Advertisement

أسواق الذهب



الكتاب: أسواق الذهب
المؤلف: أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي (المتوفى: 1351هـ)
الناشر: مطبعة الهلال - مصر
عام النشر: 1932 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] أسواق الذهب
طبع بعد وفاته نظم أحمد شوقي بك
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي علم بالقلم، وألهم نوابغ الكلم، وجعل الأمثال والحكم: أحسن أدب الأمم. وصلى الله على محمد ديمة البيان المنسجمة، وعلى موسى الكليم وعيسى الكلمة.
وبعد، فهذه فصول من النثر، وما زعمت أنها غرر زياد أو فقر الفصيح من إياد، أو سجع المطوقة على فرع غصنها المياد، ولا توهمت حين أنشأتها أنى صنعت " أطباق الذهب"، للأصفهاني -وإن
(1/3)

سميت هذا الكتاب مما يشبه اسميهما، ووسمته بما يقرب في الحسن من وسميهما- وإنما هي كلمات اشتملت على معان شتى الصور وأغراض مختلفة الخبر، جليلة الخطر، منها ما طال عليه القدم، وشاب على تناوله القلم، وألم به الغفل من الكتاب والعلم. ومنها ما كثر على الألسنة في هذه الأيام، وأصبح يعرض في طرق الأقلام وتجري به الألفاظ في أعنة الكلام؛ من مثل: الحرية والوطن، والأمة، والدستور، والإنسانية وكثير غير ذلك من شؤون المجتمع وأحواله، وصفات الإنسان وأفعاله أو ما له علاقة بأشياء الزمن ورجاله؛ يكتنف ذلك أو يمتزج به: حكم عن الأيام تلقيتها، ومن التجاريب استمليتها، وفي قوالب العربية وعيتها وعلى أساليبها حبرتها ووشيتها؛ وبعض هذه الخواطر قد نبع من القلب وهو عند استجمام عفوه، وطلع في الذهن وهو عند تمام صحوه وصفوه؛ وغيره- ولعله الأكثر - قد قيل والأكدار سارية، والأقدار بالمكاره جارية، والدار نائية، وحكومة السيف
(1/4)

عابثة عاتية؛ فأنا أستقيل القارئ فيه السقطات، وأستوهبه التجاوز عن الفرطات.
اللهم غير وجهك ما ابتغيت، وسوى النفع لخلقك ما نويت، وعليك رجائي ألقيت، وإليك بذلي وضعفي انتهيت.
(1/5)

الحقيقة الواحدة
يا متابع الملاحدة، مشايع العصبة الجاحدة، منكر الحقيقة الواحدة: ما للأعمى والمرآة، وما للمقعد والمرقاة، ومالك والبحث عن الله؟ قم إلى السماء تقص النظر، وقص الأثر، واجمع الخبر والخبر. كيف ترى ائتلاف الفلك، واختلاف النور والحلك وهذا الهواء المشترك، وكيف ترى الطير تحسبه ترك، وهو في شرك، استهدف فما نجا حتى هلك، تعالى الله! دل الملك على الملك!. وقف بالأرض سلها من زم السحاب وأجراها،
(1/6)

ورحل الرياح وعراها، ومن أقعد الجبال وأنهض ذراها، ومن الذى يحل حباها، فتخر له في غد جباها؟ أليس بدأها غبرات، ثم جمعها صخرات، ثم فرقها مشمخرات؟. ثم سل النمل من أدقها خلقا، وسلكها طرقا تبتغي رزقا؟ وسل النحل من ألبسها الحبر، وقلدها الإبر، وأطعمها صفو الزهر، وسخرها طاهية للبشر؟ لقد نبذت الذلول المسعفة، وأخذت في معامي الفلسفة، على عشواء من الضلال معسفة. أولا فخبرني: الطبيعة
(1/7)

من طبعها والنظم المتقادمة من وضعها، والحياة الصانعة من صنعها، والحركة الدافعة من الذي دفعها؟! عرفنا كما عرفت المادة، ولكن هدينا وضللت الجادة، وقلنا مثلك بالهيولى ولكن لم نجحد اليد الطولى ولا أنكرنا الحقيقة الأولى. أتينا العناصر من عنصرها. ورددنا الجواهر إلى جوهرها؛ اطرحنا فاسترحنا وسلمنا فسلمنا، وآمنا فأمنا؛ وما الفرق بيننا وبينك إلا أنك قد عجزت فقلت: سر من الأسرار وعجزنا نحن فقلنا: الله وراء كل ستار!!
(1/8)

الوطن

الوطن موضع الميلاد، ومجمع أوطار الفؤاد، ومضجع الآباء
(1/9)

والأجداد، الدنيا الصغرى، وعتبة الدار الأخرى، الموروث الوارث، الزائل عن حارث إلى حارث، مؤسس لبان، وغارس لجان. وحي من فان، دواليك حتى يكسف القمران، وتسكن هذي الأرض من دوران.
أول هواء حرك المروحتين، وأول تراب مس الراحتين، وشعاع شمس اغترق العين؛ مجرى الصبا وملعبه، وعرس الشباب وموكبه، ومراد الرزق ومطلبه، وسماء النبوغ وكوكبه، وطريق المجد ومركبه؛ أبو الآباء مدت له الحياة فخلد، وقضى الله ألا يبقى
(1/10)

له ولد؛ فإن فاتك منه فائت فاذهب كما ذهب أبو العلاء عن ذكر لا يفوت، وحديث لا يموت.
مدرسة الحق والواجب، يقضي العمر فيها الطالب، ويقضي وشيء منهما عنه غائب؛ حق الله وما أقدسه، وما أقدمه وحق الوالدين وما أعظمه، وحق النفس وما ألزمه؛ إلى أخ تنصفه، أو جار تسعفه، أو رفيق في رحال الحياة تتألفه، أو فضل للرجال تزينه، ولا تزيفه، فما فوق ذلك من مصالح الوطن المقدمة، وأعباء أماناته المعظمة؛ صيانة بنائه، والضنانة بأشيائه، والنصيحة لأبنائه، والموت دون لوائه، قيود في الحياة بلا عدد. يكسرها الموت وهو قيد الأبد.
رأس مال الأمم فيه من كل ثمر كريم، وأثر ضئيل أو عظيم، ومدخر حديث أو قديم؛ ينمو على الدرهم كما ينمو على الدينار، ويربو على الرذاذ كما يربو على الوابل الدرار بحر يتقبل من السحب ويتقبل من الأنهار. فيا خادم الوطن ماذا أعددت للبناء من حجر،
(1/11)

أو زدت في الغناء من شجر؟ عليك أن تبلغ الجهد، وليس عليك أن تبني السد؛ فإنما الوطن كالبنيان فقير إلى الرأس العاقل، والساعد العامل وإلى العتب الوضيعة، والسقوف الرفيعة، وكالروض محتاج إلى رخيص الشجر وثمينه. ونجيب النبات وهجينه إذ كان ائتلافه في اختلاف رياحينه، فكل ما كان منها لطيفا موقعه، غير ناب به موضعه، فهو من نوابغ الزهر قريب، وإن لم يكن في البديع ولا الغريب.
حظيرة الأعراض والعروض، ومحراب السنن والفروض،
(1/12)

سيد الأديم، صفحاته التاريخ الكريم، وبوغاؤه عظم الأبوة وإنه لعظيم، وعلى جوانبه الدولة وهي حسب الأمم الصميم؛ وثم كرائم الأموال والأنفس وهي غوال، وثم ثمرات الرجال وضنائنهم اللاتي خلف الخجال. فيا عجبا كيف يجحد الأوطان الجاحد، أو يزعم أن الأرض كلها وطن واحد؛ قضية تضحك النمل في قراها، والنحل في خلاياها؛ وتستبهم على الطير في أوكارها، وعلى السباع في أحجارها وينبئك عنها السمك إذ اتخذ من البحر وطنا شائعا، فولد مهدورا وعاش ضائعا، صغاره طرائد، وكباره موائد، ويتصيد بعضه بعضا إن أبطأ الصائد.
والوطن شركة بين الأول والآخر، وبين الحاضر والغابر، لا يرث لها عقد، وإن تطاول العهد، مؤسسة بالمهد حينا وباللحد؛ يدخلك فيها الميلاد، ولا يخرجك منها النفاد، فقد تضرم النار وأنت هامد كالرماد، وقد تحيا بك الديار وأنت بواد والحياة بواد.
(1/13)

والوطن مستودع المفاخر وصوان المآثر، وخزانة الأعلاق والذخائر، لكل متقن منها موقعه، ولا ينبو بصالح فيها موضعه؛ الهرمان لديها معظمان، "وشيخ البلد" شيخ الصناعة على الزمان؛ وعندها سيف"علي" ومغارسه، وقناة"إسماعيل" ومدارسه، وفيها القصائد البارودية، وليس فيها الخطب النديمية؛ تلك لقربها من كلام الحكمة، وهذى لبعدها عن الإتقان والحشمة؛ فيالك خزانة تميز الصحاح من الزيوف، وتعرف الضيفن من الضيوف، وتحجب العصي وتأذن للسيوف.
صحيفة الأخبار، وكتاب الأبرار، وسجل الهمم الكبار أسماء المحسنين فيه مرفوعة، وأفعالهم مثل للخلف منصوبة، وحروف بماء الذهب مكتوبة؛ فإذا أتت السنون، ودارت على الرجال المنون، ولحقت بالمشايع الشيع، وذهب المتبوع والتبع؛
(1/14)

ونامت الحرابي عن الشموس، وحيل بين النار وبين المجوس؛ انفتح كتاب الوطن من نفسه وإذا الحسنات ثم على الصدق محصاة، فلا الحصاة درة ولا الدرة حصاة؛ إذا الرجال يعظمون على الأفعال، وإذا الوقائع قد نحت منها الأبطال؛ على قدر العمل يأتي الجزاء، وبقدر جمال الأثر يكون حسن الثناء.
وليس أحد أولى بالوطن من أحد، فما"باستور" والشفاء في مصله، ولا"كمال" والحياة في نصله: أولى بأصل الوطن وفصله؛ من الأجير المحسن إلى عياله، الكاسب على أطفاله، الفادي الوطن بأشباله، وهم رأس ماله؛ فلا تتحمد على الأوطان بآثار كرم، وإن حملت عليها الهرم أو نقلت إليها إرم، فإنك لم تزد على أن أقمت جدارك؛ وحسنت دارك؛ ولا تنس أنها الآلة التي رفعتك،
(1/15)

والهالة التي أطلعتك؛ ولا تحجب ذات الوطن بذاتك، أو تطرف العيون عن وجهه بقذاتك؛ ولا تكن كالسرح العظيم إذ نسي خلقه إذ علا على الأرض وهي أمه، ماؤها عصارة عوده، وطينها جرثومة وجوده؛ حتى إذا ترعرع وكبر أخفاها وظهر، وحجب عنها الشمس والقمر؛ خلعت عليه ما نضر ورف، وألقى عليها ما يبس من الورق وجف.
والوطن لا يتم تمامه. ولا يخلص لأهله زمامه؛ ولا يكون الدار المستقلة، ولا الضيعة الخالصة الغلة؛ ولا يقال له البلد السيد المالك، وإن تحلى بألقاب الدول والممالك؛ حتى يجيل العلم فيه يد العمارة. ويجمع له بين دولاب الصناعة وسوق التجارة.
فيا جيل المستقبل، وقبيل الغد المؤمل؛ حاربوا الأمية فإنها كسح الأمم وسرطانها؛ والثغرة التي تؤتى منها أوطانها ظلمات يعربد فيها خفاش الاستبداد، وقبور كل ما فيها لضبعه غنيمة
(1/16)

وزاد؛ وتذرعوا بذرائع العلم الصحيح، اطلبوه في مدارس الزمان وحلقاته، وخذوه عن جهابذته وثقاته؛ واعلموا أن أنصاف الجهال: لا الجهل دفعوا، ولا بقليل العلم انتفعوا؛ وبنو الوطن الواحد إخوة وإن ذهب كل فريق بكتاب، ووصلت كل طائفة من باب؛ واتبع أناس الإنجيل، وأناس اتبعوا التنزيل؛ وكل بلاد تسوسها حكومة فاضلة، وتقيدها القوانين العادلة، وتعمرها جماعة عاقلة عاملة، إنما يفرق فيها بين الوطن الذي هو الحياة وشئونها، والدنيا وشجونها، والحكومة نظمها وقانونها، والمملكة سهولها وحزونها، والدولة أطرافها وحصونها؛ مبين الدين الذي هو السماء الرفيعة، والذروة المنيعة؛ ولاية الضمائر وسياسة السرائر.
وما وطن المحسنين إلا الأسرة الكبرى، والسقف الواحد والمنزل الحاشد، القوم في ظلاله، على البر وخلاله؛ إخوان متصافون، وأهل متناصفون، وجيران متآلفون، قصد في البغضاء، وبعد
(1/17)

عن الشحناء؛ ألسنة عفيفة العذبات، وصدور نظيفة الجنبات؛ تراهم كالنحل إن سولمت عملت العسل، أو حوربت أعملت الأسل؛ فاطبع اللهم كنانتك على هذا الغرار، وأعدها كما بدأتها محلة الأبرار. واجعل أبناءنا أحرارا ولا تجعلهم أنصاف أحرار.
ربنا وأنزلهم على أحكام العقول وقضايا الأخلاق، ولا تخلهم من العواطف، وإن كن عواصف؛ ولا تكلهم للأهواء فإنها هواء؛ وخذهم بروح العصر وسنة الزمان، واجعلهم حفظة العرش وحرسة البرلمان.
(1/18)

الجندي المجهول
(1/19)

ذلك الغفل في الرمم، صار نارا على علم، جمع ضحايا الأمم،
(1/20)

كما جمع الكتابة القلم، أو الكتيبة العلم.
تمثال من إنكار الذات، والفناء في بقاء الجماعات، وصورة من التضحية المبرأة من الآفات، المنزهة عن انتظار المكافأة، وهيكل على الواجب من عظام أو رفات؛ تقرأ على صفحاته العجب العاجب تفسير الجلالين من موت وواجب. وتنتقل من آية إلى آية، وترى كيف جرى الإيثار للغاية. وكيف سالت النفوس على جنبات الراية.
ولا يعلم إلا الله لمن الجيفة المحفوظة، أو تلك البقايا المصونة المحفوظة؛ ألرعديد، أم لصنديد؟ ولبطل مشوق، أم لمكره مسوق؟ ولشيطان استعماري، أم هي لربي حواري؟ ولمغمور من سواد الجند، أم لمأثور من بيض الهند؟ وهل كانت لبدة أسامة، أم كانت جلدة النعامة؟ وهل هي هيكل المتنبي أم وعاء أبي دلامة.
(1/21)

وكيف تعرف جثة نكرتها الأيام، وسارت الأرض فيها سنتها في الرمام، إلى أن وقعت عليها يد في الرجام، كما تقع على النصيب الرابح يد الغلام؛ فخرجت بها من غمرة المم، وحفرة الأمم، وبؤرة العدم.
وإذا هي تنفصل عن سواد الهامدين، وتتصل بالأفراد الخالدين؛ تهجر مغمورات الكفور، وتعمر مشهورات القبور؛ وبين ذلك جنازة للعصر حولها ضجة، وللأرض تحتها رجة، مواكبها ملء اليبس واللجة؛ أعلام منكوسة، وقنا صم، وكتائب خرس، وأنعام محزونة، ودموع مذروفة زملوك أو رسل ملوك، وبرق يروح ويغدو في السلوك، وينعي الزاجلية والألوك؛ فهل شيعت نابليون، أو ولنجتون، وهل بلغت هوجو البانثيون؛ سوى الحظ بين هؤلاء، وبين النكرة في الأشلاء، وأجزل للقيط الموتى من العطاء، كما يجزل أحيانا للقطاء.
(1/22)

إسأل العصر: فيم نبش القبور، وقلب الهامدين البور، من أجل هذا الشلو المتبور؛ حتى التقطه بيد الحظ الوهوب، أو يد السيارة المباركة على ابن يعقوب؟ (يجبك) : أليس كل من شهد النفير العام فهو ذائد الوطن وحاميه! وكل من وجد في الحفير الجامع فهو مشتريه بمهجته وفاديه، مجهول بذل المجهود، وجاد بالنفس وذلك أقصى الجود، في موطن سوى بين القائد والمقود، والسائد والمسود، توحدت النار وتشابه الوقود؛ وما حمل أعباء الجهاد مثل الميت، كالأساس دفن فكان قوام البيت.
كل حي يموت، وكل ذخيرة تفوت، وكل راحل عن قومه وإن وجدهم بالأمس شتى فألف، أو نكرات فعرف وخلف فيهم من فضل ما خلف، لا يسلم على الموت من حاسد يزور في الصحيفة، أو حاقد يتشفى بالجيفة؛ فيا لك مضغة تقرض الكفن الجديد، وتسبق
(1/23)

الدود إلى الصديد، إلا هذا الجندي المجهول، فقد خلت جنازته من الهامس والهامز، والغامط والغامز؛ فقل لمن لم يعرفه من الناس: طوبى لك، ما أنعم بالك، وما أنقى كفنك وسربالك.
قبر بين"حنية النصر"، وبنية النسر، وفوق طريق العصر، لو كان لعيسى ضريح، لقلت قبر المسيح، كل جريح إليه يستريح، يقف به المحزون المتهالك، يقول هذا كله قبر مالك"؛ وكأن كل أخت حوله الخنساء، وتحت ذلك الحجر صخر؛ وكل أم ذات النطاقين أسماء، وعبد الله في ذلك القبر؛ دروس عالية تلقى على الشياب، تعلمهم كيف جعل آباؤهم حماية الغاب، فوق تفاتن الأحزاب، وفتنة الأسماء والألقاب؛ حتى قرب تقديس الوطن الكريم، من عبادة العلي العظيم؛
(1/24)

وحتى تقربوا على الأوطان، بالذبح المنكر، كما ذكر اسم الله على القربان، واسم القربان لم يذكر.
والمجد أبعد أسفار الرجال، وله أزواد وله رحال؛ جهاد طويل، وصبر جميل، وعقبات بكل سبيل؛ والجندي المجهول ما سار من لحد إلى لحد، حتى رقي أسوار المجد، ودخل مملكة الخلد، وكان الطريق نقيا من الشوك وكله ورد ح ذهب رحمه الله لا عن ولد يرمينا بجنادل أبيه، ولا أخ يسحب علينا أكفان أخيه، وكفانا تجني الشيعة، وإدلال الصنيعة، وكل حرباء يتسلق الناس شجرا إلى الشمس، يعبدها على مناكبهم من المهد إلى الرمس.
(1/25)

قناة السويس
(1/26)

تلكما يا ابني القناة، لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل ورياه، وعليا مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه؛ طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومشرع الحضارة.
تعبرانها اليوم على مزجاة، كأنها فلك النجاة؛ خرجت بنا بين طوفان الحوادث وطغيان الكوارث؛ تفارق برا مغتصبه مضري الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقى بحرا جنت جواريه، ونزت بالشر نوازية، وتمثلت بكل سبيل عواديه؛ مملوءا ببغتات الماء، مترعا بفجاءات السماء؛ من نون ينسف الدوارع أو طير يقذف البيض مصارع.
(1/27)

فقلت: سيري عوذتك بوديعة التابوت، وبصاحب الحوت، وبالحي الذي لا يموت؛ وأسري يا ابنة اليم زمامك الروح، وربانك نوح، فكم عليك من منكوب ومجروح إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء، بأن نعبر هذا الماء؛ حين الشر مضطرم، واليأس محتدم، والعدو منتقم، والخصم محتكم، وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم، نفانا حكام عجم، أعوان العدوان والظلم، خلفناهم يفرحون بذهب اللجم، ويمرحون في أرسان يسمونها الحكم.
ضربونا بسيف لم يطبعوه، ولم يملكوا أن يرفعوه أو يضعوه، سامحهم في حقوق الأفراد، وسامحوه في حقوق البلاد، وما ذنب السيف إذا لم يستحي الجلاد.
(1/28)

ماذا تهمسان؟ كأني أسمعكما تقولان: أي شيء بدا له، على هذه الضاحية؟ وماذا شجا خياله، من هذه الناحية؟ وأي حسن أو طيب، لملح يتصبب في كثيب؟ ماء عكر، في رمل كدر، قناة حمئة، كأنها قناة صدئة؛ بل كأنها وعبريها رمال، بعضها متماسك وبعضها منهال، وكأن راكب البحر مصحر، وكأن صاحب البر مبحر.
رويدكما ليس الكتاب بزينة جلده، وليس السيف بحلية غمده؛ تلك التنائف، من تاريخكم صحائف؛ وهذه القفار، كتب منه وأسفار؛ وهذا المجاز هو حقيقة السيادة ووثيقة الشقاء أو السعادة؛ خيط الرقبة، من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف للأعقاب عقبة؛ ولو سكت لنطقت العبر، وأين العيان وأين الخبر؛ أنظرا تريا على
(1/29)

العبرين عبرة الأيام: حصون وخيام، وجنود قعود وقيام؛ جيش غيرنا فرسانه وقواده، ونحن بعرانه وعلينا أزواده؛ ديك على غير جداره، خلاله الجو فصاح؛ وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنباح.
القناة وما أدراكما ما القناة؟ حظ البلاد الأغبر، من التقاء الأبيض والأحمر؛ بيد أنها أحلام الأول، وأماني الممالك والدول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها؛ إلى أن جرى القدر لغايته، وأتى إسماعيل بآيته، فانفتح البرزخ بعنايته والتقى البحران تحت رايته، في جمع من التيجان لم يشهده إكليله قد كان يتوج فيه لو شهدته جيوشه وأساطيله؛ وما إسماعيل إلا قيصر، لو أنه وفق، والإسكندرية، لو لم يخفق؛ ترك لكم عز الغد، وكنز الأبد، والمنجم الأحد والوقف
(1/30)

الذي إن فات الوالد فلن يفوت الولد.
ماذا على هذه الرمال، من لمحات جلال وجمال؟ ارجعا القهقرى بالخيال، إلى العصر الخال؛ واعرضا في حداثتها الأجيال؛ تريا على هذا المكان وجوها تتمثل، وركابا تتنقل وتريا النبوة تتهلل، والآيات تتنزل، وتريا الملك يترجل حتى كأنكما بالزمان الأول؛ فها هنا وضع للنبوة المهد، وابتدأ بها العهد. فأقبل صاحب المقام، ومحطم الأصنام، وبناء البيت الحرام، خليل ذي الجلال
(1/31)

والإكرام. هاجر إلى مصر أكرم من هاجر.
ومن هذه الثنيات طلع يوسف يرسف في القيد، وهو للسيارة يسير من كيد إلى كيد؛ قلب جرحته الأخوة، وجنب قرحته النسوة؛ فبالك يوسف من أسوة؛ عز بعد هون، ودولة بعد المنزل الدون، وشئون أقدار وشجون، وسهول حياة وحزون، وسجوف القصور بعد السجون؛ إلى سجود الشمس لك والقمر، والكواكب الأخر.
وإلى هذا الفضاء خرج موسى حين زيل زويله وطلبه قتيله، وزين له الفرار خليله؛ فحوته هذه الرمال فإذا الأمن سبيله. واليمن دليله، والسلامة زاملته والسلم زميله؛ ولو أطلعه الله على غيبه، للمس النبوة بين يده وجيبه، إلى أن رفع له المنار، واكتحل بالنور واقتبس من النار، وقيل له كن من الأحرار الأحبار، وارجع فسلط الحق على فرعون الجبار، فكان عليه السلام أول من اقتحم على الفرد جبروته، وهتك على المستبد طاغوته، وخطم المتأله وحطم عظموته؛ ماء الحق على لطفه، ظفر بنار الباطل على عنفه؛ ظهر العدل
(1/32)

على الحيف. وكسرت العصا السيف.
وعلى هذه الأرض مشت السماء الطاهرة، والنيرة الزاهرة، والآية المتظاهرة؛ أم الكلمة، وطريدة الظلمة؛ سرحوا في عرضها فأخرجوها من أرضها، فضربت في طول الأرض وعرضها؛ يوسف حاديها، وجبريل هاديها، والقدس ناديها، والطهارة أرجاء واديها؛ وعلى ذراعها مصباح الحكمة، وجناح الرحمة، والإصباح من الظلمة؛ حتى هبطت به أكرم الأديم، فنشأ بين الحكيم والعليم. وترعرع حيث ترعرع بالأمس الكليم.
فيا لك من دار، لعبت على عرصاتها الأقدار، ناويت موسى، القريب؛ وآويت عيسى، الغريب، نبوت بالنبي وحبوت الأمن عيسى وهو صبي، عذرك لا تنضى إليه المطي فإنما غضبت لابنك القبطي.
ثم انظرا تريا إبلا صعابا، وخيلاً عرابا، وتريا الرعاة انقضوا على الوادي ذئابا، فأخافوا القرى الآمنة، أخرجوا من مصر الفراعنة. واستبدوا بالملك فيها آونة.
(1/33)

وتريا الوحوش الضارية، والجوارح الكاسرة، يقودها شر الأكاسرة، ملأت هذه الفجاج، وكأنها حرجات الساج، أو حركات الأمواج؛ ثم تدفقت تكتسح الديار، باغية السيف طاغية النار، تدك الهياكل والمعاقل، وتهتك العقائد والعقائل.
وتريا الإسكندر الكريم، قد لمع كالصارم من هذا الصريم؛ يحمل الحملات النجائب. ويفتح بالكتب والكتائب.
وتريا ابن العاص والصحابة، مروا من هذه الأرجاء مر السحاب؛ يفتحون للحق، ويفتكون بالرق؛ حتى أخلوا القصور من القياصرة، وأراحوا مصر الصابرة، من صلف الجبابرة.
وتريا صلاح الدين يخفى كالبدر ويبدو، ويروح كالغيث ويغدو؛ بعوث بلا عدد، ومدد إثر مدد، وذخائر وعدد، وبشرى كل يوم بفتوح جدد.
(1/34)

وتريا"نابليون" قد ركب طيشه، وأركب الغرر جيشه.
وتريا إبراهيم بن علي مشهور الجزار، موفور الجهاز، ملك سوريا وضبط الحجاز.
وتريا إسماعيل بعث الحاشرين، وحشد الحافزين، وقرب المسافة للمسافرين؛ غير وجه السفر، فقيل: بلغ غاية الظفر، وقيل: وقع الحافر فيما حفر.
ثم انظرا اليوم تريا القناة في يد القوم إن أمنوا ركزوها، وإن خافوا هزوها.
(1/35)

الذكرى

قل لا أعرف الرق، وتقيد بالواجب وتقيد بالحق؛ الحرية وما هيه؟ "الحميراء" الغالية، فتنة القرون الخالية، وطلبة النفوس العالية؛ غذاء الطبائع، ومادة الشرائع، وأم الوسائل والذرائع؛ بنت العلم إذا عم، والخلق إذا تم، وربيبة الصبر الجميل والعمل الجم؛ الجهل يئدها، والصغائر تفسدها، والفرقة تبعدها؛ تكبيرة الوجود، في أذن المولود؛ وتحية الدنيا له إذا وصل، وصيحة الحياة به إذا نصل؛ هاتف من السماء يقول له: يا ابن آدم؛ حسبك من الأسماء عبد الله وسيد العالم، وهي القابلة التي تستقبله، ثم
(1/36)

تسره وتسربله، وهي المهد والتميمة، والمرضع الكريمة، المنجبة ك"حليمة". ألبانها حياة، وأحضانها جنات. وأنفاسها طبات. العزيز من ولد بين سحرها ونحرها، وتعلق بصدرها، ولعب على كتفها وحجرها، وترعرع بين خدرها وسترها. ضجيعة موسى في التابوت، وجاورته في دار الطاغوت،
(1/37)

والعصا التي توكأ عليها، والنار التي عشا إليها، جبلة المسيح، السيد السميح، وإنجيله، الذي حاربه جيله، وسبيله، الذي جانبه قبيله، طينة محمد عن نفسه، عن قومه، عن أمسه، عن يومه، أنساب عالية، وأحساب زاكية، وملوك بادية، لم يدنهم طاغية، وهي روح بيانه، ومنحدر السور على لسانه، الحرية، عقد الملك، وعهد الملك، وسكان الفلك، يد القلم، على الأمم، ومنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يستعظم فيها قربان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنين يحمل به في أيام المحنة، وتحت أفياء الفتنة، وحين البغي سيرة السامة، والعدوان وتيرة العامة، وعند تناهي غفلة السواد، وتفاقم عبث القواد، وبين الدم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرسل
(1/38)

يولدون عند عموم الجهالة، ويبعثون حين طموم الضلالة؛ فإذا كملت مدته. وطلعت غرته، وسطعت أسرته وصحت في المهد إمرته، بدلت الحال غير الحال، وجاء رجال بيد الرجال؛ دين ينفسح للصادق والمنافق، وسوق يتسع للكاسد والنافق، مولود حمله قرون، ووضعه سنون وحداثته أشغال وشئون، وأهوال وشجون، فرحم الله كل من وطأ ومهد، وهيأ وتعهد، ثم استشهد قبل أن يشهد.
إذا أحرزت الأمم الحرية أتت السيادة من نفسها، وسعت الإمارة على رأسها، وبنيت الحضارة من أسها؛ فهي الآمر الوازع، القليل المنازع، النبيل المشارب والمنازع؛ الذي لا يتخذ شيعة، ولا صنيعة، ولا يزدهي بخديعة؛ خازن ساهر، وحاسب ماهر؛ دانق الجماعة بذمة منه وأمان، ودرهمهم في حرزه درهمان.
"فيا ليلى" ماذا من أتراب، واريت التراب؟ وأخدان أسلمت للديدان؟ عمال للحق عمار، كانوا الشموس والأقمار، فأصبحوا على أفواه الركاب والسمار؛ وأين قيسك المعول؟ ومجنونك الأول؟ حائط الحق الأطول، وفارس الحقيقة الأجول؛ أين مصطفى؟ زين الشباب، وريحان الأحباب. وأول من دفع الباب، وأبرز الناب، وزأر دون الغاب؟. . .
(1/39)

الشمس
سل الشمس من رفعها نارا، ونصبها منارا، وضربها دينارا ومن علقها في الجو ساعة، يدب عقرباها إلى يوم الساعة؟ ومن ذا الذي آتاها معراجها، وهداها أدراجها، وأحلها أبراجها، ونقل في السماء الدنيا سراجها؟ ومن الذي وكلها بهذه الكرة، وشغلها بهذه الدسكرة، حتى اتخذتها مجر ذيلها وتصرفت بنهارها وليلها؛ تنهض في السماء مستملحة، وتمشى على الأرض مصلحة، وتغدو منجحة، وتروح مرجحة؛ كل إياة، حياة أو ائتناف، حياة، وكل شعاع صانع صناع، وكل رائد مال فائد، وخير رائد؛ هي المصباح الأنور، والمغزل
(1/40)

الأدور، والمرجل الأزهر، والصباغ الأمهر، والراووق الأطهر، والطبيب الأقدر الأشهر.
الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابه بأجزائه وفصوله؛ ولد على ظهرها، ولعب على حجرها وشاب في طاعتها وبرها؛ لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره، وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه؛ ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها؛ تحطمت القرون على قرنها، ولم يعل تطاول السنين بسنها، ولم يمح التقادم لمحة حسنها؛ أتت دونها الأيام وهي كعاب، في غرب
(1/41)

الشباب، تصبح تبرز من حجاب، وتمسي تتوارى بحجاب؛ طالما ردت الغربان حمائم ونسجت الثلاث العمائم، وغزلت الأكفان، لحي فان، وطلعت على عزب وغربت على بان، قامت على غير قدم، حتى طال عليها القدم، وقيل: ما لهذه عدم، كلا لتخرن عمادا، ولتذهبن رمادا، وليبعثن الله جمادا.
(1/42)

الموت
راكب الأعواد إلى أين؟ يا بعد غاية البين، ويا قرب الميلاد من الحين؛ ويح قومك! هل انتبهوا من نومك، ولمسوا عبرة الدهر بيومك؟ حملوك على حدباء، يقعد الأبناء منها مقعد الآباء، هي أعدل - إذ تضع- من حواء تلقي حملها فإذا الملك والسوقة سواء؛ حقيبة المنية كل يوم في ركاب، من مناكب ورقاب، نحمل الشيب والشباب، إلى رحى البلى في اليباب، فيدور عليهم الدولاب فإذا هم حصى وتراب؛ ومن عجب يعدلونها بك إلى السبيل، وما هي لعمر أبيك إلا الدليل،
(1/43)

في موكب غير ذي صوت، أضفى عليه جلاله الموت؛ أنت فيه جد في لعب، وصدق في كذب؛ لك فيه علو المتبوع في التبع، واللواء في الخميس والخطيب في الجمع، بيد أن ذلك لا يمنعك من الأرض، ولا ينفعك يوم العرض، لست والله صاحب الآخرة، وإن كنت صاحب الجنازة الفاخرة حتى تشيع بيتيم بعدك مضيع، أو بائس من ورائك يائس، أو وطن يبكيك عقلاؤه، ويضج عليك فضلاؤه، ويمشى بنورك أبناؤه، ويضيء حفرتك ثناؤه، انظر-رحمك الله- هل ترى غير باك كضاحك المزن، ليس وراء دمعه حزن؟ أو وارث مشغول بما ملك، أو فضولي يسأل كم ترك؟ زخرف جنازة، وينفض دون المفازة، وضجة الخروج إلى الدنيا وزورها، وآخر عهدك بباطل الحياة
(1/44)

وغرورها، ولو أطللت على فانٍ حملك، وباطلٍ بالأمس شغلك، وقليل متاع قتلك، ثم لم يبق لك: لم تر غير حلم بتر، وملعب ستر، وماء عبر، وظل هجر، ومال خسر، ووارث منشمر؛ يسيرون بك إلى المنفرق وسواء الطرق؛ ويأخذون بك ناحية الحق، وسبيل الخلق، وقصبة السبق، هوة البلى، وغمرة الفلا؛ والميعاد، ومدينة عاد، وعرصات المعاد، والبلد الذي ابيضت فيه الأكباد، وخلفت بظاهره الأحقاد، وصحا الفؤاد، عن الأموال والأولاد؛ كل مكان فيه مضجع، وكل زمان فيه رقاد، ثم إذا أنت ببيت، لا ينزله إلا ميت؛ اختطه الباطل وبناه، لنزول الحق وسكناه؛ كل
(1/45)

حجر فيه من جدار، مشاع بين الدار والدار؛ حتى إذا أطرق الجمع، وأطلق الدمع، وفرق البصر والسمع؛ قذف ما في السرير، فتلقفه الحفير، ووكلت لمنكر ونكير، لا بل لرحمة الملك القدير.
فيا عبد المال، أضرك أنك عتقت؟ ويا أسير الآمال، أم سرك أنك أطلقت؟ ويا كثير التحول والتقلب، قلب إن استطعت جنبيك؛ ويا مديم التطلع والتطلب، اطلب من البلى نور عينيك؛ ويا مزحزح الصم الصلاب زحزح عن رأسك هذه الظلمة؛ ويا فاتح المغالق الصعاب، افتح لك اليوم ثلمة. كأني والله بالدهر وقد خلا، وبالمخزون وقد سلا، وكأني بك وقد فرغ منك الثرى وقامت عنك الرحى فإذا أنت عظام، كما اخترط العنقود؛ ثم إذا أنت رغام، جف الماء وذهب العود.
(1/46)

دعاء الصلاة العامة

اللهم قاهر القياصر، ومذل الجبابر، وناصر من لا له ناصر؛ ركن الضعيف ومادة قواه، وملهم القوي خشيته وتقواه، ومن لا يحكم بين عباده سواه؛ هذه كنانتك فزع إليك بنوها، وهرع إليك ساكنوها؛ هلالا وصليبا، بعيدا وقريبا، شبانا وشيبا، نجيبة ونجيبا؛ مستبقين كنائسك المكرمة، التي رفعتها لقدسك أعتابا، ميممين مساجدك المعظمة، التي شرعتها لكرمك أبوابا؛ نسألك فيها بعيسى روح الحق، ومحمد نبي الصدق، وبموسى الهارب من الرق؛ كما نسألك بالشهر
(1/47)

الأبر والصائمية، وليله الأغر والقائمية، وبهذه الصلاة العامة من أقباط الوادي ومسلميه: أن تعزنا بالعتق إلا من ولائك، ولا تذلنا بالرق لغير آلائك، ولا تحملنا على غير حكمك واستعلائك. اللهم إن الملأ منا ومنهم قد تداعوا إلى الخطة الفاضلة والكلمة الفاصلة، في قضيتنا العادلة، فآتنا اللهم حقوقنا كاملة؛ واجعل وفدنا في دارهم هو وفدك، وجندنا الأعزل إلا من الحق جندك؛ وقلده اللهم التوفيق والتسديد واعصمه في ركنك الشديد. أقم نوابنا المقام المحمود، وظللهم بظلك الممدود، وكن أنت الوكيل عنا توكيلا غير محدود، سبحانك لا يحد لك كرم ولا جود، ويرد إليك الأمر كله وأمرك غير ممدود؛ واجعل القوم محالفينا ولا تجعلهم مخالفينا، واحمل أهل الرأي فيهم على رأيك فينا. اللهم تاجنا منك نطلبه، وعرشنا إليك نخطبه، واستقلالنا التام بك نستوجبه؛ فقلدنا زماننا، وولنا أحكامنا، واجعل الحق إمامنا، وتمم لنا الفرح، بالتي ما بعدها مقترح ولا وراءها مطرح؛ ولا تجعلنا اللهم باغين ولا عادين، واكتبنا في الأرض من المصلحين، غير المفسدين فيها ولا الضالين. . . آمين.
(1/48)

الشباب
الشباب أيام آذار، ودولة العذار، وأعنة الأوطار وليلة العرس في هذه الدار، سنة كالطيف سراها، وكقبلة الخلس حلم كراها، ونشوة يتلفت المستفيق لا يراها، وجنة لو خير المقبل بالعقل اشتراها، العشق في غير جناحه، طائر لا ينهض به جناح؛ والكأس من غير راحة غبية الساقي بليدة الراح؛ والمال في غير خزانته غريب، ويتحول عن قريب، رؤيا الوارث في نومه، وشغله في يومه وملك يده، في غده، السلطان والدولة، والإمكان والصولة والملك وكل ما حوله، نعم إذا لم تحرز في الشباب فما هي في الحرز الحريز، ودول إذا لم تعتز به فليست في الذرا العزيز؛ ولذات إذا لم يشهدها غادتها حسرة الفوت،
(1/49)

وراوحتها فكرة الموت.
أروع الشهرة ما طار في سمائه، وأمتع الصيت ما سار تحت لوائه، وأحسن الثناء ما أتى في أثنائه، ورف على قشيب ردائه؛ في مطالعه يروع النبوغ، كما تروع الشمس في البزوغ، أو الهلال الغلام في البلوغ.
فيا ناهب شبابه، قاعدا للتجر ببابه، يسرف في الرحيق وحبابه ويتلف الصبا بين صبابته وأحبابه. . . أفق! تلك ذنان، لا تقوى على الإدمان، ولا يملؤها مرتين الزمان، كرم لا يوجد في الجنان، ولا ينبت في"مالقة" ولا "شمبان"، عناقيده مختضرة الثمار، مختصرة الأعمار، بريئة الخمر من الخمار حلبها الأفراح وجلبها المراح وهي فارضية الراح، لم تطأها الأقدام ولم تمسسها الراح فلا تعب الراقود، واشربه نغبة نغبة، ولا تخترط العنقود، وكله حبة حبة.
(1/50)

الخير
شجرة مرآها جميل، وظلها مقيل، وأعاليها هديل وهي مذللة السبيل، الطير على جوانبها تميل، والناس في ظلها الظليل؛ فأما الطير فتنزل مجملات، وترحل غير محملات، تسقط مشفقات، وتلقط مترفقات، وتشدو بشكر الصنيع منطلقات؛ وأما الناس فلا يتئدون في الثمرة، ولا يرفهون عن الشجرة؛ يهزون أصولها بعنف، وينفضون فروعها بغير لطف؛ يساقطون الجنى، بطرف العصا، ويستنزلون الثمر برمي الحجر؛ يلمون ويلومون ويطعمون ويطعنون ويلعقون، ويلعنون؛ يجنون الثمر، ويلحون الشجر.
(1/51)

الظلم
قليل المدة، كليل العدة، وإن تظاهر بالشدة، وتناهى في الحدة، عقرب بشولتها مختالة، لا تعدم نعلا قتالة، ريح هوجاء لا تلبث أن تتمزق في البيد، أو تتحطم على أطراف الجلاميد. فتبيد، جامع راكب رأسه، مخايل ببأسه، غايته صخرة يوافيها، أو حفرة يتردى فيها، سيل طاغ لا يعدم هضابا تقف في طريقه، أو وهادا تجتمع على تفريقه، جدار متداع أكثر ما يتهدد، حين يهم أن يتهدد، هو غدا خراب، وكومة من تراب، نار منقطعة المدد، وإن سدت الجدد وملأت البلد، يأكل بعضها بعضا كنار الحسد.
(1/52)

القلب
يا طبيب الجماعة: قم ألق السماعة، وسل هذه الساعة من أدق اللحم صناعة، ومنح الدم المناعة؟ مضغة إذا فترت سلبت البراعة، ولبست العجز والضراعة، تدابيرك عندئذ مضاعة، وعقاقيرك مزجاة بضاعة.
(1/53)

الذكرى

من البر يا قلب أن تدكر ... فمل بي على الفائت المندثر
ولا تأل ذكرى ولا تدخر
هلم ننشر مطوي الصفحات، ونقرب نازح اللذات، ونؤب من سفر الأيام بغائب اللبانات. أعد علي من دقات ناقوسك ترنيما كان لذيذ الحواشي رخيما، ومن دقائق ساعتك مارن في أذني قديما، فما زلت يا قلب تقضي الحقوق، وتذكر العهود فتجزيها التلفت والخفوق، حتى كأنك قلبان، قلب مع الماضي متخلف العنان، وقلب يساير ركب الزمان، بعيشك قل لي: من علمك رد الأحلام؟، ورجوع القهقرى في نواحي الأيام؟، ومن رسم لك الإلمام بدمنة عيش أو برسم غرام؟، ومن علم الدم وصل الحبال،
(1/54)

وحمل اللحم ما يوهن الجبال، من الحنين إلى سالف خال، أو البكاء على دارس بال؟ وما سلطانك يا قلب حتى تدنى الممعن في بعده، وتجده وإن تطاول العهد على فقده؟ ومن علمك أن تتحدث، وتقلب الأقدم والأحدث وتذكر الصبا وأيامه، وواديه وآرامه وبساطه ومدامه؟. . .
هو الله الذي صورك فأدقك، وقدر خفوقك ودقك، ومهدك وزقك، وكتب عليك في الضلوع رقك؛ وما أنت لولا التذكر والفكر، إلا كبعض القلوب إذ هي حجر، ينفجر بالعذب ولا يعلم كيف انفجر، ولا متى نبع ولا أين انحدر أو كالأرض يذهب شجر ويأتي شجر. فلا تذكر ما غاب، ولا تشعر بما حضر.
(1/55)

شاهد الزور
يا شاهد الزور، أنت شر موزور؛ ضللت القضاة، وحلفت كاذبا بالله؛ ونلت الأبرياء بأذاة، وحلت بين القصاص والجناة، والله يقول: "ولكم في القصاص حياة".
(1/56)

الصبر
بعض الصبر تجلد، وثم الحزم والرضا؛ وبعض تبلد، العجز والاستخذاء، ليس الصبر غلظة القلب، وبلادة اللب؛ أو الجهل على الأقدار، وإنكار الإيراد عليها والإصدار؛ ولا هو اكتظاظ الأندية، وألفاظ تجري بالتعزية، ورجل يحدثك بالصبر، وإذا أصيب تمنى القبر؛ إنما الصبر استرجاعك في النفس الحزينة، حتى تفئ إلى السكينة وتلتجئ من نفسها إلى الطمأنينة إيمان يزع، عند الجزع وعقل يزن، إذا القلب حزن؛ ومقابلة الأحكام بالحكمة، والعلم بأن النعمة نذير النقمة؛ وبأن الدهر حالتان، والدنيا افتتان؛ وأن من لم ينتفع بالضجر رضي، وأن لكل شيء نهاية وينقضي.
(1/57)

شهادة الدراسة
شهادة الحياة
ما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة؛ فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفرت بزخرفها كلتا يديه؛ هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة؛ طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب يخايل ويفاخر، ويدعي علم الأول والآخر؟ فمن ينبيه، بارك الله فيه لأبيه، وجزى سعي معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب؛ وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع. ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة؟.
(1/58)

فيا ناشئ القوم بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب؛ فهل تأهبت للمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدعة؟ دعت الحياة نزال فهلم اقتحم المجال، وتورد القتال؛ أعانك الله على الحياة، إنه حرب فجاءات وغدر وبيات، وخداع من الناس ومن الحادثات؛ فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات؛ سلاحه، صلاحه، وترسه، درسه؟ ويلبه، أدبه؛ وصمصامته استقامته؛ وكنانته أمانته؛ وحربته، دربته.
(1/59)

الحياة
القبس، والنفس والروح القدس؛ ظاهرها هذه الجيفة، وباطنها النفس الشريفة؛ تبعة الذنب القديم، وأثر آدم على الأديم؛ فيا طريد القدر، ونفي الحظر، وأبا البشر؛ ما أطول ذماءك، وأدوم ماءك، وما أكثر بناتك وأبناءك، وأقل اهتمامك بهم واعتناءك! ولدت للموت، وأوجدت للفوت؛ تقسم القبس نفوسا بلا عدد. وتفرق النفس في شتى الولد؛ فليت شعري كيف استقلهما صلصالك، وكيف قويت عليهما أوصالك؟ آمنا بأنك الجد، فهل لهذا التدفق حد، أم ما لأمر الله مرد؟ الحياة كعهدك بها معصية، عن الحظيرة مقصية؛ وخلوة
(1/60)

حلوة؛ عواقبها نغص، ومشاربها غصص؛ أفعى خداعة، ولذة لذاعة؛ شوك بغض الورد، وقذى نغص الورد: أمور شتى الأعنة، وحوادث وقع وأجنة؛ فقل لمن أطال التفكير، وبالغ في النكير وكد باله، ومد بلباله، واحترق احتراق الذبالة:
خل اهتمامك ناحيه ... وخذ الحياة كما هيه
(1/61)

الحياة أيضا
أحق أنها هي الدم حتى يجمد؟ وأنها هي الحرارة حتى تبرد؟ وأنها هي الحركة حتى يقطعها السكون؟ وأنها هي الجاران حتى تفرق بينهما المنون؟.
الحق أن افتئات الفلسفة، على ضنائن الله سفه، وأن علم الحياة عند الذي يهبها ويستردها، والذي يقصرها ويمدها، والذي يخلقها ويستجدها: والذي كل حي سواه يموت، وكل شئ ما خلاه يفوت.
(1/62)

الحياة أيضا
ماذا أقول في ابنة الموت وأمه، وعلة حكمه، ونبعة سهمه ومنقعة سمه؟ وكيف القول في صاحبة، لم تملك عن خطبة ولم يبن بها عن رغبة، ولم تبن لملال صحبة أو بغضة بعد محبة؛ تسيء ولا تفرك، ولولا الموت لم تترك؟
(1/63)

اللسان
مضغة لحم، في عظم؛ سماها الناس اللسان، وعظموها لفضيلة البيان، فقوموها بنصف الإنسان؛ عضل نبت من الحلقوم وقناته، وثبت في أصل لهاته، ولبث في السجن ظمء حياته، لا يتحرك منه سوى شباته؛ رسول العقل في النقل؛ وأداة الدماغ، في البلاغ؛ وترجمان النفس في رواية العاطفة، وحكاية الصحو والعاصفة؛ الوحي على عذباته ظهر، ومن جنباته انحدر؛ فكان أول من سفر بين الخالق وبين البشر، ثم فجر بالحكمة فانفجر، ثم علم الشعر فشعر، فسبحان الذي خلقه، وعلقه، والذي قيده وأطلقه، والذي أسكنه وأنطقه. والذي يميته فيندثر والذي هو على بعثه مقتدر.
(1/64)

البيان
رحيق النبيين ووإبريق العبقريين. وحظ المرزوقين ونصيب الموفقين. وذرا الجمال، وذرا الكمال، والتوفيق الذي لا ينال، بسلطان ولا مال، والخلد الذي يؤخذ باليمين وغيره يؤخذ بالشمال؛ صديق البشرية، وعدو الجبرية، حادى الإنسانية، السائق بالمطية، حتى تبلغ الطية، يمر بها على الخير وربوعه، والبر وينبوعه، ويقبل بها على الحق وقبيله، ويعدلها إلى العدل وسبيله، ويلم بها على الجمال ومغناه، وغرف لفظه تحت حور معناه ويلج بها على العواطف، حنايا الضلوع اللواطف، وهو الملك على كل اللغات، إذا انتظم سلطانه أقطار البلاغات، إذا
(1/65)

انتقل من لسان إلى لسان، في أمانةٍ من الناقل وإحسان، أسرع في مضاهاته وتمكن في جهاته، تمكن اللسان من لهاته، فكأنه التغريد أو البغام، أو منطق الأنغام، ترجع له الأمم، وإن ذهبت كل أمة بكلام.
(1/66)

المال
يا مال: الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سحرت القرون وسخرت من قارون، وسعرت النار يا نيرون، تعود الحقد أن يحالفك، وأبى الحسد أن يخالفك، وكتب على الشر أن يخالطك ويؤالفك؛ الفتنة إن حركتها اتقدت، وإن تركتها رقدت؛ والحرب وهي الحرب، تبعثها ذات لهب، منك الرياح ومنك الحطب؛ تزري بالكرام، وتغري بالحرام، وتضري بالإجرام؛ فقدانك العر والضر، ونكد الدنيا على الحر؛ حالك وحال الناس عجب: تملكهم من المهد، ويقولون أصبنا وملكنا؛ وترثهم عند اللحد، ويقولون ورثنا وتركنا! من عاش قوموه بما ملك، ومن هلك تساءلوا: كم ترك؟ المحروم من أوثقك، والضائع من أطلقك، وهما فقيران: من جمعك ومن فرقك؛ كثيرك هم وقليلك غم؛ ومع التوسط الخوف والطمع، والحرص والجشع، حذر النفاد، ورغبة في الازدياد، الملك
(1/67)

سوقة إذا نزل إليك، والسوقة ملك إذا علا عليك، أرخصت الجمال ونقصت الكمال، وخطبت لهجن الرجال هجان ربات الحجال، صويحباتك هن المفضلات، وغيرهن المتروكات المعضلات؛ العريان من ليس دونك منه سترة، والمستضعف من ليس له منك قدرة، فسبحان من قهر بك الخلق. وقهرك برجال الخلق.
(1/68)

الأهرام
ما أنت يا أهرام؟ أشواهق أجرام، شواهد إجرام وأوضاح معالم، أم أشباح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم مثال ضاحٍ من العبقرية؟ يا كليل البصر عن مواضع العبر، قليل البصر بمواقع الآيات الكبر؛ قف ناج الأحجار الدوارس، وتعلم فإن الآثار مدارس؛ هذه الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذا الصفاح صفائح ممالك ودول؛ وذلك الركام من الرمال، غبار أحداج وأحمال، من كل ركب ألم ثم مال،
(1/69)

في هذا الحرم درج عيسى صبيا، ومن هذا الهرم خرج موسى نبيا، وفي هذه الهالة طلع يوسف كالقمر وضيا، ووقعت بين يديه الكواكب جثيا، وههنا جلال الخلق وثبوته، ونفاد العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته وههنا تتعلم أن حسن الثناء، مرهون بإحسان البناء.
(1/70)

الأمس
أمس ما أمس؟ خطوة إلى الرمس، خرزة هوت عن السلك، أغلى من خرزات الملك؛ صحيفة طويت والصحف قلائل، من كتاب العمر الزائل؛ ثلمة في الجدار، وهت لها الدار، وأنت غير دار، جزء من عمرك حضرت وفاته، وقبرت بيدك رفاته، لم ترق عليه عبرة ولم تشيعه بالتفاته؛ وهو القاعدة التي يبنى عليها العمر، والحب الذي ينبت عليه الشجر، ويخرج منه الثمر؛ وهو الخبر والأثر، والكتب والسير، والأسى والعبر، وهو أبو يومك، والولد سر أبيه، وجد غدك، فاجعله النبيل في الجدود النبيه.
(1/71)

اليوم
طلعت الشمس، ونفضت الخمس، من تراب أمس، وانصرف بنو الأيام من الجنازة، وقد هان عليهم اليوم الراحل، كما هان على المسافر مطوي المراحل، فلا العبرة أراقوا، ولا على العبرة أفاقوا؛ شغلتهم دنياهم وأمنوا مناياهم وألهاهم هواهم، فهلكوا دون مناهم؛ فسبحان الذي ألهى بالأمل، وشغل بالعمل، واستنهض الإنسان لأعباء اليوم فحمل؛ والذي جعل الأمس أحاديث، ومواريث؛ وجعل اليوم مجال الناهض الناهز، وجعل غدا يوم العاجز؛ فيا ابن الأيام لا تعقد مناحة الأمس، ولا تقعد تحرس الرمس؛ ولا تفسد شغل اليوم بالإرجاء، ولا تلق على غد كل الرجاء؛ واعمل في يومك ما أمكن العمل، وتمتع به ما تسنى التمتع؛ فما تعلم ما قدامك من عوائق، ولا ما دونك من بوائق، وما تدري: أعوام حياتك أم دقائق؟
(1/72)

الغد
غيوب محجوبة، وحجب مضروبة، وأقدار مكتوبة؛ أعمار موهوبة، أو منهوبة، وأرزاق مجلوبة، أو مسلوبة؛ بريد الملك القهار، موعده حواشي الأسحار، أو غرة النهار؛ حملت الفجاءات نجائبه، واشتملت على المستجدات حقائبه، وبلغت مستقرها مغرباته وجوائبه؛ أقبل ففض المختوم، وظهر المكتوم، وانفجر المحتوم؛ وإذا مناع وبشائر، وإذا دولات ودوائر. واعلم يا ابن الأيام أن الغد أعده الله لك خير ما أعده، ومده لك أيمن ما مده؛ هو الشخص الثالث، في رواية الأيام والحوادث والخلف من صاحبيه والوارث؛ وهو معقد الآمال، وموعد
(1/73)

استئناف الأعمال، ومرمى همة المال، تنام الأنفس وفي إيمانها منه شك، وفي أيمانها منه صك، فاعمل له ما استطعت، وانتظره أتى أم لم يأت؛ وقل سبحان الذي أتى به، وهو قادر على طي كتابه، يوم يأتيه أمره، فلا يبرز من حجابه.
(1/74)

المسجد الحرام م
الساحة الكبرى، والدار اللموم، والموسم الحاشر المنتدى والمؤتمر، ومثابة الزمر؛ إبرة المبحر، ونجم المصحر، قبلة البدوي في قفره، ووجهة القروي في كفره؛ حرم الله المطهر، وبيته العتيق المستر؛ الذي وجه إليه الوجوه، وفرض على عباده أن يحجوه؛ نظرت إليه المساجد في كل خمس، وقامت إليه قيام الحرباء إلى الشمس؛ بناه الله بمكة على فضاء زكي لم يتنفس فيه الناس، وخلا إلا من جحر أو كناس، فلا الدنيا
(1/75)

سحبت عليه غرورها، ولا النفوس نقلت فيه شرورها، ولا الحياة أزارته باطلها وزورها، لو شاء الله لبنى بيته بمصر على نهر فياض، وواد كله قطع الرياض، ولو شاء الله لاتخذ بيته بالشام بين الجداول المظللة، والربى المكللة والغصون المهدلة، والقطوف المذللة، ولو شاء الله جلت قدرته لرفع بيته على أنوف الجبابرة، ملوك الأعصر الغابرة، وفوق هام آلهتهم وهي ممهدة منضدة، في الغرف المشيدة، والقباب الممردة، ولكنه تعالى نظر إلى أم القرى، فرأى بها ذلا لعز سلطانه، وافتقارا إلى غناه وإحسانه، ورأى خشوعا يستأنس به الإيمان، وتجردا تسكن إليه العبادة، ورأى انفرادا يجري في معنى التوحيد، فأمر إبراهيم حواريه، وبنيه وخليله وصفيه: أن يرفع بذلك الوادي ركن بنيته، وينصب بين شعابه منار وحدانيته، بنيان قام بالضعف والقوة، ونهض على كاهل الكهولة وساعد الفتوة، واشتركت
(1/76)

فيه الأبوة والبنوة وفكنت ترى إبراهيم يزاول، وإسماعيل بين يديه يناول، حتى بنيا حقا أعيا المعاول، وعجز عنه الذي دمر تدمر وأبلى بابل: فانظر إلى صفاح الباطل كيف باد، وإلى آجر الحق كيف أفنى الآباد؛ وتأمل عجائب صنع النية، وكيف ظفرت لبنة التوحيد بصخرة الوثنية؛ بني البيت وإذا الجلال حجبه وأستاره، والحق حائطه وجداره، والتوحيد مظهره ومناره، والنبيون بناته وعماره، والله عز وجل ربه وجاره؛ اطلعت به"صلاح"، اطلاع المشكاة بالمصباح، فزهر فأضاء البراح، وانتظم الهضاب والبطاح؛ أضوأ من الشمس ذبالة وأبهر من القمر هالة، في منازل الشرف والجلالة؛ قد حاز الله من نباهة الذكر، وفخامة السأن، ما لم يحز لقديم من معالم الحق ولا حديث - بر العبادة، وفضيلة الحج، وشرف الباني، وروعة العتق، وجلالة التاريخ؛ يقول الغواة: لو كانت الكعبة من ذهب أو فضة، ويقولون: لو كانت كبيع النصارى في عواصم الغرب: رفعة بناء،
(1/77)

وديباجة فن ووشي زخرف!. وأقول للغواة: لو تركت الكعبة على فطرتها الأولى، فلم يطول بناؤها، ولم تزين بالذهب أجزاؤها، ولم تتعدد في الزخرف أشياؤها؛ لكان بعبقريتها، وبروحانيتها أشبه؛ وأخلق؛ وفي تقدير قدسها غاية ونهاية.
(1/78)

الشهادة
قصيدة علوية الروي، مطلعها الله ومقطعها النبي؛ كلمة هي الدين، وهي كنه اليقين، وهي الحق المبين؛ أرسلها الأذان سمحة، فقرت في الأذهان أول وهلة؛ ولم لا؟ وهي الحقيقة العريانة، والصبح الذي عرض عيانه، فكفى العيون برهانه وبيانه؛ كانت شعار الداخل في الدين الجديد، وجواز الخارج إلى أقطار التوحيد؛ ولم تزل مقدمة الكتاب وفاتحة الخطاب، ومفتاح الباب، وحافة الغاب؛ إذن سهل، وحجاب سمح، وساحة فضل لا تحجب مستأذنا، ولا تتصعب على معالج، ولا تضيق بنزيل، ومن عبقرية الشهادة - أماتنا الله وإياك عليها - إن حسن الظن بالله طالما أوقع في نفوس الجماعات أنها أفضل عمل العبد عند ربه، وأنها ربما قامت مقام الأداء عن سائر الفرائض، حتى فرط المفرطون، وهم عليها يتكلون، وتكثر من الخطايا المذنبون، وهم
(1/79)

يرجون عندها النجاة ويأملون. إذا حضر الموت هونت لقاءه، وقللت هول ما وراءه، وجعلها الخائف أمنه ورجاءه، والقليل العزاء أسوته وعزاءه. وقدمها المقل بين يديه عملا يرجو جزاءه.
(1/80)

الصلاة
الطهارة
كمال الأدب الصلاة، وتمام الخدمة والتعظيم لله، عند توجه العبد إلى مولاه. شرعت وسيلة، وسنة جميلة، وصالحة وفضيلة، حكم حكمته لا تتم، حتى ينتظم النفس والجسم، فإذا جمعت نقاء الباطن والظاهر فأنت الذي صلى له وهو طاهر. ولو قصرت الطهارة على وجوه تغسل، وأرساغ تبلل، وثياب تنظف وتجمل، لكان الميت أطهر من الحي؛ فيا أصحاب الوضوء غسلتم الجوارح، فهل غسلتم الجوانح؟ ورحضتم الأطراف، فهل رحضتم الأجواف؟ طهرتم الراح من الأنجاس، فهل طهرتموها من أشياء الناس؟ ونظفتم من الطرق الأقدام، فهل نظفتموها
(1/81)

من سبل الحرام، ومسالك الإجرام؟ وتلك الوجوه الممسوحة بالماء، هل ترقرق فيها الحياء؟ وهل نقيت من وضر الرياء؟
الصلاة
لو لم تكن رأس العبادات، لعدت من صالحة العادات؛ رياضة أبدان، وطهارة أردان، وتهذيب وجدان، وشتى فضائل يشب عليها الجواري والولدان.
أصحابها هم الصابرون، والمثابرون، وعلى الواجب هم القادرون، عودتهم البكور، وهو مفتاح باب الرزق، وخير ما يعالج به العبد مناجاة الرازق، وأفضل ما يرود به المخلوق التوجه إلى الخالق؛ ولهم إليها بعد البكور رواح؛ فإذا هي تصرفهم عن دواعي الليل ومغرياته، وتعصمهم فيه من عوادي الفراغ ومغوياته، والليل خلوات وشهوات، وبيت الغوايات.
وتجزئة الوقت مع الصلاة ملحوضة، وقيمته عند الذين يقيمونها محفوظة، عودتهم أن يذكروه، ويقدروه، وأن يسوسوه في أعمالهم ويدبروه، والوقت ميزان المصالح، وملاك الأمور، ودولاب الأعمال.
(1/82)

انظر جلال الجمع، وتأمل أثرها في المجتمع، وكيف ساوت العلية بالزمع؛ مست الأرض الجباه، فالناس أكفاء وأشباه، الرعية والولاة، شرع في عتبة الله؛ خر الجمع للمناخر، فالنصف الأول كالآخر، لم يرفع المتصدر تصدره، ولم يضع المتأخر تأخره.
(1/83)

الصوم
حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويخص على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، والجوع كيف ألمه إذا لذع.
(1/84)

الزكاة
حزب الاشتراكية، وحزب البلشفية.
أيها الناس: أمر الله فصليتم، ونهى المال فما زكيتم؛ فرقتم بين الخمس وكلها حكم الواحد، فلكل ألف مصل مزك واحد! استسهلتم فأخذتم، واستصعبتم فنبذتم؛ فلو دخل المال في الصلاة، لأقفرت منكم مساجد الله! ولو غرم أحدكم على الشهادة، لكان به عن نطقها زهادة! أعلمتم أن الزكاة قروض؟ وأنها وقاء الأعراض والعروض؟ وأنها ليست بالعبث المفروض؟ هي مال الفقير خلستموه، ورزق المحروم حبستموه، وحق العاجز في الحياة بخستموه، وحكم الله الذي أغناكم قد دستموه؛ تقرضون الولاة، ولا تقرضون الله، وتنفقون تملقا لأهل الجاه، ولا تنفقون تعلقا بالنجاة.
(1/85)

الحج
موكب الإسلام ومظهره، ولباب حسبه وجوهره، وموسمه الحرام أشهره. مهرجانه العظيم، وعرسه الفخيم، ونديه الكريم، والنظم الذي قرن فيه الدنيا إلى دينه القويم، فجعله لها صلاحا وعمارة، وملأها بيمنه نماء ويسارة، وأفاض بركاته على التجارة؛ وسخرها لخدمته وإظهار دعوته، وجمع كلمته، وتوثيق عروته؛ فإذا أطلت أيام الحج المباركات نظرت إلى البلاد فرأيت أسواقا ماجت، ومتاجر راجت، ومطايا من مرابضها اهتاجت؛ ورأيت الحجاز مهتز المناكب، يموج بالمواكب؛ مفتر المباسم في وجوه المواسم؛ أخلفه الغيث فمطر الذهب، ويبس الزرع فطعم الرطب؛ أزواد تعد، ورحال تشد، وشرع تمد، وحاجات تنشأ وتستجد؛ وأمم أتوا من نواحي البلاد يضعون التحف المجلوبة، ويأخذون الأجر والمثوبة.
(1/86)

فيأيها المعتزم حج البيت، المشمر لأداء الفريضة: لقد أطعت، فهل استطعت؟ وأجبت فهل تأهبت؟ وهل علمت أن الإسلام شرعة السماحة، وأن رب البيت واسع الساحة؟ يعفي المريض حتى يعافى، ويقيل المعدوم حتى يجد، ولا يؤاخذ أخا الدين حتى يقضي دينه، ولا ينكر على الخائف القرار حتى تأمن السبيل، من وباء مهتاج، أو لصوص قد أخذوا الفجاج، أو حكومة جائرة تبتز الحجاج؟ كبرى الكبائر أن تلقى الله في بيته وبين وفده بمال خلسته من أحد اثنين يحبهما الله حبا جما: اليتيم - وأنت تعلم أن ماله نار، وأنه نحس الدرهم نحاسي الدينار. والفقير - وقد فرض الله له في مالك حصة سماها الزكاة، فتغابيت يا مخادع الله، وخرجت بها تحج للتظاهر والمباهاة؛ وهل علمت أن الله لا يقبل منك مالا ونفقة المطلقة، من مطل معلقة، وذو القربى وراءك جائع، والولد طريد المدارس ضائع، وتجارتك مختلة، وأمنتك معتلة؛ وجارك الضعيف يضج من حيفك، وخصيمك الأعزل يشكو سطوة سيفك؛ فإن لم يكن شيء من ذلك أو مما إليه فسر على اسم الله، وحج بيت الله، وارجع برضوان من الله.
(1/87)

خطيب المساجد
يا مرشد العابد، وراد الهوى الشارد: أعلمت أي مقام أقمت، ولأي بلاء قدمت؟ إنما ندبت للوعظ والإرشاد، وتعليم العلية والسواد، أدب المعاش والمعاد، وخلفت الخلفاء على تلك الأعواد؛ الآذان لك مرهفة، والأذهان إليك متشوقة، فماذا عندك للأتقياء من الأغنياء؛ ولكل ممول، في الصف الأول من إشارة إلى الذهب المدخر، والقريب الضجر، والوارث المنتظر؛ وإلى الخير وجمعياته، والبر وقضياته؟ وماذا أعددت للتاجر، من الوعظ الزاجر، تحضه فيه على الأمانة، وتحذره عواقب الخيانة، وتوصيه بسمعته ضنا وصيانة؟ أو الذي بذلت للعامل والصانع، من لفظ رائع ووعظ جامع، في السلوك الحسن والدعوة إليه، وإتقان العمل والحض عليه؟ وهل ذكرت للعامة أن ضرب النسوة، ضرب من القسوة؟ وأن البغي بالطلاق، يمقته الدين والأخلاق؟ وأن الطفل من حقه أن يهذب، لا أن يضرب ويعذب، وأن
(1/88)

يكسب عليه، لا أن يكسب هو على أبويه؟ وأن التيس لو عقل ما اتخذ نعجتين، فكيف يتزوج الفقير العاقل اثنتين!؟ أم أنت كما زعموا ببغاء لم تحفظ غير صوت، تردده إلى الموت، كلمات محفوظة، في كل مكتوبة ملفوظة، سف من خشب، وخطوب في صورة خطب؟.
(1/89)

الطلاق
أزمة تمنع أزمات، وملمة تدفع ملمات؛ دواء ساء استعماله فصار هو الداء، ودرع للتوقي عادت آلة اعتداء؛ نظم على غير أصوله متبع، عبث به الجهل حتى انقطع، وضاعت على الشارع حكمة ما شرع؛ حلال عليه بشاعة الحرام، وحق يشره إليه اللئام، ويكره عليه الكرام؛ منع الله به الظلم، رأفة بكم ورحمة؛ فما بالكم قلبتم الحكم، وعكستم الحكمة؛ تختلقون الريب، وتطلقون على غضب، وتسرحون بلا سبب؟ أيها الناس: إن كان الكتاب تسمح، فإن الحديث قد لمح؛ هبوا أن الشارع أطلق الطلاق. اتكالا على الدين والأخلاق؛ أليس الموقف موقف حذر، والمسألة فيها نظر؟ أمر تبعاته على ضمائركم، وسوء استعماله على سرائركم وفضيحة بعضكم به واقعة على سائركم! حرم الطلاق دينهم ثم حللته قوانينهم، ولكن في دائرة الحق ووجوه الرفق وبإشراف قضاة يحمون نظم الزواج من عبث الخاصة، وجهالة العامة.
(1/90)

البحر الأبيض المتوسط
سيد الماء، وملك الدأماء، مهد العلية القدماء؛ درجت الحكمة من لججه، وخرجت العبقرية من ثبجه، ونشأت بنات الشعر في جزره وخلجه؛ بدت الحقيقة للوجود من يبسه ومائه، وجرب ناهض الخيال جناحيه بين أرضه وسمائه؛ العلوم نزلت مهودها من ثراه، والفنون ربيت في حجال رباه، والفلسفة ترعرعت في ظله وذراه، "بنتاءور" ولد على عبره، و"هومير" مهد بين سحره ونحره، ونحت الألياذة من صخره، و"هيرودوت" دون متونه على ظهره، و"الإسكندر" انتهى إليه بفتحه ونصره.
(1/91)

الموسيقى دبت في أحناء هياكله، وشبت في أفياء خمائله، ثم لم يزل بها ترسل الرهبان، وترتل الأحبار والكهان حتى جاوزت الحناجر إلى المعازف، فنزلت اليراع المطرب والنحاس الهاتف؛ لم تخل ثكنة من بوق، أو طبل مدقوق؛ ولم يخل كوخ من يراع مثقوب، ولا قصر من وتر مضروب.
وعلى أديم الأبيض المتوسط مشى المثال الأول، وبحجارته وقف فتخيل؛ فلان لبانه الحجر، ودان لمنحاته الصخر حتى زين الزون بالبديع والغريب، ونثر الدمى على المحاريب وجاء في الفن بالأعاجيب؛ صنع أبو الهول، فجاء بالهول والزول؛ كان ذلك حين سائر المعمور مجاهل والناس جهال؛ عالم غافل، يهيم في أغفال.
(1/92)

فيا ناشئ الكنانة: إذا وقفت على لجة (الرمل) ، أو نقلت القدم على رملة (المكس) ؛ في أصيل لدت حواشيه، وحلى جلبابه بالذهب واشيه، وفضاء أصفر من نعي الشمس ضاحيه، وقربت لها الأكفان من زعفران نواحيه، فتبصر! هل ترى غير ساحل طيب البقعة، وأديم جيد الرقعة؟ وهل تحس غير بحر ضاحك الماء، متهلل السماء، حلو بشاشة الفضاء؛ يصحب الصحو، ويسحب الزهو، ويلهو وما عرف اللهو، وخريره تسبيح وما هو بلغو؟ لآبائك عنده - منذ ماجت أمواجه، ولجت لجاجه، وهدر عجاجه، وأنشئ للرياح شراعه وساجه - جوار
(1/93)

الأكرمين، وصحبة المحسنين، وكنف السماح الخيرين: شمس متوقدة، وطبيعة متوددة، ولجة غير متمردة، وغيره من البحار ذميم الجوار، لئيم النجار؛ ضباب مخيم وسحاب مديم؛ أعاصير مرسلة، وصواعق منزلة؛ زمن مضطرب الفصول، وطبيعة تختلف وتحول، كما تلون في أثوابها الغول.
تلك اللجة - أيها الناشئ - هي من أوطانك عنوان الكتاب ومصراع الباب، ووجه الخميلة، وظاهر المدينة، وعورة الحصن؛ وإن قوما لهم على البحر ملك، وليسلهم فيه فلك: لقوم دولتهم واهية السلك، وسلطانهم وإن طال المدى إلى هلك! ويأيها الأبيض الأغر سلام، وإن أنزلتنا عن صهوتك الأيام، وأبدلتنا من سلطانك الخافق الأعلام، بممالك من كلام، ودول من أماني وأحلام! ويا عرش الأبوة ثناء، وإن ثلك الأبناء، ثم لم يحسنوا البناء؛ أين دول كانت مطالع أنوارك، ومعاصم سوارك، وما الذي نأى بجواريها عن جوارك، وهوى بسواريها
(1/94)

في أغوارك؟ أين الفراعنة وما جدفوا من بروج مشيدة، والبطالسة وما مدوا من شرع كالصروح الممردة؟ وأين الشونات الأيوبية، والبوارج العلوية؟ هيهات! أزرى الدهر بالإسكندرية، فحجب ذلك المنار ونصب هذا الفنار، وأين الليل والنهار وأين الظلمات من الأنوار؟ ذلك كان أضوأ هالة، واسطع على التمكن في الأرض دلالة، وأضفى على مناكب البر والبحر جلالة؛ يهتدي به الداخل والخارج، ويستأمن الداب في حماه والدارج، وتنيف عليه البروج وتطيف به البوارج، وهذا سراج بيت، وذبالة زيت، وشعاع كنفس المحتضر حي ميت! ملكنا الواسع من ورائه باب ولا بواب، وسدة ولا حجاب غاب ولاناب ووكر ولا عقاب! تعاقبت عليه حكومات
(1/95)

ألقت السلاح، وألغت الإصلاح؛ تقول فتجد وتعمل فتهزل، ولا تحسن من سياسة الملك غير أن تولى وتعزل، وتجبي القطن ولا تفكر في المغزل! تخايل بالبحرية والوزير وتأتي قبل الماء بالزير!!.
(1/96)

صفة الظبي
عروس البيد، الفاتن كاغيد، بالمقلة والجيد، الفروقة الرعديد وصفته فقلت: عينان سوادهما داج، وبياضهما عاج، وإنسانهما حائر ساج، في رأس كأنه قدم الكعاب. أو كأنه خزفي من الأكواب، ركب في عنق كإبريق الشراب وله روقان، كأنهما نصلان صدئان، وكأن إبرتيهما مرود انتشر عليه الأثمد، وكأن قوائمه السمر الخفاف، وكأن زجاج أرماحها الأظلاف. كل ذلك في إهاب أغبر اللون كدر، كأنه الثوب السوي المنقدر، ليس بفضفاض ولا بالمنحسر؛ وإذا أخذه المدى فوهم؛ وثبات تنتظم الربوة والحفرة، وتثبت وجود الطفرة، وإذا قام على ظلفيه، وأرهف للرياح حرتيه، وشرع في السماء روقيه، خلته دمية محراب، أو شجيرة عليها تراب.
(1/97)

صفة الأسد
طاغية الصحراء، وجبار العراء، وأجرأ من وطئ الغبراء عرشه غابته، وحجابه مهابته، والوحدة مجلسه وصحابته؛ ابن الصحراء البكر نحتت أجلاده من صخرها، واستوقدت بأسه من حرها، وطبعته على انقباضها وكبرها؛ وكأن الصور حنجرته، وكأن نفخة الصور زمجرته؛ إذا سمعت خفتت العقائر، ولاذت الهوام بالحفائر، وطار الواقع ووقع الطائر. وصفته فقلت: هامة من أضخم القمم، جلست على المنكب العمم، ولبست تاج الشهرة في الأمم؛ وراء الهامة غفرة كأنها اللامة، هي اللبدة وهي عمامة أسامة؛ دارت على وجه كوجه الموت بادي الشرة، منقبض الأسرة؛ ذي جبهة مغبرة؛ كجبهة القتال مكفهرة؛ وكأنها صفحة السيف؛ تلقي الحتف دون الحيف، في الجبهة عيان كاللهب؛ في حجابين كالحطب؛ بينهما أنف غليظ القصية، منتشر الأرنبة؛ كأنه الأفعوان افترش الحجر، أو اضطجع في
(1/98)

هشيم الشجر؛ حول الأنف كلحة كأنها خزانة أسلحة؛ إذا انطبقت فعلى كوامن الغيوب، وإذا انفتحت فعن القضاء بارز النيوب؛ ومن عجب الخلق رأس كأنه صخرة، أو كأنه أرومة يابسة نخرة؛ ينهض به ساعد جدل، لا هزيل ولا عبل؛ كما تنهض أسطوانة الحديد على قلتها بالكثير الضخم من البناء؛ وللأسد كف كأنها المدجج، أو كأنها الحجر المدمج" إذا مست قفار الفرس قطعت نظمه، ونثرت لحمه وعظمه" كل ذلك في إهاب أغبر، وجلباب أكدر، كأنما صنعا من القفر أو قطعا من الصخر، أو كأنما كسيا لون الصحراء كما تكسى البوارج لون البحر، وإذا قام على برثنه فتمثال، وإذا انقض فهضب منهال؛ وإذا تراءى بالسهل فدعامة، وإذا طلع من الحزن فغمامة.
(1/99)

الأسد في حديقة الحيوانات
يا جار الجيزة وأسير الحديقة، سرت الهموم فلم ننم، أرقتني شؤون وشجون، وذكريات مما تركت السنون، وأرقك حز القيد، وضغط الحديد؛ وأثارك ذكر الصيد، والحنين للبيد؛ سبحان المعز بالحرية المذل بالرق؛ ما أرقك بالأسحار وكان غطيطك أرق الصحار، وفرق السمار في الأكوار وما بال زئيرك ينام عليه الطير ملء جفونه، ور يتحرك له ليل الجيزة من سكونه؛ أصبح أقل من النباح وأذل من النياح، وكان بالأمس يرعد البطاح، ويسقط من يد البطل السلاح؛ وأين أبا لبدة طلعة كانت تعقل الفرس والفارس فأصبحت يدعو العيون إليها الحارس؛ يطيف بها النشأ ولا تخيف الرشأ. عزاء ملك البيد، ابن الفاتك الصنديد، وأبا الخالة الصيد؛ وإن لم تزدني علما بالدولة كيف تزول ولا بما عند الناس للنعمة المنكوبة، والبطولة المقهورة، والأخلاق المخذولة، والعروش المثلولة، فقبلك ضاقت"أغمات" على سجينها. وأخنت" أميرجون"
(1/100)

على قطينها وأضرت (القديسة هيلانة) برهينها، أجواد نزل بهم الدهر، وأحرارأناخ عليهم الأسر، وأملاك جرى عليهم النهي والأمر؛ وأنت في صحارك أطول في الملك بنيانا، وأعرض في الأرض سلطانا، وأوسع شهرة وأنبه مكانا؛ عرشك أبا الأشبال، على السهل والجبل، وكل داب على الرمال، رعية لك أو مال؛ تمثال القوة، ومثال المروة؛ نفس بهيمة، وأخلاق عظيمة؛ ألست أبا لبدة تحمي العرينة، وتحسن عشرة القرينة، وتبني الذرية المتينة، وتعف عند الشبع، وتفضل على التبع؛ وتذهب مذهب الأقمار، فتطلع بالليل وتستسر بالنهار؛ ولك قبل البطش جلجلة منذرة، وبهنسة محذرة؛ وغيرك في السباع ختل وختر، وجاء القرن على خمر من أجل هذا ومثله في الأخلاق ضربت الأمم بك الأمثال، ونحتوا على صورتك التمثال. واستعاروا أسماءك للأبطال وأشباه الأبطال حتى قيل للإخشيدي: أسد القلب، وقيل للصليبي: قلب الأسد، شبه بك كل شجاع ولم تشبه من الشجعان بأحد؛ عطف بقلبي على صغارك أبا الأشبال، أنهم كصغاري ولدوا في الرق وشبوا على مس
(1/101)

هوانه، كلا النشأين مغلوب على دياره، مرزوء بالتشريك في وجاره، مغامر في صحراء الحياة بغير أظفاره، وألان لك فؤادي أبا لبدة هذا الذل بعد العز. وهذا الرسف في الضيق بعد المرح في السعة؛ واستأواني قيد الحديد، بعد تاج البيد. وما أسفي والله على ظفرك المقلوم، ولا على نابك المحطوم، فإني وجدت البغي ليس يدوم؛ ولست أنكر عليك شدة لم ينكرها الناس على الحضارة وهم يرون ظفرها يقطر من دم الجبل، ويرون نابها يقطر من دم الريف؛ وإنما أسفي أبا الأشبال على تلك الشخصية المتظاهرة، وتلك الروحية القاهرة؛ وعلى حضرة كأنها مجلس الحكم، ونظرة كأنها الأمر النافذ، وعلى صيحة تأتيك بالصيد مشكولاً، متهيئا من نفسه مأكولا؛ أدوات زعامة، وآلات سيادة؛ مما يهاب لأفراد البشر أحيانا. ويلقي على آحاد الرجال آنا فآنا؛ فإذا هم القامة والسادة، وإذا الأمم تأتيهم منقادة؛ وقد زادك الله عليهم رعية سلبت منها العقول، فاسترحت من الرأي وصراحته، والفكر وشجاعته، والمبدأ وصلابته؛ وكفيت سيوفا بينا هي لك، إذا هي عليك؛ وأقلاما مأجورك أسيرك، وطليقها أنت أسيره؛ أعلمت أبا الأشبال إلى أي الآجام نقلت، وفي أي الآطام اعتقلت؛ أسمعت عن أسد نجم. في هذا الأجم، وضرغامة غاب،
(1/102)

عن هذا الغاب. أذلت الحوادث بالأمس عرنينه، واحتلت الخطوب عرينه، وعطلت نكبته الدنيا من زينة، وغادرتها بعد فرح حزينة؛ وكان أكثر من آبائك أسماء، وأطول من عشيرتك في العز سماء، وأمنع واديا وأعز ماء؛ منعكم القرار بالصحراء صهيله؛ وغلبكم على أطرافها فكل ماء بها ماؤه، وكل يبس غيله؛ وكانت هذه الحرجات تحته أجمة الأغلب الهصور، وكانت نظما من قصور، لم تر أمثاله العصور؛ فلا (الجعفري) حكاه، ولا (الزهراء) أعطيت حلاه، ولا الإيوان ساواه، في شرفه وعلاه. وكانت هذه الجنات وشي دوره، وحلي قصوره، وكانت هذه العيون محاجر العين من حوره، ومعاصم ريمه ويعفوره؛ وكانت الساحة، سماء الندى وأرض السماحة؛ جنات وقصور، ونعيم وحبور. وعين حور، يطأن المسك والكافور؛ مرمر راع مسنونه بلقيس الزمان، فكشفت عن ساقيها بين يدي سليمان.
(1/103)

الجمال
جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال، وكان أحسنه وأشرفه ما حل في الهيكل الآدمي، وجاوره العقل الشريف والنفس اللطيفة والحياة الشاعرة؛ فالجمال البشري سيد الجمال كله. . . لا المثال البارع استطاع أن يخلعه على الدمى الحسان، ولا للنيرات الزهر في ليالي الصحراء ماله من لمحة وبهاء، ولا لبديع الزهر وغريبة في شباب الربيع ماله من بشاشة وطيب. وليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور، ولا هيف القدود، ولا أسالة الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه، ولكن شعاع علوي يبسطه الجميل البديع على بعض الهياكل البشرية، يكسوها روعة ويجعلها سحرا وفتنة للناس.
(1/104)

الأمومة
الأمومة هي رسالة المرأة على هذه الأرض وشأنها الأول في الحياة، وهي حجر الأساس في الأسرة، وقواعد المجتمع وأركانه منذ قام إلى يوم ينفض. وفي الأمومة اجتمعت خلال البر ونوائب الحق وتبعات الواجب، وصور البطولة وفضائل الإيثار، ومواطن الصبر الجميل. وكأن الأمومة في البيت الملكة في الخلية أو العذراء في البيعة؛ فيا أيتها الفتاة المدلة بصباها، المزهوة بحسنها، المترقبة من ورائهما لذة الحب وفيض السعادة: اذكري أن الجمال حر طليق إلا من قيدين كلاهما أجمل منه: الشرف، والعفاف، إذا انسل منهما عثر في خطاه الأولى، وذوى في إبان النضرة. وسلي ذوات الشعر الأبيض ممن حولك من غواني أمس: هل دولة الحسن إلا كدولة الزهر، وهل عمر الصبا إلا أصيل أو سحر، وهل غير الأمومة تاج للمرأة تلبسه من مختلف الشعر ألوانا.
جمال الأمومة لمحة من جمال الحياة، وشعاع من عبقريتها وهو أحفل أياما، وأطول مقاما، وأصدق أحلاما. حب الأمومة أشهر وسنون، وبنات وبنون، وأشغال وشئون ويبقى مع الثكل، ويتقد عند حشرجة الصدر، ولا ينطفئ إلا بانطفاء القلب.
(1/105)

لذة الأمومة معنى قدسي وسر خفي، وحال كمناعم الخلد ولذته، ليس منا إلا من قرأه في تلك العيون التي رعتنا في المهود صغارا، وسهرت علينا في فراش المرض كبارا.

الكاتب العمومي
تمثال من الجهل العام صنعته القرون والأجيال، حفاره عبث الحاكم، وطينته غفلة المحكوم، وهو الأمية على قارعة الطريق، لا يجمعه والحضارة مكان.
الحياة توهم، عشنا بالوهم الزمن الرغد، وعشنا بالوهم الزمن النكد؛ طاف بنا الوهم على السعادة أحيانا، ومر بنا على الشقاء آنا فآنا؛ وبالوهم عادينا وبالوهم والينا، وبالوهم مرضنا، وبالوهم تداوينا؛ حتى إذا جاءت سكرة الموت كان ذلك أول العهد بالحقيقة؛ والحياة لعب، قضينا الطفولة باللعب، وقطعنا الشباب ملاهي وملاعب، ولعبنا في ظل المشيب؛ حتى إذا جاءت سكرة الموت؛ كان ذلك أول العهد بالجد.
(1/106)

العلم
شعار الأمم وفخارهم، اتخذ الناس في شباب الدول الأعلام ولا يزالون في ظل هذه الحضارة الكبرى يبلغون في محبة العلم وإجلاله إلى التقديس، فهو - حيث يخطر وحيث يخفق - شبح الوطن المنظور، وماضيه المنشور، وتاج الرءوس كلها، وقبلة الوجوه جميعا؛ إذا نشر في السلم خلع على أيامها الجمال وكسا مواكبها المهابة والجلال؛ وإذا رفع في الحرب كان نظم الصفوف وألفة القلوب ومثار الحماس وداعي التضحية، وسحب النسيان والأحقاد، وحسم ما اشتهته الأعاد. منديل طالما رفع على أيدي الآباء فكفكفوا به دمع الحزن، وتلقوا فيه دمع الفرح، ضحكوا وراءه كثيرا في نصيبين وقعدوا حوله في عرس، وبكوا حوله كثيرا في التل الكبير وقاموا وراءه في مأتم.
فيا أيها العلم الأخضر كديباجة السلم أو كظلال الخصب، المستعير الهلال غزة، المفصل بنجوم السعد، الموسم بالحضارة من عهد خوفو ومينا، المحلى بالفتح من زمن ابن العاص، النابه الأيام
(1/107)

والوقائع بين يدي إبراهيم، لا زلت ترفع لمجد، ولا زالت الأجيال تتلقاك يمينا، ولا نشرت إلا في حق؛ ولا طويت إلا على حق.
ويا ابن مصر على قدم؛ حي العلم!
(1/108)

السجع
السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانا عما فاته من القدر القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشعر الرصين، من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض؛ وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع وعدوه عيبا فيها، وخلطوا الجميل المتفرد بالقبيح المرذول منه: يوضع عنوانا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حشوا في السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية؛ فيا نشء العربية؛ إن لغتكم لسرية مثرية؛ ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام في الحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح.
(1/109)

النقد
فن قديم كريم وتالد من رأس مال الحضارة في علوم الأدب وفنونه توارثه الأواخر عن الأوائل فأخذته حضارتهم فحسنته على عاداتها، وضخمت كتابه ووسعت أبوابه وهذبت أصوله ووضعت قيوده، حتى صار من دعائم الصحافة وأضحى ظل التأليف ومعرض العبقريات ومرآة آثارها في مسائل الأدب وشتى مطالبه؛ والنقد حارس الأدب ومكمل الكتاب والكتب، وهو آلة إنشاء وعدة بناء. وليس كما يزعمه الزاعمون معول هدم ولا أداة تحطيم.
والناقد مستهدف يعرض عقله وبضاعته وخلقه وحكمه على الناس، وربما ارتد معوله إليه كما يرتد سلاح البغي إلى صاحبه فهدمه على المكان، والناس يرون وهو لا يرى من سكرة الغرور، ومن نقد على غضب أسخط الحق، ومن نقد على حقد احترق وإن ظن أنه حرق، ومن نقد على حسد لم يخف بغيه على أحد، ومن نقد على حب حابى وجمح به التشيع.
(1/110)

الزهرة
صورة الرقة ورمز العاطفة وهيكل الخير والحب والجمال. قديما أولع بها الناس وقديما ظلموها؛ أما هي فطالما ملأت حدائقهم بهاء وحسنا، وحجراتهم زينة وطيبا؛ وجملت عرى ثيابهم وحسنت أعراسهم وولائمهم؛ فكانت منصة للعروس وإكليلا، وشارة للمائدة ومنديلا، وسفرت بين العشاق فحسنت رسالة ورسولا ... وأما هم فما أشد ما جنوا عليها! فطموها عن عصارة العود، وفجعوها في وثير المهود، وأبدلوها من طول الفضاء وعرضه بالبواطي الضيقة، ومن سماء الروض وأرضه بالجدران المزهقة، ومن ماء العيون بماء الجرار، ومن شعاع الفضاء الطلق بشعاع النافذة والكوة. . . ظلم عبقري، وإحسان، جزي بغير إحسان.
(1/111)

الساقية
أصوات السواقي في سماء الليل وعلى فضاء الريف، أم تنعيم الملائكة في الأراغيل؟ أم خوار الثور خرج من الأرض وقد أخذه الضجر، وناء قرناه بذنوب البشر؟ نغم كالنفخ في الغاب، طبيعة قادرة ساحرة لها في كل شيء موسيقى حتى في الليف والخشب، فياقينة الأجيال، ما هذه الدموع الفواجر التي لم تغرف من شئون ولم ترسلها محاجر؟ وما هذه الضلوع الهاتفة بالشكوى، الصارخة من البلوى، وما عرفت الهوى، ولا باتت ليلة على الجوى؟ حدثينا عن القرون الأولى، قرون خوفو ومينا. . .

الشيخ المهندم
أيها الشيخ المهندم المقذذ: ما غرك بالسن حتى لبست للصبا ثيابه، ونازعت حفيدك شبابه، إنما مثلك قي هذا البريق المزور وهذه النضارة المصطنعة، كمثل الضرس المحشو المكسو، نزع منه العصب، وخلع عليه الذهب.
(1/112)

خواطر
من بغى بسلاح الحق بغي عليه بسلاح الباطل قبح الدين نطق ففضح وسكت ففدح يستريح النائم من قيود الحياة كما يتروح السجين ساعة في فناء السجن ما نبه على الفضل الكاذب، مثل الثناء الكاذب نخوة الكلب من الراعي، ومنعة الديك من السطح إذا بالغ الناس استعاروا للهر شوارب النمر قضاء السماء بقضاء الأرض اختلط، وهذا معصوم، وهذا عرضة للغلط الفضائل حلائل، والرذائل خلائل
(1/113)

هلكت أمة تحيا بفرد وتموت بفرد في الغمر تستوي الأعماق فراش المتعب وطئ، وطعام الجائع هنيء تغطي الشهرة على العيوب كالشمس غطى نورها على نارها للرياسات أذناب، فلا يكن ذنبك كذنب الطاووس فيذهب ببهائك كله لنفسه، ولا كذنب الفأر فينقطع عنك عند العسل، ولا كذنب النجم فيصبغك بنحسه من عجز عف، ومن يئس كف، ومن جاع أسف الأمم بنيان الهمم الصالحون يبنون أنفسهم، والمصلحون يبنون الجماعات المدرسة تعلم ولا تحلم، والحياة تحلم ولا تعلم المتحيز لا يميز
عاش العالم فمات، ونفق الجاهل كالسائمات
(1/114)

الخاصة أذوق لحكمة البيان، والعامة أذوق لحكمة الألحان المال عرضة للآفات فلا تتعجلوها بالسرف ولد البخيل مرحوم، وولد المبذر محروم الثقيل جبل إذا تلطف سقط يد القاتل حمراء تنم عليه في الدنيا وتشهد عليه في الآخرة آس ثم انصح ربما تقتضيك الشجاعة أن تجبن ساعة الخير فيه ثوابه وإن أبطأ، والشر فيه عقابه وقلما أخطأ الخير تنفحك جوازيه، والشر تلفحك نوازيه عليك أن تلبس الناس على أخلاقها، وليس عليك ترقيع أخلاقها العتاب رفاء الود لا سلطان على الذوق فيما يحب ويكره
(1/115)

ذنب الطاووس رفع له رأسا، وذنب النجم جر له نحسا الغني مع الفقير في كبد، إذا منعه حسد وإذا أعطاه حقد النصح ثقيل فلا تجعله جدلا، ولا ترسله جبلا الروح اللطيفة تستشف، والنفس الشريفة تستشرف، والضمير النقي مرآة، لو التمس فيها المرء وجه الغيب لرآه رب قارض للأعراض، وعرضه بين شقي المقراض الحكمة قوام الخير الخاص ودعامة الخير العام البصائر كالبصائر: إذا توجهت في وجه ثم لم تتحول عنه رجعت حولى أكثر الفضائل اصطلاح، وجوهرها كلها الصلاح الذليل بغير قيد متقيد، كالكلب لو لم يسد بحث عن سيد تحسن المرأة نصف عليمة، ويقبح الرجل نصف جاهل من أثرى أو ساد، فلا يعدن الحساد
(1/116)

إذا خدع الطبيب المريض أعان الدواء، وإذا خدع المريض الطبيب أعان الداء العامة أذناب من يمسح رؤوسهم يهدم الصدر الضيق ما يبني العقل الواسع العقل من ذكر الموت ولم ينس الحياة يستأذن الموت على العاقل، ويدفع الباب على الغافل قد يداويك من المرض اتقاؤه، ولا ينجيك من الموت إلا لقاؤه الغلط إذا أدرك تبدد، وإذا ترك تعدد المسيح بكر الحكمة على كتب السماء تهجى الحكمة الحكماء كل غائب يسلى إلا الثكلى قلما طار اسم الشاعر في حياته فوقع بعد مماته
(1/117)

إذا كثر الشعراء قل الشعر أكثر الشعراء هتافا بشعره أقلهم رواية الحقيقة ثقيلة فاستعيروا لحقائق العلم خفة البيان ما أروع البيض الرعابيب مثل رواعي المشيب تحمل المليحة ثكل الجمال كما يحمل البخيل ثكل المال الشباب أعراس الجمال، والمشيب مآتمه عند الكمال يبتدئ الجمال للجمال حين يزول جلالة الملك المعزول العلماء أشباه إلا من زاد في العلم حرفا السقي بعد الغرس، والتربية قبل الدرس اجتنب التفريط والإفراط، تستغن عن بقراط بغض الكبر إلى النفس الكبيرة، وحببت الصغائر إلى النفس الصغيرة
(1/118)

يا أخا العزلة أنت لو طرت عن الناس ما وقعت إلا عليهم من استقام استدام الكسل فالج النفس الوقت مصارع لا يزال بك حتى يصيرك أجلادا رثة، ولا يدعك إلا وأنت جثة في شهوة النفس شقوة الجسد العادة شهوة لازمة قاهرة تهرم القلوب كما تهرم الأبدان، إلا قلوب الشعراء والشجعان الشعر فكر وأسلوب وخيال لعوب وروح موهوب من ذهب يستقصي سرائر النفوس لم يرجع رب استحياء تحته رياء من عرف نفسه بعد جهل وجدها، ومن جهل نفسه بعد معرفة فقدها
(1/119)

من ظن أنه يرضى أبدا يوشك أن لا يرضي أحدا من ذهب بنفسه فقدها، ومن ذهب بولده ضيعه السجون إذا امتلأت انفجرت للنفس على كل ما عملت علل من هواها ربما منعتك الحقوق الكلام وألجمت العهود فاك بلجام البلشفية قيصرية. لها جبروت الملك وسرفه، وليس لها جلاله ولا شرفه الوقت عدو مجتهد، لا يدافعه إلا مجتهد الولد ثقل إذا فسد، ثكل إذا فقد لو لم يرقص الدينار في النار، ما رقص على الأظفار قيد الحديد عسر، وقيد الحرير لا ينكسر، لعن الله القيد كله لا يقع الملق إلا في نفس غرير أو مغرور
(1/120)

قادة الثورة مقودون بها، كالجلاميد تقدمت السيل تحسبها تقوده وهي به مندفعة الثورة جنون طرفاه عقل من استقل بنفسه استوحش، ومن استقل برأيه ضل خطة العاقل في رأسه، وخطة الجاهل في نفسه عادة السوء شهد آخره علقم، وورد في أصوله أرقم الحظ طير يقع غير مستأذن، ويطير غير مؤذن من أحب المال تعب بجمعه، ومن أحبه المال تعب بتبديده أبى الله أن يتساوى عباده إلا في النوم والموت الأمية شلل الأمم، الناس معها مقعدون وإن خيل إليك أنهم يعدون الرأي المسير إن قعدت عنه تغير
العامة تدع صاحبها عند باب التاريخ
(1/121)

الحق ملك وإن ملك، عزيز وإن أهين، ديان وإن دين صبر الحازم تجلد وصبر العاجز تبلد القدم إلى جاري المقدور، أسرع من الماء إلى الحدور الماضي يسل عليك يوما اخدع من شئت إلا التاريخ ما مات الحق في قوم وفيهم رجل حي أصدقاء السياسة أعداء عند الرياسة حيل العقول تجري في وجوه المنفعة، وحيل النفوس في وجوه المضرة التاجر في حانوته بين يدي الرازق، فلا ينازع ولا ينازق من لم يتحرك جمد، ومن جمد همد محاسن وجه الدار الخميلة، ومحاسن وجه البلد الفنون الجميلة.
خلقت المرأة تنبل بالجمال، فإن فاتها التمست ما ينبل به الرجال
(1/122)

عجبت من الصدر يسع الحادث الجليل، ويضيق بحديث الثقيل الحكمة مصباح يهديك حتى في وضح الصباح حببت إلى الشيوخ أحاديث الشباب: حنين الرجل في علته إلى أيام صحته خدع العقل الأمم، ويخدع الهوى العقل رب حسن سمت أتى الرجال من الصمت حب القلوب يزول، ويبق حب العقول مجد السياسة عرضه للأحداث، وقد ينهدم على أهله في الأجداث إذا طال البنيان عن أسه انهدم من نفسه سلطان الفضيلة أعز من سلطان العشق. سل عذرة عن العفاف كيف قتلها، وسل الأديرة عمن دخلها؟ من فقد الضمير لم يجد مس التحقير
(1/123)

ارحم نفسك من الحقد فإنه عطب، نار وأنت الحطب كل نار طاهرة مطهرة إلا نار الحقد كاد صفح الوالد يسبق ذنب الولد لو حطمت السن المرأة ما حطمت مرآتها إنما المرء مروءته لا رعد مع صحو، ولا كوعيد العاجز لغو القمل في لبدة الأسد وهو مطلق: أعز من الأسد وهو وراء الحديد الحق المسلح أسد عرينه، والحق الأعزل أسد زينة لا يبحث عن القتلى والقتال دائر الحق كبير فلا تصغروه بالصغائر من حمل نوائب الحق حمل الأمانة كلها العالم في كل زمان بلد، المال فيه أمير آخر الأبد
(1/124)

الأعمى من يرى بغير عينه، والأصم من يسمع بغير أذنه التواضع المتكلف زهر مصطنع، لا في العيون نضر ولا قي الأنوف عطر كل بنيان يهدم من رأسه، وبنيان الأوهام يهدم من أسه يؤذي العاقل المفتون، كما يؤذي المجنون الحكمة أن تحسن قولا وفعلا زواج العشق ورد ساعة، وزواج المال ورد صناعة؛ والبركة في زواج موفق يكون لعمارة البلد، وفي سبيل الولد ثلاثة مسخرون لثلاثة آخر الأبد: الفقير للغني، والضعيف للقوي، والبليد للذكي قلما رفعت رجلا نفسه فوضع، وقلما وضعت رجلا نفسه فرفع من ساء خلقه اجتمع عليه نكد الدنيا ضيق الرزق من ضيق الخلق
(1/125)

نسج القلوب من شهوات دود الحرير أخرق، هلك تاركا للناس خير ما لبسوا فما تركوا له منه كفنا؛ والنحل حكيم طعم من كل الثمرات ثم أطعم الشباب ملاوة كلها حلاوة لا أعلم لك منصفا إلا عملك، إذا أحسنته جملك وإذا أتقنته كملك إذا رأيت ساعيا مجتهدا تمطله الأسباب، وتطاوله الغايات فاعلم أن حظه قاعد القوي من قوي على نفسه العقول الكبار درر كبار، لا تخلو واحدة من خدش يظهره الخلق أو يخفيه جلائل الرغائب مخبوءة في كبار الهمم يتق الناس بعضهم بعضا في الصغائر، ولا يتقون الله في الكبائر من علم من نفسه الكرم ربأ بها عن مواقف اللؤم
(1/126)

كفى بزوال الألم لذة، وكفى بفطام اللذة ألما من لم يكن في عنان لذة أو تحت مهماز ألم، فليس على ميدان الحياة من عاش وعاشر أمل محبا أو مل محبوبا الجماعات مطايا أهل المطامع تبلغهم إلى منازل الشهرة في الثورة لا يقبل الرأي من أهل المشورة على أصالة رأيهم وصدق نصيحتهم، ولكن على أسمائهم في الألسنة وموقعهم في القلوب الناس في الألم والموت سواء، لم تسلم من الدمع جفون ولم يمتنع على الصديد مدفون.، الفتيات نائمات فإذا تزوجن انتبهن، والفتيان سكارى فإذا تزوجوا صحوا شبح الفقر عاد رائح على اثنين: زوج المضيعة، وامرأة المقامر باني نفسه لا يبالي ما هدم رب باك كضاحك المزن، دمع ولا حزن
(1/127)

من قعد به المال لم يقم به شيء ثورة النفوس تقطع الحبال، وثورة العقول تقلع الجبال المقعد خير من القاعد، والكسيح خير من الكسلان إذا صدقت النية فكل مذهب جميل، وكل رأي أصيل عجز المغتاب أن يكون سبعا، فرضي لنفسه أن يكون ضبعا
رأي الجماعات بعضه من بعض، وكله من الفرد كموج البحر بعضه من بعض وكله من الريح من رفع شراع العلم بلغ ساحل الحياة وهو في أول اللجة الجميل إلى الجميل يميل، والحكمة تحب الفن الجميل مثل الشاعر لم يرزق الحكمة؛ كالمغني: صناعة لا صوت العاقل يكلم أناسا ببعض عقله، وأناسا بعقله كله ذكروا للبخل مائة علة، لا أعرف منها غير الجبلة
(1/128)

الاعتراف أوجه الشفعاء اعتراف الخاطئات استبسال، وفرار من الاسترسال، فانتشلوهن بعفوكم من الهوة، وأحيطوا ضعفهن من حلمكم بقوة الحكمة في أفواه العلماء، وعلى شفاه الدهماء؛ كالدريكون في قاع البحور، ويكون في نواعم النحور، وكشعاع الشمس يقع على الوحل كما يقع على الزهر الموت أول المخاوف وآخرها من نقض موثقه، نفض عنه الثقة إذا ذهبت الأمم بقيت الرمم إذا زاد تواضع الكبراء كان تلطفا في الكبر لا يزال الشعر عاطلا حتى تزينه الحكمة، ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر الوقف من حرص النفوس ويراد به المال لا البنون بين الحلم والخور جسر أدق من الصراط
(1/129)

ثلاثة لثلاثة بالمرصاد: الموت للحياة، والشقاء للذكاء، والحسد للفضل خف اليائس فإنه لا يخاف كبر الصغير قبيح كتواضعه، كلاهما في غير موضعه حظ النفس من الحرص حظ المقاتل من السلاح، إذا زاد عن حاجته تخبل، وناء بما حمل، وإذا قصر عنها تقهقر وانخذل اثنان في النار دنيا وأخرى: الحاقد والحاسد الدين السمح في الرجل السمح ووالجنس الكريم في الرجل الكريم، فأحبب من ليس من دينك تحبب دينك إليه وأكرم من ليس من جنسك يكرم جنسك عليه آفة النصح أن يكون جدالا، وأذاه أن يكون جهارا في الدنيا مزيد من العقل للعاقل، ومتمادي في الجهل للجاهل
(1/130)

اثنان معاديهما في خسر: القوي المغلب، والرجل المحبب شرف الخبراء كالورد في إبان غضاضته: إذا نزعت منه ورقة انحل وانتثر، وانتقد جميعه على الأثر تجمع اللغات على اختلافها الحكمة، كما تجمع شتى المعازف النغمة لا يكن تلطفك مذالا، ولا تحببك ابتذالا فإن الطفيليين أعذب الناس كلاما، وأكثرهم ابتساما أساطين البيان أربعة: شاعر سار بيته، ومصور نطق زيته، وموسيقي بكى وتره، ومثال ضحك حجره من الأمهات تبنى الأمم الأمية في العقلاء شكائم وتتأسى بها البهائم الشباب من الموت خطوة أو ما فوقها، والمشيب من الموت خطوة أو ما دونها الطير لا يقرب أفقا فسد فضاؤه، والحرية تهرب من بلد اختل قضاؤه
(1/131)

إذا ضغط على قاضي الأرض في بلد ضغط عليه قاضي السماء شورى من الحجاج وزياد، خير من الفرد ولو كان عمر خذ من مال الناس ما شئت فإن وارثك راده إليهم ليس العلم لك بسفر، حتى يكون لك فيه سطر، وليس الأدب لك كتابا، حتى تزيد فيه بابا الإنسان لولا العقل عجماء، ولولا القلب صخرة صماء من وضع نفسه قصر عن فضيلة التواضع المرء كلف بما ألف المغرور من يظن الناس لا يستغنون عنه؛ والمخدوع من يظن أحدا من الناس لا يستغني الناس عنه من أخل بنفسه في السر أخلت به في العلانية إذا رأيت المرأة لا تدع صلاتها فلا تثق بها كل الثقة، وإذا رأيتها لا تضع مرآتها فلا تتهمها كل الاتهام
(1/132)

العاقل لا يثق حتى يجرب، ولا يتهم حتى يتبين ثقة العاطفة شهر، وثقة العقل دهر الثقة وثاق الأحرار الثقة مراتب، فلا ترفع لعليا مراتبها إلا الشريك في المر، المعين على الضر، الأمين على السر من أحسن الثقة بنفسه، فليثق بعدها بمن شاء الوقت آلة الرزق إذا استعمل، وآفة الرزق إذا أهمل يا عدو الزواج: لو كنت العزب القدسي عيسى ابن مريم ما استطعت أن تقطع له، أو تعطل له سنة ليس للدنيا ببعل من خطبها بلا عمل، وصحبها بلا أمل الحق نبي قليل التبع، والباطل مشعوذ كثير الشيع جئني بالنمر العاقل، أجئك بالمستبد العادل
(1/133)

لو طلب إلى الناس أن يحذفوا اللغو وفضول القول من كلامهم، لكاد السكوت في مجالسهم يحل محل الكلام. ولو طلب إليهم أن ينفقوا مكاتبهم من تافه الكتب وعقيمها وألا يدخروا فيها إلا القيم العبقري من الأسفار، لما بقي لهم من كل ألف رف إلا رف.
(1/134)