Advertisement

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس 002


بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الخامس
في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق
الزاكية العرار والبشام ومدح جماعة من أولئك الأعلام، ذوي العقول
الراجحة والأحلام، لشامة وجنة الأرض دمشق الشام، وما اقتضته
المناسبة من كلام أعيانها، وأرباب بيانها، ذوي السؤدد والاحتشام،
ومخاطباتهم للفقير المؤلف حين حلّها سنة ألف وسبع وثلاثين للهجرة،
وشاهد برق فضلها المبين وشام
واعلم - جعلني الله تعالى وإياك ممن له للمذهب الحق انتحال - أنّ حصر أهل الارتحال، لا يمكن بوجه ولا بحال، ولا يعلم ذلك على الإحاطة إلا علام الغيوب الشديد المحال، ولو أطلقنا عنان الأقلام فيمن عرفناه فقط من هؤلاء الأعلام، لطال الكتاب وكثر الكلام، ولكنّا نذكر منهم لمعاً على وجه التوسط من غير إطناب داع إلى الملال واختصار مؤدّ للملام، فنقول مستمدين من واهب العقول:
1 - منهم عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب السّلمي (1) : وقد عرف به القاضي عياض في المدارك وغير واحد، ورأيت في بعض التواريخ أن تواليفه
__________
(1) قد مر التعريف به والإشارة إلى مراجع ترجمته ج 1: 46.
(2/5)

بلغت ألفاً، ومن أشهرها كتاب الواضحة في مذهب مالك، كتاب كبير مفيد، ولابن حبيب مذهب في كتب المالكية مسطور، وهو مشهور عند علماء المشرق، وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر وصاحب المواهب وغيرهما.
ومن نظمه يخاطب سلطان الأندلس (1) :
لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا ... واذكره لا زلت في التاريخ مذكورا
قال النّبيّ صلاة الله تشمله ... قولاً وجدنا عليه الحقّ والنورا
فيمن يوسّع في إنفاق موسمه ... أن لا يزال بذاك العام ميسورا وهذا البيت الثالث نسيت لفظه فكتبته بالمعنى والوزن إذ طال عهدي به، والله تعالى أعلم.
وقال الفتح في المطمح (2) : الفقيه العالم أبو مروان عبد الملك بن حبيب السّلمي، أي شرف لأهل الأندلس ومفخر، وأي بحر بالعلوم يزخر (3) ، خلدت منه الأندلس فقيهاً عالماً، أعاد مجاهل جهلها معالماً، وأقام فيها للعلوم سوقاً (4) نافقة، ونشر منها ألويةً خافقة، وجلا عن الألباب صدأ الكسل، وشحذها شحذ الصّوارم والأسل، وتصرف في فنون العلوم، وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقّه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظرتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال: إنّه لقي مالكاً آخر عمره، وروى عنه عن سعيد
__________
(1) الأبيات في ابن عذاري 2: 165 وهذه روايتها:
لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا ... واذكره لا زلت في الأخيار مذكورا:
من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يكن بعيشه في الحول محبورا
فارغب فديتك فيما فيه رغبنا ... خير الورى كلهم حيا ومقبورا
(2) المطمح: 36.
(3) هذه العبارة في المطمح " وأي محتد شيد الإسلام وسحر " وهي شديدة التصحيف ولعل صوابها: وأي مجد شيد للإسلام وسخر.
(4) المطمح: للمعالم، وفي نسخة: للمعارف؛ وفي ك: أسواقا.
(2/6)

ابن المسيّب أن سليمان بن داود، صلى الله عليهما وسلّم، كان يركب إلى بيت المقدس فيتغدّى به، ثم يعود فيتعشّى بإصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة، ومن أحاديثه غرائب، قد تحلّت بها للزمان نحورٌ وترائب.
وقال محمد بن لبابة (1) : فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك ابن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى. وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللغة والإعراب، وتصرف في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به متبحراً، ويرى ينبوعه بذلك متفجراً، وتوفّي بالأندلس في رمضان سنة 238 وهو ابن ثلاث وخمسين سنة بعدما جال في الأرض، وقطع طولها والعرض، وجال في أكنافها، وانتهى إلى أطرافها.
ومن شعره قوله:
قد طاح أمري والذي أبتغي ... هينٌ على الرحمن في قدرته
ألفٌ من الحمر وأقلل بها ... لعالمٍ أربى على بغيته
زرياب قد أعطيها جملةً (2) ... وحرفتي أشرف من حرفته وكتب إلى الزجاليّ (3) رسالة وصلها بهذه الأبيات:
كيف يطيق الشّعر من أصبحت ... حالته اليوم كحال الغرق
__________
(1) هو محمد بن عمر بن لبابة أبو عبد الله القرطبي الفقيه مولى عثمان بن عبيد الله بن عثمان، كان مقدما على أهل زمانه في حفظ الرأي والبصر بالفتيا مشاورا في أيام الأمير عبد الله مع بعض المشاورين ثم انفرد بالفتيا أول أيام الناصر إلا أنه لم يكن له علم بالحديث ولا ضبط لروايته (توفي سنة 314) (ابن الفرضي 2: 36) . والنقل عن ابن لبابة موجود أيضا في ابن عذاري 2: 165 وابن الفرضي 2: 177.
(2) في أصول المطمح: زرياب قد يأخذها دفعة؛ وقد سقط هذا البيت من المطمح المطبوع، وانظر الأبيات في الحذوة: 265 وطبقات الزبيدي: 283 وفيه " قد يأخذها قفلة " وإنباه الرواة.
(3) في المطمح: وكتب إلى محمد بن سعيد الترحالي، وفي طبقات الزبيدي: محمد بن سعيد الزجالي، والشعر أيضا في طبقات الزبيدي وإنباه الرواة.
(2/7)

والشّعر لا يسلس إلاّ على ... فراغ قلبٍ واتّساع الخلق
فاقنع بهذا القول من شاعرٍ ... يرضى من الحظّ بأدنى العنق
فضلك قد بان عليه كما ... بان لأهل الأرض ضوء الشّفق
أمّا ذمام الودّ منّي لكم ... فهو من المحتوم فيما سبق ولم يكن له علم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلّه، ولا يفرق بين مستقيمه ومختلّه، وكان غرضه الإجازة، وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضاح: قال إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم الأندلس - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك، قلت له: نعم، ما قرأ عليّ منه حرفاً ولا قرأته عليه. وحكي أنّه قال في دخوله المشرق وحضر مجلس بعض الأكابر فازداره من رآه:
لا تنظرنّ إلى جسمي وقلّته ... وانظر لصدري وما يحوي من السنن
فربّ ذي منظر من غير معرفة ... وربّ من تزدريه العين ذو فطن
وربّ لؤلؤةٍ في عين مزبلةٍ ... لم يلق بالٌ لها إلاّ إلى زمن انتهى ما في المطمح الصغير.
قلت: أمّا ما ذكره من عدم عرفته بالحديث فهو غير مسلّم، وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدّثين، نعم لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين، حتى إن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النّقّاد مخرجها، مع اعترافهم بجلالة حفّاظ الأندلس الذين نقلوها كبقيّ ابن مخلد وابن حبيب وغيرهما على ما هو معلوم. وأمّا ما ذكره عنه في الإجازة بما في الغرارة فذلك على مذهب من يرى الإجازة، وهو مذهب مستفيض، واعتراض من اعترض عليه إنّما هو بناء على القول بمنع الإجازة، فاعلم ذلك، والله سبحانه الموفّق.
(2/8)

2 - ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدث يحيى بن يحيى الليثي (1) راوي الموطّأ عن مالك، رضي الله تعالى عنه، ويقال: إن أصله من برابر مصمودة (2) . وحكي (3) أنّه لما ارتحل إلى مالك لازمه، فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه إذ قال قائل: حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلّهم، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لم تخرج وليس الفيل في بلادك فقال: إنّما جئت من الأندلس لأنظر إليك، وأتعلّم من هديك وعلمك، ولم أكن لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك، وقال: هذا عاقل الأندلس، ولذلك قيل (4) : إن يحيى هذا عاقل الأندلس (5) ، وعيسى بن دينار فقيهها، وعبد الملك بن حبيب عالمها، ويقال: إن يحيى راويها ومحدّثها، وتوفّي يحيى بن يحيى سنة 234 برجب، وقبره يستسقى به بقرطبة، وقيل: إن وفاته في السنة التي قبلها، والله تعالى أعلم.
وروايته الموطّأ (6) مشهورة، حتى إن أهل المشرق الآن يسندون الموطّأ من روايته كثيراً، مع تعدّد رواة الموطّأ، والله أعلم. وكان يحيى بن يحيى روى الموطّأ بقرطبة عن زياد بن عبد الرحمن اللخميّ المعروف بشبطون، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي، ثم ارتحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطّأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شكّ في سماعها، فأثبت روايته فيها عن زياد، وذلك ممّا يدلّ على ورعه.
وسمع بمصر من اللّيث بن سعد، وبمكة من سفيان بن عيينة، وتفقه
__________
(1) قد مر التعريف والإشارة إلى مصادر ترجمته، انظر ج 1 ص: 339.
(2) نسبه: يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس (أو وسلاسن) بن شمال بن منغايا وقد ضبطه ابن خلكان هذه الأسماء.
(3) النقل عن ابن خلكان 5: 194.
(4) هذا هو قول محمد بن عمر بن لبابة، انظر الترجمة السابقة.
(5) ولذلك ... الأندلس: سقط هذا من ط ق، واندرج كأنه من كلام مالك.
(6) ق: في الموطأ.
(2/9)

بالمدنيين والمصريين كعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم العتقي (1) ، وسمع منهما، وهما من أكابر أصحاب مالك، بعد انتفاعه بمالك وملازمته له.
وانتهت إليه الرياسة بالأندلس، وبه اشتهر مذهب مالك في تلك الديار، وتفقه به جماعة لا يحصون عدداً، وروى عنه خلق كثير، وأشهر رواة الموطّإ وأحسنهم روايةً يحيى المذكور، وكان - مع أمانته ودينه - معظّماً عند الأمراء، يكنّى عندهم، عفيفاً عن الولايات متنزهاً، جلّت رتبته عن القضاء، وكان أعلى من القضاة قدراً عند ولاة الأمر بالأندلس لزهده في القضاء وامتناعه.
قال الحافظ ابن حزم (2) : مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية، فكان لا يولي إلاّ أصحابه والمنتسبين لمذهبه، ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس إلاّ بمشورته واختياره، ولا يشير إلاّ بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى لم يل قضاء قطّ، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم، انتهى.
وذكرنا في غير هذا الموضع قولاً آخر في سبب انتشار مذهب مالك بالأندلس، والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر، انتهى.
وقال ابن أبي الفياض (3) : جمع الأمير عبد الرحمن بن الحكم الفقهاء في
__________
(1) في ق: العتلي؛ وسقطت من ط؛ وقال ابن خلكان (2: 213) نسبة إلى العتقاء، جماع من القبائل كانوا يقطعون الطريق على من أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، فبعث إليهم فأتى بهم أسرى فأعتقهم فقيل لهم: العتقاء.
(2) انظر ابن خلكان 5: 195.
(3) النقل أيضا عن ابن خلكان.
(2/10)

قصره، وكان وقع على جارية يحبها في رمضان، ثم ندم أشدّ ندم، فسألهم عن التوبة والكفّارة، فقال يحيى: تكفّر بصوم شهرين متتابعين، فلمّا بادر يحيى بهذه الفتيا سكت الفقهاء حتى خرجوا، فقال بعضهم له: لم لم تفت بمذهب مالك بالتخيير فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلاّ يعود.
وقال بعض المالكية: إن يحيى ورّى بهذا، ورأى أنّه لم يملك (1) شيئاً إذ هو مستغرق الذمّة فلا عتق له ولا طعام، فلم يبق إلاّ الصيام، انتهى.
ولمّا انفصل يحيى عن مالك ووصل إلى مصر رأى ابن القاسم يدوّن سماعه من مالك، فنشط للرجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي رأى ابن القاسم يدوّنها، فرحل رحلة ثانية، فألفى مالكاً عليلاً، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم وسمع منه سماعه من مالك، هكذا ذكره ابن الفرضي في تاريخه (2) ، وهو ممّا يردّ الحكاية المشهورة الآن بالمغرب أن يحيى سأل مالكاً عن زكاة التين، فقال له: لا زكاة فيها، فقال: إنّها تدّخر عندنا، ونذر إن وصل إلى الأندلس أن يرسل لمالكٍ سفينة مملوءة تيناً، فلمّا وصل أرسلها فإذا مالك قد مات، انتهى.
قال ابن الفرضي (3) : ولمّا انصرف يحيى إلى الأندلس كان إمام وقته، وواحد بلاده، وكان ممّن اتهم بالهيج (4) في وقعة الرّبض المشهورة ففرّ إلى طليطلة ثم استأمن فكتب له الأمير الحكم أماناً، وانصرف إلى قرطبة.
وقيل (5) : لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة وعظم القدر، وجلالة الذكر.
__________
(1) ق ط ج: وإنه لم ير أنه يملك.
(2) ابن الفرضي 2: 177 وانظر أيضا ابن خلكان.
(3) المصدر نفسه، وهو منقول باختصار.
(4) بالهيج: سقطت من ط.
(5) هو قول أحمد بن خالد كما نقله ابن الفرضي وابن خلكان.
(2/11)

وقال ابن بشكوال (1) : إن يحيى بن يحيى كان مجاب الدعوة، وإنّه أخذ في سمته وهيئته ونفسه ومقعده هيئات مالك.
ويحكى عنه أنّه قال (2) : أخذت بركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك العلم؛ فلم تزل بي الأيام حتى رأيت مالكاً، انتهى.
3 - ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن [أبي] عيسى (3)
قال في المطمح (4) : من بني يحيى بن يحيى الليثي، وهذه ثنية علمٍ وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم الأندلس، وعالمها النّدس، ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وجمع فيها من الروايات والسماع كل مفترق، وجال في آفاق ذلك الأفق، لا يستقرّ في بلد، ولا يستوطن في جلد (5) ، ثم كرّ إلى الأندلس فسمت رتبته، وتحلّت بالأماني لبّته، وتصرف في ولايات أحمد فيها منابه، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابه، وولاه القضاء بقرطبة فتولاه بسياسة محمودة، ورياسة في الدين مبرمة القوى مجهودة، والتزم فيها الصّرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيّنات في السر، والصّدع بالحق في الجهر، لم يستمله مخادع، ولم
__________
(1) ليس هذا النقل من الصلة إذ لم يترجم فيها ليحيى وإنما هو من تاريخ ابن بشكوال كما صرح بذلك ابن خلكان (ص: 196) .
(2) ابن خلكان: 196.
(3) ق ط ج: محمد بن عيسى، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أيوب بن أبي عيسى القاضى عند الثعالبي (اليتيمة 2: 63) ومحمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي أبو عبد الله (عند ابن الفرضي 2: 61) وهو على أية حال من بني يحيى بن يحيى الليثي، ولي القضاء أيام الأمير عبد الرحمن بن محمد وأدرك عهد الناصر، وأصبح قاضي الجماعة بقرطبة عام 326 وكان يستعين به في السفارات، توفي سنة 339. (انظر أيضا قضاة قرطبة للخشني: 172 والمرقبة العليا: 59 والجذوة: 96 وبغية الملتمس رقم: 218) .
(4) مطمح الأنفس: 46.
(5) المطمح: في مظلومة جلد؛ والمعنى واحد، إذ المظلومة هي الأرض، والجلد: أديمها.
(2/12)

يكده مخاتل، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أسباب السلطان (1) وأهله، حتى تحاموا جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه، وكان له نصيب وافر من الأدب، وحظ من البلاغة إذا نظم وإذا كتب.
ومن ملح شعره ما قاله عند أوبته عن غربته (2) :
كأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاق
كأن لم تؤرّق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كفّ الشّوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللّوى من رامةٍ وبراق
ولم اصطبح بالبيد من قهوة النّدى ... وكأسٍ سقاها في الأزاهر ساق وله أيضاً (3) :
ماذا أكابد (4) من ورق مغرّدةٍ ... على قضيبٍ بذات الجزع ميّاس
ردّدن شجواً شجا قلب الخليّ فهل ... في عبرة ذرفت في الحب من باس
ذكّرنه الزمن الماضي بقرطبةٍ ... بين الأحبّة في أمنٍ (5) وإيناس
هم الصبابة لولا همّةٌ شرفت ... فصيّرت قلبه كالجندل القاسي وله أخبار تدل على رقة العراق، والتغذي بماء تلك الآفاق: فمنها أنّه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش، ورجل من بني جابر (6) كان يواخيه له منزل هناك، فعزم عليه في الميل إلي، وعلى أخيه فنزلا عليه، فأحضر لهما طعاماً، وأمر جارية له بالغناء، فغنّت:
__________
(1) ك: أرباب.
(2) انظر هذا الشعر أيضا في الجذوة وبغية الملتمس.
(3) الشعر في الجذوة: 70.
(4) الجذوة: ويل أم ذكراي.
(5) الجذوة: لهو.
(6) الجذوة: بني حدير.
(2/13)

طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزهت بحمرة خدّك التّفّاح
وإذا الرّبيع تنسّمت أرواحه ... طابت بطيب نسيمك الأرواح (1)
وإذا الخنادس لبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح فكتبها القاضي في ظهر يده، وخرج من عنده، قال يونس بن عبد الله (2) : فلقد رأيته يكبّر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبةٌ على ظهر كفّه.
وكان، رحمه الله تعالى، في غاية اللطف، حكى بعض أصحابه قال (3) : ركبنا معه في موكب حافل من وجوه الناس، إذ عرض لنا فتىً متأدّب قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل، فلمّا رأى القاضي هابه وأراد الانصراف فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط وأطرق، فلمّا قرب القاضي رفع رأسه وأنشأ يقول:
ألا أيّها القاضي الذي عمّ عدله ... فأضحى به بين الأنام فريدا
قرأت كتاب الله تسعين مرّةً ... فلم أر فيه للشراب حدودا
فإن شئت جلداً لي فدونك منكباً ... صبوراً على ريب الزّمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منّةٌ ... تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت تختار الحديد فإنّ لي ... لساناً على هجو الزّمان حديدا فلمّا سمع شعره وميّز أدبه أعرض عنه وترك الإنكار عليه، ومضى لشأنه؛ انتهى ملخّصاً من المطمح.
ورأيت بخطي في بعض مسوّداتي ما صورته (4) : محمد بن عبد الله بن يحيى ابن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة، سمع عمّ أبيه عبيد الله (5) بن يحيى ومحمد
__________
(1) ق ط ج: أدواحه ... الأدواح.
(2) هو أبو الوليد ابن الصفار قاضي قرطبة، وهو يروي الحكاية عن أبيه وعنه ابن حزم، كما في الجذوة.
(3) هو كاتبه القاسم بن محمد أيام قضائه بإلبيرة، انظر المرقبة العليا: 61 وفيها الشعر.
(4) هذه هي ترجمته كما أوردها ابن الفرضي 2: 61، مع شيء من إيجاز.
(5) ق ك: سمع من أبيه عبد الله.
(2/14)

ابن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد، ورحل من قرطبة سنة 312، ودخل مصر وحجّ وسمع بمكّة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي وغيرهم؛ وكان حافظاً معتنياً بالآثار جامعاً للسّنن، متصرّفاً في علم الإعراب ومعاني الشعر، شاعراً مطبوعاً؛ وشاوره القاضي أحمد بن بقي، واستقضاه الناصر عبد الرحمن ابن محمد على إلبيرة وبجّانة، ثم ولاّه قضاء الجماعة بقرطبة بعد أبي طالب (1) سنة 326، وجمعت له مع القضاة الصلاة، وكان كثيراً ما يخرج إلى الثغور ويتصرّف في إصلاح ما وهى منها، فاعتلّ في آخر خرجاته ومات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة سنة 337 (2) ، ومولده سنة 284؛ انتهى وأظن أنّي نقلته من كتاب ابن الأبار الحافظ، والله أعلم.
4 - ومنهم عتيق بن أحمد بن عبد الباقي الأندلسي (3) ، الدمشقي وفاة، يكنى أبا بكر: نزيل دمشق، كان مشهوراً بالصلاح، وانتفع به جماعة من الفقراء، وولد على ما قيل سنة 516، وتوفّي سنة 616 بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، فيكون عمره على هذا مائة سنة، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته وبركات أمثاله.
5 - ومنهم أبة إبراهيم إسماعيل بن محمد بن يوسف الأنصاري الأندلسي الأبّذي، الملقب في البلاد المشرقية ببرهان الدين - وأبّذة، بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وفتحها وبعدها ذال معجمة، بلد بالأندلس - سمع المذكور بمكّة وغيرها من البلاد، وبدمشق من الحافظ ابن طبرزذ، وأمّ الصخرة، وكان فاضلاً صالحاً شاعراً، توفّي سنة 656، وأخبر عن بعض الأولياء المجاورين ببيت المقدس أنّه سمع هاتفاً يقول لما خربت القدس:
__________
(1) بعد أبي طالب: سقطت من ابن الفرضي.
(2) ابن الفرضي: سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
(3) عتيق بن أحمد بن عبد الباقي: وردت ترجمته في حواشي الذيل والتكملة (5: 115) من تقييدات أبي القاسم التجيبي.
(2/15)

إن يكن بالشآم قلّ نصيري ... ثم خرّبت واستمرّ هلوكي
فلقد أثبت الغداة خرابي ... سمر العار في حياة الملوك هكذا رأيته بخط الصفدي " في حياة " ويحتمل أن يكون " في جباه " جمع جبهة، والله أعلم.
6 - ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي (1) ، قاضي الجماعة بقرطبة، وقد قدمنا جملة من أخباره في الباب الثالث والرابع من هذا القسم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته في أيتام أخي نجدة (2) ، وحدّث بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن الخليفة الناصر احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظيّة من نسائه تكرم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة، وكانت بقرب النشارين في الرّبض الشرقي منفصلة عن دوره، ويتصل بها حمّام له غلة واسعة، وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاماً في حجر القاضي، فأرسل الخليفة من قوّمها له بعدد ما طابت نفسه، وأرسل ناساً أمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنّه لا يجوز إلاّ بأمر القاضي، إذ لم يجز بيع الأصل إلاّ عن رأيه ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلاّ لوجوه: منها الحاجة، ومنها الوهي الشديد، ومنها الغبطة، فأمّا الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأمّا الوهي فليس فيها، وأمّا الغبطة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت
__________
(1) قد مرت أخبار لمنذر بن سعيد في هذا الكتاب 1: 368، 570 (وراجع ترجمته في طبقات الزبيدي: 319 والجذوة: 326 وبغية الملتمس رقم: 1356 وابن الفرضي 2: 142 والخشني: 175 والمرقبة العليا: 66 والمطمح: 37 والروض المعطار: 140 وبغية الوعاة: 398 وإنباه الرواة 3: 325 وأزهار الرياض 2: 272 ومعجم الأدباء 19: 174) .
(2) القصة في المطمح: 43.
(2/16)

وصيهم بالبيع، وإلا فلا، فنقل جوابه إلى الخليفة، فأظهر الزهد في شراء الدار طمعاً أن يتوخّى رغبته (1) فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام سورتها، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدار وبيع أنقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، فكانت لها قيمة أكثر ممّا قومت به للسلطان، فاتصل الخبر به، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها، فأحال الوصي على القاضي أنّه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة فقال له: نعم، فقال: وما دعاك إلى ذلك قال: أخذت فيها بقول الله تعالى {أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ غصباً} (الكهف: 79) مقوّموك لم يقدروها (2) إلاّ بكذا، وبذلك تعلق وهمك، فقد نضّ (3) في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمّام فضلاً، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك، وقال: نحن أولى من انقاد إلى الحق، فجزاك الله تعالى عنّا وعن أمانتك خيراً.
قالوا (4) : وكان على متانته وجزالته حسن الخلق كثير الدّعابة، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري، فمن ذلك ما حدّث به سعيدٌ ابنه قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظّم مع أبينا للإفطار بداره البرانية، فإذا سائل يقول (5) : أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنّة، هذه الليلة، ويكثر من ذلك، فقال القاضي: إن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا واحد.
__________
(1) ط: رغبتهم.
(2) المطمح: فمقومك لم يقدرها.
(3) نض: تحصل، من الناض أي المال العين.
(4) المطمح: 44.
(5) المطمح: يا أهل هذه الدار الصالح أهلها.
(2/17)

وحكى عنه قاسم بن أحمد الجهني (1) أنّه ركب يوماً لحيازة أرض محبّسة في ركبٍ من وجوه الفقهاء وأهل العدالة فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه، قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه وذووه عليهم السكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشي، فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مستوحمة، والكلاب تلعق هنها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا أصحابنا ما أبرّ الكلاب بالهن الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك؛ ثم لوى عنان دابته وقد أضحكنا، وبقينا متعجبين من هزله.
وحضر (2) عند الحكم المستنصر بالله يوماً في خلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة، وسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثر منصرفه من صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وهج الحرّ الجهد، وبث منه ما تجاوز الحدّ، فأمره بخلع ثيابه والتخفيف عن جسمه، ففعل ولم يطف ذلك ما به، فقال له: الصواب أن تنغمس في وسط الصهريج انغماسة يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة إلاّ الحاجب جعفر الخادم الصقلبي أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنّه استحيا من ذلك وانقض عنه وقاراً، وأقصر عنه إقصاراً، فأمر الخليفة حاجبه جعفراً بسبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل عليه الأمر فيه، فبادر جعفر لذلك، وألقى بنفسه في الصهريج، وكان يحسن السّباحة، فجعل يجول يميناً وشمالاً فلم يسع القاضي إلا إنفاذ أمر الخليفة، فقام وألقى بنفسه خلف جعفر، ولاذ بالقعود في درج الصهريج، وتدرّج فيه بعض تدريج، ولم ينبسط في السباحة، وجعفر يمر مصعّداً ومصوباً، فدسّه الحكم على القاضي، وحمله على مساجلته في العوم، فهو يعجّزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه
__________
(1) المطمح: 44.
(2) النص في المطمح: 44 والمرقبة العليا: 72.
(2/18)

بإلقاء الماء عليه، والإشارة بالجذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلّمه الحكم وقال له: ما لك لا تساعد الحاجب في فعله وتتقيّل (1) صنعه فمن أجلك نزل، وبسببك تبذّل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب سلمه الله تعالى لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي يعقلني ويمنعني من أن أجول معه مجاله - يعني أن الحاجب خصيّ لا هوجل معه، والهوجل: الذّكر - فاستفرغ الحكم ضحكاً من نادرته ولطيف تعريضه لجعفر، وخجل جعفر من قوله، وسبّه سب الأشراف، وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخلع، ووصلهما بصلات سنية تشاكل كل واحد منهما.
وحكي أن الخليفة الحكم قال له يوماً (2) : لقد بلغني أنّك لا تجتهد للأيتام، وأنّك تقدم لهم أوصياء سوء يأكلون أموالهم، فقال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفّوا عنهنّ، قال: وكيف تقدم مثل هؤلاء قال: لست أجد غيرهم ولكن أحلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء، فإن أبوا أجبرتهم بالسّوط والسجن، ثم لا تسمع إلاّ خيراً.
وقال القاضي منذر (3) : أتيت وأبو جعفر ابن النحاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول:
خليليّ هل بالشام عينٌ حزينةٌ ... تبكّي على نجدٍ لعلّي أعينها
قد أسلمها الباكون إلاّ حمامةً ... مطوّقةً باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانةٍ ... يكاد يدنّيها من الأرض لينها فقلت له: يا أبا جعفر، ماذا، أعزك الله تعالى، باتا يصنعان فقال لي: وكيف تقول أنت يا أندلسي فقلت له: بانت وبان قرينها، فسكت، وما
__________
(1) ق ط: وتتقبل.
(2) المطمح: 45 والمرقبة العليا: 73.
(3) طبقات الزبيدي: 240.
(2/19)

زال يستثقلني بعد ذلك، حتى منعني كتاب العين، وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته، فلمّا قطع بي قيل لي: أين أنت عن أبي العباس ابن ولاّد فقصدته، فلقيت رجلاً كامل العلم حسن المروءة، فسألته الكتاب، فأخرجه إليّ، ثم ندم أبو جعفر لما بلغه إباحة أبي العباس الكتاب لي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.
قال: وكان أبو جعفر لئيم النفس، شديد التقتير على نفسه، وربما وهبت له العمامة فيقطعها ثلاث عمائم، وكان يأبى شراء حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها على أهل معرفته، انتهى. وأبو جعفر هذا يقال: إن تواليفه تزيد على خمسين، منها شرح عشرة دواوين للعرب، وإعراب القرآن، ومعاني القرآن، وشرح أبيات الكتاب، وغير ذلك.
رجع - وقال منذر بن سعيد: كتبت إلى أبي علي البغدادي أستعير منه كتاباً من الغريب، وقلت:
بحقّ ريمٍ مهفهف ... وصدغه المتعطّف
إبعث إليّ بجزء ... من الغريب المصنّف فقضى حاجتي، وأجاب بقوله:
وحقّ درٍّ تألّف ... بفيك أيّ تألّف
لأبعثنّ بما قد ... حوى الغريب المصنّف
ولو بعثت بنفسي ... إليك ما كنت أسرف فرحم الله تعالى تلك الأرواح الطاهرة.
وذكر ابن أصبغ الهمداني عن منذر أنّه خطب يوماً، وأراد التواضع، فكان من فصول خطبته، أن قال (1) : حتى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر ولا
__________
(1) انظر المرقبة العليا: 69.
(2/20)

أزدجر، أدل الطريق على المستدلين، وأبقى مقيماً مع الحائرين كلاّ إن هذا لهو البلاء المبين {إن هي إلاّ فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء} (الأعراف: 155) ، اللهم فرّغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك، يا أرحم الراحمين.
وسمع منذر بالأندلس (1) من عبيد الله بن يحيى بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجّاً سنة ثمان وثلاثمائة فاجتمع بعدّة أعلام وظهرت فضائله بالمشرق، وممّن سمع عليه منذر بالمشرق ثم بمكة محمد بن المنذر النيسابوري، سمع عليه كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمى بالإشراف وروى بمصر كتاب العين للخليل عن أبي العباس ابن ولاّد، وروى عن أبي جعفر ابن النحاس. وكان منذر متفنّناً في ضروب العلوم وغلب عليه التفقّه بمذهب أبي سليمان داود ابن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري، فكان منذر يؤثر مذهبه ويجمع كتبه ويحتج لمقالته ويأخذ به في نفسه وذويه، فإذا جلس للحكومة قضى بمذهب الإمام مالك وأصحابه، وهو الذي عليه العمل بالأندلس، وحمل السلطان أهل مملكته عليه، وكان خطيباً بليغاً عالماً بالجدل حاذقاً فيه، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده، ثابت الحجّة ذا شارةٍ (2) عجيبة ومنظر جميل وخلق حميد وتواضع لأهل الطلب وانحطاط إليهم وإقبال عليهم، وكان - مع وقاره التام - فيه دعابة مستملحة، وله نوادر مستحسنة، وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر إلى أن توفّي، رحمه الله تعالى، عقب ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فكانت ولايته لقضاء
__________
(1) فيه متابعة لابن الفرضي 2: 142 - 143 والزبيدي: 240.
(2) ق: إشارة.
(2/21)

الجماعة المعبر عنها في المشرق بقضاء القضاة ستة عشر عاماً كاملة، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية، ولا قسم بغير سويّة، ولا ميل بهوى، ولا إصغاء إلى عناية، رحمه الله تعالى ورضي عنه؛ ودفن بمقبرة قريش بالرّبض الغربي من قرطبة أعادها الله تعالى، جوفّي مسجد السيدة الكبرى، بقرب داره.
وله، رحمه الله تعالى، تواليف مفيدة: منها كتاب أحكام القرآن والناسخ والمنسوخ وغير ذلك في الفقه والكلام في الرد على أهل المذاهب، تغمده الله تعالى برضوانه.
وكتب بعض الأدباء إلى القاضي منذر بقوله:
مسألة جئتك مستفتياً ... عنها، وأنت العالم المستشار
علام تحمرّ وجوه الظّبا ... وأوجه العشاق فيها اصفرار فأجاب منذر بقوله:
احمرّ وجه الظّبي إذ لحظه ... سيفٌ على العشاق فيه احورار
واصفرّ وجع الصّبّ لمّا نأى ... والشمس تبقي للمغيب اصفرار 7 - وممّن رحل إلى المشرق (1) من الأندلس فشهد له بالسبق، كل أهل المغرب والشرق، والإمام العلامة أبو القاسم الشاطبي (2) ، صاحب " حرز الأماني " و " العقيلة "، وغيرهما.
__________
(1) إلى المشرق: سقطت من ط.
(2) أبو القاسم الشاطبي: القاسم بن فيره - بكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف وتشديد الراء وضمها (Ferro) وهذا من لغة اللطيني من أعاجم الأندلس ومعناه الحديد. ترجمته في ابن خلكان 3: 234 ومعجم الأدباء 16: 293 ونكت الهميان: 228 وطبقات السبكي 4: 297 وغاية النهاية 2: 20 وفيه نقل ترجمته عن رحلة ابن رشيد وشذرات الذهب 4: 301 وبغية الوعاة: 379 والتكملة رقم: 1973 والذيل والتكملة 5: 548 والديباج المذهب: 224.
(2/22)

وهو أبو القاسم (1) ابن فيرّه بن خلف بن أحمد الرّعيني الشاطبي المقرئ، الفقيه الحافظ الضرير أحد العلماء المشهورين والفضلاء المذكورين، خطب ببلده شاطبة مع صغر سنّه، ودخل الديار المصريّة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وحضر عند الحافظ السّلفي وابن برّي وغيرهما، وولد بشاطبة آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفّي بالقاهرة يوم الأحد الثامن والعشرين، وقيل: الثامن عشر، من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، بعد العصر، ودفن من الغد بالتربة الفاضلية بسفح المقطّم.
وحكي أن الأمير عز الدين موسك الذي كان والد ابن الحاجب حاجباً له بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه إلى الحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه:
قل للأمير مقالةً ... من ناصحٍ فطنٍ نبيه
إنّ الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه ومن نظمه، رحمه الله تعالى:
خالصت أبناء الزمان فلم أجد ... من لم أرم (2) منه ارتيادي مخلصي
ردّ الشباب وقد مضى لسبيله ... أهيا وأمكن من صديقٍ مخلص وكان، رحمه الله تعالى، قرأ بشاطبة القراءات، وأتقنها على النّفزي (3) ، ثم انتقل إلى بلنسية فقرأ بها التيسير من حفظه على ابن هذيل، وسمع الحديث منه ومن ابن النعمة وابن سعادة وابن عبد الرحيم وغيرهم، وارتحل إلى المشرق فاستوطن القاهرة، واشتهر اسمه وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي،
__________
(1) ق: أبو القاسم القاسم.
(2) ق: خالصت ... من لم أر.
(3) مفهوم كلام ابن عبد الملك أن قراءة الشاطبي على النفزي كانت أيضا ببلنسية.
(2/23)

وكان إماماً علاّمة ذكيّاً كثير الفنون منقطع القرين رأساً في القراءات، حافظاً للحديث بصيراً بالعربية واسع العلم، وقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني و " عقيلة أتراب الفضائل " (1) اللتين في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذّاق القراء، ولقد أوجز وسهّل الصعب.
وممّن روى عنه أبو الحسن ابن خيرة، ووصفه من قوّة الحفظ بأمر معجب، وممّن قرأ عليه بالروايات الإمام الشهير محمد بن عمر القرطبي. وتصدّر الشاطبي، رحمه الله تعالى، للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والانقطاع. وقبره بالقرافة يزار، وترجى استجابة الدعاء عنده، وقد زرته مراراً، ودعوت الله بما أرجو قبوله. وترك أولاداً: منهم أبو عبد الله محمد، عاس نحو ثمانين سنة.
وقال السبكي في حق الإمام الشاطبي: إنّه كان قويّ الحافظة، واسع المحفوظ، كثير الفنون فقيهاً مقرئاً محدّثاً نحويّاً زاهداً عابداً ناسكاً يتوقد ذكاء؛ قال السخاوي (2) : أقطع أنّه كان مكاشفاً، وأنّه سأل الله كتمان حاله، ما كان أحد يعلم أي شيء هو، انتهى.
وترجمته واسعة، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
وقال ابن خلّكان: ولقد أبدع كل الإبداع (3) في حرز الأماني وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في نقلهم، فقلّ من يشتغل بالقراءات إلاّ ويقدّم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات لطيفة، وما أظنّه سبق إلى أسلوبها. وقد روي عنه أنّه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلاّ وينفعه
__________
(1) سماها ابن عبد الملك: " عقيلة القصائد في أسنى المقاصد ".
(2) هو تلميذه علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمداني السخاوي.
(3) هذا نص ابن خلكان، وفي ق ط ج: إنه أبدع في حرز ... إلخ.
(2/24)

الله، عزّ وجلّ، لأني نظمتها لله تعالى مخلصاً. وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيراً، وبحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومبرزاً فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطّإ يصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفاً بتعبير (1) الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل، وكان يجتنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر اأأوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للقراءة إلاّ على طهارة في هيئة حسنة وتخشّع واستكانة، وكان يعتلّ العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك. وكان كثيراً ما ينشد هذا اللغز في النعش، وهو لأبي زكريا يحيى بن سلامة الخطيب:
أتعرف شيئاً في السّماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوباً وتلقاه راكباً ... وكلّ أميرٍ يعتليه أسير
يحضّ على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبةٍ في زيارةٍ ... ولكن على رغم المزور يزور وكان يقال عند دخوله إلى مصر: إنّه يحفظ وقر بعير من العلوم، وكان نزيل القاضي الفاضل، ورتّبه بمدرسته بالقاهرة، وقيل: إن كنيته أبو محمد (2) حسبما وجد في بعض إجازاته، رحمه الله تعالى.
8 - ومن الراحيلن إلى المشرق من الأندلس الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي (3) .
__________
(1) ط ج ودوزي: بتفسير.
(2) أكثر المصادر على أن اسمه " القاسم " وأن له كنيتين: أبو القاسم وأبو محمد، إلا أن أبا بكر ابن مسدي سماه في معجم مشيخته " خلفا ".
(3) أبو بكر ابن العربي: ترجمته في ابن خلكان 3: 423 والصلة 558 والمرقبة العليا: 105 والديباج المذهب: 281 وتذكرة الحفاظ: 1294 وشذرات الذهب 4: 141 (وفيات: 546) والمطمح: 62 وأزهار الرياض 3: 62، 86 - 95 وبغية الملتمس رقم: 179 والمغرب 1: 249.
(2/25)

قال ابن سعيد: هو الإمام العالم القاضي الشهير فخر المغرب (1) ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري، قاضي قضاة كورة إشبيلية، ذكره الحجاري في المسهب، طبّق الآفاق بفوائده، وملأ الشام والعراق بأوابده، وهو إمام في الأصول والفروع وغير ذلك (2) . ومن شعره وقد ركب مع أحد أمراء الملثّمين، وكان ذلك الأمير صغيراً، فهز عليه رميحاً كان في يده مداعباً، فقال (3) :
يهزّ عليّ الرّمح ظبيٌ مهفهفٌ ... لعوبٌ بألباب البريّة عابث
فلو أنّه رمحٌ إذن لاتّقيته (4) ... ولكنّه رمح وثانٍ وثالث وقوله وقد دخل عليه غلام جميل الصورة في لباس خشن:
لبس الصوف لكي أنكره ... وأتانا شاجياً (5) قد عبسا
قلت إيهٍ قد عرفناك وذا ... جلّ سوء لا يعيب الفرسا
كلّ شيء أنت فيه حسنٌ ... لا يبالي حسنٌ ما لبسا وزعم بعض أن الأبيات ليست له، وإنّما تمثل بها، فالله تعالى أعلم.
وممن عرّف بابن العربي وذكره ابن الإمام في " سمط الجمان "،
__________
(1) ق: العرب؛ وهو صواب أيضا لأن ابن العربي " معافري ".
(2) وغير ذلك: سقطت من ط.
(3) في هذه القطعة والثنتين التاليتين يتابع المقري ابن سعيد في المغرب 1: 250.
(4)
هو تحوير للبيت: فلو كان مهما واحدا لاتقيته ... ............ البيت (5) ط ج: شاحبا.
(2/26)

والشّقندي في " الطرف "، وكان قد صحب المهدي محمد بن تومرت بالمشرق (1) ، فأوصى عليه عبد المؤمن وكان مكرماً عنده، وحكي أنّه كتب كتاباً فأشار عليه أحد من حضر أن يذرّ عليه نشارة، فقال: قف، ثم فكرّ ساعة، وقال: اكتب (2) :
لا تشنه بما تذرّ عليه ... فكفاه هبوب هذا الهواء
فكأنّ الذي تذرّ عليه ... جدريٌّ بوجنةٍ حسناء ولقي أبا بكر الطّرطوشي. وما برح معظماً إلى أن تولى خطّة القضاء، ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهةٍ منه، ولم يكن فيها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى، فأحضروها كارهين، ثم اجتمعت العامة العمياء، وثارت عليه ونهبوا داره، وخرج إلى قرطبة.
وكان في أحد أيام الجمع قاعداً ينتظر الصلاة، فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتّق، فقال:
وشمعةٍ تحملها شمعةٌ ... يكاد يخفي نورها نارها
لولا نهى نفسٍ نهت غيّها ... لقبّلته وأتت عارها ولما سمعهما أبو عمران الزاهد قال: إنّه لم يكن يفعل، ولكنّه هزته أريحية الأدب ولو كنت أنا لقلت:
لولا الحياء وخوف الله يمنعني ... وأن يقال صبا موسى على كبره
إذاً لمتّعت لحظي في نواظره ... حتى أوفّي جفوني الحقّ من نظره
__________
(1) في هذا القول نظر، وقد سئل ابن العربي بعد عودته إلى المغرب هل لقي الإمام المهدي بن تومرت، وكان ذلك في مجلس عبد المؤمن، فقال: لم ألقه وإنما سمعت به (الحلل الموشية: 122 - 123) .
(2) انظر المغرب 1: 250.
(2/27)

رجع إلى أخبار ابن العربي - فنقول: إنّه سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد الله السّرقسطي، وببجاية أبا عبد الله الكلاعي، وبالمهديّة أبا الحسن ابن الحداد الخولاني، وسمع بالإسكندرية من الأنماطي، وبمصر من أبي الحسن الخلعي وغيره، وبدمشق غير واحد كأبي الفتح نصر المقدسي، وبمكّة أبا عبد الله الحسين الطبري وابن طلحة وابن بندار، وقرأ الأدب على التبريزي وعمل، رحمه الله تعالى، على مدينة إشبيلية سوراً بالحجارة والآجر بالنورة من ماله. وكان - كما في الصلة -[مقدماً في المعارف كلها] حريصاً على أدائها ونشرها (1) ، ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها، ويجمع إلى ذلك كلّه آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة ولين الكنف، وكثرة الاحتمال وكرم النفس، وحسن العهد وثبات الود.
وذكره ابن بشكوال في الصلة وقال فيه: الإمام الحافظ، ختام علماء الأندلس، رحل إلى المشرق مع أبيه مستهلّ ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودخل الشام والعراق وبغداد، وسمع بها من كبار العلماء، ثم حج في سنة تسع وثمانين، وعاد إلى بغداد، ثم صدر منها (2) .
وقال ابن عساكر: خرج من دمشق راجعاً إلى مقره سنة 491، ولما غرّب صنّف " عارضة الأحوذي " ولقي بمصر والإسكندرية جملة من العلماء، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إشبيلية بعلم كثير، وكان موصوفاً بالفضل والكمال، وولي القضاء بإشبيلية، ثم صرف عنه، ومولده ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفّي بمغيلة بمقربة (3) من مدينة فاس، ودفن بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين
__________
(1) في أصول النفح: آدابها وسيرها، والتصحيح عن الصلة وابن خلكان، والضمير راجع إلى " المعارف "، واضطرب النقل على المقري.
(2) النقل عن الصلة باختصار شديد.
(3) ق: بمقيلة بقرية.
(2/28)

وخمسمائة؛ انتهى كلام ابن سعيد وغيره ملخّصاً.
وما وفى ابن سعيد حافظ الإسلام أبا بكر ابن العربي حقّه، فلنعززه بما حضرنا من التعريف به، فنقول: إنّه لقي ببغداد الشاشي أبا بكر والإمام أبا حامد الطوسي الغزالي، ونقل عنه أنّه قال: كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به من العلم إلاّ الباجي، أو كلاماً هذا معناه، وكان من أهل التفنن في العلوم، متقدماً في المعارف كلّها، متكلّماً على أنواعها، حريصاً على نشرها، وقام بأمر القضاء أحمد قيام، مع الصرامة في الحق، والقوّة والشدة على الظالمين والرفق بالمساكين، وقد روي عنه أنّه أمر بثقب أشداق زامرْ، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثّه، وقرأ عليه الحافظ ابن بشكوال بإشبيلية.
وقال ابن الأبّار (1) : إن الإمام الزاهد العابد أبا عبد الله ابن مجاهد الإشبيلي لازم القاضي ابن العربي نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلّف عنه، فقيل له في ذلك، فقال: كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان، انتهى.
وذكره ابن الزبير في صلته (2) ، وقال: إنّه رحل مع أبيه أبي محمد عند انقراض الدولة العبّادية، وسنّه نحو سبعة عشر عاماً، إلى أن قال: وقيد الحديث، وضبط ما روى، واتسع في الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن، ومات أبوه - رحمه الله تعالى - بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين فانصرف حينئذ إلى إشبيلية، فسكنها، وشوور فيها وسمع، ودرّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، وصنف في غير فن تصانيف مليحة حسنة مفيدة، وولي القضاء مدّة أوّلها في رجب من سنة ثمان وعشرين، فنفع الله تعالى به لصرامته ونفوذ أحكامه، والتزم (3) الأمر بالمعروف والنهي عن
__________
(1) انظر أيضا المرقبة العليا: 106 وأزهار الرياض: 63.
(2) المصدران السابقان أيضا.
(3) ط: والتزام.
(2/29)

المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فأحسن الصبر على ذلك كله، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثّه، وكان فصيحاً حافظاً أديباً شاعراً كثير الملح مليح المجلس.
ثم قال: قال القاضي عياض - بعد أن وصفه بما ذكرته -: ولكثر حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته أكثر الناس فيه الكلام، وطعنوا في حديثه، وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجّه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول الموحّدين مدينة إشبيلية، فحبسوا بمراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته، وروى عنه خلق كثير، منهم القاضي عياض وأبو جعفر ابن الباذش وجماعة، انتهى ملخصاً.
ووقع في عبارة ابن الزبير تبعاً لجماعة أنّه دفن خارج باب الجيسة بفاس، والصواب خارج باب المحروق، كما أشبعت الكلام على ذلك، في أزهار الرياض (1) ، وقد زرته مراراً، وقبره هنالك مقصود للزيارة خارج القصبة، وقد صرح بذلك بعض المتقدمين الذين حضروا وفاته، وقال: إنّه دفن بتربة القائد مظفر خارج القصبة، وصلى عليه صاحبة أبو الحكم ابن حجاج، رحمه الله تعالى.
ومن بديع نظمه (2) :
أتتني تؤنّبني بالبكا ... فأهلاً بها وبتأنيبها
تقول وفي نفسها حسرةٌ: ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت جفوني بتعذيبها وقال، رحمه الله تعالى: دخل عليّ الأديب ابن صارة وبين يديّ نار علاها رماد، فقلت له: قل في هذه، فقال:
__________
(1) أزهار الرياض 3: 65، 87 - 88.
(2) أزهار الرياض 3: 88.
(2/30)

شابت نواصي النار بعد سوادها ... وتستّرت عنّا بثوب رماد ثم قال لي: أجز، فقلت:
شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنّما كنّا على ميعاد وقد اختلف حذّاق الأدباء في قوله: " ولكنه رمح وثان وثالث " ما هو الثاني والثالث فقيل القدّ واللحظ، وقيل غير ذلك.
ولما ذكر، رحمه الله تعالى، في كتابه قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال (1) : وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله، ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم، ونحن من السّغب، على عطب، ومن العري، في أقبح زي، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها (2) ، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها أزراً، واشتملناها لفافاً (3) ، تمجّنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا، وكسانا بأمر حقير ضعيف، وفنّ من العلم طريف، وشرحه أنّا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه (4) ، فعل السامد اللاه، فدنوت منه في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم، أنظر ولما ذكر، رحمه الله تعالى، في كتابه قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال: وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله، ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم، ونحن من السّغب، على عطب، ومن العري، في أقبح زي، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها أزراً، واشتملناها لفافاً، تمجّنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا، وكسانا بأمر حقير ضعيف، وفنّ من العلم طريف، وشرحه أنّا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه، فعل السامد اللاه، فدنوت منه في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة، مع غلبة الصّبوة والجهالة، فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من
__________
(1) النص في أزهار الرياض 3: 89 - 91.
(2) المنيئة: الجلد أول عهده بالدباغ، وفي ق ط ج ودوزي: هيئتها؛ وأظنه أصوب.
(3) الأزهار: لفعا.
(4) يريد أنه يلعب الشطرنج.
(2/31)

صاحبه، فمحوني شزرا، وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا، وتقدّم إلى الأمير من نقل إليه الكلام، فاستدناني فدنوت منه، وسألني: هل لي بما هم فيه بصر فقلت: لي فيه بعض نظر، سيبدو لك ويظهر، حرّك تلك القطعة، ففعل وعارضه صاحبه، فأمرته أن يحرّك أخرى، وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى، حتى هزمهم الأمير، وانقطع التدبير، فقالوا: ما أنت بصغير، وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشداً:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي فقال: لعن الله أبا الطيّب، أويشكّ الربّ فقلت له في الحال: ليس كما ظنّ صاحبك أيها الأمير، إنّما أراد بالرب ههنا الصاحب، يقول: ألذ الهوى ما كان المحبّ فيه من الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال، على ريب، فهو في وقته كلّه على رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به، كما قال:
إذا لم يكن في الحبّ سخطٌ ولا رضاً ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي الإبرام والانتقاض، ما حرّك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض، وأقبلا يتعجبون مني ويسألونني كم سني، ويستكشفونني عني، فبقرت لهم حديثي، وذكرت لهم نجيثي، وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه، وقمنا الثلاثة إلى مثواه، فخلع علينا خلعه، وأسبل علينا أدمعه، وجاء كل خوان، بأفنان الألوان.
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه: فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصّبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذا من العطب وهذا الذكر يرشدكم إن عقلتم إلى المطلب. وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصراً.
والزول: العجب، ونجيث الخبر: ما ظهر من قبيحه، يقال: بدا نجيث
(2/32)

القوم، إذا ظهر سرهم الذي كان يحقّونه، قالهما الجوهري.
وذكر، رحمه الله تعالى، في رحلته عجائب، منها: أنّه حكى دخوله بدمشق بيوت بعض الأكابر أنّه رأى فيه النهر جائياً إلى موضع جلوسهم، ثم يعود من ناحية أخرى، فلم أفهم معنى ذلك حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل إلينا، فأخذها الخدم ووضعوها بين يدينا، فلما فرغنا ألقى الخدم الأواني وما معها في النهر الراجع، فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم تلك الناحية، فعلمت السر، وإن هذا لعجيب، انتهى معناه.
وقال في " قانون التأويل " (1) : ورد علينا دانشمند (2) - يعني الغزالي - فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالّتنا التي كنّا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه عليّ بن العباس (3) لما قال:
إذا ما مدحت امرأ غائباً ... فلا تغل في مدحه واقصد
فإنّك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظّمته ... لفضل المغيب على المشهد وكنت نقلت من المطمح في حقّه ما صورته (4) : علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب (5) ، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع
__________
(1) أزهار الرياض: 91.
(2) دانشمند: الحكيم العلامة.
(3) أي ابن الرومي.
(4) انظر المطمح: 62 ونقل المقري هذا النص في أزهار الرياض: 92.
(5) ط ق: الباهر الأبواب.
(2/33)

من الأصل، وغدا في يد (1) الإسلام أمضى من النّصل، سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها منه الظلّ الوارف، وكساه رونق نبله، وسقاها ريّق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدراً في فلكها، وصدراً في مجلس ملكها، واصطفاه معتمد بني عبّاد، اصطفاء المأمون لابن أبي داود، وولاه الولايات الشريفة، وبوّأه المراتب المنيفة، فلمّا أقفرت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلّت، رحل به إلى المشرق، وحلّ فيه محلّ الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يستردّ ذاهباً، ولم يجد كمعتمده باذلاً له وواهباً، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من آمال تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيبٌ ما دوّح، وفي روض الشباب زهر ما صوّح، فألزمه مجالس العلم رائحاً وغادياً، ولازمه سائقاً إليها وحادياً، حتى استقرت به مجالسه، واطّردت له مقايسه، فجدّ في طلبه، واستجد به أبوه متمزق أربه، ثم أدركه حمامه، ووارته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفرداً، وللطلب متجرداً، حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه رياسته محيداً، فكرّ إلى الأندلس فحلّها والنفوس إليه متطلّعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلّدها، ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلّدها، وقد أثبتّ من بديع نظمه ما يهز أعطافاً، وترده الأفهام نطافاً، فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب فيها أهل الوداد:
أمنك سرى واللّيل يخدع بالفجر ... خيال حبيبٍ قد حوى قصب الفخر
جلا ظلم الظّلماء مشرق نوره ... ولم يخبط الظّلماء بالأنجم الزّهر
__________
(1) يد: سقطت من ق ط ج، ووردت في المطمح.
(2/34)


ولم يرض بالأرض البسيطة مسحباً ... فسار على الجوزا إلى فلك يجري
وحثّ مطايا قد مطاها بعزّةٍ ... فأوطأها قسراً على قنّة النّسر
فصارت ثقالاً بالجلالة فوقها ... وسارت عجالاً تتّقي ألم الزجر
وجرت على ذيل الجرة ذيلها ... فمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
ومرّت على الجوزاء توضع فوقها ... فآثر ما مرّت به كلف البدر
وساقت (1) أريج الخلد من جنّة العلا ... فدع عنك رملاً بالأنيعم يستذري
فما حذرت قيساً ولا خيل عامرٍ ... ولا أضمرت خوفاً لقاء بني ضمر
سقى الله مصراً والعراق وأهلها ... وبغداد والشامين منهمل القطر انتهى.
ومن تآليف الحافظ (2) أبي بكر ابن العربي المذكور كتاب " القبس في شرح موطّإ مالك بن أنس " وكتاب " ترتيب المسالك، في شرح موطّإ مالك " وكتاب " أنوار الفجر " وكتاب " أحكام القرآن " وكتاب " عارضة الأحوذيّ في شرح الترمذيّ " - والأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وآخره ياء مشدّدة - وكتاب " مراقي الزّلف " وكتاب " الخلافيات " وكتاب " نواهي الدواهي " وكتاب " سراج المريدين " وكتاب " المشكلين: مشكل القرآن والسنّة " وكتاب " الناسخ والمنسوخ في القرآن " وكتاب " قانون التأويل " وكتاب " النيرين في الصحيحين " وكتاب " سراج المهتدين " وكتاب " الأمد الأقصى، بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا " وكتاب " في الكلام على مشكل حديث السّبحات والحجاب "، وكتاب " العقد الأكبر للقلب الأصغر " و " تبيين الصحيح في تعيين الذبيح " و " تفصيل التفضيل بين
__________
(1) لعل الأصوب: وسافت.
(2) عد المقري مؤلفات ابن العربي أيضا في أزهار الرياض 3: 94 - 95 وسقط بعض ما ذكره في النفح.
(2/35)

التحميد والتهليل " ورسالة " الكافي في أن لا دليل على النافي " وكتاب " السباعيات " وكتاب " المسلسلات " وكتاب " المتوسط في معرفة صحّة الاعتقاد والرد على من خالف أهل السنّة من ذوي البدع والإلحاد " وكتاب " شرح غريب الرسالة " وكتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف " عشرون مجلداً، وكتاب " حديث الإفك " وكتاب " شرح حديث جابر في الشفاعة " وكتاب " شرح حديث أم زرع " وكتاب " ستر العورة " وكتاب " المحصول في علم الأصول " وكتاب " أعيان الأعيان " وكتاب " ملجاة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين " وكتاب " ترتيب الرحلة " وفيه من الفوائد ما لا يوصف.
ومن فوائد القاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله تعالى قوله (1) : قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلاّ كان على وجهه نضرة، لقول النبي، صلّى الله عليه وسلّم: " نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها - الحديث " قال: وهذا دعاء منه عليه الصلاة والسلام لحملة علمه، ولابدّ بفضل الله تعالى من نيل بركته، انتهى.
وإلى هذه النّضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله:
أهل الحديث عصابة الحقّ ... فازوا بدعوة سيّد الخلق
فوجوههم زهرٌ منضّرةٌ ... لألاؤها كتألّق البرق
يا ليتني معهم فيدركني ... ما أدركوه بها من السّبق انتهى.
ولا بأس أن نذكر هنا بعض فوائد الحافظ أبي بكر ابن العربي، رحمه الله تعالى:
فمنها قوله في تصريف المحصنات: يقال: أحصن الرجل فهو محصن - بفتح العين في اسم الفاعل - وأسهب في الكلام فهو مسهب، إذا أطال
__________
(1) أزهار الرياض: 95.
(2/36)

البحث فيه، وألفج فهو ملفج، إذا كان عديماً، لا رابع لها، والله تعالى أعلم، انتهى.
ومنها قوله: سمعت الشيخ فخر الإسلام أبا بكر الشاشي وهو ينتصر لمذهب أبي حنيفة في مجلس النظر يقول: يقال في اللغة العربية لا تقرب كذا - بفتح الراء - أي لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن من الموضع، وهذا الذي قاله صحيح مسموع، انتهى.
ومنها قوله: شاهدت المائدة بطورزيتا مراراً، وأكلت عليها ليلاً ونهاراً، وذكرت الله سبحانه وتعالى فيها سرّاً وجهاراً، وكان ارتفاعها أشفّ من القامة بنحو الشبر، وكان لها درجتان قبليّاً وجنوبيّاً، وكانت صخرة صلوداً (1) لا تؤثر فيها المعاول وكان الناس يقولون مسخت صخرة إذ مسخ أربابها قردة وخنازير، والذي عندي أنّها كانت صخرة في الأصل قطعت من الأرض محلاًّ للمائدة النازلة من السماء، وكل ما حولها حجارة مثلها، وكان ما حولها محفوفاً بقصور، وقد نحتت في ذلك الحجر الصلد بيوت أبوابها منها ومجالسها منها، مقطوعة فيها، وحناياها في جوانبها، وبيوت خدمتها قد صوّرت من الحجر كما تصوّر من الطين والخشب، فإذا دخلت في قصر من قصورها ورددت الباب وجعلت من ورائه صخرة مقدار ثمن درهم لم يفتحه أهل الأرض للصوقه بالأرض، وإذا هبّت الريح وحثت تحته التراب لم يفتح إلا بعد صب الماء تحته والإكثار منه حتى يسيل بالتراب، وينفرج منفرج الباب، وقد بار بها قومٌ بهذه العلة، وقد كنت أخلو فيها كثيراً للدرس، ولكنّي كنت في كل حين أكنس حول الباب، مخافة ممّا جرى لغيري فيها، وقد شرحت أمرها في كتاب " ترتيب الرحلة " بأكثر من هذا، انتهى.
ومنها قوله، رحمه الله تعالى: تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر
__________
(1) ق ط ج: صلدا.
(2/37)

الفهري الطرطوشي في حديث أبي ثعلبة المرفوع: إن من ورائكم أيّاماً للعامل فيها أجر خمسين منكم فقالوا: بل منهم، فقال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعواناً (1) ، وهم لا يجدون عليه أعواناً، وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمّة أضعاف أجر الصحابة مع أنّهم قد أسّسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضة، ومهّدوا الملّة، وقد قال، صلّى الله عليه وسلّم، في الصحيح: " لو أنفق أحدكم كلّ يوم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه "، فتراجعنا القول، وتحصّل ما أوضحناه في شرح الصحيح، وخلاصته: أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد، ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بابٌ عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضاً انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإسلام، وصعب المرام، لغلبة الكفّار على الحق، وفي آخر الزمان أيضاً يعود كذلك، لوعد الصادق، صلّى الله عليه وسلّم، بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال، صلّى الله عليه وسلّم: " لتركبنّ سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ خربٍ لدخلتموه " (2) وقال، صلّى الله عليه وسلّم: " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " (3) فلا بد، والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق، أن يرجع الإسلام إلى واحد، كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام من قائم مع احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف
__________
(1) الحديث في مجمع الزوائد 7: 282.
(2) رواه الحاكم في المستدرك (الراموز: 346) .
(3) انظر مجمع الزوائد 7: 277 - 279.
(2/38)

ما كان لمن ان متمكّناً منه معاناً عليه بكثرة الدّعاة إلى الله تعالى، وذلك قوله: " لأنّكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً " حتى ينقطع ذلك انقطاعاً باتّاً لضعف اليقين وقلّة الدين، كما قال، صلّى الله عليه وسلّم: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " (1) يروى برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله، عزّ وجلّ، وحينئذ يتمنّى العاقل الموت، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه " (2) انتهى.
وأنشد رحمه الله تعالى لبعض الصوفية:
امتحن الله بذا خلقه ... فالنار والجنّة في قبضته
فهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنّته ومن فوائد ابن العربي رحمه الله تعالى أنّه قال: كنت بمجلس الوزير العادل أبي منصور ابن جهير على ربة بيّنّاها في كتاب الرحلة للترغيب في الملّة فقرأ القارئ " تحيّتهم يوم يلقونه سلام " وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء علي بن عقيل (3) إمام الحنبلية بمدينة السلام، وكان معتزلي الأصول، فلمّا سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على
__________
(1) مجمع الزوائد 8: 12.
(2) صحيح مسلم 2: 378 ومجمع الزوائد 7: 282.
(3) علي بن عقيل بن أحمد البغدادي الأصولي الواعظ المتكلم (431 - 513) درس على أعلام عصره، وأخذ الكلام على بعض المعتزلة ولذلك نقم عليه الحنابلة وطلبوا أذاه فاختفى والتجأ إلى دار السلطان، وسمع من الغزالي والجوني وغيرهما من الأعلام؛ قال السلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء ابن عقيل، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه وحسن إيراده وبلاغة كلامه وقوة حجته؛ ولع في الفقه والأصول استباطات جيدة، وخلف عددا كبيرا من المؤلفات (انظر ذيل ابن رجب 1: 142 - 163) .
(2/39)

يساري: هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة: فإن العرب لا تقول لقيت فلاناً إلاّ إذا رأته، فصرف وجهه أبو الوفاء مسرعاً إلينا، وقال يتنصر لمذهب الاعتزال في أن الله تعالى لا يرى في الآخرة: فقد قال الله تعالى " فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه " وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة، وقد شرحنا وجه الآية في المشكلين، وتقدير الآية: فأعقبهم هو نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، فيحتمل ضمير يلقونه أن يعود إلى ضمير الفاعل في أعقبهم المقدر بقولنا هو، ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازاً على تقدير الجزاء، انتهى.
ومنها ما نقله عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما لا يقل أحدكم انصرفنا من الصلاة فإن قوماً قيل فيهم " ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم " وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ، أخبرنا أبو الفضل الجوهري سماعاً منه: كنّا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله تعالى، فقال: لا يقل أحدكم انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم " ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم " ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله، فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم " فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء " انتهى.
ومنها، وقد ذكر الخلاف في شاهد يوسف، ما صورته: فإذا قلنا إنّه القميص، فكان يصح من جهة اللغة أن يخبر عن حاله بتقدم مقاله، فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال في بعض الأمور، وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات بما تخبر عنه بما عليها من الصفات، ومن أحلاه قول بعضهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّني قال: سل من يدقّني، ما يتركني ورائي (1) ، هذا الذي ورائي، لكن قوله تعالى بعد ذلك " من أهلها " في
__________
(1) ورائي: بمعنى ورأيي.
(2/40)

صفة الشاهد يبطل أن يكون القميص، وأمّا من قال إنّه ابن عمها أو رجل من أصحاب العزيز فإنّه يحتمل، لكن قوله " من أهلها " يعطي اختصاصها من جهة القرابة؛ انتهى.
ومنها قوله: إنّه كان بمدينة السلام إمام من الصوفية وأي إمام، يعرف بابن عطاء، فتكلّم يوماً على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته ممّا ينسب (1) إليه من مكروه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ، يا سيدنا، فإذن يوسف همّ وما تمّ، فقال: نعم، لأن العناية من ثمّ، فانظروا إلى حلاوة العالم والمتعلم وفطنة العامي في سؤاله، والعالم في اختصاره واستيفائه، ولذا قال علماؤنا الصوفية: إن فائدة قوله تعالى " ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً " أن الله تعالى أعطاه العلم والحكمة أيّام غلبة الشهوة لتكون له سبباً للعصمة؛ انتهى.
ومنها قوله: كنت بمكّة مقيماً في ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكنت أشرب ماء زمزم كثيراً، وكلّما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله تعالى لي ببركته في المقدار الذي يسّره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله تعالى لي فيهما، ولم يقدّر فكان صغوي (2) للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته.
ومنها قوله: سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول: إنّما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحريّة لأنّه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له، ولا مالية فيه، ولا منفعة مبثوثة عليه، وإنّما اكتسب ما اكتسب بها ومنها، فلذلك تبعها، كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنّها ملك صاحب
__________
(1) ط: نسب.
(2) في ط ق ودوزي: صفوي؛ ج: صغري.
(2/41)

الأرض دون الآكل بإجماع من الأمّة، لأنّها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها، وهذه من البدائع، انتهى.
ومنها قوله: ومن نوادر أبي الفضل الجوهري ما أخبرنا عنه محمد بن عبد الملك الواعظ وغيره أنّه كان يقول: إذا أمسكت علاقة الميزان بالإبهام والسبّابة، وارتفعت سائر الأصابع كان شكلها مقرّراً بقولك الله، فكأنّها إشارة منه سبحانه في تيسير الوزن كذلك إلى أن الله سبحانه مطّلع عليك، فاعدل في وزنك، انتهى.
ومنها قوله: كان ابن الكازروني يأوي إلى المسجد الأقصى، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات، ولقد كان يقرأ في مهد عيسى، عليه السلام، فيسمع من الطور، فلا يقدر أحد أن يصنع شيئاً دون قراءته، إلاّ الإصغاء إليه، انتهى.
ومنها قوله في تفسير قوله تعالى " في أيّامٍ نحساتٍ " قيل: إنّها كانت آخر شوال، من الأربعاء إلى الأربعاء، والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية، حتى إنّي لقيت يوماً مع خالي الحسن بن أبي حفص رجلاً من الكتّاب، فودعنا بنيّة السفر، فلمّا فارقنا قال لي خالي: إنّك لا تراه أبداً لأنّه سافر في يوم أربعاء لا تكرر وكذلك كان مات في سفره وهذا مالا أراه لأن يوم الأربعاء يوم عجيب، بما جاء في الحديث من الخلق فيه والترتيب، فإن الحديث ثابت بأن الله تعالى خلق يوم السبت التربة، ويوم الأحد الجبال، ويوم الاثنين الشجر، ويوم الثلاثاء المكروه، ويوم الأربعاء النور، وروي النون، وفي غريب الحديث أنّه خلق يوم الأربعاء التّقن، وهو كل شيء تتقن به الأشياء، يعني المعادن من الذهب والفضّة والنحاس والحديد والرصاص، فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا يعافه الناس، واليوم الذي خلق فيه النور أو التّقن يعافونه، إن هذا لهو الجهل المبين. وفي المغازي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظّهر والعصر، فاستجيب له، وهي ساعة فاضلة، فالآثار الصّحاح تدل على
(2/42)

فضل هذا اليوم، فكيف يدّعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها، وقد صوّر قوم أيّاماً من الأشهر الشمسية ادّعوا فيها الكراهية لا يحل لمسلم أن ينظر إليها ولا يشغل بالاً بها والله حسبهم، انتهى.
ومنها: وكان يقرأ معنا برباط أبي سعيد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله، انتهى.
ومن شعر ابن العربي ممّا نسبه له الشيخ أبو حيان قوله (1) :
ليت شعري هل دروا ... أيّ قلبٍ ملكوا
وفؤادي لو درى ... أيّ شعبٍ سلكوا
أتراهم سلموا ... أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا ومن فوائده: أخبرني المهرة من السحرة بأرض بابل أنّه من كتب آخر آية من كل سورة ويعلّقها لم يبلغ إليه سحرنا، قال: هكذا قالوا، والله تعالى أعلم بما نقلوه.
وقال رحمه الله تعالى: حذقت القرآن ابن تسع سنين ثم ثلاثاً لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ست عشرة وقد قرأت من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار، وإدغام ونحوه، وتمرنت في العربية والشعر واللّغة، ثم رحل بي أبي إلى المشرق، ثم ذكر تمام رحلته، رحمه الله تعالى.
9 - ومنهم أبو بكر محمد بن أبي عامر ابن حجّاج، الغافقي، الإشبيلي، ومن ونظمه بالمدينة المشرّفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام:
__________
(1) في هامش إحدى النسخ: والصواب أن الأبيات للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، رضي الله عنه، وهي في ابتداء ترجمان الأشواق له. قلت: انظر ص: 11 من الديوان المذكور.
(2/43)

لم يبق لي سؤلٌ ولا مطلب ... مذ صرت جاراً لحبيب الحبيب
لا أبتغي شيئاً سوى قربه ... وها أنا منه قريبٌ قريب
من غاب عن حضرة محبوبه ... فلست عن طيبة ممن يغيب
لا تسأل المغبوط عن حاله ... جارٌ كريمٌ ومحلٌّ خصيب
العيش والموت هنا طيّبٌ ... بطيبةٍ لي كلّ شيء بطيب وممّن روى عنه هذه الأبيات الأشرف بن الفاضل.
10 - منهم الشيخ الأديب الفاضل البارع جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الفقيه الخطيب أبي الحسن محمد بن أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن علي ابن ذي النون (1) ، الأنصاري، المالقي
من أشياخ أبي حيّان، لقيه ببلبيس من ديار مصر، قال: وأنشدني لشيخه أبي عبد الله (2) الاستجي من قصيدة:
ما للنّسيم سرى (3) الأصيل عليلا ... أتراه يشكو لوعةً وغليلا
جرّ الذّيول على ديار أحبّتي ... فأتى يجرّ من السقام ذيولا وأنشد، رحمه الله تعالى، لرضوان المخزومي:
إن كنت يوسف حسناً ... وكنت عبد العزيز
فإن يوسف من قب ... ل كان عبد العزيز وأخذ ابن ذي النون المذكور عن أبي عبد الله ابن صالح، وقرأ للسبعة على أبي جعفر الفحام (4) وأبي وزيد القمارشي، وعلى أبي جعفر السّهيلي، وولد ابن
__________
(1) في ط: ابن ذنون؛ وحقها أن تكون ابن ذنون (كما في ط) ، وهو الاسم الأصلي الذي يكتب " ذي النون " تعريبا له.
(2) دوزي: عبد الله.
(3) ق: جرى.
(4) دوزي: العجام؛ ج: اللحام.
(2/44)

ذي النون سنة 617 بمالقة، ومن تواليفه نفح المسك الأذفر في مدح المنصور ابن المظفّر وأزهار الخميلة في الآثار الجميلة واستطلاع البشير ومحض اليقين وروض المتقين.
11 - ومنهم زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخميّ المعروف بشبطون (1) ، يكنى أبا عبد الله، كان فقيه الأندلس على مذهب مالك، وهو أول من أدخل مذهبه الأندلس، وكانوا قبله يتفقّهون على مذهب الأوزاعي، وأراده الأمير هشام على القضاء بقرطبة وعزم عليه، فهرب، فقال هشام: ليت الناس كلّهم كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا، وأرسل إلى زياد فأمّنه حتى رجع إلى داره.
ويحكى أنّه لما أراده للقضاء كلمه الوزراء في ذلك عن الأمير، وعرّفوه عزمه عليه، فقال لهم: أما إن أكرهتموني على القضاء فزوجتي فلانة طالق ثلاثاً، لئن أتاني مدّع في شيء ممّا في أيديكم لأخرجنّه عنكم ثم أجعلكم مدّعين فيه؛ فلمّا سمعوا منه ذلك علموا صدقه، فتكلّموا عند الأمير في معافاته.
سمع من مالك الموطّأ، ويعرف سماعه بسماع زياد، وسمع من معاوية ابن صالح، وكانت ابنة معاوية تحته، وروى يحيى بن يحيى الليثي عن زياد هذا الموطّأ قبل أن يرحل إلى مالك، ثم رحل فأدرك مالكاً فرواه عنه إلاّ أبواباً في كتاب الاعتكاف، شك في سماعها من مالك، فأبقى روايته فيها عن زياد عن مالك.
وتوفّي سنة أربع ومائتين، وقيل: سنة 193، وقيل: في التي بعدها، وقيل: سنة 199، والأول أولى بالقبول، والله تعالى أعلم.
ورحل في ذلك العصر جماعة من أنظار شبطون، كفرغوس بن العباس
__________
(1) زياد بن عبد الرحمن اللخمي، سبطون: ترجمته في الخشني: 14 والمرقبة العليا: 12 وابن الفرضي 1: 182 والجذوة: 203 (وبغية الملتمس رقم: 752) .
(2/45)

وعيسى بن دينار وسعيد بن أبي هند وغيرهم ممّن رحل إلى الحج أيّام هشام ابن عبد الرحمن والد الحكم، فلمّا رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به صيته بالأندلس، فانتشر يومئذ رأيه وعلمه بالأندلس، وكان رائد الجماعة في ذلك شبطون.
وهو أول من أدخل موطّأ مالك إلى الأندلس مكملاً متقناً، فأخذه عنه يحيى بن يحيى كما مر، وهو إذ ذاك صدر في طلاب الفقه، فأشار عليه زياد بالرحيل إلى مالك ما دام حيّاً، فرحل سريعاً، وأخذ يحيى عن زياد هذا الكتب العشرة المنسوبة إلى يحيى.
ولقي أيضاً عبد الله بن وهب صاحب مالك، وسمع منه الموطّأ (1) ، ولقي أيضاً عبد الله بن نافع المدني صاحب مالك، وسمع منه ومن الليث بن سعد فقيه مصر، ومن سفيان بن عيينة بمكّة، وقدم يحيى الأندلس أيام الحكم، فانتشر به وبزياد وعيسى بن دينار علم مالك بالأندلس، رضي الله تعالى عن الجميع.
وقد قدمنا الحديث الذي رواه زياد بن عبد الرحمن عن مالك، فليراجع في الباب الثالث (2) .
12 - ومنهم سوار بن طارق (3) مولى عبد الرحمن بن معاوية، قرطبي، حج ودخل البصرة، ولقي الأصمعي ونظراءه، وانصرف إلى الأندلس وأدّب الحكم، ومن ولده محمد بن عبد الله بن سوار، حج أيضاً، ولقي أبا حاتم بالبصرة والرياشي وغيرهما، وأدخل الأندلس علماً كثيراً، رحم الله
__________
(1) ق: موطأه.
(2) انظر ما تقدم 1: 340 - 341.
(3) سوار بن طارق: ترجمته في طبقات الزبيدي 279؛ وترجمة ابنه عبد الله في طبقات الزبيدي 282 وكذلك حفيده محمد، وترجم ابن الفرضي 2: 26 لحفيده محمد هذا.
(2/46)

تعالى الجميع.
13 - ومنهم بقيّ بن مخلد (1) ، الشهير الذكر، صاحب التآليف التي لم يؤلّف مثلها في الإسلام، ولقي مائتين وأربعة وثمانين شيخاً، وكانت له خاصة من الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، وستأتي جملة ممّا يتعلّق ببقيّ بن مخلد في رسالة ابن حزم في الباب السابع؛ وبقيّ على وزن عليّ، رحمه الله تعالى ورضي عنه؛ وقد عرّف ببقيّ بن مخلد غير واحد من العلماء كصاحب " النبراس " (2) وغيره.
14 - ومنهم قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف أبو محمد، البيّاني (3) - وبيّانة من أعمال قرطبة - وأصل سلفه من موالي الوليد بن عبد الملك، وسمع المذكور بقرطبة من بقيّ بن مخلد ومحمد بن وضاح ومطرّف بن قيس وأصبغ ابن خليل وابن مسرة وغير واحد، ورحل إلى المشرق مع محمد بن عبد الملك ابن أيمن ومحمد بن زكريا بن عبد الأعلى (4) سنة أربع وسبعين ومائتين، فسمع بمكة من محمد بن إسماعيل الصائغ وعلي بن عبد العزيز، ودخل العراق، فلقي من أهل الكوفة إبراهيم بن أبي العنبس قاضيها وإبراهيم بن عبد الله القصار، وسمع ببغداد من القاضي إسماعيل (5) وأحمد بن زهير بن حرب وغيرهما كعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل والحارث بن أبي أسامة وكتب عن ابن أبي خيثمة
__________
(1) بقي بن مخلد: ترجمته في الجذوة: 167 (وبغية الملتمس: 584) والصلة: 118 وابن الفرضي 1: وتذكرة الحفاظ: 629.
(2) النبراس: من كتب ابن دحية الكلبي، ولا أدري أهو المقصود هنا أو غيره.
(3) قاسم بن أصبغ: ترجمته في الجذوة: 311 (وبغية الملتمس: 1298) وابن الفرضي 1: 406 وتذكرة الحفاظ: 853.
(4) ابن الفرضي: ابن أبي عبد الأعلى.
(5) ابن الفرضي: إسماعيل بن إسحاق قاضي القضاة.
(2/47)

تاريخه (1) ، وسمع من ابن قتيبة كثيراً من كتبه، وسمع من المبرّد وثعلب وابن الجهم في آخرين، وسمع بمصر من محمد بن عبد الله العمري ومطلب بن شعيب وغيرهما، وسمع بالقيروان من أحمد بن يزيد المعلم وبكر بن حماد التاهرتي الشاعر، وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، فمال الناس إليه في تاريخ أحمد ابن زهير وكتب ابن قتيبة، وأخذوا ذلك عنه دون صاحبيه ابن أيمن وابن عبد الأعلى، وكان بصيراً بالحديث والرجال، نبيلاً في النحو والعربية (2) والشعر، وكان يشاور في الأحكام، وصنّف على كتاب السنن لأبي داود كتاباً في الحديث، وسببه أنّه لمّا قدم العراق سنة ست وسبعين ومائتين مع صاحبه محمد ابن أيمن، فوجدا أبا داود قد مات قبل وصولهما بيسير، فلمّا فاتهما عمل كل واحد منهما مصنفاً في السنن على أبواب كتاب أبي داود، وخرّجا الحديث من روايتهما عن شيوخهما وهما مصنفان جليلان، ثم اختصر قاسم بن أصبغ كتابه وسماه المجتنى - بالنون - وابتدأ اختصاره في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وجعله باسم الحكم المستنصر، وفيه من الحديث المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثاً في سبعة أجزاء.
ومولده يوم الاثنين عاشر ذي الحجّة سنة سبع وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وحكى القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى " قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا " أن قاسم ابن أصبغ قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان، فأخذت عن بكر بن حماد حديث مسدد، فقرأت عليه يوماً فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلّم " أنّه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النمار " فقال: إنّما هو مجتابي الثمار، فقلت: إنّما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته
__________
(1) هو أحمد بن زهير نفسه، الذي ذكره قبل قليل.
(2) ط: والغريب.
(2/48)

على كل من لقيته بالأندلس والعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك [الشيخ] لشيخ كان في المسجد، فإن له بمثل هذا علماً، فقمنا إليه وسألناه عن ذلك، فقال: إنّما هو مجتابي النمار، كما قلت، وهو قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار: جمع نمرة، فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: رغم أنفي للحق، وانصرف، انتهى.
وهذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين، رحمهما الله تعالى ورضي عنهما، ونفعنا بهما.
15 - ومنهم قاسم بن ثابت أبو محمد العوفي السّرقسطي (1) ، رحل مع أبيه فسمع بمصر من أحمد بن شعيب النسائي وأحمد بن عمرو البزار، وبمكّة من عبد الله بن علي بن الجارود ومحمد بن علي الجوهري، واعتنى بجمع الحديث واللغة هو وأبوه، فأدخلا إلى الأندلس علماً كثيراً، يقال: إنّهما أوّل من أدخل كتاب العين إلى الأندلس، وألف قاسم في شرح الحديث كتاباً سمّاه الدلائل، بلغ في الغاية في الإتقان، ومات قبل إكماله، فأكمله أبوه ثابت بعده، وقد روي عن أبي علي البغدادي أنّه كان يقول: كتبت كتاب الدلائل، وما أعلم أنّه وضع بالأندلس مثله، وكان قاسم عالماً بالحديث واللغة (2) ، متقدماً في معرفة الحديث والنحو والشعر، وكان مع ذلك ورعاً ناسكاً، وأريد على القضاء بسرقسطة، فأبى ذلك، فأراد أبوه إكراهه عليه، فسأله أن يتركه ينظر في أمره ثلاثاً، ويستخير الله تعالى، فمات في هذه الثلاثة الأيام، فيروون أنّه دعا لنفسه بالموت، وكان مجاب
__________
(1) قاسم بن ثابت، ترجمته في الجذوزة: 312 (وبغية الملتمس: 1300) وابن الفرضي 1: 402 وطبقات الزبيدي: 309؛ ويتابع المقري ما جاء عند ابن الفرضي في هذه الترجمة.
(2) ط: والفقه.
(2/49)

الدعوة، توفّي سنة 302 بسرقسطة، رحمه الله تعالى.
16 - ومنهم علم الدين أبو محمد المرسيّ اللّورقي (1) ، وهو قاسم بن أحمد ابن موفق (2) بن جعفر، العلامة المقرئ الأصولي النحوي، ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقرأ بالروايات قبل الستمائة على أبي جعفر الحصار وأبي عبد الله المرادي وأبي عبد الله ابن نوح الغافقي، وقدم مصر فقرأ بها على أبي الجود غياث بن فارس، بدمشق على التاج زيد الكندي، وسمع ببغداد من أبي محمد ابن الأخضر، وأخذ العربية عن أبي البقاء، ولقي الجزولي بالمغرب، وسأله عن مسألة مشكلة في مقدمته، فأجابه، وبرع في العربية وفي علم الكلام والفلسفة، وكان يقرئ ذلك ويحققه، وأقرأ بدمشق ودرس، وشرح المفصل في النحو في أربع مجلدات فأجاد وأفاد، وشرح الجزولية والشاطبية، وكان مليح الشكل، حسن البزة، موطّأ الأكناف، قرأ عليه جماعة، وتوفّي سابع رجب سنة 661، وكان معمّراً مشتغلاً بأنواع العلوم، وسمّاه بعضهم أبا القاسم، والأوّل أصح.
17 - ومنهم قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيار (3) ، أبو محمد، من أهل قرطبة، وجدّه مولى الوليد بن عبد الملك (4) ، رحل فسمع بمصر من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمزني والبرقي والحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى وإبراهيم بن المنذر وغيرهم، ولزم ابن عبد الحكم للتفقّه، وتحقق به وبالمزني، وكان يذهب مذهب الحجة والنظر وترك التقليد، ويميل إلى مذهب
__________
(1) قاسم بن أحمد اللورقي: ترجمته في غاية النهاية 2: 15 وذيل الروضتين: 227.
(2) قال أبو شامة: بن (أبي) السداد، وكان هو لا يكتب ابن أبي السداد ويجعل مكانه الموفق وكان أبو السداد كنية الموفق.
(3) قاسم بن محمد بن قاسم بن سيار: ترجمته في الجذوة: 310 (وبغية الملتمس رقم: 1293) وابن الفرضي 1: 397 والمقري ينقل عن ابن الفرضي بشيء من التصرف يسير.
(4) الجذوة: مولى هشام بن عبد الملك.
(2/50)

الشافعي، ولما قال له ابنه محمد بن القاسم: يا أبت أوصني، قال: أوصيك بكتاب الله، فلا تنس حظك منه، واقرأ منه كلّ يوم جزءاً، واجعل ذلك عليك واجباً، وإن أأردت أن تأخذ من هذا الأمر بحظ، يعني الفقه، فعليك برأي الشافعي، فإنّي رأيته أقل خطأ. قال أبو الوليد ابن الفرضي: ولم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر والبصر بالحجة. وقال أحمد بن خالد ومحمد بن عمر بن لبابة: ما رأينا أفقه من قاسم بن محمد ممن دخل الأندلس من أهل الرحلة. وقال أسلم بن عبد العزيز: سمعت عن ابن عبد الحكم أنّه قال: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد، ولقد عاتبته في حين انصرافه إلى الأندلس، وقلت له: أقم عندنا فإنّك تقتعد ههنا رياسة ويحتاج الناس إليك، فقال: لا بدّ من الوطن. وقال سعيد بن عثمان (1) : قال لي أحمد ابن صالح الكوفي: قدم علينا من بلادكم رجل يسمى قاسم بن محمد، فرأيت رجلاً فقيهاً.
وألّف رحمه الله تعالى كتاباً نبيلاً في الرد على ابن مزين (2) وعبد الله بن خالد والعتبي يدل على علمه، وله كتاب في خبر الواحد. وكان يلي وثائق الأمير محمد طول أيامه. روى عنه ابن لبابة وابن أيمن والأعناقي وابنه محمد بن قاسم في آخرين (3) . توفّي سنة ست - أو سبع، أو ثمان - وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
18 - ومنهم أبو بكر الغساني، وهو محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أسود (4) ، من أهل المرية، قدم إلى مصر ولقي بها أبا بكر الطرطوشي، ثم عاد إلى بلده،
__________
(1) هو الأعناقي.
(2) يحيى بن إبراهيم بن مزين.
(3) ابن الفرضي: في جماعة سواهم.
(4) محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أسود: ترجمته في الصلة: 553 ومعجم شيوخ الصدفي: 126.
(2/51)

وشوور واستقضي بمرسية مدة طويلة، ثم صرف وسكن مراكش. قال ابن بشكوال: توفّي بمراكش في رجب سنة 636، وقال أبو جعفر ابن الزبير: إن له كتاب تفسير القرآن، وبيته بيت علم ودين.
19 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حيّون (1) ، من أهل وادي الحجارة، قال ابن الفرضي: سمع من ابن وضاح والخشني ونظرائهما بالأندلس، ورحل إلى المشرق، فتردد هنالك نحواً من خمس عشرة سنة، وسمع بصنعاء ومكة وبغداد ولقي جماعة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل: منهم عبد الله ابن أحمد، وسمع بمصر من الخفاف (2) النيسابوري وإبراهيم بن موسى وغيرهما، وبالمصيصة والقيروان، وكان إماماً في الحديث، عالماً، حافظاً للعلل (3) ، بصيراً بالطرق، ولم يكن بالأندلس قبله أبصر بالحديث منه، وهو ضابط متقن، حسن التوجيه للحديث، صدوق، ولم يذهب مذهب مالك. وممّن روى عنه ابن أيمن وقاسم بن أصبغ ووهب بن مسرة وأحمد بن سعيد بن حزم، وقال خالد بن سعيد (4) : لو كان الصدق إنساناً (5) لكان ابن حيّون. وكان يزنّ بالتشييع لشيء كان يظهر منه في حق معاوية، رضي الله تعالى عنه، وكان شاعراً، وتوفّي بقرطبة سنة 305، سامحه الله تعالى.
20 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن غالب، المالقيّ (6) ، قال ابن نقطة: سمع بالإسكندرية من أبي الحسن ابن المقدسي، وكان فاضلاً،
__________
(1) محمد بن إبراهيم بن حيون: ترجمته في ابن الفرضي 2: 28 وجذوة المقتبس: 39 (وبغية الملتمس: 43) وتذكرة الحفاظ: 781.
(2) دوزي وق: الحفاظ.
(3) للعلل: سقطت من ق.
(4) ابن الفرضي: خالد بن سعد.
(5) في ط: لسانا.
(6) محمد بن إبراهيم المالقي: ترجمته في التكملة: 638 والذيل والتكملة 6: 35 (نسخة باريس) .
(2/52)

رأيت بخطّه إجازة بمصر لبعض المصريين في رجب سنة 604، وسمع بمصر شيئاً من الخلعيّات، قال ابن فرتون الفاسي في ذيل تاريخ الأندلس: روى بمالقة، ورحل إلى المشرق وحج، ولقي أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي، وأخذ عنه كتاب تحقيق الجواب عمّن أجيز له ما فاته من الكتاب من تآليفه، ورجع إلى الأندلس، ثم نهض إلى مراكش فتوفّي في أقصى بلاد السّوس في حدود سنة 645، رحمه الله تعالى.
21 - ومنهم اليقّوري، وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم مصنف كتاب إكمال الإكمال للقاضي عياض على صحيح مسلم، وكتبٍ على كتاب الشهاب القرافي في الأصول، وسمع الحديث، وقدم إلى مصر ومعه مصحف قرآن حمل بغل بعثه ملك المغرب ليوقف بمكة، ثم عاد بعد حجّه، ومات بمراكش سنة 707، وقد زرت قبره بها مراراً، قال الحافظ المقريزي: واليقّوري نسبة إلى يقّورة - بياء آخر الحروف مفتوحة، وقاف مشددة، وراء مهملة - بلد بالأندلس، انتهى.
22 - ومنهم أبو عبد الله الأنصاري، وهو محمد بن إبراهيم بن موسى ابن عبد السلام (1) ، ويعرف بابن شق الليل، من أهل طليطلة، سمع بمصر أبا الفرج الصوفي وأبا القاسم الطحان الحافظ وأبا محمد ابن النحاس وأبا القاسم ابن ميسرة وأبا الحسن ابن بشر وغيرهم، وسمع بطليطلة من جماعة، وحدّث عن جماعة من المحدثين كثيرة.
قال ابن بشكوال: وكان فقيهاًعالماً، وإماماً متكلّماً، حافظاً للفقه، والحديث، قائماً بهما متقناً لهما، إلا أنّ المعرفة بالحديث وأسماء رجاله والبصر
__________
(1) محمد بن إبراهيم بن عبد السلام الأنصاري: ترجمته في الصلة: 511 وانظر الفصل لابن حزم 4: 180.
(2/53)

بمعانيه وعلله كان أغلب عليه، وكان مليح الخط، جيد الضبط، من أهل الرواية والدراية والمشاركة في العلوم، وكان أديباً شاعراً مجيداً لغويّاً ديّناً فاضلاً، كثير التصانيف والكلام على علم الحديث، حلو الكلام في تآليفه، وله عناية بأصول الديانات وإظهار الكرامات، توفّي بطلبيرة يوم الجمعة منتصف شعبان سنة 455، رحمه الله تعالى.
23 - ومنهم الشيخ الإمام الشهير الكبير الولي العارف بالله تعالى سيدي أبو عبد الله القرشي الهاشمي الأندلسي (1) ، شيخ السالكين، وإمام العارفين، وقدوة المحققين، قدم مصر بعدما صحب ببلاد المغرب جماعة من أعلام الزهاد، وكان يقول: صحبت ستمائة شيخ اقتديت منهم بأربعة: الشيخ أبي الربيع، والشيخ أبي الحسن ابن طريف، والشيخ أبي زيد القرطبي، والشيخ أبي العباس الجوزي، وسلك على يده جماعة: منهم أبو العباس القسطلاني، فإنّه أخذ عنه كلامه وجمعه في جزء. وخرج سيدي أبو عبد الله القرشي من مصر إلى بيت المقدس فأقام به إلى حين وفاته عشية الخميس السادس من ذي الحجّة سنة 599 عن خمس وخمسين سنة، ودفن هنالك، وقبره ظاهر يقصد للزيارة زرته أول قدماتي على بيت المقدس سنة 1028، ومن كلامه: من لم يدخل في الأمور بالأدب لم يدرك مطلوبه منها، وقوله: العاقل يأخذ ما صفا ويدع التكلف، فإنّه تعالى يقول: " وإن يردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله ". وقال: من لم يراع حقوق الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصحبة، وقال سمعت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن طريف يقول: لما حضرت الشيخ أبا الحسن ابن غالب الوفاة قال لأصحابه: اجتمعوا وهللوا سبعين ألف مرّة، واجعلوا ثوابها لي، فإنّه بلغني أنها فداء كلّ مؤمن من النار، قال: فعملناها واجتمعنا عليها وجعلنا ثوابها له.
__________
(1) محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي: ترجمته في ابن خلكان 3: 432 والوافي 2: 78.
(2/54)

ثم حكى عن شيخه أبي زيد القرطبي ما حكاه السنوسي عنه في أواخر شرح صغراه، وقد أنكر غير واحد من الحفاظ كابن حجر وغيره كون ما ذكر حديثاً، ولعل هؤلاء أخذوه من جهة الكشف ونحوه، والله تعالى أعلم.
وقال رحمه الله تعالى: دخلت على الشيخ أبي محمد عبد الله المغاور، فقال لي: أعلمك شيئاً تستعين به، إذا احتجت لشيء فقل: يا واحد يا أحد يا واجد يا جوّاد، انفحنا منك بنفحة خير، إنّك على كل شيء قدير، قال: فأنا أنفق منها منذ سمعتها. قال رحمه الله تعالى: ما من حال ذكر في رسالة القشيري إلاّ وقد شاهدته نفسي. وتزوج رحمه الله تعالى بنساء حدثن عنه بكرامات، ومنهنّ أم القطب القسطلاني، وحكت أنها خرجت عنه يوماً لحاجتها، ثم عادت فسمعت عنده في طبقته حسّ رجل، فتوقفت وافتقدت الباب فوجدته مغلقاً، فلمّا انقطع الكلام دخلت إليه، فإذا هو وحده كما تركته، فسألته عن ذلك، فقال: هو الخضر دخل علي وفي يده حية فقال: هذه جئتك بها من أرض نجد، وفيها شفاء مرضك، فقلت: لا أريد، اذهب أنت وحيتك لا حاجة لي بها. ودخل عليه بعض نسائه يوماً، فوجدته بصيراً نقي الجسم من الجذام، فلمّا نظرته قال لها: أتريدين أن أبقى لك هكذا فقال له: يا سيّدي كن كيف شئت، إنّما مقصودي خدمتك وبركتك. وقيل له، وقد تكاثرت منه رؤية الأشياء وإخباره بها، مع كونه ضريراً، عن ذلك، فقال: كلّي عين، بأي عضو أردت أن أنظر به نظرت. وقال: هممت أن أدعو برفع الغلاء، فقيل لي: لا تدع فما نسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام، فلمّا وصلت إلى بلد الخليل، عليه السلام، تلقاني رسول [الله] الخليل حين ورودي عليه، فقلت له: يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك أهل مصر، فدعا لهم ففرّج الله عنهم. ومناقبه رحمه الله تعالى وكراماته لا يفي بها هذا المختصر، وإنّما قصدنا بذكرها البركة وكفّارة ما وقع في هذا الكتاب من الإحماض، والله المرجو في العفو.
(2/55)

ومن فوائده ما نقله عن شيخه أبي الربيع المالقي أنّه قال له: ألا أعلمك كنزاً تنفق منه ولا ينفد قلت: بلى، قال قل: يا ألله، يا أحد، يا واحد، يا موجود، يا جواد، يا باسط، يا كريم، يا وهّاب، يا ذا الطّول، يا غني، يا مغني، يا فتّاح، يا رزّاق، يا عليم، يا حيّ، يا قيّوم، يا رحمن، يا رحيم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حنّان، يا منّان، انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " " إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً " " نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ " اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ ويا معيد، يا ودود (1) يا ذا العرش المجيد، يا فعّالاً لما يريد، اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بما حفظت به الذكر وانصرني بما نصرت به الرسل، إنّك على كل شيء قدير. فمن داوم على قراءته بعد كل صلاة خصوصاً صلاة الجمعة حفظه الله تعالى من كل مخوف، ونصره على أعدائه، وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، ويسّر عليه معيشته، وقضى عنه دينه ولو كان عليه أمثال الجبال ديناً، بكرمه وإحسانه، انتهى. نقله عنه العلامة ابن داود البلوي الأندلسي، ومن خطه نقلت، رحم الله تعالى الجميع، ونقله اليافعي كما ذكر رحمه الله تعالى، إلاّ أنّه لم يقل فيه يا ودود، واتفقا فيما عدا ذلك، والله سبحانه أعلم.
وقال ابن خلكان في حقّه: محمد بن أحمد (2) بن إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الصالح الزاهد من أهل الجزيرة الخضراء، كانت له كرامات ظاهرة، ورأيت أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة، ولقيت جماعة ممّن صحبه، وكل منهم قد نمى عليه (3) من بركته، وذكروا عنه أنّه وعد جماعته الذي صحبوه مواعيد
__________
(1) يا ودود: مكررة في ق ط.
(2) ابن أحمد: سقطت من دوزي، وهي ثابتة في ق وابن خلكان.
(3) ط ج ق: قد يثني عليه، وما أثبتناه في ابن خلكان أيضا.
(2/56)

من الولايات والمناصب العلية، وأنها صحت كلّها. وكان من السادات الأكابر والطراز الأول، وهو مغربي صحب بالمغرب أعلام الزهاد وانتفع بهم، فلمّا وصل إلى مصر انتفع به من صحبه أو شاهده، ثم سافر إلى الشام قاصداً زيارة بيت المقدس، فأقام بها إلى أن مات، وصلّي عليه بالمسجد الأقصى، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقبره ظاهر للزيارة والتبرك به (1) .
والجزيرة الخضراء في بلاد الأندلس: مدينة تقابل سبتة من بر العدوة.
ومن جملة وصاياه لأصحابه: سيروا إلى الله تعالى عرجاً ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة، انتهى ببعض اختصار.
24 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن أبي الحسين القرطبي (2) ، سمع من قاسم بن أصبغ وغيره، وقدم مصر فسمع بها من ابن الورد وابن أبي الموت والبارودي (3) وابن السكن في آخرين، وسمع بالرملة وبيت المقدس، وكان ضابطاً بصيراً بالنحو واللغة فصيحاً بليغاً طويل اللسان، ولي الشرطة ببلاد المغرب. توفّي سنة 372.
25 - ومنهم أبو بكر محمد بن علي بن خلف، التّجيبي الإشبيلي (4) الحافظ الكاتب، روى عن ابن الجد وغيره، ومر بمصر حاجّاً فلقي بمكة أبا حفص الميانشي وأبا الحسن المكناسي، ولقي بالإسكندرية السّلفي وابن عوف وغيرهما، وكان مدرّساً للفقه، فقيهاً جليلاً، متقدماً فيه عارفاً فاضلاً سنيّاً، توفي بعد امتحان من منصور بني عبد المؤمن سنة 596، وذلك أنّه وشي به للمنصور
__________
(1) به: سقطت من ق ط.
(2) محمد بن علي بن الحسن بن أبي الحسين القرطبي: ترجمته في ابن الفرضي 2: 85 وعنه ينقل المقري باختصار.
(3) ط ودوزي: والبارودي.
(4) ترجمته في التكلمة: 557 والذيل والتكملة 6: الورقة 179 (نسخة باريس) وأورد له ترجمة مفصلة.
(2/57)

أيّام عزم على ترك التقليد والعمل بالحديث (1) .
26 - ومنهم أبو بكر الأندلسي الجيّاني، محمد بن علي بن عبد الله بن محمد ابن ياسر، الأنصاري، الجيّاني (2) ، سافر من بلده ودخل ديار مصر والشام والعراق وخراسان وما وراء النهر، ولقي أئمتها، وتفقه ببخارى حتى تمهر في المذهب والخلاف والجدل، ثم اشتغل بالحديث وسمعاه وحفظه وحصّل منه كثيراً، ثم سكن بلخ مدة، وعاد إلى بغداد ودخلها سنة 559، وتوجه إلى مكة فحج ورجع إلى الشام واستوطن حلب، إلى أن توفّي بها، ووقف كتبه، وكان متديّناً صدوقاً حافظاً عالماً بالحديث، وفيه فضل، ولد بجيّان سنة 492، ومات بحلب سنة 563.
27 - ومنهم أبو علد الله محمد بن علي التّجيبي الدهان الغرناطي (3) ، كان حسن السّمت بارع الخط والخلق والخلق، رحل إلى الحج، وجال في البلاد في حدود سنة ست وستمائة فأخذ بمكة والشام ومصر والإسكندرية عن جماعة كثيرة، وكان عدلاً (4) فاضلاً على خير دين، وكان متحرّفاً بالتجارة بغرناطة، ثم خرج منها آخر عمره فمات بقوص بعدما حج سنة 650، وصدر من مكّة سنة 653 فمات قبل منتصف السنة، رحمه الله تعالى.
28 - ومنهم أبو عمر محمد بن علي بن محمد بن أبي الربيع القرشي العثماني
__________
(1) كان المنصور قد حمل الناس على الكتاب والسنة، فعل أهل الظاهر، ورفض الاشتغال بالفروع، فتعرض التجيبي للمحنة بسبب ذلك، وخلص من النكبة فلزم داره، وكانت له غرفة مشرفة على الدرب الذي في داره يكثر الجلوس فيها، فخطر للمنصور أن يستدعيه ويؤنسه، فتوجه إليه الشرطيون، فرآهم من غرفته تلك وظن أنهم جاءوا لشر فاستطير قلبه ذعرا، وأصابه شيء كالفالج أقعده، وظل كذلك حتى أدركته منيته.
(2) محمد بن علي بن ياسر الأنصاري الجياني: ترجمته في التكملة: 500.
(3) محمد بن علي التجيبي الدهان: ترجمته في الذيل والتكملة 6: 198 (نسخة باريس) .
(4) دوزي: عادلا.
(2/58)

الأندلسي الإشبيلي النحوي، ولد سنة 617 بإشبيلية، وقدم مصر فسمع الكثير بها، وبدمشق وغيرها، وكان إماماً عالماً نحويّاً فاضلاً، كتب عنه أبو محمد الدمياطي والقطب عبد الكريم، ناهيك بهما.
29 - ومنهم أبو بكر [و] أبو عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي ابن هذيل البلنسي (1) ، رحل وسمع من السّلفي، وحج، قال أبو الربيع ابن سالم: هو شيخ صدوق متيقّظ، سمع أباه وأبا الوليد ابن الدباغ وأبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش وجماعة، وأخذ بمكّة سنة 539 عن أبي علي الحسن المقرئ، وقفل إلى الأندلس سنة 546، فأخذ عنه بها، وسمع منه جماعة، قال ابن الأبار: كان غاية في الصلاح وأعمال البر والورع، توفّي ببعض قرى بلنسية سنة 583 (2) ، ومولده سنة سبع أو تسع عشرة وخمسمائة، وله حظ من علم التعبير واللغة، رحمه الله تعالى.
30 - ومنهم أبو عبد الله، ويقال: أبو سلمة، محمد بن علي البيّاسي الغرناطي الأنصاري ناصر الدين، روى عن الحافظ أبي جعفر (3) بن الزبير وغيره، وقدم إلى القاهرة واستوطنها بعد الحج، حتى مات بها سنة 703، وكان عارفاً بعلم الحديث وكتب منه كثيراً، ومال إلى مذهب الظاهرية، وانتفع به جماعة من طلبة الحديث، وكان ثقة، رحمه الله تعالى.
31 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن علي بن الشامي الأندلسي، الغرناطي، قدم مصر حاجّاً، وأقام بمكّة والمدينة، وكان إماماً فاضلاً عالماً متفنّناً (4) في علوم ما بين فقه وأصول ونحو ولغة وقراءات ونظم ونثر، ومع
__________
(1) محمد بن علي بن هذيل: ترجمته في التكملة: 545 والذيل والتكملة 6: 200 (نسخة باريس) .
(2) التكملة: سنة 588، وفي ق ط: 538.
(3) ق ودوزي: أبي حفص.
(4) في نسخة: متقنا.
(2/59)

معرفته بمذهب مالك ينقل كثيراً من مذهب الشافعي، وسمع الموطّأ بتونس من أبي محمد ابن هرون القرطبي، ومولده بغرناطة سنة 671، وتوفّي سنة 715.
ومن شعره:
إذا كنت جاراً للنبيّ وصحبه ... ومكّة بيت الله منّي على قرب
فما ضرّني أن فاتني رغد عيشةٍ ... وحسبي الذي أوتيته نعمةً حسبي وقوله:
نزيل الكرام عزيز الجوار ... وإنّي نزيلٌ عليكم وجار
حللت ذراك وأنت الكريم ... ومن حلّ مثوى كريم يجار 32 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمار الكلاعي الميورقي (1) ، قدم مصر، وروى عن ابن الوليد بها، وان عالماً، وله قصيدة طويلة فيها حكم ومواعظ يوصي ابنه بها، منها قوله:
وطاعة من إليه الأمر فالزم وإن جاروا وكانوا مسلمينا
فإن كفروا ككفر بني عبيدٍ فلا تسكن ديار الكافرينا
واسم ابنه حسن، وسمع من المذكور الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي في رحلته سنة 485، ووصفه بالعلم، وعمّار: بالراء.
33 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن الفخّار القرطبي الحافظ (2) ، روى عن [أبي] عيسى (3) الليثي وابن عون الله وأبي جعفر التميمي
__________
(1) محمد بن عمار الكلاعي: ترجمته في التكملة: 403؛ وقد سقط أكثر هذه الترجمة في ق ولم يبق منها إلا ابتداء من قوله " واسم ابنه حسن ... بالراء " ودخلت في الترجمة السابقة.
(2) انظر ترجمة ابن الفخار في الصلة: 483 وعنه ينقل المقري.
(3) في الأصول: عن عيسى.
(2/60)

وأبي محمد الباجي، وقدم مصر، وحج، وجاور بالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، وأفتى بها، وافتخر بذلك على أصحابه، وقال: لقد شوورت بمدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم دار مالك بن أنس ومكان شوراه، ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم، وكان من أهل العلم والذكاء والحفظ والفهم، عارفاً بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء، ذاكراً للروايات، يحفظ المدونة والنوادر لابن أبي زيد، ويوردها من صدره دون كتاب.
قال ابن حيّان مؤرخ الأندلس: توفّي الفقيه المشاور الحافظ المتبحّر (1) الرواية الطويل الهجرة في طلب العلم الناسك المتقشف بمدينة بلنسية في ربيع الأول سنة 417 لعشر خلون من الشهر، وكان الحفل في جنازته عظيماً، وعاين الناس فيها آية من ظهور أشباه الخطاطيف بها تجللت الجمع رافّةً فوق النعش لم تفارق نعشه وإلى أن ووري، فتفرقت، ومكث مدة ببلنسية مطاعاً عظيم القدر عند السلطان والعامة.
وذكر جماهر بن عبد الرحمن حديث الطير، وكذا ذكر الحسن بن محمد القيسي خبر الطير. قال: وكانت سنّه نحو الثمانين سنة، وكان مجاب الدعوة، وظهرت في دعوته الإجابة.
وقال أبو عمرو الداني: إن وفاته يوم السبت لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربعمائة، ودفن يوم الأحد بمدينة بلنسية، وبلغ نحو ست وسبعين سنة، وهو آخر الفقهاء الحفّاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنّة بالأندلس، رحمه الله تعالى.
34 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عمروس القرطبي (2) ، سمع عليّ بن مفرج وغيره من شيوخ قرطبة، وقدم مصر فأخذ بها عن ابن المهندس وغيره،
__________
(1) ط: المستبحر.
(2) ترجمة ابن عمروس في الصلة: 462.
(2/61)

وحجّ ودخل العراق، وسمع من أبي بكر الأبهري والدارقطني وجماعة، وعاد إلى الأندلس، وشهر بالعلم والمال، وولي الأحباس بقرطبة، حدّث عنه أبو عمر ابن عبد البر وغيره، ومات في جمادى الآخرة سنة أربعمائة، رحمه الله تعالى.
35 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح (1) ، المعافري، أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح، المعافري، المعروف بالأعشى، القرطبي، رحل سنة 179 فسمع سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب وجماعة، وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار، وكان صالحاً عاقلاً سريّاً جواداً يذهب إلى مذهب أهل العراق (2) ، وتوفّي سنة 221، ذكره ابن يونس وغيره.
36 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن فطيس الغافقي (3) ، الإلبيري، الزاهد، قال الحميدي في حقّه: هو من أهل الحديث والحفظ والفهم والبحث عن الرجال، وله رحلة سمع فيها من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومن ابن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب وغيرهما، وروى بالأندلس عن جماعة منهم بقيّ ابن مخلد وابن وضاح، وسمع بمكّة وغيرها من مائة شيخ، قال ابن الفرضي: كان شيخاً نبيلاً، ضابطاً لكتبه، ثقة في روايته، صدوقاً في حديثه، وكانت الرحلة إليه بإلبيرة، وبها مات في شوال سنة 319 وهو ابن تسعين سنة، رحمه الله تعالى.
37 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد بن سيّار، القرطبي (4) أبو عبد الله من موالي بني أميّة، سمع من أبيه ومن بقيّ بن مخلد وغيره، ورحل سنة 294 فسمع بمصر من النسائي، ومن أحمد بن حماد زغبة، وسمع بمكة والبصرة والكوفة وبغداد ودمياط والإسكندرية والقيروان
__________
(1) ترجمة ابن نجيح في الجذوة: 69 (وبغية الملتمس رقم: 212) وابن الفرضي 2: 7.
(2) ابن الفرضي: وكان يذهب في الأشربة مذهب أهل العراق، إذ كان علمه عراقيا.
(3) ترجمته في الجذوة: 78 (وبغية الملتمس رقم: 252) وابن الفرضي 2: 42.
(4) ترجمته في الجذوة: 80 (وبغية الملتمس رقم: 260) وابن الفرضي 2: 48.
(2/62)

من مائة وستين رجلاً، قال أبو محمد الباجي: لم أدرك بقرطبة أكثر حديثاً منه، وكان عالماً بالفقه، متقدّماً في علم الوثائق رأساً فيها، وكان مشاوراً، سمع من الناس كثيراً، وكان ثقة صدوقاً، وغزا سنة 327، ومات ثالث ذي الحجّة منها، ومولده سنة 263، وقيل: توفّي سنة 328 (1) ، قاله ابن يونس والحميدي.
38 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم، القرشي الفهري، عرف بابن رمان، الغرناطي، قرأ على أبي جعفر ابن الزبير بها، وقدم إلى القاهرة سنة 722، ومات بالمدينة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام سنة 729.
ومن شعره قوله:
فديتم خبّروني كيف صحّت ... فريضة هالكٍ من غير مين
لزيدٍ زوجةٌ ولها ابن أمٍّ ... فماتت عنهما لا غير ذين
فحاز البعل ما تركته إرثاً ... وولّى غيره صفر اليدين
ولا رقٌّ فديت على أخيها ... وليس بكافرٍ يرمى بشين
وليس معجّلاً إرثاً بقتلٍ ... مخافة أن ينال شقاوتين 39 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن لبّ الشاطبي (2) ، حدث بالقاهرة، وتوفّي قريباً من سنة 640، وهو أحد أصحاب الشيخ أبي الحسن ابن الصباغ، ومن كلامه: اشتغالك بوقتٍ لم يأت تضييعٌ للوقت الذي أنت فيه، ولعمري لقد صدق.
40 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سراقة الشاطبي بن محمد بن إبراهيم ابن الحسين بن سراقة (3) ، محيي الدين، ويكنى أيضاً أبا القاسم وأبا بكر،
__________
(1) ق: 318.
(2) ترجمة محمد بن لب الشاطبي في التكملة: 652.
(3) انظر ترجمته في الوافي 1: 208 وشذرات الذهب 5: 310 (وفيات: 662) والنجوم الزاهرة 7: 216 وذيل الروضتين: 230 والفوات 2: 306.
(2/63)

الأنصاري الشاطبي، المالكي، ولد بشاطبة سنة 592، وسمع من أبي القاسم ابن بقيّ، ورحل في طلب الحديث، فسمع ببغداد من الشيخ أبي حفص عمر السهروردي وأبي طالب القبّيطي وأبي حفص الدينوري وجماعة، وسمع بحلب من ابن شداد وغيره، وتولى مشيخة دار الحديث البهائية (1) بحلب، ثم قدم مصر وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة بعد وفاة ابن سهل اقصري سنة 642، وبقي بها إلى أن توفّي بالقاهرة في شعبان سنة 662، ودفن بسفح المقطم وكان الجمع كبيراً، وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل، وأحد المشايخ الصوفية، له في ذلك إشارات لطيفة مع الدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيدة بمعاني الشعر، وكان صالح الفكرة في حلّ التراجم، مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق، واطّراح التكلف، ورقّة الطبع، ولين الجانب.
ومن شعره قوله:
نصبت ومثلي للمكارم ينصب ... ورمت شروق الشمس وهي تغرّب
وحاولت إحياء النفوس بأسرها ... وقد غرغرت يا بعد ما أنا أطلب
وأتعب إن لم تمنح الخلق راحةً ... وغيري إن لم تتعب الخلق يتعب
مرادي شيءٌ والمقادير غيره ... ومن عاند الأقدار لا شكّ يغلب وقوله (2) :
إلى كم أمنّي النفس ما لا تناله ... فيذهب عمري والأمانيّ لا تقضى
وقد مرّ لي خمسٌ وعشرون حجّة ... ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى
وأعلم أنّي والثّلاثون مدّتي ... حرٍ بمغاني اللهو أوسعها رفضا
__________
(1) في ق ط ج ودوزي: البهادية، والتصويب عن الوافي.
(2) الأبيات ما عدا الأخير منها في الوافي والفوات.
(2/64)

فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ... ووجدي إلى أوبٍ من العشر قد أفضى وقال رحمه الله تعالى (1) :
وصاحبٍ كالزّلال يمحو ... صفاؤه الشّكّ باليقين
لم يحص إلاّ الجميل منّي ... كأنّه كاتب اليمين وهذا عكس قول المنازي:
وصاحبٍ خلته خليلاً ... وما جرى غدره ببالي
لم يحص إلاّ القبيح منّي ... كأنّه كاتب الشمال 41 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الفرّيشي - بكسر الفاء، وتشديد الراء المهملة، بعدها شين معجمة - نسبة إلى فرّيش إحدى مدائن قرطبة (2) . ولد بغرناطة سنة 557، وقرأ بالروايات على أبي القاسم ابن غالب، وسمع عليه وعلى أبي القاسم ابن بشكوال وغيره، وسمع بمكّة، وحدث بمصر، وعاد إلى الأندلس فمات بقرطبة سنة 633، وكان مشهوراً بالصلاح معروفاً بإجابة الدعاء، ورعاً ثقة زاهداً فاضلاً، رحمه الله تعالى.
42 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن خيرون (3) ، وقيل: محمد بن عمر بن خيرون، أندلسي، سكن القيروان، ورحل إلى المشرق، وأخذ القراءات بمصر عن محمد بن سعيد الأنماطي وغيره كعبيد بن رجاء وأبي الحسن
__________
(1) البيتان وبيتا المنازي في الوافي والشذرات والنجوم الزاهرة.
(2) تقع فريش إلى الشمال من قرطبة، وقال الحميري في تحديدها: بين الجوف والغرب من قرطبة.
(3) ترجمته في ابن الفرضي 2: 112 وجذوة المقتبس: 50 (وبغية الملتمس رقم: 108) وكنيته فيها أبو جعفر؛ وفيغاية النهاية 2: 217 واسمه محمد بن عمر وكنيته أبو عبد الله. ومن مؤلفاته كتاب الابتداء والتمام وكتاب الألفات واللام، وذكر ابن الجزري أن وفاته كانت سنة ست وثلاثمائة، وعند دوزي وق ط ج: 356 ولعله سهو.
(2/65)

إسماعيل بن يعقوب الأزرق المدني، ودخل العراق، وسمع به من أصحاب علي ابن المديني ويحيى بن معين، وعاد إلى القيروان، وسمع بها وبقرطبة، وقدم بقراءة نافع على أهل إفريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ بحرف نافع إلاّ الخواص، حتى قدم بها فاجتمع إليه الناس، ورحل إليه أهل القيروان من الآفاق، وكان يأخذ أخذاً شديداً على مذهب المشيخة من أصحاب ورش، وتوفّي بشعبان سنة 306، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً كريم الأخلاق إماماً في القراءات، مشهوراً بذلك، ثقة، مأموناً، واحد أهل زمانه وأئمتهم في علم القرآن، رحمه الله تعالى.
43 - ومنهم ضياء الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن صابر بن بندار، القيسي، الأندلسي، المالقي (1) ، ولد بمالقة سنة 625 وسمع الكثير، وقدم القاهرة حاجّاً فسمع بها وبدمشق وكتب بخطّه كثيراً، وكان سريع الكتابة سريع القراءة كثير الفوائد، ديّناً خيّراً فاضلاً، له مشاركة جيّدة في عدة علوم، توفّي شابّاً بالقاهرة سنة 662، رحمه الله تعالى.
44 - ومنهم أبو بكر محمد الزّهري، المعروف بابن محرز، البلنسي (2) ، ولد بها سنة 529، وقدم مصر فسمع ابن الفضل (3) وغيره، وروى عنه جماعة، وكان أحد رجال الكمال علماً وإدراكاً وفصاحة وحفظاً للفقه وتفنّناً في العلوم ومتانة في الأدب، حافظاً للغة والغريب، وله شعر رائق، ودين متين، وأخذ الناس عنه ببلده وبمرسية وإشبيلية ومالقة وغرناطة في اجتيازه عليها، وبغيرها من البلاد، وعلا صيته، وعرف بالدين والعلم والفضل، وكان أبو الخطاب
__________
(1) ترجمته في الوافي 1: 200.
(2) هو محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان أبو بكر الزهري البلنسي: انظر ترجمته في الوافي 1: 198 والتكملة: 664.
(3) ط ج: ابن النفضل.
(2/66)

يثني على علمه ودينه، توفّي ببجاية سنة 655عن سن عالية، رحمه الله تعالى.
45 - وممن ارتحل (1) من الأندلس إلى المشرق القاضي أبو الوليد الباجي صاحب التصانيف المشهورة (2) . وقال ابن ماكولا في حقّه: إنّه فقيه متكلّم أديب شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام وصنف إلى أن مات، وكان جليلاً رفيع القدر والخطر.
وقال غير واحد: إنّه ولد سنة 403، وارتحل سنة 426، وجاور ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر الحافظ يخدمه، ورحل إلى بغداد ودمشق، ولقي في رحلته غير واحد، وتفقه بالقاضي أبي الطيب الطّبري وغيره.
وقال أبو علي ابن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحداً على هيئته وسمته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاشي، فقلت له: أدام الله تعالى عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي، فقلت: نعم، فأقبل عليه.
قال القاضي عياض: وكثرت القالة في القاضي أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، وكان يبعث إلى تلك النواحي خلفاءه، وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلاًّ حتى احتاج إلى القصد بشعره، واستأجر نفسه مدّة مقامه ببغداد، فيما سمعته مستفيضاً، لحراسة دربٍ. وقد جمع ابنه شعره.
قال: ولمّا قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلاّ أنّه كان خارجاً عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن
__________
(1) ق ج: ومن الراحلين، ط: وممن رحل، وأثبتنا ما في دوزي.
(2) انظر ترجمة أبي الوليد سليمان بن خلف في الذخيرة (القسم الثاني: 38) والقلائد: 188 والصلة: 197 وبغية الملتمس رقم: 777 والمغرب 1: 404 ووفيات الأعيان 2: 142 ومعجم الأدباء 11: 246 والديباج المذهب: 120 وتذكرة الحفاظ: 1178 وتهذيب ابن عساكر 6: 248 وشذرات الذهب 3: 334 والمرقبة العليا: 95.
(2/67)

مجادلته، وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها واتبعه أهلها، فلمّا قدم أبو الوليد كلّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة.
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ وكفره بإجازة الكتب على الرسول الأمي، صلّى الله عليه وسلّم، وأنّه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أثاروا عليه الفتنة وقبّحوا عليه عند العامة ما أتى به، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
برئت ممّن شرى دنياً بآخرةٍ ... وقال: إن رسول الله قد كتبا فصنف أبو الوليد رحمه اله تعالى رسالة بيّن فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة؛ إذ ليس من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أمّيّاً لأنّه لا يسمّى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهو أمّيون، والحكم للغالب لا للصورة النادرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام " إنّا أمّة أمّيون " أي: أكثرهم كذلك، لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: " هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم " انتهى، وبعضه بالمعنى.
وذكر ابن بسّام أن أبا الوليد الباجي نشأ وهمته في العلم، وأنّه بدأ بالأدب، فبرز في ميادينه، وجعل الشعر بضاعته، فنال به من كل الرغائب، ثم رحل فما حلّ بلداً إلاّ وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، ثم كرّ واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحواً من عام.
قال: وبلغني عن ابن حزم أنّه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب
(2/68)

الملكي بعد عبد الوهاب إلاّ مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم.
وصنف أبو الوليد كتباً كثيرة منها كتاب التسديد إلى معرفة التوحيد وكتاب سنن المنهاج وترتيب الحجاج وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب التعديل والتجريح لمن خرّج عنه البخاري في الصحيح وكتاب شرح الموطأ وهو نسختان: نسخة سمّاها الاستيفاء، ثم انتقى منها فوائد سمّاها المنتقى في سبع مجلدات، وهو أحسن كتاب ألّف في مذهب مالك، لأنّه شرح في أحاديث الموطّأ، وفرّع عليها تفريعاً حسناً، وأفرد منه شيئاً سمّاه الإيماء، وقال بعضهم: إنّه صنف كتاب المعاني في شرح الموطّأ فجاء عشرين مجلداً عديم النظير، وكان أيضاً صنف كتاباً كبيراً جامعاً يلغ فيه الغاية سمّاه الاستيفاء، وله كتابا لإيماء في الفقه، خمس مجلدات، انتهى.
ومن تصانيفه مختصر المختصر في مسائل المدونة، وله كتاب اختلاف الموطأ وكتاب الإشارة في أصول الفقه وكتاب الحدود وكتاب سنن الصالحين وكتاب التفسير لم يتمّه، وكتاب شرح المنهاج وكتاب التبيين لسبيل المهتدين في اختصار فرق الفقهاء، وكتاب السراج في الخلاف، ولم يتم، وغير ذلك.
وحجّ الباجي رحمه اله تعالى أربع حجج جور فيها ثلاثة أعوام ملازماً لأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وكان يسافر معه للسّروات (1) لأن أبا ذر تزوّج من العرب، وسكن بها.
__________
(1) السروات ثلاث: واحدة بين تهامة ونجد وواحدة في بلاد عدوان وثالثة أرض عالية وجبال تشرف على البحر من الغرب وعلى نجد من الشرق.
(2/69)

[ترجمة أبي ذر الهروي] (1)
وأبو ذر المذكور هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري المالكي، ويعرف بابن السمّاك، سمع بهراة وسرخس وبلخ ومرو والبصرة وبغداد ودمشق ومصر، وجاور بمكة، وألّف معجماً لشيوخه، وعمل الصحيح، وصنف التصانيف، قال الخطيب: قدم أبو ذرّ بغداد وأنا غائب، فحدث بها، ثم حجّ وجاور، ثم تزوّج في العرب، وسكن السّروات، وكان يحجّ كل عام ويحدث ويرجع، وكان ثقة ضابطاً ديّناً، وقال الحسن بن بقيّ المالقي: حدّثني شيخي قال: قيل لأبي ذر: من أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي الأشعري مع أنّك هروي فقال: قدمت بغداد وكنت ماشياً مع الدارقطني، فلقينا أبا بكر ابن الطيب، فالتزمه الدارقطني، وقبّل وجهه وعينيه، فلمّا افترقنا قلت: من هذا قال: هذا إمام المسلمين، والذابّ عن الدين، القاضي أبو بكر ابن الطيب، فمن ذلك الوقت تكررت إليه وتمذهبت بمذهبه، انتهى.
قلت: هذا صريح في أن القاضي أبا بكر الباقلاني مالكي، وهو الذي جزم به غير واحد، ولذا ذكره عياض في المدارك في جملة المالكية، وكذلك شيخ السنّة الإمام أبو الحسن الأشعري مالكي المذهب فيما ذكره غير واحد من الأئمة، وذكر بعض الشافعية أنهما شافعيان، والله تعالى أعلم.
وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور: كان أبو ذرّ زاهداً، ورعاً، عالماً، سخيّاً لا يدّخر شيئاً، وصار كبير مشيخة الحرم، مشاراً إليه في التصوف، خرّج على الصحيح تخريجاً حسناً، وكان حافظاً، كثير الشيوخ، توفّي سنة 435، وقال أبو علي ابن سكرة: توفّي عقب شوّال سنة 434، وقال الخطيب: في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثين، رحمه الله تعالى، وأكثر
__________
(1) ترجمة أبي ذر الهروي في تبيين كذب المفتري: 255 وتذكرة الحفاظ: 1103.
(2/70)

نسخ البخاري الصحيحة بالمغرب إمّا من رواية الباجي عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي المذكور، وإمّا من رواية أبي علي الصّدفي الشهير المعروف بابن سكرة بسنده.
واعلم أن هراة المنسوب إليها الحافظ أبو ذر ليست بهراة التي وراء النهر نظيرة بلخ، وإنّما هي هراة بني شيمانة بالحجاز (1) ، وبها كان سكنى أبي ذر، والله أعلم.
رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى
ثم إنّه - أعني الباجي - قدم بغداد، وأقام بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه، ويقرأ الحديث، فلقي بها عدّة من العلماء كأبي الطيب الطبري والإمام الشهير أبي إسحاق الشيرازي والصّيمري وابن عمروس المالكي، وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السّمناني يأخذ عنه علم الكلام؛ فبرع في الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، وتدبج مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي بحيث روى كل واحد منهما عن الآخر، رضي الله تعالى عنهما ونفع بهما. ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جمٍّ حصّله مع الفقر والتّعفّف.
وممّا يفتخر به أنّه روى عنه حافظا المغرب والمشرق أبو عمر ابن عبد البر والخطيب أبو بكر ابن ثابت البغدادي، وناهيك بهما، وهما أسنّ منه وأكبر، وأبو عبد الله الحميدي، وعلي بن عبد الله الصقلي، وأحمد بن علي بن غزلون، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو علي ابن الحسين السبتي، وأو بحر سفيان بن العاصي،
__________
(1) لم يذكر احد أن في الحجاز موضعا اسمه " هراة " أو قوما اسمهم بنو شيمانة وإنما أورد ياقوت في مادة " شبابة ": سراة بني شبابة من نواحي مكة ينسب إليها أبو جميع عيسى ابن الحافظ أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي الشبابي، حدث بهذا الموضع عن أبيه أبي ذر، روى عنه أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن الرؤاسي، وكان يحدث سنة نيف وستين وأربعمائة.
(2/71)

وممّن روى عنه ابنه أبو القاسم أحمد. وكان لما رجع إلى الأندلس فشا علمه، وتهيأت الدنيا له، وعظم جاهه، وأجزلت له الصّلات، فمات عن مال وافر، وترسل للملوك، وولي القضاء بعدة مواضع، رحمه الله تعالى.
وأمّا ما تقدّم عن القاضي أبي الوليد الباجي من إجراء حديث الكتابة على ظاهره فهو قول بعض، والصواب خلافه، قال القاضي أبو الفضل عياض: حدّثنا محمد بن علي المعروف باب الصيقل الشاطبي من لفظه، قال: حدثني أبو الحسن ابن مفوّز قال: كان أبو محمد ابن أحمد بن الحاج الهوّاري من أهل جزيرة شقر ممّن لازم الباجي وتفقّه عنده، وكان يميل إلى مذهب الباجي في جواز مباشرة النبي صلى الله عليه وسلّم الكتابة بيده في حديث المقاضاة في الحديبية على ما جاء في ظاهر بعض رواياته، ويعجب به، وكنت أنكر ذلك عليه، فمّا كان بعد برهة أتاني زائراً على عادته، وأعلمني أن رجلاً من إخوانه كان يرى في النوم أنّه بالمدينة، وأنّه يدخل المسجد، فيرى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أمامه، فيجد له قشعريرة وهيبة عظيمة، ثم يراه ينشقّ ويميد ولا يستقر، فيعتريه منه فزع عظيم، وسألني عن عبارة رؤياه، فقلت: أخشى على صاحب هذا المنام أن يصف رسول الله صلّى الله عليه وسلم بغير صفته، أو ينحله ما ليس له بأصل، أو لعلّه يفتري عليه، فسألني: من أين قلت هذا قلت له: من قول الله تعالى " تكاد السّموات يتفطّرن منه إلى قوله تعالى: ولداً " فقال لي: لله درّك يا سيّدي، وأقبل يقبّل رأسي وبين عينيّ، ويبكي مرّة ويضحك أخرى، ثم قال لي: أنا صاحب الرويا، واسمع تمامها يشهد لك بصحة تأويلك، قال: إنّه لمّا رأيتني في ذلك الفزع العظيم كنت أقول: والله ما هذا إلاّ أنّني أقول وأعتقد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب، فكنت أبكي وأقول: أنا تائب يا رسول الله، وأكرّر ذلك مراراً، فارى القبر قد عاد إلى هيأته أوّلاً وسكن، فاستيقظت، ثم قال لي: وأنا أشهد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما كتب قطّ حرفاً
(2/72)

وعليه ألقى الله تعالى، فقلت: الحمد لله الذي أراك البرهان، فاشكر له كثيراً، انتهى.
قال ابن الأبار: حدثني بهذه الحكاية أبو الربيع ابن سالم بقراءتي عليه، عن الكاتب أبي بكر عبد الرحمن بن مغاور قراءةً عليه، عن القاضي أبي حفص (1) أحمد بن عبد الرحمن بن جحدر عن أبي الحسن طاهر بن مفوّز قال: كان أبو محمد - إلى آخرها، وهي أتم من هذه، انتهى.
رجع إلى الباجي
ذكر أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنّه كان يقول، وقد ذكرت له صحبة السلطان: لولا السلطان لنقلتني الذرّ من الظل إلى الشمس، أو ما هذا معناه، انتهى.
ومن فوائد الباجي أنّه حكى أن الطلبة كانوا ينتابون مجلس أبي علي البغدادي، واتفق أن كان يوماً مطرٌ ووحل، فلم يحضر من الطلبة سوى واحد، فلمّا رأى الشيخ حرصه على الاشتغال وإتيانه في تلك الحال أنشده (2) :
دببت للمجد والسّاعون قد بلغوا ... حدّ النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتّى ملّ أكثرهم ... وعانق المجد من وافى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا انتهى.
وروى عن القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى الخطيب البغدادي قوله رحمه الله تعالى (3) :
__________
(1) ط ج: أبي جعفر.
(2) انظر القصة والأبيات في الصلة: 620 - 621؛ والأبيات في أمالي القالي 1: 112.
(3) البيتان وردا في أكثر المصادر التي ترجمت للباجي.
(2/73)

إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وقد ذكرناهما فيما يأتي قريباً من كلام الفتح، لكوننا نقلنا كلامه بلفظه، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
وقال في القلائد في حق الباجي رحمه الله تعالى، ما صورته: بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع نجوده وأغواره، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً، وقطف من العلم أزاهراً، وتفنن في اقتنائه، وثنى إليه عنان اعتنائه، حتى غدا مملوء الوطاب، وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب، فكرّ إلى الأندلس بحراً لا تخاض لججه، وفجراً لا يطمس منهجه، فتهادته الدول، وتلقته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدل من يانع بناضر، ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحاً، وبدا بأفقه ملتاحاً، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبد وخده في سبل العلم وإيضاعه، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه، وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاته (1) .
فمن ذلك قوله في معنى الزهد:
إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاحٍ وطاعه وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين، وغربا كوكبين، وكانا ناظري الدهر،
__________
(1) دوزي: وبذاذاته.
(2/74)

وساحري النّظم والنثر (1) :
رعى الله قبرين استكانا ببلدة ... هما أسكناها في السّواد من القلب
لئن غيّبا عن ناظري وتبوّءا ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب
يقرّ بعيني أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون الترائب بالتّرب
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني ... سأنجد من صحبٍ وأسعد من سحب
فما ساعدت ورق الحمام أخا أسىً ... ولا روّحت ريح الصّبا عن أخي كرب
ولا استعذبت عيناي بعدهما كرىً ... ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب
أحنّ ويثني اليأس نفسي عن الأسى ... كما اضطرّ محمولٌ على المركب الصعب وله يرثي ابنه محمداً:
أمحمداً، إن كنت بعدك صابراً ... صبر السليم لما به لا يسلم
رزئت قبلك بالنبيّ محمدٍ ... ولرزؤه أدهى لديّ وأعظم
فلقد علمت بأنّي بك لاحقٌ ... من بعد ظنّي أنّني متقدّم
لله ذكرٌ لا يزال بخاطري ... متصرّفٌ في صبره مستحكم
فإذا نظرت فشخصه متخيّلٌ ... وإذا أصخت فصوته متوهّم
وبكلّ أرضٍ لي من أجلك لوعةٌ ... وبكلّ قبرٍ وقفةٌ وتلوّم
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ... ودعاه باسمك معولٌ بك مغرم
حكم الردى ومناهج قد سنّها ... لأولي النّهى والحزن قبل متمّم انتهى.
ولعمري إنّه لم يوف القاضي أبا الوليد الباجي حقه الواجب المفترض، ووددت أنّه مدّ النفس في ترجمته بعبارته التي يعترف ببراعتها من سلّم
__________
(1) انظر أيضا المغرب 1: 404.
(2/75)

له ومن اعترض، فإن ترجمة المذكور ممّا سطّره أفسح مجالاً، وأفصح رويّة وارتجالاً، وبالجملة فهو أحد أعلام الأندلس، وهو سليمان بن خلف ابن سعد بن أيوب بن وارث التّجيبي، وذكره ابن بسّام في الذخيرة وابن خلّكان وغير واحد، وأصله من بطليوس، وانتقل جدّه إلى باجة قرب إشبيلية، وليس هو من باجة القيروان، ومولده سنة 403، ورحل سنة 426، فقدم مصر، وسمع بها، وأجّر نفسه ببغداد لحراسة الدروب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق، إلى أن فشا علمه، وتهيأت له الدنيا، وشهرته تغني عن وصفه.
ومن نظمه قوله:
ما طال عهدي بالديار، وإنّما ... أنسى معاهدها أسىً وتبلّد
لو كنت أنبأت الديار صبابتي ... رقّ الصّفا بفنائها والجلمد وله في المعتضد بن عباد والد المعتمد:
عبّادٌ استعبد البرايا ... بأنعمٍ تبلغ النعائم
مديحه ضمن كلّ قلبٍ ... حتى تغنّت به الحمائم ومن أشهر نظمه قوله:
إذا كنت أعلم - البيتين، وقد سبقا
وممّن ذكره أيضاً الحجاري في المسهب، وابن بشكوال في الصّلة، وأنّه حج أربع حجج، رحمه الله تعالى، وتوفّي في المرية لإحدى عشرة بقيت من رجب، وقيل: ليلة الخميس تاسع رجب، وقيل (1) : تاسع عشر صفر،
__________
(1) تاسع رجب، وقيل: سقطت من دوزي.
(2/76)

سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
ومن تواليفه المنتقى في شرح الموطّأ ذهب فيه مذهب الاجتهاد وإيراد الحجج، وهو ممّا يدل على تبحره في الفنون، ولمّا قدم من المشرق إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عاماً وجد ملوك الطوائف أحزاباً متفرقة، فمشى بينهم في الصلح، وهم يجلّونه في الظاهر، ويستثقلونه في الباطن، ويستردون نزعته، ولم يفد شيئاً فالله تعالى يجازيه عن نيته، ولمّا ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همّة في طلب العلم، لأنّك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة الذهب وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق (1) ، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنّك إنّما طلبت العلم وأنت في اتلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرج به إلاّ علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة؛ فأفحمه.
قال عياض: قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، ونوهت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته، حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم، وولي القضاء بمواضع من الأندلس.
[ترجمة ابن حزم] (2)
وابن حزم المذكور هو أبو محمد ابن حزم الظاهري، قال ابن حيّان وغيره: كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل، وله كتب كثيرة في المنطق
__________
(1) يريد أنه يسهر على قنديل الدراب وهو الحارس الليلي وسماه " بائت السوق " لأنه يبيت فيه للحراسة.
(2) ترجمة ابن حزم في الجذوة: 290 (والبغية رقم: 1204) والصلة: 395 وطبقات الأمم: 86 والذخير 1/ 1: 140 والمطمح: 55 والمغرب 1: 354 والمعجب: 30 وتاريخ الحكماء للقفطي: 156 وتذكرة الحفاظ 3: 241 ومسالك الأبصار (الجزء الثامن) وخلط شعره بشعر ابن عمه أبي المغيرة، وفي طوق الحمامة معلومات عنه وكذلك في سائر كتبه ورسائله.
(2/77)

والفلسفة لم يخل فيها من غلط، وكان شافعيّ المذهب، يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريّاً، فوضع الكتب في هذا المذهب، وثبت عليه إلى أن مات، وكان له تعلّق بالأدب، وشنّع عليه الفقهاء، وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه، وتوفّي بالبادية (1) عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وقال صاعد في تاريخه: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسّير والأخبار، أخبرني ابنه الفضل أنّه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه نحو أربعمائة مجلد، نقله عن تاريخ صاعد الحافظ الذهبي.
قال الذهبي: وهو العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح، الأموي، مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنفات، وأول سماعه سنة 399، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدّة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنّة والمذاهب والملل والنّحل والعربية والآداب والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة الحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب.
قال الغزالي رحمه الله تعالى: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأي محمد ابن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه، انتهى باختصار.
وعلى الجملة فهو نسيج وحده، لولا ما وصف به من سوء الاعتقاد، والوقوع في السلف الذي أثار عليه الانتقاد، سامحه الله تعالى.
وذكر الذهبي أن عمره اثنتان وسبعون سنة، وهو لا ينافي قول غيره " إنّه كان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر " لأنّه ولد رحمه الله تعالى بقرطبة بالجانب الشرقي في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام
__________
(1) يعني بقريته التي منها منبته وهب ببادية لبلة، واسمها منت لشم. وفي ق ط ج: من بلده بلد لبلة.
(2/78)

الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، بطالع العقرب، وتوفّي ليومين بقيا من شعبان سنة 456، وكان كثير المواظبة على التأليف، ومن جملة تآليفه كتاب الفصل بين أهل الأهواء والنّحل وكتاب الصادع والرادع على من كفّر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على فرق التقليد وكتاب شرح حديث الموطإ والكلام على مسائله وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها وكتاب " التلخيص والتخليص (1) في المسائل النظريّة وفروعها التي لا نصّ عليها في الكتاب والحديث " وكتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف وكتاب الإمامة والخلافة في سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس انتهى.
وقال ابن سعيد في حق ابن حزم، ما ملخّصه: الوزير العالم الحافظ أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي، وشهرته تغني عن وصفه، وتوفّي منفيّاً بقرية من بلد لبلة، ووصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالةٌ فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه الرسالة، وهي: سمعت وأطعت، لقوله تعالى: " وأعرض عن الجاهلين " وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه الصلاة والسلام: " صل من قطعك، واعف عمّن ظلمك " ورضيت بقول الحكماء: " كفاك انتصاراً ممّن تعرض لأذاك إعراضك عنه "، وأقول:
تتبّع سواي امرأً يبتغي ... سبابك إنّ هواك السّباب
فإنّي أبيت طلاب السفاه ... وصنت محلّي عمّا يعاب
__________
(1) والتخليص: سقطت من ق.
(2/79)

وقل ما بدا لك من بعد ذا ... وأكثر فإنّ سكوتي خطاب وأقول:
كفاني بذكر الناس لي ومآثري ... وما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر
عدوّي وأشياعي كثيرٌ كذاك من ... غدا وهو نفّاع المساعي وضائر (1)
وإنّي وإن آذيتني وعققتني ... لمحتملٌ ما جاءني منك صابر فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها أنشدتني:
نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفسي: قد عرفت مكانها، بالله لا قطعتها إلاّ يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سبباً إلى صونها، فقلت:
نعقت ولم تدر كيف الجواب ... وأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبةٍ ... نأت عنك فيها الجياد العراب
وبتّ من الجهل مستنبحاً ... لغير قرىً فأتتك الذئاب
فكيف تبيّنت عقرى الظّلوم ... إذا ما انقضت بالخميس العقاب
لعمرك ما لي طباعٌ تذمّ ... ولا شيمةٌ يوم مجدٍ تعاب
أنيل المنى والظّبا سخّطٌ ... وأعطي الرضى والعوالي غضاب وأقول:
وغاصب حقٍّ أوبقته المقادر ... يذكّرني حاميم والرمح شاجر (2)
غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ... ويجهل أنّ الحقّ أبلج ظاهر
__________
(1) هذا البيت متقدم على الذي قبله في ق.
(2) قوله " يذكرني حاميم " مأخوذ من أبيات للأشتر النخعي قالها عندما قتل محمد بن طلحة وفيها:
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
(2/80)

ألم تتعلّم يا أخا الظّلم أنّني ... برغمك ناهٍ منذ عشرٍ وآمر
تذلّ لي الأملاك حرّ نفوسها ... وأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شوارداً ... تليّنهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإنّي سائرٌ ... وإن أنأ عن قومٍ فإنّي حاضر
وحسبك أن الأرض عندك خاتمٌ ... وأنّك في سطح السلامة عاثر
ولا لوم عندي في استراحتك التي ... تنفست عنها والخطوب فواقر
فإنّي للحلف الذي مرّ حافظٌ ... وللنزعة الأولى بحاميم ذاكر
هنيئاً لكلٍّ ما لديه فإنّنا ... عطيّة من تبلى لديه السرائر ومن شعر أبي محمد ابن حزم يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر (1) :
أنا الشمس في جوّ العلوم منيرةً ... ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب
ولو أنّني من جانب الشرق طالعٌ ... لجدّ على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو آفاق العراق صبابةٌ ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب
فكم قائلٍ أغفلته وهو حاضرٌ ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدري أن للعبد قصّةً ... وأن كساد العلم آفته القرب
فيا عجباً من غال عنهم تشوّقوا ... له، ودنوّ المرء من دارهم ذنب
وإنّ مكاناً ضاق عنّي لضيّقٌ ... على أنّه فيحٌ مهامهه سهب
وإنّ رجالاً ضيّعوني لضيّعٌ ... وإنّ زماناً لم أنل خصبه جدب
__________
(1) في الأصول: عبد الرحمن بن بشير والتصويب عن الصلة: 313 والمرقبة العليا: 87 - 89 وهو عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر بن غرسية قاضي الجماعة بقرطبة يكنى أبا النطرف ويعرف بابن الحصار، ولاه علي بن حمود القضاء في صدر سنة 407 فظل في منصبه إلى أن عزله المعتد المرواني سنة 419 وتوفي سنة 422.
(2/81)

ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه (1) :
ولكنّ لي في يوسفٍ خير أسوةٍ ... وليس على من بالنبيّ ائتسى ذنب
يقول مقال الصّدق والحقّ إنّني ... حفيظٌ عليمٌ، ما على صادقٍ عتب وقوله:
لا يشمتن حاسدي إن نكبةٌ عرضت ... فالدهر ليس على حالٍ بمتّرك
ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربةٍ ... طوراً، وطوراً يرى تاجاً على ملك وقوله لمّا أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية:
دعوني من إحراق رقٍّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمّنه القرطاس، بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري وقوله:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ... فقلبي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنىً ... لذا سأل المعاينة الكليم وقوله:
وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن أجل وجهٍ لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له أسرفت في اللوم فاتّئد ... فعندي ردٌّ لو أشاء طويل
ألم تر أنّي ظاهريٌّ، وأنّني ... على ما أرى حتى يقوم دليل
__________
(1) في الأصول: ومنها في مدحه لنفسه.
(2/82)

وهو أبو محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن مزيد، القرطبي. قال ابنه أبو رافع الفضل: اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من نحو ثمانين ألف ورقة، انتهى.
أبوه الوزير أبو عمر المذكور كان من وزراء المنصور بن أبي عامر، وتوفّي - كما قال ابن حيان - بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة، وكان منشؤه ومولده بقرية تعرف بالزاوية.
وحكي أن الحافظ أبا محمد ابن حزم قصد أبا عامر ابن شهيد في يوم غزير المطر والوحل شديد الريح، فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال، وقال له: يا سيّدي، مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم! فأنشده أبو محمد ابن حزم بديهاً:
فلو كانت الدنيا دوينك لجّةً ... وفي الجوّ صعقٌ دائمٌ وحريق
لسهّل ودّي فيك نحوك مسلكاً ... ولم يتعذّر لي إليك طريق قال الحافظ ابن حزم (1) : أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي:
إذا شئت أن تحيا غنيّاً فلا تكن ... على حالةٍ إلا رضيت بدونها وهذا كافٍ في فضل الفرع والأصل، سامح الله الجميع.
قال ابن حزم في " طوق الحمامة " (2) : إنّه مرّ يوماً هو وأبو عمر ابن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكّة الحطابين من مدينة إشبيلية، فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال أبو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له أبو عمر: لم نر إلاّ الوجه، فلعلّ ما سترته الثياب ليس كذلك، فقال ابن حزم ارتجالاً:
__________
(1) انظر الجذوة: 118 في ترجمة أحمد بن سعيد والد الفقيه أبي محمد ابن حزم.
(2) لم يرد هذا في طوق الحمامة.
(2/83)

وذي عذلٍ فيمن سباني حسنه ... ... الأبيات.
ولابن حزم أيضاً قوله:
لا تلمني لأنّ سبقة لحظٍ ... فات إدراكها ذوي الألباب
يسبق الكلب وثبة الليث في العد ... وويعلو النّخال في اللّباب ولأبي بكر ابن مفوّز جزء يردّ فيه على أبي محمد ابن حزم، وفيه قال معرّضاً:
يا من تعاني أموراً لن تعانيها ... خلّ التعاني وأعط القوس باريها
تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةً ... وإنّما لمعانيها معانيها وقيل: إنّه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم.
رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي
ومن نظمه قوله من مرثية:
أحنّ ويثني اليأس نفسي على الأسى ... كما اضطرّ محمولٌ على المركب الصّعب ومن جيد نظمه قوله:
اسرّوا على الليل البهيم سراهم ... فنمّت عليهم في الشمال شمائل
متى نزلوا ثاوين بالخيف من منىً ... بدت للهوى بالمأزمين مخايل
فلله ما ضمّت منىً وشعابها ... وما ضمّنت تلك الرّبى والمنازل
ولمّا التقينا للجمار وأبرزت ... أكفٌّ لتقبيل الحصى وأنامل
أشارت إلينا بالغرام محاجرٌ ... وباحت به منّا جسومٌ نواحل
(2/84)

وقال الباجي أبو الوليد رحمه الله تعالى:
مضى زمن المكارم والكرام ... سقاه الله من صوب الغمام
وكان البرّ فعلاً دون قولٍ ... فصار البرّ نطقاً بالكلام وذيّله بعضهم بقوله:
وزال النّطق حتّى لست تلقى ... فتىً يسخو بردٍّ للسّلام
وزاد الأمر حتّى ليس إلاّ ... سخيٌّ بالأذى أو بالملام 46 - ومنهم الفقيه العالم الشهير أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشي (1) صاحب سراج الملوك، ويعرف بابن أبي رندقة (2) - بالراء المهملة المفتوحة، وسكون النون - وكفى بسراج الملوك دليلاً على فضله.
ذكره ابن بشكوال في الصلة، وتوفّي بالإسكندرية، في شعبان، وقيل: جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة (3) ، وزرت قبره بالإسكندرية، وممّن أخذ عنه الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره.
ومن نظم الطرطوشي قوله من رسالة:
أقلّب طرفي في السّماء تردّداً ... لعلّي أرى النّجم الذي أنت تنظر
وأستعرض الرّكبان من كلّ وجهةٍ ... لعلّي بمن قد شمّ عرفك أظفر
__________
(1) ترجمة أبي بكر الطرطوشي في الصلة: 545 ووفيات الأعيان 3: 393 وبغية الملتمس رقم: 295 والمغرب 2: 424 والنجوم الزاهرة 5: 231 وشذرات الذهب 4: 62 والديباج المذهب: 276 وأزهار الرياض 3: 162.
(2) قال ابن خلكان: هي لفظة فرنجية، سألت بعض الفرنج عنها فقال معناها: " رد تعال ".
(3) أثار ابن خلكان شيئا من الإشكال حول تاريخ وفاة الطرطوشي، فقد وجد في مشيخة جمعت لبهاء الدين بن شداد أن الطرطوشي أجازه، وابن شداد ولد سنة 539 فكيف يجيزه إذا كان قد توفي سنة 520 (وفي بعض أصول المقري أن الطرطوشي توفي سنة 540) .
(2/85)

وأستقبل الأرواح عند هبوبها ... لعلّ نسيم الريح عنك يخبّر
وأمشي ومالي في الطّريق مآربٌ ... عسى نغمةٌ باسم الحبيب ستذكر
وألمح من ألقاه من غير حاجةٍ ... عسى لمحةٌ من نور وجهك تسفر ومن نظمه أيضاً قوله:
يقولون ثكلى ومن لم يذق ... فراق الأحبّة لم يثكل
لقد جرّعتني ليالي الفراق ... كؤوساً أمرّ من الحنظل وممّا نسب إليه (1) :
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بإنجازها مغرم
فأرسل بأكمه جلاّبة ... به صممٌ أغطشٌ أبكم
ودع عنك كلّ رسولٍ سوى ... رسولٍ يقال له الدرهم وكان كثيراً ما ينشد (2) :
إنّ لله عباداً فطنا ... طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا
فكّروا فيها فلمّا علموا ... أنّها ليست لحيٍّ وطنا
جعلوها لجّةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا وقال رحمه الله تعالى (3) : كنت ليلة نائماً بالبيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتاً حزيناً ينشد:
أخوفٌ ونومٌ، إنّ ذا لعجيب ... ثكلتك من قلبٍ فأنت كذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقاً ... لما كان للإغماض فيك نصيب
__________
(1) انظر تحقيق ذلك في ابن خلكان.
(2) جاءت هذه الأبيات منسوبة لع في الصلة.
(3) النقل عن ابن خلكان.
(2/86)

قال: فأيقظ النوّام، وأبكى العيون.
وكان رحمه الله تعالى زاهداً، متورعاً، متقلّلاً من الدنيا، قوّالاً للحق. وكان يقول: إذا عرض لك أمر (1) دنيا وأخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وله طريقة في الخلاف.
ودخل مرّة على الأفضل ابن أمير الجيوش فوعظه، وقال له (2) : إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنّما صار إليك بموت من قبلك، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك، فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة، فإن الله، عزّ وجل، سائلك عن النقير والقطمير والفتيل، واعلم أن الله، عزّ وجلّ، آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزّ من قائل: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ " فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من الله، عزّ وجلّ، فقال: " هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر " فافتح الباب، وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم.
وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده (3) :
يا ذا الذي طاعته قربة ... وحقّه مفترضٌ واجب
إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من مكانه.
والطّرطوشي - بضم الطاءين - نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس،
__________
(1) دوزي: أمران.
(2) ورد هذا النص في سراج الملوك: 61 مع بعض اختلاف، وأزهار الرياض 3: 164.
(3) النقل عن ابن خلكان.
(2/87)

وقد تفتح الطاء الأولى.
وعبر عنه ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق بالأستاذ.
وكان رحمه الله تعالى صحب القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى بسرقسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجازه، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم بمدينة إشبيلية، ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة، ودخل بغداد والبصرة فتفقّه عند أي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني، وسمع بالبصرة من أبي علي التّستري، وسكن الشام مدّة، ودرس بها، وكان راضياً باليسير.
وقال الصفدي في ترجمة الطرطوشي (1) : إن الأفضل ابن أمير الجيوش أنزله في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلمّا طال مقامه به ضجر، وقال لخادمه: إلى متى نصبر اجمع لي المباح، فجمعه، وأكله ثلاثة أيام، فلمّا كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلمّا كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً، وله ألّف الشيخ سراج الملوك، انتهى.
ومقامه - أعني الطرطوشي - مشهور، وهذه الحكاية تكفي في ولايته.
ومن تآليفه " مختصر تفسير الثعالبي "، و " الكتاب الكبير في مسائل الخلاف "، وكتاب " في تحريم جبن الروم "، وكتاب " بدع الأمور ومحدثاتها "، وكتاب " شرح رسالة الشيخ ابن أبي زيد ".
وولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريباً، ولمّا توفّي صلى عليه ولده محمد، ودفن رحمه الله تعالى قبل الباب الأخضر بإسكندرية، وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى، ورضي عنه، ونفعنا به.
وكان القاضي عياض ممن استجازه فأجازه ولم يلقه، وشهرته رضي الله
__________
(1) انظر ابن خلكان 3: 394.
(2/88)

تعالى عنه تغني عن الإطناب.
وحكي أنّه كتب على " سراج الملوك " الذي أهداه لولي الأمر بمصر:
الناس يهدون على قدرهم ... لكنّني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... يبقى على الأيّام والدّهر وحكي أنّه سمع رضي الله تعالى عنه منشداً نشد للوأواء:
قمرٌ أتى من غير وعد ... في ليلةٍ طرقت بسعد
بات الصّباح إلى الصبا ... ح معانقي خدّاً بخدّ
يمتاز (1) فيّ وناظري ... ما شئت من خمر وشهد فقال: أو يظن هذا الدمشقي أن أحداً لا يحسن ينظم الكذب غيره لو شئنا لكذبنا مثل هذا؛ ثم أنشد لنفسه يعارضه:
قمر بدا من غير وعد ... حفّت شمائله بسعد
قبّلته ورشفت ما ... في فيه من خمر وشهد
فرشفت مزن السلسبي ... ل بزنجبيلٍ مستعدّ
ولثمت فاه من الغرو ... ب إلى الصّباح المستجدّ
وسكرت من رشفي العقي ... ق على أقاحٍ تحت رند
فنزعت عن فمه فمي ... ووضعت خدّاً فوق خدّ
وشممت عرف نسيمه ال ... جاري على مسكٍ وندّ
وصحوت من ريّا القرن ... فل بين ريحانٍ وورد
وألذّ من وصلي به ... شكواه وجداً مثل وجدي ومن نظم الطرطوشي قوله أيضاً:
__________
(1) كذا في الأصول؛ وفي دوزي " يمتار ".
(2/89)

كأنّ لساني والمشكلات ... سنا الصّبح ينحر ليلاً بهيما
وغيري إن رام ما رمته ... خصيٌّ يحاول فرجاً عقيما وقوله أيضاً:
فاعمل لمعادك يا رجل ... فالقوم (1) لدنياهم عملوا
واذخر لمسيرك من زادٍ ... فالقوم بلا زادٍ رحلوا 47 - ومنهم محمد بن عبد الجبار الطرطوشي (2) ، وفد إلى المشرق، وذكره العماد في الخريدة وله في الآمدي العلي (3) بمصر، وكان يخضب بسواد الرّمان (4) ، يخضب بأقبح سواد خضب به (5) :
اخلط العفص فيه يا أحوج النّا ... س إلى العفص حين يعكس عفص 48 - ومنهم القاضي الشهيد أبو علي الصدفي (6) ، وهو حسين بن محمد بن فيرّه بن حيّون، ويعرف بابن سكّرة (7) ، وهو من أهل سرقسطة، سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن الباجي وأبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببلنسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمريّة من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله ابن المرابط وغيرهما،
__________
(1) ق ط: فالقلب، وهو سهو، وفي بعض النسخ: فالناس.
(2) اسمه في نسخة باريس من الخريدة (حسبما ذكر في هوامش طبعة ليدن) : محمود بن عبد الجبار الطرسوسي.
(3) ق: الامد العجلي.
(4) الخريدة: الرماد، وهو الصواب فيما يبدو.
(5) يخضب ... خضب به: وردت في ط ق وسقطت من ج.
(6) في ط: الصيرفي.
(7) دوزي: شكرة بالشين؛ وانظر ترجمته في الصلة: 143 وتهذيب ابن عساكر 4: 459 وتذكرة الحفاظ: 1253 وشذرات الذهب: 104 وفي أصحابه ألف ابن الأبار " المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي " (ط. مدريد 1885) وقد شهر بابن الدراج.
(2/90)

ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وحج من عامه، ولقي بمكّة أبا عبد الله الحسن (1) بن علي الطبري وأبا بكر الطرطوشي وغيرهما، ثم سار إلى البصرة فلقي بها أبا يعلى المالكي وأبا العباس الجرجاني وأبا القاسم ابن شعبة وغيرهم، وخرج إلى بغداد فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي، وطراد الزينبي، والحميدي، وغيرهم، وتفقّه عند أبي بكر الشاشي وغيره، ثم رحل منها سنة سبع وثمانين، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر المقدسي وأبي الفرج (2) الأسفراييني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي، وأجاز له الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها، وسمع بالإسكندريّة من أبي القاسم الوراق (3) وشعيب بن سعيد وغيرهما، ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين (4) وأربعمائة، وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدّث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالماً بالحديث وطرقه، عارفاً بعلله، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط جيّد الضبط، وكتب بخطّه علماً كثيراً، وقيّده، وكان حافظاً لمصنّفات الحديث، قائماً عليها، ذاكراً لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائماً على الكتابين مع مصنّف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلاً ديّناً متواضعاً حلوماً وقوراً عالماً عاملاً، واستقضي بمرسية، ثم استعفى فأعفي،
__________
(1) الصلة: الحسين.
(2) اسمه: سهل بن بشر.
(3) اسمه: مهدي بن يونس.
(4) ق ط: سبعين، وهو خطأ نسخي.
(2/91)

وأقبل على نشر العلم وبثّه (1) .
وقد ذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه لدخوله الشام، قال (2) : وبعد أن استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيّد وروى، رفعته ملوك أوانه، وشفّعته في مطالب إخوانه، فأوسعته رعياً، وأحسنت فيه رأياً، ومن أبنائهم من جعل يقصده، لسماع يسنده، وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستطرف، وهو أن فتىً يسمى يوسف لازم مجلسه، معطراً رائحته ومنظفاً ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه، ولمّا فرغ أو أبلّ، عاود ذلك النادي المبارك والمحلّ، وقبل إفضائه إليه، دلّ طيبه عليه، فقال الشيخ على سلامته من المجون، وخلاصه من الفتون: " إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون " وهي من طرف نوادره (3) رحمة الله عليه.
ولمّا قلّد قضاء مرسية وعزم عليه صاحب الأمر فيه فرّ من المرية فأقام بها سنة خمس وبعض سنة ست وخمسمائة، وفي سنة ست قبل قضاءها على كره إلى أن استخفى آخر سنة سبع في قصّة يطول إيرادها، وبطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه بها، فلمّا كانت وقعة كتندة (4) كان ممّن حضرها ففقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وقال القاضي عياض: ولقد حدّثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أنّه قال له: خذ الصحيح، واذكر أيّ متن شئت منه أذكر لك سنده، أو أيّ سند شئت أذكر لك متنه، انتهى.
__________
(1) إلى هنا كانت الترجمة نقلا عن الصلة، مع شيء يسير من الإيجاز.
(2) لم يرد شيء من هذا النص في تهذيب ابن عساكر، وظني أنه ليس من تاريخ دمشق، فهو مبني على السجع، إلا أن يكون ابن عساكر ناقلا له من مصدر آخر.
(3) ق: ظرف نوادره؛ ط: وهي من نوادره.
(4) تكتب أيضا " قتندة " وتقع في جزيرة دورقة (Doroca) من عمل سرقسطة.
(2/92)

وذكر غير واحد أنّه حدّث ببغداد بحديث واحد، والله أعلم؛ وهو من أبناء الستين (1) .
49 - ومنهم ابن أبي روح الجزيري، ومن شعره لما تغرب بالمشرق قوله:
أحنّ إلى الخضراء في كلّ موطن ... حنين مشوقٍ للعناق وللضّمّ
وما ذاك إلاّ أنّ جسمي رضيعها ... ولا بدّ من شوق الرضيع إلى الأمّ 50 - ومنهم العالم أبو حفصٍ عمر بن حسن الهوزني (2) ، الحسيب العالم المحدّث، ذكره ابن بسام في الذخيرة والحجاري في " المسهب " (3) ، وسبب رحلته للمشرق أنّه لمّا تولى المعتضد بن عبّاد خاف منه، فاستأذنه في الحج سنة 444، ورحل إلى مصر، ثم إلى مكّة، وسمع [في طريقه كتاب] صحيح البخاري، وعنه أخذه أهل الأندلس، ورجع، وسكن إشبيلية وخدم المعتضد، فقتله [ومن خاف (4) من شيء سلط عليه، وكان قتله يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول (5) ] سنة ستين وأربعمائة.
ومن شعره يحرّضه على الجهاد:
أعبّاد جلّ الرّزء والقوم هجّع ... على حالةٍ من مثلها يتوقّع
فلقّ كتابي من فراغك ساعة ... وإن طال فالموصوف للطول موضع
إذا لم أبثّ الداء ربّ شكاية ... أضعت، وأهلٌ للملام المضيّع [ووصله بنثر، وهو] : وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها،
__________
(1) هذه الجملة ثبتت في ق ط، وسقطت من دوزي وج.
(2) ترجمة الهوزني في الذخيرة (القسم الثاني: 33) والصلة: 381 والمغرب 1: 234.
(3) ذكره ... المسهب: سقطت من ق ط ج.
(4) ما بين معقفين زيادة من الذخيرة.
(5) الذخيرة: 34 - 35.
(2/93)

ولا أرجأ الدليل من أناط الأمور بأربابها، ولربّ أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبّق مفاصلها (1) فقد أمكنك الحزّ، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب.
وله (2) :
صرّح الشرّ فلا يستقلّ ... إن نهلتم جاءكم بعد علّ
بدء صعق الأرض رشٌّ وطلّ ... ورياحٌ ثم غيمٌ أبلّ
خفّضوا فالداء رزءٌ أجلّ ... واغمدوا سيفاً عليكم يسلّ وابنه أبو القاسم هو الذي كان سبب فساد دولة المعتمد بن عباد بسبب قتل المعتضد والده كما مرّ (3) ؛ [وبيت بني الهوزني بالأندلس بيت كبير مشهور ومنهم عدّة علماء وكبراء، رحم الله الجميع] (4) .
51 - ومنهم أبو عمرو عثمان بن الحسين (5) ، أخو الحافظ أبي الخطاب ابن دحية الآتي ذكره (6) ، كان أسنّ من أخيه أبي الخطاب، وكان حافظاً للغة العرب، قيّماً بها، وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث الكاملية التي أنشأها بين القصرين ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، ولم يزل بها إلى أن توفّي
__________
(1) ق ط ج: مضاربها.
(2) الذخيرة: 37.
(3) في دوزي: وبسبب قتل بني عباد لأبي حفص الهوزني المذكور تسبب ابنه أبو القاسم في فساد دولة المعتمد بن عباد، وحرض عليه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب المغرب حتى أزال ملكه ونثر سلكه وسبب هلكه، كما ذكرناه في غير هذا الموضع من هذا الكتاب غير مرة، فليراجعه من أراده في محاله.
(4) زدنا هذه العبارة من دوزي.
(5) ترجمته في شذرات الذهب 5: 168 وذيل الروضتين: 164 ووفيات الأعيان 3: 123.
(6) ذكره: سقطت من ق ط ج، وانظر الترجمة رقم 55 فيما يلي.
(2/94)

سنة 634 بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم كأخيه، وكان موت أبي عمرو بعد أبي الخطاب بسنة، رحمهما الله تعالى.
52 - ومنهم الكاتب أبو بكر محمد بن القاسم (1) ، من أهل وادي الحجارة، ويعرف باشكنهادة (2) ، وارتحل إلى المشرق لما نبت به حضرة قرطبة عند تقلب دولها، وتحول ملوكها وخولها، فجال في العراق، وقاسى ألم الفراق، واجتاز بحلب، وأقام بها مقام غريب لم يصف له حلب، وقال (3) :
أين أقصى الغرب من أرض حلب ... أملٌ في الغرب موصول التّعب
حنّ من شوقٍ إلى أوطانه ... من جفاه صبره لمّا اغترب
جال في الأرض لجاجاً حائراً ... بين شوقٍ وعناء ونصب
كلّ من يلقاه لا يعرفه ... مستغيثاً بين عجمٍ وعرب
لهفّ نفسي أين هاتيك العلا ... واضياعاه ويا غبن الحسب
والذي قد كان ذخراً وبه ... أرتجي المال وإدراك الرّتب
صار لي أبخس ما أعددته ... بين قومٍ ما دروا طعم الأدب
يا أحبّاي اسمعوا بعض الذي ... يتلقّاه الطّريد المغترب
وليكن زجراً لكم عن غربةٍ ... يرجع الرأس لديها كالذنب
واحملوا طعناً وضرباً دائماً ... فهو عندي بين قومي كالضّرب
ولئن قاسيت ما قاسيته ... فيما أبصر لحظي من عجب
ولقد أخبركم أن ألتقي ... بكم حتى تقولوا قد كذب
__________
(1) ترجمته في المغرب 2: 31.
(2) في المغرب: اشكهباط؛ وأعتقد أن هذا هو نفسه الذي ورد في الذخيرة 1/ 1: 195 باسم " أبو بكر المعروف باشكمياط " وقد عرضت عليه فصول لأبي عامر ابن شهيد، فقال فيها: فقر حسان إلا أنه عثر عليها، فكتب إليه ابن شهيد رسالة (الذخيرة 1/ 1: 196) .
(3) بعض هذه القصيدة في المغرب.
(2/95)

واجتاز بدمشق فقال من أبيات رحمه الله تعالى:
دمشقٌ جنّة الدنيا حقيقاً ... ولكن ليس تصلح للغريب
بها قومٌ لهم عددٌ ومجدٌ ... وصحبتهم تؤول إلى حروب ثم إنّه ودع الشرق بلا سلام، وحلّ بحضرة دانية لدى ملكها مجاهد العامري في بحبوحة عزٍّ لا يخشى فيه الملام، واستقبل الأندلس بخاطر جديد، ونال بها بعد من بلوغ الآمال ما ليس له عليه مزيد، وقال (1) :
وكم قد لقيت الجهد قبل مجاهد ... وكم أبصرت عيني وكم سمعت أذني
ولاقيت من دهري وصرف خطوبه ... كما جرت النكباء في معطف الغصن
فلا تسألوني عن فراق جهنم ... ولكن سلوني عن دخولي إلى عدن وله من كتاب: وحامل كتابي - سلّمه الله تعالى وأعانه - ممّن أخنى عليه الزمان، وأدار عليه وما صحا إلى الآن كؤوس الهوان، وقد قصد على بعدٍ جنابك الرحيب الخصيب، قصد الحسن محلّ الخصيب، ويمم جناب ابن طاهر حبيب، وإنّي لأرجو أن يرجع منك رجوع نصيب عن سليمان (2) ، ويستعين في شكرك بكل لسان، وأنت عليم بأن الثناء هو الخلف، وقد قال الأول:
أرى الناس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن وأنا القائل:
فلا تزهدن في الخير قد مات حاتمٌ ... وأخباره حتى القيامة تذكر
__________
(1) انظر هذا الشعر في المغرب.
(2) الحسن بن هانئ أبو نؤاس أم جناب الخصيب صاحب الخراج بمصر، وحبيب أبو تمام أم عبد الله ابن طاهر، ونصيب أم سليمان بن عبد الملك.
(2/96)

ومع هذا فهو عليه بقدر ما يحتمل من التكليف هذا الأوان، عارف وجوه الأعذار غير ذي عجل في العتب قبل البيان، وعند سيدي من التهدي للإيصاء، ما يحقق فيه جميع الرجاء، ودامت أرجاؤه مؤملة، ولا برحت نعمه سابغة مكملة.
53 - ومنهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عبد ربه المالقي (1) ، وقال بعضهم: إنّه من الجزيرة الخضراء، له رحلة إلى الديار المصريّة، صنع فيها مقامة يقول فيها:
في جنبات الروض نهرٌ ودوحةٌ ... يروقك منها سندسٌ ونضار
تقول وضوء البدر فيه مغرّبٌ (2) ... ذراع فتاةٍ دار فيه سوار ومن شعره:
ما كلّ إنسانٍ أخٌ منصف ... ولا الليالي أبداً تسعف
فلا تضع إن أمكنت فرصةً ... واصحب من الإخوان من ينصف
وانتف من الدهر ولو ريشةً ... فإنّما حظّك ما تنتف وقوله يرثي السيد أبا عمران ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس:
بجيد المعالي أيّ عقدٍ تبدّدا ... وصدر العوالي أيّ رمحٍ تقصّدا
__________
(1) ترجمته في تحفة القادم: 94 والمغرب 1: 427 والمعجب: 375 - 378 والوافي رقم: 203 وكنيته في التحفة " أبو عمرو "، وقال إن أبا بكر ابن صقلاب كناه في بعض ما خاطبه به أبا عبد الله، وكان صديقا لصاحب المعجب وقال: إن له اتساعا في صناعة الشعر إلا أنه نحل كثيرا من شعره السيد الأجل أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن أيام كتابته له؛ وقال ابن سعيد: وله رسالة في صقلية ذكر فيها ما جرى له بمصر وحذر فيها من الأسفار لما قاسى فيها.
(2) في الأصول: مغربا.
(2/97)

ولمّا دهت خيل الشقيّ فجاءةً ... وسال العدا بحراً من الموت مزبدا
شهدت بوجهٍ كالغزالة مشرقاً ... وإن كان وجه الشمس بالنّقع مربدا
عزائم صدقٍ ليس تصرف هكذا ... إلى الموت تسعى أو على الموت يعتدى وكان السيد أبو عمران المرثي قتله الميورقي (1) صاحب فتنة إفريقية في الهزيمة المشهورة على تاهرت، وجمع ابن عبد ربّه المذكور شعر السيد أبي الربيع ابن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وكان ابن عبد ربه المذكور كاتباً للسيد أبي الربيع سليمان المذكور، ولما أنشد لبعض الشعراء (2) :
حاكت يمين الرّياح محكمةً ... في نهرٍ واضح الأسارير
فكلّما ضعّفت به حلقاً ... قام لها القطر بالمسامير أنشد لنفسه (3) :
بين الرياض وبين الجوّ معتركٌ ... بيضٌ من البرق أو سمرٌ من السّمر
إن أوترت قوسها كفّ السماء رمت ... نبلاً من الماء في زغفٍ من الغدر
لأجل ذاك إذا هبّت طلائعها ... تدرّع النهر واهتزت قنا الشجر واجتمع ابن عبد ربه المذكور في رحلته بالسعيد ابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب.
__________
(1) هذا الميورقي هو يحيى بن غانية، وكان السيد أبو عمران موسى والياً يومئذ على تلمسان، فاتصل كبراء زناتة فيها بيحيى بن غانية ووصفوا له ما فيه أبو عمران من ضعف وعدم استعداد، ففاجأه ابن غانية وقضى عليه وعلى أكثر من معه واقتحم مدينة تاهرت ونهبها وخربها (سنة 605) انظر ابن خلدون 6: 249، 278.
(2) هذا ما أنشده إياه صديقه عبد الواحد المراكشي، انظر المعجب: 376.
(3) من الغريب أن هذا الشعر ثابت في ديوان أبي ربيع: 140، مما قد يرجح القول بأن المالقي نحل كثيراً من شعره لهذا الأمير.
(2/98)

54 - ومنهم الشاعر الأديب أبو محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان المالقيّ (1) ، ومن نظمه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من قصيدة رحمه الله تعالى (2) :
وفي صهوات المقربات وفي القنا ... حصون حمىً لا في هضاب المعاقل ومنها:
ولا ملك يأتي كيوسف آخراً ... كما لم يجئ مثلٌ له في الأوائل 55 - ومنهم الحافظ أبو الخطاب ابن دحية (3) ، وهو مجد الدين عمر بن الحسن بن علي بن محمد [بن الجميّل] بن فرح بن خلف، الظاهري المذهب، الأندلسي، كان من كبار المحدثين، ومن الحفاظ الثّقات الأثبات المحصلين، استوطن بجاية في مدة أبي عبد الله ابن يومور، وروى بها، وأسمع، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشيّ اللغة عنده مستعملاً غالباً، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيّها إلاّ وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده - والله تعالى أعلم - أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلّها مغلقات مقفلات، وكان - رحمه الله تعالى - إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب ابن دحية ودحية معاً التشبّه به جبريل وجبرائيل، ويذكر ما ينيّف على ثلاثة عشرة لغة مذكورة
__________
(1) ترجمته في الفوات 2: 35 وابن أبي أصيبعة 2: 157 وكنيته فيهما أبو الفضل والنسبة إلى جليانة (أو جيان) لا إلى مالقة؛ وكان مقربا عند صلاح الدين، ماهرا في الطب، وله عشرة دواوين عدها صاحب الفوات وابن أبي اصيبعة.
(2) من قصيدة له ورد بعض أبياتها في الفوات 2: 36.
(3) ترجمة أبي الخطاب ابن دحية في وفيات الأعيان 3: 121 والغبريني: 159 وشذرات الذهب 5: 160 ومرآة الزمان 2: 698 وذيل الروضتين: 163 والتكملة رقم: 1832 وصلة الصلة: 73.
(2/99)

في جبريل، ويقول عند فاطر السموات والأرض، وهذا فرع انفرد به عمّن عداه من أهل العلم.
قال صاحب عنوان الدراية: رأيت له تصنيفاً في رجال الحديث لا بأس به، وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب، فرفعوا شأنه، وقربوا له مكانه، وجمعوا له علماء الحديث، وحضروا له مجلساً أقروا له بالتقدم، وعرفوا أنّه من أولي الضبط والإتقان والتفهم، وذكروا أحاديث بأسانيد حوّلوا متونها، فأعاد المتون المحوّلة، وعرّف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية، ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر ابن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها.
ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب:
ما لي أسائل برق بارق عنكم ... من بعد ما بعدت دياري منكم
فمحلّكم قلبي وأنتم بالحشا ... لا بالعقيق ولا برامة أنتم
وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم ... يا مالكين، وفيتم أو خنتم وهو طويلة، ومنها:
رفعت له الأملاك منه سجيّةً ... ملك السّماك الرمح وهو محرّم ومنها أيضاً:
لذوي النّهى والفهم سرّ حكومة ... قد حار فيها كاهنٌ ومنجّم
فاقصد مرادك حيث سرت مظفّراً ... والله يكلأ والكواكب نوّم
وليهنك الشهر السعيد تصومه ... وتفوز فيه بالثواب وتغنم
فلأنت في الدنيا كليلة قدره ... قدراً، فقدرك في الملوك معظّم فأجابه السلطان مكافأةً بنثر ونظم، فمن النظم:
(2/100)

وهيّجن شوقي للأجارع باللّوى ... وأين اللّوى مني وأين الأجارع
مرابع لو أنّ المرابع أنجمٌ ... لكان نجوم الأرض تلك المرابع
رعى الله أياماً لها ولو أنّها ... إليّ وقد ولّى الشباب رواجع
ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها ... يلوح لها من صبح شيبي مواقع في جملة أبيات.
ومن النثر: الحمد لله ولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درّها، وليس من البديع أن يقذف البحر درّاً، أو ينظم الخليل شعراً، وقد أخذت الورقة لأتنزه في معانيها، وأستفيد بما أودعه (1) فيها، فالله تعالى لا يخلينا من فوائد فكرته، وصالح أدعيته، والسلام.
فأجابه الحافظ أبو الخطاب عن الأبيات بقوله من قصيدة:
شجتني شواجٍ في الغصون سواجع ... ففاضت هوامٍ للحفون هوامع وأكثر فيها من التغزل، إلى أن قال:
ولا حاكمٌ أرضاه بيني وبينها ... سوى حاكمٍ دهري له اليوم طائع
يدافع عني الضّيم قائم سيفه ... إذا عزّ من للضّيم عنّي يدافع
هو الكامل الأوصاف والملك الذي ... تشير إليه بالكمال الأصابع
وبيض أياديه الكريمة في الورى ... قلائد في الأعناق وهي الصّنائع
ويوماه يوماه اللّذان هما هما ... إذا جمعت غلب (2) الملوك المجامع ومنها:
فما روضةٌ غنّا بها مرّت الصّبا ... ونشر شذاها الطّيّب النّشر ذائع
__________
(1) ق: أودعته.
(2) ق: جمعت منه.
(2/101)

له من شذيّ الزهر بردٌ مفوّفٌ ... أتيح له من أرض صنعاء صانع
فراقك منها أخضر الثوب ناضرٌ ... وشاقك منها أصفر اللون فاقع
وأحمر قانٍ للخدود مورّدٌ ... وأبيض كالثغر المفلّج ناصع
بأحسن من توشيع مدحي الذي له ... بدائع من وشي البديع وشائع
وما ضائعٌ من نشر شكري الذي به ... تأرجت الأرجاء عندك ضائع
ولو لم يقيّدني نداك لكان لي ... مجالٌ فسيح في البسيطة واسع
فأنت الذي لي والأعادي كثيرة ... فويق مكان النجم في الأفق دافع ومنها:
بقيت لعبدٍ جدّه دحية الذي ... يشابه جبريلٌ له ويضارع
وجدّته الزهراء بن محمدٍ ... عليه السلام الدائم المتتابع
ولا عدمت منك الممالك مالكاً ... يقرّب للآمال ما هو شاسع
ومنك عيونٌ للمهمّات يقّظٌ ... وعنك عيون الحادثات هواجع وقال المقريزي في ترجمة الملك الكامل: إنّه كان مشغوفاً بسماع الحديث النبوي، وبقدم عنده أبو الخطاب ابن دحية، وبنى له دار الحديث الكامليّة بين القصرين بالقاهرة، انتهى.
وقال أبو الخطاب ابن دحية: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه (1) ، وذكر أنّه ما سأل الله تعالى بها إلاّ أعطاه:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدّ لكلّ ما يتوقّع
يا من يرجّى للشدائد كلّها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
__________
(1) الأبيات في المطمح: 234 وأبو القاسم السهيلي هو عبد الرحمن بن عبد الله (توفي 581) صاحب الروض الأنف، انظر ترجمته في التكملة رقم: 1613 والمطرب: 230 وأدباء مالقة؛ الورقة: 127.
(2/102)

يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ ... فلئن رددت فأيّ بابٍ اقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن يقنّط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع ومن نظم السّهيلي رضي الله تعالى عنه (1) :
أسائل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق
وما بي إلى جيرانه من صبابةٍ ... ولكنّ نفسي (2) عن صبوحٍ ترقّق وله (3) :
لمّا أجاب بلا طمعت بوصله ... إذ حرف لا حرفان معتنقان
وكذا نعم بنعيم وصلٍ آذنت ... فنعم ولا في اللفظ (4) متفقان ولد أبو الخطاب ابن دحية في ذي القعدة سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وخمسمائة (5) وتوفّي في انفجار الفجر ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.
وتكلم فيه جماعة فيما ذكره ابن النجار، وقدره أجلّ ممّا ذكروه، وقد روى رحمه الله تعالى بالمغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وعراق العجم، وكل ذلك في طلب الحديث، وسمع بالأندلس من ابن بشكوال وابن
__________
(1) أدباء مالقة: 129.
(2) أدباء مالقة: قلبي ... يرقق؛ وفيه إشارة إلى المثل " أعن صبوح ترقق ".
(3) أدباء مالقة: 130.
(4) أدباء مالقة: في الحب.
(5) مختلف في عام ولادته، راجع وفيات الأعيان؛ وفيه أنه ولد 544.
(2/103)

زرقون في جمع كبير، وببغداد من أبي الفرج ابن الجوزي، وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني ومن غيره، وبنيسابور من أبي سعيد ابن الصفّار ومنصور بن الفراوي والمؤيد الطوسي، وحصل الكتب والأصول، وحدّث، وأفاد، وكان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقناً لعلم الحديث وما يتعلّق به، عارفاً بالنحو واللّغة وأيّام العرب وأشعارها.
وصنّف كتباً كثيرة مفيدة جدّاً، منها كتاب التنوير في مولد السراج المنير صنفه عند قدومه إلى إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان لمّا رأى ملك إربل مظفر الدين كوكبري معتنياً بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول كل عام، مهتمّاً به غاية الاهتمام، وكمله وقرأه عليه بنفسه، وختمه بقصيدة طويلة، فأجازه بألف دينار، وصنف أيضاً العلم المشهور في فضائل الأيّام والشهور، والآيات البيّنات في ذكر ما في أعضاء رسول الله صلّى اله عليه وسلّم من المعجزات وكتاب شرح أسماء النبي صلّى الله عليه وسلّم وكتاب " النبراس في أخبار خلفاء بني العباس وكتاب الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفّين " (1) .
وولي قضاء بلد أصوله دانية مرتين، ثم صرف عن ذلك لسيرة نعيت عليه، فرحل عنها وحدث بتونس سنة 595، ثم حجّ وكتب بالمشرق عن جماعة بأصبهان ونيسابور، وعاد إلى مصر، فاستأدبه العادل لولده الكامل، وأسكنه القاهرة، فنال بذلك دنيا عريضة، ثم زادت حظوته عند الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً وكان يعظمه ويحترمه، ويعتقد في الخير، ويتبرك به، حتى كان يسوي له المداس حين يقوم، وهو بلنسي كما قاله ابن خلّكان وغيره، وبلنسية مشهورة بشرق الأندلس.
__________
(1) لم يذكر كتاب " المطرب " الذي ألفه ليعرف بالأدباء الأندلسيين والأدب الأندلسي.
(2/104)

56 - ومنهم خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ، الحافظ، الأندلسي (1) ، رحل إلى المشرق، وكان حافظاً فهماً عارفاً بالرجال، حدث حديث مالك وشعبة وأشياء في الزهد، وسم بمصر أبا الحسن ابن الورد البغدادي ومسلم بن الفضل والحسن بن رشيق وجماعة، وسم بدمشق عليّ بن أبي العقب وأب الميمون ابن راشد وبمكّة من بكير الحداد وأي الحسن الخزاعي والآجري، وبقرطبة من أحمد بن يحيى بن الشاهد ومحمد بن معاوية، وتوفّي سنة 393.
57 - ومنهم خلف بن سعيد بن عبد الله بن زرارة أبو القاسم ابن المرابط (2) ، الكلبي، من ذرية الأبرش الكلبي، ويعرف بالمبرقع (3) ، المحتسب، القرطبي، رحل إلى المشرق مرتين، أولاهما سنة 332 (4) ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وسمع أبا سعيد ابن الأعرابي وابن الورد وأبا بكر الآجري، وروى عنه أبو إسحاق ابن شنظير وأبو جعفر الزهراوي، وقال ابن شنظير: إنّه توفّي في نحو الأربعمائة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
58 - ومنهم سابق فضلاء زمانه، أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الإشبيلي (5) .
يقال: إن عمره ستون سنة، منها عشرون في بلده إشبيلية، وعشرون في إفريقية عند ملوكها الصّنهاجيين، وعشرون في مصر محبوساً في خزانة الكتب، وكان وجّهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسجن بها طول تلك المدة في خزانة الكتب، فخرج في فنون العلم إماماً، وأمتن علومه الفلسفة والطب والتلحين،
__________
(1) ترجمته في الجذوة: 195 (والبغية رقم: 717) وابن الفرضي 1: 163.
(2) ترجمته في الصلة: 159.
(3) الصلة: بابن المبرقع.
(4) كذلك هو في الصلة أيضا، وفي ط: 333.
(5) قد مرت الإشارة إليه وذكر مصادر ترجمته، انظر ما سبق 1: 496 وله ترجمة في الخريدة 4/ 1: 223 - 343 فيها مختارات من أشعاره مرتبة على الحروف.
(2/105)

وله في ذلك تواليف تشهد بفضله ومعرفته، وكان يكنى بالأديب الحكيم، وهو الذي لحن الأغاني الإفريقية؛ قال ابن سعيد: وإليه تنسب إلى الآن. وذكره العماد في الخريدة. وله كتاب الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وتوفّي سنة 520، وقيل: سنة 528، بالمهدية، وقيل: مستهل السنة بعدها، ودفن بها.
وله فيمن اسمه واصل (1) :
يا هاجراً سمّوه عمداً واصلاً ... وبضدّها تتبين الأشياء
ألغيتني حتى كأنّك واصلٌ ... وكأنّني من طول هجري الراء وقوله، وهو من بدائعه (2) :
لا غرو أن سبقت لهاك مدائحي ... وتدفقت جدواك ملء إنائها
يكسىالقضيب ولم يحن إثماره ... وتطوّق (3) الورقاء قبل غنائها وقال في الأفضل (4) :
تردي بكلّ فتى إذا شهد الوغى ... نثر الرماح على الدروب كعوبا
قد لوّحته يد الهواجر فاغتدى ... مثل القناة قضافةً وشحوبا
تخذوا القنا أشطانهم واستنبطوا ... في كلّ قلبٍ بالطّعان قليبا ومنها (5) :
تعطي الذي أعطتكه سمر القنا ... أبداً فتغدو سالباً مسلوبا
__________
(1) الخريدة: 224.
(2) الخريدة: 226.
(3) ق ط ج ودوزي: وتطقطق.
(4) الخريدة: 228.
(5) هذا البيت والذي يليه في الخريدة: 230.
(2/106)

ومنها:
وأنا الغريب مكانه وبيانه ... فاجعل صنيعك في الغريب غريبا وله (1) :
ومهفهفٍ شربت (2) محاسن وجهه ... ما مجّه في الكاس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه، ولونها ... من وجنتيه، وطعمها من ريقه أخذه من ابن حيّوس، وقصر عنه، في قوله:
ومهفهفٍ يغنى بلحظ جفونه ... عن كاسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه ولأبي الصلت فيمن اسمه محسن:
أيّها الظالم المسي ... ء مدى دهره بنا
ما لهم أخطأوا الصوا ... ب فسمّوك محسنا وله في لابس قرمزية حمراء (3) :
أقبل يسعى أبو الفوارس في ... مرأى عجيبٍ ومنظرٍ أنق
أقبل في فرمزيّةٍ عجبٍ ... قد صبغت لون خدّه الشرق
كأنّما جيده وغرّته ... من دونها إذ بدون (4) في نسق
عمود فجرٍ من فوقه (5) قمرٌ ... دارت به قطعةٌ من الشّفق
__________
(1) ابن خلكان 1: 221 وابن أبي أصيبعة 2: 57.
(2) في المصدرين السابقين: شركت.
(3) الخريدة: 302.
(4) الخريدة: برزن.
(5) الخريدة: فويقه.
(2/107)

وله في ثقيل (1) :
لي جليسٌ عجبت كيف استطاعت ... هذه الأرض والجبال تقلّه
أنا أرعاه مكرهاً (2) وبقلبي ... منه ما يقلق الجبال أقلّه
فهو مثل المشيب أكره مرآ ... هـ ولكن أصونه وأجلّه أخذه من قول أبي الحسن جعفر بن الحاج اللورقي (3) ، وهم في عصر واحد:
لي صاحبٌ عميت عليّ شؤونه ... حركاته مجهولةٌ وسكونه
يرتاب بالأمر الجليّ توهّماً ... فإذا تيقّن نازعته ظنونه
إنّي لأهواه على شرقي به ... كالشيب تكرهه وأنت تصونه وأوصى (4) أن يكتب على قبره أبو الصلت المذكور ممّا نظمه قبيل موته (5) :
سكنتك يا دار الفناء مصدّقاً ... بأنّي إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليلٌ والذنوب كثير
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفوٌ ثمّ عنّي ورحمةٌ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور وله أيضاً (6) :
__________
(1) الخريدة: 312.
(2) الخريدة: مكرما.
(3) في الأصول ودوزي: الميورقي، وهو خطأ؛ فأهله من بيوتات لورقة (المغرب 2: 277) .
(4) ج: وأمر.
(5) الخريدة: 342 وابن خلكان 1: 222 وابن أبي أصيبعة 2: 54.
(6) الخريدة: 236 وابن خلكان 1: 220 والبيتان ينسبان أيضا لأبي العرب الصقلي.
(2/108)

إذا كان أصلي من تراب فكلّها ... بلادي، وكلّ العالمين أقاربي
ولا بدّ لي أن أسال العيس حاجةً ... تشقّ على شمّ الذّرا والغوارب وقال (1) :
دبّ العذار بخدّه ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب
لا غرو أن خشي الرّدى في لثمه ... فالريق سمٌّ قاتلٌ للعقرب وقد ذكروا أن من خواصّ ريق الإنسان أنّه يقتل العقرب، وهو مجرّب.
وقال (2) :
لا تدعني ولتدع من شئته ... إليك من عجمٍ ومن عرب
فنحن أكّالون للسّحت في ... ذراك سمّاعون للكذب وقال (3) :
لا تسألنّي عن صنيع جفونها ... يوم الوداع وسل بذلك من نجا
لو كنت أملك خدّه للثمته ... حتى أعيد به الشقيق بنفسجا
أن كنت أهجع لاحتضنت خيالها ... ومنعت ضوء الصبح أن يتبلّجا
وبثثت في الظّلماء كحل جفونها ... وعقدت هاتيك الذوائب بالدّجى وقال مهنّئاً بمولود (4) :
يلوح في المهد على وجهه ... تجهّم البأس وبشرى (5) النّدى
__________
(1) الخريدة: 237.
(2) الخريدة: 238.
(3) الخريدة: 247.
(4) الخريدة: 257.
(5) الخريدة: وبشر.
(2/109)

الشمس والبدر إذا استجمعا ... لم يلبثا أن يلدا فرقدا
فابق له حتى ترى نجله ... وإن عرا خطبٌ فنحن الفدا قال ابن سعيد: وهذا البيت الأخير من أثقل الشعر يتطير من سماعه، وتركه أولى.
وقال رحمه الله تعالى في الرصد:
فذا غديرٌ وذا روضٌ وذا جبلٌ ... فالضّبّ والنّون والملاّح والحادي 59 - ومنهم الفقيه أبو محمد عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول السّرقسطي، ذكره العماد الأصبهاني في " الخريدة " (1) وذكره السمعاني في الذيل، وأنّه دخل بغداد في حدود سنة ست عشرة وخمسمائة (2) .
ومن شعره (3) :
أيا شمس إنّي إن أتتك مدائحي ... وهيّ لآلٍ نظّمت وقلائد
فلست بمن يبغي على الشّعر رشوةً ... أبى ذاك لي جدٌّ كريمٌ ووالد
وأني من قوم قديماً ومحدثاً ... تباع عليهم بالألوف القصائد 60 - ومنهم الفقيه المقرئ أبو عامر التياري (4) ، من رجال الذخيرة رحل إلى المشرق، وقرأ على أبي جعفر الديباجي كتابه في العروض وسائر كتبه، ولقي شيخ القيروان في العربية ابن القزاز وأديبها الحصري. وأخبر عن نفسه أنّه كان بين يديه تلميذ له وسيم، فمرّ به أبو جعفر التّجاني
__________
(1) انظر الخريدة 4/ 1: 390 ووصفه بأنه من الفقهاء الفضلاء والشعراء النبلاء، ولما ورد بغداد (حدود: 516) أقام في المدرسة النظامية، ثم خرج إلى خراسان وسكن بمرو الروذ، وفي بعض الخريدة أنه توفي أيضا في حدود: 516.
(2) في إحدى النسخ: 510.
(3) الخريدة: 391.
(4) في ق ودوزي: " المتباري " وفي ط ج: المتياري 172 وفي فهرست الذخيرة " البيماري " وترجمته في القسم الثالث: 172، وما أورده المقري مأخوذ عن الذخيرة.
(2/110)

بسحاءة كتب له فيها وخلاّها بين يديه، وهو قد غلب النوم عليه، فقال:
يا نائماً متعمّداً ... إبصار طيف حبيبه
هو جوهرٌ فاثقبه إ ... ن الطيب في مثقوبه
أو أركبنّي ظهره ... إن لم تقل بركوبه فلمّا قرأها علم أنّها للتّجاني (1) ، فكتب تحتها:
يا طالباً أضحى حجا ... بٌ دون ما مطلوبه
لو لم يكن في ذاك إث ... مٌ لم أكن أسخو به
إنّي أغار عليه من ... أثوابه ورقيبه وأنشد يوماً في حلقته لابن الرومي في خبّاز:
إن أنس لا أنس خبّازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةً ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر فقال بعض تلامذته: أما إنّه لا يقدر على الزيادة على هذا، فقال:
فكاد يضرط إعجاباً برؤيتها ... ومن رأى مثل ما أبصرت منه خري فضحك من حضر وقال: البيت لائق بالقطعة، لولا ما فيه من ذكر الرجيع، فقال:
إن كان بيتي هذا ليس يعجبكم ... فعجّلوا محوه أو فالعقوه طري 61 - ومنهم الأديب الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي (2) ،
__________
(1) في نسخة الذخيرة: الجافي، ولا ريب في أنه مصحف، ولعل الصواب: " البجاني ".
(2) ترجمة أبي الحجاج يوسف بن عتبة في المغرب 1: 258 واختصار القدح: 161.
(2/111)

مطبوع في الشعر والتوشيح، قال ابن سعيد (1) : اجتمعت به في القاهرة مراراً بمجلس الأمير جمال الدين أبي الفتح موسى بن يغمور بن جلدك وفي غيره، وتوفّي في مارستان القاهرة. ومن شعره:
أمّا الغراب فإنّه سبب النّوى ... لا ريب فيه وللنّوى أسباب
يدعو الغراب وبعد ذاك يجيبه ... جملٌ وتعوي بعد ذاك ذئاب
لا تكذبنّ فهذه أسبابه ... لكنّ منها بدأة وجواب 62 - ومنهم الإمام المحدث الحافظ جمال الدين أبو بكر محمد بن يوسف ابن موسى، الأندلسي، المعروف بابن مسدي (2) ، وهو من الأئمة المشهورين بالمشرق والمغرب، قال رحمه الله تعالى: أنشدني رئيس الأندلس وأديبها أبو الحسن سهل بن مالك الأزدي (3) الغرناطي لنفسه سنة 637 في شوّال بداره بغرناطة (4) :
منغص العيش لا يأوي إلى دعةٍ ... من كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد
والسّاكن النفس من لم ترض همّته ... سكنى مكانٍ ولم يسكن إلى أحد 63 - ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتّوح بن عبد الله الأزدي
__________
(1) يقول ابن سعيد في القدح حين يحكي أخبار المترجم به في مصر: وأخبرني صاحبه بمصر أبو الفضل التيفاشي قال: قدم علينا بالقاهرة الطبيب أبو الحجاج ابن عتبة فلم يجد من يقبل عليه إلا كهف المغاربة الرئيس السيد جمال الدين بن يغمور ... إلخ. وقال: وكانت وفاته بالقاهرة سنة 636.
(2) ترجمة ابن مسدي في تذكرة الحفاظ: 1448 وقال إنه قتل غيلة بمكة سنة 663؛ وله معجم في 3 مجلدات، وكان يداخل الزيدية بمكة فولوه خطابة الحرم.
(3) ترجمة سهل بن مالك في برنامج الرعيني: 59 والتكملة رقم: 2007 والذيل والتكملة 4: 101 واختصار القدح: 60 ومسالك الأبصار: 11: 482 وزاد المسافر رقم: 23 والديباج: 125 والمغرب 2: 105 وبغية الوعاة: 264 وسيرد له ذكر في مواضع من النفح.
(4) البيتان في الديباج: 125 والذيل والتكملة: 104.
(2/112)

الحميدي (1) ، نسبة لجده حميد الأندلسي، ولد أبوه بقرطبة، وولد هو بالجزيرة بليدة بالأندلس، قبل العشرين وأربعمائة، وكان يحمل على الكتف للسماع سنة 425، فأول ما سمع من الفقيه أبي القاسم أصبغ. قال: وكنت أفصح من يقرأ عليه؛ وكان قد لقي ابن أبي زيد وقرأ عليه وتفقّه، وروى عنه رسالته ومختصر المدوّنة، ورحل سنة 448، وقدم مصر وسم بها من الضّرّاب والقضاعي وغير واحد، وكان سمع بالأندلس من ابن عبد البر وابن حزم ولازمه وقرأ عليه مصنّفاته وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته وصار على مذهبه إلاّ أنّه لم يكن يتظاهر به، وسمع بدمشق وغيرها، وروى عن الخطيب البغدادي وكتب عن أكثر مصنّفاته، وسمع بمكّة من الزنجاني، وأقام بواسط مدّة بعد خروجه من بغداد، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها وكتب بها كثيراً من الحديث والأدب وسائر الفنون، وصنّف مصنّفات كثيرة، وعلق فوائد، وخرّج تخاريج للخطيب ولغيره، وروى عنه أبو بكر الخطيب أكثر مصنفاته وابن ماكولا، وكان إماماً من أئمة المسلمين في حفظه ومعرفته وإتقانه وثقته وصدقه ونبله وديانته وورعه ونزاهته، حتى قال بعض الأكابر ممّن لقي الأئمة: لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله ونزاهة نفسه وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وبثّه في أهله، وكان ورعاً ثقة إماماً في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته، محقّقاً في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحّراً في علم الأدب والعربية، ومن تصانيفه كتاب جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس وكتاب تاريخ الإسلام وكتاب من ادعى الأمان من أهل الإيمان وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك وكتاب تسهيل السبيل إلى علم الترسيل وكتاب مخاطبات الأصدقاء في
__________
(1) ترجمة الحميدي في الصلة: 530 وتذكرة الحفاظ: 1318 وشذرات الذهب 3: 392 وبغية الملتمس رقم: 257 ووفيات الأعيان 3: 410 ومواطن من فهرسة ابن خير.
(2/113)

المكاتبات واللقاء وكتاب ما جاء من النصوص والأخبار في حفظ الجار وكتاب النميمة وكتاب الأماني الصادقة وغير ذلك من المصنفات والأشعار الحسان في المواعظ والأمثال. وكان من كثرة اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ ويدلس في إجانة ماء يتبرد به، ومن مشهور مصنفاته كتابا لجمع بين الصحيحين.
وذكره الحجاري في المسهب وقال عنه: إنّه طرق ميورقة بعدما كانت عطلاً (1) من هذا الشأن، وترك لها فخراً تباري به خواص البلدان، وهو من علماء أئمة الحديث، ولازم أبا محمد ابن حزم في الأندلس واستفاد منه، ورحل إلى بغداد، وبها ألف كتاب الجذوة، ومن شعره قوله رضي الله تعالى عنه:
ألفت النّوى حتى أنست بوحشها ... وصرت بها لا في الصّبابة مولعا
فلم أحص كم رافقته من مرافق ... ولم أحص كم خيّمت في الأرض موضعا
ومن بعد جوب الأرض شرقاً ومغرباً ... فلا بدّ لي من أن أوافي مصرعا وقال رحمه الله تعالى (2) :
لقاء النّاس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلاّ ... لأخذ العلم أو إصلاح حال وذكره ابن بشكوال في " الصّلة "، وتوفّي ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
قال ابن ماكولا: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، لم أر مثله في عفّته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم، وكان أوصى مظفّراً ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند قبر بشر الحافي، فخالف وصيته
__________
(1) في التجارية: أنه أظهر العلم في طرق ميورقة بعد ما كانت عطلاء.
(2) البيتان في وفيات الأعيان.
(2/114)

ودفنه في مقبرة باب أبرز (1) ، فلمّا كانت مدّة رآه مظفر في النوم كأنّه يعاتبه على مخالفته، فنقل في صفر سنة 491 إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر، وكان كفنه جديداً وبدنه طريّاً تفوح منه رائحة الطيب، ووقف كتبه على أهل العلم، رحمه الله تعالى.
ومن مناقبه أنّه قال لمن دخل عليه فوجده مكشوف الفخذ: تعديت بعين إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت، انتهى.
ومن شعر الحميدي أيضاً قوله:
طريق الزّهد أفضل ما طريقٍ ... وتقوى الله تالية الحقوق
فثق بالله يكفك، واستعنه ... يعنك، ودع بنيّات الطّريق وقوله:
كلام الله عزّ وجلّ قولي ... وما صحّت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءاً ... وعوداً فهو عن حقّ مبين
فدع ما صدّ عن هذي وخذها ... تكن منها على عين اليقين 64 - ومنهم الكمال أبو العباس أحمد الشريشي (2) ، وهو أحمد بن عبد المؤمن ين موسى بن عيسى بن عبد المؤمن، القيسي، من أهل شريش. روى عن أبي الحسن ابن لبّال وأبي بكر ابن أزهر وأبي عبد الله ابن زرقون وأبي الحسين ابن جبير وغيرهم، وأقرأ العربية، وله تواليف أفاد بما حشر فيها: منها شرح الإيضاح للفارسي، والجمل للزجّاج، وله في العروض تواليف، وجمع مشاهير قصائد العرب، واختصر نوادر أبي علي القالي.
__________
(1) ق: باب البرر؛ ط: باب البر؛ ج: باب البزر.
(2) ترجمة الشريشي في التكملة: 111 والمنهل الصافي 1: 354 وبغية الوعاة: 143 وبرنامج الرعيني: 90 والوافي بالوفيات 7 الورقة: 77.
(2/115)

قال ابن الأبار: لقيته بدار شيخنا أبي الحسن ابن حريق من بلنسية، قبل توجهي إلى إشبيلية في سنة ست عشرة وستمائة، وهو إذ ذاك يقرأ عليه شرحه للمقامات، فسمعت عليه بعضه، وأجاز لي سائره مع رواياته وتواليفه، وأخذ عنه أصحابنا، ثم لقيته ثانية مقدمه من مرسية، انتهى.
ومن بديع نظمه وهو بمصر يتشوق إلى الشام:
يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر
بعدت عنكم فلا والله بعدكم ... ما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضت ... بقربكم كادت الأحشاء تنفطر
كأنّني لم أكن بالنيربين ضحىً ... والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر
والورق تنشد، والأغصان راقصةٌ ... والدوح يطرب بالتصفيق والنهر
والسفح أين عشيّاتي التي سلفت ... لي منه فهي لعمري عندي العمر
سقاك يا سفح سفح الدّمع منهملاً ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وله رحمه الله تعالى شروح لمقامات الحريري: كبير، ووسط، وصغير، وفي الكبير من الآداب ما لا كفاء له (1) ، وكان رحمه الله تعالى معجباً بالشام.
وقال ابن الأبار عندما ذكره: إنّه شرح مقامات الحريري في ثلاث نسخ: كبراها الأدبية، ووسطاها اللغوية، وصغراها المختصرة، انتهى.
وتوفّي بشريش بلده سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
65 - ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد، الأزدي، القرطبي، الملقّب بضياء الدين (2) ، أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك.
__________
(1) الشرح الكبير هو المطبوع من شروح المقامات.
(2) ترجمته في وفيات الأعيان 5: 219 وغاية النهاية 2: 372.
(2/116)

قال القاضي الشمس ابن خلّكان: إنّه رحل من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم مصر فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسّلفي وغيرهم، ودخل بغداد سنة 517 (1) ، وقرأ بها القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتباً كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز وغيرهم، وكان ديّناً ورعاً عليه وقار وسكينة، وكان ثقة صدوقاً ثبتاً نبيلاً قليل الكلام كثير الخير مفيداً، أقام بدمشق مدّة، واستوطن الموصل، ورحل منها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر. وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الذيل، وقال: إنّه اجتمع به بدمشق، وسمع عنه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت سنة 486 في مدينة قرطبة، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة 487، والأول أصح، وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن (2) يوسف بن رافع بن تميم المعروف باب شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر بروايته وقراءته عليه، وقال: كنّا نقرأ عليه بالموصل، ونأخذ عنه، وكنّا نرى رجلاً يأتي إليه كل يوم فيسلّم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفّينا ذلك فعلمنا أنّها دجاجة مسموطة كانت ترسم للشيخ في كل يوم، يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده.
__________
(1) ابن خلكان: سبع وعشرين وخمسمائة.
(2) أبو المحاسن: لم ترد في ق ط ج.
(2/117)

وذكر في كتاب (1) دلائل الأحكام أنّه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة، آخرها سنة 567.
وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير الكاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيّان التحرّك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين وتوفّي القرطبي المذكور بالموصل يوم عيد الفطر سنة 567، رحمه اله تعالى.
انتهى كلام ابن خلّكان ببعض اختصار.
66 - ومنهم الوزير أبو عبد الله محمد، ابن الشيخ الأجلّ أبي الحسن ابن عبد ربه (2) ، وهو من حفداء صاحب كتاب العقد المشهور. حدث الشيخ الأجل أبو عبد اله محمد بن علي اليحصبي القرموني رفيقه قال: اصطحبت معه في المركب من المغرب إلى الإسكندرية، فلمّا قربنا منها هاج علينا البحر، وأشفينا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لا بد أن أعمل في المنار شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها فقال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل بديهاً:
لله درّ منار إسكندريّة كم ... يسمو إليه على بعدٍ من الحدق
من شامخ الأنف في عرنينه شممٌ ... كأنّه باهتٌ في دارة الأفق
يكسّر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمّر الذيل لا يخشى من الغرق
لا يبرح الدهر من وردٍ على سفنٍ ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق
__________
(1) ابن خلكان: في كتابه الذي سماه.
(2) انظر الترجمة رقم: 53 فيما سبق.
(2/118)

للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد الله ابن عبد ربه، وأظنّه هذا، فليتنبّه له، بل أعتقد أنّه هو لا غيره، والله تعالى أعلم.
67 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن الصفار، القرطبي (1) . قال في القدح المعلى: بيتهم (2) مشهور بقرطبة، لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة، ونشأ أبو عبد اله هذا حافظاً للآداب (3) ، إماماً في علم الحساب، مع أنّه كان أعمى مقعداً مشوّه الخلقة، ولكنّه إذا نطق علم كلّ منصف حقّه، ومن عجائبه أنّه سافر على تلك الحالة، حتى غدت بغداد له هالة. اجتمعت به (4) بحضرة تونس فرأيت بحراً زاخراً، وروضاً ناضراً، إلا أنّه حاطب ليلٍ، وساحب ذيل، لا يبالي ما أورده، ولا يلتفت إلى ما أنشده، جامعاً بين السمين والغث، حافظاً للمتين والرث، وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها.
ومن مشهور حكاياته أنّه لمّا قال أبو زيد الفازازي في أبي العلاء المستنصر قصيدته التي مطلعها:
الحزم والعزم منسوبان للعرب ... عارضه بقصيدة (5) ، ثم قال فيه وفي ابن أخيه يحيى بن الناصر الذي نازعه في ذلك الأوان [رداء السلطان] (6) :
__________
(1) انظر القدح المعلى: 203 والمغرب 1: 117.
(2) القدح: بيته.
(3) القدح: لفنون الآداب.
(4) زاد في القدح: غير ما مرة.
(5) زاد في القدح: ذم فيها أنصاره.
(6) زيادة من القدح.
(2/119)

وإن ينازعك في المنصور ذو نسبٍ ... فنجل ونوحٍ ثوى في قمّة (1) العطب
وإن يقل أنا عمٌّ فالجواب له ... عمّ النبيّ بلا شكٍّ أبو لهب وشاعت القصيدة فبلغت أبا العلاء، فحرض على قتله، وسلّمه الله تعالى منه، ومات سنة 639.
ومن شعره قوله (2) :
لا تحسب الناس سواءً متى ... تشابهوا فالناس أطوار
وانظر إلى الأحجار، في بعضها ... ماءٌ، وبعضٌ ضمنها نار وقوله:
يا طالعاً في جفوني ... وغائباً في ضلوعي
بالغت في السّخط ظلماً ... وما رحمت خضوعي
إذا نويت انقطاعاً ... فاحسب حساب الرجوع انتهى باختصار يسير.
68 - ومنهم أبو الوليد ابن الجنّان محمد بن المشرف أبي عمرو ابن الكاتب أبي بكر ابن العالم الجليل أبي العلاء ابن الجنّان الكناني الشاطبي (3) . قال ابن سعيد: توارثوا بشاطبة، مراتب تحسدها النجوم الثاقبة، وأبو الوليد أشعرهم، وقد تجدّد به في أقطار المشرق (4) مفخرهم، وهو معروف هناك بفخر الدين، ومتصدر في أئمة النحويين، ومرتب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام، ومقطّعاته الغرامية قلائد أهل الغرام، صحبته بمصر ودمشق
__________
(1) في الأصول: قسمة، والتصويب عن المغرب.
(2) هذا الشعر والذي يليه وردا في المغرب والقدح؛ وقد سقطا من نسخة ق.
(3) ترجمته في القدح: 206 والمغرب 2: 383 وبغية الوعاة: 45 والفوات 2: 321.
(4) القدح: شرق الأندلس.
(2/120)

وحلب، وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب، وأنشدني بدمشق (1) :
أنا من سكر هواهم ثمل ... لا أبالي هجروا أم وصلوا
فبشعري وحديثي فيهم ... زمزم الحادي وسار المثل
إنّ عشاق الحمى تعرفني ... والحمى يعرفني والطّلل
رحلوا عن ربع عيني فلذا ... أدمعي عن مقلتي ترتحل
ما لها قد فارقت أوطانها ... وهي ليست لحماهم تصل
لا تظنّوا أنّني أسلوا فما ... مذهبي عن حبّكم ينتقل وقوله رحمه الله تعالى (2) :
بالله يا بانة الوادي إذا خطرت ... تلك المعاطف حيث الشيح والغار
فعانقيها عن الصّبّ الكئيب فما ... على معانقة الأغصان إنكار
وعرّفيها بأنّي فيك مكتئب ... فبعض هذا لها بالحبّ إخبار
وأنتم جيرة الجرعاء من إضمٍ ... لي في حماكم أحاديث وأسمار
وأنتم أنتم في كلّ آونةٍ ... وإنّما حبّكم في الكون أطوار
ويا نسيماً سرى تحدو ركائبه ... لي بالغوير لباناتٌ وأوطار وله (3) :
يا رعى الله أنسنا بين روضٍ ... حيث ماء السرور فيه يجول
تحسب الزهر عنده يتثنى ... وتخال الغصون فيه تميل وله (4) :
__________
(1) الأبيات في القدح المعلى.
(2) القدح: 207.
(3) قالهما في بستان على نهر ثورا أحد أنهار دمشق، انظر القدح: 208 والفوات: 324.
(4) القدح: 208.
(2/121)

هات المدام فقد ناح الحمام على ... فقد الظلام وجيش الصبح في غلب
وأعين الزهر من طول البكا رمدت ... فكحّلتها يمين الشمس بالذهب
والكأس حلّتها حمراء مذهبةٌ ... لكن أزرّتها من لؤلؤ الحبب
كم قلت للأفق لمّا أن بدا صلفاً ... بشمسه عندما لاحت من الحجب
إن تهت بالشمس يا أفق السماء فلي ... شمسان وجه نديمي وابنة العنب
قم اسقنيها وثغر الصبح مبتسمٌ ... والليل تبكيه عين البدر بالشّهب
والسّحب قد لبست سود الثياب وقد ... قامت لترثيه الأطيار في القضب وله (1) :
عليك من ذاك الحمى يا رسول ... بشرى علامات الرضى والقبول
جئت وفي عطفيك منهم شذاً ... يسكر من خمر هواه العذول ومنها:
أحبابنا ودّعتم ناظري ... وأنتم بين ضلوعي نزول
حللتم قلبي وهو الذي ... يقول في دين الهوى بالحلول
أنا الذي حدّث عني الهوى ... بأنّني عن حبّكم لا أحول
فليزد العاذل في عذله ... وليقل الواشي لكم ما يقول انتهى كلام النور بن سعيد.
وقال غيره: ولد المذكور بشاطبة منتصف وشوال سنة 615، ومات بدمشق ودفن بسفح قاسيون، وكان عالماً فاضلاً، دمث الأخلاق كريم الشمائل، كثير الاحتمال واسع الصدر، صحب الشيخ كمال الدين ين العديم وولده قاضي
__________
(1) القدح: 208 والفوات: 323.
(2/122)

القضاة مجد الدين، فاجتذبوه إليهم، وصار حنفيّ المذهب، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفيّة بدمشق، وله مشاركة في علوم كثيرة، وله يد في النظم، ومنه قوله:
لله قومّ يعشقون ذوي اللحى ... لا يسألون عن السواد المقبل
وبمهجتي قومٌ وإنّي منهم ... جبلوا على حبّ الطراز الأول وله أيضاً:
قم اسقنيها وليل الهمّ منهزمٌ ... والصبح أعلامه محمرّة العذب
والسّحب قد نثرت في الأرض لؤلؤها ... تضمّه الشمس في ثوبٍ من الذهب وقد تقدم عن ابن سعيد له ما يقارب هذا (1) .
وله - رحمه الله تعالى - في كاتب:
وبي كاتبٌ أضمرت في القلب حبّه ... مخافة حسّادي عليه وعذّالي
له صنعةٌ في خطّ لام عذاره ... ولكن سها إذ نقّط اللام بالخال 69 - ومنهم أبو محمد القرطبي (2) ، قال ابن سعيد: لقيته بالقاهرة، وكأنّه لا خبر عنده من الآخرة، وقد طال عمره في أكل الأعراض، وفساد الأغراض، وممّا بقي في أذني من شعره قوله:
رحم الله من لقيت قديما ... فلقد كان بي رؤوفاً رحيما
أتمنى لقاء حرٍّ وقد أع ... وز بختي كما عدمت (3) الكريما
__________
(1) انظر البيتين الأخيرين في البائية ص: 122.
(2) ترجمته في القدح: 212 واسمه فيه " أبو المحامد " وقال إنه كان يلقب بأبي بغل ولقب أيضا بجسر بلبيس لأنه أقام فيها زمنا يكري كل من جاء من الشام أو من سافر إليها.
(3) ق ط ج: علمت.
(2/123)

وتوفّي بالقاهرة سنة 643، انتهى.
70 - ومنهم علي بن أحمد القادسي، الكناني (1) ، قال ابن سعيد: لقيته ببيت المقدس على زي الفقراء، وحصّلت منه هذه الأبيات، وندمت بعد ذلك على ما فات، وهي:
ذاك العذار المطلّ ... دمي عليه يطلّ
كأنّما الخدّ ماءٌ ... وقد جرى فيه ظلّ
عقود صبري عليه ... مذ حلّ قلبي تحلّ
جرت دموعي عليه ... فقلت آسٌ وطلّ 71 - ومنهم أبو عبد الله ابن العطار، القرطبي (2) ، قال ابن سعيد: هو حلو المنازع، ظريف المقاطع والمطالع، مطبوع النوادر، موصوف بالأديب الشاعر، مازجته بالإسكندرية، وبهذه الحضرة العلية، وما زال يدين بالانفراد، والتجول في البلاد، حتى قضى مناه، وألقى بهذه المدينة عصاه، لا يخطر الهمّ له ببال، ولا يبيت إلاّ على وعد من وصال، وله حين سمع ما ارتجلته في السكين بالإسكندرية حين داعبني باختلاسها القاضي زين القضاة ابن الرّيغي، وقال: ما لي إليه سبيل، حتى يحضر مصري نبيل:
أيا سارقاً ملكاً مصوناً ولم يجب ... على يده قطعٌ وفيه نصاب
ستندبه الأقلام عند عثارها ... ويبكيه إن يعد الصواب كتاب فقال:
__________
(1) ترجمته في القدح: 213 وقال ابن سعيد: وكان اجتماعي به سنة ثلاث وأربعين (وستمائة) ولم اسمع له خبرا منذ ذلك الحين.
(2) ترجمته في القدح: 215.
(2/124)

أحاجيك ما شيء إذا ما سرقته ... وفيه نصابٌ ليس يلزمك القطع
على أن فيه القطع والحدّ ثابتٌ ... ولا حدّ فيه، هكذا حكم الشرع انتهى كلام ابن سعيد من كتابه " القدح المعلى " فيما أظن.
[رسالة للسان الدين]
ويعني والله سبحانه وتعالى أعلم بقوله وبهذه الحضرة العلية حضرة تونس المحروسة (1) ، فإنّها كانت محط رحال الأفاضل، من الأواخر والأوائل، حتى إن قاضي القضاة ابن خلدون أقام بها مدة، ومنها ارتحل إلى مصر، وكذلك الخطيب الجليل سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق رحمه الله تعالى، ومنها خاطب الوزير لسان الدين بن الخطيب وسلطانه في الشفاعة له عند سلطان المغرب، فكتب لسان الدين عن سلطانه في ذلك ما نصّه: المقام الذي نؤكد إليه ببر سلفه الوداد، ونغري بتخليد فخره وأمره القلم والمداد، ونصل به الاستظهار على عدو الله تعالى والاعتداد، ونخطب له من الله بهزّ أعطافه للخير والتوفيق والسداد، والإعانة منه والإمداد، مقام محل أخينا الذي اشتهر فضله ودينه، ووضح سعده متألّقةً براهينه، وحيّاه الصنع الجميل وبيّاه مشرقاً جبينه، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله يرعى الذمم، ويسلك من الفضائل المنهج الأمم، ويغلي البضائع النافقة عند الله تعالى ويعلي الهمم، معظم قدره، وملتزم بره، الحريص على توفير أجره وتخليد فخره، فلان. أمّا بعد حمد الله تعالى ناصر الإمرة المطاعة، المحافظة على السنّة والجماعة،
__________
(1) هذا واضح من أن ابن سعيد ألف القدح ليخدم به أبا زكريا ابن الإمام المستنصر بالله الحفصي صاحب تونس.
(2/125)

وحافظها من الإضاعة، إلى قيام الساعة، الذي جعل المودّة فيه أنفع الوسائل النفّاعة، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة على العموم والإشاعة، متمم مكارم الأخلاق من الفضل والبذل والحياء والشجاعة، والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة، وزرعوا الخير في العاجلة ففازوا في الآجلة بفائدة تلك الزراعة، والدعاء لمقامكم الأعلى بصنع يروي فيه عن الأشمط الباتر خبر النصر المتواتر لسان البراعة، وتأييد لا ترضى في القنا بمقام القناعة، فإنّا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لثنائكم العاطر بتخليد المفاخر منشور الإذاعة، في أيدي النواسم الضّوّاعة، من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - عن خيرٍ هامي السحاب، وبشر مفتّح الأبواب، وعز للإسلام - ببركة الاعتداد بملككم المنصور الأعلام - مقتبل الشباب، ويمن ضافي الجلباب، والحمد لله على تضافر الأيدي في ذاته وتوفّر الأسباب، وجانبكم الرفيع الأمل للمنتاب، إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب، ومطمح الوسائل المطرزة المسائل بتصحيح الود اللّباب، وإلى هذا وصل الله تعالى، سوابغ نعمة وآلائه دائمة الانسكاب، وجعل ما عجل لكم من نعمه كفيلةً بالزلفى وحسن المآب، وألهمكم تقييد شواردها بالشكر قولاً وعملاً فالشكر مستدعي المزيد كما وعد في الكتاب، فإن من المنقول الذي اشتهر، وراق فضله وبهر، قوله " اشفعوا تؤجروا " وما في معناه من المعتبر في الخبر، وتنفيس كربة عن مسلم، وسماع شكوى من متظلّم، ولولا أن مقامكم السني أغنى، لجلبنا الكثير من هذا المعنى، ولم تحقّق ما أنتم عليه من سلوك سبيل والدكم الملك الصالح - قدس الله تربته، وضاعف قربته - من يمن الظفر، وسلوك سبيل الخير وإقامة رسوم الدين، والاهتداء من هديه بالنور المبين، خفّ علينا أن نقصدكم بالشفاعات مع الساعات، ونتّجر لكم مع الله بأنفس البضاعات، فما أثمر من ذلك شكرنا الله تعالى عليه حقيقة وشكرناكم عليه شريعة، وما تأخّر أوسعناكم فيه عذراً يسد ذريعة، وعلمنا أن الله تعالى لم يأذن في تعجيله
(2/126)

وسألناه في تيسيره وتسهيله، سواء لدينا في ذلك ما عاد، بإعانة عامة وإمداد، وساهم في قصد جهاد، وما لم يعد علينا خصوصاً وعلى المسلمين عموماً بإعانة ولا إرفاد، إنّما علينا أن نجلب الخير الباقي والأجر الراقي إلى بابكم، وندلّ عليه كريم جنابكم، بمقتضى وداد، صبحه باد، وجميل ظن في دينكم المتين واعتقاد، وسلم مجمله ومفصّله من انتقاد، وذلك أن الشيخ الخطيب الفقيه الكبير الشهير الصدر الأوحد سلالة الصالحين، وخطيب والدكم كبير الخلفاء والسلاطين، ويا لها من مزية دنيا ودين، أبا عبد الله ابن مرزوق جبر الله تعالى على يدكم البرة حاله، وسنّى من مقامكم السني آماله، جرى عليه من المحن، وتباريح (1) الإحن، ما يعلم كلّ ذي مروءة وعقل، واجتهاد ونقل (2) ، أن ذلك من الجنايات على والدكم السلطان محسوب، وإلى معقّاته منسوب، ولو كانت ذنوبه رضوى وثبيرا، لاستدعت إلى تعمدها عفواً كبيراً، رعياً لذلك الإمام الصالح الذي كبر خلفه وأحرم، وتشهّد وسلّم، وأمّن عقب دعائه، ونصب كفّه
لمواهب الله تعالى وآلائه، وأنصت لخطبته ووعظه، وأوجب المزيّة لسعة حفظه وعذوبة لفظه، فأحبط ذلك من أحبط الأعمال الصالحة، وعطّل المتاجر الرابحة، وأسف الملك المذكور بدم ولده، وإحراق خزائنه وعدده، وتغيير رسومه وحدوده، وإسخاطه وإسخاط الله معبوده، إلى أن طهّر سيفكم الملك من عاره، وأخذ منه بثاره، وتقرّب إلى الله وغلى السلف الكريم بمحو آثاره، والحمد لله تعلى ما خصّه من إيثاره، وتدارك الإسلام بإقالة عثاره، وإنّه خاطبنا الآن من حضرة تونس يقرّر من حاله ما يفتّ الفؤاد، ويوجب الامتعاض له والاجتهاد، يطلب منّا الإعانة بين يديكم والإنجاد، ويشكو العيلة والأولاد، والغربة التي أحلّته الأقطار النازحة والبلاد، والحوادث التي سلبته الطارف
__________
(1) ق ط ج: ونتائج.
(2) ق ج: وفضل.
(2/127)

والتّلاد، وأن نذكركم بوسيلته، وضعف حيلته، فبادرنا لذلك عملاً بالواجب، وسلوكاً من بره ورعي حقّه على السّنن اللاحب، وإن كنّا نطوقه في أمرنا عند الحادثة علينا تقصيراً، ولا نشكر إلاّ الله وليّاً ونصيراً، فحقّه علينا أوجب، فهو الذي لا يجحد ولا يحجب، ولا يلتبس منه المذهب، وكيف لا يشفع فيمن جعله السلف إلى الله تعالى شفيعاً، وأحلّه محلاًّ منيعاً رفيعاً، إلى وليّه الذي جبر ملكه سريعاً، وصير جنابه بعد المحول مريعاً، وجدّد رسومه تاصيلاً لها وتفريعاً، ومثلكم من اغتنم برّه في نصر مظلوم، وسبر مكلوم، وإعداء كرم على لوم، وهي منّا ذكرى تنفع، وحرص على أجر من يشفع، وإسعاف لمن سأل ما يعلي من قدركم ويرفع، وتأدية لحق سلفكم الذي توفّرت حقوقه، وإبلاغ نصيحة دينيّة إلى مجدكم الذي لا يمنعه عن المجد مانع ولا يعوقه، ومطلبه في جنب ملككم الكبير حقير، وهو إلى ما يفتح الله تعالى به على يد صدقتكم فقير، ومنهلكم الأروى، وباعكم في الخير أطول ساعدكم أقوى " وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله " " وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى " والله، عزّ وجلّ، يسلك بكم المسالك التي تخلد بالجميل ذكركم، تعظم عند الله أجركم، فما عند الله خير للأبرار، والدنيا دار الغرور والآخرة دار القرار، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انتهى.
والسلطان المخاطب بهذا هو أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني، وكان ابن مرزوق غالباً على دولة السلطان أبي سالم أخي أبي فارس المذكور، فقتله الوزير عمر بن عبد الله الفودودي، وتغلّب على الملك، ونصب أخاً لأبي سالم معتوهاً، وسجن ابن مرزوق، ورام قتله، فخلّصه الله تعالى منه، ثم إن السلطان أبا فارس ثار على الوزير المتغلّب وقتله، واستقل بالملك، فخوطب في شأن ابن مرزوق بما ذكر.
(2/128)

رجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الراحلين من أعلام الأندلسيين إلى البلاد المشرقية المحروسة بالله سبحانه وتعالى، فنقول:
72 - ومنهم أبو الوليد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر، الأزدي، القرطبي، المعروف بابن الفرضي، الحافظ المشهور (1) ، كان فقيهاً عالماً (2) عارفاً بعلم الحديث ورجاله، بارعاً في الأدب وغيره، وله من التصانيف تاريخ علماء الأندلس، وقفت عليه بالمغرب، وهو بديع في بابه وهو الذي ذيّل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة، وله كتاب حسن في المؤتلف والمحتلف وفي مشتبه النسبة، وكتاب في أخبار شعراء الأندلس، وغير ذلك، ورحل من الأندلس إلى المشرق سنة 382، فحجّ وسمع من العلماء وأخذ منهم وكتب من أماليهم، وروى عن شيوخ عدّة من أهل المشرق.
ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجلٍ ممّا به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يغب عنك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف
ومن ذا الذي يرجى سواك ويتّقى ... وما لك في فصل القضاء مخالف
فيا سيّدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصدّ ذوو القربى ويجفو المؤالف
لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... ارجّي لإسرافي فإنّي لتالف وكان - رحمه الله تعالى - حسن الشعر والبلاغة. ومن شعره أيضاً،
__________
(1) انظر ترجمة الحافظ ابن الفرضي في الجذوة: 237 (وبغية الملتمس رقم: 888) والصلة: 246 والمطمح: 57 والذخيرة 1/ 2: 130 والمغرب 1: 103 والمطرب: 132 ووفيات الأعيان 2: 290 وتذكرة الحفاظ: 1076 والديباج المذهب: 143 وشذرات الذهب 3: 168.
(2) هذا النص حتى بداية النقل عن " المطمح " متابع لما أورده ابن خلكان مع شيء من التصرف.
(2/129)

رحمه الله تعالى:
إن الذي أصبحت طوع يمينه ... إن لم يكن قمراً فليس بدونه
ذلّي له في الحبّ من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه وله شعر كثير. ومولده في ذي القعدة ليلة الثلاثاء لتسع بقين منه سنة 351، وتولى القضاء بمدينة بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، وقتله البربر يوم فتح قرطبة يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة 403، وبقي في داره ثلاثة أيّام، ودفن متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، رحمه الله تعالى.
وروي عنه أنّه قال: تعلقت بأستار الكعبة، وسألت الله تعالى الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله سبحانه وتعالى فاستحييت. وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف: لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلاّ جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك كأنّه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى على أثر ذلك.
وهذا الحديث أخرج مسلم في صحيحه.
وقد ساق في المطمح حكايته فال: كان حافظاً عالماً كلفاً بالرواية، رحل في طلبها، وتبحر في المعارف بسببها، مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير، حجّ وبرع، في الزهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقيل الله تعالى فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدنيا، فأصيب في تلك الفتن مكلوماً، وقتل مظلوماً، ثم ذكر مثل ما مرّ.
وممّا قال في طريقه، يتشوق إلى فريقه (1) :
__________
(1) الشعر في المطمح والجذوة والمغرب.
(2/130)

مضت لي شهورٌ منذ غبتم ثلاثةٌ ... وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا
وما لي حياةٌ بعدكم أستلذّها ... ولو كان هذا لم أكن في الهوى حرّا
ولم يسلني طول التنائي عليكم ... بلى زادني وجداً وجدّد لي ذكرى
يمثّلكم لي طول شوقي إليكم ... ويدنيكم حتى أناجيكم سرّا
سأستعتب الدهر المفرّق بيننا ... وهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا
أعلّل نفسي بالمنى في لقائكم ... واستسهل البرّ الذي جبت والبحرا
ويؤنسني طيّ المراحل عنكم ... أروح على أرضٍ وأغدو على أخرى
وتالله ما فارقتكم عن قلىً لكم ... ولكنها الأقدار تجري كما تجرى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌ ... ولا كشفت أيدي النّوى عنكم سترا وقد عرّف به ابن حيان في المقتبس، وذكر قصّة شهادته، رحمه الله تعالى.
73 - ومنهم الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، البكري، الشريشي، المالكي (1)
ولد بشريش سنة 601، ورحل إلى العراق، فسمع به المشايخ كالقطيعيّ وابن روزبة (2) وابن الكثير وغيرهم، واشتغل وساد أهل زمانه، واشتهر بين أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم انتقل إلى القدس الشريف، فأقام به شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق المحروسة بالله، وتولى مشيخة الحديث بتربة أم صالح ومشيخة الرباط الناصري ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وكانت وفاته يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب، بالرباط الناصري، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى، وذلك سنة خمس وثمانين وستمائة.
وليس هو بشارح المقامات (3) ، بل هو غيره، وقد اشتركا في البلد، فبسبب
__________
(1) ترجمة الشريشي في شذرات الذهب 5: 392.
(2) ق ط ج: وابن زوربة.
(3) قد نسب إليه في الشذرات أنه شرح المقامات، وهو وهم كالذي نبه عليه المقري.
(2/131)

ذلك ربّما يقع في الأذهان الوهم في أمرهما، وشارح المقامات أحمد وهذا محمد، وقد ترجمنا صاحب شرح المقامات فيما تقدم من هذا الباب (1) ، فليراجع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
74 - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن الغلّس، القيسي، الأندلسي، البلنسي (2) : كان من أهل العلم باللغة والعربية، مشاراً إليه فيهما، رحل من الأندلس، وسكن بمصر واستوطنها، وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد اللغوي صاحب كتاب " الفصوص "، وعلى أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرّزاذ بن النّجيرمي (3) . ودخل بغداد، واستفاد وأفاد، وله شعر حسن، فمن ذلك قوله:
مريض الجفون بلا علّةٍ ... ولكنّ قلبي به ممرض
أعان السّهاد على مقلتي ... بفيض الدموع فما تغمض
وما زار شوقاً ولكن أتى ... يعرّض لي أنّه معرض وله أشعار كثيرة. وتوفّي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة 427، وقيل: سنة 429، بمصر، وكان استوطنها، وصلّى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي صاحب التفسير في مصلى الصّدفي، ودفن عند أبي إسحاق، رحمه الله تعالى.
ومغلّس: بضم الميم، وفتح الغين، وتشديد اللام المكسورة، وبعدها سين مهملة. وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف (4) صاحب كتاب
__________
(1) انظر الترجمة رقم: 64 فيما سبق.
(2) ترجمة ابن المغلس في وفيات الأعيان 2: 360 وعنه ينقل المقري أكثر الترجمة. والجذوة: 269 (وبغية الملتمس رقم: 1088) والصلة: 351.
(3) ق ط ج: يوسف بن خرقان، والتصويب عن ابن خلكان.
(4) هو إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران المالكي المقرئ الأندلسي، أبو طاهر، استوطن مصر وحدث بها (الصلة: 105 - 106) .
(2/132)

" العنوان " معارضات في قصائد. ومن شعر ابن المغلّس أيضاً قوله في حمّام:
ومنزل أقوامٍ إذا ما اغتدوا به ... تشابه فيه وغده ورئيسه
يخالط فيه المرء غير خليطه ... ويضحي عدوّ المرء هو جليسه (1)
يفرّج كربي إن تزايد كربه ... يؤنس قلبي أن يعدّ أنيسه
إذا ما أعرت الحوض ماءً (2) تكاثرت ... على مائه أقماره وشموسه 75 - ومنهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الحكيم الأديب المعروف بالمغربي (3) ، وهو من أهل المرية، وانتقل إلى المشرق، وكان كامل الفضيلة، وجمع بين الأدب والحكمة، وله ديوان شعر جيّد، والخلاعة والمجون غالبة عليه، وذكر العماد في الخريدة أنّه كان طبيب المارستان الستصحب في معسكر السلطان السلجوقي حيث خيّم، وكان السديد يحيى ابن سعيد المعروف بابن المرخّم الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام المقتفي فاصداً وطبيباً في هذا المارستان. وأثنى العماد على أبي الحكم المذكور، وذكر فضله وما كان عليه، وأن له كتاباً سمّاه نهج الوضاعة، لأولي الخلاعة، ثم إن أبا الحكم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وله فيها أخبار ومجاريات (4) ظريفة تدل على خفّة روحه.
قال ابن خلّكان: رأيت في ديوانه أنّ أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر، وكانوا مقبلين عليه، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش (5) ، وكانت فيه دعابة، وبينه وبين أبي الحكم المذكور
__________
(1) ق: وهو فيه جليسه.
(2) ق ط ج: أعرت الجو طرفا.
(3) ترجمة أبي الحكم المغربي في وفيات 2: 307 (وعنه ينقل المقري) وابن أبي أصيبعة 2: 144 - 155.
(4) اقرأ أيضا: وماجريات.
(5) هو سبع بن خلف الفقعسي وكانوا يصغرون كنيته فيقولون " وحيش " وقد مرت الإشارة إليه وإلى مصادر ترجمته، انظر 1: 61.
(2/133)

مداعبات، فسأل منه كتاباً إلى ابن منير بالوصية عليه، فكتب أبو الحكم:
أبا الحسين استمع مقال فتىً ... عوجل فيما يقول فارتجلا
هذا أبو الوحش جاء ممتدحاً ... للقوم فاهنأ به إذا وصلا
واتل عليهم بحسن شرحك ما ... أنقله من حديثه جملا
وخبّر القوم أنّه رجلٌ ... ما أبصر الناس مثله رجلا
تنوب عن وصفه شمائله ... لا يبتغي عاقلٌ به بدلا ومنها:
وهو على خفّةٍ به أبداً ... معترفٌ أنّه من الثّقلا
يمتّ بالثلب والرقاعة وال ... سّخف، وأمّا بغير ذاك فلا
إن أنت فاتحته لتخبر ما ... يصدر عنه فتحت منه خلا
فنبه عن حلّ خطة الخسف وال ... هون ورحّب به إذا رحلا
وأسقه السمّ إن ظفرت به ... وامزج له من لسانك العسلا وله أشياء مستملحة، منها مقصورة هزلية، ضاهى بها مقصورة ابن دريد، من جملتها:
وكلّ ملمومٍ فلا بدّ له ... من فرقةٍ لو ألزقوه بالغرا وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابكي، شاب فيها الجدّ بالهزل، والغالب على شعره الانطباع. وتوفّي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة سنة 549، وقيل: في السنة التي قبلها، بدمشق، رحمه الله تعالى.
والقاضي ابن المرخّم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان (1) :
__________
(1) ابن القطان من شعراء الخريدة، كان شاعرا رقيقا مجودا غلب عليه الهجاء (توفي 558) انظر ابن خلكان 5: 104.
(2/134)

يا ابن المرخّم صرت فينا قاضياً ... خرف الزمان تراه أم جنّ الفلك
إن كنت تحكم بالنّجوم فربّما ... أمّا بشرع محمّدٍ من أين لك وكان أبو الحكم المذكور فاضلاً في العلوم الحكمية، متقناً للصناعة الطبيّة، حسن النادرة، كثير المداعبة، محبّاً للهو والخلاعة والشراب، وكان يعرف صنعة الموسيقى ويلعب بالعود، ويجلس في دكان بجيرون للطب، وسكناه باللبادين، وأتى في ديوانه نهج الوضاعة بكل غريب، يدل على أنّه أريب، سامحه الله تعالى وغفر له.
76 - ومنهم من الراحلين من الأندلس إلى المشرق، من هو الأحق بالتقديم والسبق، الشهير عند أهل الغرب والشرق، الحافظ المقرئ الإمام الرباني، أبو عمرو الدّاني، عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر، الأموي (1) ، مولاهم، القرطبي، صاحب التصانيف التي منها المقنع والتيسير، وعرف بالدّاني لسكناه دانية، وولد سنة 371، وابتدأ بطلب العلم سنة 387 ورحل إلى المشرق سنة 397، فمكث بالقيروان أربعة أشهر، ودخل مصر في شوّالها، فمكث بها سنة، وحج، ورجع إلى الأندلس في ذي القعدة سنة 399، وقرأ بالروايات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي وغيره بقرطبة، وعلى أبي الحسن ابن غلبون وخلف بن خاقان المصري وأبي الفتح فارس بن أحمد، وسمع من أبي مسلم الكاتب، وهو أكبر شيخ له، ومن عبد الرحمن بن عثمان القشيري، حاتم بن عبد الله البزار (2) ، وغير واحد من أهل مصر وسواها، وسمع من الإمام أبي الحسن القابسي، وخلف كتبه بالحجاز ومصر والمغرب والأندلس، وتلا عليه خلقٌ منهم مفرج الأقفالي وأبو داود ابن نجاح (3) صاحب
__________
(1) ترجمة أبي عمرو الداني في الصلة: 385 وغاية النهاية 1: 503 والديباج المذهب: 188 ومعجم الأدباء 12: 125 والجذوة: 286 وبغية الملتمس رقم: 1185.
(2) ط: البزاز.
(3) ق: حجاج.
(2/135)

التنزيل في الرسم، وهو من أشهر تلامذته، وحدّث عنه خلقٌ كثير، منهم خلف بن إبراهيم الطّليطلي.
قال أبو محمد عبيد الله الحجري: ذكر بعض الشيوخ أنّه لم يكن في عصر الحافظ أبي عمرو الدّاني ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه. وكان يقول: ما رأيت شيئاً قط إلاّ كتبته، ولا كتبته إلاّ حفظته، ولا حفظته فنسيته.
قال ابن بشكوال: كان أبو عمرو أحد الأئمّة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك كلّه تواليف حساناً، وله معرفة بالحديث وطرقه وإعرابه (1) وأسماء رجاله، وكان حسن الخط والضبط، من أهل الحفظ والذكاء واليقين، وكان ديّناً فاضلاً ورعاً سنّياً.
وقال بعضهم، وأظنّه المغامي (2) : كان أبو عمرو مجاب الدعوة، مالكي المذهب.
وقال بعض أهل مكة: إن أبا عمرو الدّاني مقرئ متقدّم، وإليه المنتهى في علم القراءات وإتقان القرآن، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات والرسم والتجويد والوقف والابتداء وغير ذلك، وله مائة وعشرون مصنّفاً، وروى عنه بالإجازة رجلان: أحمد بن محمد بن عبد الله الحولاني، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة، وكانت وفاته رحمه الله تعالى بدانية في نصف شوّال سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
77 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب، الأندلسي (3) ، من بيت علم ووزارة، صرف عمره في طلب العلم،
__________
(1) وإعرابه: سقطت من ج ط ق.
(2) انظر غاية النهاية 1: 504، والمغامي هو محمد بن عتيق بن فرج المقرئ الطليطلي لقي أبا عمرو الداني وعليه اعتمد.
(3) ترجمة ابن حبيب في التكملة: 834 وهو شلبي الأصل؛ وقد ذكر أنه توفي في جمادى الآخرة سنة 551؛ وراجع أخبار وتراجم أندلسية: 57 - 58 حيث عرف به السلفي.
(2/136)

وكان غزير العلم في الفقه والحديث والأدب وولي القضاء بالأندلس مدّة (1) ، ثم دخل الإسكندريّة ومصر، وجاور بمكّة المشرّفة (2) ، ثم قدم العراق وأقام ببغداد مدّة، ثم وافى خراسان فأقام بنيسابور وبلخ، وكانت ولادته ببلاد الأندلس، وتوفّي بهراة في شعبان سنة 548، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
78 - ومنهم أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن علي بن شكر الأندلسي المقرئ (3) ، رحل وأخذ القراءات عن أبي الفضل جعفر الهمداني، وسمع من أبي القاسم ابن عيسى، وسكن الفيوم، واختصر التيسير وصنّف شرحاً للشاطبية، وتوفّي سنة 640 (4) ، رحمه الله تعالى.
79 - ومنهم العلاّمة ذو الفنون علم الدين القاسم بن أحمد المريني، اللورقي، المقرئ، النحوي (5) ، ولد سنة 575 (6) ، وقرأ القراءات وأحكم العربية وبرع فيها، واجتمع بالجزولي، وسأله عن مسألة في مقدمته، وقرأ علم الكلام والأصولين (7) والفلسفة، وكان خبيراً بهذه العلوم، مقصوداً بإقرائها، وولي مشيخة قراءة العادلية، ودرس بالعزيزيّة نيابة، وصنّف شرحاً للشاطبيّة، وشرحاً للمفصّل في عدّة مجلدات، وشرح الجزوليّة، وغير ذلك، وكان مليح الشكل، حسن البزّة، وتوفّي سنة 661، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
80 - ومنهم أبو عبد الله ابن أبي الربيع القيسي، الأندلسي، الغرناطي،
__________
(1) تولى القضاء تسعة أعوام ثم امتحن بالأمراء لإقامته الحق وإظهاره العدل.
(2) كان ذهابه إلى مكة عام 527.
(3) ترجمته في غاية النهاية 1: 87.
(4) غاية النهاية: في حدود الأربعين وستمائة.
(5) هذه الترجمة مكررة، راجع في ما تقدم الترجمة رقم: 16.
(6) في إحدى النسخ: 585.
(7) ق ودوزي: والأصوليين؛ ج: والأصول.
(2/137)

قدم مصر سنة 515 أو بعدها، فسمع على السّلفي، وبقراءته على جماعة من شيوخ مصر، وكان لديه فقهٌ وأدب، ثم سافر إلى باب الأبواب، وكان حيّاً سنة 556.
ومن نظمه يمدح كتاب " الشهاب ":
إن الشهاب له فضلٌ على الكتب ... بما حوى من كلام المصطفى العربي
كم ضمّ من حكمةٍ غرّا وموعظةٍ ... ومن وعيدٍ ومن وعدٍ ومن أدب
أمّا القضاعيّ فالرحمن يرحمه ... كما حباه من التأليف بالعجب 81 - ومنهم الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجى، القرشي، العبدري (1) ، من أهل ميورقة من بلاد الأندلس، سكن بغداد، وسمع بها من أبي الفضل ابن خيرون وطرّاد الزينبي وأبي عبد الله الحميدي وجماعة، ولم يزل يسمع إلى حين وفاته، وكتب بخطّه كثيراً من الكتب والأجزاء، وجم وخرّج، وكان صحيح العقل، معتمد الضبط، مرجوعاً إليه في الإتقان، وكفاه فخراً وشرفاً أن روى عنه الحافظان أبو طاهر السّلفي وأبو الفضل محمد ابن ناصر، وكان فهّامة علاّمة ذا معرفة بالحديث، متعفّفاً مع فقره، وكان يذهب إلى أن المناولة والعرض كالسماع.
وقال السلفي فيه: إنّه من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام، متصرف في فنون من العلم أدباً ونحواً ومعرفة بأنساب العرب والمحدثين، وكان داودي المذهب، قرشي النسب، وقد كتب عني وكتبت عنه وسمعنا معاً كثيراً على شيوخ بغداد، ومولده بقرطبة من مدن الأندلس. وقبل اجتماعي به كنت أسمع إسماعيل ابن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان يثني عليه، فلمّا اجتمعنا وجدته فوق ما وصفه، انتهى.
__________
(1) ترجمة ابن سعدون في معجم البلدان: " ميورقة " نقلا عن ابن عساكر. وفي الصلة: 534.
(2/138)

وقال ابن عساكر: كان أحفظ شيخ لقيته؛ وربّما حكى عنه بعضهم كابن عساكر أموراً منكرة، فالله أعلم. وتوفّي في ربيع الآخر سنة 524 ببغداد، رحمه الله تعالى.
82 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعدون، الباجي (1) ، سمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وابن رشيق، وبمكّة من الآجرّي، وكان صالحاً فاضلاً زاهداً ورعاً، حدّث، ومات ببطليوس وفجأة سنة 392، ومولده سنة 322.
83 - ومنهم أبو بكر محمد بن سعدون، التميمي الجزيري، المتعبد، كانت آدابه كثيرة، وحجّ غير مرّة، ورابط ببلاد المغرب، وكان حسن الصوت بالقرآن، سمع بمصر من جماعة وبمكّة، وصحب الفقراء وطاف بالشام، وغزا غزوات وتعرّض للجهاد وحرّض عليه، وساح بجبل المقطم، وذكر أنّه صلّى بمصر الضحى اثنتي عشرة ركعة، ثم نام فرأى النبي صلّى الله تعليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إن مالكاً والليث اختلفا في الضحى، فمالكٌ يقول: اثنتا عشرة ركعة، والليث يقول: ثمانٍ، فضرب عليه الصلاة والسلام بين وركي ابن سعدون وقال: راي مالك هو الصواب، ثلاث مرّات، قال: وكان في وركي وجع، فمن تلك الليلة زال عنّي. وكان له براهين من نور يضيء عليه إذا صلّى نحوه، وأنشد:
سجن اللسان هو السلامة للفتى ... من كلّ نازلةٍ لها استئصال
إنّ اللسان إذا حللت عقاله ... ألقاك في شنعاء ليس تقال توفّي سنة 344.
__________
(1) كان يسكن حصن مورة من عمل باجة، ويعرف بابن الزنوني، وكان رجلا صالحا زاهدا ورعا ضعيف الكتاب غير ضابط (ابن الفرضي 2: 107) .
(2/139)

84 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعد الأعرج، الطّليطلي الخطيب (1) ، وقال فيه ابن سعيد: سمع بمصر ابن الورد وابن السكن، وحدّث، مولده سنة 309، وتوفّي في ربيع الآخر سنة 384.
85 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن إسحاق بن يوسف، الأموي، القرطبي (2) ، وأصله من لبلة، ولكن سكن قرطبة، وقدم مصر، وحجّ، وسمع في طريقه من الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد صاحب الرسالة، وأخذ عن القابسي وعن جماعة من علماء مصر والحجاز، ومولده سنة 352، ورحلته سنة 418.
86 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حسان بن الحكم بن هشام، القرطبي (3) ، سمع من أبيه ويحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب، ورحل، فسمع من أشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن نافع وعبد الله بن عبد الحكم، وعاد إلى الأندلس وبها توفّي سنة 260، رحمه الله تعالى.
87 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري، الشاطبي (4) ، نزيل الإسكندريّة ويعرف بابن أبي الربيع، أحد أولياء الله تعالى، شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة، جمع بين العلم والعمل والورع والزهد والانقطاع إلى الله تعالى والتخلّي عن الناس والتمسّك بطريقة السّلف، قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع على أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي وغيره، وقرأ بدمشق على الواسطي، وسمع عليه الحديث، ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب
__________
(1) ترجمته في ابن الفرضي 2: 100.
(2) ترجمته في الصلة: 486.
(3) ترجمته في ابن الفرضي 2: 9 والجذوة: 55 (وبغية الملتمس رقم: 130) .
(4) ترجمته في الذيل والتكملة 6: الورقة 81 (نسخة باريس) ؛ وهو محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الملك العافري الحميري الملقب بعلم الدين.
(2/140)

خادم أضياف رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بين قبره ومنبره سنة 617، وسمع بدمشق على أبي القاسم ابن صصرى (1) وأبي المعالي ابن خضر وأبي الوفاء ابن عبد الحق وغيرهم، وانقطع لعبادة الله تعالى في رباط سوار من الإسكندرية بتربة أبي العباس الراسي (2) ، وتلمذ للشاطبي تلميذ الراسي، وصنّف كتباً حسنة: منها كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة في تفسير القرآن العزيز، وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكتاب المباحث السنية في شرح الحصريّة وكتاب الحرقة في لباس الخرقة وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذة الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب زهر العريش في تحريم الحشيش وكتاب الزهر المضي في مناقب الشاطبي وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية. ومولده بشاطبة سنة 585، ووفاته بالإسكندرية في رمضان سنة 672، ودفن بتربة شيخه (3) المجاورة لزاويته، رحمهما الله تعالى، ونفع بهما.
88 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن شريح الرّعيني الإشبيلي (4) ، قدم مصر وسمع بها من ابن نفيس وأبي علي الحسن البغدادي وأبي جعفر النحوي وأبي القاسم ابن الطيب البغدادي الكاتب، وبمكّة من أبي ذرالهروي.
قال ابن بشكوال: كان من جملة المقرئين وخيارهم، ثقة في روايته، وكانت رحلته إلى المشرق سنة 433، وولد سنة 392، وتوفّي سنة 476، وعمره أربع وثمانون سنة إلاّ خمسة وخمسين يوماً، وروى بإشبيلية عن جماعة،
__________
(1) ق ج: مصري؛ ط: مضري.
(2) ق ج: الراس.
(3) يعني أبا العباس أحمد بن محمد اللخمي المعروف بالراسي.
(4) انظر الصلة: 523 وغاية النهاية 2: 153.
(2/141)

رحمه الله تعالى.
89 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح الأنصاري، المالقي. قال السلفي: هو شاب من أهل الأدب له خاطر سمح كان يحضر عندي بالإسكندرية، كثير السماع للحديث، وذكر أنّه قرأ الأدب على أبي الحسين ابن الطّراوة النحوي (1) بالأندلس، وعلى نظرائه، وأنشدني لنفسه:
كم ذا تقلقلين النوى وتسوقني ... وإلى متى أشجى بها وأسام
ألفت ركائبي الفلا فكأنّما ... للبين عهدٌ بيننا وذمام
يا ويح قلبي من فراق أحبّةٍ ... أبداً بصدّعه به الأيّام 90 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني، المعافري الأندلسي المالكي (2) رحل إلى المشرق فسمع بالشام خيثمة بن سليمان، وبمكّة أبا سعيد ابن الأعرابي، وببغداد إسماعيل بن محمد الصفّار، وسمع بالمغرب بكر ابن حماد التّاهرتي ومحمد بن وضاح وقاسم بن أصبغ، وبمصر جماعة من أصحاب يونس والمزني. روى عنه أبو عبد الله الحاكم وقال: اجتمعنا به بهمذان، مات ببخارى سنة 383، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وسبعين. وقال فيه أبو سعيد الإدريسي: إنّه كان من أفاضل الناس، ومن ثقاتهم. وقال غنجار: إنّه كان فقيهاً حافظاً، جمع تاريخاً لأهل الأندلس. وقال السمعاني فيه: كان فقيهاً حافظاً، رحل في طلب العلم إلى المشرق والمغرب، رحمه الله تعالى.
91 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى الخزرجي
__________
(1) هو سليمان بن محمد بن الطراوة المالقي النحوي (ترجمته في تحفة القادم: 11 والمغرب 2: 208 وبغية الوعاة: 262 وبغية الملتمس: 290) .
(2) ترجمة محمد بن صالح المعافري في ابن الفرضي 2: 91 والتكملة: 372.
(2/142)

الدّاني النحوي (1) ، أخو أبي العابس ابن عيسى، سمع بدانية من أبي داود المقرئ وغيره، وقدم دمشق سنة 554 حين خرج حاجّاً، واقرأ بدمشق النحو مدّة، ثم خرج إلى بغداد، وأقام بها إلى أن مات سنة 619، وولد سنة 512، وقدم مصر سنة 572، وله من المصنّفات كتاب تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب ومن كلامه: ليست هيبة الشيخ لشيبه ولا لسنّه ولا لشخصه، ولكن لكمال عقله، والعقل هو المهاب، ولو رأيت شخصاً جمع جميع الخصال وعدم العقل لما هبته، وقال: من جهل شيئاً عابه، ومن قصّر عن شيء هابه.
92 - ومنهم القاضي الشهير محمد بن بشير، وهو محمد بن سعيد بن بشير ابن شراحيل، المعافري (2) ، وقيل في آبائه غير ذلك كما يأتي، ولمّا أشير على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بتقديم ابن بشير إلى خطّة القضاء بقرطبة وجّه إليه بباجة، فأقبل ولا يعلم ما دعي إليه، ونزل على صديق له من العبّاد (3) ، فتحدث في شأن استدعائه، وقدّم أنّه يصرّف في الكتابة، فقال له العابد (4) : ما أراه بعث فيك إلاّ للقضاء، فإن القاضي بقرطبة مات وهي الآن دون قاضٍ، فقال ابن بشير: فأنا أستشيرك في ذلك إن وقع، فقال: أسألك عن أشياء ثلاثة، وأعزم عليك أن تصدقني فيها، ثم أشير بعد ذلك عليك، فقال: ما هي فقال: كيف حبّك للأكل الطيب واللباس اللين وركوب الفاره فقال: والله لا أبالي ما رددت به جوعي وسترت به عورتي وحملت به
__________
(1) ترجمته في بغية الوعاة: 49 نقلا عن ابن عساكر وابن النجار؛ وفي الوافي 3: 168.
(2) ترجمته في قضاة قرطبة للخشني: 47 والمرقبة العليا: 47 - 53 والذيل والتكملة 6: الورقة 77 (مخطوطة باريس) وفيه تفصيل للخلاف في اسمه ونسبه. والتكملة: 355 وأغفله ابن الفرضي فلم يترجم له.
(3) الخشني: فلما صار بسهلة المدور مال إلى صديق له كان بها من العباد فنزل عليه.
(4) سقط من ق ما بين لفظتي " العباد " و " العابد " سهوا.
(2/143)

رحلي، فقال: هذه واحدة، فكيف حبّك للتمتّع بالوجوه الحسان والتبطن للكواعب الغيد وما شاكل ذلك من الشهوات فقال: هذه حال والله ما استشرفت قط إليها، ولا خطرت ببالي، ولا اكترثت لفقدها، فقال: وهذه ثانية، فكيف حبّك لمدح الناس لك وثنائهم عليك وكيف حبّك للولاية وكراهيتك للعزل فقال: والله ما أبالي في الحق من مدحني وذمّني، وما أسرّ للولاية ولا أستوحش للعزل، فقال: وهذه الثالثة، اقبل الولاية فلا بأس عليك، فقدم قرطبة، فولاّه الأمير الحكم القضاء والصلاة.
قال ابن وضاح (1) : أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلاً على باب المسجد الجامع يوم الجمعة، وعليه رداء معصفر، وفي رجله نعل صرّارة، وله جمّة مفرقة، ثم يقوم فيخطب ويصلّي وهو في هذا الزي، وبه كان يجلس للقضاء بين الناس، فإن رام أحدمن دينه شيئاً وجده أبعد من الثريا.
وأتاه رجل لا يعرفه، فلمّا رأى ما هو فيه من زي الحداثة من الجمة المفرقة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه، توقّف وقال: دلوني على القاضي، فقيل له: ها هو، وأشير إليه، فقال: إنّي رجل غريب، وأراكم تستهزئون بي، أنا أسألكم عن القاضي وأنتم تدلونني على زامرٍ، فصحّحوا له أنّه القاضي، فتقدم إليه واعتذر، فأدناه وتحدث معه، فوجد عنده من العدل والإنصاف فوق ما ظنّه، فكان يحدث بقصّته معه.
وعوتب في إرسال لمّته ولبسه الخز والمعصفر، فقال: حدّثني مالك بن أنس أن محمد بن المنكدر - وكان سيّد القرّاء - كانت له لمّةٌ، وأن هشام بن عروة فقيه هذا البلد - يعني المدينة - كان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد كان يلبس الخزّ.
__________
(1) الخشني: 52.
(2/144)

ولقد سئل يحيى بن يحيى عن لباس العمائم فقال: هي لباس الناس في المشرق، وعليه كان أمرهم في القديم، فقيل له: لو لبستها لاتّبعك الناس في لباسها، فقال: قد لبس محمد بن بشير الخز فما تبعه الناس فيه، وكان ابن بشير أهلاً أن يقتدى به، فلعلّي لو لبست العمامة لتركني الناس ولم يتبعوني كما تركوا ابن بشير.
وكان أول (1) ما نظر فيه محمد بن بشير - حين ولي القضاء - التسجيل على الخليفة الحكم في أرحي القنطرة إذ قيم عليه فيها وثبت عنده حق المدّعي، وأعذر إلى الحكم فلم يكن عنده مدفع، فسجّل فيها، وأشهد على نفسه، فما مضت مديدة حتى ابتاعها الحكم ابتياعاً صحيحاً، فسرّ بذلك، وقال: رحم الله محمد بن بشير، فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منّا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا، وصار حلالاً طيب الملك (2) في أعقابنا، وحكم على ابن فطيس الوزير، ولم يعرّفه بالشهود، فرفع الوزير ذلك إلى الحكم، وتظلم من ابن بشير، فأومأ الحكم إليه أن الوزير ذكر حكمك عليه بشهادة قوم لم تعرّفه بهم، ولا أعذرت إليه فيهم، وإن أهل العلم يقولون: إن ذلك له، فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممّن يعرّف بمن شهد عليه، لأنّه إن لم يجد سبيلاً إلى تجريحهم لم يتحرج عن طلب أذاهم في أنفسهم وأموالهم، فيدعون الشهادة هم ومن ائتسى بهم، وتضيع أموال الناس.
وأكثر موسى بن سماعة أحد خواصّ الأمير الحكم في ابن بشير الشكاية، وأنّه يجور عليه، فقال له الحكم: أنا أمتحن قولك الساعة، فاخرج إليه فوراً، واستأذن عليه، فإن أذن لك عزلته، وصدّقت قولك فيه، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه، فليس هو عندي بجائر (3) على حال، وإنّما
__________
(1) الخشني: 49.
(2) في ق ودوزي: المسلك، وفي الخشني: " وطاب لنا ملكه ".
(3) ق ودوزي: بجائز.
(2/145)

مقصده الحق في كل ما يتصرّف فيه، فخرج يؤم دار ابن بشير، وقد أمر الحكم من يثق به من الفتيان الصّقالبة أن يقفوا أثره ويعلموا ما يكون منه، فلم يكن إلاّ ريثما بلغ، ثمّ انصرف فحكى للحكم أنّه لمّا خرج الآذن إلى موسى وعلم القاضي بمكانه عاد إليه فقال له: إن كانت لك حاجة فاقصد فيها إذا جلس القاضي مجلس القضاء، فتبسّم الحكم، وقال: قد أعلمته أن ابن بشير صاحب حقّ لا هوادة فيه عنده لأحد.
وولي القضاء مرتين، فلمّا عزل المرّة الأولى انصرف إلى بلده، وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته، ويقول له: أخشى عليك العزل، فيقول له: ليته قدّر، إن الشقراء - يعني بغلته - تقطع الطريق بي حاثة نحو باجة. فما مضى إلا يسير حتى عتب عليه الأمير في قصّة اشتدّ فيها على بعض خاصّته، فكانت سبباً لعزله، وانصرف كما تمنى، فلم يمكث إلى يسيراً حتى أتى فيه رقّاص من قبل الأمير الحكم، - والرّقاص عند المغاربة: هو الساعي عند المشارقة - فعاد إلى قرطبة، وجبره على القعود للقضاء الأمير الحكم، فلاذ منه باليمين بطلاق زوجته وبصدقة ما يملك في سبيل الله تعالى، إن حكم بين اثنين، فلم يعذره، وأخرجه من ماله، وعوّضه من طيب ما عنده، وهب له جارية من جواريه، فعاد إلى القضاء ثانية.
وممّا يحكى عنه في العدل أن سعيد الخير ابن السلطان عبد الرحمن الداخل وكّل عند ابن بشير وكيلاً يخاصم عنه لشيء اضطر إليه، وكانت بيده فيه وثيقة فيها شهادات شهود قد ماتوا، ولم يكن فيها من الأحياء إلاّ الأمير الحكم وشاهد آخر مبرز، فشهد لسعيد الخير ذلك الشاهد، وضربت على وكيله الآجال في شاهد ثانٍ، وجدّ به الخصام، فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الحكم وأراه (1) . شهادته في الوثيقة، وقد كان كتبها قبل الخلافة في حياة أبيه، وعرّفه مكان
__________
(1) ق ط ج ودوزي: وأراد.
(2/146)

حاجته إلى أدائها عند قاضيه خوفاً من بطلان حقّه، وكان الحكم يعظم سعيد الخير عمّه، ويلتزم مبرته، فقال له: يا عمّ، إنّا لسنا من أهل الشهادات، وقد التبسنا من هذه الدنيا بما لا تجهله، ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة كنّا نفديه بملكنا، فصر في خصامك حيث صيرك الحق إليه، وعلينا خلف ما انتقصك، فأبى عليه، وقال: سبحان الله، وما عسى أني قول قاضيك في شهادتك وأنت ولّيته، وهو حسنة من حسناتك، وقد لزمتك في الديانة أن تشهد لي بما علمته، ولا تكتمني ما أخذ الله عليك؛ فقال: بلى، إن ذلك لمن حقّك كما تقول، ولكنّك تدخل علينا به داخلة، فإن أعفيتنا منه فهو أحبّ إلينا، وإن اضطررتنا لم يمكنّا عقوقك، فعزم عليه عزم من لم يشكّ أن قد ظفر بحاجته، وضايقته الآجال، فألح عليه، فأرسل الحكم عند ذلك إلى فقيهين من فقهاء زمانه، وخط شهادته بيده في قرطاس، وختم بخاتمه (1) ، ودفعها إلى الفقيهين وقال لهما: هذه شهادتي بخطّي تحت ختمي، فأدّياها إلى القاضي، فأتياه بها إلى مجلسه وقت قعوده للسّماع من الشهود، فادّياها إليه، فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين في حفظ الله تعالى، وجاء وكيل سعيد الخير، وتقدّم إليه مدلاًّ واثقاً، وقال له: أيّها القاضي، قد شهد عندك الأمير أصلحه الله تعالى فماذا تقول فأخذ كتاب الشهادة ونظر فيه، ثم قال للوكيل: هذه شهادة لا تعمل عندي فجئني بشاهد عدل، فدهش الوكيل ومضى إلى سعيد الخير فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم، وقال: ذهب سلطاننا، وأزيل بهاؤنا، يجترئ هذا القاضي على ردّ شهادتك، والله سبحانه قد استخلفك على عباده، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم وإليك هذا ما لا يجب أن تحمل عليه، وجعل يغريه بالقاضي ويحرّضه على الإيقاع به، فقال له الحكم: وهو شككت أنا في هذا يا عمّ القاضي رجلٌ صالح والله،
__________
(1) إلى فقيهين ... بخاتمه: سقط هذا من ق.
(2/147)

لا تأخذه في الله لومة لائم، فعل ما يجب عليه ويلزمه، وسدّ دونه باباً كان يصعب عليه الدخول منه، فأحسن الله تعالى جزاءه؛ فغضب سعيد الخير، وقال: هذا حسبي منك، فقال له: نعم، قد قضيت الذي كان لك علي، ولست والله أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله.
ولمّا عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك قال لمن عاتبه: يا عاجز، أما تعلم أنّه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقّه.
وتوفّي القاضي محمد بن بشير سنة 198 قبل الشافعيّ بست سنين كما يأتي قريباً، ومحاسنه - رحمه الله تعالى - كثيرة، وقد استوفى ترجمته بقدر الإمكان القاضي عياض في المدارك، فليراجعها من أرادها، فإن عهدي بها في المغرب (1) .
وقال بعض من عرف به، ما نصّه (2) : القاضي محمد بن بشير بن محمد المعافري، أصله من جند باجة من عرب مصر، ولاه الحكم بن هشام قضاء القضاة الذي يعبرون عنه بالمغرب بقضاء الجماعة، بقرطبة، بعد المصعب بن عمران، ثم صرفه وولى مكانه الفرج بن كنانة. وعن ابن حارث، قال أحمد ابن خالد: طلب محمد بن بشير العلم بقرطبة عند شيوخ أهلها حتى أخذ منه بحظ وافر، ثم كتب لأحد أولاد عبد الملك بن عمر المرواني (3) لمظلمة نالته على وجه الاعتصام به وتصرف معه تصرفاً لطيفاً، ثم انقبض عنه، وخرج حاجّاً، قال ابن الحارث: وكتب محمد بن بشير في حداثته للقاضي مصعب بن عمران، ثم انصرف حاجّاً فلقي مالك بن أنس وجالسه وسمع منه، وطلب العلم أيضاً بمصر، ثم انصرف فلزم ضيعته في باجة.
__________
(1) دوزي: فإن عهدي بها لمغرب، واستدركها فليشر في تصويباته؛ وفي ج ط ق: فإن عهدي بها المغرب.
(2) راجع التكملة: 355.
(3) في ق ط ج: عبد الملك بن مروان المرواني، والتصويب عن الخشبي.
(2/148)

وقال ابن حيّان: إنّه استقدم من باجة للقضاء برأي العباس بن عبد الملك.
وقال ابن شعبان في الرواة (1) عن مالك من أهل الأندلس: محمد بن بشير بن سرافيل، ويقال شراحيل، ولي القضاء، وكان رجلاً صالحاً، وبعدله تضرب الأمثال، واستوطن قرطبة، وتوفّي بها سنة ثمان وتسعين ومائة، انتهى، وبعضه عن غيره.
ومن شعره قوله:
إنّما أزرى بقدري أنّني ... لست من بابة (2) أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقليةٍ ... لذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثلما ... يتحامون لقاء الأسد
مطلعي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني وسط بحرٍ لم يكن ... أحدٌ يأخذ منهم بيدي 93 - ومنهم محمد بن عيسى بن دينار الغافقي (3) ، من أهل قرطبة، كان فقيهاً زاهداً، وحج وحضر افتتاح إقريطش، واستوطنها، قاله الرازي.
94 - ومنهم محمد بن يحيى بن يحيى الليثي (4) ، خرج حاجّاً، ولقي سحنون بن سعيد بإفريقية، ولقي بمصر رجالاً من أصحاب مالك فسمع منهم، وعرف بالفقه والزهد، وجاور بمكّة، وتوفي هنالك.
95 - ومنهم محمد بن مروان بن خطاب، المعروف بابن أبي جمرة (5) ،
__________
(1) ق دوزي: في الرواية.
(2) دوزي: لست من باجة، وصوبه فليشر.
(3) ترجمته في التكملة: 356.
(4) ترجمته في التكملة: 356.
(5) ترجمته في التكملة: 356 وانظر ترجمة " عمير بن عبد الرحمن بن مروان " في ابن الفرضي 1: 371.
(2/149)

رحل حاجّا هو وابناه خطاب وعميرة في سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وسمعوا ثلاثتهم من سحنون بن سعيد المدوّنة بالقيروان، وأدركوا أصبغ بن الفرج، وأخذوا عنه.
96 - ومنهم محمد بن أبي علاقة البواب (1) ، من أهل قرطبة، كانت له رحلة إلى المشرق، ولقي فيها جماعة من أهل العلم، وأخذ عن أبي إسحاق الأخفش، وأبي عبد الله نفطويه، وغيرهم، وسمع من الأخفش الكامل للمبرّد، وقال الحكم المستنصر: لم يصح كتاب " الكامل " عندنا من رواية إلاّ من قبل ابن [أبي] علاقة، وكان ابن جابر الإشبيلي قد رواه قبل بمصر بمدة، وما علمت أحداً رواه غيرهما، وكان ابن الأحمر القرشي (2) يذكر أنّه رواه، وكان صدوقاً، ولكن كتابه ضاع، ولو حضر ضاهى الرجلين المتقدمين.
97 - ومنهم محمد بن حزم بن بكر التّنوخي (3) ، من أهل طليطلة، وسكن قرطبة، يعرف بابن الديني، سمع من أحمد بن خالد وغيره (4) ، وصحب محمد بن مسرة الجبلي قديماً، واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه، وكان من أهل الورع والانقباض، وحكى عن ابن مسرّة أنّه كان في سكناه المدينة يتتبع آثار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: ودلّه بعض أهل المدينة على دار ماريّة أم إبراهيم سرّيّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرقي المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط، وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقىإلى ذلك الفرش
__________
(1) ترجمته في التكملة: 362.
(2) كذا في الأصول، ولعلها: الفريشي.
(3) ترجمته في التكملة: 365.
(4) بن بكر.... وغيره: سقط من ق.
(2/150)

على خارج لطيف، وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعدما صلّى في البيتين والسقيفة وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار ضرب أحد البيتين بشبره، فكشفته بعد انصرافي وهو ساكن في الجبل عن ذلك، فقال: هذا البيت الذي تراني فيه بنيته على تلك (1) الحالة في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان، انتهى.
98 - ومنهم محمد بن يحيى بن مالك بن يحيى ين عائذ (2) ، ولد أبي زكريا الراوية، من أهل طرطوشة، يكنى أبا بكر، تأدّب بقرطبة، وسمع بها من قاسم بن أصبغ ومحمد بن معاوية القرشي وأحمد بن سعيد ومنذر بن سعيد وأبي علي القالي وغيرهم، وكان حافظاً للنحو واللّغة والشعر، يفوت من جاراه على حداثة سنّه، شاعراً مجيداً مرسلاً بليغاً، ورحل مع أبيه إلى المشرق سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فسمع بمصر من ابن الورد وابن السكن وحمزة الكناني هنالك، وجمع كتباً عظيمة، وأقام بها إلى أن توفّي بأصبهان معتبطاً مع الستين وثلاثمائة، ومولده بطرطوشة صدر ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ذكره ابن حيّان، رحمه الله تعالى.
99 - ومنهم محمد بن عبدون الجبلي العددي (3) من أهل قرطبة، أدّب بالحساب والهندسة، ورحل في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فدخل مصر والبصرة، وعني بعلم الطب فمهر فيه، ودبّر في مارستان الفسطاط، ثم رجع
__________
(1) ق ج ط: الحكاية.
(2) ترجمته في التكملة: 367؛ وفي ق ط ودوزي: " عاين " بدل " عائذ ".
(3) انظر ترجمة محمد بن عبدون الجبلي في التكملة: 367 وطبقات ابن جلجل: 115 والذيل والتكملة 6: 172 (نسخة باريس) . وابن أبي أصيبعة 2: 46 وطبقات صاعد: 81 والوافي 3: 207.
(2/151)

إلى الأندلس في سنة ستين وثلاثمائة، فاتصل بالمستنصر بالله وابنه المؤيد بالله، وله في التكسير تأليف حسن، رحمه الله تعالى.
100 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأزدي، الفراء القرطبي (1) ، صحب أبا بكر ابن يحيى بن مجاهد، واختص به، ولطف محلّه منه، وقرأ عليه القرآن، ورحل صحبته لأداء فريضة الحجّ، وكان رجلاً صالحاً كثير التلاوة للقرآن والخشوع، إذا قرأ بكى ورتّل وبيّن في مهل، ويقول: أبو بكر علّمني هذه القراءة، وحكي أنّه سرد الصوم اثنتي عشرة سنة قبل موت ابن مجاهد مفطراً كلّ ليلة وقت الإفطار، ثم تمادى على ذلك بعد موته مفطراً عقب العشاء الآخرة لالتزامه الصلاة من المغرب إليها، تزيّداً من الخير، واجتهاداً في العمل.
101 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري، الأندلسي (2) ، رحل إلى المشرق فسمع خيثمة بن سليمان وأبا سعيد ابن الأعرابي وإسماعيل ابن محمد الصفار وبكر بن حمّاد التاهرتي وغيرهم، روى عنهم أبو عبد الله الحكم وقال: اجتمعنا بهمذان سنة إحدى وأربعين، يعني وثلاثمائة، فتوجّه منها إلى أصبهان، وكان قد سمع في بلاده وبمصر من أصحاب يونس، وبالحجاز وبالشام وبالجزيرة من أصحاب علي بن حرب، وببغداد، وورد نيسابور في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين فسمع الكثير، ثم خرج إلى مرو ومنها إلى بخارى فتوفّي بها في رجب من سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وروى عنه أيضاً أبو القاسم ابن حبيبي النيسابوري وغيرهما، ذكره ابن عساكر، وأسند إليه قوله:
ودّعت قلبي ساعة التوديع ... وأطعت قلبي وهو غير مطيعي
إن لم أشيّعهم فقد شيّعتهم ... بمشيّعين تنفّسي ودموعي
__________
(1) ترجمته في التكملة: 369 والذيل والتكملة 6: 147 (نسخة باريس) .
(2) هذه الترجمة مكررة. أنظر الترجمة رقم: 90 في ما تقدم.
(2/152)

وذكره ابن الفرضي وقال: إنّه استوطن بخارى، وجعل وفاته بها سنة ثمان وسبعين، والأول قول الحاكم، وهو أصح.
102 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، السّرقسطي (1) ، روى عن الباجي وابن عبد البر، ورحل حاجّاً فقدم دمشق وحدّث بها عن شيوخه الأندلسيين، وعن أبي حفص عمر بن أبي القاسم ابن أبي زيد القفصيّ، وذكره ابن عساكر، وقال: سمع عنه أبو محمد الأكفاني، وحكى عنه تدليساً ضعّفه به، وتوفّي سنة 477.
103 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن بقاء، الأنصاري (2) ، من بلاد الثغر الشرقي (3) ، أخذ القراءات عن أبي داود سليمان بن نجاح، ورحل حاجّاً، فقدم دمشق، وأقرأ بها القرآن بالسبع، وأخذ عنه جماعة من أهلها، وكان شيخاً فاضلاً حافظاً للحكايات، قليل التكلّف في اللباس، ذكره ابن عساكر وقال: رأيته وسمعته ينشد قصيدة يوم خرج الناس للمصلّى للاستسقاء على المنبر، وأولها:
أستغفر الله من ذنبي وإن كبرا ... واستقلّ له شكري وإن كثرا ولد في الثاني والعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفّي يوم الأربعاء عند صلاة العصر، ودفن يوم الخميس لصلاة الظهر الثاني من ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ودفن في مقابر الصحابة بالقرب من قبر أبي الدّرداء، رضي الله تعالى عنه، قال: وشهدت أنا غسله والصلاة عليه
__________
(1) ترجمته في التكملة: 397 والذيل والتكملة 6: 19 (نسخة باريس) .
(2) ترجمته في التكملة: 413.
(3) من أهل بلغي في الثغر الشرقي.
(2/153)

ودفنه؛ وذكره السلفي.
104 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر بن علي بن عيسى، الأنصاري، الخزرجي (1) ، من أهل دانية، سمع كتاب " التقصي " لابن عبد البر، ولقي أبا الحسن الحصري ثم خرج حاجّاً فقدم دمشق سنة أربع وخمسمائة، وأقام بها مدة يقرئ العربية، وكان شديد الوسوسة من الوضوء.
ذكره ابن عساكر وقال: أنشدني أخي أبو الحسين هبة الله بن الحسن الفقيه قال: أنشدنا ابن طاهر الأندلسي بدمشق قال: أنشدني الحصري لنفسه:
يموت من في الأنام طرّاً ... من طيّبٍ كان أو خبيث
فمستريحٌ ومستراحٌ ... منه، كما جاء في الحديث قال: وأنشدني الحصري لنفسه:
لو كان تحت الأرض أو فوق الذرى ... حرٌّ أتيح له (2) العدوّ ليوذى
فاحذر عدوّك وهو أهون هيّنٍ ... إنّ البعوضة أردت النمروذا 105 - ومنهم محمد بن أبي سعيد الفرج بن عبد الله، البزاز (3) ، من أهل سرقسطة، لقي بدانية الحصري، وسمع منه بعض منظومه، ورحل حاجّاً فأدّى الفريضة، ودخل العراق فسمع من جماعة وأجازوا له: منهم ابن خيرون، والحميدي، وأبو زكريا التبريزي، والمبارك بن عبد الجبار، وثابت بن بندار، وهبة الله بن الأكفاني، وغيرهم، ونزل الإسكندريّة، وحدّث بها وأخذ الناس عنه، وتوفّي هنالك، وأنشد للحصري:
__________
(1) ترجمته في التكملة: 419 والذيل والتكملة 6: 87 - 88 (نسخة باريس) .
(2) ق: لو كنت ... حراً أتيح له..؛ وهو مضطرب.
(3) ترجمته في التكملة: 433؛ وفي ق ودوزي: " البزار ".
(2/154)

الناس كالأرض، ومنهم هم ... من خشن اللّمس ومن ليّن
صلدٌ تشكّى الرّجل منه الوجى ... وإثمدٌ يجعل في الأعين روى عنه ابن الحضرمي وابن جارة، وغيرهما.
106 - ومنهم أبو بكر محمد بن الحسين، الشهير بالميورقي (1) لأن أصله منها، وسكن غرناطة، وروى عن أبي علي الصّدفي، ورحل حاجّاً فسمع بمكّة من أبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي، وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم النهاوندي، في شوّال وذي القعدة من سنة 517، وبالإسكندريّة من أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن ابن مشرّف وأبي بكر الطّرطوشي وغرهم، وعاد إلى الأندلس بعد مدّى طويلة فحدّث في غير ما بلد لتجوّله، وكان فقيهاً ظاهريّاً، عارفاً بالحديث وأسماء الرجال، متقناً لما رواه، يغلب عليه الزهد والصلاح، روى عنه أبو عبد الله النميري الحافظ ويقول فيه: الأزدي تدليساً، لأن الأنصار من الأزد، وأبو بكر ابن رزق وأبو عبد الله ابن عبد الرحيم وابنه عبد المنعم وسواهم، وصار أخيراً إلى بجاية هارباً من صاحب المغرب (2) حينئذ بعد أن حمل إليه هو وأبو العباس ابن العريف وأبو الحكم ابن برّجان، وحدّث هنالك، وسمع منه في سنة 537، رحمه الله تعالى.
107 - ومنهم أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن بن الطّفيل العبدي الإشبيلي (3) ويعرف بابن عظيمة، أخذ القراءات عن أبي عبد الله السّرقسطي
__________
(1) ترجمته في التكملة: 440 والذيل والتكملة 6: 63 (نسخة باريس) وهو محمد بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن بشر الأنصاري الخزرجي، وأسقط ابن الزبير " الحسين " من نسبه وقال في بشر " بشير " وكلاهما غلط، هذا ما حققه ابن عبد الملك وهو ينقل من خطه.
(2) يعني علي بن يوسف بن تاشفين؛ وقال ابن عبد الملك: إن علياً ضربه بالسوط وسجنه وقتاً ثم سرحه إلى الأندلس.
(3) ترجمته في التكملة؛ 445 والذيل والتكملة 6: 143 (نسخة باريس) .
(2/155)

وروى عن أبي عبد الله الخولاني وأبي عبد الله ابن فرج وأبي علي الغساني وأبي داود المقرئ وأبي جعفر ابن عبد الحق وأبي الوليد ابن طريف، ورحل حاجّاً فروى بمكّة عن رزين بن معاوية، ثم بالإسكندريّة عن ابن الحضرمي أبي عبد الله محمد بن منصور وأبي الحسن ابن مشرّف الأنماطي، وبالمهدية عن المازريّ، وكانت رحلته مع أبي علي منصور بن الخير الأحدب للقاء أبي معشر الطبري، فبلغهما نعيه بمصر، فلمّا قفلا من حجّهما قعد منصور يقول: قرأت على أبي معشر، واقتصر أبو الحسن في تصدره للإقراء على التحديث عمّن لقي، فعرف مكانه من الصدق والعدالة، وولي الصلاة ببلده، وتقدّم في صناعته، واشتهر بها، وتلاه أهل بيته فيها، فأخذ عنهم الناس، وله أرجوزة في القراءات السبع، وأخرى في مخارج الحروف، وشرح قصيدة الشقراطسي، وله أيضاً كتاب " الفريدة الحمصية (1) في شرح القصيدة الحصريّة "، وإليه وإلى بنيه بعده كانت الرياسة في هذا الشأن، ومن جلّة الرواة عنه أبو بكر ابن خير، قرأ عليه " الشهاب " للقضاعي (2) ، وأجاز له جميع رواياته وتواليفه في رجب سنة 536، وتوفّي في حدود الأربعين وخمسمائة، وروى عنه أبو الضحاك الفزاري.
108 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عيسى بن هشام بن جراح الخزرجي (3) ، من أهل جيّان، ويعرف بالبغدادي لطول سكناه إيّاها، روى عن أبي علي الغسّاني، وأبي محمد ابن عتاب، ورحل حاجّاً فلقي أبا الحسن الطبري المعروف بالكيّا، وأبا طالب الزينبي، وأبا بكر الشاشي،
__________
(1) سماها ابن خير " منح الفريدة الحمصية " - (الفهرسة: 74) .
(2) انظر فهرست ابن خير: 182.
(3) ترجمته في التكملة: 474 والذيل والتكملة 5: 582 صنف في مسائل الخلاف تعليقه المشهور في سبعة أسفار، ومن مصنفاته " أسرار الإيمان " في سفر؛ دروس الفقه بفاس ثم تحول إلى جيان فجلس فيها للوعظ والقصص وخرج من بلده في الفتنة وعاد إلى فاس فنزلها 544 وبقي يدرس فيها الفقه ومسائل الخلاف إلى أن توفي.
(2/156)

وغيرهم. وكان فقيهاً مشاوراً، حدث عنه أبو عبد الله النميري، وأبو محمد ابن عبيد الله، وأبو عبد الله ابن حميد، وأبو القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وغير واحد، وتوفّي بفاس سنة 546.
109 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن ياسر، الأنصاري الجيّاني (1) ، ونزل حلب، يكنى أبا بكر، رحل إلى المشرق، وأدّى الفريضة وقدم دمشق قبل العشرين وخمسمائة، وسكن قنطرة سنان (2) منها، وكان يعلّم القرآن، ويتردّد إلى أبي عبد الله (3) نصر الله بن محمد يسمع الحديث منه، ثم رحل صحبة أبي القاسم ابن عساكر صاحب تاريخ الشام إلى بغداد سنة عشرين، وكان زميله، فسمع بها معه من هبة الله بن الحصين وغيره، ثم خرج إلى خراسان فسمع بها من حمزة الحسيني وأبي عبد الله الفراوي وأبي القاسم الشّحّامي وغيرهم، وسمع ببلخ جماعة منهم أبو محمد الحسن بن علي الحسيني (4) وأبو النجم مصباح ابن محمد المسكي وغيرهما، وبلغ الموصل فأقام بهامدة يسمع منه ويؤخذ عنه، ثم انتهى إلى حلب فاستوطنها، وسلّمت إليه خزانة الكتب النورية، وأجريت عليه جراية، وكان فيه عسر في الرواية والإعارة معاً، ووقف كتبه على أصحاب الحديث، وله عوالٍ مخرّجة من حديثه ساوى [بها] بعض شيوخه البخاريّ ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي، روى عنه أبو حفص الميانشي وأبو المنصور مظفر بن سوار اللخمي وأبو محمد عبد الله بن علي بن سويدة وابن أبي السنان وغيرهم.
ذكره ابن عساكر في تاريخه وقال: سمعت منه، ومات [بحلب] في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة على ما بلغني.
__________
(1) ترجمته في التكملة: 500.
(2) هكذا في ق ط ج، وجعل في دوزي " سنتين "؛ وصوبه فليشر.
(3) التكملة: أبي الفتح.
(4) التكملة: الحسني.
(2/157)

وقال ابن نقطة: حدّث عن جماعة منهم أبو القاسم سهل بن إبراهيم النيسابوري وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الهمداني، حدّثنا عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي وأخوه أبو العباس أحمد، وحكي عن الحسن بن هبة الله بن صصرى أنّه توفّي بحلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وخمسمائة كما تقدم، وقد بلغ السبعين، قاله ابن الأبار.
110 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة (1) ، مرسيّ سكن شاطبة، ودار سلفه بلنسية، سمع أبا علي الصّدفي واختص به، وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق وأمّهات كتبه الصحاح، لصهر كان بينهما، وسمع أيضاً أبا محمد ابن أبي جعفر، ولازم حضور مجلسه للتفقّه به، وحمل ما كان يرويه، ورحل إلى غرب الأندلس فسمع أبا محمد ابن عتاب وأبا بحر الأسدي وأبا الوليد ابن رشد، وأبا عبد الله الخولاني، وأبا عبد الله ابن الحاج، وأبا بكر العربي وغيرهم، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني وأبو الوليد ابن طريف وأبو الحسن ابن عفيف وأبو القاسم وابن صواب وأبو محمد ابن السيّد وغيرهم، ثم رحل إلى المشرق سنة عشرين وخمسمائة، فلقي بالإسكندريّة أبا الحجّاج ابن نادر الميورقي، وصحبه وسمع منه، وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام، وأدّى فريضة الحج في سنة إحدى وعشرين، ولقي بمكّة أبا الحسن رزين بن معاوية العبدري إمام المالكيّة بها، وأبا محمد ابن صدقة المعروف بابن غزال من أصحاب كريمة المروزيّة فسمع منهم وأخذ عنهما، وروى عن أبي الحسن علي بن سند بن عياش الغساني ما حمل عن أبي حامد الغزالي من تصانيفه، ثم انصرف إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته بالإسكندريّة، ولقي أبا طاهر ابن عوف وأبا عبد الله ابن مسلم القرشي وأبا طاهر السّلفي وأبا
__________
(1) ترجمة ابن سعادة في التكملة: 505.
(2/158)

زكريا الزناتي وغيرهم، فأخذ عنهم، وكان قد كتب إليه منها أبو بكر الطّرطوشي وأبو الحسن ابن مشرّف الأنماطي، ولقي في صدره بالمهديّة أبا عبد الله المازري فسمع منه بعض كتاب المعلم، وأجاز له باقيه، وعاد إلى مرسية في سنة ست وعشرين.
وقد حصّل في رحلته علوماً جمة ورواية فسيحة، وكان عارفاً بالسنن والآثار، مشاركاً في علم القرآن وتفسيره، حافظاً للفروع، بصيراً باللّغة والغريب، ذا حظ من علم الكلام، مائلاً إلى التصوّف، مؤثراً له، أديباً بليغاً خطيباً فصيحاً، ينشئ الخطب مع الهدي والسّمت والوقار والحلم، جميل الشارة، محافظاً على التلاوة، [بادي] الخشوع (1) ، راتباً على الصوم، وولي خطّة الشورى بمرسية مضافة إلى الخطبة بجامعها، وأخذ في إسماع الحديث وتدريس الفقه، ثم ولي القضاء بها بعد انقراض دولة الملثمين، ونقل إلى قضاء شاطبة فاتخذها وطناً، وكان يسمع الحديث بها وبمرسية وبلنسية، ويقيم الخطب أيّام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة متعاقباً عليها، وقد حدّث بالمريّة وهناك أبو الحسن ابن موهب وأبو محمد الرّشاطي وغيرهما، وسمع منه أبو الحسن ابن هذيل جامع الترمذي، وألّف كتابه شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم ولم يسبق إلى مثله، وليس له غيره، وجمع فهرسة حافلة.
ووصفه غير واحد بالتّفنّن في العلوم والمعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث والأدب.
وقال ابن عياد في حقّه: إنّه كان صليباً في الأحكام، مقتفياً للعدل، حسن الخلق والخلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فكه المجالسة، ثبتاً، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط. وحكي أنّه كانت عنده أصول حسان
__________
(1) ق ط ج ودوزي: على التلاوة بالخشوع.
(2/159)

بخطّ عمّه، مع الصحيحين بخطّ الصّدفي في سفرين، قال: ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه.
وذكره أبو سفيان أيضاً وأبو عمر ابن عاتٍ، ورفعوا جميعاً بذكره.
وتوفّي بشاطبة مصروفاً عن قضائها آخر ذي الحجّة سنة خمس وستين وخمسمائة (1) ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، بالروضة المنسوبة إلى أبي عمر ابن عبد البر، ومولده في رمضان سنة 496.
111 - ومنهم محمد بن إبراهيم بن وضاح، اللخمي (2) ، من أهل غرناطة، ونزل جزيرة شقر، يكنى أبا القاسم، وأخذ القراءة عن أبي الحسن ابن هذيل وسمع منه كثيراً ورحل حاجّاً فأدّى الفريضة، وأخذ القراءات بمكّة عن أبي علي ابن العرجاء في سنة ست وأربعين وخمسمائة وسنة سبع بعدها، وحجّ ثلاث حجّات، ودخل بغداد، وأقام في رحلته نحواً من تسعة أعوام، وقفل إلى الأندلس، فنزل جزيرة شقر من أعمال بلنسية، وأقرأ بها القرآن نحواً من أربعين سنة لم يأخذ من أحد أجراً، ولا قبل هديّة، وولي الصلاة والخطبة بجامعها، وكان رجلاً صالحاً، زاهداً يشار إليه بإجابة الدعوة، معروفاً بالورع والانقباض، وتوفّي في صفر سنة 587.
112 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن، التّجيبي، نزيل تلمسان (3) ، من أهل لقنت عمل مرسية، وسكن أبوه أريولة، رحل إلى
__________
(1) هكذا هو تاريخ وفاته في التكملة وط ج؛ وعند ق ودوزي أنه توفي 555 ودفن أول يوم من سنة 556.
(2) ترجمة في التكملة: 544 والذيل والتكملة 6: 39 (نسخة باريس) .
(3) ترجمته في التكملة: 588 والذيل والتكملة 6: 139 (نسخة باريس) وقد أطنب ابن عبد الملك في ذكره شيوخه والآخذين عنه.
(2/160)

المشرق فأدّى الفريضة، وأطال الإقامة هنالك، واستوسع في الرواية، وكتب العلم عن جماعة كثيرة أزيد من مائة وثلاثين، من أعيانهم المشرقيين أبو طاهر السّلفي، صحبه واختص به وأكثر عنه، وحكى أنّه لمّا ودّعه في قفوله إلى المغرب سأله عمّا كتب عنه، فأخبره أنّه كتب كثيراً من الأسفار ومئين من الأجزاء، فسرّ بذلك، وقال له: تكون محدّث المغرب إن شاء الله تعالى، قد حصّلت خيراً كثيراً، قال: ودعا لي بطول العمر حتى يؤخذ عني ما أخذت عنه، وقد جمع في أسماء شيوخه على حروف المعجم تأليفاً مفيداً أكثر فيه من الآثار والحكايات والأخبار، وقفل من رحلته، وله أربعون حديثاً من المواعظ، وأخرى في الفقر وفضله، وثالثة في الحب في الله تعالى، رابعة في فضل الصلاة على النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، ومسلسلاته في جزء، وكتاب فضائل الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان وكتاب فضل عشر ذي الحجّة وكتاب مناقب السبطين وكتاب الفوائد الكبرى مجلد، والفوائد الصغرى جزء، وكتاب الترغيب في الجهاد خمسون باباً في مجلّد، وكتاب المواعظ والرقائق أربعون مجلساً، سفران، وكتاب مشيخة السّلفي وغير ذلك.
ومولده بلقنت (1) الصغرى في نحو الأربعين وخمسمائة، وتوفّي سنة عشر وستمائة، رحمه الله تعالى.
113 - ومنهم الشيخ الأكبر، ذو المحاسن التي تبهر، سيّدي محيي الدين بن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، الحاتمي (2) ، من ولد
__________
(1) ق ط: بالقنت.
(2) ترجمة ابن عربي الصوفي في التكملة: 652 والذيل والتكملة 6: 202 (نسخة باريس) وعنوان الدراية: 97 والوافي 4: 173 - 178 والفوات 2: 478 وشذرات الذهب 5: 190 - 202 والنجوم الزاهرة 6: 339 ومرآة الزمان: 736. وراجع طبقات المناوي ولسان الميزان، وفي كتبه معلومات كثيرة عنه، وقد كتب الأستاذ آسين بلأثيوس دراسة لحياته مؤلفاً بين الأخبار التي وردت فيها (ترجم الدكتور عبد الرحمن بدوي هذا الكتاب، القاهرة 1965) وللأستاذ أبو العلا عفيفي دراسات عنه. (وراجع بروكلمان 1: 571) .
(2/161)

عبد الله بن حاتم أخي عديّ بن حاتم، الصوفي الفقيه المشهور الظاهري، ولد بمرسية يوم الاثنين سابع عشر رمضان سنة 560، قرأ القرآن على أبي بكر ابن خلف بإشبيلية بالسبع وبكتاب الكافي، وحدّثه به عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرّعيني عن أبيه، وقرأ أيضاً السبع بالكتاب المذكور على أبي القاسم الشّرّاط القرطبي، وحدّثه به عن ابن المؤلف، وسمع على أبي بكر محمد بن أبي جمرة كتاب التيسير للدّاني عن أبيه عن المؤلف، وسمع على ابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي وغير واحد من أهل المشرق والمغرب يطول تعدادهم.
وكان انتقاله من مرسية لإشبيلية سنة 568، فأقام بها إلى سنة 598، ثم ارتحل إلى المشرق، وأجازه جماعة منهم الحافظ السّلفي وابن عساكر وأبو الفرج ابن الجوزي، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدّة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، ومات بدمشق سنة 638 (1) ، ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وأنشدني لنفسه مؤرخاً وفاته الشيخ محمد ابن سعد الكلشني سنة 1037 (2) ، حفظه الله تعالى:
إنّما الحاتميّ في الكون فردٌ ... وهو غوثٌ وسيّدٌ وإمام
كم علومٍ أتى بها من غيوبٍ ... من بحار التوحيد يا مستهام
إن سألتم متى توفّي حميداً ... قلت أرخت: مات قطبٌ همام وقال ابن الأبار: هو من أهر المريّة، وقال ابن النجار: أقام بإشبيلية
__________
(1) في ق: 637، وكذلك قال ابن عبد الملك في الذيل والتكملة.
(2) في نسخة: 1038.
(2/162)

إلى سنة 598، ثم دخل بلاد المشرق، وقال ابن الأبار: إنّه أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة، ثم رحل إلى المشرق حاجّاً، ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وقال المنذري: ذكر أنّه سمع بقرطبة من أبي القاسم ابن بشكوال وجماعة سواه، وطاف البلاد، وسكن بلاد الروم مدّة، وجمع مجاميع في الطريقة، وقال ابن الأبار: إنّه لقيه جماعة من العلماء والمتعبدين، وأخذوا عنه، وقال غيره: إنّه قدم بغداد سنة 608، وكان يومأ إليه بالفضل والمعرفة، والغالب عليه طرق أهل الحقيقة، وله قدم في الرياضة والمجاهدة وكلام على لسان أهل التصوّف، ووصفه غير واحد بالتقدّم والمكانة من أهل هذا الشأن بالشام والحجاز، وله أصحاب وأتباع.
ومن تآليفه مجموع ضمّنه منامات رأى فيها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وما سمع منه ومنامات قد حدّث بها عمّن رآه صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن النجار: وكان قد صحب الصوفية، وأرباب القلوب، وسلك طريق الفقر، وحجّ وجاور، وكتب في علم القوم، وفي أخبار مشايخ المغرب وزهّادها، وله أشعار حسنة وكلام مليح؛ اجتمعت به (1) في دمشق في رحلتي سنة 601، فأقام بها اثني عشر يوماً، ثم دخلها ثانياً حاجّاً مع الركب سنة 608، وأنشدني لنفسه:
أيا حائراً (2) ما بين علم وشهوة ... ليتّصلا، ما بين ضدّين من وصل
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ... يرى الفضل للمسك الفتيق على الزّبل وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين 17 رمضان سنة 560 بمرسية من بلاد الأندلس، انتهى.
__________
(1) انظر هذا النص في الوافي 4: 178 نقلاً عن ابن النجار.
(2) الوافي: أنا حائر.
(2/163)

وقال ابن مسدي: إنّه كان جميل الجملة والتفصيل، محصّلاً لفنون العلم أخصّ تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدم الذي لا يسبق، سمع ببلاده من ابن زرقون والحافظ ابن الجد وأبي الوليد الحضرمي وبسبتة من أبي محمد ابن عبد الله، وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه، وأبو جعفر ابن مصلّي، وذكر أنّه لقي عبد الحق الإشبيلي، وفي ذلك عندي نظر، انتهى.
قلت: لا نظر في ذلك، فإن سيدي الشيخ محيي الدين ذكر في إجازته للملك المظفر غازي ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب ما معناه أو نصّه: ومن شيوخنا الأندلسيين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي، رحمه الله تعالى؛ حدّثني بجميع مصنّفاته في الحديث، وعين لي من أسمائها تلقين المهتدي، والأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى، وكتاب التهجد، وكتاب العاقبة، ونظمه ونثره، وحدّثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد ابن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه، انتهى.
وقال: إن الحافظ السّلفي أجاز له، انتهى. قال بعض الحفّاظ: وأحسبها الإجازة العامة.
وكان ظاهريّ المذهب في العبادات، باطنيّ النظر في الاعتقادات، وكان دفنه يوم الجمعة بجبل قاسيون، واتفق أنّه لمّا أقام ببلاد الروم زكاه ذاتيوم الملك فقال: هذا تذلّ له الأسود (1) ، أو كلاماً هذا معناه، فسئل عن ذلك، فقال: خدمت بمكّة بعض الصلحاء، فقال لي يوماً: الله يذلّ لك أعزّ خلقه، وأمر له ملك الروم مرّة بدارٍ تساوي مائة ألف درهم، فلمّا نزلها وأقام بها مرّ به في بعض الأيّام سائل، فقال له: شيء لله، فقال: ما لي غير هذه الدار، خذها لك، فتسلّمها السائل وصارت له.
__________
(1) الوافي: هذا بدعوة الأسود؛ الفوات: تذعر له الأسود.
(2/164)

وقال المذهبي في حقّه: إن له توسّعاً في الكلام، وذكاء، وقوّة خاطر، وحافظة، وتدقيقاً في التصوّف، وتواليف جمّة في العرفان، لولا شطحه في كلامه وشعره، ولعلّ ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخير، انتهى.
وقال القطب اليونيني في ذيل مرآة الزمان: عن سيدي الشيخ محيي الدين - رضي الله تعالى عنه ونفعنا به - أنّه كان يقول: إنّي أعرف اسم الله الأعظم، وأعرف الكيمياء، انتهى.
وقال ابن شودكين عنه: إنّه كان يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همّته في الحضور في مناماته، بحيث يكون حاكماً على خياله يصرفه بعقله نوماً، كما كان يحكم عليه يقظة؛ فإذا حصل للعبد هذا الحضور وصار خلقاً له وجد ثمرة ذلك في البرزخ وانتفع به جدّاً، فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر، فإنّه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى.
وقال: إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك.
وقال: ينبغي للسالك أنّه متى حضر له أنّه يعقد على أمرٍ ويعاهد الله تعالى عليه، أن يترك ذلك الأمر يجيء وقته، فإن يسّر الله تعالى فعله فعله، وإن لم ييسّر الله فعله، يكون مخلصاً من نكث العهد، ولا يكون متصفاً بنقض الميثاق.
ومن نظم الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى قوله:
بين التّذلّل والتّدلّل نقطةٌ ... فيها يتيه العالم النّحرير
هي نقطة الأكوان إن جاوزتها ... كنت الحكيم وعلمك الإكسير وقوله أيضاً رحمه الله:
يا درّة بيضاء لاهوتيّةً ... قد ركّبت صدفاً من الناسوت
(2/165)

جهل البسيطة (1) قدره لشقائهم ... وتنافسوا في الدّرّ والياقوت وحكى العماد بن النحاس الأطروش (2) أنّه كان في سفح جبل قاسيون على مستشرف، وعنده الشيخ محيي الدين، والغيث والسحاب عليهم، ودمشق ليس عليها شيء، قال: فقالت للشيخ: أما ترى هذه الحال فقال: كنت بمراكش وعندي ابن خروف الشاعر، يعني أبا الحسن علي بن محمد القرطبي القبذاقي (3) ، وقد اتفق الحال مثل هذه، فقلت له مثل هذه المقالة، فأنشدني:
يطوف السحاب بمرّاكشٍ ... طواف الحجيج ببيت الحرم
يروم نزولاً فلا يستطيع ... لسفك الدماء وهتك الحرم وحكى المفريزي في ترجمة سيدي عمر بن الفارض - أفاض الله علينا من أنواره - أن الشيخ محيي الدين بن العربي تعث إلى سيدي عمر يستأذنه في شرح التائية، فقال: كتابك المسمّى بالفتوحات المكيّة شرحٌ لها، انتهى.
وقال بعض من عرّف به: إنّه لمّا صنّف الفتوحات المكيّة كان يكتب كلّ يوم ثلاث كراريس حيث كان، وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة، فما ادّخر منها شيئاً، وقيل: إن صاحب حمص رتّب له كلّ يوم مائة درهم، وابن الزكي كلّ يوم ثلاثين درهماً، فكان يتصدّق بالجميع، واشتغل الناس بمصنّفاته، ولها ببلاد اليمن والروم صيت عظيم، وهو من عجائب الزمان، وكان يقول: أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب.
ومن نظمه:
__________
(1) دوزي: جهل البرية.
(2) ط: الأطرش.
(3) ق ط ج: القيداقي.
(2/166)

حقيقتي همت بها ... وما رآها بصري
ولو رآها لغدا ... قتيل ذاك الحور
فعندما أبصرتها ... صرت بحكم النّظر
فبتّ مسحوراً بها ... أهيم حتى السحر
يا حذري من حذري ... لو كان يغني حذري
والله ما هيّمني ... جمال ذاك الخفر
في حسنها من ظبيةٍ ... ترعى بذات الخمر
إذا رنت أو عطفت ... تسبي عقول البشر
كأنّما أنفاسها ... أعراف مسكٍ عطر
كأنها شمس الضحى ... في النور أو كالقمر
إن أسفرت أبرزها ... نور صباحٍ مسفر
أو سدلت غيّبها ... سواد ذاك الشّعر
يا قمراً تحت دجىً ... خذي فؤادي وذري
عيني لكي أبصركم ... إذ كان حظّي نظري وقال الخويّي: قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه: رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة، فسألني: كيف حالك مع أهلك فقلت (1) :
إذا رأت أهل بيتي الكيس ممتلئاً ... تبسمت ودنت مني تمازحني
وإن رأته خليّاً من دراهمه ... تجهّمت وانثنت عنّي تقابحني فقال لي: صدقت، كلّنا ذلك الرجل.
وذكر الإمام العالم بالله تعالى لسان الحقيقة، وشيخ الطريقة، صفي الدين
__________
(1) ديوان ابن عربي.
(2/167)

حسين ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي الحسن علي، ابن الإمام مفتي الأنام كمال الدين أبي منصور ظافر الأزدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، في رسالته الفريدة المحتوية على من رأى من سادات مشايخ عصره، بعد كلام، ما صورته: ورأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وفّر (1) له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود، مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد، وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرّار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، في الآصال والبكرات، ومن نظم سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله:
يا من يراني ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يراني قال رحمه الله تعالى: قال لي بعض إخواني لمّا سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك فقلت له مرتجلاً:
يا من يراني مجرماً ... ولا أراه آخذا
كم ذا أراه منعماً ... ولا يراني لائذا قلت: من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى مؤوّل، وأنّه لا يقصد ظاهره، وإنّما له محامل تليق به، وكفاك شاهداً هذه الجزئية الواحدة، فأحسن الظنّ به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللنّاس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله سبحانه بكلام أوليائه أعلم.
ومن النظم المنسوب لمحاسن الشيخ سيدي محيي الدين رضي الله تعالى عنه في ضابط ليلة القدر:
__________
(1) ق ط ج: وقر.
(2/168)

وإنّا جميعاً إن نصم يوم جمعةٍ ... ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر
وإن كان يوم السبت أوّل صومنا ... فحادي وعشرين اعتمده بلا عسر
وإن كان صوم الشّهر في أحدٍ فخذ ... ففي سابع العشرين ما شئت فاستقري
ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد ... على خامس العشرين فاعمل بها تدري
وفي الأربعا إن هلّ يا من يرومها ... فدونك نيل الوجد في تاسع العشر
ويوم خميس إن بدا الشّعر فاجتهد ... ففي ثالث العشرين تظفر بالنّصر
وضابطها بالقول ليلة جمعةٍ ... توافيك بعد النّصف في ليلة الوتر قلت: لست على يقين من نسبة هذا النظم إلى الشيخ رحمه الله تعالى، فإن نفسه أعلى من هذه النظم، ولكنّي ذكرته لما فيه من الفائدة، ولأن بعض الناس نسبه إليه، فالله تعالى غير واحد قوله:
قلبي قطبي، وقالبي أجفاني ... سرّي خضري، وعينه عرفاني
روحي هرون وكليمي موسى ... نفسي فرعون والهوى هاماني وذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه ويلحسهما، فإنّه يبرأ بإذن الله تعالى، قال وهو من المجرّبات.
وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه الله تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق، وحكى في ذلك حكاية عن بعض الأولياء ممّن كان ينتصر للشيخ، رحمه الله تعالى.
(2/169)

[سعد الدين ابن الشيخ محيي الدين]
ولد للشيخ محيي الدين - رحمه الله تعالى - ابنه محمدٌ المدعوّ سعد الدين (1) بملطية في رمضان سنة 618، ودرس، وقال الشعر الجيّد، وله ديوان شعر مشهور، وتوفّي بدمشق سنة 656 سنة دخل هولاكو بغداد وقتل الخليفة الستعصم، ودفن المذكور عند والده بسفح قاسيون، وكان قدم القاهرة، وسكن حلبا، ومن شعره (2) :
لمّا تبدّى عارضاه في نمط ... قيل ظلامٌ بضياء اختلط
وقيل سطر الحسن في خدّيه خطّ ... وقيل نملٌ فوق عاجٍ انبسط (3)
وقيل مسكٌ فوق وردٍ قد نقط ... وقال قوم: إنّها اللام فقط [حكاية عن ابن جزي]
قلت: تذكرت بهذا ما قاله الكاتب أبو عبد الله ابن جزيٍّ الأندلسي (4) كاتب سلطان المغرب أبي عنان حين تنازع الكتّاب أرباب الأقلام والرؤساء أصحاب السيوف في تشبيه العذار، وقالت كل فرقة: لا نشبهه إلاّ بما هو مناسب لصنعتنا، فلمّا فرغوا قال ابن جزي:
أتى أولو الكتب والسيف الأولى عزموا ... من بعد سلمي على حربي وإسلامي
__________
(1) انظر ترجمة سعد الدين بن عربي في فوات الوفيات 2: 325 والوافي 1: 186 وشذرات 5: 283.
(2) انظر الفوات: 326 والوافي: 188.
(3) الفوات والوافي: قد سقط.
(4) هو محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي (721 - 757) غرناطي الأصل، كتب عن السلطان أبي الحجاج يوسف ثم ارتحل ولحق بجناب السلطان أبي عنان، وهو الذي كتب رحلة ابن بطوطة ورتبها (انظر ترجمته في الإحاطة 2: 186 والكتيبة الكامنة: 223 وأزهار الرياض 3: 189 ونثير فرائد الجمان، الورقة: 4 ونثير الجمان الورقة: 78) .
(2/170)

بكلّ معنىً بديعٍ في العذار على ... ما تقتضي منهم أفكار أحلامي
فقال ذو الكتب: لا أرضى المحارب في ... تشبيهه لا وأنقاسي وأقلامي
وقال ذو الحرب: لا أرضى الكتائب في ... تشبيهه ومظلاّتي وأعلامي
فقلت: أجمع بين المذهبين معاً ... باللاّم، فاستحسنوا التّشبيه باللام وهذه الغاية التي لا تدرك مع البديهة ولزوم ما لا يلزم.
رجع - ومن نظم سعد الدين قوله (1) :
سهري من المحبوب أصبح مرسلاً ... وأراه متّصلاً بفيض مدامع
قال الحبيب: بأنّ ريقي نافعٌ ... فاسمع رواية مالكٍ عن نافع ومن نظمه أيضاً قوله:
وقالوا: قصيرٌ شعر من قد هويته ... فقلت: دعوني لا أرى منه مخلصا
محيّاه شمسٌ قد علت غصن قدّه ... فلا عجبٌ للظلّ أن يتقلّصا وقوله (2) :
وربّ قاضٍ لنا مليح ... يعرب عن منطق لذيذ
إذا رمانا بسهم لحظٍ ... قلنا له دائم النّفوذ وقوله (3) :
لك والله منظرٌ ... قلّ فيه المشارك
إنّ يوماً تكون في ... هـ ليومٌ مبارك
__________
(1) انظر البيتين في الوافي: 188.
(2) البيتان في الفوات والوافي.
(3) هما في الفوات من مقطوعة في تسعة أبيات.
(2/171)

ومن نظمه أيضاً ما كتب به إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أفاض الله تعالى علينا من فتوحاته، قوله:
ما للنّوى رقّةٌ ترثي لمكتئب ... حرّان في قلبه والدمع في حلب
قد أصبحت حلبٌ ذات العماد بكم ... وجلّق إرمٌ هذا من العجب وتوفّي الشيخ عماد الدين بالصالحيّة سنة 667، ودفن بسفح قاسيون عند والده بتربة القاضي ابن الزكيّ، رحم الله تعالى الجميع.
وابن الزكيّ أيضاً محيي الدين.
ومن نظم سعد الدين المذكور في وسيم رآه بالزيادة في دمشق (1) :
يا خليليّ في الزيادة ظبيٌ ... سلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفي ... ناظرٌ حسن وجهه في الزياده وله:
علقت صوفيّاً كبدر الدّجى ... لكنّه في وصلي الزاهد
يشهد وجدي بغرامي له ... فديت صوفيّاً له شاهد وله أيضاً:
صبوت إلى حريريٍّ مليح ... تكرّر نحو منزله مسيري
أقول له: ألا ترثي لصبٍّ ... عديم للمساعد والنصير
أقام ببابكم خمسين شهراً ... فقال: كذا مقامات الحريري وله:
وغزال من اليهود أتاني ... زائراً من كنيسه أو كناسه
__________
(1) انظر الفوات والوافي.
(2/172)

بتّ أجني الشقيق من وجنتيه ... وأشمّ العبير من أنفاسه
واعتنقنا إذ لم نخف من رقيب ... وأمنّا الوشاة من حرّاسه
من رآني يظنّني لنحولي ... واصفراري علامة فوق راسه وله:
لي حبيبٌ بالنّحو أصبح مغرى ... فهو منّي بما أعانيه أدرى
قلت: ماذا تقول حين تنادي ... يا حبيبي المضاف نحوك جهرا
قال لي: يا غلام، أو يا غلامي ... قلت: لبّيك ثم لبّيك عشرا وله أيضاً:
ساءلتني عن لفظةٍ لغويّةٍ ... فأجبت مبتدئاً بغير تفكّر
خاطبتني متبسّماً فرأيتها ... من نظم ثغرك في صحاح الجوهري وله:
وعلمت أنّ من الحديد فؤاده ... لمّا انتضى من مقلتيه مهنّدا
آنست من وجدي بجانب خدّه ... ناراً ولكن ما وجدت بها هدى [رجع إلى الشيخ محيي الدين]
وقال الشيخ محيي الدين - أفاض الله تعالى علينا من أنواره، وكسانا بعض حلل وأسراره - إنّه بلغني في مكّة عن امرأة من أهل بغداد أنّها تكلمت فيّ بأمور عظيمة، فقلت: هذه قد جعلها الله تعالى سبباً لخير وصل إليّ فلأكافئنّها، وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما اعتمرت في رجب لها، ففعلت ذلك، فلمّا كان الموسم استدل علي رجل غريب، فسأله الجماعة عن قصده، فقال: رأيت بالينبع في الليلة التي بتّ فيها كأن آلافاً من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر
(2/173)

فعجبت من كثرته، ثم سألت: لمن هو فقيل: هو لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة؛ وسمى تلك المرأة ثم قال: وهذا بعض ما تستحق، قال سيدي ابن عربي: فلمّا سمعت الرؤيا واسم المرأة، ولم يكن أحد من خلق الله تعالى علم منّي ذلك، علمت أنّه تعريف من حانب الحق، وفهمت من قوله إن هذا بعض ما تستحق أنّها مكذوب عليها، فقصدت المرأة وقلت: اصدقيني، وذكرت لها ما كان من ذلك، فقالت: كنت قاعدة قبالة البيت، وأنت تطوف، فشكرك الجماعة الذين كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهم إنّي أشهدك أنّي قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما وأتصدّق فيهما، قال: فعلمت أن الذي وصل منّي إليها بعض ما تستحق فإنّها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدّم.
ومن نظم الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى:
يا غاية السؤل والمأمول يا سندي ... شوقي إليك شديدٌ لا إلى أحد
ذبت اشتياقاً ووجداً في محبّتكم ... فآه من طول شوقي آه من كمدي
يدي وضعت على قلبي مخافة أن ... ينشقّ صدري لمّا خانني جلدي
ما زال يرفعها طوراً ويخفضها ... حتى وضعت يدي الأخرى تشدّ يدي وحكى سبط ابن الجوزي عن الشيخ محيي الدين أنّه كان يقول: إنّه يحفظ الاسم الأعظم، ويقول: إنّه يعرف السيميا بطريق التنزل، لا بطريق التكسب، انتهى والله تعالى أعلم، والتسليم أسلم.
ومن نظم الشيخ محيي الدين قوله:
ما فاز بالتّوبة إلاّ الذي ... قد تاب قدماً والورى نوّم
فمن يتب أدرك مطلوبه ... من توبة الناس ولا يعلم وله، رحمه الله تعالى، من المحاسن ما لا يستوفى.
(2/174)

وأنشدني لنفسه بدمشق صاحبنا الصوفي الشيخ محمد بن سعد الكلشني - حفظه الله تعالى - قوله شيخنا: الحاتمي ... (الأبيات) (1) ؛ وأنشدني لنفسه:
أمولاي محيي الدين أنت الذي بدت ... علومك في الآفاق كالغيث مذ همى
كشفت معاني كلّ علمٍ مكتّمٍ ... وأوضحت بالتحقيق ما كان مبهما وبالجملة فهو حجّة الله الظاهرة، وآيته الباهرة، ولا يلتفت إلى كلام من تكلّم فيه، ولله درّ السيوطي الحافظ فإنّه ألّف تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي ومقام هذا الشيخ معلوم، والتعريف به يستدعي طولاً، وهو أظهر من نار (2) على علم.
وكان بالمغرب يعرف باب العربي بالألف واللام، واصطلح أهل المشرق على ذكره بغير ألف ولام، فرقاً بينه وبين القاضي أبي بكر ابن العربي.
وقال ابن خاتمة في كتابه مزية المريّة ما نصّه: محمد بن علي محمد الطائي الصوفي، من أهل إشبيلية، وأصله من مرسية، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن العربي وبالحاتمي أيضاً، أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق حاجّاً فأدّى الفريضة، ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني ومن غيره، وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن ابن أبي نصر في شوّال سنة 606، وكان يحدّث بالإجازة العامّة عن أبي طاهر السّلفي، ويقول بها، وبرع في علم التصوّف، وله في ذلك تواليف كثيرة: منها " الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل " و " الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة " وكتاب " كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى " وكتاب المعارف الإلهيّة وكتاب " الإسرا
__________
(1) أثبت في الأصول الأبيات التي مرت ص: 162.
(2) ق ط ج ق: من نور، وصوبت في هامش ج.
(2/175)

إلى المقام الأسرى " وكتاب " مواقع النجوم ومطالع أهلّة أسرار العلوم " وكتاب " عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب " وكتاب " في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي "، والرسالة الملقّبة ب " مشاهد الأسرار القدسيّة ومطالع الأنوار الإلهيّة " في كتب أخر عديدة، وقدم على المريّة من مرسية مستهلّ شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وبها ألّف كتابه الموسوم ب " مواقع النجوم "، انتهى.
وفي الكتاب المسمى ب " الاغتباط بمعالجة ابن الخيّاط " تأليف شيخ الإسلام قاضي القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزابادي الصديقي صاحب القاموس، قدّس الله تعالى روحه، الذي ألّفه بسبب سؤالٍ سئل فيه عن الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي الطائي قدّس الله تعالى سرّه العزيز في كتبه المنسوبة إليه، ما صورته:
ما تقول السادة العلماء شدّ الله تعالى بهم أزر الدين، ولمّبهم شعث المسلمين، في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات والفصوص، هل تحلّ قراءتها وإقراؤها ومطالعتها وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا أفتونا مأجورين جواباً شافياً لتحوزوا جميل الثواب، من الله الكريم الوهّاب، والحمد لله وحده.
فأجابه بما صورته: الحمد لله، اللهم أنطقنا بما فيه رضاك، الذي أعتقده في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به، أنّه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام الحقيقة حقيقة ورسماً، ومحيي رسوم المعارف فعلاً واسماً:
إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ ... من بحره غرقت فيه خواطره وهو عباب لا تكدره الدّلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، وكانت
(2/176)

دعواته تخترق السبع الطّباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، وإنّي أصفه وهو يقيناً فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أنّي ما أنصفته:
وما عليّ إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يظنّ العدل عدوانا
والله والله والله العظيم ومن ... أقامه حجّةً للدين برهانا
بأنّ ما قلت بعضٌ من مناقبه ... ما زدت إلاّ لعلّي زدت نقصانا وأما كتبه ومصنّفاته فالبحار الزواخر، التي لجواهرها وكثرتها لا يعرف لها أل ولا آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنّما خصّ الله سبحانه بمعرة قدره أهلها، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها، وتأمّل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات، وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصّه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية، ووقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها: وأجزته أيضاً أن يروي عني مصنّفاتي، ومن جملتها كذا وكذا، حتى عد نيّفاً وأربعمائة مصنف، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى تفسير سورة الكهف عند قوله تعالى " وعلّمناه من لدنّا علماً " وتوفّي ولم يكمل، وهذا التفسير كتاب عظيم، كل سفر بحر لا ساحل له، ولا غرو فإنّه صاحب الولاية العظمة، والصديقية الكبرى، فيما نعتقد وندين الله تعالى به. وثم طائفة، في الغي حائفة، يعظمون عليه النكير، وربّما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها:
عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر هذا الذي نعلم ونعتقد، وندين الله تعالى به في حقه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصورة استشهاده: كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى
(2/177)

عفا الله عنه.
وأما احتجاجه بقول شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية فغير صحيح، بل كذب وزور، فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلّهم عن خادم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنّه قال: كنّا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق، فقال بعضهم: هل هي عربية أو عجميّة فقال بعض الفضلاء: إنّما هي فارسيّة معرّبة، أصلها زن دين، أي على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان، فقال بعضهم: مثل من فقال آخر إلى جانب الشيخ: مثل ابن عربي بدمشق، فلم ينطق الشيخ ولم يردّ عله، قال الخادم: وكنت صائماً ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه، فحضرت ووجدت منه إقبالاً ولطفاً، فقلت له: يا سيّدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا فقال: ما لك ولهذا كل، فعرفت أنّه يعرفه، فتركت الأكل وقلت له: لوجه الله تعالى عرّفني به، من هو فتبسّم، رحمه الله تعالى، وقال لي: الشيخ محيي الدين بن عربي، فأطرقت ساكتاً متحيراً، فقال: ما لك فقلت: يا سيّدي، قد حرت، قال: لم قلت: أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت فقال: آسكت، ذلك مجلس الفقهاء؛ هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام.
وأمّا قول غيره من أضراب الشيخ عز الدين فكثير، كان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجلّ مشايخ الشام أيضاً يقول: ما أجهل هؤلاء! ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها، فليأتوني لأحلّ لهم مشكله، وأبين لهم مقاصده، بحيث يظهر لهم الحق، ويزول عنهم الوهم.
وهذا القطب سعد الدين الحموي سئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لمّا
(2/178)

رجع من الشام إلى بلاده: كيف وجدت ابن عربي فقال: وجدته بحراً زخّاراً لا ساحل له.
وهذا الشيخ صلاح الدين الصّفدين له كتاب جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة، وهي موجودة في خزانة السلطان، تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية والمواهب الربانية.
وقوله في شيء من الكتب المصنّفة كالفصوص وغيره: إنّه صنّفه بأمر من الحضرة الشريفة النبويّة، وأمره بإخراجه إلى الناس، قال الشيخ محيي الدين (1) الذهبي حافظ الشام: ما أظن المحيي يتعمّد الكذب أصلاً؛ وهو من أعظم المنكرين وأشدهم على طائفة الصوفية.
ثمّ إن الشيخ محيي الدين، رحمه الله تعالى، كان مسكنه ومظهره بدمشق، وأخرج هذه العلوم إليهم، ولم ينكر عليه أحد شيئاً من ذلك، وكان قاضي القضاة الشافعيّة في عصره شمس الدين أحمد الخويّي يخدمه خدمة العبيد، وقاضي القضاة المالكيّة زوّجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ.
وأمّا كراماته ومناقبه فلا تحصرها مجلّدات، وقول المنكرين في حقّ مثله غثاء وهباء لا يعبأ به، والحمد لله تعالى، انتهى ما نقلته من كلام العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني، رضي الله تعالى عنه.
وقد حكى الشيخ رضي الله تعالى عنه، عن نفسه في كتبه ما يبهر الألباب، وكفى بذلك دليلاً على ما منحه الله، الذي يفتح لمن شاء الباب، وقد اعتنى بتربته بصالحيّة دمشق سلاطين بني عثمان، نصرهم الله تعالى، على توالي الأزمان، وبنى عليه السلطان المرحوم سليم خان المدرسة العظيمة، ورتب له الأوقاف، وقد زرت قبره وتبركت به مراراً، ورأيت لوائح الأنوار عليه
__________
(1) الصواب: شمس الدين، فهذا هو لقب الذهبي.
(2/179)

ظاهرة، ولا يجد منصف محيداً إلى إنكار ما يشاهد عند قبره من الأحوال الباهرة، وكانت زيارتي له بشعبان ورمضان وأول شوال سنة 1037.
وقال في عنوان الدراية: إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة، وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلّما طلب الزيادة يزاد، رحل إلى العدوة، ودخل بجاية في رمضان سنة 597، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعةً من الأفاضل، ولمّا دخل بجاية في التاريخ المذكور قال: رأيت ليلة أنّي نكحت نجوم السماء كلّها، فما بقي منها نجم إلاّ نكحته بلذّة عظيمة روحانيةّ، ثمّ لمّا كملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكّحتها، ثمّ عرضت رؤياي هذه على من قصّها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، وقلت للّذي عرضتها عليه: لا تذكرني، فلمّا ذكر الرؤيا استعظمها وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلويّة وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة، وقال: إن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها.
ثم قال صاحب العنوان ما ملخّصه: إن الشيخ محيي الدين رحل إلى المشرق، واستقرت به الدار، وألّف تواليفه، وفيها ما فيها، إن قيّض الله تعالى من يسامح ويتأول سهل المرام، وإن كان ممّن ينظر بالطاهر فالأمر صعب، وقد نقد عليه أهل الديار المصريّة وسعوا في إراقة دمه، فخلّصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي، فإنّه سعى في خلاصه وتأوّل كلامه، ولمّا وصل إليه بعد خلاصه قال له الشيخ، رحمه الله تعالى: كيف يحبس من حل منه اللاّهوت في الناسوت فقال له: يا سيّدي، تلك شطحت في محل سكر ولا عتب على سكران.
وتوفّي الشيخ محيي الدين في نحو الأربعين وستمائة، وكان يحدّث بالإجازة العامة عن السّلفي، رحمه الله تعالى، انتهى.
(2/180)

ومن موشّحات الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله (1) :
سرائر الأعيان ... لاحت على الأكوان للناظرين
والعاشق الغيران ... من ذاك في بحران (2) يبدي الأنين
يقول والوجد ... أضناه والبعد (3) قد حيّره
لمّا دنا البعد ... لم أدر من بعد من غيّره
وهيّم العبد ... والواحد الفرد قد خيّره
في البوح والكتمان ... والسرّ والإعلان في العالمين
أنا هو الديّان ... يا عابد الأوثان أنت الضّنين
كلّ الهوى صعب ... على الذي يشكو ذلّ الحجاب
يا من له قلب ... لو أنّه يذكو عند الشباب
قرّبه الرّبّ ... لكنّه إفك فانو المتاب
وناد يا رحمن ... يا برّ يا منّان إنّي حزين
أضناني الهجران ... ولا حبيب دان ولا معين
فنيت بالله ... عمّا تراه العين من كونه
في موقف الجاه ... وصحت أين الأين في بينه
فقال: يا ساهي ... عاينت قط عين بعينه
أما ترى غيلان ... وقيس أو من كان في الغابرين
قالوا الهوى سلطان ... إن حلّ بالإنسان أفناه دين
__________
(1) انظر ديوان ابن عربي: 85.
(2) في ق ط: في حران، والتصحيح عن الديوان؛ ج: في ضجران.
(3) الديوان: والسهد.
(2/181)

كم مرّةٍ قالا ... أنا الذي أهوى من هو أنا
فلا أرى حالا ... ولا أرى شكوى إلاّ الفنا
لست كمن مالا ... عن الّذي يهوى بعد الجنى
ودان بالسّلوان ... هذا هو البهتان للعارفين
سلوهم ما كان ... عن حضرة الرحمن والآفكين
دخلت في بستان ... الأنس والقرب كمكنسه
فقام لي الرّيحان ... يختال بالعجب في سندسه
أنا هو يا إنسان ... مطيّب الصّبّ في مجلسه
جنّان يا جنّان ... اجن من البستان الياسمين
وحلّل الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين وقال الإمام الصفي ابن ظافر الأزدي في رسالته (1) : رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وفّر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، انتهى.
وذكر الإمام سيّدي عبد الله بن سعد اليافعي اليمني في الإرشاد أنّه اجتمع مع الشهاب السّهروردي، فأطرق كل واحد منهما ساعة، ثم افترقا من غير كلام، فقيل للشيخ ابن عربي: ما تقول في السّهروردي فقال: مملوء سنّةً من قرنه إلى قدمه، وقيل للسّهروردي: ما تقول في الشيخ محيي
__________
(1) قد تقدم هذا ص: 168.
(2/182)

الدين فقال: بحر الحقائق.
ثم قال اليافعين ما ملخّصه: إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه، فلمّا حضرته الوفاة نهى عن مطالعته، وقال: إنّكم لا تفهمون معاني كلامه، ثم قال اليافعي: وسمعت أن العز بن عبد السلام كان يطعن عليه ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد أن تريني القطب، أو قال وليّاً، فأشار إلى ابن عربي، فقال له: فأنت تطعن فيه، فقال: أصون ظاهر الشرع، أو كما قال.
وأخبرني بهذه الحكاية غير واحد من ثقات مصر والشام، ثم قال: وقد مدحه وعظمه طائفة كالنجم الأصبهاني والتاج بن عطاء الله وغيرهما، وتوقّف فيه طائفة، وطعن فيه آخرون، وليس الطاعن فيه بأعلم من الخضر عليه السلام، إذ هو أحد شيوخه، له معه اجتماع كثير.
ثم قال: وما ينسب إلى المشايخ له محامل: الأول أنّه لم تصح نسبته إليهم، الثاني بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق، فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر فله تأويل في الباطن لم نعلمه، وإنّما يعلمه العارفون، الثالث: أن يكون ذلك صدر منهم في حال السكر والغيبة، والسكران سكراً مباحاً غير مؤاخذ ولا مكلّف، انتهى ملخّصاً.
وممّن ذكر الشيخ محيي الدين الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاث مجلدات، وترجمه ترجمة عظيمة مطولة أذكر منها أنّه قال: إنّه كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات، خاض بحر تلك العبارات، وتحقق بمحيّا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدّم والإقدام، ومواقف النهايات في مزالق الأقدام، ولهذا ما ارتبت في أمره، والله تعالى أعلم بسرّه، انتهى.
ونقلت من خط ابن علوان التونسي، رحمه الله تعالى: وقال الشيخ محيي الدين:
(2/183)

بالمال ينقاد كلّ صعبٍ ... من عالم الأرض والسماء
يحسبه عالمٌ حجاباً ... لم يعرفوا لذّة العطاء
لولا الذي في النفوس منه ... لم يجب الله في الدعاء
لا تحسب المال ما تراه ... من عسجد مشرق لراء
بل هو ما كنت يا بني ... به غنيّاً عن السّواء
فكن بربّ العلا غنيّاً ... وعامل الخلق بالوفاء وقال:
نبّه على السّرّ ولا تفشه ... فالبوح بالسّرّ له مقت
على الذي يبديه فاصبر له ... واكتمه حتى يصل الوقت وقال:
قد ثاب غلماننا علينا ... فما لنا في الوجود قدر
أذنابنا صيّرت رؤوساً ... ما لي على ما أراه صبر
هذا هو الدّهر يا خليلي ... فمن يقاسيه فهو قهر ونظم الشيخ محيي الدين هو البحر الذي لا ساحل له.
ولنختم ما أوردنا منه بقوله:
يا حبّذا المسجد من مسجد ... وحبّذا الروضة من مشهد
وحبّذا طيبة من بلدةٍ ... فيها ضريح المصطفى أحمد
صلّى عليه الله من سيّدٍ ... لولاه لم نفلح ولم نهتد
قد قرن الله به ذكره ... في كلّ يوم فاعتبر ترشد
عشرٌ خفيّاتٌ وعشرٌ إذا ... أعلنّ بالتأذين في المسجد
فهذه عشرون مقرونة ... بأفضل الذكر إلى الموعد
(2/184)

114 - ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الشّشتري، وهو علي ابن عبد الله النميري (1) ، عروس الفقهاء، وأمير المتجردين، وبركة لابسي الخرقة، وهو من قرية ششتر من عمل وادي آش، وزقاق الشّشتري معلوم بها، وكان مجوّداً للقرآن، قائماً عليه، عارفاً بمعانيه، من أهل العلم والعمل، جال الآفاق، ولقي المشايخ، وحجّ حجّات، وآثر التجرّد والعبادات.
وذكره القاضي أبو العباس الغبريني في عنوان الدراية فقال: الفقيه الصوفي، ومن الطلبة المحصّلين، والفقراء المنقطعين، له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية، وتقدّم في النظم والنثر على طريقة التحقيق، وأشعاره وموشحاته وأزجاله الغاية في الانطباع.
أخذ عن القاضي محيي الدين محمد بن إبراهيم بن الحسن بن سراقة الأنصاري الشاطبي وغيره من أصحاب السّهروردي صاحب عوارف المعارف واجتمع بالنجم بن إسرائيل الدمشقي سنة 650، وخدم أبا محمد ابن سبعين، وتلمذ له، وكان ابن سبعين دونه في السن، لكن اشتهر باتباعه، وعول على ما لديه، حتى صار يعبّر عن نفسه في منظوماته وغيرها بعبد ابن سبعين، وقال له لما لقيه - يريد المشايخ -: إن كنت تريد الجنّة فسر إلى أبي مدين، وإن كنت تريد ربّ الجنّة فهلم إليّ، ولمّا مات أبو محمد انفرد بعده بالرئاسة والإمامة على الفقراء المتجرّدين، فكان يتبعه في أسفاره ما ينيّف على أربعمائة فقير فيتقسّمهم الترتيب في وظائف خدمته.
صنف كتباً: منها كتاب العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته وله كتاب المقاليد الوجوديّة في أسرار الصوفي والرسالة القدسيّة في توحيد العامّة والخاصّة والمراتب
__________
(1) ترجمة أبي الحسن الششتري في عنوان الدراية: 140؛ وانظر مقدمة ديوانه بتحقيق الدكتور علي سامي النشار (ط. الإسكندري 1960) .
(2/185)

الإيمانيّة والإسلاميّة والإحسانيّة والرسالة العلميّة وغير ذلك.
وله ديوان شعر مشهور، ومن نظمه قوله، رحمه الله تعالى (1) :
لقد تهت عجباً بالتجرد والفقر ... فلم أندرج تحت الزمان ولا الدهر
وجاءت لقلبي نفحةٌ قدسيةٌ ... فغبت به عن عالم الخلق والأمر
طويت بساط الكون والطيّ نشره ... وما القصد إلا الترك للطيّ والنشر
وغمّضت عين القلب غير مطلّق ... فألفيتني ذاك الملقّب بالغير
وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظة ... ونزّهت من أعني عن الوصل والهجر
وما الوصف إلاّ دونه غير أنّني ... أريد به التشبيب عن بعض ما أدري
وذلك مثل الصوت أيقظ نائماً ... فأبصر أمراً جلّ عن ضابط الحصر
فقلت له الأسماء تبغي بيانه ... فكانت له الألفاظ ستراً على ستر وقال (2) :
من لامني لو أنّه قد أبصرا ... ما ذقته أضحى به متحيّرا
وغدا يقول لصحبه إن أنتم ... أنكرتم ما بي أتيتم منكرا
شذّت أمور القوم عن عاداتهم ... فلأجل ذاك يقال سحرٌ مفترى وقال، وهي من أشهر ما قال (3) :
أرى طالباً منّا الزّيادة لا الحسنى ... بفكرٍ رمى سهماً فعدّى به عدنا
وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ... نغيب به عنّا لدى الصّعق إن عنّا وهي طويلة مشهورة بالشرق والغرب، وقد شرحها شيخ شيوخ شيوخنا
__________
(1) ديوان الششتري: 51.
(2) ديوانه: 41.
(3) ديوانه: 72.
(2/186)

العارف بالله تعالى، سيّدي أحمد زرّوق، نفعنا الله تعالى ببركاته. وأشار ابن الخطيب في الإحاطة إلى أنّها لا تخلو عن شذوذ من جهة اللسان، وضعف في العربية، قال: ومع ذلك فهي غريبة المنزع، أشار فيه إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنّها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدّمناه، إذ الحسنى: الجنّة، والزيادة: مقام النظر، وقوله فيها:
وأظهر منها الغافقيّ لنا جنىً ... وكشّف عن أطواره الغيم والدّجنا هو شيخه أبو محمد ابن سبعين لأنّه مرسيّ الأصل غافقيّه.
ولما وصل الشّشتري من الشام إلى ساحل دمياط وهو مريض مرض موته نزل قرية بساحل البحر الرومي فقال: ما اسم هذه القرية فقيل: الطينة، فقال: حنّت الطينة إلى الطينة، وأوصى أن يدفن بمقبرة دمياط، إذ الطينة بمفازة، وأقرب المدن إليها دمياط، فحمله الفقراء على أعناقهم إلى دمياط.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة 668، فدفن بدمياط، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
115 - ومنهم سيدي أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي الأندلسي (1) - وحرالة: قرية من أعمال مرسية - غير أنّه ولد بمراكش، وأخذ بالأندلس عن أبي الحسن ابن خروف وغير واحد، ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي عبد الله القرطبي إمام الحرم وغيره، ولقي جلّةً من المشايخ شرقاً وغرباً.
وهو إمام ورع صالح زاهد، كان بقية السلف، وقدوة الخلف، وقد زهد في الدّنيا وتخلّى عنها، وأقام في تفسير الفاتحة نحواً من ستّة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزّل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، حتى منّ الله تعالى ببركات ومواهب لا تحصى، وعلى أحكام تلك القوانين
__________
(1) ترجمة أبي الحسن الحرالي في عنوان الدراية: 85 وشذرات الذهب 5: 189.
(2/187)

وضع كتابه مفتاح اللّبّ المقفل على فهم القرآن المنزل وهو ممّن جمع العلم والعمل، وصنّف في كثير من الفنون كالأصلين والمنطق والطبيعيّات والإلهيّات، وكان يقرئ النجاة لابن سينا فينقضه عروة عروة، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك، ولمّا ظنّ فقهاء عصره أنّه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات أقرأ التهذيب وأبدى فيه الغرائب، وبيّن مخالفته للمدوّنة في بعض المواضع، ووقع بينه وبين الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيء، وطلب عزّ الدين أن يقف على تفسيره، فلمّا وقف عليه قال: أين قول مجاهد أين قول فلان وفلان وكثر القول في هذا المعنى، ثم قال: يخرج من بلادنا إلى وطنه - يعني الشام - فلمّا بلغ كلامه الشيخ قال: هو يخرج وأقيم أنا، فكان كذلك. وله عدّة مؤلّفات في الفنون؛ وقال، رحمه الله تعالى: أقمت ملازماً لمجاهدة النفس سبعة أعوام، حتى استوى عندي من يعطيني دينارً ومن يزدريني. وأصبح - رحمه الله تعالى - ذات يوم ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت أم ولده جارية تسمّى كريمة، وكانت سيّئة الخلق، فاشتدّت عليه في الطلب، وقالت له: إن الأصاغر لا شيء لهم، فقال: الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوّت به، فبينما هم كذلك وإذا بالحمّال يضرب الباب ومعه قمح، فقال لها: يا كريمة، ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: ومن يصنعه فأمر فتصدّق به، ثم قال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيراً، وبدا لها فتكلّمت بما لا يليق، فبينما هم كذلك، وإذا بحمّال سميذ، فقال لها: هذا السميذ أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك، فأمر أيضاً بصدقته، فلمّا تصدّق به زادت في المقال، وإذا برجل على رأسه طعام، فقال لها: يا كريمة، قد كفيت المؤونة، هذا الوكيل قد علم بحالك.
ومن كراماته أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة، وأخذوا حلياً من زينة النساء، فزيّنوا به بعض أصحابهم، فلمّا انقضى ذلك واجتمعوا بمجلس الشيخ صار الذي كان في يده الحلي يتحدّث ويشير بيده، فقال الشيخ: يد يجعل
(2/188)

فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد.
ومنها أنّه أصاب الناس جدبٌ ببجاية، فأرسل إلى داره من يسوق ماء إلى الفقراء، فامتنعت كريمة، ونهرت رسله، فسمع كلامها، فقال للرسول: قل لها يا كريمة، والله لأشربنّ من ماء المطر الساعة، فرمق السماء بطرفه، ودعا الله سبحانه وتعالى، ورفع يده به، وشرع المؤذن في الأذان، ولم يختم المؤذن أذانه حتى كان المطر كأفواه القرب.
وتوفّي، رحمه الله تعالى، بحماة من بلاد الشام سنة سبع وثلاثين وستمائة؛ انتهى ملخّصاً من عنوان الدراية للغبريني.
ووقع للذهبي في حقّه كلام على عادته في الحطّ على هذه الطائفة، ثم قال: ورأيت شيخنا المجد التونسي يتغالى في تفسيره، رأيت غير واحد معظماً له وقوماً تكلّموا في عقيدته، وكان نازلاً عند قاضي حماة البارزي؛ وقال لها شرف الدين البارزي: تزوّج بحماة، وكانت زوجته تشتمه وتؤذيه وهو يتبسّم، وإن رجلاً راهن جماعةً على أن يحرجه، فقالوا: لا تقدر، فأتى وهو يعظ وصاح، وقال له: أنت أبوك كان يهوديّاً وأسلم، فنزل من الكرسي، فاعتقد الرجل أنّه غضب وأنّه تمّ له ما رامه حتى وصل إليه فخلع مرطيه (1) عليه، وأعطاه إيّاهما، وقال له: بشّرك الله بالخير، لأنّك شهدت لأبي أنّه كان مسلماً، انتهى.
وظاهر كلام الغبريني أن تفسير الشيخ الحرالي كامل، وقال بعض: إنّه لم يكمل، وهو تفسير حسن، وعليه نسج البقاعيّ مناسباته، وذكر أن الذي وقف عليه منه من أوّل القرآن إلى قوله في سورة آل عمران " كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً ".
__________
(1) ق ط ج ودوزي: قرطيه.
(2/189)

وكلام الذهبي في الشيخ يرده كلام الغبريني، إذ هو أعرف به، والله تعالى أعلم.
وحكى الغبريني أنّه أنشد بين يديه الزجل المشهور (1) :
جنّان يا جنّان ... اجن من البستان الياسمين
واترك الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين فسأل بعض عن معناه، فقال بعض الحاضرين: أراد به العذار، وقال آخر: إنّما أشار إلى دوام العهد، لأن الأزهار كلّها ينقضي زمانها إلاّ الرّيحان فإنّه دائم، فاستحسن الشيخ هذا أو وافق عليه.
116 - ومنهم ولي الله العارف به الشيخ الشهير الكرامات، الكبير [المقامات] (2) سيدي أبو العباس المرسي، نفعنا الله تعالى به (3) . وهو من أكابر الأولياء، صحب سيدي الشيخ الفرد القطب الغوث الجامع سيدي أبا الحسن الشاذلي، أعاد الله تعالى علينا من بركاته، وخلفه بعده، وكان قدم من الأندلس من مرسية، وقبره بالإسكندرية مشهور بإجابة الدعوات، وقد زرته مراراً كثيرة، ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله.
وقد عرّف به الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله في كتابه لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العابس وشيخه سيدي أبي الحسن، رضي الله تعالى عنهما.
وقال الصفدي في الوافي: أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس، الأنصاري المرسي، وارث شيخه الشاذلي تصوّفاً، الأشعري معتقداً،
__________
(1) انظر ما تقدم ص: 182.
(2) المقامات: زيادة من ج ليست في ق ط.
(3) ترجمة أبي العباس المرسي في طبقات الشعراني ولطائف المنن لابن عطاء الله ونيل الابتهاج: 64 (على هامش الديباج) والوافي للصفدي ج 7 الورقة: 128.
(2/190)

توفّي بالإسكندريّة سنة 686، ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة، وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة 738، قال ابن عرّام سبط الشاذلي: ولولا قوّة اشتهاره وكراماته لذكرت له ترجمة طويلة، كان من الشهود بالثغر، انتهى.
وكان سيّدي أبو العباس يكرّم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى، حتى إنّه ربّما دخل عليه مطيع في يحتفل به، ربّما دخل عليه عاصٍ فأكرمه، لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثّر لعمله (1) ناظر لفعله، وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلة مخالفته، وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهرة، ويثقل عليه شهود من كان على صفته، وذكر عنده يوماً شخصٌ بأنّه صاحب علم وصلاح، إلاّ أنّه كثير الوسوسة، فقال: وأين العلم العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود.
وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز: فمن ذلك أنّه قال: قال الله سبحانه وتعالى " الحمد لله ربّ العالمين " علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلمّا خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده، فقال " الحمد لله ربّ العالمين " أي: الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له، لا ينبغي أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد. وقال في قوله تعالى " إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ": إيّاك نعبد شريعة، عبادة، وإيّاك نستعين عبوديّة، إيّاك نعبد فرق، وإيّاك نستعين جمع. وله في هذا المعنى وغيره كلام نفيس يدلّ على عظيم ما منحه الله سبحانه من العلوم اللدنية. وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى " اهدنا الصّراط المستقيم ": بالتثبيت (2) فيما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل؛ وهذا
__________
(1) في نسخة: متكبر بعمله؛ وفي ق: متكثر بعمله.
(2) في نسخة: بالتثبيت.
(2/191)

الجواب ذكره ابن عطيّة في تفسيره، وبسطه الشيخ، رضي الله تعالى عنه، فقال: عموم المؤمنين يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، فإنّهم حصل لهم التوحيد، وفاتهم درجات الصالحين، والصالحون يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، لأنّهم حصل لهم الصلاح، وفاتهم درجات الشهداء، والشهيد يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " درجة الشهادة، وفاته درجة الصديقية، والصديق كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " إذ حصلت له درجة الصديقية، وفاتته درجة القطب، والقطب كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " فإنّه حصلت له رتبة القطبانية، وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يطلعه عليه أطلعه. وقال، رضي الله تعالى عنه: الفتوّة الإيمان، قال الله سبحانه وتعالى " إنّهم فتيةٌ آمنوا بربّهم وزدناهم هدى " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله سبحانه وتعالى حاكياً عن الشيطان " ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم ... الأية " ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام. وقال، رضي الله تعالى عنه: التقوى في كتاب الله، عزّ وجلّ، على أقسام: تقوى النّار، قال الله سبحانه وتعالى " واتّقوا النّار " وتقوى اليوم، قال الله تعالى " واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وتقوى الربوبية، قال الله تعالى " يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم " وتقوى الألوهية " واتّقوا الله " وتقوى الإنّية " واتّقوى يا أولي الألباب " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قول رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، " أنا سيّد ولد آدم ولا فخر " أي: لا أفتخر بالسّيادة، وإنّما الفخر لي بالعبودية لله، وكان كثيراً ما ينشد:
(2/192)

يا عمرو ناد عبد زهراء ... يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي وقال رضي الله تعالى عنه، في قول سمنون المحب:
وليس لي في سواك حظٌّ ... فكيفما شئت فاختبرني الأولى أن يقول: فكيفما شئت فاعف عني إذ طلب العفو أولى من طلب (1) الاختبار. وقال رضي الله تعالى عنه: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا. وقال رضي الله تعالى عنه: العارف لا دنيا له، لن دنياه لآخرته، وآخرته لربّه. وقال: الزاهد غريب في الدّنيا، لأن الآخرة وطنه، والعارف غريب في الآخرة.
قال بعض العارفين: معنى الغربة في كلام الشيخ، رضي الله تعالى عنه أن الزاهد يكشف له عن ملك الآخرة فتبقى الآخرة موطن قلبه ومعشّش روحه، فيكون غريباً في الدّنيا، إذ ليست وطناً لقلبه، عاين الآخرة فأخذ قلبه فيما عاين من ثوابها ونوالها، وفيما شهد من عقوبتها ونكالها، فتغرّب في هذه الدار. وأمّا العارف فإنّه غريب في الآخرة إذ كشف له عن صفات معروفة فأخذ قلبه فيما هناك، فصار غريباً في الآخرة، لأن سرّه مع الله تعالى، بلا أين، فهؤلاء العباد تصير الحضرة معشّش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن تنزلوا إلى سماء الحقوق، أو أرض الخصوص، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلم ينزلوا إلى الخصوص لشهوة، ولم يصعدوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة، بل كانوا في ذلك كلّه بآداب الله تعالى وآداب رسله وأنبيائه متأدبين، وبما اقتضى منهم مولاهم عاملين، رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم آمين.
__________
(1) في بعض النسخ: لأن طلب.
(2/193)

وكلام سيّدي الشيخ أبي العباس، رضي الله تعالى عنه، بحر لا ساحل له، وكراماته كذلك، ليراجع كتاب تلميذه ابن عطاء الله، فإن فيه من ذلك ما يشفي ويكفي، وما بقي أكثر.
ومن كراماته، رضي الله تعالى عنه، أنّه عزم عليه إنسان وقدّم إليه طعاماً يختبره به، فأعرض عنه ولم يأكله، ثم التفت إلى صاحب الطعام وقال له: إن الحارث المحاسبي، رضي الله تعالى عنه، كان في إصبعه عرق إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه، وأنا في يدي سبعون عرقاً تتحرّك عليّ إذا كان مثل ذلك، فاستغفر صاحب الطعام، واعتذر إلى الشيخ، رضي الله تعالى عنه، ونفعنا به.
117 - ومنهم أبو إسحاق الساحلي، المعروف بالطّويجن (1) - بضم الطاء المهملة، وفتح الواو، وسكون الياء التحتيّة، وكسر الجيم، وقيل بفتحها - العالم المشهور، والصالح المشكور، والشاعر المذكور، من أهل غرناطة من بيت صلاح وثروة وأمانة، وكان أبوه أمين العطّارين بغرناطة، وكان مع أمانته من أهل العلم فقيهاً متفنّناً، وله الباع المديد في الفرائض.
وأبو إسحاق هذا كان في صغره موثّقاً بسماط شهود غرناطة، وارتحل عن الأندلس إلى المشرق، فحجّ، ثم سار إلى بلاد السودان فاستوطنها، ونال جاهاً مكيناً من سلطانها، وبها توفّي، رحمه الله تعالى، انتهى ملخّصاً من كلام الأمير ابن الأحمر في كتابه نثير الجمان، فيمن نظمني وإيّاه الزمان.
وقال أبو المكارم منديل بن آخرّوم: حدّثني من يوثق بقوله أن أبا إسحاق الطّويجن كانت وفاته يوم الاثنين 27 جمادى الأخيرة سنة 747 (2) بتنبكتو
__________
(1) ترجمة الطويجن في الإحاطة 1: 337 ومسالك الأبصار 11: 516 والكتيبة الكامنة: 235 ونثير فرائد الجمان: الورقة 53 ونثير الجمان: الورقة 58 والاستقصاء 3: 52.
(2) في نسخة: 767.
(2/194)

موضع بالصحراء من عمالة مالي، رحمه الله تعالى، ثمّ ضبط الطويجن بكسر الجيم، قال: وبذلك ضبطه بخطّ يده، رحمه الله تعالى، قال: ومن نسبه للساحلي فإنّه نسبه لجدّه للأم، انتهى.
118 - ومنهم الشيخ الأديب الفاضل المعمّر ضياء الدين أبو الحسن علي ابن محمد بن يوسف بن عفيف، الخزرجي، الساعدي (1) ، من أهل غرناطة، ويشهر بالخزرجي، ومولده ببيغة، رحل عن الأندلس قديماً واستقرّ أخيراً بالإسكندريّة، وبها لقيه الحافظ ابن رشيد غير مرّة، وقد أطال في رحلته في ترجمته، إلى أن قال: وذكره صاحبنا أبو حيان، وهو أحد من أخذ عنه ولقيه، فقال: تلا القرآن بالأندلس على أبي الوليد هشام بن واقف المقرئ، وسمع بها من أبي زيد الفازازي العشرينيّات، وسمع بمكّة من شهاب الدين السّهروردي صاحب " عوارف المعارف " وتلا بالإسكندريّة على أبي القاسم ابن عيسى، ولا يعرف له نظم في أحد من العالم إلاّ في مدح رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.
ومن شعره يعارض الحريري:
أهن لأهل (2) البدع ... والهجر والتّصنّع ودن بترك الطمع ولذ بأهل الورع ...
وعدّ عن كلّ بذي ... لم يكترث بالنّبذ والهج ببر جهبذ وعالمٍ متّضع ...
واندب زماناً قد سلف ... ولم تجد منه خلف وابعث بأنواع الأسف رسائل التّضرّع ...
__________
(1) راجع ترجمة ابن عفيف الخزرجي في رحلة ابن رشيد (القسم الثالث من مخطوطة الاسكوريال، الورقة 8) .
(2) ابن رشيد: هون بأهل.
(2/195)

وهي طويلة (1) ؛ فلتراجع ترجمته في ملء الغيبة لابن رشيد، رحمه الله تعالى.
119 - ومنهم الفقيه الجليل، العارف النبيل، الحاذق الفصيح البارع أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الشهير بابن سبعين، العكي، المرسي، الأندلسي، ويلقّب من الألقاب المشرقيّة بقطب الدين (2) . قال الشيخ المؤرخ ابن عبد الملك: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوّف، وعكف برهة على مطالعة كتبه، والتكلّم على معانيها، فمالت إليه العامة، ثم رحل إلى المشرق، وحج حججاً، وشاع ذكره، وعظم صيته، وكثر أشياعه، وصنف أوضاعاً كثيرة تلقوها منه، ونقلوها عنه، ويرمى بأمورٍ، الله تعالى أعلم بها وبحقيقتها وكان حسن الأخلاق، صبوراً على الأذى، آية في الإيثار، انتهى.
وقال غير واحد: إن أغراض الناس فيه متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم المرهق المكفر، ومنهم المقلّد المعظم الموقّر، وحصل بهذين الطرفين من الشهرة والاعتقاد، والنفرة والانتقاد، ما لم يقع لغيره، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره. ولما ذكر الشريف الغرناطي عنه أنّه كان يكتب عن نفسه ابن هـ يعني الدارة التي هي كالصفر، وهي في بعض طرق المغاربة في حسابهم سبعون، وشهر لذلك بابن دارة - ضمن فيه البيت المشهور:
محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا ...
__________
(1) قال ابن رشيد: عددها أحد وأربعون بيتا.
(2) ترجمة ابن سبعين في عنوان الدراية: 139 والإحاطة: 317 (النسخة الخطية) وفيها نقل عن ابن عبد الملك؛ والفوات 1: 516 والبداية والنهاية 13: 261 وشذرات الذهب 5: 329 والنجوم الزاهرة 7: 232 وله ترجمة في المنهل الصافي والوافي (راجع مقدمة رسائله) وقد نشر الدكتور عبد الرحمن بدوي مجموعة من رسائله في سلسلة تراثنا - الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة (تاريخ المقدمة: 1956) .
(2/196)

حسبما ذكره الشريف في شرح مقصورة حازم، وقد طال عهدي به، فليراجعه من ظفر به (1) .
وقال صاحب درة الأسلاك في سنة 669، ما صورته (2) : وفيها توفّي الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحقّ بن سبعين المرسي، صوفي متفلسف، متزهّد متقشّف، يتكلّم على طريق أصحابه، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه، شاع أمره، واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع، وأقوال يميل إليها بعض القلوب وتملّها بعض الأسماع، وكانت وفاته بمكّة المشرّفة عن نحو خمسين سنة، تغمّده الله تعالى برحمته، انتهى.
وقال بعض الأعلام في حقّ (3) ابن سبعين: إنّه كان، رحمه الله تعالى، عزيز النفس، قليل التصنّع، يتولى خدمة الكثير من الفقراء والسّفارة أصحاب العباءات والدفافيس بنفسه، ويحفون به في السكك، ولمّا توفّرت دواعي النّقد عليه من الفقهاء كثر عليه التأويل، ووجّهت لألفاظه المعاريض، وفليت موضوعاته، وتعاورته الوحشة، وجرت بينه وبين الكثير من أعلام المشرق والمغرب خطوب يطول ذكرها.
ووقع في رسالة لبعض تلامذة ابن سبعين المذكور، وأظن اسمه يحيى
__________
(1) كتب الفقيه أبو البركات ابن الحاج علي جزء فيه كلام ابن سبعين:
ألا فدعوا ما قال عنكم فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا وشرح ما أراد أن أصحاب ابن سبعين يعبرون عنه بابن دارة، لأن شكل سبعين في رسوم الحساب الرومية دارة هكذا 5 ... إلخ؛ (انظر شرح المقصورة 1: 99) .
(2) اسمه " درة الأسلاك في دولة الأتراك " لمحمد بن حبيب الحلبي (- 779) ابتدأ فيه في سنة 648 وانتهى إلى آخر سنة 778 والتزم رعاية السجع في كلامه (كشف الظنون 1: 737) .
(3) في الأصول: العبادات، ثم تصحفت الكلمة التالية على صور أخرى مثل " الدنافيس " و " الدقاقيس " وقد وردت بصورة المفرد في الطالع السعيد: 44 حيث جاء: " إني كنت في طريق عيذاب ومعنا شخص من المغاربة فمات فغسلته فوجدت معه في دفاسه ذهبا ... إلخ " فاللفظة تشير إلى نوع من الثياب، ولذا صححت كلمة " العبادات " وجعلتها " العباءات " لكي تتناسب اللفظتان.
(2/197)

ابن أحمد بن سليمان، سمّاها بالوراثة المحمديّة والفصول الذاتية ما صورته: فإن قيل: ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه قلنا: عدم النظير، واحتياج الوقت إليه، وظهرو الكلمة المشار إليها عليه، ونصيحته لأهل الملّة، ورحمته المطلقة للعالم المطلق، ومحبّته لأعدائه، وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه، وهذه كلّها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحداً أن يتصف بها إلاّ بمجد أزلي وتخصيص إلهي، وها أنا أصف لك بعض ما خصّه الله سبحانه وتعالى به من الأمور التي هي خارقة للعادة، ونلغي عن الأمور الخفيّة التي لا نعلمها، ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها، والتي لا يمكن أحداً أن يستريب فيها إلاّ من أصمّه الله تعالى وأعماه، ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب الله تعالى قلبه وأنساه رشده، ونعوذ بالله ممّن عاند من الله تعالى مساعده ومؤيده، وهو معه بنصره وعونه، فما أتعب معانده، وما أسعد موادده، وما أكبت مرادده، فنبدأ بذكر ما وعدنا، فنقول:
أول ما ذكر في شرفه واستحقاقه لما ذكرنا، كونه خلقه الله تعالى من أشرف البيبوت التي في بلاد المغرب، وهم بنو سبعين، قرشيّاً هاشميّاً علويّاً، وأبواه وجدوده يشار إليهم، ويعوّل في الرئاسة والحسب والتّعين عليهم.
والثاني: كونه من بلاد المغرب، والنبي عليه السلام قال: " لا يزال أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة " وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث، ثمّ نقول: أهل المغرب أهل الحق، وأحق الناس بالحق وأحق المغرب بالحق علماؤه لكونهم القائمين بالقسط، وأحق علمائه بالحق محقّقهم وقطبهم الذي يدور الكل عليه ويعول في مسائلهم ونوازلهم السهلة والعويصة عليه، فهو حق المغرب، والمغرب حقّ الله تعالى، والملّة حقّ العالم، فهو المشار إليه بالوراثة، ثم نقول: أهل المغرب ظاهرون على الحق
(2/198)

أي على الدين، والحق سر الدين، والمحقّق سرّ الحق، فالمحقّق سرّ الدين، فهو المشار إليه بالوراثة. ثمّ نقول: أهل الله خير العالم، وأهل الحق هم خير أهل الله، والمحقّق خير أهل الحق، فالمحقّق خير العالم، فهو المشار إليه. ثمّ نقول: انظر في بدايته وحفظ القديم له في صغره، وضبطه له من اللهو واللّعب، وإخراجه من اللّذة الطبيعية التي هي في جبلّة البشرية، وتركه للرئاسة العرضيّة المعول عليها عند العالم، مع كونه وجدها في آبائه، وهي الآن في إخوته، وخروجه عن الأهل والوطن الذي قرنه الحق مع قتل الإنسان نفسه، وانقطاعه إلى الحق انقطاعاً صحيحاً تعلم تخصيصه وخرقه للعادة، ثم انظر في تأيّده وفتحه من الصغر، وتأليف كتاب بدء العارف وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعمليّة، وجميع الأمور السّنيّة والسّنيّة، تجده خارقاً للعادة، وفي نشأته في بلاد الأندلس ولم يعلم له كثرة نظر وظهوره فيها بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنّه خارق للعادة، وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلّها، ثمّ انفرادها وغرابتها وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق تعلم بأنّه مؤيّد بروح القدس، وفي شجاعته وقوّة توكّله في عزمه ونصره لصنائعه وظهور حجّته على خصمائه وإقامة حقّه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوّة إلهيّة وعناية ربانيّة، وفي امتحان أهل المغرب له، واجتماعهم عليه في كل بلد معتبر للمناظرة، يظهر الله تعالى حجّته، ويقمع خصمه، ويكبت عدوّه، وعجز معارضه، ويفحم معترضه، وفي غيرة الحق عليه، وهلاك من تعرض بالأذى إليه - يعلم العاقل المخصوص، أنّه عند الله مخصوص، وفي خلقه وقهره لقواه النزعوية والغضبية وإسلام قرينه وجلالة قوّته الحافظة التي لا تنسى شيئاً والمفكّرة التي تتصوّر الذوات المجرّدة والمعلومة أسر عين الطيف (1) ،
__________
(1) ق: أسرعين؛ وسقطت لفظة " الطيف "؛ وفي دوزي: أسرعين الطبق، وأشار إلى قراءة أخرى وإلى أن العبارة سقطت من بعض النسخ.
(2/199)

وكذلك الذاكرة، وسرعة ظهوره وانتشار رايته واستجلاب ثنائه في الجهات كلّها، وبالجملة جميع ما ذكرت هو فيه خارق للعادة البشريّة، ومعجز لمعارضه من كل الجهات، ولولا خوف التطويل لكنت أفصّل كل صفة ذكرت في بالكلام الصناعي، ونقيم الأدلة القطعيّة على تعجيزها، ولكن أعطيت الأنموذج، وعرفت أن النبيه يمعن فكره، ويجد ذلك كما قلته. وبالجملة جميع جزئيّاته إذا تؤملت توجد خارقة للعادة، وتشهد لها ماهيّة الوجود بالتخصيص، فصحّ أنّه هو المشار إليه، والمعول في جملة الأمور عليه، وإنّما أعطيت الأمر المشهور، وتركت ما يعلم منه من خرق العوائد في ظهور الطعام والشراب والسمن والتمر وأخذ الدراهم من الكون، وإخباره عن وقائع قبل وقوعها بسنين كثيرة وظهرت كما أخبر، فصحّ أنّه هو المذكور؛ انتهى ما تعلّق به الغرض ممّا في الرسالة في شأن الشيخ ابن سبعين.
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين - ومنهم لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة كما سيأتي قريباً - أن ابن سبعين عاقه الخوف من أمير المدينة عن القدوم إليها، فعظم عليه بذلك الحمل، وقبحت الأحدوثة عنه، انتهى. لكمن قال شهاب الدين بن أبي حجلة التلمساني الأديب الشهير، وهو صاحب كتاب السكردان وديوان الصبابة ومنطق الطير والاعتراض على العارف بالله تعالى ابن الفارض، ما معناه: أخبرني الشيخ الصالح أبو الحسن ابن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكّة وكانت له معرفة تامّة بهذا الرجل، انّه صدّه عن زيارة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أنّه كان منه دم كدم الحيض، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره، انتهى. وقال غيره: نعم زار النبي، صلّى الله عليه وسلّم، مستخفياً على طريق المشاة، حدّث بذلك أصهاره بمكّة، انتهى.
(2/200)

وقال لسان الدين (1) : أما شهرته ومحلّه من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء والوقوف على الأقوال والتعمق في الفلسفة والقيام على مذاهب المتكلّمين فما يقضى منه العجب.
وقال الشيخ أبو البركات ابن الحاج البلفيقي، رحمه الله تعالى (2) : حدّثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله ابن هودٍ سالم طاغية النصارى، فنكث به (3) ، ولم يف بشرطه، فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس (4) الأعظم برومية، فوكّل أبا طالب ابن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلّم عنه، والاستظهار بين يديه، قال: فلمّا بلغ ذلك الشخص رومية (5) ، وهو بلد لا يصل إليه المسلمون، ونظر إلى ما بيده، وسئل عن نفسه، فأخبر بما ينبغي، كلّم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه، انتهى.
وقال غير واحد: إنّه اشتهرت عنه أشياء كثيرة، الله تعالى أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه منها: فمنها قوله - فيما زعموا - وقد جرى ذكر الشيخ وليّ الله، سيّدي أبي مدين نفعنا الله تعالى ببركاته: شعيبٌ عبد عملٍ، ونحن عبيد حضرة وممّن حكى هذا لسان الدين في الإحاطة (6) .
وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير (7) في ترجمة السلطان المستنصر بالله تعالى أبي عبد الله محمد ابن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية وما إليها: أن أهل مكة بايعوه، وخطبوا له بعرفة، وأرسلوا له بيعتهم،
__________
(1) انظر الإحاطة: 319 (المخطوطة) .
(2) المصدر نفسه.
(3) الإحاطة: فنكث عهده.
(4) الإحاطة: القومس.
(5) الإحاطة: فلما بلغ باب ذلك الشخص المذكور برومة.
(6) انظر الإحاطة: 319.
(7) الحديث عن خلافة المستنصر الحفصي ورد في ابن خلدون 6: 280 وما بعدها، ولكن ليس فيه ذكر لبيعة أهل مكة أو سرد لرسالة ابن سبعين.
(2/201)

وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمح وراءه، غير أن يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشّر به في الأحاديث الذي يحثو المال ولا يعدّه، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وذلك ما لا يخفى ما فيه، فليراجع كلام ابن خلدون في محله.
ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلام عليك ثم سلام مناجاتك، سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها، السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدمة العلم، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ " نعم العبد " السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاوز في السموات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملإ الأعلى، وذكر قوله تعالى " سبّح اسم ربّك الأعلى ".
وقال بعضه عند إيراده جملة من رسائله التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع، انتهى.
وقال بعض العلماء الأكابر، عند تعرضه لترجمة الشيخ ابن سبعين المترجم به، ما نصه ببعض اختصار: هو أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وتعدد المعارف، وكثرة التصانيف، ولد سنة 614، ودرس العربية والأدب في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته، وعظم أمره، وكثر أتباعه، حتى إنه تلمذ له أمير مكة، فبلغ من التعظيم الغاية، وله كتاب الدرج وكتاب السفر وكتاب الأبوبة اليمنية وكتاب الكد
(2/202)

وكتاب " الإحاطة (1) " ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم.
ومن شعره (2) :
كم ذا تموّه بالشعبين والعلم ... والأمر أوضح من نارٍ على علم
وكم تعبّر عن سلعٍ وكاظمةٍ ... وعن زرودٍ وجيرانٍ بذي سلم
ظللت تسأل عن نجدٍ وأنت بها ... وعن تهامة، هذا فعل متهم
في الحيّ حيٌّ سوى ليلى فتسأله ... عنها سؤالك وهمٌ جرّ للعدم ونشأ، رحمه الله تعالى، ترفاً مبجّلاً في ظل جاه ونعمة، لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيماً، جميلاً، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده، رحمه الله تعالى.
وقال في الإحاطة: للناس في أمره اختلاف بين الولاية وضدها (3) ، ولما وجه إلى كلامه سهام الناقدين (4) قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك، والخوض في تلك البحار والاطلاع (5) ، وساءت منهم في الممازجة له السيرة (6) ، فانصرفوا عنه مكلومين (7) ، يبذرون عنه في الآفاق من سوء القالة ما لا شيء فوقه، وجرت بينه وبين أعلام المشرق خطوب، ثم نزل مكة (8) ، وعاقه الخوف من أمير المدينة
__________
(1) ورد هذا الكتاب في " رسائل ابن سبعين ": 130 - 150.
(2) انظر الأبيات في الإحاطة: 321.
(3) نص ما ورد في الإحاطة: وأغراض الناس في هذا الرجل متباينة بعيدة عن الاعتدال.
(4) الإحاطة: ولما توفرت دواعي النقد عليه؛ هذا ما ثبت في حواشي دوزي، أما في النسخة التي اعتمدتها من الإحاطة فقد اضطربت هذه الجملة؛ والمقري ينقل حاذفا عبارات كثيرة.
(5) الإحاطة: قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك والاطلاع والخوض في تلك الأغراض.
(6) الإحاطة: وساءت منه لهم [في] الملاطفة السيرة.
(7) الإحاطة: مكظ مين.
(8) زيادة من الإحاطة.
(2/203)

[المعظمة] (1) عن الدخول إليها إلى أن توفي فعظم بذلك الحمل عليه (2) ، وقبحت الأحدوثة عنه، ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية - وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتاً للمسلمين - انتدب للجواب المقنع عنها، على فتاء من سنه، وبديهة من فكرته، رحمه الله تعالى، انتهى.
وقال بعض من عرف به: إنّه من أهل مرسية، وله علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وفصاحة وبلاغة.
وقال في " عنوان الدراية " (3) : رحل إلى العدوة، وسكن ببجاية مدة، ولقي من أصحابنا ناساً (4) ، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة، له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وهو أحد الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه من نوع الرموز، وله تسميات ظاهرة هي كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام، ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله.
توفي، رحمه الله تعالى، يوم الخميس تاسع شوّال 669، انتهى ببعض اختصار (5) .
__________
(1) زيادة من الإحاطة؛ وفي دوزي: النبوية.
(2) الإحاطة: فعظم عليه الحمل لأجل ذلك.
(3) عنوان الدراية: 139 - 140 وهو أيضا في الإحاطة: 318.
(4) عنوان الدراية: ولقيه من أصحابنا أناس.
(5) كذا قال، ولم يختصر من النص الذي نقله شيئا.
(2/204)

وذكر (1) ، رحمه الله تعالى، في ترجمة تلميذه الشيخ أبي الحسن الشّشتري السابق الذكر أن أكثر الطلبة يرجّحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وإذا ذكر له هذا يقول: إنما ذلك لعدم إطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم.
ومن تآليف ابن سبعين الفتح المشترك.
[رجع إلى الششتري]
وممّا حكاه صاحب " عنوان الدراية " (2) في ترجمة الششتري - ممّا لم نذكره في ترجمته الماضية، ورأينا ذكره هنا تبركاً - أن الششتري كان في بعض أسفاره في البرية، وكان رجل من أصحابه قد أسر فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقيل له: من أحمد الذي ناديته يا سيدي في هذه البرية فقال لهم: من تسرّون به غداً إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد ورد الشيخ وأصحابه بلدة قابس، فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء: هيئاً لنا باقتحام العقبة، صافحوا أخاكم، المنادى به.
ومن مناقبه - نفع الله تعالى به - أنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف [بمسجد] الصهريج جاءه الشيخ الصالح أبو إسحاق الزرنانيّ (3) نفع الله تعالى به بجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الصالح الفاضل الولي أبي عبد الله الصّنهاجي - نفع الله تعالى به - مع جملة أصحابه للزيارة، فوجدوا الشيخ أبا الحسن قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم الخلوة، فجلسوا لانتظاره، فلم يكن إلا قليل إذ أقبل الشيخ على هيئة معتبر متفكر، فلما دخل الرباط سلّم على الواصلين برسم الزيارة، وحيّا المسجد، وأقبل على الفقراء، وأثر العبرة على وجنته، فقال: ائتوني بمداد،
__________
(1) عنوان الدراية: 141.
(2) انظر المصدر المذكور: 141 وما بعدها.
(3) في عنوان الدراية: الورقاني؛ وفي نسخة: الزناني.
(2/205)

فلما أحضر بين يديه تأوّه تأوّهاً شديداً كاد أن يحرق بنفسه جليسه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات (1) :
لا تلتفت بالله يا ناظري ... لأهيفٍ كالغصن الناضر
يا قلب واصرف عنك وهم البقا ... وخلّ عن سرب حمى حاجر
ما السّرب والبان وما لعلعٌ ... ما الخيف ما ظبي بني عامر
جمال من سمّيته داثرٌ ... ما حاجة العاقل بالداثر
وإنما مطلبه في الذي ... هام الورى في حسنه الباهر
أفاد للشمس سناً كالذي ... أعاره للقمر الزاهر
أصبحت فيه مغرماً حائراً ... لله درّ المغرم الحائر وكانوا يوماً ببلد مالقة، وكثيراً ما يجوّد عليه القرآن العزيز، فقرأ طالب قوله تعالى " إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني " فقال معجلاً رضي الله تعالى عنه، وفهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لم يعلم (2) :
انظر للفظ أنا يا مغرماً فيه ... من حيث نظرتنا لعلّ تدريه
خلّ ادّخارك لا تفخر بعاريةٍ ... لا يستعير فقيرّ من مواليه
جسوم أحرفه للسرّ حاملة ... إن شئت تعرفه جرّب معانيه ودخل عليه شخص ببجاية من أهلها يعرف بأبي الحسن ابن علال، من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم، فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين ديناراً شكراً لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ،
__________
(1) ديوانه: 48.
(2) ديوانه: 80.
(2/206)

ليكون للفقراء زاداً، فلما كان في الليل رأى في منامه النبي، صلّى الله عليه وسلّم، ومعه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، قال الرجل: فنهضت إليه بسرور رؤية النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وقلت: يا رسول الله ادع الله تعالى لي، فالتفت لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وقال: يا أبا بكر، أعطه، فإذا به، رضي الله عنه، قسم رغيفاً كان بيده وأعطاني نصفه، ثم أفاق الرجل من منامه، وأخذه وجدٌ من هذه الرؤيا المباركة، فأيقظ أهله، واستعمل نفسه في العبادة، فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها، فلما دفعها للشيخ قال له الشيخ: يا علي، اقرب، فلما قرب قال له: يا علي، لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكامله، انتهى.
120 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، الشهير بابن غصن الإشبيلي (1) ، من ولد شداد بن أوس الأنصاري، الجزيري، نسبته إلى الجزيرة الخضراء، الإمام، المقرئ، الزاهد، عرض على الأستاذ ابن أبي الربيع الموطّأ من حفظه، وأخذ عنه النحو، وكان من أولياء الله تعالى الصالحين، وعباده الناصحين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، قوّالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، عارفاً بمتون الحديث وأحكامه، فقيهاً متقناً لمذاهب الأئمة الأربعة والصحابة والتابعين، لا يقبل من أحد شيئاً، مخلصاً لله تعالى، يتكلم على المنبر على عادة أهلا لعلم من تعليم المسائل الدينية، وأقرأ القرآن بمكة مدّة بالقراءات وبالمدينة وبيت المقدس، وممّن قرأ عليه خليل إمام المالكية بالحرم، والشهاب الطبري إمام الحنفية بالحرم، وله مصنفات في القراءات: منها " مختصر الكافي " وكتاب " في معجزات النبي " صلّى الله عليه وسلّم، ومولده سنة 631 تخميناً (2) ،
__________
(1) انظر ترجمة ابن غصن في غاية النهاية 2: 47 ولم ينسبه إشبيليا أو جزيريا وإنما قال فيه: القصري السبتي.
(2) في غاية النهاية: سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
(2/207)

وتوفي ببيت المقدس آخر سنة 723 (1) ، رحمه الله تعالى.
121 - ومنهم الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي اللغوي أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري اللّبلي (2) يكنى أبا العباس وأبا جعفر، قرأ بالأندلس على مشايخ من أفضلهم الأستاذ أبو علي عمر الشّلوبين، ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية، وأقرأ بها مدّة، وارتحل إلى المشرق فحج، ثم رجع إلى حضرة تونس واتخذها وطناً، واشتغل بها بالإقراء إلى أن مات. كان يتبسط لإقراء سائر كتب العربية، وله علم جليل باللغة، وله تواليف كثيرة: منها (3) على الجمل وشرح الفصيح لثعلب، ولم يشذ فيه شيء من فصيح كلام العرب.
قال الغبريني، رحمه الله تعالى: ورأيت له تأليفاً في الأذكار، وله عقيدة في علم الكلام، ورأيت له مجموعاً سمّاه الإعلام بحدود قواعد الكلام تكلم فيه على الكلم الثلاث، الاسم والفعل والحرف، وله تواليف أخر، وكان من أساتيذ إفريقية في وقته، وممّن أخذ عنه، واستفيد منه، انتهى.
وذكر الشيخ أبو الطيب ابن علوان التونسي عن والده أحمد التونسي الشهير بالمصري أن للمذكور تأليفاً سمّاه التجنيس، وله شرح أبيات الجمل، سمّاه وشي الحلل رفعه للملك المستنصر الحفصي بتونس، فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم، وأمره أن يتعقب عليه ما فيه من خلل وجده، فحكى أبو عبد الله القطان المسفّر - وكان يخدم حازماً - قال: كنت يوماً بدار أبي الحسن حازم وبين يديه هذا الكتاب، فسمعت نقر الباب، فخرجت فإذا بالفقيه أبي جعفر، فرجعت وأخبرت أبا الحسن، فقال مبادراً حتى أدخله وبالغ في بره وإكرامه، فرأى الكتاب بين يده، فقال له: يا أبا الحسن، قال الشاعر:
__________
(1) هكذا هو في غاية النهاية أيضاً؛ وفي إحدى نسخ النفح: 722.
(2) ترجمته في عنوان الدراية: 211 وبغية الوعاة: 176.
(3) بعد لفظة " منها " بياض في ج بقدر كلمة.
(2/208)

شطروعين الرضى عن كلّ عيب كليلة ... فقال له: يا فقيه أبا جعفر، أنت سيدي وأخي، ولكن هذا أمر الملك لا يمكن فيه إلا قول الحق، والعلم لا يحتمل المداهنة، فقال له: فأخبرني بما عثرت عليه، قال له: نعم، فأظهر له المواضع، فسلّمها أبو جعفر وبشرها وأصلحها بخطه.
وأصل هذا اللّبلي من لبلة بالأندلس (1) ، اجتمع في رحلته للمشرق بالقاضي ابن دقيق العيد، وكان نحويّاً، فلما دخل عليه اللّبلي قال له القاضي: خير مقدمٍ، ثم سأله بعد حين: بم انتصبت خير مقدم فقال له اللبلي: على المصدر وهو من المصادر التي لا تظهر أفعالها، وقد ذكره سيبويه إلى آخره، فإنه كان يحفظ أكثره، فأكرمه القاضي وعظمه.
ثم قال ابن علوان: وذكر والدي أيضاً، رحمه الله تعالى، ومن خطه المبارك نقلت، أن الأستاذ أبا جعفر اللبلي المذكور، رحمه الله تعالى، قرئ عليه يوماً قول امرئ القيس (2) :
حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي فقال لطلبته: ما العامل في هذا الظرف يعني إذ فتنازعوا القول، فقال: حسبكم، قرئ هذا البيت على أستاذنا أبي علي الشّلوبين، فسألنا هذا السؤال، وكان أبو الحسن ابن عصفور قد برع واستقل وجلس للتدريس، وكان الشلوبين يغض منه، فقال لنا: إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل، يعني ابن عصفور، فلما خرجنا سرنا إليه بجمعنا، ودخلنا المسجد، فرأيناه قد دارت به حلقة كبيرة، وهو يتكلم بغرائب النحو، فلم نجسر على سؤاله لهبيته،
__________
(1) دوزي: قرية بالأندلس، وسقطت " قرية " من ق ط ج.
(2) ديوان امرئ القيس: 236.
(2/209)

وانصرفنا، ثم جئنا بعد على عادتنا لأبي علي، فنسي حتى قرئ عليه قول النابغة:
فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له (1) ... فتذكر، وقال: ما فعلتم في سؤال ابن عصفور فصدقنا له الحديث، فأقسم ألاّ يخبرنا ما العامل فيه، ثم قال اللّبلي لطلبته: وأنا أقول لكم مثل ذلك، فانظروا لأنفسكم، قالوا: فنظرنا فإذا المسألة مسألة فحص ونظر، كلما حكمنا بحكم صدتنا عنه قوانين نحوية، حتى مضت مدة طويلة، فوفد علينا بتونس المحروسة أحد طلبة ابن أبي الربيع، وكان ابن أبي الربيع هذا ساكناً بسبتة، وهو أحد طلبة الشلوبين أيضاً، ومن كبار هذه الطبقة التي نشأت بعده، قالوا: فتذاكرنا مع هذا الطالب في مسائل نحوية، فمرت هذه المسألة في قوله تعالى " إذ نسويكم برب العالمين " فقال هذا الطالب إن هذا الظرف وقع موقع لام العلة، فعلمنا أن هذا هو الذي أراد الأستاذ أبو علي، ثم ناقشنا الطالب وقلنا له: إذا جعلته ظرفاً فلا بد من العامل، وإذا جعلته واقعاً موقع الحرف كان هذا على شذوذ قول الكوفيين، والذي يجوز عكسه على مذهب الجميع، وإنما الأولى أن يقال: إذ حرفٌ معناه التعليل تشترك فيه الأسماء والحروف كما اشتركت في عن، والله أعلم بغيبه، انتهى.
122 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي (2) ، قال الحافظ المقريزي: وفرح بسكون الراء، وقال الحافظ عبد الكريم فيحقه: إنه كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشتغلين بما يعنيهم من أمور الآخرة، فيما بين توجه وعبادة وتصنيف، جمع في تفسير القرآن كتاباً خمسة عشر مجلداً، وشرح أسماء الله الحسنى في
__________
(1) عجز البيت: " وانم القتود على عيرانة أجد ".
(2) ابن فرح هو صاحب التفسير المشهور بتفسير القرطبي واسمه " جامع أحكام القرآن "؛ انظر ترجمته في الوافي 2: 122 وطبقات المفسرين: 28 (وبروكلمان: التكملة 1: 737) .
(2/210)

مجلدين، وله كتاب التذكرة في أمور الآخرة في مجلدين (1) ، وشرح التقصي، وله تآليف غير ذلك مفيدة، وكان مطّرح التكلف، يمشي بثوب واحد، وعلى رأسه طاقية، سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم بعض هذا الشرح، وحدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وعن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما، وتوفي بمنية ابن خصيب ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة 671، ودفن بها، رحمه الله تعالى.
وفي تاريخ الكتبي في حقه ما نصه: كان شيخاً فاضلاً، وله تصاينف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه، منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية اثنا عشر مجلداً، انتهى.
وكتب بعض تلامذته على الهامش ما صورته: قد أجحف المصنف في ترجمته جدّاً، وكان متفنناً متبحراً في العلم، انتهى. وكتب بعض بإثر هذا الكلام ما نصه: قال الذهبي: رحل وكتب وسمع، وكان يقظاً فهماً حسن الحفظ مليح النظم حسن المذاكرة ثقة حافظاً، انتهى. وكتب آخر إثر ذلك الكلام ما صورته: مشاحة شيخنا للمصنف في هذه العبارة ما لها فائدة، فإن الذهبي قال في تاريخ الإسلام: العلاّمة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أب بكر ابن فرح الإمام القرطبي إما متفنن، متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة، تدل على كثرة اطلاعه ووفور عقله وفضله، ثم ذكر موته، وقال بعده: وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وله الأسنى في شرح الأسماء الحسنى والتذكرة وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه، انتهى. وكتب آخر بإثر هذا الكلام ما نصه: غفر الله لك، إذا كان الذهبي ترجمه بما ذكرت، وهو والله فوق ذلك، فكيف تقول: إن مشاحة شيخك لا فائدة فيها، وتسيء الأدب معه
__________
(1) هو المعروف " التذكرة القرطبية " وله مختصر صنعه الشعراني وطبع ببولاق سنة 1300.
(2/211)

وتقول إن لامه لا فائدة فيه فالله يستر عليك، انتهى.
123 - ومنهم أبو القاسم ابن حاضر، الجزيري، الخزرجي، محمد بن أحمد، من جزيرة شقر، قدم مصر، وسكن قوص بعدما كان من عدول بلنسية، وكان فصيحاً، عالماً بصناعة التوريق، وله نظم لم يحضرني الآن شيء منه، ومات بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى.
124 - ومنهم أبو القاسم التّجيبي، محمد بن أحمد التّجيبي (1) ، من أهل بلّش، قرأ على ابن مفرّج وابن أبي الأحوص، ورحل فاستوطن القاهرة وكان شيخاً فاضلاً خيّراً، له أدب وشعر، منه قوله من أبيات (2) :
أحوى الجفون له رقيبٌ أحول ... الشيء في إدراكه شيئان
يا ليته ترك الذي أنا مبصرٌ ... وهو المخيّر في الغزال الثاني ولد ببلّش سنة 623، وتوفي بالحسينية خارج القاهرة سلخ المحرم سنة 695 (3) وممّن روى عنه نحويّ الزمان أثير الدين أبو حيّان وغيره، رحم الله تعالى الجميع.
125 - ومنهم أبو بكر الخزرجي، محمد بن أحمد بن حسن، وقيل: محمد بن عيسى المالقي المالكي (4) ، قال الشريف أبو القاسم: إنه كان أحد الزهاد الورعين، وعباد الله المتقين، مشتغلاً بنفسه، متخلياً (5) عمّا في أيدي الناس، يأكل من كسب يده، ولا يقبل لأحد شيئاً، مع وجد وعمل وفضل وأدب،
__________
(1) هو محمد بن أحمد بن حسن بن عامر بن أحمد بن محمد بن حسن التجيبي. انظر ترجمته في الوافي 2: 140.
(2) البيتان في الوافي.
(3) في ق: 699 وفي دوزي: 694.
(4) ترجم له السيوطي في بغية الوعاة: 88 باسم محمد بن عيسى، وهو ينقل عن البدر السافر.
(5) ق ط ج: مستخلياً.
(2/212)

ولم يكن في زمانه من اجتمع فيه ما اجتمع له.
وقال الحافظ عبد الكريم: إنه دخل إشبيلية، واشتغل بالعربية على الشّلوبين وقرأ القراءات السبع، ثم قدم مصر واشتغل بمذهب مالك، وكان والده نجاراً وكان لا يأكل إلاّ من كسب يده، يخيط الثياب، فازدحم الناس عليه تبركاً به، فترك ذلك وصار يدق القصدير ويأكل منه وتصدق بما فضل عنه، وكان شديد الزهد، كثير العبادة، لا يسلم يده إلى أحد ليقبّلها، وجاءه شخص قد زيد عليه في أجرة مسكنه ليشفع إلى صاحب الدار أن لا يقبل الزائد، فمضى إلى صاحب الدار وأعطاه الزائد مدة أشهر، فعلم بذلك الساكن بعد مدة، فقال له: يا سيدي ما سألت إلاّ شفاعة، وأنت تزن عني (1) ، فقال له: رجل له دار يأخذ أجرتها يجيء إليه الخزرجي يقطع عليه حقه والله ما يدفع هذا إلاّ أنا، فلم يزل يدفع الزائد إلى أن انتقل الساكن إلى غيره، ومات ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 651، عن خمس وأربعين سنة، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى، ونفعنا به.
126 - ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن خليل بن فرج الهاشمي (2) ، مولاهم، لأن ولاءه لبني العباس من أهل قرطبة، ولد في شهر رمضان سنة 322 بقرطبة، وسمع بها من وهب بن مسرة، وخالد بن سعيد (3) وغيره، ورحل فحج وأدرك بمصر ابن الورد وابن رشيق وأبا علي ابن السكن نظراءهم في سنة 349، وعاد إلى بلده، وبها مات في شهر رمضان سنة ست وأربعمائة.
قال ابن بشكوال (4) : كان رجلاً صالحاً فاضلاً، من أهل الاجتهاد في العبادة مائلاً إلى التقشف والزهادة، قديم الطلب حسن المذهب متبعاً للسنن.
__________
(1) دوزي: وأنت تنقد.
(2) ترجمته في الصلة: 470.
(3) الصلة: خالد بن سعد.
(4) لم يرد هذا في الطبعة المصرية من كتاب الصلة.
(2/213)

127 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان (1) بن أحمد بن إبراهيم الزهري الأندلسي الإشبيلي (2) ، ولد بمالقة، وطاف الأندلس، وطلب العلم، وحصّل طرفاً صالحاً من علم الأدب، ودخل مصر قبل التسعين وخمسمائة فسمع الحديث بها، ودخل الشام وبلاد الجزيرة، وقدم بغداد سنة 590، وعمره ثلاثون سنة، وأقام بها مدة، وسمع من شيوخها كأبي الفرج ابن كليب ونحوه، وقرأ ونسخ بخطه، وسافر إلى أصبهان وبلاد الجبل، وكان فاضلاً حسن المعرفة بالأدب، يقول الشعر، وينشئ المقامات، وصنف كتاب البيان والتبيين في أنساب المحدثين ستة أجزاء، وكتاب البيان فيما أبهم من الأسماء في القرآن مجلد، وكتاب " أقسام البلاغة وأحكام الصناعة " (3) في مجلدين، وكتاب شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في خمسة عشر مجلداً، وكتاب شرح المقامات مجلد، وكتاب " شرح اليميني " (4) في مجلد، قال المنذري: توفي شهيداً قتله التتار في رجب؛ وقال ابن النجار: في سابع عشر رجب سنة 617، رحمه الله تعالى.
128 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى بن القاسم، القرطبي، المقرئ المعروف بالورشي، نسبة إلى قراءة ورش لاشتهاره بها، وهو أحد القراء المعروفين. قال الحاكم: هو من الصالحين المذكورين بالتقدم في علم القرآن، سمع بمصر والشام والحجاز والعراقين والجبل وأصبهان، وورد نيسابور، ودخل خراسان فسمع علي بن المرزبان بأصبهان، وبالأهواز عبد الواحد ابن خلف الجنديسابوري، وبفارس أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي،
__________
(1) دوزي: سلمان.
(2) ترجمته في بغية الوعاة: 11 والوافي 2: 104 والنقل عن ابن النجار.
(3) كذلك هو في البغية، أما في الوافي: وأحكام الفصاحة.
(4) كتاب في التاريخ للعتبي.
(2/214)

وقال ابن النجار: قدم بغداد، وحدّث بها، توفي بسجستان في ربيع الأول سنة 393.
129 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الباجي، اللخمي (1) ، قال ابن بشكوال: مولده في صفر سنة 356، وسمع عن جده، ورحل إلى المشرق.
وقال ابن غلبون في مشيخته: إنه كان من أهل العلم والحديث والرواية والحفظ للمسائل، قائماً بها، واقفاً عليها، قاعداً للشروط، محسناً لها، عارفاً، وبيتهم بيت علم، ونشأ فيهم هو وأبوه وجده، وكان جميعهم في الفضل والتقدم على درجاتهم في السن، وعلى منازلهم في السبق، وكانت رحلته مع أبيه وروايتهما واحدة، وشاركه في السماع والرواية عن جده، وسمع بمصر على أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق المخزومي.
وقال ابن بشكوال: كان من أجلّ الفقهاء عندنا دراية ورواية، بصيراً بالعقود، ومتقدماً على أهل الوثائق (2) ، عارفاً بعللها، وألّف فيها كتاباً حسناً، وكتاباً في السجلات إلى ما جمع فيه من أقوال الشيوخ والمتأخرين، مع ما كان عليه من الطريقة المثلى، وتوفية العلم حقه من الوفاء والتصون، توفي في المحرم سنة 433 لعشرين بقين منه.
130 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز، العتبي، الأندلسي، القرطبي، الفقيه المالكي المشهور، صاحب العتبيّة (3) ، سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد ين حسان وغيرهما، ورحل إلى المشرق فسمع من سحنون وأصبغ بن الفرج وغيرهما، وكان حافظاً للمسائل، جامعاً لها، عالماً بالنوازل، وهو الذي جمع المستخرجة من الأسمعة المسموعة غالباً من مالك
__________
(1) ترجمته في الصلة: 495.
(2) الصلة: متقدماً في علم الوثائق.
(3) ترجمته في جذوة المقتبس: 36 (وبغية الملتمس رقم: 9) وابن الفرضي 2: 8 والوافي 2: 30.
(2/215)

ابن أنس، وتعرف بالعتبية، وأكثر فيها من الروايات المطوحة والمسائل الغريبة الشاذة، وكان يؤتى بالمسألة الغريبة الشاذة فإذا سمعها قال: أدخلوها في المستخرجة، ولذا روي عن ابن وضاح أنه كان يقول: المستخرجة فيها خطأ كثير، كذا قال، ولكن الكتاب وقع عليه الاعتماد من أعلام الملكية كابن رشد وغيره.
قال ابن يونس: توفي بالأندلس سنة 255.
والعتبي: نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان ابن حرب، وقيل: إلى جد للمذكور يسمى عتبة، وقيل: إلى ولاء عتبة بن أبي يعيش.
131 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن زكريا المعافري، المقرئ، الفرضي، الأديب، ولد بالأندلس سنة 591، ونشأ ببلنسية، وأقام بالإسكندرية، وقرأ القرآن على أصحاب ابن هذيل، ونظم قصيدة في القراءات على وزن الشاطبية، لكن أكثر أبياتاً، وصرح فيها بأسماء القراء، ولم يرمز كما فعل الشاطبي، وكانت له يد في الفرائض والعروض، مع معرفة القراءات والأدب.
ومن شعره:
إذا ما اشترت بنتٌ أباها فعتقها ... بنفس الشرا شرعاً عليها تأصّلا
وميراثه إن مات من غير عاصب ... ومن غير ذي فرضٍ لها قد تأثلا
لها النصف بالميراث والنصف بالولا ... فإن وهب ابناً أو شرّاه تفضلا
فأعتق شرعاً ذلك الابن ما لها ... سوى الثلث، والثلثان للأخ أصلا
وميراثها فيه إذا مات قبلها ... كميراثها في الأب من قبل يجتلى
ومولى أبيها ما لها الدهر فيه من ... ولاء ولا إرث مع الأب فاعتلى وهذه المسألة ذكر الغزالي في الوسيط أنه قضى فيها أربعمائة قاضٍ وغلطوا وصورتها ابنة اشترت أباها فعتق عليها، ثم اشترى الأب ابناً فعتق عليه، ثم
(2/216)

اشترى الأب عبداً فأعتقه، ثم مات الأب، فورثه الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات العبد المعتق، فلمن يكون ولاؤه وفرضها المالكية على غير هذا الوجه وهي مشهورة.
132 - ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن سهل، أبو عبد الله الأموي، الأندلسي، الطّليطلي، المعروف بالنقاش، نزل مصر، وقعد للإقراء بجامع عمرو بن العاص، وأخذ عنه جماعة، وتوفي بمصر سنة 529.
133 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد القيسي، القبري القرطبي، المؤدب (1) ، رحل من الأندلس سنة 342، فسمع بمصر من أبي محمد ابن الورد وأبي قتيبة مسلم بن الفضل البغدادي وغيره، وكان صالحاً خيّراً مؤدباً، سمع الناس منه كثيراً (2) ، وتوفي سنة 362.
والقبري - بفتح القاف، وسكون الباء الموحدة، ثم راء مهملة - نسبة إلى قبرة بلدٍ بالأندلس بقرب قرطبة بنحو ثلاثين ميلاً.
134 - ومنهم جمال الدين أبو بكر الوائلي، محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن سجمان (3) ، الشريشي، المالكي (4) ، ولد بشريش سنة 601، ورحل فسمع بالإسكندرية من ابن عماد (5) الحراني، وبدمشق من مكرم بن أبي الصقر، وبحلب من أبي البقاء يعيش بن علي النحوي، وسمع بإربل وبغداد، وأقام بالمدرسة الفاضلية من القاهرة مدة يفيد الناس فتخرّج به جماعة، وولي مشيخة المدرسة بالقدس، ومشيخة الرباط الناصري بالجبل، وأقام بدمشق يفتي
__________
(1) ترجمته في ابن الفرضي 2: 74.
(2) في ط ق ج: سمع من الناس، والتصويب عن ابن الفرضي.
(3) ضبطه السيوطي: بضم السين المهملة وسكون الحاء أي " سحمان ".
(4) انظر ترجمته في بغية الوعاة: 18.
(5) في الأصول: ابن عمار.
(2/217)

ويدرّس، وكان من العلماء الزهاد كثير العبادة والورع والزهد، أحد الأئمة المبرزين المتبحرين في العربية والفقه على مذهب الإمام مالك، والتفسير، والأصول، وصنّف كتاباً في الاشتقاق، وشرح ألفية ابن معطي، وأخذ عنه الناس، وطلب للقضاء بدمشق فامتنع منه زهاداً وورعاً، وبقي المنصب لأجله شاغراً إلى أن مات برجب سنة 685، ودفن بقاسيون.
وسجمان: بسين مهملة مضمومة، ثم جيم ساكنة، بعدها ميم مفتوحة، ونون.
135 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرّج القرطبي، المعروف والده بالقنتوري (1) ، وكان جد أبيه مفرج صاحب الركاب للحكم بن عبد الرحمن الداخل، وكان أبوه أحمد بن يحيى رجلاً صالحاً، وولد هو سنة 315 (2) ، وكان سكناه بقرطبة بقرب عين قنت أورية، وسمع بقرطبة من قاسم ابن أصبغ كثيراً، ومن ابن أبي دليم والخشني، ورحل سنة 337 فسمع بمكة من ابن الأعرابي، ولزمه حتى مات، وسمع بها من جماعة غيره، وسمع بجدة، وبالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، ودخل صنعاء وزبيد وعدن سمع بها من جماعة، وسمع بمصر من البرقي صاحب أحمد البزار، وسمع من السيرافي وجماعة كثيرة، وسمع بغزّة وعسقلان وطبرية ودمشق وطرابلس وبيروت وصيدا والرملة وصور وقيسارية والقلزم والفرما والإسكندرية، فبلغت عدة شيوخه إلى مائتين وثلاثين شيخاً، وروى عنه أبو عمر الطلمنكي وجماعة، وكتب تاريخ مصر عن مؤلفه أبي سعيد ابن يونس، وروى عنه ابن يونس وهو من أقرانه، وعاد إلى الأندلس من رحلته سنة 345، واتصل بالحكم المستنصر، وصارت له عنده مكانة، وألّف له عدة كتب، واستقضاه على
__________
(1) انظر ترجمته في جذوة المقتبس: 38 (وبغية الملتمس رقم: 14) وابن الفرضي 2: 93.
(2) في أصول النفح: 325؛ والتصويب عن ابن الفرضي؛ وقد اتفقت المصادر على أن رحلته سنة 337، وهذا يعني أنه رحل وهو ابن اثنتي سنة إذا قلنا إنه ولد سنة 325 وهو أمر متسبعد.
(2/218)

إستجة ثم على المريّة، ومات برجب سنة 348 (1) .
قال الحميدي: هو محدّث، حافظ جليل، صنف كتباً في فقه الحديث، وفي فقه التابعين: فمنها فقه الحسن البصري في سبع مجلدات، وفقه الزهري في أجزاء كثيرة، وسمع مسند ابن افرضي وحديث قاسم بن أصبغ.
قال ابن الفرضي: وكان عالماً بالحدث، بصيراً برجاله، صحيح النقل حافظاً، جيد الكتابة على كثرة ما جمع.
وقال ابن عفيف في حقه: إنه كان من أعنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث وأبصرهم بالرجال، ما رأيت مثله في هذا الفن، من أوثق المحدثين بالأندلس، وأصحهم كتباً، وأشدهم تعباً لروايته، وأجودهم ضبطاً لكتبه، وأكثرهم تصحيحاً لها، لا يدع فيها شبهة، رحمه الله تعالى.
136 - ومنهم أبو عبد الله القيسي الوضاحي، محمد بن أحمد بن موسى (2) ، رحل من المغرب، وسمع من السّلفي وغيره جملة صالحة، ثم عاد إلى الأندلس بعد الحج، وسكن المرية مدة وبها مات سنة 539، وقيل: في التي بعدها، وكان من أظرف الناس، وأحسنهم أدباً، فقيهاً، فاضلاً، ثقة، ذا فرائد جمة، عفيفاً، معتنياً بالعلم.
137 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى بن هذيل، العبدري، البلنسي (3) ، ولد سنة 519، وسمع من أبيه وجماعة، ورحل حاجّاً فسمع من السّلفي وابن عوف (4) والحضرمي والتنوخي والعثماني وغيرهم،
__________
(1) ذكر ابن الفرضي أنه توفي سنة ثمانين وثلاثمائة وهذا هو المعقول إذ أن المستنصر لا يستقضيه قبل سنة 350 وهي السنة التي تولى فيها الحكم.
(2) ترجمة الوضاحي في أخبار وتراجم أندلسية: 115 - 116.
(3) رجمة ابن هذيل في الذيل والتكملة: 24 (نسخة باريس) وقال فيه مرباطري، وذكر أنه توفي بمربيطر سنة 593 وانظر كذلك التكملة: 552 وإنما نسب إلى بلنسية لأنه من أبيشة وهي من ثغور بلنسية.
(4) ق: وابن عون؛ وهو خطأ.
(2/219)

ورجع بعد الحج إلى الأندلس فحدّث، وكان غاية في الصلاح والورع وأعمال البر، وله حظ من علم العبارة، ومشاركة في اللغة، وكتب بخطه على ضعفه كثيراً، رحمه الله تعالى.
138 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نوح الإشبيلي، ومولده سنة إحدى وثلاثين وستمائة بإشبيلية، وجال في بلاد المغرب والمشرق، وقرأ على الشيوخ الفضلاء، وحصّل كثيراً في علم القرآن والأدب، وله نظم ونثر، وكان كثير التلاوة للقرآن، جيد الأداء له، وأقام بدمشق حتى مات بها سنة 699، رحمه الله تعالى.
139 - ومنهم محمد بن أسباط، المخزومي القرطبي (1) ، روى عن يحيى ابن يحيى، وقدم مصر فسمع من الحارث بن مسكين، وكان حافظاً للفقه، عالماً، توفي سنة 279.
140 - ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق، الشهير بابن السليم (2) ، قاضي الجماعة بقرطبة مولده سنة 306، روى عن قاسم بن أصبغ وطبقته، ورحل سنة 332، فسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من الزبيريّ وابن النحاس وغيرهما، وعاد إلى الأندلس فأقبل على الزهد ودراسة العلم، وحدث، فسمع منه الناس، وكان حافظاً للفقه، بصيراً بالاختلاف، حسن الخط والبلاغة متواضعاً، وتوفي بجمادى الأولى سنة 367.
وسليم بفتح السين مكبراً.
141 - ومنهم موسى بن بهيج المغربي الأندلسي الواعظ الفقيه العالم،
__________
(1) ترجمته في ابن الفرضي 2: 13.
(2) ترجمة القاضي ابن السليم في جذوة المقتبس: 40 (وبغية الملتمس رقم: 75) وابن الفرضي 2: 79 والمرقبة العليا: 75.
(2/220)

من أهل المرية، نزل مصر، يكنى أبا عمران، كان من أهل العلم والأدب، وله في الزهد وغيره أشعار حملت عنه، وحدث المرشاني عنه بمخمّسة في الحج وأعماله كلها، ولقيه بمصر وقرأها عليه.
ولابن بهيج هذا قوله:
إنّما دنياك ساعه ... فاجعل الساعة طاعه
واحذر التقصير فيها ... واجتهد، ما قدره ساعه
وإذا أحببت عزّاً ... فالتمس عزّ القناعه 142 - ومنهم أبو عمران موسى بن سعادة (1) ، مولى سعيد بن نصر (2) ، من أهل مرسية (3) ، سمع صهره أبا علي ابن سكرة الصّدفي، وكانت بنته عند أبي علي، ولازمه وأكثر عنه، وروى عن أبي محمد ابن مفوّز الشاطبي وأبي الحسن ابن شفيع، قرأ عليهما الموطأ، ورحل، وحج، وسمع السنن من الطرطوشي، وعني بالرواية، وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنهما سمعا على أبي علي نحو ستين مرة، وكتب أيضاً الغريبين للهروي، وغير ذلك، وكان أحد الأفاضل الصّلحاء، والأجواد السّمحاء، يؤم الناس في صلاة الفريضة، وتولى القيام بمؤن صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها، وإليه أوصى عند توجّهه إلى غزوة كتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب، وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة بكتاب أدب الكتّاب لابن قتيبة، وبالفصيح لثعلب.
__________
(1) ترجمة موسى بن سعادة في معجم شيوخ الصدفي: 188.
(2) كان سعيد بن نصر مولى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر.
(3) أصله من بلنسية ولكنه خرج منها عندما استولى عليها الروم سنة 486 فانتقل إلى دانية ثم إلى مرسية.
(2/221)

143 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن طاهر، الأزدي (1) ، من أهل وادي آش، له رحلة إلى المشرق أدى فيها الفريضة، وسمع بدمشق من أي طاهر الخشوعي مقامات الحريري وابن عساكر وغيرهما، ثم قفل إلى بلده، انتهى ملخصاً من ابن الأبار.
وحكى الصفدي (2) أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي بمصر، وروى عنه شيئاً من شعره، وممّا روى عنه أنه قال: أنشدني المتنبي لنفسه:
لاعبت بالخاتم إنسانةً ... كمثل بدر في الدّجى الفاحم
وكلّما حاولت أخذي له ... من البنان المترف الناعم
ألقته في فيها فقلت: انظروا ... يقد خبّت الخاتم في الخاتم (3) 144 - ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو عبد الله ابن مالك (4) ، صاحب التسهيل والألفية، وهو: جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الإمام العلامة الأوحد الطائي الجياني المالكي حين كان بالمغرب، الشافعي حين انتقل إلى المشرق، النحوي، نزيل دمشق.
ولد سنة ستمائة أبو في التي بعدها، وسمع بدمشق من مكرم وأبي صادق الحسن بن صبّاح وأبي الحسن السخاوي وغيرهم، وأخذ العربية عن غير واحد، فممن أخذ عنه بجيّان أبو المظفر، وقيل: أبو الحسن، ثابت بن خيار، عرف بابن الطيلسان، وأبي رزين ابن ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار الكلاعي
__________
(1) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، انظر التكملة: 875 وقال ابن الأبار إنه وقف على خطه بالسماع منه والإجازة في ذي القعدة سنة 599.
(2) لا أدري علاقة هذا النص بما قبله. ولعله: وحكى [عنه] الصفدي ...
(3) عند هذا الحد تنتهي نسخة ط وقد جاء في آخرها: " انتهى الجزء الأول من كتاب نفح الطيب ... الخ، يتلوه إن شاء الله في أول الثاني: ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق أبو عبد الله ابن مالك ".
(4) ترجمة ابن مالك في الوافي 3: 359 والفوات 2: 452 وغاية النهاية 2: 180 وبغية الوعاة: 53.
(2/222)

من أهل لبلة، وأخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوّار، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله ابن مالك المرشاني، وجالس يعيش وتلميذه ابن عمرون وغيره بحلب، وتصدّر بها لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وأربى على المتقدمين، وكان إماماً في القراءات، وعالماً بها، وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية، وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها.
قال الصفدي: أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يوماً ما انفرد به صاحب المحكم عن الأزهري في اللغة، قال الصفدي: وهذا أمر معجز، لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين (1) ، وأخبرني عنه أنه كان إذا صلّى في العادلية - لأنه كان إمام المدرسة - يشيعه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان إلى بيته تعظيماً له.
وقد روى عنه الألفية شهاب الدين محمود المذكور، ورواها الصفدي خليل عن شهاب الدين محمود قراءة، ورواها إجازةً عن ناصر الدين شافع بن عبد الظاهر وعن شهاب الدين بن غانم بالإجازة عنهما عنه.
وأما النحو والتصريف (2) فكان فيهما ابن مالك بحراً لا يشق لجّه، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة فكان أمراً عجيباً، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره، وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه آية، لأنه أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شيء (3) عدل إلى أشعار العرب، هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السّمت، وكمال العقل،
__________
(1) الوافي: لأنه يريد ينقل الكتابين.
(2) النقل عن الصفدي أيضاً.
(3) دوزي: شاهد.
(2/223)

وأقام بدمشق مدة يصنف ويشتغل بالجامع وبالتربة العادلية، وتخرج به جماعة، وكان نظم الشعر عليه سهلاً رجزه وطويله وبسيطه، وصنف كتاب تسهيل الفوائد، قال الصفدي (1) : ومدحه سعد الدين محمد بن عربي بأبيات مليحة إلى الغاية، وهي:
إن الإمام جمال الدين جمّله ... ربّ العلا ولنشر العلم أهّله
أملى كتاباً له يسمى " الفوائد " لم ... يزل مفيداً لذي لبٍّ تأمله
وكلّ مسألة في النحو يجمعها ... إن الفوائد جمع لا نظير له قال: وفي هذه الأبيات مع حسن التورية فيها ما لا يخلو من إيراد ذكرته في كتابي " فض الختام (2) "، انتهى.
قلت: أجاب العجيسي عن ذلك بأن الأبيات ليست في التسهيل، وإنما هي في كتاب له يسمى " الفوائد " وهو الذي لخصه في " التسهيل "، فقوله في اسم التسهيل تسهيل الفوائد معناه تسهيل هذا الكتاب، وذكر أيضاً أنه مثل التسهيل في القدر على ما ذكره من وقف عليه، وقال: وإليه يشير سعد الدين محمد بن عربي بقوله إن الإمام - إلى آخره وسعد الدين ابن الشيخ محيي الدين صاحب الفصوص وغيرها.
ثم قال العجيسي: وذكر غير واحد من أصحابنا أن له كتاباً آخر سمّاه بالمقاصد، وضمّنها تسهيله، فسماه لذلك تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد فعلى هذا لا يصح قول الصفدي: إن المدح المذكور في التسهيل، إلاّ بارتكاب ضرب من التأويل، انتهى كلام العجيسي.
قلت: وذكر غيره أن قوله في الألفية " مقاصد النحو بها محوية " إشارة لكتاب المقاصد، وتعقب بقوله محوية فإنه لو كان كما ذكر لقال محويّ،
__________
(1) الوافي: 360.
(2) في الأصول ودوزي: فص الخاتم؛ والمراد كتابه " فض الختام عن التورية والاستخدام ".
(2/224)

وأجاب بعضهم بأنه من باب الاستخدام، وفيه تعسف.
رجع - من تصانيف ابن مالك " الموصل في نظم المفصل " وقد حل هذا النظم فسماه " سبك المنظوم وفك المختوم " ومن قال " إن اسمه فك المنظوم وسبك المختوم " فقد خالف النقل والعقل، ومن كتب ابن مالك كتاب " الكافية الشافية " ثلاثة آلاف بيت، وشرحها، و " الخلاصة " وهي مختصر الشافية، و " إكمال الإعلام بمثلث الكلام " وهو مجلد كبير كثير الفوائد يدل على اطلاع عظيم، و " لامية الأفعال " وشرحها، و " فعل وأفعل "، و " المقدمة الأسدية " وضعها باسم ولده الأسد، و " عدّة اللافظ وعمدة الحافظ "، و " النظم الأوجز فيما يهمز "، و " الاعتضاد في الظاء والضاد " مجلد، وإعراب مشكل البخاري، و " تحفة المودود في المقصور والممدود " وغير ذلك كشرح التسهيل، وروى عنه ولده بدر الدين محمد، وشمس الدين بن جعوان، وشمس الدين بن أبي الفتح، وابن العطار، وزين الدين أبو بكر المزّي، والشيخ أبو الحسين اليونيني، وأبو عبد الله الصيرفي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وشهاب الدين محمود، وشهاب الدين بن غانم، وناصر الدين بن شافع، وخلق كثير سواهم.
ومن نظمه في الحلبة:
خيل السباق المجلّي يقتفيه مص ... لٍّ والمسلّي وتعالٍ قبل مرتاح
وعاطفٌ وحظيٌّ والمؤمّل وال ... لطيم والفسكل السّكيت يا صاح وله من هذه الضوابط شيء كثير.
وكان يقول عن الشيخ ابن الحاجب: إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل، وصاحب المفصل نحوه صغيرات، وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري.
وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع يقول: إن ابن مالك ما خلّى للنحو حرمة.
وحكي عنه أنه كان يوماً في الحمّام وقد اعتزل في مكان يستعمل فيه الموسى، فهجم عليه فتى فقال: ما تصنع فقال: أكنس لك الموضع للقعود، قال
(2/225)

بعضهم: وهذا ممّا يستبعد على دين ابن مالك، والعهدة على ناقله، قال الصفدي: ولا يستبعد ذلك من لطف النحاة وطباع أهل الأندلس.
وتوفي ابن مالك بدمشق سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
وقال بعضهم: من أحسن شعر ابن مالك قوله:
إذا رمدت عيني تداويت منكم ... بنظرة حسن أو بسمع كلام
فإن لم أجد ماء تيممت باسمكم ... وصليت فرضي والديار أمامي
وأخلصت تكبيري عن الغير معرضا ... وقابلت أعلام السوى بسلام
ولم أر إلا نور ذاتك لائحا ... فهل تدع الشمس امتداد ظلام وقدم - رحمه الله تعالى - القاهرة، ثم رحل إلى دمشق، وبها مات كما علم.
وقال الشرف الحصيني يرثيه (1) :
يا شتات الأسماء والأفعال ... بعد موت ابن مالك المفضال
وانحراف الحروف من بعد ضبط ... منه في الانفصال والاتصال
مصدرا كان للعلوم بإذن ال ... له من غير شبهة ومحال
عدم النعت (2) والتعطف والتو ... كيد مستبدلا من الأبدال
ألم إعتراه أسكن منه ... حركات كانت بغير اعتلال
يا لها سكتة لهمز قضاء ... أورثت طول مدة الانفصال
رفعوه في نعشه فانتصبا ... نصب تمييز، كيف سير الجبال
فخموه عند الصلاة بدل ... فأمليت أسراره للدلال
صرفوه يا عظم ما فعلوه ... وهو عدل معرف بالجمال
أدغموه في الترب من غير مثل ... سالما من تغير الإنتقال
__________
(1) وردت في الفوات والوافي وبغية الوعاة.
(2) في ق ج ودوزي: النحو.
(2/226)

وقفوا عند قبره ساعة الدف ... ن وقوفا ضرورة الإمتثال
ومددنا الأكف نطلب قصرا ... مسكنا للنزيل من ذي الجلال
آخر الآي من سبا الحظ منه (1) ... حظه جاء أول الأنفال
يا بيان الإعراب (2) يا جامع الإغ ... راب يا مفهما لكل مقال
يا فريد الزمان في النظم والنث ... ر وفي نقل مسندات العوالي
كم علوم بثثتها في أناس ... علموا ما بثثت (3) عند الزوال انتهت ملخصة.
قال الصفدي: وما رأيت مرثية في نحوي أحسن منها على طولها، انتهى.
ودفن ابن مالك بسفح قاسيون، بتربة القاضي عز الدين ابن الصائغ، وقال العجيسي: بتربة ابن جعوان. ورثاه الشيخ بهاء الدين ابن النحاس بقوله (4) :
قل لابن مالك أن جرت بك أدمعي ... حمراً يحاكيها النّجيع القاني
فلقد جرحت القلب حين نعيت لي ... وتدفقت بدمائه أجفاني
لكن يهوّن ما أجنّ من الأسى ... علمي بنقلته إلى رضوان
فسقى ضريحاً ضمّه صوب الحيا ... يهمي به بالرّوح والرّيحان وابن النحاس المذكور أحد تلامذة ابن مالك، وهو القائل يخاطب رضي الدين الشاطبي الأندلسي، وقد كلفه أن يشتري له قطراً:
أيها الأوحد الرضيّ الذي طا ... ل علاءً وطاب في الناس نشرا
أنت بحرٌ لا غرو إن نحن وافي ... ناك راجين من نداك القطرا
__________
(1) الوافي: حظنا منه.
(2) ج ودوزي: يا لسان الأعراب.
(3) ق ودوزي: ما ثنيت.
(4) انظر البغية: 57.
(2/227)

وابن النحاس المذكور له نظم كثير مشهور بين الناس، وهو: بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الحلبي الأصل، المعروف بابن النحاس، وهو شيخ أبي حيّان، ولم يأخذ أبو حيّان عن ابن مالك وإن عاصره بنحو ثلاثين سنة.
وقال بعض من عرّف بابن مالك: إنه تصدر بحلب مدة، وأمّ بالسلطانية، ثم تحول إلى دمشق، وتكاثر عليه الطلبة، وحاز قصب السبق، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف، وغريب اللغات، وأشعار العرب، مع الحفظ والذكاء والورع والديانة وحسن السّمت والصيانة والتحري لما ينقله والتحرير فيه، وكان ذا عقل راجح، حسن الأخلاق مهذباً، ذا رزانة وحياء ووقار، وانتصاب للإفادة، وصبر على المطالعة الكثيرة، تخرج به أئمة ذلك الزمان كابن المنجي وغيره، وسارت بتصانيفه الرّكبان، وخضع لها العلماء الأعيان، وكان حريصاً على العلم، حتى إنه حفظ يوم موته ثمانية شواهد.
وقال بعض الحفاظ حين عرّف بابن مالك: يقال إن عبد الله في نسبه مذكور مرتين متواليتين، وبعض يقول: مرة واحدة، وهو الموجود بخطه أول شرحه لعمدته، وهو الذي اعتمده الصفدي وابن خطيب داريّا محمد بن أحمد بن سليمان الأنصاري، وعلى كل حال فهو مشهور بجدّه في المشرق والمغرب.
وحكى بعضهم أن ولادته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وعليه عوّل شيخ شيوخ شيوخنا ابن غازي في قوله:
قد خبع ابن مالك في خبعا ... وهو ابن عه وكذا وعى من قد وعى (1) وقيل، كما تقدم: إن مولده سنة ستمائة أو بعدها بجيّان الحرير مدينة من مدن الأندلس جبر الله كسرها - وهي مفتوحة الجيم وياؤها مشددة تحتانية - وتصدّر ابن مالك بحماة مدة، وانتقد بعضهم على ابن خلكان إسقاطه من تاريخه،
__________
(1) يريد أن مقدار حروف " خبع " في حساب الجمل يساوي 673 وهي سنة وفاته، وعه 75.
(2/228)

مع كونه كان يعظمه إلى الغاية، وقدّم، رحمه الله تعالى، لصاحب دمشق قصة يقول فيها عن نفسه: إنه أعلم الناس بالعربية والحديث، ويكفيه شرفاً أن من تلامذته الشيخ النووي (1) ، والعلم الفارقي، والشمس البعلي، والزين المزّي، وغيرهم ممن لا يحصى.
وكان، رحمه اله تعالى، كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات، والعلماء الأثبات، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ، وكذا كان الشيخ أبو حيّان، ولكن كان جدّه في التصنيف والإقراء.
وحكي أنه توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبّاً على أوراق.
وأغرب من هذا في اعتنائه بالعلم ما مر أنه حفظ يوم موته عدة أبيات حدّها بعضهم بثمانية، وفي عبارة بعض أو نحوها لقنه ابنه إياها، وهذا ممّا يصدق ما قيل: بقدر ما تتعنى، تنال ما تتمنى، فجزاه الله خيراً عن هذه الهمة العلية.
وذكر أبو حيان في الجوازم من تذييله وتكميله، أنه لم يصحب من له البراعة في علم اللسان، ولذا تضعف استنباطاته وتعقّباته على أهل هذا الشان، وينفر من المنازعة، والمباحثة والمراجعة، قال: وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه، ولقد طال فحصي وتنقيري عمّن قرأ عليه، واستند في العلم إليه، فلم أجد من يذكر لي شيئاً من ذلك، ولقد جرى يوماً مع صاحبنا تلميذه علم الدين سليمان بن أبي حرب الفارقي الحنفي فقال: ذكر لنا أنه قرأ على ثابت بن خيار من أهل بلده، جيّان، وأنه جلس في حلقة
__________
(1) ق ج ودوزي: النوري.
(2/229)

الأستاذ أبي علي الشلوبين نحواً من ثلاثة عشر يوماً، وثابت بن خيار ليس من أهل الجلالة والشهرة في هذا الشأن، وإنما جلالته وشهرته في إقراء القرآن، هذا حاصل ما ذكره أبو حيّان.
قال بعض المحققين، وهو العلامة يحيى العجيسي: وليس ذلك منه بإنصاف ولا يحمل على مثله إلاّ هوى النفس وسرعة الانحراف، فنفيه المسند عنه والمتبع، شهادة نفي فلا تنفع ولا تسمع، ويكفي ما سطر في حقه قوله في أثنائه: نظم في هذا العلم كثيراً ونثر، وجمع باعتكاف على الاشتغال به ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين العربية وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيراً استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة إذ هي مرتبة الأكابر النقاد، وأرباب النظر والاجتهاد، وقوله في موضع آخر من تذييله لا يكون تحت السماء أنحى ممّن عرف ما في تسهيله وقرنه في بحره بمصنف سيبويه فما ينبغي له أن يغمصه، ولا أن يحط عليه، ولا أن يقع فيما وقع فيه، فإنه ممّا يجرّئ على أمثاله الغبي والنبيه، والحليم والسفيه، وما هذا جزاء السلف من الخلف، والدّرر من الصدف، والجيد من الحشف، أوما ينظر إلى شيخه أبي عبد الله ابن النحاس، فإنه لا يذكره إلاّ بأحسن ذكر كما هو أدب خيار الناس، ومن كلامه في نقله عنه: وهو الثقة فيما ينقل والفاضل حين يقول، وإلى تلميذه أبي البقاء المصري حيث يقول فيه، أعني في أبي حيّان:
هو الأوحد الفرد الذي تمّ علمه ... وسار مسير الشمس في الشرق والغرب
ومن غاية الإحسان مبدأ فضله ... فلا غرو أن يسمو على العجم والعرب ومن غاية الإحسان، في هذا الشان، التصانيف التي سارت بها الرّكبان، في جميع الأوطان، واعترف بحسنها الحاضر والبادي، والداني والقاصي، والصديق والعدو، فتلقّاها بالقبول والإذعان فسامح الله تعالى أبا حيّان، فإن
(2/230)

كلامه يحقق قول القائل: كما تدين تدان، ورحم الله تعالى ابن مالك، فلقد أحيا من العلم رسوماً دارسة، وبيّن معالم طامسة، وجمع من ذلك ما تفرق، وحقق ما لم يكن تبين منه ولا تحقق، ورحم شيخه ثابت بن الخيار، فإنه كان من الثقات الأخيار، وهو أبو المظفر ثابت بن محمد بن يوسف بن الخيار الكلاعي - بضم الكاف على ما كان يضبط بيده فيما حكاه ابن الخطيب في الإحاطة - وأصله من لبلة، وبعد في أهل جيّان، وتوفّي بغرناطة سنة 628.
وكان أبو حيّان يغض من هذا الكتاب ويقول: ما فيه من الضوابط والقواعد حائد عن مهيع الصواب والسداد، وكثيراً ما يشير إلى ذلك في شرحه المسمى منهج السالك ومن غضّه منه بالنظم في ملإ من الناس من جملتهم شيخه بهاء الدين ابن النحاس والأقسراني يجاريه مقتفياً له ومتأسياً في تسويد القرطاس:
ألفية ابن مالك ... مطموسة المسالك
وكم بها مشتغل ... أوقع في المهالك ولا تغتر أنت بهذا الغرر، فإنه ما كل سحاب أبرق مطر، ولا كل عود أورق ثمر، وقيل معارضة للقوم، وتنبيهاً لهم ممّا هم فيه من النوم:
ألفية ابن مالك ... مشرقة المسالك
وكم بها من مشغلٍ ... علا على الأرائك وما أحسن قول ابن الوردي في هذا المعنى:
يا عائباً ألفيّة ابن مالك ... وغائباً عن حفظها وفهمها
أما تراها قد حوت فضائلاً ... كثيرة فلا تجر في ظلمها
وازجر لمن جادل من يحفظها ... برابع وخامس من اسمها يعني " صه " فإنه عند الاستقلال بمعنى اسكت، انتهى ملخصاً.
(2/231)

قال أيضاً عند ذكره مصنفات ابن مالك: وهي كما قيل غزيرة المسائل، ولكنها على الناظر بعيدة الوسائل، وهي مع ذلك كثيرة الإفادة، موسومة بالإجادة، وليست لمن هو في هذا الفن في درجة ابتدائه، بل للمتوسط يترقى بها درجة انتهائه، انتهى.
واعلم أن الألفية مختصرة الكافية كما تقدم، وكثير من أبياتها فيها بلفظها، ومتبوعه فيها ابن معطي، ونظمه أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب، وذكر الصفدي عن الذهبي أن ابن مالك صنف الألفية لولده تقي الدين محمد المدعو بالأسد، واعترضه العلامة العجيسي بأن الذي صنفه له عن تحقيق المقدمة الأسدية قال: وأما هذه - يعني الألفية - فذكر لي من أثق بقوله أنه صنفها برسم القاضي شرف الدين هبة الله بن نجم الدين عبد الرحيم بن شمس الدين بن إبراهيم بن عفيف الدين بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله بن حسان الجهني الحموي الشافعي الشهير بابن البارزي، ويقال: إن هذه النسبة إلى باب أبرز أحد أبواب بغداد، ولكن خفف لكثرة دوره على الألسنة، انتهى مختصراً.
وقال بعض من عرّف بابن مالك: هو مقيم أود، وقاطع لدد، ومزين سماء موّهت الأصائل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها، وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما بها شائبة من الكبر، وقد خلّفها العشي بردعه، وخلفها الصباح بربعه، فكان كل متعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده، هذا وزمر الطلاب، وطلبة الأجلاب، لا تزال تزجي إليه القلاص، وتكثر من سربه الاقتناص، كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع ثرة الديانة والصلاح، انتهى.
وقال بعض المغاربة:
لقد مزّقت قلبي سهام جفونها ... كما مزّق اللخميّ مذهب مالك
وصال على الأوصال بالقدّ قدّها ... فأضحت كأبيات بتقطيع مالك
(2/232)

وقلدت إذ ذاك الهوى لمرادها ... كتقليد أعلام النحاة ابن مالك
وملّكتها رقيّ لرقة لفظها ... وإن كنت لا أرضاه ملكاً لمالك
وناديتها يا منيتي بذل مهجتي ... ومالي قليلٌ في بديع جمالك ويعني بقوله بتقطيع مالك مالك بن المرحّل السّبتي، رحمه الله تعالى.
ولما سئل ابن مالك عن قول النبي، صلّى الله عليه وسلّم: نعوذ بالله من الحور بعد الكور هل هو بالراء أو بالنون أنكر النون، فقيل له: إن في الغريبين للهروي رواية بالنون، فرجع عن قوله الأول، وقال: إنما هو بالنون، انتهى.
وقد ذكر في المشارق النون والراء، فقال: الحور بعد الكور بالراء رواه العذري وابن الحذاّء، وللباقين بالنون، معناه النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة، وقيل: من الفساد بعد الصلاح، وقيل: من القلة بعد الكثرة، كار عمامته إذا لفها على رأسه واجتمعت، وحارها إذا نقضها فافترقت، ويقال: حار إذا رجع عن أمر كان عليه، ووهم بعضهم رواية النون، وقيل: معناها رجع إلى الفساد بعد أن كان على خير ممّا رجع إليه، وقال عياض في موضع آخر بعد: الحور بعد الكور، كذا للعذري، والكون للفارسي والسجزي وابن ماهان، وقول عاصم في تفسيره حار بعدما كار وهي روايته، ويقال: إن عاصماً وهم فيه، انتهى.
والسائل لابن مالك عن اللفظة هو ابن خلّكان، لأن ابن الأثيرسأل ابن خلكان عنها، فسأل هو ابن مالك، رحم الله تعالى الجميع.
[تعريف بابنه بدر الدين]
وقد عرّف الحافظ الذهبي بابن مالك في تاريخ الإسلام، وذكر فيه ترجمة لولده بدر الدين محمد، وأنه كان حاد الذهن، ذكيّاً، إماماً في النحو وعلم
(2/233)

المعاني والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والتدريس، وأنه تصدّر بعد والده للتدريس، ومات شابّاً قبل الكهولة سنة 686، ومن أجلّ تصانيفه شرحه على ألفية والده، وهو كتاب في غاية الإغلاق، ويقال: إنه نظير الرضي في شرح الكافية، وللناس عليه حواشٍ كثيرة، رحمهم الله تعالى أجمعين.
145 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن طاهر القيسي، التّدميري (1) ويعرف بالشهيد كان عظيم القدر جدّاً بالأندلس، بعيد الأثر في الخير الاصلاح والعلم والنسك والانقطاع إلى الله تعالى، وكان من وجوه أهل كورة تدمير ذوي البيوت الرفيعة، وبرع بخصاله المحمودة، فكان في نفسه فقيهاً، عالماً، زاهداً، خيّراً، ناسكاً، متبتلاً، نشأ على الاستقامة والصلاح والاهتداء والدّعة، طلب العلم في حدثان سنّه، ورحل إلى قرطبة فروى الحديث وتفقّه وناظر، وأخذ بحظٍّ وافر من علم المسألة والجواب، وكان أكثر علمه وعمله الورع، والتشدد فيه، والتحفظ بدينه ومكسبه، ورسخ في علم السنّة، ثم ارتحل إلى المشرق، فمر بمصر حاجّاً، فأقام بالحرمين ثماينة أعوام يتعيش فيها من عمل يده بالنسخ، ثم سار إلى العراق، فلقي أبا بكر الأبهري وأخذ عنه، وأكثر من لقاء الصالحين وأهل العلم، ولبس الصوف، وقنع، وتورع جدّاً، وأعرض عن الشهوات، وكان إذا سئم من النسخ الذي جعل قوته منه آجر نفسه في الخدمة رياضةً لها، فأصبح عابداً متقشفاً منيباً مخبتاً عالماً عاملاً منقطع القرين، قد جرت منه دعوات مجابة، وحفظت له كرامات ظاهرة، ثم عاد إلى بلده تدمير سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة، وبها أبوه أبو الحسام طاهر حيّاً، فنزل خارج مدينة مرسية تورّعاً عن سكناها وعن الصلاة في جامعها، فاتخذ له بيتاً سقفه من حطب السّدر يأوي إليه، واعتمر جنينة بيده يقتات منها، وصار يغزو مع المنصور محمد بن أبي عامر، ثم تحول من قريته بعد عامين إلى الثغر، وواصل
__________
(1) ترجمته في ابن الفرضي 2: 90.
(2/234)

الرّباط، ونزل مدينة طلبيرة، وكان يدخل منها في السرايا في بلد العدو فيغزو ويتقوت من سهمانه، ويعوّ ل على فرس له ارتبطه لذلك، وكان له بأس وشدة وشجاعة وثقافة، يحدّث عنه فيها بحكايات عجيبة، إلى أن استشهد مقبلاً غير مدبر، سنة 379، أو في التي قبلها، عن اثنتين وأربعين سنة، وأبوه حي، رحم الله تعالى الجميع.
146 - ومنهم أبو عبد الله القيجاطي محمد بن عبد الجليل بن عبد الله بن جهور، مولده سنة 590 بقيجاطة، وكتب عنه الحافظ المنذري، ومن شعره قوله:
إذا كنت تهوى من نأت عنك داره ... فحسبك ما تلقى من الشّوق والبعد
فيا ويح صبٍّ قد تضرّم ناره ... وواحرّ قلبٍ ذاب من شدّة الوجد 147 - ومنهم أبو عبد الله - ويقال: أبو حامد - محمد بن عبد الرحيم، المازنيّ، القيسي، الغرناطي (1) ، ولد سنة 473، ودخل الإسكندرية سنة 508، وسمع بها من أبي عبد الله الرازي، وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وأبي الحسن الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي وغيرهم، وحدث بدمشق، وسمع أيضاً بها وببغداد، وقدمها سنة 556، ودخل خراسان، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى الشام، وأقام بحلب سنين، وسكن دمشق، وكان يذكر أنه رأى عجائب في بلاد شتى، ونسبه بعض الناس بسبب ذلك إلى ما لا يليق، وصنّف في ذلك كتاباً سماه تحفة الألباب وكان حافظاً عالماً أديباً، وتكلم فيه الحافظ ابن عساكر، وزنّه بالكذب، وقال ابن النجار: ما علمته إلاً أميناً.
__________
(1) ترجمة أبي حامد الغرناطي في الوافي 3: 245 نقلاً عن ابن النجار، وفي الترجمة المقطوعتان اللتان أوردها المقري؛ وكتابه " تحفة الألباب " في العجائب نشره جبرائيل فراند في المجلة الآسيوية سنة 1925.
(2/235)

ومن شعره قوله:
تكتب العلم وتلقي في سفط ... ثم لا تحفظ لا تفلح قطّ
إنّما يفلح من يحفظه ... بعد فهمٍ وتوقٍّ من غلط وقوله:
العلم في القلب ليس العلم في الكتب ... فلا تكن مغرماً باللهو واللعب
فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز به ... فالعلم لا يجتنى إلاّ مع التّعب توفي بدمشق في صفر سنة 565.
148 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد السلام، القرطبي (1) ، من ذرية أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، رحل قبل الأربعين ومائتين، فحج، وسمع بالبصرة من محمد بن بشار وأبي موسى الزّمن ونصر ابن علي الجهضمي، ولقي أبا حاتم السجستاني والعباس بن العرج الرياشي، وسمع ببغداد من أبي عبيد القاسم بن سلام (2) ، وبمكة من محمد بن يحيى العدني، وبمصر من سلمة بن شبيب صاحب عبد الرزّاق والبرقي وغيرهما، وأدخل الأندلس علماً كثيراً من الحديث واللغة والشعر، وكان فصيحاً جزل المنطق، صارماً، أنوفاً، منقبضاً عن السلطان، أراده على القضاء فأبى، وقال: إباية إشفاق لا إباية عصيان (3) ، فأعفاه، وكان ثقة مأموناً، وتوفي في رمضان سنة 286 عن ثمان وستين سنة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) ترجمة الخشني في ابن الفرضي 2: 16 والجذوة: 63 (وبغية الملتمس رقم: 202) وتذكرة الحفاظ: 649.
(2) يبدو أن هذا وهم من المقري، فقد ذكر ابن الفرضي أن محمد بن عبد السلام دخل بغداد وكتب بها كتب أبي عبيد القاسم بن سلام عن محمد بن وهب المسعري تلميذ أبي عبيد، وهذا ما ذكره الحميدي وزاد على ذلك أن من شيوخه محمد بن امغيرة وهو تلميذ آخر لأبي عبيد.
(3) انظر خبر إبائه القضاء في " المرقبة العليا ": 13.
(2/236)

149 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج، القرطبي (1) ، سمع من محمد بن وضاح وأكثر عنه، وأخذ عن محمد الخشني وقاسم بن أصبغ وإبراهيم بن قاسم بن هلال (2) ، ورحل سنة 274، فسمع بمصر من المطلب بن شعيب والمقدام (3) بن داود الرّعيني، وأدرك بالعراق إسماعيل القاضي وعبد الله ابن أحمد بن حنبل.
قال الحميدي: حدث بالمغرب وبالمشرق، وصنّف السنن، وممّن روى عنه خالد بن سعيد، وقال لنا أبو محمد ابن حزم: مصنّف ابن أيمن مصنف رفيع احتوى من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، وتوفي في ذي القعدة سنة 330، بقرطبة، رحمه الله تعالى.
150 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون اللخمي (4) ، الرصافي، القرطبي، الحداد، سمع بقرطبة من عبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ، وحج سنة 339 سنة ردّ القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من ابن الورد (5) وأبي علي ابن السكن وعبد الكريم النسائي وغيرهم وسمع بأطرابلس والقيروان من جماعة، وكان رجلاً صالحاً (6) ، عدلاً، حدث وكتب عنه الناس، وعلت سنه، وتوفي بشوال سنة 394، وولد فيما أظن سنة 302، وكانت وفاته بقرطبة، وقد اضطرب في أشياء قرئت عليه، وممّن أخذ عنه الحافظ أبو عمران ابن عبد البر، رحم الله تعالى الجميع.
__________
(1) ترجمة ابن أيمن في ابن الفرضي 2: 52 والجذوة: 63 (وبغية الملتمس رقم: 197) وتذكرة الحفاظ: 836.
(2) ابن الفرضي: ويحيى بن قاسم ن هلال.
(3) ج: والمقداد.
(4) ترجمته في ان الفرضي 2: 110 والجذوة: 63 (وبغية الملتمس رقم: 199) وزاد في ك: ابن مروان بعد لفظة " ضيفون " في نسبه.
(5) ق: من أبي الورد.
(6) صالحاً: سقطت من ج.
(2/237)

151 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك، الخزرجي، السعدي، القرطبي أبو عبد الله
روى عن أبي الحسن علي بن هشام، وروى عنه أبو القاسم ابن بشكوال، وقدم مصر وحدث بها، وممّن سمع منه بها ابن وردان وأبو الرضى القيسراني في آخرين، واستوطن مصر، وتوفي سنة 588.
152 - ومنهم أبو بكر ابن السرّاج، النحوي (1) - بتشديد الراء - وهو محمد بن عبد الملك بن محمد ين السّرّاج الشّنتمري، أحد أئمة العربية المبرزين فيها، ويكفيه فخراً أنه أستاذ أبي محمد عبد الله بن بري المصري اللغوي النحوي، وحدث عن أبي القاسم عبد الرحمن (2) بن محمد النفطي (3) ، وقرأ العربية بالأندلس على ابن أبي العافية وابن الأخضر، وقدم مصر سنة 515، وأقام بها وأقرأ الناس العربية، ثم انتقل إلى اليمن، وروى عنه أبو حفص عمر بن إسماعيل وأبو الحسن علي والد الرشيد العطار، وله تواليف منها تنبيه الألباب في فضل الإعراب " (4) وكتاب في العروض، وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق وتنبيه أغلاطه. قال السلفي: كان من أهل الفضل الوافر، والصلاح الظاهر، وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو، وكثيراً ما كان يحضر عندي - رحمه الله تعالى - مدة مقامي بالفسطاط، توفي بمصر سنة 549، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: خمسين وخمسمائة، برمضان، والأول أثبت.
153 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن سعيد [العنسي] ، ويكنى أيضاً أبا القاسم، الغرناطي، سمع من الجلّة بمصر والإسكندرية ودمشق وبغداد: منهم الحراني أبو عبد الله وأبو محمد عبد الصمد
__________
(1) ترجمة السراج في بغية الوعاة: 68 والوافي 4: 46 (وبروكلما 1: 377) .
(2) البغية: عبد الرحيم.
(3) ج: السقطي.
(4) الوافي: تلقيح الألباب في عوامل الإعراب.
(2/238)

ابن داود بدمشق، وكتب الحديث [وعني] بالرواية أتم عناية، وفقد بأصبهان حين استولى عليها التتار قبل الثلاثين وستمائة.
154 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الدفاع (1) ، بالدال المهملة، وقيل: بالراء، قرطبي سمع عبد الملك بن حبيب، ورحل فسمع بمصر من الحارث بن مسكين وغيره، وكان زاهداً فاضلاً، وتوفي سنة 281، رحمه الله تعالى.
155 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد، المعافري القرطبي (2) ، ولد بقرطبة سنة 358، ودخل مصر فسمع من أبي بكر ابن المهندس وأبي بكر البصري، وروى عن أبي عبد الله ابن مفرج وأبي محمد الأصيلي وجماعة، ولقي الشيخ أبا محمد ابن أبي زيد في رحلته سنة 381 فسمع منه رسالته في الفقه وغيرها، وحج من عامه، ثم عاد من مصر إلى المغرب سنة 382، وكان معتنياً بالأخبار والآثار، ثقة فيما رواه، وعني به، خيّراً، فاضلاً، ديّناً، متواضعاً، متصاوناً، مقبلاً على ما يعنيه، صاحب حظ من الفقه، وبصر بالمسائل، ودعي إلى الشورى بقرطبة فأبى، ومات سنة 439. وعابد جده بالباء الوحدة، رحم الله تعالى الجميع.
156 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجد (3) الأنصاري البلنسي، أخذ القراءات (4) عن جماعة من أهل بلده، وخرج حاجّاً سنة 571، فجاور بمكة، وسمع بها وبالإسكندرية من السّلفي، وعاد إلى بلده
__________
(1) ترجمة ابن الدفاع في ابن الفرضي 2: 14 والجذوة: 58 (وبغية الملتمس رقم: 158) .
(2) ترجمة ابن عابد في الصلة: 501 وبغية الملتمس رقم: 177.
(3) ترجمته في التكملة: 559 وفيه " ابن ماجد " وغاية النهاية 2: 179 وفيه وفي دوزي: ابن هاجر.
(4) ج: القراءة.
(2/239)

سنة 596 (1) ، وحدث وكان من أهل الصلاح والفضل والورع، كثير البر، ومفاداة الأسرى، ويحترف بالتجارة، ومولده بعد سنة 530 (2) ، ومات سنة 598 بمرسية، رحمه الله تعالى.
157 - ومنهم أبو الوليد محمد بن عبد الله ابن محمد بن خيرة القرطبي، المالكي (3) ، الحافظ، ولد سنة 479 (4) ، وأخذ الفقه عن القاضي أبي الوليد ابن رشد، والحديث عن ابن عتاب، وروى الموطأ عن أبي بحر سفيان بن العاص بن سفيان (5) ، وأخذ الأدب عن أبي الحسين (6) سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي، وعن مالك بن عبد الله العتبي، وخرج من قرطبة في الفتنة بعدا درّس بها وانتفع الناس به في فروع الفقه وأصوله، وأقام بالإسكندرية خوفاً من بني عبد المؤمن بن علي، ثم قال: كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية، ثم سافر إلى المصر بعدما روى عنه السّلفي، وأقام بها مدة، ثم قال: والله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين، ثم سافر إلى الصعيد، وحدث في قوص بالموطأ، ثم قال: والله يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد، فمضى إلى مكة، وأقام بها، ثم قال: وتصل إلى هذه البلاد ولا تحج ما أنا إلاّ هربت منه إليه ثم دخل اليمن، فلما رآها قال: هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن، فتوجه إلى الهند، فأدركته وفاه بها سنة 551، وقيل: بل مات بزبيد من مدن اليمن، وكان من جلّة العلماء متقناً متفنناً في المعارف كلها جامعاً لها، كثير الرواية، واسع المعرفة، حافل الأدب، من كبار فقهاء المالكية
__________
(1) في التكملة: سنة 576.
(2) دوزي: بعد سنة 520، والتصويب عن التكملة ونسخة من أصول النفح.
(3) ترجمة ابن خيرة في الصلة: 560 وبغية الملتمس رقم: 178.
(4) في نسختين: 489 وفي دوزي: 429.
(5) ج: صفوان ... صفوان.
(6) ك: عن مولانا أبي الحسين.
(2/240)

يتصرف في علوم شتى حافظاً للآداب، عارفاً بشعراء الأندلس، وكان علمه أوفر من منطقه، ولم يرزق فصاحة ولا حسن إيراد [والله أعلم] (1) .
قال قال ابن نقطة: خيرة بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها باثنتين.
158 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، السلمي، المرسي (2) ، قال ابن النجار: ولد بمرسية سنة 570، وقال غيره: في التي قبلها، وخرج من بلاد المغرب سنة 607، ودخل مصر، وسار إلى الحجاز، ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد، وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنّظامية، ثم سافر إلى خراسان، وسمع بنيسابور وهراة ومرو، وعاد إلى بلاد بغداد، وحدث بكتاب السنن الكبير (3) للبيهقي عن منصور ابن عبد المنعم الفراوي، وبكتاب غريب الحديث للخطابي، وقدم إلى مصر فحدث بالكثير عن جماعة منهم أم المؤيد زينب وأبو الحسن المؤيد الطوسي، وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزّعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة 655، ودفن بتل الزعقة، وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلم من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله فهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، مع النظم والنثر المليح، وكان زاهداً، متورعاً، حسن الطريقة، متديّناً، كثير العبادة، فقيهاً، مجرداً (4) ، متعففاً، نزه النفس، قليل المخالطة (5) لأوقاته، طيب الأخلاق، متودداً، كريم النفس،
__________
(1) ما بين معقفين زيادة من ج.
(2) ترجمة ابن أبي الفضل المرسي في الوافي 3: 354 وبغية الوعاة: 60 ومعجم الأدباء 18: 209 ويلقب بشرف الدين، وله استدراكات على المفصل للزمخشري في سبعين موضعاً، وله كلام على شعر بي الطيب، وقد عد ياقوت له مؤلفات أخرى.
(3) ج: السنن الكبرى.
(4) ج: متجرداً.
(5) ج: قليل المحافظة.
(2/241)

قال ابن النجار: ما رأيت في فنه مثله، وكان شافعي المذهب، وله كتاب تفسير القرآن سماه ري الظمآن كبير جدّاً، وكتاب " الضوابط الكلية " في النحو، وتعليق على الموطأ، وكان مكثراً شيوخاً وسماعاً، وحدث بالكثير بمصر والشام والعراق والحجاز، وكانت له كتب في البلاد التي ينتقل إليها بحيث إنه لا يستصحب كتباً في سفره اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه (1) ، وكان كريماً، قال أبو حيان: أخبرني الشرف الجزائري بتونس أنه كان على رحلة، وكان ضعيفاً، فقال له: خذ ما تحت هذه السجادة أو البساط، فرفعت ذلك، فوجدت تحته نحواً من أربعين ديناراً ذهباً، فأخذتها. وقال الجمال اليغموري: أنشدني لنفسه بالقاهرة (2) :
قالوا فلان قد أزال بهاءه ... ذاك العذار وكان بدر تمام
فأجبتهم بل زاد نور بهائه ... ولذا تضاعف فيه فرط غرامي
استقصرت ألحاظه فتكاتها ... فأتى العذار يمدّها بسهام ومن شعره قوله (3) :
من كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السّبيل المستقيم، وغيره ... سبل الغواية والضلالة والرّدى
فاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحت، فذاك إذا اتبعت هو الهدى
ودع السؤال بكم وكيف فإنه ... بابٌ يجر ذوي البصيرة للعمى
الدين ما قال النبي وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا
__________
(1) ذكر الصفدي أنه خلف كتباً عظيمة كانت مودعة بدمشق فرسم السلطان ببيعها فكانوا يحملون منها كل يوم ثلثاً (لعله: ثلاثاء) إلى دار السعادة لأجل الباذرائي فاشترى منها جملة كثيرة وبيعت في سنة؛ وفي ج ق: في البلاد التي ينتقل إليها.
(2) انظر معجم الأدباء: 212.
(3) معجم الأدباء: 212.
(2/242)

159 - ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الله البنتي، الأندلسي، الأنصاري، قدم مصر، وأقام بالقرافة مدة، وكان شيخاً صالحاً زاهداً فاضلاً، وتوجه إلى الشام فهلك، قال الرشيد العطار: كان من فضلاء الأندلسيين ونبهائهم، ساح في الأرض ودخل بلاد العجم وغيرها من البلاد البعيدة، وكان يتكلم بألسنة شتى.
ومن شعره قوله:
إذا قلّ منك السّعي فالعزم ناشد ... وكلّ مكانٍ في مرائك واحد
توجّه بصدقٍ واتّق المين واقتصد ... تجئك رهينات النجاح المقاصد والبنتي - بضم الباء، وسكون النون - نسبة إلى بنت حصن بالأندلس، ويقال بونت بزيادة واو.
160 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، الخولاني، الباجي، ثم الإشبيلي، المعروف بابن القوق (1) سمع بقرطبة من جماعة، ورحل إلى المشرق سنة 266، فسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وغيره، وبمصر من محمد بن عبد الحكم ومن أخيه سعد، وكان فقيهاً في الرأي، حافظاً له، عاقداً للشروط، قال ابن الفرضي: كان رجلاً صالحاً ورعاً ثقة، وكان خالد بن سعيد قد رحل إليه وسمع منه، وكان يقول إذا حدّث عنه: كان من معادن الصدق، توفي سنة 308.
161 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللوشي، الطبيب، اشتغل بالطب، وبرع فيه، وأقام بمصر مدّة، وبها مات في عشر الستين وستمائة.
__________
(1) ترجمة ابن القوق في ابن الفرضي 2: 32 (وفيه: ابن القون وفي بعض الأصول كتب: القوف أو الفوق وفي ج: الغرق) .
(2/243)

162 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبدون، العذري، القرطبي (1) ، رحل سنة 337، فدخل مصر والبصرة، وعني بعلم الطب، ودبر مارستان مصر، ثم رجع إلى الأندلس سنة 360، واتصل بالحكم المستنصر وابنه المؤيد، وله في التكسير كتاب حسن.
قال صاعد: تمهر في الطب، ونبل فيه، وأحكم كثيراً من أصوله، وعانى صنعة المنطق معاناة صحيحة، وكان شيخه فيه أبو سليمان محمد بن محمد ابن طاهر بن بهرام السجستاني البغدادي، وكان قبل أن يتطبب مؤدباً للحساب والهندسة، وأخبرني أبو عثمان سعيد الطليطلي، أنّه لم يلق (2) في قرطبة من يلحق محمد بن عبدون في صناعة الطب، ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها، رحمه الله تعالى.
163 - ومن الراحلين إلى المشرق من أهل الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر (3) ، الإيادي، الأندلسي، صاحب البيت الشهير بالأندلس، رحل المذكور إلى المشرق، وتطبب به زماناً، وتولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم القيروان، ثمّ استوطن مدينة دانية، وطار ذكره فيها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بزّ أهل زمانه، ومات في مدينة دانية، رحمه الله تعالى.
ووالده محمد بن مروان (4) كان عالماً بالرأي، حافظاً للأدب، فقيهاً حاذقاً بالفتوى متقدّماً فيها، متقناً للعلوم، فاضلاً، جامعاً للدراية والرواية، وتوفّي بطلبيرة سنة 422، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من علماء
__________
(1) ترجمة ابن عبون هذه مكررة، انظر رقم: 98 ومصادر التخريج في الحاشية.
(2) ج: لم يبق.
(3) ترجمة عبد الملك بن زهر في المغرب 2: 265 وابن أبي أصيبعة 2: 66 والتكملة رقم: 1717 والذيل والتكملة 5: 18 والمطرب: 203.
(4) انظر ترجمة محمد بن موان بن زهر في الصلة: 487.
(2/244)

الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى.
وأمّ أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور فقال ابن دحية فيه (1) : إنّه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفّي ممتحناً من نغلة بين كتفيه سنة 525 بمدينة قرطبة، انتهى.
وكانت بينه وبين الفتح صاحب القلائد عداوة، ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ سامعاً للنّداء، دافعاً للتطاول والاعتداء، لم ينظم الله تعالى بلبّتك الملك عقداً، وجعل لك حلاًّ للأمور وعقداً، وأوطأ لك عقباً، وأصار من الناس لعونك منتظراً ومرتقباً، إلا أن تكون للبرية حائطاً، وللعدل فيهم باسطاً، حتى لا يكون فيهم من يضام، ولا ينال أحدهم اهتضام، ولتقصر يد كل معتدٍ في الظلام، وهذا ابن زهر الذي أجررته رسنا، وأوضحت له إلى الاستطالة سننا، لم يتعد من الإضرار إلا حيث انتهيته، ولا تمادى على غيّه إلاّ حين لم تنهه أو نهيته، ولمّا علم أنّك لا تنكر عليه نكراً، ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكراً، جرى في ميدان الأذيّة ملء عنانه، وسرى إلى ما شاء بعدوانه، ولم يراقب الذي خلقه، وأمدّ في الحظوة عندك طلقه، وأنت بذلك مرتهن عند الله تعالى، لأنّه مكّنك لئلاّ يتمكّن الجور، ولتسكن بك الفلاة والغور، فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق، وأخفق به كلّ فريق، وقد علمت أن خالقك الباطش الغيور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما تخفى عليه نجواك، ولا يستتر عنه تقلّبك ومثواك، وستقف بين يدي عدل حاكم، يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم، قد علم كل قضيّة قضاها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، فبم تحتجّ معي لديه، إذا وقفت أنا وأنت بين يديه أترى ابن زهر ينجيك في ذلك
__________
(1) المطرب: 203 وانظر التكملة: 334 وابن أبي أصيبعة 2: 64.
(2/245)

المقام، أوي حميك من الانتقام وقد أوضحت لك المحجّة، لتقوم عليك الحجّة، والله سبحانه النصير، وهو بكل خلق بصير لا ربّ غيره، والسلام، انتهى.
[رسالة للفتح في غريق]
وقد تذكرت هنا بذكر الفتح ما كتبه وقد مات بعض إخوانه غريقاً:
أتاني ورحلي بالعراق عشيّةً ... ورحل المطايا قد قطعن بنا نجدا
نعيٌّ أطار القلب عن مستقرّه ... وكنت على قصدٍ فأغلطني القصدا نعوا والله باسق الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه فما أخلف، لقد سام الردى منه حسناً وجمالاً ووسامة، وطوى بطيّه نجده وتهامه، فعطل منه النّديّ والنّدى، وأثكل فيه الهديّ والهدى، كم فلّ السيوف طول قراعه، ودل عليه الضيوف موقد ناره بيفاعه، وكم تشوّف إليه السرير والمنبر، وتصرّف فيه الثناء المحبّر، وكم راع البدر ليلة إبداره، وروّع العدوّ في عقر داره، وأي فتى غدا له البحر ضريحاً، وأعدى عليه الحين ماء وريحاً، فبدل من ظلل علىً ومفاخر، بقعر بحر طامي اللّجج زاخر، وبدل من صهوات الخيل، بلهوات اللّجج والسّيل، غريق حكى مقلتي في دمعها، وأصاب نفسي في سمعها، ومن حزنٍ لا أستسقي له الغمام فما له قبر تجوده، ولا ثرى تروى به تهائمه ونجوده، وقد آليت الموج حنقاً، ومشت عليه خبباً وعنقاً، حتى أعادته كالكثبان، وأودعته قضيب بان، فيا أسفا لزلال غاض في أجاج، ولسلسال فاض عليه بحر عجّاج، وما كان إلاّ جوهراً ذهب إلى عنصره، وصدفاً بان عن عين مبصره، لقد آن للحسام أن يغمد فلا يشام، وللحمام أن تبكيه بكل أراكة وبشام، وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام، ينحن فتى ما ذرّت الشمس
(2/246)

إلاّ ضرّ أو نفع، ويبكين من لم يدع فقده في العيش من منتفع، فكم نعمنا بدنوّه، ونسمنا نسيم الأنس في رواحه وغدوّه، وأقمنا بوضة موشية، ووقفنا بالمسرات عشيّة، وأدرناها ذهباً سائلة، ونظرناها وهي شائلة، لم نرم السهر، ولم نشم برقاً إلاّ الكأس والزهر، ولو غير الحمام زحف إليه جيشه، أو غير البحر رجف به ارتجاجه وطيشه، لفداه من أسرته كلّ أروع إن عاجله المكروه تثبّطه، أو جاءه الشرّ تأبّطه، ولكنها المنايا لا تردّها الصّوارم والأسل، ولا تفوتها ذئاب الغضا والعسّل، قد عرفت بين مالك وعقيل، وأشرقت بعدهما جذيمة بالحسام الصّقيل، انتهى.
وقد عرّفنا بالفتح في غير هذا الموضع فليراجع.
رجع إلى بيت بني زهرٍ (1) ، رحمهم الله تعالى - وأمّا أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر المذكور، فهو عين ذلك البيت، وإن كانوا كلّهم أعياناً علماء رؤساء حكماء وزراء، وقد نالوا المراتب العليّة، وتقدّموا عند الملوك، ونفذت أوامرهم، قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في المطرب من أشعار أهل المغرب: كان شيخنا الوزير أبو بكر ابن زهر بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطّلب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرّمّة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العلياء عند أصحاب المغرب، مع سموّ النسب، وكثرة الأموال والنّشب، صحبته زماناً طويلاً، واستفدت منه أدباً جليلاً، وأنشد من شعره المشهور قوله (2) :
وموسّدين على الأكفّ خدودهم ... قد غالهم نوم الصّباح وغالني
__________
(1) انظر ترجمة ابن زهر الحفيد في ابن أبي أصيبعة 2: 67 ومعجم الأدباء 18: 216 والمطرب: 204 والتكملة: 555 والذيل والتكملة 6: 160 (نسخة باريس) وله موشحات في دار الطراز والمغرب 1: 266 وابن خلكان 4: 61.
(2) الشعر في المطرب وابن خلكان.
(2/247)

ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني
والخمر تعلم كيف تأخذ ثارها ... إنّي أملت إناءها فأمالني ثم قال ابن دحية: وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة، قال: وبلغتني وفاته آخر سنة 595، رحمه الله تعالى، انتهى.
وزعم ابن خلّكان أن ابن زهر ألمّ في الأبيات المذكورة بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله (1) :
عاقرتهم (2) مشمولةً لو سالمت ... شرّابها ما سمّيت بعقار
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكّنت ... منهم وصاحت فيهم بالثار ومن المنسوب إلى أبي بكر ابن زهر قوله في كتاب جالينوس المسمى بحيلة البرء، وهو من أجلّ كتبهم وأكبرها (3) :
حيلة البرء صنعةٌ لعليل ... يترجّى الحياة أو لعليله
فإذا جاءت المنيّة قالت: ... حيلة البرء ليس في البرء حيله ومن شعره، رحمه الله تعالى، يتشوّق ولداً له صغيراً بإشبيلية وهو بمراكش (4) :
ولي واحدٌ مثل فرخ القطاة ... صغير تخلّفت قلبي لديه
وأفردت عنه فيا وحشتا ... لذاك الشّخيص وذاك الوجيه (5)
__________
(1) ابن خلكان: عبيد الله بن هبة الله بن صاعد؛ وفي بعض النسخ: الأصباعي.
(2) ابن خلكان: عقرتهم.
(3) ابن خلكان: 62.
(4) الشعر في ابن خلكان والمطرب والذيل وابن أبي أصيبعة.
(5) ابن خلكان: نأت عنه داري فيا وحشتا.
(2/248)

تشوّقني وتشوّقته ... فيبكي عليّ وأبكي عليه (1)
وقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إليّ ومنّي إليه وأخبرني الطبيب الماهر الثقة الصالح العلاّمة سيدي أبو القاسم ابن محمد الوزير الغساني الأندلسي الأصل الفاسي المولد والنشأة حكيم حضرة السلطان المنصور بالله الحسني صاحب المغرب رضي الله تعالى عنه أن ابن زهر لمّا قال هذه الأبيات وسمعها أمير المؤمنين يعقوب المنصور سلطان المغرب والأندلس أواخر المائة السادسة أرسل المهندسين إلى إشبيلية، وأمرهم أن يحتاطوا علماً ببيوت ابن زهر وحارته ثم يبنوا مثلها بحضرة مراكش، ففعلوا ما أمرهم في أقرب مدة، وفرشها بمثل فرشه، وجعل فيها مثل آلاته، ثم أمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه وأسبابه إلى تلك الدار، ثم احتال عليه حتى جاء [إلى] ذلك الموضع، فرآه أشبه شيء ببيته وحارته، فاحتار لذلك، وظنّ أنه نائم، وأن ذلك أحلام، فقيل له: ادخل البيت الذي يشبه بيتك، فدخله، فإذا ولده الذي تشوّق إليه يلعب في البيت، فحصل له السرور ما لا [مزيد عليه، ولا] يعبر عنه: هكذا هكذا وإلاّ فلا لا (2) .
ومن نظم ابن زهر المذكور حيث شاخ وغلب عليه الشيب (3) :
إني نظرت إلى المرآه قد جليت ... فأنكرت مقلتاي كلّ ما رأتا
رأيت فيه شويخاً (4) لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحّل عن هذا المكان متى
__________
(1) سقط هذا البيت من ج.
(2) صدر بيت، وعجزه: طرق الجد غير طرق المزاح.
(3) الأبيات في ابن خلكان وابن أبي أصيبعة.
(4) في رواية: شييخاً.
(2/249)

فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: ... إنّ الذي أنكرته مقلتاك أتى (1)
كانت سليمى تنادي يا أخيّ وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا (2) والبيت الأخير ينظر إلى قول الأخطل (3) :
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسبٌ يزيدك عندهنّ خبالا
وإذا دعونك يا أخيّ فإنّه ... أدنى وأقرب خلّةً ووصالا وقال ابن دحية في حقه أيضاً (4) : والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتحليته طباعه، وصارت النبهاء فيه من خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته، وخلاصة جوهره وصفوته (5) ، وهي من الفنون التي أغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق، انتهى.
ومن مشهور موشحات ابن زهر قوله (6) :
ما للموله ... من سكره لا يفيق وهذا مطلع موشح يستعمله أهل المغرب إلى الآن، ويرون أنه من أحسن الموشحات.
__________
(1) هذه رواية ابن خلكان، وأما ابن أبي أصيبعة ففيه:
فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت ... قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
هون عليك فهذا لا بقاء له ... أما ترى العشب يفنى بعد ما نبتا (2) ابن أبي أصيبعة:
كان الغوافي يقلن يا أخي فقد ... صار الغواني يقلن اليوم يا أبتا (3) ديوان الأخطل: 43.
(4) المطرب: 204.
(5) ج: وخلاصته وصفوته.
(6) أورد ابن سعيد هذه الموشحة عندما تحدث عن متنزهات إشبيلية، وهي في جملة ما سقط من المغرب.
(2/250)

ومن موشحاته قوله:
سلّم الأمر للقضا ... فهو للنّفس أنفع واغتنم حين أقبلا ... وجه بدرٍ تهلّلا ... لا تقل بالهموم لا ...
كل ما فات وانقضى ... ليس بالحزن يرجع واصطبح بابنة الكروم ... من يدي شادن رخيم ... حين يفترّ عن نظيم ...
فيه برقٌ قد أومضا ... ورحيقٌ مشعشع أنا أفديه من رشا ... أهيف القدّ والحشا ... سفي الحسن فانتشى ...
مذ تولّى وأعرضا ... ففؤادي يقطّع من لصبٍّ غدا مشوق ... ظلّ في دمعه غريق ... حين أمّوا حمى العقيق ...
واستقلّوا بذي الغضا ... أسفي يوم ودّعوا ما ترى حين أظعنا ... وسرى الركب موهنا ... واكتسى اللّيل بالسّنا ...
(2/251)

نورهم ذا الذي أضا ... أم مع الركب يوشع ورأيت من هذا موشحاً آخر لا أدري هل هو لابن زهر أم لا، وهو هذا:
فتق المسك بكافور الصّباح ... ووشت بالرّوض أعراف الرياح فاسقنيها قبل نور الفلق ... وغناء الورق بين الورق ... كاحمرار الشمس عند الشّفق ...
نسج المزج عليها حين لاح ... فلك اللهو وشمس الاصطباح وغزال سامني بالملق ... وبرى جسمي وأذكى حرقي ... أهيف مذ سلّ سيف الحدق ...
قصرت عنه أنابيب الرماح ... وثنى الذعر مشاهير الصفاح صار بالدّلّ فؤادي كلفا ... وجفون ساحرات وطفا ... كلما قلت جوى الحب انطفا ...
أمرض القلب بأجفانٍ صحاح ... وسبى العقل بجدٍّ ومزاح يوسفيّ الحسن عذب المبتسم ... قمريّ الوجه ليليّ اللمم ... عنتريّ البأس علويّ الهمم ...
(2/252)

غصنيّ القدّ مهضوم الوشاح ... مادريّ الوصل طائيّ السماح قدّ بالقدّ فؤادي هيفا ... وسبى عقلي لمّا انعطفا ... ليته بالوصل أحيا دنفا ...
مستطار العقل مقصوص الجناح ... ما عليه في هواه من جناح يا علي أنت نور المقل ... جد بوصل منك لي يا أملي ... كم أغنّيك إذا ما لحت لي ...
طرقت واللّيل ممدود الجناح ... مرحباً بالشمس من غير صباح 164 - ومنهم أبو الحجاج الساحلي، يوسف بن إبراهيم بن محمد بن قاسم بن علي، الفهري، الغرناطي، قال في الإحاطة: صدر من صدور حملة القرآن على وتيرة الفضلاء و [سنن] الصالحين، حج ولقي الأشياخ بعد أن قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وطبقته، ومن نظمه يخاطب الوزير ابن الحكيم (1) وقد أصابته حمى تركت على شفته بثوراً:
حاشاك أن تمرض حاشاكا ... قد اشتكى قلبي لشكواكا
إن كنت محموماً ضعيف القوى ... فإنّني أحسد حمّاكا
ما رضيت حمّاك إذ باشرت ... جسمك حتى قبّلت فاكا قال أبو الحجاج، رحمه الله تعالى: وكتب إليّ شيخنا محمد بن عتيق
__________
(1) المعني هنا هو أبو عبد الله ابن الحكيم ذو الوزارتين، وسيترجم له المقري كما سيترجم لابنه الوزير القائد الكاتب أبي بكر (توفي سنة 750) وانظر الكتيبة الكامنة: 195.
(2/253)

ابن رشيق في الاستدعاء الذي أجازني فيه ولمن ذكر معي:
أجزت لهم أبقاهم الله كلّ ما ... رويت عن الأشياخ في سالف الدهر
وما سمعت أذناني من كلّ عالم ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريء عن التصحيف عارٍ عن النّكر
كتبت لهم خطّي وإسمي محمّد ... أبو القاسم المكنيّ ما فيه من نكر
وجدّي رشيقٌ شاع في الغرب ذكره ... وفي الشرق أيضاً فادر إن كنت لا تدري
ولي مولدٌ من بعد عشرين حجّة ... ثمانٍ على الست المئين ابتدا عمري
وبالله توفيقي عليه توكّلي ... له الحمد في الحالين في العسر واليسر ومولد أبي الحجاج المذكور سنة 662 (1) ، وتوفّي سنة 702 (2) ، رحمه الله تعالى، انتهى باختصار.
165 - وممن ارتحل من الأندلس إلى المشرق يحيى بن الحكم البكري الجياني الملقب بالغزال لجماله (3) ، وهو في المائة الثالثة، من بني بكر بن وائل.
قال ابن حيان في " المقتبس ": كان الغزال حكيم الأندلس، وشاعرها، وعرّافها، عمّر أربعاً وتسعين سنة، ولحق أعصار خمسة من الخلفاء المروانية بالأندلس: أولهم عبد الرحمن بن معاوية، وآخرهم الأمير محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم.
__________
(1) في نسخة: سنة 667.
(2) في نسخة: سنة 752.
(3) انظر ترجمة الغزال في المطرب: 133 والجذوة: 351 (وبغية الملتمس رقم: 1467) والمغرب 2: 57 وأورد ابن دحية خبر رحلة له إلى بلاد المجوس، وقد شك فيها بروفنسال وذهب إلى أنها كانت إلى القسطنطينية، راجع تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة ص: 111 - 127 وانظر The Poet and the Spae - Wife by W. Allen) London، 1960 (.
(2/254)

ومن شعره:
أدركت بالمصر ملوكاّ أربعه ... وخامساً هذا الذي نحن معه وله على أسلوب ابن أبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب (1) :
خرجت إليك وثوبها مقلوب ... ولقلبها طرباً إليك وجيب
وكأنّها في الدّار حين تعرّضت ... ظبيٌ تعلّل بالفلا مرعوب
وتبسّمت فأتتك حين تبسّمت ... بجمان درّ لم يشنه ثقوب
ودعتك داعية الصّبا فتطرّبت ... نفسٌ إلى داعي الضلال طروب
حسبتك في حال الغرام كعهدها ... في الدار إذ غصن الشباب رطيب
وعرفت ما في نفسها فضممتها ... فتساقطت بهنانةٌ عبوب
وقبضت ذاك الشيء قبضة شاهن ... فنزا إليّ عضنّكٌ حلبوب
بيدي الشّمال وللشّمال لطافة ... ليست لأخرى والأديب أريب
فأصاب كفّي منه حين لمسته ... بللٌ كماء الورد حين يسيب
وتحلّلت نفسي للذّة رشحه ... حتى خشيت على الفؤاد يذوب
فتقاعس الملعون عنه وربّما ... ناديته خيراً فليس يجيب
وأبى فحقّق في الإباء كأنّه ... جانٍ يقاد إلى الرّدى مكروب
وتغضّنت جنباته فكأنّه ... كيرٌ تقادم عهده مثقوب
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... قبساً وحان من الظلام ذهوب
ساءلتها خجلاً: أما لك حاجة ... عندي فقالت: ساخر وحروب
قالت حر أمّك إذا أردت وداعها ... قرنٌ وفيه عوارضٌ وشعوب
__________
(1) ابن أبي حكيمة أحد الشعراء المحدثين، أسرف في وصف عنته ورثاء متاعه، وكان صديقاً لابن الزيات. راجع تجمته في طبقات ابن المعتز: 389 وتخريج ترجماته ص: 523، وانظر أبيات الغزال هذه في المطرب: 149 برواية مختلفة.
(2/255)

وذكره ابن دحية بمخالفة لما سردناه.
قال عتبة التاجر، وجّهني الأمير الحكم وابنه عبد الرحمن إلى المشرق وعبد الله بن طاهر أمير مصر من قبل المأمون، فلقيته بالعراق، فسألني عن هذه القصيدة هل أحفظها للغزال قلت: نعم فاستنشدنيها، فأنشدته إياها، فسر بها وكتبها، وقال عتبة: ونلت بها حظّاً عنده.
والبهنانة: المرأة الطيبة النفس والأرج، كما في الصّحاح، وقيل: اللينة في منطقها وعملها، وقيل: الضحّاكة المتهللة، والرعبوب: السبطة البيضاء، والسبطة: الطويلة.
وقال سامحه الله تعالى:
سألت في النّوم أبي آدماً ... فقلت والقلب به وامق
إبنك بالله أبو حازم ... صلّى عليك المالك الخالق
فقال لي: إن كان مني ومن ... نسلي فحوّا أمّكم طالق وقال رضي الله تعالى عنه:
أرى أهل اليسار إذا توفّوا ... بنوا تلك المقابر بالصخور
أبو إلا مباهاة وفخراً ... على الفقراء حتى في القبور
فإن يكن التفاضل في ذراها ... فإن العدل فيها في القعور
رضيت بمن تأنّق في بناء ... فبالغ في تصريف الدهور (1)
ألمّا يبصروا ما خربته الد ... هور من المدائن والقصور
لعمر أبيهم لو أبصروهم ... لما عرف الغنيّ من الفقير
ولا عرفوا العبيد من الموالي ... ولا عرفوا الإناث من الذكور
ولا من كان يلبس ثوب صوفٍ ... من البدن المباشر للحرير
__________
(1) ج: تصريف الأمور.
(2/256)

إذا أكل الثّرى هذا وهذا ... فما فضل الكبير على الحقير وقال رضي الله تعالى عنه:
لا، ومن أعمل المطايا (1) إليه ... كلّ من يرتجي إليه نصيبا
ما أرى ههنا من النّاس إلاّ ... ثعلباً يطلب الدّجاج وذيبا
أو شبيهاً بالقطّ ألقى (2) بعيني ... هـ إلى فارةٍ يريد الوثوبا وقال رضي الله تعالى عنه:
قالت أحبّك قلت كاذبة ... غريّ بذا من ليس ينتقد
هذا كلامٌ لست أقبله ... الشيخ ليس يحبّه أحد
سيّان قولك ذا وقولك إن ... الريح نعقدها فتنعقد
أو أن تقولي النار باردة ... أو أن تقولي الماء يتقد وحكى أو الخطاب ابن دحية في كتاب " المطرب " (3) أن الغزال أرسل إلى بلاد المجوس وقد قارب الخمسين، وقد وخطه الشيب، ولكنّه كان مجتمع الأشد، فسألته زوجة الملك يوماً عن سنّه، فقال مداعباً لها: عشرون سنة، فقلت: وما هذا الشيب فقال: وما تنكرين من هذا ألم تري قطّ مهراً ينتج وهو أشهب فأعجبت بقوله، فقال في ذلك، واسم الملكة تود (4) :
كلّفت يا قلبي هوىً متعبا ... غالبت منه الضّيغم الأغلبا
إنّي تعلّقت مجوسيّةً ... تأبى لشمس الحسن أن تغربا
أقصى بلاد الله في حيث لا ... يلفي إليه ذاهبٌ مذهبا
__________
(1) ج: المطي.
(2) ج: أومى.
(3) انظر المطرب: 144.
(4) ج والمطرب: نود؛ ويرى بروفنسال أن تود هو اختصار تيودورا Theodora.
(2/257)

يا تود يا رود الشّباب التي ... تطلع من أزرارها الكوكبا
يا بأبي (1) الشخص الذي لا أرى ... أحلى على قلبي، ولا أعذبا
إن قلت يوماً إنّ عيني رأت ... مشبهه لم أعد أن أكذبا
قالت: أرى فدويه قد نوّرا ... دعابة توجب أن أدعبا
قلت لها: ما باله إنّه ... قد ينتج المهر كذا أشهبا
فاستضحكت عجباً بقولي لها ... وإنّما قلت لكي تعجبا قال: ولمّا فهّمها الترجمان شعر الغزال ضحكت، وأمرته بالخضاب، فغدا عليها وقد اختضب وقال (2) :
بكرت تحسّن لي سواد خضابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشبابي
ما الشيب عندي والخضاب لواصفٍ ... إلاّ كشمسٍ جلّلت بضباب
تخفى قليلاً ثمّ يقشعها الصّبا ... فيصير ما سترت به لذهاب
لا تنكري وضح المشيب فإنّما ... هو زهرة الأفهام والألباب
فلديّ ما تهوين من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب وحكى ابن حيان في " المقتبس " أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرواني وجّه شاعره الغزال إلى ملك الروم، فأعجبه حديثه، وخف على قلبه، وطلب منه أن ينادمه، فامتنع من ذلك، واعتذر بتحريم الخمر، وكان يوماً جالساً عنده، وإذا بزوجة الملك قد خرجت وعليها زينتها، وهي كالشمس الطالعة حسناً، فجعل الغزال لا يميل طرفه عنها، وجعل الملك يحدثه وهو لاهٍ عن حديثه، فأنكر ذلك عليه، وأمر الترجمان بسؤاله، فقال له: عرّفه أنّي قد بهرني من حسن هذه الملكة ما قطعني عن حديثه، فإنّي لم أر قطّ
__________
(1) ج: يا حبذا.
(2) المطرب: 146.
(2/258)

مثلها، وأخذ في وصفها والتعجّب من جمالها، وأنّها شوقته إلى الحور العين، فلمّا ذكر الترجمان ذلك للملك تزايدت حظوته عنده، وسرّتت الملكة بقوله، وأمرت الترجمان أن يسأله عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان، وتجشّم المكروه فيه وتغيير خلق الله، مع خلوّه من الفائدة، فقال للترجمان: عرّفها أن فيه أبر فائدة، وذلك أن الغصن إذا زبر قوي واشتد وغلظ، وما دام لا يفعل به ذلك لا يزال رقيقاً ضعيفاً، فضحكت وفطنت لتعريضه، انتهى.
ومن شعر الغزال قوله (1) :
يا راجياً ودّ الغواني ضلّةً ... وفؤاده كلفٌ بهنّ موكّل
إن النساء لكالسّروج حقيقةً ... فالسّرج سرجك ريثما لا تنزل
فإذا نزلت فإنّ غيرك نازلٌ ... ذاك المكان وفاعلٌ ما تفعل
أو منزل المجتاز أصبح غادياً ... عنه وينزل بعده من ينزل
أو كالثمار مباحة أغصانها ... ندنو لأول من يمر فيأكل
أعط الشبيبة لا أبا لك حقّها ... منها، فإنّ نعيمها متحوّل
وإذا سلبت ثيابها لم تنتفع ... عند النّساء بكل ما تستبدل وقال (2) :
قال لي يحيى وصرنا ... بين موجٍ كالجبال
وتولّتنا رياحٌ ... من دبور وشمال
شقّت القلعين وانب ... تّت عرى تلك الحبال
وتمطّى ملك المو ... ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأي ال ... عين حالاً بعد حال
__________
(1) المطرب: 146.
(2) المطرب: 139 - 140 والجذوة: 352.
(2/259)

لم يكن للقوم فينا ... يا رفيقي رأس مال ومنها:
وسليمى ذات زهدٍ ... في زهيدٍ في وصال
كلّما قلت صليني ... حاسبتني بالخيال
والكرى قد منعته ... مقلتي أخرى الليالي
وهي أدرى فلماذا ... دافعتني بمحال
أترى أنّا اقتضينا ... بعد شيئاً من نوال وله:
من ظنّ أن الدهر ليس يصيبه ... بالحادثات (1) فإنّه مغرور
فالق الزّمان مهوّناً لخطوبه ... وانجرّ حيث يجرّك المقدور
وإذا تقلّبت الأمور ولم تدم ... فسواءٌ المحزون والمسرور وعاش الغزال أرباعاً وتسعين سنة، وتوفي في حدود الخمسين والمائتين، سامحه الله تعالى.
وكان الغزال أقذع في هجاء علي بن نافع المعروف بزرياب، فذكر ذلك لعبد الرحمن، فأمر بنفيه، فدخل العراق، وذلك بعد موت أبي نواس بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره، ولا يساوون شعر أحد بشعره، فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم، فتركهم حتى وقعوا في ذكر أبي نواس، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله (2) :
__________
(1) ج: بالنائبات.
(2) انظر بعض هذه ابيات في الجذوة: 212، وهي جميعاً في المطرب: 148.
(2/260)

ولمّا رأيت الشّرب (1) أكدت سماؤهم ... تأبّطت زقّي واحتبست (2) عنائي
فلمّا أتيت الحان ناديت ربّه (3) ... فثاب خفيف الروح نحو ندائي
قليل هجوع العين إلا تعلّةً ... على وجلٍ منّي ومن نظرائي
فقلت أذقنيها فلمّا أذاقها ... طرحت عليه ربطتي وردائي
وقلت أعرني بذلةً أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي
فوالله ما برّت يميني ولا وفت ... له غير أنّي ضامنٌ بوفائي
فأبت إلى صحبي ولم أك آئباً ... فكلّ يفدّيني وحقّ فدائي فأعجبوا بالشعر، وذهبوا في مدحهم له، فلمّا أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم، فإنّه لي، فأنكروا ذلك، فأنشدهم قصيدته التي أولها:
تداركت في شرب النّبيذ خطائي ... وفارقت فيه شيمتي وحيائي فلمّا أتم القصيدة بالإنشاد خجلوا، وافترقوا عنه.
وحكي أن يحيى الغزال أراد أن يعارض سورة " قل هو الله أحدٌ " فلمّا رام ذلك أخذته هيبة وحالة لم يعرفها، فأناب إلى الله، فعاد إلى حاله.
وحكي أن عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء كان يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها، ومرت عليهم قصيدته التي أولها:
لعمرك ما البلوى بعارٍ ولا العدم ... إذا المرء لم يعدم تقى الله والكرم حتى انتهى القارئ إلى قوله:
تجاف عن الدنيا فما لمعجّزٍ ... ولا عاجز إلا الذي خطّ بالقلم
__________
(1) الجذوة: وكنت إذا ما الشرب.
(2) الجذوة: واحتضنت؛ المطرب: واحتسبت.
(3) الجذوة: نبهت أهله.
(2/261)

فقال له الغزال، وكان في الحلقة، وهو إذ ذاك حدثٌ نظّامٌ متأدب ذكي القريحة: أيها الشيخ، وما الذي يصنع مفعل مع فاعل فقال له: كيف تقول فقال: كنت أقول: فليس لعاجز ولا حازم، فقال له عباس: والله يا بني لقد طلبها عمّك فما وجدها.
وأنشد يوماً قوله من قصيدة:
بقرت بطون الشعر فاستفرغ الحشا ... بكفّي حتى آب خاويه من بقري فقال له بكر بن عيسى الشاعر: أما والله يا أبا العلاء، لئن كنت بقرت الحشا لقد وسخت يديك بفرثه، وملأتهما بدمه، وخبّثت نفسك بنتنه، وخمشت أنفك بعرفه، فاستحيا عباس وأفحم عن جوابه.
166 - ومنهم الشهير بالمغارب والمشارق، المحلّي بجواهره صدور المهارق، أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي (1) ، متمم كتاب المغرب في أخبار المغرب قال فيه: وأنا أعتذر في إيراد ترجمتي هنا بما اعتذر به ابن الإمام في كتاب سمط الجمان وبما اعتذر به الحجاري في كتاب المسهب وابن القطّاع في الدرة الخطيرة وغيرهم من العلماء.
فمن نظمه عندما ورد الديار المصرية:
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... ما بينها وجهاً لمن أدريه
عودي على بدئي ضلالاً بينهم ... حتّى كأنّي من بقايا التّيه
ويح الغريب توحّشت ألحاظه ... في عالم ليسوا له بشبيه
إن عاد لي وطني اعترفت بحقّه ... إن التغرّب ضاع عمري فيه
__________
(1) ابن عسيد المغربي: ترجمته في المغرب 2: 178 واختصار القدح ص: 1 والفوات 2: 178 والديباج المذهب: 208 وتاريخ السلامي: 145 وبغية الوعاة: 357 ومسالك الأبصار 8: 382 وله ترجمة مبتوةر في الذيل والتكملة 5: 411 - 412.
(2/262)

وله من قصيدة يمدح ملك إفريقية أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفصٍ:
الأفق طلقّ والنّسيم رخاء ... والروض وشّت رده الأنداء
والنهر قد مالت عليه غصونه ... فكأنّما هو مقلةٌ وطفاء
وبدا نثار الجلّنار بصفحه ... فكأنّما هو حيّةٌ رقطاء
والشّمس قد رقمت طرازاً فوقه ... فكأنّما هي حلّةٌ زرقاء
فأدر كؤوسك كي يتم لك المنى ... واسمع إلى ما قالت الورقاء
تدعوك حيّ على الصّبوح فلا تنم ... فعلى المنام لدى الصّباح عفىء وله أيضاً:
كم جفاني ورمت أدعو عليه ... فتوقّفت ثمّ ناديت قائل
لا شفى الله لحظه من سقام ... وأراني عذاره وهو سائل وله من قصيدة كتب بها إلى مالك سبتة الموفق أبي العباس أحمد بن أبي الفضل السّبتي شافعاً لشخص رغب في خدمته:
بالعدل قمت وبالسماح فدن وجد ... لا فارقتك كفاية وعطاء
ما كلّ من طلب السعادة (1) نالها ... وطلاب ما يأبى القضاء شقاء ومنها:
وقد استطار بأسطري نحو الندى ... من أنهضته لنحوك العلياء
طلب التباهة في ذراك فما له ... إلاّ لديك تأمّلٌ ورجاء
وهو الذي بعد التجارب أحمدت ... أحواله وجرى عليه ثناء
__________
(1) ج: الشفاعة.
(2/263)

لا يقرب الدنس المريب كواصل ... هجرته خوفاً أن يشان الراء
[قد مارس الحرب الزبون زمانه ... وجرت عليه شدة ورخاء] (1)
وعلاك تقضي أن يسود بأفقها ... لا غرو أن يعلي الشهاب بهاء وقوله في قصيدة:
ألف التغرّب والتوحّش مثل ما ... ألف التوحّش والنفور ظباء
حجّابه ألفوا التجهّم والجفا ... فهم لكلّ أخي هدىً أعداء
مهما يرم طلبٌ إليه تقرّباً ... بعدت بذاك البدر عنه سماء
لكنّني ما زلت أخدع حاجباً ... ومراقباً حتى ألان حباء
والأرض لم تظهر محجّب نبتها ... حتى حبتها الديمة الوطفاء (2) قيل: وهذا معنى لم يسمع من غيره، وقوله في خسوف البدر:
شان الخسوف البدر بعد جماله ... فكأنّه ماء عليه غثاء
أو مثل مرآة لخودٍ قد قضت ... نظراً بها فعلا الجلاء غشاء وله من قصيدة عتاب يقول فيها:
ولقد كسبت بكم علاً لكنها ... صارت بأقوال الوشاة هباء
فغدوت ما بين الصحابة أجرباً ... كلٌّ يحاذر منّي الإعداء
ولقد أرى أن النجوم تقلّ لي ... حجباً وأصغر أن أحلّ سماء
فليهجروا هجر الفطيم لدرّه ... ويساعدو الزمنالخئون جفاء
فلقد شكوت لهم إحالة ودّهم ... إذ لم أكن أرضى بهم خدماء
__________
(1) البيت زيادة من إحدى النسخ.
(2) ورد وحده في المقتطفات (الورقة: 9) وقدم له بقوله: وله من قصيدة وهو معنى بديع، ومن الغريب أن البيت وما بعده لاحق بأخبار الغزال.
(2/264)

إيهٍ فذكرهم أقلّ، وإنّما ... أومي إليك فتفهم الإيماء (1)
لو لم يكن قينٌ لما فتكت ظباً ... أنت الذي صيرتهم أعداء
ولو أنني أرجو ارتجاعك لم أطل ... شكوى ولم أستبعد الإغضاء
لكن رأيتك لا تميل سجيّةً ... نحوي ولا تتكلّف الإصغاء
إن لم يكن عطفٌ منّوا بالنّوى ... إنّ الكريم إذا أهين تناءى وقوله:
ولكم سرينا في متون ضوامر ... تثني أعنتها من الخيلاء
من أدهم كالليل حجّل بالضحى ... فتشقّ غرته عن ابن ذكاء
أو أشهب يحكي غدائر أشيبٍ ... خلعت عليه الشّهب فضل رداء
أو أشقر قد نمّقته بشعلة ... كالمزج ثار بصفحة الصّهباء
أو أصفر قد زيّنته غرّة ... حتى بدا كالشمعة الصفراء
طارت، ولكن لا يهاض جناحها ... هبّت، ولكن لم تكن رخاء وقوله من أبيات في افتضاض بكر:
وخريدةً ما إن رأيت مثالها ... حيّت من الألحاظ بالإيماء
فسألتها سمع الشكاة فأفهمت ... أنّ الرقيب جهينة الأنباء
وتبعتها وسألت منها قبلةً ... في خلوة من أعين الرقباء
فثنت عليّ قوامها بتعانقٍ ... أحيا فؤاداً مات بالبرحاء
ووجدتها لمّا ملكت عنانها ... عذراء مثل الدّرّة العذراء
جاءت إليّ كوردةٍ حمراء (2) ... فتركتها كعرارة صفراء
وسلبتها ما احمرّ منها صفوه ... فجرى مذاباً منجحاً لرجائي
__________
(1) ورد هذا البيت أيضاً وحده في المقتطفات (الورقة: 9) .
(2) ج: محمرة.
(2/265)

وقوله من أبيات:
أحبابنا عودوا علينا عودةً ... ما منكم بعد التفرّق مرغب
كم ذا أداريكم بنفس جاهداً ... وكأنّما أرضيكم كي تغضبوا
وأزيد بعداً ما اقتربت إليكم ... كالسّهم أبعد ما يرى إذ يقرب
وأجوب نحوكم المنازل جاهداً ... ومع اجتهادي فاتني ما أطلب
كالبدر أقطع منزلاً في منزل ... فإذا انتهيت إلى ذراكم أغرب وقوله من أبيات:
سألتك يا من يستلان فيصعب ... ومن يترضّى بالحياة فيغضب
أما خدّك البدر المنير فلم غدت ... تحلّ به ضدّ القضيّة عقرب وقوله، وقد داعبه أحد الفقهاء وسرق سكينه من حرز:
أيا سارقاً ملكاً مصوناً ولم يجب ... على يده قطعٌ وفيه نصاب
ستندبه الأقلام عند عثارها ... ويبكيه إن يعد الصّواب كتاب وقوله في تفاحة عنبر أهديت للملك الصالح نجم الدين أيوب:
أنا لون الشباب والخال أهدي ... ت لمن قد كسا الزمان شبابا
ملك العالمين نجم بني أيّ ... وب ولا زال في المعالي شهابا
جئت ملأى من الثّناء عليه ... من شكورٍ إحسانه والثوابا
لست ممّن له خطابٌ ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا وقوله من قصيدة:
فالحمد لله على ساعة ... قد قرّبتني من علا الصاحب
وليعذر المولى على أنّني ... قد كنت من علياه في جانب
(2/266)

كمن أتى نافلةً أوّلاً ... ثمّ أتى من بعد بالواجب وقوله من أبيات (1) :
فإن كنت في أرض التغرّب غارباً ... فسوف تراني طالعاً فوق غارب
فصمصام عمروٍ حين فارق كفّه ... رموه ولا ذنبٌ لعجز المضارب
وما عزّة الضّرغام إلاّ عرينه ... ومن مكّةٍ سادت لؤيّ بن غالب وقوله في فرس أصفر أغر أكحل الحلية (2) :
وأجرد تبريٍّ أثرت به الثرى ... وللفجر في خصر الظلام وشاح
له لون ذي عشقٍ وحسن معشّقٍ ... لذلك في دلّة (3) ومراح
عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلامٌ وبين الناظرين صباح
يقيّد طير اللحظ والوحش عندما ... يطير به نحو النجاح جناح وقوله من أبيات:
إذا ما غراب البين صاح فقل له ... ترفّق رماك الله يا طير بالبعد
لأنت على العشّاق أقبح منظراً ... وأكره في الأبصار من ظلمة اللحد
تصيح بنوحً ثم تعثر ماشياً ... وتبرز في ثوبٍ من الحزن مسودّ
متى لحت صحّ البين وانقطع الرجا ... كأنك من وشك الفراق على وعد وقوله في غلام جميل الصورة أهدى تفاحة:
ناب ما أهديت عن عر ... فٍ وعن ريقٍ وخدّ
__________
(1) المقتطفات (الورقة: 9) .
(2) المغرب 2: 173 والمقتطفات (الورقة: 9) .
(3) دوزي: لذة، وفي ج ق والمقتطفات: ذلة، والتصويب عن المغرب.
(2/267)

حبّذا تفاحةٌ قد ... أشبهت أوصاف مهدي
بتّ منها في سرورٍ ... فكأنّما قد بتّ عندي وقوله من قصيدة:
هذا الذي هب الدّنيا بأجمعها ... وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر
إن هزّة المدح فالأموال في بددٍ ... والغصن ما هزّ إلا بدّد الثمر
[فقلت لمّا بدا لي حسن منظره ... لكنه زاد إشراقاً: هو القمر] (1)
متّع لحاظك في وجهٍ بلا ضرر ... إن كان شمساً يداه تحتها مطر وقوله من أبيات:
لي جيرة ضنّوا عليّ وجاروا ... فنبت بي الأوطان والأوطار
ومن العجائب أنني مع جورهم ... ما قرّ لي بعد الفراق قرار وقوله:
أنا شاعر أهوى التخلّي دون ما ... زوج لكيما تخلص الأفكار
لو كنت ذا زوج لكنت منغّصاً ... في كلّ حينٍ رزقها أمتار
دعني أرح طول التغرب خاطري ... حتى أعود ويستقرّ قرار
كم قائلٍ لي ضاع شرخ شبابه ... ما ضيّعته بطالةٌ وعقار
إذ لم أزل في العلم أجهد دائماً ... حتّى تأتّت هذه الأبكار
مهما أرم من دون زوج لم أكن ... كلاًّ ورزقي دائماً مدرار
وإذا خرجت لفرجةٍ هنّيتها ... لا صنعةٌ ضاعت ولا تذكار وقوله من قصيدة:
__________
(1) زيادة لم ترد في ج ق ودوزي.
(2/268)

ما كنت أحسب أن أضيع وأنت في ال ... دّنيا وأن أمسي غريباً معسرا
أنا مثل سهمٍ سوف يرجع بعدما ... أقصاه راميه المجيد ليخبرا وقوله سامحه الله تعالى:
وافى عليٌّ لنا بسيفٍ ... والبين قد حان والوداع
فقال شبّه فقلت شمس ... قد مدّ من نورها شعاع وقوله من قصيدة في ملك إشبيلية الباجي، وقد هزم ابن هود (1) :
لله فرسان غدت راياتهم ... مثل الطيور على عداك تحلّق
السّمر تنقط ما تسطّر بيضهم ... والنقع يترب والدماء تخلّق وقال ارتجالاً بمحضر زكي الدين بن أبي الإصبع وجمال الدين أبي الحسين الجزار المصري الشاعر ونجم الدين بن إسرائيل الدمشقي بظاهر القاهرة، وقد مشى أحدهم على بسيط نرجس:
يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعين بالأرجل فتهافتوا بهذا البيت، وراموا إجازته، فقال ابن أبي الإصبع مجيزاً:
فقلت دعني لم أزل محرجاً ... على لحاظ الرشإ الأكحل وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال:
قابل جفوناً بجفونٍ ولا ... تتبذل الأرفع بالأسفل وقوله في الجزيرة الصالحية بمصر، وهي الشهيرة الآن بالروضة:
تأمّل لحسن الصالحيّة إذ بدت ... مناظرها مثل النّجوم تلالا
__________
(1) المغرب 2: 177.
(2/269)

وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعاً ... تفجّر صدر الماء عنه هلالا
ووافى إليها النّيل من بعد غاية ... كما زار مشغوفٌ يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق بحسنها ... فمدّ يميناً نحوها وشمالا
جرى قادماً بالسعد فاختطّ حولها ... من السعد إعلاماً بذلك دالا وقوله من أبيات في ملك إفريقية وقد جهز ولده الأمير أبا يحيى بعسكر:
وقد أرسلته نحو الأعادي ... كما جرّدت من غمدٍ حساما وقوله في قوس:
أنا مثل الهلال في ظلم النّق ... ع سهامي تنقضّ مثل النجوم
تقصر القضب والقنا عن مجالي ... عند رجمي بها لكلّ رجيم
قد كستها الطيور لمّا رأتها ... كافلاتٍ لها برزقٍ عميم وقوله من أبيات (1) :
وأشقر مثل البرق لوناً وسرعةً ... قصدت عليه عارض الجود فانهمى ولنذكر ترجمته من الإحاطة ملخصة، فنقول:
قال لسان الدين (2) : علي بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر بن كنانة بن قيس بن الحصين العنسي، المدلجي، من أهل قلعة يحصب، غرناطي، قلعي، سكن تونس، أبو الحسن ابن سعيد، وهذا الجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرة قومه، المصنف، الأديب، الرحالة، الطرفة،
__________
(1) المغرب: 179.
(2) الإحاطة، الورقة: 333.
(2/270)

الأخباري، العجيب الشأن في التجوّل في الأقطار، ومداخلة الأعيان والتمتّع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية، أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وابن عصفور وغيرهم، وتواليفه كثيرة: منها " المرقصات والمطربات " و " المقتطف من أزاهر الطرف " و " الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد " تاريخ بلده وبيته، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما " المغرب في حلى المغرب " و " المشرق في حلى المشرق " وغير ذلك ممّا لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر ابن الحكيم أنه تخلف كتاباً يسمى " المرزمة " (1) يشتمل على وقر بعير من رزم الكراريس لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والأخبارية إلاّ الله تعالى، وتعاطى نظم الشعر في حد من الشبيبة يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع أبيه إلى إشبيلية وفي صحبته سهل ابن مالك، فجعل سهل بن مالك يباحثه عن نظمه إلى أن أنشده في صفة نهر والنسيم يردده والغصون تميل عليه:
كأنّما النّهر صفحةٌ كتبت ... أسطرها، والنّسيم ينشئها
لمّا أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها فطرب وأثنى عليه.
ثم ناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيراً من نظمه، ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعاً في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض (2) نرجس، وكان فيهم أبو الحسين الجزار فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن:
يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعين بالأرجل
__________
(1) الإحاطة: المزيد له.
(2) ق: أنوار، ج: صنف.
(2/271)

فتهافتوا بهذا البيت، وراموا إجازته، فقال ابن أبي الإصبع:
فقال دعني لم أزل محنقاً ... على لحاظ الرشإ الأكحل وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال:
قابل جفوناً بجفونٍ، ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل ثم استدعاه (1) سيف الدين ابن سابق إلى مجلس بضفّة النيل مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك:
من فضّل النرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمه النرجس ووافق ذلك مماليك الترك وقوفاً في الخدمة، على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون.
ولقي بمصر أيدمر التركي والبهاء زهيراً وجمال الدين بن مطروح وابن يغمور وغيرهم، ورحل صحبة كمال الدين بن العديم إلى حلب، فدخل على الناصر صاحب حلب، فأنشده قصيدة أولها:
جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للضيف الملمّ من القرى فقال كمال الدين: هذا رجل عارف، ورّى بمقصودة من أول كلمة، وهي قصيدة طويلة، فاستجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصوده برحلته، وأخبره أنّه جمع كتاباً في الحلى البلادية والعلى العبادية المختصة بالمشرق، وأخبره أنّه سمّاه " المشرق في حلى المشرق " وجمع مثله فسمّاه " المغرب في حلى المغرب " فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما ليس
__________
(1) انظر هذا الخبر في المقتطفات (الورقة: 9) .
(2/272)

عندنا كخزائن الموصل وبغداد، وتصنف لنا، فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعباً: إن شعراءنا ملقبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقباً يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلا لم نعلم به أحداً غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك يا خوند. فتبسّم السلطان، وقال له أيضاً يداعبه: اختر واحدةً من ثلاث: إمّا الضيافة التي ذكرتها أوّل شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حق الاسم، فقال: يا خوند المملوك ممّا لا يختنق بعشر لقمٍ لأنّه مغربي أكول فكيف بثلاث فطرب السلطان وقال: هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدلاء، والشهاب التّلّعفري، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربلي، وطائفة من بني الصاحب. ثم تحول إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم [ابن الملك الصالح] (1) بدمشق، وحضر مجلس خلوته، وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها، ثم رحل إلى البصرة ودخل أرّجان، وحج، ثم عاد إلى المغرب، وقد صنّف في رحلته مجموعاً سمّاه ب " النفحة المسكية في الرحلة المكية " وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية (2) من إفريقية في إحدى جمادى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر، فنال الدرجة الرفيعة من حظوته.
حدثني شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم أن المستنصر جفاه في آخر عمره وقد أسنّ لجرّاء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلا منه قبل جفوةً أعقبها انتشال وعناية، فكتب إليه بنظم من جملته:
__________
(1) ما بين معقفين سقط من ق ج وزاده دوزي من نسخة الإحاطة.
(2) إقليبية: حصن قريب من قرطاجة، وفي ج: إقليبية.
(2/273)

لا ترعني بالجفا ثانيةً ... فرقّ له، وعاد إلى حسن النظر إليه، إلى أن توفّي تحت بر وعناية (1) .
مولده بغرناطة ليلة الفطر سنة عشر وستمائة (2) ، ووفاته بتونس في حدود خمس وثمانين وستمائة، انتهى باختصار.
وذكرت حكاية إجازة بيته في النرجس وإن تقدمت لاتصال الكلام.
قلت: قد كنت وقفت على بعض ديوان شعره التعدد الأسفار، ونقلت منه قوله من قصيدة يهنئ ابن عمّه الرئيس أبا عبد الله ابن الحسين (3) بقدومه من حركة هوّارة:
أما واجبٌ أن لا يحول وجيب ... وقد بعدت دارٌ وخان حبيب
وليس أليفٌ غير ذكرٍ وحسرةٍ ... ودمعٌ على من لا يرقّ صبيب
وخفق فؤادٍ إن هفا الرق خافقاً ... وشوقٌ كما شاء الهوى ونحيب
ويعذلني من ليس يعرف ما الهوى ... وعذل مشوقٍ في البكاء عجيب (4)
ألا تعس اللّوام في الحبّ قد عموا ... وصمّوا ودائي ليس منه طبيب
يرومون أن يثني الملام (5) صبابتي ... وليس إلى داعي الملام أجيب
وفائي إذا ما غبت عنكم مجدّدٌ ... وغيري ذو غدرٍ أوان يغيب
ولو لم يكن مني الوفاء سجيّةً ... لكنت لغير ابن الحسين أنيب
سموأل هذا العصر حاتم جوده ... مهلّبه إن مارسته (6) حروب
__________
(1) في الإحاطة حسب مقارنة دوزي: ورعاية؛ ويبدو أن نسخة الإحاطة التي اعتمدتها قد أخلت بجوانب كثيرة من أخبار ابن سعيد؛ أما النسخة التي اعتمدها دوزي فهي أوفى.
(2) كذا في ج، وأثبت دوزي: سنة 615 اعتماداً على الإحاطة.
(3) ستأتي ترجمته.
(4) في نسخة: غريب.
(5) ق: يشفي الغرام؛ ج: يثني الغمام.
(6) دوزي: ما مارسته.
(2/274)

فتىً سيّر (1) الأمداح شرقاً ومغرباً ... أبو دلفٍ من دونه وخصيب
إذا رقم القرطاس قلت ابن مقلة ... وإن نظم الأشعار قلت حبيب
وإن نثر الأسجاع قلت سميّه ... وإن سرد التاريخ قلت عريب
وما أحرز الصّوليّ آدابه التي ... إذا ما تلاها لم يجبه أديب ومنها:
وأمّا إذا ما الحرب أخمد (2) نارها ... ففيه تلظّى (3) مارجٌ ولهيب
فكم قارع الأبطال في كلّ وجهةٍ ... نحاها وكم لفّت عليه حروب
وكائن له بالغرب (4) من موقفٍ له ... حديثٌ إذا يتلى تطير قلوب
بمرّاكشٍ سل عنه تعلم غناءه ... وقد ساءهم (5) يومٌ هناك عصيب
إذا ما ثنى الرمح الطويل كأنّه ... مديرٌ لغصن الخيزران لعوب
وإن جرّه أبصرت نجماً مجرّراً ... ذؤابته، منه الكماة تذوب
يهيم به ما إن يزال معانقاً ... له راكعاتٍ ما تحوز كعوب
محمد، لا تبد الذي أنت قادرٌ ... عليه، وخف عيناً علاك تصيب
نفوذ سهام العين أودى بمصعبٍ ... وطاح به بعد الشّبوب شبيب
ألا فهنيئاً أن رجعت لتونس ... فأطلعت شمساً والسّفار (6) غروب
كواكبها تبدو إذا ما تركتها ... وقد جعلت مهما حضرت تغيب
إذا سدت في أرضٍ فغيرك تابعٌ ... علاك، ومهما ساد فهو مريب
__________
(1) ج: سرد.
(2) ج: أظهر.
(3) دوزي: تلظ.
(4) ج: في الغرب.
(5) دوزي: ساءه.
(6) ق ج: والشفار.
(2/275)

ومنها:
كفاني أنّي أستظلّ بظلّكم ... ومن هاب ذاك المجد فهو مهيب
فأصلك أصلي والفروع تباينت ... بعيدٌ على من رامه وقريب
وحسبي فخراً أن أقول محمدٌ ... نسيب عليٍّ جلّ منه نصيب
تركت جميع الأقربين لقصده ... على حين حانت فتنةٌ وخطوب
رأيت به جنّات عدنٍ فلم أبل ... إذا وصلتنا للخلود شعوب
فقبّلت كفّاً لا أعاب بلثمها ... وأيدي الأيادي لثمهنّ وجوب
وكيف وليس الرأس كلرّجل، فرّقت ... شياتٌ لعمري بيننا وضروب
ولو كان قدري مثل قدرك في العلا ... لحقّ بأن يعلو الشباب مشيب
ولولا الذي أسمعت من مكر حاسدٍ ... أتاك بقولٍ وهو فيه كذوب
لما كنت محتاجاً لقولي آنفاً ... تخلّيت من ذنبٍ وجئت أتوب
إذا كنت ذا طوعٍ وشكرٍ وغبطةٍ ... فمن أين لي يا ابن الكرام ذنوب
لقد كنت معتاداً ببشرٍ فما الذي ... تقلّدته حتى يزال قطوب
أإن رفع السلطان سعيي بقدركم (1) ... أحّلأ عن وردٍ لكم وأخيب
فأحسب ذنبي ذنب صحرٍ (2) ، بدارها ... إلى البرّ عند الخابرين معيب
وحاشاك من جورٍ عليّ، وإنّما ... أخاطب من أصفي (3) له فيشوب
صحابٌ هم الداء الدفين فليتني ... ولم أدن منهم، للذئاب صحوب
كلامهم شهدٌ ولكنّ فعلهم ... كسمّ له بين الضلوع دبيب
سأرحل عنهم والتجارب لم تدع ... بقلبي لهم شيئاً عليه أثيب
__________
(1) في نسخة: بقربكم.
(2) ذنب صحر: مثل، وذلك أن لقمان بعد أن قتل زوجته لقيته ابنته صحر فقتلها أيضاً قائلاً " وهل أنت إلا امرأة " دون ذنب جنته، فضرب بذلك المثل. وفي ج ق ودوزي: صخر - بالمعجمة -.
(3) في نسخة: أصفو.
(2/276)

إذا اغترب الإنسان عمّن يسوءه ... فما هو في الإبعاد عنه غريب
فدارك برأبٍ (1) منك ما قد خرقته ... ليحسن منّي مشهدٌ ومغيب
ولا تستمع قول الوشاة فإنّما ... عدوّهم بين الأنام نجيب
فيا ليت أنّي لم أكن متأدّباً ... ولم يك لي أصلٌ هناك رسوب
وكنت كبعض الجاهلين محبباً ... فما أنا للهمّ الملمّ حبيب
وما إن ضربت الدهر زيداً بعمره ... ولم يك لي بين الكرام ضريب
أأشكوك أم أشكو إليك فما عدت ... عداتي حتّى حان منك وثوب
سأشكر ما أولى وأصبر للذي ... توالى، على أنّ العزاء سليب
فدم في سرورٍ ما بقيت فإنّني ... وحقّك مذ دبّ الوشاة كئيب قال: وكان سبب التغير بيني وبين ابن عمي الرئيس المذكور أن ملك إفريقية استوزر لأشغال الموحدين أبا العلاء (2) إدريس بن علي بن أبي العلاء ابن جامع، فاشتمل عليّ، وأولاني من البرّ ما قيّدني وأمال قلبي إليه، مع تأكيد ما بينه وبين ابن عمي من الصحبة، فلم يزل ينهض بي، ويرفع أمداحي للملك، ويوصّل إليه رسائلي، منبّهاً على ذلك مرشحاً، إلى أن قبض الملك على كاتب عسكره، وكان يقرأ بين يده كتب المظالم، فاحتيج إلى من يخلفه في ذلك، فنبه الوزير عليّ، وارتهن فيّ، مع أنّي كنت من كتّاب الملك، فقلدني قراءة المظالم المذكورة، وسفر لي الوزير عنده في دار الكاتب المؤخّر، فأنعم بها، فوجد الوشاة مكاناً متسعاً للقول، فقالوا وزوّروا من الأقاويل المختلفة ما مال بها حيث مالوا، وظهر منه مخايل التغيير، فجعلت أداريه وأستعطفه، فلم ينفع فيه قليل ولا كثير، إلى أن سعى في تأخير والدي عن الكتب للأمير الأسعد أبي يحيى ابن ملك إفريقية، ثم سعى في تأخيري، فأخّرت عن الكتابة وعن
__________
(1) ق ج: برأي.
(2) ج ق ودوزي: أبا العلى.
(2/277)

قراءة (1) المظالم، فانفردت بالكتابة للوزير المذكور، وفوض إليّ جميع أموره، وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة، ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة:
فردّ عليّ العيش بعد ذهابه ... وآنسني بعد انفرادي من الأهل
وقال إذا ما الوبل فاتك فاقتنع ... بما قد تسنّى عندك الآن من طلّ
ووالله ما نعماه طلٌّ وإنّما ... تأدّبه غيثٌ يجود على الكلّ
رآني أظما في الهجيرة ضاحياً ... فرقّ وآواني إلى الماء والظلّ ولم أزل عنده في أسر حال ما لها تكدير إلاّ ما يبلغني من أن ابن عمّي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبّته، وخفت أن يطول ذلك، فيسمع منه، ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني، فرغبت له في أن يرفع للملك أنّي راغبٌ في السّراح إلى المشرق برسم الحج:
ومن بلّه الغيث في بطن وادٍ ... وبات فلا يأمننّ السّيولا فلم يسعفني في ذلك، ولامني على تخوّفي، وقلة ثقتي بحمايته، فرفعت له هذه القصيدة:
هل الهجر إلا أن يطول التجنّب ... ويبعد من قد كان منه التقرّب
وتقطع رسلٌ بيننا ورسائلٌ ... ويمنع لقيانا نوىً وتحجّب
ولو أنّني أدري لنفسي زلّةً ... جعلت لكم عذراً ولم أك أعتب
ولكنّكم لمّا مللتم (2) هجرتم ... وذنّبتم في الحبّ من ليس يذنب
إلى الله أشكو غدركم وملالكم ... وقلباً له ذاك التعذب يعذب
فلو أنّه يجزيكم بفعالكم ... لكان له عنكم مرادٌ ومذهب (3)
__________
(1) دوزي: وعن كتابة.
(2) كذا في ق وج؛ وفي نسخة: ملكتم.
(3) دوزي: ومطلب.
(2/278)

ولكن أبى أن لا يحنّ لغيركم ... وأن لا يرى عنكم مدى الدهر مذهب
فهلاّ رعيتم أنّه في ذراكم ... غريبٌ، وليس الموت إلاّ التغرب
لزمتك لمّا أن رأيتك كاملاً ... جمالاً وإجمالاً وذاك يحبّب
وإنّي لأخشى أن يطول اشتكاؤه ... لمن إن أتى مكراً فليس يثرّب
فلم أسع إلا لارتياحٍ وراحةٍ ... وغيري وقد آواه غيرك يتعب
فأنت الذي آويتني ورحمتني ... وذو الرحم الدنيا لناري يحطب
فما مرّ يومٌ لا يدير مصيبةً ... عليك، وبالتدبير منك يخيّب
وهبه ثبوتاً لا يحيل أما ترى ... مجرّ حبالٍ في الحجارة يرسب
وهبه له سدّاً فكم أنت حاضرٌ ... أحاذر خرقاً منه أن يتسبّبوا
وما إن أرى إلا الفرار مخلّصاً ... وما راغبٌ في الضيم من عنه يرغب
فأنه إلى الأمر العليّ شكيتي ... وأنّ خطوب الدهر نحوي تخطب
ولا تطمعوني في الذي لست نائلاً ... فلا أنا عرقوبٌ ولا أنا أشعب
ألا فلتمنّوا بالسّراح فإنّه ... لراحة من يشقى لديكم وينصب
سلوا الكأس عني إذ تدار فإنّني ... لأتركها همّاً ودمعي أشرب
ولا أسمع الألحان حين تهزني ... ولو كان نوحاً كنت أصغي وأطرب
فديتكم كم ذا أهون بأرضكم ... أهذا جزاءٌ للذي يتغرّب
أبخلٌ عليّ ما سواك يصيخ لي ... فهل لي ممّا كدّر العيش مهرب
تقلّص عنّي كلّ ظلٍّ ولم أجد ... كما كنت ألفي (1) من أودّ وأصحب
أذو طمعٍ في العيش يبقى وحوله ... مدى الدهر أفعى لا تزال (2) وعقرب
أجزني أنجو (3) بالفرار فإنّه ... وحقّك من نعماك عندي يحسب
__________
(1) ج ودوزي: أكفي.
(2) ج: لا تزول.
(3) ج ق: أجرني؛ ق: أنجز.
(2/279)

فلا زلت يا خير الكرام مهنّأ ... فعيشي منه الموت أشهى وأطيب
وصانك من قد صنت في حقه دمي ... وغيرك ن ثوب المروءة يسلب ولم يزل الوزير - لا أزال الله عنه رضاه - يحمي جانبي، إلى أن أصابتني فيه العين، فأصابه الحين، فقلت في ذلك:
وطيب نفسي أنّه مات عندما ... تناهى ولم يشمت به كلّ حاسد
ويحكم فيه كلّ من كان حاكماً ... عليه ويعطي الثأر كلّ معاند وقلت أرثيه:
بكت لك حتى الهاطلات السواكب ... وشقّت جيوباً فيك حتّى السحائب
فكيف بمن دافعت عنه ومن به ... أحاطت وقد بوعدت عنه المصائب
ألا فانظروا دمعي فأكثره دمٌ ... ولا تذهبوا عني فإنّي ذاهب
وقولوا لمن قد ظلّ يندب بعده ... وفاؤك لو قامت عليك النوادب (1)
لعمرك ما في الأرض وافٍ بذمّةٍ ... أيصمت إدريس ومثلي يخاطب
دعوتك يا من لا أقوم بشكره ... فهل أنت لي بعد الدعاء مجاوب
أيا سيّداً قد حال بيني وبينه ... ترابٌ حوت ذكراك منه الترائب
لمن أشتكي إن جار بعدك ظالمّ ... عليّ وإن نابت جنابي النّوائب
لمن أرتجي (2) عند الأمير بمنطقٍ ... تحفّ به حولي المنى والمواهب وهي طويلة، ومنها قبيل الختم:
وقد كنت أختار الترحّل قبل أن ... يصيبك سهمٌ للمنيّة صائب
ولكن قضاء الله من ذا يردّه ... فصبراً فقد يرضى الزمان المغاضب
__________
(1) دوزي: النوائب.
(2) دوزي: أشتكي.
(2/280)

ومنها، وهو آخرها:
وإنّي لأدري أنّ في الصبر راحةً ... إذا لم تكن فيه عليّ مثالب
وإن لم يؤب من كنت أرجو انتصاره ... عليك فلطف الله نحوي آيب قال رحمه الله تعالى: ولما قدمت مصر والقاهرة أدركتني (1) فيهما وحشة، وأثار لي تذكّر ما كنت أعهد بجزيرة الأندلس من المواضع المبهجة التي قطعت بها العيش غضّاً خصيباً، وصحبت بها الزمان ولبست الشباب قشيباً، فقلت:
هذه مصر فأين المغرب ... مذ نأى عني دموعي تسكب
فارقته النّفس جهلاً إنّما ... يعرف الشيء إذا ما يذهب (2)
أين حمصٌ أين أيامي بها ... بعدها لم ألق شيئاً يعجب
كم تقضّى لي بها (3) من لذةٍ ... حيث للنهر خريرٌ مطرب
وحمام الأيك تشدو حولنا ... والمثاني في ذراها تصخب
أيّ عيشٍ قد قطعناه بها ... ذكره من كلّ نعمى أطيب
ولكم بالمرج لي من لذةٍ ... بعدها ما العيش عندي يعذب
والنواعير التي تذكارها ... بالنّوى عن مهجتي لا تسلب
ولكم في شنتبوسٍ من منىً ... قد قضيناه ولا من يعتب
[حيث هاتيك الشراجيب التي ... كم بها من حسن بدر معصب] (4)
وغناءٌ كلّ ذي فقرٍ له ... سامعٌ غصباً ولا من يغصب
بلدةٌ طابت وربٌّ غافرٌ ... ليتني ما زلت فيها أذنب
__________
(1) ج: أذكرتني.
(2) سقط هذا البيت من ج.
(3) ق: كم بعيش نالنا، واضطربت في ج.
(4) البيت زيادة من إحدى النسخ، ولم يرد في ق ج.
(2/281)

أين حسن النيل من نهرٍ بها ... كلّ نغماتٍ لديه تطرب
كم به من زورقٍ قد حلّه ... قمرٌ ساقٍ وعودٌ يضرب
لذة النّاظر والسمع على ... شمّ زهرٍ وكؤوسٍ تشرب
كم ركبناها فلم تجمح بنا ... ولكم من جامحٍ إذ يركب
طوعنا حيث اتجهنا لم نجد ... تعباً منها إذا ما نتعب
قد أثارت عثيراً يشبهه ... نثر سلكٍ فوق بسطٍ ينهب
كلّما رشنا لها أجنحةً ... من قلاعٍ ظلت منها تعجب
كطيورٍ لم تجد ريّاً لها ... فبدا للعين منها مشرب
بل على الخضراء (1) لا أنفكّ من ... زفرةٍ في كلّ حين تلهب
حيث للبحر زئيرٌ حولها ... تبصر الأغصان منه ترهب
كم قطعنا الليل فيها مشرقاً ... بحبيبٍ ومدامٍ يسكب
وكأنّ البحر ثوبٌ أزرقٌ ... فيه للبدر طرازٌ مذهب
وإلى الحور حنيني دائماً ... وعلى شنّيل دمعي صيّب (2)
حيث سلّ النهر عضباً وانثنت ... فوقه القضب وغنّى الربرب
وتشفّت أعين العشّاق من ... حور عينٍ بالمواضي تحجب
ملعبٌ للهو مذ فارقته ... ما ثناني نحو لهوٍ ملعب
وإلى مالقةٍ يهفو هوىً ... قلب صبٍّ بالنوى لا يقلب
أين أبراجٌ بها قد طالما ... حثّ كأسي في ذراها كوكب
حفّت الأشجار عشقاً حولنا ... تارةً تنأى وطوراً تقرب
جاءت الريح بها ثم انثنت ... أتراها حذرت من ترقب
__________
(1) يعني الجزيرة الخضراء، وقد قضى ابن سعيد فيها جانباً من حياته إذ كان والده والياً عليها، وكان هو ينوب عنه أحياناً.
(2) الحور: حور مؤمل وهو من متنزهات غرناطة (المغرب 2: 103) وشنيل هو نهرها، وقد مر التعريف به في هذا الكتاب.
(2/282)

وعلى مرسيةٍ أبكي دماً ... منزلٌ فيه نعيمٌ معشب
مع شمسٍ طلعت في ناظري ... ثم صارت في فؤادي تغرب
هذه حالي، وأمّا حالتي ... في ذرا مصر ففكر متعب
سمعت أذني محالاً، ليتها ... لم تصدّق ويحها من يكذب
وكذا الشيء إذا غاب انتهوا ... فيها وصفاً كي يميل الغيّب
ها أنا فيها فريدٌ مهملٌ ... وكلامي ولساني معرب
وأرى الألحاظ تنبو عندما ... أكتب الطرس أفيه عقرب
وإذا أحسب في الديوان لم ... يدر كتّابهم ما أحسب
وأنادى مغربيّاً، ليتني ... لم أكن للغرب يوماً أنسب
نسبٌ يشرك فيه خاملٌ ... ونبيهٌ، أين منه المهرب
أتراني ليس لي جدٌّ له ... شهرةٌ أو ليس يدرى لي أب
سوف أثني راجعاً لا غرّني ... بعد ما جرّبت برقٌ خلّب وقال بقرمونة متشوقاً إلى غرناطة (1) :
أغثني إذا غنّى الحمام المطرّب ... بكأسٍ بها وسواس فكري ينهب
ومل ميلةً حتى أعانق أيكةً ... وألثم ثغراً فيه للصّبّ مشرب
ولم أر مرجاناً ودرّاً خلافه ... يطيف به وردٌ من الشهد أعذب
فديتك من غصنٍ تحمّله نقاً ... تطلّع أعلاه صباحٌ وغيهب
وجنّته جنّات عدنٍ وفي لظىً ... فؤادي وما لي من ذنوبٍ تعذب
ويعذلني العذّال فيه وإنّني ... لأعصي عليه من يلوم ويعتب
لقد جهلوا، هل عين حياتي أنثني ... إذا نمّقوا أقوالهم وتألّبوا
يقولون لي قد صار ذكرك مخلقاً ... وأصبح كلٌّ في هواه يؤنّب
__________
(1) سقط هذا السطر من ج.
(2/283)

وعرضك مبذولٌ، وعقلك تالفٌ ... وجسمك مسلوبٌ، ومالك ينهب
فقلت لهم عرضي وعقلي والعلا ... وفخري لا أرضى بها حين يغضب
جنونٌ أبى أن لا يلين لعازمٍ ... بسحرٍ بآيات الرّقى ليس يذهب
فقالوا ألا قد خان عهدك قلت لم ... يخن من إذا قرّبته يتقرّب
وكم دونه من صارم ومثقّفٍ ... فيا من رأى بدراً بهذين يحجب
على أنّه يستسهل الصعب عندما ... يزور فلا يجدي حمىً وترقّب
وكم حيلةٍ تترى على إثر حالةٍ ... وذو الودّ من يحتال أو يتسبب
على أنّه لو خان عهدي لم أزل ... له راعياً، والرعي للصبّ أوجب
فأين زمانٌ (1) لم يخنّي ساعةً ... به وهو منّي في التنعّم أرغب
ولا فيه من بخلٍ ولا بي قناعةٌ ... كلانا بلذّات التواصل معجب
ويا ربّ يومٍ لا أقوم بشكره ... على أنّني ما زلت أثني وأطنب
على نهر شنّيلٍ وللقضب حولنا ... منابر ما زالت بها الطّير تخطب
وقد قرعت منه سبائك (2) فضّة ... خلال رياضٍ بالأصيل تذهّب
شربنا عليها قهوةً ذهبيّةً ... غدت تشرب الألباب أيّان تشرب
كأن ياسميناً وسط وردٍ تفتّحت ... أزاهره أيّان في الكأس تسكب
إذا ما شربناها لنيل مسرّةٍ ... تبسّم عن درٍّ لها فتقطّب
أتت دونها الأحقاب حتى تخالها ... سراباً بآفاق الزّجاجة يلعب
نعمنا بها واليوم قد رقّ برده ... إلى أن رأينا الشمس عنّا تغرّب
فقالوا ألا هاتوا السراج فكلّ من ... درى قدر ما في الكأس أقبل يعجب
وقال ألا تدرون ما في كؤوسكم ... فلا كأس إلا وهو في الليل كوكب
كواكب أمست بين شرب ولم نخل ... بأنّ النجوم الزّهر تدنو وتغرب
__________
(1) ج: زماناً.
(2) ق: وقد قرعت منه سنابك.
(2/284)

ظللنا عليها عاكفين وليلنا ... نهارٌ إلى أن صاح بالأيك مطرب
فلم نثن عن دين الصّبوح عناننا ... إلى أن غدا من ليس يعرف يندب
صرعنا فأمسى يحسب السكر قد قضى ... علينا، وذاك السكر أشهى وأعجب
وكم ليلةٍ في إثر يومٍ وعذّلي ... وعذّل من يصغي لقولي خيّب
فيا ليت ما ولّى معادٌ نعيمه ... وأيّ نعيمٍ عند من يتغرّب قال: وقلت بإشبيلية ذاكراً لوادي الطّلح، وهو بشرق إشبيلية ملتف الأشجار، كثير مترنم الأطيار، وكان المعتمد بن عباد كثيراً ما ينتابه مع رميكيّته، وأولي أنسه ومسرته (1) :
سائل بوادي الطّلح ريح الصّبا ... هل سخّرت لي في زمان الصّبا
كانت رسولاً فيه ما بيننا ... لن نأمن الرّسل ولن نكتبا
يا قاتل الله أناساً إذا ... استؤمنوا خانوا، فما أعجبا
هلاّ رعوا أنّا وثقنا بهم ... وما اتخذنا عنهم مذهبا
يا قاتل الله الذي لم يتب ... من غدرهم من بعد ما جرّبا
واليمّ لا يعرف ما طعمه ... إلاّ الذي وافى لأن يشربا
دعني من ذكر الوشاة الألى ... لمّا يزل فكري بهم ملهبا
واذكر بوادي الطّلح عهداً لنا ... لله ما أحلى وما أطيبا
بجانب العطف وقد مالت الأغ ... صان والزهر يبثّ الصّبا
والطير مازت بين ألحانها ... وليس إلاّ معجباً مطربا
وخانني من لا أسمّيه من ... شحٍّ أخاف الدهر أن يسلبا
قد أترع الكأس وحيّا بها ... وقلت أهلاً بالمنى مرحبا
أهلاً وسهلاً بالذي شئته ... يا بدر تمٍّ مهدياً كوكبا
__________
(1) انظر هذه القصيدة فيما تقدم ج 1 ص 691 وفي روايتها بعض اختلاف، ليس من الضروري إثباته.
(2/285)

لكنني آليت أسقى بها ... أو تودعنها ثغرك الأشنبا
فمجّ لي في الكأس من ثغره ... ما حبّب الشرب وما طيّبا
فقال: ها لثمي نقلاً ولا ... تشمّ إلاّ عرفي الأطيبا
فاقطف بخدي الورد والآس وال ... نسرين لا تحفل بزهر الرّبى
أسعفته غصناً غدا مثمراً ... ومن جناه ميسه قرّبا
قد كنت ذا نهيٍ وذا إمرةٍ ... حتّى تبدّى فحللت الحبا
ولم أصن عرضي في حبّه ... ولم أطع فيه الذي أنّبا
حتى إذا ما قال لي حاسدي ... ترجوه والكوكب أن يغربا
أرسلت من شعري سحراً له ... ييسّر المرغب والمطلبا
وقال عرّفه بأنّي سأح ... تال فما أجتنب المكتبا
فزاد في شوقي له وعده ... ولم أزل مقتعداً مرقبا
أمدّ طرفي ثم أثنيه من ... خوف أخي التنغيص أن يرقبا
أصدّق الوعد وطوراً أرى ... تكذيبه والحرّ لن يكذبا
أتى ومن سخّره بعدما ... أيأس بطئاً كاد أن يغضبا
قبّلت في الترب ولم أستطع ... من حصر اللّقيا سوى مرحبا
هنّأت ربعي إذ غدا هالةً ... وقلت: يا من لم يضع أشعبا
بالله مل معتنقاً لاثماً ... فمال كالغصن ثنته الصّبا
وقال ما ترغب قلت: اتئد ... أدركت إذ كلّمتني المأربا
فقال: لا مرغب عن ذكر ما ... ترغبه، قلت: إذاً مركبا
فكان ما كان، فوالله ما ... ذكرته دهري أو أغلبا قال: وقلت باقتراح الملك الصالح نور الدين صاحب حمص أن أكتب بالذهب على تفاحة عنبر قدمها لابن عمه الملك الصالح ملك الديار المصرية (1) :
__________
(1) انظر ما سبق ص: 266.
(2/286)

أنا لون الشباب والخال أهدي ... ت لمن قد كسا الزمان شبابا
ملك العالمين نجم بين أي ... وب، لا زال في المعالي مهابا
جئت ملأى من الثناء عليه ... من شكور إحسانه والثوابا
لست ممّن له خطابٌ ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا قال: ولما أنشد أبو عبد الله ابن الأبّار كاتب ملك إفريقية لنفسه:
لله دولابٌ يدور كأنّه ... فلكٌ ولكن ما ارتقاه كوكب
هامت به الأحداق لمّا نادمت ... منه الحديقة ساقياً لا يشرب
نصبته فوق النهر أيدٍ قدّرت ... ترويحه الأرواح ساعة ينصب
فكأنّه وهو الطليق مقيّدٌ ... وكأنّه وهو الحبيس مسيّب
للماء فيه تصعّدٌ وتحدّرٌ ... كالمزن يستسقي البحار ويسكب حلف أبو عبد الله ابن أبي الحسين ابن عمي أن يصنع في ذلك شيئاً، فقال (1) :
ومحنيّة الأضلاع (2) تحنو على الثرى ... وتسقي نبات الترب درّ (3) الترائب
تعدّ (4) من الأفلاك أنّ مياهها ... نجومٌ لرجم المحل ذات ذوائب
وأعجبها (5) رقص الغصون ذوابلاً ... فدارت بأمثال السيوف القواضب
وتحسبها والروض: ساقٍ وقينة ... فما برحا ما بين شادٍ وشارب
وما خلتها تشكو بتحنانها الصدى ... ومن فوق (6) متنيها اطّراد المذانب
__________
(1) انظر هذه الأبيات في المغرب 2: 169.
(2) المغرب: الأصلاب.
(3) المغرب: دمع.
(4) المغرب: تظن.
(5) المغرب: وأطربها.
(6) المغرب: وما بين.
(2/287)

فخذ من مجاريها ودهمة لونا ... بياض العطايا في سواد المطالب (1) " ثم كلفت في أن أقول في ذلك، وأنا أعتذر بأن هذين لم يتركا لي ما أقول:
وذات حنينٍ لا تزال مطيفةً ... تئنّ وتبكي بالدموع السواكب
كأنّ أليفاً بان عنها فأصبحت ... بمربعه كالصّبّ بعد الحبائب
إذا ابتسمت فيها الرياض شماتةً ... ترعها بأمثال السيوف القواضب
فكم رقصت أغصانها فرمت لها ... نثاراً كما بدّدت حلي الكواعب
لقد سخطت منها الثغور وأرضت ال ... قدود ولم تحفل بتثريب عائب
شربت على تحنانها ذهبيّةً ... ذخيرة كسرى في العصور الذواهب
فهاجت لي الكأس ادّكار مغاضبٍ ... فحاكيتها وجداً بذاك المغاضب
فلا تدع التبريز في كثرة الهوى ... فلولاي كانت في إحدى العجائب قال: وقلت بغرناطة:
باكر اللهو ومن شاء عتب ... لا يلذّ العيش إلاّ بالطّرب
ما توانى من رأى الزهر زها ... والصّبا تمرح في الرّوض خبب
وشذاه صانه حتّى اغتدى ... بين أيدي الريح غصباً ينتهب
يا نسيماً عطّر الأرجاء، هل ... بعثوا ضمنك ما يشفي الكرب
هم أعلّوه وهم يشفونه ... لا شفاه الله من ذاك الوصب!
خلع الروض عليه زهره ... حين وافى من ذراكم فعل صبّ
فأبى إلا شذاه (2) فانثنى ... حاملاً من عرفه ما قد غصب
لست ذا نكرٍ لأن يشبهكم ... من بعثتم، غير ذا منه العجب
__________
(1) من قول أبي تمام:
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب (2) ج: ثناه.
(2/288)

غالب الأغصان في بدأته ... ثمّ لمّا زاد أعطته الغلب
فبكى الطّلّ عليها رحمةً ... أو بكى من وعظ طيرٍ قد خطب
كلّ هذا قد دعاني للّتي ... ملكت رقّي على مرّ الحقب
قهوةٌ أبسم من عجب لها ... عندما تسم عجباً عن حبب
حاكت الخمر فلما شعشعت ... قلت ما للخمر بالماء التهب
وبدت من كأسها لي فضّةٌ ... ملئت إذ جمدت ذوب الذهب
سقّينها من يدي مشبهها ... بالذي يحويه طرفٌ وشنب
لا جعلت الدهر نقلي غير ما ... لذّ لي من ريق ثغرٍ كالضّرب
لا جعلت الدهر ريحاني سوى ... ما بخدّيه من الورد انتخب
لم أزل أقطع دهري هكذا ... وكذا أقطع منه المرتقب
حبّذا عيشٌ قطعناه لدى ... معطف الخابور ما فيه نصب
مع من لم يدر يوماً ما الجفا ... من أراح الصبّ فيه من تعب
كلّ ما يصدر منه حسنٌ ... لم يذقني في الهوى مرّ الغضب
أيّ عيشٍ سمح الدهر به ... كلّ نعمى ذهبت لمّا ذهب قال: ودخلت بتونس مع أبي العباس الغسّاني (1) حمّاماً، فنظرنا إلى غلمان في نهاية الحسن ونعومة الأبدان، فقلت مخاطباً له:
دخلت حمّاماً وقصدي به ... تنعيم جسمٍ فغدا لي عذاب
وقلت لظىً فاعترضت حوره ... وقلت عدنٌ فنهاني التهاب
وأنت في الفضل إمامٌ فكن ... في الحكم ممن حاز فصل الخطاب فقال:
لا تأمن الحمّام في فعله ... فليس ما يأتيه عندي صواب
__________
(1) ترجم له ابن سعيد في القدح: 12، وكان كاتب العلامة عند المستنصر الحفصي وبينه وبين ابن سعيد شيء كثير من المطارحات والترسلات نظماً ونثراً.
(2/289)

فما أرى أخدع منه ولا ... أكذب إلاّ أن يكون السّراب
يبدي لك الغيد كحور الدّمى ... ويلبس الشيخ برود الشّباب
ظنّ به النّار فلا جنّةٌ ... للحسن إلاّ ما حوته الثياب [نقول عن ابن سعيد]
[1 - بناء الهودج بروضة مصر]
ومن فوائده (1) ، أعني ابن سعيد رحمه الله تعالى - في كتابه المحلى بالأشعار " (2) نقلاً عن القرطي (3) - قضية بناء الهودج بروضة مصر، وهو من منتزهات الخلفاء الفاطميين العظيمة العجيبة البناء البديعة، وذلك أنه يقال: إن الباني له الخليفة الآمر بأحكام الله (4) ، للبدوية التي غلب عليه حبها، بجوار البستان المختار، وكان يتردد إليه كثيراً وقتل وهو متوجه إليه، وما زال منتزهاً للخلفاء من بعده.
وقد أكثر الناس في حديث البدوية وابن ميّاح من بني عمها، وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم ي هذا الشأن كحديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك، والاختصار منه أن يقال: إن الآمر قد كان بلي بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون في البوادي، فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرفهم، شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزي بداة
__________
(1) ورد هذا الخبر في المقتطفات، الورقة: 9، والخطط 2: 376.
(2) ذكره أيضاً المقريزي في الخطط 2: 376 ولعله يعني كتابه " القدح المعلى في التاريخ المحلي "، وهو يضم - فيما يبدو - أخباراً تاريخية أخرى عدا التراجم التي وردت في القسم الباقي منه المسمى " اختصار القدح ".
(3) في ق ج ودوزي والمقتطفات: " القرطبي " والصواب ما أثبته، وهو محمد بن سعد أبو بكر القرطي؛ صنف كتاباً في تاريخ مصر في أيام العاضد وعنه ينقل ابن سعيد في القسم المصري من المغرب (انظر ترجمته في المغرب 1: 267) .
(4) من متأخري الخلفاء الفاطميين (495 - 524) قام بأمره أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه ابن بدر الجمالي.
(2/290)

الأعراب، وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها، وبات هنالك، وتحيل حتى عاينها هناك، فما ملك صبره، ورجع إلى مقر ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوجها، فلما وصلت إليه صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور، في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشكل على شط النيل، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربّيت معه، يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
يا ابن ميّاحٍ إليك المشتكى ... مالكٌ من بعدكم قد ملكا
كنت في حيي طليقاً آمراً ... نائلاً ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصرٍ موصدٍ ... لا أرى إلاّ حبيساً (1) ممسكا
كم تثنينا كأغصان اللوى ... حيث لا نخشى علينا دركا (2) فأجابها بقوله:
بنت عمّي والتي غذّيتها ... بالهوى حتى علا واحتنكا (3)
بحت بالشكوى وعندي ضعفها ... لو غدا ينفع منّا المشتكى
مالك (4) الأمر إليه يشتكى ... هالكٌ، وهو الذي قد أهلكا قال: وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول.
وكان من عرب طيء في عصر الآمر طراد بن مهلهل، فقال وقد بلغته هذه الأبيات:
__________
(1) ج ودوزي: خبيثاً.
(2) سقط من ج.
(3) ق ودوزي: واحتبكا.
(4) ج: ملك.
(2/291)

ألا بلّغوا الآمر المصطفى ... مقال طرادٍ ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفةٍ ... بها سمر الحيّ حول الرحال
كذا كان آباؤك الأكرمون ... سألت فقل لي جواب السؤال فقال الخليفة الآمر لما بلغته الأبيات: جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله، فطلب في أحياء العرب فلم يوجد، فقيل: ما أخسر صفقة طراد، باع عدة أبيات بثلاثة أبيات.
[2 - مكين الدولة ابن حديد]
وكان بالإسكندرية (1) مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد ابن الحسن بن حديد، له مروءة عظيمة، ويحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة، ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصّلت وغيرهما، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يجد في نفسه برؤيته (2) زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره، فوشي به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن، فلم يجد بدّاً من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج [وتركيبه هنالك] (3) ، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حزازة (4) من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة، حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمراً نقدر عليه عند
__________
(1) هذا الخبر في المقتطفات (الورقة: 10) والمقريزي 2: 377.
(2) المقتطفات: وكان كسن يجد في نفسه برؤيته له.
(3) زيادة من المقتطفات.
(4) ق: حرارة.
(2/292)

الخليفة مولانا، فلمّا قيل له عنها هذا القول قال: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم (1) تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردتها عليه، فقيل له: قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب (2) ، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله تعالى أملها.
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليها الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر - وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع، فما كان أكثر من مسافة الطريق إلاّ وقد أحضر حقّاً مختوماً، فكّ عنه فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مراق (3) بلور فيه ثلاثة بيت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر: بيت دهن ممسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، وكان جواب المؤتمن: وقد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.
فانظر، رحمك الله تعالى، إلى من يكون دهن الشمع عنده في إناء قيمته خمسمائة دينار، ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه، فماذا تكون ثيابه
__________
(1) المقتطفات: من بستاني الذي أنشأته من نعمتهم.
(2) المقتطفات: في ما تطلب.
(3) ق: مداق.
(2/293)

وحلى نسائه وفرش داره وغير ذلك من التجملات وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة! وما نسبة أعيان الدولة وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة وأبّهتها إلا يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة 524 يريد الهودج، وقد كمن له عدة من النزارية (1) على رأس الجسر من ناحية الروضة، فوثبوا عليه وأثخنوه بالجراحة، وحمل في العشاري (2) إلى اللؤلؤة (3) ، فمات بها، وقيل: قبل أن يصل إليه، وقد خرب هذا الهودج، وجهل مكانه من الروضة، ولله عاقبة الأمور، نقل ذلك كلّه الحافظ المقريزي (4) ، رحمه الله تعالى.
[3 - الشهاب التلعفري]
قال النور ابن سعيد، ومن خطه نقلت: لما نزلنا بتلّعفر حين خرجنا من سنجار إلى الموصل سألت أحد شيوخنا عن والد شهاب الدين التّلّعفري، فقال: أنا أدركته، وكان كثير التجول، وأنشدني لنفسه في عيد أدركه في غير بلده:
يبتهج الناس إذا عيّدوا ... وعند سرّائهم أكمد
لأنّني أبصر أحبابهم ... ومقلتي محبوبها تفقد
__________
(1) النزارية: هم الذي يرون تسلسل الإمامة في خلفاء الفاطميين حتى نزار بن المستنصر ولا يرون إمامة من بعده، والنزارية تطعن في إمامة المستعلي، وتضادها الفرقة المستعلية وهي ترى صحة خلافة المستعلي والآمر والحافظ ... إلخ.
(2) العشاري: نوع من السفن.
(3) اللؤلؤة: موضع نزاهة الخلفاء الفاطميين وقصورهم، بناها الخليفة العزيز.
(4) انظر الخطط المقريزية 2: 348 - 351.
(2/294)

قال: وخرج ابنه الشهاب أجول منه شخصاً وشعراً، وصدق فيما قاله، وأنشد ابن سعيد للشهاب التلعفري (1) :
لك ثغرٌ كلؤلؤٍ في عقيقٍ ... ورضابٌ كالشّهد أو كالرّحيق
وجفونٌ لم يمتشق سيفها إ ... لاّ لمغرّى بقدّك الممشوق
تهت عجباً بكلّ فنّ من الحس ... ن جليلٍ وكلّ معنى دقيق
وتفردت بالجمال الذي خ ... لاّك مستوحشاً بغير رفيق
باللحاظ التي بها لم تزل تر ... شق قلبي وبالفوام الرّشيق
لا تغر بالغوير إذ تتثنّى ... فيه أعطاف كلّ غصن وريق
واثن محمرّ ورد خدّيك واستر ... هـ وإلاّ ينشقّ قلب الشقيق قال ابن سعيد: وحظي الشهاب التلعفري بمنادمة الملوك، وكونهم يقدمونه، ويقبلون على شعره، وعهدي به لا ينشد أحدٌ قبله في مجلس الملك الناصر، على كثرة الشعراء، وكثرة من يعتني بهم، ولما جمعت للملك الناصر كتاب ملوك الشعر جعلت ملك شعر الشهاب البيت الرابع من المقطوعة المتقدمة، فإنّه كان كثيراً ما ينشده وينوه به. والتشفي من ذكر الشهاب ومحاسن شعره له مكان بكتاب الغرة الطالعة في فضلاء المائة السابعة وهو الآن عند الملك المنصور صاحب حماة قد علت سنّه، وما فارقه غرامه ودنّه، انتهى.
__________
(1) هو محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة منسوب إلى تل أعفر أو تل يعفر (ثم تدغم الكلمتان) ولد بالموصل سنة 593 وكان خليعاً ممتحناً بالقمار أهلك فيه كل ما ناله من عطاء وكسب، توفي سنة 675 وديوانه مطبوع. (انظر ترجمته في الفوات 2: 546 والنجوم الزاهرة 7: 255 وشذرات الذهب 5: 349 وتاريخ ابن الفرات 7: 76 ومادة " تل أعفر " بمعجم البلدان) .
(2/295)

[4 - العادل بن أيوب]
ولما أجرى ابن سعيد في بعض مصنفاته ذكر الملك العادل بن أيوب (1) قال ما نصّه: وكان من أعظم السلاطين دهاء وحزماً، وكان يضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه وإصلاحها له، ويحكى أنه بشّره شخص بأن أميراً من أمراء الأفضل ابن صلاح الدين فسد عليه، فأعطاه مالاً جزيلاً، وأرسل مستخفياً إلى المذكور يزيده بصيرة في الانحراف عن الأفضل، ويعده بما يفسد الصالح فكيف الفاسد، قال: وكان يمنع حتى يوصف بالبخل، ويجود في مواضع الجود حتى يوصف بالسّماح، وكان صلاح الدين - وهو السلطان - يأخذ برأيه، وقدّم له أحد المصنفين كتاباً مصوراً في مكايد الحروب ومنازلة المدن، وهو حينئذ على عكّا محاصراً للفرنج، فقال له: ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر، وكان كثير المداراة والحزم، ومن حكاياته في ذلك أن أحد الأشياخ من خواصّه قال له يوماً، وهو على سماطه يأكل: يا خوند، ما وفيت معي ولا رعيت سابق خدمتي، وكلمه بدالّة السن وقدم الصحبة قبل الملك، فقال لمماليكه، انظروا سوطه، فجسّوا الكمران؛ وقال: خذوا الصرة التي فيه، فوجدوا صرّة، فقال: افتحوها، ففتحوها فإذا فيها ذرور، فقال العادل: كل من هذا الذرور، فتوقف، وعلم أنه مطّلع على أنه سم، فقال: كيف نسبتني إلى قلة الوفاء، وأنا منذ سنين أعلم أنك تريد أن تسمني بهذا السم، وقد جعل لك الملك الفلاني على ذلك عشرة آلاف دينار، فلا أنا أمكنتك من نفسي، ولا أشعرتك، لئلا يكون في ذلك ما لا خفاء به، وتركتك على
__________
(1) هو الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب بن شاذي، ولد سنة 539 واشترك في معظم الأعمال الحربية التي قام بها أخوه صلاح الدين، فأعطاه مصر ثم حلب ثم الشرق والكرك والشوبك، ثم جرت بينه وبين أولاد أخيه خطوب، فملك دمشق سنة 592، وملك مصر سنة 596 وامتد ملكه على مناطق واسعة وتوفي سنة 615؛ وأخباره مشروحة في تاريخ ابن الأثير ومفرج الكروب ومرآة الزمان وغيرها.
(2/296)

حالك، وأنا مع هذا لا أغير عليك نعمة، ثم قال: ردوا سمه إلى كمرانه، لا أبقى الله تعالى عليه إن قدر وأبقى علي، فجعل يقبّل الأرض ويقول: هكذا والله كان، وأنا تائب لله تعالى، ثم إن الشيخ جدّد توبة، واستأنف أدباً آخر وخدمة أخرى، وكانت هذه الفعلة إحدى عجائب العادل.
قال: وكان كثير المصانعات حتى إنّه يصوغ الحلي الذي يصلح لنساء الفرنج ويوجّه في الخفية إليهنّ، حتى يمسك أزواجهنّ عن الحركة، وله في ذلك مع ملوك الإسلام ما يطول ذكره.
ولما خرج ابن أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين (1) باليمن، وخطب لنفسه بالخلافة، وكتب له أن يبايعه وخطب له في بلاده، كان في الجماعة من أشار إلى النظر في توديه عسكر له في البر والبحر، وإنفاق الأموال قبل أن يتفاقم أمره، فضحك وقال: من يكون عقله هذا العقل لا يحوج خصمه إلى كبير مؤونة، أنا أعرف كيف أفسد عليه حاله في بلاده، فضلاً عن أن يتطرق (2) فساده لبلادي، ثم إنه وجّه في السر لأصحاب دولته بالوعد والوعيد وقال لهم: أنتم تعلمون بعقولكم أن هذا لا يسوغ لي، فكيف يسوغ له وقد أدخل نفسه في أمر لا يخرج منه إلا بهلاكه، فاحذروا أن تهلكوا معه، واتعظوا بالآية " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار " وما لهذا عقل يدبر به نفسه، فكيف عن تدبير خاصته إليكم " ولتعلمنّ نبأه بعد حينٍ " فعندما وعت أسماعهم هذا وتدبروه بعقولهم قبضوا عليه وقتلوه، وعادت البلاد للعادل، وقال للمشيرين عليه في أول الأمر بتجهيز العسكر: قد كفينا المؤونة بأيسر شيء من المال، ولو حاولناه بما أشرتم به لم تقم خزائن ملكنا بالبلوغ إلى غايته.
__________
(1) ق: طغركين؛ ج: طغرلكين.
(2) ج: يطرق.
(2/297)

وكان - على ما بلغه من عظمة السلطان، واتساع الممالك - يحكي ما جرى له في زمان خلوّه من ذلك، ويحب الاستماع لنوادر أنذال العالم، واشتهر في خدمته مساخر أشهرهم خضير صاحب البستان المشهور عند الربوة بغوطة دمشق، ومن نوادره الحارّة معه أنه سمعه يوماً وهو يقول في وضوئه: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، ولا تحاسبني حساباً عسيراً، فقال له: يا خوند على أي شيء يحاسبك حساباً عسيراً إذا قال لك: أين أموال الخلق التي أخذتها فقل له: تراها بأمانتها في الكرك، وكان قد صنع بهذا المعقل الحسرات، سميت بذلك لأن من رآها، يتحسر إذا نظرها، ولا يستطيع على شيء منها بحيلة، وهي خوابٍ مفروغةٍ من ذهب وفضة تركت بمرأى من الناظري ليشتهر ذلك في الآفاق.
وقال العادل مرة، وقد جرى ذكر البرامكة وأمثالهم ممّن ذكر في كتاب المستجاد في حكايات الأجواد: إنما هذا كذب مختلق من الورّاقين ومن المؤرخين، يقصدون بذلك أن يحركوا همم الملوك والأكابر للسخاء وتبذير الأموال، فقال خضير: يا خوند، ولأي شيء لا يكذبون عليك
قال ابن سعيد: من وقف على حكايات أبي العيناء مع عبيد الله بن سليمان يجد مثل هذه الحكاية.
قال ابن سعيد: ووجدت الشهاب القوصي قد ذكر السلطان العادل في كتاب " [تاج] المعاجم " (1) وابتدأ الكتاب المذكور بمحاسنه والثناء عليه وخرّج عنه الحديث النبوي عن الحافظ السّلفي، وتمثّل فيه عند وفاته (2) :
__________
(1) في ق ج ودوزي: المعاجم، واسم الكتاب " تاج المعاجم " كما سيرد بعد قليل؛ ومؤلفه هو إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي القوصي الملقب بشهاب الدين، وكنيته أبو الطاهر وأبو العرب وأبو حامد وأبو الفداء، نزل دمشق وجمع لنفسه معجماً في أربع مجلدات وسماه " تابع المعاجم " وذكر فيه من لقيه من المحدثين، وتوفي بدمشق 653 (الطالع السعيد 81 - 82) .
(2) مر البيتان والثالث في مقدمة النفح ج 1: 14.
(2/298)

ألام على بكائي خير ملكٍ ... قلّ له بكائي بالنّجيع
به كان الشباب جميع عمري ... ودهري كله زمن الربيع
ففرّق بيننا زمنٌ خؤون ... له شغف بتفريق الجميع قال ابن سعيد: ودفن العادل بالمدرسة العادلية بدمشق، وكان أنشأها للشافعية، وهي في نهاية الحسن، وبها خزانة كتب، فيها تاريخ ابن عساكر، وذيّل هذا التاريخ واختصره أبو شامة، سمعت عليه منه هنالك ما تيسر أيام إقامتي بدمشق.
وأولاد العادل ملوك البلاد في صدر هذه المائة السابعة، منهم الكامل والمعظم والأشرف، وهؤلاء الثلاثة شهروا بالفضل وحب الفضلاء وقول الشعراء، انتهى.
[5 - المرذغاني]
وقال ابن سعيد، في ترجمة الرئيس صفي الدين أحمد بن سعد المرذغاني (1) ، وهو من بيت وزارة ورئاسة بدمشق: إن من شعره قوله:
كيف طابت نفوسكم بفراقي ... وفراق الأحباب ومرّ المذاق
لو علمتم بلوعتي وصبابا ... تي ووجدي وزفرتي واحتراقي
لرثيتم للمستهام المعنّى ... ووفيتم بالعهد والميثاق قال ابن سعيد: وقفت على ذكر هذا الرئيس في كتاب تاج المعاجم ووجدت صاحبه الشهاب القوصي قد قال: أخبرني بدمشق أنه قد كان عزم على السفر منها إلى مصر، لأمر ضاق به صدره، فهتف به هاتف في النوم، وأنشده:
__________
(1) لم استطع التثبت من ضبط هذه النسبة، وفي بعض الأصول: المزدغاني، والبردغاني.
(2/299)

يا أحمد اقنع بالذي أعطيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها
ودع التكاثر في الغنى لمعاشر ... أضحوا على جمع الدراهم ولّها
واعلم بأنّ الله جلّ جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها فانثنى عزمه عن الحركة، ثم بلغ ما أمّله دون سفر.
[6 - دفتر خوان الدمشقي]
وقال ابن سعيد، في ترجمة المنتجب أحمد بن عبد الكريم الدمشق المعروف بدفتر خوان (1) ، وهو الذي يقرأ الدفاتر بين أيدي الملوك والأكابر (2) : إنّه كان يقرأ الدفاتر بين يدي العادل بن أيوب، وكان يكتب له بالأشعار في المواسم والفصول، فينال من خيره، وكتب له مرّة وقد أظل الشتاء في دمشق فقال:
مولاي جاء الشتاء ... والكيس منها خلاء
لا زال يجري بما تر ... تضي علاك القضاء
وكلّ كافٍ إليه ... يحتاج فيه التواء (3) فقال له العادل: هذا الضمير الذي في البيت الأول على ماذا يعود قال: بحسب مكارم السلطان، إن شئت على الدراهم، وإن شئت على الدنانير! فضحك وقال: هت كيسك، فأخرج له كيساً يسع قدر مائة دينار، فملأه
__________
(1) ترجمته في الوافي: 7 الورقة: 37 ولقبه منتخب الدين؛ وبعد خدمته للعادل وشيء به الحساد لديه فحرمه وهجره، وتوفي دفتر خوان سنة 615 بعد وفاة العادل، وكان العادل قد رضي عنه قبل وفاته؛ وقد نقل الصفدي ترجمته عن معجم الشهاب القوصي.
(2) قال الصفدي في تعريف دفتر خوان: " وهو الذي يتحدث في أمر الكتب المجلدات ويكون أمرها راجعاً إليه، وهو الذي يقرأ على السلطان فيها، إما ليلاً وإما نهاراً، ينادمه بذلك ".
(3) يشير إلى كافات الشتاء: كالكن والكيس والكانون ... إلخ وقد جمعها ابن سكرة في بيت واحد.
(2/300)

له، وقال: أظنّه كان معدّاً عندك، فقال: مثل السلطان من يكون جوده مظنوناً.
وكتب إليه مرّة وقد أملق (1) :
انظر إليّ بعين جودك مرّةً ... فلعلّ محروم المطالب يرزق
طير الرجاء على علاك (2) محلق ... وأظنّه سيعود وهو مخلق فأعطاه جملة دنانير، وقال له: اشتر بهذه ما تخلّق به طير رجائك، انتهى.
[7 - الزناطي وابن الربيب]
وأنشد ابن سعيد رحمه الله تعالى لبعض المغربة، وهو أبو الحسن علي بن مروان الزناطي (3) الكاتب:
أنس أخي الفضل كتابٌ أنيق ... أو صاحبٌ يعنى بودٍّ وثيق
فإن تعره دون رهن به ... تخسره أو تخسر وداد الصديق
وربّما تخسر هذا وذا ... فاسمع رعاك الله نصح الشفيق قال: وأجابه المخاطب بهذه الأبيات، وهو ابن الرّبيب (4) ، بنثر نصّه:
__________
(1) البيتان في الوافي للصفدي.
(2) الوافي: إلى علاك.
(3) كذا في ق ج ودوزي؛ وفي نسخة: الرباطي.
(4) ابن الربيب: ينصرف هذا الاسم إلى الحسن بن محمد بن أحمد بن الربيب القيرواني صاحب الرسالة التي وجهها لأبي المغيرة ابن حزم يذكر له إهمال أهل الأندلس في تقييد أخبارهم ومآثرهم (وستأتي في الباب السادس) ؛ وقد ترجم العمري لابن الربيب وسماه الحسين بن محمد (المسالك 11: 319) وقال فيه: " ولو قرن به البلاذري لعصفت به ريحه النكباء فذري " فدل على أنه مؤرخ؛ ويؤكد هذا ما نقله عن أنموذج ابن رشيق من أن ابن الربيب " بلغ نهاية من الأدب وعلم النسب "، ولكني لست أقطع يقيناً بأنه المعني في هذا المقام لأني لم استطع تحديد الزمن الذي عاش فيه معاصره علي بن مروان.
(2/301)

مثلك يفيد تجربة قد نفق عليها عمر، وضل عن فوائدها غرّ غمر، وقد أنفذت رهناً لا يسمح بإخراجه من اليد إلا ليدك، فتفضل بتوجيه الجزء الأول، فأنا أعلم أنّه عندك مثل ولدك، قل: فوجهه ومعه بطاقة صغيرة فيها: يا أخي، إن عرّضت بولدي فكذلك كن مع والدي وقد توارثنا العقوق كابراً عن كابر، فكن شاكراً فإنّي صابر.
ثم قال ابن سعيد: وتفاقم أمر ولده فقيّده بقيد حديد وقال فيه:
لي ولدٌ يا ليته ... لم يك عندي يخلق
يجهد في كل الذي ... يرغم وهو يعشق
وإن أكن قيّدته ... دمعي عليه مطلق وذكر ابن سعيد أن الكاتب أبا الحسن المذكور كان كثيراً ما يستعير الكتب، فإذا طلبت منه فكأنّها ما كانت، فذكر لبعض أصحابه - وهو ابن الربيب المؤرخ - أن عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب (1) الذي لخص فيه تاريخ الطبري واستدرك عليه ما هو من شرطه وذيل ما حدث بعده، فأرسل إليه في استعارتها، فكتب إليه: يا أخي، سدّد الله آراءك، وجعل عقلك أمامك لا وراءك، ما يلزمني من كونك مضيّعاً أن أكون كذلك، والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرّي إذا خانوني، فما أعيرها إلا بشيء أعلم أنك تتأذّى بفقده إذا فقد جزء من النسخة، وأنا الذي أقول:
__________
(1) هو عريب بن سعد القرطبي من بيت من الموالي يعرفون ببني التركي، كان أديباً شاعراً تاريخياً، أضاف إلى تاريخ الطبري بعد أن اختصره " أخبار إفريقية والأندلس " وقد نشر له ملحق بتاريخ الطبري عرف باسم " صلة عريب " ولكنه لا يمثل الإضافة التي قام بضمها إلى تاريخ أبي جعفر، وله من الكتب كتاب الأنواء، نثره دوزي باسم " التقويم القرطبي " وأورد له الثعالبي شعراً في اليتيمة 2: 52 وهو أحد الذين ذكرهم ابن فرج في كتاب الحدائق (انظر الذيل والتكملة 5: 141 - 143) .
(2/302)

أنس أخي الفضل كتاب أنيق ... إلى آخره.
وأنشد للكاتب أبي الحسن المذكور:
إنّ ذاك العذار قام بعذري ... وفشا فيه للعواذل سرّي
ما رأينا من قبل ذلك مسكاً ... صاغ منه الإله هالة بدر
أيّ آسٍ من حول جنّة وردٍ ... ليس منه آسٍ مدى الدهر يبري ولما اشتد مرضه بين تلمسان وفاس قال هذه الأبيات، وأوصى أن تكتب على قبره:
ألا رحم الله حيّاً دعا ... لميتٍ قضى بالفلا نحبه
تمرّ السّوافي على قبره ... فتهدي لأحبابه تربه
وليس له عملٌ يرتجى ... ولكنّه يرتجي ربّه رجع إلى نظم ابن سعيد المترجم به، فنقول:
وقال لما سار المعظم من حصن كيفا، وآل أمره إلى الملك، ثم القتل والهلك (1) :
ليت المعظم لم يسر من حصنه ... يوماً ولا وافى إلى أملاكه
إن العناصر (2) إذ رأته مكمّلاً ... حسدته فاجتمعت على إهلاكه ومما نقلته من ديوانه الذي رتبه على حروف المعجم قوله، رحمه الله تعالى - وقلت بالقاهرة على لسان من كلّفني ذلك:
شرف الدين أبن لي ما السبب ... في انقلاب الدهر لي عند الغضب
__________
(1) انظر اختصار القدح: 8.
(2) القدح: الطبائع.
(2/303)

فلتدم غضبان أظفر بالمنى ... ليس لي في غير هذا من أرب
إنّما ظهرك عندي قبلةٌ ... ووضوئي الدهر من ذاك الشّنب وأستغفر الله من قول الكذب، قال: وقلت بإشبيلية:
قد جاء نصر الله والفتح ... والصبح لمّا رضيت صبح
فهنّئوني بارتجاع المنى ... لولا الرّضى ما برح البرح
يا أورقاً يا غصناً يا نقاً ... يا ظبيةً بالليل يا صبح
يصحو جميع الناس من سكرهم ... ولست من سكركم أصحو
بلغت فيه غايةً لم يبن ... غايتها التفسير والشرح
ونصح العذّال، من لي بأن ... يعذلني عن غيّك النصح وقلت بإشبيلية:
وضح الصبح فأين القدح ... يعرف اللذات من يصطبح
ما ترى الليل كطرفٍ أدهمٍ ... وضياء الفجر فيه وضح
والثرى دبّجه درّ النّدى ... وعلى الأغصان منه وشح
ومدير الراح لم يعد المنى ... كلّ ما يأتي به مقترح
في بطاح المرج قد نادمني ... رشأٌ من سكره ينبطح
جعل المسواك ستراً للمنى ... فكأن قبّل فاه قزح
كلّما شئت الذي قد شاءه ... فحنى لي كاسه أفتتح
ما أبالي أن رآني كاشحٌ ... أم رآني من لديه نصح
هكذا العيش ودع عيش الذي ... خاف من نقدٍ إذا يفتضح وقلت بشريش:
طاب الشّراب لمعشرٍ ... سلبوا المروءة فاستراحوا
(2/304)

لا يعرفون تستّراً ... السكر عندهم مباح
متهتكون لدى المنى ... وفسادهم فيها صلاح
ساقيهم متبذّلٌ ... هل يمنع الماء القراح
غصنٌ يميل به الصّبا ... ردّته طوع الراح راح
طوع الأماني، كلّ ما ... يأتي به فهو اقتراح
ما إن نبالي إن بدا ... أن لا يلوح لنا الصباح
ما زلت أرشف ثغره ... وعليه من عضدي وشاح
والقلب يهفو طائراً (1) ... ولعاً ولا يخشى افتضاح
ولو أنّنا نخشاه كا ... ن لنا من الظّلما جناح
لكنّنا في عصبةٍ ... ما في تهتّكهم جناح
لا ينكرون سوى ثقي ... لٍ لا يميل به مزاح
أفنى الذي قد جمّعو ... هـ الكأس والحدق الملاح وقلت بأركش:
قم هاتها لاح الصباح ... ما العيش إلا الإصطباح
مع فتيةٍ ما دأبهم ... إلاّ المروءة والسّماح
جرّبتهم فوجدتهم ... ما للمنى عنهم براح
يثنيهم نحو الصّبا ... نقر المثاني والمراح
ما نادموا شخصاً فكا ... ن لهم بخدمته استراح
بل يعرفون مكانه ... فله إذا شاء اقتراح
هم يتعبون وضيفهم ... ما دام عندهم يراح
ما إن يملّون النزي ... ل وبالرضى منه السراح
__________
(1) ج: طائعاً.
(2/305)

يدعونه بأجلّ ما ... يدعى به الحرّ الصّراح
حتى إذا ما بان كدّ ... ر عيشهم منه انتزاح
فعلى مثالهم يبا ... ح لي المدامع والنواح
كرهاً فقدتهم فما ... لي بعد بعدهم ارتياح
لله شوقي إن هفت ... من نحو أرضهم الرياح
فهناك قلبي طائرٌ ... لهم ومن شوقي جناح قال: وقلت بمدينة ابن السليم (1) في وصف كلب صيد أسود في عنقه بياض:
وأدهم دون حليٍ ظلّ حالي ... كأن ليلاً يقلّده صباح
يطير وما له ريش ولكن ... متى يهفو فأربعه جناح
تكلّ الطير مهما نازعته ... وتحسده إذا مرق الرياح
له الألحاظ مهما جاء سلكٌ ... ومهما سار فهي له وشاح قال: وقلت بنيل مصر:
يا نيل مصرٍ أين حمص ونهرها ... حيث المناظر أنجمٌ تلتاح
في كلّ شطٍّ للنّواظر مسرحٌ ... تدعو إليه منازحٌ وبطاح
وإذا سبحت فلست أسبح خائفاً ... ما فيه تيّارٌ ولا تمساح قال: وقلت وقد حضرت مع إخوان لي بموضعٍ يعرف بالسلطانية على نهر إشبيلية وقد مالت الشمس للغروب:
رقّ الأصيل فواصل الأقداحا ... واشرب إلى وقت الصباح صباحا
__________
(1) مدينة ابن السليم: اسم لمدينة شذونة، وكان بنو السليم قد استوطنوها بعد خراب قلشانة فسميت باسمهم (الروض المعطار: 162) .
(2/306)

وانظر لشمس الأفق طائرةً وقد ... ألقت على صفح الخليج جناحا
فاظفر بصفو الأفق قبل غروبها ... واستنطق وحثّ الراحا
متع جفونك في الحديقة قبل أن ... يكسو الظلام جمالها أمساحا وقلت بمرسيّة:
أقلقه وجده فباحا ... وزاد تبريحه فناحا
ورام يثني الدموع لمّا ... جرت فزادت له جماحا
يا من جفا فارفقن عليه ... مستعبداً لا يرى السراحا
يكابد الموت كلّ حينٍ ... لو أنّه مات لاستراحا
ينزو إذا ما لرياح هبّت ... كأنّه يعشق الرياحا
يسألها عن ربوع حمصٍ ... لمّا نما عرفها وفاحا
كم قد بكى للحمام كيما ... يعيره نحوها جناحا قال: وخرجت مرّة مع أبي إسحاق إبراهيم بن سهر الإسرائيلي (1) إلى مرج الفضة بنهر إشبيلية فتشاركنا في هذا الشعر (2) :
غيري يميل إلى كلام اللاحي ... ويمدّ راحته لغير الراح
لا سيما والغصن يزهو زهره ... ويميل عطف الشارب المرتاح
وقد استطار القلب ساجع أيكةٍ ... من كلّ ما أشكوه ليس بصاح
__________
(1) إبراهيم بن سهل من أشهر شعراء الأندلس في عصر وهو صديق ابن سعيد وزميله أيام الدراسة، وسيرد جانب من أخباره في مواطن من نفح الطيب. (انظر ترجمته في المغرب 1: 264 واختصار القدح: 140 - 141 والمسالك 11: 473 وشذرات الذهب 5: 244، 296 والفوات 1: 41 وهو ينقل عن تحفة القادم لابن الأبار) . وقد نشر ديوانه (دار صادر: 1967) عن نسخة خطية فيها كثير من شعره الذي لم ينشر من قبل، وكتبنا دراسة في حياته وشعره جعلناها مقدمة للديوان.
(2) انظر الأبيات في اختصار القدح: 79 وديوان ابن سعل: 92 والمسلك السهل: 250.
(2/307)

قد بان عنه جناحه عجباً له ... من جانحٍ للعجز حلف جناح
بين الرياض وقد غدا في مأتمٍ ... وتخاله قد ظلّ في أفراح
الغصن يمرح تحته والنهر في ... قصفٍ تزجّيه يد الأرواح
وكأنّما الأنشام فوق جنانه ... أعلام خزٍّ فوق سمر رماح
لا غرو أن قامت عليه أسطرٌ ... لمّا رأته مدرّعاً لكفاح
فإذا تتابع موجه لدفاعه ... مالت عليه فظلّ حلف صياح قال: وقلت بمالقة متشوّقاً إلى الجزيرة الخضراء:
يا نسيماً من نحو تلك النواحي ... كيف بالله نور تلك البطاح
أسقتها الغمام ريّاً فلاحت ... في رداءٍ ومئزرٍ ووشاح
أم جفته فصيّرته هشيماً ... تركته تذروه هوج الرياح
يا زماني بالحاجبيّة إنّي ... لست من سكر ما سقيت بصاحي
آه ممّا لقيت بعدك من هـ ... مّ وشوقٍ وغربةٍ وانتزاح
أين قومٌ ألفتهم فيك لمّا ... قرّب الدهر آذنوا بالرّواح
تركوني أسير وجدٍ وشوقٍ ... ما لقلبي من الجوى من سراح
أسلموني للويل حتى تولوا ... وأصاخوا ظلماً لقول اللّواحي
أعرضوا ثمّ عرّضوني لشوقٍ ... ترك القلب مثخناً بجراح
أسهر الليل لست أغفي لصبحٍ ... أترى النوم ذاهباً بالصباح
قد بدا يظهر النّجوم حليّاً ... وهو من لبسة الصبا في براح
مسبلاً ستره منعّم بالٍ ... وجفوني من سهده في كفاح
أيها الليل لا تؤمّل خلوداً ... عن قريبٍ يمحو ظلامك ماح
ويلوح الصباح مشرق نورٍ ... فيه للمستهام بدء نجاح
إنّ يوم الفراق بدّد شملي ... طائراً ليته بغير جناح
حالك اللّون شبه لونك فاعزب ... عن عياني يا شبه طير انتزاح
(2/308)

وإذا ما بدا الصباح فما يش ... به إلاّ لون الخدود الملاح وقلت بالجزيرة الخضراء:
قد رفعت راية الصّباح ... تدعو النّدامى للاصطباح
فبادروا للصّبوح إنّي ... قد بعت في غيّه صلاحي
ولا تميلوا عن رشف ثغرٍ ... وسمع شدوٍ وشرب راح
وأنت يا من يروم نصحي ... قد يئس القوم من فلاحي
فلست أصغي إلى نصيحٍ ... ما نهضت بالكؤوس راحي قال: وقلت أمدح ملك إفريقية وأهنئه بقتل ثائر من زناتة يدّعي أنه من نسل يعقوب المنصور:
برّح بي من ليس عنه براح ... ومن رأى قتلي حلالاً مباح
من صرّح الدمع (1) بحبّي له ... وما لقلبي عن هواه سراح
ظبيٌ عدمت الصبح مذ صدّني ... وكيف لا يعدم وهو الصباح
مورّد الخدّ سهيّ اللّمى ... منعّم الرّدف جديب الوشاح
تظنه من قلبه جلمداً ... ومنه للماء يجفني انسياح
لردفه أضعف من صبّه ... ولم أزل من لحظه في كفاح
نشوان من ريقته عربدت ... أجفانه بالمرهفات الصّفاح
فها أنيني خافتٌ مثل ما ... أنا أسيرٌ مثخنٌ بالجراح
يا قاتلي صدّاً أما تستحي ... أن تلزم البخل بأرض السّماح (2)
من ذا الذي يبخل في تونسٍ ... والملح فيها صار عذباً قراح
وأصبحت أرجاءها جنّةً ... مبيضّة الأبراج خضر البطاح
__________
(1) ق: ضرج الدمع؛ وفي نسخة: صرح القلب.
(2) سقط من ق، وأثبته دوزي في الحاشية.
(2/309)

لولا ندى يحيى وتدبيره ... ما برحت تغبرّ منها النّواح
لكن يداه سحبٌ كلّما ... حلّت بأرضٍ حلّ فيها النجاح
هذا وقد آمن من حلّها ... وحفّها، من غربة وانتزاح
كم شتّتوا من قبل تأميره ... وحكّمت فيهم عوالي الرماح
يا سائراً يرجو بلوغ المنى ... باكرا ذرا يحيى وقل لا رواح
وحيّه بالمدح فهو الذي ... يهتزّ كالهنديّ حين امتداح
بالشرق والغرب غدا ذكره ... يحثّ من حمدٍ وشكرٍ جناح
ساعده السعد وأضحت له ال ... آمال لا تجري بغير اقتراح
ويسّر الله له ملكه ... من غير أن يشهر فيه السلاح
وكلّ من كان على غيره ... ذا منعةٍ أمسى به مستباح
وكم جموحٍ عندما قام بالأم ... ر رأى القهر فخلّى الجماح
كفٌّ بكفٍّ للنّدى والردى ... بها معانٌ وهي خرسٌ فصاح
حتى لقد أحسب من سعده ... تجري على ما ترتضيه الرياح
قولوا ليعقوب فماذا جنى ... وابن أبي حمزة ماذا استباح
قد أصبحا من فوق جذعين لا ... يؤنسهم غير هبوب الرياح
واسأل عن الداعي والدعيّ الذي ... حاول أمراً كان عنه انضراح
أكان من صيّره والداً ... بزعمه أمّل فيه فلاح
شكراً لسعدٍ لم يدع فرقةً ... قد صيّر الملك كضرب القداح
راموا بلا جاهٍ ولا محتدٍ ... ما حزت بالحقّ فكان افتضاح
زناتةٌ يهنيكم فعلكم ... عاجلكم ثائركم باجتياح
كفّر ما قدّمتم آخرٌ (1) ... والخير لن يبرح للشرّ ماح
عهدي به في موكب الملك ما ... بينكم نشوان من غير راح
__________
(1) ق: آخراً.
(2/310)

يحسب أنّ الأرض ملكٌ له ... وروحه ملكٌ لسمر الرماح
غدا بعزّ الملك لكنّه ... أهون مملوكٍ على الأرض راح
جاءوا به يمرح في عزّه ... وهم أزالوا عنه ذاك المراح
توقّعوا في القرب منه الردى: ... من صحبة الأجرب يخشى الصّحاح
فأسرعوا نحوك يبغون ما ... عوّدتهم من عطفةٍ والتماح
فغادروه جانياً غدره ... لطائر البين عليه نياح
فالحمد لله على كلّ ما ... سنّى لك السعد برغم اللّواح
مثلك لا ينفد ما شاده (1) ... فلست تأتي الدهر إلاّ صلاح
لا زلت في عزٍّ وفي مكنةٍ ... وفي سرورٍ دائمٍ وانفساح قال: وقلت ببنيونش موضع الفرجة بسبتة:
اشرب على بنيونشٍ ... بين السواني والبطاح
مع فتيةٍ مثل النجو ... م لهم إذا مرّوا جماح
ساقيهم متبذّلٌ ... لا يمنع الماء القراح
كلٌّ يمدّ يمينه ... ما في الذي يأتي جناح
هبّوا عليه كلّما ... هبّت على الروض الرياح
طوع الأماني كلّ ما ... يأتي به فهو اقتراح
عانقته حتّى ترك ... ت بخصره أثر الوشاح وقلت بإشبيلية:
أوجه صبحٍ أم الصّباح ... ولحظها أن ظبى الصّفاح
وثغرها أم نظيم درٍّ ... وريقها أم سلاف راح
وقدّها أم قوام غصنٍ ... وعرفها أم شذا البطاح
__________
(1) ق: لا ينقد ما شاءه.
(2/311)

يا حبّذا زورةٌ تأتّت ... منها علىغفلة اللّواح
فلم أصدّق بها سروراً ... وظلت نشوان دون راح
أما منعت السلام دهراً ... ولا رسولٌ سوى الرياح
قالت: ألا فانس ما تقضّى ... فمن يدّع ما مضى استراح
يا حبّذاها وقد تأتّت ... من دون وعدٍ ولا اقتراح
زارت ومن نورها دليلٌ ... والليل قد أسبل الجناح
أخفت سراها فباح نشرٌ ... لها بعرفٍ فشا وفاح
وافت فأمسى فمي مداماً ... وساعداي لها وشاح
كأنّما بتّ بين روضٍ ... والغصن والورد والأقاح
فبينما الشمل في انتظامٍ ... إذ سمعت داعي الفلاح
فغادرتني، فقلت: غدراً ... قالت: أما تحذر افتضاح
ولّت وما خلت من صباحٍ ... يبدو على إثره صباح قال: وقلت بتونس:
لا مرحباً بالتين لمّا بدا ... يسحب من ليلٍ عليه الوشاح
ممزّق الجلباب يحكي ضحىً ... هامة زنجيٍّ عليها جراح
وإن تصحّفه فلا حبّذا ... ما قد أتى تصحيفه بانتزاح (1) وقلت بالجزيرة الخضراء، وقد كلّفت ذلك:
غرامي بأقوال العدا كيف ينسخ ... وعهدي وقد أحكمته كيف يفسخ
كلامكم لا يدخل السمع نصحه ... ولكن إذا حرضتم فهو يرسخ
وبي بدر تمٍّ قد ذللت لحسنه ... فمن ذا الذي فيما أتيت يوبّخ
إذا خاصموني في هواه خصمتهم ... ويبغون تنقيصي بذاك فأشمخ
__________
(1) تصحيف " نين "، " بين " أي فراق وانتزاح.
(2/312)

أرى أنّ لي فضلاً على كلّ عاشقٍ ... فقصّتنا في الدّهر ممّا يؤرّخ
فما بشرٌ مثلٌ له في جماله ... ووجدي به في العشق ليس له أخ وقلت بالإسكندرية، وقد تعذّر عليّ الحجّ عند وصولي إليها سنة تسع وثلاثين وستمائة:
قرب المزار ولا زمانٌ يسعد ... كم ذا أقرّب ما أراه يبعد
وارحمةً لمتيّمٍ ذي غربةٍ ... ومع التغرّب فاته ما يقصد
قد سار من أقصى المغارب قاصداً ... من لذّ فيه مسيره إذ يجهد
فلكم بحارٍ مع قفار جبتها ... تلقى بها الصمصام ذعراً يرعد
كابدتها عرباً وروماً، ليتني ... إذ جزت صعب صراطها لا أطرد
يا سائرين ليثربٍ بلّغتم ... قد عاقني عنها الزمان الأنكد
أعلمتم أن طرت دون محلّها ... سبقاً وها أنا إذ تدانى مقعد
يا عاذلي فيما أكابد قلّ في ... ما أبتغيه صبابةٌ وتسهّد
لم تلق ما لقيته فعذلتني ... لا يعذر المشتاق إلاّ مكمد
لو كنت تعلم ما أروم دنوّه ... ما كنت في هذا الغرام تفنّد
لا طاب عيشي أو أحلّ بطيبةٍ ... أفقٌ به خير الأنام محمّد
صلّى عليه من براه خيرةً ... من خلقه فهو الجميع المفرد
يا ليتني بلّغت لثم ترابه ... فيزاد سعداً من بنعمى يسعد
فهناك لو أعطى مناي محلّةً ... من دونها حلّ السّها والفرقد
عيني شكت رمداً وأنت شفاؤها ... من دائها ذاك الثرى لا الإثمد
يا خير خلق الله مهما غبت عن ... عليا مشاهدها فقلبي يشهد
ما باختيار القلب يترك جسمه ... غير الزمان له بذلك تشهد
يا جنّة الخلد التي قد جئتها ... من دون بابك للجحيم توقّد
صرم التواصل ذبّلٌ وصوارمٌ ... ما للجليد على تقحّمها يد
(2/313)

فلئن حرمت بلوغ ما أمّلته ... فلديّ ذكرى لا تزال تردّد
فلتنعشوا مني الذّماء بذكره ... ما دمت عن تلك المعالم أبعد
لولاه ما بقيت حياتي ساعةً ... هو لي إذا متّ اشتياقاً مولد
ذكرٌ يليه من الثناء سحائبٌ ... أبداً على مرّ الزمان يجدّد
من ذا الذي نرجوه لليوم الذي ... يقصى الظّماء به ويحمى المورد
يا لهف من وافى هناك وما له ... من حبّه ذخرٌ به يتزود
ما أرتجي عملاً ولكن أرتجي ... ثقتي به ولحسب من يتزود
ما صحّ إيمانٌ خلا من حبّه ... أبلا رياشٍ يستعدّ مهنّد
عن ذكره لا حلت عنه لحظةً ... ومديحه في كلّ حفلٍ أسرد
يا مادحي يبغى ثواباً زائلاً ... فثواب مدحي في الجنان أخلد
لولا رسول الله لم ندر الهدى ... وبه غداً نرجو النّجاة ونسعد
يا رحمةً للعالمين بعثت والدّن ... يا بجنح الكفر ليلٌ أربد
أطلعت صبحاً ساطعاً فهديت لل ... إيمان إلاّ من يحيد ويجحد
لم تخش في مولاك لومة لائمٍ ... حتى أقرّ به الكفور الملحد
ونصرت دين الله غير محاذرٍ ... ودعوت في الأخرى الألى قد أصعدوا
ولقيت من حرب الأعادي شدّةً ... لو كابدوها ساعةً لتبدّدوا
أيّان لا أحدٌ عليهم عاضدٌ ... إلا الإله ولم يخن من يعضد
فحماك بالغار الذي هو من أد ... لّ المعجزات وخاب من يترصّد
ووقاك من سمّ الذراع بلطفه ... كيما يغاظ بك العدى والحسّد
والجذع حنّ إليك والماء انهمى ... ما بين خمسك والصحابة شهّد
والذئب أنطق للذي أضحى به ... يهدى إلى سبل النّجاح ويرشد
وبليلة الإسرا حباك وسمّي ال ... صّديق من أضح لقولك يسعد
وحباك بالخلق العظيم ومعجز ال ... كلم الذي يهدى به إذ يورد
وبعثت بالقرآن غير معارضٍ ... فيه وأمسى من نحاه يعرّد
(2/314)

فتوالت الأحقاب وهو مبرّأ ... من أن يكون له مثالٌ يوجد
ولكم بليغٍ جال فصل خطابه ... والسّرج في ضوء الغزالة تهمد
زويت لك الأرض التي لا زال ح ... تى الحشر ربّك في ذراها يعبد
ونصرت بالرعب الذي لمّا يزل ... يترى كأن ما عين سخصك تفقد
فمتى تعرّض طاعنٌ أو حاد عن ... حرم الهداية فالحسام مجرّد
يا من تخيّر من ذؤابة هاشمٍ ... نعم الفخار لها ونعم المحتد
لسناك حين بدا بآدم أقبلت ... رعياً لأخراه الملائك تسجد
لم أستطع حصراً لما أعطيته ... فذكرت بعضاً واعتذاري منشد
ماذا أقول إذا وصفت محمّداً ... نفد الكلام ووصفه لا ينفد
فعليك يا خير الخلائق كلّها ... مني التحيّة والسلام السرمد قال: وقلت بإشبيلية:
هل تمنع النّهود ... ما أبدت الخدود
نعم وكم طعينٍ ... بطعنها شهيد
يا ربّة المحيّا ... حفّت به السعود
لم تسكر الحميّا ... بل ريقك البرود
لله يا عذولي ... ما تكتم البرود
ما زلت فيه أفنى ... والوجد مستزيد
يا هل ترى زماناً ... مضى لنا يعود
لدى العروس سقّت ... جنابها العهود (1)
حيث الغصون مالت ... كأنّها قدود
وزهرها نظيمٌ ... كأنّه عقود
__________
(1) العروس: من متنزهات إشبيلية.
(2/315)

حمامها تغنّي ... أعطافها تميد
وبالنّسيم شقّت ... لنهرها برود
فروعه سيوفٌ ... وسوره بنود
هناك كم دعتني ... إلى الورود رود
فنلت كلّ سؤلٍ ... يفنى به الحسود
قضيت فيه عيشاً ... ما بعده مزيد
أضحي به وأمسي ... مرنّحاً أميد
كأنّني يزيد ... كأنّني الوليد
يجري الزمان طوعي ... بكلّ ما أريد
الخمر ملّكتني ... فالخلق لي عبيد
يحقّ لي إذا ما ... أبصرتها تجود
فها أنا إذا ما ... فقدتها فقيد
يا من يلوم بغياً ... العذل لا يفيد
إذا عدمت كأسي ... فليس لي وجود وقال: وقلت بإشبيلية:
أوما نظرت إلى الحمامة تنشد ... والغصن من طربٍ بها يتأوّد
ونثاره ألقاه جائزة (1) لها ... لمّا يزل بيد النسيم يبدّد
ألقى عليها الطلّ برداً سابغاً ... فثناؤه طول الزمان يردّد
أترى الحمامة من محبٍّ ملخصٍ ... أولى بشكرٍ حين تغمره يد
فلأثنينّ عليك ما أثنى بأع ... لى الغصن حنّان الهديل مغرّد
كم نعمةٍ لي في جنابك كم أكا ... بد جهدها أيّان برّك يجهد
__________
(1) ق ج: ألقى جمائره.
(2/316)

وقال:
أرى العين منّي تحسد الأذن كلّما ... جرت مدحةٌ للعلم والفضل والمجد
أحقّق أنباءً ولم أر صورةً ... كتحقيقي الأخبار عن جنّة الخلد
فمنّ على عيني بلقياك إنّني ... أخذت لها أمناً بذاك من السّهد قال: وقلت أمدح ابن عمي وأشكره (1) ، على ما أذكره:
آه ممّا تكنّ فيك الجوانح ... ودموعي على نواك سوافح
واشتفاءٌ من العدوّ ببينٍ ... كدّر العيش، أي عيشٍ لنازح
يا أتمّ الأنام حسناً أما تح ... سن حتى يتمّ إطراء مادح
يا زمان الوصال عوداً فإنّي ... طوّحت بي لمّا غدرت الطوائح
أين عيش العروس إذ يبطح السك ... ر حبيبي ما بين تلك الأباطح
والأماني تترى ولا أحدٌ ين ... صح إذ لا يصغى إلى قول ناصح
وزمان السرور سمحٌ مطيعٌ ... ورسول الحبيب غادٍ ورائح
ولكم ليلةٍ أتاني بلا طي ... بٍ ولكن يزري بأذكى الروائح
هو ظبيّ فليس يحتاج طيباً ... قد كفاه عرفٌ من المسك فائح
مثل عليا محمدٍ لم تكن كس ... باً وما لا يكون في الطبع فاضح
يا كريماً أتى من الجود ما لا ... كان يدرى فأوجدته المدائح
وعلا كلّ ذي علاءٍ وأضحى ... نحو ما لا يرومه الناس طامح
قد أتاني إحسانك الغمر في إث ... ر سواه فكنت أكمل مادح
فاض بحر النوال منك ولا سا ... حل يبدو ولم أزل فيه سابح
حللٌ مثل ما كسوتك في المد ... ح تميت العدا ومالٌ سابح (2)
__________
(1) دوزي: وأشكوه.
(2) ق ج ودوزي: وسائح؛ والسابح فرس أهداه إليه.
(2/317)

أورد الورد (1) منطقي كلّ شكرٍ ... حين أضحى طوع البنان مسامح
لون خدّ الحبيب حين كسوه ... حلّة الحسن بالعيون اللّوامح
شفقٌ سال بين عينيه صبحٌ ... حسنه قيّد اللحاظ السوارح
لم أجد فيه من جماحٍ ولك ... نّ ثنائي عليك ما زال جامح
لك يا ابن الحسين ذكرٌ جميلٌ ... صيّر الكلّ نحو بابك جانح
قد هدى نحوك الثناء كما يه ... دي إلى الروض باسمات النوافح
فاعذر الناس إن أتوا لك أفوا ... جاً فكلٌّ بقصد فضلك رابح
ما هدتهم إليك إلاّ الأماني ... لم تحلهم إلا عليك القرائح
قل لذي المفخر الحديث تأخّر ... ليس مهرٌ في شأوه مثل قارح
أيّ أصلٍ وأيّ فرعٍ أقاما ... شرفاً ظلّ للنّجوم يناطح
قد حوت مذحجٌ من الفخر لمّا ... كنت منها ما ليس يحويه شارح
أفق مجدٍ قد زانه منك بدرٌ ... في ظلام الخطوب ما زال لائح
بدر تمٍّ حفّت به هالةٌ ... من بيت مجدٍ علاؤها الدهر واضح
يا سماكاً بمسكه القلم الأع ... لى بدا بين أنجم الملك رامح
رفع الله للكتابة قدراً ... بعدما كابدت توالي الفضائح
يا أعزّ الأنام نفساً وأعلا ... هم محلاًّ لا زال أمرك راجح
أين أعداؤك الذين رعى سي ... فك فيهم فأشبهوا قوم صالح
أفسد الدهر حالهم ليرى حا ... لك رغماً بمن يناويك صالح
دمت في عزّةٍ وسعدٍ مدى الده ... ر ولا زال طائرٌ منك سانح [أبو عبد الله ابن سعيد]
وابن عمه المذكور قال في حقه في المغرب ما ملخّصه (2) :
__________
(1) الورد: الفرس الوردي اللون.
(2) انظر المغرب 2: 168 ونص المقري مختلف كثيراً عما هو في المغرب، وفي هذا تأكيد لاختلاف نسخ الكتاب؛ وانظر ترجمة أبي عبد الله ابن سعيد أيضاً في تاريخ ابن خلدون 6: 294.
(2/318)

إنّه الرئيس الأعلى، ذو الفضائل الجمة، أبو عبد الله محمد بن الحسين بنأبي الحسين سعيد بن الحسين بن سعيد بن خلف بن سعيد، قال: واجتماع نسبنا مع هذا الرئيس في سعيد بن خلف، وهو الآن قد اشتمل عليه ملك إفريقية اشتمال المقلة على إنسانها، وقدمه في مهماته تقديم الصّعدة لسنانها، وأقام لنفسه مدينة حذاء حضرة تونس، واعتزل فيها بعسكر الأندلس الذي صيّرهم الملك المنصور إلى نظره، وهو كما قال الفتح صاحب القلائد فقد جاء آخرهم، فجدد مفاخرهم، ومن نظمه وقد نزل على من قدم له مشروباً أسود اللون غليظاً وخروباً وزبيباً أسود وزبيباً كثير الغضون جاءت به عجوز في طبق، فقال:
ويوم نزلنا بعبد العزيز ... فلا قدّس الله عبد العزيز
سقانا شراباً كلون الهناء ... ونقّلنا بقرون العنوز
وجاءت عجوزٌ فأهدت لنا ... زبيباً كخيلان خدّ العجوز ونزل السلطان أبو يحيى في بعض حركاته لموضع فيه نهر، وعلى شطّه نورٌ، فقال الرئيس أبو عبد الله ابن الحسين يصفه أو أمر بذلك:
ونهر يرفّ الزهر (1) في جنباته ... ويثني النّسيم قضبه فتأطّر
يسيل كما عنّ الصباح بأفقه ... وإلا كما شيم الحسام المجوهر
عليه ليحيى قبّةٌ، هل سمعتم ... بقرصة شمسٍ حلّ فيها غضنفر
فإن قلت هذي قبّةٌ لعفاتها ... فقل ذلك الوادي الذي سال كوثر وقال أبو عمرو أحمد بن مالك بن سيد أمير اللخمي الشابي في ذلك:
وأرضٍ من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماءٍ فوقها تتفجّر
__________
(1) ق ودوزي: النور.
(2/319)

كما سبحت تبغي الحياة أراقمٌ ... على روضةٍ فيها الأقاح المنوّر
وإلا كما شقّت سبائك فضّةٍ ... بساطاً على حافاته الدّرّ ينثر وقال أبو علي يونس:
انظر إلى منظرٍ يسبيك منظره ... ويزدهيك بإذن الله مخبره
ومعجبٍ معجبٍ لا شيء يشبهه ... خرير ماءٍ نميرٍ ثمّ منهره
كأنّما فرشت بالدّرّ صفحته ... فالماء ينظمه طوراً وينثره
كأنّ خلجانه قدّت على قدرٍ ... بمائها قسمٌ يجري مفجّره
أحلّ سيدنا الميمون قبّته ... بحوزه فغدا يزدان جعفره رجع إلى ما كنا فيه من أخبار الرئيس ابن الحسين، فنقول: رأيت بالمغرب آخر كتاب " روح السحر " من نسخة ملوكية كتبت له أبياتاً علق بحفظي منها الآن ما نصه:
تمّ روح السحر نسخاً فأتى ... مصحباً باليمن والفخر البعيد
لأبي عبد الإله المرتقي ... في ذرا المجد الرئيس ابن سعيد ولم أحفظ تمام الأبيات.
وقال أبو الحسن علي بن سعيد: كتبت إليه من أبيات بحضرة تونس وقد نقل إليه تعض الحساد ما أوجب تغيّره:
ومن بعد هذا قد أتيت بزلّةٍ ... أما حسنٌ أن لا تضيق بها صدرا
وعلمك حسبي بالأمور فإنّني ... عهدتك تدري سرّ أمري والجهرا
وقد أصلح الله الأمور بسعيكم ... ونيتكم صلحاً على البشر والبشرى
ولم يبق لي إلاّ رضاك فإن به ... كتبت ولو حرفاً أطبت لي العمرا
فبقّيت كهفاً للجميع وموئلاً ... ولا زلت ما دام الزمان لنا سترا
(2/320)

فكتب إلي هذه الأبيات، وكان متمرضاً، وبعث إلي بما يذكر:
أكفّ الصّبا حفّت جنى زهر الربى ... سؤالك عن نضوٍ يسامي بك الزّهرا
بعثت بمثل الزهر في مثل صفحةٍ ... لذلك ما قلّدتها الشّذر والدّرّا
معانٍ لها أعنو وأعنى بها فكم ... وقفت عليها العين والسمع والفكرا
فلو عرضت للبحر لن يلفظ الدّرّا ... ولو عارضت هاروت لم ينفث السحرا
أب حسن هنئت ما قد منحته ... ضروباً من الآداب تحلي بها الدهرا
ودونك بحراً من ودادي تلاطمت ... به زاخرات المدّ لا يعرف الجزرا
فإن خطرت في جانبٍ منك هفوةٌ ... فلا تحسبن أنّي أضيق بها صدرا
يزلّ الجواد عندما يبلغ المدى ... ويعثر بالرّمث النسيم إذا أسرى
فدع ذا وخذها شائباتٍ قرونها ... عروباً لعوباً جائزاً حكمها بكرا
ولو غادرت أوصافها متردّماً ... لشنّفت من أشعرها أذن الشّعرى
ألا فاحجبنها عن صديقٍ معمّمٍ ... فإنّ قصارى الغمر أن يبكي العمرا
ومن كان ذا حجرٍ ونبلٍ ورقّةٍ ... فلا يخلون إلاّ على الخمرة الحمرا
قرنت بها صفراء لم تعرف الهوى ... ولا ألفت وصلاً ولا عرفت هجرا
ولا ضمّخت تضخ العبير وإن غدت ... تؤخّره لوناً وتفضحه نشرا
فإن خلتها بنت الظليم أظلّها ... فقد فرش الإذخرّ من تحتها تبرا
لها نسبٌ بين الثريّا أو الثرى ... وسل برباها المزن والغصن النضرا
فشرباً دهاقاً وانتشاقاً ولا ترم ... عن البيت فتراً أو تقيم به شهرا وله في الخشكلان (1) :
هو الأهلّة لكن ... تدعونه خشكلانا
فإن تفاءلت صحّف ... تجد: حبيبك لانا انتهى باختصار.
__________
(1) الخشكلان (بالفارسية: خشك نان) نوع من الخبز أو البقسمط في شكل هلالي.
(2/321)

وحظي المذكور جدّاً عند السلطان ملك إفريقية أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ولما مات السلطان المذكور، وحدثت فتنة بموته واختلاف، ثم استقرت الدولة لابنه الشهير الكبير القدر أبي عبد الله المستنصر ممدوح حازم بالمقصورة، وقاتل ابن الأبار القضاعي (1) - سخط على الرئيس ابن الحسين المذكور، وقبض على دياره وأمواله، وصيره كالمحبوس، فكتب إليه رقعة يطلب الاجتماع به في مصلحة للدولة، فأحضره، وسأله فأخبره بأن أباه صنع داراً عظيمة تحت الأرض، وأودع فيها من أنواع المال والسلاح ما جعله عدّة وذخيرة لسلطانه، ولم يترك على وجه الأرض من له علم بهذا الموضع الذي أودعه نفائس أمواله غيري، وأوصاني أنّه إذا انتقل إلى جوار ربه، إذ توقع أن تقع فتنة بين أقاربه، أنّه إذا انقضت سنة واستقر الأمر لأحد من ولدي أو من يتيقن أنّه يصلح لأمور المسلمين، فأطلعه على هذه الذخائر، فربما فنيت الأموال بالفتنة، فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة، ففرح السلطان، وبادر إلى تلك الدار، فرأى ما ملأ عينه، وسرّ قبله، وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه، وبدر الأموال بين يديه، وأعاده إلى أحسن أحواله، وجعله وزيراً لديه، كما كان أبوه مفوضاً أموره إليه، وقال السلطان: إن من أوجب شكر الله عليّ أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعيّة الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه، وأمر بالنداء فيهم، وأحضرهم وكلّ من حلف على شيء قبضه وانصرف.
[ذكر المستنصر الحفصي]
وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته، فكتب لأبي عبد الله
__________
(1) ستأتي ترجمة حازم وابن الأبار والتعريف بهما؛ أما مقصورة حازم فمطلعها:
لله ما قد هجت يا يوم النوى ... على فؤادي من تباريح الجوى وهي التي شرحها الشريف الغرناطي في ما سماه " رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة ".
(2/322)

الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله:
ليحضر كلّ ليثٍ ذي منال ... زكا فرعاً لإسداء النّوال
غداً يوم الخميس فما شغلنا ... بأسد الوحش عن أسد الرجال وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده، وقيل: بل سلّم عليه الموحدون يوم عيد بتونس، وفيهم شاب مليح وسيم اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه، وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه، وازداد حسناً، فقال السلطان هذا المصراع:
كلّمته فكلمت صفحة خدّه ... وسأل من الحاضرين الإجازة، فلم يأتوا بشيء، فقال السلطان مجيزاً شطره:
فتفتّحت فيها شقائق جدّه ... وهذا من البدائع مع ما فيه من التورية والتجنيس.
وممّا نسبه له أبو حيان بسنده إليه:
ما لي عليك سوى الدّموع معين ... إن كنت تغدر في الهوى وتخون
من منجدي غير الدموع وإنّها ... لمغثيةٌ مهما استغاث حزين
الله يعلم أن ما حمّلتني ... صعبٌ ولكن في رضاك يهون وكان للسلطان المذكور سعد يضرب به المثل، حتى إنّه كتب له صاحب مكّة البيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف، كما ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه الكبير، وسرد نصّها، وهي من الغرائب.
ومن سعده أن الفرنسيس الذي كان أسر بمصر وجعل في دار ابن لقمان والطواشي صبيح يحرسه لما سرّح جاء من أمم النصرانية لبلاد المسلمين بما لم يجتمع قط مثله، حتى قيل: إنّهم كانوا ألف ألف، فكتب إليه أهل مصر من
(2/323)

نظم ابن مطروح القصيدة المشهورة التي منها:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقالةً من ذي لسانٍ فصيح إلى أن قال:
دار ابن لقمان على حالها ... ومصر مصرٌ والطواشي صبيح والقصيدة مشهورة فلذلك لم أسردها، فصرف الفرنسيس جيوشه إلى تونس، فكتب إليه بعض أدباء دولة المستنصر:
أفرنسيس، تونسٌ أخت مصرٍ ... فتأهب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبرٌ ... وطواشيك منكرٌ ونكير فقضى الله سبحانه وتعالى أنّه مات في حركته لتونس، وغنم المستنصر غنيمة ما سمع بمثلها قط، ويقال: إنّه دس إليه سيفاً مسموماً من سلّه أثر فيه سمّه، وقلده رسولاً إليه بعد أن جعل عليه من الجواهر النفيسة ما لم ير مثله عند غيره، وقال للرسول: إن الفرنسيس رجل كثير الطمع، ولولا ذلك ما عاود بلاد المسلمين بعد أسره، وإنّه سيرى السيف، ويكثر النظر إليه، فإذا رأيته فعل ذلك فانزعه من عنقك وقبّله، وقل له: هذا هدية مني إليك، لأن من آدابنا مع ملوكنا أن كل ما وقع نظر الملك عليه وعاود النظر إليه بالقصد فلا بد أن يكون له، ويحرم علينا أن نمسكه، لأن ما أحبه المولى على العبيد حرام، وتكراره النظر إليه دليل على حبّه له، ففرح النصراني بذلك، وأسرع الرسول العود إلى سلطانه، فسلّ النصرانيّ السيف، فتمكّن فيه السم بالنظر، فمات في الحين، وفرّج الله تعالى عن المسلمين.
رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن سعيد:
قال ابن العديم في تاريخ حلب: أنشدني شرف الدين أبو العباس أحمد بن
(2/324)

يوسف التيفاشي (1) بالقاهرة في أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي يشير إلى كتاب أبي الحسن الذي جمعه من محاسن المغرب وسمّاه " المغرب ":
سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً ... وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التّقييد
لم يدع للمؤرخين مقالاً ... لا ولا للرّواة بيت نشيد
إن تلاه على الحمام تغنّت ... ما على ذا في حسنه من مزيد وأنشدني أبو العباس التيفاشي لنفسه فيه:
يا طيّب الأصل والفرع الزكيّ كما ... يبدو جنى ثمرٍ من أطيب الشّجر
ومن خلائقه مثل النّسيم إذا ... يهفو على الزّهر حول النهر في السّحر
ومن محيّاه والله الشّهيد إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببرٍّ لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآناً مع السّور
أهديت لي الغرب مجموعاً بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ... بكلّ من فيه من بدوٍ ومن حضر
نعم ولاقيت أهل الفضل كلّهم ... في مدّتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ... فقد رددت عليّ الصدر من عمري
وكنت لي واحداً فيهم جميعهم ... ما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشرٌ ... مفيد عمرٍ جديد الفضل مبتكر
__________
(1) التيفاشي (- 651) منسوب إلى تيفاش من قرى قفصة بأفريقية هاجر من بلده إلى القاهرة وتعلم فيها ثم عاد إلى بلده وتولى القضاء فيه، ورجع إلى المشرق فسلب ماله وكتبه في البحر، فلجأ إلى الصاحب محمد بن محمد بن سعيد بن ندى الجزري الذي عاش ابن سعيد مدة في كنفه وألف مستعيناً بمكتبة ابن ندى كتابه الكبير " فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب " في 24 مجلدة، وقد اختصر ابن منظور وسماه " سرور النفس بمدارك الحواس الخمس " ويمثل " نثار الأزهار " قطعة منه، وألف أيضاً كتابين في الجواهر (الوافي 8 الورقة: 133) .
(2/325)

ومن نظم أبي الحسن ابن سعيد قوله:
وعشيّةٍ بلغت بنا أيدي النّوى ... منها محاسن جامعاتٍ للنّخب
فحدائقٌ ما بينهنّ جداولٌ ... وبلابلٌ فوق الغصون لها طرب
والنّخل أمثال العرائس لبسها ... خزٌّ وحليتها قلائد من ذهب ومن نظمه رحمه الله تعالى في حلب قوله:
حادي العيس كم تنيخ المطايا ... سق فروحي من بعدهم في سياق
حلبٌ إنها مقرّ غرامي ... ومرامي وقبلة الأشواق
لا خلا جوسقٌ وبطياس والسع ... داء من كلّ وابلٍ غيداق
كم بها مرتعٌ لطرفٍ وقلبٍ ... فيه يسقى المنى بكأسٍ دهاق
وتغنّي طيوره لارتياحٍ ... وتثنّى غصونه للعناق
وعلّو الشهباء حيث استدارت ... أنجم الأفق حولها كالنطاق وقوله أيضاً في حماة:
حمى الله من شطّي حماة مناظراً ... وقفت عليها السمع والفكر والطّرفا
تغنّي حمامٌ أو تميل خمائلٌ ... وتزهى مبانٍ تمنح الواصف الوصفا
يلومون أن أعصي التّصوّن والنّهى ... بها وأطيع الكأس واللهو والقصفا
إذا كان فيها النهر عاصٍ فكيف لا ... أحاكيه عصياناً وأشربها صرفا
وأشدو لدى تلك النواعير شدوها ... وأغلبها رقصاً وأشبهها غرفا
تئنّ وتذري دمعها فكأنّها ... تهيم بمرآها وتسألها العطفا وقوله في وداع ابن عمه وكتب بهما إليه:
وداعٌ كما ودّعت فصل ربيع ... يفضّ ضلوعي أو يفيض دموعي
لئن قيل في بعضٍ يفارق بعضه ... فإنّي قد فارقت منك جميعي
(2/326)

قال: فأرسل إليّ إحساناً، واعتذر ولسان الحال ينشد عنه:
أحبّك في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبّك من بعيد وقوله، وقد أفلت المركب الذي كان فيه من العدو:
أنظر إلى مركبنا منقذاً ... من العدا من بعد إحراز
أفلت منهم فغدا طائراً ... كطائرٍ أفلت من بازي وقال رحمه الله تعالى لما خرج من حدود إفريقية:
رفيقي جاوزنا مواطنٍ ... صحبنا بها الأيّام طلقاً محيّاها
وما إن تركناها لجهلٍ بقدرها ... ولكن ثنت عنّا أعنّة سقياها
فسرنا نحثّ السّير عنها لغيرها ... إلى أن يمنّ الله يوماً بلقياها وكان وصوله بالإسكندرية في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وقال رحمه الله تعالى: أخذت مع والدي يوماً في اختلاف (1) مذاهب الناس، وأنهم لا يسلمون لأحد في اختياره، فقال: متى أردت أن يسلم لك أحد في هذا التأليف - أعني المغرب - ولا تعترض أتبعت (2) نفسك باطلاً، وطلبت غاية لا تدرك، وأنا أضرب لك مثلاً: يحكى أن رجلاً من عقلاء الناس كان له ولد، فقال له يوماً: يا أبي، ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم، فقال: يا بني، إنّك غرٌّ لم تجرّب الأمور، وإن رضى الناس غايةٌ لا تدرك، وأنا أوقفك على حقيقة ذلك، وكان عنده حمار، فقال له: اركب هذا الحمار وأنا أتبعك ماشياً، فبينما هما كذلك إذ قال رجل:
__________
(1) مذاهب: سقطت من دوزي.
(2) ق ج: أتعبت.
(2/327)

أنظر، ما أقلّ هذا الغلام بأدب، يركب ويمشي أبوه، وانظر ما أشد تخلّف والده لكونه يتركه لهذا، فقال له: انزل أركب أنا وامش أنت خلفي، فقال شخص آخر: انظر هذا الشخص، ما أقلّه بشفقة، ركب وترك ابنه يمشي، فقال له: اركب معي، فقال شخص: أشقاهما الله تعالى، انظر كيف ركبا على الحمار، وكان في واحد منهما كفاية، فقال له: انزل بنا، وقدّماه وليس عليه راكب، فقال شخص: لا خفّف الله تعالى عنهما، انظر كيف تركا الحمار فارغاً وجعلا يمشيان خلفه، فقال: يا بني، سمعت كلامهم، وعلمت أن أحداً لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان، انتهى.
[مقتبسات من خطبة المغرب]
وقال في أثناء خطبة المغرب ما نصه: والحمد لله الذي جعل الأدب أفضل ما اكتسب، وأفضل ما انتخب، إذ هو ذخر لا يخاف كساده، وكنز لا يخشى انتقاصه وإن كثر مرتاده، ولله درّ القائل:
رأيت جميع الكسب يفقده الفتى ... وتبقى له أخلاقه والتّأدّب
إذا حلّ في أرضٍ أقام لنفسه ... بآدابه قدراً به يتكسّب
وأومأ كلٌّ نحوه، ولعلّه ... إلى غير أهلٍ للنباهة ينسب وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة:
فأثبتّ في كلّ المواطن همّةً ... إلى طلب العلم الذي كان مطّرح
وصيّرت من قد كان بالنّظم جاهلاً ... يحاوله كيما تجود لك المدح وقال أيضاً في الخطبة: وبعد، فهذا كتاب راحةٍ قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار، وكل عناء سهل إذا أنجح القصد، وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة، ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وقال: وأول
(2/328)

من كان السبب في ابتداء هذا الكتاب جدّ والدي عبد الملك بن سعيد، وهو إذ ذاك صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك البربر، إلى أن استبدّ بها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقصده في سنة ثلاثين وخمسمائة حافظ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحجاري وصنف له كاب المسهب في غرائب المغرب في نحو ستة أسفار، وابتدأ فيه من فتح الأندلس إلى التاريخ الذي ابتدأه فيه، وهو سنة ثلاثين وخمسمائة، ثمّ ثار في خاطر عبد الملك أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري، وتولع بمطالعته ابناه أبو جعفر ومحمد، وأضافا له ما استفاداه، ولم يزل يزيد إلى أن استبدّ به محمد، فاعتنى به أشد اعتناء، ثم استبدّ به والدي - وكان أعلمهم بهذا الشأن، وبلغ من اجتهاده في هذا الكتاب أنني أذكره يوماً وقد نوّه به ابن هودٍ وهو ملك الأندلس وولاّه الجزيرة الخضراء، فأعلمه شخص أن عند أحد المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس من شعر شعرائها، وأخبار رؤسائها، الذين تحتوي عليهم دولة بني عبد المؤمن، فأرسل إليه راغباً في استعارتها، فأبى، وقال: عليّ يمين أن لا تخرج عن منزلي، وقال: إن كانت له حاجة يأتي على رأسه، وكان جاهلاً، فلما سمع والدي ضحك وقال: سر معي إليه، فقلت له: ومن يكون هذا حتى نمشي له على هذه الصورة فقال: إني لا أمشي له، ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم، أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم قلت: لا، قال: فإن الأثر ينوب عن العين، فمشينا إلى منزل الرجل، فوالله ما أنصفنا في اللقاء؛ فلما قضينا منها الغرض صرفها إليه والدي وشكره، وقال: هذه فائدة لم أجدها عند غيرك، فجزاك الله تعالى خيراً، ثم انفصل وقال: ألم تعلم يا بني أنني سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية، وإن هذا والله أوّل السعادة، وعنوان نجاحها.
(2/329)

[قلعة بني سعيد]
والقلعة التي كان بها بنو سعيد تعرف بهم فيقال لها: قلعة بني سعيد، وكانت تعرف قبل بقلعة أسطلير، وهو عين لها، وقال الملاّحي في تاريخه: إنّها تعرف بقلعة يحصب، قبيلٍ من اليمن نزل بها عند فتح الأندلس، وبها كما مرّ صنّف الحجاري كتاب " المسهب " لصاحبها عبد الملك بن سعيد.
وفي بني سعيد يقول الحجازي:
قومٌ لهم في فخرهم ... شرف الحديث مع القديم
ورثوا الندى والبأس وال ... عليا كريماً عن كريم
من كلّ وضّاحٍ به ... يجلى دجى الّليل البهيم [أولية بني سعيد]
وكان أوّل من دخل الأندلس (1) من ولد عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن سعد بن عمار، وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه، وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري صاحب الأندلس آخر دولة بني أمية بالمشرق كتب إليه أن يدافع عبد الرحمن بن معاوية المرواني الداخل للأندلس، وكان إذ ذاك أميراً على اليمانية من جند دمشق، وإنّما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمّار بصفّين على يد عسكر معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان عمار من شيعة علي رضي الله تعالى عنهما.
__________
(1) قارن بما ورد في المغرب 2: 161.
(2/330)

[شعر لأبي بكر بن سعيد]
وقال الحجاري: أنشدني أبو بكر محمد بن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثّمين لنفسه، فيما يليق بجنسه:
إن لم أكن للعلاء أهلاً ... بما تراه فمن يكون
وكلّ ما أبتغيه دوني ... ولي على همّتي ديون
ومن يرم ما يقلّ عنه ... فذاك من فعله جنون
فرعٌ بأفق السماء سامٍ ... وأصله راسخٌ مكين ومن نظمه قوله أيضاً:
الله يعلم أنّي ... أحبّ كسب المعالي
وإنّما أتوانى ... عنها لسوء المآل
تحتاج للكدّ والبذ ... ل واصطناع الرجال
دع كلّ من شاء يسمو ... لها بكلّ احتيال
فحالهم بانعكاس ... فيها وحالي حالي [ترجمة الغساني من المغرب]
ولما ذكر ابن سعيد في " المغرب " (1) ترجمة الكاتب الرئيس المجيد أبي العباس أحمد الغساني كاتب ملك إفريقية قال: بماذا أصفه ولو أن النجوم تصير لي نثراً لما كنت أنصفه، وكفاك أنّي اختبرت الفضلاء من البحر المحيط إلى حضرة القاهرة، فما رأيت أحسن ولا أفضل عشرة منه، ولما فارقته لم
__________
(1) ليس له ترجمة في المغرب المطبوع، وقد أشرت من قبل إلى ترجمته في اختصار القدح: 12.
(2/331)

أشعر إلاّ برسالته قد وافتني بالإسكندرية من تونس، وفيها قصيدة فريدة منها (1) :
إيهٍ أبا الحسن استمع شدوي فقد ... يصغي الحمام إذا الحمام ترنّما ثمّ سرد بعضاً من القصيدة، وستأتي قريباً إن شاء الله تعالى، بزيادة على ما ذكر منها في المغرب.
[إجازته للتيفاشي رواية المغرب]
رجع - وجد بخطّه رحمه الله تعالى آخر الجزء من كتاب المغرب ما نصّه: أجزت الشيخ القاضي الأجلّ أبا الفضل أحمد ابن الشيخ القاضي أبي يعقوب التّيفاشي، أن يروي عني مصنّفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب ويرويه من شاء ثقة بفهمه، واستنامة إلى علمه، وكذلك أجزت لفتاه النبيه جمال الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن خطلخ الفارسي الأرموي أن يرويه عني، ويرويه من شاء، وكتبه مصنفه علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد في تاريخ الفراغ من نسخ هذا السّفر، انتهى.
[شعر لابن سعيد]
وقال في وسيم من أبناء العجم صحبه في الطريق من حلب إلى بغداد فمات، وكان ظريفاً أديباً (2) :
لهفي على غصنٍ ذوى ... أفقدته لمّا استوى
ريّان من ماء الصّبا ... ومن المدامع ما ارتوى
__________
(1) انظر هذه القصيدة في اختصار القدح: 19 وجواب ابن سعيد عليها ص: 5.
(2) الأبيات في اختصار القدح: 8.
(2/332)

لا تعذلوني إن نطق ... ت الدهر فيه عن الهوى
كم ضلّ صاحبه بسح ... ر اللحظ منه وكم غوى
أنا لا أفيق الدهر في ... هـ من الصبابة والجوى
إنّ الهوى حيّاً ومي ... تاً لا يزال له سوا
كم قد نويت به النّعي ... م فقدّر الله النوى
دار السلام حويت من ... كلّ المحاسن قد حوى
مجموع حسنٍ قد ثوى ... في جنّةٍ وبها ثوى وولد أبو الحسن علي بن موسى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر رمضان عام عشرة وستمائة، وهو علي بن وموسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر، رضي الله تعالى عنه.
[ترجمة والد ابن سعيد من المغرب]
وقال في المغرب لما عرف بوالده الكاتب الشهير أبي عمران موسى ابن محمد بن عبد الملك بن سعيد، ما محصّله (1) : لولا أنّه والدي لأطنبت في ذكره، ووفيته من الوصف حق قدره، لكن كفاه وصفاً ما أثبتّه له في هذه الترجمة، وما مر له ويمر في أثناء هذا الكتاب، وكون كلّ من اشتغل بهذا التأليف نهراً وهو بحر، واشتهاره في حفظه التاريخ والاعتناء بالآداب في بلاده، بحيث لا يحتاج إلى تنبيه ولا إطناب، وله من النظم والنثر ما تضج الأقلام من كثرته، ويستمد القطر من درّته، وممّا شاهدت من عجائبه أنّه عاش سبعاً
__________
(1) المغرب 2: 99 ويشبه أن يكون نص المغرب المطبوع تلخيصاً لهذه الترجمة التي أوردها المقري.
(2/333)

وستين سنة ولم أره يوماً يخلي مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده، حتى إن أّيام الأعياد لا يخليها من ذلك، ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب، فقلت له: يا سيدي، أفي هذا اليوم لا تستريح فنظر إلي كالمغضب وقال: أظنك لا تفلح أبداً، أترى الراحة في غير هذا والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب المغرب على غرضي؛ قال: فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذّ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن، ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه. وكان أولع الناس بالتجول في البلدان، ومشاهدة الفضلاء، واستفادة ما يرى وما يسمع، وفي تولّعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول:
يا مفنياً عمره في الكأس والوتر ... وراعياً في الدّجى للأنجم الزّهر
يبكي حبيباً جفاه أو ينادم من ... يهفو لديه كغصنٍ باسم الزّهر
منعّماً بين لذّات بمحّقها ... ولا يخلد من فخرٍ ولا سير
وعاذلاً لي فيما ظلت أكتبه ... يبدي التعجب من صبري ومن فكري
يقول ما لك قد أفنيت عمرك في ... حبرٍ وطرسٍ عن الأغصان والحبر
وظلت تسهر طول الليل في تعبٍ ... ولا تني أمد الأيّام (1) في ضجر
أقصر فإنّي أدرى بالذي طمحت ... لأفقه همّتي واسأل عن الأثر (2)
واسمع لقول الذي تتلى محاسنه ... من بعد ما صار مثل الترب كالسور
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير انتهى.
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين
__________
(1) المغرب: ولا ترى أبد الأيام.
(2) ق: الخبر.
(2/334)

وخمسمائة، وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوّال عام أربعين وستمائة.
[محمد بن عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة، وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة (1) .
وكان محمد بن عبد الملك وزيراً جليلاً، بعيد الصيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأموال، وذكره ابن صاحب الصلاة في كتابه " تاريخ الموحّدين " (2) ونبه على مكانته منهم في الحظوة والأخذ في أمور الناس، وأثنى عليه، وذكره السهيلي في " شرح السيرة الشريفة " (3) حيث ذكر الكتاب الموجّه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هرقل وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش مكرماً مفتخراً به، والقصة مشهورة؛ ومدحه الرصافي بقصيدة أوّلها (4) :
ذهناً يفيض وخاطراً موقداً ... ماذا عسى يثنى على علم الندى (5) ولما أنشده قصيدته فيه التي أولها (6) :
لمحلّك الترفيع والتعظيم ... ولوجهك التقديس والتكريم حلف لا يسمعها، وقال: عليّ إجازتك، ولكن طباعي لا تحمل مثل
__________
(1) انظر المغرب 2: 162.
(2) يعني كتاب " المن بالإمامة على المستضعفين "، انظر ص: 251.
(3) هو كتاب " الروض الأنف ".
(4) ديوانه: 62.
(5) الديوان: أبداً تفيض ... دعها تبت قبساً على علم الندى.
(6) الديوان: 131 وفيه أنها في مدح أبي جعفر الوقشي وزير ابن همشك.
(2/335)

هذا، فقال له الرصافي: ومن مثلك يستحق هذا في الوقت غيرك فقال له: دعني من خداعك، أنا وما أعلمه من قلبي.
وأنشد له في " الطالع السعيد " (1) :
فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامناً ... ولا تركبن بالغيظ في مركبٍ وعر
ولا تبحثن فيعذر من جاء تائباً ... فليس كريماً من يباحث في العذر وولي للموحدين أعمالاً كثيرة بمراكش وسلا وإشبيلية وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها، وكتب عليه عقد أن في داره من الحلى وأصنافه ما لا يمكن إلاّ في دار الملك، وأنّه إذا ركب في صلاة الصبح شوش ... (2) ونباح الكلاب. فأمر المنصور بالقبض عليه وعلى ابن عمّه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسين سنة 593، ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطّه كل ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقص منه شيئاً، وغرم له ما فات منه، وهذا ممّا يدل على قوة سعد محمد ابن عبد الملك المذكور ونباهة قدره، وحسبه من الفخر مدح أديب الأندلس وشاعرها أبي عبد الله الرصافي (3) له، وهو ممّن يمدح الخلفاء في ذلك العصر، رحمه الله تعالى.
[عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه عبد الملك بن سعيد عام ستة وتسعين وأربعمائة، وتوفّي بحضرة
__________
(1) البيتان في المغرب 2: 162.
(2) بياض بقدر سطر في ج ق وجاء في هامش إحدى النسخ: " هذا سطر بخط المؤلف رحمه الله ما قدرنا على استخراجه جبره الله تعالى ".
(3) أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي (- 572) قد جمعنا شعره وقدمنا له بدراسة عن الشاعر، وانظر في ترجمته المغرب 2: 297 والتكملة: 520 والمعجب: 137 وتحفة القادم: 183 وأدباء مالقة، الورقة: 18.
(2/336)

مراكش عام اثنين وستين وخمسمائة. قال الحجاري: لما مات يحيى بن غانية الملثّم ملك الأندلس بحضرة غرناطة، وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد، بادر الفرار لغرناطة عندما سمع بموته إلى قلعته، وثار بها، وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة (1) بن العنبر، فوجده قد فاته.
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب المغرب في أخبار المغرب ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك، ثمّ تمّم ما بقي منه ابنه موسى ابن محمد، ثمّ أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب، وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية.
[وصف ابن سعيد للفسطاط]
ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب الكمائم وهو (2) : فأمّا فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء (3) يعرف بالقصر حوله مساكن، وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لمّا فتحها قسم المنازل على القبائل، ونسب المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، وتداولت عليها بعد ذلك (4) ولاة مصر، فاتخذوها سرير السلطنة، وتضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، وبها كان مسجد بان طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، وهي مدينة
__________
(1) طلحة: ثبتت في ج وسقطت من ق.
(2) قارن هذا النص بما ورد في المغرب 1: 1 والخطط المقريزية 2: 146، وأما كتاب الكمائم المذكور فإنه للبيهقي.
(3) المغرب: مبنى.
(4) بعد ذلك: سقطت من دوزي.
(2/337)

مستطيلة يمر النيل مع طولها، وتحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد، وبها منتزهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلا في النادر، وترابها ينتن (1) الأرجل، وهو قبيح اللون، تستكدر (2) منه أرجاؤها، ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلاّ أنّه ضيّقة، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة. ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاعتناء بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين، وأنشدت فيها للشريف العقيلي (3) :
أحنّ إلى الفسطاط شوقاً وإنّني ... لأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر
وهل في الحيا من حاجةٍ لجنابها ... وفي كل قطرٍ من جوانبها نهر
تبدّت عروساً والمقطّم تاجها ... ومن نيلها عقدٌ كما انتظم الدّرّ وقال عن كتاب اجار (4) : والفسطاط هو قصبة مصر، والجبل المقطّم شرقيها، وهو متصل بجبل الزمرد، وقال عن كتاب ابن حوقل (5) : الفسطاط مدينة حسنة، ينقسم النيل لديها، وهي كبيرة، ومقدارها نحو فرسخ، على غاية العمارة والطيب واللذّة ذات رحاب في محالّها، وأسواق (6) عظام فيها ضيق
__________
(1) المغرب: تثيره.
(2) المغرب: تتكدر.
(3) هو أبو الحسن علي بن الحسين بن حيدرة من شعراء المائة الرابعة، أكثر شعره في الوصف ولم يكن يمدح (انظر المغرب 1: 205 قسم مصر والخريدة 2: 62 والمسالك 11: 195) والأبيات ليست في ديوانه المطبوع.
(4) يعني كتاب " نزهة المشتاق " للإدريسي الذي أنفه لملك رجار (ويقال فيه أجار) : Roger وانظر المغرب 1: 2.
(5) انظر كتاب صورة الأرض: 137 والنقل عنه باختصار، ولذا لم نثبت فروق القراءة؛ والمغرب 1: 2.
(6) ج: وأسواقها.
(2/338)

ومتاجر فخام (1) ، ولها ظاهر أنيق، وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة، إلاّ أنّها أقلّ من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقية التربة، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمساً وستّاً، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف (2) بناه ابن طولون، وكان خارج الفسطاط أبينة بناها أحمد بن طولون ميلاً في ميل يسكنها جنده، وتعرف بالقطائع، كما بنى الأغلب خارج القيروان رقّادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد (3) : لما استقررت بالقاهرة تشوّفت (4) إلى معاينة الفسطاط، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية (5) ، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حماراً، وأشار إليّ أن أركب حماراً آخر، فأنفت من ذلك جرياً على عادة ما خلفته من بلاد المغرب، فأخبرني (6) أنّه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها، فركبت، وعندما استويت راكباً أشار المكاري إلى الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عينيّ، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت:
__________
(1) كذا في ج؛ وفي ق: ضخام.
(2) الموقف: بقعة شمال الفسطاط (الانتصار لابن دقماق 4: 10) ؛ وفي ج: والآخر على الآخر.
(3) المغرب 1: 5 (قسم مصر) .
(4) كذا في ج والمغرب؛ وفي ق ودوزي: تشوقت.
(5) المغرب: العزمة.
(6) المغرب: فأعلمني.
(2/339)

لقيت بمصر أشدّ البوار ... ركوب الحمار وكحل الغبار
وخلفي مكارٍ يفوق الرياح ... لا يعرف الرفق مهما استطار
أناديه مهلاً فلا يرعوي ... إلى أن سجدت سجود العثار
وقد مدّ فوقي رواق الثرى ... وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجليّ، ومشيت إلى أن بلغتها؛ وقدرت الطريق بين الفسطاط والقاهرة وحققته بعد ذلك نحو ميلين، ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأمّلت أسواراً مثلّمة سوداء وآفاقاً مغبرة، ودخلت من بابها وهو دون غلق يفضي إلى خراب معمور بمبان متشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى أن صرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والرّوايا التي على الجمال ما لا تفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضده في جامع إشبيلية وجامع مرّاكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعاً كبيراً قديم البناء، غير مزخرف، ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، وتنبسط فيه، وأبصرت العامة رجالاً ونساء قد جعلوه معبراً بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك (1) ، والناس يأكلون في عدة أمكنة منه غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل، قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقاً، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي زواياه العنكبوت قد عظم
__________
(1) المغرب: وما جرى مجرى ذلك.
(2/340)

نسجه في السقف والأركان والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة (1) ، إلاّ أن مع ذلك على الجامع المذكور من الرونق وحسن القبول وانبساط النفس ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته والبستان الذيفي صحنه، ولقد تأملت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس (2) دون منظر يوجب ذلك، فعلمت ان ذلك سر مودع من وقوف الصحابة رضي الله تعالىعنهم في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن، وسألت عن مواد أرزاقهم فأخبرت أنها من فروض الزكاة وما أشبه ذلك، ثم أخبرت أن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب. ثم انفصلنا من هناك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلاً كدير التربة، غير نظيف ولا متسع الساحة، ولا مستقيم الاستطالة، ولا عليه سور أبيض، إلا أنّه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل، ولئن قلت إنّي لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإنّي أقول حقّاًن والنيل هنالك ضيق، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل. وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّاً من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة (3) جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكباً احتراماً
__________
(1) المغرب: العوام.
(2) ج ق: والحسن.
(3) في ج: ببر الجزيرة.
(2/341)

لموضع السلطان، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل، فقلت (1) :
نزلنا من الفسطاط أحسن منزلٍ ... بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
وقد جمعت فيه المراكب سحرةً ... كسرب قطاً أضحى يرفّ على ورد
وأصبح يطفو الموج فيه ويرتمي ... ويطرب أحياناً يلعب بالنرد
حلا ماؤه كالرّيق ممّن أحبّه ... فمدّت عليه حلّةٌ من حلى الخدّ
وقد كان مثل النّهر من قبل مدّه ... فأصبح لمّا زاده المدّ كالورد وقلت هذا لأنّي لم أذق في المياه أحلى من مائه، وإنّه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر (2) عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط (3) :
حبّذا الفسطاط من والدة ... جنّبت أولادها دار الجفا
يرد النيل إليها كدراً ... فإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا تألفهم ... خجلاً لمّا رأتهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة، وبينهما نحو ميلين، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره.
وأمّا ما يرد (4) على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي
__________
(1) الأبيات في المقتطفات (الورقة: 28) ، والخطط 2: 148.
(2) هو علم الدين أيدمر المحيوي التركي، راجع ترجمته في فوات الوفيات (1: 140) وهو ينقل عن المشرق في حلى المشرق لابن سعيد، وله ديوان شعر يمثل قسماً من شعره (دار الكتب: 1931) .
(3) وردت هذه الأبيات في كتاب الانتصار 4: 109، وانظر مقدمة ديوانه، والمغرب (قسم مصر 1: 9) ، والخطط 2: 148.
(4) المغرب (قسم مصر) : 11.
(2/342)

فإنّه فوق ما يوصف، وبها مجمع ذلك، لا بالقاهرة، ومنها يجهز إلى القاهرة وسائر البلاد.
وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون ومعظم ما يجري هذا المجرى، لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أن جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط، وكذلك ما ينسج ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطاينة، والخراب في الفسطاط كثير، والقاهرة أجدّ وأعمر وأكثر زحمة، باعتبار انتقال (1) السلطان إليها، لمجاورتها للجزيرة الصالحية، وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر، انتهى.
قال المقريزي (2) : يعين ابن سعيد ما بني على شفة مصر من جهة النيل، انتهى.
وقال ابن سعيد المذكور في المغرب من حلى المغرب ما ملخّصه: الروضة أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت متنزهاً لأهل مصر، فاختارها الملك الصالح ابن الملك الكامل سريراً لسلطنته، وبنى فيها قلعة مسورة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السّمك لم تر عيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختاربستان الإخشيد وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره، ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار، منها قول أبي الفتح ابن قادوس الدمياطي:
أرى سرج الجزيرة من بعيدٍ ... كأحداق تغازل في المغازل
كأنّ مجرّة الجوزاء خطّت ... وأثبتت المنازل في المنازل
__________
(1) المغرب: بسبب انتقال.
(2) الخطط 2: 149.
(2/343)

قال: وكنت أبيت بعض الليالي بالفسطاط، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل مع سور هذه الجزيرة الدريّ اللون، ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همّة بانيها، وهو من أعظم السلاطين في البناء، وأبصرت بهذه الجزيرة إيواناً لجلوسه لم تر عيني مثاله، ولا يقدّر ما أنفق عليه، وفيه من صحائف الذهب والرخام الآبنوسي والكافوريّ والمجزّع ما يذهل الأفكار، ويستوقف الأبصار، ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاضر (1) حصر فيه أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان، وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فتنظر فيها أحسن منظر، قال: وقد تفرجت كثيراً في طرف (2) هذه الجزيرة ممّا يلي أثر الفسطاط فقطعت به عشيات مذهبات، لم تزل لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل برها عن بر الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر تكون فيه المراكب، انتهى.
وأورد الصفدي في تذكرته لابن سعيد المذكور في هذه الجزيرة:
انظر إلى سور الجزيرة في الدّجى ... والبدر يلثم منه ثغراً أشنبا
تتضاحك الأنوار في جنباته ... فتريك فوق النيل أمراً معجبا
بينا تراه مفضّضاً في جانبٍ ... أبصرت منه في سواه مذهبا
لله مرأى ما رآه ناظري ... إلاّ خلعت له المقام تطربا [وصف القاهرة]
وقال في " المغرب " نقلاً عن بعضهم ما صورته (3) : وأما مدينة القاهرة، فهي الحالية الباهرة، التي تفنن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها، واتخذوها
__________
(1) ق: حاظر.
(2) ق: طرق.
(3) الخطط 2: 186 - 190 والنقل عن البيهقي.
(2/344)

قطباً لخلافتهم ومركزاً لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط، وسميت القاهرة لأنها تقهر من شذ عنها ورام مخالفة أميرها، انتهى. قال ابن سعيد: هذه المدينة اسمه أعظم منها، وكان ينبغي أن تكون في ترتيبها ومبانيها على خلاف ما عاينته، لأنها مدينة بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين، وكان سلطانه قد عم جميع طول المغرب من أوّل الديار المصرية إلى البحر المحيط.
سارت مسير الشمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّت هبوب الريح في البرّ والبحر ولا سيّما قد عاين مباني أبيه المنصور في المدينة المنصورية إلى جانب القيروان وعاين المهدية مدينة جدّة عبيد الله المهدي، لكن الهمّة السلطانية ظاهرة على قصور الخلفاء بالقاهرة، وهي ناطقة إلى الآن بألسن الآثار، ولله در القائل:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدها فبألسن البنيان
إنّ البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدلّ على عظيم الشان وتهمم من بعده الخلفاء المصريون في الزيادة في تلك القصور، وقد عاينت فيها إيواناً يقولون إنّه بني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن، وكان يجلس فيها خلفاؤهم ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبانٍ عظيمة جليلة الآثار، وأبصرت في قصورهم حيطاناً عليها طاقات عديدة من الكلس والجبس ذكر لي أنهم كانوا يجدّدون تبييضها في كل سنة، والمكان المعروف بالقاهرة ببين القصرين هو من الترتيب السلطاني، لأن هناك ساحة متّسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين، ولو كانت القاهرة كلّها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمّة السلطانية، ولكن ذلك أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد ضيق، وتمرّ في ممر كدر حرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرجالة كان ممّا تضيق به الصدور، وتسخن منه العيون، ولقد عاينت يوماً وزير الدولة وبين يديه الأمراء، وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل
(2/345)

حجارة، وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه الوزير، وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم. وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء بينها، ولم أر في جيمع بلاد المغرب أسوأ منها حالاً في ذلك، ولقد كن إذا مشيت فيها يضيق صدري، وتدركني وحشة عظيمة، حتى أخرج إلى بين القصرين.
ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشاً لبعدها عن مجرى النيل، لئلا يصادرها ويأكل ديارها، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس، وجوّها لا يبرح كدراً بما تنثره الأرض من التراب الأسود، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها:
يقولون سافة إلى القاهرة ... وما لي بها راحةٌ ظاهره
زحامٌ وضيقٌ وكربٌ وما ... تثير بها أرجلٌ سائره وعندما يقبل المسافر عليها يرى سوراً أسود كدراً، وجوّاً مغبرّاً، فتنقبض نفسه، ويفرّ أنسه، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة، ولا سيّما ارض القرط والكتان، وقلت:
سقى الله أرضاً كلما زرت روضها ... كساها وحلاّها بزينته القرط
تجلّت عروساً والمياه عقودها ... وفي كل قطر من جوانبها قرط وفيها خليج لا يزال يضعف بين حضرتها حتى يصير كما قال الرصافي:
ما زالت الأمحال تأخذه ... حتى غدا كذؤابة النّجم
(2/346)

وقلت في نور الكتان على جانبي الخليج:
انظر إلى النهر والكتان يرمقه ... من جانبيه بأجفانٍ لها حدق
رأته سيفاً عليه للصّبا شطبٌ ... فقابلته بأحداقٍ بها أرق
وأصبحت في يد الأرواح تنسجها ... حتى غدت حلقاً من فوقها حلق
فقم فزرها ووجه الأرض مصطبحٌ ... أو عند صفرته إن كنت تغتبق وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل، لأنّها دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنّجوم، وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل، وتسرج أصحابٌ المناظر على قدر همتهم وقدرتهم، فيكون لها بذلك منظر عجيب، وفي ذلك قيل (1) :
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت ... بها المناظر كالآهداب للبصر
كأنّما هي والأبصار ترمقها ... كواكبٌ قد أداروها على القمر ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدوّ فقلت:
انظر إلى بركة الفيل التي فجرت ... لها الغزالة فجراً من مطالعها
وخلّ طرفك مجنوناً ببهجتها ... يهيم وجداً وحبّاً في بدائعها والفسطاط أكثر أرزاقاً، وأرخص أسعاراً من القاهرة، لقرب النيل من الفسطاط، والمراكب التي تصل بالخيرات تحط هناك، ويباع ما يصل فيه بالقرب منها، وليس يتفق ذلك في ساحل القاهرة، لأنّه يبعد عن المدينة، والقاهرة هي أكثر عمارة واحتراماً وحشمة من الفسطاط، لأنّه أجلّ مدارس وأضخم خاناتٍ، وأعظم دياراً لسكنى الأمراء فيها، لأنّها المخصوصة بالسلطنة، لقرب قلعة الجبل منها، فأمور السلطنة كلّها فيها أيسر، وأكثر، وبها الطراز وسائر الأشياء التي يتزين بها الرجال والسناء، إلاّ أن في هذا الوقت لما اعتنى
__________
(1) سقط البيتان من ج.
(2/347)

السلطان ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيرها سرير السلطنة عظمت عمارة الفسطاط، وانتقل إليها كثير من الأمراء، وضخمت أسواقها، وبنى فيها السلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة، فنقل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه ذلك.
إلى أن قال: وهي الآن عظيمة آهلة، يجبى إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال ما لا يحيط بجملته وتفسيره إلاّ خالق الكل جلّ وعلا، وهي مستحسنة للفقير الذي لا يخاف طلب زكاة ولا ترسيماً ولا عذاباً، ولا يطالب برفيق له إذا مات، فيقال له: ترك عندك مالاً، فربما سجن في شأنه أو ضرب أو عصر، والفقير المجرد فيها يستريح بجهة رخص الخبز وكثرته، ووجود السماع والفرج في ظواهرها ودواخلها، وقلّة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه، يحكم فيها كيف شاء من رقص في وسط السوق أو تجريد أو سكر من حشيشة أو صحبة مردان وما أشبه ذلك، بخلاف غيرها من بلاد المغرب، وسائر الفقراء لا يتعرضون إليهم بالقبض للأسطول إلاّ المغاربة، فذلك وقفٌ عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر، وقد عمّ ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف، وهم في القدوم عليها بين حالين: إن كان المغربي غنيّاً طولب بالزكاة وضيقت عليه السعاة، وإن كان مجرداً فقيراً حمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول.
وفي القاهرة أزاهر كثيرة غير منقطعة الاتصال، وهذا الشأن في الديار المصرية يفضل كثيراً من البلاد، وفي اجتماع النرجس والورد فيها أقول:
من فضّل النرجس وهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمته النرجس وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه الرمان والموز، أمّا التفاح والإجاص فقليل غال، وكذلك الخوخ، وفيها الورد والنرجس والنسرين والنيلوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر، وأمّا العنب والتين فقليل غال، ولكثرة
(2/348)

ما يعصرون العنب في أرياف النيل لا يصل منه إلا القليل، ومع هذا فشرابه عندهم في غاية الغلاء، وعامتها يشربون المزر الأبيض المتّخذ من الحنطة، حتى إن الحنطة يطلع سعرها بسببه، فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعه وكسر أوانيه، ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار، ولا تبرّج النساء العواهر، ولا غير ذلك ممّا ينكر في غيرها من بلاد المغرب، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر وتعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر فيمنع فيه الشرب، وذلك في بعض الأحيان، وهو ضيق، عليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم التهكم والطرب والمخالفة، حتى إن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب، وللسّرج في جانبيه بالليل منظر، وكثيراً ما يتفرج فيه أهل الستر في الليل، وفي ذلك أقول:
لا تركبن في خليج مصرٍ ... إلا إذا أسدل الظّلام
فقد علمت الذي عليه ... من عالمٍ كلّهم طغام
صفّان للحرب قد أطلاّ ... سلاح ما بينهم كلام
يا سيّدي لا تسر إليه ... إلا إذا هوّم النيام
والليل سترٌ على التصابي ... عليه من فضله لثام
والسّرج قد مدّدت عليه ... منها دنانير لا ترام
وهو قد امتدّ والمباني ... عليه في خدمةٍ قيام
لله كم دوحةٍ جنينا ... هناك أثمارها الأثام قال المقريزي: وفيه تحامل كثير، انتهى.
ومن نظر بعين الإنصاف علم أن التحامل في نسبة التحامل إليه، والله تعالى الموفّق.
قال ابن سعيد: ومعاملة الفسطاط والقاهرة بالدراهم المعروفة بالسوداء
(2/349)

كل درهم منها ثلاثة من الدرهم الناصري، وفي المعاملة بها شدة وخسارة في البيع والشراء، ومخاصمة بين الفريقين، وكان بها قديماً الفلوس، فقطعها الملك الكامل، فبقيت الآن مقطوعة منها.
وهي في الإقليم الثالث، وهواؤها رديء، لا سيّما إذا هبّ المريسي من جهة القبلة، وأيضاً فرمد العين فيها كثير، والمعايش فيها متعذرة نزرة، لا سيّما أصناف الفضلاء، وجوامك المدارس قليلة كدرة، وأكثر ما يتعيش بها اليهود والنصارى في كتابة الطب والخراج، والنصارى بها يمتازون بالزنّار في أوساطهم، واليهود بعمائم صفر، ويركبون البغال، ويلبسون الملابس الجلية، ويأكل أهل القاهرة البطارخ، ولا تصنع حلاوة القمح إلا بها وبغيرها من الديار المصرية، وفيها جوارٍ طباخات أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين، ولهن في الطبخ صنائع عجيبة، ورياسة متقدمة، ومطابخ السكر والمواضع التي يصنع بها الورق المنصوري مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة. انتهى المقصود من هذا الموضع من كلام أي الحسن النور بن سعيد رحمه الله تعالى.
وقال رحمه الله:
كم ذا تقيم بمصر ... معذّباً بذويها
وكيف ترجو نداهم ... والسّحب تبخل فيها وقال رحمه الله تعالى:
لابن الزبير مكارم أضحت بها ... طير المدائح في البلاد تغرّد
إن قيّدوه وبالغوا فيعصره ... فالكرم يعصر والجواد يقيّد (1) 166 - ولنذكر بعض أخبار والده، فإنّه ممّن رحل إلى المشرق وتوفّي بالإسكندرية، وقد ذكر ابنه أبو الحسن في المغرب وغيره من أخباره
__________
(1) ق: يعقد.
(2/350)

العجائب، ولا بأس بأن نلم بشيء من ذلك، سوى ما تقدّم، فنقول:
من أخباره أنّه لمّا اجتاز بمالقة ومشرفها إذ ذاك أبو علي ابن مبقّى وجه إليه من نقل أسبابه إلى داره وأقبل عليه منشداً:
أكذا يجوز القطر لا يثني على ... أرضٍ توالى جدبها من بعده
الله يعلم أنّها ما أنبتت ... زهراً ولا ثمراً بمدة فقده
عرج عليها ساعةً يا من له ... حسبٌ يفوق العالمين بمجده
وانثر عليها من أزاهرك التي ... تشفي المتيّم من لواعج وجده
والله ما ذاكرت فكرك ساعةً ... إلاّ وأقبس خاطري من زنده قال موسى: فارتجلت للحين:
أنت الذي تعرف كيف العلا ... وتبتدي في سبل المجد
بدأت بالفضل المنير الذي ... أكمل بدر الشكر والحمد
والله ما أبصرتكم ساعةً ... إلاّ بدا لي طالع السّعد وانصرفت معه إلى منزله:
فلم أزل في كرامه ... ليست كظلّ غمامه ولما كان أبو عمران موسى بن سعيد بالجزيرة الخضراء مقدّماً على أعمالها من قبل ابن هود وصله كتاب من الفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عسكر قاضي مالقة من أحد الأدباء، منه:
أفاتح من قلبي بعلياه واثقٌ ... وإن كانت الأبصار لم تنسخ الودّا
وثقت بما لي من ذمام تشيّعي ... بآل سعيدٍ فابتغيت به السّعدا
وبالحبّ يدنو كلّمن أقصت النوى ... برغم حجابٍ للنوى بيننا مدّا يا سيدي الذي حملني ما أمال أسماعي من الثناء عليه، أن اهجم على مفاتحته
(2/351)

شافعاً في موصّلها إليه، واثقاً بالفرع لعلم الأصل، مؤمّلاً للإفضال بتحقّق الفضل، إن لم تقض باجتماع بيننا الأيّام، فلا تجزئ من المشافهة بيننا ألسن الأقلام، ويوحي بعضنا إلى بعض يسور الوداد، والحمد لله الذي أطلعك في ذلك الأفق بدراً، وأدناك من هذه الدار فصرنا لقرب من يرد عنك لا نعدم لك ذكراً، فكلّ يثني بالذي علمت سعد، ويصف من خلالك ما يقضي ذلك المجد، ولما كان إحسانك يبشر به الصادر والوارد، ويحرض عليه الغائب والشاهد، مدّ أمله نحوك موصل هذه المفاتحة، وليس له وسيلة ولا بضاعة إلاّ الأدب وهي عند بيتك الكريم رابحة، وهو من شتّتت خطوب هذا الزمان شمله، وأبانت نوائبه صبره وفضله، وما طمح ببصره إلا إلى أفقك، ولا وجّه رجاءه إلاّ نحو طرقك، والرجاء من فضلك أن يعود وقد أثنت حقائبه، وأعنقت من الحمد ركائبه، دمت غرة في الزمن البهيم، مخصوصاً بأفضل التحيّة والتسليم، انتهى.
وابن عسكر المذكور عالم بالتاريخ متبحر في العلوم، وله كتاب في أنساب بني سعيد أصحاب هذه الترجمة، ومن شعره:
أهواك يا بدر وأهوى الذي ... يعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلّها ... وكلّ من مرّ بها من قريب
وكلّ مبدٍ شبهاً منكم ... وكلّ من يلفظ باسم الحبيب [وصية ابن سعيد الأب لابنه علي]
رجع:
قال ابنه علي: لمّا أردت النهوض من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة أول وصولي إلى الإسكندرية، رأى أن يكتب لي وصية أجعلها إماماً في الغربة
(2/352)

فبقي فيها أيّاماً إلى أن كتبتها عنه، وهي هذه، وكفى بها دليلاً على ما اختبر وعلم:
أودعك الرحمن في غربتك ... مرتقباً رحماه في أوبتك
وما اختياري كان طوع النوى ... لكنّني أجري على بغيتك
فلا تطل حبل النوى إنّني ... والله أشتاق إلى طلعتك
من كان مفتوناً بأبنائه ... فإنّني أمعنت في خبرتك
فاختصر التوديع أخذاً، فما ... لي ناظرٌ يقوى على فرقتك
واجعل وصاتي نصب عينٍ ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خلاصة العمر التي حنّكت ... في ساعة زفّت إلى فطنتك
فللتّجاريب أمورٌ إذا ... طالعتها تشحذ من غفلتك
فلا تنم عن وعيها ساعةً ... فإنّها عونّ إلى يقظتك
وكلّ ما كابدته في النّوى ... إيّاك أن يكسر من همّتك
فليس يدرى أصل ذي غربةٍ ... وإنّما تعرف من شيمتك
وكلّ ما يفضي لعذرٍ فلا ... تجعله في الغربة من إربتك
ولا تجالس من فشا جهله ... واقصد لمن يرغب في صنعتك
ولا تجادل أبداً حاسداً ... فإنّه أدعى إلى هيبتك
وامش الهوينا مظهراً عفّةً ... وابغ رضى الأعين عن هيئتك
أفش التحيّات إلى أهلها ... ونبّه الناس على رتبتك
وانطق بحيث العيّ مستقبحٌ ... واصمت بحيث الخير في سكتتك
ولا تزل مجتمعاً طالباً ... من دهرك الفرصة في وثبتك
وكلّما أبصرتها أمكنت ... ثب واثقاً بالله في مكنتك
ولج على رزقك من بابه ... واقصد له ما عشت في بكرتك
(2/353)

وايأس منالودّ لدى حاسدٍ ... ضدٍّ ونافسه على خطّتك
ووفّر الجهد فمن قصده ... قصدك لا تعتبه في بغضتك
ووفّ كلاًّ حقّه ولتكن ... تكسر عند الفخر من حدّتك
ولا تكن تحقر ذا رتبةٍ ... فإنّه أنفع في غربتك
وحيثما خيّمت فاقصد إلى ... صحبة من ترجوه في نصرتك
وللرّزايا وثبةٌ ما لها ... إلاّ الذي تذخر من عدّتك
ولا تقل أسلم لي وحدتي ... فقد تقاسي الذلّ في وحدتك
ولتزن الأحوال وزناً ولا ... ترجع إلى ما قام في شهوتك
ولتجعل العقل محكّاً وخذ ... كلاًّ بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهم ... واصحب أخاً يرغبفي صحبتك
بعد اختبارٍ منك يقضي بما ... يحسن في الأخدان من خلطتك
كم من صديقٍ مظهرٍ نصحه ... وفكره وقفٌ على عشرتك
إيّاك أن تقربه، إنّه ... عونٌ مع الدّهر على كربتك
واقنع إذا ما لم تجد مطمعاً ... واطمع إذا نفّست من عسرتك
وانم نموّ النّبت قد زاره ... غبّ الندى واسم إلى قدرتك
وإن نبا دهرٌ فوطّن له ... جأشك وانظره إلى مدّتك
فكلّ ذي أمرٍ له دولةٌ ... فوفّ ما وافاك في دولتك
ولا تضيّع زمناً ممكناً ... تذكاره يذكي لظى حسرتك
والشّرّ مهما اسطعت لا تأته ... فإنّه حوبٌ على مهجتك يا بنيّ الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح لي مثله: قدمت (1) لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة، إن شاء الله تعالى، وإنّ أخفّ منه للحفظ وأعلق بالفرك وأحق بالتقدم
__________
(1) ج: قد قدمت.
(2/354)

قول الأول:
يزين الغريب إذا ما اغترب ... ثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدب
وثانيةٌ حسن أخلاقه ... وثالثةٌ إجتناب الرّيب وإذا اعتبرت هذه الثلاثة ولزمتها في الغربة رأيتها جامعة نافعة، لا يلحقك إن شاء الله تعالى مع استعمالها ندم، ولا يفارقك بر ولا كرم، ولله درّ القائل:
يعدّ رفيع القوم من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حلّ أرضاً عاش فيها بعقله ... وما عاقلٌ في بلدةٍ بغريب وما قصّر القائل حيث قال:
واصبر على خلق من تعاشره ... وداره فاللبيب من دارى
واتخذ الناس كلّهم سكناً ... ومثّل الأرض كلّها دارا وأصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر، وسلّم الكرم والصبر:
ولو أنّ أوطان الديار نبت بكم ... لسكنتم الأخلاق والآدابا إذ حسن الخلق أكرم نزيل، والأدب أرحب منزل، ولتكن كما قال أحدهم في أديب متغرّب: وكان كلّما طرأ على ملك فكأنّه معه ولد، وإليه قصد، غير مستريب بدهره، ولا منكر شيئاً من أمره، وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلّماً، وهبّ في روض أخلاقه هبوب النسيم، وحلّ بطرفه محلّ الوسن (1) ، وانزل بقلبه نزول المسرة، حتى يتمكن لك وداده، ويخلص فيك اعتقاه، وطهر من الوقوع فيه لسانك، وأغلق سمعك، ولا ترخّص في جانبه لحسود لك منه، يريد إبعادك عنه، لمنفعته،
__________
(1) ج: على الوسن.
(2/355)

أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك، ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته، ولا تتمهد بدوام رقدته، فقد ينبهه الزمان، ويغير منه القلب واللسان، ولذا قيل: إذا أحببت فأحبب هوناً مّا، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوّاً والعدوّ صديقاً، وإنّما العاقل من جعل عقله معياراً، وكان كالمرآة يلقى كل وجه بمثاله، وجعل نصب ناظره قول أبي الطّيب:
ولمّا صار ودّ النّاس خبّاً ... جزيت على ابتسامٍ بابتسام وفي أمثال العامة: من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل، فاحتذى مثله (1) من جرّب، واستمع إلى ما خلّد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال، فإنّها خلاصة عمرهم، وزبدة تجاربهم (2) ، ولا تتكل على عقلك، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك، ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له مروءةٌ وعقل وتجربة فاستفد منه، ولا تضيّع فعله ولا قوله، فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك، وحثّاً لك واهتداء، وإيّاك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع:
فالحرّ يخدع بالكلام الطّيّب ... فقد قال أحدهم: ما قيل أضرّ من هذا البيت على أهل التجمّل، وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه، حتى تتدبره، فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك قوّاه ذلك عندك، وإلاّ فانبذه نبذ النواة، فليس لكل أحد يتبسّم ولا كل شخص يكلّم، ولا الجود ممّا يعم به، ولا حسن الظنّ وطيب النفس ممّا يعامل به كل أحد، ولله در القائل:
وما لي لا أوفي البريّة قسطها ... على قدر ما يعطى وعقلي ميزان
__________
(1) كذا في ج ق، وقد يقرأ معطوفاً على " وجعل " ولعل الصواب " فاحتذ أمثلة ".
(2) ق: نخائبهم؛ ج: تحابيهم؛ دوزي: حياتهم.
(2/356)

وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر، فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء، ولا الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يملكك (1) بالمطامع، ويثنيك عن مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة، واسمع قول الأول:
وبعْ آجلاً منك بالعاجل ... وأقلل من زيارة الناس ما استطعت، ولا تجفهم بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر وجفاء، ولا تقل أيضاً أقعد في كسر بيتي ولا أرى أحداً، وأستريح من الناس، فإن ذلك كسل داع إلى الذل والمهانة، وإذا علم عدوّ لك أو صديق منك ذلك عاملاك بحسبه، فازدراك الصديق وجسر عليك العدوّ، وإياك أن يغرّك صاحبٌ واحد عن أن تذخر غيره للزمان، وتطيعه في عداوة سواه، ففي الممكن أن يتغير عليك فتطلب إعانة عليه أو استغناء عنه فلا تجد ذخيرة قدمتها، وكان هو في أوسع حال وأعلى رأي بما دبره بحيلته في انقطاعك عن غيره، فلو اتفق لك أن تصحب من كل صناعة وكل رياسة من يكون لك عدّة لكان ذلك أولى وأصوب، وسلني فإنّي خبير، طال والله ما صبحت الشخص أكثر عمري لا أعتمد على سواه، ولا أعتدّ إلاّ إيّاه، منخدعاً بسرابه، موثوقاً في حبائل خطابه، إلى أن لا يحصل لي منه غير العضّ على البنان، وقول: لو كان ولو كان، ولا يحملنك أيضاً هذا القول أن تظنّه في كل أحد، وتعجل بالمكافأة، وليكن حسن الظن بمقدار مّا، واصبر بقدرٍ مّا، والفطن لا تخفى عليه مخايل الأحوال، وفي الوجوه دلالات وعلامات، وأصغ إلى القائل:
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... ري ولا يدفع الأذى عن حريم فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها، ولتحرص
__________
(1) ج: يملك.
(2/357)

جهدك على أن تصحب أو تخدم إلاّ ربّ حشمة ونعمة، ومن نشأ في رفاهية ومروءة، فإنّك تنام معه في مهاد العافية، وإن الجياد على أعراقها تجري، وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان: أشرب مصعب الخمر فقال عبد الملك - وهو عدوّ محارب له على الملك -: لو علم مصعب ا، الماء يفسد مروءته ما شربه.
والفضل ما شهدت به الأعداء ... يا بني، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقةٍ وتغير، وقد قيل: اصحب من شئت فإنّك مفارقه، فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل، فإنّك لا تدري هل أنت راجع إليه، فلذلك قال الأول:
ولمّا مضى سلمٌ بكيت على سلم ... وإياك والبيت السائر (1) :
وكنت إذا حللت بدار قومٍ ... رحلت بخزيةٍ وتركت عارا واحرص على ما جمع قول القائل (2) : ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك، أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه؛ واحذر كل ما بيّنه لك القائل: كلّ ما تغرسه تجنيه إلاّ ابن آدم فإنّك إذا غرسته يقلعك، وقول الآخر: ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن، وقول الآخر: ابن آدم ذئب مع الضعف، أسد مع القوّة. وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره، فيحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته، فجاوبه:
__________
(1) البيت لجرير (ديوانه: 216) .
(2) ورد في عيون الأخبار 3: 9 مروياً عن مجاهد.
(2/358)

إن الصحبة رقٌّ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك. واستمل من عين من تعاشره، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن تبينه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار، وتسلّم للأقدار:
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب، عنوان المصائب والخطوب، ويستريب به الصاحب، ويشمت العدوّ المجنب، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك، لأنّك تنصر بها الدهر عليك، ولله درّ القائل:
إذا ما كنت للأحزان عوناً ... عليك مع الزّمان فمن تلوم مع أنّه لا يدّ عليك الفائت الحزن (1) ، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن. ولقد شاهدت بغرناطة شخصاً قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، ومن أعجب ما رأيته منه أنّه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم، وينشد:
توقّع زوالاً إذا قيل تمّ (2) ... وينشد (3) :
وعند التّناهي يقصر المتطاول ...
__________
(1) من قول المتنبي:
فما يديم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن (2) صدر البيت: إذا تم شيء بدا نقصه.
(3) للمعري، وصدره: فإن كنت تبغي العز فابغ توسطاً.
(2/359)

وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، مثل هذا عمره مخسور يمر ضياعاً. ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسداً لك، وقصداً لصغير قدرك عندك، وتزهيداً لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلّمه فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه، فبقي مخبل المشي (2) . ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزّمان وأهله، ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يستراح فيه، فإن الذي تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممّن صحبه الحرمان، واستحقّت طلعته للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال، فمقتوهم، وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس، وإقامة العذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، وتعذير أمورهم. ولا تزل هذين البيتين من فكرك:
لن إذا ما نلت عزّاً ... فأخو العزّ يلين
فإذا نابك دهرٌ ... فكما كنت تكون ولا قول الآخر:
ته وارتفع إن قيل أق ... تر وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يسفل ما اكتسى ... ثمراً ويعلوا ما تعرّى ولا قول الآخر (2) :
__________
(2) البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه: 49 ونسب لطرفة في ديوانه: 45.
(2) البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه: 49 ونسب لطرفة في ديوانه: 45.
(2/360)

الخير يبقى وإن طال الزّمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد واعتقد في الناس ما قاله القائل (1) :
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما (2) وتحفّظ بما تضمّنه قول الآخر (3) :
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحق وبالباطل ولله درّ القائل (4) :
ما كلّ ما فوق البسيطة كافياً ... فإذا اقتنعت فكلّ شيء كافي والأمثال يضربها لذي اللّبّ الحكيم (5) ، وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم، والفطن يقنع بالقليل، ويستدل باليسير، والله سبحانه خليفتي عليك، لا ربّ سواه.
نجزت الوصية وتكفيك عنواناً على طبقته في النثر.
__________
(1) البيت للمرقش الأصغر من مفضلية له (ص: 503) .
(2) زاد بعده في مطبوعة التجارية: وقريب منه قول القائل:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العاليه
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه وقد سقط هذا من ج ق ودوزي؛ كما أنه غير قريب مما قبله، ولعله من زيادة بعض المعلقين.
(3) البيت مما ينسب لكعب بن زهير؛ وانظر نهاية الأرب 3: 68 والتمثيل والمحاضرة: 62.
(4) البيت لأبي فراس الحمداني، ديوانه 2: 256 (تحقيق الدكتور سامي الدهان) .
(5) من قول يزيد بن الحكم بن أبي العاص يعظ ابنه بدراً (حماسة المرزوقي: 1190) :
يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم ...
(2/361)

[رسالة ابن سعيد الأب لعبد الواحد الموحدي]
وله رسالة (1) كتب بها إلى ملك المغرب أبي محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب ابن عبد المؤمن مهنئاً له بالخلافة حين بويع بها بمراكش، وكان إذ ذاك بإشبيلية، وكان قبل ذلك كاتباً له مختصّاً به:
الحضرة العلية، السامية السنية، الطاهرة القدسية، حضرة الإمامة، وجنّة دار الإقامة، مدّ الله على الإسلام ظلالها، وأنمى في سماء السعادة تمامها وكمالها، وهنّأ المؤمنين باستقبال إمارتها، وأدام لهم بركة خلافتها، عبد أياديها، وخديم ناديها، المتوسّل بقديم الخدمة، والمتوصّل بعميم النعمة وكريم الحرمة، المنشد بلسان المسرّة، حين أطلع الزمان هذه الغرّة (2) :
أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ له ... ولمي ك يصلح إلاّ لها موسى بن محمد بن سعيد لا زال هذا الأمر العلي محموداً سعيداً، ولا برح يستزيد ترقياً وصعوداً:
يا نعمة الله زيدي ... إن كان فيك مزيد سلام الله الكريم، يخص حضرة الإجلال والتعظيم، والتقديس والتفخيم، ورحمته وبركاته، وبعد حمد الله الذي بلغ الإسلام بهذه الخلافة آماله، وحلّى بهذه الولاية السعيدة أحواله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد نبيه الكريم، الذي دحض الله تعالى بنبوّته الكفر وضلاله، وعلى آله وصحبه الطاهرين الذي سمعوا أقواله، وامتثلوا أفعاله، والرضى عن الإمام المهدي المعلوم الذي أفاء الله
__________
(1) وردت هذه الرسالة في المقتطفات (الورقة: 17) .
(2) البيتان لأبي العتاهية، انظر ديوانه: 612 (تحقيق الدكتور شكري فيصل) .
(2/362)

به على الدين الحنيفي ظلاله، وأذهب عنه طواغيته وضلاله، والدعاء للمقام العالي الكريم، بالسعد المتوالي والنصر الجسيم، وكتب العبد وقد ملأت هذه البشرى المسرة أفقه، ووسعت عليه هذه المرتبة العلية طرقه:
فهذه رتبةٌ ما زلت أرقبها ... فاليوم أبسط آمالي وأحتكم ولا أقنع مني إن اقتصرت على السماء داراً، والهلال للبشير سواراً، والنجوم (1) عقداً، والصباح بنداً، حتى أسرّ كل أحد بشكله، وأقابل كل شخص بمثله:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإنّي لم أخدمك إلا لأخدما وما بعد الخلافة رتبة، ودون ثبير تنحطّ كلّ هضبة، فالحمد لله ربّ العالمين، وهنيئاً لعباده المؤمنين، حيث نظر لهم نظر رحمة، فأسبل عليهم ستر هذه النعمة:
ولقد علمت بأنّ ذلك معصمٌ ... ما كان يتركه بغير سوار (2) والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وإلى من يشير بآياته، فلله صباح ذلك اليوم السعيد وليلته، لقد سفر عن وجه من البشرى أضاءت الآفاق شرقاً وغرباً غرّته، ولقد اجتمعت آراء السداد، حتى أتت الإسلام بالمراد، فأخذ القوس باريها، وحل بالدار بانيها، هنيئاً زادك الرحمن (3) خيراً، ولا برحت المسرات تسير إليك سيراً، وهل يصلح النور إلا للمقل، وهل يليق بالحسن إلا الحلل، فالآن مهّد الله البرين، وأفاض العدل على العدوتين، وقدّم
__________
(1) ق: والنجم.
(2) البيت لأبي تمام من قصيدته في الشمانة بمصرع الأفشين، ديوانه 2: 209.
(3) ج: الإسلام.
(2/363)

للنظر من لا يعزب عن حفظه مكان، ولا يختصّ بحفظه إنسان دون إنسان، خلفة له النفس العمرية، والآراء العمرية، والفراسة الإياسية، ولا ينبئك مثل خبير، فلقد شاهد العبد ما لا يحصره تفسير، ولعمري لقد عاد الصباح في إشراق النهار، ولم يخف عنا ما زاد الدنيا من البهجة (1) والمسار، وشملت الناس هذه البشائر، وعمّت كل باد وحاضر، وأصاخوا لتاليها إصاخة المجد بين لمرتادهم، وأهطعوا لها مهللين ومكبرين إهطاع الناس لأعيادهم، وأما العبد فقد أخذ بحظه، حتى خاف أن يغلب السرور على قلبه ولحظه:
ومن فرح النفس ما يقتل (2) ... وهذه نعمة يقصر عنها النثر والنظم، ويحسد عليها الهلال والنجم، بل يسلمان لما استحقته من المراتب، ويخضعان إليها خضوع المفترض الواجب، أقرّ الله بها عيون المسلمين، وأفاض سحبها على الناس أجمعين، وحفظها بعينه التي لا تنام، ووقف على خدمتها الليالي والأيام.
[من شعر أبي عمران ابن سعيد]
ولما قدم من الأندلس على تونس مدح سلطانها أبا زكريا بقوله:
بشرى ويسرى قد أنار المظلم ... نجماً وقد وضح الصباح المعلم
ورنت عيون الأمن وهي قريرةٌ ... وبدت ثغور السّعد وهي تبسّم
فارحل لتونس واعتقد أعلام من ... قوي الضعيف به وأثرى المعدم
حيث المعالي والمعاني والنّدى ... والفضل والقوم الذي هم هم
أجروا إلى الغايات ملء عنانهم ... سبقاً وبذّهم الجواد المنعم
__________
(1) ق: البهجات.
(2) عجز بيت للمتنبي، وصدره: فلا تنكرن لها صرعة.
(2/364)

ساد الإمام الملك يحيى سادةً ... أعطى الورى لهم القياد وسلّموا
إنّ الإمارة مذ غدا يقتادها ... يقظى وأجفان الحوادث نوّم
لله منك مباركٌ ذو فطنةٍ ... بزغت فأحجم عندها من يقدم
يقظان لا وانٍ ولا متقاعسٌ ... كالدهر يبني ما يشاء ويهدم
إن صال فالليث الهصور المقدم ... أن سال فالغيث المغيث المثجم
أعلى منار الحقّ حين أماله ... قومٌ تبرأت المنابر منهم
أعلى الإله مكانه وزمانه ... والنصر يقدم والسعادة تخدم وقال يخاطب ملك المغرب مأمون بني عبد المؤمن، حين أخذ البيعة لنفسه بإشبيلية، وكان المذكور بمراكش ولبني سعيد بهذا الملك اختصاص قديم:
الحزم والعزم موجودان والنّظر ... واليمن والسعد مضمونان والظّفر
والنور فاض على أرجاء أندلسٍ ... والزّور ليس له عينٌ ولا أثر
حثّ الركاب إلى هذا الجناب فقد ... ضلّوا فما تنفع الآيات والنّذر
واعزم كما عزم المأمون إذ نشزت ... أرض العراق فزال البؤس والضرر ولما قدم العادل القائم بمرسية المتولي على مملكة البرّين إلى إشبيلية كان في جملة من خرج للقائه، ورفع له قصيدة منها:
لقاء به للبرّ والشكر مجمع ... إلى يومه كنّا نخبّ ونوضع
لقد يسّر الرحمن صعب مرامه ... فأبصرت أضعاف الذي كنت أسمع وله أيضاً:
يا منعماً قد جاءني برّه ... من غير أن أجري له ذكرا
إنّ أحبّ الخير ما جاءني ... عفواً، ولم أغمر به فكرا وله في غلام واعظ، وهو من حسناته:
(2/365)

وشادنٍ ظلّ للوع ... ظ تالياً بين جمع
متّعت طرفي بمرآ ... هـ في خفارة سمعي وله من أبيات:
ومن عجبٍ أنّ الليالي تغيّرت ... ولكنّها ما غيّرت منّي العهدا ومن الفضلاء الذين أدركهم وأخذ عنهم الحافظ أبو بكر ابن الجد، وأبو بكر ابن زهر، وغيرهما، وحضر حصار طليطلة مع منصور بني عبد المؤمن، وكتب لملك البرين أبي محمد بعد الواحد، وكتب أيضاً عن مأمون بني عبد المؤمن، وكتب أخيراً عن ملك بجاية والغرب الأوسط الأمير أبي يحيى ابن ملك إفريقية، رحم الله تعالى الجميع.
رجع إلى أبي الحسن ابن سعيد:
قال رحمه الله تعالى: حضرت ليلة أنسٍ مع كاتب ملك إفريقية أبي العباس أحمد الغسّاني، فاحتاجت الشمعة أن تقطّ، فتناول قطّها غلامٌ ببنانه، فقلت:
ورخص البنان تصدّى لأن ... يقطّ السراج بمثل العنم فقال:
ولم يهب النار في لمسه ... ولا احتاج في قطّه للجلم فقلت:
وما ذاك إلاّ لسكناه في ... فؤادي على ما حوى من ضرم فقال:
(2/366)

تعوّد حرّ لهيبٍ به ... فليس به من أوارٍ ألم وأنشد في المغرب للغساني المذكور في خسوف القمر ممّا قاله ارتجالاً:
كأنّ البدر لمّا أن علاه ... خسوفٌ لم يكن يعتاد غيره
سجنجل غادةٍ قلبته لمّا ... أراها شبهها حسداً وغيره وخاطبه المذكور برسالة يقول في آخرها: وعند حامل هذه الأحرف - سلّمه الله تعالى - كنه خبري، واستيعاب ما قصر عنه قلمي فضاقت بحمله أسطري، لتعلم ما أجده وأفقده من تشوقي وتصبري، وأنّي لا أزال أنشد حيث تذكّري وتفكّري:
يا نائياً قد نأى عنّي بمصطبري ... وثاوياً في سواد القلب والبصر
إذا تناسيت عهداً من أخي ثقةٍ ... فاذكر عهودي فما أخليك من فكري
واردد عليّ تحيّاتي بأحسنها ... تردد عليّ حياتي آخر العمر ولنمسك العنان عن الجري في ميدان أخبار ابن سعيد، فإنّها لا يشق غبارها، ومنها قوله رحمه الله تعالى: سمعت كثيراً من السماع المشرقي، فلم يهزني مثل قول الشريف الشمسي المكي (1) :
مقلٌ بالدمع غرقى ... وفؤادٌ طار خفقا
وتجنّ وتثنٍّ ... شقّ جيب الصبر شقّا
يا ثقاتي خبروني ... عن حديث اليوم حقّا
أكذا كلّ محبّ ... فارق الأحباب يشقى
لا وعيشٍ قد تقضّى ... وغرامٍ قد تبقّى
ونعيمٍ في ذراكم ... قد صفا دهراً ورقّا
__________
(1) وردت الأبيات في المقتطفات (الورقة: 28) .
(2/367)

ونسيمٍ من حماكم ... حمل الوجد فرقّا
برسالات صبابا ... تٍ على المشتاق تلقى
وغصونٍ ناعماتٍ ... بمياه الدنّ تسقى
ووجوهٍ فضن حسناً ... فملأن الأرض عشقا
لو رضيتم بي عبداً ... ما رضيت الدهر عتقا وقال: ما سمعت ولا وقفت على شيء أبدع من قول الجزار، وقد تردد إلى جمال الدين بن يغمور رئيس الديار المصرية فلم يقدّر له الاجتماع به:
أسأل الله أن يديم لك الع ... زّ ما أردت البقاء
كلّ يومّ أرجو النعيم بلقيا ... ك فألقى بالبعد عنك شقاء
علم الدهر أنّني أشتكيه ... لك إذ نلتقي فعاق اللّقاء فبعث له بما أصلح حاله من الإحسان، وكتب في حقّه إلى ولاة الصعيد كتباً أغنته مدّة عن شكوى الزمان، انتهى.
وقال أيضاً: ولم أسمع في وضع الشيء موضعه أحسن من قول المتنبي:
وأصبح شعري متهماً في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ولم أسمع في وضع الشيء غير موضعه أحسن من قول أبي الفرج:
مرّ مدحي ضائعاً في لؤمه ... كضياع السيف في كفّ الجبان ومن تأليف النور بن سعيد كتاب " عدة المستنجز وعقلة (1) المستوفز " وذكر فهي أنّه ارتحل من تونس إلى المشرق رحلته الثانية سنة 666، وأورد في هذا الكتاب غرائب وبدائع، وذكر فيه أنّه لمّا دخل الإسكندرية لم يكن عنده
__________
(1) ق ج: وغفلة.
(2/368)

آكد من السؤال عن الملك الناصر، فأخبر بحاله، وما جرى له مع التتر (1) حتى قتلوه بعد الأمان، ثم ساق فيه دخول هولاكو حلب فقال بعد كلام كثير: وارتكب في أهل حلب التتر والمرتدون ونصارى الأرمن ما تصمّ عن الأسماع، وكان فيمن قتل بتلك الكائنة البدر بن العديم الذي صدر عنه من الطبقة العالية في الشعر مثل قوله (2) :
واهاً لعقرب صدغه ... لو لم تكن للماه تحمي
ولغفل خطّ عذاره ... لو بتّ أعجمه بلثمي وابن عمّه الافتخار بن العديم الذي وقع له مثل قوله:
والغصن فيه الماء مطّردٌ ... والماء فيه الغصن منعكس ثم قال، لما ذكر أحوال الناصر بعد استيلاء التتر على بلاد حلب والشام وما يليهما، ما نصّه: قال من دخل على الملك الناصر وقد نزل بميدان دمشق: قبّلت يده، وجعلت أدعو له، وأظهر تعزيته على ما جرى من تلك المصائب العظيمة، فأضرب عن ذلك، وقال لي: فيم تتغزل اليوم ثمّ أنشدني قوله في مملوك فقده في هذه الكائنة:
والله ما أبكي لملكٍ مضى ... ولا لحالٍ ظاعنٍ أو مقيم
وإنّما أبكي وقد حقّ لي ... لفقد من كنت به في نعيم
يطلع بدراً ينثني بانةّ ... يمرّ فيما رمته كالنّسيم
في خاطري أبصره خاطراً ... فألتوي مثل التواء السقيم
يا عاذلي دعني وما حلّ بي ... فما سوى الله بحالي عليم
إن متّ من حزنٍ له أسترح ... وإن أعش عشت بهمّ عظيم
__________
(1) ق: الططر.
(2) سقط البيتان من ج.
(2/369)

قال: ثم إنّه سار نحو هولاكو، فلمّا مرّ بحلب ونظر إلى معاهده على غير ما يعهد قال:
مررت بجرعاء الحمى فتلفتت ... لحاظي إلى الدّار التي رحلوا عنها
ولو كان عندي ألف عينٍ وقمت في ... معالمها عمري لما شبعت منها وصنع في نعيها أشعاراً يغنّي بها المسمّعون، ثم رحل إلى صحراء يوش في جهة طريق أرمينية، فوجد هولاكو هنالك في تلك المروج المشهورة بالخصب، فأنزله، وأقام يشرب معه إلى أن وصل الخبر بوقعة عين جالوت على التتر للملك المظّفر قطز صاحب مصر سنة 658 (1) ، فقتلوه وخلعوا عظم كتفه، وجعلوه في أحد الأعلام على عادته في أكتاف الملوك، انتهى باختصار.
167 - ومن الوافدين من الأندلس إلى المشرق الأديب الحسيب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد (2) ، وكان صعب الخلق، شديد الأنفة، جرى بينه وبين أقاربه ما أوجب خروجه إلى أقصى المشرق، وفي ذلك يقول، وكتب به إليهم:
من لصبّ يرعى النجوم صبابه ... ضيّع السير في الهموم شبابه
زدت بعداً فزدت فيه اقتراباً ... بودادي كذاك حكم القرابه
منزلي الآن سمرقند وبالقل ... عة ربعٌ وطئت طفلاً ترابه
شدّ ما أبعد الفراق انتزاحي ... هكذا الليث ليس يدري اغترابه
لا ولا أرتجي الإياب لأمرٍ ... إن يكن يرتجي غريبٌ إيابه
__________
(1) في ق: سنة خمسمائة وثمانين، وسقط التاريخ من ج.
(2) له ترجمة في المغرب 2: 172.
(2/370)

وكتب لهم من بخارى:
إذا هبّت رياح الغرب طارت ... إليها مهجتي نحو التّلاقي
وأحسب من تركت به يلاقي ... إذا هبّت صباها ما ألاقي
فيا ليت التفرق كان عدلاً ... فحمّل ما يطيق من اشتياقي
وليت العمر لم يبرح وصالاً ... ولم يختم (1) علينا بالفراق إذا كان الشوق فوق كل صفة، فكيف تعبّر عن الشفة، لكن العنوان دلالة على بعض ما في الصحيفة، والحاجب قد ينوب في بعض الأمور مناب الخليفة، وما ظنكم بمشوق طريح، في يد الأشواق طليح، يقطع مسافات الآفاق يتقلّب تقلّب الأفياء، ويتلّون الحرباء، حتى كأنّه يخبّر مساحات الأرض، ذات الطول والعرض، ويجوب أهوية الأقاليم السبع، خارجاً بما أدخله فيه اللّجاج عن الشرع، فكان خليفة الإسكندر، لكن ما يجيش من هموم الغربة بفكري قائمة مقام الجيش والعسكر؛ جزت إلى برّ العدوة من الغرب الأقصى، فطمحت نفسي إلى مشاهدة الغرب الأوسط فلاقيت فيما بينهما من المسافة من المشاق ما لا يحصر (2) ، ثم تشوقت إلى إفريقية درب بلاد الشرق، فاستشعرت من هنالك ما بينها وبين بلادي من الفرق، واختطفت من عيني تلك الطلاوة، وانتزعت من قلبي تلك الحلاوة:
فلله عينٌ لم تر العين مثلها ... ولا تلتقي إلاّ بجنّات رضوان ثم نازعتني النفس التواقة إلى الديار المصرية، فكابدت في البحر ما لا يفي بوصفه إلا المشافهة إلى أن أبصرت منار الإسكندرية، فيا لك من استئناف عمر جديد، بعد اليأس من الحياة بما لقينا من الهول والتنكيد، ثمّ صعدت إلى القاهرة
__________
(1) المغرب: يحكم.
(2) ج: يحصى.
(2/371)

قاعدة الديار المصرية، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية، وعاينت القاهرة المعزّية، وما فيها من الهمم الملوكية، غير أنّي أنكرت مبانيها الواهية، على ما حوت من أولي الهمم العالية، وكونها حاضرة العسكر الجرّار، وكرسيّ الملك العظيم المقدار، وقلت: أصداف فيها جواهر، وشوك محدق بأزاهر، ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه، وجزت بحر جدة وذقت تباريحه، وقضيت الحج والزيارة، وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمّارة، فهنالك بعت الزيارة بالأوزار، وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار، إذ هي كما قال أحد من عاينها (1) :
أمّا دمشق فجنّات معجّلة ... للطالبين بها الولدان والحور فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان، وما زيّن به خارجها من الأنهار والجنان، وبالجملة فإنّها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة، وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة، ولم أزل أسمع عن حلب، أنّها دار الكرم والأدب، فأدرت أن يحظى بصري بما حظي به سمعي، ورحلت إليها وأقمت جابراً بالمذاكرة والمطايبة صدعي، ثم رحلت إلى الموصل فألفيت مدينة عليها رونق الأندلس، وفيها لطافة وفي مباينها طلاوة ترتاح لها الأنفس، ثم دخلت إلى مقر الخلافة بغداد، فعاينت من العظم والضخامة ما لا يفي به الكتب ولو ان البحر مداد، ثم تغلغلت في بلاد العجم بلداً بلداً، غير مقتنع بغاية ولا قاصد أمداً، إلى أن حللت ببخارى قبة الإسلام، ومجمع الأنام، فألقيت بها عصا التسيار، وعكفت على طلب العلم واصلاً في اجتهاده سواد الليل وبياض النّهار، انتهى.
وكتب إليهم أيضاً من هذه الرسالة: كتبت وقد حصلتني السعادة، وحظ
__________
(1) الشعر للعرقلة الدمشقي، أبي الندى حسان بن نمير أحد شعراء الخريدة (قسم الشام 1: 178 وفي الحاشية ثبت بتخريج ترجمته) والبيت في الخريدة: 204 ورحلة ابن بطوطة: 85.
(2/372)

الأمل والإرادة، بحضرة بخارى قبة الإسلام.
وأجابه أهله من الغرب بكلام من جمله: وإن كنت قد تحصنت (1) بقبة الإسلام، فقد تعجلت لنا ولك الفقد قبل وقت الحمام. وأتبعوا ذلك بما دعاه لأن خاطبهم بشعر منه:
عتبتم على حثّي المطيّ وقلتم ... تعجّلت فقداً قبل وقت حمام
إذا لم يكن حالي مهمّاً لديكم ... سواء عليكم رحلتي ومقامي وقتل المذكور ببخارى، حين دخلها التتر، وهو عمّ علي بن سعيد الشهير.
وكان لعبد الرحمن المذكور أخٌ يسمى يحيى قد عنى الجنديّة، فلمّا بلغه أن أبا القاسم عبد الرحمن قتل ببخارى قال: لا إله إلاّ الله، كان أبداً يسفّه رأيي في الجنديّة، ويقول: لو اتبعت طريق النجاة كما صنعت أنا لكان خيراً لك، فها هو ربّ قلمٍ قد قتل شرّ قتلة بحيث لا ينتصر وسلب سلاحه، وأنا ما زلت أغازي في عبّاد الصليب وأخلص، فما يقدر أحد يحسن لنفسه عاقبة، انتهى.
قال أبو الحسن علي بن سعيد: ثمّ إن يحيى المذكور بعد خوضه في الحروب صرعه في طريقه غلام كان يخدمه، فذبحه على نزرٍ من المال، أفلت به، فانظر إلى تقلّب الأحوال كيف يجري في أنواع الأمور لا على تقدير ولا احتياط، انتهى.
ومن شعر أبي القاسم عبد الرحمن المذكور ما خاطب به نقيب الأشراف ببخارى، وقد أهدى إليه فاختاً مع زوجه:
أيا سيّد الأشراف لا زلت عالياً ... معاليك تنبو الدهر عن كلّ ناعت
من الفضل إقبالٌ على ما تعثته ... لمغناك من شادٍ دعوه بفاخت
ألا حبّذا من فاخت ساد جنسه ... وأصبح مقروناً بستّ الفواخت
__________
(1) ج ق: تحصلت.
(2/373)

لئن فاتني منه الأنيس فكل ما ... يحلّ إلى علياك ليس بفائت 168 - منهم الشيخ الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف ابن حمزة، القرطبي، الأنصاري، المعروف بابن العابد، نزيل رباط الصاحب الصفي بن شكر (1) ، قال بعض المشارقة عنه: إنّما سميت الخمر بالعجوز لأنّها بنت ثمانين، يعين عدد حدّها، وأنشد له:
عذلنا فلاناً على فعله ... ولمناه في شربه للعجوز
فقال: دعوني من أجلها ... أنال أنا وأخي والعجوز 169 - ومنهم الشيخ الفاضل المتقن أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف ابن محمد بن يوسف الأنصاري، الشاطبي الأصل، البلنسي المولد في أحد ربيعي سنة إحدى وستمائة، ولقّبه المشارقة برضي الدين (2) . وتوفّي بالقاهرة في جمادة الأولى سنة 684، رحمه الله تعالى.
ومن نظمه لما حضر أجله، وقد مر خادمه أن ينظف له بيته، وأن يغلق عليه الباب ويفتقده بعد زمان، ففعل ذلك، فلمّا دخل عليه وجده ميتاً، وقد كتب في رقعة:
حان الرحيل فودّع الدار التي ... ما كان ساكنها بها بمخلّد
واضرع إلى الملك الجواد وقل له ... عبدٌ بباب الجود أصبح يجتدي
لن يرض غير الله معبوداً ولا ... ديناً سوى دين النبيّ محمّد ومن نظمه أيضاً رحمه الله تعالى:
__________
(1) يريد وزير الملك العادل بمصر وهو صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر.
(2) ترجمة رضي الدين الشاطبي في الوافي 4: 190 وغاية النهاية 2: 213 وبغية الوعاة: 83 وشذرات الذهب 5: 389.
(2/374)

أقول لنفسي حين قابلها الردى ... فرامت فراراً منه يسرى إلى يمنى
قري تحملي بعض الذي تكرهينه ... فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنى أنشده تلميذه أبو حيّان إمام عصره في اللّغة.
حدث عن ابن المنير وغيره، واشتغل الناس عليه بالقاهرة، وله تصاينف مفيدة، وسمع من الحافظ أبي الربيع ابن سالم، وكتب على صحاح الجوهري وغيره حواشي في مجلدات، وأثنى عليه تلميذه أبو حيان، رحم الله تعالى الجميع.
ومن فوائده قوله: نقلت من خط أبي الوليد ابن خيرة الحافظ القرطبي في فهرست أبي بكر ابن مفوّز: قد أدركته بسنّي ولم آخذ عنه واجتمعت به، أنشدني له أبو القاسم ابن الأبرش يخاطب بعض أكابر أصحاب أبي محمد ابن حزم، والإشارة لابن حزم الظاهري:
يا من تعاني أموراً لن تعانيها ... خلّ التعاني وأعط القوس باريها
تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةً ... وإنّما لمعانيها معانيها وقد سبق في ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي ذكر هذين البيتين عندما أجرينا ذكر ابن حزم (1) ، قال: وإنّما قال هذا الشعر في كذر رواية ادّعيت على قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم " إن خالداً قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله " وصحح رواية من روى " أعبده " جمع عبد، وعلّل رواية من روى أعتده بالتاء مثنّاة باثنتين من فوق جمع عتدٍ، وهو الفرس؛ قال ابن خيرة: الإحاطة ممتنعة، وهذه الرواية قد رواها جماعة من الأثبات والعلماء المحدّثين، فهو إنكار غير معروف، والله تعالى أعلم.
ومن فوائده ما نقله تلميذه أبو حيّان النحوي عنه، قال: أنشدنا للمقري ونقلته من خطّه:
__________
(1) انظر ما تقدم 2: 84.
(2/375)

إذا ما شئت معرفةً ... بما حار الورى فيه
فخذ خمساً لأربعةٍ ... ودع للثوب رافيه وهو لغز في ورد.
وقال: وأنشدنا لبعضهم:
لا رعى الله عزمةً ضمنت لي ... سلوة الصبر والتصبر عنه
ما وفت غير ساعةٍ ثمّ عادت ... مثل قلبي تقول: لا بدّ منه قال: وأنشدنا لغيره:
وكان غريب الحسن قبل التحائه ... فلمّا التحى صار الغريب المصنّفا " (1) وأنشدنا لغيره:
طب على الوحدة نفسا ... وارض بالوحشة أنسا
ما عليها من يساوي ... حين يستخبر فلسا وقرأ الرضيّ ببلده على ابن صاحب الصّلاة (2) آخر أصحاب ابن هذيل، وسمع منه كتاب التلخيص للواني (3) ، وسمع بمصر من ابن المقيّر وجماعة، وروى عنه الحافظ المزي واليونيني والظاهري وآخرون، وانتهت إليه معرفة اللغة وغريبها، وكان يقول: أعرف اللغة على قسمين: قسم أعرف معناه وشواهده، وقسم أعرف كيف أنطق به فقط، رحمه الله تعالى.
__________
(1) فيه تورية، يشير إلى كتاب الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام.
(2) اسمه محمد بن أحمد بن صاحب الصلاة.
(3) كذا في ج ق ودوزي؛ وفي غاية النهاية " للداني " بالدال المهملة، ولم يرد كتاب " التلخيص " بين كتب أبي عمرو الداني شيخ القراء الأندلسيين في مقدمة المحكم (تحقيق الدكتور عزة حسن، دمشق: 1960) .
(2/376)

ومن فوائد الرضيّ الشاطبيّ المذكور ما ذكره أبو حيّان في البحر قال: وهو من غريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمّد بن علي ابن يوسف الأنصاري الشاطبي لزينب بنت إسحاق النصراني الرّسعني:
عديّ وتيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء، ولكنّي محبٌّ لهاشم
وما يعتريني في عليّ ورهطه ... إذا ذكروا في الله لومة لائم
يقولون: ما بال النصارى تحبّهم ... وأهل النّهى من أعربٍ وأعاجم
فقلت لهم: إنّي لأحسب حبّهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم ومن نظم الرضي المذكور:
منغّص العيش لا يأوي إلى دعةٍ ... من كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد
والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى بلادٍ ولم يسكن إلى أحد وله:
لولا بناتي وسيّئاتي ... لطرت شوقاً إلى الممات
لأنني في جوار قومٍ ... بغّضني قربهم حياتي وقرأ عليه أبو حيان كتاب التيسير وأثنى عليه، ولمّا توفّي أنشد ارتجالاً:
نعوا لي الرضيّ فقلت لقد ... نعي لي شيخ العلا والأدب
فمن للّغات للثّقات ... ومن للنحاة ومن للنسب
لقد كان للعلم بحراً فغار ... وإنّ غؤور البحار العجب
فقدّس من عالمٍ عاملٍ ... أثار لشجوي لمّا ذهب وتحاكم إلى رضي الدين المذكور الجزّار والسّراج والورّاق أيّهما أشعر، وأرسل إليه الجزار شيئاً، فقال: هذا شعر جزلٌ، من نمط شعر العرب، فبلغ ذلك الورّاق، فأرسل إليه شيئاً فقال: هذا شعر سلس، وآخر الأمر قال:
(2/377)

ما أحكم بينكما، رحمه الله تعالى.
قلت: رأيت بخطّه كتباً كثيرة بمصر وحواشي مفيدة في اللّغة وعلى دواوين العرب، رحمه الله تعالى.
170 - ومنهم حميد الزاهد، وهو الأديب الفاضل الزاهد أبو بكر حميد ابن أبي محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله، الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة (1) . قال الرضي الشاطبي المذكور قريباً: أنشدني حميدٌ بالقاهرة لأبيه أبي محمد وقد تأخّر شبيه مع علوّ سنّه (2) :
وهل نافعي أن أخطأ الشّيب مفرقي ... وقد شاب أترابي وشاب لداتي
إذا كان خطّ الشيب يوجد عينه ... بتربي فمعناه يقوم بذاتي واللّدات: من ولد معه في زمان واحد، انتهى.
وفي ذكري أنّه قال هذين البيتين لما قال له القاضي عياض: شبنا ولم تشب.
وقال الرضيّ أيضاً: أنشدني حميدٌ لأبيه فيمن يكتب في الورق بالمقص، وهو غريب:
وكاتبٍ وشي طرسه حبرٌ ... لم يشها حبره ولا قلمه
لكن بمقراضه ينمنمها ... نمنمة الروض جاده رهمه
يوجد بالقطع أحرفاً عدمت ... فاعجب لشيء وجوده عدمه والرهم: المطر.
__________
(1) حميد هذا هو أحمد - وشهر باسم حميد -؛ وأبوه عبد الله بن الحسن هو أبو محمد القرطبي أحد العلماء الحفاظ، ترجم له ابن عبد الملك ترجمة ضافية في الذيل والتكملة 4: 191 (وانظر التكملة: 879 وتذكرة الحفاظ: 1396) .
(2) انظر البيتين والقصة بين أبي محمد القرطبي والقاضي عياض في برنامج الرعيني: 88 والذيل والتكملة 4: 209 - 210.
(2/378)

قال: وتوفّي حميد الزاهد هذا بمصر، قبيل الظهر من يوم الثلاثاء، وصلّي عليه خارج مصر بجامع راشدة بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء المذكور، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ الفاضل الزاهد أبي بكر محمد الخزرجي الذي يدق الرصاص، حذاء رجليه، في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ومولده سنة ست وستمائة، انتهى.
171 - ومنهم اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع بن عبد الله الغافقي (1) من أهل بلنسية وأصله من جيّان، وسكن المريّة ثم مالقة، يكنى أبا يحيى، كتب لبعض الأمراء بشرقي الأندلس (2) ، وله تأليف سمّاه المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب، جمعه للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالديار المصرية بعد أن رحل إليها من الأندلس سنة ستين وخمسمائة، وبها توفّي يوم الخميس التاسع عشر من رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
172 - ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد التجيبي، يكنى أبا عبد الله، من أهل إشبيلية (3) ، تجول في بلاد الأندلس طالباً للعلم، ثمّ حج، ولقي الحافظ السّلفي وغيره، واستوطن تلمسان، وبها توفّي في جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، وله تواليف كثيرة.
173 - ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك، اللّخمي، الباجي (4) ،
__________
(1) ترجمته في المغرب 2: 88 والتكملة رقم: 2112 وشذرات الذهب 4: 250.
(2) في المغرب: وكان بالأندلس يكتب عن المستنصر بن هود.
(3) ترجم له في التكملة: 588، وقال إنه من أهل لقنت عمل مرسية، ولم ينسبه إلى إشبيلية، وذكر عددا كبيرا من مؤلفاته.
(4) ترجمته في التكملة: 637؛ خرج من وطنه عند مقتل ابن أخيه أبي مروان الباجي على يد ابن الأحمر، ونزل في مرسى عكا ومنها إلى دمشق وحج وزار ثم عاد إلى مصر عن طريق عيذاب مارا بقنا وقوص؛ وقد أطنب ابن عبد الملك في خبر رحلته وتنقلاته ووفاته (الذيل والتكملة 5: 687) .
(2/379)

من أهل إشبيلية، ولي القضاء بها وأصله من باجة إفريقية، دخل المشرق لأداء الفريضة فحج، وتوفّي بمصر بعدما دخل الشام، في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة، ومولده عام أربعة وستين وخمسمائة، وكانت رحلته من المغرب أول يوم من المحرم عام أربعة وثلاثين وستمائة.
174 - ومنهم وليد بن بكر بن مخلد بن زياد العمري من أهل سرقسطة، يكنى أبا العباس، له كتاب سمّاه " الوجازة في صحة القول بالإجازة " وله رحلة لقي فيها ألف شيخ ومحدث وفقيه، توفّي بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، يروي عنه أبو ذر الهروي وعبد الغني الحافظ، وكفاه فخراً بهذين الإمامين العظيمين، رحم الله تعالى الجميع.
175 - ومنهم عيسى بن سليمان بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرّعيني الرّندي، يكنى أبا محمد، استوطن مالقة، ورحل إلى المشرق، وحج، ولقي جماعة من العلماء، وقفل إلى المغرب أواخر عام واحد وثلاثين وستمائة، وولي الإمامة بالمسجد الجامع بمالقة، وبها توفّي في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ولقب في المشرق برشيد الدين، وولد في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بقرية من قرى الأندلس يقال لها يلمالتين كورة
(2/380)

بشتغير، ذكر ذلك ابن المستوفي في تاريخ إربل.
176 - ومنهم أبو الربيع سليمان بن أحمد، الينيني (1) ، من أهل الأندلس، استوطن المشرق ومدح الملك الكامل، ومن شعره رحمه الله تعالى قوله:
لولا تحدّيه بآية سحره ... ما كنت ممتثلاً شريعة أمره
رشأ أصدّقه وكاذب وعده ... يبدي لعاشقه أدلّة عذره
ظهرت نبوّة حسنه في فترةٍ ... من جفنه وضلالةٍ من شعره 177 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن يحيى الضبي (2) ، رحل حاجّاً فلقي ببجاية عبد الحق الإشبيلي، وبالإسكندرية أبا الطاهر ابن عوف، ولقي غير واحد في رحلته كالفرنوي (3) وان بري (4) وأبي الثناء الحراني وأبي الحسين الحديثي (5) - وللحديثي أحاديث ساوى بها البخاري ومسلماً - ولقي جماعة ممّن شارك السّلفي في شيوخه.
178 - ومنهم أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير، الكناني صاحب الرحلة (6) ، وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أندلسي،
__________
(1) ق ودوزي: الينيبي؛ وهي غير واضحة الإعجام في ج.
(2) ترجمة الضبي في التكملة: 93، وله كنية ثانية هي أبو العباس، وقد توفي في مرسية عام 599 سقط عليه هدم.
(3) في دوزي: كالعروبي، وفي نسخة: كالغذتوري، وأثبت ما في التكملة.
(4) ج ق ودوزي: وابن بر.
(5) ق ج ودوزي: الحريثي.
(6) انظر ترجمة ابن جبير في التكملة: 598، والذيل والتكملة: 595 وإرشاد الأريب 2: 106 ومسالك الأبصار 8: 311 والمطرب 1: 86 والإحاطة 2: 168 والمغرب 2: 384، وغاية النهاية 2: 60 والنجوم الزاهرة 6: 221 وشذرات الذهب 5: 60؛ وانظر مقدمة الرحلة ففيها نقول عن المقفى ورحلة العبدري وبدائع البدائه؛ وأورد له ابن عبد الملك أشعارا يهاجم فيها الفلسفة في ترجمة أبي الوليد ابن رشد في الجزء السادس.
(2/381)

شاطبي، بلنسي، مولده ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية، وقيل في مولده غير ذلك، وسمع من أبيه بشاطبة ومن أبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن ابن أبي العيشي، وأخذ عنه القراءات، وعني بالأدب فبلغ الغاية فيه، وتقدم في صناعة القريض والكتابة.
ومن شعره قوله، وقد دخل إلى بغداد فاقتطع غصناً نضيراً من أحد بساتينها فذوى في يده:
لا تغترب عن وطنٍ ... واذكر تصاريف النّوى
أما ترى الغصن إذا ... ما فارق الأصل ذوى وقال رحمه الله تعالى يخاطب الصدر الخجندي (1) :
يا من حواه الدين في عصره ... صدراً يحلّ العلم منه فؤاد
ماذا يرى سيّدنا المرتضى ... في زائرٍ يخطب منه الوداد
لا يبتغي منه سوى أحرفٍ ... يعتدّها أشرف ذخر يفاد
ترسمها أنمله مثل ما ... نمّق زهر الروض كفّ العهاد
في رقعةٍ كالصبح أهدى لها ... يد المعالي مسك ليل المداد
إجازةً يورثنيها العلا ... جائزةً تبقى وتفنى البلاد
يستصحب الشكر خديماً لها ... والشكر للأمجاد أسنى عتاد فأجابه الصدر الخجندي:
لك الله من خاطبٍ خلّتي ... ومن قابسٍ يجتدي سقط زندي
أجزت له ما أجازوه لي ... وما حدّثوه وما صحّ عندي
وكاتب هذي السّطور الّتي ... تراهنّ عبد اللطيف الخجندي
__________
(1) هو عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي أبو القاسم صدر الدين من أهل أصبهان، كان فقيها أديبا واعظا توفي سنة 580 (انظر طبقات السبكي 4: 261) .
(2/382)

179 - ورافق ابن جبير في هذه الرحلة أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن القضاعي، وأصله من أندة من بلنسية (1) ، رحل معه فأدّيا الفريضة، وسمعا بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي، وأجاز لهما أبو محمد ابن أبي عصرون وأبو محمد القاسم بن عساكر وغيرهما، ودخلا بغداد وتجولا مدّة، ثمّ قفلا جميعاً إلى المغرب، فسمع منهما به بعض ما كان عندهما.
وكان أبو جعفر هذا متحقّقاً بعلم الطب، وله فيه تقييد مفيد، مع المشاركة الكاملة في فنون العلم. وكتب عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن، وجدّه لأمّه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية. وتوفّي أبو جعفر هذا بمرّاكش سنة ثمان، أو تسع وتسعين وخمسمائة، ولم يبلغ الخمسين في سنه، رحمه الله تعالى.
رجع إلى ابن جبير
قال لسان الدين في حقّه: إنّه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة، واشتهرت في السلطان الناصر صلاح الدين ابن أيوب له قصيدتان: إحداهما أولها (2) :
أطلّت على أفقك الزّاهر ... سعودٌ من الفلك الدائر ومنها:
رفعت مغارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشامل الغامر
وأمّنت أكناف تلك البلاد ... فهان السبيل على العابر
وسحب أياديك فيّاضةٌ ... على واردٍ وعلى صادر
فكم لك بالشرق من حامدٍ ... وكم لك بالغرب من شاكر
__________
(1) ترجمته في التكملة: 93 وعنها ينقل المقري إلا خبر الكتابة عن السيد أبي سعيد، وفي الإحاطة والذيل " أبي جعفر ابن حسان ".
(2) انظر القصيدة في الذيل والتكملة: 598 ومقدمة الرحلة: 28.
(2/383)

والأخرى منها في الشكوى من ابن شكر الذي كان أخذ المكس من الناس في الحجاز (1) :
وما نال الحجاز بكم صلاحاً ... وقد نالته مصرٌ والشآم ومن شعره:
أخلاّء هذا الزّمان الخؤون ... توالت عليهم حروف العلل
قضيت التعجّب من بابهم ... فصرت أطالع باب البدل وقوله (2) :
غريبٌ تذكّر أوطانه ... فهيّج بالذكر أشجانه
يحلّ عرى صبره بالأسى (3) ... ويعقد بالنجم أجفانه وقال رحمه الله تعالى، لمّا رأى البيت الحرام زاده الله شرفاً:
بدت لي أعلام بيت الهدى ... بمكّة والنور بادٍ عليه
فأحرمت شوقاً له بالهوى ... وأهديت قلبي هديّاً إليه وقوله يخاطب من أهدى إليه موزاً (4) :
يا مهدي الموز تبقى ... وميمه لك فاء
وزايه عن قريب ... لمن يعاديك تاء
__________
(1) الذيل والتكملة: 617 ومطلعها:
صلاح الدين أنت له نظام ... فما يخشى لعروته انفطام والقصيدة تحريض لصلاح الدين كي يزيل التشيع من المدينة. (2) المغرب: 385.
(3) المغرب: يحل جواه عقود العزاء.
(4) الذيل والتكملة: 620.
(2/384)

وقال رحمه الله تعالى:
قد ظهرت في عصرنا فرقةٌ ... ظهورها شؤمٌ على العصر
لا تقتدي في الدين إلا بما ... سنّ ابن سينا وأبو نصر وقال:
يا وحشة الإسلام من فرقةٍ ... شاغلةٍ أنفسها بالسّفه
قد نبذت دين الهدى خلفها ... وادّعت الحكمة والفلسفه وقال:
ضلّت بأفعالها الشنيعه ... طائفةٌ عن هدى الشّريعه
ليست ترى فاعلاً حكيماً ... يفعل شيئاً سوى الطبيعه كان انفصاله، رحمه الله تعالى، من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة 578، ووصل الإسكندريّة يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام من السنة، فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يوماً، ونزل البر الإسكندراني في الحادي والثلاثين، وحجّ، رحمه الله تعالى، وتجوّل في البلاد ودخلا لشام والعراق والجزيرة وغيرها، وكان، رحمه الله تعالى، كما قال ابن الرقيق: من أعلام العلاء العارفين بالله، كتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة، فاستدعاه لأن يكتب عنه كتاباً وهو على شرابه، فمدّ يده إليه بكأس، فأظهر الانقباض، وقال: يا سيدي ما شربها قط، فقال: والله لتشربنّ منها سبعاً، فلمّا رأى العزيمة شرب سبع أكؤس، فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصبّ ذلك في حجره، فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفرة شربه الحج بتلك الدنانير، ثم رغب إلى السيد، وأعلمه أنّه حلف
(2/385)

بأيمان لا خروج له عنها أنّه يحج في تلك السنة، فأسعفه، وباع ملكاً له تزود به، وأنفق تلك الدنانيرفي سبيل البر.
ومن شعره في جارية تركها بغرناطة (1) :
طول اغترابٍ وبرح شوقٍ ... لا صبر والله لي عليه
إليك أشكو الذي ألاقي ... يا خير من يشتكى إليه
ولي بغرناطةٍ حبيبٌ ... قد غلق الرهن في يديه
ودّعته وهو في دلالٍ (2) ... يظهر لي بعض ما لديه
فلو ترى طلّ نرجسيه ... ينهلّ في ورد وجنتيه (3)
أبصرت درّاً على عقيقٍ ... من دمعه فوق صفحتيه (4) وله رحلة مشهورة بأيدي الناس.
ولمّا وصل بغداد تذكر بلده، فقال:
سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... وردّ إلى الأوطان كلّ غريب وقال في رحلته في حق دمشق (5) : جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق المشرق، هي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع (6) الحسن بمكان مكين، وتزينت في منصّتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين، ظلّ ظليل، وماء
__________
(1) المغرب: 384.
(2) المغرب: بارتماض.
(3) المغرب: صفحتيه.
(4) المغرب: وجنتيه.
(5) الرحلة: 260.
(6) الرحلة: موضوع.
(2/386)

سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بنجتلى صقيل، وتناديهم هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الما، حتى اشتاقت إلى الظّما، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصلاب، " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين فيها: إن كانت الجنّة في الأرض فدمشق لا شكّ فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
قال العلامة ابن جابر الوادي آشي، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق، ما نصّه: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتوّق الأنفس للتطلّع على صورتها بما أفاد، هذا ولم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علامة، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب، ولا أزمان فصولها المتنوعات، ولا أوقات سرورها المهنئات، ولقد أنصف من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، انتهى.
رجع إلى كلام ابن جبير فنقول:
ثمّ ذكر في وصف الجامع (1) أنّه من أشهر جوامع الإسلام حسناً، وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه، ومن عجيب شأنه أنّه لا تنسج به العنكبوت، ولا تدخله، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف. ثمّ مدّ النّفس في وصفه الجامع وما به من العجائب، ثمّ قال بعد عدة أوراق ما نصه (2) : وعن يمين الخارج من باب
__________
(1) الرحلة: 261.
(2) الرحلة: 270.
(2/387)

جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفرٍ، وفتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، دبرت تدبيراً هندسيّاً، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدّان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعةٍ بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصّفر، لا يزال كذلك عند انقضاء كل ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلّها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول، ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كلّه منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرّة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتمحرّ الدوائر كلّها، وقد وكّل بها في الغرفة متفقّد لحالها، دربٌ بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف السنج إلى موضعها، وهي التي تسميها الناس المنجانة، انتهى المقصود منه.
قلت: كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير، ومن ذا يروم عدّ محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير، وقد أطنب الناس فيها، وما بقي أكثر ممّا ذكروه، وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، وأقمت بها إلى أوائل شوّال من السنة، وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهناً، وملك هواها
(2/388)

مني فكراً وذهناً، فكأنّها بلدي التي بها ربيت، وقراري الذي لي به أهل وبيت، لأن أهلها عاملوني بما ليس [لي] بشكره يدان، وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان، ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان، فالله سبحانه وتعالى يعطّر منها بالعافية الأردان.
[أشعار في وصف دمشق]
وقد عنّ لي أن أذكر جملة ممّا قيل فيها من الأمداح الرائقة، وأسرد ما خاطبني به أهلها من القصائد الفائقة، فأقول:
قال البدر بن حبيب (1) :
يمّم دمشق ومل إلى غربيّها ... والمح محاسن حسن جامع يلبغا
من قال من حسدٍ رأيت نظيره ... بين الجوامع في البلاد فقد لغا وقال رحمه الله:
لله ما أحلى محاسن جلّقٍ ... وجهاتها اللآتي تروق وتعذب
بيزيد ربوتها الفرات وجنكها ... يا صاح كم كنّا نخوض ونلعب وقال في كتاب شنف السامع بوصف الجامع " (2) :
لله ما أجمل وصف جلّقٍ ... وما حوى جامعها المنفرد
__________
(1) من التعريف بالبدر بن حبيب، انظر 1: 68؛ وهو الحسن بن عمر بدر الدين الحلبي المتوفي سنة 779؛ وهذا هو ابنه طاهر بن الحسن بن عمر يعرف أيضا بابن حبيب (توفي سنة 808) وقد ذيل على تاريخ أبيه المسمى " درة الأسلاك "، وهو صاحب كتاب شنف السامع؛ وربما كان الأصوب أن يقال فيه " ابن البدر ".
(2) ينقل عنه البدري صاحب نزهة الأنام في محاسن الشام ويسميه " تشنيف المسامع " (انظر ص: 44) ، واسمه في كشف الظنون كما أورده المقري.
(2/389)

قد أطرب الناس بصوت صيته ... وكيف لا يطرب وهو معبد وقال في ذكر باب الجامع المعروف بالزيادة (1) :
يا راغباً في غير جامع جلّقٍ ... هل يستوي الممنوع والممنوح
أقصر عناك وفي غلّوك لا تزد ... إنّ الزيادة بابها مفتوح وقال في منارته المعروفة بالعروس (2) :
معبد الشام يجمع الناس طرّاً ... وإليه شوقاً تميل النفوس
كيف لا يجمع الورى وهو بيتٌ ... فيه تجلى على الدوام العروس ومنه في ذكر بانيه الوليد:
تالله ما كان الوليد عابثاً ... في صرفه المال وبذل جهده
لكنّه أحرز ملك معبدٍ ... لا ينبغي لأحدٍ من بعده ومن أبيات في آخره:
بجامع جلّقٍ ربّ الزعامه ... أقم تلق العناية والكرامه
ويمم نحوه في كلّ وقتٍ ... وصلّ به تصل دار الإقامه
مصلّى فيه للرحمن سرُّ ... ومثوىً للقبول به علامه
محلٌّ كمّل الباري حلاه ... وبيتٌ أبدع الباني نظامه
دمشقٌ لم تزل للشام وجهاً ... ومسجدها لوجه الشام شامه
وبين معابد الآفاق طرّاً ... له أمر الإمارة والإمامه
أدام الله بهجته وأبقى ... محاسنه إلى يوم القيامه
__________
(1) البيتان في نزهة الأنام: 45.
(2) هما في نزهة الأنام: 45.
(2/390)

ولم أقف على كل هذا الكتاب المذكور، بل على بعضه فقط.
ومن قصيدة القاضي المهذّب بن الزبير (1) :
بالله يا ريح الشّما ... ل إذا اشتملت الرّند (2) بردا
وحملت من عرف (3) الخزا ... مى ما اغتدى للنّد ندّا
ونسجت ما بين الغصو ... ن إذا عتنقن (4) هوىً وودّا
وهززت عند الصبح من ... أعطافها قدّاً فقدّا
ونثرت فوق الماء من ... أجيادها للزهر عقدا
فملأت صفحة وجهه ... حتّى اكتسى آساً ووردا
وكأنّما ألقيت في ... هـ منهما صدغاً وخدّا
مرّي على بردى عسا ... هـ يزيد في مسراك بردا
نهرٌ كنصل السيف تك ... سر متنه الأزهار عمدا
صقلته أنفاس النّسي ... م بمرهنّ فليس يصدا ومنها:
أحبابنا ما بالكم ... فينا من الأعداء أعدى
وحياة حبّكم وحر ... مة وصلكم ما خنت عهدا
__________
(1) هو الحسن علي بن إبراهيم بن الزبير، أبو محمد القاضي المهذب (- 561) أحد شعراء الخريدة (وانظر معجم الأدباء 9: 47) ، وبعض أبياته هذه في الخريدة 1: 214 (قسم مصر) . وهي المقتطفات (الورقة: 25) .
(2) الخريدة: الليل؛ ق ودوزي: الروح، وفي الحاشية نقلا عن هامش إحدى النسخ: لعله " الرند "؛ ج: الريح.
(3) الخريدة: نشر.
(4) الخريدة: ونسجت في الأشجار بين غصونهن.
(2/391)

وقال الكمال الشّريشي (1) :
يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر
بعدت عنكم فلا والله بعدكم ... ما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضت ... بقربكم كادت الأحشاء تنفطر
كأنّني لم أكن بالنيربين (2) ضحى ... والغيم يبكي ومنه يضحك الزهر (3)
والورق تنشد والأغصان راقصةٌ ... والدّوح يطرب بالتصفيق والنهر
والسفح أين عشيّاتي التي ذهبت (4) ... لي فيه فهي لعمري عندي العمر
سقاك بالسفح (5) سفح الدمع منهمراً (6) ... وقلّ ذاك له إن أعوز المطر وحكى ابن سعيد وغيره أن غرناطة تسمى دمشق الأندلس لسكنى أهل دمشق الشام بها عند دخولهم الأندلس، وقد شبهوها بها لمّا رأوها كثيرة المياه والأشجار، وقد أطلّ عليها جبل الثلج، وفي ذلك يقول ابن جبير صاحب الرحلة:
يا دمشق الغرب هاتي ... ك لقد زدت عليها
تحتك الأنهار تجري ... وهي تنصبّ إليها قال ابن سعيد: أشار ابن جبير إلى أن غرناطة في مكانٍ مشرف وغوطتها
__________
(1) في هامش طبعة ليدن أن هذه الأبيات في " درة الأسلاك " لابن حبيب مخطوطة ليدن رقم 425 ص: 260، ولم أطلع عليها وإنما أثبت الفروق التي وردت في حاشية الطبعة المذكورة، وهي كذلك في المقتطفات الورقة: 26 ولكمال الدين الشريشي ترجمة موجزة في الفوات 1: 109 والشذرات 6: 47.
(2) في المقتطفات: بالنيرين.
(3) درة الأسلاك: والزهر.
(4) درة السلاك: سلفت.
(5) درة الأسلاك: يا سفح.
(6) دوزي: منهملا.
(2/392)

تحتها تجري فيها الأنهار، ودمشق في وهدة تنصبّ إليها الأنهار، وقد قال الله تعالى في وصف الجنّة " تجري من تحتها الأنهار " انتهى.
وقال الشيخ الصفدي في تذكرته: أنشدني المولى الفاضل البارع شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الله الخياط بقلعة الجبل من الديار المصرية حرسها الله تعالى لنفسه في شعبان المكرم سنة 732 (1) :
قصدت مصراً من ربى جلّقٍ ... بهمّةٍ تجري بتجريبي
فلم أر الطّرّة حتى جرت ... دموع عيني بالمزيريب (2) وأنشدني لنفسه أيضاً:
خلّفت بالشام حبيبي وقد ... يمّمت مصراً لعناً طارق
والأرض قد طالت فلا تبعدي ... بالله يا مصر على العاشق (3) وأنشدني لنفسه أيضاً:
يا أهل مصر أنتم للعلا ... كواكب الإحسان والفضل
لو لم تكونوا لي سعوداً لما ... وافيتكم أضرب في الرمل وذكرته برمّته لحسن مغزاه.
وقال الشيخ مجد الدين محمد بن أحمد المعروف بابن الظّهير الحنفي الإربلي (4) :
__________
(1) قد مر البيتان وكذلك التعريف بابن الخياط (راجع النفح 1: 96) .
(2) في الأصول: بالمزيريبي، وقد غيرت في طبعة ليدن فجعلت " بالمرازيبي " خلافا لما أثبت به من قبل ج 1 ص: 64 من الطبعة المذكورة، وصححها المعلق في المستدركات إلى " المريزيب " وهو الصواب.
(3) في أمثالنا العامية بفلسطين: " مصر على المشتاق ما هي بعيدة "، وفي البيت تلميح إلى هذا المثل.
(4) محمد بن أحمد بن عمر ابن الظهير الإربلي (677) شاعر من فقهاء الحنفية ولد بإربل وتنقل في البلاد وكانت وفاته بدمشق، وهو صاحب مختصر أمثال الشريف الرضي (انظر الفوات 2: 356 وذكر أن ديوان شعره في مجلدين وأخطأه في سنة وفاته إذ جعلها 697؛ والوافي 2: 123) وقصيدته هذه في الفوات وهي طويلة كثيرا؛ والأبيات الواردة هنا موجودة في المقتطفات الورقة: 26.
(2/393)

لعلّ سنا برق الحمى يتألّق ... على النأي أو طيفاً لأسماء يطرق
فلا نارها تبدو لمرتقبٍ ولا ... عود الأمانيّ الكواذب تصدق
لعلّ الرياح تدني لنازحٍ ... من الشام عرفاً كاللطيمة يعبق
ديارٌ قضينا العيش فيها منعّماً ... وأيامنا تحنو علينا وتشفق
سحبنا بها برد الشباب وشربنا ... لدينا كما شئنا لذيذٌ مروّق (1)
مواطن منها السهم سهمي وظلّه ... تخبّ مطايا اللهو فيه وتعنق (2)
كلا (3) جانبيه معلمٌ متجعدٌ ... من الماء في أطلاله يتدفّق
إذا الشمس حلّت متنه فهو مذهبٌ ... وإن حجبتها دوحه فهو أزرق
وإن فرج الأوراق جادت بنورها ... فرقمٌ أجادته الأكفّ منمّق
يطلّ عليه قاسيون كأنّه ... غمامٌ معلّى أن نعامٌ معلّق
تسافر عنه الشمس قبل غروبها ... وترجف إجلالاً له حين تشرق
وتصفرّ من قبل الأصيل كأنّها ... محبٌّ من البين المشتّت مشفق
وفي النّيرب الميمون (4) للّبّ سالبٌ ... من المنظر الزاهي وللطرف مومق (5)
بدائع من صنع القديم ومحدثٌ ... تأنّق فيها المحدث المتأنّق
رياض كموشيّ البرود يشقّها (6) ... جداوله، فالنّور بالماء يشرق
فمن نرجسٍ يخشى فراق فريقه ... ترى الدمع في أجفانه يترقرق
__________
(1) الفوات: مصفى مصفق.
(2) الفوات: فكلنا نخب ... ونعنق.
(3) في ج ق ودوزي: جلا، والتصويب عن الفوات.
(4) الفوات: المرموق.
(5) الفوات: مونق.
(6) في المطبوع: كوشي للبرود؛ وفي الفوات: رياض كوشي البرد تزهو بحسنها.
(2/394)

ومن كلّ ريحانٍ مقيمٍ وزائرٍ ... يصافح ريّاه الرياض (1) فتعبق
كأن قدود السّرو فيه موائساً ... قدود عذارى ميلها مترفق
إذا ما تدلّت للشّقائق صدّها ... عيونٌ من النّور المفتّح ترمق
وقصرٌ يكلّ الطرف عنه كأنّه ... إلى النّسر نسرٌ في السّماء معلّق
وكم جدولٍ جارٍ يطارد جدولاً ... وكم جوسقٍ عالٍ يوازيه جوسق
وكم بركةٍ فيها تضاحك بركةً ... وكم قسطلٍ للماء فيه تدفّق (2)
وكم منزلٍ يعشي العيون كأنّما ... تألّق فيها بارقٌ يتألّق
وفي الربوة الفيحاء (3) للقلب جاذبٌ ... وللهمّ مسلاةٌ وللعين مرمق
عروسٌ جلاها الدهر فوق منصّةٍ ... من الدهر والأبصار ترمي وترمق
فهام بها الوادي ففاضت عيونه ... فكلّ قرارٍ منه بالدمع يشرق
تكفّل من دون الجداول شربها ... يزيد يصفّيه لها ويروّق وقال أبو تمام في دمشق (4) :
لولا حدائقها وأنّي لا أرى ... عرشاً هناك ظننتها بلقيسا
وأرى الزّمان غدا عليك بوجهه ... جذلان بسّاماً وكان عبوسا
قد بوركت تلك البطون وقد سمت ... تلك الظهور وقدّست تقديسا وقال البحتري (5) :
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا
__________
(1) الفوات: تضاعف رياه الرياح.
(2) الفوات: للماء في الماء يدفق.
(3) الفوات: الشماء.
(4) ديوان أبي تمام 2: 264.
(5) ديوان البحتري 2: 710 والأبيات أيضا في تاريخ ددمشق 2: 171 ومعجم البلدان مادة " دمشق " والأعلاق الخطيرة (دمشق: 235) .
(2/395)

إذا أردت ملأت العين من بلدٍ ... مستحسنٍ وزمانٍ يشبه البلدا
تمشي السّحاب على أجبالها فرقاً ... ويصبح النّور في صحرائها بددا
فلست تبصر إلاّ واكفاً خضلاً ... أو يانعاً خضراً أو طائراً غردا
كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا وفي دمشق يقول بعضهم:
برزت دمشق لزائري أوطانها ... من كلّ ناحيةٍ بوجهٍ أزهر
لو أن إنساناً تعمّد أن يرى ... مغنىً خلا من نزهةٍ لم يقدر وقال القيراطي في قصيدته التي أولها (1) :
للصّبّ بعدك حالة لا تعجب ...
لله ليلٌ كالنّهار قطعته ... بالوصل لا أخشى به ما يرهب
وركبت منه إلى التصابي أدهماً ... من قبل أن يبدو لصبح أشهب
أيام لا ماء الخدود يشوبه ... كدر العذار ولا عذاري أشيب
كم في مجال اللهو لي من جولةٍ ... أضحت ترقّص بالسماع وتطرب
وأقمت للندماء سوق خلاعةٍ ... تجبى المجون إليّ فيه وتجلب
وذكرت في مغنى دمشقٍ معشراً ... أمّ الزمان بمثلهم لا تنجب
لا يسأل القصّاد عن ناديهم ... لكن يدلّهم الثناء الطّيب
قومٌ بحسن صفاتهم وفعالهم ... قد جاء يعتذر الزمان المذنب
__________
(1) هو إبراهيم بن عبد الله الطائي برهان الدين القيراطي (781) ، شاعر قاهري جمع بين الفقه والأدب وتوفي بمكة، وله ديوان مطبوع سماه " مطلع النيرين " وأبياته في المقتطفات (الورقة: 27) وبعض أبياته في نزهة الأنام: 50 وحلبة الكميت: 277 (وترجمته في الدرر الكامنة 1: 31 وشذرات الذهب 6: 296) .
(2/396)

يا من لحرّان الفؤاد وطرفه ... بدمشق أدمعه غدت تتحلب
أشتاق في وادي دمشق معهداً ... كلّ الجمال إلى حماه ينسب
ما فيه إلا روضةٌ أو جوسقٌ ... أو جدولٌ أو بلبلٌ أو ربرب
وكأنّ ذاك النهر فيه معصمٌ ... بيد النسيم منقّشٌ ومكتّب
وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعّب
وشدت على العيدان ورقٌ أطربت ... بغنائها من غاب عنه المطرب
فالورق تنشد والنسيم مشبّبٌ ... والنهر يسقي والحدائق تشرب
وضياعها ضاع النسيم بها فكم ... أضحى له من بين روضٍ مطلب
وحلت بقلبي من عساكر جنّةٍ ... فيها لأرباب الخلاعة ملعب
ولكم رقصت على السماع بجنكها ... وغدا بربوتها اللسان يشبّب
فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتب السّماح تبوّب وقال الصّفي الحلّي عند نزوله بدمشق مسمطاً لقصيدة السموأل بالحماسة (1) :
قبيحٌ بمن ضاقت عن الرّزق أرضه ... وطول الفلا رحبٌ لديه وعرضه ... ولم يبل سربال الدجى فيه ركضه ...
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل إذا المرء لم يحجب عن العين نومها ... ويغل من النفس النفيسة سومها ... أضيع ولم تأمن معاليه لمها ...
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل
__________
(1) ديوان الصفي: 36، والمخمسة أيضاً في المقتطفات (الورقة: 24) .
(2/397)

رفعنا على هام السّماك محلّنا ... فلا ملكٌ إلاّ تغشّاه ظلّنا ... لقد هاب جيش الأكثرين أقلّنا ...
ولا قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهولُ يوازي الجبال الراسيات وقارنا ... وتبنى على هام المجرّة دارنا ... ويأمن من صرف الزّمان جوارنا ...
وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل ولمّا حللنا الشام تمّت أموره ... لنا وحبانا ملكه ووزيره ... وبالنّيرب الأعلى الذي عزّ طوره ...
لنا جبلٌ يحتل من نجيره ... منيعٌ يردّ الطرف وهو كليل يريك الثريا من خلال شعابه ... وتحدق شهب الأفق حول هضابه ... ويقصر خطو السّحب دون ارتكابه ...
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرعٌ لا ينال طويل وقصرٍ على الشقراء قد فاض نهره ... وفاق على فخر الكواكب فخره ... وقد شاع ما بين البريّة شكره ...
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعزّ على من رامه ويطول
(2/398)

إذا ما غضبنا في رضا المجد غضبةً ... لندرك ثأراً أو لنبلغ رتبةً ... نزيد غدة الكرّ في الموت رغبةً ...
وإنا لقومٌ لا نرى الموت سبّةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول وكتب الشيخ محب الدين الحموي في ترجمة الشيخ (1) إسماعيل النابلسي شيخ الإسلام من مصر (2) :
لواء التّهاني بالمسرّة يخفق ... وشمس المعالي في سما الفضل تشرق
وسعدٌ وإقبالٌ ومجدٌ مخيّمٌ ... وأيّام عزّ بالوفا تتخلّق
فيا أيّها المولى الذي جلّ قدره ... ويا أيّها الحبر اللبيب المدقّق
أرى الشام مذ فارقتها زال نورها ... وثوب بهاها والنّضارة يخلق
إذا غاب عنها غب عنها جمالها ... ونفسٌ بدون الروح لا تتحقّق
وإن عدت فيها عاد كمالها ... وصار عليها من بهائك رونق
فيا ساكني وادي دمشق مزاركم ... بعيدٌ وباب الوصل دوني مغلّق
وليس على هذا النوى لي طاقةٌ ... فهل من قيود البين والبعد أطلق
وإني إلى أخباركم متشوّفٌ ... وإني إلى لقياكم متشوّق
أودّ إذا هبّ النسيم لنحوكم ... بأنّي في أذياله أتعلّق
وأصبو لذكراكم إذا هبّت الصّبا ... لعلّي من أخباركم أتنشق
__________
(1) ق: ترجمة للشيخ، وسقطت " في " من ق ج.
(2) هو إسماعيل بن أحمد ابن الحاج إبراهيم النابلسي (937 - 993) شيخ الإسلام، وصاحب الفتاوي وصدر دمشق في عصره (انظر ترجمته في الكواكب السائرة 3: 130) . وأما محب الدين الحموي فهو محمد بن تقي الدين أبي بكر ابن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق المحبي (951 - 1061) ، وهو صاحب تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات المعروف بشواهد الكشاف وغيره من المؤلفات (خلاصة الأثر 3: 322) .
(2/399)

ولي أنّةٌ أودت بجسمي ولوعةٌ ... ونار جوىً من حرّها أتفلّق
فحنّوا على المضنى الذي ثوب صبره ... إذا مسّه ذيل الهوى يتمزّق
غريبٌ بأقصى مصر أضحت دياره ... ولكنّ قلبي بالشآم معلّق
وقد نسخ التبريح جسمي فهل إلى ... غبار ثرى أعتاب وصلٍ يحقّق
فيا ليت شعري هل أفوز بروضةٍ ... وفيها عيون النرجس الغضّ تحدّق
وأنظر واديها وآوي لربوةٍ ... وماءٍ معينٍ حولها يتدفّق
ويحلو لي العيش الذي مرّ صفوه ... وهل عائدٌ ذاك النعيم المروّق
وأنظر ذاك الجامع الفرد مرّةً ... وفي صحنه تلك الحلاوة تشرق
وأصحابنا فيه نجومٌ زواهرٌ ... ونور محيّا وجههم يتألّق
فلا برحوا في نعمةٍ وسعادةٍ ... وعزّ ومجدٍ شأوه ليس يلحق وقال ابن عنين (1) :
ماذا على طيف الأحبّة لو سرى ... وعليهم لو ساعدوني (2) بالكرى
جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضوا ... والله يعلم أنّ ذلك مفترى
يا معرضاً عنّي بغير جنايةٍ ... إلا لما نقل العذول (3) وزوّرا
هبني أسأت كما تقول وتفتري ... وأتيت في حبّيك شيئاً منكرا
ما بعد بعدك والصدود عقوبةٌ ... يا هاجري ما آن لي أن تغفرا
لا تجمعنّ عليّ عتبك والنّوى ... حسب المحبّ عقوبةً أن يهجرا
عبء الصدود أخفّ من عبء النّوى ... لو كان لي في الحبّ أن أتخيّرا
فسقى دمشق ووادييها والحمى ... متواصل الأرهام (4) منفصم العرى
__________
(1) ديوان ابن عنين: 3 وهي في مدح الملك العادل بن أيوب.
(2) الديوان: سامحوني.
(3) الديوان: رقش الحسود.
(4) الديوان: الأرعاد.
(2/400)

حتى ترى وجه الرياض بعارضٍ ... أحوى وفود الدّوح أزهر نيّرا
تلك المنازل لا ملاعب عالجٍ ... ورمال كاظمةٍ ولا وادي القرى
أرضٌ إذا مرّت بها ريح الصّبا ... حملت على الأغصان مسكاً أذفرا
فارقتها لا عن رضاً وهجرتها ... لا عن قلىً ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزقٍ في البلاد مشتّتٍ ... ومن العجائب (1) أن يكون مقتّرا [تعريف بابن عنين]
وابن عنين المذكور كان هجّاء، وهو صاحب مقراض الأعراض تجاوز الله تعالى عنه، فمن ذلك قوله (2) :
أرح من نزح ماء البئر يوماً ... فقد أفضى إلى تعبٍ وعيّ
مر القاضي بوضع يديه فيه ... وقد أضحى كرأس الدّولعيّ يعني أقرع؛ وسبب قوله البيتين أن المعظّم أمر بنزح ماء بقلعة دمشق، فأعياهم ذلك.
ومن هجوه قوله (3) :
شكا شعري إليّ وقال تهجو ... بمثلي عرض ذا الكلب اللئيم
فقلت له تسلّ فربّ نجمٍ ... هوى في إثر شيطانٍ رجيم وقال فيمن خرج حاجّاً فسقط عن الهجين فتخلف:
إذا ما ذمّ فعل النّوق يوماً ... فإنّي شاكرٌ فعل النياق
__________
(1) الديوان: مفرق، ومن البلية.
(2) ديوانه: 235.
(3) وردت هذه المقطعات في ديوانه: 188، 227، 215، 235، 179، 69.
(2/401)

أراد الله بالحجّاج خيراً ... فثبّط عنهم أهل النفاق وقال:
وراحلٍ سرت في ركبٍ أودعه ... تبارك الله ما أحلى تلاجينا (1)
جئنا إلى بابه لاجين نسأله ... فليتنا عاقنا موتٌ ولا جينا
راجين نسأل ميتاً لا حراك به ... مثل النصارى إلى الأصنام لاجينا وقال:
وصلت منك رقعةٌ أسأمتني ... صيّرت صبري الجميل قليلا
كنهار المصيف حرّاً وكرباً ... وكليل الشتاء برداً وطولا وأول " مقراض الأعراض " قوله:
أضالعٌ تنطوي على كرب ... ومقلةٌ مستهلّة الغرب
شوقاً إلى ساكني دمشق فلا ... عدت رباها مواطر السّحب
مواطنٌ ما دعا توطّنها ... إلا ولبّى نداءها لبّي ثمّ ذكر من الهجو ما تصمّ عنه الآذان.
وهو القائل في دمشق:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... وظلّك يا مقرى عليّ ظليل
وهل أرينّي بعدما شطّت النوى ... ولي في ذرا روضٍ هناك مقيل ومنها:
دمشق بنا شوقٌ إليك مبرّحٌ ... وإن لجّ واشٍ أو ألحّ عذول
__________
(1) الديوان: ما أشقى المساكينا.
(2/402)

بلادٌ بها الحصباء درٌّ، وتربها ... عبيرٌ، وأنفاس الشّمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقٌ ... وصحّ نسيم الروض وهو عليل وقد تقدم التمثيل بهذه الأبيات الثلاثة في خطبة هذا الكتاب.
ومن هذه القصيدة:
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأيّ ظهير الدين فيّ جميل
من القوم أمّا أحنفٌ فمسفّهٌ ... لديهم، وأمّا حاتمٌ فبخيل
فتى المجد أما جاره فممنّعٌ ... عزيزٌ، وأمّا ضدّه فذليل
وأمّا عطايا كفّه فمباحةٌ ... حلالٌ (1) ، وأمّا ظلّه فظليل وظهير الدين الممدوح هو طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين، وكان ملك اليمن، وأحسن إلى ابن عنين إحساناً كثيراً وافراً، وخرج ابن عنين من اليمن بمال جم، وطغتكين: بضم الطاء المهملة، وبعدها غين معجمة، ثم تاء مثناة من فوقها مكسورة، ثم كاف مكسورة أيضاً، ثم ياء تحتية، ثم نون، وكان يلقب بالملك العزيز، ولذلك قال ابن عنين لما رجع من عنده إلى مصر أيام العزيز عثمان بن صلاح الدين فألزم أرباب الديوان ابن عنين بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت صحبته (2) :
ما كلّ من يتسمّى بالعزيز له ... أهلٌ وما كلّ برقٍ سحبه غدقه
بين العزيزين بونٌ في فعالهما ... هذاك يعطي وهذا يأخذ الصّدقه ومن هجو ابن عنين قوله في فقيهين يلقّب أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس (3) :
__________
(1) الديوان: فسوابع عذاب.
(2) ديوانه: 223.
(3) ديوانه: 205.
(2/403)

البغل والجاموس في حاليهما ... قد أصبحا مثلاً لكلّ مناظر
قعدا (1) عشيّة يومنا فتناظرا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أحكما غير الصياح كأنّما ... لقنا جدال المرتضى بن عساكر
جلفان ما لهما شبيهٌ ثالثٌ ... إلا رقاعة مذلويه الشاعر
لفظٌ طويلٌ تحت معنىً قاصرٍ ... كالعقل في عبد اللطيف الناظر رجع إلى دمشق:
وقال العز الموصلي:
إليك حياض حمّامات مصرٍ ... ولا تتكثّري عندي بمين
حياض الشام أحلى منك ماء ... وأطهر وهي دون القلّتين وهذان البيتان جوابٌ منه عن قول ابن نباتة (2) :
أحواض (3) حمّام الشآ ... م ألا اسمعي لي كلمتين
لا تذكري أحواض مص ... ر فأنت دون القلّتين وأمّا قول النّواجي سامحه الله تعالى:
مصر قالت: يا دمشق لا ... تفتخر قطّ باسمها
لو رأت قوس روضتي ... منه راحت بسهمها فهو من باب تفضيل الوطن من حبه، ومنه قول الوداعي:
روّ بمصرٍ وبسكّانها ... شوقي وجدّد عهدي الخالي
__________
(1) الديوان: برزا.
(2) ديوان ابن نباتة: 537، ومطالع البدور 2: 12.
(3) الديوان: أجران.
(2/404)

وازور لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسّال
فهو مرادي لا " يزيدٌ " ولا ... ثور وإن رقّا ورقّا لي ومن ذلك النمط قول الشهاب الحجازي:
قالوا دمشقٌ قد زهت لزهرها ... فامض وشاهد جوزها لوزها
فقلت لا أبدل بلدتي بها ... ولست أرضى زهرها ولو زها (1) وقول الآخر:
قد قال وادي جلّقٍ للنيل إذ ... كسروه أعين جبهتي لك ترفع
فأجاب بحر النيل لمّا أن طغى ... عندي مقابل كلّ عينٍ إصبع وقد تذكرت هنا قول بعضهم:
ماذا يفيد المعنّى ... من الأذى المتتابع
بمصر ذات الأيادي ... ونيلها ذي الأصابع وقد شاع الخلاف قديماً وحديثاً في المفاضلة بين مصر والشام، وقد قال بعضهم:
في حلبٍ وشامنا ... ومصر طال اللّغط
فقلت قول منصفٍ ... خر الأمور الوسط
__________
(1) زاد في التجارية بعد هذا البيت: وقول الخفاجي قاضي مصر، وإن لم يكن في دمشق لكن في السياق في النظم:
قد فتن العاشقين حين بدا ... بطلعة كالهلال أبرزها
طر له شارب على شفة ... كالورد في الآس حين طرزها وهذا ساقط من ق ج ودوزي.
(2/405)

[شعر في ذم دمشق]
وأمّا قول بعضهم:
تجنّب دمشق ولا تأتها ... وإن راقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق بها قائمٌ ... وفجر الفجور بها طالع فلا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، إذ هو مجرّد دعوى خالية عن الدليل، وهي من نزعات بعض الهجائين الذين يعمدون إلى تقبيح الحسن الجميل [الجليل] :
وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ... ولا يقابل ألف مثنٍ عدل بفاسق يقدح:
وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها ... ويأمل أن يأتي لها بضريب وأخفّ من هذا قول بعض الأندلسيين، وهو الكاتب أبو بكر محمد بن قاسم:
دمشقٌ جنّة الدّنيا حقيقاً ... ولكن ليس تصلح للغريب
بها قومٌ لهم عددٌ ومجدٌ ... وصحبتهم تؤول إلى الحروب
ترى أنهارهم ذات ابتسامٍ ... وأوجههم تولّع بالقطوب
أقمت بدارهم ستّين يوماً ... فلم أظفر بها بفتىً أديب والجواب واحد، ولا يضر الحقّ الثابت إنكار الجاحد، وأخفّ من الجميع قول العارف بالله تعالى سيّدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه:
جلّقٌ جنّة من تاه وباهى ... ورباها أربي لولا وباها
قال غالٍ: بردى كوثرها ... قلت: غالٍ برداها برداها
(2/406)

وطني مصر وفيها وطري ... ولنفسي مشتهاها مشتهاها
ولعيني غيرها إن سكنت ... يا خليليّ سلاها ما سلاها وأخفّ منه قول ابن عبد الظاهر:
لا تلوموا دمشق إن جئتموها ... فهي قد أوضحت لكم ما لديها
إنّها في الوجوه تضحك بالزّه ... ر لمن جاء في الربيع إليها
وتراها بالثلج تبصق في لح ... ية من مرّ في الشتاء عليها وقول ابن نباتة وهو بالشام يتشوّق إلى المقياس والنيل (1) :
أرقٌ له بالشام نيل مدامعٍ ... يجريه ذكر منازل المقياس
سقياً لمصر منازلاً معمورةً ... بنجوم أفقٍ أو ظباء كناس
وطني سهرت له وشابت لمّتي ... ونعم على عيني هواه وراسي
من لي به والحال ليس بآيسٍ ... كدرس وعطف الدهر ليس بقاسي
والطرف يستجلي غزالاً آنساً ... بالنيل لم يعتد على باناس رجع إلى مدح دمشق:
وقال الناصر داود بن المعظم عيسى (2) :
إذا عاينت عيناي أعلام جلّقٍ ... وبان من القصر المشيد قبابه
تيقّنت أنّ البين قد بان والنوى ... نأى شخصه والعيش عاد شبابه
__________
(1) ديوان ابن نباتة: 264 - 265.
(2) هو صاحب الكرك (603 - 656) ، تغلب على الشام بعد موت عمه الكامل محمد، ووقعت له أحداث كثيرة منثورة في كتب التاريخ كالنجوم الزاهرة ومرآة الزمان وغيرهما؛ (انظر ترجمته في الفوات 1: 382 والنجوم 7: 61 والشذرات 5: 275) وله قطعة صالحة من شعر ونثر في المقتطفات (الورقة: 62 وما بعدها) ؛ وهذان البيتان في النجوم والفوات والمقتطفات.
(2/407)

وقوله أيضاً رحمه الله تعالى:
يا راكباً من أعالي الشّام يجذبه ... إلى العراقين إدلاجٌ وإسحار
حدّثتني عن ربوعٍ طالما قضيت ... للنفس فيها لباناتٌ وأوطار
لدى رياضٍ سقاها المزن ديمته ... وزانها زهرٌ غضٌّ ونوّار
شحّ الندى أن يسقّيها مجاجته ... فجادها مفعم الشؤبوب مدرار
بكت عليها الغوادي وهي ضاحكةٌ ... وراحت الريح فيها وهي معطار
يا حسنها حين زانتها جواسقها ... وأينعت في أعالي الدوح أثمار
فهي السماء اخضراراً في جوانبها ... كواكبٌ زهرٌ تبدو وأقمار
حدّثتني وأنا الظامي إلى نبإٍ ... لا فضّ فوك فمنّي الريّ تمتار
فهو الزلال الذي طابت مشاربه ... وفارقته عثاءاتٌ وأكدار
كرّر على نازحٍ شطّ المزار به ... حديثك العذب لا شطّت بك الدار
وعلّل النفس عنهم بالحديث بهم ... إنّ الحديث عن الأحباب أسمار وهذا الملك الناصر له ترجمة كبيرة، وهو ممّن أدركته الحرفة الأدبية، ومنع حقّه بالحمية والعصبية، وأنكرت حقوقه، وأظهر عقوقه، حتى قضى نحبه، ولقي ربّه.
وقال سيف الدين المشد رحمه الله تعالى (1) :
بشرى لأهل الهوى عاشوا به سعدا ... وإن يموتوا فهم من جملة الشهدا
__________
(1) هو علي بن عمر بن قزل بن جلدك التركماني (602 - 656) وهو نسيب جمال الدين بن يغمور الذي اتصل به ابن سعيد؛ وكان يتولى شد الدواوين (أي كان رفيقاً للوزير متحدثاً في استخلاص الأموال وما في معنى ذلك) وكان ظريفاً طيب العشرة (انظر ترجمته في الفوات 2: 182 والنجوم الزاهرة 7: 64) .
(2/408)

شعارهم رقّة الشكوى ومذهبهم ... أنّ الضلالة فيهم في الغرام هدى
عيونهم في ظلام الليل ساهرةٌ ... عبرى وأنفاسهم تحت الدّجى صعدا
تجرّعوا كأس خمر الحبّ مترعةً ... ظلّوا سكارى وظنّوا غيّهم رشدا
وعاسل القدّ معسولٍ مقبّله ... كالغصن لما انثنى والبدر حين بدا
رقيم عارضه كهفٌ لعاشقه ... يأوي إليه فكم في حبّه شهدا
نادمته وثغور البرق باسمةٌ ... والغيث ينزل منحلاًّ ومنعقدا
كأنّ جلّق حيّا الله ساكنها ... أهدت إلى الغور من أزهارها مددا
فاسترسل الجود منهلاًّ " يزيد " على ... ثورا ويعقد محلول الندى بردا وقال أيضاً:
فؤادي إلى بانات جلّق مائل ... ودمعي على أنهارها يتحدّر
يرنّحني لوز ابن كلاّب مزهراً ... وتهتزّني أغصانه وهو مثمر
وإنّي إلى زهر السفرجل شيّقٌ ... إذا ما بدا مثل الدراهم ينثر
غياضٌ يفيض الماء في عرصاتها ... فتزهو جمالاً عند ذاك وتزهر
ترى بردى فيها يجول كأنّه ... وحصباءه سيفٌ صقيلٌ مجوهر
وبي أحورٌ لاح العذار بخدّه ... يسامح قلبي في هواه ويعذر
يحاورني فيه على الصبر صاحبي ... وكيف أطيق الصبر والطرف أحور
إذا اشتقت وادي النيربين لمحته ... فانظر معناه به وهو أنضر
حوى الشرف الأعلى من الحسن خدّه ... على أنّ ميدان العوارض أخضر وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:
وادٍ به أهل الحبيب نزول ... حيّا معاهده الحيا والنّيل
وادٍ يفوح المسك من جنباته ... ويصحّ فيه للنسيم عليل
يشتاقه ويودٌ لثم ترابه ... شوقاً ولكن ما إليه سبيل
(2/409)

متقلقل الأحشاء ملوب الكرى ... طلق الدموع فؤاده متبول
يصبوا إلى الأثلات من وادي الغضى ... وحينّ إن خطرت هناك شمول
قالوا تبدّل، قلت يا أهل الهوى ... والنّاس فيهم عاذرٌ وجهول
هل بعد قطع الأربعين مسافةٌ ... للعمر فيها يحسن التبديل
ولقد هفا بي في دمشق مهفهفٌ ... يسبي العقول رضابه المعسول
يهتزّ إن مرّ النّسيم بقدّه ... ويميل بي نحو الصّبا فأميل
أبدى لنا برداً تبسّم ثغره ... وإذا انثنى فقوامه المجدول
لزم التسلسل مدمعي وعذاره ... فانظر إلى المهجات كيف تسيل
وسقمت من سقم الجفون لأنّها ... هي علّةٌ وفؤادي المعلول
لا تعجبوا إن راعني بذوائبٍ ... فالليل هولٌ والمحبّ ذليل
ما صحّ لي أنّ الذؤابة حيّةٌ ... حتى سعت في الأرض وهي تجول وقال ناظر الجيش عون الدين بن العجمي (1) :
يا سائقاً يقطع البيداء معتسفاً ... بضامرٍ لم يكن في سيره واني
إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ... تعدل بلغت المنى عن ديرمرّان
واقصد أعالي قلاليه فإنّ بها ... ما تشتهي النفس من حورٍ وولدان
من كلّ بيضاء هيفاء القوام إذا ... ماست فواخجل (2) المرّان والبان
وكلّ أسمر قد دان الجمال له ... وكمّل الحسن في فرط إحسان
ورب صدغٍ بدا في خدّ مرسله ... في فترةٍ فتنت من سحر أجفان
__________
(1) هو سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله بن الحسن عون الدين بن العجمي الكاتب (606 - 656) . خدم الملك الناصر داود، وكان كامل الرئاسة لطيف الشمائل (انظر ترجمته في الفوات 1: 358 ومعجم الألقاب 2/4: 977 وله ترجمة في الوافي والمنهل الصافي) .
(2) الفوات: فيما خجلة.
(2/410)

فليت ريقته وردي ووجنته ... وردي ومن صدغه آسي وريحاني
وعج على دير متّى ثمّ حيّ به ال ... ربّان بطرس فالربّان ربّاني
فهمت منه إشاراتٍ فهمت بها ... وصنت منشورها في طيّ كتمان
واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال ... لذّات ما بين قسيسٍ ومطران
واستجل راحاً بها تحيا النفوس إذا ... دارت براح شماميسٍ ورهبان
حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت ... بشهبها من همومي كلّ شيطان
كم رحت في الليل أسقيها وأشربها ... حتى انقضت ونديمي غير ندمان
سألت توماس عمّن كان عاصرها ... أجاب رمزاً ولم يسمح بتبيان
وقال: أخبرني شمعون ينقله ... عن ابن مريم عن موسى بن عمران
بأنّها سفرت بالطّور مشرقةً ... أنوارها فكنوا عنها بنيران
وهي المدام التي كان معتّقةً ... من عهد هرمس من قبل ابن كنعان
وهي التي عبدتها فارسٌ فكنى ... عنها بشمس الضحى في قومه ماني
سكرت منها فلا صحوٌ وجدت بها ... على الندامى وليس الشحّ من شاني
وسوف أمنحها أهلاً وأنشده ... ما قيل فيها بترجيعٍ وألحان
حتى تميل لها أعطافه طرباً ... وينثني الكون من أوصاف نشوان وهذه وإن لم تكن في دمشق على الخصوص فلا تخرج عمّا نحن بصدده، والأعمال بالنيات، وديباجة هذه القصيدة على نسج طائفة من الصوفية، وممن حاك هذه البرود الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى، قيل: إنّه الشيخ شعبان النحوي.
وقال بعضهم:
شوقي يزيد وقلب الصّب ما بردا ... وبان يأسي من المعشوق حين غدا
(2/411)

ومدمعي قنواتٌ، والعذول حكى ... ثورا، يلوم الفتى في عشقه حسدا
على مغنّية بالجنك جاوبها ... شبّابةٌ كم بها من عاشقٍ سهدا
فالبدر جبهتها، والردف ربوتها، ... وخلّها مات في خلخالها كمدا ولنذكر نبذة مما خوطبت به من علماء الشام وأدبائه حفظ الله تعالى كمالهم، وبلغ آمالهم.
فمن ذلك قول شيخ الإسلام، مفتي الإنام، سيدي الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي (1) حفظه الله تعالى، وكتبه لي بخطّه:
شمس الهدى (2) أطلعها المغرب ... وطار عنقاء بها مغرب
فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب (3)
أعني الإمام العالم المقّري ... أحمد يكتب أن يخطب
شهاب علمٍ وثاقبٌ فضله ... ينظم عقداً وهو لا يثقب
فرع علومٍ بالهدى مثمرٌ ... وروض فضلٍ بالندى معشب
قد ارتدى ثوب علا وامتطى ... غارب مجدٍ فزها المركب
درسٌ غريبٌ كلّ يومٍ له ... يملى ولكن حفظه أغرب
محاضراتٌ مسكرٌ لفظها (4) ... بكأس سمعٍ راحها تشرب
رياض آدابٍ سقاها الحيا ... ففاح مسكاً نشرها الأطيب
فضائلٌ عمّت وطمّت فقد ... قصّر فيها كلّ من يطنب
قلوبنا قد جذبت نحوه ... والحبّ من عادته يجذب
إن بعدت عن غربه شرقنا ... فالفضل فينا نسبٌ أقرب
__________
(1) قد مر التعريف بعبد الرحمن العمادي، انظر 1: 62.
(2) ج: شمس هدى.
(3) سقط البيت من ج.
(4) ج: نطقها.
(2/412)

كم طلبت تشريفه (1) شامنا ... بشرى لها فليهنها المطلب
قد سبقت لي معه صحبةٌ ... في حرمٍ يؤمن من يرهب
أخوّةٌ في الله من زمزمٍ ... رضاعها طاب لها المشرب
أنهلني ثمّ وداداً فلي ... بالشام منه عللٌ أعذب
أهديت ذا النظم امتثالاً له ... وقد هجرت الشعر مذ أحقب
نشّط قلبي لطفه فانثنى ... والقلب في أهل الهوى قلّب
ضاء دجى العلم به للورى ... ما نار في جنح الدجى كوكب تحيّة الفقير الداعي، عبد الرحمن العمادي، انتهى.
فأجبته بما نصّه:
ما تبر راحً كأسها مذهب ... ما للنّهى عن حسنها مذهب
تستدفع الأكدار من صفوها ... وتنهل الأفراح أو تنهب
تسعى بها هيفاء من ثغرها ... أو شعرها النّور أو الغيهب
فتّانة الأعطاف نفّاثةٌ ... سحراً بألباب الورى يلعب
في روضةٍ قد كلّلت بالنّدى ... والزهر رأس الغصن إذ يعصب
برودها بالنّور قد نمنمت ... كالوشي من صنعاء بل أعجب
والماء يجري تحت جنّانها ... والنّار من نارنجها تلهب
والظّلّ ضافٍ والنّسيم انبرى ... والجوّ ذاكي العرف مستعذب
والطير للعشّاق بالعود قد ... غنّت فهاجت شوق من يطرب
أبهى ولا أبهج في منظرٍ ... من نظم من تقديمه الأصوب
مفتي دمشق الشام صدر الورى ... من في العلا تمّ به المطلب
علاّمة الدهر ولا مريةٌ ... ملجأ الفضل ولا مهرب
__________
(1) ج: تشريقه.
(2/413)

لله ما امتاز به من حلىً ... بغير منّ الله لا تكسب
أبدى بها الرحمن في عبده ... مظاهر المنح التي تحسب
جودٌ بلا منٍّ وعلمٌ بلا ... دعوى به التحقيق يستجلب
وبيت مجدٍ مسندٌ ركنه ... إلى عمادٍ الدين إذ ينسب
فبرقه الشاميّ من شامه ... نال مراماً والسّوى خلّب
وما عسى أبديه في مدحه ... أو وصف أبناء له أنجبوا
تسابقوا للمجد حتى حووا ... سبقاً لما في مثله يرغب
أعيذهم بالله من شرّ ما ... يخشى من الأغيار أو يرهب
وأسأل الله لهم عزّةً ... بادية الأضواء لا تحجب ولمّا حللت دمشق المحروسة، وطلبت موضعاً للسكنى يكون قريباً من الجامع الأموي الذي يعجز البليغ وصفه وإن ملأ طروسه، أرسل إلي أديب الشام فرد الموالي المدرسين ساحب أذيال الفخار (1) المولى أحمد الشاهيني (2) حفظه الله تعالى بمفتاح المدرسة الجقمقية، وكتب لي معه ما نصّه (3) :
كنف المقّريّ شيخي (4) مقرّي ... وإليه من الزمان مفرّي
كنفٌ مثل صدره في اتّساعٍ ... وعلومٍ كالدّرّ (5) في ضمن بحر
أيّ بدرٍ قد أطلع الغرب منه ... ملأ الشرق نوره أيّ بدر
أحمدٌ سيدي وشيخي وذخري ... وسميّي وفوق ذاك وفخري (6)
__________
(1) ج: الفخر.
(2) قد مر التعريف بأحمد الشاهيني، انظر 1: 64.
(3) الأبيات في خلاصة الأثر 1: 304.
(4) ج ق: شيخ مقري.
(5) خلاصة الأثر: كالبحر.
(6) خلاصة الأثر: وسميي وذاك أشرف فخري.
(2/414)

لو بغير الأقدام يسعى مشوقٌ ... جئته زائراً على وجه شكري العبد الحقير السمتعين، المخلص أحمد بن شاهين، انتهى.
فأجبته بقولي (1) :
أيّ نظمٍ في حسنه حار فكري ... وتحلّى بدرّه صدر ذكري
طائر الصّيت لابن شاهين ينمى ... من بروض الندى له خير وكر
أحمد الممتطين ذروة مجدٍ ... لعوانٍ من المعالي وبكر
حلّ مفتاح فضله باب وصلٍ ... من معان تعريفه دون نكر
يا بديع الزمان دم في ازديانٍ ... بالعلا وازدياد تجنيس شكر وكتب إليّ لما وقف علىكتابي فتح المتعال في مدح النعال بما نصّه: لكاتبه الحقير أحمد بن شاهين الشامي في تقريظ تأليف سيّدي ومولاي وقبلتي ومعتقدي شيخ الدّنيا والدين، وبركة الإسلام والمسلمين، حفظ الله تعالى وجوده آمين:
أأحمد، فخراً يا ابن شاهين سامياً ... بأحمد ذاك المقّري المسدّد
بمن راح خدّاماً لنعل محمدٍ ... وناهيك في العليا بأرفع سؤدد
فإن أنا أخدم نعله فلطالما ... غدا خادماً نعل النبيّ الممجّد
بتأليفه في وصف نعلٍ تكرّمت ... كتاباً حوى إجلال كلّ موحّد
ويكفيك فخراً يا ابن شاهين أن ترى ... خدوماً لخدّامٍ لنعل محمّد
فقلت له طوبى بخدمة أحمدٍ ... فقال كذا طوبى بخدمة أحمد
فلا زال يرقى للمعالي مكرّماً ... وينتعل العيّوق في رغم فرقد فأجبته بقولي:
__________
(1) انظر الأبيات في خلاصة الأثر 1: 305.
(2/415)

أأحمد وصفٍ بالعوارف يرتدي ... وأشرف مولى للمعارف يهتدي
نجومك إذ أنت الخليل توقّدت ... فأنّى أجاريها بنحو المبرّد
أتاني نظامٌ منك حيّر فكرتي ... على أنّه أعلى مرامي ومقصدي
فأنت ابن شاهين الذي طار صيته ... بجوّ (1) العلا والضدّ ضلّ بفرقد
فبرّك موصولٌ وشانيك منكرٌ ... وقدرك مرفوعٌ على رغم حسّد
وعند حديث الفضل أسند عالياً ... بشامٍ فهم يروون مسند أحمد
فوجهك عن بشرٍ ويمناك عن عطاً ... وفكرك يروي في الهدى عن مسدّد
فلا زلت ترقى أوج سعدٍ ورفعةٍ ... ودمت بتوفيقٍ وعزٍّ مخلّد ولما خاطبته بقولي:
يصيد ابن شاهينٍ بجوّ بلاغةٍ ... سوانح في وكر البدائع تفرخ
وما كان ديك الجنّ مدرك نيلها ... إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ
ولو جاد فكر البحتري بمثلها ... لكان على الطّائي بالأنف يشمخ
ولو أنّ نظم ابن الحسين أتيحها ... لفاز بسبقٍ حكمه ليس ينسخ
فلا زال ملحوظاً بعين عنايةٍ ... وكتب التّهاني عن علاه تؤرخ أجابني بما نصّه:
أأنفاس عيسى ما بروعي ينفخ ... أم الطرس أضحى بالعبير يضمّخ
وهذي قوافٍ أم هي الشمس إنّني ... أراها على الجوزاء بالأنف تشمخ
بلى هي نصٌّ من ودادك محكمٌ ... تزول الرواسي وهي لم تك تنسخ
أتتني بمدحٍ مخجلٍ فكأنّها ... لفرط حيائي قد أتتني توبّخ
وهل أنا إلاّ خادمٌ نعل سيّدي ... وبيني وبين المدح في الحقّ برزخ
__________
(1) ق: بحق.
(2/416)

وما هي إلا غرّةٌ حزت فخرها ... وإنّي بها بادي المحاسن أشدخ (1)
فلا درّ درّي وانحرفت عن العلا ... إذا كان ودّي عن معاليك يفسخ
وحبّك مهما طال شرقاً ومغرباً ... بوكر ابن شاهين الوفيّ يفرّخ
وإنّي وإن أرّخت مجداً لماجدٍ ... فإنّي باسم المقّريّ أؤرّخ
سميّي ومولاي الذي راح مدحه ... لرأس الأعادي بالمعاريض يرضخ
ودم يا نظير البدر ترقى بأوجه ... ولا زلت في طرفي وقلبي ترسخ وكنت يوماً أروم الصعود لموضعٍ عالٍ فوقعت، وانفكّت رجلي، وألمت، فكتب إلي:
لا ألمت رجلك يا سيّدي ... وصانها الله من الشّين
ما هي إلا قدمٌ للعلا ... لا احتاج ذاك النّصل للقين
زانت دمشق الشام في حلّها ... فلا رأت فيها سوى الزّين
بانت عن الأهل لتشريفنا ... لا جمعت أيناً إلى بين
عجبت من راسخةٍ في العلا ... والعلم إذ زاغت من العين
إنّي أعاف المين بين الورى ... ولست والله أخا مين
للمقّريّ المجتبى أحمدٍ ... دين الهوى والمدح كالدّين
وأحمد الله على أنّني ... رأيته حاز الفريقين
فلا أراه الله في عمره ... بيناً يؤدّيه إلى أين تعويداّ لمحب العبد الحقير الداعي أحمد بن شاهين، انتهى.
وأهديت إليه حفظه الله تعالى سبحة وخاتماً، وكتبت إليه (2) :
يا نجل شاهين الذي ... أحيا المعالي والمعالم
__________
(1) ج: أشرخ؛ ق: أسرخ؛ والأشدخ: السائل الغرة.
(2) انظر خلاصة الأثر 1: 306.
(2/417)

يا من به ريشت من ال ... مجد الخوافي والقوادم
يا من دمشق بطيب ما ... يبديه عاطرة النّواسم
فالنهر منها ذو صفاً ... والزهر مفترّ المباسم (1)
والغصن يثني عطفه ... طرباً لتغريد الحمائم
يا أحمد الأوصاف يا ... من حاز أنواع المكارم
أنت الذي طوّقتني ... منناً لها تعنو الأعاظم
فمتى أؤدي شكرها ... والعجز لي وصفٌ ملازم
والعذر بادٍ إن بعث ... ت إليك من جنس الرتائم
بنتيجة (2) الذكر التي ... جاءت بتصحيفٍ ملائم
وبحائمٍ صادٍ (3) إلى ... فيض النّدى من كفّ حاتم
فامدد على جهد المق ... ل رواق صفحٍ ذا دعائم
واقبل عقيلة فكر من ... هو في بحار العيّ عائم
لا زلت سابق غايةٍ ... بين الأعارب والأعاجم فأجابني بما صورته (4) :
يا سيّداً شعري له ... ما إن يقاوي أو يقاوم
كلاً، ولا قدري له ... يوماً يساوي أو يساوم
يا من رأيت عطارداً ... منه بدا في شخص عالم
يا من بنفحة خلقه ... وبنظمه السامي الملائم
أضحى يريني معجزي ... ن من النواسم والمباسم
__________
(1) ج: البواسم؛ ق: المناسم.
(2) خلاصة الأثر: تسبيحة.
(3) خلاصة الأثر: وبخاتم داع.
(4) انظر خلاصة الأثر 1: 307.
(2/418)

ما زلت أبصر منهما ... حسن النّعامى والنّعائم
بهما زماني حاسداً ... أضحى وبالتنغيص حاسم
قلمي وقلبي بين ها ... مٍ في الثّناء له وهائم
حبّي لأحمد سيّدي ... شيخ الورى فرضٌ ملازم
المقّريّ المعتلي ... شرف المعالي والمعالم
ما لي إليه وسيلةٌ ... إلاّ هوىً في القلب دائم
قد جاء ما شرّفتني ... بخصوصه دون الأعاظم
من خاتمٍ كفّي به ... ورثت سليمان العزائم
وجعلتني لا أحسب ال ... عيّوق لي في فصّ خاتم
وبسبحةٍ شبّهتها ... بالشّهب في أسلاك ناظم
فتحسد الجوزاء ما ... أحرزت من تلك المكارم
هي آلةٌ للذكّر ل ... كن ليس ذكراً في الحيازم
فهواك في قلبي وما ... في القلب جلّ عن الرّتائم
ما ذي رتائم سيّدي ... بل إنّها عندي تمائم
لو أنّها من جنس ما ... يطوى غدت فوق العمائم
لكنّها قد زيّنت ... كفّي وأزرت بالخواتم
يا من يريش إذا رمى ... نسر السماء بلحظ حازم
إنّ ابن شاهينٍ حوى ... منك الخوافي والقوادم
هذي نوافل يا إما ... م الدهر ليست باللّوازم
العذر عنها مخجلٌ ... عبداً لنعلك جدّ خادم
بل أنت فوق العذر قد ... أصبحت للشّعرى تنادم
لا زال دهرك سيّدي ... يلقاك منه ثغر باسم
يهدي إليك من المرا ... حم والمكارم والغنائم
ما لا يساوم مثله ... ذو الحظّ في أسنى المواسم
(2/419)

العبد الحقير الداعي لأستاذه مولاي الأجلّ بالتمكين، أحمد بن شاهين، حامداً مصلياً مسلماً، اتنهى.
وقال مستجيزاً:
الشيخ يشرب ماءً ... ونحن نشرب قهوه فقلت:
لأنّه ذو قصورٍ ... فغطّ بالعذر سهوه ولما أزمعت على العود إلى مصر أوائل شهر (1) شوّال سنة 1037 خاطبني بقوله - حفظه الله -:
أبداً إليك تشوّقي وحنيني ... وإلى جنابك، ما علمت، سكوني
ولديك قلبي لا يزال رهينةً ... غلقت وتعلم ذمّة المرهون
وعليك قد حبست شوارد مدحتي ... لمّا رأيتك فوق كلّ قرين
قلبي كقلبك في المحبّة والهوى ... إذ كان في الأشواق دينك ديني
ولّيته بهواك أرفع رتبةٍ ... وغدوت تعزل عنه كلّ خدين
وأطاع أمرك في الوداد فلو أشا ... منه وحاشا سلوةً يعصيني
ما كنت أحسب قبل طبعك أن أرى ... يوماً عطارد ناطقاً بفنون
حتى رأيتك فاستبنت بأنه ... يروي أحاديث العلا بشجون
ويفيد سمعي معجزاً بهر النّهى ... ويري عيوني آية التكوين
يا من غدا يحي القلوب بلفظه ... ويردّد الأنفاس عن جبرين
أحييت بالوحي المبين قلوبنا ... وحيّ (2) ، لعمر الله، جدّ أمين
__________
(1) شهر: سقطت من ج.
(2) ج: وحلى؛ ق: وجلى.
(2/420)

هذي دمشق، لعمر خلقك، روضةٌ ... قد جاد طبعك دوحها بمعين
قد زارها غيث النّدى فبهارها ... أضحى يلوح بحلّة النّسرين
لو لم تكن بدراً لما أحرزت ما ... قد خصّ في الأنوار بالتلوين
حقّقت ما قد قيل حين حللتها ... إنّ المكان مشرّفٌ بمكين
هي غادةٌ حيّيتها فتزيّنت ... ما كان أحوجها إلى التزيين
مولاي أحمد يا سليل بني العلا ... يا فوق مدحي فيك أو تحسيني
أغنى وجودك وهو عين الدّين عن ... علاّمة الدّنيا لسان الدين
انظره تستغني به عن غيره ... وإلى العيان ارغب عن المظنون
تلقى علوم النّاس في أوراقهم ... وعلومه في صدره المشحون
فبعلمه اعبر كلّ بحرٍ زاخرٍ ... وبفهمه اسبر غامض المخزون
وبحلمه ارغب عن تحلّم أحنفٍ ... وبعزمه اصحب بأس ليث عرين
لمّا رأيتك فاستقمت لقبلتي ... أدعو وأشكر واردات شؤوني
ألفيت قطرك يمنتي فأفادني ... فضل اليمين على اليسار يقيني
فسقى الحيا للمقّريّ أخي العلا ... بلداً بأقصى الغرب جدّ هتون
بلداً تبيّنت الهلال بأفقه ... ورأيت منه قرّةً لعيوني
لولا هلال الغرب نوّر شرقنا ... بتنا بليل الحدس والتخمين
يا راحلاً رحل الفؤاد بعزمه ... رفقاً بقلبٍ للوفاء ضمين
أستودع الله العظيم، وإنّني ... مستودعٌ منه أجلّ أمين
إنّي أودّع يوم بينك مهجتي ... وشبيبتي وتصبري وسكوني
وأعود من توديع وجهك عودةً ... خلطت يقيني في الهوى بظنون
حتى كأنّي قد فقدت تمائماً ... تقضي عليّ بحالة المجنون
وتودّ نفسي أنّها لو حرّمت ... أبداً سكوني للهوى وركوني
أوشكت أقتل بين معترك الهوى ... نفسي ومعترك الهوى بيميني
ولقد وددت بأنّني متحمّلٌ ... تلك الخطا بمحاجري وجفوني
(2/421)

كيف السبيل إلى الحياة ومهجتي ... في قبضة الأشواق كالمسجون
ما أنت إلا البدر لاح بأفقنا ... شهراً وكان ضياؤه يهديني
وإليكها يا شيخ دهري غادةً ... غنيت عن التحسين والتزيين
جاءتك تعرض في الوداد كمالها ... وإذا لحظت جمالها يكفيني
هي بنت لحظتك التي تؤوي النّهى ... لا بنت ليلتي التي تؤويني
ما الفخر في دعوى البديهة عندها ... الفخر قولك إنّها ترضيني
حسبي أبا العباس منك إصاخةٌ ... تقضي بموت عداي أو تحييني
يا لهف نفسي كيف أبلغ مدحةً ... أضمرتها في سريّ المكنون
فلسان حبّي بالغٌ أقصى المدى ... ولسان مدحي في القصور يليني
ما الشعر يستوفي حقوقك لي ولو ... أهديت في نظمي عقود سنيني
حلّقت أصطاد النجوم، وإنّها ... تزهى بعقدٍ في علاك ثمين
فرأيت في العيّوق طبعك سيدي ... نسراً أسفّ لعجزه شاهيني
قد خفّ شعري من قصور طبيعتي ... ولربّما قد كان جدّ ركين
وإذا عجزت عن الفرائض جاهداً ... فادأب عساك تفوز بالمسنون
هو قبلتي فلأغتدي متمسكاً ... منه بحبلٍ في النجاة متين
واسلم فديتك زائراً ومشرّفاً ... أفدي مواطئ نعله بجبيني
وكذاك عمري في هواك مقسّمٌ ... بين الدعاء الجدّ والتأمين وقال حفظه الله تعالى في ذلك:
حنانيك إنّ الدمع بالودّ معرب ... وإنّي في شرقٍ وأنت مغرّب
ورحماك بي إنّي قتيل صبابةٍ ... بمن هو أوفى في الفؤاد وأنجب
ووعدك لي بالعود إنّي معلّلٌ ... به مهجةً قد أوشكت تتصوّب
(2/422)

وهبتك قلبي ما حييت ولم أقل ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب " (1)
فلو كنت شيخاً واحداً هدّ صدّه ... فكيف بشيخٍ لم يكن مثله أب
وإنّا بحمد الله لما خصصتنا ... بزورة ذي ودّ دعاه التحبّب
فرشنا له منّا الخدود مواطئاً ... وعدنا به شوقاً نجيء ونذهب
وقلنا دمشقٌ أنت فها محكّمٌ ... وأشرافها ودّوا وجدّوا ورحّبوا
وأنت لها روحٌ ومولى ومفخرٌ ... وقد زنت شرقاً مثل ما ازدان مغرب
وفخراً عظيماً يا ابن شاهين إنّه ... غدا وكرنا نسر السما فيه يرغب
فنحن، ونحن الناس، خدّام نعله ... فلا غرو أن يقلي الغضنفر أكلب
وما نقموا منه سوى أنّه امرؤ ... ليأكل فيما قدّروه ويشرب
هو الشيخ شيخ الدهر أحمد من غدت ... دمشق ومن فيها بعلياه تخطب
هو المقّريّ العالم العلم الذي ... إليه تناهى الفضل والمجد ينسب
وما هو إلا الشمس أزمع رحلةً ... وإنّا لفي ليلٍ إذا هي تغرب
أو الغيث قد وافى فأمرعت النّهى ... به وانثنى والصدر بالودّ معشب
أو الطائر العنقاء جاء مشرّقاً ... فأغرب والعنقاء في الطير مغرب
وإنّك للخلّ الوفيّ وإنّه ... هو الواحد المطلوب إن عزّ مطلب (2)
وإنّك بالتحقيق في كلّ حالةٍ ... لأسنى وأندى ثمّ أوفى وأغرب
رعى الله وجهاً رحت ترغب نحوه ... وأيّ أخي جدّ له أنت ترغب
وحيّا الحيا أرضاً وطئت ترابها ... فأصبح مسكاً وهي بالمجد تخصب
ولا فارقت يوماً علاك كلاءةٌ ... من الله أنّى كنت والله أغلب
مدى الدهر ما حنّت جوانح والهٍ ... مشوقٍ فأمسى للحقيقة يطرب ولمّا قرأ عليّ - أدام الله تعالى عزته، وحرس حوزته - عقيدتي المسماة
__________
(1) للمتنبي، وصدره: " ولو جاز أن يحروا علاك وهبتها ".
(2) سقط البيت من ق.
(2/423)

ب " إضاءة الدجنّة " في عقائد أهل السنّة سألني أن أجيزه فيها وفي غيرها، فكتبت له بما نصّه:
أحمد من أطار في جوّ العلا ... صيت ابن شاهين الذي زان الحلى
وراش منه للمعالي أجنحه ... نال بها فضلاً غدا مستمنحه
وأسكن البيان من أوكار ... أفهامه بقنّة الأفكار
فاصطاد كلّ شاردٍ بمخلب ... أبحاثه ومن يعارض يغلب
والصقر لا يقاس بالبغاث ... والحقّ ممتازٌ عن الأضغاث
نشكر من بلّغه مناه ... على نواله الذي سنّاه
وننتحي نهج صلاةٍ باديا ... لخير من جاء الأنام هاديا
مبيّناً دلائل التوحيد ... وموضحاً طرائق التسديد
محمدٍ خير البرايا المنتقى ... أجلّ من خاف الإله واتّقى
صلّى عليه الله مع أصحابه ... وآله الراوين عن سحابه
ما اعترف العبد الفقير ذو العدم ... للربّ باستغنائه وبالقدم
وبعد، فالعلوم والعوارف ... من أمّها يأوي لظلّ وارف
وروضةٍ أزهارها تضوّعت ... لأنّها أفنانها تنوّعت
وليس يحتاط بها نبيل ... إذ ذاك أمرٌ ما له سبيل
فليصرف القول إلى ما ينفعه ... دنياً وفي أوج الأجور يرفعه
وإنّ في علم أصول الدين ... هدىً وخيراً جلّ عن تبيين
لأنّه أصلٌ يعمّ النفع ... به وكلّ ما سواه فرع
وكيف يعبد الإله من لا ... يعرفه وعن رشادٍ ضلاً
فهو الذي لا تقبل الأعمال ... إلاّ به وتنجح الآمال
وإنّني كنت نظمت فيه ... لطالبٍ عقيدةً تكفيه
سمّيتها " إضاءة الدّجنّه " ... وقد رجوت أن تكون جنّه
(2/424)

وبعد أن أقرأتها بمصر ... ومكّة بعضاً من أهل العصر
درّستها لمّا دخلت الشاما ... بجامعٍ في الحسن لا يسامى
وكان في المجلس جمعٌ وافر ... من جلّةٍ بدورهم سوافر
منهم فريد الدهر ذو المعالي ... فخر دمشق الطيّب الفعال
أحمد من راح لعلمٍ واغتدى ... وشام أنواراً لفهمٍ فاهتدى
العالم الصدر الأجلّ المولى ... من وصفه الممدوح يعيي القولا
وهو ابن شاهين وما أدراكا ... من بذّ جنس العرب والأتراكا
ورام من مثلي بحسن الظنّ ... إجازةً فيما رواه عنّي
فحرت في أمرين قد تناقضا ... بالنفي والإثبات إذ تعارضا
ترك الإجابة لوصفي بالخطل ... والخطا، والجيد مني ذو (1) عطل
وكم فرائضٍ بعجزٍ تسقط ... فكيف غيرها وهذا أحوط
أو فعلها بحسب الإمكان ... رعياً لودٍّ محكم الأركان
منه وما له من الحقوق ... ولا يجازي البرّ بالعقوق
وبعد ما مرّ من الترداد ... أسعفته بمقتضى الوداد
وسرت في طرقٍ من التساهل ... معترفاً بالجهل لا التجاهل
مع أنّه أهلٌ لأن يجيزا ... لا أن يجاز إذ حوى التبريزا
ومن رأى عيبي بعينٍ للرّضا ... لم يقف نهج من غدا معترضا
فليرو عنّي كلّ ما أسمعته ... إياه بالشرط وما جمعته
مع القصور راجياً للأجر ... من الفنون نظمها والنثر
كهذه القصيدة السّديده ... والنعل ذات المدح العديده
كذاك ما ألفت في عمامه ... من خصّ بالإسراء والإمامه
والفقه والحديث والنحو وفي ... أسرار وفقٍ وهو بالقصد وفي
__________
(1) ق: والجيد من در.
(2/425)

وغيرها ممّا به الوهّاب منّ ... على فقيرٍ عاجزٍ في غير فنّ
وما أخذت في بلاد المغرب ... عن كلّ فذّ في العلوم مغرب
ولي أسانيدٌ إذا سردتها ... طالت وفي كتبي قد أوردتها
وقد أخذت الجامع الصحيحا ... وغيره عمّن حوى الترجيحا
عمّي سعيدٌ عن سفين وهو عن ... القلقشندي عن الواعي السنن
العسقلاني الشهاب ابن حجر ... بما له من الروايات اشتهر
وقد أجزته بكلّ مالي ... يصحّ من ذاك بلا احتمال
على شروطٍ قرّروها كافيه ... ليست على أفكاره بخافيه
وقال هذا المقّريّ الخطّا ... والعيّ عمّ لفظه والخطّا
عام ثلاثين وألفٍ بعدها ... سبعٌ أتمّت في السنين عدّها
وكان ذا في رمضان السامي ... بحضرة السّعد دمشق الشّام
والله نرجو أن يتيح الختما ... بالخير كي نعطى القبول حتما
بجاه خير العالمين أحمدا ... صلّى عليه الله ما طال المدى
وآله وصحبه ومن زكا ... فنال من حسن الختام مدركا وتذكرت بهذه الإجازة نظيرتها التي سألني فيها مولانا عين الأعيان، مفتي الأنام في مذهب النعمان، مولانا الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام - حفظه الله تعالى - لأولاده الثلاثة، وكتب لي أصغرهم سنّاً استدعاء لذلك:
أحمد من شيّد بالإسناد ... بيت العلوم السامي العماد
وعمّ من خصّص بالروايه ... بنورها النافي دجى الغوايه
وزان صدر النّبها كلّ زمن ... بجوهر الإجازة الغالي الثّمن
نحمده سبحانه أن عرّفا ... من الحديث ما به قد شرّفا
ونسأل المزيد من صلاته ... لمن أتيح القصد من صلاته
ملجؤنا المعصوم أعلى سند ... لنا برغم جاحدٍ مفنّد
(2/426)

كهف الضعيف والقويّ المرتجى ... باب الهدايات وليس مرتجا
من جاءنا بالجامع الصحيح من ... كلامه الهادي إلى نهجٍ أمن
من فضله ما شكّ فيه مسلم ... من حبّه بكلّ خيرٍ معلم
نبيّنا المرسل ذو الخلق الحسن ... والمعجز المفحم أرباب اللّسن
محمد المرفوع قدره على ... سائر خلق الله جلّ وعلا
صلّى عليه ربّنا وسلّما ... أزكى صلاةٍ ننتحيها معلما
مع آله وصحبه ومن روى ... آثاره عن صحّةٍ وما غوى
وبعد فالعلم عظيم القدر ... وليس من يدري كمن لا يدري
ولم تزل همّة أهل المجد ... منوطةً بنيل علمٍ مجدي
ومنه علم السّنّة الشريفه ... لأنّه ظلاله وريفه
فمن درى الأخبار والشّمائل ... لم يك عن صوب الهدى بمائل
وكم سميدعٍ لأجله رفض ... أوطانه وثوب ترحال نفض
وكيف لا وهو أجلّ ما طلب ... موفّقٌ يروم حسن المنقلب
لأنّه وسيلة السّعاده ... والعزّ في الإبداء والإعاده
وإنّني لمّا انتحيت المشرقا ... ميمّماً بدر اهتداءٍ مشرقا
ألقيت في مصر عصا التسيار ... بعد بلوغي أشرف الدّيار
وبعد ذا جئت دمشق الشام ... مسكن من يزدان باحتشام
فشاهدت عيناي فيها ما ملا ... قلبي سروراً إذ بلغت المأملا
مدينةٌ فيّاضة الأنهار ... فضفاضة الأثواب بالأزهار
أرجاؤها زاكية العبير ... ومدحها يجلّ عن تعبير
وجلّ أهليها بحبي دانوا ... مع أن مثلي منهم يزدان
فلاحظوا بالأعين الكليله ... عبداً غدا تقصيره دليله
وقابلوا المولى الكبير المعتبر ... قرّة عين من رآه واختبر
خصوصاً المولى الكبير المعتبر ... قرة عين من رآه واختبر
(2/427)

مفتي الورى في مذهب النعمان ... بها الوجيه عابد الرحمن
ابن عماد الدين من تعيي القلم ... أوصافه اللاتي كنورٍ في علم
حاوي طراف المجد والتّلاد ... نال المنى في النفس والأولاد
وكنت في مكّة قد أبصرت ... منه علاً عن مدحه قصرت
جلالةً ومحتداً وعلماً ... ورفعةً وسؤدداً وحلما
مع التواضع الذي قد زانه ... حسن اعتقادٍ مثقلٍ ميزانه
فحثّ من في الشام من أخيار ... لم يسلكوا مناهج الأغيار
أن يأخذوا بعض الفنون عني ... بما اقتضاه منه حسن الظنّ
مع أنّني والله لست أهلا ... لذاك، والتصدير ليس سهلا
وكان من جملتهم أبناؤه ... عماد دينٍ قد علا بناؤه
وصنوه الشهاب من توقّدا ... فهماً وإبراهيم سبّاق المدى
وهو الذي قد ابتغى الإجازه ... لهم بوعدٍ طالباً إنجازه
وكتب القصيدة الطنّانه ... في ذاك لي مهتصراً أفنانه
وإنّهم كحلقةٍ قد أفرغت ... دامت لهم آلاء فيضٍ سوّغت
فلم أجد بدّاً من الإجابه ... مع كون جهلي سادلاً حجابه
فقد أجزتهم بما رويته ... طرّاً، وما ارتجلت أو روّيته
وكلّ ما صنفت في الفنون ... مؤمّل التحقيق للظنون
وما أخذت عن شيوخ المغرب ... وغيرهم من كلّ حبرٍ مغرب
ولي أسانيد يطول شرحها ... شيد على تقوى الإله صرحها
ولو سردت كلّ مروياتي ... هنا لطال القول في الأبيات
وكلّ طولٍ غالباً مملول ... وحدّ من يعنى به مقلول
فلنقتصر إذن على القليل ... تبركاً بالمطلب الجليل
وقد أخذت جامع البخاري ... عن عمّي الحائز للفخار
المقّري سعيد الإمام عن ... محمد يدعى خروفاً حين عنّ
(2/428)

التونسيّ الطيّب الأنفاس ... نزيل حضرة الملوك فاس
عن الكمال القادريّ المرتضى ... عن الحجازيّ عن الحبر الرضى
نجل أبي المجد عن الحجاري ... عن الزبيديّ بنقلٍ جاري
عن مسند الإسلام عبد الأوّل ... عن الشهير الداوديّ المعتلي
عن السّرخسيّ عن الفربري ... عن البخاريّ الإمام الحبر
وفضله أظهر من أن يذكر ... وعلمه المعروف غير المنكر
ومسلمٍ به إلى الكمال ... عن علم الدين أخي الجلال
منسوب بلقين عن التّنوخي ... عن ابن حمزةٍ عن الشيوخ
كابن المقير عن ابن ناصر ... عن ابن مندة وهو (1) القاصر
عن جوزقيٍّ قد روى عن مكّي ... عن مسلم نافي دياجي الشكّ
فليخبروا عنّي بذا والباقي ... من ستّةٍ حائزة السباق
كذا موطّأ الإمام مالك ... إمامنا منير كلّ حالك
ومسند الفذّ الرضى ابن حنبل ... والدارميّ ذي الثناء الأجمل
والطبرانيّ وما أرويه ... من المعاجيم (2) بما تحويه
وكلّها تشمله الإجازه ... بشرطها عند الذي أجاده
فلتقبلوه فهي من جهد المقلّ ... إذ لست بالمطلوب مني أستقلّ
ومن أسانيدي عن القصّار ... مفتي الأنام بهجة الأعصار
عن شيخه خروفٍ الراقي الدرج ... عن الشريف الطحطحائي فرج
قال: سمعت المصطفى في النوم ... صلّى عليه الله كلّ يوم
يقول: من أصبح، يعني آمنا ... في سربه، الحديث فاعرف كامنا
ولنمسك العنان في هذا الأرب ... مصلياّ على الذي زان العرب
__________
(1) بياض في ج ودوزي.
(2) ج ق: المعاجم.
(2/429)

وآله وصحبه الأعلام ... ومن تلا من أنجم الإسلام
وخطّ هذا المقّريّ العاصي ... أجير يوم الأخذ بالنواصي
سنة سبعٍ وثلاثين تلت ... ألفاً لهجرة بياسين علت
عليه أزكى صلوات تستتمّ ... نرجو بها الزّلفى وحسن المختتم ونصّ الاستدعاء المشار إليه هو:
فازت دمشق الشام بالمقّري ... الألمعيّ اللوذعيّ العبقري
علاّمة العصر بلا مفترىً ... وواحد الدهر بلا ممتري
كم سمعت أخبار أوصافه ... فقصّر المخبر عن منظر
جامع علمّ بثّ إملاءه ... بالشام ملء الجامع الأكبر
يقري فتقري السمع أنفاسه ... أنفس ما يقري وما قد قري
مولاي يا من درّ ألفاظه ... صحاحها تزري على الجوهري
إجازة نرفل من فضلها ... في ثوب عزٍّ وردا مفخر
مسبلة الذيل على أكبر ... وأوسط الإخوة والأصغر
أطلّ لنا إنشاءها بل أطب ... وانظم لنا من درّها وانثر
لا زلت في نفع الورى دائباً ... تجود جود العارض الممطر العبد الداعي إبراهيم العمادي، انتهى.
ومن الإجازات التي قلتها بدمشق الشام ما كتبته للأديب الحسيب سيدي يحيى المحاسني (1) حفظه الله تعالى:
أحمد من زيّن بالمحاسن ... دمشق ذات الماء غير الآسن
__________
(1) هو يحيى بن أبي الصفا ابن أحمد المعروف بابن محاسن الدمشقي الحنفي، درس على العمادي وغيره من شيوخ دمشق، ولما وردها المقري لزمه لزوم الظل للشبح وجمع من أماليه مجموعاً ودرس العلم في الغزالية وتوفي سنة 1053 (خلاصة الأثر 4: 463) .
(2/430)

وأطلع النّجوم من أعيان ... بأفقها السامي مدى الأحيان
فكلّ أيّامهم مواسم ... من الصّفا ثغورها بواسم
وذكرهم قد شاع بين الأحيا ... إذ قطرهم به الكما يحيا
وبشرهم حديثه لا ينكر ... ومسند الجامع عنهم يذكر
وقد حكت جوارح الذي ارتحل ... إليهم صحيح ما له انتحل
فسمعه عن جابرٍ، والعين عن ... قرّة تروى، واللسان عن حسن
فحلّ من أتاحهم آلاءه ... حتّى أبان نورهم لألاءه
نحمده سبحانه أن أسدى ... من الأمان ما أنال القصدا
وننتحي صوب صلاةٍ باهره ... إلى الرّسول ذي السّجايا الطاهره
أجلّ من خاف الإله واتّقى ... محمد الهادي الرّسول والمقتدي
وبعد، فالعلم أساس الخير ... وكيف لا وهو مزيح الضير
وهو موصّلٌ إلى منهاج ... هدىً ورشدٍ ما له منهاجي
وما بغير العلم يبدو العلم ... وليس من يدري كمن لا يعلم
خصوصاً الحديث عن خير البشر ... فإنّ فضله على الكلّ انتشر
ولم يزل يعنى به كلّ زمن ... من الرواة كلّ صدرٍ مؤتمن
وإنّني عند دخول الشام ... لقيت من بها من الأعلام
وشاهدت عيناي من إنصافهم ... ما حقّق المحكيّ عن أوصافهم
وإنّ من جملتهم أوج الذكا ... والنيّر الزري سناه بذكا
ابن المحاسن الذي قد طابقا ... منه مسمّى الإسم إذ تسابقا
اللّوذعيّ الألمعيّ يحيى ... لا زال رسم المجد منه يحيا
وهو الذي أغراه حسن الظنّ ... على انتمائه لأخذٍ عني
وكان قارئ الحديث النّبوي ... لديّ في الجامع، أعني الأموي
بمحضر الجمع الغزير الوافر ... ممّن وجوه فضلهم سوافر
(2/431)

وبعد ذاك استمطر الإجازه ... من نوء وعدي واقتضى انتجازه
فلم أجد بدّاً من الإجابه ... مع أنّني لست بذي النجابه
وإن أكن أجبت أمراً يمتثل ... منه ففي ذلكتصديق المثل
فيمن درى شيئاً وغابت أشيا ... عنه ومن أهدى بصنعا وشيا
فليرو عنّي كلّ ما يصحّ لي ... بشرطه الذي يزين كالحلي
وقد أخذت جامع البخاري ... عن عمّي الإمام ذي الفخار
سعيد الذي نأى عن دنس ... عن شيخه الحبر الشهير التّنسي
أعني أبا عبد الإله وهو عن ... والده محمّدٍ راوي السّنن
عن ابن مرزوقٍ محمّد الرضا ... عن جدّه الخطيب عن بدرٍ أضا
الفارقيّ عن إمامٍ يدعى ... بابن عساكر الجميل المسعى
بما له من الروايات التي ... على علوّ قدره قد دلّت
وليرو عنّي ما انتمى للنّووي ... بذا إلى السابق ذي النّهج السوي
أعني ابن مرزوق الخطيب الراوي ... عن شيخه يحيى الرضى المغراوي
وهو روى عن صاحب التمكين ... ألنوويّ الشيخ محيي الدين
وخطّ هذا أحمد البادي الوجل ... المقّريّ المالكين الذي ارتجل (1)
في عام ألفٍ وثلاثين خلت ... من هجرة الهادي وسبعةٍ تلت
ألبسه الله البرود الصافيه ... من منّه وعفوه والعافيه
بجاه سيّد البرايا طرّا ... ملجإ من إلى الكروب اضطرّا
عليه أسنى صلواتٍ تسدي ... حسن الختام ببلوغ القصد وسأل مني بعض ساكني دمشق (2) المحروسة أن أقرّظ له على شرحه
__________
(1) الذي ارتجل: سقطت من ج.
(2) هو محمد بن سعد الكشني كما سيصرح المقري بذلك في أرجوزته، وكان من أدباء الصوفية، وكان فضلاء دمشق يعاشرون منه رجلاً سهلاً خلوقاً متودداً صاحب نوادر وآداب؛ توفي سنة 1037 (خلاصة الأثر 3: 468) .
(2/432)

لرسالة العارف بالله تعالى سيدي الشيخ أرسلان، فكتبت ما صورته:
أحمد من خصّص بالأسرار ... قدماً من الصوفيّة الأبرار
أتاحهم عوارف المعارف ... والحكم السابغة المطارف
فهم بهم تستمطر الأنواء ... وتظهر الأنوار والأضواء
ومن أجلّهم سناءً وسنى ... من ذاد عن عين المعالي الوسنا
شيخ الشيوخ العارف الكبير ... الشيخ أرسلانٌ الشهير
فكم إشاراتٍ له أبانا ... بها علوماً من حلاها ازدانا
وكم عباراتٍ تلا آياتها ... تعيا الفحول عن مدى غاياتها
ومن رأى رسالة التوحيد ... له انتحى مناهج التسديد
فهي تنادي من أبى أن يسلكا ... يا معرضاً شركٌ خفيٌّ كلّكا
ومن أضلّ القصد في مهامه ... هدته للخروج عن أوهامه
وكم بها من باب معنىً مغلق ... عمّن يقيّد الوجود المطلق
فما بغير الفتح يدرى الباطن ... ووارد الفيض له مواطن
وقد رأيت في دمشق الشّام ... شرحاً لها أنبأ عن إلهام
للكلشنيّ ذي الوفا بالوعد ... شمس العلا محمد بن سعد
لا زال في أوج التجليّ صاعدا ... وعون ربّنا له مساعدا
ومذ أجلت ناظري في حسنه ... ألفيته مستبدعاً في فنّه
ودلّ ما أبداه من معاني ... على شهودٍ بالهدى معاني
لأنّه أجاد في تقرير ... ما اعتاص بالإتقان والتحرير
وأبرز الأبكار من خدور ... أفكاره حالية الصدور
فالله يجزيه الجزاء الأوفى ... في يوم تبدي الأنبياء الخوفا
وخطّ هذا المقّريّ من وجل ... مرتجياً من ربّه عزّ وجلّ
كشف كروبٍ عقد صبرٍ حلّت ... منه وغفران ذنوبٍ جلّت
(2/433)

بجاه طه الهاشميّ أحمدا ... عليه أزكى صلواتٍ سرمدا
عاطرة النشر بلا اكتتام ... تأرّجت بالمسك في الختام وخاطبني السريّ الحسيب الماجد فخر المدرسين الأعيان مولانا الشمس محمد بن الكبير الشهير مولانا يوسف بن كريم الدين الدمشقي (1) حفظه الله تعالى بقوله:
شمس المحاسن شرّقي أو غرّبي ... سعدت منازلنا بشمس المغرب
شمسٌ لنا منها شموس فضائلٍ ... وسنا هدىً قد راح غير محجّب
المقّريّ العالم النّدب الذي ... لسوى اسمه درج الحجى لم يكتب
بدرٌ ولم تبد البدور بمشرقٍ ... إلا بدت من قبل ذاك بمغرب
لسوى اكتساب سناه لم تغرب ذكا ... فلو أنها شعرت به لم تغرب
علاّمةٌ ملأ البلاد بفضله ... وأفاده لمشرّقٍ ومغرّب
عمري هو البحر المحيط فضائلاً ... إن قيس بالعذب الذي لم يعذب
مولىً له سندٌ قويٌّ في العلا ... فعن الجدود روى العلا وعن الأب
نسبٌ له المجد المؤثّل في الورى ... والمجد لم يكسب إذا لم يوهب
هو في جبين الفضل أضحى غرةً ... يجلى بها للجهل ظلمة غيهب
آمالنا قطعت ببشر جبينه ... أن لا ترى للدهر وجه مقطّب
بدرٌ به زهيت دمشق وأهلها ... أحبب ببدرٍ حيث حلّ محبّب
طود الفضائل باكرت أرجاءه ... ديم الحجى فغدا كروضٍ مخصب
بحر الهدى والعلم إلاّ أنّه ... صفوٌ من الأكدار عذب المشرب
هو قطب دائرة الفضائل في الورى ... فيكاد يخبرنا بكلّ مغيّب
__________
(1) ترجمته في خلاصة الأثر (4: 273) تتلمذ للمقري والعمادي وغيرهما وكان متقناً للفارسية والتركية والموسيقى ملحناً، تردد إلى الروم ودرس بالمدرس العزية وله ديوان شعر؛ توفي سنة 1068.
(2/434)

في الفضل ما جاولت يوماً مثله ... كلاّ، ولا قست البدور بكوكب
أنّى يجارى في الفضائل من له ان ... قاد الزّمان بأدهمٍ وبأشهب
سننٌ لمدح الغير تسقط عندنا ... فله العلا تقضي بفرضٍ أوجب
ما روضةٌ حلّى أزاهرها الحيا ... فافترّ فيها كلّ ثغرٍ أشنب
ومشت بها خود الصّبا فتعطّرت ... أذيالها من كلّ عرفٍ طيّب
للنّور فيها جدولٌ أخذت به ... شهب المجرّة حيرة المتعجّب
باتت تناشدني بها ذكر الهوى ... ورق الأراك بكلّ صوتٍ مطرب
تشكو إليّ بمثل ما أشكو لها ... شكوى المعذّب في الهوى لمعذّب
فعلمت ما قد حلّ من وجدٍ بها ... وجهلن، وهو الفرق، ما قد حلّ بي
لم تلق فيها من عليل يشتكي ... إلاّ النّسيم وذا الهوى إن تطلب
بأغضّ حسناً من ربى آداب من ... حيّا رياض حجاه ألطف صيّب
طبعٌ أرقّ من النسيم ومنطقٌ ... مستعذبٌ، وكذاك كلّ مهذّب
لو جاد صوب حجاه قفراً مجدباً ... لنعمت منه بكلّ روضٍ معشب
مولاي عذراً فالزمان يعوقني ... عن مطلبي والآن مدحك مطلبي
وكذاك يفعل بالأديب زمانه ... فلذا يطول على الزمان تعتّبي
لم ألق يوماً من يديه مهرباً ... إلاّ ثناك، وحبّذا من مهرب
لولاك لم ينهض جواد قريحتي ... من كلّ وادٍ للضّلالة متعب
فاسمع، ولست بآمرٍ، نظماً غدا ... في عقد مدحك لؤلؤاً لم يثقب
كالراح يلعب بالعقول للطفه ... لكن بغير مسامعٍ لم يشرب
من كلّ قافيةٍ غدت من حسنها ... مثلاً لغيرك في العلا لم يضرب
خودٌ تقلّد من ثناك قلائداً ... بكرٌ لغيرك في الورى لم تخطب
غنيت بمدحك زينةً ولربما ... يغني الجمال عن الوشاح المذهب
(2/435)

هي بعض أوصافٍ لذاتك قد غدت ... كالبحر عذباً ماؤه لم ينضب
جاءتك تسألك القبول وحسبها ... فخراً قبولك وهو جلّ المطلب
وتروم منك إجازةً فاقت بما ... ترويه بالسّند القويّ عن النبي
حسبي الإجازة منك جائزةً ولم ... أك قبل غير الفضل بالمتطلّب
لا بدع والإطناب إيجازاً غدا ... في مدحه إن لم أطل أو أسهب
هيهات لا تحصى مآثر فضله ... بالمدح إن أطنب وإن لم أطنب خدمة الداعي محمد بن يوسف الكريمي، انتهى.
فأجزته بما نصّه:
أحمد من أطلع شمس الدين ... في أفق الرواية المبين
وخصّ فضلاً منه بالإسناد ... أمّة طه مذهب العناد
فلم يكن عصرٌ من الأعصار ... إلاّ وفيه أهل الاسبتصار
ينفون عن حوزة دين الله ما ... يروم من عليه رشدٌ أبهما
وأنتحي سبل صلاةٍ كامله ... على الذي له العطايا الشامله
محمدٍ المرسل بالشرع الحسن ... ذي المعجز المفحم أرباب اللّسن
مع حزبه من صحبه وعترته ... ومن تلا مؤمّلاً لأثرته
وبعد فالعلم أجلّ ما اعتمد ... موفّقٌ من فيض مولاه استمد
خصوصاً الحديث عن خير الورى ... صلّى عليه الله ما زندٌ ورى
ولم يزل ذوو النهى يسعون في ... تحصيله إذ فضله غير خفي
وإنّ مولانا الشهير السامي ... الماجد المولى نبيه الشام
سالك نهج السّنّة القويم ... محمد بن يوسف الكريمي
لا زال في عزٍّ وفي أمان ... مبلّغاً من قصده الأماني
وجّه لي لمّا حللت الشاما ... وبرق حسن الظنّ مني شاما
قصيدةً بليغةً مستعذبه ... غريبةً في فنّها مهذّبه
(2/436)

يسأل من مثلي بها الإجازه ... بشرطها عند الذي أجازه
مستمسكاً بعروة الصّواب ... ولم أجد بدّاً من الجواب
فليرو عنّي ما سمعت كلّه ... وما جمعت في الفنون جمله
على شروطٍ قرّرت في الفنّ ... مرتجياً حصول كلّ منّ
وصنوه الأكمل قد أبحته ... ذاك على الوجه الذي شرحته
وإن أكن فيما ابتغى مقصّرا ... فذو الرضى ليس لعيبٍ مبصرا
ولي أسانيد أبى وقتي عن تفصيلها ... لمّا من الرحلة عن
والعذر بادٍ والكريم يقبل ... والصفح نهجٌ يقتفيه الأنبل
وخطّ هذا المقّريّ الجاني ... أمّنه الله من الأشجان
في عام ألفٍ وثلاثين قفا ... سبعاً لهجرة النبي المصطفى
عليه أزكى صلواتٍ تغتنم ... يزكو بها متبدأٌ ومختتم وكتب إلي الفاضل الخطيب، الفهامة الأديب، وارث الفضل عن الأعلام ذوي اللّسن، سيدي الشمس محمد المحاسني (1) سبط شيخ الإسلام مولانا البوريني حسن، حفظه الله تعالى، بقوله:
يا سيّدي وملاذي ... وعالم الثّقلين
ومن غدا بمكانٍ ... علا على النّيّرين
أجزت بالدرس قوماً ... فاقوا به الفرقدين
فزيّن العبد أيضاً ... من مثل ذاك بزين
إن لم يكن (2) في ختامٍ ... فذاك قرّة عيني
__________
(1) هو محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني الدمشقي الحنفي، درس على علماء دمشق، ومنهم العمادي والمقري وسافر إلى الروم صحبة والده وأخذ من علمائها ثم تولى الخطابة بجامع السلطان سليم بصالحية دمشق ثم الإمامة بجامع بني أمية، وتولى مناصب أخرى بين إمامة وخطابة وتدريس، وتوفي سنة 1027 (خلاصة الأثر 3: 408) .
(2) ق: وإن يكن.
(2/437)

فأجزته بما نصّه:
أحمد من أطلع من محاسن ... دمشق ما أربى على المحاسن
وزانها بالجلّة الأعيان ... الرافلين في حلى التبيان
الراغبين في الحديث النبوي ... السالكين في الهدى النهج السوي
وبعد فالعلم أجلّ زينه ... وسبله في الرشد مستبينه
وإنّ علم السنّة الشريفه ... ظلاله ضافيةٌ وريفه
لذاك كان باعتناءٍ أجدرا ... من كلّ ما يمليه من تصدّرا
وإنّ ذا الفضل الأديب البارع ... سابق ميدان الذكا المسارع
الماجد المسدّد السامي الحسب ... محمد من للمحاسن انتسب
ابن الشهير الصدر تاج الدين ... لا زال في عزٍّ وفي تمكين
وجدّه لأمّه الشيخ الحسن ... وذاك بورينيهم معطى اللّسن
يسألني إجازةً بكلّ ما ... أرويه عنواناً بحالي معلما
وها أنا أجبته غير بطل ... مستغفراً من خطإ ومن خطل
فليرو عني كلّ ما يصحّ ... على شروط غيثها يسحّ
وهي عن الشروط لن تريما ... وليس يخفي علمه الكريما
وكلّ ما ألّفت أو جمعت ... نظماً ونثراً مثل ما أسمعت
ولي أسانيد يضيق الوقت ... عن سردها وبعضها قد سقت
في غير هذا فليحقّق ذلك ... مقتفياً لأوضح المسالك
وقد أخذت جامع البخاري ... ومسلمٍ عن جائز الفخار
عمّي سعيدٍ وهو عمّن يدعى ... بالتّنسيّ قد أفاد الجمعا
عن حافظ الغرب الرّضى أبيه ... عن ابن مرزوقٍ عن النبيه
وما له من الروايات علم ... من كتبه التي حوت خير الكلم
(2/438)

وخطّ هذا المقّريّ عن عجل ... مؤمّلاً من ربه عزّ وجلّ
غفران ما جنى من الذنوب ... والصفح عن معرّة العيوب
بجاه خير العالمين أحمدا ... صلّى عليه الله دأباً سرمدا
وآله وصحبه الأخيار ... ومن تلا لآخر الأعصار (1) ولما سألني في الإجازة الفاضل الأديب سيدي محمد بن علي ابن مولانا عالم الشام الشهير الذكر شيخ الإسلام سيدي ومولاي الشيخ عمر القاري (2) - حفظه الله تعالى - وأنا مستوفز للسفر، كتبت له عن عجل ما صورته:
أحمد من زيّن بالآثار ... جيداً من الراوي النبيه القاري
وشاد للعلياء في أوج السّند ... منازلاً لم يبلها طول الأمد
وميّز الواعين للحديث ... بالفضل في القديم والحديث
وزان منهم سماء الدين ... فأشرقت بالحفظ والتبيين
فهم (3) بها للمهتدي نجوم ... وإنّها للمعتدي رجوم
فكم أزاحوا عن حديث المجتبى ... صلّى عليه الله ما هبّت صبا
تحريف ذي غلٍّ مصلٍّ غالي ... شانٍ لمنهاج الرشاد قالي
وبعد فالإسناد للروايه ... وسيلةٌ تزحزح الغوايه
والله قد خصّص هذي الأمّه ... به امتناناً وأزاح الغمّه
هذا ولولا ذاك قال من شا ... ما شاءه فهو بحقٍّ منشا
فلم يزل أهل النّهى كلّ زمن ... يسعون في تحصيله عن مؤتمن
__________
(1) إلى هنا تنتهي نسخة ج من النفح وكتب في آخرها: " انتهى ما وجد في الجء الأول من نفح الطيب ويتلوه في الجزءالثاني: ولما سألني في الإجازة الفاضل الأديب الشيخ محمد بن علي ... إلخ ".
(2) ترجمة محمد بن علي بن عمر المشهور بابن القاري في خلاصة الأثر (4: 54) درس الحديث على المقري مدرساً بالمدرسة الشامية الجوانية، وسافر إلى الروم ونال جاهاً، وكان بينه وبين أحمد الشاهيني مودة أكيدة ومراسلات.
(3) ق: منهم.
(2/439)

وإنّ من جملة من تحرّى ... ومن بسبقٍ للعلوم غرّا (1)
الفاضل المسدّد النّجيب ... الواصل الممجّد الأريب
محمدٌ سليل ذي المجد علي ... ابن الإمام العالم الحبر الولي
عمر الشيخ الشهير القاري ... طود السكون هضبة الوقار
شيخ الشيوخ في دمشق الشام ... لا زال محفوفاً بعزٍّ سامي
فكان من جملة من عنّي روى ... بعض الصحيح ظافراً بما نوى
وبعد ذاك اقترح الإجازه ... مني ووعدها اقتضى إنجازه
فانعجمت نفسي عن الإجابه ... إذ لست في ذا الأمر ذا نجابه
مع أنّني مقصّرٌ ذو عيّ ... في مثل هذا المطلب المرعيّ
وخفت أن آتيها شنعاء ... بحملي الوشي إلى صنعاء
وبعد ذا أجزت قصد الأجر ... مرتجياً بذاك ربح التّجر
وقد أجبته وإنّي أعلم ... أنّي من خوف الخطا لا أسلم
فليروها ببالغ التمنّي ... جميع ما يصحّ لي وعني
من ذلك الجامع للبخاري ... عن عمّي الشهير ذي الفخار
سعيدٍ الآخذ عن سفين ... عن قلقشنديٍّ مزيح المين
عن حافظ الإسلام أعني ابن حجر ... بما له من الرّوايات اشتهر
وبعضها في صدر فتح الباري ... مبيّنٌ لطالب الأخبار
ولي أسانيد يطول شرحها ... والروضة الغنّاء يكفي نفحها
ومن رواياتي عن القصّار ... مفتي البرايا بهجة الأعصار
حدثنا خروفٌ الذاكي الأرج ... عن الشريف الطحطحائي فرج
سمعت في المنام طه يملي ... حديث من أصبح وفق النقل
أي آمناً في سربه معافى ... في جسمه مع قوت يومٍ وافى
__________
(1) ق: تحدى ... عدا.
(2/440)

وكلّ ما ألّفت في الفنون ... أرجو به التحقيق للظّنون
فليروه عنّي بشرطٍ معتبر ... وربّما يصدّق الخبر الخبر
ولي تآليف على العشرينا ... زادت ثمانياً حوت تعنينا (1)
فليروها إن شاء بلا استثناء ... والله أرجو نيل قصدٍ نائي
بجاه من شرّف بالإدناء ... صلّى عليه الله في الآناء
أحمد خير المرسلين الهادي ... غوث البرايا ملجإ الأشهاد
عليه أسنى صلواتٍ زاكيه ... مع صحبه ذوي المزايا الزاكيه
ومن تلا ممّن أطاب عمله ... فنال من رجاءه ما أمّله
وشمّ من عرف قبولٍ أرجا ... فنال من حسن الختام ما رجا وخاطبني من أهلها أيضاً خادم الشيخ الأكبر ابن عربي محيي الدين، وهو الشيخ الأكرمي سيدي إبراهيم (2) ، سلك الله بي وبه سبل المهتدين، بقوله:
فكرت في فضل الإما ... م المقّريّ الحبر حينا
فوجدته بكر الزما ... ن وواحد الدنيا يقينا
ما إن رأيت ولا سمع ... ت بمثله في العالمينا
وافى دمشقاً زائراً ... لو أنّه أضحى قطينا
وأتى عجيب الاتفا ... ق بفطر شهر الصائمينا
فكأنّه غرّته الهلا ... ل ونحن كنا ناذرينا
والعلم قال مؤرخاً ... أدّى بها فضلاً مبينا وخاطبني أيضاً منهم الفقيه النبيه سيدي مصطفى بن محب الدين (3) حفظه الله
__________
(1) ق ودوزي: تعيينا.
(2) هو إبراهيم بن محمد الدمشقي الصالحي بالأكرمي، كان شاعراً مشهوراً في عصره بخمرياته وغزلياته، وهو وآباؤه خدام باب الشيخ ابن العربي، توفي سنة 1047 ودفن بسفح قاسيون (خلاصة الأثر 1: 39) .
(3) هو مصطفى بن أحمد بن منصور بن إبراهيم بن محمد سلامة أبو الجود ابن محب الدين الدمشقي الأديب، سافر مرتين إلى مصر ودرس في الجامع الأزهر ثم تولى التدريس بجامع بني أمية بدمشق، توفي سنة 1061 (خلاصة الأثر 4: 365) .
(2/441)

تعالى بقوله:
فضائل قطب الغرب في العلم والفضل ... هو المقّريّ الأصل حائزة الخصل
حوى كلّ علمٍ كلّ عن بعضه السّوى ... فلا غرو أن أضحى فريداً بلا مثل
وحاز فنوناً من ضروب معارفٍ ... ومن فضل تحقيقٍ ومن منطقٍ فصل
توخّى دمشق الشام فافترّ ثغرها ... سروراً به وازّيّنت من حلى الفضل
وشرّف مصراً قبلها فاكتست به ... ملابس فخرٍ زانها كرم الأصل
لقد أشرقت من أفق غربٍ شموسه ... وناهيك أفقاً نوره قدره معلي
نافسته فيها تنافست الورى ... بما قد غدا من درّ ألفاظه يملي
مليٌّ من التحقيق إن عنّ مشكلٌ ... تكفّل بالتبيان والشرح والحلّ
إذا ما أدار الدرّ من كأس لفظه ... سقانا عقار الفضل علاًّ على نهل
نظامٌ له يحكي قلائد عسجدٍ ... وثغرٌ مليحٌ فائق الحسن والدلّ حكت حبراً حيكت نمارق من غزل
له القلم الأعلى بشرقٍ ومغربٍ ... له الموضع الأسمى على الكلّ في الكلّ
فيا سيّداً حاز المفاخر والعلا ... وفاقت حلى الآداب منه على الحليّ
إليك من العبد الحقير تحيّةً ... لقد نشات عن خالص الودّ من خل
موالٍ يوالي الحبّ والقرب منكم ... بظاهر غيبٍ لا يحيد عن الوصل
فلا زلت محبوّاً بسابغ نعمةٍ ... وفضل نعيمٍ وافرٍ وارف الظلّ
ودمت لدى الأسفار في نجح أوبةٍ ... وجمعٍ لشملٍ بالمواطن والأهل وخاطبني أيضاً الشيخ سيدي محمد بن سعد الكلشني بقوله:
شهر شعبان جاءنا ليهنّا ... بقدوم الأستاذ كنز الفضائل
(2/442)

بهجة الكون روض علمٍ وحلمٍ ... وهو مغني اللبيب إن جاء سائل
بمصابيح فضله قد أضاءت ... ساحة الجامع الكبير لآمل
وبمختار لفظه صار يحوي ... لحديثٍ مسلسلٍ عن أفاضل
ومن الغرب حين وافى لشرقٍ ... فاق بدر التّمام وسط المنازل
حلّ مني في القلب لمّا ... لاح سعد السعود لي غير آفل
وغدا بالأمان والسّعد أرّخ ... أحمد المقّريّ بالشام قائل وقال أيضاً شكراً لله تعالى نيته، وبلغه أمنيته:
أتاك دمشق الشام أكرم وارد ... فقريّ به عيناً وللحسن شاهدي
وهزّي دلالاً في أزاهر روضه ... معاطف لينٍ كالغصون الأمالد
لك البشر يا عيني ظفرت بأمجدٍ ... رفيع الذرى من فوق فرق الفراقد
لقد شاع بين الناس واسع فضله ... فكم قاصدٍ يسعى لنيل الفوائد
من العالم الفرد المفيد الذي له ... أيادٍ سمت بالجود تولى لقاصد
وذاك أبو العبّاس أحمد من صفت ... مناهله دوماً إلى كلّ وارد
تراه إذا وافيته متهلّلاً ... ويبسم حبّاً في وجوه الأماجد
إمامٌ سما قدراً على النجم رفعةً ... أرى وصفه في بيت نظم مشاهد
لديه ارتفاع المشتري وسعوده ... وسطوة بهرامٍ وظرف عطارد
شهدت بأن الله أولاه منحةً ... بنقل حديثٍ في جميع المساجد
ومذ حلّ في وادي دمشق ركابه ... وسؤدده وافى بأعدل شاهد
حوى كلّ إفضالٍ وكلّ فضيلةٍ ... بها يهتدى حقّاً لنيل المقاصد
وماذا عسى في مدحه أنا قائلٌ ... ولو جئت فيه مطنباً بالقصائد
إذا رمت أن تلقى نظيراً لمثله ... وفكرته قد قيّدت للشوارد
ومنطقه حاوي الشّفا بجواهر ... صحاحٍ بها يزدان عقد القلائد
(2/443)

من الغرب وافى نحو شرقٍ فأشرقت ... شموس علومٍ أسفرت عن محامد
فناديته يا سيّدي من بفضله ... تواترت الأخبار عن غي واحد
عسى عطفةٌ منكم عليّ بنظرةٍ ... فأنت لموصول الجدا خير عائد
وأنت على ريب الزمان مساعدي ... وأن يميني للحسود وساعدي
فلا زلت تولي كلّ من هو آملٌ ... لبغيته من صادرٍ ثمّ وارد
وتبقى مدى الأيام في المجد رافلاً ... بثوب الهنا تكفى شرور الحواسد
وهاك عروساً تجتلي في حليّها ... إليك أتت في زيّ عذراء ناهد
تهنّي بعيد الفطر من بعد صومكم ... بخيرٍ جزيلٍ من لذيذ الموائد
وترجو جميل الستر إن هي مثّلت ... بحضرتك العلياء يا خير ماجد
وعش في أمان الله بالعزّ دائماً ... مدى الدهر ما سحّ الحيا في الفدافد
وما دارت الأفلاك من نحو قطبها ... وما بزغت شمس الضحى للمشاهد وقال أيضاً زاده الله تعالى من فضله:
ظبيٌ بوسط الفؤاد قائل ... أعجز بالوصف كلّ قائل
ظبيٌ بأجفانه سباني ... وسحرها ينتمي لبابل
يرمي بسهم اللحاظ لمّا ... يرنو فيصمي الفؤاد عاجل
قد فتن العقل مذ تجنّى ... عليّ حتى غدوت ذاهل
له قوامٌ كخوط بانٍ ... أو كالقنا السّمهريّ عادل
بدرٌ بدا كامل المعاني ... في القلب والطف عاد نازل
قد أسر القلب في هواه ... بقيد حسنٍ وفرع سابل
وما بقي منه لي خلاصٌ ... سوى مديحي رضى الأفاضل
أعني به المقّريّ من قد ... سما على البدر في المنازل
أحمد مولى له أيادٍ ... كالغيث يغني لكلّ سائل
علاّمةٌ حاز كلّ فضلٍ ... سبقاً ومن بالعلوم عامل
(2/444)

من قد نشا في العلوم طرّاً ... وحاز علم البيان كامل
طويل باعٍ بسيط فضلٍ ... مديد جودٍ لكلّ آمل
ووافر العقل راح يهدي ... سريع فضلٍ لكلّ فاضل
وجامع العلم في ابتهاجٍ ... بمنطقٍ في الأصول حافل
وهكذا في الكلام مهما ... أفاده في الدروس شامل
يروي صحيح الحديث دأباً ... بالسّند الواصل الدلائل
وكم علومٍ أفاد من قد ... أتاه في مشكل المسائل
وحلّ إبهام كلّ شكلٍ ... من فنّ وفقٍ إلى الوسائل (1)
وغاص في لجّة المعاني ... واستخرج الدّرّ في المحافل
وفي فنون البديع أضحى ... جناسه قد حوى رسائل
وكم دليلٍ أقام لمّا ... برهانه أبهت المعازل
إن كان وافى لنا أخيراً ... فهو الذي فاخر الأوائل
بحرٌ محيطٌ يفيض منه ... على رياضٍ بكلّ ساحل
وافى من الغرب نحو شرقٍ ... يجوب من فوق متن بازل
في مهمهٍ صحصحٍ مهولٍ ... وحزنه كم به غوائل
وحثّ فيه المسير حتى ... خلّفه من وراء كاهل
وجاء باليمن في أمانٍ ... وصحّة الجسم والشمائل
وحلّ فيا لشام عند قومٍ ... من أكرم الناس في القبائل
ذاك ابن شاهين ذو المعالي ... ربّ الندى للألوف باذل
كأنّه الشمس جاء يهدي ... للبدر ونوراً وليس آفل
بل كان غيثاً لهم وكانوا ... روضاً أريضاً لشكر وابل
فبجّلوه وعظّموه ... وادخروا عاجلاً لآجل
__________
(1) يشير إلى عنوان مؤلف للمقري وهو: في الوفق المخمس الخالي الوسط.
(2/445)

جزاهم الله كلّ خيرٍ ... وصانهم من جدال جاهل
وأحمدٌ دام في أمانٍ ... المقّريّ الرضى المعامل
لربّه في دجى اللّيالي ... ويرشد الناس في الأصائل
لا زال في نعمةٍ وخيرٍ ... وفي أمانٍ يعود عاجل وخاطبني الأديب الفاضل، الشيخ أبو بكر العمري (1) شيخ الأدباء بدمشق، حفظه الله تعالى، بقوله:
تاهت تلمسان على مدن الدنى ... بعالمٍ في العالمين يحمد
المقّريّ أحمدٌ ربّ الحجى ... الكامل البحر الخضمّ المزبد
مالك هذا العصر شافعيّه ... أحمده نعمانه المسدّد
مذ حلّ مصر أذعنت أعلامها ... لفضله وبجّلوا ومجّدوا
وفي دمشق الشام دام سعدها ... كان له بها المقام الأسعد
العلماء أجمعوا جميعهم ... على معاليه التي لا تجحد
أقام شهراً أو يزيد وانثنى ... وفي الحشا منه المقيم المقعد
سالت على فراقه دموعنا ... وفي القلوب زفرةٌ لا تخمد
لو قيل من يحمد في تاريخه ... ما قلت إلا المقّريّ أحمد
لا برحت أوقته مفيدةً ... ما صاح فوق عوده مغرّد قلت: وذكري لكلام أعيان دمشق - حفظهم الله تعالى - ومديحهم لي، ليس - علم الله - لاعتقادي في نفسي فضلاً، بل أتيت به دلالة فضلهم الباهر، حيث عاملوا مثلي من القاصرين بهذه المعاملة، وكسوه حلل تلك المجاملة،
__________
(1) هو الأديب أبو بكر ابن منصور بن بركات بن حسن بن علي العمري الدمشقي، كان ينظم الموشح والدوبيت وأنواع الزجل وهو سابق في كل فن منها، وقد كان كثير الرحلة والتنقل، توفي آخر جمادى الآخرة سنة 1048 (خلاصة الأثر 1: 99) .
(2/446)

مع كوني لست في الحقيقة له بأهل، لما أنا عله من الخطإ والخطل والجهل.
ولقد خاطبت من مصر مفتي الشام صدر الأكابر، وارث المجد كابراً عن كابر، ساحب أذيال الكمال، صاحب الخلال المبلغة الآمال، مولانا شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحمن العمادي الحنفي، بكتاب لم يحضرني منه الآن غير بيتين في أوله، وهما:
يا حادي الأظعان نحو الشّام ... بلّغ تحياتي لتلك الخيام (1)
وابدأ بمفتيها العماديّ الرضى ... دام به شمل الهنا (2) في التئام فأجابني بما نصّه:
إلى أهالي مصر أهدي السّلام ... مبتدئاً بالمقّريّ الهمام
من ضاع نشر العلم من عرفه ... ولم يضع منه الوفا للذّمام أهدي تحف التحية، إلى حضرته العلية، وذاته ذات الفضائل السنية الأحمدية، التي من صحبها لم يزل موصولاً بطرائف الصّلات والعوائد، الأوحديّة الجامعة التي لها منها عليها شواهد (3) :
وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد فيا من جذب قلوب أهل عصره إلى مصره (4) ، وأعجز عن وصف فضله كلّ بليغ ولو وصل إلى النثرة (5) بنثره، أو إلى الشّعرى بشعره، ومن زرع حبّ حبّه في القلوب فاستوى على سوقه، وكاد كل قلب يذوب بعد بعده من
__________
(1) ق: التهام.
(2) دوزي: الهوى.
(3) البيت لأبي نواس.
(4) في نسخة: لمصره.
(5) النثرة: اسم لكوكبين.
(2/447)

حر شوقه، وظهرت شمس فضله منالجانب الغربي فبهرت بالشروق، وأصبح كل صب وهو إلى بهجتها مشوق، زار الشام ثم ما سلّم حتى ودّع، بعد أن فرع بروضها أفنان الفنون فأبدع، وأسهم لكلٍّ من أهلها نصيباً من وداده، فكان أوفرهم سهماً هذا المحب الذي رفع بصحبته سمك عماده، وعلق بمحبته شغاف فؤاده، فإنّه دنا من قلبه فتدلّى، وفاز من حبّه بالسهم المعلّى، أدام الله تعالى لك البقا، وأحسن لنا بك الملتقى، ومنّ علينا منك بنعمة قرب اللقا، آمين بمنّه ويمنه، هذا، وقد وصل من ذلك الخلّ الوفيّ، كتابٌ كريم هو اللطف الخفيّ، بل هو من عزيز مصر القميص اليوسفي، جاء به البشير ذو الفضل السني، الخل العز الأجل التاج المحاسني، مشتملاً على عقود الجواهر، بل النجوم الزواهر، بل الآيات البواهر، تكاد تقطر البلاغة من حواشيه (1) ، ويشهد بالوصول إلى طرفها الأعلى لموشّيه، فليت شعري بأي لسان، أثني على فصوله الحسان، العالية الشان، الغالية الأثمان، التي هي أنفس من قلائد العقيان، وأبدع من مقامات بديع الزمان، فطفقت أرتع من معانيها وفي أمتع رياض، وأقطع بأنّ في منشئها اعتياضاً لهذا العصر عن عياض (2) :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدحٍ فلا أرضى لها كلمي ولا سيما فصل التعزية والتسلية، المشتمل على عقد التخلية بل عقود التحلية، لتلميذكم الولد إبراهيم، فإنّه له كرقية السليم، بعد أن كاد يهيم، فجاء ولله درّه في أحسن المحالّ، ووقع الموقع حتى كأن الولد نشط ببركه من عقال:
وإذا الشيء أتى في وقته ... زاد في العين جمالاً لجمال
__________
(1) تكاد ... حواشيه: سقطت من ق.
(2) البيت لعمارة اليمني (النكت العصرية: 33) من قصيدة يمدح فيها الفائز الفاطمي ووزيره الملك الصالح طلائع بن رزيك ومطلعها:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أولت من النعم
(2/448)

فجزاكم الله تعالى عنّا أحسن الجزاء، ثمّ أحسن لكم جميل العزاء، فيمن ذكرتم من كريمتي الأصل والفرع، وأبقى منكم ماكثاً في الأرض من به للناس أعمّ النفع. وأمّا من كان وليي وسميي ومنجدي، الشهيد السعيد المرحوم الشيخ عبد الرحمن المرشدي، فإنّها أصابت منّا منكم والأخوين، فقد عمّت الحرمين، بل طمت الثّقلين، ولقد عدّ مصابه في الإسلام ثلمة، وفقد به في حرم الله تعالى من كان يدعى للملمّة، ولم يبق بعده إلاّ من يدعى إذا يحاس الحيس (1) ، واستحق أن ينشد في حقّه وإن لم يقس به قيس (2) :
وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما فالله تعالى يرفع درجاته في علّيّين، ويبقى وجودكم للإسلام والسلمين، وتلامذتكم الأولاد، يرجون من بركات أدعيتكم أعظم الأمداد، ويهدون أكمل التحيّة، إلى حضرتكم العليّة، ونبلغكم دعاء صاحب السعادة، أدام الله تعالى إسعادكم وإسعاده، ونحن من صحبته الشهية، في رياض فنون أدبية، أبهاها لمعات محاضرة في ذكر شمائلكم الجميلة، تنور المجالس، وأشهاها نسمات محاورة بنشر فضائلكم الجليلة، تعطر المجالس، وسلام جملة الأصحاب من أهل الشام، وعامة الخواص والعام، والدعاء على الدوام - المخلص الداعي عبد الرحمن العمادي، مفتي الحنفية، بدمشق المحمية.
ووردت عليّ مع المكتوب مكاتبات لجماعة من أعيان الشام حفظهم الله تعالى؛ فمنها من الصديق الحميم، الرافل في حلل المجد الصميم، الخطيب، الأديب، سيدي الشيخ المحاسني يحيى، أسمى الله تع