Advertisement

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس 003

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب السادس
في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق، المهتدين في قصدهم
إليها بنور الهداية المضيء المشرق، والأكابر الذين حلوا بحلولهم فيها الجيد
منها والمفرق، والمفتخرين برؤية قطرها المونق، على المشئم والمعرق
اعلم أن الداخلين للأندلس من المشرق قوم كثيرون لا تحصر الأعيان منهم، فضلاً عن غيرهم، ومنهم من اتخذها وطناً، وصيرها سكناً، إلى أن وافته منيته ومنهم من عاد إلى المشرق بعد أن قضيت بالأندلس أمنيته.
1 - فمن الداخلين إلى الأندلس المنيذر الذي يقال إنه صحابي رأى رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم.
قال ابن الأبار في التكملة (2) : المنيذر الإفريقي، له صحبة، وسكن (3) إفريقية، ودخل الأندلس فيما ذكره عبد الملك بن حبيب، قاله أبو محمد الرشاطي، ولم يذكره أحد غيره، روى عنه أبو عبد الرحمن الحبلي (4) ، انتهى.
__________
(1) ق: رأى النبي.
(2) التكملة: 731؛ وانظر أيضا الإصابة 6: 144.
(3) التكملة: وكان يسكن.
(4) اسمه عبد الله بن يزيد المعافري وكان رجلا صالحا فاضلا بعثه عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم، وتوفي بالقيروان سنة 100هـ (رياض النفوس 1: 64 - 66) وستجيء ترجمته في النفح (رقم: 5) .
(3/5)

وأنكر غير واحد دخول أحد من الصحابة الأندلس.
وذكر بعض الحفاظ المنيذر المذكور، وقال: إنه المنيذر اليماني، وذكر الحجاري أنه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير غازياً، وقال ابن بشكوال: يقال فيه المنيذر لكونه من أحداث الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد حكى ذلك الرازي، وذكره ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب في الصحابة " (1) وسماه بالمنيذر الإفريقي، وقال ابن بشكوال: إن ابن عبد البر روى عنه حديثاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره أبو علي ابن السكن في كتاب الصحابة وقال: روي عنه حديث واحد، وأرجو أن يكون صحيحاً، وذكره ابن قانع في معجم الصحابة له.
وذكره البخاري في تاريخه الكبير إذ قال: أبو المنيذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد حدث بإفريقية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " من قال رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فأنا الزعيم لآخذن بيده فأدخله الجنة " كذا ذكره البخاري بالكنية، وهذا الحديث هو الذي رووه عنه لا يعرف له غيره، وذكره أبو جعفر أحمد ابن رشدين في كتاب " مسند الصحابة " له، فقال، المنيذر اليماني إما من مذحج أو غيرها، وذكر الحديث سواء، وقد أشرنا فيما سبق إلى المنيذر هذا (2) .
2 - ومن التابعين الداخلين الأندلس أميرها موسى بن نصير، وقد سبق من الكلام عليه مافيه كفاية (3) .
__________
(1) انظر الاستيعاب: 1485، والحديث الذي رواه ابن عبد البر هو الحديث الذي سيورده المؤلف نقلا عن البخاري؛ وقد أورده أيضا فيما سبق ج: 1، ص: 179.
(2) انظر ص: 279 من المجلد الأول.
(3) راجع ما سبق ج 1: 269 - 287.
(3/6)

3 - ومن التابعين الداخلين الأندلس حنش الصنعاني (1) . وفي كتاب ابن بشكوال قال ابن وضاح: حنش لقب له، واسمه حسين بن عبد الله، وكنيته أبو علي، ويقال: أبو رشدين، قال ابن بشكوال: وهو من صنعاء الشام.
وذكره أبو سعيد ابن يونس في تاريخ أهل مصر وإفريقية والأندلس، فقال: إنه كان مع علي
بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وغزا المغرب مع رفيقه رويفع بن ثابت، وغزا الأندلس مع موسى بن نصير، وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد الملك بن مروان، فأتى به عبد الملك في وثاق فعفا عنه، وكان أول من ولي عشور إفريقية في الإسلام، وتوفي بإفريقية سنة مائة.
وذكر ابن يونس عن حنش أنه كان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من الليل أوقد المصباح، وقرب المصحف وإناء فيه ماء فإذا وجد النعاس استنشق الماء، وإذا تعايا في آية نظر في المصحف، وإذا جاء سائل يستطعم لم يزل يصيح بأهله: أطعموا السائل، حتى يطعم.
قال ابن حبيب: دخل الأندلس من التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني، وهو الذي أشرف على قرطبة من الفج المسمى بفج المائدة، وأذن، وذلك في غير وقت الأذان، فقال له أحد أصحابه في ذلك، فقال إن هذه الدعوة لا تنقطع من هذه البقعة إلى أن تقوم الساعة، هكذا ذكره غير واحد، وقد كشف الغيب خلاف ذلك، فلعل الرواية موضوعة أو مؤولة، والله تعالى أعلم.
وذكره ابن عساكر في تاريخه، وطول ترجمته، وقال: إن صنعاء المنسوب إليها قرية من قرى الشام، وليست صنعاء اليمن، وقد قيل: إنه لم يرو عن حنش الشاميون، وإنما روى عنه المصريون، وحدث حنش عن عبد الله بن عباس أنه قال له: إن استطعت أن تلقى الله تعالى وسيفك حليته حديد فافعل.
__________
(1) انظر ترجمته في رياض النفوس 1: 78 ومعالم الإيمان 1: 144 وتهذيب ابن عساكر 5: 7 وابن الفرضي 1: 148 والجذوة: 189.
(3/7)

وكان عبد الملك بن مروان حين غزا المغرب مع معاوية بن حديج نزل عليه بإفريقية سنة خمسين، فحفظ له ذلك، فعفا عنه حين أتي به في وثاق حين ثار مع ابن الزبير. وسئل أبو زرعة عن حنش فقال: ثقة ولم يذكر ابن عساكر أن حنشاً لقب له، وأن اسمه حسين، بل اقتصر على اسمه حنش، ولعله الصواب، لاما قاله ابن وضاح، والله تعالى أعلم (1) .
وفي تاريخ ابن الفرضي أبي الوليد أن حنشاً كان بسرقسطة، وأنه الذي أسس جامعها، وبها مات، وقبره بها معروف عند باب اليهود بغربي المدينة، وفي تاريخ ابن بشكوال أنه أخذ أيضاً قبلة جامع إلبيرة، وعدل وزن قبلة قرطبة الذي هو فخر الأندلس.
4 - ومن الداخلين من التابعين للأندلس أبو عبد الله علي بن رباح اللخمي (2) . ذكر ابن يونس في تاريخ مصر أنه ولد سنة خمس عشرة عام اليرموك، وكان أعور ذهبت عينه يوم ذات السواري في البحر مع عبد الله بن سعد سنة أربع وثلاثين، وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وهو الذي زفّ أم البنين بنت عبد العزيز إلى الوليد بن عبد الملك، ثم عنت عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية، فلم يزل بإفريقية إلى أن توفي بها، ويقال: كانت وفاته سنة أربع عشرة ومائة. قال ابن بشكوال: أهل مصر يقولون: علي بن رباح، بفتح العين، وأما أهل العراق فعلي، بضم العين، وقد سبق هذا الكلام عن ابن معين في الباب الثاني. وقال: وقال ابنه موسى بن علي: من قال لي موسى بن علي بالتصغير لم أجعله في حل.
__________
(1) ميز ابن عساكر بين اثنين لقب كل منهما حنش؛ والثاني منهما اسمه حسين وهو رحبي صنعاني همداني - من صنعاء الشام أيضا، ولكنه سكن واسطا (5: 9) .
(2) ترجمة علي بن رباح في ابن الفرضي 1: 354 ورياض النفوس 1: 77.
(3/8)

5 - ومن التابعين الداخلين أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي (1) . قال ابن بشكوال: إنه يروي عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهم وغيرهم، وروى عنه جماعة. وذكر البخاري في تاريخه الكبير أنه يعد في المصريين، وذكر ابن يونس في تاريخ المغرب أنه توفي بإفريقية سنة مائة، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً، رحمه الله تعالى، ويذكر أهل قرطبة أنه توفي بقرطبة، وأنه دفن بقبليها، وقبره مشهور يتبرك به، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر في ذلك.
6 - ومن الداخلين من التابعين حبان بن أبي جبلة (2) . ذكر ابن بشكوال أنه مولى قريش، ويكنى أبا النضر، وذكره أبو العرب محمد بن تميم في تاريخ إفريقية، وقال: حدثني فرات بن محمد أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم حبان بن أبي جبلة، روى عن عمرو ابن العاص وعبد الله بن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. ويقال: توفي بإفريقية سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل: سنة خمس وعشرين ومائة، وذكر ابن الفرضي أنه غزى مع موسى بن نصير حين افتتح الأندلس حتى انتهى إلى حصن من حصونها يقال له قرقشونة فتوفي به. قال (3) : وقال لنا أبو محمد الثغري: بين قرقشونة وبرشلونة مسافة خمسة وعشرين ميلاً، وفيها الكنيسة المعظمة عندهم المسماة شنت مرية، ذكر أن فيها سبع سوار من فضة خالصة لم ير الراؤون مثلها لا يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها مع طول مفرط، هكذا نقله ابن سعيد عمن ذكر، والله تعالى أعلم.
__________
(1) انظر ترجمة أبي عبد الرحمن الحبلي في ابن الفرضي 1: 250، وابن سعد 7: 511.
(2) ترجمة حبان في ابن الفرضي 1: 146 ورياض النفوس 1: 73 ومعالم الإيمان 1: 158 وتهذيب التهذيب 1: 162.
(3) لم يرد هذا النص في كتاب ابن الفرضي.
(3/9)

7 - ومن الداخلين من التابعين فيما ذكر: المغيرة ابن أبي بردة نشيط ابن كنانة العذري (1) . روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ويروي عنه مالك في موطئه، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وفي كتاب الحافظ ابن بشكوال أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير فكان موسى بن نصير يخرجه على العساكر.
8 - ومن التابعين حيوة بن رجاء التميمي (2) ، ذكر ابن حبيب أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير وأصحابه، وأنه من جملة التابعين، رضي الله تعالى عنهم، قاله ابن بشكوال في مجموعة المترجم ب " التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين ". قال ابن الأبار: وقد سمعته (3) من أبي الخطاب ابن واجب، وسمعه هو منه، انتهى.
وقال ابن الأبار في موضع آخر ما صورته: رجاء بن حيوة مذكور في الذين دخلوا الأندلس من التابعين، وفي ذلك عندي نظر، وما أراه يصح، والله تعالى أعلم، انتهى.
فانظر هذا فانه سماه رجاء بن حيوة، وذلك السابق حيوة بن رجاء، فالله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر في ذلك.
9 - ومنهم عياض بن عقبة الفهري، من خيار التابعين، ذكره ابن حبيب في الأربعة الذين حضروا غنائم الأندلس، ولم يغلوا.
10 - ومنهم عبد الله بن شماسة الفهري، ذكر ابن بشكوال أنه مصري، وأن البخاري ذكره في تاريخه.
__________
(1) ترجمة المغيرة في رياض النفوس 1: 80.
(2) حيوة بن رجاء في التكملة: 282 ورجاء بن حيوة في التكملة: 322.
(3) يعني كتاب ابن بشكوال المذكور.
(3/10)

11 - ومنهم عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، جده عبد الرحمن أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم، وهو ممن ذكره ابن بشكوال في الأربعة من التابعين الذين لم يغلوا.
12 - ومنهم منصور بن حزامة، فيما يذكر، قال ابن بشكوال: قرأت في كتاب روايات الشيخ أبي عبد الله ابن عابد الراوية رحمه الله تعالى قال: وممن دخل الأندلس من المعمرين ما وجدت بخط المستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر رضي الله تعالى عنه في بعض كتبه المختزنة أنه قال: طرأ علينا رجل أسود من ناحية السودان في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فذكر أنه منصور بن حزامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يزعم أنه أدرك أيام عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وأنه كان مراهقاً، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، وأنه شهد صفين، وأن حزامة أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج عن الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى المغرب، انتهى.
قلت: هذا كله لا أصل له، ويرحم الله تعالى حافظ الإسلام ابن حجر حيث كتب على هذا الكلام ما صورته: هذا هذيان لا أصل له، ولا يغتر به، وكذلك ترجمة أشج الغرب اتفق الحفاظ على كذبه، انتهى.
قلت: وما هو إلا من نمط عكراش، والله تعالى يحفظنا من سماع الأباطيل بمنه. ومن هذه الأكاذيب ما يذكرون عن أبي الحسن علي بن عثمان بن خطاب، وأنه يعرف بأبي الدنيا، وأنه كان معمراً مشهوراً بصحبة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وأنه رأى جماعة من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ووصفهم بصفاتهم، وأنه رأى عائشة رضي الله عنها فيما زعم، وقدم قرطبة على المستنصر الحكم بن الناصر وهو ولي عهد، وسأله أبو بكر بن القوطية عن مغازي علي وكتبها عنه، وقد ذكره ابن بشكوال وغيره في كتبهم وتواريخهم، فقد ذكر الثقات العارفون بالفن أنه كذاب دجال مائن
(3/11)

جاهل، فإياك والاغترار بمثل ذلك مما يوجد في كتب كثير من المؤرخين بالمشرق والأندلس، ولا يلتفت إلى قول تميم بن محمد التميمي: إنه كان إذا لقيه ابن ثلاثمائة سنة وخمس سنين، قال تميم واتصلت بنا وفاته ببلده في نحو سنة عشرين وثلاثمائة، وبالجملة فلا أصل له، وإنما ذكرناه للتنبيه عليه.
وقد عرفت بما ذكرناه التابعين الداخلين الأندلس، على أن التحقيق أنهم لم يبلغوا ذلك العدد، وإنما هم نحو خمسة أو أربعة كما ألمعنا به في غير هذا الموضع (1) ، والله تعالى أعلم.
13 - ومن الداخلين إلى الأندلس مغيث فاتح قرطبة، وقد تقدم بعض الكلام عليه، وذكر ابن حيان والحجاري أنه رومي، زاد الحجاري: وليس برومي على الحقيقة، وتصحيح نسبه أنه مغيث بن الحارث بن الحويرث ابن جبلة بن الأيهم الغساني، سبي من الروم بالمشرق وهو صغير، فأدبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، وأنجب في الولادة، وصار منه بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دوحتهم، وكان منهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس وغيره.
ونشأ مغيث بدمشق، ودخل الأندلس مع طارق فاتحها، وجاز على ما في طريقها من البلاد إلى الشام، وقدمه طارق لفتح قرطبة ففتحها ووقع بينه وبين طارق ثم وقع بينه وبين موسى بن نصير سيد طارق، فرحل معهما إلى دمشق ثم عاد إلى ظافراً عليهما الأندلس، وأنسل بقرطبة البيت المذكور، وفي " المسهب " أنه فتح قرطبة في شوال سنة اثنين وتسعين، ثم فتح الكنيسة التي تحصن بها ملك قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم سنة ثلاث وتسعين، ولم يذكر له مولداً ولا وفاة.
وذكر الحجاري أنه تأدب بدمشق مع بني عبد الملك فأفصح بالعربية، وصار يقول من الشعر والنثر مايجوز كتبه، وتدرب على الركوب، وأخذ نفسه بالإقدام
__________
(1) انظر ما تقدم ج: 1، ص: 287.
(3/12)

في مضايق الحروب، حتى تخرج في ذلك تخرجاً أهله في التقدم على الجيش الذي فتح قرطبة، وكان مشهوراً بحسن الرأي والكيد، وقد قدمنا كيفية فتحه قرطبة وأسره ملكها الذي لم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد على نفسه أماناً، ومنهم من فر إلى جليقية.
وذكر الحجاري أنه لما حصل بيده ملك قرطبة وحريمه رأى فيهن جارية كأنها بينهن بدر بين نجوم، وهي تكثر التعرض له بجمالها، فوكل بها من عرض عليها العذاب إن لم تقر بما عزمت عليه في شأن مغيث، وأنه قد فطن من كثرة تعرضها له بحسنها لما أضمرته من المكر في شأنه، فأقرت أنها أكثرت التعرض لتقع بقلبه، إذ حسنها فتان، وقد أعدت له خرقةً مسمومةً لتمسح بها ذكره عند وقاعها، فحمد الله تعالى على ما ألهمه إليه من مكرها، وقال: لو كانت نفس هذه الجارية في صدر أبيها ما أخذت قرطبة من ليلة.
وذكر أن سليمان بن عبد الملك لما أصغى إلى طارق في شأن سيده موسى بن نصير فعذبه واستصفى أمواله أراد أن يصرف سلطان الأندلس إلى طارق، وكان مغيث قد تغير عليه، فاستشار سليمان مغيثاً في تولية طارق، وقال له: كيف أمره بالأندلس فقال: لو أمر أهلها بالصلاة إلى أي قبلة شاءها لتبعوه ولم يروا أنهم كفروا، فعملت هذه المكيدة في نفس سليمان، وبدا له في ولايته، فلقيه بعد ذلك طارق، فقال له: ليتك وصفت أهل الأندلس بعصياني، ولم تضمر في الطاعة ما أضمرت، فقال مغيث: ليتك تركت لي العلج فتركت لك الأندلس، وكان طارق قد أراد أن يأخذ منه ملك قرطبة الذي حصل في يده، فلم يمكنه منه، فأغرى به سيده موسى بن نصير، وقال له: يرجع إلى دمشق وفي يده عظيم من عظماء الأندلس، وليس في أيدينا مثله، فأي فضل يكون لنا عليه فطلبه منه، فامتنع من تسليمه، قال ابن حيان: فهجم موسى على العلج وانتزعه من مغيث، فقيل له: إن سرت به معك حياً ادعاه مغيث والعلج لا ينكر، ولكن اضرب عنقه، ففعل، فاضطغنها عليه مغيث، وبالغ
(3/13)

في أذيته عند سليمان.
وذكر الحجاري في " المسهب " أن لمغيث من الشعر ما يجوز كتبه، فمن ذلك شعر خاطب به موسى بن نصير ومولاه طارقاً ويكفي منه هنا قوله:
أعنتكم ولكن ما وفيتم فسوف أعيث في غربٍ وشرق
وعنوان طبقته في النثر أن موسى بن نصير قال له وقد عارضه بكلام في محفل من الناس: كفّ لسانك، فقال: لساني كالمفصل، ما أكفه إلا حيث يقتل (1) . وأضافه ابن حيان والحجاري إلى ولاء الوليد بن عبد الملك، وهو الذي وجهه إلى الأندلس غازياً ففتح قرطبة، ثم عاد إلى المشرق، فأعاده الوليد رسولاً عنه إلى موسى بن نصير يستحثه على القدوم عليه، فوفد معه، فوجدوا الوليد قد مات، فخدم بعده سليمان بن عبد الملك.
14 - 15 - ومن الداخلين أيوب (2) بن حبيب اللخمي. وذكر ابن حيان أنه ابن أخت موسى بن نصير، وأن أهل إشبيلية قدموه على سلطان الأندلس بعد قتل عبد العزيز بن موسى، واتفقوا في أيامه على تحويل السلطان من إشبيلية إلى قرطبة، فدخل إليها بهم، وكان قيامه بأمرهم ستة أشهر، وقيل: إن الذي نقل السلطنة من إشبيلية إلى قرطبة الحر بن عبد الرحمن الثقفي.
قال الرازي: قدم الحر والياً على الأندلس في ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومعه أربعمائة رجل من وجوه إفريقية، فمنهم أول طوالع الأندلس المعدودين، وقال ابن بشكوال: كانت مدة الحر سنتين وثمانية أشهر، وكانت ولايته بعد قيام أيوب بن حبيب اللخمي.
16 - 26 - ومن الداخلين السمح بن مالك الخولاني، ولي الأندلس
__________
(1) ق ودوزي: سأكفه إلا حيث يقبل.
(2) ق: أبو أيوب؛ وانظر أخبار مجموعة: 21.
(3/14)

بعد الحر بن عبد الرحمن السابق، قال ابن حيان: ولاه عمر بن عبد العزيز، وأوصاه أن يخمس من أرض الأندلس ما كان عنوة، ويكتب إليه بصفتها وأنهارها وبحارها، قال: وكان من رأيه أن ينقل المسلمين عنها لانقطاعهم وبعدهم عن أهل كلمتهم، قال: وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار إلى أن يستنقذهم الله تعالى برحمته (1) .
وذكر ابن حيان أن قدوم السمح كان في رمضان سنة مائة، وأنه الذي بنى قنطرة قرطبة بعدما استأذن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، وكانت دار سلطانه قرطبة.
قال ابن بشكوال: استشهد بأرض الفرنجة يوم التروية سنة اثنتين ومائة.
قال ابن حيان: كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، وذكر أن قتل في الوقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط (2) ، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين، فلم ينج من المسلمين أحد، قال ابن حيان: فيقال: إن الأذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن.
وقدم أهل الأندلس على أنفسهم بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. وذكر ابن بشكوال أنه من التابعين الذين دخلوا الأندلس، وأنه يروي عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: وكانت ولايته للأندلس في حدود العشر ومائة من قبل عبيدة بن عبد الرحمن القيسي صاحب إفريقية، واستشهد في قتال العدو بالأندلس سنة خمس عشرة، انتهى.
وفيه مخالفة لما سبق أنه ولي بعد السمح، وأن السمح قتل سنة102، وهذا يقول تولى سنة 110، فأين ذا من ذاك والله تعالى أعلم.
__________
(1) أورد هذا صاحب أخبار مجموعة: 23 وابن القوطية: 39 وابن عذاري 2: 26.
(2) المرجح أن السمح بن مالك واصل تقدمه وراء جبال البرتات حتى شارف طولوشة (Tolosa) وهناك دارت معركة بينه وبين دوقها أسفرت عن مقتله؛ وهذا يتعارض مع قول صاحب أخبار مجموعة " فعزل بشر السمح بن مالك وولي عنبسة بن سحيم ... " (ص 24) .
(3/15)

ووصفه الحميدي بحسن السيرة والعدل في قسمة الغنائم (1) ، وذكر الحجاري أنه ولي الأندلس مرتين، وربما يجاب بهذا عن الإشكال الذي قدمناه قريباً (2) ، ويضعفه أن ابن حيان قال: دخل الأندلس حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة، وغزا الإفرنج فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد، وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة 114، في موضع يعرف ببلاط الشهداء.
قال ابن بشكوال: وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط، وقد تقدم مثل هذا في غزوة السمح، فكانت ولايته سنة وثمانية أشهر، وفي رواية سنتين وثمانية أشهر، وقيل غير ذلك، وكان سرير سلطانه حضرة قرطبة.
وولي الأندلس بعده عنبسة بن سحيم الكلبي (3) ، وذكر ابن حيان أنه قدم على الأندلس والياًمن قبل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج حين كان صاحب إفريقية، وكان قدومه الأندلس في صفر سنة103، فتأخر بقدومه عبد الرحمن المتقدم الذكر، قال ابن بشكوال: فاستقامت به الأندلس، وضبط أمرها، وغزا بنفسه إلى أرض الإفرنجة وتوفي في شعبان سنة 107 (4) ، فكانت ولايته أربعة أعوام وأربعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر.
__________
(1) انظر الجذوة: 255 - 256.
(2) هذا حقا يزيل الإشكال الذي أشار إليه؛ ذلك أن عبد الرحمن الغافقي أنقذ بقية الجند بعد مقتل السمح فولاه الجند أمر الأندلس سنة 102 حتى يقدم وال جديد، فلما وصل عتبة بن سحيم الكلبي أخذ الولاية من يده، ثم عاد عبد الرحمن إلى ولاية الأندلس في حدود 112هـ. وهذا لا يتعارض مع قول ابن حيان وإنما يتعارض مع قول ابن بشكوال إنه تولى في حدود سنة 110هـ. وقد سها ابن بشكوال عن أن بين عنبسة وعبد الرحمن واليا هو عذرة بن عبد الله الفهري.
(3) يريد بعد ولاية عبد الرحمن الأولى.
(4) انظر فجر الأندلس حيث وصف المؤلف استمرار عنبسة في الغزو حتى سنة 112 (ص 247) ثم ذكر (ص 254) أن عنبسة أصيب بجراح بالغة توفي على أثرها سنة 107هـ؛ ولعل هذا بسبب اضطراب المصادر القديمة نفسها في ترتيب ولاة الأندلس.
(3/16)

وذكر ابن حيان أنه في أيامه قام بجليقية علجٌ خبيثٌ يدعى بلاي (1) ، فعاب على العلوج طول الفرار، وأذكى قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثار، ودافع عن أرضه، ومن وقته أخذ نصارى الأندلس في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم من أرضهم والحماية عن حريمهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، وقيل: إنه لم يبق بأرض جليقية قرية فما فوقها لم تفتح إلا الصخرة التي لاذ بها هذا العلج ومات أصحابه جوعاً إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلاً ونحو عشر نسوة، وما لهم عيش إلا من عسل النحل في جباح (2) معهم في خروق الصخرة، وما زالوا
ممتنعين بوعرها إلى أن أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به.
وملك بعده أذفونش جد عظماء الملوك المشهورين بهذه السمة.
قال ابن سعيد: فآل احتقار تلك الصخرة ومن احتوت عليه إلى أن ملك عقب من كان فيها المدن العظيمة، حتى إن حضرة قرطبة في يدهم الآن، جبرها الله تعالى، وهي كانت سرير السلطنة لعنبسة.
قال ابن حيان والحجاري: إنه لما استشهد عنبسة قدم أهل الأندلس عليهم عذرة (3) بن عبد الله الفهري، ولم يعده ابن بشكوال في سلاطين الأندلس، بل قال: ثم تتابعت ولاة الأندلس مرسلين من قبل صاحب إفريقية: أولهم يحيى بن سلمة، وذكر الحجاري أن عذرة كان من صلحائهم وفرسانهم، وصار لعقبه نباهة،
__________
(1) سيعود المقري إلى ذكر " بلاي " في أول الباب الثامن من القسم الأول؛ وانظر كذلك أخبار مجموعة: 61 وابن عذاري 2: 29؛ وقد أسهب الدكتور مؤنس (فجر الأندلس 313 - 343) في توضيح أمر بلاي هذا (Pelayo وباللاتينية: Pelagius) بدراسة الروايات العربية والإسبانية.
(2) كذلك وردت هذه اللفظة في أخبار مجموعة: 28 والمقصود بها " الخلايا "؛ انظر ملحق المعاجم لدوزي: " جبح ".
(3) ق ودوزي: عزرة.
(3/17)

وولده هشام بن عذرة هو الذي استولى على طليطلة قصبة الأندلس، وفي عقبه بوادي آش من مملكة غرناطة نباهة وأدب، قال ابن سعيد: وهم إلى الآن ذوو بيت مؤصل، ومجد مؤثل، وكان سرير سلطنة عذرة قرطبة.
وولي بعده يحيى بن سلمة الكلبي، قال ابن بشكوال: أنفذه إلى الأندلس بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية إذ استدعى منه أهلها والياً بعد مقتل أميرهم عنبسة، فقدمها في شوال سنة سبع ومائة، وأقام عليها سنة وستة أشهر لم يغز فيها بنفسه غزوةً - ونحوه لابن حيان - وكان سريره قرطبة.
وتولى بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعمي، وذكر ابن بشكوال: أنه قدم عليها والياً من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية في شعبان سنة عشر ومائة، ثم عزل سريعاً بعد خمسة أشهر، وكان سرير سلطانه بقرطبة.
وولي بعده حذيفة بن الأحوص القيسي، قال ابن بشكوال: وأتى إليها والياً من قبل عبيدة المذكور، على اختلاف فيه وفي ابن أبي نسعة أيهما تولى قبل صاحبه، وكان قدوم حذيفة في ربيع الأول سنة عشر ومائة، وعزل عنها سريعاً أيضاً، وقيل: إن ولايته استتمت سنة، وكان بقرطبة.
وولي بعده الأندلس الهيثم بن عدي الكلابي، قال ابن بشكوال: ولاه عبيدة المذكور فوافى الأندلس في المحرم سنة إحدى عشرة ومائة، وقيل: إنه ولي سنتين وأياماً، وقد قيل: أربعة أشهر، وكان بقرطبة.
وولي بعده محمد بن عبد الله الأشجعي، قال ابن بشكوال: قدمه الناس عليهم، وكان فاضلاً فصلى بهم شهرين. قال: ثم قدم عليهم والياً عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي الذي تقدمت ترجمته، وذكرت ولايته الأولى للأندلس، وليها من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية إلى أن استشهد كما تقدم.
وولي الأندلس بعده عبد الملك بن قطن الفهري، وذكر الحجاري أن من نسله بني القاسم أصحاب البونت وبني الجد أعيان إشبيلية، قال ابن بشكوال: قدم الأندلس في شهر رمضان سنة أربعة عشرة ومائة فكانت مدة ولايته عامين
(3/18)

وقيل أربع سنين، ثم عزل عنها ذميماً في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائة، قال: وكان ظلوماً في سيرته، جائراً في حكومته، وغزا أرض البشكنس فأوقع بهم. وذكر ابن بشكوال أنه لما عزل وولي عقبة بن الحجاج وثب ابن قطن عليه فخلعه، لا أدري أقتله أم أخرجه، وملك الأندلس بقية إحدى وعشرين ومائة إلى أن رحل بلج بن بشر بأهل الشام إلى الأندلس، فغلبه عليها، وقتل عبد الملك بن قطن، وصلب في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد ولاية بلج بعشرة أشهر، وصلب بصحراء ربض قرطبة بعدوة النهر حيال رأس القنطرة، وصلبوا عن يمينه خنزيراً وعن يساره كلباً، وأقام شلوه على جذعه إلى أن سرقه مواليه في الليل وغيبوه، فكان المكان بعد ذلك يعرف بمصلب ابن قطن. فلما ولي ابن عمه يوسف بن عبد الرحمن الفهري استأذنه ابنه أمية بن عبد الملك، وبنى فيه مسجداً نسب إليه، فقيل: مسجد أمية، وانقطع عنه اسم المصلب، وكان سن عبد الملك عند مقتله نحو التسعين. وذكر ابن بشكوال أن عقبة بن الحجاج السلولي ولاه عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية الأندلس ودخلها سنة سبع وعشرة ومائة، وقيل: في السنة التي قبلها، فأقام بها سنين محمود السيرة، مثابراً على الجهاد، مفتتحاً البلاد، حتى بلغ سكنى المسلمين أربونة وصار رباطهم على نهر رودنة (1) ، فأقام عقبة بالأندلس سنة إحدى وعشرين ومائة، وكان قد اتخذ بأقصى ثغر الأندلس الأعلى مدينة يقال لها أربونة كان ينزلها للجهاد، وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام ويبين له عيوب دينه، فأسلم على يده ألفا رجل، وكانت ولايته خمس سنين وشهرين، قال الرازي: فثار أهل الأندلس بعقبة، فخلعوه في صفر سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام ابن عبد الملك، وولوا على أنفسهم عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية،
__________
(1) ق: رودنة - حيثما وقع - وقد صوبناه فيما سبق؛ والإدريسي رودنو (يعني نهر الرون) ؛ وفي بعض المصادر " رادنه ".
(3/19)

فكانت ولاية عقبة الأندلس ستة أعوام وأربعة أشهر، وتوفي في صفر سنة 123، وسريره قرطبة.
27 - 31 - ومن الداخلين إلى الأندلس بلج بن بشر بن عياض القشيري. قال ابن حيان: لما انتهى إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ماكان من أمر خوارج البربر بالمغرب الأقصى والأندلس وخلعهم لطاعته وعيثهم في الأرض شق عليه فعزل عبيد الله بن الحبحاب عن إفريقية، وولى عليها كلثوم ابن عياض القشيري، ووجه معه جيشاً كثيفاً لقتالهم، كان فيه مع ما انضاف إليه من جيوش البلاد التي صار عليها سبعون ألفاً ومع ذلك فإنه لما تلاقى مع ميسرة البربري المدعي للخلافة هزمه ميسرة وجرح كلثوم ولاذ بسبتة، وكان بلج ابن أخيه معه، فقامت قيامه هشام لما سمع بما جرى عليه، فوجه لهم حنظلة بن صفوان فأوقع بالبربر ففتح الله تعالى على يديه. ولما اشتد حصار بلج وعمه كلثوم ومن معهما من فلّ أهل الشام بسبتة وانقطعت عنهم الأقوات وبلغوا من الجهد الغاية استغاثوا بإخوانهم من عرب الأندلس، فتثاقل عنهم صاحب الأندلس عبد الملك بن قطن لخوفه على سلطانه منهم، فلما شاع خبر ضرهم عند رجال العرب أشفقوا عليهم، فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين مشحونين ميرةً أمسكا من أرماقهم، فلما بلغ ذلك عبد الملك ابن قطن ضربه سبعمائة سوط، ثم اتهمه بعد ذلك بتضريب الجند عليه، فسمل عينيه، ثم ضرب عنقه، وصلبه وصلب عن يساره كلباً، واتفق في هذا الوقت أن برابر الأندلس لما بلغهم ما كان من ظهور برابر العدوة على العرب انتفضوا على عرب الأندلس، واقتدوا بما فعله إخوانهم، ونصبوا عليهم إماماً، فكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن، واستفحل أمرهم، فخاف ابن قطن أن يلقى منهم ما لقي العرب ببر العدوة من إخوانهم، وبلغه أنهم قد عزموا على قصده، فلم ير أجدى من الاستعداد بصعاليك عرب الشام أصحاب بلج الموتورين، فكتب
(3/20)

لبلج وقد مات عمه كلثوم في ذلك الوقت، فأسرعوا إلى إجابته، وكانت أمنيتهم، فأحسن إليهم، وأسبغ النعم عليهم، وشرط عليهم أن يأخذ منهم رهائن، فإذا فرغوا له من البربر جهزهم (1) إلى إفريقية، وخرجوا له عن أندلسه، فرضوا بذلك، وعاهدوه عليه، فقدم عليهم وعلى جنده ابنيه قطناً وامية، والبربر في جموع لايحصيها غير رازقها، فاقتتلوا قتالاً صعب فيه المقام، إلى أن كانت الدائرة على البربر، فقتلتهم العرب بأقطار الأندلس حتى ألحقوا فلهم بالثغور، وخفوا عن العيون، فكر الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم، فاشتدت شوكتهم، وثابت همتهم، وبطروا، ونسوا العهود، وطالبهم ابن قطن بالخروج عن الأندلس إلى الأندلس إلى إفريقية، فتعالوا عليه، وذكروا صنيعه بهم أيام انحصارهم في سبتة، وقتله الرجل الذي أغاثهم بالميرة، فخلعوه، وقدموا على أنفسهم أميرهم بلج بن بشر، وتبعه جند ابن قطن، وحملوا عليه في قتل ابن قطن، فأبى فثارت اليمانية وقالوا: قد حميت لمضرك، والله لا نطيعك، فلما خاف تفرق الكلمة أمر بابن قطن فأخرج إليهم وهو شيخ كبير كفرخ نعامةٍ قد حضر وقعة الحرّة مع أهل اليمامة، فجعلوا يسبونه، ويقولون له: أفلتّ من سيوفنا يوم الحرّة، ثم طالبتنا بتلك الترة فعرضتنا لأكل الكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حتى أمتّنا جوعاً، فقتلوه وصلبوه كما تقدم، وكان أمية وقطن ابناه عندما خلع قد هربا، وحشدا لطلب الثأر، واجتمع عليهما العرب الأقدمون والبربر، وصار معهم عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع الفهري كبير الجند، وكان في أصحاب بلج، فلما صنع بابن عمه عبد الملك ماصنع فارقه، فانحاز فيمن يطلب ثأره، وانضم إليهم عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة، وكان فارس الأندلس في وقته، فأقبلوا نحو بلج في مائة ألف أو يزيدون، وبلج قد استعد
__________
(1) ق: همزمهم؛ وانظر أخبار مجموعة: 39.
(3/21)

لهم في مقدار اثني عشر ألفاً سوى عبيد له كثيرة وأتباع من البلديين، فاقتتلوا، وصبر أهل الشام صبراً لم يصبر مثله أحدٌ قط، وقال عبد الرحمن بن علقمة اللخمي: أروني بلجاً، فو الله لأقتلنه أو لأموتنّ دونه، فأشاروا إليه نحوه، فحمل بأهل الثغر حملةً انفرج لها الشاميون، والراية في يده، فضربه عبد الرحمن ضربتين مات منهما بعد ذلك في أيامٍ قلائل، ثم إن البلديين انهزموا بعد ذلك هزيمةً قبيحة، واتبعهم الشاميون يقتلون ويأسرون، فكان عسكراً منصوراً مقتولاً أميره، وكان هلاك بلج في شوال سنة أربع وعشرين ومائة، وكانت مدته أحد عشر شهراً، وسريره قرطبة، والعرب الشاميون الداخلون معه إلى الأندلس يعرفون عند أهل الأندلس بالشاميين، والذين كانوا في الأندلس قبل دخوله يشهرون بالبلديين.
ولما هلك بلج قدم الشاميون عليهم بالأندلس ثعلبة بن سلامة العاملي، وقد كان عندهم عهد الخليفة هشام بذلك، فسار فيهم بأحسن سيرة، ثم إن أهل الأندلس الأقدمين من العرب والبربر سموا بعد الوقعة لطلب الثأر، فآل أمره معهم إلى أن حصروه بمدينة ماردة، وهم لا يشكّون في الظفر، إلى أن حضر عيدٌ تشاغلوا به، فأبصر ثعلبة منهم غرةً وانتشاراً وأشراً بكثرة العدد والاستيلاء، فخرج عليهم في صبيحة عيدهم وهم ذاهلون، فهزمهم هزيمة قبيحة، وأفشى فيهم القتل، وأسر منهم ألف رجل، وسبى ذريتهم وعيالهم، وأقبل إلى قرطبة من سبيهم بعشرة آلاف أو يزيدون، حتى نزل بظاهر قرطبة يوم خميس وهو يريد أن يحمل الأسارى على السيف بعد صلاة الجمعة. وأصبح الناس منتظرين لقتل الأسارى، فإذا بهم قد طلع عليهم لواءٌ فيه موكب، فنظروا فإذا أبو الخطار قد أقبل والياً على الأندلس، وهو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي. وذكر ابن حيان أنه قدم والياً من قبل حنظلة بن صفوان صاحب إفريقية، والخليفة حينئذٍ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في رجب سنة خمس وعشرين ومائة، بعد عشرة أشهر وليها ثعلبة بن سلامة، قال: وكان
(3/22)

مع فروسيته شاعراً محسناً، وكان في أول ولايته قد أظهر العدل فدانت له الأندلس، إلى أن مالت به العصبية اليمانية على المضرية، فهاج الفتنة العمياء، وكان سبب هذه الفتنة أن أبا الخطار قد بلغ به التعصب لليمانية أن اختصم عنده رجل من قومه مع خصم له من كنانة كان أبلج حجةً من ابن عم أبي الخطار، فمال أبو الخطار مع ابن عمه، فأقبل الكناني إلى الصميل ابن حاتم الكلابي أحد سادات مضر، فشكا له حيف أبي الخطار، وكان أبياً للضيم حامياً للعشيرة، فدخل على أبي الخطار وأمض عتابه، فنجهه أبو الخطار وأغلظ له، فرد الصميل عليه، فأمر به أبو الخطار، فأقيم ودعّ قفاه حتى مالت عمامته، فلما خرج قال له بعض من على الباب: أبا جوشن، ما بال عمامتك مائلة فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها. وأقبل إلى داره، فاجتمع إليه قومه حين بلغهم ذلك ممتعضين، فباتوا عنده، فلما أظلم الليل قال: ما رأيكم فيما حدث علي فإنه منوط بكم فقالوا: أخبرنا بما تريد، فإن رأينا تبع رأيك، فقال: والله أريد إخراج هذا الأعرابي من هذا السلطان على ماخيلت، وأنا خارج لذلك عن قرطبة، فإنه ما يمكنني ما أريد إلا بالخروج، فإلى أين ترون أقصد فقالوا: اذهب حيث شئت، ولاتأت أبا عطاء القيسي، فإنه لا يواليك على أمر ينفعك، وكان أبو عطاء هذا سيداً مطاعاً يسكن بإستجة، وكان مشاحناً للصميل مسامياً له في القدر، فسكت عند ذكره أبو بكر ابن الطفيل العبدي، وكان من أشرافهم، إلا أنه كان حديث السن، فقال له الصميل: ألا تتكلم فقال: أتكلم بواحدة ماعندي غيرها، قال: وما هي قال: إن عدوت إتيان أبي عطاء وشتت أمرك به لم يتم أمرنا وهلكنا، وإن أنت قصدته لم ينظر في شيء مما سلف بينكما، وحركته الحمية لك، فأجابك إلى ما تريد، فقال له الصميل: اصبت الرأي، وخرج من ليلته، وقام أبو عطاء في نصرته على ما قدره العبدي، وعمد إلى ثوابة ابن يزيد الجذامي أحد أشراف اليمن وساداتهم، وكان ساكناً بمورور وقد استفسد إليه أبو الخطار، فأجابهما في
(3/23)

القيام والتقدم على المضرية، فاجتمعوا في شذونة، وآل الأمر إلى أن هزموا أبا الخطار على وادي لكة، وحصل أسيراً في أيديهم، فأرادوا قتله، ثم أرجأوه، وأوثقوه وأقبلوا به إلى قرطبة، وذلك في رجب سنة 127 بعد ولاية أبي الخطار بسنتين.
ولما سجن أبو الخطار في قرطبة امتعض له عبد الرحمن بن حسان الكلبي، فأقبل إلى قرطبة ليلاً في ثلاثين فارساً مهعم طائفة من الرجالة، فهجموا على الحبس وأخرجوه منه، ومضوا به إلى غرب الأندلس، فعاد في طلب سلطانه، ودبَّ في يمانيته حتى اجتمع له عسكر أقبل بهم إلى قرطبة، فخرج إليه ثوابة ومعه الصميل، فقام رجل من المضرية ليلاً فصاح بأعلى صوته: يا معشر اليمن، مالكم تتعرضون إلى الحرب وتردون المنايا عن أبي الخطار أليس قد قدرنا عليه لو أردنا قتله لفعلنا، لكننا مننا وعفونا وجعلنا الأمير منكم، أفلا تفكرون في أمركم، فلو ان الأمير من غيركم عذرتم، ولا والله لا نقول هذا رهبةً منكم ولا خوفاً لحربكم، ولكن تحرجاً من الدماء ورغبةً في عافية العامة، فتسامع الناس به، وقالوا: صدق، فتداعوا للرحيل ليلاً، فما أصبحوا إلا على أميال.
قال الرازي: ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم سنة 125، وفي كتاب أبي الوليد ابن الفرضي: كان أبو الخطار أعرابياً عصبياً، أفرط في التعصب لليمانيين، وتحامل على مضر، واسخط قيساً، فثار به زعيمهم الصميل، فخلعه، ونصب مكانه ثوابة، وهاج بين الفريقين الحروب المشهورة، وخلع أبو الخطار بعد أربع سنين وتسعة أشهر، وذلك سنة 128، وآل أمره إلى أن قتله الصميل.
وولي الأندلس ثوابة بن سلامة الجذامي، قال ابن بشكوال: لما اتفقوا عليه خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب القيروان، فكتب إليه بعهد الأندلس، وذلك سلخ رجب سنة 127، فضبط البلد، وقام بأمره كله
(3/24)

الصميل واجتمع عليه أهل الأندلس، واقام والياً سنةً أو نحوها، ثم هلك، وفي كتاب ابن الفرضي أنه ولي سنتين.
ثم ولي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن نافع الفهري، وجده عقبة بن نافع صاحب إفريقية وباني القيروان المجاب الدعوة صاحب الغزوات والآثار الحميدة، ولهذا البيت في السلطنة بإفريقية والأندلس نباهة. وذكر الرازي أن مولده بالقيروان، ودخل أبوه الأندلس من إفريقية مع حبيب بن أبي عبيدة الفهري عند افتتاحهم، ثم عاد إلى إفريقية، وهرب عنه ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضباً له، فهوي الأندلس، واستوطنها فساد بها، قال الرازي: كان يوسف يوم ولي الأندلس ابن سبع وخمسين سنة، وأقامه أهل الأندلس بعد أميرهم ثوابة، وقد مكثوا بغير والٍ أربعة أشهر، فاجتمعوا عليه بإشارة الصميل من أجل أنه قرشي رضي به الحيان، فرفعوا الحرب، ومالوا إلى الطاعة، فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وقال ابن حيان: قدمه أهل الأندلس في ربيع الآخر سنة 129، واستبد بالأندلس دون ولاية أحد له غير من بالأندلس، وحكى ابن حيان أنه أنشد قول حرقة بنت النعمان بن المنذر يوم خلعه بالأمان من سلطانه ودخوله عسكر عبد الرحمن الداخل المرواني:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصَّف قال ابن حيان: لما سمع أبو الخطار بتقديمه حرك يمانيته، فأجابوا دعوته، فأدى ذلك إلى وقعة شقندة بين اليمانية والمضرية فيقال: إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب حربٌ أصدق منها جلاداً ولا أصبر رجالاً، طال صبر بعضهم على بعض، إلى أن فني السلاح، وتجاذبوا بالشعور، وتلاطموا بالأيدي وكل بعضهم عن بعض، وثابت للصميل غرة في اليمانية في بعض الأيام، فأمر بتحريك أهل الصناعات بأسواق قرطبة، فخرجوا في نحو أربعمائة رجل من
(3/25)

أنجادهم بما حضرهم من السكاكين والعصي ليس فيهم حامل رمح ولا سيف إلا قليلاً، فرماهم على اليمانية وهم على غفلة، وما فيهم من يبسط يداً لقتال، ولا ينهض لدفاع، فانهزمت اليمانية ووضعت المضرية السيف فيهم، فأبادوا منهم خلقاً، واختفى أبو الخطار تحت سرير رحى، فقبض عليه وجيء به إلى الصميل، فضرب عنقه، وقد ذكرنا خبر انخلاع يوسف عن سلطانه في ترجمة عبد الرحمن الداخل، وهو آخر سلاطين الأندلس الذين ولوها من غير موارثة، حتى جاءت الدولة المروانية.
وذكر ابن حيان أن القائم بدولة يوسف والمستولي عليها الصميل ابن حاتم ابن شمر ابن ذي الجوشن الكلابي، وجده شمر هو قاتل الحسين، رضي الله تعالى عنه، وكان شمر قد فر من المختار بولده من الكوفة إلى الشام، فلما خرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصميل فيمن خرج معه، ودخل الأندلس في طالعة بلج، وكان شجاعاً جواداً جسوراً على قلب الدول، فبلغ مابلغ، وآل أمره إلى أن قتله عبد الرحمن الداخل المرواني في سجن قرطبة مخنوقاً.
وذكر ابن حيان أنه كان ممن ثار على يوسف الفهري عبد الرحمن بن علقمة اللخمي فارس الأندلس، ووالي ثغر أربونة، وكان ذا بأسٍ شديدٍ ووجاهةٍ عظيمة، فبينما هو في تدبير غزو يوسف إذ اغتاله أصحابه واقبلوا برأسه إليه.
ثم ثار عليه بعد ذلك بمدينة باجة عروة بن الوليد في أهل الذمة وغيرهم، فملك إشبيلية، وكثر جمعه إلى أن خرج له يوسف فقتله، وثار علية بالجزيرة الخضراء عامر العبدري، فخرج له، وأنزله على أمان في سكنى قرطبة، ثم ضرب عنقه بعد ذلك.
وقيل: إن أول من خرج على يوسف عمرو بن يزيد الأزرق في إشبيلية فظفر به فقتله، وثار عليه في كورة سرقسطة الحباب الزهري إلى أن ظفر به يوسف فقتله، ثم جاءته الداهية العظمى بدخول عبد الرحمن بن معاوية المرواني إلى الأندلس وسعيه في إفساد سلطانه، فتم له ماأراده، والله تعالى أعلم.
(3/26)

32 - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس ملكها عبد الرحمن بن معاوية ابن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان، المعروف بالداخل (1) . وذلك أنه لما أصاب دولتهم ماأصاب، واستولى بنو العباس على ماكان بأيديهم، واستقر قدمهم في الخلافة، فرّ عبد الرحمن إلى الأندلس فنال بها ملكاً أورثه عقبه حقبةً من الدهر.
قال ابن حيان في " المقتبس ": إنه لما وقع الاختلال في دولة بني أمية والطلب عليهم، فرّ عبد الرحمن، رلم يزل في فراره منتقلاً بأهله وولده إلى أن حلّ بقرية على الفرات ذات شجرٍ وغياضٍ، يريد المغرب، لما حصل في خاطره من بشرى مسلمة (2) ، فمما حكي عنه أنه قال: إني لجالس يوماً في تلك القرية في ظلمة بيت تواريت فيه لرمدٍ كان بي، وابني سليمان بكر ولدي يلعب قدّامي، وهو يومئذٍ ابن أربع سنينٍ أو نحوها، إذ دخل الصبي من باب البيت فازعاً باكياً فأهوى إلى حجري، فجعلت أدفعه إلى ما كان بي ويأبى إلا التعلق، وهو دهشٌ يقول ما يقوله الصبيان عند الفزع، فخرجت لأنظر، فإذا بالروع قد نزل بالقرية، ونظرت فإذا بالرايات السود عليها منحطة، وأخٍ لي حديث السن كان معي يشتد هارباً ويقول لي: النجاء يا أخي، فهذه رايات المسودة (3) ، فضربت بيدي على دنانير تناولتها، ونجوت بنفسي والصبي أخي معي، وأعلمت أخواتي بمتوجهي ومكان مقصدي، وأمرتهن أن يلحقنني ومولاي بدر معهن، وخرجت فكمنت في موضع ناء عن القرية، فما كان إلا ساعةً حتى أقبلت
__________
(1) انظر اخبار عبد الرحمن الداخل في ابن القوطية: 45 وأخبار مجموعة: 50 وابن عذاري 2: 40 والنويري 22: 1 (الباب الخامس) وذكر بلاد الأندلس، الورقة: 89 والمقتطفات، الورقة: 109 ونص هذا الأخير مطابق لنص النفح.
(2) نسب إلى مسلمة بن عبد الملك أنه كان يخبر بأمور من الحدثان والملاحم، وكان يرى أن نهاية بني أمية في المشرق قد اقتربت ويتنبأ بظهور عبد الرحمن (راجع أخبار مجموعة: 51 - 52) وسيأتي شيء من ذلك في هذا الكتاب.
(3) المقتطفات: فهذه الرايات السود.
(3/27)

الخيل فأحاطت بالدار، فلم تجد أثراً ومضيت ولحقني بدر، فأتيت رجلاً من معارفي بشط الفرات، فأمرته أن يبتاع لي دواب وما يصلح لسفري، فدلّ علي عبد سوء له العامل، فما راعنا إلا جلبة الخيل تحفزنا فاشتددنا (1) في الهرب، فسبقناها إلى الفرات (2) ، فرمينا فيه بأنفسنا، والخيل تنادينا من الشط: ارجعا لا بأس عليكما، فسبحت حاثاً لنفسي وكنت أحسن السبح، وسبح الغلام أخي، فلما قطعنا نصف الفرات قصر أخي ودهش، فالتفت إليه لأقوي من قلبه، وإذا هو قد أصغى إليهم وهم يخدعونه عن نفسه، فناديته: تقتل ياأخي، إلي إلي، فلم يسمعني، وإذا هو قد اغتر بأمانهم، وخشي الغرق، فاستعجل الإنقلاب نحوهم، وقطعت أنا الفرات، وبعضهم قد هم بالتجرد للسباحة في أثري، فاستكفه أصحابه عن ذلك، فتركوني، ثم قدموا الصبي أخي الذي صار إليهم بالأمان فضربوا عنقه، ومضوا برأسه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ثكلاً ملأني مخافةً، ومضيت إلى وجهي أحسب أني طائر وأنا ساعٍ على قدمي، فلجأت إلى غيضةٍ أشبة، فتورايت فيها حتى انقطع الطلب، ثم خرجت (3) أؤم المغرب حتى وصلت إلى إفريقية.
قال ابن حيان: وسار حتى أتى إفريقية وقد ألحقت به أخته شقيقته أم الأصبغ مولاه بدراً، ومولاه سالماً، ومعهما دنانير للنفقة، وقطعة من جوهر، فنزل بإفريقية وقد سبقه إليها جماعة من فل بني أمية، وكان عند واليها عبد الرحمن ابن حبيب الفهري يهودي حدثاني صحب مسلمة ابن عبد الملك، وكان يتكهن له ويخبره بتغلب القرشي المرواني الذي هو من أبناء ملوك القوم، واسمه عبد
__________
(1) المقتطفات: فخرجنا واشتددنا.
(2) المقتطفات: وسبقنا الخيل إلى أن وصلنا الفرات.
(3) المقتطفات ودوزي: ثم خرجت هاربا.
(3/28)

الرحمن، وهو ذو ضفيرتين يملك الأندلس ويورثها عقبه، فاتخذ الفهري عند ذلك ضفيرتين أرسلهما رجاء أن تناله الرواية، فلما جيء بعبد الرحمن ونظر إلى ضفيرتيه قال لليهودي: ويحك، هذا هو، وأنا قاتله، فقال له اليهودي: إنك إن قتلته فما هو به، وإن غلبت عن تركه إنه لهو. وثقل فل بني أمية على ابن حبيب صاحب إفريقية، فطرد كثيراً منهم مخافةً، وتجنى على ابنين للوليد بن يزيد كانا قد استجارا به فقتلهما، وأخذ مالاً كان مع اسماعيل ابن أبان بن عبد العزيز ابن مروان، وغلبه على أخته فتزوجها بكرهه، وطلب عبد الرحمن فاستخفى، انتهى.
وذكر ابن عبد الحكم أن عبد الرحمن الداخل أقام ببرقة مستخفياً خمس سنين، وآل أمره في سفره إلى أن استجار ببني رستم ملوك تيهرت من المغرب الأوسط، وتقلب في قبائل البربر إلى أن استقر على البحر عند قومٍ من زنانة، وأخذ في تجهيز بدر مولاه إلى العبور للأندلس لموالي بني أمية وشيعتهم بها، وكانت الموالي المروانية المدونة بالأندلس في ذلك الأوان ما بين الأربعمائة والخمسمائة، ولهم جمرة، وكانت رياستهم إلى شخصين: أبي عثمان عبيد الله بن عثمان، وعبد الله بن خالد، وهما من موالي عثمان، رضي الله تعالى عنه، وكانا يتوليان لواء بني أمية يعتقبان حمله ورياسة جند الشام النازلين بكورة إلبيرة، فعبر بدر مولى عبد الرحمن إلى أبي عثمان بكتاب عبد الرحمن يذكره فيه أيادي سلفه من بني أمية وسببه بهم ويعرفه مكانه من السلطان وسعيه لنيله، إذ كان الأمر لجده هشام فهو حقيقٌ بوارثته، ويسأله القيام بشأنه وملاقاة من يثق به من الموالي الأموية وغيرهم، ويتلطف في إدخاله إلى الأندلس ليبليي عذراً في الظهور عليها، ويعده بإعلاء الدرجة، ولطف المنزلة، ويأمره أن يستعين في ذلك بمن يأمنه، ويرجو قيامه معه، ويأخذ فيه مع اليمانية ذوي الحنق على المضرية لما بين الحيين من التراث، فمشى أبو عثمان لما دعاه إليه، وبانت له فيه طماعية، وكان عند ورود بدر قد تجهزإلى ثغر سرقسطة لنصرة
(3/29)

صاحبها الصميل بن حاتم وجه دولة يوسف بن عبد الرحمن صاحب الأندلس، فقال لصهره عبد الله بن خالد المذكور: لو كنا ذاكرنا الصميل خبر بدرٍ وما جاء به لنختبر ما عنده في موافقتنا، وكانا على ثقةٍ في أنه لايظهر على سرهما أحداً لمروءته وأنفته، فقال له: إن نحن فعلنا لم نأمن من أن تدركه الغيرة على سلطان يوسف لما هو عليه من شرف القدر وجلالة المنزلة فيتوقع سقوط رياسته فلا يساعدنا، قال أبو عثمان: فنمسح (1) إذاً على أمره، ونذكر له أنه قصد لإرادة الإيواء والأمان وطلب أخماس جده هشام لدينا ليتعيش بها، لا يريد غير ذلك، فاتفقا على هذا. فلما ودعا الصميل خلوا به في ذلك، وقد ظهر لهما منه حقدٌ على صاحبه يوسف في إبطائه عن إمداده لما حاربه الحباب الزهري بكورة سرقسطة، فقال لهما: أنا معكما فيما تحبان، فاكتبا إليه أن يعبر، فإذا حضر سألنا يوسف أن ينزله في جواره وأن يحسن له، ويزوجه بابنته، فإن فعل وإلا ضربنا صلعته بأسيفنا، وصرفنا الأمر عنه إليه، فشكراه وقبلا يده ثم ودعاه، وأقام بطليطلة وقد ولاه يوسف عليها وعزله عن الثغر، وانصرفا إلى وطنهما بإلبيرة، وقد كانا لقيا من كان معهما في العسكر من وجوه الناس وثقاتهم، فطارحاهم أمر ابن معاوية، ثم دسّا في الكور إلى ثقاتهما بمثل ذلك، فدب أمره فيهم دبيب النار في الجمر، وكانت سنة خلف بالأندلس بعد خروج من المجاعة التي دامت بالناس.
وفي رواية أن الصميل لان لهما في أن يطلب الأمر عبد الرحمن الداخل لنفسه ثم دبر ذلك لما انصرفا، فتراجع فيه، فردهما، وقال: إني روّيت في الأمر الذي أدرته معكما فوجدت الفتى الذي دعوتماني إليه من قومٍ لو بال أحدهم بهذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله، وهذا رجلٌ نتحكم عليه، ونميل على جوانبه، ولا يسعنا بدل منه، ووالله لو بلغتما بيوتكما ثم بدا لي فيما
__________
(1) في المقتطفات: ننسخ؛ وفي ق: فتمسح.
(3/30)

فارقتكما عليه لرأيت أن لا أقصر حتى ألقاكما لئلاّ أغركما من نفسي، فإني أعلمكما أن أول سيف يسلّ عليه سيفي، فبارك الله لكما في رأيكما، فقالا له: ما لنا رأي إلا رأيك، ولا مذهب لنا عنك. ثم انصرفا عنه على أن يعينهما في أمره إن طلب غير السلطان، وانصرفا عنه إلى إلبيرة عازمين على التصميم في أمره، ويئسا من مضر وربيعة، ورجعا إلى اليمانية، وأخذا في تهييج أحقاد أهل اليمن على مضر، فوجداهم قوماً قد وغرت صدورهم عليهم، يتمنون شيئاً يجدون به السبيل إلى إدراك ثأرهم، واغتنما بعد يوسف صاحب الأندلس في الثغر، وغيبة الصميل، فابتاعا مركباً ووجها فيه أحد عشر رجلاً منهم مع بدر الرسول، وفيهم تمام بن علقمة وغيره، وكان عبد الرحمن قد وجه خاتمه إلى مواليه، فكتبوا تحت ختمه إلى من يرجونه في طلب الأمر، فبثوا من ذلك في الجهات مادبّ به أمرهم، ولما وجه أبو عثمان المركب المذكور مع شيعته ألفوه بشطّ مغيلة من بلاد البربر، وهو يصلي، وكان قد اشتد قلقه وانتظاره لبدر رسوله، فبشره بدر بتمكن الأمر، وخرج إليه تمام مكثراً لتبشيره، فقال له عبد الرحمن: ما اسمك قال: تمام، قال: وما كنيتك قال: أبو غالب، فقال: الله أكبر! الآن تمّ أمرنا وغلبنا بحول الله تعالى وقوته، وأدنى منزلة أبي غالب لما ملك، ولم يزل حاجبه حتى مات عبد الرحمن. وبادر عبد الرحمن بالدخول إلى المركب، فلما هم بذلك أقبل البربر فتعرضوا دونه، ففرقت فيهم من مال كان مع تمام صِلاتٌ على أقدارهم، حتى لم يبق أحد حتى أرضاه، فلما صار عبد الرحمن بداخل المركب أقبل عاتٍ منهم لم يكن أخذ شيئاً فتعلق بحبل الهودج يعقل المركب، فحول رجل اسمه شاكر يده بالسيف، فقطع يد البربري، وأعانتهم الريح على التوجه بمركبهم، حتى حلوا بساحل إلبيرة في جهة المنكب، وذلك في ربيع الآخر سنة 138، فأقبل إليه نقيباه أبو عثمان وصهره أبو خالد، فنقلاه إلى
(3/31)

قرية طرش (1) منزل أبي عثمان، فجاءه يوسف بن بخت، وانثالت عليه الأموية، وجاءه جدار (2) بن عمرو المذحجي من أهل مالقة، فكان بعد ذلك قاضيه في العساكر، وجاءه أبو عبدة حسان بن مالك الكلبي من إشبيلية فاستوزره، وانثال عليه الناس انثيالاً، فقوي أمره مع الساعات فضلاً عن الأيام، وأمده الله تعالى بقوة عالية، فكان دخوله قرطبة بعد ذلك بسبعة أشهر.
وكان خبر دخوله للأندلس قد صادف صاحبها يوسف الفهري بالثغر، وقد قبض على الحباب الزهري الثائر بسرقسطة، وعلى عامر العبدري الثائر معه، فبينما هو بوادي الرمل بمقربة من طليطلة وقد ضرب عنق عامر العبدري وابن عامر برأي الصميل إذ جاءه قبل أن يدخل رواقة رسول يركض من عند ولده عبد الرحمن بن يوسف من قرطبة يعلمه بأمر عبد الرحمن ونزوله بساحل جند دمشق، واجتماع الموالي المروانية إليه، وتشوف الناس لأمره، فانتشر الخبر في العسكر لوقته، وشمت الناس بيوسف لقتله القرشين عامراً وابنه، وختره بعدهما، فسارع عدد كثير إلى البدار لعبد الرحمن الداخل، وتنادوا بشعارهم، وقوضوا عن عسكره، واتفق أن جادت السماء بوابلٍ لا عهد بمثله لما شاء الله تعالى من التضييق على يوسف، فأصبح وليس في عسكره سوى غلمانه وخاصته وقوم الصميل قيس وأتباعه، فأقبل إلى طليطلة وقال للصميل: ما الرأي فقال: بادره الساعة قبل أن يغلظ في أمره، فإني لست آمن عليك هؤلاء اليمانية لحنقهم علينا، فقال له يوسف: أتقول ذلك ومع من نسير إليه وأنت ترى الناس قد ذهبوا عنا وقد أنفضنا من المال، وأنضينا الظهر، ونهكتنا المجاعة في سفرتنا هذه، ولكن نسير إلى قرطبة، فنستأنف الاستعداد له، بعد أن ننظر في أمره ويتبين لنا خبره، فلعله دون ما كتب
__________
(1) طرش (Torrox) على الساحل الشرقي، وهي تعد اليوم في مديرية مالقة.
(2) ق: حدران؛ المقتطفات: جديران؛ ابن عذاري: جدار؛ أخبار مجموعة (76) : جداد.
(3/32)

إلينا. فقال الصميل: الرأي ما أشرت به عليك، وليس غيره، وسوف تتبين غلطك فيما تنكبه، ومضوا إلى قرطبة.
وسار عبد الرحمن الداخل إلى إشبيلية، وتلقاه رئيس عربها أبو الصباح ابن يحيى اليحصبي، واجتمع الرأي على أن يقصدوا به دار الإمارة قرطبة، فلما نزلوا بطشانة (1) قالوا: كيف نسير بأمير لا لواء له ولا علم نهتدي إليه فجاؤوا بقناة وعمامة ليعقدوها عليه، فكرهوا أن يميلوا القناة لتعقد تطيراً فأقاموها بين زيتونتين متجاورتين، فصعد رجل فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة، كما سيأتي، وحكي أن فرقداً العالم صاحب الحدثان مر بذلك الموضع، فنظر إلى الزيتونتين، فقال: سيعقد بين هاتين الزيتونتين لواء لأمير لا يثور عليه لواء إلا كسره، فكان ذلك اللواء يسعد به هو وولده من بعده، ولما أقبل إلى قرطبة خرج له يوسف، وكانت المجاعة توالت قبل ذلك ست سنين فأورثت أهل الأندلس ضعفاً، ولم يكن عيش عامة الناس بالعسكر ماعدا أهل الطاقة مذ خرجوا من إشبيلية إلا الفول الأخضر الذي يجدونه في طريقهم، وكان الزمان زمان ربيع، فسمي ذلك العام عام الخلف، وكان نهر قرطبة حائلاً، فسار يوسف من قرطبة وأقبل ابن معاوية على بئر إشبيلية والنهر بينهما، فلما رأى يوسف تصميم عبد الرحمن إلى قرطبة رجع مع النهر محاذياً له، فتسايرا والنهر حاجز بينهما، إلى أن حل يوسف بصحراء المصارة غربي قرطبة، وعبد الرحمن في مقابلته، وتراسلا في الصلح، وقد أمر يوسف بذبح الجزر، وتقدم بعمل الأطعمة، وابن معاوية آخذ في خلاف ذلك قد أعد للحرب عدتها، واستكمل أهبتها، وسهر الليل كله على نظام أمره، كما سنذكره، ثم انهزم أهل قرطبة، وظفر عبد الرحمن الداخل، ونصر نصراً لا كفاء له، وانهزم
__________
(1) المقتطفات: بشطانة؛ وهذا خطأ؛ وطشانة (Tocina) قد عدها العذري (109) من أقاليم إشبيلية.
(3/33)

الصميل، وفر إلى شوذر من كورة جيان، وفر يوسف إلى جهة ماردة.
وذكر أن أبا الصباح رئيس اليمانية قال لهم عند هزيمة يوسف: يامعشر يمن، هل لكم إلى فتحين في يوم قد فرغنا من يوسف وصميل، فلنقتل هذا الفتى المقدامة ابن معاوية فيصير الأمر لنا، نقدم عليه رجلاً منا، ونحل عنه هذه المضرية، فلم يجبه أحد لذلك، وبلغ الخبر عبد الرحمن فأسرها في نفسه إلى أن اغتاله بعد عام، فقتله.
ولما انقضت الهزيمة أقام ابن معاوية بقرطبة ثلاثة أيام، حتى أخرج عيال يوسف من القصر،
وعف وأحسن السيرة، ولما حصل دار الإمارة، وحل محل يوسف، لم يستقر به قرار من إفلات يوسف والصميل، فخرج في إثر عدوه واستخلف على قرطبة القائم بأمره أبا عثمان، واستكتب كاتب يوسف أمية بن زياد، واستنام إليه إذ كان من موالي بني أمية، ونهض في طلب يوسف فوقع يوسف على خبره فخالفه إلى قرطبة ودخل القصر، وتحصن أبو عثمان خليفة عبد الرحمن بصومعة الجامع فاستنزله بالأمان، ولم يزل عنده إلى أن عقد الصلح بينه وبين ابن معاوية، وكان عقد الصلح المشتمل عليه وعلى وزيره الصميل في صفر سنة 139، وشارطه على أن يخلي بينه وبين أمواله حيثما كانت، وأن يسكن بلاط الحر - منزلة بشرقي قرطبة - على أن يختلف كل يوم إلى ابن معاوية ويريه وجهه، وأعطاه رهينة على ذلك ابنه أبا الأسود محمد بن يوسف، زيادةً على ابنه عبد الرحمن الذي أسره ابن معاوية يوم الوقعة، ورجع العسكران وقد اختلطا إلى قرطبة.
وذكر ابن حيان أن يوسف بن عبد الرحمن نكث سنة 141، فهرب من قرطبة، وسعى بالفساد في الأرض، وقد كانت الحال اضطربت به في قرطبة ودس له قوم قاموا عليه في أملاكه، زعموا أنه غصبهم إياها، فدفع معهم إلى الحكام (1)
__________
(1) المقتطفات: إلى أحكام الحكام.
(3/34)

فأعنتوه. وحمل عنه في التألم بذلك كلامٌ رفع إلى ابن معاوية أصاب أعداء يوسف به السبيل إلى السعاية به والتخويف منه، فاشتد توحشه، فخرج إلى جهة ماردة، واجتمع إليه عشرون ألفاً من أهل الشتات، فغلظ أمره، وحدثته نفسه بلقاء ابن معاوية، فخرج نحوه من ماردة، وخرج ابن معاوية من قرطبة، فبينما ابن معاوية في حصن المدوّر مستعد (1) ، إذ التقى بيوسف عبد الملك بن عمر مروان صاحب إشبيلية، فكانت بينهما حرب شديدة انكشف عنهايوسف بعد بلاء عظيم منهزماً، واستحر القتل في أصحابه فهلك منهم خلق كثير، وسار يوسف لناحية طليطلة، فلقيه في قرية من قراها عبد الله بن عمرو الأنصاري، فلما عرفه قال لمن معه: هذا الفهري يفر، قد ضاقت عليه الأرض، وقتله الراحة له، والراحة (2) منه، فقتله واحتز رأسه وقدم به إلى عبد الرحمن، فلما قرب وأوذن عبد الرحمن به أمره أن يتوقف به دون جسر قرطبة، وأمر بقتل ولده عبد الرحمن المحبوس عنده، وضم إلى رأسه، رأسه، ووضعنا على قناتين مشهرين إلى باب القصر.
وكان عبد الرحمن لما فر يوسف قد سجن وزيره الصميل لأنه قال له: أين توجه فقال: لا أعلم فقال: ماكان ليخرج حتى يعلمك، ومع ذلك فإن ولدك معه، وأكد عليه في أن يحضره، فقال: لو أنه تحت قدمي هذه ما رفعتها لك عنه، فاصنع ما شئت، فحينئذٍ أمر به للحبس وسجن معه ولدي يوسف أبا الأسود محمداً المعروف بعد بالأعمى وعبد الرحمن، فتهيأ لهما الهرب من نقب، فأما أبو الأسود فنجا سالماً، واضطرب في الأرض يبغي الفساد إلى أن هلك حتف أنفه، وأما عبد الرحمن فأثقله اللحم فانبهر، فرد إلى الحبس، حتى قتل كما تقدم، وأنف الصميل من الهرب فأقام بمكانه، فلما
__________
(1) المقتطفات: مشتغل.
(2) المقتطفات: راحة له وراحة ...
(3/35)

قتل يوسف أدخل ابن معاوية على الصميل من خنقه، فأصبح ميتاً، فدخل على مشيخة المضرية في السجن، فوجدوه ميتاً وبين يديه كأسٌ ونقل، كأنه بغت على شرابه، فقالوا: والله إنا لنعلم يا أبا جوشن أنك ما شربتها ولكن سقيتها.
ومما ظهر من بطش الأمير عبد الرحمن بن معاوية وصرامته فتكه بإحدى دعائم دولته رئيس اليمانية أبي الصباح يحيى (1) ، وكان قد ولاه إشبيلية وفي نفسه منه ما أوجب فتكه به. ومن ذلك النوع حكايته مع العلاء بن مغيث اليحصبي إذ ثار بباجة، وكان قد وصل من إفريقية على أن يظهر الرايات السود بالأندلس، فدخل في ناس قليلين، فأرسى بناحية باجة، ودعا أهلها ومن حولهم فاستجاب له خلق كثير، إلى أن لقيه عبد الرحمن بجهة إشبيلية فهزمه، وجيء به وبأعلام أصحابه، فقطع يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه وأعناقهم، وأمر فقرطت الصكاك في آذانهم بأسمائهم، وأودعت جوالقاً محصناً، ومعها اللواء الأسود، وأنفذ بالجوالق تاجراً من ثقاته، وأمره أن يضعه بمكة أيام الموسم، ففعل، ووافق أبا جعفر المنصور قد حج، فوضعه على باب سرادقه، فلما كشفه ونظر إليه سقط في يده، واستدعى عبد الرحمن وقال: عرضنا هذا البائس - يعني العلاء - للحتف، ما في هذا الشيطان مطمع، فالحمد لله الذي صير هذا البحر بيننا وبينه.
ولما أوقع عبد الرحمن باليمانة الذين خرجوا في طلب ثأر رئيسهم أبي الصباح اليحصبي وأكثر القتل فيهم، استوحش من العرب قاطبة، وعلم أنهم علي دغل وحقد، فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك، فوضع يده في الابتياع، فابتاع موالي الناس بكل ناحية، واعتضد أيضاً بالبرابر، ووجه عنهم إلى بر العدوة فاْحسن لمن وفد عليه إحساناً رغب من خلفه في المتابعة، قال ابن
__________
(1) ق والمقتطفات: ابن يحيى.
(3/36)

حيان: واستكثر منهم ومن العبيد، فاتخذ أربعين ألف رجل، صار بهم غالباً على أهل الأندلس من العرب، فاستقامت مملكته وتوطدت.
وقال ابن حيان (1) : كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم (2) ، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة متصل الحركة، لايخلد إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولايكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيهن شجاعاً مقداماً، بعيد الغور شديد الحدة قليل الطمأنينة بليغاً مفهوماً شاعراً محسناً سمحاً سخياً طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتم به ويؤثره، وكان قد أعطي هيبة (3) من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز، ويصلي عليها، ويصلي بالناس إذا كان حاضراً الجمع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، ويكثر مباشرة الناس والمشي بينهم، إلى أن حضر في يوم جنازة فتصدى له في منصرفه عنها رجل متظلم عامي وقاح ذو عارضة فقال له: أصلح الله الأمير، إن قاضيك ظلمني وأنا أستجيرك من الظلم، فقال له: تنصف إن صدقت، فمد الرجل يده إلى عنانه وقال: أيها الأمير أسالك بالله لما برحت من مكانك حتى تأمر قاضيك بإنصافي فإنه معك، فوجم الأمير والتفت إلى من حوله من حشمه، فرآهم قليلاً، ودعا بالقاضي وأمر بإنصافه، فلما عاد إلى قصره كلمه بعض رجاله ممن كان يكره خروجه وابتذاله فيما جرى، فقال له: إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عهدوا، فترك من يومئذ شهود الجنائز وحضور المحافل، ووكل بذلك ولده هشاماً.
__________
(1) انظر هذا النص في " ذكر بلاد الأندلس ": 91.
(2) المصدر السابق: راجح العقل راسخ العلم واسع الحلم.
(3) المقتطفات: وكان مهابا جدا.
(3/37)

ومن نظم عبد الرحمن الداخل ما كتب به إلى أخته بالشام (1) :
أيّها الراكب الميمم أرضي ... اقر منّي بعض السلام لبعضي
إنّ جسمي كما تراه بأرضٍ ... وفؤادي ومالكيه بأرض
قدّر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الدهر بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي وكتب إلى بعض من وفد عليه من قومه لما سأله الزيادة في رزقه، واستقل ما قابله به وذكره بحقه بهذه الأبيات (2) :
شتّان من قام ذا امتعاضٍ ... منتضي الشّفرتين نصلا (3)
فجاب قفراً وشقّ بحرا ... مسامياً لجّةً ومحلا
دبّر ملكاً وشاد عزّا (4) ... ومنبراً للخطاب فصلا
وجنّد الجند حين أودى ... ومصّر المصر حين أجلى
ثمّ دعا أهله إليه (5) ... حيث انتأوا أن هلمّ أهلا
فجاء هذا طريد جوعٍ ... شديد روعٍ يخاف قتلا (6)
فنال أمناً ونال شبعاً ... ونال مالاً ونال أهلا (7)
ألم يكن حقّ ذا على ذا ... أعظم من منعمٍ ومولى وحكى ابن حيان أن عبد الرحمن لما أذعن له يوسف صاحب الأندلس
__________
(1) وردت هذه الأبيات في أكثر المصادر التي ترجمت للأمير عبد الرحمن؛ انظر ذكر بلاد الأندلس: 91 والحلة السيراء 1: 36 وجذوة المقتبس: 10.
(2) انظر الحلة السيراء 1: 39 وذكر بلاد الأندلس: 97 وابن عذاري 2: 59.
(3) في رواية ابن حيان: فشال ما قل واضمحلا، وستأتي هذه الرواية فيما يلي ص: 43.
(4) الحلة: فشاد مجدا وبز ملكا.
(5) الحلة: جميعا.
(6) الحلة: شريد سيف أباد قتلا.
(7) الحلة: وحاز ... وضم.
(3/38)

واستقر ملكه استحضر الوفود إلى قرطبة، فانثالوا عليه، ووالى القعود لهم في قصره عدة أيام في مجالس يكلم فيها رؤساءهم ووجوههم بكلامٍ سرّهم وطيّب نفوسهم، مع أنه كساهم وأطعمهم ووصلهم، فانصرفوا عنه محبورين مغتبطين، يتدارسون كلامه، ويتهافتون بشكره، ويتهانون بنعمة الله تعالى عليهم فيه. وفي بعض مجالسهم هذه مثل بين يديه رجلٌ من جند قنسرين يستجديه فقال له: يا ابن الخلائف الراشدين، والسادة الأكرمين، إليك فررت وبك عذت من زمنٍ ظلومٍ ودهرٍ غشومٍ، قلّل المال وكثر العيال وشعث الحال فصير إلى نداك المآل، وأنت ولي الحمد والمجد والمرجو للرفد، فقال له عبد الرحمن مسرعاً: قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك، وأمرنا بعونك على دهرك، على كرهنا لسوء مقامك، فلا تعودن ولا سواك لمثله من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة، وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك، كيما نستر عليك خلتك، ونكف شمات العدو عنك، بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وصدق النية، وأمر له بجائزة حسنة، وخرج الناس يتعجبون منه من حسن منطقه وبراعة أدبه، وكف فيما بعد ذوو الحاجات عن مقابلته بها شفاهاً في مجلسه.
قال ابن حيان: ووقع إلى سليمان بن يقظان الأعرابي على كتاب منه سلك به سبيل الخداع: أما بعد فدعني من معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق، لتمدن يداً إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لأزوين بنانها عن رصف المعصية، نكالاً بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد.
وفي " المسهب " أن عبد الرحمن كان من البلاغة بالمكان العالي، الذي يرتد عنه أكثر بني مروان حسيراً. وقد جرى بينه وبين مولاه بدر ما لا يحب إهماله (1) ،
__________
(1) زاد في المقتطفات: أو تعتبر بلاغته.
(3/39)

وذلك أنه لما سعى بدر في تكميل دولته من ابتدائها إلى استقرارها صحبه عجب وامتنان كادا يردان به حياض المنية، فأول ما بدأ به أن قال: بعنا أنفسنا وخاطرنا بها في شأن من هانت عليه لما بلغ أقصى أمله. وقال وقد أمره بالخروج إلى غزاة: إنما تعبنا أولاً لنستريح آخراً، وما أرانا إلا في أشدّ مما كنا، وأطال أمثال هذه الأقوال، وأكثر الإستراحة في جانبه، فهجره وأعرض عنه، فزاد كلامه، وكتب له رقعة منها: أما كان جزائي في قطع البحر وجوب القفر، والإقدام على تشتيت نظام مملكة وإقامة أخرى غير الهجر، الذي أهانني في عيون أكفائي وأشمت بي أعدائي، وأضعف أمري ونهيي عند من يلوذ بي، وبتر مطامع من كان يكرمني ويحفدني على الطمع والرجاء، وأظن أعداءنا بني العباس لو حصلت بأيديهم ما بلغوا بي أكثر من هذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فلما وقف عبد الرحمن على رقعته اشتد غيظه عليه، فوقّع عليها: " وقفت على رقعتك المنبئة عن جهلك وسوء خطابك ودناءة أدبك ولئيم معتقدك، والعجب أنك متى أردت أن تبني لنفسك عندنا متاتاً أتيت بما يهدم كل متات مشيد مما تمن به، مما قد أضجر الأسماع تكراره، وقدحت في النفوس إعادته، مما استخرنا الله تعالى من أجله على أمرنا باستئصال مالك، وزدنا في هجرك وإبعادك، وهضنا جناح إدلالك، فلعل ذلك يقمع منك ويردعك حتى نبلغ منك ما نريد إن شاء الله تعالى؛ فنحن أولى بتأديبك من كل أحد، إذ شرّك مكتوب في مثالبنا، وخيرك معدود في مناقبنا ". فلما ورد هذا الجواب على بدر سقط في يده وسلم للقضاء، وعلم أنه لا ينفع فيه قول، ووجه عبد الرحمن من استأصل ماله وألزمه داره، وهتك حرمته وقص جناح جاهه، وصيره أهون من قعيس على عمته، ومع هذا فلم ينته بدر عن الإكثار من مخاطبة مولاه، تارة يستلينه وتارة يذكره، وتارة ينفث مصدوراً بخط قلمه ما يلقيه عليه بلسانه، غير مفكر فيما يؤول إليه، إلى أن كتب له: قد طال هجري، وتضاعف همي وفكري، وأشد ما عليّ كوني سليباً من مالي، فعسى أن تأمر
(3/40)

لي بإطلاق مالي وأتحد به في معزل لا أشتغل بسلطان ولا أدخل في شيء من أموره ما عشت، فوقّع له: إن لك من الذنوب المترادفة ما لو سلب معها روحك لكان بعض ما استوجبته، ولا سبيل إلى ردّ مالك، فإن تركك بمعزل في بلهنية الرفاهية وسعة ذات اليد والتخلي من شغل السلطان أشبه بالنعمة منه بالنقمة، فايأس من ذلك فإن اليأس مريح. فسكت لما وقف على هذه الإجابة مدة إلى أن أتى عيد فاشتد به حزنه لما رأى من حاجة من يلوذ به وهمهم بما يفرح به الناس، فكتب إليه في ذلك رقعةً منها: " وقد أتى هذا العيد الذي خالفت فيه أكثر من أساء إليك وسعى في خراب دولتك، ممن عفوت عنه، فتبنك النعمة في ذراك، واقتعد ذروة العز، وأنا على ضدٍّ من هذا سليباً من النعمة، مطرحاً في حضيض الهوان، أيأس مما يكون، وأقرع السن على ما كان ". فلما وقف على هذه الرقعة أمر بنفيه عن قرطبة إلى أقصى الثغر، وكتب له على ظهر رقعته: " لتعلم أنك لم تزل بمقتك، حتى ثقلت على العين طلعتك، ثم زدت إلى أن ثقل على السمع كلامك، ثم زدت إلى أن ثقل على النفس جوارك، وقد أمرنا بإقصائك إلى أقصى الثغر فبالله إلا ما أقصرت، ولا يبلغ بك زائد المقت إلى أن تضيق بك معي الدنيا، ورأيتك تشكو لفلان وتتألم من فلان، وما تقوّلوه عليك، وما لك عدو أكبر من لسانك، فما طاح بك غيره، فاقطعه قبل أن يقطعك ".
ولما فتح الداخل سرقسطة، وحصل في يده ثائرها (1) الحسين الأنصاري، وشدخت رؤوس وجوهها بالعمد، وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله، أقبل خواصه يهنئونه، فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند، فهنأه بصوت عال، فقال: والله لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ علي فيه النعمة من هو فوقي فأوجب علي ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من
__________
(1) المقتطفات: الثائر بها.
(3/41)

سوء النكال، من تكون حتى تقبل مهنئاً رافعاً صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة، فقال: ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي، فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة، لا أعدمنيه الله تعالى، فتهلل وجه الأمير، وقال: ليس هذا باعتذار جاهل، ثم قال: نبهونا على أنفسكم، إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها، ورفع مرتبته، وزاد في عطائه.
ولما أنحى أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قرطبة قال: لا تستأصلوا شأفة أعداءٍ ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوةً منهم، يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين.
ولما اشتد الكرب بين يديه يوم حربه مع الفهري، ورأى شدة مقاساة أصحابه، قال: هذا اليوم هو أُس ما يبنى عليه، إما ذل الدهر وإما عز الدهر، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون.
ولما خرج من البحر أول قدومه على الأندلس أتوه بخمر، فقال: إني محتاج لما يزيد في عقلي، لا لما ينقصه، فعرفوا بذلك قدره؛ ثم أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي، ولا حاجة لي بها الآن، وردها على صاحبها.
ولما استقامت له الدولة بلغه عن بعض من أعانه أنه قال: لولا أنا ما توصل لهذا الملك، ولكان منه أبعد من العيوق، وأن آخر قال: سعده أعانه، لا عقله وتدبيره، فحركه ذلك إلى أن قال:
لا يلف ممتنٌّ علينا قائلٌ ... لولاي ما ملك الأنام الداخل
سعدي وحزمي والمهنّد والقنا ... ومقادرٌ بلغت وحالٌ حائل
(3/42)

إنّ الملوك مع الزمان كواكبٌ ... نجمٌ يطالعنا ونجمٌ آفل
والحزم كلّ الحزم أن لا يغفلوا ... أيروم تدبير البريِّة غافل
ويقول قومٌ سعده لا عقله ... خير السعادة ما حماها العاقل
أبني أميّة قد جبرنا صدعكم ... بالغرب رغماً والسعود قبائل
ما دام من نسلي إمامٌ قائمٌ ... فالملك فيكم ثابتٌ متواصل وحكى ابن حيان أن جماعةً من القادمين عليه من قبل الشام حدثوه يوماً في بعض مجالسهم عنده ما كان من الغمر بن يزيد بن عبد الملك أيام محنتهم، وكلامه لعبد الله بن علي بن عباس الساطي بهم، وقد حضروا رواقه وفيه وجوه المسودة من دعاة القوم وشيعتهم راداً على عبد الله فيما أراقه من دماء بني أمية، وثلبهم والبراءة منهم، فلم تردعه هيبته وعصف ريحه واحتفال جمعه عن معارضته والرد عليه بتفضيله لأهل بيته والذبّ عنهم، وأنه جاء في ذلك بكلام غاظ عبد الله وأغصه بريقه، وعاجل الغمر بالحتف، فمضى وخلف في الناس ما خلف من تلك المعارضة في ذلك المقام، وكثر القوم في تعظيم ذلك، فكأن الأمير عبد الرحمن احتقر ذلك الذي كان من الغمر في جنب ما كان منه في الذهاب بنفسه عن الإذعان لعدوهم، والأنف من طاعتهم، والسعي في اقتطاع قطعة من مملكة الإسلام عنه، وقام عن مجلسه، فصاغ هذه الأبيات بديهةً:
شتّان من قام ذا امتعاض ... فشال ما قلّ (1) واضمحلاّ
ومن غدا مصلتاً لعزمٍ ... مجرِّداً للعداة نصلا
فجاب قفراً وشقّ بحراً ... ولم يكن في الأنام كلاّ
فشاد ملكاً وشاد عزّاً ... ومنبراً للخطاب فصلا
__________
(1) ق: فمر ما قال؛ وآثرنا رواية الحلة السيراء.
(3/43)

وجنّد الجند حين أودى ... ومصّر المصر حين أجلى
ثمّ دعا أهله جميعاً ... حيث انتأوا أن هلمّ أهلا وله غير ذلك من الشعر، وسيأتي بعضه مما يقارب هذه الطبقة.
وأول ناصر لعبد الرحمن سائر معه في الخمول والاستخفاء مولاه المتقدم الذكر، سعى في سلطانه شرقاً وغرباً وبراً وبحراً، فلما كمل له الأمر سلبه من كل نعمة، وسجنه ثم أقصاه إلى أقصى الثغر، حتى مات وحاله أسوأ حال، والله تعالى أعلم بالسرائر، فلعل له عذراً ويلومه من يسمع مبداه ومآله.
ورأس الجماعة الذين توجه إليهم بدر في القيام بسلطانه أبو عثمان، ولما توطدت دولة الداخل استغنى عنه وعن أمثاله، فأراد أبو عثمان أن يشغل خاطره وينظر في شيءٍ يحتاج به إليه، فجعل ابن أخته يثور عليه في حصنٍ من حصون إلبيرة، فوجه عبد الرحمن من قبض عليه وضرب عنقه، ثم أخذ أبو عثمان مع ابن أخي الداخل، وزين له القيام عليه، فسعي لعبد الرحمن بابن أخيه قبل أن يتم أمره، فضرب عنقه وأعناق الذين دبروا معه، وقيل له: إن أبا عثمان كان معه، وهو الذي ضمن له تمام الأمر، فقال: هو أبو سلمة هذه الدولة (1) ، فلا يتحدث الناس عنه بما تحدثوا عن بني العباس في شأن أبي سلمة، لكن سأعتبه عتباً أشد من القتل، وجعل يوعده، ثم رجع له إلى ما كان عليه في الظاهر.
وكان صاحبه الثاني في المؤازرة والقيام بالدولة صهره عبد الله بن خالد، وكان قد ضمن لأبي الصباح رئيس اليمانية عن الداخل أشياء لم يف بها الداخل، وقتل أبا الصباح، فانعزل عبد الله وأقسم لا يشتغل بشغل سلطان حياته، فمات منفرداً عن السلطان.
__________
(1) يشير إلى أبي سلمة الخلال الذي كان يلقب وزير آل محمد، وقد تخلص منه العباسيون حين تمهدت الدولة.
(3/44)

وكان ثالثهما في النصرة والاختصاص تمام بن علقمة، وهو الذي عبر البحر إليه وبشره باستحكام أمره، فقتل هشام بن عبد الرحمن ولد تمام المذكور، وكذلك فعل بولد أبي عثمان المتقدم الذكر، قال ابن حيان: فذاقا من ثكل ولديهما على يدي أعزّ الناس عليهما ما أراهما أن أحداً لا يقدر أن ينظر في تحسين عاقبته.
وإذا تتبع الأمر في الذين يقومون في قيام دولة كان مآلهم مع من يظهرونه هذا المآل وأصعب.
وذكر أن أول حجّاب الداخل تمام بن علقمة مولاه ذو العمر الطويل، ثم يوسف بن بخت الفارسي مولى عبد الملك بن مروان، وله بقرطبة عقبٌ نابه، ثم عبد الكريم بن مهران من ولد الحارث بن أبي شمر الغساني، ثم عبد الرحمن بن مغيث بن الحارث بن حويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني، وأبوه مغيث فاتح قرطبة الذي تقدمت ترجمته، ثم منصور الخصي، وكان أول خصيٍّ استحجبه بنو مروان بالأندلس، ولم يزل حاجبه إلى أن توفي الداخل.
ولم يكن للداخل من ينطلق عليه سمة (1) وزير، لكنه عين أشياخاً للمشاورة والمؤازرة (2) ، أولهم أبو عثمان المتقدم الذكر، وعبد الله بن خالد السابق الذكر، وأبو عبدة صاحب إشبيلية، وشهيد بن عيسى بن شهيد مولى معاوية بن مروان ابن الحكم، وكان من سبي البرابر، وقيل: إنه رومي، وبنو شهيد الفضلاء من نسله، وعبد السلام بن بسيل الرومي مولى عبد الله بن معاوية، ولولده نباهةٌ عظيمة في الوزارة وغيرها، وثعلبة بن عبيد بن النظام الجذامي صاحب سرقسطة لعبد الرحمن، وعاصم بن مسلم الثقفي من كبار شيعته وأول من خاض النهر وهو عريان يوم الوقعة بقرطبة، ولعقبه في الدولة نباهة.
__________
(1) المقتطفات: تسمية.
(2) المقتطفات: والمزاورة.
(3/45)

وأول من كتب له عند خلوص الأمر له واحتلاله بقرطبة كبير نقبائه أبو عثمان وصاحبه عبد الله بن خالد المتقدما الذكر، ثم لزم كتابته أمية بن يزيد مولى معاوية بن مروان، وكان في عديد من يشاوره أيضاً ويفضل أمره وآراءه، وكان يكتب قبله ليوسف الفهري، وقيل: إنه ممن اتهم في ممالأة اليزيدي في إفساد دولة عبد الرحمن، فاتقف أن مات قبل قتل اليزيدي واطلاع عبد الرحمن على الأمر.
وذكر ابن زيدون أن الداخل ألفى على قضاء الجماعة بقرطبة يحيى بن يزيد اليحصبي، فأقره حيناً، ثم ولى بعده أبا عمرو معاوية بن صالح الحمصي، ثم عمر ابن شراحيل، ثم عبد الرحمن بن طريف، وكان جدار بن عمرو يقضي في العساكر.
وكان الداخل يرتاح، لما استقر سلطانه بالأندلس، إلى أن يفد عليه فل بيته بني مروان، حتى يشاهدوا ما أنعم الله تعالى عليه، وتظهر يده عليهم، فوفد عليه من بني هشام بن عبد الملك أخوه الوليد ابن معاوية وابن عمه عبد السلام ابن يزيد ابن هشام، قال ابن حيان: وفي سنة 163 قتل الداخل عبد السلام ابن يزيد ابن هشام المعروف باليزيدي، وقتل معه من الوافدين عليه عبيد الله بن أبان بن معاوية بن هشام، وهو ابن أخي الداخل، وكانا تحت تدبير يبرمانه في طلب الأمر، فوشى بينهما مولى لعبيد الله بن أبان، وكان قد ساعدهما على ما هما به من الخلاف أبو عثمان كبير الدولة، فلم ينله ما نالهما.
وذكر الحجاري أن الداخل كان يقول: أعظم ما أنعم الله تعالى به علي بعد تمكني من هذا الأمر القدرة على إيواء من يصل إلي من أقاربي، والتوسع في الإحسان إليهم، وكبري في أعينهم وأسماعهم ونفوسهم بما منحني الله تعالى من هذا السلطان الذي لا منة لأحد علي فيه لأحدٍ غيره.
وذكر ابن حزم أنه كان فيمن وفد عليه ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية، فسعى في طلب الأمر لنفسه، فقتله سنة 167، وقتل معه من أصحابه هذيل بن الصميل بن حاتم، ونفى أخاه الوليد بن معاوية والد المغيرة المذكور إلى العدوة
(3/46)

بماله وولده وأهله.
وفي " المسهب " حدث بعض موالي عبد الرحمن الخاصين به أنه دخل على الداخل إثر قتله ابن أخيه المغيرة المذكور، وهو مطرق شديد الغم، فرفع رأسه إليّ وقال: ما عجبي إلا من هؤلاء القوم، سعينا فيما يضجعهم في مهاد الأمن والنعمة، وخاطرنا فيه بحياتنا، حتى إذا بلغنا منه إلى مطلوبنا، ويسّر الله تعالى أسبابه، أقبلوا علينا بالسيوف، ولما آويناهم وشاركناهم فيما أفردنا الله تعالى به حتى أمنوا ودرت عليهم أخلاف النعم هزوا أعطافهم، وشمخوا بآنافهم، وسموا إلى العظمى، فنازعونا فيما منحنا الله تعالى، فخذلهم الله بكفرهم النعم إذ أطلعنا على عوراتهم، فعاجلناهم قبل أن يعاجلونا، وأدى ذلك إلى أن ساء ظننا في البريء منهم، وساء أيضاً ظنه فينا، وصار يتوقع من تغيرنا عليه ما نتوقع نحن منه، وإن أشد ما علي في ذلك أخي والد هذا المخذول، كيف تطيب لي نفسٌ بمجاورته بعد قتل ولده وقطع رحمه أم كيف يجتمع بصري مع بصره اخرج له الساعة فاعتذر إليه، وهذه خمسة آلاف دينار ادفعها إليه، واعزم عليه في الخروج عني من هذه الجزيرة إلى حيث شاء من بر العدوة. قال: فلما وصلت إلى أخيه وجدته أشبه بالأموات منه بالأحياء، فآنسته وعرفته، ودفعت له المال، وأبلغته الكلام، فتأوه وقال: إن المشئوم لا يكون بليغاً في الشؤم حتى يكون على نفسه وعلى سواه، وهذا الولد العاق الذي سعى في حتفه قد سرى ما سعى فيه إلى رجل طلب العافية، وقنع بكسر بيت في كنف من يحمل عنه معرة الزمان وكله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا مرد لما حكم به وقضاه (1) ، ثم ذكر أنه أخذ في الحركة إلى بر العدوة. قال: ورجعت إلى الأمير فأعلمته يقوله، فقال: إنه نطق بالحق، ولكن لا يخدعني بهذا القول عما في نفسه، والله لو قدر أن يشرب من دمي ما عف عنه لحظة، فالحمد لله الذي أظهرنا
__________
(1) المقتطفات: لا مرد لحكم به قضى.
(3/47)

عليهم بما نويناه فيهم، وأذلهم فيما نووه فينا.
واعلم أنه دخل الأندلس أيام الداخل من بني مروان وغيرهم من بني أمية جماعة كثيرون سرد أسماءهم غير واحد من المؤرخين، وذكر أعقابهم بالأندلس، ومنهم جزيّ بن عبد العزيز أخو عمر بن عبد العزيز، وسيأتي قريباً.
وقد ثار على عبد الرحمن الداخل من أعيان الغرب وغيرهم جماعة كثيرون ظفّره الله تعالى بهم، وقد سبق ذكر بعضهم، ومنهم الدعي (1) الفاطمي البربري بشنت مرية فأعيا الداخل أمره، وطال شره سنين متوالية، إلى أن فتك به بعض أصحابه فقتله.
ومنهم حيوة بن ملابس الحضرمي رئيس إشبيلية، وعبد الغفار بن حميد اليحصبي رئيس لبلة، وعمرو بن طالوت رئيس باجة، اجتمعوا وتوجهوا نحو قرطبة يطلبون دم رئيس اليمانية أبي الصباح، فقتلوا في هزيمة عظيمة، وقيل: نجوا بالفرار، فأمنهم الداخل.
وفي سنة 157 ثار بسرقسطة الحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي، وشايعه سليمان بن يقظان الأعرابي الكلبي رأس الفتن، وآل أمرهما إلى أن فتك الحسين بسليمان، وقتل الداخل الحسين كما مرّ.
وفي سنة 163 ثار الرماحس بن عبد العزيز الكناني بالجزيرة الخضراء، فتوجه له عبد الرحمن الداخل، ففرّ في البحر إلى المشرق.
قال ابن حيان: كان مولد عبد الرحمن الداخل سنة 113، وقيل: في التي قبلها، بالعلياء من تدمر، وقيل: دير حنّا من دمشق، وبها توفي أبوه معاوية في حياة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك، وكان قد رشحه للخلافة - وبقبر معاوية المذكور استجار الكميت الشاعر حين أهدر هشام دمه -. وتوفي الداخل لستٍ بقين من ربيع الآخر سنة 171، وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة
__________
(1) دوزي: الداعي.
(3/48)

أشهر، وقيل: اثنتان وستون سنة ودفن بالقصر من قرطبة، وصلى عليه ابنه عبد الله.
وكان منصوراً مؤيداً مظفراً على أعدائه، وقد سردنا من ذلك جملة، حتى قال بعضهم: إن الراية التي عقدت له بالأندلس (1) حين دخلها لم تهزم قط، وإن الوهن ما ظهر في ملك بني أمية إلا بعد ذهاب تلك الراية، قال أكثر هذا مؤرخ الأندلس الثبت الثقة أبو مروان ابن حيان، رحمه الله تعالى.
ولا بأس أن نورد زيادة على ما سلف وإن تكرر بعض ذلك، فنقول: قال بعض المؤرخين من أهل المغرب بعد كلام ابن حيان الذي قدمنا ذكره، ما نصه (2) : كان الإمام عبد الرحمن الداخل راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، كثير الحزم، نافذ العزم، لم ترفع له قط راية على عدو إلا هزمه، ولا بلد إلا فتحه، شجاعاً، مقداماً، شديد الحذر، قليل الطمأنينة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمر إلى غيره، كثير الكرم، عظيم السياسة، يلبس البياض ويعتم به، ويعود المرضى ويشهد الجنائز، ويصلي بالناس في الجمع والأعياد، ويخطب بنفسه، جند الأجناد وعقد الرايات واتخذ الحجاب والكتاب، وبلغت جنوده مائة ألف فارس.
وملخص دخوله الأندلس أنه لما اشتد الطلب على فل بني أمية بالمشرق من وارثي ملكهم بني العباس خرج مستتراً إلى مصر، فاشتد الطلب على مثله، فاحتال حتى وصل برقة، ثم لم يزل متوغلاً في سيره إلى أن بلغ المغرب الأقصى، ونزل بنفزة، وهم أخواله، فأقام عندهم أياماً ثم ارتحل إلى مغيلة بالساحل، فأرسل مولاه بدراً بكتابه إلى مواليهم بالأندلس عبيد الله بن عثمان وعبد الله بن خالد وتمام بن علقمة وغيرهم، فأجابوه واشتروا مركباً وجهزوه بما يحتاج
__________
(1) المقتطفات: في الأندلس بين الزيتونتين.
(2) قد تقدم أن هذا النص لابن حيان. (انظر ص 2: 37) .
(3/49)

إليه، وكان الذي اشتراه عبيد الله بن عثمان، وأركب فيه بدراً، وأعطاه خمسمائة دينار برسم النفقة، وركب معه تمام بن علقمة، وبينما هو يتوضأ لصلاة المغرب على الساحل إذ نظر إلى المركب في لجة البحر مقبلاً حتى أرسى أمامه، فخرج إليه بدر سابحاً، فبشره بما تم له بالأندلس، وبما اجتمع عليه الأمويون والموالي، ثم خرج إليه تمام ومن معه في المركب فقال له: ما اسمك وما كنيتك فقال: اسمي تمام، وكنيتي أبو غالب، فقال: ثم أمرنا وغلبنا غدوّنا إن شاء الله، ثم ركبوا المركب معه فنزل بالمنكب، وذلك غرّة ربيع الأول سنة 138.
فلما اتصل خبر جوازه بالأموية أتاه عبيد الله بن عثمان وجماعة فتلقوه بالإعظام والإكرام، وكان وقت العصر، فصلى بهم العصر، وركبوا معه إلى قرية طرّش من كور إلبيرة فنزل بها، وأتاه بها جماعة من وجوه الموالي وبعض العرب، فبايعوه وكان من أمره ما يذكر، وقيل: إنه أقام بإلبيرة حتى كمل من معه ستمائة فارس من موالي بني أمية ووجوه العرب، فخرج من إلبيرة إلى كورة رية فدخلت في جماعته ثم بايعته أهلها وأجنادها، ثم ارتحل إلى شذونة ثم إلى مورور، ثم سار إلى إشبيلية.
وقال بعضهم: لما أراد عبد الرحمن قصد قرطبة عند دخوله الأندلس من المشرق نزل بطشانة، فأشاروا عليه أن يعقد له لواء، فجاءوا بعمامة وقناة، فكرهوا أن يميلوا القناة تطيراً، فأقاموها بين شجرتين من الزيتون متجاورتين، وصعد رجل على فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة، وتبرك هو وولده بهذا اللواء، فكان بعد أن بلي لا تحل منه العقدة التي عقدت أولاً، بل تعقد فوقها الألوية الجدد، وهي مستكنة تحتها، ولم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت الدولة إلى عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وقيل: إلى ابنه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، فاجتمع الوزراء على تجديد اللواء، فلما رأوا تحت اللواء أسمالاً خلقة ملفوفة
(3/50)

معقدة جهلوها فاسترذلوها، وأمروا بحلها ونبذها، وجددوا غيرها، وكان جهور بن يوسف بن بخت شيخهم غائباً، فحضر في اليوم الثاني وطولع بالقصة، فأنكرها أشد إنكار وساءه ما فعلوه، وقال: إن جهلتم شأن تلك الأخلاق فكان ينبغي أن تتوقفوا عن نبذها حتى تسألوا المشايخ وتتفكروا في أمرها، وخبرهم خبرها، فتطلبوا تلك الأخلاق فلم توجد، ويقال كما قال ابن حيان: إنه لم يزل يعرف الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم، وقد كان الذي عقده أولاً عبد الله بن خالد من موالي بني أمية، وكان والده خالد عقد لواء مروان بن الحكم جد عبد الرحمن الأعلى لما اجتمع عليه بنو أمية وبنو كلب بعد انقراض دولة بني حرب على قتال الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهطٍ، فانتصر على الضحاك وقتله، ولما عرف الأمير بقصة اللواء حزن أشد حزن، وانفتقت عليه إثر ذلك الفتوق العظام، وكانوا يرون أنها جرت بسبب اللواء لأنه لم ينهزم قط جيش كان تحته، على ما اقتضته حكمة الله التي لا تتوصل إليها الأفكار، وتولى حمل هذا اللواء لعبد الرحمن الداخل أبو سليمان داود الأنصاري، ولم يزل يحمله ولده من بعده إلى أيام محمد بن عبد الرحمن.
ولما تلاقى عبد الرحمن الداخل مع أمير الأندلس يوسف الفهري بالقرب من قرطبة وتراسلا، فخادعه يومين آخرهما يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائة، أظهر عبد الرحمن قبول الصلح، فبات الناس على ذلك ليلة العيد، وكان قد أسر خلاف ما أظهر، واستعد للحرب، ولما أصبح يوم الأضحى لم ينشب أن غشيت الخيل، ووكل عبد الرحمن بخالد بن زيد الكاتب رسول يوسف جماعة، وأمرهم إن كانت الدائرة عليهم أن يضربوا عنقه، وإلا فلا، فكان خالد يقول: ما كان شيء في ذلك الوقت أحب إلي من غلبة عبد الرحمن الداخل عدو صاحبي، وركب عبد الرحمن جواداً، فقالت اليمانية الذين أعانوه: هذا فتىً حديث السن تحته جواد وما نأمن أول ردعةٍ يردعها أن يطير منهزماً
(3/51)

على جواده ويدعنا، فأتى عبد الرحمن أحد مواليه فأخبره بمقالتهم، فدعا أبا الصباح، وكان له بغل أشهب يسميه الكوكب، فقال له: إن فرسي هذا قلق تحتي، لا يمكنني من الرمي، فقدم إلي بغلك المحمود أركبه، فقدمه، فلما ركب اطمأن أصحابه، وقال عبد الرحمن لأصحابه: أي يوم هذا قالوا: الخميس يوم عرفة، فقال: فالأضحى غداً يوم الجمعة، والمتزاحفان أموي وفهري، والجندان قيس ويمن، قد تقابل الأشكال جداً، وأرجو أنه أخو يوم مرج راهط، فأبشروا وجدوا، فذكرهم يوم مرج راهط الذي كانت فيه الوقعة بين جده مروان بن الحكم وبين الضحاك بن قيس الفهري، وكانت يوم جمعة ويوم أضحى، فدارت الدائرة لمروان على الضحاك، فقتل الضحاك، وقتل معه سبعون ألفاً من قبائل قيس وأحلافهم، وقيل: إنه لم يحضر مرج راهط من قيس مع مروان غير ثلاثة نفر: عبد الرحمن (1) بن مسعدة الفزاري، وابن هبيرة المحاربي، وصالح الغنوي، وكذا لم يحضر مع عبد الرحمن الداخل يوم المصارة غربي قرطبة من قيس غير ثلاثة: جابر بن العلاء بن شهاب، والحصين بن الدجن، العقيليان، وهلال بن الطفيل العبدي، وكان الظفر لعبد الرحمن، وانهزم يوسف، وصبر الصميل بن حاتم بعده معذراً وعشيرته يحفونه، فلما خاف انهزامهم عنه تحول على بغله الأشهب معارضةً لعبد الرحمن الداخل، فمر به أبو عطاء فقال له: يا أبو جوشن، احتسب نفسك، فإن للأشباه أشباهاً: أموي بأموي، وفهري بفهري، وكلبي بكلبي، ويوم أضحى بيوم أضحى، ويمني بقيسي، والله إني لأحسب هذا اليوم بمثل مرج رهط سواء، فقال له الصميل: كبرت وكبر علمك، الآن تنجلي الغماء، وسحرك (2) منتفخ، فانثنى أبو عطاء لوجهه منقلباً، وانهزم الصميل، وملك عبد الرحمن قرطبة.
__________
(1) دوزي: عبد الله.
(2) السحر: الرئة.
(3/52)

ويوسف الفهري هو ابن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع الفهري، باني القيروان، وأمير معاوية على إفريقية والمغرب، وهو مشهور.
وأما الصميل فهو ابن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، وقيل: الصميل بن حاتم بن عمرو بن جندع بن شمر بن ذي الجوشن، كان جده شمر من أشراف الكوفة وهو أحد قتلة الحسين، رضي الله تعالى عنه، ودخل الصميل الأندلس حين دخل كلثوم بن عياض المغرب غازياً، وساد بها، وكان شاعراً كثير السكر أمياً لا يكتب، ومع ذلك فانتهت إليه في زمانه رياسة العرب بالأندلس، وكان أميرها يوسف الفهري كالمغلوب معه، وكانت ولاية الفهري الأندلس سنة تسع وعشرين ومائة، فدانت له تسع سنين وتسعة أشهر، وعنه كما مرّ انتقل سلطانها إلى بني أمية، واستفحل ملكهم بها إلى بعد الأربعمائة، ثم انتثر سلكهم، وباد ملكهم، كما وقع لغيرهم من الدول في القرون السالفة، سنة الله التي قد خلت في عباده.
وكانت مدة الأمراء قبل عبد الرحمن الداخل من يوم فتحت الأندلس إلى هزيمة يوسف الفهري والصميل ستاً وأربعين سنة وشهرين وخمسة أيام، لأن الفتح كان حسبما تقدم لخمسٍ خلون من شوال سنة اثنتين وتسعين، وهزيمة يوسف يوم الأضحى لعشرٍ خلون من ذي الحجة سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة، والله غالب على أمره.
وحكي أن عبد الرحمن بن معاوية دخل يوماً على جده هشام، وعنده أخوه مسلمة بن عبد الملك، وكان عبد الرحمن إذ ذاك صبياً، فأمر هشام أن ينحّى عنه، فقال له مسلمة: دعه يا أمير المؤمنين، وضمه إليه ثم قال: يا أمير المؤمنين هذا صاحب بني أمية، ووزرهم عند زوال ملكهم، فاستوص به خيراً، قال: فلم أزل أعرف مزيةً من جدي من ذلك الوقت.
وكان الداخل يقاس بأبي جعفر المنصور في عزمه وشدته وضبط المملكة، ووافقه في أن أم كل منهما بربرية، وأن كلاً منهما قتل ابن أخيه، إذ قتل
(3/53)

المنصور ابن السفاح، وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية.
ومن شعر عبد الرحمن وقد رأى نخلة برصافته (1) :
تبدّت لنا وسط الرصافة نخلةٌ ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرّب والنّوى ... وطول اكتئابي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرضٍ أنت فيها غريبةٌ ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي ... يسحُّ ويستمري السماكين (2) بالوبل وكان نقش خاتمه " بالله يثق عبد الرحمن، وبه يعتصم ".
وأشاع سنة 163 الرحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العباس، وكاتب جماعة من أهل بيته ومواليه وشيعته، وعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة، ويذهب بعامة من أطاعه، ثم أعرض عن ذلك بسبب أمر الحسين (3) الأنصاري الذي انتزى عليه بسرقسطة، فبطل ذلك العزم.
ومن شعر عبد الرحمن أيضاً قوله يتشوّق إلى معاهد الشام (4) :
أيّها الراكب الميمّم أرضي ... اقر منّي بعض السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضٍ ... وفؤادي ومالكيه بأرض
قدّر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي وترجمة الداخل طويلة، وقد ذكر منها ما فيه مقنع، انتهى؛ والله تعالى الموفق للصواب.
__________
(1) انظر ابن عذاري 2: 62 والحلة السيراء: 27.
(2) المقتطفات وق: يصح ويستمري المساكين.
(3) المقتطفات وق: الحسن؛ وقد تقدم ذكره باسم " الحسين ".
(4) تقدمت هذه الأبيات ص: 38.
(3/54)

وفي بنائه جامع قرطبة يقول بعضهم:
وأبرز في ذات الإله ووجهه ... ثمانين ألفاً من لجينٍ وعسجد
وأنفقها في مسجدٍ زانه التّقى ... وقرّ به دين النبي محمّد
ترى الذهب الوهّاج بين سموكه ... يلوح كلمح البارق المتوقّد 33 - ومن الوافدين على الأندلس أبو الأشعث الكلبي (1) ، دخل الأندلس، وكان شيخاً مسناً يروي عن أمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، إلا أنه كان مندراً صاحب دعابة، وكان مختصاً بعبد الرحمن بن معاوية، وله منه مكانةٌ لطيفةٌ يدل بها عليه، ولما توفي حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد ابن عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد الرحمن خاصةٌ لم تكن لأحد من أهل بيته، جعل عبد الرحمن يبكي ويجتهد في الدعاء والاستغفار لحبيب، وكان إلى جنبه أبو الأشعث هذا قائماً، وكانت له دالة عليه ودعابة يحتملها منه، فأقبل عند استعباره كالمخاطب للمتوفى علانيةً يقول: يا أبا سليمان، لقد نزلت بحفرة قلما يغني عنك فيها بكاء الخليفة عبد الرحمن بعرةً، فأعرض عنه عبد الرحمن، وقد كاد التبسم يغلبه؛ هكذا ذكره ابن حيان رحمه الله تعالى في " المقتبس "، ونقله عن الحافظ ابن الأبار.
34 - ومن الداخلين إلى الأندلس جزي بن عبد العزيز (2) ، أخو عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه؛ دخل الأندلس، ومات في مدة الداخل، وكان من أولياء الله تعالى مقتفياً سبيل أخيه عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله تعالى.
__________
(1) انظر التكملة: 312 والنقل عنه حرفي دون إخلال أو إيجاز. والترجمة في " المقتطفات ": 123، وفي ق: أبو الأشعب الكلبي.
(2) الجمهرة: 105 وقال ابن حزم: ولجزي عقب بقرطبة؛ وترجمته في الجذوة: 178 (وبغية الملتمس رقم: 627) .
(3/55)

35 - ومنهم بكر بن سوادة بن ثمامة، الجذامي (1) ويكنى أبا ثمامة، وجده صحابي، وكان بكر هذا فقيهاً كبيراً من التابعين، روى عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وحبان بن سمح الصدائي، - وقيد اسمه الدار القطني رحمه الله تعالى حبان، بكسر الحاء المهملة، وبباء معجمة بواحدة، ونقله الأمير كذلك، وهو ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، قال ابن يونس: ويقال فيه حبان بالكسر، وحبان بالفتح أصح، انتهى، وضبطه بعضهم بالياء المثناة تحت -.
رجع - وممن روى عنه بكر من الصحابة أبة ثور الفهمي، وأبو عميرة المزني، وروى عن جماعة من التابعين أيضاً كسعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وجماعة سواهم يكثر عددهم ويطول سردهم، منهم ربيعة بن قيس الجملي وأبو عبد الرحمن الحبلي وزياد بن نعيم الحضرمي وسفيان بن هانئ الجيشاني وسعيد بن شمر السبائي وعبد الله بن المستورد بن شداد الفهري وعبد الرحمن بن أوس المزني وزيادة بن ثعلبة البلوي وشيبان بن أمية القتابي وعامر بن ذريح الحميري وعمير بن الفيض اللخمي وأبو حمزة الخولاني وعياض بن فروخ المعافري ومسلم بن مخشي المدبجي (2) وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم ممن اشتمل على ذكرهم التاريخان لابن عبد الحكم وابن يونس.
وممن روى عن بكر المذكور عبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث وجعفر ابن ربيعة وأبو زرعة ابن عبد الحكم الإفريقي وغيرهم.
قال ابن يونس: توفي بإفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك، وقيل: بل
__________
(1) انظر ترجمته في الجذوة: 169 (وبغية الملتمس رقم: 586) ورياض النفوس 1: 74 ومعالم الإيمان 1: 160.
(2) ق: المربخي؛ ولم ينسبه الذهبي في ميزان الاعتدال (1: 107) وقال: تفرد بحديث الفراسي في ماء البحر؛ ما حدث عنه غير بكر بن سوادة.
(3/56)

غرق في مجاز الأندلس، سنة ثمان وعشرين ومائة، قال: وجده ثمامة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله بمصر حديث رواه عمرو بن الحارث.
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد القيرواني المالكي في تاريخه المسمى ب " رياض النفوس " وقد ذكر بكراً هذا: إنه كان أحد العشرة التابعين، يعني الموجهين إلى إفريقية من قبل عمر بن عبد العزيز في خلافته ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم، قال: وأغرب بحديث عن عقبة بن عامر، لم يروه غيره فيما علمت، حدث عبد الله بن لهيعة عنه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف، ولا تنه عن منكر، وعليك بخاصة نفسك "، وحكى المالكي أيضاً عن أبي سعيد بن يونس قال: كان فقيهاً مفتياً، سكن القيروان، وكانت وفاته كما تقدم، وذكره الحميدي في الداخلين إلى الأندلس، ولم يذكره ابن الفرضي.
36 - ومنهم رزيق بن حكيم (1) ، أحد المعدودين في الداخلين إلى الأندلس، ذكره أبو الحسن ابن النعمة عن أبي المطرف عبد الرحمن بن يوسف الرفاء القرطبي، وحكى أنه كتب ذلك من خطه، وسماه مع جماعة منهم حبان بن أبي جبلة وعلي ين أبي رباح وأبو عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومعاوية ابن صالح وزيد ابن الحباب العكلي، وانتهى عددهم برزيق هذا سبعة، ولم يذكره ابن الفرضي ولا غيره، قاله الحافظ أبو عبد الله القضاعي.
37 - ومنهم زيد بن قاصد السكسكي (2) . قال ابن الأبار: وهو تابعي، دخل الأندلس وحضر فتحها، وأصله من مصر، يروي عن عبد الله بن عمرو
__________
(1) ق: زريق؛ وأثبته ابن الأبار في حرف الراء " رزيق " (التكملة: 324) وكذلك سماه الذهبي في المشتبه: 312 واسم والده مصغر أيضا؛ وما أورده المقري في ترجمته منقول عن ابن الأبار.
(2) التكلمة: 330 والجذوة: 204 (وبغية الملتمس رقم: 757) .
(3/57)

ابن العاص رضي الله تعالى عنه، وروى عنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، ذكره يعقوب بن سفيان، وأورد له حديثاً؛ من كتاب الحميدي (1) ، انتهى.
38 - ومنهم زرعة بن روح الشامي (2) ؛ دخل الأندلس، وحدث عنه ابنه مسلمة بن زرعة بحكاية عن القاضي مهاجر بن نوفل.
39 - ومنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري (3) ، قال ابن الأبار: تابعي، دخل الأندلس، يروي عن أبي هريرة، قرأته بخط ابن حبيش، وقال أبو سعيد ابن يونس مؤرخ مصر: إنه يروي عنه الحارث بن يزيد ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وكان غزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير، ويروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الحميدي: إنه كان من أهل الدين والفضل معروفاً بالفقه، ولي بحر إفريقية سنة ثلاث وتسعين، وغزا المغرب والأندلس مع موسى بن نصير، فيما حكاه ابن يونس صاحب تاريخ مصر، وكان على بحر تونس سنة ثنتين ومائة على ما حكاه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم. ولما قتل يزيد بن أبي مسلم والي إفريقية اجتمع رأي أهلها عليه، فولوه أمرهم، وذلك في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان، إلى أن ولي بشر بن صفوان الكلبي إفريقية، وكان على مصر فخرج إليها واستخلف أخاه حنظلة، انتهى.
40 - ومنهم عبد الملك بن عمرو بن مروان بن الحكم، الأموي (4) ، فر من الشام خوفاً من المسودة، فمر بمصر ومضى إلى الأندلس، وقد غلب عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الداخل، فأكرمه ونوه به، وولاه إشبيلية لأنه
__________
(1) يريد ابن الأبار أنه نقل هذه الترجمة من كتاب الحميدي (جذوة المقتبس) .
(2) انظر التكملة: 326.
(3) ترجمته في التكملة: 354 وجذوة المقتبس: 42 (وبغية الملتمس رقم: 67) .
(4) ترجمته في الحلة السيراء 1: 56 والمقتطفات: 123.
(3/58)

كان قعدد بني أمية، ثم إنه لما وجد الداخل يدعو لأبي جعفر المنصور أشار عليه بقطع اسمه من الخطبة، وذكره بسوء صنيع بني العباس ببني أمية، فتوقف عبد الرحمن في ذلك، فما زال به عبد الملك حتى قطع الدعاء له، وذلك أنه قال له حين امتنع من ذلك: إن لم تقطع الخطبة لهم قتلت نفسي، فقطع حينئذ عبد الرحمن الخطبة بالمنصور بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر، ولما زحف أهل غرب الأندلس نحو قرطبة لحرب الأمير عبد الرحمن أنهض إليهم عبد الملك هذا، فنهض في معظم الجيش، وقدم ابنه أمية أمامه في أكثر العساكر، فخالطهم أمية، فوجد فيهم قوة، فخاف الفضيحة معهم، فانحاز منهزماً إلى أبيه، فلما جاءه سقط في يده، وقال له: ما حملك على أن استخففت بي وجرأت الناس علي والعدو إن كنت قد فررت من الموت فقد جئت إليه، فأمر بضرب عنقه، وجمع أهل بيته وخاصته وقال لهم: طردنا من الشرق إلى أقصى هذا الصقع، ونحسد على لقمة تبقي الرمق، اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظفر، ففعلوا وحملوا، وتقدمهم، فهزم اليمانية وأهل اشبيلية، ولم تقم بعدها لليمانية قائمة، وقتل بين الفريقين ثلاثون ألفاً، وجرح عبد الملك، فأتاه عبد الرحمن وجرحه يجري دماً وسيفه يقطر دماً، وقد لصقت يده بقائم سيفه، فقبل بين عينيه، وجزاه خيراً، وقال له: يا ابن عمّ، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا ولأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم كذا، ووليتكم الوزارة.
ومن شعره لما نظر نخلة منفردة بإشبيلية فتذكر وطنه بالشام، وقال (1) :
__________
(1) نسب ابن الأبار هذه الأبيات لعبد الرحمن الداخل (الحلة: 37) ثم قال: وقد قيل إن الأبيات الأربعة الأول (تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... ) لعبد الملك بن بشر بن عبد الملك، وقيل في الأبيات الأخيرة (يا نخل أنت غريبة ... ) إنها لعبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم؛ ثم عاد فذكر أن هناك ما يقوي نسبتها إلى عبد الرحمن.
(3/59)

يا نخل أنت فريدةٌ مثلي ... في الأرض نائيةٌ عن الأهل
تبكي وهل تبكي مكممةٌ ... عجماء لم تجبل على جبلي
ولو أنها عقلت إذا لبكت ... ماء الفرات ومنبت النخل
لكنّها حرمت وأخرجني ... بغضي بني العباس عن أهلي 41 - ومن الداخلين من المشرق إلى الأندلس هاشم بن الحسين بن إبراهيم ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ونزل حين دخوله بلبلة، وتعرف منازلهم فيها بمنازل الهاشمي، وذكره أمير المؤمنين الحكم المستنصر في كتابه " أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب ".
42 - ومن الداخلين إلى الأندلس عبد الله بن المغيرة، الكناني (1) ، حليف بني عبد الدار، سماه أبو محمد الأصيلي الفقيه في الداخلين الأندلس من التابعين، حكى ذلك عنه أبو القاسم ابن بشكوال في مجموعه المسمى ب " التنبيه والتعيين "، قال ابن الأبار: وما أراه يتابع عليه؛ وذكره أبو سعيد ابن يونس من أهل إفريقية، انتهى، وذكر أنه يروي عن سفيان بن وهب الخولاني.
43 - ومنهم عبد الله المعمر (2) الذي طرأ على الأندلس في آخر الزمان، وكان يزعم أنه لقي بعض التابعين. قال ابن الأبار روى عنه أبو محمد أسد الجهني، ذكر ذلك القبشي، وفيه عندي نظر، انتهى.
44 - ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن بن شماسة بن ذئب، المهري (3) ، روى عن أبي ذر، وقيل عن أبي نضرة عن أبي ذر، وعائشة وعمرو بن العاص
__________
(1) ترجمته في التكملة: 772.
(2) التكملة: 912.
(3) ترجمته في التكملة رقم: 1525، وفيه " ابن ذؤيب ".
(3/60)

وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وأبي نضرة الغفاري (1) وعقبة بن عامر الجهني وعوف ابن مالك الأشجعي، ومعاوية ابن حديج ومسلمة بن مخلد وأبي رهم، ذكره ابن يونس في تاريخ مصر، وسماه ابن بشكوال في الداخلين الأندلس من التابعين، وروى ذلك عن الحميدي، قاله ابن الأبار؛ وقال ابن يونس: وآخر من حدث عنه بمصر حرملة بن عمران.
45 - ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق عبد الله بن سعد ابن عمار ابن ياسر (2) ، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه، وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كتب له أن يدافع عبد الرحمن المرواني الداخل للأندلس، وكان المذكور إذ ذاك أميراً على اليمانية من جند دمشق، وإنما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمار بصفين، وكان عمار رضي الله تعالى عنه من شيعة علي، كرم الله وجهه.
وهذا عبد الله بن سعد هو جد بني سعيد أصحاب القلعة الذين منهم عدة رؤساء وأمراء وكتاب وشعراء، ومنهم صاحب " المغرب " وغير واحد ممن عرفنا به في هذا الكتاب، ومن مشاهيرهم أبو بكر محمد بن سعيد ابن خلف ابن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثمين، قال: وهو القائل يفتخر (3) :
إن لم أكن للعلاء أهلاً ... بما تراه فمن يكون
فكلُّ ما أبتغيه دوني ... ولي على همّتي ديون
ومن يرم ما يقلّ عنه ... فذاك من فعله جنون
__________
(1) التكملة: أبي بصرة؛ وذكر صاحب الأغاني أن أبا بصرة الغفاري المحدث هو والد عزة صاحبة كثير؛ قال: واسمه صميل بن وقاص (9: 24) .
(2) انظر ما تقدم: ج 2: 330.
(3) مرت هذه الأبيات والتي تليها؛ ج 2: ص 331 من هذا الكتاب.
(3/61)

فرعٌ بأفق السماء سامٍ ... وأصله راسخٌ مكين وقوله:
الله يعلم أنّي ... أحبّ كسب المعالي
وإنّما أتوانى ... عنها لسوء المآل
تحتاج للكدّ والبذ ... ل واصطناع الرجال
دع كل من شاء يسمو ... لها بكلّ احتيال
فحالهم في انعكاسٍ ... بها وحالي حالي وتراجمهم واسعة، وقد بسطت في " المسهب " و " المغرب " وغيرهما، وقد قدمنا في الباب قبل هذا من أخبار بني سعيد هؤلاء ما يثلج الصدر فليراجع.
46 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر بن إسحاق بن عمرو بن مزاحم بن غياث، التميمي، البخاري (1) ، الحافظ، نزيل مصر.
سمع ببخارى بلده من إبراهيم بن محمد بن يزداد وأخيه أحمد، وكانا يرويان معاً عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وعن أبي الفضل السليماني ببيكند، وأبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بغنجار، وأبي يعلي حمزة بن عبد العزيز المهلبي وأقرانه باليمن، وأبي القاسم تمام بن محمد الرازي بدمشق، وابن أبي كامل بأطرابلس الشام، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر، وله رواية عن أبي نصر الكلاباذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر بن فورك المتكلم وأبي العباس ابن الحاج الإشبيلي وأبي القاسم علي بن أحمد الخزاعي صاحب الهيثم ابن كليب وأبي الفضل العباس بن محمد الحداد التنيسي وأبي الفتح محمد بن إبراهيم الجحدري وأبي بكر محمد بن داود العسقلاني وهلال الحفار وصدقة بن محمد
__________
(1) ترجمته في التكملة رقم: 1671.
(3/62)

ابن مروان الدمشقي، ولقي بإفريقية العابد ولي الله سيدي محرز بن خلف التميمي مولاهم وصحبه، وقال: لقد هبته يوم لقيته هيبة لم أجدها لأحد في نفسي من الناس، ودخل الأندلس وبلاد المغرب، وكتب بها عن شيوخها، ولم يزل يكتب إلى أن مات حتى كتب عمن دونه، وله " رسالة الرحلة (1) وأسبابها وقول لا إله إلا الله وثوابها "، فسمع منه أبو عبد الله الرازي وذكره في مشيخته، قال الحافظ ابن الأبار: ومنها نقلت اسمه وتعرفت دخوله الأندلس، وحدث عنه هو وجماعة منهم أبو مروان الطبني - وقال: هو من الرحالين في الآفاق، أخبرني أنه يحدث عن مئين من أهل الحديث - وأبو عبد الله الحميدي وأبو بكر [جماهر بن عبد الرحمن] (2) الطليطلي وأبو عبد الله ابن منصور الحضرمي وأبو سعيد الرهاوي وأبو محمد جعفر بن محمد السراج وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي وأبو الحسن ابن مشرف الأنماطي وأبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي وأبو محمد شعيب بن سبعون الطرطوشي وأبو بكر ابن نعمة العابد (3) وأبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الغراف (4) وأبو عثمان سعد بن عبد الله الحيدري من شيوخ السلفي، وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، وأبو إسحاق الكلاعي من شيوخ أبي بحر الأسدي، وأبو محمد ابن عتاب كتب إليه بجميع ما رواه ولم يعرف ذلك في حياته. وسماه أبو الوليد ابن الدباغ في الطبقة العاشرة من طبقات أئمة المحدثين من تأليفه، مع أبي عمر ابن عبد البر وأبي محمد ابن حزم وأبي بكر ابن ثابت الخطيب، وذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه، وقال: سمع بما وراء النهر والعراق ومصر واليمن والقيروان، ثم سكن مصر وقدم دمشق قديماً وحدث بها، وسمى جماعة كثيرة من الرواة عنه، وحكى أنه قال: لي ببخارى أربعة عشر ألف جزء حديث أريد أن أمضي وأجيء بها،
__________
(1) التكملة: رسالة الرحمة.
(2) زيادة من التكملة.
(3) دوزي: العابر.
(4) التكملة: الفراء.
(3/63)

قال: وسئل عن مولده، فقال: في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، قال: وتوفي بالحوراء سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى ورضي عنه، انتهى.
قلت: والذي أعتقده أنه لم يدخل الأندلس من أهل المشرق أحفظ منه للحديث، وهو ثقة عدل ليس له مجازفة، والحق أبلج.
47 - وممن دخل الأندلس من المشرق عبد الجبار بن أبي سلمة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري (1) ، دخل الأندلس مع موسى بن نصير، وكان على ميسرة معسكره، ونزل باجة ثم بطليوس، ومن نسله الزهريون الأشراف الذين كانوا بإشبيلية انتقلوا إلى سكناها قديماً، هكذا في خبر القاضي أبي الحسين الزهري منهم عن أبي بكر ابن خير وغيره، قال ابن بشكوال في مجموعه المسمى ب " التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين ": عبد الجبار بن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف من التابعين، وقع ذكره في كتاب شيخنا أبي الحسن ابن مغيث، انتهى. قال ابن الأبار: ولم يزد على هذا، انتهى
48 - ومن الداخلين إلى الأندلس من المشرق أبو محمد عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب (2) ، من أهل مصر، وسكن بغداد، ويعرف بالطندتائي، قرية بمصر نسب إليها، روى عن أبي محمد الشارمساحي، وتفقه به، وقدم الأندلس رسولاً بزعمه من عند الخليفة العباسي، فسكن مرسية ودرس بها، وخرج منها سنة اثنتين وأربعين وستمائة بعد أن تملكها النصارى صلحاً، وأسر بناحية صقلية، قال ابن الأبار: ثم بلغني أنه تخلص ولحق ببلده، رحمه الله تعالى.
49 - ومنهم عبد الخالق بن إبراهيم الخطيب، يكنى أبا القاسم. قال
__________
(1) ترجمته في التكملة رقم: 1772.
(2) ترجمته في التكملة رقم: 1796.
(3/64)

ابن الأبار (1) : لا أعرف موضعه من بلاد المشرق، وكان أديباً قوي العارضة، مطبوع الشعر، مديد النفس. ومن شعره من قصيدة صنعها في وقت رحلته إلى الأندلس قوله:
على الذلّ أو فاحلل عقال الركائب ... وللضيم أو فاحلل صدور الكتائب
فإمّا حياةٌ بعد إدراك منيةٍ ... وإمّا مماتٌ تحت عزّ القواضب
فما العيش في ظل الهوان بطيّبٍ ... وما الموت في سبل العلاء بعائب 50 - ومنهم عبد اللطيف بن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن هبة الله، أبو محمد الهاشمي، الصدفي، من أهل بغداد، يعرف بالنرسي، دخل الأندلس، وكان يزعم أنه روى عن أبي الوقت السجزي وأبي الفرج الجوزي وغيرهما، وله تأليف سماه " الدليل في الطريق من أقاويل أهل التحقيق " ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد الطراز وضعفه بعدما سمع منه، أخذ عنه وسمع منه هو وأبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم المغيلي وغيرهما، وقال: ورد علينا غرناطة قريباً من سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوفي، عفا الله تعالى عنه، بإشبيلية قريباً من هذا التاريخ، وقال فيه أبو القاسم ابن فرقد: عبد اللطيف بن عبد الله الهاشمي البغدادي النرسي، منسوب إلى قرية من قرى بغداد، سمع صحيح البخاري من أبي الوقت السجري، وروى عن غيره، وله تآليف، قال ابن الأبار (2) : في التصوف، منها تأليف في إباحة السماع، قرأت عليه أكثره، وقرأت عليه عوالي النقيب بمدينة إشبيلية بحومة القصر المبارك عام خمسة عشر وستمائة.
51 - ومنهم أبو بكر عمر بن عثمان بن محمد بن أحمد، الخراساني،
__________
(1) لم ترد ترجمته في كتاب التكملة المطبوع.
(2) لم يرد أيضا في كتاب التكملة المطبوع.
(3/65)

الباخرزي، الماليني، يكنى أبا بكر (1) ، سمع من أبي الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني وأبي يعقوب يوسف بن عمر بن أحمد الخالدي الزنجاني، وقدم الأندلس، وحدث بصحيفتي الأشج وجعفر بن نسطور الرومي، وسمع منه بغرناطة ومرسية وغيرهما من بلاد الأندلس، وحدث عنه أبو القاسم الملاحي، وسمع منه بمالقة أبو جعفر بن عبد الجبار وأبو علي بن هاشم في صفرسنة 600، ومولده في ربيع الأول سنة 560، انتهى من تكملة ابن الأبار (2) .
قلت: ولا يخفى على من له بصر بعلم الحديث أن الأشج وابن نسطور لا يلتفت إليهما، ويرحم الله تعالى السلفي الحافظ إذ قال:
حديث ابن نسطورٍ وقيسٍ ويعنمٍ ... وبعد أشجّ الغرب ثم خراش
ونسخة دينارٍ ونسخة تربه ... أبي هدبة القيسيّ شبه فراش قال ابن عات: كان الحافظ السلفي إذا فرغ من إنشاد هذين البيتين ينفخ في يديه إشارةً إلى أن هذه الأشياء كالريح، انتهى.
52 - ومن الوافدين على الأندلس من أهل المشرق علي بن بندار بن اسماعيل بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، البرمكي، من أهل بغداد، قدم الأندلس تاجراً سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد أخذ عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس الفقيه الداودي، وتلمذ له، وسمع منه " الموضح " و " المنجح " من تآليفه في الفقه، وما تم له من أحكام القرآن، هكذا نقله الحافظ بن حزم عن أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله المعتني بهذا الشأن، رحمه الله تعالى.
53 - ومنهم أبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد، أبو العلاء، النيسابوري.
__________
(1) انظر التكملة رقم: 1830.
(2) جاءت ترجمته في التكملة المطبوع ناقصة كثيرا عما أثبته المقري.
(3/66)

لقيه الحافظ أبو علي الصدفي ببغداد وأخذ عنه إذ قدمها حاجاً، وهو يحدث عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد البصروي، قال أبو علي: وأراه دخل الأندلس، ويغلب على ظني أني لقيته بسرقسطة، ذكر ذلك القاضي عياض في " المعجم " من تأليفه، والله تعالى أعلم.
54 - ومنهم سهل بن علي بن عثمان، التاجر، النيسابوري، يكنى أبا نصر (1) ، سمع جماعة من الخراسانيين وغيرهم؛ منهم أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي وأبو الفتح السمرقندي، وأدرك الإمام أبا المعالي الجويني، وحضر مجلسه ودرسه، ولقيه بعده أصحابه القشيري والطوسي وغيرهما، وكان شافعي المذهب، ذكره عياض وقال: حدثني بحكايات وفوائد، وأنشدني لأبي طاهر السلفي، وأجازني جميع رواياته وحدثني أن وفاة أبي المعالي كانت بنيسابور سنة خمس أو أربع وسبعين وأربعمائة، وقال أبو محمد العثماني: أنشدني أبو نصر سهل بن علي النيسابوري الحقواني قال: أنشدنا أبو الفتح نصر بن الحسن، أنشدنا أبو العباس العذري، قال: أنشدنا أبو محمد ابن حزم الحافظ لنفسه:
ولمّا رأيت الشّيب حلّ مفارقي ... نذيراً بترحال الشباب المفارق
رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري ... إلى ما أتى، هذا ابتداء الحقائق
دعي دعوات اللهو قد فات وقتها ... كما قد أفات الليل نور المشارق
دعي منزل اللّذّات ينزل أهله ... وجدّي لما ندعى إليه وسابقي قال عياض: توفي سهل هذا غريقاً في البحر منصرفاً إلى بلده من المرية، رحمه الله تعالى (2) .
__________
(1) ترجمة أبي نصر النيسابوري في التكملة رقم: 2008.
(2) زاد في التكملة: سنة 531.
(3/67)

55 - ومنهم أبو المكارم هبة الله بن الحسين، المصري (1) ، كان من أهل العلم، عارفاً بالأصول، حافظاً للحديث، متيقظاً، حسن الصورة والشارة، دخل الأندلس، وولي قضاء إشبيلية منها آخر شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة. قال ابن الأبار: وبه صرف أبو القاسم الخولاني، وأقام بها سنة، وحضر غزوة شنترين، وكان قدوم أبي المكارم هذا الأندلس خوفاً من صلاح الدين يوسف بن أيوب في قوم من شيعة العبيدي ملك مصر، ووفد أيضاً معه أبو الوفاء المصري، ثم استصحبه أمير المؤمنين يعقوب المنصور معه في غزوة قفصة الثانية، وولاه حينئذ قضاء تونس، وكان قد ولي قضاء فاس، وولي أيضاً أبو الوفاء صاحبه القضاء، وتوفي وهو يتولى قضاء تونس سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
56 - ومنهم يحيى بن عبد الرحمن ابن عبد المنعم بن عبد الله، القيسي، الدمشقي (2) ، أصله من دمشق، وبها ولد، ويعرف بالأصبهاني قي مجلس أبي طاهر السلفي لدخوله إياها وإقامته بها أزيد من خمسة أعوام لقراءة الخلافيات، ويكنى أبا زكريا، وسمع بالمشرق أبا بكر ابن ماشاذه السكري وأبا الرشيد ابن خالد البيع وأبا الطاهر السلفي وغيرهم، وقصد المغرب بعد أداء الفريضة فلقي ببجاية أبا محمد عبد الحق الإشبيلي، وأجازه وحضه على الوعظ والتذكير، فامتثل ذلك، ودخل الأندلس، وتجول ببلادها، واستوطن غرناطة منها، وكان فقيهاً على مذهب الشافعي، عارفاً بالأصول والتصوف، زاهداً، ورعاً، كثير المعروف والصدقة، يعظ الناس، ويسمع الحديث، ولم يكن بالضابط فيما قاله الحافظ ابن الأبار، قال: وله كتاب " الروضة الأنيقة " من تأليفه، حدث عنه جماعة من الجلة، منهم أبو جعفر ابن عميرة الضبي (3) ، وابنا حوط الله أبو محمد وأبو
__________
(1) ترجمته في التكملة رقم: 2024.
(2) التكملة رقم: 2071.
(3) ق: حميرة.
(3/68)

سليمان، وأبو القاسم الملاحي، وأبو العباس ابن الجيار، وأبو الربيع ابن سالم، وقال: أنشدني عند توديعي إياه بغرناطة قال: سمعت بعض المذكورين ينشد:
يازائراً زار وما زار ... كأنّه مقتبسٌ نارا
مرّ بباب الدار مستعجلاً ... ما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فداء لك من زائرٍ ... مازار حتى قيل قد سار وسمع منه أبو جعفر ابن الدلال كتاب " المعالم " للخطابي في شرح " سنن أبي داود " بقراءة جمعيه عليه.
ومولده في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي بغرناطة بعد أن سكنها يوم الاثنين سادس شوال سنة ثمان وستمائة، قال ابن الأبار: وفي هذا اليوم بعينه كانت وفاة شيخنا أبي عبد الله ابن نوح ببلنسية، رحمهما الله تعالى.
57 - ومن الوافدين من المشرق إلى الأندلس إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي، القرشي (1) ، من ذرية عبد بن زمعة أخي سودة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، رحل من مصر إلى الأندلس في زمن السلطان الحاكم المستنصر بالله أعوام الستين وثلاثمائة حين ملك بنو عبيد مصر وأظهروا فيها معتقدهم الخبيث، فحل يومئذ من الحكم المستنصر محل الرحب والسعة، ولما ثارت الدولة العامرية أوى إلى إشبيلية، وأوطنها داراً، واتخذها قراراً، وبها لقيه أبو عمر ابن عبد البر علامة الأندلس فدرس عليه، واقتبس مما لديه، وقد ذكره في تاريخ شيوخه، ولم يزل عقبه بها إلى أن نجم منهم أبو الحسين سالم ابن محمد بن سالم، وهو من رجال " الذخيرة " (2) وله نثر، كما تفتح الزهر، وتدفق البحر، ونظم كما اتسق الدر، وسفرت عن محاسنها الأوجه الغر،
__________
(1) ترجمته في جذوة المقتبس: 153 (وبغية الملتمس رقم: 545) .
(2) لم يرد اسمه في فهرست الذخيرة 1 / 1: 11 - 20.
(3/69)

فمن نظمه قوله:
خليليّ، هل ليلى ونجدٌ كعهدنا ... فيا حبّذا ليلى ويا حبّذا نجد
عسى الدّهر أن يقضي لنا بالتفاتةٍ ... فيا ربّ قربٍ قد يجدّده بعد وله أثناء رسالة:
قوس العلا وضعت في كف باريها ... وأسهم الخطب عادت نحو راميها ومنها:
وإنّما الشمس لاحت في مطالعها ... بلى وأجرى جياد الخيل مجريها ونشأ هذا النجم الثاقب، والصيب الساكب، وقد أخذ من العلوم في غبر ما فن، وحقق فيه كل ما ظن، وذكره في " المسهب " و " سمط الجمان " وفضله شهير، رحمه الله تعالى.
58 - ومنهم أبو علي القالي، صاحب الأمالي والنوادر (1) ، وفد على الأندلس أيام الناصر أمير المؤمنين عبد الرحمن، فأمر ابنه الحكم - وكان يتصرف عن أمر أبيه كالوزير - عاملهم ابن رماحس أن يجيء مع أبي علي إلى قرطبة، ويتلقاه قي وفد من وجوه رعيته ينتخبهم من بياض أهل الكورة تكرمةً لأبي علي، ففعل، وسار معه نحو قرطبة في موكب نبيل، فكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، ويتناشدون الأشعار، إلى أن تحاوروا يوماً وهم سائرون أدب عبد الملك بن مروان ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل وإنشاده بيت عبدة ابن الطبيب (2) :
__________
(1) انظر ترجمة القالي في طبقات الزبيدي: 202 وابن الفرضي 1: 83 والجذوة: 154 (وبغية الملتمس رقم: 547) وفهرسة ابن خير 395 وابن خلكان 1: 204 وإنباه الرواة 1: 204 ومعجم الأدباء 7: 25 والشذرات 3: 18 ومعجم البلدان: (قاليقلا) وبروكلمان 2: 277 (الترجمة العربية) .
(2) البيت: 51 من المفضلية رقم: 26.
(3/70)

ثمّت قمنا إلى جردٍ مسوّمة ... أعرافهن لأيدينا مناديل وكان الذاكر للحكاية الشيخ أبا علي، فأنشد الكلمة في البيت " أعرافها لأيدينا مناديل " فأنكرها ابن رفاعة الإلبيري، وكان من أهل الأدب والمعرفة، وفي خلقه حرج وزعارة، فاستعاد أبا علي البيت متثبتاً مرتين، في كلتيهما أنشده " أعرافها "، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفاً وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين وتتجشم الرحلة لتعظيمه، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه والله لا تبعته خطوة، وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن رماحس أن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، وكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى لابن رفاعة ويشكوه، فأجابه على ظهر كتابه: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطىء وافد أهل العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط، فدعه لشأنه، واقدم بالرجل غير منتقص من تكرمته، فسوف يعليه الاختبار إن شاء الله تعالى أو يحطه.
وبعض المؤرخين يزعم أن وفادة أبي علي القالي إنما كانت في خلافة الحكم المستنصر بالأندلس، لا في خلافة أبيه الناصر، والصواب أن وفادته في أيام الناصر، لما ذكره غير واحد من حصره وعيه عن الخطبة يوم احتفال الناصر لرسول الإفرنج كما ألمعنا به في غير هذا الموضع (1) .
وفي القالي يقول شاعر الأندلس الرمادي (2) :
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي
في أي جارحة أصون معذّبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل
__________
(1) انظر خبر الخطبة يوم وفادة رسل الفرنجة ج 1 ص: 368 من هذا الكتاب؛ وقد كان وصول ءأبي علي إلى الأندلس عام 330 فلا خلاف بعد ذلك في أنه وصل أيام الناصر، وسيذكرنا ذلك صاحب النفح.
(2) وردت أبيات الرمادي في اليتيمة 2: 100 والمطمح: 70 ومطلعها في الجذوة: 347.
(3/71)

إن قلت في بصري فثمّ مدامعي ... أو قلت في قلبي فثمّ غليلي
لكن جعلت له المسامع موضعاً ... وحجبتها عن عذل كلّ عذول ولما سمع المتنبي البيت الثاني قال: يصونه في استه.
وكان الرمادي لما سمع قول المتنبي:
كفى بجسمي نحولاً أنّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني قال: أظنه ضرطة، والجزاء من جنس العمل.
وباسم أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله طرز الشيخ أبو علي القالي كتاب " الأمالي ".
وكان الحكم كريماً، معنياً بالعلم، وهو الذي وجه إلى الحافظ أبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجه له نسخة من كتاب الأغاني، وألف أبو محمد الفهري كتاباً في نسب أبي علي البغدادي ورواياته ودخوله الأندلس. وحكى ابن الطيلسان عن ابن جابر أنه قرأ هذين البيتين في لوح رخام كان سقط من القبة المبنية على قبر أبي علي البغدادي عند تهدمها، وهما:
صلوا لحد قبري بالطريق وودّعوا ... فليس لمن وارى التراب حبيب
ولا تدفنوني بالعراء فربّما ... بكى أن رأى قبر الغريب غريب واسم أبي علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد ابن سليمان، وجده سليمان مولى عبد الملك بن مروان، وكان أبو علي أحفظ أهل زمانه باللغة والشعر ونحو البصريين، وأخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد الأزدي وأبي بكر ابن الأنباري وابن درستويه وغيرهم، وأخذ عنه أبو بكر الزبيدي الأندلسي صاحب " مختصر العين "، ولأبي علي التصانيف الحسان ك " الأمالي " و " البارع "، وطاف البلاد، وسافر إلى بغداد سنة 303، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي، ودخل بغداد سنة 303، وأقام بها إلى سنة 328، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصداً الأندلس، وسمع
(3/72)

من البغوي وغيره.
قال ابن خلكان: ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، انتهى.
وهو مما يعين أنه قدم في زمن الناصر، لا في زمن ابنه الحكم كما تقدم، وقد صرح بذلك الصفدي في الوافي فقال: ولما دخل المغرب قصد صاحب الأندلس الناصر لدين الله عبد الرحمن، فأكرمه، وصنف له ولولده الحكم تصانيف وبث علومه هناك، انتهى.
وقال ابن خلكان إنه استوطن قرطبة إلى أن توفي بها في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى سنة 356، ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور، ودفن ظاهر قرطبة، ومولده بمنازجرد من ديار بكرسنة 288، وقيل: سنة 280، وإنما قيل له " القالي " لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قاليقلا، وهي من أعمال ديار بكر. وهو من محاسن الدنيا، رحمه الله تعالى.
وعيذون: بفتح العين، وسكون الياء المثناة التحتية، وضم الذال المعجمة.
وقال ابن خلكان في ترجمة ابن القوطية (1) : إن أبا علي القالي لما دخل الأندلس اجتمع به، وكان يبالغ في تعظيمه، قال له الحكم بن عبد الرحمن الناصر: من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة فقال: محمد بن القوطية، وكان ابن القوطية مع هذه الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ حسن المطالع والمقاطع إلا أنه تركه ورفضه، وقال الأديب أبو بكر ابن هذيل (2) : إنه توجه يوماً إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة
__________
(1) ابن خلكان 4: 4 - 6 وهناك ترجمات أخرى لابن القوطية في ابن الفرضي 2: 78 والجذوة: 71 والديباج 262 وإنباه الرواة 3: 178 وبغية الوعاة: 84 ومعجم الأدباء 18: 272.
(2) هو يحيى بن هذيل التميمي الشاعر الكفيف أستاذ الرمادي (انظر الجذوة: 358 وبغية الملتمس رقم: 1495) وله عدد صالح من الأشعار في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس لابن الكتاني.
(3/73)

المونقة، فصادف أبا بكر ابن القوطية المذكور صادراً عنها، وكانت له أيضاً هناك ضيعة، قال: فلما رآني عرج علي، واستبشر بلقائي، فقلت مداعباً له:
من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك قال: فتبسم وأجاب بسرعة:
من منزل تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا فما تمالكت أن قبّلت يده، إذ كان شيخي ودعوت له، انتهى.
وهو صاحب كتاب " الأفعال " الذي فتح به هذا الباب، فتلاه ابن القطاع، وله كتاب " المقصور والممدود " جمع فيه مالا يحد ولا يعد، وأعجز من بعده به، وفاق من تقدمه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
وممن أخذ عن أبي علي القالي بالأندلس أبو بكر محمد الزبيدي صاحب كتاب " مختصر العين " وغيره، وكان الزبيدي كثيراً ما ينشد:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
والأرض شيء كلّها واحدٌ ... والناس إخوانٌ وجيران وترجمه الزبيدي واسعة (1) ، وكان مؤدب المؤيد هشام، ووصفه بأنه كان في صباه في غاية الحذق والذكاء، رحمه الله تعالى.
وكان القالي قد بحث على ابن درستويه كتاب سيبويه، ودقق النظر، وانتصر للبصرين، وأملى شيئاً من حفظه ككتاب " النوادر والأمالي "، و " المقصور والممدود "، و " الإبل والخيل "، و " البارع في اللغة " نحو خمسة آلاف
__________
(1) انظر ترجمة الزبيدي في الجذوة: 43 وابن الفرضي 2: 92 والمغرب 1: 250 واليتيمة 2: 71 وابن خلكان 4: 7 وإنباه الرواة 3: 109 ومعجم الأدباء 18: 180 والوافي 2: 251 وبغية الوعاة: 34 وانظر كتاب الحركة اللغوية في الأندلس ففيه دراسة لأهم مؤلفاته.
(3/74)

ورقة، لم يصنف مثله في الإحاطة والجمع، ولم يتم، ورتب كتاب " المقصور والممدود " على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق مستقصى في بابه لا يشذ منه شيء، وكتاب " فعلت وأفعلت " وكتاب " مقاتل الفرسان " و " تفسير السبع الطوال ".
وكان الزبيدي إماماً في الأدب، ولكنه عرف فضل القالي، فمال إليه، واختص به، واستفاد منه، وأقر له.
وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمر وبعدها ينشط أبا علي، ويعينه على التأليف بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام، وكانوا يسمونه " البغدادي " لوصوله إليها من بغداد، ويقال: إن الناصر هو الذي استدعاه من بغداد لولائه فيهم، وفيه يقول الرمادي متخلصاً في لاميته السابق بعضها:
روضٌ تعاهده السحاب كأنّه ... متعاهدٌ من عهد إسماعيل
قسه إلى الأعراب تعلم أنّه ... أولى من الأعراب بالتفضيل
حازت قبائلهم لغاتٍ فرّقت ... فيهم وحاز لغات كلّ قبيل
فالشرق خالٍ بعده وكأنّما ... نزل الخراب بربعه المأهول
فكأنّه شمسٌ بدت في غربنا ... وتغيبت عن شرقهم بأفول
يا سيدي هذا ثنائي لم أقل ... زورا ًولا عرّضت بالتنويل
من كان يأمل نائلاً فأنا امرؤٌ ... لم أرج غير القرب في تأميلي وقد تقدمت أبيات القالي التي أجاب بها منذر بن سعيد في الباب قبل هذا، فلتراجع ثمة، والله تعالى أعلم.
59 - ومن الوافدين إلى الأندلس من المشرق أبو العلاء صاعد بن الحسين ابن عيسى البغدادي، اللغوي (1) .
__________
(1) ترجمة صاعد في الذخيرة 4 / 1: 2 - 39 وابن خلكان 2: 181 وإنباه الرواة 2: 85 وبغية الوعاة: 267 والجذوة: 223.
(3/75)

وأصله من الموصل، قال ابن بسام (1) : ولما دخل صاعد قرطبة أيام المنصور بن أبي عامر عزم المنصور على أن يعفي به آثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية، فما وجد عنده ما يرتضيه، وأعرض عنه أهل العلم، وقدحوا في علمه وعقله ودينه، ولم يأخذوا عنه شيئاً لقلة الثقة به، وكان ألف كتاباً سماه كتاب " الفصوص " فدحضوه ورفضوه ونبذوه في النهر، ومن شعره قوله:
ومهفهفٍ أبهى من القمر ... قهر الفؤاد بفاتن النّظر
خالسته تفّاح وجنته ... فأخذتها منه على غرر
فأخافني قومٌ فقلت لهم: ... لا قطع في ثمرٍ ولا كثر والكثر: الجمّار، وهذا اقتباس من الحديث.
وقال الحميدي (2) : سمعت أبا محمد ابن حزم الحافظ يقول: سمعت أبا العلاء صاعداً ينشد بين يدي المظفر عبد الملك بن أبي عامر من قصيدة يهنيه فيها بعيد الفطر سنة 396:
حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحساب
وما قدّمته إلاّ كأنّي ... أقدّم تالياً أمّ الكتاب وذكر الحميدي أن عبد الله بن ما كان (3) الشاعر تناول نرجسة فركبها في وردة ثم قال لصاعد ولأبي عامر ابن شهيد: صفاها، فأفحما، ولم يتجه لهما القول، فبينما هم على ذلك إذ دخل الزهيري (4) صاحب أبي العلاء وتلميذه، وكان شاعراً
__________
(1) نقل النص عن الذخيرة بتصرف.
(2) الجذوة: 224.
(3) ذكر الحميدي (الجذوة: 373) من اسمه أبو عبد الله ابن فاكان وقال فيه: أديب شاعر يتكلم على معاني الآداب ومحاسن الأشعار، ذكره أبو عامر ابن شهيد وذكر له مع صاعد بن الحسن منازعات في ذلك. ثم عاد فذكره بهذا الاسم (ص: 384) .
(4) القصة في الجذوة 384 - 385، ولكن الشاعر مذكور هنالك باسم الزبيري، ووردت أيضا في البدائع والبدائه 2: 109 وفيه " الزهري ".
(3/76)

أديباً أمياً لا يقرأ، فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول:
ما للأديبين قد أعيتهما ... مليحةٌ من ملح الجنّه
نرجسةٌ في وردةٍ ركّبت ... كمقلةٍ تطرف في وجنه انتهى.
ومن غريب ما جرى (1) لصاعد أن المنصور جلس يوما ًوعنده أعيان مملكته ودولته من أهل العلم كالزبيدي والعاصمي وابن العريف وغيرهم، فقال لهم المنصور: هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنه متقدم في هذه العلوم، وأحب أن يمتحن، فوجه إليه، فلما مثل بين يديه والمجلس قد احتفل خجل فرفع المنصور محله وأقبل عليه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي، فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه، فبادره العاصي بالسؤال عن مسألة من الكتاب، فلم يحضره جوابها، واعتذر بأن النحو ليس جل بضاعته، فقال له الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ فقال: حفظ الغريب، قال: فما وزن أولق، فضحك صاعد، وقال: أمثلي يسأل عن هذا إنما يسأل عنه صبيان المكتب، قال الزبيدي (2) : قد سألناك، ولا نشك أنك تجهله، فتغير لونه، وقال: أفعل وزنه، فقال الزبيدي: صاحبكم ممخرق، فقال له صاعد: إخال الشيخ صناعته الأبنية، فقال له: أجل، فقال صاعد: وبضاعتي أنا حفظ الأشعار، ورواية الأخبار، وفك المعمّى، وعلم الموسيقى، فقال: فناظره ابن العريف، فظهر عليه صاعد، وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا أنشد عليها شعراً شاهداً، وأتى بحكاية يجانسها، فأعجب المنصور، ثم أراه كتاب " النوادر " لأبي علي القالي، فقال:
__________
(1) القصة في الذخيرة 4 / 1: 6 - 8.
(2) ق ودوزي: الزهري؛ وفي الذخيرة ما أثبتناه.
(3/77)

إن أراد المنصور أمليت على كتاب دولته (1) كتاباً أرفع منه وأجل لا أورد فيه خبراً مما أورده أبو علي، فأذن له المنصور في ذلك، وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم ب " الفصوص "، فلما أكمله تتبعه أدباء الوقت، فلم تمر فيه كلمة صحيحة عندهم، ولا خبر ثبت لديهم، وسألوا المنصور في تجليد كراريس بياض تزال جدتها، حتى توهم القدم، وترجم عليه كتاب " النكت " تأليف أبي الغوث الصنعاني، فترامى إليه صاعد حين رآه، وجعل يقلبه، وقال: إي والله، قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان، فأخذه المنصور من يده خوفاً أن يفتحه، وقال له: إن كنت قد قرأته كما تزعم، فعلام يحتوي فقال: وأبيك لقد بعد عهدي به، ولا أحفظ الآن منه شيئاً، ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر، فقال المنصور: أبعد الله مثلك! فما رأيت أكذب منك، وأمر بإخراجه، وأن يقذف كتاب " الفصوص " في النهر، فقال فيه بعض الشعراء:
قد غاص في النهر كتاب الفصوص ... وهكذا كلّ ثقيلٍ يغوص فأجابه صاعد:
عاد إلى معدنه، إنّما ... توجد في قعر البحار الفصوص قال ابن بسام (2) : وما أظن أحداً يجترىء على مثل هذا، وإنما صاعد اشترط أن لا يأتي إلا بالغريب غير المشهور، وأعانهم على نفسه بما كان يتنفق به من الكذب.
وحكى ابن خلكان (3) أن المنصور أثابه على كتاب " الفصوص " بخمسة
__________
(1) الذخيرة: أمليت على مقيدي خدمته وكتاب دولته.
(2) النقل عن الذخيرة 4 / 1: بإيجاز شديد.
(3) وفيات الأعيان 2: 181.
(3/78)

آلاف دينار (1) .
ومن أعجب (2) ما جرى له أنه كان بين يدي المنصور، فأحضرت إليه وردة في غير وقتها لم يستتم فتح ورقها، فقال فيها صاعد مرتجلاً:
أتتك أبا عامر وردةٌ ... يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها فسر بذلك المنصور، وكان ابن العريف حاضراً، فحسده، وجرى إلى مناقضته، وقال لابن أبي عامر: هذان البيتان لغيره، وقد أنشد فيهما بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه، فقال له المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف، وركب وحرك دابته حتى أتى مجلس ابن بدر (3) ، وكان أحسن أهل زمانه بديهة، فوصف له ما جرى، فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد:
عشوت إلى قصر عبّاسة ... وقد جدّل النوم حراسها
فألفيتها وهي في خدرها ... وقد صرع السكر أنّاسها
فقالت: أسارٍ على هجعة ... فقلت: بلى، فرمت كاسها
ومدّت يديها إلى وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصرٌ ... فغطت بأكمامها راسها
وقالت: خف الله لا تفضح ... نّ في ابنة عمّك عبّاسها
فوليت عنها على غفلة ... وما خنت ناسي ولا ناسها فطار ابن العريف بها، وعلقها على ظهر كتاب بخط مصري ومداد أشقر،
__________
(1) زاد في ق: دراهم.
(2) عاد إلى النقل عن الذخيرة.
(3) جعلها دوزي " ابن برد " ونقل المقدمة صاحب بدائع البدائه 2: 28.
(3/79)

ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال للحاضرين: غداً أمتحنه، فإن فضحه الإمتحان أخرجته من البلاد، ولم يبق في موضع لي عليه سلطان، فلما أصبح وجه إليه فأحضر، وأحضر جميع الندماء، فدخل بهم إلى مجلس محفل قد أعد فيه طبقاً عظيماً فيه سقائف مصنوعة من جميع النواوير، ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحت السقائف بركة ماء، قد ألقي فيها اللآلئ مثل الحصباء، وفي البركة حيةٌ تسبح، فلما دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور: إن هذا يوم إما أن تسعد فيه معنا، وإما أن تشقى بالضد عندنا، لأنه قد زعم قومٌ أن كل ما تأتي به دعوى، وقد وقفت من ذلك على حقيقة، وهذا طبق ما توهمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله، فصفه بجميع ما فيه، وعبر بعض عن هذه القصة بقوله: أمر فعبئ له طبق فيه أزهار ورياحين وياسمين وبركة ماء حصباؤها اللؤلؤ، وكان في البركة حية تسبح، وأحضرها صاعد، فلما شاهد ذلك قال له المنصور: إن هؤلاء يذكرون أن كل ما تأتي به دعوى لا صحة لها، وهذا طبق ما ظننت أنه عمل لملك مثله، فإن وصفته بجميع ما فيه علمت صحة ما تذكره، فقال صاعد بديهةً:
أبا عامرٍ هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف
يسوق إليك الدّهر كلّ غريبةٍ ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نورٍ صاغها هامر الحيا ... على حافتيها عبقرٌ ورفارف
ولمّا تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف
كمثل الظباء المستكنّة كنّساً ... تظلّلها بالياسمين السّقائف
وأعجب منها أنّهن نواظرٌ ... إلى بركة ضمّت إليها الطرائف
حصاها اللآلي سابحٌ في عبابها ... من الرّقش مسموم الثعابين (1) زاحف
__________
(1) الذخيرة: مسموم اللعابين.
(3/80)


ترى ماتراه (1) العين في جنباتها ... من الوحش حتّى بينهنّ السلاحف فاستغربت له يومئذٍ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحيته من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد، فقال له المنصور: أحسنت، إلا أنك أغفلت ذكر المركب والجارية، فقال للوقت:
وأعجب منها غادةٌ في سفينةٍ ... مكلّلةٌ تصبو إليها المهاتف (2)
إذا راعها موجٌ من الماء تتّقي ... بسكّانها ما أنذرته (3) العواصف
متى كانت الحسناء ربّان مركبٍ ... تصرّف في يمنى يديه المجاذف
ولم تر عيني في البلاد حديقةً ... تنقّلها في الراحتين الوصائف (4)
ولا غرو أن شاقت معاليك روضةٌ ... وشتها أزاهير الرّبى والزخارف
فأنت امرؤ لو رمت نقل متالعٍ ... ورضوى ذرتها من سطاك نواسف
إذا قلت قولاً أو بدهت بديهةً ... فكلني له إنّي لمجدك واصف فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، ورتب له في كل شهر ثلاثين ديناراً، وألحقه بالندماء.
قال (5) : وكان شديد البديهة في ادعاء الباطل، قال له المنصور يوماً: ما الخنبشار فقال: حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب، وفي ذلك يقول شاعرهم:
لقد عقدت محبّتها بقلبي ... كما عقد الحليب بخنبشار
__________
(1) الذخيرة: ما تشاء.
(2) الذخيرة: المهايف؛ وجعلها دوزي: المهافف.
(3) جعلها دوزي: ما إن ذرته؛ وفي البدائع: الرواجف.
(4) الذخيرة: المناصف؛ وتعني الخدم.
(5) الذخيرة 4 / 1: 21.
(3/81)

وقال له يوماً، وقد قدم إليه طبق فيه تمر: ما التمركل في كلام العرب فقال: " يقال تمركل الرجل تمركلاً " إذا التف قي كسائه. وكان مع ذلك عالماً.
قال (1) : وكان لابن عامر فتى يسمى فاتناً أوحد لا نظير له في علم كلام العرب، فناظر صاعداً هذا فقطعه وظهر عليه وبكته، فأعجب المنصور منه، فتوفي فاتن هذا سنة 402، وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصححة، وكان منقاداً لما نزل به من المثلة فلم يتخذ النساء كغيره، وكان في ذلك الزمان بقرطبة جملة من الفتيان المخانيث ممن أخذ بأوفر نصيب من الأدب.
قال: ورأيت تأليفاً لرجل منهم يعرف بحبيب ترجمه بكتاب " الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة " وذكر فيه جملة من أشعارهم وأخبارهم ونوادرهم.
وقال ابن بسام وغيره (2) : ومن عجائب ما جرى لصاعد أنه أهدى إيلاً إلى المنصور، وكتب على يد موصله:
يا حرز كلّ مخوّف وأمان ك ... لّ مشرّد ومعزّ كلّ مذلّل
يا سلك كلّ فضيلةٍ ونظام ك ... لّ جزيلةٍ وثراء كلّ معيّل ومنها:
ما إن رأت عيني وعلمك شاهدٌ ... شروى (3) علائك في معمٍّ مخول ومنها:
__________
(1) الذخير 4 / 1: 22.
(2) المصدر نفسه: 22؛ والجذوة: 229.
(3) في الأصل: جدوى، والتصحيح عن الجذوة.
(3/82)

وأبي مؤانس غربتي وتحفّظي ... من صفر أيامي ومن مستعملي (1)
عبدٌ جذبت بضبعه ورفعت من ... مقداره أهدى إليك بإيّل
سميته غرسيّةً وبعثته ... في حبله ليصحّ فيه تفاؤلي
فلئن قبلت قتلك أنفس منّةً ... أسدى بها ذو منحة وتطول
صبحتك غادية السرور وجلّلت ... أرجاء ربعك بالسحاب المخضل (2) فقضي قي سابق علم الله سبحانه وتعالى أن ملك الروم غرسية أسر في ذلك اليوم الذي بعث فيه بالإيل، وسماه باسمه على التفاؤل، انتهى.
وكان غرسية أمنع من النجم، وسبب أخذه أنه خرج يتصيد، فلقيته خيل للمنصور من غير قصد، فأسرته وجاءته به، فكان هذا الاتفاق مما عظم به العجب (3) .
ولنزد من أخبار صاعد فنقول: حكي أن المصور قال بسبب هذه القضية: أنه لم يتفق لصاعد هذا الفأل الغريب إلا لحسن نيته وسريرته، وصفاء باطنه، فرفع قدره من ذلك اليوم فوق ما كان، ورجحه على أعدائه، وحق له ذلك.
وفي الزهرة الثامنة والعشرين من كتاب " الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة " حكي أن صاعداً قال (4) : جمعت خرق الأكياس والصرر التي قبضت فيها صلات المنصور محمد بن أبي عامر، فقطعت لكافور الأسود غلامي منها قميصاً كالمرقعة، وبكرت به معي إلى قصر المنصور، فاحتلت قي تنشيطه حتى طابت نفسه فقلت: يا مولانا لعبدك حاجة، فقال: اذكرها، قلت:
__________
(1) رواه في الجذوة:
مولاي مؤنس غربتي متخطفي ... من ظفر أيامي، ممنع معقلي (2) البيت مضطرب في الأصل: منحتك ... يعزة، وحللت أوجا، وقد اعتمدت رواية الجذوة.
(3) الخبر عن كيفية أسر غرسية في الذخيرة 4 / 1: وهو مختلف عما قال المقري.
(4) في الذخيرة: 16 شبيه بهذه القصة، غير أن ما ورد هنالك يحكي أن صاعدا هو الذي لبس القميص تحت ثيابه فلما خلا المجلس ورأى فرصة لما أراد تجرد وبقي في القميص المخيط من الخرائط.
(3/83)

وصول غلامي كافور إلى هنا، فقال: وعلى هذه الحال فقلت: لا أقنع بسواه إلا بحضوره بين يديك، فقال: أدخلوه، فمثل قائما ًبين يديه في مرقعته وهو كالنخلة إشرافاُ، فقال: قد حضر، وإنه لباذ الهيئة، فمالك أضعته فقلت: يا مولانا هنالك الفائدة، اعلم يا مولاي أنك وهبت لي اليوم ملء جلد كافور مالاً، فتهلل وقال: لله درك من شاكر مستنبط لغوامض معاني الشكر! وأمر لي بمال واسع وكسوة، وكسا كافوراً أحسن كسوة، انتهى.
ولما دخل صاعد دانية، وحضر مجلس الموفق مجاهد العامري أمير البلد، كان في المجلس أديب يقال له بشار، فقال للموفق: دعني أعبث بصاعد، فقال له: لا تتعرض إليه، فإنه سريع الجواب، فأبى إلا مساءلته، وكان بشار المذكور أعمى، فقال لصاعد: يا أبا العلاء ما الجرنفل في كلام العرب فعرف صاعد أنه وضع هذه الكلمة، وليس لها أصل في اللغة، فقال بعد أن أطرق ساعة: الجرنفل في اللغة الذي يفعل بنساء العميان ولا يتجاوزهن إلى غيرهن، وهو في ذلك كله يصرح ولا يكني، فخجل بشار وانكسر، وضحك من كان حاضراً، فقال له الموفق: قلت لك لا تفعل فلم تقبل، انتهى.
والجرنفل - بضم الجيم والراء، وسكون النون، وضم الفاء، وبعدها لام.
ولصاعد أخبار ونوادر كثيرة غير ما تقدم، وله مع المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى من ذلك كثير، وبعضه ذكرناه في هذا الكتاب.
ومن حكاياته (1) أنه خرج معه يوماً إلى رياض الزاهرة، فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فعبث به ورماه إلى صاعد، وأشار إليه أن يقول فيه، فارتجل:
لم أدر قبل ترنجان عبثت به ... الأبيات الآتية.
__________
(1) الذخيرة 4 / 1: 12.
(3/84)

[طرف من أخبار المنصور]
وهذا المنصور بن أبي عامر قد تقدمت جملة من أخباره، ومن أعجب ما وقع له ما رأيته بخزانة فاس في كتاب ألفه صاحبه في الأزهار والأنوار، حكى فيه في ترجمة النيلوفر أن المنصور لما قدم عليه رسول ملك الروم الذي هو أعظم ملوكهم في ذلك الزمان ليطلع على آحوال المسلمين وقوتهم، فأمر المنصور أن يغرس في بركة عظيمة ذات أميال نيلوفر على ما تسع، ثم أمر بأربعة قناطير من الذهب وأربعة قناطير من الفضة فسبكت قطعاً صغاراً على قدر ما تسع النيلوفرة، ثم ملأ بها جميع النيلوفر الذي في البركة، وأرسل إلى الرومي فحضر عنده قبل الفجر في مجلسه السامي بالزاهرة بحيث يشرف على موضع البركة، فلما قرب طلوع الشمس جاء ألف من الصقالبة عليهم أقبية الذهب والفضة ومناطق الذهب والفضة، وبيد خمسمائة أطباق ذهب، وبيد خمسمائة أطباق فضة، فتعجب الرسول من حسن صورهم وجمال شارتهم، ولم يدر ما المراد، فحين أشرقت الشمس ظهر النيلوفر من البركة، فبادروا لأخذ الذهب والفضة من النيلوفر، وكانوا يجعلون الذهب في أطباق الفضة والفضة في أطباق الذهب، حتى التقطوا جميع ما فيها، وجاوؤا به فوضعوه بين يدي المنصور، حتى صار كوماً بين يديه، فتعجب النصراني من ذلك، وأعظمه، وطلب المهادنة من المسلمين، وذهب مسرعاً إلى مرسله، وقال له: لا تعاد هؤلاء القوم، فإني رأيت الأرض تخدمهم بكنوزها، انتهى.
وهذه القضية من الغرائب، وأنها لحيلة عجيبة في إظهار عز الإسلام وأهله.
وكان المنصور بن أبي عامر آية الله سبحانه في السعد ونصرة الإسلام، قال ابن بسام نقلاً عن ابن حيان (1) : إنه لما انتهت خلافة بني مروان بالأندلس إلى الحكم تاسع الأئمة، وكان مع فضله قد استهواه حب الولد، حتى خالف الحزم
__________
(1) الذخيرة: 4: 40 وما بعدها.
(3/85)

في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الإخوة وفتيان العشيرة، ومن كان ينهض بالأمر ويستقل بالملك، قال ابن بسام: وكان يقال " لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الأباء، فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم "، ولعل الحكم لحظ ذلك، فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك، وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة، وكان فائق قد قال له: إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصحفي، فقال له جؤذر: ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا (1) ، فقال له: هو والله ما أقول لك، ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم، وعرفاه رأيهما في المغيرة، فقال لهما المصحفي: وهل أنا إلا تبع لكما، وأنتما صاحبا القصر، ومدبرا الأمر، فشرعا في تدبير ما عزما عليه، وخرج المصحفي وجمع أجناده وقواده ونعى إليهم الحكم، وعرفهم مقصود جؤذر وفائق في المغيرة، وقال إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا، وإن بدلنا استبدل بنا، فقالوا: الرأي رأيك، فبادر المصحفي بإنفاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله، فوافاه ولا خبر عنده، فنعى إليه الحكم أخاه، فجزع، وعرفه جلوس ابنه هشام في الخلاقة، فقال: أنا سامع مطيع، فكتب إلى المصحفي بحاله، وما هو عليه من الاستجابة، فأجابه المصحفي بالقبض عليه، وإلا وجه غيره ليقتله، فقتله خنقاً. فلما قتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرش، وكان ذلك من أول ما استحسن منه، وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتجان للأموال، وعارضه محمد بن أبي عامر - فتىً ماجدٌ أخذ معه بطرفي نقيض بالبخل جوداً وبالاستبداد أثرةً، وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة، وقوي على أمره بنظره في الوكالة، وخدمته
__________
(1) الذخيرة: دم شيخ دولة مولانا.
(3/86)

للسيدة صبح أم هشام، وكانت حاله عند جميع الحرم أفضل الأحوال بتصديه لمواقع الإرادة، ومبالغته في تأدية لطيف الخدمة، فأخرجن له أمر هشام الخليفة إلى الحاجب جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي، وكان غير متخيل منه سكوناً إلى ثقته، فامتثل الأمر وأطلعه على سره، وبالغ في بره، وبالغ محمد ابن أبي عامر في مخادعته والنصح له، فوصل المصحفي يده بيده، واستراح إلى كفايته، وابن أبي عامر يمكر به، ويضرب عليه، ويغري به الحسدة (1) ، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس، ويقضي حوائجهم، ولم يزل على ما هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي، وهوى نجمه، وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر، ومنع أصحاب الحكم وأجلاهم وأهلكهم وشردهم وشتتهم وصادرهم، وأقام من صنائعهم من استغنى به عنهم، وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة.
قال ابن حيان (2) : وجاشت النصرانية بموت الحكم، وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة (3) ، ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة، وكان مما أتى عليه (4) أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم، لما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو، ولم تتسع (5) حيلته لأكثر منه، مع وفور الجيوش وجموم الأموال، وكان ذلك من سقطات جعفر، فأنف محمد بن أبي عامر من هذه الدنية، وأشار على جعفر بتجريد (6) الجيش بالجهاد، وخوفه سوء العاقبة في تركه، وأجمع الوزراء على ذلك، إلا من شذ منهم، واختار ابن أبي عامر
__________
(1) في أصول النفح ودوزي: الحرة، وقد تنصرف إلى صبح - وهو مستبعد - وفي الذخيرة: " وابن أبي عامر يمكر به ويضرب بين حسدته ".
(2) النقل مستمر عن الذخيرة 4 / 1: 44.
(3) الذخيرة: فجاء صراخهم إلى باب قرطبة.
(4) الذخيرة: وكان مما غرب به لجبنه وعظيم أفنه ...
(5) في ق ودوزي: ولم تقع، والتصويب عن الذخيرة.
(6) في ق: بتبديد؛ والتصويب عن الذخيرة؛ وفي ابن عذاري: بتجهيز.
(3/87)

الرجال، وتجهز للغزاة، واستصحب مائة ألف دينار، ونفذ بالجيش، ودخل على الثغر الجوفي [إلى جليقية] ونازل حصن الحامة، ودخل الربض، وغنم وقفل فوصل الحضرة بالسبي بعد اثنين وخمسين يوماً، فعظم السرور به، وخلصت قلوب الأجناد له، واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه.
ومن أخبار كرمه (1) ما حكاه محمد بن أفلح غلام الحكم قال: دفعت إلى ما لا أطيقه من نفقة في عرس ابنة لي، ولم يبق معي سوى لجام محلى، ولما ضاقت بي الأسباب قصدته بدار الضرب حين كان صاحبها، والدراهم بين يديه موضوعة مطبوعة، فأعلمته ما جئت له، فابتهج بما سمعه مني، وأعطاني من تلك الدراهم وزن اللجام بحديده وسيوره، فملأ حجري، وكنت غير مصدق بما جرى لعظمه، وعملت العرس، وفضلت لي فضلة كثيرة، وأحبه قلبي حتى لو حملني على خلع طاعة مولاي الحكم لفعلت، وكان ذلك في أيام الحكم قبل أن يقتعد (2) ابن أبي عامر الذروة.
وقال غير واحد: إنه صنع يومئذ قصراً من فضة لصبح أم هشام، وحمله على رؤوس الرجال فجلب حبها بذلك، وقامت بأمره عند سيدها الحكم، وحدث الحكم خواصه بذلك، وقال: إن هذا الفتى قد خلب عقول حرمنا بما يتحفهن به، قالوا: وكان الحكم لشدة نظره في عالم الحدثان يتخيل في ابن أبي عامر أنه المذكور في الحدثان، ويقول لأصحابه: أما تنظرون إلى صفرة كفيه ويقول في بعض الأحيان: لو كانت به شجة لقلت إنه هو بلا شك، فقضى الله أن تلك الشجة حصلت للمنصور يوم ضربه غالب بعد موت الحكم بمدة.
قال ابن حيان (3) : وكان بين المصحفي وغالب صاحب مدينة سالم وشيخ الموالي وفارس الأندلس عداوة عظيمة، ومباينة شديدة، ومقاطعة مستحكمة،
__________
(1) عن الذخيرة: 45.
(2) ق: يعتقد.
(3) عن الذخيرة: 46 مع اختلاف في الرواية.
(3/88)

وأعجز المصحفي أمره، وضعف عن مباراته، وشكا ذلك إلى الوزراء، فأشاروا عليه بملاطفته واستصلاحه، وشعر بذلك ابن أبي عامر، فأقبل على خدمته، وتجرد لإتمام إرادته، ولم يزل على ذلك حتى خرج الأمر بأن ينهض غالب إلى تقدمة جيش الثغر، وخرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثانية، واجتمع به، وتعاقدا على الإيقاع بالمصحفي، وقفل ابن أبي عامر ظافراً غانماً، وبعد صيته، فخرج أمر الخليفة هشام بصرف المصحفي عن المدينة، وكانت في يده يومئذ، وخلع على ابن أبي عامر ولا خبر عند المصحفي، وملك ابن أبي عامر الباب بولايته للشرطة، وأخذ على المصحفي وجوه الحيلة، وخلاه وليس بيده من الأمر إلا أقله، وكان ذلك بإعانة غالب له، وضبط المدينة ضبطاً أنسى به أهل الحضرة من سلف من الكفاة أولي (1) السياسة، وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالب، ففطن المصحفي لتدبير ابن أبي عامر عليه، فكاتب غالباً يستصلحه، وخطب أسماء بنته لابنه عثمان، فأجابه غالب لذلك، وكادت المصاهرة تتم له، وبلغ ابن أبي عامر الأمر، فقامت قيامته، وكاتب غالباً يخوفه الحيلة، ويهيج حقوده، وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوه عن ذلك، ورجع غالب إلى ابن أبي عامر، فأنكحه البنت المذكورة، وتم له العقد في محرم سنة سبع وستين وثلاثمائة، فأدخل السلطان تلك الابنة إلى قصره، وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله، فطهر أمره وعز جانبه، وكثر رجاله، وصار جعفر المصحفي بالنسبة إليه كلا شيء، واستقدم السلطان غالباً، وقلده الحجابة شركة مع جعفر المصحفي، ودخل ابن أبي عامر على ابنته ليلة النيروز، وكانت أعظم ليلة عرس في الأندلس، وأيقن المصحفي بالنكبة وكف عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير، وابن أبي عامر يساتره ولا يظاهره، وانفض عنه الناس، وأقبلوا على ابن أبي عامر إلى أن صار المصحفي يغدو إلى قصر قرطبة
__________
(1) ق ودوزي: وتولى السياسة، وهو سهو؛ والتصويب عن الذخيرة.
(3/89)

ويروح وهو وحده، وليس بيده من الحجابة سوى اسمها، وعوقب المصحفي بإعانته على ولاية هشام، وقتل المغيرة. ثم سخط السلطان على المصحفي وأولاده وأهله وأسبابه وأصحابه، وطولبوا بالأموال، وأخذوا برع الحساب لما تصرفوا فيه، وتوصل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أصولهم وفروعهم، وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصل إلى أن سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزاة الثالثة ليقدم بها على الحضرة، وغاظه ذلك منه، فبادره بالقتل في المطبق قبل عمه جعفر المصحفي، فلما استقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة (1) ، وكانت من أعظم قصور قرطبة، واستمرت النكبة عليه سنين (2) مرة يحتبس ومرة يترك ومرة يقر بالحضرة ومرة ينفر عنها، ولا براح له (3) من المطالبة بالمال، ولم يزل على هذا الحكم حتى استصفي، ولم يبق فيه محتمل، واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك، وأخرج إلى أهله ميتاً، وذكر أنه سمه في ماء شربه، قال محمد بن إسماعيل: سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر ابن عثمان إلى أهله بأمر المنصور، وسرنا إلى منزله فكان مغطى بخلق كساء لبعض البوابين ألقاه على سريره، وغسل على فردة باب اختلع من ناحية الدار، وأخرج وما حضر جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضر من ولده، فعجبت من الزمان، انتهى.
وما أحسن صاحب المطمح عن هذه القضية إذ قال (4) : قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور: سرت بأمره لتسليم (5) جسد جعفر إلى أهله وولده،
__________
(1) كذا في ق والذخيرة؛ وجعله دوزي: " فلما قتل استصفى ابن عامر مال جعفر حتى باع ... إلخ ".
(2) كذا في ق والذخيرة، وجعله دوزي: " سنتين ". وهو مستدرك في التعليقات لأن المصحفي أقام في الإذلال والتعذيب خمس سنين.
(3) الذخيرة: ولا يراح.
(4) المطمح: 6.
(5) ق: لتسلم.
(3/90)

والحضور على إنزاله في ملحده، فنظرته ولا أثر فيه، وليس عليه شىء يواريه، غير كساء خلق لبعض البوابين، فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل فغسله والله على فردة باب اقتطع من جانب الدار، وأنا أعتبر من تصرف الأقدار، وخرجنا بنعشه إلى قبره وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه، وما تجاسر أحد منا للنظر إليه، وإن لي في شأنه لخبراً ما سمع بمثله طالب وعظ، ولا وقع في سمع ولا تصور في لحظ، وقفت (1) له في طريقه من قصره، أيام نهيه وأمره، أروم أن أناوله قصة، كانت به مختصة، فو الله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة لكثافة موكبه، وكثرة من حف به، وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق داعين، ومارين بين يديه وساعين، حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص، فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص (2) ، فلم تطل المدة حتى غضب عليه المنصور واعتقله، ونقله معه في الغزوات واحتمله (3) ، واتفق أن نزلت بجليقية إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقود النيران ليخفى على العدو أثره، ولا ينكشف إليه خبره، فرأيت والله عثمان ولده يسفه (4) دقيقاً قد خلطه بماء يقيم به أوده، ويمسك بسببه رمقه، بضعف حال وعدم زاد، وهو يقول (5) :
تعاطيت (6) صرف الحادثات فلم أزل ... أراها توفّي عند موعدها الحرا
فلله أيام مضت بسبيلها ... فإني لا أنسى لها أبداً ذكرا
__________
(1) انظر أيضا الذخيرة 4 / 1: 49.
(2) فانصرفت ... والغصص: سقطت من ق.
(3) ق: وأخمله؛ المطمح: وحمله.
(4) الذخيرة: يسقيه.
(5) انظر أيضا الحلة 1: 265.
(6) المطمح والحلة: تأملت.
(3/91)

تجافت بها عنّا الحوادث برهةً ... وأبدت لنا منها الطّلاقة والبشرا
ليالي ما يدري الزمان مكاننا ... ولا نظرت منها حوادثه شزرا
وما هذه الأيام إلاّ سحائبٌ ... على كلّ أرضٍ تمطر الخير والشرّا انتهى.
وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات، وصعد إلى بعض القلاع، لينظرا في أمرها، فجرت محاورة (1) بين ابن أبي عامر وغالب، فسبه غالب وقال له: ياكلب، أنت الذي أفسدت الدولة، وخربت القلاع، وتحكمت في الدولة، وسل سيفه فضربه، وكان بعض الناس حبس يده، فلم تتم الضربة وشجه، فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفاً من أن يجهز عليه، فقضى الله تعالى أنه وجد شيئاً في الهوي منعه من الهلاك، فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برىء، ولحق غالب بالنصارى، فجيش بهم، وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام، فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له، وتخلصت دولته من الشوائب.
قالوا (2) : ولما وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيد، وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما، وعلم أنه ما دهي إلا من جانب حاشية القصر، فرقهم ومزقهم، ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به أو عجز عنه، ثم ذكر له أن الحرم (3) قد انبسطت أيديهن في الأموال المختزنة بالقصر، وما كانت السيدة صبح أخت رائق تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر، وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة فيها الذهب والفضة، وموهت ذلك كله بالمري (4) والشهد وغيره
__________
(1) محاورة: سقطت من ق.
(2) عاد إلى تلخيص كلام ابن حيان الذي أورده صاحب الذخيرة 4 / 1: 52 - 56.
(3) ق ودوزي: الخدم.
(4) في الذخيرة: بالمربى؛ والمري - بتشديد الراء - والعامة تخففها وباللاتينية: (Muria) أنواع من مستحضرات تتخذ في صنع الأطعمة منها المري النقيع والطيب ومري الخبز ومري الحوت وبعض أنواعه يصنع من عصير الخنب بالأفاويه دون خبز محرق، والعامة تصنعه من العسل المحرق والخبز المحرق وغيرهما. ويقول دوزي إنه مركب يصنع من الدقيق والملح والعسل والتمر وأشياء أخرى. ويقول ابن البيطار إن نوعا منه يعمل من السمك المالح واللحوم المالحة وينقل عن الجاحظ قوله " المري هو جوهر الطعام وروح البارد المستظرف والحار المستنظف ... " (انظر قاموس دوزي " مادة مري " ومفردات ابن البيطار 4: 149 - 150 وكتاب الطبيخ: 82 ومواضع أخرى منه) .
(3/92)

والأصباغ المتخذة بقصر الخلافة، وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك، ومرت على صاحب المدينة، فما شك في أنه ليس إلا ما هو عليها، وكان مبلغ ما حملت فيها من الذهب ثمانين ألف دينار، فأحضر ابن أبي عامر جماعة أعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة، وأن في إضاعتها آفة على المسلمين، وأشار بنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيه، فحمل منها خمسة آلاف ألف دينار عن قيمة ورق وسبعمائة ألف دينار، وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال، ولم تمكن من إخراجها، فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام، واعترف له بالفضل والغناء في حفظ قواعد الدولة، فخرست ألسنة الأعداء والحسدة، وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له، إذ كان منهم من لم يره قط، فأبرزه للناس وركب الركبة المشهورة، واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى، وكانت عليه الطويلة (1) والقضيب في يده زي الخلاقة، والمنصور يسايره.
ثم خرج المنصور لآخر غزواته، وقد مرض المرض الذي مات فيه، وواصل شن الغارات، وقويت عليه العلة، فاتخذ له سرير خشب ووطىء عليه ما يقعد عليه، وجعلت عليه ستارة، وكان يحمل على أعناق الرجال والعساكر تحف به، وكان هجر الأطباء قي تلك العلة لاختلافهم فيها، وأيقن بالموت، وكان يقول: إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح
__________
(1) الطويلة: هي القلنسوة.
(3/93)

فيهم أسوأ حالة مني - ولعله يعني من حضر تلك الغزاة، وإلا فعساكر الأندلس ذلك الزمان أكثر من ذلك العدد - واشتغل ذهنه بأمر قرطبة وهو في مدينة سالم، فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته وخلا بولده وكان يكرر وصاته، وكلما أراد أن ينصرف يرده، وعبد الملك يبكي، وهو ينكر عليه بكاءه ويقول: وهذا من أول العجز، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر.
وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن ذ كوان، فدخلها أول شوال، وسكن الإرجاف بموت والده، وعرف الخليفة كيف تركه.
ووجد المنصور خفة فأحضر جماعة بين يديه، وهو كالخيال لا يبين الكلام، وأكثر كلامه بالإشارة كالمسلم المودع، وخرجوا من عنده، فكان آخر العهد به ومات لثلاث بقين من شهر رمضان، وأوصى أن يدفن حيث يقبض، فدفن في قصره بمدينة سالم. واضطرب العسكر، وتلوم ولده أياماً، وفارقه بعض العسكر إلى هشام، وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه، ولبس فتيان (1) المنصور المسوح والأكسية بعد الوشي والحبر والخز.
وقام ولده عبد الملك المظفر بالأمر، وأجراه هشام الخليفة على عادة أبيه، وخلع عليه، وكتب له السجل بولاية الحجابة، وكان الفتيان قد اضطربوا فقوم المائل، وأصلح الفاسد، وجرت الأمور على السداد، وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد، فكان أسعد مولود ولد في الأندلس.
ولنمسك عنان القلم في أمر ابن أبي عامر، فقد قدمنا في محله جملة من أحواله، وما ذكرناه هنا وإن كان محله ما سبق وبعضه قد تكرر معه فهو لا يخلو من فوائد زوائد، والله تعالى ولي التوفيق.
__________
(1) ق ودوزي: قيان.
(3/94)

رجع إلى أخبار صاعد اللغوي البغدادي:
حكي (1) أنه دخل على المنصور يوم عيد، وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على حافة البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلق فسقط في الماء، فضحك المنصور، وأمر بإخراجه، وقد كاد البرد أن يأتي عليه، فخلع عليه، وأدنى مجلسه، وقال له: هل حضرك شيء فقال:
شيئان كانا في الزّمان عجيبة ... ضرط ابن وهب ثمّ وقعة (2) صاعد فاستبرد ما أتى به فقال أبو مروان الكاتب الجزيري: هلا قلت:
سروري بغرّتك المشرقه ... وديمة راحتك المغدقه
ثناني نشوان حتى غرق ... ت في لجة البركة المطبقه
لئن ظلّ عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه فقال له المنصور: لله درك يا أبا مروان، قسناك بأهل بغداد ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد انتهى. وقال في الذخيرة في ترجمة صاعد (3) : وفد على المنصور نجماً من المشرق غرب، ولساناً عن العرب، وأراد المنصور أن يعفي به آثار أبي علي القالي فألفى سيفه كهاماً، وسحابه جهاماً، من رجل يتكلم بملء فيه، ولا يوثق بكل ما يذره، ولا ما يأتيه، انتهى باختصار.
وأصل صاعد من ديار الموصل، وقال ارتجالاً وقد عبث المنصور بترنجان:
لم أدر قبل ترنجانٍ عبثت به ... أن الزمرد أغصانٌ وأوراق
__________
(1) انظر الذخيرة 4 / 1: 23.
(2) الذخيرة: زلقة.
(3) الذخيرة 4 / 1؛ وبدائع البدائه 2: 31.
(3/95)

من طيبه الأترجّ نكهته ... يا قوم حتى من الأشجار سرّاق
كأنّما الحاجب المنصور علّمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق وقدمه الحجازي بقوله:
كأن إبريقنا والرّاح في فمه ... طيرٌ تناول ياقوتاً بمنقار وقبله:
وقهوة من فم الإبريق صافية ... كدمع مفجوعة بالإلف معبار (1) وقال في بدائع البدائه (2) : دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحاً من إبريق، فبقيت على فم الإبريق نقطة من الراح قد تكونت ولم تقطر، فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك فقال:
وقهوة من فم الإبريق ساكبة ... البيتين.
ثم قال بعدهما: وإنما اهتدم صاعد قول الشريف أبي البركات علي بن الحسين العلوي (1) :
كأنّ ريح الروض لمّا أتت ... فتت علينا مسك عطّار
كأنّما إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتاً بمنقار انتهى.
__________
(1) ق: مغيار.
(2) بدائع البدائه 2: 32.
(1) ق: مغيار.
(3/96)

ومن نظم صاعد:
قلت له والرقيب يعجله ... مودعاً للفراق: أين أنا
فمدّ كفاً إلى ترائبه ... وقال: سر وداعاً فأنت هنا وقال صاعد، لما أمر المنصور بن أبي عامر بمعارضة قصيدة لأبي نواس:
إنّي لأستحيي علا ... ك من ارتجال القول فيه
من ليس يدرك (1) بالرويّ ... ة كيف يدرك بالبديه وقال حاشد البغدادي في صاعد اللغوي، وكان صاعد ينشدهما ويبكي ويقول: ما هجيت بشيء أشد علي منهما:
اقبل هديت أبا العلاء نصيحتي ... بقبولها وبواجب الشكر
لا تهجونّ أسنّ منك فربما ... تهجو أباك وأنت لا تدري نعوذ بالله من لسان الشعراء، وأنواع البلاء، بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن نظم صاعد قوله (2) :
بعثت إليك من خيريّ روضٍ ... محرّمة (3) كأوراق العقيق
توكل بالغروب (4) عن التصابي ... وتصطاد الخليع من الطريق وروى صاعد عن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، وأبي علي
__________
(1) ق: يحسن.
(2) الذخيرة 4 / 1: 12.
(3) كذا في ق وأصل الذخيرة وجعلها دوزي: " محزمة ".
(4) كذا ولعل الصواب: بالعزوف، أي العازف عن التصابي، كما ثبت في الذخيرة.
(3/97)

الحسن بن أحمد الفارسي، وأبي بكر ابن مالك القطيعي، وأبي سليمان الخطابي، وغيرهم.
قال الحميدي (1) : خرج من الأندلس في الفتنة وقصد صقلية، فمات بها قريباً من سنة عشر وأربعمائة.
وقال ابن حزم (2) : توفي بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائة.
وقال ابن بشكوال في حقه: إنه يتهم بالكذب وقلة الصدق فيما يورده، عفا الله تعالى عنه؛ وقدم الأندلس من مصر أيام المؤيد وتحكم المنصور بن أبي عامر في حدود سنة 380، فأكرمه المنصور، وزاد في الإحسان إليه، والإفضال عليه، وكان عالماُ باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة.
وقال بعضهم (3) : دخل صاعد على المنصور وعنده كتاب ورد عليه من عامل له في بعض الجهات اسمه مبرمان (4) بن يزيد يذكر فيه القلب والتزبيل، وهما عندهم اسم الأرض قبل زراعتها (5) ، فقال له: يا أبا العلاء، قال: لبيك يا مولانا، فقال: هل رأيت أو وصل إليك من الكتب القوالبة والزوالبة لمبرمان ابن يزيد قال: إي والله ببغداد في نسخة لأبي بكر ابن دريد بخط ككراع النمل، في جوانبها [علامات الوضاع] (6) فقال له: أما تستحي أبا العلاء من هذا الكذب هذا كتاب عاملي ببلد كذا واسمه كذا يذكر فيه كذا، فجعل يحلف له أنه ما كذب، ولكنه أمر وافق. ومات عن سن عالية، رحمه الله تعالى.
__________
(1) الجذوة: 227.
(2) نقله أيضا ابن بشكوال في ترجمة صاعد ص: 232.
(3) راجع الجذوة: 224 والذخيرة 4 / 1: 20.
(4) في الذخيرة: ميدمان.
(5) الحميدي: وهما عندهم من معاناة الأرض قبل زراعتها.
(6) زيادة من الجذوة والذخيرة.
(3/98)

60 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق الشيخ تاج الدين بن حمويه السرخسي (1) ، ولد سنة 572، وقد ذكر في رحلته عجائب شاهدها بالمغرب ومشايخ لقيهم، فمنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري، قال: سمعت عليه سنة سبع وتسعين وخمسمائة الحديث وشيئاً من تصانيف المغاربة، وروى لنا عن الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف ابن إبراهيم بن قرقول، وولي ابن حوط الله المذكور قضاء غرناطة، وأدرك ابن بشكوال وابن حبيش وابن حميد المرسي النحوي وأبا يزيد السهلي صاحب الروض وغيرهم. ومن الشيوخ الذين لقيهم السرخسي المذكور بالمغرب (2) الفقيه ابن أبي تميم، قال: وأنشدني:
اسمع أخيّ نصيحتي ... والنصح من محض الديانه
لا تقربنّ إلى الشّها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من أن تعزى لزو ... رٍ أو فضولٍ أوخيانه وذكر أنه أدرك الشيخ الولي العارف بالله سيدي أبا العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي صاحب الحالات والكرامات الظاهرة والطريقة الغربية والأحوال العجبية، قال: أدركته بمراكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين، ومهما حصل عنده مال فرقه في الحال، وتركته في سنة ثمان وتسعين حياً يرزق، انتهى. وولي الله السبتي قد ذكرت في غير هذا الموضع بعض أحواله، فلتراجع في الباب الثامن من ترجمة لسان الدين ابن الخطيب، ومحله مقصود
__________
(1) هو أبو أحمد عبد الله عمر بن محمد بن حمويه تاج الدين شيخ الشيوخ (- 642) كان مفتنا في العلوم عارفا بالأصلين والفروع والترسل والتواريخ والهندسة والطب، وله كتاب المؤنس في أصول الأشياء، وأمال وتواريخ كثيرة، بقي في المغرب بعد وفاة يعقوب المنصور، وعاد إلى الشام سنة 600 وحج سنة 604، وكان نزها عفيفا شريف النفس. (راجع ترجمته في مرآة الزمان: 748 - 749 وذيل أبي شامة: 174 والشذرات: 5: 214) .
(2) الروض ... بالمغرب: سقطت هذه العبارة من ق.
(3/99)

لقضاء الحاجات، وقد زرته مراراً عديدة سنة 1010.
وقال لسان الدين في " نفاضة الجراب ": كتبت عن السلطان الغني بالله محمد بن يوسف بن نصر ونحن بفاس يخاطب الضريح المقصود، والمنهل المورود، والمرعى المنتجع، والخوان الذي يكفي الغرثى، ويمرض المرضى، ويقوت الزمنى، ويتعداهم إلى أهل الجدة زعموا والغنى، قبر ولي الله سيدي أبي العباس السبتي نفعنا الله به، وجبر حالنا، وأعاد علينا النعم، ودفع عنا النقم:
يا وليّ الإله أنت جوادٌ ... وقصدنا إلى حماك المنيع
راعنا الدّهر بالخطوب فجئنا ... نرتجي من علاك حسن الصّنيع
فمددنا لك الأكفّ نرجّي ... عودة العزّ تحت شملٍ جميع
قد جعلنا وسيلةً تربك الزا ... كي وزلفى إلى العليم السميع
كم غريبٍ أسرى إليك فوافى ... برضىً عاجلٍ وخيرٍ سريع يا ولي الله جعل جاهه سبباً لقضاء الحاجات، ورفع الأزمات، وتصريفه باقياً بعد الممات، وصدق نقول الحكايات ظهور الآيات، نفعني الله بنيتي في بركة تربك، وأظهر علي أثر توسلي بك إلى الله ربك، مزق شملي، وفرق بيني وبين أهلي، وتعدي علي، وصرفت وجوه المكايد إلي، حتى أخرجت من وطني وبلدي، ومالي وولدي، ومحل جهادي، وحقي الذي صار لي طوعاً عن آبائي وأجدادي، عن بيعة لم يحل عقدتها الدين، ولا ثبوت جرحة تشين، وأنا قد قرعت باب الله سبحانه بتأميلك، فالتمس لي قبوله بقبولك، وردني إلى وطني على أفضل حال، وأظهر علي كرامتك التي تشد إليها ظهور الرحال، فقد جعلت وسيلتي إليك رسول الحق، إلى جميع الخلق، والسلام عليك أيها الولي الكريم، الذي يأمن به الخائف وينتصف الغريم، ورحمه الله، انتهى.
رجع - والسرخسي المذكور قال في حقه بعض الأئمة: إنه الشيخ الإمام
(3/100)

شيخ الشيوخ، تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه، له رحلة مغربية، انتهى.
وهو من بيت كبير، وقال البدري في تاريخه في حقه ما صورته: تاج الدين، شيخ الشيوخ بدمشق، أحد الفضلاء المؤرخين المصنفين، له كتاب في ثماني مجلدات ذكر فيه أصول الأشياء، وله " السياسة الملوكية " صنفها للملك الكامل محمد، وغير ذلك، وسمع الحديث، وحفظ القرآن، وكان قد بلغ الثمانين، وقيل: لم يبلغها، وقد سافر إلى بلاد المغرب سنة ثلاث وتسعين، واتصل بمراكش، عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فأقام هناك إلى سنة ستمائة، وقدم مصر، وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين ابن حمويه، انتهى.
وقال غيره: إنه كان فاضلاً متواضعاً نزهاً حسن الاعتقاد، قال أبو المظفر: كان يحضر مجالسي، وأنشدني يوماً:
لم ألق مستكبراً إلا تحوّل لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلا لي من الدنّيا ولذّتها ... إلاّ مقابلتي للتيه بالتيه وقال السرخسي المذكور في رحلته: إني وإن كنت خراساني الطينة، لكني شامي المدينة، وإ، كانت العمومة من المشرق، فإن الخؤولة من المغرب، فحدث باعث يدعو إلى الحركات والأسفار، ومشاهدة الغرائب في النواحي والأقطار، وذلك في حال ريعان الشباب الذي تعضده عزائم النفوس بنشاطها، والجوارح بخفة حركاتها وانبساطها، فخرجت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلى زيارة البيت المقدس وتجديد العهد ببركاته، واغتنام الأجر في حلول بقاعه ومزاراته، ثم سرت منه إلى الديار المصرية، وهي آهلة بكل ما تتجمل به البلاد وتزدهي، وينتهي وصف الواصف لشؤونها ولا تنتهي، ثم دخلت الغرب من الإسكندرية في البحر ودخلت مدينة مراكش أيام السيد الإمام أمير المؤمنين
(3/101)

أبي يوسف يعقوب المنصور ابن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فاتصلت بخدمته، والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها، ويتكلم في الفقه كلاماً بليغاً، وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى، وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده، وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر، وقد شرحت أحوال سيرته، وما جرى في أيام دولته، في كتاب التاريخ المسمى " عطف الذيل ". وقد صنف كتاباً يجمع فيه متون أحاديثٍ صحاح تتعلق بالعبادات سماه " الترغيب ". وتهدده ملك الإفرنج الفنش في كتابه فمزقه، وقال لرسوله: " ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنودٍ لا قبل لهم بها، ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون " إن شاء الله تعالى، ثم قال للكاتب: اكتب على هذه القطعة، يعني من كتابه الذي مزقه: الجواب ما ترى لا ما تسمع:
فلا كتب إلا المشرفّية والقنا ... ولا رسلٌ إلا الخميس العرمرم (1) ومن شعره أبيات كتب بها إلى العرب، وهي:
يا أيها الراكب المزجي مطيّته ... على عذافرة تشقى بها الأكم
بلّغ سليماً على بعد الديار بها ... بيني وبينكم الرحمن والرّحم
يا قومنا لا تشبّوا الحرب إن خمدت ... واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا
كم جرّب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون فبادت دونها الأمم
حاشا الأعارب أن ترضى بمنقصةٍ ... يا ليت شعري هل ترآهم علموا
يقودهم أرمنيٌّ لا خلاق له ... كأنه بينهم من جهلهم علم يعني بالأرمني قراقوش مملوك بني أيوب الذي كان ذهب إلى بلاد الغرب
__________
(1) ورد هذا الجواب ي الحلل الموشية: 30 ولكنه منسوب هناك ليوسف بن تاشفين وكذلك قال ابن عبد الغفور في أحكام صنعة الكلام ص: 164؛ والبيت للمتنبي.
(3/102)

الأدنى، وأوقد النار الحربية من طرابلس إلى تونس مع ابن غانية اللمتوني، وحديثه مشهور (1) ، وتمام الأبيات:
الله يعلم أنّي ما دعوتكم ... دعاء ذي قوّةٍ يوماً فينتقم
ولا لجأت لأمرٍ يستعان به ... من الأمور وهذا الخلق قد علموا
لكن لأجزي رسول الله عن نسبٍ ... ينمى إليه وترعى تلكم الذّمم
فإن أتيتم فحبل الوصل متصلٌ ... وإن أبيتم فعند السيف نحتكم ثم قال السرخسي: وبلغني أن قوماً من الغرباء قصدوه، ومعهم حيوانات معلمة منها أسد وغراب، أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس، ويربض بين يديه، وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه، وأما الغراب فكان يقول: النصر والتمكين لسيدنا أمير المؤمنين، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
أنس الشبل ابتهاجاً بالأسد ... ورأى شبه أبيه فقصد
أنطق الخالق مخلوقاته ... شهدوا والكلّ بالحقّ شهد
أنّك الخيرة من صفوته ... بعدما طال على الناس الأمد فأعطاهم وكساهم، وأحسن حباهم.
وبلغني أن قوماً أتوه بفيلٍ من بلاد السودان هدية، فأمر لهم بصلة، ولم يقبله منهم، وقال: نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل.
وقال لي يوماً: كيف ترى هذه البلاد وأين هي من بلادك الشامية فقلت: يا سيدنا، بلادكم (2) حسنة أنيقة مجملة مكملة، وفيها عيب واحد، فقال: ما هو فقلت: أنها تنسي الأوطان، فتبسم وظهر لي إعجابه
__________
(1) تجد تفصيلا لأعمال قراقوش وابن غانية في رحلة التجاني وتاريخ ابن الأثير وابن خلدون (الجزء السادس) والبيان المغرب (الجزء الثالث) وراجع كتابي " تاريخ ليبيا ": 157 - 194.
(2) ق: بلاد.
(3/103)

بالجواب، وأمر لي من غد بزيادة رتبة وإحسان.
وحدثني بعض عمالهم أنه فرق على الجند والأمراء والفقراء في عيد سنة أربع وتسعين ثلاثة وسبعين ألف شاة من ضأن ومعز.
ودرج إلى رحمة الله تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان قد استخلف ولده محمداً وقرر الأمر له، انتهى.
قلت: بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد أن يعقوب المنصور هذا تخلى عن الملك، وفر زاهداً فيه إلى المشرق، وأنه دفن بالبقاع، لأن هذه مقالة عامية لا يثبتها علماء المغرب، وسبب هذه المقالة تولع العامة به، فكذبوا في موته، وقالوا: إنه ترك الملك، وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع مما ليس له أصل. ويرحم الله تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي شارح الخزرجية، إذ قال في شرح مقصورة حازم عند ذكره وقعة الأرك ما معناه (1) : إن بعض الناس يزعمون أن المنصور ترك الملك وذهب إلى المشرق، وهذا كلام لا يصح، ولا أصل له. انتهى. وقال في " المغرب ": كان أبوه يوسف قد استوزره في حياته، وتخرج بين يديه، وتمرس، وهزم الفرنج الهزيمة العظيمة، وتولع بالعلم حتى نفى التقليد وحرق كتب المذاهب، وقتل على السكر، انتهى.
وحكى لسان الدين الوزير ابن الخطيب في شرح كتابه " رقم الحلل في نظم الدول " أن المنصور طلب من بعض أعيان دولته رجلين لتأديب ولده يكون أحدهما براً في عمله، والآخر بحراً في علمه، فجاءه بشخصين زعم أنهما على وفق مقترح المنصور، فلما اختبرهما لم يجدهما كما وصف، فكتب إلى الآتي بهما " ظهر الفساد في البر والبحر "، انتهى. وناهيك
__________
(1) نص ما أورده الشريف الغرناطي (رفع الحجب: 2: 155) " وكذب الكافة من العامة بوفاته فآونة يجعلونه يرابط ببلاد الأندلس مستكتما بها، وتارة يقولون إنه خرج زاهدا في الملك فتوجه نحو بيت الله وجاور في المدينة عند قبر رسول الله (ص) حيث يخفي أمره، ولهم في ذلك حكايات يقولونها إلى الآن، كلها تخرص وأباطيل "، وانظر البيان المغرب 3: 211 (ط. تطوان) .
(3/104)

بهذا دلالةً على قوة فطنته ومعرفته، رحمه الله تعالى.
رجع إلى أخبار السرخسي:
وقال في رحلته لما ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي (1) ، وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها: اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة المنصور يعقوب لمبايعة ولده محمد، فرأيته شيخاً بهي المنظر، حسن المخبر، فصيح العبارة باللغتين العربية والبربرية، ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة ينكر عليه تعويق التجار قوله: نحن نتجاور بالإحسان، وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده، وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها، ومعين على التمكن من استيطانها، ولو شئنا لاحتبسنا من في جهاتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله، والسلام.
ووقع إلى عامل له كثرت الشكاوى منه: قد كثرت فيك الأقوال، وإغضائي عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال، وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار وعدم الاختبار، فاحذر فإنك على شفا جرف هار.
ومن شعره المشهور قصيدة يمدح فيها ابن عمه المنصور يعقوب (2) :
__________
(1) أبو الربيع الموحدي سليمان بن عبد الله (- 604) ، ولي بجاية، وشارك في بعض الأعمال الحربية ضد ابن غانية بتونس؛ وقال الشقندي فيه إنه من مفاخر بني عبد المؤمن، كان قديرا على النظم حافظا للآداب، وله ديوان شعر (انظر الغصون اليانعة: 131 - 134) ويبدو أن قسما من هذا الشعر قد نحله إياه أحد كتابه (المعجب: 378) .
(2) هي في ديوانه ص 20 (ومخطوطة الرباط من ديوانه: الورقة 157) قالها يهنئ الخليفة أبا يوسف بفتح قفصة سنة 583.
(3/105)

هبّت بنصركم الرياح الأربع ... وجرت بسعدكم النجوم الطّلّع
واستبشر الفلك الأثير تيقناً ... أن الأمور إلى مرادك ترجع
وأمدّك الرحمن بالفتح الذي ... ملأ البسيطة نوره المتشعشع
لم لا وأنت بذلت في مرضاته ... نفساً تفدّيها الخلائق أجمع
ومضيت في نصر الإله مصمّماً ... بعزيمةٍ كالسيف بل هي أقطع
لله جيشك والصوارم تنتضى ... والخيل تجري والأسنّة تلمع
من كلّ من تقوى الإله سلاحه ... ما إن له غير التوكّل مفزع
لا يسلمون إلى النوازل جارهم ... يوماً إذا أضحى الجوار يضيّع ومنها يصف انهزام العدو:
إن ظنّ أن فراره منجٍ له ... فبجهله قد ظنّ ما لا ينفع
أين المفرّ ولا فرار لهاربٍ ... والأرض تنشر في يديك وتجمع
أخلفية الله الرضى هنّيته ... فتحٌ يمدّ بما سواه (1) ويشفع
فلقد كسوت الدين عزّاً شامخاً ... ولبست منه أنت ما لا يخلع
هيهات سرّ الله أودع فيكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع
لكم الهدى لا يدّعيه سواكم ... ومن ادعاه يقول ما لا يسمع
إن قيل من خير الخلائق كلّها ... فإليك يا يعقوب تومي الإصبع
إن كنت تتلو السابقين فإنّما ... أنت المقدّم والخلائق تبّع
خذها أمير المؤمنين مديحةً ... من قلب صدقٍ لم يشنه تصنّع
واسلم أمير المؤمنين لأمةٍ ... أنت الملاذ لها وأنت المفزع
فالمدح منّي في علاك طبيعةٌ ... والمدح من غيري إليك تطبّع
وعليك يا علم الهداة تحيةٌ ... يفنى الزمان وعرفها يتضوّع
__________
(1) الديوان: بمثله.
(3/106)

قال لي الفقيه أبو عبد الله محمد القسطلاني: دخلت إلى السيد أبي الربيع بقصرسجلماسة، وبين يديه أنطاع عليها رؤوس الخوارج الذين قطعوا الطريق على السفار بين سجلماسة وغانة، وهو ينكت الأرض بقضيب من الآبنوس، ويقول:
ولا غرو أن كانت رؤوس عداته ... جواباً إذا كان السيوف رسائله ومات بعد الستمائة، رحمه الله تعالى، انتهى.
وقال لما هجره أمير المؤمنين يعقوب المنصور، ووافق ذلك أن وفد على حضرة الخلافة مراكش جمع من العرب والغز (1) من بلاد المشرق، ونزلوا بتمرتانسقت ظاهر مراكش، واستأذنوا في وقت الدخول، فكتب إلى المنصور (2) :
يا كعبة الجود التي حجّت لها ... عرب الشآم وغزّها والدّيلم
طوبى لمن أمسى يطوف بها غداً ... ويحلّ بالبيت الحرام ويحرم
ومن العجائب أن يفوز بنظرةٍ ... من بالشآم ومن بمكّة يحرم فعفا عنه، وأحسن إليه، وأمره بالدخول بهم، والتقدم عليهم.
وقال في " المغرب " في حق السيد أبي الربيع المذكور، ما ملخصه (3) : لم يكن في بني عبد المؤمن مثله في هذا الشأن الذي نحن بصدده، وكان تقدم على مملكتي سجلماسة وبجاية، وكان كاتباً شاعراً أديباً ماهراً، وشعره مدون، وله ألغاز،
__________
(1) الغز: فريق من الجيش الذي كان يلتف حول شرف الدين قراقوش وفيه عناصر تركية في الأغلب وردوا المغرب حوالي 582 أو التي بعدها، فأكرمهم الخليفة الموحدي وجعل لهم جامكية شهرية لا تختل (انظر المعجب: 365 - 367) حين رتبهم في جيشه، وقد نوه المنصور بالغز في وصيته حين قال: " وهؤلاء الأغزاز أمرنا لهم بهذه البركة يأخذونها فاتركوها على ما رتبنا وربطنا لأن الموحدين لهم سهام يرجعون إليها وليس للأغزاز سهام " (البيان 3: 208 " ط. تطوان) .
(2) لم ترد في ديوانه: 144.
(3) لم ترد هذه الترجمة في المغرب.
(3/107)

وهو القائل في جارية اسمها ألوف (1) :
خليليّ قولا أين قلبي ومن به ... وكيف بقاء المرء من بعد قلبه
ولو شئتما إسم الذي قد هويته ... لصحّفتما أمري لكم بعد قلبه (2) وله الأبيات المشهورة التي منها (3) :
أقول لركب أدلجوا بسحيرة ... قفوا ساعة حتى أزور ركابها
وأملأ عيني من محاسن وجهها ... وأشكو إليها أن طالت عتابها
فإن هي جادت بالوصال وأنعمت ... وإلا فحسبي أن رأيت قبابها وقال يخاطب ابن عمه يعقوب المنصور (4) :
فلأملأن الخافقين بذكركم ... ما دمت حيّاً ناظماً ومرسّلاً
ولأبذلن نصحي لكم جهدي وذا ... جهد المقلّ وما عسى أن أفعلا
ولأخلصنّ لك الدعاء، وما أنا ... أهلٌ له، ولعلّه أن يقبلا وله مختصر كتاب " الأغاني " انتهى.
رجع - وذكر السرخسي أيضاً في رحلته السد أبا الحسن علي بن عمر ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن، وقال في حقه: إنه كان من أهل الأدب والطرب، ولي بجاية مدة، ثم عزل عنها لإهماله وإغفاله وانهماكه في ملاذه، أنشدني محمد ابن سعيد المهدوي كاتبه قال: كتب الأمير أبو الحسن إلى أمير المؤمنين يعقوب يمدحه ويستزيده، ويطلب منه ما يقضي به ديونه:
__________
(1) الديوان: 117.
(2) أمره هو الفعل " قولا " في البيت الأول، وتصحيفه بعد قلبه هو " ألوف ".
(3) الديوان: 49.
(4) الديوان: 39.
(3/108)

وجوه الأماني بكم مسفره ... وضاحكةٌ لي مستبشره
ولي أملٌ فيكم صادقٌ ... قريبٌ عسى الله قد يسّره
عليّ ديون وتصحيفها ... وعندكم الجود والمغفره يعني ذنوب.
وحدثني الشيخ أبو الحسن ابن فشتال (1) الكاتب وقد أنشدته:
أوحشتني ولو اطّلعت على الذي ... لك في ضميري لم تكن لي موحشا فقال: أنشدته هذا البيت في مجلس السيد أبي الحسن، فقال ولمن حضر: هل تعرفون لهذا البيت ثانياً فما فينا من عرفه، فأنشدنا:
أترى رشيت على اطّراح مودتي ... ولقد عهدتك ليس تثنيك الرّشا أوحشتني - البيت، انتهى.
وقال في " المغرب " في حق السيد المذكور، ما ملخصه: كان هذا السيد أبو الحسن قد ولي مملكة تلمسان وبجاية، وله حكايات في الجود برمكية، ونفس عالية زكية، كتب إليه السيد أبو الربيع يوم جمعة (2) :
اليوم يوم الجمعة ... يوم سرورٍ ودعه
وشملنا مفترقٌ ... فهل ترى أن نجمعه فأجابه بقوله:
اليوم يوم الجمعة ... وربّنا قد رفعه
والشرب فيه بدعةٌ ... فهل ترى أن ندعه
__________
(1) ق: قشتال.
(2) ديوان أبي الربيع: 137.
(3/109)

قال: ولفظة " السيد " في المغرب بذلك العصر لا تطلق إلا على بني عبد المؤمن بن علي، انتهى.
رجع - قال السرخسي، وقد ذكر في الرحلة المذكورة السيد أبا محمد عبد الله صاحب فاس: وله من أبيات في الفخر وقد انتحلها غيره:
ألست ابن من تخشى الليالي انتقامهم ... وترجو نداهم غاديات السحائب
يخطّون بالخطّيّ في حومة الوغى ... سطور المنايا في نحور المقانب
كتاباً بأطراف العوالي ونقسه ... دم القلب مشكولاً بنضج الترائب
وما كنت أدري قبلهم أنّ معشراً ... أقاموا كتاباً من نفوس الكتائب وأنشدني المقدم الأمير أبو زيد بن يكيت قال: أنشدني بعض السادة من بني عبد المؤمن:
فديت من أصبحت في أسره ... وليس لي من حكمه فادي
إن حلّ يوماً وادياً كان لي ... جنّة عدن ذلك الوادي ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من علماء الأندلس والمغرب لقيهم في هذه الرحلة.
ومن نظم السرخسي المذكور قوله رحمه الله تعالى:
يا ساهر المقلة لاعن كرىً ... غفلت عن هجعي وأوصابي
لو لم يكن وجهك لي قبلةً ... ما أصبح الحاجب محرابي وكان متفنناً في العلوم، وهو عم الأمراء الوزراء الرؤساء فخر الدين وإخوته، ومن مصنفاته " المسالك والممالك " و " عطف الذيل " في التاريخ، وله أمالٍ وتخاريج وقدمه المنصور صاحب المغرب على جماعة، وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية عند المنيبع، وكان عالي الهمة
(3/110)

شريف النفس، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد رغبة قي دنياه، لا من أهله ولا من غيرهم، وذكره صاحب " المرآة " وغيره، وترجمته واسعة، رحمه الله تعالى.
61 - ومن الوافدين على الأندلس ظفر البغدادي (1) ، سكن قرطبة، وكان من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط كعباس بن عمرو الصقلي ويوسف البلوطي وطبقتهما، واستخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة، لما علم من شدة اعتناء الحكم بجمع الكتب واقتنائها، وقد أشار ابن حيان في كتاب " المقتبس " إلى ظفر هذا، رحمه الله تعالى.
62 - ومنهم الرازي، وهو محمد بن موسى بن بشير بن جناد بن لقيط، الكناني، الرازي (2) ، والد أبي بكر أحمد بن محمد صاحب التاريخ، غلب عليه اسم بلده، وكان يفد من المشرق على ملوك بني مروان تاجراً، وكان مع ذلك متقناً (3) في العلوم، وهلك منصرفه من الوفادة على الأمير المنذر بن محمد بإلبيرة، في شهر ربيع الآخر سنة 273، ذكره ابن حيان في " المقتبس ".
63 - ومنهم الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ابن الحارث بن أسد بن ليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان التميمي، الدرامي، البغدادي (4) ، سمع من أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص (5)
__________
(1) ترجمة ظفر الوراق في التكملة: 346.
(2) انظر ترجمته في التكملة: 670.
(3) التكملة: مفتنا.
(4) ترجمة أبي الفضل البغدادي في الجذوة: 68 (وبغية الملتمس رقم: 209) والذخيرة 4 / 1: 67 - 92 وفيه تفصيل رحلته وتقلبه في البلاد.
(5) في الجذوة: سمع من أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص جزءين، وقد يوهم أن " المخلص اسم كتاب، وعند حاجي خليفة " المخلصيات " من حديث أبي طاهر لابن العباس ابن مخلص الذهبي. (ص 1639) .
(3/111)

وغيره، وخرج من بغداد رسولاً عن أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي رضي الله تعالى عنه إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع مع أبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب، فقبل عينيه، وقال له: لله أنت من ناظم، وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون ابن ذي النون بطليطلة (1) ، وله فيه أمداح كثيرة، ومن فرائد شعره قوله (2) :
يا ليل ألاّ انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على الأرق
جفا لحاظي (3) التغميض فيك فما ... تطبق أجفانها (4) على الحدق
كأنني صورةٌ ممثّلةٌ ... ناظرها الدّهر غير منطبق وقال:
يزرع ورداً ناضراً ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع
أمنع أن أقطف أزهاره ... في سنّة المتبوع والتّابع
فلم منعتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع هكذا نسبها له غير واحد كابن سعيد كتيلة (5) ، وبعضهم ينسبها للقاضي عبد الوهاب.
قلت: وقد أجاب عنها بعض المغاربة بقوله:
سلّمت أنّ الحكم ما قلتم ... وهو الذي نصّ عن الشارع
__________
(1) كان دخوله طليطلة يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة 454.
(2) الذخيرة: 75.
(3) الذخيرة: جفوني.
(4) الذخيرة: تسبل أشفارها.
(5) في ق: وأبو كيلة، وقد اضطربت في النسخ بين: كتيلة، كثيلة، كتبلة، كما جاء موضعها
(3/112)

فكيف تبغي شفةٌ قطفه ... وغيرها المدعوّ بالزارع ورده شيخ شيوخ شيوخنا الإمام الحافظ أبو عبد الله التّنسي ثم التلمساني بقوله:
في ذا الذي قد قلتم مبحثٌ ... إذ فيه إيهامٌ على السامع
سلّمتم الحكم له مطلقاً ... وغير ذا نصّ عن الشارع يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقاً، والشرع خلافه.
وأجاب بعض الحنفية بقوله:
لأنّ أهل الحبّ في حكمنا ... عبيدنا في شرعنا الواسع
والعبد لا ملك له عندنا ... فحقّه للسيّد المانع وهو جواب حسن لا بأس به.
ورأيت جواباً لبعض المغاربة على غير روية، وهو:
قل لأبي الفضل الوزير الذي ... باهى به مغربنا الشرق
غرست ظلماً وأردت الجنى ... وما لعرق ظالم حقّ قلت: وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدرامي المذكور في الذخيرة، لا للقاضي عبد
الوهاب، والله تعالى أعلم.
ومن شعر الوزير المذكور قوله:
بين كريمين منزلٌ واسع ... والودّ حالٌ تقرّب الشاسع
والبيت إن ضاق عن ثمانيةٍ ... متسعٌ بالوداد للتاسع وولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهو من بيت علم وأدب، قال الحميدي: أخبرني بذلك أبو عمر (1) رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز
__________
(1) الجذوة: أبو محمد.
(3/113)

ابن الحارث، وتوفي بطليطلة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقال ابن حيان: توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة، في كنف المأمون يحيى بن ذي النون، وذكر أنه كان يتهم بالكذب، فالله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
وقال ابن ظافر في كتابه " بدائع البدائه " (1) ما نصه: أبو الفضل الدرامي البغدادي مجلس المعز بن باديس، وبالمجلس ساقٍ وسيم قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندامى فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:
ومعذّرٍ نقش الجمال بمسكه ... خدّاً له بدوم القلوب مضرّجا
لما تيقّن أن سيف جفونه ... من نرجسٍ جعل العذار بنفسجا وقوله في جارية تبخترت بالند (2) :
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا ... منعّمة الأرداف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيماً على شمس وقوله (3) :
لأغرّرنّ بمهجتي في حبّه ... غرراً يطيل مع الخطوب خطابي
ولئن تعزز إنّ عندي ذلّةً ... تستعطف الأعداء للأحباب وقوله (4) :
__________
(1) بدائع البدائه 2: 40 وانظر الذخيرة 4 / 1: 73.
(2) الذخيرة: نفس الصفحة.
(3) الذخيرة: 74.
(4) الذخيرة: 75.
(3/114)

دعتني عيناك نحو الصبا ... دعاء يكرر في كلّ ساعه
ولولا وحقّك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعاً وطاعه وقد تمثل بهذين البيتين لسان الدين ابن الخطيب في خطبة تأليفه المسمى ب " روضة التعريف
بالحب الشريف ".
وقال أبو الفضل الدرامي المذكور أيضاً (1) :
سطا الفراق عليهم غفلةً فغدوا ... من جوره فرقاً من شدّة الفرق
فسرت شرقاً وأشواقي مغرّبةٌ ... يا بعد ما نزحت عن طرقهم طرقي
لولا تدارك دمعي يوم كاظمةٍ ... لأحرق الركب ما أبديت من حرق
يا سارق القلب جهراً غير مكترثٍ ... أمنت في الحبّ أن تعدى على السّرق
أرمق بعين الرضى تنعش بعاطفةٍ ... قبل المنيّة ما أبقيت (2) من رمقي
لم يبق مني سوى لفظٍ يبوح بما ... ألقى فيا عجباً للّفظ كيف بقي
صلني إذا شئت أو فاهجر علانيةً ... فكلّ ذلك محمولٌ على الحدق وقال (3) :
تذكّر نجداً والحمى فبكى وجدا ... وقال: سقى الله الحمى وسقى نجدا
وحيّته (4) أنفاس الخزامى عشية ... فهاجت إلى الوجد القديم به وجدا
فأظهر سلواناً وأضمر لوعةً ... إذا طفئت نيرانها وقدت وقدا
ولو أنّه أعطى الصبابة حكمها ... لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
__________
(1) الذخيرة: 84.
(2) الذخيرة: ما أوهيت.
(3) الذخيرة: 78.
(4) في ق: وخفة؛ والتصويب عن الذخيرة.
(3/115)

وقال أيضاً (1) :
قلت للملقي على الخ ... دين من وردٍ خمارا
أسبل الصّدغ على خ ... دّك من مسكٍ عذارا
أم أعان الليل حتّى ... قهر الليل النهار
قال: ميدانٌ جرى الحس ... ن عليه فاستدارا
ركضت فيه عيونٌ ... فأثارته غبارا وقال (2) :
وكاتبٍ أهديت نفسي له ... فهي من السوء فدا نفسه
فلست أدري بعد ما حلّ بي ... بمسكه أتلف أم نقسه
سلّط خدّيه على مهجتي ... فاستأصلتها وهي من غرسه وقال:
وشادنٍ أسرف في صدّه ... وزاد في التيه على عبده
الحسن قد بثّ على خدّه ... بنفسجاً يزهو على ورده
رأيته يكتب في طرسه ... خطّاً يباري الدّرّ من عقده
فخلت ما قد خطّه كفّه ... للحسن قد خطّ على خدّه وقال:
إنّي عشقت صغيراً ... قد دبّ فيه الجمال
وكاد يفشي حديث ال ... فضول منه الدّلال
لو مرّ في طرق الهج ... ر لاعتراه ضلال
__________
(1) الذخيرة: 77.
(2) وردت سائر القطع في الذخيرة، فلا حاجة إلى إثبات ذلك عند كل قطعة.
(3/116)

يريك بدراً منيراً ... في الحسن وهو هلال وقال:
ظبيٌ إذا حرّك أصداغه ... لم يلتفت خلقٌ إلى العطر
غنّى بشعري منشدا ًليتني الل ... فظ الذي أودعته شعري
فكلّما كرّر إنشاده ... قبّلته فيه ولم يدر وقال:
أينفع قولي إنّني لا أحبّه ... ودمعي بما يمليه وجدي يكتب
إذا قلت للواشين لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع يكذب وقال:
وهبني قد أنكرت حبّك جملةً ... وآليت أنّي لا أروم محطّها
فمن أين في الحبّ جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها ودمعي خطّها وقال:
أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ين ... شط من حبّه عقال وثاقي
فأريح الفؤاد ممّا اعتراه ... وأردّ الهوى على العشّاق وقال:
كلانا لعمري ذائبان (1) من الهوى ... فنارك من جمرٍ وناري من هجر
فأنت على ما قد تقاسين من أذىً ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري
__________
(1) الذخيرة: ذو بيان.
(3/117)

وقال:
ومن عجب العشق أن القتيل ... يحنّ ويصبو إلى القاتل وقال:
ألم أجعل مثار النقع بحراً ... على أنّ الجياد له سفين وقال:
أصبحت أحلب تيساً لا مدرّ له ... والتيس من ظنّ أن التيس محلوب وأما الحكيم أبو محمد المصري وهو القائل (1) :
رعى الله دهراً قد نعمنا بطيبه ... لياليه من سمش الكؤوس أصائل
ونرجسنا درٌ على التبر جامدٌ ... وخمرتنا تبرٌ على الدرّ سائل فقد ترجمه في " الذخيرة " فليراجع، فإن الذخيرة غريبة في البلاد المشرقية.
وقد كان عندي بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به، فخلفته هنالك، والله تعالى يلم الشمل. وقد ذكر فيها أنه مغربي سافر إلى مصر، فقيل له " المصري " لذلك، فليعلم، والله تعالى أعلم.
64 - ومن الوافدين على الأندلس أشهب بن العضد الخراساني. قال ابن سعيد: أنشدنا لما وفد على ابن هود في إشبيلية قصيدة ابن النبيه:
طاب الصّبوح لنا فهاك وهات (2) ... وادعاها، وفيها:
__________
(1) هو أبو محمد عبد الله بن خليفة المصري، ترجم له ابن بسام في الذخيرة في قسم الغرباء الطارئين على الأندلس بعد ترجمة ابن حميدس (في القسم الذي لم يطبع بعد) وانظر 4 / 1: 69 - 105، وقد ذمه ابن حيان دون أن يذكر اسمه ص: 109.
(2) عجزه: واشرب هنيئا يا أخا اللذت (الفوات 2: 147) .
(3/118)

في روضة غنّا تخال طيورها ... وغصونها همزاً على ألفات ولم أجد هذا البيت في قصيدة ابن النبيه، انتهى.
65 - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو الحسن البغدادي الفكيك (1) ، وهومذكور في الذخيرة، وكان حلو الجواب، مليح التندر، يضحك من حضرن ولا يضحك هو إذا ندر، وكان قصيراً دميماً، قال: ورأيته يوماً وقد لبس طاقاً أحمر على بياض، وفي رأسه طرطور أخضر، عمم عليه عمة لازوردية، وهو بين يدي المعتمد بن عباد ينشد شعراً قال فيه:
وأنت سليمان في ملكه ... وبين يديك أنا الهدهد وأنشد له في المعتمد:
أبا القاسم الملك المعظّم قدره ... سواك من الأملاك ليس يعظّم
لقد أصبحت حمصٌ بعدلك جنةً ... وقد أبعدت عن ساكنيها جهنم
ولي بحياك الريع عاماً وأشهراً ... أزخرف أعلام الثناء وأرقم
وأنفقت ما أعطيتني ثقةً بما ... أؤمّل فالدينار عندي درهم
وقلبي إلى بغداد يصبو وإنّني ... لنشر صباها دائماً أتنسّم وقال:
وذرّى على ربع العقيق دموعه ... عقيقاً ففيها توأمٌ وفريد
شهدت وما تغني شهادة عاشقٍ ... بأن قتيل الغانيات شهيد ومنها:
__________
(1) راجع فهرست الذخيرة 1 / 1: 19 وهو في القسم الذي لم يطبع بعد، في تراجم الغرباء الطارئين على الأندلس.
(3/119)

إذا قابلوه قبّلوا ترب أرضه ... وهم لعلاه ركّعٌ وسجود
وقد هزّ منه الله للملك صارماً ... تقام بحدّي شفرتيه حدود وقال:
لأيّة حالٍ حال عن سنة الكرى ... ولم أصغي وماً في هواه إلى العذل ومنها:
كأنّ بقاء الطّلّ فوق جفونها ... دموع التصابي حرن في الأعين النّجل ومنها:
تملّكت رقّي بالعوارف منعماً ... وأغنيتني بالجود عن كلّ ذي فضل
وأنسيتني أرض العراق ودجلةً ... وربعي حتى ما أحنّ إلى أهلي وقال في المقتدر بن هود:
لعزّك ذلّت ملوك البشر ... وعفّرت تيجانهم في العفر
وأصبحت أخطرهم بالقنا ... وأركبهم لجود الخطر
سهرت وناموا عن المأثرات ... فما لهم في المعالي أثر
وجلّيت في حيث صلّى الملوك ... فكلٌّ بذيل المنى قد عثر ومنها:
وأنتم ملوكٌ إذا شاجروا ... أظلّتهم من قناهم شجر وقال الفكيك من قصيدة:
غنّى حسامك في أرجاء قرطبةٍ ... صوتاً أباد العدى والليل معتكر
حيث الدماء مدامٌ والقنا زهرٌ ... والقوم صرعى بكأس الحتف قد سكروا
(3/120)

وكان مشهوراً بالهجاء، وله في نقيب بغداد وكانت في عنقه غدة:
بلع الأمانة فهي في حلقومه ... لا ترتقي صعداً ولا تتنزّل وقال ناصر الدولة بن حمدان:
ولئن غلطت بأن مدحتك طالباً ... جدواك مع علمي بأنّك باخل
فالدولة الغرّاء قد غلطت بأن ... سمّتك ناصرها وأنت الخاذل
إن تمّ أمرك مع يدٍ لك أصبحت ... شلاّء فالأمثال شىء باطل ومما ينسب إليه، وقيل لغيره:
ووعدتني وعداً حسبتك صادقاً ... فجعلت من طعمي أجيء وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ ... قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب 66 - ومنهم إبراهيم بن سليمان الشامي، دخل الأندلس من المشرق في أخريات أيام الحكم شادياً للشعر، وهو من موالي بني أمية، ولم ينفق على الحكم، وتحرك في أيام ولده الأمير عبد الرحمن فنفق عليه، ووصله، ثم في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وكان أدرك بالمشرق كبار المحدثين كأبي نواس وأبي العتاهية. ومن شعره ما كتب به إلى الأمير عبد الرحمن:
يا من تعالى من أميّة في الذرى ... قدما ًفأصبح عالي الأركان
إن الغمام غياثه في وقته ... والغيث من كفّيك كلّ أوان
فالغيث قد عمّ البلاد وأهلها ... وظمئت بينهم فبلّ لساني وله في الأمير عبد الرحمن بن الحكم:
ومن عبد شمسٍ بالمغارب عصبةٌ ... فأسعدها الرحمن حيث أحلّها
دحا تحتها مهداً من العزّ آمناً ... ومدّ جناحاً فوقها فأظلّها
(3/121)

67 - ومنهم أبو بكر بن الأزرق، وهو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حامد بن موسى بن العباس بن محمد بن يزيد، وهو الحصني، ابن محمد ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، من أهل مصر، خرج من مصر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وصار إلى القيروان، وامتحن بها مع الشيعة، وأقام محبوساً بالمهدية، ثم أطلق ووصل الأندلس سنة تسع وأربعين، فأحسن إليه المستنصر بالله الحكم، وكان أديباً حكيماً، سمع من خاله أبي بكر أحمد بن مسعود الزهري، وولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمصر، وتوفي بقرطبة في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعلى.
68 - ومن الواردين على الأندلس من المشرق رئيس المغنين أبو الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب (1) ، مولى أمير المؤمنين المهدي العباسي، قال في " المقتبس ": زياب لقب غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه، مع فصاحة لسانه، وحلاوة شمائله، شبه بطائر أسود غرد عندهم، وكان شاعراً مطبوعاً، وكان ابنه أحمد قد غلب عليه الشعر أيضاً، وكان من خبره في الوصول إلى الأندلس أنه كان تلميذاً لإسحاق الموصلي ببغداد، فتلقف من أغانيه استراقاً، وهدي من فهم الصناعة وصدق العقل مع طيب الصوت وصورة الطبع إلى ما فاق به إسحاق، وإسحاق لا يشعر بما فتح عليه، إلى أن جرى بالرشيد مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغنٍ غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه، فذكر له تلميذه هذا، وقال: إنه مولىً لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس، إذا أنا وقفته على ما استغرب منها وهو من اختراعي واستنباط فكري، أحدث أن يكون له شأن، وقال الرشيد: هذا طلبتي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده، فأحضره، فلما كلمه الرشيد أعرب عن نفسه
__________
(1) انظر الجزء الأول من النفح: 344، وقد توفي زرياب سنة 238 قبل وفاة الأمير عبد الرحمن بأربعين يوما (المقتبس: 87 وترجته فيه قد سقطت) ؛ وانظر المغرب 1: 51.
(3/122)

بأحسن منطق وأوجز خطاب، وسأله عن معرفته بالغناء، فقال: نعم أحسن منه ما يحسنه الناس، وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه، مما لا يحسن إلا عندك ولا يدخر إلا لك، فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك، فأمر بإختصار عود أستاذه إسحاق، فلما أدني إليه وقف عن تناوله، وقال: لي عود نحته بيدي وأرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليإذن لي أمير المؤمنين في استدعائه، فأمر بإدخاله إليه، فلما تأمله الرشيد وكان شبيهاً بالعود الذي دفعه قال له: ما منعك أن تستعمل عود أستاذك فقال: إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي، فقال له:ما أراهما إلا واحداً، فقال: صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يكسبها أناثه ورخاوة، وبمها ومثلثها اتخذتهما من مصران شبل أسد، فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها، فاستبرع الرشيد وصفه وأمره بالغناء، فجس، ثم اندفع فغناه:
يا أيّها الملك الميمون طائره ... هارون راح إليك الناس وابتكروا فأتم النوبة، وطار الرشيد طرباً، وقال لإسحاق: والله لولا أني أعلم من صدقك لي على كتمانه إياك لما عنده وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل لأنزلت بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه، فخذه إليك واعتن بشأنه، حتى أفرغ له، فإن لي فيه نظراً، فسقط في يد إسحاق، وهاج به من داء الحسد ما غلب صبره، فخلا بزرياب وقال: يا علي، إن الحسد أقدم الأدواء وأدواها، والدنيا فتانة، والشركة في الصناعة عداوة، لا حيلة في حسمها وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك، وقصدت منفعتك
(3/123)

فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك، وعن قليل تسقط منزلتي، وترتقي أنت فوقي، وهذا ما لا أصاحبك عليه ولو أنك ولدي، ولولا رعيي لذمة تربيتك لما قدمت شيئاً على أن أذهب نفسك، يكون في ذلك ما كان، فتخير في ثنتين لا بد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبراً بعد ذلك الأيمان الموثقة، وأنهضك لذلك بما أردت من مال وغيره، وإما أن تقيم على كرهي ورغمي مستهدفاً إلي، فخذ الآن حذرك مني فلست والله أبقي عليك، ولا أدع اغتيالك باذلاً في ذلك بدني ومالي، فاقض قضاءك. فخرج زرياب لوقته، وعلم قدرته على ما قال، واختار الفرار قدامه، فأعانه إسحاق على ذلك سريعاً، وراش جناحه، فرحل عنه، ومضى يبغي مغرب الشمس، واستراح قلب إسحاق منه.
وتذكر الرشيد بعد فراغه من شغل كان منغمساً فيه، فأمر إسحاق بحضوره، فقال: ومن لي به يا أمير المؤمنين ذاك غلام مجنون يزعم أن الجن تكلمه وتطارحه ما يزهى به من غنائه، فما يرى في الدنيا من يعد له، وما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين وترك استعادته، فقدر التقصير به والتهوين بصناعته، فرحل مغاضباً ذاهباً على وجهه مستخفياً عني، وقد صنع الله تعالى في ذلك لأمير المؤمنين، فإنه كان به لمم يغشاه ويفرط خطبه، فيفزع من رآه، فسكن الرشيد إلى قول إسحاق، وقال: على ما كان به فقد فتنا منه سرور كثير.
ومضى زرياب إلى المغرب فنسي بالمشرق خبره، غذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه ونزعت إليه نفسه وسمت به همته، فأم أمير الأندلس الحكم المباين لمواليه، وخاطبه وذكر له نزاعه إليه واختباره إياه ويعلمه بمكانه من الصناعة التي ينتحلها وسأله الإذن في الوصول إليه، فسر الحكم بكتابه وأظهر له من الرغبة فيه والتطلع إليه وإجمال الموعد ما تمناه، فسار زرياب نحوه بعياله وولده، وركب بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء، فلم يزل بها حتى توالت عليه الأخبار بوفاة الحكم، فهم بالرجوع إلى العدوة، فكان معه منصور
(3/124)

اليهودي المغني رسول الحكم إليه، فثناه عن ذلك ورغبه في قصد القائم مقام الحكم، وهو عبد الرحمن ولده، وكتب إليه بخبر زرياب، فجاءه كتاب عبد الرحمن يذكر تطلعه إليه والسرور بقدومه عليه، وكتب إلى عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة، وأمر خصياً من أكابر خصيانه أن يتلقاه ببغال ذكور وإناث وآلات حسنة، فدخل هو وأهله البلد ليلاً صيانةً للحرم، وأنزله في دار من أحسن الدور، وحمل إليها جميع ما يحتاج إليه، وخلع عليه، وبعد ثلاثة أيام استدعاه، وكتب له في كل شهر بمائتي دينار راتباً، وأن يجرى على بنيه الذين قدموا معه - وكانوا أربعة: عبد الرحمن، وجعفر، وعبيد الله، ويحيى - عشرون ديناراً لكل واحد منهم كل شهر، وأن يجرى على زرياب من المعروف العام ثلاثة آلاف دينار، منها لكل عيد ألف دينار، ولكل مهرجان ونوروز خمسمائة دينار، وأن يقطع له من الطعام العام ثلاثمائة مدي ثلثاها شعير وثلثها قمح، وأقطعه من الدور والمستغلات بقرطبة وبساتينها ومن الضياع ما يقوم بأربعين ألف دينار. فلما قضى له سؤله وأنجز موعوده (1) وعلم أن قد أرضاه وملك نفسه استدعاه، فبدأ بمجالسته على النبيذ وسماع غنائه، فما هو إلا أن سمعه فاستهوله واطرح كل غناء سواه، وأحبه حباً شديداً وقدمه على جميع المغنين، وكان لما خلا به أكرمه غاية الإكرام وأدنى منزلته وبسط أمله، وذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء، فحرك منه بحراً زخر عليه مده، فأعجب الأمير به وراقه ما أورده، وحضر وقت الطعام فسرفه بالأكل معه هو وأكابر ولده، ثم أمر كاتبه بأن يعقد له صكاً بما ذكرناه آنفاً، ولما ملك قلبه واستولى عليه حبه فتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراده.
وذكر أن زرياباً ادعى أن الجن كانت تعلمه كل ليلة ما بين نوبة إلى
__________
(1) ق: موعده.
(3/125)

صوت واحد، كان يهب من نومه سريعاً فيدعو بجاريتيه غزلان وهنيدة، فتأخذان عودهما، ويأخذ هو عوده، فيطارحهما ليلته ويكتب الشعر ثم يعود عجلاً إلى مضجعه، وكذلك يحكى عن إبراهيم الموصلي في لحنه البديع المعروف بالماخوري أن الجن طارحته إياه، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
وزاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة، وذلك أن الزير صبغ أصفر اللون، وجعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد، صبغ الوتر الثاني بعده أحمر، وهو من العود مكان الدم من الجسد، وهو في الغلظ ضعف الزير، ولذلك سمي مثنى، وصبغ الوتر الرابع أسود، وجعل من العود مكان السوداء من الجسد، وسمي البم، وهو أعلى أوتار العود، وهو ضعف المثلث الذي عطل من الصبغ وترك أبيض اللون، وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد، وجعل ضعف المثنى في الغلظ، ولذلك سمي المثلث، فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع تقضي طبائعها بالعتدال، فالبم حار يابس يقابل المثنى وهو حار رطب وعليه تسويته، والزير حار يابس يقابل المثلث وهو حار رطب، قوبل كل طبع بضده حتى اعتدل واستوى كاستواء الجسم بأخلاطه، إلا أنه عطل من النفس، والنفس مقرونة بالدم، فأضاف زرياب من أجل ذلك إلى الوتر الأوسط الدموي هذا الوتر الخامس الأحمر الذي اخترعه بالأندلس، ووضعه تحت المثلث (1) وفوق المثنى، فكمل في عوده قوى الطبائع الأربع، وقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد.
وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، معتاضاً به من مرهف الخشب، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفته على
__________
(1) ق: المثلثة.
(3/126)

الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه.
وكان زرياب عالماً بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعب بحارها وتصنيف بلادها وسكانها، مع ما سنح له من فك كتاب الموسيقى، مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها.
وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به: فمن ذلك أنه دخل إلى الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جمته مفروقاً وسط الجبين عاماً للصدغين والحاجبين، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلى آذانهم، ولإسبالها إلى أصداغهم - حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري - هوت إليه أفئدتهم، واستحسنوه. ومما سنه استعمال المرتك المتخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم، ولا شيء يقوم مقامه، وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبلة ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد، فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر، فدلهم على تصعيدها بالملح، وتبييض لونها، فلما جربوه أحمدوه جداً. وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسماة بلسانهم الإسفراج (1) ، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله. ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا (2) ، وهو مصطنع بماء الكزبرة
__________
(1) في مفردات ابن البيطار: الاسفزاج، والصواب بالراء المهملة، وهو يقابل (Asparagus) .
(2) التفايا: عددها صاحب كتاب الطبيخ من بسائط الأطعمة وهي أنواع منها التفايا البيضاء وتحضر من لحم الضأن الفتي السمين في قطع صغار ويضاف إليها ملح وفلفل وكزبرة يابسة ويسير من ماء بصلة مدقوقة ومغرفة من الزيت العذب وماء وتجعل على نار لينة وتحرك، ويجعل فيها بندق ولوز مقشر مقسوم، فإذا اردتها خضراء أضفت إليها ماء الكزبرة الرطبة، ومنها تفايا مبيضة وأخرى مقلية وأنواع منها مشرقية (كتاب الطبيخ 85 - 88، 118 - 119) .
(3/127)

الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب.
ومما أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيلة آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرش أنطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقل مسحة، ولبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وخلعهم للملون من يوم مهرجان أهل البلد المسمى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونية الشمسي من شهورهم الرومية، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة، ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحر والرد المسمى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخز والملحم والمحرر والدراريع التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي، ثياب العامة، وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة، وذلك عند قرس البرد في الغدوات، إلى أن يقوى البرد فينتقلوا إلى أثخن منها من الملونات، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء.
واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء قيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج تبعاً لمراسم زرياب. وكان إذا تناول الإلقاء على تلميذ يعلمه أمره بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة، وأن يشد صوته جداً إذا كان قوي الصوت، فإن كان لينه أمره أن يشد على بطنه عمامة، فإن ذلك مما يقوي الصوت، ولا يجد متسعاً في الجوف
(3/128)

عند الخروج على الفم، فإن كان ألص الأضراس لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته زم أسنانه عند النطق، راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع يبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه، وكان إذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت المراد تعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته: ياحجام، أو يصيح: آه، ويمد بها صوته، فإن سمع صوته بهما صافياً ندياً قوياً مؤدياً لا يعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس عرف أن سوف ينجب وأشار بتعليمه، وإن وجده خلاف ذلك أبعده.
وكان له من ذكور الولد ثمانية: عبد الرحمن وعبيد الله ويحيى وجعفر ومحمد وقاسم وأحمد وحسن. ومن الإناث ثنتان: علية وحمدونة. وكلهم غنى ومارس الصناعة، واختلفت بهم الطبقة، فكان أعلاهم عبد الله ويتلوه عبد الرحمن، لكنه ابتلي من فرط التيه وشدة الزهو وكثرة العجب بغنائه والذهاب بنفسه بما لم يكن له شبه فيه، وقلما يسلم مجلس حضوره من كدر يحدثه، ولا يزال يجترىء على الملوك، ويستخف بالعظماء، ولقد حمله سخفه على أن يحضر يوماً مجلس بغض الأكابر الأعاظم في أنس قد طاب به سروره، وكان صاحب قنص تغلب عليه لذته، فاستدعى بازياً كان كلفاً به كثير التذكر له، فجعل يمسح أعطافه ويعدل قوادمه ويرتاح لنشاطه، فسأله عبد الرحمن أن يهبه له، فاستحيا من رده وأعطاه إياه مع ضنه به، فدفعه عبد الرحمن إلى غلامه ليعجل به إلى منزله، وأسر إليه فيه بسر لم يطلع عليه، فمضى لشأنه، ولم يلبث أن جاءه بطيفورية مغطاة مكرمة بطابع مختوم عليها من فضة، فغذا به لون مصوص قد اتخذ من البازي بعد ذبحه على ما حده لأهله، وذهب إلى الإنتقال عليه في شرابه، وقال لصاحب المجلس: شاركني في نقلي هذا فإنه شريف المركب (1) بديع الصنعة، فلما رآه الرجل أنكر صفته وعاب
__________
(1) ق ودوزي: الموكب؛ والمركب يعني التركيب.
(3/129)

لحمه، وسأله عنه، فقال: هو البازي الذي كنت تعظم قدره، ولا تصبر عنه، قد صيرته إلى ما ترى، فغضب صاحب المنزل حتى ربا في أثوابه وفارقه حلمه وقال له: قد كان والله أيها الكلب السفيه على ما قدرته وما اقتديت فيه إلا بكبار الناس المؤثرين لمثله، وما أسعفتك به إلا معظماً من قدرك ما صغرت من قدري، وأظهرت من هوان السنة عليك باستحلالك لسباع الطير المنهي عنها، ولا أدع والله الآن تأديبك إذ أهملك أبوك معلم الناس المروءة، ودعا له بالسوط وأمر بنزع قلنسوته وساط هامته مائة سوط، فاستحسن جميع الناس فعله وأبوا الشماتة به.
وكان محمد منهم مؤنثاً، وكان قاسمهم أحذاقهم غناء مع تجويده، وتزوج الوزير هشام بن عبد العزيز حمدونة.
وذكر الشاعر أن أول من دخل الأندلس من المغنين علون وزرقون، دخلا في أيام الحكم بن هشام، فنفقا عليه، وكانا محسنين، لكن غناؤهما ذهب لغلبة غناء زرياب عليه.
وقال عبد الرحمن بن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن ونديمه في زرياب:
يا عليّ بن نافعٍ يا عليّ ... أنت أنت المهذّب اللّوذعيّ
أنت في الأصل حين يسأل عنه ... هاشميّ وفي الهوى عبشميّ وقال ابن سعيد: وأنشد لزرياب والدي في معجمه:
علّقتهما ريحانةً ... هيفاء عاطرةً نضيره
بين السمينة والهزي ... لة والطويلة والقصيره
لله أيامٌ لنا ... سلفت على دير المطيره
لاعيب فيها للمتيّ ... م غير أن كانت يسيره انتهى.
(3/130)

وكان لزرياب جارية اسمها متعة، أدّبها وعلّمها أحسن أغانيه حتى شبت، وكانت رائعة الجمال، وتصرفت بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم تغنيه مرة وتسقيه أخرى، فلما فطنت لإعجابه بها أبدت له دلائل الرغبة، فأبى إلا التستر، فغنته بهذه الأبيات، وهي لها في ظن بعض الحفاظ:
يا من يغطّي هواه ... من ذا يغطّي النهارا
قد كنت أملك قلبي ... حتى علقت فطارا
يا ويلتا أتراه ... لي كان، أو مستعارا
يا بأبي قرشيٌّ ... خلعت فيه العذارا فلما انكشف لزرياب أمرها أهداها إليه فحظيت عنده.
وكانت حمدونة بنت زرياب متقدمة في أهل بيتها، محسنة لصناعتها، متقدمة على أختها علية، وهي زوجة الوزير هاشم بن عبد العزيز كما مر، وطال عمر علية بعد أختها حمدونة، ولم يبق من أهل بيتها غيرها، فافتقر الناس إليها، وحملوا عنها.
وكانت مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل أخذت عن زرياب الغناء، وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت، وفيها يقول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وكتب به إلى مولاها (1) :
يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا الضنّ من أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد من أبيات، فخرج حافياً لما وقف على ذلك، وأدخله إلى مجلسه، وتمتع من سماعها، رحم الله تعالى الجميع.
__________
(1) انظر الجذوة: 95.
(3/131)

وقال علويه: كنت مع المأمون لما قدم الشام، فدخلنا دمشق، وجعلنا نطوف فيها على قصور بني أمية، فدخلنا قصراً مفروشاً بالرخام الأخضر، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها فيسقي بستاناً، وفي القصر من الأطيار ما بغني صوته عن العود والمزمار، فاستحسن المأمون ما رأى، وعزم على الصبوح، فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا، ثم قال لي: غن بأطيب صوت وأطربه، فلم يمر على خاطري غير هذا الصوت:
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا فنظر إلي مغضباً، وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، فعلمت أني قد أخطأت، فجعلت أعتذر من هفوتي، وقلت: يا أمير المؤمنين، أتلومني أن أذكر موالي بني أمية، وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس، يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع، وإني عندكم أموت جوعاً، وفي الحكاية طول واختلاف، ومحل الحاجة منها ما يتعلق بزرياب، رحم الله تعالى الجميع.
وذكرها الرقيق في كتاب " معاقرة الشراب " على غير هذا الوجه، ونصه: وركب المأمون يوماً من دمشق يريد جبل الثلج، فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية، وعلى جانبها أربع سروات، وكان الماء يدخل سيحاً، فاستحسن المأمون الموضع، ودعا بالطعام والشراب، وذكر بني أمية، فوضع منهم وتنقصهم، فأخذ علويه العود واندفع يغني:
أرى أسرتي في كلّ يومٍ وليلةٍ ... يروح بهم داعي المنون ويغتدي
أولئك قومٌ بعد عزّ وثروة ... تفانوا فإلاّ أذرف العين أكمد فضرب المأمون بكأسه الأرض، وقال لعلويه: يا ابن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلا هذا الوقت فقال: مولاكم زرياب عند موالي بالأندلس يركب في مائة غلام، وأنا عندكم بهذه الحالة! فغضب عليه نحو شهر، ثم
(3/132)

رضي عنه، انتهى.
ونحوه لابن الرقيق في كتابه " قطب السرور " وقال في آخر الحكاية: وأنا عندكم أموت من الجوع، ثم قال: وزرياب مولى المهدي، ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله، حتى كان كما قال علويه، انتهى.
ولما غنى زرياب بقوله (1) :
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقني ... حمام تداعت في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح ما تجري لهنّ دموع ذيلها عباس بن فرناس يمدح بعض الرؤساء بديهة فقال:
شددت بمحمودٍ يداً حين خانها ... زمانٌ لأسباب الرجاء قطوع
بنى لمساعي الجود والمجد قبلةً ... إليها جميع الأجودين ركوع وكان محمود جواداً، فقال له: يا أبا القاسم، أعز ما يحضرني من مالي القبة، يعني قبة قامت عليه بخمسمائة دينار، وهي لك بما فيها مع كسوتي هذه، ونكون في ضيافتك بقية يومنا، ودعا بكسوة فلبسها، ودفع إليه الكسوة.
69 - ومن الوافدين من المشرق الأمير شعبان بن كوجبا (2) ، من غز الموصل، وفد على أمير المؤمنين يعقوب المنصور ملك الموحدين، ورفع له أمداحاً جليلة، وقدمه على إمارة مدينة بسطة من الأندلس.
قال أبو عمران بن سعيد: أنشدني لنفسه:
يقولون إن العدل في الناس ظاهر ... ولم أر شيئاً منه سرّاً ولا جهرا
__________
(1) الشعر لذي الرمة في ديوانه: 352.
(2) ق: كوحيا؛ وقد ذكر عبد الواحد المراكشي " شعبان الغزي " دون أن يذكر اسم أبيه في المعجب 367، وقال إنه سأله أن يكتب من شعره فأبى، وكان ربما يدرت له الأبيات الجيدة.
(3/133)

ولكن رأيت الناس غالب أمرهم ... إذا ما جنى زيد أقادوا به عمرا
وإلاّ فما بال النطاسيّ كلّما ... شكوت له يمنى يدي فصد اليسرى 70 - ومن الوافدين من المشرق على الأندلس أبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني (1) ، من أهل بغداد، وسكن القيروان، ويعرف بالرياضي، وكان له سماع ببغداد، من جلة المحدثين والفقهاء والنحويين، لقي الجاحظ والمبرد وثعلباً وابن قتيبة، ولقي من الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلاً وابن الجهم، ومن الكتاب سعيد ابن حميد وسليمان بن وهب وأحمد بن أبي طاهر وغيرهم، وهو الذي أدخل إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وطرائف أخبارهم، وكان عالماً أديباً، ومرسلاً بليغاً، ضارباً في كل علم وأدبن سمع وكتب بيده أكثر كتبه، مع براعة خطه وحسن وراقته.
وحكي أنه كتب على كبره كتاب سيبويه كله بقلم واحد، ما زال يبريه حتى قصر، فأدخله في قلم آخر، وكتب به حتى فني بتمام الكتاب.
وله تآليف: منها " لقيط المرجان " وهو أكبر من " عيون الأخبار "، وكتاب " سراج الهدى " في القرآن ومشكلة إعرابه ومعانيه، و " المرصعة " و " المدبجة ".
وجال في البلاد شرقاً وغرباً من خراسان إلى الأندلس، وقد ذكر ذلك في أشعار له.
وكان أديب الأخلاق، نزيه النفس، كتب لأمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، ثم لإبنه أبي العباس عبد الله، وكان أيام زيادة الله ابن عبد الله آخر ملوك الأغالبة على بيت الحكمة، وتوفي بالقيروان سنة ثمان وتسعين ومائتين في أول ولاية عبيد الله الشيعي، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وممن ألم بذكره المؤرخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق.
وقال عريب بن سعد في حقه: إنه كان أديباً شاعراً مرسلاً حسن التأليف،
__________
(1) ترجمة أبي اليسر الرياضي في التكملة: 173.
(3/134)

وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن، وذكر له معه قصة ذكرها ابن الأبار في كتابه " إفادة الوفادة " وحكى أن له مسنداً في الحديث، وكتاباً في القرآن سماه " سراج الهدى " والرسالة الوحيدة، والمؤنسة، وقطب الأدب، وغير ذلك من الأوضاع. قال: وكتب لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم، ثم كتب لعبيد الله حتى مات، ومن الرواة عنه أبوة سعيد عثمان بن سعيد الصيقل مولى زيادة الله بن الأغلب، وأسند إليه الحافظ ابن الأبار رواية شعر أبي تمام بأن قال: قرأت شعر حبيب علي أبي الربيع بن سالم، وقرأت جملة منه على غيره، وناولني جميعه وحدثني به عن أبي عبد الله بن زرقون عن الخولاني عن ابي القاسم حاتم بن محمد عن أبي غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي عن أبيه أبي تمام عن أبي سعيد المذكور، يعني ابن الصيقل، عن أبي اليسر عن حبيب، وهو إسناد غريب، انتهى.
71 - ومنهم إبراهيم بن خلف بن منصور، الغساني، الدمشقي، أبو اسحاق المعروف بالسنهوري (1) - وسنهور: من بلاد مصر - روى عن أبي القاسم ابن عساكر وأبي اليمن الكندي وأبي المعالي الفراوي وأبي الطاهر الخشوعي وغيرهم.
قال أبو العباس النباتي: قدم علينا - يعني إشبيلية - سنة ثلاث وستمائة، وسمى جماعة من شيوخه، وحكى أنه كان يروي موطأ أبي مصعب وصحيح مسلم بعلو.
وقال أبو سليمان ابن حوط الله: أجازني وابني محمداً جميع ما رواه عن شيوخه الذين منهم أبو الفخر فناخسرو بن فيروز الشيرازي، وذكر أن روايته بنزول، لأنه لم يرحل إلا بعد وفاة الشيوخ المشاهير بهذا الشأن.
وقال أبو الحسن ابن القطان، وسماه في شيوخه: قدم علينا تونس سنة
__________
(1) ترجمة السنهوري في التكملة: 176.
(3/135)

اثنتين وستمائة، واستجزته لابني حسن فأجازه وإياي، قال: وانصرف من تونس إلى المغرب، ثم الأندلس، وقدم علينا بعد ذلك مراكش مفلتاً من الأسر، فظهر في حديثه عن نفسه تجازف واضطراب وكذب زهد فيه، وإثر ذلك انصرف إلى المشرق راجعاً، وقد كان إذا أجاز ابني كتب ببخطه جملة من أسانيده وسمى كتباً منها الموطأ والصحيحان وغير ذلك، قال: وقد تبرأت من عهدة جميعه لما أثبتوا من حاله، وحدثني أبو القاسم ابن أبي كرامة صاحبنا بتونس أن السنهوري هذا لما انصرف إلى مصر امتحن بملكها الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب لأجل معاداته أبا الخطاب ابن الجميل، فضرب بالسياط، وطيف به على جمل مبالغة في إهانته، انتهى.
وقال بعض المؤرخين في حقه ما نصه: الشيخ المحدث الرالة إبراهيم السنهوري صاحب الرحلة إلى البلاد، دخل الأندلس كما ذكره ابن النجار وغيره، وهو الذي ذكر لمشايخ الأندلس وعلمائها أن الشيخ أبا الخطاب ابن دحية يدع يأنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا: لم يلق هؤلاء ولا أدركهم وإنما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح فيما يقوله، ودحية لم يعقب، فكتب السنهوري محضراً وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فعلم أبو الخطاب ابن دحية بذلك، فاشتكى إلى السلطان منه، وقال: هذا يأخذ عرضي ويؤذيني، فأمر السلطان بالقبض عليه، فقبض وضرب بالسياط (1) وأشهر على حمار، وأخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وحرقه، ولم يزل ابن دحية على قرب من السلطان إلى حين وفاته، وبنى له داراً للحديث، وهي الكاملية ببين القصرين، فلم يزل يحدث بها إلى أن مات.
وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئاً من أحواله وأن الناس
__________
(1) بالسياط: سقطت من ق.
(3/136)

فيه معتقد ومنتقد، وهكذا جرت العادة خصوصاً في حق الغريب المنتسب للعلم:
" وعند الله تجتمع الخصوم " ... وممن كان عليه لا له أبو المحاسن محمد بن نصر المعروف بابن عنين فإنه قال فيه (1) :
دحية لم يعقب فلم تعتزي ... إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شيء سوى ... أنّك من كلبٍ بلا شكّ هكذا ذكره ابن النجار، وأطال في الوقيعة في أبي الخطاب ابن دحية.
وقال الذهبي: قرأت بخط الضياء عندما ذكر ابن دحية أنه قال: لقيته بأصبهان، ولم أسمع منه شيئاً، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب وأن مشايخه كتبوا له جرحه وتضعيفه، وقد رأيت أنا منه غير شيء مما يدل على ذلك، وبسببه بنى السلطان الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة وجعله شيخها، وقد سمع منه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح الموطأ سنة نيف وستمائة، وأخبره به عن جماعة منهم أبو عبد الله ابن زرقون.
وقال ابن واصل: كان أبو الخطاب، مع معرفته بالحديث، وحفظه الكثير منه، متهماً بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك العادل فأمره أن يعلق على كتاب " الشهاب "، فعلق كتاباً تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده، فلما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد أيام: قد ضاع مني ذلك الكتاب، فعلق لي مثله، ففعل، فجاء في الثاني مناقضة للأول، فعلم الملك الكامل صحة ما قيل عنه، ونزلت مرتبته عنده، وعزله عن دار الحديث أخيراً، وولى أخاه أبا عمرو عثمان.
__________
(1) ديوان ابن عنين: 220.
(3/137)

وقال ابن نقطة: كان أبو الخطاب موصوفاً بالمعرفة والفضل ولم أره، إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها، ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام - وكان ثقة - قال: نزل عندنا ابن دحية فقال: إني أحفظ صحيح مسلم والترمذي، فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي ومثلها من المسند ومثلها من الموضوعات، فجعلتها في جزء، ثم عرضت عليها حديثاً من الترمذي فقال: ليس بصحيح، وآخر فقال: لا أعرفه، ولم يعرف منها شيئاً، فأفسد نفسه بذلك.
وقال سبط ابن الجوزي (1) : إنه كان يتزيد في كلامه، ويثلب المسلمين، ويقع فيهم، فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الملك الكامل مقبلاً عليه، فلما انكشف له شأنه أخذ منه دار الحديث وأهانه.
وقال العماد بن كثير: قد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إسناده ليعلم كيف رجاله، وقد أجمع العلماء - كما ذكره ابن المنذر وغيره - على أن صلاة المغرب لا تقصر، واتفق أنه وصل في جمادى الأولى سنة 616 إلى غزة، فخرج كل من في غزة بالأسلحة والعصي والحجارة إلى الموضع الذي هو فيه، وضربوه ضرباً شديداً بعد أن انهزم من كان معه، انتهى.
وقدمنا في ترجمته توثيق جماعة له، فربك أعلم بحاله.
72 - ومنهم عبد الله بن محمد بن آدم، القارئ، الخراساني (2) ، رحل من خراسان إلى الأندلس، يكنى أبا محمد، ذكره أبو عمرو المقرئ، وقال: سمعته يقرأ مرات كثيرة، فكان من أحسن الناس صوتاً، ولم تكن له معرفة بالقراءة ولا دراية بالأداء، انتهى.
__________
(1) مرآة الزمان: 698.
(2) التكملة: 913.
(3/138)

73 - ومنهم عبد الرحمن بن داود بن علي، الواعظ (1) ، من أهل مصر، يعرف بالزبزاري، يكنى أبا البركات وأبا القاسم، ويلقب زكي الدين، قدم على الأندلس وتجول في بلادها واعظاً ومذكراً، وسمع منه الناس بقرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسيا سنة 608.
قال ابن الأبار: وسمعت وعظه إذ ذاك بالمسجد الجامع من بلنسيا، وادعى الرواية عن أبي الوقت السجزي والسلفي وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي وأبي محمد بن المبارك بن الطباخ وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي وشهدة الكاتبة بنت الإبري، زعم أنه قرأ عليها صحيح البخاري، وجماعة بالمشرق والأندلس لم يلقهم ولم يسمع منهم، وربما حدث بواسطة عن بعضهم وأكثرهم مجهولون، وقفت على ذلك في فهرست روايته، فزهد أكثر السامعين منه، واطرحوا الرواية عنه، ومنهم أبو العباس النباتي وأبو عبد الله بن أبي البقاء وجمع أربعين حديثاً مسلسلة سماها باللآلئ المفصلة، حدث فيها عن ابن بشكوال وابن غالب الشراط وغيرهما من الأندلسيين الذين لم يلقهم ولا أجازوا له، أخذها عنه ابن الطيلسان وغيره، وكان - مع هذا - فقيهاً على مذهب الشافعي، رضي الله تعالى عنه، فصيحاً مشاركاً في فنون من العلم، سمح الله تعالى له، انتهى.
ولا بأس أن نذكر جملة من النساء القادمات من المشرق على الأندلس، ثم نعود أيضاً إلى ذكر أعلام الرجال، فنقول:
74 - من النساء الداخلات الأندلس من المشرق عابدة المدنية، أم ولد حبيب ابن الوليد المرواني، المعروف بدحون. وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة، حالكة اللون، غير أنها تروي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة
__________
(1) التكملة رقم: 1655.
(3/139)

وغيره من علماء المدينة، حتى قال بعض الحفاظ: إنها تروي عشرة آلاف حديث.
وقال ابن الأبار: إنها تسند حديثاً كثيراً، وهي أم ولده بشر بن حبيب، والذي وهبها لدحون في رحلته إلى الحج هو محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فقدم بها الأندلس، وقد أعجب بعلمها وفهمها، واتخذها لفراشه، رحم الله تعالى الجميع.
75 - ومنهن فضل المدنية، وكانت حاذقة بالغناء، كاملة الخصال وأصلها لإحدى بنات هارون الرشيد، ونشأت وتعلمت ببغداد، ودرجت من هناك إلى المدينة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فازدادت ثم طبقتها في الغناء، واشتريت هناك للأمير عبد الرحمن صاحب الأندلس مع صاحبتها علم المدنية، وصواحب غيرها إليهن تنسب دار المدنيات بالقصر، وكان يؤثرهن لجودة غنائهن ونصاعة ظرفهن ورقة أدبهن، وتضاف إليهن جارية يقال لها قلم، وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عند الأمير المذكور، وكانت أندلسية الأصل رومية من سبي البشكنس، وحملت صبية إلى المشرق، فوقعت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلمت هنالك الغناء فحذقته، وكانت أديبة ذاكرة حسنة الخط، راوية للشعر حافظة للأخبار، عالمة بضروب الآداب.
76 - ومن النساء الداخلات إلى الأندلس من المشرق قمر جارية بن حجاج اللخمي، صاحب إشبيلية (1) ، وكانت من أهل الفصاحة والبيان والمعرفة بصوغ الألحان، وجلبت إلبه من بغداد، وجمعت أدباً وظرفاً، ورواية وحفظاً، مع فهم بارع، وجمال رائع، وكانت تقول الشعر بفضل
__________
(1) التكملة رقم: 2114.
(3/140)

أدبها، ولها في مولاها تمدحه:
ما في المغارب من كريم يرتجى ... إلاّ حليف الجود إبراهيم
إنّي حللت لديه منزل نعمةٍ ... كلّ المنازل ما عداه ذميم وأنشد لها السالمي لما ذكرها عدة أشعار منها قولها تتشوق إلى بغداد:
آهاً على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها
ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلّتها على أطواقها
متبخترات في النّعيم كأنّما ... خلق الهوى العذريّ من أخلاقها
نفسي الفداء لها فأيّ محاسن ... في الدهر تشرق من سنا إشراقها 77 - ومنهن الجارية العجفاء (1) ، قال الأرقمي (1) : قال لي أبو السائب - وكان من أهل الفضل والنسك - هل لك في أحسن الناس غناء فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة، فأذن لنا فدخلنا بيتاً عرضه اثنا عشر ذراعاً في مثلها، وطوله في السماء ستة عشر ذراعاً، وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما اللحم وبقي السدى، وقد حشيتا بالليف، وكرسيان قد تفككا من قدمهما، ثم أطلعت علينا عجفاء كلفاء، عليها قرقل هروي أصفر غسيل، وكأن وركيها في خيط من رسحها (3) ، فقلت لأبي السائب: بأبي أنت! ما هذه فقال: اسكت، فتناولت عوداً فغنت (4) :
بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهمّ
فاستيقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
__________
(1) هذا الخبر عن العجفاء في الأغاني 23: 285.
(1) هذا الخبر عن العجفاء في الأغاني 23: 285.
(3) ق ودوزي: من وسخها، والتصويب عن الأغاني.
(4) الشعر لأبي صخر الهذلي (الأغاني 23: 282) .
(3/141)

قال: فتحسنت في عيني، وبدا ما أذهب الكلف عنها، وزحف أبو السائب وزحفت معه، ثم تغنت:
برح الخفاء فأيما بك تكتم ... ولسوف يظهر ما تسرّ فيعلم
ممّا تضمن من غريرة (1) قلبه ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم
يا ليت أنّك يا حسام بأرضنا ... تلقي المراسي طائعاً وتخيّم
فتذوّق لذّة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخواناً فماذا تنقم فقال أبو السائب: إن نقم هذا فأعضه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه، ولا يكنى، فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت:
يا طول ليلي أعالج السقما ... إذ حلّ (2) كلّ الأحبّة الحرما
ما كنت أخشى فراقكم أبداً ... فاليوم أمسى فراقكم عزما فألقيت طيلساني، وأخذت شاذكونة (3) فوضعتها على رأسي، وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة (4) في البيت فيها قوارير ودهن، فوضعها على رأسه، وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ: قوانيي، يعني قواريري، فاصطكت القوارير وتكسرت، وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره، وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديماً، ثم وضع الربعة. وكنا نختلف إليها حتى بعث عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فابتيعت له العجفاء، وحملت إليه.
__________
(1) الأغاني: عزيرة.
(2) ق ودوزي: أدخل.
(3) الشاذكونة: مضربة كبيرة.
(4) الربعة: جونة العطار.
(3/142)

78 - ومن القادمين على الأندلس من المشرق الشيخ عبد القاهر بن محمد بن عبد الرحمن، الموصلي. قال أبو حيان: قدم علينا رسولاً من ملك مصر إلى ملك الأندلس، فسمعت منه بالمرية، انتهى.
79 - ومنهم أحمد بن الحسن بن الحارث بن عمرو بن جرير بن إبراهيم بن مالك، المعروف بالأشتر، ابن الحارث، النخعي (1) ، يكنى أبا جعفر، دخل الأندلس في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وأصله من الكوفة، وكان يروي أحاديث عظيمة العدد، ذكر ذلك الرازي، وحكى أن الأمير محمداً روى عنه منها، وأنزله برية.
80 - ومنهم أحمد بن أبي عبد الرحمن، واسمه يزيد بن أحمد بن أبي عبد الرحمن القرشي، الزهري، من ولد عبد الرحمن بن عوف (2) ، منأهل مصر، وفد على الناصر بقرطبة، وكان دخوله إليها في محرم سنة 343، فأكرم الناصر مثواه، وكان فقيه أهل مصر، ذكره ابن حيان.
81 - ومنهم أبو الطاهر إسماعيل ابن الإسكندراني (3) ، لقي ببلده أبا طاهر السلفي، وسمع منه، ودرس عليه كتاب " الاصطلاح " للسمعاني، وقدم الأندلس، ودخل مرسية تاجراً، وكان فقيهاً على مذهب الشافعي، وأنشد عن السلفي قوله:
أنا من أهل الحدي ... ث وهم خير فئة
عشت تسعين وأرجو ... أن أعيش لمائة فعاش كما تمنى، رحمه الله تعالى.
__________
(1) ترجمته في التكملة: 126.
(2) ترجمته في التكملة: 127.
(3) ترجمته في التكملة: 190.
(3/143)

82 - ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر، الأنطاكي، الإمام، أبو الحسن، التميمي (1) ، نزيل الأندلس ومقرئها ومسندها، أخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن إبراهيم بن عبد الرزاق ومحمد بن الأخرم وأحمد بن يعقوب التائب وأحمد بن محمد بن خشيش ومحمد بن جعفر بن بيان، وصنف قراءة ورش، قرأ عليه جماعة: منهم أبو الفرج الهيثم الصباغ وإبراهيم بن مبشر المقرئ وطائفة آخرون من قراء الأندلس، وسمع منه عبد الله بن أحمد بن معاذ الداراني.
قال أبو الوليد بن الفرضي: أدخل الأنطاكي الأندلس علماً جماً، وكان بصيراً بالعربية والحساب وله حظ من الفقه، قرأ الناس عليه، وسمعت أنا منه، وكان رأساً في القراءات، لا يتقدمه أحد في معرفتها في وقته، وكان مولده بأنطاكية سنة 299، ومات بقرطبة في ربيع الأول سنة 377، رحمه الله تعالى.
83 - ومنهم عمر بن مودود بن عمر، الفارسي، البخاري، يكنى أبا البركات (2) ، ولد بسلماس، ونشأ بها، وكتب الحديث هنالك، وتعلم العربية والفقه، وهو من أبناء الملوك، وانتقل إلى المغرب، فدخل الأندلس، ونزل مالقة في حدود ثلاثين وستمائة، ودخل إشبيلية، وكانت له رواية بالمشرق.
قال ابن الأبار: أجاز لي مارواه ولم يسم أحداً من شيوخه، وبلغني أنه سمع صحيح البخاري بالدامغان على أبي عبد الله محمد بن محمود، وكانت إجازته لي سنة 631، وعاش بعد ذلك وتوفي بمراكش بعد الأربعين وستمائة (3) ، وحدث بالأندلس، وأخذ عنه الناس، وكان من أهل التصوف والتحقق بعلم
__________
(1) ترجمة الأنطاكي في ابن الفرضي 1: 361 وغاية النهاية 1: 564.
(2) ترجمته في التكملة رقم: 2252 وصلة الصلة: 74.
(3) صلة الصلة: سنة 639.
(3/144)

الكلام، رحمه الله تعالى.
84 - ومنهم الشريف الأجل الرحالة الشيخ نجم الدين بن مهذب الدين، وكنت لا أتحقق من أي البلاد هو من المشرق، ثم إني علمت أنه من بغداد إذا وقفت على كتابين كتبهما في شان العناية به الأديب العلامة أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي: أحدهما لأبي العلاء حسان، والثاني للكاتب أبي الحسن العنسي، وهو الذي يفهم منه أنه من بغداد.
ونص الأول:
يا ابن الوصيّ إذا حملت وصيّتي ... أوجبت حقّاً للحقوق يضاف
وتحيتي كلّ التّحايا دونها ... وكذاك دون رسولها الأشراف
أحسن بأن تلقى ابن حسانٍ بها ... مهتزّةً لورودها الأعطاف
كالروض باكره الندى فلعرفها ... يا ابن النبي على النديّ مطاف
وعلاك إنّ أبا العلا ومكانه ... يلفى به الإسعاد والإسعاف
وأحقّ من عرف الكرام بوصفهم ... من جمّعت منهم له أوصاف هذه يا سيدي تحية تجب لها إجابة وحية، وتصلح بها هشاشة وأريحية، أودعتها بطن هذه العجالة، وبعثتها مع صدر من أبناء الرسالة، ولله در من راضع در النبوة، متواضع مع شرف الأبوة، نازعته طرق الأشعار، وأطراف الأخبار، فوجدت بحراً حصاه الدر النفيس وروضاً يجني منه أطايب السمر الجليس، وينعت بنجم الدين وهو كنعته نجم يضئ سناه ويحل بيتاً من الشرف ربه بناه، وقد جاب الفضاء العريض، وقد رأى القصور الحمر والبيض، وورد الحجون، بعدما شرب من ماء جيحون، وزار مشاهد الحرمين، ثم سار في أرض الهرمين، وفارق إفريقية لهذا الأفق مختاراً وعبر إلى الأندلس فأطال بها اعتباراً، وتشوق إلى حضرة الأنوار المفاضة، والنعم السابغة الفضفاضة، وجعل قصدها بحجة سفره طواف الإفاضة، وهمه أن
(3/145)

يشاهد سناء العلوي، ويبصر ما يحقر عنده المرئي والمروي، وهي غاية يقول للأمل: عليها أطلت حومي، وجنة يتلو الداخل لها " ياليت قومي " وسيدي هو منهاباب على الفتح بني، وجناب عنان الأمل إليه ثني، وقصده من هذا الشريف أجل قاصد وأظلته سماء المجد بجمال المشتري وظرف عطارد، ومتى نعتناه فالخبر ليس كالعيان، ومتى شبهناه فالتمويه بالشبه عقوق العقيان، ومن يفضح قريحته بأن يقول لها صفيه، لكن يعرف عن نفسه بما ليس في وسع واصفيه، ويقتضي من عزيمة بره ما لا سعة للمترخص فيه، إن شاء الله، وهو يديم علاكم، ويحرس مجدكم وسناكم، بمنه، والسلام الكريم، الطيب العميم، يخصكم به معظم مجدكم، المعتد بذخيرة ودكم، المحافظ على كريم عهدكم، ابن عميرة، ورحمة الله تعالى وبركاته، في الرابع والعشرين من ربيع الآخر من سنة 639، انتهى.
ونص الثاني:
هل لك يا سيّدي أبا الحسن ... فيمن له كلّ شاهدٍ حسن
في الشرف المنتقى له قدمٌ ... أثبتها بالوصيّ والحسن أيها الأخ الذي ملكته قيادي، وأسكنته فؤادي، عهدي بك تعتام الآداب النقية، وتشتاق اللطائف المشرقية، وتنصف فترى أن في سيلنا جفاء، وفي مغربنا جفاء، وأن المحاسن نبت أرضٍ ما بها ولدنا، وزرع وادٍ ليس مما عهدنا، وأنا في هذا أشايعك وأتابعك، وأناضل من ينازلك وينازعك، وقد أتانا الله تعالى بحجة تقطع الحجج، وتسكت المهج، وهو الشريف الأجل، السيد المبارك نجم الدين بن مهذب الدين نجل الذرية المختارة، ونجم الدرية السيارة، جرى مع زعزع ونسيم، ورتع في جميم وهشيم، وشاهد عجائب كل إقليم، وشرق إلى مطلعه ابن جلا، وغرب حتى نزل شاطئ سلا، وقد توجه الآن إلى حضرة الإمامة الرشيدية أيدها الله تعالى لينتهي من أصابع العد
(3/146)

إلى العقدة، ويحصل من مخض الحقيقة على الزبدة، وقد علم أنه ما كل الخطب كخطبة المنبر، ولا جميع الأيام مثل يوم الحج الأكبر، وأدبه ياسيدي من نسبة أفقه، بل على شكل حسبه وخلقه، فإذا رأيته شهدت بأن الشرق قد أتحف إفريقية ببغداذه، بل رمانا بجملة أفلاذه، والحظ فيما يجب من بره وتأنيسه، إنما هو في الحقيقية لجليسه، فيا غبطة من يسبق لجواره، ويقبس من أنواره، وأنت لامحالة تفهمه فهمي، وتشيم من شيمه عارضاً بري القلوب الهيم يهمي، وتضرب في الأخذ من فوائده وقلائده بسهم وددت أنه سهمي، والسلام، انتهى.
85 - ومنهم تقي الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الغرس، الحنفي، المصري. قال الوادي آشي فيه: إنه من أعيان مصر، قال: وسألته هل يقع بين أهل مصر تنازع في تفضيل بعض المذاهب على بعض فأجابني بأن هذا لا يقع عندهم بين أهل الرسوخ في العلم، وذوي المعرفة والفهم (1) ، وإنما يصدر هذا بين الناشئين، قال: وللحنيفة الظهور عليهم حين يقولون لهم: لنا عليكم اليد الطولى في الخبز، لكونه بمصر يطبخ في الفرن بأرواث الدواب، وكذلك تسخين الحمام، فإن المالكية وغيرهم بمصر يقلدون الحنفية في ذلك، قال: وسألته حفظه الله تعالى: هل للوباء بمصر وقت معلوم فقال لي: جرت العادة عندهم بقدر الله تعالى وسره في خليقته أن كل سنة أولها ثاء مثلثة يكون فيها الوباء، والله تعالى أعلم، وأن هذا متعارف عندهم، هكذا قال لي. وعيب ما يقع من بعض النقاد بتونس وما يصدر عنهم بكثرة من إلقائهم الأسئلة العويصة في أصول الدين وغيرها على من يرد عليهم قصداً في تعجيزه وتعنيته، ثم قال: إن من المنقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن من حفظت عنه تسع وتسعون خصلة تقتضي الكفر وواحدة تقتضي الإيمان
__________
(1) ق: والوهم.
(3/147)

أن الواحدة المقتضية للإيمان تغلب وتبقى حرمتها عليها، انتهى.
وقد ذكرنا في الباب الأول من هذا القسم حكاية البصري المغني القادم من المشرق إلى البصرة على عبد الوهاب الحاجب بإفريقية في دولة بني المعز بن باديس، وسردنا دخوله عليه في مجلس أنسه، وما اتفق في ذلك له معه، وأنه وصف له بلاد الأندلس وحسنها وطيبها، فارتحل المغني إليها، ومات بها، حسبما لخصناه من كلام الكاتب ابن الرقيق الأديب المؤرخ في كتابه " قطب السرور " ولولا أنه لم يسم المغني المذكور لجعلنا له ترجمة في هذا الباب، إذ هو به أليق، والأمر في ذلك سهل، والله تعالى الموفق للصواب.
86 - ومنهم الولي الصالح العارف بالله سيدي يوسف الدمشقي، رضي الله تعالى عنه، وهو كما قال ابن داوود من كبار الأولياء، شاذلي الطريقة، قدم من المشرق إلى الأندلس، وكان يأتي مدينة وادي آش الكرة بعد الكرة لزيارة معارف له بها، وكان من الذين أخفاهم الله، لا يعرف به إلا من تعرف له، أعاد الله تعالى علينا من بركاته.
قال العلامة ابن داوود: وحدثني مولاي والدي رضي الله تعالى عنه من لفظه بتلمسان أمنها الله تعالى يوم الاثنين لثني عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 895، قال: دخل علي سنة شهر رمضان المعظم في زمان ولايتي الخطابة والإمامة بالعراص من خارج وادي آش، أعادها الله تعالى، فقعدت أول ليلة منه منفرداً بالمسجد الأعظم من الرباط المذكور بين العشائين، وفكرت في ذكر أتخذه في هذا الشهر المبارك يكون جامعاً بين الدنيا والآخرة، فأجمعت على مطالعة " حلية " النواوي لعلي أقف على ما أختاره لذلك، فلما أصبحت دخلت إلى المدينة، ولم أكن أطلعت على فكرتي أحداً، فلقيني الحاج الأستاذ أبو عبد الله بن خلف رحمه الله تعالى في الطريقٍ، فقال لي: سيدي يوسف الدمشقي يسلم عليك ويقول لك: الذكر الذي تعمر به هذا الشهر الفاضل:
(3/148)

" اللهم ارزقني الزهد في الدنيا، ونور قلبي بنور معرفتك "، قال لي والدي رضي الله تعالى عنه: وكان هذا سبب تعرفي له، ولقائي إياه، وكنت قبل ذلك منكراً عليه لكثرة الدعاوى في هذا الطريق، نفع الله تعالى به، انتهى.
ولنجعل هذه الترجمة آخر هذا الباب، تبركاً بهذا الولي الصالح، نفعنا الله تعالى ببركاته، مع علمي بأن الوافدين من المشرق على الأندلس كثيرون جداً إلا أن عدم المادة التي أستعين بها في هذه البلاد تبين عذري، ولو اجتمعت على كتبي المخلفة بالمغرب لأتيت في ذلك وغيره بما يشفي ويكفي:
وفي الإشارة ما يغني عن الكلم
(3/149)

الباب السابع
في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم
في اكتساب المعارف والمعالي ما عز أوهان وحوزهم في ميدان البراعة،
من قصب البراعة، خصل الرهان، وجملة من أجوبتهم، الدالة على
لوذعيتهم، وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم، وغير ذلك من أحوالهم التي لها على
فضلهم أوضح برهان
[نقول في فضائل الأندلس]
[1 - عن فرحة الأنفس]
اعلم أن فضل أهل الأندلس ظاهر، كما أن حسن بلادهم باهر، ولذلك ذكر ابن غالب في " فرحة الأنفس " لما أثنى على الأندلس وأهلها أن بطليموس جعل لهم - من أجل ولاية الزهرة لبلادهم - حسن الهمة في الملبس والمطعم، والنظافة والطهارة، والحب للهو والغناء، وتوليد اللحوم، ومن أجل ولاية عطارد حسن التدبير، والحرص على طلب العلم، وحب الحكمة والفلسفة والعدل والإنصاف. وذكر ابن غالب أيضاً ما خصوا به من تدبير المشتري والمريخ. وانتقد عليه بعضهم بأن أقاليم الأندلس الرابع والخامس والسادس فساحلها الشمالي، والسابع في جزائر المجوس، وللإقليم الرابع الشمس، وللخامس الزهرة، وللسادس عطارد، وللسابع القمر، والمشتري للإقليم الثاني، والمريخ للثالث، ولا مدخل لهما في الأندلس، انتهى.
ثم قال صاحب الفرحة (1) : وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة
__________
(1) م: ثم قال صاحب فرحة الأنفس.
(3/150)

والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع وإتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في ظرفهم ونظافتهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف (1) الزهر، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة، ومنهم ابن بصال صاحب " كتاب الفلاحة " الذي شهدت له التجربة بفضله، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع أحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب.
وعد رحمه الله تعالى من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم، قال: وكان خطهم أولاً مشرقياً، انتهى. قال ابن سعيد: أما أصول الخط المشرقي وما تجد له في القلب واللحظ من القبول فمسلم له، لكن خط الأندلس الذي رأيته في مصاحف ابن غطوس الذي كان بشرق الأندلس وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم له حسنٌ فائق، ورونق آخذ بالعقل، وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد، انتهى.
ونحو صدر كلام ابن غالب السابق مذكورٌ في رسالة لابن حزم، وقال فيها: إن أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن الصورية، تركيون في معاناة الحروب ومعالجة آلاتها والنظر في مهماتها، انتهى.
وعد ابن غالب من فضائلهم اختراعهم للموشحات التي قد (2) استحسنها
__________
(1) م: وأصناف.
(2) قد: سقطت من ب.
(3/151)

أهل المشرق وصاروا ينزعون منزعها، وأما نظمهم ونثرهم فلا يخفى على من وقف عليهما علو طبقاتهم.
ثم قال ابن غالب: ولما نفذ قضاء الله تعالى على أهل الأندلس بخروج أكثرهم عنها في هذه الفتنة الأخيرة المبيرة تفرقوا ببلاد المغرب الأقصى من بر العدوة مع بلاد إفريقية، فأما أهل البادية فمالوا في البوادي إلى ما اعتادوه، وداخلوا أهلها وشاركوهم فيها فاستنبطوا المياه، وغرسوا الأشجار، وأحدثوا الأرحي الطاحنة بالماء وغير ذلك، وعلموهم أشياء لم يكونوا يعلمونها ولا رأوها، فشرفت بلادهم وصلحت أمورهم وكثرت مستغلاتهم وعمتهم الخيرات، فهم أشبه الناس باليونانيين فيما ذكرت ولأن اليونانيين سكنوا الأندلس فورثواعنهم ذلك، وأما أهل الحواضر فمالوا إلى الحواضر واستوطنوها، فأما أهل الأدب فكان منهم الوزراء والكتاب والعمال وجباة الأموال والمستعملون في أمور المملكة، ولا يستعمل بلدي ما وجد أندلسي، وأما أهل الصنائع فإنهم فاقوا أهل البلاد، وقطعوا معاشهم، وأخملوا أعمالهم، وصيروهم أتباعاً لهم، ومتصرفين بين أيديهم، ومتى دخلوا في شغل عملوه في أقرب مدة، وأفرغوا فيه من أنواع الحذق والتجويد ما يميلون به النفوس إليهم، ويصير الذكر لهم، قال: ولا يدفع هذا عنهم إلا جاهل أو مبطل، انتهى.
[2 - عن ابن سعيد]
وقال ابن سعيد، لما ذكر جملة من محاسن الأندلسيين: يعلم الله تعالى أني ما أقصد إلا إنصاف المنصفين الذين لا يميل بهم التعصب، ولا يجمح بهم الهوى، ولكن الحق أحق أن يتبع، فلعل مطلعاً يقف على ما ذكره ابن غالب فيقول: تعصب هذا الرجل لأهل بلده، ثم يغمس التابع له والراضي بنقل قوله في هذه الصبغة ويحمله على ذلك بعده عن الأرضين:
(3/152)

ولو أبصروا ليلى أقرّوا بحسنها ... وقالوا بأنّي في الثناء مقصّر ويكفي في الإنصاف أن أقول: إن حضرة مراكش هي بغداد المغرب، وهي أعظم ما في بر العدوة، وأكثر مصانعها ومبانيها الجليلة وبساتينها إنما ظهرت في مدة بني عبد المؤمن، وكانوا يجلبون لها صناع الأندلس من جزيرتهم (1) ، وذلك مشهور معلوم إلى الآن. ومدينة تونس بإفريقية قد انتقلت إليها السعادة التي كانت في مراكش (2) بسلطان إفريقية الآن أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص، فصار فيها من المباني والبساتين والكروم ما شابهت به بلاد الأندلس وعرفاء صناعه من الأندلس وتماثيله التي يبنى عليها، وإن كان أعرف خلق الله باختراع محاسن هذا الشأن، فإنما أكثرها من أوضاع الأندلسيين، وله من خاطره تنبيهات وزيادة ظهر حسن موقعها، ووجوه صنائع دولته لا تكاد تجدهم إلا من الأندلس، فصح قول ابن غالب، انتهى.
[3 - عن الحميدي]
قال الحميدي: أنشد بحضرة بعض ملوك الأندلس قطعة لبعض أهل المشرق وهي:
وماذا عليهم لو أجابوا (3) فسلّموا ... وقد علموا أنّي المشوق المتيّم
سروا ونجوم الليل زهرٌ طوالعٌ ... على أنّهم بالليل للناس أنجم
وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم ... فنمّ عليها (4) في الظلام التبسّم فأفرط بعض الحاضرين في استحسانها، وقال: هذا ما لا يقدر أندلسي
__________
(1) م: جزيرتها.
(2) م: بمراكش.
(3) ق ب: أثابوا (اقرأ: أنابوا) .
(4) ب: عليهم.
(3/153)

على مثله، وبالحضرة أبو بكر يحيى (1) بن هذيل، فقال بديهاً:
عرفت بعرف الريح أين تيمّموا ... وأين استقلّ الظاغنون وخيّموا
خليليّ ردّاني إلى جانب الحمى ... فسلت إلى غير الحمى أتيمّم
أبيت سمير الفرقدين كأنّما ... وسادي قتادٌ أو ضجيعي أرقم
وأحور وسنان الجفون كأنّه ... قضيبٌ من الريحان لدنٌ منعّم
نظرت إلى أجفانه وإلى الهوى ... فأيقنت أنّي لست منهنّ أسلم
كما أنّ إبراهيم أوّل نظرةٍ ... رأى في الدراري أنّه سوف يسقم انتهى.
[4 - عن ابن بسام]
ومن كلام ابن بسام صاحب " الذخيرة " في جزيرة الأندلس (2) : أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها، فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرق كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر. وذكر أن أبا علي اليغدادي صاحب الأمالي الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال: لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات (3) وقلة الفهم، بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسة. قال أبو علي: فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان (4) هؤلاء عمن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان، في هذه الأوطان؛ قال ابن بسام: فبلغن يأ، هـ كان يصل كلامه هذا بالتعجب
__________
(1) ق ب م ودوزي: أبو بكر ابن يحيى.
(2) بعض هذا النص في مقدمة الذخير 1 / 1: 4.
(3) الذخيرة: في الغباوة.
(4) م: نقص.
(3/154)

من أهل الأفق الأندلسي في ذكائهم، ويتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول لهم: إن علمي علم رواية، وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلت، فلم آل لكم أن صححت، هذا مع إقرار الجميع له يومئذٍ بسعة العلم وكثرة الروايات، والأخذ عن الثقات، انتهى.
[5 - عن الحجاري]
ومن كلام الحجاري في " المسهب ": الأندلس عراق المغرب عزة أنساب، ورقة آداب، واشتغالاً بفنون العلوم، وافتناناً في المنثور والمنظوم، لم تضق لهم في ذلك ساحة، ولا قصرت عنه راحة، فما مر فيها بمصر إلا وفيه نجوم وبدور وشموس، وهم أشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم، وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والأطيار والكؤوس، لا ينازعهم أحد في هذا الشأن، وابن خفاجة سابقهم في هذا المضمار الحائز فيه قصب الرهان. وأما إذا هب نسيم، ودار كأس في كف ظبي رخيم، ورجع بم وزير، وصفق الماء خرير، أو رقت العشية، وخلعت السحب أبرادها الفضية والذهبية، أو تبسم عن شعاعٍ ثغر نهر، أو ترقرق بطلٍ جفن زهر، أو خفق بارق، أو وصل طيف طارق، أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح، وبات مع من يهواه كالماء والراح، إلى أن ودع حين أقبل رائد الصباح، أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها، أو قوضت عند فيض نهر الصباح بيض مضاربها، فأولئك هم السابقون السابقون، الذين لا يجارون ولا يلحقون، وليسوا بالمقصرين في الوصف إذا تقعقعت السلاح، وسالت خلجان الصوارم بين قضبان الرماح، وبنت الحرب من العجاج سماء، وأطلعت شبه النجوم أسنةً وأجرت شبه الشفق دماء، وبالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضلهم فيه على أصناف الأمة
(3/155)

وقد أعانتهم على الشعر أنسابهم العربية، وبقاعهم النضرة وهممهم الأبية، ولشطار الأندلس من النوادر والتنكيتات، والتركيبات وأنواع المضحكات، ما تملأ الدواوين كثرته، وتضحك الثكلى وتسلي المسلوب قصته، مما لو سمعه الجاحظ لم يعظم عنده ما حكى وما ركب، ولا استغرب أحدٌ ما أورده ولا تعجب، إلا أن مؤلفي هذا الأفق طمحت هممهم عن التصنيف في هذا الشأن فكان يمر بياعاً، فقمت محتسباً للظرف فتداركته جامعاً فيه ما أمسى شعاعاً، انتهى.
[6 - رسالة ابن الحزم في فضل الأندلس (1) ]
قلت: وقد رأيت أن أذكر رسالة أبي محمد ابن حزم الحافظ التي ذكر فيها بعض فضائل علماء الأندلس، لاشتمالها على ما نحن بصدده. وذلك أنه كتب أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن الربيب التميمي القيرواني (2) ، إلى أبي المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم يذكر تقصير أهل الأندلس في تخليد (3) أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم وسير ملوكهم، ما صورته:
كتبت يا سيدي، وأجل عددي، كتب الله تعالى لك السعادة، وأدام لك العز والسيادة، سائلاً مسترشداً، وباحثاً مستخبراً، وذلك أني فكرت في بلادكم إذ كانت قرارة كل فضل، ومنهل كل خير، ومقصد كل طرفة، ومورد كل تحفة، وغاية آمال الراغبين، ونهاية أماني الطالبين، إن بارت تجارة فإليها
__________
(1) سماها ابن خير (الفهرسة: 226) رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها.
(2) ترجم العمري في المسالك 11: 319 نقلا عن أنموذج ابن رشيق لمن اسمه ابن الربيب القاضي الحسين بن محمد التميمي، وقال إن أصله من تاهرت، وكان عارفا بالأدب وعلم النسب قوي الكلام يتكلفه بعض تكلف، وكان عبد الكريم النهشلي أستاذ ابن رشيق يعده شاعرا مقدما.
(3) ب: تخليص.
(3/156)

تجلب، وإن كسدت بضاعة ففيها تنفق، مع كثرة علمائها، ووفور أدبائها (1) ، وجلالة ملوكها، ومحبتهم في العلم وأهله، يعظمون من عظمه علمه، ويرفعون من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب: يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب نكايته، فشجع الجبان، وأقدم الهيبان، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيي، وشعر البكي، واستنثر البغاث، وتثعبن الحفاث (2) ، فتنافس الناس فيى العلوم، وكثر الحذاق في جميع (3) الفنون، ثم هم مع ذلك على غاية التقصير ونهاية التفريط، من أجل علماء الأمصار دونوا فضائل أمصارهم، وخلدوا في الكتب مآثر بلدانهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهمذكراً في الغابرين يتجدد على مر الليالي والأيام، ولسان صدقٍ في الآخرين يتأكد مع تصرف الأعوام، وعلمائكم مع استظهارهم على العلوم كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وراتبٌ على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنف، أن يعنف، وإن ألف أن يخالف، ولا يآلف، أو تخطفه الطير أوتهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب أحد منهم نفساً في جميع فضائل أهل بلده، ولم يستعمل خاطره في مفاخر ملوكه، ولا بل قلماً بمناقب كتابه ووزرائه، ولا سود قرطاساً بمحاسن قضاته وعلمائه، على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغاً ولم تضق عليه المسالك، ولم تخرج به المذاهب، ولا اشتبهت عليه المصادر والموارد، ولكن هم أحدهم أن يطلب شأو من تقدمه من العلماء ليحوز قصبات السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ بكظم دغفل، ويصير شجاً في حلق أبي
__________
(1) ق ب: آدابها.
(2) تثعبن الحفاث: أخذ هيئة الثعبان؛ والحفاث: حيوان كالثعبان يفح فحيحه ويثب مثل وثبه ولكنه غير مؤذ (انظر الحاشية ص 646 من الجزء الأول) .
(3) ب: لجميع؛ ق: بجميع.
(3/157)

العميشل، فإذا أدرك بغيته، واخترمته منيته، ودفن مع أدبه وعلمه، فمات ذكره، وانقطع خبره، ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم احتيال الأكياس فألفوا دواوين بقي لهم بها ذكر مجدد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان مثل ذلك من علمائنا، وألفوا كتباً لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق لأنه ليس بيننا وبينكم غير روحة راكب، أو رحلة قارب، لو نفث من بلدكم مصدور، لأسمع من ببلدنا في القبور، فضلاً عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان أحمد بن عبد ربه الذي سماه بالعقد، على أنه يلحقه في بعض اللوم، لا سيما إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، أكثر الحز وأخطأ المفصل، وأطال الهز بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم. فأرشد أخاك أرشدك الله واهده هداك الله إن كانت عندك في ذلك الجلية وبيدك فصل القضية، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكت بالوزير الحافظ أبو محمد عل يبن أحمد بن سعيد بن حزم عند وقوفه على هذه الرسالة، ما نصه:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سبدنا محمد عبده ورسوله، وعلى أصحابه الأكرمين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته الفاضلين الطيبين.
أما بعد يا أخي يا أبا بكر (1) ، سلامٌ عليك سلام أخ مشوق طالت بينه وبينك الأميال والفراسخ وكثرت الأيام والليالي ثم لقيك (2) في حال سفر ونقلة، ووادك في خلال جولة ورحلة، من مجاورتك أرباً، ولا بلغ في
__________
(1) هو أبو بكر محمد بن إسحاق المهلبي الإسحاقي الوزير، من أهل الأدب والفضل (الجذوة: 42) وقد كان صديقا لابن حزم يتنقلان معا في أرجاء الأندلس، واعتقلهما خيران معا كذلك.
(2) ق م: لقيتك.
(3/158)

محاورتك مطلباً، وإني لما احتللت بك، وجالت يدي في مكنون كتبك، ومضمون دواوينك، لمحت عيني في تضاعيفها درجاً، فإذا فيه خطاب لبعض الكتاب من مصاقبينا في الدار أهل إفريقية، ثم ممن ضمته حاضرة قيروانهم، إلى رجل أندلسي لم يعينه باسمه (1) ، ولا ذكره بنسبه، يذكر له فيها أن علماء بلدنا بالأندلس - وإن كانوا على الذروة العليا من التمكن بأفانين العلوم، وفي الغاية القصوى من التحكم على وجوه المعارف - فإن هممهم قد قصرت عن تخليد مآثر بلدهم، ومكارم ملوكهم، ومحاسن فقهائهم، ومناقب قضاتهم، ومفاخر كتابهم، وفضائل علمائهم، ثم تعدى ذلك إلى أن أخلى أرباب العلوم منا من أن يكون لهم تأليف يحيي ذكرهم، ويبقي علمهم، بل قطع على أن كل واحد منهم قد مات فدفن علمه معه، وحقق ظنه في ذلك، واستدل على صحته عند نفسه بان شيئاً من هذه التآليف لو كان منا موجوداً لكان إليهم منقولاً، وعندهم ظاهراً، لقرب المزار، وكثرة السفار (2) ، وترددهم إليهم، وتكررهم علينا. ثم لما ضمنا المجلس الحافل بأصناف الآداب، والمشهد الآهل بأنواع العلوم، والقصر المعمور بأنواع الفضائل، والمنزل المحفوف بكل لطيفة وسيعة من دقيق المعاني وجليل المعالي، قرارة المجد ومحل السؤدد، ومحط رحال الخائفين، وملقى (3) عصا التسيار عند الرئيس الأجل الشريف قديمه وحسبه، الرفيع حديثه ومكتسبه، الذي أجله عن كل خطة يشركه فيها من لا توازي قومته نومته، ولا ينال حضره هويناه، وأربأ به عن كل مرتبة يلحقه فيها من لايسمو إلى المكارم سموه، ولا يدنو من المعالي دنوه، ولا يعلو في حميد
__________
(1) لعل ابن حزم يعني أنه لم يجد في الرسالة التي بعثها ابن الربيب اسم المرسل إليه ونسبته، وقد صرح ابن بسام - كما ذكر المقري في النفح - أن ابن الربيب خاطب أبا المغيرة ابن حزم، وأن أبا المغيرة رد عليه برسالة أطال فيها القول وختم بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس (الذخيرة 1 / 1: 111 - 116) .
(2) م: السفرة.
(3) م: ومحط؛ ب: ومحطى.
(3/159)

الحلال علوه، بل أكتفي من مدحه باسمه المشهورن فحسبي بدينك العلمين دليلاً على سعيه المشكور، وفضله المشهور، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم صاحب البونت (1) أطال الله بقاءه، وأدام اعتلائه، ولا عطل الحامدين من تحليهم بحلاه، ولا أخلى الأيام من تزينها بعلاه، فرأيته أعزه الله تعالى حريصاً على أن يجاوب هذا المخاطب، وراغباً في أن يبين له ما لعله قد رآه فنسي أو بعد عنه فخفي، فتناولت الجواب المذكور بعد أن بلغني أن ذلك المخاطب قد مات، رحمنا الله تعالى وإياه، فلم يكن لقصده بالجواب معنى، وقد صارت المقابر له مغنى، فلسنا بمسمعين من في القبور، فصرفت عنان الخطاب إليك، إذ من قبلك صرت إلى الكتاب المجاوب عنه، ومن لدنك وصلت إلى الرسالة المعارضة، وفي وصول كتابي على هذه الهيئة حيثما وصل كفاية لمن غاب عنه من أخبار تآليف أهل بلدنا مثل ما غاب عن الباحث الأول، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإن كنت في إخباري إياك بما أرسمه في كتابي هذا كمهد إلى البركان نار الحباحب، وباني صوىً في مهيع القصد اللاحب، فإنك وإن كنت المقصود والمواجه، فإنما المراد من أهل تلك الناحية من نأى عنه علم ما استجلبه السائل الماضي، وما توفيقي إلا بالله سبحانه.
فأما مآثر بلدنا فقد ألف في ذلك أحمد بن محمد الرازي التاريخي (2) كتباً جمة: منها كتاب ضخم ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها، وأمهات مدنها وأجنادها الستة، وخواص كل بلد منها، وما فيه مما ليس في غيره، وهو
__________
(1) ذكر ابن الأبار في التكملة: 388 أن ابن حزم كتب هذه الرسالة بطلب من أبي عبد الله محمد بن عبد الله الفهري صاحب البونت ويلقب: " يمن الدولة "؛ والبونت (Alpuente) من أعمال بلنسية استقل فيها بنو قاسم الفهريون بعد الفتنة، وأولهم عبد الله بن قاسم (- 421) وخلفه يمن الدولة وبقي حاكما حتى سنة 434 (أعمال الأعلام: 208) .
(2) ترجمة الرازي في الجذوة: 96 وطبقات الزبيدي: 327.
(3/160)

كتاب مريح مليح، وأنا أقول: لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر به (1) ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة في الحديث الذي رويناه من طريق أبي حمزة أنس بن مالك أن خالته أم حرام بنت ملحان زوج أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين حدثته به عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها بذلك (2) ، لكفى شرفاً بذلك يسر عاجله، ويغبط آجله. فإن قال قائل: فلعله صلوات الله تعالى عليه إنما عنى بذلك الحديث أهل صقلية وإقريطش، وما الدليل على ما ادعيته من أنه صلى الله عليه وسلم عنى الأندلس حتماً ومثل هذا التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع دون برهان واضح، وبيان لائح، لا يحتمل التوجيه، ولا يقبل التجريح، فالجواب - وبالله التوفيق - أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، وأمر بالبيان لما أوحي إليه، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج هذا البحر غزاة واحدة بعد واحدة، فسألته أم حرام أن يدعو ربه تعالى أن يجعلها منهم، فأخبرها صلى الله عليه وسلم وخبره الحق بأنها من الأولين، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وهو إخباره بالشيء قبل كونه، وصح البرهان على رسالته بذلك، وكانت من الغزاة إلى قبرس، وخرت عن بغلتها هناك، فتوفيت، رحمها الله تعالى، وهي أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر، فثبت يقيناً أن الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أم حرام منهم كما أخبر صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ولا سبيل أن يظن به
__________
(1) م: إلا ما بشر به رسول الله ... إلخ.
(2) صحيح مسلم 2: 104، وفيه أن رسول الله (ص) نام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت له أم ملحان: ما يضحكك يا رسول الله قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة ... إلخ، وأنه نام مرة أخرى، وفعل كفعله الأول، فلما قالت له أم ملحان: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: انت من الأولين.
(3/161)

وقد أوتي ما أوتي من البلاغة والبيان أنه يذكر طائفتين قد سمى إحداهما أولى إلا والتالية لها ثانية، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد، وهذا يقتضي طبيعة صناعة المنطق، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية، ولا الثانية ثانية إلا لأولى، فلا سبيل إلى ذكر ثالث إلا بعد ثان ضرورة، وهو صلى الله عليه وسلم إنما ذكر طائفتين، وبشر بفئتين، وسمى إحداهما الأولين، فاقتضى ذلك بالقضاء الصدق آخرين، والآخر من الأول والثاني الذي أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خير القرون بعد قرنه، وأولى القرون بكل فضل بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خير من كل قرن بعده، ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية، وكان الأمير بها في تلك السفن هبيرة الفزاري، وأما صقلية فإنها فتحت صدر أيام الأغلبة سنة 212، أيام قاد إليها السفن غازياً أسد بن الفرات القاضي صاحب أبي يوسف رحمه الله تعالى، وبها مات، وأما إقريطش فإنها فتحت بعد الثلاث والمائتين (1) ، افتتحها أبو حفص عمر بن شعيب المعروف بابن الغليظ (2) ، من أهل قرية بطروج من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة من بلاد الأندلس، وكان من فل الربضيين، وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في أيامه أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة 350 (3) ، وكان أكثر المفتتحين لها أهل الأندلس.
__________
(1) في الجذوة: بعد الثلاثين والمائتين؛ وفي ياقوت (إقريطش) : بعد سنة 250، وذكر أبو سعيد ابن يونس أن شعيب بن عمر بن عيسى أبا عمر، تولى فتح جزيرة إقريطش بعد سنة عشرين ومائتين، وقال البلاذري (فتوح: 279) إن أبا حفص عمر بن عيسى الأندلسي المعروف بالإقريشي غزاها في خلافة المأمون وافتتح حصنا واحدا ونزله ثم لم يزل يفتح منها شيئا بعد شيء؛ ولعل هذا هو سبب الاختلاف في تاريخ فتحها.
(2) ترجمة عمر بن شعيب في الجذوة: 282 نقلا عن ابن حزم.
(3) افتتحها ارمانوس في منتصف المحرم 350 فقتل ونهب وأخذ صاحبها عبد العزيز بن شعيب وبني عمه وأموالهم إلى القسطنطينية (ياقوت: إقريطش) .
(3/162)

وأما في قسم الأقاليم فإن قرطبة مسقط رؤوسنا، ومعق (1) تمائمنا، مع سر من رأى في إقليم واحد، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، فلها من ذلك على كل حال حظ يفوق حظ أكثر البلاد، بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة، وذلك من أدلة التمكن في العلوم والنفاذ فيها عند من ذكرنا، وقد صدق ذلك الخبر، وأبانته التجربة، فكان أهلها من التمكن في علوم القراءات والروايات وحفظ كثير من الفقه والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم بمكان رحب الفناء واسع العطن متنائي الأقطار سيح المجال، والذي نعاه علينا الكاتب المذكور لو كان كما ذكره لكنا فيه شركاء لأكثر أمهات الحواضر وجلائل البلاد ومتسعات الأعمال، فهذه القيروان بلد المخاطب لنا، ما أذكر أني رأيت في أخبارها تأليفاً غير " المعرب (2) عن أخبار المغرب " وحاشا تواليف محمد بن يوسف الوراق (3) ، فإنه ألف للمستنصر رحمه الله تعالى في مسالك إفريقية وممالكها ديواناً ضخماً وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم كتباً جمة، وكذلك ألف أيضاً في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة ونكور والبصرة (4) وغيرها تواليف حساناً، ومحمد هذا أندلسي الأصل والفرع، آباؤه من وادي الحجارة، ومدفنه بقرطبة، وهجرته إليها وإن كانت نشأته بالقيروان.
ولا بد من إقامة الدليل على ما أشرت إليه هاهنا إذ مرادنا أن نأتي منه
__________
(1) ب: ومعقد؛ ومعق التمائم، أي موضع قطعها دلالة على تجاوز سن الطفولة.
(2) ق: المغرب.
(3) محمد بن يوسف أبو عبد الله التاريخي الوراق (الجذوة: 90 وبغية الملتمس رقم: 304 وفيهما ما قاله ابن حزم) .
(4) يعني بصرة المغرب، وكانت قريبا من مدينة أصيلا.
(3/163)

بالمطلب، فيما يستأنف إن شاء الله تعالى، وذلك أن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين، دون محاشاة أحد، بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك، متفقون على أن ينسبوا الجل إلى مكان هجرته التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل تركٍ لسكناها إلى أن مات، فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة رضي الله تعالى عنهم، وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام وأشهراً، وقد بقي 58 عاماً وأشهراً بمكة والمدينة شرفهما الله تعالى. وكذلك أيضاً أكثر أعمار من ذكرنا، وإن ذكروا البصريين بدأوا بعمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وأبي بكرة، وهؤلاء مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم بالحجاز وتهامة الطائف، وجمهرة أعمارهم خلت هنالك، وإن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة ابن الصامت وأبي الدرداء وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ ومعاوية، والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن قبلهم، وكذلك في المصريين عمرو بن العاص وخارجة بن حذافة العدوي، وفي المكيين عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، والحكم في هؤلاء كالحكم فيمن قصصنا فمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به، وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض إتباعه، وخلافه محرم اقترافه (1) ، ومن هاجر منا إلى غيرنا فلاحظنا فيهن والمكان الذي اختاره أسعد به، فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم (2) فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا (3) ، والعدل أولى ما حرص عليه، والنصف أفضل ما دعي إليه، بعد التفصيل الذي ليس هذا موضعه، وعلى ما ذكرنا من الأنصاف تراضى الكل.
__________
(1) م: اقترابه؛ ق: اقترانه.
(2) يريد أبا علي القالي، أي أنه يعده أندلسيا - حسب مقياسه - لأنه هاجر إلى الأندلس واقام فيها حتى توفي.
(3) سوانا: سقطت من م.
(3/164)

وهذه بغداد حاضرة الدنيا ومعدن كل فضيلة، والمحلة التي سبق أهلها إلى حمل ألوية المعارف، والتدقيق في تصريف العلوم ورقة الأخلاق والنباهة والذكاء وحدة الأفكار ونفاد الخواطر، وهذه البصرة وهي عين المعمور في كل ما ذكرنا، وما أعلم في أخبار بغداد تأليفاً غير كتاب أحمد بن أبي طاهر (1) ، وأما سائر التواريخ التي ألفها أهلها فلم يخصوا بلدتهم بها دون سائر البلاد، ولا أعلم في أخبار البصرة غير كتاب عمر بن شبة (2) ، وكتاب لرجل من ولد الربيع بن زياد المنسوب إلى أبي سفيان في خطط البصرة وقطائعها، وكتابين لرجلين من أهلها يسمى أحدهما عبد القاهر كريزي النسب [في] صفاتها (3) وذكر أسواقها ومحالها وشوارعها، ولا أعلم في أخبار الكوفة غير كتاب عمر (4) بن شبة، وأما الجبال وخراسان وطبرستان وجرجان وكرنان وسجستان والري (5) والسند وأرمينية وأذربيجان وتلك الممالك الكثيرة الضخمة فلا أعلم في شيء منها تأليفاً قصد به أخبار ملوك تلك النواحي، وعلمائها وشعرائها وأطبائها (6) ، ولقد تاقت النفوس إلى أ، يتصل بها تأليف في أخبار فقهاء بغداد، وما علمناه علم، على أنهم العلي الرؤساء، والأكابر العظماء، ولو كان في شيء من ذلك تأليف لكان الحكم في الأغلب أن يبلغنا كما بلغ سائر تآليفهم، وكما بلغنا كتاب حمزة بن الحسن الأصبهاني في أخبار أصبهان (7) ،
__________
(1) أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور (- 280) وكتابه المشار إليه " بغداد " بقيت منه قطعة نشرها هنسي كلر بالزنكوغراف (1908) وأعيد طبعها بمصر (1368هـ) ؛ انظر ترجمته في معجم الأدباء 1: 152.
(2) هو كتاب " أخبار أهل البصرة " ولمؤلفه ترجمة في معجم الأدباء 6: 481 والتهذيب 7: 460 وبغية الوعاة: 361 ونور القبس: 231.
(3) ب ق: وصفاتها.
(4) عمر: سقطت من ق.
(5) والري: زيادة من ق ب.
(6) كثرت المؤلفات في البلدان بعد ابن حزم؛ انظر الإحاطة 1: 90 والإعلان: 121 - 135.
(7) انظر ترجمة حمزة الأصبهاني في تاريخ أصبهان 1: 300 وقد وصلنا من كتبه كتابه تواريخ سي ملوك الأرض والأنبياء، والدرة الفاخرة (مخطوط) وشرح ديوان أبي نؤاس، أما كتابه في تاريخ بلده فلم يصلنا.
(3/165)

وكتاب الموصلي (1) وغيره في أخبار مصر، وكما بلغنا سائر تواليفهم في أنحاء العلوم، وقد بلغنا تأليف القاضي أبي العباس محمد بن عبدون القيرواني في الشروط (2) واعتراضه على الشافعي رحمه الله تعالى، كذلك بلغنا رد القاضي أحمد بن طالب التميمي على أبي حنيفة (3) وتشيعه على الشافعي، وكتب ابن عبدوس (4) ومحمد ابن سحنون (5) وغير ذلك من خوامل (6) تآليفهم دون مشهورها.
وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر " أزهد الناس في عالمٍ أهله "، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: " لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده " وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش - وهم أوفر الناس أحلاماً وأصحهم عقولاً وأشدهم تثبتاً، مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، وتغذيتهم بأكرم المياه - حتى خص الله تعالى الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها على جميع الناس، والله يؤتي فضله من يشاء، ولا سيما أندلسنا فإنها خصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم الماهر منهم، واستقلالهم
__________
(1) في م: الوصلي، ولعلها أن تقرأ " المصري " إذ لا أعلم - بعد البحث - أن موصليا ألف في تاريخ مصر وأخبارها؛ ومن الكتب التي يرجح أن ابن حزم عرفها في تاريخ مصر كتاب (أو كتب) أبي عمر الكندي صاحب تاريخ الولاة والقضاة، وتاريخ مصر لمحمد بن عبد الحكم (توفي 268) .
(2) أبو العباس محمد بن عبدون بن أبي ثور، كان قاضيا على القيروان نحو ثلاثين شهرا، وعزله عنها إبراهيم بن الأغلب؛ وكان حافظا لمذهب أبي حنيفة موثقا كاتبا للشروط والوثائق (علماء إفريقية: 241، 307) .
(3) صوابه: عبد الله بن أحمد بن طالب، قال فيه الخشني: وكان له نظر ومناظرة يرد فيها على الشافعي لا بأس بها (علماء إفريقية: 257، 297) .
(4) هنالك اثنان هما محمد وإسحاق ابنا إبراهيم بن عبدوس والأول منهما كان حافظا لمذهب مالك، وله على مذهبه كتاب اسمه " المجموعة " (توفي سنة 258) . انظر علماء إفريقية: 182.
(5) انظر علماء إفريقية: 256، 296.
(6) في الأصول: خواصل.
(3/166)

كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته، بأضعافما في سائر البلاد، إن أجاد قالوا: سارق مغير ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا ومتى تعلم وفي أي زمان قرأ ولأمه الهبل! وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إما شفوفاً بائناً يعليه على نظرائه أو سلوكاً في غير السبيل التي عهدوها فهنالك حمي الوطيس على البائس، وصار غرضاً للأقوال وهدفاً للمطالب ونصباً للتسبب إليه ونهباً للألسنة وعرضة للتطرق إلى عرضه، وربما نحل ما لم نقل وطوق ما لم يتقلد وألحق به ما لم يفه به ولا اعتقده قلبه، وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ أن يسلم من المتالف وينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غمز ولمز وتعرض وهمز واشتط عليه، وعظم يسير خطبه واستشنع هين سقطه وذهبت محاسنه وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل، فتنكس لذلك همته وتكل نفسه وتبرد حميته، وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعراً أو يعمل رسالة، فإنه لا يفلت من هذه الحبائل، ولا يتخلص من هذا النصب إلا الناهض الفائت والمطفف المستولي على الأمد.
وعلى ذلك فقد جمع ما ظنه الظان غير مجموع، وألفت عندنا تآليف في غاية الحسن، لنا خطر السبق في بعضها: فمنها كتاب " الهداية " لعيسى بن دينار (1) ، وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم، وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب، فمنها كتاب الصلاة وكتاب البيوع وكتاب الجدار (2) في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق، ومن الكتب المالكية التي
__________
(1) عيسى بن دينار بن واقد الغافقي (الجذوة: 279 وبغية الملتمس رقم: 1144 وابن الفرضي 1: 373) . صحب عبد الرحمن العتقي صاحب مالك وتفقه عليه وأصبح إماما في الفقه على مذهب مالك (توفي سنة 212) .
(2) موضع كلمة " الجدار " بياض في ب.
(3/167)

ألفت بالأندلس كتاب القطني مالك بن علي (1) ، وهو رجل قرشي من بني فهر لقي أصحاب مالك وأصحاب أصحابه، وهو كتاب حسن فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل المولدات، ومنها كتاب أبي إسحاق [يحيى بن] (2) إبراهيم بن مزين في تفسير الموطأ والكتب (3) المستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضاً، وكتابه في رجال الموطأ وما لمالك عن كل واحد منهم من الآثار في موطإه.
وفي تفسير القرآن كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره (4) .
ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه (5) على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير. ومنها مصنفه في فضل (6) الصحابة والتابعين ومن دونهم
__________
(1) هو مالك بن علي بم عبد الملك بن قطن (ولذلك يقال له القطني؛ وفي دوزي والأصول القصي) أبو خالد الزاهد، له مختصر في الفقه على مذهب مالك، وتوفي سنة 268؛ انظر الجذوة: 324 وبغية الملتمس رقم: 1350 وابن الفرضي 2: 3.
(2) زيادة لازمة أخلت بها الأصول؛ وقد قال الحميدي (الجذوة: 148) إن إبراهيم بن مزين تكن له رواية؛ أما ابنه يحيى فهو الذي يقصده ابن حزم هنا؛ توفي سنة 259 (انظر الجذوة: 350 وبغية الملتمس رقم: 1457 وابن الفرضي 2: 178) .
(3) كذا بصيغة الجمع ولعله يعني الأجزاء؛ وذكر ابن الفرضي أن له كتابا استقصى فيه علل الموطإ سماه " المستقصية ".
(4) انظر الجذوة: 167 (وهو ينقل كلام ابن حزم) والصلة: 118.
(5) م: ألفه ورتبه.
(6) الجذوة: فتاوى.
(3/168)

الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همام ومصنف سعيد بن منصور وغيرها وانتظم علماً عظيماً لم يقع في شيء من هذه، فصارت تآليف هذا الإمام العلي قواعد للإسلام، لا نظير لها، وكان متخيراً لا يقلد أحداً، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه.
ومنها في أحكام القرآن كتاب ابن أمية (1) الحجاري، وكان شافعي المذهب بصيراً بالكلام على اختياره، وكتاب القاضي أبي الحكم منذر بن سعيد، وكان داودي المذهب قوياً على الانتصار له، وكلاهما في أحكام القرآن غاية، ولمنذر مصنفات منها كتاب " الإبانة عن حقائق أصول الديانة ".
ومنها في الحديث مصنف أبي محمد قاسم بن أصبغ بن يوسف بن ناصح، ومصنف محمد بن عبد الملك بن أيمن (2) ، وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، ولقاسم بن أصبغ هذا تآليف حسان جداً، منها أحكام القرآن على أبواب كتاب إسماعيل (3) وكلامه، ومنها كتاب " المجتبى على أبواب كتاب ابن الجارود المنتقى " وهو خير منه وأنقى حديثاً وأعلى سنداً وأكثر فائدةً، ومنها كتاب في فضائل قريش وكنانة (4) ، وكتابه في الناسخ والمنسوخ، وكتاب غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ. ومنها كتاب " التمهيد " لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعد في الحياة (5) لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه، ومنها كتاب " الاستذكار " وهو اختصار التمهيد (6) المذكور، ولصاحبنا أبي عمر بن عبد البر
__________
(1) الجذوة: ابن آمنة (ص: 380) .
(2) انظر الجذوة: 63.
(3) يعني إسماعيل بن إسحاق (الجذوة: 311) وبقية النص عن قاسم بن أصبغ مثبت في الجذوة.
(4) وكنانة: لم تذكر في الجذوة.
(5) م: بقيد الحياة، وقد توفي ابن عبد البر سنة 463 (راجع الصلة: 640 والجذوة: 344) .
(6) م: التهذيب.
(3/169)

المذكور كتبٌ لا مثيل لها: منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر كتاباً (1) اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوبه وقربه فصار مغنياً عن التصنيفات الطوال في معناه، ومنها كتابه في الصحابة ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك (2) ، ومنها كتاب " الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو ابن العلاء، والحجة لكل واحد منهما "، ومنها كتاب " بهجة المجالس وأنس المجالس، مما يجري في المذاكرات من غرر الأبيات ونوادر الحكايات "، ومنها كتاب " جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته " (3) .
ومنها كتاب شيخنا القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي في المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال، ولم يبلغ عبد الغني الحافظ البصري في ذلك إلا كتابين، وبلغ أبو الوليد رحمه الله تعالى نحو الثلاثين لا أعلم مثله في فنه البتة، ومنها تاريخ أحمد بن سعيد (4) ، ما وضع في الرجال أحد مثله إلا ما بلغنا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي، ولم أره، وأحمد بن سعيد هو المتقدم إلى التأليف القائم في ذلك، ومنها كتب محمد بن [أحمد بن] (5) يحيى بن مفرج القاضي، وهي كثيرة منها أسفار سبعة جمع فيها فقه الحسن البصري، وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري.
ومما يتعلق بذلك شرح الحديث لقاسم بن ثابت (6) السرقسطي، فما شآه
__________
(1) الجذوة: ستة عشر جزءا.
(2) يعني كتاب " الاستيعاب ".
(3) من كتب ابن عبد البر أيضا الدرر في اختصار المغازي والسير، والشواهد في إثبات خبر الواحد، والبيان عن تلاوة القرآن، والعقل والعقلاء، وأخبار أئمة الأنصار، القصد والأمم، وغيرهما.
(4) أحمد بن سعيد الصدفي ألف في تاريخ الرجال كتابا كبيرا جمع فيه جميع ما حصل عليه من أقوال في التعديل والتجريح، توفي سنة 350 (الجذوة: 117 وابن الفرضي 1: 55) .
(5) زيادة من الجذوة: 38.
(6) في الأصول ودوزي: لعامر بن خلف، وهو خطأ واضح؛ ولقاسم كتاب " غريب الحديث " وقول ابن حزم فيه مذكور في الجوذة: 312.
(3/170)

أبو عبيد إلا بتقدم العصر فقط.
ومنها في الفقه " الواضحة " والمالكيون لا تمانع بينهم في فضلها واستحسانهم إياها، ومنها " المستخرجة من الأسمعة " وهي المعروفة ب " العتبية "، ولها عند أهل إفريقية القدر العالي والطيران الحثيث (1) ، والكتاب الذي جمعه أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام الإشبيلي المعروف بابن المكوي (2) ، والقرشي أبو مروان المعيطي (3) في جمع أقاويل مالك كلها على نحو الكتاب " الباهر " الذي جمع فيه القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد البصري أقاويل الشافعي كلها، ومنها كتاب " المنتخب " (4) الذي ألفه القاضي محمد بن يحيى بن عمرو بن لبابة، وما رأيت لمالك قط كتاباً أنبل منه في جمع روايات المذهب وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها، وتآليف قاسم بن محمد المعروف بصاحب الوثائق وكلها حسن في معناه، وكان شافعي المذهب نظاراً جارياً في ميدان البغدادين (5) .
ومنها في اللغة الكتاب " البارع " (6) الذي ألفه إسماعيل بن القاسم يحتوي على لغة العرب، وكتابه في " المقصور والممدود والمهموز " لم يؤلف مثله في بابه، وكتاب " الأفعال " لمحمد بن عمر بن عبد العزيز (7) المعروف بابن القوطية بزيادات ابن طريف مولى العبديين (8) فلم يوضع في فنه مثله، وكتاب جمعه أبو
__________
(1) الواضحة لعبد الملك بن حبيب والعتيبة لتلميذه العتبي (الجذوة: 264، 37) .
(2) في الأصول: الكوي، والتصويب عن الجذوة: 123 والصلة: 28؛ (توفي سنة 401) .
(3) المعيطي هو محمد بن عبيد الله القرشي، وقد قال ابن بشكوال إنهما جمعا الكتاب للمستنصر أما الحميدي فذكر أنهما جمعاه بأمر المنصور بن أبي عامر، واسم الكتاب " الاستيعاب ".
(4) انظر الجذوة: 91 وأورد قول ابن حزم.
(5) قاسم بن محمد (توفي سنة 278) وله كتاب " الإيضاح في الرد على المقلدين " - الجذوة: 310.
(6) بقيت من هذا الكتاب قطعة أخرجها فلتون (Fulton) بالزنكوغراف (لندن: 1933) .
(7) في الأصول: لمحمد بن عامر الغزي؛ وكتابه " الأفعال " مطبوع مرتين، إحداهما بمصر.
(8) ترجمة ابن طريف في الجذوة: 381.
(3/171)

غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني (1) في اللغة لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً وثقة نقل، وهو أظن (2) في الحياة بعد. وههنا قصة لا ينبغي أن تخلو رسالتنا منها، وهي أن أبا الوليد عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي، حدثني أن أبا الجيش مجاهداً صاحب الجزائر ودانية وجه إلى أبي غالب أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة الكتاب المذكور " مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد " فرد الدنانير وأبى من ذلك، ولم يفتح في هذا باباً البتة، وقال: والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب، لأني لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب، فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها.
ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد (3) في اللغة المعروف بكتاب " العالم " نحو مائة سفر على الأجناس في غاية الإيعاب، بدأ بالفلك وختم بالذرة، وكتاب " النوادر " (4) لأبي علي إسماعيل بن القاسم، وهو مبارٍ لكتاب " الكامل " لأبي العباس المبرد، ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً، وكتاب " الفصوص " (5) لصاعد بن الحسن الربعي، وهو جارٍ في مضمار الكتابين المذكورين.
ومن الأنحاء تفسير الجرفي (6) لكتاب الكسائي، حسن في معناه، وكتاب
__________
(1) ترجم له الحميدي مرتين: 172، 380 وأورد في الأولى قصته مع أبي الجيش مجاهد بصدد كتابه في اللغة واسمه " تلقيح العين ".
(2) م: أظنه.
(3) ق: سعيد؛ م: سيدة؛ وترجمة ابن سيد في الجذوة: 110 والصلة: 14 وكان صاحب الشرطة بقرطبة وتتلمذ للقالي، توفي سنة 382، وترجم له الحميدي مرة أخرى تحت " ابن سيد " (ص: 381) .
(4) هو المعروف بكتاب أمالي القالي.
(5) من هذا الكتاب مخطوطة جيدة بخزانة القرويين بفاس.
(6) في الأصول: الحوفي والتصويب عن الجذوة: 384 إذ ضبطه بالجيم المضمومة.
(3/172)

ابن سيده في ذلك المنبوز ب " العالم والمتعلم " وشرح له لكتاب الأخفش (1) .
ومما ألف في الشعر كتاب عبادة بن ماء السماء في " أخبار شعراء الأندلس " كتاب حسن (2) ، وكتاب " الحدائق " لأبي عمر أحمد بن فرج عارض به كتاب الزهرة لأبي محمد بن داوود رحمه الله تعالى، إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائة بيت ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئاً، وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد، فبلغ الغاية، وأتى الكتاب فرداً في معناه (3) ، منها كتاب " التشبيهات من أشعار أهل الأندلس " جمعه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن الكاتب وهو حي بعد (4) ، ومما يتعلق بذلك شرح أبي القاسم إبراهيم بن محمد الإفليلي لشعر المتنبي، وهو حسن جداً (5) .
ومن الأخبار تواريخ (6) أحمد بن محمد بن موسى الرازي في أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم وغزواتهم ونكباتهم، وذلك كثير جداً، وكتاب له في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعياد بها، على نحو ما بدأ به ابن أبي طاهر في أخبار بغداد وذكر منازل صحابة أبي جعفر المنصور بها، وتواريخ متفرقة رأيت منها: أخبار عمر بن حفصون القائم برية ووقائعه وسيره وحروبه، وتاريخ آخر في أخبار عبد الرحمن بن مروان الجليقي القائم بالجوف، وفي أخبار بني
__________
(1) ذكر الحميدي كتابي " العالم والمتعلم " و " شرح كتاب الأخفش " لأبان بن سيد المتقدم الذكر، لا لابن سيده صاحب المخصص والمحكم.
(2) لم يصلنا هذا الكتاب، ولكن ابن سعيد ينقل عنه في المغرب.
(3) أورد الحميدي (ص: 97) نص كلام ابن حزم هذا في الحدائق، وأكثر الحميدي وابن الأبار في الحلية وابن سعيد في المغرب، النقل عن هذا الكتاب.
(4) ترجمة ابن أبي الحسن في الجذوة: 290، قال الحميدي: وعاش إلى أيام الفتنة.
(5) هذا الشرح موجود ولكنه لم ينشر بعد.
(6) م: تاريخ؛ وهذا النص في الجذوة: 97.
(3/173)

قسي والتجيبيين وبني الطويل بالثغر (1) ، فقد رأيت من ذلك كتباً مصنفة في غاية الحسن، وكتاب مجزأ في أجزاء كثيرة في أخبار رية وحصونها وحروبها وفقهائها وشعرائها تأليف إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني (2) ، وكتاب محمد بن الحارث الخشني في " أخبار القضاة بقرطبة (3) وسائر الأندلس "، وكتاب " في أخبار الفقهاء " بها، وكتاب لأحمد بن محمد بن موسى في " أنساب مشاهير أهل الأندلس " في خمسة أسفار ضخمة من أحسن كتاب في الأنساب وأوسعها، وكتاب قاسم بن أصبغ في " الأنساب " في غاية الحسن والإيجاز، وكتابه في " فضائل بني أمية "، وكان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره وانتشر ذكره، ومنها كتب مؤلفة في أصحاب المعاقل والأجناد الستة بالأندلس، ومنها كتب كثيرة جمعت فيها أخبار شعراء الأندلس للمستنصر رحمه الله تعالى، رأيت منها " أخبار شعراء إلبيرة " في نحو عشرة أجزاء، ومنها كتاب " الطوالع " في أنساب أهل الأندلس، ومنها كتاب " التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس " تأليف أبي مروان ابن حيان نحو عشرة أسفار من أجل كتاب ألف في هذا المعنى (4) ، وهو في الحياة بعد لم يتجاوز الاكتهال، وكتاب " المآثر العامرية " لحسين بن عاصم في سير ابن أبي عامر وأخباره (5) ، وكتاب الأقشتين (6) محمد بن عاصم النحوي في
__________
(1) ورد طرف من أخبار هؤلاء الثائرين في المقتبس وابن عذاري، وانظر في أنسابهم كتاب الجمهرة: 464.
(2) في الأصول: الليثي، والتصويب عن الجذوة: 159، ومعجم البلدان (رية) .
(3) كتاب " قضاة قرطبة " للخشني مطبوع مع " علماء إفريقية " له بمصر سنة 1372هـ عن نشرة ريبيرا (1914) .
(4) أبو مروان ابن حيان كبير مؤرخي الأندلس وصاحب المقتبس والمتين وغيرهما (الصلة: 150 والذخيرة 1 / 2: 84 - 114) وقد نشر من مقتبسه ثلاث قطع، ويعتمد ابن بسام عليه في الأجزاء التاريخية من كتاب الذخيرة.
(5) انظر الجذوة: 181.
(6) الأقشين (Augustine) له ترجمة في الجذوة مرتين 74، 82 مرة باسم محمد بن عاصم ومرة باسم محمد بن موسىبن هاشم (وبغية الملتمس رقم: 243، 268) وطبقات الزبيدي: 305 (وكتب خطأ: الأفشنيق) وابن الفرضي 2: 216، وأكبر الظن هناك خطأ وقع بين " عاصم " و " هاشم ". ولم يذكر الزبيدي " محمد بن عاصم " في النحويين، وهو أعرف بهم.
(3/174)

" طبقات الكتاب بالأندلس "، وكتاب سكن بن سعيد في ذلك (1) ، وكتاب أحمد بن فرج في " المنتزين والقائمين بالأندلس وأخبارهم "، وكتاب " أخبار أطباء الأندلس " لسليمان بن جلجل (2) .
وأما الطب فكتب الوزير يحيى بن إسحاق (3) وهي كتب رفيعة حسان، وكتب محمد بن الحسن المذحجي أستاذنا رحمه الله تعالى، وهو المعروف بابن الكتاني (4) ، وهي كتب رفيعة حسان، وكتب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش (5) الزهراوي، وقد أدركناه وشاهدناه، ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن، وكتب ابن الهيثم (6) في الخواص والسموم والعقاقير من أجل الكتب وأنفعها.
وأما الفلسفة فإني رأيت فيها رسائل مجموعة وعيوناً مؤلفة لسعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار دالة على تمكنه من هذه الصناعة (7) ، وأما رسائل أستاذنا أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي في ذلك فمشهورة متداولة وتامة الحسن فائقة الجودة عظيمة المنفعة.
__________
(1) انظر ترجمة سكن بن سعيد في الجذوة: 319 والبغية رقم: 834.
(2) نشره الأستاذ فؤاد السيد (القاهرة: 1955) مع مقدمة ضافية في التعريف بالكتاب ومؤلفة.
(3) ترجمته في ابن جلجل: 100 وابن أبي أصيبعة 2: 43 والجذوة: 351 والبغية رقم: 1460.
(4) ترجمته في ابن اصيبعة 2: 45 والجذوة: 45 والبغية رقم: 81 وهو أيضا صاحب كتاب التشبيهات، وانظر هنالك تحقيقنا لاسمه ومواضع ترجمته.
(5) في النفح عياش؛ وفي المصادر التي ترجمت له (ابن أبي أصيبعة 2: 52 والجذوة: 195 والبغية رقم: 715) " عباس " ومن كتابه التصريف نسخ في برلين وباريس وولي الدين وغيرها (راجع بروكلمان) .
(6) هو عبد الرحمن بن إسحاق (ابن أبي اصيبعة 2: 46) .
(7) سعيد بن فتحون السرقسطي: ترجمته في طبقات صاعد: 68 والجذوة: 216 وبغية الملتمس رقم: 813 وبغية الوعاة: 256 والذيل والتكملة 4: 40 وانظر فهرست كتاب التشبيهات لابن الكتاني.
(3/175)

وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ، ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا إلا أني سمعت من أثق بعقله ودينه من أهل العلم ممن اتفق على رسوخه فيه يقول: إنه لم يؤلف في الأزياج مثل زيج مسلمة (1) وزيج ابن السمح (2) ، وهما من أهل بلدنا، وكذلك كتاب المساحة المجهولة لأحمد بن نصر فما تقدم إلى مثله في معناه.
وإنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر، والتي تدخل تحت الأقسام السبعة (3) التي لا يؤلف عاقل عالم إلا في أحدها، وهي إما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو شيء ناقص يتمه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصلحه. وأما التواليف المقصرة عن مراتب غيرها فلم نلتفت إلى ذكرها، وهي عندنا من تأليف أهل بلدنا أكثر من أن نحيط بعلمها.
وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم، ولا اختلفت فيها النحل، فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب، فهي على كل حال غير عرية عنه، وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال، نظار على أصوله، ولهم فيه تواليف: منهم خليل بن إسحاق (4) ، ويحيى بن السمينة (5) ، والحاجب موسى بن حدير وأخوه الوزير صاحب المظالم أحمد (6) ، وكان داعية إلى الاعتزال
__________
(1) يعني أبا القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (توفي 398) ، وله تعديل زيج البتاني. انظر ابن أبي أصيبعة 2: 39 وطبقات صاعد: 78 وتاريخ الحكماء: 326 وملحق بروكلمان.
(2) هو أصبغ بن محمد بن السمح المهندس الغرناطي، ألف زيجا على أحد مذاهب الهند (وتوفي سنة 426) ، انظر ابن أبي أصيبعة 2: 39 وطبقات صاعد: 79 وملحق بروكلمان.
(3) قارن هذا بما ذكره ابن حزم في كتاب " التقريب لحد المنطق " ص: 10.
(4) لعل صوابه " خليل بن عبد الملك " وهو من أصحاب ابن مسرة، وعليه درس ابن السمينة (ابن الفرضي 1: 165 والتكملة: 309) .
(5) يحيى بن السمينة توفي سنة 315 (انظر الجذوة: 316 والبغية رقم: 1320) .
(6) راجع ترجمة موسى بن حدير في الجذوة: 316 والبغية رقم: 1320، وكان أخوه أحمد بن محمد صاحب الوزارة أيام عبد الرحمن الناصر.
(3/176)

لا يستتر بذلك. ولنا على مذهبنا الذي تخيرناه من مذاهب أصحاب الحديث كتاب في هذا المعنى (1) ، وهو وإن كان صغير الجرم قليل عدد الورق يزيد على المائتين زيادة يسيرة فعظيم الفائدة لأنا أسقطنا فيه المشاغب كلها، وأضربنا عن التطويل جملة، واقتصرنا على البراهين المنتخبة من المقدمات الصحاح الراجعة إلى شهادة الحس وبديهة العقل لها بالصحة. ولنا فيما تحققنا به تآليف جمة، منها ما قد تم، ومنها ما شارف التمام، ومنها ما قد مضى منه صدر ويعين الله تعالى على باقيه، لم نقصد به قصد مباهاة فنذكرها، ولا أردنا السمعة فنسميها، والمراد بها ربنا جل وجهه، وهو ولي العون فيها، والمللي بالمجازاة عليها، وما كان لله تعالى فسيبدو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبلدنا هذا - على بعده من ينبوع العلم، ونأيه من محلة العلماء - فقد ذكرنا من تآليف أهله ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر وديار ربيعة واليمن والشام أعوز وجود ذلك، على قرب المسافة في هذه البلاد من العراق التي هي دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها.
ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي (2) في الشعر لم نباه به إلا جريراً والفرزدق، لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره، فهو جارٍ على مذهب الأوائل، لا على طريقة المحدثين، وإذا سمينا بقي بن مخلد لم نسابق به إلا محمد بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وسليمان بن الأشعث وأحمد بن شعيب النسائي، وإذا ذكرنا قاسم بن محمد (3) لم نباه به إلا القفال ومحمد بن عقيل الفريابي، وهو شريكهما في صحبة المزني أبي (4) إبراهيم والتلمذة له، وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم بن هلال ومنذر بن سعيد لم نجار
__________
(1) أغلب الظن أنه يعني كتاب " المجلى " وهو متن شرحه بالمحلى.
(2) ترجمة أبي الأجرب في الجذوة: 177 وبغية الملتمس رقم: 626 والمغرب 1: 131.
(3) قد مر ذكره، وهذا النص عنه ثابت في الجذوة.
(4) في الأصول: بن.
(3/177)

بهما إلا أبا الحسن ابن المفلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد. وقد شاركهم عبد الله في أبي سليمان وصحبته، وإذا أشرنا إلى محمد بن عمر بن لبابة وعمه محمد بن عيسى وفضل بن سلمة لم نناطح بهم إلا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن سحنون ومحمد بن عبدوس (1) ، وإذا صرحنا بذكر محمد بن يحيى الرباحي (2) وأبي عبد الله محمد بن عاصم لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرد.
ولو يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد (3) وحبيب والمتنبي، فكيف ولنا معه جعفر بن عثمان الحاجب، وأحمد بن عبد الملك بن مروان، وأغلب بن شعيب، ومحمد بن شخيص، وأحمد بن فرج، وعبد الملك بن سعيد المرادي (4) ، وكل هؤلاء فحل يهاب جانبه، وحصان ممسوح الغرة.
ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد صديقنا وصاحبنا، وهو حي بعد لم يبلغ سن الاكتهال، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان عمرو وسهل (5) ومحمد بن عبد الله بن مسرة (6) في طريقه التي سلك فيها، وإن كنا لا نرضى مذهبه، في جماعة يكثر تعدادهم.
__________
(1) وإذا أشرنا ... عبدوس: ورد هذا النص في الجذوة: 71 وبغية الملتمس رقم: 222.
(2) الرباحي (نسبة إلى قلعة رباح) من كبار نحويي الأندلس قبل دخول القالي إليها؛ انظر طبقات الزبيدي: 335 وابن الفرضي 2: 71 والجذوة: 91 وبغية الملتمس رقم: 312 والقفطي 3: 229 والوافي 2: 372 وبغية الوعاة: 113.
(3) بن برد: زيادة من ق.
(4) أحمد بن عبد الملك بن مروان (الجذوة: 123) وأغلب بن شعيب الجياني من شعراء عبد الرحمن الناصر (ص: 165) ومحمد بن شخيص (الجذوة: 84 واليتيمة 2: 23 والمغرب 1: 203 وصفحات متفرقة من المقتبس تحقيق حجي) ، وعبد الملك بن سعيد المرادي الخازن (الجذوة: 266) .
(5) يريد: عمرو بن بحر الجاحظ وسهل بن هارون.
(6) في ابن المسرة ومذهبه كتاب مستوفي للمستشرق آثين بلاسيوس وخلاصة عنه في تاريخ الفكر الأندلسي لبالنثيا، وانظر كتاب تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة: 52 وما بعدها.
(3/178)

وقد انتهى ما اقتضاه خطاب الكاتب رحمه الله تعالى من البيان، ولم نتزيد فيما رغب فيه إلا ما دعت الضرورة إلى ذكره لتعلقه بجوابه، والحمد لله الموفق لعلمه، والهادي إلى الشريعة المزلفة منه والموصلة، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم، وشرف وكرم.
انتهت الرسالة.
وكتب الحافظ بن حجر على هامش قوله فيها " وإنما سكن على الكوفة خمسة أعوام وأشهراً " ما نصه: صوابه أربعة أعوام، انتهى.
[7 - تذييل ابن سعيد على رسالة ابن حزم]
وقال ابن سعيد، بعد ذكره هذه الرسالة ما صورته: رأيت أن أذيل ما ذكره الوزير الحافظ أبو محمد ابن حزم من مفاخر أهل الأندلس بما حضرني والله تعالى ولي الإعانة.
أما القرآن فمن أجل ما صنف في تفسيره كتاب " الهداية إلى بلوغ النهاية " في نحو عشرة أسفار، صنفه الإمام العالم الزاهد أبو محمد مكي بن أبي طالب القرطبي (1) ، وله كتاب " تفسير إعراب القرآن "، وعد ابن غالب في كتاب " فرحة الأنفس " تآليف مكي المذكور، فبلغ بها 77 تأليفاً، وكانت وفاته سنة 437، ولأبي محمد بن عطية الغرناطي في تفسير القرآن الكتاب الكبير الذي اشتهر وطار في الغرب والشرق، وصاحبه من فضلاء المائة السادسة (2) .
وأما القراءات فلمكي المذكور فيها كتاب " التبصرة "؛ وكتاب " التيسير "
__________
(1) ترجمته في الصلة: 597 وغاية النهاية 2: 307؛ اقرأ في جامع الزاهرة حتى انقضت دولة العامريين فنقله المهدي إلى المسجد الجامع بقرطبة واقرأ فيه مدة الفتنة إلى أن قلده أبو الحزم ابن جهور الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع؛ ومن الغريب أن ابن حزم أغفل ذكره مع أنه عاصره.
(2) توفي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي سنة 542 (انظر الصلة: 367 والقلائد 208 والمرقبة العليا: 109 والديباج: 174 والمغرب 2: 117؛ والنفح 2: 526) .
(3/179)

لأبي عمرو الداني (1) مشهورٌ في أيدي الناس.
وأما الحديث فكان بعصرنا في المائة السابعة الإمام أبو الحسن علي بن القطان القرطبي الساكن بحضرة مراكش (2) ، وله في تفسير غرائبه وفي رجاله مصنفات، وإليه كانت النهاية والإشارة في عصرنا، وسمعت أنه كان اشتغل بجمع أمهات كتب الحديث المشهورة، وحذف المكرر، وكتاب رزين بن عمار الأندلسي (3) في جمع ما يتضمنه كتاب مسلم والبخاري والموطأ والسنن والنسائي والترمذي كتاب جليل مشهور في أيدي الناس بالمشرق والمغرب، وكتاب " الأحكام " لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي مشهور متداول القراءة، وهي أحكام كبرى، وأحكام صغرى، قيل: ووسطى، وكتاب " الجمع بين الصحيحين " للحميدي مشهور.
وأما الفقه فالكتاب المعتمد عليه الآن الذي ينطلق عليه اسم الكتاب عند المالكية حتى بالإسكندرية فكتاب " التهذيب " للبراذعي السرقسطي (4) ، وكتاب " النهاية " (5) لأبي الوليد ابن رشد كتاب جليل معظم معتمد عليه عند المالكية، وكذلك كتاب " المنتقى " للباجي.
وأما أصول الدين وأصول الفقه فللإمام أبي بكر ابن العربي الإشبيلي من
__________
(1) أبو عمر عثمان بن سعيد الداني من شيوخ القراء وأبعدهم شهرة؛ انظر في أخباره وكتبه مقدمة المحكم تحقيق الدكتورة عزة حسن (دمشق 1960) . والنفح 2: 135 (رقم: 76) .
(2) ترجمة ابن القطان في التكملة رقم: 1920 وصلة الصلة: 131 (توفي سنة 628) وقد استدرك على كتاب الأحكام الآتي ذكره لابن عبد الحق بكتاب سماه " الوهم والإيهام الواقعين على كتاب الأحكام ".
(3) هو رزين بن معاوية بن عمار العبدري سرقسطي يكنى أبا الحسن، توفي سنة 524 وكان من علماء الحديث (الصلة: 184) .
(4) البراذعي واسمه خلف بن أبي القاسم الأزدي، قيرواني ارتحل إلى صقلية وألف فيها كتابه تهذيب المدونة (الديباج: 112) وفرع منه سنة 327هـ وليس البراذعي سرقسطيا، ويبدو أنه نسب إلى سرقوسة بصقلية واضطرب الأمر في ذلك على ابن سعيد؛ ومن التهذيب نسخة خطية بدار الكتب رقم: 405 فقه مالكي؛ وانظر كتابنا العرب في صقلية: 97 - 98.
(5) هو كتاب " نهاية المجتهد " (ابن أبي اصيبعة 2: 77) .
(3/180)

ذلك ما منه كتاب " العواصم والقواصم " المشهور بأيدي الناس، وله تآليف في غير هذا، ولأبي الوليد ابن رشد في أصول الفقه ما منه " مختصر المستصفى ".
وأما التواريخ فكتاب ابن حيان الكبير المعروف " بالمتين " في نحو ستين مجلدة وإنما ذكر ابن حزم كتاب " المقتبس " وهو في عشر مجلدات، والمتين يذكر فيه أخبار عصره ويمعن فيها مما شاهده، ومنه ينقل صاحب الذخيرة، وقد ذيل عليه أبو الحجاج البياسي أحد معاصرينا، وهو الآن بإفريقية في حضرتها تونس عند سلطانها تحت إحسانه الغمر، وكتاب المظفر ابن الأفطس لمك بطليوس المعروف " بالمظفري " نحو كتاب " المتين " في الكبر، وفيه تاريخ على السنين، وفنون آداب كثيرة، وتاريخ ابن صاحب الصلاة في الدولة اللمتونية (1) ، وذكر ابن غالب أن ابن الصيرفي الغرناطي له كتاب في " أخبار دولة لمتونة " (2) ، وأن أبا الحسن السالمي له كتاب " في أخبار الفتنة الثانية بالأندلس " (3) بدأ من سنة 539، ورتبه على السنين وبلغ به سنة 547، وأبو القاسم خلف بن بشكوال له كتاب في " تاريخ أصحاب الأندلس " من فتحها إلى زمانه، وأضاف إلى ذلك من أخبار قرطبة وغيرها ما جاء في خاطره، وله كتاب " الصلة " في تاريخ العلماء، وللحميدي قبله " جذوة المقتبس " وقد ذيل كتاب الصلة ف عصرنا هذا أبو عبد الله ابن الأبار البلنسي كاتب سلطان إفريقية. وذكر ابن غالب أن الفقيه أبا جعفر ابن عبد الحق الخزرجي القرطبي له كتاب كبير بدأ فيه من بدء
__________
(1) لابن صاحب الصلاة عبد الملك بن محمد الباجي كتاب في ثورة المريدين، ولا أعرف له كتابا في تاريخ اللمتونيين؛ وهو أيضا صاحب كتاب " المن بالإمامة على المستضعفين ".
(2) يعد ابن الصير في حجة في تاريخ المرابطين؛ وينقل عنه لسان الدين في أعمال الأعلام أخبارا عن دول الطوائف ليس فيها تحامل امرئ كان وثيق الصلة بالمرابطين؛ انظر ترجمته في المغرب 2: 118 والتكملة: 723.
(3) سماه ابن عبد الملك (الذيل 6: الورقة 3 من نسخة المتحف البريطاني) " في الفتنة الكائنة على اللمتونيين بالأندلس سنة أربعين وما يليها "؛ وله مختصر سماه " عبرة العبر وعجائب القدر في ذكر الفتن الأندلسية والعدوية بعد فساد الدولة المرابطية ".
(3/181)

الخليقة إلى أن انتهى في أخبار الأندلس إلى دولة عبد المؤمن، قال: وفارقته سنة 565. وأبو محمد ابن حزم صاحب الرسالة المتقدمة الذكر له كتب جمة في التواريخ، مثل كتاب " نقط العروس في تواريخ (1) الخلفاء " وقد صنف أبو الوليد ابن زيدون كتاب " التبيين في خلفاء بني أمية بالأندلس " على منزع كتاب " التعيين في خلفاء المشرق " للمسعودي. وللقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد الطليطلي كتاب " التعريف بأخبار علماء الأمم من العرب والعجم " وكتاب " جامع أخبار الأمم ". وأبو عمر بن عبد البر له كتاب " القصد والأمم في معرفة أخبار العرب والعجم ". وعريب بن سعد القرطبي له كتاب " اختصار تاريخ الطبري " قد سعد باغتباط الناس به، وأضاف إليه تاريخ إفريقية والأندلس، ولأحمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن [أبي] الفياض كتاب " العبر " (2) ، وكتاب أبي بكر الحسن بن محمد الزبيدي في " أخبار النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس " (3) ، وكتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي في " أخبار العلماء والشعراء " وما يتعلق بذلك وليحيى بن حكم الغزال تاريخ ألفه كله منظوماً (4) ، كما صنع أيضاً بعده أبو طالب المتنبي من جزيرة شقر في التاريخ الذي أورد منه صاحب الذخيرة ما أورد (5) ، وكتاب " الذخيرة " لابن بسام في جزيرة الأندلس ليس هذا مكان الإطناب في تفصيلها وهي كالذيل على حدائق ابن فرج، وفي عصرها (6) صنف الفتح كتاب " القلائد " وهو مملوء بلاغة،
__________
(1) ب: تاريخ.
(2) ابن أبي الفياض أصله من إستجة وسكن المرية، قال ابن بشكوال (الصلة: 63) له تأليف في الخبر والتاريخ، ولكنه لم يمسه؛ توفي سنة 459.
(3) هو الذي نشير إليه في هذه التعليقات باسم " طبقات الزبيدي ".
(4) انظر ترجمة الغزال في النفح 2: 254 (رقم: 165) .
(5) راجع الذخيرة 1 / 2: 405 حيث تجد أرجوزة ابن عبد الجبار المتنبي.
(6) م: عصرنا.
(3/182)

والمحاكمة بين الكتابين ذكرت بمكان (1) آخر، ولصاحب القلائد كتاب " المطمح " وهو ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى، يذكر فيها من الذين ذكرهم في القلائد ومن غيرهم الذين كانوا قبل عصرهم، وكتاب " سمط الجمان وسقط (2) المرجان " لأبي عمرو ابن الإمام بعد الكتابين المذكورين، ذكر من أخلا بتوفيته حقه من الفضلاء، واستدرك من أدركه بعصره في بقية المائة السادسة، وذيل عليه - وإن كان ذيلاً قصيراً - أبو بحر (3) صفوان بن إدريس المرسي بكتاب " زاد المسافر " ذكر فيه جماعة ممن أدرك المائة السابعة، وكتاب أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري المسمى ب " المسهب في فضائل المغرب " صنفه بعد " الذخيرة " و " القلائد " من أول ما عمرت الأندلس إلى عصره، وخرج فيه عن مقصد الكتابين إلى ذكر البلاد وخواصها مما يختص بعلم الجغرافية، وخلطه بالتاريخ وتفنن الأدب على ما هو مذكور في غير هذا المكان، ولم يصنف في الأندلس مثل كتابه، ولذلك فضله المصنف له عبد الملك بن سعيد، وذيل عليه، ثم ذيل على ذلك ابناه أحمد ومحمد ثم موسى بن محمد ثم علي بن موسى كاتب هذه النسخة ومكمل كتاب " فلك الأدب المحيط بحلى لسان العرب " المحتوي على كتابي " المشرق في حلى المشرق " و " المغرب في حلى المغرب "، فيكفي الأندلس في هذا الشأن تصنيف هذا الكتاب بين ستة أشخاص في 115 سنة آخرها سنة 645، وقد احتوى على جميع ما يذاكر به ويحاضر بحلاه من فنون الأدب المختارة على جهد الطاقة في شرق وغرب على النوع الذي هو مذكور في غير هذا الموضع، ومن أغفلت التنبيه على عصرهن وغير ذلك من المصنفين المتقدمي الذكر، فيطلب الملتمس منه في مكانه المنسوب إليه كابن
__________
(1) ق: في مكان.
(2) ب م: وسقيط؛ وعن هذا الكتاب ينقل ابن سعيد في المغرب.
(3) ق: أبو يحيى؛ وهو خطأ.
(3/183)

بسام في شنترين، والفتح في إشبيلية، وابن الإمام في إستجة، والحجاري في وادي الحجارة.
وأما ما جاء منثوراً من فنون الأدب فكتاب " سراج الدب " لأبي عبد الله ابن أبي الخصال الشقوري رئيس كتاب الأندلس (1) ، صنفه على منزع كتاب " النوادر " لأبي علي، و " زهر الآداب " للحصري؛ وكتاب " واجب الأدب " لوالدي موسى بن محمد بن سعيد، واسمه يغني عن المراد به؛ وكتاب " اللآلئ " لأبي عبيد البكري على كتاب " الأمالي " لأبي علي البغدادي مفيد في الأدب، وكذلك كتاب " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب " لأبي محمد ابن السيد البطليوسي، وأما شرح " سقط الزند " له فهو الغاية، ويكفي ذكره عند أرباب هذا الشأن وثناؤهم عليه، وشروح أبي الحجاج الأعلم بشعر المتنبي والحماسة وغير ذلك مشهورة.
وأما النحو فلأهل الأندلس من الشروح على " الجمل " (2) ما يطول ذكره، فمنها شرح ابن خروف، ومنها شرح الرندي، ومنها شرح شيخنا أبي الحسن ابن عصفور الإشبيلي، وإليه انتهت علوم النحو، وعليه الإحالة الآن من المشرق والمغرب، وقد أتيت له من إفريقية بكتاب " المقرب " في النحو فتلقي باليمين من كل جهة، وطار بجناح الاغتباط، ولشيخنا أبي علي الشلوبين كتاب " التوطئة " على الجزولية وهو مشهور، ولابن السيد وابن الطراوة والسهيلي من التقييدات في النحو ما هو مشهور عند أصحاب هذا الشأن المعتمد عليه، ولأبي الحسن ابن خروف شرح مشهور على كتاب سيبويه.
وأما علم الجغرافيا فيكفي في ذلك كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري
__________
(1) راجع ترجمة أبي عبد الله ابن أبي الخصال في المطرب: 187 وبغية الملتمس رقم: 282 وقلائد العقيان: 175 والصلة: 557 وبغية الوعاة: 104 ورايات المبرزين: 74، وله ذكر في المعجب والمغرب ومعجم شيوخ الصدفي وجذوة الاقتباس.
(2) انظر كشف الظنون: 603 - 604 ففيه ذكر لبعض شروح الجمل من تأليف الأندلسيين وغيرهم.
(3/184)

الأونبي وكتاب " معجم مستعجم من البقاع والأماكن "، وفي كتاب " المسهب " للحجاري في هذا الشأن وتذييلنا عليه في هذا الكتاب الجامع زبد (1) الأولين والآخرين في ذلك.
واما الموسيقى فكتاب أبي بكر ابن باجة الغرناطي في ذلك فيه كفاية وهو في المغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق، وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد، وليحيى الخذوج (2) المرسي كتاب " الأغاني الأندلسية " على منزع الأغاني لأبي الفرج، وهو ممن أدرك المائة السابعة.
واما الطب فالمشهور بأيدي الناس الآن في المغرب، وقد سار أيضاً في المشرق لنبله، كتاب " التيسير " (3) لعبد الملك بن أبي العلاء بن زهر وله كتاب " الأغذية " (4) أيضاً مشهور مغتبط به في المغرب والمشرق، ولأبي العباس ابن الرومية الإشبيلي (5) من علماء عصرنا بهذا الشأن كتاب في الأدوية المفردة، وقد جمع أبو محمد المالقي (6) الساكن الآن بقاهرة مصر كتاباً في هذا الشأن حشر عليه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها وضبطه على حروف المعجم، وهو النهاية في مقصده.
وأما الفلسفة فإمامها في عصرنا أبو الوليد ابن رشد القرطبي، وله فيها تصانيف جحدها لما رأى انحراف منصور بني عبد المؤمن عن هذا العلم،
__________
(1) م: زبدة.
(2) في الأصول: الخدج: وقد ضبطه الرعيني في برنامجه: 164 وهو أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم الأصبحي الحكيم؛ قال: عرض علي كتابه الكبير الذي سماه الأغاني الأندلسية وقرأت عليه خطبته ومواضع منه وناولني جميع أسفاره.
(3) هو كتاب التيسير في المداواة والتدبير (ابن أبي أصيبعة 2: 67) .
(4) ألف ابن زهر كتاب الأغذية للخليفة عبد المؤمن بن علي (المصدر السابق) .
(5) انظر ترجمة ابن الرومية في ابن أبي أصيبعة 2: 87 والإحاطة 1: 88 (ط. السلفية) والنفح 2: 596 (رقم: 221) ومزيدا من المصادر في الحاشية.
(6) يريد ابن البيطار صاحب كتاب المفردات وقد مرت ترجمته في المجلد 2: 691 (رقم: 304) .
(3/185)

وسجنه بسببها، وكذلك ابن حبيب (1) الذي قتله المأمون بن المنصور المذكور على هذا العلم بإشبيلية، وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره، فلذلك تخفى تصانيفه.
وأما التنجيم فلابن زيد الأسقف القرطبي فيه تصانيف، وكان مختصاً بالمستنصر بن الناصر المرواني، وله ألف كتاب " تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان " وفيه من ذكر منازل القمر وما يتعلق بذلك ما يستحسن مقصده وتقريبه، وكان مطرف الإشبيلي في عصرنا قد اشتغل بالتصنيف في هذا الشأن، إلا أن أهل بلده كانوا ينسبونه للزندقة بسبب اعتكافه على هذا الشأن فكان لا يظهر شيئاً مما يصنف.
[8 - رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس]
ثم قال ابن سعيد: أخبرني والدي قال: كنت يوماً في مجلس صاحب سبتة أبي يحيى ابن أبي زكريا صهر ناصر بني عبد المؤمن، فجرى بين أبي الوليد الشقندي وبين أبي يحيى ابن المعلم الطنجي نزاع في التفضيل بين البرين، فقال الشقندي لولا الأندلس لم يذكر بر العدوة، ولا سارت عنه فضيلة، ولولا التوقير للمجلس لقلت ما تعلم، فقال الأمير أبو يحيى: أتريد أن تقول كون أهل برنا عرباً وأهل بركم (2) بربر فقال: حاش لله! فقال الأمير: والله ما أردت غير هذا، فظهر في وجهه أنه أراد ذلك، فقال ابن المعلم: أتقول هذا وما الملك والفضل إلا من بر العدوة فقال الأمير: الرأي عندي أن يعمل كل واحد منكما رسالة في تفضيل بره، فالكلام هنا يطول ويمر ضياعاً، وأرجو إذا أخليتما له فكركما يصدر عنكما ما يحسن تخليده، ففعلا ذلك:
__________
(1) هو ابن حبيب القصري (المغرب 1: 296) .
(2) م: بلدنا ... بلدكم.
(3/186)

فكانت رسالة الشقندي: الحمد لله الذي جعل لمن يفخر بجزيرة الأندلس (1) أن يتكلم ملء فيه، ويطنب ما شاء فلا يجد من يعترض عليه ولا من يثنيه، إذ لا يقال للنهار: يا مظلم، ولا لوجه النعيم: يا قبيح.
وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل أحمده على أن جعلني ممن أنشأته، وحباني بأن كنت ممن أظهرته، فامتد في الفخر باعي، وأعانني على الفضائل كرم طباعي، وأصلي على سيدنا محمد نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه الأكرمين، وأسلم تسليماً.
أما بعد؛ فإنه حرك مني ساكناً، وملأ مني فارغاً، فخرجت عن سجيتي في الإغضاء، مكرهاً إلى الحمية والإباء، منازعٌ في فضل الأندلس أراد أن يخرق الإجماع، ويأتي (2) بما لا تقبله النواظر والأسماع، إذ من رأى ومن سمع لا يجوزعنده (3) ذلك، ولا يضله من تاه في تلك المسالك، رام أن يفضل بر العدوة على بر الأندلس فرام (4) أن يفضل على اليمين اليسار، ويقول: الليل أضوأ من النهار، فيا عجبا كيف قابل العوالي بالزجاج، وصادم الصفاة (5) بالزجاج، فيا من نفخ في غير ضرم، ورام صيد البزاة بالرخم، كيف تتكثر بما جعله الله قليلاً، وتتعزز بما حكم الله أن يكون ذليلاً وكيف تبدي أمام الفتاة العجوز سل العيون إلى وجه من تميل واستخبر الأسماع إلى حديث من تصغي (6)
__________
(1) ب: ببر الأندلس.
(2) ب: ويتأتى.
(3) م: له.
(4) م: رام.
(5) م: قابل للآلي ... الصفاح؛ ب: الصفة بالرجاج.
(6) البيت لربيعة الرقي. انظر الأغاني 16: 189 وفيه هجاء ليزيد بن أسيد وكان جليلا عند المنصور والمهدي، وتفصيل ليزيد بن حاتم الأزدي.
(3/187)

لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم اقن حياءك أيها المغرد (1) بالنحيب، المتزين بالخلق المتحبب إلى الغواني بالمشيب الخضيب، أين عزب عقلك وكيف نكص على عقبه (2) فهمك ولبك أبلغت العصبية من قلبك، أن تطمس على نوري (3) بصرك ولبك
أما قولك " الملوك منا " فقد كان الملوك منا أيضاًن وما نحن إلا كما قال الشاعر:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نساء ويومٌ نسرّ إن كان الآن كرسي جميع بلاد المغرب عندكم بخلافة بني عبد المؤمن، أدامها الله تعالى، فقد كان عندنا بخلافة القرشيين الذين يقول مشرقيهم:
وإنّي من قوم كرام أعزّة ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر ويقول مغربيهم (4) :
ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منّا تهلّلت ... له الأرض واهتزّت إليه المنابر وقد نشا في مدتهم من الفضلاء والشعراء ما اشتهر في الآفاق، وصار أثبت في صحائف (5) الأيام، من الأطواق في أعناق الحمام:
__________
(1) ق: المفرد.
(2) م: على عقبيه؛ ب: على عقب.
(3) م: نور، وسقطت اللفظة من ق هي والعبارة من قوله: أبلغت ... لبك.
(4) البيتان من شعر محمد بن عبد الملك حفيد عبد الرحمن الناصر (الحلة 1: 209) قال ابن الأبار: وقد أنشد أبو منصور الثعالبي في اليتيمة من تأليفه هذا الشعر ونسبه إلى الحكم المستنصر بالله ... وهذا من أغلاظ أبي منصور وأوهامه الفاحشة.
(5) ب ودوزي: على صحائف.
(3/188)

وسار مسير الشمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر ولم تزل ملوكهم في الاتساق كما قيل:
إنّ الخلافة فيكم لم تزل نسقاً ... كالعقد منظومة فيه فرائده إلى أن حكم الله بنثر سلكهم، وذهاب ملكهم، فذهبوا وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم (1) :
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسّير فكم مكرمة أنالوها، وكم (2) عثرة أقالوها:
وإنّما المرء حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى وكان من حسنات ملكهم المنصور الن أبي عامر، وما أدراك، الذي بلغ في بلاد النصارى غازياً إلى البحر الأخضر، ولم يترك أسيراً في بلادهم من المسلمين، ولم يبرح (3) في جيش الهرقل وعزمة الاسكندر، ولما قضى نحبه كتب على قبره (4) :
آثاره تنبيك عن أوصافه ... حتّى كأنّك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزّمان بمثله ... أبداً ولا يحمي الثغور سواه وقد قيل فيه من الأمداح، وألف له من الكتب، ما سمعت وعلمت، حتى قصد من بغداد، وعم خيره وشره أقاصي (5) البلاد، ولما ثار بعد انتثار
__________
(1) زاد في م: كما قيل.
(2) م: وكم من.
(3) م: ولم يزل.
(4) مر البيتان، انظر ج: 1 ص: 398.
(5) أقاصي: سقطت من م.
(3/189)

هذا النظام ملوك الطوائف وتفرقوا في البلاد، كان في تفرقهم اجتماعٌ على النعملفضلاء العباد، إذ نفقوا سوق العلوم، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول: العالم الفلاني عند الملك الفلاني، والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني، وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم، وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية: بنو عباد وبنو صمادح وبنو الأفطس وبنو ذي النون وبنو هود، كل منهم قد خلد فيه من الأمداح، ما لو مدح به الليل لصار أضوأ من الصباح (1) ، ولم تزل الشعراء تتهادى بينهم تهادي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض، حتى إن أحد شعرائهم بلغ به ما رآه من منافستهم في أمداحه أن حلف أن لا يمدح أحداً منهم بقصيدة إلا بمائة دينار وأن المعتضد بن عباد على ما اشتهر من سطوته وإفراط هيبته كلفه أن يمدحه بقصيدة فأبى حتى يعطيه ما شرطه (2) في قسمه، ومن أعظم ما يحكى من المكارم التي لم نسمع لها أختاً أن أبا غالب اللغوي ألف كتاباً، فبذل له مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار ومركوباً وكسىً على أن يجعل الكتاب باسمه، فلم يقبل ذلك أبو غالب، وقال: كتاب ألفته لينتفع به الناس، وأخلد فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري، وأصرف الفخر له، لا أفعل ذلك، فلما بلغ هذا مجاهداً استحسن أنفته وهمته، وأضعف له العطاء، وقال: هو في حلٍ من أن يذكرني فيه، لا نصده عن غرضه (3) . وإن كان كل ملوك الأندلس المعروفين بملوك الطوائف قد تنازعوا (4) في ملاءة الحضر، فإني أخص منهم بني عباد، كما قال الله
__________
(1) م: النهار.
(2) م: شرط.
(3) مرت الحكاية في رسالة ابن حزم؛ انظر ما تقدم ص: 172.
(4) الصواب إسقاط " في "، من قول الخنساء: يتنازعان ملاءة الحضر.
(3/190)

تعالى " فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمان " فإن الأيام لم تزل بهم كأعياد، وكان لهم من الحنو على الأدب، ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدوراً في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، وآثارهم مذكورة، وأخبارهم مشهورة، وقد خلدوا من المكارم التامة، ما هو متردد في ألسن الخاصة والعامة، وبالله إلا سميت لي بمن تفخرون قبل هذه الدعوة المهدية، أبسقوت (1) الحاجب أم بصالح البرغواطي (2) أم بيوسف بن تاشفين الذي لولا توسط ابن عباد لشعراء الأندلس في مدحه ما أجروا له ذكراً، ولا رفعوا لملكه قدرا وبعدما ذكروه بوساطة المعتمد بن عباد فإن المعتمد قال له، وقد أنشدوه أيعلم أمير المسلمين ما قالوه قال: لا أعلم ولكنهم يطلبون الخبز، ولما انصرف عن المعتمد إلى حضرة ملكه كتب له المعتمد (3) رسالة فيها:
بنتم وبنّا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ:
يطلب منا (4) جواري سوداً وبيضاً، قال: لا يا مولانا، ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهاراً لأن الليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده (5) ليلاً لأن أيام الحزن ليالٍ سود، فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه: إن دموعنا
__________
(1) ب: ابسقمود؛ ق ودوزي: أبسقموت؛ وهو سقوط البرغواطي المتغلب على مدينة سبتة ومنه أخذها يوسف بن تاشفين (انظر مفاخر البربر: 54 وما بعدها) .
(2) هو صالح بن طريف الذي استحدث لبرغوطة مذهبا مستقلا، حوالي سنة 123هـ. (انظر الاستبصار 198 - 200 في بعض الأخبار عنه وعن مذهبه) . وفي م: البغرواطي.
(3) زاد في م: يتشوق.
(4) م: هو يطلب، وسقطت " هو يطلب منا " في ب.
(5) م: ببعد أمير المسلمين.
(3/191)

تجري عليه، ورؤوسنا توجعنا من بعده، فليت العباس بن الأحنف قد عاش حتى يتعلم من هذا الفاضل رقة الشوق:
ولا تنكرن مهما رأيت مقدماً ... على حمرٍ بغلاً فثمّ تناسب فاسكتوا (1) فلولا هذه الدولة، لما كان لكم على الناس صولة:
وإن الورد يقطف من قتاد ... وإنّ النار تقبس من رماد وإنك إن تعرضت للمفاضلة بالعلماء (2) فأخبرني: هل لكم في الفقه مثل عبد الملك بن حبيب الذي يعمل بأقواله إلى الآن، ومثل أبي الوليد الباجي، ومثل أبي بكر ابن العربي، ومثل أبي الوليد ابن رشد الأكبر، ومثل أبي الوليد ابن رشد الأصغر، وهو ابن ابن الأكبر، نجوم الإسلام، ومصابيح شريعة محمد عليه السلام، وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد ابن حزم الذي زهد في الوزارة والمال ومال إلى رتبة العلم، ورآها فوق كل رتبة، وقال وقد أحرقت كتبه (3) :
دعوني من إحراق رقّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس، إذ هو في صدري ومثل أبي عمر ابن عبد البر صاحب " الاستذكار " و " التمهيد " ومثل أبي بكر ابن الجد حافظ الأندلس في هذه الدولة، وهل لكم في حفاظ اللغة كابن سيده صاحب كتاب " المحكم " وكتاب " السماء والعالم " الذي إن أعمى الله بصره فما أعمى بصيرته، وهل لكم في النحو مثل أبي محمد ابن السيد وتصانيفه ومثل ابن الطراوة، ومثل أبي علي الشلوبين الذي بين أظهرنا الآن، وقد سار في المغارب والمشارق ذكره، وهل لكم في علوم اللحون والفلسفة كابن باجة،
__________
(1) م: فاسكتوا يا أهل العدوة.
(2) ب: العلماء.
(3) انظر ج 2: 82.
(3/192)

وهل لكم في علم النجوم والفلسفة والهندسة ملك كالمقتدر بن هود صاحب سرقسطة، فإنه كان في ذلك آية وهل لكم في الطب مثل ابن طفيل صاحب رسالة " حي بن يقظان " المقدم في علم (1) الفلسفة، ومثل بني زهر أبي العلاء ثم ابنه عبد الملك ثم ابنه أبي بكر ثلاثة على نسق وهل لكم في علم التاريخ كابن حيان صاحب " المتين " و " المقتبس " وهل عندكم في رئساء علم الأدب مثل أبي عمر بن عبد ربه صاحب " العقد " وهل لكم في الاعتناء بتخليد مآثر فضلاء إقليمه والاجتهاد في حشد محاسنهم مثل ابن بسام صاحب " الذخيرة " وهب أنه كان يكون لكم مثله فما تصنع الكيسة في البيت الفارغ وهل لكم في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله الذي إن مدح رفع، وإن ذم وضع، وقد ظهر له من ذلك في كتاب " القلائد " ما هو أعدل شاهد، ومثل ابن أبي الخصال في ترسيله، ومثل أبي الحسن سهل بن مالك الذي بين أظهرنا الآن في خطبه، وهل لكم في الشعر ملك مثل المعتمد ابن عباد في قوله (2) :
وليل بسدّ النهر أنساً قطعته ... بذات سوارٍ مثل منعطف النهر
نضت بردها عن غصن بانٍ منعم ... فيا حسن ما انشقّ الكمام عن الزهر وقوله في أبيه (3) :
سميدعٌ يهب الآلاف مبتدءاً ... وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر (4)
له يدٌ كلّ جبّار يقبّلها ... لولا نداها لقلنا إنها الحجر ومثل ابنه الراضي (5) في قوله:
__________
(1) ب: المتقدم؛ م: في علوم.
(2) ديوانه: 12، والمقتطف، الورقة: 31 وعنوان المرقصات: 22 والقلائد: 6.
(3) ديوانه: 37 - 38 وعنوان المرقصات: 22 والثاني في المقتطف: 29.
(4) ب: معتذر.
(5) م: الراضي بالله؛ وانظر البيتين في الحلة 2: 71.
(3/193)

مرّوا بنا أصلاً من غير ميعاد ... فأوقدوا نار قلبي أيّ إيقاد
لا غرو إن زاد في وجدي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلّة الصادي وهل لكم ملك ألف في فنون الآداب كتاباً في نحو مائة مجلدة مثل المظفر ابن الأفطس ملك بطليوس ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همة الأدب وهل لكم من الوزراء مثل ابن عمار في قصيدته التي سارت أشرد من مثل، وأحب إلى الأسماع من لقاء حبيب وصل التي منها (1) :
أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم ... لمّا رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء كماتهم ... لمّا رأيت الحسن يلبس أحمرا ومثل ابن زيدون في قصيدته التي لم يقل مع طولها في النسيب أرق منها، وهي التي يقول فيها:
كأنّنا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسّعد قد غضّ من أجفان واشينا
سرّان في خاطر الظّلماء يكتمنا ... حتّى يكاد لسان الصبح يفشينا وهل لكم من الشعراء مثل ابن وهبون في بديهته بين يدي المعتمد بن عباد وإصابته الغرض حين استحسن المعتمد قول المتنبي:
إذا ظفرت منك المطيّ بنظرة ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه فارتجل:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنّما ... تجيد العطايا واللها تفتح اللها
تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنّك تروي شعره لتؤلّها
__________
(1) أورد المقري قصيدة ابن عمار، في النفح ج: 1 ص: 655.
(3/194)

وهل لكم مثل شاعر الأندلس ابن دراج الذي قال فيه الثعالبي (1) " هو بالصقع الأندلسي كالمتنبي بصقع الشام " الذي إن مدح الملوك قال مثل قوله (2) :
ألم تعلمي أنّ الثّواء هو التّوى ... وأنّ بيوت العجزين قبور
وأنّ خطيرات المهالك ضمّنٌ ... براكبها أنّ الجزاء خطير
تخوّفني طول السّفار وإنّه ... بتقبيل كفّ العامريّ جدير (3)
مجير الهدى والدين من كلّ ملحدٍ ... وليس عليه للضّلال مجير
تلاقت عليه من تميمٍ ويعربٍ ... شموسٌ تلاقت في العلا وبدور
هم يستقلّون الحياة لراغبٍ ... ويستصغرون الخطب وهو كبير
ولمّا توافوا للسّلام ورفّعت ... عن الشمس في أفق الشروق ستور
وقد قام من زرق الأسنّة دونها ... صفوفٌ ومن بيض السيوف سطور
رأوا ساعة الرحمن كيف اعتزازها ... وآيات صنع الله كيف تنير
وكيف استوى بالبرّ والبحر مجلسٌ ... وقام بعبء الراسيات سرير
فجاؤوا عجالاً والقلوب خوافقٌ ... وولّوا بطاء والنواظر صور
يقولون والإجلال يخرس ألسناً ... وحازت عيون ملأها وصدور
لقد حاط أعلام الهدى بك حائطٌ ... وقدّر فيك المكرمات قدير وأنا أقسم بما حازته هذه الأبيات، من غرائب الآيات، لو سمع هذا المدح سيد بني حمدان لسلى به عن مدح شاعره الذي ساد كل شاعر، ورأى أن هذه الطريقة أولى بمدح الملوك من كل ما تفنن فيه كل ناظم وناثر.
وإن ذكر الغرب عن الأوطان، ومكابدة نوائب الزمان، قال (4) :
__________
(1) م: الثعالبي في اليتيمة.
(2) ديوان ابن دراج.
(3) الديوان: لتقبيل كف العامري سفير.
(4) ديوان ابن دراج: 110، 112 وانظر المغرب 2: 61.
(3/195)

قالت وقد مزج الفراق مدامعاً ... بمدامع وترائباً بترائب
أتفّرقٌ حتى بمنزل غربة ... كم نحن للأيّام نهبة ناهب
ولئن جنيت عليها ترحة راحلٍ ... فأنا الزعيم لها بفرحة آيب
هل أبصرت عيناك بدراً طالعاً ... في الأفق إلاّ من هلالٍ غارب وإن شبه قال (1) :
كمعاقلٍ من سوسنٍ قد شيّدت ... أيدي الربيع بناءها فوق القضب
شرفاتها من فضّة وحماتها ... حول الأمير لهم سيوف من ذهب وهل من شعرائكم من تعرض لذكر العفة فاستنبط ما يسحر به السحر، ويطيب به الزهر، وهو أبو عمر ابن فرج في قوله (2) :
وطائعة الوصال عففت عنها ... وما الشّيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرةً فباتت ... دياجي اللّيل سافرة القناع
وما من لحظةٍ إلاّ وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي
فملّكت النّهى جمحات شوقي ... لأجري في العفاف على طباعي
وبتّ بها مبيت السّقب (3) يظما ... فيمنعه الكعام من الرضاع
كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظر وشمٍّ من متاع
ولست من السوائم مهملات ... فأتّخذ الرياض من المراعي وهل بلغ أحد من مشبهي شعرائكم أن يقول مثل قول أبي جعفر اللمائي (4) :
__________
(1) ديوانه: 36.
(2) الأبيات لأبي عمر أحمد بن محمد بن فرج الجياني (الجذوة: 97 - 98 والمطمح: 80 والمغرب: 2: 56) .
(3) م: السقط.
(4) ترجمته في المطمح: 25 ولم يورد البيتين؛ والذخيرة 1 / 2: 132، وهما منسوبان لابن برد في الذخيرة 1 / 2: 47، وأوردهما ابن سعيد للمائي في عنوان المرقصات: 22.
(3/196)

عارضٌ أقبل في جنح الدّجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجى
بدّدت (1) ريح الصّبا لؤلؤه ... فانبرى يوقد عنها سرجا ومثل قول أبي حفص ابن برد (2) :
وكأنّ الليل حين لوى ... ذاهباً (3) والصبح قد لاحا
كلّةٌ سوداء أحرقها ... عامدٌ أسرج مصباحا وهل منكم من وصف ما تحدثه الخمرة من الحمرة على الوجنة بمثل قول الشريف الطليق (4) :
أصبحت شمساً وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيّي مشرقا
وإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخدّ منه شفقا بمثل هذا الشعر (5) فليطلق اللسان ويفخر (6) كل إنسان.
وهل منكم من عمد إلى قول امرؤ (7) القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالاً على حال فاختلسه اختلاس النسيم لنفحة الأزهار، واستلبه (8) بلطفٍ استلاب ثغر الشمس لرضاب طل الأسحار، فلطفه تلطيفاً يمتزج بالأرواح، ويغني في
__________
(1) الذخيرة: أتلفت.
(2) البيتان في الذخيرة 1 / 2: 48 وعنوان المرقصات: 22.
(3) الذخيرة: هاربا.
(4) من قصيدة أورد أكثرها ابن بسام في الذخيرة 1 / 2: 81 - 82.
(5) ب: الشاعر.
(6) ب م: ويفخر على.
(7) هذا هو ما ذكره ابن شهيد نفسه (الذخيرة 1 / 1: 244 - 245) .
(8) ق: وسلبه.
(3/197)

الارتياح عن شراب الراح وهو ابن شهيد في قوله (1) :
ولمّا تملأّ من سكره ... ونام ونامت عيون الحرس
دنوت إليه على رقبةٍ (2) ... دنوّ رفيقٍ درى ما التمس
أدبّ إليه دبيب الكرى ... وأسموا إليه سموّ النفس
أقبل منه بياض الطّلى ... وأرشف منه سواد اللّعس
فبتّ به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس وقد تناول هذا المعنى ابن أبي ربيعة على عظم قدره وتقدمه فعارض الصهيل بانهاق، وقابل العذب بالزعاق، فقال وليته سكت:
ونفضتّ عنّي العين أقبلت مشية ال ... حباب وركني خيفة القوم أزور وأنا أقسم (3) لو زار جملٌ محبوبة له لكان ألطف في الزيارة من هذا الأزور الركن المنفض للعيون، لكنه إن أساء هنا فقد أحسن في قوله (4) :
قالت لقد أعييتنا حجّة ... فأت إذا ما هجع الساهر
واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناهٍ ولا زاجر ولله در محمد ابن سفر (5) أحد شعرائنا المتأخرين عصراً المتقدمين قدراً، حيث نقل السعي إلى محبوبته فقال وليته لم يزل يقول مثل هذا، فبمثله ينبغي أن يتكلم، ومثله يليق أن يدون:
__________
(1) في قوله: سقطت من م.
(2) في الأصول: على قربه.
(3) م: أقسم أن.
(4) ينسب هذا الشعر لوضاح اليمن.
(5) أبو الحسين محمد بن سفر (أو صفر) شاعر المرية في عصره؛ انظر المغرب 2: 212 والتحفة: 101 والوافي 3: 114 والنفح ج: 1 ص: 476، وقد نسب المريني في النفح وعنوان المرقصات وأغلب الظن أن صوابه " المريي " نسبة إلى بلده المرية.
(3/198)

وواعدتها والشمس تجنح للنّوى ... بزورتها شمساً وبدر الدّجى يسري
فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدّجى ... وطوراً كما مرّ النسيم على النّهر
فعطّرت الآفاق حولي فأشعرت ... بمقدمها والعرف يشعر بالزهر
فتابعت بالتقبيل آثار سعيها ... كما يتقصّى قارئٌ أحرف السطر
فبتّ بها والليل قد نام والهوى ... تنبّه بين الغصن والحقف والبدر
أعانقها طوراً وألثم تارةً ... إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر
ففضّت عقوداً للتعانق بيننا ... فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر وهل منكم من قيد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر، فقا وهو ابن اللبانة (1) :
بنفسي وأهلي جيرةٌ ما استعنتهم ... على الدّهر إلا وانثنيت معانا
أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالنّدى ... فلم أستطع من أرضهم طيرانا ومن يقول لقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان، فقابل ذلك بقطع مدحه له، فبلغه أنه عتبه على ذلك، وهو ابن وضاح (2) :
هل كنت إلاّ طائراً بثنائكم ... في دوح مجدكم أقوم وأقعد
إن تسلبوني ريشكم وتقلّصوا ... عنّي ظلالكم فكيف أغرّد وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجّوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح، وتشبيه الزهر بالنجوم، وتشبيه الخدود بالشقائق، فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديداً، وكليله في الأفكار حديداً، فأغرب أحسن إغراب، وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبل إعراب، وهو ابن الزقاق (3) :
__________
(1) البيتان في عنوان المرقصات: 36.
(2) عنوان المرقصات: 38.
(3) مقطوعات ابن الزقاق هذه في ديوانه: 124، 197، 125 وفيه التخريجات.
(3/199)

وأغيدٍ طاف بالكؤوس ضحىً ... وحثّها والصّباح قد وضحا
والروض أهدى لنا شقائقه ... وآسه العنبريّ قد نفحا
قلنا: وأين الأقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا
فظلّ ساقي المدام يجحد ما ... قال فلما تبسّم افتضحا وقال:
أديراها على الروض المندّى ... وحكم الصبح في الظّلماء ماضي
وكأس الرّاح تنظر عن حبابٍ ... ينوب لنا عن الحدق المراض
وما غلبت نجوم الأفق لكن ... نقلن من السماء إلى الرّياض وقال:
ورياضٍ من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تروق لون الراح
قلت: ما ذنبها فقال مجيباً: ... سرقت حمرة الخدود الملاح فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين وهل منكم من برع في أوصاف الرياض والمياه وما يتعلق بذلك فانتهى إلى راية السباق، وفضح كل من طمع بعده في اللحاق، وهو أبو إسحاق ابن خفاجة القائل (1) :
وعشيّ أنسٍ أضجعتنا نشوةٌ ... فيها يمهّد مضجعي ويدمّث
خلعت عليّ بها الأراكة ظلّها ... والغصن يصغي والحمام يحدّث
__________
(1) م: في قوله؛ وأشعار ابن خفاجة هذه في ديوانه: 185، 356، 254، 291، 140، 119، 235، 123.
(3/200)

والشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرًعد يرقي والغمامة تنفث والقائل:
لله نهرٌ سال في بطحاء ... أشهى وروداً من لمى الحسناء
متعطّفٌ مثل السّوار كأنّه ... والزهر يكنفه مجرّ سماء
قد رقّ حتى ظنّ قرصاً مفرغاً ... من فضةٍ في بردة خضراء
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدبٌ تحفً بمقلةٍ زرقاء
ولطالما أعطيت فيه مدامةً ... صفراء تخضب أيدي الندماء
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء والقائل:
حثّ المدامة والنّسيم عليل ... والظلّ خفاق الرواق ظليل
والرّوض مهتزّ المعاطف نعمةً ... نشوان تعطفه الصّبا فيميل
ريّان فضّضه الندى ثمّ انجلى ... عنه فذهّب صفحتيه أصيل والقائل:
أذن الغمام بديمةٍ وعقار ... فامزج لجيناً منهما بنضار
واربع على حكم الربيع بأجرعٍ ... هزج الندامى مفصح الأطيار
متقسّم الألحاظ بين محاسنٍ ... من ردف رابيةٍ وخصر قرار
نثرت بحجر الروض فيه يد الصّبا ... درر الندى ودراهم الأنوار
وهفت بتغريدٍ هنالك أيكةٌ ... خفّاقةٌ بمهبّ ريح عرار
هزّت له أعطافه ولربّما ... خلعت عليه ملاءة النوّار (1)
__________
(1) م: الأنوار.
(3/201)

والقائل:
سقياً لها من بطاح خزٍّ ... ودوح نهرٍ بها مطلّ
إذ لا ترى غير وجه شمسٍ ... أطلّ فيه عذار ظلّ القائل:
نهرٌ كما سال اللّمى سلسال ... وصباً بليلٌ ذيلها مكسال
وهبّ نفحة ليلةٍ مطلولةٍ ... في جانبيها للنّسيم مجال
غازلتها والأقحوانة مبسمٌ ... والآس صدغٌ والبنفسج خال والقائل:
وساقٍ كحيل اللّحظ في شأو حسنه ... جماحٌ وبالصبر الجميل حران
ترى للصبا ناراً بخدّيه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان
سقاها وقد لاح الهلال عشيةً ... كما اعوجّ في درع الكميّ سنان
عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌ ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان
وقد جال من (1) جون الغمامة أدهمٌ ... له البرق سوطٌ والشّمال عنان
وضمّخ ردع (2) الشمس نحر حديقةٍ ... عليه من الطّلّ السقيط جمان
ونمّت بأسرار الرّياض خميلةٌ ... لها النّور ثغرٌ والنسيم لسان والقائل في وصف فرس ولم يخرج عن طريقته:
وأشقرٍ تضرم منه الوغى ... بشعلةٍ من شعل الباس
من جلّنارٍ ناضرٍ لونه ... وأذنه من ورق الآس
يطلع للغرّة في شقرةٍ ... حبابةً تضحك في كاس
__________
(1) م: جال في.
(2) في الأصول: درع؛ والردع: الخلوق.
(3/202)

وهل منكم من يقول منادماً لنديمه وقد باكر روضاً بمحبوب وكأس، فألفاه قد غطى محاسنه ضباب، فخاف أن يكسل نديمه عن الوصول إذا رأى ذلك، وهو أبو الحسن ابن بسام (1) :
ألا بادر فما ثانٍ سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام
ولا تكسل برؤيته ضباباً ... تغصّ (2) به الحديقة والمدام
فإن الرّوض ملثمٌ إلى أن ... توافيه فينحطّ اللثام وهل منكم من تغزل في غلام حائك بمثل قول الرصافي (3) :
قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي ... لو لم تهم بمذال القدر مبتذل
قفلت: لو كان أمري في الصبابة لي ... لاخترت ذاك، ولكن ليس ذالك لي
علّقته حببيّ الثّغر عاطره ... حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل
غزيّلٌ لم تزل في الغزل جائلةً ... بنانه جولان الفكر في الغزل
جذلان تلعب بالمحواك أنمله ... على السّدى لعب الأيّام بالأمل
ضمّاً بكفّيه أو فحصاً بأخمصه ... تخبّط الظبي في أشراك محتبل ومثل قوله في تغلب مسكة الظلام على خلوق الأصيل (4) :
وعشيٍّ رائقٍ منظره ... قد قطعناه علىصرف الشّمول
وكأنّ الشّمس في أثنائه ... ألصقت بالأرض خدّاً للنزول
والصّبا ترفع أذيال الرّبى ... ومحيّا الجوّ كالنهر الصقيل
حبّذا منزلنا مغتبقاً ... حيث لا يطرقنا غير الهديل
__________
(1) الأبيات في عنوان المرقصات: 36.
(2) ب م: تغض.
(3) ديوان الرصافي: 121.
(4) ديوان الرصافي: 123.
(3/203)

طائرٌ شادٍ وغصنٌ منثنٍ ... والدجى تشرب صهباء الأصيل وهل منكم من يقول في موشح فيما يجره هذا المعنى:
ورداء الأصيل ... تطويه كفّ الظلام وهو أبو قاسم ابن الفرس (1) .
وهل منكم من وصف غلاماً جميل الصورة راقصاً بمثل قول ابن خروف (2) :
ومنزع (3) الحركات يلعب بالنّهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه
متأوّداً كالغصن وسط رياضه ... متلاعباً كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مقبلاً أو مدبراً ... كالدهر يلعب كيف شاء بناسه
ويضمّ للقدمين منه رأسه ... كالسيف ضمّ ذبابه لرئاسه وهل منكم من وصف خالاً بأحسن من قول النشار (4) :
ألوّامي على كلفي بيحيى ... متى من حبّه أرجو سراحا
وبين الخدّ والشفتين خالٌ ... كزنجيّ أتى روضاً صباحا
تحيّر في جناه فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا وهل منكم من اهتدى إلى معنى في لثم وردة الخد ورشف رضاب الثغر لم يهتد إليه أحد غيره، وهو أبو الحسن سلام بن سلام المالقي (5) في قوله:
__________
(1) ق ب: أبو القاسم؛ والأرجح أن هذا البيت من موشحة له في المغرب 2: 122.
(2) ابن خروف هذا هو علي بن محمد بن يوسف بن خروف القيسي الراحل إلى المشرق؛ توفي بحلب حوالي سنة 620 وترجمته في الذيل والتكملة 5: 396، ومصادر ترجمته في الحاشية؛ وأبياته في الذيل وصلة الصلة: 115 وانظر النفح 2: 640 (رقم 267) .
(3) كذا في أصول النفح؛ وفي الذيل: ومنوع.
(4) أبو علي النشار بلنسي من شعراء زاد المسافر (ص: 57) وأبياته هنالك.
(5) صاحب المقامات السبع وكتاب الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق (توفي 544) راجع ترجمته في المغرب 1: 434 والذيل والتكملة 4: 48 وجعله ابن عبد الملك إشبيليا؛ وبيتاه في المغرب.
(3/204)

لمّا ظفرت بليلةٍ من وصله ... والصبّ غير الوصل لا يشفيه
أنضجت وردة خدّه بتنفسي ... وطفقت أرشف ماءها من فيه وهل منكم من هجا من غير النطق بإقذاع فبلغ ما لم يبلغه المقذع، وهو المخزومي في قوله (1) :
يودّ عيسى نزول عيسى ... عساه من دائه يريح
وموضع الداء منه عضوٌ ... لا يرتضي مسّه المسيح ولمّا أقذع أتى أيضاً بأبدع، فقال:
يا فارس الخيل ولا فارسٌ ... إلا على متن الجواد الخصى
زدت على موسى وآياته ... تفجّر الماء وتخفي العصا وهل منكم من مدح بمعنى فبلغ به النهاية من المدح، ثم نقله إلى الهجاء فبلغ به النهاية من الذم، وهو اليكي (2) في قوله مادحاً:
قومٌ لهم شرف العلا في حميرٍ ... وإذا انتموا لمتونةً فهم هم
لمّا حووا أحراز كلّ فضيلةٍ ... غلب الحياء عليهم فتلثّموا وفي قوله هاجياً:
إن المرابط باخلٌ بنواله ... لكنّه بعياله يتكرم
__________
(1) هو المخزومي الأعمى الذي مرت قصته مع نزهون (النفح 1: 190 - 193) ، انظر بيتيه الأولين في زاد المسافر: 75.
(2) سماه ابن سعيد (المغرب 2: 266) " ابن رومي عصرنا وحطيئة دهرنا " وبيتاه الأولان في المغرب: 268.
(3/205)

الوجه من مخلّقٌ بقبيح ما ... يأتيه فهم من آجله يتلثم وهل منكم من هجا أشتر العين بمثل قول أبي العباس ابن حنون (1) الإشبيلي:
يا طلعةً أبدت قبائح جمّةً ... فالكلّ منها إن نظرت قبيح
أبعينك الشتراء عينٌ ثرّةٌ ... منها ترقرق دمعها المسفوح
شترت فقلنا: زورق في لجّة ... مالت بإحدى دفّتيه الريح
وكأنمّا إنسنها ملاّحها ... قد خاف منغرقٍ فظلّ يميح وهل منكم من حضر مع عدوٍ له جاحدٍ لما فعله معه من الخير، وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر، فقال له الحسود المذكور: إن كنت شاعراً فقل في هذه، فقال ارتجالاً، وهو ابن مجبر (2) :
سأشكو إلى الندمان أمر زجاجةٍ ... تردّت بثوبٍ حالك اللون أسحم
نصبّ بها شمس المدامة بيننا ... فتغرب في جنحً من الليل مظلم
وتجحد أنوار الحميّا بلونها ... كقلب حسودٍ جاحدٍ يد منعم وهل منكم من قال لفاضل جمع بينه وبين فاضل، وهو أبو جعفر الذهبي (3) :
__________
(1) أبو العباس أحمد بن حنون (عنوان المرقصات: حيون) الإشبيلي، أهله من أغنياء إشبيلية اتهم بالقيام على الموحدين، ثم عفي عنه مدة منصور بني عبد المؤمن (راجع ترجمته في المغرب 1: 244 وزاد المسافر: 50 وشعره فيهما وفي عنوان المرقصات: 44) .
(2) يحيى بن مجبر أبو بكر من بلش (Velz Malaga) ، توفي سنة 588 بمراكش؛ ترجمته في زاد المسافر: وبغية الملتمس رقم: 1493 وله شعر كثير سيرد في النفح؛ وفي شرح المقصورة والجزء الثالث من البيتان المغرب.
(3) هو أبو جعفر أحمد بن عتيق بن جرج المعروف بابن الذهبي من أعيان بلنسية غلبت عليه الفلسفة، وهو من أصحاب ابن رشد، إلا أنه اختفى حين طلب أستاذه إلى أن صدر العفو عنه (انظر المغرب 2: 321 وابن أبي أصيبعة 2: 81 والديباج: 69 وبغية الوعاة: 144 والغصون اليانعة: 36 والتكملة: 95 وأبياته في المغرب) .
(3/206)

أيّها الفاضل الذي قد هداني ... نحو من قد حمدته باختبار
شكر الله ما أتيت وجازا ... ك ولا زلت نجم هدى لساري
أيّ يرقٍ أفاد أيّ غمامٍ ... وصباح أدى لضوء نهار
وإذا ما غدا النسيم دليلي ... لم يحلني إلا على الأزهار وهل منكم أعمى قال في ذهاب بصره وسواد شعره، وهو التطيلي (1) :
أما اشتفت منّي الأيام في وطني ... حتى تضايق فيما عنّ من وطري
ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما طلّ في الشّعر وهل منكم الذي طار في مشارق الأرض ومغاربها قوله، وهو أبو القاسم محمد بن هانئ الإلبيري:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصّباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر وقد سمعت فائتيه في النجوم، ولولا طولها لأنشدتها هنا، فأنها أحسن ما قيل في معناها.
وهل منكم من قال في الزهد مثل قول أبي الوهب العباسي القرطبي (2) :
أنا في حالتي التي قد تراني ... إن تأملت أحسن الماس حالاً
منزلي حيث شئت من مستقرّ ال ... أرض أسقى من المياه زلالا
ليس لي كسوةٌ أخاف عليها ... من مغيرٍ ولا ترى لي مالا
أجعل الساعد اليمين وسادي ... ثم أثنى إذا انقلبت الشمالا
__________
(1) ديوان التطيلي: 49.
(2) له ترجمة مسهبة في المغرب 1: 58 وأبياته مثبتة هنالك.
(3/207)

ليس لي والدٌ ولا لي مولو ... دٌ ولا حزت مذ عقلت عيالا
قد تلذّذت حقبةً (1) بأمورٍ ... فتأمّلتها (2) فكانت خيالا ومثل قول أبي محمد عبد الله بن العسال الطليطلي (3) :
انظر الدّنيا فإن أب ... صرتها شيئاً يدوم
فاغد منها في أمانٍ ... إن يساعدك النعيم
وإذا أبصرتها من ... ك على كرهٍ تهيم
فاسل عنها واطّرحها ... وارتحل حيث تقيم وهل نشأ عندكم من النساء مثل ولاّدة المروانية (4) التي تقول مداعبة للوزير ابن زيدون، وكان له غلام اسمه علي:
ما لابن زيدون على فضله ... يغتابني ظلماً ولا ذنب لي
ينظرني شزراً إذا جئته ... كأنّما جئت لأخصي علي ومثل زينب بنت زياد المؤدب الوادي آشية التي تقول:
ولمّا أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنّوا على أسماعنا كلّ غارة ... وقلّ حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار وأنا أختم هذه القطع المتخيرة بقول ابي بكر ابن بقيّ ليكون الختام مسكاً (5) :
__________
(1) م: خيفة.
(2) المغرب: فتدبرتها.
(3) م: أبي عبد الله محمد؛ وراجع ترجمة ابن العسال في المغرب 2: 21 والحاشية.
(4) ستأتي تراجم لأدبيات الأندلس في النفح وسيجري التعريف بهن وبمصادر ترجمتهن هنالك.
(5) اشتهرت هذه الأبيات عند المشارقة، فعارضوها ووردت في عدة مصادر؛ انظر المغرب 2: 21 ومعجم الأدباء 19: 21.
(3/208)

عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي
باعدته (1) عن أضلعٍ تشتاقه ... كيلا ينام على وسادٍ خافق وبثقول القاضي أبي حفص ابن عمر القرطبي (2) :
هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب لبّ شاربها المدام
يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام
سما طرفي إليها وهو باكٍ ... وتحت الشمس ينسكب الغمام
وأذكر قدّها فأنوح وجداً ... على الأغصان تنتدب الحمام
وأعقب بينها في الصدر غمّاً ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام وبقوله أيضاً:
لها ردفٌ تعلّق في لطيف ... وذاك الردف لي ولها ظلوم
يعذّبني إذا فكّرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم وقد أطلت عنان النظم (3) ، علىأني اكتفيت عن الاستدلال على النهار بالصباح، فبالله إلا ما أخبرتني (4) : من شاعركم الذي تقابلون به شاعراً ممن ذكرت لا أعرف لكم أشهر ذكراً، وأضخم شعراً، من أبي العباس الجراوي،
__________
(1) ب: أبعدته.
(2) هو القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر السلمي، كان من أهل الفتيا بمدينة فاس ثم ترقى إلى الخطابة والقضاء، ولاه المنصور الموحدي قضاء إشبيلية ومات بها وهو قاض سنة 603 (انظر الغصون اليانعة: 91 وصلة الصلة: 72 وزاد المسافر: 101؛ والقطعتان في الغصون والثانية في زاد المسافر؛ وفي الشريشي 1: 158) .
(3) م: عنان القلم في النظم.
(4) ق: أخبرت.
(3/209)

وأولى لكم أن تجحدوا فخره، وتنسوا ذكره، فقد كفاكم ما جرى من الفضيحة عليكم في قوله من قصيدة يمدح بها خليفة:
إذا كان أملاك الزمان أراقماً ... فإنّك فيهم دائم الدهر ثعبان فما أقبح ما وقع ثعبان وما أضعف ما جاء دائم الدهر، ولقد أنشدت أحد ظرفاء الأندلس هذا البيت، فقال: لا ينكر هذا على مثل الجراوي، فسبحان من جعل نسبه وروحه وشعره تتناسب في الثقالة (1) .
وإذا أردت الافتخار بالفرسان، والتفاضل باالشجعان، فمن كان قبلنا منهم في مدة المنصور بن أبي عامر ومدة ملوك الطوائف أخبارهم مشهورةٌ، وآثارهم مذكورة، وكفاك من أبطال عصرنا ما سمعت عن الأمير أبي عبد الله ابن مردنيش وأنه كان يدفع في المواكب ويشقها يميناً ويساراً منشداً:
أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها حتى إنه دفع يوماً في موكب من النصارى فصرع وقتل، وظهر منه ما أعجبت به نفسه، فقال لشيخ من خواصه، عالم بأمور الحرب مشهور بها: كيف رأيت فقال له: لو رآك السلطان زاد فيما لك في بيت المال، وأعلى مرتبتك، أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام، ويتعرض بهلاك نفسه إلى هلاك جيشه (2) فقال له: دعني فإني لا أموت مرتين، وإذا مت أنا فلا عاش من بعدي.
والقائد أبو عبد الله ابن قادس الذي اشتهر من شجاعته وما واقعه في النصارى وحسن بلائه ماصير النصارى من رعبه والإقرار بفضله في هذا الشأن أن يقول
__________
(1) في الثقالة: سقطت من ب.
(2) ب: هلاكهم؛ ق: هلاككم.
(3/210)

أحدهم لفرسه إذا سقاه فلم يقبل على الماء: ما لك أرأيت ابن قادس في الماء وهذه مرتبة عظيمة:
" والفضل ما شهدت به الأعداء " ... ولقد أخبرني من أثق به أنه خرج من عسكرٍ في كتيبة مجردة برسم الغارة على بلاد النصارى، فوقع في جمع كبير منهم، فجهد جهده في الخلاص منهم والرجوع إلى العسكر، فجعل يقاتل مه أصحابه في حالة الفرار إلى أن كبا بأحد جنده فرسه، وفرّ عنه، فناداه مستغيثاً، فقال: اصبر، ثم نظر إلى فارس من النصارى قد طرق فقال: اجر إلى هذا النصراني فخذ فرسه، وركض نحوه فأسقطه، وقال لصاحبه: اركب، فركب ونجا معه سالماً؛ وأمثال هذا كثير، وإنما جئت بحصاة من ثبير.
وأما كرم النفس وشمائل الرياسة، فأنا أحكي لك حكاية تتعجب منها، وهي مما جرى في عصرنا، وذلك أن أبا بكر ابن زهر نشأت بينه وبين الحافظ أبي بكر ابن الجد عداوة مفرطة للاشتراك في العلم والرياسة وكثرة المال والبلدية (1) ، فأجرى ابن زهر يوماً ذكره في جماعة من أصحابه، وقال: لقد آذانا هذا الرجل أشد أذية، ولم يقصر في القول عند أمير المؤمنين وعند خواص الناس وعوامهم، فقال له أحد عوامهم: إني (2) أذكر لك عليه عقداً فيه مخاصمة في موضع مما يعز عليه من مواضعه، ومتى خاصمته في ذلك بلغت منه في النكاية أشد مبلغ، فحرج ابن زهر، وأظهر الغضب الشديد، والإنكار لذلك، وقال لوكيله: أمثلي يجازي على العداوة بما يجازي به السفل والأوباش وإني أجعل ابن الجد في حل من موضع الخصام، وأمر بأن يحمل له العقدن ثم قال: وإني
__________
(1) وكثرة ... والبلدية: سقطت من م.
(2) م: أنا.
(3/211)

والله ما أروم بذلك أ، أصالحه، فإن عداوته من حسد، وأنا أسأل الله تعالى أن يديمها لأنها مقترنة بدوام نعم الله علي.
وإن تعرضت إلى ذكر البلاد، وتفسير محاسنها، وما خصها الله تعالى به مما حرمها غيرها، فاسمع ما يميت الحسود كمداً:
أما إشبيلية فمن محاسنها اعتدال الهواء، وحسن المباني، وتزيين الخارج والداخل، وتمكن التمصر، حتى إن العامة تقول: لو طلب لبن الطير في إشبيلية وجد، ونهرهاالأعظم الذي يصعد المد فيه اثنين وسبعين ميلاً ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفر:
شقّ النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطّيه يطلب ثاره
فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمّ من الحياء إزاره وزيادته على الأنهار كون ضفتيه مطرزتين (1) بالمنازه والبساتين والكروم والأنشام (2) متصل ذلك اتصالاً لا يوجد على غيره.
وأخبرني شخص من الأكياس دخل مصر وقد سألته عن نيلها أنه (3) لا تتصل بشطيه البساتين والمنازه اتصالها بنهر إشبيلية، وكذلك أخبرني شخص آخر دخل بغداد، وقد سعد هذا الوادي بكونه لا يخلو من مسرةٍ، وأن جميع أدوات الطرب وشرب الخمر فيه غير منكر لا ناهٍ عن ذلك ولا منتقد، ما لم يؤد السكر إلى شر وعربدة، وقد رام من وليها من الولاة المظهرين للدين قطع ذلك، فلم يستطيعوا إزالته، وأهله أخف الناس أرواحاً، وأطبعهم نوادر، وأحملهم لمزاح بأقبح ما يكون من السب، قد مرنوا على ذلك، فصار لهم ديدناً حتى صار عندهم من لا يبتذل فيه ولا يتلاعن ممقوتاً ثقيلاً. وقد سمعت عن شرف إشبيلية الذي ذكره أحد الوشاحين في موشحة مدح بها المعتضد ابن عباد:
__________
(1) في الأصول: مطرزة.
(2) الأنشام: نوع من الشجر.
(3) م: فذكر أنه.
(3/212)

إشبيليا عروساً ... وبعلها عبّاد
وتاجها الشرف ... وسلكها الواد أي شرف قد حاز ما شاء من الشرف إذ عم أقطار الأرض خيره، وسفر ما يعصر من زيتونه من الزيت حتى بلغ الإسكندرية، وتزيد قراه على غيرها من القرى بانتخاب مبانيها، وتهمم سكانها فيها داخلاً وخارجاً، إذ هي من تبييضهم لها نجوم في سماء الزيتون.
وقيل لأحد من رأى مصر والشام: أيها رأيت أحسن هذان أم إشبيلية فقال بعد تفضيل إشبيلية: وشرفها غابة بلا أسد، ونهرها نيل بلا تمساح. وقد سمعت عن جبال الرحمة بخارجها، وكثرة ما فيها من التين القوطي والشعري، وهذان الصنفان أجمع المتجولون في أقطار الأرض أن ليس في غير إشبيلية مثلٌ لهما، وقد سمعت ما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس (1) والكثيرة (2) والفنار (3) والزلامي والشقرة (4) والنورة وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه - والبوق (5) ، وإن كان جميع هذا موجوداً في غيرها من بلاد الأندلس فإنه فيها أكثر وأوجد، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه (6) من الأندلس وحسبهم الدف وأقوال واليرا وأبو قرون ودبدبة السودان وحماقي البرابر، وأما جواريها ومراكبها براً وبحراً ومطابخها وفواكهها الخضراء واليابسة فأصناف
__________
(1) م: والدنس.
(2) دوزي: الكنيرة.
(3) دوزي: الغنار.
(4) ب: والسفرة.
(5) وقد أثبت دوزي أسماء هذه الآلات الموسيقية في ملحق المعاجم ولكنه لم يحدد مدلولاتها في الأكثر، ومن الصعب ضبط بعض أسمائها.
(6) م: إليها.
(3/213)

أخذت من التفضيل بأوفر نصيب، وأما مبانيها فقد سمعت عن إتقانها واهتمام أصحابها بها وكون أكثر ديارها لا تخلو من الماء الجاري والأشجار المتكاثفة كالنارنج والليمون والزنبوع وغير ذلك، وأما علماؤهم في كل صنف رفيع أو وضيع جداً أو هزلاً فأكثر من أن يعدوا، وأشهر من أن يذكروا، وأما ما فيها من الشعراء والوشاحين والزجالين فما لو قسموا على بر العدوة ضاق بهم، والكل ينالون خير رؤسائها ورفدهم، وما من جميع ما ذكرت في هذه البلدة الشريفة إلا وقصي به العبارة عن فضائل جميع الأندلس، فما تخلو بلادها من ذلك، ولكن جعلت غشبيلية، بل الله جعلها أم قراها، ومركز فخرها وعلاها، إذ هي أكبر مدنها، وأعظم أمصارها.
وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم ومنار التقى ومحل التعظيم والتقديم، بها استقرت ملوك الفتح وعظماؤه، ثم الملوك المروانية، وبها كان يحيى ابن يحيى راوية مالك، وعبد الملك ابن حبيب، وقد سمعت من تعظيم أهلها للشريعة، ومنافستهم في السؤدد بعلمها، وأن ملوكها كانوا يتواضعون لعلمائها، ويرفعون أقدارهم، ويصدرون عن آرائهم، وأنهم كانوا لا يقدمون وزيراً ولا مشاوراً ما لم يكن عالماًن حتى إن الحكم المستنصر لما كره له العلماء شرب الخمر (1) هم بقطع شجرة العنب من الأندلس، فقيل له: فإنها تعصر من سواها، فأمسك عن ذلك؛ وأنهم كانوا لا يقدمون أحداً للفتوى ولا لقبول الشهادة حتى يطول اختباره، وتعقد له مجالس المذاكرة، ويكون ذا مال في غالب الحال خوفاً من أن يميل به الفقر إلى الطمع (2) فيما في أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين، ولقد أخبرت أن الحكم الربضي أراد تقديم شخص من الفقهاء يختص به للشهادة، فأخذ في ذلك مع يحيى ابن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء، فقالوا له: هم أهل، ولكنه شديد الفقر، ومن
__________
(1) م ق: بغض الخمر.
(2) ب: للطمع.
(3/214)

يكون في هذه الحالة لا تأمنه (1) على حقوق المسلمين، لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك، فسكت ولم ير منازعتهم، وبقي مهموماً من كونهم لم يقبلوا قوله، فنظر إليهولده عبد الرحمن الذي ولي الملك بعده، وعلى وجهه أثر ذلك، فقال: ما بالك يامولاي فقال: ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط، بل ما لا يعيبهم (2) ، ولا هو مما يرزؤهم شيئاً صدونا عنه، وغلقوا أبواب الشفاعة، وذكر له ما كان منهم، فقال: يا مولاي، أنت أولى الناس بالإنصاف، إن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم، وإنما قدمهم ونوه بهم علمهم، أو كنت تأخذ قوماً جهالاً فتضعهم في مواضعهم قال: لا، قال: فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة، قال: صدقت، ثم قال: وأما كونهم لم يقبلوا هذا الرجل لشدة فقره فالعلة في ذلك تنحسم بما يبقي لك في الصالحات ذكراً، قال: وما هو قال: تعطيه من مالك قدر ما يلحق به من الغنى ما يؤهله لتلك المنزلة، ويزيل عنك هذا خجل ردهم لك، وتكون هذه مكرمة ما سبقك إليها أحد، فتهلل وجه الحكم وقال: إلي إلي، إنها والله شنشنة عبشمية وإن الذي قال فينا لصادق:
وأبناء أملاك خضارٍ سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير ثم استدعى عبد الملك بن حبيب وسأله عن قدر ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى، فذكر له عدداً، فأمر له به في الحين، ونبه قدره بان أعطاه من إسطبله مركوباًن وكانت هذه أكرومة (3) لا خفاء بعظمها:
__________
(1) ب: ومن يكن ... تؤمنه.
(2) ب: بل ما لا يعنيهم.
(3) م: مكرمة.
(3/215)

" يفنى الزمان وما بنته (1) مخلّدٌ " ... ثم إنه إذا كان له من الغنى ما يكفه عن أموال الناس ومن الدين ما يصده عن محارم الله تعالى، ومن العلم ما لا يجهل به التصرف في الشريعة، أباحوا له الفتوى والشهادة، وجعلوا علامة لذلك بين الناس القالس والرداء.
وأهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية، حتى إنهم كانوا لا يولون حاكماً إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم.
وقال ابن سارة لما دخل قرطبة:
الحمد لله قد وافيت قرطبةً ... دار العلوم وكرسيّ السلاطين وهي كانت مجمع جيوش الإسلام، ومنها نصر الله على عبدة (2) الصليب.
يقال: إن المنصور ابن أبي عامر - حين تم له ملك البرين، وتوفرت الجيوش والأموال - عرض بظاهر قرطبة خيله ورجله، وقد جمع من أقطار البلاد ما ينهض به إلى قتال العدو وتدويخ بلاده، فنيف الفرسان على مائتي ألف، والرجالة على ستمائة ألف. وبها حتى الآن من صناديد المسلمين وقوادهم من لا يفتر عن محاربة، ولا يمل من مضاربة، أسماؤهم بأقاصي بلاد النصارى مشهورة، وآثارهم فيها مأثورة، وقلوبهم على البعد بخوفهم معمورة.
ويحكى أن العمارة في مباني قرطبة والزاهرة والزهراء اتصلت إلى أن كان يمشى فيها لضوء السرج المتصلة عشرة أميال، وأما جامعها الأعظم فقد سمعت أن ثرياته من نواقيس النصارى، وأن الزيادة التي زاد في بنائه ابن أبي عامر من تراب نقله النصارى على رؤوسهم مما هدم من كنائس بلادهم، وقد
__________
(1) ب: بنيته، والصواب " بنيت ".
(2) م: عباد.
(3/216)

سمعت أيضاً عن قنطرتها العظمى وكثرة أرحي واديها، يقال: إنها تنيف على خمسة آلاف حجر، وقد سمعت عن كنبانيتها وما فضل الله تعالى به تربها من بركة وما ينبت فيها من القمح وطيبه، وفيها جبال الورد الذي بلغ الربع منه مرات إلى ربع درهم، وصار أصحابه يرون الفضل لمن قطف بيده ما يمنحونه منه، ونهرها إن صغر عندها عن عظمه عند إشبيلية فإن لتقارب بريه هنالك وتقطع خدره ومروجه معنى آخر وحلاوة أخرى، وزيادة أنس، وكثرة أمان من الغرق، وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة.
وأما جيان فإنها لبلاد الأندلس قلعة، إذ هي أكثرها زرعاً، وأصرمها أبطالاً، وأعظمها منعة، وكم رامتها من عساكر النصارى عند فترات الفتن فرأوها أبعد من العيوق، وأعز منالاً من بيض الأنوق، ولا خلت من علماء ولا من شعراء، ويقال لها " جيان الحرير " لكثرة اعتناء باديتها وحاضرتها بدود الحرير.
ومما يعد في مفاخرها ما ببياسة إحدى بلاد أعمالها من الزعفران الذي يسفر (1) براً وبحراً، وما في أبده من الكروم التي كاد العنب فيها لا يباع ولا يشترى كثرة، وما كان بأبدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة، فإنهن أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدك، وإخراج القروى والمرابط والمتوجه (2) .
وأما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، لها القصبة المنيعة ذات الأسوار الشامخة، والمباني الرفيعة، وقد اختصت بكون النهر يتوزع على ديارها وحماماتها، وأسواقها وأرحاها الداخلة والخارجة وبساتينها، وزانها الله تعالى بأن جعلها مرتبة على بسيطها الممتد الذي تفرعت (3)
__________
(1) ب: يسافر.
(2) ب: والمتوحة.
(3) م: تفرغت.
(3/217)

فيه سبائك الأنهار بين زبرجد الأشجار، ولنسيم نجدها وبهجة منظر حورها في القلوب والأبصار، استلطاف يروق الطباع، ويحدث فيها ما شاءه الإحسان من الإختراع والابتداع، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن لها إلا ما خصها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها من الشواعر مثل نزهون القلاعية وزينب بنت زياد، وقد تقدم شعرهما، وحفصة بنت الحاج وناهيك في الظرف والأدب، وهل ترى أظرف منها في جوابها للوزير الحسيب الناظم الناثر أبي جعفر ابن القائد الأجل أبي مروان ابن سعيد، وذلك أنهما باتا بحور مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم، من طيب النفحة ونضارة النعيم، فلما حان الانفصال قال أبو جعفر (1) :
رعى الله ليلاً لم يرع بمذمّمٍ ... عشيّة وارانا بحور مؤمّل
وقد خفقت من نحو نجدٍ أريجةٌ ... إذا نفحت هبّت بريّا القرنفل
وغرّد قمريٌّ على الدّوح وانثنى ... قضيبٌ من الريحان من فوق جدول
ترى الروض مسروراً بما قد بدا له ... عناقٌ وضمٌ وارتشاف مقبّل وكتبه إليها بعد الإفتراق، لتجاوبه على عادتها في ذلك، فكتبت له ما لا يخفى فيه قيمتها:
لعمرك ما سرّ الرّياض بوصلنا ... ولكنّه أبدى لنا الغلّ والحسد
ولا صفّق النهر ارتياحاً لقربنا ... ولا صدح القمريّ إلا بما وجد (2)
فلا تحسن الظنّ الذي أنت أهله ... فما هو في كلّ المواطن بالرشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمرٍ سوى كيما تكون لنا رصد وأما مالقة فإنها قد جمعت بين منظر البحر والبر بالكروم التي
__________
(1) ستأتي أخبار جعفر ابن سعيد وحفصة مفصلة في النفح.
(2) ق: وجدا بما وجد.
(3/218)

لا تكاد ترى فيها فرجة لموضع غامر، والبروج التي شابهت نجوم السماء، كثرة عدد وبهجة ضياء، وتخلل الوادي الزائر لها في فصلي الشتاء والربيع في سرر بطحائها، وتوشيحه لخصور أرجائها، ومما اختصت به من بين سائر البلاد التين الريي المنسوب إليها، لأن اسمها في القديم رية، ولقد أخبرت أنه يباع في بغداد على جهة الاستطراف (1) ، وأما ما يسفر منه المسلمون والنصارى في المراكب البحرية فأكثر من أن يعبر عنه بما يحصره، وقد اجتزت بها مرة، وأخذت على طريق الساحل من سهيل إلى أن بلغت إلى بليش قدر ثلاثة أيام متعجباً فيما حوته هذه المسافة من شجر التين، وإن بعضها ليجتني جميعها الطفل الصغير من لزوقها بالأرض، وقد حوت ما يتعب الجماعة كثرة، وتين بليش (2) هو الذي قيل فيه للبربري: كيف رأيته قال: لا تسألني عنه، وصب في حلقي بالقفة؛ وهو لعمر الله معذور، لأنه نعمة حرمت بلاده منها، وقد خصت بطيب الشراب احلال والحرام حتى سار المثل بالشراب المالقي، وقيل لأحد الخلعاء، وقد أشرف على الموت: اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه وقال: يارب، أسألك من جميع ما في الجنة خمر مالقة وزبيبي إشبيلية، وفيها تنسج الحلل الموشية التي تجاوز أثمانها الآلاف ذات الصور العجيبة المنتخبة برسم الخلفاء فمن دونهم، وساحلها محط تجارة لمراكب (3) المسلمين والنصارى.
وأما المرية فإنها البلد المشهور الذكر، العظيم القدر، الذي خص أهله باعتدال المزاج، ورونق الديباج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، وكرم المعاشرة والصحبة، وساحلها أنظف السواحل وأشرحها (4) وأملحها منظراً،
__________
(1) م: لأجل الاستطراف.
(2) م: بلش.
(3) م: مراكب.
(4) م: وأشرقها.
(3/219)

وفيها الحصى الملون العجيب الذي يجعله رؤساء مراكش في البراريد (1) والرخام الصقيل الملوكي وواديها المعروف بوادي بجانة من أفرج الأودية، ضفتاه بالرياض كالعذارين حول الثغر، فحق أن ينشد فيها:
أرض وطئت الدر رضراضاً بها ... والترب مسكاً والرّياض جنانا (2) وفيها كان ابن ميمون القائد الذي قهر النصارى في البحر، وقطع سفرهم فيه، وضرب على بلاد الرمانية، فقتل وسبى، وملأ صدور أهلها رعباً، حتى كان منه كما قال أشجع (3) :
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام وبها كان محط مراكب النصارى، ومجتمع ديوانهم، ومنها كانت تسفر (4) لسائر البلاد بضائعهم، ومنها كانوا يوسقون جميع البضائع التي تصلح لهم، وقصد بضبط ذلك بها حصر ما يجتمع في أعشارهم، ولم يوجد لهذا الشأن مثلها، لكونها متوسطة ومتسعة قائمة بالوارد والصادر، وهي أيضاً مصنع للحلل الموشية النفيسة.
وأما مرسية فإنها حاضرة شرق الأندلس، ولأهلها من الصرامة والإباء ما هو معروف مشهور، وواديها قسيم وادي إشبيلية، كلاهما ينبع من شقورة وعليه من البساتين المهتدبة الأغصان، والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المتنضدة، ما قد سمعت، وهي من أكثر البلاد فواكه وريحاناً، وأهلها أكثر الناس راحات وفرجاً لكون (5) خارجها معيناً على ذلك
__________
(1) ب: البواريد.
(2) ب م: جنابا.
(3) هو أشجع السلمي، وبيته من قصيدة في مدح الرشيد.
(4) م: تسافر؛ وكانت سقطت من ق.
(5) ب: يكون.
(3/220)

بحسن منظره، وهي بلدة تجهز منها العروس التي تنتخب شورتها لا تفتقر في شيء من ذلك إلى سواها، وهي للمرية ومالقة في صنعة الوشي ثالثة، وقد اختصت بالبسط التنتلية التي تسفر (1) لبلاد المشرق، وبالحصر التي تغلف بها الحيطان المبهجة للبصر، إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ولو تخل من علماء وشعراء وأبطال.
وأما بلنسية فإنها لكثرة بساتينها تعرف بمطيب الأندلس، ورصافتها من أحسن متفرجات الأرض، وفيها البحيرة المشهورة الكثيرة الضوء والرونق، ويقال إنه لمواجهة الشمس لتلك البحيرة يكثر ضوء بلنسية إذ هي موصوفة بذلك، ومما خصت به النسيج البلنسي الذي يسفر لأقطار المغرب، ولم تخل من علماء ولا شعراء، ولا فرسان يكابدون مصاقبة (2) الأعداء، ويتجرعون فيها النعماء ممزوجة بالضراء، واهلها أصلح الناس مذهباً، وأمتنهم ديناً، وأحسنهم صحبة، وأرفقهم بالغريب.
وأما جزيرة ميورقة فمن أخصب بلادالله تعالى أرجاء، وأكثرها زرعاً ورزقاً وماشية، وهي على انقطاعها من البلاد مستغنية عنها، يصل فاضل خيرها إلى غيرها، إذ فيها من الحضارة والتمكن والتمصر وعظم البادية ما يغنيها، وفيها من الفوائد ما فيها، ولها فضلاء وابطال اقتصروا على حمايتها من الأعداء المحدقة بها:
من كلّ من جعل الحسام خليله ... لا يبتغي أبداً سواه معينا هذا - زان الله تعالى فضلك بالإنصاف، وشرف كرمك بالاعتراف - ما حضرني الآن في فضل جزيرة الأندلس، ولم أذكر من بلادها إلا ما كل
__________
(1) ب: تسافر.
(2) ب: مصادمة؛ م: مصاففة، وأثبتناه ما في ق.
(3/221)

بلد منها مملكة مستقلة يليها ملوك بني عبد المؤمن على انفراد، وغيرها في حكم التبع.
وأما علماؤها وشعراؤها فإني لم أعرض منهم إلا لمن هو في الشهرة كالصباح، وفي مسير الذكر كمسير الرياح، وأنا أحكي لك حكاية جرت لي في مجلس الفقيه الرئيس أبي بكر ابن زهر، وذلك أني كنت يوماً بين يديه، فدخل علينا رجل عجمي من فضلاء خراسان، وكان ابن زهر يكرمه، فقلت له: ما تقول في علماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم فقال: كبرت، فلم أفهم مقصده، واستبردت (1) ما أتى به، وفهم مني أبو بكر ابن زهر أني نظرته نظر المستبرد المنكر، فقال لي: أقرأت شعر المتنبي فقلت: نعم، وحفظت جميعه، قال: فعلى نفسك إذن فلتنكر، وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم، فذكرني بقول المتنبي:
كبّرت حول ديارهم لمّا بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق فاعتذرت للخراساني، وقلت له: قد والله كبرت في عيني بقدر ما صغرت نفسي عندي، حين لم أفهم نبل مقصدك (2) ، فالحمد لله الذي أطلع من المغرب هذه الشموس، وجعلها بين جميع أهله بمنزلة الرؤوس، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه المختار من صفوة العرب، وعلى آله وصحبه، صلاةً متصلة إلى (3) غابر الحقب.
كملت رسالة الشقندي.
[ترجمة الشقندي]
وهو أبو الوليد إسماعيل بن محمد، وشقندة المنسوب إليها قرية مطلة
__________
(1) ب: واستربت؛ وهو خطأ.
(2) ب: مقصودك.
(3) ب: على.
(3/222)

على نهر قرطبة مجاورة لها من جهة الجنوب. قال ابن سعيد (1) : وهو ممن كان بينه وبين والدي صحبة أكيدة، ومجالسات أنس عديدة، ومزاورات (2) تتصل، ومحاضرات لا تكاد تنفصل، وانتفعت بمجالسته، وله رسالة في تفضيل الأندلس، يعارض بها أبا يحيى في تفضيل بر العدوة أورد فيها من المحاسن ما يشهد له بلطافة المنزع وعذوبة المشرع، وكان جامعاً لفنون من العلوم الحديثة والقديمة، وعني (3) بمجلس المنصورفكانت له فيه مشاهد غير ذميمة، وولي قضاء بياسة وقضاء لورقة، ولم يزل محفوظ (4) الجانب، محمود المذاهب، سمعته ينشد والدي قصيدةً في المنصور وقد نهض للقاء العدو، منها:
إذا نهضت فإنّ السيف منتهض (5) ... ترمي السعود سهاماً والعدا غرض
لك البسيطة تطويها وتنشرها ... فليس في كلّ ماتنويه معترض قال: وسمعته يقول له: أنشدت الوزير أبا سعيد ابن جامع قصيدة أولها:
استوقف الرّكب قد لاحت لك الدار ... واسأل بربع تناءت عنه أقمار
لا خفّف الله عنّي بعد بينهم ... فإنّني سرت والأحباب ما ساروا ومنها:
ألا رعى الله ظبياً في قبابهم ... منه لهم في ظلام الليل أنوار وله:
علّلاني بذكر من همت فيه ... وعداني عنه بما أرتجيه
__________
(1) انظر اختصار القدح: 138.
(2) القدح: ومداورات.
(3) القدح: وعين.
(4) القدح: ملحوظ.
(5) القدح: السعد منتصر.
(3/223)

وإذا ما طربتما لارتياحي ... فاجعلا خمرتي مدامة فيه
ليت شعري وكم أطيل الأماني ... أيّ يومٍ في خلوةٍ ألتقيه
وإذا ما ظفرت (1) يوماً بشكوى ... قال لي: أين كلّ ما تدّعيه
لا دموع ولا سقام فماذا ... شاهدٌ عنك بالذي تدّعيه (2)
قلت دعني أمت بدائي فإّني ... لو براني الغرام لا أبديه وقال في عوده لما مرض (3) :
إنّي مرضت مرضةً ... أسقط منها في يدي
فكان في الإخوان من ... لم أره في العوّد
فقلت في كلّهم ... قول امرئ مقتصد
اير الذي قد عادني ... في آست الذي لم يعد مات بإشبيلية سنة 629، انتهى.
[استطراد في الإشادة بالأندلس]
وقال ابن سعيد: أنشدني والدي للحافظ أبي الطاهر السلفي، قال وكفى به شاهداً، وبقوله مفتخراً:
بلاد أذربيجان في الشرق عندنا ... كأندلسٍ بالغرب في العلم والأدب
فما إن تكاد الدهر تلقى مميزاً ... من آهليهما إلا وقد جدّ في الطلب وحكى غير واحد كابن الأبار أن عباس بن ناصح الشاعر لما توجه من قرطبة
__________
(1) القدح: ظهرت.
(2) القدح: بالذي تخفيه؛ وهو أجود لكي لا تتكرر القافية.
(3) م: في عوده لمن مرض.
(3/224)

إلى بغداد، ولقي أبا نواس، قال له: أنشدني لأبي الأجرب، قال: فأنشدته، ثم قال: أنشدني لبكر الكناني، فأنشدته، وهذان شاعران من الأندلس.
[حكايات واشعار أندلسية]
واعلم أنا إن تتبعنا كلام الأندلسيين وحكاياتهم الدالة على سبقهم طال بنا الكتاب، ولم نستوف المراد، فرأينا أن نذكر بعضاً من ذلك بحسب ما اقتضاه الحال وأبداه، ليكون عنواناً دالاً على ما عداه:
يكفي من الحلي ما قد حف بالعنق ... 1 - ولنبدأ ما نسوقه من أخبار الأندلسيين وأشعارهم وحكاياتهم في الجد والهزل، والتولية والعزل، بقول الفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران المارتلي (1) ، وكان سكن إشبيلية:
لا تبك ثوبك إن أبليت جدّته ... وابك الذي أبلت الأيام من بدنك (2)
ولا تكوننّ مختالاً بجدّته ... فربّما كان هذا الثوب من كفنك
ولا تعفه إذا أبصرته دنساً ... فإنما اكتسب الأوساخ من درنك (3) 2 - وقال أبو عمرو (4) اليحصبي اللوشي:
شرّد النوم عن جفونك وانظر ... حكمةً توقظ النفوس النياما
__________
(1) المارتلي ويكتب أيضا الميرتلي نسبة إلى بلده " حصن مارتلة " من حصون باجة؛ أحد شعراء الزهد بالأندلس؛ توفي سنة 604 (انظر المغرب 1: 406 والغصون اليانعة: 135 والتكملة: 687) وله شعر كثير في شرح الشريشي على المقامات.
(2) م: جسدك.
(3) م ق: بدنك.
(4) ق ب: عمر.
(3/225)

فحرامٌ على امرئ لم يشاهد ... حكمة الله أن يذوق المناما وقال أيضاً:
ليس للمرئ اختيارٌ في الذي ... يتمنّى من حراكٍ وسكون
إنّما المرء لربٍّ واحدٍ ... إن يشأ قال له: كن فيكون 3 - شعر أبو وهب القرطبي (1) :
تنام وقد أعدّ لك السهاد ... وتوقن بالرحيل وليس زاد
وتصبح مثل ما تمسي مضيعاً ... كأنّك لست تدري ما المراد
أتطمع أن تفوز غداً هنيئاً ... ولم يك منك في الدنيا اجتهاد
إذا فرّطت في تقديم زرعٍ ... فكيف يكون من عدمٍ حصاد وقيل: إن الأبيات السابقة التي أولها: " أنا في حالتي التي ... الخ " وجدت في تركته بخطه في شقف (2) ، وبعضهم ينسبها لغيره، واسم أبي وهب المذكور عبد الرحمن، وذكره ابن بشكوال في الصلة (3) ، وأثنى عليه بالزهد والانقطاع، وكان في أول أمره قد حسب عامة الناس أنه مختل العقل، فجعلوا يؤذونه ويرمونه بالحجارة، ويصيحون عليه: يا مجنون يا أحمق، فيقول:
يا عاذلي أنت به جاهلٌ ... دعني به لست بمغبون
أما تراني أبداً والهاً ... فيه كمسحورٍ ومفتون
أحسن ما أسمع في حبّه ... وصفي بمختلٍ ومجنون
__________
(1) مرت الإشارة إليه، انظر ما تقدم ص: 207.
(2) م: شقة.
(3) لم أجد ترجمة في الصلة؛ وأغلب الظن أن هذا وهم من المقري، لأن ابن بشكوال أفرد للعباسي مؤلفا خاصا.
(3/226)

4 - وقال الخطيب أبو محمد ابن برطله:
بأربعةٍ أرجو نجاتي وإنّها ... لأكرم مذخورٍ لديّ وأعظم
شهادة إخلاصي وحبي محمداً ... وحسن ظنوني ثم أنّي مسلم 5 - وقال ابن حبيش:
قالوا تصبّر عن الدنيا الدنيّة أو ... كن عبدها واصطبر للذّل واحتمل
لا بدّ من أحد الصبرين، قلت: نعم ... الصبر عنها بعون الله أوفق لي 6 - وقال ابن الشيخ:
اطلب لنفسك فوزها واصبر لها ... نظر الشفيق وخف عليها واتّق
من ليس يرحم نفسه ويصدّها ... عمّا سيهلكها فليس بمشفق 7 - وقال أبو محمد القرطبي (1) :
لعمرك ما الدنيا وسرعة سيرها ... بسكّانها إلا طريق مجاز
حقيقتها أن المقام بغيرها ... ولكنّهم قد أولعوا بمجاز 8 - وقال السمسير (2) :
لله في الدّنيا وفي أهلها ... معمّياتٌ قد فككناها
من بشرٍ نحن فمن طبعنا ... نحبّ فيها المال والجاها
دعني من الناس ومن قولهم ... فإنّما النّاسك خلاّها (3)
__________
(1) هو عبد الله بن الحسن بن أحمد الأنصاري القرطبي أبو محمد (انظر ترجمته في الذيل والتكملة 4: 191 والتكملة: 879 وتذكرة الحفاظ: 1396 وبرنامج الرعيني: 141) والبيتان البرنامج والذيل: 210.
(2) في الأصول ودوزي: الشميس؛ وصوبناه.
(3) في ب: الناس أخلاها.
(3/227)

لم تقبل الدنيا على ناسكٍ ... إلا وبالرحب تلقّاها
وإنّما يعرض عن وصلها ... من صرفت عنه محيّاها 9 - وقال أبو القاسم ابن بقي:
ألا إنّما الدنيا كراحٍ عتيقةٍ ... أراد مديروها بها جلب الأنس
فلمّا أداروها أثارت حقودهم ... فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس 10 - وقال أبو محمد عبد الله بن العسال الطليطلي (1) :
انظر الدّنيا فإن أب ... صرتها شيئاً يدوم
فاغد منها في أمانٍ ... إن يساعدك النعيم
وإذا أبصرتها من ... ك على كرهٍ تهيم (2)
فاسل عنها واطّرحها ... وارتحل حيث تقيم 11 - وقال ابن هشام القرطبي:
وأبي المدامة ما أريد بشربها ... صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي
لم يبق من عهد الشباب وطيبه ... شيء كعهدي لم يحل إلاّ هي
إن كنت أشربها من غير وفائها ... فتركتها للناس لا لله 12 - وقال أبو محمد ابن السيد البطليوسي مما نسبه إليه في " المغرب (3) ":
أخو العلم حيٌّ خالدٌ بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميتٌ وهو ماشٍ على الثرى ... يظنّ من الأحياء وهو عديم
__________
(1) انظر ما تقدم ص: 208.
(2) م ق: تقيم.
(3) ليسا في ترجمته في المغرب (1: 385) وهما في أزهار الرياض 3: 103.
(3/228)

13 - وقال أبو الفضل ابن شرف (1) :
لعمرك ما حصلت على خطيرٍ ... من الدنيا ولا أدركت شيّا
وها أنا خارجٌ منها سليباً ... أقلّب نادماً كلتا يديّا
وأبكي ثمّ أعلم أنّ مبكا ... ي لا يجدي فأمسح مقلتيّا
ولم أجزع لهول الموت لكن ... بكيت لقلّة الباكي عليّا
وأنّ الدهر لم يعلم مكاني ... ولا عرفت بنوه ما لديّا
زمانٌ سوف أنشر فيه نشراً ... إذا أنا بالحمام طويت طيّا
أسرّ بأنّني ساعيش ميتاً ... به ويسوءني أن متّ حيا 14 - وقال الزاهد العارف بالله سيدي أبو العباس ابن العريف نفعنا الله تعالى به (2) :
سلو عن الشوق من أهوى فإنّهم ... أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي
فمن رسولي إلى قلبي ليسألهم ... عن مشكلٍ من سؤال الصبّ ملتبس
حلّوا فؤادي فما يندى، ولو وطئوا ... صخراً لجاد بماء منه منبجس
وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قرّوا على أذكى من القبس
لأنهضنّ إلى حشري بحبّهم ... لا بارك الله فيمن خانهم ونسي قلت: لقد زرت قبره المعظم بمراكش سنة عشر وألف، وهو ممن
__________
(1) راجع أبياته في التكملة: 870.
(2) أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي المشهور بابن العريف؛ صاحب كتاب " محاسن المجالس " اختار طريقة الزهد والتصوف، وصادف ذلك ظهور جماعة من المتصوفة بمدينة شلب وانتشر مذهبهم فيها وفي لبلة ومارتلة، ثم تفرقوا ووصل رئيسهم إلى المرية وفيها شيخ المتصوفة ابن العريف، فوجه علي بن يوسف اللمتوني في طلبه وطلب أبي الحكم ابن برجان، فتوفيا بمراكش سنة 537 (أو 536) . انظر وفيات الأعيان 1: 151 وأعمال الأعلام: 248 - 249 والمغرب 2: 211 وبغية الملتمس ص: 154 والصلة: 84 والمطرب: 90 ومعجم الصفدي: 18 والتحفة: 17 والوافي: 8 الورقة: 50 وأبياته في المغرب والمطرب.
(3/229)

يتبرك به في تلك الديار، ويستسقى به الغيث، وهو من أهل المرية، وأحضره السلطان إلى مراكش فمات بها، وله كرامات شهيرة ومقامات كبيرة، نفعنا الله تعالى به.
15 - واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم (1) على مذهب الأوزاعي، وأهل الشام منذ أول الفتح، ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل - وهو ثالث الولاة بالأندلس من الأمويين - انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس واهل المدينة، فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعاً، بل والمغرب، وذلك برأي الحكم واختياره، واختلفوا في السبب المقتضي لذلك، فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة، فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه، وجلالة قدره، فأعظموه كما قدمنا ذلك، وقيل: عن الإمام مالكاً سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس، فوصف له سيرته، فأعجبت مالكاً لكون سيرة بني العباس في ذلك الوقت لم تكن بمرضية، وكابد لما صنع أبو جعفر المنصور بالعلوية بالمدينة من الحبس والإهانة وغيرهما على ما هو مشهور في كتب التاريخ، فقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لذلك المخبر: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم، أو كلاماً هذا معناه، فنميت المسألة إلى ملك الأندلس، مع ما علم من جلالة مالك ودينه، فحمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي، والله تعالى أعلم.
16 - وحكي أن القاضي الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي يغمور لما ندبه أهل الأمر لولاية القضاء بمدينة فاس استعفى، فلم يقبل منه، وخرج إلى تلك الناحية، وخرج الناس لوداعه، فأنشد:
عليكم سلام الله إنّي راحلٌ ... وعيناي من خوف التفرّق تدمع
__________
(1) في القديم: سقطت من م.
(3/230)

فإن نحن عشنا فهو يجمع بيننا ... وإن نحن متنا فالقيامة تجمع وأنشد أصحابه رحمه الله تعالى، ولا أدري هل هي له أو لغيره:
كنّا نعظّم بالآمال قدركم ... حتى انقضت فتساوى عندنا الناس
لم تفضلونا بشيء غير واحدةٍ ... هي الرجاء فسوّى بيننا الياس وأنشد أيضاً:
بلوتهم مذ كنت طفلاً فلم أجد ... كما أشتهي منهم صديقاً وصاحبا
فصوّبت رأيي في فراري منهم ... وشمّرت أذيالي وأمعنت هاربا وأنشد لغيره في الكتمان:
أخفى الغرام فلا جوارحه ... شعرت بذاك ولا مفاصله
كالسيف يصحبه الحمام ولم ... يعلم بما حملت حمائله وأنشد:
قد كنت أمرض في الشبيبة دائماً ... والموت ليس يمرّ لي في البال
والآن شبت وصحّتي موجودةٌ ... وأرى كأنّ الموت في أذيالي ولمّا أنشده تاج الدين بن حمويه السرخسي الوافد على المغرب من المشرق قول بعضهم:
فلا تحقرنّ عدوّاً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإنّ السيوف تحزّ الرقاب ... وتعجز عمّا تنال الإبر قال: حسنٌ جيد، ولكن اسمع ما قال شاعرنا القسطلي (1) ، وأنشد:
__________
(1) يريد ابن دراج، والأبيات من قصيدته في مدح المنصور بن أبي عامر (ديوانه: 303) .
(3/231)

أثرني لكشف الخطب والخطب مشكلٌ ... وكلني لليث الغاب وهو هصور
فقد تخفض الأسماء وهي سواكنٌ ... ويعمل في الفعل الصريح ضمير
وتنبو الردينيّات، والطول وافر ... ويبعد وقع السهم وهو قصير 17 - وكان الوزير الكريم أبو محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري (1) أحد وزراء الأندلس كثير الصنائع جزل المواهب عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك وأخلاق السادة، لم ير بعده مثله في رجال الأندلس، ذاكراً للفقه والحديث، بارعاً في الآداب، شاعراً مجيداً، وكاتباً بليغاً، كثير الخدم والأهل، ومن آثاره الحمام بجوفي الجامع الأعظم من غرناطة، وزاد من سقف الجامع من صحنه وعوض من أرجل قسيه أعمدة الرخام، وجلب الرؤوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذان الصخر، ووجهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، فلما حلها سأل قاضيها فكتب له جملة من أهلها ممن ضعفت حاله وقل تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء، ووسع أرزاقهم، حتى كمل له ما أرد من عمله، ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله، فصدر عنها وقد أنعش خلقاً، رضي الله تعالى عنه ورحمه.
ومن شعره في مجلس أطربه سماعه، وبسط احتشاد الأنس فيه واجتماعه، فقال (2) :
لا تلمني إذا طربت لشجوٍ ... يبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شقّ الجيوب حقّاً علينا ... إنّما الحقّ أن تشقّ القلوب وقطف غلام من غلمانه نوارة ومد بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله، فقال أبو نصر:
__________
(1) ترجمته في القلائد: 170.
(2) القلائد: 170؛ والنقل عنه حتى قوله " من النوى ".
(3/232)

وبدرٍ بدا والطّرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النّور كوكب فقال أبو محمد ابن مالك (1) :
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويحسد منه الغصن أيّ مهفهفٍ ... يجيء على مثل الكثيب ويذهب وقد سبق هذا.
وكتب إلى الفتح من غير ترو: يا سيدي، جرت الأيام بفراقك، وكان الله جارك في انطلاقك (2) ، فغيرك روع بالظعن، وأوقد للوداع جاحم الشجن، فإنك من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقر على وطن، كأنك - والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه - موكل بفضاء الأرض تذرعه (3) ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدك من العواري السريعة الارتجاع، فلا يأسف على قلة الثوى، وينشد:
" وفارقت حتى ما أبالي من النّوى (4) " ... ومات رحمه الله بغرناطة سنة 518، وحضر جنازته الخاصة والعامة وهو من محاسن الأندلس، رحمه الله تعالى.
18 - ومن نوادر الاتفاق (5) أن جارية مشت بين يدي المعتمد، وعليها قميص لا تكاد تفرق بينه وبين جسمها، وذوائبها تخفي آثار مشيها، فسكب
__________
(1) البيت الأول من هذين ورد منسوبا للفتح نفسه في أصولالنفح.
(2) من قول البحتري:
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شامك أو عراقك (3) عجز بيت لابن زريق البغدادي، وصدره: كأنما هو في حل ومرتحل.
(4) ق م: من الهوى.
(5) انظر هذه القصة في بدائع البدائه.
(3/233)

عليها ماء ورد كان بين يديه، وقال:
علّقت جائلة الوشاح غريرة ... تختال بين أسنّة وبواتر وقال لبعض الخدم: سر إلى أبي الوليد البطليوسي المشهور بالنحلي وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأجاب النحلي لأول وقوع الرقعة بين يديه:
راقت محاسنها ورقّ أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر
وتمايلت كالغصن في دعص النّقا ... تلتفّ في ورق الشباب الناضر
يندى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطّلّ يسقط من جناح الطّائر
تزهى برونقها وعزّ جمالها ... زهو المؤيّد بالثناء العاطر
ملكٌ تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر
وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحرٍ زاخر فلما قرأها المعتمد استحضره، وقال له: أحسنت، أو معنا كنت فقال له: يا قاتل المحل، أما تلوت " وأوحى ربّك إلى النّحل ".
وأصبح المعتمد يوماً ثملاً فدخل الحمام، وأمر أن يدخل النحليّ معه، فجاء وقعد في مسيح (1) الحمام حتى يستأذن عليه، فجعل المعتمد يحبق في الحمام وهو خالٍ وقد بقيت في رأسه بقية من السك، وجعل كل ما سمع دويّ ذلك الصوت يقول: الجوز، اللوز، القسطل، ومر على هذا ساعة، إلى أن تذكر النحلي، فصادفه (2) ، فلما دخل قال له: من أي وقت أنت هنا قال: من أول ما رتب مولانا الفواكه في النصبة، فغشي عليه من الضحك، وأمر له بإحسان. والنصبة: مائدة يصبون فيها هذه الأصناف.
__________
(1) ق: مسلخ.
(2) ق م: فصادمه.
(3/234)

ولما استحسن المعتمد قول المتنبي (1) :
إذا ظفرت منك المطيّ بنظرة ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه قال ابن وهبون بديهة: " وقالوا أجاد ابن الحسين ... الخ البيتين "، وقد تقدم ذكرهما، فأمر له بمائتي دينار.
ولما قال ابن وهبون المذكور:
غاض الوفاء فما تلقاه في رجلٍ ... ولا يمرّ لمخلوقٍ على بال
قد صار عندهم عنقاء مغربةً ... أو مثلما حدّثوا عن ألف مثقال قال له المعتمد: عنقاء مغربة وألف مثقال يا عبد الجليل عنك سواء فقال: نعم، قال: قد أمرنا لك بألف دينار وبألف دينار أخرى تنفقها.
19 - وذكر القرطبي صاحب " التذكرة " في كتابه " قمع الحرص بالزهد والقناعة "، ما صورته: روينا أن الإمام أبا عمر بن عبد البر رضي الله تعالى عنه بلغه وهو بشاطبة أن أقواماً عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه، فقال:
قل لمن ينكر أكلي ... لطعام الأمراء
أنت من جهلك هذا ... في محلّ السفهاء لأن الاقتداء بالصالحين، من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى من المسلمين، من السلف الماضين، وهو ملاك الدين، فقد كان زيد بن ثابت - وكان من الراسخين في العلم - يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - مع ورعه وفضله - يقبل هدايا صهره المختار ابن أبي عبيد، ويأكل
__________
(1) انظر ما تقدم ص: 194.
(3/235)

طعامه، ويقبل جوائزه، وقال عبد الله بن مسعود - وكان قد ملئ علماً - لرجل سأله، فقال: إن لي جاراً يعمل بالربا، ولا يجتنب في مكسبه الحرام، يدعوني إلى طعامه، أفأجيبه قال: نعم، لك المهنأ وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً، وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه - حين سئل عن جوائز السلاطين -: لحم ظبي ذكي، وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم - يؤدب بني عبد الملك بن مروان، ويقبل جوائزه ويأكل طعامه، وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري - مع زهده وورعه - وسائر علماء البصرة وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وأبان ابن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيب - يقيلون جوائز السلطان، وكان ابن شهاب يقبلها، ويتقلب في جوائزهم، وكانت أكثر كسبه، وكذلك أبو الزناد، وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء، وكان سفيان الثوري - مع ورعه وفضله - يقول: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان، لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن، ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير، وقد جمع الناس فيه أبواباً، ولأحمد ابن خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على وضعه وجمعه طعن أهل بلده عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر، إذ نقله إلى المدينة بقرطبة، وأسكنه داراً من دور الجامع قربه، وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناض، وله ولمثله في بيت المال حظ، والمسؤول عن التخليط فيه هو السلطان، كما قال عبد الله بن مسعود " لك المهنأ وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً " ومعنى قول ابن مسعود هذا قد أجمع العلماء عليه، فمن علم الشيء بعينه حراماً مأخوذاً من غير حله كالجريمة وغيرها وشبهها من الطعام أو الدابة وما كان مثل ذلك كله من الأشياء المتعينة غصباً أو سرقة أو مأخوذة بظلم بين لا شبهة فيه فهذا الذي لم يختلف أحد في تحريمه، وسقوط عدالة آكله، وأخذه وتملكه، وما أعلم من علماء التابعين أحداً تورع عن جوائز السلطان إلا سعيد بن المسيب بالمدينة، ومحمد ابن
(3/236)

سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلاً في التورع، وسلك سبيلهما في ذلك أحمد ابن حنبل وأهل الزهد والورع والتقشف، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل، ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد فيها أن يحرم ما أباح الله تعالى منها، والعجب من أهل زماننا يعيبون الشبهات وهم يستحلون المحرمات، ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن المحرم يقتل القراد والحلمة، فقال للسائلين له: من أنتم فقالوا: من أهل الكوفة، فقال: تسألونني عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروي هذا الحديث أيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما " ما أتاك من غير مسألة فكله وتموّله "، وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه، وفي حديث أحدهما " إنما هو رزق رزقكه الله تعالى "، وفي لفظ بعض الرواة " ولا تردّ على الله رزقه "، وهذا كله مركب مبني على ما أجمعوا عليه، وهو الحق، فمن عرف الشيء المحرم بعينه فإنه لا يحل له، فهذه المسألة من كلام ابن عبد البر، انتهى.
20 - وحضر ابن مجبر مع عدو له جاحد لمعروفه، وأمامهما زجاجة سوداء فيها خمر، فقال له الحسود: إن كنت شاعراً فقل في هذه، فقال ارتجالاً: " سأشكوا إلى الندمان "، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت في رسالة الشقندي (1) رحمه الله تعالى.
[ترجمة ابن مجبر وشعره]
وابن مجبر هو أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحم بن مجبر الفهري،
__________
(1) انظر ما تقدم ص: 206.
(3/237)

كان في وقته شاعر المغرب ويشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالاً، وبعدت على قربها منالاً، وشعره كثير يشتمل على أكثر من تسعة آلاف وأربعمائة بيت، واتصل بالأمير أبي عبد الله ابن سعد ابن مردنيش، وله فيه أمداح، وأنشد يوسف بن عبد المؤمن يهنيه بفتح:
إنّ خير الفتوح ما جاء عفواً ... مثل ما يخطب الخطيب ارتجالا وكان أبو العباس الحراوي حاضراً، فقطع عليه لحسادةٍ وجدها، وقال: يا سيدنا اهتدم بيت وضاح:
خير شرابٍ ما كان عفواً ... كأنّه خطبة ارتجال فبدر (1) المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه وسنه قريب العشرين، وقال: إن كان اهتدمه فقد استحقه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسر أبوه بجوابه، وعجب الحاضرون.
ومر المنصور أيام إمرته بأونبة (2) من أرض شلب، فوقف على قبر الحافظ أبي محمد ابن حزم، وقال: عجباً لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم، ثم قال: كل العلماء عيال على ابن حزم، ثم رفع رأسه وقال: كما أن الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجبر.
ومن شعر ابن مجبر يصف خيل المنصور من قصيدة في مدحه:
له حلبة الخيل العتاق كأنّها ... نشاوى تهاوت تطلب العزف والقصفا
عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ... فلم تبغ خلخالاً ولا التمست وقفا
فمن يققٍ كالطّرس تحسب أنّه ... وإن جرّدوه في ملاءته التفّا
__________
(1) م: فنطق.
(2) ق: بأوقية؛ ب: بأوقبة.
(3/238)

وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ... وغار عليه الصّبح فاحتبس النّصفا
ووردٍ تغشّى جلده شفق الدجى ... فإذ حازه دلّى له الذيل والعرفا
وأشقر مجّ الراح صرفاً أديمه ... وأصفر لم يمسح بها جلده صرفا
وأشهب فضّيّ الأديم مدنّرٍ ... عليه خطوطٌ غير مفهمةٍ حرفا
كما خطّط الزاهي بمهرق كاتبٍ ... فجرّ عليه ذيله وهو ما جفّا
تهبّ على الأعداء منها عواصفٌ ... ستنسف أرض المشركين بها نسفا
ترى كلّ طرفٍ كالغزال فتمتري ... أظبياً ترى تحت العجاجة أم طرفا
وقد كان في البيداء يألف سربه ... فربّته مهراً وهي تحسبه خشفا
تناوله لفظ الجواد لأنّه ... إذا (1) ما أردت الجري أعطاكه ضعفا ولما اتخذ المنصور مقصورة الجامع بمراكش بدار ملكها، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء فقال ابن مجبر من قصيدة أولها:
أعلمتني ألقي عصا التسيار ... في بلدةٍ ليست بدار قرار إلى أن قال (2) :
طوراً تكون بمن حوته محيطةً ... فكأنّها سورٌ من الأسوار
وتكون حيناً عنهم مخبوءةً ... فكأنّها سرٌّ من الأسرار
كأنّها علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار
فإذا أحسّت بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوّار
يبدو فتبدو ثمّ تخفى بعده ... كتكوّن الهالات للأقمار
__________
(1) ق ب: على.
(2) وردت هذه الأبيات في الحلل الموشية: 120.
(3/239)

وممن روى عنه أبو علي الشلوبين وطبقته، وتوفي بمراكش سنة 588، وعمره 53 سنة، رحمه الله تعالى.
وقد حكى الشريف الغرناطي شارح المقصورة هذه الحكاية بأتمّ مما ذكرناه، فقال عن الكاتب ابن عياش كاتب يعقوب المنصور الموحدي، قال (1) : كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور في كل سنة، فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثها بجامعه المتصل بقصره المتصل بقصره في حضرة (2) مراكش، وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله، وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعاراً أنشدوه إياها في ذلك، فلم يزيدوا على شكره، وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره، ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قام أبو بكر ابن مجبر فأنشد قصيدته التي أولها " أعلمتني ألقي عصا التسيار " واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها " طوراً تكون - الخ " فطرب المنصور لسماعها، وارتاح لاختراعها، انتهى.
وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن، وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر والف، والله تعالى وارث الأرض ومن عليها.
ومن نظم ابن مجبر أيضاً ما كتب به إلى السلطان ملك المغرب، رحمه الله تعالى، وقد ولد له ابن، أعني لابن مجبر:
ولد العبد الذي إنعامكم ... طينةٌ أنشئ منها جسده
وهو دون اسمٍ لعلمي أنّه ... لا يسمّي العبد إلا سيّده وقوله:
ملك ترويك منه شيمةٌ ... أنست الظلماء زرق النّطف
__________
(1) انظر شرح المقصورة 1: 71.
(2) م: مدينة.
(3/240)

جمعت من كلّ مجدٍ فحكت ... لفظةً قد جمّعت من أحرف
يعجب السامع من وصفي لها ... ووراء العجز ما لم أصف
لو أعار السهم ما في رأيه ... من سداد وهدىً لم يصف
حلمه الرّاجح ميزان الهدى ... يزن الأشياء وزن المنصف 21 - وقال ابن خفاجة (1) :
صحّ الهوى منك ولكنّني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر
كأنّنا في فلكٍ دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر وهما الغاية في معناهما، كما قاله ابن ظافر، رحمه الله تعالى.
22 - وقال الأعمى التطيلي (2) :
أما اشتفت منّي الأيام في وطني ... حتى تضايق فيما عزّ من وطري
فلا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما طلّ في الشّعر 23 - وقال القاضي أبو حفص ابن عمر القرطبي (3) :
هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب لبّ شاربها المدام
يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام
سما طرفي إليها وهو باكٍ ... وتحت الشمس ينسكب الغمام
وأذكر قدّها فأنوح وجداً ... على الأغصان تنتدب الحمام
فأعقب بينها في الصدر غمّاً ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام 24 - وقال الحاجب عبد الكريم ابن مغيث (4) :
__________
(1) ليسا في ديوان ابن خفاجة.
(2) انظر ما سبق ص: 207؛ وديوان الأعمى: 49.
(3) انظر ما سبق ص: 209.
(4) عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث حاجبا للحكم الربضي، وكان بليغا شاعرا مفوها (انظر الحلة 1: 135 - 136) وكان له أخ اسمه عبد الملك تولى سرقسطة، ولم يذكر ابن الأبار أخاه أحمد.
(3/241)

طارت بنا الخيل ومن فوقها ... شهب بزاةٍ لحمام الحمام
كأنّما الأيدي قسيٌّ لها ... والطير أهدافٌ وهنّ السهام 25 - وقال أخوه أحمد:
اشرب على البستان من كفّ من ... يسقيه من فيه وأحداقه
وانظر إلى الأيكة في برده ... ولاحظ البدر بأطواقه
وقد بدا السّرو على نهره ... كخائضٍ شمّر عن ساقه 26 - وقال أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن أمية البلنسي:
إذا كان ودّي وهو أنفس قربةٍ ... يجازى ببغضٍ فالقطيعة أحزم
ومن أضيع الأشياء ودٌّ صرفته ... إلى غير من تحظى لديه وتكرم [حكايات في البديهة والارتجال]
27 - ومن حكايات أهل الأندلس (1) في خلع العذار والطرب والظرف وغير ذلك كسرعة الارتجال ما حكاه صاحب " بدائع البدائه " قال (2) : أخبرني من أثق به بما هذا معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد ابن زيدون ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرة لبني عباد لموضع يقال له الفنت (3) تحف بها مروجٌ مشرقة الأنوار، متنسمة الأنجاد والأغوار، متبسمة عن ثغور النوّار في زمان ربيع سقت الأرض السحب فيه
__________
(1) هنا يأخذ المقري بالنقل عن بدائع البدائه لابن ظافر الأزدي أكثر حكايات هذا الباب
(2) بدائع البدائه 1: 214.
(3) في الأصول: القنت؛ والبدائع: الغيث.
(3/242)

بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليتها، وأرداف الربى قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النوار قلائده حول لباتها، ومجامر الزهر تعطر أردية النسائم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري على مداهن (1) النضار، ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد للهو والطرب، والتنزه في روضي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم، ليأتيهم بنبيذ يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره، فلما بصروا به مقبلاً من أول الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه، واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل (2) النبيذ الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً حتى خفي عن العين، خائفاً من متعلقٍ به يحين بتعلقه الحين، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأفاضوا في ذكر الزمان وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات، على تمام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون:
أنلهو والحتوف بنا مطيفه ... ونأمن والمنون لنا مخيفه فقال ابن خلدون:
وفي يومٍ وما أدراك يومٌ ... مضى قمعالنا ومضى خليفه
__________
(1) البدائع: بمداهن.
(2) القمعل: القدح الضخم.
(3/243)

فقال ابن عمار:
هما فخّارتا راحٍ وروحٍ ... تكسرتا فأشقافٌ (1) وجيفه انتهى.
28 - وذكر ابن بسام ما معناه (2) أن أبا عامر ابن شهيد حضر ليلة عند الحاجب أبي عامر المظفر ابن المنصور ابن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة عجيبة صغيرة الخلق (3) ، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أ، هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلتها (4) على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالاً:
أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازمٍ للكؤوس راتب
قد عجبوا في السّهاد منها ... وهي لعمري من العجائب
قالوا: تجافى الرقاد عنها ... فقلت: لا ترقد الكواكب 29 - وحكى ابن بسام (5) ما معناه أن ابن شهيد المذكور كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجيء بباكورة باقلاّ، فقال ابن ذكوران: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لها، وارتجل:
إنّ لآليك أحدثت صلفا ... فاتّخذت من زمرّدٍ صدفا
تسكن ضرّاتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا
هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا
__________
(1) البدائع: فشقفات.
(2) بدائع البدائه 2: 32.
(3) البدائع: وصيفة صغيرة ظريفة الخلق.
(4) البدائع: ليلها.
(5) بدائع البدائه 2: 33؛ وانظر الذخيرة 4 / 1: 28.
(3/244)

شبهتها بالثغور من لطف ... حسبك هذا من بر (1) من لطفا
جاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا
قدّم درّ الرّياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا
أكلٌ ظريفٌ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كلّ من ظرفا
رخّص فيه شيخٌ له قدرٌ ... فكان حسبي من المنى وكفى 30 - وقال ابن بسام (2) : إن جماعة من أصحاب ابن شهيد المذكور قالوا له: يا أبا عامر، إنك لآتٍ بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك، هازٌّ لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا، وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كلت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس بابٌ مخلوع معترض على الأرض ولبد أحمر مبسوط قد صففت خفافهم (3) عند حاشيته، فقال مسرعاً:
وفتيةٍ كالنجوم حسناً ... كلّهم شاعرٌ نبيل
متّقد الجانبين ماضٍ ... كأنّه الصارم الصّقيل
راموا انصرافي عن المعالي ... والغرب من دونها كليل (4)
فاشتدّ في إثرها (5) فسيحٌ ... كلّ كثيرٍ له قليل
في مجلس زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول
__________
(1) دوزي: رفد.
(2) بدائع البدائه 2: 32؛ وانظر الذخيرة 4 / 1: 27.
(3) ب: قد رصت؛ البدائع: نعالهم.
(4) في الأصول قليل، والتصويب عن البدائع والذخيرة؛ وفي الأصول أيضا: عن دونها.
(5) في الأصول: فالشد في أمرها.
(3/245)

كأنّما بابه أسيرٌ ... قد عرضت (1) دونه مصول
يراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لا يقول
ننظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل
كأنّ أخفافنا عليه ... مراكب ما لها دليل
ضلّت فلم تدر أين تجري ... فهل على شطّه تقيل فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفاً (2) ، فجعل يده في لجام بغلته، وقال: لا أتركك أو تصف الحرشف، فقد وصفه صاعد فلم يقل شيئاً، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال قال: نعم، فارتجل (3) :
هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل
من حرشفٍ معتمدٍ جليل ... ذي إبرٍ تنفذ جلد الفيل
كأنّها أنياب بنت (4) الغول ... لو نخست في است امرئ ثقيل
لقفزته نحو أرض النّيل ... ليس يرى طيّ حشا منديل
نقل السّخيف المائن الجهول ... وأكل قومٍ نازحي العقول
أقسمت لا أطعمها أكيلي ... ولا طعمتها على شمولي انتهى.
31 - وقال في " بدائع البدائه " (5) : دخل الوزير أبو العلاء زهر ابن الوزير أبي مروان عبد الملك ابن زهر على الأمير عبد الملك ابن رزين في مجلس أنس، وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي درين من حبابه
__________
(1) ب: عارضت.
(2) ب: زنبيل حرشف.
(3) الذخيرة 4 / 1: 28.
(4) ب ودوزي: نبت.
(5) بدائع البدائه 2: 42.
(3/246)

ولفظه، وقد بدا خط عذاره في خده، وكمل حسنه باجتماع الضد مع ضده، فكأنّه بسحر لحظه أبدى ليلاً في شمسن وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:
تضاعف وجدي إذ تبدّى عذاره ... ونمّ فخان القلب منّي اصطباره
وقد كان ظنّي أن سيمحق ليله ... بدائع حسنٍ هام فيها نهاره
فأظهر ضدٌّ ضدّه فيه إذا وشت ... بعنبره في صفحة الخدّ ناره واستزاده، فقال بديهاً:
محيت آية النهار فأضحى ... بدر تمّ وكان شمس نهار
كان يعشي العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خدّه بالعذار وصنع أيضاً:
عذار ألمّ فأبدى لنا ... بدائع كنّا لها في عمى
ولو لم يجنّ النهار الظلا ... م ولم يستبن كوكبٌ في السما وصنع أيضاً:
تمّت محاسن وجهه وتكاملت ... لمّا استدار به عذارٌ مونق
وكذلك البدر المنير جماله ... في أن يكنّفه سماء أزرق انتهى.
32 - وحكى الحميدي (1) وغيره أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة بقرطبة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر، وهو من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي ملك الأندلس، وحكموا أنه دخل عليه في يوم ذي غيم،
__________
(1) الجذوة: 245؛ وبدائع البدائه 2: 86.
(3/247)

وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق، فقال الأمير: يا ابن عاصم ما يصلح في يومنا هذا، فقال: عقار تنفّر الذبان (1) ، وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤونة التحفظ، وأرخي له عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح، فاستضحك الأمير، ثم أمر بمراتب الغناء، وآلات الصهباء، فلما دارت الكأس، واستمطر الأمير نوادره (2) ، أشار إلى الغلام أن يلح في سقيه، ويؤكد عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة:
يا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصّلف
تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍّ متيّمٍ دنف فاستبدع الأمير بديهيته، وأمر له ببدرة، ويقال: إنه خيره بينها وبين الوصيف، فاختارها نفيا للظنة عنه (3) ، انتهى.
[استطراد حول ابن ظافر]
قلت أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه علي ابن ظافر عن نفسه إذ قال (4) : كنت عند المولى الملك الأشرف ابن العادل ابن أيوب سنة 603 بالرها، وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي أو إرادة الحديث معي، فلم أشعر في بعض الليالي وأنا نائم في فراشي إلا به، وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشمع تزهر حواليه (5) ، وقد حف مماليكه به، وكأنهم الأقمار الزواهر، في
__________
(1) في أصول النفح: تنفد الدنان.
(2) ب: نواره.
(3) ويقال ... عنه: سقطت هذه العبارة من ب.
(4) بدائع البدائه 2: 61.
(5) البدائع: والشموع تزهر بين يديه.
(3/248)

ملابس كالرياض ذات الأزاهر، فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي بحيث منعني عن القيام عن الوساد، وأبدى من الجميل ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد، ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد إزعاجك والتثقيل عليك، ثم استدعى من كان في مجلسه من خواص القوالين، فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذاً، وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه ووجده (1) ، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في أمرهما ويستجلب مني القول فيهما والكلام في التفضيل بينهما، فقلت للوقت:
يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر
اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر والنوم قد زاد أجفانه تفتيراً، ومعاطفه تكسيراً، فقلت بين يديه بديهاً في صفة المجلس:
سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرّهى صوب الغمام
وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظّلام
فنورٌ من شموع (2) أو ندامى ... ونورٌ من سقاةٍ أو مدام
يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاةٌ مثل أقمار التّمام
تريك به الكؤوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضّرام
يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام
فكم من موصليٍّ فيه يشدو ... فينسي النفس عادية الحمام
__________
(1) البدائع: وزهوه.
(2) ب: شعاع.
(3/249)

وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزّمر فيه من زنام
لدى موسى بن أيوب المرجّى ... إذا ما ضنّ غيثٌ بانسجام
ومن كمظفّر الدين المليك ال ... أجلّ الأشرف النّدب الهمام
فما شمسٌ تقاس إلى نجومٍ ... تحاكي قدره بين الكرام
فدام مخلّداً في الملك يبقى ... إذا ما ضنّ دهرٌ بالدوام فلما أنشدتها قام فوضع فرجية من خاص ملابسه كانت عليه على كتفي، ووضع شربوشه بيده على رأس مملوك صغير كان لي، انتهى.
ولابن ظافر هذا بدائع: منها ما حكاه عن نفسه إذ قال (1) : ومن أعجب ما دهيت به ورميت، إلا أن الله بفضله نصر، وأعطى الظفر، وأعان خاطري الكليل، حتى مضى مضاء السيف الصقيل، أنني كنت في خدمة مولانا السلطان الملك العادل بالإسكندرية سنة إحدى وستمائة مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب والحواشي والخدام، ودخلت سنة اثنتين وستمائة ونحن بالثغر مقيمون في الخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت في جملة من حضر الهناء، من الفقهاء بالثغر والعلماء، والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، واتقف أن كان اليوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام والعرض لطوائف الأجناد، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من أهل العسكر إلا حضر مهنياً، ومثل شاكراً وداعياً، فحين غص المجلس بأهله، وشرق بجمع السلطان وحفله، وخرج مولانا السلطان إلى مجلسه، واستقر في دسته، أخرج من بركة قبائه كتاباً ناوله للصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته، وكبير جملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم كتبها إليها يتشوقه ويستعطفه لزيارته، ويرققه ويستحثه على عود ركابه إلى بلاد الشام، للمثاغرة
__________
(1) بدائع البدائه 2: 55.
(3/250)

بها، وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها، ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل لخدمته بالثغر ثم رجع إليها، والأبيات:
أروي رماحك من نحور عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا
واركب خيولاً كالسّعالي شزّباً ... واضرب بسيفك من يشقّ عصاكا
واجلب من الأبطال كلّ سميدعٍ ... يفري بعزمك كلّ من يشناكا
واسترعف السّمر الطّوال وروّها ... واسق المنيّة سيفك السفّاكا
وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدوّ دراكا
وانكح رماحك للثغور فإنّها ... مشتاقةٌ أن تبتني بعلاكا
فالعزّ في نصب الخيام على العدا ... تردي الطّغاة وتدفع الملاّكا
والنصر مقرونٌ بهمّتك التي ... قد أصبحت فوق السّماك سماكا
فإذا عزمت وجدت من هو طائعٌ ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا
والنصر في الأعداء يوم كريهةٍ ... أحلى من الكأس الذي روّاكا
والعجز أن تضحي بمصرٍ راهناً ... وتحلّ في تلك العراص عراكا
فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا
فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً ولا حرّ البلاد هناكا
وانهض لإلى راجي لقاك مسارعاً ... فمنه من كلّ الأمور لقاكا
وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا
واشف الغداة غليل صبّ هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا
فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا
فبقيت لي يا ملكي في غبطةٍ ... وجعلت من كلّ الأمور فداكا فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد (1) غاياتها، أخذ الناس في الاستحسان لغريب نظامها،
__________
(1) م: أبدع.
(3/251)

وتناسق التئامها، والثناء على الخاطر الذي نظم بديع أبياتها، وأطلع من مشرق فكره آياتها، فقال السلطان: نريد من يجيبه عنا بأبيات على قافيتها، فالتفت مسرعاً إلي مأنا عن يمينه، وقال: يا مولانا مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص من مضايق هذا الشان، ثم قطع وصلاً من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها (1) بين يدي، فقال له السلطان: أهكذا على مثل هدا الحال وفي مثل هذا الوقت فقال: نعم أنا قد جربته فوجدته متقد الخاطر، حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر، فقال السلطان: وعلى كل حال قم إلى هنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع عنك ضوضاء الحاضرين، وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو بالجلوس قيه منفرد، فقمت وقد فقدت رجلي انخذالاً، وذهني اختلالاً، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلوله فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلي خاطري، انثال الكلام على سرائري (2) ، فكنت أتوهم أن فكري كالباز الصيود لا يرى كلمة إلا أنشب فيها منسرة، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت:
وصلت من الملك المعظّم تحفةٌ ... ملأت بفاخر درّها الأسلاكا
أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا
عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا
جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرّة وجهك الأحلاكا
كقميص يوسف إذ شفت يعقوب ريّ ... اه شفتني مثله ريّاكا
قد أعجزت شعراء هذا العصر كلّ ... هم فلم لا تعجز الأملاكا
ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا
__________
(1) م: فألقاها.
(2) البدائع: وانثال الشعر على ضمائري.
(3/252)

لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا
أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محميّةٌ في جاه طعن قناكا
يكفي الأعادي حرّ بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الوليّ نداكا
ما زرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا
أن البلاد علا عليها قدرها ... لا سيّما مذ شرّفت بخطاكا
طابت وحقّ لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلاّ في القداح أخاكا
أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً، وأمنح غيرها سقياكا
مكثي جهادٌ للعدوّ لأنّني ... أغزوه بالرأي السديد دراكا
لولا الرباط وغيره لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا
ولئن أتيت إلى الشآم فإنّما ... يحتثّني شوقٌ إلى لقياكا
إنّي لأمنحك المحبّة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا
فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكلّ مملّكٍ يخشاكا
لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً ومن عاداك كان فداكا
وأعيش أبصر ابنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا ثم عدت إلى مكاني وقد بيضتها، وحليت بزهرها ساحة القرطاس وروضتها، فلما رآني السلطان وقد عدت قال لي: هل عملت شيئاً ظناً منه أن العمل في تلك اللمحة القريبة معجز متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: قد أجبت، فقال: أنشدنا (1) ، فصمت الناس، وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون، فما هو إلا أن توالى الإنشاد لأبياتها حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل، بأنه المعلى في البنين إذا ضربي قداحهم، وسردت أمداحهم، اغرورقت عيناه دمعاً لذكره، وأبان صمته
__________
(1) ب: أنشد.
(3/253)

مخفي المحبة حتى أعلن بسره، وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه، ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له، وعند حصولها في يده قام من غير إشعار لأحد بما دار منه إرادة القيام في خلده، ستراً لما ظهر عليه من الرقة على الموالي الأولاد، وكتماً لما عليه من الوجد بهم والمحبة لهم، وانفض المجلس.
وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي فيه وخاطر بي بالتعريض له أشياء كان يقترحها علي فأنفذ فيها من بين يديه، ويخف الأمر منها علي لدالتي عليه، منها أنني كنت في خدمته سنة 599 بدمشق، فورد عليه كتاب من الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره فتشاغل بتسويد جواب كتابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، واذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذه الحال فقال: نعم، فقلت بقد ما أنجز بقية النسخة:
أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمّهم عدلا
فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلّهم الفضلا
ودونك فامنحهم من العلم والحجى ... كما منحتهم كفّك الجود والبذلا
إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا
وماذا عسى من ظلّ بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به جلّ أو قلاّ
فلا زلت في عزٍّ يدوم ورفعةٍ ... تحوز فناءاً يملأ الوعر والسهلا ووقع لابن ظافر أيضاً من هذا النمط (1) أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحباً لهم، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رصّ تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضّار وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما
__________
(1) بدائع البدائه 2: 54.
(3/254)

رفعت صوالج فضة على كرات من النضار، فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال بديهاً:
أبدعت يا ابن هلال في فسقيّةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد
عجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقّد
فكأنّهنّ صوالجٌ من فضّةٍ ... رفعت لضرب كراة خالص عسجد [قدرة ابن قلاقس في الارتجال]
ومن بديع الارتجال ما حكاه المذكور ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى إذ قال (1) : دخل الأعز أبو الفتوح ابن قلاقس على بلال بن مدافع بن بلال الفزازي، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره، وأذكر الدهر ناره وجمد نهره، وألبسه من سلخ الأفاعي رداءً وجسمه ردىً أو داءً، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم منحده من ثبت ولا ينجو بطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، وأمره بصفة شانه، فقال على لسانه:
أروق كما أروّع فإن تصفني ... فإنّي رائق الصفحات رائع
تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلالٍ عن مدافع وقال أيضاً في:
ربّ يومٍ له من النّقع سحبٌ ... ما لها غير سائل (2) الدم ودق
قد جلته يمنى بلالٍ بحدّي ... فكأنّي في راحة الشمس برق
__________
(1) المصدر نسفه 2: 47.
(2) ب: مائر.
(3/255)

وقال أيضاً فيه:
أنا في الكريهة كالشّهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحدّ قاطعي
فكأنّما استمليت تلك وهذه ... من وصف كفّ بلالٍ ابن مدافع وقال أيضاً فيه:
انظر لمطّرد المياه بصفحتي ... ولنار حدّي كم بها من صالي
قد عاد شدّي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ ابن مدافع بن بلال وسأله صاحبٌ له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً، وشق ليلاً من الشعر جوناً، فقال:
ومتيّمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاجٌ ومن أدهانه شرفاته (1)
كتب الدياجي الشّعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيّوقاته وقال فيه:
وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزّق عن صبحٍ من العاج باهر
وإن غاص في بحر الشعور رأيته ... تبشّرنا أطرافه بالجواهر وقال فيه:
ومشرقٍ يشبه لون الضّحى ... حسناً ويسري في الدّجى الفاحم
وكلّما قلّب في لمّةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم وجلس بمصر في دار الأنماط يوماً مع جماعة، فمرّت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، وهي شمس تحت سحاب النقاب، وغصن في أوراق الشباب،
__________
(1) ب: حرقاته.
(3/256)

فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب، فسألوه العمل في وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيرواني:
أعرضن لمّا أن عرضن، فإن يكن ... حذراً فأين تلفّت الغزلان ثم صنع:
لها ناظرٌ في ذرا ناضرٍ ... كما ركّب السنّ فوق القناة
لوت حين ولّت لنا جيدها ... فأيّ حياةٍ بدت من وفاة
كما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمرّ وكرّر في الالتفات (1) ثم صنع أيضاً:
ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلاّ عتا
كملت محاسنها فودّ البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا
قد قلت لمّا أعرضت وتعرضت ... يا مؤيساّ يا مطعماّ قل لي متى
قالت أنا الظبي الغرير وإنما ... ولّى وأوجس نبأةً (2) فتلفّتا قال علي بن ظافر: وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أبواب السما، قد ارتدى جلابيب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته الرياض بما ائتمنتها عليه السحب من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد
__________
(1) سقط هذا البيت من ب.
(2) في الأصول: نبوة.
(3/257)

كرومه، والجو قد بعث بذخائر الطيب لطيمة نسيمه، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به، فسأله بعض الحضور أن يصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال:
قصرٌ بمدرجة النّسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرّها المستور
خفض الخورنق والسّدير سموّه ... وثنى قصور الروم ذات قصور
لاث الغمام عمامةً مسكيّةً ... وأقام في أرضٍ (1) من الكافور
غنّى الربيع به محاسن وصفه ... فافترّ عن نورٍ يروق ونور
فالدّوح يسحب حلّةً من سندسٍ ... تزهى بلؤلؤ طلّها المنثور
والنخل كالغيد الحسان تقرّطت ... بسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المذعور
والبحر يرعد متنه فكأنّه ... درعٌ تشنّ بمعطفي مقرور
وكأنّنا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكبٍ وبدور
وكذاك دهر بني خليفٍ لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور ثم قال ابن ظافر: وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي ابن الطوسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه، قال: كنت مع الأعز بن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل ابن فتوح المعروف بالمصري، وهو راجع من المكتب، ومعه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً وراحة القلب قرباً ووصالاً، كل عين إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل مخلقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:
__________
(1) م ب: روض.
(3/258)

علّقته متعلّقاً ... بالخطّ معتكفاً عليه
حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشق يرجى لديه
فدماء حبّات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه
لم أدر ما أشكو إلي ... هـ أهجره أمقلتيه
والحبّ يخرسني على ... أنّي ألكّع سيبويه
ما لي إذا أبصرته (1) ... شغلٌ سوى نظري إليه وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين الذين حلا، وأبعدنا عنه بما مر النجعة، فنقول:
33 - ذكر الفتح في قلائد العقيان، كما قال ابن ظافر، ما معناه (2) : أخبرني الوزير أبو عامر ابن بشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى ابن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهرت سقاته غصوناً تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازجت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تطلع في أكفها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الجفان، وعنده الوزير أبو الحسن ابن الحاج اللورقي، وهو يومئذ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد بعض السقاة أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلاً، فأنشد أبو الحسن مرتجلاً:
ومهفهفٍ مزج الفتور بشدّةٍ ... وأقام بين تبذّلٍ وتمنّع
يثنيه من فعل المدامة والصّبا ... سكران سكر طبيعةٍ وتطبّع
أوما إليّ بكأسه فكففتها ... ورنا فشفّعها بلحظٍ مطمع
__________
(1) البدائع: قابلته.
(2) بدائع البدائه 2: 87؛ والقلائد: 139.
(3/259)

والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتورّع
لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي 34 - وحكى الحميدي (1) أن عبد الملك ابن إدريس الجزيري كان ليلة بين يدي الحاجب ابن أبي عامر والقمر يبدو تارة، ويخفيه السحاب تارة، فقال بديهاً:
أرى بدر السّماء يلوح حيناً ... فيبدو ثمّ يلتحف السحابا
وذاك لأنّه لمّا تبدّى ... وأبصر وجهك استحيا فغابا
مقالٌ لو نما عنّي إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا 35 - وكان صاعد اللغوي (2) صاحب كتاب " الفصوص " - وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب - كثيراً ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور ابن أبي عامر، ويصفها ويقرظها، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك ابن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد ابن شهيد صاحب الغراءب، وقد تقدم بعض كلامه قريباً، إلى المنصور في يوم برد - وكان أخص وزرائه به - بهذه الأبيات:
أما ترى برد يومنا هذا ... صيّرنا للكمون أفذاذا
قد فطرت صحّة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا
فادع بنا للشّمول مصطلياً ... نغذّ سيراً إليك إغذاذا
وادع المسمّى بها وصاحبه (3) ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا
ولا تبال أبا العلاء زها ... بخمر قطربّلٍ وكلواذا
ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمّى وطيزناباذا (4)
__________
(1) جذوة المقتبس: 262؛ وبدائع البدائه 2: 96.
(2) بدائع البدائه 2: 103؛ والذخيرة 4 / 1: 16.
(3) يريد غلاما اسمه " شمول ".
(4) سقط هذا البيت من م.
(3/260)

وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان يعتاده، وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله، ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم، حتى تهايج القوم ورقصوا، وجعلوا يرقصون بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عباس، فجعل يرقص وهو متوكئ عليه، ويرتجل ويومئ إلى المنصور، وقد غلب عليه السكر (1) :
هاك شيخاً قاده عذرٌ لكا ... قام في رقصته مستهلكا
لم يطق يرقصها مستثبتاً ... فانثنى يرقصها مستمسكا
عاقه عن هزّها منفرداً ... نقرسٌ أخنى عليه فاتّكا
من وزيرٍ فيهم رقّاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا
أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالاً على رأسي لكا
قهقه الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى قال ابن ظافر: وهذه قطعة مطبوعة، وطرفها الأخير واسطتها، وكان حاضرهم ذلك اليوم رجلٌ بغدادي يعرف بالفكيك، حسن النادر سريعها، وكان ابن شهيد استحضره إلى المنصور فاستطبعه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان يمنعه من الحركة قال: لله درك يا وزير! ترقص بالقائمة، وتصلي بالقاعدة، فضحك المنصور، وأمر لابن شهيد بمال جزيل، ولسائر الجماعة، وللبغدادي.
36 - وقال ابن بسام (2) : حدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن
__________
(1) الذخيرة 4 / 1: 17؛ وزاد في م: وقال ارتجالا.
(2) بدائع البدائه 2: 106.
(3/261)

عثمان المصحفي قال، دخلت يوماً على أبي عامر ابن شهيد، وقد ابتدأت علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت له تجني بعض أصحابي (1) علي، ونفاره عني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين، فخرجت عنه، واتفق لقائي لذلك المتجني علي مع بعض أصحابي وأعزهم علي، فلما رآني ذلك الصديق مولياً عنه أنكر عليه، وسأله عن السبب الموجب، فأخبره، وزاد في مشيهما حتى لحقا بي، وعزم علي في مكالمة صاحبي، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهواء، وأشهى من الماء على الظماء، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده قلنا: قد كان ما كان، فاطرق قليلاً تم أنشد:
من لا أسمّي ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى
أرسلت من كابد الهوى فدرى ... كيف يداوى مواقع البلوى
ولي حقوقٌ في الحبّ ثابتةٌ ... لكنّ إلفي يعدّها دعوى وقد ذكرنا في هذا الكتاب من غرائب أبي عامر ابن شهيد في مواضع متفرقة الغرائب، وقدمنا في الباب الرابع حكايته مع المرأة الداخلة في رمضان لجامع قرطبة وحكينا [ها] هناك بلفظ " المطمح " فلتراجع.
وعبر ابن ظافر عن معناها بقوله (2) : إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين من رمضان (3) ،فمرت امرأة به من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري، كالبدر حف بالدراري، فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، وقد رمقوا ذلك الظبي بعيون أسودٍ رأت فريسة،
__________
(1) البدائع: إخواني.
(2) بدائع البدائه 2: 107.
(3) من رمضان: سقطت من ب.
(3/262)

ارتاعت وتخوفت أن تخطف منها (1) تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها خشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً:
وناظرةٍ تحت طيّ القناع..إلخ ... ومرت في الباب الرابع هذه الأبيات.
37 - وقال الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي (2) : لما نعيت أبا عامر ابن شهيد إلى أبي عبد الله الحناط (3) الشاعر، وقد عرف ما كان بينهما من المنافسة، بكى وأنشدني لنفسه بديهة:
لمّا نعى النّاعي أبا عامرٍ ... أيقنت أنّي لست بالصابر
أودى فتى الظّرف وترب النّدر ... وسيّد الأوّل والآخر 38 - وقال ابن بسام (4) : اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه، فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب المطرب من الدك، وحضر أيضاً هناك لاعب مصري ساحر فكان لعبه حسناً، فارتجل أبو عبد الله بن الحداد:
كذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجني الهوى ناظراً ناضرا
وسيبك سيب ندىً مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامرا
وإنّ ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضّحى باهرا
صباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيّا العلا سافرا
وأطلعت فيه نجوم الكؤوس ... فما زال كوكبها زاهرا
وأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا
__________
(1) منها: سقطت من ب.
(2) بدائع البدائه 2: 109.
(3) في الأصول: الخياط.
(4) بدائع البدائه 2: 121.
(3/263)

يرفرف فوق رؤوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا
ويحفظها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا
فظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا
وثنّاه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجى حائرا (1)
وفي سورة الرّاح من سحره ... خواطر دلّهت الخاطرا
إذا ورد اللّحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا
ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفكّ عارضها ماطرا
وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا 39 - قال (2) : وحضر الأديب أحمد بن الشقاق عند القائد ابن دري (3) بجيان، هو وأبو زيد ابن مقانا الأشبوني، فأحضر لهما (4) عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل ابن الشقاق:
عنبٌ تطلّع من حشا ورقٍ لنا (5) ... صبغت غلائل جلده بالإثمد
فكأنّه من بينهنّ كواكبٌ ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد 40 - قال (6) : وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون، وبحضرته وصيفة تحمل شمعة، فاستحسنها ابن مرزقان، فقال بديهاً:
يا شمعةً تحملها أخرى ... كأنّها شمسٌ علت بدرا
امتحنت إحداكما مهجتي ... بمثل ما تمتحن الأخرى
__________
(1) اضطربت النسخة م بعد هذا البيت وسقط منها قسط كبير وسنشير إلى موضع التئامها مع النسختين ق ب.
(2) بدائع البدائه 2: 122 وروى ابن بسام القصة (الذخيرة 1 / 2: 262) عن المنفتل عبد العزيز ابن خيرة القرطبي.
(3) ق ب: ابن دريد.
(4) ب: فأحضرهما.
(5) ب: له؛ الذخيرة: ندي.
(6) بدائع البدائه 2: 123.
(3/264)

41 - قال (1) : ودخل الأديب غانم يوماً على باديس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال بديهاً:
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تتسع الدنيا بغيضين وأخذه من قول الخليل " ما تضايق سمّ الخياط بمتحابّين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين " (2) . وكان الخليل على نمرقة صغيرة، والمجلس متضايق، فدخل عليه بعض أصحابه، فرحب به وأجلسه معه على النمرقة، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال ما ذكر.
42 - وقال ابن بسام أيضاً (3) : أمر الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بعرض بعض الجند في بعض الأيام، ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك، فقال ابن هندو الداني فيه ارتجالاً:
أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث
أفي الحقّ أن تحكي سرافيل نافخاً ... وأمكث في رمث الصّدود وألبث
عساك، نبيّ الحسن، تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الصّدود فيبعث 43 - قال: وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له، فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالاً (4) :
__________
(1) المصدر نفسه: 123.
(2) ب: بمتباغضين.
(3) الذخير (3: 282) .
(4) الذخيرة (3: 280) .
(3/265)

قالوا: به صفرةٌ عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيبٍ به نزلا
عيناه تطلب في أوتار من قتلت ... فلست تلقاه إلاّ خائفاً وجلا قال: وكان يوماً مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس، فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه إلى السوق، فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجناً، فقال ابن فرج (1) :
أبصرت ديناراً بكفّ مهفهفٍ ... يزهى به من كثرة الإعجاب
أوما به من فيه ثمّ رمى به ... فكأنّه بدرٌ رمى بشهاب 44 - قال (2) : وخرج الأديب أبو الحسن ابن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة، فتذكر إشبيلية، فقال بديهاً:
ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته
كأنّك والشمس عند الغروب ... عروسٌ من الحسن منحوته
غدا النهر عقدك والطّود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته 45 - وعبر بعضهم، وهو صاحب " بدائع البدائه " عن بعض حكايات صاحب القلائد بما يقاربها في المعنى، فقال (3) : إن المستعين بن هودٍ ملك سرقسطة والثغور ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رقّ ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة العراق، قد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن
__________
(1) الذخيرة (3: 280) .
(2) بدائع البدائه 2: 124.
(3) بدائع البدائه 2: 124.
(3/266)

تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح مائه من أرضه، وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة (1) بالغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات الطالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كقصد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم، فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه:
لله يومٌ أنيقٌ واضح الغرر ... مفضّضٌ مذهب الآصال والبكر
كأنّما الدهر لمّا ساء أعتبنا ... فيه بعتب فأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حفّ السرور به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مدّ الشراع به قدّاً على ملكٍ ... بذّ الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آيةً عجباً ... بحرٌ تجمّع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر
وللندامى به عبٌّ ومرتشفٌ ... كالريق يعذب في ورد وفي صدر
والشرب في ودّ مولى خلقه زهرٌ ... يذكو وبهجته أبهى من القمر ثم قال ما معناه (2) : وقوله " نينان " غير معروف، فإن نوناً لم يجئ جمعها على نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله في صفة السفينة:
تلاعب نينان البحور وربّما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري فغيره بشار ب " تيار البحور " وقد قال أبو الطيب يصف خيلاً:
__________
(1) الطفاوة: دارة الشمس.
(2) بدائع البدائه 2: 127.
(3/267)

فهنّ مع السّيدان في البرّ عسلٌ ... وهنّ مع النينان في البحر عوّم انتهى.
والمستعين بن هود هو أحمد بن المؤتمن على أمر الله يوسف بن المقتدر بالله أحمد بن المستضيء بالله سليمان بن هود، الجذامي، رحم الله تعالى الجميع.
46 - وعبر المذكور عن قضية ابن وهبون في هلال شوال بما نصه (1) :
خرج ابن وهبون يوما لنظر هلال شوال، وأبو بكر ابن القبطرنة الوزير يسايره، وهو يومئذ غلام يخجل البدر، ويذوي (2) الغصن النضر، وصفحته لم يسطرها العذار بأنقاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل:
يا هلال استتر بوجهك عنّي ... إن مولاك قابضٌ بشمالي
هبك تحكي سناه خدّاً بخدٍّ ... قم فجئني لقدّه بمثال وقد ذكرنا هذه الحكاية في غير هذا الموضع بلفظ الفتح في " القلائد " ولكننا أعدناها هنا لتعبير صاحب " البدائع " عنها محاكياً لطريقته.
47 - وذكر ابن بسام (3) أن الوزير أبا عبد الله ابن أبي الخصال وقف بباب بعض القضاة، واستأذن عليه، فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً (4) :
جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم والإخوان في بوس
وقد وقفنا طويلاً عند بابكم ... ثم انصرفنا على رأي ابن عبدوس أشار به إلى قول الوزير أبي عامر ابن عبدوس:
__________
(1) المصدر السابق 2: 128.
(2) البدائع: ويزري.
(3) بدائع البدائه 2: 147.
(4) ب: بديهة.
(3/268)

لنا قاضٍ له خلق ... أقلّ ذميمه النّزق
إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنه ونفترق وهو تلميح مليح، سامح الله تعالى الجميع.
48 - وقال أبو جعفر الكاتب القرطبي الربضي (1) :
وأبي المدامة ما أريد بشربها ... صلف الرقيع ولا انهماك اللاهي
لم يبق من عصر الشباب وطيبه ... شيء كعهدي لم يحل إلاّ هي
إن كنت أشربها لغير وفائها ... فتركتها للناس لا لله وبعضهم ينسبها لأبي القاسم عامر بن هشام، والصواب - كما قال ابن الأبار (2) - الأول.
وقال أبو جعفر المذكور في فوارة رخام كلفه وصفها والي قرطبة (3) :
ما شغل الطّرف مثل فائرة ... تمجّ صرف الحياة من فيها
اشرب بها والحباب في جذل ... يظهره حسنها ويخفيها
تكاد من رقّةٍ تضمنها ... تخطبها العين إذ توافيها
كأنّها درّةٌ منعّمةٌ ... زهراء قد ذاب نصفها فيها ومن شعره أيضاً:
__________
(1) انظر ما سبق ص: 228، وأبو جعفر هذا هو أحمد بن عبد الرحمن اللخمي الكاتب من أهل قرطبة ويعرف بالربضي لسكناه بالربض الشرقي منها؛ توفي سنة 610 (المقتضب من تحفة القادم: 126) .
(2) قال ابن الأبار: وهذه الأبيات قد أنشدنيها بعض الأعلام لأبي القاسم عامر بن هشام وإنما هي لأبي جعفر هذا أنشدنيها صاحبنا أبو الحسن حازم بن محمد الأديب ... إلخ (الوافي 7: 24 نقلا عن التحفة ولم يرد في المقتضب) .
(3) الأبيات في الوافي 7: الورقة 24؛ وكذلك الأبيات التي تليها.
(3/269)

ضحك المشيب براسه ... فبكى بأعين كاسه
رجلٌ تخوّنه الزّما ... ن ببؤسه وبباسه
فجرى على غلوائه ... طلق الجموح بناسه
أخذاً بأوفر حظّه ... لرجائه من ياسه 49 - وقال أحد بني القبطرنة الوزراء (1) :
ذكرت سليمى ونار الوغى ... بقلبي كساعة فارقتها
وأبصرت قدّ القنا شبهها ... وقد ملن نحوي فعانقتها وهذا معنى بديع ما أراه سبق به.
50 - وقال أبو الحسن ابن الغليظ المالقي (2) : قلت يوماً للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي، ونحن على جرية ماء: أجز:
شربنا على ماء كأنّ خريره ... فقال مبادراً:
بكاء محبٍّ بان عنه حبيب ...
فمن كان مشغولاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوفٌ به وكئيب 51 - وكتب أبو بكر البلنسي (3) إلى الأديب أبي بحر صفوان بن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسيم الأخير منهما:
__________
(1) انظر القلائد: 155 والمغرب 1: 368.
(2) بدائع البدائه 1: 73.
(3) بدائع البدائه 1: 79.
(3/270)

خليلي أبا بحر وما قرقف اللّمى (1) ... بأعذب من قولي خليلي أبا بحر
أجز غير مأمورٍ قسيماً نظمته ... تأمّل على نحر المياه حلى الزّهر فأجازه:
تأمّل على حلى المياه حلى الزّهر ... كعهدك بالخضراء والأنجم الزّهر
وقد ضحكت للياسمين مباسمٌ ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر
وأصغت من الآس النضير مسامعٌ ... لتسمع ما يتلوه من سور الشعر 52 - وقال ابن خفاجة (2) :
وما الأنس إلاّ في مجاج زجاجةٍ ... ولا العيش إلا في صرير سرير
وإني وإن جئت المشيب لمولعٌ ... بطرّة ظلٍّ فوق وجه غدير وقال ابن خفاجة أيضاً (3) :
وأسودٍ يسبح في لجّةٍ ... لا تكتم الحصباء غدرانها
كأنها في شكلها مقلةٌ ... وذلك الأسود إنسانها [قصائد لابن زيدون]
53 - وكتب الوزير الشهير أبو الوليد ابن زيدون إلى الوزير أبي عبد الله ابن عبد العزيز إثر صدوره عن بلنسية (4) :
راحت فصحّ (5) بها السقيم ... ريحٌ معطّرة النّسيم
مقبولةٌ هبّت قبو ... لاً فهي تعبق في الشميم
__________
(1) ب: الطلى.
(2) ديوان ابن خفاجة: 181.
(3) ديوان ابن خفاجة: 363؛ وفي ق: وله.
(4) ديوان ابن زيدون: 201، وهي في الذخيرة والقلائد.
(5) الديوان: فراح.
(3/271)

أفضيض مسكٍ أم بلن ... سيةٌ لريّاها نميم
بلدٌ حبيبٌ أفقه ... لفتىً يحلّ به كريم
إيه أبا عبد الإل ... هـ نداء مغلوب العزيم
إن عيل صبري من فرا ... قك فاعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينها ... نفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالعرا ... ر سرى فبرّج بالسليم
مهما ذممت فما زما ... ني في ذمامك بالذميم
زمنٌ كمألوف الرضا ... ع يشوق ذكراه الفطيم
أيّام أعقد ناظري ... في ذلك المرأى الوسيم
وأرى الفتوّة غضّةً ... في ثوب أوّاهٍ حليم
الله يعلم أنّ حبّ ... ك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمّل عنك لي ... جسمٌ فعن قلبٍ مقيم
قل لي بأيّ خلال سر ... ك فيك أفتن أو أهيم
ألمجدك العمم الذي ... نسق الحديث مع القديم
أم ظرفك الغضّ الجنى ... أم عرضك الصافي الأديم
أم برّك العذب الجما ... م وبشرك الغضّ الجميم
إن أشمست تلك الطلا ... قة فالندى منها مغيم
أم بالبدائع كاللآ ... لي من نثيرٍ أو نظيم
لبلاغةٍ إن عدّ أه ... لوها فأنت بها زعيم
فقرٌ تسوغ بها المدا ... م وبشرك الغضّ الجميم
إن الذي قسم الحظو ... ظ حباك بالخلق العظيم
لا أستزيد الله نع ... مى فيك لا بل أستديم
فلقد أقرّ العين أن ... ك غرّة الزمن البهيم
حسبي الثناء بحسن برّ ... ك ما بدى برقٌ وشيم
(3/272)

ثمّ الدّعاء بأن ته ... نّأ طول عيشك في نعيم
ثمّ السلام تبلّغن ... هـ فغيب مهديه سليم ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلساً، فصنع أبياتاً كتبت فيه (1) :
عمّر من يعمر ذا المجلسا ... أطول عمرٍ يبهج الأنفسا
وبعد ذا عوّضٍ من داره ... عدناً ومن ديباجه السّندسا
ولقّي النور (2) بها والرضى ... ووقّي الأسواء والأبؤسا
ودام عبّادٌ لعضد (3) الهدى ... يحرس حتى يفني الأحرسا
معتضدٌ بالله إحسانه ... جمّ إذا ما الدهر يوماً أسا
الملك الغمر الندى المقتني ... من كلّ حمدٍ علقه الأنفسا
إن رام يوماً وصف عليائه ... مفوّهٌ مقتدرٌ أخرسا
لا زال بدراً طالعاً نيّراً ... يكشف عن آمالنا الحندسا وقال فيه أيضاً (4) :
أدرها فقد حسن المجلس ... وقد آن أن تترع الأكؤس
ولا تنس أنّ أوان الربيع (5) ... إذا لم تجد فقده الأنفس
فإنّ خلال أبي عامرٍ ... بها يحقر الورد والنرجس وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه (6) :
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 227.
(2) الديوان: ووفي الفوز.
(3) الديوان: لعهد.
(4) ديوان ابن زيدون: 228.
(5) الديوان: ولا بأس إن كان ولى الربيع.
(6) الديوان: 228.
(3/273)

طابت لنا ليلتنا الخاليه ... فلنتبعنها هذه الثانيه (1)
أبا المعالي نحن في راحةٍ ... فانفل إلينا القدم العاليه
لأنها (2) عاطلةٌ إن تغب ... عنّا فزرنا كي ترى حاليه
أنت الذي لو تشترى ساعةٌ ... منه بدهرٍ لم تكن غاليه وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتباً (3) :
تباعدنا على قرب الجوار ... كأنّا صدّنا شحط المزار
تطلع لي هلال الهجر بدراً ... وصار هلال وصلك في سرار
وشاع شنيع قطعك لي بوصلي ... فهلاّ كان ذلك في استتار
أيجمل أن ترى عنّي صبوراً ... فأصبح (4) مولعاً دون اصطبار
وكنت أزيد سمعك من عتابي ... ولكن عاقني فرط الخمار
فراع مودّتي واحفظ جواري ... فإنّ الله أوصى بالجوار
وزرني منعماً من غير أمرٍ ... وآنس موحشاً من عقر داري فكتب إليه ابن زيدون (5) :
هواي وإن تناءت عنك داري ... كمثل هواي في حال الجوار
مقيمٌ لا تغيره عوادٍ ... تباعد بين أحيان المزار
رأيتك قلت إنّ الهجر بدرٌ ... متى خلت البدور من السرار
ورابك أنّني جلدٌ صبورٌ ... وكم صبرٍ يكون عن اصطبار
__________
(1) الديوان: فلتنسناها ... التاليه.
(2) الديوان: ليلتنا.
(3) الديوان: 204.
(4) ب: وأصبح.
(5) الديوان: 205.
(3/274)

ولم أهجر لعتبٍ، غير أنّي ... أضرّت بي معاقرة العقار (1)
وإنّ الخمر ليس لها خمارٌ ... يبرّح بي فكيف مع الخمار
وهل أنسى لديك نعيم عيشٍ ... كوشي الخدّ طرّز بالعذار
وساعاتٍ يجول اللهو فيها ... مجال الطلّ في حدق البهار (2)
وإن يك فرّ عنك اليوم جسمي ... فديت فما لقلبي من فرار
وكنت على البعاد أجلّ شيء ... لديّ فكيف إذ أصبحت جاري وكان أبو العطاف إذا ورد إشبيلية رسولاً قد سأله أن يريه شيئاً من شعره فمطله به، حتى كتب إليه شعراً يستبطئه، فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية (3) :
أفدتني (4) من نفائس الدّرر ... ما أبرزته غوائص الفكر
من لفظةٍ قارنت نظائرها ... قران سقم الجفون للحور وهي أكثر مما ذكر (5) .
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة (6) :
أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح الليل صبّحنا ... حينٌ فقام بنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أنّ الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا
__________
(1) هذا البيت والذي يليه سقطا من ب.
(2) في الأصول: الظل ... النهار، والتصويب عن الديوان.
(3) الديوان 206.
(4) ب: أفادني.
(5) هي في عشرين بيتا.
(6) ديوان ابن زيدون: 121.
(3/275)

فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
بالأمس كنّا (1) وما يخشى تفرّقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ... هل نال حظاً من العتبى أعادينا
لم نعتقد بعدكم إلاّ الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلّد غيره دينا
كنّا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا فما لليأس يغرينا
بنّم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
حالت لفقدكم أيّامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلقٌ من تألّفنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانيةٍ ... قطوفها فجنينا منه. ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرنا ... أن طال ما غيّر النّاي المحّبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
واسأل هنالك هل عنّى تذكّرنا ... إلفاً تذكره أمسى يعنّينا
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيّتنا ... من لو على البعد حيّا كان يحيينا
من لا يرى الدهر يقضينا مساعفةً ... فيه وإن لم يكن عنّا يقاضينا
من بيت (2) ملكٍ كأنّ الله أنشأه ... مسكاً وقد أنشأ الله الورى طينا
أو ساقه ورقاً محضاً وتوّجه ... من ناصع التبر إبداعاً وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهيةً ... توم العقود (3) وأدمته البرى لينا
__________
(1) الديوان: وقد نكون.
(2) الديوان: ربيب.
(3) ب: تدمي العقول.
(3/276)

كانت له الشمس ظئراً في تكلّله ... بل ما تجلّى لها إلاّ أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنته ... زهر الكواكب تعويذاً وتزيينا
ما ضرّ أن لم نكن أكفاءه شرفاً ... وفي المودة كافٍ من تكافينا
يا روضةً طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جلاه الصّبا غضّاً ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتها ... منىً ضروباً ولذّاتٍ أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضارته ... في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسمّيك إجلالاً وتكرمةً ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ ... فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا حنّة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقّوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سرّان في خاطر الظّلماء تكتمنا ... حتى يكاد لسان الصّبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النّهى وتركنا الصّبر ناسينا
إنّا قرأنا الأسى يوم النّوى سوراً ... مكتوبةً وأخذنا الصبر تلقينا
أمّا هواك فلم نعدل بمشربه ... شرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمالٍ أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنّبناك عن كثبٍ ... لكن عدتنا على كرّه عوادينا
نأسى عليك إذا حثّت مشعشعةً ... فينا الشمول وغنّانا مغنّينا
لا أكوس الرّاح تبدي من شمائلنا ... سيم ارتياحٍ ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظةً ... فالحرّ من دان إنصافاً كما دينا
فما استعضنا خليلاً عنك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ... بدر الدّجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبلي وفاءً وإن لم تبذلي صلةً ... فالطّيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب متاعٌ لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك منّي سلام الله ما بقيت ... صبابةٌ بك نخفيها وتخفينا
(3/277)

وإنما ذكرت هذه القصيدة - مع طولها - لبراعتها، ولأن كثيراً من الناس لا يذكر جملتها، ويظن أن ما في القلائد وغيرها منها هو جميعها، وليس كذلك، فهي وإن اشتهرت بالمشرق والمغرب لم يذكر جملتها إلا القليل، وقد كنت وقفت بالمغرب على تسديس لها لبعض علماء المغرب، ولم يحضرني منه الآن إلا قوله في المطلع:
ما للعيون بسهم الغنج تصمينا ... وعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا
تألّفٌ كان يحيينا ويضنينا ... تفرّق عاث في شمل المحبّينا
أضحى التّنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا وما أحسن قوله في هذا التسديس:
ما للأحبّة دانوابالنّوى ورأوا ... تعريض عهد اللّقا بالبعد حين نأوا
رعاهم الله كانوا للعهود رعوا ... فغيّرتهم وشاةٌ بالفساد سعوا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغصّ فقال الدهر آمينا وقد ذكرنا في الباب الرابع موشحة ابن الوكيل التي وطأ فيها بنونية ابن زيدون هذه فلتراجع (1) .
رجع - وقال ذو الوزارتين ابن زيدون يتغزل (2) :
وضح الصبح (3) المبين ... وجلا الشكّ اليقين
ورأى الأعداء ما غ ... رتهم منك الظنون
أمّلوا ما ليس يمنى ... ورجوا ما لا يكون
وتمنّوا أن يخون ال ... عبد مولىً لا يخون
__________
(1) انظر النفح ج ص: 632.
(2) ديوان ابن زيدون: 176.
(3) الديوان: الحق.
(3/278)

فإذا الغيب سليمٌ ... وإذا العهد مصون
قل لمن دان بهجري ... وهواني إذ يدين (1)
أرخص الحبّ فؤادي ... لك والعلق ثمين
يا هلالاً تتراءا ... هـ نفوسٌ لا عيون
عجباً للقلب يقسو ... منك والعطف يلين
ما الذي ضرّك لو س ... رّ بمرآك الحزين
وتلطّفت بصبٍّ ... حينه فيك يحين
فوجوه اللّطف شتّى ... والمعاذير فنون وقال أيضاً (2) :
إليك من الأنام غدا ارتياحي ... وأنت من الزمان مدى اقتراحي
وما اعترضت هموم النفس إلاّ ... ومن ذكراك ريحاني وراحي
فديتك إنّ صبري عنك صبري ... لدى عطشي عن الماء القراح
ولي أملٌ لو الواشون كفّوا ... لأطلع غرسه ثمر النجاح
وأعجب كيف يغلبني عدوٌّ ... رضاك عليه من أمضى سلاح
ولما أن جلتك لي اختلاساً ... أكفّ الدهر للحين المتاح
رأيت الشمس تطلع في نقابٍ ... وغصن البان يرفل في وشاح
فلو أستطيع طرت إليك شوقاً ... وكيف يطير مقصوص الجناح
على حالي وصال واجتناب ... وفي يومي دنوٍّ وانتزاح
وحسبي أن تطالعك الأماني ... بأفقك في مساءٍ أو صباح
فؤادي من أسىً بك غير خالٍ ... وقلبي من هوىً لك غير صاح
__________
(1) الديوان: وهواه لي دين.
(2) ديوانه: 148.
(3/279)

وأن تهدي السّلام إليّ شوقاً ... ولو في بعض أنفاس الرياح وقال (1) :
كم ذا أريد ولا أراد ... لله ما لقي الفؤاد
أصفي الوداد إلى الذي (2) ... لم يصف لي منه الوداد
كيف السّلوّ عن الذي ... مثواه من قلبي السواد
يقضي عليّ دلاله ... في كلّ حينٍ أو يكاد
ملك القلوب بحسنه ... فلها إذا أمر انقياد
يا هاجري كم أستفي ... د الصبر عنك فلا أفاد
أفلا رثيت لمن يبي ... ت وحشو مقلته السهاد
إن أجن ذنباً في الهوى ... خطأً فقد يكبو الجواد
كان الرضى وأعيذه ... أن يعقب الكون الفساد وقال (3) :
متى أنبّيك ما بي ... يا راحتي وعذابي
متى ينوب لساني ... في شرحه عن كتابي
الله يعلم أنّي ... أصبحت فيك لما بي
فما يلذّ منامي ... ولا يسوغ شرابي
يا فتنة المتعزّي ... وحجّة المتصابي
الشمس أنت توارت ... عن ناظري بالحجاب (4)
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 178.
(2) الديوان: مدللا.
(3) ديوانه: 149.
(4) إلى هنا ينتهي ما سقط من النسخة م.
(3/280)

ما النّور شفّ سناه ... على رقيق السحاب
إلاّ كوجهك لمّا ... أضاء تحت النّقاب وقال (1) :
هل لداعيك مجيب ... أم لشاكيك طبيب
يا قريباً حين ينأى ... حاضراً حين يغيب
كيف يسلوك محبٌّ ... زانه منك حبيب
إنّما أنت نسيمٌ ... تتلقّاه القلوب
قد علمنا علم ظنٍّ ... هو لا شكّ مصيب
إنّ سرّ الحسن ممّا ... أضمرت تلك القلوب وقال (2) :
أنّى تضيّع عهدك ... أم كيف تخلف وعدك
وقد رأتك الأماني رضىً ... فلم تتعدّك
يا ليت شعري وعندي ... ما ليس في الحبّ عندك (3)
هل طال (4) ليلك بعدي ... كطول ليلي بعدك
سلني حياتي أهبها ... فلست أملك ردّك
الدهر عبدي لمّا ... أصبحت في الحبّ عبدك وقال رحمه الله تعالى، وقد أمره السلطان أي يعارض قطعاً كان يغنى بها واستحسن ألحانها (5) :
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 164.
(2) ديوانه: 165.
(3) الديوان:
يا ليت ما لك عندي ... من الهوى لي عندك (4) الديوان: فطال.
(5) ديوانه: 512.
(3/281)

يقصّر قربك ليلي الطويلا ... ويشفي وصالك قلبي العليلا
وإن عصفت منك ريح الصّدود ... فقدت نسيم الحياة البليلا
كما أنّني إن أطلت العثار ... ولم يبد عذري وجهاً جميلا
وجدت أبا القاسم الظّافر الم ... ؤيّد بالله مولىً مقيلا
لأقلامه فعل (1) أسيافه ... يظلّ الصّرير يباري الصليلا وقال يهنيه بالقدوم من السفر (2) :
أيّها الظّافر أبشر بالظّفر ... واجتل التأييد في أبهى الصور
وتفيّأ ظلّ سعدٍ يجتنى ... فيه من غرس المنى أحلى الثمر
ورد النّجح فكم مستوحشٍ ... شائقٍ منك إلى أنس الصدر
كان من قربك في عيشٍ ندٍ ... عاطر الآصال وضّاح البكر
فثوى دونك مثوى قلقٍ ... يشتكي من ليله مطل السّحر
قل لساقينا يجد أكؤسه ... ولشادينا يطل (3) قطع الوتر ومنها:
لي فيه المثل السائر في ... جالب التمر إلى أرض هجر
ثمّ قد وفّق عبدٌ عظمت ... نعمة المولى عليه فشكر
لا عدى حظّك إقبالٌ يرى ... قاضياً أثناءه كلّ وطر
واصطبح كأس الرّضى من ملك ... سرت في إرضائه أزكى السّير
حين صممت إلى أعدائه ... فانتحتهم منك صمّاء الغبر (4)
__________
(1) الديوان: وأقلامه وفق.
(2) ديوانه: 514.
(3) الديوان: يجز ... يصل.
(4) صماء الغبر: الداهية.
(3/282)

فاض غمرٌ للندى من فوقهم ... كان يروي شربهم منه الغمر
سبق الناس فصلّى سابقٌ ... إذ رأى آثاره مثل الزّهر (1) وهي طويلة.
وقال رحمه الله تعالى (2) :
لم يكن هجر حبيبي عن قلى ... لا ولا ذاك التجنّي مللا
سرّه دعوى ادّعائي ثمّ لم ... يدر ما غاية صبري فابتلى
أنا راضٍ بالذي يرضى به ... لي ما لو قال ما قلت لا
مثلٌ في كلّ حسنٍ مثل ما ... صار حالي في هواه مثلا
يا فتيت المسك يا شمس الضحى ... يا قضيب البان يا ظبي الفلا
لإن يكن لي أملٌ غير الرّضى ... منك لا بلّغت ذاك الأملا وقال رحمه الله تعالى (3) :
أذكرتني سالف العيش الذي طابا ... يا ليت غائب ذاك الوقت (4) قد آبا
إذ نحن في روضةٍ للوصل أنعمها ... من السرور غمامٌ فوقها صابا
إنّي لأعجب من شوقٍ يطالبني ... فكلّما قيل فيه قد قضى ثابا
كم نظرةٍ لك عندي قد علمت بها ... يوم الزيارة أنّ القلب قد ذابا
قلبٌ يطيل معاصاتي لطاعتكم ... فإن أكلّفه يوماً سلوةً يابى وقال رحمه الله تعالى (5) :
__________
(1) الديوان:
.......... منك من ... إن رأى آثاره الزهر اقتفر (2) ديوانه: 165.
(3) ديوانه: 123.
(4) الديوان: العهد.
(5) ديوانه: 192.
(3/283)

عاودت ذكر الهوى من بعد نسياني ... واستحدث القلب بعد العشق سلواني
من حبّ جاريةٍ يبدو بها صنمٌ ... من اللّجين عليها تاج عقيان
غريرةٌ لم تفارقها تمائمها ... تسبي القلوب بساجي الطّرف وسنان
لأستجدّنّ في عشقي لها زمناً ... يحيي سوالف أيّامي وأزماني
حتى يكون لمن أحببت خاتمةً ... نسخت في حبّها كفراً بإيمان وقال رحمه الله تعالى (1) :
أنت معنى الهوى وسرّ الدموع ... وسبيل الهوى وقصد الولوع
أنت والشمس ضرّتان ولكن ... لك عند الغروب فضل الطّلوع
ليس يا مؤنسي نكلّفك (2) العت ... ب دلالاً من الرضى الممنوع
إنّما أنت والحسود معنّىً ... كوكبٌ يستقيم بعد الرجوع وقال رحمه الله تعالى (3) :
يا ليل طل لا أشتهي ... إلاّ كعهدي (4) قصرك
لو بات عندي قمري ... ما بتّ أرعى قمرك
يا ليل خبّر أنّني ... ألتذّ عنه خبرك
بالله قل لي هل وفى ... فقال لا بل غدرك وقال رحمه الله تعالى (5) :
لئن فاتني منك حظّ النظر ... لأكتفين بسماع الخبر
__________
(1) ديوانه: 166.
(2) الديوان: تكلفك.
(3) ديوانه: 182.
(4) الديوان: بوصل.
(5) ديوانه: 168.
(3/284)

وإن عرضت غفلةٌ للرقيب ... فحسبي بتسليمةٍ (1) تختصر
أحاذر أن يتجنّى (2) الوشاة ... وقد يستدام الهوى بالحذر
فأصبر مستيقناً أنّه ... سيحظى بنيل المنى من صبر وقال أيضاً رحمه الله تعالى (3) .
أيّها البدر الذي يم ... لأ عيني من تأمّل
حمل القلب تباري ... ح التجنّي فتحمّل
ثمّ لا تيأس (4) فكم قد ... نيل أمرٌ لم يؤمّل وقال أيضاً رحمه الله تعالى (5) :
أجدّ ومن أهواه في الحبّ عابث ... وأوفي له بالعهد غذ هو ناكث
حبيبٌ نأى عنّي مع القرب، والأسى ... مقيمٌ له في مضمر القلب ماكث
جفاني بألطاف العدى وأزاله ... عن الوصل رأيٌ في القطيعة حادث
تغيرت عن عهدي وما زلت واثقاً ... بعهدك لكن غيّرتك الحوادث
وما كنت إذ ملّكتك القلب عالماً ... بأنّي عن حقفي بكفي باحث
ستبلى الليالي والوداد بحاله ... مقيمٌ، وغضٌّ وهو للأرض وارث
فلو أنّني أقسمت أنّك قاتلي ... وأني مقتولٌ لما قيل حانث وقال رحمه الله تعالى (6) :
__________
(1) الديوان: تسليمة.
(2) الديوان: يتظنى.
(3) الديوان: 182.
(4) الديوان: لا يأس.
(5) الديوان: 183.
(6) الديوان: 186.
(3/285)

يا غزالاً أصارني ... موثقاً في يد المحن
إنّني مذ هجرتني ... لم أذق لذة الوسن
ليت حظّي إشارةٌ ... منك أو لحظةٌ تعنّ (1)
شافعي يا معذبي ... في الهوى وجهك الحسن
كنت خلواً من الهوى ... وأنا اليوم مرتهن
كان سرّي مكتّماً ... وهو الآن قد علن
ليس لي عنك مذهبٌ ... فكما شئت لي فكن وقال رحمه الله تعالى (2) :
أيوحش لي الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبّتك الأماني ... وأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفائي ... وبعت مودّتي ظلماً ببخس
ولو أنّ الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي (3) ومحاسن ابن زيدون كثيرة، وقد ذكرنا منها في غير هذا المحل جملة.
وسألت جارية من جواري الأندلس ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أن يزيد على بيت أنشدته إياه، وهو (4) :
يا معطشي من وصالٍ كنت وارده ... هل منك لي غلّةٌ إن صحت: وا عطشي قال: وكانت الجارية المذكورة تتعشق فتىً قرشياً، والوزير يعلم ذلك، وهي لا تعلم أنه يعلم، فقال:
__________
(1) الديوان: عنن.
(2) الديوان: 185.
(3) استطردت نسخة م بعد هذا البيت بإيراد أشعار أخرى لابن زيدون وذكر ترجمته من القلائد.
(4) ديوان ابن زيدون: 170.
(3/286)

كسوتني من ثياب السّقم أسبغها ... ظلماً وصيّرت من لحف الضنى فرشي
أنّى بصرف الهوى عن مقلةٍ كحلت ... بالسّحر منك وخدٍّ بالجمال وشي
لمّا بدا الصّدغ مسودّاً بأحمره ... أرى التشاكل (1) بين الروم والحبش
أوفى إلى الخدّ ثمّ انصاع منعطفاً ... كالعقربان انثنى من خوف محترش
لو شئت زرت وسلك الليل (2) منتظمٌ ... والأفق يختال في ثوبٍ من الغبش
جفا إذا التذّت الأجفان طيب كرىً ... جفني (3) المنام وصاح الليل: يا قرشي
هذا وإن تلفت نفسي فلا عجبٌ ... قد كان قتلي في تلك الجفون حشي 54 - وكان لابن الحاج صاحب (4) قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون، وعزون، وحسون، فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب " شرح أدب الكاتب " وغيره وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حبّ عزّونٍ فعزّوني
ثمّ ارحموني برحمونٍ وإن ظمئت ... نفسي إلى ريقٍ حسّونٍ فحسّوني قال: ثم خاف على نفسه، فخرج عن قرطبة، وهو القائل:
نفسي الفداء لجؤذرٍ حلو اللّمى ... مستحسنٍ بصدوده أفناني
في فيه سمطا جوهرٍ يروي الظّما ... لو علّني ببروده أحياني وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى.
55 - وقال أبو بكر محمد ابن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض،
__________
(1) الديوان: التسالم.
(2) الديوان: النجم.
(3) الديوان: صبا........ جفا.
(4) انظر أزهار الرياض 3: 102، 134؛ والقطعة الثانية تنفك منها ست قطع.
(3/287)

في تهنئة بمولود، قال ابن دحية (1) : وهذا أبدع ما قيل في هذا المعنى:
أصاخت الخيل آذاناً لصرخته ... واهتزّ كلّ هزبرٍ عندما عطسا
تعشّق الدرع مذ شدّت لفائفه ... وأبغض المهد لمّا أبصر الفرسا
تعلّم الركض أيّام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلاّ وهو قد فرسا 56 - وقال الوزير الكاتب أبو عامر السالمي (2) في غلام يرش الماء على خديه فتزداد حمرتهما:
لقد نعمت بحمّامٍ تطلّع في ... أرجائه قمرٌ والحسن يكمله
أبصرته كلّما راقت محاسنه ... ونعمة الجسم والأرداف تخذله
يرشّ بالماء خدّيه فقلت له: ... صف لي لما أحمر الياقوت تصقله
فقال: طرفي سفّاكٌ بصارمه ... دماء قومٍ على خدّي فأغسله وقال أيضاً (3) :
أوقد النار بقلبي ... ثمّ هبّت ريح صدّه
فشرار النار طارت ... فانطفت في ماء خدّه وهو تخييل عجيب.
57 - وقال ابن الحناط المكفوف الأندلسي في المعنى المشهور (4) :
لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلاّ فشأن النائبات عجيب
وغضارة الأيّام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب
__________
(1) المطرب: 76.
(2) المطرب: 77 والشعر ليس للسالمي، وإنما أنشده السالمي وهو لأبي الحسين ابن مظفر.
(3) المطرب: 78؛ وهذا الشعر صحيح النسبة للسالمي.
(4) الذخير 1 / 1: 392.
(3/288)

وكذاك منصحب الليالي طالباً ... جدّاً وفهماً فاته المطلوب [أشعار لابن الزقاق]
58 - وكان ابن الزقاق الأندلسي الشاعر المشهور - وقد تكرر ذكره في هذه التآليف مرا تكثيرة - يسهر في الليل، ويشتغل بالأدب، وكان أبوه فقيراً جداً، فلامه، وقال له: نحن فقراء، ولا طاقة لن بالزيت الذي تسهر عليه، فاتفق أن برع في الأدب والعلم ونظم الشعر، فقال في أبي بكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة أولها (1) :
يا شمس خدرٍ ما لها مغرب ... أرامة خدرك أم يتثرب
ذهبت فاستعبر طرفي دماً ... مفضّض الدمع به مذهب ومنها:
ناشدتك الله نسيم الصّبا ... أنّى استقرّت بعدنا زينب
لم نسر إلاّ بشذا عرفها ... أو لا فماذا النّفس الطيب
إيهٍ وإن عذّبني حبّها ... فمن عذاب النفس ما يعذب فأطلق له ثلاثمائه دينار، فجاء بها إلى أبيه وهو جالس في حانوته مكبٌّ على صنعته، فوضعها في حجره، وقال: خذها فاشتر بها زيتاً.
وقال رحمه الله تعالى في غلام رمى حجراً فشدخ وجهه (2) :
وأحوى رمى عن قسيّ الحور ... سهاماً يفوّقهنّ النّظر
يقولون وجنته قسّمت ... ورسم محاسنه قد دثر
__________
(1) ديوان ابن الزقاق: 80 والمغرب 2: 325 والغيث 2: 84.
(2) ديوانه: 179 والمطرب: 101 ولمح السحر: 48 والمغرب 2: 332 والوافي: 134.
(3/289)

وما شقّ وجنته عابثاً ... ولكنّها آيةٌ للبشر
جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر وقال أيضاً (1) :
بأبي وغير أبي أغنّ مهفهفٌ ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه
لبس السّواد (2) ومزّقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قدّ قميصه وقال أيضاً (3) :
سقتني بيمناها وفيها فلم أزل ... يجاذبني من ذا ومن هذه سكر
ترشّفت فاها إذ ترشّفت كأسها ... فلا والهوى لم أدر أيهما الخمر وقال (4) :
رقّ النسيم وراق الروض بالزّهر ... فنبّه الكأس والإبريق بالوتر
ما العيش إلاّ اصطباح الراح أو شنبٌ ... يغني عن الراح من سلسال ذي أشر
قل للكواعب غضّي للكرى مقلاً ... فأعين الزّهر أولى منك بالسّهر
وللصباح ألا فانشر رداء سناً ... هذا الدجى قد طوته راحة السّحر (5)
وقام بالقهوة الصهباء ذو هيفٍ ... يكاد معطفه ينقدّ بالنظر
يطفو عليها إذا ما شجّها دررٌ ... تخالها اختلست من ثغره الخصر
والكأس من كفّه بالراح محدقةٌ ... كهالةٍ أحدقت في الأفق بالقمر
__________
(1) الديوان: 196 والمطرب: 103 والشريشي 2: 164 والمغرب 2: 334.
(2) الديوان: الفؤاد.
(3) ديوان ابن الزقاق: 178 والمطرب: 104 والفوات 2: 126 والوافي: 134.
(4) الديوان: 173 والمطرب: 106 والمغرب 2: 332.
(5) الديوان: لوته راحة السمر.
(3/290)

وقال (1) :
تضوّعن أنفاساً وأشرقن أوجهاً ... فهنّ منيرات الصباح بواسم
لئن كنّ زاهراً فالجوانح أبرجٌ ... وإن كنّ زهراً فالقلوب كمائم وهو من بديع التقسيم.
59 - وقال السميسر (2) :
تحفّظ من ثيابك ثم صنها ... وإلاّ سوف تلبسها حدادا
وميّز في زمانك كلّ حبرٍ ... وناظر (3) أهله تسد العبادا
وظنّ بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردّوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعت جرادا 60 - وقال ابن رزين، وهو من رجال الذخيرة (4) :
لأسرحنّ نواظري ... في ذلك الروض النضير
ولآكلنّك بالمنى ... ولأشربنّك بالضّمير 61 - وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز (5) :
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌ ... فيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراً ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس
__________
(1) الديوان: 146 والمطرب: 108 والشريشي 2: 353.
(2) الذخيرة 1 / 2: 383.
(3) الذخيرة: كل حين، ونافر....
(4) ترجمته في الذخيرة 3: 33 والمغرب 2: 428 والقلائد: 51.
(5) المغرب 2: 300.
(3/291)

62 - وتحاكم إلى أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي المعروف بالملتمس (1) غلامان جميلان لأحدهما وفرة شقراء، وللآخر سوداء: أيهما أحسن والملتمس المذكور هو صاحب كتاب " الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام " فقال:
وشادنين ألمّا بي على مقةٍ ... تنازعا الحسن في غايات مستبق
كأنّ لمّة ذا نرجسٍ خلقت ... على بهارٍ وذا مسكٍ على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقام يدلي إليه الريم حجّته ... مبيّناً بلسانٍ منه منطلق
فقال: وجهي بدرٌ يستضاء به ... ولون شعري مصبوغٌ من الغسق
وكحل عيني سحرٌ للنّهى وكذا ... والسحر أحسن ما يعزى إلى الحدق
فقال صاحبه: أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار، ولم ... تغرب، وشقرة شعري حمرة الشفق
وفضل ما عيب في عينيّ من زرقٍ ... أنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للّمّة الشقراء حيث حكت ... نوراً (2) كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقني ... سهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
فقلت عفوك إذ أصبحت متّهماً ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق 63 - وقال أبو محمد عبد الله بن غالب:
ومهفهفٍ خنث الجفون كأنّما ... من أرجل النمل استفاد عذارا
فتخاله ليلاً إذا استقبلته ... وتخال ما يجري عليه نهارا
__________
(1) ترجمته في الجذوة: 206 وبغية الملتمس رقم: 762 وقصيدته هذه في التشبيهات: 126.
(2) الطالع: لونا.
(3/292)

64 - وقال أبو القاسم خلف بن فرج السميسر المتقدم (1) :
الناس مثل حبابٍ ... والدهر لجّة ماء
فعالمٌ في طفوٍّ ... وعالم في انطفاء 65 - وقال أحمد بن برد الأندلسي في النرجس، وهو البهار عند الأندلسيين، ويسمى العبهر (2) :
تنبّه فقد شقّ البهار مغلّساً ... كمائمه عن نوره (3) الخضل الندى
مداهن تبرٍ في أنامل فضّةٍ ... على أذرعٍ مخروطةٍ من زبرجد 66 - وقال الوزير عبد المجيد بن عبدون في دار أنزله بها المتوكل بن الأفطس وسقفها قديم، فهطل عليه المطر منه:
أيا سامياً من جانبيه إلى العلا ... " سموّ حباب الماء حالاً إلى حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها ... " ديارٌ لسلمى عافياتٌ بذي الخال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها ... " ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بفاضلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " قيل: وهو أبو عذرة تضمين لامية امرئ القيس، وقد أولع الناس بعده بتضمينها.
67 - وقال أبو الفضل ابن حسداي (4) ، وكان يهودياً فأسلم، ويقال: إنه
__________
(1) تقدم هذان البيتان في م على اللذين قبلهما (رقم: 63) .
(2) الذخيرة 1 / 2: 48.
(3) الذخيرة: زهره.
(4) ترجمته في القلائد: 183 والأبيات فيه ص: 184 وانظر المجلد الأول: 640.
(3/293)

من ولد موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام:
توريد خدّك للأحداق لذّات ... عليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشّاق نار لظىً ... لكن وصالك إن واصلت جنّات
كأنما الراح والراحات تحملها ... بدور تمٍّ وأيدي الشّرب هالات
حشاشةٌ ما تركنا الماء يقتلها ... إلاّ لتحيا بها منّا حشاشات
قد كان من قبلها في كأسها ثقلٌ ... فخفّ إذ ملئت منها الزجاجات وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدمين والمتأخرين في هذا الوزن والقافية، ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية (1) .
68 - ومن سرعة جواب أهل الأندلس (2) أن ابن عبد ربه كان صديقاً لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر، ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه صاحب العقد (3) مر به يوماً وكان في مشيه اضطراب، فقال: أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد، فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم والله لأرينك كيف الهجاء، ثم صنع فيه قصيدة أولها:
يا عرس أحمد إني مزمعٌ سفرا ... فودّ عيني سرّاً من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك، وكان القلفاظ يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية، ويسمس كتاب العقد حبل الثوم، فاتفق اجتماعها يوماً عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر فقال مرتجلاً:
__________
(1) م: جملة كافية شافية.
(2) بدائع البدائه 1: 51.
(3) صاحب العقد: سقطت من ب.
(3/294)

حال طلاسٌ لي عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه فبدر ابن عبد ربه وقال:
إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمّك من مائه فلانقطع القلفاظ خجلاً؛ وعاش ابن عبد ربه 82 سنة، رحمه الله تعالى.
69 - ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب " الملتمس " في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين بن جبير صاحب الرحلة، وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب، وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقاً في قضاء الحواجز والسعي في حقوق الإخوان، وأنشدنا هنالك قوله:
" يحسب الناس بأني متعبٌ ... إلخ. ... وقد ذكر ذلك كله صاحب " الملتمس " ثم قال - أعني (1) صاحب " الملتمس " - ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس (2) على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس، فجعلته - يعني ابن جبير - الواسطة حتى تيسر ذلك، فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة، فجئته وشكوت له ذلك، فقال: أنا ما كان القصد لي في اجتماعكما، ولكن سعيت جهدي في غرضك، وها أنا أسعى أيضاً في افتراكما، إذ هو من غرضك، وخرج في الحين ففصل القضية، ولم أر في وجهه أولاً ولا آخراً عنواناً لامتنانٍ ولا تصعيب، ثم إنه طرق بابي، ففتحت له، ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية، ثم قال (3) : يا ابن
__________
(1) أعني: سقطت من م.
(2) الناس: سقطت من م.
(3) م: فقال.
(3/295)

أخي، اعلم أني كنت السبب في هذه القضية، ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك، فبالله إلا ما سررتني بقبوله، فقلت له: أنا ما أستحيي منك في هذا الأمر، والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي (1) من أمور الشباب، ولا يحل لك أن تمكنني منه بعد أن شرحت لك أمري، فتبسم وقال: لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة، وانصرف بماله، انتهى.
70 - ثم قال صاحب " الملتمس ": وتذاكرنا يوماً معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي، فقال: صحبته مدة فما رأيت مثله، وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت، فالأول قوله (2) :
إلى كم أقول فلا أفعل ... وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترعوي ... وأنصح نفسي فلا تقبل
وكم ذا تعلّل لي ويحها ... بعلّ وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمّل طول البقا ... وأغفل والموت لا يغفل
وفي كلّ يومٍ ينادي بنا ... منادي الرحيل ألا فارحلوا (3)
أمن بعد سبعين أرجو البقا ... وسبعٍ أتت بعدها تعجل
كأن بي (4) وشيكاً إلى مصرعي ... يساق بنعشي ولا أمهل
فيا ليت شعري بعد السؤال ... وطول المقام لما أنقل والثاني قوله:
اسمع أخيّ نصيحتي ... والنّصح من محض الدّيانه
__________
(1) م: مالي ومال أبي.
(2) هاتان القطعتان في ترجمته في المغرب والغصون اليانعة، والثانية منهما مرت فيما تقدم ص: 99.
(3) المغرب: ألا فانزلوا.
(4) م: كأني.
(3/296)

لا تقربنّ إلى الشّها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من آن تعزى لزو ... رٍ أو فضولٍ أو خيانه قال: فقلت له: أراك لم تعمل بوصيته في الوساطة، فقال: ما ساعدتني رقة وجهي على ذلك، انتهى.
رجع إلى نظم الأندلسيين:
71 - وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز (1) :
أفضل ما استصحب النّبيل فلا ... تعدل به في المقام والسّفر
جرمٌ إذا ما التمست قيمته ... جلّ عن التبر (2) وهو من صفر
مختصرٌ وهو إذ نفتّشه ... عن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلةٍ تستبين ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق الخبر
تحمله وهو حاملٌ فلكاً ... لو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن كلّ ما في السماء من خبر
أبدعه ربّ فكرةٍ بعدت ... في اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء به ... من كلّ ذي فتنةٍ من البشر
فهو لذي اللّبّ شاهدٌ عجبٌ ... على اختلاف العقول والصور قلت: وهي أحسن ما سمعت في الاصطرلاب.
وأمر رحمه الله تعالى أن يكتب على قبره (3) :
سكنتك يا دار الفناء مصدّقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
__________
(1) الخريدة 4 / 1: 272.
(2) ب: جل على التبر.
(3) مرت في المجلد الثاني: 108.
(3/297)

فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليلٌ والذنوب كثير
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفوٌ من غنيٍّ ومفضلٍ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور 72 - وقال ابن خفاجة (1) ، وهو مما أورده له صاحب الذخيرة:
لقد زار من أهوى على غير موعدٍ ... فعابنت بدر التمّ ذاك التلاقيا
وعاتبته والعتب يحلو حديثه ... وقد بلغت روحي لديه التراقيا
فلمّا اجتمعنا قلت من فرحي به ... من الشعر بيتاً والدموع سواقيا
" وقد يجمع الله الشّتيتين بعدما ... يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا " 73 - ومن مجون الأندلسيين هذه القصيدة المنسوبة لسيدي أبي (2) عبد الله ابن الأزرق، وهي:
عم باتصال الزمن ... ولا تبالي بمن
وهو يواسي بالرضى ... من سمجٍ أو حسن
أو من عجوزٍ تحتظي (3) ... والظهر منها منحني
أو من مليحٍ مسعدٍ ... موافقٍ في الزمن
مهما تبدّى خدّه ... يبدو لك الورد الجني
والغصن في أثوابه ... إذا تمشّى ينثني
لا أمّ لي لا أمّ لي ... إن لم أبرّد شجني
وأخلعنّ في المجو ... ن والتصابي رسني
وأجعل الصبر على ... هجر الملاح ديدني
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 365 (نقلا عن النفح) .
(2) م: لأبي.
(3) م: تختطي.
(3/298)

يا عاذلي في مذهبي ... أرداك شرب اللّبن
أعطيت في البطن سنا ... ناً إن تخالف سنني
أيّ فتىً خالفني ... يوماً ولمّا يلقني
فإنّني لناصحٌ ... وإنّني وإنّني
فلا تكن لي لاحياً ... وفي الأمور استفتني
فلم أزل أعرب عن ... نصحي لمن لم يلحني
وإن تسفّه نظري ... ومذهبي وتنهني
فالصفع تستوجبه ... نعم ونتف الذّقن
والزبل في وجهك يع ... لو باتصال الزمن
وبعد هذا أشتفي ... منك ويبرا شجني
وأضرب الكفّ أما ... م ذلك الوجه الدّني
طقطق طقٍ طقطق طقٍ ... أصخ بسمع الأذن
شطر أولقحقح قح قحقح قح ... الضحك يغلبلبني (1)
قد كان أولى بك عن ... هذي المخازي تنثني
النّفي تستوجبه ... لواسطٍ أو عدن
عرضت بالنفس كذا ... إلى ارتكاب المحن
أفدي صديقاً كان لي ... بنفسه يسعدني
فتارةً أنصحه ... وتارةً ينصحني
وتارةً ألعنه ... وتارةً يلعنني
وربما أصفعه ... وربما يصفعني
أستغفر الله فه ... ذا القول لا يعجبني
يا ليت هذا كلّه ... فيما مضى لم يكن
__________
(1) م: يغللبني.
(3/299)

أضحكت والله بذا ال ... حديث من يسمعني
دهرٌ تولّى وانقضى ... عنّي كطيف الوسن
يا ليتني لم أره ... وليته لم يرني
دنّست فيه جانبي ... وملبسي بالدّرن
وبعت فيه عيشتي ... لكن ببخس الثّمن
كأنّني ولست أد ... ري الآن ما كأنّني
والله ما التشبيه عن ... د شاعرٍ بهيّن
لكنّه أنطقني ... بالقول ضيق العطن
وا حسرتي وا أسفي ... زلت وضاعت فطني
لو أنصف الدهر لما ... أخرجني من وطني
وليس لي من جنّةٍ ... وليس لي من مسكن
أسرّح الطّرف وما ... لي دمنةٌ من الدمن
وليس لي من فرسٍ ... وليس لي من سكن (1)
يا ليت شعري وعسى ... يا ليت أن تنفعني
هل أمتطي يوماً إلى ال ... شّرق ظهور السّفن
وأجتلي ما شئته ... في المنزل المؤتمن (2)
حينئذٍ أخلع في ... هذي القوافي رسني
وتحسن الفكرة في بال ... عدوس (3) والسّمنسني (4)
واللحم مع شحمٍ ومع ... طوابق الكبش الثّني
والبيض في المقلاة بال ... زيت اللذيذ الدهن
__________
(1) سقط البيت من م.
(2) ب: المؤمن.
(3) ب: بالغندوس.
(4) ب: والشمشيني؛ م: والسمتني.
(3/300)

وجلدة الفرّوج مش ... وياً كثير السمن
من منقذي أفديه من ... ذا الجوع والتمسكن
وعلة (1) قد استوى ... فيها الفقير والغني
هل للثريد عودةٌ ... إليّ قد شوقني
تغوص فيه أنملي ... غوص الأكول المحسن
ولي إلى الإسفنج شو ... قٌ دائمٌ يطربني
وللأرزّ الفضل إذ ... تطبخه باللّبن
وللشواء والرقا ... ق من هيامٍ أنثني
واسكت عن الجبن فإنّ ... بنته تذهلني
ظاهرها كالورد أو ... باطنها كالسوسن
أيّ امرئٍ أبصرها ... يوماً ولم يفتتن
تهيم فيها فكر الأس ... تاذ والمؤذّن
لو كان عندي معدنٌ ... لبعت فيها معدني
لكنني عزمت أن ... أبيع كمّ البدن
والكمّ قد أكسبه ... بعد ولا يكسبني
لا تنسبوا لي سفهاً ... فالجوع قد أرشدني
وهات ذكر الكسكسو ... فهو شريفٌ وسني
لا سيّما إن كان مص ... نوعاً بفتلٍ حسن
أرفع منه كوراً ... بهنّ تدوي (2) أذني
وإن ذكرت غير ذا ... أطعمةً في الوطن
فابدأ من المثوّما ... ت بالجبنّ الممكن
__________
(1) م: وقلة.
(2) ب: (بها) تداوى.
(3/301)

من فوقها الفرّوج قد ... أنهي في التسمّن
وثنّ بالعصيدة ال ... تي بها تطربني
لا سيّما إن صنعت ... على يدي ممركن
كذلك البلياط بال ... زيت الذي يقنعني
تطبخه حتى يرى ... يحمرّ في التلوّن
والزبزبنّ في الصحا ... ف حسب أهل البطن (1)
فاسمع قضاء ناصحٍ ... يأتي بنصحٍ بيّن
من اقتنى التفين فه ... والآن نعم المقتني
وإنّ في شاشية ال ... فقير أنساً للغني
تبعدني عن وصلها ... عن وصلها تبعدني
تؤنسني عن اللقا ... عن اللقا تؤنسني (2)
فأضلعي إن ذكرت ... تهفو كمثل الغصن
كم رمت تقريباً لها ... لكنه لم يهن
وصدّني عن ذاك ق ... لة الوفا باثمن
إيهٍ خليلي هذه ... مطاعمٌ لكنني
أعجب من ريقك إذ ... يسيل فوق الذقن
هل نلت منها شبعاً ... فذكرها أشبعني
وإن تكن جوعان يا ... صاح فكل بالأذن
فليس عند شاعرٍ ... غير كلام الألسن
يصوّر الأشياء وه ... ي أبداً لم تكن
__________
(1) سقط من م؛ وأول لفظة فيه بياض في ب.
(2) م: تؤيسني.
(3/302)

فقوله يريك ما ... ليس يرى بالممكن
فاسمح وسامح واقتنع ... واطو حشاك واسكن
ولننصرف فقصدنا ... إطراف هذا الموطن انتهى.
74 - وقال ابن خفاجة رحمه الله تعالى (1) :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتبٍ ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصةً ... في أخذ مال مساجدٍ وكنائس وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً.
75 - وقال - فيما أظن - الفقيه الكاتب المحدث الأديب الشهير أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي، وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب في مواضع:
لقد غضبت حتى على السّمط نخوةً ... فلم تتقلّد غير مبسمها سمطا
وأنكرت الشّيب الملمّ بلمّتي ... ومن عرف الأيام لم ينكر الوخطا [نقول من القدح المعلى]
76 - وقال ابن سعيد في القدح المعلى في حقه (2) : كاتب مشهور، وشاعر مذكور، كتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولاً حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات، وأنشد قصيدته السينية:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا وعارضه جمعٌ من الشعراء ما بين مخطئٍ ومحروم، وأغري الناس بحفظها
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 366 (عن النفح) .
(2) اختصار القدح: 191.
(3/303)

إغراء بني تغلب بقصيدة عمر بن كلثوم، إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلصت عنه تلك النعمة، وأخر عن تلك (1) العناية، وارتحل إلى بجاية، وهو الآن بها عاطلٌ من الرتب، خالٍ من حلى الأدب، مشتغلٌ بالتصنيف في فنونه، متنفل منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجاسات آنق من الشباب، وأبهج من الروض غب نزول السحاب، ومما أنشدنيه من شعره (2) :
يا حبّذا بحديقةٍ دولاب ... سكنت إلى حركاته (3) الألباب
عنّى ولم يطرب وسقى وهو لم ... يشرب ومنه العود والأكواب
لو يدّعي لطف الهواء أو الهوى ... ما كنت في تصديقه أرتاب
وكأنّه ممّا شدى مستهزئ (4) ... وكأنّه ممّا بكى ندّاب
وكأنّه بنثاره ومداره ... فلكٌ كواكبه لها أذناب 77 - وقال أبو المعالي القيجاطي (5) :
فقلت يا ربعهم أين من ... أحببته فيك وأين النديم
فقال عهدٌ قد غدا شمله ... كمثل ما ينثر درٌّ نظيم 78 - وقال أبو عمرو ابن الحكم القبطلي (6) ، وقبطلة من أعمال وادي إشبيلية:
كم أقطع الدهر بالمطال ... ساءت وحقّ الإله حالي
__________
(1) القدح: ظل تلك.
(2) القدح: 192.
(3) ب: بحركاتها.
(4) القدح: مستهتر.
(5) القدح: 211.
(6) القدح: 200؛ وفي ب: عبد الحكم.
(3/304)

رحلت أبغي بكم نجاحاً ... فلم تفيدوا سوى ارتحالي
وعدتم ألف ألف وعدٍ ... لكنّني عدت بالمحال 79 - وقال أبو عمران القلعي (1) :
طلعت عليّ والأحوال سودٌ ... كما طلع الصباح على الظلام
فقل لي كيف لا أوليك شعري ... وإخلاص التّحيّة والسّلام 80 - وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أيوب المرسي (2) :
أنا سكران ولكن ... من هوى ذاك الفلاني
كلمّا رمت سلوّاً ... لم يزل بين عياني وقال:
حبيبي ما لصبّك من مراد ... سوى أن لا تدوم على البعاد
وإن كان ابتعادك بعد هذا ... مقيماً فالسّلام على فؤادي قال ابن سعيد: وكان المذكور إذا غنى هذه الأشعار اللطيفة على الأوتار لم يبق لسامعه عند الهموم من ثار، مع أخلاق كريمة، وآداب كانسكاب الديمة، انتهى.
81 - وقال ابن سعيد (3) في أبي بكر محمد بن عمار البرجي كاتب ابن هود القائل:
__________
(1) القدح: 201.
(2) القدح: 214 وفيه ابن لبون.
(3) القدح: 217.
(3/305)

[قل] لمن يشهد حرباً ... تحت رايات ابن هود إلخ ... :
يا ابن عمّار لقد أح ... ييت لي ذاك السميّا
في حلى نظمٍ ونثرٍ ... علّقا في مسمعيّا
ولقد حزت مكاناً ... من ذرى الملك عليّا
مثل ما قد حاز لكن ... عش بنعماك هنيّا 82 - وقال أبو بكر عبد الله بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن صاحب الرد (1) :
يا أبدع الخلق بلا مرية ... وجهك فيه فتنة الناظرين
لا سيّما إذ نلتقي خطرةً ... فيغلب الورد على الياسمين
طوبى لمن قد زرته خالياً ... فمتّع النفس ولو بعد حين
من ذلك الثغر الذي ورده ... ما زال فيه لذة الشاربين
وما حوى ذاك الإزار الذي ... لم يعد عنه أمل الزائرين وهذه الأبيات يقولها في غلام كان أدباء إشبيلية قد فتنوا به، وكان مروره على داره.
وحكى عنه أنه أعطاه في زيارة خمسين دينار، ومرت أيام ثم صادفه عند داره، فقال له: أتريد أن أزورك ثانية فقال له: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، وهذا الجواب على ما فيه من قلة الأدب، وهتك حجاب الشريعة - من أشد الأجوبة إصابةً للغرض، والله تعالى يسمح له، فقد قال ابن سعيد في حقه: إن بيته بإشبيلية من أجل البيوت، ولم يزل له مع تقلب الزمان ظهور
__________
(1) القدح: 112 - 113.
(3/306)

وخفوت، وكان أديباً شاعراً ذواقاً لأطراف العلوم، انتهى.
83 - ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب (1) ، وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر، من عمل بلنسية، وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس، وربما استوزره في بعض الأحيان، قال ابن سعيد: وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته، ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته، وكان شديد التهور، كثير الطيش، ذاهباً بنفسه كل مذهب، سمعته مرة وهو في محفلٍ يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخصٌ له قحةٌ وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه (2) إليه متقدم، ولا يهتدي لمثله متأخر:
يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصةً كلّ قضيبٍ وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض (3) إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان (4) ، فقلت له: يا سيدي، هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط، فقال:
أدرها فالسّماء بدت عروساً ... مضخّمة الملابس بالغوالي
__________
(1) ترجمته في اختصار القدح: 114 وعنه ينقل المقري، وانظر المغرب 2: 136 والمقتضب من التحفة: 157 والإحاطة 1: 244.
(2) القدح: لم يهتد؛ دوزي: لم ينته.
(3) ب ودوزي: الأرض.
(4) القدح: إلى أشد مما كان
(3/307)

وخدّ الروض حمّره (1) أصيلٌ ... وجفن النهر كحّل بالظلال
وجيد الغصن يشرق في لآلٍ ... تضيء بهنّ أكناف الليالي فقلت: زد وعد، فعاد والارتياح ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، فقال:
لله نهرٌ عندما زرته ... عاين طرفي منه سحراً حلال
إذ أصبح الطلّبه ليلةً ... وجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت: زد، فأنشد:
ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا فقلت: إيه، فقال:
ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسراً ... كما مدّ الظّلام على الضياء فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني، فلا تقوم بحق قيمتها، وأنشد:
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فرداً بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه ثم قال: وكان قد تهتك في غلام لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج، وفيه يقول:
__________
(1) القدح: خفره.
(3/308)

ألفت الحرب حتى علّمتني ... مقارعة الحوادث والخطوب
ولم أك عالماً وأبيك حرباً ... بغير لواحظ الرشإ الرّبيب
فها أنا بين تلك وبين هذي ... مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن غليه القائم بها أبو العباس الينشتي (1) ، فلم يقنع بذلك الإحسان، وكان يأتي (2) بما يوغر صدره، فقال يوماً في مجلسه: رميت مرةً بقوس، فبلغ السهم إلى كذا (3) ، فقال ابن طلحة لشخصٍ بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا، فشعر بقوله، فأسرها في نفسه، ثم بلغه أن هجاه بقوله:
سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسبٌ وعلم
ورمت يداً أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبداً وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه ... يدٌ شلاّ وأمرٌ لا يتمّ فزاد في حنقه، وبقي مترصداً له الغوائل، فحفظت عنه أبياتٌ قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان، وهي:
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصوم هلاّ ... حماه منكم عقلٌ ودين
فقلت اصحب سوانا، نحن قوم ... زنادقةٌ مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دينٍ غير دين الر ... عاع فما به أبداً ندين
بحيّ على الصّبوح الدّهر نحن ندعو ... وإبليسٌ يقول لنا أمين
__________
(1) في الأصول: البنتي؛ وصوابه ما اثبتناه، ويكتب أيضا " اليناشتي ".
(2) القدح: يستريح.
(3) زاد في القدح: ذكر مدى بعيدا.
(3/309)

فيا شهر الصّيام إليك عنّا ... إليك ففيك أكفر ما نكون فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال، وأظهر أنه يرضي العامة بقتله، فقتله، وذلك سنة 631، انتهى. وحاكي الكفر ليس بكافر، والله سبحانه وتعالى للزلات غير الكفر غافر.
84 - وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء (1) :
كأنك من جنس الكواكب كنت لم ... يفتك طلوعاً حالها وتواريا
تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا 85 - ولما أمر المستنصر الموحدي (2) بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه، وضرب بغشبيلية خمسمائة فمات، وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صلب، قال ابنه أبو الربيع (3) يرثيه:
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدرا ... وأن يقول أسىً يا ليته قبرا
فاضت دموعك أن قاموا بأعظمه ... وقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ومنها:
ضاقت به الأرض ممّا كان حمّلها ... من الأيادي فمجّت شلوه ضجرا
وعزّ جسمك (4) أن يحظى به كفنٌ ... فما تسربل إلاّ الشمس والقمرا 86 - وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى (5) :
__________
(1) القدح: 118 والمغرب 1: 249.
(2) القدح: 127 والتحفة: 83 والمغرب 2: 406.
(3) ق: الربيع.
(4) القدح: إذ ذاك.
(5) القدح: 126.
(3/310)

يا أبا عمران دعني والذي ... لم يمل خاطري إلاّ إليه
ما نديمي غير من يخدمني ... لا الذي يجلسني بين يديه
يرفع الكلفة عنّي ويرى ... أنها واجبةٌ منّي عليه 87 - وقال ابن غالب الكاتب بمالقة (1) :
لا تخش قولاً قد عقدت الألسنا ... وابعث خيالك قد سحرت الأعينا
واعطف عليّ فإنّ روحي زاهقٌ ... وانظر إليّ بنظرةٍ إن أمكنا
لا يخدعنّك أن تراني لابساً ... ثوبي فقد أصبحت فيه مكفّنا
ما زال سحرك يستميل خواطري ... بأرقّ من ماء الصفاء وألينا
حتى غدوت ببحر حبٍّ زاخرٍ ... فرمت بي الأمواج في شطّ الضّنى وقال:
ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ... أتراه يشكو زفرةً وغليلا
جرّ الذيول على ديار أحبّتي ... فأتى يجرّ من السّقام ذيولا 88 - وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة (2) :
أهواك يا بدر وأهوى الذي ... يعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلّها ... وكلّ من مرّ بها من قريب
ما إن تنصّرت ولكنّني ... أقول بالتثليث قولاً غريب
تطابق الألحان والكاس إذ ... تبسم عجباً والغزال الربيب 89 - وكان أبو أمية ابن عفير (3) قاضي إشبيلية - مع براعته، وتقدمه في
__________
(1) القدح: 128.
(2) القدح: 130.
(3) القدح: 132.
(3/311)

العلوم الشرعية - أقوى الناس بالعلوم الأدبية المرعية، وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الارتجال، وعدم المناظر له في ذلك المجال، قال ابن سعيد: رأيته كثيراً ما يصنع القصائد والمقاطعات، وهو يتحدث أو يفصل بين الغرماء في أكثر الأوقات، ومن شعره:
ديارهم صاح (1) نصب عيني ... وليس لي وصلةٌ إليها
إلاّ سلامي لدى ابتعادٍ ... من بعد سكانها عليها وقوله رحمه الله تعالى:
ووجهٍ تغرق الأبصار فيه ... ولكن يترك الأرواح هيما
أتاني ثمّ حيّاني حبيبٌ ... به وأباحني الخدّ الرقيما
فمرّ لنا مجونٌ في فنونٍ ... سلكت به الصراط المستقيما قلت: أما مجرد الارتجال فأمر عن (2) الكثير صادر، وأما كونه مع التحدث أو فصل الخصومات فهو نادر، وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر.
[عود للحديث عن ابن ظافر]
ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر، إذ قال (3) : بتّ ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، والانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانه، وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه (4) في زرقة قناع السماء، وكسا الجدران
__________
(1) القدح: تلك؛ ب ق: ديارهم هي.
(2) م: فما مر من.
(3) البدائع 2: 206.
(4) ق: وحكى محياه.
(3/312)

ثياباً من فضة، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميّلها، وغصبها مباسم نورها فقبّلها، وعندنا مغنٍ قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورق ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشى بالذهب، ويديم حرقته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقه، وآونةً يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه الله تعالى أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام العيد، كارتفاع الرؤوس عن الأجياد، بل فضلت ليلات الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر:
غبت عنّي يابن المؤيد في وق ... تٍ شهيٍّ يلهي المحبّ المشوّقا
ليلة ظلّ بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضّضاً مرموقا
وغدا الطّلّ فيه ينثر كافو ... راً فيعلو مسك التراب السحيقا
وتبدّى النّسيم يعتنق الأغ ... صان لمّا سرى عناقاً رفيقا
بتّ فيها منادماً لصديقٍ ... ظلّ بين الأنام خلاًّ صدوقا
هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقاً
وغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدّاً والخمرة الصرف ريقا
مظهرٌ للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشاً ناحلاً وقدّاً رشيقا
إن تغنّى سمعت داود، أو لا ... ح تأمّلت يوسف الصدّيقا
وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيّوقا
وأظنّ الصباح هام بمرآ ... هـ فأبدى قلباً حريقاً خفوقا
(3/313)

هو نجمٌ ما لاح في الجدر كافو ... ر بياضٍ إلاّ كساه خلوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام من نومه يرينا الشقيقا
وإذا ما بدت جواهرها في الج ... وّ وأبدى في الأرض منهم عقيقا
فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً رحيقا
وجعلنا ريحاننا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا
ذاك وقتٌ لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا قال فأجاب عنها من الوزن دون الروي:
قد أتتني من الجمال قصيدٌ ... يا لها من قصيدةٍ غرّاء
جمعت رقّة الهواء وطيب ال ... مسك في سبكها وصفو الماء
فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء
سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء
أفحمتني حسناً وحقّ أيادي ... ك التي لا تعدّ بالإحصاء
فتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي
هل يسامي الثّرى الثريّا وأنّى ... يدّعي النجم فرط نور ذكاء رجع إلى أهل الأندلس:
90 - وقال ابن السماك (1) :
إياك أن تكثر الإخوان مغتنماً ... في كلّ يومٍ إلى أن يكثر العدد
في واحدٍ منهم تصفي الوداد له ... من التكاليف ما يفنى به الجلد وله:
__________
(1) القدح: 134؛ وفي م: السماد؛ ق: السماذ.
(3/314)

تحنّ ركابي نحو أرضٍ وما لها ... وما لي من ذاك الحميم سوى الهمّ
وكم راغبٍ في موضعٍ لا يناله ... وأمسيت منه مثل يونس في اليمّ
بهذا قضى الرحمن في كلّ ساخطٍ ... يموت على كرهٍ ويحيى على رغم 91 - ولما قام الباجي (1) بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود، وأبدل أشعاره الأسود العباسي في البنود، قال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك:
كأنما الراية السوداء قد نعبت ... لهم غراباً ببين الأهل والولد
مات الهوى تحتها من فرط روعته ... فأظهر الدهر منها لبسة الكمد وأنشدهما القائم الباجي في جملة قصيدة.
92 - وقال الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم الإشبيلي (2) :
93 -......................... ............................. (3)
أمسى الفراش يطوف حول كؤوسنا ... إذ خالها تحت الدّجى قنديلا
ما زال يخفق حولها بجناحه ... حتى رمته على الفراش قتيلا وله:
لاموا على حبّ الصبا والكاس ... لمّا بدا وضح المشيب براسي
والغصن أحوج ما يكون لسقيه ... أيّام يبدو بالأزاهر كاسي وله، وقد رأى على نهر قرطبة ثلاثين نفساً مصلوبين من قطاع الطريق:
__________
(1) القدح: 135.
(2) ترجمة أبي الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم في اختصار القدح: 140 ولقبه هناك " الأفلح " ولكن الشعر التالي ليس له.
(3) هذه الأشعار التالية لأبي يحيى ابن هشام القرطبي في القدح: 89 - 92 والمعتقد أن سهوا حدث في نسخ النفح سقط فيه شعر الأعلم واسم القرطبي صاحب هذه المقطعات.
(3/315)

ثلاثون قد صففوا كلّهم ... وقد فتحوا أذرعاً للوداع
وما ودّعوا غير أرواحهم ... فكان وداعاً لغير (1) اجتماع وله في فتىً وسيم عضّ كلبٌ وجنته:
وأغيد وضّاح المحاسن باسمٍ ... إذا قامر الأرواح ناظره قمر
تعمّد كلبٌ عضّ وجنته التي ... هي الورد إيناعاً وأبقى بها أثر
فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ... وقد أثّر العوّاء في صفحة القمر 94 - وقال الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي (2) المؤرخ الأديب، المصنف الشهير، وكان حافظاً لنكت الأندلسيين حديثاً وقديماً، ذاكراً لفكاهاتهم التي صيرته للمملوك خليلاً ونديماً (3) ، في صبي من أعيان الجزيرة الخضراء تهافت في حبه جماعة من الأدباء والشعراء (4) :
قد سلونا عن الذي تدريه ... وجفوناه إذ جفا بالتيه
وتركناه صاغراً لأناسٍ ... خدعوه بالزّور والتمويه
لمضلٍّ يسوقه لمضلٍّ ... وسفيهٍ يقوده لسفيه وكان من القوم الذين هاموا بالمذكور، وقاموا فيه المقام المشهور، أديبٌ يقال له الفار، فتسلط على البياسي حتى سافر من الجزيرة وكان يلقب بالقط، [فقال أحد الشعراء] :
عذرت أبا الحجاج من ربّ شيبةٍ ... غدا لابساً في الحبّ ثوباً من القار
وألجأه الفار المشارك للنوى ... ولم أر قطّاً قبله فرّ من فار
__________
(1) ب: بغير.
(2) القدح: 94 - 95.
(3) القدح: جليسا ونديما.
(4) كان هذا النص في النفح شديد الاضطراب، فصوبناه على حسب رواية القدح المعلى.
(3/316)

وله، وقد كتب إلى بعض أصحابه يذكره بالأيام السوالف:
أبا حسنٍ لعمرك إنّ ذكري ... لأيام النعيم من الصواب
أمثلي ليس يذكر عهد حمصٍ ... وقد جمحت بنا خيل التصابي
ونحن نجرّ أثواب الأماني ... مطرّزةً هنالك بالشباب
وعهدٌ بالجزيرة ليس ينسى ... وإن أغفلته عند الخطاب
هو الأحلى لديّ وإن حماني ... عن العسل اجتماعٌ للذّباب أشار (1) إلى المحبوب وكان كثير الاجتماع به في جنة لوالده على وادي العسل وقال (2) :
جنّة وادي العسل ... كم لي بها من أمل
لو لم يكن ذبابها ... يمنع ذوق العسل قال ابن سعيد: ولما التقينا بتونس بعد إيابي من المشرق، وقد ولج (3) ظلام الشعر على [صبح] وجهه المشرق، قلت لأبي الحجاج مشيراً إلى محبوبه، وقد غطى هواه عنده على عيوبه:
خلّ (4) أبا الحجاج هذا الذي ... قد كنت فيه دائم الوجد
وانظر إلى لحيته واعتبر ... ممّا جنى الشّعر على الخدّ والله سبحانه يسمح للجميع، في هذا الهزل الشنيع، ويصفح عنا في ذكره، إنه مجيبٌ سميع.
__________
(1) في أصول النفح: وسار، والتصويب عن القدح.
(2) في الأصول: فقال - عطفا على سار - قال ابن سعيد: ولما اجتمعت به مستحسنا لهذا المقصد قال لي قد كنت ذكرته أيام تلك المزاحمات ثم أنشد " جنة وادي ... إلخ ".
(3) القدح: دلج.
(4) القدح: خلي.
(3/317)

[عود إلى النقل عن بدائع البدائه]
95 - وقال صاحب " البدائع " (1) ركب الأستاذ أبو محمد ابن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية في عشية سال أصيلها على لجين الماء عقيانا، وطارت زواريقها في سماء النهر عقبانا، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، في زورقٍ يجول جولان الطّرف، ويسودّ اسوداد الطّرف، فقال بديهاً:
تامّل حالنا والجوّ طلقٌ ... محيّاه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريحٌ رخاء
بنهرٍ كالسجنجل كوثريٍّ ... تعبّس وجهها فيه السماء واتفق أن وقف أبو إسحاق ابن خفاجة على القطعة واستظرفها واستلطفها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقتها:
ألا يا حبّذا ضحك الحميّا ... بحانتها وقد عبس المساء
وأدهم من جياد الماء مهرٍ (2) ... تنازع جلّه ريحٌ رخاء
إذا بدت الكواكب فيه غرقى ... رأيت الأرض تحسدها السماء 96 - وقال الأديب ابن خفاجة في ديوانه (3) : صاحبت في صدري من المغرب سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ابا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو جعفر ابن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في النفاق فقطع السبيل، وأخاف الطريق، ولما حاذينا قلعته وقد احتدمت جمرة الهجير،
__________
(1) بدائع البدائه: 2: 142.
(2) ب: نهد؛ ق: نهر.
(3) وردت هذه القصص المتعلقة بابن خفاجة في بدائع البدائه 2: 143، 145.
(3/318)

وملّ الركب رسيمه وزميله، وأخذ كلٌّ منّا يرتاد مقيله، اتفقنا على أن لا نطعم طعماً، ولا نذوق مناناً، حتّى نقول في صورة تلك الحال، وذلك التّرحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر، وأخذت عفو خاطري، فقلت أتربص به (1) ، وأعرّض بعظم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإنّ السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حرٍّ ... ولا كدم الوريد له دواء
وقد دحي النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... مذ أعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة أيضاً: حضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:
صلني لك الخير برمّانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد
لا عنباً أمتصّ عنقوده ... ثدياً كأني بعد في المهد
وهل يرى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنّهد فخجل خجلاً شديداً وانصرف.
قال: وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السّمّارين، ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة 480، وإذا بالفقيه أبي عمران ابن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، مستأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
__________
(1) البدائع: أريض نار نزوته.
(3/319)

يا من يمرّ ولا تمرّ ... به القلوب من الفرق
بعمامةٍ من خدّه ... أو خدّه منها استرق
فكأنه وكأنها ... قمرٌ تعمّق بالشفق
فإذا بدى وإذا انثنى ... وإذا شدى وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... نح والمسمع والحدق فقلت، وقد أعجبت بها جدّاً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطعة سياقة الاعداد، وإلاّ فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كلّ واحدة منها ما يلائمها، وهل ينزل بإزاء قوله وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد، فقلت بديهاً:
ومهفهفٍ طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما ... مة والحمامة والقمر فجنّ بها استحساناً، انتهى.
قال ابن ظافر: والقطعة القافيّة ليست لابن رشيق، بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة (1) .
97 - وكان بين السميسر الشاعر (2) وبين بعض رؤساء المريّة واقع لمدح
__________
(1) هذا وهم من ابن ظافر تابعه فيه المقري فإن أبا الحسن (لا أبا الحسين) علي بن أبي البشر الكاتب هو أحد شعراء الدرة الخطيرة لابن القطاع، وهو من ثم أحد شعراء الخريدة (4 / 1: 5 وسماه ابن البشائر) ؛ وقد ترجم له الصفدي في الجزء الثالث من الوافي، نسخة مكتبة أحمد الثالث؛ وذكره أبو الصلت في رسالته المصرية (نوادر المخطوطات 1: 22) .
(2) البدائع 2: 148.
(3/320)

مدحه فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الرجل دعوة للمعتصم بن صمادح صاحب المرية واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة سلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلمّا حاذاه رفع صوته بقوله:
يا أيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتم في وجهه عرس
لا تفرسنّ (1) طعاماً عند غيركم ... إنّ الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل ما كان عمله.
[حكاية مشرقية]
ونظير هذه الحكاية (2) أن عبّاد بن الحريش كان قد مدح رجلاً من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير، فمطله بالجائزة، ثمّ أجازه بما لم يرضه، فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج، ووصل أبو دلف، فلمّا عين عبّاد عليه وهو يساير بعض خواصه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته:
قل له يا فديته ... قول عبّاد: ذا سمج
جئت في ألف فارسٍ ... لغداء من الكرج
ما على النّفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف، وكان أخوف الناس من شاعر: صدق والله، أجيء من
__________
(1) البدائع: لا تقربن.
(2) البدائع 2: 149.
(3/321)

الكرج إلى أصبهان حتّى أتغذى بها والله بعد هذا ما في دناءة النفس من شيء.
ثمّ رجع من طريقه، وفسد على الرجل كلّ ما غرمه، وعرف من أين أتي.
وتخوف أن يعود عبّاد عليه بشرّ (1) منها، فسيّر إليه جائزة سنيّة مع جماعة من أصحابه، فاجتمعوا به، وسألوه فيه، وفي قبول الجائزة، فلم يقبل الجائزة، ثمّ أنشد بديهاً:
وهبت يا قوم لكم عرضه ... فقالوا: جزاك الله تعالى خيراً، فقال:
كرامةً للشعر لا للفتى ...
لأنه أبخل من ذرّةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا انتهى.
98 - وذكر أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه (2) : أنه عزم بمصر هو ورفقة له على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش، في وقت ولاية الغبش، وحلّوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروا كؤوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشاطين الهموم رجوماً، فطرب حتّى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:
لله يومي ببركة الحبش ... والجوّ بين الضياء والغبش
والنّيل تحت الرّياح مضطربٌ ... كصارمٍ في يمين مرتعش
ونحن في روضةٍ مفوّقةٍ ... دبّج بالنّور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نورها على فرش
__________
(1) ب: بأشد.
(2) البدائع 2: 151، ونوادر المخطوطات 1: 20 - 21.
(3/322)

فعاطني الراح إنّ تاركها ... من سورة الهمّ غير منتعش
وأسقني (1) بالكبار مترعةً ... فهنّ أروى لشدّة العطش
فأثقل النّاس كلّهم رجلٌ ... دعاه داعي الصّبا فلم يطش وهذا أبو الصّلت أمية من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء، وقد ترجمناه في الباب الخامس في المرتحلين من الأندلس إلى المشرق.
99 - وقال رحمه الله تعالى (2) : كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد وقف يرمي بالنشاب، فصنعت فيه بديهاً:
ياملكاً مذ خلقت كفّه ... لم تدر إلاّ الجود والباسا
إنّ النّجوم الزّهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا
وودّت الأفلاك لو أنّها ... تحوّلت تحتك أفراسا
كما تمنّى البدر لو أنه ... عاد لنشّابك برجاسا انتهى.
100 - وصنع الوزير (3) أبو جعفر أحمد الوقشي وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله بن مردنيش في غلام أسود في يده قضيب نور بديهاً:
وزنجيٍّ أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفّت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الفتيان صفها ... فقلت الليل أقبل بالنّجوم
__________
(1) ب: وسقني.
(2) البدائع 2: 152.
(3) البدائع 2: 153؛ وهذان البيتان في الحلة 2: 266 للرصافي (ديوانه: 135) ؛ قال: وغلط أبو مروان ابن صاحب الصلاة الإشبيلي فنسبهما في تاريخه إلى بعض الأمراء (يعني الوقشي) ، وفي المغرب 2: 257 أنهما لأبي الحسين بن أم الحور.
(3/323)

101 - ولمّا أفرط أبو [بكر] يحيى اليكي (1) في هجاء أهل فاس تعسّفوا عليه، وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين (2) علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني (3) ، وكان يتولى أمورأً سلطانية بها، فقدّموا رجلاً ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل فقيه يعرف بالزناتي، ورجل آخر يكنّى بأبي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً، فلمّا وصل إلى بابه طلب ورقة من كاتبه، وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:
ارشوا الزناتيّ الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأنّ مظفّراً ذو بيضتين
واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما ناك عبد الله عرس أبي الحسين 102 - وقال أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري: عمل والدي محملاً للكتب من قضبان تشبه سلّماً، فدخل عليه أبو محمد عبد الله بن مفيد، فرآه، فقال ارتجالاً:
أيها السيّد الذكيّ الجنان ... لا تقسني بسلّم البنيان
فضل شكل على السلالم أنّي ... محملٌ للعلوم والقرآن
حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقّة الأبدان
فادع للصانع المجيد بفوزٍ ... ثمّ وال الدعاء للإخوان ثمّ عمل أيضاً:
أيها السيد الكريم المساعي ... التفت صنعتي وحسن ابتداعي
__________
(1) البدائع 2: 157؛ وانظر بعض أهاجيه في أهل فارس في زاد المسافر.
(2) ب: المؤمنين؛ وهو غير دقيق.
(3) راجع ترجمة ابن خيار الجياني في الحلة 2: 235.
(3/324)

أنا للنّسخ محملٌ خفّ حملي ... أنا في الشّكل سلّم الإطلاع 103 - وقال أحمد بن رضى المالقي:
ليس المدامة ممّا أستريح له ... ولا مجاوبة الأوتار والنغم
وإنّما لذّتي كتبٌ أطالعها ... وخادمي أبداً في نصرتي قلمي 104 - وقال أبو القاسم البلوي الإشبيلي:
لمن أشكو مصابي في البرايا ... ولا ألقى سوى رجلٍ مصاب
أمورٌ لو تدبّرها حكيمٌ ... لعاش مدى الزمان أخا اكتئاب
أما في الدّهر من أفشي إليه ... بأسراري فيؤنس بالجواب
يئست من الأنام فما جليسٌ ... يعزّ على نهاي سوى كتابي 105 - وقال أبو زكريا يحيى، ابن صفوان بن إدريس صاحب كتاب " العجالة " و " زاد المسافر " وغيرهما:
ليت شعري كيف أنتم ... وأنا الصبّ المعنّى
كلّ شيء لم تكونوا ... فيه لفظٌ دون معنى وله في نصراني وسيم لقيه يوم عيد:
توحّد في الحسن من لم يزل ... يثلث والقلب في صدّه
يشفّ لك الماء من كفّه ... ويقتدح النّار من خدّه وهذان البيتان نسبهما له بعض معاشريه، وأبوه صفوان سابق الميدان.
106 - وقال ابن بسام (1) : ساير ابن عمّار في بعض أسفاره غلامان من
__________
(1) بدائع البدائه 2: 130.
(3/325)

بني جهور أحدهما أشقر العذار والآخر أخضره.
فجعل يميل بحديثه لمخضر العذار. ثم قال ارتجالاً:
تعلّقته جهوريّ النّجار ... حليّ (1) اللّمى جوهريّ الثنايا
من النّفر البيض أسد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلاّ جمان الحديث ... نساقطه من ظهور المطايا
شنأت المثلّث للزعفران ... وملت إلى خضرةٍ في التفايا ومعناه أن ابن عمّار أبغض المثلّث لدخول الزعفران فيه لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحبّ خضرة التفايا (2) ، وهو لون طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.
107 - وقال أبو العرب ابن معيشة الكناني السبتي (3) : أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عبّاد، وكان عليه من أثر كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق، قال: كنت في صبايّ حسن الصورة، بديع الخلقة، لا تلمحني عين أحد إلاّ ملكت قلبه، وخلبت خلبه، وسلبت لبّه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر ابن عمّار قد أقبل في موكب زّجل، على فرس كالصخرة الصمّاء قدّت من قنّة الجبل، فحين حاذاني ورآني اشرأبّ إليّ ينظرني وبهت يتأملني ثمّ دفع بمخصرة كانت بيده في صدري، وأنشد:
__________
(1) ب: حلو.
(2) راجع شرح التفايا ج 3 ص: 127 الحاشية: 2.
(3) بدائع البدائه 2: 132 وفيه " ابن معوشة ".
(3/326)

كفّ هذا النّهد عني ... فبقلبي منه جرح
هو في صدرك نهدٌ ... وهو في صدري رمح 108 - وعبر في البدائع على طريقة القلائد بما صورته (1) : ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه: أخبرني ذو الوزارتين أبو مطرف ابن عبد العزيز أنّه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه، ورمى بنبل ودقه، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بالقطر، ونشرت ما يفوق ألوان البزّ وبثّت ما يعلو العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خدّها حسناً فتكلل بعرق حبابه، إذا بفتىً رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعاً كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حباباً، فهو ملكٌ حسناً إلاّ أنه جسد، وغزالٌ ليناً إلاّ أنّه في هيئة الأسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمّار والسكر قد استحوذ على لبّه، وانبثّت سراياه في ضواحي قلبه، فأشار إليه وقرّبه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجدّ في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدّلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلى الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء أمثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورمت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمّار:
__________
(1) بدائع البدائه 2: 133؛ وانظر النفح ج 1 ص: 654.
(3/327)

وهويته يسقي المدام كأنّه ... قمرٌ يدور بكوكبٍ في مجلس
متناوح الحركات يندى عطفه ... كالغصن هزّته الصبا بتنفسّ
يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس
يا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرّف الفرس القصير المحبس
إيّاك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس
جهمٍ وإن حسر القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المجرس
سلّم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنّا بكأسك قد كفتنا مقلةٌ ... حوراء قائمةٌ بسكر المجلس وصنع فيه أيضاً:
وأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد
قسا قلباً وشنّ عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد
بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد
وإنّ فتىً تملّكه برقٍّ ... وأحرز حسنه لفتىً سعيد انتهى.
109 - وذكر في " البدائع " مؤلفه ما نصه (1) : خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض متنزهاته، فحلّ بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست عن مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلؤلؤ الطلّ أجياد قضبانها، فتشوّق إلى الوزير أبي طالب ابن غانم أحد كبراء دولته، وسيوف صولته، فكتب إليه بديهاً بورقة كرنب بعود من شجرة:
__________
(1) البدائع 2: 139، وانظر أيضا 2: 140 للحكاية التالية عن المعتصم.
(3/328)

أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط النّدى علينا 110 - وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوماً وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردها حرّ الأوار، والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار، فقال ارتجالاً:
انظر إلى الماء كيف انحطّ من صببه ... كأنّه أرقمٌ قد جدّ في هربه 111 - وقال السميسر (1) :
بعوضٌ شربن دمي قهوةً ... وغنيّنني بضروب الأغان
كأنّ عروقي أوتارهنّ ... وجسمي الرباب وهنّ القيان (2) 112 - وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني (3) :
لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه، ولكن تحت ذلك حديث
غنّى الذباب فظلّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث 113 - والسابق إلى هذا المعنى أبو [الحسن] أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال (4) :
لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص
لي والبراغيث والبعوض إذا ... أجنّنا (5) حندس الظلام قصص
إذا تغنّى بعوضه طرباً ... أطرب (6) برغوثه الغنا فرقص
__________
(1) البدائع 2: 176.
(2) زاد في مطبوعة التجارية بعد هذين البيتين مقطوعتين في البرغوث والبعوض يظهر أنهما من زيادات النساخ.
(3) البدائع 2: 176 والمطرب: 70 ومعجم الأدباء: 19: 38.
(4) بدائع البدائه 2: 176 واليتيمة 4: 383، ومنه تصويب الاسم.
(5) اليتيمة: ألحفنا.
(6) اليتيمة: ساعد.
(3/329)

114 - ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية (1) :
ضاقت بلنسيةٌ بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض رجع إلى أهل الأندلس، فنقول:
115 - كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان، ظاهر التغفل، على جوده نظمه، ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادةً لها، واتفق أن عبر في السكة راجلاً، ومعه جماعة من أصحابه، فلمّا رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعاً
على عقبيه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ فقال: البغلة نفرت، فعجبوا من تخلّفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له، فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه، فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب، وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً:
كتاب نجيعٍ (2) لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسرٌ هنالك أو ذيب
جوارح أهليه حروفٌ وربما ... تولّته من نقط الطعان أنابيب 116 - وقال الحميدي (3) : ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة:
__________
(1) المطرب: 94 وبدائع البدائه 2: 176.
(2) م: نجيح.
(3) الجذوة: 328.
(3/330)

وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شطّ
وتبكي فتحيي من دموع جفونها ... رياضاً تبدّت بالأزاهر (1) في بسط
فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيضٍّ وأدكن مشمطّ
كأنّ ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط وقال أبو الخطاب ابن دحية (2) : دخلت على الوزير الفقيه الأجلّ أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً:
أيها العالم ادّركني سماحاً ... فلمثلي يحقّ منك السماح
إن تخلني إذا نطقت عييّاً ... فبناني إذا كتبت وقاح
أحرز الشأو في نظامٍ ونثرٍ ... ثمّ أثني وفي العنان جماح
فبهزلٍ كما تأوّد غصنٌ ... وبجدٍّ كما تهزّ الصفاح وقال (3) : دخلت عليه منزله بشاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً:
أيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي
ودعوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم 118 - وقال ابن طوفان (4) : دعا أبي أبا الوليد النّحلي، فلمّا قضوا وطرهم من الطعام سقيتهم، وجعلت أترع الكاسات، فلمّا مشت في النّحلي
__________
(1) الجذوة: من أزاهير.
(2) بدائع البدائه 2: 171، ولم ترد في المطرب.
(3) المصدر نفسه: 172.
(4) بدائع البدائه 2: 191، وفي ب: طفوان.
(3/331)

سورة الحميّا ارتجل:
لابن طوفانٍ أيادٍ ... قلّ فيها مشبهوه
ملأ الكاسات حتّى ... قيل في البيت أبوه ونظيره قول المنفتل (1) من شعراء الذخيرة في الشاعر ابن الفراء:
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه 119 - وذكر في " بدائع البدائه " (2) أن جماعة من الشعراء في أيّام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا ما سطره الدّهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر
أنافا بأعنان (3) السّماء فأشرفا ... على الجوّ إشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر وصنع أبو منصور ظافر الحداد:
تأمّل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعماريتين (4) على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموعٌ ... وصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صبٍّ ... تخلّف فهو محزون كئيب
__________
(1) المصدر السابق: 192.
(2) المصدر نفسه 1: 243 وانظر نوادر المخطوطات 1: 26.
(3) م: بأسباب؛ البدائع: بأكناف.
(4) العمارية: الهودج.
(3/332)

120 - وقال ابن بسام (1) : كان للمتوكل ابن الأفطس فرس أدهم أغر محجل على كفله ست نقط بيض، فندب المتوكل الشعراء لصفته، فصنع النّحلي أبو الوليد فيه بديهاً:
ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريّا نقطٌ في كفله
وغدير الصبح قد خيض به ... فبدا تحجيله من بلله
كلّ مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله ثمّ انتدب الشعراء بعد ذلك للعمل فيه، فصنع ابن اللبّانة:
لله طرفٌ جال يا ابن محمّدٍ ... فحبت (2) به حوباؤه التأميلا
لمّا رأى أنّ الظّلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسمٌ ... تبغي هناك لرجله تقبيلا وقال فيه أبو عبد الله ابن عبد البر الشنتريني من قطعة:
وكأنما عمرٌ على صهواته ... قمرٌ تسير به الرياح الأربع ويعني بعمر المتوكل المذكور لأن اسمه عمر.
121 - وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية:
لله إخوانٌ تناءت دراهم ... حفظوا الوداد على النوى أو خانوا
يهدي لنا طيب الثناء ودادهم ... كالندّ يهدي الطيب وهو دخان
__________
(1) البدائع 1: 260.
(2) البدائع: فجنت؛ ب: فجبت.
(3/333)

[أخبار عن المروانيين]
122 - وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوماً عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب، فتشوف أبو الحسن ابن جودي لمعرفته، وكان إذ ذاك فتيّ السن، فقال له: من أنت أكرمك الله تعالى فقال: هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدباً ولي توقيراً، فقال ابن جودي: قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك، فقال: يا هذا، لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل، ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل، وأطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه وأنشد:
أنا ابن الألى قد عوّض الدهر عزّهم ... بذلٍّ وقلوا واستحبّوا التنكرا
ملوكٌ على مرّ الزمان بمشرقٍ ... وغربٍ دهاهم دهرهم وتغيّرا
فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ... فإن حياة الرّزء أن يتذكّرا ففطن ابن جودي أنه منبني مروان، فقام وقبّل رأسه، واعتذر إليه، ثمّ انصرف المرواني، فقال ابن باجة لابن جودي: أساء أدبك بعد ما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة، فإنها من أسوء الأدب، فقال ابن جودي: لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه (1) ... 123 - وحكي أن بكاراً المرواني (2) لمّا ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل، قال صاحب السقط: إنه اجتمع به في أشبونة فقال: قصدت منزله بها، ونقرت
__________
(1) صدر البيت: ننقل أسبابنا إلى ملك.
(2) انظر أخبار بكار وأشعاره في المغرب 1: 415.
(3/334)

الباب، فنادى: من هذا فقلت: رجل ممّن يتوسل لرؤيتك بقرابة، فقال: لا قرابة إلاّ بالتقى، فإن كنت من أهله فادخل، وإلاّ فتنحّ عني، فقلت: أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى، فقال: ادخل، فدخلت عليه فإذا به في مصلاّه وسبحة أمامه، وهو يعدّ حبوبها ويسبّح فيها، فقال لي: ارفق عليّ حتّى أتمم وظيفتي من هذا التسبيح، وأقضي حقك، فقعدت إلى أن فرغ، فلمّا قضى شغله عطف عليّ وقال: ما القرابة التي بيني وبينك فانتسبت له، فعرف أبي وترحّم عليه، وقال لي: لقد كان نعم الرجل، وكان لديه أدب ومعرفة، فهل لديك أنت ممّا كان لديه شيءٌ فقلت له: إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلّم الأدب، وقد تعلقت من ذلك (1) بما أتميز به، فقال لي: هل تنظم شيئاً قلت: نعم، وقد ألجأني الدّهر إلى أن أرتزق به، فقال: يا ولدي إنه بئسما يرتزق به، ونعم ما يتحلى به إذا كان على غير هذا الوجه، وقد قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ من الشّعر لحكمةً " ولكن تحلّ الميتة عند الضرورة، فأنشدني أصلحك الله تعالى ممّا على ذكرك من شعرك، قال: فطلبت بخاطري شيئاً أقابله به ممّا يوافق حاله فما وقع لي إلاّ فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك، فأطرقت قليلاً، فقال: لعلك تنظم، فقلت: لا ولكن أفكر فيما أقابلك به، فقولي أكثره فيما حملني عليه الصّبا والسخف، وهو لائق بغير مجلسك، فقال: يا بني، ولا هذا كله، إنّا لا نبلغ من تقوى الله إلى حدّ نخرج به عن السلف الصالح، وإذا صح عندنا أن عبد الله ابن عباس ابن عم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ومفسر كتاب الله تعالى ينشد مثل قول القائل:
إن يصدق الطير ننك لميسا ...
__________
(1) م: بذلك.
(3/335)

فمن نحن حتّى نأبى أن نسمع مثل هذا والله لا نشذ عن السلف الصالح، أنشدني ما وقع لك غير متكلف، فلم يمدني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه:
أبطأت عنّي، وإني ... لفي اشتياقٍ شديد
وفي يدي لك شيء ... قد قام مثل العمود
لو ذقته مرة لم ... تعد لهذا (1) الصدود فتبسم الشيخ وقال: أما كان في نظمك أطهر من هذا فقلت له: ما وفقّت لغيره، فقال: لا بأس عليك، فأنشدني غيره، ففكرت إلى أن أنشدته قولي:
ولمّا وقفت على ربعهم ... تجرعت وجدي بالأجرع
وأرسل دمعي شرار الدموع ... لنارٍ تأجّج في الأضلع
فقال عذولي، لمّا رأى ... بكائي: رفقاً على الأدمع
فقلت له: هذه سنّةٌ ... لمن حفظ العهد في الأربع قال: فرأيت الشيخ قد اختلط، وجعل يجيء ويذهب ثمّ أفاق وقال: أعد بحقّ آبائك الكرام، فأعدت فأعاد ما كان فيه وجعل يردده، فقلت له: لو علمت أن هذا يحركك ما أنشدتك إيّاه، فقال: وهل حرك مني إلاّ خيراً وعظة يا بني إن هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت، وهي مستعده لهبوب الرياح، فإن هبّ عليها أقلّ ريحٍ لعب بها كيف شاء، وصادف منها طوعه، فأعجبني منزعه، وتأنست به، ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الإنجماح والانكماش، بل ما زال يبسطني ويحدثني بأخبار فيها هزل، ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له، ولا أعلم أكثره، فلمّا كثر تأنسي به
__________
(1) م: تصد هذا.
(3/336)

أهويت إلى يده كي أقبّلها، فضمها بسرعة، وقال: ما شأنك فقلت: راغباً لك في أن تنشدني شيئاً من نظمك، فقال: أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب، ويجب للنظم أن يذهب معه، وأمّا نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله، وهو يثقل عليك، فقلت له: إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه، ومن نظم شيخوخته (1) ، فيأخذ كلانا بحظه، فضحك وقال: ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب ووسيلة قصد، ثمّ أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة:
ثق بالذي سوّاك من ... عدمٍ فإنّك من عدم
وانظر لنفسك قبل قر ... ع السنّ من فرط الندم
واحذر وقيت من الورى ... واصحبهم أعمى أصم
قد كنت في تيهٍ إلى ... أن لاح لي أهدى علم
فاقتدت نحو ضيائه ... حتّى خرجت من الظّلم
لكن قناديل الهوى ... في نور رشدي كالحمم قال: فوالله لقد أدركني فوق ما أدركه، وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات، وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلص إلاّ بعد حين، فقال لي الشيخ: إن هذه يقظة يرجى معها خيرك، والله مرشدك ومنقذك، ثمّ قال لي: يا بني هذا ما نحن بسبيله الآن، فاسمع فيما مضى والله وليّ المغفرة، وإنّا لنرجو منه غفران الفعل، فكيف القول، وأنشد:
أطلّ عذارٌ على خدّه ... فظنّوا سلوّي عن مذهبي
وقالوا غرابٌ لوشك النوى ... فقلت اكتسى البدر بالغيهب
وناديت قلبي أين المسير ... وبدر الدجى حلّ في العقرب
__________
(1) ق ب: شيخه.
(3/337)

فقال ولو رمت عن حبّه ... رحيلاً عصيت ولم أذهب قال: فسمعت ما يقصر عنه صدور الشعراء، وشهدت له بالتقدم، وقلت له: لم أر أحسن من نظمك في جدٍّ ولا هزل، ثمّ قلت له: أأرويه عنك فقال: نعم، ما أرى به بأساً بعد اطلاع من يعلم السرائر، على ما في الضمائر، فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء من يغفر الكبائر، ويغضي عن العظائم قال: فقلت له: فإن أسبغت عليّ النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدّهر، فقال: يا بني لا ملك قلبك غير حب الله تعالى، ثمّ قال: ولا أجمع عليك ردّ قول ومنعاً، وأنشد:
أيها الشادن الذي ... حسنه في الورى غريب
لحظ ذاك الجمال يط ... فىء ما بي من اللهيب
وعليه أحوم ده ... ري ولكنّني أخيب
كلّما رمت زورةً ... قيّض الله لي رقيب قال: فمازج قلبي من الرقة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه، فقلت له: زدني زادك الله تعالى خيراً، فأنشدني:
ما كان قلبي يدري قدر حبّكم ... حتّى بعدتم فلم يقدر على الجلد
وكنت أحسب أنّي لا أضيق به ... ذرعاً فما حان حتّى فتّ في عضدي
ثمّ استمرّت على كرهٍ مريرته ... فكاد يفرق بين الروح والجسد
عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي ... فليس لي مهجةٌ تقوى على الكمد ثمّ قال: حسبك، وإن كلفتني زيادة فالله حسبك، فقلت له: قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم، فبالله إلاّ مازدتني، وأكببت لأقبّل رجليه، فضمهما وأنشد:
(3/338)

لله من قال لمّا ... شكوت فيه نحولي
أمّا السبيل لوصولٍ ... فما له من وصول
فقلت حسبي التماحٌ ... بحسن وجهٍ جميل
وجهٌ تلوح عليه ... علامةٌ للقبول
فقال دعني فهذا ... تعرّضٌ للفضول
فقلت عاتب وخاطب ... بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب، وبسط أنسي، وكتبت كل ما أنشدني، ثمّ قلت له: لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتّى لا تجد ما تنشد، فقال: إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت، وأنشدتك، فما عندي ممّا أضيفك غير ما سمعت، وما تراه، ثمّ قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حساً من دقيق وكسور باردة، فجعل يفتّ فيها، ثمّ أشار إليّ أن أشرب فشبت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها (1) ، ثمّ قال لي: هذا غذاء عمك نهاره، وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها، قال: فقلت له: يا عم، ومن أين عيشك فقال: يا بني، عيشي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد فيه معونة، وهذا مع العافية والاستغناء عن النّاس خيرٌ كثير، جعلنا الله تعالى ممّن يلقاه على حالة يرضاها، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة. قال: فتركته وقمت وفي نيّتي أن أعود إلى زيارته، ونويت أن يكون ذلك بعد أيّام خوف التثقيل، فعدت إليه بعد ثلاثة أيّام، فنقرت الباب، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر حزن، وقالت: إن الشيخ خرج إلى الغزو، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم، ناله كالجنون، فقلت له: ما شأنك فقال: أريد أن أموت شهيداً في الغزو، وهؤلاء جيران لي قد
__________
(1) ب: على آخره.
(3/339)

عزموا على الغزو، وأنا إن شاء الله تعالى ماضٍ معهم، ثمّ احتل في سيفٍ ورمح وتوّجه معهم، وقال: نفسي هي التي قتلتني بهواها، أفلا أقتصّ منها فأقتلها قال: فقلت لها: ومن خلف للنظر في شأنكم فقالت: ليس ذلك لك، فالذي خلقنا لا نحتاج معه إلى غيره، فأدركني من جوابها روعة، وعلمت أنها مثله زهداً وصلاحاً، فقلت: إني قريبه، ويجب أن عليّ أن أنظر في حالكم بعده، فقالت: يا هذا إنك لست بذي محرم، ولنا من العجائز من ينظر منا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا، فجزاك الله تعاىل عنّا خيراً، انصرف عنّا مشكوراً، فقلت لها هذه دراهم خذوها تستعينوا بها، فقالت ما اعتدنا أن نأخذ شيئاً من غير الله تعالى، وما كان لنا أن نخلّ بالعادة، فانصرفت نادماً على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرك بزيادة دعائه، ثمّ عدت بعد ذلك لدياره سائلاً عنه، فقالت لي المرأة: إنه قد قبله الله تعالى، فعلمت أنه قد قتل، فقلت لها: أقتل فقرأت: " ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله00 الآية " فانصرفت معتبراً من حاله، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به. وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا، في الدين والدنيا.
انتهى.
124 - وقال محمد بن أيوب المرواني، لمّا كلّف قوماً حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلّفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر، فنهض بها:
نهضت بما سألتك غير وانٍ ... وقد صعبت لسالكها الطريق
وليس يبين فضل المرء إلاّ ... إذا كلّفته ما لا يطيق وعتبه يوماً سعيد بن المنذر في كونه يتعرض لمدح خدام بني مروان، فقال له: أعز الله تعالى القائد الوزير، إنكم جعلتموني ذنباً وجعلوني رأساً، والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها وإن كان فوقها
(3/340)

وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلاّ الذي أبلاني به، ويا ويح الشجيّ من الخليّ، وأنا الذي أقول فيما يتخلل هذا المنزع:
نسبت لقومٍ ليتني نجل غيرهم ... فلي نسبٌ يعلو وحظي يسفل
أقطّع عمري بالتعلّل والمنى ... وكم يخدع المرء اللبيب التعلّل
فما لي مكانٌ أرتضيه لهمّة ... ولا مال منه أستعفّ وأفضل
ولكنني أقضي الحياة تجمّلاً ... وهل يهلك الإنسان إلاّ التجمّل فقال له: سعيد قصدنا لومك فعطف اللائمة علينا، ونحن أحق بها، وسننظر إن شاء الله تعالى فيما يرفع اللوم عن الجانبين، ثمّ تكلم مع الناصر في شأنه، فأجرى له رزقاً أغناه عن التكفف، فكانت هذه من حسنات سعيد وأياديه.
125 - وقال المطرف بن عمر (1) المرواني يمدح المظفر بن المنصور بن أبي عامر:
إنّ المظفّر لا يزال مظفّراً ... حكماً من الرحمن غير مبدّل
وهو الأحقّ بكلّ ما قد حازه ... من رفعةٍ ورياسةٍ وتفضّل
تلقاه صدراً كلمّا قلّبته ... مثل السنان بمحفلٍ وبجحفل وحضر يوماً مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطليّ، فقال له القسطليّ: أنشدني أبياتك التي تقول فيها " على قدر ما يصفو الخليل يكدّر ".
فأنشده:
تخيّرت من بين الأنام مهذّباً ... ولم أدر أني خائبٌ حين أخبر
فمازجني كالراح للماء، واغتدى ... على كل ما جشّمته يتصبر
__________
(1) ب: عمير.
(3/341)

إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاهاً وأدّاني لما ليس يذكر
وكدّر عيشي بعد صفوٍ، وإنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدّر فاهتزّ القسطليّ وقال: والله إنّك في هذه الأبيات لشاعر، وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير:
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل ولكن جعل نفسه فاعلاً وعرّضت نفسك لأن يقال: إنّك مفعول، فقال: ومن أين يلوح ذلك فقال القسطليّ: من قولك " وأدّاني لما ليس يذكر " فما يظن في ذلك إلاّ أنّه أداك إلى موضع فعل بك فيه، فاغتاظ الأموي وقال: بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم، فسكن غيظه.
وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة: أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم، إنّ هذا اليوم قد تبسم أفقه، بعدما بكى ودقه، وصقلت أصداء أوراقه، وفتحت أحداق حدائقه، وقام نوره خطيباً على ساقه، وفضضت غدرانه، وتوّجت أغصانه، وبرزت شمسه من حجابها، بعدما تلفعت بسحابها، وتنبّه في أرجاء الروض أرج النسيم، وعرف في وجهه نضرة النعيم، وقد دعا كلّ هذا ناظر أخيك إلى أن يجيله في هذه المحاسن، ويجددّ نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن، والفحص اليوم أحسن ما ملح، وأبدع ما حرن فيه وجمح، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال، بمناكفة الأنذال، لا زلت نهّاضاً بالآمال، مسعفاً بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل.
126 - وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فرّ كتاباً يقول في بعض فصوله: والعجب من فرارك دون أن
(3/342)

ترى شيئاً. فخاطبه بجواب يقول فيه: ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئاً؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلتّ منك.
وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي: أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال: ما أعرف ما تقول، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار، بل هو محض العقل، وأوّل ما ينظر الأديب في حفظ رأسه، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده.
127 - وقال عبد الله بن بعد العزيز الأموي ويعرف بالحجر (1) :
اجعل لنا منك حظّاً أيها القمر ... فإنما حظّنا من وجهك النظر
رآك ناسٌ فقالوا: إنّ ذا قمرٌ ... فقلت: كفّوا فعندي منهما الخبر
البدر ليس بغير النّصف بهجته ... حتّى الصباح وهذا كلّه (2) قمر 128 - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (3) :
وكم من حديثٍ للنبيّ أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشياً
وكم مصعبٍ للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا 129 - وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى، وكان من أعيان غرناطة، فمدحه بقصيدة، ثمّ بموشّحة، ثمّ بزجل، فلم
__________
(1) الجذوة: 244 (وبغية الملتمس رقم: 933) .
(2) الجذوة: البدر ليلة نصف الشهر.... وهذا دهره.
(3) الذخيرة 1 / 2: 317.
(3/343)

يعطه شيئاً، بل شكا إليه فقراً، حتّى إنه بكى، فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه:
شكا مثال الذي أشكوه من عدمٍ ... وساءه مثل ما قد ساءني فبكى
إنّ المقلّ الذي أعطاك دمعته ... نعم الجواد فتىً أعطاك ما ملكا 130 - وقال ابن خفاجة (1) :
نهرٌ كما سال (2) اللّمى سلسال ... وصباً بليلٌ ذيلها مكسال
ومهبّ نفحة روضةٍ مطلولةٍ ... فيها لأفراس النسيم (3) مجال
غازلته والأقحوانة مبسمٌ ... والآس صدغٌ والبنفسج خال وقال (4) :
وساقٍ كحيل الطّرف (5) في شأو حسنه ... جماحٌ، وبالصبر الجميل حران
ترى للصّبا ناراً بخدّيه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان
سقانا وقد لاح الهلال عشيّةً ... كما اعوجّ في درع الكميّة سنان
عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌ ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان
وقد جال من جون الغمامة أدهمٌ ... له البرق سوطٌ والعنان عنان
وضمّخ ردع الشمس نحر حديقة ... عليه من الطّلّ السقيط جمان
ونمّت بأسرار الرياض خميلةٌ ... لها النّور ثغرٌ والنسيم لسان
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 119 والنفح 3: 202.
(2) الديوان: ساغ.
(3) الديوان: في جلهتيها للنسيم.
(4) ديوان ابن خفاجة: 235 وقد تقدمت الأبيات ص: 202 من هذا المجلد.
(5) ديوانه: لخيل اللحظ؛ وهو أصوب.
(3/344)

وقال في وصف فرس أصفر، ولم يخرج عن طريقته (1) :
وأشقرٍ تضرم منه الوغى ... بشعلةٍ من شعل الباس
من جلّنارٍ ناضرٍ لونه ... وأذنه من ورق الآس
يطلع للغرة في شقرةٍ ... حبابةً تضحك في الكاس 131 - وقال أبو بكر يحيى (2) بن سهل اليكي يهجو:
أعد الوضوء إذا نطقت به ... مستعجلاً من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظلّ منه ينجّس الشّمسا 132 - وقال ابن اللّبّانة (3) :
أبصرته قصّر في المشيه ... لمّا بدت في خدّه لحيه
قد كتب الشّعر على خدّه ... " أو كالّذي مرّ على قريه " 133 - وقال الوزير الكاتب أبو محمد [ابن] عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين، وكتب بها إليه في غزاة غزاها (4) :
سر حيث سرت يحلّه النّوار ... وأراك فيه مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌ ... وغمامةٌ لا ديمةٌ مدرار
تنفي الهجير بظلّها وتنيم بال ... رشّ القتام وكيف شئت تدار
وقضى الإله بأن تعود مظفّراً ... وقضت بسيفك نحبها (5) الكفّار
__________
(1) ديوانه: 123 ومرت الأبيات ص: 202 من هذا المجلد.
(2) في الأصول: محمد، وهو خطأ اقتضى التصويب.
(3) القلائد: 252.
(4) القلائد: 163 والمغرب 1: 137.
(5) ب م: نحوها.
(3/345)

هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال (1) : حيث ارتحلت وديمة (2) ، وما تكاد تنفذ معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الإضرار، وما أحسن قول القائل:
فسر ذا رايةٍ خفقت بنصرٍ ... وعد في جحفلٍ بهج الجمال
إلى حمصٍ فأنت بها حليٌّ ... تغاير فيه ربّات الحجال 134 - وقال الحجاري في " المسهب ": كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي، فتوقّف عن ذلك وانقبض عني، فكتبت إليه:
يا مانعاً شعره عن سمع ذي أدب ... نائي المحلّ بعيد الشخص مغترب
يسير عنك به في كلّ متّجهٍ ... كما يمرّ نسيم الريح بالعذب
إنّي وحقّك أهلٌ أن أفوز به ... واسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي فكان جوابه:
يا طالباً شعر من لم يسم في الأدب ... ماذا تريد بنظم غير منتخب
إنّي وحقّك لم أبخل به صلفاً ... ومن يضنّ على جيدٍ بمخشلب
لكنني صنت قدري عن روايته ... فمثلّه قلّ عن سامٍ إلى الرّتب
خذه إليك كما أكرهت مضطرباً ... محلّلاً ذمّ مولاه مدى الحقب قال: ثمّ كتب لي ممّا أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار، وأرقّ من نسيم الأسحار.
__________
(1) القلائد: هذا ما تمناه الولي ما تمناه الجعفي حيث قال.
(2) يريد قول المتنبي:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار
(3/346)

135 - وقال صالح بن شريف في البحر وهو أحسن ما قيل فيه:
البحر أعظم ممّا أنت تحسبه ... من لم ير البحر يوماً ما رأى العجبا
طامٍ له حببٌ طافٍ على زرقٍ ... مثل السّماء إذا ما ملّئت (1) شهبا وقال أيضاً:
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحرّ أسراره
لا سيّما إن كان في غربةٍ ... يحتاج أن يعرف مقداره 136 - وقال ابن برطله (2) :
خطوب زماني ناسبتني غرابةً ... لذلك يرميني بهنّ مصيب
غريبٌ أصابته خطوبٌ غريبةٌ ... " وكلّ غريبٍ للغريب نسيب " وهذا من أحسن التضمين، الذي يزري بالدّرّ الثمين.
137 - ودخل ابن بقيّ الحمّام وفيه الأعمى التّطيلي فقال له: أجز (3) :
حمّامنا كزمان القيظ محتدمٌ ... وفيه للبرد صرٌّ غير ذي ضرر فقال الأعمى:
ضدّان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر ولا يخفى حسن ما قال الأعمى.
__________
(1) م: حليت.
(2) م: برطالة.
(3) انظر مطالع البدور 2: 10.
(3/347)

وقد ذكر في " بدائع البدائه " (1) البيتين معاً منسوبين إلى ابن بقيّ، ولنذكر كلامه برمته لما اشتمل عليه من الفوائد، ونصه: ذكر ابن بسام قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التّطيلي المعروف بالأعمى وأبو بكر ابن بقيّ الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعمى:
يا حسن حمّامنا وبهجته ... مرأى من السحر كلّه حسن
ماءٌ ونارٌ حواهما كنفٌ ... كالقلب فيه السرور والحزن ثمّ أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمّامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب
وابيّض من تحته رخامٌ ... كالثلج حين ابتدا يذوب وقال ابن بقيّ:
حمّامنا فيه فصل القيظ ... البيتين
فقال الأعمى وقد نظر فيه إلى فتّى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ... سالت عليه من الحمّام أنداء
كالغصن باشر حرّ النار من كثبٍ ... فظلّ يقطف من أعطافه الماء [وصف حمّام مشرقي]
قلت: تذكرت هنا عند ذكر الحمّام ما حكاه بدر الدين الحسن بن زفير الإربلي المتطبب إذ قال (2) : رأيت في بغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن
__________
(1) البدائع 1: 242 والذخيرة 1 / 1: 258.
(2) مطالع البدور 2: 8.
(3/348)

الوزير الصحب شمس الدين محمد الجويني حمّاماً متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد احتفّت به الأزهار والأشجار، فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشىء الإربلي، وكان سائس هذا الحمّام خادماً حبشياً كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوّت بأصوات طيبة، ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثمّ منها إلى البستان، ثمّ أراني نحو عشر خلوات، كلّ خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثمّ انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد، ففتحه، ودخل بي إلى دهليز طويل كلّه مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعوداً وتسع اثنين إذا كانوا نياماً، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلّها متخذة من بلّور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، فأما الأخضر فيقال إنّه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب، وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال، على هيئات مختلفة في اللون وغيره، وهي ما بين فاعل ومفعول به، إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته، وقال لي الخادم السائس: هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي، حتّى إنّه إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً، فيبادر إلى مجامعة من يحبه.
قال الحاكي: وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل، إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمّام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلاّ في هذه
(3/349)

الخلوة، من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسمة بين يديه، ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة، ورأيت في صدر الخلوة رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره، وأنبوب آخر (1) برسم الماء البارد، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر، وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموالٌ كثيرة، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة: من أي شيء صنعت فقال لي: ما أعلم.
قال الحاكي: فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة، ولا بأحسن من ذلك الحمّام، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما، فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما، ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما، وفي الذي ذكرت كفاية.
انتهى.
[دار جمال الملك البغدادي]
ولمّا اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دوراً أخرى إلى جانبها، وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة، وأعانه الخليفة في بنائها، وأطلق له أموالاً وآلات البناء، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يميناً خرج ماء حار وإن فركه شمالاً خرج ماء بارد، وكان على إيوان الدار مكتوباً (2) :
إن عجب الراءون من ظاهري ... فباطني لو علموا أعجب
__________
(1) ب: وعليه مركب في صورة أنبوب آخر برسم الماء؛ م: مركب في صدره أنبوب وآخر ...
(2) ب م: مكتوب.
(3/350)

شيّدني من كفّه مزنةٌ ... يهمل منها العارض الصّيّب
ودبجت روضة أخلاقه ... فيّ رياضاً نورها مذهب
صدرٌ كسا صدري من نوره ... شمساً على الأيّام لا تغرب وكتب على الطرز:
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دارٌ فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
هاتيك وافيةٌ بما ... وعدت، وهذي ساخره (1) وكتب على النادي:
ونادٍ كأن جنان الخلود ... أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزما ... ن أن لا تلمّ به موثقا
فأضحى يتيه على كلّ ما ... بنى مغرباً كان أو مشرقا
تظلّ الوفود به عكفّاً ... وتمسي الضيوف به طرّقا
بقيت له يا جمال الملو ... ك والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان ... ووقّيت فيه الذي يتقّى [أشعار للمشارقة في الحمّام]
وعلى ذكر الحمّام فما أحكم قول ابن الوردي فيما أظن (2) :
وما أشبه الحمّام بالموت لامرىءٍ ... تذكر؛ لكن أين من يتذكر
يجرّد عن أهلٍ ومالٍ وملبسٍ ... ويصحبه من كلّ ذلك مئزر
__________
(1) ب: خاسرة.
(2) مطالع البدور 2: 13.
(3/351)

وقال الشهاب بن فضل الله (1) :
وحمّامكم كعبةٌ للوفود ... تحجّ إليه حفاةً عراه
يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقد تمثل بهذين البيتين البرهان القيراطي في جواب كتاب استدعاه فيه بعض أهل عصره إلى الحمّام، وافتتح الجواب بقوله (2) :
قد أجبنا وأنت أيضاً فصبّح ... ت بصبحي سوالفٍ وسلاف
وبساقٍ يسبي العقول بساقٍ ... وقوامٍ وفق العناق خلافي ووصله بنثرٍ تمثل فيه بالبيتين كما مر.
ولبعضهم (3) :
إن حمّامنا الذي نحن فيه ... أيّ ماءٍ به وأيّة نار
قد نزلنا به على ابن معينٍ ... وروينا عنه صحيح البخار [ي] وألغز بعضهم في الحمّام بقوله (4) :
ومنزل أقوامٍ إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه
ينفّس كربي إذ ينفّس كربه ... ويعظم أنسي إذ يقلّ أنيسه
إذا ما أعرت الجوّ طرفاً تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه رجع إلى ما كنّا فيه من كلام أهل الأندلس، فنقول:
__________
(1) مطالع البدور 2: 11، 17.
(2) مطالع البدور 2: 16.
(3) المصدر نفسه: 10.
(4) المصدر نفسه: 9.
(3/352)

138 - وكان محمد بن خلف بن موسى البيري (1) متكلماً متحققاً برأي الأشعرية، وذاكراً لكتب الأصول في الاعتقاد، مشاركاً في الأدب، مقدماً في الطب، ومن نظمه يمدح إمام الحرمين رحمه الله تعالى:
حبّ حبرٍ يكنى أباً للمعالي ... هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرمٌ بهواه ... عللوني بذكره عللّوني 139 - وكتب (2) أبو الوليد ابن الجنان الشاطبي (3) يستدعي بعض إخوانه إلى مجلس أنس بما صورته: نحن في مجلس أغصانه الندامة، وغمامه الصهباء، فبالله إلاّ ما كنت لروض مجلسنا نسيماً، ولزهر حديثنا شميماً، وللجسم روحاً، وللطيب ريحاً، وبيننا عذراء زجاجتها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها، أو شربها مقهقهةً فحمامة على فننها، طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول، فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل. انتهى.
وقال أبو الوليد المذكور:
فوق خدّ الورد دمعٌ ... من عيون السّحب يذرف
برداء الشمس أضحى ... بعدما سال يجفّف [حكاية مشرقية عن الورد والياسمين]
وتذكرت هنا بذكر الورد ما حكاه الشيخ أبو البركات هبة الله بن محمد النصيبي المعروف بالوكيل، وكان شيخاً ظريفاً فيه آداب كثيرة، إذ قال:
__________
(1) م: البشيري.
(2) م: وكتب الوزير.
(3) مرت ترجمته رقم: 68 في الراحلين إلى المشرق (2: 120) .
(3/353)

كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين، وقد أحضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير، وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمين، فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن ابن البرقعيدي، فقلت لهما: اعملا في هاتين الدائرتين، ففكرّا ساعة ثمّ قال المهذب:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ مشرق
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من شفق
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالحدق
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من فرق قال: فقلت للحسن: هات، فقال: سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى، وهو قولي:
يا حسنها دائرةً ... من ياسمينٍ كالحلي
والورد قد قابلها ... في حلّةٍ من خجل
كعاشقٍ وحبّه ... تغامزا بالمقل
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من وجل قال: فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد، والمبادرة إلى حكاية الحال.
انتهى.
وما ألطف قول بعضهم:
أرى الورد عند الصبح قد مدّ لي فماً ... يشير إلى التقبيل في حالة اللّمس
وبعد زوال الشمس ألقاه وجنةً ... وقد أثّرت في وسطها قبلة الشمس
(3/354)

140 - وقال ابن ظافر في " بدائع البدائه " (1) : اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأديب أبو العباس ابن صارة الأندلسيان في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فقال ابن القبطرنة:
هذي البسيطة كاعبٌ أبرادها ... حلل الربيع وحليها النّوّار فقال ابن صارة:
وكأنّ هذا الجوّ فيها عاشقٌ ... قد شفّه التعذيب والإضرار ثم قال ابن صارة أيضاً:
وإذا شكا فالبرق قلبٌ خافقٌ ... وإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلّة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار [بديهة ابن ظافر]
وتذكرت هنا ما حكاه ابن ظافر (2) في الكتاب المذكور أنّه اجتمع مع القاضي الأعز يوماً فقال له ابن ظافر: أجز:
طار نسيم الروض من وكر الزّهر ... فقال الأعز:
وجاء مبلول ... الجناح بالمطر انتهى.
__________
(1) بدائع البدائه 1: 186 ومطالع البدور 1: 123.
(2) البدائع 1: 70.
(3/355)

ويعجبني قول ابن قرناص (1) :
أظنّ نسيم الروض والزهر قد روى ... حديثاً ففاحت من شذاه المسالك
وقال دنا فصل الربيع فكلّه ... ثغورٌ لما قال النسيم ضواحك رجع إلى الأندلسيين:
141 - وما أرق قول ابن الزقاق (2) :
ورياضٍ من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهراتٍ تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها فقال مجيباً: ... سرقت حمرة الخدود الملاح 142 - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة (3) :
تعلقته نشوان (4) من خمر ريقه ... له رشفها دوني ولي دونه السكر
ترقرق ماءً مقلتاي ووجهه ... ويذكي على قلبي ووجنته الجمر
أرقّ نسيبي فيه رقّة حسنه ... فلم أدر أيٌّ قبلها منهما السحر
وطبنا معاً شعراً وثغراً كأنّما ... له منطقي ثغرٌ ولي ثغره شعر 143 - وقال أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز (5) :
وقائلةٍ: ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنّني ... لما لم يحوزه من المجد حائز
__________
(1) مطالع البدور 1: 125.
(2) ديوان ابن الزقاق: 125 والمغرب 2: 324 والشريشي 1: 120 وقد مرت ص: 200.
(3) ديوان ابن خفاجة: 353.
(4) الديوان: ريان.
(5) الخريدة 4 / 1: 277.
(3/356)

وما فاتني شيء سوى الحظّ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز وقال:
جدّ بقلبي وعبث ... ثمّ مضى وما اكترث
وا حربا (1) من شادنٍ ... في عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث 144 - وقال البليغ الفاضل يحيى بن هذيل (2) أحد أعيان شعراء الأندلس:
نام طفل النبت في حجر النّعامى ... لاهتزاز الطّلّ في مهد الخزامى
وسقى الوسميّ أغصان النّقا ... فهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيّاً ثملٍ ... قد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر كؤوسٌ قد غدت ... مسكة الليل عليهنّ ختاما وتذكرت هنا قول الآخر، وأظنّه مشرقيّاً (3) :
بكر العارض تحدوه النّعامى ... فسقاك الريّ يا دار أماما
وتمشّت فيك أرواح الصّبا ... يتأرّجن بأنفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحي ... للمحبين مناخاً ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي، فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحّل فتحدّث عجباً ... أنّ قلباً سار عن جسمٍ أقاما
قل لجيران الغضا آهاً على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
__________
(1) الخريدة: وا حزني.
(2) الكتيبة الكامنة: 74 منسوبة خطأ لابن شقرال، ونثير الفرائد: 322.
(3) هي لمهيار الديلمي، ديوانه: 3: 327.
(3/357)

حمّلوا ريح الصّبا من نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما 145 - وخرج بعض علماء (1) الأندلس من قرطبة إلى طليطلة، فاجتاز بحريز (2) بن عكاشة الشجاع المشهور الذي ذكرنا في هذا الباب ما يدل على شجاعته وقوته وأيده، بقلعة رباح، فنزل بخارجها في بعض جنباتها، وكتب إليه:
يا فريداً دون ثان ... وهلالاً في العيان
عدم الراح فصارت ... مثل دهن البلسان فبعث إليه بها، وكتب معها:
جاء من شعرك روضٌ ... جاده صوب اللسان
فبعثناها سلافاً ... كسجاياك الحسان [أشعار لابن شهيد]
146 - وقال الوزير أبو عامر ابن شهيد يتغزل (3) :
أصباحٌ (4) شيم أم برقٌ بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا
هبّ من مرقده منكسراً ... مسبلاً للكمّ مرخٍ للرّدا
يمسح النعسة من عيني رشاً ... صائدٍ في كلّ يومٍ أسدا
__________
(1) ب: شعراء؛ ق ودوزي: أدباء.
(2) كذا في م؛ وفي ق: بجدير.
(3) انظرها في الذخيرة 1 / 1: 223 والمطمح: 18 وديوان ابن شهيد: 49.
(4) الذخيرة: أصفيح.
(3/358)

أوردته لطفاً آياته ... صفوة العيش وأرعته ددا
فهو من دلٍّ عراه زبدةٌ ... من مريجٍ لم تخالط زبدا
قلت هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من عمك تبريح الصّدى
فانثنى يهتزّ من منكبه ... مائلاً لطفاً وأعطاني اليدا
كلّما كلّمني قبّلته ... فهو إمّا قال قولاً ردّدا
كاد أن يرجع من لثمي له ... وارتشاف الثغر منه أدردا
وإذا استنجزت يوماً وعده ... أمطل الوعد وقال: اصبر غدا (1)
شربت أعطافه ماء الصّبا ... وسقاه الحسن حتّى عربدا
فإذا بتّ به في روضةٍ ... أغيد يقرو (2) نباتاً أغيدا
قام في الليل بجيدٍ أتلعٍ ... ينفض اللّمّة من دمع الندى
ومكانٍ عازبٍ عن جيرة ... أصدقاءٍ وهم عين العدا
ذي نباتٍ طيّبٍ أعراقه ... كعذار الشّعر في خدّ بدا
تحسب الهضبة منه جبلاً ... وحدور الماء منه أبردا وقال يرثي القاضي ابن ذكوان، نجيب ذلك الأوان، وقد افتنّ في الآداب، وسنّ فيها سنّة ابن داب، وما فارق ربع الشباب شرخه، ولا استمجد في الكهولة عفاره ولا مرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونسيم أنسه (3) :
ظننّا الذي نادى محقّاً بموته ... لعظم الذي أنحى من الرّزء كاذبا
وخلنا الصباح الطّلق ليلاً وأنّنا ... هبطنا خداريّاً من الحزن كاربا
ثكلنا الدّنى لمّا استقلّ وإنمّا ... فقدناك يا خير البريّة ناعبا
وما ذهبت إذ حلّ في القبر نفسه ... ولكنّما الإسلام أدبر ذاهبا
__________
(1) الذخيرة: قال لي يمطل ذكرني غدا.
(2) الذخيرة: يعرو؛ ب م ق: يغزو.
(3) المطمح: 19؛ وديوانه: 23.
(3/359)

ولمّا أبى إلاّ التحمّل رائحاً ... منحناه أعناق الكرام ركائبا
يسير به النعش الأعزّ وحوله ... أباعد كانوا للمصاب أقاربا
عليه حفيفٌ للملائك أقبلت ... تصافح شيخاً ذاكر الله تائبا
تخال لفيف الناس حوله ضريحه ... خليط قطاً وافى الشريعة هاربا
إذا ما امتروا سحب الدموع تفرعت ... فروع البكا عن بارق الحزن لاهبا
فمن ذا لفصل القول يسطع نوره ... إذا نحن ناوينا الألدّ المناوبا
ومن ذا ربيع المسلمين يقوتهم ... إذا الناس شاموها بروقاً كواذبا
فيا لهف قلبي آهٍ ذابت حشاشتي ... مضى شيخنا الدّفّاع عنّا النوائبا
ومات الذي غاب السرور لموته ... فليس وإن طال السّرى منه آيبا
وكان عظيماً يطرق الجمع عنده ... ويعنو له ربّ الكتيبة هائبا
وذا مقولٍ عضب الغرارين صارمٍ ... يروح به عن حومة الدين ضاربا
أبا حاتمٍ صبر الأديب (1) فإنّني ... رأيت جميل الصبر أحلى عواقبا
وما زلت فينا ترهب الدهر سطوةً ... وصعباً بها نعي الخطوب المصاعبا
سأستعتب الأيّام فيك لعلّها ... لصحّة ذاك الجسم تطلب طالبا
لئن أفلت شمس المكارم عنكم ... لقد أسأرت بدراً لها وكواكبا قال في " المطمح " (2) : ودبّت إلى أبي عامر ابن شهيد أيّام العلويين عقارب، برئت بها منه أباعد وأقارب، واجهه بها صرف قطوب، وانبرت إليه منها خطوب، نبا لها جنبه عن المضجع، وبقي بها ليالي يأرق ولا يهجع، إلى أن أعلقت في الاعتقال آماله، وعقلته في عقال أذهب ماله، فأقام مرتهناً، ولقي وهناً، وقال:
__________
(1) ب م ق: الأديم.
(2) المطمح: 20 وانظر الذخيرة 1 / 1: 224.
(3/360)

قريبٌ بمحتلّ الهوان مجيد ... يجود ويشكو حزنه فيجيد
نعى صبره عند الإمام فيا له ... عدوّ لأبناء الكرام حسود
وما ضرّه إلاّ مزاحٌ ورقّةٌ ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد
جنى ما جنى في قبّة الملك غيره ... وطوّق منه بالعظيمة جيد
وما فيّ إلاّ الشّعر أثبته الهوى ... فسار به في العالمين فريد
أفوه بما لم آته متعرضاً ... لحسن المعاني تارةً فأزيد
فإن طال ذكري بالمجون فإنّها ... عظائم لم يصبر لها جليد
وهل كنت في العشاق أول عاقلٍ ... هوت بحجاه أعينٌ وخدود
فراقٌ وشجوٌ واشتياقٌ وذلة ... وجبّار حفّاظٍ عليّ عتيد
فمن يبلغ الفتيان أنّي بعدهم ... مقيمٌ بدار الظالمين وحيد
مقيمٌ بدارٍ ساكنوها من الأذى ... قيامٌ على جمر الحمام قعود
ويسمع للجنّان في جنباتها ... بسيطٌ كترجيع الصّدى ونشيد
ولست بذي قيدٍ يرنّ، وإنّما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود
وقلت لصدّاح الحمام وقد بكى ... على القصر إلفاً والدّموع تجود
ألا أيّها الباكي على من تحبّه ... كلانا معنّىً بالخلاء فريد
وهل أنت دانٍ من محبٍّ نأى به ... عن الإلف سلطانٌ عليه شديد
فصفّق من ريش الجناحين واقعاً ... على القرب حتّى ما عليه مزيد
وما زال يبكيني وأبكيه جاهداً ... وللشوق من دون الضّلوع وقود
إلى أن أبكى الجدران من طول شجونا ... وأجهش بابٌ جانباه حديد
أطاعت أمير المؤمنين كتائبٌ ... تصرّف في الأموال كيف تريد
فللشمس عنها بالنهار تأخّرٌ ... وللبدر شحنا بالظلام صدود
ألا إنّها الأيام تلعب بالفتى ... نحوسٌ تهادى تارةً وسعود
وما كنت ذا أيدٍ فأذعن ذا قوىً ... من الدهر مبدٍ صرفه ومعيد
وراضت صعابي سطوةٌ علويةٌ ... لها بارقٌ نحو الندى ورعود
(3/361)

تقول التي من بيتها كفّ مركبي ... أقربك دانٍ أم مداك بعيد (1)
فقلت لها أمري إلى من سمت به ... إلى المجد آباء له وجدود ثمّ قال (2) : ولزمته آخر عمره علّة دامت به سنين، ولم تفارقه حتّى تركته يد جنين، وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه، وإطلاقه من ذنب كان قنيصه، فطهره تطهيراً، وجعل ذلك على العفو له ظهيراً، فإنّها أقعدته حتّى حمل في المحفّة، وعاودته حتّى غدت لرونقه مشتفّة، وعلى ذلك فلم يعطل لسانه، ولم يبطل إحسانه، ولم يزل يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعر قاله قوله:
ولمّا رأيت العيش لوّى برأسه ... وأيقنت أن الموت لا شكّ لاحقي
تمنّيت أنّي ساكنٌ في عباءةٍ (3) ... بأعلى مهبّ الريح في رأس شاهق
أردّ (4) سقيط الطّلّ في فضل عيشتي ... وحيداً وأحسو الماء ثني المعالق
خليليّ من ذاق المنيّة مرّةً ... فقد ذقتها (5) خمسين، قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ... قديماً من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغٌ عنّي ابن حزمٍ وكان لي ... يداً في ملمّاتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارقٌ ... وحسبك زاداً من حبيبٍ مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتني (6) ... وتذكار أيّامي وفضل خلائقي
وحرّك له بالله من أهل فننّا (7) ... إذا غيبوني كلّ شهمٍ غرانق
__________
(1) م: نواك؛ ق ب: نداك بعيد.
(2) المطمح: 21، وانظر الذخيرة 1 / 1: 282.
(3) الذخيرة: غيابة.
(4) الذخيرة: أدر.
(5) ق ب: من رام ... فقد رمتها.
(6) الخذيرة: فقدتني.
(7) ق ب: مهما ذكرتني، وسقط البيت من م.
(3/362)

عسى هامتي في القبر تسمع بعضه ... بترجيع شادٍ أو بتطريب طارق
فلي في ادّكاري بعد موتي راحةٌ ... فلا تمنعوها لي علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدّمت ... ذنوبي به ممّا درى من حقائق 147 - وكان أبو مروان عبد الملك بن غصن مستولياً على وزارة ابن عبيدة ولسانه ينشد:
وشيّدت مجدي بين أهلي ولم أقل ... ألا ليت قومي يعلمون صنيعي وهجا ابن ذي النون بقوله:
تلقبت بالمأمون ظلماً، وإنّني ... لآمن كلباً حيث لست مؤمّنه
حرامٌ عليه أن يجود ببشره ... وأما الندى فاندب هنالك مدفنه
سطور المخازي دون أبواب قصره ... بحجّابه للقاصدين معنونه فلمّا تمكّن منه المأمون سجنه، فكتب إلى ابن هودٍ من أبيات:
أيا راكب الوجناء بلّغ تحيّةً ... أمير جذامٍ من أسيرٍ مقيّد
ولمّا دهتني الحادثات ولم أجد ... لها وزراً أقبلت نحوك أعتدي (1)
ومثلك من يعدي على كلّ حادثٍ ... رمى بسهامٍ للردى لم ترصد
فعلّك أن تخلو بفكرك ساعةً ... لتنقذني من طول همٍّ مجدّد
وها أنا في بطن الثرى وهو حاملٌ ... فيّسر على رقبى (2) الشفاعة مولدي
حنانيك (3) ألفاً بعد ألفٍ فإنّني ... جعلتك بعد الله أعظم مقصدي
وأنت الذي يدري إذا رام حاجةً ... تضلّ بها الآراء من حيث يهتدي
__________
(1) ب: أغتدي.
(2) م: رمل؛ ق: قيل.
(3) م: حنانك.
(3/363)

فرّق له ابن هود، وتحيّل حتّى خلّصه بشفاعته، فلمّا قدم عليه أنشده:
حياتي موهوبةٌ من علاكا ... وكيف أرى عادلاً عن ذراكا
ولو لم يكن لك من نعمةٍ ... عليّ وأصبحت أبغي سواكا
لناديت في الأرض هل مسعفٌ ... مجيبٌ فلم يصغ إلاّ نداكا فطرب ابن هود، وخلع عليه ثوب وزارته، وجعله من أعلام سلطنته وإمارته.
148 - وقال المنصور بن أبي عامر للشاعر المشهور أبي عمر يوسف الرمادي: كيف ترى حالك معي فقال فوق قدري ودون قدرك، فأطرق المنصور كالغضبان، فانسلّ الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضرّني لو قلت له: إنّي بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء، وأنشدته (1) :
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجةً ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
ولمّا خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور، فوجد فرصة فقال: وصل الله لمولانا الظفر والسعد، إنّ هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة، ولا يرعون إلاًّ ولا ذمّة، كلاب من غلب، وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب، وحسبك منهم أن الله جلّ جلاله يقول فيهم " والشّعراء يتّبعهم الغاوون ... إلى مالا يفعلون "، والابتعاد منهم أولى من الاقتراب، وقد قيل فيهم: ما ظنّك بقوم الصدق يستحسن إلاّ منهم فرفع المنصور رأسه، وكان محبّاً في أهل الأدب والشعر، وقد اسودّ وجهه، وظهر فيه الغضب المفرط، ثمّ قال: ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه، ويسيئون الأدب بالحكم فيما
__________
(1) البيت لقيس بن الخطيم، ديوانه: 10.
(3/364)

لا يدرون أيرضي أم يسخط وأنت أيّها المنبعث للشرّ دون أن يبعث، قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة، وحسدك لهم، لأن الناس كما قال القائل:
من رأى الناس له فض ... لاً عليهم حسدوه وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصّة، ولسنا إن شاء الله تعالى نبلّغ أحداً غرضه في أحد، ولو بلّغناكم بلغنا في جانبكم، وإنّك ضربت في حديد بارد، وأخطأت وجه الصواب، فزدت بذلك احتقاراً وصغاراً، وإنّي ما أطرقت من خطاب الرمادي إنكاراً عليه، بل رأيت كلاماً يجلّ عن الأقدار الجليلة، وتعجبت من تهدّيه له بسرعة، واستنباطه له على قلّته من الإحسان الغامر ما لا يستنبطه غيره بالكثير، والله لو حكّمته في بيوت الأموال لرأيت أنّها لا ترجح ما تكلّم به قلبه ذرة (1) ، وإيّاكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه، ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو أبصرتم منّا التغيّر عليهم، فإنّنا لا نتغير عليهم بغضاً لهم وانحرافاً عنهم، بل تأديباً وإنكاراً، فإنّا من نريد إبعاده لم نظهر له التغير، بل ننبذه مرّة واحدة، فإن التغير إنّما يكون لمن يراد استبقاؤه، ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم أيدي سبا، وجونبت أنا مجانبة الأجرب، وإنّي قد أطلعتكم على ما في ضميري فلا تعدلوا عن مرضاتي، فتجنبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم؛ ثمّ أمر أن يردّ الرمادي وقال له: أعد عليّ كلامك، فارتاع، فقال: الأمر على خلاف ما قدرت، الثواب أولى بكلامك من العقاب، فسكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلّم به، فقال المنصور: بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام استحسنه منه، وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ما هو أنوه وأحسن عائدة؛ وكتب له بمال وخلع وموضع يتعيّش منه، ثمّ ردّ رأسه إلى المتكلّم في شأن الرمادي،
__________
(1) قلبه ذرة: سقطت من م.
(3/365)

وقد كان يغوص في الأرض لو وجد لشدة ما حلّ به ممّا رأى وسمع، وقال: والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب، نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أيادٍ يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم (1) :
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل وأين الذي قيل فيه (2) :
إنّما الدنيا أبو دلفٍ ... بين مبداه (3) ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممّن قيل فيه هذا القول بلى، ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكرهم، وخصتهم بمفاخر عصرهم، وغيرهم لم تخلد الأمداح مآثرهم فدثر ذكرهم، ودرس فخرهم، انتهى.
[بنو صمادح]
149 - ومن حكاياتهم في العدل أنه لمّا بنى المعتصم بن صمادح ملك المرية قصوره المعروفة بالصمادحية غصبوا أحد الصالحين في جنّة وأحقوها بالصمادحية، وزعم ذلك الصالح أنها لأيتام من أقاربه، فبينا المعتصم يوماً يشرب على الساقية الداخلة إلى الصمادحية إذ وقعت عينه على أنبوب قصبة مشمع، فأمر من يأتيه به، فلمّا أزال عنه الشمع وجد فيه ورقة فيها: إذا وقفت أيّها الغاصب على هذه الورقة فاذكر قول الله تعالى " إنّ هذا أخي له تسعٌ
__________
(1) البيت لزهير بن أبي سلمة، ديوانه: 22 (شرح الأعلم) .
(2) الشعر لعلي بن جبلة، انظر طبقات ابن المعتز: 172.
(3) م: باديه.
(3/366)

وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب " لا إله إلاّ الله، أنت ملك قد وسّع الله تعالى عليك، ومكّن لك في الأرض، ويحملك الحرص على ما يفنى أن تضم إلى جنّتك الواسعة العظيمة قطعة أرضٍ لأيتام حرّمت بها حلالها، وخبثت طيبها، ولأن تحجبت عني بسلطانك، واقتدرت عليّ بعظم شأنك، فنجتمع غداً بين يدي من لا يحجب عن حق، ولا تضيع عنده شكوى.
فلمّا استوعب قراءتها دمعت عيناه، وأخذته خشية خيف عليه منها، وكانت عادته رحمه الله تعالى، وقال: عليّ بالمشتغلين ببناء الصمادحية، فأحضروا، فاستفسرهم عمّا زعم الرجل، فلم يسعهم إلاّ صدقه، واعتذروا بأن نقصها من الصمادحية يعيبها في عين الناظر، فاستشاط غضباً وقال: والله إنّ عيبها في عين الخالق أقبح من عيبها في عين المخلوق، ثمّ أمر بأن تصرف عليه، واحتمل تعويرها لصمادحيته. ولقد مرّ بعض أعيان المرية وأخيارها مع جماعة على هذا المكان الذي أخرجت منه جنّة الأيتام فقال أحدهم: والله لقد عورت هذه القطعة هذا المنظر العجيب، فقال له: اسكت، فوالله إنّ هذه القطعة طراز هذا المنظر وفخره، وكان المعتصم إذا نظر إليها قال: أشعرتم أنّ هذا المكان المعوج في عيني أحسن من سائر ما استقام من الصمادحية ثمّ إن وزيره ابن أرقم لم يزل يلاطف الشيخ والأيتام حتّى باعوها عن رضىً بما اشتهوا من الثمن، وذلك بعد مدة طويلة، فاستقام بها بناء الصمادحية، وحصل للمعتصم حسن السمعة في الناس، والجزاء عند الله تعالى.
150 - ولمّا مات المعتصم بن صمادح ركب البحر ابنه وليّ عهده الواثق عز الدولة أبو محمد عبد الله (1) ، وفارق الملك كما أوصاه المعتصم والده وفي ذلك يقول (2) :
__________
(1) انظر الحلة 2: 90 حيث سماه " أبو مروان عبيد الله ".
(2) الشعر في المغرب 2: 1.
(3/367)

لك الحمد بعد الملك أصبحت خاملاً ... بأرض اغترابٍ لا أمرّ ولا أحلي
وقد أصدأت فيها الجذاذة أنملي (1) ... كما نسيت ركض الجياد بها رجلي
فلا مسمعي يصغي لنغمة شاعرٍ ... وكفّي لا تمتدّ يوماٌ إلى بذل قال ابن اللبانة الشاعر: ما علمت حقيقة جور الدهر حتى اجتمعت ببجاية مع عز الدولة بن المعتصم بن صمادح فإني رأيت منه خير من يجتمع به، كأنه لم يخلقه الله تعالى إلا للملك والرياسة وإحياء الفضائل، ونظرت إلى همته تنم من تحت خموله كما ينم فرند السيف وكرمه من تحت الصدأ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ وحسن استماعه وإسماعه، ورقة طباعه ولطافة ذهنه، ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ووصفته بهذه الصفات، فتشوق إلى الاجتماع به، ورغب إلي في أن أستاذنه في ذلك، فلما أعلمت عز الدولة قال: يا أبا بكر لتعلم أنا اليوم في خمول وضيق لا يتسع لنا معهما، ولا يجمل بنا الاجتماع مع أحد، لاسيما مع ذي أدب ونباهة يلقانا بعين الرحمة، ويزورنا بمنة التفضل في زيارتنا، ونكابد من ألفاظ توجعه وألحاظ تفجعه ما يجد لنا هما قد بلي، ويحيي كمداً قد فني، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى به عن همتنا، فدعنا كأننا في قبر، نتدرع لسهام الدهر بدرع الصبر، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر، فكأنا لم نكشف حالنا لسوانا، ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا، فلا تحمل غيرك محملك، قال ابن اللبانة: فملأ والله سمعي بلاغة لاتصدر إلا عن سداد ونفس أبية متمكنة من أعنة البيان، وانصرفت متمثلاً:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
وكائن ترى من صامت لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم
__________
(1) المغرب: الهوادة؛ دوزي: منهلي.
(3/368)

وكتب إليه ابن اللبانة (1) :
يا ذا الذي هز أمداحي بحليته (2) ... وعزه أن يهز المجد والكرما
واديك لازرع فيه اليوم تبذله ... فخذ عليه لأيام المنى سلما فتحيل في قليل بر ووجهه إليه وكتب معه:
المجد يخجل من يفديك من زمن ... ثناك عن واجب البر الذي علما
فدونك النزر من مصفٍ مودته ... حتى يوفيك أيام المنى السلما ومن شعر عز الدولة المذكور (3) :
أفدي أبا عمرو وإن كان عاتباً ... ملا خير في ود يكون بلا عتب
وما كان ذاك الود إلا كبارقٍ ... أضاء لعيني ثم أظلم في قلبي وقال الشقندي في الطرف: إن عز الدولة أشعر من أبيه.
151 - وأما أخوه رفيع الدولة (4) الحاجب أبو زكريا يحيى بن المعتصم فله أيضاً نظم رائق، ومنه ما كتب به إلى يحيى بن مطروح يستدعيه لأنس (5) :
يا أخي بل سيدي بل سندي ... في مهمات الزمان الأنكد
لح بأفقٍ غاب عنه بدره ... في اختفاءٍ من عيون الحسد
وتعجل فحبيبي حاضرٌ ... وفمي يشتاق كأسي في يدي فأجابه ابن مطروح، وهو من أهل باغه، بقوله:
__________
(1) البيتان في الحلة 2: 91 ومعهما رد ابن صمادح.
(2) ب م ق: بحيلته.
(3) هذا الشعر منسوب في الحلة (2: 96) والمغرب (2: 200) لرفيع الدولة.
(4) انظر ترجمة رفيع الدولة في المطمح: 30 والحلة 2: 92 والمغرب 2: 199.
(5) المغرب 2: 200.
(3/369)

أنا عبدٌ من أقل الأعبد ... قبلتي وجهٌ بأفق الأسعد
كلما أظمأني وردٌ فما ... منهلي إلا بذاك المورد
ها أنا بالباب أبغي إذنكم ... والظما قد مد للكأس يدي وكان قد سلط عليه إنسان مختل إذا رآه يقول: هذا ألف لاشيء عليه، يعني أن ملكه ذهب عنه وبقي فارغاً منه، فشكا رفيع الدولة ذلك إلى بعض أصحابه، فقال: أنا أكفيك مؤونته، واجتمع مع الأحمق، واشترى له حلواء، وقال له: إذا رأيت رفيع الدولة بن المعتصم فسلم عليه وقبل يده ولا تقل هذا ألف لاشيء عليه، فقال: نعم، واشترط الوفاء بذلك، إلى أن لقيه فجرى نحوه وقبل يده وقال: هذا هو باء، بنقطة من أسفل، فقامت قيامة رفيع الدولة، وكان ذلك أشد عليه، وكان به علة الحصى فظن أن الأحمق علم ذلك وقصده، وصار كلما أحس به في موضع تجنبه.
واستأذن يوماً على أحد وجوه دولة المرابطين فقال أحد جلسائه {تلك أمةٌ قد خلت} (البقرة: 134، 141) استحقاراً له واستثقالاً للإذن له، فبلغ ذلك رفيع الدولة فكتب إليه:
خلت أمتي لكن ذاتي لم تخل ... وفي الفرع ما يغني إذا ذهب الأصل
وما ضركم لو قلتم قول ماجدٍ ... يكون له فيما يجيء به الفضل
وكل إناء بالذي فيه راشحٌ ... وهل يمنح الزنبور ما مجه النحل
سأصرف وجهي عن جنابٍ تحله ... ولو لم تكن إلاّ إلى وجهك السبل
فما موضعٌ يحتله بمرفعٍ ... ولا يرتضى فيه مقالٌ ولا فعل
وقد كنت ذا عذ لٍ لعلك ترعوي ... ولكن بأرباب العلا يجمل العذل 152 - وأما أخوهما أبو جعفر ابن المعتصم (1) فله ترجمة في المسهب
__________
(1) المغرب 2: 200.
(3/370)

والمطرب، ومن شعره:
كتبت وقلبي ذو اشتياقٍ ووحشةٍ ... ولو أنّه يسطيع مرّ يسلّم
جعلت سواد العين فيه سواده ... وأبيضه طرساً وأقبلت ألثم
فخيّل لي أنّي أقبّل موضعاً ... يصافحه ذاك البنان المسلم وأما أختهم أم الكرم فذكرناها مع النساء فلتراجع.
153 - وقال أبو العلاء ابن زهر (1) :
تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لمّا بدا وعليه صدغٌ مونق
وكذلك البدر المنير جماله ... في أن تكنّفه سماء أزرق 154 - وقال أبو الفضل ابن شرف:
يا من حكى البيدق في شكله ... أصبح يحكيك وتحكيه
أسفله أوسع أجزائه ... ورأسه أصغر ما فيه 155 - وقال ابن خفاجة (2) :
يا أيّها الصبّ المعنّى به ... ها هو لاخلٌّ ولا خمر
سوّد ما ورّد من خدّه ... فصار فحماً ذلك الجمر 156 - وقال أبو عبد الله البياسي:
صغر الرأس وطول العنق ... شاهدا عدلٍ بفرط الحمق ولما سمعه أبو الحسن ابن حريق قال:
__________
(1) مر البيتان ص: 247.
(2) ديوان ابن خفاجة: 190.
(3/371)

صغر الرأس وطول العنق ... خلقةٌ منكرةٌ في الخلق
فإذا أبصرتها من رجلٍ ... فاقض في الحين له بالحمق 157 - وقال أبو الحسن ابن الفضل (1) يذكر مقاماً قامه سهل بن مالك وابن عياش (2) :
لعمري لقد سرّ الخلافة قائماً ... بخطبته الغرّاء سهل بن مالك
وأما ابن عياشٍ ومن كان مثله ... فضلّوا جميعاً بين تلك المسالك
ومات وماتوا حسرةً وحسادةً ... وغيظاً فقلنا هالكٌ في الهوالك وسهل بن مالك له ترجمةٌ مطولة، رحمه الله تعالى.
158 - ومن حكاياتهم في الوفاء (3) وحسن الاعتذار والقيام بحق الإخاء أن الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم كان صديقاً للوزير هاشم بن عبد العزيز، ثابتاً على مودته، ولما قضى الله تعالى على هاشم بالأسر أجرى السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي ذكره في جماعةٍ من خدامه، والوليد حاضر، فاستقصره، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد برأيه، فلم يكن فيهم من اعتذر عنه غير الوليد، فقال: أصلح الله تعالى الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلاً غير مدبر، مبلياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه، فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم، وأيضاً فإنه ما قصد
__________
(1) ترجمته في القدح: 108.
(2) ب: وابن يعيش.
(3) انظرها في المقتبس (تحقيق مكي) : 232 (الورقة 282 - أ) .
(3/372)

أن يجود بنفسه إلا رضىً للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضى جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ، فأعجب الأمير كلامه، وشكر له وفاءه، وأقصر فيما بعد على تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه، واتصل الخبر بهاشم، فكتب إليه: الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذب عنك في الغيب لا في المشهد، والوفي من وفى لك إذا خانك زمان، وقد أتاني من كلامك بين يدي سيدنا - جعل الله تعالى نعمته سرمداً - ما زادني بمودتك اغتباطاً، وبصداقتك ارتباطاً، ولذلك ما كنت أسد يدي على وصلك، وأخصك بإخائي، وأنا الآن بموضع لا أقدر فيه على جزاء غير الثناء، وأنت أقدر مني على أن تزيد ما بدأت به بأن تتم ما شرعت فيه، حتى تتكمل لك المنة، ويستوثق عقد الصداقة، إن شاء الله تعالى، وكتب إليه بشعر منه:
أيا ذاكري بالغيب في محفلٍ به ... تصامت جمعٌ عن جوابٍ به نصري
أتتني والبيداء بيني وبينها ... رقى كلماتٍ خلّصتني من الأسر
لئن قرّب الله اللّقاء فإنّني ... سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر فأجابه الوليد: خلصك الله أيها البدر من سرارك، وعجل بطلوعك في أكمل تمامك وإبدارك، وصلني شكرك على أن قلت ما علمت، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما زكنته من ذلك، والله تعالى شاهد، على أن ذلك في مجالس غير المجلس المنقول لسيدي إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق، ما أردت بها إلا أن أداء بعض ما أعتقده لك، وكم سهرت وأنا نائم، وقمت في حقي وأنا قاعد، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ثم ذكر أبياتاً لم تحضرني الآن.
159 - ومن حكاياتهم في علو الهمة في العلم والدنيا أنه دخل أبو بكر ابن الصائغ المعروف بابن باجة جامع غرناطة، وبه نحويٌ حوله شباب يقرؤون، فنظروا إليه، وقالوا له مستهزئين به: مكا يحمل الفقيه وما يحسن من العلوم وما يقول فقال لهم: أحمل اثني عشر ألف دينار، وها هي تحت إبطي
(3/373)

وأخرج لهم اثنتي عشرة ياقوتة، كل واحدة منها بألف دينار، وأما الذي أحسنه فاثنا عشر علماً أدونها علم العربية الذي تبحثون فيه، وأما الذي أقول فأنتم كذا، وجعل يسبهم، هكذا نقلت هذه الحكاية من خط الشيخ أبي حيان النحوي، رحمه الله تعالى.
160 - ومن حكاياتهم في الذكاء واستخراج العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس (1) ، حكيم الأندلس، أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأول من فك بها كتاب العروض للخليل، وأول من فك الموسيقى، وصنع الآلة المعروفة بالمنقانة (2) ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه الريش، ومد له جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً، وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات:
يطمّ على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم وصنع في بيته هيئة السماء، وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود، وفيه يقول مؤمن بن سعيد أيضاً:
سماء عباسٍ الأديب أبي ال ... قاسم ناهيك حسن رائقها
أمّا ضراط استه فراعدها ... فليت شعري ما لمع بارقها
لقد تمنيت حين دوّمها ... فكري بالبصق في است خالقها
__________
(1) المغرب 1: 333 والمقتبس (تحقيق مكي) الورقة 256 ب.
(2) في الأصول ودوزي: بالمناقلة؛ وهذه صورة من صور الكلمة وأقربها إلى اللفظ المغربي ما أثبتناه، إذ تسمى في المغرب " المنجانة " وهي البنكام أو البنكان الفارسية أي الساعة أو آلة حساب الوقت، وقد تصحفت في المغرب إلى " الميقاتة ".
(3/374)

وأنشد ابن فرناس الأمير محمداً من أبيات:
رأيت أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر فقال له مؤمن بن سعيد: قبحاً لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محرثاً يثمر فيه البذر، فخجل وسبه.
[المشهورون بعلوم الأوائل] (1)
161 - وأول من اشتهر في الأندلس بعلن الأوائل والحساب والنجوم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة، لأنه كان يشرق في صلاته، وكان عالماً بحركات الكواكب وأحكامها، وكان صاحب فقه وحديث، دخل المشرق، وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز، وبمصر من المزني وغيره.
ومنهم يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة، من أهل قرطبة، وكان بصيراً بالحساب والنجوم والنحو (2) واللغة والعروض ومعاني الشعر والفقه والحديث والأخبار والجدل، ودخل إلى المشرق، وقيل: إنه كان معتزلي المذهب.
وأبو القاسم أصبغ بن السمح، وكان بارعاً في علم النجوم (3) والهندسة والطب، وله تآليف منها كتاب " المدخل إلى الهندسة في تفسير إقليدس "، وكتاب كبير في الهندسة، وكتابان (4) في الأسطرلاب، وزيج على مذاهب الهند المعروف بالسند هند.
وأبو القاسم ابن الصفار، وكان عالماً بالهندسة والعدد والنجوم، وله زيج مختصر على مذاهب السند هند، وله كتاب في عمل الأسطرلاب.
ومنهم أبو الحسن الزهراوي، وكان عالماً بالعدد والطب والهندسة، وله
__________
(1) يعتمد المقري في هذا الفصل على طبقات صاعد 64 - 72 ويستمد أيضا من الطرب: 223 - 224، وللمقارنة انظر ابن أبي أصيبعة 2: 36 - 49.
(2) والنحو: سقطت من م.
(3) ق ب: علم النحو.
(4) ب: وكتاب.
(3/375)

كتاب شريف في المعاملات على طريق البرهان.
ومنهم أبو الحكم عمر الكرماني، من أهل قرطبة، من الراسخين في علم العدد والهندسة، ودخل المشرق، واشتغل بحران، وهو أول من دخل برسائل إخوان الصفا إلى الأندلس.
ومنهم أبو مسلم ابن خلدون من أشراف إشبيلية، وكان متصرفاً في علوم الفلسفة والهندسة والنجوم والطب؛ وتلميذه ابن برغوث، وكان عالماً بالعلوم الرياضية، وتلميذه أبو الحسن مختار الرعيني، وكان بصيراً بالهندسة والنجوم، وعبد الله بن أحمد السرقسطي، كان نافذاً في علم الهندسة والعدد والنجوم، ومحمد بن الليث، كان بارعاً في العدد والهندسة وحركات الكواكب، وابن حي، قرطبي بصير بالهندسة والنجوم، وخرج عن الأندلس سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، ولحق بمصر، ودخل اليمن، واتصل بأميرها الصليحي القائم بدعوة المستنصر (1) العبيدي، فحظي عنده، وبعثه رسولاً إلى بغداد إلى القائم بأمر الله، وتوفي باليمن بعد انصرافه من بغداد، وابن الوقشي الطليطلي، عارف بالهندسة والمنطق والزيوج، وغيرهم ممن يطول تعدادهم.
وكان الحافظ أبو الوليد هشام الوقشي من أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء والنحو واللغة ومعاني الأشعار والعروض وصناعة الكتابة والفقه والشروط والفرائض وغيرها، وهو كما قال الشاعر:
وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كلّ فنٍّ بالجميع ومن شعره قوله:
قد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... بدقيق أعمال المهندس ماهره
عنيت بمبسمه فخطّت فوقه ... بالمسك خطّاً من محيط الدائره
__________
(1) ب: من المستنصر؛ ق ودوزي: معن المستنصر.
(3/376)

وعزم على ركوب البحر إلى الحجاز فهاله ذلك، فقال:
لا أركب البحر ولو أنّني ... ضربت فيه بالعصا فانفلق
ما إن رأت عيني أمواجه ... في فرقٍ إلا تناهى الفرق وكان الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن مهند (1) مصنف الأدوية المفردة آية الله تعالى في الطب وغيره، حتى إنه عانى جميع ما في كتابه من الأدوية المفردة، وعرف ترتيب قواها ودرجاتها، وكان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن بالأغذية أو يقرب منها، وإذا اضطر إلى الأدوية فلا يرى التداوي بالمركبة ما وجد سبيلاً إلى المفردة، وإذا اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب، بل يقتصر على أقل ما يمكنه، وله غرائب مشهورة في الإبراء من الأمراض الصعبة والعلل المخوفة بأيسر علاج وأقربه.
ومنهم ابن البيطار (2) ، وهو عبد الله بن أحمد المالقي الملقب بضياء الدين، وله عدة مصنفات في الحشائش لم يسبق إليها، وتوفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة، أكل عقاراً قاتلاً فمات من ساعته، رحمه الله تعالى.
162 - ومن حكاياتهم في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية، بل الأندلس في عصره، أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية للأشعار والأخبار، قال ابن سعيد (3) : أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية فجرى ذكر حفظه، وكان ذلك في أول الليل، فقال لهم: إن شئتم تختبروني أجبتكم، فقالوا: بسم الله، إنّا نريد أن نتحدث عن تحقيق، فقال: اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها، حتى
__________
(1) في أصول النفح ودوزي: شهيد؛ والتصويب عن ابن أبي أصيبعة (2: 49) .
(2) ابن أبي أصيبعة 2: 133 والنفح 2: 691.
(3) اختصار القدح: 158 والمغرب 1: 258 والتكملة رقم: 2025.
(3/377)

تعجبوا (1) ، فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر، وهو ينشد وزن:
أرق على أرقٍ ومثلي يأرق ... وسماره قد نام بعض وضل بعض، وهو ما فارق قافية القاف.
وقال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الأشراف بإشبيلية، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة، فمد الهيثم يده (2) إلى الديوان المذكور، فمنعه منه أحد الأدباء، فقال: يا أبا عمران، أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتاً، وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة، فقال: اسمعوني وأمسكوه، فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه، فأقسمنا عليه أن يكف، وشهدنا له بالحفظ.
وكان آية في سرعة البديهة، مشهوراً بذلك، قال أبو الحسن ابن سعيد: عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعراً، وعلى ثانٍ موشحه، وعلى ثالثٍ زجلاً، كل ذلك ارتجالاً.
ولما أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين (3) ، ولا يدري حيث ولا أين.
ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان، وكتب به إلى صاحب الأنزال:
كم من يدٍ لك لا أقوم بشكرها ... وبها أشير إليك إن خرست فمي
وقد استشرتك في الحديث فهل ترى ... أن يدخل الغربان وكر الهيثم
__________
(1) ق ب: تعجبوا.
(2) ب: فمد يده الهيثم.
(3) يعني خرج ولم يعد، فعل القارظين المضروب بهما المثل في عدم الأوبة.
(3/378)

وله (1) :
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبةً ... باب الغنيّ، كذا حكم المقادير
وإنّما الناس أمثال الفراش فهم ... بحيث تبدو مصابيح الدنانير وله:
عندي لفقدك أوجالٌ أبيت بها ... كأنّني واضعٌ كفّي على قبس
ولا ملامة إن لم أهد نيّره ... حتى تمدّ إليها كفّ مقتبس
قد كنت أودع سرّ الشوق في طرس ... لكنّني خفت أن يعدو على الطّرس وأنشد له أبو سهل شيخ دار الحديث بالقاهرة في إملائه:
قف بالكثيب لغيرك التأنيب ... إنّ الكثيب هوىً لنا محبوب
يا راحلين لنا عليكم وقفةٌ ... ولكم علينا دمعنا المسكوب
تخلى الديار من المحبّة والهوى ... أبداً وتعمر أضلعٌ وقلوب وقال ارتجالاً في صفة فرس أصفر:
أطرفٌ فات طرفي أم شهاب ... هفا كالبرق ضرّمه التهاب
أعار الصبح صفحته نقاباً ... ففرّ به وصحّ له النقاب
فمهما حثّ خال الصبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب
إذا ما انقضّ كلّ النجم عنه ... وضلّت عن مسالكه السحاب
فيا عجباً له فضل الدراري ... فكيف أذال أربعه التراب
سل الأرواح عن أقصى مداه ... فعند الريح قد يلفى الجواب 163 - وقال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية، فتشبث بي أهلها
__________
(1) القدح: 159 والمغرب؛ 258 وقد تأخر موضعهما في ب بعد وصف الفرس.
(3/379)

يسمعوا علي الغريب المصنف، فقلت: انظروا من يقرأ لكم، وأمسكت أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بان سيده، فقرأه (1) علي من أوله إلى آخره، فعجبت من حفظه، وكان أعمى ابن أعمى، وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده، وهو صاحب كتاب " المحكم ".
ومن نظمه مما كتب به إلى ابن الموفق:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيلٌ فإنّ الأمن في ذاك واليمنى ومنها:
ضحيت فهل في برد ظللك نومةٌ ... لذي كبدٍ حرّى وذي مقلةٍ وسنى وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو الستين، رحمه الله تعالى.
164 - ومن حكاياتهم في حب العلم أن المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبار كثير الأدب، جم المعرفة، محباً لأهل العلم، جماعةً للكتب، ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة، قاله ابن حيان.
وقال ابن بسام (2) : كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق، المترجك بالتذكرة والمشتهر أيضاً اسمه بالكتاب المظفري، في خمسين مجلداً، يشتمل على فنون وعلوم من مغازٍ وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب، أبقاه للناس (3) خالداً، وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة. وكان يحضر العلماء للمذاكرة، فيفيد
__________
(1) ب: قرأه.
(2) الذخيرة 2: 255.
(3) الذخيرة: في الناس.
(3/380)

ويستفيد، رحمه الله تعالى.
165 - ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب " السماء والعالم " (1) الذي ألفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة، وهو مائة مجلد، رأيت بعضه بفاس، وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
[روح الفكاهة عند الأندلسيين]
ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم، وأجوبة بديهية مسكتة، والظرف فيهم والأدب كالغريزة، حتى في صبيانهم ويهودهم، فضلاً عن علمائهم وأكابرهم.
ولنذكر جملة من ذكر الجلة فنقول:
166 - حكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، وكان فيه حلاوة ولوذعية ووقار وسكون، أنه استدعاه يوماً زهير ملك المرية من مجلس حكمه، فجاءه يمشي مشية قاضٍ قليلاً قليلاً، فاستعجله رسول زهير، فلم يعجل، فلما دخل عليه قال له: يا فقيه، ما هذا البطء فتأخر إلى باب المجلس، وطلب عصا، وشمر ثيابه، فقال له زهير: ما هذا قال: هذا يليق باستعجال الحاجب لي، فوقع في خاطري أنه عزلني عن القضاء وولاني الشرطة، فضحك زهير واستحلاه ولم يعد إلى استعجاله.
وهذا القاضي هو القائل - وقد دخل حماماً فجلس بإزائه عاميٌ أساء الأدب عليه -:
ألا لعن الحمّام داراً فإنّه ... سواءٌ به ذو العلم بالعلم والجهل في القدر
تضيع به الآداب حتى كأنّها ... مصابيح لم تنفق على طلعة الفجر
__________
(1) الجذوة: 110، 381.
(3/381)

167 - وروي أن المقرئ أبا عبد الله محمد بن الفراء إمام النحو واللغة في زمانه - وكانت فيه فطنة ولوذعية - أبطأ خروجه يوماً إلى تلامذته، فطال بهم الكلام في المذاكرة فقال أحدهم نصف بيت، وكان فيهم وسيم من أبناء الأعيان، وكان ابن الفراء كثير الميل إليه، فلما خرج قال له: يا أستاذ، علمت نصف بيت، وأريد أن تتمه، فقال ما هو فقال:
ألا بأبي شادنٌ أوطف ... فقال الأستاذ ابن الفراء بديهاً:
إذا كان وردك لا يقطف ... وثغر ثناياك لا يرشف
فأيّ اضطرارٍ بنا أن نقول: ... ألا بأبي شادنٌ أوطف وهذا ابن الفراء هو القائل (1) :
قيل لي: قد تبدّلا ... فاسل عنه كما سلا
لك سمعٌ وناظرٌ ... وفؤادٌ فقلت: لا
قيل: غالٍ وصاله ... قلت: لمّا غلا حلا
أيّها العاذل الذي ... بعذابي توكّلا
عد صحيحاً مسلّماً ... لا تعيّر فتبتلى وتذكرت بهذا ما أنشده لسان الدين في كتابه " روضة التعريف بالحب الشريف ":
قلت للساخر الذي ... رفع الأنف واعتلى
أنت لم تأمن الهوى ... لا تعيّر فتبتلى
__________
(1) زاد المسافر: 100.
(3/382)

ومن بديع نظم ابن الفراء المذكور قوله (1) :
شكوت إليه بفرط الدّنف ... فأنكر من قصتي ما عرف
وقال: الشهود على المدّعي ... وأمّا أنا فعليّ الحلف
فجئنا إلى الحاكم الألمعيّ ... قاضي المجون وشيخ الطّرف
وكان بصيراً بشرع الهوى ... ويعلم من أين أكل الكتف
فقلت له: اقض ما بيننا ... فقال: الشهود على ما تصف
فقلت له: شهدت أدمعي ... فقال: إذا شهدت تنتصف
ففاضت دموعي من حينها ... كفيض السحاب إذا ما يكف
فحرّك رأساً إلينا وقال: ... دعوا دعوا يا مهاتيك هذا الصلف
كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف
وأوما إلى الورد أن يجتنى ... وأوما إلى الريق أن يرتشف
فلمّا رآه حبيبي معي ... ولم يختلف بيننا مختلف
أزال العناد فعانقته ... كأنّي لامٌ وحبّي ألف
فظلت عتابه في الجفا ... فقال: عفا الله عمّا سلف 168 - وحكي عن الزهري خطيب إشبيلية - وكان أعرج - أنه خرج مع ولده إلى وادي إشبيلية، فصادف جماعة في مركب (2) ، وكان ذلك بقرب الأضحى، فقال بعضهم له: بكم هذا الخروف وأشار إلى ولده، فقال له الزهري: ما هو للبيع، فقال: بكم هذا التيس وأشار إلى الشيخ الزهري، فرفع رجله العرجاء وقال: هو معيب لا يجزئ في الضحية، فضحك كل
__________
(1) زاد المسافر: 99.
(2) ب: وكان ذلك في مركب.
(3/383)

من حضر، وعجبوا من لطف خلقه.
وركب مرة هذا النهر مع الباجي يوم خميس، فلما أصبحا وصعد الزهري يخطب يوم الجمعة، والباجي حاضر قدامه، فنظر إليه الباجي وأومأ إلى محل الحدث، وأخرج لسانه، فجعل الزهري يلمس عصا الخطبة، يشير بالعصا إلى جوابه على ما قصد، رحمه الله تعالى.
169 - ومر العالم أبو القاسم ابن ورد صاحب التآليف في علم القرآن والحديث بجنة لحد الأعيان فيها ورد فوقف بالباب وكتب إليه:
شاعر قد عراك يبغي أباه ... عندما اشتاق حسنه وشذاه
وهو بالباب مصغياً لجوابٍ ... يرتضيه النّدى فماذا تراه فعندما وقف على البيتين علم أنه ابن ورد فبادر من جملته إلبه، وأقسم في النزول عليه، ونثر من الورد ما استطاع بين يديه.
170 - وحكي أن أبا الحسين سليمان بن الطراوة نحوي المرية حضر مع ندماء، وإلى جانبه من أخذ بمجامع قلبه، فلما بلغت النوبة إليه استعفى من الشرب، وأبدى القطوب، فأخذ ابن الطراوة الجام من يده وشربها عنه، ويا بردها على كبده، ثم قال بديهاً:
يشربها الشيخ وأمثاله ... وكلّ من تحمد أفعاله
والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على البازل أثقاله ودخل عليه وهو مع ندمائه غلام بكأس في يده فقال:
ألا بأبي وغير أبي غزالٌ ... أتى وبراحه للشرب راح
فقال منادمي في الحسن صفه ... فقلت الشّمس جاء بها الصّباح
(3/384)

وقال فيمن جاء بالراح:
ولمّا رأيت الصبح لاح بخدّه ... دعوتهم رفقاً تلح لكم الشمس
وأطلعها مثل الغزالة وهو كال ... غزال فتمّ الطيب واكتمل الأنس وقال، وقد شرب ليلة القمر:
شربنا بمصباح السماء مدامةً ... بشاطي غديرٍ والأزاهر تنفح
وظلّ جهولٍ يرقب الصبح ضلّةً ... ومن أكؤسي لم يبرح الليل يصبح 171 - وكان أبو عبد الله ابن الحاج المعروف بمدغليس صاحب الموشحات يشرب مع ندماء ظراف في جنة بهجة، فجاءت ورقة من ثقيل يرغب في الإذن، وكان له ابن مليح فكتب إليه مدغليس:
سيّدي هذا مكانٌ ... لا يرى فيه بلحيه
غير تيسٍ مصفعان ... يّ له بالصّفع كديه
أو له ابنٌ شافعّ في ... هـ فيلقى بالتحيّه
أيّها القابل بادر ... سائقاً تلك المطيّه وكان مدغليس هذا مشهوراً بالانطباع والصنعة في الأزجال، خليفة ابن قزمان في زمانه، وكان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومدغليس بمنزلة أبي تمام، بالنظر إلى الانطباع والصناعة، فابن قزمان ملتفت إلى المعنى، ومدغليس ملتفت للفظ وكان أديباً معرباً بكلامه مثل ابن قزمان، ولكنه لما رأى نفسه في الزجل أنجب اقتصر عليه.
ومن شعره قوله:
ما ضرّكم لو كتبتم ... حرفاً ولو باليسار
إذ أنتم نور عيني ... ومطلبي واختياري
(3/385)

172 - وقال الخطيب الأديب النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفراء - المذكور قبل هذا بقريب - الضرير، في صبي كان يقرأ عليه النحو اسمه حسن، وهو في غاية الجمال - بعد أن سأله: كيف تقول إذا تعجبت من حسنك فقال أقول: ما أحسني -:
يا حسناً مالك لم تحسن ... إلى نفوسٍ بالهوى متعبه
رقمت بالورد وبالسسوسن ... صفحة خدّ بالسنا مذهبه
وقد أبى صدغك أن أجتني ... منه وقد ألدغني عقربه
يا حسنه إذ قال ما أحسني ... ويا لذاك اللّفظ ما أعذبه
ففوّق السهم ولم يخطني ... وإذ رآني ميّتاً أعجبه
وقال كم عاش وكم حبّني ... وحبّه إيّاي قد عذّبه
يرحمه الله على أنّني ... قتلي له لم أدر ما أوجبه وهذا ابن الفراء من فضلاء المائة السادسة، ذكره ابن غالب في " فرحة الأنفس في فضلاء العصر من الأندلس " وكان شاعراً مجيداً، يعلم بالمرية القرآن والنحو واللغة، وكانت فيه فطنة ولوذعية، وذكاء وألمعية، خرق بها العوائد.
وحكي أن قاضي المرية قبل شهادته في سطل ميزه في حمام باللمس، واختبره في ذلك بحكاية طويلة.
وذكره صفوان في " زاد المسافر " ووصفه بالخطيب.
[رسالة أبي عبد الله ابن الفراء إلى ابن تاشفين]
وجده القاضي أبو عبد الله ابن الفراء مشهور بالصلاح والفضل والزهد، ومن العجائب أنه ليس له ترجمة في " المغرب "، ولما كتب أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين إلى أهل المرية يطلب منهم المعونة جاوبه بكتابه المشهور الذي يقول فيه: فما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن
(3/386)

الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر رضي الله تعالى عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة من أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام، انتهى.
173 - وأما ابن الفراء الأخفش بن ميمون (1) الذي ذكره الحجاري فيه " المسهب " فليس هو من هؤلاء، بل هو من حسن القبذاق من أعمال قلعة بني سعيد، وتأدب في قرطبة، ثم عاد إلى حضرة غرناطة، واعتكف بها على مدح وزيرها اليهودي، وهو القائل:
صابح محياه تلق النجح في الآمال ... وانظر بناديه حسن الشمس في الحمل
ما إن يلاقي خليلٌ فيه من خللٍ ... وكلّما حال صرف الدهر لم يحل وكان يهاجي المنفتل شاعر إلبيرة، ومن هجاء المنفتل (2) له قوله:
لابن ميمون قريضٌ ... زمهرير البرد فيه
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه ولما وفد على المرية مدح رفيع الدولة ابن المعتصم ابن صمادح بشعر، فقال له
__________
(1) المغرب 2: 182.
(2) ق ب: ومن هجائه المنفتل له؛ والبيتان في الذخيرة 2 / 1: 264.
(3/387)

بعض من أراد ضره: يا سيدي لا تقرب هذا اللعين، فإنه قال في اليهودي:
ولكنّ عندي للوفاء (1) شريعةً ... تركت بها الإسلام يبكي على الكفر فقال رفيع الدولة: هذا والله هو الحر الذي ينبغي أن يصطنع، فلولا وفاؤه ما بكى كافراً بعد موته وقد وجدنا في أصحابنا من لا يرعى مسلماً في حياته. وقال فيه المنفتل (2) :
إن كنت أخفش عينٍ ... فإنّ قلبك أعمى
فكيف تنثر نثراً ... وكيف تنظم نظما ومن شعر الأخفش المذكور قوله:
إذا زرتم غبّاً فلم ألق بالبرّ ... وإن غبت لم أطلب ولم أجر في الذكر
فإنّي إذن أولى الورى بفراقكم ... ولا سيّما بعد التجلّد والصبر ولما وفد على المنصور ابن أبي عامر الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن مسعود الغساني البجاني (3) اتهم برهق في دينه، فسجنه في المطبق مع الطليق القرشي، والطليق غلام وسيم، وكان ابن مسعود كلفاً به يومئذ وفيه يقول:
غدوت في السجن (4) خدناً لابن يعقوب ... وكنت أحسب هذا في التكاذيب
رامت عداتي تعذيبي وما شعرت ... أنّ الذي فعلوه ضدّ تعذيبي
راموا بعادي عن الدنيا وزخرفها ... فكان ذلك إدنائي وتقريبي
لم يعلموا أنّ سجني لا أبا لهم ... قد كان غاية مأمولي ومرغوبي
__________
(1) ب: في الوفاء.
(2) المغرب 2: 184.
(3) في الأصول ودوزي: البجالي؛ وترجمته في الجذوة: 86؛ وانظر الذخيرة 1 / 2: 79.
(4) الذخيرة: الجب.
(3/388)

وانطلق ابن مسعود والطليق قبله، ووقع بينه وبين الطليق، وعاد المدح هجاء، فقال فيه (1) :
ولي جليسٌ قربه منّي ... بعد الأماني كذباً (2) عنّي
قد قذيت من لحظه مقلتي ... وقرحت من لفظه أذني
راهنني في السجن من قربه ... أشدّ في السجن من السجن
لو أنّ خلقاً كان ضدّاً له ... زاد على يوسف في الحسن
إذا ارتمى فكري في وجهه ... سلّط إبطيه على ذهني
كأنّما يجلس من ذا وذا ... بين كنيفين من النّتن وقال يخاطب المنصور من السجن:
دعوت لمّا عيل صبري فهل ... يسمع دعواي المليك الحليم
مولاي مولاي ألا عطفةٌ ... تذهب عنّي بالعذاب الأليم
إن كنت أضمرت الذي زخرفوا ... عنّي فدعني للقدير الرحيم
فعنده نزّاعةٌ للشّوى ... وعنده الفردوس ذات النعيم 175 - وركب بعض أهل المرية في وادي إشبيلية، فمر على طاقة من طاقات شنتبوس، وهو يغني:
خلّين من واد ومن قوارب ... ومن نزاها في شنتبوس
غرس الحبق الذي في داري ... أحب عندي من العروس (3) فأخرجت رأسها جارية وقال له: من أي البلاد أنت يا من غنى فقال:
__________
(1) الذخيرة: 83.
(2) الذخيرة: كلها.
(3) في ق ب ودوزي: الفردوس، وهو خطأ؛ والعروس من متنزهات إشبيلية.
(3/389)

من المرية، فقالت: وما أعجبك في بلدك حتى تفضله على وادي إشبيلية وهو بوجه مالح وقفاً أحرش، وهذا من أحسن تعييب، وذلك أنها أتته بالنقيض من إشبيلية، فإن وجهها النهر العذب، وقفاها بجبال الرحمة أشجار التين والعنب، لا تقع العين إلا على خضرة في أيام الفرج، وأين إشبيلية من المرية، وفي المرية يقول السميسر شاعرها:
بئس دار المرية اليوم داراً ... ليس فيها لساكنٍ ما يحبّ
بلدةٌ لا تمار إلا بريحٍ ... ربّما قد تهبّ أو لا تهبّ يشير إلى مرافقها مجلوبة، وأن الميرة تأتيها في البحر من بر العدوة، وفيها يقول أيضاً:
قالوا المريّة فيها ... نظافةٌ قلت: إيه
كأنّها طست تبر ... ويبصق الدم فيه 176 - وحكى مؤرخ الأندلس أبو الحجاج البياسي، أنه دخل عليه في مجلس أنس شيخٌ ضخم الجثة مستثقل، فقال البياسي (1) :
اسقني الكأس ضاحيه ... ودع الشيخ ناحيه فقال الكاتب أبو جعفر أحمد بن رضي:
إن تكن ساقياً له ... ليس ترويه ساقيه 177 - وحكي أن العالي إدريس الحمودي لما عاد إلى ملكه بمالقة وبخ قاضيها الفقيه أبا علي ابن حسون، وقال له: كيف بايعت عدوي من بعدي وصحبته فقال: وكيف أنت تركت ملكك لعدوك فقال: ضرورة القدرة حملتني على ذلك، فقال: وأنا أيضاً حصلت في يد من لا يسعني إلا طاعته.
__________
(1) المغرب 1: 427.
(3/390)

ومن نظم القاضي المذكور:
رفعت من دهري إلى جائر ... ويبتغي العدل بأحكامي
أضحت به أملاكه مثل أش ... كال خيالٍ طوع أيام
هذا لما أبرم ذا ناقضٌ ... كأنّهم في حكم أحلام 178 - وكان الفقيه العالم أبو محمد عبد الله الوحيدي (1) قاضي مالقة جرى - كما قال الحجاري - في صباه طلق الجموح ولم يزل يعاقب بين غبوق وصبوح، إلى أن دعاه النذير، فاهتدى منه بسراج منير، وأحلته تلك الرجعة، فيما شاء من الرفعة. وقال بعض معاشريه: كنت أماشيه زمن الشباب، فكلما مررنا على امرأة يدعو حسنها وشكلها إلى أن تحير الألباب، أمال إليه طرفه، ولم ينح عنها صرفه، ثم سايرته بعد لما رجع عن ذلك واقتصر، فرأيته يغض البصر، ويخلي الطريق معرضاً إلى ناحية، متى زاحمته امرأة ولو حكت الشمس ضاحية، فقالت له في ذلك، فقال:
ذاك وقتٌ قضيت فيه غرامي ... من شبابي في سترة الإظلام
ثمّ لمّا بدا الصباح لعيني ... من مشيبي ودّعته بسلام (2) ومن شعره في صباه:
لا ترتجوا رجعتي باللّوم عن غرضي ... ولتتركوني وصيدي فرصة الخلس
طلبتم ردّ قلبي عن صبابته ... ومن يردّ عنان الجامح الشرس ولما أقصر باطله، وعريت أفراسه الصبا ورواحله، قال (3) :
__________
(1) ترجمة الوحيدي في المغرب 1: 431 وبغية الملتمس (ص: 326) والصلة: 290 والمرقبة العليا: 104.
(2) م: بالسلام.
(3) البيتان في المغرب 1: 431.
(3/391)

ولمّا بدا شيبي عطفت على الهدى ... كما يهتدي حلف السّرى بنجوم
وفارقت أشياع الصبابة والطّلا ... وملت إلى أهلي علاً وعلوم 179 - ولما تألب بنو حسون على القاضي الوحيدي المذكور صادر عنه العالم الأصولي أبو عبد الله ابن الفخار، وطلع في حقه إلى حضرة الإمامة مراكش، وقام في مجلس أمير المسلمين ابن تاشفين، وهو قد غص بأربابه، وقال: إنه لمقام كريم، نبدأ فيه بحمد الله على الدنو منه، ونصلي على خيرة أنبيائه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم، أما بعد فإنا نحمد الله الذي اصطفاك للمسلمين أميراً، وجعلك للدين الحنيف نصيراً وظهيراً، ونفزع إليك مما دهمنا في حماك، ونبث إليك ما لحقنا من الضيم ونحن تحت ظل علاك، ويأبى الله أن يدهم من احتمى بأمير المسلمين، ويصاب بضيم من ادرع بحصنه الحصين، شكوى قمت بها بين يديك في حق أمرك الذي عضده مؤيده، لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنقده، وإن قاضيك ابن الوحيدي الذي قدمته في مالقة للأحكام، ورضيت بعدله فيمن بها من الخاصة والعوام، لم يزل يدل على حسن اختيارك بحسن سيرته، ويرضي الله تعالى ويرضي الناس بظاهره وسريرته، ما علمنا عليه من سوء، ولا درينا له موقف خزي، ولم يزل جارياً على ما يرضي الله تعالى ويرضيك ويرضينا إلى أن تعرضت بنو حسون إلى الطعن في أحكامه، والهد من أعلامه، ةلم يعلموا أن اهتضام المقدم، راجعٌ على المقدم، بل جمحوا في لجاجهم فعموا وصموا، وفعلوا وأمضوا ما به هموا.
وإلى السحب يرفع الكف من قد ... جف عنه مسيل عين ونهر فملأ سمعه بلاغة أعقبت نصره ونصر صاحبه.
ومن شعر ابن الفخار المذكور، ويعرف بابن نصف الربض، قوله:
أمستنكرٌ شيب المفارق في الصّبا ... وهل ينكر النّور الفتح في الغصن
أظنّ طلاب المجد شيّب مفرقي ... وإن كنت في إحدى وعشرين من سني
(3/392)

وقوله:
أقلّ عتابك إنّ الكريم ... يجازي على حبّه بالقلى
وخلّ اجتنابك إنّ الزّمان ... يمرّ بتكديره ما حلا
وواصل أخاك بعلاته ... فقد يلبس الثوب بعد البلى
وقل كالذي قال شاعرٌ ... نبيلٌ وحقّك أن تنبلا
إذا ما خليلٌ أسا مرّةً ... وقد كان في ما مضى مجملا
ذكرت المقدّم من فعله ... فلم يفسد الآخر الأولا 180 - ولما وفد أبو الفضل ابن شرف من برجة في زي تظهر عليه البداوة بالنسبة إلى أهل حضرة المملكة العظمى أنشده قصيدته الفائقة وهي (1) :
مطل الليل بوعد الفلق ... وتشكّى النجم طول الأرق
ضربت ريح الصّبا مسك الدجى ... فاستفاد الروض طيب العبق
وألاح الفجر خدّاً خجلاً ... جال من رشح الندى في عرق
جاوز الليل إلى أنجمه ... فتساقطن سقوط الورق
واستفاض الصبح فيه فيضةً ... أيقن النجم لها بالغرق
فانجلى ذاك السنا عن حلكٍ ... وانمحى ذاك الدجى عن شفق
بأبي بعد الكرى طيفٌ سرى ... طارقاً عن سكنٍ لم يطرق
زارني والليل ناعٍ سدفه ... وهو مطلوبٌ بباقي الرّمق
ودموع الطّلّ تمريها الصّبا ... وجفون الروض غرقى الحدق
فتأنّى في إزارٍ ثابتٍ ... وتثنّى في وشاحٍ قلق
وتجلّى وجهه عن شعره ... فتجلى فلقٌ عن غسق
نهب الصبح دجى ليلته ... فحبا الخدّ ببعض الشفق
__________
(1) انظرها في الذخيرة (3: 277) وبعضها في المغرب 2: 230.
(3/393)

سلبت عيناه حدّي سيفه ... وتحلّى خدّه بالرونق
وامتطى من طرفه ذا خببٍ ... يلثم الغبراء إن لم يعنق
أشوس الطرف علته نخوةٌ ... يتهادى كالغزال الخرق
لو تمطّى بين أسراب المها ... نازعته في الحشا والعنق
حسرت دهمته عن غرّةٍ ... كشفت ظلماؤها عن يقق
لبست أعطافه ثوب الدجى ... وتحلّى خدّه باليقق
وانبرى تحسبه أجفل عن ... لسعةٍ أو جنةٍ أو أولق
مدركاً بالمهل ما لا ينتهي ... لاحقاً بالرّفق ما لم يلحق
ذو رضىً مستترٍ في غضبٍ ... ذو وقارٍ منطوٍ في خرق
وعلى خدٍّ كعضبٍ أبيضٍ ... أذنٌ مثل سنانٍ أزرق
كلّما نصّبها مستمعاً ... بدت الشهب إلى مسترق
حاذرت منه شبا خطّيّة ... لا يجيد الخطّ ما لم يمشق
كلّما شامت عذاري خدّه ... خفقت خفق فؤاد الفرق
في ذرا ظمآن فيه هيفٌ ... لم يدعه للقضيب المورق
يتلقّاني بكفٍّ (1) مصقعٍ ... يقتفي شأو عذارٍ مفلق
إن يدر دورة طرفٍ يلتمح ... أو يجل جول لسانٍ ينطق
عصفت ريحٌ على أنبوبه ... وجرت أكعبه في زئبق
كلّما قلّبه باعد عن ... متن ملساء كمثل البرق
جمع السّرد قوى أزرارها ... فتآخذن بعهدٍ موثق
أوجبت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلق
كلّما دارت بها أبصارها ... صوّرت منها مثال الحدق
زلّ عنه متن مصقول القوى ... يرتمي في مائها بالحرق
__________
(1) دوزي: بكعب.
(3/394)

لو نضا وهو عليه ثوبه ... لتعرى عن شواظٍ محرق
أكهبٌ من هبواتٍ أخضرٌ ... من فرندٍ أحمرٌ من علق
وارتوت صفحاه حتى خلته ... بحيا منٍّ لكفّيك سقي
يا بني معنٍ لقد ظلّت بكم ... شجرٌ لولاكم لم تورق
لو سقي إحسان إحسانكم ... ما بكى ندمانه في جلّق
أو دنا الطائيّ من حيّكم ... ما حدا البرق لربع الأبرق
أبدعوا في الفضل حتى كلّفوا ... كاهل الأيّام ما لم يطق فلما سمعها المعتصم لعبت بارتياحه، وحسده بعض من حضر، وكان من جملة من حسده ابن أخت غانم، فقال له: من أي البوادي أنت قال: أنا من الشرف في الدرجة العالية، وإن كانت البادية علي بادية، ولا أنكر حالي، ولا أعرف بخالي، فمات ابن أخت غانم خجلاً، وشمت به كل من حضر.
وابن شرف المذكور (1) هو الحكيم الفيلسوف أبو الفضل جعفر ابن أديب إفريقية أبي عبد الله محمد بن شرف الجذامي، ولد ببرجة، وقيل: إنه دخل الأندلس مع أبيه وهو ابن سبع سنين، ومن نظمه قوله:
رأى الحسن ما في خدّه من بدائعٍ ... فأعجبه ما ضمّ منه وحرّفا
وقال لقد ألفيت فيه نوادراً ... فقلت له لا بل غريباً مصنّفا وقوله:
قد وقف الشكر بي لديكم ... فلست أقوى على الوفاده
ونلت أقصى المراد منكم ... فصرت أخشى من الزياده
__________
(1) ترجمة أبي الفضل ابن شرف في المغرب 2: 230 والذخيرة (3: 276) والقلائد: 252 والصلة: 129 والمطرب: 71 وبغية الملتمس ص: 239.
(3/395)

وقوله:
إذا ما عدوّك يوماً سما ... إلى رتبةٍ لم تطق نقضها
فقبّل ولا تأفن كفّه ... إذ أنت لم تستطع عضّها وقوله، وقد تقدم على كل شاعر:
لم يبقى للجور في أيامهم أثرٌ ... إلا الذي في عيون الغيد من حور وأول هذه القصيدة قوله:
قامت تجرّ ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخصر والميثاق والنظر وكان قد قصر أمداحه على المعتصم، وكان يفد عليه في الأعياد وأوقات الفرج والفتوحات، فوفد عليه مرة يشكو عاملاً ناقشه في قرية يحرث فيها، وأنشده الرائية التي مر مطلعها إلى أن بلغ قوله:
لم يبق للجور ... البيت
فقال له: كم في القرية التي تحرث فيها فقال: فيها نحو خمسين بيتاً، فقال له: أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقع له بها، وعزل عنها نظر كل والٍ.
وله ابنٌ فيلسوف شاعر مثله، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل (1) المذكور، وهو القائل:
وكريمٍ أجارني من زمانٍ ... لم يكن منخطوبه لي بدّ
منشدٍ كلّما أقول تناهى ... ما لمن يبتغي المكارم حدّ
__________
(1) ترجمته في المغرب 2: 232 والمسالك 11: 238.
(3/396)

181 - وابن أخت غانم هو العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن معمر (1) ، من أعيان مالقة، متفنن في علوم شتى، إلا أن الغالب عليه علم اللغة، وكان قد رحل من مالقة إلى المرية، فحل عند ملكها المعتصم بن صمادح بالمكانة العلية، وهو القائل في ابن شرف المذكور:
قولوا لشاعر برجةٍ هل جاء من ... أرض العراق فحاز طبع البحتري
وافى بأشعارٍ تضجّ بكفّه ... وتقول هل أعزى لمن لم يشعر
يا جعفراً ردّ القربض لأهله ... واترك مباراةً لتلك الأبحر
لا تزعمن ما لم تكن أهلاً له ... هذا الرّضاب لغير فيك الأبخر وذكره ابن اليسع في معربه (2) وقال: إنه حدثه بداره في مقالة وهو ابن مائة سنة، وأخذ عنه عام أربعة وعشرين وخمسمائة، وله تآليف منها " شرح كتاب النبات " لأبي حنيفة الدينوري، في ستين مجلداً، وغير ذلك.
وغانٍ خاله الذي يعرف به هو الإمام العالم غانم المخزومي، نسب إليه بشهرة ذكره، وعلو قدره.
182 - ولما قرأ العالم الشهير أبو محمد ابن عبدون في أول شبابه على أبي الوليد ابن ضابط النحوي المالقي جرى بين يديه ذكر الشعر، وكان قد ضجر منه، فقال:
الشعر خطّة خسف ... فقال ابن عبدون معرضاً به حين كان مستجدياً بالنظم، وكان إذ ذاك شيخاً:
لكلّ طالب عرف ...
__________
(1) ترجمته في المغرب 1: 433 وبغية الوعاة: 106 وأبياته في المغرب 1: 433.
(2) في الأصول ودوزي: مغربه.
(3/397)

للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف وابن ضابظ هو القائل في المظفر ابن الأفطس:
نظمنا لك الشعر البديع لأنّنا ... علمنا بأنّ الشعر عندك ينفق
فإن كنت منّي بامتداح مظّفرا ... فإنّي في قصدي إليك موفقّ (1) ودخل غانم المخزومي السابق ذكره، وهو من رجال الذخيرة، على الملك ابن حبوس صاحب غرناطة، فوسع له على ضيق كان في المجلس، فقال (2) :
صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرتي ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين وهو القائل:
وقد كنت أغدو نحو قطرك فارحاً ... فها أنا أغدو نحو قبرك ثاكلا
وقد كنت في مدحيك سبحان وائل ... فها أنا من فرط التأسّف باقلا وله أيضاً:
الصبر أولى بوقار الفتى ... من ملك يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالةٍ ... كان على أيامه بالخيار 184 - وكتب أبو علي الحسن بن الغليظ إلى صاحبه أبي عبد الله ابن السراج، وقد قدم من سفر (3) :
__________
(1) انظر التكملة: 407.
(2) مر البيتان، انظر ص: 265 وانظر بدائع البدائه 2: 123.
(3) البيتان في المغرب 1: 436.
(3/398)

يا من أقلّب طرفي في محاسنه ... فلا أرى مثله في الناس إنسانا
لو كنت تعلم ما لقّيت بعدك ما ... شربت كأساّ ولا استحسنت ريحانا فورد عليه من حينه وقال: أردت مجاوبتك، فخفت أن أبطئ، وصنعت الجواب في الطريق:
يامن إذا ما سقتني الراح راحته ... أهدت إليّ بها روحاً وريحانا
من لم يكن في صباح السبت يأخذها ... فليس عندي بحكم الظرف إنسانا
فكن على حسن هذا اليوم مصطحبا ... مذكّراً حسناً فيه وإحسانا
وفي البساتين إن ضاق المحل بنا ... مندوحةٌ لا عدمنا الدهر بستانا 185 - ووفد أبو علي الحسن بن كسرين (1) المالقي الشاعر المشهور على ملك إشبيلية السيد أبي إسحاق إبراهيم ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، فأنشده قصيدة طار مطلعها في الأقطار، كل مطار، وهو:
قسماً بحمصٍ إنّه لعظيم ... فهي المقام وأنت إبراهيم 186 - ووصف الشاعر عطاء المالقي غادةً جعلت على رأسها تاجاً فقال:
وذات تاج رصّعوا دوره ... فزاد في لألائها باللآل
كأنّها شمسٌ وقد توّجت ... بأنجم الجوزاء فوق الهلال
قد اشتكى الخلخال منها إلى ... سوارها فاشتبها في المقال
وأجريا ذكر الوشاح الذي ... لمّا يزل من خصرها في مجال
فقال: لم أرض بما نلته ... وليتني مثلكما لا أزال
أغصّ بالخصر وأعيا به ... كغصّ ظمآنٍ بماء زلال
وإنّما الدهر بغير الرضى ... يقضي فكلٌّ غير راضٍ بحال
__________
(1) في التحفة: 91 ابن كسرى، وكذلك في التكملة: 264.
(3/399)

وهو القائل:
سل بحمّامنا الذي ... كلّ عن شكره ثمي
كم أراني بقربه ... جنّةً في جهنم 187 - وكان يحضر حلقة الإمام السهيلي وضيء الوجه من تلامذته، فانقطع لعارضٍ، فخرج السهيلي ماراً في الطريق الذي جرت عادته بالمشي فيه، فوجد قناة تصلح، فمنعته من المرور، فرجع وسلك طريقاً آخر، فمر على دار تلميذه الوضيء، فقال له بعض أصحابه ممازحاً بعبوره على منزله، فقال: نعم، وأنشد ارتجالاً:
جعلت طريقي على بابه ... وما لي على بابه من طريق
وعاديت من أجله جيرتي ... وآخيت من لم يكن لي صديق
فإن كان قتلي حلالاً لكم ... فسيروا بروحي سيراً رفيق وأبو القاسم السهيلي مشهور، عرف به ابن خلكان وغيره، ويكنى أيضاً بأبي زيد، وهو صاحب كتاب " الروض الأنف " وغيره.
واجتاز على سهيل وقد خربه العدو لما أغار عليه وقتلوا أهله وأقاربه، وكان غائباً عنهم، فاستأجر من أركبه دابة، وأتى به إليه، فوقف بإزائه، وأنشد (1) :
يا دار أين البيض والآرام ... أم أين جيرانٌ عليّ كرام
راب المحبّ من المنازل أنّه ... حيّا فلم يرجع غليه سلام
لمّا أجابني الصّدى عنهم ولم ... يلج المسامع للحبيب كلام
طارحت ورق حمامها مترنّماً ... بمقال صبّ والدموع سجام
" يادار ما فعلت بك الأيام ... ضامتك والأيام ليس تضام "
__________
(1) الأبيات في المغرب 1: 370.
(3/400)

وجرى بين السهيلي والرصافي الشاعر المشهور ما اقتضى قول الرصافي:
عفى الله عنّي فإنّي امرؤٌ ... أتيت السلامة من بابها
على أنّ عندي لمن هاجني ... كنائن غصّت بنشّابها
ولو كنت أرمي بها مسلماً ... لكان السهيلي أولى بها وتوفي السهيلي بمراكش سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزرت قبره بها مراراً سنة عشر وألف، وسكن رحمه الله تعالى إشبيلية مدة، ولازم القاضي أبا بكر ابن العربي وابن الطراوة، وعنه أخذ لسان العرب، وكان ضريراً.
ومن شعره أيضاً لما قال: " كيف أمسيت " موضع " كيف أصبحت ":
لئن قلت صبحاً كيف أمسيت مخطئا ... فما أنا في ذاك الخطا بملوم
طلعت وأفقي مظلمٌ لفراقكم ... فخلتك بدراً والمساء همومي 188 - وحكي أن الوزير الكاتب أبا الفضل ابن حسداي الإسلامي السرقسطي، وهو من رجال الذخيرة، عشق جاريةً ذهبت بلبه، وغلبت على قلبه، فجن به جنونه، وخلع عليها دينه، وعلم بذلك صاحبه فزفها إليه، وجعل زمامها في يديه، فتجافى عن موضعه من وصلها أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها، فحسن ذكره، وخفي على كثير من الناس أمره، ومن شعره قوله (1) :
وأطربنا غيمٌ يمازج شمسه ... فيستر طوراً بالسحاب ويكشف
ترى قزحاً في الجوّ يفتح قوسه ... مكبّاً على قطنٍ من الثلج يندف وكان في مجلس المقتدر بن هود ينظر في مجلد، فدخل الوزير الكاتب أبو
__________
(1) البيتان في الذخيرة (3: 164) .
(3/401)

الفضل ابن الدباغ وأراد أن يندر به، فقال له، وكان ذلك بعد إسلامه: يا أبا الفضل، ما الذي تنظر فيه من الكتب، لعله التوراة فقال: نعم، وتجليدها من جلدٍ دبغه من تعلم، فمات خجلاً، وضحك المقتدر.
189 - وأراد الشاعر أبو الربيع سليمان السرقسطي حضور نديم له، فكتب إليه:
بالراح والريحان والياسمين ... وبكرة الندمان قبل الأذين
وبهجة الروض بأندائه ... مقلداً منه بعقدٍ ثمين
ألا أجب سبقاً ندائي إلى ال ... كأس تبدّت لذة الشاربين
هامت بها الأعين من قبل أن ... يخبرها الذوق بحقّ اليقين
لاحت لدينا شفقاً معلناً ... فكن له بالله صبحاً مبين 190 - وكتب علي بن خير التطيلي (1) إلى ابن عبد الصمد السرقسطي يستدعيه إلى مجلس أنس: أنا - أطال الله تعالى بقاء الكاتب سراج العلم وشهاب الفم - في مجلس قد عبقت تفاحه، وضحكت راحه (2) ، وخفقت حولنا للطرب ألوية، وسالت بيننا للهو أودية، وحضرتنا مقلة تسأل منك إنسانها (3) ، وصحيفة فكن (4) عنوانها، فإن رأيت أن تجعل إلينا القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوساً أصدأها بعدك، وأبرزت شموساً (5) أدجاته فقدك.
__________
(1) هذا النص في الذخيرة (3: 256) وقد صدره ابن بسام بقوله " وأخبرت أن بعض أدباء الثغر استدعى هذا الشيخ (يعني أبا الصمد؛ وكان في عصر أبي حفص ابن برد الأصغر، فهو غير أبي بحر ابن عبد الصمد) لمجلس أنس بهذا النثر: أنا أطال الله بقاء الكاتب ... إلخ.
(2) الذخيرة: وصفت أقداحه.
(3) الذخيرة: فنحن لنأيك عنا مقلة تسأل إنسانها.
(4) الذخيرة: نشر.
(5) الذخيرة: وأنرت سرجا؛ وهو أجود.
(3/402)

فأجابه أبو (1) عبد الصمد: فضضت - أيها الكاتب العليم، والمصقع الحبر الصميم - طابع كتابك، فمنحني منه جوهر منتخب، لا يشوبه مخشلب، هو السحر إلا أنه حلال، دل على ود حنيت ضلوعك عليه، ووثيق عهد انتدب كريم سجيتك إليه، فسألت فالق الحب، وعامر القلب بالحب، أن يصون لي حظي منك، ويدرأ لي النوائب عنك، ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك، وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك، إلا عارض ألمٍ ألم بي فقيد بقيده نشاطي، وروى براحته بساطي، وتركني أتململ على فراشي كالسليم، وأستمطر الإصباح من الليل البهيم، وأنا منتظر لإدباره.
191 - ومن لطف أهل الأندلس ورقة طباعهم ما حكاه أبو عمرو ابن سالم المالقي قال: كنت جالساً بمنزلي بمالقة، فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبانة، وكان يوماً شديد الحر، فراودتها على القعود، فلم تمكني من القعود، فمشيت حتى انتهيت إلى مسجد يعرف برابطة الغبار، وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي، فقال لي: إني كنت أدعوا الله تعالى أن يأتيني بك، وقد فعل، فالحمد لله، فأخبرته بما كان مني، ثم جلست عنده، فقال: أنشدني، فأنشدته لبعض الأندلسيين:
غصبوا الصباح فقسّموه خدودا ... واستوعبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلدوا شهب النجوم عقودا
لم يكفهم حدّ الأسنّة والظّبى ... حتى استعاروا أعيناً وخدودا فصاح الشيخ، وأغمي عليه، وتصبب عرقاً، ثم أفاق بعد ساعة، وقال: يا بني اعذرني فشيئان يقهراني، ولا أملك نفسي عندهما: النظر إلى الوجه الحسن، وسماع الشعر المطبوع، انتهى. وستأتي هذه الأبيات في هذا الباب
__________
(1) في الأصول: ابن.
(3/403)

بأتم من هذا وعلى كل حال فهي لأهل الأندلس، لا لابن دريد كما ذكره بعضهم، وسيأتي تسمية صاحبها الأندلسي، كما في كتاب " المغرب " لابن سعيد العنسي المشهور، رحمه الله تعالى.
192 - وقال بعض الأدباء ليحيى الجزار، وهو يبيع لحم ضأن (1) :
لحم إناث الكباش مهزول ... فقال يحيى:
يقول للمشترين مه زولوا ... 193 - وقال التطيلي الأعمى في وصف أسد رخام يرمي بالماء على بحيرة (2) :
أسدٌ ولو أنّي أنا ... قشه الحساب لقلت صخره
وكأنّه أسد السما ... ء يمجّ من فيه المجرّه 194 - وحضر جماعة من أعيان الأدباء مثل الأبيض وابن بقي وغيرهما من الوشاحين، وافقوا على أن يصنع كل واحد منهم موشحة، فلما أنشد الأعمى موشحته التي مطلعها (3) :
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري خرق كل منهم موشحته.
195 - وتحاكمت امرأة إلى القاضي أبي محمد عبد الله اللاردي الأصبحي،
__________
(1) انظر زاد المسافر: 98.
(2) ديوان التطيلي: 249.
(3) أزهار الرياض 2: 208.
(3/404)

وكانت ذا جمال ونادرة، فحكم لزوجها عليها، فقالت له: من يضيع قلبه كل طرف فاتر جدير أن يحكم بهذا، تشير إلى قوله:
أين قلبي أضاعه كلّ طرفٍ ... فاترٍ يصرع الحليم لديه
كلمّا ازداد ضعفه ازداد فتكاً ... أيّ صبرٍ ترى يكون عليه 196 - وحضر أبو إسحاق ابن خفاجة مجلساً بمرسية مع أبي محمد جعفر ابن عنق الفضة الفقيه السالمي، وتذاكرا، فاستطال ابن عنق الفضة، ولعب بأطراف الكلام، ولم يكن ابن خفاجة يعرفه، فقال له: يا هذا لم تترك لأحد حظاً في هذا المجلس، فليت شعري من تكون فقال: أنا القائل:
الهوى علّمني سهد الليال ... ونظام الشعر في هذي اللآل
كلّما هبّت شمالٌ منهم ... لعبت بي عن يمينٍ وشمال
وأرقّت فكرتي أرواحها ... فأتت منهنّ بالسحر الحلال
كان كالملح أجاجاً خاطري ... وسحاب الحبّ أبدته زلال فاهتز ابن خفاجة، وقال: من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل، ولك المعذرة في جهلك، فإنك لم تعرفنا بنفسك، فبالله من تكون فقال: أنا فلان، فعرفه وقضى حقه.
197 - وحكى ابن غالب في " فرحة الأنفس " أن الوزير أبا عثمان ابن شنتفير (1) وأبا عامر ابن غندشلب وفدا رسولين على المعتمد بن عباد، عن إقبال الدولة بن مجاهد والمعتصم بن صمادح والمقتدر بن هود، لإصلاح ما كان بين المعتمد مبين ابن ذي النون، فسر المعتمد بهم وأكرمهم، ودعاهم إلى طعام صنعه لهم، وكان لا يظهر شرب الراح منذ ولي الملك، فلما رأوا انقباضه عن ذلك تحاموا الشراب، فلما أمر بكتب أجوبتهم كتب إليه أبو عامر:
__________
(1) لعله: ابن بشتغير كما ورد من قبل ص: 259.
(3/405)

بقيت حاجة لعبد رغيب (1) ... لم يدع غيرها له من نصيب
أنا خيرية المساء حديثاً ... وأنا في الصباح أخشى رقيبي
فإذا أمس كان عندي نهاراً ... لم تخفني عليه بعد الغروب
وإذا الليل جنّ حدّثت جلا ... سي بما كان من حديثٍ عجيب
قيل إن الدّجى لديك نهارٌ ... وكذاك الدّجى نهار الأريب
فتمنّيت ليلةً ليس فيها ... لذ كا ذلك السّنا من مغيب
حيث أعطيك في الخلاء وتعطي ... ني مداماً كمثل ريق الحبيب
ثم أغدو كأنّني كنت في النو ... م وأخفي المنام خوف هزيب والهزيب: الرقيب العتيد في كلام أهل الأندلس، فسر المعتمد وانبسط بانبساطه، وضحك من مجونه، وكتب إليه:
يا مجاباً دعا إلى مستجيب ... فسمعنا دعاءه من قريب
إن فعلت الذي دعوت إليه ... كنت فيما رغبت عين رغيب واستحضره فنادمه خالياً، وكساه ووصله، وانقلب مسروراً، وظن المعتمد أن ذلك يخفى من فعله عن ابن شنتفير، فأعلم بالأمر القائد ابن مرتين، فكاد يتفطر حسداً وكتب إلى المعتمد:
أنا عبدٌ أوليته كلّ برّ ... لم تدع (2) من فنون برّك فنّا
غير رفع الحجاب في شربك الرا ... ح فماذا جناه أن يتجنّى
وتمنّى شراب سؤرك في الكأ ... س فبالله أعطه ما تمنّى فسرته أبياته، وأجابه:
__________
(1) م: غريب.
(2) في الأصول: لم يدع.
(3/406)

يا كريم المحلّ في كلّ معنى ... والكريم المحلّ ليس يعنّى
هذه الخمر تبتغيك فخذها ... أو فدعها أو كيفما شئت كنّا 198 - وكان يقرأ في مجلس ملك السهلة أبي مروان ابن رزين ذي الرياستين ديوان شعر محمد بن هانئ، وكان القارئ فيه بله، فلما وصل إلى قوله:
حرام حرام زمان الفقير ... اتفق أن عرض للملك ما اشتغل به، فقال القارئ: أين وقفت فقال: في حر آم، فقام الملك، وقال: هذا موضع لا أقف معك فيه، ادخل أنت وحدك، ثم دخل إلى قصره، وانقلب المجلس ضحكاً.
199 - وكان للملك المذكور وزير من أعاجيب الدهر، وهو الكاتب أبو بكر ابن سدراي (1) ، وذكره الحجاري في " المسهب " وقال: إن له شعراً أرق من نسيم السحر، وأندى من الطلّ على الزهر، ومنه قوله:
ما ضركم لو بعثتم ... ولو بأدنى تحيّه
تهزّني من شذاها ... إليكم الأريحيّه
خذوا سلامي إليكم ... مع الرياح النّديّه
في كلّ سحرة (2) يومٍ ... تترى وكلّ عشيّه
يا ربّ طال اصطباري ... ما الوجد إلا بليّه
غيلان بالشرق أضحى ... وحلّت الغرب ميّه وقوله:
سأبغي المجد في شرقٍ وغربٍ ... فما ساد الفتى دون اغتراب
__________
(1) انظر المغرب 2: 340 وبعض أبياته هنالك.
(2) المغرب: غرة.
(3/407)

فإن بلّغت مأمولاً فإنّي ... جهدت ولم أقصر في الطلاب
وإن أنا لم أفز بمراد سعيي ... فكم من حسرةٍ تحت التراب 200 - وقال ملك بلنسية مروان بن عبد العزيز لما ولي مكانه من لا يساويه:
ولا غرو بعدي أن يسوّد معشرٌ ... فيضحي لهم يومٌ وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجوّ تبدو زواهراً ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس وقال ابن دحية: دخلت عليه وهو يتوضأ، فنظر إلى لحيته وقد اشتعلت بالشيب اشتعالاً، فأنشدني لنفسه ارتجالاً (1) :
ولمّا رأيت الشيب أيقنت أنّه ... نذيرٌ لجسمي بانهدام بنائه
إذا ابيضّ مخضرّ النبات فإنّه ... دليلٌ على استحصاده وفنائه 201 - واعتل ابن ذي الوزارتين أبي عامر ابن الفرج (2) وزير المأمون بن ذي النون، وهو من رجال الذخيرة والقلائد (3) ، فوصف له أن يتداوى بالخمر العتيق، وبلغه أن عند بعض الغلمان منها شيئاً، فكتب إليه يستهديه (4) :
ابعث بها مثل ودّك ... أرقّ من ماء خدّك
شقيقة النفس، فانضح ... بها جوى ابني وعبدك وهو القائل معتذراً عن تخلّفه عمن جاءه منذراً (5) :
__________
(1) المطرب: 80.
(2) ترجم له صاحب المطمح: 15 وانظر الذخيرة (القسم الثالث) والمغرب 2: 303 والحلة 2: 171.
(3) كذا قال ابن سعيد أيضا ولكن ليست لابن فرج ترجمة في القلائد المطبوع، وإنما ترجمته في المطمح.
(4) البيتان في المطمح والحلة.
(5) انظر المصدرين السابقين.
(3/408)

ما تخلّفت عنك إلاّ لعذرٍ ... ودليلي في ذاك خوفي عليكا
هبك أنّ الفرار من غير عذرٍ ... أتراه يكون إلاّ إليكا وله من رسالة هناء:
أهنئ بالعيد من وجهه ... هو العيد لو لاح لي طالعا
وأدعو إلى الله سبحانه ... بشملٍ يكون لنا جامعا وكتب إلى الوزير المصري (1) يستدعيه أن يكون من ندمائه، فكتب إليه الوزير المصري يستعلمه اليوم، فلما أراده كتب إليه (2) :
ها قد أهبت بكم وكلّكم هوىً ... وأحقّكم بالشكر منّي السابق
كالشمس أنت وقد أظلّ طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجرٌ صادق وله في رئيس مرسية أبي عبد الرحمن ابن طاهر، وكان ممتع المجالسة كثير النادرة:
قد رأينا منك الذي قد سمعنا ... فغدا الخبر عاضد الأخبار
قد وردنا لديك بحراً نميراً ... وارتقينا حيث النجوم الدراري
ولكم مجلسٍ لديك انصرفنا ... عنه مثل الصّبا عن الأزهار 202 - وشرب الأديب الفاضل أبو الحسن علي بن حريق (3) عشيةً مع من يهواه، ورام الانفصال عنه لداره، فمنعه سيلٌ حال بينه وبين داره، فبات عنده على غير اختياره، فقال ابن حريق (4) :
__________
(1) هو أبو محمد المصري: (أبو محمد عبد الله بن خليفة القرطبي) .
(2) الشعر في الحلة والمطمح.
(3) ترجمته في المغرب 2: 318 وزاد المسافر: 23 والتكملة: 629 والفوات 2: 70.
(4) هذه القطعة واللتان تليانها في المغرب: 319، 318.
(3/409)

يا ليلةً جادت الليالي ... بها على رغم أنف دهري
للسيل فيها عليّ نعمى ... يقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبي ... وقام في أهله بعذر
فبتّ لا حالةٌ كحالي ... ضجيع بدرٍ صريع سكر
يا ليلة القدر في اللّيالي ... لأنت خيرٌ من ألف شهر ومن حسنات ابن حريق المذكور قوله:
يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوى ... حلف النوى وحبيبه بالمشرق
لولا الحذار على الورى لملأت ما ... بيني وبينك من زفيرٍ محرق
وسكبت دمعي ثمّ قلت لسكبه ... من لم يذب من زفرةٍ فليغرق
لكن خشيت عقاب ربي إن أنا ... أحرقت أو أغرقت من لم أخلق وله:
لم يبق عندي للصّبا لذّةٌ ... إلا الأحاديث على الخمر وله:
فقبّلت إثرك فوق الثرى ... وعانقت ذكرك في مضجعي وله (1) :
إنّ ماءً كان في وجنتها ... وردته السنّ حتى نشفا
وذوى العنّاب من أنملها ... فأعادته الليالي حشفا وأورد له بحر في " زاد المسافر " قوله:
__________
(1) زاد المسافر، 22، 23، 24 (ثلاث قطع) .
(3/410)

كلّمته فاحمرّ من خجلٍ ... حتى اكتسى بالعسجد الورق
وسألته تقبيل راحته ... فأبى وقال أخاف أحترق
حتى زفيري عاق عن أملي ... إنّ الشّقيّ بريقه شرق وقوله في السواقي:
وكأنّما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوحٍ مدّة الطوفان
فإذا رأينا الماء يطفح نضنضت ... من كل خرقٍ حيّةٌ بلسان 203 - وقال الفيلسوف أبو جعفر ابن الذهبي فيمن جمع بينه وبين أحد الفضلاء (1) :
أيّها الفاضل الذي قد هداني ... نحو من قد حمدته باختبار
شكر الله ما أتيت وجازا ... ك ولا زلت نجم هدي لساري
أيّ برقٍ أفاد أيّ غمامٍ ... وصباحٍ أدّى لضوء نهار
وإذا ما النسيم كان دليلي ... لم يحلني إلاّ على الأزهار 204 - وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبادة الوشاح المعتصم بن صمادح شعراً يقول فيه:
ولو لم أكن عبداً لآل صمادحٍ ... وفي أرضهم أصلي وعيشي ومولدي
لما كان لي إلا إليهم ترحّلٌ ... وفي ظلّهم أمسي وأضحي وأغتدي فارتاح، وقال: يا ابن عبادة، ما أنصفناك بل أنت الحر لا العبد، فاشرح لنا في أملك، فقال: أنا عبدكم كما قال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
__________
(1) مرت الأبيات ص: 207.
(3/411)

فالتفت إلى ابنه الواثق يحيى ولي عهده وقال: إذا اصطنعت الرجال فمثل هذا فاصطنع، ضمه إليك وافعل معه ما تقتضيه وصيتي به، ونبهني إليه كل وقت، فأقام نديماً لوليّ العهد المذكور.
وله فيهما الموشحات المشهورة، كقوله (1) :
كم في قدود البان ... تحت اللمم من أقمر عواطي
بأنملٍ وبنان ... مثل العنم لم تنبري للعاطي 205 - ولما بلغ المعتصم أن خلف بن فرج السميسر هجاه احتال في طلبه حتى حصل في قبضته، ثم قال له: أنشدني ما قلت في، فقال له: وحق من حصلني في يدك ما قلت شراً فيك، وإنما قلت:
رأيت آدم في نومي فقلت له: ... أبا البرية إنّ الناس قد حكموا
أن البرابر نسلٌ منك، قال: إذن ... حواء طالقةٌ إن كان ما زعموا فنذر ابن بلقين صاحب غرناطة دمي، فخرجت هارباً إلى بلادك فوضع علي من أشاع ما بلغك عني لتقتلني أنت فيدرك ثأره بك، ويكون الإثم عليك، فقال: وما قلت فيه خاصة مضافاً إلى ما قلته في عامة قومه فقال: لما رأيته مشغوفاً بتشييد قلعته التي فيها بغرناطة قلت:
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنّه دودة الحرير فقال له المعتصم: لقد أحسنت في الإساءة إليه، فاختر: هل أحسن إليك وأخلي سبيلك أم أجيرك منه فارتجل:
خيّرني المعتصم ... وهو بقصدي أعلم
__________
(1) انظر هذه الموشحة في دار الطراز: 60.
(3/412)

وهو إذا يجمع لي ... أمناً ومنّاً أكرم فقال: خاطرك خاطر شيطان، ولك المن والأمان، فأقام في إحسانه بأوطانه، حتى خلع عن ملكه وسلطانه.
206 - ولما أنشده عمر بن الشهيد قصيدته التي يقول فيها (1) :
سبط البنان كأنّ كلّ غمامةٍ ... قد ركّبت في راحتيه أناملا
لا عيش إلا حيث كنت، وإنّما ... تمضي ليالي العمر بعدك باطلا التفت إلي من حضر من الشعراء وقال: هل فيكم من يحسن أن يجلب القلوب بمثل هذا فقال أبو جعفر ابن (2) الخراز البطرني (3) : نعم، ولكن للسعادة هبات، وقد أنشدت مولانا قبل هذا أبياتاً أقول فيها (4) :
وما زلت أجني منك والدهر ممحلٌ ... ولا ثمرٌ يجنى ولا الزرع يحصد
ثمار أيادٍ دانياتٍ قطوفها ... لأغصانها ظلّ عليّ ممدّد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهنّ تغرّد فارتاح المعتصم، وقال: أأنت أنشدتني هذا قال: نعم، قال: والله كأنها ما مرت بسمعي إلى الآن، صدقت، للسعد هبات، ونحن نجيزك بجائزتين: الأولى لها والثانية لمطل راجيها وغمط إحسانها، انتهى.
__________
(1) الذخيرة 1 / 2: 195.
(2) ابن: سقطت من م ب.
(3) هو أبو جعفر أحمد بن الخراز (الجزار في المغرب) البطرني (نسبة إلى بطرنة من قرى بلنسية) وهو الذي أثار ابن غرسية إلى كتابة رسالته في الشعوبية وعارضه أبو جعفر برسالة تناظرها (المغرب 2: 355 والحاشية) .
(4) الأبيات في المغرب 2: 356.
(3/413)

207 - وقال بعض ذرية (1) ملوك غشبيلية:
نثر الورد بالخليج وقد درّ ... جه بالهبوب مرّ الرياح
مثل درع الكميّ مزقها الطع ... ن فسالت بها دماء الجراح 208 - وقال ابن صارة في النارنج (2) :
كرات عقيق في غصون زبرجدٍ ... بكفّ نسيم الريح منها صوالج
نقبّلها طوراً وطوراً نشمّها ... فهنّ خدودٌ بيننا ونوافج [أشعار لابن الزقاق]
209 - وقال أبو الحسن ابن زقاق ابن أخت ابن خفاجة (3) :
وما شقّ وجنته عابثاً ... ولكنّها آيةٌ للبشر
جلالها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر وقال:
ضربوا ببطن الواديين قبابهم ... بين الصوارم والقنا الميّاد
والورق تهتف حولهم طرباً بهم ... فبكلّ محنية ترنّم شادي
يا بانة الوادي كفى حزناً بنا ... أن لا نطارح غير بانة وادي وقال:
نحن في مجلسٍ به كمل الأن ... س ولو زرتنا لزاد كمالا
__________
(1) ذرية: سقطت من م. والبيتان لابن الزقاق (ديوانه: 131) .
(2) من أبيات في الذخيرة (2: 325) .
(3) انظر هذه القطع في ديوان ابن الزقاق: 179، 144 والقطع الثلاث الأخيرة لم ترد في ديوانه؛ والقطعة الأولى مرت في النفح ص: 290.
(3/414)

طلعت فيه من كؤوس الحميّا ... ومن الزهر أنجمٌ تتلالا
غير أنّ النجوم دون هلالٍ ... فلتكن منعماً لهنّ الهلالا وقال:
وهويتها سمراء غنّت وانثنت ... فنظرت من ورقاء في أملودها
تشدو ووسواس الحليّ يجبيها ... مهما انثنت في وشيها وعقودها
أوليس من بدع الزمان حمامة ... غنّت فغنّى طوقها في جيدها وقال:
لئن بكيت دماً والعزم من شيمي ... على الخليط فقد يبكي الحسام دما [أشعار للحجام]
210 - وقال أبو تمام غالب ابن رباح الحجام (1) في دولابٍ طار منه لوحٌ فوقف (2) :
وذات شدوٍ وما لها حلمٌ ... كلّ فتىً بالضمير حيّاها
وطار لوحٌ بها فأوقفها ... كلمحة العين ثمّ أجراها وكان المذكور ربي في قلعة رباح غربي طليطلة، ولا يعلم له أب، وتعلم الحجامة فأتقنها، ثم تعلق بالأدب حتى صار آية، وهو القائل في ثريا الجامع (3) :
تحكي الثريّا الثريّا في تألّقها ... وقد عراها نسيمٌ فهي تتّقد
__________
(1) ترجمة أبي تمام غالب الحجام في الذخيرة (3: 256) والمغرب 2: 40 والمسالك 11: 451.
(2) الذخيرة: 261.
(3) المصدر نفسه: 260.
(3/415)

كأنّها لذوي الإيمان أفئدةٌ ... من التخشّع جوف الليل ترتعد وقال:
زرت الحبيب ولا شيءٌ أحاذره ... في ليلةٍ قد لوت بالغمض أجفارا
في ليلةٍ خلت من حسنٍ كواكبها ... دراهماً وحسبت البدر دينارا وقال في الثريا أيضاً:
انظر إلى سرجٍ في الليل مشرقةٍ ... من الزجاج تراها وهي تلتهب
كأنّها ألسن الحيّات قد برزت ... عند الهجير فما تنفكّ تضطرب وقال (1) :
ترى النّسر والقتلى على عدد الحصى ... وقد مزّقت أحشاءها والترائبا
مضرّجةً ممّا أكلن كأنّها ... عجائز بالحنّا خضبن ذوائبا وقال، وقد أبدع غاية الإبداع، وأتى بما يحير الألباب، وإن كان أبو نواس فاتح هذا الباب:
وكأسٍ ترى كسرى بها في قرارةٍ ... غريقاً ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صورته فارساً عبثاً به ... ولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما كانوا له في حياته ... فنومي إليه بالسجود وما ندري وما أحلى قوله (2) :
الأقحوان رمى عليك ظلامةً ... لمّا عنفت عليه بالمسواك
__________
(1) المصدر نفسه: 261.
(2) الذخيرة: 262.
(3/416)

لا يحمل النّور الأنيق تمسّه ... كفٌّ بعود بشامةٍ وأراك
وجلاؤه المخلوق فيه قد كفى ... من أن يراع عراره بسواك وقوله (1) :
صغار الناس أكثرهم فساداً ... وليس لهم لصاحةٍ نهوض
ألم تر في سباع الطير سرباً ... تسالمنا ويأكلنا البعوض وقد بلغ غاية الإحسن في قوله (2) :
فما للملك ليس يرى مكاني ... وقد كحلت لواحظه بنوري
كذا المسواك مطّرحاً مهانا ... وقد أبقى جلاءً في الثغور ومن حسناته قوله (3) :
لي صاحبٌ ما كان من صاحبٍ ... فإنّه في كبدي جرحه
يحكي إذا أبصر لي ذلّةٍ ... ذبابةٍ تبصر في قرحه ولقيه أبو حاتم الحجاري على فرسٍ في غاية الضعف والرذالة قد أهلكها الوجى، وكانا في جماعتين، فقال له: يا أبا تمام أنشدني قولك:
وتحتي ريحٌ تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أنّ الريح ذات قوائم
لها في المدى سبقٌ إلى كلّ غايةٍ ... كأنّ لها سبقاً يفوق عزائمي
وهمّة نفسي نزهتها عن الوجا ... فيا عجباً حتى العلا في البهائم فلما أنشده إياها رد رأسه أبو حاتم إلى الجماعتين وقال: ناشدتكم الله
__________
(1) المغرب 2: 40 والذخيرة: 263.
(2) المغرب: 41.
(3) الذخيرة: 264.
(3/417)

أيجوز لحجام على فرس مثل هذه الرمكة الهزيلة العرجاء، أن يقول مثل هذا فضحك جميع من حضر، وأقبل أبو تمام في غيظه يسبه.
ومن شعر الحجام المذكور قوله:
لا يفخر السيف والأقلام في يده ... قد صار قطع سيوف الهند للقصب
فإن يكن أصلها لم يقو قوّتها ... " فإنّ في الخير معنىً ليس في العنب " وقال:
ثقلت على الأعداء إلاّ أنّها ... خفّت على السّبّاب والإبهام
أخذت من الليل البهيم سواده ... وبدت تنمّق أوجه الأيام وقال (1) :
نظر الحسود فازدرى لي هيئةً ... والفضل منّي لا يزال مبينا
قبحت صفاتي من تغيّر ودّه ... صدأ المرات يقبّح التحسينا وقال (2) :
تصبّر وإن أبدى العدوّ مذمّةً ... فمهما رمى ترجع إليه سهامه
كما يفعل النّحل الملمّ بلسعه ... يريد به ضرّاً وفيه حمامه وقال:
وبارد الشعر لم يؤلم به ولقد ... أضرّ منه جميع النّاس واعتزلا
كأنّه الصلّ لا تأذيه ريقته ... حتى إذا مجّها في غيره قتلا
__________
(1) الذخيرة: 263.
(2) المصدر نفسه: 263.
(3/418)

211 - وقال ابن الزقاق (1) :
دعاك خليلٌ والأصيل كأنّه ... عليلٌ يقضي مدة الرمق الباقي
إلى شطّ منسابٍ كأنّك ماؤه ... صفاء ضميرٍ أو عذوبة أخلاق
ومهوى جناحٍ للصّبا يمسح الرّبى ... خفيّ الخوافي والقوادق خفّاق
على حين راح البرقّ في الجوّ مغمداً ... ظباه ودمع المزن من جفنه راق
وقد حان منّي للرياض التفاتةٌ ... حبست بها كأسي قليلاً عن الساق
على سطح خيريّ ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناقٍ ويرنو بأحداق
فصل زهراتٍ منه هذا كأنّها ... وقد خضلت قطراً محاجر عشّاق 212 - ولما مدح الحسيب أبو [محمد] القاسم بن مسعدة (2) الأوسي (3) أمير المؤمنين عبد المؤمن بقوله:
حنانيك مدعوّاً ولبّيك داعيا ... فكلٌ بما ترضاه أصبح راضيا
طلعت على أرجائنا بعد فترةٍ ... وقد بلغت منّا النفوس التراقيا
وقد كثرت منّا سيوفٌ لدى العلا ... ومن سيفك المنصور نبغي التقاضيا
وغيرك نادينا زماناً فلم يجب ... وعزمك لم يحتج علاه مناديا كتب اسمه وزير عبد المؤمن في جملة الشعراء، فلما وقف على ذلك عبد المؤمن ضرب على اسمه وقال: إنما يكتب هذا في جملة الحسباء، لا تدنسوه بهذه النسبة، فلسنا ممن يتغاضى على غمط حسبه، ثم أجزل صلته، وأمر له بضيعة يحرث له بها، يعني بذلك أنه من ذرية ملوك، لأن جده كان ملك وادي الحجارة.
__________
(1) ديوانه: 286 (عن النفح) .
(2) ب: سعدة.
(3) م: الأونبي؛ وانظر ترجمته في المغرب 2: 26 وسماه في المغرب " أبو محمد القاسم " ولذلك صوبناه في النفح؛ والمطرب: 216 وبغية الوعاة: 377؛ وأبياته هذه في المغرب.
(3/419)

213 - وقال أبو بكر محمد بن أزرق (1) :
هل علم الطائر في أيكه ... بأنّ قلبي للحمى طائر
ذكّرني عهد الصّبا شجوه ... وكلّ صبّ للصّبا ذاكر
سقى عهوداً لهم بالحمى ... دمعٌ له ذكرهم ناثر 214 - وقال أبو جعفر ابن أزرق (2) :
أراك ملكت الخافقين مهابةً ... بها ما تلحّ الشّهب بالخفقان
وتغضي العيون عن سناك كأنّها ... تقابل منك الشمس في اللمعان
وتصفرّ ألوان العداة كأنّما ... رموا منك طول الدهر باليرقان 215 - وقال أبو القاسم ابن أزرق:
ذاك الزمان الذي تقضّى ... يا ليته عاد منه حين
بكلّ عمري الذّي تبقّى ... وما أنا في الشّرا غبين 216 - وقال راشد بن عريف الكاتب (3) :
جمّع في مجلسٍ ندامى ... تحسدني فيهم النجوم
فقال لي منهم نديم (4) : ... ما لك إذ قمت لا تقوم
فقلت: إن قمت كلّ حين ... فإن حظّي بكم عظيم
وليس عندي إذن ندامى ... بل عندي المقعد المقيم
__________
(1) ترجمته وشعره في المغرب 2: 28 ويكتب فيه " أزراق ".
(2) ترجمته وشعره في المغرب 2: 29.
(3) ترجمته وشعره في المغرب 2: 32.
(4) المغرب: خليل.
(3/420)

217 - وقال الحسيب أبو جعفر ابن عائش (1) :
ولي أخٌ أورده سلسلاً ... لكنّه يوردني مالحا
ألقاه كي أبسطه ضاحكاً ... ويلتقيني أبداً كالحا
وليس ينفكّ عنائي به ... ما رمت من فاسده صالحا قال الحجاري: وكتب إلى إبراهيم في يوم صحوٍ بعد مطر:
إذا رأيت الجو يصحو فلا ... تصح، سقاك الله، من سكر
تعال فانظر لدموع الندى ... ما فعلت في مبسم الزهر
ولا تقل إنّك في شاغلٍ ... فليس هذا آخر الدهر
يخلف ما فات سوى ساعةٍ ... تقنص فيه لذّة الخمر فأجابه:
لبّيك لبّيك ولو أنّني ... أسعى على الرأس إلى مصر
فكيف والدار جواري وما ... عندي من شغلٍ ولا عذر
ولو غدا لي ألف شغلٍ بلا ... عذرٍ تركت الكلّ للحشر
وكلّما أبصرني ناظرٌ ... بباكم عظّم من قدري
أنا الذي يشربها دائماً ... ما حضرت في الصحو والقطر
وليس نقلي أبداً بعدها ... إلا الذي تعهد من شكري قال الحجاري: ولم يقصر جدي في جرابه، وكن ابن عائش أشعر منه في ابتدائه، ولو لم يكن له إلا قوله " تعال فانظر - إلخ " لكفاه، قال: وفيه يقول جدي إبراهيم يمدحه:
__________
(1) هو أحمد بن عائش أحد أعيان وادي الحجارة، وكان في زمان المأمون بن ذي النون ملك طليطلة (المغرب 2: 27) .
(3/421)

ولو كان ثانٍ في الندى لابن عائشٍ ... لما كان في شرقٍ وغربٍ أخو فقر
يهشّ إلى الأمداح كالغصن للصّبا ... وبشر محيّاه ينوب عن الزهر
فيا ربّ زد في عمره إنّ عمره ... حياة أناسٍ قد كفوا كلفة الدهر وقتله ابن مسعدة ملك وادي الحجارة الثائر بها، ولما قدمه ليقتله قال: إرفق علي أخاصم عن نفسي، فقال: على لسانك قتلناك، فقال له: لا رفق الله عليك يوم تحتاج إلى رفقه! فقال بجبروته: ما رهبنا السيوف الحداد، نرهب دعاء الحساد!
218 - وقال أبو [علي] الحسن بن علي [بن] شعيب (1) :
انزعي الوشي فهو يستر حسناً ... لم تخزه برقمهنّ الثياب
ودعيني عسى أقبّل (2) ثغراً ... لذّ فيه اللمى وطاب الرّضاب
وعجيبٌ أن تهجريني ظلماً ... وشفيعي إلى صباك الشباب 219 - وقال أخوه أبو حامد الحسين حين كبا به فرسه فحصل في أسر العدو (3) :
وكنت أعدّ طرفي للرزايا ... يخلّصني إذا جعلت تحوم
فأصبح للعدا عوناً لأنّي ... أطلت عناءه فأنا الظلوم
وكم دامت مسراتي عليه ... وهل شيءٌ على الدنيا يدوم 220 - وقال أبو الحسن علي بن رجاء صاحب دار السكة والأحباس بقرطبة:
__________
(1) المغرب 2: 27.
(2) المغرب: اتركني حتى أقبل.
(3) المغرب 2: 28.
(3/422)

يا سائلي عن حالتي إنّني ... لا أشتكي حالي لمن يضعف
مع أنّني أحذر من نقده ... لا سيّما إن كان لا ينصف وأنشد له الحميدي في " الجذوة " (1) :
قل لمن نال عرض من لم ينله ... حسبنا ذو الجلال والإكرام
لم يزدني شيئاً سوى حسناتٍ ... لا ولا نفسه سوى آثام
كان ذا منعة فثقّل ميزا ... ني بهذا فصار من خدّامي 221 - وقال أبو محمد القاسم ابن الفتح (2) :
أيام عمرك تذهب ... وجميع سعيك يكتب
ثمّ الشهيد عليك من ... ك فأين المهرب 222 - وقال أبو مروان عبد الملك بن غصن (3) :
فديتك لا تخف منّي سلوّاً ... إذا ما غير الشعر الصّغارا
أهيم بدنّ خمرٍ صار خلاً ... وأهوى لحيةً كانت عذارى وقال (4) :
قد ألحف الغيم بانسكابه ... والتحف الجوّ في سحابه
وقام داعي السرور يدعوا ... حيّ على الدنّ وانتهابه
وتاه فيه النديم ممّا ... يزدحم الناس عند بابه وكان أحد الأعلام في الآداب والتاريخ والتأليف.
__________
(1) الجذوة: 295.
(2) م: أبو القاسم محمد بن الفتح.
(3) الذخيرة (3: 113، 115) والمغرب 2: 33.
(4) الذخيرة: 114.
(3/423)

ونقم عليه المأمون بن ذي النون بسبب صحبته لرئيس بلده ابن عبيدة، وبلغه أنه يقع فيه فنكبه أشر نكبة، وحبسه فكتب إليه من السجن:
فديتك هل لي منّك رحمى لعلّني ... أفارق قبراً في الحياة فأنشر
وليس عقاب المذنبين بمنكرٍ ... ولكن دوام السخط والعتب ينكر
ومن عجبٍ قول العداة مثقّلٌ ... ومثلي في إلحاحه الدهر يعذر وألف للمأمون رسالة " السجن والمسجون والحزن والمحزون " ورسالة أخرى سماها ب " العشر كلمات "، وقال (1) :
يا فتيةً خيرةً فدتهم ... من حادثات الزمان نفسي
شربهم الخمر في بكورٍ ... ونطقهم عندها بهمس
أما ترون الشتاء يلقي ... في الأرض بسطاً من الدمقس
مقطّبٌ عابسٌ ينادي ... يوم سرورٍ ويوم أنس وقال عنه الحميدي في الجذوة (2) : إنه شاعرٌ أديب، دخل المشرق، وتأدب، وحج، ورجع، وشعره كثير.
وله أبيات كتبها في طريق الحج إلى أحد القضاة:
يا قاضياً عدلاً كأنّ إمامه ... ملكٌ يريه واضح المنهاج
طافت بعبدك في البلاد علّةٌ ... قعدت به عن مقصد الحجاج
واعتلّ في البحر الأجاج فكن له ... بحراً من المعروف غير أجاج 223 - وقال الزاهد الورع المحدث أبو محمد إسماعيل ابن الديواني:
__________
(1) الذخيرة: 115.
(2) الجذوة: 278 وهنالك الأبيات أيضا.
(3/424)

ألا أيّها العائب (1) المعتدي ... ومن لم يزل مؤذياً ازدد
مساعيك يكتبها الكاتبون ... فبيّض كتابك أو سوّد 224 - وقال ابنه أبو بكر محمد:
خاصم عدوّك باللسا ... ن وإن قدرت فبالسّنان
إنّ العداوة ليس يص ... لحها الخضوع مدى الزمان 225 - وقال إبراهيم الحجاري جد صاحبه " المسهب " (2) :
لئن كرهوا يوم الوداع فإنّني ... أهيم به وجداً من آجل عناقه
أصافح من أهواه غير مساترٍ ... وسرّ التلاقي مودعٌ في فراقه وقال:
كن كما شئت إنني لا أحول ... غير مصغٍ لما يقول العذول
لك والله في الفؤاد محلٌّ ... ما إليه مدى الزمان وصول
ومرادي بأن تزور خفيّاً ... ليت شعري متى يكون السبيل وقال:
قد توالت في حالتينا الظنون ... فلنصدق ما كذبته العيون
ومرادي بأن تلوح بأفقي ... بدر تمّ وذاك ما لا يكون
أنا قد قلت ما دعاني إليه ... كثرة اليأس، والحديث شجون
وإذا شئت أن تسفّه رأيي ... فمحلّي من الرقيب مصون
وبه ما تشاء من كلّ معنى ... كلّ من لم يجب له مجون
__________
(1) م: الظالم.
(2) المغرب 2: 33 - 34 وفيه البيتان.
(3/425)

وإلى كم تضلّ ليل الأماني ... ومن اليأس لاح صبحٌ مبين وقال:
سألته عن أبيه ... فقال خالي فلان
فانظر عجائب ما قد ... أتت به الأزمان
دهرٌ عجيبٌ لديه ... عن المعالي حران (1)
فما له غير ذمّ ... كما تدين تدان 226 - وقال الكاتب العالم أبو محمد ابن خيرة الإشبيلي (2) صاحب كتاب " الريحان والريعان " يمدح السيد أبا حفص ملك إشبيلية ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي قصيدة:
كأنّما الأفق صرحٌ والنجوم به ... كواعبٌ وظلام الليل حاجبه
وللهلال اعتراضٌ في مطالعه ... كأنّه أسودٌ قد شاب حاجبه
وأقبل الصبح فاستحيت مشارقه ... وأدبر الليل فاستخفت كواكبه
كالسيد الماجد الأعلى الهمام أبي ... حفصٍ لرحلته ضمّت مضاربه وأنشد له ابن الإمام في " سمط الجمان ":
رعياً لمنزله الخصيب وظلّه ... وسقى الثرى النجديَّ سحّ ربابه
واهاً على ساداته لا أدّعي ... كلفاً بزينبه ولا بربابه ويعرف (3) رحمه الله تعالى بابن المواعيني.
__________
(1) هذا البيت والذي يليه سقطا من م.
(2) ترجمته في المغرب 1: 242 والتكملة: 515 ومن كتابه " الريحان والريعان " جزء موجود بمكتبة الفاتح باستانبول (رقم: 3909) .
(3) قوله: ويعرف ... وكفا: سقط هذا كله من م.
(3/426)

227 - وقال ابنه أبو جعفر أحمد:
يا أخي هاتها وحجّب سناها ... عن مثير بها جنوناً وسخفا
هذه الشمس إن بدت لضعيف ال ... عين زادت في ذلك الضعف ضعفا
إنّما يشرب المدامة من إن ... خشنت كفّه جفاها وكفّا 228 - وكتب الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حبيب الملقب بحبيب إلى أبيه (1) : لما خلق الربيع من أخلاقك الغر، وسرق زهره من شيمك الزهر، حسن في كل عين منظره، وطاب في كل سمعٍ خبره (2) ، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه، ومالت إلى الإشراف على بعض ما يحتويه، من النور الذي بسط على الأرض (3) حللا (4) ، لا ترى في أثنائها خللا، سلوكٌ نثرت على الثرى، وقد ملئت مسكاً وعنبرا، إن تنسمتها فأرجة، أو توسمتها فبهجة:
فالأرض في بزّة من يانع الزهر ... تزري إذا قستها بالوشي والحبر
قد أحكمتها أكفّ المزن واكفةً ... وطرزتها بما تهمي من الدرر
تبرّجت فسبت منّا العيون هوىً ... وفتنةً بعد طول الستر والخفر فأوجد لي سبيلاً إلى إعمال بصري (5) فيها، لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها، والفصل على أن يكمل أوانه، ويتصرم وقته وزمانه، فلا تخلني من بعض التشفي منه، لأصدر نفسي متيقظة عنه، فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ومن سعى في جلائها (6) فهو الرشيد السديد.
__________
(1) الذخيرة (2: 48) وكتاب البديع: 28.
(2) ب: مخبره.
(3) البديع: كسا الأرض.
(4) ومالت ... حللا: سقطت العبارة من م.
(5) ب: نظري.
(6) البديع: ومن أجمها.
(3/427)

ومن شعره يصف ورداً بعث به إلى أبيه (1) :
يا من تأزّر بالمكارم وابتلى ... بالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خدّ الربيع مركباً ... في وجه هذا المهرجان الرائق
وردٌ تقدّم تقدّم إذ تأخرّ واغتدى ... في الحسن والاحسان أول سابق
وافاك مشتملاً بثوب حيائه ... خجلاً لأن حيّاك آخر لاحق وله (2) :
أتى الباقلاء الباقل اللون لابساً ... برود سماء من سحائبها غذي
ترى نوره يلتاح في ورقاته ... كبلق جيادٍ في جلال زمرد وقال (3) :
إذا ما أدرت كؤوس الهوى ... ففي شربها لست بالمؤتلي
مدامٌ تعتّق بالناظرين ... وتلك تعتّق بالأرجل وكان وهو ابن سبع عشرة سنة ينظم النظم الفائق، وينثر النثر الرائق، وأبو جعفر ابن الأبار هو الذي صقل مرآته، وأقام قناته، وأطلعه شهاباً ثاقباً، وسلك به إلى فنون الآداب طريقاً لاحباً، وله كتاب سماه ب " البديع في فصل الربيع " جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة، أعرب فيه عن أدب غزير، وحظ من الحفظ موفور، وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، واستوزره داهية الفتنة، ورحى المحنة، قاضي إشبيلية عباد جد المعتمد، ولم يزل يصغي إلى مقامه، ويرضى بفعاله، وهو ما جاوز العشرين إذ ذاك،
__________
(1) الذخيرة: 50 والبديع: 128.
(2) م: وله في نور الباقلاء؛ والشعر في كتاب البديع: 155.
(3) الذخيرة: 52.
(3/428)

وأكثر نظمه ونثره في الأزاهر، وذلك يدل على رقة نفسه، رحمه الله تعالى.
229 - وقال الوزير الكاتب أبو الحسن علي بن حصن وزير المعتضد بن عباد (1) :
عليّ أن أتذلّل ... له وأن يتدلّل
خدٌّ كأنّ الثريا ... عليه قرطٌ مسلسل وقال:
طلّ على خدّه العذار ... فافتضح الآس والبهار
وابيضّ هذا واسودّ هذا ... فاجتمع الليل والنّهار 230 - وقال الوزير أبو الوليد ابن طريف في المعتمد بعد خلعه:
يا آل عبادٍ ألا عطفةٌ ... فالدهر من بعدكم مظلم
من الذي يرجى لنيل العلا ... ومن إليه يفد المعدم
ما أنكر الدهر سوى أنّه ... بجودكم في فعله يرغم وله:
من حلقت لحية جارٍ له ... فليسكب الماء على لحيته 231 - وقد أجرينا في هذا الكتاب ذكر جملة من أخبار المعتمد بن عباد ونظمه في أماكن متعددة فلتراجع؛ ومن نظمه (2) :
ثلاثةٌ منعتها عن زيارتنا ... خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق
__________
(1) الذخيرة 2: 63، 66.
(2) م: ومن نظم المعتمد؛ والشعر في ديوانه: 22 وفي الشريشي 1: 225.
(3/429)

ضوء الجبين، ووسواس الحليّ، وما ... تحوي معاطفها من عنبرٍ عبق
هب الجبين بفضل الكمّ تستره ... والحلي تنزعه، ما حيلة العرق وقال (1) :
يوم يقول الرسول قد أذنت ... فأت على غير رقبة ولج
أقبلت أهوي إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الهرج قالوا ويستدل على الملوكية بالطيب في المواطن التي يكون الناس فيها غير معروفين كالحمام ومعارك الحرب ومواسم الحج.
رجع إلى ما كنا فيه (2) :
232 - وقال أبو العباس أحمد الخزرجي (3) القرطبي:
وفي الوجنات مافي الروض لكن ... لرونق زهرها معنىً عجيب
وأعجب ما التعجّب منه أنّي ... أرى البستان يحمله قضيب 233 - وقال الوزير أبو [أيوب] سليمان بن أبي أمية (4) يخاطب رئيساً قد بلغه عن بعض أصحابه كلام فيه غض منه:
هوّن عليك كلامه ... واسمح له فيمن سمح
ماذا يسوءك إن هجا ... ماذا يسرّك إن مدح
أوما علمت بلى جهل ... ت بأنّه غلٌّ طفح
وخفيٌّ حقدٍ كامنٍ ... دأبوا له حتى اتضح
__________
(1) ديوان المعتمد: 119.
(2) رجع ... فيه: سقطت من م.
(3) الخزرجي: سقطت من ب.
(4) ترجمته في المغرب 1: 243 والمطمح: 28 والمسالك 11: 424.
(3/430)

هذا بمستنّ الوقا ... ر فكيف لو دار القدح
فاشكر عوارف ذي الجلا ... ل بما وقى وبما منح 234 - وقال أبو علي عمر بن أبي خالد يخاطب أبا الحسن علي بن الفضل:
أبا حسنٍ وما قدمت عهودٌ ... لنا بين المنارة والجزيره
أتذكر أنسنا والليل داجٍ ... بخمرٍ في زجاجتها منيره
إذا الملاح ضلّ رنا إليها ... فأبصر في مناحيه مسيره 235 - وقال الكاتب عبد الله المهيريس (1) ، وكان حلو النادرة، لما شرب عند الوزير أبي العلاء ابن جامع وقد نظر إلى فاختة فأعجبه حسنها ولحنها:
ألا خذها إليك أبا العلا ... حلى الأمداح ترفل في الثّناء
وهبها قينةً تجلى عروساً ... خضيب الكفّ قانية الرداء
لأجعلها محلّ جليس أنسي ... وأغنى بالهديل عن الغناء وحكي أنه ناوله ليمونة وأمره بالقول فيها فقال:
أهدى إليّ بروضةٍ ليمونةً ... وأشار بالتشبيه فعل السيد
فصمتّ حيناً ثم قلت: كجلجلٍ ... من فضةٍ تعلوه صفرة عسجد 236 - وقال الكاتب أبو بكر ابن البناء يرثني أحد بني عيد المؤمن، وقد عزل من بلنسية وولي إشبيلية فمات بها (2) :
كأنّك من جنس الكواكب كنت لم ... تفارق طلوعاً حالها وتواريا
__________
(1) سماه في المغرب " عبد الله بن عمر الإشبيلي المهيرس وكنيته أبو محمد " (1: 248) وفي القدح: أبو عبد الله عمر المعروف بالمهيدر (198) وشعره في المصدرين.
(2) القدح: 119 والمغرب 1: 249.
(3/431)

تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا 237 - وكان محمد بن مروان بن زهر - كما في المغرب والمسهب والمطرب، وقد قدمنا بعض أخباره - منشأ الدولة العبادية وأول من تثنى عليه الخناصر، وتستحسنه البواصر، فضاقت الدولة العبادية عن مكانه، وأخرج عن بلده، فاستصفيت أمواله، فلحق بشرق الأندلس، وأقام فيه بقية عمره، ونشأ ابنه (1) الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد، فما بلغ أشده، حتى سد مسده، ومال إلى التفننفي أنواع التعاليم من الطب وغيره، ورحل إلى المشرق لأداء الفرض، فملأ البلاد جلالة، ونشأ ابنه ابو العلاء زهر بن عبد الملك، فاخترع فضلاً لم يكن في الحساب، وشرع نبلاً قصرت عنه نتائج أولي الألباب، ونشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه، والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه، ومال إلى علم الأبدان فلولا جلالة قدره، لقلنا جاذب هاروت طرفاً من سحره، ولولا أن الغلو آفة المديح، لتجاوزت طلق الجموح، ولكنني اكتفيت بالكناية عن التصريح (2) ، ولم يزل مقيماً بشرق الأندلس إلى أن كان من غزاة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ومن انضم إليه من ملوك الطوائف ما علم، وشخص أبو العلاء معهم، فلقيه المعتمد بن عباد، واستماله واستهواه، وكاد يغلب على هواه، وصرف عليه أملاكه فحن إلى وطنه، حنين النيب إلى عطنه، والكريم إلى سكنه، ونزع إلى مقر سلفه، نزوع الكوكب إلى بيت شرفه، إلا أنه لم يستقر بإشبيلية إلا من بعد خلع المعتمد، وحل عند يوسف بن تاشفين محلاً لم يحله الماء من العطشان، ولا الروح من جسد الجبان، ولما كتب إليه حسام الدولة ابن رزين ملك السهلة بقوله:
عاد اللئيم فأنت من أعدائه ... ودع الحسود بغلّه وبذائه
__________
(1) راجع الذخيرة (2: 91) وشعره مثبت هنالك.
(2) أثبتنا هنا نص الذخيرة.
(3/432)

لا كان إلا من غدت أعداؤه ... مشغولةً أفواههم بجفائه
أأبا العلاء لئن حسدت لطالما ... حسد الكريم بجوده ووفائه
فخر العلاء فكنت من آبائه ... وزها السناء فكنت من أبنائه
كن كيف شئت مشاهداً أو غائباً ... لا كان قلبٌ لست في سودائه أجابه بقوله:
يا صارماً حسن العدا بمضائه ... وتعبّد الأحرار حسن وفائه
ما أثّر العضب الحسام بذاته ... إلا بأن سمّيت من أسمائه وكلفه الحسام المذكور القول في غلام قائم على رأسه، وقد عذر، فقال (1) :
محيت آية النهار فأضحى ... بدر تمٍّ وكان الشمس نهار
كان يعشي العيون ناراً إلى أن ... أشغل الله خدّه بالعذار وقال:
عذارٌ ألمّ فأبدى لنا ... بدائع كنّا لها في عمى
ولو لم يحنّ النهار الظلا ... م لم يستبن كوكبٌ في السما وقال:
يا راشقي بسهامٍ ما لها غرض ... إلا الفؤاد وما منه له عوض
وممرضي بجفون لحظها غنجٌ ... صحّت وفي طبعها التمريض والمرض
امنن ولو بخيالٍ منك يؤنسني ... فقد يسدّ مسدّ الجوهر العرض وهذا معنى في غاية الحسن.
وكان بينه وبين الإمام أبي بكر ابن باجة - بسبب المشاركة - ما يكون
__________
(1) مرت القطعة والتي تليها ص: 247.
(3/433)

بين النار والماء، والأرض والسماء، ولما قال فيه ابن باجة:
يا ملك الموت وابن زهرٍ ... جاوزتما الحدّ والنهايه
ترفّقا بالورى قليلاً ... في واحد منكما الكفايه قال أبو العلاء:
لا بد للزنديق أن يصلبا ... شاء الذي يعضده أو أبى
قد مهّد الجذع له نفسه ... وسدّد الرمح إليه الشّبا والذي يعضده مالك بن وهب جليس أمير المسلمين وعالمه.
238 - وأما حفيده أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر فهو وزير إشبيلية وعظيمها وطبيبها وكريمها، ومن شعره:
رمت كبدي أخت السماء فأقصدت ... ألا بأبي رامٍ يصيب ولا يخطي
قريبة ما بين الخلاخيل إن مشت ... بعيدة ما بين القلادة والقرط
نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ... كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي وتوفيسنة خمس وتسعين وخمسمائة، وأمر أن يكتب على قبره:
تأمّل بفضلك يا واقفاً ... ولاحظ مكاناً دفعنا إليه
تراب الضريح على صفحتي ... كأنّي لم أمش يوماً عليه
أداوي الأنام حذار المنون ... فها أنا قد صرت رهناً لديه رحمه الله تعالى، وعفى عنه.
وفي هذه الأبيات إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، رحمه الله تعالى، وقد ذكرنا بعض أخباره في غير هذا الموضع.
(3/434)

239 - وقال أبو الوليد ابن حزم (1) :
مرآك مرآك شمسٌ ولا قمر ... وورد خدّيك لا وردٌ ولا زهر
في ذمّة الله قلبٌ أنت ساكنه ... إن بنت بان فلا عينٌ ولا أثر وقال (2) :
لله أيامٌ على وادي القرى ... سلفت لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتلي في ظله ثمر المنى ... والطير ساجعةٌ على الأغصان
والشمس تنظر من محاجر أرمدٍ ... والطّلّ يركض في النسيم الواني
فلثمت فاه والتزمت عناقه ... ويد الوصال على قفا الهجران 240 - وقال ابن عبد ربه (3) :
يا قابض الكفّ لا زالت مقبّضةً ... فما أناملها للنّاس أرزاق
وغب إذا شئت حتى لا ترى أبداً ... فما لفقدك في الأحشاء إقلاق وقال في المدح:
وما خلقت كفّاك إلاّ لأربعٍ ... عقائل لم تخلق لهنّ يدان
لتقبيل أفواهٍ، وإعطاء نائل ... وتقليب هنديّ، وحبس عنان 241 - وقال الكاتب أبو عبد الله ابن مصادق (4) الرندي الأصل:
صارمته إذ رأت عارضه ... عاد من بعد الشّباب أشيبا
__________
(1) ترجمته في المغرب 1: 239 والذخيرة 2: 231 والمسالك 11: 434.
(2) الذخيرة (2: 238) .
(3) هاتان المقطوعتان في الشريشي 1: 184.
(4) دوزي: مصادف.
(3/435)

قلت ما ضرّك شيبٌ فلقد ... بقيت فيه فكاهات الصّبا
هو كالعنبر غالٍ نفحه ... وشذاه أخضراً أو أشهبا وقال:
ووردة وردت في غير موقتها ... والسّحب قد هملت أجفانها هطلا
وإنّما الروض لمّا لم يفد ثمراً ... يقريكه انفتحت في خده خجلا وله:
لم أحتفل لقدوم العيد من زمن ... قد كان يبهجني إذ كنت في وطني
لم ألق أهلي ولا إلفي (1) ولا ولدي ... فليت شعري سروري واقعٌ بمن وقال:
يقول لي العاذل تب عن هوى ... من ليس يدنيك إلى مطلب
وكيف لي والدين دين الهوى ... فلا أرى من مذهبي
أليس باب التوب قد سده ... طلوعه شمساً من المغرب (2) وله:
امنع كرائمك الخروج ولا ... تظهر لذلك وجه منبسط
لا تعتبر منهن مسخطةً ... نيل الرضى في ذلك السخط
أولسن مثل الدرّ في شبهٍ (3) ... والدرّ من صدفٍ إلى سفط
__________
(1) ب: إلفي ولا أهلي.
(2) هو كقول الصقلي:
أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمسا من المغرب. (3) م: سفط.
(3/436)

242 - وقال المعتمد بن عباد (1) :
تمّ له الحسن بالعذار ... واختلط الليل بالنّهار
أخضرٌ في أبيضٍ تبدّى ... فذاك آسي وذاك بهاري
فقد حوى مجلسي تماماً ... إن يك من ريقه عقاري 243 - وقال ابن فرج الجياني رحمه الله تعالى (2) :
وطائعة الوصال صددت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرةً فباتت ... دياجي الليل سافرة القناع
وما من لحظةٍ إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي
فملّكت الهوى جمحات أمري ... لأجري في العفاف على طباعي
كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظرٍ وشمّ من متاعٍ
ولست من السوائم مهملات ... فأتخذ الرياض من المراعي وقال (3) :
بأيهما أنا في الشكر بادي ... بشكر الطيف أم شكر (4) الرقاد
سرى فازداد لي أملي ولكن ... عففت فلم أنل منه مرادي
وما في النوم من حرجٍ ولكن ... جريت مع العفاف على اعتيادي 244 - وقال الرصافي (5) :
وعشيّ أنسٍ للسرور وقد بدا ... من دون قرص الشمس ما يتوقّع
__________
(1) ديوان المعتمد: 17.
(2) مرت هذه الأبيات ص: 196 وانظر الشريشي 1: 211 والجذوة: 97.
(3) انظر الجذوة: 97 والمطمح: 80 واليتيمة 2: 17 والشريشي 1: 211.
(4) ب: بطيب.
(5) ديوان الرصافي: 105.
(3/437)

سقطت فلم يملك نديمك (1) ردّها ... فوددت يا موسى لو آنّك يوشع 245 - وقال ابن عبد ربه (2) :
يراعةٌ غرّني منها وميض سناً ... حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا
فصادفت حجراً لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا
كأنّما صيغ من لؤمٍ ومن كذبٍ ... فكان ذاك له روحاً وذا نفسا 246 - وقال ابن صارة في فروة (3) :
أودت بذات يدي فريّة أرنبٍ ... كفؤاد عروة في الضّنى والرّقة
يتجشّم الفرّاء من ترقيعها ... بعد المشقّة في قريب الشّقّة
لو أنّ ما أنفقت في ترقيعها ... يحصى لزاد على رمال الرّقّة
إن قلت بسم الله عند لباسها ... قرأت عليّ " إذا السماء انشقّت " 247 - وقال الغزال (4) :
والمرء يعجب من صغيرة غيره ... أيّ امرئ إلاّ وفيه مقال
لسنا نرى من ليس فيه غميزةٌ ... أيّ الرجال القائل الفعّال (5) 248 - وقال أبو حيان:
لا ترجونّ دوام الخير من أحدٍ ... فالشرّ طبعٌ وفيه الخير بالعرض
ولا تظنّ امرءاً أسدى إليك ندىً ... من أجل ذاتك بل أسداه للغرض
__________
(1) م: نديمي.
(2) العقد 1: 131 والشريشي 1: 127.
(3) أبيات ابن صارة في أخبار وتراجم: 15 والقلائد: 261 والشريشي 1: 125.
(4) في الأصول ودوزي: الغزالي.
(5) ب: القائل البطال.
(3/438)

249 - وقال ابن شهيد (1) :
ولما فشى بالدمع ما بين وجدنا ... إلى كاشحينا ما القلوب كواتم
أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ... ليشجى بما نطوي عذولٌ ولائم
أبى دمعنا يجري مخافة شامتٍ ... فنظّمه بين المحاجر ناظم
وراق الهوى منّا عيوناً كريمةً ... تبسّمن حتى ما تروق المباسم وقال في الانتحال (2) :
وبلّغت أقواماً تجيش صدورهم ... عليّ وإنّي فيهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزاً ... وغاصوا على سري فأعجزهم أمري
فقال فريقٌ: ليس ذا الشعر شعره ... وقال فريقٌ أيمن الله ما ندري
فمن شاء فليخبر فإنّي حاضرٌ ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر 250 - وينظر إلى مثل هذا قصة أبي بكر ابن بقي (3) حين استهدى من بعض إخوانه أقلاماً فبعث إليه بثلاث من القصب، وكتب معها:
خذها إليك أبي بكر العلا قصباً ... كأنّما صاغها الصوّاغ من ورقه
يزهى بها الطرس حسناً ما نثرت بها ... مسك المداد على الكافور من ورقه فأجابه أبو بكر:
أرسلت نحوي ثلاثاً من قناً سلبٍ ... ميّادة تطعن القرطاس في درقه (4)
فالخطّ ينكرها والحظّ يعرفها ... والرّقّ يخدمها بالرّقّ في عنقه
__________
(1) الذخيرة 1 / 1: 276 وديوانه: 139 والشريشي 1: 46.
(2) الذخيرة: 262 وديوانه: 68 والشريشي 1: 46.
(3) الشريشي 1: 47.
(4) ب م: منآدة ... في ورقه.
(3/439)

فحسده عليه بعض من سمعه، ونسبه إلى الانتحال، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول:
وجاهلٍ نسب الدعوى إلى كلمي ... لمّا رماه بمثل النّبل في حدقه
فقلت من حنقٍ لما تعرّض لي ... من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه
ما ذمّ شعري وأيم الله لي قسمٌ ... إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه
والشعر يشهد أنّي من كواكبه ... بل الصباح الذي يستنّ من أفقه 251 - وقال ابن شهيدٍ أيضاً في ضيف (1) :
وما انفكّ معشوق الثناء يمدّه (2) ... ببشرٍ وترحيبٍ وبسط بنان
إلى أن تشهّى البين من ذات نفسه ... وحنّ إلى الأهلين حنّة حاني
فأتبعه ما سدّ خلّة حاله ... وأتبعني ذكراً بكلّ مكان وقال (3) :
وبتنا نراعي اللّيل لم يطو برده ... ولم يجل شيب الصبح في فوده وخطا
تراه كملك الزنج من فرط كبره ... إذا رام مشياً في تبختره أبطا
مطلاًّ على الآفاق والبدر تاجه ... وقد جعل الجوزاء في أذنه قرطا 252 - وقال بعضهم في لباس أهل الأندلس البياض في الحزن، مع أن أهل المشرق يلبسون فيه السواد (4) :
ألا يا أهل أندلسٍ فطنتم ... بلطفكم إلى أمرٍ عجيب
__________
(1) الذخيرة: 267 وديوانه: 168.
(2) الديوان: الثواء نمده.
(3) الذخيرة: 237 وديوانه: 88 واليتيمة 2: 43 والشريشي 1: 63.
(4) الشريشي 1: 49.
(3/440)

لبستم في مآتمكم بياضاً ... فجئتم منه في زيّ غريب
صدقتكم فالبياض لباس حزنٍ ... ولا حزنٌ أشدّ من المشيب 253 - وقال أبو جعفر ابن خاتمة:
هل جسومٌ يوم النوى ودّعوها ... باقياتٌ لسوء ما أودعوها
يا حداة القلوب ما العدل هذا ... أتبعوها أجسامها أو دعوها 254 - وقال القسطلي يصف هول البحر (1) :
إليك ركبنا الفلك تهوي كأنّها ... وقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان
على لجج خضرٍ إذا هبّت الصّبا ... ترامى بها فينا ثبيرٌ وثهلان
مواثل ترعى في ذراها موائلاً ... كما عبدت في الجاهلية أوثان
يقلن وموج البحر (2) والهمّ والدجى ... يموج بها فيها عيونٌ وآذان
ألا هل إلى الدنيا معادٌ وهل لنا ... سوى البحر قبرٌ أو سوى الماء أكفان 255 - وقال الرمادي يهنئ ابن العطار الفقيه بمولود:
يهنيك ما زادت الأيام في عددك ... من فلذةٍ برزت للسعد من كبدك
كأنّما الدهر دهرٌ كان مكتئباً ... من انفرادك حتى زاد في عددك
لا خلّفتك الليالي تحت ظلّ ردىً ... حتى ترى ولداً قد شبّ من ولدك 256 - وقال ابن صارة في النار:
هات التي للأيك أصل ولادها ... ولها جبين الشمس في الأشماس
يتقشّع الياقوت في لبّاتها ... بوساوسٍ تشفي من الوسواس
__________
(1) ديوان ابن دراج: 87 والذخيرة 1 / 1: 74.
(2) في الأصول: مقاتل موج.
(3/441)

أنس الوحيد وصبح عين المجتلي ... ولباس من أمسى بغير لباس
حمراء ترفل في السواد كأنّما ... ضربت بعرقٍ في بني العباس وقال فيها أيضاً (1) :
لابنة الزّند في الكوانين جمرٌ ... كالدراري في الليلة (2) الظلماء
خبروني عنها ولا تكذبوني ... ألديها صناعة الكيمياء
سبكت فحمها سبائك (3) تبرٍ ... رصّعته بالفضّة البيضاء
كلمّا ولول النسيم عليها ... رقصت في غلالةٍ حمراء
سفرت عن جبينها (4) فأرتنا ... حاجب الليل طالعاً بالعشاء
لو تراها من حولنا قلت يومٌ ... يتعاطون أكؤس الصّهباء 257 - وقال فيها الفقيه الأديب (5) ابن لبال:
فحمٌ ذكا في حشاه جمرٌ ... فقلت مسكٌ وجلّنار
أو خدّ من قد هويت لمّا ... أطلّ من فوقه العذار 258 - وكان أبو المطرف الزهري جالساً في باب داره مع زائر له، فخرجت عليهما من زقاقٍ ثانٍ جاريةٌ سافرة الوجه كالشمس الطالعة فحين نظرتهما على غفلةٍ منها نفرت خجلة، فرأى الزائر ما أبهته فكلّفه وصفها، فقال مرتجلاً:
__________
(1) القلائد: 266.
(2) القلائد: كالدراري في دجى.
(3) القلائد: صفائح.
(4) القلائد: سفرت في عشائها.
(5) م: الأديب الفقيه؛ ولعله أبو الحسن علي بن أحمد بن البال الشريشي (- 583) وله ترجمة في التحفة: 74 والذيل والتكملة 5: 169.
(3/442)

يا ظبيةً نفرت والقلب مسكنها ... خوفاً لختلي بل عمداً لتعذيبي
لا تختشي فابن عبد الحقّ أنحلنا ... عدلاً يؤلف بين الظبي والذيب 259 - وقال ابن شهيد (1) :
أصباحٌ لاح أم بدرٌ بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا
هبّ من نعسته منكسراً ... مسبلٌ للكمّ مرخٍ للرّدا
يمسح النعسة من عيني رشا ... صائد في كلّ يوم أسدا
قلت هب لي ياحبيبي قبلة ... تشف من همّك (2) تبريح الصّدى
فانثنى يهتزّ من منكبه ... قائلاً لا ثمّ أعطاني اليدا
كلّما كلّمني قبّلته ... فهو ما قال كلاماّ ردّدا
قال لي يلعب صد لي طائراً ... فتراني الدهر أجري بالكدا
وإذا استنجزت يوماً وعده ... قال لي يمطل ذكّرني غدا
شربت أغصانه (3) خمر الصّبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا
رشأ بل غادةٌ ممكورةٌ ... عمّمت صبحاً بليلٍ أسودا
أححت (4) من عضة في نهدها ... ثم عضت حرّ وجهي عمدا
فأنا المجروح من عضّتها ... لا شفاني الله منها أبدا 260 - وقال محمد بن هانئ في الشيب (5) :
بنتم فلولا أن أغبّر لمّتي ... عبثاّ وألقاكم عليّ غضابا
__________
(1) مرت هذه القصيدة ص: 358.
(2) الرواية المشهورة: من عمك؛ وتصحف إلى " غمك ".
(3) م: أعطافه، وهو أجود.
(4) هذه رواية الذخيرة، وفي م: أحجمت.
(5) ديوان ابن هانئ: 198 - 199 والشريشي 1: 214.
(3/443)

لخضبت شيباً في مفارق لمتي (1) ... ومحوت محو النفس عنه شبابا
وخضبت مبيضّ (2) الحداد عليكم ... لو أنّني أجد البياض خضابا
وإذا أردت على المشيب وفادةً ... فاجعل مطيّك دونه الأحقابا
فلتأخذنّ من الزمان حمامةً ... ولتدفعنّ إلى الزمان غرابا 261 - وكتب ابن عمار إلى ابن رزين وقد عتب عليه أن اجتاز ببلده ولم يلقه (3) :
لم تثن عنك عناني سلوةٌ خطرت ... ولا فؤادي ولا سمعي ولا بصري
لكن عدتني عنكم خجلةٌ خطرت ... كفاني العذر منها بيت معتذر
" لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر " 262 - وقال ابن الجد (4) :
وإنّي لصبٌّ للتلاقي وإنّما ... يصبّ ركابي عن معاهدك العسر
أذوب حياء من زيارة صاحبٍ (5) ... إذا لم يساعدني على برّهالوفر 263 - وقال ابن عبد ربه (6) :
يا من عليه حجابٌ من جلالته ... وإن بدا لك يوماً غير محجوب
ما أنت وحدك مكسوّاً ثياب ضنى ... بل كلّنا بك من مضنى ومشحوب
ألقى عليك يداً للضرّ كاشفةً ... كشّاف ضرّ نبيّ الله أيوب
__________
(1) الديوان: في عذاري كاذبا.
(2) الديوان: مسود.
(3) الذخيرة (2: 160) والشريشي 1: 234 والبيت المضمن للمعري.
(4) الشريشي 1: 234.
(5) م: سيد.
(6) أبيات ابن عبد ربه في الشريشي 1: 305.
(3/444)

264 - وقال النحلي في مغنية:
ولاعبة الوشاح كغصن (1) بانٍ ... لها أثرٌ بتقطيع القلوب
إذا سوّت طريق العود نقراً ... وغنّت في محبّ أو حبيب
فيمناها تقدّ بها فؤادي ... ويسراها تعدّ بها ذنوبي 265 - وقال ابن شهيد (2) :
كلفت (3) بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم
وعاقني (4) كرمي عمّن ولهت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم 266 - وكان بشريش (5) صوفي حافظ للشعر، فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وهو ينشد عليه، فاتفق أن عطس رجل بمجلسه، فشمته الحاضرون، فدعا لهم، فرأى الصوفي أنه إن شمته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم، وإن لم يشمته كان تقصيراً في البر، فرغب حين أصبح من الطلبة نظم هذا المعنى، فقال الوزير الحسيب أبو عمرو ابن أبي محمد (6) :
يا عاطساً يرحمك الله إذ ... أعلنت بالحمد على عطستك
ادع لنا ربّك يغفر لنا ... وأخلص النية في دعوتك
وقل له يا سيدي رغبتي ... حضور هذا الجمع في حضرتك
وأنت يا ربّ النّوى ... بارك ربّ الناس في ليلتك
فإن يكن منكم لنا عودةٌ ... فأنت محمودٌ على عودتك
__________
(1) ق ب: بغصن.
(2) ديوان ابن شهيد: 148.
(3) الديوان: ألمت.
(4) الديوان: وذادني.
(5) الشريشي 1: 341.
(6) الشريشي: ابن محمد.
(3/445)

وهذا الوزير المذكور كان يصرف شعره في أوصاف الغزلان ومخاطبات الإخوان، وكتب إلى الشريشي - شارح المقامات (1) - يستدعي منه كتاب العقد:
أيا من غدا سلكاً لجيد معارفه ... ومن لفظه زهرٌ أيقٌ لقاطفه
محبّك أضحى عاطل الجيد فلتجد ... بعقدٍ على لبّاته وسوالفه ووعك في بعض الأعياد، فعاده من أعيان الطلبة جملة، فلما هموا بالانصراف أنشدهم ارتجالاً:
لله درّ أفاضل (2) أمجاد ... شرف النّديّ بقصدهم والنادي
لمّا أشاروا بالسلام وأزمعوا ... أنشدتهم وصدقت في الإنشاد
في العيد عدتم وهو يوم عروبةٍ ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد قال الشريشي في شرح المقامات: ولقد زرته في مرضه الذي توفي فيه رحمه الله تعالى أنا وثلاثة فتيان من الطلبة، فسألني عنهم وعن آبائهم، فلما أرادوا الانصراف ناول أحدهم محبرة، وقال له: اكتب، وأملى عليه ارتجالاً:
ثلاثة فتيانٍ يؤلف بينهم ... نديٌّ كريمٌ لا أرى الله بينهم
تشابه خلقٌ منهم وخليقةٌ ... فإن قلت أين الحسن فانظره أين هم
وزيّنهم أستاذهم إذ غدا لهم ... معلم آياتٍ فتمم زينهم
فإن خفت من عينٍ ففي الكلّ فل تقل ... وقى الله ربّ الناس للكلّ عينهم 267 - وقال الشريشي (3) : حدثنا شيخنا أبو الحسين ابن زرقون، عن أبيه أبي عبد الله، أنه قعد مع صهره أبي الحسن عبد الملك بن عياش
__________
(1) م: صاحب كتاب شرح المقامات.
(2) الشريشي: در عصابة.
(3) الشريشي 1: 365.
(3/446)

الكاتب على بحر المجاز، وهو مضطرب الأمواج، فقال له أبو الحسن: أجز:
وملتطم الغوارب موّجته ... بوارح في مناكبها غيوم فقال أبو عبد الله:
تمنّع لا يعوم به سفينٌ ... ولو جذبت به الزّهر النجوم 268 - وكان لابن عبد ربه فتىً يهواه، فأعلمه أنه يسافر غداً، فلما أصبح عاقه المطر عن السفر، فانجلى عن ابن عبد ربه همه، وكتب إليه (1) :
هلا ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهباً ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍ ... نيرانها بغليل الشوق تستعر
آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراً ... حتى أراك فأنت الشمس والقمر وقال ابن عبد ربه (2) :
صل من هويت وإن أبدى معاتبةً ... فأطيب العيش وصلٌ بين إلفين
واقطع حبائل خدنٍ لا تلائمه ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين 269 - وقال أبو محمد غانم بن الوليد المالقي (3) :
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين 270 - وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من
__________
(1) أبيات ابن عبد ربه في المطمح: 51.
(2) العقد 2: 316.
(3) مر البيتان ص: 265، 398.
(3/447)

شنترين يوم الجمعة، فأتاه يوم السبت، فلما لقيه عانقه وأنشده:
تخيرت اليهود السبت عيداً ... وقلنا في العروبة يوم عيد
فلمّا أن طلعت السبت فينا ... أطلت لسان محتجّ اليهود 271 - وقال أبو بكر ابن بقي (1) :
أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حرّاً أبيّ النفس لم أقم
فلا حديقتكم يجنى لها ثمرٌ ... ولا سماؤكم تنهلّ بالدّيم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلسٍ ... جئت العراق فقامت لي على قدم
ما العيش بالعلم إلاّ عيشةٌ ضعفت ... وحرفةٌ وكلت بالقعدد البرم 272 - وقال الأبيض بالفقهاء المرائين (2) :
أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يدلج (3) في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالكٍ ... وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب البغال بأشهبٍ ... وبأصبغٍ صبغت لكم في العالم وقال (4) :
قل للإمام سنا الأئمّة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع
لله درّك من همامٍ ماجدٍ ... قد كنت راعينا فنعم الراعي
فمضيت محمود النقيبة (5) طاهراً ... وتركتنا قنصاً لشرّ سباع
__________
(1) أبيات ابن بقي في القلائد: 281.
(2) زاد المسافر: 71 وهي في المعجب: 235 منسوبة لابن البني؛ وانظر الشريشي 1: 185.
(3) زاد المسافر: يختل.
(4) زاد المسافر: 71.
(5) م: المناقب.
(3/448)

أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفّت الأضلاع
تشكوك دنيا لم تزل بك برّةً ... ماذا رفعت بها من الأوضاع 273 - وقال ابن صارة:
يا من يعذّبني لمّا تملّكني ... ماذا تريد بتعذيبي وإضراري
تروق حسناً وفيك الموت أجمعه ... كالصقل في السيف أو كالنور في النار 274 - وقال عبدون البلنسي (1) :
يا من محيّاه جنّاتٌ مفتّحةٌ ... وهجره لي ذنبٌ غير مغفور
لقد تناقضت في خلقٍ وفي خلقٍ ... تناقض النار بالتدخين والنّور 275 - وقال الوزير ابن الحكيم:
رسخت أصول علاكم تحت الثرى ... ولكم على خطّ المجرّة دار
إنّ المكارم صورةٌ معلومةٌ ... أنتم لها الأسماع والأبصار
تبدو شموس الدّجن من أطواقكم ... وتفيض من بين البنان بحار
ذلّت لكم نسم الخلائق مثل ما ... ذلّت لشعري فيكم الأشعار
فمتى مدحت ولا مدحت سواكم ... فمديحكم في مدحه إضمار 276 - وقال القاضي أبو جعفر ابن برطال (2) :
__________
(1) هو أبو محمد عبد الله بن يحيى الحضرمي ابن صاحب الصلاة ويعرف بعبدون من أهل دانية وسكن شاطبة وتوفي ببلنسية (- 578) وترجمته في التحفة: 68 والتكملة رقم: 1402.
(2) هو أحمد بن محمد بن علي الأموي ويكنى أبا جعفر ويعرف بابن برطال، كان من أهل الخير والانقباض والعفة والوقار يتكسب بصناعة التوثيق، ثم أصبح قاضيا لغرناطة وإماما بمسجدها الأعظم حتى عام 741 وتوفي بمالقة سنة 750 (انظر ترجمته وشعره في الإحاطة 1: 177 - 179) .
(3/449)

أستودع الرحمن من لوداعهم ... قلبي وروحي آذنا بوداع
بانوا وطرفي والفؤاد ومقولي ... باكٍ ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولا ... تجعل تفرّقنا فراق وداع (1) 277 - وقال ابن خفاجة (2) :
وما هاجني إلاّ تألّق بارقٍ ... لبست به برد الدّجنّة معلما وهي طويلة.
وقال من أخرى (3) :
جمعت ذوائبه ونور جبينه ... بين الدّجنّة والصباح المشرق 278 - وقال ذو الوزارتين أبو الوليد ابن الحضرمي البطليوسي في غلام للمتوكل بن الأفطس يرثيه (4) :
غالته أيدي المنايا ... وكنّ في مقلتيه
وكان يسقي الندامى ... بطرفه ويديه
عصنٌ ذوى وهلالٌ ... جار الكسوف عليه 279 - وقال الفقيه العالم أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي عالمها في المذهب المالكي، وقد تحاكم إليه وسيمان أشقر وأكحل فيمن يفضل بينهما (5) :
وشادنين ألمّا بي على مقةٍ ... تنازعا الحسن في غايات مستبق
__________
(1) سقط البيت من م.
(2) ديوانه: 173.
(3) ديوانه: 150
(4) انظر ترجمته في المغرب 1: 365.
(5) مرت الأبيات ص: 292.
(3/450)

كأنّ لمّة ذا من نرجسٍ خلقت ... على بهار وذا مسك على ورق
وحكّما الصبّ في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقال يبدي هلال الدّجن حجّته ... مبيّناً بلسان منه منطلق
فقال وجهي بدرٌ يستضاء به ... ولون شعري مقطوعٌ من الغسق
وكحل عينيّ سحرٌ للنّهى وكذا ... ك الحسن أحسن ما يعزى إلى الحدق
وقال صاحبه أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقالٍ فيّ متّفق
أنا على أفقي شمس النّهار ولم ... تغرب وشقرة شعري شقرة الشفق
وفضل ما عيب في العينين من زرق ... أنّ الأسنّة قد تعزى إلى الزّرق
قضيت للمّة الشقراء حيث حكت ... نوراً كذا حبّها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمّة السوداء يرشقني ... سهام أجفانه من شدّة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهدٌ من دمعي الغدق
وقلت عفوك إذ أصبحت متّهماً ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق وكان فيه ظرف وأدب، وعنوان طبقته هذه الأبيات.
وقال:
وغاب من الأكواس فيها ضراغم ... من الراح ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الحلوم فأقطعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها وله رحمه الله تعالى " شرح البخاري " وأكثر ابن حجر من النقل عنه في " فتح الباري "، وله كتاب " الأحكام " وغير ذلك، وترجمته شهيرة.
280 - وقال الأديب النحوي المؤرخ أبو إسحاق إبراهيم بن [قاسم] الأعلم البطليوسي صاحب التواليف التي بلغت نحو خمسين (1) :
__________
(1) انظر ترجمته في المغرب 1: 369 واختصار القدح: 157 وبغية الوعاة: 185 والبيتان في المغرب والقدح.
(3/451)

يا حمص لا زلت داراً ... لكلّ بؤسٍ وساحه
ما فيك موضع راحه ... إلاّ وما فيه راحه وهوشيخ أبي الحسن ابن سعيد صاحب " المغرب " وأنشده هذين البيتين لما ضجر من الإقامة بإشبيلية أيام فتنة الباجي.
281 - وقال الأديب الطبيب أبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي الملقب بالقلندر (1) :
جرت منّي الخمر مجرى دمي ... فجلّ حياتي من سكرها
ومهما دجت ظلمٌ للهموم ... فتمزيقها بسنى بدرها وخرج يوماً وهو سكران، فلقي قاضياً في نهاية من قبح الصورة، فقال: سكران خذوه، فلما أخذه الشرطي قال للقاضي: بفضل من ولاك على المسلمين بهذا الوجه القبيح عليك إلا ما أفضلت علي وتركتني، فقال القاضي: والله لقد ذكرتني بفضلٍ عظيم؛ ودرأ عنه الحد.
282 - وقال ابن جاخ الصباغ البطليوسي (2) ، وهو من أعاجيب الدنيا، لا يقرأ ولا يكتب:
ولمّا وقفنا غداة النّوى ... وقد أسقط البين ما في يدي
رأيت الهوادج فيها البدور ... عليها البراقع من عسجد
وتحت البراقع مقلوبها ... تدبّ على ورد خدٍّ ندي
تسالم من وطئت خدّه ... وتلدغ قلب الشّجي المكمد
__________
(1) المغرب 1: 369 وفيه " القلمندر ".
(2) ترجمته في الجذوة: 381 (وبغية الملتمس رقم: 1562) ؛ والأبيات التي أوردت هنا ذكر صاحب المطرب (184) أنها لعلي بن إسماعيل الأشبوني وأخذها ابن جاخ وادعاها لنفسه.
(3/452)

وقال في المتوكل، وقد سقط عن فرس:
لا عتب للطّرف إن زلّت قوائمه ... ولا يدنّسه من عائبٍ دنس
حمّلت جوداً وبأساً فوقه ونهىً ... وكيف يحمل هذا كلّه الفرس 283 - وقال الشاعر المشهور بالكميت البطليوسي (1) :
لا تلوموني فإنّي عالمٌ ... بالذي تأتيه نفسي وتدع
بالحميّا والمحيّا صبوتي ... وسوى حبّهما عندي بدع
فضّل الجمعة يوماً وأنا ... كلّ أيامي بأفراحي جمع 284 - وقال أبو عبد الله محمد بن البين البطليوسي، وهو ممن يميل إلى طريقة ابن هانئ (2) :
غصبو الصباح فقسّموه خدودا ... واستنهبوا قضب الأراك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون محلّهم ... فاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم ... فسبوا بهنّ ضراغماً وأسودا
لم يكفهم حمل الأسنّة والظّبى ... حتى استعاروا أعيناً وقدودا
وتضافروا بضفائرٍ أبدوا لنا ... ضوء النّهار بليلها معقودا
صاغوا الثغور من الأقاحي بينها ... ماء الحياة لو اغتدى مورودا 285 - وكان عند المتوكل مضحك يقال له الخطارة، فشرب ليلة مع المتوكل، وكان في السقاة وسيم، فوضع عينه عليه، فلما كان وقت السحر دب إليه، وكان بالقرب من المتوكل، فأحس به، فقال له: ما هذا يا خطارة
__________
(1) ترجمة الكميت في الجذوة: 314 (وبغية الملتمس رقم: 1215) وهو الكميت بن الحسن أبو بكر من شعراء عماد الدولة ابن هود بسرقسطة؛ وانظر المغرب 1: 370.
(2) الشعر في الذخيرة (2: 307) والمغرب 1: 370 وانظر ما تقدم ص: 403.
(3/453)

فقال له: يا مولاي هذا وقت تفرغ الخطارة الماء في الرياض، فقال له: لا تعد لئلا يكون ماء أحمر، فرجع إلى نومه، ولم يعد في ذلك كلمة بقية عمره معه، ولا أنكر منه شيئاً، ولم يحدث بها الخطارة حتى قتل المتوكل، رحمه الله تعالى.
والخطارة: صنف من الدواليب الخفاف يستقي به أهل الأندلس من الأدوية، وهو كثير على وادي إشبيلية، وأكثر ما يباكرون العمل في السحر.
286 - وقال الوزير أبو زيد عبد الرحمن بن مولود:
أرني يوماً من الده ... ر على وفق الأماني
ثمّ دعني بعد هذا ... كيفما شئت تراني 287 - وقال أديب الأندلس وحافظها أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري، وهو من رجال الذخيرة والقلائد، وشهرته مغنية عن الزيادة، يخاطب المتوكل وقد أنزله في دار وكفت عليه (1) :
أيا سامياً من جانبيه كليهما ... " سموّ حباب الماء حالاً على حال "
لعبدك دارٌ حلّ فيها كأنّها ... " ديار لسلمى عافياتٌ بذي خال "
يقول لها لمّا رأى من دثورها ... " ألا عم صباحاً أيّها الطّلل البالي "
فقالت وما عيّت جواباً بردّها ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بعاجلٍ ... " فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال " وقال في جمع حروف الزيادة حسبما ذكره عنه في " المغرب " (2) :
سألت الحروف الزائدات عن اسمها ... فقالت ولم تكذب: أمان وتسهيل
__________
(1) مرت هذه الأبيات ص: 293 وانظر المطرب: 182.
(2) لم يرد البيت في ترجمة ابن عبدون في المغرب (1: 374) وإنما أورده صاحب المطرب: 180.
(3/454)

[ضوابط حروف الزيادة]
قلت وعلى ذكر حروف الزيادة فقد أكثر الناس في انتقاء الكلمات الضابطة لها، وقد كنت جمعت فيها نحو مائة ضابط، ولنذكر الآن بعضها، فنقول: منها " أهوى تلمسانا " ونظمتها فقلت:
قالت حروف زياداتٍ لسائلها ... هل هويت بلدة: أهوى تلمسانا وجمعها ابن مالك في بيت واحد بأربعة أمثلة من غير حشو، وهو:
هناء وتسليم، تلا يوم أنسه، ... نهاية مسؤول، أمان وتسهيل ومنها " هويت السمان ". وحكي أن أبا عثمان المازني سئل عنه فأنشد:
هويت السمان فشيّبنني ... وقد كنت قدماً هويت السمانا فقيل له: أجبنا، فقال: أجبتكم مرتين، ويروى أنه قال: سألتمونيها، فأعطيتكم ثلاثة أجوبة، هكذا حكاه بعض المحقققين، وهو أرق مما حكاه غير واحد على غير هذا الوجه، ومنها: " سألتمونيها "، ومنها: اليوم تنساه، الموت ينساه، أسلمني وتاه، هم يتساءلون، التناهي سمو، تنمي وسائله، أسلمي تهاون، تهاوني أسلم، التمس هواني، ما سألت يهون، مؤنس التياه، لم يأتنا سهو، يا أويس هل نمت، نويت سؤالهم، نويت مسائله، سألتم هواني، تأملها يونس، أتاني وسهيل، هوني مسألتها، سألت ما يهون، وسليمان أتاه، تسأل من يهوى، استملاني هو، أسلمت وهناي، هو استمالني، سايل وأنت هم، يا هول استنم، أتاه وسليمان.
قلت: وليس هذا تكراراً مع السابق الذي هو " وسليمان أتاه " لأن التقديم والتأخير يصيرهما شيئين.
ومنها: الوسمي هتان، أوليتم سناه، واليتم أنسه، أمسيت وناله، أنله
(3/455)

توسيماً، أملتني سهواً، أتوسل يمنها، سألتهن يوماً، سألت يومنها، سألت ما يوهن، نهوي ما سألت، يهون ما سألت، وقد سبق " سألت ما يهون " وعدهما شيئين من أجل التقديم والتأخير كما مر نظيره، ألا تنس يومه، ليتأس ماؤه، سله موتي أنا، أنسته اليوم، سألم هوينا، آوي من تسأله، وهين ما سألت، وهني ما سألت، مسألتي نواه.
ومنها: مسألتي هاون، سهوان يتألم، أيلتم سهوان، أو يلتم ناسه، مسألتي أهون، أو ميت تنساه، سموتهن إليها، أمليت سهوان، وسألتم هينا، يهون ما تسأل، أتلو من سهيا، أسلم وانتهى، يتأمل سهوان، يتأمل ناسوه، يتأملن سواه، ايتأمل نسوه، الهوى أتنسم، وليت ماه آسن، تولين أسهما، اتلوا سهمين، أول ساهمتني، أسماؤه تنيل، يتأملنه سوا، أولم يتسناه، آمن ويتساهل، أمسيتن لهواً، توسميه لناء، هو ما تسألين، لأيهما نتوسم، أيهما نتوسل، أتاني لسموه، سميتهن أولاً، أولاهن سميت، سلمتني أهوا، أسلمتني هوا، أو نستميلها، أيستمهلونا، هنأت الموسى، سليم انتهوا، وأنت سائلهم، ساءلته ينمو، تهنأ لا يسمو، اسألي مؤنته، سألتي موهناً، التمس هوناً، استملي أهون، التناه موسى، لهواء يتسنم، نهوى ما تسأل، ماؤه ليتأسن، تنسمي لهواء، تلومي إن سها، ألمتني سهواً، ستولينا أمه، يتمهلون أسا، أمهلتني سوا، التناسي وهم، أهويت سلمان، هويت المأنس، المأنس تهوي، هويت أم ناسل، أوليس تم هنا، استوهن أملي، استهون ألمي، استلمنا وهيأ، أتسلمونيها، أيتسلمونها، ألا يتسمونه، أليس توهمنا، ألا يتسنموه.
فهذه مائة وأربعة وثلاثون تركيباً، منها ما هو متين، ومنها ما هو غير متين، وقد جمع ابن خروف فيها اثنين وعشرين تركيباً محكياً وغير محكي، وأحسنها بيت ابن عبدون السابق، ويليه بيت ابن مالك، وقال الطغمي جامعاً لها أربع مرات:
(3/456)

آلمتني سهواً، تلومي إن سها ... أو ليس تم هنا، الهوا يتسم هكذا بخطه يتسنم، ولو قال يتنسم لكان أنسب، وقال أيضاً:
وليت ما سناه والتمسي هنا ... ما تسألين هو الهنا يتوسم قلت: وقد جمعت في المغرب زيادة على ما تقدم، وكنت قدرت رسالة فيها أسميها " إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة ".
288 - وقال أبو محمد عبد الله بن الليث يستدعي الوزير أبا الحسن اليابري في يوم غيم:
رقم الربيع بروضنا أزهاره ... فجرى على صفحاته أنهاره
فعسى تشرفنا ببهجة سيّدٍ ... ألقى على ليل الخطوب نهاره
تتمتّع الآداب من نفحاته ... فيشمّ منها ورده وبهاره
يا سيداً بهر البرية سؤدداً ... أبدى إلينا سرّه وجهاره
يومٌ أظلّ الغيم وجه ضيائه ... فعليك يا شمس العلا إظهاره 289 - وقال أبو القاسم ابن الأبرش (1) :
أدر كاس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك طائره الصّدوح
وهبّ على الرياض نسيم صبحٍ ... يمرّ كما دنا سارٍ طليح
ومال النهر يشكو من حصاه ... جراحاتٍ كما أنّ الجريح وقال:
حلفت ويشهد دمعي بما ... أقاسيه من هجرك الزائد
__________
(1) هو أبو القاسم خلف بن يوسف بن فرتون الأبرش النحوي (توفي: 532) وترجمته في التحفة: 13 والصلة: 174 وبغية الملتمس رقم: 722 وبغية الوعاة: 234.
(3/457)

فإن كنت تجحد ما أدّعي ... وحاشاك تعرف بالجاحد
فإنّ النبيّ عليه السلام ... قضى باليمين مع الشاهد 290 - وقال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب الذخيرة، وشهرته تغني عن ذكره، ونظمه دون نثره، يخاطب أبا بكر ابن عبد العزيز:
أبا بكرٍ المجتبى للأدب ... رفيع العماد قريع الحسب
أيلحن فيك الزمان الخؤون ... ويعرب عنك لسان العرب
وإن لم يكن أفقنا واحداً ... فينظمنا شمل هذا الأدب وقد ذكرنا له في غير هذا المحل قوله:
ألا بادر فلا ثانٍ سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام ... الأبيات
وتأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وهو منسوب إلى " شنترين " من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس.
291 - وقال أبو عمر يوسف بن كوثر:
مررت به يوماً يغازل مثله ... وهذا على ذا بالملاحة يمتنّ
فقلت: اجمعا في الوصل رأيكما فما ... لمثلكما كان التغزل والمجن
عسى الصب يقضي الله بينكما له ... بخيرٍ فقالا لي: اشتهى العسل السّمن 292 - وقال أبو محمد ابن سارة (1) :
أعندك أن البدر بات ضجيعي ... فقضّيت أوطاري بغير شفيع
__________
(1) الذخيرة (2: 324) .
(3/458)

جعلت ابنة العنقود بيني وبينه ... فكانت لنا أمّاً وكان رضيعي وقال (1) :
أيا من حارت الأوهام فيه ... فلم تعلم له الأقدار كنها
يجيد النبل منّاعقد أنسٍ ... أقام بغير واسطةٍ فكنها 293 - وقال أبو الحسن [ابن] منذر الأشبوني:
فديتك إنّي عن جنابك راحلٌ ... فهل لي يوماً من لقائك زاد
وحسبك والأيام خونٌ غوادرٌ ... فراقٌ كما شاء العدا وبعاد 294 - وقال خلف بن هرون القطيني:
من أنبت الورد في خدّيك يا قمر ... ومن حمى قطفه إذ ليس مصطبر
الزّهر بالرّوض مقرونٌ بأزمنةٍ ... وروض خدّك موصولٌ به الزّهر 295 - وكان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس حسون وعزون ورحمون، فأولع بهم الإمام أبو محمد ابن السيد النحوي، وقال فيهم (2) :
أخفيت سقمي حتّى كاد يخفيني ... وهمت في حبّ عزّون فعزّوني
ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسّون فحسّوني ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة، هكذا رأيته بخط بعض المؤرخين والله أعلم.
__________
(1) الذخيرة (2: 326) .
(2) مر البيتان ص: 287 وقد حذفهما في م وقال: " وقد تقدمت هذه الحكاية ".
(3/459)

296 - وقال ابن خفاجة يداعب من بقل عذاره (1) :
أيّها التائه مهلا ... ساءني أن تهت جهلا
هل ترى فيما ترى ... إلاّ شباباً قد تولّى
وغراماً قد تسرّى ... وفؤاداً قد تسلّى
أين دمعٌ فيك يجري ... أين جنبٌ يتقلّى
أين نفسٌ بك تهذي ... وضلوعٌ فيك تصلى
أيّ باكٍ كان لولا ... عارضٌ وافى فولّى
وتخلّى عنك إلاّ ... أسفاً لا يتخلّى
وانطوى الحسن فهلاّ ... أجمل الحسن وهلاّ أما بعد أيها النبيل النبيه، فإنه لا يجتمع العذار والتيه، قد كان ذلك وغصن تلك الشبيبة رطب، ومنهل ذلك المقبل عذب، وأما والعذار فقد بقل، والزمان قد انتقل، والصب قد صحا فعقل، فقد ركدت رياح الأشواق، ورقدت عيون العشاق، فدع عنك من نظرة التجني، ومشية التثني، وغض من عنانك، وخذ في ترضي إخوانك، وهش عند اللقاء هشة أريحية، واقنع بالإيماء رجع تحية، فكأني بفنائك مهجوراً، وبزائرك مأجوراً والسلام.
297 - وقال الرصافي لما بعث إليه من يهواه سكيناً (2) :
تفاءلت بالسكين لمّا بعثته ... لقد صدقت منّي العيافة والزجر
فكان من السكين سكناك في الحشا ... وكان من القطع القطيعة والهجر
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 129.
(2) ديوان الرصافي: 99 (عن النفح) .
(3/460)

298 - وحضر الفقيه أبو بكر ابن جبيش ليلة مع بعض الجلة وطفئ السراج، فقال ارتجالا:
أذك السراج يرينا غرة سفرت ... فباتت الشمس تستحيي وتستتر
أو خله فكانا وجه سيدنا ... لا يطلب النجم من في بيته (1) القمر 299 - وقصد أحد الأدباء بمرسية أحد السادات من بني عبد المؤمن، فأمر له بصلة خرجت على يد ابن له صغير، فقال المذكور ارتجالا:
تبرك بنجل جاء باليمن والسعد ... يبشر بالتأييد طائفة المهدي
تكلم روح الله في المهد قبله ... وهذا براء بدل اللام في المهد 300 - وخرج الأستاذ أبو الحسن ابن جابر الدباج (2) ، يوما مع طلبته للنزهة بخارج إشبيلية، وأحضرت مجبنات ما خبا نارها (3) ، ولا هدأ أوراها، فما خام عنها ولا كف، ولا صرف حرها عن اختضابها البنان ولا الكف، فقال:
أحلى مواقعها إذا قربتها ... وبخارها فوق الموائد سام
إن أحرقت لمسا فإن أوراها ... في داخل الأحشاء برد سلام 301 - وقال أبو بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة (4) :
أمير المؤمنين نداء شيخ ... أفادك من نصائحه اللطيفة
__________
(1) م: في وجهه.
(2) القصة والبيتان في القدح: 156 وانظر المغرب 1: 256.
(3) كانت عادة أهل إشبيلية أكل هذه المجبنات يوم خميس إبريل.
(4) زاد المسافر: 69.
(3/461)

تحفظ أن يكون الجذع يوما ... سريرا من أسرتك المنيفه
أفكّر فيك مطويّاً فأبكي ... وتضحكني أمانيك السخيفه 302 - وقال صفوان:
ونهار أنسٍ لو سألنا دهرنا ... في أن يعود بمثله لم يقدر
خرق الزّمان لنا به عاداته ... فلو اقترحنا النجم لم يتعذر
في فتيةٍ علمت ذكاء بحسنهم ... فتلفّعت من غيمها في مئزر
والسرحة الغنّاء قد قبضت بها ... كفّ النسيم على لواء أخضر
وكأن شكل الغيم (1) منخل فضّةٍ ... يلقي على الآفاق رطب الجوهر 303 - واجتاز بعض الغلمان على أبي بكر ابن يوسف، فسلم عليه بإصبعه، فقال أبو بكر في ذلك وأشار في البيت الثالث إلى أن والد الغلام كان خطيب البلد:
مرّ الغزال بنا مروعاً نافراً ... كشبيهه في القفر ريع بصائده
لثم السّلامى في السّلام تستراً ... ثم انثنى حذر الرقيب لراصده
هلاّ تكلّف وقفةً لمحبّه ... ولو آنها قصراً كجلسة والده 304 - وقال أبو القاسم القبتوري:
واحسرتا لأمورٍ ليس يبلغها ... مالي وهنّ منى نفسي وآمالي
أصبحت كلآل لا جدوى لديّ وما ... آليت جدّاً ولكن جدّي الآلي 305 - وقال أبو الحسن ابن الحاج (2) :
__________
(1) ب: الماء.
(2) هو جعفر بن الحاج، ترجم له القلائد: 139 والمغرب: 2: 277 وانظر الحاشية، وورد البيتان فيه ص: 281 والمطرب: 175 وقد وقعا في م قبل بيتي القبتوري.
(3/462)

كفى حزناً أنّ المشارع جمّةٌ ... وعندي إليها غلّةٌ وأوام
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ... كريمٌ وأنّ المكثرين لئام 306 - وقال أحمد بن أمية البلنسي:
قال رئيسي حين فاوضته ... وما درى أنّ مقامي عسير
أقم فقلت الحال لا تقتضي ... فقال سر قلت جناحي كسير 307 - وقال ابن برطله:
لله ما ألقاه من همّةٍ ... لا ترتضي إلا السّها منزلا
ومن خمولٍ كلما رمت أن ... أسمو به بين الورى قال لا 308 - وكتب ابن خروف لبعض الرؤساء:
يا من حوى كلّ مجدٍ ... بجدّه وبجدّه
أتاك نجل خروفٍ ... فامنن عليه بحدّه وكتب أيضاً لبعضهم يستدعي فروة:
بهاء الدين والدنيا ... ونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنوا ... ء من جدواك جلد أبي
وفضلك عالمٌ أنّي ... خروفٌ بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي وبعد كتبي لما ذكر خشيت أن لا يكون لابن خروف المشرقي لا الأندلسي (1) ، والله تعالى أعلم.
__________
(1) هو كما قدر المقري فإن هاتين القطعتين لابن خروف أبي الحسن علي بن خمد، ولكنه أيضا قرطبي الأصل استقر بحلب (انظر الغصون اليانعة: 138 وزاد المسافر: 20) .
(3/463)

309 - وركب محبوب أبي بكر ابن مالك (1) كاتب ابن سعد بغلةً رديف رجل يعرف بالدب، فقال أبو بكر في ذلك:
وبغلةٍ ما لها مثال ... يركبها الدّب والغزال
كأنّ هذا وذا عليها ... سحابةً خلفها هلال 310 - وخرج محبوب لأبي الحسن ابن حريق (2) يوماً لنزهة وعرض سيل عاقه عن دخول البلد، فبات ليلة عند أبي الحسن، فقال في ذلك:
يا ليلةً جادت الأماني ... بها على رغم أنف دهري
تسيل فيها عليّ نعمى ... يقصر عنها لسان شكري
أبات في منزلي حبيبي ... وقام في أهله بعذر
وبتّ لا حالةٌ كحالي ... صريع سكرٍ ضجيع بدر
يا ليلة القدر في اللّيالي ... لأنت خيرٌ من آلف شهر 311 - وقال أبو الحسن ابن الزقاق (3) :
عذيري من هضيم الكشح أحوى ... رخيم الدّل قد لبس الشّبابا
أعدّ الهجر (4) هاجرةً لقلبي ... وصيّر وعده فيها سرابا 312 - وقال أبو بكر ابن الجزار السرقسطي:
ثناء الفتى يبقى ويفنى ثراؤه ... فلا تكتسب بالمال شيئاً سوى الذكر
فقد أبلت الأيّام كعباً وحاتماً ... وذكرهما غضٌّ جديدٌ إلى الحشر
__________
(1) زاد المسافر: 33.
(2) هذا الخبر والشعر سقطا من م؛ وقد مرت الأبيات ص: 410.
(3) ديوان ابن الزقاق: 98.
(4) ب: العتب.
(3/464)

313 - وقال الأديب أبو عبد الله الجذامي (1) : كان لشخصٍ من أصحابنا قينة، فبينما هو ذات يوم قد رام تقبيلها على أثر سواك أبصره بمبسمها إذ مرّ فوال ينادي على فول يبيعه، قال فكلفني أن أقول في ذلك شيئاً، فقلت:
ولم أنس يوم الأنس حين سمحت لي ... وأهديت لي من فيك فول سواك
ومرّ بنا الفوّال للفول مادحاً ... وما قصده في المدح فول سواك وشرب يوماً أبو عبد الله المذكور عند بعض الأجلة وذرعه القيء، فارتجل في العذر:
لا تؤاخذ من أخلّ به ... قهوةٌ في الكاس كالقبس
كيف يلحى في المدام فتىً ... أخذته أخذ مفترس
دخلت في الحلق مكرهةً ... ضاق عنها موضع النفس
خرجت من موضعٍ دخلت ... أنفت من مخرج النجس 314 - وجلس سلمة بن أحمد إلى جنب وسيم يكتب من محبرة فانصب الحبر منها على ثوب سلمة، فخجل الغلام، فقال سلمة:
صبّ المداد وما تعمّد صبّه ... فتورّد الخدّ المليح الأزهر
يا من يؤثّر حبره في ثوبنا ... تأثير لحظك في فؤادي أكبر 315 - وكان لأبي الحسن ابن حزمون (2) بمرسية محبوب يدعى أبا عامر، وسافر أبو الحسن، فبينما هو بخارج المرية لإذ لقي فتىً يشبه محبوبه، وسأله عن اسمه، فأخبره بأنه يدعى أبا عامر، فقال أبو الحسن في ذلك:
إلى كم أفرّ أمام الهوى ... وليس لذا الحبّ من آخر
__________
(1) الخبر والبيتان التاليان ساقطة من م.
(2) من شعراء زاد المسافر: 64 وله شعر في المعجب والبيان المغرب.
(3/465)

وكيف أفرّ أمام الهوى ... وفي كلّ وادٍ أبو عامر 316 - وحضر أبو بكر ابن مالك كاتب ابن سعد مع محبوبه لارتقاب هلال شوال، فأغمي على الناس ورآه محبوبه، فقال أبو بكر في ذلك (1) :
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... ولاح لمن أهواه منه فحيّاه (2)
فقلت لهم: لم تفهموا كنه سرّه ... ولكن خذوا عنّي حقيقة معناه
بدا الفق كالمرآة راق صفاؤه ... فأبصر دون الناس فيه محيّاه 317 - وكتب أبو بكر ابن حبيش لمن يهواه بقوله:
متى ما ترم شرحاً بحالي وتبيينا ... فصحّف على قلبي " علومك تحيينا " أراد " إني بحبك مولع ".
318 - وكتب القاضي ابن السليم (3) إلى الحكم المستنصر بالله:
لو أنّ أعضاء جسمي ألسنٌ نطقت ... بشكر نعماك عندي قلّ شكري لك
أو كان ملّكني الرحمن من أجلي ... شيئاً وصلت به يا سيدي أجلك
ومن تكن في الورى آماله كثرت ... فإنّما أملي في أن ترى أملك 319 - وقال الوزير ابن أبي الخصال:
وكيف أؤدّي شكر م