Advertisement

الاختيارين المفضليات والأصمعيات



الكتاب: الاختيارين
المؤلف: علي بن سليمان بن الفضل، أبو المحاسن، المعروف بالأخفش الأصغر (المتوفى: 315هـ)
المحقق: فخر الدين قباوة
الناشر: دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، دار الفكر، دمشق - سورية
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الجزء الثاني من الاختيارين
اختيار المفضل الضبي وعبد الملك بن قريب، المعروف بالأصمعي، من أشعار فصحاء العرب في الجاهلية والإسلام، مما روي عن مشايخ أهل اللغة الموثوق بروايتهم.
(/)

1 قال طفيل بن عوف
ابن خلف بن ضبيس بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن كعب بن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مضر. واسم غني: عمرو. واسم أعصر: منبه. وإنما عصره بيت، قاله:
أعمير، إن أباك غير رأسه ... مر الليالي، واختلاف الأعصر
فسمي بهذا البيت أعصراً.
وإنما قال طفيل هذه القصية في غارة، كان أغارها على طيئ، فنال منها، وقتل، وأسر. وهذه القصيدة من أجود شعره.
(1/1)

1 ... بالعقر دار، من خميلة، هيجت
سوالف حب، في فؤادك، منصب
"العقر": بالعالية، في بلاد قيس. "سوالف" أي: سوابق سبقت، بحبها، وتقدمت. وكل متقدم: سلف. وهم السلاف. ومنه سميت سلافة الشراب، لأول ما يسيل منه. "منصب": متعب. والنصب: التعب.
فيقول: هيجت حباً، قد كان، ثم انقطع، فذهب.

2 ... وكنت، إذا ناءت بها غربة النوى،
شديد القوى، لم تدر: ما قول مشغب؟
أراد "نأت" فقلب، ومعناه: بعدت عنك. يقال: نأيت عنه نأياً، ونأيته نأياً. ويقال "نوًى غربة" إذا كانت بعيدة وكل إبعادٍ: اغترابٌ. ومنه يقال: اغرب، أي: ابعد. ومنه شأوٌ مغرب أي مبعدٌ. و"النوى" والنية: الوجه الذي تنويه، وتريده. ونويك: الذي نيته مثل نيتك. "شديد القوى": أي: يشتد عزاؤك عنها، ولا يضعف. وأصل القوى: طاقات الحبل. واحدتها: قوةٌ. ويقال: قد أقويت حبلك، إذا اختلفت قواه، فكان بعضها أغلظ من بعض. ومنه الإقواء في الشعر،
(1/2)

وهو: اختلاف قوافيه بالرفع والخفض. "مشغب" أي: ذو شغب عليك، وخلافٍ. ويروى: "مشعب" أي: لم تدر ما قول من يشعبك عنها، فيصرفك، ويباعدك. وظبي أشعب إذا كان بعيد ما بين القرنين.

3 ... كريمة حر الوجه، لم تدع هالكاً
من القوم، هلكاً في غد، غير معقب
"حر الوجه": أكرم موضع فيه. ومنه حر الفاكهة. ومنه قول الأعشى:
فتناولت قيساً، بحر بلاده
أي بأكرم بلاده.
فيقول: لم تدع هالكاً، هلك هلكاً، غير معقب في غد، أي: لم تندب من لا يخلفه غيره، إذا هلك، لأنها في عداد قومٍ يخلف بعضهم بعضاً. ومعنى "في غد" فيما بقي. "غير معقب": لم يدع عقباً مثله.
(1/3)

4 ... أسيلة مجرى الدمع، خمصانة الحشى
برود الثنايا، ذات خلق، مشرعبِ
"أسيلة" أي: سهلة الخدين. يقال: أسل يأسل أسلاً، وأسالةً. "خمصانة": طاوية، خميصة. وهو الخَمْصُ والخُمْصُ. و"الحشى": ما بين آخر الأضلاع إلى الورك. والتثنية حشيان. وقال أبو زيد: حشوان. "مشرعب" يقال لكل خلق طويل منصب: مشرعب. ويقال لبرودٍ، فيها خطوط طوال: شرعبية.

5 ... ترى العين ما تهوى، وفيها زيادة
من اليمن، إذا تبدو، وملهًى لملعبِ
أي: ترى العين ما تشتهي العين أن تراه، وفيها زيادةٌ، على ما تراه فيها. "من اليمن" يعني: يمن الطائر. و"الملعب" ههنا: اللعب. قال: وهو مثل قول الراعي:
بنيت مرافقهن، فوق مزلة ... لا يستطيع بها، القراد مقيلا
أي: قائلةً، لأنها ملساء، لا يدب بها. فيقول: فيها ملهًى لمن أراد اللهو واللعب.

6 ... وبيت، تهب الريح في حجراته
بأرضٍ، فضاء، بابه لم يحجب
(1/4)

يعني: أبراداً، خلها وعمدها بالقنا والقسي، واستظل بها. يقال: هبت الريح تهب هبوباً. وهب من نومه يهب هباباً. و"الفضاء": الواسعة. و"الحجرات": النواحي. الواحدة: حجرة. ومثلٌ من الأمثال: "يأكل وسطاً، ويربض حجرة" للذي يصيب المهنأ، ويتباعد عن الشر.

7 ... سماوته أسمال بردٍ، محبرٍ
وصهوته من أتحمي، معصب
"سماوته": أعلاه كله. وكذلك سماؤه. و"الأسمال": الأخلاق. واحدها: سملٌ. وقد أسمل الثوب إسمالاً إذا خلق. "محبر": موشى. والتحبير: التحسين. و"صهوته" أراد وسطه. وهذا مثل صهوة الدابة، وهو موضع اللبد منها. "أتحمي": ضرب من البرود. "معصب": من عصب اليمن.

8 ... وأطنابه أرسان جرد، كأنها
صدور القنا، من بادئٍ، ومعقبِ
"الأطناب": الحبال التي يشد بها الخباء إلى الأوتاد. و"جرد" قصار الشعرة. وطول الشعرة هجنةٌ. "كأنها" يعني: الخيل. "صدور القنا" في ضمرها، وصلابتها. وإذا كان كالصدر فهو كالقناة كلها. يقال: جاء
(1/5)

فلانٌ على صدر راحلته، أي على راحلته. وقال الأصمعي مرة أخرى: أراد: إشرافها، وأنشد للشماخ:
مسببةٌ، قب البطون كأنها ... رماحٌ، نحاها وجهة الريح راكزُ
ذكر أنها مسببة، يقال: قاتلها الله وأخزاها الله، تعجباً. و"البادئ": الذي غزا أول غزوة. و"المعقب": الذي يغزى عليه غزوةً بعد أخرى. وأنشد لأعشى باهلة:
سما، للبون الجارمي، سميدعٌ ... إذا لم ينل، في أول الغزو، عقبا
أي: غزا ثانية. ويقال: صلى فلانٌ في أول الليل، ثم عقب في صلاته.

9 ... نصبت على قومٍ، تدر رماحهم
عروق الأعادي، من غريرٍ، وأشيب
أي: نصبت هذا البيت. وقوله: "تدر رماحهم": أي: تدر الدم، كما يخرج المدر اللبن. وأصل "الغرارة": قلة الفطنة والتجربة. فيقول: تقتل "الأشيب" المجرب والمحرس، و"الغدير" الذي لا تجربة له.
(1/6)

10 ... وفينا ترى الطولى، وكل سميدع
مدرب حربٍ، وابن كل مدربِ
"الطولى": العظمى من الأمور، التي هي أطول وأشرف. يقال: الطولى من الخصال في آل فلان، أي: العظام، الشريفة. و"السميدع": السهل الخلق الموطأ الأكناف. "مدرب" أي: وقحته الحرب، وحرسته، حتى درب. وأصل الدرابة: الضراوة وهي الدربة أيضاً.

11 ... طويل نجاد السيف، لم يرضَ خطة
من الخسف، ورادٍ إلى الموت، صقعبِ
"طويل نجاد السيف" أراد: أنه طويل الجسم. وإذا كان كذلك لم يكن نجاده إلا طويلاً. و"النجاد": حمائل السيف. ويقال: إنه لغمرُ الرداء، إذا كان واسع المعروف. قال كثير:
غمر الرداء، إذا تبسم، ضاحكاً ... غلقت، لضحكته، رقاب المال
ويقال: ناقةٌ شديدة جفن العين، إذا كانت قليلة النوم، وإن كانت مسترخية الجفون. ويقال: فرس طرب العنان، إذا كان رشيقاً، خفيفاً.
(1/7)

و"الخسف": الضيم، وهو في البهائم أن تحبس على غير علف. و"الصقعب": الجسيم الطويل.

12 ... تبيت كعقبان الشريف رجاله
إذا ما نووا إحداث أمر معطبِ
"رجاله": رجالته. قوم رجل، ورجال ورجالى، ورجالى. وقوله "كعقبان الشريف" شبههم بعقبان الشريف حرصاً على الغارة. وقد سألت العرب عن "الشريف" فقالوا: التسرير وادٍ بنجد. فما كان يلي المشرق منه فهو الشريف، وما كان يلي المغرب فهو الشرف. والشرف: كبد نجد. و"إحداث": مصدر أحدث. ويروى: "أحداث" بالفتح، وهو جمع حدثٍ. "معطب": ذو عطبٍ، وهو الهلاك. ويروى "تبث" أي: تفرق.

13 ... وفينا رباط الخيل، كل مطهمٍ
رجيل، كسرحان الغضى، المتأوبِ
يقال: في آل فلان رباطٌ، أي: أصل خيلٍ، مرتبطةٍ بنجد. ويقال: هذا من رباط آل فلانٍ، أي: من أصل خيلهم. و"المطهم":
(1/8)

الذي يحسن كل شيء منه، على حدته. و"الرجيل": الشديد الحافر. قال الغنوي: وذكر امرأةً:
أنى سريتِ، وكنت غير رجيلةٍ؟ ... شهدت عليكِ، بما فعلت، شهود
و"السرحان": الذئب. وجمعه سراحين. وقال: ذئب "الغضى" أخبث من غيره، لأنه خمر، يستخفي بالشجر. يقال: أخبث الذئاب ذئب الغضى، وأخبث الأفاعي أفاعي الحدب، وأخبث الحيات حيات الحماط، وأسرع الظباء تيس الحلب، واسرع الأرانب أرانب الخُلة، لأنها تطويها وتضمرها. والحمض يفتقها، وأشد الناس الأعجف الضخم، وأجمل النساء الضخمة الأسيلة، وأقبحهن الجهمة القفرة، وهي القليلة اللحم، وأغلظ المواطئ الحصا على الصفا. و"المتأوب": الذي يأتي أهله ليلاً. فأراد: كسرحانٍ يتأوب. فذاك أشد لعدوه، ومضيه.

14 ... يذيق الذي يعلو على ظهر متنه،
ظلال خذاريفٍ، من الشد، ملهب
"يذيق: أي: يوجد مس عدوٍ، وطعم عدو. كقولك للرجل: لأذيقنك ما يسوءك. "ظلال خذاريف": ظلال خذرفةٍ. والخذرفة: مرٌ
(1/9)

سريع. تخذرف إذا أسرع. وظلاله هو بعينه. يقال: فلان في ظل عيش. وفسر مرة أخرى فقال: هذا مثلٌ. وهو جري سريعٌ، كأنه مر الخذروف. والخذروف: الخرارة، التي يلعب بها الصبيان. ويقال للرجل، وللدابة، إذا شد العدو: قد أهذب، و"ألهب".

15 ... وجرداء ممراحٍ، نبيلٍ حزامها
طروحٍ، كعود النبعة، المتنخب.
"جرداء": قصيرة الشعرة. وذلك من كرم الفرس وعتقها. وطول الشعرة هجنةٌ. وقوله" نبيل حزامها" أي: هي عظيمة الوسط. وهو كقولك: إن فلاناً لعفيف الإزار، تريد: عفيف الفرج. وتقول العرب: فداءٌ لك رجلايَ، وفداء لك ثوبايَ، كقولهم: أنا أفديك. وأنشد للراعي:
ولله ثوبا حبترٍ، أيما فتى
يريد: لله ما ضم ثوبا حبترٍ. وقوله: "طروح" أي: شديدة النفح برجليها. وذلك من شدة نساها. وإذا كان عيفاً لم يفعل ذلك. ويقال: قوسٌ طروحٌ، وهي البعيدة القذف للسهم. قال أبو النجم:
(1/10)

أنحى شمالاً همزى، نضوحاً ... وهتفي، معطيةً، طروحا
ومنه قولهم: يدعوه الربيع المطرح. وقوله: "كعود" يعني قوساً بصلابتها. و"المنتخب": الذي انتخب من القسي، أي: اختير. ويروى: "المنتجب" وهو الذي نزع نجبه، أي قشره.

16 ... تنيف، إذا اقورت من القود وانطوت،
بهادٍ رفيعٍ، يقهر الخيل، صلهبِ
"تنيف": تشرف. قصر منيفٌ أي: متشرف. ويقال للمرأة الجسيمة، والناقة: نيافٌ. ويقال للسنام: نوف، لإشرافه. ومنه: ألفٌ ونيف أي: شيء يشرف على الألف. قال ابن الرقاع:
ولدت، برابيةٍ، رأسها ... على كل رابيةٍ، نيفُ
و"الاقورار": الضمر، وتغير السبر. والسبر: الحال التي تظهر، من الطلاوة والحسن. وليس كل منطوٍ مقوراً. قد ينطوي، وهو حسن. "بهادٍ" أي: بعنق. "يقهر": يعلو على الخيل. "صلهب": طويل، جسيم. فيقول: تمد أعناقها، ويطويها القود، ويكسرها.

17 ... وعوجٍ، كأحناء السراء، مطت بها
مطارد، تهديها أسنة قعضب
"عوج" معطوفة على قوله "بهاد ... صلهب" وعوج. والمعنى:
(1/11)

ولها عوج، يعني: ضلوعها. وكل عود معطوف: "حنوٌ". و"السراء": شجر باليمن، تعمل منه القسيُّ. "مطت": مدت. والمطو: المد. يقال: مطا يومه وليلته، أي: مد في السير. وسمي المطي مطياً، لأنه يمد به في السير. وقوله: "مطارد": أعناق، طوال، كأنها رماح. والمطارد كناية عن الأعناق. فيريد: كأن أعناقها رماح. "تهديها أسنة" أي: تقدمها، وتكون هوادي لها. و"قعضبٌ": قين كان بأضاخ، جاهلي. وقال طرفة فشبه الأضلاع بالقسي:
كأن كناسي ضالةٍ يكنفانها ... وأطر قسيٍّ، تحت صلب، مؤيدِ
ويقال: "عوج": مهازيل، من الغزو. "مطت بها مطارد" أي: مدت بها في السير، لأنها تباري الرماح، كما قال:
يباري شباة الرمح خدٌّ، مذلق
وقال الآخر:
تباري مراخيها الزجاج، كأنها
(1/12)

18 ... إذا قيل: نهنهها، وقد جد جدها
ترامت، كخذروف الوليد، المثقبِ
يقول: إذا ذهب يكفها "ترامت" أي: تتابعت في الجري. و"الخذروف": الخرارة.

19 ... قبائل، من فرعَيْ غنيٍّ، توهقت
بها الخيل، لا عُزلٍ، ولا متأشِّب
"تواهقت": تسايرت. والمواهقة: أن تسير الدابة بحذاء الدابة، إن رفعت رفعت، وإن وضعت وضعت. وهي المواغدة في السير. وقد تكون المواهقة في السقي. و"العُزْل": الذين لا سلاح لهم. واحدهم: أعزل. قال أبو عبيدة: لو كانت معه خشبة ما كان أعزل. ويقال أيضاً في الجميع: عزلان. ويقال: رجل معزال، إذا كان لا يكاد يحمل السلاح. وقوله: "ولا متأشب" أي: لا خلط فيهم، من غيرهم. قال: والأشابة - وجمعها أشائب - الأخلاط. ويقال: أشبهم يأشبهم أشباً، إذا خلط بهم. ومنه سمي المشوب مشوباً لاختلاف ألوانه. والمأشوب والمشوب واحد. ويقال: بها أشاباتٌ، من الناس، وأوباشٌ، أي: أخلاط.

20 ... ألا، هل أتى أهل الحجاز مغارنا
على حي وردٍ، وابن ريا، المضرب؟
"
(1/13)

مغارنا": غارتنا. و"ورد وابن ريا": طائيان. و"المضرب": المفعل من الضرب، وليس اسمه المضرب. ويروى: "الملحب" أي: لحب بالسيوف.

21 ... جنبنا، من الأعراف، أعراف غمرةٍ
وأعراف لبن، الخيل، يا بعد مجنب!
"لبن" جبلٌ. ويقال: هذه لبن، كما ترى، غير مصروفة، وأنشد للراعي:
كجدنل لبن، تطرد الصلالا
أي: تتبع مواقع المطر. والصلال: أمطار متفرقة. وقوله: "يا بعد مجنب" تعجبٌ من بعد الموضع، الذي جنبت منه.

22 ... بنات الغراب، والوجيه ولاحقٍ
وأعوج، تنمي نسبة المتنسب
قال أبو عبيدة: كان "الوجيه والغراب ولاحقٌ" ومذهب ومكتوم، هذه الخمسة، فحولاً لعني بن أعصر. وقد تفرق أولادهن في سائر قبائل
(1/14)

العرب فإن ذكرها ذاكرٌ فإنما يفتخر بما صار إليه، من نسلها. وكان "أعوج" لكندة، فأخذته بنو سليم في بعض أيامهم، ثم صار إلى بني هلال. فافتخر طفيل ببنات أعوج، التي صرن في غني، ولم يفتخر بأن أعوج كان لهم.
وقال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغني، والأصغر لبني هلال. وذكر أن سبل هي أم أعوج الأكبر، وأنها كانت لغني.
قال أبو عبيدة: ليس فيهن فحل أشهر في العرب، ولا أكثر نسلاً فيهم، ولا الشعراء ولا الفرسان أكثر ذكراً، ولا افتخاراً به، من أعوج. وكان أولها.
الأصمعي: "بنات" ههنا ذكور. وما لم يكن من الناس قيل للذكور منه: بنات. وقوله: "تنمي" يعني: الخيل أنها تجد، من آبائها السوابق، ما تنسب إليه. وتنمى -بضم التاء - أي ترفع. ومنه: انتمى فلان: أي: ارتفع في نسبه.

23 ... وراداً وحوّاً، مشرفاً حجباتها
بنات حصان، قد تعولم، منجب
قال أبو عبيدة: ويقال: فرس ورد، والمصدر الورودة، و"الورد": بين الكميت الأحمر، وبين الأشقر، وهو إلى الصفرة. و"الحوة": خضرة إلى سواد. يقال: فرس أحوى، وفرس حواء، إذا كانت خضرته
(1/15)

إلى السواد، واصفرت شاكلته. ويقال: أحوَوَى الفرس يحواوِي احوِواءً. ويقال: احواوى الفرس يحواوي احويواء. وبعض العرب يقول: حوي فهو يحوى حوة. و"الحجبات": رؤوس الأوراكِ، التي تشرف على الخواصر. ويستحب منه أن تظهر من اللحم، وتشرف. ويكره منها أن يغمرها اللحم، وأن تغمض. وقوله "قد تعولم" يقال: أمر متعالم، أي: قد علمه الناس وشُهِرَ. ومنزله متعالم أي: معلوم مكانه. "منجب": كريم النسل.

وكمتاً، مدماةً، كأن متونها ... جرى فوقها، واستشعرت لون مذهب
يقال: كميت أحم، وهو أشد الخيل حافراً وجلداً، وهو الذي تضرب حمرته إلى السواد. و"كميت مدمى" وهو الذي كمتته إلى الحمرة، لا يخلطها سواد. وكميت "مذهب" وهو الذي تعلوه صفرة. قال الأصمعي: وقال بنو عبسٍ: ما صبر معنا، في حربنا، إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكمت، ومن الإبل إلا الحمر. قال الأصمعي: وكان الوجه أن يقول: جرى فوقها، واستشربته، لون مذهب. قال:
(1/16)

والعرب تجعل الفعل للآخر، وتبطل فعل الأول. واستشربت أي: أشربت يقال: فلان متشرب حمرة، أي: ألزم لونه حمرة. قال المرار:
ولكن أشربوا الأقران صهباً
أي: ألزموا الحبال أعناقها، لما قرنت فيها.

25 ... نزائع مقذوفاً على سرواتها
بما لم تخالسها الغزاة، وتسهب
أي: "نزيع" كل قبيلة، أي: غريب كل قبيلة. وكذلك هي من النساء: كل غريبة نزيعة. وقوله: "مقذوفاً على سرواتها" أي: قذفت الأداة على ظهورها، بما تركت ليست بموضع تخالسها الكماة والغزاة، وتترك مسهبة. فاستغنى عن ذكر الأداة، فلم يذكرها. والمعنى: هذا التعب الذي عي فيه، بتلك الراحة. قال: ومثل من أمثال العرب "بما لا أخشى بالذئب" أي: إن كنت كبرت، حتى صرت أخشى بالذئب، فهذا بما كنت وأنا شاب لا أخشاه. يضرب مثلاً للرجل الذي يكون عزيزاً، ثم يرى ذلة. وقوله "بما" معناه: هذا بذاك. و"سرواتها": أعالي ظهورها. و"تسهب": تهمل. يقال: أسهب
(1/17)

فلان [فرسه] إذا تركها مهملةً. ورجل مسهب في منطقه، إذا لم يكن لكلامه جول يمسكه.

26 ... تباري مراخيها الزجاج، كأنها
ضراء، أحست نبأةً، من مكلبِ
يقول: أعناقها كأنها تساير الرماح، من طولها. وأنشد:
يباري شباة الرمح خدٌّ، مذلق ... محد السنان، الصلبي، النحيض
و"الزجاج" أراد: الأسنة. والزج عند العرب: السنان. والزج: الأسفل. ويقال للسنان والزج: زجان، وللنصل والزج: نصلان. قال المتنخل:
أقول، لما أتاني الناعيان به: ... لا يبعد الرمح، ذو النصلين، والرجل
و"مراخيها": جمع مرخاء. وهي السلهلة العدو، دون الاجتهاد يقال للذكر والأنثى: مرخاء. قال أبو عبيدة: هو إرخاء أعلى، وإرخاء أسفل. والإرخاء الأعلى: أن تخليه وشهوته، من الحضر، غير متعب له ولا مستزيد. والإرخاء الأسفل: بمنزلة التقريب الأعلى.

27 ... كأن يبيس الماء، فوق متونها
أشارير ملحٍ، في مباءة مجربِ
(1/18)

"يبيس الماء": ما يبس، من العرق، فصار أبيض. وعرق الخيل، إذا جف، أبيض. وعرق الإبل، إذا جف، أصفر. قال العجاج:
يصفر، لليبس، اصفرار الورس
وقال بشر:
تراها، من يبيس الماء، شهباً ... مخالط درة، منها، غرار
و"المتنان" والمتنتان: ما ابتد الصلب، من اللحم والعصب. و"الأشارير": جمع إشرارةٍ. وهو طرف الجلة يجفف عليه الأقط. وأصحاب الإبل الجربى يتخذون عليه الملح والقطران. قال عوف بن الخرع:
كل قبائلهم أتبعت ... كما أتبع العر، ملحاً، وقارا
فشبه بياض ما على الخيل، من العرق، ببياض هذه الإشرارة. "مجرب": صاحب إبلٍ جربى. والمجرب يجمع للإبل الجربى الملح، لدوائها به. و"المباءة": المحلة. يقال: أبأت الإبل، إذا رددتها إلى محلتها.

28 ... من الغزو، واقورت كأن متونها
زحاليف ولدانٍ، عفت، بعد ملعب
(1/19)

الزحلوفة والجمع "زحاليف": متزحف الصبيان على أستاههن، من أعالي الربو إلى أسفله. وهذه لعبة أهل العالية. وبنو تميم، ومن يليهم، يقولون: زحلوقة وزحاليق. فشبه متون الخيل، ولحب اللحم عنها، بآثارهم. وأنشد:
كأن جزاراً براه، فالتحب ... فقاره، فاقتب من دون العصب
29 ... وأذنابها وحفٌ، كأن ذيولها
مجر أشاءٍ، من سميحة، مرطب
قال: كل كبير الأصل ملتف النبت: "وحفٌ". و"الأشاء": صغار النخل. واحدتها: أشاءةٌ. و"سميحة": بئر بالمدينة. فيقول: كأن آثارها في الأرض مجر نخل، من طول أذنابها.

30 ... وآضت إلى أجوازها، وتقلقلت
قلائد، في أعناقها، لم تقضبِ
أي: صارت إلى أجوازها. و"الجوز": الوسط. يقول: ذهب البدن والسمن عنها، ورجعت إلى أجوازها، وحالها الأولى. ويروى: "
(1/20)

وتمت إلى أجوازها" أي: جعل تمامها يصير إليها، وضمر ما سوى ذلك. من خلقها. وأنشد:
مشق الغدو، مع الرواح، لحومها ... حتى ذهبن، كلاكلاً وصدورا
أي: ضمر كل شيء منها، إلا كلاكلها وصدورها. وقوله: "وتقلقلت" يقول: كانت قلائدها، حين بدأن، سماناً كفاف أعناقها، فلما ضمرت تقلقلت القلائد. "تقضب": تقطع. يقال: قضب الله يده، أي: قطعها. وسيفٌ قضاب: قطاع.

31 ... كأن سدى قطن النوادف خلفها
إذا استودعته كل قاعٍ، ومذنبِ
يقول: إذا هبطت إلى سهولة رأيت خلفها مثل الملاء، للغبار الذي تثيره. فيقول: كأن بالقاع ثياباً، إذا هبطته، مما تثير به الغبار. فقال: "سدى" وإنما يريد: الثياب. قال ابن الرقاع:
يتعاوران، من الغبار، ملاءةً ... بيضاء، محدثةً، هما نسجاها
تطوى، إذا علوا مكاناً، جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
"القاع": المكان الحر الطين، ليس فيه حصاً، ولا حجارة.
(1/21)

والجمع القليل: أقواعٌ. والكثير: القيعان. و"المذنب": مدفع الماء إلى الروضة. والجمع: مذانب. وأصل ذلك أن العرب تسمي المغارف مذانب. وإنما جعل ذلك مذنباً، لغرفه الماء.

32 ... إذا هبطت سهًلا كأن غباره
بجانبه، الأقصى، دواخن تنضب
"دواخن": جمع داخنة. و"التنضب": شجر له دخان أبيض. والواحدة: تنضبة. قال الجعدي:
كأن الغبار، الذي غادرت ... ضُحَيّاً، دواخن من تنضب
33 ... كأن رعال الخيل، لما تبادرت،
نوادي جراد الوهدة، المتصوب
ويروى: "جراد الهبوة". و"الرعال": القطع من الخيل والحمر. واحدتها: رعلة. و"نوادي" كل شيء: أوائله وسوابقه. فنوادي الخيل والإبل: سوابقها وأوائلها. وكذلك نوادي الأخبار. ومن ثم قيل: لا ينداك مني أمر تكرهه، أي: لا يسبق. وأنشد:
(1/22)

لم تر أرضٌ، ولم يسمع بساكنها ... إلا بها، من نوادي وقعه، أثر
و"الوهدة": ما اطمأن من الأرض. قال: وإذا ذكروا السرعة ذكروا الهبوط. وأما الإبطاء فالصعود. و"الهبوة"، والأهباء: الغبرة. يقال: ثار أهباء، كما ترى. وقد أهبى الظليم. ويقال: ما هاج جراد قط، إلا هاجت عليه غبرةٌ.

34 ... وهصن الحصاء، حتى كأن رضاضه
ذرى بردٍ من وابلٍ، متحلبِ
"الوهص": شدة الوطء. يقال: فلانٌ وهاص المشية. وأنشد:
شديد وهص، قليل الرهص، معتدلٌ ... بصفحتيه، من الأنساع، أنداب
و"رضاضه": ما ترضض منه، وتكسر. فيقول: كأن الذي كسرت من الحصا "ذرى بردٍ" أي: أعالي بردٍ. وإنما قال "أعالي برد" لأنه يتكسر قبل ما كان منه أسفل. و"الوابل" من المطر: الضخم القطر، الشديد الوقع. يقال: وبلت السماء تبل وبلاً.

35 ... يبادرن، بالفرسان، كل ثنيةٍ
جنوحاً، كفراط القطا، المتسربِ
قال: لا يقال لراكب الفرس: راكب. إنما يقال له "فارس".
(1/23)

إنما يقال لراكب البعير: راكبٌ. والجمع: ركب وركبان. ويقال: رأيت ركبة ثلاثة، ورأيت أركوباً. و"الثنية": الطريق في الجبل. أي: كلما طلعت لهن ثنيةٌ ابتدرن بالفرسان الثنايا، تمضي بهم فيها. "جنوحاً": فيهن إصغاءٌ، قد جنحن إلى الأرض قليلاً. وقال أبو عبيدة: الجنوح والاجتناح أن يكون حضره واحداً، لأحد شقيه، يجتنح عليه، ويعتمد في حضره. قوله: "كفراط" أي: كسوابق القطا، ومتقدمه. والواحد: فارط. ويقال له أيضاً: فرطٌ، للواحد وللجمع. ويقال: فرط إليه مني قولٌ، أي: سبق. ومنه قولهم في الدعاء للمولود الميت: "اللهم اجعله لنا فرطاً" أي: أجراً يتقدمنا، حتى نرد عليه. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا فرطكم على الحوض". و"المتسرب": الذي يمضي سربة سربة، أي: قطعة قطعة.

36 ... وعارضتها، رهواً، على متتابعٍ
شديد القصيرى، خارجيٍّ، محنَّبِ
"رهواً": سيراً سهلاً. يقال: تكلم فلانٌ سهواً رهواً. و"المتتابع": الذي أشبه بعض خلقه بعضاً. ويقال: تتابع أمر القوم إذا اتسق. وقوله: "شديد القصيرى" قال الأصمعي: فيها قولان: أنها الضلع التي
(1/24)

في أقصى الأضلاع، مما يلي الخاصرة، وهي ضلع الخلف. ويقال: هي الجانحة التي في الصدر. و"الخارجي" من الناس والدواب: البارع، الذي خرج على غير نسبه، بقوةٍ، ونبل، وسخاء، وكرم، أو جودةٍ في الحضر، على غير إرثٍ، أي: أصلٍ. و"المحنب": الذي هو أقنى صلب: وهو أن تكون عصبة ذراعه ظاهرةً، ليست بملساء. وهو يستحب.

37 ... كأن على أعطافه ثوب مائحٍ
وإن يلق كلبٌ، بين لحييه، يذهب
"أعطافه": جوانبه. وإنما له عطفان، فجمعهما بما حولهما. فيقول: قد ندي، من العرق، فكأن عليه "ثوب مائح" وهو الذي ينزل في البئر، إذا قل الماء، فيملأ الدلاء، فإذا خرجت الدلاء انصب عليه من مائها، فملأت ثيابه. وقال:
أبيت كأني كل آخر ليلة ... من الرحضاء، آخر الليل، مائح
"وإن يلق كلب ... " لسعة شدقيه وفمه.

38 ... كأن على أعرافه، ولجامه،
سنا ضرم، من عرفجٍ، متلهبِ
ويروى:
(1/25)

تخال بكتفيه، إذا اشتد ملهباً ... سنا ضرمٍ ...
"السنا": الضوء. فيقول: كأن أعرافه ولجامه ضوء ضرمٍ. وإذا كان له كان له حفيف. ولا يكون حفيف النار حتى تتقد. يقول: يحف، من شدة العدو، حتى كأن عرفجاً يتضرم على عنانه وعنقه. و"الضرم": جمع ضرمةٍ. وهو كل هدبٍ، تسرع فيه النار، ليس بجزلٍ. وقال أوس:
إذا اجتهدا، شدّاً، حسبت عليهما ... عريشاً، عليه النار، فهو يحرق
والعريش: الظلة من الثمام وغيره. شبه حفيفهما، حين يمران، بحفيف ظلةٍ، قد اشتعلت فيها النار.

39 ... إذا انصرفت من عنةٍ، بعد عنةٍ،
وجرسٌ على آثارها، كالمؤلب
ويروى: "من غمةٍ بعد غمة". "العنة": العطفة. أي: عطفةٍ بعد عطفةٍ. وقوله: "غمةٍ" أي: أمر شديد. وكل صوتٍ: جِرسٌ وجَرسٌ. وقد أجرس الطائر إذا سمعت صوت مره. وإنما عنى قوماً يطلبونه. و"المؤلب": المحرش.
(1/26)

40 ... تصانع أيديها السريح، كأنها
كلاب جميعٍ، غرة الصيف، مهربِ
يقول: تدارس به السقط من أيديها. و"المصانعة": المداراة. و"السريح": جمع سريحةٍ. وهي شقة يشد بها نعل الفرس، إذا أُنعِلَ. وقال أبو عمرو الشيباني: يريد جميع مهربٍ. "غرة الصيف" يقول: جاء الصيف، فارتحلوا عن ذلك المكان، فصارت الخيل مرسلةً، تجيء وتذهب، كأنها كلابٌ، تختلف من شدة الحر. ويقال: مازال مهرباً، إذا جاء ذعراً خائفاً. ويقال للمرأة، إذا جاءت مهربةً، مثل ذلك. ورواها أبو عبيدة: "كأنها كلابٌ، في هراسٍ، مقبب"، وقال: "الهراسة": شوكة مقببةٌ.

41 ... إذا انقلبت أدت وجوهاً، كريمةً
محببةً، أدين كل محببِ
"انقلبت": رجعت الخيل من الغزو. و"أدت وجوهاً كريمةً" أي: رجعت بها. يعني: فرسانها. "محببة" يعني: الخيل.

42 ... خدت، حول أطناب البيوت، وسوفت
مراداً، وإن تقرع عصا الحرب تركبِ
"الخدي": ضرب من السير. يقال: خدى الفرس يخدي خدياً،
(1/27)

وخدياناً، وخد يخد وخداً. وهو أن يزج بقوائمه، نحو عدو النعامة. "سوفت" يقول: شمت مواضع، قد عرفتها، كانت ترود فيها. و"المراد": حيث تسرح. وقوله: "وإن تقرع عصا الحرب" أي: يؤذن بالحرب. وليس للحرب عصاً. إذا كان فزع قيل: قرعت العصا. وقوله: "تركب" يقول: فيها فضل للتعقيب. وقوله: "حول أطناب البيوت" أي: هي مقربةٌ مكرمةٌ.

43 ... فلما بدا هضب القنان، وصارةٌ
ووازنٌ، من شرقيِّ سلمى، بمنكبِ
"القنان": جبلٌ لبني أسد. ويروى: "حبس القنان" وهو جبلٌ إلى جنب القنان. "وازن": ساوين وحاذين. وحكى الفراء: دارى بوازنِ [داره] ، أي: بحذائها. و"سلمى": أحد جبلي طيئ.

44 ... أنخنا، فسمناها النطاف، فشاربٌ
قليلاً، وآبٍ، صد عن كل مشرب
أي: صببنا لها الماء، وعرضناها عليه. يقال: "سمته" كذا وكذا أي: عرضته عليه. ويقال: سامه سوم عالةٍ، أي: عرض عليه عرضاً،
(1/28)

ليس بالمحكم. فالعالة: التي قد نهلت فشربت شربةً، ثم علت ثانيةً، فهي لا يعرض عليها الماء عرضاً يبالغ فيه. و"النطاف": جمع نطفةٍ. وهي البقايا القليلة، في المزاد والقرب. وقوله "صد عن كل مشرب" يقول: هو مجرب، قد علم أنه يغار عليه، فيترك الشرب، لأنه إذا طرد، وقد شرب، كان أشد عليه. فيقول: أنخنا الإبل، لنسقي الخيل. وقال غير الأصمعي: تعاف الماء، فلا تشربه، من التعب والكلال.

45 ... ترادى على فأس اللجام، كأنما
يرادى، به، مرقاة جذعٍ مشذبِ
"ترداى": تعالج وتراود عليه. فقلبه. وقد يكون "ترادى" من المدافعة. يقال: راداه على ذلك الأمر، من الردي. قال الأصمعي: من ثم قيل: درى حروبٍ. "مرقاة جذع" يريد: الموضع الذي يرتقى في النخلة منه. "مشذب": منزوع شذبه. وشذب كل شيء: ما إذا نقي ألقي. فيقول: كأنما نعالج، فعلاجه، جذعاً. وسمعت أبا عمرو يقول: المراداة: المصانعة، والمداراة، وهي المدالاة، والمصافاة، والمغاناة،
(1/29)

والمعانة، والمداجاة، والمساناة. وأنشد لكثير:
وللصرم من أسماء ما لم ندالها
46 ... وشد العضاريط الرحال، وأسلمت
إلى كل مغوار الضحى، متلبب
يقول: شد الأعوان الرحال، وأسلمت الخيل. أي: أن العضاريط كانوا يقودونها، وركب القوم الإبل. فلما دنا القتال أسلموها إلى الفرسان. "مغوار الضحى" يريد: صاحب غارة بالضحى. والغارة تكون مع الصبح، فلم يقدر أن يقوله، فقال: "الضحى". و"المتلبب": المتحزم بالسلاح. قال: وأنشدني أبو عمرو بن العلاء:
واستلأموا، وتلببوا ... إن التلبب للمغير
47 ... فلم يرها الراؤون، إلا فجاءةً
بوادٍ تناصصيه العضاه، مصوب
"تناصيه": تواصله. يقال: بلد بني فلانٍ وبلد بني فلانٍ يتناصيان. قال العجاج:
(1/30)

قيٌّ، تناصيها بلادٌ، قِيُّ
وقال أيضاً:
لم ترهبِ الشعواء أن تناصى
والشعواء: اسم ناقة له، أغير عليها. وقال: لم ترهب أن يصل إليها أحدٌ. و"العضاه": كل شجر يعظم له شوك. من أعرفِ ذلك الطلح، والسلم، والسيال، والعرفط.

48 ... ضوابع، تنوي بيضة الحي، بعدما
أذاعت، بريعان السوام، المعزبِ
"الضابع": الذي يهوي بحافر يده إلى عضده. قال: والعضد يقال له: الضبع. قال أبو عبيدة: الضبع: أن يمد ضبعيه حتى لا يجد مزيداً، حتى تساوى يداه بعنقه ورأسه. قال الراجز:
إن الجياد الضابعات في العذر
قال: ويحولون العين حاءً، فيقولون: الضبح. قال الله عز وجل: [والعاديات ضبحاً] . قال: وكان الحسن يقول: الضبح في الصوت. "تنوي": تريد و"بيضة الحي": جماعة الحي ومعظمهم. "أذاعت": طيرته وفرقته. يقال للرجل، إذا فرق الشيء في كل جهةٍ: أذاع به.
(1/31)

و"ريعان" كل شيء: أوائله. وكل إبل ترسل، فلا تعلف في الحي، عند أهلها، فهي "سائمة". فيقول: تنوي بيضة الحي، بعد أن أذاعت بأوائل السوام، وما عزب عن أهله، ففرقته. و"المعزب" الذي يبيت في المرعى، فر يروح إلى أهله. يقال: مالٌ عازبٌ وعزيبٌ. ويقال للرجل، إذا خف: عزب عنه حمله.
49 ... رأى مجتنو الكراث، من أهل عالجٍ
رعالاً، مطت من أهل شرجٍ، وأيهبِ
"الكراث": نبت ينبت في الرمل. و"عالج": بلد، يمر بين طيئ وفزارة. فقال: يصغر أمرهم: "رأى مجتنو الكراث" يريد أنه من طعمتهم وعملهم. وقال: هذا مثل قوله:
أتجني حربنا، وتخيم عنها ... أجبنا، يابن آكلة البرير
و"الرعال": أقاطيع الخيل، والحمر، والقطا. والواحدة: رعلة. "مطت": مدت بهم في السير. يقال: مطا بهم ليلته.

50 ... فألوت بغاياهم، بهم، وتباشرت
إلى عرض جيشٍ، غير أن لم يكتب
"
(1/32)

ألوت": لمعت لهم بثوبٍ، أو سيفٍ. "بغاياهم": أي: بغايا مجتني الكراث، الذين يبغون لهم الخير، ويلتمسونه وقوله: "بهم" أي: بالجيش. يقول: تباشرت البغايا إلى ذلك الجيش، حين رأته، وظنت أنه شيء يسرهم. "لم يكتب": لم يجمع فيصير كتيبةً. وأصل الكتب: الجمع. فمنه: كتب البغلة إذا ضم شفريها بحلقةٍ. قال: ومنه الكتب: الخرز. ويروى: "إلى عرض جيشٍ" يقول: ذهب هذا الجيش عرضاً. قال: إذا جاء الجيش متفرقاً، غير مكتبٍ، فهو لا يريد من دنا منه. وإذا جاء، مجتمعاً، فهو يريد الغارة.

51 ... فقالوا: ألا ما هؤلاء؟ وقد بدت
سوابقها، في ساطعٍ، متنصبِ
يقول: فقالوا ما هؤلاء؟ لما تبينوا، وقد بدت سوابق الخيل، في غبارٍ، قد ارتفع، وانتصب.

52 ... فقال بصيرٌ، يستبين رعالها:
هم، والإله، من تخافين، فاذهبي
ويروى:
وقال بصيرٌ، قد أبان رعالها: ... فهي، ورضى، من تخافين، فاذهبي
(1/33)

و"رضى": اسم صنم. "تخافين" يعني القبيلة.

53 ... على كل منشقٍّ نساها، طمرةٍ
ومنجردٍ، كأنه تيس حلبِ
يريد: على كل فرسٍ "منشق نساها" أي: موضع النسا منها قد انفلق اللحم عنه. و"النسا" عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذ، ثم يجري في الساق، فينحرف عن الكعب، ثم يجري في الوظيف، حتى يبلغ الحافر. فإذا سمن الدابة انفلق اللحم عن النسا، فبدا. فمن ثم تقول العرب للفرس: منشق النسا. "طمرةٌ": مشرفةٌ. ويقال للبناء العالي: طمار. "منجرد": قصير الشعرة. فهو أكرم له. وطول الشعر عجنة. وقال أبو عبيدة: الطمرة: الطويلة للقوائم، المرتفعة عن الأرض، الخفيفة الوثب. والمنجرد: الذي لا يتعلق به شيء. "تيس حلب" أي: تيسٌ، من الظباء، يأكل الحلب. فذاك أشد له، وأنشط.

54 ... يذدن ذياد الخامسات، وقد بدا
ثرى الماء، من أعطافها، المتحلب
"الذود": الرد. يقال: ذدت، إذا رددت. وأذدت إذا كنت تعين على الذود. قال الراجز:
ناديت في الحي: ألا مذيدا ... فأقبلت فتيانهم، تخويدا
(1/34)

فيقول: يردون، كما تضرب الإبل، ترد الخمس، فترد عن الماء، لترسل أرسالاً، يكسر بعضها بعضاً. و"الخامسات": التي وردت يوماً، ورعت ثلاثة أيامٍ، ثم وردت اليوم الخامس. وأصحابها مخمسون. و"ثرى الماء": ندوته. وإنما يتنمى، يعني العرق. و"أعطافها": جوانبها. و"المنتحلب": السائل.

55 ... وقيل: اقدمي واقدم، وأخِّر، وأرحبي
وها، وهلا واضرح، وقادعها هبي
زجرٌ كله. وأنشد:
تسمع زجر الكماة بينهم: قدم، وأخِّر، وارحبي، وهبي
يقول: والذي يقدعها ويكفها أن يقال لها: هبي وقال أبو عبيدة: "اقدم" للذكر، وللأنثى "اقدمي"، يأمره بالتقدم. و"أخِّرْ" وأخِّري يأمره بالتأخير. و"ارحبي": اخرجي إلى السعة: وتجيء "هلا" في موضع: إبعادٌ ونهي، وتجيء في موضعٍ آخر. وأنشد:
تكر بناتُ حلاب، عليهم ... ويزجرهن بين هلا، وهاب
وتجيء توقيراً، وهي في موضع الإسكان.
(1/35)

56 ... فما برحوا، حتى رأوا، في ديارهم
لواءً، كظل الطائر، المتقلبِ
57 ... رمت، عن قسي الماسخي، رجالنا
بأحسن ما يبتاع، من نبل يترب
يقال: رميت عن القوس، ورميت عليها. ولا يقال: رميت بها. قال الراجز:
أرمي عليها، وهي فرعٌ أجمع ... وهي ثلاث أذرعٍ، والإصبع
قال: و"الماسخي" منسوب إلى رجل. "رجالنا": رجالةٌ، في صدور الخيل. يقال: رَجُلٌ راجلٌ، ورَجلانُ، ورَجِلٌ، ورَجْلٌ. وأنشد الفراء:
علي، إذا أبصرت ليلى، بخلوةٍ ... أن ازدار بيت الله، رَجْلانَ، حافيا
وقومٌ رجالٌ، قال الله عز وجل: [يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامرٍ] وقوم رَجْلٌ، ورَجّالةٌ، ورَجالَى، ورُجالَى. قال أبو يوسف: قال ابن الكلبي: أول من عمل القسي، من العرب، ماسخة: رجلٌ من الأزد. فلذلك قيل للقسي: ماسخية. وأول من عمل الرحال عِلافٌ - وهو ريّان أبو جرمٍ - فلذلك قيل للرجال: علافية. وأول من عمل الحديد،
(1/36)

من العرب، الهالك بن أسد بن خزيمة. فلذلك قيل لبني أسد: القيون. قال أبو عبيدة: وأجود السهام، في الجاهلية، التي وصفتها الشعراء، سهام بلادٍ، وسهام يترب. وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، [معروفان] بجودة سهامهما. قال الأعشى:
بسهام يترب، أو سهام بلاد
58 ... كأن عراقيب القطا أُطَرٌ لها
حديث نواحيها، بوقعٍ وصلب
شبه الأطر بعراقيب القطا. و"الأطرة": العقبة، المشدودة على مجمع الفوق، لئلا يتفتق. وقوله: "حديث نواحيها" أي: حديث نواحي هذه السهام بالتحديد، لم يقدم، فتكل بوقعٍ. يقال: قع نصلك: اضربه بالميقعة، وهي المطرقة، حي يرق. ويقال: نصل وقيع. و"الصلب": حجارة المسان. ويقال لها: الصلبية. وأنشد:
هوي المدي من الصلب
ويقال: سنان مصلب، أي: يسن على سنان صلبي. قال أبو يوسف: وسمعت أبا عمرو الشيباني يقول: الرمض مثل الوقع. يقال: قع شفرتك وارمض شفرتك. وهي شفرة رميض ووقيع. وهو أن يرقها بين حجرين، ثم يسنها بعد بالمسن.
(1/37)

59 ... كسين ظهار الريش، من كل ناهضٍ
إلى وكره، وكل جونٍ، مقشبِ
للريشة ناحيتان، فالناحية التي هي أقصر: ظهرٌ. والتي هي أطول: البطن. والبطنان جمع بطنٍ. والظهران جمع ظهرٍ. فإذا كانت قذةٌ من ظهرٍ، وقذوةٌ من بطن، فهو لغابٌ. "من كل ناهضٍ" يريد ريش الفراخ. والناهض أقوى من المسن، وأجود. والأسود لا يكون إلا فتياً. فإذا كبر اشهاب، ورق سواده، وضعف ريشه. و"المقشب": المسموم. يعييهم، فيجعلون له الخربق، أو سماً، يقشبونه في طعامه، أي: يخلطونه، يعني النسر. وأنشد للهذلي:
تخاله نسراً، قشيباً
أي: مقشوباً. ويقال: قشبه بشرٍ، وأشبه بشرٍّ.

60 ... فلما فنى ما في الكنائن ضاربوا
إلى القرع، من جلد الهجان، المجوبِ
قوله "فنى" أراد: فني. وهي لغة طائيية، يصيرون الياء إذا
(1/38)

كانت متحركةً ألفاً. قال زيد الخيل:
فلولا زهيرٌ، أن أكدر نعمةً ... لقاذعت عمراً، ما بقيت، وما بقى
إلى كل عامٍ مأتمٌ تجمعونه ... على محمرٍ عودٍ، أثيب، وما رضى
تجدون خمشاً، بعد خمش، كأنما ... على سيدٍ، من خير قومكم نعى
يريد: بقي، ورضي، ونعي: يقول: لما نفدت ِالسهام ضربوا بأيديهم إلى الترسة، والسيوف، ليقاتلوا. و"القرع" هي الترسة. يقال للترس، إذا كان صلباً: إنه لقراعٌ. وأنشد:
ومجنأ، أسمر، قراع
و"الهجان": الكرام، من الإبل. وهجان كل شيء: خياره. وهجان يكون للواحد والجميع. وقد يجمع فيقال: هجائن النعمان. وأنشد:
هذا جناي، وهجانه فيه
أي: خياره. وأنشد:
وإذا قيل: من هجان قريش؟ ... كنت أنت الفتى، وأنت الهجانا
"مجوب": معمولٌ جوباً. والجوب: الترس.
(1/39)

61 ... فذاقوا، كما ذقنا، غداة محجرٍ
من الغيظ، في أكبادنا، والتحوب
"محجر": يوم، كان على غنيٍّ. و"التحوب": التوجع.

62 ... أبأنا بقتلانا، من القوم، مثلهم
وما لا يعد، من أسيرٍ مكلب
يقول: كافأنا بقتلانا مثلهم. يقال: باء فلانٌ بفلانٍ يبوء به، إذا كان كفاء به أن يقتل به. وما ذانٌ ببواء بفلانٍ أي: ما هو منه بكفاء. وقد أبأت فلاناً بفلانٍ أي: جعلت دمه بدمه. ويروى: "ضعفهم" أي: مثلهم مرتين. "وما لا يعد" أي: وما لا يحصى، أي: أن هؤلاء الأسارى أفضلوا على الضعف الذي أتاهمم. و"المكلب" والمكبل سواءٌ. وهو: الموثق في الحديد. فقلب.

63 ... نروي صدور المشرفية، منهم
وكل شراعيٍّ، من الهند، شرعب
"المشرفية": السيوف، منسوبة إلى المشارف. وهي أدنى الريف من البدو. و"الشرعب": الجسيم الطويل.

64 ... بضربٍ، يزيل الهام، عن سكناته
وينقع، من هام الرجال، بمشرب
(1/40)

"الهام": جمع هامةٍ. وهي معظم الرأس. "سكناته": مقره ومسكنه. ومقيل÷: موضعه الذي يكون فيه. فيقول: يزيله عن حيث يسكن، وقوله: و"ينقع" يقال للرجل: إذا بلغ الري: قد نقع ينقع نقوعاً، وبضع يبضع بضوعاً. فيقول: يرد هام الرجال وروداً، يذهب ما في صدره، يعني: السيف. وهذا مثل، كما يذهب ما في صدر الحران، من حرة العطش، إذا شرب فروي. فاللفظ على السيف، والمعنى على صاحبه، لأن السيف لا ينقع.

65 ... فبالقتل قتلٌ، والسوام بمثله
وبالشل شل الغائط، المتصوبِ
أي: أصابنا قتلٌ، فأصبناهم بمثله. وقوله "والسوام بمثله" يقول: وما أخذ، من سوامهم، فبمثل ما أخذ من سوامنا. والسوام: المال الراعي. و"الشل": الطرد. و"الغائط": المكان [المطمئن] من الأرض.

66 ... وجمعن خيطاً، من رعاء، أفأنهم
وأسقطن، عن أقفائهم، كل محلبِ
"
(1/41)

خيطاً" أي: فرقاً، نبذٌ من جماعةٍ. يقال: فيها خيط من نعامٍ، وخيطٌ؛ والجمع خيطان، ويقال: بها خيطى من نعامٍ، على لفظ سكرى. "أفانهم": جعلنهم فيئاً. قوله "وأسقطن عن أقفائهم" هؤلاء قوم، كانوا يرعون، فأزعتهم الخيل، ومحالبهم معلقةٌ خلفهم، فأسقطوها. و"المحالب": العلب. واحدها: محلبٌ.

67 ... فرُحن، يبارين النهاب، عشيةً
مقلدة أرسانها، غير خيبِ
"يبارين" أي: يسايرن ما انتهب. و"النهاب": جمع نهبٍ. قوله "مقلدة أرسانها" يقول: ألقيت اللجم عنها، فصارت تقاد مع النهاب. "غير خيب" يقول: رجعت لم تخب، قد ظفرت بما أرادت.

68 ... معرقة الألحي، تلوح متونها
تثير القطا، في منقلٍ، بعد مقرب
أي: ليست بغلاظ الوجوه، ولا اللحم كثير فيها. ويستحب أن يكون اللحم معروقاً. قوله: "تلوح متونها" يقول: هي معرقة المتون،
(1/42)

يكاد يستبين العصب، من قلة اللحم. و"المنقل": الطريق في الغلظ. و"المقرب": طريق يختصر منه.

69 ... لأيامها قيدت، وأيامها غزت
بغنمٍ، ولم تؤخذ بأرضٍ، فتغصبِ
يقول: هيئت، وقيدت، وصنعت لأيامها التي يحتاج إليها. وقوله: "وأيامها غزت" أي: وذاك أردات الخيل أيضاً. يقال: إن فلاناً ليغزو كذا وكذا، أي: يريده. وقال غير الأصمعي: هو من الغزو. قوله: "ولم تؤخذ" يقول: لم يأخذوها، جماعتها، من قومٍ غصباً. ولكنها انتقيت من كل حي. فهي خيار. ويروى: "ولم توجد" أي مهملة.

70 ... كأن خيال السخل، في كل منزلٍ
يضعن به الأسلاء، طلاء طحلبِ
ويروى: "طلاء". وكل ما طلى شيئاً، فالبسه، فهو طلاء. قال: تطرح السخلة، وهي كأنها ماء في سلاها، فتجف، فكأنها خيطٌ من طحلب، في يبسه.

71 ... طوامح، بالطرف، الظراب إذا بدت
محجلة الأيدي، دماً بالمخضبِ
أي: يطمحن بطرفهن إلى "الظراب". وهي: جمع ظرب. وهو جبيل صغير. يقول: لم يكسرها الغزو، وهي سامية العيون. وقوله "محجلة" أي: صارت محجلة بالدم. و"المخضب": موضع الخضاب، من المرأة.

72 ... وللخيل أيامٌ، فمن يصطبر لها
ويعرف لها أيامها الخير تعقبِ
قوله: "وللخيل أيامٌ، فمن يصطبر لها" أي: يصطبر للأيام, وقوله "أيامها الخير" يقول: أيامها الصالحة. ويقال معناه: تعقب الخير.

73 ... وقد كان حيانا عدوين، في الذي
خلا، فعلى ما كان في الدهر، فارتبي
أراد "ارتبي" أيتها العداوة، أي: اثبتي. يقال: ما زال راتباً ليلته، أي: ثابتاً. وما زال راتباً بين يدي فلانٍ. وترتبٌ: تفعلٌ منه. ومثله إنه لذو تُدرَأٍ عن قومه، أي: درء، أي: يدفع.

74 ... إلى اليوم لم نحدث، إليكم، وسيلةً
ولم تجدوها عندنا، في التنسبِ
يقول: لم نأتكم نتليّنُ لكم، ولكن جئنا نقاتلكم. وقوله "ولم تجدوها" يقول: ليست بيننا وبينكم مودةٌ، ولا نسبٌ، من قبل شيء من الأشياء، نعطفكم به.

75 ... جزيناهم أمس الفطيمة، إننا
متى ما تكن، منا، الوسيقة نطلبِ
يقول: فعلنا بهم ما فطمهم عنا، لا يغزوننا بعدها، ولا يتعرضون لنا, وأصل "الفطم": القطع. و"الوسيقة": الطريدة. والجمع وسائق. وهي السيقة أيضاً، والجمع سيائق. وكل ما طرد وسيق فقد وسق. فيقول: متى تكن أموالنا الطريدة نطلبها.

76 ... فأقلعتِ الأيام عنا، ذؤابةً
بموقعنا، في محربٍ، بعد محربِ
"بموقعنا" أي: بوقائعنا. "محرب بعد محرب" أي: محاربة بعد محاربة. و"ذؤابةٌ" أي: نحن ذؤابةٌ. وفرعٌ. لسنا بأذناب.

77 ... فلم تجد الأقوام، فينا، مسبةً
إذا استدبرت أيامنا، بالتعقب
"استدبرت": نُظِرَ في أدبارها. و"التعقب": النظرُ في عاقبتها. فيقول: لا يجدون فينا مسبةً، إذا تعقبوا أيامنا، وطلبوا معايبنا.

2 وقال علقمة بن عبدة التميمي

1 ... ذهبت، من الهجران، في غير مذهب
ولم يك حقاً كل هذا التجنبِ
ويروى: "طول هذا التجنب". يقول: لم يكن من الحق أن تجتنبي هذا التجنب كله، ولم آت ذنباً، استحققت به منك التجنب. ويقال: إنما خاطب نفسه بذلك، وعاتبها.

2 ... لليلى، فلا تبلى نصيحة بيننا
ليالي حلوا، بالستار، فغرب
يعني: فليس تبلى نصيحة بيننا. يروى: "ليالي لا تبلى نصيحة بيننا". و"حلوا": نزلوا. و"الستار وغرب": موضعان.

3 ... مبتلة، كأن أنضاء حليها
على شادنٍ، من صاحةٍ، متربب
قوله: "مبتلة" يعني: لم يركب بعضها بعضاً. وقوله "أنضاء حليها" يعني: قرطيها وقلائدها، أنها لطيفة، شبهها بالشادن. وقوله "متربب" يريد: تربية الجواري. و"الشادن": ولد الظبية، حين قوي.

4 ... محال، كأجواز الجراد، ولؤلؤٌ
من القلقي، والكبيس، الملوبِ
"المحال" ههنا: الشذر المتخذ من الذهب. وقوله: "كأجواز الجراد" شبهه بصدور الجراد. والأجواز: الأوساط. الواحد: جوز. قال: و"القلقي": جنس من اللؤلؤ. و"الكبيس" منه: ما كبس، أي: حُشِيَ وطُلِيَ. وقالوا: الكبيس: الطيب في قوارير. "الملوب" أي: مطلي بالملاب.

5 ... إذا ألحم الواشون، للشر، بيننا
تبلغ رمس الحب، غير المكذبِ
قوله: "ألحم" كما يفعل الناسج في لحمة الثوب. ضربه مثلاً. و"الواشون": النمامون. وأصله من الوشي. يقال للذي يعمل الوشي: الواشي والوشاء. شبه النمام به، لتأليفه الكلام، وتزيينه له، كما يؤلف الوشاء سلوكه، ويزينها. وقوله "تبلغ" يعني بالتي في الفؤاد. و"رمس الحب": رسوخ الحب. وأصله من الرمس، وهو الدفن. وهو يريد به ههنا: الثابت. وقوله "غير المكذب" أي: هو غير زائلٍ، ولا منقطع.

6 ... وما أنت، أم ما ذكرها، ربعيةً
تحل بإيرٍ، أو بأكناف شربب؟
قوله: "ربعية" أي: هي من ربيعة. و"إير" جبل. و"أكناف شربب": جوانب جبل أو أكمةٍ. وواحد الأكناف: كنف.

7 ... أطعت الوشاة، والمشاة بصرمها
فقد أنهجت حبالها، للتقضبِ
قوله: بصرمها" أي: في صرمها. أي: قطعتها و"أنهجت": أخلقت. و"التقضب": التقطع. و"الحبال": حبال المودة.

8 ... وقد وعدتك موعداً، لو وفت به،
كموعد عرقوب أخاه، بيثرب
"عرقوبٌ" رجل من الأوس أو الخزرج، استعراه أخٌ له نخلةً، فوعده إياها، فقال له: حتى تزهي. فلما أزهت قال: حتى نرطب. فلما أرطبت قال: حتى يمكن صرامها. فلما دنا صرامها أتاها ليلاً، فصرمها، وأخلف صاحبه. فضربته العرب مثلاً، لكل ذي وعدٍ وخلف.

9 ... وقالت: فإن نبخل عليك ونعتلل
تشك، وإن يكشف غرامك تدربِ
قوله: "تشك" أي: تشكو ذاك. و"غرامه": عذابه، وغمه، وشدة ما هو فيه منه. و"تدرب" أي: تعتاد. يعني: إن صرت إلى ما تريد اعتدت، ودربت عليه وهو المعتاد.

10 ... فقلت لها: فيئي، فما يستفزني
ذوات العيون، والبنان المخضبِ
قوله: "فيئي" أي: ارجعي إلى أهلك. قال الله عز وجل: (فإن فاؤواٍ) . وقال عز وجل: (فإن فاءت فأصلحوا) . و"يستفزني": يستخفني.

11 ... ففاءت كما فاءت، من الأدم، مغزلٌ
ببيشة، ترعى في أراكٍ، وحلب
يقول: رجعت كما رجعت ظبيةٌ "مغزلٌ" معها غزال. و"بيشة": أرض قفر واسعة. و"حلب": شجر ترعاه الوحش.

12 ... فعشنا بها، من الشباب، ملاوةً
فأنجح آيات الرسول، المخبب
قوله: "ملاوةً" أي: دهراً طويلاً. ويقال: ملاوة، بالفتح. وقوله: "فأنجح آيات الرسول، المخبب" يقول: فأنجح ما كان يقول الذين يخببون، أي يسرعون إلى النميمة بيننا. قال: و"الآيات": العلامات. ويروى: "المخبب" بالفتح.

13 ... فإنك لم تقطع لبانة عاشقٍ
بمثل بكورٍ، أو رواحٍ، مؤوبِ
"اللبانة": الحاجة. والجمع: لباناتٌ. وقوله "مؤوب" يعني: يؤوب فيه، أي: يرجع في سيره. وأصله من الإياب وهو الرجوع.

14 ... بمجفرة الجنبين، حرفٍ، شملةٍ
كهمك، مرقالٍ على الأين، ذعلب
"المجفرة": الناقة المنتفخة الجنبين. و"الحرف": الضامرة التي كأنها حرف جبل. وقيل: إنه إنما لها حرفٌ، لصلابتها، شبهها بحرف جبلٍ. و"الشملة": السريعة الخفيفة. وقوله "كهمك"
(1/51)

يعني: كما تشتهي. و"مرقال" يعني: ذت إرقال. وهو سير فوق العنق. و"الأين": الإعياء.

15 ... إذا ما ضربت الدف، أو صلت صولةً
ترقب، مني، غير أدنى ترقبِ
"الدف": الجنب، جنب الناقة. ومعنى قوله "صلت صولة": حملت عليها في السير حملة. و"ترقب": تخاف السوط، فهي تلحظه بمؤخر عينها. وذلك مراقبتها، وهو معنى قوله: "غير أدنى ترقب".

16 ... بعينٍ، كمرآة الصناع، تديرها
ومحجرها من النصيف، المثقبِ
"الصناع": المرأة الرفيقة الكف. و"محجر" العين: ما حولها. و"النصيف": الخمار الذي تنتقب به.

17 ... كأن بحاذيها، إذا ما تشذرت،
عثاكيل عذق، من سميحة، مرطبِ
"الحاذان": مكتنفا الذنب. والواحد: حاذٌ. و"تشذرت": رفعت ذنبها. و"العثاكيل": جمع عثكول. وهو القنو. منهم من يقول: إن العثكول الذي قد بقي، من رطبه، شيءٌ قليلٌ.
(1/52)

و"العذق" بالفتح: النخلة. و"سميحة": موضعٌ كثير النخل. وإنما يصف ذنبها، سبهه بالعثكول.

18 ... تذب به طوراً، وطوراً، تمره
كذب البشير، بالرداء، المهدبِ
قوله: "به" أي: بالذنب. و"طوراً" أي: حيناً. "تمره": كأنها تفتله على فرجها. و"البشير" يلمع للقوم بالرداء، إذا جاء مبشراً، يعلم بذلك القوم أنه يبشرهم بخير.

19 ... وقد أغتدي، والطير في وكناتها
وماء الندى يجري، على كل مذنبِ
"الوكنات" والوكرات: جمع وكنٍ ووكرٍ. ويجمع: وكونٌ ووكورٌ. وهي: المواضع التي تعشش فيها الطير. و"المذنب": واحد المذانب. وهي مسايل الماء، ومجاريه إلى الرياض.

20 ... بمنجردٍ، قيد الأوابد، لاحه
طراد الهوادي، كل شأوٍ، مغربِ
"المنجرد": الفرس القصير الشعرة. وبه توصف الخيل العتاق. وقوله "قيد الأوابد" أي: أنه يدركها، فكأنه قيدٌ لها، من سرعته. والأوابد: الوحش. و"لاحه": غيره. فال: و"الطراد": المطاردة.
(1/53)

و"الهوادي": أوائل الوحش، ومتقدماتها. و"الشأو": الطلق والغاية. و"مغرب": بعيد.

21 ... بغوجٍ لبانه، يتم بريمه
على نفث راقٍ، خشية العين، مجلبِ
"الغوج": الواسع العريض جلد الصدر. وهو مما يوصف به الفرس الجواد. و"اللبان": الصدر. و"البريم": الخيط الذي يعوذ به، ويقلده خشية العين عليه. وقوله: "يتم بريمه" أي: هو لازمٌ له دائمٌ. و"المجلب": الكثير النفث والرقي. وقالوا: البريم: الحزام. يصف بذلك سعة جوفه. ويقال: إن المجلب الذي تبرك عليه، بصياحٍ وجلبةٍ.

22 ... كميتٍ، كلون الأرجوان، نشرته
لبيع الرئي، في الصوان، المكعب
كل أحمر "أرجوان". وإنما يريد أن الكمتة منه تضرب إلى الحمرة. و"الرئي": فعيل من الرؤية والنظر. وهو الناظر. و"الصوان": التخت. وقوله: "المكعب" يعني: ضرباً من الوشي. ويقال: بل هو المطوي، من المتاع المشدود.
(1/54)

23 ... ممرٍّ، كعقد الأندري، يزينه
مع العتق، خلق مفعم، غير جأنب
"الممر": الشديد الفتل. وإنما أراد صلابة لحمه. و"الأندري": قلسٌ منسوب إلى قرية بالشام، يقال لها الأندرين، وهي التي ذكرها عمرو بن كلثوم و"العتق": الكرم. "المفعم": الممتلئ. و"الجأنب": القصير.

24 ... له حرتان، يعرف العتق فيهما،
كسامعتي مذعورةٍ، وسط ربرب
"حرتان" يعني: أذنيه. و"العتق": الكرم. و"السامعتان" هما الأذنان. و"المذعورة": البقرة المفزعة. قال: و"الربرب". الجماعة من بقر الوحش.

25 ... وجوف، هواء تحت متنٍ، كأنه
من الهضبة الخلقاء، زحلوق ملعب
"وجوف هواء" أي: واسع. شبهه بالفضاء الواسع. و"الهضبة": جبيلٌ. و"الخلقاء" الملساء. و"الزحلوق": مكان أملس، يلعب عليه الصبيان.
(1/55)

26 ... قطاةٌ، ككردوس المحالة، أشرفت
على كاهلٍ، مثل الغبيط، المذأب
"القطاة" من الفرس: موضع الردف. و"الكردوس": عظم محال البعير، إذا كان تاماً ضخماً. و"المحالة" والمحال: الظهر. و"الكاهل": المنسج. و"الغبيط": مركبٌ من مراكب النساء. شبه صلابة الكاهل بشدة صلابة هذا المركب، لأنه يتخذ من أجود الخشب. و"المذأب": القتب، أو السرج يتخذ له فرج، من مقدمه، ومؤخره.

27 ... وغلبٌ، كأعناق الضباع، مضيغها
سلام الشظى، يغشى بها كل مركب
قوله "غلب" يعني: قوائمه، أنها غلاظ، شداد. شبهها بأعناق الضباع. و"مضيغها" عصبها. و"السلام": السليمة التي ليس بها شظى. و"الشظى": عُظَيمٌ دقيقٌ، يكون في الوظيف. فيقول: إن هذا الشظى إذا كان بالفرس استرخى عصبه. أي: فليس هو كذلك، بل هو سليم منه.

28 ... وسمرٌ، يفلقن الظراب، كأنها
حجارة غيلٍ، وارساتٌ، بطحلبِ
(1/56)

قوله: "وسمر" يعني: حوافر الفرس. و"الظراب": الجبال الصغار. و"الغيل": الماء الجاري. وإنما قال "حجارة غيل" لأن الحجر إذا كان في الماء فهو أصلب له. و"وارسات": لاصقات. و"الطحلب": الخضرة التي تعلو الماء.

29 ... إذا ما اقتنصنا لم نخاتل، بجنةٍ
ولكن ننادي، من بعيدٍ: ألا اركبِ
"اقتنصنا": تصيدنا. وقوله: "لم نخاتل بجنة" يقول: لا نختله بأن نستتر عنه، يعني القنيص، ولكن نجاهره، ثقة منا بالفرس. و"المناداة" وقعت على "أخي ثقة".

30 ... أخا ثقةٍ، لا يلعن الحي شخصه
صبوراً، على العلات، غير مسبب
قوله "أخا ثقة" يعني به: الفرس، أي: يوثق بجريه وكرمه. وقوله "على العلات" يقول: على ما به، من علةٍ، أو تعبٍ. وقوله "غير مسبب" يقول: لا يسب، ولا يلعن. ولكن يفدى.

31 ... إذا أنفدوا زاداً فإن عنانه
وأكرعه، مستعملاً، خير مكسب
"
(1/57)

انفدوا": أفنوا. وقوله "مستعملاً" أي: يصاد عليه. فذلك خير مكسب.

32 ... رأينا شياهاً، يرتعين خميلةً
كمشي العذارى، في الملاء، المهدب
"الشياه": جمع شاةٍ. وهي ههنا البقرة من الوحش. قال: و"الخميلة": الرملة يكون فيها شجر. والجمع خمائل.

33 ... فبينا تمارينا، وشد عذاره
خرجن علينا، كالجمان، المثقبِ
"تمارينا": تشاكنا. وهو تفاعلنا من الشك، وهي المرية.

34 ... فأتبع آثار الشياه، بصادقٍ
حثيثٍ، كغيث الرائح، المتحلب
"فأتبع" أي: اتبع. ويقرأ هذا الحرف، من كتاب الله عز وجل (فاتبع سبباً) و (فأتبع سبباً) . و"أدبار الشياه": جمع دبرٍ. يريد: وراءها. و"الصادق" والصدق: الصلب. و"حثيث": سريع. و"الغيث": المطر. و"المتحلب": يتحلب للمطر.
(1/58)

35 ... ترى الفأر، في مسترغبِ القدر، لائحاً
على جدد الصحراء، من شد ملهب
"المسترغب" ههنا: الخطو. وقوله: "لائحاً" أي: بيناً. و"القدر": قدر الخطو الواسع. و"الجدد": ما غلظ من الأرض، وصلب. و"الملهب": الذي كأن عدوه إلهاب نارٍ.

36 ... خفى الفأر، من أنفاقه، فكأنما
تجلله شؤبوب غيثٍ، منقبِ
"خفى" ههنا: أظهر. وأخفى: كتم وستر. قال: ويقرأ هذا الحرف، في كتاب الله عز ذكره (أكاد أخفيها) و"أخفيها"بفتح الألف وضمها، على تأويل الوجهين. ومنه قول امرئ القيس:
فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
أي: لا نظهره. و"أنفاق" الفأر: جحرته. والواحد: نفق. قال الله عز وجل: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً) . و"شؤبوب غيث" أي: أوله. والغيث: المطر. و"منقب": مستخرجٌ.
(1/59)

37 ... فظل لثيران الصريم غماغمٌ
تداعسهن، بالنضي، المعلب
"الصريم": الرمل المنقطع. ويقال له أيضاً: الصريمة. والجمع: صرائم. و"الغماغم": الأصوات. و"تداعسهن": تطاعنهن. و"النضي" ههنا: القناة، أو الرمح. "المعلب": المشدود بالعلباء.

38 ... فهاوٍ، على حر الجبين، ومتقٍ
بمدراته، كأنها ذلق مشعب
يقول: منها ما هوى على وجهه. وقوله "ومتق" يقول: ومنها ما هوى على قرنيه، متقياً بهما الأرض. و"مدراته": قرنه. و"الذلق": الحد والطرف. و"مشعب": المنقب، الذي يشعب به.

39 ... وعادى عداءً، بين ثورٍ ونعجةٍ
وتيسٍ شبوبٍ، كالهشيمة، قرهب
"عادى" أي: والى بين هذا وهذا، أي: والَى بين صيدين صرعهما. و"النعجة": البقرة الوحشية. و"الثور": من بقر الوحش. وجمعه أثؤر وثيران. و"الشبوب": المسن. وكذلك "
(1/60)

القرهب" هو المسن من الثيران أيضاً. قال: وقوله: "كالهشيمة" قال: الهشيمة الشجرة البالية الجافة. وجمعها هشيم. قال الله عز وجل، في كتابه الكريم: (كهشيم المحتظر) . وقوله: "عداء" يريد: مصدر "عادى". والعداء بالفتح: الصرف. يقال: عدتني عنك العوادي، أي: صرفتني ومنععتني منك.

40 ... فقلنا: ألا، قد كان صيدٌ، لقانصٍ
فخبوا، علينا، فضل برد مطنبِ
"القانص": الصائد. وهو القناص أيضاً. والقنص: الصيد. "فخبوا" أي: ضربوا علينا خباءً.

41 ... فظل الأكف يختلفن بحانذٍ
إلى جؤجؤٍ، مثل المداك، المخضب
"الحانذ" والحنيذ مثل قولك: الناصح والنصيح. وقوله "إلى جؤجؤ" أي: مع جؤجؤٍ. و"المداك": حجر العطار، الذي يسحق عليه الطيب. قال: و"الجؤجؤ": الصدر. وهو للطائر، فاستعاره ههنا. شبه صدر الفرس بالمداك لصلابته.

42 ... كأن عيون الوحش، حول خبائنا
وأرحلنا، الجزع الذي لم يثقب
"
(1/61)

الجزع: الخرز اليماني، والجزع: منعطف الوادي، ومنثناه.

43 ... ورحنا، كأنا من جواثى، عشيةً
نعالي النعاج، بين عدلٍ، ومحقبِ
"جواثى": مكان بالبحرين. يقول: كأنا تجارٌ، قد تحملوا من هذا الموضع، من كثرتنا، وما معنا من الصيد. و"النعاج": الإناث، من بقر الوحش. وقوله "بين عدل ومحقب" يقول: من الصيد ما جعل كالعدل، ومنه ما شد إلى موضعٍ الحقيبة.

44 ... وراح، كشاة الربل، ينفض رأسه
أذاةً به، من صائكٍ، متحلبِ
"شاة الربل": البقرة. وهي تكون في الربل، فنسبها إليه. والشاة أيضاً: الثور. و"الصائك" ههنا: العرق اللاصق به. و"المتحلب": السائل.

45 ... وراح يباري، في الجناب، قلوصنا
عزيزاً علينا، كالحباب، المسيب
"المباراة" ههنا: المسابقة. و"الجناب": المجانبة. أي: هو مجنوبٌ. و"الحباب": الحية.
(1/62)

3 وقال الحادرة
واسمه، فيما زعم عاصم بن منظور، قطبة بن قيس بن الأعظم بن عبد العزى. والناس يقولون: اسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول بن حبيب بن عبد العزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. قال أبو سعيد: سمعت شيخاً، من أهل المدينة، من بني كنانة، قال: كان حسان بن ثابت إذا قيل له: أنشد، قال: هل أنشدت كلمة الحويدرة. يعني: هذه القصيدة:
1 ... بكرت سمية، بكرةً، فتمتعِ
وغدت، غدو مفارقٍ، لم يربعِ
أي: فأدركها، فتمتع منها بسلامٍ، أو حديثٍ. "لم يربع": لم يكف عن السير.
(1/63)

2 ... وتزودت عيني، غداة لقيتها
بلوى عنيزة، نظرةً، لم تنفع
3 ... وتصدفت، حتى استبتك، بواضحٍ
صلتٍ، كمنصب الغزال، الأتلعِ
"تصدفت": أعرضت. و"استبتك" غلبتك على عقلك، صرت كأنك سبيٌّ في يديها. وقوله: "بواضحٍ" يعني وجهها. و"الصلت": الأجرد الأملس. و"الأتلع": الطويل العنق، من كل شيء.

4 ... وبمقلتي حوراء، تحسب طرفها
وسنان، حرة مستهل الأدمعِ
"وسنان" يقول: كأن به سنة، يعني: فاترة، "والسنة": النعاس. "وحرةٌ": عتيقة كريمة، أي: هي عتيقة مجرى الدمع. و"استهلت" عينه: إذا اشتد قطرها.

5 ... وإذا تنازعك الحديث رأيتها
حسناً تبسمها، لذيذ المكرع
يقول: مقبلها يطيب، كما يطيب المكرع، في الماء العذب، ويلذ.
(1/64)

6 ... كغريض ساريةٍ، أدرته الصبا
من ماء أسجر، طيب المستنقع
"الغريض": الماء الطري من سارية سرت. و"السارية" وجمعها سوارٍ: سحائب، تمطر بالليل. قال الأصمعي: قيل لابنة الخس: أي شيء أحسن؟ قالت: أثر غادية في أثر سارية. قال: ومعنى استدرته و"أدرته" واحد، أي: استخرجت ماءه. و"أسجر": واد، لم يصف ماؤه. يقال لماء السماء قبل أن يصفو: إن فيه لسجرة، وإنه لأسجر. قال العجير:
غدت كالقطرة، السجراء، راحت ... أمام مزمزمٍ، لجبٍ، نفاها
أي: قذفها.

7 ... ظلم البطاح، بهب، انهلال حريصةٍ
فصفا النطاف، له، بعيد المقلع
"ظلم البطاح": جاء في غير وقته. يقال: ظلم المطر الأرض يظلمها ظلماً. وأرض مظلومةٌ، إذا أصابها المطر في غير وقته. ويقال: سقاء مظلوم. وهو الذي يشرب لبنه قبل أن يبلغ وقت روبه. قال: وأنشدني عيسى بن عمر:
وصاحب صدق، لم تنلني أذاته ... ظلمت وفي ظلمي له، عامداً، أجر
(1/65)

يقول: سقيته قبل أن يدرك، فأجرت في ذلك. ويقال: اليوم ظلم، أي: وضع الشيء في غير موضعه. وقال الشاعر:
قالت له سلمي، بأعلى ذي سلم: ... أما تزورنا، إن الشعب ألم
قال: بلى، يا ميُّ، واليوم ظلم
والظلم: ماء السن. وإنما هو بريق تراه، كما يقال: ماء السيف. والظلم: الاسم، والظلم: الفعل، وهو المصدر، مثل الدَّهن والدُّهن. و"البطاح": بطون الأودية. و"انهلالها": سيلانها. يقال: انهلت السماء، أي: سالت. و"الحريصة": السحابة، تقع على الأرض، شديدة الوقع، فتقشر وجه الأرض. "فصفا النطاف" أي: صفا ماء هذه السحابة، بعيد أن أقلعت. و"النطفة": الماء. يقال: أرض بني فلان أعذب أرض الله نطفة. قال: وزعموا أن خالد بن صفوان قال: ما رأينا أرضً أعذب نطفةً، ولا أقرب مسافةً، ولا أذل مطية، منها. يعني: الأبلة. قال: فقال أعرابي من بني نمير: فعلام تضرب أكباد الإبل إلى بيت الله الحرام؟ قال أبو عمرو: بهذا وأشباهه غلب هذا والنابغة الناس.

8 ... لعب السيول، به، فأصبح ماؤه
غللاً، تقطع، في أصول الخروع
"لعب السيول به" أي: جاءته من كل وجهٍ، كأنهن يلعبن.
(1/66)

و"الغلل": الماء الجاري في أصول الشجر. والغيل: الماء الجاري على وجه الأرض. والغيل: الشجر الملتف. و"الخروع": النبت الناعم.

9 ... فسمي، ويحك، هل سمعت، بغدرةٍ
رفع اللواء، لنا بها، في مجمعِ؟
قال: يقال: لكل غادر لواء. فيقول هل كان منا ما يرفع للناس، ويشهر؟
10 ... إنا نعفُّ، فلا نريب حليفنا
ونكف شح نفوسنا، في المطمعِ
يقول: لا نأتيه بأمر، يريبه.

11 ... ونقي، بآمن مالنا، أحسابنا
ونجر، في الهيجا، الرماح، وندعي
"ندعي": نقول: نحن بنو فلان. "بآمن": أي: بقوي مالنا، وأوثقه في أنفسنا. و"الإجرار": أن تطعن الرجل، وتدع الرمح فيه.

12 ... ونخوض غمرة كل يوم كريهةٍ
تردي النفوس، وغنمها للأشجع
"الغمرة": الشدة. "تردي": تهلك. يقول: هي ذات ردًى. وقوله: "للأشجع": لأهل الشجاعة والبأس. يقول: الغنيمة للذي هو أقوى.
(1/67)

13 ... وتقيم، في دار الحفاظ، بيوتنا
زمناً، ويظعن غيرنا، للأمرعِ
"دار الحفاظ": التي لا يقيم بها إلا من حافظ على حسبه. وذلك أنه لا يحافظ على حسبه إلا الشريف. و"الأمرع": الأرض الخصبة. ومثله قول سلامة:
يقال: محبسها أدنى لمرتعها ... ولو تعادى، ببكءٍ، كل محلوب
يقول: نحبسها في دار الحفاظ، ليهابنا عدونا. فهي أدنى لأن ترتع، بعد، حيث شئنا. والبكء: قلة اللبن. يقال: كانت غزيرة فبكؤت، إذا قل لبنها. ومثله قول عمرو بن كلثوم:
ونحن الحابسون، بذي أراطى ... تسف الجلة، الخور، الدرينا
فيقول: نحن نحبس إبلنا، في الرعي، حفاظاً على حسبنا، حتى تصير إلى أن تأكل هذا. ومثله قول الشاعر:
تقيم، على دار الحفاظ، بيوتهم ... فهم خير أيسارٍ، وخير فوارس
وقوله: تعادى: تتابع.

14 ... بسبيل ثغرٍ، لا يسرح أهله
سقمٍ، يشار لقاءه، بالإصبعِ
"
(1/68)

الثغر": الموضع المخوف. والثغرة مثله. وقال الهذلي: السالك الثغرة اليقظان.
يقول: لا يسرح أهله، من الخوف، لقربهم من العدو. و"السقم": المخوف. "يشار لقاءه" أي: بلقائه، يقال: هذا أخبث بقعةٍ في الأرض.

15 ... فسمي، ما يدريك أن رب فتيةٍ
باكرت لذتهم، بأدكن، مترعِ؟
16 ... محمرةً، عقب الصبوح، عيونهم
بمرى هناك، من الحياة، ومسمعِ
"عقب الصبوح" أي: بعد الصبوح. وقوله: بمرى" أصله الهمز، فترك الهمز. يقول: بمنظر من الحياة، حسنٍ، ومسمعٍ حسنٍ، أي: يرون ما يشتهون، ويسمعونه.

17 ... بكروا علي، بسحرةٍ، فصبحتهم
من عاتقٍ، كدم الذبيح، مشعشعِ
"
(1/69)

عاتق": خمر عتيقةٌ. "كدمِ الذبيح": دم دابة ذبح، فدمه طريٌّ.

18 ... ومغرضٍ، تغلي المراجل تحته
عجلت طبخته، لرهط، جوع
"المغرض": اللحم الذي لم يبلغ نضجه.

19 ... ولدي أشعث، باذل ليمينه
قسماً، لقد أنضجت، لم يتورع
يقول: أشعث، من الفتيان. يبذل يمينه، يحلف. "لم يتورع": لم يكف عن اليمين، مضى عليها.

20 ... ومسهدين، من الكلال، بعثتهم
بعد الرقاد، إلى سواهم، ظلعِ
"المسهد": الممنوع النوم. يقول: جاؤوا، كالين، فلم أدعهم أن يناموا، فبعثتهم إلى إبلٍ كالةٍ. و"الساهم": الضامر المتغير. و"الظلع": التي قد حفيت، من التعب. واحدها ظالع.
(1/70)

21 ... أودى السفار، برمها، فتخالها
هيماً، مقطعةً حبال الأذرعِ
"الرم": الشحم. و"أودى السفار به" أي: ذهب به. يقال: ثوب قد أودى، أي: تهيأ للذهاب. ومثل من الأمثال يضرب للشيء، قد ذهب، أو تهيأ للذهاب: "أودى درم". وأنشد:
كما قيل في الحرب أودى درم
و"الهيام": أن يأخذ الإبل شبيهٌ بالحمى، من شهوة الماء، تشرب، فلا تروى، حتى ترجع. فإذا أصابها ذلك فصد لها عرق، ليخف الداء عنها، ويذهب، ويبرد غليلها. ومثله:
... ولم يق ... طع عبيدٌ عروقها، من خمال
وهام البعير يهيم هياماً. وبعير أهيم وناقة هيمى وهيماء.
(1/71)

22 ... تخد الفيافي، بالرحال، وكلها
يعدو، بمنخرق القميص، سميدع
23 ... ومطيةٍ، حملت رحل مطيةٍ
حرجٍ، تتم من العثار، بدعدعِ
قوله: "ومطية حملت رحل مطيةٍ": يقول: سرت على إبلي. فكلما انحسر بعير، أو مات أو قام، حولت رحله على بعير آخر. و"الحرج": الطويلة على وجه الأرض. وقوله "تتم، من العثار، بدعدع" كانت الإبل إذا عثرت قيل لها: دعدع، لتتم وتنمي. وكره ذلك في الإسلام أن يقال، وقيل: اللهم ارفع، وانفع.

24 ... ومناخ غير تئيةٍ، عرسته
قمنٍ، من الحدثان، نابي المضجعِ
يقال: ما لي في هذا المكان "تيئةٌ" أي: مكثٌ. "قمن": خليق أن يكون به الحدثان. وقوله "نابي المضجع": لا يطمأن فيه، ولا يقام به.
(1/72)

25 ... عرسته، ووساد رأسي ساعدٌ
خاظي البضيع، عروقه لم تدسعِ
"الخاظي": الممتلئ. و"البضيع": اللحم. وهو اسم وحده. كما يقال: دخيس. ويقال: "دسع" البعير بجرته، إذا دفع بها، وقد ملأ فمه. فيقول هذا: لا تمتلئ عروق يده من الدم. إنما تمتلئ عروق الشيخ وأنشد:
....عروقه من....
26 ... فرفعت، عنه، وهو أحمر فاترٌ
قد بان مني، غير أن لم يقطع
"فاتر" أي: قد خدر. و"أحمر" يعني: ساعده. ومثل "قد بان مني، غير أن لم يقطع" يقال: قد انقطعت رجلي، غير أنها معي.

27 ... فترى، بحيث توكأت ثقناتها،
أثراً، كمفتحص القطا، للمهجعِ
يريد كأن موضع ثفناتها موضع قطاً، قد بات. يعني: ناقته.
(1/73)

4 وقال الأفوه الأودي
واسمه صلاءة بن عمرو بن مالك بن الحارث بن عوف الأودي. وأود ابن صعب بن سعد العشيرة بن مذحجٍ. ومذحج أكمةٌ، ولدته أمه عليها، فنسب إليها.

1 ... فينا معاشر، لن يبنوا، لقومهم
وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
"المعاشر": الجماعات. وقوله "عادوا" أي: عادوا على الشرف الذي بناه آباؤهم، فهدموه.
(1/74)

2-لا يرشدون، ولن يرعوا، لمرشدهم=فالجهل منهم، معاً، والغي ميعادُ ويروى: "فالجهل فيهم، معاً، والغي ميعادُ.

3 ... أضحوا كقيل بن عترٍ، في عشيرته
إذ أهلكت بالذي سدى، لها، عادُ
"قيل بن عتر" ولقمان بن عاد، ومرثد، وعارقٌ: وفد عادٍ الذين خرجوا إلى الحرم، يستقون لقومهم، فرفعت لهم ثلاث سحائب، فاختار قيل السوداء، فقيل له ما قيل. وذلك أنهم شغلوا بالشراب، إذ ذاك، عند رجلٍ من جرهم، حتى هلك قومهم. فلما مضت السوداء نحو بلاد عادٍ، بالريح العقيم، نهضوا حين رأوها إلى الشعب، ودامت عليهم الريح (ثمانية أيام حسوماً) كما قال الله عز وجل، حتى هلكوا. فلما استفاق الوفد، من لهوهم، ذكروا ما خرجوا له، وعلموا أن السحابة قد قصدت نحو بلادهم، فخرجوا يريدون أرضهم، فأتاهم آت، فقال لهم: إن عاداً قد أهلكها الله، ولم يبقَ منها غيركم. وخيرهم، فاختار قيلٌ اللحاق بقومه، فضربه الصر، فقتله. واختار مرثد وعارق حياة ألف سنة،
(1/75)

والنزول على ساحل البحر، في قرب ديارهما، فأعطيا ذلك. واختار لقمان ضرساً طحوناً، ومعدة هضوماً، ودبراً نثوراً. فقال له المخير: اخترت الحياة آخر الدهر، ولا حياة، فاختر غير هذا. فاختار عمر سبعة أنسر. فكان يأخذ فرخ النسر، من وكره، ويربيه، فلا يزال عنده حتى يهرم، ويموت. ثم يأخذ غيره، حتى أخذ آخرها، لبد، وكان أطولها عمراً. فكان ينظر إليه، فإذا تفرس فيه قال: يا لبد، أهلكتني، وأهلكت نفسك.

4 ... أو بعده، كقدارٍ، حين تابعه
على الغواية أقوامٌ، فقد بادوا
"كقدار" يعني: الأزرق، عاقر الناقة.

5 ... والبيت لا يبتنى، إلا له عمدٌ
ولا عماد، إذا لم ترس أوتاد
6 ... فإن تجمع أوتادٌ، وأعمدةٌ،
وساكنٌ، بلغوا الأمر، الذي كادوا
قال ابن حبيب: قال أبو عبيدة: ل"كاد" موضعان: أحدهما موضع مقاربةٍ، قال الله عز وجل (لم يكد يراها) أي: لم يقارب أن يراها.
(1/76)

وهو على التقديم والتأخير، أي: لم يرها ولم يكد. والله أعلم. ولم يكد أيضاً: لم يأن. وقال ابن الأعرابي: قوله "كادوا" ههنا: طلبوا وأرادوا.

7 ... لا يصلح القوم، فوضى، لا سراة لهم
ولا سراة، إذا جهالهم، سادوا
"فوضى": أخلاط وأشراك. ومنه قولهم: شريك مفاوض. وأنشد ابن الأعرابي:
طعامهم فوضى، فضا، في رحالهم ... ولا يحسنون السر، إلا تناديا
و"سراة" كل شيء أعلاه. ومن هذا قيل: سروات الرجال، وهم الأشراف. وسرو حمير: أعلى بلادها. وسراة الفرس: أعلى ظهره. وهو موضع اللبد منه.

8 ... إذا تولى سراة القوم أمرهم
نمى على ذاك أمر القوم، فازدادوا
"سراة": جمع سري. قال أبو زيد الأنصاري: "نمى" ينمي نماءً، إذا كثر وزاد.

9 ... تلقى الأمور، بأهل الرأي، ما صلحت
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
(1/77)

قال: هذا مثل قولهم: من لم يصلحه الخير أصلحه الشر.

10 ... أمارة الغي أن تلقى الجميع لدىال
إبرام للأمر، والأذناب أكتادُ
"الأمارة": العلامة. و"إبرام الأمر": إحكامه وإتقانه. و"الكتد": ما بين الكتفين.
(1/78)

5 وقال عبدة بن الطبيب
- واسمه يزيد - بن عمرو بن وعلة بن أنس بن عبد الله بن عبد نهم ابن جشم بن عبد شمس بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم:
1 ... هل حبل خولة، بعد الهجر، موصول
أم أنت، عنها بعيد الدار مشغولُ؟
2 ... حلت خويلة، في حيٍ، مجاورةً
أهل المدائن، فيها الديك والفيلُ
"المدائن" يريد: الأمصار التي فيها الديك والفيل.

3 ... يقارعون رؤوس العجم، ضاحيةً
منهم فوارس، لا عُزلٌ، ولا ميلُ
(1/79)

4 ... فخامر النفس، من ترجيع ذكرتها
رسٌّ لطيفٌ ورهنٌ، منك، مكبولُ
يقال: أجد رساً من حمى، ورساً من حب، للشيء الداخل في القلب. وقد رس الناس بينهم حديثاً، يتكتمونه، أي: تكلموا به، فيما بينهم خفية، لا يعلم به. "لطيفٌ": غامض المدخل. "مكبول": مقيدٌ عندها. والكبل: القيد.

5 ... رسٌّ، كرس أخي الحمى، إذا غبرت
يوماً تأوبه، منها، عقابيلُ
"غبرت": بقيت. والغابر: الباقي. "تأوبه": أتاه ليلاً. و"عقابيل": بقايا مرض، ويقال: حزن. وهو جمع لا واحد له.

6 ... وللأحبة أيام، تأولها
وللنوى، قبل يوم البين، تأويلُ
"النوى": النية. "تأويل: علامات يبين [لك أن البين سيقع] .

7 ... إن التي ضربت بيتاً، مهاجرةً،
بكوفة الجند، غالت ودها غولُ
(1/80)

"شربت بيتاً" أي: بنت بيتاً. "بكوفة الجند مهاجرة": هاجرت من الأعراب إلى الأمصار. وكل شيء اغتاله شيءٌ، فذهب به، فهو "غول" له.

8 ... فعد عنها، ولا تشغلك عن عملٍ
إن الصبابة، بعد الشيب، تضليلُ
9 ... بجسرةٍ، كعلاة القين، دوسرةٍ
فيها، على الأين، إرقالٌ وتبغيلُ
"جسرة": سبطة. والذكر جسر. و"العلاة": سندان الحداد. شبهها بها، في صلابتها. و"القين": الحداد. "دوسرةٌ": شديدة. و"الأين": الإعياء والفتور. و"الإرقال والتبغيل": ضربان من السير.

10 ... عنسٍ، تشير بقنوانٍ، إذا زجرت
من خصبة، بقيت، فيها، شماليل
"تشير بقنوان" يعني: ذنبها، "إذا زجرت" رفعت ذنبها. والقنوان: جمع قنو. وهو العذق. و"الخصبة": النخلة الدقلة. "شماليل": شيء قليل. و"العنس": الصلبة.
(1/81)

11 ... قرواء، مقذوفةٍ بالنحض، يشعفها
فرط المراح، إذا كل المراسيل
"قرواء": طويلة القرا. وهو الظهر. "مقذوفة": مرمية. و"النحض": اللحم. وهو جمع نحضةٍ. و"يشفعها": ينزع فؤادها، ويستخفها. و"فرط المراح": ما فرط منه، وتقدم. و"المراسيل": السهلات السير, واحدها مرسال.

12 ... وما يزال لها شأوٌ، يوقره
محرف، من سيور الغرف، مجدول
"الشأو": الطلق. "محرف": زمام وجديل [له حرف من الضفر] . و"الغرف": ما دبغ بالتمر، ودقيق الشعير. و"مجدول": شديد الفتل. جدلته جدلاً إذا أجدت فتله.

13 ... إذا تجاهد سير القوم، في شركٍ،
كأنه شطبٌ، بالسرو، مرمول
"الشرك": جواد الطريق. واحدها: شركة. و"الشطب": سعف النخل، تتخذ من ليطه حصر، يعملها النساء. يقال: امرأة شاطبة، ونساء شواطب. و"السرو": سرو اليمن. وهو أعلاه.
(1/82)

و"مرمول": منسوج. وأنشد الأصمعي:
إذ لا يزال على طريقٍ، لاحبٍ ... وكأن صفحته حصير، مرمل
14 ... نهجٍ، ترى حوله بيض القطا قبضاً
كأنه، بالأفاحيص، الحواجيل
"النهج": البين. أراد: الطريق. "قبضٌ": جمع قبضةٍ. وهي القبضة من كل شيء. و"الأفاحيص": مواضع القطا التي تبيض فيها. واحدها: أفحوص. و"الحواجيل": القوارير. واحدتها: حوجلة. شبه البيض بقوارير، صغار.

15 ... حواجل، ملئت زيتاً، مجردةً
ليست عليهم، من خوصٍ، سواجيل
"سواجيل": غلفٌ، واحدها ساجول، يسميها أهل البحرين.

16 ... وقل ما في أساقي القوم، فانجذبوا
وفي الأداوى بقياتٌ، صلاصيل
"أساقيهم" يريد: أسقيتهم. "فانجذبوا": جدوا في السير. "صلاصيل": بقايا الماء. الواحدة صلصلة. يقول: باتت العيس على
(1/83)

الطريق، في فلاةٍ مجهلٍ، وحولها أفاحيص القطا، والقطا نائم.

17 ... والعيس، تدلك دلكاً، عن ذخائرها
ينخرن، من بين محجونٍ، ومركول
"تدلك" أي: تنخر بالأعقاب. و"ذخائرها": ما تدخر من سيرها. ومعنى "ينخرن": يستخثثن. و"محجون": مضروب بالمحجن. و"مركول" مستحث بالرجل.

18 ... ومزجياتٍ، بأكوارٍ، محولةٍ
شوارهن، خلال القوم، محمول
"الأكوار": الرحال. واحدها كور. "محولة": قد حولت عن إبل، قد سقطت، وحسرت، فرحالها بين القوم يحملونها. و"مزجيات": تساق سوقاً ليناً و"الشوار": متاع البيت.

19 ... تهدي الركاب سلوف، غير غافلةٍ
إذا توقدت الحزان، والميل
"
(1/84)

تهدي": تقدم. والهوادي: الأوائل من كل شيء. يقال: جاءت الحمر يهدي بها فحلها. "والسلوف": المتقدمة. "غير غافلة" عن السير. و"الحزان": جمع حزين. وهو الغليظ من الأرض، المنقاد، المرتفع. و"الميل" من الأرض: بقدر ما يدرك بصرك.

20 ... رعشاء، تنهض بالذفرى، مواكبةٌ
في مرفقيها، عن الدفين، تفتيل
"رعشاء": ترجف في سيرها، وتهتز "بالذفرى" أي: تنهض برأسها. و"مواكبة": تأخذ المواكب. و"الدفان": الجنبان. أي: مرفقاها منفتلان عن دفيها. وذلك يستحب منها، لا يكون بها حينئذٍ حاز، ولا ضاغط، ولا ناكتٌ، ولا ماسحٌ.

21 ... عيهمةٌ، ينتحي في الأرض منسمها
كما انتحى، في أديم الصرف، إزميل
"عيهمةٌ": شديدة تامة الخلق. ولا يقال عيهمة إلا في الشعر المولد. وهذا ليس بمولد. "انتحى": اعتمد. و"المنسم" يريد:
(1/85)

ظفرها. و"الصرف": دباغ أحمر. وأنشد الأصمعي:
كميت، غير محلفةٍ، ولكن ... كلون الصرف، عل به الأديم
وعنه: "الصرف": صبغ يغلى به الأديم، فيحمر. و"الإزميل": الشفرة. أي: هي تؤثر في الأرض، لقوتها.

22 ... تخدي به قدماً، طوراً، وترجعه
فحده، من ولاف القبص، مفلول
"تخدي به": من الخديان: ضرب من السير. و"طوراً": مرة. "ترجعه": ترده. "فحده" أي: فحد المنسم. "ولاف": متابعة. و"القبص": شدة النزو.

23 ... ترى الحصا مشفتراً، عن مناسمها
كما تجلجل، بالوغل، الغرابيل
"مشفتراً": منتشراً. "تجلجل": ذهب دقاقه وبقي جلاله. و"الوغل": الرديء من كل شيء.

24 ... كأنها، يوم ورد القوم خامسةً،
مسافرٌ، أشعب الروقين، مكحول
"
(1/86)

مسافر": ثور يخرج من بلد إلى بلد. "أشعب": متفرق. "الروقان": القرنان. "مكحول": أسود العين.

25 ... مجتاب نصعٍ، جديدٍ، فوق نقبته
وللقوائم، من خالٍ، سراويل
"مجتاب": لابسٌ. و"نصع": ثوب جديدٌ. و"نقبته": لونه. و"للقوائم من خالٍ" شبه قوائمه ببرود، فيها خطوطٌ سودٌ وحمرٌ. وهكذا الثور: أعلاه أبيض، وفي قوائمه وشومٌ.

26 ... مسفع الوجه، في أرساغه خدمٌ
وفوق ذاك، إلى الكعبين، تحجيل
"السفعة": سوادٌ، يضرب إلى الحمرة. و"الخدم": واحدتها خدمة. وهي الخلخال. فأراد بالخدم: البياض. و"فوق ذاك ... تحجيل" أي: سواد وفي خدي الثور سوادٌ.

27 ... باكره قانصٌ، يسعى، بأكلبه
كأنه، من صلاء الشمس، مملول
28 ... يأوي إلى سلفعٍ، شعثاء، عاريةٍ
في حجرها تولبٌ، كالقرد، مهزول
"
(1/87)

سلفع": بذيئةٌ، جريئة الصدر. يعني امرأته. "شعثاء": قد شعثت. و"التولب": ولد الحمار الصغير. فشبه ولدها به، في صغره. وأنشد:
يأوي إلى سفعاء ... كالثوب الخلق
29 ... يشلي ضواري، أشباهاً، مجوعةً
فليس منها، إذا أمكن، تهليل
"يشلي": يدعوها بأسمائها. و"ضواري": معتادةٌ للأخذ. و"التهليل": الرجوع عن الشيء.

30 ... يتبعن أشعث، كالسرحان، منصلتاً
له عليهن، قيد الرمح، تمهيل
"الأشعث": الصائد ههنا. يعني: شعث رأسه. و"السرحان": الذئب. "منصلتاً": ماضياً متجرداً يعدو [قدامهن] . و"قيد الرمح" أي: يغريهن بالصيد. قال: و"التمهيل": التقديم.

13 ... فضمهن قليلاً، ثم هاج بها
سحمٌ، بآذانها شينٌ، وتنكيل
"
(1/88)

فضمهن": يعني: الصائد. "قليلاً" أي: جمع الكلاب إليه. "هاج بها" يقول: أغراهن بالصيد. يعني: الصائد أنه أغرى الكلاب بالثور. "سحمٌ": سود. "بآذانها شينٌ" أي: هن مقطعاتٌ. وذلك أن الكلب إذا عدا، فاجتهد، قطع أذنه ببراثنه. "تنكيل": مقطعاتٌ معلماتٌ.

32 ... فاستثبت الروع، في إنسان صادقةٍ
لم يلقَ، من رمدٍ، فيها ملاميل
يعني: الثور. "في إنسان" يعني: إنسان عينه. أيقن، حين رأى الكلاب، أنها تطلبه. "صادقة" النظر: صلبةٌ. لم ترمد، فتحتاج إلى أن تكحل. قال: وواحد "الملاميل": ملمولٌ.

33 ... فانصاع، وانصعن، يهفو كلها سدكٌ
كأنهن، من الضمر، المزاجيل
"انصاع": اشتق في ناحيةٍ فمضى. و"يهفو": يمر مراً سريعاً، كأنه يطير فوق الأرض. "سدكٌ": لاحقٌ به، يطلبه، لا يفارقه. وواحد "المزاجيل": مزجالٌ. وهو رمح صغير يزجل به، كالمزراق.

34 ... واهتز، ينفض مدريين، قد عتقا
مخاوضٌ غمرات الموت، مخذول
"
(1/89)

المدريين": قرنيه. "قد عتقا" أي: تما، فاملاسا، وحسنا. "مخذول": لا عون له.

35 ... شروى شبيهين، مكروباً كعوبهما
في الجنبتين، وفي الأطراف، تأسيل
"شروى": سواء. يريد: مثلين، يعني: القرنين. و"مكروبٌ": ممتلئ ليس بمختلٍّ، ولا ضعيف. "في الجنبتين" يعني: جنبيه. "تأسيل": تحديد وتسهيل. ويقال: خد أسيل. ويروى: "في الجدتين" أي: في متنيه طول، واستواءٌ.

36 ... كلاهما يبتغي نهك القتال، به
إن السلاح، غداة الروع، محمول
"نهك القتال": جهده وشدته. يريد: أنه حذرٌ.

37 ... يخالس الطعن، إنساغاً، على دهشٍ
بسلهبٍ سنخه، في الشأن، ممطول
"الإنساغ": القليل الخفيف. وأنشد الأصمعي لرؤبة:
ليس كإنساغ القليل، الموشغ
(1/90)

و"سلهب": طويل. و"سنخه": أصله. و"الشأن": ملتقى قبيلتي الرأس. وقبائله أربع. "ممطول": ممدودٌ متصلٌ به. ويقال: امطل الحديدة، أي: مدها.

38 ... حتى إذا مض، طعناً، في جواشنها
وروقه، من دم الأجواف، معلول
"مض" أحرق. و"الجواشن": الصدور. "معلول": سقي مرة بعد مرة.

39 ... ولى، وصرعن، في حيث التبسن به
مضرجاتٌ، بأجراحٍ، ومقتول
يريد: ولى الثور، وصرعت الكلاب. "التبسن به": اختلطن به. "أجراحٌ": جمع جرحٍ. و"مضرجاتٌ": بالدم. ضرج إذا شق. وبرد مضرج: مشقوق.

40 ... كأنه، بعد ما جد النجاء به،
سيفٌ، جلا متنه الأصناع، مسلول
شبه بياض الثور ببياض السيف. قال: و"الأصناع": جمع صنعٍ وهو الحاذق الرفيق.
(1/91)

41 ... مستقبل الريح، يهفو، وهو مبتركٌ
لسانه، عن شمال الشدق، معدول
يقول: إذا عدا استقبل الريح، ليبرد جوفه. "مبتركٌ": معتمدٌ في العدو. "معدول": قد دلع لسانه، يلهث، من الإعياء. "يهفو": يمر مراً سريعاً.

42 ... يخفي التراب، بأظلافٍ، ثمانيةٍ
في أربعٍ، مسهن الأرض تحليل
"يخفي": يستخرج التراب. وأهل الحجاز يسمون النباش: المختفي. "في أربع" يعني: أربع قوائم، في كل قائمةٍ ظلفان. وقوله "تحليل" أي: قدر تحلة اليمين.

43 ... مردفاتٌ، على أطرافها زمعٌ
كأنها، بالعجايات، الثآليل
"العجايات": عصب اليدين والرجلين. و"الزمعة": التي خلف الظلف، كأنها زيتونة.

44 ... له جنابان، من نقعٍ يثوره
وفرجه، بحصا المعزاء، مكلول
"
(1/92)

جنابان": ناحيتان من التراب، يثوران معه، وفرجه مكلل بالحصا، من شدة عدوه. و"الفرج": ما بين قوائمه. يقال للدابة إذا اشتد عدوه: قد ملأ فروجه.

45 ... ومهلٍ، آجنٍ، في جمه بعرٌ
مما تسوق إليه الريح، مجلول
ماء "آجن": متغير اللون، والريح، والطعم و"جمه": مجتمع مائه. و"مجلول": ملقوطٌ، أخذ جلاله.

46 ... كأنه في دلاء القوم، إذ نهزوا
حمٌّ، على ودكٍ، في القدر مجمول
"كأنه" يعني: البعر. و"نهزوا": ضربوا بدلائهم، ثم جذبوها لتمتلئ. و"الحم": ما يبقى من الشحم والألية، إذا أذيبا. "مجمول: مذاب.

47 ... أوردته القوم، قد ران النعاس بهم
فقلت، إذ نهلوا، من مائه: قيلوا
"
(1/93)

ران النعاس بهم": غلب عليهم.

48 ... حد الظهيرة، حتى ترحلوا أصلاً
إن السقاء له رمٌّ، وتبليل
"حد الظهيرة" يريد: شدتها. "رمٌّ": ترم أسقياتهم: و"تبليل": تبل، فتملأ ماء. "أصلاً": عشاء.

49 ... لما نزلنا رفعنا ظل أخبيةٍ
وفار باللحم، للقوم، المراجيل
يقول: بنينا فوقنا أرديتنا، على أرماحنا، كما تبنى الأخبية، نستظل بها.

50 ... ورداً، وأحمر، لم ينهئه طابخه
ما غير الغلي، منه، فهو مأكول
يقول: فارت المراجل بوردٍ من اللحم، وأحمر، فبعضه قد نضج أو كاد ينضج، وبعضه حين وضع "لم ينهئه": لم يتركه: لم يتركه ينضج.
(1/94)

51 ... ثمت قمنا إلى جرد، مسومةٍ
أعرافهن، لأيدينا، مناديل
"جرد": خيل قصيرة الشعرة. "مسومة": معلمةٌ. أي: نمسح أيدينا بأعرافهن. ومثله بيت امرئ القيس:
نمش، بأعراف الجياد، أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء، مضهبِ
52 ... ثم انطلقنا على عيسٍ، مخدمةٍ
يزجي رواكعها مرنٌ، وتنعيل
"عيس": إبل بيض، يخلطها صهبةٌ. "مخدمةُ": من الخدمة. وهو سيرٌ يشد إلى أرساغها، تشد إليه النعال، إذا أنعلت، من الحفى. و"تزجى": تساق. "رواكعها": معيياتها تظلع، فكأنها تركع. و"المرن": الدلك بالسمن، والبعر، وغيره إذا حفيت. و"تنعيل": ننعلها، من الحفى.

53 ... يدلحن بالماء، في وفرٍ، مخربةٍ
منها حقائب ركبانٍ، ومعدول
"
(1/95)

يدلحن": يمررن مر المثقل. ويقال: هو يدلح بحمله، إذا مر والحمل عليه. "وفرٌ": مزاد وافرٌ تام. "مخربة": لها خرباتٌ أي: عرى. وخربة المزادة: عروتها. "منها حقائب": ما أحقب خلب الرجل. و"معدول": ما قد عدل بآخر، فجعل عدلين.

54 ... ترجو فواضل ربٍّ، سيبه حسنٌ
وكل وهمٍ، له في الصدر، مفعول
"سيبه": عطاؤه. "وهمٌ": ما يحدث به نفسه.
55 ... ربٌّ، حبانا بأموالٍ، مخولةٍ
وكل شيءٍ، حباه الله، تخويل
"مخولة": مملكةٌ. "تخويل": عطاء.

56 ... والمرء ساعٍ، لأمرٍ، ليس يدركه
والعيش: شح، وإشفاقٌ، وتأميل
57 ... وعازبٍ، جاده الوسميُّ، في صفرٍ
يسري الذهاب عليه، فهو موبول
"
(1/96)

عازب": غيث عزب عن الناس. و"الوسمي": أول مطر الربيع. و"الذهاب": المطر الضعيف. "موبول" من الوبل.

58 ... ولم تسمع به صوتاً، فيفزعها،
أوابد الربد، والعين المطافيل
"الأوابد": الوحشيات من كل شيء. و"الربد": النعام. و"العين": البقر. "مطافيل": ذوات أطفالٍ.

59 ... كأن أطفال خيطان النعام، وبه،
بهم، مخالطه الحفان، والحول
"خيطان": أقاطيع من النعام. و"البهم": صغار الشاء. و"الحفان": صغار النعام. و"الحول": ما لم ينتج من سنته.

60 ... أفزعت منه وحوشاً وهي ساكنةٌ
كأنها نعم، في الصبح، مشلول
أي: وردت هذا العازب، وبه الوحوش.

61 ... بساهم الوجه، كالسرحان، منصلتٍ
طرف، تعاون فيه الحسن والطول
"الساهم الوجه": العتيق الوجه، ليس بكثير الحم. و"السرحان":
(1/97)

الذئب، شبهه به، في ضمرة، وشدة عدوه. و"منصلت": ماضٍ على جهته. و"طرفٌ": عتيقٌ كريم. وجمعه طروفٌ. وقوله "تعاون فيه الحسن والطول" أي: اجتمعا فيه.

62 ... خاظي الطريقة، عريانٍ قوائمه
قد شفه، من ركوب البرد، تذبيل
"عريان قوائمه" أي: معصوب القوائم، قليلة اللحم. و"شفه" يريد: شق عليه. وقوله "تذبيل" أي: ذبول. ذهب ماؤه. وذبل.

63 ... كأن قرحته، إذ قام مشترفاً،
شيبٌ تلوح بالحناء، مغسول
"القرحة": غرة مستديرة. "مشترف": مفتعل من الإشراف. "تلوح": تغير. "بالحناء" يريد أنه كميت صرفٌ.

64 ... إذا أبس به، في الألف، برزه
عوج مركبةٌ، فيها، براطيل
أي: دعي باسمه. "الألف" يريد: ألفاً من الخيل. "برزه":
(1/98)

قدمه قدامها. و"البراطيل": حجارة مستطيلة. واحدها برطيل. شبه حوافره بها، لصلابتها.

65 ... يغلو بهن، ويثني، وهو مقتدرٌ
في كفتهن، إذا استرغبن، تعجيل
"يغلو": يبعد بهن. و"يثني": يكف بعض عدوه. "في كفتهن" أي: كفت قوائمه. وهو السرعة. "استرغبن": أخذن أخذاً رغيباً، من الأرض.

66 ... وقد غدوت، وضوء الصبح منفتقٌ
ودونه، من سواد الليل، تجليل
67 ... إذ أشرف الديك، يدعو بعض أسرته
لدى الصباح، وهم قومٌ، معازيل
"بعض أسرته" أي: بعض أهله. يعني: الدجاج. "معازيل": لا سلاح له.

68 ... على التجار، فأعداني، بلذته
رخو الإزار، كصدر السيف، مشمول
"أعداني": أعانني. "رخو الإزار" من الخيلاء. "كصدر السيف" في مضائه. و"مشمول": تهب له ريح، كأنها الشمال، من
(1/99)

ارتياحه للبذل. وقال غيره: رجل مشمول: حلو الشمائل.

69 ... خرق، يجد، إذا ما الأمر جد به
مخالط اللهو، واللذات، ضليل
"الخرق": الذي يتخرق في السخاء. "إذا ما الأمر جد به" يقول: إذا وقع في جد، من الأمر، [جد] . وهو مع ذلك صاحب لهوٍ، ولذات.

70 ... حتى اتكأنا على فرشٍ، يزينه،
من جيد الرقم، أزواج، تهاويل
"الأزواج: الأنماط. الواحد زوج. "تهاويل": ألوانٌ مختلفة.

71 ... فيها الدجاج، وفيها الأسد، مخدرةً
من كل شيء يرى، فيها، تماثيل
"مخدرة": داخلةٌ في الإجام. ومن ذا سمي الخدر.

72 ... في كعبةٍ، شادها بانٍ، وزينها
فيها ذبالٌ، يضيءُ الليل، مفتول
"
(1/100)

كعبة": بيتٌ مربعٌ. "شادها": رفع بنيانها. و"الذبال": فتائل. واحدتها ذبالةٌ.

73 ... لنا أصيصٌ، كجذم الحوض، هدمه
وطء العراك، لديه الزق، مغلول
"الأصيص": دنٌّ مقطوع الرأس، كأنه جذم حوض، قد هدمه عراك الإبل. "مغلول" يريد: أن الزق قد شدت يده إلى رجله.

74 ... والكوب أزهر، معصوبٌ بقلته
فوق السياع، من الريحان، إكليل
"الكوب": الإبريق، لا عروةً له. و"السياع" ما طلي به، من طين، أو جصٍّ. وقال غيره: أراد: باطية، أو دنّاً.

75 ... مبردٌ، بمزاج الماء، بينهما
حب، كجوز حمار الوحش، مبزول
76 ... والكوب ملآن طافٍ، فوقه، زبدٌ
وطابق الكبش، في السفود، مخلول
(1/101)

77 ... يسعى به منصف، عجلان ينفضه
فوق الخوان، وفي الصاع التوابيل
"منصف": خادمٌ. والأنثى: منصفة. و"الصاع" يريد: صحفةً، فيها خل وأبزار. و"التوابيل": الأبازير. واحدها تابلٌ وهي الأفحاء والأقزاح.

78 ... ثم اصطبحت كميتاً، قرقفاً، أنفاً
من طيب الراح، واللذات تعليل
"القرقف": التي ترعد شاربها، إذا أدمن عليها. ويقال: تقرقف الرجل، أذا أرعد من البرد. "أنف": لم يبزلها أحد قبله. "تعليل": يعلل بها الإنسان.

79 ... صرفاً، مزاجاً، وأحياناً يعللنا
شعر، كمذهبة السمان، محمول
"السمان": ضرب من النقش. "مذهبها": ما أذهب
(1/102)

منها. وقوله "محمول" قال: يريد: أنه مرويٌّ، أي: يحمله الناس، ويروونه. وهذا كما قال بشر:
أجهزها، ويحملها إليكم ... ذوو الحاجات، والقلص المناقي
وقال غيره: السمان: نقوش تكون في البيوت. وأنشد للعبدي:
عليها، من السمان، لون الزخارف
80 ... تذري حواشيه جيداء، آنسةٌ
في صوتها، لسماع الشرب، ترتيل
قال: أراد بقوله "تذري حواشيه" أي: ترفع. وهو مأخوذ من الذروة. وذروة كل شيء أعلاه. وإنما يريد أنها تخرج حرفوه. يعني حروف الشعر. و"حواشيه": نواحيه. وقوله "جيداء" أي: امرأة طويلة الجيد، أي العنق، في غير غلظٍ. وقوله "آنسةٌ" يريد أنها مستأنسةٌ، في غير ريبة. وجمع آنسةٍ: أوانس. و"الشرب": جمع شاربٍ، كما قالوا: صاحب وصحب، وراكب وركبٌ، وتاجر وتجر.

81 ... تغدو علينا، تلهينا، ونصفدها
تلقى البرود، عليها، والسرابيل
"
(1/103)

تغدو علينا" يعني: هذه المرأة. "تلهينا" من اللهو. "نصفدها": نهب لها. والإصفاد: الجزاء. والصفد: العطية. وقال النابغة الذبياني:
لم أعرض، أبيت اللعن، بالصفد
(1/104)

6 وقال سوار بن المضرب
أحد بني سعد، من كلاب:
1 ... ألم ترني، وإن أنبأت أني
طويت الكشح، عن طلب الغواني
يقال: طويت عن ذلك الأمر كشحاً، إذا سلوت عنه.

2 ... أحب عمان، من حبي سليمى
وما طبي بحب قرى عمانِ؟
3 ... علاقة عاشقٍ، وهوًى متاحاً
فما أنا، والهوى، متدانيانِ
يقال: هي "علاقة" القلب، لما علق بقلبه. وعلاقة السوط، مكسورٌ. "متاح": مقيضٌ.
(1/105)

4 ... تذكر ما تذكر، من سليمى
ولكن المزار، بها، نآني
5 ... فلا أنسى ليالي، بالكلندى
فنين، وكل هذا العيش فاني
6 ... ويوماً، بالمجازة، يوم صدقٍ
ويوماً، بين ضنك، وصومحان
7 ... ألا يا سلم، سيدة الغواني،
أما يفدى، بأرضك تلك، عاني؟
8 ... وما عانيك، يابنة آل قيسٍ،
بمفحوشٍ عليه، ولا مهانِ
9 ... أمن أهل النقا، طرقت سليمى
طريداً، بين شنطب، والثماني؟
10 ... سرى، من ليله، حتى إذا ما
تدلى النجم، كالأدم، الهجانِ
(1/106)

11 ... رمى بلد به بلداً، فأضحى
بظمأى الريح، خاشعة القنانِ
12 ... تموت بنات نيسبها، وتغبى،
على ركبانها، شرك المتانِ
"بنات نيسبها": الطرق الصغار، التي تتشعب من الطريق الأعظم. و"المتان": جمع متنٍ. وهو ما صلب، من الأرض، وارتفع.

13 ... تطوي، عنك، ركبة أرحبي
بعيد العجب، من طرف الجرانِ
"الجران": باطن الحلقوم. "أرحبي": بعير، منسوب إلى أرحب: حي من همدان. و"العجب": أصل الذنب.

14 ... مطية خائف، ورجيع حاجٍ
شموذ الليل، منطلقِ اللبانِ
يقال: بعير "رجيع" سفرٍ، إذا كان قد سوفر عليه. ثم
(1/107)

رد. وقوله "شموذ الليل" أي: يشول بذنبه، من النشاط. يقال: ناقة شامذٌ، وشائلٌ، وعاسرٌ. و"اللبان": الموضع الذي يجري عليه اللبب، من الفرس.

15 ... قذيف تنائفٍ، غبرٍ، وحاجٍ
تقحم، جائفاً قحم الجنان.
أي: يقذف بهذا البعير في "التنائف". وهل الفلوات. واحدتها تنوفةٌ. و"القحم": جمع قحمةٍ. وهو الشيء الشديد، يقتحم. و"الجنان": كل ما توارى عنك.

16 ... كأن يديه، حين يقال: سيروا
على متن التنوفة، غضبتانِ
17 ... تقيسان الفلاة، كما تغالى
خليعاً غايةٍ، يتبادرانِ
18 ... كأنهما، إذا حث المطايا
يدا يسر المتاحة، مستعانِ
"
(1/108)

يسر المتاحة": سهلها. و"المتاحة": الاستقاء على البكرة. ويقال: رجل مائحٌ، وبئرٌ متوحٌ: يمتح عليها. "مستعانٌ": استعين به، فهو أسرع له.

19 ... سبوتا الرجع، مائرتا الأعالي
إذا كل المطي، سفيهتانِ
20 ... وهادٍ، شعشعٍ، هجمت عليه
توالٍ، ما يرى فيها تواني
21 ... فعاذلتي في سلمى، دعاني
فإني لا أطاوع من نهاني
22 ... ولو أني أطيعكما، بسملى،
لكنت كبعض من لا ترشدانِ
23 ... دعاني، من أذاتكما، ولكن
بذكر المذحجية، عللاني
24 ... فإن هواي، ما عمرت سليمى،
يمانٍ، إن منزلها يماني
(1/109)

25 ... تكل الريح، دون بلاد سلمى
وشرات المنوقة، الهجانِ
26 ... بكل تنوفةٍ، للريح فيها
حفيفٌ، لا يروع الترب، واني
27 ... إذا ما المسنفات علون، منها،
رقاقاً، أو سماوة صحصحانِ
"المسنفات": الإبل تضمر، فيجهل في التصدير خيطٌ، ثم يشد من وراء الكركرة، لئلا يموج التصدير. قال: و"الرقاق": اللين من الأرض. و"سماوته": أعلاه. و"الصحصحان": المستوي من الأرض، الأملس.

28 ... يخدن، كأنهن، بكل خرق
وإغساء الظلام، على رهانِ
يقال: "أغسى" الليل وغسلا، وغسا.

29 ... وإن غورن، هاجرةً، بفبفٍ
كأن سرابها قطع الدخانِ
"
(1/110)

التغوير": النزول في الغائرة. وهي "الهاجرة". ويقال: غوروا بنا. و"الفيف": المستوي من الأرض، البعيد.

30 ... وضعن، به، أجنة مجهضاتٍ
وضعن لثالثٍ، علقاً، وثاني
"مجهضاتٌ": معجلاتٌ. يقال: أجهضت الناقة، وسبطت، وغضنت إذا أعجلت إلقاء ولدها، بغير تمام.

31 ... وليلٍ، فيه، تحسب كل نجمٍ
بدا لك، من خصاصة طيلسانِ
32 ... نعشت، به، أزمة طاوياتٍ
نواجٍ، لا يبتن على اكتنانِ
أي: لا يبتن في سترٍ. "طاوياتٌ": نوقٌ ضوامر.

33 ... تثير عوازب الكدري، وهناً
كأن فراخها قمر الأفاني
"العوازب": التي غابت عن أفاحيصها. و"الكدري":
(1/111)

قطاً. و"القمر": جمع أقمر من القمرة، هي المدرة. قال: و"الأفاني": نبتٌ.

34 ... يطأن خدوده، متشنعاتٍ
على سمرٍ، تفض حصا المتانِ
"تفض": تكسر. "متشنعات": جادات. وقوله: "يطأن خدوده" أي يطأن الليل. وهذا مثل قول الراجز:
بنات وطاء على خد الليل
35 ... سرين جميعه، حتى تولى
كما انكب المعبد، للجرانِ
البعير "المعبد": الذي قد طلي، من الجرب، حتى انجرد. والطريق المعبد: الذي قد وطئ، حتى انجرد نبته.

36 ... وشق الصبح أخرى الليل، شقا
جماع أغرَّ، منقطع العنانِ
37 ... وما سلمى بسيئة المحيا
ولا عسراء، عاسية البنانِ
(1/112)

أي: ليست بقبيحة الوجه. و"عاسيةٌ": غليظة.

38 ... ألا قد هاجني، فازددت شوقاً،
بكاء حمامتين، تجاوبانِ
39 ... تنادي الطائران، بصرم سلمى
على غصنين، من غربٍ، وبانِ
40 ... فكان البانُ أن بانت سليمى
وبالغرب اغترابٌ، غير داني
41 ... ولو سألت سراة الحي، عني،
على أني تلون، بي، زماني
42 ... لنبأها ذوو أنساب قومي
وأعدائي، وكل قد بلاني
43 ... بدفعي الذم، عن حسبي، بمالي
وزبونات أشوس، تيجان
"زبنات": دفعات الواحدة: زبونة. والزبن المصدر و"الأشوش": الذي ينظر في ناحية. و"التيجان": الذي يعرض في كل شيء.

44 ... وأني لا أزال أخا حفاظٍ
إذا لم أجن كنت مجن جاني
(1/113)

7 وقال

1 ... أما القطاة فإني سوف أنعتها
نعتاً، يوافق نعتي بعض ما فيها
2 ... صفراء، مطروقةٌ، في ريشها خطبٌ
صفر مقاديمها، سودٌ خوافيها
"مطروقةٌ": بعض ريشها فوق بعضٍ. وقوله: "في ريشها خطبٌ: كلون الرمال.
(1/114)

3 ... تنتاش صفراء، مطروقاً بقيتها
قد كاد يأزي، على الدعموص، آزيها
"تنتاش": تناول "بقية" من ماء "مطروق" بالبول والبعر. "يأزي": يقل عن الدعموص، ويخرج منه، لقلته.

4 ... تسقي رذيين، بالموماة قوتهما
في ثغرة النحر، في أعلى تراقيها
"الرذيان": فرخاها. والرذي: الساقط ضعفاً.

5 ... كأن هيدبةً من فوق جؤجئها
أو جرو حنظلةٍ، لم يعد واعيها
"هيدبة": صافية. وقوله "جرو حنظلة" قال: صغار الحنظل: جراؤه. "لم يعد واعيها" أي: لم يعد صاحبها عليها، فيكسرها.

6 ... تشتق في حيث لم تبعد، مصعدةً
ولم تصوب، إلى أدني مآويها
(1/115)

يقول: لا تصعد في السماء، ولا تصوب في الأرض، ولكنها تذهب مستقيمةً.

7 ... حتى إذا استأنيا، للوقت، واحتضرت
تجرسا الوحي، منها، عند غاشيها
"استأنيا": استبطأا. "تجرسا": تسمعا وحيها. "عند غاشيها": عند أتيها إياهما.

8 ... فرفعا، من شؤونٍ، غير ذاكيةٍ
على لديدي أعالي المهد ألحيها
"شؤون" يعني: شعب الرأس. "ذاكية": شديدة الحركة. و"المهد": أفحوصها. قال: وإنما أراد ب"لديديه": جانبيه.

9 ... مدا إليها، بأفواهٍ، منشرةٍ
صعداً، ليستنزلا الأرزاق، من فيها
10 ... كأنها حين مداها، لجنأتها،
طلى بواطنها، بالورس، طاليها
"جناتها" يريد: جنأت عليهما، بصدرها.
(1/116)

11 ... حثلين، رضا رفاض البيض، عن زغبٍ
ورقٍ أسافلها، بيضٍ أعاليها
"حثلين": دقيقين ضاويين. و"الرضا" كسرا. و"رفاض": ما ارفض من القيض، وهو قشر البيض الأعلى. والقشر الرقيق هو الغرقئ.

12 ... ترأدا، حين قاما، ثمت احتطبا
على نحائف، منآدٍ محانيها
"ترأدا": تثنيا، حين قاما، مع الضعف. يقال للمريض، إذا قام فتثنى من الضعف: هو يترأد. والغصن يترأد، من النعمة والري. "منآد": متثنٍ. "محانيها": حيث انحنت.

13 ... تكاد، من لينها، تنآد أسؤقها
تأود الربل، لم تعرم نواميها
"تعرم": تشتد. "نواميها": أعاليها.

14 ... لا أشتكي نوشة الأيام، من ورقي
إلا إلى من أرى أن سوف يشكيها
"
(1/117)

نوشة": تناول، و"الورق": المال من إبل وغنمٍ. والورق والرقة: الدراهم. ويقال: رجل الورق. ويقال: "أشكاه" إذا فرغ عن شكاته.

15 ... لدلهم مأثراتٌ، قد عرفن له،
إن المآثر معدود مساعيها
16 ... تنمي به، في بني لأيٍ، دعائمه
ومن جمانة، لم تخضع سواريها
17 ... بنى له، في بيوت المجد، والده
وليس من ليس يبنيها، كبانيها
(1/118)

8 وقال عامر بن جوين

1 ... لقد نهيت ابن عمارٍ، وقلت له:
لا تأمنن أزرق العينين، والشعرهْ
2 ... لقد نهيتك عما لا كفاء له
إلا الإله، وعن غوثٍ، وعن قطره
3 ... إن الملوك، متى تحلل بساحتهم
تعلق بثوبك، من نيرانهم، شررهْ
4 ... وجفنةٍ، كإزاء الحوض، قد ثلموا
ومنطق، مثل وشي البرد، والحبرهْ
(1/119)

5 ... إن يقتلوه فلا وانٍ، ولا وكلٌ
ولا ضعيفٌ، ولا هوهاءةٌ، همره
6 ... ما قتلوه، على ذنبٍ، ألم به
إلا التواصي، وقالوا: قومه خسره
(1/120)

9 وقال القطران السعدي

1 ... أبالهجر، نستنا رميلة وصلها
وعهد الغواني أن يبين خليلها؟
"الغواني": ذوات الأزواج. واحدتها: غانية. ثم جرى بعد حتى صارت النساء كلهن - ذوات أزواج وغيرها - غواني. وقوله "وعهد الغواني أن يبين خليلها" يقول: مصيرها أن تصير إلى الغدر.

2 ... وما كان رأياً، من رميلة، هجرها
ولا وفق حق أن يرد رسولها
3 ... ولو شئت، إذ أوردت، من قلب هائمٍ
حوائم، لم يصدر بغيمٍ غليلها
أي: الرسول الذي أرسل إليها. "وفق حقٍ" أي: موافقه. يقال: "هام" يهيم، إذا اشتد وجده بحب شيء. و"الغيم": العطش. و"الغليل" والغلة: حرارة العطش. يقول: لم يصدر ببقية عطش، ولم يصدر بريٍ.
(1/121)

4 ... وما النصف، من شرط الأخلاء، بذلنا
لها، وعلينا أن يضن بخيلها
5 ... كأن الجنى، من حميري، مفصلاً
على أم حشفٍ، بالتلاع خذولها
يقول: ليس النصف أن نجود نحن وتبخل هي. و"الجنى": خرز اجتني، أي: التقط، يعني: جزعاً. ويقال: "خذلت" الظبية تخذل خذولاً، إذا تأخرت عن القطيع. يقول: إذا مرت بتلعةٍ خذلت بها، لأن التلعة أبين.

6 ... إذا شفنه بالحلي، حيث عقدنه
زها الحلي، منها، فخمها وأسيلها
يقال للجارية إذا ألبست الحلي، وزينت: قد "شوفت". وبعض العرب يقول: قد شيفت. "زهاه": أثاره. "فخمها وأسيلها" يقول: هي فخمة، أسيلة. ويقال: أجمل النساء من كانت فخمة، أسيلة.

7 ... تقول لنا، يوم ارتحلنا، ودرعها
حرير، ومرط الخز، منه ذيولها
(1/122)

8 ... ولاثت نصيفاً، مسنفاً، فوق حاجبٍ
أزج، على نجلاء، حر مسيلها
يقول: "لاثت" خمارها على رأسها تلوثه لوثاً، إذا أدارته عليه. و"النصيف": الخمار. و"المسنف": المتقدم. و"الحاجب الأزج": الطويل الدقيق. و"النجل": سعة العين، وعظم المقلة. يقال: عين نجلاء، وطعنة نجلاء. "حر مسيلها أي: عتيق كريم.

9 ... كأن بها كحلاً، وإن لم يكن بها
وإن طال، عنه، هجرها وذهولها
10 ... إذا ما أدارتها، لتقتل، أقصدت
بغير قتيلٍ، لا يزال قتيلها
11 ... ونَ البيض، تربو أن تنوء، كأنها
بهير المطا، من غير نصبٍ، يعولها
يقول: إذا نهضت أصابها الربو. "كأنها بهير المطا" أي: مبهور من وجع ظهره. و"النُّصب" والنَّصب: التعب.

12 ... تهادى، كعوم السيل، كعكعه الحبى
رداح ضحاها، مرجحن أصيلها
"
(1/123)

تهادى": تميل. و"الكعكعة": الرد، والحبس. و"الحبى" واحدته حبوة، أي: حبا بعضه إلى بعض. ويروى: "الجثى". وهو ما أشرف. و"الرداح": الثقيلة العجيزة. و"المرجحن": الثقيل. والمعنى: أنها ثقيلةٌ، في العشي، ليست بطوافةٍ.

13 ... من الماشيات الخيزلى، وتهادياً
إذا العشة، العضلاء، خف ثقيلها
"الخيزلى": مشيةٌ، فيها تفكك. و"العشة": القليلة اللحم، الدقيقة. و"العضلاء": العوجاء.

14 ... أنين من الأعراب هذا، وقد رأت
على العيس، أكواراً، يشد رحيلها
"العيس": إبل بيض، يخلط بياضها شيءٌ من شرةٍ.

15 ... ولو صاحبتني، وابن أبلج، ما درت
بأي نجوم الليل، يسري دليلها؟
16 ... أبالنجم، أم بالفرقدين، إذا بدت
توائم، أشباهٌ، لمن يستحيلها؟
"توائم": أعلامٌ يشبه بعضها بعضاً. وقوله "يستحيلها: ينظر: هل تزول يقال: استحل الشخص، أي: انظر هل يزول.
(1/124)

17 ... إذا لرأتنا نبطر العيس ذرعها
إذا اغبر حزان الفلاة، وميلها
"نبطر العيس ذرعها" أي: نحملها على أكثر مما تقوى عليه. يقال: لا تبطر صاحبك ذرعه، أي: لا تحمله على أكثر من طاقته. والذراع: الانبساط والسعة. و"الحزيز": الغليظ من الأرض، المنقاد المستدق. و"الميل": القطعة من الأرض.

18 ... تسدى، بنا الظلماء، كل ذفرةٍ
يقاس بها عرض الفلاة، وطولها
19 ... نهوز بلحييها السفار، إذا مشت
أزابي، أو مد الركاب ذميلها
"تسدى بنا": تعلو بنا، وتركب. و"الذفرة": الشديدة. "نهوز" أي: تحرك رأسها. و"السفار": حديدة تكون على أنف البعير. "أزابي": ضروب من السير. واحدها أزبي. يقول: ذملت، فمدت الركاب.

20 ... تدافع غسانيةٍ، ذات جؤجؤٍ
إذا ما علت لجّاً، أهل زميلها
"غسانية": سفينة. "أهل": كبر.
(1/125)

21 ... إذا نفضت ماء اللغام، وباشرت
بهامتها، شمساً، بطيئاً نزولها
البعير يستقبل الشمس برأسه، إذا كان قوياً.

22 ... لها عجز، كالباب شد رتاجه
وزورٌ، كطي البئر، داناه جولها
"الرتاج": [أنف] الباب. والجال و"الجول": عرض ناحية الشيء.

23 ... وجوز، أعانته الضلوع، بزفرةٍ
إلى ملطٍ بانت، وبان خصيلها
"الجوز": الوسط. "بزفرة" أي: كأنها زفرت يريد: ضخم وسطها. وقوله "إلى ملط" الملط: جمع ملاطٍ. وهو الجنب. "بانت" أي تباعدت عن المرفق. و"الخصيل": جمع خصيلةٍ. وهي كل لحمة فيها عصبة. يقال: جاء فلان ترعد خصائله.

24 ... ثوت، تنظر الحاجات في دار نهشلٍ
ودار هليل، والدجاج أكيلها
أي: الذي يأكل معها. يريد: الريف.
(1/126)

25 ... إذا هي همت بالخروج، تردها
مضارب أبوابٍ، شديدٍ صليلها
26 ... لعادة توطين المناخ، على الوجى
وإن غرضت، ما دام ملقًى جديلها
"الوجى": أن تشتكي أخفافها، إذا وطئت الأرض. يقول: قد عودت ألا تنهض، ما دام جديلها ملقى. و"الجديل": الزمام.

27 ... ولما تنادوا، للرواح، وقربوا
عياهل، منضماً إليها ثميلها
28 ... نهضت إليها، بالزمام، فأعصفت
جماليةً، ساوى السديس بزولها
"العيهل": الشديد. و"الثميل": جمع ثميلة. وهي البقية تبقى، من العلف والشراب، في بطن البعير وغيره. يقول: قد سوفر عليها، فهي خماص.
"أعصفت": أسرعت في سيرها. "جماليةٌ": مشبهة بالجمل. و"السديس": السن التي وراء الرباعية. يقال: قد أسدست وهي سديس، وسدس. يقول: حين بزلت.
(1/127)

29 ... فأعطت له طوع الخشاش، وحاذرت
من السوط، روعاتٍ مراراً تهولها
30 ... تراها، إذا جد النجاء، كأنها
من الجد غيرى، زال عنها حليلها
يقال للحلقة، إذا كانت في أنف البعير: "خشاش". فإذا كانت في اللحم فهي برة. فإذا كان عودٌ فهو العران.

31 ... أربت ربيعاً، بين رهبى، ومطرقٍ
رياضاً من الوسمي، تندى بقولها
"أربت": أقامت. و"الرياض": أماكن يجتمع إليها الماء، يكثر نبتها. وليس يقال في موضع الشجر. و"الوسمي": أول مطر الربيع.

32 ... ألم تر جساس بن مرة لم يرم
حمى وائل، حتى احتداه جهولها؟
33 ... أجر كليباً، إذ رمى الناب، طعنةً
حدت وائلاً، حتى استخف عقولها
يقول: حداه الجهول على أن ورده.
و"الإجرار": أن يطعنه، ويدع الرمح فيه.
(1/128)

34 ... بأهون مما قلت، إذ أنت سادرٌ
وللدهر، والأيام، والٍ يديلها
35 ... فصبراً، أبا عمرو، فإنك ذائقٌ
صرى الحرب، فانظر: أي أول تؤولها؟
"الصرى" مقصورٌ: ماء يستنقع في البئر زمناً، لا يستقى منها. يقال: ماؤها في الضرع. فأنت تجده غير طيب. "أي أول تؤولها": أي إصلاح تصلحها؟ يقال: هو آيل مالٍ، إذا كان يقوم على ماله ويصلحه. ويقال: قد آل رعيته، إذا ساسها، فأحسن سياستها.

36 ... وإنك، من ذود الظلامة، ناتجٌ
هوادي حربٍ، قد أتم سليلها
37 ... متى ما تذمرها تجدها كريهةً،
إذا أحضرت، شنعاء، بلقاً حجولها
"التذمير": أن يمس ذفرى الحوار، ومجتمع لحييه، إذا خرج رأسه، عند النتاج، فيعرف: أذكر أم أنثى؟ ويقال لذلك الموضع:
(1/129)

المذمر. "بلقاً حجولها" أي: مشهورةٌ، عليها لون ليس منها فهو أشنع لها.

38 ... فلا تأمنن، بين العشيرة، دمنةً
تعفى أعاليها، وتبقى أصولها
هذا مثل قوله:
قد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
يقول: إن الثرى قد يغطي الدمنة، من البعر، فينبت النبات في الثرى، فتراه يهتز، وتحته البعر. فكذلك الحزازات في الصدور، وإن ظهر غير ذلك.

39 ... فأربد، أنهبت الأعادي عشاره
وتنسى ظلولاً، عنك، كان يعولها
40 ... وأخذك من تسعٍ، لبون ابن رافعٍ
بمظلومة الأرباب، لغواً فصيلها
"
(1/130)

من تسع" أي: لتسع ادعيتهن. "بمظلومة" يعني: إبلاً ظُلِمَ أهلها، فصيلها يلغى إذا عدت، لا يلتفت إليه.

41 ... فعلك، يوماً، أن تروعك غارةٌ
بشعث النواصي، يعتليها فحولها
42 ... فتلقى كمياً، عند أول مشهد
فتنفرج الغمى، وأنت قتيلها
43 ... وعل فتًى، يستأنس الليل وحده،
يذيقك أخرى، قد أمر نسيلها
44 ... فكم، من هوًى، قد قاد يوماً إلى الردى
جنينته، حتى يضيق سبيلها!
45 ... وكم، من نعيم، قد تجلل ضاحياً
وذي نعمة، قد زال عنه ظليلها!
"الضاحي": البارز للشمس، والحر، والشموس. ومكان مضحاةٌ إذا كان بارزاً للشمس. أي: كم، من نعيم، قد أصاب فقيراً كان ضاحياً، وكم من غني قد افتقر، بعد الغنى!
46 ...
(1/131)

فلو كنت، بالوادي، قبلت نصاحتي
لسالمت، والأغماد فيها نصولها
"نصاحتي" أي: نصحي. و"النصول": السيوف. و"الأغماد فيها نصولها" أي: لم تسل للقتال.
47 ... ولو كان ضرباً يوم قوٍّ وجدتنا
نقيم صغا الأعناق، ممن يميلها
"الصغا": الميل. يقال: صغوك مع فلان، وصغاك، أي: ميلك معه. ويقال: قد جاءكم خير، عن صاغيتنا. وهم الذين يميلون إليه.

48 ... ولكن تدعيت الخفارة، واعتدت
سعاةٌ، من السلطان، أنت نزيلها
يقال: خفرته، وأنا أخفره، خفارةً، إذا كان في جوارك. "نزيلها" أي: نزلوا عليك.

49 ... فيا راكباً، إما عرضت فبلعن
سراة قريشٍ، وهي يرجى فضولها
50 ... وخص أمير المؤمنين، ولا تدع
كهولاً، بالبطاح كهولها
(1/132)

51 ... دعونا، لأن تعلوا، فكان علوكم
علينا، كأعوامٍ، شديد محولها
52 ... فإن كان هذا منكم، عن مشورةٍ
فهبها حياةً، قد تكره طولها
53 ... وإلا تغير، يابن مروان، ظلمنا
يضيفك أحياءٌ، تساق كلولها
"الكلول": جم كل. وهو الذي يموت كاسبه، ويدعه صغيراً. يقال: ترك فلان كلاً، إذا ترك عيالاً، ليس لهم كاسب.

54 ... بفتح جهادٍ، أو بتنكيل عصبة
بغُلٍّ، فلا تحنى، إليك، غلولها
55 ... أمن دمنةٍ، يوماً كأن لم نكن بها
إلى أهلها، أو ذات يومٍ نقيلها
أي: دمنة درست، كأن لم نكن بها قط، ولم نقل بها ذات يوم.
(1/133)

56 ... بها كدت، لولا الشيب أو زجر حكمةٍ،
تصاباك عينٌ، مستحث حفيلها؟
57 ... لأحدث عهداً، من قدورٍ، كأنها
ولو قدمت، بالأمس كان نزولها
58 ... سقى الله تلك الدار، والريم، دمنةً
بقصوان، لم تحكم عليها سيولها
"تحكم": تمنع. من قولك: أحكمه عن ذلك الأمر، أي: منعه منه.
(1/134)

10 وقال عامر بن جوين

1 ... أأظعان سلمى تلكم، المتحمله
لتصرمني، إذ خلتي متدلِّلَه؟
2 ... فما بيضةٌ، بات الظليم يحفها
إلى جؤجؤٍ، حاف، بميثاء حوملهْ
3 ... ويفرشها بين الجناح، ودفه
ويثني عليها زف هدباء، مخملهْ
4 ... بأحسن، منها، يوم قالت: ألا ترى؟
تبدل خليلاً، إنني متبدله
(1/135)

5 ... ألم تر كم بالجزع، من ملكاننا
وكم بالصعيد، من هجانٍ، مؤبلهْ؟
6 ... ولم أر شرواها، خباسة واحدٍ
ونهنهت نفسي، بعد ما كدت أفعله
7 ... إذا أجأٌ تلفعت بشعابها
علي، وأضحت بالعماء مكللهْ
"تلفعت": اشتملت. و"الشعاب": الطرق في الجبال. "العماء": الغيم الرقيق.

8 ... وأصبحت العوجاء يهتز جيدها
كجيد عروسٍ، أصبحت متبذله
9 ... وتصبح، عن غب الضباب، كأنما
تروح قين الهضب، عنها، بمصقلهْ
(1/136)

10 ... وحولي سلامان، الحماة، وسنبسٌ
يقودون شعثاً، كالقسي، المعطله
11 ... أطاعت لها البهمى، وجيدت متونها
فهن سراعٌ، سدوها غير نهبله
12 ... هنالك، لا أخشى تنال ظعينتي
إذا حل بيتي بين شوطٍ، وغلغله
13 ... وآليت، لا أعطي مليكاً ظلامةً
ولا سوقة، حتى يؤوب ابن مندله
"ابن مندلة": رجل كان ملكاً لسليح بن قضاعة، من الضجاعم، يقال له: الحارث.
(1/137)

11 وقال رجل من بني يشكر

1 ... زعمت أمامة أنني قد سؤتها
ولقد أنى لي أن أسوء، وأكبرا
2 ... إن الكبير إذا يشاف رأيته
مقرنشعاً، وإذا يهان استزمرا
"يشاف": يصنع ويجلى. و"المقرنشع": المنتصب. "استزمر": تصاغر، وتقلص.

3 ... وإذا ترحل، في الرعية، خلته
كسلاً، وعز عليه أن يتعذرا
(1/138)

4 ... وإذا تراءى القوم شخاً خاله
شخصين، ثمت لم يكن هو أبصرا
5 ... ولقد رأيت أباك، وهو وليدٌ
وأباه شيخاً، من بنانة، أعسرا
"بنانة": من ضبيعة بن ربيعة. وهم اليوم في قريش.

6 ... يدعو ببرد الماء، وهو قصاره
فإذا سقوه الماء مج، وغرغرا
(1/139)

12 وقال الأخنس بن شهاب التغلبي

1 ... لابنة حطان بن عوفٍ منازلٌ
كما رقش العنوان، في الرق، كاتبُ
2 ... ظللت بها أعرى، وأشعر سخنةً
كما اعتاد محموماً، بخيبر، صالب
"أعرى": تأخذني عرواء. وهو حسٌّ من حمى، إذا أخذته قرةٌ، ووجد مسها. "أشعر سخنةً" أي: أبطنها.

3 ... تظل، بها، ربد النعام كأنها
إماء، تزجي بالعشي، حواطبُ
"ربد": غبر. "تزجي": تدفع، يثقل حملها، فتمشي كمشي النعامة.
(1/140)

4 ... خليلاي: هوجاء النجاء، شملةٌ
وذو شطبٍ، ما يجتويه المصاحبُ
أي: ليس معي إلا ناقتي، وسيفي. "شملة": خفيفة. "ذو شطب": سيف فيه طرائق. "ما يجتويه": ما يكرهه الصاحب، فيفارقه. يقال: قد اجتويت المكان، إذا لم تستمرئه، ولم يوافقك.

5 ... وقد كنت عصراً، والغواة صحابتي
أولئك أخداني، الذين أصاحب
6 ... قرينة من أعيا، وقلد حبله
وحاذر جراه الصديق، الأقارب
7 ... فأديت، عني، ما استعرت من الصبا
فللمال، مني اليوم، راعٍ، وكاسب
"قرينة من أعيا" أي: أنا صاحبه ومقارنه. و"قلد حبله" أي: ألقي حبله على غاربه، ولا ينقاد ولا ينساق، قد يئس منه، فقيل له: اصنع ما شئت. و"الصديق" ههنا جماعة.
(1/141)

8 ... لكل أناسٍ، من معد، عمارةٍ،
عروضٌ، إليها يلجؤون، وجانب
"عروض": ناحية، يأخذون فيها. وبذا سمي عروض الشعر. وأنشد:
ولا يعدم أخو بخلٍ عروضا
أي: لا يعدم أن يجد وجهاً، يعتذر به.

9 ... لكيزٌ لها البحران، والسيف دونها
وإن يغشها بأسٌ، من الهند، كاربُ
"كارب": يكربها، يأخذ بنفسها.

10 ... يطيروا على أعجاز حوشٍ، كأنها
جهامٌ، هراق ماءه، فهو آيب
11 ... وبكر لها بر العراق، وإن تخف
يحل دونها، من اليمامة، حاجب
أي: شيء يجنهم، يصيرون في حرزٍ، دون ذلك الخوف.
(1/142)

12 ... وصارت تميم بين قف، ورملةٍ
لها في حبال منتأًى، ومذاهبُ
13 ... وكلبٌ لها خبتٌ، فرملة عالجٍ
إلى الحرة الرجلاء، حيث تحاربُ
14 ... وغسان حي، عزهم في سواهم
يجالد عنهم حسر، وكتائب
15 ... وبهراء حي، قد علمنا مكانهم
لهم شرك، حول الرصافة، لاحب
"الحاسر": الذي ليست عليه بيضة. و"الشرك": جمع شركةٍ. وهي مجارة الطريق. وإنما أراد أن منازلهم هناك.

16 ... ولخم ملوك الناس، يجبى إليهم
وإن قال منهم حاكم فهو واجب
17 ... وغارت إيادٌ، في السواد، ودونها
برازيق عجم، تبتغي، وتضارب
"
(1/143)

غارت": دخلت. "برازيق": مواكب. واحدها برزيق، وهو بالفارسية. أراد: كتائب. "تبتغي": تطلب.

18 ... ونحن أناسٌ، لا حجاز بأرضنا
مع الغيث، ما نلقى، ومن هو غالب
أي: نحن مفضون، ليس لنا شيء، يحجبنا ويحجزنا، من الجبال، نمتنع به. وقوله "ما نلقى" ما: صلة. كأنه قال: مع الغيث نلقى نحن. و"من هو غالب" أي: الذي له الظفر، والغلبة، فهو أبداً مع الغيث.

19 ... ترى رائدات الخيل، حول بيوتنا
كمعزى الحجاز، أعوزتها الزرائب
"رائدات": ترود، تذهب وتجيء. يقول: ترى الخيل، حول بيوتنا، نسرح كأنها معزًى، لم تقدر على زربٍ، فهي ترعى حول البيوت. فشبه كثرة خيلهم بها. والزرب: الحظيرة التي يكون فيها الغنم.

20 ... فيغبقن أحلاباً، ويصبحن مثلها
فهن، من التعداء، قب، شوازب
(1/144)

21 ... فوارسها من تغلب بنة وائلٍ
حماة، كماةٌ، ليس فيهم أشائب
22 ... هم الضاربون الكبش، يبرق بيضه
على وجهه، من الدماء، سبائب
"الكيش": رئيس القوم. والكبش: جماعة من كتيبةٍ. و"شوازب": ضوامر. و"أشائب": أخلاط.

23 ... بجأواء، ينفي وردها سرعانها
كأن وضيح البيض، فيها، الكواكب
"الجأواء": الكتيبة التي علاها لون صدأ الحديد. يقال لذلك اللون: الجؤوة. وقوله "ينفي وردها سرعانها" أي: يقدم وردها سرعاناً منه، يتقدمون إلى ماء آخر، لا يضبطهم ماء واحد، من كثرتهم.

24 ... فلله قومٌ، مثل قومي، سوقةً
إذا اجتمعت، عند الملوك، العصائب
(1/145)

25 ... ترى كل قومٍ ينظرون إليهم
وتقصر، عما يبلغون، الذوائب
26 ... أرى كل قومٍ، قاربوا قيد فحلهم
ونحن خلعنا قيده، فهو سارب
أي: حبسوا فحلهم، عن أن يتقدم، فتتبعه إبلهم، خوفاً أن يغار عليهم، ونحن خلعنا قيده، فقلنا له: اذهب حيث شئت، حتى نتبعك. أي: حيثما نزع إلى غيثٍ تبعناه.
(1/146)

13 وقال مالك بن زغبة الباهلي

1 ... نأتك بسلمى دارها، لا تزورها
وشطت، بها عنك، النوى وأميرها
"النوى": النية حيث انتووا، قرب، أو بعد.

2 ... وما خفت وشك البين، حتى رأيتها
ميممةً، رزن القرية، عيرها
3 ... عليهن أدمٌ، من ظباء تبالةٍ
خوارج، من تحت الخدور، نحورها
"الرزن": المكان الصلب المرتفع. و"القرية": أرض قبل اليمامة. و"الأدم" من الظباء: طوال الأعناق والقوائم، بيض البطون سمر الظهور. قال الأرقط:
عيران، ميفاء على الرزون
(1/147)

4 ... وفيهن بيضاء العوارض، طفلةٌ
كهمك، لو جادت، بما لا يضيرها
5 ... لها بشرٌ صافٍ، ووجهٌ مقسمٌ
وغر الثنايا، لم يفلل أشورها
"العوارض": ما بين الثنيتين والأضراس. و"الطفلة": أي: الناعمة. "كهمك" أي: هي كما تحب أن تكون. "بما لا يضيرها" أي: بسلامٍ، وحديثٍ، ونظرٍ. "مقسمٌ": محسن. والقسام: الحسن. و"الأشور": الفرض، يكون في أطراف الأسنان.

6 ... ووحف، تعادى بالدهان فروقه
يكاد، إذا ما أرسلته، يصورها
"الوحف": الشعر الكثير. "فروقه": جمع فرق. "يصورها": يميلها، من كثرته.

7 ... وما كان طبي حبها، غير أنما
يقام بسلمى، للقوافي، صدورها
أي: ما كان دهري حبها. تقول: ما ذاك بطبي ولا دهري، أي: ليس ذاك أمري الذي عمدت له.
(1/148)

8 ... فدع ذا، ولكن هل أتاها مغارنا
بذات العراقي، يوم جاء نذيرها؟
"بذات العراقي": داهية. وإنما يريد الكتيبة، فجعلها داهية.

9 ... بملمومةٍ، شهباء، لو ردسوا بها
عماية، أو دمخاً، لحالت صخورها
"الردس" والردي واحد. وهو الصك بالشيء الثقيل. "ملمومةٌ": كتيبة. وجعلها "شهباء" من بريق البيض.

10 ... فدارت رحانا، ساعةً، ورحاهم
نثلم، من حافاتها، ونديرها
"رحانا": جيشنا. "نثلم" أي: نصيب. "من حافاتها" أي: نقتل منهم. و"نديرها" نعملها. وهذا مثل.

11 ... بكل رقاق الشفرتين، مهندٍ
وبالمشرفيات، البطيء حسورها
"رقاق" يريد: رقيق. كما يقال: طويل وطوال، وكبير وكبار. و"المشرفيات": سيوف منسوبة إلى المشارف، قرى للعرب تدنو من الريف. والحسير: الكال المعيي.
(1/149)

12 ... وشعثٍ نواصيهن، يزجرن مقدماً
تحمحم، في صم العوالي، ذكورها
"عالية" الرمح: أعلاه. وسافلته: أسفله. يريد أنها تحمحم، وصم العوالي فيها، وإذا طعن الفرس تحمحم وصبر، مثل قول أبي ذؤيب:
يعثرن، في حد الظباة ...
أي: وحد الظباة فيهن.

13 ... إذا انتسؤوا، فوت الرماح، أتتهم
عوائر نبلٍ، كالجراد، نطيرها
"انتسؤوا": تباعدوا، حتى يفوتوا الرماح. و"العاثر": الذي لا يدرى من رمى به. وإنما أراد أنها كثرت، حتى لا يدرى من أين جاءت، ولا من رمى بها.

14 ... فلم يبقَ وادٍ، بين بدرٍ، وصاحةٍ
ولا تلعةٌ، إلا شباعاً نسورها
(1/150)

15 ... وندعو بني كعبٍ، ويدعون مذحجا
وكعبٌ ترمى، يوم ذاك شطورها
يقال: فلان "شطر" الخيل، أي: في ناحية الخيل. فقال: كعبٌ، ناحيتها وشقها، فجعلها نفس الكلمة، فرفعها.

16 ... فلما رأينا أن كعباً عدونا
وقد يصدق النفس، الشعاع، ضميرها
قوله: "وقد يصدق النفس الشعاع" أراد: المتفرقة التي لا تعزم على أمر واحد. يقال: ذهبت نفسع شعاعاً، إذا كان لها هوًى مختلفٌ. وأصل الشعاع: التفرق، والانتشار، كنحو قول قيس بن الخطيم، يصف طعنةً:
ولها نفذٌ، لولا الشعاع أضاءها
يريد: تفرق الدم، وانتشاره.

17 ... دعونا أبانا، حي معن بن مالكٍ
وألجئت الدعوى، إليه، كبيرها
"
(1/151)

ألجئت الدعوى" أي: ألجئ كبير الدعوى إليه. يقول: لما رأينا أن هؤلاء أعداؤنا دعونا أبانا، وألجأنا إليه كبير الدعوى.

18 ... بضربٍ، كآذان الفراء فضوله
وطعنٍ، كإيزاغ المخاض، تبورها
يقول: يصير للضرب لحم معلق. [و"إيزاغ المخاض: دفعها البول. يقال: أوزغت توزغ، وذلك إذا] قطعته قطعاً. و"المخاض": التي ضربها الفحل. وقوله "تبورها" أي: تعرضها على الفحل، فتنظر: ألواقح هي أم لا؟ تختبرها. يقال: برت الناقة أبورها بوراً، وابترتها شبه اللحم بآذان الحمير.

19 ... فآبت بنو كعب خزايا، أذلةً
ملاءً، من اللحم الخبيث، حجرها
يريد: أنهم انصرفوا وقد حملوا جرحاهم بين أيديهم.

20 ... إذا حفضٌ، منا، تساقط بيته
تواثب كعب، لا توارى أيورها
"الخفض: البعير، يحمل متاع البيت. يقول: فإذا سقط خباء أو غيره، عن حفض - أي: عن بعير - تواثبوا إليه، قد ألقوا ثيابهم، حتى انكشفوا، من الفرح. ومثله:
(1/152)

ولا أنسى، من الحدثان، عرضي ... ولا ألقي، من الفرح الإزارا
21 ... ونهديةٍ، شمطاء، أو حارثيةٍ
تؤمل نهباً، من بنيها، يغيرها
أي: يغيثها ويخبزها. يقال: غار أهله يغيرهم غياراً.

22 ... توقع أنباء الخميس، فراعها
بوادر خيلٍ، لم يذرع بشيرها
يقول: لم يرفع البشير يده، لأن الظفر لو كان لهم لجاء البشير بذلك، إليهم. يقول: فلم يرعهم إلا خيلنا، قد هجمت عليهم.

23 ... فآلت إلى تثليث، تذرف عينها
وعاد، عليها، صمغها وبريرها
يقول: رجعت إلى أكل الصمغ، والبرير، إذ أخطأها النهب من بنيها. و"البرير": ثمر الأراك.

24 ... وذو تبنٍ، إن أصعدت من ورائها
فقد عرفت، أجزاع ذلك، عيرها
(1/153)

14 وقال يزيد بن عمرو الحنفي

1 ... لا أسمعن، بلومٍ، تعدلين به
مخافة الشر، إن الشر مرهوبُ
يقول: إن الشر يرهب، فلا تعذليني فيه.

2 ... وإن منه، على الإنسان، بائتةً
كبائت الظبي، يرعى، وهو مرقوب
3 ... إن يتعظ فحليم القوم يفقهه
ولا يغير، سوء الحلم، تأديبُ
4 ... والحلم، عند ذوي الأحلام، موعظةٌ
وبعضه، لسفيه الرأي، تدريبُ
(1/154)

5 ... ومن يطل عمره لا تلقه غمراً
وفي الحوادث، والأيام، تجريب
6 ... وكل يومٍ، إذا يخلو، وليلته
من المنية، للإنسان، تقريب
7 ... وكل ذي إبل مودٍ، وتاركها
وكل ذي سلبٍ، لا بدَّ، مسلوب
8 ... وقد أروح أمام الحي، يحملني
صافي الأديم، أسيل الخد، منسوب
9 ... محنبٌ، مثل تيس الربل، محتفلٌ
بالقصريين، على أولاه، مصبوب
"التحنيب" كالقنا في اليدين. و"الربل" وجمعه ربولٌ: ضربٌ من النبت، إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف، تفطرت بورقٍ أخضر، من غير مطر. يقال: تربلت الأرض. "محتفل*بالقصريين" يقول: هو عظيم ذلك الموضع. والقصرى مختلفٌ فيها. فبعض العرب يقول: هي الضلع الواحدة القصيرة، مما يلي الصدر. ومنهم من يقول: هي ضلع الخلف. وضلع الخلف في آخر الأضلاع. وقوله "على أولاه مصبوب" يقول: إذا استدبرته فكأنه مصبوبٌ، أي: منكبٌ.
(1/155)

10 ... نعم الألوك، ألوك اللحم، ترسله
على خواضب فيها، الليل، تطريبُ
"الألوك": الرسالة. يقول: ترسله، فيأتيك باللحم. أي: يصيدك. وقد ألكتك أي: بلغت رسالتك.

11 ... يبذ ملجمه هادٍ، له، بتعٌ
كأنه، من جذوع الغين، مشذوبُ
"يبذ": يعلو ويجاوزه. و"الغين": شجرٌ. "مشذوب": قد نزع شذبه.

12 ... يخطو على عسبٍ، عوجٍ، سمقن له
فيهن أطرٌ، وفي أعلاه تعقيب
"على عسب" يعني: قوائمه، كأنها عسب، في ملاستها.
(1/156)

13 ... فذاك عندي، إذا ما خيلهم ركبت
إلى المثوب، أو شقاء سرحوب
"المثوب": الذي يدعو، ليثوبوا. و"شقاء": طويلة.
(1/157)

15 وقال ربيع بن علباء السلمي

1 ... إني امرؤٌ، أعرف المعروف، ذو حسبٍ
سمحٌ، إذا حارد القوم، المقاحيدُ
2 ... أجري على سنةٍ، من والدٍ، سبقت
وفي أرومته ما ينبت العودُ
3 ... مطلبٌ، بتراتٍ، غير مدركةٍ
محسدٌ، والفتى ذو اللب محسودُ
4 ... أعيت صفاتي على من يبتغي عنتي
فما يلين صفحيها الجلاميد
5 ... عندي، لصالح قومي، ما بقيت لهم،
حمدٌ، وذمٌّ لأهل الذم، معدود
أي: أحمد أهل الحمد، وأذم من استذم.
(1/158)

16 وقال عمرو بن الإطنابة

1 ... ألا، من مبلغ الأحلاف عني؟
فقد تهدى النصيحة، للنصيح
2 ... فإنكم، وما تزجون نحوي،
من القول، المرغى، والصريحِ
3 ... سيندم بعضكم، عجلاً، عليه
وما أثرى اللسان، إلى الجروح
4 ... أبت لي عفتي، وأبى بلائي
وأخذي الحمد، بالثمن، الربيح
(1/159)

5 ... وإعطائي، على المكروه، مالي
وضربي هامة البطل، المشيحِ
6 ... بذي شطبٍ، كلون الملح، صافٍ
ونفسٍ، ما تقر، على القبيح
7 ... وقولي، كلما جشأت، وجاشت:
مكانك، تحمدي، أو تسترتحي
8 ... لأدفع، عن مآثر، صالحاتٍ
وأحمي، بعد، عن عرضٍ صحيحِ
9 ... أهين المال، فيما بين قومي
وأدفع، عنهم، سنن المنيحِ
"أدفع عنهم سنن المنيح" أي: الذي لا حظ له، أدفع عنهم من اعترض في أمرهم.
(1/160)

17 وقال مالك بن القين الخزرجي

1 ... إذا أنت حملت الخؤون أمانةً
فإنك قد أسندتها، شر لمسندِ
2 ... فلا تظهرن ذم امرئٍ، قبل خبره
وبعد بلاء المرء، فاذمم، أو احمدِ
3 ... ولا تتبعن رأي الضعيف، تقصه
ولكن برأي المرء، ذي العقل، فاقتدِ
4 ... تمنى رجال أن أموت، وإن أمت
فتلك سبيلٌ، لست فيها بأوحد
5 ... وقد علموا، لو ينفع العلم عندهم،
لئن مت ما الداعي علي بمخلدِ
(1/161)

6 ... فقل للذي يبقى، خلاف الذي مضى
تجهز، لأخرى مثلها، فكأن قد
7 ... لعل الذي يرجو رداي، ويدعي
به، قبل موتي، أن يكون هو الردي
8 ... فما عيش من يبقى ورائي، بضائري
وما موت من قد مات قبلي، بمخلدي
9 ... وللمرء أيام، تعد، وقد رعت
حبال المنايا، للفتى، كل مرصد
(1/162)

18 وقال يزيد بن الصامت الشني

1 ... لا أجتني الذنب، للمولى، لأجرمه
ولا أضيع، لطول البطنة، الحسبا
2 ... ولا أخادع جاري، عن حليلته
ولا يراني، لها، زيراً إذا ذهبا
3 ... ولا أقول لشيءٍ: سوف أفعله،
ولست أعلم ما فيه، إذا حزبا
4 ... ينأى القريب، وقد مد الأكف له
حتى يفوت، ويدنو بعد ما نضبا
أي: ذهب.
(1/163)

19 وقال الحارث بن مسهرٍ الغساني

1 ... أفي نابين، نالهما سوافٌ
تأوه طلتي، ما إن تنامُ؟
2 ... ألا، يا أم عمرٍو، لا تلومي
وأبقي، إنما ذا الناس هامُ
(1/164)

3 ... فإن الكثر أعياني، قديماً
ولم أقتر، لدن أني غلامُ
4 ... ألا، يا أم عمرو، لا تلومي
إذا اجتمع الندامى، والمدامُ
5 ... فإن ملامةً، لك، شح سوءٍ
يوافي، كلما اختلط الظلام
6 ... ألوماً، كلما أهلكت شيئاً
وأما الدهر، هند، فلا يلام؟
7 ... فهل أحيا، هبلت، أبا قبيسٍ
عمود الملك، والنعم الركام؟
8 ... ولا ما كان ينكأ، من عدوٍ
ويسقيه، مع الظفر، الغمام
(1/165)

9 ... بنى، بالغمر، أرعن مكفهراً
يغرد في جوانبه، الحمام
10 ... وآخر، بالعذيب، له دروءٌ
تشيدها حصونٌ، ما ترام
11 ... وكسرى، إذ تكنفه بنوه
بأسيافٍ، كما اقتسم اللحام
12 ... تمخضت المنون، له، بيومٍ
أنى، ولكل حاملةٍ تمامُ
(1/166)

20 وقال رجل من بني ضبة

1 ... لقد طال، يا سوداء، منك المواعد
ودون الجدا، المأمول منك، الفراقدُ
2 ... تمنيننا غدواً، وغيمكم غداً
ضبابٌ، فلا صحوٌ، ولا الغيم جائدُ
3 ... إذا أنت أعطيت الغنى، ثم لم تجد
بفضل الغنى، ألفيت مالك حامدُ
4 ... وقل غناءً عنك مالٌ، جمعته
إذا صار ميراثاً، وواراك لاحد
(1/167)

5 ... إذا أنت لم تعرك، بجنبك، بعض ما
يريب، من الأدنى، رماك الأباعدُ
6 ... إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل
عليك بروقٌ، جمةٌ، ورواعد
7 ... إذا العزم لم يفرج، لك، الشك لم تزل
جنيباً، كما استتلى الجنيبة قائد
8 ... إذا أنت لم تترك طعاماً، تحبه
ولا مقعداً، تدعى إليه الولائد
9 ... تجللت عاراً، لا يزال يشبه
سباب الرجال: نقرهم، والقصائد
(1/168)

21 وقال حضرمي بن عامر الأسدي

1 ... ما زال إهداء الهواجر بيننا
شتم الصديق، وكثرة الألقابِ
2 ... حتى تركت كأن صوتك، فيهم
في كل مجمعةٍ، طنين ذبابِ
3 ... أفسدت جندك، من صديقك، فالتمس
جيشاً تجمعهم، من الأوغابِ
أي الضعفاء.

4 ... إن الذي تدعو إليه، سادراً،
يدعو، لبعد تقارب الأطنابِ
(1/169)

5 ... ولقد طويتكم، على بللاتكم
وعلمت ما فيكم، من الأذرابِ
6 ... كيما أعدكم، لأبعد منكم
ولقد يجاء، إلى ذوي الألباب
(1/170)

22 وقال رجل من بني سدوس

1 ... من مبلغ عوف بن لأ
يٍ، حيث كان، من الأقاوم؟
2 ... أني غدوت، وكنت لا
أغدو، على واقٍ، وحاتمْ
(1/171)

3 ... فإذا الأشائم كالأيا
من، والأيامن كالأشائمْ
4 ... وكذاك، لا خير ولا
شر، على أحد، بدائم
5 ... لا يمنعنك، من بغا
ء الخير، تعقيد التمائمْ
6 ... ولا التشاؤم، بالعطا
س، ولا التيمن، بالمقاسمْ
(1/172)

23 وقال الأختس بن شهاب التغلبي

1 ... صحا قلبي، الغداة، عن التصابي
وبدل لهوه، طول انتصابِ
أي: بدل تعباً، ونصباً.

2 ... تقول، لِيَ، ابنة الكعبي ليلى:
أجدك، لا تمل من اغتراب؟
3 ... وحسبك بلدةٌ، يغنيك فيها،
يعود عليك، صرفي، واكتسابي
(1/173)

تقول: حسبك بلدةٌ، يغنيك فيها صرفي، واكتسابي، عائداً عليك، لا ينقطع عنك ذلك، ما كنت حياً.

4 ... ودهمٍ، لم أرثها، عن صديقٍ
صفايا، من لبون بني غرابِ
5 ... أناهبها المغيرة، كل يومٍ
بمسنفةٍ، كضروة ذي كلاب
6 ... تباعدني، إذا ما شئت، منهم
وتدنيني، إذا كرهوا اقترابي
7 ... وتصدرني كما قد أوردتني
كأني بين خافيتي عقابِ
(1/174)

24 وقال عمارة بن صفوان بن الحارث

1 ... أجارتنا، من يجتمع يتفرق
ومن يك رهناً، للحوادث، يغلقِ
2 ... فإني زعيمٌ، أن تخب مطيةٌ
بمختلف، تهوي به الريح، سملق
3 ... مشت مشية الخرقاء، مال خمارها
وشمر عنها ذيل بردٍ، ومنطقِ
4 ... تقلب، للأصوات، أذناً سميعةً
وتسمو، بعيني فاركٍ، لم تطلقِ
(1/175)

5 ... أجارتنا، كل امرئٍ ستصيبه
حوادث، إلا تكسر العظم تعرق
6 ... وتفرق، بين الناس، بعد اجتماعهم
وكل جميعٍ صالحٌ، لتفرق
7 ... فلا السالم، الباقي، على الدهر خالدٌ
ولا الدهر يستبقي حبيباً، لمشفقِ
8 ... وقد أتلافى حاجتي، فأنالها
بعيرانةٍ، غب السرى، ذات مصدق
9 ... برى نحضها عنها السرى، فكأنما
برتها شفار الجازر، المتعرق
10 ... وتصبح، عن غب السرى، وكأنما
ترى الذئب، منها، بين دفٍّ ومرفقِ
(1/176)

11 ... تلاعب أثناء الجديل، وتنتحي
بأتلع نهاضٍ، ورأسٍ، معرقِ
12 ... كأن مصكّاً، من حمير متالعٍ،
يخب برحلي، والقراب، ونمرقي
(1/177)

25 وقال رجل من بني العنبر في وصف النخل

1 ... لنا لحقةٌ، بالماء تغذى بناتها
إذا بركت، في منزل، لم تحولِ
2 ... تدحى، وتسمو في السماء، برأسها
وإن هب يومٌ شأملٌ لم تحللِ
3 ... لها أخواتٌ، حولها، من بناتها
جوازئُ، لا تلقى ببيداء، مجهل
4 ... قيامٌ حوالي فحلها، وهو قائمٌ
تلقح منه، وهو عنها بمعزل
5 ... ترى الشارب، السكران، من حلباتها
إذا راح، يمشي مثل مشي المخبل
(1/178)

26 وقال آخر

1 ... وأغيد، ميالٍ، على حنو رحله
تشبهه، من آخر الليل، هدهدا
2 ... سقاه السرى كأس الكرى، فكأنما
يرى، من كراه، واسط الرحل مسجدا
3 ... ومنجدلٍ، كالحبل، من نشوة الكرى
يرى الحجر الملقى، فراشاً، ممهدا
4 ... أناخ، فألقى رأسه، عند حرةٍ
كأن بعطفيها شجاعاً، وأربدا
5 ... فأمهلت، عنه ساعةً، ثم هجته
وباقي الكرى، في عينه، قد ترددا
(1/179)

6 ... فقلت له: قد طال نومك، فارتحل
توح، فهذا ساطع الصبح قد بدا
7 ... فقام، فأدنى ذات لوثٍ، شملةً
وأدنيت، مني، ذات نيرين جلعدا
8 ... فعدنا على رحليهما، واشمعلتا
على ظهر أعمى، يرشد الركب، للهدى
9 ... كأن رفيقي بين قطري نعامةٍ
تباري ظليماً، تحت رحلي، خفيددا
10 ... فيا ليت هذا الصبح ضل ضلاله
ويا ليت هذا الليل يمتد، سرمدا
(1/180)

27 وقال آخر

1 ... ومولى، دعاه البغي، والبغي كاسمه
وللحين أسبابٌ، تصد عن الحزمِ
2 ... أتاني، يشب الحرب بيني وبينه
فقلت له: لا، بل هلم، إلى السلم
3 ... وإياك، والحرب، التي لا أديمها
صحيحٌ، وقد تعدي الصحاح، على سقم
4 ... ولكنها تسري، إذا نام أهلها
فتأتي، على ما ليس يخطر، بالوهم
5 ... فإن ظفر القوم الألى، أنت فيهم،
بفضلٍ، من سناءٍ، ومن غنمِ
6 ... فلا بد من قتلى، فعلك فيهم
وإلا فجرحٌ، لا يحن، على العظم
7 ... فلما رمى شخصي رميت سواده
ولا بد أن يرمى سواد الذي يرمي
8 ... فكان صريع الخيل، أول وهلةٍ
فيا لك، من مختار جهلٍ، على حلم!

28 وقال الأعور بن يزيد الكلابي

1 ... أضاء الصبح، في يمنٍ، وشامٍ
لذي عينين، وأنقطع الكلامُ
2 ... وقال الناس: إن بني كلابٍ
هم الرأس، المقدم، والسنام
3 ... فلست بشاتمٍ كعباً، ولكن
على كعبٍ، وشاعرها، السلام
4 ... فكائن، في القبائل، من قبيلٍ
أخوهم فوقهم، وهم كرام!
5 ... بنانا الله، فوق بني أبينا
كما يبنى، على الثبج، السنام

29 وقال بشر بن سلوة
- وهي أمه - وأبوه أسر في يوم ذي قار. أو قالها عمرو بن حني التغلبي.

1 ... ولقد أمرت أخاك، عمراً، أمره
فعصى، وضيعه، بذات العجرمِ
أي: أمرته بما ينبغي. ومثله:
أمرتهم أمري، بمنعرِج اللوى
و"ذات العجرم": أرض تنبت العجرم. وإنما أراد أن يبين لها أين كان الضياع.

2 ... فإذا أمرتك، بعدها، فتبيني
أو أقدمي، يوم الكريهة، مقدمي
3 ... وجعلت نحري، دون بلدة نحره
ولبان مهري، إذ أقول له: أقدم
يعني: أنه جعل نفسه، وفرسه، وقايةً له، فلم يشكر.

4 ... في حومة الموت التي، لا تشتكي
غمراتها الأبطال، غير تغمغمِ
"حومة": مجتمع الموت. ومعظم كل شيء: حومته.

5 ... وكأنما أقدامهم، وأكفهم،
كربٌ، تساقط في خليجٍ، مفعم
"مفعم": ممتلئ، من كثرة الدم. شبه أقدامهم، في الدماء، وأكفهم، بالكرب في الماء.

6 ... لما سمعت دعاء مرة، قد علا،
وأبي ربيعة، في الغبار الأقتم
"مرة": ابن ذهل بن همام الشيباني. و"أبو ربيعة": [ابن] ذهل بن شيبان بن ثعلبة.

7 ... ومحلماً، يمشون، تحت لوائهم
والموت تحت لواء آل محلم
8 ... وسمعت يشكر، تدعي، بحبيبٍ
تحت العجاجة، وهي تقطر، بالدم
"حبيب": فخذ من بني يشكر. "تقطر بالدم" هذا مثل. قال: كأن الدم، من الشدة، يسيل على أهله. أي: كأنهم تحت عجاجة، تقطر بالدم.

9 ... وحبيبٌ يزجون كل طمرةٍ
ومن اللهازم شخب غير مصرم
"المصرم" يريد: الضرع الذي قد أصابه شيء، فانسد، وانقطع - يقول: جاءت اللهازم، دفعة غزيرة أي: جماعةً غير قليلة - وإنما يصيبها ذلك، من صرار أو عضة فصيل، أو من سوء حلبٍ.

10 ... والجمع، من ذهل، كأن زهاءهم
جرب الجمال، يقودها ابنا شعثم
"زهاؤهم": محزرتهم يقول: كأنها إبل جربٌ. لأن مجزرة السواد أكثر. "ابنا شعثم": من بني عامر بن ذهل. والذهلان: ذهل بن ثعلبة، وذهل بن شيبان. وشعثم وإخوته من ذهل.

11 ... قذفوا الرماح، وباشروا بنحورهم
عند الضراب بكل ليثٍ، ضيغمِ
"بنحورهم" أراد: بنفوسهم. و"الضغمة": الأخذة الشديدة، بالفم.

12 ... والخيل يضبرن الخبار، عوابساً
وعلى سنابكها سبائب، من دم
13 ... لا يصدفون، عن الوغى، بنحورهم
في كل سابغة، كلون العظلم
14 ... نجاك مهر بني حلامٍ، منهم
حتى اتقيت الموت، بابني حذلم
15 ... ودعا بني أم الرواع، فأقبلوا
عند اللقاء، بكل شاكٍ، معلم
"المعلم": الذي يفعل فعالاً، يكون له علماً.

16 ... يمشون، في حلق الحديد، كما مشت
أسد الغريف، بكل نحسٍ، مظلمِ
"النحس" يريد: الغبرة. وإنما يعني أنهم يمشون في أمر عظيم. قال: وأنشدني رجل من أهل البادية:
إذا هاج نحسٌ، ذو عثانين، والتقت ... سباريت أغفالٍ، بها الآل يمضحُ
17 ... فنجوت، من أرماحهم، من بعد ما
جاشت، إليك، النفس عند المأزمِ

30 وقال طريف العنبري

1 ... أو كلما وردت، عكاظ، قبيلةٌ
بعثوا إلي عريفهم، يتوسمُ؟
"عريفهم": شريفهم. قال: فسمع حمصيصة الشيباني، فقال: لله علي، لئن رأيته، لأقتلنه. قال: فلقيه، فقتله. "توسم": تثبت.

2 ... فتوسموني، إنني أنا ذاكم
شاكٍ سلاحي، في الحوادث، معلم
(/)

3 ... تحتي الأغر، وفوق جلدي نثرةٌ
زغف، ترد السيف، وهو مثلمُ
4 ... حولي فوارس، من أسيد، شجعةٌ
وإذا غضبت فحول بيتي خضم
يقال: قوم "شجعة"، وصبية ذكرة، أي: ذكران. ويقال: كبرة ولد أبي: الأكابر. وصغرة ولده: الأصاغر، وصبيةٌ، وغلمة، وفتية، وحلة. وثيرة: جمع ثور. قال:
وسط النهار، تراعي ثيرةً، رتعا
"خضم": العنبر بن عمرو بن تميم، لكثرتهم، وأنهم يأكلون في الخصب والخير.

5 ... ولكل بكريٍّ، لدي، عداوةٌ
وأبو ربيعة شانئٌ، ومحلمُ
"أبو ربيعة ومحلم" ابنا ذهل بن شيبان.
(1/190)

31 فرد عليه التغلبي

1 ... ولقد دعوت، طريف، دعوة جاهلٍ
سفهاً، وأنت بمنظرٍ، لو تعلمُ
"بمنظر": بمتسع. "لو تعلم": لو كنت تعلم حالك.

2 ... ولقيت حيّاً، في الحروب محلهم
والجيش باسم أبيهم يستهزم
قال: إذا قالوا يا لفلانٍ علم القوم أنهم يهزمون من لقيهم، فانهزموا، إذا عرفوهم.

3 ... وإذا دعوا، بأبي ربيعة، أقبلوا
بكتائبٍ، دون النساء، تلملم
(1/191)

4 ... فلقيت، فيهم، هانئاً وسلاحه
بطلاً، إذا هاب الفوارس يقدم
5 ... سلبوك درعك، والأغر كليهما
وبنو أسيد أسلموك، وخضم
(1/192)

32 وقال الحارث بن ظالم

1 ... قفا، فاسمعا، أخبركما إذ سألتما:
محارب مولاه، وثكلان، نادمُ
يقول: اسمعا أخبركما الخبر: أنا "محارب مولاه" يريد: ابن عمه. يقول: قتلت ابن الملك، الذي كان في حجر سنان بن أبي حارثة، فحاربني، ونفاني. و"ثكلان، نادم" أي: قتلت ابنه، فهو ثكلان، نادمٌ.

2 ... فأقسم، لولا من تعرض دونه
لخالطه صافي الحديدة، صارمُ
يقول: لولا من دون الملك، من حرسه وأحبائه، لطلبته. حتى أقتله. "صارم": قاطع.
(1/193)

3 ... حسبت، أبا قابوس، أنك قادرٌ
ولما تصب ذلاً، وأنفك راغم
قال الأصمعي: هذا البيت ليس منها. وذلك أن المقتول ابن عمرو بن الحارث، جد النعمان الذي كان يكنى أبا قابوس. والمقتول الغلام عم أبي قابوس.

4 ... فإن تك أذوادٌ أصبن، وصبيةٌ،
فهذا ابن سلمى، رأسه متفاقم
قال: كان أغير على جارةٍ له، فذهب بأذوادها، وفرق أهلها. وقوله: "ابن سلمى" يعني: ابن الملك، الذي كان في حجر سنانٍ. وسلمى: امرأة سنان بن أبي حارثة. وهي بنت ظالمٍ، أخت الحارث بن ظالم. "متفاقم": ليس بملتئمٍ.

5 ... علوت، بذي الحيات، مفرق رأسه
وهل يركب المكروه إلا الأكارم؟
قال: كان في سيف الحارث صورة حيتين، فسماه "ذا الحيات"، كما قيل: ذو النون، لأنه كان فيه صورة سمكةٍ.
(1/194)

6 ... فتكت به، كما فتكت بخالدٍ
وكان سلاحي تجتويه الجماجمُ
"تجتويه": لا يوافقها. ويقال: اجتويت بلد كذا وكذا، إذا لم يوافقك.

7 ... أخصيي حمارٍ، بات يكدم نجمةً
أتؤكل جاراتي، وجارك سالم؟
يريد: يا خصيي حمار. يصغره به. و"النجمة": هذا النبت الذي يرتفع، فيبسط عليه القصار الثياب، يقال له: النجمة. قال: ولا أعرف للواحد، منه، اسماً غير هذا.

8 ... بدأت بهذي، وانثنيت بتلكم
وثالثةٌ، تبيض، منها المقادم
"بدات بهذي" يعني قتل خالد. و"انثنيت بتلكم" يريد: ابن الملك. و"ثالثة" يقول: أقتل الملك.
(1/195)

33 وقال مالك بن زغبة الباهلي
قال الأصمعي: هي لجزء بن رباح الباهلي:
1 ... أنوراً، سرع ماذا، يا فروق؟
وحبل الوصل منتكثٌ، حذيقُ
"انوراً" أي: أنفاراً. و"سَرْعَ" يريد: سَرُعَ. و"فروق": امرأة. أي: تنفرين، وقد قطعت الوصل. "منتكث": قد ذهب فتله. وقوله "حذيق" أي: مقطوع.

2 ... ألا، زعمت، علاقة أن سيفي
يفلل غربه الرأس، الحليقُ
"علاقة": امرأةٌ. و"الغرب": الحد.
(1/196)

3 ... فلو شهدت غداة الكوم قالت:
هو العضب، المهذرمة، العتيق
"الكوم": يوم، كان لباهلة على بلحارث، ومرادٍ، وخثعم. و"العضب": القاطع. ويقال لكل كريم النجار: "عتيق". وإذا كان الرجل خفيف الكلام قيل: قد هذرم الكلام، هذرمة. وإذا قطع السيف قيل: قد "هذرم" ما مر به، هذرمةً. وأدخل الهاء في "مهذرمة" كما أدخلت في: علامة، وسجّاعة، وطلابة.

4 ... وذات مناسبٍ، جرداء، بكرٍ
كأن سراتها كرٌّ، مشيق
"الكر": حبل، من ليفٍ. وجمعه: كرور. و"المشيق": الذي يدلك، إذا فتل، حتى يذهب زئبره وما عليه. وقوله "ذات مناسبٍ": فرس، لها من قبل آبائها، وأمهاتها، مناسب. "بكر": لم تحمل قط، فيضعفها الحمل. "السراة": الأعلى. أراد: متنها.

5 ... ترد العير، لا تندي عذاراً
ويكثر، عند سائسها، الوشيقُ
يريد: أنها تدرك الحمار الوحشي، فترده، قبل أن يندى عذارها. وأول ما يندى، من الفرس، موضع عذاره. و"الوشيق": لحم يغلى
(1/197)

إغلاءةً، بماء وملح، ثم ييبس. يقال: وشق القوم جزورهم توشيقاً. يريد: أن الصيد يكثر عند سائسها، حتى يوشقه.

6 ... تراها، عند قبتنا، قصيراً
ونبذلها، إذا باقت بؤوقُ
يريد: أن الفرس عند بيته مربوطةٌ، لا يرسلها ترعى لكرامتها، ويمتهنها إذا باقت بائقة.

7 ... يسوقهم أبو طلب، إلينا
وما يدري، وربك، ما يسوق؟
يريد: أنهم يسوقهم، فلا يدري: علام يهجم، وما يصير إليه أمرهم. و"أبو طلق": صاحب جيش بلحارث، يوم الكوم.

8 ... وجاؤوا، بالنجائب، منعليها
تقاذفها السخاوي، الخروق
يريد: أنها أنعلت، من بعد تقاذفها أرض، ترمي بها إلى
(1/198)

أرض. و"السخاوي" من الأرض: المستوي، الدقيق التراب. ولم يعرف أحد السخاوي. وواحد "الخروق": خرق. وهو القفر البعيد.

9 ... كأن غبارهن، بكل وهدٍ،
نباغة ما يثور، به، الدقيق
"الوهد": المطمئن، من الأرض. وهو واحد وجمعه: وهاد. و"النباغة": ما ثار، من دقيق، أو غبار. يقال: نبغ ينبغ نبغاً. وكل ما نبغ كالفجاءة فهو نابغ. وبذلك سمي النابغة، لأنه نبغ بالشعر، وانقحم به.

10 ... وكانوا مهلكي الأبناء، لولا
تداركهم، بصارخةٍ، شقيق
"الأبناء": ولد معن بن مالك. و"شقيق": ابنه. يريد: أن الجيش كانوا مهلكي الأبناء، لولا أن شقيقاً أغاثهم، "بصارخةٍ". والصارخ: يكون المغيث. والمستغيث.

11 ... مظاهر نثلةٍ، معه أفلٌّ
حسام الحد، مأثورٌ، رقيق
يريد: أنه ليس درعاً، فوق درعٍ. وإذا لبس الرجل ثوبين فقد "ظاهر". و"النثلة": الدرع. و"الأفل": السيف الذي فيه
(1/199)

فلٌّ. يريد: أن معه سيفاً، قد قوتل به، قبل ذلك اليوم، فأصابه فل. و"الحسام": القاطع. ويقال: احسم الدم عنك، أي: اقطعه بالكي. و"المأثور": الذي فيه أثر.

12 ... وما ينفك مياس معاداً،
عليهم، بعد نافذةٍ، خسيق
"مياس": فرس، يكر عليهم "معاداً". و"النافذة": التي قد نفذت. و"الخسيق": التي لم تنفذ.

13 ... وشكوا، بالأسنة، منكبيه
كشك الشعب، في الصحن، الفليق
"الشك": إنفاذك الشيء، بالرمح، أو غيره. و"الصحن": إناء، من الأقداح، قصير الجدر، ضخم.

14 ... فلاقى، ما أراد، أبو حصينٍ
لدى الجرعاء، يفشغه الشهيق
"الجرعاء": الرابية السهلة. "يفشغه: يعلوه.
15 ... يجرر ثربه، قد فض فيها
كأن بياضه سب، صفيق
(1/200)

زعم أنه شق بطنه، فخرج ثربه، "ففض" في التراب أي: حمل الفضض. و"السب": الخمار.

16 ... وأفلتنا ذنيب الريح، ركضاً
وقد كادت تعلقه العلوق
"ذنيب الريح": لقب. وإنما يلقب الرجل ذنيب الريح، إذا كان خفيفاً. وإذا نزلت المنية بالرجل، أو نزل به الأمر المجتاح، قيل: قد "علقته العلوق".

17 ... على ذي وابلٍ، ثرٍّ، هزيمٍ
تنتجه الرواعد، والبروق
"الثر": سعة مخرج اللبن، من الضرع. يقال: إحليل ثرٌّ. كذلك جعل السحاب واسع مخرج القطرة. "هزيم" يقول: كأن هذا السحاب سقاءٌ، انكسر، فهو يسيل، وكسر السقاء: هزمٌ. "تنتجه الرواعد، والبروق" يريد: انه كلما هاج به رعد، أو برق، حلباه.

18 ... إذا ما قلت: أقلع، أسعدته
روياه، وشؤبوبٌ، بعيق
(1/201)

قال: إذا قلت: قد أعيا هذا الفرس، أدركه ثابتٌ، من عدوه، بعد العدو الأول. فضرب السحاب، له، مثلاً. و"البعيق": المنشق. و"أسعدته": أعانته. والمسعد: المعين، والمساعد أيضاً. يقال: أسعدني، وساعدني، على ذلك. يعني: أسعدته رواياه، التي تحمل الماء. وهذا مثل ضربه.
(1/202)

34 وقال أفنون
واسمه صريم بن معشر التغلبي. قال الأصمعي: أنشدنيها أبو عمرو.

1 ... بلغ حيياً، وخلل، في سراتهم
أن الفؤاد انطوى، منهم، على حزنِ
2 ... فالوا علي، ولم أملك فيالتهم
حتى انتحيت، على الأرساغ، والثننِ
يقال: "فال" رأيه يفيل فيالة. وفي رأيه "فيالة" أي:
(1/203)

ضعف. و"الثنة": أعلى الرسغ، من باطنه والثنة [من الإنسان] : أصل البطن.

3 ... سألت قومي، وقد سدت أباعرهم
ما بين رحبة، ذات الروض، والعدن
4 ... إذ قربوا، لابن سوارٍ، أباعرهم
لله در عطاءٍ، كان ذا غبن!:
5 ... أنى جزوا عامراً سوءى، بحسنهم
وعم يجزونني السوءى، من الحسن؟
(1/204)

35 وقال علباء بن أرقم
ابن عوف بن الأسعد بن عجل بن عتيك بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، في كبش النعمان:
1 ... ألا، تلكما عرسي، تصد بوجهها
وتزعم، في جاراتها، أن من ظلمْ
2 ... أبونا، ولم أظلم بشيء، علمته
سوى ما ترين، في القذال، من القدمْ
3 ... فيوماً، توافينا، بوجهٍ مقسمٍ
كأن ظبية تعطو، إلى ناضر السلم
(1/205)

4 ... ويوماً، تريد مالنا، مع مالها
فإن لم ننلها لم تنمنا، ولم تنم
5 ... نبيت كأنا في خصوم غرامةٍ
وتسمع جاراتي التألي، والقسم
6 ... فقلت لها: إلا تناهي فإنني
أخو النكر، حتى تقرعي السن، من ندم
7 ... لتجتنبنك العيس، خنساً عكومها
وذو مرةٍ في العسر، واليسر، والعدم
"خنساً": ممتلئةً. "عكومها": جواليقها.

8 ... وأي مليكٍ، في معدٍ، علمتم
يعذب عبداً، ذي جلالٍ، وذي كرمْ؟
9 ... أمن أجل كبشٍ، لم يكن عند قريةٍ
ولا عند أذوادٍ، رتاعٍ، ولا غنم؟
10 ...
(1/206)

يمشي، كأن لا حي بالجزع، غيره
ويوفي جراثيم المخارم، والأكمْ
"الجزع": منثنى الوادي. و"يوفي": يعلو.

11 ... بصرت به يوماً، وقد كاد صحبتي،
من الجوع، ألا يبلغوا الرجم، ملوحم
12 ... بذي حطبٍ جزلٍ، وسهلٍ، لفائدٍ
ومبراة غزاءٍ، يقال لها: هذم
"الفائد": الطابخ. و"غزاء": صاحب غزوٍ. "الهذم": القطع.

13 ... وزندي عفارٍ، في السلاح، وقادحٍ
إذا شئت أورى، قبل أن يبلغ السأم
"السأم: الغرض. وإنما خص "العفار" لأنه سريع
(1/207)

مخرج النار. ويقال: "في كل شجرٍ نارٌ، واستمجد المرخ والعفار أي: كثرت النار فيهما.

14 ... وقال صحابي: إنك، اليوم، كائنٌ
علينا، كما عفى قدارٌ على إرم
15 ... فقلت لهم: كلا كلوا، وتبينوا
أموركم، واللحم ملقًى على وضم
16 ... وقدرٍ، يهاهي بالكلاب قتارها
إذا خف أيسار المساميح، واللحم
"يهاهي": يدعو. و"قتارها": ريحها. و"المساميح": السمحاء. يقول: إذا قل من يأخذ، منهم، كان ذاك فعله. ويقال: صار لحمة للأسد، مأكلةً له.
17 ... أخذت، لدينٍ مطمئنٍّ، صحيفةً
وخالفت، فيها، كل من جار أو ظلم
"لين": لطاعة رجل "مطمئن". صحيفة" من النعمان.

18 ... أخوف، بالنعمان، حتى كأنما
قتلت له خالاً، كريماً، أو ابن عم
19 ... وإن يد النعمان ليست بصعبةٍ
ولكن سماءٌ، تمطر الوبل، والديم
20 ... لبست ثياب المقت، إن آب سالماً،
ولما أفته، أو أجر، إلى الرجم
21 ... له إليةٌ، كأنها شط ناقةٍ
أبح، إذا ما مس أبهره نحم
22 ... يثير علي الترب، فحصاً برجله
وقد بلغ الذلق الشوارب، أو نجم
"الذلق": الحد. سنان مذلق. و"الشوارب": مجاري النفس، و"نجم": طلع.

23 ... ورحنا على العبء، المعلق، شلوه
وأكرعه، والرأس، للذئب والرخم

36 وقال عمرو بن قعاس المرادي
أنشدها الأصمعي.

1 ... ألا يا بيت، بالعلياء بيت
ولولا حب أهلك ما أتيتُ
معناه: يا بيت لي بالعلياء.

2 ... ألا يا بيت، أهلك أوعدوني
كأني كل ذنبهم جنيتُ
3 ... ألا، بكر العواذل، واستميت
وهل أنا خالد، إما صحوت؟
يقول: يكرن، يلمنني في التطراب، وإنفاق مالي. و"استميت" أي: طلبت. قال: والظباء تستمى، أي: تطلب وترمى، نصف النهار. قال: ومعنى قوله "واستميت" أي: صادوني لأني كنت في ساعةٍ، لست فيها بشاربٍ. وقوله "وهل أنا خالد، إما صحوت" يقول: تلومني، في الشراب والسكر. فهل أنا خالد، إن لم أشرب، ولم أسكر؟ وهو كقول ابن أحمر:
هل ينسأن يومي إلى غيره ... أني حوالي، وأني حذر؟
وكما قال طرفة بن العبد:
ألا، أيها اللاحي، أن أشهد الوغى ... وأن أحضر اللذات، هل أنت مخلدي؟
4 ... إذا ما فاتني لحم، غريضٌ،
قطعت ذراع بكري، فاشتويت
5 ... وكنت إذا أرى زقاً، مريضاً،
يناح على جنازته، بكيت
يقول: إذا رأيت قوماً مجتمعين عليه دخلت معهم. وقال "بكيت" جعله مثلاً، لما قال "مريضاً" قال "بكيت". يقول: أسعدتهم، فأتغنى وأطرب معهم.

6 ... أرجل لمتي، ,أجر ثوبي
وتحمل شكتي أفق، كميت
يقال للأنثى والذكر: "أفق" وهو: المشرف. قال: وسألت يونس عن الأفق فقال: الشديد الموثق.

7 ... أمشي، في ديار بني غطيفٍ
إذا ما ساءني أمر أبيت
8 ... وسوداء المحاجر، إلف صخرٍ
تلاحظني التطلع، قد رميتُ
(1/213)

قال: اللفظ على الأروية، والمعنى على امرأةٍ شبهها بالأروية، لامتناعها.

9 ... وماءٍ، ليس من عد، رواءٍ
ولا ماء السماء، قد استقيت
قال: والمعنى أنه رشف ريق امرأة. هذا كقوله:
تسقي الضجيع ببارد بسّامِ
قال: وسألني أعرابي عن هذا، فأخبرته بهذا، فأباه، فأخبرته أنه افتظاظ كرش، فقال: هذا يزعم بالبادية.

10 ... وتامورٍ هرقت، وليس خمراً
وحبة غير طاحنةٍ، قضيت
"التامور": شيء يشبه بالخمر وبالدم وبالصبغ وإنما يعني ههنا دماً هراقه. و"حبة" نفسه: حاجتها. يقال: اجعل ذاك في حبة نفسك.

11 ... ولحمٍ، لم يذقه الناس قبلي،
أكلت، على خلاءٍ، وانتقيت
(1/214)

لم يعرف الأصمعي معناه. وقال غيره: يعني أنه ذبح ابنه، وهو سكران، فأكل لحمه.

12 ... وبركٍ قد أثرت، بمشرفي
إذا ما زل، عن عقرٍ، رميت
أي: قد أثرت هذا البرك من الإبل "بمشرفي". وهو سيفه فحين زلت عن العقر، فخاف أن تفوته، رماها. و"العقر": حيث تقع أيديها على الحوض. يقول: خاف أن تبرك، فبادرها، فرماها.

13 ... متى ما يأتني يومي تجدني
شفيت، من اللذاذة، واشتفيت
(1/215)

37 وقال قيس بن الحدادية الخزاعي
والحدادية: أمه. وأبوه منقذ. وكان فارساً شجاعاً، فاتكاً خليعاً، جاهلياً.

1 ... بانت سعاد، وأمسى القلب مشتاقا
وأقلقتها نوى الإزماع، إقلاقا
2 ... وهاج بالبين، منها، مهجسٌ فجعٌ
قد كان، قدماً، بفجع البين نعاقا
3 ... أصحت منازلها، بالقاع، دارسةً
إلا نئيّاً، كوشم الجفن، أخلاقا
(1/216)

4 ... أدنى الإماء جمالات، قراسيةً
كوم الذرى، مور الأعضاد، أفناقا
5 ... أني أتيح، لها، حرباء تنضبةٍ
لا يرسل الساق، إلا ممسكاً ساقا؟
(1/217)

38 وقال أيضاً

1 ... هل يبلغن الجارتين، تحيةً،
ذوا سفرٍ، قد أجمعاه، كلاهما؟
2 ... على حرتين، استعليا كل قفرةٍ،
سديسين، قد تنفي الرجال ذراهما
3 ... كأن القطوع، والأشلة، علقت
على آبدين، لاحقٍ إطلاهما
4 ... يكادان بعد الأين، والشأو منهما،
تفض، قوى نسعيهما، زفرتاهما
5 ... يبوسان، لم تطمثهما كف حالبٍ
على السوط، والأنساع، كان مراهما
(1/218)

6 ... كأن عمودي قامتين، تدانتا
بمنزلةٍ، أهويةٍ، عنقاهما
7 ... كأن مبيتاً من ثمانٍ، من القطا،
مناخهما، ينفي الحصا كلكلاهما
8 ... هما جارتاي، لا تعودان هالكاً
[على سفرٍ] ، فكل حيٍّ يطاهما
9 ... هما نعجتان، من نعاج قصيمةٍ
إذا مارتا يأتيهما جؤذراهما
10 ... هما ظبيتان، من ظباء تبالةٍ
يساقط مرداً، يانعاً، مدرياهما
11 ... إذا هزتا قرنيهما، من ذبابةٍ
يصيب الغصون، الدانيات، نساهما
(1/219)

39 وقال أيضاً

1 ... قضيت القضاء، من قسيمة، فاذهب
وجانبتها، يا ليت أن لم تجنبِ
2 ... وأعقبتها هجراً، وشفك دونها
مناطق رهطٍ، في قسيمة، خيبِ
3 ... إذا استحلفوني، في قسيمة، أجنحت
يداي، إلى حوف الرتاج، المضبب
4 ... يميناً، برب الراقصات، عشيةً
وإلا فأنصابٍ، يمرن، بغبغب
5 ... فويل، بها، لمن تكون ضجيعه
إذا ما الثريا، ذبذبت كل كوكب
(1/220)

6 ... إذا اشتد إرهام الندى فهو ساقطٌ
خضولٌ، كظهر البرجد، المتصبب
7 ... مبتلةٌ، بيضاء، تؤتيك شيمةً
على حصرٍ، في صدرها، وتهيب
(1/221)

40 وقال أيضاً

1 ... إن الفؤاد قد أمسى هائماً، كلفاً
قد شفه ذكر سلمى، اليوم، فانتكسا
2 ... عناه ما قد عناه، من تذكرها
بعد السلو، فأمسى القلب مختلسا
3 ... وبعد ما لاح شيبٌ، في مفارقه
وبان عنه الصبا، والجهل، فانملسا
4 ... تذكر الوصل، منها، بعد ما شحطت
بها الديار، فأمسى القلب ملتبسا
5 ... فعد عنك هموم النفس، إذ طرقت
واشدد، برحلك، مذعان السرى سدسا
(1/222)

6 ... عيرانةً، عنتريساً ذات معجمةٍ
إذا الضعيف ونى، في السير، أو رجسا
7 ... تجتاب كل مطاً، ناءٍ مسافته
ومهمهٍ، ما به حبس، لمن حبسا
8 ... إذا تردى السراب القور، فالتمعت
أشباه بيضٍ، ملاءٍ، لم تصب دنسا
9 ... خاضت بنا غوله، والعيس وانيةٌ
وقد تخبى بها اليعفور، فاكتنسا
10 ... كأنها، بعد ما طال النجاء بها،
محاذرٌ، ظل يحدو ذبلاً، عجسا
11 ... أو مفردٌ، أسفع الخدين، ذو جددٍ
جادت له من جمادى ليلة، رجسا
(1/223)

12 ... وبات ضيفاً، لأرطاةٍ، يلوذ بها
في مرجحن، مرته الريح، فانبجسا
13 ... حتى إذا لاح ضوء الصبح باكره
معاودٌ الصيد، يشلي أكلباً، غبسا
14 ... فانصاع، وانصعن، أمثال القداح، معاً
تخال أكرعها، بالبيد، مرتعسا
(1/224)

41 وقال أيضاً
ويقال: إن عائشة بنت طلحة قعدت، يوماً، فأنشدت قصيدته، هذه التي على العين، وكانت تعجب بشعره. فقالت، بعد أن فرغت: من يزيدني فيها بيتاً فله خلعتي. فلم تر أحداً، فعل ذلك.

1 ... أجدك، أن نعمٌ نأت، أنت جازعٌ؟
قد اقتربت، لو أن ذلك نافعُ!
2 ...
(1/225)

قد اقتربت، لو أن في قرب دارها
جداءً، ولكن كل من ضن مانع
3 ... فإن تلقين أسماء، يوماً، فحيها
وسل: كيف ترعى، بالمغيب، الودائع
4 ... فظني بها حفظ لغيبي، ورعيةٌ
لما استرعيت، والظن بالغيب واسع
5 ... وقد يحمد الله العزاء، من الفتى
وقد يجمع الأمر، الشتيت، الجوامع
6 ... ألا قد يسلى ذو الهوى، عن حبيبه
فيسلو، وقد تردي الرجال المطامع
7 ... كما قد يسلى، بالعقال، وبالعصا
وبالقيد، ضغن الفحل، إذ هو نازع
8 ... فما راعني إلا المنادي: ألا اظعنوا
وإلا الرواغي، غدوةً، والقعاقع
(1/226)

9 ... فجئت، كمخفي السر، بيني وبينها
لأسألها: أيان من سار راجع؟
10 ... فقالت: لقاء، بعد حولٍ، وحجةٍ
وشحط نوى، إلا لذي العهد، قاطع
11 ... وقالت: تزحزح، لا بنا خلت خلةً
إليك، ولا منا لفقرك راقعُ
12 ... بحسبك، من قربٍ، ثلاثة أشهرٍ
ومن حزنٍ، أن زاد شوقك رابع
(1/227)

13 ... وقد يلتقي، بعد الشتات، أولو النوى
ويسترجع، الحي، السحاب اللوامع
(1/228)

14 ... فما زلت تحت الستر، حتى كأنني
من الطل، ذو طمرين، في البحر شارع
15 ... وهزت إلى الرأس، مني تعجباً
وعضض، مما قد أتيت، الأصابع
(1/229)

42 وقال مالك بن حريم الهمداني
أنشدها الأصمعي.

1 ... جزعت، ولم تجزع من الشيب مجزعا
وقد فات ربعي الشباب، فودعا
يقول: جزعت، ولم تجزع جزعاً، ينفعك. و"ربعي الشباب": أولة. ويقال: ولد فلان ربعيون، إذا ولد له، وهو شاب.

2 ... ولاح بياضٌ، في سوادٍ، كأنه
صوارٌ بجوٍّ، كان جدباً، فأمرعا
"
(1/230)

الصوار": القطيع من البقر. يقول: كأنه بياض في خضرة، في جوٍّ، قد كان جدباً، فأمرع نبته، واخضر. وهو أجدر أن يرى بياض البقر فيه. والخضرة قريب من السواد.

3 ... وأقبل إخوان الصفاء، فأوضعوا
إلى كل أحوى، في المقامة، أفرعا
"المقامة": المجلس. يقول: النساء، اللواتي كن يصافينه، أقبلت "إلى كل أحوى" أي: أسود الرأس، شاب. و"أفرع": كثير الشعر.

4 ... تذكرت سلمى، والركاب كأنها
قطاً، واردٌ، بين اللفاظ ولعلعا
5 ... فحدثت صحبي أنها، أو خيالها
أتانا عشاءً، حين قمنا، لنهجعا
6 ... فقلت لها: بيتي لدينا، وعرسي
وما طرقت، بعد الرقاد، لتنفعا
(1/231)

7 ... منعمةٌ، لم تلق في العيش ترحةً
ولم تلق بؤسى، عند ذاك، فتجدعا
ويروى: "مناعمةٌ". و"الترحة": الحزن, "تجدع" أي: يصغر جسمها، لذلك.

8 ... أهيم بها، لم أقضِ منها لبانةً
وكنت بها، في سالف الدهر، موزعا
9 ... كأن جنى الكافور، والمسك خالصاً
وبرد الندى، والقحوان، المنزعا
10 ... وقلتاً، قرت فيه السحابة ماءها
بأنيابها، والفارسي، المشعشعا
"قرت": جمعت. يقول: كأن ماء سحابةٍ تضمنه قلتٌ، فصفا ماؤه وبرد، على أنياب هذه المرأة، مع الخمر الفارسية. و"شعشعت": أرق مزاجها. و"القلت": نقرةٌ في الجبل. وجمعها: قلاتٌ.

11 ... وإني لأستحيي، من المشي، أبتغي
إلى غير ذي المجد، المؤثل، مطمعا
"
(1/232)

المؤثل": المتمم المحسن. يقال: قد تأثل مالاً، أي: اتخذه وورثه. وقال امرؤ القيس:
ولكنما أسعى، لمجدٍ، مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد، المؤثل، أمثالي
12 ... وأكرم نفسي، عن أمور، كثيرةٍ
حفاظاً، وأنهى شحها، أن تطلعا
ويروى: "حياطاً" من الحيطة. قال الأصمعي: "وأنهى شحها" يقول: إذا تطلعت لشح نهيتها، ورددته، فصرت كريماً، لا أدع نفسي "تطلع" إلى شيء، من اللؤم والدناءة. ومعنى "حفاظ" أي: محافظة على كرمي، أن أدنسه.

13 ... وآخذ للمولى، إذا ضيم، حقه
من الأعيط، الآبي، إذا ما تمنعا
14 ... وإن يك شاب الرأس، مني، فإنني
أبيت على نفسي مناقب، أربعا:
"مناقب": وجوه، ومذاهب، من الأمر.

15 ... فواحدةٌ ألا أبيت بغرةٍ
إذا ما سوام الحي، حولي، تصوعا
يقول: إنه لا يبين إلا مستعداً. "تصوع": فرقته الغارة.
(1/233)

16 ... وثانيةٌ ألا تقذع جارتي
إذا كان جار القوم، فيهم، مقذعا
"مقذع": يفحش له. يقول: لا يفحش على جارتي.

17 ... وثالثةٌ ألا أصمت كلبنا،
إذا نزل الأضياف، حرصاً، لنودعا
يقول: لا نصمت كلبنا، إذا جاء الطراق، مخافة أن ينزلوا بنا. و"نودع": نترك.

18 ... ورابعة ألا أحجل قدرنا
على لحمها، حين الشتاء، لنشبعا
يقول: لا نرسل عليها ستراً، كأنها في حجلة.
19 ... وإني لأعدي الخيل، تقدع بالقنا،
حفاظاً على المولى، الحريد، ليمنعا
20 ... ونحن جلبنا الخيل، من سرو حميرٍ
إلى أن وطئنا أرض خثعم، نزعا
(1/234)

21 ... فمن يأتنا، أو يعترض بسبيلنا،
يجد أثراً دعساً، وسخلاً، موضعا
"الدعس": المتراكب. وقوله "سخل موضع" يقول: خدجت الخيل.

22 ... ويلق سقيطاً، من نعالٍ، كثيرةٍ
إذا خدم الأرساغ، يوماً، تقطعاً
أي: نعال الخيل والإبل. يقول: تجمع النعال، بسلفةٍ رقيقةٍ، ثم تشد في موضع الخدمة. وهو الرسغ.

23 ... إذا ما بعيرٌ قام علق رحله
وإن هو أنقى ألحقوه، مقطعا
يقول: إذا قام بعير علقوا رحله على غيره. وهو معنى قوله "إذا قام بعير". وقوله "وإن هو أنقى" يقول: إن كان سميناً قطعوه، ففرقوه.
(1/235)

24 ... نريد بني الخيفان، إن دماءهم
شفاء، وما والى زبيدٌ، وجمعا
"ما والى زبيد" أي: ما داناهم، وجمعوه.

25 ... يقود، بأرسان الجياد، سراتنا
لينقمن وتراً، أو ليدفعن مدفعا
26 ... ترى المهرة، الروعاء، تنفض رأسها
كلالاً، وأيناً، والكميت المقزعا
"المقزع": الذي حفف ذنبه وعرفه.

27 ... ونخلع نعل العبد، من سوء قوده
لكيلا يكون العبد، للسهل، أضرعا
قوله "ونخلع نعل العبد" يقول: ليكون أجزع له على الحصاء فيتوخى بها السهل، فيمر بها فيه. وإنما يفعلون ذلك، لإشفاقهم على خيلهم. وقوله "للسهل أضرعا" أي: مستخذياً.

28 ... وقد وعدوه عقبةً، فمشى لها
فما نالها، حتى رأى الصبح، أدرعا
(1/236)

يقول: قالوا له اصبر شيئاً، سنحملك. فمدوا به إلى الصبح. وقوله: "أدرع" أي: أبيض الصدر. يقال: شاة درعاء، إذا كانت بيضاء الصدر.

29 ... وأوسعن عقيبه دماءً، فأصبحت
أصابع رجليه رواعف، دمعا
30 ... وتهدي بي الخيل، المغيرة، نهدةٌ
إذا ضربت صابت قوائمها معا
"نهدة": غليظة شديدة. وقوله "صابت قوائمها معاً" يقول: كلهن قاصدة، لا تأخر منهن واحدة، فتثني. ولكن يقصدن كلهن، فيقعن معاً. قال: وهذا صواب، ليس كقوله:
يهوين شتى، ويقعن وفقا
31 ... إذا وقعت إحدى يديها، بثبرةٍ
تجاوب أثناء الثلاث، بدعدعا
"بثبرة" أي: بهوةٍ، من الأرض. قال: وكان أهل الجاهلية إذا وقع
(1/237)

الرجل في أمر، يخافه، قالوا: دع دع. أي: لا بأس عليك. والمعنى: أن الثلاث تثنيها. و"الأثناء": المعاطف.

32 ... مقربةً أدنيتها، وافتليتها،
لتشهد غنماً، أو لتشهد مدفعا
"افتليتها": افتصلتها من أمها.

33 ... فأصبحن لم يتركن وتراً، علمته،
لهمدان، في سعدٍ، وأصبحن ظلعا
34 ... تقول: أمن أعضادها خين مشيها
أم القض، من تحت الدوابر، أوجعا؟
"خين" من خان يخون. ويروى: "خبن مشيها". و"القض": حجارة صغار. والقضض المصدر. يقال: خبن، وكبن، من مشيه. وهو ألا يخرج مشيه كله. يقول: ألهدت أعضادها، أي: غمر اللحم، حتى كاد أن ينفسخ، فمن ذلك خبن مشيها، أم حفيت، فأوجعها القضة؟
35 ...
(1/238)

ومنا رئيسٌ يستضاء، برأيه
سناءً وحلماً، فيه، فاجتمعا معا
36 ... وسارع أقوامٌ، لمجدٍ، فقصروا
وفاز به زيد بن قيسٍ، فأسرعا
37 ... ولا يسأل الضيف، الغريب، إذا شتا
بما زخرت قدري، به، حين ودعا
"الضيف الغريب": الذي لا يعرف. و"شتا": دخل في الشتاء. وإنما خص الشتاء، لأنه وقت، يكون الحال فيه ضيق، والقرى غير ممكن. ومعنى قوله "بما زخرت" أي: عما زخرت. كما قال الآخر:
فإن تسألوني، بالنساء، فإنني ... عليهم، بأدواء النساء، طبيب
أي: إن تسألوني عن النساء. وأنشد أبو عمرو:
واسأل بمصقلة البكري: ما فعلا؟
قال: يريد: عن مصقلة.
(1/239)

38 ... فإن يك غثاً، أو سميناً، فإنني
سأجعل عينيه، لنفسه، مقنعا
يقول: إذا قالت له نفسه: إنهم: قد عملوا شيئاً، غير ما بعثوا به إليك، أتيته بالقدر، فجعلت عينيه تقنعان نفسه.
(1/240)

43 وقال عامر بن معشر
ابن أسحم بن عدي بن شيبان بن سويد بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. وهذه القصيدة تسمى "المنصفة". وقال الأصمعي: هي للمفضل النكري.

1 ... ألم تر أن جيرتنا استقلوا؟
فنيتنا، ونيتهم، فريق
الأصمعي: يروى: "أحقاً أن جيرتنا استقلوا". قال يزيد: أكان هذا حقاً. "فريق" أي: متفرقة، كقول ذي الرمة:
ولا يفرق شعباً، واحداً، شعب
(1/241)

يقول: ما ننوي وينوون متفرق. ويقال: له فرقة من مالٍ، أي: قطعة.

2 ... فدمعي لؤلؤٌ، سلسٌ عراه
يخر على المهاوي، ما يليقُ
"عراه": خروقه. صار سلساً. يريد: يتحدر دمعي تحدر اللؤلؤ. و"المهاوي": المواضع التي يهوي فيها. وأصل المهواة: الهواء بين الجبلين. "ما يليق" ما يثبت.

3 ... على السربال، إذ شحطت سليمى
فأنت بذكرها صبٌّ، مشوق
4 ... فودعها، وإن كانت أناةً
مبتلةً، لها بشرٌ، رقيق
الأصمعي: "لها خلقٌ أنيق". "الأناة": الحليمة. والأني: البطيء الغضب. و"المبتلة": السبطة الخلق، لم يركب بعض خلقها بعضاً.

5 ... تلهي المرء، بالحدثان، لهواً
وتحدجه، كما حدج المطيقُ
(1/242)

ويروى: "تلهي المرء بالحدثان" وهو جمع حديث، كالثميل والثملان. يقول: هي تلهي المرء بحديثها لهواً. قال: ومثل حديثٍ وحدثان: ظليم وظلمان. و"تحدجه": تشد عليه الحدج، من غلبتها عليه. و"المطيق": البعير الذي يطيق الحمل. ويقال: تحمل عليه الذنب. يقال: حدجني ذنب غيري، أي: حمله علي.

6 ... فإنك لو رأيت، غداة جئنا
ببطن كراء، ضاحيةً، نسوق
7 ... لقينا الجهم، ثعلبة بن سيرٍ
أضر، بمن يجمع، أو يسوقُ
8 ... لدى الأعلام، من تلعات طفلٍ
ومنهم من أضح، به، الفروق
"أضح به": برز به.

9 ... فحوط، عن بني عمرو بن عوفٍ،
وأفناء العمور بها، شقيق
"
(1/243)

حوط": حاطهم "شقيق" لأنه كان رئيسهم. ويقال: حوط: تنحى عنهم. وقول بشر مثله:
فحاطونا القصاء، وقد رأونا ... قريباً، حيث يستمع السرار
وقال قوم: إن الشقيق موضع. وقوله "وأفناء العمور بها شقيق" أراد: "أفناء العمور بالشقيق. فقال: بها شقيق.

10 ... فداءٌ خالتي، لبني حييٍّ
خصوصاً، يوم كس القوم روقُ
"خصوصاً" أي: يخصهم خصوصاً. وقوله: "يوم كس القوم روق" أي: يكلحون، فيرن الأكس - وهو القصير الأسنان - كأنه أروق. وهو الطويل الأسنان. يريد الثنايا. ومثله:
إذا الرماح [أخرجت] أقصى الفم
ومثله:
وإذا ما الأكس شبه بالأر ... وق عند الهيجا، وقل البصاق
11 ... هم صبروا، وصبرهم تليد
على العزاء، إذ بلغ المضيقُ
"
(1/244)

تليد": قديم. و"العزاء": الشدة.

12 ... وهم دفعوا المنية، فاستقلت
دراكاً، بعد ما كادت تحيقُ
"المنية" يريد: الحرب. "دراكاً" أي: مداركة. ويروى: "رفعوا المنية" بالراء، أي: رفعوا الراية، وتحتها الموت. "تحيق": تحيط بهم كلهم.

13 ... وهم علوا الرماح، وأنهلوها
إذا خام المهللة، البروق
"علوا الرماح": سقوها الشربة الأولى. و"أنهلوها": سقوها، بعد ذلك، نهلاً. و"خام": فتر. و"المهللة": الجبان. "البروق": الذي يبرق ولا يمضي.

14 ... تلاقينا، بسبسب ذي طريفٍ
وبعضهم، على بعض، حنيق
"حنيق" من الغيظ. ويروى: "بغينة ذي طريف".

15 ... فجاؤوا، عارضاً برداً، وجئنا
كمثل السيل، أن به الطريق
(1/245)

يقول: جاؤوا، بمنزلة العارض "البرد". وهو الذي فيه البرد. "أن": ضاق، فسمعت له مثل الأنين، أي: صوتاً، يشبه الأنين.

16 ... رمينا، في وجوههم، برشقٍ
تغص به الحناجر، والحلوق
"الرشق": الوجه. والرشق المصدر. ومعنى قوله "تغص به" أي: يشجيهم.

17 ... كأن النبل، بينهم، جرادٌ
تصفقه شآميةٌ خريقُ
"تصفقه": تكفئه، وتجيء به. يقول: رمى هؤلاء وهؤلاء، فكان الرمي بينهم كأنه جراد.

18 ... وجدنا السدر خماناً، ضعيفاً
وكان النبع معقده وثيق
"خماناً" أي: ضعيفاً. أي: قسي "السدر". وقال الأصمعي: بل عنى الأحساب، ف"النبع" هم ذوو الأحساب، و"السدر":
(1/246)

الدخلاء والموالي. والأول أجود القولين، لأنه قد ذكر بعده القنا والسيوف. الأصمعي: "وجدنا السدر خماناً" و:"خواراً". قال: يقول: الذين لقيناهم كانوا نبعاً، مثلنا. قال: ومثله:
فلما قرعنا النبع، بالنبع، بعضه ... ببعضٍ، أبت عيدانه، أن تكسرا
19 ... وألفينا القنا، حيناً، خؤوناً
وأما المشرفي فلا يليق
20 ... وبسلٌ ما ترى، فيهم، كمياً
كبا ليديه، إلا فيه فوقد
قال: "ما": صلة. و"بسل" ههنا: حرام. أي: كانه محرم عليهم ألا يوجد، منهم، إلا هكذا.

21 ... يقلقل صعدةً، جرداء، فيها
نقيع السم، أو قرنٌ محيقُ
ويروى: "نقيع السم، والموت المحوق". وهو: الماحق. وكانت
(1/247)

العرب إذا لم تجد أسنة جعلوا قروناً. و"محيق": قد حدد. وقال الأصمعي: طعن سمير بن ربيعة الفارس وردفه بقرنٍ محيقٍ، فائتطمهما.

22 ... فألقينا الرماح، وكان ضرباً
مقيل الهام، كل ما يذوق
أي: كل يذوق. و"ما": صلة. "مقيل الهام" أي: في مقيل الهام. "كل ما يذوق" أي نحن وهم. ومن ثم سميت: المنصفة.

23 ... وجاوزنا المنون، بغير نكسٍ
وخاظي الجلز ثعلبه دميق
خاضوا الموت، بقائدٍ، غير نكسٍ. وروى الأصمعي: "وحاوطت المنون بكل نصل*وخاظي" يريد: حاوطت المنون هذه القبيلة بكل سيف. و"خاظي": رمح غليظ. و"دميق": داخل، اندمق النصل، فدخل إلى أقصى الجلز. يقول: قد أحكم تركيبه.
(1/248)

24 ... كأن هزيزنا، لما التقينا،
هزيز أباءةٍ، فيها حريق
"الهزيز": [الصوت] . وروى الأصمعي: "هرير".

25 ... بكل قرارةٍ، منا ومنهم،
بنان فتًى، وجمجمةٌ فليقُ
26 ... بكل قرارةٍ، غادرن خرقاً
من الفتيان، ملبسه رقيق
ويروى: "مبسمه رقيق" أي: هو حدث، وضاح الثنايا، رقيقها.

27 ... فكم من سيدٍ، منا ومنهم،
بذي الطرفاء، منطقه شهيقُ!
أي: انقطع كلامه، إلا الشهيق.

28 ... فأشبعنا السباع، وأشبعوها
فراحت، كلها تئقٌ، يفوق
29 ... تركنا الطير عاكفةً، عليهم
فللغربان، من شبعٍ، نغيق
(1/249)

30 ... فأبكينا نساءهم، وأبكوا
نساءً، ما يسوغ، لهن، ريق
31 ... يجاوبن النياح، بكل فجرٍ
فقد صحلت، من النوح، الحلوق
32 ... تركنا الأبيض، الوضاح، منهم
كأن سواد لمته العذوق
ويروى:
قتلنا الحارث، الوضاح، منهم ... فخر، كأن لمته العذوق
ومثله: "كأن لمته من الكروم" أي: العناقيد. ومثله: "وجه كأنه الدنانير" أي: الدينار.

33 ... تعاوره رماح بني حيي
فزل، كأنه سيفٌ، ذلوق
يقول: خر [من] على فرسه، كأنه سيف، من حسنه. ومثله قول الضبي:
فخر على الألاءة، لم يوسد ... كأن جبينه سيفٌ، صقيل
(1/250)

34 ... وقد قتلوا، به منا، غلاماً
كريماً، لم تأشبه العروق
35 ... وسائلةٍ، بثعلبة بن سيرٍ
وقد علقت، بثعلبة، العلوق
قال: لم يستأثر فيها، إلا بقتل هذا الرجل، في هذا البيت.

36 ... فظل يخالس المذقات، فيما
يقاد، كأنه جملٌ، ربيق
ويروى: "يساور المذقات". يقول: شره، حتى صار هكذا. وهذا عيبٌ، أن يكون أسيره يجوع.

37 ... وأفلتنا ابن قرانٍ، جريضاً
تمر به مساعفةٌ، مزوق
ويروى: "خزوق" أي: تشق الأرض.
(1/251)

38 ... تشق الأرض، شائلة الذنابى
وهاديها كأن جذعٌ، سحوق
قوله: "تشق الأرض شائلة الذنابى" أي: نكباء، تمد بذنبها فهو أشد لعدوها.

39 ... فلما استيقنوا، بالصبر، منا
تذكرت العشائر، والحديق
يقول: لما صبرنا تذكر أهله، فهرب.

40 ... فأبقينا، ولو شئنا تركنا
لجيماً لا تقود، ولا تسوق
41 ... وأنعمنا، وأبأسنا، عليهم
لنا، في كل أبياتٍ، طليقُ
ويروى: "فأصبحنا لنا فضل عليهم".
(1/252)

44 وأنشد لرجل من بني شيبان
حليف في عبد القيس:
1 ... إن عريباً، وإن ساءني،
أحب حبيبٍ، وأدنى قريبِ
2 ... سأجعل نفسي، له، جنةً
بشاكي السلاح، نهيكٍ، أريبِ
"عريبٌ": اسم فرسه. وقوله "سأجعل نفسي له جنة" يقول: أقي بها. "نهيك": شجاعٌ. يقال: رجل نهيكٌ بين النهاكة. "أريب": ذو أربةٍ، أي: ذو دهيٍ. والإربة: العقدة، والأرب: الحاجة.

3 ... أأسماء، لم تسألي عن أبي
ك، والقوم قد كان فيهم خطوب؟
4 ...
(1/253)

أهلك، مهر أبيك، الدوا
ء، ليس له من طعامٍ نصيبُ
"الدواء": الصنعة. فيقول: أهلكت الصنعة مهر أبيك، التضمير، ولا نصيب له من علفٍ. أي: أنه يمنع ذاك.

5 ... خلا أنهم كلما أوردوا
يضيح قعباً، عليه ذنوب
أي: غير أنهم كلما أوردوا إبلهم سقي ضياحاً. و"الضياح": الممذوق من اللبن. وهو السماء. وقوله "عليه ذنوب" أي: يمزج بدلوٍ، من ماء، ويسقى.

6 ... فتصبح حاجلةً عينه
لحنو استه، وصلاه، غيوب
"حاجلةٌ" أي: غائرة. "لحنو استه": لحرف استه. و"الصلا": ما عن يمين الذنب وشماله. "غيوب" قال: أراد: أنها لم تمتلئ.

7 ... أخي، وأخوك، ببطن [المسي
ب ليس به] ، من معد، عريبُ
"
(1/254)

المسيب": واد. ويقال: ما بها "عريب" ولا صافرٌ.

8 ... أقسم ينذر، نذراً، دمي
وأقسمت، إن نلته، لا يؤوب
ويروى: "أقسم بالله، لا يأتلي" أي: لا يترك جهداً. وقوله "لا يؤوب" أي: لا يرجع إلى أهله.

9 ... فأقبل، نحوي، على قدرةٍ
فلما دنا صدقته الكذوب
"صدقته الكذوب" يعني: نفسه. أي: قد كانت كذبته، إذ طمع في دمي.

10 ... أمال، بها، كفه مدبراً
وهل ينجينك ركضٌ، وعيب؟
"أمال بها كفه" أي: عطف بالفرس يده، هارباً. و"هل ينجينك ركض، وعيب" أي: وهل تنجو، بأن تستوعب ركض فرسك، أجمع؟
11 ... فأردفته، كصفاة المسي
ل، لم يتلمس حشاها طبيب
"
(1/255)

أردفته" أي: جعلت الفرس ردفاً له. وهذا مثل، أي: أني أتبعته بها. "صفاة المسيل" يريد: أتان المسيل. وهي صخرة، من أشد الصخر، لأنها تشرب الماء، وتصيبها الشمس، فتصلبها. "لم يتلمس حشاها" أي: لم ينظر إليها "طبيب" بأمرها، أي: عالم به.

12 ... وأتبعته طعنةً، ثرةً
يسيل على النحر، منها، صبيب
ويروى: "نثرةً". كأنه مثلٌ، شبه النثرة. وحكاه بندار. و"الصبيب": كل ما صب من ماء، أو لبنٍ أو سمن. وهو ههنا الدم.

13 ... فإن قتلته فلم آله
وإن ينج، منها، فجرحٌ رغيب
"قتلته" يعني: الطعنة. "لم آله": لم أدع جهداً، في أمره.
(1/256)

وإن سلم فقد تركت به جرحاً رغيباً. و"الرغيب": الواسع. يقال: سقاء رغيبٌ.

14 ... وإن يلقني، بعدها، يلقني
عليه، من الذل، ثوبٌ قشيب
"وإن يلقني" يقول: يلقاني، وقد ألبسته مذلة لا تبلى، متجددة أبداً. و"القشيب": الجديد.
(1/257)

45 قال أنشدني ابن أبي الزناد لورقة بن نوفل

1 ... لا تنسين، ولا أخالك ناسياً،
أن العداوة بيننا لم تخلقِ
2 ... فإذا عفوت عفوت، غير مكدرٍ
وإذا انتقمت بلغت رنق المستقي
أي: إذا انتقمت بلغت أقصى ما يبلغ، لم آخذ الصفو وحده. و"الرنق": الكدر.
(1/258)

46 قال وأنشدني مسور بن عبد الملك بن سعيد بن يربوعٍ المخزرمي لأبي أسامة الجشمي
وهو حليف بني مخزوم:
1 ... وهاديةٍ قعدت، لها، سبيلاً
فجاءت، وهي نافرةٌ، تجول
2 ... رميت لبانها بأحذ، حشرٍ
فخر، كأنه عودٌ، طميل
ويروى: "خوطٌ طويل". يقول: "خر" السهم أي: سقط منه، وكأنه عودٌ، لما أصابه من الدم، "طميل": مطلي. يقال: طمل بالدم، أي: طلي به.
(1/259)

3 ... كأن الريش، والفوقين، منه
يعل به أجاجي، عليل
يقول: كأن ريش السهم وفوقيه تعل بعنبر. و"العل": سقيةٌ بعد سقية. والاسم العلل. و"أجاجي" أي: طيب ذو أجيج. قال: يقال: طيب يأتج ويأتكل سواء. وأنشد للنمر بن تولب:
ومسكٌ، وكافورٌ، ولبنى تأكل
واللبنى: الميعة.

4 ... ولا، والله، نادى الحي ضيفي
طوال الدهر، ما دعي الهديلُ
"الهديل": دعاء الحمامة. يقول: لا ينادونه، أن يحول إليهم.

5 ... وأبيض، كالغدير، ثرًى عليه
يثور، كأنه رجعٌ، يسيل
6 ... به أحمي المضاف، إذا دعاني
وأعلم أنه وزرٌ، جميل
"وزر" أي: حمل، يجمل احتماله، ليس بحملٍ قبيحٍ.
(1/260)

47 قال وأنشدني لأبي أسامة
في يوم بدر، وقاتل هبيرة بن أبي وهب، حتى أفلت:
1 ... دونكما هبيرة، ضرتيه
ودونك مالكاً، يا أم عمرو
(1/261)

يريد: يا ضرتيه. إنه كان أنقذه، فقال: دونكما. فقد دفعته إليكما، سليماً. و"مالك": آخر كان قاتل عنه، حتى أنجاه.

2 ... ودونكم، بني وهبٍ، أخاكم
ليبشرني، بمحمدةٍ، وشكرِ
3 ... فلولا موقفي ظلت عليه
موقفة القوائم، أم أجري
4 ... دفوع، للقبور، بمنكبيها
كأن بوجهها تحميم قدرِ
(1/262)

5 ... فإن تك في غلاصم، من قريش،
فإني من بني جشم بن بكرِ
6 ... أنا الجشمي، كيما تعرفوني
أبين نسبتي، نقراً بنقرِ
(1/263)

يقال: نقره من بينهم، أي: استخرجه. وفلانٌ يدعو النقرى أي: يدعو واحداً بعد آخر. والجفلى: الجميع. قال طرفة:
نحن، في المشتاة، ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب، فينا، ينتقر
(1/264)

48 وأنشد لعتيبة بن الحارث

1 ... غدرتم غدرة، وغدرت أخرى
فليس إلى توافينا سبيلُ
2 ... كما لاقى ذوو الهرماس، مني
غداة الشعب، مدرعاً شليلي
3 ... إذا التفت نواصي الخيل، ظنوا
بأن، بصعدتي، يشفى الغليلُ
(1/265)

49 وقال النمر بن تولب
قال أبو بشر عوج: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي - تيم قريش، كان مولى لهم -: قال النمر بن تولب العكلي، وكان شاعر الرباب في الجاهلية. وإنما سموا الرباب، لأنهم لما تحالفوا غمسوا أيديهم في رب. وجمع الرب الرباب. وقول آخر: سموا رباباً، لتجمعهم كما جمعت القداح ربابتها. وهي جلدة تلف على القداح في الحفير. حتى إذا أراد الحرضة أن يضرب بها غطى يده بتلك الربابة، ثم أخرج القداح. وإنما يلف يده، لئلا يعرف مس قدح، له فيه هوى، فيحابي فيه والرباب: العهد. قال الشاعر:
... ويغشيها الأمان ربابها
(1/266)

وكان النمر من الأسخياء، لم يمدح، ولم يهج. وأدرك الإسلام وهو كبير، فجعل يهذي: أصبحوا الراكب، أنزلوا الضيف.

1 ... قد قلت، إذ قامت من الليل: اسمعي
سفه تبيتك الملامة، فاهجعي
روى عوج: "سفهاً". ويروى: "قالت، لتعذلني، من الليل اسمع". قال أبو بشر عوج: يقول: سفه بك أن تهيجي ملامة ليلاً. قال الأصمعي: "اسمعي" أي: اسمعي ما يقال لك.

2 ... لا تجزعي، لغدٍ، وأمر غدٍ له
وتعجلين الشر، ما لم تمنعي!
ويروى: "وكل غدٍ له". قال عوج: أي: لكل غدٍ أمر. أنت الآن في خير، فلم تعجلين الشر، ما لم تمنعي من ذاك، ويصاح عليكِ. إن لم يكن على رأسك مانعٌ فأنت واقعة بشرٍ. أي: تلوميني.

3 ... قامت تباكى، أن سبأت، لفتيةٍ
زقّاً، وخابيةً، بعودٍ مقطعِ
"
(1/267)

سبأت" الخمر، فأنا أسبؤها سبئاً، إذا اشتريتها وسبأته النار تسبؤه سبئاً، إذا أحرقته. وقول امرئ القيس:
فقالت: سباك الله ...
أي: أذهبك الله، إلى غربةٍ. وجاء السيل بعودٍ سبًى أي: غريب، جليبٍ من بلد آخر. وسأبت من الشراب أسأب منه سأباً، إذا شربت منه. ويقال للزق العظيم: السأب. وجمعه سؤوب. وسبأت الرجل سبئاً، وسأبته سأباً، إذا أنت جلدته، فقشرت جلده. وسبأ يمين كاذبة، يسبأ عليها سبئاً، إذا حلف عليها، كاذباً. وسأبت الرجل أسأبه، وسأته أسأته إذا خنقته. و"العود": الجمل الكبير، عود تعويداً. وقد خرجه لبيد مخرج عاد يعود، في قوله:
لن تفنيا خيرات أر ... بد، فابكيا، حتى تعودا
أي: حتى تكونا عودين، هرمين. و"المقطع": الذي قد ذهب ضرابه، أو أقطعه الإيضاع. أي: لامته فيما لا خطر له.
(1/268)

4 ... وقريت، في مقرى، قلائص أربعاً
وقريت بعد، قرى، قلائص أربعِ
"وقريت، في مقرى، قلائص أربعاً" أي: نحرتهن فأطعمتهن، ولم يمنعني. وقد قريت في أربع قلائص بعدهن. وأضاف "القلائص" إلى "الأربع". والقلائص: جمع قلوص. وهي التي لم تحمل، فيسترسل بطنها. فهي مقلصته.

5 ... أتبكيا، من كل شيءٍ، هينٍ؟
سفه بكاء العين، ما لم تدمع
قال عوج: "سفهٌ بكاء العين" أي: لو كنت حزينةً كان أعذر لك. قال الأصمعي: إذا دمعت العين فذلك حزن. وإذا جعلت تباكى فذلك تباكٍ. ويقال: دَمَعتِ العين تدمع. ولا يقال: دَمِعت.

6 ... لا تجرعي، إن منفسٌ أهلكته
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
(1/269)

قال الأصمعي: يريد لا تجزعي. إن أهلكت عظيماً. وإنما أهلكت صغيراً. ولكن أجزعي، عند موتي، إذا مت.

7 ... وإذا أتاني إخوتي فذربهم
يتعللوا، في العيش، أو يلهوا معي
8 ... لا تطرديهم، عن فراشي، إنه
لا بد، يوماً، أو سيخلوا مضجعي
9 ... هلا سألت، بعادياء، وبيته
والخل، والخمر، الذي لم يمنع
قال أبو بشر عوج: "هلا سألت بعادياء، وبيته" أي: هلا سألت عنه - الباء في موضع عن - وما أصابه من البلاء، بعد الأمن، حتى تعتبري. فعادياء لم يبق، فأنا لا أبقى. قال عوج: وقال الأصمعي: "الخل والخمر" بتسكين الميم. الخل: الشر. والخمر: الخير. يقال للرجل: ما هو بخل ولا خمر، أي: هو لا شر عنده، ولا خير. وقال أبو عبيدة: الخل: العداء. والخمر: الأدم. وقالا في قوله "لم يمنع" أي: والأمر الذي أتيح له. قالا: وإنما قال يمنع" ولم يقل "يمنعا"،
(1/270)

لأنه إذا تكلم عن واحد فهو عليهما، وعلم ما يعني. قال الأصمعي: هلا سألت عن عادياء، وعن حصانة منزله - فجعل الباء الزائدة في موضع عن - وهلا سألت أيضاً عن خيره، عند أودائه، وشره عند أعدائه، كيف لم ينفعاه، فيردا عنه الموت؟ ولم يكن يعرف ما تفسير عادياء. غير أنه كان يقول: هو أبو السموءل بن عادياء اليهودي، ومنزله تيماء.
قال عوج: أصاب الأصمعي وأبو عبيدة، في سائر البيت، وأخطأا في الخل والخمر، حين سكنا الميم، من "الخمر" وقالا ما قالا. إنما الرواية "الخمر" بفتح الميم. يريد: الأشجار التي دون منزله، والطرق التي لا يقدر أحد على أن يسلكها، فتخطاها إليه الموت، حتى أصابه. ثم جمع ذلك كله فقال: "الذي لم يمنع" بنصب الياء لا بضمها. ومن رواها "التي لم تمنع" نصب التاء أيضاً. وإنما سميت الشجر، إذا كثرت، خمراً لأنها تغطي الأرض. وسميت الخمر خمراً لأنها تخمر العقل، تغطيه. وخمار المرأة: ما غطى رأسها، قال طرفة:
سأحلب عنساً صحن سمٍ، فأبتغي ... به جيرتي، إن لم يجلوا لي الخمر
وفي كتاب الأمثال "اليوم خمرٌ، وغداً أمر" أي: اليوم لهو، وغداً جد.
(1/271)

قال أبو زكرياء: "تمتع": ترفع. من قولهم: متع الضحى، أي: ارتفع. قال: ولم يرفع عادياء مائدته، ولا خمره، إلى أن هلك. فيقول: فعادياء لم يمنعه ذلك فأنا أحرى ألا يمنعني قليل ما أبذل. كأنه جعل عادياء أسوته.

10 ... وفتاتهم، عنزٍ، عشية آنست
من بعد مرأى في البلاد ومسمع
روى عوج: "عشية أبصرت". يريد هلا سألت بعنز التي كانت باليمامة، وهي الزرقاء، وما أتى عليها فسيأتي علي مثله. قال الأصمعي: "وفتاتهم" يريد: طمساً وجديساً، وكنى عن أسمائهم، وتوهم أنهم قد عرفوا، حين أضاف "عنزاً" إليهم، كما قال حسان بن ثابت:
وكلاهما حلب العصير ...
يريد: الخمر والماء, ولم يقدم للماء ذكراً. إلا أنه قال في ذكر الخمر "قتلت"، فتوهم أنه قد فهم عنه أنها لا تقتل إلا بالماء. و"آنست":
(1/272)

أبصرت. (آنست ناراً) : أبصرت. وقول النابغة:
على مستأنس، وحد
يريد: حماراً نظاراً متشوفاً. وروى عوج: "من بعد مرأى، في الفضاء" أي: في الفضاء من الأرض.

11 ... قالت: أرى رجلاً، يقلب نعله
أصلاً، وجوٌّ آمنٌ، لم يفزع
قال عوج: "وجو آمن" اللفظ على [البلد، والمراد] أهل البلد، مثل (واسأل القرية) . وقال الأصمعي: "آمن" يريد: الموضع، لم يفزع أهله. وكان تبع، من التبابعة، غزا طمساً وجديساً، وكانت لهم جارية تسمى عنزاً، وكانت من أبعد خلق الله بصراً - وهي التي ذكرها النابغة في قصة الحمام - فخاف تبع أن تراهم، فتنفر الحي، فأمر الرجال أن يقتلعوا الشجر من أصولها، ويسيروا بها، ليوهموا من رآهم أنهم شجرٌ، ففعلوا. فلما كانوا على مسيرة يومين نظرت العنز إليهم، فرأت فيهم رجلاً يسير، وينهش عرفاً، من اللحم - ويقال. كان يخصف نعله - فقالت: يا قوم،
(1/273)

أترون الأرض يمشي شجرها؟ فكذبوها، فقالت: أرى رجلاً يخصف نعله، أو ينتهش كتفاً. وهما على الناظر، من البعد، سواء. فكذبوها. فصبحهم تبع ذو حسان - ويقال: ذو آل حسان - وأخذ العنز، فاقتلع عينيها، فأصاب فيهما عروقاً سوداً، ويقال: حمراً. وهي - زعموا - أول من اكتحل بالإثمد. ويقال: إن النساء صواحب أبصاراً، والرجال أصحاب أسماعٍ. وقد ذكرها الأعشى في شعره، فقال:
قالت: أرى رجلاً، في كفه كتفٌ ... أو يخصف النعل، لهفي، أيةً صنعا؟
12 ... فكأن صالح أهل جوٍّ، غدوةً،
صبحوا، بذيفان السمام، المنقع
قال أبو بشر: كأن صالح أهل الجو صبحوا بسمٍ، فالآخرون أسوأ حالاً. ومثله "تذهل الشيخ عن بنيه". فإذا أذهلت الشيخ فهي لغيره أذهل.

13 ... كانوا كأنهم من رأيت، فأصبحوا
يلوون زاد الراكب، المتمتع
"
(1/274)

يلوون" كما يلوي الغريم بالدين، أي: يدافع به، ويماطل. أي: إن طلب منهم كان فيهم مطلبٌ، ولم يكن عندهم سهلاً. و"المتمتع": المزود. قال: والزاد: المتاع. قال القطامي:
فمن يكن استذم، إلى ثويٍّ، ... فقد أحسنت، يا زفر، المتاعا
14 ... كانت مقدمة الخميس، وبعدها
رقص الركاب، إلى الصباح، بتبعِ
أي: كانت تلك النظرة، والذي رئي، أي: المنظور إليه. "الخميس": الجيش. "رقص الركاب بتبع" الرقص: ضربٌ من السير.
(1/275)

50 وقال النمر بن تولب أيضاً

1 ... سلا، عن تذكره، تكتما
وكان، قديماً، بها مغرما
يقال: "سلا عن" كذا وكذا، يسلو سلواً. وبعض العرب يقول: سليت أسلى. قال رؤبة:
لو أشرب السلوان ما سليت
ورواها الأصمعي: "صحا عن تذكره". و"تكتم" امرأةٌ. يقال: صحا القلب، إذا انكشف عنه غيه. وأصحت السماء إذا انكشف غيمها.

2 ... وأقصر، عنها، وآياتها
يذكرنه داءه، الأقدما
"آياتها": علامات منزلها، وآثارها. و"داؤه" ههنا: حبه إياها.
(1/276)

3 ... وأوصي الفتى، بابتناء العلا
ء: ألا يخون، ولا يأثما
4 ... ويلبس، للدهر، أجلاله
فلن يبني الناس ما هدما
"أجلاله" يريد: ثيابه. هذا مثل قولهم:
البس، لكل حالةٍ، لبوسها ... إما نعيمها، وإما بوسها
يقول: إذا وضع كل شيء موضعه لم يبرم الناس ما ينقض. وقال أبو بشر: يريد: أنه إن ضيع لم يكن الناس يبنون شرفه، إذا كان هو يهدمه.

5 ... وأحبب حبيبك، حباً، رويداً
لئلا يعولك أن تصرما
قوله: "يعولك" يريد: يشق عليك، ويغلبك. يقول: لا تفرط في حب، ولا بغض. ويروى عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب،
(1/277)

صلوات الله عليه، أنه قال: "أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون عدوك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيباً يوماً ما".

6 ... وأبغض بغيضك بغضاً، رويداً
إذ أنت حاولت أن تحكما
"تحكم" أي: تكون حكيماً. وقوله "بغضاً رويداً" أي: في رفق، أي: لا تفرط، وتتجاوز.

7 ... وإن أنت لاقيت في نجدةٍ
فلا يتهيبك أن تقدما
قال أبو بشر: "نجدة": قتال. قال طرفة:
تحسب الطرف عليها نجدةً ... يا لقومي، للشباب، المسبكر
يقول: من لينها، وتخاذل أوصالها، ورخوصتها، إذا أرادت أن تطرف كان الطرف عندها قتالاً، أي: كأنها تعالج منه قتالاً، أو شدةً. والمعنى: أنها تطرف بمشقةٍ. يقول: لا يمنعك هول الشدة من أن تقوم بما يجب عليك. ومعنى "فلا يتهيبك أن تقدم" أي: فلا تتهيب أن تقدم.
(1/278)

قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب. تقول: عرضت الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة. وهذا ثوب لا يقطعني أي: لا أقطعه أنا. وأنشد:
وتشقى الرماح، بالضباطرة، الحمر
أي: وتشقى الضباطرة الحمر بالرماح.

8 ... فإن المنية من يخشها
فسوف تصادفه، أينما
قال الأصمعي: "المنية": القدر. قال الهذلي:
حتى تلاقي ما يمني، لك، الماني
أي: يقدر لك المقدر. قال أبو بشر. وقوله "أينما" يريد: أينما ذهب.
(1/279)

9 ... وإن تتخطأك أسبابها
فإن قصاراك أن تهرما
قال الأصمعي: "تتخطاك": تجوزك إلى غيرك. و"أسبابها": التي تفلت من مثلها. وقول آخر: أسبابها: حبائلها. واحدها سبب، وجمع سبب: أسباب. جعل للمنية حبائل كحبائل الصائد، التي تكون في الشرك، كما قال لبيد:
حبائلها مبثوثة، بسبيله ... ويفنى، إذا ما أخطأته الحبائل
أي: وإن لم يمت هرم، ففني. وقال الأصمعي "فإن قصاراك" أي: فإنك مقصور على الهرم، فهو أكبر الغم، يزهد في العيش. ومثله قول حميد بن ثور:
وحسبك داء أن تصح، وتسلما
يريد: وحسبك بما يؤدي إلى الهرم، والخرف، داءً.

10 ... ولو أن من حتفه ناجياً
لألفيته الصدع، الأعصما
(1/280)

يريد: فلو أن أحداً يفلت من حتفه - و"الحتف": الأجل - "لألفيته" أي: لأصبته "الصدع". وهو الوعل الخفيف اللحم. ومثله رجل ضرب أي: ممشوق مخفف. و"الأعصم": الذي في يده بياضٌ. وجمعه عصم.

11 ... بإسبيل، ألقت به أمه
على رأس ذي حبك، أيهما
يروى: "ذي حبك، أقتما" من القتمة. وقوله "إسبيل" قال خلف الأحمر: قال اليماني:
لا أرض إلا إسبيل ... وكل أرض تضليل
أي: إسبيل خير الأرضين. "ألقت به" الباء زائدة، يريد: ألقته. قال الله عز وجل: (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون) أي: أيكم. وأنشد لأوس:
وألقى بأسبابٍ، له، وتوكلا
قال: و"الحبك" طرائق فيه.
(1/281)

12 ... إذا شاء طاله مسجورةً
ترى حولها النبع، والسأسما
"مسجورة": عين مملوءة. وقوله: "تكون لأعدائه مجهلا" يعني: العين. يقول: من كان يطلبه فهو يجهلها. وأراد بقوله "وكانت له معلما" ل"الصدع" أي: هو يعلمها. قال: يريد: ارتفع في الجبل، حتى صار النبع وسأسم ينبتان تحته. وأنشد:
من فوقه أنسرٌ، سودٌ، وأغربةٌ ... وتحته أعنز كلفٌ، وأتياس
13 ... تكون، لأعدائه، مجهلاً
مضلاً، وكانت له معلما
14 ... سقتها رواعد، من صيف
وإن من خريفٍ فلت يعدما
"سقتها" أي: سقت هذه المسجورة. وإن يكن مطر خريفٍ فلن يعدم الماء. يعني: الصدع.
(1/282)

15 ... أتاح، له، الدهر ذا وفضةٍ
يقلب، في كفه، أسهما
قال الأصمعي: "أتاح له الدهر": قدر له، وبعث الله، تعالى، عليه من رماه، فلم يغن عنه موضعه شيئاً. و"الوفضة": الجعبة. وجمعها: وفاضٌ. قال عوج: "يقلب في كفه أسهما" أي: يروزها، أيها يضعه في قوسه؟
16 ... فأرسل أهزع، من كفه
وما كان يرهب أن يكلما
"أهزع": سهم يقال: ما في كنانته أهزع، أي: سهم واحد. وقوله "وما كان يحذر" يعني: الوعل. أي: كان آمناً. ويرهب": يخاف. و"يكلم" يجرح. يقال: كلمه يكلمه كلماً، إذا جرحه.

17 ... فريغ الغرور، على قدرةٍ
فشك نواهقه، والفما
(1/283)

قوله "فريغ الغرور" أي: سهماً، فريغ الغرور أي: مفرغ. والغرور: الحدود. واحدها: غر، وهو حد النصل. وقوله "على قدرةٍ" أي: اقتدار. و"الناهقان": عظمان، يبدوان من الدابة، إذا كان عتيقاً. وهما أسفل من عينيه، بين العينين والأنف. وروى الأصمعي "فشك شواربه" وهي: العروق التي في حلقه، يشرب فيهن الماء.

18 ... فظل شبيباً، كأن الولو
ع كان، بصحته، مرغما
"شبيباً": يشب، وينزو في السماء، حين أصابه السهم. وروى أبو عبيدة:
فظل الشبوب كأن الولو ... ع كان، بصحته، مغرما
قال: و"الولوع": اسم من أسماء الدهر: ومعنى قوله في الرواية الأخرى، التي تقدمت قبل رواية أبي عبيدة: أن الدهر أولع به، حتى صابه. وقوله "مرغم" أي: كأنه كان يعيش على رغم أنفه. ومعنى أرغم الله أنف فلانٍ، أي: أعثره الله، حتى يصير أنفه في التراب. والتراب: الرغام.

19 ... وأدركه ما أتى تبعاً
وأبرهة، الملك، الأعظما
أي: وأدركه الموت الذي أدرك تبعاً قال: وكان تبع في الجاهلية
(1/284)

مثل الخليفة في الإسلام. وإنما اشتقوا له اسماً من تبع يتبع، فقالوا له: تبع. وقوله "وأبرهة" يعني: أبرهة الأشرم.

20 ... لقيم بن لقمان من أخته
فكان ابن أخت، له، وابنما
قال: كان لقمان، أبو لقيم، رجلاً عادياً شديداً، وكانت له أخت مثله في الشدة. فقالت أخته لامرأته: إنك تضوين فقفليني له الليلة - أي أرسليني منا تفعل الجند من المغزى - بهيئتك، وتغيبي أنت عنه. ففعلت، فجاءته في هيئة امرأته، ليلاً، فوقع بها فأحبلها. فلما كان الليلة الأخرى أتى امرأته فقال: "هذا الليلة حر معروف". فأرسلها مثلاً. وقد كان أنكر ليلته الأولى. وولدت أخته لقيماً. وكان مثله في الشدة. وإنما ضربه النمر مثلاً.

21 ... ليالي حمق، فاستحصنت
إليه، فغر بها، مظلما
22 ... فأحبلها رجلٌ نابهٌ
فجاءت به، رجلاً، محكما
قوله: "نابهٌ" أي: ذو صيتٍ. ونباهة: رفعة. و"محكم": حكيم. يقول: أحبلها لقمان، فجاءت بلقيمٍ.

51 وقالت امرأةٌ من الأعراب
من بني عمرو بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. واسمها برة بنت الحارث، ترثي ابناً لها. أنشدها الأصمعي:
1 ... يا عمرو، ما بي عنك من صبر
يا عمرو، يا أسفا، على عمرو
2 ... لله، ما عمرٌو، وأي فتًى
كفنت، ثم وضعت، في القبرِ؟
3 ... أحثو التراب، على مفارقه
وعلى غرارة وجهه، النضر
4 ... حين استوى، وعلا الشباب به
وبدا، منير الوجه، كالبدرِ
5 ... وأقام منطقه، فأحكمه
وروى، وجالس كل ذي حجرِ
6 ... ورجا أقاربه منافعه
ورأوا شمائل ماجدٍ، غمرِ
7 ... وأهمه همي، فساوره
وغدا، مع الغادين، في السفر
8 ... تعدو، به، شقاء سلهبةٌ
مرطى الجراء، شديدة الأسر
9 ... تثب الخبار، به، ويقدمها
فلجٌ، يقلب مقلتي صقر
10 ... كيف التعزي، عنك، يا عمرو
أم كيف لي، يا عمرو، بالصبر؟
11 ... ربيته عصراً، أفنقه
في اليسر، أغذوه، وفي العسر
12 ... حتى إذا التأميل، أمكنني
فيه، قبيل تلاحق الثغر
13 ... أدبته، تأديب والده
سعد، أبيه، أبي أبي نصر
14 ... وجعلت، من شفقي، أنقله
في الأرض، بين تنائفٍ، غبر
15 ... أدع المزارع، والحصون، به
وأحله، في المهمه، القفرِ
16 ... أبني الرواق، على أريكته
ليقيل، دون الشمس، في ستر
17 ... ما زلت أصعده، وأحدره
من قتر موماةٍ، إلى قتر
18 ... هرباً به، والموت يطلبه
حيث انتويت، به، ولا أدري
19 ... حتى دفعت به، لمضجعه
سوق العتير، يساق للعترِ
20 ... ما كان إلا أن حللت به
ودنا، فأغفى، مطلع الفجر
21 ... ورمى الكرى رأسي، فمال به
وسن يساور، منه، كالسكر
22 ... والقوم صرعى، بين أرحلهم
لكأنما ثملوا، من الخمر
23 ... إذ راعني صوتٌ، نبهت، له
وذعرت، منه، أيما ذعر
24 ... فإذا منيته، تساوره
قد كدحت، في الوجه، والنحر
25 ... وإذا له علزٌ، وحشرجةٌ
مما يجيش به، من الصدرِ
26 ... والموت يقبضه، ويبسطه
كالثوب، عند الطي، والنشرِ
27 ... فدعا لأنصره، وكنت له
من قبل ذلك، حاضر النصر
28 ... فعجزت، عنه، وهي راكبةٌ
بين الوريد، ومدفع السحر
29 ... فمضى، وأي فتى فجعت به
جلت مصيبته، عن القدر؟
30 ... لو قيل: تفديه، بذلت له
نفسي، وما جمعت، من وفرِ
31 ... أو كنت مقتدراً، على عمري
آثرته بالشطر، من عمري
32 ... أحنى، عليه، الدهر كلكله
من ذا يقوم، لكلكل الدهر؟
33 ... قد كنت، لي، عضداً إلى عضدي
ويداً وظهراً، لي، إلى ظهري
34 ... قد كنت لي ذخراً، أسر به
فأرى الزمان عدا، على ذخري
35 ... قد كنت ذا فقرٍ إليك، فعزني
ربي، عليك، وقد رأي فقري
36 ... لو شاء ربي كان متعني
بابني، وشد بأزره أزري
37 ... بنيت عليك، بني، أحوج ما
كنا إليك، صفائح الصخر
38 ... لا يبعدنك الله، يا عمرو
إما مضيت فنحن بالإثر
(1/292)

39 ... هذي سبيل الناس، كلهم
لا بد، سالكها، على صغر
40 ... أولا تراهم، في ديارهم
يتوقعون، وهم على ذعر؟
41 ... والموت يوردهم، موارده
قسراً، فقد ذلوا، على القسر
(1/293)

52 وقال تأبط شراً
واسمه ثابت بن جابر بن سفيان. حدث بعض رواة العرب أن لحيان كانت تطلب تأبط شراً، بثأر، وأنه خرج يريد ماء، من مياه قومه، فرأى على الماء نحلةً تطير، فتبعها، وهي يجري تحتها، حتى أوت إلى جبلٍ، فيه عسلٌ. فصعد فاشتار من ذلك العسل، ولم يكن معه سلاحٌ، وأتى الخبر إلى لحيان، فأتوه وقد ملأ زقاقه، وهو في غارٍ، فأخدوا عليه فم الغار، وقالوا: يا ثابت، قد أمكن الله تعالى منك. فقال لهم: قد، والله، استمكنتم. فاختاروا مني إحدى خلتين: إما خرجت إليكم، فقاتلتكم. فإن قتلتموني أدركتم بثأركم وإن أفلت أفلت. وإما أسرتموني، ومننتم علي فلا أعود لكم في مساءة، أبداً. قالوا: كلا، بل نقتلك مكانك بالسهام. فأخرج إلينا ما كان عندك من العسل. فقال: والله لا جمعتهم على خصلتين: قتلي، وأكل عسلي. ونظر إلى فجوةٍ من الغار،
(1/294)

من ناحية أخرى، ففتح زقاقه وألقمها الفجوة، فسال العسل، حتى خلص إلى أصل الجبل. فبقي زقٌّ من الزقاق ملآن، فاحتضنه، وتسبسب، حتى وصل إلى الأرض. فأفلت منهم، وقال:
1 ... إذا المرء لم يحتل، وقد جد جده
أضاع، وقاسى أمره، وهو مدبرُ
2 ... ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً
به الأمر إلا وهو، للأمر، مبصرُ
3 ... فذاك قريع الدهر، ما عاش، حولٌ
إذا سد، منه، منخر جاش منخر
4 ... فإنك لو قاسيت باللصب حيلتي
بلحيان لم يقصر، بك الدهر، مقصر
5 ... أقول للحيانٍ، وقد صفرت لهم
عيابي، ويومي ضيق الجحر، معور:
6 ...
(1/295)

لكم خصلة: إما فداءٌ، ومنةٌ
وإما دم، والقتل بالمرء أجدرُ
7 ... وأخرى أصادي النفس، عنها، وإنها
لخطة حزمٍ، إن فعلت، ومصدر
8 ... فرشت لها صدري، فزل عن الصفا
به جؤجؤٌ، عبلٌ، ومتنٌ مخصر
9 ... فخالط سهل الأرض، لم يكدح الصفا
به كدحةً، والموت خزيان، ينظر
10 ... فأبت إلى فهمٍن وما كدت آيباً
وكم مصلها فارقتها، وهي تصفر!
(1/296)

53 وقال أسامة [بن الحارث]
من عمرو بن الحارث [بن تميم] بن سعد بن هذيل:
1 ... أجارتنا، هل ليل ذي البث راقد
أم النوم، إلا تاركاً ما أراودُ؟
قوله "إلا تاركاً ما أراودا" أي: لا يجيئني إلا هكذا.

2 ... أجارتنا، إن امرأً ليزوره،
من ايسر ما قد بت أخفي، العوائدُ
ويروى: "إن امرأ ليعوده".

3 ... تذكرت إخواني، فبت مسهداً
كما ذكرت بواً، من الليل، فاقد
(1/297)

4 ... لعمري، لقد أمهلت في نهي خالدٍ
إلى الشام، إما يعصينك خالدُ
5 ... وأمهلت، في إخوانه، فكأنما
تسمع، بالنهي، النعام الشوارد
6 ... وقلت له: لا المرء مالك أمره
ولا هو، في جذم العشيرة، عائدُ
7 ... أسيت، على جذم العشيرة، أصبحت
تقور منهم حافة، وطرائد
قوله "أسيت" أي: حزنت على من ذهب، من صلب قومي. يقول: كما تقور، من الأديم "حافة" أي: ناحية، أي: لا تزال فرقة تذهب منهم. و"طرائد": توابع. وطريد كل شيء: الذي يتبعه. ومنه قيل في الولد: هذا طريد هذا.

8 ... أرى الدهر لا يبقى، على حدثانه،
أبودٌ، بأوطان العلاية، فارد
"
(1/298)

أبود" أي: وحشي. والأوابد: الوحش
9 ... من الصحم، ميفاء الرزون، كأنه
إذا صاح، في وجهٍ من الليل، ناشد
"الصحم": ما كان فيها سواد، في صفرة. و"الرزون": أماكن صلبة، تحبس الماء.

10 ... يصيح بالأسحار، في كل صارةٍ
كما ناشد الذم الكفيل المعاهدُ
"الصارة": المرتفع من الأرض. و"الذم": العهد.
(1/299)

54 وقال النظار بن هاشم
ابن الحارث بن ثعلبة بن وهب بن حذلم بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة:
1 ... ما هاج شوقاً، مولعاً بالأحزان
ودمع عينٍ، ذات غرب، تهتانْ
"الغرب": كثرة الدمع. والغرب: الدلو العظيمة. ويقال: قوس غربة السهم، إذا كانت بعيدة السهم. و"التهتان": ضرب من المطر. يقال: تهتنت السماء وتهتلت. وهو التهتان والتهتال.

2 ... إلا بقايا نبهٍ، من دمنةٍ،
ونبهٍ، من طللٍ، وأعطانْ
"
(1/301)

النبه": البقية. و"العطن": حيث تبرك الإبل. قال الثوري: النبه: ما عرف. يقال: أصبته نبهاً، إذ أصبته من غير طلب. و"نبه من طلل" مثله.

3 ... أو كالمداري، وسفع دهمٌ
وكن أدماً، ودوادي اثنانْ
"اثنان" أي: مثلان، نظراً. و"المدرى": القرن، قرن الثور. و"السفع": الأثافي. "أدم" بيض. و"الدوادي": آثار الناس. يقال: الناس يدودون، أي: يذهبون ويجيئون. ويقال: الدوادي: الأراجيح التي تترجح عليها الصبيان. وإنما سميت سفعاً لأن كل سوادٍ في حمرة، أو حمرة في سوادٍ، فهي سفعة. يقال: امرأة سفعاء الخدين.

4 ... أو كالحنيات لها نصائب
عطلن، حرساً، في قديم الأزمان
"الحنيات": القسي. وكل شيء حنيته فهو حنية. و"الحرس": الدهر.
(1/302)

5 ... صاح بهم، على اعتقادٍ، زمنٌ
معتقدٌ، قطاع بين الأقران
"الاعتقاد" إذا أجدب القوم، وهلكوا جوعاً، دخلوا بيتاً، يموتون فيه، أو في شجرة. قال: أخبرني الفزاري قال: مررت بأعرابية، تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ قالت: نريد [أن] نعتقد. نجعل لنا حظيرةً، نموت فيها.

6 ... وقد أراني، في ملمات الصبا
أيام أظعاني تناغي الأظعان
7 ... أيام أركوبي عفاريت الصبا
وإذ، بجناني، أناصي الجنان
يقال: ركب و"أركوب" وملك وأملوك. و"الجنان" جمع: جن. وقوله "أناصي" أي: أداني. ناصاه: داناه.

8 ... كأنني فوق أقب، سهوقٍ
جأبٍ، إذا عشر، صات الإرنان
"
(1/303)

أقب": ضامر. و"السهوق": الطويل. و"الجأب": الغليظ. "إذا عشر": إذا نهق. و"صات" وصوت سواء. و"الإرنان": الصوت.

9 ... في نحصاتٍ، قد تأذين، به
مثل المرايا، زلقات الأقطان
"تأذين" بالحمار. والأتان إذا حالت سمنت. النهيق والنهاق قد فتح فاه. "مثل المرايا" في صفاء جلودهن. "القطن": حق الورك. وقوله "زلقات" أي: ملس.

10 ... ظل بقف، قرقٍ أخلاقه
يوفي الصوى، مثل السليب، العريان
يقال: أرضٌ "قرقاء خلقاء" أي: حزنة. و"القف": ما غلظ من الأرض. و"الصوة": العلم، وما شخص عن الطريق. "يوفي": يعلو الصوى. وهي الأعلام.

11 ... فارق إلفاً، بعد إلفٍ، واشتأى
في قرحٍ، متسقات الأسنان
"
(1/304)

اشتأى" أي: استمع، واشتاق إليه.

12 ... مطردٍ، في عدبةٍ، مشيته
ذي ميعةٍ، أنساؤه كالحنان
"العداب": مسترق الرمل. و"المطرد": المتتابع. و"ميعته": نشاطه. "أنساؤه": عروقه. يقول: هي "كالحنان" في لينها. يصفه بالجودة.

13 ... ومقفلاتٍ، يتقي الأرض، بها
مسلماتٍ، من جحاف الكدان
"مقفلاتٌ" يريد: يابساتٍ. يريد الحوافر. و"الكدان": الأرض الصلبة. "جاحف" فلانٌ فلاناً إذا داناه يقول: حوافره قريبة من الأرض.

14 ... إذا النهاق فك عن ضغثي خلاً
لحييه لم يجئ، عليه، اللحيان
"الضغث": الحزمة. و"الخلا": الحشيش. مقصور. "لم يجئ": لم يضم عليه.

15 ... له شظى، لا عيب فيه، من شظى
هيئ للجري، ومتن، ريان
"
(1/305)

الشظى": عظيم. يقول: لا عيب فيه، كأنه خلق للجري. ويروى: "ركب للجري".

16 ... إلى عجاياتٍ، له، ملكوكةٍ
في دخسٍ، درم الكعوب، اثنان
"العجايات": أطراف عصب الأوظفة. "ملكوكة": ممتلئةٌ لحماً. واللكيك: اللحم. و"الأدرم": الذي لا يستبين حجم عظمه.

17 ... أكربن، تحت وظفٍ، ملحوبةٍ
أومن، في الجري، أشد الإيمان
"أكربن": أحكم شد الحوافر إلى الأوظفة. و"الملحوبة": المعرقة. "أومن" من العثار.

18 ... حتى إذا الليل دجا، فوق الصوى،
مشتبه الأعلام، بين الغيطان
ويروى: "منه غشاشاته بين الغيطان".
(1/306)

19 ... تذكر السيح، الذي يعتاده
وبرده يشفي غليل العيمان
"السيح": الماء. و"العيمان": العطش. ويقال: فلان عيمان، إذا اشتهى اللبن.

20 ... ودونه ذو قتراتٍ، داربٌ
معد سهمٍ، قابضٌ على ثان
"القترة": موضع الصياد. "داربٌ": معتادٌ مدرب.

21 ... حتى إذا ما كن، منه، دفعةً
بين البعيد، وإزاء الغشيان
22 ... ركب سهماً، قيد شبرٍ نصله
وقدحه، إلا قليلاً، شبران
23 ... فاستفوقت، بين اثنتين، كفه
محدرجاًن خلف لؤامٍ، ظهران
"
(1/307)

استفوقت" من الفوق. "محدرجاً": سهم لطيف. "اللؤام": أن يأخذ ظهر قذةٍ وبطن أخرى. و"الظهران": أن يأخذ الظهور، فيركبها على السهم، كلها بلا بطن.

24 ... فصرف السهم، وقد أهوى له
صوارف الحتف، وفعل الرحمان
25 ... وجال يذرو، ليس ذورٌ فوقه
من طائرٍ، ليس له جناحان
26 ... وأعجل الثاني، أن يرمي به
وقلما اضطم، عليه الصدان
"أعجل الثاني" يريد: السهم الثاني، من سرعته. و"الصدان": جانبا الجبل. الواحد: صدٌ.

27 ... أذاك، أم فوق هبل، سابحٍ
أقرع، تباع، لشري القريان؟
"الهبل": الظليم. "الأقرع": الذي لا ريش على رأسه. و"الشري":
(1/308)

الحنظل. و"القريان": الأودية، مسايل الماء.

28 ... أبي رئالٍ، فرغٍ ظنبوبه
راعي الفؤاد مستخف الشيطان
"الرأل": ولد النعام. و"الظنبوب": ظاهر عظم الساق. و"راعٍ": يرتاع من كل شيء. "مستخف" من النشاط.

29 ... كأنما هو حبشيٌّ، ماثلٌ
عاوٍ، عليه من تلادٍ هدمان
"عاو": يعوي، يصيح. و"الهدم": الثوب الخلق.

30 ... أبيض، مبطونٌ به، وظاهرٌ
جونٌ، ولم يسبغ عليه الثوبان
"مبطون" أي: خميص البطن.

31 ... مدملك الرأس، كأن خطمه
في الرأس صدعا سيةٍ مشظان
و"السية": ما انعطف، من القوس. "مشظان": منقطعان.
(1/309)

32 ... أصك، صعلٌ، وجرانٌ شاخصٌ
وهامةٌ فيه، كجرو الرمان
"الصعل": الصغير الرأس. و"الجران": باطن العنق. ويقال للرمانة إذا كانت صغيرة: "جروةٌ".

33 ... تبري، له، نقنقةٌ صعريةٌ
يسترخيان، وهما مئجان
"صعرية": صغيرة الرأس. "يسترخيان": يسهلان. الرخو: السهل. "مئجان": سريعان.

34 ... كأنها، إذ نفضت أعطافها،
من سعف النخل، عليها عدلان
35 ... ظلا يرودان، فلما أظلما
وأظلم البيض، الذي يؤوبان
36 ... تذكرا بيضهما، ودونه،
من لحف السؤبان، حزن السؤبان
"
(1/310)

السؤبان": موضع معروف.

37 ... فابتدر الشد، وهو ذو ميعةٍ
يختلها، لا فاترٌ، ولا وان
"يختلها": يأخذ بها، في الخل. وهو الطريق في الرمل. ويميل: يأخذ في جوانب الطريق وخلاله، مرة ههنا، ومرة ههنا.

38 ... إذا رجت، منه، انفلاتاً زادعا
منه، أفانين نجاءٍ، فينان
"النجاء": السرعة. و"فينان": طويل.

39 ... ترمي بكل بلدٍ، مالا به،
نقعاً، بأعراف عجاجٍ، قسطان
"النقع": الغبار. "أعراف عجاج" الأعراف: أوائل العجاج. والغبار و"القسطل" سواء.

40 ... فنشرا، بحجرتَيْ بيضهما
كالبيت، لما خانه البوانان
"حجرة" الشيء: حيث هو. يقال: أكل وسطاً، وربض
(1/311)

حجرةً، أي: ناحيةً. شبه جناحيهما ب"البوانين" وهما: جانبا البيت. يقال: بَوان وبِوان.

41 ... أذاك، أم فوق نجيشٍ، سارحٍ
في يوم طلٍّ، مدرياه جونان؟
"مجيش": سريع. "سارح": يسرح، يرعى. "مدرياه": قرناه. "جونان": أسودان.

42 ... كأنما هو رامح، في يلمقٍ
زف، له، حتى اكتساه الكعبان
43 ... أفزعه من حقفه، لما غدا،
صوت قنيصٍ، وتبدي معتان
44 ... وكان لا يصبح إلا سارحاً
من آنس الأرطى، لوحش السعدان
45 ... إذا الضراء، مشقت أعطافه
مشق الملاحين ثياب الدهقان
(1/312)

يقال: مشقه مائة سوطٍ. و"مشقت": خرقت وكسرت.

46 ... كر بطعنٍ مصرداً، كأنه
مكافئٌ، يوم تراءى الجمعان
47 ... كأن قرنيه، على تحديده،
مئلتان، وهما هلالان
"مئلتان" حربتان. الواحدة ألةٌ، والجمع إلالٌ. و"الهلال": الحية.

48 ... كأن فيه كلباً، وقد فرى
منه الحشا، واختل منه الحصنان
49 ... كأنه، لما طواها بالملا،
دري نجمٍ، شله دريان
5 ... فمر يطويها، كأنه جريه،
مما يوالي الشدتين، الميدان
51 ... يكسو الحصا تاموره بيض الحصا
وترتمي نيرانه، بالنيران
(1/313)

52 ... مؤالفاً، كالبرجفي ترمائه
جأبا، وشختاً، في انطواء القيعان
"جأب": عظيم غليظ. و"شخت": لطيف. و"القاع": ما استوى، من الأرض. و"البرج": الحصن.

53 ... ورجعت، إذ رجعت، مغلولةً
دان الضراء، قبلها، بأديان
54 ... وأم من حومل خبتاً، يشتئي
بأربعٍ، لم يرتبعها الرعيان
"الخبت": الطريق في الرمل. والجمع خبوتٌ. "يشتئي": يسمع. "لم يرتبعها الرعيان": لم ينزلوها في الربيع. ويروى "حيان".

55 ... أو فوق بازٍ، لثقٍ، يهوي به
طراق جوبين، له مكفوفان
"لثقٌ": أصابه مطرٌ. "طراق": إتباع بعضه بعضاً.
(1/314)

56 ... أبصر سرباً، من قطاً، مستوسقاً
قوارياً للماء، كدر الألوان
57 ... فأتبع السرب لها، مخازماً
منصلتاً، مثل مدق الصوان
58 ... تهفو به، وتارةً، يهفو بها
ذوا طراق، ركضا، مجدان
59 ... فانحط، وانحطت، كبرقٍ خاطفٍ
يخصفها، بمثل إشفًى، وردان
60 ... بغبرةٍ، من نجوةٍ، في رهوةٍ
مصطفقاتٍ، كاصطفاق الغدران
"النجوة": ما ارتفع، من الأرض. "الرهو": السريع، والساكن.

61 ... كأنه مقنتصٌ، في كفه
خمس، وقد أفلت منه ثنتان
(1/315)

62 ... أو جائشٌ، في ليلةٍ، يثيرها
عن مثل أمثال الكلى، بالمران
63 ... أو يسرٌ، شاط، على أزلامه
وقد بدا تعثانها، والتعثان
"اليسر": الذي يضرب بالقداح. "شاط: ذهب على أزلامه.

64 ... في صيرةٍ، فيها سغابٌ، جوعٌ
كأنها العقبان، بين العقبان
65 ... كذاك هاتيك، إذا طال السرى
وعلقت أكوارها، بالكيران
"الكيران": جمع كورٍ. وهو الرحل بأداته. و"إذا طال السرى" سقطت ضعاف الإبل، فأخذت أكوارها، فصيرت بلى أكوار غيرها، فنجت.

66 ... فاعجلت، عن مثل تم الرئلان،
حيرانها، من قبل تم الحيران
قوله "أعجلت" أي: سقطت. و"الرئلان" جمع رألٍ. وهو فرخ النعام
(1/316)

55 وقال المسيب بن علس
وهو خال الأعشى:
1 ... أرحلت، من أسما، بغير متاع
قبل العطاس، ورعتها بوداع؟
يقول: رحلت عنها "بغير العطاس" أي: من قبل أن أرى شيئاً، أتطير به. قال العجاج:
قطعتها، ولا أهاب العطسا
2 ... من غير مقليةٍ، وأن حبالها
ليست بأرمامٍ، ولا أقطاعِ
"من غير مقلية": من غير بغضٍ. ويقال: حبل "أرمام وأقطاع" وأرماث، إذا كان قطعاً موصولةً. وواحدة الأرمام: رمةٌ. ويقال:
(1/317)

دفعه إليه برمته، أي: بحبله الذي في عنقه. وسمي ذو الرمة ذا الرمة، بقوله: في وصفه الوتد:
أشعث باقي رمة التقليد
3 ... إذ تستبيك، بأصلتي، ناعمٍ
قامت لتفتنه، بغير قناعِ
"أصلتي": وجه، أجرد من الشعر، صلت. وقولهم: فلان صلت الجبين، إذا كان ليس فيه شعر، وكان منكشفاً، وسيف صلت: إذا كان منجرداً من غمده. والانصلات: الانجراد. ويقال: مر منصلتاً، إذا مر مراً سريعاً.

4 ... ومهاً يرف، كأنه، إذ ذقته،
عانية، شجت، بماء وفاعِ
"المها": البلور. شبه بياض ثناياها به. و"يرف": يكاد يقطر، من كثرة مائه. يقال: رف يرف. وبعضهم يقول: ورف يرف. وأنشد:
... رفوف
(1/318)

وأنشد لذي الرمة:
وأحوى كأيم الضال أطرق بعدما ... حبا تحت فينانٍ من النبت وارف
ويروى: "بماء يراع". يريد: بماء القصب، الذي يجري بينه. والواحدة: يراعة. وكل أجوف: يراع. فأراد: ماء الأنهار، لا ماء البئر، لأن القصب إنما ينبت على الأنهار.

5 ... أو صوب غاديةٍ، أدرته الصبا
ببزيل أزهر مدمجٍ بسياعِ
"أزهر": دن أبيض. و"صوبها": ما صاب منها، وتدلى. "غادية": سحابةٌ أمطرت بالغداة. ولم يخضها بالغدو، لأن الغادية والسارية سواء. "ببزيل" أي: ما بزل. "مدمج بسياع" أي: مطلي بسياع، أي بطينٍ. وكل مغطى: مدمج.

6 ... فرأيت أن الحكم مجتنب الصبا
فصحوت، بعد تشوقٍ، ورواعِ
هذا كقولك: الكذب مجانب الإيمان. و"الصبا" والصبوة واحد.
(1/319)

وقول القائل: تصابيت: رققت، وفعلت ما يفعل الصبي. و"رواعٌ": روعٌ. ويروى: "بعد تشوقي، ورواعي".

7 ... فتسل حاجتها، إذا هي أعرضت،
بخميصةٍ، سرح اليدين، وساع
"خميصة": منطوية البطن. ويستحب للنجائب انطواء البطون. و"سرح اليدين". منسرحة الضبعين بالمشي، ليست بكزة.

8 ... صكاء ذعلبةٍ، إذا استدبرتها،
حرجٍ، إذا استقبلتها، هلواعِ
"صكاء": كأنها نعامة. والصكك: تقارب العرقوبين. وكل نعامةٍ يتقارب عرقوباها، إذا مشت. والصكك يعتري النجائب. و"الذعلبة": الخفيفة. وكل سريع ذعلب. و"الهلواع": المستخفة، كأنها تفزع، من النشاط. والهلع: الخفة.

9 ... وكأن قنطرةً بموضع كورها،
ملساء، بين غوامض الأنساع
"
(1/320)

موضع كورها": وسطها. وقوله "كلساء" رجع إلى صفة الناقة. أي: ليست بها آثار، في مواضع الأنساع. وقوله "غوامض الأنساع" يعني: أن النسع إذا استوفته فمض، أي: دخل في لحمها، من شدة ما تشد به.

10 ... وإذا تعاورت الحصا أخفافها
دوى نوادره، بظهر القاع
ويروى: "دوى نواديه". دوى: ذهب. ودوم: في السماء. فأراد أنها ترضخ الحصا، برجليها، لشدة رجمها. ومن روى: نواديه" فالنوادي: الأوائل من كل شيء، والسوابق. ومن ثم قيل: لا ينداك مني أمر تكرهه، أي: لا يسبق إليك. و"القاع": المكان الحر الطين، ليس فيه حصا، ولا حجارة.

11 ... وكأن غاربها رباوة مخرمٍ
وتمد ثني جديلها، بشراعِ
ويروى: "حاركها". وهما: الكتفان، وما انضما عليه. و"الرباوة": الموضع المشرف من الأرض. وهي الربوة. و"المخرم:
(1/321)

منقطع أنف الجبل والغلظ. وإنما أراد أن يشبه حاركها، بمسترق الجبل خين رق. وقوله "وتمد ثنى جديلها بشراع" أي: لا تدع في جديلها فضلاً، عن عنقها، لطوله. و"الثني": ما انثنى في اليد. وقوله "بشراع" شبه عنقها بالدقل. وقد أفرط في نعتها.

12 ... وإذا أطفت بها أطفت، بكلكلٍ
نبض الفرائص، مجفر الأضلاع
"الكلكل": الصدر. "نبض الفرائص": تنبض فرائصها، من حدتها وشهومتها، كأنها مروعة الفؤاد. ويقال: نبض عرقه، ونبذ ينبذ. و"الفريصة": في مرجع الكتف، أسفل من الإبط، إذا فزعت الدابة ارتعدت. "مجفر": واسع، كأنه جفر. ويستحب انتفاخ الجنبين، واتساع الضلع.

13 ... مرحت يداها، للنجاء، كأنما
تكرو، بكفي لاعبٍ، في صاع
"الكرو": اللعب بالكرة. و"الصاع": مطمئن من الأرض،
(1/322)

شبه الجفنة، يكرو فيه الغلمان. لأنهم إن ضربوا في أرض مستويةٍ نزت الكرة، فذهبت. يروى: "ماقط في صاع". والماقط: الضارب. يقال: مقطه مائة سوطٍ، أي: ضربه فشبه يديها بيدي غلامٍ، يضرب بكرة، في صاعٍ. وقد قيل: "تكرو": تخبط، كأنها تضرب بالكرة. ويقال: هذا خطأ، لأن الكرو لا يتسع في السير.

14 ... فعل السريعة، بادرت جدادها
قبل المساء، تهم، بالإسراع
"فعل السريعة بادرت" يعني: امرأة تنسج ثوباً. فهي تسرع في عملها. "بادرت جدادها" أن تفرغ منه، من سدى الثوب. يقول: بادرت، تنسج ما بقي، قبل المساء. فهي لا تفتر عن ضرب الحف.

15 ... فلأهدين، مع الرياح، قصيدةً
مني، مغلغلةً، إلى القعقاعِ
"مغلغلة": أغلغلها، حتى تصل. ويقال: تغلغل فلان، حتى وصل
(1/323)

إلى فلان، أي: أبعد في الذهاب والمجيء، ودخل كل مدخل.

16 ... ترد المياه، فلا تزال غريبةً
في القوم، بين تمثلٍ، وسماعِ
يقول: تبعد هذه القصيدة في الذهاب، تخرج من قومٍ إلى قوم، ويحملها آخرون. فهي غريبة أبداً. وقوله "بين تمثل وسماع" أي: لا تزال يتمثل بها متمثل، ويتغنى بها متغنٍ. وإذا كانت كذلك كان أجدر ألا تنسى، ويحملها الناس. وهذا مثل قول الأعشى:
بها توضع الأحلاس، في كل منزلٍ ... وتعقد أطراف الحبال وتطلق
يقول: يتمثل بها، عند حلهم وارتحالهم.
17 ... وإذا الملوك تفاخرت، بهباتها
أفضلت، فوق أكفهم، بذراعِ
ويروى: "وإذا الملوك تدافعت أركانها". ويروى: "أوفيت" أي: أشرفت. "تدافعت": ازدحمت على الشرف. و"أفضلت" أي: أشرفت فوقهم، بذراعٍ، فتكون يدك أطول. أي: إذ أنت أكثرهم فضلاً.
(1/324)

18 ... وإذا تهيج الريح، من صرادها
ثلجاً، ينيخ النيب، بالجعجاع
"النيب": المسان من الإبل. والواحد: ناب. و"الجعجاع": المحبس. وأنشد:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مراً، وتتركه بجعجاع
19 ... أحللت بيتك باليفاع وبعضهم
متفرد ليحل بالأوزاعِ
"الأوزاع": الفرق. ومنه: توزعوا المال: تفرقوه. وأراد أنه يحل بالجميع ليغشى ويؤتى، ولا يحل مع الفرق المتقطعة لئلا يقري ولا يعرف مكانه. ومثله:
ولا يحل إذا ما جاء منتبذاً ... يخشى الرزية بين الماء والنادي
20 ... ولأنت أجود من خليجٍ مفعمٍ
متراكم الآذي ذي دفاع
(1/325)

كل شيء كان من شيء أكثر منه فهو خليج. ويقال: خلجه، إذا جذبه. ويقال للناقة إذا ذبح ولدها، أو [ذهب به] عنها: خلوج. و"الآذي": الموج [و"الدفاع": الموج] يدفع بعضه بعضاً. والواحدة دفاعة.

21 ... وكأن بلق الخيل، في حافاته
يرمي بهن، دوالي الزراع
أراد بقوله "بلق الخيل": الموجة، إذا بلغت الشط وانقلبت، وابيض ما استرق منها، وكان أسفلها أخضر، لكثافة الماء، وكثرته. "يرمي بهن" يعني: النهر. وقوله "بهن" يعني "الخيل". وإنما يريد: الموج. فخرج اللفظ على الخيل، والمعنى على الموج.

22 ... ولأنت أشجع، في الأعادي كلها
من مخدرٍ، ليث، معيد وقاع
يقال: اسد خادر و"مخدر". وقد أخدر وخدر، أي: اتخذ خدراً. و"معيد": متعود. يقال: فحل معيد، إذا ضرب في الإبل مرة بعد مرة. "وقاع": مصدر واقع وقاعاً. أي: واقع غير مرة.
(1/326)

23 ... يأتي، على القوم، الكثير سلاحهم
فيبيت، منه، القوم في وعواع
"الوعواع": الجلبة والصوت. يقول: يبيت القوم، منه، في صياح.

24 ... أنت الوفي، فلا تذم، وبعضهم
تودي، بذمته، عقاب ملاع
"عقاب ملاع" [عقاب] اختلاس. وهذا مثل. والملع: الاختلاس، والأخذ الخفيف. يقال: مر فامتلع ما في يده، أي: اختلسه. فأخرجه مخرج حذام، وقطام. و"ملاع": جبل، ذكره الجعدي.

25 ... وإذا رماه الكاشحون رماهم
بمعابلٍ، مذروبةٍ، وقطاع
يقال: كشح يكشح كشحاً، إذا مضى مضياً [شديداً] . ويقال: [لما رآني] كشح، مدبراً بوده. وأظن قولهم "عدو كاشح" من هذا قال: و"المعبلة": السهم الطويل النصل، العريضه. و"المذروبة":
(1/327)

المحددة. ويقال: في لسانه ذرب، أي: حدة. و"القطع": النصل القصير العريض. ويقال: قصار نصال النبل: قطاعها.

26 ... ولذاكم، زعمت تميم أنه
أهل السماحة، والندى، والباع
يقول: لما فيه من هذه [الفضائل] .
(1/328)

56 وقال جابر بن حني التغلبي

1 ... ألا يا لقومٍ، للشباب، [المصرم]
وللحلم، بعد الزلة، المتوهم
2 ... وللمرء، يعتاد الصبابة، بعدما
أتى دونها ما فرط حولٍ مجرمِ
3 ... فيا دار سلمى بالصريمة فاسلمي
إلى مدفع القيقاء، فالمتثلمِ
"الصريمة": كل ما انقطع، من معظم الرمل، فاسترق، فهو صريمةٌ، و"القيقاء": المكان الغليظ، المنقاد، غير المشرف.

4 ... ظللت على عرفانها ضيف قفرةٍ
لأقضى، منها حاجة المتلومِ
"
(1/329)

ضيف قفرة": يقول: لا أزال بقفرة "متلوماً" متلبثاً. يعني: نفسه.

5 ... أقامت بها بالصيف، ثم تذكرت
مصايرها، بين الجواء، فعيهم
6 ... تعوج رهنى، في الزمام، وتنثني
إلى مهذبات، في وشيجٍ مقومِ
7 ... أنافت وزافت في الزمام كأنما
إلى غرضها أجلاد هر مؤوم
"مؤوم": قبيح الخلقة، عظيم الهامة.

8 ... إذا زال رعنٌ، عن يديها، ونحرها
بدا رأس رعنٍ واردٍ متقدم
"الرعن": أنف الجبل. و"الوارد": ما ورد، فتقدم ومثله:
إذا قطعن علماً بدا علم
(1/330)

9 ... وصدت عن الماء الرواء لجوفها
دوي كدف القينة المتهزم
يقول: رجعت عن الماء، للمضي، والنجاء. وقوله: "لجوفها * دوي" أي: حنين إلى بلادها. وفيه قول آخر، أي: يسمع لجوفها، من العطش، دوي، كما قال الراعي:
فسقوا صوادي، يسمعون عشية ... للماء، في أجوافهن، صليلا
10 ... تصاعد في بطحاء عرقٍ كانما
ترقى إلى أعلى أريكٍ بسلم
يقول: ترفع بالسير، إلى "أريك". وهو جبل ذو أراك.

11 ... لتغلب أبكي، إذ أثارت رماحها
غوائل شر، بينها، متثلم
قوله "غوائل" أي: تغول حلومها، وتهلكها.

12 ... وكانوا هم البانين قبل اختلافهم
ومن لا يشد بنيانه يتهدم
(1/331)

13 ... بحي ككوثل السفينة أمرها
إلى سلفٍ عادٍ، إذا احتل مرزم
"كوثل السفينة": ذنبها. فيقول: يقيمون أمور الناس، ككوثل السفينة، الذي هو قوامها. و"السلف": القوم يتقدمون، فينفضون الأرض. يقول: فأمرهم يسند إلى هذا السلف. "إذا احتل": إذا نزل، فلم يقلعه شيء، لأنه يخاف. "مرزم": لازق.

14 ... إذا نزلوا الثغر المخوف تواضعت
مخارمه واحتله ذو المقدمِ
واحد "المخارم" مخرم. وهو الطريق في الغلظ، وأنف الجبل. يقول: تخشع لهم المخارم، لكثرتهم. وقوله "ذو المقدم" يريد: المتقدم.

15 ... أنفت لهم من عقل قيس ومرثد
إذا وردوا ماء ورمح بن هرثم
16 ... ويوماً لدى الحشار من يلو حقه
يبزبز وينزع ثوبه ويظلم
(1/332)

قال: "يبزبز" ينزع بزه، ويؤخذ و"الحشار": صاحب الحشر. وقوله "يلو" يريد: يمطل ويمنع. وقال بعضهم: "يبزبز": يتعتع.

17 ... وفي كل أسواق العراق إتاوةٌ
وفي كل ما باع امرؤٌ مكس درهم
"الإتاوة": الخرج. و"المكاس": العشار. يقول: ففي كل ذا مكس، لا بد أن يؤخذ منه درهم.

18 ... ألا تستحي منا ملوك وتتقي
محارمنا، لا يبوِ الدم، بالدم
يقال: باء فلان بفلان، إذا قتل به، فكان له كفواً. يقول: لا يكافأ الدم بالدم. وترك الهمز في "يبو".

19 ... نعاطي الملوك السلم، ما قصدوا له
وليس، علينا، قتلهم بمحرمِ
قال: أخبرنا بعض الرواة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: أنشدت الفرزدق "نعاطي الملوك السلم، ما قصدوا لنا" فقال: "قصدوا بنا" أي:
(1/333)

ما ركبوا بنا قصداً. وإن جاروا فإن قتلهم لنا حلال.

20 ... وكائن أرينا الموت، من ذي تحيةٍ
إذا ما ازدرانا، أو أصر لمأثم!
21 ... وقد زعمت بهراء أن رماحنا
رماح يهودٍ، لا تخوض إلى الدم
22 ... فيوم الكلاب، قد أزالت رماحنا
شرحبيل، إذ آلى ألية مقسم
"شرحبيل": ابن الحارث بن عمرو بن حجر.

23 ... لينتزعن أدراعنا، فأزاله
أبو حنشٍ عن ظهر شقاء صلدم
"شقاء": طويلة. و"الصلدم": الصلبة.

24 ... تناوله بالرمح ثم اتنى له
فخر صريعاً لليدين وللفمِ
(1/334)

25 ... وكان معادينا تهر كلابه
مخافة جيشٍ ذي زهاء عرمرمِ
"تهر كلابه" كأنه يقول: يهر معادينا، لا كلابه. أي: يفرقنا. وإنما ضربه مثلاً.

26 ... يرى الناس منا جلد أسود سالخٍ
وفروة ضرغامٍ من الأسد ضيغم
"الضيغم": الشديد المضغ. يريد: يرون، منا، أمراً كريهاً. و"الفروة": أعلى الرأس. وهو الموضع الذي يقشعر من يافوخه.

27 ... وعمرو بن همام، صعقنا جبينه
بشنعاء، تشفي صورة المتظلم
"صعقنا" مثل، يريد: رميناه بداهيةٍ شنعاء، فضربنا بها جبينه. يريد: لقيناه بما يكره. وأصل الصقع: الضرب على كل يابسٍ. و"الصورة": الميل، يميل بها رأسه.
(1/335)

57 وقال المرار بن منقذ العدوي

1 ... عجبت خولة، إذ تنكرني
ورأت خولة شيخاً قد كبرْ
أراد: عجبت، إن تنكرني، مع معرفتها ثم قال: "أم رأت خولة شيخاً قد كبر". كقولهم: إنها لإبل ثم قال: أم شاءٌ.

2 ... وكساه الدهر سباً، ناصعاً
وتحنى الظهر، منه فأطرْ
"السب": الخمار. و"الناصع" ههنا: الأبيض. وكل ما خلص لونه فقد نصع. "فأطر": فحني يقال: أطر يؤطر أطراً، إذا حني ومنه إطار المنخل.
(1/336)

3 ... إن تري شيباً فإني ماجدٌ
ذو بلاءٍ حسنٍ غير غمرْ
4 ... ما أنا اليوم على شيءٍ مضى
يابنة القوم تولى بحسر
أي: ما أنا عليه بذي حسرة، كالحزين على الشيء.

5 ... قد لبست الدهر من أفنائه
كل فن حسنٍ فيه حبر
"حبر": ذو منظر حسن، والمحبر: المحسن. ويقال: ذهب حبرة الشباب من وجهه، أي: ذهب ماؤه وزبرجه، وهو حسنه.

6 ... وتعللت وبالي ناعم
بغزال أحور العين العينين غرْ
7 ... وتبطنت مجوداً عازباً
واكف الكوكب ذا نور ثمر
"
(1/337)

العازب": النبت، لا يرعاه أحد، من بعده. و"تبطنت" أي: دخلت في جوف غيث، أي: ما أنبت المطر، أطلب فيه الصيد. "مجود": أصابه الجود، من المطر. و"كوكبه": معظمه و"النور": الزهر.

8 ... ببعيدٍ قدره ذي عذرٍ
صلتان من بنات المنكدر
أي: بفرس واسع الشحوة، أي: ما بين الخطوتين. و"الصلتان": المنجرد في عدوه، الذاهب. يقال: مر منصلتاً، إذا مر سريعاً ويقال للعقاب إذا انقضت: انصلتت منقضةً.

9 ... سائل شمراخه ذي جببٍ
سلط السنبك في رسغ عجرْ
إذا دقت الغرة، وانصبت سميت "شمراخاً". و"جبب" يقول: بياضه قد صعد من الرسغ إلى الوظيف. يقال: فرس مجبب، إذا ارتفع البياض إلى أنصاف الوظيف من اليدين والرجلين. ويقال: ما أحسن
(1/338)

جبة الفرس! "سلط": طويل. "عجر": غليظ. يقال: وظيف عجر وعجر، للغليظ.

10 ... قارح، قدر فر عنه جانب
ورباعٍ جانب لم يثغرْ
إذا ألقى الفرس السن التي وراء الرباعية فذلك قروحه، يقال: فرس "قارحٌ". وكذلك الأنثى. فيقول: قد فر أحد جانبيه، فوجد قد قرح، وهو "رباع" من الناحية الأخرى. و"الاثغار": سقوط السن. يقال: ضرب فلان فلاناً، فثغره، أي: طرح أسنانه. وقال عدي يذكر عيراً:
زهم الصلب، رباع جانبٌ ... قارح الآخر، منه، قد نجم
قوله زهم الصلب أي: سمين الصلب.

11 ... فهو ورد اللون، في ازبئراره
وكميت اللون، ما لم يزبئرْ
"الورد": الكميت الأحمر. و"الازبئرار": الانتفاش فيقول:
(1/339)

إذا دجا شعره، وسكن، استبانت كمتته، وإذا ازبأر استبان أصول الشعر. وأصوله أقل صبغاً من أطرافه.

12 ... نبعث الحطاب، أن يعدى به،
نبتغي صيد نعامٍ، وحمرْ
13 ... شندفٌ أشدف ما ورعته
فإذا طؤطئ طيارٌ طمرْ
"الشندف": [كالميل في] أحد الشقين. وقوله: "ما ورعته": كففته، فهو يعترض. "طؤطئ" أي: دفع [وأسرع به. ويقال: طأطأ الركض] في ماله أي: أسرع [إنفاقه] .

14 ... يصرع العيرين، في [نقعهما
أحوذي حين] يهوي مستمر
يقول: إذا طرد العير لم يخرج من غباره، حتى يصرعه. أي: لا يجوزه. فيقول: يوالي بين عيرين، قبل أن يتميزا و"الأحوذي": الجاد في أمره، الناجي.
(1/340)

15 ... ثم إن ينزع إلى أقصاهما
يخبط الأرض اختباط المقتدرْ
"ينزع": يكف. "إلى أقصاهما": عند أقصاهما، بعد أن قتلهما. "يخبط الأرض" من نشاطه، ومرحه.

16 ... ألز، إذ خرجت سلته
وهلا، نمسحه ما يستقر
"ألز": مجتمعٌ بعضه إلى بعض. و"السلة": أن يكبو الفرس، فيرتد ذلك الربو فيه، فينتفخ، فيقال من الغد: أخرج سلته. فيركض ركضاً يسيراً، يعرق ثم يؤتى به، فتلقى عليه الجلال، ويعرق. فتلك سلته. "وهلاً" أي: كأن بع فزعاً. يقول: إذا هجناه بشيء وجدنا عنده، من الجري، ما نحتاج إليه، ولا يضيره بدنه، ولا يقطعه كثرة لحمه من [الجري] .

17 ... قد بلوناه، على علاته
وعلى التيسير منه والعسر
(1/341)

18 ... فإذا هجناه يوماً بادناً
فحضارٌ كالضرام المستعر
19 ... وإذا نحن حمصنا بدنه
[وعصرناه فعقبٌ وحضر
يقال: [انحمص البطن إذا انخمص، وانحمص الجرح إذا ذهب ورمه، و"عصرناه": ركضناه، وألقينا عليه الجلال] ، حتى انعصر عرقه. و"العقب": جري بعد جري.

20 ... يؤلف الشد على الشد كما
حفش الوابل غيث مسبكرْ
"مسبكرٌ": مسترسل منبسط. ومنه: شعر مسبكر: ممتد طويل. وقوله "يؤلف" أي: يثني شداً، مع شد. ويقال: آلفت: جمعت بين اثنين. و"الحفش": شدة الوقع. فيقول: هذا الغيث حفش الوابل، فدفعه دفعاً شديداً.

21 ... صفة الثعلب أدنى جريه
وإذا يركض يعفور، أشرْ
(1/342)

يقال للفرس إذا مر يقرب: مر الثعلبية. و"يعفور": ظبي. "أشر": نشيط.
22 ... ونشاصي، إذا تفزعه
لم يكد يلجم إلا ما قسر
يقال للغيم المرتفع "نشاص". ونشصت المرأة على زوجها ونشزت: ارتفعت عليه. وأنشد:
قضاعية، تأني الكواهن، ناشصاً
وروى أبو عبيدة: "وشناصي". قال: وهو الشديد الجواد.

23 ... وكأنا كلما نعدو به
نبتغي الصيد ببازٍ منكدر
يقول: كأنا نعدو، نطلب الصيد ببازٍ، من سرعته، وخفته في الجري. وقوله "منكدر" يعني: منقض.

24 ... أو بمريخٍ على شريانةٍ
حشه الرامي بظهرانٍ، حشر
"
(1/343)

المريخ": سهم يغلى به. و"الشريان": شجر تتخذ من القسي. "حشه": أوقده وأحماه بها، ليكون أبعد لمذهبه. و"الظهران" هو الجانب القصير من الريشة. و"حشرٌ": جمع حشرٍ. وهو الملطف القذ. والقذ: قطع الريش.

25 ... ذو مراحٍ، فإذا وقرته
فذلولٌ حسن الخلق يسرْ
"ذو مراح": ذو نشاط. و"الذلول": ضد الصعب. يقال: رجل ذليل، ودابة ذلول. وقوله "يسر": سهلٌ، ليس بصعبٍ.

26 ... بين أفراسٍ تناجلن به
أعوجياتٍ، محاضير، ضبر
"تناجلن": تناسلن أي: نجلته هذه، ونجلته هذه. و"أعوجيات": منسوبة إلى أعوج. وهو فحل كان لغني. و"الضبر": أن يجمع الفرس قوائمه، ثم يثب. ويقال: تضبر القوم، إذا تجمعوا.
(1/344)

27 ... ولقد تمرح بي عيديةٌ
رسلة السوم سبنتاةٌ جسر
"عيدية": منسوبة إلى العيد: حي من مهرة. و"رسلة": سهلة. "سبنتة": جريئة الصدر. "جسر": جسور.

28 ... راضها الرائض ثم استعفيت
لقرى الهم، إذا ما يحتضر
"استعفيت": تركت، لم تركب حتى تعفو، أي: يكثر لحمها وشحمها.

29 ... بازل، أو أخلفت بازلها
عاقر، لم يحتلب منها فطر
قوله "لقرى الهم" أي: أجعل ناقتي هذه، لقرى الهم، فأرتحل عليها. جعل الهم، لما نزل به، كأنه ضيف.
قوله "بازل" يبزل البعير، لتسع سنين. و"أخلفت" يقال:
(1/345)

بعير مخلف البزل، أي: أتى عليه عامٌ، بعد البزول. وقوله "فطر" يقول: ما فطر منها، أحد شيئاً، أي: ما احتلب منها شيئاً.

30 ... تتقي الأرض، وصوان الحصا
بوقاح مجمرٍ غير معر
"الصوان": المكان الذيفيه غلظ، وحصا. و"الوقاح": الصلب. و"مجمر": مجتمع. و"المعر": الذي قد ذهب ما يلي مناسمه، من الشعر.

31 ... مثل عداءٍ بروضات القطا
قلصت عنه ثماد وغدر
"روضات القطا": موضع. "قلصت عنه" أي: ارتفعت عنه. و"الثماد": ركايا، تحفر لماء السماء، ثم ترده تبرض به، أي: تخرجه قليلاً قليلاً. و"غدر": جمع غدير. وهي أماكن، يمر بها السيل، فيغادر فيها الماء، أي: يخلفه.

32 ... فحل قبٍ، ضمرٍ أقرابها
ينهش الأكفال، منها، ويزر
"
(1/346)

قب": ضوامر البطون. و"أقرابها": كشوحها. والكشح: الخاصرة. و"يزر": يعض.

33 ... خبط الأرواث حتى هاجه
من يد الجوزاء يومٌ، مصمقر
يقول: نزل في خصبٍ، يروث على البقل. "مصمقر": حار.

34 ... لهبان، وقدت حزانه
يرمض الجندب، منه، فيصرْ
"لهبان": وهج حر. "وقدت": توقدت. "حزانه": جمع حزيزٍ. وهو الغليظ من الأرض، المنقاد. ويقال: رمض الرجل، إذا اشتدت عليه الرمضاء، "يرمض" فيقول: يحترق صدر الجندب، فيضرب برجله في جناحه، فتسمع له صريراً.

35 ... ظل، في أعلى يفاعٍ، جاذلاً
يقسم الأمر، كقسم المؤتمر
"
(1/347)

اليفاع": المرتفع، من الأرض. "جاذلاً": منتصباً، كأنه جذل. و"المؤتمر": الذي اختار أمراً لنفسه.

36 ... ألسمنان، فيسقيها به
أم لقلبٍ من لغاطٍ يستمر؟
أي: قد حبس هذا الفحل آتنه، لا يدعهن، حتى يجيء الليل، فيرسلهن.

37 ... فهي تفلي شعثاً أعرافها
شخص الأبصار، للوحش، نظر
"نظر": أي: ينظرن إلى الوحش، في الفلاة، يشتهين أن يكن معهن. والحمر إذا احتبست "تفالت" أي: جعل هذا يكدم [عرف] هذا، وذا يكدم عرف هذا.

38 ... ودخلت الباب، لا أعطي الرشى
[فحباني ملك] ، غير زمر
(1/348)

39 ... كما ترى، من [شانئٍ، يحسدني
قد] وراه الغيظ، في صدرٍ، وغر!
40 ... وحشوت الغيظ، في أضلاعه
وهو يمشي، حظلاناً، كالنقر
"الحظل": المحبون، الذي أحبنه الغيظ. والحبن: الماء الأصفر. ويروى: "حظلاناً": وهو أن يحظل بعض مشيته، أي: يكف منها. ويقال: حظل الرجل، إذا قصر في الإنفاق. و"النقر" يقال: شاة نقرة، إذا التوى عرق في ساقها، أو فخذها، فحظلت بعض مشيتها.

41 ... لم يضرني، ولقد بلعته
جرع الموت، بصابٍ، وصبر
"الصاب": لبن شجرةٍ، إذا أصاب العين أحرقها وقوله "بصاب" أي: بما يبكي عينه.

42 ... فهو لا يبرأ ما في صدره
مثلما لا يبرأ العرق، النعر
"
(1/349)

النعر": الذي ينعر دمه، أي: يرتفع.

43 ... وعظيم الملك، [قد أوعدني]
وأتتني دونه، منه، النذر
"النذر": جمع نذيرة. يقال: جاءتنا النذيرة من فلان، أي: إنذاره.

44 ... حنق، قد وقدت عيناه، لي
[مثلما وقد] ، عينيه، النمر
45 ... ويرى دوني، فلا [يسطيعني،
خرط شوكٍ، من قتادٍ] ، مسمهر
"الاسمهرار": الشدة.

46 ... أنا، من خندف، في صيابها
حيث طاب القبص، منها، وكثر
"صيابها": خالصها، وعددها. و"القبص": العدد.
(1/350)

47 ... ولي النبعة، من سلافها
ولي الهامة، منها، والكبر
"النبعة" يريد: معظم الأمر. أي: أنا في المغرس الجيد، ليس من رديء الشجر. و"السلف": من تقدم، من القوم.

48 ... ولي الزند، الذي يورى، به
إن كبا زند لئيم، أو قصر
هذا مثلٌ. يقال: إن زنده يوري، إذا طلب أمراً أدركه. فيقول: أنا في الموضع، الذي إن طلبت أمراً أدركته. ويقال: وريت بك زنادي، أي: قوي بك أمري. ويقال "كبا الزند" إذا لم يخرج ناراً. وأكبى الرجل إذا لم تخرج نار زنده.

49 ... فأنا المذكور، في هاماتها
بفعال الخير، إن فعل ذكر
50 ... أعرف الحق، [فلا أنكره]
وكلابي أنس، غير عقر
(1/351)

51 ... ولا ترى كلبي، إلا [آنساً
إن أتى خابط ليلٍ] لم يهر
"خابط الليل": الذي يجيء، بغير يد، ولا رحم.

52 ... كثر الناس، فما ينكرهم
من أسيفٍ، يبتغي الخير، وحر
"الأسيف": المملوك. ويقال: الأجير.

53 ... هل عرفت الدار، أم أنكرتها
بين تبراكٍ، فشي عبقر؟
كل غليظ "شسٌّ". و"تبراك" و"عبقر": موضعان معروفان.

54 ... جرر السيل، بها، عثنونه
وتعفتها مداليج، بكر
"عثنونه": أوله. أي: جرر منه مثل العثنون. و"تعفتها" أي: عفتها. ويقال تظلمني فلان، أي ظلمني. "مداليج" أي: تدلج
(1/352)

عليها، بالليل، وتبكر عليها بالنهار.

55 ... يتقارضن بها، حتى استوت،
أشهر الصيف، بسافٍ، منفجر
استوت تلك المنازل [في الدروس، وذهبت] معالمها. "يتقارضن" أي: تفعل هذه مثلما تفعل هذه. وقوله "أشهر الصيف" [أي: في أشهر الصيف] . و"السافي": ما سفت الريح، من التراب. "منفجر" أي انفجر [التراب] عليها.

56 ... وترى منها رسوماً، قد عفت
مثل خط اللام، في وحي الزبر
"الوحي": نقش الكتاب، في كل شيء. و"الزبر": الكتب. واحدها زبور.

57 ... قد ترى البيض، بها، مثل الدمى
لم يخنهن زمان، مقشعر
"لم يخنهن" يقول: لم يعشن في بؤسٍ.
(1/353)

58 ... يتلهين، بنومات الضحى
راجحات الحلم، والأنس، خفر
"الخفرات": الحييات. يقول: هن راجحات "الأنس" وهو المحادثة، والمؤانسة في عفة. فيقول: أنسهن مع رزانةٍ، وحلمٍ.

59 ... قطف المشي، قريبات الخطى
بدناً، مثل الغمام، المزمخر
"المزمخر" والمشمخر واحد. وهو: المرتفع. وإذا ارتفع رق، وصفا وابيض.

60 ... يتزاورن، كتقطاء القطا
وطعمن العيش، حلواً، غير مر
"كتقطاء القطا" [يريد] مقاربة الخطو.

61 ... لم يطاوعن، بصرمٍ، عاذلاً
كاد، من شدة غيظٍ، ينفجر
(1/354)

62 ... وهوى القلب، الذي أعجبه،
صورةٌ، أحسن من لاث الخمر
يقال "لاث" الرجل العمامة، إذا أدراها على رأسه، يلوثها لوثاً.

63 ... راقه، منها، بياضٌ ناصعٌ
مؤنق العين، وصافٍ، مسبكر
"راقه": أعجبه. وامرأةٌ رائقةٌ: تعجب عيني من نظر إليها. "وناصعٌ": خالصٌ. "مؤنق": معجبٌ. "مسبكر": مسترسل، منبسطٌ.
64 ... تهلك المدراة، في أفنانه
فإذا ما أرسلته ينعفر
"ينعفر": يصيبه التراب، من طوله. و"أفنانه": ذوائبه.

65 ... جعدة، فرعاء، في جمجمةٍ
ضخمةٍ، تفرق عنها كالضفر
"الضفر": جمع ضفيرة. وهو حبل يضفر، ولا يدار فتله كهيئة النسع.
(1/355)

66 ... شادخ غرتها، من نسوةٍ
كن يفضلن نساء الناس، غر
إذا انتشرت الغرة في الوجه قيل "شادخة". فأراد أنها كريمة.

67 ... ولها عينا خذولٍ، مخرفٍ
تعلق الضال، وأفنان السمر
"الضال": السدر البري. و"الأفنان" هي: الأغصان. واحد فنن. و"الخذول": التي تخلف على ولدها، وتدع صواحبها و"مخرف": دخلت في الخريف. "تعلق": تأخذ.

68 ... وإذا تضحك أبدى ضحكها
أقحواناً، قيدته، ذا أشر
"قيدته": ضربت فيه بإبرة.

69 ... لو تطعمت، به، شبهته
عسلاً، شيب به ثلج، خصر
70 ... صلته الخد، طويل جيدها
ضخمة الثدي، ولما ينكسر
"
(1/356)

صلته الخد" أي: منجرة الخد، ليست برهلةٍ.

71 ... مثل أنف الرئم، يثني درعها
في لبانٍ، بادنٍ، غير قفر
"قفر": قليل اللحم. يقول: هو ثدي أخنس، ليس بمحدد الطرف. و"اللبان": الصدر. و"بادن": كثير اللحم.

72 ... وهي هيفاء، هضيم كشحها
فخمة، حيث يشد المؤتزر
"الهيفاء": الضامرة البطن. "هضيم كشحها" هي ضامرة الكشح. والكشح: [ما] بين آخر الأضلاع إلى الورك. "فخمة": ضخمة العجيزة.

73 ... يبهظ المفضل، في أردافها
ضفر، أردف أنقاء ضفر
"يبهظ" أي: يملؤه. ويقال: بهظه هذا الأمر، أي: ملأ صدره. و"المفضل": الثوب الذي تتفضل فيه المرأة. و"الضفر": جمع ضفرةٍ. وهي الرملة المتعقدة العظيمة. و"الأنقاء": جمع نقاً، من الرمل، وهو الصغير منه. فيقول: كأن عجيزتها نقا رملٍ، أردف رملاً.
(1/357)

74 ... وإذا تمشي، إلى جاراتها،
لم تكد تبلغ، حتى تنبهر
75 ... دفعت ربلتها ربلتها
وتهادت، مثل ميل المنقعر
"الربلة": اللحمة في باطن الفخذ. يقول: اصطك باطن فخذيها. و"تهادت": تدافعت. و"المنقعر": الذي ينقطع من أصله. أراد: كما تميل النخلة التي تنقطع من أصلها.

76 ... وهي بداء، إذا ما أقبلت
ضخمة الجسم، رداح، هيدكر
"البداء" التي كأنها بها فحجاً، من ضخم فخذيها. و"الرداح": الثقيلة العظيمة. "هيدكر" يقال: مرت المرأة تهدكر، أي: تترجرج.

77 ... يضرب السبعون في خلخالها
فإذا ما أكرهته ينكسر
78 ... ناعمتها أم صدق، برةٌ
وأبٌّ، بر بها، غير حكر
(1/358)

79 ... فهي خذواء، بعيش، ناعمٍ
برد العيش، عليها، وقصر
"خذواء": ناعمة متثنية. "برد العيش" أي: طاب.

80 ... لا تمس الأرض، إلا دونها
عن بلاط الأرض، ثوبٌ، منعفر
"منعفر": أصابه العفر. وهو التراب.

81 ... تطأ الريط، ولا تكرمه
وتطيل الذيل، منها، وتجر
82 ... وترى الريط مواديع، لها،
شعراً، تلبسها، بعد شعر
"الريط": جمع ريطة. وهي الملحفة التي ليست بملفقةٍ. وجمع ملحفةٍ: ملاحف. ويقال: ملحف، بلا هاء أيضاً.

83 ... ثم تنهد، على أنماطها
مثلما مال كثيب، منقعر
(1/359)

84 ... عبق العنير، والمسك، بها
فهي صفراء، كعرجون العمر
"عبق العنبر": ما يعلق منه. يقال: عبق به الطيب، أي: علق. وقوله "فهي صفراء" أي: من الطيب. و"العرجون": الكباسة. و"العمر": نخلة السكر.

85 ... إنما النوم عشاءً، طفلاً
سنةٌ، تأخذها، مثل السكر
إنما نومها حين تطفل الشمس للغروب. فيقول: هي نؤوم. و"السنة": النعاس. فيقول: يغلبها النعاس، في ذلك الوقت.

86 ... والضحى تغلبها رقدتها
خرق الجؤذر، في اليوم، الخدر
أي: إذا ارتفع النهار قليلاً، فسخن ذلك عليها، حتى تنام. و"خرق الجؤذر": أن يبقى متحيراً سدراً، لا يقدر على الحركة. و"الخدر": البارد.

87 ... وهي لو يعصر، من أردانها،
عبق المسك، لكادت تنعصر
(1/360)

88 ... أملح الخلق، إذا جردتها،
غير سمطين عليها، وسؤر
"سؤر": جمع سوار. و"السمط": النظم من اللؤلؤ.
89 ... لحسبت الشمس، في جلبابها،
قد تبدت، من غمامٍ، منسفر
كأنه قال: لو جردتها لحسبت الشمس في "جلبابها" أي: قميصها. "منسفر": منقشع.

90 ... صورة الشمس على صورتها
كلما تغرب شمس، أو تذر
91 ... تركتني ليس بالحي، ولا
ميتٍ، لاقى وفاةً، فقبر
أي: لست بالحي، فأكون حياًن ولا ميت، لأنه لا ميت إلا في وفاة، يقبر صاحبها، فيستريح.
(1/361)

92 ... يسال الناس: أحمى داؤه
أم به، كان سلالٌ مستسر؟
93 ... وهي دائي، وشفائي عندها
منعته، فهو ملوي، عسر
"ملوي": ممطول. يقال: لويته، فأنا ألويه، لياً ولياناً، إذا مطلته. وأصل المطل: المد. يقال: مطل القين الحديدة يمطلها مطلاً، إذا مدها.

94 ... وهي لو يقتلها، بي، إخوتي
أدرك الظافر، منهم، وظفر
95 ... ما أنا، اليوم، بناسٍ ذكرها
ما غدت ورقاء ساق حر
(1/362)

58 وقال عمرو بن معد يكرب

1 ... أمن ريحانة الداعي، السميع
يؤرقني، وأصحابي هجوعُ؟
2 ...
(1/363)

براني حب من لا أستطيع
ومن هو، للذي أهوى، منوعُ
3 ... ينادي، من براقش، أو معينٍ
فأسمع، فاتلأب، بنا، مطيع
ويروى: "مليع". "براقش ومعين": موضعان. و"اتلأب": استقام. والمليع: ما استوى من الأرض، واستقام.

4 ... ورب محرشٍ، في جنب سلمى
يعل بعيبها، عندي، شفيع
(1/364)

أي: كأنه إذا وقع، فيها عنده، يشفع لها، لأنه يحببها إليه "يعل بعيبها" مرة بعد مرة.

5 ... كأن الإثمد، الحاري، منها
يسف، بحيث تبتدر الدموع
"يسف": يذر. و"الحاري" والحيري سواء. وهو منسوب إلى الحيرة.

6 ... وأبكارٍ لهوت، بهن، حيناً
نواعم، في أسرتها الردوع
"الردوع": جمع ردع. يقال: بع ردع، من زعفران، أي: أثر. و"أسرتها": عكنها.

7 ... أمشي، حولها، وأطوف، فيها
ويعجبني المحاجر، والفروع
8 ... إذ يضحكن، أو يبسمن يوماً، +ترى برداً، ألح به الصقيع
(1/365)

9 ... تراها الدهر، مقترةً، كباءً
وتقدح صحفةً، فيها نقيع
"مقترة": مدخنة، تدخن بالبخور. و"الكباء" بالمد: العود الذي يتبخر به. والكبا، بالقصر: الكباسة. و"تقدح": تغرف. "صحفة": قصعة. وجمع صحفةٍ: صحاف.

10 ... وصبغ بنانها في زعفرانٍ
بخديها كما احمر النجيع
11 ... وقد عجبت أمامة، أن رأتني
تفرع لمتي شيبٌ، فظيع
12 ... وقد أغدو، يدافعني سبوحٌ
شديد أسره، فعم، سريع
"أسره": خلقه. و"فعم": ممتلئ.
(1/366)

13 ... وأحمرة المجيرة، كل يوم،
يصوع جحاشهن، بما يصوع
14 ... فأرسلنا ربيئتنا، فأوفى
فقال: ألا، أولا خمسٌ، رتوع:
15 ... رباعية، وقارحها، وجحشٌ
وتاليةٌ، وهاديةٌ، زموعُ
"تاليةٌ": تابعة. و"هاديةٌ": متقدمة. "زموع": عادية. يقال: قد زمعت أشد الزمعان.

16 ... فنادانا: أنكمن أم نبادي؟
[فلما] مس حالبه القطيع
"الحالبان": عرقان مكتنفان السرة. و"القطيع": السوط.

17 ... أرن عشيةً، واستعجلته
قوائم، كلها ربذٌ، سطوعُ
"
(1/367)

ربذ": خفيف، سريع. "سطوع": طويل.

18 ... فأوفى، عند أقصاهن، شخصاً
يلوح، كأنه سيفٌ، صنيعُ
19 ... أشاب الرأس أيامٌ، طوالٌ
وهمٌّ، ما تبلغه الضلوعُ
21 ... وسوق كتيبةٍ، دلفت لأخرى
كأن زهاءها رأسٌ، صليع
"زهاؤها": محزورها. و"دلفت": زحفت. و"رأسٌ": جبل. و"صليع": لا نبت عليه، ولا به.
(1/368)

22 ... دنت، واستأخر الأوغال عنها
وخلي بينهم، إلا الوزيع
"الوزيع": الوازع الذي يكفهم.

23 ... فدًى لهم، معاً، عمي وخالي
وشرخ شبابهم، إن لم يضيعوا
"الشرخ": أول السن. وجمعه شروخ. أي: إن لم يضيعوا أمرهم.

24 ... وإسناد الأسنة، [نحو صدري]
وهز السمهرية، والوقوع
"الوقوع" يريد: المواقعة للقاء.

25 ... فإن تنب النوائب آل عصمٍ
ترى حكماتهم فيها رفوع
"آل عصم" بن مالك بن عامر، رهط عمرو. ويقال: إنه لمرتفع الحكمة عن هذا الأمر، إذا لم ينله.
26 ... إذا لم تستطع شيئاً فدعه
وجاوزه، إلى ما تستطيع
(1/369)

وصله بالزماع، فكل أمرٍ ... سما لك، أو سموت له، ولوع
"الزماع": الجد والعزم.

28 ... وكم، من غائطٍ، من دون سلمى
قليل الأنس، ليس به كتيع!
"كتيع": أحد. ويقال: قولهم "أجمعون أكتعون" من هذا.

29 ... به السرحان، مفترشاً يديه
كأن بياض لبته صديع
"صديع": ثوب يشق. ويقال: هو الصبح.

30 ... وأرضٍ قد قطعت، بها الهواهي
من الجنان، سربخها مليعُ
"
(1/370)

الهواهي": جمع هوهاةٍ وهي ضوضاة الجن. [و"السربخ"] : ما بين أرض وأرض أخرى. ويروى: "شريع".
(1/371)

59 وقال عتيبة بن مرداس
أحد بني كعب بن عمرو بن تميم:
1 ... قعدت لبرق، آخر الليل، ضوءه
يضيء حبي المنجد، المتغورِ
2 ... يسور، ويرقى في رواءٍ غمامه
ركامٍ، تصداه الجنوب وتمتري
"تمتري": تستدره. يقال: ناقة مريٌّ، أي: [درور] على المسح عند الحلب.
(1/372)

3 ... إذا سنحت نجديةٌ برحت لها
صباً، فأدرت ودق أوطف، ممطرِ
"الوطف": كثرة شعر الحاجبين. وهو في السحاب مثلٌ. جعل السحاب ذا هدب. ويقال: رجل أوطف الحاجبين والأشفار.

4 ... كأن به بلقاء، تحمي فلوها
شميط الذنابى، ذات لون مشهرِ
أراد أنها تركض عن فلوها الخيل، وتحميه منها. فإذا فعلت ذلك تكشفت أقرابها، فبدا بلقها. فشبه ذلك بالبرق، إذا انكشف.

5 ... شموساً، أذيلت في الرباط، وحاذرت
روائد خيلٍ، عن فلوٍّ، وأيصرِ
"شموس": تنزو عند الإسراج، والمس باليد، و"الأيصر": كساء فيه حشيش. يقال: جاء بأيصر يجره، إذا جاء بكساء فيه حشيش.

6 ... إذا ما استمرت في الوثاق تكشفت
بلونين: من جونٍ، وريطٍ منشرِ
(1/373)

7 ... ألا، طرقت رحلي رقاش، ودونها
عدابٌ، وطود ذو أراكٍ، وعرعر
"العداب": مسترق الرملة.

8 ... وما هي، إن طافت بنا بعد هدأةٍ،
بكاذبةٍ، للسائل، المتخبر
9 ... وما اقتربت ليلاً لنارٍ، تحسها
من القر، إلا تصلى بمجمر
10 ... أتيت ابن عباسٍ، أرجي نواله
فلم يرج معروفي، ولم يخشَ منكري
11 ... وقال لبوابيه: لا تدخلنه
وسدوا خصاص البيت، من كل منظرِ
كل منفرج بين شيئين فهو "خصاص". وقوله "لا تدخلنه"، وقد ذكر اثنين، مثل قوله:
إن تزجراني، يابن عفان، أنزجر
(1/374)

12 ... وتسمع أصوات الخصوم، وراءه،
كصوت الحمام، في القليب، المغور
13 ... فلو كنت من زهران لم تقص حاجتي
ولكنني مولى جميل بن معمر
أراد أنه من مضر. قال: وكان ابن عباس تزوج امرأة من زهران، يقال لها شميلة.

14 ... وما أنا، إن زاحمت مصراع بابه،
بذي ضؤلةٍ، فانٍ، ولا بحزورِ
15 ... فليت قلوصي عريت، أو رحلتها
إلى حسنٍ في داره، وابن جعفرِ
16 ... إلى معشرٍ، لا يخصفون نعالهم
ولا يلبسون السبت، ما لم يخصر
"
(1/375)

السبت": جلود البقر، المدبوغة بالقرظ.

17 ... وما زلت في التسيار حتى أنختها
إلى ابن رسول الأمة، المتخير
18 ... إذا هي همت، بالخروج، يصدها
عن القصر مصراعا منيفٍٍ، مجير
19 ... تطالع أهل السوق، والباب دونها
بمستفلك الذفرى، أسيل المذمر
"تطالع أهل السوق" يقول: تشرف من فوق الباب، لطول عنقها. وقوله "بمستفلك الذفرى" أي: برأس ذفراه مثل الفلكة، ليست بالغليظة. و"المذمر": ملتقى اللحيين. والتذمير: أن يدخل إنسان يده في رحم الناقة، فيعرف: أذكر هو أن أنثى، عند ولادها؟ يعني جنينها. والمذمر: الذي يفعل ذلك.
(1/376)

20 ... فباتت على خوفٍ، كأن بغامها
أجيج ابن ماء، في يراعٍ، مفجر
"البغام": صوت [تختلسه ولا تتمه] . و"ابن ماء": كركي. وإنما أراد رقة صوتها وذاك أعتق لها. و"اليراعة": الأجمة كلها. فأراد أن صوتها كصوت كركي، في أجمة.

21 ... فقامت تصدى في العقال، فواجهت
من الصبح ورداًن كالرداء، المحبر
22 ... فما قمت، حتى راعني ثؤباؤها
وصوت منادٍ، بالصلاة، مكبرِ
23 ... فلما عرفت اليأس منهم، وقد بدت،
أيادي سبا، الحاجات، للمتذكر
"أيادي سبا": الحاجت المتفرقات. ويروى: "فلما قضيت الحاج منهم". وهي الرواية.
(1/377)

24 ... فزعت إلى حرف، أضر بنيها
سرى، ورواح، رحلة المتهجر
25 ... صهابية العثنون، أسأر لحمها
خداجان في عامين، بعد التعقر
أي: في عثنونها صهبة. وهو من العتق. "أسأر لحمها" أي: أبقى لحمها. "خداجان" أي: أن خدجت فلم يمخرها ولدها بأن يتم. وأبقى لحمها، ما قبل ذلك أيضاً، أن كانت عاقراً.

26 ... ترى فخذيها، تحفزان محالةً
ضناك البضيع، كالرتاج، المضبر
قوله "تحفزان": تستعجلان محالتها. و"المحالة": الفقرة. و"الضناك": الغليظة. و"البضيع" جمع [بضعٍ، وهو كل] فدرةٍ من لحم. فأخرجها على مثل: معن ومعين، وكلب وكليب.
(1/378)

27 ... وأصهب ريان العسيب، تشذرت
به خطران الفحل من كل مخطر
"أصهب": ذنب فيه صهبة. وقوله "تشذرت * به" أي: رفعته ونصبته.

28 ... إذا حركته مال جئلاً، كأنه
قوادم ريشٍ، من ثلاثة أنسر
29 ... تذب به، عن حالبيها، وتارةً
تذب به، خلف الزميل، المؤخر
30 ... وصلباً، كسفود الحديد، حبت له
ضولعٌ، كأقواس اليماني، المؤطرِ
ويروى: "حنت له". شبه الصلب، لصلابته، بسفود حديد. "حبت له": انتفخت له ضلوعه. و"المؤطر": الحاني.

31 ... ترى ظلفات الرحل شماً، تبينها
بأحزم، كالتابوت، أجوف مجفرِ
"
(1/379)

المجفر" أصله العظيم الجفرة. والجفرة هي الوسط. و"الظلفة": الخشبة التي تشد الجديتان إليها و"الأحزم": العظيم المحزم. يقول: هي جماليةٌ.

32 ... ترى ابني ملاطيها، إذا هي أقبلت،
أمرا، فبانا عن مشاش المزورِ
ويروى: "إذا هي أرقلت". و"المزور": حيث جعل زورها زوراً. "أمرا": ليسا بلاصقين. و"ابناملاط": العضد والكتف. وإذا لم يكونا متلاصقين كان أسلم لها.

33 ... وأتلع، نهاضاً، إذا ما تزيدت
به مد أثناء الجديل، الضفر
"الأتلع": المشرف. يريد: عنقها. و"النهاض": أن يصعد قدماً. و"التزيد": سيرة فوق العنق. و"مد أثناء الجديل" أي: استوفاه، ومد ماثني منه، فاضطرب.
(1/380)

34 ... وخدان، كالديباجتين، ومجمعٌ
من الرأس، ضمر الحاجبين، مذكرُ
35 ... ترى العين منها في حجاجٍ، كأنه
بقية قلت، ماؤها لم يكدر
"الحِجاج" والحَجاج، بالفتح والكسر: مستظل العين. يقول: هي صافية العين و"القلت": النقرة التي في الجبل، يجتمع فيها الماء.

36 ... تكف شبا الأنياب، عنها، بمشفرٍ
خريعٍ، كسبت الأحوري، المخصر
"تكف": تستر. و"شبا الأنياب": حدتها. و"خريع": تثنٍ لين. و"الأحوري": الناعم اللين. فيريد: كنعل الحضرمي الناعم.

37 ... كأن حصاد البروق، الجعد، جائلٌ
بذفرى عفرناةٍ، خلاف المعذرِ
"حصاد البروق": ثمره. و"البروق": بقلة، دقيقة ضعيفة،
(1/381)

تنبت على ساق واحد، ثمرتها سوداء. شبه ما يقطر من ذفراها، من الماء الأسود، بثمر البروق. "خلاف المعذر" يعني: موضع العذار.

38 ... إذا امتاح حد الشمس ذفراه أسهلت
بأصفر، منه، قاطرٍ كل مقطر
أي: إذا كان حد الشمس كالمائح للذفرى.

39 ... هبوع، إذا ما الآل ظل كأنه،
على الأرض، قبطي الملاء، المنشر
40 ... وذاب لعاب الشمس فيه، وأزرت
به قامساتٌ، من رعانٍ، وحزور
قوله "لعاب الشمس" إذا اشتدت الهاجرة، فظننت أن بين السماء والأرض شيئاً أبيض يجري، فذاك لعاب الشمس. "قامسات": غائصات. و"الحزاور": روابٍ صغار. و"الرعان": أنوف الجبال. الواحد رعنٌ.

41 ... وتصبح، عن غب السرى، وكأنها
دموكٌ، من الشيزى، جرت فوق محورِ
"
(1/382)

الدموك": السريعة المر من كل شيء. وهو ههنا: البكرة. و"الشيزى": خشب الشيز و"المحور": الحديدة التي تدور عليها البكرة.

42 ... كأن حصا المعزاء، بين فروجها،
إذا لحقتها رجلها، حذف أعسر
"حذف أعسر" أراد: أنه لا يجيء على جهته.
(1/383)

60 وقال الحارث بن وعلة الشيباني

1 ... لمن الديار، بشط ذي الرضم
فمدافع الترباع، فالزخم؟
2 ... دار لمية، إذ تساعفنا
ولحب بالآياتِ، والرسمِ
3 ... ولقد صرفت، عن الديار، وما
طبي بمقليةٍ، ولا صرمِ
ويروى: "طبي" أي: دهري. و"المقلية" هي البغض. و"الصرم": القطيعة.
(1/384)

4 ... لولا اتقاء بني الشقيقة لم
أحفل، بهذا الزم، والخطمِ
5 ... وأنا امرؤٌ، من وائلٍ، أنفٌ
ذو مرة، أنمي إلى الحزم
"ذو مرة" أي: ذو قوةٍ. ومنه: أمر الحبل، إذا قوي فتله وشدد.

6 ... إذا وائلٌ لا حي يعدلهم
في الناس، من عربٍ، ومن عجمِ
7 ... هم يضربون الكبش، ضاحيةً،
ذا الكوكب، المتوقد، القحم
8 ... أسلاتهم يغشين لبته
حتى يفيء، بهن، يستدمي
9 ... أقتلتنا، ظلماً، بلا ترةٍ
عمداً، لتوهن آمن العظم؟
10 ...
(1/385)

ووطئتنا، وطئاً، على حنقٍ
وطء المقيد نابت الهرمِ
يعني: وطئاً ثقيلاً. و"الهرم": نبت. و"وطء المقيد" أثقل، لأنه لا يحمل يديه.

11 ... وتركتنا، لحماً على وضمٍ
لو كنت تستبقي، من اللحم
12 ... وزعمت أنا لا حلوم لنا
إن العصا قرعت، لذي الحلم
13 ... ما إن سمعت بمثلها، فعلت
بأبٍ لنا، فاقصد، ولا عم
14 ... تبدي، ولا تخفي، عداوتنا
هذا، لعمرك، أسوأ الظلم
15 ... ألآن، لما ابيض مسربتي
وعضضت، من نابي، على جذم
"
(1/386)

المسربة": شعر الصدر، إذا كان ممتداً إلى السرة، في دقةٍ. وإنما يعني أنه قد أسن، فصار ذا تجارب.

16 ... وحلبت هذا الدهر، أشطره
وأتيت ما آتي، على علمِ
"أشطره" يعني: جربت خيره وشره.

17 ... ترجو الأعادي أن أصالحها؟
جهلاً، توهم صاحب الحلم!
ويروى: "أصالحها*سفهاً".

18 ... أرأيت إن سبقت إليك يدي
بمهندٍ، يهتز في العظم:
19 ... هل ينجينك، إن هممت به،
عبداك، من لخمٍ، ومن جرمِ؟
20 ... لا تأمنن قوماً، ظلمتهم
وبدأتهم، بالغشم، والشتمِ
(1/387)

21 ... أن يأبروا نخلاً، لغيرهم
والأمر تحقره، وقد ينمي
22 ... قالت سليمى: قد غنيت، فتًى
فاليوم لا تصمي، ولا تنمي
يقال: رمى "فأتمى" إذا تخطلت الرمية بالسهم. ورمى "فأصمى" إذا قتل مكانه. قال امرؤ القيس:
فهو لا تنمي رميته ... ما له، لا عد في نفره!
23 ... ألموت تخشى أن توافقه
والموت يدرك آبد العصمِ؟
24 ... قوض خباءك، فالتمس بلداً
تنأى، عن الغاشيك بالظلم
25 ... أو شد شدة بيهسٍ، فعسى
أن [يتقوك] ، بصفحة السلمِ
(1/388)

26 ... قومي هم قتلوا، اميم، أخي
فإذا رميت أصابني سهمي
27 ... فلئن عفوت لأعفون جللاً
ولئن سطوت لأوهين عظمي
يقول: إن قتلت عشيرتي رجع ذلك علي، بالنقص، والضعف. و"جلل" ههنا: عظيم.

28 ... إن المذلة منزلٌ، نزحٌ
عن دار قومك، فاتركي شتمي
والزيادة بعد هذا البيت - أعني: إن المذلة - ليست في رواية المفضل.

29 ... بيد الذي، شعف الفؤاد بكم،
فرج الذي ألقى، من الهم
30 ... فلئن بقيت ليبقين جوًى
بين الجوانح، مضرع جسمي
"
(1/389)

المصرع": المضعف.

31 ... قد كان صرم، في الممات، لنا
فعجلت، قبل الموت، بالصرم
32 ... فتعلمي أن قد كلفت، بكم
ثم افعلي ما شئت، عن علم
(1/390)

61 وقال عبد الله بن عنمة الضبي
- وكان حليفاً لبني شيبان - يرثي بسطاماً، وكان أغار على بني ضبة يوم الدهناء، فقتلوه:
1 ... لأم الأرض ويلٌ، ما أجنت
غداة أضر، بالحسن، السبيلُ؟
"الحسن": موضع معروف. "أضر" أي: دنا منه الطريق. ويروى: "أضل". وهذا كقولك: ويل لأرض تضمنت فلاناً! على التعجب.

2 ... يقسم ماله فينا، وندعو
أبا الصهباء، إذ جنح الأصيلُ
"جمح": دنا. أي: جاء الذين يطلبون. فهتف بأبي الصهباء، وهو بسطام.

3 ... أجدك لن تريه، ولن تراه،
تخب به عذافرةٌ، ذمولُ؟
"
(1/391)

أجدك" أي: حقاً. و"الخبب": أن تراوح بين يديها. و"عذافرة": شديدة. و"الذميل": ضرب من السير.
4 ... حقيبة رحلها بدنٌ، وسرجٌ
تعارضه مرببةٌ، ذؤولُ
أي: حقيبة رحلها درعٌ. وهو "البدن". أراد: سلاحه. و"مرببة" أراد: فرساً مرببة. و"ذؤول" من الذألان. وهو سير يقارب فيه الخطو، كأنه مثقل من حمل.

5 ... إلى ميعاد أرعن، مكفهر
تضمر، في طوائفه، الخيولُ
"أرعن": جيش كثير مثل رعن الجبل. ورعنه: أنفه. و"مكفهر" أراد: غليظاً، بعضه متراكب فوق بعض. وأصله من السحاب، فاستعاره. يقال: سحاب مكفهر، إذا كان غليظاً متراكباً.

6 ... لك المرباع، منها، والصفايا
وحكمك، والنشيطة، والفضول
(1/392)

قال: "المرباع": أن يأخذ الرئيس ربع الغنيمة، دون أصحابه. و"الصفايا": مثل السيف وما أشبههه، يصطفيه الرئيس لنفسه. و"النشيطة": الشيء ينتشط قبل أن يبلغ القوم وقبل الوقعة، مثل الفرس، أو ما لا يستقيم أن يقسم على الجيش. و"الفضول": بقايا تبقى من الغنيمة.

7 ... لقد ضمنت بنو بدر بن عمرٍو
ولا يوفي، ببسطامٍ، قبيل
يعني: دم بسطام في أعناق بني بدر بن عمرو. وقيل لأبي رجاء العطاردي ما قيل ببسطام بن قيس.

8 ... وخر على الألاءة، لم يوسد
كأن جبينه سيفٌ، صقيل
9 ... فإن تجزع، عليه، بنو أبيه
فقد فجعوا، وفاتهم جليل
(1/393)

10 ... بمطعامٍ، إذا الأشوال راحت
إلى الحجرات، ليس لها فصيل
"الأشوال": جمع شول. والشول: جمع شائلة. وهي التي خفت بطونها، وارتفعت ألبانها. ومنه قيل للميزان: شال، إذا ارتفع. "ليس لها فصيل" يعني: أن القوم إذا خافوا السنة ذبحوا الفصال، لأن يخلوا باللبن.
(1/394)

62 وقال السفاح بن بكير
ابن معدان اليربوعي، يرثي يحيى بن شداد [بن ثعلبة] بن بشر، أحد بني ثعلبة بن يربوع، قتل مع مصعب بن الزبير، وكان صديقاً لمصعب، فلما كان في اليوم الذي قتل فيه مصعب قال له مصعب: انصرف. فيا لقتلك نفسك معنى. قال: والله لا تحدث الناس أني رغبت عن مصرعك. فما زال يدافع عن مصعب حتى قتل. فقال السفاح:
1 ... صلى على يحيى، وأشياعه
رب غفور، وشفيعٌ مطاعْ
يعني ب"الشفيع المطاع": النبي محمداً، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(1/395)

2 ... أم عبيد الله ملهوفةٌ
ما نومها، بعدك، إلا رواع
3 ... يا فارساً، ما أنت من فارسٍ،
موطأ البيت، رحيب الذراع؟
ويروى "يا سيداً ما أنت من سيد"؟ ويقال: "ما أرحب ذراعه" أي: ما أوسع صدره، وأطيب نفسه!
4 ... قوال معروفٍ، وفعاله
عقار مثنى أمهات الرباع
"الربع" يكون مع أمه. فأكرم عندهم، إذا كانت الناقة مع ولدها.

5 ... يعدو، فلا تكذب شداته
كما عدا الليث، بوادي السباع
(1/396)

6 ... يجمع حلماً، وأناةً، معاً
ثمت ينباع، انبياع الشجاعْ
7 ... لما انكفا الخلال، عن مصعبٍ،
أدى إليه القرض، صاعاً بصاعْ
8 ... المالئ الشيزى، لأصحابه
كأنها أعضاد حوضٍ، بقاع
"الشيزى": الجفان من الجوز. وإنما شيزى لأن الدسم يسودها. و"أَعضاء الحوض": نواحيه. و"القاع": الأرض الطيبة الحرة. وهي واسعة.

9 ... لا يخرج الأضياف، من بيته،
إلا وهم منه رواءٌ، شباع
10 ... وفارسٍ، باغٍ على قارحٍ
ذي ميعةٍ، بالرمح صلب الوقاع
"
(1/397)

الميعة": الدفعة من الجري وميعة الحبِ: أوَله ودفعته. وكذلك ميعة الشباب. وأنشد:
لم أقض، من ميعة الصبا، أربي
قال: و"الوقاع": المواقعة.

11 ... نهنهته عنك، فلم ينهه
بالسيف، إلا جالدات، وجاع
12 ... من يك لا ساء فقد ساءني
ترك أبينيك إلى غير واع
"غير واع": غير جامع. يقال: وعى، إذا اجتمع. ويروى: "إلى غير واع". يقال: انكسرت يده ثم "وعت" أي: جبرت.

13 ... قوم، قضى الله لهم أن دعوا
ورد أمر الله لا يستطاع
(1/398)

63 وقال رجل من اليهود

1 ... سلا ربة الخدر: ما شأنها؟
ومن أي ما فاتنا تعجبُ؟
2 ... فلسنا بأول من فاته،
على رفقه، بعض ما يطلب
3 ... وكائن تضرع، من خاطبٍ،
تزوج غير التي، يخطب!
4 ... وزوجها غيره، دونه
وكانت له، قبله، تحجبُ
5 ... وقد يدرك المرء غير الأريب
وقد يصرع الحول، القلب
(1/399)

6 ... ألم تر عصم رؤوس الشظى
إذا جاء قانصها تجلب؟
الحزنبل: "رؤوس الشعاف" وهي أطراف الجبال. واحدعا شعفة.

7 ... إليه، وما ذاك عن إربةٍ
يكون، بها، قانص يأرب
8 ... ولكن لها آمر، قادرٌ
إذا حاول الشيء لا يغلب
9 ... لئن شطت الدار عنا، بها،
ففاتت، ففي الدار مستعتبُ
20 ... وكنا قديماً [صفيين، لا
نخاف] الوشاة، وما سببوا
11 ... فأصبح صدع [الذي بيننا]
كصدع الزجاجة، لا يشعب
(1/400)

64 وقال عمرو بن معديكرب

1 ... أعددت، للحرب، فضفاضةً
دلاصباً، تثنى على الراهشِ
"فضفاضة": درع واسعة. و"دلاص": لينة. والرواهش: عروق ظاهر الكف. وإنما أراد ب"الراهش": الرواهش.

2 ... وأجرد، مطرداً، كالرشاء
وسيف سلامة، ذي فائشِ
3 ... وذات عدادٍ، لها أزملٌ
برتها رماة بني وابش
"
(1/401)

بنو وابش" من عدوان. و"عداد" القوس: صوتها.

4 ... وكل نحيضٍ، فتيق الغرار
عزوفٍ، على ظفر الرائشِ
"فتيق الغرار" أي: واسع عريض. و"الغراران": الحدان والجانبان. [والغرار] : حد السيف وحد النصل. و"عزوف": [تسمع] لها صوتاً إذا نفز, وهو أن يدير [السهم] على ظفره.

5 ... وأجرد، ساط، كشاة الإرا
نِ، ريع، فعن على الناجش
"أجرد": فرس قصير [الشعر. "ساطٍ: كثير الأخذ من الأرض. [و"الشاة": الثور] . و"الإران": الكناس. والإران: [النشاط] "ريع: أفزع. "فعن": عرض [
(1/402)

و"الناجش"] : الذي يحوش الصيد.

6 ... وآوي، إلى فرع جرثومةٍ
وعز، يفوت يد الباهشِ
"الباهش": المتناول. يقال: بهش إليه بيده يبهش بهشاً، إذا أهوى ليتناول.
(1/403)

65 وقال دريد بن الصمة
واسم الصمة معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان.
قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصمة، أخو دريد بن الصمة، [ومعه دريد] غطفان، فأصاب منهم إبلاً [عظيمة] ، فاستاقها واطردها. فقال [له] دريد: [النجاءٍ] ، إليك، فإنك قد ظفرت [فأبى عليه. وقال] : لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي. والنقيعة: ناقة تنحر وسط الإبل، ثم يقسمها الرئيس على أصحابه. فأقام عبد الله وعصى أخاه. فتبعته فزارة،
(1/404)

فقاتلوه، فقتل عبد الله وارتث دريد في القتلى. فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: إني أرى عينه تبص. فنزل إلى سبته، فإذا هي ترمز، فقال: أعد عليه، قبحه الله، ثم طعنه طعنةً، خرج بها دمٌ، كان قد احتقن. قال دريد: فأفقت عندها. فلما جاوزا نهضت، فما شعرت إلا وأنا بين عرقوبي جمل امرأةٍ، من هوازن. فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله منك، ومن شرك. قال: لا بل من أنت، ويلك؟ قالت: أنا امرأة من هوازن. قال دريد: وأنا من هوازن. أنا دريد بن الصمة. وكانت المرأة في قوم مجتازين، لا يشعرون بالوقعة. فضمته، وعالجته، فأفاق.
فلما كان من العام المقبل أتاهم [بالصلعاء، فقتل] ذؤاب بن أسماء. فلما أقبلت [فزارة قال للربيء: انظر] ، ما ترى؟ قال: أرى [خيلاً، عليها رجالٌ، كأنهم صبيان، أسنتها عند آذان خيولها] . قال: هذه فزارة. ثم قال: انظر، ما ترى؟ قال: أرى خيلاً عليها رجالٌ، كأنما غمست في الجسد. قال: هذه أشجع، لا تنثني. ثم قال: انظر،
(1/405)

ما ترى؟ قال: أرى رجالاً يجرون رماحهم، سوداً، يخدون الأرض بأقدامهم. قال: هذه عبس. فاقتتلوا، فكان الظفر لهوازن. وقتل دريد ذؤاب بن أسماء، ونفاهم عن الصلعاء. فذلك قوله في عصيان عبد الله أخيه وقومه له، ويرثي عبد الله أخاه.
قال أبو عبيدة: وكان لعبد الله ثلاثة أسماء، وثلاث كنى. فأسماؤه: عبد الله وخالد ومعبد. وكناه: أبو فرعان، وأبو ذفافة، وأبو أوفى.

1 ... أرث جديد الحبل، من أم معبد
بعاقبةٍ، وأخلفت كل موعدِ
"أرث": صار رثاً. والرث: الخلق من كل شيء.

2 ... وبانت، ولم أحمد إليك نوالها
ولم ترج فينا ردة اليوم، أو غدِ
"ترج" ههنا [تخف] ، كقول الشاعر:
لعمرك ما أرجو، إذا [مت] طائعاً، ... على أي جنبٍ كان، لله، مصرعي؟
(1/406)

وقال الآخر:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها ... وخالفها، في بيت نوبٍ، عوامل
يقول: لم تخف عودة الأيام لنا عليها. "نوالها": عطيتها. و"الردة": الرجوع. يقول: لم ترج أن يكون بيننا عطفةٌ في اليوم، أو غد.

3 ... من الخفرات، لا سقوطاً خمارها
إذا برزت، ولا خروج المقيد
4 ... وكل تباريح المحب لقيته
سوى أنني لم ألق حتفي، بمرصد
5 ... وأني لم أهلك خفاتاً، ولم أمت
خفاتاً، وكلاً ظنه بي عودي
6 ... كأن حمول الحي، إذ تلع الضحى
بناصفة الشجناء، عصبة مذودِ
"الحمول" الإبل بما عليها. و"تلعٌ": ارتفع. و"الناصفة" كالرحبة، تكون في الوادي. ويروى: "السحناء".

7 ...
(1/407)

أو الأثأب العم، المحزم سوقه
بكابة، لم يخبط، ولم يتعضدِ
"الأثأب": شجر يشبه الأثل. و"العم": الطوال. ويقال: نخلة عميمة ونخيل عم. و"المحزم" يعني: الغلاظ. يقال بعيرٌ أحزم: غليظ المحزم. وقوله "لم يخبط" الخبط: أن يضرب الشجر، ليتحات الورق. "لم يتعضد": لم يقطع. يقال: سيف معضد: [سيف قصير يمتهن] في قطع الشجر. والعضد: ما قطع [من] الشجر. وكذلك الخبط: ما سقط من الورق. والعضد: ما قطع [من] الشجر. وكذلك الخبط: ما سقط من الورق.

8 ... أعاذل، إن الرزء في مثل خالدٍ
ولا رزء فيما أهلك المرء، عن يدِ
9 ... وقلت لعارضٍ، وأصحاب عارضٍ
ورهط بني السوداء، والقوم شهدي
10 ... علانيةً: ظنوا، بألفي مدججٍ
سراتهم في الفارسي، المسردِ
(1/408)

قال أبو عبيدة: صير "الظن" يقيناً. وقال غير أبي عبيدة: معناه: ما ظنكم بألفي مدجج، أترونهم يدعونكم؟ و"الفارسي": نسبة على العجم. و"المسرد": المعمول، الذي قد أصلح. ويروى: "بألفي مقاتلٍ".

11 ... فما فتئوا حتى رأوها مغيرةً
كرجل الدبى، في كل ربعٍ، وفدفدِ
12 ... وقلت لهم: إن الأحاليف هذه
مطنبةٌ، بين الستار، وثهمدِ
13 ... ولما رأيت الخيل قبلاً، كأنها
جراد، تبارى وجهة الريح، مغتدي
14 ... أمرتهم أمري، بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد، إلا ضحى الغدِ
"القبل": جمع أقبل. وهو الذي تميل حدقته إلى ماقه. وذلك أنه يعترض، من النشاط، فيميل نظره إلى جانب.

15 ... فلما عصوني كنت منهم، وقد أرى
غواتهم، وأنني غير مهتدي
(1/409)

16 ... وما أنا إلا من غزية، إن غوت
غويت، وإن ترشد غزية أرشد
17 ... دعاني أخي، والخيل بيني وبينه
فلما دعاني لم يجدني بقعدد
18 ... أخي، أرضعتني أمه، بلبانها
بثدي صفاء، بيننا، لم يجددِ
"لم يجدد": لم يقطع. يقال: جد ثدي أمه، إذا دعي عليه بالقطع. ويقال: هو أخوه بلبان أمه.

19 ... فجئت إليه والرماح تنوشه
كوقع الصياصي في النسيج، الممددِ
"تنوشه": تناوله. و"الصياصي": القرون. الواحد: صيصية. والصياصي في غير ذا: الحصون.

20 ... فكنت كذات البو، رعت، فأقبلت
إلى خذمٍ، من جلد سقبٍ، مجلدِ
ويروى: "إلى قطع". و"البو": أن يسلخ الحوار، ثم يحشى
(1/410)

جلده، فيعطف عليه. "مجلد" سلخ جلده، فجعل على آخر، وهو الجلد. و"الخذم": القطع فيقول: أنا أنحنن عليه تحنن هذه الناقة.

21 ... فطاعنت عنه الخيل، حتى تنهنهت
وحتى علاني حالك اللون، أسود
22 ... طعان امرئٍ، آسى أخاه بنفسه
ويعلم أن المرء غير مخلد
23 ... تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارساً
فقلت: أعبد الله ذلكم الردي؟
24 ... فإن يك عبد الله خلى مكانه
فلم يك وقافاً، ولا طائش اليد
(1/411)

25 ... ولا برماً، إذا الرياح تناوحت
برطب العضاه، والصريع، المعضدِ
"البرم": الذي لا يدخل، مع القوم، في الميسر. وجمعه أبرام. وقوله "تناوحت" أراد: تقابلت. و"العضاه": كل شجر يعظم له شوكٌ. و"الصريع": ما صرعته الريح، أي: ألقته. و"المعضد": المقطع. والمعضد: شيفٌ قصير يقطع به الشجر.

26 ... وتخرج منه صرة القوم جرأةً
وطول السرى ذري عضبٍ، مهندِ
"ذريه": وشيه وفرنده، كأنه أثر ذرٍ.
27 ... كميش الإزار، خارجٌ نصف ساقه
صبورٌ على العزاء، طلاع أنجدِ
أي: هو مشمر في الأمر. و"العزاء": الشدة. من قولك: عزه يعزه. والعزاز: الأرض [الصلبة] . وشاة عزوزٌ: ضيقة الإحليل، لا يكاد
(1/412)

يخرج لبنها إلا في شدة. ويقال للذي لا يزال يعلو على الأمر: إنه "لطلاع أنجد". و"النجد": ما ارتفع من الأرض. وجماعه أنجد ونجاد.

28 ... قليلاً تشكيه المهم، وحافظٌ،
مع اليوم، أعقاب الأحاديث، في غدِ
يقول: يحفظ ما يتحدث به عنه في غد، فلا يتكلم بحديث قبيحٍ، فيتحدث عنه به.

29 ... إذا هبط الأرض، الفضاء، تزينت
لرويته، كالمأتم، المتبددِ
30 ... رئيس حروب، لا يزال ربيئةً
مشيحاً، على محقوقف الصلب، ملبدِ
أي: طليعةٌ تكفيهم ذاك. و"المشيح" في لغة تميم: المحاذر. وفي
(1/413)

لغة هذيل: الجاد. و"المحقوقف": المحدودب. و"الملبد": الذي يضرب، بذنبه، بوله وبعره، على فخذه، حتى يتلبد، يصير عليه لبدة.

31 ... وغارة بين اليوم والأمس، فلتةٍ
تداركتها، ركضاً، بسيدٍ عمردِ
"السيد": الذئب. شبه فرسه في سرعته به. "فلتة" أي: يفتلتها افتلاتاً قبل الليل، يبادر الشهر الحرام. و"العمرد": الطويل. وقال غير الأصمعي: العمرد: السريع.

32 ... سليم الشظى، عبل الشوى، شنج النسا
طويل القرا، نهدٍ، أسيل المقلدِ
"طويل القرا" عيبٌ. والقرا: الظهر. ولكنه أرادأ طويل. و"الشظى": عظم يكون في باطن الرسغ، لاصقٌ بالذراع، إذا تحرك قيل: عرق [يمتد من] باطن الفخذ إلى الحافر. فإذا قصر كان أصلب للدابة. وقوله "أسيل المقلد" أي: سهل العنق. والمقلد: موضع القلادة.
(1/414)

33 ... يفوت، طويل القوم، عقد عذاره
منيفٌ، كجذع النخلة، المتجردِ
"يفوته" من إشراف عنقه. و"المنيف" المشرف.

34 ... فكنت كأني واثقٌ، بمصدرٍ
يمشي، بأكناف الجبيب، فمحتدِ
"مصدر": أسد شديد الصدر. و"الجبيب ومحتد": موضعان.

35 ... له كل من يلقى، من الناس، واحداً
وغن يلق مثنى القوم يفرح، ويزددِ
36 ... وهون وجدي أنني لم أقل له:
كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي
يقول: لم أكذبه بشيء. ومعناه: أنا لم نفترق عن قلى، ولم أبخل عليه بشيء. فذلك ما هون وجدي.
(1/415)

37 ... فإن تعقب الأيام، والدهر، تعلموا
بني قاربٍ، أنا غضابى بمعبدِ
"تعقب الأيام: تكون لنا عقبى، أي: دائرة تدور عليهم. و"معبد" هو عبد الله أخوه. وروى الأصمعي: "فإن [تنسنا] الأيام" أي: تؤخرنا. قال: وأصله الهمز.
(1/416)

66 وقال عمرو بن سمي المنقري

1 ... أجدك، لا تلم، ولا تزور
وقد زالت، برهنكم، الخدورُ؟
قال: نصب "أجدك" على المصدر. وقوله "لا تلم" من الإلمام. يقال: ألم فلان بفلان، إذا أتاه وزاره. وقوله "برهنكم" أراد: بقلوبكم. وروى الأصمعي هذه القصيدة لعمرو بن الأهتم، وقال: أجدك يريد: أبجدٍ منك؟ ويروى عن أبي عمرو أنه قال: يريد مالك لا تأتي ولا تلم؟ وروى الأصمعي: "برهنكم" أي: ارتهن قلبه، فذهبن به. و"الخدور": ما جللت به الهوادج.

2 ... كأن على الجمال نعاج قوٍّ
كوانس، حاسراً عنها السدورُ
ويروى: "كأن على الحمول". و"النعاج" بقر الوحش. شبه
(1/417)

النساء بهن. والحمول هي الإبل. قال الأصمعي: إذا ذكر الشاعر البقر، وشبه بهن، فإنما يريد حسن الأعين. وإذا ذكر الظباء فإنما يريد حسن الأعناق ... وقوله "كوانس": دخلن في كنسها. والكناس: مدخل الظبي والبقرة، ولا يكون إلا في أصل شجرة. و"السدور": جمع سدرة من الشجر. "حاسر": ذاهب متقلص.

3 ... وأبكارٍ، أوانس، ألحقتني
بهن جلالةٌ، أجد، عسيرُ
"أوانس": ذوات أنس، من غير ريبةٍ. "جلالة": ضخمةٌ. يقال: جمل جلال، وناقةٌ جلالةٌ. و"أجد": موثقة الخلق. ومنه: بناء مؤجد. قال أبو عمرو: والأجد: التي عظم فقارها واحد. وقال: رأيت ثلاث فقاراتٍ عظمهن واحد. وإنما يكون ذلك في المهرية. "عسير": اعتسرت من الإبل، فركبت. ويقال: تعسر بذنبها، ترفعه نشاطاً.

4 ... فلما أن تسايرنا، قليلاً،
أذن، إلى الحديث، فهن صور
"أذن": استمعن. يقال: أذن للشيء يأذن أذناً، إذا استمع
(1/418)

إليه. ورجل أذن إذا كان يسمع من كل أحدٍ. ويقال: أذن له، من الإذن، يأذن إذناً. وأذن يؤذن إذا منع. "صور": مواثل. [يقال] : أنا إليك أصور، أي: أميل. ويقال: صاره يصوره ويصيره، إذا أماله إليه، وعطفه.

5 ... لقد أوصيت ربعي بن عمرو:
إذا حزبت، عشيرتك، الأمورُ
6 ... بأن لا تفسدوا ما قد سعينا
وحفظ السورة العليا كبير
"ربعيط هو ابنه. و"السورة": الرفعة والمنزلة. يقال: له سورة في المجد. ومنه سمي سور المدينة، وسورةٌ من القرآن الكريم. وسورة الغضب بالفتح.

7 ... وجاري، لا تهيننه، وضيفي
إذا أمسى وراء البيت كور
"الكور": [كور] الرحل. والجمع أكوار وكيران. والضيف إذا أتى القوم نزل بأدبار البيوت، ليعرف مكانه [فينزل] .

8 ...
(1/419)

يؤوب إليك، أشعث، جرفته
عوانٌ، لا ينهنهها الفتور
يقال: آب يؤوب، إذا أتاه مع الليل. وكذلك تأوبه. و"جرفته": ذهبت بماله. و"العوان": الحرب التي ليست بأول، قد قوتل فيها مرة بعد مرة. والعوان من النساء: النصف. وجمعها عونٌ. وقد عونت تعويناً. وإنما [يعني] : مصيبة، نزلت به مرة بعد مرة [و"لا ينهنهها"] : لا يردها ويكفها. و"الفتور": الضعف. أي: لا فتور فيها. يعني: المصيبة.

9 ... أصبه بالكرامة، واحتفظه
عليك، فإن منطقه يسير
ويروى: "واحفظنه". أي: منطقه يسير على الناس، بالذم والمدح.
(1/420)

10 ... وإن من الصديق، عليك، ضغناً
بدا لي، إنني رجل، بصير
"بدا لي": ظهر لي هذا الضغن.

11 ... بأدواء الرجال، إذا التقينا،
وما تخفي، من الحسك، الصدور
"الحسك" الضغائن. يقال: في صدره علي حسيكةٌ، وحسيفةٌ، وكتيفةٌ، وضبٌّ، وضغنٌ، ومئرةٌ، ودمنةٌ، وحقدٌ، وإحنةٌ. كله واحد.

12 ... فإن جهدوا عليك فلا تهنهم
وجاهدهم، إذا حمي القتير
"القتير": رؤوس مسامير الدرع. والمسامير هي الحرابي. يقول: يحمى من الشمس.

13 ... وإن رفعوا الأعنة فارفعنها
إلى العليا، وأنت بها جدير
يقول: إن سابقوك إلى الحمد فاسبق إلى المنزلة العليا، وأنت بها خليقٌ.
(1/421)

14 ... وإن قصدوا، لمر الحق، فاقصد
وإن جاروا فجُرْ، حتى يصيروا
قال: معنى قوله "يصيروا": يرجعوا إلى ما تريد.

15 ... وقومٍ، ينظرون إليك، شزراً
عيونهم، من البغضاء، عورُ
"شزراً": ينظرون في جانب.

16 ... قصدت لهم، بمخزيةٍ، إذا ما
أصاخ القوم، واستمع النفير
"أصاخوا": استمعوا. و"استمع النفير" أي: نفرت عليهم، أي: غلبت.

17 ... وكائن، من مصيفٍ، لا تراني
أعرس فيه، تسفعني الحرور
"التعريس" أكثر ما يكون: نزول من آخر الليل. وقد يكون من أوله. "تسفعني": تغير لوني، وتحرقني قال أبو عبيدة: "الحرور" بالليل، وقد تكون بالنهار، وهي الريح الحارة. والسموم بالنهار، وقد تكون بالليل.
(1/422)

18 ... على اقتاد ذعلبةٍ، إذا ما
أكلت ديثت أخرى، عسير
"القتاد" والقتود: عيدان الرحل. و"الذعلبة": الخفيفة. "ديثت": لين منها. "عسير": اعتسرت من الإبل، فركبت.

19 ... ولو أني أشاء كننت نفسي
وغاداني شواءٌ، أو قدير
أكننت: سترت. و"كننت": [صنت] . و"القدير": الطبيخ. يقال: اشتوى القوم واقتدروا.

20 ... ولاعبني، على الأنماط، لعسٌ
عليهن المجاسد، والحرير
"لعسٌ": جمع لعساء. وهي التي تضرب شفتها إلى السواد. و"المجاسد": جمع مجسدٍ، وهو الثوب الذي أشبع من الصبغ. والجساد: الزعفران. ويقال للثوب الذي يلي الجسد من الثياب: مجسد. قال: والجسد: الدم اللاصق.

21 ... ولكني إلى تركات قومٍ
هم الرؤساء، والنبل، البحورُ
(1/423)

يقول: ماتوا، فصرت أنا أقوم بما خلفوا.

22 ... سمي، والأشد، فشرفاني
وعلى الأهتم، الموفي، المجير
أي: بنى لي شرفاً، بعد شرفٍ، سمي والأشد. "عل": من العلل. وهو الشرب الثاني. والنهل: الشرب الأول. فضربه مثلاً. يقول: شرفني أولئك، ثم ثناه الأهتم أيضاً.

23 ... تميماً، يوم همت أن تفانى
ودانى، بين جمعهم، المسير
زعم أن أباه أجار بني تميم يوم أرادت بنو سعد والرباب قتال بني حنظلة وعمرو بن تميم، [فاجتمعوا لذلك. وكانت بنو حنظلة، وعمرو ابن تميم] بالنسار، وبنو سعد والرباب بضربة.

24 ... بوادٍ، من ضرية، كان فيه
لهم يومٌ، كواكبه تسير
يعني: يوماً شديداً، أظلم نهاره، حتى بدت كواكبه. وقوله "كواكبه تسير" في موضع بين القرنتين ومكة.

25 ... فأصلح بينهم، في الحرب، لما
ألم بهم، أخو ثقةٍ، جسورُ
(1/424)

67 وقال المسيب بن علس
واسمه زهير بن علس بن عمرو بن مالك بن قمامة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن جشم بن بلال بن جماعة بن جلي بن أحمس:
1 ... أبلغ ضبيعة أن البلاد
دِ فيها، لذي مهربٍ، مهربُِ
"ضبيعة" ابن ربيعة بن نزار. ويروى: "فيها لذي قوة مذهب". ويروى: "فيها لذي حسبٍ". أي: أنتم تظلمون فيها، فما يقعدكم؟
2 ... فقد يجلس القوم، في أصلهم،
إذا لم يضاموا، وإن أجدبوا
يقول: قد يصير القوم على الجدب، انتظاراً منهم للخصب، ويقيمون
(1/425)

في أصلهم، ما لم يضاموا ويظلموا. وأنتهم في شرهٍ.

3 ... فإن الذي، كنتم تحذرو
ن، جاءت عيون به، تضربُ
يقول: جاءتنا عيون به. و"العيون": من الربايا، قوم بعثوا يتجسسون. وقوله "تضرب" يقال: جاء فلان يضرب، أي: يسرع في سيره.

4 ... فلا تجلسوا، غرضاً للمنو
ن، حذفاً، كما تحذف الأرنب
أي: كما تحذف الأرنب بالعصا، فتكسر رجلها. ومثلٌ من الأمثال "وقع بين حاذفٍ وقاذفٍ". فالحاذف: بالعصا. والقاذف: بالحجر.

5 ... وسيروا، على مثل أولاكم
[ولا] تنظروا مثلها، واذهبوا
أي: أولاكم كانوا لا يؤذون بالضيم. فلا تنظروا هذه أن تقع بكم. أي: فارحلوا عن دار المذلة والهون إلى غيرها.
(1/426)

6 ... فإن مواليكم أصفقوا
[فكلهم] جنبه أجربُ
"أصفقوا": اجتمعوا على ما تكرهون. يقال: أصفقوا على ذلك الأمر، إذا اجتمعوا عليه. وقوله "جنبه أجرب" أي: به عوار في أمركم، ليس بصحيح أمره لكم.

7 ... فإنهم قد دعوا، دعوةً،
سيتبعها ذنبٌ، أهلب
"أهلب": كثير الشعر. يقول: يتبعها قومٌ، كثير عددهم.

8 ... ستحمل قوماً على آلة
تظل الرماح، بها، تلعب
"آلة": حالة. أي: لا يكون بعد هذه القطيعة لكم وصلة. ويروى: "تظل الرماح بها تعلب" أي: تخرق. وإنما يتهددهم.
(1/427)

9 ... ولولا علالة أرماحنا
لظلت نساؤهم تجنب
يروى: "تجلب". [و"العلالة"] : الطعن بعد الطعن. والعلالة من الجري: جري بعد جري. يقول: لولا قتالنا عنهم، قتالاً بعد قتال. وهو مأخوذ من العلل، وهو: الشرب الثاني. والنهل: الشرب الأول. قال الشاعر:
فشربنا، غير شربٍ واغلٍ ... و [عللنا] عللاً، بعد نهل
"تجنب": تسبى. [يقول] لهؤلاء الذين يتهددهم:
10 ... فإن لم تكن لكم منةٌ
يبلغها، البلد، الأركبُ
ويروى: "فإن لم تكن لكم دعوة". و"المنة": القوة. يقال: ذهبت منه فلان، أي: قوته وشدته.

11 ... فذيخوا، عبيداً لأربابكم
فإن ساءكم ذلكم فاغضبوا
"
(1/428)

ذيخوا": ذلوا. ويروى: "فدوخوا". ويقال: قد دوخه، إذا غلبه أسوأ الغلبة. وإنما هذا تحريضٌ منه على هؤلاء. أي: إنكم قد دعوتموهم بمنزلة الملوك عليكم.

12 ... وهل يجلس القوم، لا ينكرون
وكلهم أنفه يضرب؟
13 ...
(1/429)

وسيروا، فإن لكم بالرضى
عرانين شيبان، أن تقربوا
(1/430)

يقول: لكم، بأن [ترضوا] فلا تقربوا، عرانين شيبان.

14 ... فلا ههناك، ولا ههنا
لكم عنهم موئلٌ، فانصبوا
"انصبوا" أي: اقصدوا لهم. يقال: جعلهم نصب عينه، أي: قصد عينه.

15 ... لفرع نزارٍ، وهم أصلها
نما بهم العز، فاغلولبوا
"نما بهم" أي: ارتفع بهم. "اغلولبوا" من الغلب. وهو غلظ العنق. أي: اشتدوا في ذلك. ويقال: اغلولب النبت، إذا كثر.
(1/431)

68 وقال سويد بن كراع العكلي

1 ... سقاني سبيعٌ شربةً، فرويتها
تذكرت منها: أين أم البواردِ؟
2 ... أشت، بقلبي، من هواه بساجرٍ
ومن هو كوفي، هوى، متباعدُ
3 ... فقلت لأصحابي، المزجين نيبهم:
كلا جانبي بابٌ، لمن راح، قاصدُ
(1/432)

4 ... كلا ذينك، الحيين، أصبح داره
نآني، إلا أن تخب القصائد
يقول: إلا أن [ينقل الركبان شعري] ، وقولي بما قلت.

5 ... وأشعث، قد شف الهواجر وجهه
وعيساء، تسدو مرةً، وتواغدُ
يقول: وأشعث أيضاً تخب به "عيساء" وهي ناقة بيضاء، "تسدو": ترتمي بيديها، في سيرها.

6 ... كأخنس، موشي الأكارع، راعه
بروضة معروفٍ، ليالٍ، صواردُ
"الأخنس": الثور. وخنسه: تأخر أنفه في وجهه. "موشي القوائم" يعني سواداً في بياضه. وقوله "صوارد" يعني: بوارد. والصرد: البرد.

7 ... رعى غير مذعورٍ، بهن، وراقه
لعاعٌ، تهاداه الدكادك، واعد
"راقه": اعجبه، يعني الثور, "بهن" يعني: الليالي.
(1/433)

و"اللعاع": نبت رقيق، ثم يغلظ. و"تهاداه الدكادك" يعني النبت، كأنه يجري من الدكداك إلى الآخر، وليس يجري. و"الدكداك": رمل ليس بالمشرف، فيه وعوثة. "واعد": يعد خيراً يعني اللعاع.

8 ... فلم ير إلا سبعةً، قد رهقنه
حواني، في أعناقهن القلائد
يعني: سبعة أكلبٍ. "رهقنه": غشينه. "حواني" أي: خواضع، يخضعن رؤسهن، حين يعتمدن، في الجري والعدو.

9 ... لهن عليه الموت، والموت دونه
على حد روقيه، مذاب، وجامدُ
"لهن عليه الموت" يعني: الكلاب. "عليه" يعني الثور. و"الموت دونه" أي: دون أن ينال الثور. و"روقاه": قرناه. وقوله "مذاب وجامد" أي: حار وبارد. وهذا مثلٌ.

10 ... ولو شاء أنجاه، فلم تلتبس به،
له غائبٌ، لم يبتذله، وشاهدُ
قوله "له غائب" يعني: من عدوه. "لم يبتذله" أي: لم يخرج ما عنده كله. و"شاهده": ما أخرجه من عدوه. وعنده أكثر منه.
(1/434)

11 ... ولكن ردى، ثم ارعوى، حلساً بها
يمارسها حيناً، وحيناً يطارد
"ردى": عدا في وثبٍ. "ارعوى" رجع. "حلس": لا يكاد يبرح.

12 ... فلا غرو إلا هن، وهو كأنه
شهابٌ، يفريهن بالجو، واقد
"لا غرو": لا عجب. "إلا هن" يعني: الكلاب. "كالشهاب" يريد: بياض الثور, وهو التلهب. "يفريهن": يشققهن.

13 ... إذا كر، فيها، كرةً فكأنها
دفين نقالٍ، يختفيهن ساردُ
"نقال" نغال يدفهن "السارد" - وهو الخارز - لتلين. "يختفيهن": يظهرهن من تحت التراب. والمختفي: الذي يظهر الشيء. ومنه قيل للنباش: مختفٍ، لأنه يظهر ثياب الموتى.
(1/435)

69 وقال خداش بن زهير

1 ... يا راكباً، إما عرضت فبلغن
عقيلاً، وأبلغ، إن عرضت، أبا بكرِ
(1/436)

2 ... فيا أخوينا، من أبينا، وأمنا
إليكم، إليكم، لا سبيل إلى جسرِ
3 ... دعوا جانبي، إني سأترك جانباً
لكم، واسعاً، بين اليمامة والقهرِ
4 ... أغركم، من قومكم، عدد الحصا
وأن الفضول في رؤاس، وفي وبرِ؟
5 ...
(1/437)

أبي فارس الضحياء، عمرو بن عامرٍ
أبى الذم، واختار الوفاء، على الغدرِ
6 ... أكلف قتلى العيص، عيص شواحطٍ
وذلك أمر، لا تثقى له قدري
7 ... أأعقل قتلى معشرٍ، لست منهم
ولا أنا مولاهم، ولا نصرهم نصري
8 ... كذبتم، وبيت الله، حتى تعالجوا
قوادم حربٍ، لا تدر ولا تمري
(1/438)

9 ... وتركب خيلٌ، لا هوادة بينها
وتشقى الرماح، بالضباطرة، الحمرِ
(1/439)

70 وقال عمرو بن قميئة
ابن سعد بن مالك:
1 ... أرى جارتي خفت، وخف نصيحها
وحب بها، لولا النوى، وطموحها!
"النصيح": جارها الذي ينصح لها. وقوله "وحب بها" أي: ما أحبها إلي! وأنشد للحارث بن وعلة:
ولحب بالآيات، والرسم!
2 ... فبيني على نجمٍ، سجيسٍ نحوسه
وأشأم طير الزاجرين سنيحها
(1/440)

يقال: لا آتيك "سجيس" الدهر، أي: مستمره.

3 ... فإن تشغبي فالشغب، مني، سجيةٌ
إذا شيمتي لم يؤت، منها، سجيحها
يقول: أنا [أشغب] على من يشغب علي. ومثله:
فإن تقصدي فالقصد، مني، سجيةٌ ... وإن تجمحي تلقي لجام الجوامح
و"السجيح": الطريقة، من الخير، والشر.

4 ... أقارض أقواماً، فأوفي بقرضهم
وعف، إذا أردى، النفوس، شحيحها
5 ... على أن قومي أشقذوني، فأصبحت
دياري بأرضٍ، غير دانٍ، نبوحها
"أشقذوني": طردوني، وباعدوني. و"النبوح": ضجة الناس، وصياحهم.

6 ... تنفذ منهم نافذاتٌ، فسؤنني
وأضمر أضغاناًن علي، كشوحها
(1/441)

أي: مرت بي أشياء منهم ظهرت، وأضمروا أشياء.

7 ... فقلت: فراق الدار أجمل، بيننا
وقد ينتئي، عن دار سوءٍ، نزيحها
"النزيح": المتباعد. يقول: من تباعد عنها لم يصبه منها شيءٌ، يؤذيه.

8 ... على أنني قد أنتمي، لأبيهم
إذا عمت الدعوى، وثاب صريحها
9 ... وأني أرى ديني يوافق دينهم
إذا نسكوا، أفراعها وذبيحها
"الفرع" ضرب من الشاء، يذبح، ويؤخذ جلده، فيجعل على شيء آخر. و"الذبيح": نسكٌ.

10 ... بودك ما قومي، على أن تركتهم،
سليمى، إذا هبت شمالٌ، وريحها
(1/442)

يقول: بودك مجاورة قومي، إذا كان الزمان هكذا، أي: في هذه الحال.

11 ... إذا النجم أمسى، مغرب الشمس، رابئاً
ولم يك برق في السماء، يلحيها
"يلحيها" أي: يدعها تلوح. ومعنى لاح: ظهر.

12 ... وغاب شعاع الشمس، في غير جلبةٍ
ولا غمرةٍ، إلا وشيكا مصوحها
"في غير جلبة" أي: يغيب في هقب غيمٍ. وقوله "غمرة" يريد: شدة "مصوحها": ذهابها.

13 ... وهاج غمام، مقشعر، كأنه
نقيلة نعلٍ، بان منها سريحها
"النقيلة": نعل قد تقطع خصافها، وذهبت. و"السريح": السيور. شبه السحاب بذلك، لأنها يابسة، لا ماء فيها.
(1/443)

14 ... إذا عدم المحلوب عادت عليهم
قدور كبير، في القصاع، قديحها
"عدم المحلوب": لم يوجد. و"القديح": المغروف.

15 ... يثوب عليهم كل ضيفٍ، وجانبٍ
كما رد، دهداه القلاصِ، نضيحها
"الجانب": الغريب. [ومثله الجُنُبُ] . و"دهداه القلاص": صغارها. و"النضيح": الحوض. أي: هم يصيرون إلى ذلك، كما تصير هذه الإبل إلى الحوض.

16 ... بآيهم مقرومةٌ، ومغالقٌ
يعود، بأرزاق العيال، منيحها
"بآيهم": بعلاماتهم. و"المغالق": السهام. واحدها مغلقٌ. و"المقرومة" منها: المعلمة، لأن تعرف. و"المنيح": سهم يستعار، يدخل في القداح. يقول: يخرج كثيراً، فيخرج معه سهماً.
(1/444)

17 ... وملمومةٍ، لا يخرق الطرف عرضها
لها كوكبٌ ضخمٌ، شديد وضوحها
"ملمومة": كتيبة مجتمعةٌ، لا ينفذها الطرف، من كثرتها. و"الكوكب": معظم الشيء.

18 ... تسير، وتزجي السم، تحت نحورها،
كريهٌ، إلى من فاجأته، صبوحها
يريد: تقدم السم بين أيديها.

19 ... على مقذحراتٍ، وهن عوابسٌ
صبائر موتٍ، لا يراح مريحها
"المقذحر": الذي تهيأ للشد. "صبائر موت": حبائس موتٍ. "لا يراح مريحها" يقول: لا يعاد عليها، فهو [يتعب] أبداً.

20 ... تبذنا، إليهم، دعوةً: يا لمالكٍ
لها إربةٌ، إن لم تجد من يريحها
"نبذنا إليهم": ألقينا إليهم. "لها إربةٌ": لها حاجةٌ. "من يريحها":
(1/445)

يردها بفداء، وبما ترد به يقول: لما رأيناهم دعونا "يا لمالك" يعني قومه. إذا فتحت هذه اللام. من قولهم: يا لفلان، أي: اعجبوا لفلانٍ.

21 ... فسرنا إليهم، سورةً، أوهنتهم
وأسيافنا يجري، عليها، نضوحها
"فسرنا إليهم" أي: ارتفعنا إليهم، وسمونا بالسيوف، قال الراجز:
فرب ذي سرادقٍ محصور ... سرت إليه، في أعالي السورِ
أي: ارتفعت إليه، فقهرته. والنضح وجمعه "نضوحٌ": ما تطاير على صفائح السيوف، من الدم، والنضخ، بالخاء: أكثر من النضح. "أوهنتهم": أضعفتهم.

22 ... وأرماحنا ينهزنهم، نهز جمةٍ
يعود عليهم وردنا، ونميحها
"الأرماح": جمع رمحٍ. يقال: [رمحٌ] ، وأرماح للجمع القليل، فإذا كثرت قيل: رماحٌ قوله "يعود عليهم" أي: [نعود] بطعنٍ عليهم، مرة بعد مرة. وقوله "ونميحها" أي: نميح "الجمة"
(1/446)

نستخرج ماءها. و"نهزها" أي: ينزعن ماءها.

23 ... فدارت رحانا، ساعةً، ورحاهم
ودرت طباقاً، بعد بكءٍ، لقوحها
"فدارت رحانا" أي: جماعتنا. وإنما يصف اعتراكهم في الحرب. شبهه بدوران الرحى. و"البكء": قلة الدر، و"اللقوح": الناقة وإنما ضربه مثلاً.
24 ... فما أتلفت أيديهم، من نفوسنا
وإن كرمت، فإننا لا ننوحها
يقول: من قتلوا، منا، فإنا لا ننوح عليه، لأنا صبرٌ على المصائب، لا نبكي على هالكٍ.

25 ... فقلنا: هي النهبى، وحل حرامها
وكانت حمًى، ما قبلنا، فنبيحها
"النهبى" فعلى: من النهب. وقوله "وحل حرامها" يقول: ما كان يمنع خل لنا، فأبحناه، وقد كانت [حراماً] . و"ما" ههنا صلة، معناها [التوكيد] .

26 ...
(1/447)

فأبنا، وآبوا، كلنا [بمضيضةٍ]
مهملةً أجراحنا، وجروحها
"بمضيضةٍ": [حرقةٍ، تمضنا] . وتمضهم, "مهملة" أي: أهملن.

27 ... وكنا، إذا أحلام قومٍ تغيبت
نشح، على أحلامنا، فنريحها
[أي] : نريها، كما يريح الراعي الغنم. أي: لا تغيب عنا وأنشد:
والأحلام غير عوازبِ
(1/448)

71 وقال مالك بن نويرة

1 ... جزتني الجوازي نعمتي، من متممٍ
ومن مسبلٍ، إذ كافراني، عن الشكرِ
2 ... لأطلقت أغلال المقيد، منهما
وأخطرته نفسي، ولم يمتلئ صدري
3 ... دأبت إليه السير، حتى أتيته
بفيض الفرات، عند منطقع الجسرِ
4 ... تركتم لقاحي ولهاً، وانطلقتم
بأولافها، من غير حاجٍ، ولا فقر
(1/449)

5 ... كأن هضيماً، من سرارٍ، معيناً
تعاوره أجوافها، مطلع الفجرِ
"الهضيم": قصب المزمر. وقوله "من سرار" أي: باتت في سرار من الأرض. و"معيناً" بالثقب، جعل فيه عيوناً. "تعاوره أجوافها" يقول: كأن في أجوافها ذلك القصب، من حنينها، حين فارقت ألافها.
(1/450)

72 وقال متمم بن نويرة

1 ... قالت فتاة بني زيدٍ، وقد نكرت:
هل بالأسير، بني شرفاء، من سقم؟
2 ... فيئي إليك، فإني عنك في شغلٍ
وما هزالتها من موجعٍ، سدمِ
3 ... يرعي النجوم، وفي جليه جامعةٌ
وجنبتا شارف، لم تنقضا، عممِ
"جنبتا شارف": قطعتان من جنب ناقة. "شارف": مسنة. "عمم": تامة الخلق. فهو أصلب لها، ولجلدها. "لم تنقضا" عنه: لم تحلا عنه.
(1/451)

73 وقال مالك بن نويرة

1 ... إلا أكن لاقيت يوم مخطط
فقد خبر الركبان ما أتوددُ
2 ... أتاني، بنقر الخبر، يوم لقيته
رزينٌ، وركبٌ حوله، متعضدُ
النواقر: السهام الصوائب. "نقر" بالخبر: جاء بعينه.

3 ... يهلون عماراً، إذا ما تغوروا
ولاقوا قريشاً، خبروها، فأنجدوا
4 ... بأبناء حيٍّ، من قبائل مالكٍ
وعمرو بن يربوعٍ، أقاموا، فأخلدوا
(1/452)

5 ... وردوا عليهم سرحهم، حول دارهم
ضناكاً، ولم يستأنف المتوحدُ
6 ... حلولٌ، بفردوس الإياد، وأقبلت
سراة بني البرشاء، لما تأيدوا
7 ... بألفين، أو زادوا الخميس عليهم
لينتزعوا عرقاتنا، ثم يرغدوا
"العرقات": الأصل.

8 ... ثلاث ليالٍ، من سنامٍ، كأنها
بريد، ولم يثووا، ولم يتزودوا
9 ... وكان لهم في أهلهم، ونسائهم
مبيتٌ، ولم يدروا بما يحدث الغدُ
10 ... فلما رأوا أدنى السوام معزباً
نهاهم، فلم يلووا على النهي، أسود
(1/453)

11 ... وقال الرئيس الحوفزان: تلببوا،
بني الحصن، إن شارفتم، ثم جددوا
12 ... فما فتئوا، حتى رأونا كأننا،
مع الصبح، آذي من البحر، مزبد
13 ... بملمومةٍ، شهباء، يبرق خالها
ترى الشمس فيها، حين ذرت، توقد
14 ... فما برحوا، حتى علتهم كتائبٌ
إذا لقيت أقرانها لا تعرد
15 ... ضممنا عليهم طائفيهم، بصائبٍ
من الطعن، حتى استأسروا، وتبددوا
"طائفيهم": جانبيهم.

16 ... بسمرٍ، كأشطان الجرور، نواهلٍ
يجور بها زو المنايا، ويقصدُ
"
(1/454)

زو المنايا": ما انزوى من المنايا، أي: مال إليهم. و"المنايا": جمع منية.

17 ... ترى كل صدقٍ، زاعبي سنانه
إذا بله الأنداء لا يتأودُ
18 ... يقعن معاً، فيهم، بأيدي كماتنا
كأن المنون، للأسنة، موعدُ
19 ... تدر العروق، الآنيات، ظباتها
وقد سنها طرٌّ، ووقع، ومبرد
"الآنيات": البالغات من حمرة الدم، كما قال النابغة:
من نجيع الجوف، آني
20 ... فأقررت عيني، حين ظلوا كأنهم،
ببطن الإياد، خشب أثلٍ، منضدُ
21 ... صريعٌ، عليه الطير، تنتخ عينه
وآخر مكبولٌ، يميل، مقيدُ
"
(1/455)

تنتخ": تقلع. ومنه سمي المنقاش منتاخاً.

22 ... لدن غدوةً، حتى أتى الليل دونهم
ولا تنتهي، عن ملئها منهم، يدُ
23 ... فأصبح منهم، غب يوم لقائهم
بقيقاءة البردين، فلٌّ، مطرد
24 ... إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهم
وقائع للأبوال، والماء أبرد
25 ... كأنهم، إذ يعصرون فظوظها،
بدجلة، أو فيض الخريبة، مورد
يقول: كأنهم، بما ظفروا من هذا، ورادٌ بدجلة. أي: وقع ماء هذا الفظ موقع ماء دجلة.

26 ... وقد كان لابن الحوفزان، لو انتهى
سويدٌ وبسطامٌ، عن الشر، مقعدُ
(1/456)

74 وقال عمرو بن قميئة

1 ... لعمرك، ما نفسي بجد رشيدةٍ
تؤامرني سراً، لأصرم مرثدا
ويروى: "لأشتم". أي: ما هي برشيدةٍ، إذ تكلفني أن أشتم عمي. ويقال: ما هو بجد مليحٍ، أي: [هو قبيحٌ] .

2 ... وإن ظهرت، منه، قوارص جمةٌ
وأفرع، في لومي مراراً، وأصعدا
"
(1/457)

القوارص" النعيب [والتنقص] . وأنشد:
أبد القوارص، في الصديق، وغيره ... كيلا يروك من الضعاف، العزلِ
و"الجمة" الكثيرة. "أفرع" انحدر. أراد: وإن صعد في أمري، وصوب. وأفرع حرف من الأضداد. يقال: أفرع إذا انحدر، وأفرغ إذا صعد.

3 ... وما ذاك من قولٍن أكون جنيته
سوى قول باغٍ، كادني فتهجدا
4 ... لعمري، لنعم المرء، يدعى بحبله
إذا ما المنادي، في المقامة، نددا
"يدعى بحبله" أي: يدخل في جواره. و"المقامة": المجلس. و"التنديد": رفع الصوت.

5 ... عظيم رماد القدر، لا متعلسٌ
ولا مؤيسٌ، منها، إذا هو أوقدا
(1/458)

6 ... ولم يحمِ، فرج الحي، إلا ابن حرةٍ
كريم المحيا، ماجدٌ، غير أحردا
ويروى: "إلا محافظٌ*كريم المحيا". قال: و"فرج الحي": موضع الثغر، الذي يخاف منه. و"المحيا": الوجه. و"الأجرد": الجعد [اليد] ، الذي لا يعطى [شيئاً. يريد] : يده سمحةٌ، ليست بكزةٍ. [ويقال] للئيم: أحرد. وأنشد:
[وكل مخلافٍ، ومكلئز ... أحرد، أو جعد اليدين جبز]
7 ... فإن صرحت كحلٌ، وهبت عريةٌ
من الريح، لم تترك من المال مرفدا
"كحل" هي السنة الشديدة الجدبة. و"صرحت": خلصت. "مرفد" يقول: ما بقى ما يرفد به الضيف. وأنشد:
لها مرفدٌ، سبعون ألف مدججٍ ... فهل في معدٍ، مثل ذلك، مرفدا؟
و"العرية": الباردة. يقال: يوم عريٌّ، وغداة عرية. ويقال: أجد عرواء الحمى، أي: مسها وبردها. ويقال: ريح عريةٌ، إذا
(1/459)

كانت السماء نقيةً، من السحاب. وهو أشد ما يكون من البرد.

8 ... صبرت على وطء الموالي، وحكمهم
إذا ضن ذو القربى، عليهم، وأخمدا
ويروى: "أجمدا" أي: لم يعطِ شيئاً. "وطؤهم": غشيانهم. و"حكمهم" هو ركوبهم إياه. قال: إنما قال هذا وذكره، لأنه ضربه مثلاً. ومعنى "أخمد": أطفأ نازه. وأنشد لحاتم الطائي:
[إذا ما البخيل، الخب، أخمد ناره ... أقول، لمن يصلى بناري: أوقدوا]
(1/460)

75 وقال

1 ... إن أك قد أقصرت، عن طول رحلةٍ
فيا رب فتيانٍ، بعثت، كرامِ
ويروى: "عن بعض رحلةٍ". يقول: إن أك قد قصرت - وكبرت - عن السفر فرب فتيانٍ كرامٍ سرت بهم. قال: وكانوا يخرجون إلى الملوك ويخرجون لطلب الكلأ. وقال آخر:
ولقد تلوت الظاعنين، بجسرةٍ ... أجدٍ، مهاجرة السقاب، جمادِ
2 ... وقلت لهم: سيروا، فدًى خالتي لكم
أما تجدون الريح ذات سهامِ؟
"ذات سهام": ذات حرورٍ. والسهام: حر يتوهج فوق الأرض. أي: قد قطعوا.
(1/461)

3 ... فقاموا، إلى عيسٍ، قد انضم لحمها
موقفةٍ أرساغها، بخدامِ
"انضم لحمها" أي: ضمرت. و"التوقيف" أصله مأخوذٌ من الوقف. وهو الخلخال. وتسمى العقاب [موقفةً، إذا] كان في ريشها خطوط [بياضٍ. يريد السيور التي تشد بها النعال. وهي سيور تشد في الرسغ، ثم يشد بها السرائح] .

4 ... فأدلج، حتى تطلع الشمس، قاصداً
ولو خلطت ظلماءها، بقتامِ
يقول: لو خلطت ظلمة بقتامٍ لاهتديت، مع الظلمة والقتام.

5 ... فأوردتهم ماءً، على حين ورده
عليه خليطٌ، من قطاً، وحمامِ
"على حين ورده" يقول: لم أؤخر نفسي عن وقت ورده. وأنشد:
(1/462)

إذا القوم قالوا: وردهن ضحى غدٍ ... تغالين، حتى وردهن طروقُ
وقوله "عليه خليطٌ، من قطاً، وحمامِ" يقول: هو قفرٌ، ترده الطير، ليس له أهل.

6 ... وأهون كفٍّ، لا تضيرك ضيرةً،
يدٌ، بين أيدٍ، في إناء طعامِ
يقول: أهون كف عليك كف غريبٍ، أو قريبٍ، يصيب شيئاً من طعام، تقع يده بين أيديهم، ثم يذهب.

7 ... يدٌ من غريبٍ، أو قريبٍ، بقفرةٍ
أتتك بها غبراء، ذات قتام
الرواية: "يد من قريب، أو غريب بقفرةٍ". "غبراء ذات قتام" أي: غبشة، فيها ريح وغبرة. والقتام: الغبار.

8 ... كأني، وقد خلفت تسعين حجةً،
خلعت، بها عني، عذار لجامِ
"
(1/463)

الحجة": السنة. "خلعت بها عني عذار لجام" يقول: لا أجد مس ما مضى، من عمري، كأني خلعت بها لجاماً. وقال الآخر:
كأني، وقد خلفت تسعين حجةً، ... خلعت بها عن منكبي، ردائيا
9 ... رمتني بنات الدهر، من حيث لا أرى
فما بال من يرمى، وليس برامي؟
"بنات الدهر" مثلٌ. يقول: الحدثان والأمور التي يأتي بها الزمان. فكيف من يرمى، وليس برامٍ. يقول: ما حال من يرمى، وليس بنبلٍ. إنما يرمى بضعفٍ، وشيبٍ في الرأس، وفتورٍ في اليدين والرجلين.

10 ... فلو أنها نبلٌ، إذاً، لاتقيتها
ولكنني أرمى، بغير سهام
11 ... إذا ما رآني الناس قالوا: ألم تكن
جديداً، حديد البز، غير كهامِ؟
"البز": السلاح. و"الكهام": الكليل. ويقال: كل السيف يكل كلىً، وكلولاً. وكذلك البصر, وأنشد:
ألا قالت أمامة، إذ رأتني ... لشانئك الضراعة، والكلولُ
(1/464)

12 ... وأفنى، وما أفني من الدهر ليلةً
ولم يغن ما أفنيت سلك نظامِ
يقول: أفناني الدهر، ولم أفنه، والذي أفنيت من الدهر يتبين علي، ولم يتبين عليه.

13 ... وأهلكني تأميل يومٍ، وليلةٍ
وتأميل عامٍ، بعد ذاك، وعامِ
(1/465)

76 وقال الأجدع بن مالكٍ الهمداني
وكان غزا بني الحارث، فأصاب فيهم، وقتل من بني الحصين أربعة نفر. وكانت امرأته منهم، فقالت له: أين الإبل والمغنم؟ فقال:
1 ... أسألتني، بنجائبٍ، ورخالها
ونسيت قتل فوارس الأرباع؟
قوله "بنجائب" يريد: عن نجائبٍ. الباء في موضع عن. وقد قال الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... عليم بأدواء النساء طبيب
"الأرباع": بلد. ويقال: الرؤساء يأخذون ربع الغنيمة.
(1/466)

2 ... وبني الحصين، ألم يجئك نعيهم،
أهل اللواء، وسادة المرباعِ
ويروى: "ألم يرعك".

3 ... شهدوا المواسم، فانتزعنا مجدهم
منا، بأمر صريمةٍ، وزماعِ
"المواسم": مواضع [الحج] . وإنما سميت مواسم لأنهم كانوا يتبايعون فيها الإبل، فيسم كل قوم فيها إبلهم بسمةٍ.

4 ... فالحارث بن يزيد، ويحك، فاندبي
حلواً شمائله، رحيب الباعِ
5 ... فلو أنني فوديته لفديته
بأناملي، ولجنه أضلاعي
6 ... تلك الرزية، لا قلائص أسلمت
برحالها، مشدودة الأنساع
(1/467)

7 ... أبلغ، لديك، أبا عميرٍ مألكاً:
فلقد أنخت بمبركٍ، جعجاع
ويروى: "أيا عمير مرسلاً". يقول: صرت في ضيقٍ بمحاربتك [إيانا] . فلا تسرح ولا تجيء، ولا تذهب. و"الجعجاع" المحبس الضيق. وكل محبس: جعجاع.

8 ... ولقد قتلنا، من بنيك، ثلاثةً
فلتنزعن، وأنت غير مطاع
9 ... والخيل تعلم أنني حاربتها
بأجش، لا ثلبٍ، ولا مظلاعِ
"أجش": في جريه له حفيف. وفي موضع آخر: الجشة: البحح في الصوت. وذلك في صفة الخيل [من] العتق.

10 ... يصطادك الوحد، المدل بشأوه
بشريج بين الشد، والإيضاع
"
(1/468)

الوحد": الفرد من البقر خاصة. و"الشأو": الطلق. و"الشريج": الخليط، يخلط بين شده وإيضاعه أيضاً. يقال: مر يضع وضعاً. وهو فوق الخبب. وأوضعه راكبه يوضعه "إيضاعاً".

11 ... يهدي الجياد، وقد تزايل لحمه
بيدي فتى، سمح اليدين، شجاع
"يهدي الجياد" أي: يقدمها. يقال: جاءت الحمر، يهدي بها فحلها. وجاءت الخيل، يهدي بها فرس فلانٍ. والهوادي: الأوائل. وقوله "تزايل لحمه": تفرق عن رؤوس العظام.

12 ... فرضيت آلاء الكميت، فمن يبعْ
فرساً فليس جوادنا بمباعِ
"آلاؤه": خصاله الصالحة التي فيه. وقوله: "بمباع" أي: بمعرضٍ للبيع، كما تقول: أقتلته، أي: عرضته للقتل. وأطردته: صيرته يطرد. و"من يُبِعْ" و"يَبِعْ" قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: يَبع: يخرجه من يده. ويُبع: [يهيئه] للبيع.

13 ... إن الفوارس قد علمت مكانها
فانعق بشائك، نحو أهل رداعِ
(1/469)

14 ... خيلان، من قومٍ، ومن أعدائهم
خفضوا أسنتهم، فكل ناعي
هذا منقطع مما قبله. يقول: خفضوا أسنتهم للطعن. "فكل ناعي" أي: يقول: يالثارات فلانٍ. فكأنه ينعى. وقال الجعدي:
مصابين خرصان الوشيج، كأننا ... لأعدائنا نكبٌ، إذا الطعن أفقرا
مصابين: خفضوها للطعن, ويقال: صابى الرمح والسيف. ويقال: صابى السكين والسيف، إذا أدخله في غمده مقلوباً. نكبٌ: نمشي على جنبٍ.

15 ... خفضوا الأسنة بينهم، فتواسقوا
يسعون، في حللٍ، من الأوزاع
يقول: طأطؤوا رؤوسهم للقتال. ويروى: "يمشون، في حلل، من الأدراع".

16 ... والخيل تمزع، في الأعنة، بيننا
نزو الظباء، تحوست، بالقاع
"تحوست": حيست من ههنا وههنا. ومعنى "تمزع" وتنزع واحد.
(1/470)

17 ... فكأن عقراها كعاب مقامرٍ
ضربت، على شزنٍ، فهن شواعي
أي: كأن عقرى الخيل كعاب مقامرٍ، فبعضها على ظهر، وبعضها على جنبٍ، وبعضها على حرف شاخصٍ من الأرض، لأنه ليس بمستوٍ. فكذلك الخيل، بعضها يقع على جنبه، وبعضها على وجهه. و"الشزن": واحدها شَزَنٌ. و"شواعي": متفرقات. وأراد: شوائع، فقلب، [مثل (جرف هارٍ) وهائر] . ويقال: شاعت الناقة ببولها، إذا أرسلته متفرقاً.

18 ... وهلت، فهي تسور، في أرماحنا
ورفعن وهوهةً، صهيل وقاعِ
"وهلت": فزعت. وهو الوهل. "تسور": تنزو إذا وقعت بها الرماح. وسورة الشراب: نزوته وارتفاعه. "صهيل وقاع" أي: صهيل مواقعةٍ وحربٍ، لا صهيل نشاطٍ.

19 ... ولحقنهم بالجزع، جزع تبالةٍ
يطلبن أذواداً، لأهل ملاع
(1/471)

20 ... ففدى لهم أمي، هناك، ومثلهم
فبمثلهم، في الوتر، يسعى الساعي
ويروى: "ففدى لهم أمي، وأمهم لهم".

21 ... فلقد شددتم شدةً، مذكورةً
ولقد رفعتم ذكركم، بيفاعِ
(1/472)

77 وقال عوف بن الخرع

1 ... أتمت، فلم تنقص من الحول ليلةً
فتمت، ولاقاها دواءٌ، منعمُ
"الدواء": ما عولجت به الجارية، لتسمن به وتحسن، وما عولج به الفرس عند الضمار. وأنشد:
وداويتها، حتى شتت حبشيةً ... كأن عليها سندساً، وسدوسا
يريد: أنه صنع فرسه، حتى حالت من الكمتة إلى السواد.

2 ... وجدنا لها، عام الفلاءِ، فلم تزل
إذا ما اشتهت محضاً سقاها مكدمُ
"مكدم": اسم الراعي. "سقاها" يقول: لم نبخل عليها باللبن، سقيناه إياه، وهي فلو. و"المحض": الذي لم يخالطه ماء، حلواً
(1/473)

كان أو حامضاً. افتليناها من أمها أي: فصلناها. يقال: فلاه من أمه يفلوه فلواً. وأنشد:
ومنتزع من ثدي أم، تحبه ... عزيز عليها أن يفارق مفتلى
والفلو: المهر حين يفطم. و"الافتلاء" هو افتعال منه.

3 ... يكر عليها الحالبان، فتارةً
تسوف، وتحسو مرةً، وتطعم
"تسوف": تشم. وإنما تسوفه ولا تشربه، للري والاستغناء عنه. وربما تذوقت وتطعمت.

4 ... فحوليةٌ، مثل القناة، يردها
رباط، وفيها جرأةٌ، وتقحم
5 ... فتم لها إجذاعها، وكأنها
ردينيةٌ، عند الثقاف، تقومُ
6 ... فأثنت، تقود الخيل، من كل جانبٍ
كما انقض بازٍ، أغلف الريش، أقتم
(1/474)

الفرس "تثني" في السنة الثالثة. يقال: فرس ثني. والأنثى ثنيةٌ. والجمع ثنى. ومثله:
ليق على قارحٍ، أقب، يسو ... د الخيل، نهدٍ، مشاشه زهم
"تسود الخيل" أي: تفوق الخيل، بالجري. ومن روى "تقود الخيل" فمعناه: تقاد إليها ليسابق، لأنها موصوفة بالسبق، كما قال أبو النجم:
قيد له، من كل أفق جحفله
7 ... رباعيةٌ، كأنها جذع نخلةٍ
بقران، أو مما تجرد ملهم
"قران": قرية باليمامة. و"ملهم": قرية، أو قبيلة. إذا ألفى الفرس رباعيته فهو رباع. ويقال للأنثى "رباعية". والجمع: الرُّبَعُ. "تجرد" تلقي كربه ملهم، تجرده. وإنما. وإنما أراد: من نخل ملهم.
(1/475)

ومثله لذي الرمة:
فام القتود، على عيرانةٍ أجدٍ ... مهرية، مخطتها غرسها العيدُ
أراد: مما نتجت العيد. والعيد: حي من مهرة. والعيد والقرا حيان يجمعان عامة مهرة، أو أكثر منها.

8 ... فلما تلاقى نابها، ولجامها
لست سنينٍ، فهي كبداء صلدم
"صلدم": شديدة. و"كبداء": عظيمة الوسط.

9 ... ترد علينا العير، من دون إلفه
أو الثور، كالدريء، يتبعه الدم
أي: تثنيه من دونه أتنه. و"الدريء" [النجم] الذي درأ من المشرق إلى المغرب. "يتبعه الدم" لأنه يمضي ساعةً متحاملاً، ودمه على أثره، حتى يسقط وأنشد:
(1/476)

يهدي السباع لها مرش جديةٍ ... شعواء، مشعلةٍ، كجر القرطبِ
10 ... فلما رفعنا أعجبت كل ناظرٍ
وقال الصديق: قد أجادوا، وأنعموا
"أنعموا": زادوا. ومنه الحديث: "إن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما" أي: زادا. وقوله: "أجادوا": جاؤوا بها جواداً. ويقال: رجل مجيد، إذا كان صاحب جوادٍ. ويقال: قد أعرب بنو فلانٍ إذا صارت خيلهم عراباً، عتاقاً. قال الشاعر:
وتصهل، في مثل قعب الوليد ... صهيلاً، يبين للمعربِ
ويقال: أمهر بنو فلانٍ، إذا ضربت فحول مهرة فيهم. ويقال: فحل ملئم فاحذروه، أي: ولده لئام. وفحل منجب فاتخذوه، أي: لده نجباء.

11 ... تزيدهم، وكل خيرٍ يزيدها
كما زاد حسي الأبطح، المتهدمُ
"تزيدهم" كم كل ما طلبوا من عدو، وجودٍ، وسرعة. وكل شيء من الخير يزيدها، من تمامٍ، وخير وحسن، كما يزيد حسي الأبطح
(1/477)

المتهدم. كلما غرفت منه شيشاً زاد بماء جديد. فهو لا ينقطع إلا أن يدفن. و"الحسي": ما يحفر عنه فيظهر. وهو يكون تحت رملٍ، وفوق أرضٍ صلبةٍ. فإذا كان في مكان فيه حجارة وحصاً فهو حشرجٌ. و"الأبطح" والأباطح والبطحاء: قرار الوادي، يكون فيه حجارة ورمل.

12 ... وفارسنا لا يعطف الضبع، عاجزاً
ولا روعٌ، إن أدرك الصيد، معصم
"لا يعطف الضبع" يريد: لا يلوي ضبع نفسه، لا تلتوي يده للطعن، ولا تنثني، ولكنها تقصد. و"الورع": الجبان. والورع: المتحرج. و"المعصم": الذي [يمسك] بسرجه، مخافة أن يقع.

13 ... هنالك، لا تلقى عليه قسيمةٌ
[لبهلٍ، و] لكن صيدها متقسم
ويروى: "هشيمة" [وهي] الشجرة البالية. ومعنى "لا تلقى عليه قسيمة": لا يحلف عليه.
(1/478)

78 وقال عوف بن الخرع
وهو أحد [بني] تيم الرباب:
1 ... أمن آل ميٍّ، عرفت الديارا
بجنب الشقيق، خلاءً، قفارا؟
يريد: أمن ناحية آل مي، من شقهم؟
2 ... تبدلت الوحش، من أهلها
وكان بها قبل حي، فسارا
3 ... كأن النعاج، بها، والظبا
ء ألبسن، من رازقي، خمارا
كل رقيق من الثياب: "رازقي". يقول: كأن الظباء ألبسن ثياباً. ويروى: "كسين".

4 ...
(1/479)

وقفت بها، ما تبين الكلام
لسائلها القول، إلا سرارا
يقول: لا تبين الكلام، إلا كلاماً لم يفهم، كالسرار الذي لا يسمع ولا يفهم. وأنشد:
وقفنا، فسلمنا، فردت تحيةً ... علينا، ولم ترجع جواب المخاطبِ
5 ... كأني اصطحت سخاميةً
[تفسأ] بالمرء، صرفاً، عقارا
ويروى: "تسرع بالمرء". ["تفسأ] بالمرء" أي: تهتك. يقال تفسأ [الثوب] وتهتك، [إذا بلي] . و"سخامية": سهلة [لينةٍ يقال] : شعر سخام، إذا كان ليناً ناعماً. ويروى: "سخيميةً". وهي قرية معروفة، نسب إليها.

6 ... سلافة صهباء، ماذيةٍ
يفض المسابيءُ، عنها، الجرارا
"الماذية": السهلة. وكل لين: ماذي. و"المسابيء": الذي تشتري الخمر.
(1/480)

7 ... وقالت كبيشة، من جهلها:
أشيبا خديثاً، وحلماً معارا؟
"معار": غائب عنك، قد ذهب به. تقول: قد شبت، وحلمك مستعار، لا أراك استحدثت حلماً.

8 ... فما زادني الشيب، إلا ندى
إذا استروح المرضعات القتارا
ويروى: "فما زادني الشيب، إلا تقى". "استروح" من الرائحة، أي: تشممن رائحته. وخص "المرضعات" لأنهن أجهد في الجدب. و"القتار" يريد: قتار اللحم والشحم، ههنا.

9 ... أحيي الخليل، وأعطي الجزيل
ومالي أفعل، فيه، اليسارا
يقول: أياسر فيه، ولا أعاسر. ويروى: "أحابي الخليل" يريد: [أحبو] . وهذا مثل "قاتله الله" يريد: قتله الله. وأنشد لرؤبة:
كاذب لوم النفس فيها، أو صدق
(1/481)

ويروى: عنها أو صدق. يريد: كذب.

10 ... وأمنع جاري، من المجحفا
ت، والجار ممتنعٌ، حيث جارا
ويروى: "حيث صارا". يقول: حيث جاورنا فقد امتنع، وعز ولم يذل.

11 ... وأعددت، للحرب، ملمومةً
ترد، على سائسيها، الحمارا
يريد أنها تدرك الحمار، فترده.

12 ... رواع الفؤاد، يكاد العنيف،
إذا جرت الخيل، أن يستطارا
"رواع الفؤاد" يريد: حدة نفسها. أي: أنها ترتاع لذكائها. و"العنيف": الذي ليس بحاذقٍ بالجري، فيكاد ينبو عن ظهرها، إذا جرت. ويروى:
رواعاً، يكاد عليها العنيف ... إذا أجري الخيل أن يستطارا
13 ... لها حافرٌ، مثل قعب الولي
د، يتخذ الفأر، فيه، مغارا
(1/482)

يريد: تقول: مثل قعب الوليد. أي: إنه مثل القعب في تقبيه واستدارته.

14 ... لها رسغٌ، أيدٌ، مكربٌ
فلا العظم واهٍ، ولا العرق فارا
"الأيد": القوي. والأيد: القوة. و"مكرب": مملوء بالعصب. و"الفائر": المنتفخ، وانتفاخه مكروه في الخيل.

15 ... لها كفل، مثل متن الطرا
ف، شدد فيه البناة الحتارا
يقول: كفلها ليس بمضطربٍ، ولكنه كالبيت الممتد. و"الطراف": بيت من أدم. و"الحتار": الطرة التي في أسفل البيت، يجعل فيه الطنب القصار. وحرف كل شيء: حتاره. فيقول: كفلها غير مضطربٍ.

16 ... لها شعبٌ، كلكيك الغبي
ط، فضض عنه الإياد الشجارا
"شعب" يريد: كتفيها وكاهلها. و"الغبيط": قتب الهودج.
(1/483)

و"الإياد": شيء يرفع، ثم يشد فوقه الشجار. وكل مرتفع منقادٍ فهو إياد. "فضض": فضوه عنه، أي: نحوه عنه. ويروى: "كإياد الغبيط".

17 ... كميتاً، كحاشية الأتحمي
يِ، لم يدع الصنع فيها عوارا
"عوارا" أي: عيباً. شبهها بحاشية الأتحمي، في حمرتها و"الأتحمي": البرد. و"الصنع" يريد: صنعتها، والقيام عليها.

18 ... فأبلغ رياحاً، على نأيها
وأبلغ بني درامٍ، والجمارا
19 ... وأبلغ قبائل، لم يشهدوا
طحا بهم الأمر، ثم استدارا
"طحا بهم": اتسع بهم وارتفع، "ثم استدار": فلم يوجهوه جهته.

20 ... غزونا العدو، بأبنائنا
وراغ حنيفة، يرعى الصفارا
"العدو" يريد: بني حنيفة من حذيم المالكي. و"الصفار":
(1/484)

يبيس البهمى: ويروى "بأبياتنا*وراغت حنيفة ترعى الصفارا
21 ... فشتان، مختلفٌ شأننا،
يريد الخلاء، وأبغي الغوارا
"الخلاء": المتاركة. قال الشاعر:
قالت بنو عامر: خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل، ضراراً لأقوامِ
و"الغوار": المغاورة.

22 ... بكعب بن سعدٍ، وجمع الرباب
أميراً قوياً، وجمعاً كثارا
"كثار" وكثيرٌ كما قالوا: طوالٌ وطويلٌ. ويروى: "وجمعاً قرارا" أي: مستقراً.

23 ... فيا طعنةً، ما تسوء العدو
وتفعل في ذاك أمراً، يسارا
24 ... فلولا علالة أفراسنا
لزادكم القوم خزياً، وعارا
"
(1/485)

الغلالة": جري بعد ذهاب جري.

25 ... إذا ما اجتبينا جبى منهلٍ
شببنا لقومٍ، بعلياء، نارا
"الجبى": ما جبيت في الحوض. يقول: إذا شربنا ماء منهلٍ "اجتبيناه": شخصنا إلى قومٍ آخرين، وقوينا على الفلاة، فسرينا فيها. ويروى: "إذا ما اجتهرنا جبى منهلٍ" و:"عرى منهل". والعرى: جمع عروة. وهو شجر، أو كلأ باقٍ. يقال: في أرض بني فلان عروةٌ من الشجر.

26 ... نؤم البلاد، تحب اللقاء
ولا نتقي طائراً، حيث طارا
يقول: لا نتطير، ولا نخاف الطير، من أي نواحيها جاءت، سنيحاً، أو بريحاً.

27 ... سنيحاً، ولا بارحاً، جارحاً
على كل حالٍ، نلاقي اليسارا
28 ... نقود الجياد، بأرسانها
يضعن، بوادي الرشاء، المهارا
(1/486)

يقول: من الجهد يلقين أولادهن.

29 ... يشق، الأحزة، سلافنا
كما شقق الهاجري الدبارا
"الهاجري": من أهل هجر. كما قالوا: داوية، منسوبة إلى الدو. و"الدبار": المشارات. و"الأحزة": من الحزيز. وهو غلظٌ منقاد، مستدق. و"سلافنا": متقدمونا. الواحد سالف. فيقول: من تقدم منا أثر في الحزيز. فكيف معظمنا؟
30 ... شربن بحواء، في ناجرٍ
وسرنا ثلاثاً، فأبن الجفارا
"حواء": بلد. و"ناجر" من الحر. وهما شهران يطلع فيهما النجم والدبران، إلى طلوع سهيل.

31 ... وجللن دمخاً، قناع العرو
س، أدنت على حاجبيها الخمارا
"دمخ": جبل. و"قناع" من الغبار.

32 ... فكادت فزارة أن تصطلي
فأولى فزارة، أولى فزارا
(1/487)

33 ... ولو أدركتهم أمرت لهم،
من الشر، يوماً ممراً، مغارا
"ممر": شديد الفتل. و"المغار": المفتول، أيضاً.

34 ... أبرن نميراً، وحي الحريش
وحي كلابٍ، أبارت، بوارا
35 ... وكنا، بها، أسداً رابضاً
أبى، لا يحاول إلا سوارا
ساوره "سواراً" ومساورة.

36 ... وفر ابن كوزٍ، بأذواده
وليت ابن كوزٍ رآنا، نهارا
"أذواده": إبله. والذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة, والذكر والأنثى فيه سواء. و"ابن كوز": أسدي.

37 ... بحمران، أو بقفا ناعتين
أو المستوي، إذ علون النسارا
(1/488)

38 ... ولكنه لجّ، في روعه
فكان ابن كوزٍ نجاةً، نوارا
39 ... وفي فورها، لقيت منهم
سواءاة سعدٍ، ونصراً، جهارا
أي: لقيت الخيل سواءة، ونصراً.

40 ... وحي سويدٍ، فما أخطأت
وغنماً، فكانت لغنمٍ تبارا
41 ... وكل قبائلهم أتبعت
كما أتبع العر ملحاً، وقارا
يريد: أتبعتهم وقعتنا، كما أتبع العر الملح والقار. و"العر" بالفتح: الجرب. والعر بالضم: شيء مثل القوباء، يخرج منه الماء. يقول: كان في صدورهم بغي، وحب للقتال، فأتبعتهم وقعتنا برءاً، كما أتبع العر ملحاً، و"قارا": وهو شيء أسود، تطلى به الإبل.

42 ... بكل مكانٍ، ترى، منهم
أرامل شيباً، ورجلاً، حرارا
(1/489)

79 وقال قيس بن الخطيم

1 ... رد الخليط الجمال، فانصرفوا
ماذا عليهم، لوَ انَّهم وقفوا؟
"الخليط" يكون واحداً، ويكون جمعاً. قال بشر في جمعه: ألا، بان الخليط، فلم يزاروا وقلبك، في الظعائن، مستطار ومعنى "رد الخليط" أي: ردوا جمالهم من الرعي. و"انصرفوا": مضوا.

2 ... لو وقفوا، ساعةً، نسائلهم
ريث يضحي، جماله، السلف
"ريث": بطء. و"السلف": الذين يتقدمون. وقوله: "يضحي جماله" أي: يظعن بها ضحى.

3 ... فيهم لعوب العشاء، آنسة ال
دل، عروب، يسوءها الخلفُ
(1/490)

يقول: ليست بمخلاف للوعد. "لعوب العشاء": تسمر مع السمار، كما قال عبد بني الحسحاس:
وقلن: ألا يا العبن ما لم يرن بنا ... نعاس، فإنا قد أطلنا التنائيا
وكما قال الآخر:
وآنسة الدل، غير القراف ... تخلط بالأنس، منها، الشماسا
4 ... بين شكول النساء، خلقتها
قصد، فلا جثلةٌ، ولا قصف
"الشكول" ههنا: الضروب. واحدها شكل. ويروى: "لا جبلة".

5 ... تغترق الطرف، وهي لاهيةٌ
كأنما شف، وجهها، نزفُ
يقول: من نظر إليها استغرقت طرفه، وشغلته عن النظر إلى غيرها، و"هي لاهية": غير محتفلة. "كأنما شف وجهها نزف" من خروج
(1/491)

الدم. يقول: هي عتيقة الوجه، رقيقة المحاسن، ليست بكثيرة لحم الوجه. ويقال: قد "شفني" الحب، أي: جهدني.

6 ... قضى لها الله، حين يخلقها ال
خالق، ألا يكنها سدفُ
يقول: قضى الله، الخالق لها، ألا يكنها سدف. يقول: إذا كانت [في] ظلمة أبصرت، ولم تسترها الظلمة. وهذا كقوله:
يضيء الفراش وجهها، لضجيعها
ومثله:
وتخالها في البيت، إن فاجأتها ... قد كان محجوباً، سراج الموقد
7 ... تنام عن كبر شأنها، فإذا
قامت، تثنى، تكاد تنغرفُ
"
(1/492)

تنغرف": تنقطع. يقال: غرف ناصيته، إذا جزها. و"كبر الشأن": معظمه.

8 ... حوراء، جيداء، يستضاء بها
كأنها خوط بانةٍ، قصفُ
"حوراء": بيضاء. ومن ذلك سمي القصارون: المحورين. والحواريون من ذلك. ومنه قيل: دقيق حوارى. و"جيداء" حسنة العنق. وهو الجيد. و"الخوط": القضيب. و"البانة": شجرة البان. وأخطأ في قوله "قصف"، لأنه إذا انقصف انكسر، وهي لا توصف بأنها تنكسر. إنما يريد تثنيها وحسن قامتها، ولكنه احتاج إلى القافية.

9 ... تمشي كمشي الزهراء، في دمث ال
رمل إلى السهل، دونها الجرفُ
"الزهراء": البقرة. وإذا مشت في الرمل كانت أشد اتئاداً منها في غير الرمل. وقال "دونها الجرف" أي فهي: تصعد ذلك الجرف. فهو أشد لا تئادها.

10 ... ولا يغث الحديث، إن نطقت
وهو، بفيها، ذو لذةٍ، طرفُ
(1/493)

11 ... تخزنه، وهو مشتهى، حسنٌ
وهو، إذا ما تكلمت، أنف
يقول: كأنها كلما تكلمت مستأنفة، لحلاوة منطقها، وهي تعجب من تحاوره.

12 ... كأن لباتها تضمنها
هزلى جرادٍ، أجوازه جلف
شبه الحلي، على لباتها، بالجراد "المجلوف". وهو الذي قد قطع رؤوسه وأرجله، وترك أوساطه. وأنشد الأصمعي للنمر بن تولب:
أناةٌ، عليها لؤلؤ، وزبرجدٌ ... وحليٌ، كألوان الجراد، مفصلُ
أي: مفصل، بهذه الصناعة التي ذكرها.
(1/494)

13 ... بل ليت أهلي، وأهل أثلة، في
دارٍ، قريب، بحيث نختلف
14 ... هيهات من أهله بيثرب، قد
أمسى، ومن دون أهله سرف
15 ... أبلغ بني جحجبى، وقومهم
خطمة، أنا وراءهم أنف
"
(1/495)

أنف" أي: نغضب لهم، من خلفهم.

16 ... إنا، وإن قدموا التي علموا،
أكبادنا، من ورائهم، تجفُ
17 ... نفلي، بحد الصفيح، هامهم
وفلينا هامهم، بنا، عنف
يقول: هو خرق بنا ليس برفقٍ قتلهم، لأنهم قومنا. وإن قتلناهم فإنا تغضب، لهم، أن يصيبهم غيرنا.

18 ... لما بدت، غدوةً، جباههم
حنت إلينا الأرحام، والصحف
أي: العهود التي في الصحف.

19 ... قال لنا الناس: معشر، ظفروا
قلنا: فإنا، بقومنا، خلف
(1/496)

20 ... لنا، مع آجامنا، وحوزتنا
بين ذراها، مخارف، دلفُ
"الآجام" والآكام: الحصون. والواحدة منها: أجم وأطم. و"الحوزة": كل شيء حيز. "مخارف": نخل يخترف منه. "دلف": تدلف بحملها.
(1/497)

80 وقال عجلان بن نكرة

1 ... أخطرت مهري، للرهان، لجاجةً
ومن اللجاجة ما يضر، وينفعُ
كان من حديث عجلان بن نكرة - فيما ذكر الأصمعي - أن شيخاً من الرباب حدثه، قال: كان عجلان بن نكرة خليعاً مقامراً. فموحك في فرسه الخطاف أن يسابق سلكة - وهي فرس أنثى - فاشتد في ذلك المراء. فخاطر صاحب سلكة على أهلهما ومالهما. ثم ندم كل واحد منهما، ولم يستطيعا النكث. فلما رجعا من ذي المجاز أخذا في صنيع فرسيهما. فكم عجلان فرسه، إلا عند شرب أو علف، وأخلص اليبس واللبن. وكانت سلكة رتما ارتمت من التراب. فلما حضر وقت إرسالهما ادعى صاحب
(1/498)

سلكة أنها حصلت - والحصل: أن تأكل مع العلف التراب، فيبقى في بطنها. وأصل ذلك أنه يحصل في جوفها، فلا يخرج - وادعى أنها أفلتت فشربت ماء كثيراً. وسأل أن يمد في الأجل. فأبى عجلان. وغدوا لينظروا. وحمل عجلان ابنه، وقد أدرك، فأباته بالمرسل. فصار على خمسين غلوةً. ثم أقاموا وجماعة بالغاية. فلما برق الفجر حسر عنهما، وقودا، وبولا. فلما أبصرا مواقع حوافرهما دفعا. وقد كان مسافع والأجدع باتا مع الفرسين بالمرسل. فأوصى عجلان ابنه، فقال: إياك مسافعاً والأجدع، أن يخدعاك. فلما دفعا أعطت الأنثى أكثر مما أعطى الذكر. وكف ابن عجلان فرسه على بقية فيه. فلما حاذيا رأس الخمسين نعر مسافع والأجدع - وكانا في حزب سلكة - ومضى الفرس. فما زال قاهراً لها حتى سبق. فقال، في ذلك، عجلان هذا الشعر:
2 ... ماذا أردتِ بذاك، يا ابنة مالكٍ،
إذ كان مالي، باللوى، يتمزعُ؟
3 ... إذ لا صريخ اليوم، غير قوائمٍ
عوجٍ، عليهن، البضيع ملفعُ
(1/499)

4 ... بتنا لدى أرسانهن قعودنا
إذ بات ناصب جيده، يتسمعُ
5 ... حتى إذا صرخ العصافر، غدوةً،
قاموا على دهش الرهان، فأفزعوا
6 ... فنبذت، نحو غلامنا، كلماته
من بين مسموعٍ، وما لا يسمعُ
7 ... احذر فوارس، وُطِّنوا، لك غدوةً
لا يخدعنك مسافعُ، والأجدعُ
8 ... ماسك قليلاً، بعض فور عنانه
واركض، برجلك، إنه لا يفزعُ
9 ... ساطٍ، وتلحق رجله، فكأنه
سيدٌ، يمر على الحداب، ويمزع
"الساطي": الطويل من الخيل.

10 ... فعرفت غرة وجهه، ولبانه
قبل الجياد، وكف عمروٍ تلمعُ
11 ... فأفاء صرمتنا، وأخرى مثلها
لو أن شيئاً، يا هجيمةُ، ينفعُ
(1/500)

81 وقال عامر بن واثلة
رجل من بني كنانة. أنشدها أبو عمرو:
1 ... ومستلحمٍ، يخشى اللحاق، وقد تلا
به مبطئٌ، قد منه الجري، فاترُ
"المستلحم": الذي قد رهقه الطلب، "تلابه" أي: انبع به فرسه، وتأخر أن يكون في أول الخيل "منه الجري": فتره، وأضعفه.

2 ... ضعيف القوى، رخو العظام، كأنها
حبال، ضنته مبطئاتٌ، محامرُ
"رخو العظام" يريد: رخو القوائم، وقوله "كأنها*حبال" أي:
(1/501)

هي مضطربة، ملتوية، للضعف. "ضنته": نجلته. يقال: هو من نجل صدقٍ، ومن ضنء صدقٍ. وهي مهموزة، ولكنه لم يهمز. "مبطئات" أي: يجئن بالبطء، أي: يكون ذاك نسلهن. "محامر": هجنٌ. والمحمر: الهجين.

3 ... على صلويه مرهفاتٌ، كأنها
قوادم، دلتها نسورٌ، نواشر
أي: قد أدرك بالرماح، شارعه إليه، كأنها قوادم نسورٍ. ويقال: شبه الأسنة، في طولها، بقوادم النسور.

4 ... فنهنهت عنه القوم، حتى كأنما
حبا دونه ليثٌ، بخفان، خادر
5 ... شتيم، أبوشبلين، أخضل متنه
من الدجن يوم، ذو أهاضيب، ماطر
"شتيم" أي: كريه الوجه. و"الأهاضيب": دفعات من المطر. الواحدة هضبة.
(1/502)

6 ... تظل تغنيه الغرانيق، فوقه
أباءٌ، وغيل فوقه، متآصر
أي: هو في أجمة، فيها طير الماء. و"فوقه أباء" أي: فوقه قصب. و"غيل" أي: شجر ملتف. و"متآصر": متضايق. والإصر: الضيق.

7 ... محباً كإحباب السليم، وما به
سوى أسفٍ، ألا يرى من يساور
"محب": ملق رأسه.
(1/503)

82 وقال أبو عمرو بن العلاء ساب يزيد بن الصعق رجلاً، من بني أسد. فقال يزيد بن الصعق

1 ... فرغتم لتمرين السياط، وأنتم
يشن عليكم، بالقنا، كل مربعِ
2 ... بني أسد، ما تأمرون بأمركم
إذا لحقت خيلٌ، تثوب، وتدعي؟
(1/504)

83 فأجابه الأسدي
وعيره ضربة اليربوعي:
1 ... أعبت علينا، أن نمرن قدنا
ومن لا يمرن قده يتقطعِ؟
2 ... فلا يبعد الله اليمين، التي بها
برأسك سيما الدهر، ما لم تقنعِ
(1/505)

84 وقال خفاف بن ندبة

1 ... يا هند، يا أخت بني الصارد
ما أنا بالباقي، ولا الخالدِ
"بنو الصارد": حي من بني مرة من غطفان. يقول: لست بخالد. فدعيني أتفتى.
وزعم الأصمعي أنه شهد حنيناً، وهو مسلم. قال: وأرى أنه كانت معه راية حملها.

2 ... إن أمسن لا أملك شيئاً فقد
أملك أمر المنسر، الحاردِ
(1/506)

يقول: إن أمس قد كبرت فقد أملك أمر "المنسر" وهو ما بين العشرين إلى الثلاثين. وإنما شبه بمنسر العقاب، لأنه ينسر شيئاً ويمر، ولا يقيم. و"الحارد": الغضبان.

3 ... وأشهد الغارة، مسروحةً
تغدو، لماء النعم، الواردِ
4 ... بالضابط، الضابع، تقريبه
إذ ونت الخيل، وذو الشاهدِ
أراد: وونى ذو الشاهد. و"الضابع": الذي يضبع في تقريبه، أي: يضرب بيديه إلى ضبعيه. وقوله "ذو الشاهد" أي: هو من الخيل التي تجيء، من الجري، بما يشهد لها به، ويعجب منه.

5 ... عبل الذراعين، سليم الشظى
كالسيد، تحت القرة، الصارد
"عبل": غليظ القوائم. و"الشظى": عظيم لاصق بعظم الساق. فإذا تحرك ذلك العظم قيل: شظي الفرس يشظى شظًى شديداً. وقال بعضهم: الشظى: انشقاق العصب. و"السيد": الذئب. وقال "تحت القرة" لأنه
(1/507)

أسرع له، يبادر موضعاً، يسكن فيه. و"القرة": البرد. ويقال: قر وقرة، يومٌ قر، وليلة قرةٌ. و"الصارد": به صردٌ أي: بردٌ.

6 ... يطعن، بالمسحل، حتى إذا
ما بلغ الفارس، بالساعدِ
"المسحل": حد اللجام. يمد عنقه لنشاطه، حتى يدنو ساعد فارسه. وهذا كقول الآخر:
تبلغ، في أرسانها، بالجحافل
ومن كرم الفرس أن تطول عنقه، وعراقيبه.

7 ... جد سبوحاً، غير ذي سقطةٍ
مستفرغٍ ميعته، واعدِ
"السبوح": الذي يدحو بيديه، ولا يتلقف. يقول: حد في سيره كأنه يسبح. و"ميعته": دفعته. وقوله "واعد" أي: يعدو عدواً بعد عدو. ومثله قول الآخر:
(1/508)

وواعد مصدقِ
8 ... يصيدك العير، يرف الندى
يحفر، في مبتكر الراعد
9 ... يعقد في الجيد، عليه الرقى
من خيفة الأنفس، والحاسدِ
قوله: "يرف الندى" يعني: يأكل البقل بنداه. و"الراعد": السحاب الذي فيه رعد.
(1/509)

85 وأنشد الأصمعي لجبيهاء الأشجعي
في عنز. كان منحها رجلاً، من بني تيم بن معاوية بن سُليم بن أشجع:
1 ... أمولى بني تيمٍ، ألست مؤدياً
منيحتنا، فيما تؤدى المنائحُ؟
2 ... فإنك لو أديت عمرة لم تزل
بعلياء، عندي، ما قفا الريح رائحُ
أي: لم تزل عندي، بأدائك الأمانة، علياً. ويجوز أن تكون العنز لها عنده قدر. "ما قفا": ما طلب. يقال: قد "راح" راح، إذا شم الشيء.

3 ... لها شعر صافٍ، وجيدٌ، مقلصٌ
وجسم زخاري، وضرسٌ مجالح
"
(1/510)

جيدٌ مقلص" أي: طويلة العنق. و"الزخاري": الممتلئ. شحماً ولحماً. زخر البحر، إذا طما وارتفع. و"مجالح": يبقى لبنها، لأنها تأكل عيدان الشجر، بعد الورق، تجلحه ومنه قيل للإبل: مجاليح، لأنها إذا قويت على أكله بقي لبنها.

4 ... ولو أشليت في ليلةٍ، رجبيةٍ
بأوراقها هطلٌ، من الماء، سافحُ
إنما خص الشتاء، لأن الألبان تقل في ذلك الوقت. فأراد أن لبنها مما يبقى، على شدة البرد، وأنها غزيرة اللبن.

5 ... لجاءت، أمام الحالبيت وضرعها
أمام صفاقيها، مبدٌّ، مضارحُ
"مبد": مفرج. و"مضارحٌ": قد ضرح فخذيها، فيدهما، من عظمه. يقول: صفاقها قد بلغ سرتها. كما قال الآخر:
بمالئ بين رفغيها، وسرتها
6 ... وويل أمها، كانت غبوقها طارقٍ
ترامى به بيد الإكامٍ، القراوحُ
(1/511)

7 ... كأن أجيج الكير إرزام شخبها
إذا امتاحها، في محلب القوم، مائح
8 ... ولو أنها طافت، بظنبٍ، معجمٍ
نفى الرق عنه جذبه، وهو كالح
"الظنب": أصل الشجرة. وقد عجمته الإبل قبلها، وما يرعى من المال. و"الرق": لين أغصانه. والرق من النبات كله: ما رق منه، ورطب.

9 ... لراحت، كأن القسور الجون بجها
عساليجه، والثامر، المتناوح
"القسور": شجر مما له خوص، ووهو من الخلة، تغزر عليه الإبل، والمال كله. و"الجون": الذي قد اسود، من ريه. و"الثامر": ماله ثمر، من الشجر. أي: فكأن هذين بجاها، أغصانهما، أي: تصدعا لهذه العنز وتعريا من أغصانهما الغضة، فرعته، لكثرة لبنها.
(1/512)

10 ... ترى تحتها عس النضار، منيفاً
سما فوقه، من بارد الغزر، طامحُ
و: "الغزر" أيضاً. "منيف": امتلأ، وزاد على الامتلاء. وهذا مثل قوله:
إن تمس في عرفطٍ
(1/513)

86 وقال طرفة بن العبد
ابن سفيان:
1 ... قفي، ودعينا اليوم، يا ابنه مالك
وعوجي، علينا، من صدور جمالكِ
2 ... قفي، لا يكن هذا تعلة ساعةٍ
لبينٍ، ولا ذا حظنا من نوالكِ
3 ... أخبرك أن الحي فرق بينهم
نوًى، غربةٌ، ضرارةٌ لي بذلكِ
(1/514)

4 ... ولا غرو غلا جارتي، وسؤالها:
ألا، هل لنا أهلٌ؟ سئلت كذلكِ
"لا غرو": لا عجب. وقوله "سئلت كذلك" يقول: صرت غريبةً، كما صرت، حتى تسألي كما سئلت.

5 ... تعير سيري، في البلاد، ورحلتي
ألا، رب دارٍ لي سوى حر داركِ
"حر الدار": أكرمها وأوسطها.
(1/515)

6 ... ظللت بذي الأرطى، فويق مثقبٍ
ببيتة سوءٍ، هالكاً، أو كهالكِ
ويروى: "ببيئة سوء". و"بحيبة سوء". "ذو الأرطى ومثقب": مكانان. وقوله "ببيئة سوء" هو من قولك: تبوأت منزلاً. وقوله" بحيبة سوء" هو من التوجع. وقال أبو كبير:
ثم انصرفت، ولا أبثك حيبتي ... رعش البنان، أطيش، مشي الأصورِ
7 ... ترد علي الريح ثوبي، قاعداً
لدى صدفي، كالحنية، باركِ
قوله: "لدى صدفي" أي: كان متسانداً إلى "صدفي": بعير نسبه إلى الصدف: قبيلة، يقال: من مهرة. و"الحنية": القوس شبه بعيره بالقوس، لضمره.

8 ... رأيت سعوداً، من شعوبٍ، كثيرةٍ
فلم أرَ سعداً، مثل سعد بن مالكِ
9 ... أبر، وأوفى ذمةً، يعقدونها
وخيراً، إذا ساوى الذرى بالحواركِ
(1/516)

قوله: "الذرى بالحوارك" يقول: إذا أجدب الناس، فذهبت الذروة. والذروة هي: السنام. أي: قطع مع الحوارك. والحوارك: ما بين الكتفين.

10 ... وأنمى إلى مجدٍ تليدٍ، وسورةٍ
تكون تراثاً، عند حيٍّ، لهالكِ
"التليد": القديم. و"سورة" أي: منزلة عالية، وفضيلة. وقوله "لهالك" أي: من هالك.

11 ... أبي أنزل، الجبار، عامل رمحهِ
من السرج، حتى خر، بين السنابكِ
قال: "عامل الرمح": نحو من ذراع من مقدمه، أو أكثر قليلاً. وكذلك قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أن عاملي الرمح: ما فوق كف القابض على الرمح إلى أعلى السنان، لأنه يعمل به. وكذلك صدر الرمح: عامله.
(1/517)

87 وقال أبو زبيد
واسمه حرملة بن المنذر بن معديكرب بن النعمان بن حية، يرثى اللجلاج ابن أخته. وكان من أحب الناس إليه، فمات، فجزع عليه جزعاً شديداً.

1 ... إن طول الحياة غير سعود
وضلالٌ تأميل نيل الخلودِ
"السعود": جمع سعد. وهو كل أمر تيمن إليه واشتهي. أي: ومن تمنى أن يخلد فهو في ضلال، لأن هذا لا يكون، ولا يخلد الإنسان.

2 ... علل المرء بالرجاء، ويضحي
غرضاً للمنون، نصب العودِ
(1/518)

أي: يعلل بالرجاء، ويرجو ما لا ينال، وقوله "غرضاً للمنون" أي: منصوباً مثل الهدف. و"نصب [لعود"] أي: كما ينصب العود.

3 ... كل يومٍ ترميه، منها، برشقٍ
فمصيبٌ، أوصاف غير بعيدِ
"الرشق": الوجه والمرة. يقال: رمى رشقين. والرشق: العمل، يقال: رشقه رشقاً. فمنها ما يصيبه ومنها ما يعدل عنه. قال: يقال: "صاف" السهم عن الهدف، إذا عدل عنه.

4 ... من حميمٍ، ينسي الحياء جليد ال
قوم، حتى تراه كالمبلودِ
"من حميم" أي: قريبٍ، ينسى له الجليد الحياء، مما يصيبه، من فقده. و"المبلود": البليد، الذاهب العقل والفؤاد. قال الأصمعي: المبلود: المنقطع به.

5 ... كل ميت قد اغتفرت، فلا أو
جع من والدٍ، ومن مولودِ
أي: قد اغتفرت كل ميتٍ، مات لي. فليس أحد أوجع من
(1/519)

الوالد و"المولود" أي: الولد. ويقال: ميت و"ميت"، وهين وهين، ولَين ولين.

6 ... غير أن اللجلاج هد جناحي
يوم فارقته، بأعلى الصعيد
"هد": كسر.

7 ... في ضريحٍ، عليه عبءٌ، ثقيلٌ
من ترابٍ، وجندلٍ، منضودِ
"الضريح": ما شق في وسط القبر. واللحد: ما كان في عرضه. و"العبء": الثقل. و"الجندل": الحجارة [و"منضود"] : قد نضد عليه.

8 ... عن يمين الطريق، عند صدًى حر
ان، يدعو بالليل غير معودِ
"الصدى": الهامة، أو طائر يشبه الهام. وهذا شيء كان أهل الجاهلية يقولونه. يقولون: إذا مات الرجل خرجت من رأسه هامةٌ، تصيح. وهو باطل. قال الشاعر:
أرأيت إن بكرت، بليلٍ، هامتي ... وخرجت منها، بالياً أثوابي؟
(1/520)

أي: إن مت فصاحت هامتي. "حران": عطشان. "غير معود": لا يعوده أحدٌ.

9 ... صادياً، يستغيث، غير مغاثٍ
ولقد كان عصرة المنجودِ
"صادياً": عطشان. يستغيث فلا يغاث. "عصرة" وعصرٌ واحد. وهو الحرز, أي: كان حرزاً، وغياثاً. و"المنجود": المكروب الذي قد عرق من الكرب. قال النابغة:
بعد الأين، والنجد
قال:
فقمت مقاماً، خائفاً، من يقم به ... من الناس، إلا ذو الجلادة، ينجدِ
10 ... رب مستلحمٍ، عليه ظلال ال
موت، لهفان، جاهد مجهودِ
"مستلحم" أي: قطع بالسيوف، جعل لحماً. ويقال: المستلحم:
(1/521)

المدرك الذي غشيه الطلب. "ظلال الموت" أي: قد أشرف الموت عليه. "لهفان": يتلهف. "جاهد": لا يدع جهداً.

11 ... خارجٍ ماجذاه، قد برد المو
ت، على مصطلاه، أي برود
أي: قد كلح. و"الناجذ": أقصى الأسنان. "قد برد" أي: ثبت. يقال: ما برد لك عليه، أي: ما ثبت. و"مصطلاه": يداه ورجلاه، ما يتقلى به النار، إذا اصطلى. وذلك أنه تصفر أظافره، إذا نزفه الدم.

12 ... غاب عنه الأدنى، وقد وردت سم
ر العوالي، إليه، أي ورودِ
أي: غاب عنه أقاربه، لم يشهدوا فينصروه. و"سمر العوالي" أي: الرماح. وعوالي الرماح: أعاليها. "وردت إليه" أي: غشيته.

13 ... قد دعا، دعوة المخنق، والتل
بيب، منه، في عاملٍ مقصودِ
أي: دعا هذا، الذي قد غشي، دعوة الذي قد خنقه الأمر. و"التلبيب": موضع اللبة، في عامل الرمح. وهو مقدمه. "مقصود": مكسور.

14 ... ثم أنقذته، ونفست عنه
بغموسٍ، أو ضربةٍ، أخدود
"نفست": فرجت. "غموس": طعنة غامضة. "أخدود" أي: لها خد، في الجلد، أي شقٌّ.
(1/522)

15 ... بحسامٍ، أو زرةٍ، من نحيضٍ
ذات ريبٍ، على الشجاع، النجيدِ
"بحسام": سيف قاطع. "زرة": طعنة. وأصل الزر العض. أي: طعنة عاضة. "نحيض" أي: منخوض رقيق. يعني: السنان. "ذات ريب" أي: شكٍ، لا يدري: أينجو منها أم لا. ويقال "ذات ريث" أي: بطء، لا يبرأ منها إلا بطيئاً. و"النجيد": النجد. ويقال: سميح وسمح، ونذيل ونذل.

16 ... يشتكيها ب"قدك"، إذ باشر المو
ت، جديداً، والموت شر جديد
"بقدك" أي: حسبك قتلتني. "باشر": خالط. أي: هذا الشجاع يشتكي هذه الطعنة. ويقال: قدني من كذا، وقطني، وقدي بغير نون، أي: حسبي. قال:
قدني، من نصر الخبيبين، قدي
17 ... فلوت خيله عليه، وهابوا
ليث غيلٍ، مقنعاً، في الحديدِ
"لوت": عطفت. يعني خيل هذا الرجل، الذي طعنه هذا الممدوح."
(1/523)

مقنعاً" أي: عليه السلاح كله. و"الغيل": الأجمة.

18 ... غير ما ناكلٍ، يسير، رويداً
سير لا مرعقٍ، ولا مهدودِ
"مهدود": مكسور. "ناكل": جبان. "رويداً" أي: يسير مطمئناً. "مرهق": مدرك.

19 ... مستعداً لمثلها، إن دنوا من
هـ ففي صدر مهره كالصدودِ
"مستعد": متهيئ. "كالصدود" أي: ميل. وهو متهيئ للقتال.

20 ... شاحياً باللجام، يقصر منه
عركاً، بالمضيق، غير شرودِ
"شاحياً" أي: فاتحاً فاه. "يقصر منه" أي: يمف من غربه. "عرك": مقاتل. "شرود": نفور.

21 ... ساندوه، حتى إذا لم يروه
شد أجلاده، على التسنيد
"ساندوه" أي: رفعوه إليهم، وسندوه. و"أجلاده": بدنه. أي: لم يقو لتسنيدٍ.
(1/524)

22 ... يئسوا، ثم غادروه، لطيرٍ
عكفٍ، حوله، نزول الوفودِ
أي: بئس أصحاب هذا الرجل منه، ثم "غادروه" أي: خلفوه، لطير قد عكفت حوله، أي: استدارت، كما تنزل الوفود عند الملوك.

23 ... فهم ينظرون، لو طلبوا الوت
ر، إلى واترٍ شموسٍ، حقودِ
أي: أنصار هذا الرجل، المقتول، ينظرون إلى هذا القاتل، أي اللجلاج. "شموس": نافر صعب، لا يستقر لهم على ما يريدون. وقوله "حقود" أي: يحقد ما أتى إليه.

24 ... لحمةٌ، لو دنوا لثأر أخيهم
رجعوا، قد ثناهم، بعديد
أي: هم لحمة له، يقتلهم. إن دنوا يطلبون بثأر أخيهم الذي قتله "ثناهم" ردهم، بعده، بقتلهم.

25 ... وبعينيه، إذ ينوء بأيدي
هم، ويكبو في صائكٍ، كالفصيد
"ينوء": يرفع صدره، لينهض، فلا يقدر. قال مهلهل:
ينوء بصدره، والرمح فيه ... ويخلجه خدبٌ، كالبعير
(1/525)

يخلجه: يجذبه. "يكبو": يعثر. "صائك": دم متغير الريح. "كالفصيد" أي: كالدم الذي قد فصد.

26 ... نظر الليث، همه في فريسٍ
أقصدته يدا نجيدٍ، معيد
"الليث": الأسد. "فريس": ما يفرس. و"أقصدته": قتلته. "نجيد": شجاع. "معيد": معتاد، حاذق بقتل الرجال.

27 ... يا ابن حسناء، شق نفسي، يالج
لاج، خليتني لدهرٍ، شديد
28 ... يبلغ الجهد ذا الحصاة، من القو
م، ومن يلف واهناً فهو مودي
أي: يبلغ جهد ذي الحصاة. ثم أدخل الألف واللام، فقال "الجهد ذا الحصاة"، كما قال الآخر:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... لحقت، فلم أنكل، عن الضرب مسمعا
كانت: عن ضرب مسمعٍ، فلما أدخل عليه الألف واللام نصب. و"الحصاة": العقل والرأي. ومن يلفه الدهر "واهناً"، أي: ضعيفاً، فهو "مود" أي: هالك.
(1/526)

29 ... كل يومٍ، أرمى، ويرمى أمامي
بنبالٍ، من مخطئٍ، وسديد
"نبال": جمع نبل. وإنما يريد ما يصيبه، من القوارع، والمصائب. "سديد": قاصد.

30 ... ثم أوحدتني، وخللت عرشس
بعد فقدان سيدٍ، ومسودِ
"أوحدتني" أي: تركتني وحدي. و"خللت" أي: جعلت فيه الخلل. و"العرش": العز. أي: بعدما فقدت سيداً، ومسوداً، من قومي.

31 ... من رجال، كانوا بحوراً، ليوثاً
فهم، اليوم، صحب آل ثمودِ
"بحوراً" أي: يعطون العطاء الكثير. "ليوثاً: أسوداً. فهم اليوم قد هلكوا، كما هلكت، كما هلكت ثمود.

32 ... خان دهر بهم، وكانوا هم أه
ل عظيم الفعال، والتمجيد
"خان دهر بهم": هلكوا فيه. و"التمجيد": التفضيل.

33 ... مانعي بابة العراق، من النا
س، بجردٍ، تعدو بمثل الأسود
(1/527)

ويروى: "باحة". و"بابة" وباحة سواء. وهي الساحة. ويقال: إن "بابة" في معنى باب. كما قيل: در ودارة.

34 ... كل عامٍ، يلثمن قوماً، بكف ال
دهر، جمعاً، وأخذ حيٍّ حريد
"يلثمن" أي: يضربن. "جمعاً" أي: بجمع كفه. قال: يقال: ضربه بجمع يده. وهو أن يضم الإنسان أصابعه، ثم يضرب بها. "حريد" يعني: منفرد.

35 ... جازعاتٍ، إليهم، خشع الأو
داة، يسقين، من ضياح المديدِ
"جازعات": قاطعات. "خشع": ما اطمأن من الأرض. و"الأوداة": أرض. ويقال: الأوداة: أودية بالشام. و"الضياح": ما مذق من اللبن. و"المديد": ما مدت به، من شيء يخلط لها في مائها، من دقيقٍ، وما أشبه ذلك.

36 ... مسنفاتٍ، كأنهن قنا. الهن
د، ونسي الوجيف شغب المرود
"مسنفات": متقدمات. "كأنهن القنا" من الضمر. و"الوجيف":
(1/528)

ضرب من السير. و"الشغب": أن يشغب، يخالف ولا يستقم. و"المرود": المارد. أي: أذهب الوجيف مرحه، ونشاطه، ولينه.

37 ... مستقيماً بها الهداة، إذا يق
طعن نجداً وصلنه، بنجود
"نجود": جمع نجد. وهو مرتفع من الأرض.

38 ... فأنا، اليوم، قرن أعضب منهم
لا أرى غير كائدٍ، ومكيد
"الأعضب": الذي قد انكسر قرنه. إي: ذهبوا، وتركوني، كأني قرن أعضب. ومثله قول الجعدي:
وسادة قومي، حتى بقي ... ت فرداً، كصيصية الأعضب
والصيصية: القرن.

39 ... غير ما خاضعٍ جناحي، لقومٍ
حين لاح، الوجوه، شب الوقود
أي: وإن كنت قد أصبت بهؤلاء فإني لا أخضع لأحد. "حين لاح الوجوه" أي: غيرها. "شب": اتقادٌ. أي: إذا كانت الحرب، وغيرت وجوه الناس. ومثله:
ولاحت الحرب الوجوه، والسرر
(1/529)

40 ... كان عني يرد درؤك، بعد الل
هـ، شغب المستصعب، المريد
"درؤك": دفعك وقوتك. "شغب": خلاف. "المستصعب": الصعب. "المريد": المارد الخبيث.

41 ... من يردني، بسيئٍ كنت منه
كالشجا، بين حلقه، والوريد
أي: من أرادني بسوءٍ كنت شديداً عليه، كالشجا في حلقه.
و"الشجا": الغصص. و"الوريدان": عرقان في الحلق.

42 ... أسداً، غير حيدرٍ، وملداً
يطلع الخصم، عنوةً، في كؤودِ
"حيدر": قصير. و"ملد": مفعل من الألد. وهو الشديد الخصومة. "يطلع": يحمله على ذاك، ويصعده. "عنوة": كرهاً. و"الكؤود": العقبة الشاقة المصعد.

43 ... وخطيباً، إذا تمعرت الأو
جه، في يوم مأقطٍ، مشهودِ
"
(1/530)

تمعرت": تغيرت. و"المأقط": المضيق في الحرب.

44 ... ومطير اليدين، بالخير، للحم
د، إذا ضن كل جبسٍ، صلودِ
"مطير": تمطر يداه الخير، ليحمد. "ضن": بخل. و"الجبس": الثقيل الوخم. و"الصلود": الذي لا يخرج منه شيء.

45 ... أصلتياً، تسمو العيون إليه
مستنيراً، كالبدر، عام العهودِ
"أصلتي": حسن الوجه، منكشفه. "تسمو" أي: ترتفع إليه. "مستنيراً" أي: مضيئاً. "البدر": القمر ليلة أربع عشرة. و"العهود": الأمطار التي تقع في أول الزمان. وأحسن ما يكون القمر فيها، لقلة غبار الآفاق.

46 ... معمل القدر، نابه النار باللي
ل، إذا همَّ بعضهم، بخمودِ
أي: يعمل قدره، يطبخ فيها، ويطعم الناس. "نابه": ظاهر، مشهور النار بالليل، لترى ناره فتؤتى، ويستدل عليها. "بخمود" أي: بإطفاء النار، لئلا يستدل عليهم. وكان ينبغي أن يقول: بإخماد فقال: بخمود.

47 ... يعتلي الهر، إذ ونى عاجز القوم
م، وينمي للمستتم، الحميدِ
"
(1/531)

يعتلي": يقهر الأمور. "ونى": ضعف وعجز. "ينمي": يرتفع. "للمستتم الحميد" أي: التام الحميد: المحمود من الأمور.

48 ... وإذا، القوم، كان زادهم اللح
م، قصيداً منه، وغير قصيدِ
49 ... بدل الغزو أوجه القوم، سوداً
وغزوا، حين أبدؤوا، غير سودِ
"أبدؤوا": ابتدؤوا، في الذهاب.

50 ... وسما، بالمطي، والذبل الص
م، لعمياء، في مفارط بيدِ
"سما": ارتفع. و"الذبل": القنا. "عمياء": فلاة، لا يبصر طريقها. و"مفارط": صحارى متقدمة، ههنا وههنا. "بيدٌ": جمع بيداء. وهي الفلاة.

51 ... مستحنٍ بها الرياح، فما يج
تابها، بالظلام، كل هجودِ
(1/532)

ويروى: "في الظلام". "مستحنٍ": مستفعل من الحنين. "يجتابها": يدخلها. "هجود": غير نؤوم.

52 ... فتخال العزيف، فيها، غناءً
للندامى، من شاربٍ، مسمودِ
"العزيف" يقال: إنه صوت الجن. "مسمود": ملهى.

53 ... قال: سيروا، إن السرى نهزة الأك
ياس، والغزو ليس بالتمهيدِ
"السرى": سير الليل. "نهزة الأكياس": يصبحون، وقد قطعوا عنهم الطريق. ويقال في مثلٍ: عند الصباح يحمد القوم السرى". "ليس بالتمهيد" أي: يمهد للإنسان، فينام. ويمهد له: يفرش له. أي: من غزا ينبغي له أن يجد.

54 ... وإذا ما اللبون سفت رماد الن
ار، قصراً، بالسملق الإمليدِ
"اللبون": ما كان لها لبنٌ، من الإبل. "سفت" أي: أكلت.
(1/533)

يقول: لا تجد في الأرض شيئاً. و"السملق": المستوي، من الأرض. وكذلك "الإمليد". ويقال: الإمليد والإمليس واحد.

55 ... ناط أمر الضعاف، واجتعل اللي
ل كحبل العادية، الممدودِ
"ناط" أي: حمل وكفى. "اجتعل" أي: جعل. "كحبل العادية" أي: طويلاً متصلاً. و"العادية": البئر القديمة. أي: يسير الليل كله، لا ينثني.

56 ... في ثيابٍ، عمادهن رماحٌ
عند جردٍ، تسمو، سمو الصيد
أي: ثيابه التي يلبسها، إذا نزل نصبها على نفسه وأصحابه، فاستظلوا تحتها. كما قال الآخر:
وظلال أرديةٍ بنيت لفتيةٍ ... يخفقن، بين سوافلٍ وعوالي
وقال بعضهم: يعني ب"الثياب": الألوية، هي في الرماح. يعني أن هذا الرجل يقود القوم، ويسير بلوائهم. "عند جرد" أي: خيل قصار الشعر. "تسمو": ترفع رؤوسها. و"الصيد" واحدها أصيد. وهو البعير الذي به الصاد. وهو داء يرفع له رأسه. ويقال: الصاد والصيد جميعاً.
(1/534)

57 ... كالبلايا، رؤوسها في الولايا
مانحات السموم حر الخدود
أي: هذه الخيل مهازيل، كأنها "البلايا": واحدتها بلية. وهي الناقة يموت صاحبها، فتحبس عند قبره، وتعقل وتعكس وتهجر، وتلقى على ظهرها "الولايا" وهي البراذع، تلقى منكوسةً. "مانحات" أي: موليات خددهن، قد نصبنها للريح السموم.

58 ... إن تفتني فلم أطب، عنك، نفساً
غير أني أمنى، بدهرٍ، كنودِ
"أمنى": أبلى. "كنود": كفور.

59 ... كل عامٍ، كأنه طالبٌ ذح
لاً إلينا، كالثائر، المستقيدِ
أي: كأنه يطلبنا بذحل. و"الثائر": الذي يطلب الثأر. و"المستقيد": الذي يطلب القود. قد قتل له إنسان، فهو يطلب أن يقاد به.
(1/535)

88 وأنشد ابن الأعرابي

1 ... ألا قالت الحسناء، يوم لقيتها:
كبرت، ولم أجزع من الشيب، مجزعا
2 ... رأت ذا عصاً، يمشي عليها، وشيبةً
تقنع، منها، رأسه ما تقنعا
3 ... فقلت لها: لا تهزئي بي، فقلما
يسود الفتى، حتى يشيب، ويصلعا
4 ... وللقارح، اليعبوب، خير علالةً
من الجذع، المزجى، وابعد منزعا
(1/536)

89 وأنشد ابن الأعرابي

1 ... أودى الشباب، فما له، متقفر
وفقدت إخواني، فأين المغبرُ؟
2 ... وأرى الغواني، بعدما واجهنني،
أعرضن، ثمت قلن: شيخ أعورُ!
3 ... ورأين رأساً، صار وجهاً كله
إلا قفاه، ولحيةً ما تضفرُ
4 ... ورأين شيخاً، قد تحنى صلبه
يمشي فيقعس، أو يكب، فيعثر
(1/537)

ويروى: "أوجهنني" أي: كنت عندهن مقبولاً. يقال: أتيت فلاناً فما أوجهني، أي: فما قبلني.
(1/538)

90 وأنشد لنويفع بن لقيطٍ

1 ... فلئن فنيت لقد عمرت، كأنني
غصنٌ، تفيئه الرياح، رطيبُ
(1/539)

2 ... وكذاك حقاً، من يعمر يفنه
كر الزمان، عليه، والتقليبُ
3 ... حتى يصير، من البلى، وكأنه
في الكف أفوق، ناصلٌ، معصوب
(1/540)

4 ... مرط القذاذ، فليس فيه مصنعٌ
لا الريش ينفعه، ولا التعقيب
يقال: سهم. فائقٌ، ومنفاقٌ، وفوقٌ و"أفوق". ويقال: فاق السهم. وأنشد:
عميرة فاق السهم بيني وبينها ... فلا تطعمن الخمر، إن هو أصعدا
(1/541)

91 وقال عوف بن الأحوص
ابن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر:
1 ... ومستنبحٍ، يخشى القواء، ودونه
من الليل بابا ظلمةٍ، وستورها
"ومستنبح" يريد: رب مستنبح. وهو الرجل الذي يستنبح الكلاب، فينبح نباحها. فإذا فعل ذلك نبحته الكلاب، فيعلم بذلك: أين الحي؟ فيقصدهم.

2 ... رفعت له ناري، فلما اهتدى بها
زجرت كلابي، أن يهر عقورها
(1/542)

يريد: رفعت له ناري، ليهتدي بها إلى محلتي، فأقربه، وأحسن ضيافته.

3 ... فلا تسأليني، واسألي عن خليقتي
إذا رد عافي القدر من يستعيرها
"عافي القدر": من عفاها، من الضيفان. أي: من أتاها للقرى شغلها عمن يستعيرها.

4 ... تري أن قدري لا تزال كأنها
لذي الفروة، المقرور، أم يزورها
أي: للرجل ذي الفروة. "مقرور": أصابه القر.

5 ... مبرزةٌ، لا يجعل الستر دونها
إذا أخمد النيران لاح يشيرها
6 ... وكانوا قعوداً حولها، يرقبونها
وكانت فتاة الحي ممن ينيرها
"يرقبونها": ينتظرونها. رقبته: ارتقبته وترقبته ترقباً. "ينيرها": يرفعها بالوقود.

7 ... إذا الشول راحت، ثم لم تفد لحمها
بألبانها، ذاق السنان عقيرها
"
(1/543)

لم تفد لحمها": لم يكن لها لبن، فيشرب، ويترك لحمها. فلما لم يكن لبن نحرت، فأكل لحمها.

8 ... وإني لتراكٌ، لذي الضغن، قد أرى
ثراها، من المولى، فلا أستثيرها
9 ... إذا قيلت العوراء وليت سمعها
سواي، ولم أسأل بها: ما دبيرها؟
"العوراء": الكلمة القبيحة، كما قال:
وما الكلم، العوران، لي بقتولِ
وقال آخر:
إذا سمع العوراء أغضى، كأنه ... أخو صممٍ عنها، ولو شاء لانتصرْ
10 ... تسوق صريم شاءها، من جلاجلٍ
إلي، ودوني ذات كهفٍ، وقورها
(1/544)

يقال: قارةٌ و"قورٌ" وهي: الجبال الصغار. كما قال:
قد أنصف القارة من راماها
11 ... فماذا نقمتم، من بنين، وسادةٍ
بريءٍ لكم، من كل غمرٍ، صدورها؟
12 ... فهم رفعوكم للسماء، فكدتم
تنالونها، لو أن حياً يطورها
يقال: كدت أفعل ذلك. ولا يقال: كدت أن أفعل. وفي كتاب الله عز وجل (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) . وكذلك قال الشاعر "فكدتم*تنالونها" ولم يقل: أن تنالوها.

13 ... ملوكٌ، على أن التحية سوقةٌ
كراسيهم يسعى بها، وصقورها
أي: هم ملوك، على أنهم يحيون تحية السوقة. وقوله: "كراسيهم يسعى بها" أي: إنما قعودهم على الكراسي.

14 ... فإلا يكن مني ابن زحرٍ، ورهطه
فمني رياح: عرفها ونكيرها
"
(1/545)

رياح" الغنوي، وهم ولدوا بني جعفر بن كلاب.

15 ... وكعب، فإني لابنها، وحليفها
وناصرها، حيث استمر مريرها
هذا "كعب" بن ربيعة أخو كلاب، وهم أعمام قائل هذا الشعر.
(1/546)

92 وقال عبيد بن الأبرص
ابن جشم بن عامر بن هر بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار:
1 ... ليس رسم، على الدمين، ببالي
فلوى ذروةٍ، فجنبي أثالِ
2 ... فالمروراة، فالصحيفة قفرٌ
كل وادٍ، وروضةٍ محلال
3 ... دار حي، أصابهم سالف الده
ر، فأضحت ديارهم كالخلال
(1/547)

"الخلال": أجفان السيوف. واحدها خلة. والجمع خلل وخلال. كما قال:
إذا السيوف جردت من الخلل
شبه الديار بنقوش الخلل.

4 ... مقفراتٍ، إلا رماداً غبياً
وبقايا، من دمنة الأطلالِ
5 ... وأواري، قد عفون، ونؤياً
ورسوماً، غيرن، عن أحوال
"أواري" الخيل: مرابطها. "عفون": درسن. و"النؤي": حاجز يحجز الماء، من دخول الخباء.
(1/548)

6 ... تلك عرسي غيرى، تريد زيالي
ألبين، تقوله، أم دلال؟
"أن دلال" أي: تدل. و"عرس" الرجل: امرأته. وقوله "غيرى" من الغيرة. ورجل غيران. ويروى: "تروم زيالي" أي: تطلب "زيالي": مفارقتي. و"البين": الفراق. والبين بالكسر: القطعة من الأرض.

7 ... إن يكن طبك الفراق فلا أح
فل أن تعطفي صدور الجمالِ
8 ... أو يكن طبك الدلال فلو في
سالف الدهر، والسنين الخوالي
9 ... إذ أراها مثل المهاة، وإذ أغ
دو كجذلان، مرخياً أذيالي
"المهاة": واحدة المها. وهي بقر الوحش. قال الأصمعي: إذا ذكر الشاعر البقر فإنما يريد حسن العيون. أي: كنت أراها كالمها وأنا شاب، أسحب أذيالي، من الخيلاء. وواحد "الأذيال": ذيل.
(1/549)

10 ... فدعي مط حاجبيك، وعيشي
معنا بالرجاء، والتأمال
"التأمال": التأميل. "مط حاجبيك": مدهما. يفعل ذلك، عند الأمر يزدرى، ويحتقر.

11 ... واتركي صرمةً، على آل زيدٍ
بالقطيبات، كن من أزوالِ
"الصرمة": العشرة إلى العشرين من الإبل. والذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة, والهجمة: ما بين الخمسين إلى السبعين. وهنيدة: مائة. والعرج: ألف. والبرك: ثلاثة آلاف، أو ألفان. وجمع عرج: عروج.

12 ... لم تكن غزوة الجياد، ولم ين
قب، بآثارها، صدور النعالِ
أي: [لم] تكن هذه الصرمة عن غزوة الجياد، ولكنها تركة رجالٍ أزوالٍ.
(1/550)

13 ... زعمت أنني كبرت، وأني
لا يواتي أمثالها أمثالي
14 ... فبحظٍّ مما نعيش، ولا تذ
هب بك الترهات، في الأهوالِ
"الترهات": الرياح.

15 ... لاه در الشباب، والشعر الأس
ود، والراتكات، تحت الرحالِ
"لاه" يريد: لله. و"الراتكات": الإبل.

16 ... والعناجيج، كالقداح، من الشو
حط، يحملن شكة الأبطال
"
(1/551)

العناجيج": الخيل الطوال الأعناق. واحدها عنجوج.

17 ... ولقد أذعر الوحوش، بطرفٍ
مثل تيس الإران، غير مذال
"مذال": مهان. "أذعر": أروع. و"الطرف": الكريم الطرفين، من آبائه وأمهاته.

18 ... غير أقنى، ولا أقب، ولكن
مرجمٌ، ذو كريهةٍ، ونقالِ
يقال: فرس "أقنى" بين القنى، إذا كان في عظامه انحناء، وفي أضلاعه. و"الأقب": اللاحق البطن بالظهر. وإذا كان ذلك من ضرٍ فهو عيب.

19 ... يسبق الألف، بالمدجج، ذي القو
نس، حتى يؤوب كالتمثالِ
"التمثال": الصورة. و"يؤوب": يرجع. و"المدجج": الذي قد غطاه سلاحه.

20 ... فهو كالمنزع، المريش، من الشو
حط مالت به يمين المغالي
"
(1/552)

المغالي": المرامي. و"المنزع": السهم. و"المريش": الذي ركب عليه الريش. فهو أخف له، وأبعد لذهابه، إذا رمي به.

21 ... يعقر الظبي، والظليم، ويودي
بحلوب المعزابة، المعزالِ
"يعقر الظبي والظليم" لجودته وسرعته. و"يودي": يهلك. و"الحلوب": ما يحتلب. و"المعزابة المعزال": الذي قد عزب سرحه، واعتزل الناس. وربما كان للغارة.

22 ... ولقد أدخل الخباء، على مه
ضومة الكشح، طفلةٍ، كالغزال
"الطفلة": الرخصة اللحم. والطفلة: الصغيرة. "مهضومة الكشح": لطيفته.

23 ... فتعاطيت جيدها، ثم مالت
ميلان الكثيب، بين الرمال
24 ... ثم قالت: فدًى، لنفسك، نفسي
وفداءٌ، لمال أهلك، مالي
(1/553)

25 ... ولقد أقدم الخميس، على الجر
داء، ذات الجراء، والتبغال
"التبغال" ضرب من السير، كالهملجة. و"الخميس": الجيش. و"الجرداء": القصيرة الشعرة. ويروى: "التنقال" وهو: ضرب من الجري. يقال: فرس مناقل في جريه.

26 ... فتقيني، بنحرها، وأقيها
بقضيبٍ، من القنا، غير بالي
27 ... ولقد أقطع السباسب، بالرك
ب، على الصيعرية، الشملال
"السباسب": القفر من الفلوات، لا ينبت. و"الصيعرية": سمة معروفة.

28 ... ثم أبري نحاضها، فتراها
ضامراً، بعد بدنها، كالهلال
"
(1/554)

النخاض": اللحم. واحدها نخض. و"أبريتها": هزلتها. وقوله "كالهلال" أي: من الضمر.

29 ... عنتريسٍ، كأنها ذو وشومٍ
أخدرته، بالجو، إحدى الليالي
"عنتريس": صلبة شديدة. و"ذو وشوم": ثور بيديه ورجليه وشومٌ.
(1/555)

93 وقال المثقب العبدي

1 ... ذاد عني النوم هم، بعد هم
ومن الهم عناء، وسقمْ
2 ... طرقت طلحة رحلي، بعد ما
نام أصحابي، وليلي، لم أنم
3 ... طرقتنا، ثم قلنا، إذ أتت:
مرحباً بالزور، زوراً، إذ ألمْ
4 ... ضربت، لما استقلت، مثلاً
قاله القوال، عن غير وهم
5 ... مثلاً، يضربه حكامنا
قولهم: "في بيته، يؤتى الحكم"
6 ...
(1/556)

فأجبنا، بصوابٍ، قولها
"من يجد يحمد، ومن يبخل يذمْ
7 ... لا تقولن، إذا ما لم ترد
أن تتم الوعد، في شيءٍ: نعم
8 ... فإذا قلت "نعم" فاصبر لها
بنجاح الوعد، إن الخلف ذم
(1/557)

94 وقال الأسود بن يعفر النهشلي

1 ... نام الخلي، وما أحس رقادي
والهم محتضرٌ، لدي، وسادي
(1/558)

يقال: فلان محتضر، إذا حضرته الوفاة، ودنت. وقوله "نام الخلي" أي: الخلي من الهموم والغموم. وفي المثل: "ويل للشجي من الخلي". والشجي: الحزين.

2 ... من غير ما سقمٍ، ولكن شفني
همٌّ، أراه قد أصاب فؤادي
"شفني": جهدني. فهو شفني.

3 ... ومن الحوادث، لا أبا لك، أنني
ضربت علي الأرض، بالأسداد
يقول: سدت علي الفجاج للضعف والكبر. وواحد "الأسداد": سد. وفي القرآن الكريم (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً) .

4 ... لا أهتدي، منها، لموضع تلعةٍ
بين العذيب، وبين أرض مراد
"التلعة": المسيل من الرابية إلى الوادي. والجمع تلاعٌ قال القطامي:
(1/559)

ألم يحزنك أن ابني نزارٍ=أسالا، من دمائهما، التلاعا قال: و"العذيب" على ليلة من الكوفة.

5 ... ولقد علمت سوى الذي أنبأتني
أن السبيل سبيل ذي الأعواد
أراد بقوله "الذي أنبأتني" قالت له: إنك تبقى، وتعيش، وفيك بقيةٌ. و"الأعواد": سرير الميت. أي: إني ميت، ولست كما زعمت.

6 ... إن المنية، والحتوف، كلاهما
يوفي المخارم، يرقبان سوادي
"المخارم": جمع مخرمٍ. وهو منقطع أنف الجبل، وأنف الغلظ. وقوله "يوفي": يقال: أوفيت على الجبل، إذا علوت عليه. قال: ومعنى "يرقبان": ينتظران. و"سواده": شخصه.

7 ... لن يقبلا، مني، وفاء رهينةٍ
من دون نفسي، طارفي، وتلادي
أي: رهينة تكون مني وفاء، دون أخذ نفسي. ثم بين
(1/560)

الرهينة فقال "طارفي وتلادي". قال: والطارف والطريف: ما كان مستحدثاً. والتالد، والتلد، والتلاد، هو الذي يورث عن الآباء. قال الأعشى، أعشى بني بكر:
قسما الطارف، التليد من الما ... ل، فآبا كلاهما ذو مالِ
وإنما جاز أن يقول: الطارف التليد، لأنه كان عند الذين غزوا تالداً، وصار عند من غنمه، وأفاده طريفاً، لأنه أفاده حديثاً، فمن ثم جاز أن يقول: الطارف التليد.

8 ... ماذا أؤمل، بعد آل محرقٍ
تركوا منازلهم، وبعد إيادِ؟
"محرق": من الأزد. و"إياد": من معد.

9 ... أهل الخورنق، والسدير، وبارقٍ
والقصر، ذي الشرفات، من سندادِ
هذه مواضع. "سنداد": أسفل من الحيرة، بينها وبين البصرة.

10 ... أرضٌ، تخيرها، لبرد مقيلها،
كعب بن مامة، وابن أم دوادِ
(1/561)

ويروى: "أرضاً". ويروى: "تخيرها، لدار أبيهم". و"كعب ابن مامة" الإيادي: أحد الأجواد.

11 ... جرت الرياح، على محل ديارهم
فكأنهم كانوا على ميعادِ
12 ... ولقد غنوا، فيها، بأفضل عيشةٍ
في ظل ملكٍ، ثابت الأوتاد
"غنوا فيها": أقاموا فيها. غنيت بالمكان: أقمت به، فأنا أغنى. والمغنى: الموضع الذي يقيمون فيه. وجمع مغنًى: مغانٍ.
13 ... نزلوا بأنقرةٍ، يسيل عليهم
ماء الفرات، يجيء، من أطوادِ
"أنقرة" من الشام. و"الأطواد": الجبال. واحدها طود.

14 ... فإذا النعيم، وكل ما يلهى به،
يوماً، يصير إلى بلى، ونفادِ
15 ... في آل غرفٍ، لو بغيت لي الأسى
لوجدت، فيهم، إسوة العدادِ
"
(1/562)

غرف" هو مالك الأصغر بن حنظلة بن مالك الأكبر. وسمي غرفاً لكثرة جوده.

16 ... ما بعد زيدٍ، في فتاةٍ، فرقوا
قتلاً، ونفياً، بعد طول تآدي؟
يقال: آداني الرجل. أعداني. ويقال: آديته: أعديته. وقال الأصمعي: كان المنذر بن ماء السماء خطب، على رجلٍ من أصحابه، امرأة من بني زيد بن مالك بن حنظلة، فأبى تزويجه، فنفاهم، فنزلوا مكة. والمرأة أم كهفٍ.

17 ... إما تريني قد بليت، وغاضني
مانيل، من بصري، ومن أجلادي
أي: بليت هرماً. و"غاضني": نقصني. يقال: غاض الزمن من لحمه ودمه، أي: نقص. وغاض الماء: نقص. و"أجلاده": جسمه.

18 ... وعصيت أصحاب البطالة، والصبا
وأطعت عاذلتي، وذل قيادي
(1/563)

أراد ب"البطالة": اللهو. يقال: بطال بين البطالة، وبطل بين البطالة.

19 ... فلقد أروح، إلى التجار، مرجلاً
مذلاً بمالي، ليناً أجيادي
أي: لم أكبر. يقال: إني لأجد في مفاصلي امذلالاً، أي: استرخاء. وقال الأصمعي: هو "مذل بماله" أي: مسترخ فيه، لين سهل. و"الأجياد": جمع جيد. وهو العنق.

20 ... ولقد لهوت، وللشباب بشاشةٌ،
بسلافةٍ، مزجت، بماء غوادي
"السلافة": الخمر التي تخرج عفواً، بغير عصر. والسلافة: أول شيء، يعصر. والسلافة في غير ذا: المتقدمون. وقوله "بماء غوادي" أراد: سحائب أتت، فمطرت بالغداة.

21 ... من خمر ذي نطفٍ، أغن، منطقٍ
وافى، بها، لدراهم الأسجاد
"
(1/564)

النطف": القرطة. والواحدة: نطفة. و"الأسجاد": النصارى. عن غير الأصمعي. وقال ابن الأعرابي: دراهم الأكاسرة، عليهم صورهم، لأنهم يكفرون لهم، ويسجدون.

22 ... يسعى بها ذو تومتين، مشمرٌ
قنأت أنامله، من الفرصاد
"التومة": مثل الدرة، تعمل من فضة. "قنأت": أحمرت. و"الأنامل": جمع أنملة. قال: و"الفرصاد": التوت. يقول: كأنه، بمعالجته الخمر، يعالج التوت. فقد احمرت أنامله.

23 ... والبيض، يرمين القلوب، كأنها
أدحي بين صريمةٍ، وجماد
يقال: بيضاء و"بيض". وقوله "كأنها*أدحي" يريد: بيض أدحي. فحذف البيض، كما قال الآخر:
فكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب؟
(1/565)

يريد: كخلالة أبي مرحب و"الأدحي": حيث تبيض النعام. وهو أفعول من "دحوت"، لأنها تدحوه بأرجلها، وهو للقطا أفحوصٌ.

24 ... ينطقن مخفوض الحديث، تهامساً
فبلغن ما حاولن، غير تنادي
"تهامساً": خفياً. "ما حاولن": ما طلبن، من غير رفع الأصوات بالتنادي. وقال الأصمعي: أراد: أنهن يبلغن، من الرجال، ما أردن، بأيسر سعيهن.

25 ... والحور تمشي، كالبدور، وكالدمى
ونواعمٌ، يمشين، بالأرفادِ
"الحور": جمع حوراء. وهي الشديدة بياض بياض العيون، في شدة سواد سوادها. و"الدمى": الصور.

26 ... ينطقن معروفاً، وهن موانعٌ
بيض الوجوه، رقيقة الأكبادِ
(1/566)

27 ... ولقد غدوت، لعازب، متحفرٍ
أحوى المذانب، مؤنقِ الرواد
"العازب": المتراخي عنك، من الكلأ، لم يرعه أحد. فهو تام. "متحفرٌ": حفرته الغيوث، والسيول. و"المذانب": مجاري الماء إلى الرياض. واحدها: مذنب. و"الرائد": الذي يطلب الكلأ. "مؤنق": معجب. و"أحوى": قد اشتدت خضرته، فضربت إلى السواد.

28 ... جادت سواريه، فآزر نبته
نفأٌ، من الصفار، والزباد
"النفأ": المتفرق. و"جادت" من الجود، من المطر. و"السواري": التي تسري، أي: أمطار تأتي ليلاً. والغوادي: التي تأتي بالغداة. "آزر" أي: ساوى، ولحق به، فصار مثله. ويقال: آزر الغلام أباه، أي: لحق به. قال امرؤ القيس بن حجر:
بمحنيةٍ، قد آزر الضال نبتها ... مضم جيوشٍ، غانمين
(1/567)

29 ... بالجو، فالأمرات، حول مرامرٍ
فبضارج، فقصيمة الطراد
30 ... بمقلصٍ، عتدٍ، شديدٍ أسره
قيد الأوابد، والرهان، جواد
ويروى: "عتد، جهيرٍ شده". وقوله "بمقلص" أي: مشمر في ارتفاعه."عتد": على عدة للجري. "قيد الأوابد ":إذا أرسل على الأوابد قيدها، من شدة سرعته، فلا تبرح. وقوله "جهير شده" يريد: سريع عدوه، فلا يدخرك شيئاً. قال: وكذلك يقال: بئر جهيرةٌ، ومجهورة. ويقال فيه أيضا: جهيز، بالزاي، وهو السريع. ومنه قيل: أجهز عليه، أي: عجل موته، إذا كان بآخر رمقٍ.

31 ... فيصيدنا العير، المدل بشأوه
بشريج بين الشد، والإروادِ
ويروى: "والإيراد". ويروى: يشوي لنا الوحد، المدل بشأوه" أي: يصيره شواء لنا. و"الوحد": الفرد من البقر، خاصة. وقوله "المدل بشأوه" أي: بحضره، الواثق به. و"الشأو":
(1/568)

الطلق. و"الشريج": الضرب من الجري "بين الشد والإرواد يقال: أرود إرواداً، إذا لم يرسل عنانه.

32 ... ولقد تلوت الظاعنين، بحرةٍ
أجدٍ، مهاجرة السقاب، جماد
"تلوت": تبعت. وقوله "الظاعنين" يريد: الذين ظعنوا، أي: بانوا عنه. ويروى: "بجسرةٍ" أي: بناقةٍ، جسورٍ على الهول. "مهاجرة السقاب" أي: لم تضع فترضعها السقاب، فتضعف. "جماد": قليلة الدر واللبن. وسنة جماد: قليلة المطر.

33 ... عيرانةٍ، سد الربيع خصاصها
ما يستبين، بها، مقيل قرادِ
"
(1/569)

عيرانة" أي: كأنها عير فلاةٍ، في صلابته. وأراد بقوله "خصاصها": هزالها وضعفها. أي: كساها الربيع لحماً. وقوله "ما يستبين بها مقيل قراد" من السمن, أي: هي ملساء.
(1/570)

95 وقال ربيعة بن مقرومٍ الضبي
أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة:
1 ... ألا، صرمت مودتك الرواع
وجد البين، منها، والوداعُ
"صرمت": قطعت. و"الرواع" امرأة. و"الوداع" بفتح الواو: الفراق. و"البين" القطيعة.

2 ... وقالت: إنه شيخ، كبيرٌ
فلج بها، ولم تزغ، امتناعُ
ويروى: "فجد بها". يقال: "لج" الرجل يلج. وتقول: لججت، بكسر الجيم الأولى، كقولك: عضضت ومسست. "لم تزع": لم تكف. تقول: وزعته، إذا كففته. وأوزعته إذا أغريته؛ قلت
(1/571)

له: خذ خذ. قال زهير:
فنهنهها ساعة، ثم قا ... ل للوازعيهن: خلوا السبيلا
فالوازع: الموزع الحابس.

3 ... فإما أمس قد راجعت حلمي
ولاح علي، من شيبٍ، قناعُ
4 ... فقد أصل الخليل، وقد نآني
وغب عداوني كلأٌ، جزاع
"جزاع": قاض على نفسه. و"الكلأ": ما رعي. وهو مقصور، مهموز. وكذلك صدأ الحديد، والرشأ، والملأ، والنبأ. وفي كتاب الله عز وجل: (قل: هو نبأ عظيم) .

5 ... وأحفظ، بالمغيبة، أمر قومي
فلا يسدى، لدي، ولا يضاعُ
(1/572)

6 ... ويسعد بي الضريك، إذا اعتراني
ويكره جانبي البطل، الشجاعُ
"الضريك": الفقير. "اعتراني": ألم بي. ويقال: عراني، واعتراني، وعرني، واعترني، وعفاني، واعتفاني. وفي القرآن الكريم: (القانع والمعتر) . فالقانع: السائل. يقال: قنع يقنع قنوعاً، إذا سأل قال الشماخ:
لمال المرء، يصلحه، فيغني ... مفاقره، أعف من القنوعِ
أي: من سؤال الناس.

7 ... ويأبى الذم، لي، أني كريمٌ
وأن محلي القبل، اليفاعُ
قال: "القبل": ما أقبل عليك، من الجبل. و"اليفاع": الموضع العالي، المشرف. قال الشاعر:
وأشرف بالقور، اليفاع، لعلني ... أرى نار ليلى، أو يراني بصيرها
8 ... وأني، في بني بكر بن سعدٍ،
إذا تمت زوافرهم، مطاع
(1/573)

أراد بقوله "زوافرهم": عددهم وجمعهم.

9 ... وملمومٍ جوانبها، رداح
تزجى، بالرماح، لها شعاع
"ملموم": مجمع. أي: كتيبة لم جوانبها، فلم تنتشر. "لها شعاع" أي: للأسنة شعاع: بريق وضوء. و"رداح": ثقيل.

10 ... شهدت طرادها، فصبرت نفسي
إذا ما هلل النكس، اليراع
"النكس": الضعيف. وأصل ذلك أنه ولد منكوساً. وهو اليتن الذي تخرج رجلاه، قبل رأسه.

11 ... وخصمٍ، يركب العوصاء، طاطٍ
عن المثلى، غناماه القذاع
"العوصاء": العويص. عن "المثلى": الخلة المثلى، والأمر الأمثل. وأراد بقوله: "غناماه": غنيمته. و"القذاع": السباب. تقول: قاذعت الرجل قذاعاً، ومقاذعة.
(1/574)

12 ... طموح الرأس، كنت له لجاماً
يخيسه له، منه، صقاع
"الصقاع": حديدة في اللجام. "يخيسه": يذلله. وبذلك سمي سجن الكوفة مخيساً. ويروى عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه أفضل السلام:
ألا تراني كيساً، مكيساً ... بنيت، بعد نافعٍ، مخيسا
13 ... إذا ما انآد قومه، فلانت
أخادعه، النواقر، والوقاع
"انآد": اعوج. من الأود، وهو الاعوجاج. والمعنى: إذا ما انآد قومه النواقر والوقاع، فلانت أخادعه. و"النواقر والوقاع": ما ينقره به ويقعه.

14 ... وأشعث، قد جفا عنه الموالي
لقى كالحلس، ليس له زماع
"لقى": ملقى "كالحلس، ليس له زماع"، ولا رأيٌ ولا نفسٌ.
(1/575)

15 ... ضرير، قد هنأناه، فأمسى
عليه، في معيشته، اتساعُ
قوله "ضرير" أي: ذو ضر. وقوله "قد هنأناه" أي: أعطيناه. وفي المثل: "إنما سميت هانئاً لتهنأ".

16 ... وماءٍ، آجنِ الجمات، قفرٍ
تعقم، في جوانبه، السباع
"آجم": متغير. يقال: ماء آجن وأجن، للماء المتغير. وقوله "تعقم" أي: تحتفر.

17 ... وردت، وقد تهورت الثريا
وتحت وليتي وهم، وساع
"الولية" وجمعها ولايا: ما ولي ظهور الإبل، دون الأقتاب. و"الوهم": العظيم الضخم. "وساع": ليس بقطوفٍ.

18 ... جلالٌ، مائر الضبعين، تخدي
به يسرات ملزوزٍ، سراع
(1/576)

لز فهو "ملزوز". "جلال": عظيم. و"الضبعان": العضدان. وخدت "تخدري": سارت. والوخد: ضرب من السير. "يسرات" اليد: سرعة اليد.

19 ... له برةٌ، إذا ما لج عاجت
أخادعه، فلان لنا النخاع
يقال منه: أبريت الناقة، إذا جعلت لها "برة". و"عاجت": ثنت وعطفت. و"الأخادع": العنق، ههنا. والأخدعان: موضع المحجمة. ويقال للرجل: لان نخاعه، إذا أطاع وذل.

20 ... كأن الرحل، منه، فوق جأب
أطاع له، بمعقلة، التلاع
واحدة "التلاع": تلعة. وهي مسيل الماء، من الربية إلى الروضة. و"الجأب": الغليظ، من الحمر.

21 ... تلاعٌ، من رياضٍ، أتأقتها
من الأشراط، أسميةٌ، تباع
واحدة "الرياض": روضة. "أتأقتها": ملأنها. و"الأشراط": نوء من الأنواء. وهو الشرط. و"أسميةٌ" يريد: أمطارًا. "تباعٌ": متتابعةٌ.
(1/577)

22 ... فآض محملجًا، كالكر، لمت
تفاوته شآميةٌ، صناعُ
"آض": رجع. "الكر": الحبل، وجمعه كرور، وهو يتخذ من ليفٍ، يصعد عليه النخل. "لمت": جمعت. "تفاوته": تفاوت الكر. "شآمية": امرأة. "صناع": حاذقة. يقال في مثل "لا تعدم صناع ثلة، ولا خرقاء علة". ويقال: رجل صنع، أي: حاذق.

23 ... يقلب سمحجًا، قوداء، طارت
نسيلتها، بها بنقٌ، لماعُ
"لماع": تلمع. و"السمحج" ههنا: الأتان. "قوداء": طويلة العنق. و"النسيلة": العفاء، وهو شعر الحمارة. و"بها بنق": مثل البنائق. و"السمحج": الطويلة على الأرض. وهي من الخيل. قال الحارث بن حلزة:
وظباء محنيةٍ، ذعرت، بسمحج
24 ... إذا ما أسهلت، فنبت عليه،
ففيه، مع تجاسرها، اطلاع
"
(1/578)

أسهلت": صارت في سهل، من الأرض. وأحزنت: صارت في الحزن. وأوعثت: صارت في الوعث. وأوعرت: صارت في الوعر. "فنبت": من النبو. ففي هذا الجأب اطلاع عليها، مع تجاسرها، وسرعة مرها.

25 ... تجانف، عن شرائع بطن غمرٍ
وجد به، عن السيف، الكراع
ويروى: "ولج به، عن السيف، الكراع" أي: مضى فيه. و"الكراع": طريقة، تنقاد من الحرة. والحرة: الأرض ذات الحجارة السود.

26 ... وأقرب موردٍ، من حيث راحا،
أثالٌ، أو غمارٌ، أو نطاعُ
هذه كلها مواضع. و"المورد": الطريق إلى الماء.

27 ... فأوردها، ولون الصبح داجٍ
وقد لغبا، وفي الفجر انصداعُ
"داجٍ": مظلم. يقال: دجا يدجو، إذا أظلم. "لغبا": تعبا. يقال: لغب يلغب لغوبًا.

28 ... فصبح، من بني جلان، صلا
عطيفته، وأسهمه، المتاعُ
"
(1/579)

جلان: حي من عنزة. "صل" أي: حية صفًا. ويقال للرجل، إذا كان داهية: صل صفاة. و"المتاع": القوس والسهام.

29 ... إذا لم يجتزر، لبنيه، لحمًا
طريًا، من هوادي الوحش، جاعوا
"يجتزر": يجزر. و"هوادي الوحش": أوائلها، وإن شئت: أعناقها. والهادي: العنق. كما قال القطامي:
إني، وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك، إلا ضربة الهادي
30 ... فارسل مرهف العيرين، حشرًا
فخيبه، من الوتر، انقطاع
31 ... فلهف أمه، وانصاع، يهوي
له رهجٌ، من التقريب، شاعُ
(1/580)

96 وقال أيضاً

1 ... تذكرت، والذكرى تهيجك، زينبا
وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
2 ... وحل بفلجٍ، فالأباتر، أهلها
وشطت، فحلت غمرةً، فمثقبا
هذه كلها أسماء مواضع.

3 ... فإما تريني قد تركت لجاجتي
وأصبحت مبيض العذارين، أشيبا
4 ... وطاوعت أمر العاذلات، وقد رأى
عليهن أباء القرينة، مشغبا
"أباء القرينة" يريد: النفس. و"مشغب": شديد الشغب عليهن، لا يواتيهن.
(1/581)

5 ... فيا رب خصمٍ قد كففت دفاعه
وقمت، منه درأه، فتنكبا
"درؤه": خلافه. ومنه: تدارأنا في الأمر، أي: اختلفنا فيه. وادارأنا، إذا أدغمت. وفي القرآن الكريم (فادارأتم فيها) أي: اختلفتم.

6 ... ومولًى، على ضنك المقام، نصرته
إذا النكس أكدى نصره، وتذبذبا
"ضنك المقام": ضيق المقام. و"نكسٌ" يريد: ضعيف الجسم، لا غناء عنده. "أكدى نصره": لم ينصر.

7 ... وأضياف ليلٍ، في شمالٍ عريةٍ،
قريتُ، من الكوم، السديف المرعبا
"الترعيب": كثرة المخ، وامتلاء العظام. وقوله "شمال عريةٍ" هي التي تمحق السحاب. و"الكوم": العظام الأسنمة.

8 ... وواردةٍ، كأنها عصب القطا
تثير عجاجاً، بالسنابك، أصهبا
(1/582)

9 ... وزعت بمثل السيد، نهدٍ، مقلصٍ
جهيرٍ، إذا عطفاه، ماء تحلبا
"وزعت": حبست وكففت. و"السيد": الذئب شبه فرسه به. و"النهد": العظيم موضع عقب الفارس. "جهير": شديد الجري. ويقال ركيةٌ جهيرٌ، إذا استنبط ماؤها.

10 ... وأسمر، خطيٍّ، كأن سنانه
شهاب غضًى، شيعته، فتلهبا
أراد: وزعت بمثل السيد وب"أسمر خطي". يعني: رمحاً نسبه إلى الخط. وهي قرية بالبحرين، تحمل إليها الرماح. "شيعته": أعنته بلهبٍ، أو حطب، "فتلهب" أي: اشتعل.

11 ... وفتيان صدقٍ، قد صبحت سلافةً
إذا الديك، في جوشٍ، من الليل، طربا
12 ... بعاتقةٍ، صهباء صرفٍ، وتارةً
تعاور أيديهم شواءً، مضهبا
"عاتقة": عتقت في الدن. و"المضهب": الملهوج.
(1/583)

13 ... ومشحوطةٍ بالماء، ينبو حبابها
إذا المسمع، الغريد، منها تحنبا
"تحنب": عطف رأسه. ويروى: "صرفاً" بالنصب، على معنى: وفتيان صدقٍ قد صبحت سلافة صرفاً، ومشحوطةً. و"حبابها": حباب الماء. وهي النفاخات. و"المسمع": المغني. غرد تغريداً إذا صاح.

14 ... وسربٍٍ، إذا غص الجبان بريقه،
حميت، إذا الداعي إلى الروع ثوبا
ويروى: "وسرب". "السرب": الجماعة من النساء. وكذلك هو من الظباء، والقطا. "غص ابريقه": لم يقدر أن يسيغه، خوفاً. و"ثوب": دعا دعوةً، ثم عاد، فدعا أخرى وأخرى.

15 ... ومربأةٍ أوفيت، جنح أصيلةٍ،
عليها، كما أوفى القطامي مرقبا
"المربأة": موضع الديدبان. "أوفيت": علوت. وقوله "أصيلة" أي: عشية. و"جنحها" إذا ولت ومالت. "كما أوفى": كما علا. و"القطامي": الصقر. و"المرقب": المكان العالي.

16 ... ربيئة جيشٍ، أو ربيئة مقنبٍ
إذا لم يقد وغلٌ، من القوم، مقنبا
(1/584)

نصب "ربيئة" على الحال. يقول: أوفيت هذه المربأة، ربيئة جيشٍ. و"الربيئة": الطليعة. وهو أيضاً: الديدبان. و"المقنب": الجماعة من الخيل.

17 ... فلما انجلى، عني، الظلام دفعتها
يشبهها الرائي سراحين، لغبا
"انجلى" الشيء إذا انكشف. وواحد "السراحين": سرحان. وهو الذئب. وواحد "لغب": لاغب. وهي التي قد مسها اللغوب. وهو النصب.

18 ... إذا ما علت حزناً برت صهواته
وإن أسهلت أذرت غباراً، مطنبا
إذا ما علت هذه الخيل حزناً برت صهواته. الهاء ل"الحزن" وهو: الغليظ من الأرض. و"صهواته": ظهوره. وواحد الصهوات: صهوة. وإن "أسهلت" أي: صادفت سهلاً، من الأرض. و"المطنب" هو الساطع، الذاهب في السماء، يتبع بعضه بعضاً.

19 ... فما انصرفت، حتى أفاءت رماحها
سبياً وعرجاً، كالهضاب، معزبا
"أفاءت رماحها" أي: أصابت فيئاً. و"العرج": ألف من الإبل.
(1/585)

وهنيدة: مائة. وهي معرفة، لا يدخلها الألف واللام.

20 ... وإني من قومٍ، تكون رماحهم
لأعدائهم، في الحرب، سما مقشبا
21 ... مغاوير، لا تنمي طريدة خيلهم
إذا أوهل الذعر الجبان المركبا
"مغاوير": جمع مغوار. ومعنى "لا تنمي طريدة خيلهم" أي: لا تغيب عن أعينهم، ولا تباعد. وقال "المركب": الذي يستأجر فرساً، فما أصاب فله بعضه، ولصاحب الفرس بعضه.

22 ... ونحن سقينا، من فريرٍ، وبحترٍ
بكل يدٍ منا، سناناً، وثعلبا
ويروى: "قرين". و"الثعلب" أراد: ثعلب الرمح. و"فريرٌ وبحترٌ": من طيئ.

23 ... ومعنٍ، ومن حيي ثمامة، غادرت
عميرة، والصلخم يكبو، ملحبا
(1/586)

24 ... ويوم جراد استلحمت أسلاتنا
يزيد، ولم يمرر لنا قرن أعضبا
25 ... وقاظ ابن حصنٍ، عانياً، في بيوتنا
يعالج محموراً، من القد، مصحبا
وروى الحزنبل: "مخموساً" أي: على خمس قوى. و"المحمور": الذي لم يفتل ختى قشر وبره عنه. وهو "المصحب". و"قاظ": من القيظ. و"العاني": الأسير.

26 ... وفارس مودونٍ، أشاطت رماحنا
وأجزرن مسعوداً ضباعاً، وأذؤبا
وروى الحزنبل: "مردودٍ". وهو: جد المسامعة. و"أجزرن مسعوداً": جعلنه للضباع، والذئاب، جزوراً.
(1/587)

97 وقال متمم بن نويرة

1 ... أرقت، ونام الأخلياء، وعادني
مع الليل همٌّ، في الفؤاد، وجيعُ
واحد "الأخلياء": خليٌّ وهو الذي لا هم له. وقوله: "وجيع" أي: موجع، كما قالوا: أليم، أي: مؤلم. والأرق: السهر. "أرقت": سهرت.

2 ... وهيج، لي، حزناً تذكر مالكٍ
فما نمت، إلا والفؤاد مروع
"مروع": مفعول من الروع. تقول: راعني الأمر فأنا مروعٌ، وهالني فأنا مهول.

3 ... إذا عبرةٌ، ورعتها، بعد عبرةٍ
أبت، واستهلت عبرةٌ، ودموعُ
"
(1/588)

ورعتها": حبستها وكففتها. ومعنى "استهلت": انصبت بوقعٍ، كما يستهل الصبي إذا صاح.

4 ... كما فاض غربٌ، بين أقرن قامةٍ
يروي دباراً ماؤه، وزروعُ
ويروى: "تروى دبارٌ ماءه وزروع". و"الغرب": الدلو العظيمة. "أقرن": ما علق عليه البكرة. و"الدبار": واحدتها دبارة ودبرة: مشارات الزرع. و"زروع" لم يعطفها على "دبار". يريد: وزروعٌ مرواةٌ على هذا التأويل رفعها.

5 ... رقيع الكلى، واهي الأديم، تبينه
عن الشط زوراء المقام، نزوعُ
"رقيع الكلى": مرقوعٌ. والكلى: رقاع، تكون في عرى المزادة والدلو. و"واهي": ضعيف. و"نزوع": ركية قريبة القعر. وإذا كانت بعيدة القعر قيل لها: متوحٌ.

6 ... لذكرى حبيبٍ، بعد هدءٍ، ذكرته
وقد حان، من تالي النجوم، طلوع
"
(1/589)

تالي النجوم" يعني: الشمس.

7 ... إذا رقأت عيناي ذكرني به
حمامٌ، تنادى في الغصون، وقوعُ
تقول: "رقأت عيناي" إذا كف دمعهما. وتقول: لا أرقأ الله دمعك، ولا يرقئ الله دمعك. جزم لأنك تدعو عليه. وكذلك: لا يفضض الله فاك.

8 ... دعون هديلاً، فاحتزنت لمالكٍ
وفي القلب، من وجدٍ عليه، صدوع
يقول: هذا الحمام إذا صاح احتزنت لمالك. "احتزنت": افتعلت من الحزن. ويقال: حُزْنٌ وحَزَنٌ، وشُغْلٌ وشَغَلٌ، وعُرْبٌ وعَرَبٌ، وعُجْمٌ وعَجَمٌ.

9 ... كأن لم أجالسه، ولم أمسِ ليلةً
اراه، ولم نصبح، ونحن جميعُ
10 ... فتًى، لم يعش يوماً، بذمٍّ، ولم يزل
حواليه، ممن يجتديه، ربوع
"
(1/590)

من يجتديه": يسأل ما عنده. تقول: اجتديت الرجل، إذا سألت ما عنده. قوله "ربوع" أي: أحياء من الناس شتى، كم قال لبيد:
وأخلف في ربوعٍ، عن ربوعِ
11 ... له تبعٌ، قد يعلم الناس أنه
على من يداني صيف، وربيع
"تبع": واحدهم تابع. "على من يداني" أي: من يقاربه، من الناس، ويأتيه.

12 ... وراحت لقاح الحي جدباً، تسوقها
شآميةٌ، تزوى الوجوه، سفوع
"راحت جدباً" أي: مهازيل، لأنها لا تجد كلأ، ولا مرعى. و"شآمية": ريح شآمية. "تزوى" بفتح التاء، أي: تقبض، من كراهتها. "سفوع": تسود الوجوه.
(1/591)

13 ... وكان إذا ما الضيف حل بمالكٍ
تضمنه جارٌ، أشم، منيع
"منيع": ممتنعٌ من الضيم. "أشم": حسن الأنف، ورجال شم، وفي أنفه شمم. ومعنى "أشم" ههنا: عزيز. لم يرد به الأنف بخاصةٍ.
(1/592)

98 وقال بشر بن أبي خازمٍ
يفتخر، ويذكر قومه:
1 ... ألا، بان الخليط، ولم يزاروا
وقلبك، في الظعائن، مستعارُ
"الخليط": من خالطهم. وهو يقع على الواحد، والجميع. وواحد "الظعائن": ظعينة. وهي المرأة في الهودج. وقوله "وقلبك في الظعائن مستعار" يقول: قد شغفنك، وذهبن بعقلك. جعل ذلك عاريةً.

2 ... أسائل صاحبي، ولقد اراني
بصيراً، بالظعائن، حيث صاروا
يقول: أسائل صاحبي عنهن، وأين سلكن وتوجهن؟ وأنا عالم بهن، اهتماماً بأمرهن، وعناية به.

3 ... يؤم، بها، الحداة مياه نخلٍ
وفيها، عن أبانين، ازورارُ
"
(1/593)

أبانين": جبلين. قال الأصمعي: أبان الأسود، وأبان الأبيض. وواحد "الحداة": حادٍ.

4 ... أحاذر أن تبين بنو عقيلٍ
بجارتنا، فقد حق الحذار
"عقيل": ابن كعب بن ربيعة بن عامر. "تبين": تنقطع وتفارق. يقال: بان الرجل يبين بيناً، إذا فارق وانقطع. والبين: الفراق.

5 ... فلأياً ما قصرت الطرف، عنهم
بقانيةٍ، وقد تلع النهار
"لأياً": بطيئاً. يقال: التأت علي الحاجة، إذا أبطأت. والتوت: تعذرت. ويقال: التأت تلتئي التئاء. و"قانيةٌ": أكمةٌ. ويقال: "تلع النهار" إذا ارتفع. وكذلك متع.

6 ... بليلٍ ما أتين، على أرومٍ
وشابة، عن شمائلها تعار
"أرومٌ وشابة وتعار": جبالٌ وراء الربذة، وأنت تريد مكة.
(1/594)

7 ... كأن ظباء أسنمةٍ عليها
كوانس، قالصاً عنها المغار
"أسنمة": مكان أو جبل. والألف من "أسنمة" تفتح وتضم. "كوانس": قد دخلت في الكناس. و"المغار": الذي تكون فيه. شبه الكناس بالمغار. ويقال: قد قلصت أغصان الشجر التي كنست تحتها. فهو أبين لها. شبههن بالظباء، وشبه الهوادج بالكناس.

8 ... يفلجن الشفاه، عن اقحوانٍ
جلاه، غب ساريةٍ، قطار
"يفلجن الشفاه": يفتحنها عند التبسم. وقوله "عن اقحوان" يعني: أسنانهن. شبهها بالأقحوان. و"السارية": المطر، يكون ليلاً. ونصب "غب" على الحال. والغب: بعد يومٍ أو ليلةٍ.

9 ... وفي الأظعان آنسةٌ، لعوبٌ
تيمم أهلها بلداً، فساروا
"لعوب": مزاحة. و"الآنسة" جمعها أوانس: اللواتي يأنسن، ويتحدثن إلى الرجال، من غير ريبةٍ. و"تيمم": قصد.
(1/595)

10 ... من اللائي، غذين، بغير بؤسٍ
مساكنها القصيبة، والأوار
ويروى: "من اللاتي". وكل صوابٌ. و"البؤس" الضر. و"القصيبة والأوار": مكانان.

11 ... غذاها قارصٌ، يجري عليها
ومحضٌ، حين تبتعث العشار
"القارص": الذي قد أخذ طعماً في السقاء، ولما يحمض. أي: حين تبتعث العشار للميرة، فلا يصاب اللبن. يقول: فلها المحض في الجدب، وفي الخصب ما أوعت. و"العشار": اللقاح. والعشار: التي قد دنا نتاجها. ويقال: هي التي أتت عليها، من لقاحها، عشرة أشهرٍ.

12 ... نبيلة موضع الحجلين، خودٌ
وفي الكشحين، والبطن، اضطمارُ
"الحجلان": الخلخالان. و"نبيلة": عظيمة. وقوله "وفي الكشحين والبطن اضطمار": أي ضمرٌ.

13 ... ثقالٌ، كلما رامت قياماً
وفيها، حين تندفع، انبهار
"
(1/596)

ثقال" يقال: امرأةٌ ثقالٌ، ورزانٌ، وحصانٌ، وحجر ثقيل، ورزين، وجمل ثقال. "انبهار" إذا مشت أخذها البهر، لأنها غير معتادةٍ للمشي. هي منعمةٌ. يقال: انبهرت انبهاراً.

14 ... فبت مسهداً، أرقاً، كأني
تمشت، في مفاصلي، العقار
"المسهد": هو الأرق. فكرر لما اختلف اللفظان. و"العقار": الخمر. سميت بذلك، لمعاقرتها الدن، أي: ملازمتها إياه. "تمشت": دبت.

15 ... أراقب، في السماء، بنات نعشٍ
وقد عطفت، كما عطف الظؤار
ويروى: "وقد دارت كما". "بنات نعشٍ" لا تغيب مع النجوم، وهي تدور، وتنعطف في وسط السماء، حتى يبهرها ضوء الفجر، فلا ترى.

16 ... وعاندت الثريا، بعد هدءٍ
معاندةً، لها العيوق جار
"العيوق": نجم محاد الثريا. ومعنى "عاندت": عارضت.
(1/597)

و"الثريا": مقصور، مصغر. وتكبيرها: الثروى. دخل قطرب على الرشيد فقال له: كيف تصغر الثريا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هي مصغرة. قال: فما تكبيرها؟ قال: الثروى. قال: فهلا قلت: الثريا. قال: لأنها من ثروت من بنات الواو, قال: أصبت. قال: ويقال: ثرا الشيء، إذا كثر. وهذه كواكب ثرت أي: كثرت.

17 ... فيا للناس، للرجل، المعنَّى
يطول الدهر، إذ طال الحصار
قوله "للرجل المعنى" يريد نفسه.

18 ... فإن تكن العقيليات شطت
بهن، وبالرهينات، الديار
"شطت*بهن" أي: بعدت الديار بهن. وقوله "بالرهينات" يعني: القلوب، أي: ارتهن قلوبنا.

19 ... فقد كانت لنا، ولهن، حتى
زوتنا الحرب، أيام، قصار
(1/598)

[ويروى] : "زوتها": صرفتها عنا. ومعنى قوله "أيام قصار" أي: يقصرها اللهو. قال الشاعر:
ويومٍ، كإبهام القطاة، محببٍ ... إلي صباه، معجبٌ لي باطله
أي: هو كإبهام القطاة، في قصره. وقال طرفة:
وتقصير يوم الدجن ...
أي: يقصره باللهو، والسرور:
20 ... ولما أن رأيت الناس صاروا
أعادي، ليس بينهم ائتمار
"أعادي": جمع أعداء. يقال: عدو وأعداء وأعادٍ. وقد يكون العدو واحداً، وجمعاً. وفي كتاب الله عز وجل: (فإنهم عدو لي) . "ائتمار": مؤامرة.

21 ... مضى سلافنا، حتى نزلنا
بأرضٍ، قد تحامتها نزارُ
قوله: "سلافنا" أي: متقدموهم. "تحامتها": اجتنبتها. "نزار" يعني: ربيعة ومضر وإياد وأنمار.
(1/599)

22 ... وشبت طيئ الجبلين حرباً
تهر لشجوها، منها، صحار
"طيئ الجبلين" نسبهم إلى الجبلين. وطيئ لهم جبلان، وهما أجأ وسلمى. و"تهر": تبكي. و"صحار" قبيلة من جهينة. وقال أبو عبيدة: صحار: عمان. وقال ابن الكلبي: صحار: قوم من العرب، وهم أول من أصحر، فسموا بذلك.

23 ... يسدون الشعاب، إذ رأونا
وليس معيذهم منا انجحار
"الشعاب": واحدها شعب. "يسدونها" لئلا ندخلها عليهم. أي: يصيرون فيها، من مخافتنا.

24 ... وحل الحي، حي بني سبيعٍ،
قراضيةً، ونحن لهم إطار
"سبيع": ابن عمرو، من بني ذبيان، ثم من بني ثعلبة بن سعد. وقال أبو عبيدة "قراضية" بضم القاف. و"نحن لهم إطار" أي: محدقون بهم.

25 ... وخذل، قومه، عمرو بن عمرو
كجادع أنفه، وله انتصار
"
(1/600)

عمرو بن عمرو" بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارمٍ. وكان فارس بني دارم. ومعنى قوله "خذل قومه" قال: لا تقاتلوا.

26 ... وأدنى عامرٍ، حياً، جميعاً
عقيل، بالمرانة، والوبار
"عامر": ابن صعصعة. و"عقيل" وقشير هما ابنا كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. و"الوبار" هم ولد وبر بن كلاب.

27 ... يسومون الصلاح، بذات كهفٍ
وما فيها، لهم سلعٌ، وقار
ويروى: "يسومون الوسوق، بذات كهف". و"الوسوق": الأحمال. "يسومون": يطالبون. "الصلاح": المصالحة. و"ذات كهف": موضع. و"سلع وقار": شجرتان. وقال أبو عبيدة: وقار: تسويد لوجوههم، ومرارة.

28 ... وأصعدت الرباب، فليس منها
بصاراتٍ، ولا بالحبس، نار
"أصعدت الرباب": تركت بلادها، وارتفعت. و"صارات والحبس": موضعان.
(1/601)

29 ... فحاطونا القصا، ولقد رأونا
قريباً، حيث يستمع السرارُ
"حاطونا القصا": تباعدوا عنا، وهم حولنا. وقال الشيباني: لم ينصرونا، وهم منا "حيث يستمع السرار" قرباً. ويروى: "فحاطونا القصاء، وقد رأونا". وهي رواية الحزنبل.

30 ... وبدلت الأباطح، من نميرٍ،
سنابك، يستثار بها الغبار
وطئت الخيل منازلهم، فجلوا عنها. و"سنابك": واحدها سنبكٌ. وهو مقدم الحافر. وواحد "الأباطح": أبطح.

31 ... وليس الحي، حي بني كلابٍ،
بمنجيهم، ولو هربوا، الفرار
"كلاب" وكعبٌ: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة. أي: ليس ينجيهم الهرب، وإن هربوا.

32 ... وقد ضمزت، بحرتها سليمٌ
مخافتنا، كما ضمز الحمار
(1/602)

"الحرة": الأرض ذات الحجارة السود. ومعنى "ضمزت" أي: سكتت. والضامز من الإبل: الذي لا يرغو. و"سليم" وهوزان: ابنا منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. "مخافتنا" يريد: من مخافتنا.

33 ... وأما أشجع، الخنثى، فولوا
تيوساً، بالشظي، لها يعارُ
"الخنثى": الذي له ما للذكر، وما للمرأة. و"أشجع": ابن ريث ابن غطفان. "يعار": صوت المعزى. يقال: يعرت الشاة تيعر يعاراً.

24 ... ولم نهلك، لمرة، إذ تولوا
صاروا، سير هاربةٍ، فغاروا
"
(1/603)

لم نهلك لمرة": لم نستوحش لهم، ولم نفتقدهم. و"مرة" الذي عنى: مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان.

35 ... كفينا من تغيب، فاستبحنا
سنام الأرض، إذ قحط القطار
"سنام الأرض": وسطها، وأكرمها، وأمنعها. وواحد "القطار": قطر. يقول: نزلنا حيث شئنا، إذ أمسكت السماء، وأجدبت البلاد، لعزنا.

36 ... بكل قياد مسنفةٍ، عنودٍ
أضر بها المسالح، والغوار
"مسنفة" بكسر النون، وهي المتقدمة، في أوائل الخيل. والمسنفة، بفتح النون: التي قد شد حزامها بسنافٍ، إلى لببها، لئلا يتأخر السرج. "عنودٌ": تعند عن الطريق، لنشاطها. و"المسالح": المواضع التي يستعمل فيها السلاح. و"الغوار": مصدر غاور غواراً، ومغاورة.

37 ... مهارشة العنان، كأن فيها
جرادة هبوةٍ، فيها اصفرار
"مهارشة العنان": كأنها تتناول العنان، بجحافلها، كما قال:
مهارش العنان بالجحافل
(1/604)

جعلها جرادة، وجعلها صفراء، لأن الصفر منها ذكرانٌ، وهي أخف، والإناث أثقل لحملها. وإنما أراد الخفة.

38 ... كأني بين خافيتي عقابٍ
تقلبني، إذا ابتل العذار
شبه فرسه، بعد كلالها، وابتلال عذارها بالعرق، بالعرق، بعقاب انقضت على صيدٍ. وهكذا توصف الجودة، كما قال عمرو بن معديكرب:
إذا ما الركض أسهل جانبيه ... تهزم ركض مبتركٍ، جلاح
39 ... نسوفٌ، للحزام، بمرفقيها
يسد، خواء طبيبها، الغبار
"نسوف للحزام" إذا لم تدع من مدى حلقها، وقبضها، شيئاً. وقال "سنوف" وذلك أنها تدفع الحزام، من شدة رجع يديها إذا أحضرت، كما قال:
ودافعة الحزام بمرفقيها ... كشاة الربل، أفلتت الكلابا
وقال: ما بين كل طبيين خواء. وهي أربع فُرجٍ.

40 ... تراها، من يبيس الماء، شهباً
مخالط درةٍ، منها، غرارُ
"
(1/605)

يبيس الماء": العرق. وذلك أن العرق إذا جف ابيض. و"الدرة": العرق. يقول: لا يبطئ عرقها ولا يعجل. ويستحب ذلك من الفرس، ألا يكون هشاً، ولا صلداً. وذلك قوله "مخالط درةٍ منها، غرار" يقول: مخالط درتها - وهو عرقها- غرار، أي: منع، وارتجاع للعرق، فلا تعرق. و"الغرار": أن تحلب الناقة، فتغار حالبها غراراً، فترد اللبن في الضرة. وهي عروق الخلف. قال الراعي:
متى ما تجد نائله علينا ... فلا بخلاً نخاف، ولا غرارا
41 ... بكل قرارةٍ، من حيث جالت،
ركية سنبكٍ، فيها انهيار
شبه آثار الحوافر بالركايا، وواحدتها ركيةٌ. فإذا رفعت حوافرها جذب، فهدم. فكأنها ركية منهارةٌ. و"السنبك": مقدم الحافر. وجمعه سنابك.

42 ... وخنذيذٍ، ترى الغرمول، منه
كطي الزق، علقه التجار
"الخنذيذ": الخصي. وهو الفحل أيضاً. هذا الحرف من الأضداد، كما قالوا: جون، للأبيض والأسود، وكما قالوا: السدف، للضوء والظلمة.
(1/606)

قال: والخنذيذ أيضاً: الكريم الطويل، كما قال الشاعر:
وخناذيذ، خصيةً، وفحولا
"والغرمول": موضع الذكر. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي: الغرمول: قنب الجردان. ويقال للجمل: ثيلٌ.

43 ... يضمر بالأصائل، فهو نهدٌ
أقب، مقلص، فيه اقورارُ
"فهو نهد" يقول: طل موضع منه فهو ضخم، إلا موضعاً واحداً، وهو البطن. وفيه يستحب الضمر. و"الأقب": اللاحق البطن بالظهر. قال: يقال: فرس أقب بين القبب. و"الاقورار": الضمر. يقال: خيل مقورةٌ، أي: ضامرةٌ.

44 ... كأن سراته، والخيل شعثٌ
غداة وجيفها، مسدٌ، مغارُ
"سراته": ظهره. وسراة كل شيء: ظهره. "وجيفها": خببها. "مسدٌ": حبل من ليفٍ, "مغار": شديد الفتل. تقول: أغرت الحبل إغارة، إذا شددت فتله. وقال الأصمعي: يقال: لجاد ما أغير هذا!
(1/607)

45 ... يظل يعارض الركبان، يهفو
كأن بياض غرته خمار
46 ... كأن حفيف منخره، إذا ما
كتمن الربو، كير، مستعار
هفا "يهفو": عجل وأسرع. وهفا قلبه: طار قلبه، يهفو فهو هافٍ. "كأن بياض غرته خمار" أي: بياض خمار. ويجوز أن يكون أراد أن الغرة سائلة، فشبهها بطول الخمار. وهو وجهٌ، ولكن التفسير الأول أجود.

47 ... أرى أمراً، له ذنبٌ طويلٌ
على مقراه كفلٌ، أو حصارُ
"الكفل": الكساء، يلف على السنام، ويركب.

48 ... ولا ينجي، من الغمرات، إلا
براكاء القتال، أو الفرار
"براكاء القتال": شدته، يبركون، فلا يبرحون. و"الغمرات" يريد: غمرات الحرب. واحدتها غمرة.
(1/608)

99 وقال بشر أيضاً

1 ... أحقا ما رأيت، أم احتلام؟
أم الأهوال، إذ صحبي نيامُ
2 ... ألا، ظعنت لنيتها أدام
وكل وصال غانية رمام
"ظعنت": رحلت. "لنيتها": لبعدها، وقصدها الوجه الذي تريده. و"إدام": امرأة. "وصال": مصدر واصلت وصالا، ومواصلة. وقال أبو زيد: "الغانية": المرأة الشابة، كان لها زوج، أو لم يكن. و"رمام": خلق. يقال: أخلق الثوب إخلاقا، وخلق خلوقةً.

3 ... جددت لحبها، وهزلت حتى
كبرت، وقيل: إنك مستهامُ
"
(1/609)

جددت" يعني نفسه. من الجد. يقال: جد فهو جاد. و"هزلت" من الهزل. وهو اللعب. "مستهام": ذاهب العقل.

4 ... وقد تغنى، بنا، حيناً، ونغنى
بها، والدهر، ليس له دوامُ
5 ... ليالي تستبيك، بذي غروبٍ
كأن رضابه، وهناً، مدام
"غروب": جمع غرب. وغرب كل شيء: حده. و"رضابه" يريد: ماء الأسنان. "وهنا": بعد ليل. "مدام": خمر. سميت بذلك، لأنها أديمت في الدن.

6 ... وأبلج، مشرق الخدين، فخم
يسن، على مراغمه، القسام
"أبلج: أبيض. ومنه قيل: قد ابتلج الصبح. "يسن": يصب. "مراغمه": يقال: قد رغم أنفه. والرغام: التراب. وأرغم الله أنفه. و"القسام": الحسن.

7 ... تعرض جابة المدرى، خذولٍ
بصاحة، في أسرتها السلام
"جابة المدرى": حادته، تجوب به كل شيء، أي: تقطع به. "
(1/610)

تعرض" [منصوب] على المصدر. و"جأبة المدرى": قصيرة المدرى. وهو القرن، وجمعه مدار. "خذول": خذلت صواحبها، وتأخرت عنهن، على ولدها. و"الأسرة" واحدتها سرارة، وهي بطون الرياض. و"صاحة": موضع. و"السلام" يريد: السلم، وهو شجر، واحدته سلمة.

8 ... وصاحبها غضيض الطرف، أحوى
يضوع فؤادها، منه، بغامُ
"غضيض الطرف": فاتر الطرف. ويقال: "أحوى" بين الحوة، وهو لون بين الكمتة والشقرة والسواد. "يضوع فؤادها": يحركه. وقال الشاعر:
فريخان، ينضاعان في الفجر، كلما ... أحسا دوي الريح أو صوت ناعب
9 ... وخرقٍ، تعزف الجنان، فيه
فيافيه يحن، بها، السهام
"خرق": أرض واسعة. "تعزف" عزفاً. والعزف: صوت الدف. وتقول: عزفت نفسي عن ذلك، إذا لم ترده. و"الجنان" الجن. و"الفيافي" واحدتها: فيفاة. وهي المفازة. "يحن" من الحنين.
(1/611)

10 ... ذعرت ظباءها، متغوراتٍ
إذا ادرعت، لوامعها، الإكام
"متغورات" يقول: قد تغورن في الكناس، دخلن فيه. وغرن أيضاً. وإنما يتغورن في الظهيرة. "لوامعها" يعني: الآل. و"الإكام" واحدتها أكمة.

11 ... بذعلبةٍ، براها النص، حتى
بلغت نضارها، وفنى السنام
فني و"فنى" واحد، وفني أفصح، ولكنه مضطر إليه. "ذعلبة": خفيفة. "براها": هزلها. و"النص": شدة السير. يقال: نصصتني إلى كذا وكذا، أي: اضطررتني إليه. و"نضارها": نفسها وخالصها. والنجار والنضار واحد. وقوله "حتى*بلغت نضارها" يقول: لم يبق منها إلا عتقها وكرمها.

12 ... كأخنس، ناشطٍ، باتت عليه
بحربة ليلةٌ، فيها جهام
"كأخنس" أي: كثور وحشٍ في أنفه خنشٌ وهو تطامن الأرنبة.
(1/612)

و"ناشط": قاطع بلداً إلى بلدٍ. و"حربة": موضع. "جهام": سحاب قد أراق ماءه.

13 ... فبات يقول: أصبح، ليل، حتى
تجلى، عن صريمته، الظلام
"أصبح، ليل" على الدعاء، ورفع "ليل"، يستبطئ الليل، لما هو فيه، من المطر والجهد. "صريمته" أي: رملته. والصريمة: رملة تنقطع من الرمل. وقال أبو عبيدة: الصريم: الصبح. والصريم: الرمل. وقال أبو عمرو: الصريم: الليل. وقال أيضاً: والصريم: المصروم.

14 ... فأصبح ناصلاً، منها، ضحياً
نصول الدر، أسلمه النظام
فأصبح الثور "ناصلاً" أي: خارجاً، كخروج الدر من النظام، إذا "أسلمه" أي: انقطع. و"النظام": الخيط ينظم الدر.

15 ... ألا، أبلغ بني سعدٍ رسولاً
ومولاهم، فقد حلبت صرام
"
(1/613)

صرام": حرب. قال الأصمعي: صرام، بالفتح. وقال أبو عمرو الشيباني: صرام، بالضم.

16 ... نسومكم الرشاد، ونحن قومٌ
لتارك ودنا، في الحرب، ذام
"ذام": عيب. تقول: ذمت الرجل أذيمه، إذا عبته. وفي كتاب الله، عز وجل: (اخرج منها مذؤوماً مدحوراً) . وفي المثل: "لا تعدم الحسناء ذاماً" أي: عيباً. وهذا من: ذمت الرجل فأنا أذيمه، وأذمه وأذأمه.

17 ... فإذ صفرت عياب الود، منكم،
ولم يك بيننا، فيها، ذمامُ
"صفرت": خلت وفرغت. وأراد ب"عياب الود": القلوبز يقول: إذ خلت قلوبكم من ودنا.

18 ... فإن الجزع، بين عريتناتٍ
وبرقة عيهمٍ، منكم، حرام
"الجزع": ما تثنى، من الوادي. و"برقة" وجمعه براق: موضع يجتمع فيه رمل وحاً، أو رمل وطين. و"عيهم": مكان.
(1/614)

19 ... سنمنعها، وإن كانت بلاداً
بها تربو الخواصر، والسنام
"تربو الخواصر والسنام" أي: تسمن، أي: هي بلاد مخصبةٌ.

20 ... بها قرت لبون الناس، عيناً
وحل به، عزاليه، الغمامُ
أي: قرت لبون الناس بها، عيناً، لأنها مكلئةٌ.

21 ... وغيث، أحجم الرواد عنه
له نفل، وحوذانٌ، تؤامُ
"والنفل": مثل الرطبة. و"الخوذان": نبتٌ. وأراد بقوله "تؤام" أي: أزواجٌ.

22 ... تغالى نبته، واعتم، حتى
كأن منابت العلجان شامُ
"تغالى نبته": كثر. و"اعتم": طال. و"العلجان": نبتٌ أسود. يقول: كأنها شام، في الأرض.

23 ... أبحناه، بحي، ذي حلالٍ
إذا ما ريع سربهم أقاموا
"
(1/615)

الحلال": جمع حلةٍ، وهي مائة بيت، عن الأصمعي. و"السرب": المال الراعي. "ريع": أفزع. ومعنى قوله "أقاموا" يريد: أنهم يقيمون، لعزهم، ومنعتهم.

24 ... وما يندوهم النادي، ولكن
بكل محلةٍ، منهم، فئامُ
قال أبو عمرو: "ما يندونا" هذا المجلس، أي: ما يسعنا. و"النادي": المجلس. وهو الندي والمنتدى.

25 ... وما تسعى رجالهم، ولكن
فضول الخيل ملجمةٌ، قيام
يقول: لا تمشي رجالنا. عند كل رجل منا فرس، وعندنا بعد ذلك فضول خيلٍ، ملجمةٌ قيامٌ.

26 ... فباتت ليلةً، وأديم يومٍ
على الممهى، يجز لها الثغامُ
قال الحزنبل: "الممهى": ماء لبني غني، عذب.

27 ... فلما أسهلت، من ذي صباحٍ
وسال بها المدافع، والإكام
"
(1/616)

المدافع": واحدها مدفع. و"الإكام": جمع أكمة. "أسهلت" الخيل: وافقت السهولة. وأجبلت وأحزنت، إذا وافقت الجبل والحزونة.

28 ... أثرن عجاجةً، فخرجن منها
كما خرجت، من الغرض، السهام
29 ... لكل قرارةٍ، من حيث جالت،
ركية سنبك، فيها انثلام
"القرارة": مستقر الماء، في الوادي، أو ما تطامن من الأرض. وقوله "ركية سنبك" شبه آثار حوافرها بالركايا.

30 ... إذا خرجت أوائلهن، شعثاً
مجلحةً، نواصيها قيامُ
"مجلحة" في عدوها، لا يردها شيء. وواحدة "النواصي" من الخيل وغيرها: ناص.

31 ... بأحقيها الملاء، محزماتٍ
كأن جذاعها، أصلاً، جلام
حقو و"أحقي". و"جلام": جمع جلم. وهو الذي يقطع به الخياط
(1/617)

الثياب، ويجز به الصوف وغيره. شبه "جذاعها" - وهي أفتاء الخيل - بهذه الجلام، في دقتها. وقال أبو عبيدة: الجلام: غنم قليلات الصوفن طوال الأرجل. وقال أبو تمامٍ: الجلمة: الغريض. وهو الحولي من ولد المعز يري: ان الخيل دقت، وضمرت.

32 ... يبادرن الأسنة، مصغياتٍ
كما يتفارط، الثمد، الحمام
33 ... ألم تر أن طول الدهر يسلي
وينسي، ومثلما نسيت جذام؟
34 ... وكانوا قومنا، فبغوا علينا
فسقناهم، إلى البلد، الشآمي
وروى الفزاري:
فسقناهم، فقد تهموا، وشاموا
(1/618)

35 ... وكنا، دونهم، حصناً حصيناً
لنا الرأس، المقدمُ، والسنام
36 ... وقالوا: لن تقيموا، إن ظعنّا
فكان لنا، وقد ظعنوا، مقام
37 ... أثافٍ، من خزيمة، راسياتٌ
لنا حل المناقب، والحرام
ويروى: "أثافي من خزيمة". و"المناقب": واحدها منقبٌ. وهي خصال الخير. و"الأثافي": دودان وكاهل، بنو أسد بن خزيمة. "راسيات": ثابتات.

38 ... فإن مقامنا، ندعو عليكم،
بأبطح ذي المجاز، له أثامُ
"عليكم": على جذام، لأنهم فارقوهم.
(1/619)

100 وقال مالك بن الريب
ابن حوط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم:
1 ... ألا، ليت شعري: هل أبيتن ليلةً
بجنب الغضى، أزجي القلاص النواجيا؟
2 ... فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه
وليت الغضى ماشى الركاب، لياليا
(1/620)

3 ... لقد كان في أهل الغضى، لو دنا الغضى،
مزار، ولكن الغضة ليس دانيا
4 ... ألم ترني بعت الضلالة، بالهدى
وأصبحت، في جيش ابن عفان، غازيا؟
5 ... دعاني الهوى، من أهل ودي، وصحبتي
بذي الطبسين، فالتفت ورائيا
6 ... أجبت الهوى، لما دعاني، بعبرةٍ
تقنعت منها، أن ألام، ردائيا
7 ... أقول، وقد حالت الكرد دوننا:
جزى الله عمراً خير ما كان جازيا
(1/621)

8 ... إن الله يرجعني، من الغزو، لا أرى
وإن قل مالي، طالباً ما ورائيا
9 ... لعمري، لئن غالت خراسان هامتي
لقد كنت، عن بابَيْ خراسان، نائيا
10 ... فلله دري، يوم أترك طائعاً
بني، بأعلى الرقمتين، وماليا
11 ... ودر الرجال الشاهدين تفتكي
بأمري، ألا يقصروا، من وثاقيا
12 ... ودر الظباء، السانحات، عشيةً
يخيرن أني هالكٌ من أماميا
13 ... ودر الهوى، من حيث يدعو صحابه
ودر لجاجاتي، ودر انتهائيا
14 ... ودر كبيري، اللذين كلاهما
علي شفيقٌ، ناصحٌ، ما ألانيا!
15 ...
(1/622)

تقول ابنتي، لما رأت وشك رحلتي:
مسيرك، هذا، تاركي لا أباليا
16 ... تذكرت من يبكي علي، فلم أجد
سوى السيف، والرمح الرديني، باكيا
17 ... وأشقر، خنذيذ، يجر عنانه
إلى الماء، لم يترك له الموت ساقيا
18 ... ولكن بأكناف السمينة نسوةٌ
عزيز عليهن، العشية، ما بيا
19 ... صريعٌ، على أيدي الرجال، يقفرةٍ
يسوون لحدي، حيث حم قضائيا
20 ... ولما تراءت، عند مرو، منيتي،
وطال بها سقمي، وحانت وفاتيا
(1/623)

21 ... أقول لأصحابي: ارفعوني، فإنني
يقر، بعيني، أن سهيل بدا ليا
22 ... فيا صاحبَي رحلي، دنا الموت، فانزلا
برابيةٍ، إني مقيمٌ، لياليا
23 ... أقيما علي، اليوم، أو بعض ليلةٍ
ولا تعجلاني، قد تبين ما بيا
24 ... وقوما، إذا ما استل روحي، فهيئا
لي السدر، والأكفان، عند فنائيا
25 ... وخطا، بأطراف الأسنة، مضجعي
وردّا، على عيني، فضل ردائيا
26 ... ولا تحسداني، بارك الله فيكما،
من الأرض، ذات العرض، أن توسعا ليا
27 ... خذاني، فجراني ببردي، إليكما
فقد كنت، قبل اليوم، صعباً قياديا
(1/624)

28 ... وكنت كغصن البان، هبت له الصبا
أرجل فيناناً، يصيد الغوانيا
29 ... وقد كنت صباراً، على القرن، في الوغى
وعن شتمي ابن العم، والجار، وانيا
30 ... وقد كنت عطافاً، إذا الخيل أحجمت
سريعاً، لدى الهيجاء، عضباً لسانيا
31 ... فيوماً تراني في طلاءٍ، ومجمعٍ
ويوماً تراني، والعتاق ركابيا
32 ... ويوماً تراني في رحى، مستديرة
تخرق أطراف الرماح ثيابيا
33 ... وقوما، على بئر الشبيك، فأسمعا
بها الوحش، والبيض، الحسان الروانيا
(1/625)

34 ... بأنكما خلفتماني، بقفرةٍ
تهيل علي الريح، فيها، السوافيا
35 ... ولا تنسيا عهدي، خليلي، إنني
تقطع أوصالي، وتبلىعظاميا
36 ... ولن يعدم البانون بيتاً، يجنني
ولن يعدم الميراث، مني، المواليا
37 ... يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني
وأين مكان البعد، إلا مكانيا؟
38 ... غداة غدٍ، يا لهف نفسي، على غدٍ
إذا ادلجوا عني، وأصبحت ثاويا
39 ... وأصبح مالي، من طريف وتالدٍ،
لغيري، وكان المال بالأمس ماليا
(1/626)

40 ... فيا ليت شعري: هل تغيرت الرحى
رحى السفر، أو أمست بفلجٍ كما هيا؟
41 ... إذا القوم حلوها جميعاً، وأنزلوا
بها بقرأ، حور العيون، سواجيا
42 ... رعين، وقد كاد الظلام يجنها
يسفن الخزامى، غضةً، والأقاحيا
43 ... وهل ترك العيس، المراقيل بالضحى
تغاليها، تعلو المتان، الفيافيا
44 ... إذا عصب الركبان، بين عنيزةٍ،
ونجران، عاجوا المبقيات، النواجيا؟
45 ... فيا ليت شعري: هل بكت أم مالكٍ
كما كنت، لو عالوا بنعيك، باكيا؟
46 ...
(1/627)

إذا مت فاعتادي القبور، وسلمي
على الرمس، أسقيت السحاب، الغواديا
47 ... تري جدثاً، قد جرت الريح فوقه
تراباً، كلون القسطلاني، هابيا
48 ... رهينة أحجارٍ، وتربٍ، تضمنت
قرارتها، مني، العظام البواليا
49 ... فيا صاحباً، إما عرضت فبلغن
بني مالك والريب أن لا تلاقيا
50 ... وعطل قلوصي، في الركاب، فإنها
ستبرد أكباداً، وتبكي بواكيا
(1/628)

51 ... أقلب طرفي، حول رحلي، فلا أرى
به، من عيون المؤنسات، مراعيا
52 ... وبالرمل مني نسوةٌ، لو رأينني
بكين، وفدين الطبيب، المداويا
53 ... فمنهن أمي، وابنتاها، وخالتي
وباكيةٌ أخرى، تهيج البواكيا
54 ... وما كان عهد الرمل، عندي، وأهله
ذميماً، ولا ودعت بالرمل قاليا
55 ... ترحل أصحابي عشاءً، وغادروا
أخا جدثٍ، في غربة الدار، ثاويا
(1/629)

101 وقال علقمة بن عبدة التميمي

1 ... هل ما علمت، وما استودعت، مكتومُ؟
أم حبلها، إذ نأتك، اليوم مصروم
"مصروم": مقطوع. تقول: صرمت الحبل، أي: قطعته. وأنا صارم، وهو مصروم. وقد أصرم الرجل، فهو مصرم، إذا قل ماله. وفي المثل: "كلأ ييجع المصرم منه كبده". وذلك أنه ينظر إلى كلأ، قد انتهى وحسن، وليس له مالٌ يرعاه، فيغتم لذلك.

2 ... أم هل كبيرٌ، بكى، لم يقضِ عبرته
إثر الأحبة، يوم البين، مشكومُ؟
"العبرة": الدمع. "إثر الأحبة" منصوب على الظرف. و"يوم البين": يوم القطيعة. بان يبين بيناً إذا انقطع. "مشكوم"
(1/630)

تقول: شكئت الرجل، إذا أعطيته. ويروى: "مشتوم". ويروى أيضاً: "مسؤوم" من شئمت، أي: مللت وغرضت، فأنا أسأم سآمةً.

3 ... ولم أدرِ، بالبين، حتى أزمعوا ظعناً
كل الجمال، قبيل الصبح، مزمومُ
"بالبين": بالانقطاع أو الخروج. "أزمعوا" أي: أجمعوا. "ظعناً": مصدر ظعنت. و"مزموم": من قولك: زممت البعير أزمه زماً، إذا اتخذت له زماماً.

4 ... عقماً، ورقماً، تظل الطير تتبعه
كأنه، من دم الأحواف، مدموم
"الرقم": المكتب من الثياب. "تظل الطير تتبعه" تحسبه لحماً نيئاً، من حمرته، أو تحسبه دماً عبيطاً. "مدموم": ملطخٌ. تقول: دممت الشيء أدمه دماً، إذا سويته.

5 ... رد الإماء جمال الحي، فاحتملوا
فكلها بالتزيديات، معكومُ
"الإماء": جمع أمةٍ. ويقال للجميع: أموانٌ. والثلاث إلى العشر: آمٍ. تمثيله أفعلٌ، مثل أذؤبٍ وأكلبٍ، وأجدٍ وأجرٍ.
(1/631)

و"التزيديات": ثيابٌ، منسوبةٌ إلى تزيد: حيٍّ من اليمن.

6 ... يحملن أترجةً، نضخ العبير بها
كأن تطيابها، في الأنف، مشموم
يعني: يحملن امرأةً كريح الأترجة. و"العبير": طيب النساء. وقوله "تطيابها" يريد: طيبها. يقال: شممت، ومسست، وعضضت، وضننت.

7 ... كأن فأرة مسكٍ في مفارقها
للباسط، المتعاطي، وهو مزكوم
واحد "المفارق": مفرقٌ. زكم فهو "مزكوم" وبه زكمةٌ. و"الباسط": المتناول.

8 ... فالعين، مني، كأن غربٌ تحط به
دهماء، حاركها بالقتب محزوم
"الغرب": الدلو العظيمة. شبه انحدار الدمع، وسيلانه بسيلان الماء من الغرب. و"الحارك": مقدم السنام. وهو الغارب. "دهماء": ناقةٌ.
(1/632)

9 ... قد أدبر العر، عنها، وهو شاملها
من ناصع القطران، الصرف، تدسيم
10 ... تسقي مذانب، قد مالت عصيفتها
جدورها، من أتي الماء، مطموم
واحد "المذانب": مذنبٌ. "مطموم": ممتلئ. و"الأتي": السيل يأتيك من غير بلدك. وكذلك رجل أتاوي أي: غريب. و"عصيفتها": من العصف. وهو ورق النبات كله. قال الله عز وجل: (فجعلهم كعصف مأكول) . ويروى: "عقيصتها" بالقاف.

11 ... من ذكر سلمى، وما ذكر الأوان بها
إلا السفاه، وظن الغيب ترجيمُ
"سلمى" امرأة. "الأوان": ظرفٌ. والجمع آونة، على أفعلة. و"رجم" الغيب: ما لا يعلم.

12 ... صفر الوشاحين، ملء المرط، خرعبةٌ
كأنها رشاءٌ، في البيت، ملزومُ
(1/633)

صفر مجال الوشاحين: دقيقة الخصر. "ملء المرط": عجزاء. و"الرشأ": الظبي.

13 ... هل تلحقني بأولى الخيل، إذ شحطوا،
جلذيةٌ، كأتان الضحل، علكوم؟
"علكوم": شديدة غليظة. "شحطوا": تباعدوا. "جلذية": ناقة عظيمة. "الضحل": الماء القليل. و"أتان الضحل": حجرٌ يكون في الماء. ويقال: إنه أصلب الحجارة، لسيلان الماء عليه. شبه الناقة بهذا الحجر، الذي على طريق السيل. ويروى: "هل تلحقني بأولى القوم" و: "أولى الحي".

14 ... قد عريت زمناً، حتى استقل لها
كترٌ، كحافة كير القين، ملمومُ
"قد عريت" فلم تركب. يقول: فذلك أقوى لها.
(1/634)

و"كير القين" وكوره: موقد ناره. و"القين": الحداد. "ملموم": مجتمعٌ. و"كتر": سنام.

15 ... تلاحظ السوط، شزراً، وهي ضامزةٌ
كما توجس طاوي الكشح، موشوم
"الشزر" النظر بمؤخر العين. "ضامزة": ساكتةٌ، لا ترغو. "كما توجس": كما نظر. وقوله "طاوي الكشح" يعني ثوراً. "موشوم" أي: موشوم القوائم. والوشم: خطوطٌ سودٌ، في يديه، ورجليه.

16 ... كأنها خاضبٌ، زعرٌ قوادمه
أجنىله، باللوى، شريٌّ وتنومُ
"كأنها خاضبٌ" أي: ظليم. "زعرٌ": قليلة الريش. و"قوادم" الجناح: أطول ريش فيه. "أجنى له": أدرك له. و"اللوى": الطريق في الرمل. و"الشري": ورق الحنظل. و"التنوم": نباتٌ.

17 ... يظل في الحنظل، الخطبان، ينقفه
وما استطف، من التنوم، مجذوم
"
(1/635)

الخطبان": التي فيها خطوط صفر. و"ما استطف": ما أدرك. و"التنوم": الشاهدانج البري. وقوله: "مجذوم" أي: مقطوع.

18 ... فوهٌ، كشق العصا، لأياً تبينه
أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
"لأيا": بطيئاً. أصم و"أسك" واحد. وقوله "مصلوم" أي: مصطلم الأذنين.

19 ... حتى تذكر بيضاتٍ، وهيجه
يوم رذاذٍ، عليه الريح، مغيوم
"الرذاذ": مطر ضعيفٌ. "عليه الريح" أي: تستقبله.

20 ... فلا تزيده، في مشيه، نفقٌ
ولا الزفيف، دوين الشد، مسؤوم
"
(1/636)

مسؤوم": مملول. يقال: سئمته أسأمه. ويروى: "نفقٌ". يقال: فرس نفقٌ، إذا كان قصير الغاية.

21 ... وضاعةٌ، كعصي الشرع جؤجؤه
كأنه، بتناهي الروض، علجوم
"عصي الشرع" يعني: العود. "جؤجؤه": صدره. و"الشرع": الوتر. و"علجوم": ضفدعٌ كبير.

22 ... يأوي إلى حزقٍ، زعرٍ قوادمها
كأنهن، إذا بركن، جرثوم
"حزق": جماعات. "زعرٌ": قليلة ريش القوادم. يقال: امرأة فرعاء، إذا كانت كثيرة الشعر. وامرأة زعراء إذا كانت قليلة الشعر. و"الجرثوم": ما احتمل السيل، من رملٍ، فجمعه في أصل شجرة.

23 ... فطاف طوفين، بالأدحي، يقفره
كأنه حاذرٌ، للنحس، مشهوم
"الأدحي": موضع البيض. والجمع أداحي. وقوله "مشهوم" أراد: أنه حديد الفؤاد.
(1/637)

24 ... حتى يوافي، وقرن الشمس مرتفعٌ،
أدحي عرسين، فيه البيض مركوم
25 ... يوحي إليها، بإنقاضٍ، ونقنقةٍ
كما تراطن، في أفدانها، الروم
يقال: أنقض "إنقاضاً" إذا دعا أولاده. و"النقنقة": ضربٌ من صوته، أيضاً. والنقيق: صوت الضفادع. والإنقاض: دعاء الإبل. و"الفدن": القصر. وجمعه أفدان. شبه إنقاضه بكلام الروم، يقول: لا يفهم هذا، ولا ذاك يفهم.

26 ... صعلٌ، كأن جناحيه، وجؤجؤه
بيتٌ، أطافت به خرقاء مهجوم
"صعل": صغير الرأس. و"الخرقاء": التي ليست بصناعٍ.

27 ... تحفه هقلةٌ، سطعاء، خاضعةٌ
تجيبه بزمارٍ، فيه ترنيم
(1/638)

28 ... بل كل قومٍ، وإن عزوا، وإن كثروا
عريشهم، بأثافي الشر، مرجوم
"أثافي الشر" يعني: الشر، المطيف، الدائم.

29 ... والحمد لا يشترى، إلا له ثمنٌ
مما يضن به الأقوام، معلوم
ويروى: "مما يضن به الأقوام، مغروم".

30 ... والجود نافيةٌ، للمال، مهلكةٌ
والبخل مبقٍ، لأهليه، ومذموم
ويروى: "مهلكه". والجود مذكر، وإنما قال "نافيةٌ" فألحق الهاء، لأن العرب إذا أرادت المبالغة في نعت شيء ألحقت الهاء، لأنهم يلحقونها للتأنيث. كقولهم: رجلٌ راوية، وعلامةٌ، ونشابةٌ، ووصافة.

31 ... والمال صوف قرارٍ، يلعبون به،
على نقادته وافٍ، ومجلوم
"النقادة" واحدها نقدٌ. وهي ضرب من الغنم. "مجلوم": مجزوز بالحلم. و"القرار": النقد. والقرارة: النقدة.
(1/639)

32 ... والجهل ذو عرضٍ، لا يستراد له
والحلم آونةً، من الناس، معدوم
33 ... ومطعم الغنم، يوم الغنم، مطعمه
أنى توجه، والمحروم محرومُ
34 ... وكل حصنٍ، وإن طالت سلامته
على دعائمه، لا بد، مهدوم
ويروى: "وإن طالت إقامته". وواحدة "الدعائم": دعامة. يقال: هدمت البناء، فهو "مهدوم". وفي القرآن الكريم (لهدمت صوامه وبيع) .

35 ... ومن تعرض للغربان يزجرها
على سلامته، لا بد مشؤوم
يقول: من يزجر الطير فهو، وإن سلم، لا بد من أن يصيبه شؤم يوماً. وقوله "مشؤوم" من الشؤم. يقال منه: شئم الرجل، فهو مشؤوم. وكذلك يمن من اليمن، فهو ميمون.

36 ... قد أشهد الشرب، فيهم مزهرٌ، رنمٌ
والقوم تصرعهم صهباء، خرطوم
"
(1/640)

الشرب": واحدهم شاربٌ، كما قالوا: صاحب وصحب، وراكبٌ وركبٌ. و"المزهر": العود. وقوله "رنم" أي: صيتٌ. و"الصهباء": خمر فيها صهبة، تعتصر من عنبٍ أبيض. و"الخرطوم" اسم من أسماء الخمر. قال الشاعر:
وسقى براحته، من الخرطوم
37 ... كأس عزيزٍ، من الأعناب، عتقها
لبعض أربابها حانيةٌ، حوم
"عزيز" أي: ملك عزيزٌ. وواحد "الأعناب" عنب. "عانيةٌ" نسبها إلى عانة.

38 ... تسفي الصداع، ولا يؤذيك صالبها
ولا يخالطها، في الرأس، تدويم
39 ... عانيةٌ، قرقفٌ، لم تطلع سنةً
يجنها مدمجٌ، بالطين، مختومُ
40 ... ظلت ترقرق، في الناجود، يصفقها
وليد أعجم، بالكتان، مفدوم
(1/641)

41 ... كأن إبريقهم ظبيٌ، على شرفٍ
مفدمٌ كسف الكتان، ملثوم
ويروى: "بسبا الكتان" يريد: السبنيئة، والنون زائدة كما قالوا: رعشن. وهو من الرعش. و"كسف الكتان": قطعه. واحدتها كسفةٌ. وقوله "ملثوم" يريد: أنه ملثم.

42 ... أبيض، أبرزه للضح راقبه
مقلد قضب الريحان، مفغوم
"أبيض" يعني: الإبريق، أي: هو من فضةٍ. و"الضح" هي الشمس. وواحد "القضب": قضيبٌ.

43 ... وقد غدوت، على قرني، يشيعني
ماضٍ، أخو ثقةٍ، بالخير موسوم
44 ... وقد يسرت، إذا ما الجوع كلفه
ذو عقبٍ، من قداح النبع، مقروم
قوله: "يسرت" أي: دخلت في الميسر. و"ذو عقب": قدحٌ
(1/642)

عليه عقبٌ. و"النبع": شجر، تعمل منه القسي العربية. و"مقروم" أي: معضوض، يعض، يعلم بذلك.

45 ... لو ييسرون، بخيلٍ، قد يسرت بها
وكل ما ييسر الأقوام مغروم
"لو ييسرون بخيلٍ" أي: يضربون عليها، بالقداح. تقول: يسرت، فأنا ياسرٌ، ويسرٌ.

46 ... وقد أصاحب فتياناً، طعامهم
خضر المزاد، ولحم، فيه تنشيم
واحد "الفتيان": فتىً. "طعامهم" يعني: شرابهم. وفي القرآن الكريم: (ومن لم يطعمه فإنه مني) . وقوله "خضر المزاد" كانوا إذا ركبوا مفازةً جرداء - أي: لا ماء فيها - أروَوا بعيراً، ثم جذوا مشافره، لئلا يجتر، فإن أجهدهم العطش نحروه، وشربوا ما في جوفه من الماء. واسم ذلك الماء: الفظُّ.

47 ... وقد علوت قتود الرحل، يسفعني
يومٌ، تجيء به الجوزاء، مسموم
"يسفعني": يسودني. "يوم تجيء به الجوزاء": أشد ما يكون
(1/643)

من الحر. "مسمون" نعت اليوم. يقال: سممنا، إذا أصابنا السموم. وحررنا: أصابنا الحر. و"الجوزاء": كوكب.

48 ... حامٍٍ، كأن أوار النار شامله
دون الثياب، ورأس المرء معموم
"أوار النار": شدة حرها. ويقال: يومٌ "حامٍ" وحمٍ، إذا اشتد حره.

49 ... وقد أقود، أما الخيل، سلهبةً
ينمي بها نسبٌ، في الخيل، معلوم
"سلهبة": طويلةٌ. وجمعها سلاهب. وقوله "ينمي بها نسب" أي: يرفعها.

50 ... لا في شظاها، ولا أرساغها، عنتٌ
ولا السنابك، أفناهن تقليم
"الشظى": عظيم صغير، لاصق بالوظيف، إذا تحرك قيل: قد شظي الدابة. وقال بعض أهل العلم باللغة: الشظى: انشقاق العصب.

51 ... سلاءةٌ، كعصا النهدي، غل لها
منظمٌ، من نوى قران، معجوم
"
(1/644)

السلاءة": الشوكة. يقول: كأنها شوكة، في خفة صدرها، وعظم عجيزتها. وهذا يستحب من الإناث. "غل لها" أي: ألزق، وألزمته. وإنما يريد: أن نسورها، في صلابتها، كالنوى. ويروى: "ذو فيئة من نوى" أي: ذو رجعةٍ، يقول: هذا النوى إذا علفته ناقةٌ لم يتغير، لصلابته، فألقته صحاحاً، ثم غسل وأعيد. و"قران": قرية باليمامة. "معجوم": قد مضغته الإبل، ثم لفظته. فذلك أصفى له.

52 ... تتبع جوناً، إذا ما هيجت زجلت
كأن دفاً، على علياء، مهزوم
"تتبع جوناً" يعني: إبلاً جوناً تسقى هذه الفرس ألبانها. وقوله "إذا ما هيجت زجلت" يريد: أن الإبل تهيج، عند الحلب، فتحان أي: يحن بعضها إلى بعض. "كأن دفا" فيه خرقٌ فهو أبح. شبه حنين هذه الإبل به. و"العلياء": موضع مرتفعٌ.

53 ... إذا تزغم، في حافاتها، ربعٌ
حنت شغاميم، في حافاتها، كوم
واحد "الشغاميم": شغموم. و"الربع": ما نتج في الربيع. و"الكوم": العظام الأسنمة. والواحد أكوم وكوماء، والجميع من الذكران والإناث: كوم.
(1/645)

54 ... يهدي بها أكلف الخدين، مختبرٌ
من الجمال، كناز اللحم، عيثوم
يعني: فحل الإبل، أنه يقدمها، وهي خلفه.
(1/646)

102 وقال علقمة أيضاً
يمدح الحارث الغساني، أحد بني جفنة:
1 ... طحا بك قلبٌ، في الحسان، طروب
بعيد الشباب، عصر حان مشيبُ
"طحا" يقول: اتسع، وذهب بك كل مذهبٍ. ويقال: طحا: ارتفع. يقال: لا والقمر الطاحي. "عصر حان": حين حان.

2 ... يذكرني سلمى، وقد شط وليها
وحالت هناتٌ، دوننا، وخطوب
ويروى: "وعادت عوادٍ، بيننا وخطوب".

3 ... منعمةٌ، ما يستطاع طلابها
على بابها، من أن تزار، رقيبُ
(1/647)

4 ... وما القلب، أم ما حاصنٌ ربعيةٌ
يخط لها، من ثرمداء، قليبُ؟
"يخط لها" أي: يحفر لها قليبٌ، من ثرمداء.

5 ... إذا غاب، عنها، البعل لم تفشِ سره
وترضي إياب البعلِ، حين يؤوب
يقول: إذا غاب عنها بعلها آب، ولم يبلغه عنها ما يكره. يقال: آب "يؤوب" إياباً، إذا رجع.

6 ... فلا تعدلي بيني، وبين مغمرٍ
سقتك روايا المزن، حين تصوب
"المغمر": الذي قد غمرته الرجال.

7 ... سقاك يمانٍ، ذو حبي وعارضٍ
تهب له، جنح العشي، جنوب
(1/648)

8 ... فإن تسأليني، بالنساء، فإنني
خبيرٌ، بأدواء النساء، طبيب
9 ... إذا قل مال المرء، أو شاب رأسه،
فليس له في ودهن، نصيب
10 ... يردن ثراء المال، حيث علمنه
وشرخ الشباب، عندهن، عجيب
قال: "شرخ الشباب": طريقته التي هو بها. يقال: هو في شرخ الشباب، أي: هو في نبات الشباب الأول. قال ذو الرمة:
سبحلاً، أبا شرخين ...
(1/649)

يريد: أنه أبو نتاجين، أي: نتاج بعد نتاج. وقال الآخر:
إن شرخ الشباب، والشعر الأس ... ود، ما لم يعاص، كان جنونا
11 ... وناجيةٍ، أفن ركيب ضلوعها
وحاركها تهجرٌ، فدروبُ
"وناجية" يريد: ناقةً سريعةً. والنجاء: السرعة. و"ركيب ضلوعها": ما ركب ضلوعها، من اللحم.

12 ... وتصبح، عن غب السرى، وكأنها
مولعةٌ، تخشى القنيص، شبوب
"مولعة" يعني: البقرة. و"القنيص": الصياد.

13 ... تعفق بالأرطى، لها، وأرادها
رجالٌ، فبذت نبلهم، وكليب
14 ... لتبلغني دار امرئٍ، كان نائياً
فقد قربتني، من نداه، قروب
"قروب" يقول: شيء قربني إليك. ويقال: قربت ذلك الأمر،
(1/650)

وإياه أقرب، وإياه أطلب، وإياه أريد. وقد قرب هو يقرب قرباً واقترب اقتراباً.

15 ... إلى الحارث الوهاب، أعملت ناقتي
لكلكلها، والقصريين، وجيب
"وجيب" يقول: رعدةٌ. وقال آخرون: سقوطٌ. وفي كتاب الله عز وجل: (فإذا وجبت جنوبها) . وقال آخرون: إنها تنبض من السير.

16 ... إذا وردت ماءً، كأن جمامه
من الأجن حناءٌ، معاً، وصبيب
"الأجن": ما تأجن، أي: تغير، واخضر. فشبهه بالحناء. و"الصبيب": شجر بالحجاز، يصبغ به.
(1/651)

17 ... تراد، على دمن الحياض، فإن تعف
فإن المندى رحلةٌ، فركوب
"دمن الحياض": ما تدمن فيها، من البعر، والزبل.

18 ... إليك، أبيت اللعن، كان وجيفها
على طرقٍ، كأنهن سبوب
19 ... هداني إليك الفرقدان، ولاحبٌ
له، وسط أجواز المتان، علوب
يريد: اهتديت بالفرقدين، وبهذا الطريق اللاحب. قال زهير:
قد جعل المبتغون الخير في هرمٍ ... والسائلون، إلى أبوابه، طرقا
20 ... به جيف الحسرى، فأما عظامها
فبيضٌ، وأما جلدها فصليب
يقول: بذلك الطريق من الحسرى، لبعده، جيف. وقوله "فأما
(1/652)

عظامها* فبيض" يقول: إذا حال عليها الحول ابيضت. و"أما جلدها فصليب" يريد: ذا صليبٍ. والصليب: الودك. قال خفاف بن ندبة:
ومن النواعج رمةٌ وصليب
21 ... وأنت امرؤٌ، أفضت إليك أمانتي
وقبلك ربتني، إليك، ربوب
قوله "ربتني" يقول: ملكتني ملوكٌ، في بعض الجنود.

22 ... ووالله، لولا فارس الجون منهم
لآبوا خزايا، والإياب حبيب
"فارس الجون" هو الملك الغساني. وهو الحارث بن جبلة، وهو الحارث الوهاب.

23 ... تقربه، حتى تغيب حجوله
وأنت، لبيض الدارعين، ضروب
قوله "حتى تغيب حجوله" أي: في الدم.
(1/653)

24 ... مظاهر سربالي حديدٍ، عليهما
عقيلا سيوفٍ: مخذمٌ، ورسوب
"عقيلة" كل شيء: خياره. "مظاهر سربالي حديد" يقول: عليه درعان، واحدة فوق واحدة.

25 ... فضاربتهم، حتى اتقوك، بخيرهم
وقد حان، من شمس النهار، غروب
ويروى: "حتى اتقوك بملكهم" أي: الذي جاء بهم.

26 ... ولم يبق إلا شطبةٌ، بلجامها
وإلا طمرٌ، كالقناة، نجيب
"الشطبة": الطويلة. و"الطمر": الوثاب الخفيف. وبه سمي البرغوث: طامر بن طامرٍ.

27 ... وإلا أخو حربٍ، كأن يمينه
بما مس، من حد الظبات، خضيب
(1/654)

28 ... وقاتل، من غسان، أهل حفاظها
وهنبٌ، وقاسٌ قاتلت، وشبيب
29 ... تجود بنفسٍ، لا نجود بمثلها
فأنت بها، يوم اللقاء، خصيب
30 ... كأن رجال الأوس، تحت لبانه،
وما جمعت جل، معاً، وعتيب
31 ... تخشخش أبدان الحديد، عليهم
كما خشخشت، يبس الحصاد، هبوب
32 ... رغا فوقهم سقب السماء، فداحضٌ
بشكته، لم يستلب، وسليب
"داحض": هو الذي يفحص برجله، ويدفع، وعليه سلاحه، لم يستلب بعد، وآخر قد سلب.

33 ... كأنهم صابت، عليهم، سحابةٌ
صواعقها، لطيرهن دبيب
(1/655)

يقول: تدع الطيران، وتعدو، من الفزع.

34 ... وما مثله، في الناس، إلا قبيله
مساوٍ، ولا دانٍ إليه، قريبُ
35 ... فأدت بنو بكر بن عوفٍ ربيبها
وغودر، من بعد الجنود، ربيب
36 ... وفي كل حيٍّ، قد خبطت، بنعمةٍ
فحق لشأسٍ، من نداك، ذنوبُ
"شأس": أخو علقمة، وكان الملك أسره فامتدحه علقمة، بهذه القصيدة، فأطلقه له.
(1/656)

103 وقال ساعدة بن جؤية
1 ... وما ضرب، بيضاء، يسقي دبوبها
دفاقٌ، فعروان الكراث، فضيمها
"الضرب": العسل الأبيض الغليظ. ويقال: قد استضرب العسل، إذا غلظ واشتد. و"دبوب": بلد، ويقال: واد. و"دفاق وعروان": واديان. و"ضيم": شعيب. ويقال: وادٍ.

2 ... أتيح لها شثن البنان، مكزمٌ
أخو حزنٍ، قد وقرته كلومها
"أتيح لها" يريد: للضرب، وهي مؤنثةٌ. و"شثن البنان":
(1/657)

خشن البنان. ومعنى "أتيح" أي: قدر لها، ويسر. قال الشاعر:
أتيح له رزق وليس بحتال
و"المكزم": الذي قد أكلت أظفاره الصخر. و"الحزنه": المكان الغليظ. "وقرته": صارت به وقراتٌ، آثار.

3 ... قليل تلاد المال إلا مسائباً
وأخراصه يغدو بها، ويقيمها
"المسأب": السقاء. و"الأخراص": عيدان، يصلح بها ما أخذ من العسل. "يقيمها": يسوي عوجها.

4 ... رأى عارضاً، يأوي إلى مشمخرةٍ
قد احجم عنها كل شيءٍ، يرومها
قوله "رأى عارضاً" أي: من ثولٍ، كأنه عارض من سحابة. و"مشمخرة": هضبة طويلة في السماء. وقوله "احجم عنها" أي: أحجم عنها كل أحد. فهي لا تقرب.

5 ... فما برح الأسباب، حتى وضعنه
لدى الثول، ينفي جثها، ويؤومها
"
(1/658)

الثول": جماع النحل. و"جثها": ما كان على عسلها، من جناح، أو فرخ: و"يؤومها": يدخن عليها.

6 ... فلما دنا الإبراد حط بشوره
إلى فضلاتٍ، مستحيرٍ جمومها
"الإبراد": العشي. "حط": [بما] اشتار من العسل، أي: ما أخذ من الوقبة. والوقبة مثل النقرة.

7 ... إلى فضلاتٍ، من حبيٍّ، مجلجلٍ
أضرت به أضواحها، وهضومها
"إلى فضلات" [أي: إلى فضلاتٍ] غديرٍ من هذا السحاب. و"الحبي": سحاب يعترض. فيقال: إنه لحبي حسنٌ. و"ضريرا" الوادي: ناحيتاه. و"الأضواج": نواحي الوادي، حيث ينثني.

8 ... فشرجها، حتى استمر بنطفةٍ
فكان شفاء شوبها، وصميمها
"
(1/659)

شرجها" أي: عتقها. و"شوبها": مزاجها. والمشوب: الممزوج. و"صميمها": خالصها.

9 ... فذلك ما شبهت فا أم معمرٍ
إذا ما توالي الليل غارت نجومها
(1/660)

104 وقال أبو خراش
- واسمه خويلد بن مرة، أحد بني قرد. واسم قرد عمرو بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل. ومات أبو خراش، في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نهشته حية - يرثي أخاه عروة بن مرة:
1 ... لعمري، لقد راعت أميمة طلعتي
وإن ثوائي، عندها، لقليلُ
معنى قوله: "راعت أميمة طلعتي" أي: كرهتها.
(1/661)

2 ... تقول: أراه، بعد عروة، لاهياً
وذلك رزءٌ، لو علمت، جليل
"لاهياً" أي: لاعباً. من اللهو.

3 ... فلا تحسبي أني تناسيت عهده
ولكن صبري، يا أميم، جميل
4 ... ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا
خليلا صفاءٍ: مالكٌ، وعقيل؟
5 ... أبى الصبر أني لا يزال يهيجني
مبيتٌ لنا، فيما مضى، ومقيلُ
6 ... وأني إذا ما الصبح، آنست ضوءه،
يعاوني قطع، علي، ثقيل
7 ... أرى الدهر لا يبقى، على حدثانه،
أقب، تباريه جدائد، حول
"أقب": حمار ضامر. "تباريه": تفعل مثل فعله. "جدائد"
(1/662)

أي: ليست لها ألبانٌ. والواحدة: جدود. و"الحول": اللواتي لم يحملن. الواحدة منها: حائل.

8 ... أبن عقاقاً، ثم يرمحن ظلمه
إباء، وفيه صولةٌ، وذميلُ
قوله "أبن" أي: استبان حملهن. يقول: أظهرنه. و"ظلمه": طلبه السفاد، في غير موضعه. فمن أراد المصدر قال: ظلمه. ومن أراد عمله قال: ظلمه. وإنما ينشد بالتسكين.

9 ... يظل على البرز، اليفاع، كأنه
من الغار، والخوف المحم، وبيل
قال: "الوبيل": العصا الغليظة الشديدة. و"البرز": ما برز للضح. و"اليفاع": الارتفاع من الأرض.

10 ... وظل لها يومٌ، كأن أواره
ذكا النار، من فيح الفروغ، طويل
"الأوار": الوهج. و"ذكا النار": اشتعالها. "من فيح
(1/663)

الفروغ" يقول: من "فروغه" أي: من مجراه الذي يجري فيه، كمثل فرغ الدلو. "طويل": كبير.

11 ... فلما رأين الشمس صارت كأنها
فويق البضيع، في الشعاع، خميلُ
"البضيع" جزيرة. يقول: إذا أرادت الغيبوبة فكأنها قطيفة، لها "خميل" أي: خمل.
12 ... فهيجها، واشتام نقعاً، كأنه
إذا لفها، ثم استمر، سحيلُ
"اشتام نقعاً" أي: دخل فيه. "سحيل" أي: خيط لم يبرم.

13 ... منيباً، وقد أمسى تقدم وردها
أقيدر، محموز القطاع، نذيل
"منيباً" أي: راجعاً. "محموز القطاع" يقال: رجل محموز الفؤاد، أي: شديد الفؤاد. "نذيل" أي: نذلٌ. و"القطع": النصل القصير، العريض.
(1/664)

14 ... فلما دنت، بعد استماعٍ، رهقنه
بنقب الحجاب، وقعهن رجيل
"بعد استماع" يقول: استمعت هل ترى أحداً؟ و"نقب الحجاب": طريقه. و"الحجاب": مرتفع، يكون في الحرة.

15 ... يفجين، بالأيدي، على ظهر آجنٍ
لع عرمصٌ، مستأسدٌ، ونجيل
"يفجين بالأيدي" يقول: يفتحن ما بين يديهن. "مستأسد" يقال إذا طال النبت: استأسد.

16 ... فلما رأة أن لا نجاء، وضمه
إلى الموت لصب، حافظٌ، وقفيل
"اللصب": الشوق في الجبل. و"القفيل": العاتي اليابس.

17 ... وكان هو الأدنى، فخل فؤاده،
من النبل، مفتوق الغرار، بجيل
(1/665)

يقول: كان أقربهن من الرامي. "مفتوق الغرار": عريض النصل. والغراران: الحدام. و"البجيل": الضخم. يقال: رجل بجيل، أي: ضخم.

18 ... كأن النضي، بعد ما طاش، مارقاً
وراء يديه، بالخلاء، طميل
"النضي": القدح بغير حديدةٍ، ولا نصل. و"الطميل": المطلي. يقال: طمله بالدم.

19 ... ولا أمعر الساقين، ظل كأنه،
على محزئلات الإكام، نصيل
"أمعر الساقين" يعني: صقراً. و"النصيلحجر قدر ذراع. و"المحرثل: للمجتمع.

20 ... رأى أرنباً، من دونها غول أشرجٍ
بعيدٌ، عليهم السراب يحولُ
(1/666)

الوغل: البعيد. و"الشروج": شقوق في الحرة، بعيدةٌ طوال. "يحول": يزول
21 ... فضم جناحيه، ومن دون ما يرى
بلاد، وحوشٌ: أمرعٌ، ومحول
"بلاد وحوش" أي: بلاد واسعة، يسكنها الوحش.

22 ... توائل منه، بالضراء، كأنها
سفاةٌ، لها فوق التراب زليل
"الضراء": الشجر. و"زليل" أي: نزل.

23 ... يقربه النهض، النجيح، لما يرى
ومنه بدوٌ، مرةً، ومثول
"مثول": ذهاب. يقال: رأيت شخصاً في الليل، ثم مثل، أي: ذهب، وغاب عني، فلم أره.

24 ... فأهوى لها، في الجو، فاختل قلبها
صيودٌ، لحبات القلوب، قتول
(1/667)

105 وقال أيضاً

1 ... فقدت بني لبنى، فلما فقدتهم
صبرت، ولم أقطع، عليهم أباجلي
"بنو لبنى": إخوته. "أباجلي" ضربه مثلاً. يقول: لا أجزع كجزع غيري.

2 ... حسان الوجوه، طيبٌ حجزاتهم
كريم نثاهم، غير لفٍّ، معازلِ
"الألف": الثقيل. ويقال: بلسانه لففٌ، أي: ثقل. و"الأعزل": الذي لا سلاح معه.

3 ... رماح من الخطي، زرق نصالها
حداد أعاليها، شداد الأسافل
(1/668)

4 ... قتلت قتيلاً، لا يحالف غدرةً
ولا سبةً، ولا زلت أسفل سافل
"أسفل سافل": أي: لا زلت في سفال، ما بقيت.

5 ... وقد أمنوني، واطمأنت قلوبهم
ولم يعلموا كل الذي هو داخلي
قوله "هو داخلي" أي: لم يعلموا ما في ضميري، من الوجد.

6 ... فمن كان يرجو الصلح، منهم، فإنه
كأحمر عادٍ، أو كليبٍ لوائل
"أحمر عاد" يريد: أحمر ثمود، عاقر الناقة. يقول: هذا القتيل في شؤم ذاك، أو كشؤم كليب لوائل.

7 ... أصيبت هذيل بابن لبنى، وجدعت
أنوفهم، باللوذعي، الحلاحل
"اللوذعي": الحديد اللسان، والقلب. و"الحلاحل": الركين الرزين.
(1/669)

8 ... رأيت بني العلات، لما تضافروا،
يحوزون سهمي، دونهم، في الشمائل
"تضافروا": تعاونوا. وقوله: "بالشمائل" أي: يجعلونني بالشمال. هذا مثل قولك: فلان عندي باليمين، أي: بالمنزلة العليا.

9 ... فلهفي، على عمرو بن مرة، لهفةً
ولهفي، على ميتٍ، بقوسى المعاقل
(1/670)

106 وقال أيضاً

1 ... لقد علمت أم الأديبر أنني
أقول لها: هدي، ولا تذخري لحمي
2 ... فإن غداً إلا نجد بعض قوتنا
نفئ لك زاداً، أو نعدل بالأزمِ
"نفئ لك زاداً" أي: نفئ عليك فيئاً. "نعدك" أي: نصرفك آزمةً لا تأكلين.
3 ... إذا هي حنت، للهوى، حن جوفها
كجوف البعير، قلبها غير ذي عزم
"
(1/671)

كجوف البعير" أي: فتحت فمها، يحن كما يحن البعير.

4 ... فلا، وأبيك الخير، لا تجدينه
جميل الغنى، ولا صبوراً على العدمِ
5 ... ولا بطلاً، إذا الكماة، تزينوا
لدى غمرات الموت، بالحالك، الفدمِ
"تزينوا" كأنهم يتزينون، في الحرب، بالدم. و"الحالك": الأسود. و"الفدم": الثقيل من الدم. قال: وكذلك صبغ مفدمٌ.

6 ... أبعد بلائي، ضلت البيت من عمًى،
تحب فراقي، أو يحل لها شتمي
يقول: لا أبصرت، ضلت كما يضل الأعمى.

7 ... وإني لأثوي الجوع، حتى يملني
فيذهب، لم تدنس ثيابي، ولا جرمي
"لأثوي الجوع" يقول: أطيل حبسه عندي، حتى يملني.
(1/672)

8 ... وأغتبق الماء، القراح، فأنتهي
إذا الزاد، أضحى للمزلج ذا طعم
يقول: أغتبق الماء، تكرماً، فتنتهي نفسي. و"المزلج": الذي ليس بالمتين. "ذا طعم": ذا شهوة.

9 ... أرد شجاع البطن، قد تعلمينه،
وأوثر غيري، من عيالك، بالطعم
هذا مثل، أي: أن الجوع يتلمظ في بطني، كما يتلمظ الشجاع، فأدفعه، وأوثر عيالك بالطعم.

10 ... مخافة أن أحيا، برغمٍ، وذلةٍ
وللموت خير من حياةٍ، على رغمِ
"رغمٌ": هوان. و"الذلة" والذل والمذلة واحد.

11 ... رأت رجلاً، قد لوحته مخامصٌ
فطافت برنان المعدين، ذي شحم
"لوحته": غيرته. "رنان": إذا ضرب "معده" أرن. وهو ما تحت العضد. أي: مسترخي اليدين، قد استرخى معداي.
(1/673)

12 ... غذي لقاحٍ، لا يزال كأنه
حميتٌ، بديعٌ. عظمه غير ذي حجمِ
"الحميت": النحي المربوب. و"بديع": جديد لم يستعمل. "عظمه غير ذي حجم" يريد الرجل الذي ذكره، أي: ليس لعظمه حجم من سمته.

13 ... تقول: فلولا أنت أنكحت سيداً
أزف إليه، أو حملت، على قرم
تقول: لولا أنني ابتليت بك، وأنكحتك، لأنكحت سيداً سواك، وحملت على قرم.

14 ... لعمري، لقد ملكت أمرك، حقبةً
زماناً، فهلا مست في العقم، والرقم
يقول: قد كنت تملكين أمرك زماناً. "فهلا مست" أي: فهلا تزوجت غيري، حتى يكسوك العقم والرقم. ف"العقم": ما وشي، ثم أدخل خيط، ثم وشي منه، ثم أخرج فوشي. و"الرقم": ما رقم.
(1/674)

15 ... فجاءت كخاصي العير، لم تحل حاجةً
ولا عاجةً منها، تلوح على وشمِ
يقول: جاءت منكسرة، لأن "خاصي" الحمار يستحي مما صنع. "لم تحل حاجةً" الحاجة: خرزةٌ. و"العاجة": ذبلة. "على وشم" يقول: أنت لست بموشومةٍ، ولا مزينةٍ.

16 ... أفاطم، إني أسبق الحتف، مقبلاً
وأترك قرني في المزاحف، يستدمي
قوله: "أسبق الحتف" يقول: إذا القوم جاؤوا، يريدونني، أسبقهم عدواً.

17 ... وليلة دجنٍ، من جمادى، سريتها
إذا ما استهلت، وهي ساجيةٌ، تعمي
"تعمي": تسيل. وتعمي: يكثر ضبابها.
(1/675)

18 ... وشوط فضاحٍ، قد شهدت، مشايحاً
لأدرك غنماً، أو أشيف، على غنم
قوله: "شوط فضاح" أي: إن سبق فيه افتضح. و"المشايخ": الجاد الحامل، في كلام هذيل. "أشيف": أشرف.

19 ... إذا ابتلت الأقدام، وابتل تحتها
غثاءٌ، كأجواز المقرنة، الدهمِ
قال: ويروى: "إذا التفت". وقوله "ابتلت" يريد: من ندى الليل. "غثاء" يعني: أنهم كانوا يعدون على أرجلهم، فيكسرون الشجر.

20 ... ونعلٍ، كأشلاء السماني، نبذتها
خلاف ندًى، من آخر الليل، أو رهم
قوله "كأشلاء السماني" أي: نعلاً قد تقطعت، شبهها بشلو سماني قد أكلت. و"الرهم": الندى الضعيف.
(1/676)

21 ... إذا لم ينازع جاهل القوم ذا النهى
وبلدت الأعلام، بالليل، كالأكمِ
يقول: استسلم القوم للأدلاء. و"بلدت الأعلام" أي: لزقت بالأرض، فترى الجبل كأنه أكمةٌ، يصغر في عينك، في جوف الليل.

22 ... تراها قصاراً، يحسر الطرف دونها
ولو كان طوداً، فوقه فرق العصم
يقول: تراها بالليل قصاراً، ولو كان فوقها "فرق العصم" وهي: فرق الأروى.

23 ... وإني لأهدي القوم، في ليلة السرى
وأرمي، إذا ما قيل: هل من فتًى، يرمي؟
24 ... وعاديةٍ، تلقي الثياب، وزعتها
كرجل الجراد، ينتحي شرف الحزم
"العادية": الحاملة. "تلقي الثياب" من شدة عدوها، أي: تقع العمائم والمعاطف. و"وزعتها" أي: كففتها ورددتها.
(1/677)

107 وقال أيضاً

1 ... حذاني، بعدما خذمت نعالي،
دبية، إنه نعم الخليلُ
2 ... بموركتين، من صلوي مشبٍّ
من الثيران، عقدهما جميل
"بموركتين": بنعلين، من الورك، قال: و"الصلوان": ما فوق الذنب، من الورك، واحدهما صلا مقصور.

3 ... بمثلهما، تروح، تريد لهواً
ويقضي، الحاجة، الرجل الرجيلُ
(1/678)

4 ... فنعم معرس الأضياف، تزجي
رحالهم شآميةٌ، بليل
"تزجي": تسوق، وتستخف. ويروى: "تذحى". يقال: ذحى، إذا ساق سوقاً شديداً. وأنشد:
وكأنما كانوا، لمقتل ساعةٍ، ... برداً، ذحته الريح، كل سبيلِ
5 ... يقاتل جوعهم، بمكللاتٍ
من الفرنيِّ، يرعبها الجميلُ
(1/679)

108 وقال أيضاً
في قتل زهير بن العجوة، أحد بني عمر بن الحارث، قتله جميل بن معمر [بن حبيب بن وهب] بن حذافة بن جمح، يوم فتح مكة، مر به مربوطاً، في الأسارى، فقتله. وكان زهير خرج للغنيمة.

1 ... فجع، أضيافي، جميل بن معمرٍ
بذي فجرٍ، تأوي إليه الأراملُ
"الفجر": المعروف. وهو أيضاً القوم الذين ينفجرون بالمعروف و"جميل بن معمر" قاتل زهير.

2 ... طويل نجاد السيف، ليس بحيدرٍ
إذا اهتز، واسترخت عليه الحمائلُ.
"
(1/680)

واسترخت" هذا مثلٌ، أي: هو رخهي البال. يقول: هو طويل الحمائل يهتز كما يهتز الغصن، إذا أصابته الريح.

3 ... إلى بيته، يأوي الضريك، إذا شتا
ومهتلكٌ، بالي الدريسين، عائل
"الضريك": الفقير السيئ الحال. و"المهتلك": الساقط من الجوع.

4 ... تروح مقروراً، وراحت عشيةً
لها حدبٌ يحتثه، فيوائل
"حدب" يقال: سنة جدباء، إذا كانت جدبة.

5 ... تكاد يداه تسلمان رداءه
من الجود، لما استقبلته الشمائل
قوله "تكاد يداه تسلمان رداءه" يعني زهير بن العجوة، أي: يسلم رداءه إلى كل من سأله. وقوله "لما استقبلته الشمائل" أي: إذا هبت الشمائل فهو جواد. و"الشمائل" جمع شمال. وإذا هبت، في ذلك الوقت، فهو أجود له.
(1/681)

6 ... فما بال أهل الدار، لم يتصدعوا
وقد خف منها اللوذعي، الحلاحل؟
يقول: ما بال من هذه الدار، لم تفرقوا، وقد ذهب منها "اللوذعي": هو الحديد القلب واللسان. و"الحلاحل" الركين؟
7 ... فأقسم، لو لاقيته، غير موثقٍ
لآبك بالجزع الضباع، النواهل
8 ... لكان جميلٌ أسوأ الناس تلةً
ولكن أقران الظهور مقاتل
قال: "التل": الصرع. و"أقران الظهور": الذين يجيئون من خلف الظهر، أو من قبل الظهر.

فليس كعهد الدار، يا أم مالكٍ ... ولكن أحاطت، بالرقاب، السلاسلُ
(1/682)

يقول: ليس الأمر كعهدنا، أيام كنا في الدار.

10 ... وعاد الفتى كالكهل، ليس بقائلٍ
سوى الحق شيئاً، واستراح العواذلُ
(1/683)

109 وقال دجاجة بن عبد القيس

1 ... وما ذكره، حيث استقر بها النوى
وولى الشباب، مدبراً، غير مقبلِ؟
2 ... وبدلت شيباً، وانتصاباً لضيعةٍ
وأقصرت، عن ذكر الغواني، المشغلِ
"انتصاباً لضيعة" يقول: الدؤوب في ضيعتي. و"الغواني": النساء ذوات الأزواج. والواحدة غانية. ويقال: اللواتي غنين بحسنهن عن الحلي.

3 ... وقال الغواني: قد تغضن جلده
وكان سوياً، ناعم المتبذلِ
"سوياً": يقول: مستوي العيش والقامة، ناعم العيش والبدن.
(1/684)

4 ... فلا بأس، إني قد تلافيت شيبتي
وهر الغواني، من شميطٍ، مرجلِ
"تلافيت" يقول: أدركتها. و"هر الغواني" يقول: كرهته وأنكرنه. "شميط" أشمط.

5 ... بمشرفة الهادي، يبذ عنانها
يمين الغلام، الملجم، المتدللِ
"الهادي": صدرها وعنقها. أي: عنانها يعلو، ويفوت الملجم "المتدلل" الذي يدل.

6 ... تصان، وتعطى، قبل أهلك، قوتها
إذا الشول طافت، بالرذي، المجللِ
يقول: يجلل من كل بردٍ، وحرٍ. و"الرذي": الفصيل الذي يهلك من برد، أو حر. وذلك في وقت الحدب.
7 ... ولما رأينا أن ورد منابضٍ
هو الأمن لم نرعش، ولم نتخذل
"
(1/685)

منابض": موضع. "لم نرعش": لم نضطرب. و"لم نتخذل" لم يخذل بعضنا بعضاً.

8 ... فجئنا، جميعاً، تحت ظل لوائنا
بأمرٍ جميعٍ، مبرمٍ، غير مسحل
9 ... وليس بطيء السير، فينا، بمتعب
ولا عن جميع القوم، من متعجلِ
10 ... إذا ما خشينا ظهر غيب أباحه
خناذيذ خيلٍ، نعت، لم تغيل
"الغيب": ما غيبك من بطن الأرض، إذا صرت فيه. و"الخناذيذ": خيل خفاف، كرام. "نعمت" من النعمة. "لم تغيل" من الغيلة.

11 ... فكل أخي حربٍ، جميعٍ سلاحه
طويل ظنابيب الشوى، متسربل
"الظنابيب": جمع ظنبوب، وهو عظم الساق. وقوله "جميع سلاحه" أي: تام السلاح. "متسربل" أي: عليه سربال حديد.
(1/686)

110 وقال دجاجة أيضاً

1 ... تجرد علاق إلينا، وحاجبٌ
وذو الكير يدعو: يا لحنظلة، اركبوا
قال: "علاق وحاجب": ابنا عبد الله بن همام بن رياح بن يربوع. و"ذو الكير": الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع.

2 ... ومنا رقيبٌ، جالسٌ في علايةٍ
من الأرض، رابٍ، طرفه يتقلبُ
ويروى: "بأرض فضاء، طرفه يتقلب". قال: و"الرقيب": الذي يربأ القوم فوق رابية، ينظر: هل يأتيهم عدوهم، ومن أين يأتيهم؟ و"علاية": مكان عالٍ. و"أرض فضاء" أي: واسعة. وقوله "طرفه يتقلب" أي: ينظر ههنا وههنا.

3 ... فأقبل، يسعى، ثوبه في شماله
يزل، على وحشيه، وهو أنكبُ
(1/687)

قوله "ثوبه في شماله" يقول: أقبل، يلوي بثوبه، يزل عن الرابية التي كان عليها. "وحشيه": الشق الخارج عنه.

4 ... فقال لهم: إني رأيت بغيةً
وكان صدوقاً، فيهم، لا يكذبُ
قوله "بغية" أي: قوم يبغون.

5 ... فقاموا إلى جردٍ، ضوامر فيهم،
غشاشاً، فلما أثخنوا، وتلببوا
قوله "غشاشاً" أي: بليلٍ. و"تلببوا": لبسوا السلاح.

6 ... مروهن، بالأعقاب، حتى بدا لهم
ثرى الماء، من أعطافها، يتحلبُ
"مروهن": استحموهن بأعقابهم، يستخرجون ما عندهن من الجري "ثرى الماء" يعني: عرقها.

7 ... فجاؤوا، جميعاً، لابسين دروعهم
فلم أدر، حتى أفزع الورد كوكب
(1/688)

8 ... فقالوا: فتيلاً، سددوا، إذ لقوهم
كراماً، وكانت عادةً، إذ تعصبوا
"سددوا" أي: سددوا نحوهم السلاح، أي: الرماح. و"تعصبوا": عصبوا رؤوسهم بعمائمهم. وربما تعصب الفارس بعمامة حمراء، أو لون آخر، يعلم بذلك، ليعرف.

9 ... رأيتك لما خفت وقع رماحنا
نزوت عليها، والعقال مؤربُ
"نزوت عليها" يعني: ناقته. و"العقال مؤرب" يعني: مائلاً معوجاً.

10 ... فلبث قليلاً، يطلق القوم جلها
أبا نهشل، هل ينجينك تعتب؟
11 ... كما سلب السربال، ممن يريده
خروءٌ عليه، أورقٌ، يتصببُ
(1/689)

12 ... حماك، ولم يحمِ السلاح بنجدةٍ
ثيابك، والنعلين، إذ سال غيهبُ
13 ... وولوا، سراعاً، وابن بيبةً خلفهم
يثور عليه النقع، وهو محلبُ
"النقع": الغبار. "محلب": مصروعٌ مقتول.

14 ... رأيتك، غذ خام الأكف، كأنما
يرى بك مطلي، من القار، أجربُ
"خامت الأكف": عدلت عن القتال، وانحرفت.

15 ... وظل، هوي المنجنون، يسبنا
على ظهرها، معقولةً، ويؤنب
"هوي المنجنون" يريد: أنه خفيفٌ أهوج. "يؤنب": يعير ويلوم. والاسم منه التأنيب.
(1/690)

111 وقال سبيع بن الخطيم
يمدح زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو الضبي، وكان رد عليه إبلاً له، أخذتها بنو صباح من بني ضبة بن أد:
1 ... نبهت زيداً، فلم أفزع إلى وكلٍ
رث السلاح، ولا في القوم مكثورِ
"نبهت زيداً" يقول: صحت، واستغثت به. "وكل": ضعيف ذليل. "رث السلاح": كليل. وقوله "مكثور" أي: لا يكثره القوم حتى يغلب.

2 ... سالت عليه شعاب الجو، حين دعا
أنصاره، بوجوهٍ، كالدنانيرِ
"
(1/691)

شعاب الجو": نواحيه التي تتشعب منه.

3 ... إن ابن آل ضرارٍ، حين أدركها،
زيداً سعى لي سعياً، غير مكفورِ
4 ... لولا الإله، ولولا حزم طالبها،
نالوا بها مثلما نالوا، من العير
5 ... فاستعجلوا بسديد المضغ، فابتلعوا
والشتم يبقى، وزاد البطن في حورِ
"فاستعجلوا بسديد المضغ" يقول: برجلٍ كأنه يمضغهم. و"زاد البطن في حور" أي: في نقصان. يقول: إذا شتم الرجل بقي ذلك عليه، والزاد ينقص ويذهب.

6 ... ليس الكرام، إذا ما كنت منتجباً،
كالورق، تنظر في أولادها، الخور
"الخور": الكثيرات اللبن، الضخام. و"المنتجب": المنتقي. و"الورق": الإبل التي لونها إلى السواد.
(1/692)

112 وقال المخبل
ابن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة - واسم أنف الناقة جعفر - ابن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة:
1 ... عفا الروض بعدي من سليمى، فحائله
فبطن عنانٍ: روضه، فأفاكلُهْ
2 ... فروض القطا، بعد التساكن حقبةً
فبلوٌ عفت باحاته، فمسايلُهْ
(1/693)

3 ... فميث عريناتٍ، بها كل منزلٍ
كوشم العذارى، ما يكلم سائله
4 ... وتمشي به عين النعاج، كأنها
نبيطٌ، توافي الحج، حانت منازله
"العين": العظام العيون. و"النعاج": البقر.

5 ... ذكرت به سلمى، وكتمان حاجةٍ
لنفسي، وما لا يعلم الناس داخله
6 ... فظل يؤسيني صحابي، كأنني
صريع مدامٍ، باكرته نياطله
"يؤسيني": يعزيني، ويطيب نفسي. ويروى: "نواطله". والناطل: مكيال للخمر.

7 ... وما كان محتوماً فؤادك، بالصبا
ولا طربٌ، في إثر من لا تواصله
8 ... وما ذكره سلمى، وقد حال دونها
مصانع حجرٍ: دوره، ومجادله؟
(1/694)

قوله "وما ذكره سلمى" أي: كيف يذكرها، ويرجو ودادها، وقد حال دونها حجرٌ؟ و"حجر": قريب من المدينة، مدينة اليمامة. و"المجادل": القصور. واحدها: مجدلٌ.

9 ... وإذ هي لم يود الشباب، ولم يلح
برأسي شيبٌ، أنكرته غواسله
10 ... وفيت، فلم أغدر، ولم يلق غبطةً
مساجل بؤسى، قمت يوماً، أساجله
"مساجل": يفعل كما أفعل. وأنشد:
من يساجلني يساجل ماجداً ... يملأ الدلو، إلى عقد الكربْ
11 ... وقد عابني، من بعض قومي، منطقٌ
له جلبٌ، تروى عليها بواطله
"له جلب" أي: بقايا وفضولٌ، كجلب القروح.

12 ... فمن ير مجداً في قريعٍ فإنه
تراث أبيها، مجده، وفواضله
(1/695)

13 ... جعلنا له أثمانها، من بيوتنا
وحلت إلينا، يوم حلت رواحله
14 ... وكائن لنا، من إرث مجد، وسؤددٍ
موارده معلومةٌ، ومناهله!
"المناهل": مواضع المياه.

15 ... ومنا الذي رد المغيرة، بعدما
بدا حاملٌ، كاللوث، تبدو شواكله
16 ... أتيح لها، ما بين أسفل ذي حسى
فحزن اللوى، وادي الرسيس فعاقله
17 ... هزبرٌ، هريت الشدق، رئبال غابةٍ
إذا سار عزته يداه وكاهله
"هزبر": شديد. و"هريت الشدق" واسعه. و"الرئبال":
(1/696)

الأسد. و"الغابة": الأجمة. "إذا سار" يريد: إذا ساور قرنه. "عزته" أي: غلبته. يقال: عزني فلان، أي: غلبني. ومنه "من عز بز" أي: من غلب سلب.

18 ... شتيم المحيا، لا يخاتل قرنه
ولكنه، بالصحصحان، ينازله
"شتيم": قبيح. و"محياه": وجهه.

19 ... وأعطي منا الحلم أبيض، ماجدٌ
رديف ملوكٍ، ما تغب نوافله
"الرديف" بمنزلة خليفة. "ما تغب": ما تنقطع. و"نوافله": عطاياه، ومواهبه.

20 ... وليلة نجوى، يعتري الغي أهلها
شهدنا، فقاضي الأمر منا، وفاصله
21 ... ويوم الرحى سدنا، وجيش محرقٍ
ضربناه، حتى أنكأته شمائله
"
(1/697)

يوم الرحى" يعني: رحى بطان. وكانت فيه وقعة لهم. و"محرق": ملك، من ملوك اليمن.

22 ... ويوم أبي يكسوم، والناس حضرٌ
على حلبان، إذ تقضى محاصله
"أبو يكسوم": ملك. و"حلبان" موضع. "تقضى محاصله": ما يجمع منه.

23 ... طوينا لهم باب الحصين، ودونه
عزيز، تمش بالحراب مقاوله
يريد ب"الحصين": الحصن والقصر. "بالحراب" أراد: رجالته وخيله.
24 ... وإذ فتك النعمان، بالناس، محرماً
فملئ، من كعب بن عوفٍ، سلاسله
25 ... فككنا حديد الغل، عنهم، فسرحوا
جميعاً، وأولى الناس بالخير فاعله
(1/698)

26 ... وقلنا له: لا تنس صهرك، عندنا
ولا تنس، من أخلاقنا، ما نجامله
27 ... فما غيرنا، بعد، من سوء صرعةٍ
ولا شيمةٍ، مذ بوأ الخير جابله
"شيمة": خلق. و"جابله": خالقه. تقول: جبل فلان على الخير، أو الشر، أي: خلق على ذلك.

28 ... فتلك مساعينا، وبدر مخلفٌ
على كتفيه ربقه، وحبائله
29 ... لعمرك، إن الزبرقان لدائمٌ
على الناس، يغدو نوكه، ومجاهله
30 ... شرى محمراً يوماً، بذودٍ، فخاله
نماه، إلى أعلى اليفاع، أفائله
"اليفاع": الارتفاع. "أفائله" واحدها أفيل. وهي صغار القلاص.
(1/699)

31 ... شرى مجد أقوامٍ، فروى حياضهم
وهدم، حوض الزبرقان، غوائله
32 ... أتيت امرأً، أحمى على الناس عرضه
فمازلت حتى أنت مقعٍ، تناضله
33 ... تعالج عزاً، قد عسى عظم رأسه
قراسيةً، كالفحل، يصرف بازله
"قراسية": ضخم. "يصرف بازل": يحك نابه بنابه، فيسمع له صوتاً.

34 ... فأقع، كما أقعى أبوك على استه
رأى أن ذئباً، فوقه، لا يعادله
35 ... فإن كنت لم تصبح بحظك راضياً
فدع عنك حظي، إنني عنك شاغله
36 ... ولما رأيت العز في دار أهله
تمنيت، بعد الشيب، أنك ناقله
(1/700)

37 ... وقبلك، بدر عاش، حتى رأيته
يدب، ومولاه عن المجد عازله
38 ... وينفس، فيما أورثتني أوائلي
ويرغب، عما أورثته أوائله
39 ... ولما نر الأخفاف تمشي على الذرى
ولما تكن أعلى العضاه أسافله
40 ... ولما يزل، عن رأس رهوة، عصمها
ولما تدع، ورد العراق، مناهله
"رأس رهوة": جبل. و"عصمها": أوعالها. واحدها أعصم. ووالذي في يديه بياضٌ.

41 ... وأنكحت هزالا خليدة، بعدما
زعمت، برأس العين، أنك قاتله
"هزال" رجل من بني قريع. وكان الزبرقان أوعده بأن يقتله، ثم زوجه خليدة أخته. فعيره بذلك. و"رأس العين" موضع.
(1/701)

42 ... فأنكحته رهواً، كأن عجانها
مشق إهاب، أوسع السلخ ناجله
"رهواً": واسعاً. "ناجله": سالخه الذي نجله بالمدية.

43 ... يلاعبها فوق الفراش، وجاركم
بذي شبرمان، لم تزيل مفاصله
"ذو شبرمان" موضع.
(1/702)

113 وقال عدي بن زيد العبادي

1 ... أرواحٌ مودعٌ، أم بكور
لك؟ فاعمد، لأي حالٍ تصيرُ
قال ابن الأعرابي: أتروح منهم أم تبكر. أتراهم يروحون أم يبكرون، فتفارقهم. "فاعند لأي حال تصير": إن راحوا فرح معهم، وإن شئت فتخلف. وقال غيره: يقول: الرواح والبكور مودع لك. أحدهما يذهب بك من الدنيا. فهو مودع لك على كل حال. "فاعمد" أي: اعمل للآخرة. ويقال أيضاً: إنه مبكر عليك، أو رائج، فيذهب بك من الدنيا. ثم أمره أن يعمل للذي إليه مصيره، إما إلى الجنة، أو إلى النار. يريد: لأي حال تصيره. ويروى: "أنت فاعمد".

2 ...
(1/703)

إن شغل المصابيات، من الأس
تار، طرف يصبي، وفيه فتورُ
أي: هن يشغلن الرجال، فدعهن. ثم قال: لا يواتيك تصابيهن، إذا صحوت، وإن شبت. و"المصابيات": اللواتي يصابينه، أي: يلاعبنه. و"طرفهن" الذي يصبي. فيريد أن شغلهن نظرهن إليك.

3 ... زانهن الشفوف، ينضخن بالمس
كِ، وعيشٌ مفنقٌ، وحرير
أراد: اللواتي زانهن الشفوف، فأضمر. كما قال الله عز وجل (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) أراد: التي بناها. والشف - والجمع "شفوف"- الثوب الرقيق. ويقال: "فنفه" أي: ناعمة.

4 ... كدمى العاج، في المحاريب، أو كال
بيض، في الروض، زهوه مستنير
"الدمى": الصور. واحدتها دمية. و"والمحاريب": المجالس. و"البيض" يريد: بيض النعام. أي: أنها لا تبيض إلا في أيام الربيع. فلهذا وصف بأنه في الروض. و"الزهو": النور. ويروى: "زهره".

5 ...
(1/704)

لا يواتيك، إذ صحوت، وإذ أج
هد، في العارضين منك، القتيرُ
"لا يواتيك" يريد: الصبا. و"أجهد": كثر. ويروى: "أسرع" و"أشرق". و"القتير": الشيب.

6 ... وابيضاض السواد من نذر الش
ر، وهل بعده لحيٍّ نذير؟
7 ... وحبي، بعد المنام، تزجي
هـ شمالٌ، كما يوجي الكسير
ويروى: "بعد الهدوء تهاديه". و"الحبي": السحاب المتداني المجتمع. و"الهدوء": المنام. و"تزجيه": تسوقه.

8 ... وسطه كاليراع، أو سرج المج
دل، حيناً يخبو، وحينا ينير
"اليراع": الزمار من القصب. واحدته يراعة. ويقال: هو الفراش الذي يطير بالليل، كأنه سراج. و"المجدل": القصر.

9 ... مثل نار الحراض، يجلو ذرى المز
ن، لمن شامه، إذا يستطير
"المزن": السحاب. والواحدة مزنة. و"ذرى" الشيء:
(1/705)

أعلاه. و"شامه" أي: نظر إليه. و"يستطير": يلمع. ويقال: يتفرق. و"الحراض": الذي يحرق الأشنان - والأشنان: الحرض - ويقال: الذي يطبخ الجص. والأتون يقال له: الحراضة. وهي معروفة بالكوفة.

10 ... زجل عجزه، يجاوبه د
ف، لخون مأدوبةٍ، وزمير
"زجل": صوت. و"عجزه": آخره. و"خون": أخونةٌ. فشبه السحاب والرعد بمأدبة. وهي العرس.

11 ... فتأيا بالري نقدة، فالخب
تين، حطت منه هنالك عير
"تأيا": تعمد. و"نقدة والخبتان": موضعان.

12 ... هزج وبله، يسح سيوب ال
ماء سحاً، كأنه منحورُ
ويروى: "مرخ وبله". و"سيوب الماء": مجاري الماء. واحدها سيب. ويقال: قد مرخ ناقته بالقطران. ومرخت رأسي بالدهن. ويقال: امرخ سقاءك ومرخها، أي: ادهنها.
(1/706)

13 ... فسقى البض، فالبسيطة، فالجر
فين، يهدي لصوبه، ويجورُ
هذه كلها مواضع. "يهدي لصوبه" أي: إذا رآه الناس قصدوا نحوه. و"يجور": يعدل عن وجهه. ويروى: "يهدي لوجهه".

14 ... فاستدارت به الجنوب، على الحز
نة، فالحنو، سيره مقصور
"استدارت" أي: درت عليه. و"الحنة والحزنة": موضعان. و"مقصور": قليل قليل. ويقال: محبوس. ويروى: "على الحزنة يوماً، فصوبه مدرور".

15 ... لم أغمض له، وشأني به، ما
ذاك أني، بصوبه، مسرور
ويروى: "وشأيي به". يقال: شؤت به، أي: سررت. وأنشد:
ولقد أراك تشاء بالأظعان
(1/707)

أي: تسر. يقول: لم أغمض له وشأني به. ثم قال: وما ذاك أني بصوبه مسرورٌ. ولكني أرقت لأمر، فجعلت ذاك سبباً لسهري. فأنظر إليه، ولا أبالي: سقي أهله أم لا. وقال المفضل: "وشأيي به": إعجابي به.

16 ... بل عناني قول امرئٍ، لم يكن في
هـ صواب بدا، ولا تعذير
ويروى: "صواب بدءاً" أي: أول ما ابتدأ فيه. من قولك: بدءاً وعوداً. ومعنى "بدا" غير مهموز أي: ظهر.

17 ... أيها الشامت، المعير بالده
ر، أأنت المبرأ، الموفور؟
أأنت المبرأ مما أصابني؟ و"الموفور" يقال: قد وفر ماله وعرضه إذا لم يصب منه شيء.

18 ... أم لديك العهد، الوثيق، من الأي
ام، أم أنت جاهلٌ، مغرور؟
(1/708)

ويروى: "بل أنت جاهل". يعني: عدي بن مرينا.

19 ... من رأيت المنون عرين، أم من
ذا عليه، من أن يضام، خفير؟
"خفير": يريد: من يمنعه من الموت. يقال: خفرته: منعته. وخفرت منه: استحييت منه.

20 ... أين كسرى، كسرى الملوك أنوشر
وان، أم أين قبله سابور؟
ويروى:
... خير الملوك، أبو سا ... سان، أم أين قبله سابور؟
ويقال: "كسرى" بكسر الكاف، و"كسرى" بفتحها. والكسر أكثر في اللغة، وأفصح.

21 ... وبنو الأصفر الكرام، ملوك ال
روم، لم يبقَ منهم مذكور
(1/709)

22 ... وأخو الحضر، إذ بناه، وإذ دج
لة تجبى، إليه، والخابورُ
كان "الحضر" مدينة بالجزيرة. وكان بها في الزمن الأول ملك، يقال له: ساطرون. وكان لين الملك، حسن الصنيع إلى رعيته. وكان يتدين بدينٍ، يتأله فيه، على خطائه. وكان يستحل نكاح البنات، والأخوات. وكانت عنده ابنةٌ له، من أجمل الخلق، وكان قد كبر وطال عمره. فغزاه جيش من فارس في ملك سابور ذي الأكتاف. وعلى ذلك الجيش عظيم من عظمائهم، يقال له: شروين. ومعه عبدٌ له، يقال له: حرين. وأمره سابور ألا يريمها أبداً، حتى يفتحها. ووعده أن يمده بما أحب. فأقبل بجيشه، حتى نزل بشاطئ الفرات. والمدينة نحيةٌ عن شاطئ الفرات وكان من تلك المدينة بناء إلى الفرات، فد بني بالحجارة، مخرجاً إلى الفرات، فلم يزل شروين، حتى هرب من كان حول المدينة. فكانوا يغدون إليها، فينزلون قريباً منها، فيقاتلون قتالاً شديداً، ثم ينصرف ففعل ذلك حيناً.
(1/710)

ثم إن امرأة ساطرون - وهي ابنته - احتالت حتى أرسلت رسولاً، إلى شروين، فدلته على المدخل إلى المدينة - وشرط لها أن يتزوجها - وقالت: إنما يحرس المدينة بالليل غلمان أبي، وأنا محتالة لهم في يوم كذا وكذا. فلما كانت تلك الليلة بعثت إلى غلمان أبيها، الذين يحرسون المدينة، وإلى من كان معهم، فقالت: إني، والله، ما علمت ما تلقون من الشدة، إنكم بالنهار تقاتلون، وبالليل تسهرون. ولو علمت بذلك لبعثت إليكم ما يكفيكم من الطعام، والشراب. فأمرت أن يؤتوا بطعام وشراب. وأمرت جاريتها أن تصنع لهم ما كانت تصنع وتزيدهم، وتصنع في شرابهم بنجاً. وذلك في الليلة التي وعدت شروين فيها. فسقط القوم سكارى، من البنج، وأقبل شروين إلى المدينة. فدخل من المدخل الذي وعدته. فقتل أباها، ومن كان بها من أهلها، وأخذ المرأة، فرأى بها من الهيئة والجمال ما لم يره بامرأة قط. فقال في نفسه: ما أعلم أن في الناس أخبث من هذه. إن أباها صنع بها ما أرى، وأكرمها هذه الكرامة، فلم ترض حتى حملها الشر على قتله، وقتل إخوتها. فما ينبغي لأحد أن يدخلها بيته، ولا يأمنها. فأمر بها فذبحت. وخرب المدينة وانصرف.

23 ... شاده مرمراً، وخلله كل
ساً، فللطير في ذراه وكورُ
"
(1/711)

الكلس": الرماد والنورة. وكل ما ملس وسوي فهو "مرمر".

24 ... لم يهبه ريب المنون، فباد ال
ملك، عنه، فبابه مهجورُ
25 ... وتبين رب الخورنق، إذ أش
رف، يوماً، وللهدى تفكير
أي: تبين أنت رب الخورنق. ويروى: "وتفكر رب الخورنق". لما التقى حرفان من جنس واحد أدغم أحدهما.
قال ابن الكلبي: أما خبر الخورنق فصاحبه الذي ذكره عدي ابن زيد، وقال فيه ما قال، هو النعمان بن امرئ القيس، فارس حليمة.
(1/712)

وذلك أن يزدجرد بن سابور، الملك، كان لا يبقى له ولد. فشق ذلك عليه، فسأل عن منزلٍ بريء مريء، صحيح من الأدواء والأسقام، لينزله ولده. فدل على ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان بن امرئ القيس، وأمر ببناء الخورنق مسكناً، وأسكنه إياه. وكان الذي بنى له الخورنق رجلاً، يقال له سنمار. فلما فرغ منه تعجب من رآه من حسنه، وإنقان عمله. فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري، وتصنعون بي ما أنا أهله، بنيت بناء يدور مع الشمس. فقال له: وإنك لتقدر أن تبني ما هو أفضل من هذا، ثم لا تفعل؟ فطرح من رأس الخورنق، فقال في ذلك عبد العزى بن امرئ القيس:
جزاني ... جزاه الله شر جزائه

جزاء سنمار، وما كان ذا ذنبِ
سوى رصه البنيان عشرين حجةً ... يعل عليه، بالقراميد، والسكبِ
فأتهمه، من بعد دهرٍ وحقبةٍ ... وقد هره أهل المشارق، والغربِ
فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود، ذي الباذخ الصعب
وظل سنمارٌ به كل حبرةٍ ... وفاز لديه، بالمودة، والقربِ
(1/713)

فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍ ... فهذا لعمر الله، من أعجب الخطب
قال: وكان النعمان بن امرئ القيس قد غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فيهم، وسبى، وغنم. وكان من أشد الناس نكاية في عدوه، وأبعدهم مغاراً فيهم. وكان ملك فارس جعل جمعه كتيبتين، يقال لإحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء. وهي لفارس. وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان. فكان يغزو بهما بلاد الشام، ومن لم يدن له من العرب.
فجاس يوماً في مجلسه، من الخورنق، فأشرف منه على النجف، وما يليه من البساتين والكروم والأنهار، مما يلي المغرب، وعلى الفرات، مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع. فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: وأي شيء يدوم؟ قال: ما عند الله، عز وجل، في الآخرة. قال له: بم ينال ذلك؟ قال: بتركك الدنيا، وإقبالك على عبادة الله، تعالى، والتماس ما عنده. فترك ملكه من ليلته، وليس المسوح، وخرج يسيح في الأرض، لا يعلم به.
وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه،
(1/714)

كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم سألوا عنه، فلم يجدوه. ثم علموا حاله من بعد.

26 ... سره ملكه، وكثرة ما يم
لك، والبحر معرضاً، والسدير
قال: وكان البحر يضرب إلى الحيرة. ويروى: "والنخل معرضاً والسدير". و"السدير": السواد كله. ونصب "معرضاً" على الحال.

27 ... فارعوى قلبه، وقال: فما ل
ذة حيٍّ، إلى الممات، يصير؟
ويروى: "فارعوى قدره" أي: شرفه. ويقال: "قدره": ما قدر. ويروى: "فما لذة عيشٍ".

28 ... ثم بعد الفلاح، والرشد وال
إمة وارتهم، هناك، القبور
"الفلاح": البقاء. و"الإمة": النعمة.

29 ... ثم أضحوا كأنهم ورقٌ، ج
فَّ، فألوت به الصبا، والدبور
(1/715)

30 ... إن يصيبني بعض الأذاة فلا وا
نِ ضعيفٌ، ولا أكب، عثورُ
"الأكب": الذي يكب رأسه عند السؤال. ويروى: "ولا ألف عثور".

31 ... غير أن الأيام يخنعن بالمر
ءِ، وفيها العيصاء، والميسور
"يخنعن" أي: يغدرن به، ويملن عليه. ويروى: "يصرفن بالمرء" من صروف الدهر. و"العيصاء" والعوصاء واحد. وهي العسر والشدة.

32 ... وأنا الناصر الحقيقة، إذ أظ
لم يومٌ، تضيق فيه الصدور
"الحقيقة": ما يحق عليك أن تحميه، وترعاه. ويروى: "إن أشرف يومٌ".

33 ...
(1/716)

يوم لا ينفع الرواغ، ولا ين
صع إلا المشيع، النحرير
يقال: "نصع": أضاء. ويقال إذا صلب وخلص. ويقال: أسود ناصعٌ، وأبيض وأخضر ناصعٌ.

34 ... شيعتني نعمى علي، وما وا
فق ربي، إن التقي شكور
35 ... واشتريت الجمال بالحمد، إن الس
عي فيه الإمضاء، والتعذير
36 ... كقصير، إذ لم يجد غير أن ج
دع أشرافه، لشكرٍ، قصير
"أشرافه": ما أشرف منه. وهو أنفه. ويروى: "لا قصير". قال ابن الكلبي، في حديث جذيمة والزباء - وهو جذيمة الأبرش، والزباء التي ذكرها عدي -: إن جذيمة الأبرش ملك بعد أبيه،
(1/717)

وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق. وكان برص، فكانت العرب تكره أن تسميه، أو تنسبه إليه، إعظاماً له. فقيل: جذيمة الأبرش، وجذيمة الوضاح. وكانت منازله بين الحيرة والأنبار، وعين التمر، وبقة وناحيتها. وكانت تجبى إليه الأموال. وكان غزا طسماً وجديساً، في منازلهم، فأصاب حسان بن تبع بن أسعد بن أبي كرب، قد أغار على طلسم وجديس باليمامة، فانكفأ راجعاً. وأتت سرية تبعٍ على خيل جذيمة، فاجتاحها. وبلغ جذيمة خبرهم، فقال:
ربما أوفيت، في علمٍ ... ترفعن، ثوبي، شمالاتُ
في فتوٍ، أنا رابئهم ... من كلال غزوةٍ، ماتوا
ليت شعري: ما أباتهم؟ ... نحن أدلجنا، وهم باتوا
ثم أبنا، غانمي نعمٍ ... وأناسٌ، بعدنا، ماتوا
نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خواتُ
(1/718)

وفي ملك جذيمة، ومغازيه العرب، يقول الأول:
أضحى جذيمة في يبرين منزله ... قد حاز ما جمعت، في دهرها، عادُ
وكان ملك العرب يومئذ، بأرض الجزيرة، ومشارق بلاد الشام، عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العاملي. فجمع جذيمة جنوده من العرب، فسار إليه يريد غزاته، وأقبل عمرو بن الظرب، بجموعه، من الشام. فاقتتلوا قتالاً شديداً. فقتل عمرو بن الظرب، وفضت جنوده، وانصرف جذيمة، بمن معه، غانمين. فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي:
كأن عمرو بن ترنا لم يعش ملكاً ... ولم تكن حوله الرايات تختفقُ
لاقى جذيمة، في شعواء مشعلةٍ ... فيها خراشيف، بالنيران ترتشق
ويقال: إن الزباء رومية. ولذلك قال عدي:
مخالبة ابنة الرومي زبا
فملك، بعد عمرو بن الظرب، ابنته الزباء، واسمها نائلة. وكان
(1/719)

في جنودها بقايا من العماليق، والعاربة الأولى، وسليح وتزيد ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن كان معهم من قبائل قضاعة. وكانت للزباء أخت تسمى زبيبة، فبنت لها قصراً حصيناً، على شاطئ الفرات الغربي، تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر. فلما اجتمع لها أمرها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش، تطلب ثأر أبيها. فقالت لها أختها زبيبة - وكانت ذات رأي ودهاء وإرب -: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده: إن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت ذهب ملكك. والحرب سجال، وعثرتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل سامياً على من ناوأك، ومن قصد لك، ولم تري بؤساً، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، ولا على من تدور الدائرة؟ فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحة، والرأي ما رأيت. فانصرفت عما أجمعت عليه، من غزو جذيمة. وأرادت ختله، فمكرت به، وكتبت إليه أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبحٍ في السماع، وضعف في السلطان، وأنها لم تحد لملكها موضعاً، ولا [لنفسهاٍ كفواً. فأقبل إلي، وتقلد أمري، وصل
(1/720)

ملكي بملكك، وبلادي ببلادك. وزعم حماد، وأبو عمرو، وأبو عبيدة، أن جذيمة هو الذي كتب إليها، وأراد تزوجها. فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة، وقد عليه رسلها، استخفه ما دعته إليه، ورغب فيها، وفيما أطمعته فيه. فجمع أهل الحجى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء، وعرضته عليه، واستشارهم في أمره. فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له: قصير. وهو قصير [بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي] بن نمارة بن لخم. وكان حازماً، أثيراً عنده، وناصحاً له، فخالفهم فيها، وفيما أشاروا به عليه. وقال رأي فاتر، وغدر ظاهر. فرادوه في الكلام، ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمراً ليس بالخسا، ولا الزكا. فذهبت مثلاً. وقال لجذيمة: اكتب إليها. فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا فلم تمكنها من نفسك، ولم تقع في يدها، وقد وترتها، وقتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير. فقال قصير:
إني امرؤٌ، لا يميل العجز ترويتي ... إذا أنت دون شيء مرة الوذم
(1/721)

مثل تضربه العرب. فقال جذيمة: لا، ولكنك امرؤٌ رأيك في الكنِّ لا في الضح فذهبت مثلاً. ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي، فاستشاره فشجعه على المسير، وقال: إن نمارة قومي مع الزباء. ولو قد رأوك صاروا معك. فأطاعه جذيمة، وعصى قصيراً. فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. وفي ذلك يقول نهشل بن حري الدارمي:
ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع، بالبقتين، قصير
وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر. فذهبت مثلاً.
واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه، وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن معه، على خيوله، وسار في وجوه أصحابه. فأخذ على الفرات الجانب الغربي. فلما نزل القرضة دعا قصيراً، فقال له: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي والأمر. فذهبت مثلاً.
واستقبلته رسل الزباء بالهدايا، والألطاف. فقال: يا قصير، كيف ترى؟ فقال: خير يسيرٌ، في خطبٍ كبير. فذهبت مثلاً. وستلقاك الخيل، فإن سارت أمامك فهي صادقة، وإن أخذت جنبتيك فإن القوم غادرون بك، فاركب العصا. وكانت فرساً لجذيمة، لا تجارى. فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، فنظر إليها جذيمة مولياً، فقال:
(1/722)

ويل أمه حزماً على ظهر العصا. فذهبت مثلاً. فجرت به إلى غروب الشمس، فنفقت، وقد قطعت أرضاً بعيدة. فبنى عليها برجاً، يقال له: برج العصا. فقالت العرب: خيرٌ ما جاءت به العصا.
وسار جذيمة، وقد أحاطت به الخيول، حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت، فإذا هي مضفورة الإسب، محتبية بشعرها. فقالت: يا جذيم، أذات عرسٍ ترى؟ قال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدرٍ أرى. فقالت: لا، وإلهي، ما من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس. فأجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعدت له، وسقته من الخمر حتى إذا أخذت منه مأخذها أمرت براهشيه، فقطعا، وقدمت إليه الطست. وقد قيل: إن قطر من دمه في غير الطست طلب بدمه. وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق، إلا في قتال تكرمةً للملك فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست. فقالت: لا تضيعوا دماء الملوك. فإنها شفاء من الخبل، والجنون. فقال جذيمة: دعوا دماً، ضيعه أهله فهلك جذيمة. وجعلت الزباء دمه في قطن في ربعة لها.
(1/723)

وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على عمرو بن عدي بالحيرة. فقال له قصير: أدائرٌ أنت أم ثائر؟ فقال: لا بل ثائر سائر. فذهبت مثلاً. ووافق قصير الناس، قد اختلفوا، فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عدي، وجماعة مع عمرو بن عبد الجن، فاختلف بينهم قصير، حتى أصلح ذلك، وإنقاذ ابن عبد الجن لعمرو بن عدي، ومال إليه الناس. فقال عمرو بن عدي في ذلك:
دعوت ابن عبد الجن للسلم بعدما ... تتابع، في غرب السفاه، وكلسما
فلما ارعوى عن مدنا باعتزامه ... مريت هواه، مري أمٍ، أو ابنما
فأجابه ابن عبد الجن:
أما، ودماء مائراتٍ، تخالها ... على قلة العزة، أو النسر، عندما
وما قدس الرهبان، في كل هيكلٍ ... أبيل أبابيل، المسيح بن مريما
ذكر أنه هكذا وجد الشعر، ليس بتام. فقال قصير لعمرو بن
(1/724)

عدي: تهيأ واستعد، ولا تبطلن دم خالك. فقال: كيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو؟ وكانت الزباء سألت كاهنةً لها، عن أمرها، وملكها. فقالت: أرى هلاكك على يدي غلامٍ، مهين، غير أمين، وهو عمرو بن عدي. ولن تموتي إلا بيده. ولكن حتفك بيدك، ومن قبله يكون ذلك فحذرت الزباء عمراً، واتخذت نفقاً من محبسها الذي كانت فيه تجلس إلى حصن لها داخل مدينتها. وقالت: إن فجئني أمرٌ دخلت النفق إلى حصني. ودعت رجلاً مصوراً، من أجود أهل بلادها تصويراً. وكان من أحسنهم عملاً، وأحذقهم حذقاً. فجهزته، وأحسنت إليه. وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكراً، فتخلو بحشمه. وتنضم إليهم، وتعلمهم ما عندك. وأثبت معرفة عمرو بن عدي، فصوره قائماً وقاعداً وراكباً، ومتفضلاً ومتسلحاً بهيئته، ولبسه وثيابه ولونه. فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي: فانطلق المصور حتى قدم على عمرو بن عدي، فصنع لها الذي أمرته، وبلغ ما أوصته. ثم رجع إليها بعلم ذلك. وإنما أرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه على حال إلا عرفته، وحذرته.
(1/725)

وقال له قصير: اجدع أنفي، واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال له عمرو: ما أنا بفاعل، وما أنت بالمستحق لذلك. قال قصير: خل عني، وخلاك ذم. فذهبت مثلاً. وجدع قصير أنفه، وأثر بظهره. فقالت العرب: لمكر ما جدع قصير أنفه. وقال المتلمس:
ومن خدر الأوتار ما حز أنفه ... قصيرٌ، ورام الموت بالسيف بيهسُ
فلما فعل قصير ذلك خرج كأنه هارب، وأظهر أن عمراً فعل ذلك به، ويزعم أنه مكر بخاله، وغره من الزباء. فسار قصير، حتى دخل على الزباء. فأدخل عليها، فقالت له: يا قصير، ما الذي أرى بك؟ فقال: زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله، وزينت له المصير إليك، ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين، فأقبلت إليك، وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك. فأكرمته وألطفته، وأصابت عنده بعض ما أرادت، من الحزم والرأي، والمعرفة بأمور الملوك. فلما عرف أنها قد استرسلت، ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالاً كثيرة، وبها طرائف من ثياب وعطر، فابعثيني إلى العراق، لأحمل لك من بزوزها، وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة، والطيب والتجارات. فتصيبين، في ذلك أموالاً عظاماً، وبعض ما لا غناء بالملوك عنه. فإنه لا طرائف كطرائف
(1/726)

العراق. فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته، ودفعت إليه أموالاً، وجهزت معه عيراً، وقالت: انطلق إلى العراق، فبع ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب، وغيرها. فسار قصير بما دفعت إليه، حتى قد العراق، وأتى الحيرة، متنكراً. فدخل على عمرو بن عدي، فأخبره الخبر، وقال: جهزني بأصناف الأمتعة، والطرائف. لعل الله تعالى يمكن من الزباء، فتصيب ثأرك، وتقتل عدوك، فأعطاه عمرو حاجته، وجهزه بما أراد. فرجع بذلك كله إلى الزباء، فعرضه عليها، فأعجبها ما رأت، وسرها ما أتاها، وازدادت به ثقة.
ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته أول مرة، فسار حتى قدم اتلعراق. فلقي عمراً، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء، ولم يترك جهداً. ثم عاد الثالثة إلى العراق، فأخبر عمراً الخبر، وقال له: اجمع لي ثقات جندك، وهيئ لهم الغرائر والمسوح، واحمل كل رجلين على بعير، في غرارتين، واجعل معمقد رؤوس الغرائر من باطنها. فكان أول من جعل الغرائر. فلما أحكم قصير ما أراد قال لعمرو: إنا إذا دخلنا مدينة الزباء أقمتك على رأس نفقها، وخرج الرجال من الغرائر، فصاحوا بأخل المدينة. فمن قاتلهم قاتلوه فقتلوه. وإن أقبلت الوباء، تريد النفق، جللتها أنت بالسيف. ففعل عمرو ذلك. وحمل الرجال في الغرائر، على ما وصف له قصير، ثم وجه الإبل إلى الزباء، عليها الرجال بأسلحتهم. فلما كانوا قريباً منها
(1/727)

تقدم قصير فبشرها، وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات الإبل، وما عليها من الأحمال، [وقال لها] : فإني جئتك بما ضاء وصمت. فذهبت مثلاً. فخرجت الزباء، فأبصرت الإبل تكاد تسوخ قوائمها من ثقل أحمالها. قال أبو عبيدة: فصنع لها شعر تكلمت به - فقالت:
ما للجمال مشيها وئيا؟ ... أجمدلاً يحملن، أم حديدا
أم صرفاناً، بارداً، شديداً ... أم الرجال، قبضاً، قعود؟
فدخلت الإبل المدينة، حتى كان آخرها بعيراً، مر على بواب المدينة، وهو نبطي، فنخش الغرارة التي تليه، فأصاب خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط. فقال البواب لما سمع ذلك: بشتا بشقا، وراعب قلباً. وهو بالعربية: الشر في الجوالق. فلما توسطت الإبل المدينة، وانيخت، دل قصير عمراً على النفق. وأقبلت الزباء، تريد النفق الذي كانت فيه قبل ذلك. ولما دل قصير عمراً على النفق، وأراه إياه، خرج الرجال
(1/728)

من الغرائر، وصاحوا بالمدينة، ووضعوا فيهم السلاح. وقام عمرو على باب النفق، وأقبلت الزباء، تريد النفق، لتدخله فأبصرت عمراً قائماً، فعرفته بالصورة التي صورها لها المصور، فضمت خاتمها، وقالت: بيدي لا بيدك، يا عمرو, وتلقاها عمرو، فجللها بالسيف، فقتلها. وأصاب ما أصاب من أهل المدينة، وانكفأ راجعاً إلى العراق.

37 ... أنت مما لقيت، يبطرك الإغ
راب بالطيش، معجب، محبورُ
"الإغراب": الجد. يقول: يبطرك جدك وشرك. و"الطيش": الخرق والخفة.

38 ... وتمهلت فوزةً، أحرزت عر
ضي من الذم، والشهود كثيرُ
"تمهلت" أي: تقدمت، أي: قبل أن تقع. و"فوزة": ما فاز به ويروى: "والأنام كثير".

39 ...
(1/729)

لو تحملت مثلها غمك العب
ء، وحارت على يديك الأمور
"العبء": الثقل. وجمعه أعباء. وإنما يريد عدي بن زيد بهذه المخاطبة عدي بن مرينا، وهو الشامت.

40 ... ويقول العداة: أودى عدي
وعدي، بسخط ربٍّ، أسير
"العداة": الأعداء. واحدهم عادٍ. ويقال: قوم عُدى وعِدى وعُداةٌ. وقوم عِدى أي: غرباء. قال الشاعر:
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت، من خبيثٍ، وطيبِ
أي: غرباء.

41 ... ظنةٌ، شبهت، فأملكها القس
م، فداه، والخبير خبير
"ظنةٌ شبهت" أي: هي شبهة. وإنما سميت الشبهة شبهة، لأنها تشبه الحق والباطل، ليست بحق واضح، ولا باطل لا شك فيه.
(1/730)

هي بين ذلك. وقوله "فأملكها القسم" أي: أمضاها. و"القسم": الرأي. ويقال: القدر. يقول: اتبع الظن، وسوء الرأي، فحبسه. وقوله "فعداه" أي: صرفه. والعداء: الصرف. ثم قال "والخبير خبير" أي: الخبير بهذا الأمر، الذي وصفت، خبيرٌ أي عالم به.

42 ... وكلانا، بر يساعده ب
رٌّ، وربي بما أتى معذور
"وكلانا بر يساعده بر" أي: رجل بر مثله. يعني: نفسه. و"البر" الأول: النعمان. وقوله "بر" أي: بار. يقال فلان بر سر، أي: بار سارٌّ. ويقال: قوم برون سرون.

43 ... إن ربي لولا تداركه المل
ك، وأهل العراق، ساء العذير
44 ... ملك، يقسم الخزائن، والذ
مة قد ردها، وكادت تبور
قوله "والذمة قد ردها" أي: من كان خائفاً فقد رده إلى الأمن. و"تبور"": تهلك.
(1/731)

45 ... عالم بالذي يريد، نقي الص
در، عف، على جثاه نحور
"الجثا": تراب توضع عليه الحجارة، ينحر عليه، وتسكب عليه الدماء. ويقال: هي الأصنام.

46 ... لا بسخط المليك ما يسع العب
د، وما في نكاله تنكير
يقول: لا يسع العبد ما يسخط الملك.
(1/732)

114 وقال عباس بن مرداس السلمي

1 ... لأسماء رسم، أصبح اليوم دراسا
وأقفر، إلا رحرحان، فراكسا
2 ... فجنبي عسيبٍ، لا أرى غير منزلٍ
قليل به الآثار، إلا الروامسا
"الروامس" والرامسات واحد. وهي: الرياح الدوافن، التي فن الآثار.

3 ... ليالي سلمى لا أرى مثل دلها
دلالاً، وأنساً يهبط العصم، آنسا
(1/733)

4 ... وأحسن عهداً، للملم ببيتها
ولا مجلساً، فيه لمن كان جالسا
5 ... تضوع منها المسك، حتى كأنما
ترجل بالريحان، رطباً، ويابسا
"تضوع": انتشرت رائحته. وقال الشاعر:
تضوع مسكاً بطن نعمان، إذ مشت ... به زينب، في نسوةٍ، عطراتِ
ويقال لفرخ الطائر، إذا تحرك قد تضوع. قال الشاعر:
فريخان، ينضاعان في الفجر، كلما ... أحسا هبوب الريح، أو صوت ناعب
6 ... فذر ذا، ولكن هل أتاها مقادنا
لأعدائنا، نزجي الثقال الكوادسا؟
يعني: مقادنا الخيل. و"نزجي": نسوق. و"الثقال": الإبل. و"الكوادس": يركب بعضها بعضاً، آخر الخيل.

7 ... سمونا لهم، تسعاً وعشرين ليلةً
نجيز، من الأعراض، وحشاً بسابسا
"
(1/734)

سمونا لهم" أي: نهضنا إليهم. و"الأعراض": واحدها عرض. وهي الأودية. و"البسابس" والسباسب على القلب، ويقال لواحدها: بسبس وسبسب، هي الصحارى المستوية.

8 ... فشدوا، فأعطاف الملاء، رؤوسها
على قلصٍ، نعلو بهن الأمالسا
"الملاء": الملاحف، واحدتها ملاءة. و"الأمالس": المستوي من الأرض.

9 ... على قلصٍ، نعلو بها كل سبسبٍ
تخال، به، الحرباء أشمط جالسا
"الحرباء": دويبةٌ فوق العظاية. يعني أن السراب يرفعه فيعظم جسمه.

10 ... بجمعٍ، نريد ابني صحارٍ، كليهما
وآل زبيدٍ، مخطئاً، أو ملامسا
"ابنا صحار وزبيد" من اليمن. و"ملامس": مصيب. ويروى: "أو ملابسا".

11 ...
(1/735)

فيتنا قعوداً، في الحديد، وأصبحوا
على الركبات، يجزؤون الأنافسا
"يجزؤون": يقسمون الأنفس، فالأنفس، من أموالنا.

12 ... فلم أر مثل الحي، حياً، مصبحاً
ولا مثلنا، يوم التقينا، فوارسا
13 ... أكر، وأحمى للحقيقة، منهم
وأضرب منا، بالسيوف، القوانسا
14 ... إذا ما شددنا شدةً نصبوا لنا
صدور المذاكي، والرماح، المداعسا
"المذاكي": الخيل المسان. واحدها مذكٍ. و"المداعس": التي يدعس بها، أي: يطعن.

15 ... إذا الخيل جالت، عن قتيلٍ، نكرها
عليهم، فما يرجعن، إلا عوابسا
(1/736)

16 ... نطاعن، عن أحسابنا، برماحنا
ونضربهم، ضرب المذيد الخوامسا
17 ... وكنت، أما القوم، أول ضاربٍ
وطاعنت، إذ كان الظعان تخالسا
18 ... وكان شهودي معبدٌ، ومخارقٌ
وبشرٌ، وما استشهدت إلا الأكايسا
19 ... ومارس زيدٌ، حين أقصد مهره
وأجدر به، في مثلها، أن يمارسا!
"مارس": قاتل، وعالج الحرب. والممارسة: المعاناة للأمر. و"أقصد مهره" أي: قتل.

20 ... وقرة يحميهم، إذا ما تبددوا
ويطعنهم، شزراً، فأبرحت فارسا
21 ... وكان معي زيدٌ، وعمرٌو، ومالكٌ
وعزرة، لولاهم لقينا الدهارسا
"الدهارس": الدواهي.
(1/737)

22 ... فلو مات، منهم، من جرحنا لأصبحت
ضباعٌ، بأكناف الأراك، عرائسا
يعني: أنها تشبع، من لحوم القتلى، فتسافد.

23 ... ولكنهم في الفارسي، فما ترى،
من القوم، إلا في المضاعف، لابسا
"الفارسي": السلاح. ويقال: أراد: الدروع، نسبها إلى الفرس، أي: أهل فارس، كما قال الآخر:
فقلت لهم: ظنوا، بألفي مدججٍ ... سراتهم في الفارسي، المسردِ
يعني: أنهم متدرعون.

24 ... فإن يقتلوا، منا، كمياً فإننا
أبأنا به قتلى، تذل المعاطسا
"أبأنا" من البواء. وهو من الجزاء، وقتل رجل برجل. قال الآخر:
(1/738)

فإن تكن القتلى بواءً فإنكم ... فتًى ما قتلتم! يال عوف بن عامر
و"المعاطس": جمع معطس بكسر الطاء. وهو الأنف.

25 ... قتلنا به، في ملتقى الخيل، خمسةً
وقاتله زدنا، مع الليل، سادسا
أي: كان الذي قتله سادساً للخمسة، الذين قتلناهم.

26 ... وكنا إذا ما الحرب، شبت نشبها
ونضرب، فيها، الأبلخ المتقاعسا
"الأبلخ": الأحمق. و"المتقاعس": البطيء البراح في الحرب، كأنه يتراجع إلى خلف.

27 ... فأبنا، وأبقى طعننا، من رماحنا
مطارد أحطاماً، وسمراً، مداعسا
"مطارد": جمع مطردٍ. وهو رمح قصير. و"أحطام" أي: محطمة، متكسرة.

28 ... وجرداً، كأن الأسد فوق متونها
من القوم، مرؤوساً، وآخر رائسا
يعني ب"الجرد": الخيل القصار الشعور. واحدها أجرد وجرداء.
(1/739)

وطول الشعرة هجنةٌ، وقصرها مما توصف به الخيل الكرام، ويستحب فيها. و"مرؤوس": عليه [رئيس من القوم] . و"رائس": لا رئيس له، هو الرئيس نفسه.
(1/740)

115 وقال عدي بن زيد العبادي

1 ... قد نام صحبي، وبت الليل لم أنم
من غير عشقٍ تعناني، ولا سقمِ
ويروى: "نام الخلي، وبت الليل لم أنم". و"الخلي": الذي لا هم [له] ، قد تخلى من الهموم. ومثل للعرب: "ويل الشجي من الخلي". والشجي: الحزين. والشجا: الحزن.

2 ... إلا تأوب همٍّ، بت أدفعه
والهم يأمر، حين الكرب، بالألمِ
3 ... يا نفس، صبراً على ما كان، من وجعٍ
لا تطلبن شفاء البث، بالندمِ
ويروى: "يا نفس، صبراً على ما نلت، من وجلٍ". و"البث": الحزن الشديد، الغالب لصاحبه.
(1/741)

4 ... إن المساعي لن تنفك عقبتها
بين الأنام، وبين الأملك، الحكمِ
ويروى: "قد شدت معاقمها". و"الأملك" يعني به: الله، تبارك وتعالى.

5 ... يا ليت من مبلغٌ عني مألكةً
إذ حيل، دون كتاب الكف، بالقلمِ
"المألكة": الرسالة.

6 ... أيا شريحٍ، فلا تحزنك عثرتنا
فالمرء رهنٌ، لريب الدهر، والحممِ
"الحمم": جماعة حمام. وهو القدر.

7 ... إن الأسى قبلنا جم، ونعلمه
فيما أزيل، من الأجداد، والأمم
"الأسى": جمع أسوة. و"جم": كثيرٌ. ويروى: "من الأجدود" يريد: الجد، أي: البخت. ويروى أيضاً: "الإمم"، من النعم. واحدتها إمة.
(1/742)

8 ... منهم رأيت عياناً، أو تحدثه
وما تنبأ عن عادٍ، وعن إرم
9 ... وقبل ذلك، من ملكٍ، ومغبطةٍ
بادوا، فكانوا كفيء الظل، والحلم
"من ملك" أي: من ملك. فخفف. قال طرفة:
ليت لنا، مكان الملك عمرو ... رغوثاً، حول قبتنا، تخور
و"مغبطة": مفعلة من الغبطة.

10 ... أو مثلما قالت الثكلى لواحدها:
لو مات آخر هذا الجيش لم ألم
ويروى: "لم ألم" أي: لم ألم أحداً، و"ألم": آت ما ألام عليه. يقال: ألام الرجل يليم إلامةً فهو مليم، إذا أتى ما يلام عليه. و"الثكلى وجمعها ثكالى: التي مات ولدها. وأراد ب"واحدها": ولدها. أي: ليس لها غيره ويروى: "لو مات آخر هذا الناس لم ألم".

11 ... فالله يعلم في رسلٍ، وفي أزفٍ
والله أعلم، بالآلاء، والنعم
(1/743)

ويروى: "فالله أعلم". ومعنى قوله "وفي أزفٍ" أي: عجلة. ويروى: "في أنفٍ". و"الآلاء" هي: النعم. واحدها إلًى وألًى وألْيٌ. ويروى أيضاً: "الشيم". وهي: الطبائع. واحدتها شيمة.

12 ... إن ابن أمك لم ينظر قفيته
إذا توارى، ورمي الناس، بالكلمِ
"القفية": الكرامة. ويقال: ما يؤثر به الصبي والضيف. والقفي: المأثور بالشيء. ويروى: "ورام الناس بالكلم". ومعنى قوله "ورمي الناس" أي: لم ينظر رمي الناس بالكلم.

13 ... بل رب عبءٍ، ثقيلٍ، قد نهضت به
فما تزل، إذا عديته، قدمي
"العبء": الثقل. وجمعه أعباء. "نهضت به" أي: احتملته، وقويت على النهوض به، وكنت قوياً عليه، مضطلعاً به، لم تزل قدمي، لضعفي عنه.

14 ... وإربةٍ قد علا كبدي معاقمها
ليست بفوزة مأفونٍ، ولا برم
"
(1/744)

المأفون": الضعيف الرأي، القليل العقل. والأفن" اضطراب العقل وضعف الرأي. وأنشد:
إني امرؤٌ، ما يعتري خلقي ... دنسٌ يهجنه، ولا أفنُ
و"البرم": واحد الأبرام. وهم الذين لا يدخلون في الميسر، إذا ضرب على الجزور بالقداح.

15 ... ولا بدأت خليلاً، أو أخا ثقةٍ،
بخنعةٍ، ولا ورب الحل والحرمِ
"الخليل": الصاحب. والجمع خلان وأخلاء.

16 ... ولا بخلت، بمالي، عن مذاهبه
في حاجة الرزءِ، إن كانت، ولا الذمم
17 ... ولا أضعت، لربٍ، ما يخولني
بالعهد، أو بسبيل الصهر، والنعم
18 ... وقد يقصر، عني، الليل ذو شرعٍ
معي ندامى، مخاريقٌ، ذوو كرمِ
(1/745)

19 ... هم يستجيبون، للداعي، ويكرههم
حد الخميس، ويستمهون، في البهم
"الخميس": الجيش. قال مرقشٌ:
لا يبعد الله التلبب، وال ... غارات، إذ قال الخميس: نعم
أي: هذا نعمٌ - أي: إبل - فأغيروا عليها.

20 ... ومنهلٍ، جاده الوسمي، يمنحه
حفل الغيوث، وتاراتٍ، من الديم
"جاده" من الجود، من المطر. والجود: الذي يرضى. والإيراد: ما هو أكثر. وقال غيره: إذا حفر الأرض إلى مقدار الركبة فذلك الجود. قال: و"الوسمي": أول مطر الربيع. سمي بذلك، لأنه أول مطر يسم الأرض. والمطر الثاني: الولي لأنه يلي الوسمي. وأنشد لذي الرمة:
لني وليةً، تمرع جنابي، فإنني ... لما كان، من وسمي نعماك، شاكرُ
و"الغيوث": جمع غيث. و"الديم": جمع ديمة. وهي المطر العظيم القطر. و"تارات أي: مرات.
(1/746)

21 ... حتى تعاورن مستكاً، له زهرٌ
من التناوير، مثل العهن في التوم
22 ... خلا بخنسٍ، مطافيلٍ، تعاهده
بعرعرٍ، أو بثني القف، من خيم
"الخنس": بقر الوحش. و"المطافيل": اللائي معهن أولادهن. والواحدة مطفلٌ.

23 ... أهبطته الركب، يعدو بي أخو ثقةٍ
للنائبات، بسيرٍ، مخدم الأكمِ
"أهبطته" يعني: المنهل. أي: أهبط الركب في المنهل الذي وصف. و"الركب": أصحاب الإبل خاصةً. واحدهم راكب، كما يقال: شارب وشربٌ، وصاحب وصحبٌ، وتاجر وتجرٌ. وقوله "يعدو بي أخو ثقة" أي: فرس، يوثق بفراهته، وجودة عدوه، وصبره.

24 ... رحب الجوانح، ما تكدي علالته
رابي الدسيع، قليل النغض، للسأم
"
(1/747)

رحب الجوانح" يعني: فرسه. و"الجوانح": الضلوع التي تلي الصدر، من الدابة. واحدتها جانحة. "ما تكدي علالته" أي: ما تقل وتنقطع. قال: و"العلالة": أن يأتي منه جري بعد جري. "رابي الدسيع" أي: مشرف العنق. "قليل النغض للسأم" أي: لا يسأم ويضجر، فينغض برأسه لذلك. و"النغض": تحريك الرأس. قال الله، عز وجل: (فسينغضون إليك رؤوسهم) .

25 ... فحاضر الثور، حتى ظل مقتدراً
له الغلام قناةً، من عبيط دم
"فحاضر الثور" يعني: هذا الفرس، أي: جاراه. من الحضر، وهو الجري. "حتى ظل مقتدراً" تقول العرب: ظل يفعل كذا وكذا، إذا فعله نهاراً. وبات يفعل كذا وكذا إذا فعله ليلاً. وقوله "عبيط دم" أي: دم أحمر خالص.

26 ... فإن خليلٌ يقل: هل أنت واهبه
على الخطاب؟ يكن قولي له نعم
قوله "نعم" صيرها حكايةً، كما تقول: إن نعم قولي لك. فحظها الجزم لمن أراد أن يجزمها، فحركها.
(1/748)

27 ... وقد أكلف همي ذات مبذلةٍ
إذ لا يشايع أمر الملهد، الخثم
28 ... تصيف الحزن، فانجابت عقيقته
فيه خنافٌ، وتقريبٌ، بلا سأم
29 ... ينتاب بالعرق، من بقعان، مورده
ماء الشريعة، أو فيضاً، من الأجم
30 ... وقد دخلت، على الحسناء، كلتها
بعد الهدوء، تضيء البيت، كالصنم
31 ... تبسم عن أشنبٍ، ريان منصبه
حمر اللثات، لذيذ طعمه، شبم
(1/749)

116 وقال كعب بن سعد الغنوي
يرثي إخوته، ويخص أبا المغوار:
1 ... تقولي سليمى: ما لجسمك شاحباً
كأنك يحميك الشراب طبيبُ؟
2 ...
(1/750)

فقلت، ولم أعي الجواب، ولم ألح
وللدهر، في صم السلام، نصيبُ:
3 ... تتابع أحداثٍ، تخرمن إخوتي
وشيبن رأسي، والخطوب تشيبُ
4 ... لعمري، لئن كانت أصابت منيةٌ
أخي، والمنايا للرجال شعوب
5 ... لقد كان: أما حلمه فمروحٌ
علينا، وأما جهله فعزيب
6 ... أخٌ، كان يكفيني، وكان يعينني
على نائبات الدهر، حين تنوب
(1/751)

7 ... لقد عجمت، مني، المصيبة ماجداً
عروفاً، لريب الدهر، حين يريب
8 ... هوت أمه! ماذا تضمن قبره
من الجود والمعروف، حين يغيب؟
9 ... جموع خلال الخير، من كل جانبٍ
إذا جاء جياءٌ، بهن، ذهوب
10 ... مفيدٌ، ملقي الفائدات، معودٌ
لبذل الندى والمكرمات، كسوب
11 ... فتًى، لا يبالي أن يكون بجسمه،
إذا نال خلات الكرام، شحوب
12 ... غنينا بخيرٍ، حقبةٍ، ثم جلجلت
علينا التي كل الأنام تصيب
(1/752)

13 ... فأبقت قليلاً، فانياً، ثم هجرت
لآخر، والراجي الحياة كذوب
ويروى: "فانياً وتهجرت*لآخر".

14 ... وأعلم أن الباقي، الحي، منهما
إلى أجلٍ، أقصى مداه قريب
15 ... فلو كان ميتٌ يفتدى لفديته
بما لم تكن، عند النفوس، تطيب
16 ... يعيني، أو يمنى يدي، وإنني
لبذلي هاتا، جاهداً، لمصيب
17 ... فإن تكن الأيام أحسن مرةً،
إلي، فقد عادت لهن ذنوب
(1/753)

18 ... عظيم رماد القدر، رحبٌ فناؤه
إلى سند، لم تحتجنه غيوب
19 ... لقد أفسد الموت الحياة، وقد أتى
على يومه علقٌ، إلي حبيب
20 ... حليمٌ، إذا ما الحلم زين أهله
مع الحلم، في عين العدو، مهيب
21 ... إذا ما تراءته الرجال تحفظوا
فلم تنطق العوراء، وهو قريب
(1/754)

22 ... أخي ما أخي؟ لا فاحش عند بيته
ولا ورعٌ، عند اللقاء، هيوب
23 ... هو العسل الماذي، حلماً، ونائلاً
وليثٌ، إذا يلقى العدو، غضوب
24 ... حليمٌ إذا ما سورة الجهل أطلقت
حبى الشيب، للنفس اللجوج، غلوب
25 ... كعالية الرمح الرديني، لم يكن
إذا ابتدر الخير الرجال يخيب
(1/755)

26 ... حليف الندى، يدعو الندى، فيجيبه
مراراً، ويدعوه الندى، فيجيب
27 ... أخو شتواتٍ، يعلم الحي أنه
سيكثر ما في قدره، ويطيبُ
28 ... ترى عرصات الحي، منه، كأنها
إذا غاب لم يشهد، بهن، عريبُ
29 ... إذا غاب لم يبعد محلة بيته
ولكنه الأدنى، بحيث يؤوب
(1/756)

30 ... حبيبٌ إلى الزوار، غشيان بيته
جميل المحيا، شب، وهو أديب
31 ... يبيت الندى، يا أم عمرو، ضجيعه
إذا لم يكن في المنقيات حلوب
32 ... إذا شهد الأيسار، أو غاب بعضهم،
كفى ذاك وضاح الجبين، أريب
33 ... وداعٍ دعا، يبغي القرى، بعد هدأةٍ
دعا، والقرى بعد الهدوء حبيبُ
34 ... فقلت: ادع أخرى، وارفع الصوت مرةً
لعل أبا المغوار، منك، قريب
35 ... يجبك، كما قد كان يفعل، إنه
نجيبٌ، لأبواب العلاء، طلوب
(1/757)

36 ... وإني لباكيه، وإني لصادقٌ
عليه، وبعض القائلين كذوب
37 ... فتًى أريحي، كان يهتز، للندى
كما اهتز عضب الشفرتين، قضوب
38 ... وقد قيل جهلاً: إنما الموت في القرى
فكيف، وهاتا روضةٌ، وكثيب؟
ويروى: "فقلت: فهاتا".

39 ... وماء سماءٍ، كان غير محمةٍ
ببريةٍ، تجري عليه جنوبُ
"غير محمة": من شرب منه لم تصبه حمى.

40 ... ومنزلةٌ، في دار صدقٍ، وغبطةٍ
وما اقتال، من حكمٍ، علي طبيبُ
"
(1/758)

اقتال": تحكم. والمقتال: المتحكم في الأشياء.
تم كتاب الاختيارين: اختيار المفضل الضبي، وعبد الملك بن قريب الأصمعي. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد النبي، خاتم النبيين، ولسان الصدق في الآخرين. وعلى أخيه ووصيه، علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وليث الدين، وعلى الأئمة، من ذريتهما الطيبين الأخيار، المنتجبين. وسلم عليه، وعليهم أجمعين، سلاماً دائماً في العالمين.
وكان فراغ النساخة في يوم الخميس، التاسع عشر من شهر رمضان المعظم، من سنة إحدى عشرة وستمائة. نفع الله به مقتنيه، وبارك له فيه، وغفر لكاتبه وقاريه. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
(1/759)