة نهار الخميس الثالث والعشرين من محرم إلى مجلس السلطان، وأحضر قضاة القضاة والعلماء، فحصل للشيخ قوّة نفس، وكلمّ السلطان بما لا يليق أن يكلّم به الملوك عرفا، فكان مما قال له: أنت ولّيت القبط والمسالمة وحكّمتهم فى دولتك وأموال المسلمين، وأضعت أموال بيت المال فى العمائر والإطلاقات التى لا تجوز، إلى غير ذلك من الكلام الخشن الذى لا تصبر الملوك على مثله، فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، وانزعج له انزعاجا عظيما، وظهر منه اضطراب وألفاظ دلت على أنه نقل إليه عن الشيخ ما أوجب انحماله، فكان فيما قال السلطان- فيما بلغنى- إما أنا وإما هذا؟ وقال أما أنا ما أخذت الملك بخلافة وإنما أخذته بسيفى إلى غير ذلك من الكلام الدال على شدة الحرج، وقال السلطان للقضاة، ما الذى يلزم هذا على تجرئه على ما قال؟
فقال قاضى القضاة زين الدين المالكى: هذا لا يلزمه عندى شىء. وقال قاضى القضاة بدر الدين الشافعى يلزمه التعزير بحسب رأى الإمام. فقال الشيخ [4] لقاضى القضاة بدر الدين كيف تقول هذا القول؟ وقد صحّ
عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة صدق عند سلطان جائر»
ورفع بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان،
__________
[1] ذكر المقريزى فى السلوك 2/1: 135- أن القسطلانى كان خطيب المسجد.
[2] كذا فى ك، وف. وفى ص «فانتصر» .
[3] إضافة يقتضيها السياق.
[4] أى الشيخ نور الدين على البكرى.
(32/213)

بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان، فعند ذلك اشتد غضب السلطان، ورسم بقطع لسانه، وما تجاسر أحد أن يشفع فيه إلا [1] الأمير سيف الدين طوغاى، فإنه بالغ فى أمره حتى نزل وانفصل المجلس، ورسم عليه، ثم طلب مرّة ثانية قبل العصر من اليوم إلى مجلس السلطان، فكان المجلس فيما بلغنى أشد من الأول، حتى همّ السلطان بقتله فتقدم إليه الأمير سيف الدين طغاى أيضا [84] وقال: والله لأقتل السلطان هذا أبدا ويكون الصديّق جدّه خصم السلطان عند الله يوم القيامة. فاستكان السلطان لمّا سمع هذا الكلام وأطلقه.
وهذا يدل على حلم السلطان وخيره، ولولا ذلك لما أبقاه لما خاطبه به. وكان القاضى كريم الدين وكيل الخاص الشريف أيضا قد اعتنى به عند السلطان موافقة للأمير سيف الدين طغاى، وخرج هو والشيخ من مجلس السلطان بعد العصر من اليوم المذكور، فشرع بعض الجماعة يقول للشيخ وهو إلى جانب القاضى كريم الدين: ما فعله القاضى كريم الدين فى أمره من الاعتناء به وتسكين حرج السلطان فقال: نعم هو كان من خيار الظلمة، وكريم الدين يسمع ذلك فما أجابه عنه بشىء، واجتمع تحت القلعة خلق كثير من العوام حتى امتلأت بهم تلك الجهة، وهم يظهرون الفرح بسلامة الشيخ نور الدين، فأشار كريم الدين ألا يتوجّه الشيخ إلى مصر بهذا الجمع خشية أن يشاهد السلطان ذلك فيخرج بسببه. فصرفهم وتوجّه من جهة أخرى، وانقطع بمنزله، ولم ينقطع الناس وبعض الأمراء عن التردد إليه وسلامته من هذه الواقعة دلّت على أن قيامه كان لله تعالى.
وفيها فى صفر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين بلبان الشمسى أمير الحاج واعتقاله، لسوء اعتماده على الحجّاج وكان ساق سوقا مزعجا، ووصل إلى القاهرة بالمحمل قبل الوقت المعتاد بأيام فهلك كثير من المشاة بسبب ذلك فرسم السلطان أن يتوجه جماعة على الهجن بالماء والزاد بسبب من انقطع- والله أعلم.
__________
[1] لفظ «إلا» سقط من ك، والمثبت من ص، وف.
(32/214)

وفى هذه السنة أمر السطان بمسامحة البلاد الشامية بحملة كثيرة من البواقى [1] لاستقبال سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى آخر ثلاث عشرة وسبعمائة وقرىء كتاب المسامحة بجامع دمشق فى يوم الجمعة عاشر المحرم بحضور نائب السلطنة بدمشق، ثم قرىء فى يوم الجمعة التى تليها بالجامع بدمشق مثال بإطلاق ضمان [2] السجون وأن لا يؤخذ ممن يسجن أكثر من نصف درهم يكون أجرة السجانين، وكان قبل ذلك يؤخذ من المسجون ستة دراهم فما دونها، وتضمن المثال أيضا إعفاء الفلاحين من السّخر ومقرّر [3] القصب، وكان جملة، فتضاعفت الأدعية بسبب ذلك للسلطان، ثم قرىء مثال ثالث فى مستهل صفر بإطلاق ضمان القّواسين ونقابة الشّد والولاية [4] ، وفى شهر ربيع الأول وصلت الأخبار بإغارة طائفة من العسكر الحلبى على دنيسر [5] ، وقتل جماعة بها وأسر جماعة، ووصل بعض الأسرى إلى دمشق فى شهر ربيع الآخر.
ذكر وفاة الأمير سيف الدين سودى [6] نائب السلطنة بحلب وتفويض نيابة السلطنة بها للأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب
وفى يوم السبت الثانى والعشرين من شهر رجب ورد الخبر إلى الأبواب السلطانية بوفاة الأمير سيف الدين سودى الجمدار نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، وكانت وفاته بعد العصر من يوم السبت منتصف الشهر، ففّوض السلطان للأمير علاء الدين الطّنبغا الصالحى أحد الحجاب نيابة السلطنة بها فى هذا اليوم، وتوجّه على خيل البريد فى يوم الأحد الثالث والعشرين من الشهر.
__________
[1] البواقى: انظر ما مضى ص 281 تعليق رقم 2.
[2] فى ك «المسجون» والمثبت من ص وضمان السجون هو على كل من يسجن ولو لحظة واحدة مبلغ ستة دراهم، سوى ما يكون قد غرمه، وعليه ضامن يضمن فى ذلك (خطط المقريزى 2: 26، والسلوك 2/1:
151 وفى النجوم الزاهرة 9: 46 «الضمان على كل من يسجن ولو لحظة مائة درهم» .
[3] مقرر القصب: هو ما يجبى من زراع القصب، وأرباب المعاصر ورجال المعصرة فيحصل من ذلك شىء كثير (النجوم الزاهرة 9: 47) .
[4] أى المكس الذى يسمى بشد الزعماء، والمكس الذى يعرف باسم رسوم الولاية (السلوك 2/1: 137 هامش الدكتور زيادة) .
[5] دنيسر: بلدة عظيمة مشهورة من نواحى الجزيرة قرب ماردين بينهما فرسخان، ولها اسم آخر يقال لها قوج (معجم البلدان 2: 544، وانظر الروض المعطار ص 250 ورسمها دنيصر) .
[6] انظر النجوم الزاهرة 9: 229، والبداية والنهاية 14: 71، والدرر الكامنة 2: 79 والسلوك 2/1: 140.
(32/215)

وورد الخبر أيضا بوفاة بهاء الدين أبى سوادة [1] كاتب الدرج بحلب، وكانت وفاته فى ضحى منتصف شهر رجب، فرتبّ وظيفته فى القاضى عماد الدين إسماعيل بن القاضى المرحوم شرف الدين بن القصيرانى [2] ، وتوجه إلى حلب بعد أن سأل [3] واستعفى من الوظيفة، ثم لما عزل سعى فى الاستمرار فلم يجب.
ذكر عزل الأمير [85] سيف الدين بلبان طرناه
نائب السلطنة بالمملكة الصفدية، والقبض عليه، وتفويض النيابة للأمير سيف الدين بلبان البدرى.
وفى شوال من هذه السنة تكررت مطالعات الأمير سيف الدين طرناه نائب السلطنة بالمملكة الصفدية يسأل الإقالة، ثم أنهى عنه أنه قال والله لئن لم يقلنى السلطان من النيابة بصفد حلقت رأسى ولحيتى وتركت الإمارة. وكان سبب ذلك أن المملكة رجع أكثرها إلى دمشق عند الرّوك، وصارت مراسيم السلطنة بدمشق والمشد ترد إلى صفد، فضاق من ذلك. ضيقا كثيرا واستعفى، فبرز المرسوم بعزله، وأن يتوجّه إلى دمشق من جملة الأمراء على إقطاع الأمير سيف الدين بلبان البدرى، وأن يتوجّه البدرى إلى نيابة السلطنة بصفد، فتوجّه إلى دمشق، وكان وصوله فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة، فقبض عليه حال وصوله واعتقل، ثم نقل إلى قلعة الجبل فاعتقل بها، وتوجه الأمير سيف الدين بلبان البدرى من دمشق إلى صفد فى يوم الجمعة ثانى عشرين ذى القعدة.
وفى يوم الجمعة سلخ ذى القعدة ثار بالقاهرة رجل اسمه على بن السابق، من سكان الحسينية، [4] فركب فرسا، وجرّد سيفا، وشقّ المدينة [5] وصار يضرب بالسيف من يظفر به من اليهود والنصارى، فجرح ثلاثة، منهم من قطع يده، ومنهم من ضربه فى وجهه، ثم قبض عليه خارج باب [6] زويلة مما يلى جهة القلعة، وسئل عن سبب فعله فقال قمت لأنصر دين الله وأقتل أهل الذمة فأمر السلطان بقتله؟
فضربت عنقه.
__________
[1] هو بهاء الدين على بن أبى سوادة الحلبى (النجوم الزاهرة) 9: 228.
[2] كذا فى ك. وفى ص، والنجوم الزاهرة 9: 311 والدرر الكامنة 1: 404 وشذرات الذهب 6: 113 «القيسرانى» بالسين. وقد توفى سنة 736 هـ.
[3] فى ك «سل» وفى ف «سئل» والمثبت من ص.
[4- 5] ما بين الرقمين ساقط من ك، والمثبت من ص، وف.
[6] كذا فى ك. وفى ص، وف «بابى» .
(32/216)

وفى يوم الجمعة تاسع عشرين شهر رجب قتل بدمشق موسى بن سمعان النصرانى الكركى، كاتب الأمير سيف الدين قطلوبك الجاشنكير لتجرئه على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وكان قد استمال رجلا من ضعفة العقول والقلوب من المسلمين ونصّره وكواه على يده مثال صليب، فحكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى بقتله فقتل.
وفى ذى الحجة من هذه السنة تسحّب جماعة من الجند البطالين إلى بلاد الغرب، لم نحرر عدّتهم.
وفيه منها جردت العساكر إلى ملطية، وكان من فتحها ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة خمس عشرة وسبعمائة.
وفى هذه السنة فى ليلة الثلاثاء سادس عشر صفر توفى الشيخ الصالح شرف الدين أبو الهدى أحمد ابن الشيخ الإمام قطب الدين أبى بكر محمد بن أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن القسطلانى [1] المالكى وكانت وفاته بزاويته [2] بالكؤكؤة من القاهرة، ودفن من الغد بالقرافة، ومولده بمكة فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ الصالح المعمّر محمد حيّاك الله بسلام بن محمود بن الحسين ابن الحسن الموصلى [3] بزاويته بسويقة [4] الريش ظاهر القاهرة فى يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأول ودفن بكرة نهار الجمعة بالقرافة بقرب مدفن الشيخ محمد ابن أبى حمزة، وكان من الصلحاء الأخيار المعمّرين، عمّر نحو مائة وستين سنة فإنه سئل عن مولده فذكر أنه وصل إلى القاهرة فى أوائل الدولة المعزيّة [5] وله يومئذ خمس وثمانون سنة، وكان مع ذلك حاضر الحس جيد القوة، وله شعر حسن.
__________
[1] له ترجمة فى العقد الثمين 3: 146، والدرر الكامنة 1: 259.
[2] لفظ «بزاويته» سقط من ك. وإثباته من ص، وف.
[3] له ترجمة فى النجوم الزاهرة 9: 227، وشذرات الذهب 6: 35.
[4] سويقة الريش: من الحكر بالبر الغربى للنيل، ومكانها اليوم القسم الشرقى من سكة المناصرة الذى يتوسطه زاوية المصلية. وهى زاوية الشيخ محمد حباك الله الموصلى وهى لا تزال موجودة حتى اليوم بسكة المناصرة (النجوم الزاهرة 9: 201 هامش المرحوم محمد رمزى بك) .
[5] أى دولة المعز أيبك التركمانى الصالحى الذى تولى السلطنة آخر ربيع الأول سنة 648 هـ، وقتل فى ربيع الأول سنة 655 هـ، وكان أول سلاطين الدولة التركية التى قامت بعد الدولة الأيوبية فى مصر.
(32/217)

وفيها توفى الأمير عماد الدين إسماعيل ابن الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز ابن الملك المعظم شرف الدين [86] عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى أحمد بن [1] أيوب وكانت وفاته [2] بحماة [3] فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر، سمع الحديث من خطيب مردا [4] وغيره، وحدّث رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير فخر الدين أقجبا الظاهرى [5] ، أحد الأمراء بدمشق، فى ليلة الإثنين العشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بقاسيون، وكان رجلا جيّدا ملازما للصلوات الخمس بجامع دمشق، ثابت العدالة قديم الهجرة فى الإمرة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين ملكتمر الناصرى [6] المعروف بالدم الأسود أحد الأمراء بدمشق بها فى يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة وكان ينسب إليه ظلم فاحش فى جهات إقطاعه.
وتوفى القاضى شرف الدين يعقوب بن مجد الدين مظفر ابن شرف الدين أحمد مزهر [7] بحلب وهو ناظرها فى الثامن والعشرين من شعبان، ومولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة وتنقّل فى الأنظار الكبار فلم تبق مملكة بالشام إلا باشرها وعاد إليها، رافقته بطرابلس مدة، وكان من أرباب المروءات، إذا سئل أجاب، وإذا عوند نفر، وكان أجود ما يكون إذا باشر، وإذا عطّل عن المباشرة أكثر القول فى المباشرين والأكابر رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين كهرداش الزرّاف [8] أحد الأمراء بدمشق في ليلة الإثنين سلخ شعبان- رحمه الله تعالى- حكى الشيخ شمس الدين الجزرى عنه أنه كان قد حجّ فى صحبة السلطان فى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، فلما
__________
[1] له ترجمة فى السلوك 2/1: 141.
[2] لفظ «وفاته» سقط من ك.
[3] فى الأصول «بحمله» والتصويب من السلوك 2/1: 141.
[4] مردا: قرية قرب نابلس، لا يتلفظ بها إلا بالقصر (معجم البلدان 5: 122) .
[5] له ترجمة فى النجوم الزاهرة 9: 228.
[6] الدرر الكامنة 5: 128، والدليل الشافى 2: 742، والنجوم الزاهرة 9: 229.
[7] له ترجمة فى الدرر الكامنة 4: 436، وذيول العبر ص 78، والسلوك 2/1: 141، والنجوم الزاهرة 9: 223.
[8] فى ك «كفرداش» والمثبت من ص، وف، والدرر الكامنة 3: 269، والسلوك 2/1: 141، والنجوم الزاهرة 9: 228، والدليل الشافى 2: 562.
(32/218)

وصل إلى المدينة النبويّة عاهد الله تعالى أنه لا يشرب الخمر أبدا، ولا يرتكب محرّما، وعقد التوبة، وحلف على ذلك، وغلظ اليمين. فلما عاد إلى دمشق لم يلبث أن نقض التوبة حال وصوله، وفعل ما حلف أنه لا يفعله، فأصابه فالج وبطل نصفه، وعولج بالأدوية فلم ينجح، ومات ولم يصح. قال وربما كان ركب فى بعض الأحيان مع مرضه- سامحه الله تعالى وإيانا.
وتوفى القاضى صدر الدين أحمد بن القاضى مجد الدين عيسى بن الخشاب، وكيل بيت المال بالديار المصرية، وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الإثنين تاسع شعبان رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ العالم علاء الدين أبو الحسن على بن محمد خطاب الباجى [1] الشافعى بالقاهرة فى يوم الأربعاء سادس ذى القعدة، ودفن من يومه بالقرافة، وكان رجلا عالما فاضلا يرجع الناس إلى فتاويه، ويعتمدون على نقله رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى سعد الدين محمد بن فخر الدين عبد المجيد ابن صفى الدين عبد الله الأقفهسى [2] ناظر الخزانة فجاءة فى ليلة الجمعة ثامن عشرين ذى الحجة بعد أن باشر بقلعة الجبل وظيفته إلى آخر نهار الخميس ونزل إلى بيته. فمات رحمه الله تعالى. ونقل الصاحب ضياء الدين النشائى من نظر الدواوين إلى نظر الخزانة فى يوم السبت سلخ ذى الحجة.
واستهلت سنة خمس عشرة وسبعمائة. ذكر إرسال العسكر إلى ملطيّة صحبة الأمير سيف الدين تنكر وفتحها
كان السلطان فى ذى الحجة سنة أربع عشرة قد أمر بتجريد جماعة من الجيوش المنصورة المصرية وهم، الأمير سيف الدين بكتمر الأبو بكرى، والأمير سيف الدين قلىّ، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب الناصرى، والأمير سيف
__________
[1] له ترجمة فى ذيول العبر ص 80، والدرر الكامنة 3: 101، والسلوك 2/1: 141، وشذرات الذهب 6: 34، وهى ترجمة وافية.
[2] له ترجمة فى السلوك 2/1: 142.
(32/219)

الدين أركتمر الجمدار، ومضافيهم، وكتب إلى الشام أن يتوجّه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام، ويتقدم على سائر الجيوش، فندب الجيوش الشامية وأمرهم بالخروج، فتوجهت ميسرة العسكر الشامى فى السابع والعشرين من ذى الحجة، والميمنة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين، ووصل العسكر المصرى [87] فى يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر إلى دمشق، وتوجه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام فى يوم الإثنين مستهل محرم من هذه السنة ببقية العسكر، واستصحب معه قاضى القضاة نجم الدين صصرى، وشرف الدين بن فضل الله، وجماعة من الموقعين، وجردت العساكر الصفدية والطرابلسية والحمصية، وصاحب حماة وعسكرها، وركب الأمير سيف الدين تنكز بالكوسات والعصائب على عادة الملوك، ووصل إلى حلب فى يوم الجمعة ثانى عشر محرم، وترجّل فى خدمته الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة فمن دونه من سائر النواب والأمراء مقدمى الجيوش وغيرهم، ورحل منها فى يوم السبت ثالث عشر، فلما وصل عينتاب [1] أقام قاضى القضاة نجم الدين بها، وتوجّهت العساكر إلى ملطية فى بكرة الأحد الحادى والعشرين من المحرم، وتقدمهم الجاليش [2] وهو الأمير سيف الدين أركتمر ومن معه، وحاصر ملطية، فتحصن أهلها وضايقها ثلاثة أيام. فلما وصلت العساكر صحبة الأمير سيف الدين تنكز خرج متولىّ [3] ملطية وقاضيها وسألوا الأمان فأمنوا وفى خلال ذلك فتح الأمير سيف الدين أركتمر [4] البلد مما يليه عنوة فسير إليه الأمير سيف الدين تنكز يأمره بكف أصحابه عن النّهب، وقال إن البلد قد فتح بالأمان.
فأجاب إننى فتحته بالسيف وحاصرته ثلاثة أيام، وقاتلنى أهله قبل وصول العسكر، ومكّن من معه من الدخول والنّهب، ومنعهم من الازدحام على الباب، فكان يمكنهم من الدخول مرة بعد أخرى حتى دخلوا البلد، فنهبوا وقتل خلق كثير من الأرمن والنصارى، وأسروا خلقا كثيرا منهم حتى تعدّى ذلك
__________
[1] عينتاب- وترسم عين تاب: وهى قلعة حصينة ورستاق، بين حلب وأنطاكية، وكانت تسمى دلوك، وكانت على أيام ياقوت من أعمال حلب (معجم البلدان 4: 199) .
[2] الجاليش: هو مقدمة الجيش (فهرس السلوك 1: 1164) .
[3] وسيأتى أن أسمه ميزامير وكذا فى السلوك 2/1: 143.
[4] تعدد رسم هذا العلم فى النسخ فهو: وكتمر، وأركتمر، وأروكتمر.
(32/220)

إلى جماعة من المسلمين، واختفى أكثر الأرمن بالمقابر، وخرّب قطعة من البلد، ورمى النار فيه، ورجع الجيش عنها فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من المحرم إلى عينتاب، ثم إلى مرج دابق.
ولما فتحت ملطية جهّز الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد بالبشارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس الثالث من صفر، وذكر أنه وجد بملطية عند الاستيلاء عليها تسعة عشر ألف نول ينسج الصوف، ونقل أهلها إلى حلب، ولما عادت العساكر عن ملطية نزل بها نائب السلطنة الأمير بدر الدين موسى الأزكشى فى طائفة من العسكر، وبعد توجّه العسكر منها بثلاثة أيام ظهر من كان قد اختفى بها من الأرمن وغيرهم، فوصل إليها أهل كختا [1] وكركر [2] فأحاطوا بها وقتلوا ثلاثمائة من الأرمن، وأسروا مائة أسير وغنموا جملة كثيرة من الأقمشة والأمتعة، ونقلوا جملة من الغلال والحبوب وجهّز إلى الأبواب السلطانية نائب ملطية وهو بدر الدين ميزامير بن الأمير نور الدين وولده وصهره فى نحو ثلاثين نفرا، فوصلوا فى [3] صفر ثم وصل قاضى ملطية وحريم نائبها وجماعة منهم فى نحو مائة وخمسين نفرا إلى دمشق فى نصف صفر، ورسم لقاضيها بالإقامة بدمشق، وأحسن السلطان إلى نائب ملطية وولده وصهره، وجعل لكل منهم إقطاعات وعدّة، واستمرت الجيوش مقيمة ببلاد حلب إلى شهر ربيع الأول، فرحلت يوم الخميس ثامن الشهر، ووصل نائب السلطنة إلى دمشق فى يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول، ثم وصلت بقية العساكر إلى الديار المصرية، ودخلوا القاهرة فى يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخر، وشملهم السلطان بالإنعام والتشريف.
__________
[1] كختا: قلعة قديمة على نهر كختاصو، وتقع على ما يقرب من أربعين ميلا من ملطية من الجنوب الشرقى (السلوك 1: 579 هامش) .
[2] كركر: حصن قرب ملطية بينها وبين آمد (معجم البلدان 4: 514) .
[3] فى ك «إلى صفر» والمثبت من ص، وف. وفى البداية والنهاية 14: 73 «وفى أول صفر رحل نائب ملطية متوجها إلى السلطان» .
(32/221)

وأما ملطية فإنه بعد أن عادت العساكر منها
وصل إليها جوبان نآئب خربندا ملك التتار، وكان خربندا قد أعطاها له فآمن من بقى بها من المسلمين، وسدّ ستّة من أبوابها، وترك بابا واحد، وجرّد بها ألفى فارس يحمونها، وأمرهم بعمارة ما خرب منها.
وفيها بعد عود العسكر من ملطية أغارت طائفة من العسكر الحلبى على بلادسيس [1] مرّة بعد أخرى، وغنموا وقتلوا وسبوا.
ذكر القبض على من يذكر [88] من الأمراء بالديار بالمصرية
وفى يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض على الأميرين سيف الدين بكتمر الحسامى أمير حاجب، وعلاء الدين أيدغدى شقير الحسامى وهما من أمراء المائة مقدمى الألوف، وطلب الأمير سيف الدين بكتمر بعد نزوله من الخدمة. ووصوله إلى داره وطلع إلى دار النيابة فقبض عليه بين يدى نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وقبض على أيدغدى شقير بداره بالقلعة واعتقلا، فأما أيدغدى شقير فكان آخر العهد به، واستمر سيف الدين بكتمر فى الاعتقال إلى يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة ست عشرة وسبعمائة فأفرج عنه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى يوم السبت العاشر من الشهر المذكور
قبض أيضا على الأمير سيف الدين بهادر الحسامى المعروف بالمعزى [2] وهو أيضا من أمراء المائة، واعتقل بها وإنما أخّر عمن قبض عليه قبله لأنه كان قد توجّه لكشف الصعيد الأعلى، وحفر ترعه وإتقان جسوره، فوصل إلى مدينة إسنا من الأعمال القوصية، فلما عاد ومثل بين يدى السلطان
__________
[1] كذا فى الأصول، وفى البداية والنهاية 14: 74 «أغاروا على بلاد آمد» . وسيس، وسيسية هى بلد يعد من أعظم مدن الثغور الشامية بين أنطاكية وطرسوس (معجم البلدان 3: 338) .
[2] فى الأصول «المغربى» والمثبت من الدرر الكامنة 2: 29، والسلوك 2/1: 144، والنجوم الزاهرة 9: 229، والدليل الشافى 1: 200.
(32/222)

وأنهى ما اعتمده وخرج من بين يدى السلطان وقبض عليه واعتقل، وكان السبب فى القبض عليهم أن السلطان كان قبل ذلك بأيام قد قبض على سيف الدين جاولجين الخازن أحد المماليك الخاصكية لأمر أنكره منه وعذّبه عذابا شديدا فأقر على هؤلاء وغيرهم، فلما أيس من [1] الحياة أبرأ الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وقال للسلطان إنما ذكرته من ألم الضرب والعقوبة، وهو برىء مما قلته، فلا ألقى الله تعالى بذنبه، وأما من عداه ممن ذكرته فلم أقل عنهم إلا الحق، ومات رحمه الله تعالى، وتكلم على الأمير [2] سيف الدين طغاى فى جملة من تكلم عليه، فأثر كلامه فيه بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأراد السلطان الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إثر القبض عليه فلم تقتض سياسة السلطنة ذلك، لكنه كان موسّعا عليه فى اعتقاله ورتب له فى كل يوم من اللحم خمسة وأربعون رطلا يطبخ له من أفخر الأطعمة ودجاج وحلوى وأقسماء [3] وفاكهة وغير ذلك، ووهبه السلطان نجارية جميلة من جواريه فى معتقله، فاحتملت منه وولدت له ولده محمدا ولم يمنع [4] فى معتقله غير ركوب الخيل والاجتماع بالناس، وأخبرنى أنه كان يكاتب السلطان فى اعتقاله ويرد عليه الجواب بالخير.
ذكر القبض على الأميرين سيف الدين تمر الساقى [5]
نائب السلطنة الطرابلسية، وسيف الدين بهادر آص [6] أحد الأمراء بدمشق وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير سيف الدين كستاى [7] .
__________
[1] فى ك «أيس الحياة» والمثبت من ص.
[2] لفظ «الأمير» سقط من ك، وف.
[3] الأقسماء: شراب معمول من السكر والأفاوية المطيبة بماء الورد المبردة (السلوك 1: 319 هامش الدكتور زيادة) .
[4] فى ك «فلم» والمثبت من ص، وف.
[5] هو الأمير سيف الدين تمر بن عبد الله الساقى الناصرى أحد أمراء الألوف، ومن أكابر الأمراء وأعيان الخاصكية للناصر محمد بن قلاوون، توفى سنة 742 هـ (النجوم الزاهرة 10: 77 وهامشه) .
[6] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 29، والنجوم الزاهرة 9: 281. وتوفى سنة 730 هـ.
[7] فاك «كيتاى» والمثبت من ص، وف. وهو كستاى بن عبد الله الناصرى المتوفى سنة 715 هـ كما فى الدرر الكامنة 2: 29، وفى سنة 716 هـ كما فى النجوم الزاهرة 9: 37 هامش، والدليل الشافى 2: 558.
(32/223)

وفى العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر جهّز السلطان الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار على خيل البريد، فوصل إلى دمشق فى يوم الخميس رابع عشر الشهر، وتوجّه إلى طرابلس، وكان الأمير سيف الدين تمر النائب بها قد خرج إلى الصيد، فوصل إليه وهو بمخيمه وكان قد أرسل إلى الأمير شهاب الدين قرطاى النائب بحمص أن يوافيه بعسكر حمص فى وقت السّحر إلى منزلة تمر الساقى. فلما وصل الأمير سيف الدين قجليس إليه أظهر أنه حضر لكشف القلاع، وشكا من التعب [89] فأنزله فى خيمة وأرسل إليه بعض مماليكه ليخدموه، وأمرهم أن يحفظوا ما يقول، وكان قد خشى من حضوره، وأدرك قجليس ذلك، فشرع يسأل المماليك عن القلاع والحصون ونوابها، وما يحصل له من جهتهم، لا يزيدهم على هذا فتوجهوا إلى مخدومهم وأعلموه بمقاله، فما شكّ فى ذلك، وطابت نفسه، واطمأن ونام. بخيمته، فما طلع الفجر إلا والأمير شهاب الدين قرطاى النائب بحمص والعسكر قد وافاه بالمنزلة، وأحاطوا بخيمته فقبضوا عليه، ورجع به الأمير سيف الدين قجليس إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى دمشق عائدا فى بكرة الإثنين ثامن عشر الشهر، وقبض على الأمير سيف الدين بهادر آص فى هذا اليوم، واعتقل بالكرك، وتمر الساقى بقلعة الجبل، وفوّض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية إلى الأمير سيف الدين كستاى أمير سلاح، فاستعفى من النيابة، فلم يعف، فتوجه على كره منه، ووصل إلى دمشق فى ثانى عشر جمادى الأولى يطلبه، وتوجّه إلى طرابلس.
وفى مستهل شهر ربيع الآخر رسم السلطان بالإفراج
عن الأمير سيف الدين قجماز بتخاص، وفخر الدين داود، وحسام الدين جيا أخوىّ سلّار وأنعم على الأمير سيف الدين قجماز. بتخاص ذلك بإمرة طبلخاناه.
وفى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى وصلت رسل صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والتحف والهدايا والخيول وغير ذلك، فقبلت هديته، وأنعم على رسله وعليه، وكتب جوابه وجهز رسوله بما جرت العادة به من الإنعام والهديا، والله أعلم.
(32/224)

ذكر وصول السيد الشريف أسد الدين رميثة إلى الأبواب السلطانية وتجريد العسكر معه إلى الحجاز الشريف
وفى [1] هذه السنة فى ثالث جمادى الآخرة- وصل الأمير السيد الشريف أسد الدين أبو عرادة رميثة بن أبى نمى من الحجاز الشريف إلى الأبواب السلطانية، وأظهر التوبة والتنصل والاعتذار من سالف ذنوبه، وأنهى أنه استأنف الطاعة وسأل العفو عنه، وإنجاده على أخيه عز الدين حميضة، فقبل السلطان عذره وعفا عن ذنبه وجرد طائفة من العسكر مقدمهم الأمير سيف الدين دمرخان ابن قرمان [2] ، والأمير سيف الدين طيدمر الجمدار، فتوجها هما والأمير أسد الدين رميثة إلى الحجاز الشريف فى ثانى شعبان، ورحلوا من بركة الجبّ فى رابعه، فلما وصلوا إلى مكة- شرّفها الله تعالى- فارقها حميضة، فقصدوه وكبسوا أصحابه وهم على غرة فقتلوا منهم ونهبوا، وفر هو فى نفريسير من أصحابه إلى العراق، والتحق بخربندا ملك التتار واستنصر به، فمات خربندا قبل إعانته.
ذكر الإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأفرمى
وفى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رجب رسم السلطان بالإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصورى فأفرج عنه، وخلع عليه على عادة نواب السلطنة تشريفا أطلس أحمر معدنيا بطرززركش، وقباء أطلس أصفر وشاش رقم وكلوتة زركش، وحياصة ذهبا، ونزل إلى داره بالقاهرة واتفقت وفاة الأمير حسام الدين قرالاجين المنصورى أستاذ الدار فى يوم الثلاثاء الثانى عشر من شعبان، فأنعم السلطان عليه بإقطاعه، ووفّرت وظيفة أستاذ الدارية بعد وفاة قرا لاجين، وقام بالوظيفة الأمير سيف الدين [90] بكتمر أحد نواب أستاذ الدارية، ونقصت هذه الرتبة عما كانت عليه بعد أن كانت عظمت إلى الغاية التى تقدم ذكرها.
__________
[1] لفظ «فى» ساقط من ك.
[2] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 102. وانظر خبر قدوم أسد الدين رميثة إلى الأبواب السلطانية بالقاهرة فى إتحاف الورى 3: 153، وغاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 2: 83.
(32/225)

وفى أول شعبان من هذه السنة توجّهت
طائفة من العسكر الحلبى، والأمير ناصر الدين العين تابى [1] عليهم إلى حصار قلعة أرفقين وهى قلعة من أعمال آمد، فتسلموها من غير قتال، وقتل أخو مندو [2] وقطع رأسه وعلق على باب القلعة، وكان الغرض من هذه الإغارة القبض على مندو فلم يوجد هناك، وأغار العسكر على عدة ضياع للأكراد والأرض، ويقال إن الخمس بلغ خمسة الآف رأس غنم وخمسا وعشرين جارية.
وفيها فى شعبان وصل إلى الإسطبلات السلطانية مهرة تعرف ببنت الكركا [3] كان السلطان قد طلبها من العرب، وبذل فى ثمنها مائتى ألف وسبعين درهم وضيعة من بلاد حماه قيل إنها تقّومت على السلطان بستمائة ألف درهم،
وفى هذه السنة فى ثالث شوال ضربت عنق
رجل بدمشق اسمه أحمد الرّويس الأقباعى، وسبب ذلك أنه شهد عليه فى شهر رمضان بارتكاب أمور من العظائم من ترك الواجبات، واستحلال المحرمات، والتهاون بالشريعة والغض من منصب النبوة، وثبت ذلك على قاضى القضاة المالكى، وأعذر إليه فلم يأت يدافع، عن نفسه فحكم بهدر دمه فقتل [4] .
وفيها فى ثالث شعبان توجّه السلطان إلى الصيد بجهة الصعيد، ووقعت النار فى غيبته فى سابع شهر رمضان فى البرج المنصورى، وطباق السلحدارية بقلعة الجبل، واستمرت طول الليل، ثم أطفئت.
وفيها فى العشر الآخر من شهر رمضان عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك فتوجه رسل السلطان إليه وهم الأمير سيف الدين أرج، وحسام
__________
[1] لفظ «العين تابى» إضافة من ص. ولم أعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.
[2] مندو: كذا بدون ألف بعد الواو ترى هنا وفى بقية المواضع فى نسخة ك. أما فى ص فرسمها «مندوا» بألف آخر الكلمة.
[3] وانظر السلوك 2/1: 148، وفى النجوم الزاهرة 9: 167 «بنت الكرماء» .
[4] عبارة «ولا غيرهم» لم ترد فى ك.
(32/226)

الدين حسين بن صارو، وصحبتهم رسل الملك أزبك فتوجّه رسل السلطان إليه إلى الصعيد، ومثلوا بين يديه، وأعاد [1] السلطان إلى قلعة الجبل بعد أن قضى من الصيد وطرا، وكان وصوله فى ثامن عشرين شوّال، واستحضر رسل الملك أزبك، ورسل الاشكرىّ، ورسل صاحب ماردين، وصاحب ماردين، وسمع رسائلهم وأعادهم وسيّر إلى الملك أزبك من جهته الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وحسين ابن صارو، وأرسل صحبتهما الهدايا والتحف.
وفى ذى القعدة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية أن طائفة من العسكر الحلبى توجّهوا وفتحوا قلعة بقرب ملطية تسمى درنده [2] ، وكان فيها نحو ألف رجل من الأرمن، فقتلوا بجملتهم، وأخربت القلعة وغنم المسلمون ما فيها من الأموال، وسبوا النساء والصبيان.
وفى أواخر ذى القعدة أغار سليمان بن مهنا بن عيسى وجماعته من العرب والتتار تزيد عدتهم على ألف فارس على جماعة من التركمان والقريتين [3] وذلك بغير رضا من أبيه.
وفى ثامن ذى الحجة ولد لمولانا السلطان الملك الناصر- أعز الله أنصاره- ولد مبارك لم يعلم اسمه، وزفت البشائر لمولده والله أعلم.
ذكر ما أمر السلطان بإبطاله من المكوس والمظالم وما أسقطه من أرباب الوظائف
وفى شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة ندب السلطان أعيان الأمراء لقياس الديار [4] المصرية وجهز إلى كل عمل أميرا من المقدمين ولبعض الأعمال أمراء
__________
[1] فى ك «وأعاده» والمثبت من ص، وف.
[2] درنده: مدينة فى جهة الغرب من ملطية، وبينها وبين حلب عشرة أيام، وهى قريبة من قيسارية (النجوم الزاهرة 7: 172 هامش) .
[3] القريتين: بلدة كبيرة من أعمال حمص، وتدعى «حوارين» وبينها وبين تدمر مرحلتان (معجم البلدان 3: 78) .
[4] جاء فى كتاب «مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن» للأمير عمر طوسون ص 214- 268: والمعروف حتى الآن من حوادث الروك بمصر فى العصور الوسطى سبعة، أولها: حوالى سنة 97 هـ (715 م) على يد ابن رفاعة والى مصر فى عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك الأموى. وثانيها: سنة 125 هـ (743 م) على يد الحبحاب عامل الخراج فى مصر فى زمن الخليفة هشام بن عبد الملك وثالثهما: حوالى سنة 253 هـ (867 م) وقد تم فى أيام ابن المدبر عامل الخراج بمصر فى خلافة المعتز بالله العباسى ورابعها: الروك الأفضلى سنة 501 هـ- نسبة إلى الأفضل ابن أمير الجيوش فى عهد الخليفة الآمر الفاطمى، وخامسها: الروك الصلاحى نسبة إلى السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبى، وقد تم سنة 572 هـ (1176) وسادسها: الروك الحسامى سنة 689 هـ (1290 م) وقد قام على عمله السلطان الملك المنصور لاجين المملوكى، تنسب إليه. وسابعها: الروك الناصرى. المذكور هنا.
(32/227)

ورسم أن لا يستخرج على هذا القياس أجرة من الفلاحين ولا غيرهم [1] ورسم لسائر الأمراء أن يكون عودهم إلى قلعة الجبل بعد ما توجهوا بسببه فى نصف شوال [91] وتوجه مع كل أمير [2] مستوف من مستوفيّى [2] الدولة وتوجه السلطان إلى الصعيد الأعلى ورتب الأمراء والكتاب فى أعمال الوجه القبلى فى مسيرة وأظهر الاحتفال بذلك والاهتمام به فانتهت مساحة الديار المصرية أجمع وتحرير نواحيها فى نحو أربعين يوما فإن الشروع فى ذلك حصل فى مستهل شهر رمضان والعود إلى أبواب السلطان والوصول إلى قلعة الجبل فى نصف شوال وأعان على سرعة ذلك تقسيم البلاد شققا، ولما تكامل هذا الكشف أمر السلطان القاضى فخر الدين ناظر الجيوش ومن عنده من المباشرين ونظار النظار والمستوفين بالانتصاب لتحرير ذلك ورتبه على ما اقتضاه رأيه الشريف وهم بين يديه فانتهى العمل وكتابة الأمثلة فى ذى الحجة من السنة فعند ذلك جلس السلطان لتفرقة الأمثلة بين يديه وجعل لكل أمير بلادا معينة وأضاف إليه جميع ما فى بلاده من الجيوش السلطانية والجوالى [3] وغير ذلك فصارت البلاد لمقطعيها دربستا [4] وكذلك جهات الحلقة وأفرد لخاصّيه بلادا ولحاشيته بلادا مقررة مرصدة لجامكياتهم، ولجامكيات نظار الدولة ومباشرى [5] الباب جهات مقررة لهم وكذلك أرباب الرواتب وجعلت سائر المعاملات بمصر والقاهرة فى جملة الخاصة وكان هذا برأى تقى [6] الدين ناظر النظار المعروف بكاتب برلغى وترتيبه فأخرج عن الخاص الجوالى التى ما زال الملوك يجعلونها مرصدة لمأكلهم لتحقق حلها، وجعلها فى الأقطاع وأرصد لراتب السماط السلطانى ونفقات البيوتات ودار
__________
[1] عبارة «ولا غيرهم» لم ترد فى ك.
[2]- 2 فى الأصول «مستوفى من مستوفيين» .
[3] الجوالى: ومفردها جالية، وهى ما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية المقررة عليهم كل سنة (القلقشندى:
صبح الأعشى، ج 3، ص 462) .
[4] دربستا، أو دربسته: لفظ فارسى معناه: كاملا. أى أن جميع البلاد المقطعة بجملتها لا يستثنى منها شئ (صبح الأعشى 13: 156) .
[5] فى الأصول «ومباشرين الباب جهاتا» .
[6] أى تقى الدين الأسعد بن أمين الملك (السلوك 2/1: 149) .
(32/228)

الطراز ومشترى الخزانة جهات المكس التى ما زال الملوك يحذرونها وأكثر المقطعين يتنزهون عنها ويستعفون من أخذها والذى تحققته من أمره وغرضه فى هذا الترتيب أنه من مسالمة القبط ممن أكره على الإسلام فأظهره وجرت عليه أحكامه وكان ميله ورغبته واحتفاله بالنصارى، فأراد تخفيف الجالية عنهم فجعلها فى جملة الأقطاع فانتقل كثير من النصارى من بلد إلى آخر فتعذر على مقطع بلده الذى انتقل منه طلبه من البلد الذى انتقل إليه وإذا طالبه مباشرو البلد الذى انتقل إليها اعتذر أنه ليس من أهل بلدهم وأنه ناقله إليه فضاعت الجوالى بسبب ذلك واحتاج مقطعو كل جهة إلى مصالحة من بها من النصارى النوافل على بعض الجوالى فأخبرنى بعض العدول الثقات شهود دواوين الأمراء أنهم يستأدون [1] من النصرانى [2] أربعة دراهم ونحوها، وكانت قبل ذلك ستة وخمسين درهما ولما كانت الجوالى جارية فى الخاص السلطانى كانت [3] الحشار تسافر إلى سائر البلاد ويستأدونها منسوبة إلى جهاتها، وإذا وجد نصرانى فى ثغر دمياط وهو من أهل أسوان أو من أهل حلب أو عكس ذلك أخذت منه الجزية فى البلد الذى يوجد به، ويكتب المباشرون بها له وصلا فيعتد له ببلده ويأخذ [4] من كل بلدة منسوبة إلى جهتها، فانفرط ذلك النظام، وهى الآن على تقريره، ولعمرى لو ملك هذا التقى المسلمانى البلاد وعليه جريان اسم الإسلام ما تمكن أن يحسن إلى النصارى، ويخفف عنهم بأكثر من هذا.
وأبطل السلطان فى هذه السنة عند عدم الروك جملة عظيمة من الأموال المنسوبة إلى المكوس [5] والمظالم، منها سواحل الغلال وكان يتحصل منها بساحلى مصر والقاهرة نحو أربعة آلاف درهم نقرة وأبطل نصف السمسرة [6] ورسوم
__________
[1] فى ك «يتأدون» والمثبت من ص، وف.
[2] فى ك «النصارى» والمثبت من ص، وف.
[3] الحشار: جمع حاشر وهو جامع الضرائب.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «وتحمل» .
[5] وانظر خطط المقريزى 1: 88- 90 فقد عقد فصلا عن هذه الضرائب.
[6] السمسرة: هى ما أحدثه ابن الشيخى فى وزارته. وهو أن من باع شيئا فإن دلالته على كل مائة درهم درهمان. يؤخذ منها واحد للسلطان والثانى للدلال. فصار الدلال، يحسب ويخلص درهمه قبل درهم السلطان (السلوك 2/1: 151، والنجوم الزاهرة 9: 45) .
(32/229)

الولاية [1] ونوابهم والمقدمين وتقرير الحوايص [2] والنعال وحق السجون [3] وطرح الفراريج [4] ، ومقرر الفرسان [5] ورسوم الأفراح [6] ، وثمن العبى [7] التى كانت تستأدى من البلاد، ومقرر الأتبان [8] التى كانت تؤخذ لمعاصر الأقصاب بغير ثمن وحماية المراكب [9] وزكاة الرجالة بالديار المصرية، وغير ذلك من المظالم سطر الله هذه الحسنات فى صحيفته ورسم بالمسامحة بالبواقى الديوانية والإقطاعية إلى آخر مغل سنة أربع عشرة وسبعمائة، ورسم بإسقاط وظيفتى النظر والاستيفاء من سائر أعمال الديار المصرية، ورسم أن يستخدم فى كل بلد من بلاد الخاص شاهد وعامل، ورتب بالقاهرة ناظر الجهات الهلالية ولمصر ناظرا، ثم استخدم فى بعض الأعمال النظار، وجعل هذا الروك الهلالى لاستقبال صفر
__________
[1] هى رسوم يجبيها الولاة والمقدمون من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش، وعليها جند مستقطعة وأمراء، وكان فيها من الظلم والعسف والفساد، وهتك الحرم، وهجم البيوت وما لا يوصف (السلوك 2/1:
151، والنجوم الزاهرة 9: 46) .
[2] وهى تجبى من سائر أنحاء مصر، فكان على كل من المقدمين والولاة مقررا يحمل فى كل قسط من أقساط السنة إلى بيت المال عن ثمن الحياصة ثلاثمائة درهم، وعن ثمن النعل خمسمائة درهم. وكان عليها عدة مقطعين سوى ما يحمل، وكان فيها من الظلم بلاء عظيم (السلوك 2/1: 151، والنجوم الزاهرة 9: 46) .
[3] حق السجون: ضريبة فرضت على كل من سجن ولو للحظة واحدة مقدارها مائة درهم سوى ما يغرمه، وكان على هذه الجهة عدة مقطعين، ولها ضامن يجبى ذلك من سائر السجون، فأبطل ذلك كله (النجوم الزاهرة 9: 46) .
[4] وكان لها ضمان فى سائر نواحى الإقليم، فتطرح الفراريج على الناس فى النواحى، وكان فيها من الظلم والفساد والعسف وأخذ الأموال من الأرامل والفقراء والأيتام ما لا يمكن شرحه، وعليها عدة مقطعين ومرتبات، ولكل إقليم ضامن مفرد، ولا يقدر أحد أن يشترى فروجا مما فوقه إلا من الضامن (السلوك 2/1: 151، والنجوم الزاهرة 9: 46) .
[5] وهو شئ يستهديه الولاة والمقدمين من سائر الأقاليم، فيجئ من ذلك مال عظيم، ويؤخذ فيه الدرهم ثلاثة دراهم لكثرة الظلم (السلوك 2/1: 151، والنجوم الزاهرة 9: 47) .
[6] وهى تجبى من سائر البلاد، وهى جهة بذاتها لا يعرف لها أصل (السلوك 2/1521، والنجوم الزاهرة 9: 47) .
[7] العبى: جمع عامى لعباءة التى تجمع على عباءات (محيط المحيط) وثمن العبى كان مقررا على الجبى برسم ثمن العيى وثمن ركوة السواس- والركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء و (النجوم الزاهرة 9:
48، والسلوك 2/1: 152) .
[8] لعله ما أشار إليه المقريزى فى الخطط 2: 94- 108 عند حديثه عن موظف الأتبان حيث قال. وكان جميع تبن أرض مصر على ثلاثة أقسام: قسم للديوان، وقسم للمقطع، وقسم للفلاح. فيجبى التبن على هذا الحكم من سائر الأقاليم، ويؤخذ فى التبن كل مائة حمل أربعة دنانير وثلث دينار، فيحصل من ذلك مال كثير، وقد بطل هذا أيضا.
[9] وهى تجبى من سائر المراكب التى فى النيل بتقرير معين على كل مركب يقال له مقرر الحماية، وتجبى من المسافرين فى المراكب، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء (السلوك 2: 152) .
(32/230)

سنة ست عشرة وسبعمائة والخراجى لاستقبال [1] مغل سنة خمس عشرة وسبعمائة ورسم بإسقاط متوفر الجراريف [2] السلطانية، وأن يرصد جميعها لعمل الجسور، وكان يتوفر منها [92] بعد عمل الجسور أموال جليلة كثيرة.
وفى سنة خمس عشرة وسبعمائة توفى الشيخ العالم
القاضى شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم بن عبد السلام بن جميل العونسى [3] المالكى بالقاهرة، فى ليلة الإثنين الحادى والعشرين من صفر، ودفن بالقرافة، ومولده فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان قد ولى قضاء الاسكندرية، وكان قبل ذلك ينوب عن الحكم بالحسينية عن قاضى القضاة زين الدين المالكى، وهو أول من درس من المالكية بالمدرسة المنكوتمرية [4] بالقاهرة، وكان من علماء مذهبه ومن الفضلاء المشهورين رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى الصدر الرئيس شرف الدين أبو عبد الله
محمد ابن العدل الرئيس جمال الدين أبى الفضل محمد ابن أبى الفتح نصر الله ابن المظفرى أسعد بن حمزة بن أسعد بن على بن محمد التميمى الدمشقى بن القلانسى [5] ، وكانت وفاته بداره بدمشق، فى ليلة السبت الثانى عشر من صفر، ودفن من الغد بقاسيون بمقبرة بنى صصرى، ومولده بدمشق فى السابع والعشرين من شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى من أكابر أعيان دمشق، رافقته مدة تزيد على سنتين ونصف فى ديوان الخاص الناصرى بدمشق، وكان حسن العشرة والرفقة، كثير الاحتمال والإغضاء والحياء والسكون، ولما انفصلت عن المباشرة، وعدت إلى الديار المصرية.
ما زالت كتبه ترد تدل على استمرار مودته، وجميل تعهده، وتصل إلى هداياه، وهو ممن سعد فى أولاده، فإنهم من نجباء الأبناء ورؤساء الشام أبقاهم الله تعالى ورحم والدهم.
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «ثلث مغل» .
[2] هو ما يجبى من سائر النواحى، فيحمل ذلك مهندسو البلاد إلى بيت المال بإعانة الولاة لهم فى تحصيل ذلك، وأما كلمة الجراريف فمفردها جاروف، وهو يستعمل فى كسح ورفع الأتربة والطين فى إنشاء الجسور والترع وغيرها (النجوم الزاهرة 9: 48 هامش، والسلوك 2: 152) .
[3] انظر ترجمته فى الوافى بالوفيات 4: 149، وذيول العبر ص 84، والدرر الكامنة 4: 149، والسلوك 2/1: 158، وشذرات الذهب 6: 37.
[4] المدرسة المنكوتمرية: أنشأها الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامى نائب السلطنة بديار مصر فى سنة 678 هـ، وعمل بها درسا للمالكية وآخر للحنفية، وجعل فيها خزانة كتب، وأوقف عليها وقفا بالشام، وكانت من المدارس الحسنة (خطط المقريزى 4: 230) .
[5] وانظر البداية والنهاية 14: 74.
(32/231)

وتوفى الشيخ العالم صفى الدين محمد
ابن عبد الرحيم بن محمد الأرموى، المعروف بالهندى الشافعى، بمنزله بالمدرسة الظاهرية بدمشق فى ليلة الثلاثاء ثالث [1] عشرين صفر، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، ومولده فى ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة وكان رجلا فاضلا، وله تصانيف مفيدة فى الأصول، رحمه الله. تعالى.
وتوفى الأمير عز الدين الحسين بن عمرو بن محمد بن صبرة بطرابلس، وكان قد نقل إليها من دمشق، وكانت وفاته فى يوم الإثنين تاسع عشر شهر رجب، وكان قبل ذلك ولى حجبة الشام مدة، وكان حسن العشرة كثير البسط رحمه الله وتوفى الأمير بدر الدين موسى ابن الأمير سيف الدين أبى بكر محمد الأزكشى، بداره بميدان الحصى ظاهر دمشق، فى يوم الجمعة ثامن شعبان، ودفن عند القبيبات، وكان أميرا شهما شجاعا مقداماء أظهر فى مصاف مرج الصفر عن شهامة وفروسية وإقدام، وكان يومئذ من مقدمى الحلقة المنصورة الشامية فلما شاهد السلطان فعله أمّره بطبلخاناه، وولاه نيابة قلعة الرحبة رحمه الله تعالى [2] .
وتوفى قاضى القضاة تقى الدين أبو الفضل
سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة [3] المقدسى قاضى الحنابلة بدمشق فى ليلة الإثنين الحادى والعشرين من ذى القعدة بعد صلاة المغرب بمنزله بقاسيون، ودفن بكرة الإثنين بتربة جده، ومولده فى نصف شهر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى حسن الأخلاق، غزير الفضيلة، سمع الحديث وأسمعه.
__________
[1] كذا فى الأصول، وفى البداية والنهاية 14: 75، والسلوك 2/1: 158 «توفى فى تاسع عشرين صفر» وأنظر ذيول العبر ص 83، والدرر الكامنة 4: 14، ودول الإسلام 2: 169، وطبقات الشافعية 5: 240.
[2] سقطت هذه الترجمة من ك، وإثباتها عن ص، وف. وأنظر النجوم الزاهرة 9: 232.
[3] له ترجمة فى ذيول العبر ص 85، والبداية والنهاية 14: 75، والنجوم الزاهرة 9: 231، وشذرات الذهب 6: 35.
(32/232)

واستهلت سنة [93] ست عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة
فى هذه السنة فى يوم السبت الثالث والعشرين من المحرم الموافق للثانى والعشرين من برمودة من شهور القبط بعد العصر سمع بالقاهرة هدّة عظيمة تشبه الصاعقة ورعد وبرق، ووقع مطر كثير وبرد على قلعة الجبل والقاهرة وضواحيها ولم يكن مثل ذلك بمصر، وقع مطر كثير بمدينة بلبيس حتى خرّب كثيرا من البنيان بها، وكان ذلك كلّه فى مضىّ ساعة ونصف ساعة.
وفى هذه السنة فوّض قضاة القضاء الحنابلة
بدمشق إلى شمس الدين أبى عبد الله محمد ابن الشيخ الصالح محمد بن مسلم بن مالك ابن مزروع [1] الحنبلى أعاد الله من بركته ووصل إليه بتقليد القضاء من الأبواب السلطانية فى يوم السبت ثامن صفر، وقرئ بجامع دمشق بحضور القضاة والأعيان، وخرج القاضى شمس الدين المذكور من الجامع ماشيا إلى دار السعادة، فسلم على نائب السلطنة ثم نزع الخلعة السلطانية وتوجّه إلى جبل الصالحية، وجلس للحكم فى سابع عشر صفر وما غير هيئته ولا عادته فى مشيه وحمل حاجته، ويجلس للحكم على مئزر غير مبسوط، بل يضعه [2] بيده ويجلس عليه، ويكتب فى محبرة زجاج، ويحمل نعله بيده فيضعه على مكان، وإذا قام من مجلس الحكم حمله بيده أيضا حتى يصل إلى آخر الإيوان فيلقيه ويلبسه، هكذا أخبرنى من أثق بأخباره، واستمر على ذلك، وهذه عادة السلف.
ذكر حادثة السيول والأمطار [3] ببلاد الشام وما أثر [4] ما وقع من العجائب التى لم تعهد
وفى هذه السنة فى أوائل صفر وقع بالشام مطر عظيم على جبال قارا [5] وبعلبك، وعلى مدينة حمص والمناصفات، وامتد إلى بلاد حماه، وحلب، وسقط مع المطر برد كبار، البردة منها قدر النارنجة وأكثر منها وأصغر، ووزن بعضها بعد يومين أو ثلاثة فكان وزن البردة ثلاث أواقى [6] بالشامى، وجرى من ذلك
__________
[1] انظر ترجمته فى ذيول العبر ص 141، 149، والبداية والنهاية 14: 126، والدرر الكامنة 4: 258، وشذرات الذهب 6: 73، وقد توفى فى سنة 726 هـ.
[2] كذا فى ك، وف. وفى ص «بل نصفه فى يده» .
[3] فى ص «ذكر حادثة الأمطار والسيول» بالتقديم والتأخير.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «وما أمل» .
[5] جبال قارا وبعلبك تقع فى الطريق بين حمص ودمشق (معجم البلدان) .
[6] كذا فى الأصول.
(32/233)

المطر سيل عظيم من سائر تلك الجبال، وملأ الأودية وتحامل وجاء على جوسية [1] إلى قرية الناعمة وقدس، وانصب فى بحرة حمص ففاضت منه، ومرّ السيل بقرية جسمل، وهى بالقرب من الناعمة، فاقتلعها بجميع ما فيها من الغلال والحواصل، وأهلك أهل القرية، ولم يسلم منهم إلا خمسة أنفس: ثلاثة رجال وصبى وصبيّة وكانت سلامتهم من الغرائب، وذلك أنهم وجدوا ثورا عائما فى السيل فتعلق رجلان بقرنيه، وركب الصبى والصبية على ظهره، ثم أدركه رجل ثالث فتعلق بذنبه، وحملهم الثور وهو عائم إلى أن انتهوا إلى أرض جلدة مرتفعة، فوقفوا عليها وسلموا، وحمل هذا السيل عدّة كثيرة من خركاهات [2] التركمان، وبيوت العرب والأكراد الذين بتلك الأرض، فاحتملهم وأهلكهم، وأهلك مواشيهم، وألقاهم ببحرة حمص، وعلق خلق كثير من الغرقاء والدواب بأشجار جوسيّة لمّا مرّ بهم السيل عليها.
وأما البرد الذى سقط فإن معظمه وقع فى واد بين جبلين فملأه، وبقى كذلك مدة، وخرج إليه الولاة والقضاة من حمص وبعلبك وشاهدوه، هكذا نقل الأمير جلال الدين الصّفدى أحد الأمراء البريدية بالديار المصرية، وكان قد توجّه إلى الشام فى بعض المهمات السلطانية، وهو ثقة فيما ينقله.
وأخبرنى الأمير العدل علاء الدين أيدغدى الشهرزورى [94] أستاذ دار الأمير شمس الدين قراسنقر المصرى- وهو عدل ثقة فى أجناده- أن كتاب والده شهاب الدين أحمد وصل إليه من حلب أنه وقع إليه فى التاريخ المذكور مطر عظيم على مدينة غرار، وهو المطر الذى تقدم ذكره، وأنه سقط مع المطر سمك كبار وصغار، وجمع منه شىء كثير وأكل، وأن المطر الذى وقع فى التاريخ على بلد [3] سرمين [4] وحارم سقط فيه ضفادع فيها [5] الرّوح باقية، وأنه شاهد ذلك.
__________
[1] جوسية: قرية من قرى حمص على ستة فراسخ من دمشق، وفيها عيون تسقى أكثر بساتينها (معجم البلدان 2: 154، والنجوم الزاهرة 8: 61 هامش) .
[2] خركاهات: جمع خركاه، واللفظ فارسى معناه الخيمة الكبيرة، أو البيت من الخشب يصنع على هيئة مخصوصة، ويغشى بالجوخ ونحوه يحمل فى السفر ليكون فى الخيمة للمبيت فى الشتاء (صبح الأعشى 2: 138) .
[3] هذا اللفظ من ص.
[4] سرمين: بلد جنوب حلب على مسيرة يوم منها، وتقع فى نصف الطريق بين المعرة وحلب، وهى مدينة غير مسورة بها أسواق ومسجد جامع، ويشرب أهلها من الماء المجمع فى الصهاريج من الأمطار، وهى كثيرة الخصب، وبها كثير من شجر الزيتون والتين. (صبح الأعشى 4: 126) .
[5] فى الأصول «فيهم» .
(32/234)

ذكر تفويض إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل
وانفصال الأمير حسام الدين مهنّا، ودخوله إلى بلاد التتار، وعوده وإعادة الإمرة إليه.
وفى شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة فوض السلطان الملك الناصر إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل ابن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، وخلع عليه تشريفا أطلس معدنيا [1] بطرد [2] وحش، على عادة أخيه مهنا، وأقطعه خبز مهنّا، وعاد إلى الشام، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وأقام بدمشق إلى يوم الخميس غرة جمادى الأولى، وتوجّه إلى بلاده.
وسبب ذلك أن الأمير حسام الدين مهنّا كان قد امتنع من الحضور إلى الأبواب السلطانية منذ أعان الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى ووافقه كما تقدم، وعلم أنه أسلف ذنبا كبيرا، وجرما عظيما لا يتجاوز الملوك عن مثله، فخاف على نفسه إن هو حضر أن يقابل على ذلك بالقتل وإن شمله الإحسان فالاعتقال، واجتهد السلطان فى ملاطفته، والإحسان إليه وتأمينه، وزيادة فى الإقطاعات، وشموله بالإنعام، ووسّع على أولاده وأهله وألزامه فى الإنعامات والإطلاقات والزيادات، وفعل فى ذلك ما لم يفعله ملك قبله مع أمثالهم، وراسله مرارا فلم يزدد إلا تماديا على إصراره، فلما آيس منه جعل الإمرة لأخيه الأمير شجاع الدين هذا، وتوجّه الأمير حسام الدين مهنّا إلى العراق، وتلقّى من جهة التتار وأكرم غاية الإكرام ببغداد، ثم توجه إلى الأردو [3] واجتمع بالملك خربندا فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه، وخيّره فى المقام ببلاده أو العود، فاختار العود إلى الشام لإصلاح ذات البين، وعاد واجتاز الفرات فى شهر رمضان،
__________
[1] فى الأصول «معدنى» .
[2] طرد وحش: نوع من القماش الحرير المنقوش بمناظر الصيد والطرد (السلوك 1/2: 788 هامش الدكتور زيادة، وفى الملابس المملوكية ... 106 «يعمل فى الأسكندرية والقاهرة ودمشق، وهو مجوخ جاخات ومزين بأشرطة كتابة بألقاب السلطان، وجاخات طرد وجيش وجاخات ألوان ممتزجة بقصب مذهب، يفصل بينها نقوش، وطرازه يكون من القصب.
[3] هذا اللفظ من ص، وف. وانظر التعليق ص 145.
(32/235)

ونزل بالقرب من أخيه فضل، ووصل أخوه الأمير شمس الدين محمد بن عيسى إلى الأبواب السلطانية فى سنة سبع عشرة، وأخبره بمراجعة الأمير حسام الدين أخيه الطاعة، فأنعم عليه بجملة عظيمة من الأموال، وكذلك على أخيه الأمير حسام الدين مهنّا، وكتب تقليده بالإمرة على عادته، وجهّز إليه وقرينه [1] الخلع، وذلك فى أوائل شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبعمائة.
وفى يوم الإثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست عشرة- ولى قاضى القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى مشيخة الشيوخ بدمشق، وجلس بالخانقاه السميساطية، وقرئ تقليده، وكانت ولايته بسؤال الصوفية لذلك، وذلك بعد وفاة شيخ الشيوخ السيد الشريف شهاب الدين أبى القاسم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الكاشغرىّ، وكانت وفاته فى يوم الإثنين تاسع عشر الشهر المذكور- رحمه الله تعالى [2] .
ذكر وفاة الأمير سيف الدين كستاى [3]
نائب السلطنة بالفتوحات، وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية وحمص والكرك لمن يذكر.
كانت وفاة الأمير سيف الدين كستاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية فى ليلة الأربعاء تاسع عشرين جمادى الآخرة بطرابلس، ودفن بها، وكانت مدّة مرضه نحو عشرين يوما، وكان قبل ذلك قد توجّه من طرابلس [95] لكشف المملكة الطرابلسية وما هو مضاف إليها من الحصون، وأظهر النّزاهة عن قبول تقادم النواب، فكان من قدّم له شيئا من الخيل والقماش عرضه وأمر بكتابته، وأعاده على من قدّمه، ولما سمع نوّاب الحصون بذلك أكثروا فى التقادم، وأرادوا بذلك التجمل عنده، وعلموا أن ذلك يعود إليهم، وكان من عزم على تقدمة شىء ضاعفه، واستعار بعضهم من بعض، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى ثغر لاذقية، وهو آخر العمل، فقدم له الأمير بدر الدين بكتوت
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «وقرنتك» .
[2] وانظر البداية والنهاية 14: 76.
[3] له ترجمة فى الدرر الكامنة 3: 353، والدليل الشافى 2: 558، والنجوم الزاهرة 9: 237.
(32/236)

التاجى مقدم العسكر بالثغر تقدمة جليلة من الأقمشة والبخاتى وغير ذلك، وتجمل وظن أن ذلك يعاد إليه كما أعيد على غيره، فقبل جميع ذلك وقال:
أنت خوشداشى ولا يليق أن أرد عليك، ولما عاد من لاذقية مر على واد هناك به عدة من البخاتى للأمير بدر الدين بكتوت التاجى المذكور، فانتقى ثلاثين بختيا من خيارها، وأرسل إليه يقول: إننى مررت على جمالك وأخذت [1] منها خمسة قطر لضرورة التقدمة للسلطان [2] ، فأرسل ولدك لتقرير ثمنها وقبضه. ثم كتب إلى سائر من كان قد قدم له تقدمه يطلبها بجملتها، وكان من استعار من النواب قماشا من صاحبه قد أعاده عليه، فاضطروا إلى إرسال قصادهم إلى حماه وغيرها، لابتياع عوض ما كانوا استعاروه وكملوا تقادمهم وأرسلوها إليه، وحصل لهم الضرر بذلك، ولم تطل مدته بعد ذلك ووعد الجميع فى تركته، وكانت تركه طائلة، وورثه أخواه الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وسيف الدين أولاق وزوجته، ولم يتعرض السلطان من تركته إلى شىء.
ولما مات فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى العلائى. نقله من نيابة حمص إليها، وفوض نيابة السلطنة بحمص للأمير سيف الدين أرقطاى [3] الجمدار أحد مقدمى الألوف بدمشق، فتوجه إليها فى يوم الأحد السابع من شهر رجب، واستناب بالكرك الأمير سيف الدين طقطاى الناصرى، أحد الأمراء بدمشق، فتوجه فى شهر رجب، ونقل الأمير سيف الدين بيبغا الأشرفى من نيابة الكرك إلى الإمرة بدمشق، وجعله من أمراء المائة مقدمى الألوف بها.
ذكر تجريد العسكر إلى النوبة وملك عبد الله برشنبوا [4] النوبة، ومقتله.
وفى شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبعمائة رسم بتجريد طائفة من الأمراء إلى بلاد النوبة، وهم: الأمير عز الدين أيبك الجهاد كسى عبد الملك، وهو المقدم على العسكر، والأمير صلاح الدين طرخان ابن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى، والأمير علاء الدين على الساقى، والأمير سيف الدين قيران
__________
[1] فى ص «وقد أخذت» .
[2] فى ص «التقدمة السلطانية» .
[3] فى ك «أقطاى» والمثبت من ص، وف.
[4] برشنبوا: رسمت فى الأصول تارة بألف فى آخر الكلمة وتارة بدونها.
(32/237)

الحسامى، كل أمير منهم بنصف عدته، ورسم أن يكون سفرهم فى العشرة الآخرة من شعبان، فبرزوا من القاهرة مطلبين فى يوم الإثنين الثالث والعشرين من شعبان من السنة، وصحبتهم سيف الدين عبد الله برشنبوا النوبى، وهو ابن أخت داود ملك النوبة، وكان قد ربّى فى البيت السلطانى من جملة المماليك السلطانية، فرأى السلطان أن يقدمه فى ذلك الوقت على أهل بلاده ويملكه عليهم، واتصل خبر هذه الحادثة بالملك كرنبس [1] متملك النوبة، فأرسل ابن أخته [2] كنز الدولة ابن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز إلى الأبواب السلطانية، وسأل شموله بالإنعام السلطانى فى توليته الملك، وقال:
إذا كان يقصد مولانا السلطان بأن يولى البلاد لمسلم، فهذا مسلم وهو ابن أختى والملك ينتقل إليه بعدى، فوصل كنز الدولة إلى الأبواب السلطانية فلم يجب إلى ما طلب، ورسم السلطان بمنعه من العود إلى بلاده، فأقام بالأبواب السلطانية، [96] وتوجه العسكر وصحبته عبد الله برشنبوا، فلما وصلوا إلى دنقلة فارقها متملكها كرنبس [3] وأخوه إبرام، وتوجها إلى جهة الأبواب، واستجار كرنبس [3] متملكها فقبض عليه، وتركه فى جزيرة، وكتب إلى مقدم العسكر فخبره أنه قبض عليه وعلى أخيه واحترز عليها، وسأل أن يسير إليه من يتسلمهما فسير إليه جماعة من رجال الحلقة، فتسلموهما وأحضروا إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط، واعتقلا، وملك عبد الله برشنبوا دنقلة، واستقر ملكه، وعاد العسكر إلى القاهرة. فكان وصوله فى جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولما وصل متملك النوبة وأخوه إلى الأبواب السلطانية سأل كنز الدولة الإذن له فى العود إلى ثغر أسوان، وأنهى أن له بالثغر سواقى وعليه خراجا للديوان السلطانى، فرسم بعوده إلى بلده، فتوجه إلى الثغر ثم توجه منه إلى جهة دنقلة، وكان عبد الله برشنبوا لما ملك غيّر قواعد البلاد، وتعاطى نوعا من الكبر لم تجر عادة ملك النوبة بمثله، وعامل أهل البلاد بغلظة وشدة، فكرهوا ولايته. فلما قصدهم كنز الدولة ووصل إلى بلد الدو-
__________
[1] فى ص بدون نقط. وفى ك «كربيس» والمثبت من السلوك.
[2] فى ك «ابن أخيه» والمثبت من ص، وف.
[3] فى ك «كربيس» وفى ص «كرنيس» والمثبت من السلوك 2/1: 162.
(32/238)

وهى أول بلاد النوبة- استقبله أهل البلاد بالطاعة وحيوّه بتحية الملك، وهى قولهم: موشاى موشاى، وهذه [1] لفظة لا يخاطب بها غير الملك، وانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، فتقدم إلى دنقلة، فخرج إليه برشنبوا والتقوا، فقتل برشنبوا، وملك كنز الدولة بلاد النوبة إلا أنه لم يضع تاج الملك [2] على رأسه رعاية لحق أخواله، وتعظيما لهم، وحفظا لحرمتهم. ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية بقتل برشنبوا فى شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة، فعند ذلك رسم السلطان بالإفراج عن إبرام أخى كرنبس وأرسله إلى النوبة، وأمره أن يحتال فى القبض على ابن أخته [3] كنز الدولة وإرساله إلى الأبواب السلطانية، ووعده أنه إذا فعل ذلك أفرج عن أخيه كرنبس وملكه وأرسله، وتوجه إبرام إلى دنقلة فاستقبله ابن أخته كنز الدولة بالطاعة، وسلم إليه الملك، وصار فى خدمته، وخرجا لتمهيد البلاد مما يلى ثغر أسوان، فلما قرب إلى الدو قبض إبرام على الكنز الدولة وقيده، وعزم على إرساله، فمرض إبرام وهلك بعد ثلاثة أيام من حين القبض على ابن أخته، فاجتمع أهل النوبة على كنز الدولة وملكوه عليهم، فملك البلاد حينئذ ولبس تاج الملك، واستقل بالمملكة، وضم إليه العرب واستعان بهم على من ناوأه، وكان من خبره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى فى مواضعه على ما نقف عليه.
ذكر تجريد العسكر إلى العرب ببرية عيذاب [4] ودخوله إلى بلاد هلنكة [5] وغيرها وعوده
وفى سنة ست عشرة وسبعمائة أمر السلطان بتجريد جماعة من العسكر إلى جهة الصعيد، وأن يتوجهوا خلف العرب حيث كانوا من البرّيّة. فجرد الأمير علاء الدين مغلطاى أمير مجلس وهو المقدم على الجيش، وهو من جملة
__________
[1] فى ك «فهذه» والمثبت من ص، وف.
[2] فى ك «الدولة» والمثبت من ص، وف.
[3] فى ك «ابن أخيه» والمثبت من ص، وف، ويقتضيه السياق.
[4] عيذاب: ميناء شهير على الساحل الغربى لبحر القلزم (البحر الأحمرفى صحراء لا عمارة فيها، تأتى إليها سفن اليمن والحبشة والهند، وكانت فى الزمن الماضى طريق الحاج المصرى، يقصدها الحجاج عن طريق قوص، ويركبون البحر منها إلى جدة، وقد ظلت كذلك مائتى سنة، ثم بطل استعمال هذا الطريق سنة 766 هـ، وهذه الميناء اندثرت منذ القرن العاشر الهجرى (النجوم الزاهرة 7: 69 هامش) .
[5] كذا فى الأصول، والسلوك 2/1: 162 الهلبكسة «وفى تعليق الدكتور زيادة «وفى ب «الكيكة» من الحبشة.
(32/239)

مقدّمى الألوف، والأمير عز الدين أيدمر الدّوادار، والأمير علم الدين سنجر الدّميثرى، والأمير علاء الدين على ابن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير سيف الدين بهادر التّقوى، والأمير سيف الدين الدمياطى، والأمير صارم الدين الجرمكى، والأمير سيف الدين طقصبا متولى الأعمال القوصيّة والإخميمية، وسبعة من مقدمى الحلقة المنصورة، وتوجهوا فى نحو خمسمائة فارس، وكان رحيلهم من القاهرة فى يوم الأربعاء العشرين من شوال من السنة، وكان سبب ذلك أن العربان ببرّيّة عيذاب قطعوا الطّريق على رسول اليمن الواصل إلى الأبواب السلطانية، وأخذوا ما كان معه من التقادم ومن رافقه من غلمان التّجّار، والذى حملهم على ذلك أن الأمير سيف الدين طقصبا [1] متولى الأعمال القوصيّة اعتقل فيّاضا أمير هذه الطائفة من العرب، فحملت أصحابه الحميّة على فعل ذلك، فلما اتصل فعلهم بالأبواب السلطانية جرّد هذا العسكر فى طلبهم، ورسم أن يتوجهوا إلى مدينة قوص [97] ويتوجهوا منها إلى البريّة ويتبعوا العرب حيث كانوا، فأخبرنى الأمير عز الدين الدّوادار أحد الأمراء الذين توجّهوا- وهو الثقة فى أخباره- أنهم توجّهوا فى التاريخ المذكور حتى انتهوا إلى مدينة قوص، فأقاموا بظاهرها خمسة وخمسين يوما، وفى مدة مقامهم توجّه متولى الأعمال، والأمير صارم الدين الجرمكى إلى البرّيّة ليجتمعا بالعربان فى ردّ ما أخذوه من الأموال، ومراجعة الطاعة، فاجتمعا بهم ولم تتهيأ الموافقة على ما أرادوا ولما توجّها طولع السلطان بتوجههما [2] وأنّ العسكر تأخّر لقلة الظّهر [3] وسعة البرية، وقلّة الماء، وجهز بذلك الأمير بدر الدين بكتمش [4] الحسامى أحد مقدمى الحلقة المنصورة.
فلما وصل إلى الأبواب السلطانية
حصل من السلطان الإنكار الشديد بسبب تأخّر العسكر عن دخول البرّيّة، فعندها توجّه العسكر من مدينة قوص فى العشر الأول من المحرم سنة سبع عشرة ودخلوا إلى البرية فانتهوا إلى ثغر عيذاب فى خمسة عشر يوما، واجتمع
__________
[1] فى ك «طقصنا» والتصويب مما سبق.
[2] فى ك «بتوجيههما» والمثبت من ص، وف.
[3] أى ما يركب من الداوب والإبل.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «بكمش» ولم أعثر بين أمراء حسام الدين لاجين، ولا أمراء الناصر محمد بن قلاوون على هذا الاسم.
(32/240)

العسكر بالأميرين سيف الدين طقصبا، وصارم الدين الجرمكى بعيذاب، وأقاموا بها اثنى عشر يوما، وكان متولى الأعمال قد استصحب معه فيّاضا أمير العرب الذى كانت الفتنة بسبب اعتقاله، ثم رحل الجيش من ثغر عيذاب، وساروا حتى انتهوا إلى سواكن [1] فى اثنى عشر يوما يسلكون رءوس الجبال والأوعار، وحصل لهم ضرر كثير بسبب المياه وقلّتها حتى كادوا يهلكون فى ماء منها [2] يقال له دنكنام، فإن العربان كانوا قد غوّروا المياه أمام العسكر، فأقام الجيش أربعة أيام، ووصل إلى ذلك الماء فى اليوم الخامس، فوجدوا جفارا [3] واحدا وهو متغيّر اللون والطعم والريح، فبينما هم كذلك إذ قدمت كشّافة العسكر وكانوا قد قدّموا من يستقرئ لهم خبر تلك الجبال علّهم [4] يجدون ماء، فأخبروهم أنهم وجدوا مياه [4] الأمطار بتلك الجبال فرحلوا من هناك وقت المغرب، وانتهوا إلى مياه قد اجتمعت من الأمطار، فأقاموا بها بقية تلك الليلة إلى نصف النهار من اليوم الثانى، وحملوا منها وارتحلوا حتى انتهوا إلى سواكن، فخرج إليهم متملكها بالطاعة والانقياد إلى أوامر السلطان، وقرّر على نفسه قطيعة يحملها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة، وهى من الرقيق ثمانون رأسا، ومن الجمال: ثلاثمائة رأس، ومن العاج: ثلاثون قنطارا، واستقر بسواكن نيابة عن السلطنة، وأقام العسكر بسواكن ستة أيام، واستصحب معه أولاد مهنّا، وكان فضل أحد مقدّمى العرّبان قد التحق بالعسكر فيما بين سواكن وعيذاب وصحبهم، وتوجّه الجيش خلف العربان ودخلوا البرية يتبعون آثارهم، فساروا سبعة عشر يوما، وفى أثناء مسيرهم ظفروا بطوائف من السودان بقرب المياه فى أودية هناك، فقتل العسكر منهم، وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند، وأنتهوا إلى وادى إيتريب [5] فى اليوم السابع عشر، فأقاموا بها يومين، ولم يجدوا من سواكن إلى هذا الوادى غير ماء واحد، وكان شربهم من مياه الأمطار، وأمطرت البرّيّة فى غير الوقت المعتاد، لطفا من الله تعالى بعباده وإبقاء عليهم.
__________
[1] سواكن: ميناء على البحر الأحمر تربطها بعطبرة حاليا سكة حديديه، كما تربطها ببربر وكسلا طرق تجارية، ولكن وجود بور سودان بالقرب منها قلل من شأنها (النجوم الزاهرة 7: 139 هامش) .
[2] فى ك «مأمنها» والمثبت من ص، وف.
[3] الجفار: البئر.
[4- 4] ما بين الرقمين من ص، وف.
[5] كذا فى ك، وف. وفى ص «أبيزيب» .
(32/241)

ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أرنيباب [1] وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا [2] وهو فرع من فروع نيل مصر يخرج من بلاد الحبشة، فأقاموا عليه يوما واحدا، ثم توجهوا يتبعون آثار الغرماء [3] وهم يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام والنهر على يمين العسكر، ثم فوّزوا ودخلوا البريّة إلى أرض التاله [4] فانتهوا فى اليوم الثالث من يوم دخولهم المفازة إلى جبل كشلاب [5] وهو جبل أقرع ليس فى تلك البرية غيره، وجبل ألوس وبين الجبلين واد، وهذا الجبل هو حد بلاد التاله من الحبشة، [98] فلما وصلوا إليه وقد قربوا من الماء، وهم فى أرض صفراء التربة تشبه أرض بيسان من غور الشام، وهى كثيرة الأشجار من السنط وأم غيلان وشجر الإهليلج [6] والأبنوس والبقس [7] والحمر [8] وهو الذى يطرح التمرهندى، إذ طلع عليهم غبار أمامهم، فندبوا من يكشف الخبر، فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السّودان تسمى هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر، وهم خلق كثير، فتقدم العسكر إليهم وقد عبؤوا أطلابهم، ولبسوا لأمة حربهم، واجتمع العسكر فى أرض خالية من الأشجار، وهى من طرق السيول [9] وقد صارت مثل البركة ولها فجّة يدخل العسكر منها، فتبعهم الأثقال فسدّت جمال أثقالهم تلك الفجة، وهلنكة من أعلا البركة [10] وبأيدى هلنكة الحراب والمزاريق والسيوف، ومع بعضهم النبل، فوقف العسكر وأرسل إليهم: إنّا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا فى طلب طائفة من العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا السبيل، وأمّنوهم، فردّوا الأمان وأبوا إلا القتال، فقاتلهم
__________
[1] فى ك، وف «أزبيناب» والمثبت من ص.
[2] نهر أبترا: لعله نهر عطبرا والوصف ينطبق عليه.
[3] كذا فى ص، وف. وفى ك «القرمان» ولعلها العربان.
[4] كذا فى ص. وفى ك، وف بدون نقط.
[5] فى ك «جبل كسلان» والمثبت من ص، وف.
[6] الإهليلج: جاء فى قاموس النباتات لحسن البابلى ص 19 «إهليلج كابلى: شجرة مسحوق ثمارها تدخن فى حالة مرض الربو» ويقال هو شجر شانك (محيط المحيط) والمنجد فى اللغة.
[7] البقس: يقال هو شجر حرجى، أوراقه بيضاوية الشكل ينبت فى المناطق الكلسية، ومنه ما يزرع للزينة فى الحدائق على جنب الممرات، وخشبه ثمين. والكلمة يونانية (المنجد) .
[8] الحمر: كذا فى ص. وفى ك «الحمس» والمثبت صوبه ابن ميمون فى شرح أسماء العقار رقم 381، وهو شجر من فصيله القرنيات (معجم الألفاظ الزراعية) .
[9] فى ك «طريق السيل» والمثبت من ص، وف.
[10] ما بين الرقمين 9، 10 من ص.
(32/242)

العسكر ورموهم رشقا واحدا واحدا بالسهام، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفرا، وجرح منهم خلق كثير، ولم يتمكن العسكر من أسرهم فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر، وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان العسكر، وكان سبب اجتماعهم بهم وسلامتهم منهم أنهم كانوا انقطعوا وراء العسكر وناموا، فلحقهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم، فسألوهم من أين أنتم؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم، فقالوا:
نحن تجار أغار علينا هذا العسكر ونهبونا، وأخذوا أموالنا وأسرونا. فلما قاتلتموهم [1] هربنا منهم، فرقّوا لهم وأطلقوهم، وذكروا لهم عدة من قتل منهم.
ولما انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا أحمالهم فأخذ العسكر منها [2] ما قدروا على حمله من الذرة- وليس لهم طعام غيرها- وحملوا حاجتهم من الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم، وذلك فى سادس شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة، وعادوا حتى انتهوا إلى أرنيباب، ولم يمكنهم الرجوع على الطريق الذى دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوفات، فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوما، وكانت دوابهم ترعى من الحلفاء [3] ، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب فأقاموا هناك يوما وتوجه [4] سيف الدين أبو بكر بن والى الليل فى الرسلية [5] من جهة متولى الأعمال القوصية الأمير سيف الدين طقصبا إلى متملك الأبواب، فخاف ولم يأت إلى العسكر، وأرسل إليهم بمائتى رأس بقر وأغنام وذرة، ونهب العسكر ما وجدوه بتلك الجهة من الذرة، وتوجهوا إلى مدينة دنقلة فى سبعة عشر يوما فى أرض كثيرة الأشجار والأفيلة والقرود والنسانيس والوحش الذى يسمى المرعفيف [6] ، فأقاموا ثلاثة أيام- وملكها عبد الله برشنبوا كما تقدم- وأضاف العسكر وزودّهم، وتوجهوا إلى ثغر أسوان ثم إلى مدينة قوصى، وأقاموا بها خمسة عشر يوما، وحصل للعسكر فى هذه
__________
[1] فى ك «قاتلوهم» والمثبت من ص، ويستقيم به السياق.
[2] فى ك، وف «فيها» والمثبت من ص.
[3] الحلفائى والحلفة، فى الأصول «الحلف» والحلفاء، نبات أطرافه محددة كأنها سعف النخيل والخوص ينبت فى مغايض المياه (المنجد) .
[4] فى الأصول «وتؤخر» ولعل الصواب ما أثبته.
[5] الرسلية: قافلة البريد.
[6] كذا فى الأصول، ولم اهتد إلى التعريف به.
(32/243)

السفرة مشقة كثيرة وكلفة عظيمة، حتى أبيعت تطبيقة النعال بينهم بخمسين درهما، وأبيع رطل البقسماط [1] بدرهم ونصف إذا وجد، ونفق أكثر خيل العسكر وجمالهم، ورجع أكثرهم إلى ساحل مصر فى المراكب لأمور، منها: عدم الظهر، ومنها أن النيل كان قد عمّ البلاد، وقطع الطرق إلا الجبال، وكان وصول العسكر إلى القاهرة المحروسة فى يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة.
ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب وإرساله إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الصفدية
وفى يوم الخميس الرابع عشر من شوال رسم السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب- كان- وخلع عليه تشريفا كاملا طرد [2] وحش مذهب، وقباء، وكلّوته زركش، وشاش رقم، وحياصة ذهب، ورسم له نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية والفتوحات الأشرفية، وخلع عليه تشريفا ثانيا كاملا وسيفا وحياصة، وأنعم عليه بمائتى ألف درهم، [99] وتوجّه على خيل البريد فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من الشهر إلى دمشق، وكان نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز قد توجّه لزيارة القدس والخليل، وطلب الصيد بجهة الساحل، فاجتمع به ووصل معه إلى دمشق، وتوجّه منها إلى صفد فى عاشر ذى القعدة.
وفى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أرغن
نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف بعد سفر المحمل بأيام.
__________
[1] البقسمات: كلمة فارسية تعنى نوعا من الكعك المجفف، واللفظ مستعمل بين الكافة فى مصر.
[2] وانظر ص 366 تعليق رقم (2) .
(32/244)

وفى يوم السبت العشرين من ذى الحجة منها وردت مطالعة الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية يتضمن أن جماعة من التتار المغول نحو ألف فارس أغاروا على أطراف البلاد الحلبية، وانتهوا إلى قرب قلعة كختا [1] فنزل إليهم من القلعة نحو مائتى فارس ومن انضم إليهم من التركمان، واقتتلوا يوما كاملا حتى حجز بينهما الليل، ثم باكروا القتال واقتتلوا حتى أشرف التتار على أخذهم، وأنهم لما تحققوا الموت صدقوا فى القتال وحملوا حملة رجل واحد فكانت الهزيمة على التتار، فقتل أكثرهم وأسر منهم ستة وخمسون فارسا من أعيانهم، فمنهم: ثلاثة من مقدمى الألوف، واسترجع العسكر ما كانوا نهبوه من أطراف البلاد، وغنموا ما كان معهم من الخيل والعدة، فرسم السلطان بالإنعام والزيادة لهذه الطائفة المجاهدة، وكتب إلى نائب السلطنة بحلب بحمل الأسرى ورءوس القتلى إلى الديار المصرية، وأن يؤدى خمس الغنيمة فى المجاهدين، فوصلت الأسرى فى صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة.
وفى ذى الحجة من هذه السنة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية بوفاة خربندا ملك التتار، وذكر أنه توفى فى سادس شوال من السنة، وأنه كان قد أمر بإشهار النداء أن لا يذكر أبو بكر وعمّر رضى الله عنهما، وكان ذلك فى يوم سبت فمات قبل أسبوع، وذكر أنه كان قد عزم على تجهيز ثلاثة آلاف فارس مع حميضة بن أبى نمىّ إلى المدينة النبوية، لنقل أبى بكر وعمر من مدفنهما، فعجّل الله هلكه، وهذه عادة الله تعالى فيمن طغى وتجبّر.
__________
[1] انظر ص 345 تعليق رقم (2) .
(32/245)

وفى هذه السنة فى مستهل شهر رجب توفّى القاضى عز الدين أحمد بن جمال الدين محمد بن أحمد بن ميسّر المصرى [1] بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده بمصر فى ليلة يسفر صباحها عن الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان رجلا ساكنا، ولى المناصب الجليلة: نظر الدواوين بالشام، ونظر المملكة الطرابلسية، ونظر النّظّار بالديار المصرية، وغير ذلك، وكان سيّئ التدبير ردئ التصرف فى حق نفسه، لا يزال يزرع الأقصاب لنفسه بالديار المصرية، ويدولب المعاصر وهو يغرم ولا يستفيد، ويقترض الأموال ويعيد الدّولبة ويغرم، ولم يزل على ذلك إلى أن مات وعليه جملة كثيرة من الديون الشرعية أصلها من المتاجر والدّواليب، ولو اقتصر على معلوم مباشراته كان يزيد على كفايته- رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الخميس عاشر شعبان توفى الطواشى الأمير ظهير الدين مختار المنصورى المعروف بالبلبيسى [2] أحد الأمراء والخزندار بدمشق، وكان شهما شجاعا زكيا ديّنا خبيرا [3] رماحا كريما، حسن الشكل واللباس، يتلو القرآن بصوت حسن، وفرق أمواله وجواريه وخيوله وعدده على عتقائه قبل وفاته، ووقف أملاكه على تربته وعتقائه، وقد رافقته بدمشق فى ديوانه الخاص، فكان حسن الرّفقة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى [4] أحد الأمراء المقدمين بدمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر شعبان، [100] ودفن برأس ميدان الحصى- رحمه الله تعالى-.
__________
[1] وانظر البداية والنهاية 14: 77، وفيه «ابن مبشر- بدلا بن ميسر» .
[2] انظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 78، والدرر الكامنة 4: 344، والنجوم الزاهرة 9: 237، والدليل الشافى 2: 730.
[3] فى الأصول كلمات لا معنى لها. والمثبت من البداية والنهاية 14: 79، والنجوم الزاهرة 9: 237.
[4] له ترجمة فى البداية والنهاية 14: 79.
(32/246)

وتوفيت شيختنا أم محمد وزيرة [1] ابنة الشيخ عمر بن أسعد بن منجّا الشّوخيّة بدمشق فى الليلة المسفرة عن ثامن عشر شعبان سنة عشر وسبعمائة، ومولدها فى سنة أربع وعشرين وستمائة- كذا نقلته من خط الشيخ علم [2] الدين البرزالى.
وقال الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه سنة ثلاث وعشرين، روت صحيح البخارى عن ابن الزبيدى، وسمعته عليها بالقاهرة فى جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، وسمع عليها وعلى الحجّار فى هذه السنة بقلعة الجبل والقاهرة وظاهرها ومصر خمس مرات، أوّلها بقلعة الجبل بدار النيابة بالطبقة الحسامية فى السادس والعشرين من صفر، وآخرها بالقلعة فى أواخر جمادى الآخرة وأوائل شهر رجب- رحمها الله تعالى.
وفى هذه السنة- فى يوم الثلاثاء رابع عشر شعبان- توفى القاضى جمال الدين أبو محمد عبد الله ابن شيخنا قاضى القضاة بدر الدين أبى عبد الله [3] محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعه الكنانى الشافعى، وكانت وفاته بجامع الأقمر [4] عند آذان العصر ودفن من الغد بتربة والده بالقرافة الصغرى بخط الخندق، وكان رحمه الله تعالى شابا حسن الصورة والعشرة كريما كثير التردد إلى الناس والاستمالة لخواطرهم، وكان يدأب فى
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى البداية والنهاية 14: 79 «ست الوزراء» وكذا فى شذرات الذهب 6: 40، وذيول العبر ص 88، وفى السلوك 2/1: 169 «ست الوزراء أم محمد وزيرة، وفى النجوم الزاهرة 9: 237 «أم محمد ست الوزراء المعروفة بالوزيرة» .
[2] هو أبو محمد القاسم بن محمد بن البرزالى، علم الدين المتوفى سنة 739 هـ وانظر البداية والنهاية 14: 185، وطبقات الشافعية 6: 246، وشذرات الذهب 6: 132، وذيول العبر ص 209، والدرر الكامنة 3: 237، والنجوم الزاهرة 9: 913.
[3] ما بين القوسين إضافة من ص.
[4] جامع الأقمر: هو الذى يسمى حاليا جامع الفاكهيبن، عمره الخليفة الظافر بنصر الله إسماعيل ابن الخليفة الحافظ لدين الله الفاطمى سنة 548 هـ. وهو موجود إلى اليوم باسم جامع الفاكهانى بشارع العقاد بن عند تلاقيه بشارع الشوايبن، ويقال إنه عرف بذلك لأن سوق الفاكهة كان فى ذلك الوقت بالقرب منه (النجوم الزاهرة 5: 290 هامش) .
(32/247)

نسج المودة بين والده والأكابر، ويجتهد فى قضاء حوائج الناس، وكان يتصدق على الفقراء- رحمه الله تعالى-[1] وأصيب والده فيه فصبر صبرا جميلا [1] .
وتوفى الصاحب ضياء الدين أبو بكر بن عبد الله النشّائى [2] فى الليلة المسفرة عن تاسع شهر رمضان بالقاهرة بحارة الجودرية [3] ، وهو يومئذ ناظر الخزانة، ودفن بالقرافة- رحمه الله تعالى. ولما مات ولى نظر الخزانة بعده قاضى القضاة تقى الدين أحمد ابن قاضى القضاة عز الدين الحنبلى.
وتوفى القاضى محب الدين على ابن شيخنا الإمام العالم العلامة تقى الدين محمد بن وهب بن على القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد [4] ، وكانت وفاته فى ليلة يسفر صباحها عن العشرين من شهر رمضان، ودفن بالقرافة فى تربة والده- رحمهما الله تعالى- وكان قد انقطع بعد وفاة والده انقطاعا حسنا، وأكبّ على الاشتغال بالعلم الشريف، وكان يدرس بالمدرسة الكهارية [5] ، ومولده بمدينة قوص فى ثانى صفر سنة سبع [6] وخمسين وستمائة.
وفيها فى عاشر ذى القعدة توفى الشيخ الكاتب المجيد المحمود نجم الدّين موسى بن علىّ بن محمد الحلبى ثم الدمشقى المعروف بابن البصيص [7] ، ودفن بمقابر باب الصغير [8] ، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، وكان شيخ الكتابة بدمشق، كتب وهو صغير، يقال: إنه كتب نحو خمسين سنة [9] رحمه الله تعالى.
__________
[1- 1] ما بين الرقمين إضافة من ص.
[2] البداية والنهاية 14: 79، والسلوك 2/1: 170.
[3] المدرسة الكهارية: تنسب إلى درب الكهارية الواقع بجوار حارة الجودرية، ومكانها اليوم الجامع المعروف بجامع الجودرى بشارع الجودرية، ومكتوب على اللوح الرخام المثبت بأعلى باب هذا الجامع أن الذى أنشأ مدرسة هو الملك السعيد محمد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس فى سنة 677 هـ. (النجوم الزاهرة 9: 67 هامش) .
[3] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 170 «سنة تسع وسبعين» .
[4] وانظر البداية والنهاية 14: 79، والدرر الكامنة 4: 376، وذيول العبر ص 89، والنجوم الزاهرة 9: 232.
[5] باب الصغير: أحد أبواب دمشق، فى قبليه مقبرة بها دفن كثير من الصحابة والتابعين (النجوم الزاهرة 3:
289 هامش) .
[6] فى ك «خمس وستين» والمثبت من ص، وف.
[7] وانظر البداية والنهاية 14: 80، والوافى بالوفيات 4: 264، والدرر الكامنة 4: 115، وذيول العبر ص 90، ودول الإسلام 2: 170، وطبقات الشافعية 6: 23، وشذرات الذهب 6: 40، والدليل الشافى 2: 668.
[8] ما بين القوسين إضافة من ص.
[9] ما بين القوسين إضافة من ص. وللجزرى هذا كتاب كبير اسمه «جواهر السلوك فى الخلفاء والملوك» مخطوط بدار الكتب المصرية. وانظر فهرس الكتب العربية بالدار 5: 80.
(32/248)

وتوفى الشيخ صدر الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عمر بن مكى بن عبد الصمد العثمانى الشافعى المعروف بابن المرحّل وابن الوكيل وابن الخطيب [1] ، وكانت وفاته فى بكرة نهار الأربعاء الرابع والعشرين من ذى الحجة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بتربة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة، ومولده بثغر دمياط فى تاسع عشرين شوال سنة خمس وستين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا كريما حسن الأخلاق والعشرة [2] رقيق الشعر [2] جيد البديهة- رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة سبع عشرة وسبعمائة بالأربعاء
فى هذه السنة [101] فى صفر حصل الشروع فى إنشاء جامع بظاهر مدينة دمشق خارج باب النصر، أمر بإنشائه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام، وحضر القضاة والموقتون لتحرير سمت القبلة به، وتكرروا مرارا حتى وضعوا محرابه وضعا صحيحا، وذلك فى الخامس والعشرين من الشهر.
ذكر حادثه السيل ببعلبك
وفى هذه السنة فى العشر الأول من شهر ربيع الأول ورد إلى الأبواب السلطانية مطالعة نائب السلطنة بدمشق تتضمن: أنه لما كان فى يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر جاءت سيول عظيمة إلى مدينة بعلبك، فهدمت أسوارها ودور المدينة، وأحصى من دفن إلى يوم تسطير مطالعة نائب بعلبك إلى نائب السلطنة بالشام فكانوا ألفا وخمسمائة نفر- خارجا من هو تحت الردم.
وحكى الشيخ [3] شمس الدين [3] محمد إبراهيم الجزرى فى تاريخه: أن هذه الحادثة لما وقعت جهّز نائب السلطنة بدمشق الشيخ جمال الدين بن الشّريشى وكيل بيت المال إلى بعلبك لكشفها وإيقاع الحوطة على موجود
__________
[1] وانظر الربداية والنهاية 14: 80، والوافى بالوفيات 4: 264، والدرر الكامنة 4: 115، وذيول العبر ص 90، ودول الإسلام 2: 170، وطبقات الشافعية 6: 23، وشذرات الذهب 6: 40، والدليل الشافى 2: 668.
[2- 2] ما بين القوسين إضافة من ص.
[3- 3] ما بين القوسين إضافة من ص. وللجزرى هذا كتاب كبير اسمه «جواهر السلوك فى الخلفاء والملوك» مخطوط بدار الكتب المصرية. وانظر فهرس الكتب العربية بالدار 5: 80.
(32/249)

من هلك بسبب السيل ولا وارث له غير بيت المال، وأن الشيخ توجّه لذلك وعاد فى شهر ربيع الأول، وأحضر أوراقا بصورة الكشف، قال: وقفت عليها ونقلها [1] فى تاريخه، وملخصها: أن الذى هدمه السيل الواقع بمدينة بعلبك فى التاريخ المذكور، وسعته من الجامع والمساجد والسور والدور والحوانيت والحمامات والطواحين والاصطبلات، وما عدم فيه من الرجال والنساء والأطفال والخيول والدواب وغير ذلك، وخصّ بيت المال منه نصيب، وذلك مما أمكن ضبطه من المعروفين، خارجا عن الغرباء الذين كانوا بالجامع والمساجد والطرقات ولم يعرفوا، وذلك خارجا عن الكروم والبساتين ظاهر المدينة، ما عدّته من الرجال والنساء والأطفال: مائة وسبعة وأربعون [2] نفرا، وبيوت ثمانمائة وخمسة وسبعون [3] بيتا «خرابا» أربعمائة وواحد وثمانون، ومشعثة:
أربعمائة وأربعة عشر بيتا، حوانيت: مائة وواحد وثلاثون حانوت خراب: أربعة وخمسون، ومشعثة: سبعة وسبعون. بساتين داخل البلد: أربعة وأربعون، الجامع المعمور والمدارس والمساجد: ثلاثة عشر عددا أفدنه سبعة عشر دمن [4] خراب: اثنتان، قنى السيل أربعة، طواحين: إحدى عشرة: خراب:
اثنتان ومشعثة: تسع، المدبغة: مشعثة، خيل: أربعة وبغال: إثنان ودواب:
خمسة وباقر [5] رأس واحد، وذكر فى الأوراق تفصيل ذلك بحاراته وبقاعه، وهدم من السور برجا كاملا ذرعه ثلاثة عشر ذراعا فى السّفل وارتفاعه ثمانية وثلاثون ذراعا وبعض بدنتين [6] ، وذكر أشياء كثيرة من هذا النوع، وهذا لا ينافى ما تضمنته المطالعة الواردة إلى الأبواب السلطانية، فإن الأوراق إنما اشتملت على من لبيت المال نصيب فى ميراثه، والمطالعة شاملة [7] .
__________
[1] كذا فى ص، وف. وفى ك «نقلتها» .
[2] والذى فى السلوك 2/1: 171 «أن الذين ماتوا بلغ عددهم ألف وخمسمائه إنسان سوى من مات تحت الردم «وانظر البداية والنهاية 14: 81.
[3] وفى المرجع السابق «وتسعون» .
[4] كذا فى ص، وف. وف ك «ومن» .
[5] الباقر: هو جماعة البقر.
[6] البدنة: من اصطلاحات البناء للأسوار. وتعنى كتف الجدار أو دعاماته.
[7] وانظر البداية والنهاية 14: 81.
(32/250)

ذكر حادثة الهواء بالبلاد الحلبية وما حصل بسببه
وفى يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الأول فى الساعة الثامنة من النهار ثار بمدينة حلب هواء عظيم مزعج أثار غبارا عظيما، واقترن ببرق مترادف ورعد قوى، وأظلم الجوّ حتى لا يبصر الإنسان رفيقه إلى جانبه، ولا يستطيع أن يفتح عينه، حتى تيقّن الناس الهلاك، ثم وقع مطر عظيم وبرد مع وجود الهواء، وامتدّ الهواء والمطر على إقليم جبل سمعان غربى مدينة حلب، فاقتلع أشجارا كثيرة [1] رومانيّة من البلّوط والزيتون والكروم، وكان يقتلع الشجرة العظيمة من الأرض بعروقها، وأهلك [102] من [2] مرّ عليه من [2] المسافرين، وما مرّ على بلد إلا خرّبه خرابا فاحشا، فأخرب عشر قرى [3] وهى: تذبل، وكفر عمه [4] وكفر جور، وبالا، وأم تحنين، والربيعية، ومعاد، وعين جارا، وبراطون [4] والأبزمو وأهلك من بهذه القرى من الناس والدواب والوحش والطير، واجتمع من المطر سيل عظيم مرّ على وادى العسل وهو واد كبير فيه الدّرب السلطانى، يسلكه المارون من مدينة حلب إلى جميع إقليم جبل سمعان، وإلى أعمال حارم وغيرها، فامتلأ وغرّق ما مرّ عليه من الناس والدواب، وامتنع من سلوكه مدة، وخرج من الهواء المذكور عمود يرمى بشرر من نار، وجاء إلى كنيسة الربيعية، وهى كنيسة قديمة رومانية مبنية بحجارة هرقلية كل حجر منها لا يشيله عشرة من العتالين، محكمة البناء، ودخل العمود إلى هذه الكنيسة واقتلعها من أساسها وحملها فى الجو صعدا مقدار رمية نشاب وأكثر، وهى بحالها لم يتغير حجر عن حجر، وشاهدها على ذلك من سلم من الناس ممن كان خارجا عن هذا العمود من الهواء، وجعلوا يستغيثون ويجأرون إلى الله تعالى، ويسبحونه ويستغفرونه، ولما انتهت الكنيسة فى العلو إلى هذه الغاية انتقضت أحجارها وتساقطت إلى الأرض، فمن الحجارة ما غاص فى الأرض وغاب، ومنها ما غاص نصفه وأقل من ذلك وأكثر، وبقى مكان أساس الكنيسة شبه الخنادق.
__________
[1] كذا فى ك. وفى ص، وف «كبيرة» .
[2- 2] ما بين الرقمين إضافة من ص، وف.
[3] فى الأصول «قرايا» ويقال إن قرايا جمع لقرية النمل.
[4- 4] ما بين الرقمين إضافة من ص.
(32/251)

أخبرنى بذلك الأمير علاء الدين أيد غدى الشهرزورى المتقدم ذكره عن كتاب شهاب الدين أحمد ولده إليه، قال: ولما وصل إلى كتابه بذلك أعدت جوابه أسأله عن تحقيق هذا الأمر، فكتب إلى: هذا أمر محقق وإن نائب السلطنة جهّز جماعة لكشف [1] هذه الحادثة، وكان هو ممن ندب لكشف [1] ذلك، وقد بلغتنى هذه الواقعة من غير الأمير علاء الدين المذكور، واشتهرت، وآيات الله تعالى ومعجزاته كثيرة، نعوذ بالله تعالى من سخطه، ونسأله رضاه وعفوه ومغفرته.
وفى هذه السنة فى شهر ربيع الأول أيضا ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثه أمير مكة إلى الأبواب السلطانية يتضمن: أن أخاه عز الدين حميضة قدم من بلاد العراق، وكان قد تسحّب إليها والتحق بخربندا كما تقدم، وأنه وصل الآن على فرس واحد ومعه اثنان من أعيان التتار، وهما: درقندى- وقيل فيه دلقندى [2]- وملك شاه ومعهم ثلاث وعشرون راحلة، وأنه كتب إلى أخيه رميثة يستأذنه فى دخول مكة؛ فمنعه إلا بعد إذن السلطان. فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية على عزم الإقامة بها فله الأمان ويسامحه بذنوبه السالفه، وأما الحجاز فلا يقيم فيه، وكتب إلى درقندى وملكشاه بالأمان، وأن يحضرا، وأخبر من وصل أنهم لقوا فى طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز، وأن العربان نهبوهم، فنهب لدرقندى أموال جمة وأنه وصل على فرس واحد مسافة عشرين ليلة، وقد حكى عن الأمير محمد بن عيسى أخى مهنّا أن الملك خربندا كان قد جهّز دلقندى المذكور فى جمع كثير مع عز الدين حميضة قبل وفاته إلى الحجاز لنقل الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما من جوار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن الأمير محمد المذكور جمع من العربان نحو أربعة آلاف فارس وقصد المقدم المذكور وقاتله ونهبه، وكسب العرب منه جملة عظيمة من الذهب والدارهم، حتى إن فيهم جماعة حصل للواحد منهم نحو ألف دينار غير الدواب والسلاح وغير ذلك، وأخذوا الفئوس والمجارف التى كانوا قد هيئوها لنبش قبر [3] [الشيخين] أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وكان ذلك فى الحجة سنة ست عشرة وسبعمائة،
__________
[1- 1] ما بين الرقمين إضافة من ص.
[2] فى ك «وقفدى» والمثبت من ص، وف. وفى إتحاف الورى 3: 155 «درقندى وقيل دقلندى»
[3] ما بين الحاصرتين يقتضيه السياق.
(32/252)

ولما ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثة إلى السلطان بما تقدم ندب السلطان إلى مكة- شرفها الله تعالى- الأميرين سيف [1] الدين أيتمش المحمدى، وسيف الدين بهادر السّعيدىّ [2] أمير علم، وأمرهما أن يستصحب كلّ واحد منهما عشرة من عدته وجرّد معهما من كل أمير مائة جنديّين، ومن كل أمير طبلخاناه جنديا واحدا، وتوجّها إلى مكة لإحضار حميضة ومن حضر من التتار، فتوجها فى يوم السبت [103] سادس عشر ربيع الأول بمن معهما، ووصلا إلى مكة وأرسلا إلى حميضة فى معاودة الطاعة، وأن يتوجّه معهما إلى الأبواب السلطانية، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه ومن معه فى سفره، وطلب منهما ما يستعين به على ذلك، فلما قبض المال تغيّب، وعادا إلى القاهرة فوصلا فى يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة.
وفى هذه السنة فوّض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام مالك بن أنس للقاضى فخر الدين أحمد ابن القاضى تاج الدين سلامة بن سلامة الإسكندرىّ المالكى، فى الثالثة والعشرين من شهر ربيع الآخر، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين الزواوى، وكان قد عجز عن القضاء، واشتدت به الرعشة، وثقل لسانه، فعزل بسبب ذلك، وتوجّه القاضى فخر الدين إلى دمشق، فوصل إليها فى السابع والعشرين من جمادى الأولى، ولم تطل مدّة القاضى جمال الدين بعد وصوله، فإنه مات فى تاسع جمادى الآخرة على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
ذكر توجه السلطان إلى الشام، ووصوله إلى الكرك، وإفراجه عمن يذكر من الأمراء، وعوده
وفى يوم الخميس رابع جمادى الأولى من السنة توجّه السلطان إلى جهة الشام، وكان قد كتم مقصدة عن سائر الناس حتى عن خواصه، وأظهر أن مقصده بسبب الصيد واستكثر من الروايا فكان معه لخاصّه ما يزيد على ألف راوية، وحمل الأمراء كل أمير بحسب حاجته من ثمانين راوية إلى عشرين،
__________
[1] فى ك «الأمير» والمثبت من ص، وف.
[2] وفى إتحاف الورى بأخبار أم القرى 3: 157 «السعدى» .
(32/253)

وكذلك من معه من مقدمى الحلقة المنصورة، وصحبته جماعة من الأمراء والمقدمين، وتوجّه فوصل إلى غزة فى الثامن عشر من الشهر، وتوجّه إلى زيارة القدس والخليل عليه السلام، ثم إلى الكرك، وحضر إلى خدمته بالكرك الأمير سيف الدين تنكر نائب السلطنة بالشام، ثم توجّه السلطان من الكرك إلى الشّوبك وتصيّد هناك، وأفرج فى هذه السّفرة عن الأميرين [1] ركن الدين بيبرس الدّوادار، وسيف الدين بهادر آص المنصوريين فى يوم الخميس ثانى جمادى الآخرة، وعاد السلطان إلى مقرّ ملكه، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الأولى من نهار الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة من السنة، ووصل الأميران إلى قلعة الجبل، فخلع السلطان عليهما، وأمّر كلّ واحد منهما وقدّمه على ألف على [2] عاداته.
واستقر الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار بالديار المصرية، وجلس رأس الميسرة، وأعيد الأمير سيف الدين بهادر آص إلى دمشق على عادته، فكان وصوله إليها فى يوم الإثنين رابع شهر رجب.
ذكر خبر النيل المبارك فى هذه السنة
وإنما خصصنا هذه السنة بذكره لأنه وقع فيه من الغرائب فى أمره ما لم تجر بمثله عادة، وذلك أن النيل المبارك وفّى بمقياس مصر فى يوم السبت الثالث عشر من جمادى الأولى الموافق التاسع عشرين أبيب ستّة عشر ذراعا، وحصل التخليق وكسر سدّ [3] الخليج فى هذا اليوم، وما وقع مثل ذلك فى هذا العصر؛ فإن العادة فى غالب السنين أن يكون الوفاء فى الآخر من مسرى وفى الأوسط منه، وربما تأخّر عن ذلك فيكون فى أيام النسىء وأوائل توت، ثم زاد بعد ذلك وأخذ فى النقص والزيادة، فكانت زيادته إلى آخر مسرى ذراعا واحدا، [104] ثم وقف مدة وزاد أخرى، فبلغت زيادته إلى آخر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة الموافق لتاسع توت سبعة عشر ذراعا وتسع أصابع، وزاد فى يوم الأربعاء عاشر توت خمس أصابع، وفى بكرة الخميس الذى يليه تسع أصابع، وفى يوم الجمعة ثانى عشر توت خمس أصابع، وفى
__________
[1] فى ك «الأمير» والمثبت من ص، وف.
[2] هذا اللفظ من ص.
[3] هذا اللفظ من ص، وف.
(32/254)

يوم السبت والأحد أربع أصابع فى كل يوم أصبعين؛ فكملت زيادته بمقياس مصر ثمانية عشر ذراعا وست أصابع، ولما غلق الذراع الثامن عشر غرّق كثيرا من الأدر [1] المجاورة له بساحل مصر والروضة، وغرّق الأقصاب والبساتين، وقطع الطريق فيما بين القاهرة ومصر فى عدة مواضع، فأمر السلطان بقطع الخلجان التى عادتها تكسر فى عيد الصّليب، مثل بحر أبى الرّجا [2] والكينونة وغيرها، وذلك قبل الوقت المعتاد، والعادة جارية أن هذه الخلجان إذا قطعت ينقص بحر النيل بسبب قطعها نحو ثلثى ذراع؛ لما ينصب فيها منه، فلم يضطرب النيل لقطعها ولا توقّف، بل زاد ما ذكرناه، ولعله لو لم تقطع هذه الخلجان العظيمة كان بلغ فى الزيادة إلى أكثر مما انتهى إليه، وعم فساده، ثم ثبت النيل بعد ذلك على البلاد ثبوتا حسنا إلى حد الاستغناء عنه، فأخذ فى النقص، فكان ينقص قليلا، ثم يثبت مدة، ثم ينقص، حتى أخذت الأراضى حاجتها من الرى وهبط والحمد لله.
ذكر إفراد مصر عن قاضى الحنفية [3]
وفى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رجب فوّض قضاء القضاة الحنفية بمصر للقاضى سراج الدين عمر ابن شهاب الدين محمود، وخلع عليه بطرحه على عادة القضاة، وجلس بجامع مصر، وحكم فى هذا اليوم، واختزل ذلك من ولاية قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرى الحنفى، واستقر بالقاهرة خاصة، وصار القضاة الأصول خمسة، وهم: قاضى القضاة بدر الدين الشافعى، وقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف، وقاضيا القضاة الحنفيان المذكوران، وقاضى القضاة تقى الدين أحمد الحنبلى، وكان السبب فى ولاية سراج الدين المذكور القضاء أن قاضى القضاة شمس الدين الحنفى المذكور
__________
[1] الأدر: كذا وردت فى الأصول، والمراد جمع دار. وفى المراجع اللغوية: أن دار تجمع على دور، وديار، وأدؤر: وأدوره، وأدوار، ودوران وديران.
[2] كذا فى الأصول. ولعل المقصود بحر أبى المنجا. وقد حفر سنة 506 هـ فى عهد الخليفة الآمر الفاطمى، وكلّف بحفره أبو المنجا بن أشعيا اليهودى، ويخرج هذا البحر من النيل قرب شبرا (خطط المقريزى 1: 171، 487.
[3] موضع هذا العنوان بياض في ك، والمثبت من ص، وف.
(32/255)

طلب منه أن يحكم بتعويض الورثة الظاهرية [1] عن قرار إسطبل الأمير سيف الدين بكتمر السّاقى المطلّ على بركة الفيل بظاهر القاهرة. ويمكّن هو قرار إسطبله. فامتنع من ذلك، ووافق سراج الدين على الحكم بصحة ذلك إن هو ولّى، فولّى لذلك، ولم تطل مدته فى القضاء فإنه توفى إلى رحمة الله تعالى فى الثالث والعشرين من شهر رمضان من السنة، وأعيد قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى إلى ولاية القضاء بمصر على عادته، وخلع عليه، ونفعه الامتناع من الحكم بما فيه شبهة وما ضرّه العزل- وجزاه الله خيرا.
[2] وفى هذه السنة فى أواخر شعبان [2] قطع جماعة من التتار الفرات إلى جهة الشام، ووصل إلى دمشق فى سادس شهر رمضان مقدّم ألف من التتار اسمه طاطى [3] ، كان منشؤه من العراق وديار بكر بمكان يعرف بقفر ابن زغل [4] ووصل صحبته نحو مائة فارس بنسائهم وأولادهم، ثم تجهزوا من دمشق فى الشهر المذكور فوصلوا إلى القاهرة فى شوال من السنة.
ذكر [5] عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك [5] ووصول رسله
وفى شهر رمضان من هذه السنة عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك، وهم الأمير [105] علاء الدين أيدغدى الخوارزمى ومن معه، وصحبهم رسل الملك أزبك، فمثلوا بين يدى السلطان فى يوم الخميس رابع الشهر، وكان السلطان قد خطب إلى الملك أزبك امرأة من بنات الملوك من البيت الجنكزخانى، وبعث مع رسله هدية طائلة جليلة المقدار، فلما جاءت الرسل اشتطوا فى المهر فطلبوا مائة طمان من الذهب، والطمان عشرة آلاف دينار،
__________
[1] والخبر فى السلوك 2/1: 173.
[2]- 2 ما بين الرقمين يقابله بياض فى ك. والمثبت من ص، وف.
[3] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 174 «طاطاى» .
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «زغلى» .
[5- 5] ما بين الرقمين يقابله بياض فى ك. والمثبت من ص، وف.
(32/256)

فيكون جملة ذلك ألف ألف دينار، وألف ألف فرس، وألف عدة كاملة للحرب، وغير ذلك، واشترطوا أن يحضر لتسليمها جماعة من الأمراء الأكابر ونسائهم، وغير ذلك من الشروط التى لا يمكن الإجابة إليها، فنزل السلطان عن هذه الخطبة وعدل عنها إلى ما جرت العادة به من المكاتبات بينه وبين الملك أزبك، ثم كان من خبر إرسال المخطوبة من غير استدعاء من السلطان والصلة بما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر روك المملكة الطرابلسية وما يتصل بذلك [1] من إبطال الجهات المنكرة بها وأخبار النصيرية [2]
وفى سنة سبع عشرة وسبعمائة رسم السلطان بروك المملكة الطرابلسية وما أضيف إليها من الأعمال والقلاع والحصون والثغور، فكشفت النواحى، ونصب لتحريك ذلك وإتقانه القاضى شرف الدين يعقوب ناظر المملكة الحلبية، فحضر إلى طرابلس حسب الأمر الشريف، وانتصب لتحرير ذلك، وفى خدمته جماعة من الكتاب، ولم يعتمد فيه على ناظر المملكة الطرابلسية شرف الدين يعقوب الحموى، ولما تكامل ذلك حضر القاضى شرف الدين يعقوب ناظر المملكة الحلبية ومعه المكتوب إلى الأبواب السلطانية، وجلس القاضى فخر الدين ناظر الجيوش ومن معه من المباشرين، وانتصبوا لقسمة الإقطاعات وتقرير الخواص، وأفراد جهات القلاع والحصون، وكلت المملكة، فكمل ذلك فى شهر رمضان [3] من السنة واستقر لاستقبال شهر رمضان فى الهلالى والخراجى لاستقبال فعل [3] سنة سبع عشرة وسبعمائة وتوفر بسبب هذا الرّوك ما أقيم عليه ستّة أمراء أصحاب طبلخاناه وثلاثة أمراء أصحاب عشرات، وخمسون نفرا من البحرية والحلقة، ورسم بإبطال جهة الأفراج والسجون، وغير ذلك بالمملكة الطرابلسية فأبطلت، وجملة ذلك نحو مائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم فى كل
__________
[1] هذا العنوان مكانه بياض فى ك، والمثبت من ص، وف هذا الروك فى 717 هـ.
[2] فى ك «النصرية» والمثبت من ص، وف.
[3- 3] ما بين الرقمين إضافة من ص، وف وانظر السلوك 2/1: 177.
(32/257)

سنة، رسم أن يبنى بقرى النصيرية فى كل قرية مسجد ويفرد من أراضى القرية رزقة [1] برسم المسجد، وتمنع النصيرية من الخطاب ومعناه أن الصبى إذا بلغ الحلم وأنس منه الرشد يتطاول إلى المخاطبة ويتوسل إلى أبيه وقرائبه [2] فى ذلك مدة، فيجمعون له مجتمعا [3] ، يجتمع فيه أربعون من أكابرهم، ويذبح هو أووليه رأس بقر وثلاثة أرؤس من الغنم، ويفتح لهم خابيه من الخمر فيأكلون ويشربون، فإذا خالطهم الشراب أخذ كل واحد منهم يحكى حكاية عمن خوطب، وباح بما خوطب به أنه قطعت يده، أو عمى أو سقط من شاهق فمات أو ابتلى بعاهة، كل ذلك تحريض للمخاطب على كتمان ما يودع إليه من الذهب. فإذا استوثق منه تقدّم إليه المعلم فحلّفه أربعين يمينا على كتمان ما يوجب إليه، ثم يوضح له الخطاب وكيفيته على ما نقل بإلهيّة [4] على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وأن محمدا بن عبد الله كان حجابا عليه بواسطة جبريل، ويسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيد صندل [5] ويرفع عن المخاطب التكليف وعرّفه [6] أن لا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج إلا إلى مكان يزعمون أن فيه ضريح على بن أبى طالب رضى الله عنه، وأن الروح الإلهى الذى كان فيه ينتقل فى واحد واحد [7] وأنه الآن فى هذا العصر فى رجل يسميه المخاطبه ويعرفه بأن يقف عند ما يأمره به وينهاه عنه، ويحل له ويحرم عليه، ثم يعرفه أن لا غسل من جنابة، ويأخذ عليه العهد أن لا ينصح مسلما فى أكل ولا شرب ولا يسايره ولا يعامله، ويعرفه أن مال المسلمين فئ له إن استطاع ولهم سلام بينهم يعرف بعضهم بعضا به عند المصافحة والمكالمة له.
وأخبرنى من أثق به فى هذه السنة، أن الذى تزعم النصيرية أن الروح الإلهّى حلّ به رجل اسمه شرف، وهو رئيس قرية سلغنو [8] من عمل صهيون.
__________
[1] الرزقة: هو إيراد وغلة الأرض وتوزع شاهرة للإنفاق منها على مصالح المسجد وكافة شئونه- وانظر السلوك 2/1: 178 فقد أشار اختصار ذلك.
[2] كذا فى الأصول. والمراد أقاربه. أما قرائب فجمع قريبة.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «تجمعا» .
[4] فى ك «بإله» وفى ص «تأهه» .
[5] هذا اللفظ زيادة من ص.
[6] فى ك «وعزمه» والمثبت من ص، وف. وفى السلوك 2/2: 936 «ويعرفه» .
[7] هذا اللفظ من ص.
[8] كذا فى الأصول، والسلوك 2: 936. ولم ترد فى معجم البلدان.
(32/258)

ومن ظريف ما بلغنى عن شرف هذا أن بعض أهل تلك الناحية مرض فجاءه ولد المريض وسأله أن يعافى أباه فوعده بذلك، وأن أباه لا يموت فى هذه المرضة فاشتد به الوجع [106] فعاوده فأجابه بمثل ذلك، ثم مات المريض، فجاءه ابنه وقال له: لا أدعك حتى تعيده حيّا كما وعدتنى فقال له شرف: دع هذا فإن الدولة ظالمة ولا تفتح هذا الباب فإنه يؤدى إلى إلزامنا بإحياء من أرادوا إحياءه ممن يموت.
وأخبرنى المخبر أنّ شرفا هذا المذكور فيه كرم نفس وخدمة لمن يرد عليه من الأضياف وغيرهم.
ولما رسم بإبطال ما ذكرناه وبناء المساجد بقرى النّصيريّة كتب مرسوم شريف سلطانى من إنشاء القاضى كمال الدين بن الأمير مضمونه.
بسم الله الرحمن الرحيم «الحمد لله الذى جعل الدين المحمدىّ فى أيامنا الشريفة قائما على أثبت عماد واصطفانا لإشادة أركانه وتنفيذ أحكامه من بين العباد، وسهل علينا من إظهار شعائره ما رام من كان قبلنا تسهيله فكان عليه صعب الانقياد، وادّخر لنا من أجور نصره أجلّ ما يدّخر ليوم يفتقر فيه لصالح الاستعداد، نحمده على نعم بلغت من إقامة منار الحق المراد، وأخمدت نار الباطل بمظافرتنا ولولاها لكانت شديدة الاتقاد [1] ونكّست رءوس الفحشاء فعادت على استحياء إلى مستسنّها أقبح معاد. ونشكره على أن سطّر فى صحائفنا من غرر السّير ما تبقى بهجته ليوم المعاد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يجدها العبد يوم يقوم الأشهاد، وتسرى أنوار هديها فى البرايا فلا تزال آخذه فى الازدياد ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه الله بالإنذار ليوم التناد والإعذار إلى من قامت عليه الحجة بشهادة الملكين فأوضح له سبيل الرشاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه- الذين منهم من ردّ أهل الرّدّة إلى الدين القويم أحسن ترداد [2] ومنهم من عم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر سائر العباد والبلاد، ومنهم من بذل ماله للمجاهدين ونفسه فى الجهاد، ومنهم من دافع عن الحق فلا برح فى جدال عنه وفى جلاد صلاة تهدى إلى السداد ويقوّم المعوج وتثقف [3] المياد، وسلم تسليما كثيرا وبعد
__________
[1] فى الأصول «الانقياد» والمثبت من المرجع السابق 2: 937.
[2] فى الأصول «رداد» .
[3] فى الأصول «ويقف المناد» والمثبت من السلوك 2: 937 ملحق.
(32/259)

فإن الله تعالى منذ ملكنا أمور خلقه، وبسط قدرتنا فى التصرف فى عباده، والمطالبة بحقه، وفوّض إلينا القيام بنصرة دينه، وفهّمنا أنه تعالى قبض قبل خلق الخلائق قبضتين فرغبنا أن نكون من قبضة يمينه، وألقى إلينا مقاليد المماليك، وأقام [1] الحجة علينا بتمكين البسطة [1] وعدم التشاقق فى ذلك ومهّد لنا من الخير ما على غيرنا توعّر، وأعد [2] لنا من النصر ما أجرانا فيه على عوائد لطفه، لا عن مرح فى الأرض ولا عن خدّ مصعر وألهمنا إعلاء كلمة الإسلام، وإعزاز الحلال وإذلال الحرام، وأن تكون كلمة الله هى العليا وأن لا نختار علي الدار الآخرة دار الدنيا، وأن ندور مع الحقّ حيث دار، ونرغب عن هذه الدار بما أعدّه الله من جنّاته فى تلك الدار، فلم نزل [3] نقيم للدين شعارا ونعفى المنكر [4] ونعلن فى النصيحة لله ورسوله ونسرّ إسرارا، ونتتبع أثر منكر نعفّيه، وممطول بحقه نوفّيه ومعلم قربه نشيّده [5] ومخذولا استظهر عليه الباطل نؤيّده، وذا كربة نفرّجها وغريبة فحشاء استطردت بين أدواء الحيل نخرجها وميتة سيئة تستعظم النفوس زوالها فنجعلها هباء منثورا، وجملة عظيمة أسست على غير التقوى مبانيها فيحطمها كرمنا إذا الجزاء عنها كان موفورا.
فآستقصينا ذلك فى ممالكنا الشريفة مملكة مملكة واستطردنا فى إبطال كل فاحشة موبقة مهلكة، فعفّينا من ذلك بالديار المصرية ما شاع خبره، وظهر بين الأنام أثره، وطبّقت محاسنه الآفاق ولهجت به ألسنة الرعايا والرفاق، من مكوس أبطلناها، وجهات سوء عطّلناها، ومظالم رددناها إلى أهلها، وظلمة زجرناها عن ظلمها وغيها وبواق تسامحنا بها وسمحنا وطلبات خففنا عن العباد بتركها وأرحنا، ومعروفا أقمنا دعائمه وبيوتا لله عزّ وجلّ آثرنا منها كل نائية، ثم بثثنا ذلك فى سائر الممالك الشامية المحروسة، وجنينا ثمرات النصر من شجرات العدل التى هى بيد يقظتنا مغروسة» .
__________
[1- 1] ما بين الرقمين مضطرب فى الأصول. والمثبت من السلوك 2/938 ملحق.
[2] كذا فى ك، وف. وفى ص «وأعز» .
[3] فى الأصول فلم يزل يقيم» والمثبت يستقيم مع السياق.
[4] فى ك «ونصفى» والمثبت من ص، وف.
[5] وفى السلوك 2: 938- ملحق «ويعلم حق قرية يشيده» .
(32/260)

ولما اتصل بعلومنا الشريفة أن بالمملكة الطرابلسية آثار سوء ليست فى غيرها ومواطن [107] فسق لا يقدر غيرنا على دفع ضررها وضيرها، ومظان آثام يجد الشيطان فيها مجالا فسيحا، وقوى لا يوجد بها من [1] كان إسلامه مقبولا ولا من كان دينه [1] صحيحا، وخمورا يتظاهر بها، ويتّصل سبب الكبائر بسببها، وتشاع فى الخلائق تجاهرا وتشاع على رءوس الأشهاد فلا يوجد لهذا المنكر منكرا، ويحتج فى ذلك [2] بمقررات سحت لا تجدى نفعا، وتبقى بين يدي آخذها كأنها حية تسعى [2] .
ومما أنهى إلينا أن بها حانة عبّر عنها بالأفراح قد تطاير شررها، وتفاقم ضررها، وجوهر فيها بالمعاصى وآذنت- لولا حلم الله وإمهاله- بزلزلة الصياصى [3] وغدت لأولى الأهوية [4] مجمعا، ولذوى الفساد مربعا ومرتعا، يتظاهر فيها بما أمر بستره من القاذورات، ويؤتى ما يجب تجنبه من المحذورات، ويسترسل فى الانشراح فيها إلى ما يؤدى إلى غضب الجبار وتتهافت النفوس بها كالفراش على الاقتحام فى النار.
ومنها أن السجون إذا سجن بها أحد يجمع عليه بين السجن وبين الطلب وإذا أفرج عنه ولو فى يومه- انقلب إلى أهله من الخسارة أسوأ [5] منقلب، فهو لا يجد سرورا بفرجه ولا يحمد [6] عقبى مخرجه.
ومنها أن بالأطراف القاصية من هذه المملكة قرى سكانها يعرفون بالنّصيريّة لم يلج الإسلام لهم قلبا ولا خالط لهم لبّا، ولا أظهروا له بينهم [7] شعارا، ولا أقاموا له منارا، بل يخالفون أحكامه، ويجهلون حلاله وحرامه، ويخلطون ذبائحهم بذبائح المسلمين، ومقابرهم بمقابر أهل الدين، وكل ذلك
__________
[1- 1] ما بين الحاصرتين من ملحق السلوك 2: 939.
[2- 2] ما بين الحاصرتين من ملحق السلوك 2: 939.
[3] الصياصى: الحصون وكل ما يمتنع به (محيط المحيط) .
[4] المراد: أولى الأهواء.
[5] كذا فى ك، وف. وفى ص «سوء» .
[6] فى ك «لا يجد» والمثبت من ص، وف.
[7] فى الأصول «لهم بينه شعارا» والمثبت من ملحق السلوك 2: 939.
(32/261)

مما يجب ردعهم عنه شرعا، ورجوعهم فيه إلى سواء السبيل أصلا وفرعا، فعند ذلك رغبنا أن نفعل فى هذه الأمور ما يبقى ذكره مفخرة على ممرّ الأيام وتدوم بهجته بدوام دولة الإسلام ونمحو منه فى أيامنا الشريفة ما كان على غيرها عارا، ونسترجع للحق من الباطل ثوبا طالما كان لديه معارا ونثبت فى سيرة [1] دولتنا الشريفة عوارف لا تزال مع الزمن تذكر ونتلو على الأسماع قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[2] .)
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوى
السلطانى الملكى الناصرى- لا زال بالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا وزاجرا، والامتثال لأوامر الله مسارعا ومبادرا- وأن يبطل من المعاملات بالمملكة الطرابلسية ما يأتى ذكره، وهو جهات الأفراح المحذورة بالفتوحات خارجا عما لعله يستقر من ضمان الفرح الخيّر [3] وتقديرها سبعون ألف درهم، السجون بالمملكة الطرابلسية خارجا عن سجن طرابلس بحكم أنه أبطل بمرسوم شريف متقدم التاريخ، وتقديرها عشرة آلاف درهم سخر [4] الأقصاب المحدث ما بين أقصاب الديوان المعمور التى كان فلاحو الكورة [5] بطرابلس يعملون بها، ثم أعفوا عن العمل، وقرر عليهم فى السنة تقدير ألفى درهم أقصابا؛ أقصاب الأمراء بحكم أن بعض الأمراء كانت لهم جهات تزرع الأقصاب، وقدروا على بقية فلاحيهم العمل بها أو القيام بنظير أجرة العمل، وتقدير ذلك، ثلاثة آلاف درهم، عفاية النيابة بكورة طرابلس وأنفه [6] البثرون [7] وما معه
__________
[1] فى ك «فى سبق» والمثبت من ص، وف.
[2] سورة النحل آية 90.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «الحر» .
[4] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 151 «مقرر الأقصاب» .
[5] الكورة: كل صقع يشتمل على عدة قرى، ولا بد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها تلك الكورة (معجم البلدان 1: 54 بتحقيق فريد الجندى) .
[6] أنفه: بليدة على ساحل بحر الشام شرقى جبل صهيون بينهما ثمانية فراسخ (المرجع السابق 1: 322) وفى تقويم البلدان 29 «أنفه الشام: قبلها جبيل وبعدها طرابلس على ساحل الشام.
[7] البثرون: حصن بين جبيل وأنفة على ساحل الشام (معجم البلدان 1: 402) .
(32/262)

بحكم أن المذكورين كانوا يبيتون على المراكز بالبحر، فلما سدّت المراكز بالعساكر المنصورة قرر علي كل نفر فى السنة ستة دراهم، وتقدير ذلك عشرة آلاف درهم حق الديوان بصهيون [1] وبلاطنس [2] عمن كان يعانى حصيها [3] وتقدير متحصل ذلك ثلاثة الآف درهم. هبة البيادر بنواحى الكهف، مستجدة مما كان يستأدى عن كل فدان ثلاثة دراهم، وتقدير متحصله ألف درهم ضمان المستغل بطرابلس مما كان أولا بديوان النيابة بالفتوحات ثم استقر فى الديوان المعمور [108] فى شهور سنة ست عشرة وسبعمائة وتقديره أربعة الآف درهم.
ما استجد فى إقطاعات بعض الأمراء على الفلاحين مما لم تجربه عادة من حقّ حشيش وملح وضيافة، وتقديره ستة آلاف درهم فليبطل ذلك على مرّ الأزمنة والدهور إبطالا باقيا إلى يوم النشور، لا يطلب ولا يستأدى ولا يبلغ الشيطان فى بقائه مرارا وليقرأ مرسومنا هذه على المنابر ويشاع ويستجلب لنا به الأدعية الصالحة فإنها نعم المتاع.
وأما النصيرية فليعمّ فى بلادهم بكل قرية مسجد وليطلق له من أرض القرية المذكورة قطعة أرض تقوم به، وبمن يكون فيه للقيام بمصالحه على حسب الكفاية، بحيث يستنيب الجناب العالى الأميرى الكبيرى العالمى العادلى الزعيمى الكافلى الممهدى المشيّدى الذخرى الشهابى نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والحصون المحروسة ضاعف الله نعمته- من جهته من يثق إليه لأفراد الأراضى المذكورة، وتحديدها وتسليمها لأئمة المساجد المذكورة، وفصلها عن أراضى المقطعين، ويعمل بذلك أوراق ويخلّد بالديوان المعمور حتى لا يبقى لأحد من المقطعين فيها كلام، وينادى فى
__________
[1] صهيون: حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص لكنه ليس بمشرف على البحر.
وانظر معجم البلدان 3: 496.
[2] بلاطنس: حصن منيع بسواحل الشام مقابل اللاذقية من أعمال حلب (معجم البلدان 1: 566) .
[3] أى إحصاؤها.
(32/263)

المقطعين وأهل البلاد المذكورة بصورة ما رسمنا به فذلك وكذلك رسمنا أيضا بمنع النصيرية المذكورين من الخطاب وأن لا يمكنوا بعد ورود [1] مرسومنا هذا من الخطاب جملة كافة [2] وتؤخذ الشهادة على أكابرهم، ومشايخ قراهم بأن لا يعود أحد إلى التظاهر بالخطاب، ومن تظاهر به [3] قوتل أشد مقاتلة فلتعتمد مراسمنا الشريفة ولا يعدل عن شئ منها، ولتجر المملكة الطرابلسية مجرى بقيّة الممالك المحروسة فى عدم التظاهر بالمنكرات وتعقبه آثار الفواحش وإقامة شعائر الدين القويم فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[4] والاعتماد على الخط الشريف أعلاه إن شاء الله عز وجل.
كتب فى السابع من شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حسب المرسوم الشريف والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
هذا ما تضمنه المرسوم السلطانى ومنه نقلت وقد كانت كتبت فتيا فى أمر النصيرية وتضمنت اعتقادهم وما هم عليه، وأجاب عن ذلك الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وقد رأينا أن نذكر نص الفتيا والجواب فى هذا الموضع، لما فى ذلك بيان ما تعتقده هذه الطائفة الملعونة، والذى كتب هذه الفتيا التى تذكر، شهاب الدين أحمد بن محمود بن مرى الشافعى ونسختها بعد البسملة.
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين وإخماد [5] شغب المبطلين، فى النصيرية القائلين باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقدم العالم، وإنكار البعث والنشور، والجنة والنار فى غير الحياة الدنيا وبأن الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء [6] وهى: على، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة، فذكر هذه الأسماء الخمسة
__________
[1] هذا اللفظ من ص.
[2] فى الأصول «كافية» والمراد جملة كلهم لا يستثنى منهم أحد.
[3] هذا اللفظ من ص.
[4] سورة البقرة آية 181.
[5] فى الأصول «وإخمال» والمثبت من مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 35: 145.
[6] فى الأصول «أشياء» والمثبت عن المرجع السابق.
(32/264)

على رأيهم يجزيهم عن الغسّل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها وبأن الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم فى كتبهم، ويضيق هذا الموضع عن إيرادهم [1] وبأن إلههم الذى خلق السموات والأرض هو، علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فهو عندهم إله فى السماء والإمام فى الأرض، وكانت الحكمة [109] فى ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أنه يؤنس خلقه وعبيده وليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه.
وبأن النصيرى عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم، ويزوّجونه من نسائهم حتى يخاطبه معلمه.
وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلّفوه على كتمان دينه ومعرفة شيخه [2] وأكابر أهل مذهبه وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربّه وإمامه بظهوره فى أكواره [3] وأدواره فيعرف انتقال الاسم والمعنى فى كل حين وزمان فالاسم عندهم فى أول الناس آدم، والمعنى شيث [4] والاسم هو يعقوب والمعنى يوسف، ويستدلون على هذه الصورة- كما يزعمون- بما فى القرآن العزيز حكاية عن يعقوب ويوسف عليهما السلام، فيقولون: أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن يتعدى منزلته فقال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
[5] وأما يوسف فإنه كان المعنى المطلوب، فقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
[6] فلم يعلّق الأمر بغيره لأنه علم أنه هو الإله المتصرف، ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون يوشع [7] ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره. وهل ترد الشمس إلا لربها؟! ويجعلون سليمان هو الاسم
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «إبرازهم» .
[2] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى «مشائخه» .
[3] أكواره وأدواره: أى طبائعه وسجاياه وأطواره. وفى مجمع الفتاوى «أنواره» .
[4] شيث: هو ثالث أولاد آدم عليه السلام. ووصيه. وانظر فى عرائس المجالس: قصة هابيل وقابيل: وذكر إدريس عليه السلام ص 47- 49.
[5] سورة يوسف آية 98.
[6] سورة يوسف آية 92.
[7] هو يوشع بن نون صاحب موسى أو فتاه كما ورد فى قصته من سورة الشعراء آية رقم 63- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3: 349- وانظر فى رد الشمس له البداية والنهاية 6: 318.
(32/265)

وآصف [1] هو المعنى ويقولون سليمان عجز عن إحضار عريش بلقيس، وقدر عليه آصف؛ لأن سليمان كان الصورة وآصف كان المعنى القادر المقتدر، وقد قال قائلهم: هابيل سام يوسف يوشع آصف شمعون الصفا حيدر.
ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: محمد هو الاسم وعلى هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب فى كل زمان إلى وقتنا هذا.
فمن حقيقة الخطاب والدين عندهم أن يعلم أنّ عليا هو الرّبّ وأن محمدا هو الحجاب، وأن سليمان [2] هو الباب وأنشدنا بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه فى شهور سنة سبعمائة فقال:
أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا ... سليمان [2] ذو القوة المتين
ويقولون إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال، وكذلك الخمسة الأيتام، والإثنا عشر نقيبا، وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة [3] من كتبهم الخبيثة فإنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب فى كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار، ويقولون إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ويليه [4] فى رتبة الإبليسية أبو بكر ثم عثمان رضى الله عنهم أجمعين وشرفهم وأعلى رتبتهم على أقوال الملحدين، وانتحال أنواع الغالين [5] والمفسدين فلا يزالون موجودين فى كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب. ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة.
__________
[1] هو آصف بن برحيا بن أشعيا بن ملكيا وكان صدّيقا يعلم اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وانظر عرائس المجالس ص 318، 319.
[2- 2] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى 35: 147 «سلمان» .
[3] فى الأصول «ومعلومهم» والمثبت من المرجع السابق.
[4] فى الأصول «وثلاثة» وفى السلوك- ملحق الدكتور زيادة 2: 943 «وثلثه» والمثبت من مجموع الفتاوى 35: 147.
[5] كذا فى الأصول، وملحق السلوك 2: 943. وفى مجموع الفتاوى 35: 147 «الضالين» .
(32/266)

وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام، فهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كلّ من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم، ومن عامة الناس أيضا في هذا الزمان، لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الفرنج [المخزولين] [1] على البلاد الساحلية، فلما صارت بلاد الإسلام [2] انكشف حالهم وظهر ضلالهم، والابتلاء بهم كثير جدا. فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوّج منهم أو يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا؟ وما حكم الجبن المعمول من أنفحة ذبيحتهم؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟
وهل يجوز استخدامهم فى ثغور المسلمين وتسليمها إليهم، أم يجب على ولى الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من المسلمين الكفاة [3] ؟ وهل يأثم إذا أخر طردهم؟ أم يجوز له التمهل [مع أن فى عزمه ذلك] [4] وإذا استخدمهم وقطعهم، أولم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم؟ وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ولى الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين، أو أرصده لذلك، هل يجوز له فعل هذه الصور؟
أم يجب عليه؟ [5] وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة وأموالهم فئ حلال أم لا؟ وإذا جاهدهم ولى الأمر أيده الله تعالى بإخماد باطلهم، وقطعهم من حصون المسلمين، وتحذير أهل الإسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأمرهم [6] بالصوم والصلاة، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل- وهم الذين [7] يلونه من الكفار هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدىّ والترصد لقتال التتار فى بلادهم وهدم بلاد سيس، وديار الفرنج على أهلها أم هذا أفضل؟ وهل يعدّ مجاهد النّصيريّة المذكورين مرابطا؟ [110] ويكون أجره كأجر المرابط فى الثغور
__________
[1] إضافة من المرجع السابق.
[2] عبارة المرجع السابق «فلما جاءت أيام الإسلام» .
[3] فى السلوك ملحق الدكتور زيادة 2: 943 «الأكفاء» .
[4] ما بين الحاصرتين من مجموع الفتاوى 35: 148.
[5] إضافة عن المرجع السابق.
[6] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى 35: 148 «وألزامهم» .
[7] إضافة عن المرجع السابق.
(32/267)

على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكثر أجرا؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهّر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم، وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى أن يهدى بعضهم إلى الإسلام، وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم ناسا مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم، أم يجوز التغافل عنهم والإهمال؟ وما قدر أجر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه، والمرابط له والعازم عليه؟ وليبسطوا القول فى ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فآجاب الشيخ تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحّرانى عن هذه الفتيا.
الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القوم المسمون بالنصرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين، مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم فى الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا بنهى، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين [1] قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولا بملة من الملل السالفه، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند [علماء] [2] المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدّعون أنها علم الباطن، من جنس ما ذكره السائل ومن غير هذا الجنس، وأنهم ليس لهم حدّ محدود مما يدّعونه من الإلحاد فى أسماء الله وآياته وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائح الإسلام بكل طريق، مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكره السائل؛ من جنس قولهم: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، و «الصيام المفروض» كتم أسرارهم، و «حج البيت العتيق» زيارة شيوخهم وإن [3] «يدا أبى لهب» هما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وإن النبأ العظيم والإمام المبين على بن أبى طالب رضى الله عنه، ولهم فى معاداة
__________
[1] فى ك «المسلمين» والمثبت من ص، وف، ومجموع الفتاوى.
[2] إضافة من مجموع الفتاوى 35: 149.
[3] «إن يدا أبى لهب» برفع يدى على الحكاية. أى حكاية وما ورد فى القرآن.
(32/268)

الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرّة الحجّاج وألقوهم فى بئر زمزم وأخذوا مرّة الحجر الأسود فبقى عندهم مدّة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى [1] وصنفوا كتبا كثيرة بها ما ذكره السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا فى كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة، والإلحاد الذى هم فيه أكبر من اليهود والنصارى، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل فى وصفهم قليل من الكثير الذى يعرفه العلماء فى وصفهم.
ومن المعلوم عندهم أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائما مع كل عدوّ للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم [2] فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم [2] انتصار المسلمين على التتار ومن أعظم أعيادهم إذا استولى- والعياذ بالله تعالى- النصارى على ثغور المسلمين، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدى المسلمين حتى جزيرة قبرص يسّر الله فتحها من حين فتحها المسلمون فى ولاة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه، فتحها معاوية بن أبى سفيان، ولم تزل تحت حكم المسلمين إلى أثناء المائة الرابعة فإن هؤلاء المحاربين لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره، فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب فى ذلك. ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين فى سبيل الله تعالى؛ كنور الدين الشهيد وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم، وفتحوا أيضا أرض مصر، فإنهم [3] كانوا مستولين عليها نحو مائتى سنة، واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية.
__________
[1] إضافة من مجموع الفتاوى 35: 150.
[2- 2] ما بين الرقمين إضافة من الفتاوى 35: 151.
[3] الضمير هنا يعود على الفاطميين ودولتهم فى مصر (السلوك- هامش الدكتور زيادة 2/946) .
(32/269)

ثم إن التتار ما دخلوا ديار الإسلام، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك الأمصار [1] الا بمعاونتهم ومؤازرتهم، فإن منجّم هولاكو الذى كان وزيره وهو النّصير الطّوسى [2] كان وزيرا لهم بالموت [3] وهو الذى أمرهم بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء ولهم [4] ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يسمون [111] الملاحدة، وتارة يسمون القرامطة [5] وتارة يسمون الباطنيّة، وتارة يسمون الإسماعيلية وتارة يسمون النّصيريّة، وتارة يسمون الخرمية [6] وتارة يسمون المحمرة [7] ، وهذه الأسماء منها ما يعمّهم ومنها ما يخصّ بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان يعمّ المسلمين، ولبعضهم اسم يخصّه، إما لنسب، وإمّا لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك. وشرح مقاصدهم يطول كما قال بعض العلماء فيهم ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبىّ من الأنبياء والمرسلين، لا نوح ولا إبراهيم ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد صلوات الله عليهم، ولا بشئ من الكتب [8] المنزلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقرّون بأن للعالم خالقا خلقه ولا بأن له دينا أمر به، ولا أن له دارا يجرى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار.
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى 35: 151 «ملوك المسلمين» .
[2] هو المولى نصير الدين محمد بن محمد بن حسن الطوسى. وكان وزير الإسماعيلية بقلعة الموت، واتصل بهولاكو ودخل معه بغداد كمستشار له. توفى سنة 672 هـ (البداية والنهاية 13: 267، وشذرات الذهب 5: 339.
[3] الموت: قلعة حصينة فى جبال البرز شمال غربى قزوين، اتخذها الإسماعيلية حصنا لهم بقيادة الحسن الصباح المتوفى سنة 518 هـ (1124 م) وكانت مركز قيادة لهذه الجماعة (انظر، طه أحمد شرف: دولة النزارية، ص) Browne.Lit.Hist.OfPersia ,Vol.2 ,P 206 ((80 هذا واللفظ مضاف من شذرات الذهب 5: 339.
[4] فى ك «وله» والمثبت من ص، ومجموع الفتاوى 35: 152.
[5] القرامطة: أتباع حمدان قرمط، وحركتهم دينية سياسية اجتماعية، استولوا على كثير من البلاد، واستولوا على مكة المكرمة، وأخذوا الحجر الأسود، وقتلوا كثيرا من المسلمين فى المسجد الحرام، وكانوا بقيادة أبى طاهر سليمان بن أبى ربيعة الحسن القرمطى وكان ذلك فى سنة 317 هـ وأعيد الحجر الأسود إلى مكانه من الكعبة فى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة 339 هـ. بتوجيه من الخليفة الفاطمى المنصور إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد بن عبد الله المهدى. (ابن الأثير: الكامل، حوادث 317 وما بعدها، ابن خلدون، العبر، ج 4، ص 91) .
[6] الخرمية: أتباع بابك الخرمى، وهى طائفة نشأت فى خراسان، واشتد نفوذها بعد مقتل أبى مسلم الخراسانى، فثارت على الدولة العباسية، وقتل زعيمها فى عهد المعتصم العباسى (البلخى: كتاب البدء والتاريخ، ج 5 ص 134، ج 6 ص 115.
[7] المحمرة: طائفة من الشيعة تميزت بالملابس الحمراء، فقيل المحمرة.
[8] فى ص، ومجموع الفتاوى 35: 152 «كتب الله» .
(32/270)

وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين والإلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النّور [1] ويضمون إلى ذلك الرفض، ويحتجون لذلك من كلام النبوات، إما بقول مكذوب ينقلونه؛ كما ينقلون [2]
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول ما خلق الله العقل
. والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، ولفظه أن الله لما خلق العقل قال، له أقبل فقال، له أدبر. فأدبر، فيحرفون لفظه ويقولون أول ما خلق الله العقل ليوافق قول المتفلسفة اتباع أرسطو فى أن [3] أول الصادرات [4] عن واجب الوجود هو العقل، وإمّا بلفظ أنابت عن النبى صلى الله عليه وسلم فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم، فإنهم من أئمتهم، وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك فى كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم؛ فإن هؤلاء لهم إظهار دعوتهم الملعونة التى يسمونها [5] الدعوة الهادية. وهى درجات متعددة، ويسمون النهاية البلاغ الأكبر والناموس الأعظم ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى، والاستهزاء به وبمن يقّر به حتى قد يكتب أحدهم اسم الله فى أسفل رجله، وفيه أيضا جحد شرايعة ودينه وما جاء به الأنبياء، ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن فى طلبها ومنهم من أساء فى طلبها حتى قتل. ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول، ويجعلون المسيح من القسم الثانى، وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة، والصوم والحج وتحليل نكاح ذوى المحارم وسائر الفواحش ما يطول شرحه.
ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا، وهم إذا كانوا فى بلاد المسلمين التى يكون [6] فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم.
__________
[1] فى الأصول «التورية» وفى السلوك- ملحق- «التوراة» والمثبت من مجموع الفتاوى 35: 153.
[2] فى ك «يتلقونه كما يتلقون، والمثبت من ص، وف، والمرجع السابق.
[3] لفظ «أن» من ص، والسلوك- ملحق- 2: 947. ومجموع الفتاوى 35: 153.
[4] فى ك «المصادرات» والمثبت من ص والمرجعين السابقين.
[5] ما بين الحاصرتين إضافة من مجموع الفتاوى 35: 153.
[6] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى 35: 154 «يكثر فيها» .
(32/271)

وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا يجوز مناكحتهم ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم.
وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة، وكأنفحة ذبيحة المجوس، وذبيحة الفرنج، الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون الذبائح، فذهب أبو حنيفة، وأحمد فى إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن، لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول، لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة، وملاقاة الوعاء النجس فى الباطن لا ينجس، ومذهب مالك والشافعى، وأحمد فى الرواية الأخرى: أن هذا الجبن نجس؛ لأن الأنفحة عند هؤلاء نجسة، لأن لبن أنفحتها عندهم نجس، ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم إنما أكلوا جبن المجوس وأصحاب القول الثانى نقلوا أنهم إنما أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتى بأحد القولين.
وأما أوانيهم وملابسهم فكأوانى المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة والصحيح فى ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن يصيب أوانيهم [112] المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فيتنجس بذلك. فأما الآنية التى لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التى لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها، (وقد توضأ عمر بن الخطاب) [1] رضى الله عنه من جرة نصرانية فما شك فى نجاسته ولم يحكم بنجاسته بالشك ولا يجوز دفنهم بين [2] مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم؛ فإن الله تعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبىّ ونحوه وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام، والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين المسلمين، لكن يسرون ذلك فقال الله تعالى وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
[3] فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟
__________
[1] الإضافة من مجموع الفتاوى 35: 154.
[2] كذا فى الأصول. وفى مجموع الفتاوى «فى» .
[3] سورة التوبة الآية 84.
(32/272)

وأما استخدام مثل هؤلاء فى ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعى الغنم فإنهم من أغش [1] الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذى يكون فى العسكر، فإن المخامر قد يكون له غرض، إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء لهم غرض مع الملة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها، وخاصتها، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولى الأمر وإخراجهم عن طاعته.
ويجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المعاملة، ولا يتركون فى ثغر ولا فى غير ثغر، وضررهم فى الثغور أشدّ. وأن يستخدموا بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام، وعلى النّصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بل إذا كان ولّى الأمر لا يستخدم من يغشّه وإن كان مسلما، فكيف يستخدم من يغشه ويغش المسلمين كلهم؟! ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه، بل أى وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك.
وإما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وأما أجرة المثل، لأنهم عوقدوا على ذلك، فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى، وإن كان فاسدا وجب أجرة المثل، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجازة فهو من جنس الجعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون الا قيمة عملهم، فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شئ لهم، لكن دماؤهم [2] مباحة وكذلك أموالهم إذا لم يكن لهم ورثة من المسلمين وإن كان لهم ورثة من المسلمين فقد يقال إنهم بمنزلة المرتدين، والمرتد هل يكون ماله لورثته المسلمين؟ فيه نزاع مشهور. وقد يقال إنهم بمنزلة المنافقين، والمنافقون يرثهم ورثتهم المسلمون فى أصح القولين لكن هؤلاء المسئول عنهم لا يكاد يكون لهم وارث من المسلمين [2] وإذا أظهروا التوبة ففى قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم.
__________
[1] فى ك «أغر» والمثبت من ص، وملحق السلوك 2: 949، ومجموع الفتاوى 35: 155.
[2- 2] ما بين الرقمين سقط من مجموع الفتاوى 35: 157.
(32/273)

ومن لم يقبلها لم تنقل إلى [1] ورثتهم من [2] جنسهم، فإن مالهم يكون فيأ لبيت المال، لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة إذ أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم، وفيهم من يعرف ومن قد لا يعرف. فالطريق فى ذلك أن يحتاط فى أمرهم، ولا يتركون مجتمعين، ولا يمكّنون من حمل السلاح، ولا أن يكونوا من المقاتلة، ويلزمون بشرايع الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلّمهم دين الإسلام، ويحال بينهم وبين معلّميهم، فإن أبا بكر الصديق رضى الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الرّدّة وجاءوا إليه قال لهم الصديق. اختاروا منّى إما الحرب المجلية وأما السلم المخزية؟ قالوا يا خليفة رسول الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار ونغنم [3] ما أصبنا من أموالكم وتردّون ما أصبتم من أموالنا، وننزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل، حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا يعذرونكم به فوافقه الصحابه فى ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين، فإن عمر بن الخطاب رضى الله قال: هؤلاء قتلوا فى سبيل الله وأجورهم على الله؛ يعنى هم شهداء فلادية لهم فاتفقوا على قول عمر فى ذلك.
وهذا الذى اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء، الذى تنازعوا فيه تنازع [113] فيه العلماء فذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن كما اتفقوا عليه آخر، وهو مذهب أبى حنيفه وأحمد فى إحدى الروايتين، ومذهب الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى: هو القول الأول.
فهذا الذى فعله الصحابة، فأولئك المرتدين [4] بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه فيمنع من أن يكون من أهل الخيل
__________
[1] ما بين الحاصرتين من مجموع الفتاوى 35: 157.
[2] فى الأصول «فمن» والمثبت من ملحق السلوك 2: 949، ومجموع الفتاوى 35: 157.
[3] كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «ونقسم» .
[4] فى ك «فأولئك المرتدون» والمثبت من ص، وف. وفى مجموع الفتاوى 35: 158 «بعد ردتهم» .
(32/274)

والسلاح والدروع التى يلبسها المقاتلة، فلا يترك فى الجند [1] كما لا يتّرك فى الجند [1] من يكون يهوديا ولا نصرانيا، [2] ويلزمون بشرائع [2] الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر، من كان من أئمة ضلّالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم، وسيّر إلى بلاد المسلمين الذين ليس لهم بها ظهور فإما أن يهديه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة المسلمين [3] . ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب فإن هؤلاء [4] من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء [4] حفظ لما فتح من بلاد الإسلام، وينبغى أن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدم على الربح.
وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم فى الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب.
ويجب على كل مسلم أن يقوم فى ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم فى الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ*
[5] وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين،
__________
[1- 1] ما بين الرقمين من ص، وف.
[2- 2] ما بين الرقمين من ص، ومجموع الفتاوى 35: 158.
[3] فى ك «المسلمين» والمثبت من ص، وف، ومجموع الفتاوى 35: 158.
[4- 4] ما بين الرقمين من ص، ومجموع الفتاوى 35: 158.
[5] سورة التحريم الآية 9.
(32/275)

والمعاون على كفّ شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم كما قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[1] قال أبو هريرة رضى الله عنه: كنتم خير الناس للناس؛ تأتون بهم فى القيود والسلاسل حتى تدخلوهم فى الإسلام.
فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان، فمن هداه الله منهم سعد فى الدنيا والآخرة، ومن لم يهتد كفّ ضرره عن غيره.
ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال صلى الله عليه وسلم «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله تعالى» وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن فى الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله تعالى للمجاهدين فى سبيله» [2] وقال صلى الله عليه وسلم، «رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتن» [3] والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ.
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ. خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[4] [والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين] [5] .
__________
[1] سورة آل عمران الآية 110.
[2] التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح 2: 17.
[3] فى الأصول «الفتان» والمثبت من ملحق السلوك 2: 951. وفى مجموع الفتاوى 35: 160 «وأمن الفتنة» .
[4] سورة التوبة الآيات 19- 22.
[5] ما بين الحاصرتين من مجموع الفتاوى 35: 160.
(32/276)

ذكر ظهور رجل ادعى أنه محمد بن الحسن المهدى وقتله
وفى سابع عشر ذى الحجة سنة سبع عشرة وسبعمائة ظهر رجل من أرض قرطياؤس من عمل جبلة فادعى أنه محمد بن الحسن المهدى، وقال للناس إنه [1] بينما هو يحرث إذ جاءه طائر أبيض فنقب جنبه وأخرج روحه منه، [114] ونقل إليه روح محمد بن الحسن. وصدقوه فيما ادعاه ودعاهم إلى طاعته فاجتمع عليه طائفة من النصيرية تقدير خمسة الآف رجل وأمرهم بالسجود له ففعلوا وأحل لهم شرب الخمر وترك الصلاة وأعلن هو وأصحابه بقولهم لا إله إلا على، ولا حجاب إلا محمد ورفع راية حمراء وشمعة كبيرة توقد بالنهار يحملها شاب أمرد ادعى أنه إبراهيم بن أدهم وأنه أجباه [2] وسمى [أخاه المقداد بن الأسود الكندى] [3] وأباه سلمان الفارسى وسمى آخر جبريل وكان يقول له، اطلع إليه فقل له كذا وكذا يشير إلى البارى جلّ وعلا وهو يزعمه على بن أبى طالب فيخرج ذلك المسمى جبريل عنه، ويغيب قليلا ثم يعود فيقول رأيتك أنت ثم جمع هذا الدعى أصحابه ودخل بهم مدينة جبلة فى يوم الجمعة بعد الصلاة الثانى والعشرين من الشهر، وفرق عليهم جماعته ثلاث فرق عليها، فرقة أتت من قبلى البلد مما يلى الشرق فخرج عليهم العسكر المقيم بجبلة فكسرهم وقتل منهم مائة وأربعة وعشرين نفرا واستشهد من المسلمين نفر يسير، وانهزمت هذه الفرقة الثانية التى أتت من قبلى البلد مما يلى الغرب على جانب البحر والفرقة الثالثة أتت من شرقى البلد لجهة الشمال، وكثروا على أهل البلد وكسروهم وهجموا على البلد ونهبوا الأموال وسبوا الحريم والأولاد وقتلوا جماعة من رءوس المسلمين بجبلة وأعلنوا بقول لا إله إلا علىّ ولا حجاب إلا محمد ولا باب الا سلمان وبسب أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ولعن هذه الطائفة، وجمع هذا الخارجىّ ما انتهبه أصحابه من جبلة [وقسّمه على أصحابه بقرية] [4] وجاء الأمير بدر الدين التاجى مقدم العسكر باللاذقية إلى
__________
[1] هذا اللفظ من ص.
[2] فى الأصول «أخاه» والمثبت عن ملحق السلوك 2: 951.
[3] ما بين الحاصرتين إضافة يقتضيها السياق.
[4] ما بين الحاصرتين مكان كلمة مطموسة، وهى اسم لقرية.
(32/277)

جبلة فى آخر هذا اليوم وحماها ومنع الخارجىّ من العود إليها، وكان مما قاله الخارجّى الدعى لأصحابه إنه لا حاجة لكم إلى القتال بالسيوف ولا السلاح وإن الرجل منهم يشير إلى عدوّه بقضيب ريحان فينقطع هو وفرسه، فاتصل ذلك بالأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية فجرد إلى هذه الطائفة المارقة من العسكر الطرابلسىّ الأمير بدر الدين بيليك العثمانى المنصورى والأمير شرف الدين عيسى البرطاسى والأمير علاء الدين على بن الدربساك التركمانى فى ألف فارس، والتقوا بقرية من عمل جبلة بالجبل فاقتتلوا ساعة من النهار فانجلت الحرب عن قتل الدّعيّ ونحو ستمائة رجل من أصحابه وتفرق بقية ذلك الجمع، ثم استأمنوا فأمّنوا، وعادوا إلى أماكنهم واستمروا على عمل فلاحتهم وطفيت هذه الثائرة وكان بين خروج هذا الدعىّ وقتله خمسة أيام والله أعلم.
وفى هذه السنة فى يوم الخميس التاسع
من جمادى الآخرة توفى بدمشق قاضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبى الربيع سليمان بن سومى الزواوى المالكى [1] وصلى عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير، ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وقدم ثغر الإسكندرية فى سنة خمس وأربعين وستمائة قبل احتلامه كما حكى عن نفسه قال: ثم بلغنى وفاة أبى فى سنة سبع وأربعين فلم أعد إلى المغرب [2] واشتغل بالعلم وولى المناصب بالديار المصرية ثم ولى قضاء دمشق كما تقدم فى عاشر جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وستمائة، وحصل له ارتعاش من سنين كثيرة، ثم ثقل لسانه آخر عمره فعزل عن القضاء كما تقدم ومات عقيب عزله- رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان توفى القاضى عماد الدين محمد بن القاضى صفى الدين محمد بن شرف الدين يعقوب النويرى وهو ابن
__________
[1] هو قاضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبى الربيع سليمان بن سومى الزواوى المالكى. وجاء فى النجوم الزاهرة، والسلوك، وعقد الجمان «ابن سويد» وفى الدرر الكامنة وشذرات الذهب 6: 45 «سومر» وانظر هامش النجوم الزاهرة 9: 239.
[2] كذا فى ص. وفى ك وف «الغرب» .
(32/278)

خال والدى [115] رحمهما الله وكانت وفاته بطرابلس، وهو يومئذ صاحب الديوان بها وولى قبل ذلك عدة أنظار منها: المملكة الصّفدية مرارا، ونظر المملكة الحموية، ونظر الكرك، وكان كريما شجاعا خيّرا اشتهر بالمكارم وبذل المال والإحسان إلى وليّه وعدوّه، فكان يستديم مودة صديقه ويستجلب خاطر عدوه ويستزيل ما عنده بمكارمه، وكان لا يدخر شيئا رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى الرئيس الفاضل شرف الدين
أبو محمد عبد الوهاب بن الصاحب جمال الدين فضل الله بن المجلى القرشى العدوى [1] العمرى نسبه متصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه متولى ديوان الإنشاء بدمشق وكان قبل ذلك يلى صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية ثم نقل إلى دمشق وكانت وفاته بها فى يوم الثلاثاء الثانى [2] من شهر رمضان، ودفن بقاسيون ومولده فى سابع ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بدمشق وكان رجلا فاضلا أمينا على أسرار الدولة حافظا لها، يكتمها حتى عن أهله وأخصائه لا يتفوه بسر من أسرارها ولا يشير إليه.
وولى ديوان المكاتبات بدمشق بعده القاضى الفاضل شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبى، وكان أحد كتاب الدّرج الشريف بالأبواب السلطانية فى ديوان البريد، ووصل إلى دمشق فى ثامن عشرين شوال وباشر الوظيفة.
وتوفى فى آخر الليلة المسفر صباحها عن يوم الخميس
رابع شهر رمضان القاضى [3] الرئيس الفاضل علاء الدين أبو الحسن على ابن القاضى الرئيس فتح الدين محمد بن القاضى الفاضل محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن على بن نجدة
__________
[1] هو الرئيس شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب ابن جمال الدين فضل الله بن المجلى القرشى العدوى العمرى. هكذا فى النجوم الزاهرة 9: 240.
[2] فى السلوك 2/1: 179 «ثالث رمضان» وانظر فوات الوفيات 2: 421، والدرر الكامنة 3: 42، والبداية والنهاية 14: 85، والدليل الشافى 1: 433.
[3] هذا اللفظ من ص، وف، وشذرات الذهب 6: 46. ذيول العبر 94، والدرر الكامنة 3: 183.
(32/279)

السّعدى أحد أعيان كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب السلطانية، وأحد من يجلس بين يدى السلطان ويوقع نقله فى دار العدل الشريف ويوقع بين يدى نائب السلطنة الشريفة وكانت وفاته بداره بالقاهرة بدرب [1] شمس الدولة، ودفن بعد الظهر بتربتهم بالقرافة بجوار جامع أبيه، وكان- رحمه الله تعالى- حسن الإنشاء لم يرث ذلك عن كلالة، غزير المروءة، ظاهر الرئاسة أبّى النفس حسن الأخلاق والصحبة وقد ذكرنا من كلامه فى السفر الثامن من كتابنا هذا ما هو مترجم باسمه هناك وذكرت من أوصافه ما استغنى به عن إعادته، ولما مات نتجت قريحتى بأبيات رثيته بها، لولا التزامى أن لا أدوّن شعرا إلىّ لأوردتها، ورثاه القاضى شهاب الدين محمود الحلبى المذكور آنفا بقصيدة أولها.
الله أكبر أىّ ظلّ زالا ... عن آمليه وأىّ طود مالا
جاء منها
أنعى إلى الناس المكارم والندا ... والجود والإحسان والإفضالا
أنعى علاء الدين صدر زمانه ... خلقا وخلقا بارعا وجلالا
ومهذبا ملأ القلوب مهابة ... والسمع فضلا والألف نوالا
وتوفى الأمير بهاء الدين [2] آرسلان الدوادار فى الثالث والعشرين [116] من شهر رمضان وكان هو والقاضى علاء الدين المذكور صديقين، ومرضا فى وقت واحد بعلة واحدة وخلف بهاء الدين المذكور تركة طائلة استكثرها السلطان على مثله مع قرب مدته فى الوظيفة والإمرة رحمه الله تعالى.
وتوفى الصدر الرئيس شرف الدين محمد ابن القاضى الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر شرف الدين عبد الرحمن ابن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين أبى المواهب الحسن بن عبد الله بن محفوظ بن صصرى البعلى
__________
[1] درب شمس الدولة: كان يعرف قديما بحارة الأمراء، وعند مجىء صلاح الدين إلى مصر أسكن فى هذا المكان الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب، فعرف به، وسمى بدرب شمس الدولة ولا زال كذلك حتى اليوم (خطط المقريزى 3: 59) .
[2] فى ك «سلار» والمثبت من ص، وف، والوافى بالوفيات 8: 346، والدرر الكامنة 1: 372، والسلوك للمقريزى 2/1: 179، والدليل الشافى 1: 105، والنجوم الزاهرة 9: 241.
(32/280)

الدمشقى [1] ، وكانت وفاته فى يوم الجمعه السابع من ذى الحجة حاجا ملبيا محرما بظاهر مكة، ودفن ضحى يوم السبت يوم التروية بمقبرة الحجون على باب مكة- شرفها الله تعالى- وكان قد مرض ببدر، واستمر مريضا سبعة أيام، ومات وله خمس وثلاثون سنة وكان رحمه الله تعالى كثير المكارم والإنفاق والبر والعطاء أنفق أموالا كثيرة وبذل [2] جملة عظيمة فى المكارم، وكنت إذا قدمت دمشق استحى من كثرة تفضّله وخدمته، وأتجنب النزول عنده فيحضر إلىّ ويحلف علىّ وينقلنى إلى داره، ولا يزال يعاملنى بأنواع البر والإكرام والأدب والخدمة حتى انفصل عن دمشق فإذا فارقتها وتوجهت ركب معى وودعنى إلى ظاهر البلد حتى يبعد وارده وهو يأبى ذلك حتى أحلف عليه فيرجع وختم الله له بخير كثير بوفاته فى هذا المكان الشريف على هذه الحال- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الشيخ الفاضل (الأديب الكاتب) [3] شرف الدين محمد أحمد بن يعقوب بن إبراهيم الطيبى الأسدى [4] أحد كتاب الدرج بطرابلس فى السادس والعشرين من شهر رمضان وكان رجلا فاضلا أديبا شاعرا، وكان فى لسانه عجمة، وفى قلمه فصاحة رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لتاسع برمهات
فى هذه السنة فى أوائل صفر توجه القاضى كريم الدين [5] ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها إلى الشام، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم الإثنين سابع الشهر وتلقاه نائب السلطنة وأنزله عنده بدار السعادة، وأحضر من جهته إلى نائب السلطنة هدية جليلة المقدار تساوى جملة عظيمة وأحضر معه كتابا ببرود ليوقفها [6] على مصالح الجامع الذى عمره نائب السلطنة بالشام الأمير
__________
[1] وانظر البداية والنهاية 14: 86، والعقد الثمين 1: 398، وإتحاف الورى 3: 159.
[2] فى ك «ويزكى» والمثبت من ص، ف.
[3] ما بين القوسين إضافة من ص، وف.
[4] أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1: 336، والنجوم الزاهرة 9: 240.
[5] أنظر ترجمته فى البداية والنهاية 14: 116، وشذرات الذهب 6: 63.
[6] كذا بالأصول، ولعله يقصد جمع بردة وهى كساء من الصوف.
(32/281)

سيف الدين تنكز وورد مثال السلطان إلى نائبه بقبول هديته بجملتها فقبلها وجهز له تقدمة لها قيمة كثيرة فلم يقبل كريم الدين منها غير إكديش [1] واحد وأعاد بقيتها وأقام بدمشق أربعة أيام وأمر بإنشاء جامع ينفق على عمارته من ماله- وهو بالقبيبات [2]- فحصل الشروع فى عمارته وعاد إلى الديار المصرية، وحدث فى غيبته بالأبواب السلطانية حوادث كانت من تقريراته، خرج إلى دمشق قبل إبرازها فنفدت فى غيبته، منها: إرسال الصاحب أمين الدين إلى طرابلس، وعزل الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى عن شاد الدولة، وأعظم من ذلك إخراج الأمير سيف الدين طغاى إلى صفد سنذكر هذه الوقائع مفصلة [117] .
ذكر إرسال الصاحب أمين الدين إلى نظر المملكة الطرابلسية
وفى يوم الإثنين خامس عشر صفر من هذه السنة رسم السلطان بتفويض نظر المملكة الطرابلسية وما هو مضاف إليها إلى الصاحب أمين الدين عبد الله [3] وكان قد عزل فى شهور سنة سبع عشرة عن نظر الدواوين والصحبة ولزم داره إلى هذا التاريخ، فرسم له بهذه الوظيفة فاستعفى فلم يعف ورسم أن يتوجه على خيل البريد وخلع عليه تشريف كنجى [4] وأنعم عليه بدواة ومرملة [5] ولم يجر بمثل ذلك عادة لناظر هذه المملكة وزيد فى معلومها فاستقر له فى كل شهر نظير ما كان له فى نظر النظار بالديار المصرية، وتوجه فى يوم الثلاثاء سادس عشر صفر ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس ثانى شهر ربيع الأول وتوجه منها إلى طرابلس.
__________
[1] الإكديش: وجمعها أكاديش، الحصان الخليط غير الأصيل.
[2] القبيبات: محلة جليلة بظاهر دمشق. (النجوم الزاهرة 9: 372 هامش) .
[3] المراد أمين الدين عبد الله بن الغنام، وانظر ترجمته فى الدرر الكامنة 2: 357، والدليل الشافى 1: 384.
[4] أى مصنوع من قماش منسوج من قطن وحرير كان يصنع أولا فى كنجة من أعمال إيران، ثم انتقلت صناعته إلى عدة جهات (السلوك 1/2: 847 هامش الدكتور زيادة) .
[5] المرملة إناء صغير يوضع به رمل ناعم يوضع منه على الكتابة فيجففها.
(32/282)

ذكر عزل الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى عن وظيفة الشاد بالديار المصرية
وفى يوم الإثنين الثانى والعشرين من صفر عزل الأمير بدر الدين محمد ابن التركمانى عن وظيفة شاد الدواوين بالديار المصرية، وذلك بسؤاله وسعيه واستقر فى جملة الأمراء على عادته ولم يتعرض إليه بطلب مال ولا غيره واستقر القاضى كريم الدين فى النظر وغير ذلك.
ذكر إرسال الأمير سيف الدين طغاى نيابة السلطنة بالملكة الصفدية، والقبض عليه ووفاته
كان الأمير سيف الدين طغاى [1] الحسامى الناصرى قد تمكن فى هذه الدولة الناصرية تمكنا عظيما وعظم شأنه، وترشح للأمير الكبير، وكثرت أتباعه وعظّمه الأمراء وغيرهم وبلغ من تمكنه أن السلطان أنعم عليه بدار أبيه السلطان الملك المنصور بالقاهرة، وأنعم عليه بغيرها، وميز أقطاعه، فكان من جملته منية [2] بنى خصيب وغيرها ورتب له على الحوائج خاناه والمطبخ فى كل يوم ما يصرف عليه نحو ثلاثمائة درهم، إلى غير ذلك، وارتفع بعد ذلك عن هذه الرتبة إلى أن حكى أن السلطان فى مرضه فى شهور سنة سبع عشرة أوصى أن يكون الأمر له من بعده وأن [3] لا يختلف الناس عليه، وكان حسن الوساطة عند السلطان، لا يتكلم إلا بخير، ويحسن إلى من يعرفه ومن لا يعرفه، فاجتمعت عليه قلوب الناس ومالوا إليه، وكان قد تكلم عليه جاولجين [4] الخازن فى جملة من كلمه [5] كما تقدم فقبض السلطان على من سواه من الأمراء وأرجأ أمر الأمير سيف الدين هذا، فلما كان يوم الثلاثاء الثالث
__________
[1] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 2: 322، والدليل الشافى 1: 364.
[2] منية بنى خصيب: هى منية ابن خصيب، وهى مدينة المنيا عاصمة محافظة المنيا بصعيد مصر (النجوم الزاهرة 6: 383 هامش) .
[3] فى ك «فإن» والمثبت» من ص، وف.
[4] فى ك «جاوطين، والمثبت من ص، وف.
[5] كذا فى ص، وف، وفى ك «ثلاثمائة» .
(32/283)

والعشرين من صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة دخل إلى الخدمة السلطانية على عادته، فرسم السلطان له أن يتوجه إلى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية فلم يمتنع ولا استعفى ولا توقف، بل بادر بتقبيل الأرض بين يدى السلطان ولبس التشريف، وأخرجه السلطان من ساعته، فتوجه وقد ذرفت عيون الأمراء والمماليك السلطانية بالبكاء لخروجه، وتألم السلطان لذلك تألّما شديدا؛ لما فقده من حسن وساطته وجميل اعتنائه، ووصل إلى صفد فى يوم الخميس تاسع عشر شهر ربيع الأول، وأحضر الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب النائب بصفد إلى الأبواب السلطانية، واستمر فى جملة الأمراء مقدمى الألوف، ورسم له بالجلوس فى مجلس السلطان، وأقام الأمير سيف الدين طغاى بصفد إلى جمادى الأولى فأرسل السلطان إليه الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالى المعروف بخرز [1] على خيل البريد وأصحبه تقليدا [118] له بنيابة السلطنة بالكرك وتشريفا وأراد بذلك إخراجه من المملكة الصفدية والقبض عليه، فوصل إلى صفد فى ثامن الشهر فعلم المراد منه فلم يمتنع ولا أحوج إلى إمضاء هذا التدبير، وجاء تحت الطاعة إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد، ولما وصل إلى مدينة بلبيس خرج إليه الأمير سيف الدين قجليس وقيده بأمر السلطان، ونقله إلى قلعة الجبل فكان وصوله إليها فى رابع عشر الشهر، فاعتقل بها أياما ثم رسم بنقله إلى ثغر الإسكندرية فنقل إليه وكان آخر العهد به، فلما كان فى مستهل شعبان أمر (السلطان) [2] عائلته بعمل عزائه رحمه الله تعالى.
ولما أخرج من صفد نقل الأمير سيف الدين أرقطاى الناصرى من نيابة السلطنة بحمص إلى نيابة المملكة الصفدية فتوجّه إليها، وولى نيابة السلطنة بحمص الأمير بدر الدين بكتوت القرمانى، ونقل الأمير عز الدين أيبك الجمالى من نيابة قلعة دمشق إلى نيابة الكرك، واستقر بقلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر الشمسى، وذلك كله فى جمادى الأولى من هذه السنة.
__________
[1] هو الأمير علاء الدين مغلطاى بن عبد الله الجمالى، المعروف بخرز، ومعناه: ديك. ورسمه فى المنهل الصافى «كرز، وتوفى سنة 732، وانظر النجوم الزاهرة 9: 291 وهامش» .
[2] ما بين القوسين من ص، وف.
(32/284)

ثم ولى نيابة السلطنة بقلعة دمشق الأمير علم الدين سنجر الدميثرى [1] وتوجه إلى دمشق على خيل البريد فى عشية يوم الإثنين العشرين من ذى الحجة وخلع عليه بكرة الثلاثاء، وجلس بالقلعة على عادة النواب، والله أعلم.
ذكر إنشاء الجامع بقلعة الجبل
وفى صفر من هذه السنة رسم السلطان بتوسعة الجامع بقلعة الجبل، وأمر بهدم بعض مساكن الأمراء التى كانت تلى الحائط القبلى من الجامع الأول فهدمت، وهدم الفراش خاناه، والحوائج خاناه، والمطبخ والطشتخاناه وأضاف ذلك كله إلى الجامع، وحصل الشروع فى بنائه فى الشهر المذكور، وتكملت رواقاته القبلية فى شهر رجب من السنة، وصلى فيه ورخّم صدره وجلس السلطان بالجامع فى شعبان، وعرض سائر المؤذنين بالقاهرة ومصر بين يديه واستنطق كل واحد منهم وسمع صوته، واختار للجامع منهم ثمانية عشر مؤذنا وثلاثة رؤساء وجعلهم ثلاث نوب ورتّب فيه أرباب وظائف، ووقف عليه أوقافا أثابه الله تعالى.
ذكر وثوب الأمير عز الدين حميضة بن أبى [2] نمى بمكة شرفها الله تعالى وإخراج أخيه الأمير أسد الدين رميثة منها
وفى صفر من هذه السنة وردت الأخبار من مكة شرفها الله تعالى أن الأمير عز الدين حميضة ابن أبى نمىّ بعد عود الحاج من مكة وثب على الأمير أسد الدين رميثة [3] بموافقة العبيد، وأخرجه من مكة، فتوجه رميثة إلى نخلة وهى التى كان حميضة بها، واستولى حميضة على مكة شرفها الله تعالى وقيل إنه قطع الخطبة السلطانية، وخطب لملك العراقيين، وهو أبو سعيد ابن خربند ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو، فلما اتصل ذلك بالسلطان أمر بتجريد جماعة من
__________
[1] فى ك «الدمترى» والمثبت من ص، وف.
[2] وانظر ترجمة الأمير عز الدين حميضة فى العقد الثمين 4: 232، وغاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 2: 53 برقم 179.
[3] وانظر ترجمة الأمير أسد الدين رميثة فى العقد الثمين 4: 403، وغاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 2: 78 برقم 180.
(32/285)

أقوياء العسكر فجرد الأمير صارم الدين الجرمكى والأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى وجماعة من الحلقة وأجناد الأمراء من كل أمير مائة فارس [1] ومن كل أمير طبلخاناه جندى وأمرهم بالمسير إلى مكة وأن لا يعود إلى الديار المصرية حتى يظفروا بحميضة فتوجهوا فى العشر الأواخر من شهر ربيع الأول من هذه السنة، ثم جرد السلطان صحبة الركب الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى إلى مكة فى جماعة مددا لهؤلاء فتوجه وأقام بمكة وقبض على الأمير أسد الدين رميثة وجهزه إلى الأبواب السلطانية، وعاد هؤلاء وكان من أمرهم ما نذكره.
وأقام الأمير بدر الدين بن التركماني بمكة- شرفها الله تعالى- إلى أن وصل الأمير عطيفة أميرا على الحجاز الشريف واستقر فى الإمرة فعاد وكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الجمعة [119] الرابع والعشرين من شهر رجب سنة تسع عشرة.
ذكر حادثة الريح بالجون من طرابلس
وفى يوم الأربعاء ثانى صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة ثارث ريح شديدة وقت صلاة الظهر بأرض الجون من بلاد طرابلس ومرت على بيوت الأمير علاء الدين على بن الدربساكى مقدم أمراء التركمان بالجون بين قريتى الوكيل والمعيصرة، وكان خروجها من جهة البحر، فكسرت أخشاب بيوته ثم تقدمت إلى بيوت الأمير علاء الدين طوالى [2] بن أليكى فلما انتهت إليه تكونت عمودا أغبر متصلا بالسحاب على صورة تنين وبقى ذلك العمود على بيوته ساعة يمر عليها يمينا وشمالا ثم يعود فما ترك ذلك العمود فى البيوت شيئا ولا منها إلا أهلكه واحتمله، فحكى عن طوالى أنه لما عاين ذلك قال: يا رب قد أخذت جميع الرزق، وتركت العيال بغير رزق فأى شى تركت لهم حتى أطعمهم؟
فعاد ذلك العمود من الريح بعد خروجه عنه إلى بيوته فأهلكه وأهلك زوجته وابنته وابنتى ابنته وجاريته وأحد عشر نفسا، وجرح [3] ثلاثة أنفس من ملاقاة الأخشاب والحجارة عند هبوب تلك الريح وحملت الريح جملين ورفعتهما فى الجو مقدار عشرة أرماح وتقطع القماش والأثاث وحملته الريح حتى غاب عن
__________
[1] كذا فى الأصول. وفى إتحاف الورى 3: 159، وغاية المرام 2: 65 «من كل أمير مائة فارسين» .
[2] كذا فى ص، وف. وفى ك والسلوك 2/1: 180 «طوالى» .
[3] فى الأصول «خرج» ولعل الصواب ما أثبته.
(32/286)

العين وطويت القدور النحاس والصاجات الحديد فصار بعضها على بعض، وحملت الريح جارية طوالى من مكان إلى مكان آخر مسافة وكان إلى جانب بيوت طوالى بيوت عرب فاحتملت الريح لهم أربعة أجمال وارتفعت فى الجو وعادت قطعا، وهلك دواب كثيرة، ووقع بعد ذلك برد ومطر [1] زنة القطعة من البرد ثلاث أواق ودونها ورسم نائب السلطنة بكشف هذه الحادثة، وندب من جهته من توجه لكشفها فكشفت ونظم بصورة الحال محضرا وقع الأشهاد فيه على من شاهده وجهزت نسخة المحضر إلى الأبواب السلطانية وغيرها.
ذكر هدم الكنيسة [2] بحارة الروم
وفى يوم الاثنين الخامس من شهر ربيع الآخر أمر السلطان بهدم الكنيسة المعروفة بكنيسة بربارة بحارة الروم بالقاهرة، وكان سبب ذلك أن النصارى أنهوا أنه قد استهدم بعضها وسألوا تمكينهم من [3] إعادته واعتنى لهم [4] من اعتنى ممن كان منهم فرسم لهم بذلك فلم يقتصروا على إعادة ما رسم لهم بإعادته بل تحيلوا وتمحلوا وعمروها ظاهرا بالأسرى [5] والآلات العظيمة والمشدين من جنس المسلمين [6] تجاهر النصارى بذلك ولا يكتمونه ولا يتحاشون من فعله فانتدب المسلمون لذلك ورفعوا قصصا للسلطان وأنهوا فيها صورة الحال فأمر بهدمها فهدمها العوام [7] فى ساعة واحدة وبنوا بصدرها محرابا وعلقوا فيه قنديلا وأقاموا شعار الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح وقراءة القرآن، ثم رسم بعد ذلك بمنع المسلمين من الصلاة فيها وسد بابها فى بقية الشهر، وجعلت مزبلة ألقى السكان من المسلمين الذين حولها زبائل بيوتهم فيها، فلما كان فى سلخ جمادى الأولى من السنة رسم [8] بإعادة ماهدمه المسلمون فيها بالقصب دون البناء وسد بابها وعطلت.
__________
[1] فى ص، وف «مطر وبرد» بالتقديم والتأخير.
[2] انظر السلوك 2/1: 182.
[3] فى ص «على» .
[4] فى ص، وف «بهم» .
[5] لم يشر المقريزى إلى استخدام الأسرى ولا أحب أن الأسرى كانوا يستخدمون فى بناء الكنائس.
[6] كذا فى ك. وفى ص، وف «جند» .
[7] يقول المقريزى فى السلوك 2/1: 182 «إن السلطان رسم لمتولى القاهرة علم الدين سنجر الخازندار بخراب ما جدد فيها من البناء، فنزل إليها علم الدين واجتمع إليه من الناس عدد لا يحصيه إلا الله وهدم ما جدد فيها.
[8] ويقول المقريزى فى نفس المرجع «وإن صدور مرسوم الإعادة كان بمسعى كريم الدين فاستجاب السلطان له» .
(32/287)

ذكر الجوامع التى خطب وأقيمت صلاة الجمعة بها بظاهر مدينة دمشق فى هذه السنة
وفى هذه السنة خطب بظاهر دمشق فى ثلاثة جوامع مستجدة منها الجامع الذى أنشأه الأمير سيف الدين تنكز [120] نائب السلطنة بالشام وهو بظاهر دمشق خارج باب النصر فى الشارع المسلوك منه إلى القصر الأبلق بالميدان، وقد تقدم ذكر الشروع فى عمارته وكملت فى هذه السنة وأقيمت الخطبة به فى يوم الجمعة العاشر من شعبان وخطب فيه وصلى بالناس الشيخ نجم الدين [1] على بن داود الحنفى المعروف بالقحفازى، وحضر الصلاة فيه نائب السلطنة وسائر القضاة والأعيان وقراء القرآن وأنشدت المدائح فى بانيه.
وخطب أيضا فى يوم الجمعة التى تلى هذه الجمعة فى سابع عشر شعبان بالجامع الذى أنشاه القاضى كريم الدين [2] وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ عبد الواحد بن يوسف بن الوزير الحرانى ثم الآمدى الحنبلى [3] ثم أجرى إليه الماء من نهر داريا [4] وعمل له قناة من النهر إلى كفر سوسية [5] وكان وصول الماء إلى الجامع فى العشر الأول من شوال سنة عشرين وسبعمائة وانتفع أهل تلك الناحية به انتفاعا كثيرا وخطب فى يوم الجمعة السابع عشر من ذى الحجة بالجامع الذى أنشأه شمس الدين عبد الله [6] ناظر النظار بالشام وهو بظاهر دمشق خارج الباب الشرقى بجوار قبر ضرار بن الأزور وخطب فيه الشيخ المقرئ محمد المعروف بالنيربانى [7] وكان ابتداء الشروع فى عمارة هذا الجامع فى شعبان من هذه السنة.
__________
[1] هو على بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك بن موسى بن جبارة بن محمد بن زكريا بن كليب بن جميل نجم الدين القحفازى الحنفى الدمشقى المتوفى بعد العشرين وسبعمائة (الدليل الشافى 1: 455، والدرر الكامنة 3: 116 وفيه توفى سنة 725 هـ، وفوات الوفيات 3: 23. وفيه توفى سنة 744 هـ، وشذرات الذهب 6: 143، والبداية والنهاية 14: 214) .
[2] جامع كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله بالقبيبات، وقد سبق ذكره فى أخبار سنة 717 هـ، وانظر الدارس فى تاريخ المدارس 2: 416، وفيه ترجمة وافية لكريم الدين المذكور.
[3] له ترجمة فى الدرر الكامنة 3: 489، والدارس فى تاريخ المدارس 2: 418، وذيول العبر 234، وتوفى سنة 743 هـ.
[4] نهر داريا: بظاهر دمشق، وهو أحد فروع نهر بردى السبعة (السلوك 1/1: 230 تعليق الدكتور زيادة) .
[5] كفر سوسية: من قرى دمشق (معجم البلدان لياقوت) .
[6] هو شمس الدين عبد الله بن صنيعة. المعروف بشمس الدين غبريال الأسمرى المتوفى سنة 734 هـ (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 8، 9.
[7] هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أبى العيش، أبو عبد الله الأنصارى النيريانى، وتوفى سنة 734 هـ (البداية والنهاية 14: 167.
(32/288)

ووقف على كل من هذه الجوامع الثلاثة من الأوقاف ما يعرف ريعها فى مصالحه- أثاب الله تعالى واقفيها
وفيها فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى الحجة عقد السلطان بدار السعادة مجلسا حضره القضاة والفقهاء وأحضر الفقيه زين الدين عبد الرحمن ابن عبيدان البعلبكى الحنبلى وأحضر خطه أنه رأى الحق سبحانه وشاهد الملكوت الأعلى ورأى الفردوس ورفع إلى فوق العرش وسمع الخطاب وقيل له قد وهبتك حال الشيخ عبد القادر [1] وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء فوضعه عليه وأنه سقاه ثلاثة أشربة مختلفة الألوان وأنه قعد بين يدى الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والخضر عليهم السلام، وقيل له إن هذا مكان لا يجاوزه وليا قط وقيل له إنك تبقى قطبا عشرين سنة وذكر أشياء أخر فاعترف أنه خطه فأنكر عليه فبادر وجدد إسلامه وحكم قاضى القضاة الشافعى بحقن دمه وأمر بتعزيره فعزر وطيف به فى البلد وحبس أياما ثم أفرج عنه، وكان قد أذن له فى الفتيا وعقود الأنكحة فمنع من ذلك.
وفى هذه السنة فى يوم الجمعة الثالث والعشرين
من شهر ربيع الآخر توفى الأمير شمس الدين سنقر الكمالى [2] الحاجب كان فى معتقله بقلعة الجبل، وكان قبل ذلك معتقلا بالكرك فرسم بإحضاره وإحضار الأمير سيف الدين كراى فأحضرا وما شكا ولا شك الناس فى الإفراج عنهما، فاعتقلا بقلعة الجبل ببرج فمات الأمير شمس الدين الآن رحمه الله تعالى وتوفى قاضى القضاة زين الدين أبو الحسن على بن الشيخ رضى الدين القاسم مخلوف بن تاج الدين أبى المعالى ناهض المالكى النويرى الجزولى [3] ، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الحادى عشر من جمادى الآخرة بمنزله بالقاهرة، ودفن فى يوم الأربعاء عند الزوال بتربته بسفح المقطم- رحمه الله تعالى-
__________
[1] المقصود هو عبد القادر الجيلانى صاحب الطريقة القادرية، توفى سنة 561 هـ، وانظر ترجمته فى شذرات الذهب 4: 198.
[2] انظر النجوم الزاهرة 9: 243.
[3] هو على بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويرى المالكى قاضى القضاة زين الدين. وانظر البداية والنهاية 14: 90، والدرر الكامنة 3: 202، وشذرات الذهب 6: 49.
(32/289)

ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة كثير الاحتمال والإحسان إلى الناس يحمل الجفوة من أصحابه ويصبر منهم على كثير من الأذى خصوصا من أهل بلده وكانت أفعاله جميلة، [121] ومقاصده حسنة وولى القضاء بالديار المصرية فى سنة خمس وثمانين وستمائة، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا، وعرضت عليه الوزارة فى الدولة المنصورية فأباها وتنصل منها كل التنصل وبالغ فى ردها كل المبالغة وانتهى حاله فى التنصل منها إلى أن حضر إلى الدركاه بباب القلعة وقلع طيلسانه وقلع عمامته وفوقانيته، وبقى بقبع ودلق وهو قائم فقام الأمراء لقيامه وصاروا حوله حلقه وهم لا يعرفون موجب فعله لذلك ثم جاء نائب السلطنة الأمير حسام الدين طرنطاى وهو على هذه الصورة فتألم وسأله عن خبره فقال له أنا إنما وصلت من بلدى بمثل هذا الملبوس الذى علىّ، وأنا أكتسبت بصحبتكم وخدمة السلطان زيادة على ما جئت به هذا الطيلسان وهذه الجبة والعمامة فإن ضمنت لى عند السلطان إعفائى من هذا الأمر الذى طلبنى بسببه وإبقائى على ما أنا عليه وإلا فلا أرجع إلى لباس هذا أبدا وأرجع إلى بلدى بهذه الحالة. فبكى الأمراء وعظموه وألبسه نائب السلطنة قماشة، وضمن له صرف الوزارة عنه واندفعت وأمن بذلك غائلة الأمير علم الدين سنجر الشجاعى فإنه كان [1] إذا ذكر أحد للوزارة أو ذكرها عمل على هلاكه.
ولما مات قاضى القضاة زين الدين فوض السلطان
القضاء بعده لنائبه القاضى تقى الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين ابى بكر ابن عتيق الإخنائى [2] .
وفيها فى عاشر شهر رمضان توفى الأمير علاء الدين أقطوان الساقى [3] الظاهرى أحد الأمراء بدمشق بها، وصلى عليه بجامعها ودفن بالقبيبات وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى.
__________
[1] كذا فى ص. وفى ك «فإنه لما كان» .
[2] هو محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الإخنائى، توفى سنة 750 هـ كذا فى السلوك 2/2: 814، وحسن المحاضرة 1: 460. وفى الدرر الكامنة 4: 270، والبداية والنهاية 14: 160، وشذرات الذهب 6: 103، وطبقات الشافعية 9: 309، والوافى بالوفيات 2: 269، وذيول العبر 175، والدليل الشافى 2: 582 «توفى سنة 732 هـ» .
[3] النجوم الزاهرة 9: 242.
(32/290)

وتوفى فى ليلة الإثنين سلخ شوال الشيخ العالم كمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبى بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سجمان البكرى الوايلى الشريشى [1] بمنزلة الحسابين الكرك ومعان وهو متوجه إلى الحجاز الشريف ودفن بالمنزلة ومولده فى شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة بمدينة سنجار [2] وكان شيخا فاضلا من أعيان الشافعية المدرسين المفتيين وولى المناصب الجليلة الدينية بدمشق من التدريس ووكالة بيت المال ونيابة الحكم، وتعين لقضاء القضاة ولم يل ذلك رحمه الله تعالى.
وتوفى قاضى القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد
ابن القاضى تاج الدين أبى الخير سلامة بن القاضى زين الدين أبى العباس أحمد بن سلامة الإسكندرى [3] المالكى قاضى المالكية بدمشق، وكانت وفاته بالمدرسة الصارمية [4] فى بكرة الأربعاء غرة ذى الحجة وصلى عليه بالجامع الأموى ودفن بمقابر باب الصغير، ومولده فى شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين الشمسى [5] بقلعة دمشق فى يوم السبت حادى عشر ذى الحجة ودفن بسطح المزة- رحمه الله تعالى.
__________
[1] وانظر الدرر الكامنة 1: 252، والبداية والنهاية 14: 91، وذيول العبر 99.
[2] سنجار: بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم: مدينة مشهورة من نواحى الجزيرة بينها وبين الموصل ثلاثة أيام، وانظر معجم البلدان 3: 297 بتحقيق فريد الجندى.
[3] وانظر البداية والنهاية 14: 92 والدرر الكامنة 1: 140، والسلوك 2/1: 187، وشذرات الذهب 6: 47.
[4] المدرسة الصارمية: داخل باب النصر والجابية قبلى شرق العذراوية بدمشق. بناها صارم الدين أزبك مملوك قايماز النجمى سنة 622 هـ (الدارس فى تاريخ المدارس 1: 326) .
[5] وانظر النجوم الزاهرة 9: 244.
(32/291)

ذكر الغلاء الكائن بديار بكر [1] والجزيرة وغيرها من بلاد الشرق
وفى هذه السنة وردت الأخبار إلى الشام بما حصل بديار بكر والموصل وإربل وماردين [2] والجزيرة وميافارقين [3] وغيرها من الغلاء العظيم والجلاء وخراب البلاد وبيع الأولاد.
أما ماردين فبلغ ثمن الرطل الخبز بالدمشقى بها من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم وعدم غالبا مع عدم بقية الأقوات، ومات خلق كثير من أهلها وأكل الناس الميتة، ومنهم من باع أولاده.
وأما الجزيرة [4] العمرية فقيل إنه مات منها من أول هذه السنة إلى سلخ شهر ربيع الآخر خمسة عشر ألفا بالجوع والوباء وأبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي، وكان الصبى يباع من خمسين درهما إلى عشرة دراهم [122] ويشتريهم التتار وكان المار بها يمر من باب الجبل إلى باب الشط فلا يجد أحدا إلا أنه يشم روائح الجيف خارجة من البيوت وصارت الكلاب تأكل جيف الناس وتأوى إلى المسجد الجامع، وبطلت الجمعة نحو شهر.
وأما ميا فارقين فمات غالب أهلها بحيث إن المار بأسواقها لم يجد غير ستة حوانيت وأما الموصل فكان الغلاء والجلاء وبيع الأولاد فيها أشد من ماردين حتى خلت الدور من أهلها بعد أن باعوا كل عزيز ونفيس وأكلوا الميتة وحكى أن بعض أهلها باع ولده باثنى عشر درهما وقال هذا الولد أنفقت على
__________
[1] ديار بكر: هى بلاد كبيرة واسعة، تنسب إلى بكر بن وائل، وهى ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق، وقصبتها الموصل، وحران، ومن مدنها حصن كيفا وآمد وميا فارقين، وبها دجلة والفرات. (ياقوت- معجم البلدان) .
[2] ماردين: مدينة عظيمة فى ديار بكر «تركيا» وتعد من أمنع الحصون حيث تقع على قنة جبل شاهق، وتشرف على دنيسر، وأرواد، ونصيبين، ودورها كالدرج كل دار فوق الأخرى، ولها ربض عظيم به أسواق كثيرة وخانات ومدارس وربط والماء فيها قليل، وشرب أهلها من الصهاريج (ياقوت: معجم البلدان) .
[3] ميا فارقين: أشهر مدينة بديار بكر ولما مات أبو عبيدة عامر بن الجراح. أنقذ عمر رضى الله عنه عياض ابن غنيم بجيش كثيف إلى أرض الجزيرة فجعل يفتحها موضعا موضعا، ويقال إن الذى فتحها خالد بن الوليد والأشتر النخعى. وقيل بل فتحت صلحا.
[4] الجزيرة العمرية، أو جزيرة ابن عمر: منطقة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام وبهار ستاق مخصب واسع الخيرات، ويقال إن أول من عمرها الحسن بن عمر بن خطاب التغلبى، وكان له امرأة بالجزيرة، وهذه الجزيرة يحيط بها نهر دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال، وتفصل بين العراق وتركيا (ياقوت: معجم البلدان) .
(32/292)

ختانه خمسين دينار وكان المشترون يمتنعون من شراء أولاد المسلمين وكانت المرأة والصبية تقول: إنها نصرانية لتشترى.
وأما مدينة إربل فأكل أهلها جميع النبات الموجود ثم أكلوا [لحاء] [1] الأشجار وقلوبها ثم أكلوا الميتة وجاءهم الموت الذريع ثم شرعوا فى الجلاء فنزح منهم جماعة من الحواضر [2] نحو أربعمائة بيت لقصد مدينة مراغة [3] فسقط عليهم ثلج وأصابهم برد شديد فماتوا بأجمعهم وخرجت طائفة أخرى أكثر من الأولى من البلد والسواد والفلاحين صحبة أردوا [4] التتار فوصلوا إلى عقبة فتركهم التتار أسفل العقبة، ومنعوهم من الصعود معهم لعجزهم عن إطعامهم فماتوا بجملتهم ووصل كتاب من البلد إلى الموصل وفيه إنا اعتبرنا جملة من بقى من أهل البلد فكانوا خمسمائة بيت من خمسة عشر ألف بيت المتعينون بمن بقى نحو خمسين بيتا والباقون ضعفاء وفقراء.
وأما أهل سنجار فكان أمرهم أخف وكذلك أهل العراق خصوصا بغداد ولم يصل آمرهم إلى بيع الأولاد وأكل الميتة ومما حكى أن رجل دخل ثلاثمائة وستين قرية زرع منها ست قرى وخرب باقيها لانقطاع ماء دجلة عنها والنخل أصابه فى سنة سبع عشرة وسبعمائة برد وسقط عليه ثلج أفسد بعضه وأضعف بعضه وانقطع المطر [فى سنة ثمانى عشرة] [5] فلم يحصل منه شئ وكان سبب هذا الغلاء أولا بمدينة سنجار وديار بكر ظهور الجراد فى سنة ست عشرة وسبعمائة فأفسد المزروعات.
واستهلت سنة سبع عشرة بغير مطر فاشتد الغلاء وتضاعف فلما هلت سنة ثمان عشرة اشتد الغلاء وعظم البلاء لقلة الأمطار وموت الفلاحين وجلاهم من البلاد لما نالهم من جور التتار وغارات كانت ببلادهم من جهة الشام والأكراد ثم ارتفع الوباء فى شهر رجب وشعبان ورمضان وقل الموت لكن الغلاء مستمر
__________
[1] ما بين القوسين زيادة من ص، وف.
[2] فى ك «الخواص» والمثبت من ص، وف.
[3] مراغة بلدة عظيمة من أشهر بلاد أذربيجان، وكانت تدعى أفراز هرووذ، فعسكر بها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عند عوده من الغزو، وكان فيها سرجين كثير، فكانت دوابه ودواب أصحابه ترعى وتتمرغ فيها. فقال ابنوا قرية المراغة (النجوم الزاهرة 3: 84 هامش، ومعجم البلدان 5: 109) .
[4] أردوا التتار: فرقة من فرق الجيش، كما تطلق على القائد وعلى المعسكر. وانظر ما سبق ص 145.
[5] ما بين القوسين من ص، وف.
(32/293)

بالموصل والعراق وما سنجار وماردين فرخص القوت فيهما ونقلت هذه الحادثة من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى [1] وبعض ألفاظها أوردتها بالمعنى وقال المذكور إنه نقل ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد ابن ذفر الإربلى الصوفى الطبيب [2] واختصر بعضه- نسال الله العافية من بلائه.
ذكر مقتل الرشيد المتطبب
وفى النصف الثانى من جمادى الأولى من هذه السنة قتل رشيد الدولة أبو الفضل فضل الله بن أبى الخير بن غالى الهمدانى الطبيب [3] وهو الذى كان قد وصل صحبة غازان إلى الشام، وكان يتحدث فى دولته حديث الوزراء، ولما مات خربندا عزل الرشيد من وظائفه ومناصبه، ودارى عن نفسه بجملة كثيرة من الأموال، ثم نسب إليه سقى الملك خربندا السم فمات وطلب على البريد إلى المدينة السلطانية، وأحضر بين يدى جوبان نائب الملك أبى سعيد وقيل له: [123] أنت قتلت الملك؟ فقال كيف أفعل ذلك وقد كنت رجلا يهوديا عطارا طبيبا ضعيفا بين الناس فصرت فى أيامه وأيام أخيه أتصرف فى أموال المملكة ولا تتصرف النواب والأمراء فى شئ إلا بأمرى وحصلت فى أيامهما من الأموال والجواهر والأملاك ما لا يحصى فأحضر الطبيب الجلال ابن الحزان [3] طبيب خربندا وسئل عن موت خربندا وقيل له: أنت قتلته فقال إن الملك أصابته هيضة قوية فانسهل بسببها نحو ثلاثمائة مجلس وتقايأ قيئا كثيرا، فطلبنى وعرض على هذا الحال فاجتمع الأطباء بحضور الرشيد على إعطائه أدوية قابضة مخشنة للمعدة والأمعاء فقال الرشيد عنده امتلاء وهو يحتاج إلى الاستفراغ بعد فسقيناه برأيه دواء مسهلا، فانسهل بسببه نحو سبعين مجلسا ومات وصدّقه الرشيد على ذلك فقال جوبان فأنت يا رشيد قتلته، وأمر بقتله فقتل واستأصلوا جميع أملاكه وأمواله [4] ، وقتلوا قبله ولده إبراهيم
__________
[1] هو القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالى الإشبيلى المتوفى سنة 739 هـ صنف المقتفى فى التاريخ ذيلا على الروضتين لأبى شامة (وفات الوفيات 2: 30، والبداية والنهاية 14: 185، والدرر الكامنة 3: 227، وشذرات الذهب 6: 122) .
[2] له ترجمة فى البداية والنهاية 14: 87، والدرر الكامنة 3: 232، وشذرات الذهب 6: 44، وذيول العبر 92، ودول الإسلام 2: 171، والسلوك 2/1: 189.
[3] هو الجلال الطبيب ابن الحزان اليهودى له ترجمة فى الدرر الكامنة 3: 232، وأنظر السلوك 2/1: 188.
[4] فى ص «أمواله وأملاكه» .
(32/294)

من أبناء ست عشرة سنة، وحمل رأس الرشيد إلى تبريز ونودى عليه: هذا رأس اليهودى الذى بدل كلام الله، لعنه الله، وقطعت أعضاؤه وحمل كل عضو إلى بلد وأحرقت جثته وقام فى ذلك الوزير تاج الدين على شاه التبريزى، وقتل الرشيد وهو من أبناء الثمانين، وخلف عدة أولاد، وكان يتستر بالإسلام فيما قيل عنه.
وفيها فى التاسع عشر أو العشرين من شهر رمضان قتل الحاجى الدلقندى قتله جوبان نائب الملك أبى سعيد وسبب ذلك أنه بلغه أنه اتفق هو وجماعة من الأمراء على قتله وقتل الوزير على شاه فبادر بقتله ودلقند قوية من عمل منسوب إلى مدينة سمنان من مدن خراسان نقلته وما قبله من تاريخ البرزالى.
واستهلت سنة تسع عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة
وفى أول ليلة من المحرم هبت ريح شديدة بمدينة دمشق رمت كثيرا من الستائر [1] والطبلات [2] وسقط بسببها جدران كثيرة، وهلك تحت الردم جماعة واقتلعت أشجار كثيرة من أصولها وقصفت أغصانا وامتنع كثير من الناس من النوم بسببها واجتمع خلق كثير بالجامع يتضرعون إلى الله تعالى فى سكونها فسكنت، ثم ثارت فى ليلة الثلاثاء المسفرة عن تاسع عشر الشهر، وهو أول الاعتدال الربيعى ولم يبلغ مبلغ الأول.
وفى يوم الخميس السابع من المحرم وصل الأمير شمس الدين آق سنقر الناصرى أحد الأمراء من الحجاز الشريف إلى قلعة الجبل بعد أن وقف بعرفة مع الحاج فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصحب الركب إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وصلى بها الجمعة وركب لست بقين من ذى الحجة سنة ثمان عشرة وردت الأخبار معه أنه قبض على الأمير أسد الدين رميثه أمير الحجاز الشريف وعلى الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى أحد الأمرآء وهو الذى كان قد جرد بسبب الأمير عز الدين حميضة [3] والذى ظهر لنا فى سبب القبض عليهما أن رميثة نسب إلى مباطنة أخيه حميضة [3] وأن الذى يفعله
__________
[1] المراد: ما يبنى فوق السطح من أسوار. فيقال ستّرة السطح ما يبنى حوله والجمع ستر. والستارة ما يستر به، والجمع ستائر.
[2] كذا فى الأصول. ولم أهتد إلى المراد.
[3- 3] ما بين الرقمين من ص، وف. وانظر الخبر فى غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 2: 64، 65، 85، 86، وإتحاف الورى 3: 159، 160.
(32/295)

بحميضة هو القبض عليه ولكنه ركب إليه وتقاربا من بعضهما بعضا، وباتا على ذلك ولم يقدم الإبراهيمى على مهاجمته والقبض عليه فاقتضى ذلك سجنه، واتصل بالسلطان أيضا أن الإبراهيمى ارتكب فواحش عظيمة بمكة شرفها الله تعالى، فرسم بالقبض عليهما ووصل الأمير أسد الدين رميثة ورسم عليه بالأبواب السلطانية أياما، ثم حصلت الشفاعة فيه فرفع عنه الترسيم وأقام يتردد إلى الخدمة السلطانية مع الأمراء إلى أثناء شهر ربيع الآخر من السنة فحضر إلى الخدمة فى يوم الإثنين رابع عشر ثم ركب فى عشية النهار على هجن أعدت له وهرب نحو الحجاز فعلم السلطان بذلك فى يوم الثلاثاء فجرد خلفه جماعة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين أقبغا آص والأمير سيف الدين قطلوبغا [1] المعزى [124] والأمير ناصر الدين الجرمكى وجماعة من عربان العايد فتوجهوا خلفه وتقدم الأميران المبدأ بذكرها ومن معهما من العربان فوصلوا إلى منزلة [2] حقلى وهى بقرب أيلة مما يلى الحجاز فأدركوه بالمنزلة فقبضوا عليه وأعادوه إلى الباب السلطانى، فكان وصوله فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر فرسم السلطان باعتقاله فى الجب فاعتقل واستمر فى الاعتقال إلى يوم الخميس الثامن من صفر سنة عشرين وسبعمائة فرسم بالإفراج عنه وخلع عليه.
وفى العاشر من صفر نودى بدمشق بالصلاة للاستسقاء وقرئ صحيح البخارى بجامع دمشق تحت النسر فى سبعة أيام واستسقى الخطيب على المنبر فى أيام الجمع مرار ثم برز الناس كافة نائب السلطان والقضاة وغيرهم مشاة إلى ظاهر البلد عند مسجد القدم [3] فى يوم السبت نصف صفر وهو سابع نيسان، وصلى بهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعبرى، وخطب واستسقى وعاد الناس، وأمطروا بفضل الله تعالى ورحمته فى بكرة يوم الأحد ويوم الإثنين حتى خرب المذاريب، ووصلت الأخبار بنزول الغيث على البلاد البرانية، وفى آخر صفر فوضت نيابة السلطنة بحمص للأمير سيف الدين بلبان [4] البدرى عوضا عن الأمير بدر الدين بكتوت، فتوجه إليها، ووصل القرمانى إلى دمشق فى رابع شهر ربيع الأول، واستقر على عادته فى جملة الأمراء المقدمين.
__________
[1] كذا فى ك وفى ص «المغربى» وفى السلوك 2/1: 193، 194 «أن السلطان بعث فى طلبه الأمير قطلوبك المغربى، والأمير آقبغا آص الجاشنكير» .
[2] منزلة حقلى. وفى السلوك «حقل» وتقع على مسافة ستة عشر ميلا جنوبى أيلة فى الطريق إلى الحجاز (معجم البلدان 2: 299) .
[3] مسجد القدم: هو من الآثار التى فى مدينة دمشق وغوطتها، يقال إن هناك قبر موسى بن عمران عليه السلام، وإنه مما يرجى فيه إجابة الدعاء عند القطيعة. وأنظر النجوم الزاهرة 6: 126 تعليق 1.
[4] فى ك «هبان» والمثبت من ص، وف.
(32/296)

وفى هذه السنة فوض السلطان قضاء القضاة بدمشق
على مذهب الإمام مالك بن أنس للقاضى شرف الدين محمد ابن القاضى معين الدين أبى بكر بن القاضى سديد الدين مظفر الهمدانى المالكى [1] الفيومى وكان ينوب عن قاضى القضاة تقى الدين بن الإخنائى المالكى بالجامع الصالحى خارج باب زويلة فنقل إلى دمشق، وتوجه إليها وكان وصوله يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة، وكان المعتنى به والقائم فى حقه القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، وكان قد عين للقضاء بدمشق الشيخ فخر الدين أبو عمر ابن الشيخ القدوة العابد علم الدين يوسف النويرى المالكى وأثنى عليه جماعة من الأمراء والأكابر فى مجلس السلطان منهم الأمير بدر الدين جنكلى [2] بن البابا واستقرار من أمره فى الولاية ورسم السلطان بذلك وحضر الأكابر إليه وهنئوه بالولاية فنهض القاضى فخر الدين فى ولاية القاضى شرف الدين المذكور وبالغ فى أمره أتم المبالغة وجّود الاعتناء حتى ولى ورسم السلطان بتعويض الشيخ فخر الدين عن القضاء بما يليق به فولى إعادة المدرسة [3] الناصرية، ونيابة الحكم بالجامع الصالحى نقل إليه من نيابة الحكم بالجامع الطولونى فولى ثم عزل نفسه، واقتصر على حضور الدروس ومشيخة الخانقاه الفخرية بمصر وتعاهد الحج نفع الله به.
وفى هذه السنة عاد الأمير سليمان ابن الأمير حسام الدين منها من بلاد العراق وكان قد التحق بالتتار فعاد الآن ووصل إلى دمشق فى ثامن جمادى الآخرة وتلقاه نائب السلطنة وحضر إلى الأبواب السلطانية وأحضر عدة من الخيل الجياد، ومثل بين يدى السلطان وسأل الصفح عن ذنبه وتنصل وأظهر التوبة والندم على ما صدر منه، فشمله [125] العفو السلطانى والصفح وأنعم عليه بالأموال الجزيلة والتشاريف وأنعم عليه من الأموال بدمشق بمائتى ألف درهم وخمسين ألف درهم وزاده السلطان على إقطاعه الذى كان بيده وعاد إلى دمشق فى شهر رجب.
__________
[1] انظر فى ترجمة الوافى بالوفيات 2: 270، وذيول العبر 263، والدرر الكامنة 3: 44، والنجوم الزاهرة 10: 182، وقد توفى سنة 748 هـ.
[2] هو جنكلى بن محمد بن البابا بن جنكلى بن خليل بن عبد الله العجلى بدر الدين، المتوفى سنة 746 هـ (الدرر الكامنة 1: 539، والدليل الشافى 1: 251، والنجوم الزاهرة 10: 143) .
[3] أى إعادة المدرسة الناصرية إليه للتدريس فيها.
(32/297)

ذكر الخلف الواقع بين جوبان [1]
نائب سلطنة أبى سعيد بن خدبندا ملك التتار وبين الأمراء مقدمى التوأمين [2] وقتالهم وانتصار جوبان عليهم وقتلهم.
وفى هذه السنة تواترت الأخبار بوقوع الخلف بين مقدمى التتار والحرب بينهم وقد نقل الشيخ علم الدين البرزالى فى تاريخه أن الشيخ محمد بن أبى بكر القطان الإربلى ورد إلى دمشق وأخبره تفصيل ذلك على جليته قال: كان سبب هذه الحرب أن الملك أبا سعيد بن خربندا حصل له الحصار من نائبه جوبان وأنه استقل بتنفيذ الأمور دونه ولم يبق له فى المملكة إلا مجرد التسمية، وأبعد أقواما كانوا مقربين من الملك أبى سعيد وقتل الأمير ربنوا [3] وهو الذى تولى ترتيب الملك لأبى سعيد فذكر الملك ما حصل له من القلق للأمير إيرنجى [4] خال أبيه خربندا، والأمير قرمشى ابن التياج [5] ، والأمير دقماق وهم من مقدمى التمانات فقالوا للملك إن أردت أن نخرج عليه ونكبسه ونقتله فعلنا وإن أحببت أن ننابذه الحرب فعلنا ما أردت، فوقع الاتفاق على أنهم يفعلون به كيف ما تهيألهم فاتفق الحال من الأمراء الثلاثة ومن وافقهم الأمير أرس أخو دقماق، ومحمد هرزه ويوسف بكا وبهاء الدين يعقوبا وهم من أعيان الأمراء على أن يعملوا لجوبان دعوة ويقبضوا عليه فيها، فسأله [6] قرمشى أن يعمل له دعوة فى نواحى عمله بالقرب من بلاد كرجستان وأرسل إليه تقادم وهدايا كثيرة، فقبلها جوبان وأجاب إلى حضور الدعوة فعمل قرمشى الدعوة فى مكان يسمى سرمارى [7] من نواحى كرجستان، وهى منزلة قرمشى ومن انضاف إليه، وتهيأ جوبان لحضور الدعوة، فبينما هو على ذلك إذ جاءه رجل اقطى من جماعة قرمشى فى خفية وأخبره بما انطوى عليه الجماعة
__________
[1] أشار المقريزى فى السلوك 2/1- 195 إلى هذه الأحداث بإيجاز شديد، وكذلك البداية والنهاية 14:
93، وزاد عنهما قليلا ذيول العبر 101- 103.
[2] مقدمو التوأمين: أمراء أو قادة الفرق.
[3] كذا فى الأصول.
[4] كذا فى الأصول، وذيول العبر 102، 103، والنجوم الزاهرة 9.
[5] كذا فى الأصول، وذيول العبر 103 «البياخ» .
[6] أى فسأل قرمشى جوبان.
[7] سرمارى: قلعة عظيمة، وولاية واسعة بين تفليس وخلاط، مشهورة مذكورة (معجم البلدان 3: 243 بتحقيق فريد الجندى) .
(32/298)

خفية وأخبره بما انطوى عليه الجماعة وأشار عليه بمفارقة مخيمه وقال له: الآن يكبسوك. فرجع جوبان إليه واحتاط لنفسه، وركب لوقته وترك مخيمه وخزائنه وخيوله بحالها، ولم يخبر أحدا من أصحابه، ولم يستصحب غير ولده حسن، وأقبل قرمشى فى عشرة آلاف فارس من التتار والكرج والفرس، فسأل عن جوبان فقيل له، هو جالس فى مخيمه ينتظر حضور الدعوة فقصده وهجم على مخيّمه وشهر السيف وثار أصحاب جوبان وهم لا يدرون ما الخبر، وقاتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين نحو ثلاثمائة فارس، وخلص قرمشى إلى خيمة جوبان فلم يجد غير إنسان اسمه أخى [1] ابو بكر فسأله عن جوبان فقال: هرب ولم يعرفّنا فضرب قرمشى عنق أخى أبو بكر، ونهب مخيم جوبان، وأمواله وخيوله وغير ذلك، وذلك فى جمادى الأولى وساق خلف جوبان فلم يدركه.
وأما جوبان فإنه استمر به السير إلى مدينة مرند [2] فوصل إليها وليس معه غير نفرين من أصحابه، فتلقاه الأمير ناصر الدين ملكها وأمده بالخيل والمال والسلاح، ووصل معه إلى قرية بالقرب من تبريز [3] تسمى دية صوفيان، ووصل خبره إلى تبريز فخرج إليه الوزير تاج الدين على شاة التبريزى- وزير الملك أبى سعيد- ومعه ألف فارس فأنزله وأكرمه، وأخرج إلى لقائه أهل تبريز بالفرح بمقدمه، ونصبت له القباب، وأمدوه بالخيول والسلاح، فبات بتبريز ليلة واحدة، وتوجّه إلى المدينة السلطانية، وصحبته الوزير على شاه وتقدم الوزير واجتمع بالملك أبى سعيد وتلطّف فى أمر جوبان وأحسن الثناء عليه، وذكر شفقته على الدولة واهتمامه بأمرها وحرمته وغض ممن نازعه، وخرج عليه، وقال: إن هؤلاء يحسدونه ويقصدون أن يتغير خاطر الملك عليه، فإذا قتله تمكنوا من الدولة وفعلوا ما أرادوا، وبلغوا أغراضهم الفاسدة قال: وقد بلغنى عن الأمير إيرنجى أنه يقول إن ابنه عليا أحق بالملك، لأنه من العظم الثانى، وأغراه به غاية، الإغراء فمال إلى قوله ورضى عن جوبان، وأذن له فى الدخول عليه فدخل [126] ومعه كفنه ويكى بين يدى الملك بكاء شديدا
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «أحى بو بكر» .
[2] مرند: من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان، وقد تشعثت الآن وبدأ فيها الخراب منذ نهبها الكرج وأخذوا جميع أهلها (معجم البلدان 5: 129) .
[3] تبريز: أشهر مدن أذربيجان، وهى مدينة عامرة حسناء ذات أسوار محكمة. فى وسطها عدة أنهار، والبساتين محيطة بها (معجم البلدان 2: 15) .
(32/299)

أو قال قتلت رجالى وأعوانى الذين انتخبتهم لخدمة القان [1] ونهبت أموالى التى جمعتها من نعمه، وانكسرت حرمتى التى أقامها فإن كان القان يقصد قتلى فها أنا بين يديه، وأنا من جملة مماليكه. فتبرأ أبو سعيد من ذلك وقال:
لم أقصد بك سوءا قط وهؤلاء أعداؤك وقد حسدوك على قربك منى وخرجوا على وعليك وقد مكنتك منهم، فإنهم ارتكبوا هذا الأمر بغير أمرى. فأستأذنه فى حربهم فأذن له فسأله، أن يمده بالجيش، فأمده بعشرة آلاف فارس يقدمهم الأمير طاز ابن كتبغانوينّ، الذى قتل بعين جالوت، وركب قراسنقر المنصورى [2] فى ثلاثمائة فارس بالسلاح التام على عادة العساكر المصرية، وجاء ابنه تمرتاش من جهة ثغر الروم بطائفة كثيرة من الجيوش وركبوا وركب الملك أبو سعيد أيضا [3] فى خاصته وساق معهم ليتحقق جوبان أنه معه لامعهم.
وأما قرمشى وإيرنجى ودقماق فإنهم ساقوا خلف جوبان إلى أن وصلوا إلى بتبريز، فغلقت أبوابها دونهم، وخيف منهم القتل والنهب وخرج إليهم نائبها وهو الحاجى قطق بمأكول ومشروب وعلوفات فعلقوه برجليه وأخذوا منه سبعين ألف دينار- الصرف عن كل دينار ستة دراهم- كون أهل البلد تلقوا جوبان وخدموه وأغلقوا الأبواب دونهم، ثم ساقوا من يومهم حتى وصلوا إلى مدينة من أعمال أذربيجان اسمها ميانه، ثم ساقوا منها إلى مدينة زنكان [4] ومنها إلى ضيعة اسمها دية منارة فتوافواهم وجوبان فى هذا المكان فلما شاهد الأمير إيرنجى الملك أبا سعيد وأعلامه تحير فى أمره واستشار من معه فيما يفعل فقال له قرمشى لا بدّ من الحرب فإن الملك فى الباطن معنا، فتصاف الجيشان، وخاف إيرنجى أن يبدأ الملك بالحرب، وكذلك من معه إلا قرمشى فإنه سيّر إلى جوبان يقول له اجعل لى إشارة أقصدها وأحضر إلى خدمتك وطاعتك، فرفع له جوبان علما ولم يقف تحته بل تحيز إلى جهة أخرى، فحمل قرمشى على
__________
[1] كذا فى ك، وف. وفى ص «الخان» .
[2] فى ك «الموصلى» والمثبت من ص، وف.
[3] هذا اللفظ زيادة من ص، وف.
[4] زنكان: هى زنجان من نواحى الجبال بين أذربيجان وبينها، وهى قريبة من أبهر. والعجم يقولون زنكان.
(32/300)

ذلك المكان بمن معه حملة منكرة، ظنا أن جوان ثم فلم يجده فالتحم القتال، وقاتل الأمير طاز وقرا سنقر المنصورى قتالا شديدا، فانهزم إيرنجى ومن معه وانضم أكثرهم إلى عسكر الملك جوبان وقبض على إيرنجى وقرمشى ودقماق وأخيه وغيرهم. وحملوا إلى المدينة السلطانية وعمل لهم يزغو ومعناه عقد مجلس، وسئلوا عن سبب تعديهم وخروجهم وارتكابهم لهذا الأمر العظيم، فقالوا بأجمعهم إنما فعلناه عن أمر الملك وإذنه وقال قرمشى لجوبان أنا جاءنى يوسف بكا، ومحمد هرزه برسالة الملك أبى سعيد فى حربك وقتلك، فأحضرهما جوبان وسألهما عن ذلك فاعترفا به فأنكر الملك ذلك وقال كذبا على فافعل معهما ما يجب عليهما من حد الكذب والافتراء على. فحكم على جميعهم بالقتل بمقتضى ياسا جنكيز خان [1] ، فعند ذلك أخرج إيرنجى من خريطته ورقة وقال للملك أبى سعيد هذا خطّك معى بقتل جوبان. وشتم الملك واجترأ عليه، لأنه خال والده، فأنكر الملك ذلك وقال لجوبان أعمل معهم بمقتضى الياسا؛ فإن هؤلاء خرجوا علىّ وعليك وقصدوا إفساد الحال. فتسلمهم جوبان وقتلهم، وبدأ بإيرنجى وقال هذا ينبغى أن يعذب قبل قتله. فقيدوه [2] من أضلاعه بقناطير الحديد فبسط لسانه بالسب الفاحش للملك، فأرادوا قطع لسانه فعجزوا عن ذلك، فضربوه بسيخ حديد تحت حنكة خرج من دماغه فمات وبقى مقيدا [3] يومين ثم قطعوا رأسه وطافوا به بلاد خراسان وأذربيجان، والعراقين والروم، وديار بكر وقتلوا قرمشى ودقماق نقلت ذلك ملخصا، وبعضه بالمعنى من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى.
وقال فى تاريخه ثم [4] ورد علاء الدين على بن التخت التاجر السّفار من المدينة السلطانية، وأخبرنى بنحو الذى تقدم، وقال كنت بالمدينة المذكورة وجوبان قد تتبع الأمراء الذين خرجوا عليه فقبض منهم من أول جمادى الآخرة
__________
[1] ياسا جنكيزخان: هو القانون الذى وضعه جنكيزخان القائم بدولة التتار فى بلاد المشرق، وتضمن الأحكام الخاصة بالجزاء والعقاب، ويشتمل على عقوبات صارمة توقع على المذنبين. وكان هدف جنكيز خان من إصدارها توحيد شعوب الإمبراطورية وإخضاعها جميعا لنظام صارم ووضع حد للحروب بين القبائل. وانظر الخطط للمقريزى 2: 220، 221، فؤاد عبد المعطى الصياد: المغول فى التاريخ ص) Grousset:L-Empire des Steppes ,P.316 (..237
[2] كذا فى ك. وفى ص، وف «فقتروه» أن ضموا بعضه إلى بعض، وهنا ضموا أضلاعه بعضها إلى بعض.
[3] كذا فى ك. وفى ص، وف «مقترا» .
[4] هذا اللفظ من ص، وف.
(32/301)

إلى آخر شوال نحو ستة وثلاثين أميرا فقتلهم، وأخذ أموالهم، وصادر عمالهم وتجارهم، وحصّل من الأموال أضعاف ما عدم له قال وبقى إيرنجى ثلاثة أيام مقيدا ميتا وقتل معه فى يومه دقماق وأخوه أرس والأمير بكتوت.
قال وفى اليوم الثانى قتلوا يوسف بكا وأخاه الأمير نوماى، وفى اليوم الثالث قتل لدقماق ابنان عمر كل واحد منهما سبع سنين وفي اليوم الرابع قتلوا ابنا لإيرنجى اسمه وفادار من أبناء خمس عشرة سنة وقتل له ابن فى الوقعة اسمه الأمير على وقطعوا رأسه [127] وألقوه إلى أمه كيخشك [1] ابنة السلطان أحمد ابن أبغا وكانت حاضرة المصاف، فحملت على أبى سعيد فصرعت وماتت تحت أرجل الخيل قال: وفى اليوم السابع أحضروا قرمشى بن النياج فحلقوا ذقنه وألبسوه طرطورا وسمروه، وطافوا به المدينة السلطانية، ثم أحضروه بين يدى جوبان وقتل بالنشاب إلى أن مات، ثم أحضروا أخاه من ثغر خراسان، وقتل حال وصوله قال وأحضروا بنت إيرنجى واسمها قطلو شاه خاتون وكانت إحدى زوجات الملك [2] خربندا فقال أبو سعيد هذه سقت أبى السّمّ فقصد قتلها فشفع فيها الوزير، على شاه وزوجها فى الحال بخواجا دمشق أحد أولاد جوبان.
قال: وأما امرأة دقماق فتزوجت بالأمير طاز بن كتبغانوين، وولى وظيفة قرمشى على ثغر خراسان، وسكنت الفتنة وأحرق جميع من قتل بالنار ولم يدفنوا.
وفى هذه السنة فى الساعة الثانية من يوم السبت الخامس من شهر رمضان الموافق للعشرين من تشرين الأول والثالث عشر من بابه جاء سيل ظاهر مدينة دمشق وارتفع على وجه الأرض مقدار قامة وكان جريانه من جبل عربا وآيل السوق ووادى هريره والحسينية أمطرت هذه الأماكن مطرا عظيما وسال منه هذا السيل وحمل ما كان أمامه من الحجارة حتى سد عين الفيحة وانقطع جريان الماء منها يومين وليلتين، ثم خرجت على عادتها ومر إلى البحيرة.
__________
[1] كذا فى الأصول.
[2] هذا اللفظ من ص، وف.
(32/302)

وفى عاشر شهر رمضان أمر نائب السلطنة بدمشق بهدم العمائر التى على جسر باب الحديد إلى باب الفراديس [1] فهدم منها إلى حد باب الفرج، ثم أقر ما بقى على حاله.
وفى التاسع والعشرين من شهر رمضان جمع القضاة والفقهاء بدار السعادة [2] فى مجلس نائب السلطنة، وقرئ عليهم مثال سلطانى يتضمن الإنكار على الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية بمسألة الطلاق [3] وكان أيضا قد تقدم المرسوم قيل ذلك بمنعه من الفتيا بها، فامتنع ثم أفتى بها فحصل الإنكار عليه الآن وتأكد المنع وصنف فى هذه المسألة كلاما كثيرا ليس هذا موضع إيراده.
ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف وهى الحجة الثانية
وفى هذه السنة أمر السلطان بتجهيز ما يحتاج إليه إلى الحجاز الشريف وأظهر لذلك احتفالا عظيما قبل الخروج إلى الحجاز بستة أشهر وحمل من الإقامات والحوائج خاناه والشعير بالمنازل شيئا كثيرا، وتوجّه فى صحبته جماعة من الأعيان الأمراء والملك عماد الدين صاحب حماه وعدة من أصحاب الوظائف ورسم بجميع من توجه فى خدمته أن تكون كلفهم [4] وما يحتاجون إليه من المآكل والعليق على البيوت السلطانية والإسطبلات فكان يحتاج فى كل ليلة من العليق خاصة ألف إردب شعير وقيل ألف إردب ومائة إردب. وجهز معه
__________
[1] باب الفراديس: هو أحد أبواب جامع دمشق، وينسب إلى محلة كانت تسمى الفراديس، وهى الآن خراب، والفراديس بلغة الروم تعنى البساتين، وهذا الباب هو الرابع من أبواب جامع دمشق (المقدسى: أحسن التقاسيم، ص 158- 159. والنجوم الزاهرة هامش 4: 157، و 6: 148) .
[2] دار السعادة: اسم يطلق على دار الحكم، ودار الإمارة، أو مركز الحاكم الذى يباشر منه شئون الولاية (النجوم الزاهرة 9: 28 هامش) .
[3] مسألة الطلاق: هذه المسألة التى تفرد بها الإمام ابن تيمية فى عصره بالقول بها، ورأيه ألا يقع الطلاق بالحلف به بدل الحلف بالله، ولكن الحالف إذ أحنث فى يمينه فعليه كفارة اليمين المعروفة فى القرآن الكريم.
كما كان رأيه أن طلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع به إلا طلقة واحدة رجعية. وأنظر الكتاب ابن تيمية للدكتور محمد يوسف موسى أعلام العرب 106 ومجموع الفتاوى ج 35: 241- باب الإيمان والنذور.
[4] أى نفقاتهم وكافة حوائجهم فى رحلة الحج سفرا وإقامة وعودة.
(32/303)

فى هذه السفرة ما لم يسافر به ملك قبله- فيما بلغنا- فكان مما حمل معه على الظهر ثلاثة عشر حملا من المحاير [1] المحكمة المقيّرة، وجعل فيها الطين الإبليز وزرع فيه الرياحين والخضراوات وهو بنفسج حملان هندبا ثلاثة أحمال، فجل حمل واحد أسفا ناخ، حمل واحد كسفرة خضراء حمل واحد طرخون: حمل- نعناع: حمل- سلق: حمل- حوائج بقل: حمل- شمار: حمل- وعمل له مطبخ يطبخ عليه وهو محمول على الظهر، وكان يطبخ فيه والجمل سائر فلا يصل إلى المنزلة إلّا وقد تهيأ الطعام، وحمل له من ماء النيل ماء، شربه مدة سفره ومقامه وعوده هو وجماعة ممن معه، وحملت الخراف المسمنة المعلوفة فى المحاير على الجمال وهى تعلف وتسقى فى طول الطريق فى ذهابه ومقامه وعوده، وضحى منها بمنى، ولما عزم على الرحيل أمر نائبه الأمير سيف الدين أرغون بالمقام بقلعة الجبل ورسم لمن تأخر من الأمراء أن يتوجهوا إلى نواحى أقطاعهم فيكون كل منهم ببلاد أقطاعه إلى حين عوده، ولا يجتمع أمير بأمير فى غيبته، وكتب إلى النواب بالشام [128] أن يستقر كل نائب بمقر مملكته ولا يتوجه إلى صيد إلى حين عوده، فامتثلت أوامره.
وكان ركوبه من قلعة الجبل فى يوم السبت مستهل ذى القعدة، وأقام بظاهر القاهرة ما بين قلعة [2] الجب ومنزلة العش [3] إلى يوم الخميس السادس من الشهر، واستقل ركابه فى هذا النهار إلى الحجاز الشريف فى أمن الله ورعايته ثم توجه بعد ركاب السلطان الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة فكان توجهه من القاهرة فى يوم الإثنين سابع عشر ذي القعدة وأدرك الحج ووصل والسلطان بمكة شرفها الله تعالى، وتصدق السلطان بمكة- شرفها الله تعالى- بصدقات مبرورة وصلات موفورة وإنعام دان فأغنى بذلك الفقير وسد حاجة ذوى الحاجات وأحسن إلى أهل مكة إحسانا عاما شمل غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وصغيرهم.
__________
[1] المحاير: جاء فى القاموس المحيط إن المحاير جمع محارة وهى شبه الهودج أى أشبه بصندوقين يشدان على جانبى الرحل. انظر: (القاموس المحيط، المقريزى، المواعظ، ج 2 ص 101، كتاب السلوك، الجزء الثانى ص 233 حاشيه 2 للمرحوم الدكتور زيادة) .
[2] قلعة الجب: المراد جب عميرة نسبة إلى عميرة بن جزء التجيبى، وهى المنزلة الأولى فى طريق الحج.
وتشتهر بمزلة الحاج، وكانت من متنزهات القاهرة، وينزل عندها الحجاج، وينطلقون منها فى طريق الحاج، كما ينزلون عندها عند عودتهم، وتقع فى الشمال الشرقى من القاهرة. شرقى محطة المرج وبالقرب منها. (وانظر الخطط للمقريزى 2: 163) .
[3] منزلة العش: تقع غربى البركة المعروفة بالعكرشة. وحوض العكرشة لا يزال موجودا ومعروفا تحت رقم 47 بأراضى ناحية أبى زعبل وشرقى سكنها، وتسمى حاليا بكفر الشيخ سعيد بجوار مساكن أبى زعبل بمركز شبين القناطر، والنجوم الزاهرة 10: 341 هامش) .
(32/304)

واتفق فى هذه السنة وصول ركب من العراق وفيه جماعة من التتار صحبه ثلاثة من أكابر مقدميهم فلما علموا بوصول ركاب السلطان أخفوا أنفسهم خشيه أن يقبض عليهم فاطلع السلطان على ذلك فأمر بإحضارهم فحضروا بين يديه فأحسن إليهم وأنعم عليهم، وشملهم بالخلع السنية بالكلاوت الزركش ومكنهم من العود إلى بلادهم.
ولما قضى السلطان مناسك حجه ولم يبق إلا عوده تسحب ثلاثة من مماليك الأمراء الخاصكية مملو كان من مماليك الأمير سيف الدين طقز دمر [1] مملوكا من مماليك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى [2] ، والتحقوا بالأمير عز [3] الدين حميضة فظن السلطان أنهم انضموا إلى التتار فسار إلى مقدميهم وأمرهم بالكشف عنهم فقام المشار إليه من مقدميهم الثلاثة وأحضر من معه، فلم يجدهم معهم، وأقسموا على ذلك، ثم تحقق السلطان وهو بالمدينة النبوية أنهم التحقوا بحميضة وكان من خبرهم ما نذكره.
ولما عاد السلطان من الحجاز الشريف تبعه جماعة من المشاة، فكان السلطان يسوق فى آخر الناس فإذا مر فى طريقه بمن انقطع منهم وعجز عن المشى يقف عنده ويحدثه ولا يفارق مكانه إلى أن يستصحبه معه، فإذا علم ذلك الرجل أنه السلطان انبعثت نفسه ونهض ومن عجز منهم عن المشى أمر بحمله ففعل ذلك حتى حمل على جميع ما معه من الظهر الذى يمكن الحمل عليه ثم مر بعد ذلك بمن عجز عن المشى فتحدث معه على عادته وأمره بالقيام فقال لا أقدر على ذلك فقيل له إن السلطان يحدثك، فقال قد علمت أنه السلطان ولكن على والله لا أستطيع المشى فأمر بحمله، فقيل له إن الظهر قد حمل عليه، فأمر بطرح ما فى المحاير من الطين والخضراوات والبقولات
__________
[1] هو الأمير سيف الدين طقز دمر (طقز تمر) بن عبد الله الحموى الناصرى الساقى، وأصله من مماليك الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل الأيوبى صاحب حماة، ثم انتقل إلى ملك الناصر محمد بن قلاوون وحظى عنده ورقاه حتى صار أمير مائة ومقدم ألف وزوجه ابنته وصار من عظماء الدولة وتوفى سنة 746 هـ (أنظر ابن حجر الدرر الكامنة ج 2 ص 225، وكذلك) (النجوم الزاهرة 9: 142 هامش.
[2] هو بكتمر بن عبد الله الركنى الساقى الناصرى، توفى سنة 733 هـ فى عوده من الحجاز صحبة أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون (ابن حجر: الدرر الكامنة 2: 19 ابن تغرى بردى النجوم الزاهرة 9: 300، ابن العماد الحنبلى: شذرات الذهب 6: 104) .
[3] فى ك «علاء الدين» وما أثبته من ص، وف.
(32/305)

وغيرها، وأن يحمل على جمالها من عجز عن المشى، فامتثل أمره ورفق بالناس غاية الرفق واتصل به أن كريم الدين وكيله قد ضيق على بعض من معه فى العطاء والرواتب، فنقم عليه وضربه وهمّ بقتله مع تمكنه من دولته ثم استعطف عليه فسكن غضبه ووصل إلى السلطان هدايا النواب وتقادمهم والإقامات الوافرة والفواكه من حين خرج من مكة شرفها الله تعالى.
ولما وصل السلطان إلى وادى بنى سالم فى عوده وهو من المدينة على ثلاث مراحل جهز الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون، والأمير سيف الدين قطلوبغا المعزّى بالبشارة بمقدمه، فوصلا إلى القاهرة فى يوم الثلاثاء مستهل المحرم، وعلى أيديهما كتب البشائر فضربت البشائر [1] وزينت المدينتان أحسن زينة وبات الناس فى حوانيتهم ليالى واستبشروا بسلامته [2] .
وكانت غيبة السلطان الملك ناصر الدين محمد عن القاهرة فى ذهابه وحجه وعوده ثلاثة وأربعين يوما.
ثم وصل السلطان إلى قلعة الجبل فى بكرة نهار السبت الثانى عشر من المحرم ستة عشرين وسبعمائة، ولما مر بعقبة أيلة وشاهد ضيقها وصعوبة مسلكها أمر بترتيب جماعة من الحجارين لإصلاح طريقها، وقطع ما بها من الصخور المانعة من السلوك المضيقة على الناس فسطرت هذه المثوبة العظمى فى صحائف حسناته.
وفى سنة تسع عشرة وسبعمائة توفى الأمير سيف الدين كراى المنصورى [3] بمعتقله بالبرج بقلعة الجبل فى يوم السبت سادس عشر المحرم رحمه الله تعالى [129] .
وتوفى الأمير سيف الدين أغزلوا [4] العادلى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق، فى يوم الخميس سلخ جمادى الأولى بداره بظاهر دمشق ودفن
__________
[1] ما بين القوسين من ص، وف.
[2] مكان هذه الكلمة بياض فى ك، والمثبت من ص، وف.
[3] أنظر الدرر الكامنة لابن حجر: 3: 351، وذيول العبر 107، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى 9: 245.
[4] كذا فى الأصول. وفى السلوك 2/1: 199 «أغرلوا» وأنظر الوافى بالوفيات 9: 294، والدرر الكامنة 1: 417، والدليل الشافى 1: 135، والبداية والنهاية 14: 94، وشذرات الذهب 6: 52.
(32/306)

بتربته بقاسيون، وكان أميرا شجاعا مقداما، شهد الحروب وأبلى فيها بلاء حسنا، وقد تقدم ذكر نيابة دمشق فى الأيام العادلية الدينية- رحمه الله تعالى- وتوفى الصدر بدر الدين محمد بن الصدر ناصر الدين منصور بن إبراهيم بن منصور بن [1] الجوهرى الحلبى وكانت وفاته بدمشق بالعادلية يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون، ومولده بحلب فى ثالث عشر صفر سنة اثنتين وخمسين وستمائة سمع الحديث النبوى وأسمعه، وكان يعد من الرؤساء بالقاهرة، وتمكن فى سلطنة الملك العادل كتبغا تمكنا عظيما وعرض عليه وزارته فأباها، وكان من ذوى الأموال العريضة ثم نفدت [2] أمواله فى آخر عمره واستدان ومات وعليه جملة من المال- رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى فخر الدين أبو عمر وعثمان بن على بن يحيى بن هبة الله ابن على بن ابراهيم بن مسلم بن على الأنصارى الشافعى المعروف بابن بنت أبى سعيد [3] وكانت وفاته بالقاهرة فى ليلة الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بالقرافة ومولده فى الحادى والعشرين من شهر رجب سنة تسع وعشرين وستمائة بقرية داريا من قرى دمشق وكان رحمه الله من العلماء الفضلاء الذين يرجع إلي فتاويهم، وكان حسن العشرة والمودة والمذاكرة لطيفا ولى نيابة الحكم بالقاهرة مدة وولى قبل ذلك قضاء الأعمال القوصية وغيرها رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ الصالح العابد العارف العلامة
القدوة الورع الزاهد أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنيخى تغمده [4] الله تعالى برحمته ورضوانه بزاويته المشهورة، ومولده تخمينا فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة وكان- قدس الله روحه- عالما زاهد عابدا، مخشوشنا فى مأكله ومشربه وملبسه سمع الحديث بحلب على أبى إسحاق إبراهيم بن خليل
__________
[1] ما بين القوسين زيادة من ص، وف. وأنظر ذيول العبر 107، والدرر الكامنة 4: 266، والنجوم الزاهرة 9: 246، وشذرات الذهب 6: 52.
[2] فى ك «فقدت، والمثبت من ص، وف.
[3] أنظر البداية والنهاية 14: 95، والنجوم الزاهرة 9: 247.
[4] هو الشيخ أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجى الحنفى. وانظر ترجمته فى الدرر الكامنة 4: 392، وغاية النهاية 2: 166، والنجوم الزاهرة 9: 244، وحسن المحاضرة 1: 524، وشذرات الذهب 6: 52.
(32/307)

ابن عبد الله الدمشقى وقدم إلى الديار المصرية بعد الستين، وقرأ القرآن على الشيخ كمال الدين بن على بن شجاع وصدره فى مجلسه ثم قرأ على الشيخ جمال الدين بن فارس، والشيخ على الدهان وأجازوه بذلك وأتقن القراءات ووجوهها وعللها وسمع صحيح البخارى على الشيخ كمال الدين الهاشمى وصحيح مسلم على ابن البرهان وكتاب السنن لأبى داود على أبى الفضل محمد ابن محمد البكرى، والسنن للنسائى على أصحاب أبى بكر بن باقا، وسمع علي النجيب الحرانى، وعبد الهادى القيسى وابن عملاق وغيرهم، وأجاز له الرشيد العطار وغيره وحدث بذلك مرار وقرأ عليه القرآن جماعة فأجاز منهم الشيخ أبا عبد الله محمد بن حسن الضرير دون غيره لإتقانه وكان يقول قرأ على خلق من أهل البلد وما جازلى أن أجيز غير أبى عبد الله وقرأ الشيخ رحمه الله النحو والتصريف على الشيخ بهاء الدين بن النحاس واشتغل على مذهب الإمام أبى حنيفة واشتغل بأصول الفقه على أبى عبد الله محمد بن الحرانى، وكتب الحديث هذا كله مع الزهد والانقطاع والعبادة وأقبل عليه ملوك عصره وأكابر أمراء [1] الدول والأعيان وترددوا إليه فى الدولة الظاهرية وما بعدها وكان أكثرهم به خصوصية واجتماعا وترددا إليه وامتثالا لأمره ورجوعا إلى إشاراته الأمير ركن الدين بيبرس العثمانى المنصورى الجاشنكير، وهو الذى ملك الديار المصرية ولقب فى سلطنته بالملك المظفر فكان يقضى عنده حوائج الناس، ويصل أرزاقهم واستماله الشيخ إلى الخير وحسن فعله فوقف بأمره وإشارته ما قدمنا ذكره بجامع الحاكم والخانقاه والرباط وغير ذلك من وجوه البر، وكان الشيخ يكره الاجتماع بالأكابر وتلجئه الضرورة إلى ذلك لما يحصل بسبب اجتماعهم به من النفع المتعدى إلى غيره، ومما يدل على كراهته لذلك أنه كان ينقطع عن الاجتماع بالناس ومشافهتهم أربعة أشهر فى السنة وهى رجب وشعبان ورمضان وذو الحجة ثم انقطع ستة أشهر من السنة ثم جعل انقطاعه [130] فى آخر عمره ثمانية أشهر وفى مدة انقطاعه لا يشافه [2] بكلامه غير خادمه وابن أخته الشيخ قطب الدين عبد الكريم وأخبرنى المشار إليه أن الشيخ ما زال يسأل الله تعالى أن يخفف عنه تردد الناس إليه فاستجاب الله تعالى له وانقطع الناس عنه قبل وفاته مدة تفرغ فيها لعبادة ربه، وكنت اجتمع به فى بعض الأحيان
__________
[1] كذا فى ص. وفى ك، وف «أكابر ملوك» .
[2] فى الأصول «لا يشافهه» ولعل الصواب ما أثبته.
(32/308)

بزاويته وأخلو به فى خلوته فيتحدث معى ويدعو لى وتظهر لى منه دلائل المحبة والميل إلى، وكنت أقصد رؤيته فى زمن انقطاعه عن الاجتماع بالناس فأحضر إلى الجامع الحاكمى فى يوم الجمعة قبل حضوره فإذا جاء قمت إليه وتلقيته وسلمت عليه وصافحته فيرد على السلام الشرعى لا يزيدنى ولا غيرى عن ذلك، وأما فى غير زمن انقطاعه فيسألنى عن حالى وما تجددلى، وأخبرنى الشيخ قطب الدين ابن أخيه نفع الله به أن الشيخ سأله فى الساعة الثالثة من يوم وفاته هل قارب أذان العصر؟ قال فقلت له: يا سيدى بقى للعصر كثير، ثم ذكر ذلك فى الخامسة، ثم أعاده وقت أذان الظهر قال: ورأيته يفرح بأذآن العصر فلما أذن المؤذن بالعصر خرجت روحه الطاهرة المطمئنة ورجعت إلى ربها راضية مرضية- قدس الله تعالى روحه ونفعنا ببركاته.
وفى هذه السنة كانت وفاة الملك المعظم شرف الدين عيسى
ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه الكبير [1] ابن شادى بالقاهرة بدار الشريف ابن ثعلب فى ثامن [2] عشر ذى القعدة وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية يسعى فى الإمرة، فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق فمات قبل عوده إلى وطنه ومولده بدمشق فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر رمضان سنة خمس وخمسين وستمائة.
ذكر الحرب الكائنة بجزيرة الأندلس [3]
بين المسلمين والفرنج وانتصار المسلمين عليهم كانت هذه الوقعة المباركة التي أجلت عن الظفر والغنيمة فى شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وسبعمائة [4] ، ووصل الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة عشرين وسبعمائة، واجتمع بى من حضر هذه الوقعة وقص على نبأها وعلقت ذلك منه ثم
__________
[1] هذا اللفظ إضافة من النجوم الزاهرة 9: 247.
[2] كذا فى الأصول، وفى السلوك 2/1: 200 «ثانى ذى القعدة» وكذا فى المرجع السابق.
[3] أورد الدكتور محمد مصطفى زيادة نص خبر تلك الحرب نقلا عن النويرى فى نهاية الأرب تحت الملحق رقم 2 لكتاب السلوك 2/1: 952 وما بعدها. وقد أشار إلى هذه الوقعة بإيجاز كل من لسان الدين بن الخطيب فى كتاب الإحاطة فى أخبار غرناطة 1: 221- الطبقة الأولى، وابن خلدون فى تاريخه 4:
173. والمقرى فى كتابه نفح الطيب 1: 423 تحقيق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد، الذهبى فى ذيول العبر 104، ودول الإسلام 2: 173.
[4] وتوافق هذه السنة سنة 1319 م.
(32/309)

فقدته ورأيت هذه الواقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقى وملخص ما نقله عنه: أنه لما بلغ النصارى حال، أمير المسلمين بجزيرة الأندلس وهو السلطان الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل ابن كبير الرؤساء أبى سعيد فرج بن إسماعيل بن نصر سبط أمير المؤمنين المجاهد الغالب بالله أبى عبد الله محمد ابن أمير المسلمين يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر وأنه أخذ بالعزم فى تحصين البلاد والثغور وإصلاح حال الرعية وحياطتهم كبر ذلك عليهم [1] وعزموا على منازلة الجزيرة الخضراء وانتدب لذلك سلطان قشتالة واسمه دون [2] بطره وجهز المراكب والرجالة وجاء إلى طليطلة [3] ، وهى مقام بابهم [4] الذى يرجع الملوك إليه ويقفون عند أمره، وعرفه ما عزم عليه من غزو الجزيرة الخضراء واستئصال من بها من المسلمين وسأله أن يتقدم أمره لملوك جزيرة الأندلس بمساعدته وإعانته على ذلك فسره ذلك [5] وتقدم إلى الملوك بالاهتمام فى هذا الأمر وإعانته عليه، واتصل خبر إهتمامهم بأمور المسلمين أبى الوليد إسماعيل فكتب إلى سلطان بلاد المغرب أبى سعيد عثمان بن أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق المرينى، وعرفه مادهم المسلمين من هذا العدو الثقيل واجتماعه وكلبه على البلاد الإسلامية، وسأل إنجاده بطائفة من جيشه وسير إليه بكتابه أبا عبد الله الطنجالى محدثا الأندلس وعالمها، وأبا عبد الله الساحلى عابد الأندلس وأبا جعفر بن الزيات الصوفى، وأبا تمام غالب الأغرناطى [6] التتارى الصالح الزاهد [131] وصحبتهم جماعة من الناس، فتوجهوا إليه فى البحر والبرحتى انتهوا إلى مدينة فاس واجتمعوا به وسألوه
__________
[1] فى ك «عليه» والمثبت من ص، وف.
[2] المقصود DomPedro وكان أحد أوصياء الفونس الحادى عشر ملك قشتالة. وقد قتل معه وصى ثان اسمه دون جوانDonJuan.
[3] طليطلة: مدينة من أشهر مدن الأندلس، فتحها المسلمون سنة 93 هـ- 711 م واستردها المسيحيون سنة 477 هـ- 1085 م وغدت عندئذ عاصمة قشتالة. أشتهرت بعدد من المجامع الكنسية عقدت فيها وتمتع كبير أساقفتها بنوع من الزعامة على الكنيسة الإسبانية أنظر: ياقوت: معجم البلدانand Porugal.Ahisr.Of SPai Ar Kinson) W (:،
[4] يعنى كبير أساقفة طليطلة وكان بمثابة الزعيم الدينى للمسيحيين فى أسبانيا.
[5] فى ك «فسيرى» والمثبت من ص، وف.
[6] كذا فى الأصول وقد ورد فى نفح الطيب 6: 208 أسماء هذا الوفد ولم يكن فيهم هذا الاسم.
(32/310)

إغاثة المسلمين وإعانتهم فتقاعد عن نصرتهم واستصعب هذا الأمر فعادوا عنه وقد أيسوا من نصره فلجأ المسلمون إلى الله تعالى وأخذوا فى إصلاح الجزيرة الخضراء وتحصينها واتصل خبر تقاعد المرينى بالفرنج فاستبشروا بذلك [1] وتحققوا أنهم يملكون البلاد ويستأصلون المسلمين، وقدموا فى جيوش عظيمة اشتملت على خمسة وعشرين ملكا منهم صاحب أشبونة [2] وقشتالة [3] والفرنتيرة [4] ، وأرغونة [5] وطلبيرة [6] ووصلت إليهم الأثقال والمجانيق والآت الحصار والأقوات فى المراكب التى جهزوها وانتهت المراكب بذلك الى جبل الفتح وطريف لمجاورتهما للجزيرة [7] الخضراء ووصل إلى الزقاق [8] ثلاث عشرة جفنا [9] كبار غزوانية وترددوا بين الجزيرة والمرية [10] ووصلت جموع الفرنج إلى أغرناطة [11] ونزلوا منها على عشرة أميال بموضع يقال له
__________
[1] كذا فى ك، وفى ص «لذلك» .
[2] فى الأصول «أشقونة» وأشبونه: مدينة بالأندلس، يقال لها لشبونة، وهى متصلة بشنترين قريبة من البحر المحيط على مصب نهر شنترين، وقال أبو الفدا فى تقويم البلدان 173 «وأشبونة، وعن بعض المسافرين أن أولها لام، وكانت فى آخر وقت مضافة إلى بطليموس، وملكها ابن الأفطس. وأنظر معجم البلدان 1: 131 وهوامش محققه فريد الجندى.
[3] قشتالة: إقليم عظيم بالأندلس نصبته اليوم طليطلة، وجميعه بيد الفرنج (معجم البلدان 4: 400) .
[4] الفرنتيرة: لفظ معناه الحدود، ويراد به المنطقة التى تفصل بين المملكة الإسلامية، وبين المملكة المسيحية بالأندلس (صفة جزيرة الأندلس) .
[5] أرغونة: هى أرجونة: بلد من ناحية جيان بالأندلس (معجم البلدان 1: 173) .
[6] طلبيرة: مدينة أندلسية، وهى أقصى ثغور المسلمين، وباب من الأبواب التى يدخل منها إلى أرض المسيحيين وهى قديمة وتقع على نهر تاجه، وبينها وبين طليطلة سبعون ميلا (صفة جزيرة الأندلس 127) .
[7] الجزيرة الخضراء: مدينة مشهورة بالأندلس، وقبالتها من البر بلاد البربر سبتة، وأعمالها متصلة بأعمال شذونة، وهى شرقى شذونة وقبلى قرطبة، ومدينتها من أشرف المدن، وسورها يضرب به ماء البحر، ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزيرة، ولكنها متصلة ببر الأندلس لا حائل من الماء دونها، ومرساها من أجود المراسى للجواز، وأقربها من البحر الأعظم. وبين الجزيرة الخضراء وقرطبة خمسة وخمسون فرسخا، وأنظر معجم البلدان 2: 158 بتحقيق فريد الجندى) .
[8] الزقاق يراد به مضيق جبل طارق.
[9] الجفن والجفنة: نوع من السفن الحربية وجمعها جفون وأجفان وجفان (درويش النخيلى: السفن الإسلامية؛ ص 23) .
[10] المرية مرفأ فى إسبانيا على البحر المتوسط، وهى قاعدة إقليم المرية بمملكة غرناطة (الروض المعطار 183) .
[11] أغرناطة، والعامة يسقطون ألفها ويقولون غرناطة. ومعنى غرناطة: رمانة بلسان عجم الأندلس، وهى أقدم مدن إلبيرة من أعمال الأندلس، وأعظمها وأحسنها وأحصنها، يشقها نهر قلزم المعروف بنهر حداره، يلقط منه سحالة الذهب الخالص، وبينها وبين مدينة إلبيرة أربعة فراسخ، وبينها وبين قرطبة ثلاثة وثلاثون فرسخا (معجم البلدان 4: 221) .
(32/311)

قنطرة بينوش بالقرب من جبل البيرة [1] فامتلأت بهم تلك الأرض وامتدت جيوشهم فى طول وادى شنيل [2] ولم يكن لهم بدّ من النزول على الوادى بطوله بسبب الماء [3] ولما علم المسلمون بوصولهم [4] إلى هذا المكان عزم أمير المسلمين على أمير جيشه الشيخ الصالح أبى سعيد عثمان بن أبى العلاء أن يخرج إليهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم فى صبيحة يوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبعمائة فتأهب الناس لذلك فى الأحد.
ولما كان فى عشية يوم الأحد أغارت سرية من العدو
على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد فخرج إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الديار فقطعوهم عن الجيش وفروا أمامهم بجهة أرض المسلمين فتبعوهم طول الليل وأصبحوا بأرض لوشة [5] فاستأصلهم المسلمون بالقتل والأسر، وكان ذلك أول النصر وأصبح المسلمون فى يوم الإثنين وقد غاب من جمعهم هذه الطائفة المشهورة بالشجاعة والرمى، فلم يتوقف الشيخ أبو سعيد عن لقاء العدو بسبب غيبتهم وعزم على الخروج لقتالهم، وذلك يوم عيدهم عيد العنصره وهو الرابع عشرين من حزيران، فخرج إليهم فى طائفة يسيرة من الفرسان مع أبناء أخيه وهما [6] الشيخان الشقيقان أبو يحيى وأبو معروف أمير جيش مالقة [7] ابنا الشيخ الشهيد أبى محمد عبد
__________
[1] إلبيرة: كورة كبيرة من كور الأندلس، جليلة القدر، وقاعدتها بإسمها وكانت إحدى مدن الأندلس الشهيرة، وتتصل بأراضى كورة قبرة، وقد خربت فى الفتنة وهاجر أهلها إلى غرناطة وبينها ستة أميال. وبينها وبين قرطبة تسعون ميلا وبالكورة عدة مدن منها قطبلية وغرناطة، وأنظر الروض المعطار 29، ومعجم البلدان 1: 289.
[2] يعرف هذا الوادى باسم نهر شنيل.
[3] فى ك «المساء» والمثبت من ص، وف.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «على هذا» .
[5] أرض لوشة: من إقليم إلبيرة بالأندلس، وبها جيل فيه غار يصعد إليه وعلى قمة الغار شجرة (الروض المعطار 173. وانظر معجم البلدان 5: 30) .
[6] ما بين الحاصرتين إضافة يقتضيها السياق.
[7] مالقة: مدينة بالأندلس، كانت ثغرا حصينا على بحر الروم، أسسها الفينيقيون، وكان لها شهرة أيام الرومان والقرطاجيين، وكان بها بنو حمود من ملوك الطوائف، ولد فيها ابن البيطار صاحب التآليف الجليلة فى الطبيعيات والنبات المتوفى سنة 646 هـ (النجوم الزاهرة 9: 251 هامش، وأنظر معجم البلدان 5: 52) .
(32/312)

الله بن أبى العلاء ومنهم أخوهم الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده [1] ومنهم الشيخ العارف أبو مسعود محمد بن الثابتى ومنهم أمير جيش الخضرا، الشيخ المرابط أبو عطية مناف بن ثابت المغراوى وأمير لوشه الشيخ أبو المكارم ريان بن عبد المؤمن ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع، وأمر مطاع، وخرج مع هؤلاء الفرسان جماعة رجال أنجاد نحو خمسة آلاف رجل من أهل أغرناطة وسلكوا مع الشيخ أبى سعيد طريق الجبل لكونه أمنع، وأوصاهم، أن يكونوا بموضع عينه لهم ووصل فرسان المسلمين الثالثة من النهار إلى قرب الجيش فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم عليهم مع قلتهم بالنسبة إلى كثرة الفرنج، وخرج إليهم وزير ملك الفرنج، فقال ما هذا الذى فعلتموه، وكيف أتيتم والملك فى يوم عيده؟ فارجعوا وابقوا على أنفسكم فإنه إن علم بكم ركب لقتالكم ولا ملجا لكم منه فعند ذلك حصل للشيخ أبى سعيد حال أخرجه عن عقله فنزل عن فرسه باكيا متضرعا إلى الله تعالى، وارتفعت أصوات المسلمين بالدعاء لهم ثم أتاهم من كان قد بقى بأغرناطة من فرسان المسلمين يتبعون آثارهم فحرض الشيخ أبو سعيد المسلمين على قتال عدوهم، وصلى ودعا وبينما هو فى صلاته ركب العدو بجملتهم وحملوا على المسلمين- ولم يعلموا برجال المسلمين التى وصلت من أغرناطة فنزلوا بجهة العلياء من المنزلة الخالية، وقصدوا المسلمين فلم ترعهم كثرتهم واستمر الشيخ أبو سعيد فى صلاته حتى أكملها، ووقف المسلمون ينتظرون ركوبه، ولما رأى العدو ثباتهم توقفوا وتهيئوا وخرج من الفريقين فرسان يحركون القتال فاستشهد أمير رندة فاجتهد أقرباؤه فى أخذ ثأره وأمر الشيخ أصحابه أن يقصدوا طرف المحلة ففعلوا فأفادهم ذلك، ومال الروم [132] إلى جهة المحلة بجملتهم، فألقى الله الرعب فى قلوبهم فانهزموا أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف الإسلامية فما زال المسلمون يقتلونهم من الساعة السابعة إلى الغروب، ولما أظلم الليل أخذ
__________
[1] رندة: من مدن تاكورنا بالأندلس، وهى مدينة قديمة بها آثار كثيرة، وتقع على نهر ينسب إليها (الروض المعطار 79) .
(32/313)

الفرنج فى الهرب وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغاب الجيش عن أغرناطة [1] ثلاثة أيام وخرج أهل أغرناطة [1] بجمع الأموال وأخذ الأسرى، فاستولوا على الأموال وأسروا وسبوا ما يزيد على خمسة آلاف من الرجال والنساء والأولاد، وأحصى من قتل من العدو فزادوا على خمسين ألفا، ومنهم من قال ستين ألفا، ويقال إنه هلك منهم بالوادى مثل هذا العدد لقلة معرفتهم به وثقلهم بالعدد ولم تبلغ القتلى من المسلمين بالمحلة عشرة وأما الذين قتلوا بالجبال والشعارى وسائر بلاد المسلمين من العدو فلا يحصى عدده كثرة ووجد الملوك الخمسة والعشرون بالمحلة قتلى، منهم دون بطره وعمه دون جوان وعلق دون بطره على باب الحمراء بأغرناطة وأما عمه وكان ممن يخدم المسلمين ففديت جثته بشئ كثير وأسارى وأسر من العدو فى بقية الشهر خلق كثير فكان المسلمون يحتاجون فى كل يوم لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم [2] ويحفظ الدواب خمسة آلاف درهم قال: وزعم الناس أن الذى وجد من الذهب والفضة بالمحلة [كان] [3] سبعين قنطارا ولم يظهر سوى ربع هذا المقدار وأما الدواب والعدد والأخبية فشئ كثير.
قال ولقد عزم على بيع ما يحصل من ذلك وقسمته فتعذر ذلك، واستمر البيع فى الأسرى [4] وبعض الأسلاب والدواب ستة أشهر متوالية ولم يكمل قال وبعضها باق إلى الآن وضجر الناس وملوا من كثرة البيع قال ونهاية عدد ما كان من فرسان المسلمين فى ذلك اليوم بعد رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفان وخمسمائة ولم يستشهد منهم غير أحد عشر رجلا، منهم خالد بن عبد الله المذكور وعمر بن باحرزت، وكان من خيار المسلمين- رحمه الله تعالى- هذا آخر كلامه فى هذا الفصل وبعضه بمعناه.
وأخبرنى من شهد هذه الوقعة كما زعم
وظاهره غير متّهم فإن عليه آثار الخير أنه شاهد رجلا يقاتل العدو ويقتل منهم فى هذه الوقعة قال فشبهته ببعض من أعرفه فجعلت أحرضه على القتال
__________
[1- 1] ما بين الرقمين من ص، وف.
[2] مكان هذا اللفظ فى الأصول كلمة لا تقرأ والمثبت من ذيول العبر 105.
[3] سقط فى ك، والمثبت من ص، وف.
[4] كذا فى ك وف. وفى ص «الأسارى» .
(32/314)

ثم دنوت منه فلم أجده ذاك وشبهته بآخر فحرضته كذلك فلما قربت منه نظر إلى وقال لست فلانا ولا فلانا النصر من عند الله، ثم غاب عني وفى هذا دلالة على أن الله تعالى أمد هذه الطائفة بالملائكة فى هذه الغزاة، فإن القدرة البشرية تضعف عن مقاومة هذه الجموع الكثيرة بهذه الطائفة اليسيرة [1] .
وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة أنه قال جاء دون بطرا وجوان وهما ملكا قشتالة جيشا جيشا هائلا ما رأى المسلمون قط مثله، وعزموا على دخول أغرناطة فأول نزولهم على حصن يقال له طشكر [2] وفيه صاحبه ابن حمدون فلما نازلوه بعث إليهم صاحب الحصن فى تسليمه على إبقاء المسلمين فأجاب ملك الروم إلى ذلك واستقر أن يسكن المسلمون والروم فى الحصن فواعدهم صاحب الحصن أن يبعثوا إليه فى نصف الليل خمسمائة فارس من الشجعان فبعثهم الملك إليه مع قائد يقال له أرمند فلما دخلوا الحصن فرقهم صاحب المجالس وقتلهم عن آخرهم ولم يشعر بعضهم ببعض فلما علم ملك الروم أنه عذر بهم حلف أن لا يرجع إلى بلاده حتى يدخل مدينة أغرناطة غلبة وقهرا [3] فنازلها بمن معه على أربعة أميال منها [4] فلم يخرج إليه أحد ثم تقرب حتى صار منها على ميلين فلما رأى المسلمون قربه من المدينة وقع فى نفوسهم رعب عظيم وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى سلطان البلد ما نزل بالمسلمين بعث إلى ملك الفرنج يقول له: ارحل عنى بأجنادك وأنا أعطيك عشرين حملا من المال ولا تفسد زرع البلاد، فامتنع من قبول ذلك وأبى إلا أخذها غلبة وقهرا فبعث إليه ثانيا وبذل له خمسة وعشرين حملا من الذهب، [133] وفى كل يوم مائة دينار وفى كل جمعة ألف دينار. فامتنع ملك الروم من القبول وحبس رسول المسلمين، فعلم المسلمون حينئذ أنه لا ينجيهم إلا النصر من الله تعالى فبعثوا
__________
[1] فى ك «البشرية» والمثبت من ص، وف.
[2] حصن طشكر: حصن حصين فى كورة جيان من أعمال الأندلس، لا يرتقى إلا بالسلاليم (معجم البلدان:
4: 40، وأنظر الإحاطة 397) .
[3] فى ك «عليه قهرا» وكذلك ملحق السلوك 2: 957، والمثبت من ص، وف.
[4] فى ك «فيها» والمثبت من ص، وف.
(32/315)

إلى أمير يعرف بأبى الجيوش من بنى مرين وسألوه إنجادهم بنفسه، فجاء ومعه ألف فارس [1] ونزل بموضع يقال له إلبيرة، وخرج عثمان بن أبى العلاء وهو من بنى مرين فى ألف فارس [1] فكمن فى موضع آخر وخرج ملك المدينة بعد خروج عثمان المذكور وخرج بعد الملك أمير يعرف بالمغراوى فى ثلاثمائة فارس من بنى مرين ومع كل طائفة منهم نقارتان [2] وصناجق ووقع [3] عليهم ملك المدينة واقتتلوا فانهزم المسلمون أمامهم إلى جهة المدينة استجرارا لهم فتبعهم الفرنج طمعا فيهم ثم عطف المسلمون عليهم وخرج عليهم الكمناء من كل جهة، ورفعوا أصواتهم بذكر الله تعالى، [4] فهزم الله تعالى الكفار [4] وألقى الرعب فى قلوبهم فقتل منهم ثمانون ألفا وسبى من الأولاد والنساء تسعة آلاف وأسر ما لا يحصى كثرة قال:
وأما ما وزن من الذهب من المغنم منهم
فثلاثة وأربعون قنطارا [5] ومن الفضة مائة وأربعون قنطارا [5] ولم يفلت من الفرنج إلا من نجا به فرسه وقتل الملكان فيمن قتل [6] وجميع زعمائهم [6] وحصلت امرأة جوان وأولاده فى الأسر فبذلت فى نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصنا فلم يقبل المسلمون ذلك قال: واستشهد من المسلمين سبعة، ثلاثة من بنى مرين وأربعة من الأندلسيين من أعيانهم، قال: ثم وصلنا أنه خرج من إشبيلية أربعة عشر مركبا، ونزلوا على سبتة [7] فخرج إليهم
__________
[1- 1] ما بين الرقمين من ص، وف.
[2] كذا فى ك، وف. وفى ص «نقارات» والنقارات نوع من الطبول، وهى من الآلات الملكية المختصة بالمواكب بمصر منذ العهد الفاطمى، وكانت تحمل على عشرين بغلا على كل بغل ثلاث نقارات، وكانت تلازم الجيوش فى الحروب. وانظر صبح الأعشى 3: 475.
[3] كذا فى ك، وف. وفى ص «ودفع» .
[4- 4] ما بين الرقمين من ص.
[5- 5] ما بين الرقمين من ص.
[6] ما بين القوسين من ص، وف.
[7] سبتة: بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب، ومرساها أجود مرسى على البحر، وهى على بر البرير تقابل جزيرة الأندلس على طرف الزقاق الذى هو أقرب ما بين البر والجزيرة، وهى مدينة حصينة تشبه المهدية التى بإفريقية على ما قيل؛ لأنها ضاربة فى البحر داخلة فيه، وهى ذات أخياف وخمس ثنايا مستقبلة الشمال وبحر الزقاق. ومن جنوبها ينعطف عليها من بحر الزقاق، وبينها وبين فاس عشرة أيام. وانظر معجم البلدان 3: 206.
(32/316)

المسلمون فأخذوا منهم أجفانا وأسروا من بها، قال ووقعت الغزوة المباركة فى الخامس عشر من الشهر فكان بين الوقعتين ليلة واحد، هذا ملخص كتابه ومعناه ونقل الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى الحاكى الأول قال: ولما كان فى يوم الخميس مفتتح سنة عشرين وسبعمائة هكذا قال يوم الخميس مفتتح سنة عشرين [1] وهى استهلت عندنا بيوم الثلاثاء عزم الشيخ أبو يحيى أمير جيش مالقة أن يتوجه إلى رندة ويجتمع فيها بابنه مسعود الذى تولى أمر جيشها بعد عمه الشهيد خالد ويصل إليه الشيخ أبو عطية مناف بن ثابت ويتوجهوا للإغارة على شريش [2] من بلاد النصارى فعلم بذلك النصارى المجاورون لمالقة ولبلاد المسلمين فعزموا على أن يغيروا على قامرة [3] وحصن نوح [4] من شطر [5] مالقة وبالقرب منها، فارتقبوا يوم انفصاله وكان يوم الخميس، فاجتمعوا فى نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل من أهل استجة [6] وسبتباله [7] وأشونة [8] وستبة [9] وبلى [10] وأليسانه [11] وقبرة [12] ومرشانة [13] وكان الفرنج فى الحشد الأول قد خافوا على هذه البلاد المجاورة
__________
[1] ما بين الرقمين من ص.
[2] شريش: بفتح أوله، مدينة كبيرة من كورة شذونه بالأندلس، وهى قاعدة هذه الكورة، واليوم تسمى شرش (معجم البلدان 3: 386) .
[3] فأمره: وربما تأمرة.
[4] كذا فى ك، وف. وفى ص «توج» .
[5] كذا فى ك، وف. وفى ص «من نظر» .
[6] إستجه: مدينة قديمة: ومعناها: جامعة الفرائد، وكان يقال لها: إستجة البغى، مذكورة باللعنة والخزى، يذهب خيارها، ويبقى شرارها. فتحها طارق بن زياد، وبها آثار كثيرة، ورسوم تحت الأرض، وبينها وبين مرشانة عشرون ميلا (الروض المعطار) 14- وفى معجم البلدان 1: 207 «أسم لكورة بالأندلس متصلة بأعمال ربة بين القبلة والمغرب من قرطبة، وهى كورة قديمة، واسعة الرساتيق والأراضى على نهر سنجل؛ وهو نهر غرناطة، وبينها وبين قرطبة عشرة فراسخ، وأعمالها متصلها بأعمال قرطبة.
[7] فى ك «سبتياله» وفى ص، وف «سنتيالة» ولم أهتد إلى تعريف بأى منهما.
[8] فى الأصول «أشبونة» ولكن أشبونة (لشبونه) بعيدة عن هذه المواضع. ولعل الصواب ما أثبته؛ فأشبنة حصن بالأندلس من نواحى إستجه (معجم البلدان 1: 139) وفى الروض المعطار 60 «أشونة من كور إستجة بالأندلس بينهما نصف يوم، وحصن أشونة مدن كثيرة السكان» .
[9] فى ك، وف «ستبة» وفى ص «استبة» .
[10] بلى- بفتح أوله وكسر ثانيه وتشديد الياء: ناحية بالأندلس من فحص البلوط. (معجم البلدان 1: 586.
[11] فى الأصول «النسابة» ولعل الصواب ما ذكرته؛ فألسانة قريبة من إستجة.
[12] قبرة: كورة من أعمال الأندلس تتصل بأعمال قرطبة من قبليها، وهى أرض زكية تشمل على نواح كثيرة ورساتيق ومدن تذكر، وقصبتها بيانة (معجم البلدان 4: 346) .
[13] مرشانة: مدينة من أعمال قرمونة بالأندلس، (معجم البلدان 5: 126) .
(32/317)

للمسلمين فتركوا أهلها بها لحراستها فوصلوا صبيحة السبت ودخلوا قامرة فأخذوا جميع كسب سلطان المسلمين وكثيرا من كسب الرعية وخرجوا مطمئنين. وكان قد خرج فارسان من المسلمين ليلحقا الجيش فظفر الفرنج بأحدهما وهرب الآخر، فأدرك الشيخ أبا يحيى [1] بحيطين خضر الوزير بن الحكيم يعرفه الحال وهو بجماعة مالقة خاصة فرجع لقصد العدو فحضر على حصن طبية فتبعه من فرسانها نحو ثلاثمائة فارس ممن يعتمد عليهم، وترك الضعفاء والثقلة البقلة ونهض إلى حيث ذكر له الفارس أنه لقيهم فى أول الليل فى دخولهم فوجدهم قد خرجوا بالمغنم بموضع يقال له برجمه من [2] تحت حصن سم لى [3] وذلك بعد الظهر فارتفع الفرنج فى كدية عالية، ونزل أنجاد فرسانهم للقتال فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا فقتلوا أكثرهم، واستشهد من المسلمين رجل واحد يقال له سعد الهمدانى، ثم ظهرت ساقة المسلمين، فارتفع من سلم من مقاتلة النصارى إلى الكدية وتحصنوا بها بالبرادع والدرق والدواب [4] وامتنعوا ووصل الرماة من أنتقيرة [5] وحصن المنشأة، وكان العون من الله تعالى عليهم فما زالوا يجاولونهم [6] ويقاتلونهم إلى ثلث الليل الآخر فأذعن من سلم من النصارى إلى الإسار، فنزل نيف على خمسمائة فأسروا وقتل بقيتهم بالرماح والسهام ورجع الشيخ أبو يحيى بهم إلى مالقه وجعل منهم أربعمائة أسير اثنين وثمانين أسيرا فى حبل واحد، وسائرهم مثقلون بالخراج وأركبهم على دوابهم وأخذ منهم قاضى النصارى بأستجة [7] وحمل ما غنم [134] من عدوهم من السيوف والرماح على خمسة وأربعين جملا ومن القسى على خمسة وأربعين دابة، والدرق على نحو من ثلاث عشرة دابة، وأراح الله تعالى من هؤلاء الأعداء ونصر عليهم وله الحمد والمنة.
__________
[1] كذا فى الأصول. إلا أنها غير منقوطة فى ص.
[2] هذا اللفظ من ص.
[3] حصن سم لى: كذا فى الأصول.
[4] فى ك «الدراريب» والمثبت من ص، وف.
[5] أنتقيرة: حصن بين مالقة وغرناطة (معجم البلدان 1: 307) .
[6] فى الأصول «يجادلونهم» ولعل الصواب ما أثبته، أو لعلها يجادلونهم» .
[7] فى ك «من بارسخه» والمثبت من ص، وف، وملحق السلوك 2: 958.
(32/318)

واستهلت سنة عشرين وسبعمائة بيوم [1] الثلاثاء
فى هذه السنة فى شهر المحرم عاد السلطان الملك الناصر من الحجاز الشريف كما قدمنا ذكر ذلك فى سياقة أخبار حجته ولما عاد إلى الديار المصرية شمل نواب السلطان وأكابر الأمراء بالإنعام والتشاريف على عادته.
ذكر تفويض السلطنة بحماة للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل
كان الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين على ابن الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد توجه فى خدمة السلطان إلى الحجاز الشريف فى سنة تسع عشرة وسبعمائة فلما عاد فى هذه السنة رأى السلطان أن يفوض إليه السلطنة بحماة على عادة عمه وأجداده، فأمر بذلك وأركبه بشعار السلطنة فى يوم الخميس السابع عشر من المحرم سنة عشرين وسبعمائة ولبس التشريف بالمدرسة المنصورية التى بين القصرين بالقاهرة وهو بغلطاق [2] أطلس معدنى أحمر بطرز زركش، بسنجاب مقندز [3] وقباء تحتانى أطلس معدنى أصفر، وشاش تساعى مقصب بقصبات زركش وكلوته [4] زركش وسيف وحياصة [5] ذهب وركب فرسا أشهب من مراكيب السلطان نرنارى أطلس أحمر بداير أصفر برقبة سلطانية مزركشة وسرج سلطانى محلى بذهب وحمل السلاح له الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وحملت الغاشية [6] السلطانية بين يديه، وركب فى خدمته الجمدارية السلطانية والحجاب، والنقباء
__________
[1] فى ك «بالثلاثاء» والمثبت من ص، وف.
[2] البغلطاق: لفظ فارسى معناه قباء بلا أكمام أو بأكمام قصيرة جدا، يلبس تحت الفرجية. وكان يصنع من القطن البعلبكى أو من السنجاب كما هنا، (خطط المقريزى 2: 99، وانظر الملابس المملوكية ص 44) .
[3] مقندز: أى محبوك بفراء القندس.
[4] الكلوتة: غطاء للرأس يشبه الطاقية، وانظر الملابس المملوكية ص 58.
[5] الحياصة: منطقة كالحزام تكون من معدن وأفضلها ما كان معدنها هو الفضة المذهبة. وقد تكون مجوهرة أيضا. وهى التى تهدى لكبار النواب والأمراء.
[6] الغاشية السلطانية: هى سرج من أديم مخروزة بالذهب يخالها، الناظر جميعها من الذهب، تحمل بين يدى السلطان عند الركوب فى المواكب يحملها الركابدارية رافعا إياها على يديه، ويلفتها يمينا، وشمالا (صبح الأعشى 4: 7) .
(32/319)

وحملت العصائب [1] على رأسه، وخلع على أرباب الوظائف من الأمراء الأكابر، وكان يوما ما مشهودا وطلع إلى قلعة الجبل وقبل الأرض بين يدى السلطان وجلس رأس الميمنة ثم أعطى الدستور الشريف فتوجه من يومه على خيل البريد محبورا مجبورا، ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس الرابع والعشرين من المحرم وأقام بعض يوم وتوجه إلى حماة والله أعلم.
وفى هذه السنة أعفى الصاحب أمين الدين عبد الله
من نظر المملكة الطرابلسية وكان قد تكرر سؤاله في الإعفاء وأن يكون مقامه بالقدس الشريف فأجيب سؤاله وتوجه من طرابلس إلى القدس فى شهر المحرم ورتب له فى كل شهر ثمانمائة درهم، وأربع غرائر قمحا بكيل القدس، واستقر مقامه بالقدس إلى أن أعيد إلى الوزارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمرآء المعتقلين
وفى العشر الأوسط من صفر من هذه السنة أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء المعتقلين الذين اعتقلوا فى ابتداء الدولة وهم الأمير علم الدين سنجر البروانى والأمير علم الدين الشيخ على التبريزى [2] [135] والأمير سيف الدين طوغان المنصورى والأمير سيف الدين طاجار تكبرى، والأمير صارم الدين أزبك العينتابى، والأمير علم الدين أيدمر الشيخى، والأمير علاء الدين مغلطاى السيواسى والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الصغير والأمير بدر الدين الحاج بيلبك، وسيف الدين منكجار وناصر الدين منكلي وشرف الدين موسى وشهاب الدين غازى أخو حمدان بن صلغاى وخلع عليهم خلع الجند ورتب جماعة منهم فى البحرية ثم أمر بعضهم بطبلخاناه، وقدم بعضهم على رجال الحلقة، ولما أفرج السلطان عن هؤلاء هرب من الاعتقال بثغر الإسكندرية من الأمراء علاء الدين أيدغدى التترى [3] وسيف الدين بهادر الإبراهيمى فمسكا وجىء بهما إلى السلطان وكان معهما فى الاعتقال أحد المماليك السلطانية واسمه
__________
[1] انظر ما سبق ص 244.
[2] فى الأصول «التترى» والمثبت من السلوك 2/1: 202.
[3] كذا فى ك وف. وفى ص «التقوى» .
(32/320)

رمضان فلم يوافقهم على الهرب فلما جىء بهم أفرج السلطان عنه وأمر بسمل [1] أعين بهادر الإبراهيمى وأيدغدى التترى فسملت أعينهما فى يوم الأربعاء خامس عشرين صفر من السنة.
ذكر إسماعيل [2] الزنديق ومقتله
وفى هذه السنة رمى هذا المذكور بالزندقة، وادعى عليه بمجلس الحكم عند القاضى علاء الدين الجوجراى أحد نواب قاضى القضاة تقى الدين بن الإخنائى المالكى، وشهد عليه جماعة كثيرة بأمور شنيعة تقتضى الزندقة نعوذ بالله من ذلك واعتقل مدة حتى استوضح الحاكم أمر الشهود وعرف عدالة بعضهم فقبل شهادته وزكى عنده بقيتهم وتضمن المحضر أقاويل شهد عليه بها لا يصدر مثلها عمن يعتقد بعثا ولا نشورا فثبت ذلك كله على الحاكم المذكور وأعذر إلى إسماعيل المذكور هل له مطعن فى الشهود يدفع به شهادتهم؟
وأمهله ثلاثة أيام أولها يوم الجمعة الثالث والعشرون من صفر فلما انقضى الأجل جلس قاضى القضاة تقى الدين المالكى ونائبه القاضى علاء الدين الجوجراى المذكور، وغيره من نواب الحكم، وجماعة من فقهاء المالكية وغيرهم بالمدرسة الناصرية بالقاهرة فلما صلوا المغرب ودخلت ليلة الإثنين وانقضت مدة الإعذار ولم يأت يدافع حكم عليه النائب بما ثبت عليه عنده من أمره وأشهد عليه أنه هدر دمه ونفذ قاضى القضاة تقى الدين المالكى المذكور ما حكم به نائبه وحكم به، وكان هذا الرجل قد حكى عنه كلام كثير منه ما ثبت بمقتضى المحضر ومنه ما شاع مما تنزه كتابنا عن ذكره وأخبرنى الشيخ زين الدين أبو بكر بن الفرج الهيثمى فى يوم الأحد لخمس بقين من صفر سنة عشرين وسبعمائة قال: رأيت فى الليلة المسفرة عن هذا اليوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه بجامع الحاكم فى صحنه مما يلى الدرابزين من الجهة
__________
[1] السمل: يكون بوضع الحديد المحمى بالنار أو المرآة المحماة أمام العين حتى تفقد البصر.
وانظر السلوك 2/1: 203.
[2] وفى ذيول العبر 109 «إسماعيل بن سعيد الكردى المقرئ» وانظر الدرر الكامنة 367، والنجوم الزاهرة 9: 249.
(32/321)

القبلية ومعه لوط عليهما السلام وهما قائمان فسلمت عليهما فردوا على السلام فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قل لتقى الدين بن الإخنائى بقتل هذا أما سمعت ما قال أو ما سمع ما قال الشك من الراوى فى سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لوط وكان قد ذكر عن هذا الزنديق فى حق لوط عليه السلام كلام شنيع، وقال لى الراوى وغيره ممن أثق بهم أنهم فى تلك الليلة كانوا قد ذكروا عن هذا الرجل ما وقع فيه، فلما نام رأى هذه الرؤيا وقصها على قاضى القضاة تقى الدين وأبلغه رسالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان ذلك اليوم آخر أيام الإعذار فهدر دمه كما تقدم فلما كان فى يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر اجتمع القضاة بدار العدل فى مجلس السلطان على العادة وطولع السلطان بما حكم به من هدر دم إسماعيل المذكور، وكان قد طولع قبل ذلك بخبره فسأل السلطان من الشهود الذين شهدوا عليه؟ وكان بعض الناس قد أراد الاعتناء به فلم يفده ذلك وقال قضاة القضاة بأجمعهم للسلطان، هذا لا بد من قتله إسنادا لحكم الحاكم فأمر السلطان متولى القاهرة يومئذ وهو الأمير علم الدين سنجر الخازن بالركوب فى صحبة القضاة وامتثال ما يأمرونه به فى أمره فاجتمع قضاة القضاة الأربعة وغيرهم من النواب والعلماء [136] فى المدرسة الصالحية بالإيوان المرصد للمالكية واتفقوا على ضرب عنقه فراجع متولى القاهرة السلطان فى ذلك، فأمره بتنفيذ ما أمر به القضاة، فضرب عنقه بعد صلاة العصر من يوم الإثنين وعرض عليه قبل ذلك أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لعل ذلك ينفعه فيما بينه وبين الله تعالى إن أخلص فلم يقل ذلك وشرع يخلط فى كلامه ويذكر ألفاظا غير مستقيمة وظن أن ذلك التخليط ينفعه أو يشكل على القضاة بزوال عقله فيؤخروه، فلم يفده ذلك وضربت عنقه كما تقدم وألقيت جثته ورأسه بين القصرين إلى بعد المغرب من يوم مقتله، ثم حمل أعاذنا الله مما قال بمنه وبكرمه.
(32/322)

ذكر قتل رجل ادعى النبوة بدمشق
وفى هذه السنة ادعى رجل بدمشق اسمه أقجبا رومى الجنس، من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس التاجى أنه نبى وتسمى عبد الله وكان قبل ذلك يلازم الجامع بدمشق ويكثر من تلاوة القرآن فادعى ذلك وأصر عليه ورجع فلم يرجع وخوف بالقتل فلم يفد ذلك فاعتقد أولياء الأمر أن يكون قال هذا القول من حاجة مسته أو فاقة، فوعد بإزالة ضرورته وأن يرتب له كفايته، فأبى قبول ذلك وأصر على دعواه فضربت عنقه بظاهر دمشق فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى مكة شرفها الله تعالى [1] وخبر مقتل حميضة بن أبى نمى
كان السلطان لما كان بمكه شرفها الله تعالى سأله المجاوزون بمكة ومن بها من التجار أن يخلف بها عسكرا يمنع عز الدين حميضة بن أبى نمى إن هو قصد أهل مكة بسوء، فجرد ممن كان معه الأمير شمس الدين آق سنقر ومعه، مائة فارس فأقام بمكة فلما عاد السلطان إلى قلعة الجبل جرد الأمير سيف الدين بيبرس الحاجب [كان] وهو من الأمراء مقدمى الألوف ببعض عدته وجرد معه جماعة من المماليك السلطانية، فكانت عدة من توجه معه مائة فارس وخرج من القاهرة فى يوم الأربعاء السادس من شهر ربيع الأول من هذه السنة ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى، وأقام بها ومنع أهلها من حمل السلاح السكين فما فوقها وبعث إلى الأمير عز الدين حميضة وكان بقرب نخلة تستميله إلى مراجعة الطاعة والتوجه إلى الأبواب السلطانية فسأل رهينة عنده من أولاد الأمير ركن الدين تكون عند أهله ويحضر فأجاب الأمير ركن الدين إلى ذلك وجهز أحد أولاده، وهو الأمير على وجهز معه هدية لحميضة ولم يبق إلا أن يتوجه فأتاه فى ذلك اليوم رجل من العرب وأخبره بقتل حميضة فأنكر وقوع ذلك وظن أن ذلك مكيدة لأمر ما، لكنه توقف عن إرسال ولده حتى يتبين
__________
[1] وانظر إتحاف الورى بأخبار أم القرى 3: 166- 169.
(32/323)

له الحال، فلما كان فى مساء ذلك اليوم طرق باب المعلى بمكة ففتح فإذا مملوك اسمه أسندمر، وهو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا بحميضة من مماليك الأمراء كما تقدم وهو راكب حجرة [1] حميضة التى تسمى جمعة وكان السلطان قد طلبها من حميضة فشح بإرسالها وأخبر أنه قتل حميضة غيلة وهو نائم، وجرد سيفه فإذا به أثر الدم وذلك فى جمادى الآخرة فأرسل الأمير ركن الدين ولديه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر فوصلا إلى السلطان فأنعم عليهما وجهزا الأمير ركن الدين من توجه لإحضار سلب حميضة والمملوكين اللذين بقيا فأحضر السلب وأخذا المملوكين وقيل إن الثالث مات وهو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى فألزم صاحب نخلة بإحضاره وتوعده إن تأخر فأحضره واستمر الأمير ركن الدين بمكة إلى أن عاد الجواب السلطانى بطلبه، فتوجه من مكة- شرفها الله تعالى-[137] فى مستهل شعبان وصحبته المماليك الثلاثة الذين كانوا قد هربوا، وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية فى العشر الأول من شهر رمضان، ولما وصل شمله الإنعام والتشريف، وأمر السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضه قودا به فى شوال من السنة.
ذكر تجريد جماعة من العساكر الشامية إلى بلاد سيس ورجوعهم
وفى هذه السنة أمر السلطان بتجريد العساكر من الشام والسواحل، فجرد جماعة من دمشق وهم الأمير سيف الدين جوبان المنصورى، والأمير سيف الدين بكتوت القرمانى، والأمير بدر الدين بكتوت الشمسى ومضافيهم والمقدم عليهم جوبان المذكور وتوجهوا فى يوم الإثنين السادس والعشرين من شهر رجب وجرد العساكر بجملتها والعسكر الصفدى وبعض العساكر الحلبية وتوجهوا إلى جهة سيس والمقدم على سائر العساكر الأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية.
__________
[1] فى ص «مهرة» والحجرة: هى انثى الخيل (محيط المحيط) .
(32/324)

وسبب ذلك أن الهدنة التى كانت بين السلطان وبين صاحب سيس انقضت فسأل صاحب سيس تجديد هدنته على ما كانت عليه فامتنع السلطان من ذلك وطلب منهم عدة قلاع كانت قد أحدثت فى الأيام المنصورية الحسامية كما تقدم فتوقفوا فى إعطائها ثم بذلوا بعضها فلم يوافق السلطان على ذلك، وجرد هذه العساكر، ودخلوا إلى بلاد سيس، ولما وصلوا إلى نهرجان [1] وأرادوا قطعه غرق من العساكر نحو ألف فارس أكثرهم من عسكر طرابلس والتركمان، ثم دخل العسكر وأغاروا وشعثوا وأقاموا ببلاد سيس سبعة عشر يوما، ثم خرج العسكر وأقام بسليمة [2] ثم رسم السلطان لهم أن يسوقوا خلف العرب حتى يخرجوهم من المملكة الشامية، ومات فى هذه السفرة من الجيش المجرد من دمشق الأمير بدر الدين بكتوت الشمسى، وكانت وفاته بحلب، ولم يدخل إلى سيس لمرضه- رحمه الله تعالى.
ذكر وصول الخاتون دلنبية وقيل فيها طولونية ابنة [3] وبناء السلطان الناصر بها
كان السلطان الملك الناصر قد خطب إلى الملك أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان ملك البلاد الشمالية من تكون الذرية الجنكيز خانية، وجهز إليه الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى وغيره كما تقدم فى سنة ست عشرة وسبعمائة، فلما عرضت كتب السلطان على الملك أزبك قال الترجمان للرسول لما أراد أن يتكلم بالمشافهة:
إن القاضى [4] يعنى الملك أزبك يقول إن كان فى مشافهتك غير السلام فخاطب به الأمراء، ثم جمعت الأمراء مقدمى التمانات، وهم سبعون أميرا،
__________
[1] نهرجان: هذه تسمية عامية. والصحيحة نهرجيحان: ويخرج من بلاد الروم عند زبطرة، وتقع عليه المصيصة، ويصب فى البحر الأبيض قريبا منها (معجم البلدان 2: 227 بتحقيق فريد الجندى) .
[2] سلمية: بليدة فى ناحية البرية من أعمال حماه بينهما مسيرة يومين. وكانت تعد من أعمال حمص. وأهل الشام يقولون: سلجية. بكسر الميم وتشديد الياء. وانظر معجم البلدان 3: 272.
[3] بعد هذه بياض فى الأصول، وقد جاء فى كنز الدرر لابن أيبك الدوادارى 9: 302: أنها الآدر الشريفة بنت أخى أزبك. وجاء فى السلوك 2/1: 203 وصلت الستر الرفيع الخاتون طلنباى، ويقال دلنبيه، ويقال دلنبيه، ويقال ذو لونية بنت طغاى بن هندو بن باطو بن دوشى خان بن جنكيز خان. وفى النجوم الزاهرة 10: 74 فى ترجمة أزبك خان وتزوج الملك الناصر محمد بابنته» وفى ذيول العبر 109 «وعقد السلطان على أخت أزبك التى قدمت فى البحر» .
[4] فى ك «القاضى» والتصويب من ص، وف.
(32/325)

فكلمهم الرسول فى ذلك فنفروا منه، وقالوا هذا لم يقع مثله فيما تقدم من حين ظهور جنكزخان وإلى هذا الوقت. وفى مقابلة ماذا تجهز ابنة ملك من الذرية الجنكزخانية إلى الديار المصرية، وتقطع سبعة بحور؟ ونحو هذا من الكلام، ولم يوافقوا على ذلك فى أول يوم، ثم اجتمعوا فى يوم آخر بعد أن وصلت إليهم هداياهم التى جهزها السلطان إليهم وأعيد الحديث فى ذلك فأجابوا إليه وسهلوه، وقالوا، ما زالت الملوك تخطب إلى الملوك. وملك مصر ملك عظيم يتعين إجابته إلى ما طلب إلا أن هذا الأمر لا يكون إلا بعد أربع [1] سنين سنة كلام، وسنة خطبة، وسنة مهاداة، وسنة زواج، واشتطوا فى طلب المهر والشروط فلما اتصل ذلك بالسلطان فرجع عن الخطبة والحديث فيها وتكررت رسله إلى الملك؛ أزبك ورسل الملك أزبك إليه والسلطان لا يذكر أمر الخطبة ولا تتضمن رسائله غير السلام والمودة على العادة، ثم توجه الأمير سيف الدين أطرجى [2] من جهة السلطان إلى الملك أزبك بالهدايا والتحف وخلعة سلطانية مزركشة مكللة [138] فلبسها الملك أزبك ثم ابتدأ الأمير سيف الدين أطرجى بذكر الزواج، وقال: قد جهزت لأخى السلطان الملك الناصر ما كان قد طلب، وقد عينت له ابنة من البيت الجنكزخانى من نسل الملك بركة بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، فقال أطرجى إن السلطان لم يرسلنى فى هذا الأمر، وهذا أمر عظيم لو علم السلطان بوقوعه جهز لهذه الجهة المعظمة ما يليق وما يصلح لها وأراد بذلك رفع الأمر إلى وقت آخر فقال الملك أزبك أنا أرسلها إليه من جهتى فما وسع الرسول إلا مقابلة أمره بالسمع والطاعة فلما استقر هذا الأمر قال الملك أزبك للرسول أحمل مهر هذه الجهة [3] فاعتذر أنه لا مال معه. فقال نحن نأمر التجار أن يقرضوك ما تحمله فأمرهم بذلك. فاقترض عشرين آلف دينار عينا وحملها ثم قال له إنه لا بد لها من عمل فرح يجتمع فيه الخواتين، فاقترض مالا آخر قيل إنه سبعة آلاف دينار، وعمل الفرح وجهزت الخاتون،
__________
[1] فى الأصول «أربعة» .
[2] كذا فى الأصول، كنز الدرر 9: 302، وفى السلوك 2/1: 204، والدليل الشافى 1: 360، والدرر الكامنة 2: 317 «طرجى» .
(32/326)

وصحبها جماعة من الرسل، وعدة فى الخواتين وقاضى مدينة صراى، وتوجهوا من جهة الملك أزبك وركبوا البحر فى ثانى شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة، وحصل لهم مشقة عظيمة إلى أن وصلوا إلى ثغر الإسكندرية فى شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة.
ولما طلعت الخاتون من المركب جعلت فى خركاة مذهبة على عجلة
وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالثغر، وأجريت لهم الإقامات المتوفرة، وجهز السلطان إلى خدمتها جماعة من الحجاب وثمان عشرة حراقة [1] فركبت الخاتون فى الحراقة الكبرى السلطانية وركب بقية من معها فى بقية الحراريق، ووصلت الخاتون إلى الساحل المقابل للقاهرة من بحر النيل فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة وفرشت مناظر الميدان السلطانى لنزولها، ولما وصل ركب الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة الشريفة وجماعة من الأمراء والمماليك السلطانية الأكابر، وتوجهوا إلى خدمتها وحملت من الحراقة فى محفة على أكتاف مماليك نائب السلطنة إلى أن استقرت بقاعة الميدان السلطانى، وضرب لها أيضا بالميدان دهليز أطلس معدنى كان قد عمل للسلطان، ومد لها ولمن معها أسمطة تصلح لمثلها، وأجريت عليهم الإقامات.
فلما كان فى يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر أحضر السلطان الرسل وهم رسل الملك أزبك ورسل ملك الكرج ورسل الأشكرى فمثلوا بين يديه، أو أدوا ما معهم من الرسائل وأحضروا الكتب والتقادم، ثم أمر السلطان نائبه الأمير سيف الدين أرغون والأمير سيف الدين بكتمر [2] الساقى وهو من أخص مماليكه أن يتوجها إلى الميدان وينظرا الخوند الخاتون الواصلة، فتوجها إليها ورأياها- فيما بلغنى- ونقلت فى بقية النهار إلى قلعة الجبل وحملت
__________
[1] الحراقة: نوع من السفن الحربية كانت تستخدم لحمل الأسلحة النارية، وكانت بها مرام تلقى منها النيران على العدو، وكان فى مصر نوع آخر منها استخدم فى النيل لحمل الأمراء ورجال الدولة فى الاستعراضات البحرية والحفلات الرسمية. وأنظر محيط المحيط، وخطط المقريزى 2: 194، 195.
[2] فى ك «أكتمر الساف «» والمثبت من ص، وف، والنجوم الزاهرة 9: 300، والدليل الشافى 1: 194.
(32/327)

على عربة [1] يجرها بغل يقوده أحد مماليكها حتى استقرت بقاعة أعدت لها بقلعة الجبل كان السلطان قد أنشأها لم يبن بالمملكة الإسلامية مثلها ثم عقد العقد المبارك فى يوم الإثنين السادس من شهر ربيع الآخر على ثلاثين ألف مثقال عينا حالة منها ما قدم وهو عشرون ألف دينار التى تقدم ذكرها وعقد العقد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن ابراهيم بن جماعة وقبل العقد عن السلطان بوكالته نائبه الأمير سيف الدين أرغون وبنى السلطان بها ثم أعاد الرسل ومن حضر فى خدمتها بعد أن شملهم بالإنعام الوافر وجهز معهم الهدايا الجليلة إلى الملك أزبك وغيره وكان عودهم فى شعبان وتأخر منهم قاضى مراى بسبب الحج فحج وعاد إلى بلاده فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
ذكر تسحب الأمير حسام الدين مهنا وأولاده
ومن يلوذبه من العربان آل فضل [139] من البلاد الشامية ولحاقهم بالعراق وإمرة الأمير محمد شمس الدين محمد بن أبى بكر.
وفى سنة عشرين وسبعمائة تسحب الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وأولاده وإخوته وغيرهم ممن يلوذ بهم وينسب إليهم من آل فضل وفارقوا البلاد الشامية وتوجهوا نحو العراق وسبب ذلك أن السلطان الملك الناصر كان قد أحسن إلى هذه الطائفة من العربان وقدمهم على غيرهم، ووصلهم بالعطايا الجزيلة والإقطاعات الوافرة التى لم يسمع بمثلها، ولا يسمح الملوك بها ولا ببعضها الأكابر النواب وأعيان الأمراء، وكان ينعم على الرجل الواحد من أولاد مهنا بثلاثمائة ألف درهم فما دونها وأقطعهم جلّ [2] الخواص بالبلاد الشامية زيادة على ما بأيديهم ثم طلبوا أكثر خواص القلاع بالممالك الإسلامية فأقطعهم ذلك وأخذوا أيضا بعض إقطاعات الأمراء بالشام وهم لا يطلبون شيئا إلا أنعم عليهم به وأقطعه لهم والسلطان فى غضون هذا الإحسان يقصد وصول الأمير حسام الدين مهنا إلى بابه وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، وتكررت
__________
[1] فى الأصول «حملت على أربة» والمثبت هو الصواب.
[2] فى ك «جبل» والتصويب من ص، وف.
(32/328)

رسائل [1] السلطان إليه وهو يظهر الطاعة ولا يوافق على الوصول إلى الأبواب السلطانية، ثم خشى عاقبة السلطان، وارتاب من كثرة إنعامه على العربان، فكاتب السلطان مرارا فى استرجاع ما أعطاه لأولاده وإخوته من الزيادات فى الإقطاعات واختصار كثرة الصلات وأن يجرى الأحوال على ما كانت عليه من العوائد والسلطان يأبى ذلك فظن أن الإنعام على هذه الطائفة إنما هو بسببه فلما كان فى شهر ربيع الأول رسم السلطان بتجريد العساكر إلى بلاد سيس فغلب على ظنه أنها تقصده ففارق البلاد ووصل إلى عانة [2] فأمر السلطان بإيقاع الحوطة على إقطاعات العربان من يومه والاحتراز على متحصلاتها، فوض إمرة العرب للأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر بن على بن حذيفه وجهز السلطان الأمير سيف الدين قجليس إلى الشام بنصف عدته وأمر أن يتوجه معه جيش من دمشق لإخراج العربان، فجرد الأمير سيف الدين كجكن فى جماعة من العسكر، ووصل الأمير سيف الدين قجليس إلى دمشق فى حادى عشر جمادى الأولى، فتوجه منها الجمعة ثانى عشر الشهر وصحبته جماعة من العسكر الشامى والأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر، واجتمعوا هم والجيوش المجردة إلى بلاد سيس وساقوا خلف العرب حتى أخرجوهم من بلاد الشام، وكانت مدة غيبة الأمير سيف الدين عن دمشق أربعة أشهر، وعاد فى خامس شهر رمضان إلى دمشق، وكان تأخره هذه المدة بسبب ضبط ما يتحصل من أقطاع العربان النازحين.
وأما الجيش المجرد من دمشق إلى سيس فإنه عاد فى يوم السبت حادى عشر جمادى الآخرة ثم ورد الخبر إلى دمشق من الرحبة فى يوم الأحد ثانى شعبان إلى أن جماعة من عرب مهنا وصلوا إلى بلاد الرحبة لرعى زرعها، فجهز جماعة من الأمراء وقدم عليهم الأمير سيف الدين بهادر آص، وتوجهوا فى يوم الأثنين ثالث شعبان.
__________
[1] فى ك «مسائل» والمثبت من ص، وف.
[2] عانة: بلد مشهور بين الرقة وهى تعد من أعمال الجزيرة وهى مشرفة على الفرات قرب حديثة النورة، وبها قلعة حصينة وانظر معجم البلدان 4: 81.
(32/329)

وفى جمادى الآخرة من السنة عاد إلى الأبواب السلطانية بعض العربان الذين توجهوا مع مهنا فأمر السلطان بالإفراج عن إقطاعاتهم وإجرائهم على عاداتهم.
ذكر إبطال مكس الملح بالديار المصرية
وفى العشر الآخر من شهر ربيع الآخر رسم السلطان بإبطال مكس الملح [1] وكتب بذلك مثال شريف سلطانى، وقرئ على المنابر فى يوم الجمعة الخامس من جمادى الأولى من سنة عشرين وسبعمائة، وكان المقرر على ذلك جملة كبيرة فى كل سنة فبطلت هذه المعاملة، واجتثت من أصلها وسطر الله هذه الحسنة فى صحائف حسناته. وفى هذه السنة فى يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية [140] رسل صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والهدايا والتحف، وكان مما أحضروه حمار وحشى أبلق مخططا قدر البغل لم يصل إلى الديار المصرية مثله فيما سلف فقبلت هديتهم وشملهم بالإنعام السلطانى ثم أعيدوا إلى مرسلهم بما جرت العادة به.
وفى هذه السنة تجهز ركب إلى الحجاز الشريف فيه جماعة من الأعيان وطلبة الحديث وغيرهم والمقدم على الركب بأمر السلطان الأمير جمال الدين عمر بن كراي أحد أمراء العشرات وكان رحيل هذا الركب فى السابع عشر من رجب، ووصل إلى مكة- شرفها الله تعالى- فى يوم الأحد مستهل شهر رمضان، ولم يجدوا فى سفرهم إلا خيرا ورفقا [2] وتيسيرا [2] والله أعلم [3] .
ذكر منع الشيخ تقى الدين بن تيمية من الفتيا واعتقاله بقلعة دمشق
قد قدمنا أن المراسم الشريفة السلطانية كانت قد تقدمت بمنع الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية من الفتيا فى مسألة الطلاق وتكررت مرة بعد أخرى، ثم
__________
[1] وفى النجوم الزاهرة 9: 62 «فأبيع الأردب الملح بثلاثة دراهم بعد ما كان بعشرة دراهم» .
[2] ما بين القوسين زيادة من ص، وف.
[3] عبارة «والله أعلم» لم ترد فى ص، وف.
(32/330)

اتصل بالأبواب السلطانية أنه لم يمتنع عن ذلك فلما كان فى بكرة نهار الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب سنة عشر