Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 033

الجزء الثالث والثلاثون
تقديم بقلم المحقق
هذا هو الجزء الثالث والثلاثون [1] من كتاب: «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لمؤلفة أحمد بن عبد الوهاب النويرى، وهو آخر أجزاء هذا الكتاب، وجدير بنا- وقد بلغ الكتاب غايته- أن نسترجع هنا بعض ما ذكره النويرى فى خطبة هذا الكتاب الموسوعة، لنرى الأساس الذى بنى عليه كتابه، والمنهج الذى جرى عليه فى تصنيفه، فقد قال- رحمه الله- إنه ضمنه من «فنون الأدب خمسة فنون حسنة الترتيب، بيّنة التقسيم والتبويب، كلّ فن منها يحتوى على خمسة أقسام» [2] وكل قسم يشتمل على أبواب، وهذه الفنون- كما أوردها النويرى- هى:- 1- الفن الأول: فى السماء والآثار العلوية والأرض والمعالم السفلية.
2- الفن الثانى: فى الإنسان وما يتعلق به.
3- الفن الثالث: فى الحيوان الصامت، ويعنى به ما عدا الإنسان من سائر الحيوان.
4- الفن الرابع: فى النبات.
5- الفن الخامس: فى التاريخ.
وقد استغرقت الفنون الأربعة الأولى الأسفار من الأول حتى نهاية السفر الثانى عشر، أما الفن الخامس- وهو التاريخ- فقد جاء أوسع هذه الفنون وأشملها، ورتّبه- كغيره من الفنون- فى خمسة أقسام، أربعة منها اشتملت عليها الأسفار: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وتحدث فيها-
__________
[1]- هذه تجزئة نهاية الأرب المطبوع، ويقابله فى تجزئة المخطوط- فى نسختى كوبريلى والآستانة- الجزء الحادى والثلاثون.
[2] انظر نهاية الأرب 1/3 وما بعدها.
(33/5)

كغيره ممن سبقوه- عن بدء الخليقة، وخلق آدم وحواء، وأخبار الرسل والأنبياء، وأخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، ووقائع العرب فى الجاهلية.
وافتتح السفر السادس عشر بالقسم الخامس من فن التاريخ، وقد عقده لأخبار الملّة الإسلامية، وجعله اثنى عشر بابا، أولها: فى سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وآخرها- وهو الباب الثانى عشر الذى افتتح به السفر الثامن والعشرين- ابتدأ به «أخبار ملوك الديار المصرية الذين ملكوا فى خلال الدولة العباسية نيابة عن خلفائها، وهم الملوك العبيديّون.. وما كان من أمرهم، وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصرية، والبلاد الشامية والحلبية، والثغور والسواحل، وغير ذلك إلى أن انقرضت دولتهم، وقيام الدولة الأيوبية، وأخبار ملوكها بمصر والشام إلى حين انقراضها؛ وقيام دولة الترك، ومن ملك منهم من أبنائهم، وما حازوه من الأقاليم، وما فتحوه من الممالك، وما استقر فى ملك ملوك هذه الدولة، إلى حين وضعنا لهذا التأليف فى سنة [1] ... وسبعمائة فى أيام مولانا الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون.
وقد عاش النويرى حياته فى عهد الملك المنصور قلاوون [2] ، وعهد ولديه: الملك الأشرف صلاح الدين خليل [3] ، والملك الناصر [4] محمد بن قلاوون، فقد ولد النويرى- كما يذكر لنا فى حوادث سنة 677 هـ- «فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى القعدة بمدينة إخميم من صعيد مصر» [5] وكانت ولاية المنصور قلاوون ملك مصر فى السنة التالية، يوم الأحد العشرين من شهر رجب سنة 678 هـ، وحين آل الملك إلى ابنه الناصر محمد سنة 693 هـ- فى ولايته الأولى- كان عمر النويرى ست عشرة سنة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة- فى ولاية الناصر الثالثة- وعمره ست وخمسون سنة.
__________
[1] هكذا بيّض له النويرى فى الأصل وكأنه أراد أن يظل حبل التأليف ممدودا ما امتد به العمر من سنى هذا القرن، وانظر نهاية الأرب 1/25.
[2] الملك المنصور قلاوون هو السابع من ملوك دولة الترك بمصر، وانظر: نهاية الأرب 31/7.
[3] الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن المنصور قلاوون هو الثامن من ملوك دولة الترك بمصر، وانظر: نهاية الأرب 31/177.
[4] الملك الناصر محمد بن قلاوون هو التاسع من ملوك دولة الترك بمصر، وانظر: نهاية الأرب 31/267.
[5] انظر: نهاية الأرب. 3/386 و 387 فقد أورد النويرى خبر مولده، وذكر نسبه مطولا، وهو: «أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم بن عبادة ... » وارتفع به إلى عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخليفة من بعده.
(33/6)

وهذا الجزء هو آخر أجزاء الكتاب، وفيه يواصل النويرى الكلام فى «أخبار الملك الناصر محمد بن قلاوون، مبتدئا بحوادث سنة إحدى وعشرين وسبعمائة التى «استهلت بيوم السبت المبارك» وكان أول ما أرّخ له فيها: «وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة سنة عشرين وسبعمائة فى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم سنة إحدى وعشرين وسبعمائة» وقد مضى فيه على منهجه فى ذكر الوقائع والأخبار، ووفيات الأعيان، سنة بعد أخرى، حتى اختتمه بنهاية حوادث سنة ثلاثين وسبعمائة.
وأغلب الظن أن النويرى رصد ما وقع من الحوادث والأخبار فيما تلا هذا التاريخ، ليجمع منها مادة الجزء الذى يليه، ثم يشرع فى تدوينه حين يصبح لديه من هذه المادة ما يصلح لتصنيف جزء جديد، هكذا صح عزمه، وحالت دونه منيته التى حانت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، فقد ورد فى آخر هذا الجزء من نسخة كوبريلى ما نصّه: «آخر الجزء الحادى والثلاثين [1] من نهاية الأرب فى فنون الأدب، يتلوه- إن شاء الله تعالى فى أول الجزء الثانى والثلاثين منه-: واستهلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بيوم الأحد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه..» .
وهكذا يكون النويرى قد أنجز ما وعد به القارئ فى مقدمته من تأليف هذا الكتاب الموسوعة، وأتى على آخر ما أراده فى الباب الثانى عشر من القسم الخامس من فن التاريخ، وهو «ذكر قيام دولة الترك، ومن ملك منهم من أبنائهم بمصر.. إلى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون» .
وقد لاحظنا أن النويرى حين أخذ يؤرخ للحقبة التى عاشها فى دولة المنصور قلاوون، وفى دولتى ابنيه- الملك الأشرف صلاح الدين خليل، والملك الناصر محمد- بدت خطواته بطيئة شيئا ما، حتى رأينا الجزء الحادى والثلاثين لم يشتمل إلا على أخبار اثنتين وعشرين سنة، والجزء الثانى والثلاثين ضم أخبار عشرين سنة، ورأينا هذا الجزء الثالث والثلاثين- يشتمل فقط على أخبار عشر سنوات (من سنة 721 هـ إلى 730 هـ) ويرجع ذلك- فى تقديرنا- إلى أمرين:
__________
[1]- هذه تجزئة المخطوطتين وقد أسلفنا القول أن هذا الجزء يقابله فى المطبوع الجزء الثالث والثلاثون.
(33/7)

أولهما: أن النويرى لم يكن فيما أورده من تاريخ هذه الفترة مؤرخا فحسب، بل كان شاهدا على عصره، وواحدا من رجال هذه الدولة، حيث قربه إليه الناصر محمد بن قلاوون، فكانت له عنده حظوة كبيرة، حتى وكلّه فى بعض أموره، وتقلب فى الوظائف الديوانية، فولى نظارة البيمارستان المنصورى [1] ، ونظارة الجيش فى طرابلس، ونظر الديوان فى إقليم الدقهلية والمرتاحية.. فأتاح له موقعه أن يشهد من الحوادث، ويعرف من الأخبار ما ضمنه كتابه فى تاريخ هذه الفترة.
وثانيهما: أن النويرى فى هذا الجزء- فى حوادث سنة خمس وعشرين وسبعمائة- استطرد بذكر تاريخ اليمن من الفتح الإسلامى إلى هذه السنة، وذكر أنه اقتبسه من كتاب: «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» لمؤلفه القاضى عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى، الذى قدم إلى الديار المصرية فى هذه السنة، وأطلع النويرى على كتابه هذا، فنقله مختصرا [2] . وقد استغرق تاريخ اليمن من هذا الجزء أكثر من ثلثه [3] .
وفى تحقيق هذا الجزء اعتمدنا على نسختين مصورتين عن أصليهما المحفوظين بالآستانة:
1- النسخة الأولى مكتوبة بقلم نسخى معتاد، ومسطرتها 35 سطرا، وعدد صفحاتها 107 من قطع الربع، وفى صفحتها الأخيرة خاتم نقشه: «هذا ما أوقفه الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبى عبد الله محمد، عرف بكوبريلى، أقال الله عثارهما» وهى محفوظة بدار الكتب تحت رقم 549
__________
[1] باشر النويرى هذه الوظيفة أربع سنوات: من شوال سنة 703 إلى آخر رمضان سنة 707 وانظر نهاية الأرب 31/108.
[2] نشر كتاب «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» لابن عبد المجيد اليمانى بتحقيق عبد الله الحبشى، ومحمد أحمد السّنبانى سنة 1988 (ط. دار الحكمة بصنعاء) وقد اطلعنا عليه فلاحظنا أن ما اختصره النويرى منه لا يعدو الأشعار التى كان يمدح بها بعض شعراء اليمن ملوكهم، وأكثرها نظم ركيك، أما الحوادث والأخبار فإنها تكاد تكون متطابقة مع رواية النويرى فى هذا الجزء.
[3] يشغل هذا الكتاب من نسخة كوبريلى الصفحات من 21 إلى 61 ومن نسخة الآستانة الصفحات من 74 إلى 199.
(33/8)

(معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (ك) ووضعنا أرقام صفحاتها بين قوسين هكذا (فى الهامش وقد اعتمدنا هذه النسخة أصلا للتحقيق.
2- والنسخة الثانية مكتوبة بخط واضح، وبها بعض هوامش استدراكية، وعدد صفحاتها 286 صفحة، وتقع فى قسمين: الأول منهما يضم 142 صفحة، والثانى 144 صفحة، ومسطرتها 19 سطرا، ومساحة صفحتها 11 17 سم، وهى مأخوذة بالتصوير الشمسى عن أصلها المخطوط بالآستانة، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 551 (معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (أ) ووضعنا أرقام صفحاتها- فى هامش المتن- بين قوسين فى صفحتها.
هذا. وكنت قد فرغت من تحقيق هذا الجزء فى سنة 1962 م، وقام بمراجعته سنة 1963 م المرحوم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة، فأثنى على ما بذلته من جهد فى تحقيقه، وأجازه للنشر حينذاك، وبقيت بعد ذلك أنتظر صدوره، حتى «طال الأمد على لبد» كما يقولون، وخشيت أن ينقضى العمر قبل أن أراه مطبوعا، ولكن شاء الله- وله الحمد والمنّة- أن يصدر أخيرا برعاية الأستاذ الفاضل الدكتور محمود فهمى حجازى رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وبعناية الأستاذ السيد حسن عرب المدير العام لمركز تحقيق التراث، ومعاونيه من الباحثين بالمركز، وأخص منهم بالذكر الأستاذ سيد على حسين- الباحث الأول- الذى تابع هذا الجزء، وراجع تجارب المطبعة، والأستاذ مصطفى موسى الباحث بالمركز، فلهم منى جميعا جزيل الشكر، وجزاهم الله عنى خير الجزاء.
وبعد. فلا يفوتنى أن أنبه إلى حاجة هذا الكتاب الجليل إلى فهارس فنية تفصيلية، تيسر الانتفاع به، وتعين الدارسين والباحثين على الإفادة مما حواه من فوائد جمّة، ومعارف عامة، ولم يعد خافيا على أحد ما لهذه الفهارس من قيمة عظيمة فى الكشف عما اشتملت عليه أمثال هذه الكتب من خبايا يصعب
(33/9)

التهدّى إليها بدونها، فضلا عن اختزالها للوقت، وتوفيرها للجهد، ولعل من أهم هذه الفهارس:
فهرس الأعلام، وتمييز من ترجم لهم، أو ذكر وفياتهم.
فهرس أعلام القبائل والأمم والطوائف.. وما إليها.
فهرس البلدان ونحوها من الحصون والقلاع والقصور.
فهرس أعلام المواضع والجبال والمياه.
فهرس الشعراء.
فهرس القوافى.
فهرس الأمثال.
فهرس الألفاظ الاصطلاحية فى مختلف شئون الحياة الاجتماعية من:
وظائف، وآلات، وأدوات، وآنية، وطعام، وشراب، ولباس ... إلخ فهرس الكتب المنسوبة إلى أصحابها ... إلخ ولا شك أن لكل كتاب طبيعته التى ترشد إلى صنع فهارسه، وما أكثر ما يمكن عمله من فهارس لهذا الكتاب الموسوعة. ومركز تحقيق التراث مأمول للنهوض بهذا العمل الدقيق الذى يحتاج إلى الخبرة الجيدة، والجهد الجهيد، وهو بما لديه من الباحثين الأكفاء قادر- إن شاء الله- على تحقيق هذا الأمل العزيز تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
والله من وراء القصد، وهو الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد.
3 من رجب سنة 1417 هـ الدقى فى- 14 من نوفمبر سنة 1996 م عضو مجمع اللغة العربية
(33/10)

[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]
(بسم الله الرحمن الرحيم) (وبه توفيقى) [1]
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك
ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك، وفى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم من هذه السنة وصل إلى مصر المحروسة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة الإسلامية من الحجاز الشّريف بعد أن وقف بعرفة فى يوم الجمعة، ولم يبلغنا أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل فى مثل هذا التاريخ، وكما وصل الأمير شمس الدين آقسنقر الناصرى شادّ [2] العمائر من الحجاز فى سابع المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة- كما تقدم- استعظم الناس ذلك، وكان الناس قبل ذلك إذا أسرع من يحضر منهم بالبشارة يصل يوم عاشوراء.
ولما وصل القاضى شمس الدين توجّهت إليه، وسلّمت عليه، وسألته عن خبر سفره فى ذهابه وإيابه، فأخبرنى أنه ركب من داره بمصر المحروسة فى سادس عشر شوال سنة عشرين وسبعمائة، وتوجه إلى زيارة الخليل عليه الصلاة والسلام، فزاره، وتوجه إلى بيت المقدس، وأقام به أياما، وأحرم من بيت المقدس، ووصل مكّة شرّفها الله تعالى، فأقام بها شهرا كاملا، ووقف يوم الجمعة بعرفة، وتعجّل من منى فى يوم الاثنين ثانى عشر من ذى الحجة، ووصل إلى المدينة النّبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فى يوم الجمعة السادس عشر من الشهر، فصلّى الجمعة، وخرج منها فى يوم السبت السابع عشر، وساق على الدّرب الشامى مراحل، ثم عطف إلى أيلة، ومنها إلى مصر، فكانت مدة مسيرة من منى إلى مصر واحدا وعشرين يوما، منها مقامه بالمدينة النبوية- شرفها الله تعالى.
__________
[1] ما بين الحاصرتين من نسخة «أ» ص 1
[2] الضبط من السبكى (معيد النعم ومبيد النقم ص 127) وانظر فيه صفة هذه الوظيفة.
(33/11)

ومع هذا السّوق الشّديد، والسّير العنيف، كان من خبره عند وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التى أنفقت فى غيبته، مما يتعلق بالجيوش، فتصفحها، وتأملها، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه، ثم ركب [فى الثلث الأخير [1]] من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة، وجلس على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر، ودخلها، وانتهى إلى الأبواب السلطانية [2] ، [فدخل بعض الجمدارية [3] إلى السلطان] وأخبره بوصوله، فأنكر السلطان ذلك؛ لخروجه عن العادة. فأعيد عليه القول أيضا بوصوله، ثم قيل له: إنه قد وصل إلى الباب الشريف، فأذن له، وعجب من سرعة وصوله، وجلس بين يدى السلطان، وباشر وظيفته على عادته لوقته، ثم خلع عليه فى اليوم الثانى من مقدمه. وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر المحرم، وهذا السوق الذى ساقه القاضى «فخر الدين» ما ساقه حاجّ قبله.
وأما غير الحاج، فبلغنى من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلانى- رحمه الله تعالى- لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمى أمير مكة- شرفها الله تعالى- منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة فى اليوم الثالث عشر من يوم مسيره من مكة، واجتمع بالسلطان، وقرأ كتابه، وكتب جوابه فى يومه.
وسأله السلطان عن راحلته: هل يعود عليها إلى مكة؟ فقال: إنها خلأت [4] ، فأمره السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية، فاختار منها هجينا، وترك راحلته، وركب وعاد فى بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضى اثنى عشر يوما، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ثلاثة وعشرين يوما كوامل، ويوم خروجه/ منها، ويوم دخوله إليها، وهذا ما لم يسمع بمثله، ولا استطاعه أحد قبله، والله أعلم.
__________
[1] فى الأصل (فى الثلاث الأخر) وما هنا من «أ» ص 2.
[2] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 2، والسياق يقتضيه.
[3] انظر السبكى (معيد النعم ومبيد النقم ص 35) حيث جاء أن مفرد هذا اللفظ جمدار، وهو الذى يتولى إلباس السلطان أو الأمير ثيابه، واللفظ مركب من جاما- الثوب، دار- ممسك) .
[4] يقال: خلأت الناقة، إذا بركت فلم تقم، أو حرنت من غير علة (لسان العرب) .
(33/12)

ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق [1] ، بالقاهرة ومصر، وأعمال الديار المصرية
قد ذكرنا إبطال المعاملة بالفلوس [عددا] [2] واستقرارها حسابا عن كل [رطل] ثلاثة دراهم، وفى يوم الاثنين العاشر من المحرم توقف أرباب المعايش عن المعاملة بها بهذه القيمة لكثرتها، فرسم بالمعاملة بها حسابا عن كل رطل درهمين ونصف درهم، فتعامل الناس بها، ثم توقفوا فيها، فلما كان يوم الجمعة الحادى والعشرين من المحرم نودى فى المدينتين بالأمر السلطانى بإبطال المعاملة بالفلوس العتق، وأن تكون المعاملة بين الناس بفلوس جدد أمر بضربها بدار الضرب فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا، وأغلق كثير من أرباب المعايش حوانيتهم. وأبيعت [الفلوس] فى بقية يوم الجمعة، وبكرة نهار السبت كل رطل منها بدرهم واحد ونصف درهم. ووقفت معايش الناس، فإنه لم يكن قد ضرب من الفلوس الجدد الناصرية ما يدور فى أيدى الناس. ونودى فى المدينتين فى بكرة نهار السبت أنه من كان عنده شىء من الفلوس يحمله إلى دار الضرب، ويأخذ ثمنه حسابا عن كل رطل درهمين، هذا والناس يتعاملون بها (فيما) [3] بينهم على حسب اتفاقهم بدرهم ونصف، وأقل منه، وأكثر، وأحوال الناس فى المعاملة بها على غاية الاضطراب، ثم رسم بالمعاملة بها الرطل بدرهمين، والفلوس الجدد عددا على العادة القديمة، وخرجت الفلوس الجدد من دار الضرب، وعلى أحد وجهيها اسم السلطان، وعلى الوجه الآخر مثال بقجة مربعة، وزنة كل فلس منها نصف وربع وثمن درهم، فتعامل الناس بذلك إلى شهر رجب من هذه السنة، إلى أن كثرت الفلوس الجدد، وضربها الزغلية [4] ، وخففوا وزنها، فصار الفلس منها زنة نصف درهم، ونحو ذلك، فعاد الناس وتوقفوا فى أخذها، فرسم فى يوم السبت السادس والعشرين من شهر رجب بالمعاملة بالفلوس الجدد والعتق، الرطل بدرهمين ونصف، واستمرت الحال إلى سادس المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره.
__________
[1] الفلوس: النقود النحاسية (المقريزى: إغاثة الأمة ص 66) العتق: جمع عتيق وهو القديم. وفى المقريزى (النقود الإسلامية القديمة- ص 22 نشر الكرملى ط. القاهرة 1939) : «النقود التى كانت للناس على وجه الدهر على نوعين: السود الوافية، والطبرية العتق، وهما ما كان البشر يتعاملون به» وانظر أيضا السلوك (2/206 حاشية 5)
[2] فى «الأصل» (عملا) وما أثبتناه من «أ» ص 3 لصحته.
[3] ما بين القوسين زيادة عن «أ» ص 4
[4] الزغلية: المنسوبون إلى الزغل وهو الغش يريد المزيفين (عن تاج العروس مادة ز غ ل، وانظر (السلوك) (2/205 حاشية 4)
(33/13)

ذكر وصول هدية الملك أبى سعيد بن خربندا ملك التتار [1] إلى الأبواب السلطانية
وفى هذه السنة وصل مجد الدين إسماعيل بن [محمد] [2] بن ياقوت السّلامى التاجر إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد، وعلى يده كتاب الملك أبى سعيد ملك التتار، ثم وصلت الهدية فى يوم السبت التاسع والعشرين من المحرم من هذه السنة إلى قلعة الجبل، وهى ختمة شريفة [ستون جزءا كبارا] [3] ، وخركاه [4] عظيمة مكلّلة، وغير ذلك من التحف الجليلة والنفائس، فقبلت الهدية، وجهز [السلطان] له هدية تليق به.
ذكر تفويض نظر أوقاف الجامع الطولونى للقاضى كريم الدين [5] وكيل الخواص الشريف [6]
وفى شهر ربيع الأول فوض السلطان نظر أوقاف الجامع الطولونى الذى هو بظاهر القاهرة المحروسة للقاضى كريم الدين عبد الكريم ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها، [كان النظر] فى ذلك على شرط الواقف لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، وكان بيده من سنين كثيرة، فرفعت يده الآن عنه.
__________
[1] أبو سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ملك التتار وصاحب العراق والجزيرة وخراسان والروم وهو آخر بيت هولاكو. قال الصفدى: الناس يقولون أبو سعيد بلفظ الكنية، ولكن الذى ظهر لى أنه علم ليس فى أوله ألف، رأيته كذلك فى المكاتبات التى ترد منه إلى الناصر (الدرر 1/501) وقد درجت كتب التاريخ على ذكر اسم أبيه «خربندا» كما فعل النويرى هنا، وكما يورده ابن تغرى بردى فى النجوم، والمقريزى فى السلوك، ولكن القلقشندى فى صبح الأعشى (4/420) ذكر اسمه خدابندا (بدال مكان الراء وبعدها ألف) وذكر أن العامة تقول خربندا وانظر المقريزى (السلوك 2/7 حاشية 2) والدرر (3/378) .
[2] أضيف ما بين الحاصرتين من ابن حجر (الدرر الكامنة، ج 2 ص 381) حيث ورد أن مجد الدين السلامى هذا كان تاجر الخاص السلطانى فى الرقيق.
[3] ما بين الحاصرتين زيادة عن «أ» ص 5.
[4] الخركاه: لفظ فارسى معناه الخيمة الكبيرة تكون على هيئة القبة، ووصفها القلقشندى (صبح الأعشى ج 2 ص 138) بأنها «بيت من خشب مصنوع على هيئة مخصوصة يغشى بالجوخ ونحوه تحمل فى السفر لتكون فى الخيمة للمبيت فى الشتاء وقاية من البرد.
[5] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 2/401- 404) وسيورد النويرى فى هذا الجزء ترجمة مفصلة له وطائفة من أخباره.
[6] كذا فى الأصل وفى «أ» ص 5 الشريفة.
(33/14)

وكان سبب ذلك أن الوقف ضاق ريعه عن المرتب عليه، فأراد قاضى القضاة اختصار بعض المرتّبين، ليتسع الريع على من بقى، وعزم على قطع درس الطب وغيره، فقام فى ذلك مدرس الطب بالمكان، وهو علم الدين الشوبكى [1] ، وسعى فى مباشرة الوقف، ووقع فى ذلك تشنيع كثير، وشكاوى ممن حصل الغرم على توفيرهم، واتصلت الشكاوى بعلم السلطان، ففوض النظر فيه وفى أوقافه لوكيله المشار إليه، ففعل فى أمر الوقف ما لا يتمكن القاضى بدر الدين من فعله ولا يمكنه، وذلك أنه نجّز توقيعا شريفا سلطانيا بمسامحة الوقف بما على ناحية «منية اندوانة» من عمل الجسور السلطانية وغيرها مما كان يحمل إلى بيت المال، وهو فى السنة نحو عشرة آلاف درهم، ووفر جامكية [2] جماعة من المباشرين بشرط الواقف، وتقديرها نحو ذلك، واسترجع جهات من الوقف كانت مؤجّرة بأجاير شرعية، فأخذها ممن هى فى يده بالإيجار الشرعى وحماها، فتميز ريعها، وتحدث مع السلطان فى عمارة الجامع من أموال الخاص، فرسم بذلك، فعمر، ووقف/ السلطان عليه وقفا من جهته، وحمى أوقافه المسقفة، ونقل السكان إليها، فحصلت الزيادة فيها جملة فى كل سنة، فاتسع المال بهذه الأسباب، وفاض المتحصل عن كفاية المرتبين عليه، وعلم القاضى كريم الدين أنه لا يستحق جامكية النظر التى شرطها الواقف للناظر، وهى فى كل شهر أربعمائة درهم، فامتنع من أخذها، وبعثها إلى قاضى القضاة بدر الدين، فردها ولم يقبلها، فتوفرت هى وجامكية نيابة النظر، وهى فى كل شهر مائة درهم، وكان قد تأخر فى مدة قاضى القضاة للمدرسين والمعيدين والطلبة خمسة أشهر، فامتنع كريم الدين من صرف ذلك إليهم، [لاستقبال] [3] مباشرته، واستمر الصرف لهم كل شهر فى مستهل الشهر الذى يليه.
__________
[1] علم الدين الشوبكى، واسمه توما بن إبراهيم الطبيب، كان من أطباء السلطان الناصر، وترجمة مدرس الطب هذا فى (الدرر 1/528) .
[2] الجامكية، والجومك: رواتب موظفى الدولة من الملكية والعسكرية وهو لفظ فارسى مركب من جامه- قيمة، وكى: وهى أداة النسب (الألفاظ الفارسية المعربة ص 45، ومحيط المحيط) .
[3] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 7 وعبارة «ك» (لاستبقاء) وما أثبتناه هو الصحيح.
(33/15)

ذكر حفر البركة الناصرية
وفى هذه السنة أمر السلطان الملك الناصر بحفر بركة بخط الزهرى ظاهر القاهرة المحروسة مساحتها [سبعة أفدنة] [1] وأن يجرى الماء إليها من نهر النيل المبارك، وأن يحكّر ما حولها بنسبة بركة الفيل وغيرها من البرك، وكان فى جملة هذه الأرض سبعة أفدنة جارية فى وقف، فأمر السلطان وكيله باستئجارها للسلطان بأجرة معلومة، وكانت أرض هذه البركة قبل ذلك مقاطع يقطع منها الطين الإبليز برسم العماير، ثم رمى الناس فيها زبايلهم، فصار فى مواضع منها كيمان كثيرة، وفى بعضها حفر من آثار القطع، ورسم السلطان أنه مهما قطع من أتربة تلك البركة يرمى فى البركة المجاورة للميدان التى هى مقاطع الطين الإبليز، وأن يمهد ويضاف إلى الميدان توسعة له، فحصل الشروع فى حفرها فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول، ورسم للأمراء بحفرها، فوزعت عليهم على قدر مراتبهم، وندب الأمراء أجنادهم، والأجناد غلمانهم، وعملوا بأنفسهم وبأتباعهم، وأخرج كل أمير صنجقة [2] وطبلخاناه، وجماله وبغاله، واهتموا بحفرها اهتماما عظيما، ورتب السلطان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب مشدّا على حفرها، فنزل بها ولازمها، إلى أن كمل حفرها، ونجزت فى أقرب مدة [3] .
وفى أثناء حفر هذه البركة وقعت حادثة الكنايس، وكان بسبب ذلك من الحوادث ما نذكره إن شاء الله.
ذكر حادثة الكنايس [4]
وفى يوم الجمعة- بعد الصلاة- التاسع من شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة اجتمع جماعة من الغلمان والعوام والفعلة، الذين كانوا
__________
[1] ما بين الحاصرتين بياض فى «أ» و «ك» ، وما هنا من السلوك (2/216 حاشية 3) .
[2] الصنجق من الأعلام، وهى كما فى القلقشندى ثلاثة على الترتيب: الجاليش، والصنجق، والراية. وانظر صبح الأعشى (5/458) .
[3] يذكر المقريزى فى (السلوك 2/216) أن سبب حفر هذه البركة هو حاجة السلطان إلى طين كثير حين عزم على إنشاء زريبة بجوار جامع الطيبرسى على النيل. وذكر خبرها بعبارة أبسط مما أورده النويرى هنا.
[4] أورد المقريزى فى (السلوك 2 ص 216- 220- هذه الحادثة فى شىء من الإطناب.
(33/16)

يحفرون البركة المستجدة الناصرية، وتقدموا إلى كنيسة كانت مجاورة للبركة المذكورة، وارتقوا عليها، وحركت طبلخاناة الأمراء حربيا، فكان ذلك على صفة الزحف، فهدمها أولئك، ولم يتمكن الأمير ركن الدين بيبرس المندوب لحفر البركة، ولا الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار [1] أمير النقباء من ردّهم، ولا قدروا على منعهم؛ لكثرتهم، ونهبوا ما كان فى الكنيسة بعد تشعيثها [2] بالهدم، وكسرت أبوابها وما كان بها من الأوانى، وأريق ما بها من الخمور.
ولما اتصل خبر هدمها بالسلطان غضب، لانتهاك حرمة السلطنة، وتجرّى العوام وإقدامهم على هذا الأمر، ثم لم يكتف العوام بذلك إلى أن تقدموا إلى عدة كنايس، بالقاهرة ومصر، فنهبوها، ونبشوا قبور بعض أموات النصارى وحرقوهم، وشعّثوا الأبنية، واجتمع بعض عوام مصر، وتوجهوا إلى الكنيسة المعلّقة [3] ، وقصدوا هدمها، فما مكّنوا من ذلك، فاشتد حرج السلطان، وأمر بالقبض على من أقدم على ذلك، فمسك بعض العوام وحبسوا، واستفتى السلطان القضاة فيما يلزم هؤلاء الذين انتهكوا الحرمة، فأفتوه بتعزيرهم بحسب رأى الإمام، فضرب بعضهم، وشق مناخير بعض، وأخرج من الاعتقال من أرباب الجرايم من وجب عليهم القتل، فوسّط منهم جماعة، وعلقوا فى أماكن تخويفا للعوام، ثم أعقب هذه الحادثة من الفتن ما نذكره.
ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر [4]
لما وقع ما ذكرناه/ من هدم الكنايس، وقع أثر ذلك الحريق بمصر المحروسة، فكان أول ذلك أن احترقت دار الوكالة بالقاهرة فى شهر ربيع الآخر [5] ، وهى التى عند باب البحر، وتعرف بفندق الخزّ، فاحترق فيها متاجر الناس من الزيت والعسل والأصناف، فعدم لهم جملة كثيرة، وظن الناس أن ذلك
__________
[1] الضبط من (السبكي معيد النعم ص 31) وفى هامشه أنه مركب من مهمن- الضيف، دار- ممسك أو حافظ، وفى صبح الأعشى (5/459) هو الذى يتصدى لتلقى الرسل والعربان الواردين على السلطان، وينزلهم دار الضيافة، ويتحدث فى القيام بأمرهم.
[2] يقال تشعث رأس الوتد أو المسواك: إذا تفرق والمعنى من ذلك على التشبيه.
[3] الكنيسة المعلقة- كما فى المقريزى (الخطط ج 2/511) بمدينة مصر فى خط قصر الشمع وهى جليلة القدر عند النصارى.
[4] فى «أ» ص 9 ومصيره.
[5] فى المقريزى (السلوك 2/220) أن ابتداء الحريق كان يوم السبت خامس عشر جمادى الأولى وتواتر إلى سلخه «وقد أورد تفاصيل كثيرة لحوادث الحريق، وانظر فى هذا الخبر: النجوم (9/65- 68) .
(33/17)

عن غير قصد، وأنها إنما احترقت على جارى العادة فى وقوع النيران فى أماكن على سبيل الغلط وعدم التحفظ والاحتراز، ثم سكن ذلك إلى يوم السبت الخامس عشر من جمادى الأولى، فوقع الحريق فى القاهرة ومصر، وكان أول الحريق بخط حارة الدّيلم [1] ، فاحترقت دار الشريف بدر الدين نقيب الأشراف، وما يجاورها من دور [الأشراف] [2] والمسلمين، فكان جملة ما احترق من الدور المتجاورات ما ينيف على ثلاثين دارا يقارب المائة مسكن، واشتدت النار وعظمت، واستمرت بذلك المكان أياما، وخيف أن تتصل بدار «القاضى كريم الدين» ناظر الخواص السلطانية ووكيلها، وبها أموال السلطان والأقمشة وغير ذلك من التحف، وهو يوم ذاك بثغر الإسكندرية، فرسم السلطان بركوب الأمراء لذلك، فحضر الأمراء وغلمانهم، والسقايين والقصارين وغيرهم، وركب نائب السلطنة والحجاب وأمير جاندار [3] ، وغيرهم من أعيان الأمراء، واجتهدوا فى أمر النار إلى أن طفيت، بعد أن هدم وعدم بسببها من الدور والأموال والأقمشة والأصناف ما لا تحصى قيمته.
واختلفت الأقاويل، فقائل يقول: إنها من السماء، وقائل يقول: لعلها من قبل الملوك والأعداء، وآخر يقول: إنما فعله البطالون من الجند والحرافيش [4] لقصد النهب، وقائل يقول: إنما هو من فعل النصارى. وترادف الحريق، وتوالى، فاحترقت عدة دور من مساكن الأمراء، وكانت النيران تقع فى أعالى الدور والباذهنجات [5] ، فاحتفل الناس لذلك وتأهبوا، واستكثروا من الدّنان والخوابى، وملئوها ماء، ووضعوها فى الطرقات وعلى أبواب الحوانيت
__________
[1] فى المقريزى (الخطط 2/8) إنها عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين الشرابى حين قدم ومعه أولاد مولاه معز الدولة البويهى وجماعة من الديلم والأتراك فى سنة 368 هـ فسكنوا بها فعرفت بهم.
[2] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 9 وعبارة «ك» من دور المسلمين.
[3] فى «أ» ص 10 وأمير خاندار.
[4] الحرافيش واحدهم حرفوش، ويفهم من السياق أن مراده العامة أو الرعاع (وانظر أيضا: معيد النعم ص 96) ، ولعلها من أحرنفش: إذا تهيأ للشر، أو من الحرنفش وهو الغليظ الجافى الطبع (وانظر مادة أحرنفش فى تاج العروس 4/297) .
[5] الباذهنجات: جمع الباذهنج، ويقال له أيضا البادنج وهو منفذ فى سطح الدار على هيئة إسطوانة لها فتحة فى الجهة الغربية يدخل منها النسيم (عن قاموس استينجاس، وشفاء الغليل) وانظر أيضا (السلوك 2/222) ومطالع البدور (1/45) .
(33/18)

والأسواق والقياسير والاصطبلات والدروب والدور، والحريق لا يفتر، وهو لا يقع غالبا إلا فى النهار، وصار الناس يسهرون طول الليل بالنوبة، خصوصا على دور الأمراء، فإن مماليكهم وغلمانهم كانوا يبيتون على أسطحة دورهم، ويضربون الطبول بازات، ويصرخ بعضهم لبعض، وامتنع كثير من الناس من حضور الجمعة لملازمتهم أسطح بيوتهم.
ولقد صلّيت فى [بعض] [1] الجمع بالجامع الحاكمى مع أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف، وكانت عادته أن يصلى معه من مماليكه وألزامه جماعة كثيرة، فرأيت الذين حضروا إلى الجامع نحو الربع ممن كان يحضر، فسألته عن سبب تخلّفهم عن الحضور، فأخبرنى أنه تركهم لحراسة داره [2] خوفا أن تقع النار فيها، فيتداركوها بالإطفاء قبل تمكّنها.
فلما كان فى يوم الخميس العشرين من الشهر وجد ثلاثة من النصارى فى حارة العطوف، وقد رموا نارا فى بعض الدور، فما شك الناس عند ذلك أن الحريق من النصارى، وانتقلوا من الظن والاختلاف إلى اليقين والإجماع، وضرب هؤلاء وقرّروا، فاعترفوا بالحريق، ثم اعتنى بهم، فقيل: إنهم من الفلاحين، وإنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما أقروا لما حصل لهم من ألم الضرب، فأطلقوا، هذا والسلطان ينكر أن يكون ذلك من فعل النصارى؛ لما يلقيه إليه من له اعتناء خاص بهم، ويقول المعتنى بهم: النصارى أضعف أبدانا وقلوبا من الإقدام على هذا الأمر الكبير، ويستدلون على ذلك ويوجهونه، فيقولون: إن النار غالبا إنما تقع فى رءوس الباذهنجات، وأعالى الدور، ودور أكابر الأمراء، ومن أين يصل النصارى إلى ذلك؟ فيرجع السلطان إليهم، ويقول: هذا لا يتوصل إليه إلا بالنّشّاب، وأشاع بعضهم أنه رأى بعض الجند بمصر يرمى النشاب إلى بعض الدور، وأن السهم لما أبعد عن القوس وأصابه الهواء أورى نارا، وكان السلطان قبل ذلك قد عرض جماعة من الجند، وقطع أخباز [جماعة منهم
__________
[1] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 10.
[2] فى «أ» ص 11 (دوره) .
(33/19)

نحو] [1] السبعين، واعتقلهم بخزانة البنود لما بلغه عنهم من اللعب والتفريط فى إقطاعاتهم، وصرفها فى المحرّمات، فكان اعتقالهم لطفا بهم، ولو كانوا فى بيوتهم ما شك السلطان أن هذا من فعلهم، ثم أمسك فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر أربعة من النصارى الروم الملكيين [2] فاعترفوا أنهم أحرقوا الدور والأماكن، ولم يتحاشوا ولا توقفوا، بل أقروا بذلك من غير ضرب ولا تهديد، وقالوا: نحن فعلنا هذا فى مقابلة هدم كنائسنا، ونحن جماعة خرجنا عراة، واعترفوا على رهبان دير البغل [3] ،/فأنهى إلى السلطان أن هؤلاء من النصارى العرب الملكيين، وأنهم ليسوا من اليعاقبة [4] الذين هم نصارى البلاد، وإنما فعل هؤلاء هذا لجهلهم، وحسّن من له اعتناء باطن بالنصارى وميل إليهم أن يأمر بقتلهم، وإنما قصد تعجيل إعدامهم خشية أن يقرّوا على غيرهم، فأمر السلطان بهم، فحرقوا فى يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر، والسلطان بالميدان.
ثم قيل للعوام والناس: هؤلاء الذين كانوا يحرّقون حرّقناهم، فمن احترقت بعد هذا داره فليمسك جاره ونحن نقابله، فاشتد ذلك على الناس، واستغاث العوام، واتهموا القاضى كريم الدين وكيل السلطان بالاعتناء بالنصارى والذّب عنهم، وكان ذلك يظهر عليه، فلما ركب من الميدان بعد الظهر للانصراف إلى داره شغب جماعة من العوام عليه، واستغاثوا ورفعوا أصواتهم بسبه، ورجموه بالحجارة والطوب، فعطف نحو الميدان، وركض فرسه وخلص منهم، وأنهى ذلك إلى السلطان، فحرج السلطان حرجا كثيرا، واشتد غضبه، وانضاف ذلك إلى ما عنده من الحرج على العوام، فإنه لما كان ركب من القلعة إلى الميدان فى بكرة
__________
[1] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 11 وعبارة «ك» «وقطع أخبازهم نحو السبعين» .
[2] فى القلقشندى (صبح الأعشى 11/392) أنهم أتباع ملكا الذى ظهر قديما ببلاد الروم قال: والروم والفرنج كلهم أتباعه، وبالديار المصرية منهم النزر اليسير، ولهم بطرك يخصهم، وانظر أيضا صبح الأعشى (ج 13/276 و 277) وانظر: نهاية الرتبة فى طلب الحسبة ص 120 حاشية 1 و 2.
[3] دير البغل: كان يقع فى أعلى جبل المقطم شرقى طرة وحلوان، واسمه الأصلى «دير القصير» (المقريزى- الخطط 2/515) النجوم الزاهرة (9/68) .
[4] اليعاقبة (ويقال لهم: اليعقوبية) قال القلقشندى (صبح الأعشى ج 3/278 و 280) : هم أتباع ديسقورس بطرك الإسكندرية فى القديم. وهو الثامن من بطاركتها من حين بطركية مرقس الإنجيلى نائب بطرس الحوارى بها، وانظر ص 120 حاشية 1 و 2 من كتاب: نهاية الرتبة فى طلب الحسبة للشيزرى.
(33/20)

نهار السبت المذكور استغاث العوامّ والحرافيش، وبلغنى من جماعة أنهم رفعوا أعلاما ثلاثة: أحدها أبيض، والثانى أحمر، والثالث عليه صليب، فتغافل السلطان عن ذلك، ولم يأمر فيهم بشىء، فلما وقع منهم هذا الفعل اشتد غضبه، وجرّد جماعة من الحجّاب والنقباء والمماليك حتى أوصلوا كريم الدين إلى داره.
ثم ذكر السلطان هذه الواقعة لأكابر الأمراء كل منهم على انفراده، فبدأ بالأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى [1] ، واستشاره فيما يفعل فى ذلك، والمذكور رجل تركى جافى الطبع، عديم السياسة، فقال للسلطان: المصلحة أن السلطان يرسل إلى العوام فيقول لهم: يا خوشداشيّة [2] أنتم رعايانا والسواد الأعظم، وإن كنتم قد كرهتم هذا الخنزير عزلناه عنكم، وولينا غيره، ونطيّب خواطرهم، فغضب السلطان من كلامه، وشتمه واستقل عقله، وسفّه رأيه، وواجهه بالسب، ونفر فى وجهه، وكان من أمره ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.
ثم استشار الأمير جمال الدين آقش الأشرفى [3] بعده، ولم يعلم ما قاله الأمير سيف الدين المذكور، ولا ما قيل له، فقال: يا مولانا السلطان، الناس قد كرهوا هذين الرجلين- يشير إلى كريم الدين الوكيل، وكريم الدين الناظر- والمصلحة عزلهما، وصدقات السلطان كثيرة تشملهما فى العطلة كما تشملهما فى العمل- أو نحو هذا ومعناه من الكلام- وإذا عزلهما السلطان سكنت هذه الفتنة، فكره السلطان كلامه أيضا، لكنه لم يواجهه بما واجه به الأبى بكرى، بل قال له: والله لا بد أن آمر بوضع السيف فى العوامّ، وسفك دمائهم، حتى لا يتجرّأ من بعدهم من العوام على الملوك.
__________
[1] بكتمر الأبوبكرى: من أكابر الأمراء فى دولة الناصر، تنقل من الجندية إلى الطبلخاناه، ثم عظم قدره إلى أن صار أمير سلاح، غضب عليه السلطان سنة 722 فسجنه بالقلعة، فبقى فى سجنه إلى أن مات فى شعبان 728 هـ (الدرر 1/482) .
[2] خوشداشية: الفرد خوشداش، وهو لفظ مركب من خوش- طيب أو جيد وداش (فى التركية) نا للمتكلمين ويمكن تفسيره ب «يا رفاقنا الطيبين» .
[3] آقش الأشرفى: جمال الدين البرناق المعروف بنائب الكرك، وانظر ترجمته فى: الدرر (1/395) ، وليلاحظ أن المدة فى آق وآقش علامة تفخيم الحرف التالى لها فى اللغة التركية.
(33/21)

ثم استدعى الأميرين: سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب. كان. وسيف الدين الملك الحاج [1] . وهما من الأمراء الأكابر الخصّيصين بخدمة السلطان ويعرفان أخلاقه، ويبتغيان مراضيه، فسايراه بالميدان، فذكر لهما ما فعله العوامّ بكريم الدين، وقال: هذا الرجل هو وكيلى ووزيرى، والمتصرف فى دولتى، وحرمته من حرمتى، وقد تجرأ العوام عليه، ورجموه وأخرقوا [2] حرمته، فما الذى تريان أن أفعله فى ذلك؟ فاستعظما فعل العوام، وقالا: لقد وقع العوامّ فى أمر عظيم ما سبقهم أمثالهم إلى مثله، وكان ينبغى أنهم لما فعلوا ذلك أن يمسك منهم جماعة، ويوقع بهم من النّكال ما يكفّ غيرهم عن التجرّى والتعدّى.
فرسم السلطان أن يتوجّه الحاجب ونقيب النقباء، وجماعة معهم، ويقبضوا على من ظفروا بهم من العوام، فأخبرنى الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى المشار إليه قال: والله لما قال السلطان ذلك دخل علىّ وعلى رفيقى من الألم ما علمه الله تعالى، وعلمنا أننا قد تكلمنا بكلام أوجب سفك دماء جماعة من المسلمين، فتلطّفنا بالسلطان، وقلنا: إن الذى فعل هذا الفعل، وأقدم على هذا الأمر العظيم علم أنه صاحب ذنب وهرب، واختلط المذنب بالبرىء ونخشى أن نمسك من لا أذنب ولا أقدم على هذا الأمر، فنعاقب البرىء بذنب المجرم، فيكون ذلك فى ذمة السلطان، ونحن لا نختار هذا، ولكن المصلحة أن يخرج القاضى كريم الدين على عادته، وتتفرق جماعة من المماليك السلطانية، فيكونوا بالقرب منه، لعل البعض يتعرض إليه، فيمسك منهم من فعل ذلك، ويعاقب المذنب حقيقة، ويسلم البرىء، وتبرأ ذمة السلطان، قال: ولم نزل نتلطف به، ونسكن غضبه، إلى أن سكن حرجه بعض السكون.
ولما قرب وقت انصراف السلطان من الميدان أمر الحاجب [3] والنقباء قبل خروجه بضرب العوامّ والحرافيش، وطردهم عن طريق السلطان فيما بين
__________
[1] هكذا فى «أ» ص 12 و «ك» وفى السلوك: سيف الدين آل ملك الجوكندار الأمير الحاج، ومثله فى ابن حجر (الدرر 1/411) والحاج: من ألقاب مقدمى الدولة ومن فى معناهم وإن لم يكن قد حج (عن: صبح الأعشى 6/11) .
[2] أخرقوا: يريد انتهكوا، وهذا الفعل يستعمل بهذا المعنى كثيرا عند مؤرخى هذه الفترة.
[3] فى «أ» ص 13 (الحجاب) بلفظ الجمع.
(33/22)

الميدان والقلعة، فطردوا، وركب السلطان إلى القلعة وهو على غاية الحرج، والحدّة والغضب، وكان قد أمر بالقبض على العوام، فمسك منهم جماعة كثيرة، فأحضر السلطان القضاة فى يوم الأحد الثالث والعشرين من الشهر، واستفتاهم فى أمرهم، وأنهم انتهكوا الحرمة، وتعدّوا على وكيله، مع جلالته عنده، ورجموه، فأفتوه بتعزير من ثبت عليه أنه رجم، فلم يرضه ذلك، فأمر بقطع أيدى من عرف بالفساد منهم، فقطعت أيدى أربعة، وجرّسوا [1] ، ولم يحسم أيديهم، فمات بعضهم، وأمر السلطان أن يقيد بقية من مسك، ويستعملوا فى جسور الجيزية، ففعل ذلك بهم، والعوام لا يرتدعون ولا [يتركون] [2] العاثة.
وفى يوم الأحد المذكور أمسك بالجامع الظاهرى ثلاثة من النصارى قد لبسوا العمائم البيض، وتراءوا فى زى [3] المسلمين، ودخلوا الجامع، وقصدوا إحراقه، فجىء بهم إلى متولّى القاهرة الأمير علم الدين سنجر الخازن [4] ، فأنكر على نائبه بالحسينية- وهو الذى أحضرهم- وقال: من يشهد على هؤلاء أنهم حرقوا؟ وشتمه، وإنما فعل ذلك [رعاية [5]] لخاطر من يعتنى بهم، فتوجه النائب المذكور، وهجم بيوت هؤلاء النصارى الذين وجدوا فى الجامع، فوجد فيها آلات الحريق، وفتايل قد عملت بالزيت والكبريت، وغير ذلك من الأصناف المحرقة، فضرب أولئك ضربا خفيفا، فاعترف اثنان، وأنكر الثالث، فاعتنى بهم فأطلقوا، ولم ينه خبرهم إلى السلطان، وقرر عنده أنه لم يحرق من النصارى إلا أولئك الغرب الذين حرقوا، وهو لا يشك فى ذلك.
ولما كان فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر جلس السلطان بدار العدل على العادة، [وحضر القضاة والأمراء وغيرهم على جارى العادة] [6] ،
__________
[1] جرسه: شهره، وأصله أن من يشهر يجعل فى عنقه جرس، ويركب على دابة مقلوبا، أى وجهه من جهة ذنبها (شفاء الغليل ص 76 و 77) .
[2] ما بين الحاصرتين زيادة عن «أ» ص 13 والعاثة: يريد بها الإفساد، من عاث يعيث، وقياس مصدره العيث والعيوث، والعيثان.
[3] فى «أ» ص 13 (وتزيوا بزى) .
[4] سنجر الخازن: هو سنجر السرورى الأشرفى، كان من المماليك المنصورية فلم يزل يترقى إلى أن صار والى القاهرة (من 712- 724) وإليه ينسب حكر الخازن بالقاهرة قريبا من بركة الفيل، وله خانفاه بالقرب من الإمام الشافعى (الدرر 2/172) .
[5] ما بين الحاصرتين زيادة عن «أ» ص 14.
[6] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، والزيادة من «أ» ص 14.
(33/23)

فاستفتى القضاة فى أن يلبس النصارى العمائم البيض على عادتهم القديمة، وقال: هذا إنما جدّد عليهم فى أيامى، وقد رأيت أن أعيدهم إلى ما كانوا عليه، فقالوا له: هذه سنة [كانت] [1] أميتت، وقد أحياها الله تعالى فى أيام السلطان، ولا ينبغى إزالتها، وقال له قاضى القضاة، شمس الدين الحنفى:
«مذهب أبى حنيفة أن السلطان إذا قرر شيئا على أهل الذمة فليس له ولا لغيره نقضه؛ وقرأ له النص فى ذلك، فسكت ولم يرضه ذلك.
وكان سبب ذلك أن من له اعتناء بالنصارى حسّن ذلك للسلطان، وقال:
إن النصارى يحمّلون على ذلك ما لا، فتكلم فى ذلك فأجيب بهذا الجواب.
ولما انقضى مجلس دار العدل، وانصرف القضاة، وقدّم إلى السلطان طعام الطارئ، أخرج الأمير جمال الدين يغمور، أحد أستاذ داريّة السلطان، من صولقه فتيلة من الفتايل التى أخذت من النصارى الذين وجدوا بالجامع الظاهرى، ورآها الأمير ركن الدين بيبرس [2] الأحمدى أمير جندار [3] ، فتقدم بها أمير جاندار إلى السلطان، وعرضها عليه، فسأله عنها، فقال: هذه مما وجد مع النصارى الذين قصدوا إحراق الجامع الظاهرى، ولم يكن السلطان أطلع على ذلك، فغضب وسأل عنهم، فقيل: إنهم أطلقوا، فألزم متولى [4] القاهرة بإحضارهم، فأحضرهم، فاعترف اثنان أنهم حرقوا، وقالوا: إنهم جماعة كبيرة، منهم من يحرق المدينة، [ومنهم] من خرج إلى الأرياف ليحرق الزروع، وأنكر الثالث، فسلمه السلطان للأمير سيف الدين «الدمر» أمير جاندار، فقرّره، فأقر، بالتهديد والتخويف قبل الضرب، واعترف على راهب بالخندق، فما شك السلطان عند ذلك فى أن الحريق من قبل النصارى اليعاقبة، فغضب عند ذلك، وأنكر غاية الإنكار، ثم قبض على جماعة من النصارى، وجىء بهم، وهم
__________
[1] ما بين الحاصرتين زيادة عن «أ» ص 14.
[2] بيبرس الأحمدى أمير جاندار، كان أحد الأبطال الفرسان الشجعان، وكان أحد من يشار إليهم فى الحل والعقد بعد موت الناصر، ولى نيابة طرابلس وكانت وفاته 746 هـ (عن الدرر 1/502) .
[3] جاندار، ويرسم أيضا جندار، لقب فارسى مركب من جان- روح، ودار- حافظ. ومعناه حارس ذات الملك (الألفاظ الفارسية المعربة ص 46) وفى صبح الأعشى (5/461) : لقب على الذى يستأذن على الأمراء وغيرهم فى أيام المواكب، فلا يأذن فى الدخول عليهم إلا لمن يأمن عاقبته.
[4] المتولى- الوالى: كان قديما لا يسمى به إلا نائب السلطان وهو الآن (770 هـ) اسم لمن إليه أمر الجرائم من اللصوص وغيرهم (معيد النعم ص 43) والنويرى يورده بهذا المعنى.
(33/24)

يعترفون، ومنهم من اعترف على بعض كتّاب ومتولّى النصارى أنهم أعانوهم بالمال حتى أقدموا على ذلك، فلم يزادوا على الاعتقال، لتظافر العناية بهم ممن تقدم إسلامه من القبط.
فلما كان فى يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة، وحضر الأمراء وغيرهم إلى الخدمة، فخاطب السلطان أكابر الأمراء فى هذا الأمر، وقال: قد قررت على النصارى مضاعفة الجزية/ فيؤخذ منهم جزيتان، وأمر أن ينادى فى المدينتين أن يلبسوا الثياب الزّرق مضافة إلى العمائم، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم، وأن يميّزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه فى أعناقهم، وألا يستخدموا فى الدواوين السلطانية، ولا فى دواوين الأمراء، ولا فى الأعمال والبرور، فنودى بذلك.
وخرجت الأمثلة الشريفة السلطانية به، وقرئت على المنابر بالمدينتين، وأنفذت إلى العاملين، وتضمن المثال المجهّز [1] منها إلى الوجه القبلى الذى قرىء على منابر المدن ما مثاله- بعد البسملة:
«الحمد لله مظهر هذا الدين المحمدى على كل دين، ومؤيد بنا الإسلام وأهله وما حق [2] بنا المشركين، الذى قهر بتأييدنا جميع الأعداء، وحقن بعفونا وحلمنا دماء الكافرين، نحمده على ما أولانا من فضله العميم، ونصره المبين، ونشكره شكرا نستزيد به من كرمه، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة باليقين، ونشهد أن سيد البشر محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء الذين أرسلهم إلى العاملين، وأن عيسى ابن مريم عبده ورسوله الذى بشر بمبعثه، وآمن برسالته قبل ظهور دينه المبين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه [3] خصوصا على مؤيد شرعه أول خلفاء المسلمين، وعلى من فتح البلاد، وضرب الجزية على أهل الكتاب فى كل ناد، وأعلن بالتأذين [4] ، وعلى من جهز جيش العسرة
__________
[1] فى «ك» (المحاسن» وما أثبتناه من «أ» ص 16.
[2] فى ك «ومحق» والمثبت من 1.
[3] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» وأثبتناه من «أ» ص 16.
[4] فى «ك» (بالبادين) وما أثبتناه من «أ» ص 16.
(33/25)

وثوقا بضمان سيد المرسلين، وعلى ممزّق جموع الكفر وجامع شمل المسلمين، صلاة باقية مستمرة إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن الله تعالى لما أقامنا لنصرة الإسلام وأهله، وصرفنا فى عقد كل أمر وحلّه، وأيّدنا بنصره وعصمنا بحبله، لم نزل نعلى كلمة الإيمان، ونظهر شعائر الإسلام فى كل مكان، ونقف عند الأوامر الشرعية، لتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هى العليا، وكان جماعة من مفسدى النصارى قد تعدوا وطمعوا، وتمادوا فى المخالفة إلى ما يقتضى نقض العهود، وبغوا، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
، وتعرضوا لرمى نيران أطفأها الله بفضله، ومكروا مكرا سيئا، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
اقتضى رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف فى كل قضية، ونجدد عليهم العهود العمرية، وأن يقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم ضعف الجزية ما تكون به أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة، ونضرب عليهم فى لباسهم وحرماتهم الذّلة والمسكنة، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوى السلطانى الملكى الناصرى، لا يزال ناصر الدين بجوده [وعدله] [1] ، مظهر دين الحنيفية على الدين كلّه، أن تستقر الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلى ضعف ما عليهم الآن، فيؤخذ من كل نصرانى ماليّتان: المستقرة أولا واحدة، والزيادة نظير ذلك، للخاص الشريف، مهما كان مستقرّا بسائر النواحى فى الوجه القبلى فى الإقطاع حسب ما قررت فى الرّوك المبارك الناصرى، يكون للمقطعين، والزيادة الثانية المضاعفة الآن تكون للخاص الشريف، وأن يلبس سائر النصارى عمائم زرقاء، وثيابا [2] زرقا، ويشدوا الزنّار [3] فى أوساطهم، وألا يستخدم أحد من النصارى فى جهة من الجهات الديوانية، والأشغال السلطانية، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من النصارى عنده، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التى كانوا يخدمون بها، والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به، ومن فعل ذلك منهم
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، وما أثبتناه من «أ» ص 17.
[2] فى «أ» ص 18 وجبابا.
[3] الزنّار: حزام يشده النصرانى على وسطه، ثم صار فى الإسلام علامة مميزة لهم.
(33/26)

كانت روحه قبالة ذلك، ولا ينفعه بعدها فدية ولا جزية، ويحسم مادة فسادهم، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم، فليثبت [حكم] [1] هذا المرسوم الشريف، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوى وضعيف، وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا بلا زوال، مستمرّا بدوام الأيام والليال [2] ، باقية بدوام الأعوام والسنين، مخلّدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فإنها حسنة ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة ومثوبة، وذخيرة صالحة لم تزل فى صحائفنا الطاهرة مكتوبة، ومعدلة نشرها الله تعالى على يدينا فى الآفاق، وأجر يكون ثوابه عند الله باق، وسبيل كل واقف عليه- واليا ونائبا، وحاضرا وغائبا، وناهيا وآمرا، وشادّا وناظرا، ومأمورا وأميرا، وكبيرا/ وصغيرا- الانتهاء عند هذا التحذير، فيبادرون إلى امتثال هذا المرسوم الشريف ويسمعونه، ويسارعون إلى العمل بما فيه وينفذونه، ويقفون عند حكمه ويمتثلونه، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
، والله تعالى يعلى منار الإسلام ويزيده قوة وإظهارا، ويجعل الدائرة على أعداء الدين، ولا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، يعدّ الخط الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، وكتب فى سابع عشرين جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حسب الأمر الشريف [3] .
ولما برز هذا المثال، وغيره من الأمثلة، لم ينفذ حكمها، ولا طولب نصرانى بزيادة، ومنع النصارى من المباشرات أياما قلائل، وأسلم بعض كتّاب الأمراء، فاستقروا على وظائفهم، ثم استقر سائر المباشرين من النصارى على مباشراتهم، وذلك أن كريم الدين الناظر أنهى إلى السلطان أن جماعة منهم فى الأشغال السلطانية، ومتى صرفوا قبل انتهاء السنة فسدت الأحوال، وتعطلت المصالح، وسأل أن يستمرّوا بقية هذه السنة، وينفصلوا بعد رفع الحساب، ووافقه السلطان على ذلك، وتدافعت الأيام فاستمروا.
ولما رسم فى حقهم بما رسم، ونودى بما تقدم ذكره، كفّ عوام المسلمين أيديهم عن النصارى، وظهروا بعد استتارهم، وكان عوامّ المسلمين فى هذه
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، وأثبتناه من «أ» ص 18.
[2] فى «ك» (بدوام الليالى والأيام) وما أثبتناه من «أ» ص 18، وهو أولى لتصح السجعة.
[3] هذا المرسوم أورده محقق كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك «وأثبته كاملا بنصه نقلا عن النويرى هنا، وجعله الملحق الثالث من ملاحق الجزء الثانى، فى الصفحات من (959- 962) طبعة سنة 1958.
(33/27)

الأيام المتقدمة يضربون من ظفروا به من النصارى الضرب الذى يبلغ بهم حد الموت، مع إشهار النداء بالأمر السلطانى ألا يتعرض أحد إلى ذمة السلطان للنصارى، ومن تعرض إليهم بأذيّة سفك دمه، والعوام لا يزيدهم ذلك إلا تماديا، وحصل للسلطان حرج على العوام شديد، فلما شاع هذا الأمر أمسكوا عنهم.
ونودى فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى ألا يفتح أرباب المعايش حوانيتهم التى على طريق الميدان ما بين الميدان والقلعة فى يوم السبت خاصة، وذلك بسبب ركوب السلطان إلى الميدان، وألا تفتح طاقات الدور التى ينظر سكانها إلى الطريق الذى يسلكه السلطان فى مروره إلى الميدان وعوده، ومنع العوام من الخروج لرؤية السلطان، وركب السلطان إلى الميدان فى يوم السبت سلخ الشهر، ولعب بالكرة على جارى عادته.
وفى اليوم المذكور، وقع الحريق بقلعة الجبل فى الدار المعروفة بسكن الأمير سيف الدين ألماس الحاجب، وكان ذلك والسلطان بالميدان، ثم طفيت.
[وأنكر السلطان على متولى القلعة أشد إنكار كونه أهمل هذا الأمر، وأحضر نائب السلطنة والأمراء الخاصّكيّة، فاجتمعوا للفكرة فى هذا الأمر] [1] .
ووقعت النار أيضا فى ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة بقيساريّة بقلعة الجبل أيضا، وهى سكن جماعة من المماليك السلطانية تجاور باب القرافة، ففتح باب القلعة ليلا، واجتمع الأمراء الذين بالقلعة، والمماليك السلطانية واجتهدوا فى إطفائها، فطفيت، وهدم ما حول ذلك المكان من الدروب، ورسم السلطان أن ينتقل من بالقلعة فى المكان المعروف بخراب التّتر [2] إلى المدينة.
ثم وقعت النار فى وقت الظهر فى يوم الاثنين التاسع من جمادى الآخرة بدار نائب السلطنة بقلعة الجبل، فاحترق منها مكان يعرف بالمنظرة الحسامية بأعلى الدار، فتبادر الأمراء والمماليك السلطانية وغيرهم من الغلمان والسقّايين إلى إطفائها فطفئت، وسكن أمر الحريق بعد ذلك.
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، وأثبتناه من «أ» ص 20.
[2] فى «أ» ص 20 «بخراب التتار» . وفى خطط المقريزى (2/204 و 205 فى صفة القلعة « ... وبها مساكن تعرف بخرائب التتر كانت قدر حارة خربها الملك الأشرف برسباى فى ذى القعدة سنة 828 هـ» .
(33/28)

وفى يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة منع المنجّمون وأرباب الخلق من المشعوذين وغيرهم من الانتصاب لذلك، ورسم بغلق قاعات العلاج وغيرها، ورسم أيضا بالقبض على جماعة من الحرافيش، وأن يعملوا بالجسور السلطانية بالجيزية، فقبض على جماعة منهم، وعملوا فى الجسور إلى يوم الثلاثاء العاشر من الشهر، ثم أمر السلطان بإطلاقهم، فأطلقوا.
وفى يوم الاثنين الثانى من جمادى الآخرة سمّر اثنان من النصارى، وطيف بهم على الجمال، أما أحدهما: فإنه كان قد أسلم تبعا لأبيه، واستمر فى دين الإسلام مدة تزيد عن عشر سنين، ثم ارتدّ، فأحضر فى هذا الوقت، وسئل فاعترف أن أباه أسلم وهو دون البلوغ، وعرض عليه الآن الإسلام فأباه، فرسم السلطان بتسميره، وأما الآخر: فإنه من النصارى الذين اعترفوا بالحريق/ وماتا على ذلك.
وفى يوم الاثنين التاسع من جمادى الآخرة ظهر النصارى بعد استتارهم، وفتحوا دكاكينهم، وانتصبوا فى معايشهم على عادتهم قبل وقوع هذه الحادثة.
[وفيها [1] ، فى يوم الخميس السادس والعشرين من جمادى الآخرة أمر السلطان بالقبض على الأمير صلاح الدين طرخان بن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى، النجمى والده، ولم يكن لذلك سبب إلا أنه حصل بينه وبين ابن أخيه علاء الدين على بن فارس الدين ألكبيه محاكمة شرعية، فرسم له بإرضائه، فامتنع أن يعطيه إلا ما يثبت له شرعا، فرسم بالقبض عليه.
وأودع الزّردخاناه [2] ، ثم نقل إلى البرج، ثم إلى الإسكندرية، ورسم ببيع موجوده، وإعطائه لابن أخيه المذكور، فابيع من موجوده بمبلغ تسعين ألف
__________
[1] ما بين الحاصرتين ورد فى «ك» هكذا: «واعتقل بالجب مدة، ثم نقل إلى الإسكندرية، وأخذ منه قبل توجهه إلى الإسكندرية لابن أخيه المذكور ذهب ونقرة بمبلغ تسعين ألف درهم، وأودع فى قبة البيمارستان المنصورى تحت يد الشيخ قطب الدين السنباطى وكيل بيت المال المعمور، ثم قبضها علاء الدين المذكور من المودع، واستمر فى اعتقال الإسكندرية إلى أن توفى بها رحمه الله تعالى» . وما أثبتناه من «أ» ص 21، أورده فى هامشه، وقد ترجح عندنا صوابه بعد مراجعة المقريزى فى السلوك (2/332 و 282 و 288) فقد ورد ذكر الأمير صلاح الدين طرخان وذكر فى خبره أنه بقى فى سجنه أربع عشرة سنة إلى أن مات فى جمادى الأولى سنة 735 هـ، أى بعد وفاة المصنف بأكثر من عامين.
[2] : الزردخاناه من الدور السلطانية، وكان بها الجب الشنيع لسجن الأمراء، وانظر خطط المقريزى (2/205) .
(33/29)

درهم، وقبضت لابن أخيه المذكور، واستمر الأمير صلاح الدين فى الاعتقال أحسن الله تعالى خلاصه بمنه وكرمه] .
وفى هذه السنة أمر السلطان أن يتوجه الأمير شرف الدين حسين بن جندر [بك] [1] الرومى أمير شكار [2] ، أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية إلى دمشق وكان قبل ذلك من أمراء الطّبلخاناه بها، فلما عاد السلطان إلى الديار المصرية فى سنة تسع وسبعمائة حضر فى خدمته، فأمّره [3] فى الديار المصرية، ثم جعله من أمراء المائة مقدمى الألوف، وأمير شكار، وتقدم عند السلطان، وقرب منه، ووفر إقطاعه وميّزه، ثم أعاده الآن إلى الشام على إقطاع الأمير سيف الدين جوبان المنصورى، وكان نائب السلطنة بدمشق قد غضب على جوبان لأمر صدر منه، وضربه، فطلب إلى الأبواب السلطانية، وأقرّ فى جماعة الأمراء بها، وأعطى إمرة ستين فارسا، وتوجه الأمير شرف الدين حسين بن جندر إلى دمشق، فكان وصوله إليها فى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة إحدى وعشرين.
وفيها فى يوم الأربعاء ثامن عشر شوال جلس قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة لإلقاء الدروس بزاوية الإمام الشافعى بجامع مصر عوضا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصارى، وذلك أن الفقهاء بالزاوية المذكورة شكوا منه، وقالوا: إنه استولى على الوقف، واختص بأكثره، فعزل من هذه الزاوية وغيرها، ثم اعتنى به فولى وكالة بيت المال بحلب، فتوجه فى ذى القعدة من السنة، ولم يطل مقامه بها.
ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله صحبتهم وعودهم
وفى هذه السنة- فى ذى القعدة- عادت رسل السلطان الذين كان قد بعثهم إلى الملك أزبك، وهم: الأمير سيف الدين طقصبا الظاهرى [4] ، ومن
__________
[1] الزيادة من «أ» ص 21.
[2] أمير شكار: لقب مركب من أمير، وشكار- بكسر الشين- ومعناها فى الفارسية: الصيد. وهو لقب على الذى يتولى أمر الطيور والكلاب المعدة للصيد، السبكى (معيد النعم ومبيد النقم ص 37) .
[3] فى «أ» ص 22 بالديار.
[4] طقصبا الظاهرى، كان ممن ولى نيابة قوص، وغزا النوبة مرتين (فى سنتى 705 هـ، 716 هـ) وعمر حتى جاوز المائة وهو يرمى النشاب ويركب الخيل، ومات سنة 745 هـ (عن الدرر 2/255) .
(33/30)

معه، وحضر صحبتهم رسل الملك أزبك، ومثل طقصبا بين يدى السلطان حال وصوله، وأرجأ السلطان الرسل إلى أن عاد من الصيد، واستقر بقلعة الجبل، ثم استحضر الرسل فى يوم الإثنين ثامن ذى الحجة، فأدوا الرسالة ولم يكونوا على عادة أمثالهم من رسل مرسلهم، ولا خلع عليهم، وعادوا إلى المكان الذى رسم بإنزالهم فيه، وهو مناظر الكبش، ثم أحسن السلطان إليهم بعد ذلك، وخلع عليهم، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسله.
ذكر توجه أدر السلطان إلى الحجاز الشريف ومن توجه فى خدمتهم
وفى هذه السنة- فى شوال- توجهت الخوند [1] طغاى [2] المحمودية، وهى إحدى زوجتى السلطان، إلى الحجاز الشريف، وجهزت أعظم جهاز سمع الناس بمثله وجهز لها عدة أربات [3] ومحفّات، والأربات: مقاعد من الخشب يجلس عليها، وهى مركبة على عجل أمثال أتراس السواقى، تجر بكديش [4] واحد، أو جمل بختىّ، وتسرع فى المرور غاية الإسراع، وجهّز فى خدمتها عدة من نساء الأمراء، وجماعة من الأمراء المشار إليهم، منهم: الأمير سيف الدين قجليس [5] ، وتوجه أيضا القاضى كريم الدين وكيل السلطان، وجهز معها عدة أحمال/ من الكوسات والصناجق الخليفتية والسلطانية.
وتوجه أيضا من الشام إلى الحجاز- الأمير سيف الدين تنكز، واستناب السلطان عنه بدمشق فى مدة غيبته الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب (كان) ،
__________
[1] الخوند: لقب كان يستعمل للملوك فقط، أما الملكات والأميرات فكن يلقبن غالبا بلفظ خاتون، وانظر (السلوك 2/231 حاشية 8) و (الألفاظ الفارسية المعربة ص 58) .
[2] طغاى: كانت جارية تركية اشتراها تنكز نائب الشام من دمشق بتسعين ألف درهم، وبعث بها إلى السلطان الناصر، وكانت بارعة الجمال، فحظيت عنده وولدت له ابنه آنوك وجهزها إلى الحجاز لتحج بما لم يسمع بمثله (الدرر 2/221) أبو الفداء (4/91) السلوك (2/231) .
[3] هذا اللفظ ورد فى «ك» غير منقوط، وكذلك فى «أ» ص 23 واستظهرنا أنها أربات مما سيأتى فى غير موضع، وقد سماها المقريزى فى السلوك (2/232) عربات، وعبارته (وعمل الأمير أرغون النائب برسم- سفر الخاتون- ثمانى عربات كعادة بلاد الترك لتسافر فيها) .
[4] فى صبح الأعشى (2/17) أورد ذكر أصناف الخيل فقال: الثانى من أصناف الخيل العجميات، وهى البراذين، ويقال لها: الهماليج، وتعرف الآن بالأكاديش، وتجلب من بلاد الترك والروم..» .
[5] سيف الدين قجليس الناصرى السلاح دار، وكان من خواص الناصر، يندبه فى المهمات، وكان قويا شديد البأس، فعظمت مهابة الناس له. توفى سنة 731 هـ (الدرر 3/243 و 244) .
(33/31)

فتوجه من الأبواب السلطانية إلى دمشق، فوصل إليها فى سابع شوال، ونزل بالمدرسة النّجيبيّة ظاهر دمشق، وكان يحضر إلى دار السعادة فى يومى الخميس والاثنين، ويجلس وكتاب الإنشاء بين يديه، ويقف الحجاب وغيرهم، وتقضى الأشغال، ويمد السّماط، ثم يركب فى الرابعة من النهار ويعود إلى النّجيبية، وينتصب بها فى بقية النهار لقضاء الأشغال، ولم يزل كذلك إلى أن بلغه عود الأمير تنكز من الحجاز، ففارق دمشق فى يوم الأحد تاسع عشر المحرم سنة اثنتين وعشرين، وتوجه إلى الديار المصرية، والتقى الأمير سيف الدين تنكز [1] بها بمنزلة الصمّان [2] ، وسلم عليه وودعه، فخلع تنكز [3] عليه، وأنعم عليه بمال، وتوجه إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية.
ذكر وصول بعض من وقف بعرفة فى هذه السنة إلى القاهرة المحروسة
وفى يوم الجمعة السادس والعشرين من ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصل إلى القاهرة المحروسة سيف الدين أوجى [4] ، أحد مماليك الأمير سيف الدين قجليس، وحسام الدين طرنطاى أحد مماليك القاضى كريم الدين بعد أن وقفا بعرفة، فذكر لى حسام الدين طرنطاى المذكور أن خروجهما من مكة- شرفها الله تعالى- كان فى يوم السبت ثالث عشر الشهر بعد العصر، وأن الوقوف بعرفة كان فى يومى الثلاثاء والأربعاء، ونحروا يوم الخميس، فكانت مسافة مسيرهما من مكة إلى القاهرة اثنى عشر يوما ونصف وربع يوم، على التحرير، وحضرا بين يدى السلطان، وتضمنت الكتب سلامة الأدر السلطانية، فخلع السلطان عليها، وأنعم عليهما من بيت المال بخمسة
__________
[1] تنكز نائب الشام، أورد له ابن حجر فى الدرر (1/520- 528) ترجمة مطولة، وضبطه ابن تغرى بردى فى النجوم 9/34 بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، وفى صبح الأعشى بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه (صبح الأعشى 5/425) .
[2] الصّمّان: من نواحى الشام بظاهر البلقاء (معجم البلدان 5/383) .
[3] فى «أ» فخلع نائب السلطنة عليه.
[4] فى «ك» وحى، وفى «أ» ص 24 أوحى «وكلا الاسمين، واحتمالات التصحيف فيهما- لم أجده فى الدرر، ولا فى غيره، ولعله «أطرجى» .
(33/32)

آلاف درهم، وعادا إلى مرسلهما فى اليوم الثانى بالأجوبة السلطانية، ولم يسمع أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل إلى القاهرة فى سنته، وفيما مضى من الزمان وإلى الآن، وقد صغر ذلك ما كان استعظم من مجىء من تقدم ذكره فى ليلة ثالث المحرم.
ذكر حوادث كانت بدمشق فى هذه السنة
فى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة أقيمت الخطبة، وصلاة الجمعة بمسجد القصب خارج باب السلامة ظاهر دمشق، وخطب فيه وصلى بالناس علاء الدين على الباخلى وهو من أولاد الجند، منسوب إلى ابن باخل.
وفيها- فى يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان- أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بجامع استجدّه القاضى كريم الدين وكيل مولانا السلطان بأرض القابون [1] ظاهر دمشق، وكان الشروع فى عمارته، والاجتماع على تحرير محرابه فى مستهل جمادى الأولى من هذه السنة وكمل، وخطب به فى التاريخ المذكور، وفوضت خطابته للشيخ الصالح جمال الدين عبد الوهاب التركمانى الحنفى إمام القابون، وحضر الخطبة قضاة القضاة والأعيان.
ذكر هدم كنيسة اليهود القرّائين بدمشق
وفى هذه السنة برزت المراسيم السلطانية بهدم كنيسة اليهود القرّائين بدمشق بدرب الفواخير، فهدمت فى يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب، وسبب ذلك: أن جماعة من المسلمين ادعوا أنها محدثة، فأثبت اليهود أنها قديمة مستمرة بأيديهم- عند بعض الحكام- فأقرت بأيديهم، ونجزوا مرسوما سلطانيا بالحمل على ما ثبت وإبقائها، فعارضهم المسلمون بإثبات عند حاكم أنها محدثة، فورد المرسوم السلطانى/ بالحمل على ما ثبت آخرا، وهدمها.
قال الشيخ شمس الدين الجزرىّ فى تاريخه: إن هذه الكنيسة كانت من نحو مائة سنة بيتا يجتمع فيه طائفة من اليهود القرّائين، ثم أضيف إليها شىء
__________
[1] فى ك: القانون، وما أثبتناه من أص 25 لموافقته ما جاء فى ترجمة كريم الدين الوكيل الواردة فى الدرر (2/402) وعبارته أنه «لما دخل دمشق سنة 718 عمر جامع القبيبات وجامع القابون، والقابون: موضع بينه وبين دمشق ميل واحد (2 ك م فى طريق القاصد إلى العراق وسط البساتين (عن ياقوت، ومراصد الاطلاع) .
(33/33)

بعد شىء، حتى كبرت واتسعت، وأصلحت عمارتها، فلما كان فى سنة تسع وتسعين وستمائة عند دخول التتار إلى دمشق تمكن اليهود من إصلاحها؛ وعملوا بها منبرا، كل ذلك والمسلمون لا يعلمون؛ وذلك أنها بدرب الفواخير وغالب سكانه اليهود، وهى فى درب داخل درب جوار سور باب كيسان، والباب يومئذ مسدود، وبذلك تمكنوا من عمارتها وما شعر بهم المسلمون، ثم ظهرت فى ذلك الوقت، فهدمت.
وفى هذه السنة- فى الثامن من شهر ربيع الأول- توفى القاضى الخطيب مجد الدين أحمد بن القاضى معين الدين أبى بكر بن ظافر الهمدانى [1] المالكى الخطيب والمدرس بمدينة الفيوم، وكانت صورته كبيرة عند الأكابر، وولى قضاء القضاة بدمشق فى سنة عشر وسبعمائة، وخلع عليه، ولبس التشريف، ثم امتنع من ذلك واستعفى فأعفى، وكان رحمه الله تعالى رجلا كريما سمحا مشهورا بالمكارم، تزيد مكارمه على ريع أملاكه، وتأبى نفسه الاختصار، فاحتاج إلى أن استدان الأموال، واضطر إلى وفاء الدّين بالدّين، كل ذلك رغبة فى المكارم.
وكان رحمه الله تعالى جميل الصورة كامل الخلق، حسن الزى والملبس والمركب، جيد الشّعر، أرسل إلىّ مرة يلتمس أن يقف على مقدمة كتابى هذا الذى ألفته، فأرسلت إليه المجلدة الأولى، فوقف عليها وكتب إلىّ بيتين من نظمه وهما:
وتوفى القاضى تاج الدين أبو الهدى أحمد بن محيى الدين أبى الفضل محمد بن الشيخ كمال الدين على بن شجاع بن سالم القرشى الهاشمى
كتاب جلّ أن نحصيه وصفا ... حوى علما وآدابا وظرفا
رأينا منه عنوانا بديعا ... وعنوان المحاسن ليس يخفى
__________
[1] فى ك: الهمدانى (بالدال) وكذلك فى: النجوم الزاهرة (9/254) وفى «أ» ص 26 جاء رسمه بالذال.
ولم ترد ترجمته فى المنهل الصافى فيمن اسمه أحمد بن أبى بكر، وأورد ابن حجر ترجمته فى الدرر (1/111) فقال: أحمد بن أبى بكر بن ظافر مجد الدين بن معين الدين المالكى سبط الشيخ المجد الأخميمى و «لم يذكر فى نسبه همدان ولا همذان» .
(33/34)

العباسى، المعروف بابن الأعمى [1] ، والأعمى- الذى عرف به- هو جده الشيخ كمال الدين المقرئ وكانت وفاته بداره بمنشاة المهرانى، ودفن بالقرافة، ومولده فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وكان يلى نظر ديوان الملك الأشرف بن السلطان الملك المنصور قبل سلطنته، ثم عزل بالصاحب شمس الدين محمد بن السّلعوس [2] وعطل مدة، ثم ولى نظر الكرك، وعزل فى سنة ثمان وسبعمائة، وحضر إلى الديار المصرية، فولى نظر بيت المال مدة لطيفة، ثم عطل عن الخدمة، ورتب له فى آخر عمره راتب، فكان يتناوله إلى أن مات رحمة الله عليه، وكانت وفاة جده الشيخ كمال الدين الضرير فى سنة إحدى وستين وستمائة.
وتوفى الصدر الرئيس شهاب الدين أحمد بن محمود بن أبى الفتح بن الكويك [3] التاجر الكارمى، وكانت وفاته بداره بمصر فى ليلة الأربعاء التاسع عشر من شوال، وترك دنيا عريضة وأملاكا، وورثه أولاده، وكان من بقايا أعيان التجار الكارميّة، ومشايخهم يرجعون إليه ويقتدون برأيه، رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى الفاضل كمال الدين محمد بن القاضى عماد الدين إسماعيل بن القاضى تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الحلبى، أحد أعيان كتّاب الإنشاء [4] ، وكانت وفاته بالقاهرة فى بكرة نهار الاثنين للنصف من ذى الحجة، وصلى عليه تحت القلعة، ودفن بالقرافة، وكان رحمه الله فاضلا خيّرا لطيفا حسن العشرة والمذاكرة، جيد الإنشاء، قد ذكرنا من إنشائه فى أثناء هذا التاريخ ما يقف عليه من يقصده، رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير زين الدين كتبغا [5] الصغير المنصورى رأس نوبة الحاجب بالشام فى آخر نهار الجمعة الثامن والعشرين من شوال بداره بظاهر دمشق
__________
[1] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/282) والمقريزى (السلوك 2/233) .
[2] محمد بن عثمان، شمس الدين المعروف بابن السلعوس كان وزيرا للسلطان الملك الأشرف، ومات مقتولا سنة 692 هـ (أبو الفداء 4/31) .
[3] فى ك «الكوند» وما أثبتناه من «أ» ص 28 والكارمى نسبة إلى الكارم، وهو البهار والتوابل.
[4] فى ابن حجر (الدرر 3/386) أنه كان موقع الدست بالديار المصرية، وكان فاضلا فى صناعته حسن الخط والإشارة والإنشاء.
[5] كتبغا العادلى الحاجب: كان تنكز نائب الشام يحبه ويعظمه. وترجمته فى ابن حجر (الدرر 3/264) وانظر أيضا (السلوك 2/234) .
(33/35)

ودفن من الغد بتربته برأس ميدان الحصار، رحمه الله تعالى، وولى الحجبة [1] بعده الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى، جهز من الأبواب السلطانية على إقطاع سنقر الإبراهيمى، فقدم دمشق فى يوم الأحد عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وتوفى فى يوم الاثنين السادس عشر من ذى الحجة- عز الدين إبراهيم ابن الملك الحافظ غياث الدين محمد بن الملك السعيد شاهنشاه بن الملك الأمجد بهرام شاه بن عزّ الدين فرخان شاه بن شاهنشاه بن أيوب، وكانت/ وفاته بقرية جسرين من غوطة دمشق، ودفن بتربتهم بباب الفراديس، ومولده فى الخامس من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وستمائة بحمرانيسان [2] عند مرجعهم من القدس، سمع الحديث من إسماعيل العراقى، ورواه عنه، وكان رحمه الله تعالى كثير التواضع والاحتمال حسن المودّة.
وتوفى الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول صاحب [3] اليمن، وكانت وفاته فى مستهل ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وحصل بعد وفاته من الاختلاف والفتن بين ولده وأخيه ما نذكره بعد- إن شاء الله تعالى- عند ذكرنا لأخبار اليمن.
وتوفى الشيخ الصالح العابد نجم الدين عبد الله بن محمد الأصفهانى بمكة شرفها الله تعالى [4] ، وورد الخبر بوفاته فى شعبان، وكان شخصا جليلا صالحا فاضلا مشهورا مقصودا للزيارة منقطعا عن الناس، جاور بمكة سنين كثيرة رحمه الله تعالى.
__________
[1] الحجبة: وظيفة الحاجب، وهو الذى يقف بين يدى السلطان ونحوه فى المواكب ليبلغ ضرورات الرعية إليه، ويتصدى للفصل فى المظالم بين المتنازعين فيما لا تسوغ الدعوى فيه من الأمور الديوانية، وانظر فى تطور هذه الوظيفة (صبح الأعشى 5/449 و 450) .
[2] هكذا فى «أ» و «ك» ، ولعل صوابه «بيسان» ، وهى مدينة بالأردن بالغور الشامى بين حوران وفلسطين (مراصد الاطلاع 1/241) .
[3] فى المقريزى (السلوك 2/234) على بن رسول التركمانى، وفى النجوم (9/253) التركمانى الأصل اليمنى المولد والمنشأ تسلطن بعد أخيه فى المحرم سنة 696 هـ» . وترجمته فى ابن حجر (الدرر 2/99- 100) .
[4] ترجمته فى الدرر (2/302) وفيها أنه كان صالحا عابدا وللناس فيه اعتقاد زائد ومولده 643 هـ.
(33/36)

ذكر ما وصل إلينا من الحوادث الكائنية ببغداد فى هذه السنة
فى نصف شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعمائة كبس الحراميّة [1] بغداد وقت الظهر ونهبوا سوق الثلاثاء، وخرج الناس، وقتلوا منهم نحو المائة وأسر منهم جماعة، وكان ذلك جرأة عظيمة منهم. نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى، وقال: كنت قرأت ذلك فى كتاب وصل إلى شمس الدين ابن منتاب البغدادى، وفيها أيضا ورد كتاب من بغداد من جهة أحمد البالوادى إلى شمس الدين بن منتاب بدمشق، وهو مؤرخ بالحادى والعشرين من جمادى الآخرة، وكان وصوله إلى دمشق فى مدة عشرين يوما، وفيه «..
والذى أعرفكم به أنه جرى فى بغداد شىء ما جرى فى زمان الخليفة إلى هذا التاريخ: خرّبوا البازار [2] من أوله إلى آخره، وما يعلم ما عزموا عليه إلا الله تعالى، وما خلّوا فى البلد خاطية إلا توّبوها وزوجوها، وما خلّوا أحدا يعصر فى البلد شرابا، وبدّدوا الشراب العتيق، ولو بدّدوه من الشط غرقت بغداد، وبعد ذلك نادت المنادية أن كل من تخلّف عنده شىء من الشراب يكون دمه وماله للسلطان، وطلع بعد ذلك عند شخص من العقبة جرّه، فعلّقوها فى حلقه، وقتلوه فى باب النوبة، وطلع عند عبد الله بن الجبّار الذى من درب دينار جرّتين من الشراب فقطعوا رأسه فى باب النوبة، وجعلوا جرة عند رأسه، وجرة عند رجليه، ودفع فيه ألف وخمسمائة دينار فما خلاه محمد حسيناه، وعلّموا [3] اليهود والنصارى، وأسلم الرّفى الجوهرى، وبركة، وإبراهيم الكاغدى، والعماد الصيرفى، وكل يوم جمعة يسلم أربعة خمسة» نقلته من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى أيضا.
واستهلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة يوم الأربعاء الموافق الخامس والعشرين [4] من طوبة من شهور القبط.
__________
[1] الحرامى: اللص- مولد (المعجم الوسيط) وقد شاعت هذه اللفظة على أقلام الكتاب فى هذه الفترة وانظر صبح الأعشى (7/314) .
[2] البازار: السوق (فارسية) .
[3] المراد: ميزوهم بعلامات خاصة.
[4] هكذا فى «ك» ، وانظر: التوفيقات الإلهامية 361، وفى «أ» الخامس عشر من طوبة.
(33/37)

ذكر وصول أدر السلطان من الحجاز الشريف
كان وصول الأدر السلطانية من الحجاز الشريف فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من المحرم، فركب السلطان لتلقيهم، ومد سماطا، ثم طلعت الأدر السلطانية إلى قلعة الجبل على أربة، وتقدمها نساء الأمراء على الأربات، والكوسات تضرب، والعصائب منشورة، وكان يوما مشهودا [1] .
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [2] ، وفتح مدينة آياس [3] وأبراجها
وفى هذه السنة رسم السلطان بتجريد العساكر إلى جهة سيس، فجرّد من الأمراء المقدمين بالديار المصرية خمسة وهم: الأمير جمال الدين أقش [4] الأشرفى، وهو مقدّم/ الجيوش، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب، والأمير سيف الدين طرجى أمير مجلس، الأمير سيف الدين أصلم السلاح دار، ومضافيهم من أمراء الطبلخانات، وهم: قلبرس بن طيبرس محمد ابن أمير سلاح الدمر أمير جندار أيدمر العمرى، [و] أروم [5] بغا، قطلوبغا الجمالى، [و] طرمحى الساقى، [و] خضر بن نوكيه، [و] طيفر الجمدار، وطرنطاى السلاح دار، [و] أيدغدى البلبلى، أراق السلاح دار، خاص ترك الجمدار، بيلك الجمدار، أقسنقر السلاح دار، بيبرس السلاح دار، أيبك عبد الملك، سنقر السعدى، بهادر الغنمى، وأمير العراواب خليل بن الأربلى، على بن دامر بن على بن سلار، على بن التركمانى، ومحمد بن ملكشاه، كجكن الكرمونى، [و] بهادر بن قرمان، ومحمد بن أيبك الخزندار، وما جار فتحى بكا [6] ، وجماعه من الحلقة [7]
__________
[1] وصف المقريزى استقبال السلطان للأدر السلطانية فى عبارة أكثر تفصيلا (السلوك 2/235) .
[2] سيس: بلد من أعظم الثغور الشامية بين أنطاكية وطرسوس، سماها ياقوت: سيسيه (معجم البلدان) .
[3] آياس: مدينة ببلاد الأرمن على ساحل البحر (صبح الأعشى 4/133) .
[4] فى المقريزى (السلوك 2/235) أقوش.
[5] ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح.
[6] ما بين الحاصرتين لم يرد فى «أ» ، وقد ذكر المقريزى خبر هذه الحملة موجزا، ولم يذكر غير الأمراء الخمسة المقدمين (السلوك 2/235) .
[7] فى القلقشندى (صبح الأعشى 4/16) أجناد الحلقة: عدد جم، وخلق كثير، وربما دخل فيهم من ليس بصفة الجند من المعممين وغيرهم، ولكل أربعين مقدم منهم، ويمثلون الطبقة الثانية.
(33/38)

المنصورة، والمماليك السلطانية [1] ، وكان خروجهم من القاهرة المحروسة فى يوم السبت الثانى من صفر.
وجرد من الشام الأمير سيف الدين بهادر والأمير سيف الدين كجكن [2] ، والأمير شرف الدين حسين بن جندر، ومضافيهم، والعسكر الحلبى بكماله، والأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وجماعة من العسكر الطرابلسى، وخرج المرسوم السلطانى لهم أن يتوجهوا إلى بلاد سيس، ولا ينتظروا مرسوما، ولا يقيموا بمدينة من مدن الشام.
وكان سبب إرسال [3] هذه الجيوش أن السلطان كان قد أرسل الأمير بدر الدين محمد بن الحاج أبى بكر- أحد الأمراء بطرابلس- رسولا إلى متملك سيس فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فتوجه وأخذ منه القطيعة المقررة على بلاده، وهى ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم فضة حجر، والمقرّر من الخيل والبغال وتطابيق النعال والمسامير وغير ذلك، وجهزها إلى الأبواب السلطانية من غير عهد ولا عقد، ولا تقرير هدنة، فأخبرنى الأمير بدر الدين المذكور عند وصوله إلى الأبواب السلطانية أنه لما توجه [إلى سيس] [4] اجتمع بمتملك بلاد الأرمن وهو صغير يكون عمره نحو ثمان سنين جمع [متملك بلاد سيس] [4] أكابر مملكته وحضر خليفتهم بزعمهم واستشاروه فى إرسال القطيعة قبل تقرير [الهدنة واليمين] [5] فأشار عليهم بدفعها، وإطفاء الثائرة. وتعريف السلطان أنهم بأجمعهم دخلوا تحت طاعته وانتسبوا إلى غلمانيته وعبوديته، وخلعوا طاعة من سواه من التتار وغيرهم. وسألوا مراحم السلطان، وبذلوا له الرغبات، فكان مما عرضوه على الرسول المذكور أن قالوا له: إن اختار السلطان أن
__________
[1] المماليك السلطانية: هم الطبقة الأولى من الجند، وهم أعظمهم شأنا، ومنهم تؤمر الأمراء رتبة بعد رتبة (المصدر نفسه 4/15) .
[2] فى «أ» و «ك» (كحكن) وفى الدرر (3/264 بالجيم، وهو كجكن المنصورى أحد الأمراء الكبار بدمشق، مات سنة 739 هـ.
[3] أورد المقريزى فى السلوك (2/236) سببا آخر لهذه الحملة.
[4] ما بين الحاصرتين أضيفت للتوضيح.
[5] فى «ك» (الهدية واليمن) وما أثبتناه من «أ» لموافقته السياق.
(33/39)

يقاسمنا على متحصل البلاد، وأن يقرّر علينا الجزية عن كل إنسان دينارين حتى على رأس الملك فمن دونه فعلنا ذلك، ويرسل إلينا نوّابه يستخرجون ذلك، وإن أحب أن يسلّم إلى نوابه ما هو قاطع نهرجهان [1] مما يلى المملكة الحلبية من القلاع والبلاد فعلنا ذلك على أن يضع عنا فى مقابلة هذه القلاع والأعمال ثلث المال المقرّر، وهو أربعمائة ألف درهم فضة.
وأرسل [2] الأرمن امرأة من عند الملك تسأل مراحم السلطان، فلم تمكن من الوصول إلى الأبواب السلطانية وأعيدت من حلب.
وجرّد السلطان هذه العساكر وأرسل الأمير بدر الدين المذكور على خيل البريد أمام العسكر المنصور ليطالبهم بتسليم البلاد والقلاع وتقرير الهدنة على ذلك، فإن سلموها تسلمها نواب السلطان، وكفّ العسكر عنهم، وإن شغبوا أو توقّفوا أدخل العسكر إلى بلادهم.
وكان موجب خروجهم عن طاعة التتار وغيرهم أن مقدم التتار بالروم- وهو تمرتاش بن جويان- اجتمع هو وابن قرمان ودخلوا إلى بلاد سيس فى أواخر سنة إحدى وعشرين، وغاروا وشعّثوا ونهبوا، وعادوا إلى بلادهم، فتوجه العسكر الآن ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس الثامن والعشرين من صفر، ثم توجه منها إلى حلب فوصل إليها فى العشر الأول من شهر ربيع الأول. وتوجهت العساكر منها إلى مدينة آياس فى أوائل شهر ربيع الآخر، واستصحبوا المجانيق من بغراس محمولة على العجل وأعناق الجند.
ولما وصل العسكر إلى ثغر آياس وجد أهلها قد أخلوا المدينة من الأموال والرجال وغير ذلك، وبقيت/ خالية، فدخلها العسكر بغير ممانع ولا مدافع، وانتقل أهلها إلى القلعة، وهى قلعة مستجدة عمرها الأرمن فى أول المائة
__________
[1] فى ك جهان، وكذلك فى أبى الفدا (4/119) وفى صبح الأعشى (4/133) نهر جاهان ويقال له أيضا نهر جيحان، ويعبر عنها أحيانا بالفتوحات الجاهانية، وقد ذكر أيضا أن الناصر محمد بن قلاوون قد استعاد بلاد الأرمن سنة 738 هـ، أيضا المقريزى (السلوك 2/236- 237) .
[2] هذا الخبر لم يرد فى «أ» .
(33/40)

السابعة، ولها باب من جهة البر وبقيتها فى البحر، فتقدم العسكر لمحاصرتها وأخذ النقّابون فى النقوب يوما وليلة، فانتقل من كان بها إلى قلعة هناك فى وسط البحر تسمى قلعة أطلس، وإلى أبراج ثلاثة، منها برج مثمّن وأشعلوا النيران بالليل فيها، وأحرقوا [1] ما تركوه بها من أعواد المجانيق والأمتعة وغير ذلك، فملكها المسلمون، وارتفع الصنجق السلطانى عليها، وشرع العسكر فى إخرابها فعلّقها النقابون، وأطلقت فيها النيران، فهدمت فى البحر وحصر الأرمن بالقلعة والأبرجة التى فى البحر، والوصول إليها متعذر لبعدها عن البر، فنصبت المجانيق السلطانية على القلعة الكبرى، ونصب الأرمن أيضا مجانيقهم على العسكر، وتراموا بها فاتفق الأمراء على أن العسكر يردم ما بين المدينة وبين القلعة والأبرجة من البحر، فتعذر عليهم لعمق البحر، وبعد المسافة، فنصبوا جسورا من الأخشاب والبتاتىّ، فانتهت إلى مقدار ثلثى المسافة إليها، هذا والمجانيق ترمى بأحجارها من كل من الطائفتين ووصل النقابون إلى البرج المثمّن، فسأل من به الأمان على أن يسلّموه فأجيبوا إلى ذلك، ثم نكثوا، ورجعوا عن التسليم، فوصل المسلمون إليه، وشرع النقابون فى تعليقه ثم يسر الله تعالى الفتح، فحصل الاستيلاء على ذلك برا وبحرا فى يوم الأحد والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودخل العسكر إلى بلاد سيس، وأغاروا ووصلوا إلى قلعة كوارا، ثم عادت العساكر المنصورة إلى مستقرها من الممالك، ولما حصل هذا الحصار أمر الباب [2]- وهو الحاكم على ملوك الفرنج- من تحت يده وطاعته منهم أن يتوجهوا إلى ثغر اللاذقية ويحاصروه لعلهم ينالون [3] منه منالا، لاشتغال العساكر الإسلامية بثغر آياس، فعمّر الفرنج نحو تسعين شينيا وشحنوها بالرجال والمقاتلة، وقصدوا ثغر اللاذقية وبه يومئذ الأمير شرف الدين عيسى بن البرطاسى فاجتهد فى أمر الثغر، واحترز فأقامت تلك الشوانى أياما فى البحر قبالة ثغر اللاذقية، ثم عادت إلى أماكنها ولم يظفروا بشىء، وكفى الله تعالى شرهم وله الحمد والمنة؛ ولنذكر خلاف ذلك ما اتفق.
__________
[1] فى الأصل: (وحرقوا) .
[2] الباب: يريد «البابا» فهكذا كان مؤرخو هذه الفترة يكتبون اسمه، وانظر صبح الأعشى (5/408) .
[3] بالأصل «ينالوا» والصواب ينالون.
(33/41)

ذكر اجتماع المماليك السلطانية وشكواهم وما حصل بسبب ذلك
وفى يوم الخميس الثامن والعشرين من صفر اجتمع جماعة من المماليك السلطانية الساكنين بالطّباق [1] بباب السلطان، واستغاثوا وشكوا إلى السلطان أنهم نقصوا من مرتبهم، وغيرت عادتهم فى طعامهم وتأخرت جامكيّتهم عنهم وكساويهم، وبالغوا فى الشكوى والأساة، فأرسل السلطان إليهم أن يختاروا من أعيانهم من يعبر إليه، ويشكوا ضررهم، ويشافهوه بحالهم، فامتنعوا من ذلك، وكانوا فى جمع كثير، فخرج السلطان إلى الرحبة، وسمع شكواهم، ولطف بهم، وقابل جهلهم بحلمه وسياسته ووعدهم إزالة ضررهم، وأنه يتولى ذلك بنفسه، وصرفهم إلى أماكنهم فانصرفوا إليها وكشف عمن حملهم على الجرأة ممن يعلم أحوال المماليك، فعين جماعة من المماليك أرباب الاقطاعات، فرسم بإخراجهم من القلعة وإسكانهم المدينة، فخرجوا فى يوم السبت سلخ صفر، وأخرج أيضا جماعة من الخدّام المقدمين والسواقين، ورسم بالنفقة فى أرباب الجامكيّات، وزيادة مرتبهم، وإصلاح أطعمتهم، ففعل ذلك، وسكنت أمورهم [2] .
ذكر وصول الأمير «علاء الدين الطنبغا» [3] نائب السلطنة/ بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية وعوده
وفى يوم السبت سلخ صفر وصل الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية، وكان قد رسم بحضوره، فأرجف الناس به، وظن كثير منهم أنه لا يحضر، وأنه إذا حضر اعتقل، فلما وصله شمله الإنعام السلطانى بالتشريف والخيل والإحسان، وقدم له أعيان الأمراء التقادم [4] ، وبالغ القاضى كريم الدين وكيل السلطان فى خدمته وإكرامه، وأرسل إليه عدة كثيرة
__________
[1] الطباق: كان معدا لسكنى المماليك السلطانية بقلعة الجبل، وانظر المقريزى (الخطط 2/204) .
[2] ورد هذا الخبر فى المقريزى (السلوك 2/229) مخالفا لما أورده النويرى هنا وعلق عليه ثمة محققه بما أورده النويرى هنا، وبينهما اختلاف فى الطريقة التى عالج بها السلطان هذه الفتنة، وقد أوردها فى حوادث سنة 721، وانظر أيضا (النجوم 9/72 و 73) .
[3] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/408 و 409) وفيه أنه مات مخنوقا بالإسكندرية سنة 742 هـ.
[4] التقادم: جمع تقدمة ويقصد بها الهدايا التى جرت العادة بتقديمها فى مناسبات، وكانت تختلف تبعا لمكانة المهدى إليه، وتبعا للمناسبة التى تقدم فيها.
(33/42)

من الأقمشة والتعابى والتشاريف ليخلعها على من يحضر إليه بتقادم الأمراء، وأعطاه خيلا وجملة من المال، وحضر هو صحبة القاضى كريم الدين إلى داره، وترجّل عند قربه من الدار، ومشى والقاضى كريم الدين مستمر الركوب على ما هو عليه إلى أن نزل فى مكانه المعتاد، هكذا أخبرنى جماعة ممن ذكروا أنهم شاهدوا ذلك، ثم رسم بعود الأمير المذكور إلى المملكة الحلبية، فعاد فى يوم السبت ثانى شهر ربيع الأول على خيل البريد، وأدرك العسكر بحلب، ودخل معهم إلى آياس.
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك التتار
وفى العشر الآخر من ربيع الأول وصلت رسل الملك أبى سعيد بن خربندا- ملك العراقين وخراسان وما والى ذلك- إلى الأبواب السلطانية، وهم: الأمير حسن بن شادى بن سونجاق، ومعه أمير آخور، وقاضى قضاة تبريز نصر الدين محمد بن محمد القزوينى الشافعى، فأمر السلطان بإنزالهم فى قلعة الجبل، ومثلوا بين يديه فى يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر، فاستقبلهم بدر الدين بيبرس الصالحى [1] .
__________
[1] يلى هذا فى «أ» سقطة طويلة يبدو أنها من سهو الناسخ، وليس فى «ك» ما يساعد على ملء هذه السقطة تماما، غير أنه بالرجوع إلى L steen LL L K. V. Zetter LL رجح أن هذه السقطة تبدأ بسنة 723 هـ وتشمل أخبار شهور المحرم وصفر وربيع الأول منها، ولذا فسوف نعتمد أولا على هذا المرجع فى تكميل المتن، وثانيا على المقريزى فى السلوك (ج 2/243 فى ربط السياق حتى يستقيم المتن تماما.
(33/43)

[ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر قبض على كريم الدين الكبير [1]]
[بعد [2] ما تجهز ليسافر يوم الجمعة خامس عشره إلى الشام، فعندما طلع إلى القلعة على العادة، ووصل إلى الدّركاه منع من الدخول إلى السلطان، وعوق بدار النيابة هو وولده علم الدين عبد الله، وكريم الدين أكرم الصغير ناظر الدولة، ووقعت الحوطة على دور كريم الدين الكبير خاصة التى بالقاهرة وبركة الفيل، ونزل شهود الخزانة بولده إلى داره ببركة الفيل، وحملوا ما فيها إلى القلعة، وتوالت مصادرته، فوجد له شىء كثير جدا] [3] (34) [ووجد له عدة من المماليك والجوارى الأتراك، وكان من مماليكه جماعة قد أخذ لهم الإقطاعات الوافرة فى جملة رجال الحلقة المنصورة، فأمر السلطان بقطع أخبازهم، وبيع المماليك الأرقاء والجوارى، وأنعم على ثلاثة منهم بأخباز غير ما كان بأيديهم قليلة العبرة بالنسبة إلى ما كان بأيديهم، وعادت الخزانة التى كان قد جهزها إلى ثغر اللاذقية فى يوم الاثنين ثامن عشر الشهر، فعرض ذلك على السلطان، وكان فى جملة ما وجد بها ثلاثة حوايص ذهبا مجوهرة كان قد أعدها لمن نذكر فى جملة خلعه عليهم، وهم: الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه، والأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام والأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب.]
ولما رسم بالحوطة عليه [4] ، وقعت الحوطة على أملاكه وأوقافه وحواصله وغير ذلك، فاعترف أن ساير الأملاك التى أنشأها وابتاعها وما وقفه كان قد اشتراها وعمرها من مال السلطان دون ماله، فأفاد هذا الاعتراف فى الأملاك،
__________
[1] ما بين الحاصرتين حتى.. كريم الدين الكبير من L steen LL L K. V. Zetter LL ص 173.
[2] ما بين الحاصرتين من المقريزى (السلوك 2/243) .
[3] ما بعد الحاصرة من نسخة «أ» من ص 34 إلى ص 61.
[4] هذه الأرقام لصفحات نسخة «أ» التى انفردت بهذه الزيادة.
[5] يعنى كريم الدين الكبير، وانظر ترجمته فى الدرر (2/401- 404) وفى السلوك (2/243) أن ذلك كان فى ربيع الآخر 723 هـ، وانظر (كنز الدرر وجامع الغرر 9/308 و 314) .
(33/44)

فحكم أنها ملك السلطان دون ملكه [1] وشهد جماعة من المعدّلين أن الأملاك التى وقفها ابتاعها من أموال السلطان دون ملكه فحكم بإبطال أوقافه، ونقضت بعد ما أبرمت، وكتبت بذلك مكاتبة حكمية ثبتت على قضاة القضاة.
ولما اشتد الطلب عليه وخشى على نفسه أن يقتل، أرسل إلى السلطان يقول: إن أموال السلطان [2] كثيرة، وهى مفرّقة فى أقطار الأرض، منها ما/ (35) سفّرته إلى بلاد الإفرنج ومنها ما أرسلته إلى العراق وإلى اليمن وإلى الهند، ومنها ما هو مفرّق بأعمال الديار المصرية بالوجهين القبلى والبحرى، ومنها ما هو بالشام، وإذا عدمت عدم ذلك كلّه، وطمع فيه من هو عنده، فاقتضى ذلك إبقاءه، وأفرج عنه السلطان، ورسم أن يستقر [3] مقامه بتربته التى أنشأها بالقرافة، فنزل إليها هو وولده علم الدين، وأقام بها، ثم شملته عواطف السلطان، وأنعم عليه بمبلغ عشرين ألف درهم، فقبضها، وأرسل إليه فرسين من جملة خيله، وقماش ملبوسه، والخلع التى كان السلطان قد خلعها عليه، وأعيدت إلى الخزانة عند إيقاع الحوطة، وأفرج عن معصرتين من معاصر الأقصاب التى كانت له بالوجه القبلى، ثم رسم السلطان بعد ذلك بسفره إلى الشّوبك [4] يقيم هناك، ورتب له فى كل شهر ألف درهم على حكم الراتب، فتوجه هو وولده وأهله وألزامه، وكان خروجهم فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة، فأقام بالشوبك إلى أثناء شهر رمضان من السنة، وطالع الأمير سيف الدين أرغون [5] نائب السلطنة، وسأله أن ينتقل إلى القدس، فلم يجب إلى ذلك أولا، ثم تلطّف نائب السلطنة فى أمره إلى أن رسم بانتقاله إلى
__________
[1] هذا الخبر أورده المقريزى فى السلوك (2/248) وذكر أن السلطان أبقى من هذه الأوقاف على أوقاف الخانقاه بالقرافة، وأوقاف الجامع بدمشق وعبارة النويرى هنا لا تفيد هذا الاستثناء.
[2] مراده أموال السلطان الملك المظفر بيبرس الجاشنكير كما يتضح من السياق فى الصفحات التالية.
[3] المعنى أن السلطان حدد إقامته فى هذه التربة وعبارة السلوك (2/247) أن الإفراج عنه كان فى يوم الأربعاء رابع عشرى جمادى الآخرة، وألزم بالإقامة فى تربته من القرافة.
[4] الشوبك: الضبط من: مراصد الاطلاع 2/818، وذكر أنها «قلعة حصينة فى أطراف الشام بين عمان وأيلة قرب الكرك» .
[5] أرغون الناصرى: جرت نسخة ك على رسمه أرغون- بواو بعد الغين- وهكذا تورده مصادر التاريخ الأخرى وفى نسخة «أ» يرد رسمه بدون الواو.
(33/45)

القدس الشريف، فكان وصوله إلى القدس فى يوم الجمعة تاسع عشر شوال، وأقام إلى أن تغيّر خاطر السلطان عليه لأسباب نقلت عنه.
فلما كان فى يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الأول سنة أربع [1] وعشرين وسبعمائة/ (36) رسم السلطان بتجديد الحوطة عليه، وعلى أسبابه، وتوجه لإحضاره من القدس الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الناصرى، وكان وصوله إلى قلعة الجبل هو وولده عشية نهار الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ولما وصل سلم للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فأنزله بداره، وسلّم ولده عبد الله ومملوكه طوطاج إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى استادار، وطولب بحمل المال، فاعتذر بأنه لم يبق له ما يحمله إلا ثمن الأملاك التى كان السلطان قد أفرج له عنها، فأمر ببيعها، فبيعت بمبلغ أربعمائة ألف درهم، وحمل عنها، واستمر على ذلك إلى يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، فرسم باعتقاله، فاعتقل فى برج الأتابكى [2] بقلعة الجبل بمفرده بغير غلام يخدمه، وسدّدت المرامى والمناور، ورتب له فى كل يوم ثمانية أرطال لحم وكماجه، واستمر بالبرج إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، فأخرج من البرج وسفرّ إلى الصعيد الأعلى، ورسم باستقراره بثغر أسوان، وكان قد سفر ولده عبد الله قبله، وقطع السلطان أخباز مملوكيه طرنطاى، وطوطاج من الحلقة.
فلما كان فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين حادى عشريه حضر إلى الصاحب أمين الدين من ذكر أن [لكريم الدين] [3] وديعة عند رجل موّان نصرانى، فطلب، وطولب بالوديعة، فأحضر صندوقا ضمّنه من المصوغ والجوهر ما قيمته- فيما بلغنى- نحو عشرين ألف دينار.
ولما استقرّ كريم الدين بثغر أسوان أمر السلطان أن يرتّب له ولولده/ (37 فى كل شهر ستماية درهم وستة أراد ب لنفسه، ولولده عبد الله ماية درهم وإردبان، واستمرت إقامته بثغر أسوان إلى أن مات به، وكانت وفاته
__________
[1] كذا بالأصل، والصواب ثلاث، وانظر المقريزى (السلوك 2/41، وما بعدها L ZettersteeY LL (ص 173.
[2] عبارة السلوك (2/244) ونقل كريم الدين وولده علم الدين إلى البرج المرسوم للمصادرين بباب القرافة من القلعة، وطولب بالحمل ... » .
[3] فى الأصل «أن له» وقد آثرنا الإظهار ليتضح المعنى.
(33/46)

فى ليلة الخميس العشرين من شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، وأنه شنق نفسه، ووجد فى بكرة النهار وهو معلق بسلبة [1] فى الدار التى كان قد نزل بها، وتعرف بدار «ابن يحيى» . هذا هو الذى ظهر من أمر وفاته.
وأخبرنى متولّى ثغر أسوان [2]- وهو أحد من تولّى قتله- أنه وصل إلى الثغر فى ليلة الأربعاء ركن الدين بن موسك، نائب متولّى الأعمال القوصية، وصحبته بعض مماليك متولى الأعمال، فأقام بالثغر يوم الأربعاء، وأظهر أنه إنما حضر لتحرير ما سقط من النخل فى شهر رمضان بسبب هواء كان قد هب فسقط لهبوبه نخل كثير، وطلب أرباب السواقى فى ذلك اليوم، وشاع أنه إنما وصل إلى الثغر بسبب ذلك.
فلما كان فى ليلة الخميس توجه المتولى بالثغر، وابن موسك ومن معهما إلى داره، وطرق المتولى الباب على كريم الدين فخرج إليه غلام، فقال له من وراء الباب: من هذا؟ فقال: عرّف القاضى أن مملوكه فلان حضر «يعنى المتولى نفسه» فأعلمه الغلام، وعاد ففتح الباب فقال متولى الثغر: فلما صرت من داخل الباب أرسلت الغلام الذى فتح لى الباب إلى الاعتقال، وخرج غلام ثان ففعلت به كذلك، فدخل غلام آخر وأخبر كريم الدين بذلك، ودخلت/ (38) فى إثره فوجدت كريم الدين على تخت [3] ، وابنه عبد الله عنده فسلمت عليه، وقلت لولده عبد الله: يا علم الدين تعالى إلىّ أعرفك، فلما جاء إلىّ أخذته وخرجت من عند أبيه، فصرخ بى كريم الدين، وجعل يقول: يا شمس الدين، يا شمس الدين، يكرر هذا القول، فلم ألتفت إليه، ودخل عليه أولئك القوم
__________
[1] السلبة: الحبل من الكتان أو التيل ونحوه، تقاد به الماشية (عامية) وأصل السلب- بفتحتين-: ليف المقل، وهو أبيض، أو هو لحاء شجر معروف باليمن تعمل منه الحبال، قال الزبيدى فى (تاج العروس) مادة (س ل ب) : وعلى هذا يخرج قول العامة للحبل المعروف: سلب. «وفى النجوم (9/75) أنه أصبح مشنوقا بعمامته.
[2]- هذه الرواية لم نجدها فى المصادر الأخرى لتاريخ هذه الفترة على مثل ذلك النحو من التفصيل والدقة، وفى كنز الدرر وجامع الغرر (9/308) ورد خبر القبض عليه وإيقاع الحوطة على موجوده فى حوادث سنة 723 هـ وفيه (ص 314) ورد خبر وفاة كريم الدين فى حوادث سنة 724 هـ.
[3] تخت: كلمة فارسية، معناها لوح من خشب (الألفاظ الفارسية ص 34) .
(33/47)

فخنقوه، وعلقوه بسلبة بعد أن أغلقوا بينه وبين نسائه بابا، وأغلق باب الدار من داخله وتوجه القوم فعرّفت ولده الحال، وقررت معه أن يقول فى بكرة النهار إذا طلب: إنه تخاصم مع أبيه وخرج من عنده، وأنه حرج منه، ففعل ذلك بنفسه، قال: فلما كان من بكرة النهار توجه المتولى وابن موسك إلى باب دار كريم الدين، وطرقوا الباب، فلم يجبهم أحد، فتوجه المتولى إلى دار قاضى البلد، وهو القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السيوطى [1] وهو يصرخ ويقول: هرب كريم الدين، والله لئن تم هربه لأشنقن بنى الكنز، وأخذ القاضى وجماعة من العدول وحضروا إلى الدار، وكسروا الباب، ودخلوا الدار، فوجدوا كريم الدين مشنوقا، فأخبر القاضى شرف الدين المذكور حاكم الثغر بأنه وجد فى عنقه سلبة ليف كانت وشيجة [2] لفرس، وعليها آثار زبل الدواب، وطلب ولده، وسئل عن خبره، فقال ما لقّنه؛ أنه تخاصم معه بالأمس وخرج من عنده، وقد أغضبه، فكأنه وجد [3] فى نفسه من ذلك فشنق نفسه، فنظم بذلك مشروح وسير إلى الأبواب السلطانية فى التاريخ المذكور. ودفن بثغر أسوان/ (39) ولما وصل الخبر بوفاته إلى الأبواب السلطانية رسم بطلب ولده من ثغر أسوان، ولما تحقق الناس موته، وعلموا طلب ولده خشى من كان عنده وديعة له أن ولده إذا وصل يعترف عليهم، فظهر من ودائعه جملة عظيمة منها ما أحضره الأمير علاء [4] الدين على بن هلال الدولة- فيما بلغنى- ذهب مصكوك بثمانية عشر ألف دينار، ومصوغ، وزركش وجوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار، أحضر صارم الدين أستاذ دار كريم الدين- وهو الذى كان استاذ دار الأمير علم الدين سنجر الجاولى- صندوقا كبيرا ضمنه من الجواهر والحوايص المجوهرة والفصوص وغير ذلك ما قيمته- فيما قيل- ماية ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك.
__________
[1] ترجمته فى الدرر (2/194) وذكر أن وفاته كانت فى حدود سنة 730 هـ وفى (الطالع السعيد) أن وفاته كانت فى يوم الأحد سابع ربيع الآخر سنة 757 هـ.
[2] الوشيجة: ليف يفتل ثم يشبك بين خشبتين ينقل فيها البر المحصود وغيره (المعجم الوسيط) .
[3] وجد فى نفسه يعنى حزن.
[4] علاء الدين على بن هلال الدولة، ولد بشيزر ثم قدم مصر وباشر شد العمارة بها، وتدرج فى عدة مناصب، ثم عاد إلى شيزر ومات بها فى سنة 739 هـ. ترجمته فى الدرر (3/136) .
(33/48)

ولما حضر ولده علم الدين طولب بالمال، وسعط بالخل والجير [1] ، فاعترف أن له وديعة عند صارم الدين أستاذ دار والده، فطلب فأحضر نحو عشرة آلاف دينار، وأنكر عليه كونه أخّر إحضار هذا المال، فقال: هذا كان وديعة عندى لهذا، وقد أحضرته الآن، فلم يؤاخذ بذلك. ثم أفرج عن ولده [علم الدين] [2] عبد الله بعد ذلك، واستقر بحارة الدّيلم بدار أبيه الصغرى.
هذا ما كان من خبر القبض على كريم الدين ووفاته. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.
ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقّلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكّن من دولته»
(40) /كان كريم الدين المذكور فى ابتداء أمره فى حالة شبيبته فى خدمة خاله تاج الرياسة [3] بن سعيد الدولة، وكان معه بمدينة قوص لما كان كاتبا للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى البريدى متولى الأعمال القوصية- كان- فى الدولة المنصورية السيفية، وكان هو وخاله إذ ذاك- وبعده بسنين كثيرة- على دين النصرانية، وتوجّه معه إلى الأعمال القوصية، ورتب كريم الدين فى كتابة المسطبة بقوص، وهى كتابة نائب الولاية، ثم خدم بعد ذلك الأمراء، فكان ممن خدمه منهم: الأمير سيف الدين جاورشى الحسامى، والأمير سيف الدين قجقرا وغيرهما، وباشر بعد ذلك وظيفة كتابة فى البيوت السلطانية، ثم أسلم فى الدولة الناصرية، وباشر نظر ديوان الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ دار العالية؛ إذ تمكّن منه، وظهر اسمه، وشاع ذكره ونوّه الناس به، وأظهر
__________
[1] يقال: سعط الدواء، وأسعطه إياه: إذا أدخله فى أنفه. والتسعيط بالخل والجير كان من أنواع التعذيب التى عرفت فى مصر فى العصور الوسطى.
[2] الزيادة من السلوك، والنجوم (9/74) .
[3] ترجمته فى الدرر (1/515) وورد اسمه فيه: تاج الدين بن سعيد الدولة القبطى وسيورده النويرى بعد قليل بلقب تاج الدين، ووفاته سنة 709 هـ.
(33/49)

المكارم، وبذل ماله، فمدحه الشعراء، ورغب الناس فى صحبته والاجتماع به، ولم يزل على ذلك وحاله تتزايد إلى أن استقر بيبرس الجاشنكير فى السلطنة كما تقدم، فعظم عند ذلك شأنه [1] ، وارتفع مكانه، وعلت رتبته، وسمت همّته، وهو مع ذلك تبع لخاله تاج الدين بن سعيد الدولة، يأتمر بأمره، ويتصرف عن رأيه، ويقف بين يديه، وإذا خاطبه تاج الدين لا ينعته غالبا بل يكنّيه بأبى الفضايل لا يزيده على ذلك، سمعته يخاطبه بذلك، وكان تاج الدين المذكور قد تمكن فى دولة بيبرس الجاشنكير المنعوت بالملك المظفّر، وكان يباشر نظر الدولة، ويجلس إلى جانب نائب السلطنة الأمير سيف الدين/ (41) سلّار بدركاة باب القلّة، ويكتب على ساير ما يكتب عليه السلطان قبل خط السلطان ما مثاله «يحتاج إلى الخط الشريف» ولا تقدم الدّواداريّة للعلامة إلا بعد مشاهدة خطّه بذلك، إلا كتب البريد خاصة، وكانت كتب السلطان الملك المظفر إلى النواب والولاة وغيرهم بالشام وغيره لا تختم إلا بعد عرضها عليه إذا كان فيها ذكر الأموال، فلما مات تاج الدين بن سعيد الدولة فى سنة تسع وسبعماية فى سلطنة المظفر بيبرس استقر كريم الدين فى وظيفته، فلم تطل المدة إلى أن خلع بيبرس من السلطنة كما ذكرناه، فكانت هذه الولاية كسحابة صيف، أو زيارة طيف.
ولما توجه المظّفر بيبرس إلى الصعيد توجه كريم الدين معه، فلما استقر السلطان الملك الناصر بقلعة الجبل حضر كريم الدين إلى الأبواب السلطانية برسالة مخدومه، وأعاد الخزانة التى كانت معه، فخلع السلطان عليه بسبب ذلك، ثم قبض عليه لما قبض على بيبرس، ورسم بمصادرته، وسلّمه السلطان للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وأمره باستصفاء أمواله، وإعدامه بعد ذلك من الوجود، لما كان يبلغ السلطان عنه فى زمن خدمته لبيبرس الجاشنكير، عند ذلك بذل كريم الدين الأموال، وفرّقها فيمن يقبلها من مماليك السلطان وغيرهم، فأعطى مالا كثيرا، فيقال: إنه أعطى للأمير سيف الدين بكتمر الجوكاندار
__________
[1] انظر فى خبر تمكن كريم الدين فى دولة بيبرس الجاشنكير ما أورده ابن تغرى بردى فى: النجوم الزاهرة 9/76.
(33/50)

نائب السلطنة يومئذ عشرة آلاف دينار، وأعطى غيره، وأقلّ ما بذل خمسماية دينار عينا فيما بلغنى، فمال إليه المماليك السلطانية، واعتنوا به، وتكلم الأمير جمال الدين/ (42) آقش الأشرفى مع السلطان فى أمره، وتلطف غاية التلطف من غير أن يأخذ منه مصانعة، ولا قبل له بذلا، ولا حسّن للسلطان إبقاءه، وقال للسلطان: هذا مطّلع على أموال بيبرس ومتاجره، وهى كثيرة ببلاد الفرنج وغيرها، ومتى مات ضاعت على السلطان، فلم يزل يتلطف إلى أن رسم السلطان بالإفراج عنه، ورسم له أن ينظر الخاصّ بالوجه القبلى وهو الخاصّ الذى كان لبيبرس فى زمن إمرته، وأقرّ له فى السلطنة، فسأل كريم الدين المذكور شهاب الدين أحمد بن (على بن) [1] عبادة- وكيل الخاص الشريف السلطانى- أن يكون وكيله فيما يختص بنفسه، فأجابه إلى ذلك ووكّله، وكان يتردد إلى خدمته فى كل يوم، ويسلك معه من الآداب ما لا مزيد عليه، ولا يخرج عن أمره، وهو مع هذا يجتمع بالمماليك السلطانية، ويتقرب إليهم بالهدايا والألطاف، ويبذل لهم الرغبات، فرسم له بنظر ديوان الملك المنصور «علاء الدين على» [2] ولد السلطان.
ثم مرض شهاب الدين أحمد بن عبادة ومات فى سنة عشر وسبعماية، فتكلم الأمراء المماليك السلطانية مع السلطان فى أمره، فوكّله وجعله ناظر خواصّه على عادة شهاب الدين بن عبادة، وذلك فى جمادى الأولى سنة عشر وسبعماية، فباشر هذه الوظيفة، وخدم الأمراء، وبالغ فى ذلك، وأفرد السلطان لخاصّة ثغر الإسكندرية، فاستقل كريم الدين بمباشرته، وانفرد به دون وزير الدولة وغيره، وأخذ من السلطان مالا للمتجر، فحصل منه فوايد كثيرة، وأخذ أمره فى/ (43) التّمكّن، وانتمى إلى الأمير سيف الدين طغاى الحسامى [3] الناصرى، فكان يحمل إليه الألطاف والتحف، ويبالغ فى خدمته، وهو يقربّه من
__________
[1] الزيادة من الدرر (1/210) وله فيها ترجمة مطولة، ووفاته فى سنة 710 هـ.
[2] علاء الدين على بن الناصر محمد بن قلاوون لم يكن للناصر حين عاد من الكرك ولد غيره فكان يحبه كثيرا، توفى سنة 710 (الدرر 3/115) .
[3] كان من مماليك الناصر، وتمكن منه إلى الغاية، ثم نقم الناصر عليه فاعتقله بالإسكندرية فمات بها فى سنة 718 هـ- ترجمته فى الدرر (2/221 و 222) .
(33/51)

السلطان، ويشكره، ويذكر محاسنه، واحتفاله بالمصالح، وحسن مباشرته، فتمكن بذلك عند السلطان، وظهر اسمه وعلت رتبته، فعلم أنه لا يستقيم له ما يرومه، ويحصل تمكنه على ما فى نفسه مع بقاء الوزير، فتلطف إلى أن كان من عزل الصاحب أمين الدين ما ذكرناه، وحسّن للسلطان اختصار الوزارة، وأنّ السلطان يشاور فى جميع الأمور، ويتصرف فيها عن أمره، ويطّلع على أحوال دولته، ما قرب منها وما بعد، فوقع ذلك من السلطان بموقع، ووافق عليه، واختصرت الوزارة، وأضاف السلطان إلى كريم الدين ما كان بيد الصاحب أمين الدين من نظر البيمارستان المنصورى والقبة والمدرسة، ومكتب السّبيل، وأوقاف ذلك، فعندها استقل كريم الدين بالأمر، وأظهر القوة برفق، ولم يزل أمره يأخذ فى الازدياد والظهور والتقدم وعلو الشأن، وهو مع ذلك يراجع الأمير سيف الدين طغاى؛ ويتردد إليه، ولا يخالف أمره، ثم مال إلى غيره من الأمراء المماليك السلطانية، ورأى فى نفسه أنه قد كبر على مراجعة طغاى أو غيره، فظهر ذلك لطغاى، فتنكر له، وغضب لميل كريم الدين إلى غيره، فأعمل كريم الدين الحيلة والتلطف إلى أن كان من إخراج طغاى إلى نيابة صفد والقبض عليه ما قدّمنا ذكره، فلم يبق له عند ذلك منازع ولا مشارك فى الكلمة، ومال السلطان إليه ميلا عظيما، وقرب منه قربا ما قربه منه أحد، ولا سمع بمثله، حتى ولا ما بلغنا عن الرشيد والبرامكة ما لو شرحناه لطال، وزاده السلطان فى التشاريف، فكان يخلع عليه أولا «كنجى» (44) مطلق ثم خلع عليه «كنجى» منقوشا ثم رفعه عن هذه الرتبة فخلع عليه أطلسا معدنيا أبيض، وتحتانية أطلس أخضر بطرززركش على الفرجتين، ولم يخلع مثل ذلك على متعمّم قبله، ولا على نائب سلطنة، وبلغنى أنه رسم له أن يلبس فى خلعته الشاش المثمر الذى لا يخلع إلا على صاحب حماة، وهو شاش سكندرى مقفّص بحواش زرق بقبضات ذهب مصرى، فاستعفى من ذلك.
ثم فوّض السلطان إليه بعد ذلك جميع ما بيده من التصرّف فى الأموال والولايات، والبيع والابتياع والنكاح والعتق وغير ذلك، أقامه فى جميع ذلك مقام نفسه، وقال السلطان فى مجلس عام: «فوّضت إليه ما هو مفوّض إلىّ» .
(33/52)

وزاد معلومه المقرّر له على الدولة، فقرر له ما لم نعلم أنه قرّر لمتعمّم قبله، وكان يستدعى من الحوايج خاناه والمطبخ السلطانى ما يحتاج إليه من الطارى، فيحمل إليه من غير استئذان أحد، وأضاف السلطان إليه النظر على أوقاف الجامع الطولونى عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، وكان قاضى القضاة يلى ذلك بشرط الواقف، فانتزعه منه، وفوضه إلى كريم الدين، فباشره أحسن مباشرة، وحصل له من السعادة فى مباشرته أنه كان إذا اختلت جهة من الجهات ففوضت إليه صلح أمرها، وتميّزت أموالها، وصار هو الآمر فى الدولة مصرا وشآما، وكان أمره يصدر لفظا لا خطا، ولا يراجع إذا أمر بولاية أو عزل أو طلاق أو منع أو زيادة أو توفير، فكان يرسل إلى القاضى علاء الدين [1] على بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء أن يوقع بكذا، أو يكتب بكذا، فيفعل ذلك من غير مراجعة ولا توقف على استئذان السلطان، بل يكتب لوقته ما يأمر به، ويكتب فى آخر/ (45) المرسوم أو التوقيع حسب الأمر الشريف، فتصرّف كريم الدين فى أموال المملكة وولاياتها ووظايفها بلفظه، فكان ساير أرباب الوظايف يتصرفون عن أمره.
ولقد انتهى أمره فى التعاظم إلى أن حضر الأمير علاء الدين الطنبغا [2] ، نائب السلطنة بحلب إلى الأبواب السلطانية فى سنة اثنتين وعشرين وسبعماية، وركب فى خدمة كريم الدين إلى داره، فلما قرب من الدار ترجل عن فرسه ومشى وكريم الدين راكب ما تغير عن حاله إلى أن انتهى إلى المكان الذى عادته أن يركب منه وينزل فيه، وانتهى تمكنه إلى أن ركب السلطان إلى داره، مرارا، فركب مرة إلى تربته بالقرافة، ونزل ودخل الخانقاه التى أنشأها كريم الدين بها، وأكل طعامه فيها، وركب مرة ثانية إلى داره التى أنشأها ببركة الفيل، ووقف السلطان بنفسه، وقسّمها المهندسون بحضوره، والسلطان يشاركهم فى الهندسة والقسمة.
__________
[1] على بن أحمد بن سعيد بن الأثير ولد فى سنة 680 هـ، ترجمته فى الدرر (3/14) وسيورد النويرى ترجمته فى هذا الجزء فى حوادث سنة 730 هـ.
[2] الطنبغا الحاجب الناصرى، ولاه الناصر نيابة حلب سنة 714، ثم أعيد إلى مصر أميرا سنة 727، ثم عاد إلى نيابة حلب سنة 731 هـ ثم عزله الناصر فى 732، ومات مخنوقا- أو مسموما- فى ذى القعدة سنة 742 هـ. ترجمته فى الدرر (1/408 و 409) .
(33/53)

ولقد مرض قبل أن يأمر السلطان بالقبض عليه بأيام، فأظهر السلطان عليه من القلق والألم ما لا مزيد عليه، وكان يرسل إليه فى كل يوم جماعة من مماليكه الأمراء الخاصّكية يسألون عنه، ويعودون إلى السلطان بخبره، ثم يرسل آخرين بعدهم، هذا دأبه فى طول نهاره، وأرسل إليه جملة من المال يتصدق بها فى مرضه. ولما عوفى زينت له القاهرة أحسن زينة، كما تزين للفتوحات الجليلة، ولعود السلطان من الغزوات المنصورة عند هزيمة أعدائه، وبات الناس بالأسواق، ونصب فى بعض الجهات أبراج من الخشب، ولبست الأطلس، والذهب وغيره، وكانت الملاهى فى عدة مواضع من القاهرة بالأسواق أياما، وبظاهر القبة المنصورية، وفعل مثل ذلك/ (46 فى مرضه عند عافيته فى غير هذه المرة، وإنما كانت أكثرها احتفالا المرة الأخيرة.
ولما عوفى من المرضة الأخيرة أمر أن يتصدّق بقمصان بالبيمارستان من وقفه، فاجتمع الفقراء لذلك، وازدحموا قبل وصوله إلى البيمارستان، فمات منهم من شدة الازدحام ثلاثة عشر إنسانا من الرجال والنساء، وتأخر عن الحضور فى ذلك اليوم. هذه حاله فى أمر الدولة والتمكّن منها، والقرب من السلطان، ونفوذ الكلمة.
وأما حاله فى نفسه وأمواله ومتاجره، فإنه اتسعت أمواله ونمت، وكثرت أملاكه، وتضاعفت متاجره، إلى أن منع التجار أن يتّجروا فى صنف من الأصناف إلا أن يبتاعوه من حواصله بما يختاره من الثمن، واحتكر الأصناف قليلها وكثيرها حتى حبال القنب للورّاقات وقصب الغاب، وقش الحصر، وما بين ذلك إلى المسك والعنبر والعود، وماء الورد، وساير الأصناف، لا يستثنى منها شيئا؛ وكان فى كل مدة ينادى بجمع التجار إلى داره واصطبله لحضور حلقة البيع، فتغلق الأسواق، ويحضر الناس على اختلاف طبقاتهم، فيخرج الأصناف من الأقمشة وغيرها، فيبيعها عليهم بما يختاره هو أو أتباعه، لا يقدر أحد منهم على الامتناع.
(33/54)

فلما كثرت الشّناعة فى ذلك صار يجمع الناس ويخرج إليهم من القماش الكمخا والصوف والنّصافى [1] وغير ذلك، فينادى منه على خمسة قطع أو عشرة من أجوده، ويقول للتجار: اشتروا بالقيمة، فينتهى إلى قيمتها/ (47) ثم ترفع إلى حاصله، ويخرج من جنسها ما يساوى أقل من نصف قيمتها، فيعطاه الناس بما انتهت إليه قيمة الجيّد منه، ويفرق عليهم، فكان الذى يأخذه الناس لا يقوم لهم بنصف الثمن الذى يعطونه، ومنه ما لا يحفظ الثلث- وحكى لى بعض من أثق به من التجار العدول كثيرا من ذلك- ثم يستخرج الثمن منهم بأشد طلب وأعنفه، فتضرّر الناس لذلك، وانكسر جماعة منهم، وغلّقوا دكاكينهم، ومنهم من تسحب.
ثم خرج عن هذا الحد إلى تعطيل الأحكام الشرعية، والعمل بغير حكم الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان يخرج ما لا فى بعض الأوقات إذا برض [2] ، ويرسم أن يصالح أرباب الديون على مالهم فى ذمة من اعتقلوه، ويفرج عنهم، فيطلب المعتقل ومن اعتقله، ويسأل رب الدين عن دينه، ويلزم باحضار وثيقته، فإن اعتذر عن إحضارها رسم عليه حتى يحضرها، فإذا أحضرها أخذت منه، وأمر أن يصرف له عشر مبلغها، أو أقل منه، أو أكثر بيسير، فإن رضى بذلك وإلا قطعت وثيقته، وأفرج عن المعتقل، ويرسم فى بعض الأوقات على بعض أرباب الديون حتى يشهدوا عليهم ببراءة غرمائهم فإذا تكامل ذلك أمر كريم الدين أن تغلق أبواب السجون الحكمية، ويمنع نواب الحكام من سماع الدعاوى فى الديون الشرعية، فتعطلت الأحكام الشرعية، وتضرر الناس، وكان هذا الفعل من أشد ما فعله، ولا يتجاسر أحد أن يذكر ذلك له، ولا يعيبه عليه، حتى صار المنكر لذلك ينكره بقلبه، وهو أضعف الإيمان.
وكان كثير من المرائين يحسنون/ (48) له فعله، ويشكرونه عليه، ويدعون له، فحصل للناس التضرر التام، حتى كادت المعاملات أن تنقطع من بين الناس.
__________
[1] لعله جمع النصيف، وهو الخمار، والعمامة، وكل ما يغطى الرأس، ومن معانيه أيضا: البرد- بضم فسكون- له لونان (تاج العروس مادة/ ن ص ف) .
[2] يقال: برض فلان (بالبناء للمجهول) إذا نفد ماله من كثرة العطاء، ويقال: برض له من ماله: إذا أعطاه شيئا قليلا (المعجم الوسيط) ، والمعنى على هذا: أنه يلجأ إلى هذه الحيلة كلما بدت له ضائقة مالية.
(33/55)

وعمل نوابه مع بعض من اعتنوا به من التجار عكس هذا، فكان بعض التجار يبيع السلعة الكاسدة على بعض المضرورين من التجار وغيرهم إلى الأجل الطويل، فيرغبون فى ابتياعها لطول المدة، ويرجون بذلك أن يتسببوا فيها لصلاح أحوالهم، ويشترونها بمثلى القيمة، فإذا استقر البيع، وتسلم المشترى السلعة، وأشهد على نفسه بالثمن أحال التاجر البائع إلى ديوان كريم الدين بالثمن، فيطلب المشترى، ويرسم عليه، ويستخرج الثمن بالضرب والاعتقال، ولا يحملون فيه على حكم الشرع، ولا يستنكف نوابه من ذلك ولا يتحاشون، فتضرر الناس من هذا الوجه أيضا، حتى كان منهم من يبيع السلعة بعينها بنصف ما ابتاعها به من الثمن، ويعطيه، ويكلف ما بقى، فيستدينه ويعطيه.
وأما غير ذلك من حال كريم الدين فإنه كان قد تعاظم فى نفسه، فيخلع الخلع السنية أشرف من خلع السلطان، فكان السلطان إذا خلع على أحد ملونا خلع كريم الدين مصمتا، وإن خلع مصمتا خلع هو طردوحش، وإن خلع طردوحش خلع طردوحش مقصّبا، وإن خلع السلطان مقصّبا خلع الأطلس المعدنى بالطرز الزركشى، وأنعم بالحوايص الذهب والكلّوتات الزركشى وغير ذلك، وإذا خلع على من يخلع السلطان عليه الأطلس/ (49) بطرز الزركش خلع عليه المزركش المكلّل باللّؤلؤ والمرصّع بالجوهر، وأنعم عليه بالخيول المسوّمة، وبغالى الأقمشة وغير ذلك، وإذا أنعم السلطان بمال أنعم بأضعافه، فكان ذلك مما حقده السلطان عليه، وذكره من عيوبه، وتعاطيه ما لا يصلح.
وكان مما فعله أنه جعل لنفسه بيوتات نحو بيوت السلطان من شرابخاناه، وطست خاناه، وفراش خاناه وغير ذلك، وفى كل بيت منها من الآلات المناسبة له ما لا يكون مثله إلا عند أكابر الملوك، ثم أخذ لنفسه أخيرا بما يفعله الملوك، فكان يمدّ سماطه وأمامه أستاذ الدار، ومقدم المماليك، والجاشنكير، والمشرف، ويأكل من ذلك الطعام من حضر من الأكابر وغيرهم، وهو بارز عنه لا يأكل منه شيئا، فإذا رفع ذلك السماط استدعى الطارى بعد ذلك فيأكل منه، وكان فى ليالى شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعماية يمد بين يديه
(33/56)

السماط الذى لا يمد لنائب سلطنة مثله، ويتقدمه المشروب، ويأكل من حضر السماط من الأعيان وغيرهم، فيأكلون بعد المشروب، ثم تمدّ الحلوى بعد السماط، وهو جالس على مرتبته لا يأكل من ذلك شيئا، ثم يؤذن للناس فى الانصراف، ويمد له طعام الطارى فيأكل منه، وبلغنى أنه كان يفعل ذلك فى أسفاره إلى الشام وغيره، وكانت رواتبه وافرة لم يكن لنائب سلطنة نظيرها، وعطاياه وصلاته وإنعامه وتشاريفه متواصلة بمن يتعلق بالسلطان من خواصه وأمرائه/ (50) ومماليكه وغلمانه، لا ينقضى يوم إلا وقد أنعم فيه بالجمل الكثيرة.
وكان الذى أعانه على ذلك أنه تخوّل [1] فى أموال الدولة، واتسع جاهه، وكثرت متاجره، وتقرب الناس إليه ببذل فوائد المتاجر، وضايق الناس فيما بأيديهم حتى كان يرسل كل سنة إلى تجّار الكارم- عند وصولهم من اليمن إلى ثغر عيذاب- من يأخذ منهم جملة من الفلفل بأقل من قيمته بعدن، ويلزمهم بحمله والقيام بما عليه من الحقوق والمكوس [2] إلى أن يصل إلى ساحل مصر، ويقبض منهم، فإذا وصل تجّار الكارم إلى ثغر الإسكندرية لا يمكنون من البيع على تجار الفرنج إلا بعد بيع ما عنده، وحواصله كثيرة جدا فأضر ذلك بالتجار من الكارمية والفرنج حتى لو استمرت ولايته لأدت إلى انقطاع الواصل عن الديار المصرية، وكانت له عدة معاصر أقصاب، ودواليب [3] بالوجه القبلى والبحرى، بحيث أنه لا يخلو إقليم من أقاليم الديار المصرية، ولا بلد كبير إلا وله فيه تعلق من دواليب أقصاب وبساتين، أو زراعة أو متجر أو مسلف أو معاملة أو مخرج على صنف من الأصناف التى تكون بذلك البلد.
ولما عزله السلطان أمر بإبطال هذه المتاجر، ومكن الناس من ابتياع الأصناف وبيعها، ورفع عنهم الحجر فى ذلك، فاستبشر الناس بذلك، وانبسطت
__________
[1] المراد أنه صار مطلق التصرف فى أموال الدولة، وهذا المعنى ليس فى استعمالات هذا الفعل، وإن كان من هذه المادة الخولى: القائم بأمر الناس السائس له (المعجم الوسيط) .
[2] المكوس: جمع المكس وهى الضريبة التى تؤخذ من التجار على ما يدخلونه البلد من تجارة، وهى ما يعرف اليوم باسم الضريبة الجمركية.
[3] الدولاب: من آلات الاستقاء (مفاتيح العلوم ص 71) وانظر المخصص (9/162) ويفهم من السياق أنه كان يكريها، ويأخذ أجرا لها.
(33/57)

آمالهم، وطابت نفوسهم، وتحقّقوا عدل السلطان، وانحلت أسعار الأصناف التى كان يحتكرها، فتضاعفت الأدعية بدوام دولة السلطان، وعلموا أن تلك الأفعال الشنيعة لم تكن عن أمر السلطان، ولا برضاه، وقد كان يوهم الناس ويصرح/ (51) لبعضهم أنه لولا ما يفعله من إرضاء السلطان بما يحصل له من فايدة المتاجر والدواليب، وسدّ ما يحتاج إليه السلطان بتدبيره كان السلطان قد استصفى ما فى أيدى الناس من الأموال، فعلم الناس الآن أن الأمر ليس كذلك، فرجوا من الله تعالى دوام الخير، وزيادة العدل والإنصاف.
ولما عزله السلطان فوّض ما كان بيده لمن نذكر: فوّض نظر خواصّه ووكالته للقاضى تاج الدين أبى إسحاق إبراهيم وكان قبل ذلك يلى نظر الدواوين بالديار المصرية، وفوّض النظر على البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة ومكتب السبيل وأوقاف ذلك للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وهو رأس الميمنة، وفوّض نظر الجامع الطولونى وأوقافه للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح.
ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله «وهى الوزارة الثانية له» [1]
قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا أن الصاحب الوزير أمين الدين عبد الله بعد عزله من الوزارة فى سنة ثلاث عشرة وسبعماية فوض إليه نظر النظار والصحبة، ثم عزل عن ذلك، ولزم داره، ثم رسم له بنظر المملكة الطرابلسية، ورتّب له على هذه الوظيفة نظير معلومه الذى كان له على وظيفة نظر النظار
__________
[1] أورد المقريزى هذا الخبر فى السلوك (2/348) وفى كنز الدرر وجامع الغرر (9/312) أورد له وزارة فى سنة 723، وذكر اسمه هكذا «الصاحب أمين الدين أمين الملك بن العنام» وقد ترجم له ابن حجر فى الدرر (2/251) باسم: عبد الله بن تاج الرياسة القبطى، أمين الدين الوزير، وذكر أنه ولى الوزارة ثلاث مرات: الأولى سنة 711 بعد بكتمر الحاجب، فأقام سنتين، ثم وليها ثانيا، ثم أخرج إلى نظر طرابلس سنة 718 هـ ثم أعيد إلى الوزارة بعد أن أمسك كريم الدين سنة 722 هـ ومات فى سنة 740 أو 741.
ورواية ابن حجر هذه تختلف عما أورده النويرى هنا. والدوادارى فى كنز الدرر وجامع الغرر (9/312) وانظر أيضا السلوك (2/553) .
(33/58)

بالديار المصرية، فتوجه إليها كارها فى سادس عشر صفر سنة ثمانى عشرة وسبعماية، وأقام بها إلى أن سأل أن يفسح له فى التوجه إلى الحجاز الشريف، فأذن له فى/ (52) ذلك، فحج ولم يعد إليها، واستعفى من المباشرة، فرسم له بالإقامة بالقدس الشريف، فأقام هناك، ورتّب له على سبيل الراتب فى كل شهر ثمانمائة درهم وثمانية غراير [1] ، فلم يزل بالقدس الشريف إلى أن قبض على كريم الدين كما تقدم، فرسم السلطان بطلبه إلى الأبواب العلية، وكتب بذلك إلى نائب السلطنة الشريفة بالشام على يد الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، فتوجه إلى دمشق، وأرسل إليه البريد منها، فحضر إلى الأبواب السلطانية.
وكان وصوله فى بكرة نهار الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبعماية، فمثل بين يدى المقام الشريف، فأقبل عليه غاية الإقبال، والبسه تشريفا، ونزل إلى داره، فلم يستقر به الجلوس حتى طلبه ثانيا، ففوض إليه الوزارة، وأنعم عليه بالدواة والبغلة، وأقام بالقلعة إلى عشية النهار ينفّذ الأشغال، ثم ركب منها إلى داره واجتمع الناس ببابه، وامتلأت الأزقة والشوارع والرحبة التى أمام الدار على سعتها، وازدحموا حتى كاد يعجز عن الوصول إلى باب داره والدخول إليها إلا بجهد كبير.
وأصبح فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، وركب فى موكب الوزارة، وجلس بدار العدل الشريف مع السلطان إلى أن انقضى المجلس، وقام إلى قاعة الوزارة، وفتح له الشبّاك بها، وكان قد أغلق بعد عزله عن الوزارة، فلم يفتح إلا فى هذا اليوم، فجلس فيه، وأظهر الإحسان إلى الناس، ونشر فيهم العدل، ووعدهم عن نفسه وعن السلطان بكل جميل، فسر الناس بمقدمه، وازدحموا عليه حتى منعوه من تنفيذ أشغال الدولة، فكانت قلعة الجبل تغص بالناس من أرباب/ (53) الأشغال والوظايف والبطّالين والمتفرّجين، إلى أن رسم بمنع كثير من العوام من طلوع القلعة، وأقام على ذلك أياما حتى خف الناس، ولما ركب إلى مصر فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر تلقاه الناس بالفرح والسرور والدعاء له، وازدحموا عليه فيما بين مصر والقاهرة، حتى امتلأت بهم الطرق.
__________
[1] الغرائر: جمع الغرارة، وهى وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهى أكبر من الجوالق.
(33/59)

ولما استقر فى الوزارة رسم للقاضى شرف الدين عبد الهادى [1] بن زنبور مستوفى الصحبة أن يكون ناظر النظار والصحبة، رفيقا للقاضى موفق الدين [2] ، ورتب فى استيفاء الصحبة القاضى شمس الدين بن قروينة [3] وهو صهر الصاحب أمين الدين على ابنته، وأحضر الصاحب جماعة من أصحاب كريم الدين وألزامه، فصادرهم بمال حمل من جهتهم إلى بيت المال، وكان فى الطلب لين، ثم أفرج عنهم فى أثناء جمادى الآخرة.
ذكر القبض على كريم الدين الصغير [4] «وشىء من أخباره»
كان كريم الدين هذا يخدم الأمراء الأصاغر، وكان ممن خدمه الأمير علاء الدين أيدغدى التليلى أستاذ دار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وهو من أمراء الأربعين، ثم توصل إلى أن باشر من جملة عمال الجيش بالديار المصرية، فلما قوى أمر كريم الدين- وهو من أقاربه- نقله من عمالة الجيش إلى نظر النظار والصحبة ليس بين ذلك وظيفة أخرى، فباشر مدة، ثم عزل عن نظر النظار خاصة، ثم أعيد إلى/ (54) الوظيفة ثانيا كما تقدم، فلما باشر عسف بالناس وظلمهم، واستخف بالأكابر، وشدّد على المباشرين والتجار والرعايا، وعاقب بين يديه، واقترح نوعا من العقوبة سماه «المقترح» ، وبسط يده ولسانه فى أبشار الناس وأعراضهم حتى ضاقوا بذلك ذرعا، وبلغت منهم القلوب الحناجر، وهو لا يزداد إلا تماديا، واستخفافا بخلق الله تعالى، ثم ترقّى عن ذلك إلى الاستخفاف بأمراء الدولة الأكابر مقدّمى الألوف، وتزايد ظلمه وتفاحش، وضرب جماعة بين يديه حتى ماتوا، وكان إذا علم أنه يشتكى إلى السلطان من أمر من الأمور بادر بالدخول إلى السلطان، وأنهى إليه أنه فعل
__________
[1] فى السلوك (2/248) شرف الدين إبراهيم بن زنبور، ولم أجده فى ترتيبه من أعلام الدرر الكامنة، وفى الجزء الثانى منه ص 240 ترجمته لمن اسمه علم الدين عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن زنبور، وذكر أن أول ظهور أمره كان سنة 737 هـ حين ولى نظر الإسطبل وكانت وفاته سنة 751 هـ، ويستبعد أن يكون هو المذكور هنا.
[2] فى السلوك (2/248) موفق الدين هبة الله بن سعيد الدولة إبراهيم.
[3] فى السلوك (2/248) شمس الدين إبراهيم بن قروينة.
[4] أورد النويرى ترجمته حين ذكر وفاته فى حوادث سنة 726 هـ. وانظر ص 197 حاشية رقم (2) من هذا الجزء.
(33/60)

كذا وكذا مما يعود نفعه على الدولة، وأن الناس قد كرهوه وربما شكوه، وأنه لا غرض له إلا فى مصلحة السلطان، ويقرر معه ذلك، فإذا اشتكى للسلطان لا يسمع فيه شكوى، ولا يلتفت إلى قول قائل، ويقرر فى ذهن السلطان أنه أنصح الناس له، وأن سائر الناس كرهوه بسبب نصحه للسلطان، وتحصيل أمواله، فبقى لا يسمع فيه شكوى، فكف الناس عن شكواه.
فلما قبض السلطان على كريم الدين الكبير، استمر هذا على وظيفته فى النظر إلى آخر يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الآخر، فرتبه السلطان فى صحابة ديوان الجيوش المنصورة عوضا عن القاضى معين الدين هبة الله بن حشيش [1] ، وخلع عليه على عادة من تقدمه، وباشر الوظيفة فى يوم الاثنين الثامن عشر من الشهر، وأعيد القاضى معين الدين إلى نظر الجيوش بالشام عوضا عن قطب الدين/ (55) بن شيخ السلامية، واستمر كريم الدين فى هذه الوظيفة، وهو مع ذلك يكتب على عادته فى نظر الدواوين، وينفذ الأشغال إلى أن حضر الصاحب أمين الدين وفوضت إليه الوزارة، فمنع من ذلك، واستمر فى صحابة ديوان الجيوش، والناس فى أشد ألم بسبب سلامته.
فلما كان فى يوم السبت سلخ ربيع الآخر أمر السلطان بالقبض عليه، فقبض عليه هو وولده سيف الدين، وألزم بالحمل، واعتقل بالبرج بباب القرافة، ولو تمكن الناس منه أو ظهر لهم قتلوه، وكان ولده سيف الدين يخرج فى الترسيم ويركب حمارا، ويبيع قماش أبيه، ويحمل الثمن عنه، وأبيعت أملاكه، ثم سأل أن يحمل أربعماية ألف درهم، ويتصدق السلطان عليه بالإفراج عنه، فأجيب إلى ذلك، ثم نقل من البرج إلى القرافة، فأقام هناك بتربة الأمير سيف الدين طقتمر [2] الدمشقى، بجوار تربة كريم الدين الوكيل، واستمر على ذلك إلى أن رسم بتوجهه إلى مباشرة نظر المملكة الصّفدية، فتوجه إلى ذلك فى يوم السبت الثانى عشر من جمادى الآخرة من السنة، وخرج من القرافة ليلا خوفا
__________
[1] أورد النويرى ترجمته عند ذكر وفاته فى أخبار سنة 729 ص 294 من هذا الجزء.
[2] كان «طقتمر الدمشقى» من مماليك الناصر وهو صبى، وكان الناصر يميل إليه كثيرا، فأمّره سنة 712 ومات فى رجب سنة 716 وانظر ترجمته فى (الدرر 2/224) .
(33/61)

على نفسه أن يقتل، وضمن على ولده «سعد الدين فرج الله» أن يبيع بقية أملاك والده، ويحمل عنها ليكمّل ما قرّر على أبيه، ولم يكن طلبه شديدا على العادة فى مثل ذلك إذا طولب أمثاله بحمل الأموال.
واستمر بصفد إلى أن رسم بإحضاره منها عند ما أحضر كريم الدين الوكيل من القدس، فعزل منها فى شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس العاشر/ (56) من شهر ربيع الآخر منها، وعند وصوله اعتقل بالبرج بباب القرافة بقلعة الجبل، وطولب بحمل المال، فحمل من جهته ماية ألف درهم، وأفرج عنه فى يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وكان من أمره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى [1] .
ذكر وصول رسل متملك الأرمن إلى الأبواب السلطانية
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعماية فى العشر الاخر من جمادى الأولى وصل رسل متملّك الأرمن إلى الأبواب السلطانية، وفيهم الخليفة عليهم بزعمهم، وأم الملك، وجماعة من أكابرهم يسألون مراحم السلطان فى الكفّ عنهم، وأن يحملوا إلى الخزانة السلطانية قطيعة [2] فى كل سنة ألف ألف درهم ومائتى ألف درهم، وما جرت به العادة من البغال المساقة إلى الإسطبلات، والنعال الحديد، وغير ذلك من التقادم، وسألوا أن يأذن لهم فى عمارة ثغر آياس، وأن يكون ما يتحصّل منه مناصفة بين السلطان وبينهم، فامتنع السلطان من إجابتهم إلى المناصفة إلا أن يبذلوا عن الثغر فى كل سنة ثمانمائة ألف درهم لتكملة ألفى ألف درهم.
ثم وصلت رسل الملك أبى سعيد ملك التتار، وكان فى جملة رسالتهم سؤال السلطان فى أمرهم [3] ، والشفاعة فيهم، فاستقر حالهم على حمل القطيعة المذكورة، ولم تحصل الموافقة على عمارة ثغر آياس، وأعيدوا إلى بلادهم.
__________
[1] أورد النويرى أخبار كريم الدين الصغير فى حوادث سنة 726 هـ فذكر اعتقاله، ومصادرة أمواله، ومصيره بعد ذلك، وانظر (ص 197) من هذا الجزء.
[2] القطيعة: المال المقرر على جهة من الجهات.
[3] فى أمرهم: يعنى فى أمر الأرمن كما يفهم من السياق.
(33/62)

(57) ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وغير ذلك، وكان وصولهم إلى قلعة الجبل فى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة، ومثلوا بين يدى المقام الشريف فى هذا اليوم، وكانوا ثلاثة، المشار إليه منهم من مقدمى التّوامين [1] .
ولما وصل هذا الرسول إلى حلب، أظهر كبرا عظيما، وحمقا زائدا، فتلطف الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة بحلب به، وأكرمه وعامله بنهاية الإكرام والاحترام والأدب، فتمادى على حمقه، ولما وصل إلى حمص تلقاه نائبها، فمد يده إلى النايب ليقبلها، واتصلت هذه الأخبار بالأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس، فأرسل للقائه الأمير سيف الدين جوبان أحد الأمراء المقدّمين، فلما قدم على الرسول لم يكرمه، ولم يقم له، بل مد إليه يده ليقبلها، فصرف الأمير جوبان يده، وولّى ولم يسلم عليه.
ولما قرب الرسول من دمشق المحروسة أمر نائب السلطنة بها العسكر الشامى بالركوب فى أتم زينة، فركبوا بالكلاوت الزّركش والطّرز الزركش والخيول المسوّمة، والعدد المذهبة والمزركشة، والكنابيش الحرير المذهبة، وخرجوا فى أحسن زى وأجمله، وأمرهم أن يقفوا سماطين [2] من القابون [3] إلى باب دار السعادة، وهى سكن نائب السلطنة، ففعلوا ذلك وما ركب نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز للقائه، ولا خرج من دار السعادة، ولما حضر الرسول قدم بين يدى/ (58) نائب السلطنة، وقد حفت به الحجاب، فلم يتحرك له ولا نظر إليه كل النظر، وأوقف بين يديه، فسأله عن جوبان نائب الملك أبى سعيد، وعن الأمراء، فأجابه الرسول أنهم فى عافية، ثم أمر بإخراجه ليستريح، فأخرج، وأنزل بالميدان فى جتر [4] أمر بنصبه له، فلما صار الرسول بالدّهليز سأل العود إلى نائب السلطنة فاستؤذن على ذلك، فلم يؤذن له،
__________
[1] مقدمو التوامين فى مملكة التتار نظراء لمقدمى الألف فى دولة المماليك بمصر فى هذه الفترة.
[2] تثنية سماط، وهو الصف (المعجم الوسيط) .
[3] القابون: موضع بينه وبين دمشق ميل واحد فى طريق القاصد إلى العراق، وسط البساتين (عن معجم البلدان لياقوت) .
[4] الجتر:- بكسر فسكون- الخيمة والشمسية فارسيتها جتر- بفتح فسكون- والضبط من الألفاظ الفارسية المعربة ص 38.
(33/63)

فأرسل الرسول إليه يقول: أنا إنما أتيت من قبل الملك، ولم أجىء من قبل جوبان النائب، ولا الأمراء، فكيف سألنى نائب السلطان عنهم، ولم يسألنى عن الملك؟
فأجابه الأمير سيف الدين (تنكز) بقوله: أنا نائب سلطنة لا أسأل إلا عن نائب سلطنة مثلى أو أمير، وأما الملك فإنما يسأل عنه السلطان خلّد الله ملكه، ثم أرسل إليه يعنّفه على ما صدر منه من الحمق والترفع على الأمير الذى سيره للقائه، وقال: «إن ما وراء الفرات من البلاد الحادثة فى مملكتكم هى بلاد كفر ونفاق وخوارج، وأما ما وراء الفرات مما يلى الشام فهى بلاد إسلام، ومساكن أنبياء، ومقر العبّاد والصّلحاء والعلماء والفقهاء، فينبغى لمن يحضر إليها أن يتأدب بأدب الله تعالى» ، فاستعظم الرسول نائب السلطنة بالشام، وتهذبت أخلاقه وتأدب بعد ذلك مع من يصل إليه، ثم أمره بالمسير إلى الأبواب السلطانية، فتوجه وطالع نائب السلطنة السلطان بصورة الحال، فشكر فعله.
ولما وصل الرسل إلى الأبواب السلطانية، ومثلوا بين يدى السلطان أحسن إليهم وأكرمهم، وأجلسهم فى مجلسه، وأدوا الرسالة، فكان مضمونها طلب الصلح، والحلف على ذلك، فحلف لهم السلطان/ (59) .
وكان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى لما توجه فى الرسالة إلى الملك أبى سعيد حلفه أيضا على انتظام الصلح، وإطفاء نايرة الحرب، وكف الغارات من الجهتين، وأحضر الرسل معهم هدية من جهة الملك إلى السلطان حياصتين وقماشا، فقبل السلطان تقدمتهم، وذكروا أن التقادم واصلة صحبة تاجر الملك أبى سعيد، فأقبل السلطان عليهم، وأنزلهم برواق بدار النيابة بقلعة الجبل، ورتب لهم الرواتب الوافرة من المأكل والحلويات والفواكه وأنواع الأشربة المباحة وغير ذلك، ثم أحضرهم يوم الخميس وخلع عليهم؛ فخلع على المشار إليه منهم أطلسا معدنيا بطرززركش، وحياصة وكلّوتة وسيفا محلى بالذهب، وخلع على الاثنين [الآخرين] طردوحش مقصبا بذهب وحوايص وكلّوتات، وخلع على من معهم من الأتباع والكبلجية والغلمان ما يناسبهم.
ولما كان فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة أمر السلطان بركوبهم بين يديه إلى الميدان، وأنعم عليهم بثلاثة أرؤس خيل، فركبوا فى خدمته
(33/64)

وشاهدوا مواكبه العظيمة، فرأوا ما لم يروا مثله، ثم أحضرهم السلطان فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، وخلع عليهم ثانيا نظير تلك الخلع، وأجابهم عن رسالتهم، وأنعم عليهم بالأموال الكثيرة، وأحسن إليهم غاية الإحسان.
وكان فى جملة رسالتهم سؤال السلطان أن يزوج ابنته من ابن الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، فاعتذر السلطان عن ذلك بصغرها، وقال: إن هذه عمرها خمس سنين، وإذا صلحت للتزويج أجبنا سؤالكم إن شاء الله تعالى، وأعادهم مكرمين، فكان توجههم من قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء/ (60) الثانى والعشرين من الشهر، وتوجه معهم الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى حتى أوصلهم إلى غزة، هذا ما كان من خبرهم.
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى بلاد النوبة
وفى هذه السنة- فى شوال منها- أمر السلطان بتجريد طائفة من العسكر المنصور المصرى إلى بلاد النوبة، فجرد ثلاثة من الأمراء [1] وهم: سيف الدين طقصبا [2] الناصرى الحسامى، وهو المقدم على العسكر، وعلاء الدين على بن قرا [3] سنقر المنصورى، وعز الدين أيدمر الكبكى [4] ، وجرّد جماعة من المماليك السلطانية، ومن الحلق، ومن أجناد الأمراء، من كل أمير ماية جنديان، ومن كل أمير طبلخاناه جندى، فبلغت عدتهم نحو خمسماية فارس، وكان خروجهم من القاهرة فى مستهل ذى الحجة.
__________
[1] أورد المقريزى فى (السلوك 2/250) هذا الخبر فى حوادث سنة 723 هـ. ولم يجر على ترتيب النويرى فى ذكر أمراء الحملة.
[2] فى المصدر السابق أورد اسمه الأمير طقصبا، المرتبة فديته بقوص، وذكر ابن حجر فى الدرر (2/225) طقصبا الظاهرى، وقال فى ترجمته: أنه ولى نيابة قوص وغزا النوبة مرتين فى سنة 705 هـ، وفى سنة 716 هـ ومات فى سنة 745 هـ.
[3] ترجمته فى الدرر (3/95) ووفاته سنة 748 هـ.
[4] كذا أورد اسمه أيضا فى المقريزى (السلوك 2/250) ولم يذكره ابن حجر فى الدرر فيمن اسمه «أيدمر» ولم يرد له ذكر فى النجوم.
(33/65)

وسبب تجريد هذا العسكر أن كنز الدولة بن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز، لما تملك النوبة بعد وفاة خاله إبرام أخى كرنبس [1]- كما تقدم- واستقل بالملك، واتصل ذلك بالسلطان أفرج عن كرنبس، وجهزه إلى النوبة، وجرّد هذا العسكر لنصرته فتوجهوا، فلما قاربوا البلاد فارقها كنز الدولة، وتوجه وصحبته من انضم إليه من العربان، فتبعه العسكر إلى الأبواب، فلم يظفروا به، فلما حصل أمانهم منه، عادوا إلى دنقلة [2] ، وملكوا كرنبس بها، وعاد العسكر وتركه، ولما علم كنز الدولة بعود العسكر جمع العربان وعاد إلى دنقلة، وأخرج كرنبس منها، واستقل بملكها، ووصل كرنبس إلى ثغر أسوان، فرسم له بالمقام به، فأقام به إلى أواخر/ (61) سنة ست وعشرين وسبعمائة، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة أيضا، فى ليلة يسفر صباحها عن نهار الثلاثاء ثالث المحرم توفى الملك المجاهد أنس [3] بن الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى الضرير بالقاهرة، ودفن بتربة والده بالقرافة، وقد جاوز خمسين سنة، وكانت زوجته ابنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى] [4] قد اشترت منه ما يخصه من الدار المعروفة بإنشاء والده بالقاهرة، وحصل بينها وبينه خصام قبل وفاته أوجب انتقالها عنه إلى دار الشريف بن ثعلب، وسكنتها بالأجرة، فلما مات حصل بينها وبين إخوته خصام، فباعت ما ملكته من الدار الزينية لوكيل زوجة السلطان طغاى أم ولده، واشترى الوكيل من بقية الورثة ما يخصهم من الدار بستمائة ألف وثلاثين ألف درهم، وأخرج أولاد العادل منها، وتفرقوا بالقاهرة، وسكنوا فى عدة مساكن بالأجرة.
__________
[1] الضبط من السلوك (2/250) .
[2] رسمها المقريزى فى السلوك (2/250) دمقلة بميم مكان النون.
[3] فى النجوم (9/261) والسلوك (2/252) «الملك المجاهد سيف الدين أنص» وفى الدرر (1/417) يقال له: أنس (بالسين والصاد) ابن السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، مات فى المحرم سنة 723 هـ بعد ما كف بصره من سهم أصابه.
[4] نهاية الصفحات التى سقطت من نسخة ك، وأضفناها إلى المتن من نسخة «أ» وقد سبقت الإشارة إلى ذلك فى ص 42 حاشية 3.
(33/66)

وتوفى الصدر الأمير نجم الدين محمد بن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم بن محمد بن عثمان البصروى [1] الحنفى، وكانت وفاته بمدينة بصرى [2] فى يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان، ودفن بها، وهو من أبناء الخمسين، وكان قد تقدم واشتهر بتحصيل الخيول الجياد، وسياقتها إلى الأبواب السلطانية، وتقدمتها إلى أعيان الأمراء، فأوجب له ذلك التقدم، فولى نظر الحسبة بدمشق، ثم نظر الخزانة، ثم وزر بالشام، ثم سعى فى إقطاع فأنعم عليه بإمرة عشرة، وأقطع إقطاعا جيدا، وكان قبل ذلك مدرسا ببصرى، وكان يذكر بكرم رحمه الله تعالى/ (62) .
وفى يوم الخميس الحادى والعشرين من شعبان توفيت [3] بدمشق محمودة خاتون ابنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [أيوب توفيت بدارها] [4] وتعرف بدار كافور، وصلى عليها بجامع دمشق عقيب صلاة المغرب من ليلة الجمعة ودفنت بالمدرسة الصالحية داخل دمشق بتربة جدتها، وكانت جليلة، ولم تتزوج قط، ولم يكن فى بيت العادل من هو فى درجتها رحمها الله تعالى. نقلت وفاتها من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى.
واستهلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق للثالث من طوبة من شهور القبط.
وفى يوم الأربعاء السادس من المحرم نودى بالقاهرة ومصر المحروستين أن يتعامل الناس بالفلوس حسابا عن كل رطل درهمين [5] ، وكانت قبل ذلك
__________
[1] فى الأصل «اليصورى» وما أثبتناه من أص 61، وكذلك رسمه فى السلوك (2/252) وشذرات الذهب (6/62) .
[2] بصرى: يوجد بهذا الاسم موضعان: أحدهما بالشام وهو قصبة إقليم حوران، والآخر قرية من قرى بغداد قرب عكبراء (معجم البلدان) .
[3] ما بين الحاصرتين من أص 62.
[4] ما بين القوسين من: (الدارس فى تاريخ المدارس 1/318) ولم يذكر فيه أن اسمها محمودة وعبارته «توفيت الخاتون المصونة خاتون بنت الملك الصالح إسماعيل.. إلخ، وارد وفاتها فى سنة 723 هـ.
[5] كذا فى الأصل وفى السلوك (2/253) نودى على الفلوس أن يتعامل الناس بها بالرطل على أن كل رطل منها بدرهمين.
(33/67)

/ بدرهمين ونصف، فجرت على ذلك، تضرب بدار الضرب فلوس جدد، زنة كل فلس منها أرجح من درهم [1] ، مكتوب على أحد وجهيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، وعلى الوجه الآخر- بدائرة- «السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد» فى وسط حلقة مستديرة فى وسط الفلس، واستمر الأمر على ذلك إلى يوم الخميس الحادى عشر من شهر ربيع الأول من السنة، فرسم السلطان بإبطال المعاملة بالفلوس العتق جملة. ونودى بذلك، وأن من كان عنده شىء منها يحمله إلى دار الضرب ويتعوض عنه [2] ، وأن يتعامل الناس بالفلوس الجدد الناصرية عددا وحسابا، عن كل درهم ثمانية وأربعين فلسا على ما كانت عليه قديما.
وإنما أوردنا ذكر الفلوس فى كل واقعة منها؛ لأن كل دفعة من/ (63) إبطال المعاملة بها غرم الناس فيها الجمل الكثيرة من أموالهم، حتى اضمحلت أموال بعضهم، وكانت قد كثرت بالقاهرة عند أرباب الأموال ودواوين الأمراء، حتى اجتمع عند بعضهم منها مائة ألف درهم وأكثر من ذلك وأقل، وهى باقية محفوظة عند أكثر الناس يرجون أن يتعامل بها عددا.
ذكر وفاة الخوند أردكين ابنة نوكاى [3] زوج السلطان الملك الناصر
كانت وفاتها فى يوم السبت عشية النهار الثالث والعشرين من المحرم من هذه السنة بدارها بالقاهرة، وكان السلطان قبل ذلك قد أخرجها من القلعة، وأنزلها بدارها التى بالقاهرة التى بحارة زويلة، وأجرى عليها فى كل شهر خمسة آلاف درهم ومائة وخمسين درهما، وفى كل يوم من اللحم والتوابل والفواكه والقلويات والسكر والحلوى والكساوى وغير ذلك ما تزيد قيمته فى كل شهر على خمسة عشر ألف درهم، ولما خرجت من القلعة شاع عند الخواص
__________
[1] فى المصدر السابق (2/253) زنة كل فلس منها درهم وثمن.
[2] فى المصدر السابق (2/253) ومن عنده منه شىء يحضره إلى دار الضرب ويأخذ عنها فضة.
[3] فى النجوم (9/275) أردوكين بنت نوكاى بن قطغان الأشرفية، وفى السلوك (2/258) والدرر (1/347) أردكين بنت نوكاى بن قطغان زوج الأشرف خليل بن قلاوون، ومن بعده تزوجها أخوه الناصر محمد بن قلاوون سنة 700 هـ وولدت له ولدا مات وهو صغير سنة 710 هـ.
(33/68)

والعوام أن السلطان طلقها [1] ، إلا أن السلطان ما صرّح بطلاقها، فلما توفيت حضر أخوها الأمير جمال الدين خضر بن نوكية إلى دارها، وقصد عرض ما خلّفته، وطلب الجوارى المتسلمات قماشها ومالها، وتهددهن بالقتل إن عدم من مالها شىء، فبينا هو على ذلك إذ دخل الطواشى شجاع الدين عنبر أمير لا لا [2] ، وزمام الأدر، وأنكر عليه فعله، وأخرجه من الدار، فتوجه إلى منزله،/ (64) ولم يشهد جنازتها، ثم ورد مرسوم السلطان قبل دفنها- وكان السلطان يتصيد بأعمال الجيزية- بمنع الأمير جمال الدين أخوها [3] من التعرض إلى تركتها والإنكار عليه، والاحتراز على الموجود وضبطه، وإقرار ما كان باسمها من المرتب على جواريها، وخدمها إلى أن يعود السلطان إلى القلعة.
ولما كان فى يوم الأحد مستهل صفر أرسل السلطان إلى أخيها المذكور مائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم، ووقع الإشهاد عليه بالبراءة من جميع ما خلفته أخته من الأموال والمصوغ والأملاك وسائر الأصناف على اختلافها، وأشهد عليه أنه وصل إلى حقه من ذلك كله، وأبرأ ذمة السلطان.
وفى هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج الذكر [4] من فمه مما يلى نهر النيل إلى أن ينتهى إلى الخليج الحاكمى، فقسم ذلك على الأمراء، وحفر حفرا جيدا حتى نبع الماء فى بعضه، وأصرف [5] الأمراء على هذا الحفر الحفير جملة كثيرة من أموالهم وكان الشروع فى الحفر فى العشر الأخر من جمادى الآخرة فلما فتح كادت القاهرة أن تغرق لكثرة المياه الجارية منه وحدتها، فاقتضى ذلك سد القنطرة التى عليه وكان قد بنى لها عضادتان [6] مما يلى البحر؛
__________
[1] فى الدرر (1/347) أن الناصر طلقها سنة 717 هـ.
[2] فى السلوك (2/258) «زمام الدور» ، وفى الدرر (3/199) ورد فى ترجمته أنه زمام الوقف، وانظر فى تفسير زمام الدور السلوك (2/577 حاشية 1) وأمير لالا- أمير+ لالا، ومعنى لالا: المربى من الخدم، وانظر شفاء الغليل 201.
[3] كذا بالأصل، والصواب أخيها.
[4] خليج الذكر: نسبة إلى شمس الدين الذكر الكركى الذى تولى تطهيره زمن الملك الظاهر بيبرس فعرف به.
وكان يعرف هذا الخليج فى الدولة الأيوبية بخليج المقسى نسبة إلى البستان المقسى الذى كان يروى منه، وهذا الخليج كان كافور الأخشيدى قد أنشأه لرى البستان الكافورى والبساتين الأخرى الواقعة فى غربى الخليج الكبير (وانظر تفصيلات كثيرة فى «النجوم الزاهرة 9 ص 124 حاشية 1» ) .
[5] يريد «أنفق» .
[6] العضادتان: دعامتان تنصبان للتقوية.
(33/69)

ليدفعا عنها صدمة الماء، فتحامل الماء على القنطرة فاقتلعها، ولم يفد ما عضّدت به، ولم يحصل منه من الإفادة ما كان يظن به، فأمر السلطان بحفر خليج مستجد، على ما نذكره فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
ذكر خبر النيل فى هذه السنة
(65) وفى سنة أربع وعشرين وفى النيل المبارك بمقياس مصر فى يوم الأربعاء تاسع شعبان الموافق للثامن من مسرى، وحصل التحليق والكسر فى يوم الخميس عاشر الشهر، ثم أخذ فى الزيادة على تدريج إلى أن انتهى إلى ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا بمقياس مصر، ولم ينتهى [1] فى الزيادة فى هذا العصر إلى مثل هذه الغاية، فغرقت البساتين والأقصاب، وفاض الماء على الجروف حتى أخبرنى جماعة ممن حضر من الصعيد الأعلى أنهم سافروا من مدينة قوص إلى ساحل مصر لم يجدوا من السواحل ما يضرب فيه أوتاد المراكب إلا ساحل أخميم، وكوما بمنية بنى خصيب، وما عدا ذلك من السواحل فإن الماء طما عليها، وثبت الماء على ذلك زمنا، حتى خشى الناس من بقائه، ثم أخذ فى الهبوط عند الحاجة إلى نقصه، فانكشفت الأراضى، وزرع الناس، ولولا هذا الثبات- الذى كره الناس- كان قد شرق جملة من الأراضى مع وجود هذه الزيادة العظيمة، فإن سائر الجسور التى تحبس المياه تقطعت وخرج الماء منها، فلما حصل ثبات النيل بقى الماء على المزارع، حتى استوفت حقها من الرى، فسبحان اللطيف الخبير القادر [2] .
وقد ذكرنا فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة- فى أيام الحافظ عبد المجيد [3]- أن زيادة النيل انتهت إلى تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع
__________
[1] هكذا فى أوك، والصواب: ولم ينته.
[2] أورد المقريزى فى السلوك (2/258) هذا الخبر موجزا، وانظر (النجوم الزاهرة 9/262) .
[3] الحافظ لدين الله عبد المجيد بن أبى القاسم بن المستنصر العلوى توفى سنة 544 هـ ومدة خلافته بمصر عشرون سنة إلا خمسة أشهر، وخلفه عليها ابنه الظافر بأمر الله (أبو الفدا 3/20) .
(33/70)

بمقياس مصر، وبسبب هذه الزيادة العظيمة فى سنتنا هذه شرق [1] إقليم الفيّوم، لأن سكر [2] النهر انقطع، وخرج الماء بجملته إلى البحيرة، فغرق ما حولها، وشرق ما سوى ذلك، واجتهد السلطان بعد ذلك فى إصلاح السّكر، وندب لذلك الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب/ (66) كان- وهو من أكابر أمراء المشورة الذين يجلسون فى مجلس السلطان، فأصلحه وأتقنه إتقانا جيدا، فتدارك الناس بسبب إصلاحه زراعة الصيفى خاصة بإقليم الفيوم.
وفيها- فى شهر ربيع الآخر- وصلت رسل الملك أزبك [3] متملك صراى [4] والبلاد الشمالية إلى الأبواب السلطانية، ومثلوا بين يدى السلطان، وأحضروا ما معهم من الهدايا فقبلت، وشملهم الإنعام، وأعيدوا إلى مرسلهم بالهدايا صحبة رسل السلطان إليه.
وفيها وصل إلى الديار المصرية الملك موسى [5] متملك بلاد التّكرور [6] لقصد الحج، وتوجه إلى الحجاز الشريف، ورجع إلى بلاده فى سنة خمس وعشرين، وكان قد أحضر صحبته جملة كثيرة من الذهب، فأنفقها بجملتها وفرّقها، وتعوّض ببعضها قماشا، واحتاج إلى أن استدان جملة من التجار وغيرهم قبل سفره.
__________
[1] فى السلوك (2/258) وغرقت الفيوم لانقطاع جسرها «وعلق محققه بقوله: وفى إحدى النسخ شرقت» .
ومعنى شرقت الأرض: جفت من عدم الرى.
[2] السكر- بكسر السين وسكون الكاف-: ما يسد به النهر ونحوه.
[3] أزبك خان- ولقبه (القان) بن طغرلجا- (وفى الدرر ابن طقطاى) ابن منكوتمر بن طغاى بن باطو بن جنكيزخان ملك التتار بالمملكة الشمالية توفى سنة 742 ومدة ملكه ثمان وعشرون سنة (السلوك 2/614) والنجوم (9/226) .
[4] صراى- بفتح الصاد والراء المهملتين- مدينة عظيمة تقع فى مستو من الأرض غربى بحر الخزر كانت قاعدة البلاد الشمالية من مملكة التتار (المصدر السابق) .
[5] اسم هذا الملك- كما ورد فى البداية والنهاية ج 14/112- الملك الأشرف موسى بن أبى بكر، وفى المقريزى (السلوك 2/255) منسا موسى ملك التكرور، وقد أورد خبر وصوله فى شىء من التفصيل.
[6] بلاد التكرور مملكة واسعة تقع إلى الجنوب الغربى للسودان وكانت تضم أربعة عشر إقليما من بينها غانة والسنغال ومالى، وتكرور قاعدتها مدينة على النيل تقع بالقرب من ضفافه (وانظر صبح الأعشى 5/286، 287، والنجوم الزاهرة 9/173 حاشية 3) .
(33/71)

ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة
وصرف من نذكر من ولاة المناصب [1] ، وتفويض الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى وترتيب من نذكر.
وفى يوم الخميس الثامن من شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة عزل الصاحب أمين الدين عبد الله [2] عن الوزارة، وسبب ذلك أنه لما فوّض إليه أمر الوزارة ألان جانبه للناس، وكفّ لسانه ويده عن أذاهم، وأخذ نفسه بالتأنى والسكون وعدم القلق، فطمع الناس، وقصر الولاة والمباشرون/ (67) فى استخراج الأموال، وتحصيل الغلال، فانساق بعضها إلى الباقى، واتصل ذلك بالسلطان، فأجمع رأيه على عزله، وشاع ذلك بين الناس فى أوائل الشهر، فلما كان فى هذا اليوم رسم السلطان بانفصاله، وعامله حالة العزل بإحسان كثير، وذلك أنه رسم له فى يوم الخميس هذا تنفيذ الأشغال والكتابة على عادته إلى ما بعد صلاة العصر، ثم قام من مجلس الوزارة، وخرج وحجابه بين يديه، ومن جرت العادة بركوبه فى موكبه من أرباب المناصب، وركب والناس يدعون له، ويستبشرون ببقائه واستمراره، فلما وصل إلى داره بالقاهرة، واستقر بها خرج خادمه، وصرف من على بابه من الغلمان والمقدمين والسعاة وغيرهم، وأعلم من كان على الباب بانفصاله، ولم يستقر فى خدمته من غلمانه إلا من كان فى خدمته من قبل وزارته، وانقطع بداره ولم يركب/ فى يوم الجمعة إلى الجامع، ولا أذن لأحد فى الدخول عليه، ثم رسم السلطان ألا يتعرض إليه، وأقر باسمه ما كان قد رتب له عند انفصاله من طرابلس، وأذن له أن يتصرف ويركب فى مصالحه.
واستوزر السلطان بعده مملوكه الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، وهو يومئذ أستاذ الدار العالية [3] ، وأقره فى الوظيفتين، وخلع عليه فى يوم الجمعة
__________
[1] انظر فى هذا الخبر المقريزى (السلوك 2/256، 257) .
[2] هو أمين الدين عبد الله بن تاج الرياسة القبطى، أسلم على يد بيبرس الجاشنكير، توفى سنة 740 أو سنة 741، وترجمته فى ابن حجر (الدرر 2/251، 252) .
[3] راجع ابن حجر (الدرر 2/252) ففيه أن الصاحب أمين الدين هو الذى أشار على السلطان بتولية مغلطاى الجمالى الوزارة من بعده، وقال له: إن الوزارة، لا تصلح إلا إذا وليها تركى.
(33/72)

التاسع من الشهر، وأمر السلطان بصرف ناظرى النظار، وهما: القاضى موفق الدين والقاضى شرف الدين بن زنبور [1] ، ورتب القاضى شهاب الدين بن سعد الدين الأقفاصى [2] فى نظر الدواوين، وكان يلى نظر البيوت السلطانية، وخلع عليه بغير طرحه، وكتب إلى الشام بطلب القاضى شمس الدين غبريال [3] ناظر الشام، فحضر على خيل البريد، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس/ (68) الثانى والعشرين من الشهر فرتب ناظر النظار والصحبة، وخلع عليه.
ورتب كريم الدين عبد الكريم المعروف بالصغير فى نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال [4] ، وخلع عليه فى يوم السبت الرابع والعشرين من شهر [5] رمضان، وتوجه من الشام على خيل البريد فى يوم السبت السادس [6] عشر من شوال، فوصل إلى دمشق فى يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر، وخلع عليه بدمشق أيضا فى يوم الأحد، وباشر الوظيفة.
وكان قد رسم بطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصى- شادّ الدواوين بحلب- ليرتب فى شد الدواوين بالأبواب العالية، فحضر، وخلع عليه، ورتب فى وظيفة الشد، وحضر مع الوزير فى المجلس وشاركه فى الكلمة والتنفيذ، فرسم له ألا يتعدى عادة المشدين فى الجلوس على باب دار الوزارة، فامتنع من ذلك، فلما وصل القاضى شمس الدين من الشام رتب علم الدين المذكور فى ولاية الجيزية، وأظهر له أن الوظيفتين معه ورسم له أن يتوجه إلى الجيزية، ويحضر إلى القلعة فى يومى الخميس والاثنين، ويعود فى بقية النهار إلى
__________
[1] «ابن زنبور» فى الدرر (2/241) أن اسمه عبد الله بن تاج الدين أحمد بن إبراهيم علم الدين المعروف بابن زنبور، ويبدو أنه غير المذكور هنا فهذا لقبه شرف الدين. وانظر: المنهل الصافى (1/177 حاشية 1) .
[2] فى «أ» و «ك» (الأقفاصى) وفى السلوك (2/256) شهاب الدين بن الأقفهسى، وفى مراصد الاطلاع:
أن أقفاص هو نطق العوام لأقفهس، وهى بلدة بصعيد مصر من كورة البهنسا، وأوردها ابن مماتى فى قوانين الدواوين (104 فى كورة البهنساوية، وضبطها أقفهس بكسر الهمزة.
[3] عبد الله بن صنيعة القبطى أسلم سنة 701 هـ ومات فى شوال 734 هـ (الدرر 2/262) .
[4] فى «أ» ص 68 «عوضا عن شمس الدين المذكور»
[5] ما بين القوسين زيادة عن «أ» ص 68.
[6] فى المقريزى (السلوك 2/256) أن توجهه على خيل البريد إلى الشام كان فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شوال.
(33/73)

الجيزية، وندب معه شهاب الدين الناظر، ثم رسم بعد ذلك أن يتوجه الأمير علم الدين المذكور إلى طرابلس على وظيفة [1] الشد بها، فتوجه وباشر الوظيفة المذكورة مدة يسيرة ثم عزل عنها.
وأما ناظرا النظار المنفصلان فإن القاضى شرف الدين بن زنبور لما أفصل من النظر، رتب فى نظر خزائن السلاح، وخلع عليه، ونقل ناظر خزائن السلاح- وهو القاضى علاء الدين بن القاضى برهان الدين البرلسى [2]- إلى نظر بيت المال على عادته القديمة، وأعيد القاضى تاج الدين بن السكرى ناظر بيت المال إلى شهادة الخزانة/ (69) .
وفى ذو القعدة من السنة طولب الصاحب أمين الدين والقاضى موفق الدين ناظر النظار- كان- بتفاوت ثمن كتان كان الصاحب قد رسم بأخذه من بعض فلاحى الجيزية من جملة ما عليهم من البواقى بمبلغ مائة ألف درهم، ولم يحفظ القيمة وقرر على الصاحب أمين الدين خمسون ألف درهم، وعلى القاضى موفق الدين خمسة وعشرون ألف درهم [3] ، ورسم باستخراج جامكية شهرين من سائر مباشرى الدواوين السلطانية، فاستخرج ذلك منهم.
وفى هذه السنة سقط من منارة الإسكندرية أكثرها، وكان سقوط ذلك شيئا فشيئا، وفيها- فى ذى الحجة- وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد صاحب خراسان والعراقين وما مع [4] ذلك، ومثلوا بين يدى المقام الشريف السلطانى بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الاثنين ثامن الشهر، وأحضروا صحبتهم من التقادم والهدايا ما لم تجر بمثله عادة لكثرته، وخلع السلطان عليهم، وشملهم بالإنعام الوافر، ورسم بعودهم فى يوم الخميس حادى عشر الشهر.
__________
[1] فى المصدر السابق أنه حين عزل من شد الدواوين ولى الجيزة نحو شهرين ثم أخرج إلى طرابلس شادا للدواوين بها، وفى (الدرر 2/173) أن وفاته سنة 743 هـ.
[2] فى المقريزى (السلوك 2/245) علاء الدين البرلسى، وفيه صفحة 1011 علاء الدين على بن البرهان إبراهيم بن ظافر البرلسى.
[3] انظر فى هذا الخبر المصدر السابق ص 257.
[4] فى «أ» ص 69 وتابع ذلك.
(33/74)

ذكر متجددات وحوادث كانت بالشام
فى هذه السنة غلت أسعار الغلال بالشام وانتهت غرارة [1] القمح بدمشق إلى مائة وعشرين درهما، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر- خلد ملكه [2]- برز أمره المطاع بما أوجب انحطاط الأسعار/، وذلك أنه رسم بإبطال ما على الغلال من المكس فى سائر البلاد الشامية، وذلك فى شهر ربيع الآخر، ثم رسم للنائب بالكرك المحروس أن ينقل إلى دمشق المحروسة/ (70) جملة من الغلال التى بها، فانحلت الأسعار، ثم رسم لسائر الأمراء بالديار المصرية أن يحملوا الغلال إلى دمشق، وقرر على كل أمير حمل جملة معينة من الغلال، وأن يحضر نائبه ما يدل على وصول ذلك إلى دمشق، فحملت الغلال، وانحطت الأسعار انحطاطا كثيرا، ولله الحمد.
وفيها- فى شهر ربيع الآخر- رسم بعزل قاضى القضاة بالشام جمال الدين الزّرعى [3] بسبب شكوى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز [4] منه، فوصل المثال السلطانى إلى دمشق بعزله فى الخامس والعشرين من الشهر، وعرض القضاء على الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين فامتنع عن الإجابة إلى ذلك، واعتذر بالعجز والمرض، وصمم على الامتناع، فعند ذلك طلب الخطيب القاضى جلال الدين محمد بن قاضى القضاة سعد الدين عبد الرحمن بن قاضى القضاة إمام الدين عمر القزوينى [5] ، فوصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى، واجتمع بمولانا
__________
[1] الضبط من: الألفاظ الفارسية المعربة ص 115 وفارسيته بكسر الغين.
[2] فى «أ» ص 69 (خلد الله سلطانه) .
[3] سليمان بن عمر بن سالم بن عمر بن عثمان الشافعى، أصله من المغرب، ولد بأذرعات فعرف بالأذرعى، واشتهر بجمال الدين الزرعى توفى سنة 734 (الدرر 2/159- 162) .
[4] تنكز- بضم أوله وثالثه- ومعناه بالتركية البحر (صبح الأعشى 5/425) ويكنى أبا سعيد، جلب إلى مصر وهو صغير فاشتراه الأشرف، ثم أخذه لاجين ثم صار إلى الناصر، وأصبح له فى دولته نفوذ، له ترجمة مطولة فى (الدرر 1/520- 528) . وضبطه ابن تغرى بردى فى النجوم ج 9 فى جميع المواضع بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه.
[5] مولده سنة 666 هـ بالموصل، ووفاته بدمشق فى سنة 739، وله فى الدرر (4/3) ترجمة وافية، وانظر وفاته فى النجوم (9/318) .
(33/75)

السلطان وخطب بجامع القلعة، وصلى بالسلطان فى يوم الجمعة، وفوض إليه القضاء بالشام، وخلع عليه فى يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الآخرة، وأنهى إلى السلطان أن عليه دينا شرعيا، فأنعم عليه بألف دينار ومائة دينار وستين دينارا عينا، وأرسل الذهب صحبة البريد إلى نائب السلطنة بالشام [وكره] [1] أن يحضر أرباب الديون، ويعطوا أموالهم بمقتضى حججهم، ففرق ذلك عليهم، وتوجه القاضى جلال الدين المذكور من الأبواب السلطانية إلى دمشق فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ووصل إلى دمشق فى خامس شهر رجب، وفوض قضاء العسكر الشامى للقاضى جمال الدين أحمد بن القاضى الصدر المرحوم شرف الدين/ (71) محمد بن محمد القلانسى التميمى [2] ، وخلع عليه فى سادس شهر رجب بدمشق، وخوطب بقاضى القضاة، هكذا ذكر الشيخ علم الدين البرزالى [3] فى تاريخه [وأقام القاضى جمال الدين الزرعى بدمشق بعد أن عزل عن القضاء إلى أواخر سنة ست وعشرين ففارقها، وحضر إلى القاهرة المحروسة فوصل إليها فى يوم الأربعاء منتصف ذى الحجة منها، واجتمع بالسلطان فى تاسع المحرم سنة سبع وعشرين، ولم يفوض إليه ولاية، وسكن قرب السلمية خارج باب النصر] [4] .
وفيها فوض السلطان قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضى كمال الدين ابن الزّملكانى [5] ، وجهز إليه التقليد السلطانى بالولاية إلى دمشق، فوصل فى يوم السبت تاسع عشر شعبان، فامتنع من قبول ذلك، فطولع السلطان بذلك، فغضب منه، وأمر بعزله من مناصبه بدمشق، ثم شفّع فيه، فعاد المرسوم بتوجهه، ووصل المثال بذلك إلى دمشق فى ثانى عشر شهر رمضان، فقبل
__________
[1] الزيادة من «أ» ص 70.
[2] أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله التميمى جمال الدين بن شرف الدين القلانسى، وفاته فى ذى القعدة سنة 731 هـ (الدرر 1/300) وقد أورد النويرى ترجمته فى وفيات سنة 730 هـ- من هذا الجزء) .
[3] القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف: علم الدين بن البرزالى مولده سنة 665 هـ وفاته فى ذى الحجة سنة 739 هـ (عن الدرر 3/237 والنجوم 9/318 و 319) .
[4] ما بين القوسين ورد فى «أ» بهامش ص 71.
[5] محمد بن على بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصارى الدمشقى ابن الزملكانى نسبة إلى زملكان بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه، قرية بغوطة دمشق يسميها أهلها أحيانا زملكا- بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه وإسقاط النون- ولد سنة 667 وتوفى سنة 727 (عن الدرر 4/74- 78 ومراصد الاطلاع) .
(33/76)

الولاية، وتوجه إلى حلب فى يوم الخميس رابع عشر شوال، ووصل إلى حلب فى السادس والعشرين منه، وكان سبب هذه الولاية [1] أن قاضى القضاة زين الدين عبد الله بن محمد بن عبد القادر الأنصارى [2] الشافعى قاضى حلب توفى إلى رحمه الله تعالى بحلب [فى يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب منها] [3] .
وفى هذه السنة يوم الاثنين- عند الزوال- سابع شهر ربيع الآخر توفى الشيخ الإمام العالم نور الدين على بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن بن يحيى بن الحسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه [4] ، وكانت وفاته بمصر بدار القاضى فخر الدين بن مسمار المعروف بابن شكر، ودفن بالقرافة الصغرى فى بكرة نهار الثلاثاء بتربة ابن عم والده الشيخ عبد المؤمن بن إسماعيل بن عبد المحسن البكرى، ويعرف بالطواشى عطا [الله، وكان رحمه] [5] / (72) الله تعالى من العلم بالمكان الذى لا يجهل وله مصنفات منها: شرح التسهيل لابن مالك فى مجلدين، وكتاب فى علم البيان، وغير ذلك مما لم يكمله رحمه الله تعالى وإيانا.
وفيها توفى الطواشى الأمير شجاع الدين عنبر أمير لالا الخزندار، وزمام الأدر [6] ، السلطانية، وكانت/ وفاته بقلعة الجبل فى ليلة الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة بجوار الدينورى، وكان يتولى نظر المدرسة الناصرية والمدرسة الأشرفية والتربة الخاتونية ونظر الأحواض، ومشيخة الخدام النبوية، وله إمرة عشرة طواشيه، وكان سىّء الخلق، كثير
__________
[1] أورد ابن حجر (الدرر 4/76) سببا آخر لرفض ابن الزملكانى للولاية أولا ثم قبوله إياها بعد ذلك.
[2] زين الدين الأنصارى: عبد الله بن عبد القادر بن ناصر بن الحسين بن على ولد سنة 654 ومات سنة 724 هـ (الدرر 2/295 و 296) .
[3] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 71.
[4] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 3/139) وقد أورد النويرى نسبه كاملا فى هذا الجزء لأنه بكرى مثله.
[5] زيادة من «أ» ص 71.
[6] هكذا فى «أ» و «ك» ، وفى السلوك (2/258) ومات الطواشى عنبر الأكبر زمام الدور. وفى النجوم (9/262) زين الدين عنبر الأكبر زمام الدور السلطانية.
(33/77)

الحمق شحيحا، يستقل لنفسه الكثير، ويستكثر لغيره القليل، وكان كثير التحصيل يبيع ما يهدى إليه من [المآكل] [1] وغيرها، ومع ذلك فلم يوجد له طائل موجود، ولما ولى نظر المدرسة الناصرية حجب كتاب وقفها أن يطّلع عليه أحد من مستحقى الوقف، ولم يسلك فيها شرط واقفها، وصرف للفقهاء والمعيدين [2] نصف ما شرط لهم فى كتاب الوقف، واقتطع مما صرفه أولا فى كل سنة ثلاثة أشهر، فلما مات وفوض السلطان نظر المدرسة لنائبه الأمير سيف الدين أرغن الناصرى [3] أظهر كتاب الوقف، وتتبع ما شرطه السلطان الواقف فيه، وصرف بمقتضاه، وزاد عدة الفقهاء، وضاعف معلومهم، أثابه الله تعالى.
وفيها توفى القاضى بهاء الدين أبو المنصور محمد بن أحمد [بن أحمد] [4] بن الشيخ صفى الدين الحسين بن على بن ظافر بن حسين الأنصارى الخزرجى المعروف بابن أبى المنصور المصرى المالكى،/ (73) وكانت وفاته بمصر فى العشر الأخر من جمادى الآخرة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير نصر [5] الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، أحد أمراء الطبلخانات، وكانت وفاته بداره بالقاهرة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بتربة حميه الأمير شمس الدين قشتمر العجمى خارج باب النصر، وكان رحمه الله حسن المعاملة، كثير الصدقة من بقايا الخير.
__________
[1] ما أثبتناه من «أ» ص 72 وفى «ك» (الأكل) .
[2] المعيد: الذى يتولى تفهيم بعض الطلبة ونفعهم وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة: (معيد النعم ومبيد النقم 108) .
[3] جرت نسخة «أ» على رسمه هكذا من غير واو بعد الغين، وكذلك يأتى فى «ك» أحيانا وفى السلوك والنجوم (9/14 و 27 و 38) يرسم بالواو، وهو أرغون بن عبد الله الدوادار الناصرى، وانظر ترجمته فى الدرر.
[4] ما بين الحاصرتين لم يرد فى سلسلة نسبه كما ذكرها ابن حجر (الدرر 3/313) .
[5] ترجمته فى الدرر (3/395) وفى النجوم (9/262) ناصر الدين، وذكر أنه كان من مقدمى الألوف بالديار المصرية.
(33/78)

وتوفى الأمير محمد بن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وكانت وفاته بسلمية [1] فى يوم السبت سابع شهر رجب، ودفن عند والده بقرية الأساود [2] رحمه الله تعالى.
وفيها ورد الخبر بوفاة الوزير تاج الدين على شاه بن أبى بكر التبريزى وزير الملك [3] أبى سعيد بن خربندا، وأن وفاته كانت فى ثامن جمادى الآخرة بأرجان [4] ، وحمل إلى تبريز، فدفن بتربته، وكان شيخا جليلا، ولى الوزارة بعد مقتل سعد الدين الساوى فى شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة، واستمر فى الوزارة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء الثانى والعشرين [5] من شعبان توفى الشيخ المحدّث نجم الدين أبو بكر عبد الله بن على بن عمر بن سبل بن رافع بن محمود الصنهاجى الحمزى بالقرافة الصغرى ودفن بها، ومولده فى سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، سمع الكثير من الحديث، وأسمع قبل وفاته، وكان سهلا فى الإسماع رحمه الله.
/ (74) واستهلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة بيوم الأربعاء الثالث والعشرين من كيهك من شهور القبط.
فى هذه السنة ورد إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول متملك [6] اليمن يستنجد السلطان، ويستغيث به، ويستصرخ به على ابن عمه
__________
[1] سلمية (بفتح أوله وثانيه وسكون الميم) بليدة بناحية البرية من أعمال حماه بينهما مسيرة يومين بسير الإبل، وأهل الشام ينطقونها بكسر الميم وتشديد الياء (النجوم الزاهرة 2/119 حاشية 2) .
[2] الأساود: الذى فى ياقوت (معجم البلدان 1/219 ط. القاهرة) أنه اسم ماء على يسار الطريق للقاصد إلى مكة من الكوفة.
[3] انظر ترجمته فى الدرر (3/34) وفيها أنه «كان فى أول أمره سمسارا، وأنه تمكن من دولة أبى سعيد، وكان مغرما بالعمارة، وكان محبا لأهل السنة، مصافيا للناصر محمد بن قلاوون.
[4] أرجان (براء مفتوحة مشددة) مدينة كبيرة كثيرة الخير وهى قصبة كورة من مور فارس (عن معجم البلدان 1/180) .
[5] ترجمته فى الدرر (3/276، 277) وفيها أن وفاته كانت فى عاشر شعبان.
[6] فى «أ» ص 74 ملك اليمن. وانظر ترجمته فى الدرر (3/49 و 50) وفيها أن وفاته كانت سنة 764 أو 767 هـ. وفى الخزرجى (العقود اللؤلؤية 2/124) أنها كانت فى الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة 764 هـ.
(33/79)

الملك الظاهر أسد الدين عبد الله بن الملك المنصور زين الدين أيوب بن الملك المظفر شمس الدين، وغيره ممن خرج عليه من المماليك، واستولوا على بلاده، وحصروه بقلعة تعز على ما نذكر ذلك.
وقد رأينا أن نبدأ فى هذا الموضع بذكر أخبار بلاد اليمن، وسياقة أخبار ملوكها، إلى أن انتهى الملك إلى الملك المجاهد هذا المرسل الآن.
(33/80)

ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال ومن استقل بملكه وسميت أيامهم بالدولة الفلانية
اعلم- وفقك الله تعالى وإيانا- أيها المطالع/ لهذا الكتاب، المتأمل لما اشتمل عليه من الفصول والأبواب، الباحث عن جمله وتفصيله، المستوعب لتراجمه وفصوله، أننا لم نترك إفراد بلاد اليمن بباب مستقل يشتمل على أخبارها، ويستدل/ (75) من مضمونه على آثارها، ويعلم منه أخبار من وليها من العمال فى السنين السالفة، ومن استقل بملكها فى المدد الماضية والآنفة، ذهولا عنه ولا إهمالا، ولا أخرناه استخفافا بقدرها ولا استقلالا، لكنا لم نقف فيما سلف على تاريخ جرّد لذكرها وألّف، ولا كتاب أفرد فى أخبارها وصنّف، وإنما كنا نقف من أخبارها على النّبذة الشاردة، والإشارة التى تكون فى أخبار غيرها من الدول واردة، فنورد من ذلك ما نقف عليه فى أثناء أخبار الدولة الأموية والعباسية، والملوك الأيوبية، والأيام المنصورية والناصرية، ونحن مع ذلك نتوكّف [1] أن نقف على مؤلّف يجمع سيرها وأخبارها، ومصنّف يكشف أستارها ويبرز أسرارها، ونسأل عن ذلك كل قادم ووارد، فلا نجد من يرد ضالّة هذه الشوارد، إلى أن وصل إلى الديار المصرية المولى القاضى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد بن عبد الله اليمانى كاتب درج [2] الملك المؤيد داود- كان- من البلاد اليمنية وهو الذى أشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب، وذكرنا جملة من رسائله البليغة، وآدابه البديعة، فأوقفنى على كتاب ألفه لما عاد إلى البلاد اليمنية سماه: «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» وهو فى مجلّدة خدم بها الملك الظاهر المذكور آنفا، فلخصت منه ما أورده الآن، فاجتمعت أخبار اليمن فى هذا المكان بحسب الإمكان، وهى نبذة/ (76) يستدل بها على أخباره، ولمعة تهدى المتأمل إليها إلى آثاره، وإذا انتهينا- إن شاء الله تعالى إلى آخر ما أورده من أخبار اليمن- إلى آخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، عدنا إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة وما بعدها.
__________
[1] يقال: توكف الأثر إذا تتبعه.
[2] كاتب الدرج: هو الذى يكتب المكاتبات والولايات وغيرها غالبا، وربما شاركه فى ذلك كتاب الدست.
(صبح الأعشى 5/465) .
(33/81)

قال- أدام الله الانتفاع بفوائده، وأجزاه [1] من ألطافه على أجمل عوائده- فى كتابه ما مختصره- وفى بعض ألفاظه ما أوردناه بالمعنى-:
توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة اليمن ثلاثة، وهم: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على صنعاء وأعمالها، ومعاذ بن جبل الأنصارى على الجند ومخاليفها، والمهاجر بن أبى أمية المخزومى على حضرموت.
فلما ظهر الأسود العنسى باليمن- كما قدمناه- لحق الأمراء المذكورون بأبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستخلف معاذ على عمله عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، وهو والد عمر بن أبى ربيعة الشاعر المشهور، واستخلف أبان بن سعيد على عمله يعلى بن منبه [2] التميمى حليف بنى نوفل بن عبد مناف، واستخلف المهاجر عكرمة بن أبى جهل [3] .
فلما قتل العنسى، وفاء أهل اليمن إلى الإسلام، أقر أبو بكر رضى الله تعالى عنه عبد الله بن أبى ربيعة على الجند ومخاليفه، ويعلى على صنعاء وأعمالها، واستمر أهل حضر موت على الردة والعصيان.
فلما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أقر عبد الله ويعلى على عمليهما، ثم عزل عمر يعلى لشكاية، واستعمل المغيرة بن شعبة على صنعاء، فشخص يعلى إلى عمر يظهر بطلان/ (77) الشكاية وأن الحق كان بيد يعلى، فرده عمر إلى عمله بعد سنتين، فأقام ما شاء الله، ثم شكى إلى عمر، فأمر بإشخاصه إليه ماشيا، فخرج حتى إذا كان على أميال من صنعاء لقيه الخبر
__________
[1] كذا بالأصل، والصواب أن يقال: جزاه أو جازاه.
[2] فى المقتطف من تاريخ اليمن ص 44 «يعلى بن أمية» ، وفى زامباور (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 175 يعلى بن منيه (بياء مشددة) أو أمية. وفى صبح الأعشى (5/26) يلى بن منبه- بالباء مكان الباء.
[3] فى هامش «أ» ص 76 وردت العبارة الآتية بخط مغاير «قلت: إن النبى صلى الله عليه وسلم رأى فى منام أنه دخل الجنة، فرأى فى الجنة عذقا لطيفا، فسأل عن صاحبه، ولمن أعده الله تعالى؟ قالوا: لأبى جهل، فانتبه فزعا، وكان يقول- صلى الله عليه وسلم- حينا بعد حين: ما لأبى جهل والجنة؟ فو الله الذى نفس محمد بيده لا يصير هذا أبدا، فلما جاء عكرمة مريدا الإسلام، ورآه صلى الله عليه وسلم من بعيد، فبادر يقول: هذا هو العذق الذى كنت رأيته فى الجنة، فأسلم عكرمة، وحسن إسلامه رضى الله عنه» .
(33/82)

بقتل عمر وخلافه عثمان، وإقراره على عمله، فعاد راكبا، فلم يزل على عمله إلى أن قتل عثمان، وكذلك ابن أبى ربيعة.
فلما استخلف على بن أبى طالب رضى الله عنه استعمل على جميع اليمن ابن عمه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، ففارق يعلى وابن أبى ربيعة اليمن، وأتيا مكة، وانضمّ يعلى إلى طلحة والزبير وعائشة، وخالف عليا، وأعان بمال وإبل كما قدمنا فى أخبار على بن أبى طالب رضى الله عنه، واستمر عبيد الله باليمن أيام على، ثم تخاذل عنه أصحابه.
وأرسل معاوية بسر بن [1] أرطأة إلى اليمن، فسفك الدماء وارتكب الأفعال الشنيعة، وقتل ابنى عبيد الله كما تقدم، فلما ولى معاوية بعث إلى اليمن عثمان الثقفى، ثم عزله وجمع اليمن بكماله لأخيه عتبة بن أبى سفيان، فولى ثلاث سنين، ثم مات فاستعمل/ معاوية على اليمن النعمان بن بشير الأنصارى، فمكث سنة ثم عزله واستعمل [سعيد بن] [2] دادوية من أبناء الفرس، فولى تسعة أشهر، ومات، فاستعمل الضحاك بن فيروز، فولى بقية أيام معاوية.
فلما مات معاوية استعمل يزيد بجير بن زيان الحميرى على المخلافين:
مخلاف صنعاء ومخلاف الجند، قاطعه عليهما بمال عظيم فى كل سنة يرسله إليه، وكان بجير عاتيا متجبرا، فكان باليمن حتى هلك يزيد بن معاوية، وظهر عبد الله بن الزبير بمكة فأطاعه أهل اليمن إلا القليل منهم، فاستعمل ابن الزبير الضحاك بن/ (78) فيروز فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فولى سنة، ثم عزله بعبد الله بن أبى وداعه السهمى، فمكث سنة وثمانية أشهر، ثم عزله بأخيه عبيدة بن الزبير، فمكث خمسة أشهر، وعزله وولى قيس بن يزيد السعدى أحد بنى تميم، فمكث عشرة أشهر، ثم عزله واستعمل ولاة كان الرجل منهم يلى أربعة أشهر وخمسة أشهر ويعزله، حتى قتل عبد الله بن الزبير.
__________
[1] فى «ك» «بشر» وما أثبتناه من «أ» ص 77 وتاج العروس (3/42) . ويقال بسر بن أبى أرطاة العامرى القرشى.
[2] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 77.
(33/83)

وولى الحجاج بن يوسف لعبد الملك بن مروان، فبعث الحجاج على اليمن أخاه محمد بن يوسف، فولى إلى آخر أيام عبد الملك وتوفى، وكان قد جمع المجذومين بصنعاء، وجمع لهم الحطب ليحرقهم، فمات قبل ذلك، فاستعمل الحجاج- بأمر الوليد بن عبد الملك- ابن عمه أيوب بن يحيى [1] الثقفى، فولى مدة أيام الوليد.
فلما تولى سليمان بن عبد الملك استعمل على اليمن عروة بن محمد السعدى، فولى ست سنين.
فلما ولى يزيد بن عبد الملك استعمل مسعود بن عوف الكلبى، فولى أيام يزيد.
فلما ولى هشام بن عبد الملك بعث يوسف بن عمر الثقفى على جميع مخاليف اليمن، فمكث عليه ثلاث عشرة سنة، ثم نقله هشام بن عبد الملك إلى ولاية العراق، كما قدمناه فى سنة ست وعشرين ومائة، واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فولى خمس سنين إلى أن توفى هشام.
وولى الوليد بن يزيد، فاستعمل مروان بن محمد بن يوسف، وهو ابن أخى الحجاج.
فلما ولى يزيد بن الوليد الناقص استعمل الضحاك بن واصل السّكسكى [2] .
فلما غلب مروان بن محمد على الأمر استعمل القاسم بن عمر [3] الثقفى أخا يوسف بن عمر.
وكان قد/ (79) ثار بحضرموت الأعور الخارجى [4] ، فلم يلبث القاسم أن قصده الأعور إلى صنعاء فانهزم عنه، وقتل ابن أخيه الصلت بن يوسف، وغلب
__________
[1] فى الواسعى (تاريخ اليمن ص 147) أيوب بن يحيى الثقفى، وفى الجرافى (المقتطف 47) أيوب بن محمد.
[2] السكاسك: من بطون كندة، قال ابن خلدون (العبر 2/276) لهم مجالات شرقى اليمن متميزة، وهم معروفون بالسحر.
[3] فى الواسعى (تاريخ اليمن 147) «القاسم بن عميرة الثقفى» .
[4] هو عبد الله بن يحيى الحضرمى، وانظر المصدر السابق 147 و 148 والمقتطف للجرافى ص 48.
(33/84)

عبد الله بن يحيى الأعور على اليمن سنة وأربعة أشهر، واستولى نايبه أبو حمزة الخارجى على مكة، وقتل أهل قديد [1] ، وسار فاستولى على المدينة فأقام بها أربعة أشهر، ثم سار يريد الشام، فبلغ وادى القرى، فلقيه جيوش الشام الذين بعثهم مروان بن محمد مع عبد الملك بن عطية السعدى، فقتلهم عبد الملك بوادى القرى حتى أصفى اليمن منهم، وسار إلى حضرموت، فأتاه كتاب مروان بتوليه الموسم، فصالحهم وسار فى ركب قليل، فقتل كما قدمنا، فبعث مروان الوليد بن عروة بن محمد على اليمن، فكان عليه إلى أن انقضت الدولة الأموية.
ذكر عمال اليمن فى الدولة العباسية
لما بويع أبو العباس السفاح بالخلافة فى سنة اثنين وثلاثين ومائة بعث على الحجاز واليمن عمه داود بن على بن عبد الله بن العباس، فاستخلف داود على اليمن عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب العدوى القرشى، فمكث خمسة أشهر ومات، فاستعمل أبو العباس على اليمن محمد بن زيد [2] بن عبد الله بن زيد بن عبد المدان الحارثى، فقدمها لسبع مضين [3] من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث أخا له على عدن، وقصد إحراق المجذومين بالنيران بصنعاء، وجمع لهم الحطب، فمرض أياما يسيرة ومات قبل إحراقهم، ومات أخوه بعدن، وكانت ولاية محمد بن زيد خمسة أشهر/ (80) فبعث السفاح عبد الله بن مالك الحارثى، فمكث أربعة أشهر ثم عزله واستعمل على بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان، فولى أربع سنين وأشهرا.
فلما استخلف أبو جعفر المنصور استعمل على اليمن عبد الله بن الربيع/ ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثى، فأقام مدة وسار نحو المنصور، واستخلف ابنه، فأقام باليمن حتى قدم عليه معن بن زائدة الشيبانى فى شهر ربيع الأول
__________
[1] قديد: موضع قرب مكة (مراصد الاطلاع) وفى المقتطف 49: أن هذه الوقعة كانت فى مكان يقال له «بدبد» وعبارته: وقتل أهل المدينة فى واد يقال له واد بدبد» .
[2] فى تاريخ ابن خلدون (3/177) محمد بن يزيد بن عبيد الله.
[3] فى المقتطف ص 48 «لسبع بقين» .
(33/85)

سنة أربعين ومائة، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وبعث معن ابن عم له يقال له سليمان إلى المعافر [1] ، فقتلوه، فغزاهم، فقتل منهم وأكثر، ثم انتقضت حضرموت على معن فسار إليهم، وأوقع بهم عدة وقعات قيل بلغت قتلاهم خمسة عشر ألفا، فأعظم الناس ذلك، ثم رجع إلى صنعاء وكتب إلى المنصور بذلك فاستصوب فعله؛ لأنهم بقية الخوارج الذين قتلوا أهل قديد ومن أهل المدينة.
ثم سار معن إلى المنصور، واستخلف ابنه زائدة، فلما قدم العراق استعمله المنصور على سجستان، فكانت ولايته اليمن- بمقام ابنه- تسع سنين.
وبعث المنصور على اليمن الضّراب [2] بن سالم العبسى، فمكث ثلاث سنين، ثم عزله بيزيد بن منصور الحميرى ابن خال [3] المهدى، وذلك فى سنة أربع وخمسين ومائة، فأقام بقية خلافة أبى جعفر، وأقره المهدى بعده، فلما كان الموسم كتب إليه بموافاته ففعل، واستخلف عبد الخالق بن محمد الشهابى [4] فولى شهرين ونصفا، وقدم عليه رجاء بن روح الجذامى [5] فى ذى الحجة سنة تسع وخمسين ومائة فأقام رجاء ثلاثة عشر شهرا.
ثم بعث المهدى على اليمن على بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، فقدمها فى المحرم سنة إحدى وستين ومائة، فأقام إلى سنة اثنتين وستين، وسار نحو العراق/ (81) واستخلف رجلا يقال له واسع بن عقيمة [6] ، فأقام أحد عشر شهرا، ثم بعث إلى اليمن عبد الله بن سليمان أخا على، فقدم
__________
[1] المعافر- بفتح الميم وكسر الفاء- من مخاليف اليمن (مراصد الاطلاع) وفى المقتطف 57 مخلاف المعافر: أشهر مخاليف منطقة الجبال والسهول الشرقية، وهو بلاد الحجرية.
[2] فى «أ» ص 80 تقرأ الكلمة أقرب إلى لفظ الضراب، فى «ك» وردت مهملة من النقط. وفى المقتطف ص 50 «الفرات بن سالم العبسى» .
[3] أم المهدى هى «أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن شمر بن يزيد الحميرى» (طرفة الأصحاب فى معرفة الأنساب ص 82 ط. المجمع العلمى بدمشق) .
[4] فى المقتطف ص 50 «عبد الخالق بن محمد الشيبانى» .
[5] كذا فى «أ» و «ك» ، ومثله فى الخزرجى، وفى المقتطف ص 50 نقلا عن تاريخ الكبسى «رجاء بن حيوة الجذامى» .
[6] كذا فى «ك» ، وفى «أ» ص 81 عصمه، وهو يوافق ما جاء فى المقتطف ص 50.
(33/86)

لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين ومائة، فأقام سبعة عشر شهرا، وبعث المهدى منصور بن زيد بن منصور الحميرى، فقدم فى سنة خمس وستين [وماية] ، فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن سليمان النوفلى فمكث سنة، ثم عزله بسليمان بن يزيد بن عبد المدان فأقام بقية خلافة المهدى.
فلما ولى الهادى- فى المحرم سنة تسع وستين ومائة- استعمل عبد الله ابن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عباس، ثم عزله بإبراهيم بن سليمان بن قتيبة بن مسلم الباهلى، فمكث أربعة أشهر، وتوفى الهادى.
فلما ولى الرشيد فى شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة استعمل خاله الغطريف بن عطاء فقدم اليمن والفتنة ثائرة بين الجند وأهل صنعاء، فأصلح أمرهم، وأقام على اليمن ثلاث سنين وتسعة أشهر، ثم سار نحو الرشيد واستخلف عبّاد بن محمد الشهابى، فبعث الرشيد على اليمن الربيع بن عبد الله ابن عبد المدان فقدم آخر سنة أربع وسبعين، فمكث سنة ثم عزله الرشيد بعاصم ابن عتبة الغسانى، فمكث سنة، ثم [عزل بأيوب بن جعفر بن سليمان بن على ابن عبد الله، فمكث سنة، ثم] [1] عزل بالربيع بن عبد الله الحارثى، والعباس ابن سعيد مولى بنى هاشم: الربيع على الصلاة والحرب، والعباس على الجباية، فأقام سنتين، وعزلا بمحمد بن إبراهيم القاسمى، وقد جمع له الحجاز واليمن، فأقام بالحجاز وبعث ابنه العباس فشكاه الناس، فعزله، وولى الرشيد اليمن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير [2] ،/ (82) وكان رزق عامل صنعاء فى الشهر ألف دينار، فجعل له الرشيد ألفى دينار، فقال له يحيى بن خالد: هذا يفسد عليك من توليه من أهل بيتك، فرد رزقه إلى ألف دينار ووصله بصلة جليلة، فأقام سنة ثم عزله، واستعمل أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى فى سنة إحدى وثمانين ومائة، ثم عزله واستعمل إبراهيم بن عبد الله بن طلحة بن أبى طلحة، من بنى عبد الدار، فأقام سنة ووثب به الجند، فعزله الرشيد، واستعمل محمد بن خالد بن برمك [3] ، فدخل صنعاء فى شوال سنة ثلاث
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، والزيادة عن «أ» ص 81.
[2] فى الجرافى (المقتطف ص 51) «عبد الله بن مصعب بن عبد الله بن الزبير» .
[3] توصف ولاية محمد بن خالد بن برمك على اليمن بالعدل، ومن آثار هذا الوالى أنه استخرج النهر الذى فى جنوبى صنعاء والمعروف «بغيل البرمكى» .
(33/87)

وثمانين، فأقام سنة ثم عزله الرشيد، واستعمل مولاه حمادا البربرى، فقدم فى شوال سنة أربع وثمانين، فلم يزل على اليمن بقية خلافة الرشيد إلى سنة ثلاث وتسعين، وعمّر اليمن فى أيامه، وأمّنت السبل، وظفر بالهيصم بن عبد الحميد [1] لما خالف عليه.
ولما ولى الأمين الأمر أقر حمادا مديدة، ثم سار نحو العراق واستخلف ابن أخيه، فكتب أهل اليمن إلى الأمين يشكونه، فعزله واستعمل محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعى، فقدم خليفة له، ثم قدم فاستخرج من عمال حماد أموالا جليلة، وعدل فى الناس ثم عزله الأمين واستعمل سعيد بن السرح الكنانى، فقدم صنعاء/ فى شعبان سنة خمس وتسعين، فأقام حتى ثارت الفتنة بين الأمين والمأمون، وسار طاهر بن الحسين لمحاربة الأمين، وضعف أمره.
فبعث طاهر بن الحسين على اليمن يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى [2] ، فقدم صنعاء آخر سنة ست وتسعين، فقبحت سيرته فى الناس، ثم آتاه رجل من أهل العراق يكنى أبا الصلت/ (83) قدم عليه طالبا، فلم يعطه شيئا، فرجع حتى إذا كان بضمر من بلد همدان وجد عمر بن إبراهيم بن واقد بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان نازلا مع أخواله أرحب من السلمانيين، فأخبره خبره، فقال: بئس والله ما صنع يزيد، ووصله بعشرين دينارا، فقال أبو الصلت: لا جرم، لأحسنن مكافأتك إن شاء الله تعالى، فخرج من عنده ومكث وقتا، ثم قدم عليه بكتاب افتعله بولايته اليمن [3] ، فقدم عمر ابنه محمدا فى نفر من الأعراب وقوم جمعهم، فقدم صنعاء فى صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وحبس يزيد بن جرير، ثم قدم أبوه فأقام وقتا، وأخرج يزيد من الحبس ميتا، وكانت ولاية عمر شهرا، ثم عزله المأمون
__________
[1] كذا فى «أ» و «ك» ، وفى المقتطف (51/52) الهيصم بن عبد المجيد، وأنه ثار فى جبل مسور، وحارب جند بنى العباس وهزمهم.
[2] فى الواسعى (تاريخ اليمن ص 149) : «يزيد بن جرير بن زيد بن خالد القسرى» وفى الجرافى (المقتطف ص 52) : «يزيد بن جرير بن يزيد بن جرير بن خالد بن عبد الله القسرى» .
[3] فى المصدرين السابقين- الموضع نفسه- وردت ولاية عمر بن إبراهيم بن واقد المذكور دون إشارة إلى هذه القصة، وكلا المرجعين يذكر أن المأمون هو الذى عزل يزيد بعمر، وأن ولايته لم تكن مفتعلة.
(33/88)

بإسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى، فقدمها فى ذى القعدة سنة ثمان وتسعين [وماية] ، فأقام بها سنة تسع وتسعين [وماية] ، ثم سار يريد الحجاز، واستخلف ابن عمه القاسم بن إسماعيل وذلك حين بلغه ظهور محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا بالكوفة، واستيلائه عليها، وإرساله جماعة من الطالبيّين نحو الحجاز، فاستولوا على المدينة ومكة، فلما انتهى إسحاق إلى ضمر وثب به الأعراب فقاتلوه، فرجع إلى صنعاء، فاتصل به قدوم إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبى واليا على اليمن بعثه الحسين بن الحسن الطالبى المعروف بالأفطس لما استولى على مكة والموسم، فقدم إبراهيم اليمن فى صفر سنة مائتين، فأسرف فى القتل حتى سمى الجزّار، ولم تزل أموره مستقيمة باليمن حتى ثار محمد بن إبراهيم، وقام بعده محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن على، فلما أسر محمد، وقتل أبو السرايا- كما/ (84) قدمناه- انحلت أمور الطالبيّين بالحجاز واليمن، فبعث المأمون محمد بن على بن عيسى بن ماهان [1] ، فكانت بينه وبين إبراهيم وقائع استظهر فيها ابن ماهان على إبراهيم، فأقام إبراهيم يتردّد فى القرى التى حول صنعاء حتى قدم عليه عهد المأمون بولاية اليمن، فأبى ابن ماهان أن يسلمها إليه، فالتقيا عند صنعاء فهزمه ابن ماهان، فعاد إبراهيم، ولم يستقم له أمر بعد ذلك، فقدم عيسى بن يزيد الخلودى [2] التميمى واليا، فجمع ابن ماهان عشرة آلاف مقاتل وخرج إليه ولده عبد الله من صنعاء، وقد خندق الخلودى على نفسه، فالتقوا فهزمه الخلودى، ودخل صنعاء، واستمرت الهزيمة بعبد الله حتى دخل مكة، واختفى أبوه بصنعاء، فقبض عليه الخلودى وحبسه، وفرّق عماله فى المخاليف، وشخص نحو العراق.
__________
[1] ورد اسمه فى المقتطف ص 53 «حمدويه بن عيسى بن ماهان» وفى الواسعى (تاريخ اليمن ص 149) ورد اسمه كما ذكره النويرى هنا، ولم يذكره زامباور (معجم الأنساب ص 176) فيمن ولى اليمن من قبل العباسيين.
[2] فى «أ» ص 84 الحلودى «بمهملة» والغالب على هذه النسخة عدم الإعجام، وفى «ك» الخلودى (بخاء معجمة) وأورده الجرافى (المقتطف ص 53) عيسى بن يزيد الجلودى بجيم مفتوحة، وذكره الواسعى (تاريخ اليمن: 149) عيسى بن زيد الجلودى بالجيم أيضا. وانظر معجم البلدان (جلود) .
(33/89)

ذكر أخبار دولة بنى زياد
كان المأمون قد قلد محمد بن عبد الله بن زياد الأعمال التهامية، وما استولى عليه من الجبال، فقدم اليمن فى سنة ثلاث ومائتين ومعه رجل تغلبى يسمى محمد بن هارون قاضيا، وهو جد بنى عقامة، ولم يزل الحكم فيهم يتوارث حتى أزالهم ابن مهدى حين أزال دولة الحبشة على رأس الخمسين وخمسمائة، فاستولى ابن زياد على تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب، واختط مدينة زبيد فى سنة أربع ومائتين، وكان مع ابن زياد مولى له يسمى جعفر، وهو الذى نسب إليه مخلاف جعفر،/ (85) وكان فيه دهاء وكفاية حتى كانوا يقولون: «ابن زياد بجعفره» واشترط على عرب تهامة ألا يركبوا الخيل، وسيره مولاه إلى المأمون فى سنة خمس ومائتين بهدايا جليلة وأموال عظيمة، فعاد فى سنة ست ومعه ألفا فارس فيهم من مسودة خراسان تسعمائة فعظم أمر ابن زياد، وملك حضر موت وديار كندة والشحر ومرباط، وأبين ولحج وعدن والتّهايم إلى حلى، وملك من الجبال أعمال المعافر/ والجند والمخلاف وقلده جعفرا [1] ، فاختط به مدينة المذيخرة فى جبل ذى أنهار ورياحين واسعة، وخطب لابن زياد بصنعاء وصعدة ونجران وبيحان، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقام بعده زياد بن إبراهيم فلم تطل مدته.
فملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم، فامتنع عليه أهل الأطراف، وانقطعت الخطبة له فى الجبال، واستولى سليمان بن طرف على المخلاف، وهو من الشّرجة إلى حلى، وجعل السّكة والخطبة باسمه، فكان مبلغ ارتفاع [2] عمله فى السنة خمسمائة ألف دينار عثرية [3] ، وهذا المخلاف هو
__________
[1] رواية ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 1/67 و 2/183 فى هذا الموضع هكذا: «وملك ابن زياد حضرموت، وديار كندة، والشحر، والمرباط وأبين ولحج وعدن والتهايم إلى حلى، وملك من الجبال::
الجند وأعماله، ومخلاف جعفر المعافر، وصنعاء، وصعدة، ونجران، وبيحان، وواصل ابن زياد الخطبة لبنى العباس، وحمل الأموال والهدايا السنية هو وأولاده من بعده» .
[2] الارتفاع: يقصد به النويرى، العمل الجامع الشامل لكل عمل، (نهاية الأرب 8/285) .
[3] فى الهمدانى (صفة جزيرة العرب ص 120) عثر- بفتح العين وسكون الثاء- وفى الجرافى (المقتطف ص 55 حاشية 1) مخلاف مشهور فى أقصى تهامة الشمالية كان به معدن الذهب، وفى المقدسى (أحسن التقاسيم ص 86) ضبطه بفتح العين والثاء المشددة.
(33/90)

المعروف بالسليمانى، نسبته إلى سليمان هذا، وخرج أيضا من ولاية أبى الجيش- لحج وأبين وما عداها- إلى البلاد الشرقية.
ومات أبو الجيش فى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة عن طفل اسمه عبد الله، وقيل زياد، فتولت كفالته أخته هند بنت أبى الجيش وعبد لأبيها يسمى رشدا،/ (86) أستاذ حبشى، فقام بأمر الطفل، فلما مات رشد قام بكفالته حسين بن سلامة، وصيف من أولاد النوبة، وينسب إلى أمه، وقد كان هذّبه رشد وأحسن تأديبه، فخرج حازما حفيفا وقام بالأمر، ووزر لولد أبى الجيش وأخته، وكانت دولتهم قد تضعضعت أطرافها، وغلبت ملوك الجبال على الحصون والمخاليف، فقام الحسين [1] بحربهم حتى استرجع أكثر مملكة ابن زياد الأولى، واختطّ مدينة الكدرا أعلى وادى سهام، ومدينة المعقر على وادى ذؤال، وكان عادلا فى الرعية، كثير الصدقات، وأنشأ الجوامع الكبار، والمنارات الطوال والقلب [2] العاديّة فى المفاوز المنقطعة، وبنى الأميال والفراسخ والبرد على الطرقات من حضرموت إلى مكة شرفها الله تعالى.
ومات حسين فى سنة اثنتين وأربعمائة، وقد انتقل الأمر إلى طفل آخر من آل زياد، فتولت كفالته عمة له وعبد أستاذ اسمه مرجان من عبيد الحسين بن سلامة، وكان له عبدان فحلان من الحبشة رباهما صغيرين، وولاهما الأمور كبيرين، أحدهما يسمى نفيسا جعل إليه تدبير الحضرة، والثانى يسمى نجاحا، وهو والد سعيد الأحول وجيّاش، وكان يتولى أعمال الكدرا والمهجم ومور والواديين، فوقع التنافس بين نجاح ونفيس على وزارة الحضرة، وكان نفيس غشوما مرهوبا، ونجاح ذا رفق بالناس عادلا محببا/ (87) إلى الرعية، وكان مولاهما مرجان يميل إلى نفيس، فنمى إلى نفيس، أن عمة ابن زياد تكاتب نجاحا، وتميل إليه، فأعلم مولاه، فأمره بالقبض عليها وعلى ابن زياد، فقبض
__________
[1] يعنى حسين بن سلامة المذكور قبلا، ويورده مؤرخو اليمن دائما باسم الحسين (بأل) وانظر «المقتطف 55 و 62 و 69» وابن المجاور (صفة بلاد اليمن (72 و 73) ، وبلوغ المرام ص 35.
[2] القلب: جمع القليب وهى البئر.
(33/91)

عليهما، وبنى عليهما جدارا وهما حيان يناشدانه الله حتى ختم عليهما، فكان بموت هذا الصبى انقراض دولة بنى زياد، وكانت مائتى سنة وثلاثا وستين سنة [1] .
وكان بنو زياد قائمين بخدمة خلفاء الدولة العباسية، وتولى صلتهم بالهدايا والأموال، فلما اختلّ أمرهم، وغلب أهل الأطراف على ما بأيديهم، فغلب بنو زياد على ما بأيديهم من أعمال اليمن، وركبوا بالمظلة، وساسوا قلوب الرعية بإبقاء الخطبة العباسية.
قال: «ولما بلغ نجاحا ما فعله نفيس فى مواليه استنفر الناس، وجمع العرب وقصده بزبيد، فجرت بينهما عدة وقائع قتل نفيس فى آخرها على باب زبيد، واستولى نجاح على زبيد فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وقال نجاح [لمرجان] [2] مولاه: ما فعل مواليك وموالينا [3] ؟ قال: هم فى ذلك الجدار فأخرجهما وصلى عليهما، وجعل مرجان فى موضعهما وبنى عليه حيا، وركب بالمظلة، وضربت السكة باسمه، وكاتب أهل العراق، وبذل لهم الطاعة.
وقد كان حين توفى الحسين بن سلامة، واختلف عبيده، هرب ملوك الجبال من سجنه، ولحقوا ببلادهم، فغلب بنو معن على عدن ولحج وأبين والشحر وحضرموت، وغلب بنو الكرندى [4]-/ (88) وهم قوم من حمير كانت لهم سلطنة ومكارم ظاهرة ومفاخر- على السوا والسّمدان والدّملوة وحصن صبر وحصن ذخر والتّعكر ومخاليفها، والمعافريّة والجعفرية والجندية، وتغلب على حبّ/ وحصن الشعر رجل يعرف بالحسين بن النّبّعى [5] ، وبنو عبد الواحد على
__________
[1] فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 71) كانت دولة بنى زياد فى اليمن مائتين وثلاث سنين لأنهم اختطوا مدينة زبيد سنة أربع ومائتين، وزالت عنهم سنة سبع وأربعمائة.
[2] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 88.
[3] فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 72 ما فعل مولاك بموالينا، وفى هامشه «ما فعل بمواليك وموالينا.
[4] فى «ك» الكربدى ومثله فى بلوغ المرام ص 20، وفى «أ» ص 88 غير منقوط، وفى صفة بلاد اليمن 72 (قوم من حمير يقال لهم بنو الكرندى) «وفى المقتطف ص 55» يعفر بن أحمد الكرندى الحميرى.
[5] فى «ك» ، وفى «أ» ص 88 غير منقوط، وفى المقتطف ص 55 «أبو عبد الله الحسين التبعى- بالتاء والباء المشددتين/ نسبة إلى تبع. وهو ما رجحناه.
(33/92)

برع والعمد [1] ونعمان، ولم يزل نجاح متوليا على الأعمال التّهامية حتى ملكها الصّليحى على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ثم كانت لهم دولة يأتى ذكرها بعد أخبار الصليحى- إن شاء الله تعالى- فنرجع إلى أخبار صنعاء، ومن وليها بعد الخلودى [2] .
ذكر أخبار صنعاء ومن وليها بعد الخلودى
قال: ولما شخص الخلودى إلى العراق قيل: إنه استخلف رجلا يقال له حصن بن المنهال، فأقام حتى قدم عليه إبراهيم الإفريقى، وهو رجل من بنى شيبان بن ربيعة، فأقام على اليمن مدة، ثم عزل بنعيم بن الوضاح [3] الأزدى، والمظفّر بن يحيى الكندى اشتركا فى العمل، فقدما صنعاء فى صفر سنة ست ومائتين، وسار المظفر يجبى الجند ومخاليفها، وقام بها مدة، ورجع إلى صنعاء فمات بعد أيام من رجوعه، فاستقل نعيم بالأمر حتى عزل بمحمد بن عبد الله ابن محرز [4] مولى المأمون، فقدم اليمن سنة ثمان ومائتين ولم يلبث أن شغب عليه/ (89) الجند، فخرج نحو الحجاز واستخلف عبّاد بن الغمر [5] الشهابى، فأقام حتى قدم إسحاق بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس اليمن، وهى ولايته الثانية وكان مقدمه آخر شهر رجب سنة تسع [ومائتين] [6] فأساء السيرة، وظلم الناس، ونال من التّهامية كل منال، فكان لا يسأل أحدا عن نسبه فينتسب إلا ضرب عنقه، حتى كان من سأله بعد ذلك عن نسبه قال:
مولى بنى العباسى، ولم يترك بحمير ذكرا ولا رسما، ولم يزل كذلك حتى مات سنة عشرة ومائتين، وقيل: إن أهل صنعاء شكوه إلى المأمون، فأمر بإشخاصه، فلما مثل بين يديه، قال له المأمون: ضع يدك على رأسى، ففعل، قال: قل:
__________
[1] لم أجده فى كتب البلدان بهذا الاسم، ولعله تحريف يعمد (بوزن يضرب) وذو يعمد قرية باليمن- أو تحريف القمر، وهو من جبال اليمن.
[2] انظر الحاشية السابقة (2) ص 87.
[3] فى تاريخ اليمن للواسعى ص 150، (وضاح) من غير أل.
[4] فى «ك» محبوب، وفى «أ» ص 88 محرز، وما أثبتناه من تاريخ اليمن ص 150 وعبارته: «وعزل نعيم بمحمد بن عبد الله بن محرز مولى المأمون» ومثله فى بلوغ المرام ص 12.
[5] فى بلوغ المرام ص 12 وتاريخ اليمن ص 150» عباد بن عمر الشهابى.
[6] زيادة عن المصدرين السابقين والسياق يقتضيها.
(33/93)

وحياة رأسك لا ضربت عنقا، فقال، فقال له: «عد إلى عملك» فعاد، فكان بعد ذلك يوسّط [1] الناس.
ولما مات إسحاق استخلف عند موته ابنه يعقوب، فحاربه أهل الجند وأهل صنعاء فسار إلى ذمار [2] ، وقدم إلى صنعاء- من قبل المأمون- عبد الله ابن عبيد الله بن العباس الهاشمى، فكان بها حتى توفى المأمون سنة ثمان عشرة ومائتين، فلحق بالعراق واستخلف عباد بن الغمر الشهابى، وبايع الناس للمعتصم بالله بن الرشيد، فأقر الغمر سنين.
ثم ولى المعتصم صنعاء ومخاليفها عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن على الهاشمى، فقدم صنعاء آخر المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين، فأقام مدة، وحبس عبّاد بن الغمر الشهابى، وابنه عند يعفر بن عبد الرحيم الحوالى.
ثم عزل عبد الرحيم بجعفر بن دينار،/ (90) مولى المعتصم، فقدم خليفة له يقال له منصور بن عبد الرحمن التّنوخى فى صفر سنة خمس وعشرين، فضبط البلد ووجه عماله، ثم قدم عليه عبد الله بن محمد بن على بن ماهان، وقد أشرك مع جعفر فى الولاية، فأقام مع منصور وقتا، ثم عزل جعفر بإيتاخ التركى مولى المعتصم، فأقر منصورا وعبد الله على عمليهما.
ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولى الواثق، فأقر إيتاخ على اليمن فوجه أبا العلاء أحمد بن [3] العلاء العامرى، فلما وصل صعدة أرسل يعفر الحوالى غلامه طريف بن ثابت فى عسكر نحو صنعاء، فخرج إليه من بها من الجند مع منصور بن عبد الرحمن الذى كان خليفة لجعفر بن دينار، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من موالى يعفر نحو ألف رجل، وأسروا أسرى ثم ضرب منصور أعناقهم، وقدم أبو العلاء صنعاء بعد الوقعة بأيام، فأقام حتى توفى، واستخلف أخاه عمرو بن [4] العلاء، فأقام واليا حتى ولى إيتاخ هرثمة بن البشير مولى المعتصم، فورد كتاب هرثمة على منصور بن عبد الرحمن يستخلفه، وقدم هرثمة آخر المحرم سنة ثلاثين ومائتين فأقام أياما، وخرج لمحاربة يعفر [4] بن
__________
[1] يوسّطه: يضرب وسطه بالسيف ليقطعه نصفين.
[2] الضبط من تاريخ اليمن (32 و 33) وفيها أنها مدينة آهلة بالسكان بينها وبين صنعاء عشرون ساعة.
[3] فى بلوغ المرام ص 12 وتاريخ اليمن ص 150 «عامر بن العلاء» .
[4] فى المصدرين السابقين: «يعفر بن عبد الرحيم الحوالى» .
(33/94)

عبد الرحمن وهو بشبام، فنزل بالجيش أسفل وادى ضلع، وأقام هنالك محاربا ليعفر وقتا، ثم عاد.
وعزل الواثق إيتاخ عن اليمن، وولاه جعفر بن دينار مولاهم، فقدم وحاصر يعفر مدة، وعاد إلى صنعاء فأقام بها سنة، وسار نحو العراق، واستخلف ابنه محمدا، فأتته ولايته من المتوكل، فلم يزل على ولايته حتى/ (91) قتل المتوكل وأقره/ المنتصر والمستعين ومن بعدهما إلى أن انتهت الخلافة إلى المعتمد على الله، وفوض الأمور لأخيه أبى أحمد الموفّق، فوردت كتب الموفّق فى سنة ثمان وخمسين ومائتين على محمد بن يعفر بولاية اليمن، فوجه عماله على المخاليف، وفتح حضرموت وكانت قد امتنعت على من قبله.
ثم أنه استخلف فى سنة اثنتين وستين ومائتين على عمله ابنه إبراهيم بن محمد، وحج وجدد له عهدا من الموفق، واستمر إبراهيم على ولايته إلى سنة سبعين ومائتين، وأمره جده يعفر بقتل ولديه محمد وأحمد ابنى يعفر، فقتلا بعد المغرب فى صومعة مسجد شبام، فانتشرت الأمور [1] عليه، وخالف عليه الفضل بن يونس المرادى بالجوف، وولد طريف غلامه بيحصب ورعين والمكرمان ببيجان، ومالوا إلى جعفر بن إبراهيم المناخى [2] فوجه ابن يعفر إلى المخالفين عليه من حاربهم فكانت سجالا، وولى إبراهيم محمد الدّعّام [3] الجوفين، ثم تغير عليه الدعام ونصب له الحرب، فسارت إليه عساكر إبراهيم فالتقوا بورور، فهزمهم الدعام وقتل منهم بشرا كثيرا، وقدم عهد بن يعفر على صنعاء ومخاليفها من الوزير صاعد [4] بن مخلد وزير المعتمد، فاعتزل إبراهيم ابن محمد عن الإمارة، وولى أبو يعفر ابنه عبد الرحيم، فأقام بصنعاء مدة، ثم عزله أبوه حين قدم صنعاء سنة ثلاث وسبعين ومائتين، واستعمل على صنعاء ولاة كثيرة، وكان أكثر مقامه بشبام، ثم اجتمع أهل صنعاء- من الأبناء
__________
[1] فى المقتطف (56 و 57) وردت هذه الحادثة مفصلة وعبارته «أن إبراهيم بن محمد قتل أباه وعمه نزولا على أمر جده يعفر بن عبد الرحيم، وانظر أيضا (بلوغ المرام ص 18) .
[2] فى «ك» ، وفى «أ» ما بعد الميم غير منقوط، وفى بلوغ المرام ص 18 جعفر بن أحمد المناخى صاحب المذيخر، وهو ما رجحناه.
[3] يرد اسمه فى المراجع الأخرى: «الدعام بن إبراهيم» وفى الإكليل قال الهمدانى: كان الدعام بن إبراهيم كبير أرحب وسيد همدان فى عصره، وانظر فى خبره معدنى يعفر الحوالى «المقتطف 56 و 57» .
[4] فى زامباور ص 7 ورد اسمه الحسن بن مخلد بن الجراح توفى فى ذى القعدة 263.
(33/95)

وغيرهم- والشهابيون على عماله بصنعاء، فقاتلوهم فقتل منهم/ (92) خلق كثير، ثم طردوهم، ونهبوا دار أبى يعفر، وأحرقوها، ولم يلبث أبو يعفر بعد ذلك أن قتل بشبام آخر المحرم سنة تسع وسبعين ومائتين، فقام بالأمر بعده عبد القاهر بن أحمد بن أبى يعفر أياما حتى قدم من العراق على بن الحسين المعروف بجفتم [1] فى صفر من السنة عاملا على صنعاء وأعمالها، فقاتله الدعّام بمدينة صنعاء فهزمهم جفتم، وأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين [ومايتين] ، ورجع إلى العراق فسار الدعام نحو صنعاء، فدخلها ثم هرب منها، ورجع الأمر إلى بنى يعفر ومواليهم.
ثم إن أبا العتاهية بن الرّويّة المذحجى استدعى الهادى إلى الحق يحيى ابن الحسين بن القاسم من صعدة إلى صنعاء، فدخلها فى آخر المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين، فدعا الهادى إلى نفسه، فبايعه الناس، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكتب فى الطّرز، ووجه عماله إلى المخاليف، فقبضوا الأعشار، وخرج إلى يحصب ورعين ونواحيها، واستخلف على صنعاء أخاه عبد الله بن الحسين، فأقام أياما، وعاد إلى صنعاء، ثم خرج منها إلى [2] شبام واستخلف ابن عمته على بن سليمان على صنعاء، وكان بنو يعفر وآل طريف بعضهم فى سجن صنعاء، وبعضهم فى سجن شبام، فاجتمعت همدان [3] وسواها، وقصدوا الهادى إلى شبام، فقابلوه بها، ووثب من بصنعاء على نائبه فأخرجوه، وكسروا السجن، وأخرجوا من به من آل يعفر وآل طريف، فاستولى عبد القاهر بن أبى الخير بن يعفر على صنعاء وخرج الهادى من شبام فأقام/ (93) بريدة وبيت [4] زود شهرا ثم عاد إلى صنعاء فى جيش كبير وجعل صاحب جيشه أبا العتاهية فلقيته جيوش آل يعفر بالرحبة [5] ، فهزمهم، ودخل
__________
[1] الضبط من المقتطف ص 57.
[2] شبام- ككتاب- جبل عظيم بصنعاء، وفى اليمن أربعة مواضع تضاف إلى شبام هى: شبام كوكبان، وشبام سخيم، شبام حراز، وشبام حضرموت. (مراصد الاطلاع 2/779 وتاج العروس ش ب م) .
[3] فى الإكليل (للهمدانى ج 10) آل طريف بن ثابت: من بنى مرب من همدان منهم فرسان العرب وذوو شوكتها، وكانت لهم ولادة يعفر الحوالى (المقتطف 60 حاشية ص 1) .
[4] فى ك «وثبت بزود» تحريف، والمثبت من «أ» ص 92 بريدة: مدينة باليمن شمالى صنعاء بينهما عشرون ميلا (بلوغ المرام ص 136) وزود: من ظاهر همدان (الإكليل 10/46) من قرى جبل تخلىء (صفة جزيرة العرب ص 190) .
[5] الرحبة، ويقال لها رحبة صنعاء، وتبعد عنها ستة أميال (مراصد 2 ص 608) .
(33/96)

صنعاء، وانحاز آل يعفر [1] إلى شبام، ومتولى الأمر فيهم أسعد بن أبى يعفر، وابن عمه عثمان بن أبى الخير، فأقامت الحرب بينهم سجالا مدة، ثم رجع الهادى إلى صعدة فى جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين، فعادت صنعاء إلى آل أبى يعفر، ودخلها مولاهم إبراهيم بن خلف، وصالح أبا العشيرة ابن الرّويّة على أن مخاليف مذحج فى جميع اليمن إليه.
ولما توفى المعتضد بالله فى سنة تسع وثمانين [ومايتين] ، وولى ولده المكتفى، ولى اليمن مولاهم نجح بن نجاح، فوردت كتبه على عثمان بن أبى الخير، وأسعد بن أبى يعفر بتجديد ولايتهم، ثم قدم جفتم للمرة الثانية واليا على اليمن، فلما وصل إلى يأزل (قرية من قرى بنى شهاب) خرج إليه جرّاح وإبراهيم ابنا خلف كالمسلّمين عليه، فقبضا عليه، وصار جيشه إليهما، وحبساه مدة، ثم احتال وخرج، وسار إلى صنعاء فانضم إليه الجند الذين بها، وأصحابه الذين وصلوا معه، وأسعد وعثمان يغدوان عليه فى كل يوم يسلمان عليه، وسألهما تسليم الأمر إليه فاستنظراه أياما، فجمع أصحابه وكبسهما،/ فأراد [2] الهرب، فلم يمكنهما، فخرجا فى مواليهما ومن انضم إليهما من أهل صنعاء فقاتلاه، فقتل فى نفر من أصحابه، ومال الجيش إليهما وأكل قوم من أهل صنعاء من لحم جفتم، ثم وثب أسعد على ابن عمه عثمان فحبسه، واستبد بالأمر إلى سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
/ (94) ذكر أخبار على بن الفضل والمنصور بن حسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدى
قال: ودخل على بن الفضل القرمطىّ، وأصله من اليمن من حمير، والمنصور وهو [ابن] الحسن بن زادان بلاد اليمن داعيين لعبيد الله المنعوت بالمهدى، وتحيّلا وتلطّفا، واستمالا الناس حتى غلبا على أكثر البلاد، وكانت
__________
[1] فى «أ» ص 93 «وانحازت آل جعفر» .
[2] الزيادة من «أ» ص 94، وفى المقتطف ص 59 «منصور بن حسن الكوفى» ، وفى بلوغ المرام ص 22 ورد اسمه «منصور بن حسن بن جيوشب بن باذان، قيل: إنه من ولد عقيل بن أبى طالب.
(33/97)

لهما حروب باليمن، وقتلى كثيرة يطول الشرح بذكرها، وخرج الأمر فى غالب بلاد اليمن عن بنى العباس سنين كثيرة، ثم ظهر الزّيديّة والإماميّة، وكانت لهم حروب كثيرة، ووقائع مشهورة، حتى استولى على بن الفضل على صنعاء، فانهزم منه أسعد بن أبى يعفر، فعند ذلك أظهر ابن الفضل مذهبه الخبيث، وادعى النّبوّة، وكان يؤذن فى عساكره بالشهادة أنه رسول الله، وأباح المحرمات، وفى ذلك يقول شاعر فى عصرهم [1] :
خذى الدفّ يا هذه واضربى ... وغنى هزارك ثم اطربى
تولّى نبى بنى هاشم ... وهذا نبىّ بنى يعرب
لكلّ نبىّ مضى شرعة ... وهذى شريعة هذا النبى
فقد حطّ عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضى ... وإن صوّموا فكلى واشربى
ولا تطلبى السعى عند الصفا ... ولا زورة القبر فى يثرب
/ (95) ولا تمنعى نفسك المعرسي ... ن [2] من الأقربين ومن أجنبى
فمن أين حلّلت للأبعدي ... ن وصرت محرّمة للأب؟
أليس الغراس لمن أسّه ... وسقّاه فى الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء ... حلال فقدّست من مذهب
وجعل دار ملكه المذيخرة. ولما ادعى ابن الفضل النبوة، وأسقط اسم عبيد الله المهدى، وغضب المنصور بن الحسن بن زادان- وهو صاحب مسور-
__________
[1] المراجع التى أوردت هذه الأبيات لم تنسبها لشاعر بعينه، وفى بعضها تختلف الرواية كثيرا أو قليلا عما ورد هنا، وفى بلوغ المرام ص 23 وتاريخ اليمن ص 160) ورد بعد البيت الرابع هنا البيت التالى:
وحل البنات مع الأمهات ... ومن فضله زاد حل الصبى
[2] فى «أ» ص 95 (المعزبين) والمعرس: الذى أعرس بالمرأة، أى دخل بها، ولا يبعد أن تكون المعربين، والمعرب: طالب الفحش كما فى: (اللسان) .
(33/98)

لذلك، وخالف على ابن الفضل، خرج ابن الفضل لحربه، وذلك فى سنة تسع وتسعين ومائتين، فذكّره المنصور حقوق عبيد الله المهدى وابنه، وأنهما نعمة من نعمهما، فلم يلتفت إليه ابن الفضل وحصره ببيت دحان [1] أشهرا، ثم انصرف عنه ابن الفضل.
ومات المنصور فى سنة اثنتين وثلاثمائة، ثم مات ابن الفضل بالمذيخرة فى سنة ثلاث وثلاثمائة، وذلك أنه احتاج إلى الفصاد، فأحضر طبيبا وجرده من ثيابه، وغسل المفصد، وهو ينظر إليه، وكان الطبيب قد جعل السمّ فى شعر رأسه، فلما غسل المفصد مسحه على شعره كالمجفف له، فعلق به السم، فلما فصده أهلكه الله تعالى، فاجتمعت رؤساء اليمن مع الحوالى، وقصدوا المذيخرة، فحصرها سنة ورماها بالمجانيق، حتى تسلمها، وسبى منها بنات على بن الفضل، ففرقهن فى رؤساء العرب، واضمحل أمر القرامطة الدعاة للعبيديين باليمن إلى أن قام بأمرهم على بن محمد الصّليحى فى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، على ما نذكر ذلك،/ (96) إن شاء الله تعالى، فلنذكر أخبار الزيدية [2] .
ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم
/ قال: وقام الناصر أحمد بن الهادى يحيى بن الحسين بن القاسم بعد موت أبيه، واعتزال أخيه المرتضى، فاستولى على أكثر اليمن الأعلى، ودخل عدن فى ثمانين ألفا، ومات فى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان أسعد بن أبى يعفر قد صالح ابن الفضل، فوّلاه صنعاء، فلم يزل عليها وعلى مخاليفها إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ومات بحصن كحلان، ودامت صنعاء بيد بنى يعفر ومواليهم مع كثرة اختلافهم وقيام من قام عليهم بسبب ذلك إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ووصل المختار بن الناصر بن الهادى إلى ريدة، فخرج من بصنعاء من بنى الضحاك إليه، فولاها المختار أبا القاسم بن يحيى بن
__________
[1] هكذا فى «ك» ، ولم يتضح فى «أ» ، وفى مراصد الاطلاع 1/237 بيت دبان (بالباء وقبلها دال مضمومة) قرية من قرى اليمن: وفى معجم البلدان والقبائل اليمنية 232 «دحّان: فرع من المعافر من كهلان» .
[2] أورد الجرافى أخبار الزيدية فى الباب الخامس من كتابه (المقتطف) تحت اسم الدولة الهاشمية، وقال:
إنها الدولة الشرعية التى قامت بالأمر فى اليمن، وانظر المقتطف من أول 102- 111) .
(33/99)

خلف، ولم يلبث الضحاك أن غدر بالمختار، فحبسه فى قصر ريدة فى صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، فاستمر فى الحبس إلى شوال من السنة، وقتله [1] ، وكان على بن وردان- من موالى آل يعفر- قد غلب على صنعاء، وثار الأسمر يوسف ابن أبى الفتوح- وقام معه قومه خولان- يعارض بنى يعفر وبنى الضحاك، فقصدوه وهو بجدان [2] ، فهزمهم، وقتل من همدان خلقا كثيرا، ثم مات فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة واستخلف أخاه سابورا، فسار إليه الضحاك وابن أبى الفتوح إلى/ (97) بلد خولان فلم يظفرا منه بشىء، فعاد الضحّاك إلى صنعاء، وسار سابور يريد ذمار، فلحقه الأسمر فقتله فى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وكاتب الضحاك أبا الجيش ابن زياد صاحب زبيد بالطاعة، وخطب له بصنعاء فى شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ولما تعطلت المخاليف من يحصب ورعين، وظهر أمر السفهاء اجتمع الوجوه إلى الأسمر بن أبى الفتوح، وسألوه أن يكاتب الأمير [3] عبد الله بن قحطان بن أبى يعفر- وهو يومئذ بشبام- أن يقوم بالأمر، فخرج الأمير [3] عبد الله بن السرّ [4] فأقام به مع ابن أبى الفتوح أياما، ثم سار نحو كحلان، فأقام به مدة، ورجع إلى صنعاء، فدخلها فى سنة ثلاث وخمسين [وثلاثمائة] ، فانهزم الضحّاك منها [5] ، ولم يلبث ابن قحطان أن خرج من صنعاء، واستعادها الضحاك، وأعاد الخطبة لابن زياد، فلم يستقر له أمر، وعاد أمر البلاد لابن قحطان، فأقام يتردد من شبام إلى كحلان إلى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وتجهز للنزول بزبيد [6] ، فلقيه صاحبها ابن زياد، واقتتلوا، وكانت الدائرة على ابن زياد، وقتل من عسكره خلق كثير، ودخل ابن قحطان زبيد فى شهر ربيع من السنة، فنهب دور ابن زياد، ونهب عسكر زبيد أقبح نهب، وأقام بها ستة أيام، وعاد نحو كحلان،
__________
[1] فى ابن خلدون (4/111) أن المختار قتله أبو القاسم الضحاك الهمدانى سنة 344 هـ.
[2] لم أجده فى كتب البلدان، ولعله تحريف «حدان» أو «جران» أو «جداد» ، وانظر الأكليل 8/138، 178) أو جهران وهو من مخاليف اليمن (مراصد 1/236) .
[3] فى «أ» ص 97 (الأمين فى الموضعين.
[4] السر من مخاليف اليمن، قبالته مرسى للبحر (مراصد 2/707) .
[5] فى «أ» ص 97 (منه) .
[6] فى «أ» ص 97 (لنزول زبيد) .
(33/100)

وخطب للعزيز صاحب مصر، وقطع ذكر بنى العباس، ثم قصد ابن قحطان مخلاف جعفر، فملكه فى سنة ثمانين [وثلاثمائة] ، وأقام بإبّ، فاضطرب عليه أهل المخلاف، فأمر بعمارة المنظر، وتحول إليه من إب وجعل أمر ألهان [1] إلى أسعد بن أبى الفتوح.
ثم مات فى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة،/ (98) فقام بما كان إليه بعده ولده أسعد بن عبد الله، وكان ظهور الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر بن الهادى فى سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وكانت له حروب مع ابن أبى الفتوح وابن الضحاك وغيرهما، ودخل صنعاء ثم فارقها، وكان يحارب ابن أبى الفتوح مرة ويصالحه أخرى، ولم يزل أمر صنعاء فى غاية الاضطراب إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، تارة يغلب عليها الإمام وابن أبى الفتوح، وتارة الضحّاك، وتارة حاشد، والعرب من همدان وحمير وخولان وبنى شهاب مفترقة على هؤلاء، فمن كثر جمعه غلب عليها، ولم يكن الإمام يوسف هذا من الأئمة السابقين عند أهل البيت، ولا عدّوه من أئمة الزيدية.
فلما كان فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وصل الإمام المنصور القاسم بن على بن عبد الله/ بن محمد بن القاسم بن إبراهيم، وهو أحد أئمة الزيدية فاضلا فيهم مصنفا، وكان مقامه قبل ذلك بترح [2] من بلد خثعم، ثم أقام بتبالة، ووصل صعدة وملكها، وسار إلى نجران، وأرسل إلى صنعاء من قبله شريفا يعرف بالقاسم بن الحسين الزيدى، فتصرف فى صنعاء بأحكام الإمامية، ثم خالف أهل نجران على الإمام، وكانت له حروب إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، فوصل ابن أبى حاشد إلى صنعاء، وخطب للزّيدى، ثم تغيرت عليه الأحوال، فخرج منها بغير سلطان، ودامت الفتنة بصنعاء، وهى فى أكثر أوقاتها/ (99) بغير سلطان، والغالب عليها الضحاك إلى سنة أربعمائة، فسار جماعة من همدان وبنى شهاب إلى الزيدى إلى ذمار، فسار معهم إلى صنعاء، فدخلها فى ذى القعدة من السنة.
__________
[1] ألهان: قال الهمدانى فى الأكليل (8/83) جبل ألهان معروف فى مخلاف أنس بن ألهان بن مالك، وفى بلوغ المرام ص 157 «جبل أبى أنس ألهان بن زيد بن مالك، وهو وجبل ضوران. وفيه الحجر العتيق من العقيق اليمانى» .
[2] هكذا فى «أ» و «ك» ، ولم أجده فى البلدان ولعله تحريف برع، وهو جبل فى أسفل سهام. وانظر الأكليل (10/109) أو ترج، وفى ياقوت ترج- بفتح فسكون- واد إلى جنب تباله على طريق اليمن.
(33/101)

فلما كان فى صفر سنة إحدى وأربعمائة وصل الحسين بن القاسم بن على إلى قاعة [1] وادعى أنه المهدى الذى بشّر به النبى صلى الله عليه وسلم، فأجابه حمير وهمدان وسائر أهل المغارب، وتخلوا عن الزيدى، فوصل إلى صنعاء اليمن، وكانت بينه وبين الزيدى حروب، فقتل الزيدى فى حقل [2] صنعاء فى سنة ثلاث وأربعمائة، ورجع الإمام الحسين بن القاسم الزيدى إلى ريدة وترك أخاه جعفرا بصنعاء، ثم كانت له حروب مع محمد بن القاسم الزيدى، وكان ابن الزيدى قد جمع جموعا كثيرة، فانهزم ابن الزيدى، واستولى الحسين على صعدة وغيرها، ثم خالفه المنصور بن أبى الفتوح بصنعاء وبنو شهاب وبنو حريم وغيرهم، ونهبوا داره، وخرجت الشيعة من صنعاء بعد أن نهبت دورهم، فجمع الإمام عسكرهم، فقاتلوه فهزموه، وقتل من عسكره خلق كثير، وأعاد الناس أبا جعفر قيس بن الضحّاك إلى إمارة صنعاء، فأقام بها إلى المحرم سنة أربع وأربعمائة، فبلغه ما جمع الإمام من العساكر، فخرج من صنعاء محتقرا مهزوما، وكانت القبائل المخالفة على الإمام تجتمع إليه فاضطربوا، ثم قويت قلوبهم وساروا إلى الإمام فقاتلوه فهزموه، فبقى فى مائة فارس، فعلمت به همدان فلقوه وقاتلوه/ (100) فغشيهم بنفسه مرارا فى كلها. يخرق صفوفهم، ثم قتلوه، وذلك فى صفر سنة [3] أربع وأربعمائة، وقتل وهو لم يبلغ الثلاثين سنة.
ولما قتل سار ابن أبى حاشد إلى صنعاء فأقام بها إلى ذى الحجة من السنة ولم يتم له أمر مع همدان، فخرج منها، وتعطلت من السلطنة إلى النصف من شوال سنة خمس وأربعمائة، ووصلها أبو جعفر أحمد بن قيس [بن محمد بن الضحاك الهمدانى] [4] فأقام بها إلى ربيع سنة ست [وأربعمائة] وخرج منها، ورفع أيدى عماله، فتعطلت أيضا إلى سنة ثمان [وأربعمائة] ، وراجعت همدان أبا جعفر فى الرجوع إلى الإمام، فأجابهم.
__________
[1] القاعة: من ديار سعد من بنى تميم قبل ببرين (مراصد 1059) وفى أحسن التقاسيم ص 91: أنها من مخاليف اليمن.
[2] فى مراصد الاطلاع (1/415) «مخلاف الحقل باليمن، ويقال له: حقل جهران، وقيل: الحقل من بلاد خولان من نواحى صعدة.
[3] هذا التاريخ يوافق ما ذكره الواسعى (تاريخ اليمن ص 174) وفى المقتطف أنه قتل سنة 403.
[4] ما بين الحاصرتين من المقتطف 109 وتاريخ اليمن 174، وفى بلوغ المرام ص 20 كان بنو الضحاك الحاشدى سكان ريده ملوك همدان وعظماءها.
(33/102)

وفى سنة عشر وأربعمائة ثار يزيد بن القاسم الزيدى مع قوم من بنى شهاب بن مروان، فقتلوه بأشيح [1] ، فسار إليهم ابن أبى الفتوح، وأمده القائد مرجان صاحب الكدراء، وعاضده ابن أبى حاشد، ثم نزل ابن أبى الفتوح إلى تهامة، فتلقاه القائد بالكدراء بأحسن لقاء، وعاد فأقام بألهان، حتى خرج زيد من أشيح وسلمه للقائد، وتحالفت همدان والأبناء على بنى شهاب بأمر القائد، فحاربوهم مرارا، ثم اصطلحوا، ووصل جعفر بن القاسم أخو الحسين من صعدة إلى [محلة] [2] عيان، فاستدعته همدان وحمير، فسار إلى صنعاء، فدخلها آخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فأقام بها إلى المحرم، وسار إلى صعدة بطائفة من الناس، فنهبها، وخرّب دورا، وقتل ناسا، وقد كان ذعفان [3] وابن أبى حاشد خالفا عليه عند مسيره إلى صنعاء، فلما رجع جعفر إلى عيان سألته همدان/ (101) العود إلى صنعاء فكرهه، ثم وقع الخلف بين همدان وذعفان وابن أبى حاشد، فاستدعوا جعفر بن القاسم، فأدخلوه صنعاء فى صفر سنة خمس عشرة، وطالب الناس مطالبة شديدة، وأقام بها مدة يحارب ذعفان وابن أبى/ الفتوح ثم اصطلحوا ونزل ذعفان إلى القائد فى الكدراء فأحسن القائد تلقيه، وأمده بأموال جليلة، وكتب معه إلى المنتاب صاحب مسور، وأمرهم جميعا بحرب جعفر، فاجتمعوا عليه، فخرج إلى بيت شعيب، فحصرته همدان وحمير، وأعادوا ابن أبى حاشد إلى إمارة صنعاء، وهجم أهل بيت خولان على محطة حمير، وقتلوا منهم مائة رجل، وانهزم عسكر المنتاب، وذلك فى المحرم سنة ست عشرة وأربعمائة، ثم تهادنوا إلى آخر السنة.
ولما كان فى ثمان عشرة وأربعمائة ظهر إنسان بناعط، ولم يعرف الناس اسمه، وذكر أنه يتسمى عند ظهور رايته من المشرق، وسار إلى مأرب وبها المؤمن [4] بن أسعد بن أبى الفتوح، وتلقاه أحسن لقاء، وأقام عنده وسطر كتبه
__________
[1] أشيح- كأحمر- اسم حصن منيع عال جدا فى جبال اليمن (مراصد الاطلاع 1/85) وهو فى آنس، وكان به مقام سبأ بن أحمد الصليحى (معجم البلدان) .
[2] الزيادة عن المقتطف: 110، وفيه أنها من بلاد سفيان.
[3] ذعفان: ينسبون إلى ذعفان بن سلمان، ويعرفون بهجن أرحب، لأنهم لأمهات شتى غرائب (الأكليل 10/228) .
[4] بنو المنتاب أهل جبل مسور، وجدهم عبد الحميد بن محمد بن الحجاج صاحب نفائس كان من حزب الباطنية، وابنه إبراهيم الذى أخرج أولاد منصور بن حسن من جبل مسور، ومنهم الحسين المنتاب (بلوغ المرام ص 20) .
(33/103)

من عبد الله الإمام المعيد لدين الله الداعى إلى طاعة الله الدافع لأعداء الله، وأنفذها إلى النواحى، فبلغ القائد مرجان قيام المؤمن [1] بن أسعد معه، فغضب على المنصور بن أسعد، وأعاد كتبه مختومة، فغضب المنصور، وانضم إلى هذا الإمام، ودخل صنعاء فى شهر رمضان سنة ثمان عشرة (وأربعمائة) وخطب له بها ابن التّقوى قاضى صنعاء بالإمامة، ثم خرج منها، وخالف عليه من كان انضم إليه، فقتلوه فى آخر ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، واشتد القحط باليمن من هذه السنة إلى سنة اثنتين وعشرين، وصنعاء خالية من/ (102) السلطنة.
وفى شهر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ظهر الإمام أبو [2] هاشم الحسن بن عبد الرحمن إماما، وتسمى بالنفس الزّكيّة، ومعه ولده حمزة بن أبى هاشم وإليه ينسب الأشراف الحمزيون، فقصد صنعاء، فهرب منه ابن أبى حاشد، ووصل المنصور بن أبى الفتوح، فبايعه ورجع إلى بلده، واستمر هذا الإمام إلى سنة تسع وعشرين، فخالفت عليه همدان، فدخل ابن أبى حاشد صنعاء، ثم خرج منها فتعطلت من السلطنة إلى سنة إحدى وثلاثين، فاستدعت همدان جعفر بن القاسم، فدخل صنعاء فى ربيع من السنة، ثم كان بينهم اختلاف يطول شرحه، وخلت صنعاء أيضا من السلطنة إلى شوال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
ووصل الإمام أبو الفتح الناصر بن الحسين الدّيلمىّ [3] مدّعيا للإمامة، وانضمت إليه همدان وجميع العساكر، ونهب صعدة، وخرب دورا، وقتل من خولان مقتلة عظيمة، ودخل صنعاء فى ذى القعدة من السنة، وأقام إلى صفر
__________
[1] فى بلوغ المرام ص 36 وتاريخ اليمن ص 175 يرد اسمه «عبد المؤمن بن أسعد بن أبى الفتوح.
[2] فى بلوغ المرام ص 36 وتاريخ اليمن ص 135 «أبو هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، وأنه وصل من الحجاز، ومعه ابناه: حمزة وعلى، فدعا بناعط، وتلقب بالمعيد لدين الله، وعضده الأشراف وغيرهم ورؤساء همدان، وابن أبى الفتوح» .
[3] كان وصوله من بلاد الديلم، ورواية النويرى هنا تتفق مع ما أورده الجرافى فى المقتطف ص 111 وفى بلوغ المرام ص 36 وتاريخ اليمن ص 175 أن الديلمى وصل طالبا الجهاد سنة 430، وكانت بينه وبين على بن محمد الصليحى حروب طويلة، وقتله الصليحى سنة 444 فى وقعة بينهما بنجد الحاج من بلاد عنس وقبره بردمان. وفى المقتطف ص 111 أنه قتل بقاع فيد، وقبره بقرية أفيق.
(33/104)

سنة ثمان وثلاثين [وأربعمائة] ، ودخل ابن أبى الفتوح، فبنى له فى حصن علب قصرا بالجص والآجر، وكاتب له المنصور عبسا، فأقبل من رؤسائهم مائة فارس، فدخلوا فى طاعة الإمام، وبايعوه، والتحق به أيضا الأمير جعفر بن القاسم، فجعله أمير الأمراء بينهما، ولم يتم.
وتمالأ جعفر وابن أبى حاشد على حرب الإمام، وخرجا من صنعاء فأمر الإمام بخراب دور بنى الحارث،/ (103) وبنى مروان، فغضب ابن أبى الفتوح وابن أبى حاشد لذلك، ودخلا صنعاء، ورفعا أيدى ولاة الإمام، وقطعا اسمه من الخطبة، فخرج هاربا، ثم رجع إلى بلد عنس، ووصل إليه جعفر، وأقاموا بصنعاء، ثم مات السلطان يحيى بن أبى حاشد فى أول سنة أربعين وأربعمائة، فأغلقت أبواب صنعاء ولم يبايع الناس ثلاثة أيام، وأقام الناس ابنه أبا حاشد، وحلفت له همدان.
ذكر أخبار دولة على بن محمد الصّليحىّ
وفى ليلة الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة [1] ظهر على بن محمد الصليحى/ واستولى على اليمن فى أقرب مدة داعيا إلى الدولة العبيدية، وكان من خبر قيامه وابتداء أمره أنه لما مات المنصور الحسن ابن زادان صاحب مسور الذى قدمنا ذكره- وهو أحد الداعيين لبنى عبيد [الله] فى سنة اثنتين وثلاثمائة- كما ذكرنا- استخلف على أهل دعوته رجلا من بنى شاور يقال له «عبد الله بن عباس» [2] وابنه حسين بن المنصور، وأمرهما بالمحافظة على دينهما، وألا يقطعا دعوة بنى عبيد الله، وأمرهما بمكاتبة المهدى، فإذا ورد أمره بولاية أحدهما سمع الآخر له وأطاع، وكان المهدى يعرف عبد الله بن عباس [2] فكتب إليه ابن عياس [2] يعرفه وفاة المنصور،
__________
[1] ما أورده النويرى هنا فى تاريخ ظهور على بن محمد الصليحى يتفق مع ما رجحه المقتطف ص 64، وهو يختلف عما جاء فى بلوغ المرام ص 24، وتاريخ اليمن ص 162.
[2] فى «أ» ص 103 (عياش) وفى «ك» (عباس) وفى المقتطف ص 61 «عبد الله الشاورى» وفى بلوغ المرام ص 24، وتاريخ اليمن ص 161 «عبد الشاورى» .
(33/105)

وأنه قد قام بالدعوة فوصلت إليه كتب المهدى بولايته، وعزل أولاد المنصور، وبعث إليه سبع رايات، فسار أبو الحسين [1] بن المنصور إلى المهدى/ (104) بإفريقية، فأمره بطاعة ابن عياش [2] وقد أيس من الرئاسة، فعمل على قتل ابن عياش [3] فنهاه أخوته فلم ينته، واستولى على الأمر، ولم يدع مكاتبة المهدى، ثم خرج أبو الحسين [4] بن منصور إلى عين محرم، وفيه رجل من قبله يقال له ابن العرجى واستخلف على مسور إبراهيم بن عبد الحميد السباعى [5] ، وهو جد [6] بنى المنتاب، فوثب ابن العرجى على أبى الحسين [7] فقتله، فاستولى إبراهيم على مسور، وادعى الأمر لنفسه، وأخرج أولاد المنصور وحريمهم عن مسور إلى جبل بنى أعسب، فوثب عليهم المسلمون، فقتلوهم الصغير والكبير، وسبوا حريمهم.
ثم اتفق إبراهيم وابن العرجى، فاقتسما المغرب نصفين، لكل واحد منهما ما يليه، ورجع إبراهيم إلى مذهب السّنّيّة، وخطب للخليفة العباسى، وتتبع القرامطة بالقتل والسبى [8] ، ونصّب من بقى منهم داعيا يعرف بابن الطّفيل، فقتله إبراهيم، ثم مات إبراهيم، فولى بعده ابنه المنتاب بن إبراهيم، وانتقلت الدعوة الخبيثة بعد ابن الطفيل إلى رجل يعرف بابن أقحم [9] ، فخاف على نفسه من المنتاب، فكان لا يستقر فى موضع واحد، وكاتب المعز بعد وصوله إلى مصر، فلما حضرته الوفاة استخلف رجلا من شبام [10] يعرف بيوسف بن الأسد [11] ، فأقام دعوتها مدة حياته، واستخلف رجلا من شبام اسمه سليمان بن عبد الله الزواحى [12] من حمير، فدعا إلى الحاكم ومن بعده، وكان كثير المال والجاه، فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه، وكان إذا هم به المسلمون يقول:
__________
[1] فى المصادر السابقة يرد اسمه «حسن بن منصور» .
[2] انظر الهامش رقم (2 فى الصفحة السابقة.
[3] انظر الهامش رقم (2 فى الصفحة السابقة.
[4] فى المصادر السابقة يرد اسمه «حسن بن منصور» .
[5] فى بلوغ المرام ص 24 وتاريخ اليمن ص 161» ورد اسمه «إبراهيم بن عبد الحميد» من غير هذه النسبة.
[6] فى «ك» : وهو أحد بنى المنتاب، وما أثبتناه من «أ» ، وهو الصواب لأن المنتاب هو ابن إبراهيم المذكور، فيكون إبراهيم جدا لبنيه.
[7] فى المصادر السابقة يرد اسمه «حسن بن منصور» .
[8] انظر فى هذا الخبر الجرافى (المقتطف ص 61) والواسعى (تاريخ اليمن ص 161) والعرشى (بلوغ المرام ص 24) .
[9] فى «أ» ص 104 محم «غير منقوط» وفى بلوغ المرام ص 24 فخيم.
[10] فى «أ» ص 104 «من شبام حمير» .
[11] فى «أ» ص 104 «الأشر» ورجحنا ما فى بلوغ المرام ص 24 وتاريخ اليمن ص 162 «يوسف بن الأسد» وفى المقتطف ص 62 «رجلا من حراز يعرف بابن الأسد» .
[12] فى هامش «أ» ص 104 بخط مغاير: الزواجى (بالجيم) نسبة إلى زواجى وذكر أنها قرية من أعمال حراز، وفى المقتطف ص 62 «زواحة: قرية من بلاد حراز، وحراز قبيلة من حمير وإليها ينسب مخلاف حراز. وفى مراصد الاطلاع 2/673 زواخى (مثل قوافى) قرية من مخلاف حراز فى أوائل اليمن.
(33/106)

«أنا رجل مسلم فكيف يحل قتلى؟» ، وكان فيه كرم نفس،/ (105) وإفضال على الناس.
وكان الصّليحى كثير الاختلاط به، والحظوة لديه، فتفرّس فيه، فلما حضرته الوفاة أوصاه بالدعوة، وأعطاه مالا كثيرا كان قد جمعه من أهل دعوتهم، وأقام الصليحى باليمن دليلا للحاج على طريق السراة خمس عشرة سنة، وهو مع ذلك يعمل الحيلة فى ظهور أمره، فطلع مسارا [1] ، وهو أعلى ذروة فى جبال حراز [2] ، ومعه قوم قد بايعوه على الموت، فأحاط بهم جميع أهل حراز [2] ، وتهددوه بالقتل، فدافعهم بالحيل، وقال: إنما لزمته خوفا أن يلزمه الغير فتلحقنا جميعا المضرّة، ولم يمض عليه أشهر حتى بناه وحصّنه وأمره يستفحل، وشأنه يظهر، فلما ظهر بمسار [1]- ومعه قوم من الحجاز وسنحان ويام وجشم وهبرة- حصره جعفر بن القاسم فى الأحبوش، وهم خلق كثير، ورجل يسمى جعفر بن العباس [شافعى المذهب سار مع جعفر لحصاره فى ثلاثين ألفا، فأوقع الصليحى بجعفر بن العباس] [3] فى محطته فى شعبان من السنة، فقتله فى جمع عظيم، فتفرق الناس عنه، ثم طلع إلى جبل حضور فافتتحه، وأخذ حصن يناع، وجمع له ابن أبى حاشد صاحب صنعاء فالتقوا [بصوف] [4] ، فقتل ابن أبى حاشد وألف رجل، وسار إلى صنعاء فملكها، وطوى اليمن طيا بسهله وجبله.
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة استقرّ ملك الصّليحى بجميع اليمن من مكة إلى حضرموت سهلها وجبلها، واستقر بصنعاء، وأسكن معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، واختط بصنعاء عدة قصور، واستعمل صهره/ (106) أخا زوجته- أسعد بن شهاب على زبيد، فدخلها فى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأحسن سيرته فى الرعية، وفسح لأهل السنة فى إظهار مذاهبهم، وكان يحمل من تهامة/ إلى صنعاء فى كل سنة- بعد أرزاق الجند الذين بها وغير ذلك من الأسباب اللازمة- ألف ألف دينار عينا.
__________
[1] هكذا فى «أ» ص 105 و «ك» وفى مراصد الاطلاع 3/1273 ومعجم البلدان «مشار: قلة فى أعلى جبل حراز، وحراز مخلاف باليمن قرب زبيد «وانظر المقتطف ص 64» .
[2] سنحان من مخاليف اليمن، وبام اسم قبيلة أضيف إليها مخلاف من مخاليف اليمن (مراصد 3/1472) وجشم وهبيرة قبيلتان.
[3] ما بين القوسين زيادة من «أ» ص 105.
[4] زيادة عن معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 388 وقال: «صوف: قرية خربة بالقرب من قرية يازك» كانت بها الوقعة التى مهدت السبيل لملك على بن محمد الصليحى.
(33/107)

ذكر مقتل الصّليحى وقيام ابنه المكرّم
وفى سنة تسع وخمسين وأربعمائة توجه الصليحى إلى مكة شرفها الله تعالى، واستخلف ابنه المكرم على الملك، وسار فى ألفى فارس منهم من آل الصليحى مائة وستون رجلا واستصحب معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم خوفا أن يثوروا بعده فى البلاد، وسار حتى نزل بظاهر المهجم بضيعة تعرف بأم الدّهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره حوله، فلما كان فى الثانى عشر من ذى القعدة لم يشعر الناس فى نصف النهار إلا وقد قيل لهم قتل الصّليحى.
وكان سبب قتله أنه لما استولى على زبيد فى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وقتل صاحبها نجاحا بالسم، وكان قد أهدى له جارية وأمرها فسمّته، فهرب أولاد نجاح: سعيد الأحول وجيّاش وغيرهما، فلحقوا بأرض الحبشة، وشاع على ألسنة المنجّمين وأهل الملاحم أن سعيدا الأحول قاتل على ابن محمد الصّليحى، وبلغ ذلك الصّليحى فاستشعره، وبلغ سعيدا فترقت إليه همته، وتهيّأ لأسبابه، فلما بلغه مسير/ (107) الصليحى إلى الحجاز خرج من أرض الحبشة، فعارضه فى خمسة آلاف حربة كان قد انتقاها حين خرج من ساحل المهجم، وهجم على الصليحى فى نصف النهار، والناس مقيلون فى خيامهم غير مستعدين لحرب، فدخل عليه خيمته فى أهل بيته، وعنده دوابّ النوبة، وهو يريد الركوب، فقتلوه [1] ، وقتلوا أخاه عبد الله، وتفرّقوا فى المحطة، فقتلوا من وجدوا، واستولى سعيد الأحول على خزائن الصليحى وأمواله، وكان قد استصحب منها أموالا جليلة، وجمع آل الصليحى خاصة فقتلهم رميا بالحراب، وأخذ أسماء بنت شهاب، فأركبها هودجا، وجعل رأس الصليحى ورأس أخيه أمام هودجها حتى دخل زبيد، وتركها فى دار والرأسان منصوبان قبالة طاق الدار التى هى فيها، وفى ذلك يقول شاعرهم العثمانى [2] من قصيدة:
__________
[1] راجع خبر مصرع الصليحى فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 75 و 167) .
[2] أورده عمارة فى: مختصر المفيد فى أخبار زبيد ص 152، وذكر له هذه الأبيات، ومعها مناسبتها كما جاءت هنا.
(33/108)

بكرت مظلّته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجلّ سعيدها
ما كان أقبح وجهه فى ظلها ... ما كان أحسن رأسه فى عودها
سود الأراقم قابلت أسد الشّرى ... يا رحمتا لأسودها من سودها
فأقامت تحت الأسر سنة، ثم تلطفت فى الكتابة إلى ابنها المكرّم تقول:
إنها قد حملت من الأحول، ولم يكن رآها قطّ وإنما أرادت أن تستنفر حفايظ العرب، فلما وصل الكتاب الى ابنها جمع رؤوس القبائل، وقرأه عليهم، فثارت حفائظهم، وخرج من صنعاء فى ثلاثة [1] آلاف فارس غير الراجل، فخطبهم فى الطريق، وقال: «إنما تقدمون على الموت، فمن أراد أن يرجع فمن مكانه» فيقال: إنه رجع بعضهم وسار فى الباقين، وبلغ الأحول،/ (108) فجمع جموعه فى عشرين ألف حربة، فطحنتهم خيل العرب، وقتل أكثرهم، فركب الأحول فى خواصّه وأهل بيته خيولا مضمّرة كان أعدها للهرب، وهرب إلى الساحل، وقد أعدت له هناك سفن فركبها، وتوجه نحو دهلك [2] ، ودخلت العرب زبيد، فكان أول فارس وقف تحت طاق أسماء ولدها المكرم، فسلم عليها، فلم تعرفه، وقالت: من أنت؟ فقال: أحمد بن على، فقالت أحمد بن على فى العرب كثير، وأمرته أن يرفع المغفر، فرفعه، فقالت: مرحبا بمولانا المكرم، فأصابته ريح ارتعش لها، واختلج وجهه، فكان كذلك سنين كثيرة حتى مات، وأعاد المكرّم خاله أسعد بن شهاب إلى ولاية زبيد والأعمال التهامية، ورجع بأمه إلى صنعاء فأقامت مدة وماتت.
ثم جمعت الحبشة لأسعد بن شهاب، فأخرجوه من زبيد، وعادت إلى ملكهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.
قال: ثم إن المكرم بن الصليحى فوّض الأمور إلى زوجته الحرة، واسمها سيّدة [3] ابنة أحمد بن جعفر الصليحى، وكان الصليحى يكرمها/ قبل مقتله،
__________
[1] فى الأصل، ومثله فى «أ» ص 107 «ألف» والصواب ما أثبتناه.
[2] دهلك- ويقال دهنك أيضا-: جزيرة فى بحر اليمن، وهى مرسى بين بلاد اليمن والحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها (مراصد الاطلاع 2/546) .
[3] فى المقتطف ص 68 أن «اسمها أروى بنت أحمد بن جعفر بن موسى بن محمد الصليحى» وموسى هو أخو على بن محمد الصليحى.
(33/109)

ويقول لزوجته أسماء: هى والله كافلة ذرارينا، القائمة بهذا الأمر لمن بقى منا، فلما ماتت أسماء فوض المكرم الملك والأمر لزوجته الحرّة، وخلا للشراب واللذات، فارتحلت من صنعاء حتى بنت دارها بذى [1] جبلة، وتعرف بدار العز، ونقلته إليها، فاستخلف على صنعاء عمران بن الفضل اليامى، حتى مات فى سنة/ (109) أربع وثمانين وأربعمائة، فأسند الأمر إلى ابن عمه.
السلطان سبأ بن أحمد بن المظفّر الصّليحى
وكان دميم الخلق لا يكاد يظهر من السرج بطائل، وكان جوادا شاعرا قائما بأحوال الملك، وأياه عنى ابن [2] القم بقوله:
ولما مدحت الهبرزىّ [3] ابن أحمد ... أجاز وكافانى على المدح بالمدح
وعوّضنى شعرا بشعرى وزادنى ... عطاء فهذا رأس مالى وذا ربحى
شققت إليه الناس حتى رأيته ... فكنت كمن شقّ الظلام إلى الصّبح
وكان مستقر ملكه حصن أشيح وما إليه من الجبال المطلّة على زبيد، وكانت الحرب بينه وبين أهل نجاح سجالا، فبيّتوه فى بعض الليالى، وكبسوا عسكره، فقتلوا أكثرهم، ونجا سبأ على قدميه عامة ليلته حتى وجد من حمله على فرس فى آخر الليل، فلم تعد العرب بعد ذلك إلى تهامة.
وخطب سبأ الحرّة السيدة، فلم تجبه، وأنكرت ذلك غاية الإنكار، فتحاربا مدة، فقيل له: ما تجيب إلا بأمر المستنصر خليفة مصر، فأرسل فى ذلك إلى المستنصر رسولين، فعادا ومعهما خادم من أكابر خدّام المستنصر بألفاظ حسنة، فردت بأحسن منها، وقال لها: أمير المؤمنين يقول لك:
__________
[1] ذى جبلة من مخلاف جعفر (وانظر صفة البلاد اليمن ص 168) .
[2] فى المقتطف 68 الحسين بن القم، وضبطه بكسر القاف، وفى ابن المجاور ص 173 عبد الله بن الحسن ابن على بن القم، بضم القاف.
[3] كذا فى «الأصل» ، وفى اللسان أنها يمانية، ومن معانيها: الجيد الرمى بالسهام والحسن الثبات على ظهر الفرس، وفى «أ» 109 الهبزرى (بتقديم الزاى على الراء) وفى هامشه الهبزرى: الجواد.
(33/110)

وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[1] قالت: وما ذاك؟ قال: «قد زوّجك أمير المؤمنين من الداعى الأوحد المظفر عمدة الخلافة، أمير الأمراء أبى حمير سبأ بن أحمد/ (110) بن المظفّر الصّليحى على ما حضر من المال، وهو مائة ألف دينار عينا، وخمسون ألفا من التحف والألطاف والطيب والكساء» ، فقالت: أما كتاب مولانا صلوات الله عليه، وأمره فأقول فيه: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[2] ولا أقول فى أمر مولانا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
[3] وأجابت إلى العقد، فأقبل سبأ فى جموع عظيمة إلى ذى جبلة، فتلقتهم من الضّيافات والعطايا الواسعة للناس، والنفقات على العساكر بما بهر سبأ، وصغّر قدر نفسه عنده، وأقام هو ومن معه على ذلك شهرا، ثم استأذنها فى الدخول عليها، فأذنت له، فقيل: إنه اجتمع بها ساعة واحدة، وقيل بعثت إليه بجارية تشبهها، وأصبح سائرا، فلم يجتمعا بعد ذلك، ومات سبأ، فأقامت الحرة للذبّ عن ملكها، والقيام بأمرها.
المفضّل بن أبى البركات بن الوليد الحميرى
وهو تربيتها، فعظم شأنه وعلت كلمته، وغزا تهامة مرارا، وكان إليه ولاية التّعكر [4] وبه ذخائر بنى الصليحى وأموالهم، وكان يتولاه من قبله رجل من الفقهاء فطلع إليه جماعة من الفقهاء السّنّية من المخلاف، فحسنوا له الخلاف، فخالف على المفضل، واستولى على الحصن وما فيه من الذخائر، فجاء المفضل، وحصره أشد حصار، فقال بعض الفقهاء: والله لا بت حتى أقتل المفضل، فعمد إلى حظايا المفضل اللواتى يميل إليهن،/ (111) فألبسهن فاخر الحلى والحلل، وأطلعهن أسطح القصور، فضربن بالدفوف والمعازف بحيث يراهن المفضل وجميع عسكره، وكان المفضل أشد الناس غيرة، فمات
__________
[1] سورة الأحزاب آية 36.
[2] سورة النمل آية 27، 28.
[3] سورة النمل الآية 32.
[4] فى مراصد الاطلاع 1/265 ضبطه بضم الكاف وقال: قلعة حصينة باليمن فى مخلاف جعفر مطلة على ذى جبلة ليس فى اليمن قلعة أحصن منها. وفى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن) والواسعى (تاريخ اليمن) ضبطت بفتح الكاف.
(33/111)

من ليلته كمدا وقيل: امتص خاتما فأصبح/ ميتا والخاتم فى فمه، فعند ذلك طلعت الحرة من ذى جبلة، فخيمت بالرّبادى، وكاتبت الفقهاء ولا طفتهم، وكتبت لهم خطها بما اقترحوه من أمان وأموال، وتسلمت الحصن فولته أحد مواليها.
وقدم على أثر ذلك على بن أحمد [1] المعروف بابن نجيب الدولة رسولا من قبل الخليفة بمصر إلى الحرة، وكان عاقلا حسن التدبير فقام بأمر الحرة، وغزا أهل الأطراف، فاستقر أمره، واشتدت شوكته، واستخدم أربعمائة فارس من همدان وغيرهم من عرب اليمن، فقوى بهم، وغزا ملوك زبيد، ولم تزل أموره مستقيمة حتى بلغ الحرة عنه أنه قال: إنها قد خرفت ولا تصلح لتدبير الملك، فتنكرت له، وأغرت به ملوك اليمن، وكانوا تحت طاعتها كعمران اليامى، وعمرو الجنبى، وكل منهما يسير فى ألف فارس، فحصروه حتى جهد، فلما اشتد به الحصار فرقت الحرة عشرة آلاف دينار مصرية، وأشاعت فى الناس أنها من ابن نجيب الدولة، فطلبت العساكر من ملوكها الأموال والأرزاق، فغالطوهم فارتحلوا، وتفرق الناس، فقيل لابن نجيب الدولة: هذا من تدبير التى قلت إنها قد خرفت، فركب إليها إلى ذى جبلة، فاعتذر إليها.
ثم قدم رسول/ (112) من الديار المصرية، فلم يحتفل به ابن نجيب الدولة، فشق عليه ذلك، والتحق به أعداء ابن نجيب الدولة، فقال لهم: اكتبوا على يدى كتابا «أنه دعاكم إلى البيعة لنزار [2] ، واضربوا سكة نزار، وأنا أوصلها إلى الخليفة الآمر [3] بأحكام الله» ففعلوا ذلك وفعل، فبعث الآمر أميرا، فقبض عليه، وسيره إلى مصر، فأرسلت الحرة إلى مصر رسولا، فشفع فيه، فلما توسطوا البحر غرّقهم الموكّلون بهم بمواطأة ذلك الأمير، وانتقلت الدعوة إلى آل زريع.
__________
[1] فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن ص 122) «على بن إبراهيم بن نجيب الدولة» .
[2] أبو منصور نزار بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم، أخو المستعلى، وعم الآمر بأحكام الله بن المستعلى، وانظر المصدر السابق ص 146.
[3] فى «ك» الحاكم بأمر الله، وهو خطأ من الناسخ، لأن الحاكم مات سنة 411 هـ أما الآمر فهو المعاصر لهذا التاريخ، لأنه قتل سنة 524 وما أثبتناه من «أ» 112 وانظر زامباور (معجم الأنساب 1/145) ..
(33/112)

ذكر أخبار ملوك الدولة الزّريعيّة
قال: ولما جهز ابن نجيب الدولة إلى الديار المصرية انتقلت الدعوة إلى الداعى سبأ بن أبى السعود بن زريع بن العباس بن المكرم بن يام بن أصبى [1] ، من حاشد من همدان، وهو من بيت شرف ورئاسة، وكان لجده العباس سابقة محمودة، وبلاء حسن مع الصليحى فى القيام بالدعوة، ومع المكرم فى نزول زبيد.
ولما تغلب بنو معن على عدن وافتتحها المكرم، ونفى بنى معن، ولاها العباس ومسعود ابنى المكرم، فكانا كذلك إلى أن سارا مع المفضل بن أبى البركات إلى زبيد لقتال الحبشة، فقتلا على باب زبيد، فانتقل الأمر بعدن إلى أبى السعود بن زريع،/ (113) وأبى الغارات بن مسعود حتى ماتا، فولى الأمر بعدهما الداعى سبأ بن أبى السعود، ومحمد بن أبى الغارات، فلما مات محمد ولى ما كان إليه من الأمر أخوه على بن أبى الغارات، وبيد الداعى سبأ مع عدن تبالة [2] ، وله فى الجبال حصن الدّملوة، والسّانة، ومطر، وغيدان، وذبحان [3] وبعض المعافر وبعض الجند، ثم وقع بينه وبين ابن عمه خلاف وقتال أجلت الحرب عن هزيمة أبى الغارات واستقلال الداعى سبأ بالأمر بمفرده، وصفت له البلاد، ودخل عدن، وأقام بها سبعة أشهر، ومات فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فولى الأمر بعده ولده على الأعز، ووصل القاضى الرشيد أحمد بن الزبير من مصر بتقليده الدعوة، فوافاه قد مات فى سنة أربع وثلاثين، فقلدها أخاه.
محمد بن سبأ، ولقبه المعظّم المتوّج المكين
وكان الداعى محمد هذا ممدّحا [يقصده الشعراء، فيجزل لهم العطاء، وكان جوادا كريما، وتوسع فى الملك، وغلب على أكثر البلاد [4]] ، وتوفيت الحرة السيدة بذى جبلة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وانتقل ما كان بيدها
__________
[1] فى «ك» (أصنى) بالنون، وما أثبتناه من «أ» ص 112 لموافقته ما أورده ابن المجاور (صفة بلاد اليمن ص 121) وعبارته: أن نسبهم من همدان ثم من جشم بن يام بن أصبى.
[2] تبالة: يضرب بها المثل فى الخصب وانظر: مراصد الاطلاع 1/251 وتاج العروس مادة (ت ب ل) .
[3] فى أ، ك ديحان- تصحيف- والمثبت عن معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 248.
[4] ما بين القوسين زيادة عن «أ» ص 113.
(33/113)

من الحصون والذخائر إلى المنصور بن المفضل، فابتاع الداعى محمد بن سبأ هذا منه الحصون والبلاد فى سنة ست وأربعين وخمسمائة، مثل مدينة جبلة والتّعكر وحب/ وغيرها من حصون المخلاف وسواه، وطلع/ (114) الداعى المخلاف، فسكن بذى [1] جبلة، وكانت وفاته فى سنة ستين وخمسمائة، ولم يزل الأمر فى ذراريهم إلى أن نفاهم سيف الإسلام بن أيوب.
وأما صنعاء فملكها بعد الداعى سبأ بن أحمد الصّليحى رجل من همدان يعرف بحاتم بن الغشم [2] ، وكان ناهضا كافيا، وكان له ولد اسمه محمد لم يشاركه أحد فى شجاعته وجوده، إلا أنه كانت فيه لوثة واختلاط عقل، فكان إذا تزوج امرأة وأحبها قتلها، فتحاماه الناس فلم يزوجه [3] أحد بعد ذلك، فخطب إلى بنى الصليحى أهل قيضان [4] ، فأبوا أن يزوجوه، فألح عليهم فقالوا: «إذا ضمن أبوك زوّجناك» ، فلم يزل بأبيه حتى ضمن، وقال له أبوه: «إن قتلتها قتلتك» فقتلها بعد مدة، ولحق بحصن براش صنعاء، فلم يزل أبوه يخادعه ويلاطفه، حتى التقيا تحت المدرج، فوثب عليه أبوه فقتله، وقطع برأسه ودخل به صنعاء على رمح، وكانت لمحمد بنية فى بيت جدها، وقد سمعت أن جدها خرج ليأتى بأمها، فلم يفجأها إلا رأس أبيها على الرمح، فماتت فجأة، ثم مات حاتم بن الغشم، فانتقل ملك صنعاء ومخاليفها إلى:
السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامى
وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكانت له حروب مع الإمام أحمد ابن سليمان، ومات حاتم بن أحمد فى سنة ست [5] وخمسين وخمسمائة، فولى بعده ابنه حميد الدولة على بن حاتم، فخالفت عليه همدان، وقتلوا أخاه عمران،
__________
[1] ذو جبلة: مدينة باليمن تحت جبل صبر، ويقال لها: ذات النهرين (مراصد الاطلاع 1/312 وصفة بلاد اليمن ص 171) .
[2] فى «أ» 114 وك «الغشيم» ، ورجحنا المثبت عن المقتطف 71 وتاريخ اليمن 178 «حاتم بن الغشم الهمدانى، وفى بلوغ المرام 29 «حاتم المغنم الهمدانى المغلسى، وسمى الجرافى فى المقتطف هذه الدولة باسم «دولة السلاطين بنى حاتم الهمدانيين» .
[3] فى «ك» فلم يزوجوه أحد، وما أثبتنا عبارة «أ» ص 114.
[4] فى ياقوت (معجم البلدان 7/197) قيظان: مخلاف باليمن قرب ذى جبلة.
[5] فى المقتطف ص 72 أن وفاته كانت سنة خمسين وخمسمائة.
(33/114)

ثم استقاموا له،/ (115) وقويت شوكته ونزل اليمن الأسفل لقتال بنى مهدى، فأوقع بهم فى الجبال، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وذلك فى ربيع سنة تسع وستين [وخمسمائة] .
ذكر أخبار سعيد الأحول، واستيلائه على زبيد ثانيا ومن ملك بعده من آل نجاح
قد ذكرنا أن المكرم هزم سعيدا الأحول، وقتل رجاله واستولى على زبيد، وأعاد إليها خاله أسعد بن شهاب فى سنة ستين وأربعمائة، فلما رجع المكرم بأمه إلى صنعاء وثب سعيد الأحول، فطرد أسعد بن شهاب من زبيد فلحق بابن أخته، واستولى سعيد الأحول على زبيد والأعمال التهامية بها إلى أن تحيلت الحرة السيدة على قتله، فأمرت والى الشعر أن يكاتبه، ويباطنه أنه يسلم إليه جبل الشعر [1] ، ومنه يستولى على الحرة وما بيدها من الأعمال، فطمع فى ذلك فخرج للميعاد، وأمرت الحرة ملوك اليمن الأعلى بحشد عساكرهم وراءهم ونزولهم من الجبال المطلة على زبيد، وأن يطووا المراحل خلف سعيد، فلما صار تحت الشعر أطبقت عليه جيوش العرب وجيوش الحرة، فقتل هو وأكثر من معه، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وعادت زبيد إلى المكرّم، وأعادت الحرة إليها أسعد بن شهاب، ثم انتزعها منه «جيّاش بن نجاح» أخو سعيد، وذلك أنه كان عند مقتل أخيه ببلاد الهند، وكان قد توجه إليها/ (116) متنكرا فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، فلما عاد وجد أخاه قد قتل، وخرجت زبيد عنهم، فدخل زبيد متنكرا، ولم يزل يتحيّل ويتلطّف حتى اجتمع له من مواليه وأصحابه خمسة آلاف حربة، وساعده على ظهوره على ابن القم [2] الشاعر، وكان وزيرا لأسعد بن شهاب، فوثب بزبيد، وملكها وأعانه عوام المدينة، وأتى بأسعد بن شهاب أسيرا، فأكرمه وأطلقه، وكان جياش قد أحضر معه جارية من الهند حاملا، فولدت له ابنه
__________
[1] جبل الشعر معروف قرب زبيد، واشتهر سكانه بصنع نوع من الثياب تشبه الغزلية فى مصر والألاجة فى الشام والعراق، ضبطه فى بلوغ المرام ص 145 بفتح الشين، وضبطه الواسعى (تاريخ اليمن ص 164) بكسرها.
[2] فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن ص 173) ضبطه بضم القاف وفى موضع آخر منه ضبطه بالكسر. وانظر (ص 108 حاشية 2) من هذا الجزء.
(33/115)

فاتكا، وفى ساعة وضعها كان وثوبه بزبيد، ولم يزل جيّاش فى ملك زبيد وتهامة من سنة اثنتين/ وثمانين وأربعمائة إلى سنة ثمان وتسعين، فمات فى ذى الحجة منها، وقيل فى شهر رمضان سنة خمسمائة [1] . قال: والأول أظهر، وخلف من الأولاد الفاتك- ابن الهندية- ومنصورا وابراهيم وعبد الواحد والذخيرة ومعاركا، فولى بعده ابنه الفاتك، وخالف عليه أخوه إبراهيم، وخالف عليه أيضا أخوه عبد الواحد، وجرت بينهم وقائع وحروب، فظفر فاتك بأخيه عبد الواحد، فعفا عنه، وأكرمه، ونزل إبراهيم بن جياش بأسعد بن وائل بن عيسى الوحاظى، فأكرمه إكراما عظيما، وكانت عبيد فاتك بن جياش قد عظم شأنهم، وكثروا واشتدت شوكتهم، ثم مات فاتك فى سنة ثلاث وخمسمائة، وترك ولده المنصور بن فاتك صغيرا، فملكه عبيد أبيه، وحشد إبراهيم بن جياش بعد موت أخيه/ (117) فاتك، فتواقعوا [2] ، وحين خلت زبيد منهم وثب بها عبد الواحد بن جياش فملكها، وحاز دار الإمارة، فأخرج الأستاذون والوصفان مولاهم منصور بن فاتك ودلوه من سور البلد خوفا عليه، ولحق بعبيد أبيه.
ولما بلغ إبراهيم بن جياش أن أخاه عبد الواحد قد حصل على زبيد وسبقه [3] إليها، توجّه إلى الحسين بن أبى الحفاظ الحجورى.
وأما عبيد فاتك، فإنهم توجهوا بالمنصور ابن مولاهم، ونزلوا بالملك المفضل بن أبى البركات الحميرى صاحب التّعكر، وبالحرة السيدة بنت أحمد الصليحى بذى جبلة، فأكرما مثواهم، والتزم عبيد فاتك للمفضّل بريع البلاد على نصرتهم على «ابن جياش» فأخرجه من زبيد، وملكهم إياها، وهمّ المفضّل أن يغدر بآل فاتك، ويملك البلاد، فبلغه ما كان من أمر الفقهاء، واستيلائهم على حصن التّعكر، ففارق زبيد، وتوجه إليهم، وكان من أمر وفاته ما قدمناه.
__________
[1] اقتصر المقتطف ص 63 على التاريخ الأول. وذكر أن جياشا كان من أهل العلم، وأنه وضع تاريخا اسمه المفيد، ويقال له «مفيد جياش» تمييزا له من المفيد الذى وضعه عمارة اليمنى.
[2] فى «أ» ص 117 فتواقفوا.
[3] فى «أ» ص 117 وسبق.
(33/116)

واستقر الأمر بتهامة للمنصور بن فاتك وعبيد أبيه، فمن أولاد فاتك الأمراء ومن عبيده الوزراء، فأما الأمراء فمنهم [المنصور بن فاتك، ثم فاتك بن المنصور [1]] وهو ابن الحرّة الصالحة الحاجة.
ثم مات فاتك بن منصور، فانتقل الأمر إلى ابن عمه، واسمه أيضا الفاتك ابن محمد بن منصور بن فاتك بن جياش فى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وقتله عبيده فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وعنهم زالت الدولة إلى على بن مهدى الخارج باليمن فى شهر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ولم يكن لأولاد فاتك/ (118) بن جيّاش من الأمر شىء سوى النّواميس الظاهرة، من الخطبة لهم، بعد بنى العباس، والسكة، والركوب بالمظلّة فى أيام الموسم، وعقد الآراء فى مجالسهم [2] ، وما عدا ذلك من الأمر والنهى والتدبير وإقامة الحدود، وإجازة الوفود، فلعبيدهم الوزراء، وهم عبيد فاتك بن جياش، وعبيد منصور ابنه.
وأول من وزر منهم أنيس الفاتكى، وكان من بطن فى الحبشة يقال لهم الجرليون [3] ، وملوك بنى نجاح من هذا البطن، وكان أنيس هذا جبارا غشوما مهوبا [4] ، وبنى قصورا عظيمة، ولما اشتدت شوكته عزم على قتل مولاه المنصور بن فاتك، وتهيأ للاستقلال بالملك، فبدره [5] ابن مولاه، بأن عمل وليمة واستدعاه، فقطع رأسه واستصفى أمواله. ووزر بعده الشيخ أبو منصور منّ الله الفاتكى، وكان كريما شجاعا، وله وقعات مشهورة فى العرب، ومآثر مذكورة، ولما وزر لمنصور بن فاتك بن جياش فى سنة تسع عشرة وخمسمائة لم يقدم شيئا على قتل منصور ابن مولاه بالسم، وملّك ابنه فاتك بن منصور، وهو طفل صغير، ثم تعرض إلى حريم مولاه، فيقال: إن منصور بن فاتك وأباه فاتك ابن جياش، وغيرهما من آل نجاح، ماتوا عن أكثر من ألف سرّية، ما منهن واحدة سلمت من الوزير «منّ الله» إلا عشرة نساء من حظايا منصور بن فاتك
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، والزيادة من «أ» ص 117.
[2] فى «أ» ص 118 «محالهم» .
[3] فى مختصر المفيد فى أخبار زبيد ص 97 «السحرتيون» .
[4] فى المصدر السابق «غشوما متهورا» .
[5] يقال: بدره بالشىء إذا عاجله به.
(33/117)

منهن الحرّة الملكة أم فاتك بن المنصور الملك، وكانت/ (119) من جوارى الوزير أنيس ابتاعها منصور من ورثته، وكانت حبشية مغنية، واسمها علم، فخرجت امرأة صالحة خيّرة كانت تحج بأهل اليمن برا وبحرا فى خفارتها من الأخطار والمكوس، فاعتزلت القصر، وسكنت خارج المدينة، وبنت لها دارا.
هذا والملك ولدها.
قال: ولما أراد الله تعالى هلاك الوزير «منّ الله» حاول بنت معارك بن جياش وراودها، وكانت موصوفة بجمال، فافتدت [نفسها [1]] منه بأربعين بكرا فذكرت ذلك لعبيد عمها فاتك، وعبيد ابن عمها منصور بن فاتك فهابوه، ولم يقدروا على شىء فقالت/ لهم الحرة أم أبى الجيش- وكانت مولدة ذات جمال-: أنا أكفيكموه، ثم أرسلت إلى الوزير منّ الله. تقول له: «إنك أسأت السّمعة علينا وعليك فيما تقدم، ولو كنت أعلمتنى خدمتك أتمّ خدمة، ولم يعلم بك أحد، ففرح الوزير بذلك، وتواترت الرسائل بينه وبينها، حتى قال: فإنى أزورك فى هذه الليلة إلى دارك متنكرا، فقالت لرسوله: إن الله قد أجلّ قدر الوزير عن ذلك، بل أنا أزوره فى داره، وأتته عند المساء، فغنّته وشرب وطرب، فيقال: إنها مكّنته من نفسها، فوقع عليها، فلما فرغ مسحته بخرقة مسمومة، فتهرّأ ومات [2] من ليلته، فدفنه ولده منصور فى إسطبله، وسوى به الأرض، فلم يعرف له قبر، وكانت وفاته فى ليلة السبت خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ثم وزر بعده لفاتك بن منصور زريق الفاتكى [3] «وكان شجاعا كريما، وكان له من الأموال والأراضى ما لا تحصى قيمته،/ (120) وكان له ثلاثون ولدا إلا أنه لم يكن له نفاذ فى سياسة العسكر، ولا خبرة بإقامة نواميس السلطنة، فاستقال من الوزارة، واستدعى لها الوزير أبا منصور مفلحا الفاتكى،
__________
[1] ما بين الحاصرتين زيادة من «مختصر المفيد» ، وقد أورد هذه القصة مفصلة فى صفحتى 100 و 101.
[2] يقال: تهرأ اللحم، إذا اشتد نضجه حتى سقط عن العظم.
[3] فى ابن خلدون (4/218) أنه كان من موالى أم فاتك المختصين بها.
(33/118)

وهو من بطن من الحبشة يقال لهم «سحرت» ، وكان يكنى بولده منصور، وكان منصور هذا من الأعيان أهل الخبرة والفقه والأدب والصباحة والسماحة والشجاعة والرئاسة الكاملة، وكان مفلح ينبز فى صغره «بالبغل» ، وكان يقال: «مفلح البغل» ولا يغضب من ذلك، وكان عفيفا لم تعلم له صبوة فى صغر ولا كبر، ولما عظم شأنه فى الوزارة ثقل على أهل الدولة، فتحيّل فى إخراجه، فأخرج من الوزارة، وكانت له حروب مع سرور الفاتكى، ثم مات فى سنة سبع [1] وعشرين وخمسمائة.
وكان لمنصور ابنه مع العساكر حروب، ثم خذله أصحابه وتفلّلوا [2] عنه، فاستأمن إلى القائد «سرور» ودخل معه إلى زبيد، والوزير يومئذ «إقبال» الفاتكى، فخلع على منصور، وأنزله فى دار أبيه، ثم قبض عليه من الغد، وقتل فى دار الوزير «إقبال» ، فأنكر الملك فاتك ذلك، وهمّ بإقبال، ثم أبقاه على دخن، فتلطف إقبال، حتى سقى مولاه فاتكا السم، فمات فاتك بن منصور فى شعبان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
ومنهم القائد «أبو محمد سرور الفاتكى» وجنسه من الحبشة «أمحرة» ، وكانت له مآثر وصدقات وصلات/ (121) يطول الشرح بذكرها. وكان كثير الصلاة والعبادة والخير والبر، فكانت هذه حاله من سنة تسع وعشرين وخمسمائة إلى أن قتل فى مسجده بزبيد فى الركعة الثالثة من صلاة العصر يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قتله رجل يقال له «محرّم» من أصحاب على بن مهدى، ثم قتل قاتله فى تلك العشية بعد أن قتل جماعة من الناس، ولم تلبث الدولة بعد قتله إلا يسيرا حتى أزالها على بن مهدى، وملك زبيد وأعمالها فى سنة أربع وخمسين وخمسمائة، فى آخر يوم من شهر رجب.
__________
[1] فى زامباور (معجم الأنساب 1/182) أن وفاته كانت سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
[2] تفللوا عنه: انهزموا، وتخلوا عنه.
(33/119)

ذكر أخبار دولة على بن مهدى الحميرىّ وبنيه
وهم من أهل قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد، وكان أبوه رجلا صالحا سليم القلب، ونشأ ولده علىّ هذا على طريقة أبيه فى العزلة والتمسك بالصلاح، وحج وزار ولقى حاجّ العراق وعلماءها ووعّاظها، وتضلّع فى [1] معارفهم، وعاد إلى اليمن، فاعتزل وأظهر الوعظ، وإطلاق التحذير من صحبة العسكرية، وكان فصيحا صبيحا أخضر اللون طويل القامة مخروط الجسم بين عينيه سجّادة [2] ، حسن الصوت، طيب النغمة، حلو الإيراد، غزير المحفوظات، قائما بالوعظ والتفسير وطريقة الصوفية، وكان يحدّث بشىء من أحواله المستقبلات فيصدق، وكان ذلك من أقوى عدده فى استمالة قلوب العالم، وظهر أمره بساحل زبيد بقرية العنبرة وقرية واسط وقرية القضيب والأهواب/ (122) والمقتفى وساحل الفازة وكان يتنقل بينها. وكانت عبرته لا ترقأ على ممر الأوقات، ولم يزل يعظ الناس فى البوادى من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فإذا دنا الموسم خرج حاجا على نجيب له إلى سنة ست وثلاثين [وخمسمائة] .
ثم أطلقت الحرة أم فاتك ابن منصور له ولأخوته وأصهاره ومن يلوذ بهم خراج أملاكهم، فلم تمض بهم هنيهة حتى أثروا، واتسعت حالهم، فركبوا الخيل.
ثم حالفه قوم من أهل الجبال على النصرة، فخرج من تهامة إليهم فى سنة ثمان وثلاثين، فجمع جموعا تبلغ أربعين ألفا، وقصد بهم مدينة الكدراء، فلقيه القائد إسحاق بن مرزوق السحرتى [3] فى قومه، فهزموا أصحابه، وقتلوا خلقا من جموعه، وعفوا عن أكثرهم، وعاد ابن مهدى إلى الجبال، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين [وخمسمائة] ، ثم كاتب الحرّة بزبيد، وسألها فى ذمّة له ولمن يلوذ به، ويعود إلى وطنه، ففعلت له ذلك على كره من أهل دولتها، ومن فقهاء عصرها، ليقضى الله أمرا كان مفعولا.
__________
[1] فى «أ» ص 121 «من معارفهم» .
[2] السجادة: أثر السجود فى الجبهة.
[3] فى «أ» ص 122 والمثبت من المفيد ص 218.
(33/120)

وأقام ابن مهدى يستغل أملاكه سنين عدة، وهى مطلقة الخراج، فاجتمع له من ذلك مال، وكان يقول فى وعظه: «أيها الناس، دنا الوقت، أزف الأمر، كأنّكم بما أقول لكم وقد رأيتموه عيانا» ، فما هو إلا أن ماتت الحرة فى سنة خمس وأربعين حتى أصبح فى الجبال فى موضع يقل له الداشر [1] «من بلاد خولان» ثم ارتفع منه إلى حصن يقال له الشرف، وهو لبطن من خولان، يقال لهم خيوان- بإسكان الياء- وسماهم الأنصار وسمى كل/ (123) من صعد معه من تهامة المهاجرين، ثم [ساء ظنّه] [2] /بكل أحد ممن معه خوفا على نفسه، فأقام للأنصار رجلا من خولان يسمى سبأ بن يوسف وكناه «شيخ الإسلام» وللمهاجرين رجلا يسمى التّويتى لقبه أيضا شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على الطائفتين، ولا يخاطبه ولا يصل إليه أحد سواهما، وربما احتجب فلا يرونه وهم يتصرفون فى الغزو، فلم يزل يغادى الغارات ويراوحها على تهامة حتى أخرب الحزوز المصاقبة [3] للجبال، والحبشة يومئذ تبعث الأبدال فى المراكز، فلا يغنون شيئا، فلم يزل ذلك دأبه مع أهل زبيد إلى أن أخلى جميع أهل البوادى، وقطع الحرث، ومنع القوافل، وكان يأمر أصحابه أن يسوقوا الأنعام والقوافل، وما عجز عن السير عقروه، ففعلوا من ذلك ما أرعب وأرهب، وقضى بخراب الأعمال، ثم توجه إلى الداعى محمد بن سبأ صاحب عدن إلى مدينة ذى جبلة فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، يستنجده على أهل زبيد، فلم يجبه إلى ذلك، فعاد إلى حصن الشرف، ودبر فى قتل القائد «سرور الفاتكى» فقتل فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة كما تقدم.
وانشغل رؤساء زبيد بالتنافس والتحاسد على رتبة القائد سرور، فكان ذلك مما أعان ابن مهدى، وفارق ابن مهدى حصن الشرف، وهبط إلى الداسر، وبينه وبين زبيد أقل من نصف يوم، فانضمت إليه الرعايا وعرب البلاد، فلما كثر جمعه زحف إلى زبيد فى جموع لا تحصى كثرة وحصر أهل زبيد بها،
__________
[1] فى «أ» الداسر، وما أثبتناه من «ك» وانظر مراصد الاطلاع (2/509) ففيه أنها مدينة باليمن على مسيرة ليلة من زبيد، وهى لخولان، وفى معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 230 «انه حصن.. ويسمى اليوم «المصباح» .
[2] ما بين الحاصرتين بياض فى «ك» ، وأثبتناه من «أ» ص 123 وهو متفق مع المفيد ص 231.
[3] المصاقبة: المجاورة والمتاخمة.
(33/121)

فصبروا، وقاتلوه اثنين وسبعين زحفا يقتل من أصحابه مثل ما يقتل منهم، واشتد بهم الضر والبلاء/ (124) والجوع حتى أكلوا الميتة، فاستنجدوا بالشريف الزيدى ثم الرّسى، أحمد بن سليمان صاحب صعدة، وشرطوا له أن يملكوه عليهم، فقال: «إن قتلتم مولاكم فاتكا حلفت لكم ونصرتكم، فوثب عبيد فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش بن نجاح مولى مرجان، ومرجان مولى أبى عبد الله الحسين بن سلامة، والحسين بن سلامة مولى رشد الزمام، ورشد مولى زياد بن إبراهيم بن أبى الجيش إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زياد- فقتلوه فى شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ثم عجز الشريف عن نصرهم على ابن مهدى، ثم كانت بينهم وبين ابن مهدى حروب، وهم يتحصنون بالمدينة إلى أن فتحها فى يوم الجمعة رابع عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين، وأقام بها على بن مهدى بقية شهر رجب وشعبان ورمضان، ومات فى شوال من السنة، فكانت مدة ملكه أحد وثمانين يوما.
ثم انتقل (الملك) بعده إلى ولده «المهدى» ثم إلى ولده «عبد النبى» ، ثم إلى ولده «عبد الله» ، ثم عاد الأمر إلى [عبد النبى] [1] والأمر فى اليمن بأسره إليه ما عدا عدن، فإن أهلها هادنوه عليها بمال فى كل سنة، واجتمع لعبد النبى هذا ملك الجبال والتهايم، وانتقل إليه ملك جميع ملوك اليمن وذخائرها، يقال: إنه حصل فى خزائن ابن مهدى ملك خمس وعشرين دولة من دول أهل اليمن.
قال: «وكان ابن مهدى يتمذهب بمذهب أبى حنيفة فى الفروع، ثم أضاف إلى عقيدته التكفير بالمعاصى، والقتل بها/ (125) وقتل من خالف اعتقاده من أهل القبلة، واستباحة الوطء لنسائهم، واسترقاق ذرايهم، وكان اعتقاد أصحابه فيه أن الواحد من آل مهدى إذا قتل جماعة من عسكره ثم قدروا عليه لم يقتلوه دينا وعقيدة، وإذا غضب ابن مهدى على رجل من أكابرهم وأعيانهم حبس المغضوب عليه نفسه فى الشمس، ولم يطعم ولم يشرب ولم يصل إليه ولد ولا زوجة، ولا يقدر أحد أن يشفع فيه حتى يرضى عنه ابتداء من نفسه،
__________
[1] فى «ك» بياض، والزيادة من «أ» ص 124 ومثله فى المقتطف ص 73 وبلوغ المرام 17 و 18.
(33/122)

ومن طاعتهم له أن كل واحد يحمل ما تغزله زوجته وبناته إلى بيت المال، ويكون ابن مهدى هو الذى يكسوهم [هم] وأهاليهم من عنده، وليس لأحد من العسكرية فرس يملكه ولا يرتبطه، ولا عدة من سلاح ولا غيرها، بل الخيل فى إسطبلاته، والسلاح فى خزائنه، فإذا عنّ له أمر دفع من الخيل والسلاح ما يحتاجون إليه، ومن سيرته قتل من انهزم من عسكره ولا سبيل إلى حياته، وقتل من شرب المسكر، ومن سمع الغناء، ومن زنى، وقتل من تأخر عن صلاة الجماعة، أو عن مجلس وعظه فى يومى الخميس والاثنين، وقتل من تأخر فيهما عن زيارة قبر أبيه، هذه رسومه فى العسكرية [1] .
ولم يزل أمره على ذلك حتى اتصل خبره بالسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واتصل به أن عبد النبى يزعم أن دولته تطبق الأرض، وأن ملكه يسير مسير الشمس، فجهز أخاه الملك المعظم فخر الدين [2] فى شهر رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، وملك زبيد، وأسر عبد النبى، وقتله على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الدولة الأيوبية.
/ (126) ذكر أخبار ملوك الدولة الأيّوبية باليمن
قد ذكرنا أخبار الدولة الأيوبية بالديار المصرية والشام وبلاد الشرق، فيما تقدم من كتابنا، وأتينا على أخبار ملوكها ملكا ملكا، وأشرنا إلى نبذ يسيرة من أخبار ملوكهم باليمن، ونحن الآن نذكر أخبار ملوكهم ببلاد اليمن بما هو أبسط مما تقدم، لتكون أخبار اليمن سياقة يتلو بعضها بعضا.
كان من خبر دولتهم باليمن أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب لما ملك الديار المصرية، وأزال الدولة العبيدية كان من جملة من اتصل بخدمته عمارة اليمنى الشاعر، فذكر له أخبار اليمن قال:
__________
[1] عبارة عمارة فى هذا الموضع هى: «وهذه الرسوم إنما هى على العسكرية، وأما الرعايا فالأمر فيهم ألطف من العسكرية، وقد بلغنى فى هذا الوقت (563 هـ) أن الأمر قد هان عما كان عليه ... » (مختصر المفيد فى أخبار زبيد ص 121) .
[2] فخر الدين: «هو الملك المعظم تورانشاه بن أيوب خرج إليها وفى صحبته خمسة من آل رسول كانوا يقيمون فى مصر، وكانوا موصوفين بالشجاعة والقوة وهم: على بن رسول، وبنوه: الحسن وعمر وأبو بكر، وموسى. (الخزرجى: العقود اللؤلؤية 1/28) .
(33/123)

/ (127) [فى [1] سنة تسع وستين وخمسمائة، توجه إلى مكة شرفها الله تعالى، ومنها إلى مدينة زبيد، فلما شاهده أهلها انهزموا عن الأسوار إلى المدينة، فلما انتهى العسكر إلى السور وجده خاليا، فنصب عليه السلاليم، وصعدوا عليها إلى السور، فنال البلد عنوة، وذلك فى يوم الاثنين التاسع من شوال من السنة، وأسر عبد النبى بن على مهدى، فسلمه الملك المعظم إلى الأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فاستخرج منه شيئا كثيرا، وأظهر دفائن كانت له، ودلّتهم الحرّة على ودائع لها كثيرة. ومات عبد النبى فى أسره، وقيل شنقه، وخطب من بعده لأخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف.
ثم سار من زبيد إلى ثغر عدن، وصاحبها يومئذ بلال بن جرير [2] المحمدى. نائب آل زريع بها، فخرج إليه وقاتله، فانهزم هو ومن معه، فسبقهم عسكر المعظم إلى الثغر، فدخلوه، وأسر صاحبه، وقصد العسكر نهب البلد، فمنعهم الملك المعظم، وقال: «ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها» ثم توجه من عدن إلى صنعاء فى أول المحرم سنة سبعين وخمسمائة، فملكها، وبنى بها المبانى، ثم ملك الحصون والمعاقل منها: قلعة تعز، وهى الدّملوة [3] ، ورتب النواب فى بلاد اليمن: فرتب فى زبيد سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وبثغر عدن عز الدين عثمان الزنجيلى، وفى تعز ياقوت التعزى/ (128) وفى ذى جبلة مظفر الدين قايماز، ورتب فى كل حصن نائبا، ولم يعجب الملك المعظم المقام باليمن، ففارقها وعاد إلى أخيه السلطان الملك الناصر إسماعيل إلى دمشق بعد أن ملكها الملك الناصر، وكان وصوله فى سنة إحدى وسبعين [4]] /.
قال: ثم ادعى كل من النواب الملك لنفسه، وضرب سكة باسمه، وكان كل واحد لا يتعامل بسكة الآخر، فأما سيف الدولة [مبارك بن كامل] بن منقذ فإنه
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» ، وقد أثبتناه من «أ» ص 127 و 128.
[2] لم يتضح فى «أ» ص 127 وفى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 1/126) «ياسر بن بلال بن حرير المحمدى مولى الداعى محمد بن أبى المسعود بن زريع» .
[3] الضبط من مراصد الاطلاع 2/534، ودرج الخزرجى فى (العقود اللؤلؤية) على كتابتها بالهمزة بدلا من الواو.
[4] آخر ما سقط من نسخة «ك» .
(33/124)

مرض، وكره المقام باليمن، فعاد إلى الملك الناصر، واستناب أخاه خطاب [1] ابن منقذ بزبيد، وأما مظفر الدين قايماز فإنه ضعف أمره ولم ينقذ بلده.
ولما علم الملك الناصر بفساد الحال، وما وقع باليمن، أرسل الأمير المقدم فارس الدين خطلبا فى البحر إلى فخر الدين عثمان الزنجيلى [2] بعدن، فلما وصل إليه قابله بالإجلال والتعظيم، واتفقا على المسير إلى خطاب بن منقذ، وسارا فلقيهما ياقوت التغرى وقايماز، فاصطلحوا ساروا جميعا إلى خطاب [1] ، فلما سمع بذلك خطاب ارتفع إلى حصن قوارير، وأخلى زبيد، ودخل خطلبا زبيد، وملكها فى سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان خطاب يغير فى بعض الأوقاف على أطراف زبيد، ثم مرض خطلبا وأشرف على الموت، فراسل خطابا سرا، وقال له: أنت أولى بالأمر من عثمان الزنجيلى [2] ، فدخل خطاب [1] زبيد مختفيا، وبلغ ذلك عثمان، فسار بجيشه إلى زبيد فخذل، ومات خطلبا، واستمر خطاب [1] / (129) بزبيد إلى سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
ولما اتصل ذلك بالملك الناصر بعث أخاه الملك العزيز أبا الفوارس سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، ومعه ألف فارس وخمسمائة جبلى، فتوجه فى سنة تسع وسبعين [وخمسمائة] ، ودخل مكة معتمرا فى شهر رمضان، وبها صاحبها الشريف فليتة بن مطاعن الهاشمى، فتلقاه الشريف، وخلع عليه الملك العزيز خلعة سنية قيمتها ألف دينار، وتوجه إلى اليمن قبل الحج، فوصل إلى زبيد فى أواخر سنة تسع وسبعين [وخمسمائة] ، فتلقاه خطاب، فخلع عليه الملك العزيز وعلى عسكره، ودخلا جميعا زبيد، فأقام معه أياما، واستأذنه خطاب فى المسير إلى الشام، فأذن له، فأخرج جميع أثقاله وأمواله إلى ظاهر زبيد، فعند ذلك أمر سيف الإسلام بالقبض على خطاب، والاحتياط على أثقاله، وخنق بعد ليال بحصن تعز، وأما ياقوت، فسلم إليه حصن تعز ومعشاره، وأما مظفر الدين قايماز فتغلب على جبلة ومخاليفها، وأرسل إليه من أخذه، وأما عثمان الزنجيلى [2] فعمر سفنا عظيمة وشحن فيها جميع ما يملكه من الصامت [3] والناطق، وتوجه إلى العراق.
__________
[1] فى ابن خلكان 1/442، وزامباور 1/165 «حطان»
[2] فى ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 1/127) «الزنجبيلى» .
[3] الصامت من المال: الذهب والفضة، والناطق: الإبل والغنم (اللسان: ص م ت) .
(33/125)

وملك سيف الإسلام اليمن كله وعره وسهله، ودخل أماكن ما دخلها أحد قبله بالسيف، وجرت بينه وبين الإمام عبد الله بن حمزة عدة وقائع على صنعاء، وأقام خمس سنين وصنعاء ليست فى ملكه.
وفى سنة خمس وثمانين استولى على حصن كوكبان/ (130) ودان له ملك اليمن بكماله، وأزال ملك بنى حاتم من صنعاء، وسوّر زبيد سورا جديدا، وسوّر [1] صنعاء بعد أن أخرب سورها، ورمى النفط فى دورها، واستمر فى الملك إلى أن مات بالمنصورة بين الجند وجبلة فى شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وكان حسن السيرة، إذا تعرض له أحد وهو فى موكبه وقف له، ولا ينصرف من مكانه حتى يكشف ظلامته، وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة، وكان قبل وفاته قد سلطن مملوكه «همام الدين أبو زبا» وأرسله إلى البلاد العليا، ولما مات ملك بعده ولده.
الملك المعزّ [2] فتح الدين أبو الفدا إسماعيل
وكان الملك المعزّ هذا قبل وفاة والده قد غضب على أبيه وفارقه، وأراد اللحاق بأعمامه بالديار المصرية، فأدركته الرجال على النّجب بوفاة والده، وهو على ساعد حرض [3] فجزّ شعره، ولبس السواد حزنا على أبيه، وعاد، وملك البلاد وقتل جماعة كثيرة من غلمان أبيه، ثم صعد إلى صنعاء فقبض على «همام الدين أبو زبا» ، وقتله، وذلك فى المحرم سنة أربع وتسعين، وعاد إلى اليمن.
ثم أقام الإمام المنصور الدعوة فى سنة أربع وتسعين، وانضم إليه جماعة من عسكر سيف الاسلام، فبلغ ذلك المعزّ، فرجع من فوره إلى صنعاء، فوجد الإمام على الحقل [4] ومعه الأمير جكوا [5] فى مائتى فارس، فلما تراءى
__________
[1] فى الجرافى (المقتطف ص 75) أنه حين سور صنعاء أدخل فيها الجهة الغربية من السائلة إلى السّبحه، وبنى دارا فى البستان المعروف الآن ببستان السلطان.
[2] فى المقتطف ص 76: العزيز وفى الخزرجى (العقود اللؤلؤية 1/29) المعز.
[3] حرض بفتحتين: بلد فى أول اليمن من جهة مكة (مراصد الاطلاع 1/392) وانظر بلوغ المرام ص 41.
[4] الحقل، ويقال له حقل جهران: مخلاف باليمن، وقيل الحقل من بلاد خولان من نواحى صعدة (مراصد الاطلاع 1/415) .
[5] الضبط من: المقتطف ص 117.
(33/126)

الجمعان انحاز أصحاب جكوا إلى المعز، وثبت جكوا، وقاتل إلى أن قتل وانهزم/ (131) الإمام، ودخل المعز صنعاء، وعاد منها إلى زبيد، وبنى المدرسة المعروفة بالميلين، ثم داخلته الخيلاء فى عقله، وادعى الخلافة، وانتمى إلى بنى أمية، وتقلب بالإمام الهادى بنور الله المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، فكتب إليه أعمامه ينكرون هذه الدعوى، ثم أخاف مماليك أبيه، فهرب منهم سنقر الأتابك فى طائفة كبيرة من المماليك، وبقى أكثر من معه من الأكراد.
ولما تفاحش أمره بدعوى الخلافة قتله الأكراد على باب زبيد فى سنة ثمان وتسعين، ونهب الأكراد زبيد نهبا شنيعا، وكانت ولايته ست سنين.
ولما مات أرجع الأتابك سنقر حصون حجّة، فوصل إلى تهامة، فتلقاه الأكراد والعساكر، وجعلوه أتابكا/ للملك الناصر أيوب بن سيف الإسلام، وهو يومئذ صغير، وقيل: إن الأكراد لم يمكنوا الأتابك من زبيد، وكان للأتابك عدن، ومخلاف جعفر، ومخلاف تعز، وصنعاء وأعمالها، ونائبه فيها وفى حرب الإمام المنصور علم الدين ورد سار [1] ، ونزل الأتابك إلى تهامة، فقتل الأكراد قتلا ذريعا بقرية الزّربية [2] ، وهزمهم إلى زبيد، ودخلها الأتابك، وأمر بغلق مدرسة المعز، وأخرج الفقهاء الشافعية منها، وأخرج وقفها، وبنى مدرسة كبيرة بزبيد تعرف الآن بمدرسة ابن دحمان [3] وبنى بالدملوة قناطر ومبانى، واستقامت أحوال الأتابك إلى سنة ثمان وستمائة، فمات/ (132) بحصن تعز، والأتابك هو والد بنت جورا [4] .
__________
[1] هكذا فى «أ» ص 131 و «ك» ، وفى بلوغ المرام ص 42 وفى ص 400 «وردشار» وفى تاريخ اليمن ص 182 «وردسال» وفى المقتطف ص 117 «وردسان» .
[2] فى مراصد الاطلاع 2/662 وتاج العروس (1/287) الزرائب- بلفظ الجمع- وفسرها فيهما بأنها بليدة فى أول اليمن من ناحية زبيد، وفى معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 290 «الزريبة: قرية من ناحية زبيد» .
[3] فى تاج العروس (8/287) أن اسمها الدحمانية، واشتهرت باسم العاصمية نسبة إلى نجم الدين عمر بن عاصم الكنانى، لأنه أول من درس فيها.
[4] درج الخزرجى فى: العقود اللؤلؤية على تسميتها باسم «بنت حوزه» بالحاء المهملة وبالزاى مكان الراء.
(33/127)

واستقل الملك الناصر أيوب بالأمر، ووزر له غازى بن جبريل، وطلع إلى صنعاء فى جيوش عظيمة، فلما استقر بها سمّه أستاذ داره غازى بن جبريل فى المحرم سنة إحدى عشرة وستمائة، واستقل بالملك، وخطب له، وضربت السكة باسمه، فلما صار بالسّحول وثب عليه مماليك الملك الناصر فقتلوه، ورجع الإمام المنصور إلى صنعاء بعد أن كان الملك الناصر أخرجه منها.
ثم وصل سليمان بن موسى الحمزى إلى ذمار بعسكر جرّار، فمر على طريق بنى حبيش، فغزا لحجا، فأخذها، وأقام بالرّعارع أياما، وعاد فافتقر أهل اليمن إلى سلطان فوجدوا:
سليمان بن شاهانشاه بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [1]
وكان قد تجرّد وخرج فى زى الصوفية، فوصل إلى اليمن، وأهله على هذه الحال، فملكوه عليهم، وأطلعوه حصن تعز، وذلك فى أواخر سنة إحدى عشرة وستمائة، وتزوج بأم الملك الناصر، وكانت أموره ضعيفة.
ذكر ملك الملك المسعود صلاح الدين أتسر
وهو أقسيس بن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل [أبو بكر [2]] بن أيوب.
كان من خبر ملكه اليمن أنه لما اتصل خبر اليمن بالسلطان/ (133) الملك الكامل ناصر الدين محمد، وكان ينوب عن والده السلطان الملك العادل بالديار المصرية، جهز ابنه الملك المسعود المذكور إلى اليمن فى سنة إحدى عشرة وستمائة، فرحل من بركة الجبّ ظاهر القاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجاندارية والرماة خمسمائة، فتوجه إلى مكة شرفها الله تعالى، وحج، ثم توجه إلى اليمن، فكان دخوله إلى زبيد فى مستهل المحرم سنة اثنتى عشرة وستمائة، فملكها من غير قتال، وندب قطعة
__________
[1] فى الخزرجى (العقود 1/30) سليمان بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب المعروف بالصوفى.
[2] زيادة من الخزرجى (العقود 1/30) وانظر مرآة الزمان (8/569 و 658) .
(33/128)

من العسكر لحصار تعز، وكان سليمان قد تحصن بها، ففتح الحصن فى ثالث صفر من السنة، وقبض على سليمان واعتقله، ثم جهزه إلى الديار المصرية هو وزوجته، وتزوج الملك المسعود بنت جوزا وشغف بها، وكانت صنعاء فى يد الإمام المنصور، فخرج منها فى شهر ربيع، ودخلها الأتابك فليت بطائفة من العسكر المسعودى فى مستهل جمادى الأولى، ونزل الإمام بموضع يسمى الليطة، وقامت الفتنة بينهما، وكانت بينهم وبين عز الدين محمد- ولد الإمام- وقائع كثيرة.
ثم مات الإمام بكوكبان فى المحرم سنة أربع عشرة وستمائة، فدفن ثم نقل إلى مشهده بظفار، وتوفى الأتابك فليت بعده بصنعاء فى شهر ربيع الأول من السنة.
ثم وقع الصلح بين الملك مسعود وبين عز الدين بن الإمام على تسليم كوكبان، فسلمه، ولحق عز الدين ببلاده، وتسلم الملك مسعود حصن براش [1] صنعاء فى جمادى الآخرة، وعاد إلى اليمن فى شهر رجب،/ (134) وعاد إلى صنعاء فى شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة، وعاد إلى اليمن فى شهر ربيع الآخر، ثم عاد إلى صنعاء مرة ثالثة فى شهر رمضان من السنة، وعاد عنها، ورجع إليها مرة رابعة فى شهر رجب سنة سبع عشرة، فحط على حصن بكر، وهو بيد عماد الدين يحيى بن حمزة، وبه من أولاد الإمام وأمهات أولاده طائفة، فأقام عليه تسعة أشهر، وأنفق أموالا جليلة، فجمع عز الدين جموعا كثيرة، وقصد تهامة، فخالف عليه علم الدين سليمان بن موسى الحمزوى [2] ، ووصل إلى محطة بكر، فتلقاه الملك المسعود وأكرمه، وأعطاه العطايا الجليلة، وجهز معه جيشا لحرب عز الدين، فكانت بينهما حروب عظيمة، وتسلم الملك المسعود حصن بكر فى شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة وستمائة، وسار إلى مكة لقتال الشريف حسن بن قتادة، فدخلها بالسيف فى شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة، وعاد إلى اليمن، ثم فارق تعز فى شهر رمضان سنة عشرين وستمائة، وتوجه إلى الديار المصرية [لخدمة والده السلطان [3] الملك] الكامل،
__________
[1] فى «ك» براس- بالسين- وما أثبتناه من «أ» ص 133 وفى مراصد الاطلاع (1/174) براش: حصن على جبل نقم مطل على مدينة صنعاء.
[2] كذا فى الأصل، وقياسى الحمزى.
[3] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 134 وعبارة «ك» فى هذا الموضع «لخلافة والده الكامل» .
(33/129)

واستناب باليمن الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول، وهو أتابك عسكره، ووصل إلى/ الديار المصرية فى سنة إحدى وعشرين وستمائة كما ذكرنا، ولما فارق اليمن أقام مرغم [1] الصوفى فتنة فى الحقل وبلاد زبيد، فسار إليه عسكر من جهة الأمير نور الدين النائب، عليه راشد بن مظفر بن الهرش، فهزمهم مرغم، وقتل راشد، وذلك فى سنة/ (135) اثنتين وعشرين، وكانت وقعة [عصر [2]] بين الأمير بدر الدين حسن بن على بن رسول، وهو مقطع صنعاء وأعمالها، وبين عز الدين بن الإمام بعد العصر فى يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وعشرين.
ثم عاد الملك المسعود من الديار المصرية فى سنة أربع وعشرين وستمائة، وقبض على بدر الدين حسن بن على بن رسول وإخوته فى سنة ست وعشرين، وسيّرهم مقيّدين إلى مصر، ثم توجه إلى الديار المصرية فى سنة ست وعشرين، واستناب نور الدين عمر بن على بن رسول، فمات الملك بمكة شرفها الله تعالى فى ثالث [3] عشر جمادى الأولى من السنة، كما ذكرنا فى أخبار والده الملك الكامل. ثم كانت الدولة الرسولية.
ذكر أخبار الدولة الرسولية ببلاد اليمن
أول من ملك منهم الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول [4] بن هارون بن أبى الفتح بن نوحى [5] من ولد جبلة بن الأيهم كما زعموا، وذلك أنه كان ينوب عن الملك المسعود، كما ذكرنا، فلما مات بمكة استولى على زبيد والأعمال التّهامية فى سنة ست وعشرين وستمائة، وتلقب بالملك المنصور،
__________
[1] فى الخزرجى (العقود 1/33 و 34) يزعم، وذكر من خبره أنه قام فى الحقل وبلاد زبيد، وجبل مسلم المسمى سحمّر، فدعا لنفسه، وأخبرهم أنه داع لإمام حق فانضاف إليه من الناس جم غفير.
[2] ما بين الحاصرتين زيادة من الخزرجى (العقود 1/34) .
[3] فى العقود اللؤلؤية (1/42) روايات كثيرة فى تاريخ وفاة المسعود، وأقربها إلى رواية المؤلف هو يوم الاثنين 14 من جمادى الآخرة سنة 626.
[4] فى (طرفة الأصحاب فى معرفة الأنساب) 24 «على بن الرسول» والرسول اسمه محمد بن هارون.
[5] فى المرجع السابق ص 88 لم يرد اسم نوح أو نوحى فى سلسلة نسبه، وفى بلوغ المرام ص 44 « ... بن نوح بن رستم» .
(33/130)

وتزوج زوجة الملك المسعود، وهى بنت جوزا، وأقام بزبيد حتى قرر قواعدها، وسار منها إلى حصن تعزّ/ (136) وتسلم التّعكر فى سنة سبع وعشرين، ثم استولى فى السنة على الأعمال الصنعانية. فأقطعها ابن أخيه الأمير أسد الدين محمد بن بدر الدين، وتسلم حصنى بيت عز وحبّ فى سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وفيها طلع إلى صنعاء، وحصل الصلح بينه وبين الأمير شمس الدين بن الإمام، وعمه عماد الدين يحيى بن حمزة، وعقدوا صلحا عاما بينهم، وطلع المنصور صنعاء مرة أخرى فى سنة تسع وعشرين، وتسلم حصنى بكر وكوكبان، وحصن براش [1] ، واستولى على بلد علوان [بن عبد الله بن سعيد [2]] الجحدرى وحصونه فى سنة ثلاثين، وتسلم حصون حجّة والمخلافة، ومخلافيهما فى سنة أربع وثلاثين، وهى من حصون الإمام، ثم أعادهما عليه، وتم الصلح بينهما، ثم طلع المنصور مرة ثالثة إلى صنعاء فى سنة سبع وثلاثين، وتسلم حصن الكميم، وأتاه وهو بصنعاء خبر مقتل نجم الدين بن أبى زكرى [3] بحضرموت، وتسلم جبل حفاش، وهو من معاقل اليمن المشهورة فى سنة إحدى وأربعين، واستولى على جبال العوادر وحصونهم فى سنة خمس وأربعين، وكانت بينه وبين الإمام أحمد بن الحسين القاسمى الحسنى [4] فى سنة ست وأربعين حروب وعاد إلى صنعاء فى شهر رمضان سنة ست وأربعين، ورجع منها فى شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين، فلما استقر بمستقر ملكه، ونزل قصر الجند، وثبت عليه جماعة من مماليكه فقتلوه وذلك فى/ (137) سنة سبع وأربعين وستمائة باتفاق من أسد الدين محمد، وفخر الدين أبى بكر ولدى أخيه بدر الدين حسن، وكان سبب ذلك أن أسد الدين استشعر من عمه [أنه يقصد أخذ صنعاء [5]] منه، ويقطعها لابنه الملك المظفر يوسف، فكره ذلك، وباطن مماليك عمه ووعدهم، وحسّن لهم قتله، فقتلوه، وكان ملكا حازما كريما سريع النهضة حسن السياسة.
__________
[1] ضبطه فى تاج العروس (مادة ب ر ش) بفتح الباء، وعبارته براش (كسحاب) وبريش (كزبير) حصنان من حصون صنعاء اليمن. وفى ياقوت (معجم البلدان 2/98) بكسر الباء، قال وهو حصن على جبل نقم مطل على صنعاء.
[2] الزيادة من الخزرجى (العقود 1/73، 94) وانظر فهرس أعلام العقود اللؤلؤية.
[3] فى المصدر السابق (1/64) نجم الدين أحمد بن أبى زكرى.
[4] كان الزيدية قد أقاموه فى «ثلا» إماما عليهم فى شهر صفر من السنة (العقود اللؤلؤية 1/75) .
[5] ما بين الحاصرتين من «أ» ص 137، وفى «ك» «استشعر عمه أن يأخذ صنعاء منه» .
(33/131)

ومن جملة سياسته ودهائه أنه لما ملك اليمن، جهّز الملك الكامل إليه أسد الدين جفريل وصحبته ألفى فارس، فلما اتصل به ذلك كتب أجوبة عن كتب الأمراء الذين كانوا مع الأسد جفريل، وتحيّل فى وصولها إلى الأسد جفريل، فلما ظفر بها وقرأها ظن أنها حقيقة، وأن العسكر قد فسدت نياتهم، فرجع بالعسكر قبل وصوله إلى مكة، والتحق بالمنصور من العسكر الكاملى من أمراء الطبلخاناه ابن برطاس وفيروز [1] .
وملك بعد المنصور ولده الملك:
المظفّر أبو المنصور شمس الدين يوسف
وهو الثانى من ملوكهم، وذلك أنه لما قتل والده كان الملك المظفر بإقطاعه بالمهجم، وكانت المماليك المنصورية لما قتلوا الملك المنصور بالجند أقاموا الأمير فخر الدين أبا بكر بن بدر الدين حسن بن على، ولقبوه بالملك المعظم، وساروا به نحو تهامة، وكانت الشمسية ابنة الملك المنصور بزبيد/ (138) وزمام دارها/ الطواشى تاج الدين بدر الصغير فى السجن، فحين بلغها قتل والدها أخرجت الخادم، واستولت على المدينة، وحفظتها، فجاء فخر الدين والمماليك، فوجد المدينة قد حفظت، فنزل على باب المجرى.
أما الملك المظفر فإنه لما بلغه قتل والده سار من المهجم بمن معه، وكان كلما مر بقوم من العرب استصحبهم معه، فارسهم وراجلهم، حتى نزل بالأقواز، فراسل مماليك والده ووعدهم، وكان من جملة رسالته لهم: «لا تجمعوا علينا بين قتل أبينا وخروج الملك [2] منا» فأجابوه، ودخلوا على فخر المعظم وهو فى خيمته، فكتفوه بطنب من أطناب الخيمة، وساروا بأجمعهم إلى ابن مولاهم الملك المظفر يوسف، فقبض على فخر الدين، ودخل زبيد فى موكب عظيم، واستولى عليها وعلى الأعمال التهامية، ثم سار فى سنة ثمان وأربعين إلى عدن فاستولى عليها وعلى لحج وأبين فى صفر من السنة، وطلع الجبال، فاستولى
__________
[1] مبارز الدين على بن الحسين بن برطاس، وفيروز من ذريته الأمراء بنو فيروز أصحاب «إب» وانظر الخزرجى (العقود 1/68 و 69) .
[2] فى الخزرجى (العقود 1/91) «وإخراج الملك من أيدينا» .
(33/132)

على بلد المعافر وحصونها فى الشهر أيضا، وحطّ على تعز، وبه الخدام [1] والأمير علم الدين سنجر الشعبى فى ربيع الأول، وتسلّمه فى جمادى الأولى، وتسلّم حصن حبّ [2] ، وطلع صنعاء فى ذى الحجة آخر السنة.
وكان الأمير شمس الدين بن الإمام اتفق هو والإمام أحمد بن الحسين وقصدا أسد الدين بصنعاء فأخرجاه منها إلى حصن براش، وقابلته عساكر الأشراف بالمدرج، فكانت هناك وقائع مشهورة، فلما قرب السلطان من صنعاء، خرج منها/ (139) الإمام إلى سناع، وترك الحسن بن وهاس الحمزى [رتبه فى صفوة [3]] فقصده الأمير أسد الدين بعساكر المظفر فأسره وطائفة من أصحابه، وعاد الملك المظفر إلى اليمن فاستولى على حصن التّعكر سنة تسع [وأربعين وستمائة [4]] ووصل الأمير بدر الدين حسن بن على بن رسول من الديار المصرية فى سلخ المحرم سنة تسع، فلقيه إلى حيس، وقبض عليه، وحمله إلى حصن تعز، فأودعه دار الأدب، وبها ولده فخر الدين.
ثم اتفق الأمير أسد الدين هو والإمام أحمد بن الحسين فى سنة خمسين، ودخل أسد الدين فى طاعته، وباع عليه حصن براش صنعاء [بمائتى [5]] ألف درهم، وسيره بعساكره وعساكر من قبله عليهم الشريف هبة الله [6] بن الفضل العلوى إلى ذمار، واستولى الطواشى المظفّرى على حصن الدّملوة وهو بيد بنت جوزا، وكانت فيه هى وولداها الفائز والمفضّل، وخدامها، ومعها أربعمائة فارس، وكان الملك المظفر قد هادنها، ورهن ولده الأشرف عندها، ومعه مولاه الخادم ياقوت، وكان خادما حازما، فغافل أهل الحصن، ثم أمر من قال لها:
__________
[1] عبارة الخزرجى فى هذا الموضع: «وكان أمير الحصن يومئذ علم الدين الشعبى، والزمام أستاذ دار يقال له عنبر» (العقود 1/94) .
[2] الضبط من ابن المجاور (صفة بلاد اليمن 1/73) وفى الخزرجى (العقود 1/95) أنه تسلمه فى رجب 648.
[3] لم يتضح فى «أ» و «ك» وما بين الحاصرتين من الخزرجى (العقود 1/97) وعبارته فى هذا الموضع قريبة من عبارة النويرى هنا.
[4] الزيادة من المصدر السابق، وكان ذلك فى أول المحرم من السنة.
[5] فى «الأصل» (بثمانين) وما بين الحاصرتين من «أ» ص 139 لموافقته للخزرجى (1/100) .
[6] هكذا فى «الأصل» ، وفى «أ» 139 هبة بن الفضل، وفى الخزرجى (1/100) عز الدين هبة بن الفضل العلوى.
(33/133)

«إن البقرة الفلانية ولدت عجلا برأسين بالجوة» ، فنزلت لتنظر إلى ذلك، فتسلم الحصن فى تاسع عشر ذى القعدة سنة خمسين، وأوقد النار بأعلاه، وكانت هذه إشارة بينه وبين مولاه الملك المظفر، فركب المظفر من فوره وطلع إلى الحصن، وسير الطواشى تاج الدين بدر إلى ذمار، ففر عنها أسد الدين وهبة بن الفضل، ثم عاد أسد الدين إلى طاعة/ (140) السلطان، فأكرمه السلطان، وأمده بالعساكر، فعاد إلى صنعاء، فخرج منها الإمام، وطلع الملك المظفر إلى صنعاء، ثم عاد فى شهر رجب سنة إحدى وخمسين وستمائة، واختلف الأمير شمس الدين الإمام وأصحابه، فاستنصروا بالمظفر، وأمر أسد الدين بمساعدتهم، فخرج إليهم إلى البيون [1] ، وتسلم المظفر حصن براقش والزاهر [2] ، وسار شمس الدين وأسد الدين إلى صعدة إلى الإمام، فخرج منها وترك بها السيد الحسن بن وهاش، فدخلا عليه قهرا بالسيف فأسراه وعاد أسد الدين إلى صنعاء وشمس الدين إلى الظاهر، ثم اجتمعا وقصدا الإمام بالظرف من بلد ابن شاور، فالتقوا بحلملم [3] فانكسر الإمام، وقتل من عسكره طائفة، وأسر شمس الدين أحمد بن يحيى بن حمزة، وكان بعسكره مع الإمام، وذلك فى شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين.
وجهز المظفّر مبارز الدين بن برطاس إلى مكة فى شوال من السنة، فجرت الوقعة المشهورة بينه وبين الشريف ابن أبى نمى، وإدريس بن قتادة، فكانت الدائرة عليه، فانهزم، وقتل بعض عسكره، وأخذ ما كان معه.
قال: «ولما ضعف الأمير شمس الدين بن الإمام عن مناوأة الإمام أحمد بن الحسين قصد الملك المظفر بزبيد، فأكرمه المظفر، وأعطاه أموالا جزيلة، وأقطعه مدينة القحمة [4] ، وذلك فى شوال سنة اثنتين وخمسين، فعاد/ (141) وسكن بصنعاء.
__________
[1] هكذا فى «أ» و «ك» ، وفى الخزرجى «النوب» وانظر: معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 667.
[2] فى «ك» الراهن، وفى «أ» 140 «الزاهر» وفى الخزرجى (1/107) «فاستولوا على براقش ثم ساروا جميعا فحطوا على الزهراء فأخذوه وأخربون» وقد أورد الخزرجى فى مواضع كثيرة اسم الزاهر من بين حصون اليمن.
[3] فى «أ» و «ك» ، حلكم. ولم أجده فى البلدان، والمثبت من: بهجة الزمن ص 149 تحقيق عبد الله الحبشى، وحلملم: قريتان من عزلة الأشمور.
[4] القحمة: بلد قرب زبيد، وهى قصبة وادى ذؤال بينها وبين زبيد يوم واحد من ناحية مكة.
(33/134)

ثم اختلف الزيدية على الإمام، وطعنوا عليه فى شىء من سيرته، وكان بينهم اختلاف وحروب، قتل فيها الإمام أحمد بن الحسين، ووقع الخلاف بين الملك المظفر وبين عمه أسد الدين، فأخرجه من صنعاء، فتوجه إلى ظفار.
ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين طلع شمس الدين على بن يحيى، فحط على الكميم بعسكره المظفر، فتسلم المظفر حصن أشيح فى ذى الحجة سنة ست وخمسين، وتسلم الكميم وهداد [1] فى سنة سبع، وطلع نحو رداع، فأخذ براش العرش [2] /بالسيف، وأسر منه ولد أسد الدين فى جماعة كثيرة، وقصد الملك المظفر صنعاء ودخلها فى المحرم سنة ثمان وخمسين، وقد خرج منها أسد الدين، فأقام المظفر بصنعاء أياما، ورتب بها جيشا، وعاد إلى اليمن، فجمع أسد الدين جيشا، وكانت له حروب مع عسكر صنعاء، فجهز الملك المظفر الأمير علم الدين سنجر الشعبى إلى صنعاء، فارتحل أسد الدين، ولحق ببلاد الأشراف، ولم تقم له بعد ذلك راية، ثم حصل له ضرر شديد، حتى باع ثيابه، فاضطر إلى مكاتبة المظفر وكتب إليه:
«فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركنى ولما أمزّق [3] »
ثم سار إلى زبيد فى شوال سنة ثمان وخمسين، فقبض عليه وعلى شمس الدين بن على بن يحيى وأرسلهما إلى تعز، واجتمع أسد الدين بها بابنه وأخيه فى حبس المظفر، وكان أسد الدين فى حبسه إلى أن/ (142 مات فى ثالث عشر ذى الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة.
وفى سنة تسع وخمسين فى رجب تسلم الملك المظفر حصن براش صنعاء من الشريف أحمد بن محمد وعوضه عنه بالمصنعة [4] وعزّان ببلاد حمير، وبمال أعطاه إياه، ثم استعادهما فى سنة أربع وستين، وعوّضه حصن اللحام [5] ومال.
__________
[1] الضبط من تاج العروس مادة (هـ د د) والكميم: «لم أجده فى البلدان، وفى تاج العروس كمم- كصرد- موضع.
[2] لم ترد هذه الإضافة فى الخزرجى (1/127) والذى فيه أنه طلع إلى مخلاف ذمار فأخذ براش قهرا.
[3] البيت للممزق العبدى، وبه لقّب.
[4] فى «أ» ص 142 و «ك» عوان، والذى أثبتناه من الخزرجى (1/133) وعبارته «ثم تسلم براش فى رجب من الشريف أحمد بن محمد العلوى وعوضه عنه المصنعة وعزان من بلاد حمير» . وفى ياقوت: بيت عزان، من حصون اليمن.
[5] فى «أ» و «ك» (بالحدم) وما أثبتناه من الخزرجى حيث ورد ذكره فى هذا الخبر.
(33/135)

وفى شوال سنة تسع وخمسين طلع الأمير علم الدين سنجر الشّعبى إلى صنعاء مقطعا لهما، وفيها فى شوال أيضا توجه الملك المظفر لقصد الحج، فحج، وعاد فى صفر سنة ستين.
وفى سنة إحدى وستين وستمائة تسلم المظفر حصن الجاهلى [1] وحجّه وسراة من الشريف أحمد بن قاسم القاسمى بمال.
وفى سنة اثنين وستين تسلم حصن مدع من بنى وهيب، وعوضهم حصن بيت أنعم ودراهم اشترطوها، وفيها دخلت عساكره صعدة.
وفى سنة ثلاث وستين قبض على محمد بن [2] الوشّاح الشهابى، وقبض على حصون بيت برام وصوايب، وفيها فى شعبان تسلم حصن ذى مرمر [3] وبعده الفص الكبير، وفى جمادى الآخرة سنة أربع وستين تسلم الشعبى حصن ونعان [4] وهو للأمير شجاع الدين يحيى بن الحسن.
وفيها تسلم المظفر حصن الفصّ الصغير، وفيها تسلم حصن بيت ردم وحصن اللحام بالابتياع من الأشراف أولاد سليمان بن موسى.
وفيها توجه بكتمر الغلاب [5] بعسكر المظفر لعمارة الزاهر فى/ (143) الجوف فقصده الأشراف الحمزيون، فقتلوه فى بعض عسكره، وانحاز من سلم إلى براش. وفيها تسلم الملك المظفر حصن مبين بحجّة وتسلم الموقّر وحصونه والمخلافة من الشريف أحمد بن قاسم القاسمى، وأعطاه مالا جزيلا.
وفى المحرم سنة ست وستين تسلم حصن العرايس وبلادها من علوان الجحدرى.
__________
[1] لم يورد الخزرجى فى هذا الخبر ذكرا لغير حصن الجاهلى، وذكر أن المظفر اشتراه من الشريف أحمد بن قاسم القاسمى فى ربيع الأول من السنة.
[2] فى «أ» ص 142 و «ك» (الوساج) وفى الخزرجى (1/146) الوشاح- بشين مشددة وحاء مكان الجيم.
[3] يرد فى الخزرجى، ومراصد الاطلاع 2/587 «ذمرمر» بدون ياء بعد الذال.
[4] فى «أ» 142 (دبغان) وفى «ك» (ونعان) ولم أجدها فى البلدان، وفى الخزرجى (العقود 1/153) أن الذى تسلمه الشعبى فى هذا التاريخ هو حصن «ردمان» وفى بهجة الزمن ص 154 (تحقيق عبد الله الحبشى) : ذيفان.
[5] فى: بهجة الزمن ص 154 «القلّاب» بالقاف.
(33/136)

وفى سنة سبع وستين تسلم حصن براش صعدة من عز الدين [محمد] [1] ابن شمس الدين، وكان فى سجنه، ففدى نفسه به.
وفيها كان بين جيوش المظفّر وبين الأشراف اختلاف وحروب استمرت إلى سنة اثنتين وسبعين، ثم صالحهم واستقر كل منهم ببلده.
وفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة كان باليمن قحط شديد، ومات خلق كثير، وأكل من عاش الميتة.
وفى سنة أربع وسبعين توجه الأمير علم سنجر الشعبى إلى مخلاف ذمار لقبض الحقوق، وترك الأسدية بصنعاء مع ابن الغلاب، ومعه منهم رجل، فوقع بينه وبين مملوكه المعروف بالداوى خصومة على شراب، فقتله الداوى، فلما بلغ ذلك الأسدية استولوا على صنعاء، وقبضوا ما وجدوه للشعبى، وذلك فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر، وكاتبوا الأشراف بالوصول إليهم، فوصل إليهم الشريف على بن عبد الله يوم السبت التاسع والعشرين بسبعة آلاف رجل، فسكن القصر، وجاء الإمام والأمير صارم الدين داود [2] ، وعز الدين، وسار الأشراف فى خامس جمادى الأولى، فأقاموا بصنعاء إلى نصف الشهر،/ (144) وخرجوا متوجهين نحو ذمار لقصد الشعبى، وظنوا أن الملك المظفر لا يبادر بالحضور، فلما وصلوا جهران أتاهم الخبر بطلوعه، فهموا بالرجوع واستقبحوه، فانحازوا إلى أفق، وسار إليهم المظفر، والتقوا فى يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، فانهزم الأشراف بعد قتال يسير وكان الإمام منحازا فى الحصن، فقبضت عليه العساكر، وأحضر إلى المظفر، فأكرمه وآنسه وأركبه بغلة، وكان يسايره حتى دخل حصن [3] تعز، ودعا الإمام المطهر إلى نفسه.
ثم كانت بين الأشراف وبين الأمير علم الدين الشعبى حروب، وانتصر عليهم فيها، فصالحوه على تسليم الحصون الحضورية، وتسليم ردمان، وعلى خروج من فيها من الأشراف.
__________
[1] الزيادة من الخزرجى (1/170) .
[2] أورد الخزرجى هذا الخبر مفصلا فى العقود اللؤلؤية (1/190 وما بعدها) .
[3] فى الخزرجى (1/190 وما بعدها) أن السلطان بعد أن أدخله حصن تعز أودعه فيه دار الأدب، وأمر بإكرامه فلم يزل بها إلى أن توفى.
(33/137)

ذكر استيلاء المظفر على ظفار وحضرموت ومدينة شبام
كان سبب ذلك أن شوانى [1] [سالم [2]] بن إدريس الحبوظى أغارت على ثغر عدن، فعظم ذلك على المظفر، ونزل إلى ثغر عدن، وجهز الجيوش فى البر والبحر، وسارت ثلاث قطع: قطعة فى البحر، وهم معظم الرّجّالة ومعهم الأزواد، وقطعة/ فيها أربعمائة فارس مع شمس الدين أزدمر المظفرى استاذ الدار وطريقهم على الساحل معارضين لسفنهم، والقطعة الثالثة فيها الشيخان عبد الله بن عمرو [3] الجند، وشهوان بن منصور العبيدى وهم مائتا فارس من فرسان العرب/ (145) وطريقهم حضرموت، فالتقت العساكر الثلاثة قريبا من ظفار، وقصدوا سالما، فلما قاربوا المدينة خرج إليهم سالم، وصفّ لهم، والتقوا، فأجلت المعركة عن قتله فى جماعة كثيرة من عسكره، وذلك فى يوم السبت السابع والعشرين من شهر رجب سنة ثمان وسبعين [وستمائة] ، ودخلت أعلام المظفر المدينة فى الثامن والعشرين، ودخل شمس الدين أزدمر والعساكر فى سلخ الشهر، وخطب للمظفر بها، ورتب بها أزدمر سنقر البرنجلى [4] ، والخادم ألتوزيرى [4] ، وعاد إلى اليمن، وتسلم حضرموت ومدينة شبام، واستعاد المظفر حصن كوكبان من الحواليّين بحصن ردمان، ومال يسير، وذلك فى شهر ربيع الأول سنة تسع [5] وستين [وستمائة] .
وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة فى الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سقط القصر بصنعاء على مقطعها الأمير علم الدين سنجر الشعبى، فمات ومات معه تحت الهدم الأمير على بن حاتم وصهره محمد بن الجحافى [6] وجماعة من مماليكه وكتّابه، وأقطع الملك المظفر صنعاء لولده الملك الواثق
__________
[1] الشوانى: جمع الشونة وهى المركب المعد للجهاد فى البحر، قال فى (تاج العروس مادة (ش ون) وهى لغة مصرية.
[2] زيادة من «أ» ص 144 والخزرجى (1/207) .
[3] فى الخزرجى (1/209) بدر الدين عبد الله بن عمرو بن الجنيد، وفى ص 210: «.. بن الجند» ولم يرد فى هذا الخبر ذكر لشهوان بن منصور العبيدى المذكور هنا.
[4] فى المصدر السابق (1/213) «سيف الدين سنقر الترنجلى» و «حسام الدين لؤلؤ التوريزى» والتوريزى نسبة إلى توريز- تبريز.
[5] كذا فى «أ» و «ك» ، وصوابه سنة تسع وسبعين كما فى الخزرجى 1/218.
[6] فى ك تقرأ الحمامى، وفى أص 145 الححامى من غير نقط، وفى الخزرجى 1/228 وكان فيمن سقط عليهم القصر صهره محمد بن يزيد، والمثبت من: بهجة الزمن ص 162 (تحقيق الحبشى) .
(33/138)

نور الدين إبراهيم، فطلع إليها، ودخلها فى الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وتسلم حصن براش صنعاء، وقبض على الأمير سيف الدين بلبان الدوادار العلمى، واستمرت صنعاء فى إقطاع الواثق إلى أن أخرجها الملك المظفر عنه لولده الملك الأشرف فى سنة ست وثمانين وستمائة، ثم أقطعها هى وأعمالها لولده الملك/ (146) المؤيد هزبر الدين داود فى سنة سبع وثمانين فدخلها فى رابع عشر ذى القعدة.
وفى صفر سنة تسع وثمانين توفى الأمير صارم الدين داود بن الإمام، وكانت له فيما تقدم حروب وخلاف وطاعة للملك المظفر يطول بذكرها الشرح، وقام مقامه بعده ابن أخيه الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، وملك حصون ظفار، فقبض تلمّص [1] صعدة.
وكان سبب استيلائه على ذلك أن الملك المظفر نزل إلى زبيد ليختن أولاد أولاده، ونزل بسبب ذلك الملك المؤيد، والشريف على بن عبد الله، والأمير نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام، فخلت تلك النواحى منهم، فاستولى على ذلك، وكان بسبب ذلك حرب بين المؤيد والأشراف، انتصر فيها المؤيد، واستولى على تنعم [2] فى سنة تسعين وستمائة، وأخربها وعاد إلى صنعاء وأقطع الملك المظفر ولده الملك الواثق ظفار الحبوظى [3] ، فركب البحر من عدن فى سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
وفى السنة المذكورة خالف الأشراف، واجتمعت كلمتهم على الخلاف، وكان بينهم وبين المؤيد بصنعاء حرب إلى سنة أربع وتسعين، فنزل المؤيد من صنعاء إلى اليمن، وطلع الملك الأشرف إلى صنعاء للصلح، ودخل إليه الشريف على بن عبد الله، وانعقد الصلح العام، وذلك أول المحرم من السنة، ثم نزل الملك الأشرف من صنعاء إلى اليمن، فقلده والده الملك المظفّر المملكة بإقليم اليمن جميعه، وأسكنه حصن تعز، وأقام هو بثعبات [4] ، وتوجه
__________
[1] فى ك تلمض، وفى أص 146 نلمص غير منقوط والضبط من (مراصد الاطلاع) 1/273.
[2] تنعم: قرية من أعمال صنعاء (مراصد الاطلاع 1/277) .
[3] نسبة إلى آل الحبوظى وظفار هذه واقعة بين عمان وحضرموت وميناؤها على البحر مرباط، ويوردها الخزرجى فى العقود اللؤلؤية باسم ظفار الحبوضى، وانظر المقتطف ص 11 و 78.
[4] فى الأصل غير منقوط، وكذلك فى «أ» ص 146 والضبط والنقط من الخزرجى 1/275.
(33/139)

الملك المؤيد/ (147) إلى جهة المشرق- الشّحر وحضرموت- وفى نفسه ما فيها من تخصيص الأشرف بالأمر، وسارت معه عمته الشمسية.
ذكر وفاة الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وملك ولده الأشرف
كانت وفاته آخر نهار الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين وستمائة [1] وهو ابن أربع وسبعين سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات تقريبا، ومدة ملكه ستة وأربعون سنة وعشرة أشهر وأحد عشر يوما، وكان ملكا جوادا كريما كثير البذل للأموال فى الحروب خاصة، حسن السياسة، وكان له من الأولاد خمسة، هم: الملك الأشرف ممهّد الدين عمر، والملك المؤيّد هزير الدين داود، والملك الواثق نور الدين إبراهيم، والملك المسعود تاج الدين حسن، والملك المنصور زند الدين أيوب، ولما مات ملك بعده ولده.
الملك الأشرف ممهّد الدين عمر
ولما اتصل خبر ملكه بأخيه الملك المؤيّد أقبل من الشّحر لطلب الملك، ولما قرب من اليمن وصل إليه كتاب من أخيه الملك المنصور يحذره التقدم إلى جهة اليمن، وعرض عليه حصن السّمدان، وكان بيد المنصور، ولم يقع بينه وبين أخيه الأشرف اتفاق، فمال إلى المؤيد، ثم وصله كتاب الوزير [2] موفق الدين على بن محمد يخبره أن الملك/ (148) الأشرف/ أرسل إليه نفرين من الفداويّة، وأوصاه أن يحترز على نفسه، فعند ذلك جهز حريمه وأثقاله إلى السّمدان، وتوجهه إلى عدن، فاستولى عليها فى مدة ثلاثة عشر يوما، وكان النائب بثغر عدن الأمير سيف الدين بن برطاس.
ولما اتصل الخبر بالملك الأشرف جهز ولده الملك الناصر جلال الدين فى ثلاثمائة فارس، وألحقه بجيوش صنعاء منهم الأمير الشريف جمال الدين على
__________
[1] أورد الخزرجى (العقود 1/275) خبر وفاة المظفر وعبارته متفقة مع ما أورده النويرى هنا.
[2] فى الخزرجى (العقود 1/284) القاضى موفق الدين على بن محمد اليحيوى.
(33/140)

بن عبد الله الحمزى، وولدا أزدمر: نجم الدين وبدر الدين، ومع المؤيد والده المظفّر والظافر، وعسكره الذى وصل معه من الشّحر، وجماعة من الجحافل مقدمهم عمر بن سهل، فالتقوا فيما بين تعز وعدن بمكان يسمى الدّعيس [1] .
وذلك فى آخر المحرم سنة خمس وتسعين، فحمل المؤيد على جيش الأشرف، فضعضعه، ثم خذله الجحافل، وتفرقوا عنه، وبقى فى نفر يسير، فتقدم إليه الملك الناصر جلال الدين بن الملك الأشرف، وألان له القول، وأشار عليه فى الدخول فى الطاعة، وحذره عاقبة المخالفة، فمال إلى ذلك، ورجع إلى الطاعة، فأراد الناصر أن يتوجه به إلى والده على حالته، فامتنع الشريف جمال الدين على بن عبد الله [الحمزى [2]] : وقال: أمر هذا الجيش إلىّ وقيد المؤيد، وحمله إلى الملك الأشرف، ووصل إليه وهو بالجوّه، وهو تحت حصن الدّملوة، فنقله إلى الحصن، واعتقله ببعض القاعات، فاستمر فى الاعتقال إلى أن مات الملك الأشرف، وكانت وفاته لسبع خلون [3] من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة والله أعلم.
/ (149) ذكر ملك الملك المؤيّد هزبر الدين داود
[وهو] ابن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول.
ملك فى ليلة وفاة أخيه الملك الأشرف لسبع خلون من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، وذلك أنه لما مات الأشرف كان والده: الملك الناصر [4] بالقحمة، والملك العادل صلاح الدين بصنعاء، فنهضت عمته الشمسية فى أمره، واستمالت الخدّام ومن بالحصن، فامتثلوا أمرها، وحضر الخدام إلى الملك فظن أنهم يقصدون قتله، فأخبروه بوفاة أخيه الملك الأشرف، وأخرجوه من
__________
[1] لم أجده فى كتب البلدان وأورده الخزرجى فى: (العقودفى مواضع من الجزء الأول (301 و 304 و 330 و 339) محرفا إلى الدعبس، والدعنس، وصوبه ناشره فى فهرس العقود اللؤلؤية (2/452) الدعيس.
[2] الزيادة من الخزرجى 1/289
[3] فى المصدر السابق (1/297) لسبع بقين من المحرم.
[4] فى الأصل بالمقحمة، وما هنا من أص 149، وياقوت (معجم البلدان 7/34) .
(33/141)

الدار التى هو معتقل بها إلى دار السلطنة، فلما شاهد أخاه ميتا سكن روعه عند ذلك، وأصبح الحراس، فأعلنوا بالترحّم على الملك الأشرف، والدعاء والصياح للملك المؤيّد، وكانت حاشية الملك المؤيد قد تفرّقوا، فأعلن المنادى من رأس الحصن بجمعهم من تلك الليلة، فاجتمعوا من خادم ومملوك، وغلام، وحملوا فى المكاتل والحبال، فلما وثق بمن اجتمع له من حاشيته وغلمانه أمر بفتح أبواب الحصن، فكان أول من صعد إلى الحصن، الصاحب حسام الدين حسان بن محمد العمرانى، وزير أخيه الملك الأشرف، فاجتمع بالمؤيد، وحلف له الأيمان المؤكدة، واستحلف له الأمراء والجند وأعيان الدولة،/ (150) وأمر بتجهيز الملك الأشرف وأخرج من الحصن فى تابوته، وأمامه ولدا [المؤيد [1]] المظفر والظافر، وأعيان الدولة، ودفن بمدرسته التى أنشأها بمغرية تعز، وأنشأ تاج الدين بن الموصلى فى ذلك اليوم الكتب عن المؤيّد إلى بلاد التّهايم، وبلاد الجبال بأجمعها، وإلى جهة صنعاء والأشراف يعلمهم أمر سلطنة المؤيد، فدخل الناس فى الطاعة، وأتته كتب الأشراف ورسلها بالتهنئة بالملك، وعقد الصلح، وكانوا عقيب موت الأشرف استولوا على عدة حصون [2] وعلى صعدة فوقع الصلح، وأعيدت الحصون.
وكان حصن الدّملوة بيد الطواشى «فاخر الأشرفى» قد ولاه إياه الملك الأشرف، ونقل إليه ذخائره التى كانت بالتّعكر، وأربعا من بناته، فراسله الملك المؤيد مرارا، فامتنع فاخر من تسليم الحصن، فجهز إليه المؤيد الأمير شمس الدين الطّنبا «أمير جاندار» بالعسكر، فحاصروه، فلم يتمكنوا منه، وامتنع الخادم من تسليمه إلا أن تصل إليه كتب أولاد مولاه الناصر والعادل، فكتب المؤيد إليهما فى ذلك، فكتبا إلى الخادم وأمراه بالتسليم، فامتنع من قبول الكتب، وقال: لا أقبلها حتى يأتينى ثقتيهما، فثقة الناصر خادمه مسك، وثقة العادل أنيس، فأرسل الملكان خادميهما إليه بالرسالة، فاشترط فاخر أن ينزل بجميع المال الذى طلع به من التّعكر، فأجابه المؤيد إلى ذلك، فنزل ببنات مولاه الأربع، وبما كان عنده، واقتسمه الورثة الأشرفية، ولم يكن فيه نقد غير
__________
[1] عبارة الأصل (وأمامه ولداه) وقد آثرنا إظهار المراد بالضمير منعا للبس، وهكذا وردت العبارة فى الخزرجى (العقود 1/299) .
[2] أورد الخزرجى (العقود 1/304) أسماء هذه الحصون وهى: الكولة، واللحام، ونعمان.
(33/142)

الأقمشة النفيسة،/ (151) وتسلم نواب الملك المؤيد حصن الدملوة فى السنة المذكورة، وزوج [المؤيد [1]] ولديه الظافر والمظفر باثنتين من بنات عمهما الأشرف، واستمر الوزير حسام الدين بالوزارة، وفى خاطر المؤيد منه ومن أخوته ما فيه.
ثم استوزر الصاحب موفّق الدين على بن محمد فى جمادى الأولى سنة ست وتسعين [وستمائة] ، وتمكن منه تمكنا عظيما، وكان بين الملك/ المؤيد وبين الفقيه رضى الدين محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمر اليحيوى [2] صحبة متأكدة، ومودة قديمة، وكان من الصلحاء العلماء الفضلاء، فكره وزارة أخيه، فلم يجتمع به منذ وزر.
ثم قبض الملك المؤيد على جماعة من الأمراء، وهم: نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر، وابن الهكارى، وقبض بعدهما على الطّنبا أمير جاندر، ونقلهم إلى حصن الدملوة، واعتقلهم بمكان يعرف بدار الأدب.
ثم قبض على الوزراء العمرانين: حسام الدين حسان، وأخوته، لأمور بلغته عنهم، وأحضرهم قبل القبض عليهم، وقال لهم: «أنتم قضاة القضاة وبأيديكم أموال الأيتام ودفاترها وحساب الأوقاف» . فقالوا: «لا نعلم شيئا منها» ، فراجعهم مرارا، فأصروا على الإنكار، فأمر بهجم منازلهم، فوجد بها عدة صناديق فارغة، فسئلوا عما كان فيها، فقالوا: أثاث، ولم يقروا بشىء، وأمر بهم إلى عدن، وبنى لهم سجن مفرد على باب دار الولاية/ (152) فحبسوا به، وأمر بقبض أملاكهم لبيت المال. فقبضت، وكانت كثيرة.
ذكر وصول أولاد [3] الملك الأشرف إلى عمّهما الملك المؤيّد، ونزولهما عما بأيديهما
قال: ووصل الملك الناصر جلال الدين محمد، وكان مقطعا بالقحمة، ثم وصل إليه أخوه الملك العادل صلاح الدين، وكان بصنعاء فأكرمهما، وأحسن إليهما، وعرض عليهما أن يستمرا على إقطاعيهما، فاستعفيا من الخدمة،
__________
[1] ما بين الحاصرتين للتوضيح.
[2] فى الأصل اليحيوى، وفى أص 151 غير منقوط، وورد فى الخزرجى (العقود اللؤلؤيةفى مواضع كثيرة وفى نقطه اضطراب فمرة يذكره اليحيوى كالرسم المثبت، ومرة التحيوى- بتاء قبل الحاء.
[3] كذا فى «ك» و «أ» ص 152 والسياق يقتضى التثنية لا الجمع.
(33/143)

وقالا: «لا نحب الخدمة بعد أبينا، ولكنا نكون فى ظلّ أسياف السلطان» وحلفا له على المناصحة، وعدم المنازعة، وحلف لهما على ما أرادا، وتوثقوا بالعهود بواسطة الفقيه رضى الدين، فعند ذلك عقد السلطان الألوية لولديه المظفر والظافر، وأقطع المظفر ضرغام الدين صنعاء، والظافر عيسى الفخرية والحازّتين [1] ، وتوجه المظفّر إلى صنعاء فى شهر رجب سنة ست وتسعين، واستعاد حصن ود من بنى الحارث فى شعبان بالمنجنيق.
وتوجه الملك المؤيد إلى زبيد فى جمادى الآخرة من السنة، ففرح به أهلها، ثم رجع إلى تعز فى شعبان، وفى آخر السنة أخذ الحصون الحجّيّة والمخلافية من الأمير الصارم إبراهيم بن يوسف [بن منصور [2]] وكانت فى يده من سنة إحدى وتسعين وستمائة، واشترط الصارم شروطا منها: إقطاع موزع ونصف خيس [3] ، والذمة الأكيدة [والعفو [4]] عما جناه.
/ (153) ذكر خلاف الملك المسعود تاج الدين [الحسن [5]] ابن الملك المظفر على أخيه الملك المؤيد
قال: «ولما ولى الملك المؤيد كان أخوه الملك المسعود مقطعا للأعمال السّرددية [6] من جهة أخيه الملك الأشرف، فتألم أن أفضت السلطنة إلى المؤيد، فلما استقر الصلح بين السلطان والأمير الصارم إبراهيم بن يوسف، وسأل الأمان على تسليم الحصون الحجّية على ما تقدم، سأل أن يكون تسليمها إلى الملك المنصور زند الدين أيوب أخى المؤيد، والقاضى الوزير موفق الدين، وأن يحضر معهما إلى الملك المؤيد، فأمر الملك المؤيد أخاه ووزيره بذلك، فقيل للملك المسعود: إن ذلك أحبولة ومكيدة للقبض عليه، وأخذ المهجم منه،
__________
[1] فى «أ» و «ك» غير منقوطة، والنقط والضبط من: (مراصد الاطلاع) 1/371، وهما حازة بنى شهاب:
مخلاف باليمن، وحازة بنى موفق: بلد دون زبيد قرب حرض فى أوائل أرض اليمن. وفى: (بهجة الزمن) ص 188 (تحقيق حبشى) القحرية والحازتين.
[2] زيادة عن الخزرجى (العقود 1/305) .
[3] ضبطه الخزرجى (1/305) بفتح الخاء وسكون الياء، وفى المراصد 1/495 بكسر الخاء.
[4] بياض فى «أ» و «ك» ، والزيادة من الخزرجى (1/305) وقد وردت فيه عبارة المصنف هنا بنصها.
[5] زيادة عن «أ» ص 153.
[6] نسبة إلى سردد- بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه- وهى ولاية قصبتها المهجم (مراصد الاطلاع 2/706) .
(33/144)

وكان طريقهما عليه، فاستوحش من ذلك، وكتب إلى أخيه المؤيد يستعطفه ويترقّق له، ويقول: «إنه خائف، ويسأله أن يكون هو الذى يقبض الحصون الحجّية، وأنه لا فرق بينه وبين أخيه المنصور، فأجابه الملك المؤيد: أن إبراهيم لم يطلب إلا صنونا الملك المنصور، والوزير، ولو طلبك لفعلنا، فاتركهما يمرّان الطريق، ولا يكن لك إليهما سبيل اعتراض، فلم يجب إلى ذلك، فكتب إليه ثانيا ذمّة أنه باق على ما بينه وبينه، وأن ليس القصد فى تجهيز العسكر إلا أخذ الحصون/ (154) الحجّيّة، وإذا كرهت أن أخاك المنصور لا يصل إلى المهجم أمرناه بطريق الحازة، فلا يصل إليك، وكتب إلى المنصور أن يتوجه على طريق الحازة، ففعل ذلك، ولما صار المنصور بالفخرية حسّن أتباع الملك المسعود له الخروج، فخرج وقصد المحالب، وتم إلى حرض [1] ، وأقام الفتنة، وأما المنصور والوزير فطلعا إلى جهة حجّة، وقبضا الحصون الحجّية.
وجمع المسعود العربان من كل ناحية، وكان عقيد رأيه والمدبر لجيشه على بن محمد بن إبراهيم [2] ، وكان مقدما بحرض فى الدولة الأشرفية، فلما اتصل خبره بالملك المظفر جهز ولده الملك الظافر عيسى، وكتب إلى المنصور والصاحب [على بن محمد اليحيوى [3]] أن يكون مع ولده، وفوض تدبير الحرب إليهما، فتوجهوا إليه والتقوا فيما بين حرض/ والمحالب، فلم يكن للمسعود بهم طاقة، وتفرق جمعه، وقبض على المسعود وولده أسد الإسلام فى المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة، فلما أحضرا إلى الملك المؤيد جعلهما فى «دار الأدب» ، فكانا فيها دون السنة، ثم أطلقهما وأسكنهما حيس [4] ، وقرر لهما ولغلمانهما جامكيّة.
__________
[1] حرض- بفتحتين- بلد فى أوائل اليمن من جهة مكة (مراصد الاطلاع 1/392)
[2] هكذا فى ك، أص 154 والصواب «المؤيد» كما فى الخزرجى وعبارته «فواجهه العسكر السلطانى المؤيدى صحبة الملك الظافر عيسى بن الملك المؤيد (العقود 1/308) .
[3] الزيادة من الخزرجى (1/308) .
[4] فى «ك» (حسن) وفى أص 154 «حيس» ، وفى الخزرجى (1/309) خيس وفى ياقوت حيس- بالحاء المهملة- بلد وكورة من نواحى زبيد.
(33/145)

ذكر متجددات كانت فى شهور سنة سبع وتسعين وستمائة
فى شهر ربيع الأول منها قتل الأمير علم الدين سليمان بن محمد بن سليمان بن موسى، قتله عبيده بالوادى الحار.
وفيها فى جمادى الآخرة/ (155) توجه الملك المظفر من صنعاء إلى خدمة والده الملك المؤيّد متبرئا من الأعمال الصنعانية، ثم عاد إليها فى السنة المذكورة، واستولى على حصن غراس، وأخذه بالسيف، ثم انتقل إلى حصن إرياب [1] فاستولى عليه بعد حرب، وطلع إلى جهة صنعاء مقطعا لها.
وفى جمادى الآخرة وقع مطر شديد عظيم لم ير مثله عم القطر اليمانى بكماله، وحصل رعد شديد، وريح باردة، وكان معظم ذلك بتهامة، وأخرجت الريح سفنا- من الأهواب وساحل الشّرجة [2]- بما فيها إلى البر، وكسرت بعضها ببعض، وهدمت حصونا شامخة، واقتلعت أشجارا كبارا بأصولها.
وفى يوم الاثنين ثانى عشر من شهر رمضان من السنة توفى الشريف المطهر بن يحيى بن حمزة بحصنه بذروان [3] .
وفى شعبان تجهز العسكر المؤيدى إلى جهة حجة، وتقدمه الأمير بدر الدين محمد بن عمر بن ميكائيل أستاذ الدار، والفقيه شرف الدين أحمد بن على بن الجنيد ونزلا على «ابن الصليحى» بمبين، وعلى عمر بن يوسف بظفر، وأخذا منهما الحصنين، ونزلا على الذمة.
وفى السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا، وذلك عند امتناع الأشراف من الصلح، ودخل صنعاء لخمس مضين من ذى القعدة، وطلع
__________
[1] فى أ، ك أرباب، وفى ياقوت (معجم البلدان 1/210) أرباب- بكسر الهمزة وفتحها وياء بعد الراء- وفى مراصد الاطلاع 1/63 أرباب (بباء مكان الياء) وفسره بأنه قرية باليمن من مخلاف قيظان من أعمال ذى جبلة.
[2] الشرجة: من أوائل أرض اليمن، وهو أول كورة عثر (ياقوت/ معجم البلدان 5/251) .
[3] الضبط من المقتطف 126، وفيه وفى الخزرجى (1/310) أن وفاته كانت بحصنه بذروان حجه.
(33/146)

إلى الظاهر عن طريق حدّة [1] فى رابع عشر ذى الحجة، واستقر فيه بعسكره، ثم سار نحو الميقاع بعساكره، فقاتل عليه وعاد إلى منزلته، وأقام بالعسكر ثمانية عشر يوما، وفى انتهائها دخلت عساكره صعدة/ (156) مع جمال الدين [على [2]] بن بهرام، والأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين.
وفى يوم الخميس أول المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة نهض الملك المؤيد من محطته «وهى منزلة العسكر» ، طالبا للظاهر لقطع الأعناب [2] فوقف بها ثمانية أيام، ثم نهض منها إلى جهران، فأقام بها ثمانية أيام، وحط بالظاهر الأسفل، وسار نحو جبل ظفار، فتأهب الأشراف للحرب، وأخرب ما حوله من الأعناب [3] ونهض فى يوم الاثنين ثالث صفر من محطته بالسّبيع، فبات عند الكولة، ثم سار منها وحط على الميقاع، وهو إذ ذاك بيد الأمير جمال الدين على بن عبد الله، ونصب المجانيق على الحصن، وبه الأمير عماد الدين إدريس ابن على، وتوالى الزحف على الحصن، ثم حصل الاتفاق، وحضر الأمير عماد الدين على إلى خدمة الملك المؤيد، فلما قرب من مخيّمه ركب إليه وتلقاه وانعقد الصلح بينهم، وأخذ لأصحابه الأشراف ذمة سبعة [4] أشهر، ودخلت الأعلام المؤيدية الميقاع، لإظهار الطاعة، وأنعم عليه المؤيد بالطبلخاناة والأموال والكساء والخلع، وأعاد عليه بلاده التى كانت بيده.
ثم توجه الملك المؤيد فى يوم السبت أول شهر ربيع الأول قاصدا صنعاء، ولما استقر بها وصل إليه الأمراء الأشراف ومشايخ العربان، وفى جملتهم الأمير أحمد بن على بن موسى لتمام صلح الأشراف، فتم صلح الأشراف على تسليم نعمان واللحام وصعدة، وقسمة بلاد مدع [5] كما كانت فى/ (157) زمن الملك المظفر، ثم توجه إلى تعز وصحبته الأمير جمال الدين على بن عبد الله، والأمير
__________
[1] فى بهجة الزمن ص 193 (تحقيق الحبشى) حمدة.
[2] زيادة عن الخزرجى (1/311) .
[3] هكذا فى ك، وفى «أ» ص 156 غير منقوط، وعبارة الخزرجى فى هذا الموضع «وتأهب الأشراف لقتاله فأحرقت ما حوله من الأعشاب» (العقود 1/311) .
[4] فى المصدر السابق (1/315) أن الأمير جمال الدين المذكور سلم السلطان- ثمنا لهذه الذمة- حصن ذيقان.
[5] مدع- بضم أوله وفتح ثانيه- من حصون حمير باليمن (مراصد الاطلاع 3/1245) .
(33/147)

أحمد بن على، والأمير ابن وهّاس، وأمراء العرب، ثم توجه إلى زبيد فى جمادى الآخرة، وصحبته الأشراف والأمراء، وطلع من زبيد فى آخر شعبان، فلما كان عيد الفطر ودعه الأمير جمال الدين على السّماط، وتوجه إلى البلاد العليا، والذى حصل له من الإنعام من حين خرج من الميقاع إلى أن عاد إلى بلاده ما يزيد على سبعين ألف دينار «الدينار: أربعة دراهم، والدرهم: عشرة قراريط» .
وفى شوال من السنة توجه الملك المؤيد إلى عدن، فأقام إلى ثانى ذى الحجة وعيّد عيد النحر بفور [1] ، وعاد إلى تعز فى آخر ذى الحجة سنة ثمان وتسعين.
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة توفى الأمير جمال الدين على بن عبد الله المقدّم الذكر، وكان من أكابر الأشراف وأعيانهم، ورؤسائهم وصدورهم، وقد ناف عمره على السبعين، ولما مات أجمع أهله على تقديم ولده الأمير عماد الدين إدريس، وكاتب الملك المؤيد فى ذلك، فكوتب بأن يصل إلى بابه/ فطلب ذمّة، فكتب إليه، وحضر إلى الملك المؤيد فى ذى القعدة، والمؤيد يومئذ بثعبات.
فلما كان بعد عيد النحر تقررت الحال على أن يسلّم الحصون التى بيده- وهما الميقاع والعظيمة- فتسلمهما نواب الملك المؤيد فى سنة سبعمائة، وأنعم على الشريف عماد الدين إدريس بعشرة أحمال طبلخاناة، وثمانية عشر ألف درهم، وسنجقا وخلعا وملابس ومماليك وخيول/ (158) وبغال، وركب معه الأمراء، وأعطى القحمة.
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة حطّ الملك المظفر على أشيح، وأخذ حصن إرياب وغراس بالحقل قهرا، فزينت صنعاء لذلك.
وفى سنة سبعمائة توجه الملك الظافر عيسى بن المؤيد مقطعا لصنعاء وأعمالها، فدخل صنعاء فى العشر الأخر من شهر رمضان.
__________
[1] هكذا فى الأصل، ومثله فى ص 157 ولم أجده فى رسمه من كتب البلدان ولعله تحريف «قوّر» ففي مراصد الاطلاع 3/1132 قور- بضم أوله وكسر ثانيه مشددا- جبل باليمن من ناحية الدملوة، وفى الخزرجى «أن الملك المؤيد أقام بعدن من آخر شوال إلى سلخ ذى الحجة وعيد عيد النحر بها، فلعل ما هنا تحريف «بعدن» .
(33/148)

وفى رابع عشر شهر رجب من السنة أخذ الأمير صارم الدين داود بن على حصن الجميمة بجبال شظب [1] والأمير على بن أحمد حصن العجرد بشظب بموافقة من فيها.
وفى سنة إحدى وسبعمائة خالف الأشراف السلمانيون، وقتلوا المقدم خطلبا، وكان مقيما بالراحة [2] ، فأخذوا من خيله أربعين فرسا، فرسم الملك المؤيد إلى الأمير عماد الدين إدريس بالتوجه إلى الراحة، وأضاف إليه عسكرا من الحلقة، وأمر الأمير شهاب الدين أحمد بن الخرتبرتى [3] شادّ تهامة، وأمر متولى حرض بالمسير، فسار العسكر، بكماله، ودخلوا الراحة، وأحرقت بلاد المفسدين، وتتبعوهم إلى قريب [4] اللؤلؤة، وسألوا الصلح، وأعادوا الخيل التى أخذوها، وتسلم نائب الملك المؤيد- وهو الشريف على بن سليمان- الراحة وبلادها، وعاد العسكر.
وفيها أوقع الأمير سيف الدين طغريل- وهو مقطع لحج- بالجحافل والعجالم، وقتل منهم ما ينيف على أربعين رجلا، واتفقت له وقعة أخرى بالدّعبس، فقتل منهم ما ينيف على سبعين.
__________
[1] فى أ، ك تقرأ شطنب، ولعله تحريف شطب أو شظب، ففى (مراصد الاطلاع) 2/797 شطب بفتحتين:
جبل باليمن به قلعة سميت به، وفى (تاج العروس) ش ظ ب أورده بالظاء وقال: موضع باليمن قرب صنعاء، وفى: (القاموس) شطيب: جبل وفى الخزرجى (1/236 و 266 و 397) ورد شطب وشظب، وانظر معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 356.
[2] الراحة: قرية فى أوائل أرض اليمن، قال صاحب (مراصد الاطلاع) (2/592) وهى غير راحة فروع التى فى بلاد خزاعة.
[3] فى أالخرتبرتى، وفى ك الحربترتى، وفى الخزرجى (1/330) الحربترى، وعبارته: «وأضاف إليه عسكرا من الحلقة المنصورة ومشد زبيد أحمد بن الحربترى، وخرتبرت: بلد ذكرها ياقوت.
[4] فى ك إلى بلاد اللؤلؤة، وما أثبتناه من ألموافقته الخزرجى (1/330) .
(33/149)

/ (159) ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف وما وقع بسبب ذلك من الحرب والحصار
وفى سنة إحدى وسبعمائة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا، فأقام بالجند أياما، وبالموسعة أياما، وبصنعاء أياما، ثم خرج منها إلى الظاهر، وطلع من نقيل [1] عجيب، والموجب لطلوعه ما جرى بين الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى، وبين الشيخ قاسم بن منصور الضّربوه- صاحب [2] ثلا- من التشاجر على البلاد التى بينهما، فأخرب كل منهما على الآخر بعض بلاده، وكان الشيخ ممن يحالف الملك المؤيد، فاجتمع الأشراف إلى ظفار:
منهم الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، فسألهم تاج الدين القيام معه لمحاربة صاحب ثلا، فذكروا أنه حليف الملك، ولا يمكن حربه إلا بمحاربة السلطان، ورأوا إخراب القنّة، وبعض ثغر ظفار من المصلحة، وأن يرسلوا القاضى أحمد بن محمد الذمارى إلى الملك المؤيد ليتحقق رأيه، فأرسلوه، وعاد كل منهم إلى بلاده.
فأما الأمير موسى بن أحمد فإنه لما وصل إلى صعدة قبض بعض بلاد الأمير سليمان بن القاسم، وكتب إلى الأمير شرف الدين شكر بن على يستدعيه إلى صعدة، فوصل إليه فأرسله إلى الملك المؤيد [3] ، وسير معه ابنه الأمير علم الدين موسى، وقبض منه رهينة، فلما وصل إلى صنعاء ترك الرهينة فى حصن ذهبان عند الأمير محمد بن أحمد الحاتمى/ (160) الهمدانى، ثم وصل إلى المؤيد وهو على الحركة إلى البلاد العليا، فأكرمة المؤيد، وأنعم عليه، وسار معه إلى الموسعة، ومن هناك تقدم إلى صوب ابنه.
وأما الأمير تاج الدين فإنه تقدم إلى الجهات الغربية، وأوقد نار الحرب فى بلاد الموقّر والعارضة [4] وما يليها من بلاد السلطان، ومال إليه بنو شاور [5] ، وجماعة من قبائل العرب ودخل المؤيد صنعاء، وأقام بها أياما، ثم
__________
[1] نقيل: جبل عظيم بين مخلاف جعفر وحقل ذمار وفى رأسه قلعة تسمى سمارة (مراصد 1/298) وفى ياقوت 8/314 نقيل صيد.
[2] ثلا- بضم أوله- حصن من حصون اليمن.
[3] ذهبان- بفتحتين- قرية بينها وبين حرض يوم من نواحى زبيد (المراصد 2/590) .
[4] العارضة، ويقال: العارضة السفلى، من قرى اليمن من الأعمال البعدانية (المراصد 1/908) .
[5] هكذا فى ك، أ، ص 160 وفى الخزرجى (1/331) بنو ساور.
(33/150)

سار إلى اليمن، ولقيه الأمير نور الدين موسى بن أحمد، والأمير عبد الله بن وهّاس، وطلع الملك المؤيد القنّة من طريق جبل [1] صبيح، وتسنم سعده القنّة، ونزل فيها بجميع عساكره، وذلك يوم العيد، وأشرف على أخذ ظفار من الجهة التى تلى القاهرة من غربيها، ولم يبق إلا أخذها، وعاد المؤيد إلى القنة، وأقام بها ثمانية أيام، وشرع فى عمارتها، وسماها المنصورة، وحصل للعسكر ضرر شديد، لعدم الماء والطعام والعلف، حتى بيعت القربة بعشرة دراهم، والزبدى الدقيق بعشرة دراهم، فعند ذلك أمر السلطان بضرب مخيمه بورور [2] ، ورتب فى القنة الأمير نجم الدين موسى بن أحمد، ورتب فى تعز وهو الحصن المقدم الذى أخربه الأمير سليمان بن قاسم- الحسام بن مسعود بن طاهر، وأمر بعمارة الموضعين، ونصب فى تعز منجنيقين ترمى إلى ظفار وإلى المدينة فأضرهم المنجنيق غاية الضرر، وعيد الملك المؤيد عيد الأضحى فى محطة ورور.
ثم طلع المؤيد إلى تعز ليشاهد العمارة،/ (161) ورمى المنجنيق، فعلم الأمير علم الدين سليمان بن قاسم صاحب ظفار أنه إن دام هذا الأمر أدى إلى خراب [بلاده [3]] ، فأعمل الحيلة، وأخرج بنى أخيه وجماعة من الأشراف إلى خارج درب ظفار ومعهم وزيره على بن دحروج، وصاح بأعلى/ صوته أن الأمير والأشراف قصدهم أن يخدموا السلطان، وسؤالهم أن يشرف عليهم، فأشرف عليهم فخدموا [4] بأجمعهم، وقالوا: نحن غلمان السلطان، وهذه المواضع مواضعه، وأشار ابن دحروج أن معه خطابا يفضى إلى المصلحة، ويسأل أن يرهن به الفقيه شرف الدين، فأجيب إلى ذلك، ونزل الشيخ ابن دحروج، واجتمع بالملك المؤيد بحضور القاضى الوزير موفق الدين، واستقر الأمر أن الأمير سليمان بن قاسم يبيع المؤيد حصن تلمّص بخمسين ألف دينار، ويرهن بذلك ولدى أخيه محمدا وداود، ووزيره على بن محمد بن دحروج، وأن يخرب الملك
__________
[1] أرض صبيح باليمامة، وجبال صبيح فى ديار فزارة (المراصد 2/831) والقنة الثانية: القلة، وهى أعلى الجبل أراد الجناس.
[2] ورور- بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه- حصن باليمن من جبال صنعاء فى بلاد همدان (مراصد 3/1435) .
[3] الزيادة من الخزرجى 1/332.
[4] ترد كلمة «يخدم، وخدم» بهذا الاستعمال عند مؤرخى هذه الفترة مرادا بها تأدية التحية اللائقة، وإظهار الولاء والطاعة.
(33/151)

المؤيد تعز المعمورة على ظفار والقنّة، فأشار من حول الملك المؤيد عليه بذلك وقالوا: السلطان يملك صعدة بغير شريك، والرهائن توثقة لمن صدق، فركن إلى ذلك، وقبض الرهائن، ونزل الفقيه شرف الدين أحمد بن علي من ظفار، وأطلع لهم المال المشروط، وأرسل الملك المؤيد الفقيه شرف الدين أحمد بن على (الجنيد) [1] بعسكر لقبض تلمّص، وأرسل الشريف سليمان بن قاسم ثقة [2] منه، وتقدموا إلى جهة صعدة.
وتوجه المؤيد من محطة ورور، والرهائن صحبته، وقصد صنعاء فى يوم الجمعة نصف ذى الحجة، فانتهى إلى جربان [3] فى يوم الأحد سابع عشر الشهر، فزحف العسكر فى اليوم الثانى، وقاتلوا قتالا عظيما وبلغ الشفاليت [4] / (162) باب الحصن، ونزل للشفاليت الكسوة، فأخرب أهل الحصن الحمولة وعاد الشفاليت فوجدوها خرابا، وكان قد تجمع إليه خلق كثير من همدان وغيرهم، ونصب الملك المؤيد المنجنيق، وأقام ثمانية أيام على جربان، ثم توجه إلى صنعاء، وتولى الحصار الأمير شمس الدين عباس بن محمد، والأمير عماد الدين إدريس والأمير محمد بن حاتم، ومحمد بن أحمد بن عمرو، ووصل المؤيد إلى صنعاء فى المحرم سنه اثنين وسبعمائة.
وأما سليمان بن قاسم صاحب ظفار، فإنه لما نظر إلى المال عنده والخلع، وقد أخربت القنّة وتعز، وارتفعت عساكر السلطان عنها، نوى الغدر، وزهد فى الرهائن، فكتب إلى المقيم بتلمّص أن يسلم تلمّص إلى الشريف أبى سلطان، ففعل ذلك، وكتب سليمان بن قاسم إلى الملك المؤيد: أنة غلب على تلمّص أبو سلطان، وأنه قد صار فى حرزه، وانتقض ما كان تقرر، فأرسل المؤيد شكر بن على إلى صاحب ظفار يطالبه بإعادة المال، وأخذ الرهائن، فغالظ فى الجواب، وبادر بعمارة تعز الذى كان أخربه، وأكد بناءه، وعاد الذين توجهوا ليتسلموا تلمّص، وتهدد السلطان صاحب ظفار أنه إذا لم يعد المال أشهر رهائنه، فلم
__________
[1] الزيادة من الخزرجى (1/332) .
[2] المراد أنه أرسل رسولا ممن يثق بهم، وعبارة الخزرجى ... وأرسل الشريف سليمان بن قاسم رسولا معهم من أحد ثقاته (العقود 1/332) .
[3] هكذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (1/334 و 335) خربان- بخاء.
[4] الشفاليت: ويفهم من السياق أن المراد بها الرعاع والدهماء. وفى: (بهجة الزمن) ص 214 (تحقيق الحبشى) حاشية (2) أن الشفاليت: جمع شفلوت: طائفة من العسكر غير النظاميين، واللفظة عامية.
(33/152)

يحتفل بالرهائن، فتقدم المظفر بإشهار [1] ولديه، وولد عمه، ونعاه بالعيب، كعادة العرب فى الغادر بعد الوفاء، ولما نظر الشيخ على بن محمد بن دحروج أن الشهرة لا حقته لا محالة، بذل للملك المؤيد/ (163) الخدمة والنصيحة، ووثقه من نفسه، وأرسله صحبة سيف الدين طغريل- بعد إقطاعه صنعاء، وذلك فى يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعمائة- بالعساكر إلى عمارة المنصورة وهى القنّة، وكان عند الأشراف أن العسكر لا يطلع إليها، ولا يعمرها فطلعها العسكر قهرا، وتسنموا القنة، وعمرت المنصورة، واستمرت العمارة بها، واستمرت المحطة بورور، ولحق الناس قحط شديد، بلغ الزيدى فى ورور أربعة دنانير وأكثر من ذلك، فخلا كثير من أهل [2] البلاد.
فلما كان فى أثناء شهر رجب تداعى الناس إلى الصلح على رد المال المسلم فى تلمص، فردوا منه ستة عشر ألف دينار نقدا، وحريرا وحليا باثنى عشر ألف دينار، ورهنوا على ما بقى ولدى الأمير أحمد بن قاسم وحصن [3] المدارة على يد الأمير ابن وهاس إلى عشرة أيام فى شوال والقنة للسلطان.
ومالت قبائل المرقان وبنو أسد الصيد، وبنو حسن ومخلاف تلمص وبنو دحروج إلى جنب السلطان، وما كان إليهم من مال وغيره، وأخرجوا حريمهم من ظفار وسكنوا صنعاء، وسلم الأمير تاج الدين الحدّة [4] وخرّب شريب، ورهن ولده مع رهينة الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، وانعقد الصلح بين الملك المؤيد وبين أصحاب ظفار وتاج الدين، على أن المؤيد يحارب تلمص، ويعمل فيه ما شاء.
وعاد الملك المؤيد إلى اليمن فى الثامن عشر من شعبان سنة اثنتين وسبعمائة ووصل تعز فى غرة/ (164) رمضان منها.
__________
[1] الصواب «ولدى أخيه» كما تقدم، وقد صرح بذلك الخزرجى فى (1/338) .
[2] فى بهجة الزمن ص 216 (ط. الحبشى) «فخلا كثير من البلاد عن أهلها» .
[3] لم يتضح فى أ، ك، وفى الخزرجى (1/339) المدارة.
[4] كذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (1/339) الحدود، والصواب الحدة- بالحاء المفتوحة والدال المشددة- وهى- كما فى مراصد الاطلاع 1/386: حصن باليمن من أعمال حب.
(33/153)

وفيها توفى الملك العادل صلاح الدين أبو بكر ابن الملك الأشرف بن الملك المظفّر، ودفن فى أول شهر رمضان فى [1] ضراس.
وتوفى الأمير نجم الدين موسى بن شمس الدين بنواحى صعدة.
وفيها أمر الملك المؤيد بإنشاء مدرسة بمغربة تعز، ووقفها على طائفة الشافعية، ورتب بها مدرسا ومعيدا وعشرة من الطلبة، ومتصدرا لإقراء القراءات السبعة، ومعلما يقرىء جماعة من الأيتام القرآن، وأماما يصلى بالناس الخمس، ووقف بها خزانة كتب، ونقل إليها كتبا كثيرة من كتب العلوم [2] والتفاسير.
/ وفى سنة ثلاث وسبعمائة فى العشرين من المحرم توفى الملك الظافر قطب الدين عيسى بن الملك المؤيد بحصن تعز، ودفن بمدرسة أبيه، ورتب والده قراء يقرأون القرآن على قبره، وتألم والده عليه، وأمر بذبح خيله الخواص فذبحت، وتصدّق بلحمها حالة حمله إلى قبره، وعملت له الأعزية فى سائر المملكة.
وفيها توفى الأمير أبو سلطان المتولى على تلمّص المتقدمة الذكر، فغلب المرتبون فى الحصن عليه، وباعوه من الأمير على بن موسى بن شمس الدين، فسار نحوه، ونقل إليه الطعام، ووقعت الحرب بين عسكر السلطان والأشراف بسبب ذلك، وذلك فى/ (165) النصف الأخير من شعبان، ثم حصل الصلح، وانعقدت الذمة إلى سلخ ذى الحجة على إخلاء صعدة من الفئتين.
وفى سنة أربع وسبعمائة أمر الملك المؤيد بالقبض على الأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين، وولده، والشريف شكر بن على، وسبب ذلك أنه بلغه مباطنتهم فى صعدة وتلمص.
وفى ذى الحجة من السنة فارق الأمير سيف الدين طغريل الخزندار صنعاء وأقطعها السلطان ولده الملك المظفر، وأقطع طغريل الخزندار المذكور
__________
[1] ضراس: قرية فى جبال اليمن (مراصد الاطلاع 2/867) ،.
[2] فى الخزرجى (1/343) أن هذه المدرسة عرفت باسم المدرسة المؤيدية وأن المؤيد وقف عليها من الأراضى والكروم ما يقوم بكفاية المرتبين عليها» .
(33/154)

الأعمال الأبينيّة [1] ، ونزل إليها فى المحرم سنة خمس وسبعمائة، ثم فارق المظفر صنعاء فى آخر شعبان من هذه السنة، وتوجه إلى أبيه، فأقطعت الأمير سيف الدين طغريل المذكور، وأقطع الأمير عماد الدين إدريس [بن على [2]] الأعمال الأبينية، وفيها تم الصلح بين الملك المؤيد والأشرف، وقبض رهائنهم، ورجع أهل مدينة صعدة إليها وسكنوها.
وفى سنة سبع [3] وسبعمائة ملك الملك المؤيد حصن القرانع [4] وهو مزاحم الطويلة بينهما رمية حجر، وحصلت الحرب بين تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة وبين الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء.
وفيها فى جمادى الأولى خالف ابن أصهب بأصاب [5] وأخذ حصن السانة [6] بها، وهو حصن منيع/ (166) مرتفع، فتوجه الملك المؤيد إليه بعسكر، وحصره به، فراجع ابن أصهب إلى الطاعة، ونزل على الذّمة هو وأولاده وحريمه، واستعاد الحصن ومعه حصونا أخر، ورجع إلى زبيد، وأقيمت التهانى والأفراح بسائر المملكة، ومدحه الشعراء.
ذكر إنشاء القصر المعقلى والمنتخب
وفى سنة ثمان وسبعمائة فى النصف من صفر من عمارة القصر المسمى بالمعقلى بثعبات، وهو مجلس طوله خمسة وعشرون ذراعا فى عرض عشرين ذراعا بسقفين مذهبين بغير أعمدة بأربع مناظر بأربع رواشن [7] ، وفيه طشتيات [8] من رخام شكل حلزون، وفى صدره شبابيك تفتح على بستان، وكذلك الرواشين وأمامه بركة طولها مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا على
__________
[1] الأعمال الأبينية: نسبة إلى أبين، وكان يليها قبله ابن بهرام فانفصل عنها بتوليتها سيف الدين طغريل (الخزرجى 1/367) .
[2] الزيادة عن الخزرجى (1/367) .
[3] فى بهجة الزمن ص 245 (ط. الحبشى) ذكره فى حوادث سنة ست وسبعمائة.
[4] أورده الخزرجى (1/369) باسم الفرائع، وذكره فى حوادث سنة ست وسبعمائة، وفى مراصد الاطلاع 3/1075 القرانع- بضم القاف وكسر النون- حصن حصين من حصون صنعاء يقابل المصانع.
[5] هكذا فى ك، أ، ولعله تحريف وصاب، أو لغة فيه، وفى المراصد 1/1439 وصاب: جبل يحاذى زبيد باليمن، فيه عدة حصون وبلاد.
[6] السانة: من حصون جبل وصاب (مراصد 2/685) .
[7] الرواشن: الرفوف جمع روشن (تاج العروس مادة ر ش ن) .
[8] فى بهجة الزمن ص 251 (ط. الحبشى) «طشتان.. حلزونيان» .
(33/155)

حافتيها الأوزّ الصّفّر [1] ترمى بالماء من أفواهها، ويقابل المجلس شاذروان [2] بعيد المدى ينصب ماؤه إلى البركة، ولما كمل أمر الملك المؤيد بمجتمع حضره الأمراء والوزراء والفقهاء والأعيان والعامة من أهل البلد، وجلس الملك فى الطبقة الثانية ينظر إلى الناس، وخلع على الأعيان وامتدحه الشعراء.
وعند الفراغ من هذا القصر أمر ببناء قصر ثان سمّاه المنتخب، وبستان/ (167) وفى السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى زبيد فى رابع جمادى الأولى، فأقام بها نصف شهر، وتوجه إلى المهجم، فأقام به إلى تاسع عشر شهر رجب، وسار إلى جهة حجّة، ورجع منها فى تاسع عشر شعبان، ودخل المهجم فى الثالث والعشرين منه، وخرج منه وعيّد بزبيد.
وفى السادس عشر من شوال وصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة إلى الملك المؤيد، ولم يطأ بساطه قبل ذلك، وهو من أعيان الأشراف ورؤسائهم، وله حصون منها كحلان والطويلة وعدة حصون غيرهما، فأكرمه المؤيد، وأنعم عليه، وتوجه به إلى صوب البحر [3] ، وركب الملك المؤيد فيلا، وأردف الشريف تاج الدين خلفه، ودخل البحر فلجج الفيل بهما فى الماء، فبادر الفيال بأن ركب فيلة، ودخل البحر، واتبع الفيل وأسرع حتى أدركه، فلما شم الفيل رائحة الفيلة رجع إليها، ورجع الفيال بالفيلة أمامه، واتبعه الفيل إلى البر، وهذا دليل على خفة وطيش، وعدم ثبات وتغرير بالنفس، وكانت سقطة من الملك المؤيد، ثم عاد إلى زبيد، ثم إلى تعز، ودخلها فى السابع والعشرين من ذى القعدة والشريف تاج الدين معه، وفرّجه فى قصور ثعبات.
وفى سنة تسع وسبعمائة رسم الملك المؤيد للأمير عماد الدين إدريس أن يتوجه إلى صوب الشرفين [4] لاستفتاحهما بعد أن استخدم له مذحج، وأصحبه جماعة من العسكر فتوجه وطلع من الطهرة/ (168) إلى الشرف الأعلى،
__________
[1] الصفر: النحاس، وعبارة الخزرجى (1/277) «.. وعلى حافاتها صفة طيور ووحوش من صفر أصفر ترمى الماء» .
[2] الشاذروان: أساس يوثق حول القناطر ونحوها (الألفاظ الفارسية المعربة) وفى: (شفاء الغليل) 135 ما يترك من عرض الأساس فى الجدار خارجا» عربيته إزار.
[3] أورد الخزرجى هذا الخبر فى شىء من التفصيل، وذكر أن هذه الحادثة كانت بالأهواب على ساحل زبيد (العقود 1/382) .
[4] الشرفان: جبلان دون زبيد باليمن (مراصد الاطلاع 2/791) أحدهما يسمى الشرف الأسفل والآخر يسمى الشرف الأعلى.
(33/156)

واستولى على جبل سعد ببلد الجبر، وحصن القاهرة ببلد المحاسبة، وأخذها من أهل الشرفين، وتوجه إلى الشرف الأسفل وحط بقلحاح [1] ، وتسلم فى ذلك اليوم حصن/ القفل وكان يومئذ بيد ابن مقرعة مولى الشريف إبراهيم بن قاسم، ثم توجه إلى جبل الشاهل، فاستولى على حصن أقتاب [2] وحصن الناصرة واستولى على الشرف الأسفل بكماله، ولم يبق إلا حصن المسوكة [3] للأشراف أهل جبل حرام، ومنهم عند الملك المؤيد [محمد [4]] بن على، وأخوه يقصدان بيع الحصن عليه، فأخذه الأمير عماد الدين بمصالحة على ألفى دينار، وكتب إلى المؤيد بذلك فصادف وصول كتابه وقد عقد القاضى الصاحب موفق الدين مجلسا لشراء الحصن من الشريف محمد بخمسة آلاف دينار وكساوى، ولم يبق إلا وقوع المعاقدة، فقرأ الملك المؤيد الكتاب، وأمر بنقض المجلس، ثم تسلم الأمير عماد الدين حصن المفتاح فى سنة عشر، وسلم جميع ذلك إلى غلام الدولة حسن بن الطماح [5] بن ناجى بحكم ما بيده من ولايتها من جهة الملك المؤيد.
ذكر [6] مقتل الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء
وفى سنة تسع وسبعمائة غدر الأكراد بالأمير سيف الدين طغريل الخزندار مقطع صنعاء، وقتلوه فى يوم الاثنين سادس عشر/ (169) شهر ربيع الآخر.
وسبب ذلك أنهم توهموا أنه يريد القبض عليهم، وأتاه النذير بذلك في تلك الليلة، فلم يعبأ به، فخرج الأكراد من المدينة، وقصدوا عسكر صنعاء فعقروا خيلهم، وتوجهوا نحو القصر الذى به الأمير المذكور، فاستولوا على اسطبله وحالوا بينه وبين مراكبيه، وسألوه الخروج إليهم على ذمة، فامتنع، فحصروه إلى أن طلعت الشمس، فخرج إليهم على ذمتهم، فقتلوه، وقتل معه
__________
[1] قلحاح- بكسر فسكون-: جبل قرب زبيد، به قلعة يقال لها شرف قلحاح (المراصد 3/1117) .
[2] فى أ، ك «أقباب» والمثبت من بهجة الزمن (ط. الحبشى) .
[3] فى الخزرجى (1/385) المسولة. ولم يذكر ياقوت فى رسمه. وفى بهجة الزمن ص 259 المشوكة.
[4] زيادة من الخزرجى (1/385) .
[5] فى الأصل «الطماع» والمثبت من الخزرجى (1/393) حسن بن الطماح بن ناجى نائب السلطان.
[6] انظر هذا الخبر فى الخزرجى (العقود 1/386) فقد أورده مبسوطا عما ذكره النويرى هنا.
(33/157)

صهره وهو أستاذ داره، وكاتبه، ووالى ذمار، ونقيبه، وأربعة من مماليكه، فوصل عسكر صنعاء إلى الملك المؤيد فعوضهم ما أخذه الأكراد، وجرّد الأمير شجاع الدين عمر بن القاضى العماد أمير جاندارة، والأمير شمس الدين عباس ابن محمد إلى جهة صنعاء من طريق تهامة، فدخلا ذمار، وانحازت الأكراد بجملتها إلى الوادى الحار، فقصدهم العسكر، وقاتلوهم ثلاثة أيام، وقتل من الأكراد ثلاثة نفر، وأخذت خيلهم، ثم تفرقت الأكراد فى كل ناحية، وعاد الأميران إلى ذمار، ثم حصر الأميران الأكراد بمصنعة عبيدة ثلاثة أشهر إلى نصف رمضان، وأنفقت أموال جليلة، فلم تجد المحاصرة شيئا، فتركا الحصار، وسار الأمير عباس بعسكر صنعاء إلى صنعاء، واجتمع الأكراد إلى الإمام ابن المطهر [1] ، وحالف بنى شهاب وأهل الحصون، فقويت شوكته، وقصد حصن ظفار، فأخذه وحط فى حدّة، فقاتل من بصنعاء، ووقعت حرب عظيمة على باب صنعاء ولم يكن فيها إلا/ (170) الأمير شمس الدين عباس فى جمع قليل من عسكرها، فثبت حتى وصلت إليه عساكر السلطان، وابن المطهّر مقيم فى حدّة، وظهره بلاد بنى شهاب، فلما اتصل ذلك بالملك المؤيد بادر بنفسه إلى صنعاء، فدخلها فى يوم الخميس الثالث والعشرين من شوال، ووجه ولده الملك المظفر إلى قاع بيت الناهم [2] فنزل به يوم الاثنين السادس من ذى القعدة، واستولى على بيت [3] خبص، وانهزم ابن المطهر هو ومن معه من الأكراد إلى حاقد [4] ، ثم طلعوا إلى سبأ، وأقام ابن المطهر بجبل رهقة، والأكراد فى البروية، ثم افترقوا فسار الأكراد نحو طوران، وقد باطنوا أصحابه، وسار ابن مطهر نحو ذروان.
وفى سنة عشر وسبعمائة تسلم الأمير شمس الدين عباس حصن عزّان، ونقل محطته نحو ظفار فحط بالطّفة [5] ، ونصب المنجنيق على حصن تعز، فرغب الأشراف فى الصلح، فوقع، وعاد الملك المؤيد من صنعاء إلى تعز فى
__________
[1] هو الإمام محمد بن المطهر بن يحيى، خلف والده المطهر بن يحيى بن المرتضى بن القاسم وتوفى سنة 728 هـ فى ذى الحجة بحصن ذمرمر، ودفن به (المقتطف 127) .
[2] فى الخزرجى (1/388) «إلى قاع بيت الباهم» ومثل المثبت فى بهجة الزمن ص 262 (ط. الحبشى) وقال فى هامشه: وبعضهم يقول الفاهم بالفاء، وهو من حضور.
[3] كذا فى أ، ك، وفى (مراصد الاطلاع) 1/431 حنص- بضم الحاء والنون- من نواحى ذمار باليمن.
[4] حاقد: من حصون صنعاء من حازة بنى شهاب (مراصد 1/372) .
[5] فى الخزرجى (1/393) الطفة: الطفة مشرفة على حصن تعز.
(33/158)

الخامس والعشرين من صفر سنة عشر وسبعمائة، وأقطع صنعاء للأمير أسد الدين محمد بن حسن بن [1] نور، وفى سنة تسع توفى الفقيه رضى الدين أبو بكر بن محمد بن عمر صاحب الملك المؤيد، وأخو وزيره، وكانت وفاته بزبيد، وفيها توفى الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة.
وفى عشر وسبعمائة فى سابع عشر جمادى الآخرة دخل الأكراد فى/ (171) الطاعة، وبذلوها من أنفسهم، ورهنوا رهائن وأعطوا حصن هرّان [2] واستخدم من أراد الخدمة منهم. وفيها أقطع المؤيد الأمير جمال الدين نور بن حسن بن نور الأعمال الصعدية والجوفية [3] والجثّة بتهامة وعوض الإمام عماد الدين عن الجثّة [3] بالقحمة.
وفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة توفي الملك الواثق نور الدين إبراهيم بن الملك المظفر يوسف بن عمر، وكانت وفاته فى آخر المحرم بظفار الحبوظى.
وفى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وفى شهر رجب احترقت دار المرتبة بتعز، واحترق فيها أشياء كثيرة.
وفيها فى يوم الأحد سادس ذى القعدة توفى الملك المظفر ولد الملك المؤيد بتعز وأوصى قبل يوم وفاته ألا يصاح عليه، ولا يشق عليه ثوب، ولا يغطى نعشه إلا بثوب قطن، وأن/ يدفن فى مقابر المسلمين، وألا يعقر عليه شىء من خيله، فنفذت وصيته فى جميع ذلك إلا الدفن، فإنه دفن مع أخيه الظافر فى المدرسة المؤيدية، وكان من جملة وصيته أن يعمل له فى تربة المحاريب [4] مدرسة، وأن يجرى لها الماء، ويجرى الماء منها إلى حوض تحتها، ففعل ذلك، ورتب بها جماعة من الطلبة.
وفى ثالث ذى الحجة توفى الصاحب القاضى موفق الدين وزير الملك المؤيد المقدم الذكر، وكان مكينا عند السلطان كما تقدم.
__________
[1] ورد هذا الاسم فى ك محرفا، فمرة يذكر نوز، ومرة بوز، وفى أص 170 ورد غير منقوط، وقد جارينا الخزرجى فى العقود (1/393 فى رسمه، فقد ذكره «أسد الدين محمد بن حسن بن نور» .
[2] هران: من حصون ذمار باليمن (المراصد 3/1455) .
[3] فى أ، ك (بالحاء فى الموضعين) وفى الخزرجى (1/394) الجثه- بالجيم- وفى (مراصد الاطلاع) :
1/341 الجث: من قرى اليمن.
[4] فى الخزرجى (1/403) المحارب، وفى بهجة الزمن ص 269 (ط. الحبشى) «المخادر» وقال محققه:
هى بلدة فى الشمال من اب بمسافة 20 كم.
(33/159)

وفى السنة المذكورة أمر الملك المؤيد بإنشاء قصر ظاهر/ (172) الشّبارق بزبيد فى البستان الذى أمر بإنشائه هنالك.
قال: وصورة بنائه أن وضع به أيوان طوله خمسة وأربعون ذراعا، وفي صدره مقعد عرضه ستة أذرع، وله دهليز متسع، وفوق الدهليز قصر بأربعة [1] أواوين، والجميع [2] جملون، وفيه المبانى الغريبة المشرفة على البستان المذكور من جميع نواحيه.
وفى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة توجه الملك المؤيد من تعز إلى الجند، وكان قد رسم للأمير أسد الدين محمد بن نور أن يخرج من ذمار، وينازل حصن هرّان الذى هو بيد الأكراد، وينصب عليه المنجنيق، ففعل ذلك، وقتل الأكراد بعض المماليك وجماعة، فأردفه الملك المؤيد بالأمير شمس الدين عباس فى خمسين فارسا غير عسكره الذين معه، فراسل الأكراد السلطان المذكور، ما سبق لهم من الذمة، فأبقى عليهم لشهامتهم، وأمر بحضور أعيانهم، فحضر الأميران إبراهيم بن شكر، والجلال بن أسد إلى السلطان بالجند، فاستقرت الحال بينهم على أن يسلموا هرّان، وعادوا إلى ذمار على عادتهم، وذلك فى مستهل شهر رجب من السنة، وتوجه الملك المؤيد إلى زبيد، فدخلها فى ثانى عشر شهر رجب.
وفى سنة أربع عشرة توفى الأمير عماد الدين إدريس المقدّم ذكره.
ذكر وصول الأمير علاء الدين كشتغدى [3] إلى خدمة السلطان الملك المؤيد
/ (173) وفى سنة خمس عشر وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين كشتغدى من الشام إلى خدمة الملك المؤيد باستدعاء من المؤيد، وكان قبل ذلك أستاذ دار الملك المظفّر صاحب حماه، وكان خبيرا باللعب بالجوارح،
__________
[1] الأواوين: جمع إيوان، وهو مجلس كبير على هيئة صفة لها سقف محمول من الأمام على عقد، يجلس فيها كبار القوم (المعجم الوسيط 1/31) .
[2] الجملون: سقف محدب على هيئة سنام الجمل (المعجم الوسيط 1/137) .
[3] فى الخزرجى (1/415) ذكر اسمه بدال مكان التاء هكذا «كشدغدى» وفى النجوم 9/25 رسمه بدال مكان التاء وضبطه بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه وكسر رابعه.
(33/160)

فتقدم عند الملك المؤيد تقدما عظيما، ونادمه فى خلواته، ثم استنابه بعد ذلك، ورد إليه أمور دولته على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها ولى القاضى جمال الدين محمد بن الفقيه رضى الدين أبى بكر- الذى تقدم ذكر والده وعمه- قضاء الأقضية وعمره عشرون سنة، وكان الملك المؤيد يكرمه ويعظمه لحقوق أبيه السالفة، فلما كان فى سنة ست عشرة مرض الملك المؤيد مرضا خيف عليه فيه التلف، وأرجف الناس بموته، فراسل القاضى المذكور الملك الناصر جلال الدين بن الملك الأشرف بالأمور الباطنة، وأشار عليه بنشر الدعوة، وآيسه من عمه، فلما اتصل بذلك المؤيد خرج من تعز إلى الجند، وبه بقية التوعك، فخاف ابن أخيه الناصر من ذلك، ولجأ إلى جبل يقال له السّورق [1] ، وهو جبل حصين، وحوله أناس من العربان، وهو مطل على مدينة الجند، فجهز له المؤيد العساكر، ومقدمها الأمير جمال الدين بن نور، فنزل الناصر بذمّة، وحضر إلى خدمة عمه الملك المؤيد، ووقع الصلح بينهم والاتفاق، ويقال: إنه عرفه ما وصل إليه من كتب القاضى، فعزله عن القضاء، واعتقله بحصن تعز، وفوض القضاء إلى القاضى رضى الدين أبى بكر بن أحمد الأديب الشافعى/ (174) .
وفى سنة سبع عشرة وسبعمائة، وصل القاضى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد من دمشق إلى اليمن إلى خدمة الملك المؤيد باستدعاء منه له، وولاه كتابة إنشائه، وأكرمه وقربه.
وفيها دخل عسكر المؤيد فللة [2] وملكوها، وضربت البشائر فى سائر البلاد.
وفى سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصل صفى الدين عبد الله بن عبد الرازق الواسطى، وهو من جملة الكتاب ببلد حماة، وباشر كتابة بيت المال بطرابلس
__________
[1] كذا فى ك، ومثله فى الخزرجى (1/418) وفى «أ» ص 173 «الشورق» بالشين.
[2] هكذا فى أ، ك، ولم أجده فى كتب البلدان، وفى معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 497 «أنها بصعدة بالقرب من هجرة قطابر» .
(33/161)

الشام، فلما استقر علاء الدين كشتغدى فى الخدمة المؤيدية نوه بذكره وشكره، وأثنى عليه، وذكر معرفته ونهضته، فاقتضى ذلك طلبه، فطلب طلبا حثيثا وأنفق عليه إلى حين وصوله من الذهب العين ألفى مثقال، ولما وصل فوّض إليه شادّ الاستيفاء، وحظى عند المؤيد وانبسطت يده فى الدواوين، والمذكور زوج ابنة الأمير علاء الدين كشتغدى، وتوجه المذكور فى السنة المذكورة إلى عدن وحمل منها ثلاثمائة ألف دينار، وعاد بها والمؤيد بالجند فأكرمه وعظمه.
وفى السنة المذكورة رتب الأمير علاء الدين كشتغدى الجيش اليمنى على قاعدة الجيوش المصرية، وجعل له حاجبا للميمنة، وحاجبا للميسرة، ورتّب خلف السلطان إذا ركب العصايب والجمدارية والطّبرداريّة [1] ، فركب المؤيد بهذا الزى/ (175) .
وفى سنة تسع عشر وسبعمائة فوض الملك المؤيد للأمير علاء/ الدين كشتغدى نيابة السلطنة وأتابكية العسكر، وتقدم عنده تقدما لم يسمع بمثله، وقرىء منشوره بأيوان الراحة، وكان يوما مشهودا، ووقع بينه وبين صهره صفى الدين منافسة ظاهرا، وباطنا، ثم كانت وفاة كشتغدى فى سنة عشرين وسبعمائة.
وفى سنة عشرين وسبعمائة حصلت مرافعات [2] من الكتاب على صفى الدين، وحاققه الكتّاب بمجلس الملك المؤيد، ونسبوا إليه أنه أخذ جملة من المال، ولم يظهر عليه أثر ذلك، فعزله المؤيد عن شد الاستيفاء، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد.
وفيها وصل القاضى محيى الدين يحيى بن القاضى سراج الدين عبد اللطيف التكريتى الكارمى من الديار المصرية على طريق مكة، واجتمع بالملك المؤيد، وقدم له جملة من الزّمرّد واللآلىء، وتقدم عنده تقدما كثيرا، وأحله محل
__________
[1] الطبردارية: اسم الواحد منهم طبردار، مركب من لفظين فارسيين هما: طبر- فأس- دار- ممسك. أى حملة الفأس حول السلطان حين ركوبه (صبح الأعشى 5/458) والمراد بالفأس هنا البلطة.
[2] مرافعات: شكاوى واتهامات. وفى مفاتيح العلوم ص 62 المرافعة، والمصادرة والمفارقة والمصالحة كلها متقاربة المعانى، وفى اللسان: فارقت فلانا من حسابى على كذا وكذا: إذا قطعت الأمر بينك وبينه على أمر وقع اتفاقكما عليه، وكذلك صادرته.
(33/162)

الوزارة، وفوض إليه الوكالة، وصرّفه فى عدن تصرفا عاما تاما مطلقا، وأعطاه من ماله- على حكم المتجر- مائة ألف دينار، وأطلق له من عدن خمسين ألف دينار، وتوجه إلى عدن، وعاد منها فى سنة إحدى وعشرين، وحصل بينه وبين صفى الدين مرافعات [1] بمجلس السلطان، ولم ينتصر أحدهما على الآخر، وركب السلطان ومحيى الدين فى يوم العيد فى موضع الوزارة، وركب بالطرحة على عادة وزراء مصر/ (176) .
ذكر وفاة الملك المؤيد هزبر [1] الدين داود
كانت وفاته رحمه الله تعالى فى نصف الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء مستهل ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وكان قد هم بالنزول من تعز إلى زبيد على عادته، فنزل قصر الشجرة، وحصل له وجع، فأقام بالقصر عشرة أيام، ومات وغسل بدار العدل أسفل الحصن، ودفن بمدرسته التى أنشأها [بمغربة [2] تعز] وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكان ملكا حازما فاضلا محبا للعلوم مقربا لأهلها يستميلهم إليه حيث كانوا، ويرغب فيهم، ويرغبهم فيما عنده، ويكرم من وفد عليه من الديار المصرية وغيرها، وكان محبا لجمع الكتب والتحف، جمع من مصنفات العالم على اختلافها وتباينها ما ينيف على مائة ألف مجلدة، وحملت إليه الكتب والتحف من كل جهة، وكان عنده مع ذلك زيادة على عشرة نساخ ينسخون الكتب، وترفع إلى خزانته بعد مقابلتها وتحريرها، رحمه الله تعالى.
وملك بعده ابنه سيف الاسلام.
__________
[1] أورد خبر وفاته مفصلا فى العقود اللؤلؤية (1/440) وترجمته فى الدرر الكامنة (2/99- 100) وفى أبى الفدا (4/93) أنه توفى بمرض ذات الجنب.
[2] زيادة عن الخزرجى (1/441) .
(33/163)

ذكر ملك الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر داود بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول وخلعه من الملك/ (177)
ملك بعد وفاة والده رحمه الله تعالى، وعمره يوم ذاك خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، فإن مولده فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وسبعمائة.
وكان سبب ملكه أنه لما مات والده نزل الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد- وكان الملك المؤيد قد فوض إليه الأستادارية والأتابكية، ونيابة السلطنة- فتوجه إلى الشجرة حفظا للجهات السلطانية، ومعه جماعة من العسكر وأعيان الأمراء، وثبت ثباتا حسنا فى تلك الليلة وحفظ نظام السلطنة، وضرب بركا على الشجرة [1] . وكان الملك المجاهد عصر تلك الليلة قد تقدم إلى الحصن ودخله، فكاتب الأمراء والأعيان، ورغبهم فرغبوا إليه، وصعدوا إلى خدمته، وتم له نظام السلطنة، فلما استقر فى الملك عزل الأمير جمال الدين، وفوض النيابة والأتابكية إلى الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور، وكان شاد الدواوين، وكتب له منشور وقرىء فى دار الضيف، وفى ذلك اليوم عقد لولدى أخيه المفضل والفائز الألوية، ورفع لهما الطبلخاناة، وقرىء منشور شجاع الدين بحضورهما، فتغيرت قلوب الأمراء والجند من تلك الساعة، وحصل بينه وبين ابن عمه الملك الناصر مراسلة اقتضت أيمانا وعهودا، فأرسل إليه من جهته الطواشى صلاح الدين، والفقيه وجيه الدين عبد الرحمن معلمه، فحلف الناصر اليمن المغلظة.
ولما تمكن شجاع الدين من الملك المجاهد، حسن له أشياء منها أن يقبض على/ (178) الناصر، وسعى شجاع الدين فى خلاص المعتقلين بمعقل الدملوة، وكان فيه الأميران نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر المظفرى، وشمس الدين الطّنبا [2] أمير جندار والشريفان داود وأخوه، ولدا الشريف قاسم بن
__________
[1] يريد قصر دار الشجرة الذى مات به الملك المؤيد، وعبارة الخزرجى (1/440) وضرب أركا على الشجرة إلى آخر الليل، وفى: (بهجة الزمن) ص 285 (ط. الحبشى) «يزكا» وقال محققه: اليزك: (الطّلاع من العسكر أو حراس الليل) ، واللفظة فارسية، ومنها «يسك» العامية المستعملة فى صنعاء.
[2] هكذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (2/2) «شمس الدين أطينا» أمير خازندار الخليفة.
(33/164)

حمزة، ونجم الدين أحمد بن أيدمر الخزندار الفارس المظفرى، وكانت لهم مدة طويلة، ومنها أن يغير مماليك أبيه، ويستجد له عسكرا، وكان هو والفقيه عبد الرحمن [1] مدبرى دولته، وفوض قضاء الأقضية للفقيه عبد الرحمن المذكور، فأرسل شجاع الدين جماعة رايتهم/ الشيخ عيسى بن الحريرى [2] ناظر المخلاف، وبدر الدين محمد بن الصليحى، والشيخ أحمد بن عمران رأس مذحج، للقبض على الناصر، فلما علم بذلك لجأ إلى تربة الفقيه عمر بن سعيد بذى عقيب من أعمال جبلة، فأحاطوا به، وأخذوه من التربة، ودخلوا به تعز، ثم نقل إلى عدن.
ونزل الملك المجاهد من الحصن فى ثالث المحرم إلى الشجرة، فلبث بها إلى مستهل شهر ربيع الأول، ثم تقدم إلى الجند فلبث بها أياما، ثم توجه إلى الدّملوة، فدخلها وخرج منها، ولم يعط أحدا مما جرت به العادة إلا قليلا ممن يختص به، ومنع الملوك من الدخول إلى المنصورة، فتغيرت قلوب الناس عليه، ولما نزل من الدملوة توجه إلى ثعبات، وعزم على أخذ حصن السمدان من عمه الملك المنصور.
فلما علم الأمراء البحرية وأكابر الدولة ما أضمره شجاع الدين لهم، بادر جماعة/ (179) منهم فى النصف الأخير من جمادى الآخرة، فقتلوا شجاع الدين المذكور فى داره بالمحاريب هو وقاضيه الفقيه عبد الرحمن، ثم قبضوا على الملك المجاهد وهو بثعبات، ونهبت تلك الليلة دور كثيرة بالمغربة [3] والمحاريب.
ذكر ملك الملك المنصور زند [4] الدين أيوب بن الملك المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول، وخلعه
قال: ولما قبض الأمراء والعسكر على الملك المجاهد بادروا إلى عمه الملك المنصور وملّكوه، وحلفوا له، وصعد إلى الحصن، وبذل الأموال، وأنفق
__________
[1] ذكر الخزرجى (2/3) اسمه «عبد الرحمن الظفارى» وكان المجاهد قد جعله فى منصب قاضى القضاة.
[2] فى أص 178 حريرى من غير أل.
[3] فى الخزرجى (2/3) (المغربة والمجاذيب) والمثبت من بهجة الزمن ص 288 (ط. الحبشى) .
[4] لم يذكر الخزرجى هذا اللقب فى اسم الملك المنصور، ويورده دائما «الملك المنصور أيوب» .
(33/165)

فى العساكر وصرف فى مدة سلطنته سبعمائة ألف دينار خارجا عن التشاريف، وكاتبه الأشراف، وهنئوه، فبعث إلى كل شريف منهم ما جرت العادة به، وفوض نيابة السلطنة إلى الأمير شجاع الدين عمر بن علاء [1] [الشهابى] فأقام أياما، ثم حصل بينه وبين الأمراء البحرية منافرة أوجبت أن استبدل به الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب [بن [2] الجواد] المقدم ذكره، وفوض إليه أمر بابه بكماله.
قال: وفى ليلة جلوس الملك المنصور أرسل إلى الملك الناصر جلال الدين ابن أخيه الملك الأشرف يطالبه، فلما وصل إلى الجند تلقاه بالطبلخاناة، وأقطعه المهجم، وعقد أيضا للأمير بدر الدين حسن بن الأسد الألوية، ورفع له/ (180) الطبلخاناة وأقطعه صعدة وما والاها، وعقد للأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر الألوية، ورفع له الطبلخاناة، وأقطعة حرض، وعقد لولديه الملك الكامل تامور الدين، والملك الواثق شمس الدين الألوية، ورفع لهما الطبلخاناة وعين لهما الإقطاعات، وأرسل ولده الملك الظاهر أسد الدين عبد الله إلى حصنى الدملوة والمنصورة، وفى خدمته الشيخ افتخار الدين ياقوت العزيزى [3] فتسلم الحصنين.
ذكر عود الملك المجاهد إلى الملك والقبض على عمه الملك المنصور ووفاته
وكان الملك المنصور لما ملك أبقى على حاشية أخيه الملك المؤيد، ولم يغير أحدا منهم، وكان منهم من يميل إلى الملك المجاهد ولد مخدومهم، فتقدم بعض غلمان المجاهد إلى بلاد العريبين، واتفق هو وجماعة منهم مقدمهم بشر الذهابى [4] ، وكانوا عاملوا شخصا يقال له صالح ابن القواس [5] على طلوع الحصن من ورائه باتفاق جماعة من عبيد الشراب
__________
[1] زيادة من الخزرجى (2/4) .
[2] زيادة من الخزرجى (2/4) وفيه أنه كان يلقب بالخصى.
[3] فى الخزرجى (2/4) التعزى.
[4] فى ك الهمدانى، وفى أالذهابى ومثله فى الخزرجى (2/4) وبهجة الزمن ص 289 (ط. الحبشى) .
[5] فى أ، ك تقرأ: «القواس» أو «القواس» وفى الخزرجى (2/5) الفوارس.
(33/166)

خاناة وكانوا مؤيديه، فوصل العرب إلى المكان الذى تقرر طلوعهم منه، وكان بينهم وبين العبيد إشارة، فلما علم العبيد بهم أرسلوا لهم الحبال التى أعدوها للطلوع، فطلع الحصن أربعون رجلا، وباتوا تلك الليلة فى الشراب خاناة، وهى الليلة السادسة من شهر رمضان، فلما نزل الطواشى شهاب الدين/ (181) موفق الخادم بمفاتيح أبواب الحصن خرجوا عليه فضربوه بالسيوف وأخذوا منه المفاتيح، ودخلوا على الملك المنصور، وطلع العرب بظاهر البيوت، ونادوا باسم المجاهد، فترامى العرب المنصورية من الحصن، وقاتل شمس الدين الطّنبا والى الحصن قتالا عظيما، فقتل.
ولما علم الناصر بهذه الحادثة ركب فى جماعة من العسكر إلى أسفل الحصن، فلم يتهيأ لهم ما أرادوا، وقام سواد البلد على الناصر، ونادوا بشعار المجاهد، وحمل الناس إلى المجاهد بالحبال، وملك الحصن ثانيا، واستولى على ما فيه، وقبض على عمه المنصور، فلم يزل فى اعتقاله إلى أن مات فى المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ودفن بمدرسة أبيه المظفّر.
ولما ملك المجاهد ثانيا حلف لمماليك أبيه، وكتب لهم ذرّاعة [1] بالأمان والوفاء، وجمع ملوك بنى رسول كلهم عنده تحت الاحتياط ما خلا ولدى الواثق، فإنه لم يعثر عليهما، واستناب فى السلطنة الأمير جمال الدين نور، وكان شديد الكراهية له، وطلب من عمه الملك المنصور أن يكتب إلى ولده الملك الظاهر بتسليم الدملوة، فكتب إليه كتابا شافيا، فامتنع الظاهر من/ تسليمها، فأرسل إليه عسكرا مقدمه الأمير شجاع الدين عمر بن علاء الدين والشيخ أحمد بن عمران الغياتى [2] ، والشيخ عمران بن أبى بكر المغلسى [3] ، فخامر [4] جماعة من الأشعوب على الظاهر مقدمهم، ومكنوا عسكر المجاهد من طريق يفضى بهم إلى الصلىّ [5] ، وحاصروا/ (182) حصن المنصورة،
__________
[1] فى بهجة الزمن ص 289 «ذمامة» .
[2] هكذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (2/6) العبابى.
[3] هكذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (2/6) الشيخ عمر بن أبى بكر العنسى وورد فى (2/30) « ... وكان طريقه على بلاد المغلسى» وفى بهجة الزمن ص 290 «العيانى» .
[4] فى أص 181 «جامر» وما أثبتناه من ك، والخزرجى (2/6) والذى فى اللغة «المخامرة: المقاربة والمخالطة والاستتار» .
[5] الضبط من: (مراصد الاطلاع 2/851) وفسره بأنه ناحية قرب زبيد باليمن، وفى بهجة الزمن ص 290 «الصلو» وفى هامشه «انه جبل فى بلاد المعافر» .
(33/167)

وحصل بينهم وبين عسكر الظاهر زحوف كثيرة، ولم ينالوا من الحصن شيئا، فرجعوا وتركوا أكثر أثقالهم وخيامهم، فخرج أصحاب الظاهر من المنصورة، فانتهبوا ذلك.
وفى آخر سنة اثنتين وعشرين اختل أمر المخلاف، وخرج عن السلطنة، وثار به مشايخ العربان والقبائل، وملكوا أملاك الملوك، ونهبوا جبلة، وأخذوا جميع ما فيها حتى حصر المسجد الجامع، وخالف بنو فيروز وعسكر الدروب، واتسعت دائرة الخلاف.
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة التحق جماعة من الجند إلى الملك الظاهر، وجماعة من عرب ذمار، فأكرمهم، وصاروا يغيرون على أطراف بلاد الملك المجاهد، وسار جماعة من المماليك إليه، ووصل إليه الأمير غياث الدين محمد بن يحيى بن منصور الشبابى [1] ، فأكرمه، وكاتب الأمير بدر الدين حسن بن الأسد والى ذمار، فأجابه، وكان فى جملة المماليك البحرية جماعة يكاتبون الظاهر، ويميلون إليه، منهم،: الأمير عز الدين أيبك الدوادار المؤيدى فجيش الأمير بدر الدين حسن ابن الأسد، وجمع وحشد، ودخل إلى الجند قاصدا حصار تعز، وأمده الظاهر بأموال جمة من الذهب والفضة، فخرج إليه العسكر المجاهدى، ومقدمهم إبراهيم بن شكر، وكان قد نزل إلى المجاهد من بلاده لما عاد الملك إليه، ومعهم الفائز قطب الدين بن أخى المجاهد، فلما تراءى الجمعان/ (183) نكس جماعة من المماليك والجند رماحهم، والتحقوا بعسكر الظاهر، وصار العسكر بكماله ظاهريا، وعاد الفائز من ليلته بمساعدة إبراهيم بن شكر، وحصل بين ابن شكر وبين الأمير بدر الدين حسن بن الأسد أيمان وعهود [2] ، وأجمع العسكر على دخول تعز، ولاقاهم الأمير غياث الدين بن الشبابى [1] من ناحية الدملوة، وضربت الخيام بمزارع عدنية، وأقامت المحطة سبعة أيام، وكان أهل تعز فى أشد ما يكون من التعب من قوة الحصار، ثم التحق جماعة من العسكر بالمجاهد، فارتفعت المحطة.
__________
[1] كذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (2/11) «الغياث بن الشيبانى» .
[2] فى الخزرجى (2/11) ورجع ابن شكر إلى تعز على موادعة بينه وبين ابن الأسد.
(33/168)

ثم اضطربت أحوال المجاهد واختلفت آراء من حوله، فأشار عليه بعض من عنده- ويقال إنه ابن شكر- بالقبض على الأمراء البحرية والمماليك، وكان المحرض له عبد الرحمن المعروف بابن العنقاء، وهجموا عليهم سحرا، فنجا بعضهم، وقبض على جماعة كثيرة، ونهبت منازلهم، وشنق بعضهم، والتحق من هرب بالظاهر وانضموا إليه، فلما تحقق نفورهم عن المجاهد، ووثق بمناصحتهم، وكان منهم الأمير بهاء الدين بهادر الصقرى، أرسلهم الظاهر إلى الخوخية [1] ، وكان للظاهر بها محطة تبلغ مائتى فارس، وكانوا بين إقدام وإحجام، فلما انتهوا إليهم، وكان الحاث لهم على النزول، والمتدرك لهم بالبلاد بهادر الصقرى فنزلوا [إلى تهامة، ودخلوا السلامة، وتوجهوا إلى حيس، ثم توجهوا [2]] إلى زبيد، فلما صاروا بالقرتب [3] اختلفت آراؤهم، فهم جماعة منهم/ (184) بالتوجه إلى جهة أخرى، وهمّ آخرون بالرجوع إلى الظاهر، ثم جمعهم الصقرى، وثبتهم، وتوجه هو وجماعة من المماليك إلى زبيد، وكان بها الأمير بدر الدين محمد بن طرنطاى، وأمر البلد إليه، فكاتبه الصقرى، فلم يعد إليه جوابا، وأصر على حفظ البلد.
وكان أهل زبيد يرغبون فى الصقرى، ويميلون إليه لتقدم ولايته عليهم فى الأيام المؤيدية، ووقع بين أهل زبيد اختلاف على قتيل، فخرج جماعة من عوارين [4] البلد إلى الصقرى والعسكر بكماله قد نزل بستان الراحة بباب الشبارق، فتكفلوا للعسكر أنهم يطلعون رجالهم بالحبال، فبادر عسكر الظاهر إلى ذلك ودخلوا البلد فى مستهل شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وقت الظهر، ونهبت بيوت مخصوصة منسوبة إلى المجاهد: كدور بنى النقاش، ومن والاهم، وكان بها جملة من الطعام، وظفر الصقرى بآلات وتحف للمجاهد منها:
__________
[1] فى الخزرجى (2/12) «ساروا إلى قرية الخوخية» .
[2] ما بين الحاصرتين سقط من ك، وأثبتناه من أص 183، والخزرجى (2/12) وعبارته: «فنزلوا إلى تهامة، ودخلوا قرية السلامة» .
[3] هكذا فى أ، ك، وفى الخزرجى (2/13) القرتب، وفى (مراصد الاطلاع 3/1075) القرتب- بضم القاف والتاء وسكون الراء-: من قرى وادى زبيد.
[4] هكذا فى ك، وفى أص 184 «الغوارين» بالغين المعجمة، وكلاهما غير واضح المعنى، وقد وردت فى الخزرجى (2/27 فى سياق يفهم منه أنهم جماعة يستعين بهم من أراد نصرتهم لقاء مال، ويعرفون بالقوة والفتك. وفى ص 42 ذكر أن المجاهد استأصلهم وقبض على شيخهم أحمد الأسد فى جمادى الآخرة سنة 726 هـ
(33/169)

حياصتان مرصعتان بالجواهر النفسية، وكانت للملك المؤيد، وسر موزه مرصّعة بالجوهر يقال أنها كانت لبنت جوزا، أخذها المجاهد من الدملوه حال طلوعه، فأحضرها الصقرى إلى الظاهر، واستولى الظاهر على زبيد والبلاد التهامية.
وقامت دعوته بها، وضربت السّكّة باسمه، وخطب له فى التهايم كلها، وسكن عسكر الظاهر بكماله زبيد.
ولما اتصل ذلك بالمجاهد جهز عسكره، وقدم عليهم الأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر:/ (185) وابن العماد، والزعيم بن الافتخار، وكانوا يزيدون على ثلاثمائة فارس، وأربعمائة راجل، ومقدم الرجّالة أخو الورد بن الشبيلى، ولما دخلوا إلى السلامة [1] نهبوا أكثر بيوتها، وساروا إلى جهة زبيد، فخرج إليهم جماعة من العسكر وأقام الصقرى بالبلد، فالتقوا بالمنصورة، فانهزم عسكر المجاهد، وقتل منهم خلق كثير، وأخذ العلم والحمل الذى كان مع ابن أزدمر وأسروه، ودخل رديفا خلف الشريف صارم الدين داود بن قاسم بن حمزة، وقتل أخو الورد بن الشبيلى [2] ، وابن العماد، وتفرق العسكر، واستأمن منهم جماعة، وقوى الظاهر بذلك.
/ وكانت عدن بيد الملك المجاهد، وواليها ابن النقاش، فوقع بينه وبين الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان العلمى [3] منافرة، فكتب إلى المجاهد يشكو منه، فظفر بعض غلمان الظاهر بإنسان وصل من عدن [4] ومعه كتب فقتله، وأخذ كتبه، وأحضرها إلى الظاهر، فوجد فى جملتها جوابا لابن النقاش، وفيه فصول تتعلق بالأمير شجاع الدين المذكور وإخوته لا ترضى، وكان قبل ذلك قد توجه شجاع الدين إلى المجاهد بمال، وصحبته جماعة من الجحافل، فلم يقابلهم المجاهد بما جرت به العادة، فنفروا، ونفر شجاع الدين معهم، وانضم إلى ذلك أن المجاهد طلب من شجاع الدين أن يقرضه سبعين ألف دينار فرفض فزاد نفوره مع مشاحنة ابن النقاش.
فلما وقف/ (186) الظاهر على الكتاب أرسل به إلى الأمير شجاع الدين، فلما وقف عليه أعلن أنه ظاهرى، وتوجه من ساعته، وحاصر عدن،
__________
[1] السلامة: من قرى تهامة.
[2] فى بهجة الزمن ص 294 «السبئى» ظنا وفى العقود «السنبلى» .
[3] فى ك المعملى، والاسم المثبت من أص 185، وفى الخزرجى (2/19) «عمر بن تاليال العلمى الدويدار» .
[4] فى بهجة الزمن ص 294 «من تعز» .
(33/170)

فأقام عليها عشرين ليلة، ثم افتتحها فى الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة برجال أدخلهم، وتحيّلوا على فتح الباب، ودخلوا البلد دخولا صعبا، نهبت فيه أكثر البيوت الخصوصية، وعاث الجحافل فى البلد، وقبضوا على ابن النقاش، ونهبوا داره، واستقر الثغر للأمير نجم الدين يوسف ابن على الصليحى، وهو رجل شهم من بيت الزعامة والرئاسة، واستقرت المملكة كلها بيد الظاهر ونوابه، ولم يبق مع الملك المجاهد غير حصن تعز، وهو يبذل لأهل صبر [1] فى كل شهر جملة من المال، خوفا منهم أن يقطعوا عنه الماء ويحاصروه.
وفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة ثار الزعيم ابن الافتخار ببلاد المحالب، وتوجه إليه البحرية من قبل الظاهر، وكسروه كسرة شنيعة، وقتلوا من أصحابه جماعة.
وفى السنة المذكورة عقد الظاهر للأمير بهاء الدين بهادر الصقرى الألوية ورفعت إليه الطبلخاناة، ودخل زبيد دخولا لم يعهد مثله، وعامله الظاهر بأتم إحسان، وهو مع ذلك «يسرّ حسوا فى ارتغاء [2] » وفى السنة المذكورة خالف أهل صبر على المجاهد، وقطعوا المياه عنه، وضعف حاله، وشعث أهل المغربة وعدنية بين أهل صبر والمجاهد/ (187) فجهز الظاهر الأمراء البحرية ومقدمهم الأمير نجم الدين محمد بن طرنطاى، ووافاه الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان الدوادار العلمى من عدن، فحطوا على الحصن وحاصروه.
وكان غياث الدين بن بوز [3] من خواص أصحاب المجاهد قد فوض إليه أمر أستاذ داريته، وأتابكية عسكره، فلما حوصر المجاهد استأذنه غياث الدين
__________
[1] صبر- بفتح أوله وكسر ثانيه-: جبل شامخ عظيم مطل على قلعة تعز فيه عدة حصون وقرى، وبه قلعة تسمى صبر أيضا (مراصد الاطلاع 2/832) .
[2] مثل يضرب فيمن يظهر طلب القليل وهو يسر أخذ الكثير، وانظر مجمع الأمثال 2/312 ط. بولاق، ولسان العرب مادة: ر غ و.
[3] هكذا فى ك، وفى أص 187 غير منقوط، وفى الخزرجى (2/19) وكان الغياث بن نور مع السلطان فى الحصن» .
(33/171)

فى اللحاق بهم، وقال: إنه إذا وصل إليهم تحيّل على استمالتهم إليه، فإن مالوا إليه، وإلا تحيل أن يسقى ابن الدوادار السم، فأذن له: فلما التحق بهم قالوا له: لا نقبلك ونتحقق نصحك إلا إذا نصبت المنجنيق على تعز، ورميتها به، وبالغت بالنصيحة للملك الظاهر، فراسل المجاهد فى ذلك، وقال له: إنهم لا يرضون منى إلا أن أرميك بالمنجنيق [1] ، فأذن له فى ذلك، فنصب عليه المنجنيق ورموه بها، وأزالوا ما بتعز من المناظر والمنازل.
قال القاضى تاج الدين: فأخبرنى المحقق للحال، أن الذى وصل إلى الحصن من الحجارة المنحوتة أربعة آلاف حجر، وحصل قتل كثير، وخربت تعز خرابا لا يتدارك، وخلت أكثر بيوتها، واستمر الحصار إلى ذى الحجة سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
ولما اشتد الحصار على المجاهد، ورأى تألّب الناس عليه، وخروج البلاد عنه، راسل السلطان الملك الناصر [2] فى ذلك، واستغاث به، وتضرع إلى مراحمه، والتزم تحمل الأموال، والتحف والنفقة فى العساكر، فوصلت رسله إلى الأبواب السلطانية/ (188) وذلك فى سنة خمس وعشرين كما تقدم، فكان من تجهيز العساكر المصرية ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: واتفق أن الأشراف كانوا قد استولوا على صنعاء بعد وفاة الملك المؤيد عند ما وقع الاختلاف بين الملكين باليمن، فلما علموا أن الصقرى ومن معه من المماليك استولوا على زبيد وبلاد تهامة، وأنهم مظهرون الطاعة للملك الظاهر بن الملك المنصور، مخالفون على المجاهد، وأنهم استقلوا بأموال البلاد لا يحملون منها إلى الظاهر شيئا، تحرك الأشراف عند ذلك، ونزلوا فى جمع كبير يقال إن عدتهم كانت خمسمائة فارس وكثير من الرجال، وراسلوا الأمير بهاء الدين بهادر الصقرى أن يعطيهم نصف بلاد تهامة، فقال: لا جواب لكم عندنا إلا السيف، فوقعت الحرب [3] بينهم على وادى سهام من عمل الكدراء،
__________
[1] المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة، فارسيتها من جه نيك- وانظر (الألفاظ الفارسية المعربة ص 146) ويقال فيه المنجنيق والمنجنوق (ج) مجانق ومجانيق (شفاء الغليل 207) .
[2] يعنى الناصر «محمد بن قلاوون الصالحى» وهذا الخبر أورده ابن تغرى بردى فى (النجوم الزاهرة 9/84) وأبو الفدا (4/94) وابن خلدون (5/434) والمقريزى (السلوك 2/264) .
[3] أورد الخزرجى هذه الوقعة، وذكر أنها تعرف بيوم جاحف، نسبة إلى الوادى الذى وقعت فيه، وأورده بعبارة مبسوطة عما ذكره النويرى هنا (العقود اللؤلؤية 2/22 وما بعدها) .
(33/172)

فكانت الدائرة على المماليك، وأسر الأشراف جماعة من أعيانهم، فعند ذلك اضطربت المحطة [1] الذين كانوا يحاصرون المجاهد بتعز، وفارقوا الحصار، وتوجهوا لإنجاد أصحابهم، وأظهر الأشراف عند ذلك الانتصار للمجاهد.
وكان الحامل لهم على ذلك ولدا المظفر أخى المجاهد، وهما: الملك المفضّل شمس الدين يوسف، والملك الفائز قطب الدين أبو بكر، فإنهما التمسا من الأشراف نصرة عمهما الملك المجاهد.
ولما حصل من الأشراف ما حصل رجع المماليك البحرية- الصقرى وغيره، وغياث [2] بن نور- إلى خدمة الملك المجاهد، ورجعت زبيد وتهامة إليه.
/ (189) هذا ما أورده المولى تاج الدين فى تاريخه، وبعضه شافهنى به، فلنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة، وما بعدها.
/ ذكر تجريد طائفة من العساكر المنصورة إلى البلاد اليمنية وما كان من خبرها إلى أن عادت [3]
قد ذكرنا وصول رسل [4] الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية يستغيث به، ويستنجده لتفريج ما به من الكرب، وإعادة ما أخذ من بلاده إليه، فبرزت المراسيم الشريفة السلطانية فى يوم الاثنين الخامس من صفر سنة خمس وعشرين وسبعمائة بتجريد طائفة من العساكر المنصورة لإنجاده، فجرّد لذلك من نذكر من الأمراء والمماليك السلطانية، ورجال الحلقة، وأجناد الأمراء، وهم:
__________
[1] المحطة فى استعمال المؤلف يراد بها الجماعة المرابطة فى مكان ما للغارة أو للحصار.
[2] فى الخزرجى (2/23) «الغياث بن نور» وعبارته: «.. فلما ارتفعت المحطة عن تعز رجع جماعة إلى السلطان منهم الغياث بن نور، فقابله السلطان بالقبول» .
[3] ما أورده النويرى من أخبار هذه الحملة لا نجده عند غيره على هذا النحو من التفصيل.
[4] فى النجوم (9/84) أن رسل المجاهد كان على رأسهم كافور الشبلى خادم الملك، وفى السلوك (2/265) «كافور الشبيلى» .
(33/173)

الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، كان وهو مقدّم العسكر، وصحبته من طلبة خمسين [خمسون [1]] فارسا، ومن المماليك السلطانية سبعة عشر فارسا ومن الأجناد والأمراء ثلاث وسبعين فارسا، ومضافيه ومن أمراء الطبلخاناة خمسة وهم:/ (190) الأمير سيف الدين أقول الحاجب، وصحبته اثنين [2] وخمسين فارسا من طلبة عشرين، ومن المماليك السلطانية عشر، ومن أجناد الأمراء اثنين وعشرين.
والأمير سيف الدين قجماز بنخاص [3] وصحبة ثمانية وأربعين فارسا من طلبه عشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر، والأمير سيف الدين بلبان الصرّخدى، وصحبة ثلاثة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر.
والأمير سيف الدين بكتمر العلائى أستاذ [4] الدار، كان، وصحبة خمسة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء عشرين.
والأمير سيف الدين ألجاى الساقى الناصرى، وصحبته ثلاثة وخمسون فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر. ومن أمراء العشرات الأمير عز الدين أيدمر الكوندكى، وثلاثة من أصحابه.
والأمير شمس الدين إبراهيم التّركمانى كذلك، ومن مقدمى الحلقة المنصورة خمسة، وهم: سيف الدين ككتمر بن كراى الظاهرى، ومضافية ثلاثين فارسا. علاء الدين على بن أميرك الدّوادار، ومن مضافية ثلاثة وثلاثين. عز الدين
__________
[1] زيادة من «أ» ص 189.
[2] كذا فى الأصلين والصواب اثنان وكذلك ما بعده فى هذا السرد، ويمكن تصويبه على الإضافة «ومن صحبة كذا..» .
[3] فى أ، ك غير منقوط، وفى الدرر (1/472) رجح بنخاص فى الحاشية. وفى السلوك (2/260) قجمار الجوكندار ومعرف باسم بشاش.
[4] فى السلوك (2/260) أستادار، وفى صبح الأعشى (5/457) الإستدار- بكسر الهمزة وتشديد الدال، قال ومعناه: متولى الأخذ، سمى بذلك لأنه يتولى قبض المال وخطأ القلقشندى من يقوله أستادار أو أستاذ الدار.
(33/174)

أيدمر الحسامى، ومن مضافية اثنين وثلاثين، بهاء الدين بكمش [1] الحسامى ومضافية كذلك، عز الدين أزدمر السيفى [2] ، ومن/ (191) مضافية تسعة وعشرين. هذه التقدمة الأولى، والتقدمة الثانية: الأمير سيف الدين طينال حاجب الميسرة، وهو أحد مقدّمى الألوف، وصحبته من طلبة أربعين فارسا، من المماليك السلطانية، خمسة عشر فارسا، ومن أجناد الأمراء اثنين وأربعين فارسا، ومضافيه من أمراء الطبلخاناة خمسة، وهم: الأمير سيف الدين [3] ططقر العفيفى الناصرى وصحبة أربعة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية تسعة نفر، ومن أجناد الأمراء عشرين، والأمير سيف الدين كوكاى طاز وصحبة تسعة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية تسعة، ومن أجناد الأمراء عشرين فارسا، والأمير علاء الدين على ابن الأمير سيف الدين طغريل الإتقانى [4] وصحبته كذلك، والأمير عز الدين أيبك الكوندكى، وصحبة ستة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية ثمانية، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر، والأمير سيف الدين جرباش [5] أمير علم، وصحبة أحد وأربعين فارسا من طلبة خمسة عشر، ومن المماليك السلطانية تسعة، ومن أجناد الأمراء سبعة عشر، ومن أمراء العشرات: الأمير سيف الدين بلبان الدّوادارى، وثلاثة من أصحابه، والأمير حسام الدين طرنطاى الإسماعيلى كذلك.
/ (192) ومن مقدّمى الحلقة المنصورة خمسة، وهم: سيف الدين سوندك الجاشنكير، ومن مضافية ثلاثين فارسا بدر الدين بيليك أمير آخور، ومن مضافية تسعة وعشرين: سيف الدين طاجار الفخرى، ومن مضافيه كذلك شمس الدين سنقر الشمسى، ومن مضافية ثمانية وعشرين سيف الدين أسندمر السّيفى، ومن مضافية كذلك.
__________
[1] لم أجده ولعله تحريف بكتمش.
[2] هو أزدمر الكاشف الأعمى، وقد ولى- بعد عودته من اليمن- البهنسا، ثم تولى الكشف بالوجه القبلى، ثم البحرى، وعمى سنة 742 هـ (الدرر الكامنة 1/355) .
[3] فى السلوك (2/260) ططر الناصرى، وفى النجوم 9/78 ططقرا من غير ضبط.
[4] فى «أ» و «ك» ، وكذلك فى السلوك 2/260، الايغانى، والمثبت من (الدرر 2/222) وورد اسم والده فيه طغريل الأتقانى من مماليك اتقان الملقب بسم الموت. وترجمته فى الدرر (3/56) .
[5] فى ك (جربابين) وهو تحريف وما أثبتناه من أص 191 والسلوك (2/260) . والنجوم 9/78 وضبط فيه كما أثبتناه.
(33/175)

فكانت عدة هذا العسكر ألف فارس وخمسة وسبعين فارسا، ومن أمراء الطّبلخاناة اثنى عشرة، عدتهم ثلاثمائة، وخمسة من أمراء العشرات ممن عدتهم ستة عشر، ومن المماليك السلطانية مائة وستة وعشرين، ومن مقدمى الحلقة المنصورة ومضافيهم ثلاثمائة ومن أجناد الأمراء ثلاثمائة وستة [1] ، فتجهز هذا العسكر أحسن جهاز وأجمله، وجهز السلطان- خلد الله ملكه- معهم خزانة مال، ورسم/ لمقدم الجيش الأمير ركن الدين المذكور [أن ينفق [2] المال] لمن نفق له فرس، أو تنبّل [3] له جمل، وجهز صحبة المقدم المذكور عدة تشاريف لملك [4] اليمن، وأمراء الحجاز، وغيرهم من العربان.
قال: وكان بروز هذا العسكر من القاهرة المحروسة فى يوم الخميس خامس شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ورحل أوائل العسكر من بركة الجب بظاهر القاهرة المحروسة فى يوم الاثنين التاسع [5] من الشهر، وتكامل رحيله فى يوم الأربعاء حادى عشر، واستمر بهم السير إلى أن وصلوا إلى/ (193) مكة- شرفها الله تعالى- معتمرين فى السادس والعشرين من جمادى الأولى، وأقاموا بمكة عشرة أيام، وكتب الأمير ركن الدين مقدم العسكر الأمانات، وسيرها أمامه إلى العربان، وإلى أهل حلى بن يعقوب [6] ، وإلى الأشراف بالمخلاف السليمانى، وضمنها ما برزت به الأوامر السلطانية من الوصية بمن تمرّ العساكر عليه منهم، وعدم التعرض إلى أموالهم وغلالهم، والإحسان إليهم، فاستقرت خواطرهم بذلك، ولم ينفروا من العسكر.
__________
[1] فى الخزرجى (العقود 2/32) «أنهم كانوا ألفى فارس، وألف راحلة. فيهم أربعة أمراء، والمعوّل على أميرين منهم، وهما: سيف الدين (ركن الدين) بيبرس، وجمال الدين طيلان (طينال) وكان معهم اثنان وعشرون ألف جمل، تحمل عددهم وأزوادهم..» .
[2] ما بين الحاصرتين سقط من ك، والزيادة من أص 192.
[3] يقال: تنبل البعير، والرجل: مات. (تاج العروس: ن ب ل) .
[4] فى أص 192 «لملكى اليمن» .
[5] فى السلوك (2/261) «.. وبرزوا من القاهرة إلى بركة الحاج يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر» .
[6] فى تاج العروس (ح ل ى) حلى بنى يعقوب، وفى (أحسن التقاسيم) 86 حلى: مدينة ساحلية عامرة، وفى مراصد الاطلاع 1/421 أن بينها وبين السرين يوم واحد وبينها وبين مكة ثمانية أيام.
(33/176)

وحضر الرسل إلى مقدم العسكر وهو بمكة، وسألوه أن يكتب إلى الملك المجاهد كتابا يخبره فيه بوصول العسكر، فكتب إليه، وجهز الكتاب على يد بعض رفقتهم إليه فى البحر، ورحل العسكر من مكة- شرفها الله تعالى- فى السادس من جمادى الآخرة، وفى صحبته الأمير السيد الشريف سيف الدين عطيفة [1] أمير مكة، والأمير الشريف ناصر الدين عقيل أمير ينبع، وتأخر الأمير عز الدين رميثة [2] عن الحضور، حتى حلف له مقدم العسكر وأمنه، فلحق بالعسكر المنصور فى الخامس والعشرين من الشهر فى أثناء الطريق، ووصل العسكر إلى حلى ابن يعقوب فى سادس عشر الشهر، وأقام العسكر به يومين للراحة والاستراحة، ورحل فى تاسع عشر الشهر، ونزل جعل، وتعرف بعمق وهو أول بلاد اليمن، ووصل إلى حرض فى التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، وهى أول بلد يجبى خراجه لملك [3] اليمن، وهى/ (194) خاص الملك، وعند الوصول إليها أشهر مقدم العسكر النداء بالعدل، وألا يتعرض أحد للرعية، ورحل منها ووصل إلى المحالب فى ثالث شهر رجب.
ووصل جواب الملك المجاهد إلى مقدم العسكر بهذه المنزلة، وظهر من فحوى جوابه ما دل على أنه سقط فى يده، وندم على طلب العسكر، وخاف على نفسه، فأعيد جوابه صحبة جمال الدين عبد الله الدوادارى البريدى بما يسكّن خاطره، ويطيّب نفسه، وكان الحصار قد ارتفع عن الملك المجاهد لما بلغهم إقبال العسكر، وأطاعه جماعة ممن كان خالفه، وخرج عليه كما تقدم، وقبض المجاهد عند ذلك على ابن عمه جلال الدين بن الملك الأشرف وابن طرنطاى وحضر إلى مدينة زبيد، ليتلقى العسكر، فلما قرب العسكر من زبيد قويت إشاعة أن الملك المجاهد عزم على ألا يتلقى العسكر، وأن يعود إلى تعز، ووصل العسكر إلى بلد تسمى فشال [4] فى ثامن رجب، فأرسل مقدم العسكر
__________
[1] عطيفة بن محمد بن حسن بن على بن قتادة بن إدريس الحسنى أمير مكة ترجمته فى الدرر (2/455) .
[2] الضبط من الدرر (2/111) وترجمته واردة فيه، وفاته سنة 748 هـ.
[3] فى «أ» ص 193 لمتملك.
[4] فشال- بفتح أوله- قرية كبيرة بينها وبين زبيد نصف يوم على وادى رمع، وهى أم قرى الوادى المذكور (مراصد الاطلاع 3/1037) .
(33/177)

إلى المجاهد ملطّفا كان على يده من جهة السلطان يخبره فيه بما رسم فيه باطنا وأرسله على يد الأميرين: عز الدين أيدمر [1] الكوندكى، وحسام الدين طرنطاى الإسماعيلى، وهما من أمراء العشرات، فتوجها إليه، وعرفاه أن يقف على الملّطف، ويكتم ما تضمنه، وإذا وصل المثال السلطانى، وقرىء فى المجلس العام تقابل الأوامر فيه بالسمع والطاعة.
ثم وصل العسكر إلى زبيد فى يوم الأحد/ (195) عاشر رجب الفرد، وخرج الملك المجاهد للقائه، فتلقاه بالقرب من أسوار البلد، وألبسه مقدم العسكر التشريف [2] السلطانى، وعاد المجاهد والعساكر فى خدمته إلى داره، وترجل مقدم الجيش والأمراء فى خدمته حسب ما أمرهم السلطان، ومشوا حتى انتهوا إلى الإيوان الذى يمد فيه الإخوان [3] ، فعضده الأمير ركن الدين بيبرس عند نزوله عن فرسه، وبذلك كله كان السلطان أمره عند توجهه، وقرىء عليه المثال السلطانى، فى المجلس العام بعد أن قبل الملك المجاهد الأرض عند رؤية المثال، ومد المجاهد للعسكر إخوانا [3] .
وتحدث مقدم العسكر مع الملك المجاهد فى إرسال رسول إلى الملك [الظاهر [4]] بقلعة الدّملوة بالمثال السلطانى إليه، فوافق على ذلك، ثم كرهه بعد الموافقة، فجهز إلى الظاهر عز الدين الكوندكى، وحسام الدين طرنطاى الإسماعيلى، فتوجها من زبيد نحو الدّملوة ولما توجها تحدث الملك المجاهد مع مقدم العسكر أن يجرد معه مائتى فارس، ليتوجه أمامه إلى تعز، وذكر له أنه بلغه أن الملك الظاهر قد عزم على مفارقة الدّملوة، واللحاق بحصن السّمدان، وأنه حصن حصين، ومتى صار به تعذر الوصول إليه، وذكر أن الطريق لا تسع العساكر بجملتها، فجرد معه الأمير سيف الدين ططقر العفيفى السلاح دار، والأمير سيف الدين قجماز بنخاص، وتوجهوا من زبيد فى سادس عشر رجب، ووصلوا إلى تعز فى العشرين من الشهر/ (196) .
__________
[1] الضبط من القلقشندى (صبح الأعشى 5/425) والنجوم 9/87.
[2] فى الخزرجى (العقود 2/32) وصف لهذا الاستقبال فى شىء من التفصيل، وذكر أن التشريف السلطانى كان عمامة بعذبتين، وخلعة فاخرة، وفى السلوك (2/266) أنه كان كلفتاه زركش، وحياصة ذهب.
[3] الاخوان: لغة فى الخوان- بضم الخاء وكسرها-: ما يؤكل عليه (تاج العروس- خ ون) .
[4] فى ك المجاهد- وهو خطأ، وما أثبتناه من «أ» ص 195.
(33/178)

ثم توجه الأمير ركن الدين ببقية العسكر إلى تعزّ، فوجد رسله الذين أرسلهم إلى الملك الظاهر قد منعهم نائب قلعة تعزّ من التوجه إلى الدّملوة، واعتذر أنه خشى عليهم من الطرقات، فجهز معهم الأمير سيف الدين عطيفة أمير مكة، وتوجهوا إلى الملك الظاهر، واجتمعوا به، فوقف على المثال/ السلطانى، وكان يتضمن الاتفاق بين الملكين، فسأل الظاهر الكشف عن سيرته وسيرة المجاهد، وأن تكون قلعة الدّملوة للسلطان، ويكون نائبه بها، وأكرم الرسل غاية الإكرام، وأعادهم، وحصل من الملك المجاهد فى خلال ذلك اضطراب كثير، وعدم موافاة بما كان التزم به، وقرره على نفسه من النفقة على العسكر، وكان جميع ما أعطاهم فى جملة ثمن ما تنبّل للجند من الجمال ثمانية وأربعين ألف درهم، وطولب بعلوفات دوابهم، فاعتذر أن خيله لها سبعة أيام ما أكلت عليقا، وأنه لا شىء عنده، فالتمس منه أن يأمر رعيته ببيع العليق للجند، والجند يقومون بالثمن، فقال: ما عندى إلا ما تأخذونه بسيوفكم، ولم يكن مع المقدم مرسوم بالقبض على المجاهد، ولا نهب البلاد [1] ، فلذلك كف العسكر عنهم، وضاقت الميرة على العسكر، ومرض جماعة منهم، وتوجه جماعة من أجناد الحلقة إلى بعض الجهات ليبتاعوا ذرة برسم عليق دوابهم، فخرج عليهم جماعة من أهل جبل صبر، فأخذوا الجمال، وجرحوا الجمّال [2] ، فوصل الخبر إلى مقدم العسكر، فأرسل جماعة لكشف الخبر، فقاتلهم أهل/ (197) الجبل وكاثروهم، فركب بنفسه، وتوجه إليهم، فاعتصموا منه بالجبل، وهو جبل وعر صعب المسلك لا ماء فيه، فصعد جماعة من العسكر إلى الجبل مشاة، وقتلوا من أهله نحو ثلاثمائة نفر، واشتد العطش بالعسكر، فمات منهم خمسة [3] أحدهم من المماليك السلطانية، والآخر من الحلقة، وثلاثة من أصحاب الأمير سيف الدين قجماز بنخاص.
__________
[1] أورد المقريزى فى (السلوك 2/266 و 267) تفاصيل هذا الموقف بعبارة مبسوطة.
[2] فى المصدر السابق و «وتخطفوا الجمال والغلمان» .
[3] فى السلوك (2/267) «ففقد من العسكر ثمانية من الغلمان» .
(33/179)

وظهر لمقدم العسكر أن الملك المجاهد قد ضاق من العسكر، وعمل على ما يحصل به الضرر التام، وسأل أن يفرق العسكر، ويتوجه بعضه إلى عدن، وبعضه إلى لحج وأبين وضبا [1] ونواحيها، وبعضهم إلى مخلاف جعفر، وبعضهم إلى بلاد المغلسى [2] وغير ذلك من الجهات، وقصد بذلك أن يفرق العسكر فى البلاد خوفا على نفسه منه، وقابل إحسان السلطان بالإساءة على ما نقل مقدم العسكر عنه.
ثم بلغ المقدم أن بهادر الصقرى قرر مع المجاهد أن يمنع أهل البلاد من بيع العلوفات على العسكر، وربما شهر النداء بذلك، وكان الأمر السلطانى قد برز لمقدم العسكر أنه متى ظفر ببهادر الصقرى يقتله، فأخر المقدم قتله ليطمئن غيره ممن كان قد خالف الملك المجاهد، ويحضروا، ثم ينفذ فيهم أمر السلطان.
فلما تحقق المقدم سوء طويته ركب إلى خيمة بهادر الصقرى، وقبض عليه وعلى الغياث بن نور، وكانا ممن خالف المجاهد وألّبا عليه كما تقدم، ثم رجعا إلى طاعته لما بلغهم قرب العسكر، ثم عملا على إفساد العسكر، ولما قبض على الصقرى،/ (198) وسّطه [3] لوقته، وقيد الغياث بن نور، وهو أيضا ممن رسم السلطان بقتله، وشهد عليه جمال الدين [محمد [4]] بن مؤمن، والزعيم عند مقدم العسكر- على ما حكاه المقدم فى مطالعته للسلطان- أنه عمل على الإضرار بالعسكر، ومنع الأجلاب عنه، فلم يزل فى القيد إلى أن رجع العسكر، ووصل إلى حرض فوسّطه [3] المقدم بالقرب من المخلاف السليمانى.
وأما الملك المجاهد، فإنه لما ضاق بالعسكر، واشتد خوفه منه، قال للمقدم: إن كان السلطان قد رسم لكم بالإقامة باليمن فالأمر إليه، وإن كان إنما أرسلكم لنصرتى فارجعوا إلى أبواب السلطان، وأحضر القاضى والشهود، وأشهد على نفسه أنه أذن للعسكر فى [5] العود، ثم طلع المجاهد إلى القلعة،
__________
[1] فى أ، ك «صبا» والمثبت من الخزرجى (2/44) وادى ضبا، والضبط من معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 393.
[2] فى المصدر السابق (2/32) بلاد المغلسى: فى وادى نخلة. وانظر: معجم البلدان والقبائل اليمنية ص 616.
[3] وسطه: قطعه نصفين، وكان التوسيط من طرق الإعدام فى هذه العصور.
[4] ما بين الحاصرتين زيادة عن الخزرجى (2/62- 64) وقد أورد طائفة من أخباره.
[5] انظر فى هذا الخبر الخزرجى (العقود 2/33) والمقريزى (السلوك 2/268) .
(33/180)

وامتنع من النزول إلى العسكر، فأرسل إلى المقدم أن يرحل بالجيش، وأنه يلحقه إلى زبيد، فعاد العسكر من تعزّ فى التاسع من شعبان، ووصل إلى زبيد، وأقام بها فى ميعاد المجاهد، فوصل الزعيم إلى مقدم العسكر، وأخبره أن الملك المجاهد توجّه من تعزّ إلى بعض الجهات، فانتظره المقدم ثمانية أيام، فلم يصل فعاد بالعسكر.
ولما وصل إلى منزلة بالقرب من بئر على، توفى الأمير سيف الدين ططقر [1] العفيفى السلاح دار الناصرى، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا كريما، صادق اللهجة، ووصل أوائل العسكر إلى مكة شرفها الله تعالى عائدا إلى الديار المصرية فى عاشر شهر رمضان، وآخره فى ثالث عشره/ (199) وأقام بها بقية شهر رمضان، ثم توجه منها إلى الديار المصرية.
وكان وصول جاليش [2] العسكر إلى القاهرة المحروسة فى يوم الخميس مستهل ذى القعدة من السنة، ووصل المقدم وبقية الجيش فى يوم السبت ثالث الشهر، ومثلوا بين يدى السلطان فى يوم الاثنين خامس الشهر، وخلع على الأمراء فى هذا اليوم، فخلع على الأميرين المقدمين خلعا كاملة بكلّوتات زركش، وحوائص ذهب، وخلع على بقية الأمراء خلعا كاملة على عادتهم، وزيد الأمير سيف الدين كوكاى فى خلعته كلّوتة زركشا، ثم كان بعد ذلك من أمر الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والقبض عليه ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
وفى سنة خمس وعشرين وسبعمائة أيضا، فى العاشر من شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل بالمحروسة الأمير سيف الدين تنكز [3] نائب السلطنة بالشام المحروس على خيل البريد، وشمله الإنعام السلطانى والتشاريف، وعاد إلى دمشق على عادته فى النيابة، وكان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
__________
[1] أورده المقريزى فى السلوك (2/229) قطز، وعبارته «ومات الأمير سيف الدين قطز عند عوده من اليمن، وحمل إلى مكة، فدفن بها. «ولم أجده فى رسمه من تراجم: الدرر الكامنة.
[2] الجاليش: راية عظيمة فى رأسها خصلة من الشعر، وانظر القلقشندى (صبح الأعشى 4/8) .
[3] الضبط من القلقشندى (صبح الأعشى 5/425) وفى النجوم بفتح أوله وكسر ثالثه وسكون ثانيه.
(33/181)

ذكر حفر الخليج الناصرى [1]
وفى هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج مستجدّ سمى الخليج الناصرى عوضا عن خليج الذكر [2] ، وجعل فوهته من قبلى خليج// (200) الذكر، وتولى أمره نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون الناصرى، وولاه الأعمال البرانية، وابتدأ بحفره من فم البحر، ومر به على باب اللوق، ثم إلى بركة قرموط، واتصل الحفر إلى أن انتهى إلى الخليج الحاكمى، وبطل خليج الذكر، وسد فمه وبنى على هذا الخليج الناصرى عدة قناطر فى عدة أماكن منه، لسلوك المارة عليها فأنشأ القاضى فخر الدين ناظر الجيوش قنطرة عند فم الخليج بقرب البحر، وأنشأ الأمير سيف الدين قدودار [3] متولى القاهرة قنطرة عند باب اللوق، وأنشأ القاضى شمس الدين عبد الله غبريال قنطرة عند دائرة [4] بركة قرموط، وأمر السلطان بإنشاء قنطرة عند باب البحر بظاهر القاهرة، وأنشأ بعد ذلك فى سنة ست وعشرين الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى- الحاجب كان- قنطرة فى أرض الطّبّالة خارج باب الشعرية، وأنشأ الأمير جمال الدين آقوش الأشرفى المعروف بنائب الكرك قنطرة قبلى قناطر الأوز عند اجتماع الخليجين الحاكمى والناصرى، وحصل بهذا الخليج نفع كثير، وجرى مدة طويلة بعد انقطاع الخليج الحاكمى، ثم نشف.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر ضرب عنق نصرانى تعرض إلى ذكر دين الإسلام، وأغض منه، وأصرّ على إظهار ذلك، فحكم قاضى القضاة تقى الدين بن الأخنائى المالكى [5] بإراقة دمه، وأنهى أمره إلى
__________
[1] انظر فى هذا الخبر: المقريزى (السلوك 2/261 و 262) والخطط (2/145) وابن تغرى بردى (النجوم الزاهرة 9/80) .
[2] هذا الخليج أنشأه كافور الأخشيدى، وكان يعرف فى الدولة الأيوبية باسم خليج المقسى، ثم عرف باسم خليج الذكر نسبة إلى شمس الدين الذكر الكركى الذى قام بتطهيره فى عهد الظاهر (النجوم الزاهرة 9/124 حاشيته 2) .
[3] يرد فى السلوك والنجوم باسم قدادار، وفى الدرر (3/244) ترجمته وقد ورد اسمه فيه «قديدار» ومثله فى 174 STEEN ZETTER وفى النجوم بالرسمين: قديدار، وقدادار وضبطه بفتح أوله.
[4] هكذا فى ك، وفى أص 200 عند داره ببركة قرموط» .
[5] هو تقى الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الأخنائى المالكى ولد سنة 660 هـ ولى قضاء المالكية بالديار المصرية، وكان الناصر يحبه ويرجع إليه فى أمور كثيرة، ومات فى الطاعون سنة 750 هـ (الدرر 3/409) وأخوه علم الدين محمد بن أبى بكر الأخنائى السعدى الشافعى.
(33/182)

السلطان، فرسم بتنفيذ حكمه، فجلس بعد صلاة العصر من اليوم المذكور/ (201) بالمدرسة الصالحية بإيوان المالكية، وضربت عنقه بين يديه.
ذكر عمارة القصر والخانقاة بسماسم والجلوس بالخانقاة
وفى هذه السنة كملت عمارة القصر والخانقاة الناصرية بأراضى سماسم بالقرب من سرياقوس، وحصل الجلوس فى يوم الخميس [1] التاسع من جمادى الآخرة، ورسم السلطان بحضور قضاة القضاة، والعلماء، وسائر مشايخ الزوايا والخوانق والربط بالقاهرة ومصر المحروستين والقرافتين، ومن معهم من الفقراء، وحضر السلطان ونائبه، وأكابر أمراء دولته، واجتمعوا بالخانقاة، ومدت الأسمطة الكثيرة من الأطعمة اللذيذة، والأشوية، والحلويات والمشروب، وخلع على شيخ الشيوخ علاء الدين القونوى [2] ، وشيخ الخانقاة المذكورة الشيخ مجد الدين الأقصرائى [3] وغيرهما من المشايخ والقضاة، وفرقت الأموال الكثيرة على سائر فقراء الخوانق والزوايا والربط من الذهب والفضة، وكان يوما مشهودا.
ورتب السلطان بالخانقاة أربعين صوفيا، ورتب لهم فوق الكفاية، ورتب لكل منهم فى كل شهر أربعين درهما، وفى كل يوم ثلاثة أرطال خبز [4] ، ورتب سماطا عاما يمد فى كل يوم يأكله الفقراء المقيمون بها، والواردون إليها، وجعل للواردين إليها ضيافة، وأنشأ بها حماما للسبيل،/ (202) وجامعا، ورتب له خطيبا، واحتفل بالمكان غاية الاحتفال، وأنشأ به بساتين، ووقف على الخانقاة أوقافا كثيرة، يفضل [ريعها [5]] عن كفايتها، ثم زاد بعد ذلك عدّة الصوفية، فجعلهم مائة، ووصلهم بالافتقاد [6] الوافر، ورتب لهم فى كل شهر
__________
[1] فى (السلوك 2/262) أن التوجه إلى الخانقاه كان فى يوم الاثنين وعمل السماط العظيم فى يوم الخميس تاسعه، وكذلك فى (النجوم 9/83) وفى ص 79 ورد خبر الشروع فى بنائها وتحديد موقعها.
[2] هو علاء الدين أبو الحسن على بن إسماعيل بن يوسف القونوى الشافعى، كان عالما مصنفا بارعا فى فنون العلوم توفى سنة 729 فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة (النجوم الزاهرة 9/279) وفى الدرر (3/24) أن مولده كان بقونية من بلاد الروم 668 هـ. وقد أورد له ترجمة طويلة.
[3] هو مجد الدين أبو حامد موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائى الحنفى، كان شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس، وكان إماما فقيها بارعا مفتيا توفى سنة 740 هـ فى شهر ربيع الثانى (النجوم 9/324) والدرر (4/373) .
[4] فى المقريزى (الخطط 2/422 وما بعدها) وصف مطول لما رتبه السلطان لهذه الخانقاه وصوفيتها، وانظر السلوك (2/262) حاشية رقم (5) .
[5] الزيادة من «أ» ص 202.
[6] يعنى تفقد أحوالهم.
(33/183)

عند وصوله إلى الخانقاة سبعة آلاف درهم يخص الشيخ منها بألفى درهم، وتفرق منها خمسة آلاف على الفقراء، وليس هذا المال [من] الوقف، وإنما هو من ديوان الخاصّ السلطانى، وسمع السلطان فى هذا اليوم أحاديث نبوية على قاضى القضاة بدر الدين [محمد بن جماعة [1]] بقراءة ولده القاضى عز الدين عبد العزيز، وانفصل هذا الجمع بأوفر الصلات، وأتم الإنعام.
ذكر روك [2] الإقطاعات بالمملكة الحلبية
وفى هذه السنة أمر السلطان بروك المملكة الحلبية، فإنه لم يتأخر من الممالك بغير روك سواها، وتوجه لذلك الأمير علاء الدين مغلطاى [3] الجمالى الناصرى مدبّر المملكة فى العشر الأخر من جمادى الآخرة وصحبته مكين الدين إبراهيم بن قروينة مستوفى الصحبة، وكان عوده فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان، وحصل الانتصاب لتحرير الرّوك، وتعين فيه جملة أقطع عليها جماعة من المماليك السلطانية والحلقة، وفيها فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان/ (203) عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك صاحب البلاد الشمالية، وهم: الأمير سيف الدين بكمش الجمدار الظاهرى، والأمير بدر الدين بيليك السّيفى السّلارى المعروف بأبى غدّة، وصحبتهما رسله ورسل الأشكرى [4] ، ومعهم التقادم، فسمع السلطان رسالتهم، وأنعم عليهم، وأعادهم صحبة رسله، وهم الأمير سيف الدين أضجلى [5] أحد الأمراء، وسيف الدين قرادمر أحد المقدمين، وأصحبهم
__________
[1] زيادة عن السلوك (2/262) وترجمته فيه، وفى النجوم الزاهرة (9/298) والدرر الكامنة (3/281) .
ووفاته سنة 733 هـ بعد أن جاوز الرابعة والتسعين.
[2] الروك: لفظ جرى فى مصطلح الإدارة المالية بمصر والشام فى العصور الوسطى للدلالة على عملية قياس الأراضى ومسحها، وتقويم العقارات الثابتة ومتعلقاتها مرة كل ثلاثين سنة. وهو ما يعرف اليوم باسم فك الزمام وتعديله، وهو مأخوذ من الكلمة القبطية روش، ومعناها قياس الأرض بالحبل (السلوك 2/146 حاشية 1) وانظر: التذكرة التيمورية ص 193.
[3] الأمير علاء الدين مغلطاى بن عبد الله الجمالى كان يلقب بخرز- بضم الخاء وسكون الراء- ومعناه:
ديك. ترجمته فى الدرر (4/354) وسيورد النويرى وفاته فى سنة 730 هـ.
[4] فى فهرس النجوم الزاهرة الجزء التاسع ص 343: الأشكرى: صاحب الدولة البيزنطية.
[5] كذا فى ك، وأ ص 203 ولم تتضح لنا صحته.
(33/184)

الهدايا، فتوجهوا، وكان خروج رسل الملك أزبك من بين يدى السلطان فى يوم الاثنين السادس من شوال، بعد أن شملهم بالخلع والإنعام، وتوجهوا فى يوم الجمعة عاشر الشهر.
ذكر وفاة الأمير ركن الدين بيبرس [1] المنصورى
/ وفى ليلة الخميس المسفر صباحها عن خامس عشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة كانت وفاة الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى، وهو من أكابر مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى زمن إمرته، وكان رحمه الله تعالى أجلّ الأمراء فى وقته لا يتخطّاه أحد، ولا يجلس فى مرتبته، وهو رأس الميسرة [2] ، وتأمّر فى ابتداء الدولة المنصورية السيفية، ثم فوض السّلطان الملك المنصور إليه نيابة قلعة الكرك كما تقدم، ونقل منها إلى الديار المصرية فى جملة الأمراء فى الدولة الأشرفية الصّلاحية، وردّ إليه فى/ (204) ابتداء الدولة الناصرية أمر ديوان المكاتبات لصغر سن السّلطان فى ذلك الوقت، وتنقلّ فى المراتب؛ فكان ينوب عن السلطنة الشريفة فى الغيبة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، ونظر البيمارستان المنصورى فى أول الدولة النّاصريّة الثالثة، ثم فوض إليه نيابة السلطنة الشريفة استقلالا، ثم قبض عليه بعد ذلك، وأفرج عنه كما تقدم ذكر ذلك، واستقر فى جملة أكابر الأمراء، وجلس رأس الميسرة، وكان رحمه الله تعالى مولعا بالتاريخ، يديم مطالعته، وألف كتابا سماه: «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة [3] » فى أحد عشر مجلدا، وتاريخا مختصرا منه فى مجلدين، واستعان على تأليفه فى ابتدائه بكاتبه شمس الرئاسة بن كبر [4] النصرانى، وكان الأمير ركن الدين رحمه الله تعالى من بقايا الخير.
ولما مات فرق السلطان إقطاعه، فأعطى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبّر الدولة وأستاذ الدار العالية منه خمسين فارسا على ما بيده،
__________
[1] ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصورى الخطائى الدوادارى ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/509 و 510) والمقريزى (السلوك 2/269) وابن تغرى بردى (النجوم 9/263) .
[2] فى النجوم الزاهرة (9/264) «رأس الميمنة» .
[3] هذا الكتاب رأيت نسخة منه مصورة فى مكتبة جامعة القاهرة سنة 1950.
[4] فى ك تقرأ «ركبى» وما أثبتناه من «أ» ص 204 لموافقته (النجوم 9/264) والسلوك (2/269) والدرر (1/510) وعبارته نقلا عن الصفدى: «وأعانه على كتابة التاريخ كاتب له نصرانى يقال له «ابن كبر» .
(33/185)

وقدمه على ألف فارس، وأعطى بقيته للأمير سيف الدين بلبان السّنائى [1] أحد أمراء العشرات وأمّره بطبلخاناه، وجعل الأمير عز الدين أيدمر الخطيرى [2] رأس الميسرة.
وفى سنة خمس وعشرين أيضا كان عيد الفطر بالقاهرة، والديار المصرية فى يوم الأربعاء، وأما دمشق فإن الناس ارتقبوا الهلال فى ليلة الثلاثاء فلم يره أحد، فصلى الناس التراويح، وسحّر المؤذّنون بالمواذن [3] ، وأصبح الناس صياما إلى نصف النهار، ثم ثبت على الحكام/ (205) بدمشق رؤية الهلال، ونودى بذلك، وأفطر الناس بقية النهار، وصلى صلاة العيد فى يوم الأربعاء قضاء بالجامع الأموى دون المصلى، نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى ...
وفيها توجه الحاج على العادة وكان رحيل المحمل السلطانى من بركة الجب فى يوم الجمعة سابع عشر شوال، وأمير الحاج الأمير سيف الدين طرجى [4] أمير مجلس، فلما وصل الناس إلى منزلة السويس، حصل حر شديد مفرط، وقل الماء، فرجع من الناس خلق كثير من الأعيان وغيرهم.
ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل الأمراء فى الإقطاعات والتّقادم
قد ذكرنا فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب [5] عاد من بلاد اليمن بمن معه من العسكر فى يوم السبت الثالث من ذى القعدة، وأنه خلع
__________
[1] بلبان السنائى: كان أحد أمراء الناصر، وولاه نيابة ألبيرة ثم الأستادارية بالقاهرة زمن الناصر حسن وتوفى سنة 754 هـ (عن الدرر 1/493) .
[2] كذا فى الأصل، ومثله فى أص 204، وكذلك فى السلوك (2/269) وفى النجوم (9/312) أصله من مماليك الخطير الرومى والد مسعود، وفى الدرر (1/429) الحظيرى- بالحاء والظاء المعجمة- من مماليك أوحد بن الحظير توفى سنة 738 هـ.
[3] كذا فى الأصل ومثله فى أص 205 وصوابه المآذن جمع المئذنة.
[4] فى النجوم (9/287) سيف الدين طرجى بن عبد الله الساقى أمير مجلس، وفى تاريخ سلاطين المماليك «أطرجى» مات سنة 731 هـ.
[5] بيبرس الحاجب- ترجمته فى الدرر الكامنة (1/508) ووفاته سنة 743 هـ.
(33/186)

عليه وعلى الأمراء فى يوم الاثنين خامس الشهر، وقدم تقدمته، وأهدى للأمراء هداياه، وقبل ذلك منه، ثم أعطى بعد ذلك بأيام قباء الشّتاء بطردوحش.
فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر إلى الخدمة السلطانية على عادته، ومشى فى خدمته نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون [1] إلى دار النيابة، فقال له نائب السلطنة: قد برز أمر السلطان أن تتوجه إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر/ (206) بغزّة، فظن أن المراد بذلك القبض عليه، فامتنع من قبول الولاية، فقال: ما المملوك من هذا القبيل، أنا من جملة أوشاقية السلطان، فإن كان قد رسم فىّ بأمر فمن الآن، وحل سيفه بيده، فغضب نائب السلطنة منه، وعوّقه بدار النيابة، واجتمع بالسلطان، وأخبره بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين قجليس [2] أمير سلاح، وأمره بأنه متى أصر على الامتناع يقتله، فكلمه فى ذلك وراجعه، فصمم على أنه لا يتوجه إلى غزة أبدا، واختار الاعتقال على ذلك، فاعتقل [فى برج عند باب القلعة] [3] وخرج إقطاعه للأمير سيف الدين طينال، وفرق إقطاع طينال، فكمل للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى مائة فارس، وقدم على ألف، وأمر فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر اثنان بطبلخاناة، أحدهما: على ما بقى من الإقطاع المحلول عند تنقل الأمراء، والثانى: على إقطاع الأمير سيف الدين، ونقل بهادر البدرى إلى نيابة السلطنة [بقلعة الكرك، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد السلطان بالكرك، ونقل نائب السلطنة بالكرك إلى نيابة السلطنة] [4] وتقدمة العسكر بغزة المحروسة.
وعرض السلطان فى يوم الخميس المذكور المماليك الكتابية، وعين منهم سبعين مملوكا لخدمة ولده الذى تقرر إرساله إلى الكرك.
__________
[1] أرغون بن عبد الله الناصرى، نائب السلطنة، ثم نائب حلب من مماليك الناصر محمد بن قلاوون اشتراه ورباه وتبنى به، ومات بحلب فى ربيع الأول سنة 731، وانظر فى ترجمته وأخباره (الدرر 1/351) والنجوم (9/288) والسلوك (2/268 و 339 حاشية 1) .
[2] قجليس بن عبد الله: أمير سلاح، كان من خواص الناصر يندبه فى المهمات، وزوجه ابنته. انظر ترجمته فى الدرر 3/243 و 244) والنجوم (9/287) والسلوك (2/339) ووفاته سنة 731 هـ.
[3] عبارة «ك» فى هذا الموضع مضطربة ونصها: «فاعتقل بالبرج المعروف بالأتابكى بعد أن رسم لبهادر العلمى نائب الصاح بتقييده، فقيد «وما أثبتناه من «أ» ص 206 ومثله فى السلوك (2/268) .
[4] ما بين الحاصرتين سقط من ك، وأثبتناه من «أ» ص 206.
(33/187)

وفيها، فى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة أمر السلطان/ (207) بالقبض على الأمير أبى إسحاق إبراهيم ولد [1] أخى الخليفة أبى الربيع سليمان، واعتقاله، وسبب ذلك أنه تزوج امرأة مغنية تعرف بفالحة بنت [2] المغربية، فوقفت أمها للسلطان، وشكته، وادعت أنه تمم على الشهود، وأحضر امرأة غيرها، وسماها باسمها، واستأذنها الشهود فأذنت، وعقد العقد عليها ولم تكن هى، وادعى هو أن العقد إنما وقع عليها دون غيرها، وشهد الشهود بصحة العقد، فأمره/ السلطان بطلاقها، وأرسل إليه يقول: إنكم من بيت الخلافة، ولا يصلح أن تفعل مثل هذا، وزواج هذه عار عليك، فصمم على ألا يفارقها، واعتذر أنه يمسكها خشية أنه إذا فارقها تعود إلى الغناء، فيكون عليه عارها، فرسم السلطان أنها لا تمكن من الغناء، وراجعه فى طلاقها، فأصر وأبى ذلك، وامتنع منه، فأمر باعتقاله، فاعتقل بالبرج فى قلعة الجبل، وادعى أنه غرم عليها نحو خمسين ألف درهم، وأمر السلطان أن يستخرج ذلك منها، واعتقلت عند الشيخة البغدادية، وأخذوا جواريها المغنيات، وبقى الأمير إبراهيم المذكور فى الاعتقال أياما أفرج عنه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وأرسل إليه مع بهادر العلمى نائب الفتاح [3] يقول له: رسم لك السلطان إن لم تطلقها حصل لك ما لا يمكن أن تستدرك فارطه، وأشهد عليه بطلاقها، فعرفه بهادر المذكور الرسالة، وشدد عليه الجواب، وما فارقه إلى أن شهد عليه بطلاقها، فتوجه بهادر، وعرف الأمير سيف الدين أرغن أنه تلفظ بالطلاق، [فشاور عليه السلطان فأفرج عنه] [4] حين أذن، ففارقها وعادت لما كانت عليه من الغناء.
ذكر توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء
وفى هذه السنة فى يوم الخميس الثالث عشر من ذى الحجة توجه/ (208) السلطان إلى الصيد المبارك، وقصد جهة [البحيرة] [5] .
__________
[1] كذا فى الأصل ومثله فى أ، وفى السلوك (2/268) إبراهيم بن الخليفة أبى الربيع وأبو الربيع هو «المستكفى بالله سليمان بن أحمد الخليفة العباسى «كانت وفاته بقوص سنة 740 هـ (الدرر 2/141) .
[2] فى «أ» ص 207 «مغنية تعرف بابنة المغربية» .
[3] كذا فى الأصل ولم يتضح المراد.
[4] ما بين الحاصرتين زيادة لم ترد فى نسخة «أ» ص 207.
[5] فى «أ» ص 208 غير منقوطة، وفى «الأصل» تقرأ البحيرة، وفى السلوك (2/269) الجيزة وما اخترناه أنسب للسياق.
(33/188)

ولما قارب ثغر الإسكندرية أرسل الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر المملكة وأستاذ دار العالية إلى الثغر، وأمره بالإفراج عن الأميرين سيف الدين طاجار المحمدى [1] ، وسيف الدين كيتم [2] ، وأمره أن يكشف أحوال الأمراء المعتقلين بالثغر، ومن اختار أن يكتب قصة [3] فليستصحبها معه، ففعل ذلك، وكتب الأمراء قصصا بما أحبوا، وامتنع الأمير بهادر النقوى [4] أمير جاندار- كان- والأمير سيف الدين بلبان الشمسى من كتابة قصة، وقالوا: نحن لنا ذنوب عند السلطان، وبأى وجه نرفع إليه قصة، فلما عاد الأمير علاء الدين إلى السلطان عرض على السلطان قصص الأمراء وأخبره بامتناع الأميرين المذكورين من كتابة قصة، وبما قالاه، فشملتهما عواطفه، وأمر بالإفراج عنهما، وأحضرا إلى المخيم المنصورى، وخلع على الأمراء الأربعة المذكورين، وحضروا إلى القاهرة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذى الحجة.
وفيها فى ليلة الأحد ثامن عشر صفر توفى الشيخ الإمام المقرئ المتقن المعمر تقى الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن على بن سالم ابن مكى المصرى الشافعى المعروف بالصائغ [5] شيخ القراءات فى وقته، وكانت وفاته بمصر، وصلى عليه يوم الأحد بعد صلاة الظهر بالجامع العمرى بمصر، وأمّ الناس فى الصلاة/ (209) عليه قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى، ودفن بالقرافة، ومولده فى ثامن عشر جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة بمصر، قرأ القرآن على الكمال الضرير، وسمع الحديث من الرشيد العطار، وابن البرهان، وغيرهما رحمهما الله تعالى.
وتوفى فى ليلة السبت مستهل شهر ربيع الأول الخطيب جمال الدين محمد بن الخطيب تقى الدين محمد بن مجد الدين الحسن بن الشيخ تاج الدين
__________
[1] هكذا فى الأصل، ومثله فى أص 208 وكذلك فى السلوك (2/269) وفى النجوم (9/146) والدرر (2/213) طاجار الماردينى الناصرى.
[2] الضبط من الدرر (3/270) وترجمته فيه، ووفاته سنة 749 هـ.
[3] القصة- فى اصطلاحهم- تعنى الشكوى أو الالتماس.
[4] فى «أ» ص 208 ما قبل القاف غير منقوط، والتحرير من السلوك (2/269) والدرر (1/498) .
[5] فى «أ» ص 208 غير منقوط، وفى ك الصانع، وما أثبتناه من السلوك (2/270) والدرر (3/320) وله فيه ترجمة طويلة.
(33/189)

أبى الحسن [1] على بن أحمد بن على بن [أحمد] [2] بن القسطلانى خطيب جامع قلعة الجبل المحروسة، وإمام الجامع العمرى بمصر، ودفن من الغد بالقرافة، سمع من ابن خطيب المزّة، وصحب الشيخ العارف أبا محمد المرجانى، وحج معه ولازمه، ومولده سنة ثلاث وستين [3] وستمائة تقريبا، وخطب بالجامع العمرى بمصر بعد والده فى سنة خمس وتسعين وستمائة، وخطب والده بالجامع المذكور قبله ثمانى عشرة سنة.
ولما مات الخطيب جمال الدين، عرض جماعة من الخطباء على السلطان وخطب كل منهم بجامع القلعة، ومنهم من خطب فى مجلس السلطان فى غير يوم الجمعة، ثم استقرت الخطابة بجامع قلعة الجبل باسم ابن أخيه الخطيب تقى الدين بن الخطيب نور الدين، واستقر ولده الخطيب زين الدين أحمد [بن جمال الدين [4]] فى خطابة جامع عمرو بمصر، وإمامته ونظره.
وتوفى فى يوم السبت الحادى والعشرين من شهر/ (210) ربيع الآخر من السنة الشيخ الفقيه المفتى شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح القرقشندى [5] الشافعى، أحد المفتين، وأحد المعيدين بزاوية الإمام الشافعى بالجامع العمرى بمصر، ودفن من يومه بالقرافة، رحمه الله تعالى.
وفيها. فى يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر، توفى القاضى الفقيه الإمام العالم سراج الدين يونس بن عبد المجيد بن على بن داود الهذلى الشافعى الأرمنتى، قاضى الأعمال القوصيّة، وكانت وفاته بظاهر مدينة قوص بالمشهد الذى يسكنه الحكام بقوص من لسعة عقرب [6] ، ومولده بأرمنت من عمل قوص فى المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان فقيها فاضلا أصوليا وله مصنفات وشعر ليّن، رحمه الله تعالى.
__________
[1] لم يرد هذا الجد فى سلسلة نسبه كما أورده الدرر (4/173) والسلوك (2/270) والنجوم (9/265) .
[2] فى «أ» ص 209 محمد، ومثله فى النجوم (9/265) وما أثبتناه عبارة الأصل، والدرر (2/173) والسلوك (2/270) .
[3] فى الدرر (2/173) سنة ثلاث وسبعين وستمائة.
[4] زيادة عن: السلوك (2/270) .
[5] فى السلوك (2/270) والنجوم (9/265) وقوانين الدواوين ص 167 رسمت باللام مكان الراء (قلقشنده) وفى الدرر (4/485) بالراء كما أوردها النويرى هنا، وفى القاموس الجغرافى لمحمد رمزى (1/46) قرقشنده، واسمها القديم قلقشنده: من بلاد مركز طوخ بالقليوبية.
[6] فى الدرر (4/488) من لسعة ثعبان.
(33/190)

وتوفى فى الليلة المسفرة عن ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة القاضى فتح الدين محمد بن القاضى كمال الدين أحمد بن عيسى السّعدى المعروف بابن القليوبى [1] وكان فيما مضى ينوب عن قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعى فى بعض الأعمال، ونقل إلى قضاء [2] صفد نيابة عنه أيضا، ثم صرف منها، وعاد إلى الديار المصرية، فناب فى أعمال الدقهلية والمرتاحية عن قاضى القضاة المشار إليه، ونقل إلى قضاء أبيار [3] ، ثم عزل وعطل مدة، حتى ضاق عليه الحال، فتوجه/ إلى مدينة المحلة، وناب بها عن القاضى عز الدين الحاكم بالغربية/ (211) مدة تقارب أربع سنين، ثم فارق الجهة، وحضر إلى القاهرة وهو مضعف، فاستمر به المرض، واشتدت علته إلى أن مات رحمه الله تعالى، ودفن بالقرافة، وكان رحمه الله رجلا كريما فاضلا جيد الشعر والنثر، جيد البديهة لسنا حسن الفكاهة والمحاضرة والمذاكرة، رحمه الله وإيانا، وكان بينه وبين نجم الدين سعيد بن أحمد بن عيسى الغمارى المالكى [4] عداوة مستحكمة ثابتة على الحكام، فلما أيس من الحياة أرسل إليه، وسأله الصلح عما مضى والمحاللة، ففعل، ثم لم تطل حياة نجم الدين المذكور بعده، فإنه مرض أثر ذلك، ومات بالمدرسة الصالحية النجمية فى ليلة الخميس ثانى جمادى الآخرة ودفن من الغد بمقبرة باب النصر رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى فى عشية الأربعاء قبل أذان المغرب فى الثانى والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ المحدث نور الدين أبو الحسن على بن جابر بن على بن موسى بن خلف بن منصور بن عبد الله بن مالك [5] الهاشمى الشافعى المعروف
__________
[1] لم ترد وفاته فى النجوم ولا فى السلوك ضمن وفيات هذه السنة، وقد أورد ابن حجر له ترجمة ناقصة فى الدرر (1/233) وذكر اسمه: أحمد بن عيسى بن رضوان القليوبى.
[2] صفد: من بلاد الشام من جبل لبنان (تاج العروس 2/400) وفى L Zettersteen LL ص 172 رسمت بتاء مكان الدال.
[3] أبيار: من أعمال محافظة الغربية بمصر- ذكرها ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 95) وفى مراصد الاطلاع (1/21) قرية بجزيرة بنى نصر.
[4] سعيد بن أحمد بن عيسى الغمارى نجم الدين- ترجمته فى الدرر (2/134) ووفاته سنة 725 هـ.
[5] مكان هذا الجد فى الدرر (3/35) «.. ابن أبى بكر» وأورد له ترجمة مطولة، وطائفة من أشعاره.
(33/191)

باليمنىّ شيخ الحديث بالقبة المنصورية، وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية، وصلى عليه فى يوم الخميس بالمدرسة المذكورة، وأمّ الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم صلى عليه بسوق الخيل تحت قلعة الجبل، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة./ (212) ومولده بمكة شرفها الله تعالى، فى سنة ثمان وأربعين وستمائة تقريبا [1] ، وكان رحمه الله جيد النظم، ورحل إلى الهند وغيره من البلاد، وخلف كتبا كثيرة جدا.
وولى تدريس الحديث بعده بالقبة المنصورية الشيخ العالم زين الدين عمر ابن أبى الحزم [2] بن يونس الشافعى المعروف بابن الكتّانى وجلس لإلقاء الدروس بالقبة فى يوم الأربعاء رابع عشر رجب، وتكلم الناس عليه لقبوله الولاية، فإنه لم يشتهر بطلب الحديث، ولا الاشتغال به وأما فقهه ومعرفته بمذهب الإمام الشافعى فغير مدفوع عنه.
وفيها فى ليلة الخميس السادس من شعبان كانت وفاة الشيخ الصالح الإمام العالم القاضى عز الدين أبى عبد الله محمد بن الشيخ كمال الدين أبى العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبى إسحاق إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللخمى المعروف جده جمال الدين بالأسيوطى [3] ، قاضى الكرك بها، وكان قد وليها فى شهر رجب سنة ست وتسعين وستمائة من قبل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، واستقر بها إلى أن مات، ومولده بالقاهرة المعزية بالجامع الظافرى المعروف الآن بالفاكهى [4] عند أذان الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة،
__________
[1] فى الدرر (3/35) أن الزركشى ذكر أن مولده سنة 647 هـ، قال وبه جزم الذهبى.
[2] ترجمته فى الدرر (3/161) وذكر اسمه عمر بن أبى الحرم- براء مكان الزاى- بن عبد الرحمن بن يونس الدمشقى ثم المصرى الشافعى المعروف بابن الكتانى تصدر بالجامع الحاكمى ودرس بالمنكوتمرية، وأعاد بالقراسنقرية، ومات سنة 738 هـ.
[3] فى «أ» ص 212 (الأميوطى) وانظر الدرر (4/159 و 160) .
[4] فى «أ» ص 212 الفكاهين. والمثبت من «ك» وفى تاريخ المساجد الأثرية 74، ذكر أن اسم الجامع الأفخر المعروف الفاكهانى، وقال: إن الذى أنشأه الظافر بنصر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد بن الآمر بأحكام الله سنة 543 وفى القرن السابع الهجرى عرف بجامع الفاكهيين.
(33/192)

ودفن بمقبرة تعرف بالقبر الجديد، وكان رحمه الله فقيها عالما متقنا محققا من أجلّ مشايخ القراءات،/ (213) والعلوم مقتصدا فى مأكله وملبسه وسائر أحواله، وكان من قضاة العدل والحق، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولا يخشى سطوة ملك، تساوى عنده فى الحق الآمر والمأمور، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة السبت الثانى والعشرين من شعبان الشيخ الفاضل العالم البارع شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبى، ثم الدمشقى كاتب الإنشاء بدمشق، وصلى عليه بجامعها، ثم بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، بتربة بناها لنفسه، ومولده فى شعبان سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان رحمه الله رجلا فاضلا، كاتبا أديبا شاعرا، انتهت إليه كتابة الإنشاء، ولو قيل فيه كاتب الشرق والغرب لاستحق ذلك غير مدفوع عنه ولا منازع فيه [1] ، وكان يكتب التقاليد والتواقيع والمناشير من رأس [2] القلم، ويأتى فيها بما لم يأت به سواه مع الفكرة والرويّة، رحمه الله تعالى، وولى بعده كتابة الإنشاء بدمشق ولده شمس الدين محمد، رسم له بذلك فى شهر رمضان من السنة باعتناء نائب السلطنة بالشام به، وقدم على غيره لهذه الوظيفة مع توفر الأعيان والأكابر بدمشق.
وفيها فى يوم الخميس رابع شهر رمضان توفيت الست الجليلة فالحة [3] ابنة الملك الأمجد، مجد الدين حسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، ودفنت من يومها بالتربة المعظمية بسفح قاسيون، وتعرف هذه المتوفاة «بدار دينار» وكان لها بر ومعروف وإيثار، رحمها الله تعالى.
__________
[1] ترجمته فى الدرر (4/324) وذكر ابن حجر من مؤلفاته: حسن التوسل فى صناعة الترسل، ومن شعره مجموعة من المدائح النبوية أسماها: أهنى المنائح، فى أسنى المدائح، وفى السلوك (2/270) أنه مات عن إحدى وثمانين سنة.
[2] يعنى النويرى بهذا التعبير سرعة البديهة والقدرة على الارتجال» .
[3] فى «أ» 213 (فاطمة) .
(33/193)

وتوفى فى يوم الجمعة خامس شهر رمضان الأمير شرف الدين عيسى بن عمر البرطاسى [1] الكردى، أحد أمراء الطبلخاناة بمدينة طرابلس، وشادّ الدواوين بها، وكان رحمه الله تعالى رجلا شهما شجاعا مقداما، وأنشأ مدرسة بمدينة طرابلس، رافقته فى سنة عشر وسبعمائة بطرابلس، فكان حسن المرافقة، كثير الاحتمال، رحمه الله تعالى.
وفيها فى الرابع والعشرين من شهر رمضان قتل الأمير السيد الشريف ناصر الدين أبو عامر منصور بن الأمير عز الدين جمّاز بن شيحة الحسينى أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، قتله شاب من أقاربه بالبرية [2] ، وكان قد كبر وأسن، وولى إمرة المدينة بعده الأمير بدر الدين كبيش [3] .
وفيها فى يوم السبت ثالث ذى القعدة توفى نجم الدين أبو بكر بن القاضى بهاء الدين محمد ابن الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر، كان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة وكان يقول: إن ما يخاطب به يستغنى الآن عن إعادته، ولم يزل يدعى ذلك إلى آخر وقت، رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
/ ذكر غرق مدينة بغداد
وفى جمادى الأولى من هذه السنة زادت دجلة زيادة عظيمة، وكان ابتداء الزيادة فى يوم السبت ثالث عشر الشهر، واستمرت الزيادة إلى يوم الثلاثاء، وعظمت فغرق دائر البلد جميعه، بحيث أنه ما بقى أحد من الناس يستطيع الخروج من البلد، وانحصر الناس واجتهدوا فى عمل السّكورة [4] ، وتساوى فى العمل الرئيس والمرءوس، والكبير والصغير، [ونقل التراب- حتى الحكام
__________
[1] فى الدرر (3/208) : عيسى بن عمر بن عيسى الكردى: شرف الدين البرطاسى ولد سنة 665 وولى شد الدواوين بطرابلس.
[2] فى السلوك (2/269) أن الذى قتله هو حديثه- بضم أوله وفتح ثانيه- وهو ابن أخيه.
[3] هكذا فى ك، وقد ضبطه محقق السلوك (2/269) كبيشه- بضم أوله وفتح ثانيه- نقلا عن القلقشندى (صبح الأعشى 4/301) وفى ابن حجر كبيس بسين فى آخره (الدرر 3/262 فى النجوم (9/264) كبيش بن منصور بن جماز الحسينى المدنى.
[4] يقال سكر النهر ونحوه: سده وحبسه، والسكر- بكسر السين- ما يسد به النهر، والجمع سكور.
(33/194)

والقضاة والمترفين- فى حجورهم] وبقيت بغداد جزيرة فى وسط الماء، واستدار الماء عليها، ودخل الماء الخندق وكان له هدير عظيم، وغرق ما حول البلد، وخربت أماكن كثيرة منها البازار [1] ، وسائر الترب والبساتين والسواد [2] والجانبين المتقابلين لسوق الخيل والدكاكين والساباط [3] ، وخرب بستان الصاحب جميعه، والمصلى، وبعض الكمش، وسائر البساتين التى حوله، ووصل الماء إلى الثلاث نخلات، ووقعت قبة الجعفرية [4] ، وخربت مدرسة عبيد الله، وغرقت خزانة الكتب التى بها، وكانت فيما قيل تساوى عشرة آلاف دينار، وسطّح الماء وعلا بمقدار عشر قامات، وكان الإنسان إذا وقف لم ير ما امتد بصره إلا ماء وسماء، وفتح فى الرّقّة [5] وخرّب إلى الحارثية، وما ترك طرفه قائمة، وغرق خلق كثير من المزارعين الذين كانوا عند زروعهم ممن لم يحسن السباحة، وغرقت بساتين الرّقّة مثل بستان القاضى، وبستان ابن العفيف، والخاتونى، وبستان جمال الدين الدكروالى، وغرقت بساتين الحارثية، مثل:
بستان الخادم، وابن الأمليس، وسديد الدولة، وبقى الناس فى خلقة ضيّقة، وامتنعوا من النوم ليلا والمعايش نهارا من شدة الزّعقات [6] ، وخوف الغرق، وغلق البلد ستة أيام، والناس ينظرون إلى الخندق والشط هل زاد أو نقص، وتحول كثير من الناس إلى المحال العالية مثل تل الزينية، وتل اللوازه بالمستضيئيّة، وأسكرت سائر أبواب المحال العالية ببغداد، وأبواب الخانات بها، وسد باب خان السلسلة، وبقى إذا انفتح من الخندق فتح تداركه الناس بالسد، والناس يدورون فى الأسواق مكشوفى الرءوس، والرقعات الشريفة على رءوسهم، وهم يضجّون بالبكاء ويخرّون إلى الله تعالى، ويسألونه كشف هذه الحادثة عنهم، وودّع بعض الناس بعضا، ولو انخرق إليهم من الخندق أدنى شىء لغرقوا، وزاد الماء فى الخندق حتى ركب القنطرة الجديدة بسوق الخيل،
__________
[1] البازار: السوق (فارسية معربة) .
[2] السواد: جماعة الشجر والنخل والنبات، لأن الخضرة تقارب السواد، ويقال: خرجوا إلى سواد المدينة أى إلى ما حولها من القرى والريف، ومنه سواد العراق (المعجم الوسيط) .
[3] الساباط: سقيفة بين حائطين أو دارين، يمر من تحتها طريق نافذ (لسان العرب) .
[4] الضبط من (المراصد 2/626) والرقة المقصودة هنا هى البستان المقابل لدار الخلافة ببغداد.
[5] الجعفرية: محلة كبيرة مشهورة فى الجانب الشرقى من بغداد (المراصد 2/336) .
[6] جمع الزعقة، وهى المرة من الصياح، يقال زعق- كفتح- إذا صاح صيحة فزع (المعجم الوسيط) .
(33/195)

وعلا فيها أكثر من ذراعين، وبلغ الماء إلى شباك دار شيخ المشايخ، ولو لم يعلّ السور بالسّكر كان انقلب إلى البلد، ولولا ما حصل من هذه البثوق- بثق الخندق، وبثق الرّقّة، وبثق التعسار- لغرقت بغداد.
قال الناقل: ومع ذلك فإلى عشر سنين ما يمكن عمارة ما خرب بالجانب الغربى؛ فإنه غرق أكثره، وغلت الأسعار أياما، ثم نقص الماء بعد أن أشرف الناس على الهلاك، وكان ابتداء النقص يوم الأربعاء، وذكر القاضى ابن السباك: أن جملة ما خرب من البيوت بالجانب الغربى خمسة آلاف وستمائة بيت. نقلت ذلك- وبعضه بمعناه- من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى، وقال فى تاريخه: إنه كتبه من كتاب ابن الساعى، وأنه اختصر بعضه.
ومن غريب ما وقع فى ذلك الغرق أن مقبرة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل تهدمت قبورها، ولم يبق إلا قبر الإمام أحمد فإنه سلم من الغرق، واشتهر هذا الأمر بها واستفاض.
قال: وورد كتاب شمس الدين بن منتاب يتضمن أن الماء حمل خشبا عظيم الخلقة، وزنت خشبة منه فكانت بالبغدادى ستمائة رطل، وجاء على الخشب حيّات كبار خلقتهن غريبة منها ما قتل، ومنها ما صعد فى النخل والشجر، وكثير منها مات، ولما نضب الماء أنبت على الأرض نباتا صورته صورة البطيخ، وشكله على قدر الخيار وفى طعمه محوحه [1] ، وأشياء غريبة الشكل من النبات. قال: ومحلة الصّراصرة صعد الماء فى دورها إلى الوسط وأكثر وأقل، وذكر أشياء من أمر الغرق اختصرتها، قال: وأما محلة الرقيقة [2] فإنها بقيت أرضا بغير حائط قائم، وغرقت مقبرة معروف، وتربة بنت المنذر وغيرها.
هذا ملخص ما حكاه مما لخصه هو، والله تعالى أعلم بالصواب.
__________
[1] لم يتضح بالأصل، ولعله تحريف «حموضة» .
[2] هكذا فى ك، وفى المراصد 2/627 الرقيق (شارع دار الرقيق) : محلة ببغداد متصلة بالحريم الظاهرى قال مؤلفه (صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق المتوفى سنة 739) قد بقيت منها بقية بها سوق الحريم الآن.
(33/196)

واستهلت سنة ست وعشرين وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لثانى عشر كيهك من شهور القبط
، والسلطان الملك الناصر بالوجه البحرى من الديار المصرية يتصيّد، والديار المصرية المحروسة فى غاية ما يكون من الرخاء والأسعار فى غاية الرّخص، والخبز العلامة ثمانية عشر رطلا بدرهم نقرة، والقمح الطيب الإردب بثمانية دراهم، والشعير الإردب بخمسة دراهم، والفول بستة دراهم، وسائر الحبوب رخيصة الأسعار إلى الغاية.
هذا، وقد قصّر النيل فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بحيث أن غالب بلاد الصعيد الأعلى صارت قليلة الرى جدا، ومع ذلك فإن الأسعار فى سائر أعمال الديار المصرية رخيصة متساوية، أو متقاربة فى الرخص.
وفى شهر المحرم من هذه السنة عاد السلطان من الوجه البحرى وتوجه إلى/ «دهشور» من الأعمال الجيزية، وعاد إلى قلعة الجبل فصعد إليها فى الساعة الثالثة من يوم الخميس ثانى عشر الشهر، وأقام بها إلى يوم السبت الحادى والعشرين من الشهر، وتوجه فى بكرة هذا النهار إلى جهة سرياقوس [1] ، ودخل الخانكاه الناصرية، ورسم بزيادة عدد القراء بها، لتكملة مائة، ثم توجه منها وعدّى إلى بر الجيزية، ورسم بإنشاء جسر بها يحبس الماء ويصرف منه إلى جهة البحيرة، وأمر الأمراء ورجال الحلقة المنصورة بعمله، فعمل فى صفر.
وتوجه السلطان إلى جهة الحمامات، وتصيد، ثم عاد إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من نهار الخميس ثانى شهر ربيع الأول، وتوجه إلى جهة سرياقوس، ثم توجه منها إلى الجيزية، ورتب من أحوال المباشرين ما نذكره، وتوجه من صفد إلى جهة الكحيليات لصيد الرخمة، فتصيد وعاد إلى قلعة الجبل فى العاشرة من يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول.
ذكر وصول رسل متملّك الحبشة
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل متملّك الحبشة [2] ،
__________
[1] سرياقوس: من القرى القديمة بمصر، وهى الآن إحدى قرى مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، تقع على الشاطىء الشرقى لترعة الإسماعيلية فى شمالى القاهرة، وتبعد عنها مسافة 18 كم.
[2] فى السلوك (2/270 حاشية 1) أن متملك الحبشة حينذاك هو جبرة مصقل، واسمه الأصلى «عمدة صيون» وكان حكمه من (712- 743 هـ) وكان فى هذه الفترة يشن حروبا كثيرة ضد مسلمى الحبشة وقد أورد المقريزى هذا الخبر موجزا مشيرا إلى فحواه، ومما يذكر أن الكنيسة الحبشية كانت فى تلك الفترة تابعة لبطاركة الإسكندرية من النصارى اليعاقبة، ولم يكن يعين مطرانها إلا من طائفة الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية، وانظر (صبح الأعشى 5/308) ودولة بنى قلاوون فى مصر ص 156.
(33/197)

ومثلوا بين يدى المقام الشريف السلطانى بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الاثنين سادس عشر المحرم.
وكان مضمون رسالتهم عن ملكهم أنه بلغه أن كنائس النصارى بالديار المصرية غلّقت، وأن النصارى فى ذلّة وهوان، والتمس من السلطان الإحسان إلى النصارى، وفتح كنائسهم، وأنهم متى لم يعاملوا بالإحسان عامل من ببلاده من المسلمين وما بها من المساجد كما يفعل بأهل دين النصرانية وكنائسهم بالديار المصرية، وذكروا عنه أنه قال: نيل مصر الذى به قوام أمرها وصلاح أحوال ساكنيها مجراه من بلادى، وأنا أسده، ونحو هذا من الكلام، فضحك السلطان من كلامهم، واستقل عقل مرسلهم، وعوملوا بغاية الإطّراح والإهانة، وعادوا إلى مرسلهم.
ذكر عزل وتولية من يذكر من أرباب المناصب الديوانية بالدولة الناصرية
وفى هذه السنة- فى يوم الجمعة ثامن عشر صفر- رسم بإفصال القاضى شمس الدين عبد الله المعروف بغبريال من نظر [النّظّار] [1] والصحبة بالديار المصرية، وخلع عليه، ورسم له بعوده إلى دمشق على عادته الأولى، عوضا عن كريم الدين عبد الكريم [2] المعروف [بكريم الدين] [3] الصغير، وتوجه على خيل البريد فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، فوصل إلى دمشق فى بكرة نهار الاثنين ثامن عشر من الشهر، ورسم بطلب كريم الدين إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى المخيم المنصور السلطانى بالجيزية فى يوم الاثنين ثالث عشر [4] شهر ربيع الأول، وكانت الشاعة [5] قد قويت أن السلطان يفوّض
__________
[1] الزيادة من السلوك (2/271) .
[2] فى السلوك (2/271) كريم الدين أكرم الصغير، وفى الدرر (1/400) أكرم بن خطيرة- أو خطير- القبطى، كريم الدين الصغير، وتسمى لما أسلم عبد الكريم، وهو ابن أخت كريم الدين الكبير.
[3] زيادة عن ابن حجر (الدرر 1/400) .
[4] فى السلوك (2/271) أن وصوله كان فى يوم الاثنين سادس ربيع الأول، وفى الدرر (1/401) أن عوده من دمشق إلى مصر كان فى أواخر السنة.
[5] فى ك غير واضحة، وفى «أ» رسمت «الساعة» والشاعة: الأخبار المنتشرة.
(33/198)

إليه نظر الدولة، ومن الناس من أشاع أنه يلى الوزارة، ومنهم من أشاع أنه يفوّض إليه نظر الوكالة السلطانية، وقلق الناس لذلك قلقا عظيما، فلما وصل إلى المخيّم السلطانى لم يجد قبولا من السلطان، وأنكر عليه إنكارا شديدا، ثم رسم له بملازمة داره بظاهر القاهرة، وطلب القاضى شرف الدين عبد الرحمن الخطير- وهو ناظر ديوان نائب السلطنة الشريفة- فى ليلة الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول، وفوض إليه نظر النّظّار والصحبة، على عادة شمس الدين غبريال، وخلع عليه، وذلك بمنزلة سفط [1] من الأعمال الجيزية، وباشر ذلك، واستمر كريم الدين بمنزله بخط بركة قرموط، ومنع من فتح بابه، واجتماع الناس إليه إلى أن عاد السلطان إلى قلعة الجبل، فكتب له توقيع بإشارة الوزير الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى بنظر منفلوط، ورسم له بتشريف على عادة نظّار الجهة، فقلق لذلك قلقا شديدا، فاعتنى به نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون، وخاطب السلطان فى أمره، وأوضح له التحامل عليه، فقطع التوقيع، وبطل ما كان قد رسم به فيه.
وفى ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر توجه كريم الدين المذكور إلى الحمّام فرصده جماعة [2] إلى أن خرج منه، فوثبوا عليه، وضربه أحدهم بسيفه، فالتقى الضربة بدبوسه، ثم هرب بفرسه، فسلم، وقتل اثنان ممن كانوا معه، وجرح الثالث، فأما أحد المقتولين فاحتمله الرجال الذين وثبوا على كريم الدين، فلم يعلم خبره، وأما الثانى فأثخنته الجراحة فمات فى يوم الاثنين صبيحة تلك الليلة، وأمسك الذى جرح وكان من الجند من أصحاب كريم الدين ممن كان معه فى الحمام، وقيل له: إنما كنت مع الذين قصدوا قتله، فاعتقل بسجن الولاية، وكان معه أيضا نفران من خير الحرسة، فمسكوا وقيّدوا، واستعملوهم فى جملة المقيدين بالعمارة السلطانية، وسأل كريم الدين عقيب هذه الحادثة أن يفسح له فى سكن القاهرة، فرسم له بذلك فسكنها.
__________
[1] فى ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 150) سفط نهيا: من أعمال الجيزية.
[2] فى السلوك (2/271) أن السلطان هو الذى رسم للوزير مغلطاى بقتل كريم الدين أكرم الصغير خفية، فتقدم الوزير إلى والى القاهرة بذلك، فوضع له أعينا يترقبون فرصة، إلى أن ركب من داره يريد الحمام بعد العشاء الآخرة من ليلة الاثنين رابع ربيع الآخر ... » ثم يسوق المقريزى بقية خبر كريم الدين بعبارة قريبة من عبارة النويرى هنا.
(33/199)

فلما كان فى يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر رسم السلطان بطلب كريم الدين وأولاده، فطلبوا إلى قلعة الجبل أشد طلب، وأحضروا بين يدى الوزير، / فطالبه بالمال، فقال: لا مال عندى، وأنا ما تعرضت لمال السلطان، وأشباه هذا من الكلام، فضرب ابنه سعد الدين فرج الله بالمقارع، وسلم ولده الصغير لمتولى القاهرة، وعرض كريم الدين على الضرب فوجد فى كمّه أوراقا تشتمل على مرافعات [1] ، وقصد الوزير أخذها منه، فامتنع، وقال: لا أسلمها إلا للسلطان، فطولع السلطان بذلك، فأرسل الأمير سيف الدين بلبان الساقى إليه، فتسلمها منه، وعرضت على السلطان، فطلب الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى الوزير، وأمره بالإفراج عن أولاد كريم الدين، وأن يكون هو عنده فى مكان من داره، ففعل ذلك فى اليوم المذكور، ثم رسم فى بقية النهار بعقوبة كريم الدين، وتقريره على المال، فسعّطه بالخل والجير [2] ، فناله من ذلك شدة عظيمة، حتى خرج الدم من حلقه، ورسم عليه وعلى ولده سعد الدين فرج الله فى بقية يوم السبت والأحد، ثم رسم بإخراجهما وإرسالهما إلى ثغر أسوان، فسأل كريم الدين أن يكون اعتقاله بغزّة، فلم يجب إلى ذلك، وأخرج من باب القرافة من فى أول يوم الاثنين الحادى عشر، شهر ربيع الآخر، هو وولده سعد الدين، فتسلمهما متوليا القاهرة ومصر وشادّ الصناعة، فتوجهوا بهما وحجّلا [3] فى سلّورة [4] ، وأرسلا إلى ثغر أسوان، وفرّق بينهما، فجعل كل منهما فى خنّ [5] لم يجتمع أحدهما بالآخر على ما بلغنى من المحقق للحال إلى أن وصلا إلى ثغر أسوان، فكان وصولهما فى ليلة الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، فأنزل بدار تعرف بدار يحيى، وهى الدار التى [أنزل] بها من قبل
__________
[1] عبارة السلوك (2/271) «وسلم أكرم إلى والى القاهرة فوجد فى كمه مرافعات فى جماعة من أهل الدولة..» .
[2] يقال: سعطه الدواء، وأسعطه الدواء: إذا أدخله فى أنفه، والعبارة الواردة تشير إلى نوع من أنواع التعذيب فى مصر فى العصور الوسطى، وانظر (السلوك 2/271 حاشية 3) .
[3] هكذا فى الأصل والمعنى قيدا، يقال حجل الدابة: قيدها، (المعجم الوسيط) .
[4] الضبط من السلوك (2/271) وعلق عليها محققه بأنها نوع من السفن، والجمع سلالير.
[5] الخن (والجمع أخنان) شبه المقاصير تكون فى السفن يأوى إليها الركاب من البرد وعند النوم ويرى فرامان L) L element Persanete (LL أن خن: معرب خانة الفارسية، ومعناها منزل (العرب والملاحة فى المحيط الهندى ص 227) .
(33/200)

كريم الدين الوكيل، فبات بها بعض ليلة الاثنين، ويوم الاثنين بكماله، وتوفى فى ليلة الثلاثاء فى الثلث الأول، ودفن فى بقية الليلة، ولم يصل عليه، ودفن بين مقابر المسلمين وأهل الذمة، أخبرنى بذلك القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السّيوطى [1] ، وهو الحاكم بثغر أسوان يومئذ.
ذكر وصول رسل الملك المجاهد متملك اليمن بالتّقادم
وفى هذه السنة فى سادس عشرين شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب الملكية السلطانية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام [2] على- المتقدم ذكره- وهو صاحب زبيد وتعزّ وما مع ذلك من بلاد اليمن، وهما: جمال الدين محمد بن يونس، وابن الجلال، وأحضرا على أيديهما كتاب مرسلهما، وتقادم وتحفا سنية، فمثلا بين يدى السلطان بعد عوده من الصيد، وقدما له ما أحضراه، فقبل ذلك، وأنعم عليهما بما جرت به عادة أمثالهما، وأعيدا إلى مرسلهما.
ذكر إرسال الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى إلى أبى سعيد
وفى يوم الخميس سابع جمادى الأولى من هذه السنة جهز السلطان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى الناصرى- أحد الأمراء مقدمى الألوف- برسالة وهدية جليلة إلى الملك أبى سعيد صاحب العراقين وخراسان وما مع ذلك، فتوجه فى هذا التاريخ [3] ، وأقام بحلب مدة، ثم رسم بتوجهه، فتوجه وكان عوده إلى الأبواب السلطانية فى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شعبان من السنة المذكورة.
__________
[1] فى ابن حجر (الدرر 2/194) شعيب بن يوسف بن محمد الأسيوطى، وهما واحد.
[2] الملك المجاهد نور الدين على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول ملك اليمن (العقود اللؤلؤية) .
وفى ابن حجر (الدرر 3/49) أنه ولى الملك بعد أبيه فى ذى الحجة سنة 721 هـ ومات سنة 764 هـ.
[3] ذكر المقريزى فى السلوك (2/272) أن موضوع الرسالة كان ترغيبه فى مصاهرة السلطان.
(33/201)

ذكر إرسال السلطان ولده إلى الكرك [1] المحروس
قد تقدم أن السلطان الملك الناصر فوّض نيابة الكرك إلى الأمير سيف الدين بهادر البدرى، فتوجه إليها، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد مولانا السلطان بالكرك، وجهز أيضا من ذكرنا من المماليك السلطانية، ولهج الناس أن السلطان قد عزم على إرسال ولده إلى الكرك.
فلما كان فى يوم الخميس السادس من جمادى الأولى، توجه السلطان فى أوائل النهار من قلعة الجبل إلى القصور بسرياقوس بعد أن قرر خروج ولده الأكبر الأمير أحمد- وسنه يومئذ نحو ثمانى سنين [2]- فتوجه من قلعة الجبل وقت المغرب من ليلة الجمعة السابع من الشهر، وتوجه فى خدمته الأمير سيف الدين قجليس الناصرى- أمير سلاح- ليوصله إلى الكرك، وأصحبه السلطان خزانة المال فيما بلغنى، وجهزها صحبة الأمير سيف الدين طقتمر الخزندار، وتوجهوا إلى الكرك، ووصلوا إليها، واستقر ولد السلطان بها، وعاد الأمير سيف الدين قجليس، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
ذكر تجديد عمارة البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة
/ وفى مستهل هذه السنة حصل الشروع فى إصلاح البيمارستان المنصورى والقبة والمدرسة، وكان الأمير جمال الدين آقش الأشرفى- ناظر الأوقاف قبل ذلك- قد رسم ألا يترك أحدا من المرضى بالبيمارستان، ومن هو فى أوائل يخرج منه، فخلت بذلك الأواوين من المرضى وأكثر القاعات، ولم يبق بالبيمارستان إلا الممرورون [3] وبعض المرضى، وحصل الشروع فى العمارة، فأصلحت العمران [4] وجدّد البياض والأدهان، ونحت ظاهر القبة والمدرسة
__________
[1] الكرك- بفتحتين- قلعة حصينة جدا فى طرف الشام من نواحى البلقاء فى جبالها، وتقع على جبل عال (مراصد الاطلاع 3/1159) .
[2] ترجمته فى الدرر (1/294 وما بعدها) وفيه أن مولده كان فى سنة 716 هـ فيكون عمره حين أرسل إلى الكرك عشر سنين.
[3] الممرورون: جمع ممرور، وهو المصاب بمرض فى مرارته (المعجم الوسيط) .
[4] كذا بالأصل، والعمران: البنيان. والراء فى رسمها أقرب إلى صورة الدال فلعلها العمدان، ولو أنه لم يسمع جمع العمود على عمدان، وانظر السلوك (2/273) .
(33/202)

والمئذنة بالأزاميل، واستمرت العمارة إلى أواخر جمادى الأولى، وخلت الأواوين الأربعة بالبيمارستان من مستهل هذه السنة إلى يوم الثلاثاء حادى عشر جمادى الأولى، فرسم فى هذا اليوم بتنزيل المرضى، وكان جملة ما صرف على هذه العمارة يقارب ستين ألف دينار [1] .
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى برقة
وفى هذه السنة حضر الأمير فايد بن غرّاز ومعه سليمان بن خالد [2] ، وأنهيا إلى السلطان أن العربان ببرقة منعوا الزكاة [3] ، وهى مقطعة لهما، ولمن معهما من رفقتهما، بمنشور سلطانى، فأمر السلطان بطائفة من العسكر المنصور، وهم: الأمير سيف الدين أسندمر العمرى وهو المقدم على الجيش، والأمير سيف الدين بلكتمر [4] الإبراهيمى السلحدار، والأمير سيف الدين قطلوبغا الطويل، والأمير عز الدين أيدمر العلائى الجمقدار، وجماعة من أجناد الأمراء من كل أمير مائة جنديان، ومن كل أمير طبلخاناه جندى واحد، وتوجهوا فى العشر الأخر [5] من جمادى الأولى، وكان عودهم فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان من السنة.
ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال [6] الحاجب
وفى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبعمائة، فوض السلطان نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال الحاجب- وهو حاجب الميسرة- عوضا عن الأمير بهادر قرطاى الصالحى العلائى، وخلع عليه، ولم يجر فى التشريف على عادة من
__________
[1] فى السلوك (2/273) أن نفقات هذه العمارة كلها من مال السلطان دون مال الوقف.
[2] ذكر المقريزى (السلوك 2/272) أن هذين القادمين كانا أميرى العربان ببرقة.
[3] فى المصدر السابق «.. وكانت شكواهم من العربان أنهم منعوا زكاة الغنم» .
[4] كذا فى الأصل، وفى السلوك (2/272) ملكتمر.
[5] فى المصدر السابق «أن خروجهم كان فى الثانى والعشرين من جمادى الأولى.
[6] أورد المقريزى هذا الخبر فى السلوك (2/272) وذكر أن السلطان حين ولاه نيابة طرابلس أمر بزيادة إقطاعه وعقد له على إحدى بناته، وقد ترجم له ابن حجر فى (الدرر 2/232) وذكر طائفة من أخباره، وكانت وفاته سنة 752 هـ.
(33/203)

تقدمه، فإنه خلع عليه طردوحش، وعادة نائب هذه المملكة الأطلس المعدنى بالطّرزالزّركش، ونقل الأمير بهادر قرطاى [1] المذكور إلى دمشق من جملة الأمراء مقدمى الألوف، وأقطع إقطاع الأمير بدر الدين بكتوت القرمانى، وكان القرمانى قد اعتقل فى تاسع عشرين جمادى الأولى، وسبب اعتقاله أنه رسم له أن يتوجه إلى متملّك سيس، لإحضار ما عليه من القطيعة فى كل سنة، فاستعفى من ذلك، وامتنع من الاجابه إليه، فرسم باعتقاله بدمشق، فاعتقل بقلعتها.
واستمر بالاعتقال بها إلى ليلة الأحد حادى عشر شوال سنة سبع وعشرين، فأخرج من القلعة مقيدا، وحمل على خيل البريد إلى الديار المصرية بعد أن وكّل وأوصى، ولما فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسيّة إلى الأمير سيف الدين طينال المذكور تألّم لذلك، ومرض وانقطع فى بيته أياما، ثم عوفى، وتوجه إلى المملكة الطّرابلسية على خيل البريد فى يوم السبت ثالث عشر الشهر المذكور، وتوجه طلبه بعد ذلك، فكان خروج طلبه من القاهرة يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب، من السنة، ورسم بقيمة الإقطاع الذى كان لطينال بالديار المصرية- وهو الإقطاع الذى انتقل إليه عن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب- فأعطى الأمير سيف الدين قوصون منه «فاتوا وتقليفه [2] » من الأعمال الفيومية زيادة على إقطاعه، وكمل له بذلك مائة فارس، وقدّم على ألف، وأعطى أطفيح [3] ودلجة [4] للأمير ناصر الدين محمد بن نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون الناصرى عوضا عن إقطاعه، وخرج إقطاعه الذى كان بيده لغيره.
__________
[1] لم يورده ابن حجر فيمن اسمه بهادر، وذكر فى ترجمة قراطاى الأشرفى الجوكندار ما يدل على أنه هو الذى ناب فى طرابلس سنة 726 ثم أمر بدمشق فى هذه السنة، ثم أعيد إلى نيابة طرابلس سنة 733، وكانت وفاته سنة 734 هـ وفى السلوك (2/272) ورد اسمه شهاب الدين قرطاى الصلاحى.
[2] هكذا فى ك، وفى ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 167) ورد اسمها (فانو ونقليفه) وعدها فى أعمال الفيومية، وأشار محققه إلى بعض التحريف فى نسخ الأصل الخطبة.
[3] أطفيح: من القرى القديمة واقعة على الضفة الشرقية للنيل جنوبى حلوان، وهى تابعة لمركز الصف فى محافظة الجيزة.
[4] دلجه: قرية فى صعيد مصر فى الجبل بعيدة عن شاطىء النيل (مراصد الاطلاع 1/531) .
(33/204)

ذكر الجلوس بخانقاة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بالقرافة
وفى يوم الثلاثاء ثامن رجب الفرد من السنة حصل الجلوس بخانقاة أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر [1] الساقى الناصرى بالقرافة، وحصل الاحتفال بذلك، وحضر مشايخ الصوفية وغيرهم، ومدّ سماط عظيم، ورتّب فى مشيختها وإمامتها الشيخ شمس الدين الرومى المعروف بالطّويل [2] ، وكان قبل ذلك إماما بصفّة النفيس بالخانقاة الصلاحية بالقاهرة، ورتب له على وظيفة المشيخة فى كل شهر مائة درهم، وعن الإمامة خمسون درهما، ورتّب بها عشرون صوفيا، لكل منهم فى الشهر ثمانون/ درهما من غير خبز ولا طعام ولا غيره.
ذكر وصول رسل التتار وأقارب السلطان إلى الأبواب السلطانية
وفى يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، وصحبتهم- من أقارب السلطان- سيف الدين طايربغا [3] وولده يحيى، فمثل الرسل بين يدى السلطان فى هذا النهار، وشملهم الإنعام بالتشاريف، وكان طايربغا وولده قد وصلا فى يوم الأحد ثالث عشر الشهر، ومثلا بين يدى السلطان، وذكر طايربغا ما دلّ على صدق دعواه فى انتسابه، فلما كان فى يوم الخميس سابع عشر الشهر أمر السلطان الأمير سيف الدين طايربغا بطبلخاناه، وأمر ولده يحيى بعشرة، وأمر أيضا أخا [4] الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بطبلخاناة، وأمر أحد المماليك بحلب وذهبوا بشعار الإمرة من المدرسة المنصورية [5] بالقاهرة على العادة، وخلع على الرسل مرة ثانية، وأعيدوا إلى مرسلهم فى يوم الخميس رابع عشرين الشهر.
__________
[1] فى ك بكتمش، وما أثبتناه فى الموضعين من السلوك (2/273) والنجوم (9/284) وهذه الخانقاه أوردها المقريزى فى الخطط (2/423) وذكر أنها بطرف القرافة فى سفح الجبل مما يلى بركة الحبش، وفى النجوم الزاهرة (9/284 حاشية 3) تحديد أدق لموقعها الحالى.
[2] شمس الدين الرومى: محمد بن محمد شيخ خانقاه بكتمر الساقى، وسيورد النويرى ترجمته فى وفيات 730.
[3] فى الأصل «طاربغا» وما أثبتناه بضبطه عن السلوك (2/273) والنجوم (9/88) .
[4] فى السلوك (2/273) وفى سابع عشرة (يعنى شهر رجب) أنعم على أحمد بن بكتمر الساقى بإمرة، فلعله المقصود هنا.
[5] المدرسة المنصورية: كانت بخط بين القصرين، وانظر النجوم (7/325 حاشية 2) .
(33/205)

ذكر وصول رسل جوبان [1]
ثم وصل من جهة الأمير جوبان المذكور فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر رمضان ثلاثة من أعيان الصوفية على خيل البريد برسالة مضمونها: السؤال فى مصاهرة السلطان لابن الأمير جوبان على إحدى بناته، فمثلوا بين يدى السلطان، وكان من جملة سؤالهم عن مرسلهم، أن يكون الذى يمشى بينهم فى الخطبة الشيخ تقى الدين بن تيمية، وكان قد اعتقل على ما نذكره، فأجيبوا عن ذلك أن المذكور فى حبس الشرع لأمور صدرت عنه، ورسم السلطان للقاضى بدر الدين أن يسمع كلام الرسل، فسمع كلامهم، ثم أعيدوا إلى مرسلهم على خيل البريد.
وفيها فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان أفرج السلطان عن الأمير سيف الدين بلبان طرنا [2] نائب المملكة الصّفدية كان، وكان فى الاعتقال منذ انفصل من نيابة السلطنة بالمملكة الصّفدية وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة بدمشق، ثم نقل بعد ذلك إلى مقدمة ألف.
وفيها- فى سلخ شعبان- احترقت مدينة بيسان [3] من غور الشام حريقا فاحشا، وأكثر عمارتها بالقصب، فلذلك أسرعت النار فيها. ثم طفئت، وأعيد ما احترق.
ذكر وصول صاحب حصن كيفا [4] إلى الأبواب السلطانية، وعوده إلى بلاده، وخبر مقتله وملك أخيه
وفى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية فى قلعة الجبل المحروسة الملك الصالح صلاح الدين يوسف بن
__________
[1] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/541) ووصفه بالأمير الكبير نائب المملكة القانية، وذكر أن الملك أبا سعيد- ملك التتار- تزوج ابنته.
[2] الضبط من الدرر (1/494) وفيه أنه اعتقل فى سنة 714 بسعاية تنكز، وأفرج عنه فى سنة 726 وفى السلوك (2/274) أنه بقى فى اعتقاله إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر، وسبعة أيام، وكانت وفاته فى سنة 734 هـ.
[3] فى الأصل بستان، وما أثبتناه عن (مراصد الاطلاع 1/241) ففيه: بيسان: مدينة بالغور الشامى.
[4] حصن كيفا- بفتح فسكون- ويقال كيبا: بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر (مراصد الاطلاع 2/407) وانظر السلوك (2/276 حاشية 2) .
(33/206)

الملك الكامل سيف الدين أبى بكر [1] شادى ابن الملك الموحّد تقى الدين عبد الله بن الملك المعظم غياث الدين طورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وهو صاحب حصن كيفا.
وكان سبب حضوره أنه أقام مدة سنين لا ينزل من الحصن إلى نواب الملك أبى سعيد إذا حضروا إلى البلاد على جارى عاداتهم، بل يرسل إليهم الهدايا والتقادم الجارية بها العادة، وتحصن بالحصن، ثم شرع بنهب من ينفرد من التتار، ويتعرض إلى إقطاع الأمير الذى أقطع له أعمال حصن كيفا، فشكاه الأمير المقطع إلى الملك أبى سعيد، وقال: إنه يأخذ أكثر ما يتحصل من إقطاعه، وأنهى إلى الملك أنه عصى بالحصن، وأنه لا ينزل إلى نائب الملك إذا وصل، فكتب أبو سعيد إلى نائبه فى تلك الجهة يستعلم منه: هل هو فى الطاعة على عادته أو خرج عنها؟ فأجابه النائب أنه على عادته فى الطاعة، وأنه ينزل إليه إذا حضر إلى جهة الحصن، وأرسل النائب إلى الملك الصالح المذكور يعرفه ما ورد عليه، وما أجاب به، وقدم إليه تقادم كثيرة بسبب ذلك، وواعده أنه إذا وصل إلى الحصن ينزل إليه، ثم خاف على نفسه أنه إن نزل إليه قبض عليه، فحضر إلى الأبواب السلطانية، وأشاع أنه إنما حضر بسبب الحج. أخبرنى بذلك المحقق للحال، وهو الأمير علاء الدين على بن الملك الموحّد، وهو عم الملك الصالح.
ولما وصل الملك الصالح إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية شمله الإنعام السلطانى بتشريف طردوحش بقصب وكلّوته [2] بزركش، وحياصة ذهب،
__________
[1] هكذا فى الأصل، وفى السلوك (2/276) سيف الدين أبو بكر بن شادى.
[2] الكلوته- بتشديد اللام المضمومة- فارسية معناها الطاقية الصغيرة المصنوعة من الصوف، المضربة بالقطن، كانت غطاء الرأس فى الدولتين: الأيوبية والمملوكية، وكانت شارة الأمراء لبسها بغير عمامة فوقها، ولا كلاليب تعقد تحت الذقن وهى الكلبندات. وانظر صبح الأعشى (4/49) وخطط المقريزى (2/98 و 217) ودوزى (الملابس عند العرب ص 378) .
(33/207)

وثلاثين [1] ألف درهم، ورسم له بعوده إلى مملكته بحصن كيفا، وكتب على يده كتابا إلى الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد يتضمن الوصية به، والإحسان إليه، وأعاده فى العشر الأوسط من الشهر على خيل البريد إلى دمشق المحروسة، وتوجه/ منها على خيله بمن حضر معه من إلزامه، وكتب السلطان إلى نائب السلطنة بحلب المحروسة أن يجرد معه من العسكر الحلبى خمسمائة فارس ومائتى فارس من العربان- من كلاب- إلى أن يصل إلى مأمنه، فتوجهوا معه إلى أن شارف بلاده وأعادهم وحال وصوله إلى الحصن وثب عليه أخوه شقيقه الملك العادل محيى الدين فقتله، وملك الحصن بعده، وكتب إلى الملك أبى سعيد، وأنهى إليه أنه إنما قتله لأنه كان باغيا، وتوجه إلى الديار المصرية، وحضر إلى البلاد بعسكر، وقصد إفساد البلاد، فأقره الملك أبو سعيد على الحصن، وطالع الملك العادل محيى الدين هذا الأبواب السلطانية [بذلك] ، واعتذر عن قتله، وجهّز مختصرا يتضمن سوء سيرته، وطالع نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس أيضا بمثل ذلك، وسأل الصفح عنه فيما فعل، وأنه إنما قتل لسوء سيرته [2] ، ومن قتله من أهله، فسكن الحال فى ذلك.
وفيها فى يوم الخميس خامس شوال توجه الأمير سيف الدين أرغن [3] الناصرى نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف هو وأولاده وابنة السلطان زوجة ولده، الأمير سيف الدين وأولاده، وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل فى الثالثة من هذا اليوم.
وفيها- فى يوم الجمعة خامس ذى القعدة- قرىء بالجامع على المنابر بالقاهرة ومصر مثال [4] شريف سلطانى، مضمونه الإعفاء من المظالم، وطرح الأصناف على التجار والمبعثين، ومنع الولاة من الضرب بالمقارع، وإبطال المقدمين من أبواب الولاة.
__________
[1] فى السلوك (2/276) وبعث له عشرة آلاف درهم، ثم ذكر أن السلطان أنعم عليه حال رحيله بألف دينار.
[2] أورد المقريزى فى (السلوك 2/277) المقصود بسوء سيرته، وعبارته «وكتب محيى الدين إلى نائب الشام يقول: أنه لم يقتله إلا لما ثبت عليه من شرب الخمر والفسق وقتل الأنفس، واستباحة الأموال والتلفظ بالكفر غير مرة» .
[3] يرد رسمه فى السلوك (2/277) والنجوم (9/289) «أرغون» بواو بعد الغين.
[4] عبارة السلوك (2/278 فى هذا الموضع: «وفيها كتب مرسوم السلطان- وقرىء على المنابر- بألا يضرب أحد فى ديار مصر والشام بالمقارع، والمثال والمرسوم فى لغة مؤرخى هذا العصر بمعنى واحد.
(33/208)

/ (214) ذكر خبر مولود ولد فى هذه السنة
أخبرنى ركن الدين عمر بن الشيخ الصالح ناصر الدين محمد بن الشيخ الصالح العارف إبراهيم بن معضاد بن شدّاد بن مالك بن ماجد القشيرى الجعبرى [1] نفع الله به وببركات أسلافه الصالحين أنه ولد له فى الساعة الرابعة من الليلة المسفرة عن رابع عشر ذى الحجة سنة ست وعشرين وسبعمائة ولد من موطوءته سماه موسى، وأنه أقام فى بطن أمه منذ حملت به سنتين وشهرين، وحين وضعته لم تر معه دما كثيرا ولا ماء، بل أرمت على [2] عادة الحوامل لتسعة أشهر وأنه وضع قوى اليافوخ غير ليّنه على هادة المولود حين يولد، قال: وطلعت أسنانه لشهرين وثلاثة أيام من مولده، وقال: ومشى فى غرّة الشهر الخامس من مولده، أنشأه الله تعالى نشأة صالحة.
ذكر خبر إجراء الماء إلى مكة شرفها الله تعالى
وفى هذه السنة أجريت عين إلى مكة شرفها الله تعالى، وكان وصول الماء إليها فى الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة وذلك أن الأمير جوبان/ (215) نائب الملك أبى سعيد صاحب العراقين وخراسان اهتم بهذا الأمر اهتماما عظيما، وأرسل بعض التجار بجملة كثيرة من المال، يقال: إنه نحو ثلاثمائة ألف درهم، فبذلها فى إجراء الماء إلى مكة، ويسر الله تعالى ذلك له، وحصل الظفر بآثار العيون القديمة التى كانت أجريت فيما سلف من السنين، وقطع التراب الذى كان يمنع جريان الماء، ونظف فجرت العين بماء كثير.
وهذه العين قد كانت قديمة، وقد ذكر الشيخ أبو الوليد محمد بن [عبد الله [3]] الأزرقى فى (أخبار مكةما أجرى فى الحرم من العيون، فقال:
ما ملخصه [4]- وبعضه بمعناه-: أن رجلا من بنى سليم قال لعمر بن الخطاب
__________
[1] وردت ترجمته فى ابن حجر (الدرر 3/297) وذكر أنه ولد بقلعة جعبر سنة 650 هـ، وأن وفاته فى المحرم سنة 734 هـ.
[2] يقال: أرمى على كذا، أى زاد عليه.
[3] الزيادة وردت فى اسمه كما جاء فى كتابه «أخبار مكة» برواية أبى محمد إسحاق بن أحمد بن إسحاق (ط. ليبزج 1858 م) ففى ص 3 «هو أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد بن الوليد بن عقبة الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبى شمر الغسانى الأزرق» .
[4] راجع هذا الخبر فى كتاب: أخبار مكة من ص 442- 445.
(33/209)

رضى الله عنه بمكة: يا أمير المؤمنين، أقطعنى حيف الأرين [1] حتى أملأه عجوة، فقال له عمر: نعم، فبلغ ذلك أبا سفيان بن حرب، فقال: دعوه فليملأه ثم لينظر [أينا يأكل جناه] [2] ، فبلغ ذلك السلمى فتركه، فكان أبو سفيان يدعيه، ثم كان معاوية هو الذى عمله وملأه عجوة، وذلك أنه أجرى فى الحرم عيونا عشرة [3] ، واتخذ لها أخيافا [4] ، فكانت حوائط [5] فيها النخل والزرع، ذكرها أبو الوليد فى كتابه، قال أبو الوليد: واتخذت بعد ذلك ببلدح عيون سواها، ومنها: عين سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ببلدح، وحائط سفيان، والخيف الذى أسفل منه.
قال ثم انقطعت عيون معاوية تلك وذهبت، فأمر أمير المؤمنين/ (216) هارون الرشيد بعيون منها فعملت وأحييت وصرفت فى عين واحدة يقال لها الرشاد؛ لتسكب فى المأجلين [6] اللّذين أحدثهما الرشيد بالمعلى [7] ، ثم تسكب فى البركة التى عند المسجد الحرام، ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون فى شدّة الماء، وكان أهل مكة والحاج يلقون من ذلك المشقة، حتى أن الرواية لتبلغ فى الموسم عشرة دراهم وأكثر وأقل.
فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبى الفضل جعفر بن المنصور، فأمرت فى سنة أربع وتسعين ومائة بعمل بركتها التى بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل لم يكن فيه رى لأهل مكة، وغرمت فى ذلك غرما عظيما، فبلغها ذلك، فأمرت [جماعة من] [8] المهندسين أن يجروا/ لها عيونا من الجبل، فأرسلت بأموال عظيمة، ثم أمرت من نزف [9] عينها الأولى، فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العين، وعملت هذه العين بأحسن ما يكون من العمل، حتى بلغت ثنية جبل، وإذا الماء لا يظهر فى
__________
[1] الضبط من الأزرقى ص 442، وفى مراصد الاطلاع 1/64 خيف الأرين موضع ورد فى حديث أبى سفيان «.. أقطعنى خيف الأرين أملأه عجوة» .
[2] لم يتضح في ك، وما أثبتناه عن أص 215، والأزرقى ص 442
[3] عدّد الأزرقى هذه العيون العشر مفصلة (ص 442- 444) .
[4] الأخياف: جمع خيف، وهو ما انحدر من غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء (المعجم الوسيط) .
[5] الحوائط جمع حائط، ومعناه هنا البستان.
[6] الواحد ماجل: مستنقع الماء، وأبو عبيد يهمزه فيقول مأجل والجمع مآجل (لسان العرب) .
[7] فى الأزرقى 444 «فى المأجلين اللّذين أحدهما لأمير المؤمنين بالمعلاة» .
[8] الزيادة من الأزرقى ص 444
[9] فى «ك» «من يرف» والمثبت من «أ» ص 216، وفى الأزرقى «يزن» .
(33/210)

ذلك الجبل إلا بعمل شديد، وضرب فى الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت فى ذلك من الأموال ما لا يمكن أن تطيب به نفس كثير من الناس [1] حتى أجراها الله عز وجل لها، وأجرت فيها عيونا من الحلّ منها: عين من المشاش [2] واتخذت لها بركا تجتمع فيها السيول إذا جاءت، ثم أجرت لها عيونا من حنين، واشترت/ (217) حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السيل، فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها.
قال: ثم إن أمير المؤمنين أمر صالح بن العباس فى سنة عشرين [3] ومائتين أن يتخذ لها بركا من السوق خمسا، لئلا يتعنّى [4] أهل أسفل مكة والثّنيّة وأجيادين [5] والوسط إلى بركة أم جعفر، فأجرى عينا من بركة البطحاء [6] عند شعب ابن يوسف من وجه دار ابن يوسف، ثم تمضى إلى بركة عند الصّفا، ثم تمضى إلى بركة عند الحنّاطين، ثم تمضى إلى بركة بفوّهة سكة الثنية دون دار أويس، ثم تمضى إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة، ثم تمضى فى سرب ذلك إلى مأجل أبى صلاية، ثم إلى المأجلين اللذين فى حائط ابن طارق بأسفل مكة [7] ، فهذه العين التى أجريت الآن إنما هى من ذلك الأصل القديم.
وكان السلطان الملك الناصر قد عزم على إجراء هذه العين، فصرفه بعض أرباب الأمر من أتباعه عنها، وقال: «إن هذا متعذر الإمكان» فلما أجريت الآن تألّم السلطان من كون هذه الحسنة العظيمة لم تجر على يديه.
__________
[1] عبارة الأزرقى فى هذا الموضع «.. ما لم يكن تطيب به نفس كثير من الناس» .
[2] الضبط من المراصد 3/1273 وفيه: «المشاش: قناة ماء بجبال الطائف يجرى بعرفات ويصل إلى مكة» .
[3] هكذا فى أ، ك، وفى الأزرقى ص 445 «فى سنة عشر ومائتين» .
[4] لم يتضح فى أ، ك، وما أثبتناه من الأزرقى.
[5] أجيادان: محلتان بمكة (المراصد 1/33) .
[6] عبارة الأزرقى 445 «فأجرى عينا من بركة أم جعفر من فضل مائها فى عين تسكب فى بركة البطحاء عند شعب ابن يوسف» .
[7] أورد الأزرقى (445) تتمة لهذا الخبر فقال: «ولما فرغ صالح بن العباس منها ركب بوجوه الناس إليها، فوقف عليها حين جرى فيها الماء، ونحر عند كل بركة جزورا، وقسم لحمها على الناس» .
(33/211)

ذكر عدة حوادث كانت بدمشق فى سنة ست وعشرين وسبعمائة خلاف ما ذكرنا
فى هذه السنة وصل إلى دمشق فى يوم الأحد منتصف المحرم الأمير محمد ابن عبد القادر بن يوسف بن الأمير أبى القاسم عبد العزيز بن الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، فرسم نائب السلطنة بالاحتياط عليه، وطولع فى أمره الأبواب السلطانية، ورسم أن يعود إلى أهله، فرجع، ولم يدخل مدينة دمشق.
قال الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه عنه: وهو رجل حسن فيه أدب ومعرفة وديانة، اجتمعت به وسألته عن مولده، فذكر أنه قبل دولة اليهود بسنة، وكانت دولة اليهود سنة تسعين وستمائة، وسألته عن مولد أبيه، فذكر أنه قبل سنة براق فى الدولة العباسية، قال: وسألته عن مولد جدّه، فذكر أنه فى واقعة بغداد كان عمره سبع سنين أو ثمان سنين، وذكر أن جد والده عبد العزيز توفى قبل أخذ بغداد بسنة أو نحوها/ (218) .
وفى هذه السنة فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الأول ضربت عنق ناصر بن أبى الفضل بن إسماعيل الهيتى المقرئ الصالحى بسوق الخيل بدمشق، وسبب ذلك أنه ثبت عليه الزندقة، وكان المذكور حسن الصوت بالقراءة، وصحب ابن الباجربقّى، وابن المعمار وغيرهما، فانحلت عقيدته، وشهد عليه فى ذلك بما تقدم، فهرب إلى بلاد الروم [1] ، ثم عاد إلى حلب فى أواخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وحضر عند قاضى القضاة بها كمال الدين ابن الزّملكانىّ الشافعى، وتاب وقبل توبته، وحقن دمه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الزندقة فحمل إلى دمشق، وثبت عليه ما تلفظ به، فحكم بإراقة دمه [2] فنسأل الله العافية فى ديننا وفى دنيانا.
وفيها فى يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الأولى ضربت عنق «توما بن عبد الله النصرانى» من قرية الحمّان، كان قد أسلم على يدى الشيخ تقى الدين
__________
[1] فى ابن حجر (الدرر 4/387) أنه هرب إلى ماردين، ثم فر منها إلى حلب.
[2] فى شذرات الذهب (6/74) أن ثبوت زندقته كان على يد القاضى شرف الدين بن مسلم الحنبلى، ونقل الثبوت إلى شرف الدين المالكى فأنفذه، وحكم بإراقة دمه، وعدم قبول توبته.
(33/212)

ابن تيمية قديما، وجاور بالمئذنة الشرقية بجامع دمشق مدة، ثم ارتد، وتكلم فى القرآن بكلام، وقامت البينة عليه بذلك عند قاضى القضاة شرف الدين المالكى بدمشق، فحكم بإراقة دمه، فقتل.
ذكر اعتقال الشيخ تقى الدين بن تيمية
وفى هذه السنة- فى يوم الاثنين السادس من شعبان-/ (219) اعتقل الشيخ تقى الدين أحمد [1] بن تيمية بقلعة دمشق المحروسة، حسب الأمر الشريف السلطانى، واعتقل معه أخوه زين الدين عبد الرحمن [2] ، ومنع من الفتيا واجتماع الناس به.
وسبب ذلك أنه أفتى أنه لا يجوز زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قبر إبراهيم الخليل، ولا غيرهما من قبول الأنبياء والصالحين، وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبى بكر [3] إمام المدرسة الجوزية فى هذه السنة لزيارة البيت المقدس، فرقى منبرا فى حرم القدس الشريف، ووعظ الناس وذكر هذه المسألة فى أثناء وعظه، وقال: ها أنا من هنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس [4] ، وعمل مجلس وعظ، وأعاد كلامه، وقال:
ولا يزار قبر النبى صلى الله عليه وسلم، ولا يزار إلا مسجده، فقصد أهل نابلس قتله،/ فحال بينهم وبينه متولّيها، وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق بما وقع منه، فطلبه قاضى القضاة شرف الدين المالكى، فتغيب عنه، وبادر بالاجتماع بقاضى القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلى قاضى الحنابلة، وتاب عنده، وقبل توبته، وحقن دمه، ولم يعزّره.
__________
[1] ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم الخضر بن على بن عبد الله.
سيورد النويرى ترجمته فى وفيات سنة 728 هـ، وانظر أيضا: الدرر 1/144- 160) المنهل الصافى (1/336- 340) .
[2] ترجم له ابن حجر (الدرر 2/329) وذكر أنه كان يشتغل بالتجارة مع ما كان له من علم وفضل وأنه حبس نفسه مع أخيه تقى الدين بالإسكندرية وبدمشق محبة له وإيثارا لخدمته. مولده سنة 663 هـ، ووفاته سنة 747 هـ.
[3] ابن قيم الجوزية، ترجمته فى الدرر (3/400) والوافى بالوفيات (2/270) وفيهما أن مولده فى صفر سنة 691 هـ ووفاته فى رجب سنة 751 هـ، وانظر تتمة هذا الخبر فى السلوك (2/273) .
[4] الضبط من مراصد الاطلاع 3/1347، وفيه أنها مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين مستطيلة لا عرض لها بينها وبين المقدس عشرة فراسخ.
(33/213)

فنهض الفقهاء بدمشق عند ذلك، وتكلموا على الشيخ تقى الدين، وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه، وذكروا هذه المسألة وغيرها [1] ، فأفتى العلماء بكفره، وعرضت/ (220) الفتيا على نائب السلطنة بالشام، الأمير سيف الدين تنكز، فطالع السلطان بذلك، فجلس السلطان فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رجب بالميدان الذى هو بذيل قلعة الجبل، وأحضر القضاة والعلماء، وعرض عليهم ما ورد فى أمره من دمشق، فأشار قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى باعتقال تقى الدين المذكور، فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا، ومنع الناس من الاجتماع به، وأن يؤدّب من هو على معتقده، وتوجه البريد بذلك، فوصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سادس شعبان، فاعتقل، وقرىء المثال السلطانى بعد صلاة الجمعة العاشر من الشهر على السدة بجامع دمشق.
ثم طلب قاضى القضاة القزوينى جماعة من أصحاب تقى الدين فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر إلى المدرسة العادلية [2] ، وكانوا قد اعتقلوا بسجن الحكم، فادعى على العماد إسماعيل صهر الشيخ جمال الدين المزّى أنه قال: إن التوراة والإنجيل لم يبدّلا، وأنهما كما أنزلا، فأنكر، فشهد عليه بذلك، فضرب بالدّرّة، وأشهر وأطلق.
وادعى على عبد الله الإسكندرى، والصلاح الكتبى، وغيرهما بأمور صدرت منهم، فثبت ذلك عليهم، فضربوا بالدرة، وأشهروا فى البلد.
وطلب الشمسى أمام المدرسة الجوزية وسئل/ (221) عما صدر منه فى مجلس وعظه بالقدس ونابلس، فأنكر ذلك، فشهد عليه من حضر مجلسيه بما تلفظ ممن كان قد توجه من عدول دمشق لزيارة البيت المقدس، فثبت ذلك عليه فضرب بالدّرّة، وأشهر على حمار بدمشق والصالحية [3] ، وقيّد، واعتقل
__________
[1] فى السلوك (2/273) إشارة إلى أن من المسائل التي أخذت على ابن تيمية قوله: «أن الطلاق بالثلاث لا يقع بلفظ واحد» . وأورد ابن حجر فى ترجمته مسائل أخرى مما أخذ عليه (الدرر 2/266) .
[2] المدرسة العادلية: هما عادليتان: العادلية الكبرى، والعادلية الصغرى، والمراد هنا الكبرى التى بناها نور الدين محمود بن زنكى، ولم يتمها، ثم بنى بعضها الملك العادل سيف الدين، وأوقف عليها قرى دريج وركيس ونيطا، ثم بناها بعده الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو صلاح الدين (الدارس فى تاريخ المدارس 1/359- 362) .
[3] الصالحية: قرية كبيرة ذات أسواق وجامع فى سفح جبل قاسيون المشرف على دمشق، وأكثر أهلها مهاجرة من نواحى بيت المقدس (مراصد 2 ص 830) أنشئت على رأس المائة الخامسة، وسببها مهاجرة المقادسة حين استيلاء الإفرنج على بيت المقدس (المروج السندسية فى تلخيص تاريخ الصالحية ص 2) .
(33/214)

بقلعة دمشق، فلم يزل فى الاعتقال إلى يوم الثلاثاء العشرين من ذى الحجة سنة ثمان وعشرين، فأفرج عنه فى هذا اليوم، وحضر إلى قاضى القضاة الشافعى، فشرط عليه شروطا، فالتزمها، وأطلق.
وفى هذه السنة فى ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول توفى الشيخ عز الدين [1] بن أبى زكريا يحيى بن الشيخ الخطيب شمس الدين إبراهيم بن شيخ الإسلام عز الدين أبى محمد بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمى الدمشقى، وكانت وفاته بالقاهرة بسكنه بحارة بهاء الدين، ودفن بالقرافة بتربة جده الشيخ عز الدين، وتوليت تجهيزه ودفنه بوصية منه إلىّ، وكان قد أوصانى ألا أدفنه إلا خارج باب التربة، فدفنته هناك حيث أوصى، وكانت قد طالت مرضته، مرض فى أثناء شوال، ومولده بدمشق فى يوم الأحد عاشر صفر سنة ثمان وخمسين [2] وستمائة، وسمع من النجيب فراس بن العسقلانى، وابن الأوحد وغيرهما، وحدّث قبل وفاته، وكان رحمه الله تعالى يباشر الأشغال الديوانية، والأوقاف، وآخر مباشراته شهادة الحوائج خاناه السلطانية بقلعة الجبل المحروسة.
وفيها فى ثامن شهر ربيع الأول توفى الشيخ الصالح شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العارف القدوة السيد الشريف أبى الحسن على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف الشاذلى الحسنى، وكانت وفاته بدمنهور الوحش، وهو من المشايخ الصلحاء المشهورين. ويقال: إنه كان فى صحبة والده لما توجه إلى الحجاز الشريف. ومات فى سمرة عيذاب [3] بمنزلة حمتيره فى سنة ست وخمسين وستمائة، وكان إذ ذاك صغير السن رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة السبت سادس جمادى الآخرة توفى القاضى شرف الدين عبد الهادى بن زنبور، وهو إذ ذاك/ (222) يباشر نظر خزائن السلاح بالقاهرة
__________
[1] لم يورده ابن حجر فى الدرر، وذكر ترجمة والده يحيى بن إبراهيم بن عبد العزيز (الدرر 4/409) وكذلك لم ترد وفاته فى وفيات هذه السنة لا فى السلوك ولا فى النجوم ولا فى الشذرات.
[2] فى ابن حجر (الدرر 4/409) أن الذى ولد فى هذه السنة هو يحيى بن إبراهيم والد المذكور وأن وفاته كانت سنة 710 هـ. وهذا يعنى خطأ النويرى فى تاريخ ميلاد الابن، أو خطأ ابن حجر فى تاريخ وفاة الأب.
[3] عيذاب: بليدة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) وهى مرسى المراكب التى تقدم من عدن إلى الصعيد، ومنها يعدى إلى جدة (مراصد الاطلاع 3/974) .
(33/215)

المحروسة. ولى ذلك بعد انفصاله من نظر الدواوين بالديار المصرية، ودفن من الغد بالقرافة. ومولده فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى رجلا عاقلا قليل الشر، وهو خال القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة.
وفيها فى العشرين من شهر رجب توفيت الست [1] الجليلة صالحة خاتون ابنة الملك المعز فخر [2] الدين يعقوب بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وهى فى درجة الملك الصالحى [3] نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، ودفنت بقاسيون، ومولدها تقريبا فى سنة خمسين وستمائة، ولم يكن فى البيت الأيوبى أقرب إلى السلطان الملك العادل منها، رحمهما الله تعالى.
وفيها فى عشية نهار الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان توفى الأمير [4] صلاح الدين أبو الحسن محمد بن الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته بظاهر دمشق ببستان النعامات، ودفن فى يوم الأربعاء بالتربة المعظمية بقاسيون، وهذه التربة هى دير مرّان المذكور فى أشعار المتقدمين [5] ، ومولده فى الرابع والعشرين من ذى القعدة سنة أربع وستين وستمائة سمع حضورا من والده وروى عنه، وسمع/ (223) من ابن البخارى، ومن الشيخ عز الدين الفاروثى [6] وغيره، وأسمع، رحمه الله تعالى.
__________
[1] الست: السيدة قال الخفاجى فى: (شفاء الغليل) قولهم ستى بمعنى سيدتى خطأ وهى عامية مبتذلة.
[2] فى «أ» ص 222 (مجير) .
[3] فى «أ» ص 222 (الصالح) .
[4] انفرد النويرى بذكر وفاة هذا الأمير، ولم أجده فى غيره من مؤرخى هذه الفترة. فيمن وردت وفياتهم فى هذه السنة.
[5] دير مران: بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران، وفيه يقول يزيد بن معاوية ...
إذا اتكأت على الأنماط مرتفعا ... بدير مران عندى أم كلثوم
ويقول أبو بكر الصنوبرى أيضا:
أمر بدير مران فأحيا ... وأجعل بيت لهوى بيت لهيا
(مراصد الاطلاع 2/575) .
[6] عز الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عمر بن الفرج بن أحمد بن سابور بن على بن غنيمة، الفاروثى الواسطى، ولد بواسط فى ذى القعدة سنة 614 روى الكثير بالحرمين وبالعراق وقدم دمشق فى سنة 691 هـ فولى مشيخة الحديث بالظاهرية وبالنجيبية ومات بواسط فى ذى الحجة سنة 694 وله ترجمة مطولة فى: (الدارس فى تاريخ المدارس 1/355 وما بعدها) .
(33/216)

وفيها فى ليلة الخميس ثالث عشر شوال توفى ببعلبك الشيخ قطب الدين أبو الفتح موسى بن الشيخ الإمام القدوة الحافظ أبى عبد الله/ محمد بن أبى الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن اليونينى البعلبكى الحنبلى، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة باب سطحا، ومولده فى بكرة الجمعة ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بالديار الفاضلية بمدينة دمشق. سمع من والده ومن الشيخ شرف الدين الحسين الأربلى، وشيخ الشيوخ شرف الدين الحموى، وابن عبد الدايم، وحدث عنه بصحيح مسلم، وسمع بالديار المصرية من الشيخ رشيد الدين العطار وغيره، وكان له تعلق بالتاريخ، اختصر (مرآة الزمان) لابن قزاوغلى [1] وذيّل عليه [2] ، وقد نقلنا عنه مواضع يسيرة فى كتابنا هذا، نقلت وفاته من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ذى القعدة توفى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحى الحنبلى، قاضى الحنابلة بدمشق، وكانت وفاته بالمدينة النبوية، وكان قد توجه لقصد الحج فى هذه السنة، فمرض عند رحيل الركب من منزلة العلا [3] ، واشتد به المرض، فيقال أنه سأل الله تعالى أن يصل إلى المدينة النبوية، ويزور رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، فاستجاب الله له، ووصل إلى المدينة فى يوم الاثنين قبل وصول الركب بيوم، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى بالحرم النبوى، وبات فى تلك الليلة ببعض الرّبط، ومات من ليلته، فدفن بالبقيع بجوار قبر عقيل بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، ومولده بالصالحية بظاهر دمشق فى سنة اثنتين وستين وستمائة، وولى القضاء بدمشق فى ثامن صفر سنة ست عشرة وسبعمائة، بعد وفاة قاضى
__________
[1] شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاوغلى التركى الشهير بسبط ابن الجوزى، وكتابه: مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان مشهور، طبع منه الجزء الثامن فى مجلدين بالهند سنة 1951 م.
[2] فى ابن حجر (الدرر 4/382) ترجمة اليونينى، وأخبر أن الذيل الذى وضعه لمرآة الزمان فى أربعة مجلدات.
[3] العلا- بضم العين والقصر-: قرية من نواحى وادى القرى بعد ديار ثمود للذاهب إلى المدينة، والعلاء- بفتح العين والمد-: موضع بالمدينة أيضا (المراصد 2/955) والرسم الوارد يحتملها.
(33/217)

القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلك فى ولايته سيرة السلف الصالح، ولم يغير هيئته ولا لباسه، ولا جدد مركوبا بسبب ولاية القضاء، وكان يمشى غالبا من الصالحية إلى/ (224) دمشق، ولا أضاف إلى نفسه ولاية مدرسة، ولا نظر وقف بمعلوم، وكان رحمه الله تعالى رجلا صالحا ديّنا خيّرا فاضلا عالما محدثا، سمع الحديث من ابن عبد الدايم، وابن البخارى، وغيرهما، فسمع من مائتى شيخ وعشرة شيوخ، وسمع بمكة والمدينة والقدس ونابلس وبعلبك، وحضر عدة غزوات وفتوحات منها طرابلس وعكّا وقلعة الروم، وخرّج له الشيخ جمال الدين المزّى أربعين حديثا تساعيا، وخرج له غير ذلك [1] .
وفيها فى يوم الأربعاء ثامن ذى الحجة توفى الأمير مجد [2] الدين يعقوب ابن الملك الأشرف شرف الدين عبد الحق بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته ببستانه بالمزّة ظاهر دمشق. وصلّى عليه بجامع المزّة فى يوم عرفة، ودفن بمقبرتها، رحمه الله تعالى، وكان رجلا خيّرا [3] كثير التواضع، وله مكارم، وكان يحفظ شعرا كثيرا.
وفيها فى ذى الحجة توفى الأمير بدر الدين حسن بن الملك الأفضل نور الدين على بن الملك المظفر محمد [4] بن الملك المنصور بحماة وهو أخو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وهو من جملة الأمراء بحماة، رحمه الله تعالى/ (225) .
__________
[1] أورد ابن حجر ترجمته بعبارة مماثلة فى الدرر (4/258) .
[2] فى «ك» «محيى الدين» وفى «أ» ص 224 «مجير الدين» وماأثبتناه من ابن حجر (الدرر 4/434) كما ورد فى ترجمته، وفيه يقول ابن حجر: كان كثير الفكاهة حاد النادرة ضيق ذات اليد.
[3] فى «ك» (جيدا) وما أثبتناه من «أ» ص 224 لمناسبته السياق.
[4] فى النجوم (9/267) عن (المنهل الصافى) ، و (الدرر الكامنة) «على بن محمود» .
(33/218)

واستهلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة بيوم الخميس الموافق لأول كيهك من شهور القبط.
ذكر عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، وانتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية
قد ذكرنا فى سنة ست وعشرين وسبعمائة أن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة توجه إلى الحجاز الشريف فى يوم الخميس خامس شوال، وصحبته ابنة السلطان زوجه ولده الأمير سيف الدين أبى بكر، وزوجة السلطان دلنبيه [1] وهى التى وصلت من جهة الملك ازبك.
فلما كان فى هذه السنة عاد بهم من الحجاز الشريف بعد قضاء الحج والمناسك والزيارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الأولى من نهار الأحد حادى عشر المحرم من هذه السنة، وحال وصوله رسم السلطان للأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح بالقبض عليه وعلى ولده الأمير ناصر الدين محمد [2] ، فلما عبر إلى الخدمة السلطانية، وسار فى الدّهليز، قبض عليه الأمير سيف الدين المشار إليه وعلى ولده، وأخذ سيفيهما، وعدل بهما إلى قاعة رسم أن يكونا بها، وأعلم السلطان بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى/ (226) وأرسل له مأكولا، ولم يضيق عليه. وبات تلك الليلة بالقاعة، فلما كان فى يوم الاثنين أحضره السلطان بين يديه، وخلا به، وحدّثه طويلا، وبكيا، وأفرج عنه وعن ولده، وخلع على الأمير سيف الدين تشريفا على عادته، ورسم له أن يتوجه إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية عوضا عن الأمير علاء الدين الطّنبغا، فخرج من بين يدى السلطان من ساعته، فى عشية نهار الاثنين، وصحبته الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أحد الأمراء مقدمى الألوف، وتوجها/ إلى دمشق [فوصلاها فى] [3] يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم.
__________
[1] فى «أ» ص 225 غير منقوط، وفى «ك» (دلبيه) وما أثبتناه- وكذلك الضبط- عن: السلوك (2/203 و 204 و 338) وفيه أنه يقال لها أيضا «طلنباى وطولونية، وهى بنت طغاى بن هندو بن باطو بن دوشى خان بن جنكزخان» . وانظر فى خبر زواج الناصر قلاوون بها السلوك (2/203 و 204) .
[2] فى ابن حجر (الدرر 3/379) محمد بن أرغون: ناصر الدين بن النائب مات فى حلب فى شعبان سنة 727 هـ.
[3] الزيادة من أ، ص 226 وهو يوافق ما ورد فى النجوم فى هذا الموضع (9/88) .
(33/219)

وكان السلطان- حال القبض على الأمير سيف الدين أرغون- أرسل الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار على خيل البريد إلى حلب، لإخراج الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة الشريفة منها، وإحضاره إلى الأبواب السلطانية، وإخلاء مساكن النيابة للأمير سيف الدين أرغون، فتوجه ووصل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم، وتوجه منها إلى حلب، وعاد هو والأمير علاء الدين الطّنبغا فوصلا إلى دمشق على خيل البريد فى عشية نهار الخميس ثانى عشرين الشهر، فوصلوا كلهم الجمعة، بدمشق [1] ، وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى حلب، فوصل إليها فى يوم الجمعة سلخ المحرم.
وتوجه الأمير علاء الدين الطّنبغا إلى/ (227) الأبواب السلطانية فكان وصوله فى يوم السبت مستهل صفر، وخلع عليه السلطان على عادته تشريفا وحياصة، وأنعم عليه بخيل، وأسكنه بقلعة الجبل، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس من جملة الإقطاع المحلول عن الأمير سيف الدين أرغون، وقدمه على ألف [2] ، وفرق السلطان إقطاع النيابة، فأعطى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى منه «منية بنى خصيب» وكمل الأمير سيف الدين طايربغا مائة فارس، وتقدمه ألف من جملة تقدمه نائب السلطنة، فزادت التقادم تقدمة، فكملت بهذه التقدمة خمسة وعشرين تقدمة [3] ، وأعطى السلطان بقية إقطاع النيابة زيادة على إقطاعات الأمراء مماليكه، وقطع أخباز جماعة من مماليك الأمير سيف الدين أرغون وألزامه.
ثم توجه طلب الأمير سيف الدين أرغون وصحبته ولده الأمير ناصر الدين محمد فى يوم الأربعاء خامس صفر، وتوجه معهم الأمير سيف الدين بلك [4] الجمدار، ورسم ألا ينشر علما، ولا يحرك طبلخاناه، ولا يشدّ من معه دركاشا إلى حين وصولهم إلى حلب، فأوصلهم الأمير سيف الدين بلك، وعاد إلى الأبواب السلطانية فى يوم الخميس ثامن عشر [5] شهر ربيع الأول، وتأخر
__________
[1] عبارة النجوم الزاهرة (9/88) هنا هى: «وقرر السلطان مع كل من أيتمش والجاى أن يكونا بمن معهما فى دمشق يوم الجمعة ثالث عشرينه، ولم يعلم فيه الآخر حتى توافيا بدمشق فى يوم الجمعة المذكور «وهى عبارة المقريزى أيضا فى السلوك (2/279) » .
[2] فى «أ» ص 227 (وتقدمة ألف) وهى أشبه بلغة المؤلف.
[3] أورد ابن تغرى بردى هذا الخبر بعبارة مماثلة فى النجوم (9/88) ونصه: «فصار أمراء الألوف خمسة وعشرين مقدم ألف بالديار المصرية» .
[4] الضبط من ابن حجر (الدرر 1/495) وعبارته: بلك الجمدار الناصرى، ولى نيابة صفد أيام الصالح إسماعيل، ثم عاد إلى مصر فى سنة 746 هـ فولى إمرة مائة ومات في سنة 749 هـ.
[5] فى «أ» ص 227 ثامن عشر شهر ربيع الأول.
(33/220)

بالأبواب السلطانية من أولاد الأمير سيف الدين أرغون الأمير سيف الدين أبو بكر، والأمير ركن الدين عمرو، والأمير شهاب الدين أحمد إلى/ (228) أثناء جمادى الأولى، ثم رسم أن يتوجّهوا إلى حلب، فتوجهوا هم وعائلة الأمير سيف الدين أرغون، وابنة السلطان زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى، وصحبتهم الأمير سيف الدين آقبغا [بن] [1] عبد الواحد رأس نوبة الجمدارية، ليوصلهم ويعود، فوصلوا إلى دمشق فى ليلة السبت رابع عشرين الشهر، فنزلوا بالقصر الأبلق، وتوجهوا إلى حلب فى ليلة الأحد، واستقر أولاد الأمير سيف الدين أرغون الثلاثة فى جملة الأمراء بحلب المحروسة، وخرجت إقطاعاتهم التى بالديار المصرية لغيرهم من الأمراء.
ثم رسم السلطان ببيع ما نقل من جهاز ابنته زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر، فأبيع بالمدرسة الناصرية بالقاهرة، وكان فى جملة ما أبيع قصر فضة، وتخت، ودكّة فضة، الجميع ملبّس على خشب، وأبيع غير ذلك [2] .
وفى هذه السنة فى يوم الثلاثاء ثالث عشر من المحرم فوض السلطان نظر النّظّار والصحبة إلى القاضى مجد الدين إبراهيم بن القاضى المرحوم مكين الدين عبد الله بن لفيتة [3] وخلع عليه.
وأفصل القاضى شرف الدين عبد الرحمن الخطيرى من الوظيفة المذكورة، وفوّض إليه نظر البيوت السلطانية عوضا عن القاضى مجد الدين المذكور، واستقر أيضا فى أشغال الأمير سيف الدين أرغون فى غيبته على عادته قبل مباشرة نظر النظّار/ (229) .
__________
[1] الزيادة من ابن حجر (الدرر 1/391) وعبارته: آقبغا بن عبد الواحد الناصرى، تنقل فى الخدمة عند الناصر، وتقدم إلى الاستدارية وشد العمائر ومقدم المماليك، وكان سبب تقدمه عنده أن الناصر كان قد تزوج أخته طغاى، ومات فى سنة 744.
[2] فى السلوك (2/280) أن الفخر- ناظر الجيوش- كان سبب تغير السلطان على الأمير أرغون، وأنه هو الذى أغراه به، وقد أورد هذا الخبر بتفصيل أكثر مما ذكره النويرى هنا.
[3] الضبط من النجوم (9/292) عن الدرر (1/53) وفى هذا الأخير: إبراهيم بن لفيته مجد الدين ناظر الدولة كان نصرانيا فأسلم، وتنقل فى الخدمة الديوانية ومات سنة 731 هـ. ومثله فى السلوك (2/280) وقد انفرد النويرى بتسمية أبيه عبد الله بن لفيته.
(33/221)

وفيها فى يوم الأحد الثامن عشر من المحرم ولد للسلطان الملك الناصر ولد ذكر من زوجته عتيقته طغاى [1] ، وكان السلطان قد توجه فى هذا اليوم إلى الصيد بجهة القصور بناحية سرياقوس، فطولع فى ذلك، فعاد فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر [وعمل مهمّ [2] فى يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر] [3] وأقام السلطان بقلعة الجبل إلى آخر يوم السبت مستهل صفر.
وتوجه فى يوم الأحد ثانى الشهر إلى جهة القصور بسرياقوس، ثم توجه من هناك، وعدّى إلى جهة المنوفية، فتصيد هناك، وعاد إلى الجيزية، فأقام بها أياما، وحضر الرسل الذين وصلوا من جهة الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد بين يدى السلطان، فسمع كلامهم، وخلع عليهم، وأعادهم، وعاد السلطان إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس العشرين من صفر.
وفى يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الأول من السنة انتقل [4] ركاب السلطان من قلعة الجبل المحروسة إلى جهة القصور بسرياقوس، فأقام إلى يوم السبت، وتوجه إلى جهة الأهرام، واستقر بتلك المنزلة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، ثم توجه إلى جهة البحيرة للصيد المبارك، وناب عنه فى الغيبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وأمر أن يركب فى مماليكه الخاصة، وأن جميع من تأخر من الأمراء وأمراء العشرات، ومقدمى الحلقة،/ (230) بالقاهرة وبقلعة الجبل لا يركبون فى مدة غيبة السلطان لموكب ولا لغيره، وأن يلزم كل منهم بيته إلى حين عودة ركاب السلطان [فلم يزل الأمراء على ذلك إلى أن عاد السلطان] [5] وكان عوده ووصوله إلى قلعة الجبل المحروسة فى يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
__________
[1] هى أخت آقبغا بن عبد الواحد الذى سبقت الإشارة إليه آنفا.
[2] المهم فى لغة مؤرخى هذه الفترة كان يطلق على الوليمة والسماط العام فى أمثال هذه المناسبات.
[3] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 229.
[4] فى «أ» ص 229 «استقل» .
[5] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 230.
(33/222)

وفيها فى يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ربيع الأول أنعم السلطان على الأمير سيف الدين ألماس الحاجب بسكن دار النيابة خلا القاعة الحسامية، فإنه رسم بإفرادها، فأفردت، وسكن فيما عداها من المساكن.
/ ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية والقبض على الأميرين سيف الدين طشتمر البدرى [1] وسيف الدين قطلوبغا [2] الفخرى والإفراج عنهما
وفى يوم الجمعة الرابع والعشرين [3] من شهر ربيع الآخر من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين تنكز [4] نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس على خيل البريد، وكان ركوبه على خيل البريد [من غزة، فإنه وصل إليها بطلبه ومماليكه/ (231) يتصيد، فرسم له بالحضور إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد] [5] فوصل، وتلقّاه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى إلى سرياقوس، وتصيد معه فى تلك الجهة، ولما وصل توجه، فمثل بين يدى المقام الشريف، وشمله الإنعام السلطانى على عادته، ونزل عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بداره بقلعة الجبل.
ولما كان فى يوم الأحد سادس الشهر جلس السلطان، ووقف الأمير سيف الدين تنكز بين يديه والأمراء المماليك السلطانية، فنظر السلطان إلى الأميرين
__________
[1] طشتمر البدرى الساقى الناصرى، كان يلقب بحمص أخضر، لأنه كان يحب أكل الحمص الأخضر، وردت ترجمته فى: الدرر (2/219) والسلوك (2/218) .
[2] الضبط من النجوم (9/269) وهو قطلوبغا الساقى الناصرى المعروف بالفخرى، كان من أخص مماليك الناصر وأكثرهم إدلالا عليه، وكان يلقب بالفول المقشر، وفى الدرر (3/250) وردت فى خلال ترجمته أسباب القبض عليه هو وزميله.
[3] فى «أ» ص 230 الرابع من شهر ربيع الآخر، وهو يوافق رواية المقريزى فى السلوك (2/281) والسياق هنا يؤيد صحته.
[4] ضبطه فى النجوم الزاهرة (9/13 و 34 و 38 ... ) بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، وفى صبح الأعشى 5/425 ضبط بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه، وذلك عند الكلام فى أسماء الترك وعبارته «وربما أفردوا الاسم بالوصف كدمر بمعنى حديد.. وتنكز بمعنى بحر» .
[5] ما بين الحاصرتين سقط من ك، وأثبتناه من «أ» ص 230 و 231.
(33/223)

سيف الدين طشتمر البدرى، وسيف الدين قطلوبغا الفخرى، وقال لقطلوبغا: قد ضجرت مما أسمع عنك، وهذا كلام كثير، وما أعرف رضاكم فى أى شىء حتى أفعله، وأشباه هذا من الكلام، وأظهر الغضب الشديد، والحرج والحدّة، وأمر الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح بالقبض عليهما، فتقدم إلى كل منهما وأخذ سيفه، وتوجه بهما إلى الاعتقال، فاعتقلهما، وكان ذلك [ببرج السباع] [1] بالقلعة واشتد الأمر عليهما، وقيل: إنهما قيّدا.
فلما كان عشية النهار اضطرب المماليك السلطانية سكان الطباق لذلك اضطرابا شديدا، ويقال: إنهم امتنعوا من الدخول فى الخدمة، وقالوا نحبس جميعا، فإن هؤلاء هم أكابرنا، وأخص الناس بالسلطان، فإذا قبض عليهما بغير ذنب فكلنا نحبس، فطالع الأمير سيف الدين صواب- المقدم عليهم- السلطان بذلك [2] ، فطلب الأمير سيف الدين/ (232) تنكز، وعرفه ذلك، فتلطف فى أمرهما وقبّل الأرض مرارا بين يدى السلطان، وشفع فيهما، فأفرج عنهما فى بقية النهار [3] ، وأقر الأمير سيف الدين طشتمر على إقطاعه، وأسكنه فى القاعة الحسامية التى أفردت من دار النيابة، وكان قبل ذلك يسكن داخل باب القلعة بقرب مساكن السلطان.
وأما الأمير قطلوبغا الفخرى، فإن حرج السلطان عليه كان أشد، لما كان يتكلم به بين يديه من الرد عليه، وكثرة الإدلال، فأنزل إلى إسطبله، ورسم السلطان بإخراجه إلى الشام [4] ، فعين له إقطاع الأمير علاء الدين أيدغدى التّليلى [5] وهو من جملة أمراء الطبلخاناه، وكان قد أنهى إلى السلطان أنه عجز عن الخدمة، وقلّ نظره، وتغير ذهنه، فوفّره من الخدمة، وأنعم عليه براتب،
__________
[1] ما بين الحاصرتين غير موجود فى «أ» ص 231 وبرج السباع: أحد أبراج قلعة القاهرة فى سورها الشرقى وقد هدم وقت تجديد السور فى أيام الظاهر برقوق (النجوم 9/115 حاشية 2)
[2] عبارة «أ» ص 132 فطالع الأمير سيف الدين صواب- مقدم المماليك السلطانية- السلطان بذلك.
[3] ورد هذا الخبر فى السلوك (2/281) موجزا، وفى الدرر (3/250) أورده ابن حجر فى ترجمة قطلوبغا بمثل تفصيل النويرى هنا.
[4] فى السلوك (2/281) أن إخراج قطلوبغا إلى دمشق كان فى يوم السبت الثانى والعشرين من ربيع الأول.
[5] الضبط من الدرر (1/425) وفيه أن وفاته كانت بدمشق فى سنة 728 هـ.
(33/224)

وأخرج إقطاعه للأمير المذكور، وزاد عليه قرية عنجرا [1] ، وعبرتها [2] فى السنة عشرون ألف درهم، وتوجه صحبته الأمير سيف [الدين تنكز إلى الشام، وذلك فى يوم السبت ثانى عشر شهر ربيع الآخر، وقدم السلطان على ألفه الأمير سيف] [3] الدين طغيتمر [4] العمرى الناصرى.
ولما توجه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى إلى الشام أوصى ألا يسكّن اصطبله لأحد من الأمراء، فاتصل ذلك بالسلطان، فأمر بهدمه، وهو الأصطبل الذى كان قد أنشأه الأمير سيف الدين طغاى، وهو تحت القلعة فيما بين القلعة وبين البرقية، وله باب آخر/ (233) من جهة التبانة فيما بين المصلى وقلعة الجبل، وبه حوض سبيل لسقى الدواب، فهدم الأصطبل وحوض السبيل، وعفّى أثره، وبنى بنقضه، وصار طريقا يسلكه من يمر إلى القلعة من خارج السور، كما كان أول مرة قبل عمارته.
وفى هذه السنة فى يوم السبت الثانى عشر من شهر ربيع الآخر الموافق الحادى عشر من برمهات من شهور القبط- وذلك فى أواخر فصل الشتاء- حصل بالقاهرة ومصر حر شديد، وزاد فى يوم الأحد، واشتد فى يوم الاثنين، وهبت فى هذه الأيام ريح شرقية حارة جدا، وكان أشدها يوم الاثنين، وحصل من الحر ما لا يحصل فى أيام الصيف أكثر منه، حتى لبس الناس فى هذه الأيام فى فصل الشتاء ما يلبسونه فى فصل الصيف من القمصان الرفاع [5] ، وكانت الأيام قبل ذلك شديدة البرد، واستمر ذلك كذلك بقية يوم الاثنين، وهبت ريح غربية قبيل العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء خف الحر بسببها يسيرا، ثم سكنت
__________
[1] هكذا فى «أ» و «ك» ، ولم أجده فى كتب البلدان.
[2] العبرة فى الاصطلاح المالى القديم تعنى «مقدار المربوط من الخراج أو الأموال على كل إقطاع من الأرض، وما يتحصل عن كل قرية من عين وغلة وصنف (النجوم 9/53 حاشية 1) وانظر الخوارزمى (مفاتيح العلوم ص 60) .
[3] ما بين الحاصرتين سقط من «ك» والزيادة من «أ» ص 232 وترجمة طغيتمر العمرى فى: الدرر (2/223) وفيه أنه كان من مماليك الناصر، وحظى عنده لجماله البارع، وسكونه وعقله، فترقى فى خدمته، وزوجه الناصر ابنته، وصار من أمراء المشورة.
[4] فى النجوم (9/89) طغاى تمر.
[5] الرفاع: جمع الرفيع، مثل الكرام جمع الكريم، ومراده القمصان المصنوعة من نسيج ذى خيوط رفيعة ويقال: رفع- بفتح فضم- الثوب إذا رق ودق. (المعجم الوسيط) .
(33/225)

بسرعة، وعاد الحر فى ليلة الثلاثاء، وتزايد إلى الثلث الأخير من الليل، ثم نقص الحر فى يوم الثلاثاء، وحصل غيم مطبق قبيل المغرب من يوم الثلاثاء، ورعد وبرق شديد فيما بين المغرب والعشاء من ليلة الأربعاء، وانهل مطر يسير لكنه غليظ القطر حار جدا، كأنه سخن بالنار، وعاد/ (234) البرد إلى ما كان عليه فى يوم الأربعاء السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وهو الخامس عشر من برمهات، فسبحان من يدبّر ملكه كيف شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال، وبسب هذا الحر حصل فى الزرع نقص، وهاف بعضه فى كثير من البلاد بالديار المصرية.
ذكر حادثة وقعت بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
/ وفى يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير طفيل أخو الأمير بدر الدين كبيش بن منصور بن جمّاز بن شيحة من المدينة النبوية، وأخبر أن أخاه الأمير بدر الدين كبيش توجه من المدينة إلى البر لبعض أوطاره، وأن عمه الأمير ودىّ [1] لما علم خلو المدينة منه وصل إليها بجموع من العرب، وحاصرها فى ثامن عشر صفر، واستولى عليها فى الخامس والعشرين [من] الشهر بعد أن حرق بعض [2] أبوابها، وقتل القاضى شهاب الدين هاشم بن على بن سنان قاضى الشيعة بالمدينة، وجرح بعضهم، وقتل نفر يسير، واستولى ودىّ على حواصل الأمير كبيش وذخائره وأمواله، ثم وصل الأمير بدر الدين كبيش إلى الأبواب السلطانية، وجرد معه طائفة من العسكر إلى المدينة، فوصل إليها فى/ (235) العشر الأخر من شوال، وخرج من كان بالمدينة من أصحاب ودىّ، وأقام العسكر بالمدينة ثلاثة أيام، وعاد إلى الديار المصرية.
__________
[1] ضبطه فى النجوم (9/273) بضم أوله وكسر ثانيه مشددا، ثم استدرك فى ص 419 خطأ هذا الضبط مكتفيا بتشديد الياء وحدها، والضبط المثبت هنا من السلوك (2/175) عن صبح الأعشى (4/301) .
[2] فى «أ» 234 (أحد أبوابها) .
(33/226)

ذكر القبض على من يذكر من الأمراء، وإعادة الأمير شرف الدين حسين بن جند ربيك إلى الديار المصرية
وفى هذه السنة فى يوم الخميس مستهل جمادى الأولى بعد العصر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين القفجاقى [1] أحد الأمراء مقدمى الألوف، وعلى أخيه سيف الدين قرمشى [2] واعتقالهما، وأمر أيضا بالقبض على طائفة من المماليك السلطانية القفجاقية، وجهز- فى ليلة الجمعة إلى ثغر الإسكندرية- ممن كان فى الاعتقال بقلعة الجبل بالجب من الأمراء صلاح الدين طرخان بن الأمير بيبرس [3] الشمسى، وسيف الدين برلغى [4] وهو ابن عم السلطان، ورسم باعتقالهم بالثغر، أحسن الله تعالى خلاصهم.
ولما قبض على أصلم [5] أمر السلطان بإعادة الأمير سيف الدين حسين بن جندر بيك إلى الخدمة الشريفة بالأبواب السلطانية- وقد قدمنا خبر إرساله إلى الشام [6]- فوصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى، وشمله الأنعام بالتشريف الأطلس بالطّرزالزّركش، والكلّوتة الزّركش والحياصة الذهب/ (236) المجوهرة، وأنعم عليه بإقطاع الأمير سيف الدين أصلم وتقدمته.
وفيها فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى توجه الأمير حسام الدين حسين بن خربندا إلى بلاد التتار، وكان هذا الأمير قد حضر إلى الأبواب السلطانية من مدة سنين، وشمله الإنعام السلطانى بأمرة طبلخاناه بالديار
__________
[1] فى النجوم (9/89) بهاء الدين أصلم القبجاقى (بباء مكان الفاء) .
[2] فى السلوك (2/281) والنجوم (9/89) ورد سبب القبض عليهما، وفى المصدرين المذكورين «أن السلطان قبض على جماعة من المماليك القبجاقية معهما» وفى النجوم قرمجى بجيم مكان الشين.
[3] هكذا فى «الأصل» ، وفى «أ» ص 235.. طرخان بن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى الشمسى. وهو يوافق السلوك (2/282) والنجوم (9/89) وفى الدرر (2/216) طرجاى بن بيسرى: صلاح الدين بن الأمير المشهور، أمره الناصر ثم سجنه، ومات سنة 735 هـ.
[4] الضبط من النجوم (9/89) .
[5] فى «أ» ص 235 ولما قبض على الأمير سيف الدين أصلم.
[6] كان السلطان قد نفاه إلى الشام، لأنه لما عمر جامعه فتح بابا من سور القاهرة. وانظر ترجمته فى ابن حجر (الدرر 2/50) .
(33/227)

المصرية، فتكرر طلب التتار له لما وقع الصلح، وسألوا السلطان إرساله إليهم، وذكروا أن له إخوة وعيالا يبكون عليه، فعرض السلطان عليه العود إلى بلاده فيما تقدم، فأبى، فلما كان فى هذا الوقت عاد سيف الدين كرماس أحد مماليك الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى من جهة الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد- وكان قد توجه إليه برسالة- فأكد عليه فى سؤال السلطان فى إعادته، فرسم بعوده إلى بلاده، وخلع السلطان عليه وزوّده، فتوجه فى هذا التاريخ، ثم عاد الأمير المذكور فى هذه السنة رسولا من جهة الملك أبى سعيد، فسمع السلطان رسالته، وخلع عليه [وأعاده] [1] .
ذكر اتصال الأمير سيف الدين قوصون بابنة السلطان الملك الناصر
وفى يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة من هذه السنة/ (237) عقد نكاح الأمير سيف الدين قوصون الناصرى على إحدى بنات السلطان الملك الناصر بحضور قضاة القضاة وأمراء الدولة الشريفة، وذلك بقلعة الجبل، وتولى عقد النكاح بالإذن السلطانى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرى الحنفى، وبنى بها فى ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رجب، وكان ابتداء الفرح من يوم الاثنين تاسع الشهر.
وهذا الأمير- سيف الدين قوصون المذكور- لم يكن قديم الهجرة فى الخدمة السلطانية، وإنما ابتاعه السلطان من سنيّات من رسل أزبك، فأحسن إليه، وأمّره، وزاد فى الإحسان إليه حتى انتهى إلى هذه الغاية، ثم قدمه على ألف، وعظم شأنه، وارتفع محله، وتميز إقطاعه، وكثرت عصائره، واتسع ملكه، وتقدم فى الدولة تقدما عظيما، ووصل إخوته من بلاد الملك أزبك، وتزوج السلطان بعد ذلك بأخته، وكان من تمكنه وبسطته ما نذكره إن شاء الله تعالى فى موضعه [2] .
__________
[1] زيادة من «أ» . ص 236.
[2] ورد هذا الخبر مختصرا فى (السلوك 2/283) والنجوم (9/89) .
(33/228)

وفى هذه السنة فى العشر الأول من جمادى الأولى وصل إلى الأبواب السلطانية رسل صاحب إسطنبول، فلما مثلوا بين يدى السلطان، وأدوا الرسالة أسلم أحدهم وهو آقسنقر الرومى، وتلفظ بالشهادتين المعظمتين، فسر السلطان بإسلامه، وأحسن إليه، وأنعم عليه، ثم أمّره بعشرة طواشية، ولبس بالإمرة فى يوم السبت رابع عشرين شوال من السنة/ (238) وأسلم أيضا أخ لهذا الرسول اسمه بهادر [1] ونزل فى جملة المماليك السلطانية، والله أعلم.
/ ذكر استعفاء قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى من القضاء بالديار المصرية، وإجابته إلى ذلك، وتفويض القضاء بعده لقاضى القضاة جلال [2] الدين القزوينى
وكان سبب ذلك أن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى ضعف بصره، ونزل الماء فى إحدى عينيه، وكمل، وتحدر إلى العين الثانية، فقل نظره جدا، وتبين ذلك وظهر فى أواخر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فلما كان فى يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة حضر إلى دار العدل، وأنهى ذلك إلى السلطان، وسأله أن يعفيه من الحكم، وانفصل المجلس ثم أتته الرسالة السلطانية بالإجابة إلى الإعفاء.
واستدعى السلطان ولده القاضى عز الدين عبد العزيز إلى بين يديه فى يوم الجمعة السابع من الشهر، وتحدث معه فى معنىّ والده، وسبب ضعف بصره، وسأله عن الجهات التى بيده، ثم حضر قاضى القضاة بدر الدين فى يوم الاثنين عاشر الشهر أو حادى عشرة [3] / (239) إلى مجلس السلطان بدار العدل الشريف، وأعاد السؤال فى الإعفاء، فأجابه السلطان إلى ذلك من غير أن يصرح له بعزله، ثم سأله السلطان عمن يصلح للقضاء، وأن يعين له من يوليه،
__________
[1] فى السلوك (2/283) أن السلطان أنعم على بهادر هذا بخبز جندى، وفى نسخة «أ» وردت زيادة هى «وأنعم عليه بإقطاع وراتب على عادة المماليك» .
[2] فى «ك» (جمال الدين) وما أثبتناه من «أ» ص 238 لموافقته ما فى السلوك (2/283) والنجوم (9/96) والدرر (3/4) .
[3] فى «أ» ص 238 فى عاشر، أو حادى عشر الشهر.
(33/229)

فاستعفى من ذلك، ولم يعين، ورسم له فى ذلك المجلس أن يحكم فى قضية كانت بين الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب وبين خصومه، فنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وجلس فى قاعته، وحكم فى عشية نهار الاثنين المذكور بين الأمير سيف الدين وغرمائه، وبلغنى أنه قال لمن حضر مجلسه: «هذا آخر الحكم» وتوجه إلى داره التى بساحل مصر بقرب الجامع الناصرى، واستقر بها وأخلى قاعة التدريس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة.
ورسم له السلطان أن يرتّب له من مال منجّز [1] الخاصّ الشريف فى كل شهر ألف درهم نقرة بحكم استعفائه من الحكم، فكتب له توقيع سلطانى بذلك، ولم يكتب له فيه ما جرت العادة به من النعوت، واستقر بيده من جهاته تدريس زاوية الإمام الشافعى بجامع عمرو بن العاص بمصر، فاستمر يلقى فيها الدرس، واستمر نوابه فى القاهرة ومصر والأعمال على ولايتهم منه، وأحكامهم نافذة.
وذكر بين يدى السلطان من يصلح للقضاء بالديار المصرية، فعين جماعة لم يقع اختياره على أحد منهم، فاجتمع رأى السلطان على إحضار قاضى القضاة جلال الدين محمد بن قاضى القضاة/ (240) سعد الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة إمام الدين عمر القزوينى [2] قاضى القضاة بدمشق، وخطيب الجامع الأموى بها، فرسم بطلبه وأن يحضر على خيل البريد.
وتقرر أن ينقل القاضى كمال الدين بن الزّملكانى قاضى حلب منها إلى دمشق، ويتوجه القاضى جمال الدين الزرعى- الذى كان قاضى الشام وعزل بالقاضى جلال الدين- إلى حلب، ولم ينعقد فى ذلك ولاية.
__________
[1] لم يتضح فى «ك» ، والرسم المثبت من «أ» ص 239، وفى السلوك (2/283) «من مال المتجر» .
[2] ترجمته فى الدرر (4/3) والنجوم (9/318) والسلوك (2/470) والوافى بالوفيات (3/242) وفيها أن مولده كان سنة 666 هـ بالموصل وأن وفاته كانت فى جمادى الأولى سنة 739 هـ وأنه دفن بمقبرة الصوفية.
(33/230)

وتوجه البريد لإحضار قاضى القضاة جلال الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى دمشق فى يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة، وتوجه القاضى جلال الدين من دمشق إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر، فوصل إلى الخانقاة الناصرية بسماسم فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر، ونزل عند شيخها، مجد الدين الأقصرائى [1] ، وسأله الشيخ والفقراء أن يخطب لهم بالجامع، فاستأذن الخطيب شهاب الدين أحمد ابن السّبتى فى الخطبة، فأذن له، فخطب وصلى بالناس بالجامع الناصرى بالخانقاه الناصرية، وركب من الخانقاة، ووصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة بكرة نهار السبت التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، وهو سلخه، وحضر بين يدى السلطان، فأكرمه وشافهه بالولاية، وأنعم عليه، وخلع عليه خلعة القضاء، وأنعم عليه ببغلة بسرج وزنّار [2] من جوخ، وقام من/ (241) المجلس السلطانى، وجلس بمصاطب [3] باب القلعة [4] وكتب على الفتيا على عادة القضاة فى ذلك، ونزل من القلعة إلى المدرسة الصالحية [5] ، وحكم بين الناس، وأقرّ النواب على ما كانوا عليه من جهة قاضى القضاة بدر الدين، ثم أنعم السلطان عليه بزيادة على معلوم القضاء، واستقر بيده- مما كان بيد القاضى بدر الدين- تدريس المدرسة الصالحية، والمدرسة الناصرية [6] ، ودار الحديث، بالكاملية [7] ، وخطب بجامع قلعة الجبل
__________
[1] مجد الدين الأقصرائى: أبو حامد موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائى الحنفى، شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس بسماسم توفى فى ربيع الثانى سنة 731 هـ (النجوم 9/324) وفى الدرر 4/373 ترجمته ووردت نسبته الأقصرى لا الأقصرائى.
[2] الزنار: فى الأصل حزام يشده النصرانى على وسطه تمييزا له، وهو هنا قد جعل شارة خاصة مميزة كالوشاح للقضاة. وفى «أ» ص 240 «وزنادى جوخ»
[3] جمع مصطبة: بناء أشبه بدرجة السلم يقعد عليه.
[4] فى أص 241 «باب القلة» .
[5] الصالحية: منسوبة إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب.
[6] نسبة إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون. وكانت تقع بشارع المعز لدين الله (النجوم 8/208 حاشية 2) .
[7] فى السلوك (2/283) دار الحديث الكاملية.
(33/231)

من غير معلوم مع استمرار خطيبه ابن القسطلانى، فصار يخطب جمعة وقاضى القضاة جمعة، هذا إذا كان السلطان بقلعة الجبل، وإذا كان السلطان بالصيد أو غيره خطب الخطيب المستقرّ بمفرده، والجامكية للخطيب خاصة.
وكان قد حضر مع قاضى القضاة جلال الدين ولده القاضى بدر الدين محمد، ففوض السلطان إليه خطابة الجامع الأموى بدمشق، وتدريس المدرسة الشامية الجوّانية [1] ، وعاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها فى يوم السبت/ الثانى والعشرين من الشهر، وجلس للتدريس بالمدرسة الشامية [2] فى يوم الأربعاء سابع عشر شعبان من السنة.
__________
[1] يريد المدرسة الظاهرية الجوانية التى أنشأها الظاهر بيبرس سنة 676 هـ وجعلها مدرسة ودارا للحديث وتربة له، وهي واقعة بين بابى الفرج والفراديس قبلى الإقباليتين والجارروخية وشرقى العادلية الكبرى (النجوم 9/255 حاشية) وفى الدراس فى تاريخ المدارس (1/348 وما بعدها) أنها اليوم مقر دار الكتب الوطنية بدمشق.
[2] هما شاميتان: الشامية البرانية، وكانت بالعقيبة بمحلة العونية وتعرف أيضا بالحسامية نسبة إلى حسام الدين لاجين. والشامية الجوانية قبلى المارستان النورى أنشأتها ست الشام، وقد درست هذه المدرسة ولم يبق إلا بابها وفوقه عتبة عليها عبارة باسم منشئتها (الدارس 1/277 و 301) .
(33/232)

ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك العراقين وخراسان إلى الأبواب السلطانية/ (242)
وفى يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وبلاد الروم وغير ذلك، وكان المشار إليه منهم سيف الدين أسندمر، وهو من أكابر الأمراء مقدمى التّوامين [1] ، ووصل صحبتهم محمد بيه بن جمق أحد أقارب السلطان، وهو ابن أخت [الأمير سيف الدين [2]] طايربغا، فمثلوا بين يدى السلطان فى يوم الخميس، فسمع رسالتهم، وقبل هدية مرسلهم، وأحسن إليهم، وأنزلهم عند الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى بقلعة الجبل، وشملهم السلطان بالتشاريف والإنعام.
وكان مضمون رسالتهم من الملك أبى سعيد- فيما بلغنى من المحقق لها- خطبة ابنة السلطان للأمير خواجا [3] دمشق بن الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، فأجاب السلطان إلى ذلك، واشترط حضور بن جوبان إلى أبوابه، وتوجه الرسل فى خدمة السلطان إلى الميدان فى يوم السبت سابع الشهر، وشاهدوا من مواكبه العظيمة ما لم يروا مثله، وتوجهوا إلى القبة المنصورية لزيارة ضريح السلطان الملك المنصور والد السلطان، وذلك فى يوم الجمعة ثالث عشر الشهر، ودخلوا المدرسة، ومدّ لهم سماط بالإيوان القبلى [4] ، وحضر الفقهاء بجملتهم فى الإيوان البحرى.
ثم توجه الرسل أيضا فى خدمة السلطان فى يوم السبت إلى الميدان،/ (243) وعادوا إلى مرسلهم بعد أن شملهم الإنعام الوافر من الخلع والأموال،
__________
[1] مقدمى التوامين: من ألقاب أمراء الجند في مملكة التتار، وهم أشبه بمقدمى الألوف فى دولة المماليك.
[2] ما بين الحاصرتين زيادة من «أ» ص 242.
[3] هذا الرسم موافق لما فى السلوك (2/292) ففيه: دمشق خواجا، وفى النجوم (9/273) دمشق خجا.
والمعروف- فى الفارسية- أن الواو فى هذا الموضع لا تنطق، فهم يكتبون خواجا، وينطقونها خاجا، ومثلها خواهر- خاهر، خوارزم- خارزم.
[4] فى ك «الإيوان المصرى» وما أثبتناه من «أ» ص 242 لموافقته السلوك (2/284) ومقابلته بالإيوان البحرى.
(33/233)

وكان توجههم فى يوم الاثنين السادس عشر من شهر رجب، وجهّز السلطان معهم الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الحاجب.
وأما محمد بيه بن جمق الواصل صحبتهم فإن السلطان أنعم عليه بإمرة طبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير عز الدين أيبك البكتوتى أمير علم، ونقل البكتوتى إلى صفد على إقطاع نجم الدين فيروز، وكان قد قبض عليه واعتقل بها.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع [1] عشر شهر رجب أمر السلطان بالقبض على أولاد الأمير سيف الدين بكتمر [2] الأبى بكرى الثلاثة [3] وهم: علاء الدين أمير على، وسيف الدين أسنبغا [4] ، وشهاب الدين أحمد، فقبض عليهم وعوّقوا بدار الأمير سيف الدين ألماس الحاجب أياما إلى أن سكنت الفتنة التى وقعت بثغر الإسكندرية، ونقل الأمراء منها على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ثم أفرج عنهم، ورسم لهم بالدخول إلى الخدمة السلطانية، فدخلوا، ووقفوا مع الجند، فأمر السلطان الحجّاب أن يرفعوا منزلتهم، وأن يقفوا مع الأمراء، وأن يلبسوا أقبية فوقانية على عادة الأمراء فى ذلك.
ذكر الفتنة الواقعة بثغر الإسكندرية [5]
وفى يوم الخميس خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة،/ (244) وقع بثغر الإسكندرية المحروس فتنة عظيمة بين أهل الثغر ومتولّيه ركن الدين بيبرس الكركى [6] .
__________
[1] فى أص 243 «تاسع شهر رجب» والسياق يقضى بصحته.
[2] فى النجوم بكتمر البوبكرى، وفى الدرر (1/482) الأبوبكرى المنصورى، وأورد ترجمته، ومبلغ تقدمه فى دولة الناصر إلى أن صار أمير سلاح يجلس رأس الميسرة، وسيورد النويرى ترجمته فى حوادث سنة 728.
[3] فى (الدرر) 1/482 أنه خلف ولدين من أمراء الطبلخاناة.
[4] سيف الدين أسنبغا. ترجمته فى (الدرر) 1/386.
[5]- هذه الحادثة أوردها المقريزى بإيجاز فى (السلوك 2/284) وأهملها ابن تغرى بردى فلم يذكرها فى النجوم بين حوادث هذه السنة.
[6] فى أ، ص 244: «ركن الدين بيبرس الكركرى» وفى (السلوك) 2/284 ركن الدين الكركى.
(33/234)

وسبب هذه الفتنة أن جماعة من عوام الثغر اجتمعوا فى هذا اليوم ليتفرجوا على عادتهم، فوقفوا على حلقة قاصّ ظاهر الثغر بين بابى الأخضر والبحر، وكان فى الحلقة فرنجى من أتباع رسل صاحب إسطنبول، فشرع القاصّ إذا ذكر فى قصصه النبى صلى الله عليه وسلم رفع المسلمون أصواتهم بالصلاة على عادة المسلمين فى ذلك، فقال بعضهم: أخرجوا هذا الفرنجى من بيننا، فإننا نحن نصلى على النبى صلى الله عليه وسلم وهو لا يصلى عليه، فأرادوا إخراجه من الحلقة، فامتنع من الخروج، فدفع منها، فأعانه بعض رجّالة [1] الولاية بالثغر، وقال: هذا من أتباع الرسل الذين وصلوا إلى السلطان، فضرب بعض العوام ذلك الراجل [1] ، فاستنفر بجماعة من رفقته رجالة الولاية، فكاثرهم العوام وضربوهم، وثارت الفتنة، فركب المتولى ليرد الناس، فرجمه أهل الثغر، فغلّق أبواب البلد بين العوام وبين مساكنهم، وتحصن منهم، وأحضر إليه ريّس الخلافة [2] قاربا فيه نشّاب، فرمى العوام بالنّشاب، فقتل منهم جماعة.
وحضر القاضى بالثغر عماد الدين الكندى، وأشار على المتولى بالكفّ، فلم يوافقه، واستمر هو وأصحابه على رشق العوام بالنشاب، فقيل: إن القاضى قال للعوام: قد حل لكم قتالهم، فعند ذلك عظمت الفتنة، وحوصر/ (245) المتولى، وتوجه جماعة من العوام إلى دار ريّس الخلافة، فانتهبوا جميع ما فيها، وقتلوا جماعة من العوام، وتوجه بعضهم وكسروا السجن، فأخرجوا ما فيه من المعتقلين، وكان عبيد أهل الثغر قبل ذلك قد خرجوا للعب فى عيد اللّنجات على عادتهم، فضرب المتولى منهم جماعة واعتقلهم، فخرجوا الآن،/ وقصد العوام إخراج الأمراء المعتقلين بالثغر، فامتنعوا من ذلك.
فعند ذلك بادر المتولى بمطالعة السلطان بهذه الحادثة، فوصلت مطالعته فى بكرة يوم الأحد ثامن شهر رجب، فندب السلطان الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر الدولة وأستاذ الدار العالية، وصحبته من الأمراء: الأمير سيف
__________
[1] كذا فى الأصل، وصوابه رجال، إلا أن يكون مراده ما يقابل الفرسان فمفرده راجل.
[2] قال القلقشندى فى ألقاب أرباب الوظائف: رئيس الحراقة: وهو الذى يحكم على رجال الحراقة السلطانية ويتولى أمرها، وكان فى الزمن المتقدم يقال له رئيس الخلافة (صبح الأعشى 5/467) .
(33/235)

الدين ألدمر [1] أمير جاندار، والأمير سيف الدين طوغان شادّ الدواوين، وغيرهما [2] ، فتوجّهوا إلى الثغر فى بقية نهار الأحد لكشف هذه الحادثة، ومقاتلة من تعدّى، ورسم بإهانة القاضى عماد الدين الكندى الحاكم بالثغر، والإخراق به، وعزله عن القضاء، وفوّض [قضاؤه] إلى القاضى علم الدين بن الأخنائى الشافعى فى العشر الأوسط من شهر رجب، وهو أول شافعى ولى قضاء الثغر.
ولما وصل الأمير علاء الدين مغلطاى والأمراء إلى الثغر أحضر القاضى عماد الدين الحاكم، وأهانه، وصادره هو وشمس الدين المؤذن البلبيسى [3] نائبه وجماعة من أهل الثغر والتجار، فأخذ من جهتهم نحو خمسين ألف دينار [4] . منها من التجار الكارميّة [5] نحو عشرين ألف دينار وبقية ذلك/ (246) من أهل الثغر، ووسّط جماعة من العوام، ومسك جماعة من العبيد بالثغر وغير العبيد، وأحضر منهم نحو تسعين رجلا، فقيدوا واستعملوا فى العمارة، وحصل لأهل الثغر ضرر عظيم.
وكان ممن وسّط رجل صاحب قاعة فزارة يعرف بابن رواحة [6] كان قد حضر إلى الأمير علاء الدين، والتزم بحفظ ميناء الثغر، وأنه مقيم من رجاله من يحفظها بغير جامكية، ويوفر جامكية الرماة بالبحر، وكان هذا الرجل عنده أربعمائة عدّة يلبسها الرجال المقاتلة إذا دهم الثغر [7] عدو، فأخرجوا من البلد
__________
[1] فى السلوك (2/284) ضبطه بفتح الميم، وفى النجوم (9/285) بضمها، وفى صبح الأعشى (5/425) ضبطها بضم الميم والدال، قال: معنى هذا اللفظ «دمر» - فى لغة الترك- «حديد» وترجمة الدمر فى ابن حجر (الدرر 1/407) .
[2] ذكر المقريزى فى (السلوك 2/285) أن فيمن توجهوا إلى الاسكندرية لهذا الغرض أيضا ناظر الخاص فى جماعة من المماليك.
[3] فى السلوك (2/268) » ... وقدم عماد الدين محمد بن إسحاق بن محمد البلبيسى قاضى الإسكندرية ليشنق، ثم أخره، وكاتب السلطان بأنه كشف عن أمره فوجد ما نقل عنه غير صحيح.
[4] فى المصدر السابق أن ما جمعه ينيف على مائتين وستين ألف دينار» .
[5] التجار الكارمية: يقال إن أصل الكارمى الكانمى نسبة إلى الكانم: فرقة من السودان، ذلك أن طائفة منهم كانوا مقيمين بمصر شأنهم التجارة فى البهار من الفلفل والقرنفل ونحوهما مما يجلب من الهند واليمن فعرف ذلك بهم (ضوء الصبح المسفر وجنى الدوح المثمر 1/253) .
[6] فى السلوك (2/285) وتطلب ابن رواحة كبير دار الطراز ووسطه من أجل أنه وشى به أنه كان يغرى العامة بالفرنج ويمدهم بالسلاح. وقد علق عليه محققه بما أورده النويرى هنا.
[7] فى أ، ص 246 «البلد» .
(33/236)

فتوجهوا إلى منية مرشد [1] إلى الشيخ محمد المرشدى، وطولع فى أمره، وأنهى المتولى إلى السلطان أن هذا الرجل رأس فتنة، فطلب وأحضر إلى الثغر ووسّط، وأخليت قاعات الرماة بالثغر.
وعاد الأمير علاء الدين والأمراء إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء خامس عشرين الشهر، والثغر وأهله على أسوأ الأحوال.
ورسم السلطان بنقل جماعة من الأمراء المعتقلين، أحضر منهم فى يوم الأحد الثانى والعشرين من الشهر عشرة نفر جهّز منهم إلى الكرك [2] الأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى، وسيف الدين تمر الساقى واعتقل ببرج السباع بقلعة الجبل الأمير علم الدين سنجر الجاولى، والأمير سيف الدين بهادر المغربى [3] ، واعتقل بالجبّ ستة وهم: سيف الدين طغلق، وأمير غانم بن أطلس خان/ (247) وسيف الدين قطلوبك المعلائى [4] المعروف بالأوشاقى، وعز الدين أيدمر اليونسى، وسيف الدين كجكن، وفخر الدين أياز [5]- نائب قلعة الروم كان- ثم أفرج عن فخر الدين أياز المذكور فى يوم الخميس السادس والعشرين من الشهر لكبر سنه وعجزه، وخلع عليه على عادة مقدمى الحلقة المنصورة، وسكن بالقاهرة عند أولاده.
وتأخر بثغر الإسكندرية من الأمراء المعتقلين به صلاح الدين طرخان بن بيسرى [6] ، وسيف الدين بلاط الجوكندار [7] ، وسيف الدين برلغى، وحسام
__________
[1] فى ابن مماتى (قوانين الدواوين 189) منية ابن مرشد، وفى هامشه عن ابن الجيعان: منية بنى مرشد، وعدها من أعمال النستراوية، وفى مراصد الاطلاع 3/1370 نسترو: جزيرة بين دمياط والإسكندرية يصاد بها السمك، وهى ذات أسواق فى بحيرة منفردة.
[2] فى أ، ص 246 «إلى قلعة الكرك.
[3] فى أ، ص 246 «المعزى» وما أثبتناه من ك، والسلوك (2/286) .
[4] فى أ، ص 247 «العلائى» .
[5] فى السلوك (2/286) إياس نائب قلعة الروم، وفى (النجوم) أورده بالرسمين وضبط همزته بالكسر، والأوشاقى، ويقال الأوجاقى: وانظر (صبح الأعشى 5/454) .
[6] فى ك بيبرس، وما أثبتناه من «أ» ، ص 247 وفى الدرر (2/216) طرجاى بن بيسرى وانظر ص 175 حاشية (1) من هذا الجزء.
[7] فى ك «بلاد» وما أثبتناه من أ، ص 247 والسلوك (2/286) ، والجوكندار- (بفتح الكاف كما فى صبح الأعشى 5/448، وفى النجوم بضمها) ، هو الذى يحمل الجو كان مع السلطان فى لعب الكرة، والجو كان: المحجن.
(33/237)

الدين لا جين العمرى، وسيف الدين ايتزا، وركن الدين بيبرس العلمى [1] ، وسيف الدين طشتمر أخو بنحاص [2] أحسن الله خلاصهم.
وفيها فى يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر رجب- وهو سلخه- جلس الأمير علاء الدين مغلطاى بقاعة الوزارة التى استجدت له بقلعة الجبل المقابلة لديوان الإنشاء، وجلس نظار الدولة والمستوفون وكتّاب الدّرج بين يديه خارج الشّبّاك على مصطبة بنيت برسم جلوسهم، ووقف شادّ الدواوين سيف الدين طوغان وحجّاب الوزارة من أسفل المصطبة التى جلس عليها من ذكرنا أمام الشباك، [ولم يعبر إليه أحد بداخل القاعة التى/ (248) هو بها- وبها الشباك- سوى مماليكه وحاشيته] [3] .
ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام لشيخ المشايخ علاء الدين القونوى [4]
وكان السلطان لما نقل قاضى القضاة جلال الدين القزوينى من دمشق إلى الديار المصرية المحروسة رسم بطلب القاضى كمال الدين بن الزّمكانى [5] قاضى حلب منها ليفوض إليه قضاء الشام، فتوجه البريد إليه فى أوائل شعبان، ووصل البريد إلى دمشق فى ثامن شعبان، وتوجه إلى حلب، وعاد صحبة القاضى كمال الدين المذكور، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم السبت العشرين من شعبان، وتوجه إلى الأبواب السلطانية فى يوم الخميس الخامس والعشرين من شعبان على خيل البريد.
__________
[1] في السلوك (2/286) أن المذكورين أنزلوا فى الجب بالقلعة، ويفهم من عبارة النويرى هنا أن اعتقالهم كان بثغر الاسكندرية.
[2] لم يتضح فى ك، وما أثبتناه من «أ» ص 247 لموافقته ما فى السلوك (2/286) والنجوم (9/306) .
[3]- هذه العبارة وردت فى ك هكذا «ولم يعبر إليه أحد بداخل الشباك سوى مماليكه وحاشيته وما أثبتناه هو عبارة أص 247 و 248 لكونها أوضح.
[4] ترجمته فى الدارس (1/161 و 162) والدرر (3/25- 29) وسيورد النويرى ترجمته فى حوادث سنة 729 هـ.
[5] له ترجمة مطولة فى (الدرر 4/74) والدارس فى تاريخ المدارس (1/190- 194) وسيورد النويرى ترجمته بعد قليل.
(33/238)

فلما وصل إلى مدينة بلبيس درج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى على ما نذكره إن شاء الله فى الوفيات، ولما اتصلت وفاته بنائب السلطنة بالشام طلب القاضى بدر الدين أبا اليسر [1] محمد بن قاضى القضاة عز الدين محمد [بن محمد بن محمد [2]] بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل الأنصارى المعروف بابن الصايغ، وكان معتكفا بالجامع الأموى، فخرج من اعتكافه، وتوجه إليه، فتحدث معه نائب السلطنة فى ولاية القضاء/ (249) ، وتلطف به، فامتنع كل الامتناع، وصمم على ألّا يلى القضاء أبدا، فلم يزل يتلطف به إلى أن قال: استخير الله تعالى فى ذلك، فكتب نائب السلطنة إلى الأبواب السلطانية فى ولايته القضاء، فكتب تقليده بالقضاء، وسيّر إلى دمشق، فوصل فى يوم الخميس خامس عشر شوال، فحمل إليه التقليد والتشريف [3] ، فامتنع من قبول الولاية، وأصر على الامتناع، ومرض بسبب ذلك، وردّ التقليد والتشريف.
فطالع/ نائب السلطنة بذلك، فاتفق رأى السلطان على تفويض القضاء لشيخ الشيوخ [4] علاء الدين أبى الحسن على بن الشيخ نور الدين إسماعيل بن جمال الدين يوسف القونوىّ الشافعى، فأحضره السلطان إلى مجلسه فى يوم الاثنين السادس والعشرين من شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وفوض إليه قضاء القضاة بالشام، وخلع عليه فى هذا اليوم، وأذن له فى الحكم بالقاهرة، فأثبت كتبا تتعلق بالشام، وأنعم السلطان عليه بمبلغ ألف درهم وخمسمائة درهم، ورسم أن يجهز له من ديوان الخاص ما ينقل عليه عياله إلى دمشق، فجهز له أربعة محاير [5] وعدّة جمال، وصرفت أجرتها من ديوان الخاص السلطانى، ورسم لعائلة فى كل يوم- من حين سفرهم إلى أن يصلوا دمشق- بثلاثين درهما نقرة، عن عشرين يوما ستمائة درهم.
__________
[1] فى الأصل أبا البشر وما أثبتناه من أص، 248
[2] الزيادة من الصفدى (الوافى بالوفيات 1/332) والدرر (4/226) وفيهما أن مولده سنة 676 هـ ووفاته سنة 739 هـ.
[3] فى «أ» ص 249 فحمل إليه التفويض وخلعة القضاء.
[4] فى السلوك (2/287) شيخ خانقاه سعيد السعداء، وانظر التعريف بهذه الخانقاه فى (النجوم 8/148 حاشية 1) .
[5] المحاير، الواحدة محارة، وقد استعملها المولدون فى الهودج الصغير (معيد النعم ص 53 وشفاء الغليل) .
(33/239)

وتوجه هو إلى دمشق على خيل البريد بعد صلاة الظهر من يوم السبت التاسع من ذى القعدة، ووصل إلى دمشق/ (250 فى بكرة نهار الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، واجتمع بنائب السلطنة بدار السعادة، ولبس التشريف وتوجه إلى المدرسة العادليّة [1] ، وقرئ تقليده، وجلس للحكم، وسلك فى ولايته سبيل السلف الصالح، ولم يحتجب عن أحد من الناس، ثم فوض إليه مشيخة الشيوخ بدمشق عوضا عن قاضى القضاة شرف الدين المالكى، وذلك فى ذى الحجة من السنة، وجلس بالخانقاة السّميساطيّة [2] فى يوم الجمعة رابع المحرم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
ذكر تفويض ما كان بيد الشيخ علاء الدين من الجهات لمن يذكر، وما وقع فى أمر الصوفية بالخانقاة الصلاحية
لما توجه شيخ الشيوخ إلى دمشق المحروسة فوض ما كان بيده من تدريس المدرسة الشريفية بالقاهرة لقاضى القضاة جلال الدين، وفوّضت مشيخة الشيوخ بالخانقاة الصلاحية للشيخ مجد الدين الأقصرائى شيخ الخانقاة الناصرية بسماسم، ورسم له أن يستنيب عنه بالخانقاة الصلاحية الشيخ جمال الدين الحويزائى [3] ، وتولى مشيخة الخانقاة الركنية الشيخ افتخار الدين الخوارزمى، ونقل شيخها الشيخ مجد الدين الزّنكلونى [4] إلى تدريس الحديث بالقبة الركنية [5] ، ورتب معه معيد وقارىء وطلبة بمقتضى شرط الواقف،/ (251) وهو أول من درّس بهذه القبة، وكانت قبل ذلك معطّلة منذ وقفت.
__________
[1] المدرسة العادلية: سبقت الاشارة إليها فى هذا الجزء، ص (212) حاشية (2) .
[2] منسوبة إلى سميساط، وهى- كما فى مراصد الاطلاع 1/471 (مدينة على شاطىء الفرات من الضفة الغربية فى طريق الروم.
[3] ضبطها ياقوت: حويذان، وذكر أنها صقع يمان (بلدان 2/371) وفى مراصد الاطلاع 1/439 رسمت بذال مكان الزاى.
[4] مجد الدين الزنكلونى: أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز، ترجمته فى الدرر (1/441) ورسمه السنكلونى بسين مكان الزاى.
[5] فى السلوك (2/287) ونقل الزنكلونى إلى مشيخة تدريس الحديث النبوى بالقبة البيبرسية.
(33/240)

ولما ولى الشيخ مجد الدين الخانقاة الصلاحية تحدث مع السلطان فى أمر الفقراء بالخانقاتين المذكورتين، فندب السلطان لذلك الأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح، وقاضى القضاة جلال الدين القزوينى، فحضرا إلى الخانقاة فى يوم الاثنين حادى عشر ذى القعدة، وعرض الفقراء بها وبالخانقاة الركنية، فأخبرنى الأمير سيف الدين قجليس المشار إليه أنه أنهى إلى السلطان أمر العرض، وأنه رسم أنه من حضر إلى الخانقاة فى وقت الوظيفة وأدّاها يستمر ولا يقطع، ومن كانت له وظيفة تعارضه فى الوقت يخيّر فى إحداهما [1] ، ثم حضر الشيخ مجد الدين واجتمع بالسلطان، وقرّر معه قطع جماعة العدول [2] الجالسين بسوق الورّاقين من الخانقاة، وأرباب الوظائف، فقطع من الخانقاة الصلاحية من له عدالة بارزة، وجلوس بسوق الوراقين، وقطع أيضا جماعة من أرباب الوظائف، فصارت العدالة البارزة وصمة عليهم، وسببا لحرمانهم، وقويت الشناعة فى ذلك، فأعيد بعض من قطع، وكره الناس من الشيخ مجد الدين هذه الواقعة، أشد الكراهة، وتكلموا عليه وعلى ابن أخيه أوحد الدين أحمد بهذا السبب، ثم انفصل الشيخ افتخار الدين من مشيخة الخانقاة الركنية، ولم يطل مقامه بها، ثم سكنت الأحوال فى ذلك/ (252) .
وفيها فى ليلة الجمعة ثالث عشر ذى الحجة بنى الأمير شهاب الدين أحمد [3] بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقى الركنى الناصرى بابنة الأمير سيف الدين تنكز [4] نائب السلطنة بالشام، وكان قد تقدم عقد النكاح عليها عند حضور والدها فى هذه السنة إلى الأبواب السلطانية، ووصلت من دمشق فى ليلة الجمعة مستهل ذى القعدة، وحصل الاهتمام بأمر الفرح، ووصل بسببه الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة، وقدّم التّقادم الوافرة، وكان بسبب هذا المهمّ من الاحتفال والتقادم وحمل الشموع شىء كثير.
__________
[1] عبارة أص 251 فى هذا الموضع: «ومن كانت له وظيفة معارضة يخير فى إحداهما» .
[2] العدول يعنى الشهود، وهم قوم يتعرفون أحوال الناس ويشهدون فى القضايا، وقد نصبوا أنفسهم لذلك فصارت تلك حرفتهم، وكانت لهم حوانيت كالمكاتب اليوم لطائفة المحامين (معيد النعم ومبيد النقم ص 63 هامش 2) .
[3] أحمد بن بكتمر الساقى: ترجمته فى الدرر (1/114) مولده سنة 713 ووفاته سنة 732 هـ ذكر ابن حجر أن السلطان كان يقربه جدا، ويحبه كثيرا، وأعطاه إمرة مائة وهو صغير، وزوجه بنت تنكز، وعمل له العرس بنفسه، قال: ولشدة تعلق السلطان به كان أكثر الناس يقول إنه ابن السلطان.
[4] الضبط فى القلقشندى (صبح الأعشى 5/425) تنكز وفى النجوم: تنكز.
(33/241)

ذكر وصول رسل الباب [1] فرنسيس إلى الأبواب السلطانية
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الباب [2] ، وهو القائم ببلاد الفرنج مقام الخليفة، ورسل الملك فرنسيس، واسمه ديكردين فلب [3] ، ومثلوا بين يدى السلطان [4] ، وأحضروا ما معهم من التقادم، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان أن يبرز أمره بالوصاة بالنصارى، وذكروا أن ببلاد الفرنج جماعة كثيرة من المسلمين، وأن السلطان إن أحسن إلى من فى مملكته من أهل الذمة النصارى أحسنوا إلى من ببلادهم من/ (253) المسلمين، فسمع السلطان رسالتهم، وقبل تقدمتهم، وأكرم وفادتهم، وأعادهم إلى مرسلهم، ولم يصل إلى الديار المصرية من جهة هذا الملك رسول من الأيام الصالحية النجمية إلى حين وصول هؤلاء/ الرسل الآن.
ذكر متجدّدات كانت بالشام فى هذه السنة خلاف ما ذكرناه
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» لقاضى القضاة عزّ الدين محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى [5] عوضا عن قاضى القضاة شمس الدين بن مسلم بحكم وفاته، كما تقدم، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الخميس الثامن عشر من الشهر، وخلع عليه، وقرىء تقليده فى يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة الجوزية على عادة والده رحمه الله تعالى.
__________
[1] يريد البايا.
[2] فى السلوك (2/286 حاشية 2) أن البابا المقصود هنا هو حنا الثانى والعشرين (1316- 1334 م- 716- 735 هـ) وأن قدوم هؤلاء الرسل كان من آفينون.
[3] فى المصدر السابق- الموضع نفسه- أن ملك فرنسا حينذاك هو شارل الرابع (1322- 1328 م- 722- 729 هـ) أما فيليب المذكور، فهو فيليب الجميل (1285- 1314 م- 684- 714 هـ) وانظر:
التوفيقات الإلهامية من 342- 368.
[4] فى أ، ص 252 بين يدى المقام السلطانى.
[5] محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبى عمر بن قدامة، عز الدين الحنبلى مولده سنة 665 هـ ووفاته سنة 731 هـ، ترجمته فى الدرر (3/448) .
(33/242)

وفيها فى مستهل شعبان فوضت مشيخة المشايخ بدمشق لقاضى القضاة شرف الدين محمد بن القاضى معين الدين أبى بكر المالكى [1] مضافة إلى الحكم، وجلس بالخانقاة السّميساطية لذلك فى يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر.
وفيها فى سابع شهر رمضان فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام أبى حنيفة للقاضى عماد الدين أبى الحسن على بن محيى الدين أحمد ابن عبد الواحد الطّرسوسى الحنفى [2] عوضا عن القاضى صدر الدين البصروى [3] بحكم وفاته على ما نذكره، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان، وخلع عليه فى يوم الخميس/ (254) سابع عشر الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة النّوريّة [4] .
وفيها فوض قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضى فخر الدين عثمان بن [محمد بن] [5] عبد الرحيم بن إبراهيم البارزى [6] الحموى الشافعى، وكان يلى الخطابة بحماة، وينوب عن عمه قاضى القضاة شرف الدين فى الحكم بحماة.
وفيها فى نصف رمضان وصل إلى دمشق المحروسة جماعة من الأسرى [المسلمين] [7] من بلاد الفرنج نحو مائة وأربعين أسيرا، ومعهم جماعة من تجار الفرنج تولوا استيفادهم، فجعلوا فى المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق، ورسم بإعطاء التجار الفرنج ما ذكروا أنهم صرفوه وأنفقوه عليهم، بعد تحليفهم وتحليف الأسرى [وكان ذلك نحو ستين ألف درهم، فلما قبض التجار ذلك من
__________
[1] محمد بن أبى بكر بن ظافر بن عبد الوهاب- قاضى القضاة شرف الدين المالكى توفى سنة 748 هـ ترجمته فى الدرر (3/18) وانظر: الدراس فى تاريخ المدارس (1/621) .
[2] على بن عبد الواحد الطرسوسى الحنفى، ولد بمنية ابن خصيب بمصر 669 هـ وتوفى سنة 748 هـ ترجمته فى الدرر (3/18 وانظر: الدارس فى تاريخ المدارس (1/621) .
[3] سيورد النويرى ترجمته فى وفيات هذه السنة، وانظر: الدارس فى تاريخ المدارس (1/621) .
[4] هما نوريتان: النورية الكبرى بخط الخواصين بدمشق: أنشأها نور الدين محمود بن زنكى، والنورية الصغرى: بجامع قلعة دمشق وقفها نور الدين محمود بن زنكى أيضا. والمراد هنا النورية الكبرى، فقد ورد اسمه فيمن تولى التدريس بها، وانظر: (الدارس فى تاريخ المدارس 1/606 و 622 و 648) .
[5] الزيادة من أص 254 والدرر 2/448.
[6] فى ك البرزى، وما أثبتناه من «أ» والدرر (2/448) .
[7] زيادة من السلوك (2/289) .
(33/243)

ريع الأوقاف على فكاك الأسرى أطلق الأسرى] [1] وكان سبب سعى التجار فى فكاك هؤلاء الأسرى أن قاضى القضاة جلال الدين القزوينى أشهد على نفسه أنه جعل لكل من يحضر أسيرا من المكان الفلانى مبلغا عيّنه، وكتب بذلك مكتوبا، وعرف التجار ذلك، فسعوا فيه، وجعلوه من جملة متاجرهم، و «نقلت هذه الواقعة من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى [2] » .
وفى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة فوضت نيابة السلطنة بقلعة دمشق المحروسة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الخازن أحد الأمراء بدمشق عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الدميثرى [3] واستقر الدميثرى [3] من جملة الأمراء بدمشق المحروسة.
وفيها فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة أيضا خلع على الأمير سيف الدين بلبسطى [4] ، وفوض إليه نيابة بحمص عوضا عن بلبان البدرى، رحمه الله تعالى، وكانت وفاة البدرى فى ليلة عيد الفطر من السنة بحمص، وحمل إلى دمشق، وصلى عليه بسوق الخيل، ودفن يوم السبت بسفح قاسيون.
وفيها فى التاريخ أيضا فوّض نظر أوقاف القدس الشريف، وحرم الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الأمير سيف الدين إبراهيم بن الأمير علم الدين الجاكى [5] ، وخلع عليه، وتوجه.
وفيها فى العشر الأول من ذى الحجة كمل ترخيم الحائط الشمالى بالجامع الأموى بدمشق، وكان فى الدولة الظاهرية/ (255) الركنية قد رخّم
__________
[1] ما بين الحاصرتين سقط من ك، وأثبتناه من «أ» ص 254.
[2] أورد المقريزى هذه الواقعة فى السلوك (2/289) وذكر أن «تنكز افتدى كل أسير بمائة وعشرين درهما، وأنه كسا هؤلاء الأسرى، وزودهم، وحملهم إلى مصر، فسر المسلمون بهم» .
[3] فى أ، ص 254 «الدميثرى» فى الموضعين، ولعله تحريف الأيدمرى، وهو علم الدين سنجر بن عبد الله الأيدمرى توفى سنة 729 هـ، وانظر النجوم 9/280.
[4] فى أ، ك باسطى وما أثبتناه من السلوك (2/288) ، ولم يرد له ذكر فى النجوم.
[5] فى أ، ص 254 علاء الدين الحاكمى.
(33/244)

من جهة الشرق إلى باب الكلّاسة [1] ، ولم يكمل، واستمر كذلك إلى الآن، فرسم بترخيمه، فكان ذرع الذى استجد الآن من باب الكلّاسة إلى زاوية الغزالى ستون ذراعا طولا وفى الارتفاع ستة، وعمل بأعلاه طراز مذهّب.
وفى هذه السنة توفى أحد أولاد السلطان الملك الناصر وهو طفل، لعله الذى ذكرنا أنه ولد فى ثامن عشر المحرم من هذه السنة [2] ودفن بتربة الخوند أردكين [3] ابنة نوكاى زوج السلطان.
وتوفى فى ليلة الاثنين المسفرة عن السادس والعشرين من جمادى الأولى قبيل العشاء الآخرة الشيخ الصالح ضياء الدين محمد المعروف بالمعبدى [4] وهى نسبة إلى معبد الشيخ محيى الدين الفارسى بالقرافة، وكانت وفاته بمنزله بجوار الزاوية المعروفة به بخطّ موردة الخلفاء بمصر، بشاطىء نيلها، وصلّى عليه بالجامع الناصرى، وأم الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين الشافعى، ثم صلّى عليه ثانيا فى جامع عمرو بن العاص بمصر، ودفن بالقرافة بتربته فى قبر كان قد حفره لنفسه، وأعده لدفنه فى حال حياته، وكان رحمه الله تعالى كثير الخدمة للفقراء، والتكرم عليهم والإنفاق، وله مروءة وافرة، كثير التعصب والقيام مع من يقصده، يطّرح/ (256) الكلفة جدا، كان ينفق على الفقراء الواردين وغيرهم ممن يقصده النفقات الكثيرة، ويطعمهم الأطعمة اللذيذة الفاخرة، ويفرّجهم فى المستنزهات، وهو فى غالب أوقاته يلبس الدّلق المرقّع بغير قميص، وكان حسن المحاضرة، كثير النوادر، مشهورا بالخلاعة والانبساط رحمه الله تعالى/.
__________
[1] الكلاسة: مدرسة قديمة بدمشق، عمّرها نور الدين الشهيد سنة 555 هـ، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها كانت فى موضع عمل الكلس أيام بناء الجامع الأموى، وكان موضعها لصيق الجامع الأموى من شمال، ولها باب يؤدى إليه (الدارس فى تاريخ المدارس 1/447) وقد درست هذه المدرسة منذ عهد قريب (مخطط المنجد 32) .
[2] لم يورده المقريزى فى وفيات هذه السنة (السلوك 1/290 و 291) ولا ابن تغرى بردى (النجوم 9/268- 271) .
[3] رسمه ابن تغرى بردى «بواو بعد الدال هكذا: أردوكين» (النجوم 9/275) .
[4] لم ترد وفاته فى السلوك 2/290، ولا فى النجوم (9/268 وما بعدها) ولا فى الشذرات (6/75..) .
(33/245)

وتوفى فى يوم الأحد الثامن من شهر رجب القاضى الإمام الفاضل العالم نجم الدين أبو العباس أحمد بن صدر الدين محمد بن رشيد الدين حرمى الشافعى [1] القمولى نائب الحكم العزيز بمصر، وناظر الحسبة بها، وكانت وفاته [بداره] [2] بمصر، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص عقيب صلاة الظهر من اليوم المذكور، وكانت جنازته مشهودة، حضرها القضاة والحكام والأكابر وغيرهم من العوام، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة تقريبا بقمولة من غربية مدينة قوص [3] ، وكان رحمه الله تعالى رجلا ديّنا فاضلا فقيها عالما، صنف: «كتاب البحر المحيط فى شرح الوسيط» فى نحو ثمانية عشر مجلدا كبارا، واختصره فى ثمانى مجلدات وسمى المختصر: «جواهر البحر» وشرح مقدمة الشيخ أبى عمر بن الحاجب فى النحو فى مجلدين وشرح الأسماء الحسنى، وغير ذلك من التآليف رحمه الله تعالى/ (257) .
وتوفى فى ليلة الأحد خامس عشر شهر رجب الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحدافى [4] وكانت وفاته بالبرج بقلعة الجزيرة مقابل مصر، وبه كان يسكن، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص بعد صلاة الظهر، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ تاج الدين بن عطاء الله، بجوار تربة الشيخ أبى محمد بن أبى حمزة، وكان الشيخ عبد الرحمن رجلا صالحا زاهدا عابدا منقطعا متخلّيا عن الدنيا، رحمه الله تعالى.
وتوفى بحلب الأمير [5] ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة والده، وكانت وفاته فى يوم السبت ثالث عشر [6] شعبان، ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه أنه توفى فى
__________
[1] فى الدرر (1/304) والسلوك (2/290) أحمد بن محمد بن أبى الحزم مكى المخزومى بن ياسين القمولى، وفى هامش السلوك (2/290 حاشية 1) ابن أبى الحزم حرمى بن ياسين.. الخ وفى الشذرات (6/75) أحمد بن محمد بن مكى بن ياسين القرشى المخزومى القمولى، نسبة إلى قمولة- بالفتح والضم- بلد بصعيد مصر.
[2] زيادة من «أ» ص، 256
[3] يريد أنها غربى النيل، وفى مراصد الاطلاع: أنها تقع على الشاطئ الغربى للنيل.
[4] فى أ، ص 257 «الجذامى» .
[5] ترجمته فى الدرر (3/379) وفيه أن وفاته فى شعبان 727 هـ. وورد ذكره فى (النجوم 9/269) والسلوك (2/291) .
[6]- هذه الرواية تتفق وما ورد فى السلوك والنجوم، ولم يحدد ابن حجر فى الدرر يوم وفاته.
(33/246)

يوم الجمعة ثانى عشره، ودفن يوم السبت، وكان قد استقر عند انتقال والده إلى نيابة السلطنة بحلب فى جملة الأمراء مقدمى الألوف بحلب، فمرض ومات، فوصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر، وكان قبل ذلك قد توفى أخوه الصغير أحمد، وهو من أمراء العشرات بحلب، ووصل الخبر أيضا بمرض والده وأخوته، فرسم السلطان أن يتوجه صلاح الدين بن البرهان أحد الأطباء بالباب الشريف، فتوجه إليهم على خيل البريد فى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر.
وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان/ (258) القاضى عز الدين عبد العزيز بن [أحمد بن] [1] عمر بن عثمان بن الخضر الهكّارى قاضى الأعمال الغربية، ويعرف بابن خطيب الأشمونين [2] ، وكانت وفاته بالقاهرة، وكان قد حضر من المحلة للسلام على قاضى القضاة جلال الدين [3] فمرض ودامت به العلة إلى أن مات، وكان فقيها فاضلا نزها كريم الأخلاق، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان أيضا الأمير سيف الدين قطلوبغا [بن عبد الله] [4] المغربى الناصرى الحاجب، وكان قد توجه صحبة الرسل إلى حلب كما ذكرنا، فمرض فى سفره، وعاد فعجز عن الركوب، فحمل فى محفّة، ورحل إلى القاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان، فبات بداره ليلة واحدة، ومات رحمه الله تعالى، وكان السلطان قد أعده لمهمّاته، ووعده بتقدمة ألف، فعاجلته المنية عن بلوغ الأمنية.
وفيها فى آخر ليلة الأربعاء سادس شهر رمضان توفى القاضى كمال الدين أبو المعالى محمد بن الشيخ علاء الدين على بن الشيخ كمال الدين عبد الواحد
__________
[1] الزيادة من أ، ص 258 وفى الدرر (2/368) عبد العزيز بن أحمد بن عثمان الهكارى، ثم المصرى الشافعى. وفى شذرات الذهب (6/77) عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى الكردى الشافعى، وكذلك ورد فى طبقات الشافعية.
[2] الأشمونين: هى اليوم إحدى قرى مركز ملوى بمحافظة المنية وانظر (النجوم 9/40 حاشية/ 1) .
[3] فى الدرر (2/268) أنه عين لقضاء القضاة بعد أن صرف القاضى بدر الدين بن جماعة بسبب عماه، وأنه طلب من المحلة، وكان ينوب بها عن قاضى القضاة ابن جماعة، فدخل القاهرة وهو مريض، ومات بعد قليل، وأورد فى الشذرات بعض مصنفاته.
[4] الزيادة عن النجوم (9/269) .
(33/247)

ابن خطيب زملكا [1] زين الدين عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الشافعى، المعروف بابن الزّملكانى [2] ، وكانت وفاته بمدينة بلبيس مدينة الأعمال الشرقية من الديار المصرية، وكان قد استدعى من حلب بالأمر السلطانى، لينقل إلى قضاء الشام، فجاء على خيل البريد، فلما انتهى/ (259) إلى منزلة الصالحية مرض، فوصل إلى بلبيس، وقد اشتد به المرض فمات، وحمل إلى القرافة فى ليلة الخميس، فدفن بالقرب من قبر قاضى القضاة إمام الدين القزوينى جوار قبة الإمام الشافعى، ومولده فى ليلة الاثنين ثامن شوال سنة سبع وستين وستمائة، وكان من أعيان العلماء بمذهب الإمام الشافعى ومن الفضلاء، ولى كتابة الدّرج بدمشق مدة طويلة، وتنقل فى الولايات ودرس فى أجلّ مدارس [3] دمشق، ثم نقل إلى قضاء حلب، كما تقدم، وله شعر حسن، وترسّل جيد، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى يوم الأحد تاسع عشرين ذى الحجة الأمير سيف الدين كوجرى [ابن عبد الله] [4] أمير شكار، وهو من أمراء المائة مقدمى الألوف، رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق فى مستهل شهر ربيع الأول الأمير ناصر الدين إبراهيم بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك الزاهد [5] داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الملك القاهر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى، ودفن بقاسيون، وكان من جملة مقدمى الحلقة بدمشق المحروسة، رحمه الله تعالى.
__________
[1] الضبط من مراصد الاطلاع 2/670 وفيه: زملكان قرية ببلخ، وقرية بغوطة دمشق، وربما أسقطوا من هذه النون، فقالوا زملكا- بفتح أوله وثانيه وسكون اللام، وحكى ياقوت أيضا فتح أوله وثالثه وسكون ثانيه.
[2] ترجمته فى (الدرر 4/74 وما بعدها) والنجوم (9/270) والسلوك (2/290) والوافى بالوفيات (4/214) والشذرات (6/76) والدارس فى تاريخ المدارس (1/194) .
[3] هى المدرسة الأمينية. وكان أبوه علاء الدين الزملكانى يدرس بها أيضا. وانظر: (الدارس فى تاريخ المدارس 1/193 وما بعدها) .
[4] الزيادة من النجوم (9/268) .
[5] فى أ، ص 259 الملك الزاهر.
(33/248)

وتوفى بدمشق أيضا فى عشية نهار الأربعاء العشرين [1] من جمادى الآخرة الملك الكامل، وهو الأمير/ (260) ناصر الدين محمد بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [نجم الدين] [2] أيوب، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الأموى، وحمل إلى تربة الملك الكامل بن الملك العادل وهو عم أبيه، وجده لأمه ربيعة خاتون ابنة الملك الكامل، فأغلق باب التربة دون تابوته عامل التربة موسى بن أخت صاين الدين خطيب مصلّى العيدين، وامتنع من الموافقة على دفنه بها، فتألم الناس لذلك، وضربوا موسى المذكور، ولم يفتح الباب، فتوجّهوا/ بجنازته إلى تربة أم جده الملك [الصالح، وكشفوا الأزج [3] فوجدوه مملوءا بالأموات] [4] فجاءوا به إلى قبر أبيه فوجدوه ضيقا، فأحضروا الحجّارين فشقوا له قبرا ودفن [عند مغيب الشمس وكان نائب السلطنة] [4] يومئذ بالمرج، فطولع بذلك، فرسم أن يدفن عند والدته، فامتنع أهله من نقله، ومولده فى ليلة [الاثنين بطريق الحجاز الشريف، بمنزلة تسمى العقاب، بثنيّة راطية [5] خامس ذى القعدة سنة ثلاث] [6] وخمسين وستمائة سمع صحيح مسلم من ابن عبد الدايم وسمع من غيره، وحدث وكان من أمراء [الطبلخاناة بالشام، كثير التواضع والمجون [7]] حسن المذاكرة والمداعبة، كثير النوادر، ولما مات أنعم السلطان على ولده صلاح الدين [بإمرة طبلخاناه، وعلى ولده] الأصغر بإمرة عشرة، وركبا بالخلع فى رابع عشرين رجب بدمشق.
وتوفى بدمشق أيضا فى يوم الأربعاء [الرابع والعشرين [7] من] جمادى الأولى الشيخ العالم شرف الدين أبو محمد عبد الله/ (261) بن الشيخ
__________
[1] فى النجوم (9/269 فى حادى عشرين.
[2] الزيادة من السلوك (2/291) والنجوم (9/269) .
[3] الأزج: بناء مستطيل مقوس السقف (المعجم الوسيط) وترد هذه اللفظة كثيرا عند الهمدانى (فى الإكليل) مرادا بها القبور القديمة المطمورة.
[4] ما بين القوسين فى الموضعين زيادة من «أ» ص 260.
[5] الصواب أن يقال بثنية العقاب براط. ففى مراصد الاطلاع 1/301: ثنية العقاب: مشرفة على غوطة دمشق يطؤها القاصد إلى دمشق، وثنية العقاب بالثغور الشامية قرب المصيصة، وراطية- فى مراصد الاطلاع 1/595- قال فى تفسيرها: موضع، ولم يزد على ذلك.
[6] ما بين القوسين بياض فى ك، والزيادة من «أ» ص 260 و 261.
[7] فى الشذرات (6/76) رابع عشر جمادى الأولى.
(33/249)

شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد [1] بن تيمية الحرّانى الحنبلى، وهو أخو الشيخ تقى الدين، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بجامع دمشق، ثم صلى عليه بباب قلعة دمشق، وكانت جنازته مشهودة، ثم حمل إلى ظاهر باب النصر فصلى عليه مرة ثالثة، ثم صلى عليه مرة رابعة، ودفن بمقبرة الصوفية عند والده وأهله رحمهم الله، ومولده بحران [2] فى الحادى والعشرين من المحرم سنة ست وستين وستمائة.
وتوفى فى يوم الأربعاء بعد العصر الثالث من شعبان قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم [بن محمد بن عثمان ابن محمد البصروى] [3] الحنفى ببستانه بأرض سطرا [4] ظاهر دمشق، وصلّى عليه بكرة [الخميس بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وأوصى بثلث ماله فى بكرة نهار] [5] وفاته صدقة على الفقراء والمساكين، ومولده فى ثالث شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وسمع من ابن عبد الدايم وابن عطاء وغيرهما، وحدث رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق الصدر شمس الدين محمد بن الشيخ الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبى [6] صاحب ديوان المكاتبات بدمشق فى ليلة السبت عاشر شوال، وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن من الغد بتربة والده
__________
[1] أورد ابن حجر فى (الدرر 2/266) مكان هذا الجد (خضر) ، وأهمل ذكر وفاته المقريزى فى السلوك (2/290) وابن تغرى بردى فى (النجوم 9/268) وأورده ابن العماد الحنبلى فى الشذرات (6/76) ..
ابن عبد السلام بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية، وذكر أن مولده فى حادى عشر المحرم سنة 666 هـ.
[2] حران: قرية بغوطة دمشق، وأخرى من قرى حلب، وهناك مواضع أخرى بهذا الاسم (مراصد الاطلاع 1/389) .
[3] فى السلوك (2/290 و 291) البصراوى، وكذلك فى النجوم (9/268) وكلا الرسمين صحيح، فالنسب إلى ما رابعه ألف وثانيه ساكن مثل بصرى يصح فيه بصرى وبصروى، وبصراوى. وانظر فى ترجمته (الدرر 3/96) والشذرات (6/78) والدارس فى تاريخ المدارس (1/620) .
[4] سطرا: من قرى دمشق، وقد ذكرها ابن منير الطرابلسى فى متنزهات دمشق فقال:
«فالقصر فالمرج فالشرف الا ... على فسطرا فجرمانا فقلبين»
. المراصد 2/714.
[5] الزيادة عن السلوك، والنجوم، والدرر.
[6] أورده ابن تغرى بردى فى النجوم (9/268) والمقريزى (السلوك 2/290) وابن العماد (الشذرات 6/80) وابن حجر (الدرر 4/251) .
(33/250)

بسفح جبل/ (262) قاسيون، ومولده فى يوم الأحد ثامن شوال سنة تسع وستين وستمائة رحمه الله تعالى، ولما توفى استقر فى كتابة الدّرج [1] بعده بدمشق القاضى محيى الدين بن فضل الله، ولبس التشريف، وباشر الوظيفة فى يوم السبت الثالث والعشرين من ذى القعدة، واستقر شرف الدين ولد شمس الدين فى التوقيع بين يدى نائب السلطنة على ما كان عليه القاضى محيى الدين بن فضل الله، وخلع عليه أيضا فى اليوم المذكور، والله أعلم.
واستهلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة [2] بيوم الثلاثاء الموافق للعشرين من هاتور من شهور القبط
، ورئى فى كثير من البقاع يوم الاثنين، والسلطان الملك الناصر- خلد الله ملكه- بمقر ملكه بقلعة الجبل المحروسة، ولا نائب للسلطنة بالأبواب العالية، فإنه منذ عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى عن النيابة، وتوجّهه إلى حلب، لم يفوّض السلطان النيابة إلى غيره، وإنما الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب يتحدث فى أمر الجند، والأمير علم الدين مغلطاى الجمالى الناصرى فى وظيفتى الوزارة وأستاذ الدّارية العالية على عادته، والديار المصرية والشام والبلاد الحلبية والساحلية والجبلية وغيرها، من الممالك الإسلامية الداخلة فى مملكة السلطان الملك الناصر، على غاية الرخاء والخير، وانحطاط الأسعار.
وفى يوم الخميس ثالث المحرم من هذه السنة أمر السلطان أن يتقدم الأمير سيف الدين [بشتاك [3] على ألف فارس، وهى التقدمة التى انحلت عن الأمير سيف الدين كوجرى [4]] أمير شكار، وأعطاه السلطان من خبز كوجرى ملّوى [5] ، وكمل له على ما بيده من الإقطاع مائة فارس،/ (263) وأمر الأمير
__________
[1]- هذه الوظيفة ذكرها القلقشندى فى (صبح الأعشى 5/464) وذكر أن صاحبها هو الذي يكتب المكاتبات والولايات وغيرها فى الغالب، وربما شاركه فى ذلك كتاب الدست، ويعبر الآن (زمن القلقشندى) عن كاتب الدرج بالموقع.
[2] انظر فى أخبار هذه السنة ابن تغرى بردى (النجوم 9/90 و 271 وما بعدها) والمقريزى (السلوك 291- 305) وتاريخ أبى الفداء (4/94 وما بعدها) وابن العماد (شذرات الذهب 6/80 وما بعدها) .
[3] الضبط من النجوم (9/103) ويرد رسمه فيه أحيانا بلا ألف بعد التاء بشتك، وهو بشتاك الناصرى.
وانظر ترجمته فى الدرر (1/477 مات مقتولا فى ربيع الثانى سنة 742 هـ.
[4] ما بين الحاصرتين سقط من ك، والزيادة من أ، ص 262 والدرر (1/478) .
[5] ملوى: عدها ابن مماتى (قوانين الدواوين 193 فى أعمال الأشمونين، وسماها ملوى وجزايرها. وهى اليوم أحد مراكز محافظة المنية.
(33/251)

سيف الدين نوروز بطبلخاناة، وأمر ناصر الدين بن كوجرى بعشرة طواشيّة، وأمر سيف الدين چهاركس [1] بعشرة طواشية، وجعل أحد أمراء شكارية، وركب الأمراء فى يوم الخميس ثالث شهر المحرم بالتشاريف والشّرابيش [2] على عادة أمثالهم.
وفيها فى يوم الاثنين السابع من المحرم توجه السلطان إلى جهة القصور بسرياقوس، فتصيد بتلك الجهة إلى يوم الاثنين رابع عشر الشهر ورجع، ومر تحت قلعة الجبل ولم يصعد إليها، ومر على طريق سوق الخيل إلى الصّليبة إلى قناطر السباع، حتى انتهى إلى بولاق، فركب إلى جهة الجيزية، واستقر فى نيابة السلطنة- فى مدة غيبة السلطان- الأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح.
ووصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك
أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان، فكان وصولهم إلى باب الدّهليز [3] المنصورى بمنزلة الأهرام فى يوم الأحد السابع/ والعشرين من المحرم، فمثلوا بين يدى السلطان، وسمع رسالتهم، وأحسن إليهم، ورسم بإعادتهم إلى مرسلهم، فتوجهوا بعد دخولهم إلى القاهرة فى يوم السبت رابع صفر، واستمر السلطان بمنزلة الأهرام أياما، ثم توجه منها إلى جهة المنوفية، وعاد إلى قلعة الجبل المحروسة فى منتصف نهار الأحد ثانى عشر صفر، فأقام بقلعة الجبل إلى يوم/ (264) الخميس سلخ صفر، وتوجّه فى بكرة النهار إلى جهة القصور بسرياقوس، ثم عدى البحر إلى الجانب الغربى، وتوجّه إلى جهة المنوفية، وتصيد هناك وعاد، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول من السنة، والله أعلم.
__________
[1] الضبط من النجوم (9/214) والكلمة فارسية مركبة من: جهار- أربعة، وكسى (أو) كسى- شخص، أو نفس، فمعناها أربعة أنفس.
[2] الشرابيش: جمع شربوش، وهو غطاء للرأس كان على هيئة خاصة، وكان من شارات الإمارة، وفى السلوك (2/343) والنجوم (9/99) شربوش مكلل مزركش، ويفهم من هذا أنها كانت أنواعا مختلفة على حسب منزلة من تخلع عليهم.
[3] الدهليز: أورده المقريزى فى مواضع كثيرة فى السلوك، ويفهم منه أنه خيمة على صفة معينة تقام للسلطان فى رحلاته، وقد أورد أبو الفداء صفتها فى تاريخه (4/97) .
(33/252)

ذكر وفود الأمير تمرتاش بن الأمير جوبان بن تلك بن بدوان [1] نائب الملك أبى سعيد بمملكة الروم إلى الأبواب السلطانية
وسبب وفوده. وما كان من خبره إلى أن قبض عليه وقتل، ولنبدأ بذكر السبب الذي أوجب مفارقته المملكة الرومية، وحضوره إلى الديار المصرية، وهو ما وصل إلينا من أخبار والده وإخوته ومقتلهم، ثم نذكر أخبار تمرتاش [2] فنقول:
كان الأمير جوبان بن تلك [3] بن بداون نائب الملك أبى سعيد بن خربندا صاحب العراقين وخراسان والروم وأولاده قد استولوا علي مملكة التتار ما قرب منها وما بعد، وتحكموا فيها تحكم الملوك من غير منازع لهم ولا مناوئ، وزاد تحكمهم حتى لم يبق للملك أبى سعيد معهم إلا اسم السلطنة، وانفرد جوبان بالأمر كله بعد وفاة الوزير على شاه، وقد تقدم من أخبار جوبان وتمكنه وقتله من قتل من أكابر الأمراء وأقارب الملك ما ذكرناه فى حوادث/ (265) سنة تسع عشرة وسبعمائة ما لا يحتاج إلى إعادته، فلما كان فى سنة سبع وعشرين وسبعمائة توجه الأمير جوبان وولده الأمير حسن إلى بلاد خراسان، واستصحب معه معظم الجيوش، وتوجه لقصد محاربة أولاد الملك كبك [4] على عادة التتار، وتأخر بالأردو [5] من أولاد جوبان دمشق خواجا، فأنهى إلى الملك أبى سعيد عنه أنه قد عزم علي الوثوب عليه وقتله، حتى صح ذلك عنده، واتهم أيضا ببعض نساء الملك خربندا والد أبى سعيد، فعند ذلك أمر الملك أبو سعيد بقتله، واتصل الخبر به فركب فى طائفة يسيرة من مماليكه، وقصد الهرب إلى أبيه فأدرك لوقته، وقتل بظاهر مدينة سلطانية [6] ، وترك ملقى بعد قتله، وذلك فى شوال سنة سبع وعشرين.
__________
[1] فى أ، وك غير منقوط، وفى السلوك (2/292) تداون، وفى النجوم (9/272) نداون، وفى هامشه بداون فى إحدى نسخ الأصل.
[2] فى المقريزى (السلوك 2/292) دمرداش- بدالين- وفى الدرر (1/518) تمرتاش- بتاءين-.
[3] تلك: ضبطه فى السلوك بضم أوله وكسر ثانيه، وفى النجوم (9/272) بضم أوله وفتح ثانيه.
[4] الضبط من السلوك 2/292، وفى موضع آخر منه كبك خان.
[5] الأردو: إقليم ببلاد فارس قصبته تيمارستان. (مراصد الاطلاع 1/53) .
[6] مدينة سلطانية: فى النجوم (9/239) أن السلطان خربندا بن ارغون بن ابغا بن هولاكو بن تولو بن جنكيزخان هو الذى أنشأها فى أرض قنغرلان وفى هامشه: أنها تقع فى سمت المشرق من تبريز على مسيرة ثمانية أيام (240 ك م) منها، وتبعد من جبال جيلان مسيرة يوم (30 ك م) وأن السلطان خربندا جعلها عاصمة ملكه، وسماها سلطانية، وفى صبح الأعشى (4/358) نقل القلقشندى عن مسالك الأبصار وصفا مطولا لها.
(33/253)

ولما اتصل خبر مقتله بوالده الأمير جوبان أظهر الخلاف، وعزم على حرب الملك أبى سعيد، ورجع بالعساكر التى كانت معه من خراسان، وتوجه الملك أبو سعيد لقتاله بمن بقى عنده من العساكر، وتقدم كل منهما بعساكره إلى الآخر، حتى بقى بينهما منزلة أو نحوها، ففارقه أكثر من كان معه من الأمراء أولا فأولا، والتحقوا بالملك أبى سعيد، فعند ذلك رجع جوبان بمن بقى معه إلى خراسان، ففارقه من بقى معه من الأمراء إلى خدمة الملك، وبقى فى نحو ستمائة فارس من ألزامه ومماليكه، فتوجه بهم، ولم يتبعه الملك أبو سعيد، ولا جرّد خلفه عسكرا، بل رضى كل منهما من الغنيمة بالإياب، ولعله إنما ترك ذلك خشية أن يكون لحاق من كان مع جوبان من العساكر/ (266) به مكيدة، وعزم جوبان على اللحاق بأولاد الملك كبك، والاستنصار بهم على حرب الملك أبى سعيد.
فلما وصل إلى هراة [1]- من أعمال خراسان- خرج إليه نائبها، وهو أمير جرىء مقدام، له فتكات معروفة، وهو ممن أنشأه جوبان وقدمه فتلقاه وخدمه وعرض عليه الدخول إلى هراة والإقامة بها إلى انقضاء فصل الشتاء، ويتوجه بعد ذلك إلى حيث أحب، فركن إلى قوله، ووثق به، ويقال: إن ابنه حسن كره ذلك ونهى والده عنه، وذكره بغدراته، وكان قد حصل لجوبان مرض منعه من إدامة الحركة والسير، فترجح عنده الدخول إلى هراة، فدخل إليها، وفارقه ابنه حسن، والتحق بالملك أزبك صاحب صراى والبلاد الشمالية، فأكرمه أزبك، وأحسن إليه، ولما صار جوبان بهراة بادر نائبها بالقبض عليه وقتله، وكتب إلى الملك أبى سعيد بذلك.
وقتل أيضا ولد لجوبان بكردستان [2] ، ثم حمل جوبان فى تابوت، وجىء به إلى بغداد فى سابع عشرين شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، ثم حمل إلى مكة- شرفها الله تعالى- فى جملة الركب
__________
[1] هراة: مدينة مشهورة من أمهات مدن خراسان، كثيرة المياه والبساتين. مراصد الاطلاع 3/1145، وكانت من مدن العلم قبل العصر التترى.
[2] كردستان: كانت قديما إقليما هاما من بلاد فارس يقع شمالى كرمانشاه وجنوبى أذربيجان، وعاصمته سنندج (صفحات عن إيران ص 15) .
(33/254)

العراقى وطيف به، وحمل إلى عرفة، ثم إلى منى، وأعيد إلى مكة، وحمل منها إلى المدينة النبوية ليدفن فى تربته التى أنشأها بالمدينة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر كتب إلى أمير المدينة النبوية ألا يدفن فى التربة، فدفن فى البقيع، وكان السبب فى الاحتفال به، وحمله/ (267) إلى مكة والمدينة أن الملك تزوج ببغداد خاتون ابنة جوبان بعد مقتل والدها وأخويها، وحظيت عنده، وشغف بها، وكان يحبها قبل ذلك، وقصد زواجها، فزوجها والدها من الأمير/ الشيخ حسن بن الجتيه [1] ، فلما قتل جوبان أمره الملك أبى سعيد بطلاقها، وتزوجها وشغف بها، وتمكّنت من دولته أكثر من تمكّن أبيها على ما نذكر مما يصل إلينا إن شاء الله تعالى من أخبارها، فأمرت بحمل أبيها إلى الحجاز الشريف، هذا ما بلغنا من أخبار جوبان.
وأما الأمير دمرداش [2] بن جوبان
وهو نائب الملك أبى سعيد بالمملكة الرومية، وكان قد استقل بأمرها، واستولى على أموالها وعساكرها من غير منازع له فيها ولا معارض، فإنه لما اتصل إليه خبر مقتل أخيه دمشق خواجا، وما كان من خلاف أبيه علم أنه لا يمكنه الإقامة بالمملكة الرومية، وأنه متى يفرغ وجه الملك أبى سعيد من أمر جوبان يقصده بالعساكر، فكتب إلى السلطان الملك الناصر يسأله الإذن له في اللحاق به، والانضمام إليه والالتجاء إلى حرمه، فأذن له فى ذلك، وكتب السلطان إلى نوابه بالشام بتلقيه وإكرامه.
ولما ورد عليه جواب السلطان حصّن أهله وولده وأمواله بقلعة حصينة، وجعل فيها ذخائره وحصّنها بالعدد والأقوات الكثيرة، ثم ركب في عسكر الروم. وأظهر أنه يتوجه فى مهم بأمر الملك أبى سعيد، فلما كان بأثناء
__________
[1] فى أ، ص 267 الجتية بتاء مكان النون، وفى ترجمة بغداد بنت جوبان (الدرر 1: 480) قال ابن حجر:
وكانت قبل أن تتزوج بو سعيد زوجا للشيخ حسن، ولم يذكر بقية اسمه، وكذلك فعل حين ذكر اسمه فى ترجمة الحسن بن تمرتاش (الدرر 2/15) .
[2] فى أ، ص 267 تمرتاش، وكذلك رسمه فى الدرر (1/518) وفى ك دمرداش- بدالين- وكذلك رسمه فى السلوك (2/292) وهما سواء.
(33/255)

/ (268) الطريق نزل بمنزلة، ولبس لأمة حربه هو ومن يعتمد عليه من ألزامه ومماليكه، وقال لمن معه من العسكر: أنا متوجه إلى الديار المصرية، فمن أحب أن يصحبنى فليعتزل العسكر، ومن أحب الرجوع إلى بلاد الروم فليرجع، ومن أحب القتال فليبرز للحرب، فما جسر أحد منهم علي قتاله، ولا أقدم على حربه، بل ترجّلوا وخدموه [1] ، ورجعوا إلى بلادهم، وتقدم هو إلى الشام فى نحو ستمائة فارس، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأحد خامس عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فتلقّاه نائب السلطنة بها الأمير سيف الدين تنكز [2] وأكرمه وجهّزه إلى الديار المصرية، فوصل إلى خدمة السلطان، والسلطان بمنزلة أوسيم من الأعمال الجيزية فى ليلة الخميس المسفرة عن سابع عشر شهر ربيع الأول، ومثل بين يدي السلطان فى بكرة نهار الخميس المذكور، فأكرمه السلطان، وأحسن إليه، وأنعم عليه بتشريف أطلس معدلى [3] بطرززركش وكلّوته زركش، وشاش رقيم وحياصه ذهب مجوهرة على عادة نواب السلطنة الشريفة، وحضر فى خدمة السلطان فى بقية نهار الخميس إلى قلعة الجبل المحروسة، وأسكنه السلطان بالقلعة بدار كان يسكنها خاصّ ترك [4] الناصرى، ثم رسم بتجديد عمارة دارين بقلعة الجبل وإصلاحهما، فأصلحا، وأسكنه بهما هو ومن معه من الأمراء أصحابه، ووكّل السلطان بخدمته وملازمته وقضاء حاجته الأمير سيف الدين طرغاى [5] الجاشنكير،/ (269) وأنعم السلطان عليه بالأموال والأقمشة والخيول، ورتب له ولمن معه الرواتب المتوفرة، فرتب له في كل يوم من اللحم ثلاثمائة وأربعين رطلا، وغير ذلك مما يحتاج إليه.
وركب في يوم الاثنين حادى عشر الشهر في الموكب بالأقبية الإسلامية [6] والكلّوتة والشاش على عادة العساكر المصرية، وحضر إلى
__________
[1] يرد هذا الفعل كثيرا فى أسلوب مؤرخى هذه الفترة مرادا به أداء التحية وإظهار الولاء والخضوع.
[2] الضبط عن القلقشندى (صبح الأعشى 5: 425) وأصل لفظه تركى ومعناه: البحر، وفى النجوم (9/93) جرى ضبطه بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه.
[3] فى أ، ص 268 معدنى.
[4] الضبط من النجوم (9/304) حيث وردت ترجمته فى وفيات سنة 734 هـ. قال: وهو الأمير سيف الدين خاص ترك بن عبد الله الناصرى من خواص مماليك الناصر، وقد صار أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية.
[5] فى ك طرغية، وما أثبتناه من أ، ص 268 والنجوم (9/277) والسلوك (2/294) وذكر أن السلطان جهزه لاستقباله فى غزة واستصحابه فى قدومه إلى القاهرة.
[6] فى السلوك (2/295 حاشية (1) ورد ما يفهم منه أن هذه التسمية كانت تطلق على القباء العربى تمييزا له من القباء السلارى التترى، وهو البغلطاق.
(33/256)

الخدمة السلطانية، وأجلس فى مجلس السلطان بدار العدل الشريف بالإيوان إلى جانب سيف الدين آل ملك [1] الجوكان دار دونه بلواء تلو الأمراء مقدمى الألوف [2] .
ووصل في يوم السبت تاسع [عشر [3]] شهر ربيع الأول الأمير شاهنشاه وهو ابن عم الأمير جوبان، وكان وصوله من جهة الرحبة، وذكر أن ابن عمه جوبان أرسله إلى خدمة السلطان يعرفه ما وقع، وذكر أنه فارقه من بلاد خراسان عند عزمه علي دخول غزنة إلى أولاد الملك كبك، ولعله فارقه قبل وصوله إلى هراة، فخلع السلطان على شاهنشاه تشريفا كنجيا أحمر، وكلّوتة زركش، وأنزله عند تمرتاش، ثم وصل طلب تمرتاش وأنقاله إلى القاهرة المحروسة فى يوم الخميس ثامن عشرين شهر ربيع الأول، فأنزلوا بدار الضّيافة، وهم نحو ستمائة فارس، فرسم السلطان بعرضهم في يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر، فعرضوا وفرّق أكثرهم على الأمراء، ورسم للأمراء أن يقوموا بكلفهم من خواصّهم من غير إقطاع، وسأل جماعة منهم العود إلي بلادهم، فأذن لهم السلطان، وزوّدهم وكتب إلى نواب الشام/ (270) بتمكينهم من العود، فتوجه منهم نحو تسعين فارسا.
ووصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، وهما اثنان، فمثلا بين يدي السلطان لوقتهما، وأديا رسالتهما، وخلع عليهما، وذكرا أنهما توجها من جهة الملك قبل وصول الخبر إليه بمفارقة تمرتاش البلاد الرومية، ولحاقه بالديار المصرية، ثم مثلا بين يدى السلطان فى يوم الاثنين، وأقام بالأبواب السلطانية إلى يوم الاثنين تاسع الشهر، فأعيدا إلي مرسلهما وجهز السلطان من جهته الأمير سيف الدين أرج [مملوك قبجق] [4] وكتب معه إلى الملك أبى سعيد يشفع فى تمرتاش
__________
[1] فى أوك رسم (الملك) وفى السلوك (2/294) والنجوم (9/102) رسمت آل ملك، وقد تابعناهما على رسمها كذلك، وقد أورد ابن حجر ترجمته فى الدرر (1/411 فى ترتيبه من حرف الهمزة واللام وما يثلثهما ورسمه أيضا آل ملك: سيف الدين الحاج النائب.
[2] أورد المقريزى خبر قدوم تمرتاش مفصلا وفيه زيادة على ما أورده النويرى هنا (السلوك 2/292) .
[3] ما بين الحاصرتين زيادة من السلوك (2/295) .
[4] ما بين الحاصرتين زيادة من السلوك (2/296) وعبارته: «وبعث السلطان الأمير سيف الدين أروج- بضم أوله وثانيه- مملوك قبجق إلى أبى سعيد يشفع فى دمرداش ومعه رسل أبى سعيد إلى السلطان فساروا فى تاسع جمادى الأولى» .
(33/257)

ويستوهبه/ منه ويسأله إطلاق عياله وألزامه من بلاد الروم، واستمر تمرتاش فى الخدمة السلطانية، والسلطان يضاعف له الإكرام، ويصله بالإنعام الواصل والخيول، وتوجه فى خدمة السلطان إلى الصيد بجهة البحيرة [1] وعاد ثم رسم السلطان له أن يرسل فى إحضار ولده وأهله وأمواله من بلاد الروم، وكتب فى ذلك إلى الأمير ابن قرمان صاحب الجبال ورئيس التركمان، فتوجه رسوله صحبة رسول السلطان إلى القلعة التى بها ولده، فلم يوافق على الحضور، وقال: ان بينه وبين أبيه أمارة لم تصل إليه، وظهر للسلطان من تمرتاش خبث طوية، وسوء نية، فأمر عند ذلك بالقبض عليه وعلى الأعيان الذين معه، فقبض عليه وعلى الأميرين/ (271) شاهنشاه ومحمود في يوم الخميس العشرين من شعبان من السنة، واعتقل تمرتاش ببرج السباع، ومحمود وأخوه عثمان وشاهنشاه بالبرج الصغير [2] .
ووصل رسل الملك أبى سعيد إلى الأبواب السلطانية
فى يوم الأربعاء حادي عشر شهر رمضان، وهم ثلاثة نفر، المشار إليه منهم أياجى أمير جاندار الملك أبى سعيد، ومثلوا بين يدى السلطان، وشملهم الإنعام بالتشاريف على عادة أمثالهم، وأرسلهم السلطان إلى تمرتاش فى معتقله صحبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فاجتمعوا به، وتحدثوا معه، وقيل كان مضمون رسالتهم طلب تمرتاش من السلطان، وأنه إذا أسلم إليهم أرسل الملك أبو سعيد إلى السلطان فى مقابل ذلك الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى [3] ، فمال السلطان إلى ذلك، ورسم للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أن يتوجه إلى الملك أبى سعيد برسالة السلطان لتقرير الحال فى ذلك، وتوجه طلبه فى يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان، ثم عدل السلطان عن هذا الأمر، وترجح عنده أنه لا يرسله إلى الملك [أبى سعيد] [4] .
__________
[1] فى ك الجزيرة، وما أثبتناه من أ، ص 270 وفى السلوك (2/296) : «وفى يوم الثلاثاء عاشره توجه السلطان إلى الوجه البحرى ومعه دمرداش» وسيورده النويرى بعد قليل.
[2] أورد المقريزى فى السلوك (2/297) خبر القبض على دمرداش، وسبب ذلك بتفصيل أكثر مما أورده النويرى هنا. وانظر أيضا (كنز الدرر وجامع الغرر 9/345- 348) .
[3] فى هذه العبارة إشارة إلى أن ما نعبر عنه اليوم بحق اللجوء السياسى كان معروفا حينذاك، وكذلك تبادل المجرمين.
[4] ما بين الحاصرتين زيادة من السلوك (2/299) .
(33/258)

فلما كان فى ليلة الخميس رابع شوال من هذه السنة أخرج تمرتاش من معتقله بالبرج، وفتح باب السّرّ [1] من جهة القرافة، وأخرج منه وهو مقيد مغلول [وقد جمعت يداه إلى عنقه] [2] وطلب رسل الملك أبى سعيد، وشاهدوه على هذه الحال، ثم خنق وشاهدوه بعد موته، وقطع رأسه وسلخ وصبّر وحشى وأرسل السلطان الرأس إلى أبى سعيد، ودفن/ (272) الجسد بمكان قتله، وحضر الرسل إلى الخدمة السلطانية فى يوم الخميس رابع شوال، وركبوا فى خدمة السلطان فى يوم السبت إلى الميدان، ثم حضروا إلى الخدمة فى يوم الاثنين ثامن شوال، وشملهم بالخلع والإنعام، وأعيدوا إلى مرسلهم فى هذا اليوم، وتوجه أيضا الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى برسالة السلطان إلى الملك أبى سعيد.
هذا ما كان من أخبار تمرتاش علي سبيل الاختصار، والله تعالى أعلم بالصواب [3] .
فلنرجع إلى سياقة الحوادث فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وفي هذه السنة [توجه السلطان أيضا] [4] إلى الصيد بالوجه البحرى فى يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر، وتصيد بجهة البحيرة [5] وغيرها، وعاد إلى قلعة الجبل فى الثانية من نهار الخميس سادس عشرين الشهر، وهى السفرة التى كان تمرتاش معه فيها.
ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية وعوده
وفى يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر جمادى [6] الآخرة وصل الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب
__________
[1] فى أ، ص 271 وفتح باب القلعة من جهة القرافة.
[2] ما بين الحاصرتين لم يرد فى ك وأثبتناه من أ، ص، 271
[3] فى كنز الدرر وجامع الغرر (9/348) لم ترد إشارة إلى أن تمرتاش قد قتل، بل ذكر أن وفاته كانت طبيعية وعبارته: «ثم إن البلاد لم توافقه، فحصل له توعك، وسقط بالوفاة يوم الأربعاء ثانى وعشرين ذي القعدة سنة 728 هـ» .
[4] ما بين الحاصرتين بياض فى ك والزيادة المثبتة من أص 272
[5]- هذه السفرة هى التى خرج معه فيها تمرتاش، وسبقت الاشارة إليها فى ص 255 من هذا الجزء.
[6] فى أ، ص 272 جمادى الأولى.
(33/259)

السلطانية وشمله التشريف والإنعام والزيادة/ (273 فى إقطاعه ثم رسم بعوده إلى الشام، فعاد وتوجه فى عوده لزيارة الخليل صلوات الله عليه، والبيت المقدس، وشاهد العين التى أجريت إلى القدس الشريف، وكان قد جرّد إليها من دمشق فى شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير فتوجه ولازم العمل، واجتهد فيه، ووجد آثار قنى [1] قديمة قد سدت، وقلفطت [2] ، فيسر الله تعالى فتحها، ووصل الماء إلى القدس/ فى شهر ربيع الأول من هذه السنة، ولما شاهد نائب السلطنة [المذكور] [3] العين رسم بعمارة حمام على فائض الماء [4] .
ذكر وفاة قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى الحنفى وتفويض القضاء بعده إلى القاضى برهان الدين إبراهيم بن عبد الحق
وفى يوم السبت خامس جمادى الآخرة بعد أذان العصر توفى القاضى شمس الدين محمد بن صفى الدين عثمان بن زكىّ الدين أبى الحسن بن عبد الوهاب الأنصارى الحنفى المعروف بابن الحريرى [5] قاضى الحنفية بالديار المصرية، وكانت وفاته بالمدرسة الصالحية [6] النجمية بالقاهرة المحروسة، وكان قد مرض وطالت مرضته، فركب فى أثناء مرضه مرارا إلى المدارس لإلقاء الدروس، وحضر دار العدل الشريف، ثم عاوده المرض غير مرة، وتمادت العلة به حتى مات، رحمه الله تعالى [7] ودفن فى يوم الأحد بالقرافة الصغرى بتربته التى أنشأها، ومولده فى عاشر صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وخلّف تركة طائلة، وكان رحمه الله تعالى قاضيا عالما بمذهبه، شديدا فى أحكامه، غير متحاش من أرباب الدولة من الأمراء وغيرهم.
__________
[1] كذا فى أ، وك، وحقه أن يرسم بالألف فهو اسم جنس جمعى للقناة: المجرى الضيق للماء والجمع قنوات.
[2] كذا فى أوك ولعل أصله من قلفط السفينة إذا أعدها، وسد خلالها بالليف والقار لغة فى جلفط.
[3] الزيادة من أص، 273
[4] فى السلوك (2/302) أن العمل فى هذه العين استغرق سنة، وأنه بنى لها حوضا سعته نحو مائتى ذراع، وأنشأ إلى جوارها خانقاة وحماما وقيسارية، فعمرت القدس.
[5] ترجمته فى السلوك (4/93) والوافى بالوفيات (4/90) وشذرات الذهب (6/88) وكلها تذكر أن مولده فى صفر سنة 653 هـ، وانفرد النويرى هنا بتحديد يوم مولده من الشهر.
[6] المدرسة الصالحية: نسبة إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وانظر فى تحديد مكانها الحالى (النجوم 6/190 حاشية 1) .
[7] نهاية ص 273 من نسخة أ، وتبدأ ص 274 فيها بعد انقطاع نحو عشرين صفحة من نسخة ك.
(33/260)

ولما توفي رحمه الله تعالى تحدّث مع السلطان فى ولاية القضاء، واعتنى عنده بقوم، ثم وقع الاختيار على القاضى برهان الدين [إبراهيم] المذكور بن القاضى كمال الدين أبى الحسن على بن القاضى بهاء الدين أحمد ابن الشيخ زين الدين على بن عبد الحق [1] ، فرسم بطلبه من دمشق، وكتب لنائب السلطنة بها، وتوجه البريد بذلك فى يوم الثلاثاء ثالث الشهر، وكان وصوله إلى القاهرة المحروسة فى يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الآخرة، ومثل بين يدى السلطان، وفوض إليه القضاء، وما كان بيد القاضى شمس الدين الحريرى من المدارس والأوقاف، وخلع عليه وأنعم عليه ببغلة، وأنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وحكم فى بقية يومه، وجلس بدار العدل فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر، وأجلس دون قاضى القضاة تقى الدين بن الأخنائى [2] المالكى على العادة القديمة.
ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله، وعودهم إلى مرسلهم
وفى يوم السبت العاشر من شهر رجب عاد الأمير سيف الدين أطوجى [3] ورفيقه من جهة الملك أزبك صاحب صراى [4] والبلاد الشمالية، وصحبته رسل الملك أزبك، فمثلوا بين يدى السلطان، وأحضروا ما معهم من الهدايا والتقادم، وأدوا الرسالة، فشملهم الأنعام والخلع على عادة أمثالهم، وأنزلوا بالميدان، وتكرر حضورهم بين يدي السلطان، ثم أحضروا فى يوم الخميس حادى عشر شوال من السنة إلى مجلس السلطان، وعاد وخلع عليهم تشاريف طردوحش مذهّب، ورسم بعودهم إلى مرسلهم، فتوجهوا إلي ثغر الإسكندرية فى
__________
[1] ترجمته فى الدرر (1/46 و 47) وتتمة اسمه كما ورد فيه: (إبراهيم بن على بن محمد بن أحمد بن على بن يوسف بن إبراهيم الحنفى) وقد ولى قضاء الحنفية عشرين سنة وعاد إلى دمشق سنة 738 هـ ومات بها سنة 744 هـ، وانظر (السلوك 2/658) .
[2] تقى الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الأخنائى المالكى: ترجمته فى الدرر (3/407) والشذرات (6/103) والوافى بالوفيات (2/272) .
[3] الضبط من السلوك (2/296) .
[4] فى السلوك (2/296) ملك القبجاق، والمقصود بهما واحد.
(33/261)

يوم السبت العشرين من الشهر، وتوجه من جهة السلطان الأمير سيف الدين أطارس أنان [1] أحد أمراء العشرات، وصحبته عمه تيلق [2] .
وفيها فى يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر رجب الفرد عقد نكاح الأمير سيف الدين طغيتمر [3] العمرى الناصرى أحد الأمراء المماليك السلطانية مقدمي الألوف علي إحدى بنات السلطان، ورسم السلطان بإعفاء الأمراء من التقادم، وحمل الشمع، وأنعم على الأمير المشار إليه من مال السلطان بأربعة آلاف دينار عوضا عما كان يصل إليه من تقادم الأمراء.
ذكر مقتل الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وتولية أخيه طفيل
وفى يوم السبت مستهل شعبان من هذه السنة وثب أولاد الأمير ودىّ بن منصور بن جمّاز بن شيحه على الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية فقتلوه خارج المدينة، ووصل الخبر بذلك إلى الأبواب السلطانية فى أواخر الشهر، ففوّض السلطان الإمرة لأخيه الأمير سيف الدين طفيل، وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية، فخلع عليه، وتوجه إلى المدينة النبوية.
وفيها فى شهر رمضان فوّض السلطان قضاء المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- والخطابة بها لصاحبنا وأخينا فى الله تعالى القاضى شرف الدين محمد بن القاضى عز الدين محمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن الشيخ جمال/ الدين إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللّخمى المعروف جد أبيه جمال الدين بالأسيوطى، ولى القضاء عوضا عن شرف الدين يعقوب المدنى، والخطابة عوضا عن القاضى بهاء الدين موسى بن سلامة، وخلع عليه، ورسم له بمال، يوفى منه ما عليه من الدين، ويتجهز ببقيته، وكانت ديونه تزيد على سبعة آلاف درهم، وتجهز أحسن جهاز، وتوجه صحبة الركب فى شوال، كتب الله سلامته، وأعانه على ما ولاه.
__________
[1] لم يتضح فى الأصل ولم أجده فى المقريزى، ولا فى النجوم، ولعله تحريف سيف الدين أيناق الذي أصبح فيما بعد من مقدمى الألوف، وكان من خواص الناصر وتوفى سنة 736 هـ.
[2] كذا فى ك، ولم أجده ولعله تحريف بيلك.
[3] فى السلوك (2/296) والنجوم (9/89) رسم: طغاى تمر، وفى الدرر (2/223) رسمه: طغيتمر كما جاء هنا. والضبط من النجوم (9/89 و 103) .
(33/262)

ذكر ما قرر من استيمار [1] الدولة الناصرية ومن رتب من المباشرين
وفى هذه السنة فى شوال منها حسن (جماعة) [2] للسلطان أن يوفّر من جامكية مباشرى الدولة الشريفة، ومباشرى المعاملات بالقاهرة ومصر والأعمال البرانية وأرباب الوظائف جملة، ومنهم من وفّر.
فلما كان فى يوم الأحد رابع عشر شوال قرىء الاستيمار على السلطان وتعين من توفر، ثم أحضر مباشرى الدولة فى يوم الاثنين، وتجدد الحديث فى ذلك، فلما انفصلوا من بين يديه رسم بطلب الصاحب أمين الدين عبد الله [3] ، فطلب من داره فحضر ومثل بين يدى السلطان بعد العصر، وخلع عليه وعلى القاضى مجد الدين بن لفيتة [4] بغير طرحات [5] ، ورتّبهما السلطان فى نظر النظار والصحبة، ونقل القاضى شمس الدين بن قروينة ناظر الدواوين إلى نظر البيوت [6] السلطانية، وخلع عليه أيضا معهما، وباشر الصاحب أمين الدين النظر وكشف الرواتب، وأوقف أربابها إلا بعد العرض على من ندب لذلك، ومن عرض شطب اسمه، وكتب إلى سائر الممالك الشامية الساحلية بأوقاف أرباب الرواتب المقيمين بالديار المصرية المرتّبين على الشام، ولا يصرف لأحد منهم شىء إلا بتوقيع جديد لاستقبال شوال من السنة، وشدد فى ذلك، فاجتمعت به، وسألته عن هذا الحال ومقصده فيه، فحلف لى بالله أنه لا غرض له فى قطع مستحق، وأن غرضه فى الكشف، والعرض أن جماعة من أرباب الرواتب درجوا
__________
[1] يفهم من عبارة المؤلف هنا أن المراد بالاستيمار السجل الذى تدون فيه الرواتب والأرزاق، وكذلك أورده المقريزى فى (السلوك 1/850) وعبارته: «وفيها- يعنى سنة 697 هـ- رسم بعمل استيمار يجمع أرباب الرواتب ليحضروا بتواقيعهم للعرض على منكوتمر ليقطع من يختار منهم» .
[2] الزيادة عن السلوك (2/298) .
[3] فى السلوك (2/298) أمين الدين عبد الله بن الغنام، وترجمته فى ابن حجر (2/251) ولم يرد فى نسبه «الغنام» .
[4] فى ابن حجر (الدرر 1/53) إبراهيم بن لفيته: مجد الدين ناظر الدولة كان نصرانيا فأسلم مات فى جمادى الأولى سنة 731 هـ.
[5] فى «ك» بغر حاجات، ولعله تحريف، وما أثبتناه عن السلوك (2/298) .
[6] انظر البيوت السلطانية فى المقريزى (الخطط 2/205) .
(33/263)

بالوفاة، وتسمى غيرهم بأسمائهم، وقبض مرتبهم ممن للكتّاب بهم عناية، وأن ذلك لا يتميز له إلا بالعرض والكشف، ثم كتب قصّة [1] بعد ذلك إلى السلطان يطلب فيها الإعفاء من المباشرة، فلم يجب إلى ذلك، فكتب قصّة ثانية، فأجيب إلى سؤله، وأعفى من المباشرة بعد العصر من يوم الأربعاء تاسع عشرين ذى القعدة، وهو سلخة، فكانت مدة مباشرته أربعة وأربعين يوما تحريرا.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع شوال عقد نكاح الأمير سيف الدين منكلى بغا السلاح دار الناصرى على الخوند دلنبيه [2] زوج السلطان- كانت- وهى التى وصلت من بلاد أزبك وهى من البيت الجنكيزخانى، وكان السلطان قد أبانها بالطلاق، وبنى الأمير سيف الدين بها فى ليلة الخميس ثانى ذى القعدة.
ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمراء والمعتقلين
وفى هذه السنة فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة أمر السلطان بالإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المنصورى المعروف بزيرباج [3] وقد ذكرنا اعتقاله فى يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر لسنة اثنتى عشرة وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، وأفرج أيضا فى هذا اليوم عن الأمير جمال الدين فرج بن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى [4] وأفرج فى يوم الجمعة- يوم عرفة- عن الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وقد ذكرنا أنه كان قبض عليه فى يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان سنة عشرين وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ثمانى سنين وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما [5] .
__________
[1] المراد بالقصة- فى أسلوب النويرى، وعند مؤرخى هذه الفترة- ما نسميه اليوم ملتمسا؛ أو شكوى.
[2] فى السلوك (2/298) طلباى، وقد سبقت الإشارة إلى ضبط هذا الاسم.
[3] تتفق عبارة النويرى هنا مع ما أورده المقريزى فى السلوك (2/298 و 299 فى خبر الإفراج عن هذين الأميرين، وزاد المقريزى: أن الأول كان فى سجنه يغزل الصوف ويعمل منه كوافى بديعة ويبيعها، وأن الثانى كان ينسخ القرآن وكتب الحديث وغيرها.
[4] فى السلوك (2/299) أنه أعيد إلى سجنه فى يومه.
[5] فى المصدر السابق ورد هذا الخبر فى موضعين أولهما فى ص 299 وتتفق عبارته فيه مع ما أورده النويرى هنا والثانى فى ص 304 وفيه أن مدة سجنه ثمانى سنين وثلاثة أشهر وتسعة أيام.
(33/264)

وفيها فى يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجة توجه السلطان إلى الصيد بجهة سرياقوس، وتصيد بتلك الجهة، وعاد إلى قلعة الجبل عشية نهار الجمعة سادس عشر الشهر، فأقام بقلعة الجبل إلى آخر يوم الأربعاء الثامن والعشرين من الشهر، وتوجه فى بكرة نهار الخميس تاسع عشرين الشهر إلى الصيد بجهة سرياقوس.
وفيها فى آخر نهار/ الثلاثاء السابع والعشرين من ذى الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية من الحجاز الشريف- ممن وقف بعرفة فى هذه السنة- سيف الدين ألناق السيفى أحد مماليك الأمير سيف الدين الحاج آل ملك الجوكندار ورفيقه أحد مماليك الأمير سيف الدين طقزدمر العمادى [1] ومثلا بين يدي السلطان فى بكرة نهار الأربعاء، وشملهما الإنعام والتشاريف على عادة أمثالهما، وأخبرنى سيف الدين ألناق المذكور أن الوقفة بعرفة كانت يوم الجمعة من غير شك فى ذلك، وأن الحاج فى خير ورخاء، وأن المياه كانت كثيرة متيسرة ولله الحمد على ذلك، وسألته عن يوم مفارقته الحاج، فذكر أنه ركب من مكة شرفها الله تعالى بعد المغرب من نهار الاثنين ثانى عشر الشهر، فمدة سفره خمسة عشر يوما وتسع ساعات، وقد ذكرنا فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصول أوجى مملوك قجليس وطرنطاى الكريمى فى اثنى عشر يوما وتسع ساعات.
ذكر متجددات كانت بدمشق فى هذه السنة
من ذلك كانت عمارة الحائط القبلى بالجامع الأموى، وذلك أنه فى أول شهر ربيع الأول فكّ الرخام الذى بالجدار القبلى من الجهة الغربية ليصلح ويعاد، فظهر فى الحائط عند كشفه ميل ظاهر، فأخر إصلاحه إلى أن عاد نائب السلطنة من الديار المصرية، فطولع بذلك، فحضر فى يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر إلى الجامع، وصحبته قاضى القضاة علاء الدين وغيره، وأحضر المهندسين، وعمل تقدير ما يحتاج إليه لنقضه وإعادته، فكان مائة ألف درهم، فطولع السلطان بذلك، فورد المثال السلطانى بهدمه وإعادته فى يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى، فهدم الحائط بعد صلاة الجمعة، فنقض منه ثمانية
__________
[1] كذا فى ك، وفى السلوك (2/303) والدرر (2/255) طقزدمر الناصرى.
(33/265)

معازب وعشرة أوتار جسورة [1] ، وانتهوا إلى نقض الحجارة فى يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة، وحضر نائب السلطنة، وشاهدها قبل نقضها، فنقضت، وهى حجارة كبار تشبه عمارة [2] القلاع، وانتهوا إلى الأساس فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر، وحصل الشروع فى البنيان فى يوم الأحد تاسع عشر الشهر، وانتهت عمارة الحائط فى خمسة وعشرين يوما.
وجدّد فى الحائط محراب يشبه المحراب المعروف بمحراب الصحابة الذى فى الجهة الشرقية بين باب الزيارة وباب الخطابة، واستقر أن يصلّى فيه أمام الحنفية، وكملت العمارة وإعادة السقف وغيره فى يوم الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب، وخلع على ناظر الجامع والمشد والمغاربة فى هذا اليوم، وفرش الجامع على عادته فى يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رجب، وصرف علي عمارته- فيما قيل- نحو خمسين ألف درهم، ووجد سلّم عظيم لصومعة مبنى بالحجارة المنحوتة، فنقض السلم، وحملت حجارته على العتّالين إلى هذا الحائط، فعمّر [2] به، وأعان ذلك إعانة كبيرة، ولولا ذلك لاحتاج إلى كلفة عظيمة، ورخّم الحائط، فكان الفراغ من ترخيمه فى يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة تسع وعشرين، وصلّى تحت الحائط بعد ترخيمه فى يوم الجمعة سابع عشرين الشهر، وفتح باب الزيارة- وكان قد أغلق بسبب العمارة- واستقر فى أمر الأئمة وترتيبهم فى الصلاة فى صلاة العصر من يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رجب من هذه السنة ما نذكره، فصلى إمام الكلّاسة [3] أولا على عادته، وصلى بعده إمام مشهد على بن زين العابدين بن الحسين بن على رضى الله عنه، وصلى الخطيب بعدهما، وهو إمام الشافعية، وصلى بعده إمام الحنفية فى المحراب المستجد، ثم إمام المالكية نقل إلى محراب الصحابة، وبعده إمام الحنابلة صلى بالمحراب الذى كان المالكى يصلي فيه غربى الجامع بمقصورة الخطابة، ووسع المحراب المذكور، ورفع عنه العمارة، وصلى بعده إمام مشهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وبعده إمام
__________
[1] كذا فى الأصل، ولم يتضح لنا مراده.
[2] العمارة: البناء، ومراده ما تبنى به القلاع من حجارة كبار.
[3] الكلاسة (انظر الحاشية رقم (1) ص 243 من هذا الجزء) .
(33/266)

مشهد ابن عروة، ونقل الإمام الذى كان يصلى بمحراب الصحابة إلى محراب الكلّاسة القديم بالمعلوم الذى كان له بمحراب الصحابة، واستقرت الحال على ذلك.
وفيها فى أول ليلة السبت خامس جمادى الأولى وقع حريق عظيم بسوق الفرّانين بدمشق، كان مبدأه من دكان قطّان فى طريق قيسارية الفرش، وامتد إلى سوق الفرّانين وإلى القيسارية المستجدة وقيسارية البيمارستان وبعض حوانيت سوق على، وعجز الناس عن طفيه، واستمرت النار إلى يوم الأحد، ثم طفى.
وفيها أمر نائب السلطنة بدمشق بعمارة المدارس بها، ومنع من التصرف فى شىء من ريع الأوقاف إلى أن تكمل عمارتها، ففعل ذلك، ورسم بتقرير مال يجبي لعمارة قنى بدمشق، فقرر لذلك نحو ثلاثمائة ألف درهم، وندب لعمارة القنى ناصر الدين النّجيبى، فعمر منها في هذه السنة إلى آخر سنة تسع وعشرين إحدى وعشرين قناة، وبقى نحو أربع قنى تعمر إن شاء الله فى سنة ثلاثين وسبعمائة.
/ وفيها فى يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة ورد مرسوم شريف سلطانى إلى دمشق بمنع الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية من الكتابة مطلقا فى التصنيف والفتيا، فأخذ ما عنده من الكتب والأوراق والدواة والأقلام وأودع ذلك عند متولى قلعة دمشق، فكان عنده إلى مستهل شهر رجب، ثم أرسل المتولى ذلك إلى قاضى القضاة علاء الدين، فجعل الكتب فى خزانة المدرسة العادلية، لأنها كانت عارية [1] ، وأما الأوراق التى كانت بخطه من تصانيفه فكانت نحو أربع عشرة ربطة، فنظر القضاة والفقهاء فيها، وفرّقت بينهم.
__________
[1]- هذه إشارة واضحة إلى أن نظام إعارة الكتب كان معروفا لديهم فى هذا الوقت.
(33/267)

وكان سبب ذلك أنه وجد له جواب عما ردّه عليه قاضى القضاة تقى الدين المالكى، فأعلم السلطان بذلك، فاستشار قاضى القضاة، فأشار بذلك، فرسم به، فحينئذ عدل الشيخ عن ذلك إلى تلاوة القرآن.
وفيها فى يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة رسم القاضى الصدر علاء الدين على بن الصدر المرحوم شرف الدين محمد بن محمد التميمى القلانسىّ [1]- أحد كتاب الإنشاء بدمشق المحروسة- أن يجلس بين يدي نائب السلطنة يوقع على القصص المرفوعة، عوضا عن أخيه جمال الدين القاضى، بما كان له من المعلوم على وظيفة الكتابة، وأن يستقر ما كان باسم القاضى جمال الدين من المعلوم عن الوظيفة المذكورة له على قضاء العسكر الشامى، وخلع عليهما بسبب ذلك، والله أعلم.
ذكر حادثة السيل بعجلون [2]
وفى هذه السنة في يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي القعدة كانت حادثة السيل بمدينة عجلون، وورد محضر بذلك إلى دمشق نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى يرسل آياته تخويفا للعباد، ويريهم باهرات قدرته ليسلكوا سبل الرشاد، ويظهر لهم جبروته فى ملكوته، ليحسنوا لأنفسهم الارتياد، ويعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله لا يخلف الميعاد، ثم يدركهم برأفته ورحمته، ويكشف ما نزل بهم من المعضلات الشداد، ولما كان فى يوم الأربعاء ثانى عشرين ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ومشيئته بمدينة عجلون ريحا عاصفا، فأثارت سحابا ثقالا هطلت بماء منهمر يدوّى وريح زعزع، فلم تزل
__________
[1] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 3/118) وهو على بن محمد بن محمد بن نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حمزة التميمى، علاء الدين القلانسى، مولده سنة 673 هـ ووفاته سنة 736 هـ.
[2] عجلون: قلعة كانت من جهة الأردن، مبنية على جبل عوف الذى يسكنه قوم من بنى عوف من جرم قضاعة فعرف بهم. وفى (مسالك الأبصار) : كان فى مكانها دير راهب اسمه عجلون، فعرفت به، وهى حصن منيع على صغره، ومدينة هذه القلعة هى الباعونة على شوط فرس من عجلون (المنهل الصافى 1/139 حاشية 2) .
(33/268)

الأمطار متواترة الهطل والبروق تلمع، وأصداء الجبال والأودية بأصوات الرّعود للقلوب تصدع، حتى ظن أهلها أنها قد أزفت الآزفة، فارتفعت الأصوات بأن ليس لها من دون الله كاشفة، ولفت الرءوس، ووجلت القلوب، وذرفت العيون، وطاشت الألباب، وخضعت الرقاب، ومدت الأيدى بالدعاء لمن بيده أمر الأرض والسماء، وعاينوا فى ذلك اليوم هولا عظيما، وأشفقوا أن يكون أرسل الله عليهم عذابا أليما، فبينما الناس على ذلك الحال ذاهلين، يقولون رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[1] إذ دهمهم سيل عظيم ماؤه، طام عبابه هام سحابه، له دوى شديد، قد اجتمع من عيون الجبال وبطون الأودية وقرار الوهاد، فالتقى الماء على أودية بأمر قد قدر، إن فى ذلك لآية فهل من مدّكر [2] ، فارتفع العويل، وسكبت العبرات، واشتد الخوف، وتضاعفت الحسرات، وفر كل واحد من الناس يطلب النجاة لنفسه، واحتسب عند الله جميع ماله وعقاره وغرسه، فأخذ هذا السيل العظيم ما كان فى ممرّه من الدور والقياسير والأسواق، ودخل الطواحين والبساتين، وأخذ جانبا من حارة المشارقة المجاورة للوادى، وأخذ العرصة وسوق الأدميّين، وسوق القطانين، وبعض دار الطعن وسوق الأقباعين، وسوق الخليع، وقيسارية التجار المعروفة بإنشاء الأمير سيف الدين بكتمر، والقيسارية القديمة، وأخذ من قيسارية ملك الأمراء الموقوفة على البيمارستان بصفد عشرين حانوتا، وضعضع بقية الجدر، وهدم الأبواب وهدم سوق الصاغة، وهدم سوق النامية، الذى بقرب العين، وهدم وقف الجامع، وسوق السقطيين، وأما السوق المعروف بإنشاء الأمير علاء الدين بن معبد وسوق اللحامين وحوانيت الخبّازين فإنه أخذه، وأخذ السوق المعروف بإنشاء الأمير سيف الدين النائب كان بقلعة عجلون، والحوانيت المعروفة بوقف القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية الموقوفة على مدرسته بنابلس وأخذ المدرسة النفيسيّة [3]
__________
[1] سورة الأعراف 23.
[2] اقتباس لأسلوب القرآن، فى الآية الكريمة وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟.
[3] فى «ك» النفيسة» وصوابه «النفيسية» وهى «بالرصيف، قبلى المارستان الدقاقى، وباب الزيارة (وهو باب الجامع الأموى القبلى) قال الذهبى فى العبر: أنشئت سنة 696 هـ، وهى منسوبة إلى النفيس إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد بن صدقة الحرانى ثم الدمشقى ناظر الأيتام، وواقف النفيسية بالرصيف (الدارس فى تاريخ المدارس 1/114) .
(33/269)

وهدم رواق الجامع القبلى وباب الجامع الشرقى، وهدم جانبا من الحمام الصالحى/ المعروف بأمير موسى، وبعض الحمام السلطانى، وأخذ ظهارة [1] الجامع والمربعة والمسلخ المعروف بابن معبد، وأخذ ما كان فى مجراه من الجسور والقناطر والأقباء [2] التى كان يجوز الناس عليها عندما تمدّ الأودية وعدم من عجلون تقدير عشرة أبقار، وهذه قدرة الملك الجبار، فاعتبروا يا أولى الأبصار، وكان مدة تواتر الأمطار والسيل من أول ساعة من النهار المذكور إلى وقت العصر، وفى ذيل المشروح خط جماعة من الشهود.
هذا ما أورده الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه.
ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه نسخة الكتاب الوارد من عجلون فقال:
الحمد لله المحمود فى السراء والضراء، المشكور على الشدة والرخاء الذى يخوّف عباده بما شاء من معضلات اللأواء، ويريهم باهرات قدرته فى ملكوت الأرض والسماء، ثم يعود عليهم برحمته، ويجللهم بسوابغ النعماء، أحمده حمدا يزيد على الإحصاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والكبرياء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء، ومبلغ الأنباء صلى الله عليه وعلى آله الأمناء، وأصحابه الأتقياء، صلاة دائمة بلا نفاد ولا انقضاء، وبعد: فإنه لما كان بتاريخ نهار بكرة الأربعاء ثانى عشرين ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ريحا عاصفة، فأثارت سحبا واكفة [3] فى خلالها بروق خاطفة، ليس لما جاءت به من دون الله كاشفة فطبقت الوهاد، وجللت الآكام، وأطبقت على مدينة عجلون وما قاربها من أرض الشام، ثم أرخت عزاليها [4] كأفواه القرب، حتى خيّل لمن رآها أن الوعد الحق قد اقترب، فلم يكن إلا كحلب شاة من الضأن، أو ما قارب ذلك من الزمان،
__________
[1] الظهارة- من الثوب وغيره: ما يظهر للعين، وهو خلاف البطانة.
[2] جمع قبو: الطاق المعقود بعضه إلى بعض فى البناء على شكل قوس (المعجم الوسيط) .
[3] يقال: وكف الماء وغيره وكفا ووكيفا: سال وقطر، والواكف: المطر المنهل.
[4] يقال: أرسلت السماء عزاليها: انهمرت بالمطر (المعجم الوسيط) .
(33/270)

حتى صارت مدينة عجلون كما قال الله تعالى فى كتابه المكنون: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
[1] فوجلت القلوب لهول ذلك وتصدعت، وكادت الحوامل أن تضع حملها وتذهل كل مرضعة عما أرضعت [2] ، واندهش أهل البلد عند معاينة هذا الهول الكبير، واختلفت همومهم، فكل إلى ما اشتمل عليه قلبه يشير، فمن باك على ما فى يده من متاع الدنيا الحقير، ومن مشفق خائف على ولده الصغير، ومن غريق عدم نفسه النفيسة، ما له من ملجأ يومئذ وما له من نكير، ومن ناج يقول: أشهد أن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شىء قدير، ومن ضارع إلى من ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، ومن قائل: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
[3] ولسان الحال يتلو قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
[4] ولم تزل الأمطار متواترة، والسيول من كل فج متواترة، حتى تحير من حضر ذلك من الإنس والجان، وشغلوا بما عاينوه عن الأموال والأولاد والإخوان، وظنوا أنهم أحيط بهم، وجاءهم الموج من كل مكان، فتلاقى على البلد واديان: أحدهما من شمالها يسمى الجود والآخر من شرقها يسمى جنان [5] ، فأخرب وادى الجود بهذه الآية الخارقة جانبا من حارة المشارقة، ودمّر وادى جنان ما كان على جانبه من البنيان، ثم اختلطا فرأى الناس منهما ما لا يطاق، وأخربا ما مرا عليه من رباع وقياسير وأسواق، فأخربا العرصة والمصبغة والفرانين والعلافين، وحوانيت الدق وسوق الأدميين وسوق البر العتيق والأقباعية والقطانين، وحوانيت الصاغة وما يليها من البساتين، وردم أمام دار الطعم [6]- بعد إخراب بعضها- أحجارا وصخورا، وكل ذلك ليتّعظ أهل المكر وما يزيدهم إلا
__________
[1] سورة القمر (11 و 12) .
[2] من الآية الكريمة يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
الحج (2) .
[3] سورة الممتحنة، الآية 4.
[4] سورة الشورى، الآية 30.
[5] فى مراصد الاطلاع 1/349: باب الجنان موضع بالرقة- رقة الشام، وباب من أبواب حلب. ورحبة من رحاب البصرة.
[6] فى نسخة المحضر السابقة «دار الطعن» .
(33/271)

نفورا، وذهب هذا السيل العظيم الطامى بجميع سوق الخليع لبكتمر الحسامى، وأخرب من قيسارية ملك الأمراء للتجار نحو عشرين حانوتا، وذهب بكل ما فيها من ثمين، ثم ردم باقيها على ما فيه بالأخشاب والأحجار والطين، حتى رجعت قيمة ما سلم من المائة إلى العشرين، وأخرب ما جاوز بحر المدينة من سوق أم معبد واللّحّامين، ومن وقف السقطيين والحضريين وحوانيت العجز وسوق الأمير ركن الدين ثم دمر فى وقف الجامع على ما فيه من الأمتعة والبضائع، ثم ردم العين بالأحجار والخشب والصخور، حتى خشى عليها أهل البلد أن تفور، ثم أخرب حوانيت الطبّاخين وجانبا من حمام الأمير موسى، وكان ذلك على من لم يرض بقضاء الله يوما منحوسا ثم أخرب الدباغة وجانبا من حمام السلطان وما يلى ذلك من المطهرة [1] ومسلخ [2] المعز والضان، وأعظم من ذلك إخرابه المدرسة النفيسية والرواق القبلى من المسجد الجامع، وفى ذلك ما يحرق قلب كل منيب وخاشع، وردم داخل الجامع بغثاء السيل والطين والأخشاب، فاعتبروا يا أولى الألباب/ وبلغ الماء فى داخل الجامع إلى القناديل المعلقة، وذلك بتقدير من يعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة، ولم يقرب شيئا من غالب ما ذكر إلا أتى على ما فيه من الأمتعة والبضائع والأموال، حتى أتيح لكثير من أرباب ذلك أن يمد يده للسؤال، وكان مدة استدامته من بكرة النهار إلى وقت العصر، وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
، وكان عرض السيل قدر رمية بحجر، وارتفاعه على بسيط الأرض قدر قامتين أو أكثر، وقدّر ما ذهب فيه من الأمتعة والبضائع والأموال وقيمة الأملاك بهذا القضاء المبرم، فكان ذلك يزيد على خمسمائة ألف درهم، وذلك خارج عن الغلات والمواشى والبساتين والطواحين ظاهر مدينة عجلون. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[3] ومن جملة لطف الله تعالى مجيؤه بالنهار، فحذر الناس منه، فلم يعلم فى البلد غريق إلا
__________
[1] المطهرة: كل أناء يتطهر منه.
[2] فى نسخة المحضر السابقة ورد: «المسلخ المعروف بابن معبد» وهو تحريف، وما هنا هو الصواب.
[3] سورة البقرة الآية 156.
(33/272)

سبعة أنفار [1] ولو كان- والعياذ بالله- ليلا لزادوا على الإحصاء فى المقدار إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ*
[2] ، وليس الخبر فى جميع ما ذكرنا كالعيان، ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان.
وفى هذه السنة فى يوم الخميس سادس عشر صفر توفى الشيخ الصالح المعروف بقوام الدين عبد المجيد بن أسعد بن محمد الشيرازى شيخ الخانقاة بالجامع الناصرى بساحل مصر المحروس، ومولده- كما أخبرنى- رحمه الله تعالى- فى تاسع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بشيراز، وكان عمره تسعين سنة إلا ثلاثة أيام. سمع من الشخ عز الدين الفاروثى، وله إجازة بخطه شاهدتها، وقد جعل فيها لكل من جعل خطه تحت خطه فيها أن يروى عن الشيخ عز الدين المذكور ما يجوز له روايته، وكتبت خطّى تحت تلك الإجازة، فصار لى بهذا الاعتبار أن أروى عن الشيخ عز الدين الفاروثى بالإجازة.
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين جوبان [3] المنصورى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق وكانت وفاته فى ليلة الثلاثاء العشرين من صفر بداره بظاهر دمشق، ودفن بتربته بالمزّة [4] ، وأنعم بإقطاعه على الأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى العلائى، عوضا عما كان بيده من الاقطاع.
وتوفى فى النصف من يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من صفر القاضى موفق الدين عبد الرحيم بن الأسعد بن المعتمد، وهو من مسالمة [5] القبط، وكان فى
__________
[1] المفرد نفر، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة يقال هؤلاء عشرة نفر، أى عشرة رجال (لسان العرب) .
وعلى هذا فكان حقه أن يقول «.. إلا سبعة نفر» إن كان مراده بالسبعة هذا العدد المفرد.
وفى: الوسيط: «والنفر: المفرد من الرجال (محدثة) .
وأخشى أن يكون تحريف «أبقار» ففى المحضر السابق «وعدم من عجلون تقدير عشرة أبقار» .
[2] سورة آل عمران (13) .
[3] ترجمته فى الدرر (1/542) والسلوك (2/304) والنجوم (9/274) .
[4] الضبط من النجوم (9/235) وفى مراصد الاطلاع 3/1266: المزه- بكسر الميم- قرية كبيرة غناء فى أعلى الغوطة فى سفح الجبل من أعلى دمشق.
[5] فى اللسان (مادة س ل م) يقال: كان فلان كافرا ثم هو اليوم مسلمة- بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه- والجمع مسالم، زيدت التاء فيه مثل زيادتها فى قشاعمة.
(33/273)

ابتداء أمره يتولى عمالة قليوب، ثم تنقل فى المباشرات إلى أن ولى استيفاء ديوان الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة كان، وحصل أموالا جليلة، ثم ولى استيفاء النظر بالباب السلطانى، وانتقل منه إلى نظر الدواوين، إلى أن عزل فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة- كما ذكرنا- ولزم داره، ورتب له من الصدقات السلطانية فى كل شهر ثلاثمائة درهم، إلى أن مات فى التاريخ المذكور، وكانت وفاته بداره بشاطىء النيل بمصر بقرب صناعة الإنشاء، ومولده فى سنة أربع وخمسين وستمائة.
وفيها فى ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى توفى الشيخ الإمام العالم الصالح الورع السيد الشريف تقى الدين أبو الفتوح محمد بن الشيخ [1] ضياء الدين جعفر بن الشيخ محمد بن الشيخ القطب عبد الرحيم بن أحمد بن [أحمد] ابن حجّون الحسنى الشافعى شيخ خانقاة الأمير بهاء الدين أرسلان الدّوادار بمنشاة المهرانى [2] ، وصلّى عليه بكرة النهار، ودفن بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى حسن الصحبة والعشرة والمودة، وله نثر جيد، ومولده فى سنة خمس وأربعين وستمائة تقريبا.
وتوفى فى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ كمال الدين [] [3] الغمارى المغربى، وكان رجلا منقطعا، لا يتردد إلى أحد، حسن اللباس والمأكل، يأكل غالبا خبز الشعير، ويطعم أهله ما يختارونه من الأطعمة وكان من فقهاء المالكية، وكنت أعهد له كشفا، اجتمعت به فى سنة سبعمائة وهو يوم ذاك بالمدرسة الشريفية [4] بالقاهرة، وكاشفنى فى قضية
__________
[1] الزيادة عن (الدرر 3/415) وفى الوافى بالوفيات (2/307) لم ترد هذه الزيادة، وقد ذكر أن وفاته فى سنة 728، وهو بذلك يوافق النويرى هنا، ويخالفهما ابن حجر الذى ذكر وفاته 727 هـ.
[2] كذا فى ك، وفى المقريزى (الخطط 1/345) حدد موضعها بين النيل والخليج الكبير وكان مكانها يعرف باسم الكوم الأحمر حيث كانت تعمل منه أقمنة الطوب، ولما أنشأ الوزير بهاء الدين بن حنا (بكسر الحاء) الجامع بخط الكوم الأحمر أنشأ الأمير سيف الدين بلبان المهرانى دارا وسكنها وبنى إلى جوارها مسجدا عرفت هذه الخطة بمنشاة المهرانى، وفى النجوم (9/184 حاشية 3) أنها كانت واقعة بين سيالة الروضة والخليج المصرى بأوله من جهة فم الخليج.
[3] هكذا بياض بالأصل وتقدم (فى ص 189) ذكر من اسمه نجم الدين سعيد بن أحمد بن عيسى الغمارى المالكى، وأظنه غير المذكور هنا.
[4] فى النجوم (9/67 حاشية 3) المدرسة الشريفية هى المعروفة الآن بجامع بيبرس الخياط بشارع الجودرية بالقاهرة.
(33/274)

تتعلق بى، فوقعت كما قال، ثم ذكر لى بعد ذلك قضية أخرى تتفق بى، فاتفق بعضها كما قال، وتأخر بعضها، فاجتمعت به بعد ذلك فى سنة ست وسبعمائة، وسألته عن حاله وما كنت أعهده فيه من الكشف، فأجاب: قد زال ما كنت تعهده منذ استقليت بهذه النّميلة- يشير إلى ابنته فاطمة- وكان قد رزقها، وكانت من الذكاء على أمر عظيم لم يشاهد مثله من سرعة الحفظ، وجودة الاتقان مع صغر السن. أحضرت إلى مجلس شيخنا شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى [1] رحمه الله تعالى/ لتسمع عليه جزءا من مسموعاته، فامتنع أن يكتب اسمها إلا حضورا، وقال: هذه صغيرة السن عن السماع، فلقّنها معلمها سرى الدين أبو القاسم الزيدى الحديث الذى كانت تريد أن تسمعه، فحفظته بسنده، وأحضرها إلى الشيخ فجلست بين يديه، وعمرها يوم ذاك أربع سنين أو نحوها، فقالت مخاطبة الشيخ: حدثك- رضى الله عنك الشيخ فلان- وسردت السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث إلى آخره من حفظها فبهت الشيخ من ذلك، واستعظمه منها، وكساها فوطة حرير، وكتب اسمها سماعا، أخبرنى بذلك معلمها سرى الدين المذكور، وكان صدوقا رحمه الله، ثم اشتغلت بعد ذلك وقرأت الكتاب العزيز بالسبع، وأتقنت قراءته واشتغلت بالفقه والعربية والأصول وغير ذلك من العلوم، وكتبت الخط الجيد المنسوب عدة أقلام، فكانت تكتب الدّروج المشتملة على عدة أقلام كتابة جيدة، وتكتب فى آخرها: «كتبته فاطمة الغمارية» واشتغل والدها بأشغالها اشتغالا كثيرا، فلذلك قال لى ما قال، وأصيب بها، وكان رحمه الله تعالى صعب الخلق شديد الحرج كبير الحدّة ما اجتمع به أحد من الأمراء والأعيان والأكابر وفارقه عن رضى، وكان يسب من يجتمع به ويتركه أقبح سب عن غير تحاش، ولعل ما حصل له من سوء الخلق نتج عن خشونة مأكله، رحمه الله تعالى وسامحه.
وتوفى فى ليلة الأربعاء سابع شهر رجب القاضى كمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى [2] بكر بن محمد بن محمود الحلبى البسطامى الحنفى
__________
[1] ترجمته فى الدرر الكامنة (1/417) ومولده سنة 613 ووفاته سنة 705 هـ وله ترجمة فى الشذرات (6/12) .
[2] ترجمته فى الدرر (2/326) وقد أورد اسمه: عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى بكر بن محمد بن محمود البسطامى ثم الحلبى.
(33/275)

[ناب فى الحكم ودرّس] [1] بالمدرسة الفارقانية بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان قد مرض من مدة، وطالت مرضته وعجز عن الحركة وانقطع ولزم بيته، ونزل عن جهاته لولده الفقيه سراج الدين عمر [2] ، سمع كمال الدين بن النجيب عبد اللطيف وحدّث، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وتوفى فى يوم السبت خامس عشر شعبان الأمير سيف الدين بكتمر الأبى [3] بكرى فى معتقله ببرج السباع بقلعة الجبل، وكان السلطان قد رسم بإحضاره من الكرك هو والأمير سيف الدين تمر الساقى [4] ، فأحضرا فى شهر رجب من السنة، وقويت الشناعة أنه يفرج عنهما فاعتقلا ببرج السباع، واعتل المذكور ومات رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذكر اعتقاله، وأنه كان فى ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ست سنين إلا ثمانية عشر يوما.
وتوفى فى ليلة السابع عشر من شعبان صاحبنا ووالد صاحبنا الشيخ الصالح العدل شرف الدين أبو حفص عمر بن الشيخ معين الدين عبد الرحيم بن أبى القاسم بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن منصور بن حيدر الجزرى الشافعى المعروف بالخياط، ويعرف أيضا بإمام قفجاق، وهو صاحب الشيخ أبى إسحاق اللّوزى، وكانت وفاته بالقدس الشريف، وصلى عليه من الغد بالمسجد الأقصى، ودفن بمقبرة ماملا [5] ، ومولده فى المحرم سنة سبع وأربعين وستمائة بالموصل، سمع من النجيب عبد اللطيف وغيره، وأسمع، وكان يؤم نواب السلطنة بدمشق الأمير حسام الدين لاجين المنصورى فى نيابته بدمشق قبل سلطنته، ثم كان إماما عند الأمير سيف الدين قبجاق بدمشق وحماة، وهو من بيت مشهور معروف بالجزيرة العمرية بالتجارة والحشمة والاتصال بالملوك، وكان هو من أعيان الصوفية حيث حل بدمشق والقاهرة والقدس. صحبته رحمه الله تعالى، وصحبت ولده الشيخ أمين الدين
__________
[1] الزيادة من الدرر (2/326) .
[2] كذا فى الأصل، وفى ابن حجر (الدرر 2/327) و (3/169) عمر بن عبد الرحمن بن أبى بكر البسطامى زين الدين.
[3] فى الدرر (1/482) الأبو بكرى، وفى النجوم (9/274) والسلوك (2/304) البو بكرى.
[4] ترجمته فى الدرر (2/519) وفيها: أنه كان من مماليك المنصور قلاوون، وأنه اعتقل بالكرك سنة 715 ثم حول إلى مصر، وأفرج عنه سنة 735 هـ ومات سنة 743 هـ.
[5] كذا فى ك، ولعلها الملا، وهى من ضواحى الرملة. وانظر: مراصد الاطلاع 3/1304.
(33/276)

محمد من سنة تسع وسبعمائة، وتأكدت الصحبة بيننا، فكانا من خيار من صحبت، وكان لى بهما اجتماع قبل ذلك، وكان رحمه الله كريما حسن الصحبة والمودة، وجلس مع العدول بدمشق والقاهرة وشهد على القضاة، وما زال يعظمه الأكابر والأمراء والوزراء ويجلّونه رحمه الله تعالى.
وتوفى فى آخر ليلة السبت المسفرة عن رابع عشر شهر رمضان الأمير جمال الدين خضر بن نوكية [1] أحد أمراء الطبلخاناة بداره، بخط الهلالية بظاهر القاهرة، ودفن فى ليلة السبت، وكان قد مرض نحو ثلاثة أشهر وعوفى، وطلع إلى الخدمة السلطانية قبل وفاته بيومين، فى يوم الخميس ثانى عشر الشهر فبلغنى أن السلطان سأله عن حاله، فلما خرج من الخدمة، قال السلطان لبعض خواصه من الأمراء لمن يعطى خبز هذا؟ فقيل له: وكيف يقطع السلطان خبزه؟
فقال السلطان: «هذا ما يعيش أكثر من يومين» فكان كذلك، ولعمرى لو قال هذا القول من يتصدى للناس ممن ينسب إلى الصلاح والكشف لعدت من كراماته، ولهرع الناس إليه، وبلغنى أنه صلى الجمعة ببركة الحبش [2] ، وأفطر فى ليلة السبت، وتسحر، ومات قبيل أذان الصبح.
وفيها فى ليلة السبت المسفرة عن سابع عشرين شوال كانت وفاة الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى [3] بمدينة مراغة [4] من عمل أذربيجان [5] ، ودفن فى مستهل ذى القعدة، وكان سبب تأخير دفنه أنه كتب إلى الملك أبى سعيد بخبر وفاته، واستؤذن فى دفنه، فتأخر إلى أن ورد جوابه، ورد الخبر إلى الأبواب/ السلطانية بوفاته فى يوم الثلاثاء حادى عشرين ذى القعدة، وقد
__________
[1] فى السلوك (2/305) والنجوم (9/275) الأمير جمال الدين خضر بن نوكاى التتارى أخو خوند أردوكين الأشرفية، وفى L Zetersteen LL وفى تاريخ سلاطين المماليك 174 «ابن نكية» وترجمته فى الدرر (2/84) .
[2] بركة الحبش (انظرها فى: النجوم 6/381) .
[3] ترجمته فى السلوك (2/305) والنجوم (9/273) وفى الدرر الكامنة (3/247) ترجمة مطولة له باسم قراسنقر الجوكندار الجركسى المنصورى.
[4] مراغة: مدينة مشهورة بإقليم أذربيجان كانت عاصمة الإقليم، وكان اسمها القديم «أفراهروذ» المراصد 3/1250.
[5] أذربيجان: إقليم واسع يقع بين بلاد الجبال جنوبا، وبلاد الكرد غربا والديلم وبحر قزوين شرقا، وأرمينية وموقان شمالا، ومن أشهر مدنه أردبيل ومراغة وتبريز، وكانت بها الدولة السلارية. (النجوم 9/273 حاشية 7) .
(33/277)

ذكرنا ما كان من تسحّبه إلى بلاد التتار فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، ولما اتصل خبر وفاته بالسلطان رسم بالإفراج عن جماعة من مماليكه كانوا قد اعتقلوا بعد تسحّبه، ووعدهم الإحسان، ثم رسم بإخراج ولديه الأميرين: علاء الدين على، وعز الدين فرج إلى دمشق، وأقطع الأول إمرة طبلخاناة، وفرج إمرة عشرة بدمشق، وتوجّها فى سنة تسع وعشرين، ووصلا إلى دمشق فى ثالث شهر ربيع الآخر، واستقرا بها.
وفيها فى الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن العشرين من ذى القعدة كانت وفاة الشيخ العالم الورع تقى الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين أبى البركات عبد السلام ابن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد بن تيمية الحرّانى ثم الدمشقى [1] فى معتقله بدمشق، ومرض سبعة عشر يوما، ولما منع من الكتابة والتصنيف عكف على تلاوة كتاب الله تعالى، فيقال إنه قرأ ثمانين ختمة، وقرأ من الحادية والثمانين إلى سورة الرحمن، وأكملها أصحابه الذين دخلوا عليه حال غسله وتكفينه، وتولى غسله مع المغسّل الشيخ تاج الدين الفارقىّ، والشيخ شمس الدين بن إدريس، وصلّى عليه فى عدة مواضع فصلى عليه أولا بقلعة دمشق وأمّ الناس فى الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام الصالحى الحنبلى، ثم حمل إلى الجامع الأموى، ووضعت جنازته فى أول الساعة الخامسة، وامتلأ الجامع بالناس، وغلّقت أسواق المدينة، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل وأخرج من باب الفرج، وازدحم الناس حتى تفرقوا فى أبواب المدينة وصلّى عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل فخرجوا من باب النصر وباب الفراديس وباب الجابيه، وامتلأ سوق الخيل بالناس، وصلى عليه مرة ثالثة وأمّ الناس فى الصلاة عليه أخوه الشيخ زين الدين عبد الرحمن [2] ، وحمل إلى مقبرة الصوفية،
__________
[1] ترجمته فى شذرات الذهب (6/80- 86) والنجوم (9/271) والسلوك (2/304) وله فى الدرر الكامنة (1/144- 160) ترجمة مفصلة وردت فيها طائفة من أخباره وآرائه التى أدت إلى اعتقاله.
وفى النجوم (9/92) أن السلطان الملك الناصر أفرج عن الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية بشفاعة الأمير جنكلى بن البابا. وهذا الخبر يخالف ما أورده النويرى هنا، والمقريزى فى السلوك (2/304) وابن حجر فى الدرر (1/160) والمصادر الأخرى التى تجمع على أنه مات فى معتقله. وصاحب النجوم نفسه يذكر ذلك فى ص 291 من الجزء التاسع. أو لعل هذه اعتقالة أخرى غير التى مات فيها.
[2] ترجمته فى الدرر (2/329) وفيها أن مولده سنة 663 هـ ووفاته فى ثالث ذى الحجة سنة 747 هـ وله ترجمة فى شذرات الذهب (6/152) .
(33/278)

فدفن قريبا من وقت العصر لازدحام الناس عليه، ومولده بحرّان فى يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده فى حال صغره، واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ، وكان شيخا حافظا مفرط الذكاء، حسن البديهة، وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر، ومنها ما لم يظهر، وشهرته بالعلم تغني عن بسط القلم فيه، وكان علمه أرجح من عقله، وقد قدمنا من أخباره ووقائعه ما يغنى عن إعادته، وكانت مدة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة إلى حين وفاته سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما، رحمه الله تعالى، ولما مات أفرج عن أخيه الشيخ زين الدين عبد الرحمن فى يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة، وكان قد اعتقل معه، فلما مات كان يخرج فى كل يوم إلى تربة أخيه، ويعود عشية النهار يبيت بقلعة دمشق، إلى أن حضر نائب السلطنة من الصيد، فأفرج عنه.
واستهلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق لثامن هاتور من شهور القبط
، والسلطان الملك الناصر يتصيد بجهة سرياقوس، فأقام بتلك الجهة إلى يوم الاثنين، وعاد إلى قلعة الجبل المحروسة فى بكرة نهار الاثنين رابع المحرم، وفى يوم السبت ثانى المحرم وصل القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة من الحجاز الشريف إلي خدمة السلطان بالقصر بسماسم، وخلع عليه ووصل إلى داره بمصر فى يوم الأحد ثالث الشهر.
وفيها فى يوم الأحد سابع عشر المحرم فوّض السلطان صحابة ديوان الإنشاء السعيد بالأبواب العالية للقاضى محيى الدين [يحيى] بن جمال الدين فضل الله [بن] المجلّى القرشى العدوى [1] وسبب ذلك أن القاضى علاء الدين على بن الأثير [2] كان قد حصل له مرض فالج فى شهور سنة ثمان وعشرين
__________
[1] وردت ترجمته فى الدرر (4/424) وذكر اسمه: يحيى بن فضل الله بن مجلى بن دعجان بن خلف بن نصر بن منصور بن عبيد الله بن على بن محمد بن أبى بكر بن عبد الله بن عمر العدوى، محيى الدين أبو المعالى ولد بالكرك سنة 645 وتوفى بمصر سنة 738 ودفن بالقرافة ثم نقل تابوته إلى دمشق بعد دفنه بأشهر، وما بين الحاصرتين زيادة من الدرر، والسلوك 2/309 والنجوم 9/316.
[2] على بن أحمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن الأثير الحلبى الأصل، ترجمته فى: الدرر 3/14 ومولده فى حدود سنة 680 ووفاته فى المحرم سنة 730 هـ.
(33/279)

وسبعمائة، واستمر مدة شهور، وهو يتكلف الدخول مع البريد وحضور دار العدل بين يدى السلطان، فلما دخل فصل الخريف اشتد به المرض، وتمكن من جسده، وتزايد الحال به، فعجز عن المشى، واعتقل لسانه، وبطلت يده، فرسم بعد ذلك بتوفيره، ونزل من القلعة فى يوم الخميس رابع عشر الشهر، واستقر بداره، وكان ولده فى الحجاز الشريف، فوصل فى يوم السبت الثانى من المحرم وخلع عليه، وجلس فى مرتبة أبيه، وظن الناس أنه يستقر فى الوظيفة، وكان السلطان قبل ذلك قد رسم بطلب القاضى محيى الدين المشار إليه من دمشق فطلب، وكان رأس كتاب الدّرج بها، فتوجه منها فى يوم الجمعة ثامن الشهر، ووصل إلي الأبواب السلطانية في هذا اليوم/ هو وولده القاضي شهاب الدين [1] أحمد، وشرف الدين بن شمس الدين بن شهاب الدين محمود، ومثلوا بين يدى السلطان وهو بالإسطبل، وخلع عليهم، واستقر القاضى محيى الدين صاحب ديوان الإنشاء وولده شهاب الدين أحمد كاتب السر [2] الشريف، وشمس الدين بن شرف الدين رأس كتّاب الدرج بدمشق فى وظيفة القاضى محيى الدين، وتوجه إلى دمشق المحروسة.
وفى هذه السنة فى يوم الأحد رابع عشرين المحرم أنعم السلطان علي الأمير علم الدين سنجر الجاولى بإمرة طبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير علاء الدين على بن الأمير شمس الدين قراسنقر، ونقل علاء الدين إلى دمشق كما تقدم، وأنعم على الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف بزيرباج [3] بإمرة طبلخاناة بالديار المصرية، وأقطع إقطاع الأمير ناصر الدين محمد بن جمق الذى كان قد وصل من بلاد التتار، وذكر أنه من أقرباء السلطان، فعاد الآن إلى بلاد التتار بطلب من الملك أبى سعيد، فرسم بعوده.
وفيها فى يوم الأحد الرابع والعشرين من الشهر وصل إلي الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى، عاد من جهة الملك أبى سعيد ابن خربندا على خيل البريد، ووصل الرسل بعده، وفيها فى بكرة نهار الثلاثاء ثالث صفر استقل ركاب السلطان من قلعة الجبل لقصد الصيد، فتوجه إلى
__________
[1] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/331) ومولده سنة 700 هـ ووفاته فى يوم عرفة سنة 749 هـ.
[2] كاتب السر: هو صاحب ديوان الإنشاء وانظر: صبح الأعشى 5/464.
[3] فى الأصل (البراج) وما أثبتناه من السلوك (2/298) ففيه حسام الدين لاجين العمرى المعروف بزيرباج الجاشنكير، وفى: السلوك أيضا ص 309 وفيه- يعنى المحرم سنة 729 هـ- أنعم على لاجين الخاصكى بإمرة طبلخانة عوضا عن محمد بيه بن جمق.
(33/280)

الجيزية، وعدى من ساحل بولاق، وأقام إلى يوم الخميس، وتوجه فى بكرة نهار الجمعة إلى جهة المنوفية، وفرّق الأمراء مماليكه بالجهات ولم يستصحب من مماليكه إلا أرباب الوظائف.
وفى يوم السبت سابع صفر وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد، وجهّزوا إلى السلطان إلى جهة المنوفية، فمثلوا بين يديه، وأدوا رسالتهم وأمر أن يتوجهوا إلى قلعة الجبل، وأقاموا بها إلى حين عود السلطان، وكان عوده من الصيد المبارك فى الساعة الثانية من يوم الخميس [1] تاسع عشر صفر.
وفيها فى يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول أعيد القاضي شمس الدين ابن قروينة إلى نظر الدواوين على ما كان عليه، نقل إلى هذه الوظيفة من نظر البيوت السلطانية، وأضيف نظر البيوت إلى القاضى مجد الدين [إبراهيم] [2] ابن لفيتة ناظر النظار والصحبة، وخلع عليهما.
وفيها فى يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول توجه السلطان إلى الصيد بجهة سرياقوس، ثم توجه منها إلى الجيزية، وأقام بها إلى بكرة نهار الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، وعاد إلى قلعة الجبل، وكان صعوده إليها فى الساعة الأولى من النهار المذكور، واستقر بها بكرة نهار الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الآخر، وتوجه إلى جهة القليوبية، وعاد ظهر يوم الأربعاء رابع عشر الشهر، وأقام بقلعة الجبل إلى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى، فتوجه فى الأول من النهار وعدّى من جهة بولاق لقصد الصيد بجهة البحيرة، وعاد إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من يوم الأحد سادس عشر جمادى الأولى.
وفيها فى يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى رسم السلطان بهدم الجبّ الذى يعتقل به الأمراء بقلعة الجبل وردمه، وألا يعتقل به أحد من الناس فهدم وردم بما نقض من الإيوان الكبير الذي بالرحبة عند جامع القلعة [3] ، وكان قد رسم بهدمه وإنشاء غيره أصغر منه، ففعل ذلك.
__________
[1] فى المقريزى (السلوك 2/310) أن عود السلطان من الصيد كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر صفر وقد تقدم هنا أن يوم السبت كان يوافق سابع الشهر.
[2] الزيادة من: النجوم (9/292) والدرر (1/53) والسلوك (2/310) .
[3] فى السلوك (2/310) والنجوم (9/92) أن سبب هدمه وردمه ما بلغ السلطان من أنه شنيع المنظر شديد الظلمة، كريه الرائحة، كثير الوطاويط، وأنه يمر بالمحابيس فيه شدايد عظيمة، فردم، وعمر فوقه طباق للمماليك السلطانية، وكان هذا الجب قد عمل فى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المنصور قلاوون.
(33/281)

وفيها فى هذا اليوم المذكور وصل إلى الأبواب السلطانية رسل نائب الملك أبى سعيد بن خربندا الذى استقر فى النيابة بعد جوبان وهو الشيخ حسن ابن الجتية [1] ، وهو ابن عمة الملك أبى سعيد، أمّه أخت غازان وخربندا، وحسن هذا هو الذى كان زوج بغداد خاتون ابنة جوبان، وأحضر رسله قماشا وفهدين تقدمة من جهته إلى السلطان، فقبلت تقدمته، وعومل رسله بما جرت به عادة أمثالهم.
وفيها فى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين أرغون [2] الناصرى نائب السلطنة الشريفة بحلب، وأكرمه السلطان إكراما كثيرا، وخلع عليه على عادته فى نيابة السلطنة بالأبواب السلطانية، وأنزله بمناظر الكبش [3] ، وأنعم عليه بخيل وقماش، وأقام إلى يوم الخميس سادس عشرين الشهر، فخلع عليه فى هذا اليوم قباء مقصّبّا بطرز زركش، وعاد إلى حلب، بعد انقضاء الخدمة السلطانية فى هذا اليوم المذكور من التاريخ من السنة المذكورة.
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد/ ورغبته فى الاتصال بمصاهرة السلطان
وفى يوم الأحد التاسع والعشرين من جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، والمشار إليه منهم اسمه تمربغا المرغينانى [4] أحد مقدمى التّوامين، ومثلوا بين يدى السلطان بقلعة الجبل فى يوم الاثنين سلخ الشهر، وقدموا ما معهم من الهدية، فكان منها اثنا عشر أكديشا [5] عشرة منها مجلّلة بالجوخ الأحمر المبطن بالصندات، واثنان بغير
__________
[1] كذا فى الأصل وفى السلوك (2/310) ابن الجلايرى وفى هامش الصفحة نفسها (حاشية رقم 4) الجلايرى نسبة إلى قبيلة جلاير، وهو الذى أسس الدولة الجلايرية بفارس بعد وفاة أبى سعيد سنة 736 هـ ولم تذكر الكتب المتداولة فى تاريخ هذه الفترة سبب قدوم رسل الشيخ حسن فى هذه السنة.
[2] فى الأصل «أرغن» والرسم المثبت تابعنا فيه السلوك والنجوم والدرر الكامنة.
[3] انظر فى التعريف بمناظر الكبش (النجوم الزاهرة 7/119 حاشية رقم 2) و (9/189 حاشية رقم 1) .
[4] مرغينان من بلاد فرغانة فيما وراء النهر، وهي من أشهر مدنها (مراصد الاطلاع 3/1259) .
[5] فى الأصل بكديشا، والرسم المثبت من السلوك (2/311) وفى صبح الأعشى (2/17) عد الأكاديش فى الصنف الثانى من أصناف الخيل، قال: «وتسمى العجميات، وهى البراذين، ويقال لهما الهماليج، وتعرف الآن بالأكاديش وتجلب من بلاد الترك ومن بلاد الروم، وتطلب للصبر على السير وسرعة المشى» .
(33/282)

جلال، ذكران لها قيمة كثيرة، وأحضروا غير ذلك من التحف مما خفي أمره، وكان مضمون الرسالة رغبة الملك إلى السلطان الاتصال بابنته، فأجاب السلطان الملك الناصر سؤاله إلى ذلك، فاعتذر بصغر سنها الآن، ووعدهم إلى انقضاء ثلاث سنين، فعند ذلك أحضر الرسول ثمانا دراهم، وهو ستون ألف درهم، وسأل عن مرسله، أن يعمل بذلك مهمّ، ويمدّ سماط يأكله الأمراء، فرسم السلطان بقبول ذلك، وعمل المهم فى يوم الخميس عاشر شهر رجب، وسلك السلطان فى ذلك نايب [1] التتار، وشرط السلطان عليهم شروطا منها: أن طلب فى مهرها أعمال «ديار بكر» [2] وخلع على الرسل فى يوم الخميس ثالث شهر رجب، ثم خلع عليهم مرة ثانية في يوم الاثنين سابع الشهر، ثم رسم بإعادتهم إلى مرسلهم، وتوجهوا فى يوم الاثنين رابع عشر الشهر، ووصلوا دمشق فى مستهل شعبان، وتوجهوا منها فى يوم السبت رابع الشهر.
وفيها فى يوم الخميس عاشر رجب وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين طينال [3] الساقى، نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية، وخلع عليه تشريف أطلس أحمر بطرز زركش على أطلس أصفر وشاش رقم، وكلّوتة زركش، وحياصة ذهب مجوهرة، وأنعم عليه بثلاثة رءوس خيل، وأقام فى الخدمة السلطانية إلى يوم الخميس رابع عشرين الشهر، وتوجه إلى طرابلس على عادته فى يوم الجمعة خامس عشرين الشهر، وأثّر حضوره أثرا سيئا، فإنه شكا إلى السلطان ما على المملكة الطرابلسية من الكلف، وأن خالصها لا يقوم بالمرتب عليها، وحسّن للسلطان قطع ما على المملكة المذكورة من الرواتب لأرباب الصلات المقيمين بالديار المصرية ومرتبهم بطرابلس، فقطع جميع ذلك بطرابلس، وشمل هذا القطع ما هو مرتب لهم على سائر الممالك الشامية والحلبية والصّفدية، فحصل للناس الضرر التام بذلك،
__________
[1] لم يتضح بالأصل، ولعلها آيين، بمعنى النظام والدستور والتقليد، فيكون المراد نظام التتار فى مثل هذه الولائم، كما يقضى السياق.
[2] فى مراصد الاطلاع 2/547 (دياربكر: بلاد واسعة، حدها ما عرب من دجلة من بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وآمد وميافارقين، وقد يتجاوز دجلة إلى سعرت وحيزان وحينى وما تخلل من البلاد، ولا يتجاوز السهل.
[3] كذا فى الأصل، وفى الدرر (2/232) سيف الدين طينال الحاجب، وأورد ترجمته، ووفاته سنة 743 هـ وفى السلوك (2/311) سيف الدين طينال الحاجب نائب طرابلس، وقد ذكر أن سبب حضوره كان ليحاقق شكاته، فوقف وحاققهم، وساعده الأمراء إلى أن عاد فى خامس عشريه.
(33/283)

ثم سأل الزيادة لنفسه على ما بيده من الإقطاع، فأنعم عليه بزيادة ثلاثين ألف درهم فى كل سنة أو نحوها من الذى يوفّر بطرابلس.
ذكر الاستبدال بمن يذكر من مباشرى الدولة، ومصادرتهم وإفصال الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى من الوزارة
وفى يوم الأحد العشرين أو الحادى والعشرين من شهر رجب من هذه السنة رسم السلطان بعزل القاضى مجد الدين إبراهيم بن لفيتة عن نظر النظار بالديار المصرية والصحبة، وشمس الدين بن قروينة عن نظر الدواوين، وفوض نظر النظار والصحبة للقاضيين: علم الدين إبراهيم بن القاضى تاج الدين إسحاق [1] وكيل الخواص الشريفة وناظرها، وتقى الدين عمر بن الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان الشوخى المعروف بابن السّلعوس [2] الدمشقى وزير الدولة الأشرفية الصلاحية والده كلف وكان قبل ذلك يتولى صحابة الديوان بدمشق، ذكره بعض الأمراء الأكابر بين يدى السلطان وأثنى عليه، فرسم بطلبه فتوجه من دمشق فى يوم الخميس العاشر من رجب ووصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الجمعة ثامن عشر الشهر، فرسم له بالمباشرة، وخلع عليهما فى اليوم المذكور، وفوض نظر خزانة الخاص الذى كان يباشره علم الدين المذكور لأخيه شمس الدين موسى [3] ، وباشر الناظران- علم الدين وتقى الدين- مدة والأمير علاء الدين الجمالى الوزير على حالته فى الوزارة، إلا أنه مشغول بما حصل له من المرض، يترددان إلى خدمته، ويستأذنانه، فلما كان فى يوم الأحد ثانى شوال رسم بتوفير الوزارة، واستقر الأمير علاء الدين فى الأستاذ دارية خاصة مع ملازمة المرض به، وهو مع ذلك يتجلد فى بعض أيام المواكب، ويعبر إلى الخدمة، ويقف على عادة الأستاذ دارية يسيرا، ثم
__________
[1] فى الأصل علم الدين بن القاضى تاج الدين أبى أسحاق «والزيادة والتصويب من السلوك (2/311) وفى النجوم (9/136 حاشية (1) هو المعلم إبراهيم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم الوزير، شمس الدين ابن تاج الدين إسحاق القبطى، تسمى والده إسحاق لما أسلم بعبد الوهاب.
[2] ترجمته القبطى فى الدرر (3/188) وقد أورد اسمه «عمر بن عثمان بن أبى رجاء بن أبى الزهر بن شمس الدين بن السلعوس مات فى ذى القعدة سنة 731 هـ
[3] شمس الدين موسى بن إسحاق- ويدعى عبد الوهاب- بن عبد الكريم المصرى القبطى شمس الدين بن تاج الدين، ولى الوزارة عدة مرات، ومات فى ذى القعدة سنة 771 هـ (الدرر 4/374) .
(33/284)

يعود إلى داره بقلعة الجبل، فلما كان فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة جلس السلطان فى الميدان تحت قلعة الجبل، وعرض كتاب الأمراء ليستصلح منهم من يستخدمه، ثم طلب القاضيين مجد/ الدين بن لفيتة وشمس الدين بن قروينة الناظرين المنفصلين، ومكين الدين بن قروينة مستوفى الصحبة وأمين الدين مستوفى الخزانة المعروف بقرموط [1] ، وأمر بالترسيم عليهم، وسلمهم للأمير سيف الدين الدمر [2] أمير جاندار، ورسم أن يستخرج منهم ستمائة ألف درهم.
وسبب ذلك أنه كان قد رسم بكشف الجيزية، فكشفت [3] فوجد فيها بواقيا كثيرة، فرسم بمصادرة واليها سيف الدين قشتمر، وهو من ألزام الأمير علاء الدين الجمالى الوزير- كان- ومستوفيها ابن سقرون، فحمل من جهة قشتمر مائتى ألف درهم، ومن جهة ابن سقرون المستوفى ما يزيد على سبعين ألف درهم، فاضطر المستوفى المذكور إلى أن أنهى إلى السلطان ما أخذ من الجيزية، فرسم عند ذلك بمصادرة من ذكرنا، وإفصال المستوفين.
وكان السلطان قبل ذلك قد عرض مشدّى الجهات بالقاهرة ومصر، ورسم بقطع أخبازهم من الحلقة، واستبدل بهم، وانتصب السلطان بنفسه أياما لمصالح دولته، وأحضر مشايخ بلاد الجيزية، وسجلوا بلادها فى مجلس السلطان، وهذا ما لم يسمع بمثله فى دولة من الدول، وشرع بالاستبدال بالمباشرين، وصار يستخدم بنفسه، ويتحدث مع كل مباشر، ويسأله عن مباشراته، وغير ذلك [4] ، ثم أفرج السلطان عن الناظرين المنفصلين والمستوفين، بعد أن استخرج منهم- بعد ما قرر عليهم- جملة من المال.
__________
[1] انظر: النجوم الزاهرة (9/81 حاشية رقم 4)
[2] الدمر: أحد الأمراء بالقاهرة، وكان أمير جاندار، وحج بالناس سنة 730 هـ فثارت الفتنة بمنى، فقتل فيها هو وولده خليل فى يوم عيد النحر من السنة المذكورة (الدرر 1/407) وسيورد النويرى خبره ووفاته فى حوادث سنة 730 من هذا الجزء.
[3] فى السلوك (2/312) أن الذى تولى الكشف عليها الأمير أيتمش.
[4] انظر فى هذا الخبر (السلوك 2/312) .
(33/285)

وفيها فى خامس شهر رمضان رسم السلطان للأمير علاء الدين [1] قلبرس ابن الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى أحد أمراء الطبلخاناة أن يتوجه إلى دمشق المحروسة من جملة الأمراء مقدمى الألوف، وأنعم عليه بإقطاع الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى [2] الحاجب بدمشق، وزاده عليه إمرة عشرة طواشية، وتوجه من القاهرة المحروسة فى خامس عشر شوال من السنة، ووصل إلى دمشق فى الاثنين سادس عشر ذى القعدة، وكانت وفاة الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى- الحاجب المذكور- فى ليلة الأحد ثانى عشر شعبان من السنة.
ذكر رؤيا رأيتها فى المنام أحببت إثباتها لدلالتها على صحة نسبى
وفي ليلة الجمعة ثالث عشر ذى القعدة رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم فى المنام، وهو جالس بالإيوان البحرى بالمدرسة الناصرية، التى هى بين القصرين، من الجهة اليمنى لمن يقصد صدر الإيوان فى ذيل الإيوان بينه وبين الحائط نحو ذراعين، أو أقل من ذلك، وأنا جالس بين يديه الكريمتين، وهو يذكر عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها بخير، فقلت له: يا رسول الله هى عمتى، ثم قلت ثانيا: يا رسول الله عائشة أم المؤمنين عمتى؛ لأننى أحمد بن عبد الوهاب ابن محمد بن عبد الدائم بن منجا بن على بن طرّاد بن خطّاب بن نصر بن إسماعيل بن إبراهيم. فلما انتهيت فى سرد نسبى إلى إبراهيم قال النبى (صلى الله عليه وسلم) ابن جعفر، قلت: نعم يا رسول الله، ابن جعفر بن هلال ابن الحسين بن ليث بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، فعائشة أم المؤمنين يا رسول الله عمتى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : نعم، واستيقظت من النوم، وسررت بهذه الرؤيا، وأثبتها ولله الحمد.
__________
[1] كذا فى الأصل، وفى ابن حجر (الدرر 3/255) قلبوس بن طبرس الوزيرى، وذكر وفاته فى سنة 730 هـ وقد أورد النويرى أيضا وفاته فى سنة 730 هـ
[2] ترجمته فى ابن حجر (الدرر 1/425) وذكر أنه كان ممن يرسلهم السلطان الناصر إلى الجهات وأنه مات وهو حاجب دمشق.
(33/286)

ذكر متجدّدات كانت بدمشق فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة
فى هذه السنة فى أوائل شهر ربيع الأول تجرّأ رجل يقال له محيى الدين ابن الحكم الكاتب جرأة عظيمة لم يسبق إلى مثلها فيما بلغنا، وذلك أنه اتفق مع أربعة من الرسل المتصرّفين بباب الحكم العزيز، وجلس فى قاعة تعرف بدرب البلسانى بخطّ عتبة الكتاب بدمشق، وسمى نفسه عماد الدين، وأحضر نصرانيا له مال، وأوهمه هو والرسل أنه نائب قاضى القضاة المالكى بدمشق، وقال للنصرانى: قد ثبت عندى أنك قلت لرجل مسلم أنك أخى وأنا أخوك ولا فرق بينى وبينك، وبمقتضى هذا القول تكون مسلما، وتهدّده بالقتل، وتحدث الرسل مع النصرانى، وأشاروا عليه أن يعطيه مالا، فتقررت الحال على ألف درهم ومائتى درهم عجّل النصرانى منها ستمائة درهم، وأحضر شهودا إلى باب الدار، وكتب عليه حجة بستمائة درهم، ورفع عنه الترسيم، فلما أطلق النصرانى توجه إلى القاضى شمس الدين ناظر النظار، وأنهى له الصورة، وأحضر نائب قاضى القضاة المالكى، فلما رآه النصرانى قال: ما هو هذا، ثم أحضر عماد الدين نائب قاضى القضاة الحنفى، فقال/ كذلك، فسير جماعة إلى الدار وهجمت فمسك، وأحضر إليه والدراهم والحجة معه، فاستنقذ ذلك منه وأطلقه شمس الدين الناظر، فلما اتصل الخبر بمتولى دمشق اعتقله، وطالع نائب السلطنة بأمره، فرسم بضربه وضرب الرسل الذين اتفقوا معه على ذلك، وشقّ منا خيرهم، وإشهارهم على الحمر، ففعل بهم ذلك فى يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول، واعتقلوا.
وفيها فى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى أنعم على الأمير علاء الدين ولد قاضى القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى [1] بإمرة عشرة طواشية بدمشق، ولبس التشريف فى اليوم المذكور.
__________
[1] أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن الربعى بن صصرى، ترجمته فى الدرر (1/263) والدارس فى تاريخ المدارس (1/132) .
(33/287)

وفيها فى شهر ربيع الأول دخل نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين تنكز إلى المدرسة القليجيّة [1] ، وهى بجوار داره التى جدد عمارتها المعروفة بدار الفلوس [2] فنظر إلى بيوت المدرسة، فرأى على بعضها أقفال حديد مغلقة علي الأبواب، فسأل عن البيوت وهل هى للفقهاء؟ فقال قيم المدرسة: هذا البيت لفخر الدين بن شهاب الدين الحنفى، وهذه البيوت لجماعة آخرين- سماهم- لهم فيها قماش وغيره، فطلب فخر الدين المذكور، وأنكر عليه كونه ضيق على الفقهاء فى مساكنهم مع استغنائه عنها، فقال: ما انفردت بهذا، وشمس الدين بن حميد- رفيقى فى ديوان الإنشاء- له بيت بالمدرسة العزيزية وجماعة غيره، فرسم نائب السلطنة لشادّ الأوقاف بطلب كل من أشغل بيتا من بيوت المدارس وليس هو من الفقهاء، وتقويم أجرة البيت، وإلزامه بالقيام بالأجرة منذ أشغله وإلى ذلك اليوم، فأحضر شهود القيمة وقوّموا أجرة البيوت فأخذ من شمس الدين بن حميد ستمائة درهم، ومن شهاب الدين أحمد بن المهذّب ستمائة درهم وثلاثة عشر درهما، ومن أولاد عفيف الدين الحنفى أربعمائة درهم، وهؤلاء من الذين كان لهم بيوت بالمدرسة العزيزية، وأخذ من غيرهم.
وفيها فى شهر رجب خلع ما كان بجامع دمشق عند قبر يحيى بن زكريا عليه السلام من الخشب بين العامودين وبين الحجارة، ورخّم البناء المجدّد من جهة القبلة، والتأم، وكتب بالرخام الأبيض بالرخام الأسود قوله تعالى:
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
[3] .
وفيها فى أول شهر رمضان رسم نائب السلطنة بدمشق أن يوسّع طريقا سويقة مسجد القصب خارج باب سلامة، وأن يوسّع من كل ناحية قدر ذراعين،
__________
[1] هما قليجيتان: القليجية المجاهدية، وبانيها مجاهد الدين قليج بن محمد بن محمود وهى فى موضع يعرف بقصر ابن أبى الحديد داخل البابين الشرقى وباب توما، شرقى المسمارية. والقليجية الحنفية:
وواقفها سيف الدين على بن قليج النورى ويظن أنها قبلى الجامع الأموى شمالى الصدرية وغربى تربة قاضى القضاة الجمال المصرى (الدارس فى تاريخ المدارس 1/434 و 569) وفى مخطط المنجد ص 72 أنها ملاصقة لقصر العظم فى جنوبيه.
[2] فى الأصل بدار فلوس وما أثبتناه من: الدارس فى تاريخ المدارس (1/569 وعلق ناشره بأن هذه الدار بنى على أنقاضها قصر العظم فى سوق البرزوية.
[3] سورة مريم الآية 7.
(33/288)

فهدم فى ثالث شهر رمضان ثم عمر فى مدة شهر، إلى أن انتهى العمل إلى خان دار الطّعم والمدرسة الزّنجيلية [1] ، ثم رسم فى أول شوال بهدم مساطب حوانيت القوّاسين لتوسيع الطريق، فهدمت من الجانبين، واستقرت الحوانيت بغير مساطب، وجلس أهلها داخل الدكاكين، فاتسع ذلك نحو أربعة أذرع، ثم رسم بعمارة رصفان الكعبين وباب البريد، فحصل الرّفق بذلك للمارّة، ثم رسم بهدم جميع المساطب وبعض الحوانيت التى هى خارج باب الجابية إلى قرب باب النصر لتوسعة الطريق، وهدمت فى يوم الثلاثاء رابع عشرين ذى القعدة، واستمر العمل فيها؛ فمنها ما أزيل بجملته، ومنها ما أزيل نصفه وبقى النصف، وبقى ذرع الطريق من عشرين ذراعا إلى عشرة أذرع.
وفيها فى يوم الاثنين خامس ذى الحجة رسم نائب السلطنة بدمشق بقتل الكلاب بدمشق وظواهرها، فقتل منها من بكرة النهار إلى بعد العصر [أكثر من خمسة آلاف] [2] ثم رسم إلى متولى دمشق أن يبنى مقبرة للكلاب فى آخر الخندق ما بين الباب الصغير وباب كيسان، يفصل بينها بحائط، يكون أحد الموضعين للكلاب الذكور والآخر للإناث، فحصل الشروع فى البناء فى يوم السبت فى العشرين من ذى الحجة إلى يوم الأحد ثامن عشرين للشهر، وجمعت الكلاب، وأنزلت فى المكانين، فصار الذكور في خمسة ألايات فى جهة، ورسم للنادشتية بإلقاء الجيف بعد سلخها فيها.
وفى هذه السنة فى يوم الخميس رابع عشر المحرم توفى الشيخ الإمام العالم المفتى نجم الدين [أبو] [3] عبد الله [محمد] [4] بن الشيخ شمس الدين عقيل بن الخطيب جلال الدين [أبى] [5] الحسن [بن عقيل] [6] البالسى، نائب الحكم العزيز بمصر المحروسة، وكانت وفاته بالمدرسة الطّيبرسية [7] بمصر
__________
[1] تنسب إلى عثمان الزنجيلى الذى خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين إليها- فسكن الشام فأنشأ هذه المدرسة خارج باب توما، وتجاه دار الطعم سنة 626 ويقال لها المدرسة الزنجارية أيضا (الدارس فى تاريخ المدارس 1/526) .
[2] الزيادة من السلوك (2/313) والنجوم (9/93) .
[3] الزيادة عن الشذرات (6/91) والسلوك (2/135) والدرر (4/50) والنجوم (9/280) .
[4] الزيادة عن الشذرات (6/91) والسلوك (2/135) والدرر (4/50) والنجوم (9/280) .
[5] الزيادة عن الشذرات (6/91) والسلوك (2/135) والدرر (4/50) والنجوم (9/280) .
[6] الزيادة عن الشذرات (6/91) والسلوك (2/135) والدرر (4/50) والنجوم (9/280) .
[7] فى الأصل الطبرسية، وما أثبتناه من الدرر (4/50) والنجوم (9/143 و 199) أنشأها علاء الدين طيبرس الخازندارى نقيب الجيوش وانتهت عمارتها سنة 709 هـ وجعلها مسجدا زيادة فى الجامع الأزهر. (خطط المقريزى 2/382) وانظر أيضا (النجوم 9/199 حاشية 2) .
(33/289)

المحروسة وكان آخر ما تكلم به- فيما بلغنى- «أنا عند ربى يطعمنى ويسقينى» ، وكان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، ولم يخلّف دينارا ولا درهما، ومولده فى سنة ستين وستمائة.
وفيها فى النصف من ليلة الخميس سابع المحرم توفى الأمير الكبير شرف الدين حسين بن الأمير سيف الدين أبى بكر بن إسماعيل بن جندربك الرومى [1] ، وهو من الأمراء/ مقدمى الألوف بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته بالقاهرة بالدار المعروفة بشاطىء، ودفن فى يوم الخميس بتربته الملاصقة لجامعه بظاهر القاهرة بالحكر [2] وهذا الأمير قدم من بلاد الروم فى الدولة الظاهرية الرّكّنية فى سنة خمس وسبعين وستمائة، ولما مات أنعم السلطان على ابن أخيه بإمرة طبلخاناة بصفد المحروسة، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد رأس نوبة الجمداريّة، وأنعم بإقطاع آقبغا على الأمير سيف الدين سوسون أخى الأمير سيف الدين قوصون.
وفيها فى الساعة الحادية عشر من يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر توفى الأمير الكبير سيف الدين بكتمر الحسامى- الحاجب كان- رحمه الله بداره التى أكمل عمارتها خارج باب النصر المعروفة قبله بدار نهرداس، ودفن بتربته التى أنشأها الملاصقة لداره المذكورة فى الساعة الأولى من يوم الأربعاء وكان قبل ذلك قد حصل له نهج [3] إذا مشى فى الخدمة السلطانية، فجمع جماعة من الأطباء لذلك وقالوا: إنه حدث من ريح مجاور للكبد، وعولج منه وبرأ، ثم عاوده، وحصل له دوخة فى دماغه، فلما كان فى يوم الخميس ثامن الشهر طلع إلى الخدمة السلطانية، فلما خرج من مجلس السلطان وهو يمشى فى قلعة الجبل قريبا من دار الأمير سيف الدين طرجى- والتى كانت دار عدل- حصلت له الدوخة، فسقط منها على الأرض، فاحتمل وأجلس على
__________
[1] ترجمته فى (الدرر 2/50) والنجوم (9/276) وقد أورد مكان إسماعيل فى اسمه «أسعد» وما هنا يوافق ما فى السلوك (2/213) والمنهل الصافى (1/171 حاشية 1) .
[2] الحكر المراد هنا هو حكر جوهر النوبى، ذكره المقريزى فى الخطط (2/119) وينسب إلى جوهر النوبى أحد الأمراء فى زمن الملك الكامل محمد أبى بكر، وانظر النجوم (9/276 و 202 حاشية رقم 5) .
[3] النهج: الربو، وتواتر النفس من شدة الحركة (المعجم الوسيط) .
(33/290)

مسطبة ظاهر الدار المذكورة حتى سكن ما حصل له، وقام ومشى إلى ظاهر القلعة، وركب وعاد إلى داره، وعولج، ثم ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، وتوجه فى خدمة السلطان إلى جهة القليوبية فى يوم الاثنين ثانى عشر الشهر، وعاد فى الخدمة فى يوم الأربعاء رابع عشره، فلما كان فى يوم الجمعة سادس عشر الشهر المذكور واجتمعت به بعد صلاة العصر، وقد صلى وتوجه ليعود الأمير علاء الدين الجمالى لمرض حصل له، وعاد إلى داره فرأيته وهو يشكو من النّهج، واجتمع بعض الأطباء عنده، وشكا ذلك لهم، فهوّنوه عليه، وقالوا: إنه يزول.
وكان قبل ذلك قد نقبت خزانته التى بداره من ظاهرها، وسرق منها ما يزيد على تسعين [1] ألف درهم، وظهر ذلك فى يوم السبت تاسع المحرم، فانزعج لذلك، واتهم جماعة بالمال، فطلبوا وعاقبهم متولى القاهرة، فأقر بعضهم على بعض مماليكه أنه عاملهم على ذلك، فحصل له من ذلك نكد كثير، فاجتمعت به فى يوم الجمعة المذكور بهذا السبب، وكان لى عليه دالّة كثيرة، فتحدثت معه فيما حدث له، وهوّنته عليه، وذكّرته بما ضاع له من الأموال الكثيرة قبل ذلك عند اعتقاله، وماله من البواقى الكثيرة عند من داينه ومات أو عجز عن القيام به، ولم أزل به إلى أن هوّنت له ما عدم له، وكان السلطان قد رسم له أن يعاقب خزنداره بخشى [2] الذى أقر عليه الذين اتهموا وعوقبوا فسألته عنه، وقلت له: اتّهمه بالمواطأة على مالك، وتتهم غيره من مماليكه، وقال: لا والله هم برايا من مالى، ولا أتهمهم بخيانة ولا مواطأة، قلت له: فإذن لا يجوز لك أن تعاقبهم، وإن فعلت أثمت، ولم أزل به إلى أن أشهدنى على نفسه أنه ترك الحديث عن المال الذى عدم له، وأنه لا يطالب به، وأنه إن وجد يكون صدقة للفقراء أو لبيت المال، وقررت معه أن يسأل السلطان
__________
[1] فى الدرر (1/484) أن ما سرق منه كان كثيرا جدا، وعبارته: وادعى فى الظاهر أن ما سرق منه هو مائتا ألف درهم، ويقال إنه كان فى الباطن أضعاف ذلك.
[2] فى ك نجشى، ومثله فى النجوم (9/278) وما أثبتناه من الدرر (1/484 وقد ورد فيه أن وفاته كانت سنة 728 هـ، وابن حجر ينفرد يذكر وفاته فى هذه السنة مخالفا بذلك ابن تغرى بردى فى النجوم، والمقريزى فى السلوك. والخزندار: بكسر الخاء وفتح الزاى- انظر صبح الأعشى (5/462) والألفاظ الفارسية المعربة ص 54.
(33/291)

أن يفرج عن المعتقلين بسبب ماله، وفارقته على ذلك بعد أن توثقت منه أن يفعل ففعل، وأفرج عنهم فى يوم السبت فى سابع عشر الشهر، فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، فلما انتهى إلى سوق الخيل قال له الحاجب: رسم السلطان ألا تتكلّف الطلوع إلى الخدمة حتى تستقل من الضعف، فعاد إلى داره، وجلس، ومدّ سماطه على عادته، وأكل هو مما أشار به الأطباء، ثم اشتد به المرض فى ليلة الثلاثاء، وتزايد فى يوم الثلاثاء فمات رحمه الله تعالى، وكان من أجود [1] الناس وأحسنهم لقاء لأصحابه ومعارفه، وتفقدا لأحوالهم، وسؤالا عنهم إذا حضروا إليه، وأكثرهم بذلا بجاهه، لا يبخل به على أحد ممن يقصده، سواء كان قديم الصحبة أو حديثها، لكنه يرعى لمن يقصده حق قصده، وإذا طالت غيبة أحد أصحابه عنه ثم جاء إليه لا يجد مودته قد تغيرت عليه عما يعهد، بل يسأله عن حاله، ويظهر له البشاشة والبشر، وكان شجاعا حسن الرأى، رحمه الله تعالى.
وكان هذا الأمير المذكور من جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى- نائب السلطنة كان- أخبرنى عن نفسه أنه كان فى صغره فى جملة مماليك السلطان حسام الدين كنجيز [2] ، وابن السلطان ركن الدين بلج أرسلان السّلجوقى صاحب الروم، فلما عبر السلطان الملك الظاهر إلى الروم، ودخل قيسارية [3] كما ذكرنا فى سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، وفارقها السلطان غياث الدين كيخسرو [4] والبرواناه إلى توقات [5]
__________
[1] انفرد النويرى بوصف سيف الدين بكتمر هذا بالجود، والذى فى النجوم (9/278) أنه كان معروفا بالشح وجمع المال، وأن غالب أولاده، وذريته كانوا كذلك، وهى صفته أيضا فى السلوك (2/315) وعبارته: وكان بكتمر من أغنياء الأمراء الكثيرين المال المعروفين بالشح. ونقل ابن تغرى بردى عن الصفدى فى تاريخه أنه: «كان عظيم الحرص على جمع المال إلى الغاية، وكان له الأملاك الكثيرة فى كل مدينة، وكان له قدور يطبخ فيها الحمص والفول وغير ذلك من الأوانى تكرى، وكان بخيلا جدا» النجوم (9/278) .
[2] كذا فى الأصل ولم أجده ولعله تحريف جنكيز.
[3] فى السلوك (2/314) ورد رسمه هكذا «قيصرية الروم» والذى أورده النويرى فى رسمها يوافق مراصد الاطلاع 3/1139، وذكر أنها مدينة كبيرة فى بلاد الروم كانت كرسى ملك سلجوق، وفى النجوم (9/277) ورد رسمها قيسرية.
[4] الزيادة من السلوك (2/314) والنجوم (9/277) .
[5] توقات: الضبط من مراصد الاطلاع 1/281، وفيه: أنها بلدة بأرض الروم بين قونية وسيواس ذات قلعة حصينة تبعد عن سيواس مسيرة يومين (نحو 60 كم) .
(33/292)

أخذ هذا الأمير فى ذلك اليوم من جملة ثمانية عشر مملوكا من مماليك السلطان غياث الدين، وعرضوا على السلطان الملك الظاهر فأمر بإرسالهم إلى الدّهليز السلطانى، قال: فسرقنى الذى توجه بى، وباعني، ثم اشترانى الأمير حسام/ الدين طرنطاى بعد ذلك، ولم يزل فى جملة مماليكه إلى أن أعتقه، ولما قتل الأمير حسام الدين المذكور، كان الأمير سيف الدين بكتمر هذا عنده أمير آخور [1] ، فانتقل إلى المملكة السلطانية الأشرفية، وجعله السلطان الملك الأشرف صلاح [2] الدين فى جملة أمراء آخورية فى الإسطبل السلطانى، واستمر على ذلك إلى أن ملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، فأمّره بعشرة طواشية، ثم أمّره بطبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير سيف الدين بلبان الأنصارى أمير النقباء، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا تنقله فى المناصب والولايات، وكان فى الدولة الناصرية [3] الثانية أمير آخور، ثم نقل إلى دمشق وأمّر بطبلخاناة بها، ثم ولى الحجبة بالشام، ونقل منها إلى أستاذ داريته وشادّ الدواوين، ثم أعيد إلى الشام، وحضر فى ركاب السلطان فى سنة تسع وسبعمائة إلى الديار المصرية المحروسة، ورسم له بتقدم العسكر بغزة فى السنة المذكورة ثم نقل منها إلى الأبواب السلطانية، وولى الوزارة، وأعطى تقدمة ألف وإمرة مائة فى سنة عشر وسبعمائة، ثم نقل فى سنة إحدى عشرة إلى الحجبة إلى الأبواب السلطانية، إلى أن قبض عليه، ثم توجه بعد الإفراج عنه إلى نيابة المملكة الصّفدية، وأعيد إلى الأبواب السلطانية فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقر فى جملة الأمراء المائة مقدمى الألوف، ورسم له بالجلوس فى مجلس السلطان، فكان يجلس أخيرا ثانى الميسرة، وقرب من السلطان قربا كثيرا، وكان يرجع إليه فى أكثر ما يتحدث فيه.
ولما تمكن من السلطان بعد عوده من صفد أنهى له ما قدمنا ذكره من أخباره، وأنه كان من مماليك السلطان غياث الدين [كيخسرو] [4] فأحضر
__________
[1] الذى فى السلوك (2/314) أن بكتمر كان أمير أخور عند حسام الدين لاجين، لا عند حسام الدين طرنطاى كما يفهم من عبارة النويرى هنا، وانظر أيضا النجوم (9/278)
[2] فى السلوك (2/314) والنجوم (9/278) الملك الأشرف خليل بن قلاوون.
[3] كان تولى الناصر السلطنة بمصر فى المرة الأولى فى المحرم سنة 693، وكانت ولايته الثانية فى جمادى الآخرة سنة 698 هـ وكانت ولايته الثالثة فى سنة 710 هـ.
[4] الزيادة من النجوم (9/277) والسلوك (2/314) .
(33/293)

السلطان قضاة القضاة إلى مخيمه وهو يتصيد بالقرب من طنان [1] وذلك فى سنة [] [2] وسبعمائة، واستفتاهم فى ذلك فأفتوه أنه بهذا الاعتبار باق على الرّقّ لسلطان غياث الدين وذريته، فتحيّلوا فى ذلك، وفكروا فى طريق يخلصه من الرق، فأبيع على الغائب، وأرث السلطان غياث الدين بإذن قاضى القضاة نور الدين الشافعى بمبلغ خمسة آلاف درهم، اشتراه ولدا الأمير حسام الدين طرنطاى، وهما الأميران: ناصر الدين محمد وعلاء الدين على بالثمن المذكور، وأنعم السلطان بالثمن من ماله، وأودع للغائب، وعتقاه، وجدّد نكاحه وأعتق ثانيا جميع من كان أعتقه أولا.
ولم يزل رحمه الله فى الخدمة السلطانية على غاية الإكرام والقرب من السلطان وملازمته فى أسفاره وصيده، ولو غاب يوما واحدا كان معه إلى أن مات رحمه الله تعالى، وأوصى بثلث ماله صدقة، وثبتت وصيته ونفذت، وخلف تركة جليلة، وأحسن السلطان إلى ورثته بعده؛ فأنعم على ولده الأمير ناصر الدين محمد بإمرة عشرة طواشية، وعمره يوم ذاك نحو ثلاثة عشرة سنة، وأنعم على ولده الأمير عبد الله بإقطاع، وعمره نحو خمس سنين، وعرض مماليكه، فنزل جماعة منهم فى جملة المماليك السلطانية، وفرّق السلطان إقطاعه، فكمل منه للأمير سيف الدين طرغاى الجاشنكير على ما بيده، فأكمل له مائة فارس، وقدمه على ألف، وأعطى جوجر [3] للأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد وجعله شاد الدواوين، وأعطى الأمير سيف الدين طوسون منه منية [4] زفتى، عوضا عما ارتجعه من إقطاعه.
__________
[1] أوردها ابن مماتى فى (قوانين الدواوين ص 160) وذكر أنها من أعمال الشرقية، وكذلك فى (تحفة الإرشاد) ، وهى من القرى القديمة، وذكرها ياقوت فى (معجم البلدان) فقال: من أعيان قرى مصر، قريبة من الفسطاط، وفى القاموس الجغرافى (1/قسم 2 ص 57) وردت فى قرى مركز قليوب بمحافظة القليوبية.
[2] بياض بالأصل، ولم يرد هذا الخبر فى ترجمته فى الدرر (1/484) والنجوم (9/278) والسلوك (2/314 و 315) .
[3] جوجر: من قرى مصر من أعمال السمنودية.
[4] فى النجوم (9/277) منية زفتة، وهى من المدن المصرية القديمة واسمها فى القبطية زبتة، وقد ذكرها الأدريسى فى (نزهة المشتاق) ، وابن مماتى فى (قوانين الدواوين) 181 وسماها منية زفتى جواد، وفى معجم البلدان: منية زفتى بلدة فى شمال مصر على فوهة النهر الذى تؤدى إلى دمياط ويقابلها منية غمر، وفى تاريخ سنة 1263 هـ وردت باسم زفتى، وهو اسمها الحالى، وهى قاعدة مركز زفتى بمحافظة الغربية، واقعة على الفرع الشرقى للنيل.
(33/294)

وفيها فى سحر يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى توفى الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد العلامة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام العلامة تاج الدين أبي محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزارى [1] البدرى الشافعى المعروف والده بالفركاح، سمى كذلك لعرج كان برجله، وكانت وفاته بمنزلة بمدرسة البادرائيّة [2] ، وصلى عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الجمعة، وكانت جنازته مشهودة، وصلّى عليه ثانيا عند باب جامع جرّاح، ومرة ثالثة عند باب التّربة، ودفن بتربتهم بمقبرة الباب الصغير، ومولده بدمشق فى شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة، ومحله من العلوم والزهد والنزاهة المحل الذى لا يجهل، وامتنع من قبول قضاء القضاة بدمشق مرارا، ولم يوافق على قبول الولاية، وله تصانيف فى العلوم، وسمع من نحو مائة شيخ، منهم ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وحدّث بصحيح البخارى وغيره.
قال الشيخ علم الدين البرزالى فى تاريخه عنه: وله اختصاص بمعرفة الفرائض، وله فيها تصنيف، وله تعليقة كبيرة على كتاب التنبيه فى عدة مجلدات، وله مصنفات صغار وأشياء مفيدة، وله مشاركة فى معرفة الأصول والنحو، وله مصنف فى المنطق، وغير ذلك.
قال: وطلبت من الشيخ كمال الدين بن الزّملكانى أن يكتب لى ترجمته فكتب: هو إمام فاضل، وفقيه عالم، كثير الديانة غزير الفضائل، متقشف متزهد متورع متواضع حسن الصمت، لطيف الكلام، متصدّ للنفع والإفادة وشغل الطلبة وإفتاء المستفتين، وإرشاد الطالبين، تقدم فى معرفة مذهب الشافعى ونقله، وأفتى ودرس فى شبيبته، وعرضت عليه المناصب فأباها، وترك الخطابة بجامع دمشق بعد أن وليها وامتنع منها، وروجع فى ذلك فلم يقبل [3] ، وتصدر ليلا ونهارا للإقراء والإفتاء، والجمع والإفادة، ملازم الخير
__________
[1] ترجمته فى المنهل الصافى (1/80) والدرر الكامنة (1/34) والدارس فى تاريخ المدارس (1/208) والشذرات (6/88) .
[2] فى الدارس فى تاريخ المدارس (1/205) البدرائية: داخل باب الفراديس والسلامة شمالى جيرون، وشرقى الناصرية الجوانية، كانت تعرف بدار أسامة، نسبة لأسامة الجبلى أحد أكابر الأمراء قال ابن شداد:
أنشأها الشيخ العلامة نجم الدين عبد لله بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن عثمان الباذرائى البغدادى الفرضى، وأصله من باذريا (بلد بالعراق من قرى واسط) .
[3] فى الدارس فى تاريخ المدارس (1/208 و 209) ورد هذا الخبر نقلا عن ابن كثير، وعبارته: «فى سنة خمس وسبعمائة وفى يوم الخميس ثانى عشر ذى القعدة وصل البريد من مصر بتولية الفزارى الخطابة عوضا عن عمه شرف الدين فباشرها يوم الجمعة ثالث عشر، ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة، وآثر بقاءه على تدريس البادرائية حين بلغه أنها طلبت لتؤخذ منه، فبقى منصب الخطابة شاغرا.
(33/295)

وحسن الطريقة، متقللا من الدنيا/ متحرّزا فى فتواه، لا يفتى إلا فيما تحقق نقله، وإذا أفتى احترز وقيّد ألفاظه، ولو بالقيود العامة، لئلا يكون عليه مطعن أو مأخذ، وكان بيده تدريس المدرسة البادرائية، وليها بعد والده، واستقر بها، واقتصر على شرح واقفها، وإذا فرغ من تدريسه بها تصدر فى الجامع للإقراء والتعليم والفتوى، وإذا رجع إلى منزله عاوده الشغل والمذاكرة، ولم يزل هذا دأبه، انتهى كلام الشيخ كمال الدين فيه، رحمهما الله تعالى.
وفيها فى ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة توفى القاضى معين الدين أبو المواهب هبة الله بن معين [1] الدين مسعود بن عبد الله بن أبى الفضائل أو المفضل [2] حشيش، صاحب ديوان الجيوش المنصورة بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته بالقاهرة بدار كان يسكنها برأس حارة الجوجرية، ودفن فى يوم الاثنين بالقرافة الصغرى بتربة القاضى فخر الدين ناظر الجيوش، ومولده فى أواخر شهور سنة ست وستين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى حسن المودة والمحاضرة والمذاكرة، وله شعر جيد ونثر، كان كاتبا أتقن صناعة كتابة التصرف، ما رأيت أجود من ذهنه وإتقانه وضبطه، سألته فى سنة ست عشرة وسبعمائة عن بلدة تسمى (بدويه) [3] من أعمال الدقهلية والمرتاحية، لمن أقطعت فى الرّوك الناصرى، فذكر لى أنها كانت قبل الروك لسبعة من رجال الحلقة المنصورة، وسمى بعضهم، ثم ذكر من أقطعت باسمه فى الرّوك الناصري من غير أن يكشف حسابه، فقلت له: أرنى الحساب الذى يدل على هذا، وقصدت بذلك تحقيق نقله، فأخرج حسابه، فتأملته، فما وجدته أخل بشىء منه، حتى كأنه كان يشاهده، فعجبت من ذلك، وحكيته عنه رحمه الله تعالى، واشتغل بأنساب العرب، ونظر فى التاريخ رحمه الله تعالى.
__________
[1] فى السلوك (2/315) «أبو المواهب هبة الله بن علم الدين» وترجمته فى: (الدرر 4/304) .
[2] الشك من النويرى، ولم ترد هذه الكنية فى اسمه كما جاء فى السلوك وفى الدرر (4/403) هبة الله بن مسعود بن أبى الفضائل- معين الدين بن حشيش.
[3] هذا هو اسمها على ألسنة العامة اليوم، وهو الاسم الأصلى لها ووردت فى ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 112) باسم بدويه وحصتها، وعدها فى أعمال الدقهلية/ وفى القاموس الجغرافى (ج 1 قسم 2 ص 217) إحدى قرى المنصورة، وتبعد عنها إلى الشمال مسافة 10 ك م.
(33/296)

وفيها فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة- بعد أذان العصر- توفى قاضى القضاة شيخ المشايخ علاء الدين أبو الحسن على بن الشيخ نور الدين أبى الفداء إسماعيل بن جمال الدين أبى المحاسن يوسف القونوىّ التبريزى الأصل الشافعى قاضى القضاة بدمشق [1] ، وكانت وفاته ببستان بالسّهم [2] ظاهر دمشق، وصلّى عليه بمصلى الجامع المظفّرى بكرة نهار الأحد، وأمّ الناس فى الصلاة عليه الخطيب بدر الدين [3] محمد بن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جلال الدين القزوينى، وحمل إلى تربة اشتراها له الأمير حسام الدين طرنطاى البشمقدار الحاجب بمبلغ أربعمائة درهم بوصية منه أن يدفن فى أرض لم يدفن فيها أحد، فاشترى له دارا كانت لأولاد قمر الدولة، واحترقت لما دخل غازان الشام، فحفر له فى وسط [4] الدار، وله يومئذ نحو ستين سنة، فإن مولده بقونية [5] فى سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا، وقد ذكرنا من أخباره وحسن سيرته فى ولاية قضاء الشام ما فيه كفاية، رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة السبت سادس ذى الحجة- بعد أذان العشاء الآخرة- توفى الرئيس الصاحب عز الدين أبو يعلى [6] حمزة بن الصدر الرئيس مؤيد الدين أبى المعالى أسعد بن الصدر عز الدين أبى غالب المظفر بن الوزير مؤيد الدين أبى المعالى أسعد بن الرئيس العميد أبى يعلى حمزة بن أسد بن على بن محمد التميمى الدمشقى، المعروف بابن القلانسىّ، مولده فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر جمادى [7] الآخرة سنة تسع وأربعين وستمائة،
__________
[1] ترجمته فى (الدرر 3/24- 28) والشذرات (6/90- 91) والنجوم (9/279) والسلوك (2/315) والدارس فى تاريخ المدارس (1/161)
[2] السهم: يقع فى حد الصالحية من جهة الغرب إلى القبلة بين أرض أرزة وحارة الجوبان ويقال له السهم الأعلى وانظر: (المروج السندسية فى تلخيص تاريخ الصالحية (65- 67)
[3] ترجمته فى الدرر (3/185) ومولده فى سنة 701 هـ ووفاته سنة 742 هـ
[4] فى الشذرات (6/91) والدارس فى تاريخ المدارس (1/162) أنه دفن فى سفح قاسيون.
[5] فى المراصد 3/1134 قونية: من أعظم مدن المسلمين ببلاد الروم (آسيا والصغرى) .
[6] وردت ترجمته فى الدارس فى تاريخ المدارس (1/96) عند الكلام على دار الحديث القلانسية، ويختلف نسبه عما جاء هنا فقد ذكر أنه: عز الدين أبو ليلى حمزة بن أسعد بن غالب بن المظفر بن الوزير أبى المعالى أسعد بن العميد بن يعلى حمزة.. أحد أمراء دمشق الكبار، وله ترجمة فى الدرر (2/75) .
[7] فى الدرر (2/75) أن مولده سنة تسع وأربعين وستمائة، أو سنة ست وأربعين.
(33/297)

وكانت وفاته ببستانه بسفح جبل قاسيون، وصلّى عليه بمصلى الجامع المظفّرى، وأمّ الناس فى الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى بعد ذلك عليه وأمّ الناس قاضى القضاة عز الدين الحنبلى، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون.
وكان رحمه الله تعالى رجلا ديّنا صدرا جليلا معظّما، لا يرتفع عليه أحد فى المجلس، ولى وكالة الخواص السلطانية الملكية الناصرية فى سنة سبع وسبعمائة، ثم ولى وزارة الشام كما تقدم، وانفصل منها، واستقر فى ولاية الخواص، ثم انفصل من ذلك كله، وكان من أغنياء الناس وأكابرهم، وله عدة مماليك فى جملة رجال الحلقة المنصورة الشامية، وكان رحمه الله تعالى حسن المودة، قدمت إلى دمشق سنة ثنتى عشرة وسبعمائة عند عودى من طرابلس بعد وزارته، فجاءنى للسلام على، وكنت نزلت عند قاضى القضاة نجم الدين صصرى [1] بدار ابن عمه شرف الدين رحمهم الله، وأظهر الألم من كونى لم أنزل عنده، وعتب على أصحابى كونهم ما عرفوه قبل قدومى، ليتلقانى وينزلنى عنده.
وفيها فى يوم الخميس حادى عشر ذى الحجة توفى الصاحب ناصر الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير تاج الدين محمد بن الشيخ فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جد أبيه بابن حنّا [2] أحد وزراء الدولة الناصرية والده، ووزير الدولة الظاهرية الركنية جد أبيه، وكان يلقب بالصاحب، ولم يل وزارة ولا ما يقاربها، وإنما يلقب بذلك على عادة أسلافه، وكانت وفاته بداره ببركة الحبش، ودفن يوم الجمعة بالقرافة عند قبر والده رحمهما الله تعالى، وكان مباشر صحابة ديوان الأحباس، باشر هذه الوظيفة لفاقة نالته، وحاجية مسته، والله أعلم.
__________
[1] ترجمته فى النجوم (9/258) والدارس فى تاريخ المدارس (1/132) والدرر الكامنة (1/263) واسمه كما ورد فيها: أحمد بن محمد بن سالم، نجم الدين بن صصرى، مولده فى ذي القعدة سنة 655 هـ ووفاته فى ربيع الأول سنة 723 هـ. وانظر فى بنى صصرى (المنهل الصافى 1/43 حاشية 3) .
[2] الضبط من: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر ص 473.
(33/298)

واستهلت سنة ثلاثين وسبعمائة بيوم الأربعاء الموافق الثامن والعشرين من بابة من شهور القبط
، والسلطان الملك الناصر يتصيّد بجهة سرياقوس، وكان قد توجه لذلك من قلعة الجبل فى يوم السبت السابع والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ووصل إلى مخيّمه المنصور الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس، وكان وصوله فى يوم الثلاثاء سلخ ذى الحجة، ثم وصل السلطان إلى قلعة الجبل فى هذا النهار، وهو مستهل المحرم، وصحبته الأمير سيف الدين تنكز، وقد لبس للتشريف على عادة، وأقام فى الخدمة السلطانية يركب على عادة نواب السلطنة إلى بكرة نهار السبت الحادى عشر من الشهر، فتوجّه فى خدمة السلطان إلى سرياقوس فى بكرة يوم السبت المذكور، وتوجه منها إلى دمشق، واستمر السلطان بتلك الجهة إلى نهار الثلاثاء رابع عشر الشهر، فعاد إلى قلعة الجبل فى هذا النهار، وأقام بها، ثم توجه أيضا إلى سرياقوس، وعاد.
وأما الأمير سيف الدين تنكز فإنه لما فارق الخدمة السلطانية عائدا إلى الشام توجه إلى القدس الشريف وبلد الخليل- صلوات الله عليه- فزار، وكان قد أنشأ مدرسة بالقدس الشريف، فشاهدها، ثم توجه إلى دمشق، فكان وصوله فى يوم الجمعة رابع عشرين المحرم [1] .
__________
[1] ورد هذا الخبر موجزا فى: النجوم (9/93) والسلوك (2/316) .
(33/299)

ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام إلى القاضى علم الدين بن الإخنائى [1]
لما اتصل بالسلطان- خلّد الله سلطانه- وفاة قاضى القضاة الشيخ علاء الدين القونوىّ قاضى الشام، استشار فيمن يفوض إليه القضاء بالشام، فوقع الاختيار على قاضى القضاة علم الدين محمد بن القاضى زين الدين أبى بكر بن القاضى ضياء الدين عيسى بن بدر بن [رحمه] [2] السعدى الإخنائى [3] وكان يلى قضاء الإسكندرية، كما قدمناه، فطلب إلى الأبواب السلطانية، فحضر من الثغر فى أوائل ذى الحجة سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ففوض السلطان إليه القضاء بالشام، وخلع عليه تشريف القضاة، وأنعم عليه ببغلة، وذلك فى يوم السبت رابع المحرم من هذه السنة، وتوجه من القاهرة المحروسة على خيل البريد، فى بكرة نهار السبت حادى عشر الشهر، صحبة نائب السلطنة بالشام الأمير سيف الدين تنكز، ووصل معه لزيارة الخيل صلوات الله عليه والبيت المقدّس، وألقى الدرس بمدرسة نائب السلطنة التى أنشأها بالقدس الشريف، ثم توجه إلى دمشق، فوصل إليها فى يوم الجمعة رابع عشرين المحرم، وقرىء تقليده فى الشّبّاك الكمالى لجامع دمشق فى يوم الجمعة مستهل صفر، وجلس لإلقاء الدروس بالمدرسة العادليّة [4] والغزاليّة [5] فى يوم الأحد ثالث صفر من السنة.
وفيها فى يوم الاثنين- سادس المحرم- توجه الأمير سيف الدين بكتمر العلائى- أستاذ الدار كان- من الأبواب السلطانية إلى نيابة السلطنة. وتقدمة
__________
[1] ترجمته فى الدرر (3/407) وطبقات السبكى (6/45) والوافى بالوفيات (2/269) والشذرات (6/103) والسلوك (2/316) .
[2] فى الأصل أحمد وما أثبتناه من ترجمته فى المصادر السابقة.
[3] نسبة إلى إخنا وهى- كما فى مراصد الاطلاع 1/43- مدينة قديمة ذات عمل منفرد بمصر، وفى قوانين الدواوين ص 90 إخنويه- بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه- من أعمال الغربية.
[4] العادلية: سبقت الإشارة اليها فى هذا الجزء ص 238 حاشية (1) .
[5] الغزالية: فى الزاوية الشمالية الغربية، شمالى مشهد عثمان، المعروف الآن بمشهد النائب من الجامع الأموى تنسب إلى الشيخ نصر المقدسى، وتنسب إلى الغزالى رحمهما الله، قالوا: لأن الغزالى لما دخل دمشق قصد الخانقاة السميساطية ليدخل إليها فمنعه الصوفية من ذلك لعدم معرفتهم به، فعدل عنها وأقام بهذه الزاوية إلى أن علم مكانه وعرفت منزلته (الدارس فى تاريخ المدارس 1/413 و 414) .
(33/300)

العسكر بغزة المحروسة عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الجمالى، ونقل الجمالى إلى نيابة ألبيرة بحكم وفاة نائبها الأمير حسام الدين لاجين المنصورى الحسامى، ولما توجه الأمير سيف الدين بكتمر إلى غزة أنعم السلطان بإقطاعه على الأمير سيف الدين بهادر الناصرى، وهو من مماليك تمرتاش بن جوبان.
ذكر وصول الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة إلى الخدمة السلطانية وتوجهه فى خدمة السلطان إلى الصيد وعوده إلى حماة [1]
كان وصوله إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين العشرين من المحرم وخلع عليه وعلى ولده فى هذا اليوم قبل طلوعهم إلى الخدمة، فطلعا إلى الخدمة السلطانية وعليهما التشاريف، واستمرا فى الخدمة السلطانية، وتوجّها فى خدمة السلطان إلى الصيد فى الوجه القبلى، وكان استقلال الركاب السلطانى من قلعة الجبل فى يوم السبت تاسع صفر، وأقام بمنزلة الأهرام بالجيزية إلى بكرة نهار الأربعاء ثالث عشر صفر، وعاد إلى قلعة الجبل.
وكان سبب عوده أنه حصل له فى يده اليسرى دمّل صغير قلق بسببه، واشتد به الألم، فاقتضى ذلك عوده فى هذا اليوم، وأقام بقلعة الجبل حتى فتح الدمل وبرىء [2] منه، ثم توجه فى يوم الخميس حادى عشرين الشهر إلى الأهرام، واستقل ركابه إلى الصيد المبارك بالوجه القبلى، فانتهى إلى ناحية «هو [3] والكوم الأحمر [4] » وعاد إلى مكان وصوله- إلى قلعة الجبل المحروسة- فى يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر وقت الصلاة، والملك المؤيد وولده فى خدمته، وفى يوم الاثنين ثامن الشهر خلع السلطان عليهما على عادة الملوك
__________
[1] فى السلوك (2/317) والنجوم (9/93) ورد هذا الخبر فى حوادث سنة 730 هـ ولم يورده أبو الفدا نفسه فى تاريخه ضمن حوادث هذه السنة، وأورد خبرا مشابها له فى حوادث سنتى 727 هـ و 728 هـ (تاريخ أبى الفدا 4/96 و 97 و 98) .
[2] انظر فى هذا الخبر (السلوك 2/317) والنجوم (9/93) .
[3] الضبط من السلوك (2/317) وفيه «مدينة هو: بالصعيد الأعلى، وفى النجوم (9/93 حاشية 2) هو: من قرى مركز نجع حمادى بمديرية قنا.
[4] الكوم الأحمر: من قرى مركز البدارى بمحافظة أسيوط.
(33/301)

أصحاب حماة ورسم بعوده إلى مقر ملكه بحماة، فعاد فى هذا اليوم بعد أن شمله الإنعام السلطانى على عادته.
/ ذكر توجه السلطان إلى الصيد وعوده وسبب ما حصل فى يده من التصدع ومعالجة ذلك وبرئه
لما عاد السلطان من الصيد بالوجه القبلى أقام بقلعة الجبل إلى يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الآخر، وتوجه فى بكرة النهار إلى الصيد بالوجه البحرى، ثم عاد فى عشية نهار الجمعة.
وسبب عوده أنه تقنطر عن فرسه فى يوم الجمعة المذكور، فانكسرت يده اليسرى، فعاد واستقر بقلعة الجبل، وعولج [1] وكان الأمراء يركبون فى أيام المواكب إلى سوق الخيل، ويطلعون إلى الخدمة على العادة إلى أن ينتهوا إلى دركاة باب القلعة [2] ، ثم يؤمروا بالانصراف، ولا يصل السلطان غير مماليكه الأمراء الخاصكية، واستمرت الحال على ذلك إلى يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة.
وفى بكرة النهار جلس السلطان بالقصر الأبلق بقلعة الجبل، ودخل عليه أمير جاندار والحجاب، فخلع على أرباب الوظائف، وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدى أمير جاندار [3] ومن معه، والأمير سيف الدين ألماس الحاجب [4] ، والأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى أستاذ الدار خلعا كاملة بكلّوتات زركش، وحوايص ذهب، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والمماليك السلطانية، ثم جلس فى يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة بالقصر
__________
[1] فى النجوم (9/93) أن الذى أشرف على علاج يد السلطان رجل من المجبرين يعرف بابن بوسقة، وفى السلوك (2/318) ابن بوسنة، وكلا المصدرين أورد الخبر فى شىء من التفصيل.
[2] الدركاة: كلمة فارسية معناها: الفضاء، أو الممر المؤدى إلى مدخل بناء من الأبنية الكبرى. وفى السلوك (2/149) أن الناصر محمد بن قلاوون أنشأ إيوانا جليلا، وعمل به قبة عالية متسعة، ورخمه رخاما عظيما، وجعل قدامه دركاة فسيحة.
[3] ترجمته فى الدرر (1/502) ووفاته فى سنة 746 هـ.
[4] من كبار أمراء المماليك، وكان بمصر بمنزلة النائب بها، ولكنه لم يتسم نائبا، ترجمته فى الدرر (1/410 و 411) ووفاته سنة 747 هـ.
(33/302)

الأبلق [1] أيضا جلوسا عاما، ودخل إلى الخدمة سائر الأمراء الأكابر مقدمى الألوف، وأمراء الطبلخاناة والعشرات، ومقدمى الحلقة وغيرهم، ولما عوفى السلطان استبشر الناس بذلك، وزيّنت المدينتان زينة عظيمة فى يوم الأحد رابع الشهر، ولازم الناس الأسواق ليلا ونهارا، ولم يقتصر فى الزينة على قصبة المدينتين بل سائر الأسواق والقياسير وغيرها، وأنشئت كتب البشائر بعافية السلطان وصحته إلى النواب بسائر الممالك السلطانية، وتوجه بها الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد الجمدار أحد الأمراء مقدمى الألوف، وكان توجهه بعد صلاة الجمعة تاسع الشهر، ووصل إلى دمشق فى يوم الأربعاء رابع عشر الشهر، وتوجه منها إلى حلب وعاد.
وفى يوم الجمعة تاسع الشهر أيضا حضر السلطان إلى الجامع بقلعة الجبل، وصلى الجمعة، وزفت البشائر بباب الإسطبل السلطانى، وعلى أبواب الأمراء بقلعة الجبل والقاهرة، واستمر ذلك إلى الظهر من يوم الأحد حادى عشر جمادى الآخرة [2] ، فرسم بإزالة الزينة والطبلخاناة، وكانت هذه الأيام المذكورة أياما مشهودة حتى غصت المدينة بالناس لكثرة الازدحام، حتى عجز الناس فى بعض الأوقات عن المرور بقصبة المدينة، وكانوا يمشون فى بطائن الأزقة.
ذكر إقامة الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة الصالحية [3] النجمية بالقاهرة المحروسة
وفى يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاثين وسبعمائة حضر الأمير جمال الدين أقش الأشرفى المنصورى المعروف بنائب الكرك [4] ، وهو أجل أمراء الدولة وأقربهم من السلطان مجلسا إلى المدرسة الصالحية النجمية
__________
[1] هذا القصر ذكره المقريزى فى الخطط (2/209) فقال: إن هذا القصر يشرف على الإسطبل السلطانى، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 713 هـ وانتهت عمارته سنة 714 هـ، وانشأ بجواره جنينته وفى النجوم (9/36 حاشية 3) تحديد لموقعه الحالى.
[2] كانت مدة الاحتفال بشفاء السلطان أسبوعا، وقد أورد المقريزى هذا الخبر فى السلوك (2/318) وأورد وصفا لهذه الاحتفالات.
[3] الصالحية النجمية: تنسب إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 647 هـ-.
[4] هذا الخبر أورده المقريزى مجملا فى السلوك (2/317) .
(33/303)

التى بالقاهرة بخطّ بين القصرين، وجلس بإيوانها القبلى، ومعه قاضى القضاة جلال الدين القزوينى الشافعى فى جماعة من أعيان الفقهاء الأكابر، وأحضر منبرا استجده، وأمر بنصبه بالإيوان القبلى المذكور من المدرسة المذكورة، وهو الإيوان الموقوف على طائفة الفقهاء الشافعية، فنصب، وأحضر دكّة يقرأ عليها المصحف الشريف، ويؤذّن عليه المؤذنون الأذان الثانى، ويبلّغون عن الخطيب، وأقيمت الخطبة بها وصلاة الجمعة فى يوم الجمعة حادى عشرين الشهر، خطب بها القاضى جمال الدين إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الغزّى.
ورتب الأمير المشار إليه من ماله فى كل شهر ما يذكر، وهو للخطيب المذكور خمسين درهما، ولستة نفر من المؤذنين أحدهم يقوم أمام الخطيب لكل منهم عشرة دراهم، ولقارىء المصحف عشرة دراهم، ولفراشين لفرش الحصر فى يوم الجمعة ورفعها بعد الصلاة خمسة وعشرين درهما، ولمن يحمل المصحف الشريف ثلاثة دراهم، وثلث درهم، ولمن ينحر يوم الجمعة ثلاثة دراهم وثلث درهم، ولسقّاء يسقى الماء ثلاثة دراهم وثلث، ولخدام القبة الصالحية فى كل سنة خمسين درهما، ولجماعة من التّكرور بالمدرسة خمسين درهما فى السنة.
ذكر إنشاء الخانقاة العلائية بالقاهرة
كان الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى الناصرى أستاذ الدار العالية قد أنشأ خانقاه قبالة داره برأس درب ملوخيا بالقاهرة/ المعزية [1] ، وكملت عمارتها فى هذه السنة، وحصل الجلوس فيها فى يوم الأربعاء السابع من جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة.
ورتب المشيخة بها والتدريس للقاضى علاء الدين على بن القاضى فخر الدين عثمان الماردينى الحنفى المعروف والده بالتّركمانى [2] ، وشرط أن يجلس
__________
[1] فى النجوم (9/96) أن علاء الدين مغلطاى الجمالى ابتدأ فى هذه السنة- سنة 730- عمارة جامع بين السورين، وسمى جامع التوبة لكثرة ما كان هناك من الفساد. وفى السلوك (2/323) «وفيها- سنة 730 هـ- ابتدأ علاء الدين مغلطاى الجمالى فى عمارة مدرسة بجوار داره قريبا من درب ملوخيا بالقاهرة، ووقف عليها أوقافا جليلة» وانفرد النويرى بتسميتها خانقاة.
[2] على بن عثمان بن مصطفى الماردينى الأصل علاء الدين بن التركمانى الحنفى مولده سنة 683 هـ ووفاته سنة 750 هـ (الدرر 3/84) .
(33/304)

فى أول النهار لإلقاء درس على مذهب الإمام أبى حنيفة، ويجلس بعد صلاة العصر هو وجماعة الصوفية، ورتب له فى كل شهر عن المشيخة والتدريس ستين درهما، وثمن خبز ولحم أربعين درهما، ورتب بها عشرين من الصوفية، يحضرون الدرس لكل منهم فى كل شهر واحدا وعشرين درهما من ذلك جامكية سبعة دراهم ونصف، وثمن خبز ستة دراهم، وثمن طعام سبعة دراهم ونصف درهم، ورتب الواقف من فائض الوقف أحد عشر طالبا لحضور الدرس خاصة، وجعل للمنتهى منهم فى كل شهر عشرة دراهم، وللمبتدىء ثلاثة دراهم وما بين العشرة والثلاثة، ورتب أيضا من فائض الوقف لخادم الفقراء فى كل شهر تسعة دراهم، ورتب من أصل الوقف لإمام بالمكان فى كل شهر ثلاثين درهما، ورتب لعشرة نفر من القرّاء يقرءون القرآن العظيم بالمدفن الذى أنشأه لنفسه لكل منهم فى كل شهر عشرة دراهم، شرط فى كتاب الوقف أربعة، وزاد من الفائض ستة، ورتّب لهم أن يقرءوا فى الأوقات التى تذكر: عند طلوع الشمس نفرين [1] ، وبعد صلاة الظهر ثلاثة، وبعد صلاة المغرب نفرين، وبعد صلاة العشاء نفرين، ولوظيفة الصوفية قارئا، ورتب لقارىء الميعاد فى كل شهر عشرة دراهم، ومن الفائض درهمين، ورتب للمؤذنين فى كل شهر أربعين درهما، ولخادم زمام بالمدفن فى كل شهر خمسين درهما ولفراش فى كل شهر عشرين درهما ومن الفائض عشرين درهما فى الشهر، ورتب لمن يتولى المزولة [2] فى كل شهر من الفائض عشرة دراهم، ورتب للبواب فى كل شهر عشرين درهما، وللقيّم عشرين درهما، وللسّوّاق [3] فى كل شهر عشرين درهما، ورتب زيتا برسم الوقود فى كل شهر خمسين رطلا، ورتب مكتب سبيل فيه عشرون نفرا من الأيتام رتب لكل منهم فى كل يوم ثمن درهم يكون فى كل شهر ثلاثة دراهم ونصف وربع درهم، ورتب لهم كسوة فى فصل الشتاء والصيف، لجميعهم ستمائة درهم، وثمن أدوية ومداد فى كل شهر درهما
__________
[1] راجع الحاشية رقم 1 ص 271 من هذا الجزء. وأراد بالنفر هنا الفرد من الرجال وانظر الوسيط: (نفر) .
[2] فى الأصل مزواة، ويبدو أنها تحريف المزولة: وهى ساعة شمسية كان يعين بها الوقت بظل الشاخص الذى يثبت عليها (المعجم الوسيط) .
[3] كذا فى الأصل، ولعل مراده من يحضر الطعام من السوق، وفصيحة سوقى، أو الذى يسوق ثور الساقية الوارد ذكرها بعد ذلك.
(33/305)

ونصف، ورتب غير ذلك ممّا يحتاج إليه المكان فى كل شهر ثمن مشاق [1] للفتايل ثلاثة دراهم، وثمن عبى لمسح الرخام ومكانس ثلاثة دراهم، وغير ذلك من علوفة ثور الساقية وثمن طونس وقواديس، ورتب فى السنة لملو الصّهريج من الماء العذب، وأجرة غسله، وثمن أضحية مائة درهم، وثمن حلوى فى شهر رمضان خمسين درهما، وثمن زيت زيادة فى شهر رمضان، وثمن قناديل مائة درهم، ووقف على ذلك من أملاكه ما يقوم به وزيادة، أثابه الله تعالى.
ذكر وصول رسل ريدافرنس إلى الأبواب السلطانية
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل ريدافرنس فليب [2]- بالفاء وبعدها لام وياء مثناة من تحت وآخره باء- وهو صاحب فرانسة، وانتهت بهم سفنهم إلى ميناء عكّا من الساحل الشامى، وكان وصولهم إليها فى يوم الخميس خامس عشرين ربيع الأول، وعدتهم مائة وعشرون نفرا، ومثلوا بين يدى السلطان فى يوم الخميس خامس عشر جمادى الآخرة، وكان قد جلس بالإيوان جلوسا عاما، وذلك بعد صحته مما كان حصل له.
وكان مضمون رسالتهم- فيما قيل- طلب بلاد الساحل الشامى والبيت المقدس، فأنكر السلطان عليهم وعلى مرسلهم، وأهانهم ورتّب لهم فى كل يوم مائة درهم وخمسين درهما، زيادة على ذلك، ثم استحضرهم ثانيا فى يوم الخميس بدار العدل، ورسم بعودهم.
ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بهادر
وفى يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة أمر السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين بهادر المعزّى [3] ، وهو من المماليك المنصورية الحسامية [4] ، وكان قد اعتقل- كما ذكرنا- فى يوم
__________
[1] المشاق: المشاقة، وهى ما يسقط من الشعر والكتان ونحوهما عند المشط.
[2] المشتغلون بمراجع التاريخ المصرى فى العصور الوسطى يقولون إن المقصود بهذا الاسم ملك فرنسا L» Roide Franc «LL وكان ملك فرنسا حينذاك هو فيليب السادس (1328- 1350 م) وهو أول ملك من بيت قالوا L) Valois (LL وقد اشتهر فى عصره بأنه من المتحمسين لفكرة الحروب الصليبية على النحو القديم. (السلوك 2/319 حاشية 1)
[3] فى الأصل تقرأ «المغربى» وما أثبتناه من السلوك (2/319) والنجوم (9/40، 102) وترجمته فى الدرر (1/496) .
[4] الحسامى: نسبة إلى حسام الدين لاجين، لأنه هو الذى اشتراه ورباه (الدرر 1/496) .
(33/306)

السبت العاشر من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوما، وأنعم عليه بإقطاع الأمير سيف الدين سنجر الجمقدار أحد أمراء المائة ومقدمى الألوف، إلا أنه اختصر من إقطاعه صنبو [1] من الأعالى أضيفت إلى الخاص السلطانى، «وبجام» [2] من القليوبية أعطيت للأمير سيف الدين بهادر الناصرى التّمرتاشى زيادة على ما بيده، وتوجه الأمير علم الدين سنجر الجمقدار إلى دمشق على إقطاع الأمير سيف الدين بهادر آص المنصورى [3] على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد
/ وفى هذه السنة فى يوم الخميس العشرين من شهر رجب وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، والمشار إليه منهم الأمير حمزة، فمثلوا بين يدى السلطان فى يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر، وأجراهم السلطان على عوائدهم فى الإنعام والتشاريف.
وبلغنا أن مضمون رسالتهم السلام على السلطان، وتهنئته بالعافية والسلامة، وغير ذلك من الكلام المحبب للخواطر المستميل للقلوب، وعاد إلى مرسلهم فى يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر المذكور، وتوجه لوداعهم الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى، فوصلهم إلى قطيا [4] ، وعاد.
ووصل قبل توجههم إلى الأبواب السلطانية رسل نائب الملك أبى سعيد الشيخ حسن [الجلايرى] [5] ، فأخّروا عن المثول بين يدى السلطان إلى يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر بعد رحيل الأمير حمزة، ومثلوا بين يدى
__________
[1] فى ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 151) رسمت بالسين سنبو، وعدها فى أعمال الأشمونين (مركز ملوى بمحافظة المنية) وفى مراصد الاطلاع 2/743 سنبو: قرية بالصعيد على غربى النيل.
[2] بجام: أوردها ابن مماتى (قوانين الدواوين ص 110) وعدها فى أعمال الشرقية، وفى (تحفة الإرشاد) أنها من أعمال ضواحى القاهرة، وانظر القاموس الجغرافى (1 قسم 2/12) .
[3] ترجمه فى الدرر (1/497) ووفاته بدمشق سنة 730 هـ.
[4] فى مراصد الاطلاع 3/1111 رسمت قطية، وقال فى تعريفها: قرية فى طريق مصر فى وسط الرمل قرب الفرما- والفرما الاسم القديم للمكان الذى تقع فيه بور سعيد اليوم.
[5] الزيادة من السلوك (2/320) .
(33/307)

السلطان يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر فى اليوم المذكور، وأدوا الرسالة، وخلع عليهم دون عادة رسل الملك، وأعيدوا إلى مرسلهم.
وفيها فى شهر رجب احترقت كنيسة النصارى الملكيين [1] التى بمصر حريقا عظيما، وصار بعض عواميدها الرخام جيرا لشدة الحريق، وكان بجوار الكنيسة مسجدان لم ينلهما من النار شىء، ثم رسم [2] بإعادة الكنيسة المذكورة، فأعيدت.
وفيها فى يوم الأربعاء ثالث شعبان فوض السلطان قضاء ثغر الإسكندرية للقاضى علم الدين صالح بن القاضى المرحوم نجم الدين عبد القوى الإسنائى، وكان قبل ذلك يلى قضاء الأعمال الغربية نيابة عن قاضى القضاة جلال الدين القزوينى، فلما شغر ثغر الإسكندرية عن القضاء عند انتقال قاضيه علم الدين بن الإخنائى إلى دمشق- كما تقدم- عين السلطان لقضاء الثغر القاضى العالم شمس الدين محمد بن عدلان الشافعى، فامتنع من قبول الولاية، واستعفى، واعتذر بضعف، فأجيب إلى الإعفاء، وعين جماعة وعرضوا على السلطان فلم يول أحدا منهم، وعيّن القاضى علم الدين المذكور، فطلب من مدينة المحلة- وهى كرسى الغربية- فى يوم الخميس السابع والعشرين من رجب، فحضر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأحد سلخ الشهر، ومثل بين يدى السلطان فى يوم الأربعاء المذكور، وشافهه بالولاية، وشمله الإنعام بالتشريف الصوف والطّرحة- على عادة القضاة- فى يوم الاثنين ثامن الشهر، ومثل بين يدى السلطان ثانيا فى يوم الثلاثاء، وتوجه إلى الثغر، ووصل إليه فى يوم الثانى والعشرين من شعبان، ولم تطل مدة إقامته بالثغر، فإنه عزل عن القضاء فى يوم الاثنين ثانى عشر شوال منها [3] .
__________
[1] الملكانية: فى: صبح الأعشى (13/276 و 277) قال الشهرستانى: هم أتباع ملكان صاحب مذهبهم، ورأيت فى بعض المصنفات أنهم منسوبون إلى مركان أحد قياصرة الروم من حيث أنه كان يقوم بنصرتهم فقيل لهم مركانية ثم عرب إلى ملكانية. وانظر نهاية الرتبة (ص 120 حاشية 1، 2) .
[2] فى السلوك (2/320) «ثم رسم للنصارى بإعادتها فأعبدت» .
[3] فى السلوك (2/319) «أنه عزل لمضادته الأمير بيبرس الجمدار نائب الثغر» .
(33/308)

وفيها فى يوم الجمعة حادى عشر [ى] [1] رمضان أقيمت الخطبة بالجامع الذى أنشأه الأمير سيف الدين قوصون الناصرى خارج بابى [2] زويلة بالشارع الأعظم بجوار حمامى قاتل السّبع [3] بخطّ حوض ابن هنّس [4] وولى خطابته القاضى فخر الدين محمد بن يحيى بن مسمار [5] المعروف بابن شكر، ولم يخطب به فى هذه السنة، بل خطب قاضى القضاة جلال الدين القزوينى الشافعى، ثم استمر خطيبه المذكور فى الخطابة.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع عشر شوال وصل إلى الأبواب السلطانية رسل متملك اليمن، وهو الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزير الدين داود بالهدايا والتحف، ومن جملتها فيلان، فقبلت هدية مرسلهم، وحصل الإنكار الشديد عليه وعليهم، فإنه اتصل بالسلطان أن ملك مدينة دهلى وبلاد الهند [6] أرسل إلى السلطان هدية عظيمة لم يرسل مثلها لملك قبله، وأنها لما وصلت إلى ثغر عدن قتل الرسول باتفاق من الملك المجاهد ووزيره، واستولى الملك المجاهد على الهدية بكمالها، وأن الذى أهداه الملك المجاهد إنما هو شىء يسير من جملتها، فغضب السلطان لذلك، وأمر باعتقال رسله وخاله، وهو ابن النّقّاش، واعتقلوا مدة، ثم أفرج عنهم بعد ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
__________
[1] الزيادة عن (تاريخ المساجد الأثرية 139) .
[2] كذا فى ك، وفى خطط المقريزى (2/307) أن هذا الجامع بالشارع، خارج باب زويلة ابتدأ عمارته الأمير قوصون سنة 730، وبنى له مئذنتيه بناء من أهل توريز (تبريز) على مثال المئذنة التى عملها خواجا على شاه لجامعه بمدينة توريز. وقد ورد هذا الخبر بعبارة مبسوطة فى السلوك (2/321) وفى النجوم (9/94 و 95 حاشية 1) مع تحقيق لموقعه الحالى، وأنه المعروف الآن على ألسنة العامة باسم جامع قيسون بشارع القلعة، وانظر (تاريخ المساجد الأثرية 139- 142) .
[3] الأمير أقوش الموصلى الحاجب، المعروف بآقوش نميله، وكان يقال له «آقوش قتال السبع» ترجمته فى الدرر (1/399) وتاريخ المساجد الأثرية 139.
[4] هو سعد الدين مسعود بن هنس. (النجوم 9/388) .
[5] ترجمته فى السلوك (2/638) وقد ورد اسمه فيه: محمد بن يحيى بن عبد الله بن شكر المالكى، وذكر وفاته فى سنة 743 هـ.
[6] المقصود ببلاد الهند هنا البلاد الإسلامية منها، وكان ملكها فى هذه السنة هو «غياث الدين أولوغ خان محمد جنا بن طغلق (725- 752 هـ) وانظر (السلوك 2/322 حاشية 1) .
(33/309)

ذكر خبر يوسف الكيماوى ومقتله
وفى هذه السنة فى يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان وصل إلى الأبواب السلطانية إنسان اسمه يوسف الكركى، ويعرف جوك [1] من جهة نائب السلطنة الشريفة بالشام، وهو من مسالمة نصارى الكرك، كان يدّعى أنه وصل إلى علم الكيمياء، واشتهر أمره بالشام، واتصل ببعض الأمراء، وهو بهادر التّقوى [2] الجمقدار [3] بدمشق، وتحيّل عليه، وأخذ منه جملة من المال، وتنقل فى مدن الشام وقراها، وتحيل على أهلها، وأفسد عليهم أموالهم، واعتقل بقلعة صفد مدة، ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، وسلك طريقه، فانتهى أمره إلى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز، فأحضره، واتضح له حاله، فهمّ بقتله وإعدامه، فقال له: أرسلنى إلى السلطان فإننى إذا وصلت إليه ملأت له قلعة الجبل ذهبا وفضة، فجهزه إلى الأبواب السلطانية، فوصل فى التاريخ المذكور، ومثل بين يدى السلطان، وادّعى أنه يعرف صناعة الكيمياء [4] ، فسلمه إلى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى، فتحيل، وداك شيئا من الفضة الحجر، وألقى عليه الزّئبق فصعد الزئبق واستقر ما كان داكه فلم يشك السلطان فى صدقه، وخلع عليه خلعة سنية، وطلب من السلطان فضة مصفاة مشحرة، وذهبا أفلوريّا [5] ، وزئبقا، فطلب الزئبق من القاهرة ومصر والإسكندرية، واستنفد جميع ما عند الناس من الزئبق، وأخذ جملة من الذهب، وأحضر إلى السلطان ألف دينار [6] ، وادعى أنها من صنعته، فأنعم عليه بها،
__________
[1] كذا فى الأصل، ولم ترد هذه الزيادة فى السلوك (2/321 وما بعدها) حيث وردت هذه القصة بعبارة قريبة مما ذكره النويرى هنا.
[2] فى الأصل غير منقوطة، وما أثبتناه من السلوك (2/321) .
[3] الجمقدار: حامل الدبوس، وهو من السلاح: قضيب من حديد فى نهايته كتلة من حديد (عن: معيد النعم ومبيد النقم ص 34.) .
[4] أورد المقريزى فى (السلوك 2/321 و 322) هذا الخبر بعبارة أوضح مما أورده النويرى هنا، وذكر أن يوسف الكيماوى حين اتصل بتنكز أراد أن يخدعه فلم ينخدع، بل أمر بشنقه، فصاح يوسف قائلا: أنا جيت للسلطان حتى أملأ خزائنه ذهبا وفضة «وأن تنكز أرسله إلى السلطان مقيدا مع بعض ثقاته على البريد وكتب إلى السلطان بخبره، وحذره منه»
[5] الأفلورى (إيطالية L Florino LL نقد بندقى كان مستعملا فى مصر فى العصر المملوكى، وأبطل التعامل به فى سنة 831 هـ- 1427 م/ وانظر (الخطط التوفيقية 20/142) .
[6] فى السلوك (2/322) أنه لم يحضر هذه الدنانير وإنما أجرى تجربته لتحويل بعض المعادن إلى ذهب بمشاهدة السلطان وجماعة من الأعيان ذكرهم بأسمائهم فاستخلص سبيكة من الذهب زنتها ألف مثقال فأعجب السلطان بها وأنعم عليه وأعاد يوسف تجربته فكاد السلطان يطير فرحا، وصار يثق به» .
(33/310)

وخلع عليه/ خلعة سنية، وأنعم عليه بفرس بسرج ولجام وكنبوش حرير، وبقى يعد ويمنّى، ثم رجع إلى الكرك على خيل البريد لإحضار حشائش، فتوجه وصحبه من يحفظه [1] ، وعاد [وقد ظهر] [2] للسلطان كذبه، فضيّق عليه فتحيل [3] / (274) وهرب فى شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، فحرج السلطان لذلك، وشدد على الولاة فى طلبه، فنودى عليه فى المدينتين، وكتب إلى الوجهين- القبلى والبحرى- بطلبه حيث كان، وكتب إلى الشام بطلبه، وإلى ساير الجهات، فقبض عليه فى ذى الحجة من السنة بمدينة أخميم من الصعيد، وجهز إلى الأبواب السلطانية، فوصل فى يوم السبت الرابع والعشرين من ذى الحجة [4] والسلطان بالميدان، فسأله عن المال الذى أخذه، فقال: المال راح، فرسم بضربه، فضرب ضربا شديدا، وحمل فى قفص إلى خزانة شمائل [5] ، فاعتقل بها ومات فى ليلة الأحد [خامس عشرى ذى الحجة] [6] ، فرسم السلطان بتسميره [7] ، فسمّر فى عشية نهار الأحد المذكور بعد أن مات وورم، وبات ليلة الاثنين على خشب التسمير، وحمل فى يوم الاثنين على جمل شق به المدينة إلى باب النصر ودفن. هذا ما كان من أمره.
وفى هذه السنة فى ذى القعدة أمر السلطان بإخراج المجذومين والبرصى [8] من القاهرة ومصر إلى بلدة من أعمال الفيوم، فجمعوا، واعتقلوا حتى كملوا، وأخرجوا فى ليلة السبت سادس عشر الشهر، فوصلوا إلى تلك القرية، وهى خراب لا ساكن بها، فتفرقوا فى البلاد، ثم عاد بعضهم إلى القاهرة ومصر، وسكن أمرهم، والله تعالى أعلم.
__________
[1] فى المصدر السابق أن السلطان بعث به مع طقطاى مقدم البريد.
[2] ما بين الحاصرتين زيادة من السلوك (2/322) .
[3] نهاية ما سقط من نسخة «أ» بين صفحتى 273، 274 من صفحاتها، وقد سبقت الإشارة إلى بدايته فى ص 258 حاشية (7) .
[4] أورد المقريزى فى المصدر السابق خبر القبض على يوسف الكيماوى بعد هربه ونهايته على نحو ما ذكره النويرى هنا- فى حوادث سنة 731 هـ (السلوك 2/333 و 334) .
[5] فى السلوك (2/334) أن خزانة شمائل هذه كانت سجنا لأرباب الجرائم، وكانت بجوار باب زويلة من القاهرة.
[6] الزيادة من السلوك (2/334) .
[7] التسمير: إحدى العقوبات الشنيعة بمصر وغيرها من البلاد الأخرى فى العصور الوسطى، وانظر (السلوك 1/404 حاشية 1) و 2/301 حاشية 5) .
[8] المرضى بالجذام والبرص.
(33/311)

ذكر الفتنة بمكة شرفها الله تعالى
/ (275) وفى هذه السنة فى يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة وقعت الفتنة بمكة- شرفها الله تعالى- وسبب ذلك: أن الحاجّ لما قضوا مناسك الحج توجه بعضهم عائدا إلى الديار المصرية، منهم الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ومن صحبه فى يوم الأربعاء ثانى عشر الشهر، وتأخر أمير الركب، وهو الأمير سيف الدين خاص ترك الجمدار الناصرى، والأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار، والأمير شهاب الدين أحمد، ومن معهم من بقية الحاج، لصلاة الجمعة بمكة، فلما كان الخطيب على المنبر تعبّث بعض عبيد الأشراف ببعض حاج العراق، الذين حضروا فى الركب العراقى، وتخطفوا شيئا من أموالهم [1] ، والشريف عطيفة بن أبى نمىّ أمير مكة جالس إلى جانب أمير الركب، فاستصرخ الناس، واستغاثوا بالأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار، فنهض وتقدم لمنعهم، وتقدمه ولده [خليل] وضرب بعض العبيد، فطعن بحربة، فمات، فاحتد والده، وبادر لطلب ثأره، فقتل أيضا بحربة، وقتل معه أحد أولاد الأمير ركن الدين بيبرس التاجى- متولى القاهرة كان- فوثب الأمير عطيفة، وجرد سيفه، وتوجه نحو العبيد ليردهم، فلم يصنع شيئا، وظهر من ذلك أن إثارة هذه الفتنة كان برأيه وأمره، وذكر أن الذى قتل الدمر هو مبارك بن عطيفة، وثارت الفتنة، فعجل الخطيب الصلاة، وخرج الناس من المسجد الحرام إلى رحالهم وخيامهم، واستحل/ (276) الحرم فى هذا اليوم، وتلطف أمير الركب فى الخروج بالناس إلى خيامهم، ووقف فى وجوه القوم من الأشراف والعبيد، فمنعهم من التعرض إلى الحاج، ومن غريب ما وقع فى هذه القضية أنه شاع بالقاهرة المعزية الخبر بقتل الدمر فى يوم مقتله وهو يوم الجمعة المذكور، [وسمعت أنا بعض الناس يتحدث بذلك بعد صلاة العصر من يوم الجمعة المذكور] [2] ورددت القول على ناقله،
__________
[1] فى السلوك (2/323 و 324) أن ذلك كان بتدبير من الملك الناصر مع الشريف عطيفة، وكان الغرض منه التحيل على قتل أمير الركب العراقى المعروف بمحمد الحجيج، وأصله من أهل تبريز، وكان يتقرب من أولاد جوبان، وبلغ عند أبى سعيد منزلة كبيرة، وكان رسوله إلى الملك الناصر غير مرة وكان الناصر يعجب به إلى أن بلغه أنه ذكره فى مجلس أبى سعيد بما لا يحب، فأسرها فى نفسه إلى أن كانت هذه السنة وعرف الناصر أن المذكور هو أمير الركب العراقى، فكتب إلى الشريف عطيفة سرا أن يتحيل فى قتله، فاستجاب لأمر السلطان، وكانت هذه الفتنة التى لم تؤد إلى هدفها، فقد نجا أمير الركب العراقى.
[2] ما بين القوسين زيادة من نسخة «أ» ص 276.
(33/312)

وكان الركب العراقى قد حضر فى هذه السنة إلى مكة شرفها الله تعالى وأحضر متوليه المندوب من جهة الملك أبى سعيد بن خربندا معه فيلا صغيرا، وشهد به الموقف بعرفة، فتطاير الناس، وتشاءموا بمقدمه، وقال بعضهم: «هذا عام الفيل» فوقع ما وقع، فلما رجعوا به، وقربوا من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وانتهوا إلى الفرش [1] الصغير قبل البيداء الذى ينزل منها إلى ذى الحليفة، وقف الفيل وتقهقر، وكلما أرادوه على التقدم تأخر، فضربه الموكّلون به، وبقى يرجع إلى ورائه القهقرى، فلم يزل على ذلك إلى أن سقط على الأرض ميتا، وذلك فى يوم الأحد ثالث عشر ذى الحجة، ويقال: أنه صرف على كلفة هذا الفيل منذ جهّز من [العراق] [2] إلى أن مات زيادة على ثلاثين ألف درهم، وما علم مقصد الملك أبى سعيد فى إرساله إلى مكة شرفها الله تعالى [3] / (277) .
ذكر متجددات كانت بدمشق المحروسة فى سنة ثلاثين وسبعمائة مما نقلته من تاريخى البرزالى، والجزرى
فى هذه السنة فى مستهل شهر ربيع الأول حضر نائب السلطنة/ بالشام [4] [الأمير سيف الدين تنكز إلى الجامع الأموى بدمشق وصحبته قاضى القضاة علم الدين الشافعى، وشاهد الجامع، فاقتضت الآراء أن ينقض الرخام القائم بالجدار القبلى من الجهة الشرقية ومحراب الصحابة، وأن يجدد بشبه]
__________
[1] الضبط من: مراصد الاطلاع 3/1027 قال: وهو واد بين غميس الحمائم وملل، وفرش وصخيرات الثمام منازل نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى بدر.
[2] فى ك من الحجاز، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من «أ» ص 276 والسلوك (2/325) وقد أورد المقريزى فيه هذا الخبر بعبارة أوضح مما ذكره النويرى هنا.
[3] ورد هذا الخبر موجزا فى النجوم (9/282 و 283) وفيه زيادة على ما أورده النويرى هنا والمقريزى فى السلوك هى: «أن الملك الناصر لما أخبر بما وقع جهز إلى مكة عسكرا كثيفا، وعليه عدة من الأمراء فتوجهوا وأخذوا بثأر الدمر وابنه، وقتلوا جماعة كثيرة من العبيد وغيرهم، وأسرفوا فى ذلك، وتشتت أشراف مكة والعبيد عن أوطانهم وأخذت أموالهم، وحكمت الترك مكة من تلك السنة إلى يومنا هذا (874 هـ) ، وزالت منها سطوة أشراف الرافضة والعبيد إلى يومنا هذا.
[4] ما بعد الحاصرة زيادة من نسخة أ، تقع فى الصفحات من (277 إلى السطر العاشر من ص 284) منها ولم نجد ما يقابلها فى نسخة ك، وقد رأينا إثباتها لورود ما اشتملت عليه فى السلوك والنجوم ضمن حوادث هذه السنة، ولاشتمالها على وفيات أوردها ابن العماد فى الشذرات ج 6 فى هذه السنة أيضا.
(33/313)

الجهة الغربية، فحصل الشروع فى ذلك، وكمل فى أواخر ذى الحجة من السنة، وصرف على العمارة من فائض وقف الجامع، فإنه كان قد تحصّل [1] به بعد كلفه ونفقاته- فيما قيل- نحو خمسة وسبعين ألف درهم.
وفيها- فى مستهل ربيع الآخر- حصل بدمشق اضطراب بسبب الذهب، وأن عياره قد تغير ونقص، فأحضر محمد بن اليحشور ضامن دار الضرب بدمشق، والصّيرفى، وعلق الذهب، فنقصت المائة دينار خمسة عشر دينارا، ووجدت عدة سكك متقدمة التواريخ وأسماء الملوك، ونسب ذلك إلى أن القاضى شمس الدين عبد الله غبريال ناظر الشام أمر بذلك، وصرف منه جملة كبيرة خارج دار الضرب، وخرج ما صرف من الذهب وسافر به التجار/ (278) والعربان والتركمان الذين يجلبون الأغنام من بلاد الشرق وغيرها إلى ساير الأمصار، فاضطرب الحال فى ذلك اضطرابا شديدا، وبقى ما يوجد من هذا الذهب يصرف فى القاهرة من ثمانية عشر درهما الدينار إلى أحد وعشرين درهما، وصرف الدرهم الجيد بخمسة وعشرين درهما.
وفيها فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر، أصبح الناس بدمشق فوجدوا الأنهار قد امتلأت ماء متغير اللون من غير سبب ظاهر لهذه الزيادة، فسقيت البساتين والزراعات، واستمر ذلك إلى يوم الأحد سابع الشهر، ونقص قليلا، وكان المطر فى هذه السنة قد تأخر بدمشق، فأمطرت فى ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر مطرا خفيفا، وفى ليلة السبت، ثم حصل الغيث الكثير فى ليلة الأحد سابع الشهر، وذلك فى آخر كانون الثانى، وفيها- فى جمادى الآخرة- كملت عمارة مصلى العيدين بظاهر دمشق، وتجديد سقوفه وبياضه وإصلاح أبوابه، وكان قد تداعى، فرسم السلطان بعمارته، فجدّد، وصلى خطيبه فى صدره، وخطب فى يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وكان فى مدة العمارة يخطب ويصلى الجمعة بظاهره، وجعلت أبوابه أحد عشر بابا جدد الآن منها سبعة، وكانت أبوابه مرتفعة بثلاث درجات بنيت كذلك خوفا من عبور الدواب إليه فألصقت الآن بالأرض،/ (279) وفيها فى العشر الأوسط من
__________
[1] يريد أن فائض الدخل من الوقف- بعد نفقات الجامع- بلغ المقدار الذى ذكره.
(33/314)

شهر رجب ذكر الدرس بمحراب الحنفيّة بجامع دمشق، ودرس به الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق الحنفى، ورتب معه عشرة فقهاء، والذى رتبه القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش، وكان قد رتب قبله درسا للمالكية فى محراب الصحابة الذى استقر محراب المالكية، وفوض تدريسه لقاضى القضاة شرف الدين المالكى، ورتب فيه جماعة من الفقهاء المالكية.
وفيها- فى يوم الخميس ثامن عشر شعبان- رسم نائب السلطنة بالشام الأمير سيف الدين تنكز بإخراب الحوانيت والبيوت التى بظاهر [دمشق المجاورة] [1] لباب النصر من حد الجسر إلى المسجد الذى فى وسط الطريق، فهدمت، وأخرجت أخشابها وصارت الأبنية كوما، ثم أحضرت الأنفار والجراريف ومهدت أتربتها حتى تساوت بالأرض، ومر نائب السلطنة المذكور أيضا فى هذا اليوم بالحويرة بالقوّاسين، فوصل رأسه إلى السقف، فرسم بإخراب السقف ورفعه، فقيل له: إن الأرض قد علت، فرسم أن تحرث الأرض، وينقل التراب منها، ففعل ذلك.
وفيها- فى يوم السبت رابع شوال- رسم نائب السلطنة بتوسعة الطريق بسوق الخوّاصين، وندب لذلك شادّ الدواوين، ومتولى دمشق، وناظر الحسبة، فهدمت مساطب الحوانيت بالجانبين، وجعلت كل مسطبة منها قدر ذراع واحد ونصف بالقاسمى، فاتسع الطريق لذلك/ (280) .
ورسم أيضا فى يوم السبت سابع عشر شوال بإخراب الجانب القبلى من سويقة دار بطيح، لأجل توسعة سوق الخيل، فأخرب ذلك وهو نحو عشرين حانوتا، ومهّد ترابه بالأرض.
وفيها- فى يوم الأربعاء تاسع عشرين شوال- حكم قاضى القضاة شرف الدين المالكى بإراقة دم نصرانى كان أسلم ثم ارتد، فضربت عنقه بسوق الخيل بدمشق، ثم حرقه العوام بالنار حتى صار رمادا، وذرّى رماده بنهر بردى.
__________
[1] فى أبظهر باب النصر، والتعديل من السلوك (2/323) .
(33/315)

وفى هذه السنة توفى القاضى علاء الدين على بن القاضى تاج الدين أبى الطاهر أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبى [1]- صاحب ديوان الإنشاء السعيد كان- وكانت وفاته فى بكرة نهار الأربعاء خامس عشر المحرم بداره بالقاهرة بجوار الجامع الأزهر، ودفن فى يوم الخميس سادس عشر الشهر، وكان قد مرض وحصل له فالج، واشتد به الأمر، وتزايد به المرض إلى أن عجز عن الحركة والنطق وتحريك شىء من أعضائه، وعطل عن المباشرة- كما تقدم- فلزم داره فى يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة تسع وعشرين، فكانت مدة انقطاعه سنة كاملة، وولى صحابة ديوان الإنشاء فى ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فكانت مدة ولايته ثمانى عشرة سنة وأياما، رحمه الله تعالى.
وتوفى ليلة الأحد الثانى عشر من المحرم الشيخ العالم الفاضل الوزير أبو القاسم محمد بن أبى عبد الله محمد بن أبى الحسن سهل بن أحمد بن/ (281) سهل الأزدى الغرناطى [2] الأندلسى بالقاهرة عند مقدمه من الحج، ودفن بمقبرة باب النصر، ومولده يوم عرفة سنة اثنتين وستين وستمائة، وهو من بيت كبير مشهور بالرياسة والملك، وله اشتغال بالعلم، ورغبة فى طلبه. رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ جمال الدين أبى العباس أحمد ابن محمد بن عبد الله الظاهرى جده، وهى نسبة إلى الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب كان، فإنه عتيقه، وكانت وفاته فى ليلة الخميس سادس شهر رجب، ودفن من نهاره عند قبر والده بتربة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى العزيزى، ومولده فى تاسع عشرين المحرم سنة سبعين وستمائة [3] رحمه الله تعالى.
__________
[1] ترجمته فى الدرر (3/14، 15) ومولده فى حدود سنة 680 هـ، وأورده ابن تغرى بردى فى النجوم (9/283) والمقريزى فى السلوك (2/327) .
[2] فى أص 281 الأغرناطى، وما أثبتناه من السلوك (2/327) حيث وردت وفاته وترجمته فى الدرر (4/178، 179) والوافى بالوفيات (1/236) .
[3] ترجمته فى الدرر الكامنة (2/426) وفيه أن مولده سنة 671 هـ.
(33/316)

وتوفى الصدر الفاضل ناصر الدين شافع بن نور الدين علي [1] بن الفقيه عماد الدين أبى الفضل عباس بن إسماعيل بن عساكر بن شافع [2] بن رافع بن عبد الله بن فارس الكنانى العسقلانى سبط الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء رابع عشرين شعبان المكرم سنة ثلاثين وسبعمائة، ومولده فى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان قد أضرّ [3] عقيب وقعة حمص، أصابه سهم فى رأسه من التتار فانصب من دماغه إلى عينيه ما أعماه. رحمه الله تعالى.
وتوفى الصدر نور الدين على بن شرف الدين يوسف بن مظفر الدين مجاهد/ (282) مشارف الكحّالين بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته فى ليلة الخميس ثامن شوال، ودفن يوم الخميس ثامن شوال بتربته بالقرافة، ومولده فى سنة ثلاث وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى الصاحب سعد الدين محمد بن محمد بن عبد العزيز بن عطايا فى يوم السبت بعد صلاة العصر السابع والعشرين من شهر رمضان، ودفن بالقرافة فى يوم الأحد، وكان إذ ذاك يتولى نظر الأحباس، رحمه الله تعالى [4] .
وتوفى بدمشق الأمير الكبير سيف الدين بهادر آص المنصورى فى تاسع عشر صفر، وكان من الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالشام، وهو أكبر أمراء الشام تأمر فى الدولة المنصورية السيفية، وصلى عليه بجامع دمشق ثم صلى عليه مرة ثانية بظاهر البلد، ودفن بتربته التى أنشأها ظاهر باب الجابية رحمه الله تعالى، ولما مات أنعم السلطان بإقطاعه على الأمير علم الدين سنجر الجمقدار المنصورى، وهو من أكابر أمراء الدولة مقدمى الألوف ممن يجلس فى مجلس السلطان، وتوجه إلى دمشق فى يوم السبت السابع والعشرين من شعبان.
__________
[1] فى السلوك (2/327) شافع بن محمد بن على بن عباس بن إسماعيل الكنانى العسقلانى سبط ابن عبد الظاهر.
[2] فى الدرر (2/184) ابن شافع بن إسماعيل بن رافع بن شافع بن عبد الله بن فارس الكنانى ... ، وذكر له ترجمة مفصلة.
[3] أضر: صار ضريرا، وعبارة الدرر فى هذا الموضع أنه: «أصابه سهم فى صدغه فى وقعة حمص سنة 680 هـ فكان سبب عماه» ومثله فى النجوم (9/284، 285) .
[4] ترجمته فى الدرر (4/187) والسلوك (2/327) ويعنى بنظر الأحباس نظارة الأوقاف.
(33/317)

وتوفى بدمشق أيضا الأمير سيف الدين بلبان المعروف بالكركند [1] ، من مقدمى الألوف بالشام، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على الأمير سيف الدين طيبغا حاجى ووصل إلى دمشق فى يوم السبت سابع عشرين شعبان.
وتوفى شيخنا المعمّر المحدث شهاب الدين أبو العباس/ (283) أحمد ابن أبى طالب بن أبى النعم [بن] [2] نعمة الصالحى الحجار [المعروف بابن الشّحنة] [2] قبيل العصر من يوم الاثنين خامس عشرين صفر سنة ثلاثين وسبعمائة بقاسيون، وصلى عليه يوم الثلاثاء بالجامع المظفرى عقيب صلاة الظهر، ودفن بتربته بقاسيون، وكان قد تفرد برواية صحيح البخارى، فإنه سمع على ابن الزبيدى فى سنة ثلاثين وستمائة، وكان يقول: كنت أنصرف من السماع على ابن الزبيدى، وأسبح فى نهر لورا مع الصبيان، وذكر أن مولده فى سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأخبر عن نفسه أنه يذكر وفاة الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، وكانت وفاة المعظم فى سلخ ذى القعدة أو مستهل ذى الحجة سنة تسع وعشرين وستمائة، وحدث هذا الشيخ أيضا بغير البخارى سمعت عليه صحيح البخارى، فى سنة خمس عشرة وسبعمائة، ومتّع بحواسه إلى حين وفاته، وكان قوى التركيب، وتزوج قبيل وفاته ببكر، وافترعها. رحمه الله تعالى.
وتوفى بحلب قاضى القضاة فخر الدين عثمان [3] بن القاضى كمال الدين محمد بن قاضى القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن قاضى القضاة شمس الدين إبراهيم بن هبة الله بن المسلم هبة الله بن البارزى الجهنى الشافعى فجأة، وكان يعلّم على كتاب، فسقط القلم من يده، واستند إلى الحائط فمات وقت العصر من يوم الأربعاء العشرين من صفر، وصلى عليه بكرة الخميس، ودفن
__________
[1] فى أص 282 الكوكند بواو مكان الراء، وما أثبتناه من السلوك (2/326) وقد مات فى هذه السنة أربعة اسم كل منهم بلبان، وهم: سيف الدين بلبان الصرخدى، وسيف الدين بلبان الكوندى المهمندار وسيف الدين بلبان الكوندكى، وسيف الدين بلبان الجمقدار المعروف بالكركند (عن السلوك 2/326) .
[2] الزيادة فى الموضعين من النجوم (9/280) والسلوك 2/326) وترجمته فى الدرر (1/142) وذكر أن مولده سنة 623 هـ.
[3] ترجمته فى الدرر (2/448) ومولده فى سنة 668 هـ، والدارس فى تاريخ المدارس (1/268) والشذرات (6/94) والسلوك (2/325) .
(33/318)

داخل المقام وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة فى ولايته، ومولده فى ذى الحجة سنة ثمان وستين وستمائة بحماة، رحمه الله، وفوّض قضاء حلب بعده للقاضى شمس الدين بن النّقيب [1] / (284) قاضى طرابلس نقل منها إلى حلب، وولى قضاء المملكة الطرابلسية القاضى شمس الدين محمد بن عيسى بن محمود البعلبكى المعروف بابن المجد [2] وذلك فى شهر ربيع الآخر من السنة ولم يطل مقامه بطرابلس فإنه مات فى يوم الأحد سادس رمضان. رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة الأربعاء سابع شوال الصدر جلال الدين محمد [3] بن وجيه الدين سليمان بن همام بن مرتضى المعروف بابن البياع أحد كتاب الدرج بدمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون، ومولده فى سنة خمس وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة الجمعة ثامن ذى القعدة بدمشق الأمير علاء الدين قلبرص ابن الأمير الكبير علاء الدين [4] طيبرس الوزيرى أحد الأمراء مقدمى الألوف بالشام، وكانت وفاته ببستان قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى، وصلى عليه عقيب صلاة الجمعة بالجامع المظفّرى، وخلف ولدا ذكرا اسمه ناصر الدين محمد عمره نحو عشرين سنة، وابنتين: خديجة وعائشة، وأوصى لألزامه وعتقائه بجملة كبيرة من الذهب تقارب عشرة آلاف دينار، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا خيّرا عفيفا [5]] حسن المعاملة ... كثير الصدقة رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق أيضا فى ليلة الخميس رابع عشر ذى القعدة الفقيه [6] الفاضل بدر الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن أبى الوفا بن نعم الله بن أبى
__________
[1] شمس الدين محمد بن أبى بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن نجد بن حمدان الشهير بابن النقيب (السلوك 2/325) وترجمته فى الدرر (3/398 و 399) والشذرات (6/144) وفيهما أن مولده، سنة 661 هـ أو 662 هـ ووفاته سنة 745 هـ.
[2] ترجمته فى الدارس (1/439) وفى (الدرر 4/139) محمد بن المجد عيسى بن محمد بن عبد اللطيف البعلى الشافعى المعروف بابن المجد.
[3] ترجمته فى الدرر (3/450) وفيه أنه يعرف بابن البياعة.
[4] فى النجوم (9/282) قلبرس بن سيف الدين طيبرس، وفى السلوك (2/326) قلبرص بن الحاج طيبرس الوزيرى، ترجم له ابن حجر فى الدرر (3/255) وأورد اسمه محرفا إلى قلبوس بن طبرس الوزيرى.
[5] نهاية ما سقط من نسخة ك، وأشرنا إلى بدايته فى ص 311 بالحاشية (4) .
[6] فى أص 284 الصدر، وترجم له ابن حجر فى الدرر (4/55) . وذكر خطأ أن وفاته فى ثلاث وسبعمائة.
(33/319)

الوفا العزّازى [1] أحد كتاب الدّرج بدمشق، وصلى عليه ظهر/ (285) يوم الخميس بالجامع الأموى، ودفن بتربة والده بمقبرة الباب الصغير، ومولده فى سنة ست وسبعين [2] وستمائة. وكان رحمه الله تعالى حسن الصورة والهيئة والكتابة، كتب فى ديوان المكاتبات مدة بدمشق زيادة على عشرين سنة، وكان حسن الصحبة، كثير المودة وله نظم ونثر، رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى أيضا بدمشق بعد العصر- من يوم الخميس العشرين من ذى الحجة- صاحبنا الصدر محيى الدين محمود بن محمد بن محمد التميمى شرف الدين محمد بن محمد بن نصر الله بن المظفر بن سعيد بن [حمزة] [3] التميمى المعروف بابن القلانسىّ ببستانه بقرى، وصلى عليه عقيب صلاة الجمعة بالجامع المظفّرى، ودفن عند والده بتربة قاضى القضاة نجم الدين بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودة، وكان رحمه تعالى رجلا حسنا جيدا عاقلا متواضعا، ومولده فى سنة سبع وسبعين وستمائة.
وتوفى قدودار [4] متولّى القاهرة المحروسة فى يوم الأربعاء [5] سادس عشر صفر، وأنعم بإمرته على الأمير ماجار [6] القبجاقى، وأصل قدادار هذا من مماليك الأمير برلغى الأشرفى، وترقى إلى أن ولى كشف الغربية، وولاية البحيرة من أعمال الديار المصرية، ثم ولاية القاهرة، وتمكّن منها تمكّنا زائدا، وكان جريئا على الدنيا، ثم صرف عن ولاية القاهرة بناصر الدين محمد بن المحسنى، وأقام فى داره إلى أن خرج للحج، ثم عاد وهو مريض، فلزم الفراش إلى أن مات فى التاريخ المذكور.
__________
[1] فى ك الفزارى والتصحيح من أ، ص 284 والدرر (4/55) .
[2] فى الدرر (4/55) سنة ست وستين.
[3] الزيادة من الدرر (4/338) .
[4] فى النجوم (9/283) قدادار- بفتح أوله- وفى الدرر (3/244) قديدار.
[5] ما بين الحاصرتين من النجوم (9/283 و 284) والسلوك (2/327) وعبارة الأصل فى هذا الموضع ناقصة ومضطربة، وترجمته فى الدرر (3/244) .
[6] فى السلوك (2/327) طاجار.
(33/320)

[وتوفى الأمير بلبان الديسنى فى الخامس] [1] عشر من ربيع الأول، وانتقلت إمرته إلى برلغى الناصرى.
وتوفى من أمراء العشرات القفجاقى الذى كان [قد] راح رسولا لبلاد اوادر فى تاريخه.
وتوفى الأمير سيف الدين نائب السلطنة، وانتقلت إمرته إلى بكمان [2] .
وتوفيت زوجة أمير مسعود الحاجب خامس شوال، وتوفيت بنت بيكتا الساقى فى سادس صفر [3] .
وتوفى محمد بن محمد الرومى شيخ خانقاة بكتمر الساقى بالقرافة يوم الأحد ثالث وعشرين ذى الحجة، وتولى مكانه الشيخ شمس الدين زاده الدّوقاتى [4] ، رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى بمكة- شرفها الله تعالى- أواخر جمادى الآخرة- الشيخ الإمام الفاضل القاضى نجم الدين أبو حامد [5] محمد بن القاضى جمال الدين محمد بن الشيخ الإمام المحدث محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى، قاضى مكة شرفها الله تعالى، ودفن بمقبرة المعلى [6] ، ومولده بمكة فى سنة ثمان وخمسين وستمائة، رحمه الله وإيانا، وولى قضاء مكة- شرفها الله تعالى- بعده ولده شهاب [7] الدين أحمد [8] .
__________
[1] ما بين الحاصرتين بياض فى الأصل والزيادة من السلوك (2/327) .
[2] فى المصدر السابق أن الذى أنعم بإقطاعه بعد وفاته على (بكمان) هو الأمير ناصر الدين محمد بن ملكشاه فى ثانى عشر صفر.
[3] فى ك وردت هذه العبارة مضطربة هكذا: وتوفيت بنت بيكتا الساقى فى سادس صفر، ونقلت امرته سنقر الحلافى» .
[4] فى النجوم (9/284) الدوقانى، وأشار فى هامشه إلى الرسم الوارد هنا وفى السلوك (2/328) الدوقانى وما بعد الألف غير منقوط.
[5] ترجمته فى الدرر (4/162 و 163) والشذور (6/94، 95) والوافى بالوفيات (1/228- 230) وفيه أن تاج الدين اليمنى ذكر وفاته فى سنة 731 هـ.
[6] المعلى هى المعلاة: مقبرة مكة بالحجون (تاج العروس) .
[7] ترجمته فى الدرر (1/297 و 298) ووفاته سنة 760 هـ، وفيه، وفى الشذرات (6/188) أن مولده سنة 718 هـ، وهذا يعنى أنه ولى القضاء وعمره اثنا عشرة سنة (؟)
[8] نهاية ما جاء فى ص 285 من نسخة أ، وهى آخر صفحات هذه النسخة، ولم يرد فيها إشارة إلى الاستمرار أو ما يفيد الانتهاء.
(33/321)

صورة ما ورد فى آخر نسخة «ك»
آخر الجزء الحادى والثلاثين [1] من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» يتلوه- إن شاء الله تعالى- فى أول الجزء الثانى والثلاثين منه: «واستهلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بيوم الأحد» والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
__________
[1] أشرنا فى مقدمتنا لهذا الجزء أن هذه تجزئة النويرى، ويقابله الجزء الثالث والثلاثون فى تجزئة هذه الطبعة.
(33/322)

فهرس موضوعات الجزء الثالث والثلاثين
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب
الموضوع الصفحة
تقديم بقلم المحقق 5
«واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.» 11
ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة 11
ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية 13
ذكر وصول هدية الملك أبى سعيد بن خربندا- ملك التتار- إلى الأبواب السلطانية 14
ذكر تفويض نظر أوقاف الجامع الطولونى للقاضى كريم الدين وكيل الخواص الشريف 14
ذكر حفر البركة الناصرية 16
ذكر حادثة الكنايس 16
ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر 17
ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله صحبتهم وعودهم 28
ذكر توجه ادر السلطان إلى الحجاز الشريف، ومن توجه فى خدمتهم. 31
ذكر وصول بعض من وقف بعرفة فى هذه السنة إلى القاهرة المحروسة 32
ذكر حوادث كانت بدمشق فى هذه السنة 33
ذكر هدم كنيسة اليهود القرائين بدمشق 33
ذكر ما وصل إلينا من الحوادث الكائنة ببغداد فى هذه السنة 37
«واستهلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة» 37
ذكر وصول أدر السلطان من الحجاز الشريف 38
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس وفتح مدينة آياس وأبراجها 38
ذكر اجتماع المماليك السلطانية، وشكواهم، وما حصل بسبب ذلك 42
(33/323)

الموضوع الصفحة
ذكر وصول الأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطان بالمملكة الحلبية، إلى الأبواب السلطانية وعوده 42
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك التتار 43
«واستهلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.» 44
ذكر القبض على كريم الدين الكبير 44
ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكن من دولته» 49
ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله «وهى الوزارة الثانية له» 58
ذكر القبض على كريم الدين الصغير «وشىء من أخباره» 60
ذكر وصول رسل متملك الأرمن إلى الأبواب السلطانية 62
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد 63
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى بلاد النوبة 65
«واستهلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة» 67
ذكر وفاة الخوندا أردكين ابنة نوكاى 68
ذكر خبر النيل فى هذه السنة 70
ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة 72
ذكر متجددات وحوادث كانت بالشام 75
«واستهلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة» 79
ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال 81
ذكر عمال اليمن في الدولة العباسية 85
ذكر أخبار دولة بنى زياد 90
ذكر أخبار صنعاء ومن وليها بعد الخلودى [الجلودى] 93
ذكر أخبار على بن الفضل والمنصور بن الحسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدى 97
ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم 99
(33/324)

الموضوع الصفحة
ذكر أخبار دولة على بن محمد الصليحى 105
ذكر مقتل الصليحى، وقيام ابنه المكرم 108
ذكر السلطان سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحى 110
ذكر المفضل بن أبى البركات بن الوليد الحميرى 111
ذكر أخبار ملوك الدولة الزريعية 113
ذكر محمد بن سبأ، ولقبه المعظم المتوج المكين 113
ذكر السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامى 114
ذكر أخبار سعيد الأحول، واستيلائه على زبيد ثانيا، ومن ملك بعده من آل نجاح 115
ذكر جياش بن نجاح أخو سعيد 115
ذكر أخبار دولة علي بن مهدى الحميرى وبنيه 120
ذكر أخبار ملوك الدولة الأيوبية باليمن 122
ذكر الملك المعز فتح الدين أبو الفدا إسماعيل 126
ذكر سليمان بن شاهنشاه بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب 128
ذكر ملك الملك المسعود صلاح الدين أتسر 128
ذكر أخبار الدولة الرسولية ببلاد اليمن 130
ذكر الملك المظفر أبو المنصور شمس الدين يوسف 132
ذكر استيلاء المظفر علي ظفار، وحضر موت، ومدينة شبام 138
ذكر وفاة الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وملك ولده الأشرف 140
الملك الأشرف ممهد الدين عمر 140
ذكر ملك الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف 141
ذكر وصول أولاد الملك الأشرف إلى عمهما الملك المؤيد، ونزولهما عما بأيديهما 143
ذكر خلاف الملك المسعود تاج الدين الحسن بن الملك المظفر، على أخيه الملك المؤيد 144
(33/325)

الموضوع الصفحة
ذكر متجددات كانت فى شهور سنة سبع وتسعين وستمائة 146
ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف، وما وقع بسبب ذلك من الحرب والحصار 150
ذكر إنشاء القصر المعقلى والمنتخب 155
ذكر مقتل الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء 157
ذكر وصول الأمير علاء الدين كشتغدى إلى خدمة السلطان الملك المؤيد 160
ذكر وفاة الملك المؤيد هزبر الدين داود 163
ذكر ملك الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود 164
ذكر ملك الملك المنصور زند الدين أيوب بن الملك المظفر يوسف بن عمر بن على بن رسول، ثم خلعه 165
ذكر عود الملك المجاهد إلى الملك، والقبض على عمه الملك المنصور ووفاته 166
ذكر تجريد طائفة من العساكر المنصورة إلى اليمن، وما كان من خبرها إلى أن عادت 173
ذكر حفر الخليج الناصرى 182
ذكر عمارة القصر والخانقاة بسما