Advertisement

الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى



الكتاب: الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى
المؤلف: محمد بن أحمد بن محمد العميدي، أبو سعد (المتوفى: 433هـ)
تقديم وتحقيق وشرح: إبراهيم الدسوقي البساطي
الناشر: دار المعارف، القاهرة - مصر
عام النشر: 1961 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة المؤلف
بِسم اللهِ الرحَمنِ الرحَيم
الحمد لله الذي أجرانا على عادة تفضله، وهدانا في جميع أحوالنا إلى طرق الخير وسبله، وخصّنا بإحسانه المتقادِم، ورزقنا من العقل ما ميّزنا به من البهائم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير بريته، وعلى الطاهرين من أهل بيته وذريته.
إعجاب المرء بنفسه يَشرع إليه ألسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين؛ فلا نقيصة عندي أقبحُ سِمَةً من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغُ وصمةً من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله، ولا منقبةَ أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استُقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم أبينُ من التوقّف عند الشبهات حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النّصَفة حتى تهديَك أعلامُها، وما أحسن أثر القاضي إذا عدل في الحكم وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف، والظلم قبيح، وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخف، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميّز من العوامّ بمزية تقدم وتخصص سلق المحسنين بلسان ذمّ وتنقص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل نظر إلى المُمَيَّزين بعين التقصير والتجهيل.
وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائه أنهم لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلّهم عن منهج الحق وطريقه؛ فإذا سمعوا فصلاً من كتاب، أو بيتاً
(1/19)

من شعر ممن لا يكاد يجيل في الأدب قِدحا، ولا يعرف هجاء ولا مدحاً؛ فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم، والإجلال والتعظيم، وليس يدري إن سألته هل ما رواه سليم اللفظ أو مختله، صحيح المعنى أو معتلّه، وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن،
وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب، وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله، أو هو مبتدِع، أو أورد نظيره سواه أو هو مخترع استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه، واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار.
ثم إن بيّنت لهم عَوار ما رَوَوْه وزلله، وخطأ ما حكَوْه وخطله التزموا نُصْرة خطئه واقفين مواقف الأعتذار، ومائلين عن طريقة الانتصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً، ودرّبتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاةً وحكاماً، إنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صِفَر وِطاب الأدب، ضيّقَ مجال الفضل، قصيرَ باع الفهم، جديبَ رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز به بين غثّ الكلام وسمينه، ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يَعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيجاب، ولا يحل أحداً من رتب الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا يُعظم الجاهليّة لتقدمهم إذا أخّرتهم معايب أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحاً، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً، ويُجلّ من يَشْهد بفضائله شهودٌ عدول، ويُنزل مَن كلامُه عند التأمل منحولٌ معلول.
ولقد جرى يوماً حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي
(1/20)

عرشه: سبحانَ من ختم بهذا الفاضل الفحولَ من الشعراء وأكرمه، وجمع له من المحاسن ما بعثره في كل من تقدمه، ولو أُنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من
الكعبه، ولقُدّم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفه الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت أسمه من جرائد المتقدمين ومحقته، وإلا فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس:
رجلاه في الركض رجل واليدان يدٌ ... وفعله ما تريد الكف والقدم
أليس هذا أبلغ من قول القائل:
درير كخذروف الوليد أمَرّه ... تتابُعُ كفّيْه بخيط مُوَصَّل
(1/21)

لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب، وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه وهو قوله:
يجرى كما أختاره فكأنّه ... بجميع ما أبغيه منه عالم
رجلاه رجل واليدان يدٌ إذا ... أحضرته والمتن منه سالم
فصاح وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مُسكة من عقل أو بُلغة من فضل؟ والله إن للمتنبي غلماناً وأتباعاً أجلَّ من هذا البليد المجهول. من أي قبيلة هذا العاجزُ الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله حديثنا في الإبداع لا في الأتباع، وفي الآداب لا في الأنساب.
ليس تغنى المتنبي جلالةُ نسبه مع ضعف أدبه، ولا يضرّه خلافُ دهره مع اشتهار ذكره، ولقد تأملت أشعاره كلَّها فوجدتُ الأبيات التي يفتخر بها أصحابه، وتُعتبر بها آدابُه من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم المخترعة مسلوخة، وإني لأعجب والله من جماعة يغلون في ذكر المتنبي وأمره، ويدّعون الإعجاز في شعره، ويزعمون أن الأبياتَ المعروفةَ له هو مبتدعها ومخترعها ومُحْدِثها ومفترعها، لم يَسبق إلى معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر، وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللُّمعَ التي يزعمون أنه أستنبطها وأثارها، والمعتدّون بالفِقرَ التي يدّعون أنه افتضَّ أبكارها، والمترنمون بأبيات سائرة يذكرون أنه أنفرد
بألفاظها ومعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم، والمستعملون لها في خَلَواتهم وأغانيهم كيف لا يستحيون أن يقولوا بعصمته، ويتهالكوا في الدلالة على حكمته، وكيف يستجيزون لنفوسهم، ويستحسنون في عقولهم أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكماً جزماً بأنها له غيرُ مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ بتوطئتها غيرَ مسلوكة لغيره ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علماً بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلاً عن جميعها؟ أم هل فيهم من يميز بين مستعملها وبديعها
(1/22)

حتى يطلقوا القول غير محتشمين بأن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معانيَ لم يَفطِن لها سواه، ولم يعثُر بها أحد غيره ممن يجري مجراه.
ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: إنه لما صنّف كتابه على حروف المعجم بأسامي الشعراء جمع دواوين قريب من ألف شاعر حتى أختار من عيونها ما أراد، وامتار من متونها ما ارتاد.
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمسمائة ديوان للشعراء في أيامه حسداً لهم لئلا تشتهر أشعارهم، ولا تنشر في الناس محاسنهم وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتَهم في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره؟ وهل للذين يتدينون بنصرته بصائرُ بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصيغة والترتيب، وإبدال البعيد بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب، حتى يدّعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفى صورتها على ناقد، وتبرئته من المعايب التي شهد عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودةَ
شعره، وصفاءَ طبعه، وحلاوةَ كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقةَ نظمه، ولا أنكر اهتدائه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البديع لحظاً، واستيفائه حدود الحذق إذا سلخ المعنى فكساه من عنده لفظًا، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه، وغوصه على ما يَستصفى ماءَه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والزلَل والدّخلَ، والنظام الفاحش الفاسد،
(1/23)

والكلام الجامد البارد، والزحاف القبيح المستشنع، واللحن الظاهر المستبشع، وأشهد أنه عن درجه أمثاله غيرُ نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غيرَ مدافَع، غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة لا أبرِّئه من نهب وسرقة، ولا أرى أن أجعله وأبا تمام الذي كان ربَّ المعاني ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة، ولا ألحقه في عذوبة الألفاظ وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة، والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوّر المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصّب له تقليداً، ويغلو فلا يجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمداً بعيداً، ولا أطعن أيضاً في دينه ونسبه، ولا أذمه لاعتقاده ومذهبه، وكيف يسوغ لي أن أثلِبَه إلحاده، أو أعيبه لسقوط آبائه وأجداده، وأنا أتحقق أن أكثر من يُستشهد بأشعارهم المشركون والكفار والمنافقون والفجار، ومنهم اللُّكْن والفصحاء والهجناء والصُّرَحاء.
والأدب يجعل الوضيع في نسبه رفيعاً، كما أن الجهل يُصَيّر الرفيع في منصبه وضيعاً، والمتنبي كان يفتخر بأدبه لا بِنَسبه، ويعتَدّ بفضله لا بأهله، ويتطاول على أهل زمانه بفصاحة لسانه، وبِضرابه وطِعانه، لا بتوحيده وإيمانه، ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدَّمه من الشعراء، وينكر حتى أسماءهم في محافل الرؤساء،
ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على ديوانيهما يُغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من بعض أشعاره يمير، ويسبّهم ونظرائهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم مني ما أنشد لهم مصراع لكان الناس يغضُون عن معايبه، ويُغطَون على مساويه ومثالبه، ويَعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجرى بذمّهم وذامهم لسان.
ولقد حدّثني من أثق به أنه لما قتل المتنبي في طريق الأهواز وجُد في خرج كان
(1/24)

معه ديوانا الطائيين بخطه، وعلى حواشي الأوراق علامة على كل بيت أخذ معناه وسلخه، فهل يجمل به أن ينكر أسماء الشعراء وكُناهم، ويجحد فضل أولاهم وأخراهم.
وأنا بمشيئة الله تعالى وإذنه أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وأدّعى الإعجاز لنفسه فيها؛ لتشهد بلؤم طبعه في إنكاره فضيلة السابقين، وتَسِمَه فيما نهبه من أشعارهم بِسِمَة السارقين، ومن عند الله المعونة.

الجزء الأول
أَول الكتاب
أنشدنا ثقة من أهل الأدب بحلب لعبد السلام بن زُعبان الحمصي الملقب بديك الجنّ من قصيدة له أولها:
طَلَل تَوَهَّمَه فصاح مُسَلّما ... أضَنىً به أم ضَنّ أن يتكلما
دِعصٌ يُقل قضيبَ بان فوقه ... شمسُ النهار تُقِلّ ليلاً مظلما
قال المتنبي في قصيدة أولها:
كُفىّ أراني ويك لومك ألْوما ... هَمٌّ أقام على فؤاد أنْجَما
(1/25)

غُصْن على نَقَوَىْ فلاة نابتٌ ... شمس النهار تُقِلّ ليلاً مظلما
مثل هذا البيت تسميه أصحابُه التوارد، ويسميه خصمُهم النسخَ والتعمدّ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب.
قال ابن الرومي في قصيدة أولها:
أرضى بصورته وضنّ فأغضبا ... فغدا المحبُّ منعَّما ومعذّبا
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلَي ... وكفاه طِيبُ الخلق أن يتطيبا
قال المتنبي في أرجوزة يمدح بها أبا عليّ الأوارجي أولها:
ومنزل ليس لنا بمنزل
يصف فيها الظبي:
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلِي ... وعادة العرى عن التفضل
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّانى في أول قصيدة له يصف بريّةً أولها:
أعاده من عقابيل الصبا عيد ... وعاد للّوم فيه اليوم تفنيد
تيهاء لا يتخطاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحُرَّ وجهي بحرّ الشمس إذ أفلا
(1/26)

وقال دعبل في هذا المعنى، وأبلغ وأوجز وزاد على من تقدم:
ودويّة أنضيت فيها مطيتي ... وجيفاً وطرفي بالسماء موكل
وفي هذه القصيدة يقول دعبل:
سمعت به للجنّ في كل ساعة ... عزيفاً كأن القلب منه مُخبَّل
قال المتنبي:
لو كنتَ حشوَ قميصي نُمرِقها ... سمعت للجن في حافاتها زَجلا
وهذا مأخوذ من قول الأعشى في قصيدته:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل
يقول:
وَبَلْدَة مثل ظهر الترس موحشة ... للجنّ بالليل في حافاتها زجل
لكثير عزة:
رمتني بسهم ريشه الهُدبُ لم يُصب ... ظواهر جلدي وهو للقلب صادع
(1/27)

أبو الشيص يقول:
يُصْمين أفئدة الرجال بأسهم ... قد راشَهُنّ الكُحل والتهذيب
قال المتنبي:
راميات بأسهم ريشها الهد ... بُ تشقّ القلوب قبل الجلود
قال ابن الرومي:
إذا تمشّى يكاد يُقعده ... رِدفٌ كمثل الكثيب رَجراجُ
قال المتنبي:
بانوا بخرعوبة لها كفلٌ ... يكاد عند القيام يقعدها
لبعض العرب ذكره ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار:
لي همة فوق السما ... كِ وباب رزقي الدهرَ مُغلق
هل ينفع الحرصُ الكثي ... يرُ لصاحب الرزق المُضَيَّق
(1/28)

إن امرأ أمِن الزما ... ن لمستغرّ العقل أحمق
قال المتنبي:
فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌ ... والمستغر بما لديه الأحمق
ابن الرومي:
شكوى لو أنّىَ أشكوها إلى جبل ... أصمّ ممتنع الأركان لانفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمّلتْ صُمُّ الجبال الذي بنا ... غداة افترقنا أوشكت تتصدّع
لم يقصر المتنبي؛ أبدل الانفلاق بالتصدّع.
أبو تمام من قصيدة أولها:
أما إنه لولا الخليط المودَّع ... وربعٌ عفا منه مصيفٌ ومربع
له منظر في العين أبيضُ ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع
العطويّ في معناه:
أبعدك الله من بياض ... بيّضت من عينيَ السوادا
المتنبي:
أبعد بعدت بياضاً لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
وقوله (أسود) في النحو ركيك، لم يسمع إلا في أبيات شواذَّ نوادر.
(1/29)

نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُه ... وأثقلني حتى كأني رَوَادفه
محمد بن أبي زُرعة الدمشقي، كان في أيام ديك الجن له من قصيدة:
أسقمني طرفة وحمَّلَني ... من الهوى ثِقلَ ما تحوى مآزره
للمئزر في هذا البيت حلاوة وطلاوة وطراوة.
ابن الرومي من قصيدة:
فكأن ليلَتَنا عليه لطُولها ... ثبتت تمخض عن صباح الموقف
لغيره:
يا ليل هل لك من صباحْ ... أم هل لنجمك من براحْ
محمد بن هاشم، وهو المكَنَّى بأبي نبقة الشاري:
سَهِرت لَيْلِى فنوم العين متبول ... كأن لَيْلِى بيوم الحشر موصول
لغيره:
ألا يا ليل هل لك من براحِ ... كأنك قد خُلِقت بلا صباح
قال المتنبي:
من بعد ما كان ليلى لا صباح له ... كأن أولَ يوم الحشر آخرُه
وأعاد المتنبي فقال:
لُيَيْلتنا المنوطة بالتناد
(1/30)

ديك الجن:
تغدو إلى سيد يُحصَى الحصى عدداً ... في الخافقين ولا تحصى فواضله
محمد بن حازم الباهلي أبو جعفر:
يُحصى الحصى ويُعد الرمل أصغره ... ولا تُعد ولا تحصى معاليه
قال المتنبي:
حُلوٍ خلائقه شوسٍ حقائقه ... تحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره
العلوي الحِماني من أبيات له:
والسيف إن قسته يوماً بنا شَبَهاً ... في الروع لم تدر عزماً أيّنا السيف
ربيع بن ثابت الرقى:
لست أدري أعزمةُ الدهر أمضى ... في الأعادي أم كيدهُ أم حسامهُ
محمد بن مهدي العكبري أبو جعفر:
تشابه الأمر لا ندري أعزمته ... سيفٌ أم السيف يوم الروع عزمته
قال المتنبي:
همام إذا ما فارَقَ السيفُ غمده ... وعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهما النصل
البحتري:
(1/31)

وملأت أحشاء العدو بلابلا ... فأرتدّ يحسد فيك من لم يحسد
العبرتاي:
قمّع أحشاء حاسديه ولم ... يتب غليل الحَشا من الحسد
قال المتنبي:
قطعتهم حسداً أراهم ما بهم ... فتقطعوا حسداً لمن لا يحسد
أبو هفّان:
تعجبت دُرُّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فطلوع البدر في السدَف
وزادها عجباً أن رحت في سَمَل ... وما درتُ درُّ أن الدُّرَّ في الصدف
الخبزأرزي:
حصلت منكم على ما ليس يقنعني ... وكيف يُقنع سوءُ الكيل والحشف
وليس سكناي نقصاناً لمنزلتي ... فيكم كما الدرّ لا يزرى به الصدف
قال المتنبي:
لو كان سُكْنَايَ فِيكَ منقصة ... لم يَكُنِ الدرّ ساكنَ الصَّدَف
أبو بكر النحوي المعروف ببرمة:
وبيض تسافر ما إن تقي ... م لا في الرقاب ولا في القُرُب
بطئ رضاهن لكنها ... غداةَ اللقاءِ سراعُ الغضب
(1/32)

ابن الرومي:
ما ضمّ سيفاً له غمد ولا برحت ... ضريبتاه من الأعناق والجَزَر
قال المتنبي:
وبيضٍ مسافرة مَا يُقمْ ... نَ لا في الرِّقاب ولا في الغمود
لقد تصبب عرقاً، وتقلب أرقاً، حتى أستنبط هذا المعنى البديع.
قال البحتري:
جَلّ عن مَذْهَب المديح فقد كا ... د يكونُ المديحُ فيه هجاَء
الخبزأرزي:
أنا في بحر جَدْواه ... غريقٌ بين أمواج
ومن قِلة ما أثنى ... عليه صرت كالهاجي
قال المتنبي:
وعُظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيتُ أهجوكا
ابن الرومي:
أقسمت بالله ما استيقظتم لخناً ... ولا وُجدتم عن العليا بنوّام
بشار بن برد:
وسهرتمُ في المكرمات وَكَسْبِها ... سهراً بغير هَوىً وغيرِ سَقام
قال المتنبي:
كثيرُ سهادِ العين من غير علّة ... يؤرّقه فيما يشرّفه الذِّكر
ابن الرومي:
وقد سَارَ شعري الأرضَ شرقاً ومغرباً ... وغَنَّى به الحَضْر المقيمون والسَّفْر
(1/33)

قال المتنبي:
همُ الناس إلا أنهم من مكارم ... يُغَنّى بهم حَضْر ويحدو بهم سَفْر
أبو حوية السكسكسي:
وينظر في العواقب غيرَ غِرّ ... بعلم غدٍ وأحداثٍ الزمان
ابن قتيبة أنشد لبعض العرب أبياتاً منها:
بصير بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عيناً على غد
قال المتنبي:
ماضي الجَنَان يُرِيه الحزمُ قبلَ غدٍ ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غد
وله أيضاً:
ترى عينه في يومه ما يرى غدا
المتبول الجزري:
يجود مَالاً على العافي سحابُهم ... وتُمطِرُ الدّمَ أسيافٌ لهم قُضُب
محمود بن الحسين الورّاق الكوفي أبو الحسن النخاس:
إذا أروت الأرضَ أسيافُهم ... من الدم خِلتَ سحاباً همع
ابن الرومي:
سماءٌ أظلت كل شيء وأعملت ... سحائبَ شتى صوبُها المالُ والدمُ
قال المتنبي:
قوم إذا أمطرت موتاً سيوفُهم ... حسبتها سحباً جادت على بَلَد
ابن الرومي من قصيدة أولها:
(1/34)

الحب ريحان الفؤاد وراحه
يغدو فتكثرُ باللحاظ جِرَاحُنا ... في وجنتيه وفي القلوب جراحهُ
قال المتنبي:
ما باله لاحظته فتضرّجت ... وجناته وفؤاديَ المجروح
ابن الرومي:
طوفانُ نوحٍ دون هذا الندى ... فأبقَ بقاَء المصطفى نوحِ
وله أيضاً:
يجود حتى يقول المادحون له ... قد كاد أن يَخْلُف الطوفانَ طوفانُ
(1/35)

قال المتنبي:
وخشيت منك على البلاد وأهلِها ... ما كان أنذرَ قومَ نوح نوحُ
أبو القوافي الأسدي:
ردّت صنائعهُ عليه حياتَه ... فكأنه من نشرها منشورُ
مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيلُه ... بردّ حياة ليس يُخْلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له بردّ حياته ... لما انطوى فكأنه منشور
بشار بن برد:
وإذا أقلّ لي البخيل عَذَرْته ... إن القليل من البخيل كثير
ولآخر:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأولِ نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير
ابن الرومي:
وأعوامٌ كأن العام يوم ... وأيامٌ كأن اليوم عام
أبو تمام من قصيدة أولها:
دِمَنٌ ألَمَّ بها فقال سلامُ
أعْوامُ وصلٍ كاد يُنْسى طولَها ... ذكرُ النَّوى فكأنها أيام
(1/36)

ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... نجوى أسىً فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامَنا دهورٌ إذا غب ... تَ وساعاتنا القصار شهور
ومشرع هذا المعنى كثير الورّاد.
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذ ... وما تأخذ الأيام من أنت تارك
المعوّج الرقي:
ما يُفسدُ الدهرُ شيئاً أنت تُصْلحه ... وليس يصلح شيئاً أنت تفسده
قال المتنبي:
وما تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
أبو البيد البصري من قصيدة أولها:
أضاء لنا الأفق المظلمُ ... بِيُمْنك وأفتُتِح المبهَمُ
مكارم تملأ سَمْعَ الأصمّ ... عجباً فينكرها الأبكم
(1/37)

عمرو بن عروة بن العبد الكلبي:
أوضَحْتَ من طرق الآداب ما اشْتَكَلت ... دهراً وأظْهرتَ إغراباً وإبداعا
حتى فتحت بإعجاز خُصصتَ به ... للعمى والصم أبصاراً وأسماعا
قال المتنبي:
أنا الذي نظر إلى الأعمى إلى أدبي ... وأسمعَتْ كلماتي من به صم
وبين أبيات الكلبي وبين هذا بون بعبد في النقد.
أبو العتاهية من قصيدة فيها:
هوّن عليك خطوبَ الدهر أجمعَها ... فالدهر في حالتيه السم والعسل
قد كنتُ صنتُ دموعي قبل فرقته ... فاليوم كل مصون فيه مبتذل
ولآخر:
كل مَصُون فيك مبذول ... وكل قلب فيك مشغول
وكل ذي رأي وذي فطنة ... بسيف ألحاظك مقتول
معوّج الرقي:
هان من بعد بعدك الدّمعُ والصَّبْ ... رُ وكانا أعَزّ خَلْق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... واليوم كل عزيز بعدكم هانا
(1/38)

معقل العجلي أخو أبي دلف وكان يعمل أشعاراً ويلحنها مخارق:
ما في الملابس مفخر لذوي النهى ... إن لم يَزِنْها الجود والإحسان
ليس اللئم تزينُه أثوابهُ ... والميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يُعجبنّ مَضيماً حسنُ بِزَّته ... وهل يروق دَفِيناً جودةُ الكفن
الخبزأرزي:
من فرط أشواقي ورقة عبرتي ... إني أغار عليك من مَلَكَيْكا
ولو استطعت حجبتُ لفظَك غَيرةً ... إني أراه مقبلاً شفنيكا
قال المتنبي:
أغار من الزجاجة حين تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
وهذا الكلام لا يخرج إلا من سوء أدب وقلة معرفة بخدمة الملوك لأن الغيرة تكون من المحب على المحبوب فأما من المملوك على المالك ومن المادح على الممدوح فضرب من قلة التمييز لا غير.
ولجابر بن الطائي السنبسي مليح الشعر من أبيات مشهورة:
(1/39)

خيل شوازب أمثال الصقور لها ... فوارس لا يخافون الردى بُسُل
كأنهم خلقوا والخيل تحتهم ... وهم أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نُتجَتْ قياماً تحتهم ... وكأنهم خلقوا على صهواتها
أبو تمام من قصيدته المعتصمية:
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب
قال المتنبي:
الجيش جيشك غير أنك جيشه ... في قلبه ويمينه وشماله
وأظن هذا البيت مما قال النبي صلّى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً.
السيد الحميري:
قوم نِبالهمُ ليست بطائشة ... وفيهم لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنة ... كأنما هي أسياف وأرماح
البحتري:
وإذا تألق في الندىّ كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه
قال المتنبي:
كأن ألسُنَهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خُرْصَانا
والرماح والخرصان بمعنى واحد وإن اختلف اللفظان، وهذا من سوء العبارة والبيان.
(1/40)

المعوج الرقي من قصيدة أولها:
ليست مغازلة الغزلان من عملي ... فعاشق المجد يأبى طعنة الغزل
أعطيت ملكاً جليلا لا انتقال له ... ما البدر عن فلكه يوما بمنتقل
قال المتنبي:
أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار عَنْ هالاتها
امرؤ القيس بن حجر:
ألم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تَطَيب
بشار بن برد:
وزائرة ما مَست الطيبَ برهةً ... من الدهر لكنْ طيبُها الدهرَ فائح
الخليع الأول:
وزائرة ما ضمّخَتْ قطُّ ثوبَها ... بمسك ومن أثوابها المسك يسطع
ينمّ عليها ريقها وحُليُّها ... وغُرّتها في الليل والليل ادرع
قال المتنبي:
وزائرة ما خامر الطيبُ ثوبها ... وكالمسك من أردانها يتضوع
ابن الرومي:
لو أبى الراغبون يوماً نداه ... لدعاهم إليه بالترغيب
وله أيضاً:
(1/41)

له نائل ما زال طِلْبَةَ طالب ... ومرْتَادَ مرتاد وخاطِبَ خاطِبِ
الخبزأرزي:
وينفق أمواله في طلا ... ب طُلاَّبها طائعاً مستديما
قال المتنبي:
وعطاءُ مال لو عَدَاه طالِبٌ ... أنفقتَه في أن يلاقي طالبا
قَيْلٌ بمَنْبِجَ مثواه ونائلُه ... في الأفق يَسْأل عمن غَيْرَه سألا
وله في هذا المعنى:
لو اشتَهت لحم قاريها لَبَادَرَها ... خَرَادلٌ منه في الشِيزى وأوصالُ
وهو يعيد هذا المعنى في مواضع كثيرة وأعاده في مواضع شتى بألفاظ مختلفة تنبئ على قدرته في الكلام وقوّته على إبداع النظام وبينهما بون.
الخبزأرزي:
صدعُ الزجاجة صدعٌ غير ملتئم ... بحيلة وكذاك الصدع في الكبد
كأنما كل ثكلى وهي باكية ... تبكي بعيني وَتَضْنى من ضنى جسدي
(1/42)

قال المتنبي:
تلح جفوني بالدموع كأنما ... جفوني لِعَيْنَي كُلّ باكيةٍ خدّ
البنديجي الكاتب:
أنت في الدهر كالطّرِيّ من الور ... د وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بِشْرٌ يُدنى النجاح من الرا ... جي ويَقْضى بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذُكِرَ الأنامُ لنا فكانَ قصيدةً ... كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه ... جيش من الحر يرمى الأرض بالشرر
كأن بالجوّ ما بي من جوى وهوى ... ومن شحوب فلا يخلو من الكدر
المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
قال الهمذاني:
ونغّص دهر الشيب عيشي ولم يكن ... ينغصه إذ كنتُ والرأس أسود
يُخَصّ زمانُ الشيب بالذم وَحْدَه ... وأيّ زمان يا بثينةُ يحمد
قال المتنبي:
من خصّ بالذم الفراقَ فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئاً يُحْمد
(1/43)

ابن حماد الكاتب وهو بغدادي مطبوع كان في أيام أبي نواس يعمل أبياتاً ينحلها إليه ليغري به العوام:
لم تنبُ عن غرض مشاقصه ... يوماً ولم تعدل ولم تثب
حسن الإصابة ليس يخطئ في ... وضع الهناء مواضع النقب
فسهامها مما انتظمن قناً ... لولا النصولُ وموضع العَقَب
قال المتنبي:
يصيب ببعضها أفواق بعض ... فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
لمحمد بن كناسة الأسدي وكان مليح الشعر من أبيات رواية الكميت:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهم ... وفي كل قلب من سنابكها وقع
قال المتنبي:
قيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
جابر بن رَألان السنبسي:
وإذا انحنت مثل الضلوع قناته ... في الحرب ثقفها بصدر مغاور
كم طعنةٍ في أثنين قد نفذت له ... سلكي فخاطت أولاً بالآخر
قال المتنبي:
ولربما أطر القناةَ بفارس ... وثنى فقوّمها بآخرَ منهم
(1/44)

معوج الرقي:
أشتاقه فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله
لا خيفةً بل هيبةً ... وصيانةً لجماله
وأذم طيفاً لم يَطُف ... حولي زمانَ وصاله
ومن البلية أنني ... مغرى بحبّ خياله
قال المتنبي:
إني لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله
ومنها:
وكأنما قَذِىَ النهارُ بِنَقْعه ... إذ غضّ عنه الطرف من إجلاله
ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركبِ الهوى ... فإن الهوى يُرديك من حيث لا تدري
ولا تثقَنْ بالغانيات وإن وفت ... وفاءُ الغواني بالعهودِ من الغَدْر
أبو تمام:
ولا تحسبا هنداً لها الغَدْرُ وحدَها ... سجيةُ طبعٍ كلُّ غانية هند
فإن حقدت لم يبق في نيلها رضى ... وإن رَضيت لم يبق في قلبها حقد
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
لعلي بن يحيى المنجم من أبيات يغنى بها:
(1/45)

وجه كأن البدرَ ليلةَ تِمِّه ... منه استعار النورَ والإشراقا
وأرى عليه حديقةً أضحى لها ... حَدَقي وأحداقُ الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
لقد أبدع المتنبي حتى أتعب.
الكميت بن زيد وهو أبو المستهل الأصم الكوفي من قصيدة طويلة:
ومستلئمات دارعات تشبهت ... بفرسانها في الحرب ليس لها ذعر
يخضن بحار الموت من غير ذلة ... تخال بها سكراً وليس بها سكر
قال المتنبي:
لها في الوغى زِيُّ الفوارس فوقها ... فكلُّ حصان دارعٌ متَلَثِّمُ
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وأما قوله صدم الشر بالشر أحزم فهو مركب على شعر كعب بن معدان، الأشقري من أشراف خراسان في قوله:
(1/46)

همام بحد السيف يحمى ذماره ... فما جانب من عزه يتثلم
يهون عليه الموتُ خوف افتضاحه ... يرى أن صدم الموت بالموت أحزم
أو من قول هشام أخي ذي الرمة:
ولم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نَكْأ القرح بالقرح أوجع
لزبينا النصراني أبي إسحاق من رأس العين:
وما انتضينا السيوفَ يومَ وغىً ... إلا وفي الرأس نحن نغمدها
قال المتنبي:
لعلمها أنها تصير دماً ... وأنه في الرقاب يغمدها
قال الخبزأرزي:
فوا عجبا حتّامَ يُمطر نَاظِري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
وقد سبقه بشار في قوله:
إذا ابتسمت جفوني بوابل ... من الغيث أجرته بُرُوقُ المباسم
قال المتنبي:
تبلّ خديّ كلما ابتسمت ... من مطر بَرْقُه ثناياها
لعبد الصمد بن المعدل:
(1/47)

يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلا وهو يعتذر
قال المتنبي:
يعطيك مبتدئاً فإن أعجلته ... أعطاك معتذراً كمن قد أجرما
صالح بن أبي حيان الحلبي الطائي:
صَبَرت ومن يصبر يجد غِبَّ صبره ... ألذَّ وأحلى من جني النحل في الفم
قال المتنبي:
فثب واثقاً بالله وثبة ماجد ... يرى الموتَ في الهيجا جني النحل في الفم
أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
لأبي ثروان السعدي:
عش بجهل تصبح وأنت غني ... أو بعقل تصبح وأنت فقير
أبو مسلم محمد بن صبيح صديق الجمار:
(1/48)

فعيش ذي العقل في هم وفي نكد ... وذو الجهالة في خصب وفي فرح
أبو الفتح الإسكندراني:
اختر من الكسب دوناً ... فإن دهرك دون
زَجّ الزمان بحمق ... إن الزمان زبون
لا تُكْذَبَنّ بعقل ... ما العقل إلا جنون
لمحمد البجلي الكوفي:
هذا الزمان مشوم ... كما تراه غشوم
الجهل فيه جميل ... والعقل غثّ ملوم
والمال طيف ولكن ... على اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
(1/49)

لمحمد البيدق الشيباني من أهل نصيبين:
إني لأنصف من إخائك دائماً ... حاشاك من ظلم فلم لا تنصف
الظلم طبعك والعفاف تكلف ... والطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
لنصر بن سيار بن رافع وقد تقلد خراسان وكان شاعراً لطيفاً:
ولربما نفع العدو بعقله ... ولربما ضرّ الصديق الجاهل
قال المتنبي وقد ملح الأبيات:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
هذا والله أحسن، وأخذه في قصيدة أخرى:
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
وبين أبيات نصر والمتنبي للمتأمل بون بعيد.
أبو العتاهية:
الصدق إيمان وربّتما ... عند الضرورة ينفع الكذب
والحلم من خلق الكرام وكم ... نَزَق به يتسهّل الصعب
قال المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
لأبي الحسن علي بن المهدي الكردي من قصيدة له:
(1/50)

ما أنس يوم تعانقنا وعلّلني ... من ريقه صَافياً ما شَابَهُ كُدَرَ
أبصرته فرأيت الشمس طالعةً ... والشمس تغشى فيغشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شَعَرٍ ... ليلٌ يقال له الأصداغ والطرر
أنا القتيل وطرفي قاتلي ودمي ... ما بين طرفي ومن عُلِّقْته هدر
لدعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي أجتلب المنيةَ طرفُه ... فمن المطالِبُ والقتيلُ القاتلُ
لأشجع السلمي:
وعلى عدوّك يا بنَ عمّ محمد ... رَصَدان ضوءُ الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رُعْتَه وإذا غفا ... سَلَّتْ عليه سيوفَك الأحلام
قال المتنبي:
يرى في النوم رُمْحَك في كُلاه ... ويَخْشى أن يراه في السُّهاد
وإذا تأملت الأبيات رأيت بين كلام المتنبي وبين كلام السلمي بوناً بعيداً لأن المتنبي أراد بذكر السهاد اليقظة المطابقة النوم فأفسد المعنى لأن السهاد انتفاء الكرى ليلاً والمستيقظ في حاجته نهاراً لا يسمى ساهداً وهذا لقلة معرفته بأصول اللغة.
لأبي تمام:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رّأس إلا من فرط شيب الفؤاد
فنقل المتنبي الشيب من الفؤاد إلى الكبد وقال:
إلاّ يَشبْ فلقد شابَتْ له كبدٌ ... شَيْباً إذا خَضَّبَتْه سَلْوَةٌ نصلا
(1/51)

لأبي نواس:
وما على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
الناشئ في عليّ رضي الله عنه وأرضاه:
وغير بدع أن نرى عالماً ... ركبه الخالق في عالِم
قال المتنبي:
هديةٌ ما رأيت مُهْدِيَها ... إلا رأيت الأنام في رجل
وكرّره في موضع آخر فقال:
يستجمع الخلق في تمثال إنسان
أبو تمام:
أفي الحق أن يُضْحى بقلبي مَأتَمٌ ... من الشوق والبلوى وعيناي في عرس
العوني:
تحت أضلاعي اللهيب وعيني ... في رياض من الجمال تجول
قال المتنبي:
حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
(1/52)

ولو قال ترتعان كان أصوب وأبلغ لولا ضرورة القافية.
بشار بن برد:
فلا يُسَرُّ بمال لا يجود به ... وليس يقنع إلا بالذي يهب
البحتري:
ما احتجّ يوماً كما احتجّ البخيل ولا ... يحبّ من ماله إلا الذي يهب
قال المتنبي:
إذا حازَ مالاً فقد حازه ... فتى لا يسر بما لا يهب
قال البحتري:
وإذا اعتفاه المعتفون فإنه ... يهب العلا في نَيْله الموهوب
قال المتنبي:
إذا أكتسب الناس المعالي بالندى ... فإنك تعطى في نداك المعاليا
أبو العتاهية:
أحييت ذكراً طيباً نشره ... تفصيله أذكى من المجمل
وأنت فرعٌ طيبٌ أصلُه ... لا بد للآخِرِ من أول
قال المتنبي:
أشرب ولذّ فللأمور أواخر ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
قطري بن الفجاء:
حتى انصرفت وقد أصبتُ ولم أصَبْ ... جذعَ البصيرة قارحَ الإقدام
(1/53)

قلبه البحتري فقال:
ملك له في كل يوم كريهة ... إقدامُ غِرٍّ واعتزام مجرب
وقلبه أبو تمام فقال:
ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار
وقال أيضاً:
كهل الأناة فتى الشدَاة إذا غدا ... للحرب كان الماجد الغطريفا
قال المتنبي:
تدبيرُ ذي حُنَك يفكر في غد ... وهجومُ غِرٍّ لا يَخَاف عواقبا
لأبي نواس في صفة الكلب في طرديته:
يجمع قُطريه من أنضباره.
قال المتنبي:
يجمع بين متنه والكلكل ... وبين أعلاه وبين الأسفل
ثابت بن قطنة العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراها ... مصلبة بأفواه الشعاب
(1/54)

قال المتنبي:
إذا سَلَكَ السَّماوةَ غيرُ هَادٍ ... فقتلاهم لعينيه مَنارُ
أبو تمام:
ولطالما أمسى فؤادُك منزلا ... ومَحِلَّة لظباء ذاك المنزل
وله أيضاً:
وقفت وأحشائي منازلُ للأسى ... بها وهي قفر قد تعفّت منازله
البحتري من قصيدة أولها:
نِعمّ المغاني يوم صحراء مرثد
منازل أضحت في الفؤاد منازلا ... فأصبحت منها بين نُؤْى وموقد
المعوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجُنا ... بسحاب من الدموع يُهلّ
يا محل الآرام والعِين أهلا ... لك في القلب منزل ومحلّ
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
(1/55)

لكثير عزة:
رمتني بسهم رِيشُه الهدبُ لم يُصبْ ... ظَواهِرَ جلدي وهو للقلب صادع
وقد مضى في موضع آخر في سرقة أخرى.
قال المتنبي:
رامياتٍ بأسهم رِيشُها الهدْ ... بُ تشق القلوبَ قبل الجلود
لابن الرومي:
أخشى عليك اشتعال الذهن لا حَذَرا
قال المتنبي:
أشفق عند أتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل
أبو تمام:
ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهلها بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم تضق فيها عساكره
للناشئ:
لما عطفن رءوسهن ... إلى الظعائن في الكلل
قدرتهن لعشقهنّ ... طلبن منهن القبل
(1/56)

قال المتنبي:
ويُغيرُني جذبُ الزمام لقلبها ... فَمَها إليك كطالب تقبيلا
البحتري:
تلقاه يقطر سيفُه وسنَانُه ... وبنانُ راحته دماً ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دماً وعرفاً ساكبا
ابن الرومي:
أعندي منقضّ الصواعق منكما ... وعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعد
قال المتنبي:
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقه ... يُزيلُهنّ إلى من عنده الدِّيَم
لبشار بن برد:
وكل موجود إذا ما نأى ... مَنْ أنا أهواهُ فمعدوم
(1/57)

قال المتنبي:
وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لبشار بن برد:
إذا رضيتم بأن نُجْفَى وسَرَّكم ... قولُ الوشاة فلا شكوى ولا ضجرا
صالح غلام أبي تمام، ونسب هذا في غير موضع لابن الرومي:
إذا ما الفجائع يكسبن لي ... رضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
دعبل بن علي الخزاعي:
ولست أرجو انتصافاً منك ما ذرفت ... عيني دموعاً وأنت الخصمُ والحكم
قال ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصماً وفيَّ مُحَكَّما ... فكيف بخصم ضَالعٍ وهو يحكم
قد أعدت هذين البيتين فيما يجئ.
قال المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ
(1/58)

لمعقل أخي أبي دلف العجلي:
إذا لم أميز بين نور وظلمة ... بعينيّ فالعينان زورٌ وباطل
ولمحمد بن أحمد بن أبي مرّة المكي:
إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يُرى ... فما الفرق بين العُمى والبصراء
قال المتنبي:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلمَ
للعوني:
وإذا أشتكى الإنسان صرف زمانه ... وأراد ثروته فأنت الموعد
قد كنتُ مرحوماً لفرط خصاصتي ... فاليوم إذ قبّلت كفّكَ أحسَدُ
قال المتنبي:
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهم ... فأنت الذي صيّرتهم لي حُسّدا
إذا سأل الإنسانُ أيامَه الغنى ... وكنتَ على بُعدٍ جعلتك موعدا
منصور بن سلمة بن الورقاني النمري:
إني مقرّ بالخطيئة عائذٌ ... بجميل عفوك فأعفُ عني منعما
وإذا عفوت عن الكريم ملكتَه ... وإذا عفوت عن اللئيم تجرّما
قلدتني نعماً بها استعبدتني ... ورأيت إتيان المكارم مغنما
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكته ... وإن أنت أكرمتَ اللئيم تمرَّدا
وأما قوله وإن أنت فخطأ وإن جاز مثله للشاعر، ولقد تعب في مسخ هذا البيت قوّاه الله تعالى.
ولبعض العرب:
(1/59)

ولا يكشف الغمّاَء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
قال المتنبي:
وكنتَ السيفَ قائمهُ إليها ... وفي الأعداء حَدُّكَ والغِرارُ
للحسن بن عمرو الأباضي:
تولَّى والرماح تناوشته ... وبين يديه نقع مستطار
وأيقن أن فلتَتَه حياةٌ ... ووقْفته هلاك أو إسار
وأحْصَنُ درعِه هربٌ وأوْقى ... سلاحٍ يستعين به الفرار
قال المتنبي:
إذا فاتوا الرماحَ تَنَاوَلَتْهم ... بأرماحٍ من العَطَشِ القِفَارُ
مركب على قوله تولّى والرماح تناوشته، ونهب الآخر في قوله:
ولذّهم الطراد إلى قتال ... أحدّ سلاحهم فيه الفرار
ومثل هذا يدل على ضعف البصيرة بالسرقة لأنه جاء بأبياته على روىّ الأباضي وقافيته.
أبو تمام في قصيدته المعتصمية المعروفة:
ضوءٌ من النارِ والظلماءُ عاكفةٌ ... وظلمةٌ من دخان في ضُحىً شَحِبِ
(1/60)

قال المتنبي:
إذا صرف النهارُ الضوَء عنهم ... دَجَا ليلان ليلٌ والغبار
ولأبي تمام فيها:
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب
قال المتنبي:
وإنْ جنحُ الظلام أنجاب عنهم ... أضاَء المشرفِيّةُ والنهار
للحسن بن أبي طلحة بن أبي البختري القرشي مات بطبرستان:
تُركت رءوس رءوسهم ... مقسومةً بين الرياح
وتجرعوا ألم الجرا ... ح وما رأوا سمر الرماح
قال المتنبي:
تحمل الريحُ بينهم شَعَر ألْها ... م وتُذْرى عليهم الأوصالا
أبصروا الطعن في القلوب دراكاً ... قبل أن أبصروا الرماح خيار
أشهد أن المتنبي لم يقصر في جودة الأخذ والتحرز من ركوب القافية.
لزيد بن طرمة من الطائف لقيه الأصمعي وروى عنه:
ودّوا لو أن دروعهم من ثقلها ... كانت عليهم قبل ذاك مدارعا
ورموا من الجزع السيوف فأصبحت ... لجميعهم عند الأسار جوامعا
قال المتنبي:
ينفض الروعُ أيدِياً ليس تَدْري ... أسيُوفاً حَمَلْن أم أغلالا
(1/61)

لقد أفسد ونقص من صنعة الرجل وملاحة كلامه.
أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شرعا ... عاف الثبات فإن تفرّد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
لمسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزال ... قوائمها عالكاتِ اللجم
تحنّ إلى الحرب من غير أن ... تقاد وما أقلقتها الحُزُم
وقد ستر النقع أعرافها ... فآذانها كرءوس القلم
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلا إلى العادات والأوطان
إن خُلّيَتْ رُبِطَتْ بآداب الوغى ... فدعاؤها يغنى عن الأرْسَان
في جحفل ستر العيونَ غبارُه ... فكأنما يبصرن بالآذان
لمحمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
ما زلت تقرعهم في كل معترك ... ضربا يحل محل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنة ... وسائر الجسم منها صار في الحرم
قال المتنبي:
خَصَّ الجماجمَ والوجوهَ كأنما ... جاءت إليك جسُومُهم بأمان
(1/62)

وقال الخليع الأكبر:
تعوّد البذلَ والإنعامَ في صِغر ... فليس ينفكّ في جود وأفضال
وجاد بالمال حتى قال سائله ... كأنه ليس يدري قيمة المال
قال المتنبي:
حتى يقول الناسُ ماذا عاقلا ... ويقول بَيْتُ المالِ ماذا مُسْلِمَا
بُكم الخرس أحسن من هذا الكلام العامي الغث، والنظام الفاسد الرث.
لعلي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتها ... ووفتْه أقساط المعالي بلا بَخْس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرّةً ... تحنّ إلى العليا فلا خير في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العُلا ... والمجدُ يغلبها على شهواتها
أبو تمام:
فإن لم يَفِد يوماً إليهن طالبٌ ... وفدن إلى كُلّ امرئ غير وافد
وله أيضاً:
وَفَدتْ إلى الآفاق من نفحاته ... نعم تسائل عن ذوي الإقتار
(1/63)

قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد
لأبي عيينة بن المهلبي:
لك في المشكلات إن غال أمرٌ ... وبدا من زَمانِ سوء عُرام
همة لا يفلّها صرفُ دهرٍ ... واعتزامٌ لا يعتريه ظلام
قال المتنبي:
ليس عَزْماً ما مَرّضَ المرءُ فيه ... ليس هَمّاً ما عاقَ عنه الظلام
لأبي تمام وإن سبق لهذا المعنى ولكنه زاد وملّح:
وقد ظُلِّلت عِقبانُ أعلامهِ ضحىً ... بِعقبان طير في الدماء نواهلِ
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتلِ
والصنعة في هذين البيتين عجيبة جدّاً لا يعرفها إلا مبرز في صنعة الشعر.
قال المتنبي:
سحاب من العِقبان تزحف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سَقَتْها صوارمه
ولم يسمع بأن السحابة تسقي ما فوقها إلا على طريق القلب والعكس وأراد الاستطعام فجعله استسقاء.
(1/64)

لأبي الهندي الرياحي:
لا تغبطن ذليلا في معيشته ... فالموت أهون من عيش على مضض
لا يوجع الصخرَ نحتُ المرء جانبَه ... ولا من الذل ذو لبّ بممتعض
قال المتنبي:
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرج بميت إيلام
لم يستحل المتنبي أن يسرق بيتاً واحداً فشفعه بآخر شرهاً.
للحصين بن حمام:
يطأن من القتلى ومِنْ قِصَدِ القنا ... خياراً فلا يجرين إلا تجشما
قال المتنبي:
يطأن من الأبطالِ مَنْ لأحَمَلْنَه ... ومِن قِصَد المُرَّانِ ما لا يقوّم
الوزنان واحد والرويان واحد إلا أن الحصين قال قصد القنا وقال المتنبي قصد المران فأتعب خاطره.
لأبي عمران الضرير الكوفي:
لست أدري كيف ابتليت بقوم ... لا يخافون ربهم حُسّادِ
حسدوني على الحياة ومَنْ لي ... بحياة أنال فيها مرادي
قال المتنبي:
ولكني حسدت على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور
(1/65)

لأبي تمام:
كثرت خطايا الدهر فيّ وقد يُرى ... بِنَداكَ وهو إليّ منها تائب
قال المتنبي:
حالا متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
للمعوج الرقي (أستاذ الصنوبري):
نفسي فداءُ غَزَال قد برى جسدي ... إيعاده وتلا الإيعادَ إعراض
ولّي فقلت له والنفس جازعة ... والجسم أضنته آلامٌ وأمراضُ
تركتَنِي غرضَ الآفات قال كذا ... أفاضل الناس للآفاتِ أغراضُ
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
لأبي مريم البجلي من شعراء خراسان:
وقفت بها والعين تحكى سحابة ... ولكنها تهمى دماً متدفقا
أرَى نُؤْيَها جسمي نحولا ودِقَّة ... وسُفعَ الأثافي مثلَ قلبي تحرقا
(1/66)

قال المتنبي:
أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصَّلَى ... ونؤْىٌ كجسمي ناحلٌ متهدم
للبحتري:
كالرمح فيه بضعَ عشرةَ فقرة ... مُنْقَادةً تحت السنان الأصيد
قال المتنبي:
فكل أنابيب القنا مددٌ له ... وما تَنْكتُ الفرسانَ إلا العوامل
تم الجزء الأول من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي لفظاً ومعنى ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى تأليف الإمام الفاضل أبي سعيد محمد بن أحمد العميدي رحمه الله تعالى وغفر له وللمسلمين آمين.
(1/67)

الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
على الله عز وجل توكلي.
لأبي أحمد الخراساني رحمه الله تعالى من قصيدة له:
فكم مهمهٍ قد جبته بعد مهمهٍ ... وكم مسلك وَعْر وكم مسلك قَفْر
يلين بعزمي كلُّ صَعب أرُومُه ... وهل خَطْبُ دهر لا يُهَوِّنه صبري
قال المتنبي:
قد هوّن الصبر عندي كل نازلة ... ولَيَّن العزمُ حدّ المرْكَب الخشن
لبشر بن هدبة الفزاري:
أرى الحربَ في عينيّ مثلَ عقيلة ... يُؤَنّسُني غِشيانُها وعناقُها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابهم ... ورودَ المنايا وهي أريٌ مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناءُ حبَّ الموتِ جهلا ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
للمعوّج الرقي:
يُفنى المواهب كي تبقى محامده ... ويُخْلص الجودَ من مَنٍّ ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بأجمعها ... لسائل خَجِلا في زيّ معتذر
قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
لسابق البربري:
جني السفيهُ جناياتٍ فحلّ بمن ... لم يجنها ما أحل الشيبُ باللّمَمِ
وللجهالة عَدْوى يستضرّ بها ... ذو العقل إن لم يُجَانِب موضع التهم
(1/69)

قال المتنبي:
وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جانيه العقاب
وأفصح من هذا قول ابن كعب:
جانيك من يجني عليك وقد ... يُعدى الصحاحَ مباركُ الحُرب
وهذا كلام متداول مأخوذ من قول الله تعالى: (أتهلكنا بما فعل السفهاء)؟
للناشئ من قصيدة له:
من يحتمل ثقل من يأتيه معتفياً ... لم يتّجه نحوه ذم ولم يُعَب
ومن عَلَت في اكتساب المجد همتُه ... ولم يساعده جَدّ بات في تعب
قال المتنبي:
وأتْعبُ خلق الله مَنْ زاد همّه ... وقَصّر عما تشتهي النفس وُجْدُه
لمطيع بن إياس الكندي يهنئ جعفر بن أبي جعفر المنصور عند بُرْئه من علته:
يا بن الجحاجحة القرو ... م السادةِ الغرِّ الكرام
والمستضاء برأيه ... وبوجهه وابن الإمام
لا تشك عارض علة ... ولي ولم يك ذا عُرام
فالله جَلّى ما ترا ... كم من سحائبها العظام
وكساك عاجل صحة ... وسلامة طولُ السقام
والبدر يكسبه المحا ... ق سنا الإضاءة والتمام
للبحتري في عبد الله المعتز في حبسه:
وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صَفَا الذّهَبُ الإبريز قبلَكَ بالسَّبْك
قال المتنبي:
لعل عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُه ... فربما صَحت الأجسامُ بالعلل
(1/70)

لعبيد الله بن طاهر بن الحسين الخراساني:
إذا كَرُمت نفسُ الفتى عَفَّ قلبه ... وساعده عيناه واليد والفم
وغير جميل أن يُرَى المرءُ مُطْرِقاً ... وفي قلبه نار من الشر تَضْرَم
قال المتنبي:
وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرفُ القلب ليس بمطرق
طرف القلب من اللفظ البارد العامي.
لبشار بن برد:
تنفست شوقاً كلما ذكروا نجداً ... ولم يَرْقَ دمعي بَعْدَ بُعْدهم وَجْدا
إذا جمع الإنسان رأياً ونجدة ... ونفسا عزوفاً ساد واحتقب المجدا
ورب امرئ يُكْفَى قِتَالَ عدوه ... بآرائه والسيف ما فارق الغمدا
ثم يقول في آخر القصيدة:
فما زلت ذا رأي تحوز به العلا ... ولا زلت عن عقل تشيد به مجدا
قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
قد لمح هذه الأبيات المتنبي، فألتقط جواهرها ونظمها في قصيدة (في عقد).
(1/71)

لأبي العتاهية:
بدني ناحل وصبري بدين ... واعتزامي ماض وجسمي حسير
ومن الموت قد سلمتُ ولكن ... بعد هذا إلى الممات أصِيرُ
يا خليلي كيف يخدعني الده ... ر وإني به بصير خبير
سَقيِّاني من قبل أن يتقضى ... أملٌ ارتجى وعمرٌ قصير
قال المتنبي:
فإن أمْرَض فما مرض اصطباري ... وإن أحْمَمْ فما حمَّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمن كرىً تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
لمهيرِ بن العبدي جد أبي هفان في قصيدة يعزّى بها صديقاً له:
تَسَلّ ولا تحزن عليه فإنني ... أرى الحزن يُرْدى الجسم عند التهجم
وسَرِّ فللنفس الشريفة نفرة ... عن الجسم لولا الإلف لم تتلعثم
قال المتنبي:
إلف هذا الهواء أوْقَع في الأن ... فُسِ أنّ الحمامَ مُرّ المذاق
لأبي جعفر محمد بن بشير البصري المعروف بزريق:
فلا تحسبوا الإقتارَ عاراً عليكم ... وأعداؤكم مُثْرون بين المحافل
(1/72)

كذا عادةُ الدهر الخئونِ ولم يزل ... يُخَلّط في الأحكام حقّاً بباطل
رأيت الغنى عند الأراذل محنة ... على الناس مثلَ الفقرِ عند الأفاضل
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح ... مثل قبح الكريم في الإملاق
بانت سعاد وكانت بيضةَ البلدِ ... فقلت قد فارقت روحي من الجسد
يا أكرمَ الناسِ أخلاقاً وأوفرَهم ... عقلا وأسبقَهم فيه إلى الأمد
أصبحت أفضل من يمشي على قدم ... بالرأي والعقل لا بالبطش والجلد
لئن ضَعُفْت وأضناك السقامُ فلم ... تضعف قوى عقلك الصافي ولم تمد
لو كان أفضل ما في الخلق بطشهم ... دون العقول لكان الفضل للأسد
وإنما العقل شيء لا يجود به ... للناس غيرُ الجواد الواحد الصمد
قال المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
لابن إدريس الأعور وهو من أولاد مروان بن أبي حفصة مولى بني أمية يرثي عبد الله ابن طاهر:
أجيلُ طرفي فما ألْقى سوى جَدَثٍ ... وَأرَى محاسنَ ذاك المنظر البهج
وتربةٍ ما رأتها عينُ غانية ... إلا سَخَتْ بدم بالدمع ممتزج
وسوّدَتْها بنِقسٍ بعد غالية ... وبدّلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزتِ الخدورُ مُخبَآت ... يَضَعن النِقسْ أمكنة الغوالي
(1/73)

لمروان بن سعيد من أولاد المهلب بن أبي صفرة من غلمان الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
نَظَرتْ بعَينَي جؤذر، فتقطعت ... كبدي عليها ساعَةَ الإعْراض
لهوى القلوب سريرة مكتومة ... ما إن تبينُ كسائر الأعراض
قال المتنبي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تُعْلمُ ... عَرَضاً نظرت وخلت أني أسْلَمُ
لبكر بن النطاح وكان يخدم أبا دلف العجلي (مليح الشعر).
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ولبشار بن برد:
ويسبق إنجازُه وعدَه ... وليس يحيل على باطل
يرى أنه أبخلُ الباخلين ... إذا جاد بالرّوح للسائل
ومبتسمٌ ضاحكٌ وجههُ ... إذا صال كلُّ فتىً باسل
ومستحقر معضلاتِ الأمور ... فلا يرجع الطرفَ عن هائِل
قال المتنبي:
إنك من معشر إذا وَهَبوا ... ما دونَ أعمارهم فقد بَخِلوا
وأخذ مصراعَ بشار في قصيدته:
إلامَ طَماعيةُ العاذل
فقال:
فلا يزعُ القلب عن مُقْدَم ... ولا يَرْجِعُ الطَّرفَ عن هائل
إلا أنه جنّس وما قصر.
(1/74)

لأبي نواس:
ملك تَصَوّر في القلوب مثالُه ... فكأنه لم يخلُ مِنه مَكَان
كثير عزة:
أريد لأنْسى ذِكرَها فكأنما ... تَمَثل لي ليلى بكل مكان
قال المتنبي:
صدق المخَبِّرُ عنك دونَكَ وصْفُه ... من بالعراق يراك في طَرْسُوسَا
وقال أيضاً في موضع آخر:
هذا الذي أبصرتَ منه حاضراً ... مثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا
هذا فصل الخطاب الذي قال عنه أبو سعيد.
أبو تمام:
تعود بَسْطَ الكفّ حتى لو أنه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
ابن الرومي:
تعودَّتِ المواهبَ والعطايا ... أناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ
فليس لها عن الحمد انفراج ... وليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
فأفسد اللفظ والمعنى جميعاً.
لأبي العكوك في طاهر بن الحسين:
(1/75)

عجبت لحرّاقة ابن الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحدٌ ... وآخرُ من فوقها مُطْبِق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسّها كيف لا تُورقِ
ولأبي البيداء:
هو المشترى الحمدَ الجزيلَ بماله ... وفي يده للسّائلين سحاب
ولو مَطرت كفّاه أرضاً لأخصبت ... وأوْرق صفوانٌ عليه تراب
قال المتنبي:
وعجبت من أرضٍ سَحابُ أكُفِّهم ... من فَوْقِها وصخورُها لا تورق
لأبي عيينة المهلبي:
وقلت لأصحابي هي الشمسُ ضوءها ... قريبٌ ولكنْ في تَنَاوُلها بُعْدُ
الخبزأرزي:
هو البدر مبسوط على الأرض نوره
البحتري:
عطاءٌ كضوء الشمس غَمْر فَمَغرِبٌ ... يكون سواءً في سناه ومَشْرِقُ
قال المتنبي:
كالبدر من حيث ألتفَتَّ رأيتَه ... يُهْدى إلى عينيك نوراً ثاقبا
أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نَوالَهم ... فإنّي لم أخْدُمْك إلا لأخْدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مَفْخَر أستَجدّه
(1/76)

وأعاد أيضاً فقال:
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
ولم يسمع بلفظ عامي أسخف من هذا:
ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها ... خُرُدٌ تبدّت في ثياب حداد
للمعوج الرقي:
كأن بنات نعش حين لاحت ... نوائحُ واقفاتٌ في حداد
قال المتنبي:
كأنّ بناتِ نعشٍ في دجاها ... خرائدُ سافراتٌ في حداد
لبشار بن برد:
وظنّ وهو مُجِدّ في هزيمته ... ما لاح قدّامه شخصاً يسابقه
أبو نواس:
فكل كفّ رآها ظنها قدحاً ... وكل شيء رآه ظنّه الساقي
قال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
(1/77)

هذا المعنى هو السحر الحلال الذي رزقه وحرمه غيره.
لأبي المستورد:
حلّ المشيب بمفرقي ... فكأنه سيف صقيل
أقبح بضيف قال لي ... لما أتى قَرُب الرحيل
قال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللّمم
وقد سبق إلى هذا المعنى البحتري فأجاد وأحسن حيث قال:
وددت بياض السيف يوم لقيتني ... مكان بياض الشيب حلّ بمفرقي
وله أيضاً:
سماحاً وبأساً كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم
قال المتنبي:
فتى كالسحاب الجون يرجى ويتقى ... يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق
أبو تمام:
عطاء لو اسطاع الذي يستميحه ... لأصبح من بين الورى وهو عاذله
قال المتنبي:
وكنت أعيب عَذْلا في سَمَاحٍ ... فها أنا في السماح له عذول
الخليع الأكبر:
وخير بلاد الله عندي بلدة ... أنال بها عِزّاً وأحوى بها حمدا
(1/78)

البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يُولى الجميل محببٌ ... وكلُّ مكان يُنبت العزَّ طيب
أبو زرعة الدمشقي:
في محل بين الوصال وبين ال ... هجر أرجو طوراً وطوراً أخاف
قال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شَكَّ في الوصل رَبُّه ... وفي الهجرِ فهو الدهْرَ يرجو ويَتَّقى
النابغة الجعدي:
وتُنكر يوم الروع ألوانَ خيلنا ... من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا
لأبي المهاجر البجلي الكوفي:
وخاضت عِتاقُ الخيل في حومة الوغى ... دماء فصارت شهبُ ألوانها دهما
قال المتنبي:
جَفَتْنى كأنّي لست أنْطَقَ قَومِها ... وأطعَنَهم والشهبُ في صورة الدُّهم
قال أبو نواس:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام
(1/79)

قال المتنبي:
وتعذُّرُ الأحرارِ صَيَّر ظَهرها ... إلاّ إليك عَلىَّ فرجَ حرامِ
قال الأسيلي:
غزا ابن عمير غزوةً تركت له ... ثناءً كريح الجورب المتعَرّق
قال المتنبي:
تستغرق الكَفُّ فَوْديه وأخدعه ... وتكتسي منه ريحَ الجورَبَ العَرِق
لوزير العروض (مولى طيفور).
قد صار قلبي وإن أذْواه بُعدُكم ... قلبَ امرئ بخلوص الود مرتهن
لو كان رأيي صحيحاً ما وثقت بكم ... والحبُّ يفسد رأيَ العاقل الفَطِنِ
قال المتنبي:
ولا أرى في الحبّ للعاقل
لقدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحْجَام كُفراً فيتقى ... وسمح يرى الإفضال فرضاً فيفضل
وما يتناهى القوم في وصف مدحه ... ولكنني أبغي اختصاراً فأجمل
(1/80)

قال المتنبي:
هو الشجاعُ يَعُدّ البخلَ من جُبُن ... وهْوَ الجوادُ يَعُدّ الجبنَ من بَخَل
ولقدامة أيضاً في هذه القصيدة يصف القلم:
وأصفَرَ يَخْفى شخصه مِنْ نحوله ... يداوى كما يُدْوي ويقضي فيفصل
يخب بلا رجل ويسطو بلا يَدٍ ... ويبكي بلا عين ويدري ويجهل
قال المتنبي ونقله إلى صفة الموت:
وما الموت إلا سارق دَقَّ شَخْصُه ... يصول بلا كفّ ويسعى بلا رجل
للمراغي يمدح زهير بن بلال بعد ما هجاه:
قد جمع الفضل وكم صورةٍ ... واحدةٍ تجمع أوصافا
يستقبل الضيف بترحيبه ... ويسلف السؤَّال إسعافا
قال المتنبي:
ومن اللفظ لَفْظةٌ تجمع الوص ... فَ وذاكَ المطَهَّمُ المعروفُ
لعثمان بن عمارة الخزيمي:
لا تطلب العزّ إلا بالحسام وذر ... عُذْرَ الجبانِ وما يأتي به القدر
فالمرء ما لم ينل مما يحاوله ... بعضَ المرادِ فصافى عيشِه كَدَرُ
قال المتنبي:
وما الحياةُ ونفسي بعدَ ما عَلِمَتْ ... أنّ الحياةَ كما لا تشتهي طَبَعُ
(1/81)

لرزين العروضي من قصيدة أولها:
جرت دموعي فصَدّتْني عن النظر ... لم أقض منها لباناتي ولا وطرى
إلى أن يقول فيها:
ولا جناح على وافٍ بذمته ... ما لم يخن صاحباً في السمع والبصر
الله يعلم أنى مذ خلوت بها ... لم أبغ ما الذنب فيها غير مغتفر
مع اقتداري عليها ما مسست لها ... ثوباً بفاحشة في النوم والسهر
قال المتنبي:
يردّ يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعَصِى الهوى في طيفها وَهْو راقد
لإبراهيم البنديجي الكاتب في قصيدة له يمدح الحسن بن وهب، وقد مدحه كثيراً، ثم هجاه.
أرى آل وهب في المكارم سادوا ... وقد فعلوا فعل الكرام وزادوا
أحاول أمراً والقضاء يعوقه ... فبيني وبينَ الدهرِ فيه طِرادُ
ولولا الذي حاولتُ صعباً مَرامُه ... لساعدني قوم عليه شِدَادُ
قال المتنبي:
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
أبو تمام:
أيا ويل الشجيّ من الخليّ ... ويا للدمع من إحدى بليّ
(1/82)

لمحة بن أبي الرعد، وقد كان ينتحل شعر ابن الرومي أيام حياته، ويتكسب به، وابن الرومي يهجوه دائماً ويسبّه، فقال في قصيدته التي يذكر فيها حديث صاحب الزنج:
لقد عاود الجفنَ العليلَ سباتُ ... ونيلت من القومِ اللئامِ ترات
فساق إليه الله من آل هاشم ... شجاعاً له يوم الفِرار ثَبات
فجرّعه كأساً من الموت مرّة ... وفي قتله للعالمين حياة
وأبو تمام والبحتري سبقا إلى هذا المعنى في قصائد كثيرة تعريضاً لا تصريحاً. وللناشئ وهو أوضح وأفصح من قصيدة:
إليكم بني العباس عنى فإنني ... إلى الله من ميلي إليكم لتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه ... وأقصتكم عنه ظنون كواذب
سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا ... وتُبعدكم سُمْر القنا والقواضِبُ
أترضون أن تُطْوَى صحائفُ عُصبة ... كرامٍ لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراثَ تراثهُم ... وهم أظهروا الإسلامَ والكفرُ غالبُ
فلا تذكروا منهم مثالب إنما ... مثالبُ قومٍ عند قوم مناقِب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
لأبي جعفر محمد بن يزيد الجزري، خدم موسى بن عيسى وعاتبه ومدحه وهجاه بأبيات منها:
استغن بالعلم إن أصبحت مفتقراً ... فالعلمُ ما عشتَ لا تَبْلى جلالته
وهل يذِلُّ امرؤٌ والعقلُ مَرْكَبُه ... أم هل يضيع فتىً والعلمُ آلته
رذيلة النفس عقلُ المرءِ يسترها ... كما الفضيلةُ تطويها جهالته
وهذه كلها أبيات مختارة.
(1/83)

قال المتنبي:
فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثيرَ الحبِّ بالجهل فاسد
لأبي بكر بن إبراهيم الفقيه المعروف بمكيكة صاحب أبي العيناء وإبراهيمَ بن المدبر يُعِزّي:
يا من رماه الدهرُ عن قوسِه ... بأسهمٍ عاقِرُها قاتل
من ذا الذي لم يُصْمِه سَهْمُه ... يوماً ولم ينزل به نازل
صبراً وإن حُمِّلْت من ثقله ... أعباَء لا يحملها الكاهل
يستقبل العاقلُ صرْفَ الرّدى ... بمثل ما يستدبر الجاهل
قال المتنبي:
إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصَابَها ... بخُبْثٍ ثنت فاستَدْبرتْه بِطِيب
وهذا متكلف جدَّا والأول أملح وأوضح.
لأبي بكر المعروف ببرمة النحوي يقول في أبيات له:
ولست أشكو اعتلالي في محبتكم ... أنا القتيل فما خوفي من العلل
وهل أؤَمّل بُرْءاً من ضنى جسدٍ ... تسوقه عِلَل تترى إلى الأجل
قال المتنبي:
والهجر أقتل لي ممن أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
التمثيل تمثيل الرجل لولا أنه غرق في بحر خرافته.
لبعضهم في أبيات معروفة ذكرها الأصبهاني في كتاب الأغاني من أبيات أولها:
(1/84)

سقى الله نجداً كلما ذكروا نجدا ... فذكرى لأهليها يُهَيِّجُ لي وجدا
ومنها:
وما شرقي بالماء إلا تذكراً ... لبرد ثناياها وإن مُنِعَتْ وردا
قال المتنبي:
وما شرقي بالماء إلا تذكراً ... لماء به أهلُ الحبيبِ نُزول
لمحمد بن عيينة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي:
قوم يظنون الفناء بَقاءهم ... يوم الوغى والهُلكَ في الإحجام
والموت يجفل عن صدور جيادهم ... إجفال سيّقة من الأنعام
قال المتنبي:
ضَرَبْتَهُ بصدور الخيل حاملةً ... قوماً إذا تَلِفُوا قُدْما فقد سَلِموا
تَجَفَّل الموج عن لَبَّات خيلهم ... كما تَجفَّلَ تَحتَ الغارةِ النَّعَمُ
لو سمع ابن عيينة بهذا لقال:
هذه بضاعتنا ردت إلينا.
للمخيم الراسبي:
سقطت جسومهم غداة لقيتهم ... بعد الثبات وطارت الأرواح
والجوّ من وقع السيوفِ وحرِّها ... فَيْحُ الجحيم وفي القلوب أحاح
(1/85)

قال المتنبي:
فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
إذا توافقت الضربات صاعدة ... توافقت قمم في الجو تصطدم
لمعبد بن طوق البصري وهو شاعر مجيد ذكره المرزباني في جملة الشعراء المجيدين المفحمين من قصيدة له:
دعوت بالسيف أجساماً عصت فجرى ... قبل الجواب دمٌ يستصغر الدّيَما
يا من أعَدّ لتمهيد الممالك إن ... خَطْبٌ عرا ولصرف الدهر إن دَهِما
سيفاً بحدّيه أمرُ الملكِ منتظمٌ ... لا يستحيل وشكراً يُثْبِت النِّعَما
بقيت ما شئت والأعداء فانية ... من قبل أن يكبروا أو يبلغوا الهرما
ومنها:
وكنت أحسب ما بيني وبينكم ... من الصداقة قربى توجب الذمما
قال المتنبي وقد لمح هذا البيت في قوله:
لا يأمُلُ النَّفَسَ الأقصى لمهجته ... فَيَسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنم
وأخذ البيت الآخر بقوله:
مقلداً فوقَ شُكْر الله ذا شُطَب ... لا تُسْتدام بأمْضَى منهما النّعم
والبيت الآخر بقوله:
ألقت إليك دماءُ الرومِ طاعَتَها ... فَلَوْ دعوْتَ بلا ضَرْب أجابَ دمُ
والبيت الآخر بقوله:
يسابق القتلُ فيهم كلَّ حادثة ... فما يصيبهم موتٌ ولا هَرَمُ
(1/86)

نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للمعوج الرقي:
قد أتتني من بني العب ... اس يوم المهرجان
خلع تثنى عليه الد ... هرَ من غير لسان
لم يزل من نائبات الد ... هر في ثوب أمان
قال المتنبي:
تُنشد أثوابُنَا مدائحَهُ ... بألْسُنٍ ما لهن أفواه
أبو العتاهية:
إذا اغتاظ لم يقلق وإن صال لم يحم ... وإن قال لم يهجر ولم يتأثّم
قال المتنبي:
وأوْحَدَتْه وما في قلبه قلقٌ ... وأغْضَبَتْهُ وما في لَفْظِه قَذَعُ
لأبي نُخيلة السعدي وهو الملقب بأبي الجنيد وأبي الفراس وأمه عجمية وهو راجز يمدح في أرجوزة له طويلة:
حَلَلْتَ فوق الشمس في السناء ... ترغب في الحمد وفي الثناء
كم قلعةٍ في صخرة صَمَّاء ... فتحتها بالعزم والدّهَاء
والرأي والفطنة والذكاء ... وصارم أمضى من القضاء
ذي شطب مَوْشِيّة خشناء ... تحكي مدبّ النمل في الخفاء
(1/87)

ثم يصف الحرب فيها:
والطيرُ في الملحمة القتماء ... حائمةٌ عوداً على إبداء
تكاد أن تغيب في السماء ... كأنها كواكب الجوزاء
إذا رأت معترك الهيجاء ... ومصرع الأبطال في الفضاء
وكثرة القتلى لدى اللقاء ... هوت إلى الأرض من الهواء
تحسبها الرّجومَ في الظلماء ... تنهش فيها جثث الأعداء
من شدة الحرص على الغذاء ... وكثرة الشرب من الدماء
تكاد أن تطمع في الأحياء
وإنما جئت بهذه الأرجوزة لحسنها، ولما رأيت المتنبي سرق منها في قوله:
يُطَمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهم ... حتى تكادَ على أحيائهم تقع
وفي قوله:
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شئ ولا يضع
لابن الرومي من قصيدة دالية مطولة يمدح بها صاعداً:
بجهل كجهل السيف والسيف منتضىً ... وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
قال المتنبي:
له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
لأبى راسب البجلى، ودعبل يروى شعره. قال في قصيدته المعروفة:
ولولا انتقادُ الدهر لم يَكسْ قاسماً ... جلالا ولم يسلب سواه المعاليا
(1/88)

قال المتنبي:
ولما رأيت الدهر دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
ولأبي راسب أيضاً في قصيدته التي أولها:
بكيت فلم أطلب معيناً ومسعداً ... وأنكرت ربع الدار لما تأبّدا
ولو كنت تحوى عمر من قد نهبته ... بسيفك في الدنيا لكنت مخلّدا
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنِّئتِ الدنيا بأنك خالد
البحتري:
أرى الحلم بُؤْسَي في المعيشة للفتى ... وما العيش إلا ما حباك به الجهل
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاقهم من الفطن
لبعضهم:
ويبتسمون عن البارقات ... إذا المرء عن ناجذيه أبتسم
ويحتلمون بفتح البلاد ... إذا غيرهم بالنساء أحتلم
(1/89)

قال المتنبي:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طَعْنُ نحورِ الكماةِ لا الحُلُم
لمبشر بن هذيل الفزاري من قصيدة له:
إني امرؤ ليس يثني عزمتي فشل ... عما أؤمل فيه النصر والظفرا
أسرى بليل كأني السرّ يكتمني ... ظلامه فإذا أصبحت قد جهرا
قال المتنبي:
وكنتُ إذا يممتُ أرضاً بعيدة ... سَرَيْتُ فكنتُ السرَّ والليلُ كاتمه
المعوّج الرقي:
يا من به تمت المعالي ... وما له في الجلال ندّ
أيامه كالربيع حسناً ... لو أن زهر الربيع ورد
قال المتنبي:
لو كنت عَصْراً مُنْبتاً زَهَراً ... كنتَ الربيعَ وكانت الوَرْدا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم الأنصاري:
يا قاتَلَ اللهُ قوماً عن مساءتهم ... نمنا فما غفلوا عنا ولا ناموا
(1/90)

وليلة سَتَرَتْ سِرّى حنادسُها ... حتى افترقنا وضوءُ الصبح نمّامُ
صدّت فأذرت دموعاً وهى منشدة ... ويلي على العمر إن العمر أحلام
قال المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
الخبزأرزي:
كم جاهل وادع في عيشه فرح ... وعاقل شفّه الإقتار والتعب
يرى الغنى عند قوم لا غَنَاء لهم ... والجَدُّ ينفرُ ممن عنده الأدب
دعبل:
وقد علمتُ وما لي ما أعيش به ... أن التي أدركتني حرفة الأدب
الحمدوني:
إن المقدّم في علم بصنعته ... أنّى توجّه منها فهو محروم
قال المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجدّ وألفهما
للعوني:
كم هموم كشفتها بكلام ... مؤيس مطمع له أشياع
وخطاب لو كان شتماً صريحاً ... ما نبت عن سماعه الأسماع
المتنبي:
وأسمع من ألفاظِه اللُّغَةَ التي ... يَلَذُّ بها سمعي وإن ضُمّنَتْ شَتْمي
(1/91)

بشار بن برد من قصيدته المشهورة التي تقدمت:
إذا ما اجتداه مُجْتدٍ قلت ما له ... شقي ثمود ريع من صيحة البكر
للمستهل بن الكميت الأسدي:
يَرَى البحرُ بحراً من عطاياه مُزْبِداً ... فيعجب من آذيّه المتدفق
وينعب في أمواله جود كَفّه ... نعيب غراب البين يوم التفرق
قال المتنبي:
مالٌ كأنّ غرابَ البين يرقُبُه ... فكلما قيل هذا مجتَد نَعَبا
أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقاً على المُدّاح
قال المتنبي:
وعلّموا الناس منك الجود واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا
أبو تمام:
أحدّ اللفظ ينطق عن سواه ... فيُفْهم وهو ليس بذي سماع
المتنبي:
يمجُّ ظلاماً في نهارٍ لسانُه ... ويُفْهم عمن قال ما ليس يَسْمَع
الحسن بن مالك مؤدب العباس بن المأمون (وهو أبو العالية الشامي):
أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها
المتنبي:
أنْعَمْ ولَذَّ فللأمور أواخرٌ ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
(1/92)

وقال أيضاً:
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً وقفارا
المتنبي:
قُصدتَ من شرقها ومغربها ... حتى اشتكَتْك الركاب والسُّبل
أبو تمام:
يوم أفاضَ جوىً أغاض تعزّياً ... خاض الهوى بحري حجاه المزبد
المتنبي:
وكلما فاض دمعي غاض مُصْطبري ... كأنّ ما فاض من جفنيّ من جلدي
وللحسن بن داود الجعفري في هذا المعنى وهو أطبع وأملح:
جرت عبرتي فاستجرت الصبر والأسى ... ففاضا جميعاً وأشتكى خَطْبَها القلب
سأبكى ولو أبكي دماء لأن لي ... لهيبَ جوىً بين الجوانح لا يخبو
سعيد الخطيب كان في أيام المعتصم مطبوع الشعر:
تسرى بنا أرحبيات مذللة ... مثلُ القداح سليماتٌ من العلل
يطوين كل فلاة لا أنيس بها ... طيّ الليالي مع الأيام للأجل
(1/93)

قال المتنبي:
من بَنَات الجديلِ تمشى بنا في ال ... بيد مَشْىَ الأيام في الآجال
لجرير:
إن كان شأنُكم الدلالَ فإنه ... حَسَنٌ دلالُكِ يا أميم جميلُ
قال المتنبي:
وأرى تدلّكِ الكثيرَ مُحَبَّبا ... وأرى قليل تَدَلُّلٍ مملولا
للسيد الحميري:
وعصبة فتشت عني وعن حسبي ... فزادها حسَداً بحثٌ وتفتيشُ
تخفى على أغبياءِ النّاس مَعْرفتي ... أنّي النهار وهم فيه الخفافيش
قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... ألاّ تراني مقلة عمياء
قيس بن ذريح:
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأسكت حتى ما أكاد أجيب
لغيره:
وإذا بدا منع الشكاية حبُّه ... وبقيت منقطعاً كأني أبكم
(1/94)

المتنبي:
الحب ما منع الكلام الألسنا
وأما قوله: وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا. فمن قول أبى نواس:
ولا خير في اللّذّاتِ من دونها سِتْر
ابن الرومي:
لا تغفلوا عن أعاديكم فإن لهم ... ظلماً يبين لكم في القول والعمل
وما الرسائل في الأعداء مغنية ... عن السيوف وأطراف القنا الذبل
قال المتنبي:
وهل تغنى الرسائل في عدو ... إذا ما لم يَكُنّ ظُباً رِقاقا
العطوي:
وإني امتحنت الناسَ طرّاً فعِفْتهم ... مَوَدّتُهم ممزوجةٌ بنفاق
فما وثقت نفسي بهم وتركتهم ... وما فيهم مجني وطيبُ مذاق
الخبزأرزي من قصيدة له:
لا يخدعنك فودُه ... خدع ومذهبه نفاق
ما إن تظل على كذو ... ب مثلِه السبعُ الطِّباق
(1/95)

قال المتنبي:
إذا ما الناس جرّبهم لبيب ... فإني قد أكلتُهمُ وذَاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعاً ... ولم أرَدِينَهم إلا نفاقا
العوني من قصيدة له:
يا صاحبيَّ بَعُدتما فتركتما ... قلبي رهينَ صبَابةٍ وتَصَابى
أبكى وفاَءكما وعهدَكما كما ... يبكى المحبّ مَعاهِد الأحباب
المتنبي في أول بيت من السيفيات:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسِمُه ... بأن تُسْعِدا والدمعُ أشفاهُ ساجِمه
والله لو أوقد الإنسان ألف شمعة ليستضئ بنورها إلى استنباط غوامض هذا البيت
مع قلة الفائدة فيه لصعب عليه، وهو معنى بيت العوني محمود بن الحسين الوراق الكوفي من قصيدة:
سيد طالَ وما في ... وَعْدِه الصّادقِ طولُ
وله في الجود والمج ... دِ فروعٌ وأصولُ
سئمته البيض والسم ... ر وملّته الخيول
فهو للأهوال في الحر ... ب إذا اشتد حَمُول
جابر بن أحمد الشعباني، كان في أيام المعتصم يصف فرساً:
وأغرّ إلا أن باقي جسمه ... أمسى بسربَالِ الدُّجى مُتَقَمّصا
يمشى ويمرح في اللجام كأنه ... نشوانُ أطْرِب فاشتهى أن يرقصا
قال المتنبي:
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياءٌ عاقَها رَقَصَتْ بِنَا
(1/96)

أبو نواس:
فأجابني والسكر يُفْسِدِ نُطْقَهُ ... بتلجلج كتلجلج الفأفاء
قال المتنبي:
يَتعثّرن بالرءوسِ كما مَرَّ ... بتاءاتِ نُطْقه التمتام
للعوني من قصيدة له في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم:
ألا مُسعِدٌ يَبْكى بشَجْوي فأنني ... لَمُسْتعذِبٌ مَاَء البكاء ومُسْتحلي
أحِبّ ابن بنتِ المصطفى وأزورُه ... زيارةَ مهجورٍ يحنُّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيها نحو قبره ... بأفضل منها رتبة مركز العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرءوسُ ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
البحتري:
أغتنم فرصة من الدهر وأطرب ... ليس شيء من الجديدين باق
وزمان السرور يمضى سريعاً ... مثلَ طيبِ العِنَاق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنها ... قُبَلٌ يزوّدها حبيب راحل
المنصور النمري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميداً والكريمُ ألوفُ
ولست أعاف الموتَ إن جاء زائراً ... وربّي لطيف بالعباد رءوفُ
قال المتنبي:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبى ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
(1/97)

الميّاس العابدي واسمه مهر بن النعم مخضرم:
ويومَ القادسية قد دعتنا ... إلى تبديد شَمْلِهم دَوَاع
لقيناهم ونحن على عِتَاق ... تُجاري الريحَ حبّاً للقِراع
تجاذبنا الأعنة وهى تجري ... كأنا قابضون على أفَاع
فحكّمنا الأسنة في طُلاهم ... وكايلناهم صاعاً بصاع
فلما أن ملكناهم عفونا ... وحسنُ العفوِ في كرم الطباع
وأبنا غانمين وليس يَحْظَى ... بما يرتاد ذو حزم مضاع
وإنما جئت بأكثر هذه الأبيات لحسنها.
قال المتنبي:
تُجاذِبُ فُرسَانَ الصّباحِ أعنّةً ... كأن على الأعْنَاقِ منها أفاعيا
ولا أقول إلا (من سَلّ سيفَ البغي قُتِلَ به).
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
إن الفتوح على قدر الملوك وهمّ ... اتِ الوُلاةِ وإقدامِ المقَاديم
لسليمان بن عيسى الكوفي:
وليس يَقْنَع ذو فضلٍ بمنْزلَة ... حقيرةٍ ولأهل الفضل أقْدار
(1/98)

ولعلي بن أمية الكاتب:
ولقد شُغِفْتَ ببذل ما ... لِك في المفاخر والمغارم
شغف الأفاضل بالفضا ... ئل والأكارم بالمكارم
قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
البحتري:
تَعْنو له وزراءُ الملك خاضعةً ... وعادةُ السيفِ أن يَسْتَخدِم القَلَما
ابن الرومي وقد قلب المعنى وأجاد:
كذا قضى الله للأقلام مذ خلقت ... أنّ السيوفَ لها مذ أرْهِفَتْ خدم
قال المتنبي وعكس المعنى:
حتى رَجَعت وأقلامي قَوَائلُ لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكْتب بنا أبداً بعدَ الكتابِ به ... فإنما نحن للأسيافِ كالخدم
وهذا النسخ لا السلخ:
البحتري:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيّبا
الخبزأرزي:
وما حاجة الركب السراة إذا بدا ... لهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعَة البدر
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعانِ حولَكَ في الدجى ... إلى قمرٍ ما واجدٌ لك عادمه
لقد تكلف وتعسف.
(1/99)

لعمران بن حطان:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
قال المتنبي:
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناس في موضعٍ منك خال
بُكم الخرس أحسن من هذا النطق.
للعلوي الحمّاني:
أُعْدُد ثلاثَ خلالٍ قد جُمِعْنَ له ... هل سبّ من أحد أم سُب أو بخلا
لأبي عيينة المهلبي:
مُغْرىً بكسب المكرما ... ت وابتناء المجد طَبّ
ما إن يَذُم ولا يُذَ ... مّ ولا يَسُبّ ولا يُسبّ
قال المتنبي:
ولكن نفاها عنه غير كريمة ... كريم الثنا ما سَب قط ولا سُبّا
لبشار بن برد:
لا الطير تلقط حبّاً في سباسبها ... ولا تهب السوافي في أقاصيها
قال المتنبي:
تَصُدُّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةً ... وتفزَع منها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحبّا
أبو تمام:
حَلّمتني زَعمْتُمُ وأراني ... قبلَ هذا التَّحليم كنتُ حليما
(1/100)

محمد بن الفضل الجرجراي الكاتب:
أدينُ بالله لا أبْغي به بدلا ... ومذهبي العدلُ والإفضالُ والجودُ
لا الحلم فيّ بديع أنني حدث ... الحلم في الشيب والشبان موجود
قال المتنبي:
فما الحداثةُ من حِلْم بمانِعَةٍ ... قد يوجدُ الحلم في الشُّبان والشيب
لعلي بن جبلة:
قمر نَمّ عليه نورُه ... كيف يُخِفى الليلُ بدراً طلعا
الشعباني:
وإذا فزعتَ من الرّقيب فلا تَزُر ... فالبدر يفضح كلَّ ليلٍ مُظْلم
قال المتنبي:
أمن ازديارَكِ في الدجى الرُّقباء ... إذ حيثُ كنتِ من الظلام ضياءُ
أبو تمام:
مقيمُ الظنّ عندَكَ والأماني ... وإن قَلِقَتْ ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وأني عنك بعد غد لغادٍ ... وقلبي عن فنائك غير غاد
(1/101)

أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
المتنبي:
محبّك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنتُ من البلاد
هذان البيتان يناديان في البوادي، ويستغيثان من المتنبي:
قال البحتري:
ولم أرَ في رَنْق الصَّرى لي موردا ... فحاولْتُ وِرْدَ النيلِ عند احتفاله
وللكسروي:
وما أنا تاركٌ بحراً نميرا ... وأطمعُ في الجداول والسّواقي
إذاً لجحدتُ ما أوْليتَنِيه ... من النُّعمى ومُتُّ على النفاق
للعطوى:
أأمتاحُ من بئرٍ قليلٍ معينُها ... وأقعدُ عن بحرٍ زُلالٍ مشاربُه
قال المتنبي:
قواصدَ كافورٍ تواركَ غيره ... ومَنْ قَصَد البحرَ استقَلّ السواقيا
لأبي حويه السكسكي:
ألا فاصطنعني وأطّرح كل مدّعٍ ... يَبِن لك من يَشْأء ومن يتأخّر
أنا السيف إن جرّدتَه لضريبةٍ ... تبيَّن منه في الغِرَارين جوهر
(1/102)

قال المتنبي:
وكن في اصطناعي مُحسِناً كمجَرّبٍ ... يَبِنْ لك تقريبُ الجوادِ وشَدُّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كَغيْره ... إذا لم يُفارقْه النجادُ وغِمْده
للهرمزي من قصيدة يمدح بها أبا الحسن عبيد الله بن يحيى يقول فيها:
يبكى السحابُ إذا ابتسمت فلا ترى ... إلا ثَرىً يَندى وأرضاً تُخْصِب
(لبعضهم):
إذا ما رأيت ابتسامَ الأميرِ ... في الجدبِ فأبشر بصَوبِ المطر
قال المتنبي في تهنئة سيف الدولة ببرء من علة لحقته:
وَلاَحَ برقُكَ لي من عارِضَيْ مَلِكٍ ... ما يَسْقط الغَيثُ إلا حيثُ يَبْتَسِم
وهذا لمح منه:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسمت ... من مَطَرٍ برقُه ثناياها
لمحمد بن يحيى الأسدي يمدح ابن نوبخت عامل الخراج بكسكر يقول من قصيدة فيه:
لا انْقَضَى عمرُكَ يا مَنْ ... ما لجَدْواه انقِضَاءُ
أنت في الدهر ربيعٌ ... لم يعاقبه شتاء
عش كما تهوى وللأع ... داء لا كانوا الفناءُ
(1/103)

قال المتنبي:
ما ينقضي لك في أيامه كَرَمٌ ... ولا انقضى لك في أعوامه عُمُرُ
ما الدهر عندك إلا روضةٌ أنُفٌ ... يا من شمائله في دهره زَهَرُ
ومن كان له طبع صقيل عرف الفرق بين الطبعين.
ليحيى بن هلال العبدي يمدح الرشيد، من قصيدة:
حجب النقع أعين الخيل عنهم ... فهمُ من ثباتها في أمان
ضل فيها الدليل من هبوة القس ... طل لا يهتدي إلى النيران
قال المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضه ... وما سكَنَتْ مُذْ سِرتَ فيها القساطل
لدعبل بن علي:
ولما وردنا ماء بيشة لم يكن ... تَكَدّرَ إلا من دماء الترائب
سقينا عتاق الخيل منه فلم تذق ... سوى مذقة لم تُرْوِ غُلّة شارب
للناشئ بن الحسن يرثى أهل البيت عليهم السلام:
منعوا الماء والخنازيرُ تُروى ... منه لم يرحموا بكاَء النساء
كيف نسقى من الفراتِ جياداً ... ماؤه شِيبَ منهمُ بالدماء
(1/104)

قال المتنبي:
ومن أيّ ماء كان يَسْقِى جيادَهُ ... ولم تَصْفُ من مَزْج الدماء المناهل
لإسحاق بن سماعة المعيطي الرقي شاعر مبدع من قصيدة له:
لما أتاك أتاه الجبن وانفصلت ... منه المفاصل ذعراً والتوى العنق
فكان أقصرَ ما في نفسِه أملٌ ... وكان أصغرَ ما في رأسه الحَدَق
قال المتنبي:
أتاك كأنّ الرأس يجحَدُ عُنْقَه ... وتنْقَدُّ تحت الذُّعرِ منه المفاصل
ولو سمع إسحاق هذا لقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
لجهم بن عوف من قصيدة:
ودوّيَّة ما إن يطيرُ بها القطا ... ولا يعرف الأقطارَ منها عُقَابها
تعشّقتها والليل كُدْرٌ نجومه ... وضاقت على الخرّيت فيها رحابها
على شُزَّب قبّ البطون كأنما ... يلين لها بين الفيافي صعابها
فما تغتذي غير الرياح وطالما ... كفاها عن الماء الزلال سرابها
ومنها:
فَزَارةُ لما أبصرتك تخاذلت ... جماجمها ذلا وذلت رقابها
ولولاك لم تصغر كبار نفوسها ... ولم يخل من سُودِ الضراغم غابها
والقصيدة طويلة، اقتصرت على هذا القدر لما تعلق منها بأبيات المتنبي.
(1/105)

قال عفا الله عنه:
إذا ما سرتَ في آثار قوم ... تخاذَلَتِ الجماجمُ والرقابُ
وخيلا تغتذي رِيحَ الموامي ... ويَكْفِيها من الماءِ السَّراب
ومثل هذا الأخذ ينبئ عن افتضاحه.
لعلي بن عاصم الأصفهاني الكسروي:
قارَعْتَ دهرَك فاسترجعت ما عَصَبت ... أيامُه وأعدْت الملكَ منتظما
وإن أرضاً من الأنْواءِ قد نَهِلَتْ ... عَلّلْتها من رءوس الجاحدين دما
ولجعد الرقاشي (أحد الشُّراة):
وأعجبُ من أرضٍ سقاها حسامُه ... ولم تُرْو يوماً من عزالي السحائب
قال المتنبي:
سقتها الغمامُ الغرُّ قبلَ نزولِه ... فلما دنا منها سَقَتْها الجماجم
طريدةُ دهرٍ ساقها فَرَدَدْتَها ... على الدين بالخَطّىّ والدهرُ راغمُ
وهذا المعنى متداول، قد تصرف فيه الشعراء، فأكثروا.
إبراهيم بن عيسى من دير قطني، كاتب مليح الشعر يقول من أبيات له يعاتب:
(1/106)

يا وارثَ المجد التلي ... د وبنَى الكرم الأصيل
ما لي أراك قَبِلت أق ... والَ الوُشَاة بلا دليل
صدّقتهم في كل ما ... خلقوه من قال وقيل
ونظرت نحوي نظرةً ... دلّتْ على رأىٍ عليل
قد كنتُ أحسَبُ أنّني ... أحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيتُ وسائلي ... خَلَقت وضاعت في السبيل
فعلمت أنى قد غلط ... ت وتهتُ في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفاً ... أرجوك في أمر قليل
أنْصِف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل
إمّا إزاحةُ عِلَّةٍ ... فيها الشفاء من الغليل
أم لا فَقُوتٌ ما أعي ... شُ يصونُ وجهي عن بخيل
أم لا فَإذْنٌ استَق ... لُّ به على وجه جميل
من لم يعنك على المُقَا ... م فقد أعان على الرحيل
وإذا تأملت هذه الأبيات علمت أن المتنبي لمح جميعها وسلخ البيت الأخير منها في قوله:
إذا ترحَّلْت عن قوم وقد قَدَروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
للعبدي من أبيات قليلة له:
جلستَ فقامَ الدهرُ فيما تريده ... ونمتَ عن الأشْغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كُلِّهم ... إمامٌ وإن غابوا فإنك حاضر
المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساً ... وأيامُه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
(1/107)

أترى يخفى على النساء دون الرجال هذا وما يجرى مجراه سرقة؟ فما معنى أصحابه يدّعون التوارد؟ لولا المكابرة والجحود.
أبو خلد محمد بن المهلب بن المغيرة المهلبي يعاتب صاحباً له:
أصْفيه وُدّي باختيا ... ري وهو يصحبني اضطرارا
وإذا جني أظهرتُ لي ... منه احتجاجاً واعتذارا
ومن العجائب أن أصا ... دِقَ من يعاديني جهارا
أبو العتاهية:
وإذا صفا ودّي له ... زادتْ مودتُه كدوره
فكأنما مات الوفا ... ءُ فلست مرتجياً نُشُورَه
والحُرّ يُظْهر للعد ... وّ صَدَاقةً عند الضروره
أبو نواس
إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق
قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوّاً له ما من صداقته بدّ
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي من قصيدة له يعزى ابن أبي طاهر:
إذا ما صفا مجدُ الكريم من القَذى ... أتاه الرَّدى من حيثُ يدرى ولا يدرى
تَسَلَّ بفكرٍ في النبيين واعتبر ... بهم واستعن عند المصيبة بالصبر
أبو تمام:
بنات نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لها ... والشمسُ والبدرُ منه الدهرَ في الرقم
والحادثات عدو الأكرمين فما ... تعتامُ إلا امرأً يشفى من القرم
(1/108)

قال المتنبي:
كأنَّ الردى عَادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يعوّذْ مجدَه بعيوب
تَسَلَّ بفكرٍ في أبيك فإنما ... بَكَيْتَ فكان الضِحْك بعد قريبِ
عبيد الله بن محمد الرقي المكنى بابن حُمران يعزى صديقاً له:
صِينَتْ ظهورُ مطاياه لغَيْبَته ... فليس يركبُها من بعده أحدُ
من يصحبِ الدهرَ لم يأمن تقلُّبه ... يعيش حيران حتى يَنْفَدَ الأمد
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكْوار نمشى كرامَةً ... لمن بان عنا أن نُلمّ به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
عبد الله بن سلام:
تذكرتُ أيامَ الوصالِ فلم أجد ... لها لذّة إذْ طارَ عنى غُرابها
وكانَتْ أيادي الدهرِ عندي حميدةً ... لألفَتنا حتى تبدّى انقضابها
قال المتنبي وقد لمح البيت الأول:
ذكرتُ به وصلا كأنْ لَمْ أفُزْ به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطَعُه وثبا
(1/109)

ولمح البيت الثاني فقال:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
مثقال الواسطي من قصيدة له:
وجيش تَزَعْزَع منه الجبال ... وتهتزّ كالغُصُنِ الناعم
ترى الشمسَ يحجبها نقْعُه ... فتبرزُ في مِدْرَع قاتم
قال المتنبي:
وجيشٌ يُثَنّى كلَّ طَوْدٍ كأنه ... خَريقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُنَا رَطْبا
كأنّ نجومَ الليل خافَتْ مُغَارَه ... فَمدَّتْ عليها في عَجاجَته حُجْبا
أبو عمرو محمد بن العمراوي البصري يقول في عبيد الله بن يحيى:
وما بلد في الأرض ناءٍ مرامه ... على الناسِ إن حاولته ببعيد
وهبتَ فما أبقيتَ في الأرض سائلا ... وحُزْتَ ثناءً لم يكن بزهيد
قال المتنبي:
وكاتَبَ من أرض بعيدٍ مَرامُها ... قريبٍ على خيل حوالَيْك سُبَّقِ
ولمح البيت الآخر فقال:
لقد جُدْتَ حتى جدت في كل مِلّةٍ ... وحتى أتاك الحمدُ من كل منطق
(1/110)

وترديده جدت وجدت ومنطق غث جدّاً.
إسماعيل بن محمد الراذاني من أهل جرجان يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوقون من ظُلَم ... وأنت وحدك مخلوق من النور
تهتزّ كالغصن عندَ الجودِ من طَربٍ ... وتستعين بقلب غير مذعور
المتنبي:
فلو خُلقَ الناس من دهرهم ... لكانوا الظلامَ وكنتَ النهارا
أشدهُمُ في ندىً هِزّةً ... وأبعدُهم في عدُوّ مُغارا
وأبيات الجرجاني مع سخافتها أسلم من أبيات المتنبي لتركه الإطباق فيها.
أبو عبد الله أحمد بن محمد الجهمي شاعر خبيث اللسان، كان في أيام المتوكل يقول:
قلعت قلاعاً لو طلبت رجالها ... لألْقتهم طُرّاً إليك بلا عهد
ولما رآك الناسُ وحدَكَ أيقنوا ... بأنك بين الخلق واسطةُ العقد
فهانوا ولانوا واستكانوا وأشرفوا ... على خطة تُوهي صفا الحازم الجلد
قال المتنبي ولمح هذه القصيدة:
تَمَلّ الحصونُ الشمُّ طولَ نزالنا ... فَتُلقى إلينا أهلها وتزول
ولما وحدَه قبل جيشِه ... دَرَوْا أن كلَّ العالمين فُضُول
أبو جعفر محمد بن بشر الحميري:
وليس ينال المجد غيرُ ابن حُرَّة ... فَتىً لا يبالي بالمنايا وبالقتل
(1/111)

إذا الناس سادوا باتفاق فإنما ... تَحَمَّلْتَ أعباَء السيادةِ بالفضل
قال المتنبي:
فإن تكنِ الدَّوْلاتُ قِسْماً فإنها ... لمن وَرَدَ الموتَ الزؤامَ تَدُول
لِمنْ هَوَّنَ الدنيا على النفس ساعةً ... وللبِيضِ في هَامِ الكُمَاة صليل
لأبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن طاهر من قصيدة له:
هو البحر إلا أنه ليس يُتَّقى ... حصاهُ كبارُ الدُّرِ مشرَبُه عذب
هو الدهر إلا أن في صرفه الغِنَى ... وفي حكمه الإنصافُ والبشرُ والرُّحبُ
قال المتنبي:
ومن كنتَ بحراً له يا عليُّ ... لم يقبَلِ الدرَّ إلا كبارا
وهو بيت عاميّ متكلف جدّاً.
أبو أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أديب شاعر يقول:
يا طبيباً لكل داءٍ وسُقْمٍ ... كيف تشكو الأدواء والأسقاما
أترى ما ملِلْت خوضَ المنايا ... كلَّ يوم أو ما تريد جمَاما
لست تعتدّ من حياتك يوماً ... لم تُثِر فيه للقتال قَتَاما
قال المتنبي:
وكيف تُعِلُّك الدنيا بشيءٍ ... وأنت لعلّة الدنيا طبيبُ
مللت مُقَامَ يوم ليسَ فيه ... طِعانٌ صادقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غيرُ حبكَ أن تراها ... وعثيرهَا لأرْجُلها جَنِيبُ
(1/112)

وللهرمزي صاحب يمدح الحسن بن مخلد من قصيدة له:
قالوا أشتكيتَ فقلتُ عُوفى من به ... تؤْسَى الكُلوم وَيُجْيَرُ المنهاضُ
عمت سلامتُك الكرامَ وكلَّ من ... يهوى بقاَءكَ واللئامُ مراضُ
وله أيضاً في علي بن يحيى:
سقم المجد مذ سقمت ويَبْرَا ... حين تَبْرا وبالأعادي السَّقام
وإذا ما سلمتَ فالناسُ طرّاً ... سَلِموا مثل ما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام البصري، وهو شاعر رقيق الشعر يقول:
فلا تبغ أمراً لست مضطلعاً به ... فينقَضّ منه أولَ الأمر آخرُه
ومن يتكلفْ ما يخالفُ طبعه ... يَبِنْ عجزه فيه وتعْمى بصائره
قال المتنبي:
وأسرع مفعول فعلت تغيّراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
(1/113)

أبو تمام من قصيدة له:
هنّ البحاري يا بجير ... أهدى لها الأبؤسَ الغويرُ
في عصبة إن سرت فجنّ ... أو يممت شقة فَطيرُ
قال المتنبي:
نحن ركب مِلْجِنّ في زيّ ناس ... فَوقَ طير لها شخوصُ الجِمَال
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي:
أكنتَ حَسِبْتَني يوم القتالِ ... ضعيفَ القلبِ أن دُعيَتْ نَزَالِ
وفيها:
أبِيتُ وهمتي فوقَ الثريَّا ... عديمَ المثل في شَرفِ الفعال
ولَستُ أُسئ بالأيام ظَنّي ... إذا أصبحت محمود الخصَال
قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
أبو تمام:
إذا أنا لم ألمْ عثراتِ دهرٍ ... أُصبْتُ به الغداة فمن ألوم
قال المتنبي:
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍ ... ولم ألُمِ المسيَء فمنْ ألوم
قد أخذ الوزن والمعنى جميعاً، وأصحابه يسمون هذا التوارد.
(1/114)

لسعيد الخطيب.
وما كنت أدرى أن في كفّكَ الغنى ... وأنك قد أصبحت للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليلٍ من الشكّ مظلم ... إلى أن بدا صبحُ اليقين فأسفرا
تبرعتَ بالأموالِ في غير كُلْفةً ... وحزتَ بها عنى الثناء المحبَّرا
قال المتنبي:
وعادَى محبّيه بقولِ عُداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
البحتري يقول من قصيدة له معروفة:
وأكون طوراً مشرقاً للمشرق ال ... أقصى وطوراً مغرباً للمغرب
المستهل بن الكميت من قصيدة له:
وإني وإن أُلبسْتُ ثوبَ خصاصة ... فلستُ لعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدحَ الباخلين فإنه ... ضعيفُ أساس العقل بادي القبائح
نصحتك لا تكرم عدوّاً ولا تُهِن ... صديقاً لك الخيراتُ فأقبل نصائحي
وما أرَبى في العيش لولا محبتي ... لنفع محبّ أو مَضَرّةِ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرورَ محبٍّ أو مساءة مجرم
ترك الإطباق وأفسد.
لمنصور الفقيه:
لو أن ما فيه من جود تقسَّمَه ... أولادُ آدمَ عادوا كلهم سمحا
للقاسم بن محمد بن عبد الله النميري المكنّى بأبى الطيب نديم المعتز:
(1/115)

ملكٌ أبْرَأ بالإن ... عام أجساماً عليله
وشفى من كل ضدٍّ ... لا يُواليه غليلَه
لو كما فرّق في النا ... سِ عطاياه الجزيله
فرّق الجود لما غا ... دَرَ ذا نفس بخيله
قال المتنبي:
لو فرّق الكرمَ المفرِّقَ مالَه ... في الناس لم يكُ في الأنامِ شحيحُ
أبو الحسن ابن بنت الحارثي، هو شاعر ظريف، يمدح محمد بن عبد الله بن طاهر:
إني امرؤٌ لا أبالي بالخطوب ولا ... أخاف من صَرْفِ دهري الحرَب والحَرَبا
عزمي يرى أبعد الأشياء أقربها ... إليه إن رامه بالجدّ أو طلبا
قال المتنبي:
إذا فَلَّ عزمي عن هوى خوفُ بعدِه ... فأبعدُ شئٍ ممكنٌ لم يجد عزما
للمعوج الرقي:
بنفسي زائرٌ في غير وَعْدٍ ... يواصلني اختياراً لا اضطرارا
خلوت به أقبله وأبكي ... وأشرب من ثناياه عُقارا
فأسْبَلَ دمعه خجلا وولّى ... وصار شقيقُ خدّيه بَهَارا
قال المتنبي:
وقد صارت الأجفانُ قَرْحَى من البكا ... وصار بَهاراً في الخدود الشقائِقُ
هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذل أخبار وهو الذي يقول:
ولي في غنى نفسي مُرادٌ ومذهبٌ ... إذا انصرفَتْ عنى وجوه المذاهب
(1/116)

إذا كنت تدري أن عمرَك ذاهبٌ ... فلا تَنِ يوماً عن طلاب المراتب
وأيقن بأن العزَّ صعبٌ مرامُه ... وأنّ العُلا بينَ القَنَا والقواضِبِ
قال المتنبي:
ذر النفس تأخذْ وُسْعَها قبل بَيْنِها ... فمفترقٌ جاران دَارُهما العُمْر
البحتري:
إذا ما الجرح رُمّ على فساد ... تببّن فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح يَنْفِرُ بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فساد
أبو العتاهية:
يا جامع المال والآمال تخدعه ... خوفاً من الفقر هذا الفقر والعدم
أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابَتْ قلبَكَ الظلم
ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخلٍ فإنه ... فقيرٌ أتاه الفقرُ من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفِقِ الساعات في جمع ماله ... مخافةَ فقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ
أحمد بن بهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةٌ ... يعظمها عجباً بها كُلُّ كاتب
معانٍ كأخلاق الكرام حميدةٌ ... صحاحٌ وألفاظٌ كزُهر الكواكب
(1/117)

قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحةِ لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائِقك الزهرُ
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
قد بلوناه مرة بعد أخرى ... فوجدناهُ صالحَ الآثار
واختبرنا منه خلائق زُهْراً ... صغرت ما أتَى على الأخبار
قال المتنبي:
واستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبرَ الخبرُ
ابن الرومي:
جِيَف أنْتَنَتْ فَأضحتْ على اللج ... ةِ والدُّرُ تحتها في حجاب
وغثاءٌ علا عُبَاباً من الْيَ ... مّ وغاصَ المرجَان تحتَ العُباب
قال ابن الرومي:
إذا ما الفجائع أكسبتني ... رضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
(1/118)

ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصماً وفىّ محكماً ... فكيف بخصم ضالع وهو الحكم
المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
عاصم بن محمد المدني، كنيته أبو صالح، شاعر من أولاد رافع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قد هدّه الفقر وقد بانَ مِن ... أحوالِه الرّثَّة إعوازه
كأنّه من حيرة دائماً ... أعمى ضعيفٌ ضاع عكّازُه
قال المتنبي:
ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائعُ العكاز
تم الجزء الثاني من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث.
(1/119)

الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر المعروف ببرمة النحوي:
وأني امرؤٌ لا قدرَ عندِيَ لامرئ ... لئيم يرى أنْ ليس لي عنده قدْرُ
أرى الفقر في عيني غنىً من جماله ... إذا شئت أن ألقى امرأ شابه كبر
المتنبي:
وأني رأيْتُ الضُّرَّ أحسنَ منظراً ... وأهونَ من مرأى صغيرٍ به كِبْرُ
أبو محمد الحسن بن تَختاخ الخراساني، وهو كثير المدح للرشيد:
وليس يَضُرّني ضعفى وفقري ... إذا أنفقتُ مَالي في المعالي
رأيت العار في بُخْل وكبرٍ ... ولست أراه في فقر الرجال
قال المتنبي:
غَثَاثَةُ عيشي أنْ تَغِثَّ كرامتي ... وليس بغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكل
لقد صار هذا البيت غثّاً من اجتماع الغثاثات فيه.
الحبيس بن وهب الفزاري، وهو جاهلي حضر حرب داحس والغبراء:
أرى الموتَ في الحرب مثلَ الحياةِ ... لتبليغِيَ النفسَ فيها الأملَ
واعلم أني امرؤ لا أذوق ... طعمَ المماتِ بغيرِ الأجل
(1/121)

قال المتنبي:
فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في أرب النفوس
وبين الأبيات التي تقدمت وبين هذا البيت بون بعيد.
لشعيب بن يزيد، وهو شاعر مطبوع، كان في فتنة نصر بن سيار بخراسان يقول:
وما أنا من يَثْنيه عَما يَرُومُه ... شروعُ العوالي في الوغى والشدائدُ
إذا ما بذلت الروح في طلب العلا ... فأدنى مَرَاقٍ أرتقيها الفراقدُ
المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
لتميم بن خزيمة التميمي، وهو مطبوع الشعر من قصيدة له:
وليس يضرُّنى قومى إذا ما ... عواهم في ديارِهم كِلاب
زنادي غير مصلدة وسيفي ... عليه من دمائِهم قِراب
فلا تستَحْقِرَنيّ لانفرادي ... فإن التبرَ مَعْدِنه التراب
المتنبي:
وما أنا منهُمُ بالعيش فيهم ... ولكنْ معدِن الذهب الرَّغام
(1/122)

لغني بن مالك:
أعَدّاءُ ما وجدي عليك بهين ... ولا الصبرُ إن أعْطِيتُه بجميل
قال المتنبي:
أجد الجفاَء على سِواكَ مروَءةً ... والصبرَ إلا في نَوَاكَ جميلا
السيد الحميري رحمه الله تعالى:
ما أتعبَ الإنسانَ في مسعاته ... إلا إذا واتاه جَدٌّ صاعدُ
ثِق وأستَعِن بالله فيما تبتغى ... تبلغْ مُنَاكَ وأنتَ عنه راقدُ
وإذا أردتَ تَنَاهِياً في مَطْلب ... فُخُطاكَ قاصرةٌ ونقصُكَ زائدُ
المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التَّنَاهي ... فقد وَقَعَ انتقاصِي في ازدِيادِي
لسابق البربري في أرجوزة له معروفة:
لا دَرَّ دَرُّ مَعْشَرٍ أنجاس ... سَادُوا وقادُوا في بني العباس
بحب دنيانا خساس الناسِ ... ما أشبَه الأجناسَ بالأجناسِ
لغيره من أبيات يغنى بها:
بعينيك ما ألقى إذا كنتَ حاضراً ... وإن غبت فالدنيا عليّ محابس
فلا تحتقر روحي وأنتَ حبيبُها ... فكلّ امرئ يصبو إلى من يجانس
(1/123)

قال المتنبي:
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطَّغَام
لبشار بن برد:
إن النساء مضيئاتٌ ظواهرُها ... لكن بواطنُها ظلمٌ وإظلام
كالدهر في صَرْفه سقمٌ وعافيةٌ ... وكالزَّمان له بؤس وإنعامُ
قال المتنبي:
ومن خَبَرَ الغواني فالغواني ... ضياء في بواطنه ظلام
لعنترة العبسي:
وأنا المنية في المواقف كُلها ... والطعنُ منّي سابقُ الآجال
المتنبي:
يسابق سيفي منايا العباد ... إليهمْ كأنَّهم في رِهان
وبين الألفاظ بون بعيد للمتأمل.
محمد بن أبى عيينة المهلبي من قصيدة أولها:
ًدمنة قفرة وَرْبعٌ جديب
لا تثق بالكذوب وأعلم يقيناً ... أن شَرّ الرجال عندي الكذوب
لي وفاء محضٌ وكفُّ جوادٌ ... وَجَلالٌ بادٍ ورأىٌ صليبُ
أخبثُ الأرضِ ما خلَتْ من صديق ... وأضَرُّ الأفعال فعلٌ مَعيبُ
(1/124)

قال المتنبي، وقد لمح القصيدة فغيّر البيت:
شر البلاد بلادٌ لا صديق لها ... وشَرّ ما يكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
والوصم والعيب بمعنى واحد.
لصاحب العلوي الداعي بطبرستان وهو الذي يقول:
أحبك في البَتُول وفى أبيها ... ولكنى أحبك من بعيد
في قصيدة طويلة يعاتب فيها صاحبه فيقول:
أنا في جنابِ سواك في مرعى ندٍ ... وأقيم عندَكَ في جنابٍ مُجدب
إن كنت ذا بصر فميز فضل ما ... بين الفراء وبين صيد الأرنب
قال المتنبي، ولمح هذه الأبيات في المعاتبة، فأخذ المعنى بغير اللفظ فقال:
وشر ما قبضته راحتي قَنَصٌ ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
قلب معنى الفراء وهو حمار الوحش إلى البازي الأشهب والأرنب إلى الرخم ولم يقصر في الأخذ، وأنا معترف بأني لا أعرف أحداً أحذق على الأخذ وتغيير المعنى، وطلب الدواوين التي للمكثرين لئلا تبين سرقته إذا أخذ منها شيئاً، فإن المقلين أشعارهم مشهورة معروفة، والمكثرين لا يكاد يستوعبها، ويأتي على حفظ قصائدها إلا الشواذ من الأدباء والنوادر من الحفظة والآحاد من أهل الفضل.
أبو العتاهية:
أتصفو حياتي والشباب نسيته ... لسكري وأيام المشيب هموم
(1/125)

فيا ليت شعري كيف أرجو سلامتي ... وعمري وشيبي والزمان خصوم
قال المتنبي:
إذا كان الشبَابُ السكرَ والشَيْ ... بُ هَمَّا فالحياة هي الحِمَامُ
يحتاج إلى سراج يستضاء به لمعرفة هذا البيت، مع شدة تكلفه.
لبشار بن برد:
إذا اعتذر الجاني إلىّ عَذَرْته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا
فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَه ... ومن لام من لا يعرفُ اللوم أفسدا
قال المتنبي:
وما كلٌّ بمعذورٍ ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام
هذه الألفاظ إذا سمعتها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم.
لأبي سعد المخزومي، وكان يهاجي دعبلا، مطبوع الشعر يمدح من قصيدة له:
لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادته ... ولم يَشِنْ وعدَه كذبٌ ولا خلف
فلا يلام على إتلافه كرماً ... أموالَه والذي لم يُعْطِه تَلَفُ
حفظ المروءة يؤذي قلبَ صاحبِها ... والحبّ مغرىً به المستهتَرُ الكَلِف
قال المتنبي:
تلذ له المروءة وهى تؤذى ... ومن يعشقْ يَلَذّ له الغرام
السيد الحميري:
وإن مسيري فى ذَرَاك ضرورةٌ ... ولولا اضطراري ما رضيت بذلكا
وما رحلتي إلا تبشر عاجلا ... بأني أقيم الدهر تحت ظلالكا
لغيره:
سنرجع إن عشنا ونقضي أذمَّةً ... فكم من فراق كان داعية الوصل
(1/126)

أبو تمام:
أآافةَ النحيبِ كم افتراقٍ ... أظَلّ فكان داعيةَ اجتماع
قال المتنبي:
لعل الله يجعله رحيلا ... يُعينُ على الإقامة في ذَرَاكا
ابن الرومي:
يرى الصعب سهلا أن توجه نحوه ... بعزم صقيل لا تُفَل مضاربه
وغرة وجه يهزم النحسَ سعدُه ... وتطلع في أفق السعود كواكبه
قال المتنبي:
فإنك ما مَرّ النحوسُ بكوكب ... وقابَلْتَه إلا ووجهك سعدُه
الخبزأرزي:
قابلت عُرفك وهو غير مكدّر ... بجميل شكري وهو غير مُقَتَّر
فغدوتُ ما استصغرت ما أوليته ... ورأيتنا في الشكر كالمستقصر
قال المتنبي:
فَسَاق إلىّ العُرْف غير مكَدَّر ... وسقت إليه الحمدَ غيرَ مُجَمْجَم
محمد بن سعد الكاتب:
إني لأعرف ما يُجنّ ضميرُ مَنْ ... أهواه من أفعاله وكلامه
ما ساء ظنّي بالصديق وإن رمى ... قلبي بأسهم عَتْبه ومَلاَمه
أنا في صباح من يقين مودّتي ... وسواي يَخْلِط شكه بظلامه
(1/127)

قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عِداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
أصادق نفسَ المرءِ من قبْل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم
وما يخفى على شاعر غوصُه على هذه المعاني وأخذه لها.
محمد البجلي الكوفي، كان في أيام المأمون، وكان مطبوعاً:
كساكَ إلهُ الناسِ ثوبَ رياسة ... وأعطاك فضلا لم يُشَبْ بفضول
فأغنيت قبل المالِ بالبشر من رَجَا ... نوالَكَ واستقبلته بقبول
فلا حسن في الدنيا كبشرٍ لمنعم ... ولا يُمن أجدى من يمين بذول
قال المتنبي:
فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كفّ فيهم كفُّ منعم
لقد تصبب عرقاً هذا الشاعر حتى أستنبط هذا المعنى.
محمد بن صبيح البصري أبو مسلم:
ويوم كليل العاشقين وصَلْتُه ... بليل كوجدي ليس تفنى أواخره
قال المتنبي:
ويوم كليل العاشقين كَمَنْتُه ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
أبو العتاهية:
وغرّاَء مثلُ المشترِى في جبينها ... وسربالُها ليلٌ أحمُّ بهيم
قطعت بها بَهْماء أما سهولها ... فبحرٌ وأما حرّها فجحيم
قال المتنبي:
وعيني إلى أذْنَيْ أغرَّ كأنَّه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
(1/128)

هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذّل أخبار:
تحملت عنهم فاعترتهم لجاجة ... أبادت رجالا واستباحت منازلا
فلا تحتقر شَرّا فكم من شَرَارَة ... بها أحرقت أرضٌ فصارت مجاهلا
وربَّ مُزاح صار جِدّاً ولفظة ... بها استحكمت حرب فجرّت زلازلا
وأضحت مهار الخيل في الحرب قرحاً ... وطَلُّ دماء القوم أصبح وابلا
ولَلحزْم خيرٌ من توانٍ وغفلة ... وإهمال أمر يترك الرأي فائلاً
قال المتنبي، وقد لمح هذه الأبيات:
لعلَّ بَنيهم لبَنِيك جندٌ ... فأولُ قُرَّحِ الخيلِ المِهَار
الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بأبي عريان العثماني:
إذا نال بالسيف الفتى سُؤْلَ نفسِه ... تَرَفعَ عن تدنيسها بسؤال
ومن لم يَصُن في حاجة ماَء وجهه ... عن الناسِ لم يلبَسْ ثياب جلال
قال المتنبي:
من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كم بين القولين إذا تأملتهما، وتصفحتهما.
(1/129)

لنصر بن سيار بن نافع:
وماء تَقَلَّصُ منه الخُصي ... لفرط البرودة بين الثَّغَبَ
وردناه ليلا ومِن خَلْفنا ... وقدامِنا الموتُ كالمرتَقِب
قال المتنبي ولاحظ البيت الأول:
يَقْمُصْن في مثل المُدَى من بارد ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيان
ولاحظ البيت الثاني، فقال من قصيدة أخرى:
يرون الموت قدّاماً وخلفاً ... فيختارون والموت اضطرار
لموسى بن عمران، وقد ضرب المأمون عنقه بسرخس، وقد أتهمه بقتل الفضل بن سهل:
أصبحتُ من مَعْشر ما في قلوبهم ... من السيوف ومن خوض الردى فَرَق
يستسهلون صعاب الحادثات فهم ... يلقونها بنفوس ما بها قلق
قال المتنبي:
وإنا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثيرُ الرزايا عندهُنَّ قليلُ
لمن هوّن الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكُماة صليل
البحتري:
كستك يدُ الأيام ثوبَ جلالة ... فغابَتْ عواديها وزالت خطوبها
إذا أعتلّ ذو فقر فأنت شفاؤه ... وإن شكتِ الدنيا فأنت طبيبها
قال المتنبي:
وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب
(1/130)

لزهير بن أبى سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ولعمرو بن الأهتم:
إذا المرء لم يحببك إلا تكرماً ... بدا لك من أخلاقه ما يغالب
ولمحمد بن جميل الكاتب التميمي الكوفي في حميد الطوسى:
إليك فأني لست أقصد ناكلا ... لأسأل فعل العاجز المتكفف
وما أنا من يَخْفَى عليه لجهله ... أبِالطبع يَسْخُو المرءُ أم بالتكلف
ولا يعتريني الطيشُ في كل مشكل ... ولا حيرةٌ كالأخرق المتخلف
وأني ألوفٌ لو رجعت إلى الصبا ... من الشيب لاستقبلته بالتلهف
قال المتنبي:
وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
ولاحظ البيت الآخر فقال:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا ... لخلفت شيبي موجع القلب باكيا
ابن الرومي من قصيدة أولها:
قلبي من الطرْف السقيم سقيم ... لو أنّ من أشكو إليه رحيم
إن أقبلَتْ فالبدرُ لاح وإن مشت ... فالغصن فاحَ وإن رَنَتْ فالرِّيمُ
قال المتنبي:
بدت قمراً ومالت خُوطَ بان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا
زاد العنبر في البيت ليفوح رائحته.
(1/131)

صالح بن حيّان الطائي الحلبي من قصيدة يمدح بها القاسم بن عبد الله:
قد نلت قرباً وبعداً من مواهبه ... فلا أطيق له ما عشتُ تعديدا
أعطاني البيض والبيضَ المناصلَ وال ... سمرَ الذوابل والقبّ القناديدا
فصرت من بعد فقر عارضاً هطلا ... ورحت من بعد ضعف الجأش صنديدا
قال المتنبي في سيف الدولة:
مُعْطى الكواعِبِ والجْردِ السَّلاهب وال ... بِيضِ القواضِبِ والعسَّالَةِ الذُّبُلِ
وجمع الطائي بين البيض والبيض يعنى السيوف والجوارى مليح جدّاً.
للسري بن عبد الرحمن بن عوف الأنصاري المدني من أبيات له:
إذا استحلت النفسُ الحمام من الوغى ... ففى فمه طعمُ الحمام زعاق
وليست عتاق الخيل تنفع والقنا ... إذا لم يكن فوق العتاق عتاق
وفيها:
وليس لشمس إن رحلتَ إضاءةٌ ... وليس لبدر إن أقمْتَ محاق
قال المتنبي، ولمح البيت الأول:
تَغُرُّ حلاواتُ النفوسِ قلوبَها ... فتختارُ بعضَ العيشِ وهو حِمام
ولاحظ البيت الثاني فقال:
وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القنا ... إذا لم يَكِن فوقَ الكرامِ كرام
ولمح البيت الثالث فقال:
وليس لشمس إن نأيْتَ إنارةٌ ... وليس لبدر مذ تممت تمام
(1/132)

وبين تلك الأبيات وهذه الأبيات بون بعيد.
مروان بن أبي حفصة:
همامٌ أمام له قدرة ... تَذِلّ الرِّقابُ لآياتها
فلا مجدَ في الأرض لم يَبْنِه ... ولا غايةً فيه لم يأتِها
له إن رأى سائلا يجْتديه ... نفسٌ تجود بأقواتها
ويكسر في الحرب أسيافه ... ليكفى معظم آفاتها
وينحر في المحْل للطارقين ... كُومَ المطايا بفضلاتها
قال المتنبي:
وصُحبَةَ قومٍ يذبحون قَنِيصَهم ... بِفَضْلات ما قَدْ كَسَّروا في المفارق
لأبي عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب:
شجاعٌ له في الطعن والضرب عادةٌ ... تعدَّدَها لا فعله خيفة العذل
يرى العار جبناً والفرارَ فضيحةً ... وليس يُبالي بالمنية والقتل
قال المتنبي:
إذا الطعنُ لم تُدْخِلْكَ فيه شجاعةٌ ... هى الطعنُ لم يُدْخلْكَ فيه عذول
ما أوحش إعادة الإدخال في هذا البيت!
الخبزأرزي:
إذا ابتسمَتْ أحيَتْ نفوساً وأطربت ... قلوباً وقوّت جسم كلّ عليل
وغير جميل أن أعَافَى وجسمُ مَنْ ... كَلِفت به يبقى كجسم عليل
قال المتنبي:
بأدنى ابتسام منك تحيا القرائح ... وتَقْوى من الجسم الضَّعيف الجوارحُ
وإن محالا إذ بك العيش أن أُرى ... وجسمُكَ معتلّ وجِسْمي صالح
(1/133)

فأما قوله إذ بك فحشو بارد، وجسمي من فصل الخطاب.
أبو عبد الله بن هارون بن علي بن يحيى بن أبى منصور المنجم من أبيات له:
كريمٌ بصير بأمر الزمان ... فضائله حجة شائعه
يروح بعرض مصون له ... ولكنّ أموالَه ضائعه
عزائمه ومآثيره ... لآجال أعدائه قاطعه
ولو حاربته نجوم السماء ... لما لبثت ساعة طالعه
ولو طلبت يده مسّها ... لدانت له ودنت طائعه
فلا زال في نعمة لا تزول ... لأغراضه كلها جامعه
قال المتنبي وقد لاحظ أبياتاً من هذه القصيدة:
وقد زعموا أن النجومَ خوالدٌ ... ولو حارَبَتْه ناح فيها الثواكل
وما كان أدناها له لو أرادها ... وأقربها لو أنه المتناول
لجابر بن والان السنبسي:
هو الموت لا ينساغ في الحَلْق شُربُه ... هو السيف يَبْرى حدُّه من يلامسه
فلا مجد إلا ما بَنَتْه يمينهُ ... ولا فخر إلا ما حوته ملابسه
قال المتنبي:
وما تركوك معصية ولكن ... يُعاف الوِردُ والموتُ الشراب
لوضّاح الشاعر وكان مع المهلب بن أبى صفرة بخراسان يمدحه:
رميتَهم لما عصوك جهالةً ... ببحر مَراسيه القنا والقواضبُ
فأفنيتهم بالسيف لم تُبق يافعاً ... ولا ناشئاً منهم ولا عاش ثائِبُ
كذا فلْيَسِرْ من همه طلب العلا ... ومن يقصد الأعداء والرأى صائب
(1/134)

قال المتنبي:
رميتَهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عُباب
كذا فَلْيَسْرِ من طلب الأعادي ... ومثلَ سُرَاك فليكن الطِلابُ
للناشئ من قصيدة له يصف فهدةً:
وضئيلةٍ تختال في حركاتها ... عندَ الطّراد وتنطوي كالمختفي
وتجسّ بالرفق التراب إذا مشت ... جسّ الطبيب يد العليل المُدْنف
قال المتنبي يصف أسداً:
يطأ الثرى مترفقاً في تيهه ... فكأنه آسٍ يجسّ عليلا
لناقد بن عطارد العسمي:
ذر الخمر تسلم من عيوب كثيرة ... وإياك أن ترتاد ما يورث الجهلا
فما عاقل يرضى بإنفاق عقله ... على الخمر إن الخمر تستلب العقلا
قال المتنبي من أبيات له معروفة:
وأنْفسُ ما في الفتى لُبُّه ... وذو اللب يكرَهُ إنفاقَه
بشار بن برد:
وأني لقادتني إليه محبتي ... ورغبته في الشكر يحويه والحمد
فما جئتُه حتى رأيت خلائقاً ... يُداوى بها المرضى ألذَّ من الشهد
وصغَّر في عيني اختبارُ خصاله ... محاسنَ أخبار أتتني على البعد
فكم نعمةٍ أُلْبستها بعدَ نعمةٍ ... وكم نفحةٍ في جوده حصلت عندي
قال المتنبي:
وما زلتُ حتى قادني الشوقُ نحوه ... يسايرني في كُل رَكْب له ذكر
واسْتكبر الأخبارَ قبل لقائه ... فلما التقينا صغّرَ الخبرَ الخُبْر
(1/135)

أزالت بك الأيام عتبى كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
أبو العتاهية:
أخشى الرقيب وأمشى تحت هَوْدجها ... لعل مَشْيِيَ يَشْفيني من الكمد
وكم سقتني مُداماً من مُقبَّلها ... ومص ثغر شبيه الشهد بالبرد
داويت عيني بما داست مطيّتها ... من التراب فأبراها من الرمد
قال المتنبي:
ودسنا بأخفاف المطيّ ترابَها ... فلا زلت استشفى بلثم المناسم
محمد بن سلامة بن أبي زرعة الدمشقي:
نوائب دهر برّحت في صروفه ... فأورطنني في موبقات المهالك
رحلن فهيجن الجوى داخل الحشا ... فمن بين موف بالعهود وتارك
وقضبان بانٍ فوقهن إذا مشت ... شموس تضئ الأرض غير دَوالك
تَقَلدن أبكار اللآلي فأشرقت ... بهنّ لآلٍ مثلُها في المضاحك
قال المتنبي:
ويبسمن عن درّ تقلدن مثله ... كأن التراقي وُشّحت بالمباسم
وهذا المعنى في أشعار المحدثين كثير متداول.
(1/136)

أبو ضمضم سعيد بن ضمضم الكلابي:
وأني لأُروي المشرفيات والقنا ... إذا ضاق رزقي من دماء العباهل
لعلمي بأن الدهر يحرم فاضلا ... مناه ويعطى سؤلَه غيرَ فاضل
قال المتنبي:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روّى رمحه غير راحم
لمعوّج الرقي من قصيدة له مليحة عجيبة:
وروضة أحيت الأنواءُ زهرتها ... لما غذتها بأبكار المباكير
كأنما السوسن الأزاذ ناشرة ... أعلامَها الصبحُ محمودَ التباشير
والوردُ فاحت قبيل الفجر رائحةٌ ... منه كما امتزجت مسك بكافور
وللبلابل تغريدٌ يذكرنا ... ألحانَ مَعْبد بين البم والزير
والشمسُ من فُرَج الأشجار ناثرة ... على المجالس أشباه الدنانير
فكم هموم أثارتها وقد كمنت ... بين الجوانح أصواتُ النواعير
وإنما جئت بأكثر أبيات هذه القصيدة لحسنها.
قال المتنبي، وقد لاحظ هذه القصيدة:
تمرّ عليه الشمسُ وهى ضعيفة ... تطالعهُ من بَيْنِ ريش القشاعم
إذا ضوءُها لاقَى من الطير فرجة ... تَدَوَّرَ فوق البِيضِ مثل الدّراهم
فأما قوله في قصيدته:
مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
(1/137)

وألقى الشمس منها في ثيابي ... دنانيراً تفرّ من البنان
وقد لاحظ قصيدته خالد بن المسافر الفقعسي وهو قوله:
إلى من أشتكى ما قد عراني ... من الدهر المسيء وما دهاني
وكم أشكو الزمان وحالتيه ... ولست أذم أبناء الزمان
أناس أصبحوا ولهم مساع ... عجافٌ بين أجسام سمان
ثم يمر في مدحه ويقول:
لقد كثرت أياديه فما لي ... بأدنى شكره أبداً يدان
كساني واكتسى حلل القوافي ... فخَيّر ما اكتسى مما كساني
وأعطاني منقشة صغاراً ثقالا لا تفرّ من البنان
ويروى: مدورة تطن على اللسان
وأغناني على رغم الأعادي ... فبتّ من الحوادث في أمان
مخلد بن بكار الموصلي من قصيدة له:
لا عدمناه من همام كريم ال ... عهد غمر الندى حميد الخصال
يُحْسن الكرّ في الكلام وفى ال ... إقدام يومَ الوغى وعند النوال
قال المتنبي:
همُ المحسنون الكرّ في حَوْمة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم
أبو العتاهية:
أجداده علموه في طفولته ... قتلَ العدا واكتساب الحمدِ بالجود
فاجتَثّ دابرَ أعداءٍ ذوى حسد ... وفى السَّماحة أفنى كل موجود
قال المتنبي:
فتى علمته نفسه وجدوده ... قِراعَ الأعادي وابتذالَ الرغائب
ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعَزّ فهذا فعله بالكتائب
(1/138)

بشار بن برد:
لعمري لقد أهديت قولي ولم أدع ... مقالا لمغتاب ودعوى لمن لَحا
ومن كان ذا فهم بليد وغفلة ... به علة عاب الكلام المنقحا
قال المتنبي:
وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من العقل السليم
داود بن محمد بن أبى عيينة:
به ازدهت الدنيا وسُرّت وأشرقت ... بذكر المعاني في صدور المجالس
فأغمد في هام الأعادي سيوفه ... وساق إليهم موبقات المناحس
فلا زال في مسراه تحت سلامة ... وجدٍّ له في محنة الدهر حارس
قال المتنبي، ولاحظ هذه الأبيات:
وإذا ارتحلتَ فشيّعتْك سلامة ... حيث اتجهت وديمةٌ مدرار
وأراك دهرُك ما تحاول في العدى ... حتى كأنّ صروفَه أنصار
أنت الذي نجح الزمانُ بذكره ... وتزينّت بحديثه الأسْمار
صالح بن عبد القدوس:
إن النفوس على البقاء حريصة ... ولَها وإن كرهته يومٌ طَالح
والدهر يضحك بالفتى مستهزئاً ... وله خِلالَ الضّحك وَجهٌ كالح
قال المتنبي:
فقلت لكل حيّ يومُ سوء ... وإن حَرَصَ النفوسُ على الفلاح
(1/139)

أحمد بن صالح الحرون الحرار البغدادي:
كأن جميعَ مالِكَ حين تسخو ... يَدَاك به أراه في المنام
أشِيمُ من ارتياحك كلَّ يوم ... ومن جَدْواك بارقَةَ الغمام
جمعت مكارمَ الدنيا جميعاً ... لذلك حُزْتَ تاريخ الكرام
قال المتنبي:
أنا منك بين فضائل ومكارم ... ومن ارتياحك في غمام دائم
ومن احتقارك كلَّ ما تحبو به ... فيما ألاحظه بعيَنيْ نائم
لزينب النصراني من رأس العين:
إلى متى يَطْمعُ العذّالُ في رَشَدي ... وليس في الحبّ لي عقلٌ ولا رَشَد
واللهِ واللهِ لا أنساكم أبداً ... ولا يُغِيّر حُبي فيكمُ أحد
قال المتنبي:
إلام طَمَاعيَة العاذل ... ولا رأىَ في الحبِّ للعاقل
يرادُ من القلبِ نسيانُكم ... وتأبَى الطّباع على الناقل
للبحتري:
ومَن لو تُرى في ملكه عدتَ نائلا ... لأول عافٍ من مرجّيه مقتر
قال المتنبي:
خِفتُ إن صِرتُ فى يمينكَ أن تَأ ... خُذَني في هِبَاتِكَ الأقوام
(1/140)

وللبحتري:
فلا تُغليَنْ بالسيف كلّ غَلايَة ... ليَمضى فإن الكفّ لا السيف يقطع
قال المتنبي:
إذا ضربت في الروع بالسيف كفّه ... تبّينت أن السيف بالكفّ يضرب
عبد الله بن الزبير الأسدي:
إن شددنا من أخدعيه قليلا ... لبنينا من الرءوس منارا
سعيد بن ضمضم الكلابي من أولاد المحلِّق من قصيدة:
لا تقضم الخيلُ حَبّاً من علائقها ... إلا وَمِن تحتها هامٌ وأعناق
ولا من الماء تُروى قط إن عطشت ... إلا وفيه دم الأعداء مُهراق
قال المتنبي:
تعوَّدَ ألا تَقْضَم الحبَّ خيلُه ... إذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوب العلائق
حسان بن ثابت:
لا عيب في القوم من طولٍ ومن قصرٍ ... جسمُ البغالٍ وأحلامُ العصافير
عباس بن مرداس السلمي:
فما عِظَمُ الرجالِ لهم بفخرٍ ... ولكن فخرهم كرمٌ وخير
(1/141)

خالد بن مسافر الفقعسي، وقد تقدم ذكره:
أناس أصبحوا ولهم مساعٍ ... عجافٌ بين أجسام سمان
قال المتنبي:
ودهر ناسُه ناسٌ صغارٌ ... وإن كانت لهم جُثَثٌ ضخام
عمران بن حطان:
وكنت أجِنُّ السرَّ حتى أميتَه ... وقد كان عندي للأمانة موضع
ديك الجن:
لقد أحللتُ سرَّك من ضميري ... مكاناً لم يحسّ به الضمير
فمات بحيث ما سمعته أذن ... فلا يُرجى له أبداً نشور
قال المتنبي:
وسرّك بين الحشا ميّت ... إذا نُشر السرّ لا ينشر
ابن المعتز:
فكنت كنصل السيف تتلو لواقحاً ... كأن حصا الصَّمَّان من وقعها رَمْل
العوني:
كم موام قطعتُها باعتزام ... وحسام ماض وعزم طُوال
(1/142)

ومهار إذا وطئن صخوراً ... ترَكتْها أخفافها كالرِّمال
قال المتنبي:
إذا وَطِئت بأيديها صخوراً ... بَقينَ لوطء أرْجُلها رمالا
ولعل هذا توارد.
ولنصيح بن منظور الفقعسي:
إذا أبصرتَني أعرضت عنى ... كأن الشمس من قبلي تَدُور
أبو الحسن الناشئ في أمير المؤمنين عليه السلام (يمدح عليّاً رضي الله عنه):
كأنكَ الشمسُ والأبصار حائرةٌ ... عن ضوئها ولها نورٌ وإشراق
قال المتنبي:
كأن شعاعَ عينِ الشمس فيه ... ففي أبصارِنا عَنْه انكسار
أبو تمام:
كأن السحاب الغرَّ غَيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهنّ مدامع
ابن أبى زرعة:
كأن صَبَّين باتا طول ليلهما ... يستمطران على غدرانها المقلا
العوني:
وترى السحاب على حدائق نرجس ... تبكي بعيني عاشق مهجور
قال المتنبي:
وكأن كل سحابة وقفت بها ... تبكى بعيني عُروةَ بن حزام
عبد الرحمن بن دارة:
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بقايا للخَلُوق وللكحل
وبيعوا الرُّدينياتِ بالخمر وأقعدوا ... علي وابتاعوا المغازل بالنبل
(1/143)

للناشئ الأكبر:
إن كنتَ بالذلّ راضياً فأرح ... في الجفن حدَّ المهند الخَذم
لا تركب الخيل كالرجال ولا ... تلبس لبوس الفوارس البُهَمِ
فالمرء بالجود والشجاعة واله ... مّة يحوى محاسن الكرم
علي بن محمد الورزنيني البصري صاحب الزنج:
سأبغي العلا بالبيض والسمْر جاهداً ... فعجزُ الفتى عن مطلب الرزق قاطعه
إذا المرءُ لم يحفظ من الذلّ عرضه ... فلا السيفُ مُغنيه ولا الرمحُ نافعه
وهل يُتّقَى الليث الهصور إذا وَنى ... عن الصيد والجوعُ المُعَفِّر فاجعه
قال المتنبي:
إذا كنت ترضى أن تعيشَ بذلّة ... فلا تستَعِدّن الحسامَ اليمانيا
ولا تستطيلن الرّماحَ لغارة ... ولا تستجيدن العِتَاق المذاكيا
فما ينفع الأسْدَ الحياءُ من الطوى ... ولا تُتّقَى حتى تكون ضَوَاريا
بشار بن برد:
والجِدّ ليس بزائد في رزق من ... يسعى وليس بنائم عن نائم
حكم الإلهُ بكل ما هو كائنٌ ... حتى القيامة وهو أعدل حاكم
ويموت راعى الضأن عند تمامه ... موتَ الطبيب الفيلسوف العالم
قال المتنبي:
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه
(1/144)

الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بأبي العُريان العثماني من قصيدة:
أعاذلتي كم مهمةٍ قد قطعته ... أليفَ وحوش ساكناً غيرَ هائب
أنا ابن الفلا والطعن والضّربِ والسُّري ... وجُرْد المذاكي والقنا والقواضب
حليم وقور في النّوادي وهيبتي ... لها في قلوب الناس بَطْشُ الكتائب
قال المتنبي:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم
صحبتُ في الفَلَوات الوحشَ منفرداً ... حتى تعجَّبَ منّى القورُ والأكم
وقال:
قَدْ نابَ عنكَ شديدُ الخوفِ واصطَنعتْ ... لَكَ المهابةُ ما لا تصنَعُ البُهَمُ
عبد الرحمن بن دارة:
إذا انهزموا فلا عارٌ عليهم ... وكيف تُقَاوم الأسدَ الكلابُ
قال المتنبي:
عليك هَزْمهم في كل مُعْتَرك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا
المعوج الرقى:
وسقيمة الألحاظ لا من علة ... غير الفتور بها الفؤادُ معلق
لبست ثياباً كالرياض بديعةً ... من وشى عبقر نورها يتألّق
أشجارها لا تُجتنى ثمراتُها ... أبداً كما حيوانها لا ينطق
قال المتنبي:
وما ادّخَرَتْها قُدرَةً في مُصَوِّر ... سوى أنها ما أنطقت حَيَوانَها
(1/145)

عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
هتكن الحجاب فبانَت لهن ... بدورُ دجىً مالها من أفول
ولما انهتكن شَقَقْن الجيوبَ ... فصارت عليهن مثلَ الذّيول
وسوّدن بالنِّقس حُمْر الخدود ... وبيضَ الثياب وَشُهبَ الخيول
وكانت مجالسُهُ جنَّة ... فها هِيَ من بَعْدِه كالطلول
قال المتنبي:
وأمْسَى السَّبايا يَنْتَحِبْن بَعرْقَة ... كَأنَّ جُيوبَ الثاكِلاتِ ذُيُولُ
العوني:
وإني حمولٌ للرزايا وصابرٌ ... على كل خطب غيرِ داعية الهجر
قال المتنبي:
وَمَلّ القنا مما تَدُقّ صُدُورَه ... ومَلّ حديدُ الهندِ مما تُلاَطِمُه
وقال في موضع آخر:
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول
محمد بن حازم الباهلي أبو جعفر:
إذا سَلمت نفسُ الفتى من مصيبة ... تُلِمّ به فالأمْرُ في غيرها سهل
لغيره:
لا تعتِبنّ على الزمان وصَرْفه ... ما دام يقنع منك بالأطراف
(1/146)

قال المتنبي:
يهون علينا أن تصابَ جسومُنا ... وتسلمَ أعراضٌ لنا وعقول
البحتري:
إياك أن تطمع في حاسد ... في كل ما يبديه من ودّه
فإنه يَنْقُض في سرعة ... جَميعَ ما يُبْرم من عَقْدِه
العوني:
وليس يطمعني في حاسِديَّ يدٌ ... جادوا بها لي ولا ودّ ولا حَدَب
المتنبي:
فلا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل
جرير:
ولقد نظرت فرَدّ نظرتي الهوى ... بِحَزِيزِ رامة والمطيُّ سوامِ
المتنبي:
قفى تَغْرَمِ الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلفُ الشيَء غَارِمُه
تمّ الجزء الثالث من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، سامحه الله تعالى، يتلوه في الرابع إن شاء الله: (قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات)، والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين صلاة
إلى يوم الدين.
(1/147)

الجزء الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
على الله توكلت
قد كنت اقتصرت على ذكر أبيات وجدتها للشعراء في دواوينهم عند قراءتي لها، واشتغالي بالبحث عما أخذ المتنبي بعض ألفاظها ومعانيها، وأنكر أسماءهم وفضائلهم فيها، ثم وجدْت بعدها أبياتاً آخر لهم ولغيرهم من المتقدمين، فلم أستجز إسقاطها من جملة ما كنت دللت عليه، وأوضحت الطريق إليه، من أبياته التي ادعى أصحابه أنه ابتدعها، واقتضابها، واخترعها من ذات نفسه، وما أغتصبها، فألحقتها بما تقدم، وأضفتها إليها غير معتقد أني إذا استقصيت في أستنباط أمثالها، وروّيت في استخراج أشكالها، لم أجد سواها، ولم أظفر بما يجري مجراها، ولعلّ جماعة من المتعصبين له يطعنون فيما أوردته، ويستهجنون بعضاً مما سردته، ويزعمون أن المتنبي وإن أخذ معاني تلك الأبيات فقد زاد من ألفاظه فيما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخفّ على القلوب موضعه، ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، ويسلم من فجاجة أشعار المتقدمين وتعقيدها وغموضها وتنكيدها، وكساها من عنده معارض استوفى شروط الجمال في كلها، وأستكمل أقسام الكمال بتسهيلها وحلها، ونظم محاسنها التي كانت متفرقة بحسن صنعته، وأزال الكزازة والجهامة التي اشمأزت عنها النفوس بحذقه وبراعته، حتى صار هو أولى بها من مبدعها، وأحق بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها لجلالة موقعها، فإذا ألزمتهم الكلام على بيت بعينه، وأرشدتهم إلى ما تصوّر في نفوسهم، ورسخ في عقولهم من استحسانه زاغوا عن الحق، وراغوا، واحتالوا على محال لا يدرك بوهم ولا يجول في فطنة وفهم،
ولست أقول إنه وإن أخذ شعر غيره، وضرب على قالب من سواه، فكان المقتدى، لا المبتدى، واللاحق، لا السابق، وأورد من عنده ألفاظاً سهلة تعلق بالنفوس حلاوة، وتسبق ما سواه طلاوة، فقد أفسد الترتيب، وأساء التأليف؛ إذ أفضل جميع أشعار من تقدمه على أشعاره، أو أنسبه في كل ما سلبه
(1/149)

وانتهبه، وادعاه لنفسه وأغتصبه إلى أنه سكيت في مضماره، بل أبطل دعاوى القائلين بعصمته، وأكذبهم فيما يعتقدونه من فضل حكمته، ومجلس المحاكمة بينه وبين غيره في جميع ما شرحته، وأوضحته غير هذا المجلس الذي دللت فيه على أخذه ونقله، وبينت فيه ما لا يشك أحد فيه إذا حكم بإنصافه وعدله، ولا أنكر أن يكون لشاعر بيت مستبرَدٌ غث، وكلام مستثقل رث، ولفظة مُحيت آثار الحلاوة عنها، ونكتة بعدت أوصاف الدماثة منها، ثم تتداوله الألسن، فيسير في الآفاق سير الأمثال، وتميل إلى إنشاده العامة ناظرة بعين الكمال، وإن كان عند التأمل يلوح عليه أثر الخطأ واللحن، ويجتمع فيه مع مجاجته التصنع وفساد الذوق والوزن؛ فمن أراد أن يتكلم على سلامة الألفاظ والمعاني، ويعارضني فيما أوردته من فساد التأليف والمباني، ويحب أن يعرف عند وضوح الحق بعينه تأخر هذا الرجل (المجمع عند أصحابه على إعجازه) عن طبقات المتقدمين، وسقوطه عن منازل أكثر المحدثين عن المخضرمين، بعد أن يلقي رداء العصبية عن منكبه، ويجرى في أتباع الحق على منهاج الصواب ومذهبه لم أمنعه من الملاحة في المحاجة، ولم أدفعه عن المكابرة عند المناظرة، وقد أوردت في صدر الكتاب الذي دللت فيه على الأبيات التي أخذ معانيها دون الألفاظ فصولا تزيل الشك عن قلوب أولى العقول، وبراهين تشهد بالصدق عند تأمل الفروع والأصول، ومن عند الله التوفيق.
فمن الأبيات التي أخذ ألفاظها ومعانيها قول العوني:
ولما رفعت السَّجف أبصرتُ خلفَها ... نَفُوراً من الغزلان في أذْنِها شَنْفُ
قال المتنبي:
لجنية أم غادَة رُفِع السَّجْف ... لِوَحشية لا ما لوحشية شَنْف
أبو أحمد الخراساني:
يومي يحاكى عطاء الباخلين فما ... يُسلى فؤادي إدماني على الراح
يا ليت شعري إلى من أشتكى ضجري ... وحيرتي عند إمسائي وإصباحي
(1/150)

قال المتنبي:
فؤاد ما تسلّيه المدام ... وعمرٌ مثلُ ما تَهَبُ اللئام
مطيع بن إياس الكندي:
أبى جزائي على مدحي له وغدا ... يعمّ هاجِيَه جهلا بنائله
فلا يميّز مِنْ هاجيه مادَحه ... ولا يُحَقّق فيه ظنّ آمله
لو كان للسيف عقل أو محافَظةٌ ... لما فرى جيد جَاليه وصاقله
قال المتنبي:
ولو حِيَز الحِفَاظُ بغير عَقْلٍ ... تجنّب عُنْقَ صَيقَله الحسام
الخبزأرزي:
إن نفسي تذوب في كل يوم ... حَسَراتٍ ومن جفوني تسيل
الجهمى بعده:
وليس الذي يَجْرى من العين مَاَءها ... ولكنّه نفسٌ تذوب فَتَقْطُر
الواسطي:
وقائلةٍ أين الدّماءُ التي غَدَتْ ... تجود بها عند الوداع المحاجر
فقلتُ لها نارُ الحشا صَعّدتْ بها ... فهنّ على خَدّيَّ بيضٌ بوادر
ألم تر حُمْرَ الورد يَبْيَضّ ماؤها ... فيقطر من نار تجنّ الضمائر
العُجَيْفِي الكوفي:
دمعي جرى من جفوني يوم بينهم ... فلست أدرى أدمعي كان أم روحي
بشار بن برد:
حشاشتي ودعتني يوم بينهم ... وشيّعتْهم وخلّتني وأحزاني
(1/151)

وقد أشاروا بتسليم على حذر ... من الرقيب بأطراف وأجفان
قال المتنبي:
حُشَاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا ... فلم أدر أيَّ الظاعِنَيْنِ أشَيّع
أشاروا بتسليم فجُدْنا بأنْفُس ... تسيل من الآماق والسِّمُ أدمع
سابق البربري:
وقور وما في قلبه قَلَقُ الصبا ... غضوب وما في لفظه الفحش والهجر
المتنبي:
وأوْحَدَتْه وما في قلبه قَلَقٌ ... وأغْضَبَتْه وما في لفْظِه قَذَع
عبيد الله بن طاهر الخراساني:
صرفنا وجوه الخيل بالسيف بعدما ... تَكَدَّسْنَ مثل السيل من كل جانب
وعُدنا سراعاً غانمين وهَمُّنا ... طِلاب المعالي واكتسابُ المناقب
قال المتنبي:
وخيلْ حشوناها الأسِنَّةَ بعدما ... تَكَدَّسْنَ مِن هَنَّا عَلَيْنَا ومِن هَنّا
لعلّ ابن طاهر لما كان من العجم قال في شعره من كل جانب، ولو كان مثل هذا الشاعر بدويّاً قحّاً لقال من هنّا علينا ومن هنّا، كما قال طريح الثقفي في أبيات
(1/152)

يغنى بها:
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الحِنِيّ والولج
طوبى لفرعيك من هنا وهنا ... طوبى لأعراقك التي تشج
أبو العتاهية:
قد صار يحسدني من كان يعذلني ... فيها ويعذرني رهطي وأضدادي
والسقم لازمني حتى أنِستُ به ... وفرّ منى أطبائي وعوادي
قال المتنبي:
عواذِلُ ذاتِ الخال فيّ حَوَاسِدُ ... وإنَّ ضجيج الْخَوْدِ مِنى لماجد
ألحّ علىّ السقمُ حَتى ألِفْتُه ... ومَلّ طبيبي جَانبي والعَوائِدُ
العوني:
رأينا دياراً دارساتٍ ربوعُها ... وسُكّانها الآرام والعِينُ والعفر
فجدنا مكان الدمع بالدم وحشة ... فمن دمنا أجفاننا أبداً حُمر
قال المتنبي من قصيدة أولها:
أريقك أم ماء الغمام أم الخمر
رَأيْنَ التي لِلسحْرِ في لَحَظَاتها ... سيوفٌ ظُبَاها من دَمى أبداً حُمْر
مروان بن سعد غلام الخليل بن أحمد:
ما للصُّوار رحلن عن عرصاتها ... وتركنها وقفاً على غزلانها
(1/153)

إن الجيادَ عَرَفْنَ معهد دارِها ... فَصَهَلْنَ باكيةً على سكانها
قال المتنبي:
مرَرْتُ على دار الحبيب فَحَمْحَمَتْ ... جوادي وهل تَشْجو الجيادَ المعاهدُ
مروان بن أبى حفصة:
قاسيت شدة أيامي فما ظفرت ... يداي منها بصابٍ لا ولا عسل
ولا أغيِّر شيبي بالخضاب وهل ... في العقل تغيير شيب الرأس بالحيل
قال المتنبي:
قد ذقت شِدةَ أيامي ولَذّتَها ... فما حَصَلْت على صَابٍ ولا عسل
وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني ... فهل أراني المشيبُ الروح في بَدَلي
المعوّج الرقى:
لبّت دموعي وقد دَعَتْها ... طُلولُ ربع وهُنّ خُرْس
سكانها الوحش بعد عهدي ... بحسنها والوحوشُ إنس
قال المتنبي:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل
أبو البيدا:
لا ينشر الله سرى إن نشرت ولا ... يُذيعُ ما دمتُ حيّاً بعد إضماري
فليت شعري وقد أخفيت حبكم ... لِمْ صار دمعي مذيعاً كلّ أسراري
قال المتنبي:
وسرّكم في الحشا ميت ... إذا نشرّ لا ينشر
(1/154)

وأظرف من هذا قول السري بن الكندي الرفا:
أنَمّ بما استودعتَه من زجاجة ... يُرَى الشيءُ منها ظاهراً وهو باطن
أبو الشيص:
دعتني جفونُك حتى عَشِقْت ... وما كنت من قبلها أعشَق
فدمعي يسيل وصبري يزول ... وجسمي في عبرتي يَغْرق
قال المتنبي:
وما كنتُ ممن يدخُلُ العشقُ قلبَه ... ولكنَّ من يُبْصرْ جفونَك يَعشَقِ
ابن المستورد:
ما بالُ تسليمكم قد صار مختصراً ... وقربكمْ دائماً بعداً وهجرانا
قد كنت أعرَفُ بالرأي الأصيل فَلِمْ ... تركتموني غداة البين حيرانا
قال المتنبي:
أرى ذلك القربَ صارَ ازورارا ... وصارَ طويلُ السلام اختصارا
تَرَكْتَنِيَ اليومَ في حَيْرَة ... أموتُ مِراراً وأحيا مِرَارا
الناشئ الأكبر:
كلام يخوض غِمارَ البحارِ ... ويَصْعد في شاهقات الجبال
بدائعه تُطرِب السامعين ... وينمى سناها نماء الهلال
قال المتنبي:
قوافٍ إذا سِرْن عَنْ مِقْولي ... وثَبْن الجبال وخُضْنَ البحارا
ولي فيك ما لم يَقُل قائلٌ ... وما لم يسر قمرٌ حيثُ سارا
(1/155)

خالد بن يزيد الكاتب:
ليلى طويلٌ وحزني مثلُه وكذا ... ليلُ المحبّ طويل حيثما كانا
لم أسْلُ بعدهم يوماً وقد حملت ... نفسي من الوجد والأحزان ألوانا
قال المتنبي:
لياليّ بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول
أبو العتاهية يمدح:
لكل زمان في يديه أزمة ... يقود بها ما يشتهيه بلا كدّ
هو الشمس لكن بالعراق محله ... ومطلعه يخفى على الأعين الرُّمد
قال المتنبي:
فَتىً يَتْبَع الأزمانُ في الناسِ خَطْوَهُ ... لِكّلِ زمان في يديه زِمَامُ
المعوج الرقى:
ومنهل ماؤُه موتٌ فلا أحدٌ ... يأتيه مستسقياً خوفاً من العطب
(1/156)

طلبتَهم عندَه حتى ظَفِرت بهم ... وقدتهم بالحواشي ليلة القرب
ويروى: بزمام الويل والحرب.
قال المتنبي:
وما تركوك معصيةً ولكن ... يُعاف الورْدُ والموت الشراب
طلبتَهُمُ على الأمْوَاه حتى ... تخوّفَ أن تفتشه السحاب
الكميت:
وبرّية ضل فيها الدليل ... من الحرّ والبعد والقسطل
تعسفتها فمزجت المياه ... بالدم والطعم بالحنظل
ولما تخلف عنك الدليل ... رأوك لهم جحفل الجحفل
المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الدليل بأرضه ... وما سَكَنَتْ مُذْ سِرْتَ فيها القَسَاطل
ومن أيّ ماء كان يَسْقى جِيادَه ... ولم تَصْفُ من مَزْج الدّماء المناهِل
عثمان بن عمارة الحريمي:
وخيل كأمثال اليعاسيب ضمر ... عتاق ومن فوق العتاق عتاق
جرين فغادرن الرياح حسيرة ... وخضن بحاراً ماؤهن زعاق
(1/157)

لمحها المتنبي فقال:
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
أبن أبى الرعد:
بها جثث القتلى لقيً فكأنها ... نخيل ولكن ما لهن عُذوق
كأن على الغُدران لونَ دمائهم ... شقائقُ حمرٌ شابهن خلوق
قال المتنبي:
ولا تَرِدُ الغدرانَ إلا وماؤها ... من الدّمِ كالريحان تحت الشقائق
مكيكة وهو أبو بكر إبراهيم الفقيه مليح الشعر مطبوعه:
قد سار في الأسماع طيب ثنائه ... مثل الغناء على الرحيق السلسل
في جحفل من فضله وكتيبة ... من عقله وعن العيوب بمعزل
أضحى ربيع السائلين وقبلة ... للآملين وزينة للمحفل
قال المتنبي:
وأضحى ذكره في كل أرض ... تُدارُ على الغِناء به العُقار
ومن تأمل هذا تقصيره ونقصانه عن درجة مكيكة.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
وسرنا بليل كأن القتام ... وقد ثار من طيبه عنبر
وقول العوني مليح:
ودوّية أحيا الحيا هضباتها ... كأن ثراها في المفارق عنبر
(1/158)

نزلنا على ماء كأن مذاقه ... جني النحل لا يَفنى ولا يتكدر
قال المتنبي:
وليلاً توسَّدنا الثَّويةَ تحته ... كأن ثراها عنبر في المرافق
لم يقصر المتنبي في تبديل المفارق بالمرافق وأحسن ما شاء.
مخيم الراسبي:
سرى نحوهم جيش على الأرض زَحْفُه ... وزَحْمتُه جازتْ بطونَ الفراقد
وخدّت بأيديها الجيادُ صخورها ... فتحسبُ ما فيها مَجَرَّ الأساود
وفوق ثناياها رءوسٌ تبددت ... كَمَالٍ توَّلتْ نقدَه كفُّ ناقد
قال المتنبي:
خميسٌ بِشرق الأرض والغربِ زَحْفُه ... وفى أذن الجوزاء منه زَمَازِم
إذا زَلِقَت مَشَّيْتَها ببطونها ... كما تَتَمشى في الصعيدِ الأراقم
نثرتهمُ فوقَ الأحيدب نَثْرة ... كما نُثِرتْ فوق العروس الدراهم
أبدع المتنبي ما شاء حين بدّل الناقد والمال بالعروس والنثار، وصيّر الأساود
أراقم، وجعل الفراقد الجوزاء.
معبد بن طوق البصري، وهو شاعر مبدع يمدح:
تذل له القواضب والعوالي ... وتخدمه المسومة العراب
إذا أغضبته صافحت منهم ... حساماً ليس يحجبه القراب
وإن أرضيته قابلت نفساً ... تضئ فلا يغطيها سحاب
(1/159)

قال المتنبي:
تَخِرّ له القبائلُ ساجداتٍ ... وتحمَدهُ الأسنة والشفار
أبعد هذا التقسيم من كلام معبد وفصاحته وحذقه وملاحته؟
أبو راسب البجلي أشعر أهل زمانه يمدح أبا دلف قاسماً:
رأيتُ ملوكَ الأرض شرقاً ومغرباً ... فَمَوْلاهم عند الحقيقة قاسم
صرائمه في المشكلات صَوَارِمٌ ... وآراؤه في المعضلات أراقم
ترى سَيْبَه يُحيْى العُفَاةَ وسيفه ... يُبيد عِدَاه فهو مُعْط وحَارِمُ
قال المتنبي:
وقد رأيْتُ الملوكَ قاطبةً ... وسِرْتُ حتى رأيتُ مولاها
ومَن مَنَايَاهُمُ براحته ... يأمرها فيهم وينهاها
ولا أدري أرأى الملوكَ المتنبي قاطبة عابسة أو ضاحكة مستبشرة، ولكنه بالإجماع جاء بكلام غثّ بارد كذب.
السيد الحميري يمدح بعض أولاد عبد الله بن الحسن بن الحسين الشريف:
همة تنطح الثريَّا وعزٌّ ... نَبَوِيٌّ يزعزع الأجبالا
وعطاءٌ إذا تأخر عنه ... سائلوه اقتضاهم استعجالا
قال المتنبي:
شرفٌ ينطحُ النجومَ برَوْقيْ ... هِ وعزٌّ يُقَلقل الأجْبَالا
(1/160)

لا أعرف للمتنبي فضيلة في هذا المدح، ولا براعة إلا أنه بدّل يزعزع بيقلقل وصيَّر الشرف قرنانا.
أبو حويه السكسكي:
بحارُ عطاياكَ تحيى النفوسَ ... وبحرُ سِوَاكَ يحاكى السرابا
بُليتُ بقوم قباحِ الوجوهِ ... يرون السماحة ذَنْباً وَعَابا
إذا ما تَصَفَّحتُ عن لُؤمهم ... أكبوا عليه فكانوا جوابا
قال المتنبي:
وهمُ البحر ذو الغَوَارب إلا ... أنه صَار عند بحرك آلا
ولمح الثاني فقال في قصيدة أخرى:
وتسأل عنهم الفَلَواتِ حَتى ... أجابَك بعضُها وهمُ الجوابُ
أبو الشمقمق:
خاض بحر الموت الزؤام كناسٍ ... أو كمستحقر له مستهين
وسعى في اكتساب شكر وحمد ... وحَوَى ما أبتغي بغير معين
قال المتنبي:
خاض الحِمامَ بهن حتى ما درى ... أمِن احتقار ذاك أم نسيان
صاحب الزنج أو غيره منحولا إليه:
ببيض الصّفاح وَسُمْر الرّماح ... طلبتُ العلا وعلوتُ الرتب
(1/161)

وإنّي كالشمس بي يُهْتدى ... إذا غطّت الشمسَ سودُ السحُب
قال المتنبي:
تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كُلَّ شهوة ... فليس لنا إلا بِهِنَّ لِعَابُ
وإني لنجم يهتدي صحبتي به ... إذا حَال من دون النجوم سحاب
ديك الجن عبد السلام:
وإني بريءٌ من أخي وانتسابه ... إليّ إذا ألفيتُ في طبعه بخلا
فإن لم تكن بالطبع نفسي كريمةً ... وإن كرُم الآباء لم أره فضلا
المتنبي:
وآنف من آخي لأبى وأمي ... إذا ما لم أجده من الكرام
ولست بقانع من كل فضل ... بأن أعْزَي إلى جدّ همام
أبو الهندي صاحب نصر بن سيار:
طالَ عَتْبُ الزمان ظلماً علينا ... وجفانا فما لَه إعْتَابُ
فأجِرنا من عتبه وأذاه ... أنْتَ تُرْجى لمثله وَتُهاب
ما لنا منصف سواك فيشكي ... أنت كالنصل والملوك قراب
قال المتنبي:
لَنَا عندَ هذا الدّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّه ... وقد قلّ إعتابٌ وطالَ عِتَاب
ولا مُلْكَ إلا أنْتَ والمُلكُ فضلةٌ ... كأنكَ سيف فيه وَهْوَ قِرَابُ
(1/162)

إبراهيم بن متمم بن نويرة:
والخيل قد نسجت على صَهَواتها ... أيْدي الرياح براقعاً وجلالا
ضاقت عليهن الفلاةُ فلا ترى ... من كثرة القتلى لهنّ مجالا
قال المتنبي:
خافياتِ الألوانِ قد نَسَج النَّق ... عُ عليها بَرَاقِعاً وَجَلالا
ولَتَمْضنّ حيث لا يجد الرُّم ... حُ مداراً ولا الحصانُ مجالا
هذه طريق التوارد لا يشك فيه شاعر، ولا يسمح لأحد بمثله خاطر.
ديك الجن عبد السلام:
الكلبُ فوقَ أناس أنت مالكهم ... ونعمةُ أنتَ فيها عندنا نِقَمُ
وإن دهراً علوتَ الناسَ كلَّهم ... فيه فبالجهل والخذلان متهم
قال المتنبي يهجو كافوراً:
جَازَ الألَى مَلَكَتْ كَفاك قَدْرهم ... فَعُرِّفوا بك أنّ الكلبَ فوقهم
فإنهُ حُجةٌ يُؤْذِى القلوبَ بها ... مَنْ دِينُه الدَّهْرُ والتعطيلُ والقِدَمُ
هذا البيت عليه أثر العيّ؛ لأن الدهر والتعطيل والقِدم إلحادٌ كله، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
لا قُدّسَتْ نُعمى تسربلتَها ... كم حُجةٍ فيها لزنديق
صبراً أبا الصقر فكم طائرٍ ... خرّ صريعاً بعد تحليق
الخبزأرزي:
خليتني ضائعاً والحال حائلة ... ورمت في الكيل بخساً بعد تطفيف
أسْنَى العوارف ما يأتي الزمان به ... عفواً وطوعاً بلا مطل وتسويف
(1/163)

إذا أساء وضيع القدر خامله ... إلىَّ لم يخل من لوم وتعنيف
قال المتنبي وقد ذكرت قبل هذه في جملة ما أخذه عن هذه الثلاثة الأبيات:
إذا أتت الإساءةُ من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم
بشار بن برد:
حظي من الخير منحوسٌ وأعجبُ ما ... أراه أنى على الحرمان محسودُ
أغدو وأمْسى وآمال قطعتُ بها ... عمري تخيب وأموالي المواعيد
وأكرمُ الناس من تأتى مواهِبُه ... من غير وعد وفيه الجود موجود
قال المتنبي:
ماذا لقيتُ من الدُّنْيَا وأعجبُها ... أنّى بما أنَا باكٍ مِنْه محسودُ
أمسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيداً ... أنا الغنىّ وأموالي المواعيد
جودُ الرجال من الأيدي وجودهم ... مِنَ اللّسان فلا كانوا ولا الجود
من قال إن هذه غير مأخوذة من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز وحُرِمَ الرشاد
والتوفيق، وجهل مواضع الأخذ، وأحتاج أن يسقى شربة تشحذ فهمه، وتجلو طبعه، وتزيل العمى والغمة عنه، وقال المتنبي في قصيدة أخرى ضرباً على قالب ابن الرومي في تكرير المعنى إذا أستحسنه بألفاظ مختلفة:
واجِز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونُعمى الناس أقوال
وأحسن من هذا كله قول البحتري:
وأكْثَرُ ما لسائلهم لديهم ... إذا ما جاء قولهم تَعُود
ووعدٌ ليسَ يُعْرَف من عبوس ... ألفناه أوعدٌ أم وعيد
(1/164)

محمد بن أبى عيينه المهلبي:
إني لأختار الحِمَا ... م على مصاحبة اللئام
وأفرّ منهم ما حيي ... تُ ولا أفرّ من الحسام
نفسي الكريمة لا تق ... رّ على المذلة والملام
والموتُ أطيبُ في فَمي ... عند الهَوَانِ من المُدام
قال المتنبي:
وعندها لذّ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذّل قِنْديد
قد أنصف المتنبي في إبدال المدام بالقنديد؛ ليُعَدّ بسبب هذه الفصاحة في شعراء الجاهلية، عند استعماله الألفاظ الغريبة، والقنديد نبيذ يعمل من القَنْد وذُكر في اشتقاق أسماء الخمر شرفُها.
أبو العتاهية:
أزفّ أبْكارَ أشعاري إليك فما ... عندي سوى الشكر لا خيلٌ ولا مال
فأقبل هديةَ من تصفو مودتُه ... إن لم تساعِدْه فيما رامه الحال
قال المتنبي:
لا خيل عندك تُهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
هذه الأنواع من السرقات فاضحة لصاحبها؛ لأنه أخذ اللفظ والمعنى والرّوي، ثم ادعى هذه المعجزات لنفسه:
(1/165)

هشام بن إبراهيم الكرماني:
لا يحوز المجدَ إلا سيدٌ ... باذلٌ للمال مفضالٌ فَطِن
يَكْسِب الحمدَ بوجه ضاحك ... يسترِقُّ الحرَّ والخلقَ الحسن
عبد الصمد بن المعذل:
أفنى بجدّ السيف آجالَ العدا ... وسيوفَه وعوالِيَ المُرَّان
والضرب يفعل بالحسام وحدِّه ... ما تفعل الآجال بالإنسان
قال المتنبي:
القاتلُ السيفَ في جسمِ القتيلِ به ... وللسيوفِ كما الناس آجال
أغرب المتنبي في سلخ هذين البيتين، ومسخهما، والله يطالبه بما فعل.
رزيق العروضي من قصيدة أولها:
قد بكينا لما رأينا الطلولا ... دارسات وما خَشِينا العذولا
نحن في دهرنا إذا ما اجتَنَبْنا ... قبحَ أفعالنا فعلنا الجميلا
إن موتَ الفتى جواداً سخيّاً ... هو خيرٌ من أن يعيشَ بخيلا
المتنبي:
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال
علي بن الجهم:
ولا خيرَ في عيش امرئ وهْو خامل ... وذكرُ الفتى بالخير عمرٌ مجدَّد
(1/166)

فنَبّه من النوم الحسامَ ولا تَنَمْ ... لتبقى فما في الأرض شييءٌ مُخلَّد
المتنبي:
ذكرُ الفتى عمرُه الثاني وحاجَتُه ... ما قَاتَه وفضولُ العيشِ أشغال
أفسد بيت علي بن الجهم؛ لأن ذكر الفتى إذا لم يقترن بالخير لم ينفعه، بل هو موت معجَّل.
بشار بن برد:
ألا إن قلبي من فراقِ أحبَّتي ... وإن كنتُ لا أبدى الصَّبَابة جازع
ودمعي بين الحزن والصبر فأضحى ... وسَتْرى عن العذال عاص وطائع
المتنبي:
الحزن يُقْلق والتجمل يردَعُ ... والدمع بينهما عَصِيٌّ طَيّع
قد أبدع ما شاء في تغيير طائع إلى طيع؛ فله قصب السبق، وفضيلة الحذق.
مسلم بن الوليد:
له عطايا تردُّ الروحَ نفحَتُها ... إلى النفوس وتحيى ميتَ الأمل
يهدى العُفَاةَ إليها قبل رغبتهم ... فيها ويُغنيهم عن كلفة الرِّحَل
المتنبي:
نَفَحتْنا منه الصَّبَا بِنَسِيم ... رَدَّ رُوحاً في مَيّت الآمال
البحتري:
يقدمه الطبع الكريم إلى الوغى ... إذا رام حزماً فيه أن يتأخرا
ويعطى الذي لَوْ جَادَ يوماً ببعضه ... جوادٌ لأضحى دهرَهُ متحسّرا
(1/167)

قال المتنبي:
وفى الحرب حتى لو أراد تأخراً ... لأجبره الطبعُ الكريمُ إلى القُدْم
العوني:
الجن والإنس والأعْراب والعجم ... في خوف سطوته أجسامهم رِمم
رماحه تُعدم الأحياَء عمرَهمُ ... لكنّ مُمْسِكَها يحيا به العدم
المتنبي:
لقد حالَ بين الجِنّ والإنس سَيْفُه ... فما الظَّن بعد الجنّ بالعُرْب والعُجْم
وفي هذه القصيدة بعينها يقول:
وإن تُمسِ داءً في القلوبِ قَنَاتُه ... فمُمْسِكُها فيه الشفاءُ من العُدم
السيد الحميري:
شرفت بك الأرض البسيطة بعْدما ... أسْكِنْتها وتجلت الأقطار
فالأرض حيث أقمت فيها جنة ... والأرض حيث رحلت عنها نار
قال المتنبي:
أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلُها ... لو كان مثلُك في سِواها يُوجَد
بألف شمعة يهتدي الدليل إلى نظم هذا البيت المشكل.
البحتري:
أجرين دمعي لدى النوى ودمى ... ظلماً وعذّبنني بهجران
(1/168)

عينايَ عينانِ مذ رحلن وما ... قلبيَ إلا كقلب سكران
وأحسن من هذا قول ابن أبى ربيعة:
مزجن دمى بالدمع يوم تركنني ... على الجمرة القصوى أسيراً معذبا
فو أسفي حتى متى أنا أشتكى ... غليل فؤاد ما يصادف مشربا
قال المتنبي:
فهنّ أسَلْن دماً مُقْلتي ... وعذّبن قلبي بنار الصدود
زينبا النصراني الجزري:
نَظَرتْ ساعةَ الفراق وأوْمتْ ... ببنانٍ عليه نقشٌ دقيقُ
ثم سارت وسال دمعي مَشُوباً ... بدمَاءِ فالجفن منها غريق
عدلت عنْ طَريقَةِ العدلِ لَمَّا ... حَمَّلَتْني في الحب ما لا أطيق
ما لقلبي أدْواه سقمٌ ووجدٌ ... وغرامٌ وزفرةٌ وشهيق
قال المتنبي:
فليت هوى الأحبّة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا
الشريف عبد الرحمن الأنصاري:
ما إن يَعيبُ كلامي في فصاحته ... إلا مَعِيبٌ سقيمُ الفهم مأدوف
أنا الثريا وأعدائي الثرى وأنا ... بالحكم والعقل والأفضال معروف
(1/169)

المتنبي، وقد لمح البيت الأول فقال:
وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
صاحب الزنج:
لا تضعُفَنّ إذا طلبت جلالة ... حتى تُجاوزَ منكِبَ الجوزاء
فلئن هلكتَ دعيتَ غيرَ مقَصِّر ... ولَئِن حَيِيتَ غَدوتَ في الشجعاء
قال المتنبي:
إذا طاولت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
ابن الرومي:
وأنت لعمري شعبةٌ من ذوى العلا ... فلا ترض أن تُعتَدَّ من أرذل الشعب
وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... كرام ولم يعبَوْا بأمّ ولا أب
قال المتنبي:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي
أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب:
أراق دمى ربعٌ بذات الأثارب ... وهيجّ أشواقي مسير الركائب
عفته المهارَي القودُ لما سرت بهم ... ولم تعفه أيدي الرياح اللواعب
(1/170)

قال المتنبي:
أيدري الربعُ أيَّ دم أراقا ... وأيَّ قلوب هذا الركْبِ شاقا
وما عفتِ الرياحُ له مَحَلا ... عَفَاه من حدا بهم وساقا
وهذا مأخوذ من قول الشيباني:
وما على ظهر غرا ... ب البين تُطوى الرّحَل
وما غراب البين إ ... لاّ ناقة أو جمل
جابر بن رَألان السنبسي:
وخيل عتاق آنسات من الوجى ... يخضن بحار الموت واليومُ عابسُ
تلاقت نواصيها المنايا وعُوّدت ... عليها الضرابَ والعناقَ الفوارسِ
يميدون من سكر عليها كأنهم ... أسودُ شرىً قد قابلتها عنابس
رماحهم فوق الهوادي قد اهتدت ... إلى ثُغَر الأقران والنَّقْع دامس
قال المتنبي:
ملاقيةٌ نواصيها المنايا ... مُعَوّدَةٌ فوارسُها العناقا
تبيت رِمَاحُه فوقَ الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رِوَاقا
تميل كأن في الأبطال خمراً ... عُلِلْن بها اصطباحاً واغتباقا
هذا المتنبي رفيع الهمة عظيم النفس، لا تقنعه سرقة بيت واحد، حتى يغير وينهب ويغرف، ولا يتعب.
(1/171)

يحيى بن بلال العبدي مجيد، يمدح الرشيد:
إذا أنا لم أوف المحبين أجرهم ... وعاديتهم جهلا ندمت طويلا
إليك فإني لا أعادي الذي يرى ... مصادقتي فرضاً عليه جميلا
أحب من الناس الجوادَ بمالِه ... وأبغض منهم من يكون بخيلا
قال المتنبي:
وعادى محبّيه بقَولِ عُداته ... وأصبحَ في ليل من الشكِ مُظلمِ
وأهوى من الفِتْيان كل سَمَيْذع ... نجيب كَصَدْر السَّمْهرِيّ المقوَّم
أجاد ما أراد؛ إذ ترك مكان الجواد سميذعا، وإدعى البيت لنفسه، وبين ذاك وهذا للمتأمل بون بعيد.
أبو عثمان الناجم:
بلادُ الفتى ما وافقَ النفسَ طيبُها ... وأهلوه من يصفو ويُخْلصُ في الودّ
وما شرف الإنسان في حسن وجهه ... إذا لم يشيد حسنه كرم العهد
(1/172)

قال المتنبي:
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائقِ
أبو المستهل الكميت في قصيدة له:
وقفت على أطلالها فتكاثرت ... علىّ همومي فهي تشبه عذالي
ديار اللواتي سرن عنها عشية ... وغادرن قلبي بين حزن وبلبال
وما ارتحلت عنا الركائب وحدها ... ولكن روحي للركائب تال
ولو أنصفت داست بأخفافها التي ... تدوس بها الأحجار لحمى وأوصالي
وكنت أجرّ الذيل ما بين أهلها ... خليعَ عذار ناعمَ العيشِ والبال
قال المتنبي من قصيدة أولها:
ذكرُ الصِّبا ومرابعُ الأيام
دِمَنٌ تكاثرتِ الهمومُ عليّ في ... عَرَصَاتها كتكاثر اللوّام
قد كنت تهزَأ بالفِراق مَجَانَةً ... وتجُرُّ ذَيْلَيْ شِرّةٍ وعُرام
ليس القِبَابُ على الرّكابِ وإنما ... هُنَّ الحياةُ ترحَّلت بسلام
لَيتَ الذي خلق النَّوى جَعَلَ الحَصَى ... لِخفَافِهنّ مفاصلي وعظامي
هذه والله سرقة توجِبُ على سائر مذاهب الشعراء قطعَ اللسان، فضلاً عن اليد،
مع إنكاره فضيلة غيره، وادعائه الإعجاز في شعره.
(1/173)

قال والبة بن الحباب الجمحي أستاذ أبى نواس ومعلمه:
وقتَلتني بالجود بل أحييتني ... يا قاتلَ الأعداء بالصَّمصام
طرفي تحير فيك فرط مهابة ... وتطاولت مِدَحي وَحَارَ كلامي
قال المتنبي:
يا من يُقتلُ من يريد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
فإذا رأيتكَ حارَ دُونَك ناظري ... وإذا مَدحْتُك حارَ فيك لساني
الوزن واحد وإن اختلف الرويّ، وهذا من أوحش ما يسرقه الإنسان، وأدلّ على عجزه وعيّه.
ابن طباطبا العلويّ:
قَرْمٌ جواد يعمّ الأرضَ نائلُه ... فليس يفرح إلا بالذي يهب
له إذا جئته في كل مشكلة ... الرأي والجود والأفضال والأدب
قال المتنبي:
أفي الرأي يُشْبَهُ أم في السخا ... ء أمْ في الشجاعة أم في الأدب
إذا حازَ مالاً فقد حازه ... فَتىً لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
أتعبه هذا المعنى حتى غاص، وأستنبطه.
عمر بن أبي ربيعة:
وجه يضئ فليس يخفى نوره ... لا يمنع البدرَ الطلوعَ نقابُها
(1/174)

وإذا مشت فوق التراب بِدَلِّها ... أضحى يَدِلّ على العبير ترابُها
قال المتنبي:
كأنّ نقابها غيمٌ رقيق ... يُضِئ بمنْعِه البدرَ الطلوعا
إبراهيم بن سيار البصري النظام:
استرِقّ الكريم بالجود وأحذر ... أن تُذِيق اللئيم طعم العطاء
واقتل الحرّ إن تجرّ بالعف ... وففي العفو راحة الأحياء
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
أبو الهندي:
صيّرتَ نفسِيَ بالإحسان مُحْسَدة ... لولا عطاياك لم يَحْسُدني الناس
تردَّدَ الشعراء المادحُوك بما ... أبدعْتُه فيك والمُدَّاح أجناس
ما سار مدحك في الآفاق مشتهراً ... إلا كما سَارَ غيثٌ منك رجّاس
في كل يوم بإقبال خُصصت به ... لمن يعاديك إرغام وإتعاس
قال المتنبي:
أزِل حسدَ الحساد عَنى بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حُسّدا
(1/175)

أجزني إذا أنْشِدتَ شعراً فإنما ... بِشعري أتاكَ المادحون مُرَدَّدا
العرتائي الكاتب:
أسكرتني الهموم والليل داج ... مثلُ عين المها بلا إصباح
زال صبري وزاد فكرى فقلبي ... أبداً من غرامه غيرُ صاح
أيها اللائمي ترفَّق بقَلْب ... ليس يُسلى همومه لَحْىُ لاح
قال المتنبي:
لَقَي ليلٍ كعين الظَّبْي لَوْناً ... وَهَمٍّ كالحُميا في المُشَاشِ
(1/176)

غيره:
يا من يدل بحسنه وجماله ... ليس الجمال مع الزمان يدوم
(ما لي لسان) أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنني مظلوم
سليمان بن أبي دباكل الخزاعي:
فطن بالذي أريد فقولي ... ليس يغنى ولا سكوتي يضرّ
يسبق البذلُ وعْدَهُ فَنَداه ... ليس يفنى وسُحْبُه ما تغرّ
لآخر:
أروح بلا شغل وأغدو بمثله ... وحسبُك بالتسليم منى تقاضيا
العروضي:
وإذا طلبتَ إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يغنيك والتسليم
قال المتنبي:
وفي الناس حاجاتٌ وفيكَ فطانة ... سكوتي بيانٌ عندها وخطاب
سليمان بن المهاجر البجلي أبو المهاجر الكوفي:
رقّت مضارب سيفه فكأنه ... صبُّ وأعناق الرجال حبائب
وأسنة الأرماح يحكى ضوءُها ... شمساً وأحشاءُ الرجال مغارب
قال المتنبي:
رَقَّتْ مضاربه فَهُنَّ كأنما ... يُبْدين من عِشقِ الرّقاب نحولا
(1/177)

سليمان بن عبد الله بن طاهر أبو أيوب، كان في أيام المعتزّ والمهتدى يقول:
تعوّدت في أيامِيَ السَّيرَ والسري ... وتعجز عن أسفاري الخيلُ والرَّجْل
أنا السَّهم يمْضِى في الهواء فلا تَرَى ... وُقُوفا له ما إن يثَقِّله النصل
قال المتنبي:
وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا
المتبول الجزري:
أدعو ولست أبَالي ... عليك في كل حال
تجود بالأهل لكن ... تَضِنّ بالأموال
يا جاهلا ليس يُخشى ... عليه صَرْفُ الليالي
مناسباً للمخازي ... مجانباً للمعالي
أصبحتَ في كلّ خِزْي ... فرداً بغير مثال
قال المتنبي:
إن أوْحَشَتْكَ المعالي ... فإنها دارُ غُربه
أو آنَسَتْك المخازي ... فإنها لك نسبه
الخبزأرزي:
إلى كم أذل وأستعطف ... عن أن لا تجور ولا تنصف
أيا يوسف الحسن صل مدنفاً ... مدامعه لم تزل تذرف
(1/178)

أعيذك من ظالم غاشم ... سوى الخلف في الوعد لا يعرف
ولى مهجة أنت أتلفتها ... عليك غرامةُ ما تُتْلف
قال المتنبي:
قفى تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
ورد بن حكيم راوية أبي البيداء شاعر عالم باللغة:
قد كنتُ أخْدُم أقواماً فصَيَّرني ... عطاءُ كفك بين الناس مخدوما
كم من غنىّ جليل القدر يحسُدني ... على الغنى وقديماً كنت مرحوما
قال المتنبي:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإني لم أخدمك إلا لأخدما
السري بن عبد الرحمن الأنصاري يقول لزيد بن قبيصة:
عطاياك أنستني بلادي ومنزلي ... ورهطي وأهلي والمماليك والخَدَمْ
قفى كل يوم نِعْمه مستجدّة ... تحكمني فيها تزيد على النِّعَمْ
قال المتنبي:
أمُنْسِيَّ الكنَاسَ وحضَر مَوْتاً ... ووالدتي وكِنْدَةَ والسَّبِيعا
(1/179)

نسيانها والله كان أحسن من تذكره لها.
سفيان بن سليل الأسدي:
خلّفت أرضى وجَدْبَها طلباً ... لأرض قوم تُرابُها الذّهبُ
وَقُودهم عنبر إذا خمدت ... نيرانهم في الظلام لا الحطبُ
قال المتنبي:
تركتُ دُخًانَ الرّمْثِ في أوطانها ... طلباً لقوم يُوقدون العنبرا
أبو الحسن بن الماشطة الكاتب مُعمّر:
هَمّي المعالي وهَمُّ الناسِ أكثَرُهُ ... إذا تصفحت مأكول ومشروب
وما اعتزامي غداة الروع ... مضطرب=ولا فؤادي لدى الأنام مرعوب
قال المتنبي:
تهوى بمنجرد ليست مذاهبه ... للبس ثوب ومأكول ومشروب
ديك الجن من قصيدة أولها:
بها غير معدول فداوِ خمارها
نظل بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الكأس ثارها
قال المتنبي:
نال الذي نلتُ منه منى ... لله ما تصنع الخمور
(1/180)

أبو الطيب مع تقدمه في الشعر صوفيّ المذهب والكلام، وهذا البيت غلط في هذا المكان؛ لأن هذا أخذ للمعنى دون اللفظ، يحتاج أن يلحق بإخوانه.
وقد كتب الناسخ بعد النهاية:
تم الجزء الرابع من كتاب الإبانة عن سرقات أبي الطيب المتنبي، رحمه الله تعالى، وبتمامه تم جميع الكتاب، وذلك على حكم النسخة التي نقلت منها على يد
العبد الراجي عفو ربه تعالى: علي بن عز الدين بن زين العابدين الجزري، وقد كتبته ووهبته لحضرة ابن الخال الأعز: حسين جلبي الخزري على سبيل صحبته. وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وذلك بتاريخ أواخر شهر جمادى الآخرة من شهور سنة ثلاثين وألف.
(1/181)