Advertisement

الإماء الشواعر



الكتاب: الإماء الشواعر
المؤلف: علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي، أبو الفرج الأصبهاني (المتوفى: 356هـ)
تحقيق: د. جليل العطية
الناشر: دار النضال للطباعة النشر والتوزيع، بيروت
الطبعة: الأولى، 1404 هـ - 1984 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة التراجم] عنان جارية الناطفي
اسمها: عنان بنت عبد الله عنان بكسر العين.
توفيت سنة 226 نقلا من الأصفهاني، وجعلها إبن شاكر الكتبي في وفيات 230، ذكر ابن النديم أن ديوانها يقع في عشرين ورقة.
النطافي أو النطاف: بائع الناطف، وهو نوع من الحلوى إسمه القبيط أيضاً، ولا يزال معروفاً في ماردين وما حولها ضمن الحدود التركية اليوم، وهذه الحلوى إذا باتت فقدت لذتها ونفاستها! قاله الدكتور مصطفى جواد.
لم أعثر على الاسم الكامل للنطافي، ويبدو أنه كان يكنى أبا حفص ديوان أبي نواس، وأورد عبد الله بن عبد العزيز البغدادي في كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم وتصريفها الأبيات التي رثت بها مولاها أنظر الرقم في كتابنا مشيراً إلى أنها قالتها في: القاسم بن عبد الملك، ولم أعثر على ترجمة له، فهل كان هذا اسم النطافي؟!
(1/27)

ترجمة عنان وأخبارها في: الأغاني، طبقات ابن المعتز المختصر، ألورقة، الفهرست: كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم للبغدادي: ديوان أبي نواس: أخبار أبي نواس لابي هفان: الأربعة في أخبار الشعراء لابي هفان جمع وتحقيق هلال ناجي: الفقرة، ديوان العباس بن الاحنف: الإماء من شواعر النساء مجلة البلاغ: المحاسن والاضداد: نساء الخلفاء: بدائع البدائة تنظر الفهارس، نهاية الأرب، أخبار أبي نواس لابن منظور: البصائر والذخائر، عيون التواريخ مخطوطة حوادث، المستظرف للسيوطي: أعلام النساء: زهر الأداب: تلقيح العقول لبرية الرياضي مخطوطة: سمط اللالىء: تاريخ التراث العربي لسزكين بالألمانية قسم الشعر: كانت عنان: صفراء، مولدة، من مولدات اليمامة، وبها نشأت وأربت ثم إشتراها النطافي وهم الرشيد بابتياعها منه، فمنعه من ذلك إشتهارها، وما هجاها به الشعراء، وأخبارها في ذلك: تذكر بعد هذا.
وكانت أول من إشتهر بقول الشعر في الدولة العباسية، وأفضل من عرف من طبقتها، ولم يزل فحول الشعراء في عصرها، يلقونها في منزل مولاها فيقارضونها الشعر، وتنتصف منهم، وعتقت بعد وفاة مولاها إما بعتق كان منه لها أو بأنها ولدت منه.
فحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال حدثنا عمر بن
(1/28)

شبة، قال حدثني أحمد بن معاوية، قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي النطافي يوماً: لو جئت إلى عنان فطارحتها، فعزمت على الغدو إليها، وبت ليلتي أجول ببيتين، ثم غدوت عليها، فقلت: أجيزي هذين البيتين! وأنشد يقول:
أحب الملاح البيض قلبي وإنما ... أحب الملاح الصفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهن مرة ... بكاء أصاب العين مني بالعمش
فقالت:
بكيت عليها؟ إن قلبي أحبها ... وإن فؤادي كالجناحين ذو رعش
تعنتنا بالشعر لما أتيتنا ... فدونك خذه محكماً يا أبا حنش
أخبرني عمر بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة، قال حدثني: أحمد بن معاوية قال سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي، فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس: مروان بن أبي حفصة! وكانت
(1/29)

عليلة، فقالت: إني عن مروان لفي شغل!، فأهوى لها بسوطه، فضربها به، وقال لي: أدخل! فدخلت وهي تبكي، فرأيت الدموع تتحدر من عينيها، فقلت:
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت مسرعة:
فليت من يضربها ظالماً ... تيبس يمناه على سوطه
فقلت للنطافي: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجن والأنس أشعر منها! أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية، قال: قال لي رجل، تصفحت كتباً فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجده، فقال لي، صديق لي: عليك بعنان جارية الناطفي، فأتيتها فأنشدتها:
وما زال يشكو الحب حتى حسبته ... تنفس من أحشائه أو تكلما
فلم تلبث أن قالت:
ويبكي فابكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
إلى أن رثى لي من كان موجعاً ... وأعرض خلو القلب عني تبرما
(1/30)

أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال حدثني: أحمد بن القاسم العجلي قال حدثني أبو جعفر النخعي قال:
كان العباس بن الأحنف يميل إلى عنان جارية الناطفي، فجاءني يوماً، فقال لي: إمض بنا إلى عنان، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له، فجلسنا قليلاً، ثم إبتدأ عباس فقال:
قال عباس وقد أج ... هد من وجد شديد:
ليس لي صبر على الهج ... ر ولا لذع الصدود
لا ولا يصبر للهج ... ر فؤاد من حديد
فقالت:
من تراه كان أغنى ... منك عن هذا الصدود
بعد وصل لك مني ... فيه إرغام الحسود!
فآتخذ للهجر إن شئت فؤاداً من حديد
ما رأيناك على ما ... كنت تجني بجليد
فقال العباس:
أو تجودين لصب ... راح ذا هم شديد
وأخي جهل بما قد ... كان يجني بالصدود
ليس من أحدث هجراً ... لصديق بسديد
(1/31)

ليس منه الموت إن لم ... تصليه ببعيد
فقلت للعباس: وعلى م هذا الأمر؟! قال: أنا جنيت على نفسي بتتايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضيتها له.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني مسعود بن عيسى، قال أخبرني موسى بن عبد الله التميمي قال: دخل أبو نواس على الناطفي وعنان جالسة تبكي وخدها على رزة في مصراع الباب، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس: أن جربها بشيء، فقال أبو نواس:
عنان لو جدت لي فإني من ... عمري في أمن الرسول بما
أي في آخر عمري، لأن أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، آخر آية في البقرة.
فردت عليه:
فإن تمادى ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كمن ختما
فرد عليها:
علقت من لو أتى على أنف ... س الماضين والغابرين ما ندما
(1/32)

فردت عليه:
أو نظرت عينه إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني: محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني: محمد بن أبي مروان الكاتب، قال: لما أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفي خاتماً فصه ياقوت أحمر، أخذه أحمد بن خالد حيلويه منه فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتماً فصه أخضر، وإتهمته في ذلك، وكتب إلى أحمد بن خالد:
فدتك نفسي يا أبا جعفر ... جارية كالقمر الأنور
تعلقتني وتعلقتها ... طفلين في المهد إلى المكبر
كنت وكانت نتهادى الهوى ... بخاتمينا غير مستنكر
حنت إلى الخاتم منى وقد ... سألتني إياه مذ أشهر
فأرسلت فيه فغالطتها ... بخاتم وجهته أخضر
قالت لقد كان لنا خاتم ... أحمر أهداه إلينا سري
لكنه علق غيري فقد ... أهدى لها الخاتم لا أمتري
كفرت بالله وآياته ... إن أنا لم أهجره فليصبر
أو يظهر المخرج من تهمتى ... إياه في خاتمنا الأحمر
(1/33)

فاردده تردد وصلها إنها ... قرة عيني يا أبا جعفر
فإنني متهم عندها ... وأنت قد تعلم أنى بري
فرد الخاتم ووجهه إليه بألفي درهم.
وقرأت في كتاب لجعفر بن قدامة: بلغني أن عنان جارية الناطفي، دخل عليها بعض الشعراء، فقال لها الناطفي: عاييه! فقالت:
سقياً لقا طول لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض وما كبهجتها ... أرغد أرض عيشاً وأرفهها
فانقطع الرجل.
حدثني عمي: الحسن بن محمد والحسن بن علي، قالا: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال حدثني: محمد بن هارون عن يعقوب بن إبراهيم قال: كان أبو نواس بعد أن هجرته عنان وهجته، يذكرها في شعره، ويشبب
(1/34)

بها، فقال في قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد:
عنان يا من تشبه العينا ... أنت على الحب تلومينا
حبك حب لا أرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا!
فقال له يزيد بن مزيد هذه جارية، قد عرض فيها الخليفة، وعلقت بقلبه فأله عنها، ولا تعرض نفسك له، فقال: صدقت أيها الأمير، ونصحتني، وقطع ذكرها!
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء، عن العباس إبن رستم قال: دخلت أنا وأبان اللاحقي على جارية الناطفي في يوم صائف، وهي جالسة في الخيش فقال لها أبان.
لذة عيش الصيف في الخيش فقالت: لا في لقاء الجيش بالجيش.
فقلت لها معرضاً لها: ما أحسن ما قال جرير:
ظللت أراعي صاحبي تجلداً ... وقد علقتني من هواك علوق
(1/35)

فقالت غير متوقفة:
إذا عقل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
ثم عرضت على الرشيد، فدخلت عليه تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أشتريك؟ قالت: ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقاً وخلقاً؟ فقال لها: أما الخلق فظاهر فما علمك بالخلق؟ قالت: رأيت شرارة، قد طاحت على ثوبك من المجمر، لما جاء الخادم بالبخور إليك فسقطت على ثوبك فأحرقته، فو الله ما قطبت لها وجهاً، ولا راجعت من جناها حرفاً! فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك إبتذالاً، مشتركاً كبيراً، لاشتريتك ولكنه لا يصح للخليفة، من هذه سبيله! وردها إلى مولاها، فاشتراها طاهر بن الحسين بعد ذلك، وجعلها على خزانة طيبه، فقالت: عرضتني للغيرة! فاعفني من ذلك، وأجعل إلي كسوتك، ففعل.
وحدثني محمد بن القاسم الأنباري، قال حدثني أبي قال: قال أبو الحسن بن الاعرابي: إجتمع أبو نواس وداود بن رزين الواسطي وحسين بن
(1/36)

الضحاك وفضل الرقاشي وعمرو الوراق وحسين بن الخياط في منزل عنان جارية الناطفي، فتحدثوا وتناشدوا أشعار الماضين وأشعارهم في أنفسهم، حتى انتصف النهار، فقال بعضهم: عند من نحن اليوم؟ فقال كل واحد: عندي! قالت عنان: قولوا في هذا المعنى أبياتاً وتضمنوا إجازة حكمي عليكم، بعد ذلك.
فبدأ داود بن رزين الواسطي فقال:
قوموا إلى قصف لهو ... وظل بيت كنين
فيه من الورد والمرم زجوش والياسمين
وريح مسك ذكي ... بجيد الزرجون
وقينة ذات غنج ... وذات دل رصين
تشدو بكل ظريف ... من صنعة ابن رزين
فقال أبو نواس:
لا بل إلى ثقاتي ... قوموا بنا يا حياتي
قوموا نلذ جميعاً ... بقول هاك وهات
(1/37)

فإن أردتم فتاة ... أتحفتكم بفتاة
وإن أردتم غلاماً ... أتيتكم بمؤاتي
فبادروه مجوناً ... في وقت كل صلاة
وقال حسين بن الضحاك الخليع:
أنا الخليع فقوموا ... إلى شراب الخليع
إلى شراب لذيذ ... من بعد جدى رضيع
وذي دلال رخيم ... بالخندريس صريع
في روضة جادها ... صوب غاديات الربيع
قوموا تنالوا جميعاً ... منال ملك رفيع
وقال الرقاشي:
لله در عقار ... حلت ببيت الرقاشي
عذراء ذات احمرار ... أتى بها لا أحاشي
قوموا نداماي رووا ... مشاشكم ومشاشي
وناطحوني باقدا ... حكم نطاح الكباش
فإن نكلت فحل ... لكم دمى ورياشي
(1/38)

وقال عمرو الوراق:
قوموا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر
وبيشكار علينا ... يطاع في كل أمر
وشادن ذي دلال ... يزهى بطرف ونحر
فذاك بر وإن شئ ... تم أتينا ببحر
وقال حسين الخياط:
قضت عنان عليكم ... بأن تزوروا حسينا
وأن تقروا لديه ... بالقصف واللهو عينا
فما رأينا كظرف الحمين فيما رأينا
قد قرب الله منه ... زيناً وباعد شينا
قوموا وقولوا أجزنا ... ما قد قضيت علينا
وقالت عنان:
مهلاً فديتك مهلاً ... عنان أحرى وأولى
بأن تنالوا لديها ... أشهى الطعام وأحلى
فإن عندي حراماً ... من الشراب وحلا
لا تطمعوا في سوى ذا ... من البرية كلا
كم أصدقوا: بحياتي ... أجاز حكمي أم لا؟
(1/39)

فقالوا جميعاً: قد جاز حكمك، فاحتبستهم ثلاثاً، يقصفون عندها.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال حدثني عمي: عبيد الله، عن أخيه أحمد، قال: لما غاب أبو نواس إلى مصر، تشوقه الناس وذكروه، وإتصل تفاوضهم ذكره حتى بلغ وصفه عناناً، فتشوقته، ثم قدم بعد ذلك من مصر، فلما كان بعد قدومه بأيام جاء إلى النطافي، فقال له أبو نواس، فاستأذن لي على عنان! فقال له: أما والله، لقد أهديت إليها من زيارتك هدية، كانت إليها مشتاقة، ودخل، فأعلمها وأذن له، فدخل عليها، فقامت فتلقته إلى باب الدار، فسلمت عليه، ووصفت له شوقها إليه، واحتبسته عندها يومه وليلته، وإتصل إجتماعهما، فوجهت إليه يوماً، وصيفة لها، تدعوه إلى الصبوح معها، وكتبت إليه تقول:
زرنا لتأكل معنا ... ولا تغيبن عنا
فقد عزمنا على الش ... رب صبحة وإجتمعنا
فجاءته الوصيفة بالرقعة، فقرأها، واحتال على الوصيفة حتى طاوعته على ما أراده، وقال في ذلك:
نكنا رسول عنان ... والرأى فيما فعلنا!
فكان خبزاً بملح ... قبل الشواء أكلنا
جاذبتها فتحانت ... كالغصن لما تثنى
(1/40)

فقلت ليس على ذا ... الفعال كنا إتفقنا
قالت فكم تتجنى ... طولت: نكنا ودعنا!
فبلغ عناناً ذلك، فكان سبب التباعد بينهما، والمهاجاة، مرت.
وذكر أبو هفان عن الجماز، أن سبب المهاجاة بينهما، أنه كتب إليها وهو سكران:
إن لي أيراً خبيثاً ... لونه يحكي الكميتا
لو رأى في الجو صدعاً ... لنزا حتى يموتا
أو يراه وسط بحر ... صار للغلمة حوتا
أو يراه جوف صدع ... لتحول عنكبوتا
فغضبت من ذلك، وكتبت إليه:
زوجوا هذا بإلف ... وأظن الإلف قوتا
إنني أخشى عليه ... غلمة من أن يموتا
قبل أن ينتكس الدا ... ء فلا يأتى فيوتى
(1/41)

وقال لها يوماً:
ما تأمرين لصب ... يرضيه منك قطيره؟
فأجابته:
إياى تعنى بهذا؟ ... عليك فاجلد عميره!
فأجابها:
أريد ذاك وأخشى ... على يدى منك غيره
فخجلت وقالت: عليك وعلى من يغار عليك..
فقالت عنان:
عليك أمك نكها ... فإنها كندبيره
وقال فيها أبو نواس:
إن عنان النطاف جارية ... قد صار حرها للنيك ميدانا
ما يشتريها إلا إبن زانية ... وقلطبان يكون من كانا!
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني - صهر المبرد - قال
(1/42)

حدثني أبو هفان - عن سليمان أخي جحظة أنها حجبه وهجرته، فلم تأذن له، فبعث إليها رسولاً يعتذر، فقالت له: قل له دعنا منك، يا مخنث، يا حلقي! فرجع الرسول إليه فسأله عن الجواب، فأخبره به فقال أبو نواس:
وأتاني من إذا ذكرت له ... خنثني ظالماً وحلقني!
لو سألوه عن وجه حجته ... وشتمه لقال يعشقني
نعم إلى الحشر والحساب نعم! ... أعشقه أو ألف في كفني!
أهجر هجراً لا أستسر به ... عنفني فيه من يعنفني:
يأيها الناس مني إستمعوا ... إن عناناً صديقة الحسن!
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال أنشدني أحمد بن أبي طاهر، لعنان تهجو أبا نواس:
أبو نواس بدائه كلف ... يسخر من نفسه يخادعها
أمسى بروس الحملان شهر في الناس وإضماره أكارعها
وقالت فيه أيضاً:
يا نواس، يا نفاية خلق الله قد نلت بي سناء وفخرا
(1/43)

مت متى شئت، قد ذكرتك في الشعر، وجرر أذيال ثوبك كبرا
رب ذي خلة تلبس من لفظك سلحاً ومنك عرا وشرا
ونديم سقاك كأساً من الخمر فأفضلت في الزجاجة حبرا
وإذا ما كلمتني فاتق الله وعلق دوني على فيك سترا
وإذا ما أردت أن تحمد الله على ما أبلى وأولاك شكرا
فليكن ذاك بالضمير وبالإيماء لا تذكرن ربك جهرا
أنت تفسق إن نطقت ومن يسبح بالفسق نال إثماً ووزرا
إحمد الله ما عليك جناح ... جعل حذف الله بين لحييك جحرا
إن تأملته فبوم خراب ... وإذا ما شممته كان صقرا!
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني إبراهيم بن سليمان بن وهب، قال: قال عمي الحسن بن وهب: دخلت يوماً إلى عنان جارية الناطفي، فسألتني أن أقيم عندها ففعلت، وأتينا بالطعام والشراب، فأكلنا وشربنا، وغنتني فكان غناؤها دون شعرها، فشربت ستة أرطال ونكتها خمسة وضجرت فقالت لي: ما
(1/44)

أنصفت: شربت ستة، ونكت خمسة؟ فتغافلت، وقلت: غني صوتي، في شعر سلم الخاسر:
خليلي ما للعاشقين قلوب ... ولا لعيون الناظرين ذنوب
فيا معشر العشاق ما أبغض الهوى ... إذا كان لا يلقى المحب حبيب!
فغنت:
خليلي ما للعاشقين أيور ... ولا لحبيبب لا ينال سرور
فيا معشر العشاق ما أبغض الهوى ... إذا كان في أير المحب فتور!
فانصرفت خجلاً!.
حدثني جعفر بن قدامة، وجحظة قالا: أنشدنا هبة الله بن إبراهيم بن المهدي، قال أنشدني أبي لعنان جارية النطافي، وفيه لحن لعلية من خفيف الثقيل.
حدثني بذلك بعض عجائزنا، قال: كنت أسمع هذا الصوت في درانا منسوباً إلى أبي، حتى غنته ريق يوماً، وأخبرتني أنها أخذته من علية بنت المهدي:
نفسي على حسراتها موقوفة ... فوددت لو خرجت مع الحسرات
لو في يدي حساب أيامي إذاً ... خطرفتهن تعجلا لوفاتي
لا خير بعدك في الحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي!
(1/45)

أخبرني بذلك أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي، وأخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء عن الأصمعي، قال: بعثت الي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج يذكر عنان جارية النطافي، فإن أنت صرفته عنها فلك حكمك!.
قال: فكنت ألتمس أن أجد موضعاً للقول فيها فلا أجد، ولا أقدم عليه هيبة له. إذ دخلت يوماً فرأيت في وجهه أثر الغضب فانخزلت فقال لي: ما لك يا أصمعي؟! قلت: رأيت على وجه أمير المؤمنين أثر الغضب، فعلى من أغضبه لعنة الله! فقال: هذا الناطفي، أما والله، لولا أنني لم أجر في حكم قط متعمداً لجعلت على كل جبل منه قطعة! وما لي في جاريته أرب غير الشعر فذكرت رسالة أم جعفر، فقلت: أجل والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟! فضحك من قولي حتى إستلقى على قفاه، وعدل عنها، وبلغ قولي أم جعفر فأجزلت لي الجائزة.
أخبرني عمي الحسن بن محمد والحسن بن علي قالا: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال حدثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال له: على أن أعطيكها على ضرب سبعة دراهم بدينار، فيصح
(1/46)

لك سبع مائة درهم فامتنع عليه فأمر بأن تحضر، فأحضرت، فذكر أنها جلست في مجلسها على حالها تنتظره، فدخل إليها، فقال لها: إن هذا قد إعتاص علي في أمرك، فقالت: فما يمنعك أن ترضيه وتوفيه؟ قال: ليس يقنع بما أعطيته، وأمرها بالإنصراف.
فتصدق الناطفي بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، ولم تزل في قلب الرشيد، حتى مات مولاها، فبعث مسرور الخادم، حتى أخرجها إلى باب الكرخ، وأقامها على سرير، وعليها رداء رشيدي، قد جللها، فنودي عليها فيمن يزيد؟، بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأفتوا ببيعها، فبلغني أنها كانت تقول على المصطبة: أهان الله من أهانني ورذل من رذلني! فلكرها مسرور، فبلغت في النداء مائتي ألف درهم، فجاء رجل فزاد فيها خمسة وعشرين ألف درهم، فلطمه مسرور، وقال: أتزيد على أمير المؤمنين؟! ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألف درهم، فأخذها له، ولم يكن فيها شيء يعاب، فطلبوا فيها عيباً لئلا تصيبها العين، فأوقعوا في خنصر رجلها شيئاً في ظفرها، فأولدها الرشيد ولدين ماتا صغيرين، ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك، وماتت عنان بعده بمدة يسيرة.
قال أبو الفرج: وروى إبن عمار هذا الخبر عن محمد بن
(1/47)

القاسم بن مهرويه، وذكر أنه أوقف إبن مهرويه على أنه خطأ، وأن عنان خرجت إلى مصر، وماتت بها حين أعتقها النطافي، وقالت ترثيه بمصر:
يا دهر أفنيت القرون ولم تزل ... حتى رميت بسهمك النطافا
يا ناطفي وأنت عنا نازحما كنت أول من دعوه فوافى
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وعلي بن سليمان الأخفش عن المبرد عن المازني، عن الأصمعي: وقال إبن عمار عن بعض أصحابه، أظنه المازني، عن الأصمعي، قال: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط، إلا مرة واحدة!، فاني دخلت إليه أنا وأبو حفص الشطرنجي فرأيته خائراً - وفي أصل باثراً فقال: استبقا إلى بيت، بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي، فله عشرة آلاف درهم! فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، قال: فأشفقت ومنعتني هيبته وبدر الشطرنجي بجرأة العميان، فقال:
(1/48)

من لقلب متيم بك صب ... ما له همة سوى ذكراك
كلما دارت الزجاجة زادته م إشتياقاً وحرقة فبكاك
فقال: أحسنت، لك عشرة الآف درهم، فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: أحسنت، لك عشرة الآف درهم، فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: أحسنت! لك عشرون الفاً أخرى، وأطرق ثم قال: أنا والله أشعر منكما، ثم قال:
قد تمنيت أن يغشيني الله ... نعاساً لعل عيني تراك!
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أحمد بن المعلى الراوية، قال: كتبت عنان جارية الناطفي إلى جعفر بن يحيى البرمكي تسأله أن يسأل أباه، أن يكلم الرشيد في أن يشتريها - أو يشير عليه بذلك - فقالت:
يا لائمي جهلاً ألا تقصر ... من ذا على حر الهوى يصبر
لا تلحني أني شربت الهوى ... صرفاً، فممزوج الهوى يسكر
أحاط بي الحب، فخلفي له ... بحر وقدامي له أبحر
تخفق رايات الهوى بالردى ... فوقي، وحولي للردى عسكر
سيان عندي في الهوى لائم ... أقل فيه، والذي يكثر
أنت المصفى من بني برمك ... يا جعفر الخيرات، يا جعفر
(1/49)

لا يبلغ الواصف في وصفه ... ما فيه من فضل، ولا يحصر
من وفر العرض بأمواله ... فجعفر أعراضه أوفر
ديباجة الملك على وجهه ... وفي يديه العارض الممطر
سحت علينا منهم ديمة ... ينهل منها الذهب الأحمر
لو مسحت كفاه جلمودة ... أنضر فيها الورق الأخضر
لا يستتم المجد إلا فتى ... يصبر للبذل كما يصبر
يهتز تاج الملك من فوقه ... فخراً، ويزهى تحته المنبر
أشبهه البدر إذا ما بدا ... وغرة في وجهه تزهر
والله ما أدري أبدر الدجى ... في وجهه أم وجهه أنور؟
يستمطر الزوار منك الغنى ... وأنت بالزوار تستبشر
عودت طلاب الندى عادة ... إن قصروا عنك فما تقصر
وكتبت تحت الأبيات تسأله حاجتها، فركب من ساعته إلى أبيه فكلمه في أمرها، فكلم الرشيد في ذلك، وأشار عليه فلم يقبل، وإمتنع من شرائها لشهرتها وما قيل فيها من هجاء الشعراء، وقال له: أشتريها بعد قول أبي نواس:
ما يشتريها إلا ابن زانية ... أو قلطبان يكون من كانا!؟
(1/50)

دنانير جارية محمد بن كناسة
(1/51)

مولدة، من مولدات الكوفة، رباها محمد بن كناسة، وأدبها، وخرجت: شاعرة، أديبة، فصيحة، وقيل أنها كانت تغني، وذلك باطل! كان محمد بن كناسة، رجلاً زاهداً، نبيلاً، وهو إبن خالة إبراهيم بن أدهم وليس مثله من يعلم جارية له: الغناء!
(1/53)

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثني إبن أبي الدنيا، قال: كتب الي الزبير بن بكار، يذكر أن علي بن عثام الكلابي حدثه، قال: جئت يوماً إلى منزل محمد بن كناسة، وكانت جاريته دنانير جالسة، فقالت لي: مالك محزوناً يا أبا الحسن؟ قلت: رجعت من دفن أخ لي من قريش، فسكتت شيئاً، ثم قالت:
بكيت على أخ لك من قريش ... فأبكانا بكاؤك يا علي!
وما كنا عرفناه ولكن ... طهاره صحبه: الخبر الجلي
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق، قال حدثنا الزبير بن بكار، قال أخبرني علي بن عثام الكلابي، قال:
كانت لابن كناسة، جارية، شاعرة، مغنية، يقال لها: دنانير، وكان له صديق يكنى أبا الشعثاء، وكان عفيفاً، مزاحاً، وكان يدخل الى إبن كناسة يسمع غناء جاريته، ويعرض لها بأنه يهواها، فقالت فيه هذه الأبيات:
لأبي الشعثاء حب ظاهر ... ليس فيه مطعن للمتهم
(1/54)

يا فؤادي فازدجر عنه ويا ... عبث الحب به فاقعد وقم
راقني منه كلام فاتن ... ورسالات المحبين الكلم
قانص تأمنه غزلانه ... مثل ما تأمن غزلان الحرم
صل إن أحببت أن تعطى المنى ... يا أبا الشعثاء لله وصم
ثم ميعادك يوم الحشر في ... جنة الخلد إن الله رحم
حيث القاك غلاماً ناشئاً ... يافعاً قد كملت فيك النعم
أخبرني وكيع، قال أخبرني إبن أبي الدنيا، قال حدثني محمد بن علي بن عثام الكلابي عن أبيه، قال: كنت يوماً عند إبن كناسة، فقال أعرفكم شيئاً من فهم دنانير؟ يعني جاريته، قلنا: نعم، فكتب إليها: إنك أمة ضعيفة، ورهاء، خرفاء، فاذا أتاك كتابي هذا فعجلي جوابي، فكتبت إليه: قد ساءني تهجينك عند أبي الحسن، وإن أعيا العي: الجواب عما لا جواب له، والسلام.
حدثني أحمد بن العباس العسكري المؤدب، قال حدثني به: الحسن بن عليل العنزي، قال حدثنا أحمد بن محمد الأسدي، قال حدثنا خالي موسى بن صالح قال:
(1/55)

ماتت دنانير جارية محمد بن كناسة، وكانت أديبة شاعرة، فقال يرثيها:
الحمد لله لا شريك له ... يا ليت ما كان منك لم يكن
إن يكن القول قل فيك فما ... أفحمني غير شدة الحزن
(1/56)

فضل الشاعرة اليمامية
جارية المتوكل
(1/57)

توفيت257هـ، وقيل 260 جمع المستشرق هوار شعرها في المجلة الآسيوية: 1881مج - 17.
قال ابن النديم ان شعرها يقع في عشرين ورقة: الفهرست: ط. طهران.
ترجمتها وأخبارها في: الأغاني19: 300 - 314.
أمالي القالي.
طبقات ابن المعتز.
الأربعة في أخبار الشعراء لابي هفان. جمع وتحقيق هلال ناجي مجلة المورد.
المحاسن والاضداد: 198.
الاماء من شواعر النساء: 53 - 54.
بدائع البدائة: 50، 150.
نساء الخلفاء: 84 - 90.
المنتظم: حوادث 257هـ
(1/59)

فوات الوفيات نشرة إحسان عباس.
المستظرف للسيوطي.
الوافي.
سيدات البلاط العباسي.
النجوم الزاهرة.
سمط اللألي.
تاريخ الأدب العربي لبروكلمان الطبعة الأروبية.
تاريخ التراث العربي لسزكين بالألمانية قسم الشعر.
كانت فضل مولدة، من مولدات البصرة، وبها نشأت، وكان مولدها باليمامة، وذكرها محمد بن داود بن الجراح فقال: أنها عبدية، وكذلك كانت تزعم هي وتقول أن أمها علقت بها من مولى لها من عبد القيس وأنه مات وهي حامل بها، فباعها إبنه، فولدت على سبيل الرق، وذكر عنها من جهة أخرى أن أمها ولدتها في حياة أبيها فرباها وأدبها فلما توفى، تواطأ بنوه على بيعها، فبيعت، فاشتراها محمد بن الفرج الرخجي - أخو عمو بن الفرج - وأهداها الى المتوكل.
وكانت سمراء، حسنة الوجه، والقد والجسم - شكلة، حلوة، أديبة، فصيحة، سريعة الهاجس مطبوعة في قول الشعر، متقدمة لسائر نساء زمانها فيه.
(1/60)

أخبرني محمد بن المرزبان وجعفر بن قدامة، قالا: حدثنا أحمد بن أبي طاهر، واللفظ لجعفر، قال: جلبت فضل الشاعرة، من البصرة، فاشتراها رجل من النخاسين يقال له: حسنوية بعشرة الآف درهم، وبلغ خبرها محمد بن الفرج الرخجي أخو عمر بن الفرج الرخجي، فاشتراها وأهداها الى المتوكل.
قال جعفر بن قدامة وقال محمد بن خلف أن الذي إبتاعها محمد أخوه، فأهداها إلى المتوكل، فكانت تجلس في مجلسه على كرسي، تقارض الشعراء والشعر بحضرته، فألقى عليها يوماً أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطى إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب
فقالت فضل مجيبة له:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركب
والدر ليس بنافع أربابه ... حتى يؤلف بالنظام ويثقب
وفي رواية جعفر حتى تذلل بالزمام وتركبا.
(1/61)

والبيت الثاني: حتى تؤلف بالنظام وتثقبا.
حدثني عمي الحسن بن محمد ومحمد بن خلف وكيع وجعفر بن قدامة، قالوا: حدثنا أبو العيناء، قال: لما دخلت فضل الشاعرة على المتوكل يوم أهديت إليه، قال لها: أشاعرة أنت؟ قالت هكذا يزعم من باعني وإشتراني!، فضحك وقال: أنشدينا شيئاً من شعرك، فأنشدته هذه الأبيات:
إستقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر ... وهو إبن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الملك ثمانينا
لا قدس الله إمرأ لم يقل ... على دعائي لك: آمينا
فاستحسن الأبيات، وأمر لها بخمسين ألف درهم، وأمر عريباً فغنت بها.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني أحمد بن حمدون: أبو عبد الله، قال: عرضت على المعتمد جارية تباع، في خلافة المتوكل، يقال لها علم الحسن، مغنية، حسنة الوجه، - وهو يومئذ غلام حديث السن - وأخرجها مولاها إلى إبن الأغلب، فبيعت هناك، فلما ولي المعتمد الخلافة، سأل
(1/62)

عنها، وقد ذكرها وأعلم أنها بيعت بالقيروان، وأولدها سيدها، فقال لفضل الشاعرة،: قولي فيها شيئاً! فقالت فيها هذه الأبيات:
علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
ونصبتني يا منيتي ... غرض المظنة والتهم
فارقتني بعد الدنو م فصرت عندي كالحلم
فلو أن نفسي فارقت ... جسمي لفقدك لم تلم
ما كان ضرك لو وصل ... ت فخف عن قلبي الألم
برسالة تهدينها ... أو زورة تحت الظلم
أو لا فطيفي في المنا ... م فلا أقل من اللمم
صلة المحب حبيبه ... الله يعلمه كرم
قال أبو الفرج: وقد حدثني بهذا الحديث علي بن صالح، عن أحمد بن أبي طاهر؛ إنه ألقى على فضل الشاعرة:
علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
فقالت:
وأبحتني يا سيدي ... سقماً يحل عن السقم
وتركتني غرضاً فديتك للهوان وللتهم!
حدثني محمد بن العباس اليزيدي، قال كتب بعض أهلنا الى فضل الشاعرة:
أصبحت صباً هائم العقل ... الى غزال حسن الشكل
(1/63)

أضنى فؤادي بعد عهدي به ... وبعده مني ومن وصلي
منية نفسي في هوى فضل ... أن يجمع الله بها شملي
أهواك يا فضل هوى خالصاً ... فما لقلبي عنك من شغل
فأجابته:
الصبر ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
إني أعوذ بحرمتي لك في الهوى ... من أن تطاوع في قول حسود
في هذه الأبيات رمل طنبوري وأظنه لجحظة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال أخبرني الحسن بن عيسى إبن الكوفي، قال حدثني أبو دهمان، قال محمد بن خلف، وأخبرني بهذا الخبر: عبد الله بن نصر المرزوي، قالا: كانت فضل الشاعرة من أحسن الناس وجهاً وخلقاً وخلقاً، وأرق شعراً، فكتب إليها بعض من كان يجمعه وإياها مجلس الخليفة، وكان يهواها ولا يطلعها على حبه لها:
ألا ليت شعري عنك هل تذكرينني ... فذكرك في الدنيا الي حبيب
وهل لي نصيب في فؤادك ثابت ... كما لك عندي في الفؤاد نصيب
ولست بمتروك فأحيا بزورة ... ولا النفس عند اليأس عنك تطيب
فكتبت إليه هذه الأبيات:
نعم وإلهي إنني بك صبة ... فهل أنت يا من لا عدمت مثيب
(1/64)

لمن أنت منه في الفؤاد مصور ... وفي العين نصب العين حين تغيب
فثق بوداد أنت مظهر فضله ... على أن بي سقماً وأنت طبيب!
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أبو العباس المرزوي قال: قال المتوكل لعلي بن الجهم، قل بيتاً، وقل لفضل الشاعرة تجيزه، فقال علي: أجيزي يا فضل:
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيئة، ثم قالت:
فلم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات وجداً فكان ماذا؟
فأطرب المتوكل، وقال أحسنت وحياتي يا فضل وأمر لها بألفي دينار، وأمر عريباً، فغنت فيه صوتها: الهزج.
قال أبو الفرج ونسخت من كتاب جعفر بن قدامة: حدثني: علي بن يحيى المنجم، وقد حدثني بعض أصحابنا عن رجل، عن علي بن يحيى قال:
(1/65)

دخلت الى المتوكل يوماً، فدفع الي رقعة وأمرني بقراءتها، فقرأتها فإذا فيها:
قد بدا شبهك يا مو ... لاي يحدو بالظلام
قم بنا نقض لبانا ... ت التثام والتزام
قبل أن تفضحنا عو ... دة أرواح النيام
فقلت ملح والله قائلها!، فمن هو؟ قال: واعدت فضلاً البارحة، أن تبيت عندي، فسكرت سكراً شديداً منعني من ذلك، فلما أصبحت وجدت هذه الرقعة في كمي وهي بخطها.
حدثني جحظة، قال حدثني إبن الدهقانة النديم عن عبد الله بن عمر بن المرزبان قال: قالت لي فضل: وعدني أمير المؤمنين أن أبيت عنده، وأشرب فسكرت، وخرجت مع العتمة، فجلست أغمز رجله ملياً، ثم قمت إلى جنبه فلم يتحرك من نومه، فكتبت في رقعة وجعلتها في كمه، وذكرت الأبيات، فلما أصبح قرأها، وضحك ثم دعاني، فوهب لي ألف دينار، وتكون الليلة عوض البارحة!.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال: خرجت قبيحة إلى المتوكل في يوم نيروز، وفي يدها كأس بلور شراب
(1/66)

فقال لها: ما هذا؟ قالت: هديتي إليك من هذا النيروز عرفك الله بركته، فشرب الكأس، وقبل خدها، فقالت فضل:
سلافة كالقمر الباهر ... في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدجى ... فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم ... مثل الحسام المرهف الباتر
أخبرني محمد بن خلف، قال حدثني أبو الفضل المرزوي قال: اجتمعت فضل الشاعرة وسعيد بن حميد في مجلس، فأخذت دواة ودرجاً وكتبت إليه:
بثثت هواك في جسدي وروحي ... فألف فيهما طمعاً بيأس
فكتب إليها تحت البيت:
كفانا الله شر اليأس إني ... لخوف اليأس أبغض كل آسى
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:
ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
(1/67)

قالت:
فو الله ما يدري أتدري ما جنت ... على قلبه أم أهلكته وما يدري؟
أخبرني محمد بن خلف، قال حدثني أبو يوسف الضرير المعروف بابن الدقاق، قال: صرت أنا وأبو منصور الباخرزي الى فضل الشاعرة، فحجبنا، وما علمت بنا، ثم بلغها خبرنا بعد إنصرافنا فغمها ذلك، وكرهته، فكتبت إلينا تعتذر، فقالت:
وما كنت أخشى أن تروا لي زلة ... ولكن أمر الله ما عنه مذهب
أعوذ بحسن الصفح منكم وقبلنا ... بصفح وعفو ما تعوذ مذنب
فكتب إليها أبو منصور الباخرزي:
لئن أهديت عتباك لي ولأخوتي ... لمثلك يا فضل الفضائل يعتب
إذا إعتذر الجاني، محا العذر ذنبه ... وكل إمرىء لا يقبل العذر مذنب
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني محمد بن الوليد قال حدثني علي بن الجهم، قال: كنت يوماً عند فضل الشاعرة، فألحظتها لحظة إسترابت بها، فقالت:
(1/68)

يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك ليس يمرضه؟ ... وأي عقد محكم لا ينقضه!
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن حميد، قال: قلت لفضل الشاعرة أجيزي:
من لمحب أحب في صغره؟
فقالت:
فصار أحدوثة على كبره!
فقلت:
من نظر شفه وأرقه
فقالت:
فكان مبدا هواه من صبره!
ثم شغلت بالشراب هنيئة، ثم قالت:
لولا الأماني لمات من كمد ... مر الليالي يزيد في فكره
ليس له مسعد يساعده ... بالليل في طوله وفي قصره
(1/69)

الجسم يبلى فلا حراك بهوالروح فيما أرى على أثره!
حدثني الحسن بن محمد، والحسن بن علي قالا: أخبرنا إبن أبي الدنيا، قال حدثني ميسرة بن محمد، قال حدثني عبيد بن محمد قال: قلت لفضل الشاعرة ماذا نزل بكم البارحة؟! وذلك صبيحة قتل المنتصر أو المعتز فقالت وهي تبكي:
إن الزمان بذحل كان يطلبنا ... ما كان أغفلنا عنه وأسهانا!
ما لي وللدهر قد أصبحت همته ... ما لي وللدهر ما للدهر لا كانا!
قال أبو الفرج: قرأت في بعض الكتب عن عبد الله بن المعتز قال: قال لي إبراهيم بن المدبر: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطاً وأفصحهم كلاماً، وأبلغهم في مخاطبة، وأثبتهم في محاورة فقلت يوماً لسعيد بن حميد، أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل، رقاعها، وتفيدها وتخرجها، فقد أخذت تجول في الكلام، وسلكت سبيلك، فقال وهو يضحك: ما تحسن ظنك! ليتها تسلم مني، لا آخذ كلامها ورسائلها! والله يا أخي لو أن أحد أفاضل الكتاب وكبراءهم وأماثلهم أخذ عنها، لما إستغنوا عن ذلك!.
وكانت فضل تهوى سعيد بن حميد ويهواها ولكل واحد منهما في صاحبه
(1/70)

أشعار - ذكرتها في أماكنها - ثم عدلت عنه إلى بنان المغني فعشقته.
حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم، قال: أمر المتوكل بأن تضرب مضاربة على القاطول، وتحدر هناك ويقيم شتوية على القاطول، فقالت فضل الشاعرة:
قالوا لنا أن بالقاطول مشتانا ... ونحن نأمل صنع الله مولانا
والناس يأتمرون الغيب بينهم ... والله في كل يوم محدث شانا
رب يرى فوق ملك العالمين له ... ملكاً وفوق ذوي السلطان سلطانا
وغنت فيه عريب، فلما أخذ النبيذ في المتوكل غنته بهذا الصوت فطرب، وأمر بإبطال ما كان عزم عليه، وقال: إذا كرهتم هذا كرهناه.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود، قال:
(1/71)

وقع بين سعيد بن حميد وبين فضل الشاعرة، مشاجرة لشيء بلغها عنه، فكتب إليها:
تعالي نجدد عهود الصبا ... ونصفح عن الذنب فيما مضى
ونجري على سنة العاشقين ... ونضمن عني وعنك الرضا
ويبذل هذا لهذا رضاه ... ويصبر في حبه للقضا
ونخضع ذلاً خضوع العبيد ... لمولى عزيز إذا أعرضا
فإنى مذلج هذا العتاب ... كأنى أبطنت جمر الغضى
فصارت إليه، وصالحته.
قال أبو الفرج: ولهاشم بن سليمان في هذا الشعر لحن من ثقيل الأول بالوسطى، ذكره لي عمي وإبن بانة.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ميمون بن إبراهيم، قال: كنت أنا وسعيد بن حميد، نشرب عند الحسن بن مخلد فجاء سعيد برقعة، عن فضل الشاعرة فدفعها إليه فقرأها، ولحظه الحسن، فقال له بحياتي هذه رقعة فضل الشاعرة؟! فشور ثم صدقه، فقال هاتها: فأعطاه إياها، وقرأناها فإذا فيها مكتوب:
نفسي فداؤك طال العهد وإتصلت ... منك المواعيد والليان والخلف
(1/72)

والله يعلم أني فيك ساهرة ... ودمع عيني منها بارق يكف
فان تكن خنت عهدي فو آاسفاً ... وقل مني فيك الهم والأسف
وإن تبدلت مني غادراً خلفاً ... فليس منك ورب العرش لي خلف
فكتب اليها:
يا واصف الشوق عندي فوق ما تجد ... دمع يفيض وقلب خافق يجف
فكن على ثقة مني وبينة ... إني على ثقة من كل ما تصف
ق94 أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة، قال حدثني محمد بن السري، أنه صار إلى سعيد بن حميد، وهو في دار الحسن بن مخلد في حاجة له، قال: بينما أنا عنده، إذ جاءته رقعة لفضل الشاعرة وفيها هذان البيتان:
الصبر ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت
بعيد أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
أنا يا أبا عثمان قد مت قبلك، في حال التلف، وما عدتني ولا سألت عن خبري فأخذ بيدي، ومضينا إليها عايدين، فقالت له: هو ذا أموت وتستريح مني!، فانشأ يقول:
لا مت قبلك بل أحيا وأنت معاً ... ولا أعيش إلى يوم تموتينا
حتى نعيش كما نهوى ونأمله ... ويرغم الله فينا أنف شانينا
(1/73)

حتى إذا ما قضى الرحمن منيتنا ... وحل من أمرنا ما ليس يعدونا
متنا جميعاً كغصني بانة ذبلاً ... من بعد ما نضرا واستوسقا حينا
ثم السلام علينا في مضاجعنا ... حتى يعود إلى تدبير منشينا
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني ميمون بن هارون قال: أن سعيد بن حميد كان مشغوفاً بفضل الشاعرة، ولم يزل بكاتبها ويراسلها، ويشكو هواه إليها حتى واصلته.
قال ميمون، وأقرأني رقعة منها إليه، تعاتبه على حصوله مع مغنية، وتجميشه لها، وفي آخرها:
خنت عهدي وليس ذاك جزاء ... يا صناع اللسان مر الفعال
وتبدلت بي بديلاً فلا يهن م ك ما إخترته من الأبدال
فأجابها بحضرتي، باعتذار طويل، وكتب في آخر الرقعة:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلاً وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينة ... فكيف بلا قلب أصافي وأهجر؟!
وفي هذين البيتين لسليمان بت الفضل القصار، رمل وخفيف رمل محدث.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي
(1/74)

سعيد، قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود: أن أباه كان يستحسن قول سعيد بن حميد:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلا، وبعض الظن إثم ومنكر
ويقول: لئن عاش هذا الغلام ليكونن له شأن من الشؤون.
حدثني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب، قال إسحاق بن مسافر: إنه كان عند سعيد بن حميد يوماً، فدخلت عليه فضل الشاعرة على غفلة، فوثب إليها وسلم عليها، وسألها أن تقيم عنده، فقالت: قد جاءني وحياتك رسول الخليفة، وليس يمكنني الجلوس عندك، وكرهت أن أمر ببابك ولا أراك، فقال سعيد على البديهة:
قربت ولم نرج اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا إحتيالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوؤها ... قريب ولكن أين منا منالها؟
كظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلم خيالها
تقل بها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها وإعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وإنفتالها
حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون، قال: غضبت فضل الشاعرة على سعيد بن حميد فكتب إليها:
(1/75)

يا أيها الظالم مالي ولك ... أهكذا تهجر من واصلك!
لا تصرف الرحمة عن أهلها ... قد يعطف المولى على من ملك
ظلمت نفساً فيك علقتها ... فدار بالظلم عليها الفلك
تبارك الله فما أعلم الله ... بما ألقى وما أغفلك!
فراجعته وواصلته، وصارت إليه جواباً عن رقعته. ولعريب في هذا الأبيات لحنان: ثقيل ثاني، وهوج ذكرهما لها إبن المعتز.
حدثني علي بن العباس بن أبي طلحة، قال حدثني: أبو العباس بن أبي المدور، قال: كان سعيد بن حميد صديقاً لأبي العباس بن ثوابة فدعاه يوماً، وجاءه رسول لفضل الشاعرة يسأله المصير إليها، فمضى معه، وتأخر عن أبي العباس، فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها عتاباً فيه توبيخ وتعنيف فكتب إليه سعيد:
أقلل عتابك فالزمان قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة المت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الأخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث الليالي والردى ... يوماً ستصدع شملنا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
(1/76)

ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين من لا يشاكله لدي عديل
وليذهن جمال كل مروءة ... وليعفون فناؤها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول؟!
حدثني عمي، قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال: كتبت فضل الشاعرة إلى سعيد بن حميد أيام كانت بينهما محبة وتواصل ق30.
وعيشك لو صرحت باسمك في الهوى ... لأقصرت عن أشياء في الهزل والجد
ولكنني أبدي لهذا مودة ... وذاك وأخلو فيك بالبث والوجد
مخافة أن يغرى بنا قول كاشح ... عدومً فيسعى بالوصال إلى الصد
فكتب إليها سعيد بن حميد:
تنامين عن ليلي وأسهره وحدي ... فأنهى جفوني أن تبثك ما عندي
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته ... بنا فانظري ماذا على قاتل العمد؟
هكذا ذكر إبن مهرويه، قال عمي، وهكذا حدثني به علي بن الحسين بن عبد الأعلى الأسكافي، قال: حضر سعيد بن حميد مجلساً حضرته فضل الشاعرة وبنان، وكان
(1/77)

سعيد، يهواها، وكانت تظهر له هوى، ويتهمها سعيد مع ذلك ببنان، فرأى فيها إقبالاً شديداً على بنان، فغضب، وإنصرف، فكتبت إليه فضل هذه الأبيات المذكورة آنفاً، وأجابها سعيد بالأبيات المذكورة.
وحدثني عمي، قال حدثني ميمون بن هارون قال: رأيت فضل الشاعرة وسعيد بن حميد ليلة، بوعد سبق بينهما، فلما حصلت عنده، جاءتها جاريتها، فبادرت وأعلمتها أن رسول الخليفة قد جاء يطلبها فقامت من وقتها ق31 فمضت، فلما كان من الغد كتب إليها سعيد بن حميد:
ضن الزمان بها فلما نلتها ... ورد الفراق فكان أقبح وارد
والدمع ينطق بالضمير مصدقا ... قول المقر مكذباً للجاحد
حدثني إبراهيم بن القاسم بن زرزور قال حدثني أبي، قال: فصد سعيد بن حميد العرق لحمى كان يلحقه في كبده، فسألتني فضل الشاعرة، وسألت عربياً أن تساعدها في المسير إليه، وأهدت له: هدايا فيها ألف جدي وألف دجاجة فائقة وألف طبق فاكهة وريحان، وطيباً كثيراً وشراباً وتحفاً حساناً، فكتب إليها سعيد: سروري لا يتم إلا بحضورك! قال فجاءته في آخر النهار، وجلسنا لنشرب، فاستأذن غلامه لبنان، فأذن له - فدخل إلينا - وهو يومئذ شاب طرير، حسن الوجه، حسن الغناء، سري الملبوس، عطر الشكل، فذهب بها كل مذهب، وبان فيها ذلك: بإقبالها عليه، ينظرها وحديثها، فتنمر سعيد وأستطير غضباً، وتبين بنان
(1/78)

القصة، فانصرف، وأقبل سعيد يعذلها ساعة ويوبخها، ويؤنبها أخرى وهي تعتذر ثم سكت، فكتبت إليه فضل ق32:
يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل ... يزهى بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأت بلى أقول أنا المسى
أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرة في مجلس
فنظرت نظرة مخطئ ... ووصلتها بتفرس
ونسيت أني قد حلفت فما عقوبة من نسي؟
يا من حكاه الياسمين وطيب ريح النرجس
إغفر لعبدك ما جنا ... هـ من اللحاظ الخلس!
وزادت فيه عريب:
قالوا عقوبته الجفا ... ويسا إليه كما يسى!
فقام سعيد وقبل رأسها، وقال لا عقوبة عليك، بل يحتمل هفوتك، ويتجاوز عن إساءتك، وغنت عريب في هذا الشعر، رملاً وهزجاً، وشربنا عليه بقية يومنا ثم إفترقنا وقد أثر في قلبها، وعلقته، ولم يزل يواصلها سراً حتى ظهر أمرهما.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني ابن أبي المدور الوراق، وكان في جملة سعيد بن حميد، قال: كنت عند سعيد يوماً وقد ق33 إبتداء ما بينه وبين فضل الشاعرة يتشعب، لما بلغه ميلها إلى بنان وهو بين المصدق لذلك والمكذب، ثم أقبل
(1/79)

على صديق له فقال: أصبحت والله من فضل في غرور، أخادع نفسي بتكذيب العيان!، وأمنيها ما قد حيل دونه!. والله إن إرسالي إليها - بعد ما قد بان لي منها - لذل وإن عدولي عنها وفي أمرها شبهة - لعجز وغبن، وإن صبري عنها لمن دواعي التلف، ولله در محمد بن أمية حيث يقول:
يا ليت شعري ما يكون جوابي ... أما الرسول فقد مضى بكتابي
وتقسمت نفسي الظنون وأشعرت ... طمع الحريص وخيفة المرتاب
وتروعني حركات كل محرك ... للباب يطرقه وليس ببابي
كم نحو باب الدار لي من وثبة ... أرجو الرسول بمطمع كذاب!
والويل لي من بعد هذا كله ... إن كان ما أخشاه رجع جوابي!
حدثني جحظة، قال حدثني ميمون بن هارون، قال: لما إتصل ما بين بنان وفضل الشاعرة وعدلت عن سعيد بن حميد أسف عليها، وجزع جزعاً: إمتنع من الشراب، وعشرة الأخوان، وهو مع ذلك يظهر التجلد ثم قال فيها ق34:
قالوا تعز فقد بانوا فقلت لهم: ... بان العزاء على آثار من بانا
وكيف يملك سلواناً لحبهم ... من لم يطق للهوى سراً وإعلانا
كانت عزائم صبري أستعين بها ... صارت علي بحمد الله أعوانا
لا خير في الحب لا تبدو شواهده ... ولا ترى منه في العينين عنوانا
قال جحظة: وغنى بعض المحدثين في هذا الشعر لحناً حسناً رملاً وهو مشهور، وعني نفسه. حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم، قال:
(1/80)

كانت فضل الشاعرة تميل إلى بنان وتكاتم المتوكل بحبه، وكانت تجلس مع الندماء، بارزة على كرسي، فقال لها المتوكل: إقترحي صوتك على بنان، فقالت ما لي عليه صوت، فقال له: بحياتي غن صوتها عليك! فغنى بشعر سلم الخاسر:
إسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا
إن قلبي لك رهن ... بالذي قد تعلمينا
فأمر أن يسقى رطلاً، فسقيته، وأمره بإعادته فغناه، فسقيته ثانياً ثم أعاده فسقيته ثالثاً.
قال علي بن يحيى: وقمت إلى الخلاء، وإذا بفضل قد عارضتني، وقالت إسمع يا أبا الحسن ق35 ما قلت، فقلت: هات، فأنشدتني هذه الأبيات:
قد تغني لي بنان ... إسمعي أو خبرينا
وشربت الراح فارتح ... ت وأبدت لي شجونا
ثم أظهرت لجلا ... سي من السر مصونا
قل لمولاي ولا تخ ... شى وقل قولاً مبينا
رب صوت حسن قد ... ألبس الراس قرونا!
أنت قواد نبيل ... يا أمير المؤمنينا!
وقد قال علي بن الجهم في ذلك:
كلما غنى بنان ... إسمعي أو خبرينا
أنشدت فضل ألا حيت عنا يا مدينا
(1/81)

رب صوت حسن قد ... أورث الرأس قرونا
ولعل جحظة وهم في إدخال هذا البيت في أبيات فضل وحدثني علي بن صالح الهيثمي، قال حدثني أحمد بن الهيثم المادرائي، قال: لما إنكشف لسعيد بن حميد عشق فضل الشاعرة لبنان، واصل جارية من جواري القيان، فكتبت إليه فضل:
يا عالي السن سيء الأدب ... شبت وأنت الغلام في الطرب
ويحك إن القيان كالشرك المنصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدين للفقير، ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكى هواك إذ عدلت ... عن زفرات الشكوى إلى الطلب
تلحظ هذا وذا وذاك وذا ... لحظ محب ولحظ مكتسب
حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: غضب بنان على فضل الشاعرة في أمر أنكره عليها فاعتذرت إليه فلم يقبل عذرها فكتبت إليه:
يا فضل صبراً إنها ميتة ... يجرعها الكاذب والصادق
ظن بنان أنني خنته ... روحي إذا من جسدي طالق!
(1/82)

تيماء جارية خزيمة بن خازم
(1/83)

حدثني عمي الحسن بن محمد وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني: أبو همام محمد بن سعيد الخطيب قال: كانت لخزيمة بن خازم: جارية، مدنية شاعرة، يقال لها: تيماء وكان بها مشغوفاً، وهي القائلة وقد خرج إلى الشام ق37:
تفديك نفسي من سوء تحاذره ... فأنت بهجتها والسمع والبصر
لئن رحلت، لقد أبقيت لي حزناً ... لم يبق لي معه في لذة وطر
فهل تذكرت عهدي في المغيب كما ... قد شفني الهم والأحزان والذكر
(1/85)

حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني عبد الله بن عمر الهيثمي، قال حدثني أحمد بن إبراهيم قال: حدثتني تيماء جارية خزيمة بن خازم، قالت: عرضت على حزيمة بن خازم، جارية، مليحة، بكر، حلوة القد والوجه، فمال إليها وأقبل إلي كالمعتذر فقال:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطى إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... بذلت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فأجبته:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركب
والدر ليس بنافع أربابه ... حتى يؤلف في النظام ويثقب
فضحك وإشترانا معاً، ثم غلبتها عليه بعد ذلك.
(1/86)

سكن جارية طاهر بن الحسين
(1/87)

كانت مولدة، بيضاء، حسنة الوجه والغناء، شاعرة، ربيت في دار إبن بخسنر وأخذت الغناء منه ومن أبيه محمد وبناته وجواريه، وعن إسحق الموصلي وطبقته، وسمعها إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي، وإستحسنا طبعها.
وقال إبراهبم: ليت شعري - هذا السيف - لمن يشحذ؟! وكانت مع هذا، قوية الطبع في قول الشعر: فذكر أحمد بن أبي طاهر، عن إبراهيم الطبري، أنها كانت قد حظيت عند طاهر، حظوة شديدة، ثم غلبتها عليه جارية أخرى ملكها، فانقطع عنها
(1/89)

لمدة، - شغلاً بتلك - ثم إجتاز بحجرتها، فوثبت، فقبلت يده، فاستحيا منها، وقال لها: الليلة أزورك! فتأهبت وتزينت وتعطرت - ونسي طاهر وعده، وتشاغل عنها ليلته، فكتبت إليه:
ألا يأيها الملك الهمام ... لأمرك طاعة ولنا ذمام
طمعنا في الزيارة وإنتظرنا ... فلم يك غير ذلك والسلام!
فلما قرأ الرقعة، أطربته وحركته وأهاجت دواعيه، فقام فدخل إليها، فأقام عندها ثلاثاً وعاد لها إلى ما كان عليه، وهي القائلة في عدول طاهر عنها:
للامير المبارك الميمون ... ذي اليمنين طاهر بن الحسين
كنت لي مدة، فصار شريكى ... فيك من لم يكن له أن يكون
فكتمناك ضعف ما قد شكونا ... من تجافيك والحديث شجون
(1/90)

فنون جارية يحيى بن معاذ
(1/91)

حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن زكريا بن يحيى بن معاذ، قال: كانت لبعض عماتي جارية، حسنة الوجه، شاعرة، وكان عمي يهواها ويكتب اليها فيما بينه وبينها فتجيبه وتخرق كتبه ويحتفظ هو بجواباتها، وكتب إليها يعاتبها على تخريقها رقاعه، وينسب ذلك إلى سوء العهد، وكتبت إليه:
يا ذا الذي لام في تخريق قرطاسي ... كم مر مثلك في الدنيا على راسي!
الحزم تخريقه إن كنت ذا أدبوإنما الحزم سوء الظن بالناس
إذا أتاك وقد أدى أمانته ... فاحفظ أساطيره من سائر الناس
وإشقق كتاب الذي تهواه مجتهداً ... فرب مفتضح في حفظ قرطاس
فعلم أن الذي تفعله، أدخل في الحزم من فعله، فأمر بكتبها المجتمعة عنده، فخرقت وأحرقت.
(1/93)

صرف جارية ابن خضير مولى جعفر بن سليمان
(1/95)

صرف جارية ابن خضير مولى جعفر بن سليمان

شاعرة، فصيحة، مغنية، حسنة الوجه، والغناء، كاتبة، من مولدات البصرة، ولها صنعة في الغناء.
ذكر الهشامي منها هذا الصوت:
كريم يغض الطرف فرط حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان
ولحنه من خفيف الرمل.
(1/97)

حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني: أبو هفان: قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: كتبت إلى صرف جارية إبن خضير، وكانت أديبة شاعرة:
حبوت صرفاً بهوى صرف ... لأنها في غاية الظرف
يا صرف ما تقضين في عاشق ... بكاؤه يبدي الذي يخفي؟
فكتبت الي:
لبيك من داع أبا قاسم ... حبك يدنيني من الحتف
صرف التي تسقيك صرف الهوى ... وخلة جلت عن الوصف
(1/98)

نسيم جارية أحمد بن يوسف
(1/99)

الكاتب
مولدة، شاعرة، مغنية.. كان لها من قلبه مكان خطير، فلما مات أحمد بن يوسف الكاتب قالت ترثيه:
ولو أن حياً هابه الموت قبله ... لما جاءه أو جاء وهو هيوب
ولو أن حيا قبله هابه البلى ... إذا لم يكن للارض فيه نصيب
قال أبو القاسم، وهي القائلة وقد غضب عليها:
غضبت بلا جرم علي تجنياً ... وأنت الذي تجفو وتهفو وتعذر
(1/101)

سطوت بعز الملك في نفس خاضع ... ولولا خضوع الرق ما كنت أصبر
فان تتأمل ما فعلت تقم به ال ... معاذير أو تظلم فانك تقدر!
فرضي عنها وإعتذر إليها.
وقالت ترثيه:
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم ... ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهم والأحزان موتات!
(1/102)

عارم جارية زلبهدة النخاس
(1/103)

كانت مولدة من مولدات البصرة، فاشتراها زلبهدة وإبتاعها منه بعض الكتاب ببغداد.
فحدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري، قال حدثني: ميمون بن هارون قال: حدثني الخاركي الشاعر، قال:

مرت بي عارم جارية زلبهدة، يوماً وأنا مخمور فقلت لها يا عارم، قالت: ما لك؟! قلت:
هل لك في أير وأيري مثلي؟ ... ينهض قدامي ويلقى خلفي
أدق عرقيه كأير بغل!
(1/105)

فضحكت ثم قالت:
هل لك في أضيق من حرأمكا ... مستحصف داخله كهمكا؟
تموت إن أبصرته بهمكا!
فأخجلتني يعلم الله، وإنصرفت.
(1/106)

سلمى اليمامية
جارية أبي عباد
(1/107)

أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني محبرة قال: اشترى جدي أبو عباد، جاريته سلمى اليمامية من نخاس مكي، قدم بها عليه، فلما جاءه بها، أراد أن يمتحنها فأنشد لفضل الشاعرة:
من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثة على كبره؟
من نظر شفه وأرقه ... فكان مبدا هواه من نظره!
وقال لها أجيزي ما سمعت!
(1/109)

فقالت غير متوقفة:
ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره
لولا التمني لمات من كمدوالروح فيما أرى على أثره!
قال محبرة وأنشدني أبي يحيى بن أبي عباد لها:
يكفي الزمان فعاله يكفي ... أبقى البغيض وبزنى إلفي
يا نازحاً شط المزار به ... شوقي إليك يجل عن وصفي
أسهرت عيني في تفرقنا ... ما إلتذ بعدك بالكرى طرفي
أغفى لكي القاك في حلمي ... ومن الكبائر ثاكل تغفي!
(1/110)

مراد جارية علي بن هشام
(1/111)

كانت صفراء، مولدة من مولدات المدينة، فاشتراها علي بن هشام، لما حج وقدم بها معه، فكانت تقول الشعر في معاني، فتوجه وتداني به ما يهز من مديحه وأفعاله المستحسنة وأطرابه ومجالسه، وتغنى في أشعارها بذل ومتيم وغيرهما من جواريه.
أخبرني أبو العباس الهشامي المعروف بالمسك، قال: إ، شاعرة علي بن هشام عليه، وهجرته، فكتب إليها:
فإن كان هذا منك حقاً فإنني ... مداو الذي بيني وبينك بالهجر
(1/113)

ومنصرف عنك إنصراف إبن حرة ... طوى وده والطي أبقى على النشر
فكتبت إليه:
إذا كنت في رقى هوى وتملك ... فلابد من صبر على مضض الصبر
وإغضاء أجفان طوين على قذى ... وإذعان مملوك على الذل والقسر
وذلك خير من معاداة مالك ... صبور على الإعراض والصد والهجر
وهي القائلة ترثي مواليها:
هل مسعد لبكاء ... بعبرة أو دماء
وذاك مني قليل ... للسادة النجباء
أبكيهم في صباحي ... بلوعة ومسائي
حدثني الهشامي قال: كتبت متيم وبذل كتاباً إلى علي بن هشام وهو بالجبل يتشوقانه، فقالت لهما مراد: إتركا لي في آخره، موضعاً، فتركاه، فكتبت إليه:
نفسي الفداء وقلبي للذي رحلا ... عنا وفارقنا وإستوطن الجبلا
نأى السرور وولى يوم ودعنا ... وخلف الهم فينا بعده بدلا
فغنت فيه متيم لحناً من خفيف الرمل. وقالت لمراد قولي أشعاراً ترثين فيها مولاي حتى ألحنها الحان النوح، وأندبه بها فقالت عدة أشعار في مراثيه وناحت بها متيم.
(1/114)

منها:
عين جودي بعبرة وعويل ... للرزيئات، لا لعافي الطلول
لعلي وأحمد وحسين ... ثم نصر وبعده للخليل
وصنعت فيها متيم الحاناً، لم تزل جواريها ونساء آل هشام ينحن بها، عليهم.
فحدثني بعض عجائز أهلها، قالت: إني لأذكر - وقد توفي بعض آل هشام - فجاء أهله بنوائح فنحن عليه نوحاً لم يبلغن ما أراد، وقام جواري متيم فنحن بشعر مراد وألحان متيم في النوح، فاشتغل المأتم وإرتفع البكاء والصراخ، وكانت ريق - جارية إبراهيم بن المهدي - قد جاءتنا قاضية للحق، فإني لأذكر من ترخص قولها:
لعلي وأحمد وحسين ... ثم نصر وقلبه للخليل
فبكت ريق بكاء شديداً، ثم قالت: رضي الله عنك يا متيم، فقد كنت علماً في السرور وأنت الآن علم في المصائب!
(1/115)

متيم الهشامية
(1/117)

جارية علي بن هشام
كانت متيم تعبث بقول الشعر، ولم يقع الي شيء من شعرها، إلا في خبر حدثني به الحرمي بن أبي العلاء: قال: حدثني الحسين بن محمد بن طالب الديناري، قال حدثنا: الفضل بن العباس بن يعقوب، قال: حدثني أبي قال: قال المأمون لمتيم أجيزي هذين البيتين:
تعالى تكن للكتب بيني وبينكم ... ملاحظة نومى بها ونشير
فعندي من الكتب المشومة خيرة ... وعندي من شؤم الرسول أمور
(1/119)

فقالت:
جعلت كتابي عبرة مستهلة ... على الخد من ماء الجفون سطور
ورسلي بحاجاتي وهن كثيرة ... اليك إشارات بها وزفير
أخبرني جحظة، قال: قال لي هبة الله بن إبراهيم بن المهدي، حدثني أبي، قال: كانت متيم جارية علي بن هشام، شاعرة، فلما حبس المأمون مولاها علي بن هشام، كتبت إليه هذه الأبيات، وسألتني أن أوصلها وأستعطفه على علي، ففعلت، فما عطف عليه، والأبيات:
قل لمأمون العلاما ذنب مولا ... ك علي، إن كان فوق الذنوب؟
ما رئى فوق إرتفاعك بالعف ... وبفضل المالك المحجوب
فتجشم كظماً لغيظك تسعد ... بثواب من الجواد المثيب
وتغنم دعاء معولة حر ... ى تقربك، من دعاء مجيب
وحدثني أبو العباس الهشامي، عن أبيه، وعن غيره من أهله: أن متيماً مرت على باب مولاها، فرأته وعليه المزابل، وهو مسود، فوقعت مغشياً عليها، ثم أفاقت، وقالت:
يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لاطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك، لكنني ... بكيت عيشي فيك ولى
(1/120)

قد كان لي فيك هوى مرة ... غيبه الترب وما ملا
فصرت أبكي بعده جاهداً ... عند إدكاري حيث قد حلا
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى
قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يناشدنها ويقلن: الله الله في نفسك! فانك الآن تؤخذين، فبعد لأي ما، إحتملت تتهادى بين إمرأتين حتى جاوزت الموضع.
حدثني جحظة، قال حدثني إبن الدهقانة النديم، قال: لما حضر الواثق الموت، أمر أن يفرش له في الجديد، ففرش، ودعا بعثعث أو رذاذ، وأمره أن يغني له بهذه الأبيات، وزمر عليه ونام ففعل، فلم يزل كذلك، حتى مات.
(1/121)

سمراء وهيلانة
(1/123)

شاعرتان، مولدتان، كانتا لرجلين من نخاسي بغداد، وكان الشعراء أيام المعتصم، وقبلها، يدخلون عليهما ق48 يسمعون صوتهما ويقيمون عندهما، ويجتمع لذلك أهل الأدب والكتاب فينفقون عليهما.
فحدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني محمد بن القاسم بن معرويه، قال: حدثني علي بن الحسن الشيباني، قال حدثني أبو الشبل البرجمي قال: كنت اختلف إلى سمراء وهيلانة، وكانتا لنخاسين في الكرخ وكانا
(1/125)

متضادين، متعاديين بسببهما، وكل واحد منهما يستدعي الشعراء فيفضل عليهم، ويقول كل واحد فيمن كان يتعصب له منهما شعراً، يمدحها به، ويهجو الأخرى ويسالم قوم منهم، فيواصل هذه، وهذه! قال أبو الشبل: وكنت من هذه الطبقة، فدخلت يوماً إلى سمراء، فتحدثنا ساعة، ثم أنشدتها بيتاً لأبي المستهل - شاعر منصور بن المهدي - في المعتصم وفتحه عمورية وقلت لها أجيزي:
أقام الإمام منار الهدى ... وأخرس ناقوس عموريه
فقالت:
كساني المليك جلابيبه ... ثياباً علاها بسموريه
فأعلا إفتخاري بها رتبتي ... وأذكى ببهجتها نوريه
ثم دعت بالطعام فأكلنا وخرجت من عندها، ودخلت إلى هيلانة ق49 فقالت: من أين يا أبا الشبل؟ فقلت: من عند هيلانة! قالت: قد علمت أنك تبدأ بها! - وصدقت لأنها كانت أجملهما! فقلت قد صدقت.
قالت: وأعلم أنها لم تدعك تخرج حتى أكلت؟ قلت: نعم.
قالت: هل لك في الشراب؟ قلت: أجل، فأحضرته، وأخذنا في الحديث، فقالت أخبرني ما دار بينكما؟ فأخبرتها، فقالت:
(1/126)

هذه المسكينة، كانت تجد البرد، هي وشعرها، فاحتاجا إلى سمورية! فهلا قالت:
فأضحى به الدين مستبشراً ... وأضحت زناد الهوى موريه
فقلت لها: أنت والله في كلامك أشعر منها في شعرها، وفي شعرك أشعر أهل عصرك!
(1/127)

ظلوم جارية محمد بن مسلم
الكاتب
(1/129)

وكانت شاعرة، كاتبة، مغنية، باعها لبعض الكتاب.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال:
كان محمد بن مسلم، الكاتب، صديقاً لي، وكان يكنى أبا الصالحات، وكانت له جارية، يقال لها ظلوم، فرأيتها عنده يوماً ق50 وهي إلى جانبه، وعلى رأسها كور منسوج بالذهب، عليه مكتوب:
وإني على الود الذي قد عرفتم ... مقيم عليه لا أحول عن العهد
(1/131)

وذلك أدنى طاعتي لمودتي ... وأيسر ما أطفي به علة الوجد
فقلت لها: ما أملح هذا الشعر على كورك! قالت: أتحب أن أغنيك؟ قلت: نعم! فغنته أملح غناء، فقلت: لمن الشعر؟ قالت: هو لي.
قال: ثم اشتراها بعد ذلك رجل من الكتاب.
(1/132)

عريب المأمونية
(1/133)

عريب بفتح العين وكسر الراء وفي الأصل: غريب بالغين تحريف كذلك في م.
توفيت 277هـ في سر، من لأى قيل عن 96 عاماً، وجعل ابن شاكر الكتبي وفاتها: 230هـ، وذكر السيوطي أنها ولدت سنة 181هـ.
ترجمة عريب وأخبارها في: الأغاني 5: 279، 22: 157 - 185 في ترجمة ابن المدبر وفي مواضع أخرى تنظر الفهارس.
طبقات ابن المعتز 425 - 426، بغداد لطيفور: 165 - 177 - 179، أخبار الزجاجي: 113، الهدايا والتحف: 111 - 113، 174، الديارات: 64، 65، 105، 165 وتنظر الفهارس، الجهشياري: 154 - 155، إبن الأثير حوادث 277، البصائر والذخائر 1 - 2: 261 - 168، بدائع البدائة: 94، نساء الخلفاء: 58 - 59، عيون التوارسخ مخطوط: حوادث 230هـ، مسالك الأبصار مخطوط 8: ق 108 - 111، المستظرف للسيوطي: 37 - 38، أعلام النساء: 3: 261 - 268، الأعلام: 4: 227 - 228.
(1/135)

عريب المأمونية
حدثني محمد بن مزيد ويحيى بن علي قالا: حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي قال: قال لي أبي: ما رأيت إمرأة قط، أحسن وجهاً وأدباً وغناء وشعراً وضرباً ولعباً بالشطرنج والنرد من عريب! وما تشاء أن تجد خصلة، حسنة، ظريفة، بارعة في إمرأة إلا وجدتها فيها!.
حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم، قال: خرجت يوماً من حضرة المعتمد، فصرت إلى عريب، فلما قربت من دارها أصابني مطر بل ثيابي، إلى أن وصلت إلى دارها، فلما دخلت إليها أمرت بأخذ ثيابي عني، وأتيت بخلعة، فلبستها وأحضرنا الطعام ق51 فأكلنا، ودعت بالنبيذ وأخرجت جواريها، ثم سألتني عن خبر الخليفة في أمس ذلك اليوم، وشربه وأي شيء كان صوته؟ وعلى من كان؟ فأخبرتها أن بناناً غناه؟
وذي كلف بكى جزعاً ... وسفر القوم منطق
به قلق يململه ... وكان وما به قلق!
جوارحه على خطر ... بنار الشوق تحترق
جفون حشوها الأرق ... تجافى ثم تنطبق
فأمرت بإحضار بنان فاحضر، وقدم الطعام فأكل وشرب وأتى بعود وإقترحت الصوت عليه فغناه، وأخذت دواة ودرجاً فكتبت:
أجاب الوابل الغدق ... وصاح النرجس الغرق
(1/136)

فهات الكأس مترعة ... كأن حبابها حدق
تكاد بنور بهجتها ... حواشي الكأس تحترق
فقد غنى بنان لنا ... جفون حشوها الأرق
قال علي بن يحيى: فعدل بنان بلحن الصوت إلى شعرها وغنانا فيه، فشربنا عليه بقية يومنا حتى سكرنا.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال أنشدني محمد بن الفضل النيسابوري ق52 لعريب ترثي العباس بن المأمون:
يا من بمصر غدرها الدهر ... قد كان فيك يصاول الدهر
زعموا قتلت وعندهم عذر ... كلا، وربك ما لهم عذر
حدثني عمي الحسن بن محمد قال أخبرني أحمد بن المرزبان قال: غضبت قبيحة عن عريب، ثم رضيت عنها، فقالت فيها هذا الشعر وغنت فيه:
سبحان من أعطى عريب الذي ... رجته في المولاة والمواليا
أعطاك في المعتز أمنية ... والسؤل في سيدة الدنيا
ورد حسن الرأي منها لها ... وطيب الله لها المحيا
(1/137)

وحدث إبن المعتز أن بعض جواريهم حدثه أن عريباً، كانت تتعشق صالحاً المندري، الخادم وتزوجته سراً، فوجه به المتوكل في حاجة إلى مكان بعيد، قالت فيه شعراً وصاغت فيه لحناً في خفيف الثقيل وهو:
أما الحبيب فقد مضى ... بالرغم مني لا الرضا
أخطأت في تركي لمن ... لم ألق منه عوضا
لبعده عن ناظري ... صرت بعيشي عرضا
ق53 وغنته يوماً بين يدي المتوكل فاستعاده مراراً، وجواريه يتغامزن ويضحكن، ففطنت وأصغت إليهن سراً من المتوكل، وقالت: يا سحاقات هذا خير من عملكن! قال وحدثنا عن بعض جواري المتوكل، أنها دخلت يوماً إلى عريب فقالت لها: تعالي ويحك قبلي هذا الموضع مني، فإنك ستجدين ريح الجنة فيه! وأومأت إلى سالفتها، قالت ففعلت وقلت لها: ما السبب في هذا؟! قالت: قبلني الساعة صالح المنذري في هذا الموضع!.
حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني ميمون بن هارون قال: كتبت عريب إلى محمد بن حامد - الذي أنت تحبه - تستزيره فكتب لها: إني أخاف على نفسي من المأمون، فقالت:
إذا كنت تحذر ما تحذر ... وتعلم أنك لا تجسر
فما لي أقيم على صبوتي ... ويوم إخائك لا يقدر؟
(1/138)

قال وكتب إليها محمد بن حامد يعاتبها على شيء بلغه عنها وإعتذرت إليه فلم يقبل، فكتبت إليه:
تبينت عذري فما تعذر ... وأبليت جسمي ولا تشعر
ألفت السرور وخليتني ... ودمعي من العين لا يفتر
ق 54 فقبل عذرها وصار إليها.

حدثني عرفة، وكيل بدعة، قال:
دخلت عريب إلى المتوكل، وقد أفاق من علة، كانت أصابته، وعاد إلى عادته، وإصطبح، فغنته وأنشأت تقول:
شكراً لأنعم من عافاك من سقم ... دمت المعافى من الآلام والسقم
عادت ببرديك للأيام بهجتها ... وإهتز نبت رياض الجود والكرم
ما قام بالجود بعد المصطفى ملك ... أعف منك ولا أرعى على الذمم
فعمر الله فينا جعفراً ونفى ... بنور سنته عنا دجى الظلم
فطرب، وشرب عليه رطلاً، وأجلسها إلى جانبه، وما زالت تغنيه به ويشرب حتى سكر.
104 - قال عرفة ودخلت عليه، قبل نهوضه من العلة والحمى لعيادة، فقال لها: أنت مشغولة عني بالقصف وأنا عليل! فقالت هذا الشعر:
أتوني فقالوا: بالخليفة علة ... فقلت ونار الشوق تقدح في صدري:
(1/139)

ألا ليت بي حمى الخليفة جعفر ... فكانت بي الحمى، وكان له أجري
كفى حزناً أن قيل حم فلم أمت ... من الحزن إني بعد هذا لذو صبر
جعلت فداء للخليفة جعفر ... وذاك قليل من ثناي من شكري
فلما عوفي، قالت ق55:
حمدنا الذي عافى الخليفة جعفراً ... على رغم أشياع الضلالة والكفر
فما كان إلا مثل بدر أصابه ... كسوف قليل ثم جلى عن البدر
سلامته للدين عز وقوة ... وعلته للدين قاصمة الظهر
مرضت، فأمرضت البرية كلها ... وأظلمت الأبصار من شدة الذعر
فلما إستبان الناس منك إفاقة ... أقاموا وكانوا كالنيام على الجمر
سلامة دنيانا سلامة جعفر ... فدام معافى سالماً آخر الدهر
أقام يعم الناس بالعدل والتقى ... قريباً من التقوى بعيداً من الوزر
وغنت في الأبيات الأولى، نشيداً وفي الثانية بسيطة.
وقالت فيه:
حمدنا الذي عافاك يا خير من مشى ... بأنفسنا الشكوى وكان له الأجر
أتوني فقالوا لي بجعفر علة ... فقلت لهم يا رب ما إنكسف البدر!
قال أبو الفرج: نسخت من كتاب جعفر بن قدامة: حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون، قال: وصف للمتوكل موضع بشبداز، فأمر أن يبنى له قصر، ويجعل في صدره
(1/140)

ثلاثة أزواج، معقودة، ويصور فيها مثل تلك الصور، ويجمع حذاق الصناع، ويجعل فيه من المجالس، والحجر ما يصلح ففعل ذلك، فلما فرغ منه، أمر بأن تفرش له الأزج المصور، ففرش، وجلس فيه يشرب، فغنت عريب ق56 في شعر: قالت فيه، وهو:
بالسعد واليمن ما ترى قصر شبداز ... حللته في سعادات وإعزاز
فإشكر لمن بك تمت فيه نعمته ... بناؤه تم في يسر وإيجاز
لو رام هذا لأعيا دون مبلغه ... دارا وقصر عنه ملك برواز
بجعفر وضحت سبل الهدى وبه ... راش البرية طراً بعد إعواز
وحدثني إبن حمدون قال:
مرضت قبيحة فقال المتوكل لعريب قولي في علة قبيحة شيئاً وغنني فيه، ولكن قولك الشعر على لساني، يذكر أني قلق عليها فقالت عريب، وأنشأت تقول:
شبت قبيحة في قلبي لها حرقا ... وبدلت مقلتي من نومها أرقا
ما ذاك إلا لشكواها فقد عطفت ... قلبي على كل شاك بعدها شفقا
كأنها زهرة بيضاء قد ذبلت ... أو نرجس مسك من طيبها عبقا
إني لأرحم من حبي لها سلمتمن كل حادثة يا قوم من عشقا!
(1/141)

وغنت فيه لحناً من خفيف الرمل، فاستحسنه المتوكل وأمرها أن تدخل إلى قبيحة فتنشدها الشعر وتغنيها به، ففعلت.
فقالت لها قبيحة فأجيبيه عني فقالت:
يا سيدي أنت حقاً سمتني الأرقا! ... وأنت علمت قلبي الوجد والحرقا!
لولاك لم أتألم علة أبداً ... لكن على كبدي أسرفت فإحترقا!
إذا شكوت إليه الوجد كذبني ... وإن شكا قال قلبي خيفة: صدقا!
وخرجت إليه أنشدته الشعر وغنت فيه وفي الشعر الأول، لحناً واحداً.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أحمد بن حمدون، قال: قال دخلت عريب على المعتمد يوماً، وهو مخمور يتململ خماراً، فأخذت دواة ودرجاً، وقالت هذا الشعر، وغنت فيه لحناً من الهزج، فجلس وقال: أحسنت وحياتك! ودعا بقدح فشربه، ودعا بالطعام، فأكل وشرب على الصوت بقية يومه، والشعر:
قلبي هام بأحمد ... لا بالظباء الخرد
بعديك كل أحمد ... بعد النبي أحمد:
الهاشمي الأبطحي ... القرشي المهتدي!
فأجازها، يومئذ، بجوائز سنية، حسنة، من مال وجوهر، وطيب وثياب.
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني أحمد بن المرزبان، قال: دخلت عريب على المتوكل، في أول يوم في المحرم، وهو مقيم
(1/142)

بالقاطول يشرب في الزو وقد قالت في ليلتها هذه الأبيات:
سنة وشهر قابلا بسعود ... وجه الخليفة إنه لسعيد
أشرب على ملك أتاك مجرداً ... في كل يوم ما تحب جديد
سنة إلى تسعين عقد حسابها ... وعنان ملك محكم معقود
فالزو والقاطول أحسن منظر ... وغنا عريب ما لذاك نديد
وغنت فيه رملاً حسناً، فشرب عليه يومه ذلك، وأمر لها بخمسة الآف دينار جديد من ضرب السنة.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني عبد الله بن المعتز قال: وقعت إلي رقاع لعريب، مكاتبات منثورة ومنظومة، فقرأت رقعة منها إلى المأمون وقد خرج إلى فم الصلح لزفاف بوران:
أنعم تخطتك صروف الردى ... بقرب بوران مدى الدهر
درة خدر لم يزل نجمها ... بنجم مأمون العلا يجري
حتى إستقر الملك في حجرها ... بورك في ذلك من حجر
يا سيدي لا تنس عهدي فما ... أطلب شيئاً غير ما تدري
قال عبد الله بن العتز، فذكرت ذلك لعجوز من جواري بوران فعرفت القصة، وحدثني أن المأمون قرأ الرقعة على بوران وقال لها أفهمت معنى الزانية؟! قالت نعم بالله يا سيدي ألا سررتني بالكتاب لحملها إليك فإني والله أسر
(1/143)

بذلك وأشكره من تفضلك فضحك ق59 وأمر بالكتاب يحمل إليها.
ومن شعرها في المتوكل قولها:
بجعفر زادني الرحمان إيمانا ... جزاله العرش بالإحسان إحسانا
وزاد في عمره طولاً ومنزلة ... فيه وأعلا له في الأرض سلطانا
ولها فيه:
بوجه أمين الله جعفر أشرقت ... وإنبث في الأرض نورها
وقام خطيباً فاكتسى العدل بهجة ... وعزت به التقوى ودام سرورها
ولها فيه:
بجعفر نام المسلمون توكلا ... على أنه عن أمرهم غير نائم
أقام رشيد الأمر في كل فعلة ... به هدر في كل باغ وظالم
ولها في المستعين:
بوجه المستعين يزيد حسناً ... بنا قد جل عن كنه الصفات
وأم المستعين لها أياد ... سوابق في الندى متتابعات
على البركات حلت خير دار ... وأيمن طائر وعلى الثبات
أقامت في مجالس مونقات ... شوامخ بالسعود متوجات
بناء مشرق يزداد حسناً ... بأحمد ذي العلا والمكرمات
(1/144)

ولها فيه ق60:
أيها الطارقون في الأسحار ... أصبحونا، فالعيش في الابتكار
لآ تخافوا صرف الزمان علينا ... ما لصرف الزمان والأحرار
إنما المستعين بالله جار ... وهو بالله في أعز الجوار
ملك في جبينه كسنا البر ... ق ونور يعلو على الأنوار
حل بستان شاهك طائر الس ... عد بوجه الإمام ذي الأسفار
جدد الله فيه كل نعيم ... في معين بربوة وقرار
وبه النرجس المضاعف يدعو ... نا خلال الأشجار والأنهار
إنزلوا عندنا سرور مقيم ... وحديث يطيب للسمار
وبه زهر البنفسج تهت ... ز مع الورد في عراض البهار
ونبات الأترج قد قابل التف ... اح صلى صغاره بالكبار
وأغاني عريباً إذ نثر الدر ... إذا ما شدت على الأوتار
وترى الأرض وجهها مشرق يضح ... ك بين النوار في الأشجار
وبها الصيد من حبارى ودرا ... ج وغر يصاد بالأطيار
ومتى شئت صدت فيها غزالاً ... وتصيد الحيتان في جوف دار
وترى الضب فيه والنوق والملا ... ح والحاديين خلف القطار
مجمع العير والسفين إليه ... فرضة البر فرضة للبحار
حكمة تعجز الشياطين عنها ... وإحتراق الزلال جوف المجاري
ما رأينا كسيد جمع الفض ... ل بحسن التدبير والأختيار
فاذا عاش للانام وصيف ... وبغا فالملك ثبت القرار
فهما جنة الأنام وسيفا ... هـ وأنصاره على الكفار
دام هذا وزاد فيه بمولا ... نا على رغم أنفس الأشرار
ولها فيه نصب وبسيطة هزج مطلق.
(1/145)

ومن شعرها في المستعين:
بارتياح الخليفة المستعين ... جمع الله كل دنيا ودين!
وبعدل الخليفة المستعين ... إستجارت من البكاء جفوني
ومنها قولها فيه:
بالمستعين إمام أمة أحمد ... عم الإله سوابغ النعماء
الله من على الإنام بملكه ... لولاه كانوا في دجى عشواء
يا خير م قصدت له آمالنا ... لسداد ثغر أو لبذل عطاء
أعطاك في العباس رب محمد ... ما يأمل الخلفاء في الأمراء
ووقاك فيه والرعية كلهاما تحذر الآباء في الأبناء
وآراكه من فوق منبر أحمد ... يتلو عليه مواعظ الخلفاء
ولها فيه ق62:
بالمستعين أنارت الدنيا ... وصفا لأهل الطاعة المحيا
ملك إذا عدت محاسنه ... لم يستطع أحد لها إحصا
أبقاه في عز وعافية ... رب العلا ما شاء أن يبقى
ولها فيه:
بالمستعين الإمام أحمد قا ... م العدل فينا فالخير منتشر
بدا لنا يوم عقد بيعته ... يشرق نوراً كأنه القمر
فالحمد لله لا شريك له ... قد رزق الناس أحسن الخبر
(1/146)

ولها فيه:
بوجهك نستجير من الزمان ... ويطلق كل مكروب وعاني
أشعت العدل والإحسان حتى ... غدوت من المآثم في أمان
فنسأل ربنا عوناً بشكر ... فقد أعطاك مفروج الأماني
إذا سلم الأمام فكل نفس ... فداء المستعين من الزمان!
ومن شعرها في المعتز وأمه قبيحة، قولها:
إسلمي يا دار ذات الع ... ز للمعتز دارا
ثم كوني لولي الد ... هر خلداً وقرارا
أبداً معمورة ما ... طرد الليل النهارا
ويكون الله للدي ... ن وللإسلام جارا
وولياً ونصيراً ... حيث ما حل وسارا
يا أمير المؤمنين إختا ... رك الله إختيارا
وولاة العهد ... للدين، صغاراً وكبارا
دام لدهر لنا ما ... طلع النجم وغارا
ولها فيه خفيف وثقيل.
ولها في المعتمد تعاتبه:
بارك الله للإمام أبي العباس غيث الأنام في المعشوق
يا سيد البدر المنير كمالاً ... وإبن عم الهادي النبي الصدوق
(1/147)

فيم يا سيدي ومولاي أشم ... ت عدوي وسؤتني في صديقي؟
ولها فيه:
بالقمرين المنيرين أنارت الدنيا ... وتكففت عن أهلها البلوى
قمر السماء ووجه أحمد أنه ... في الحسن نال الغاية القصوى
(1/148)

عامل جارية زينب بنت إبراهيم
(1/149)

عامل، جارية زينب بنت إبراهيم الهاشمية، أخت عبد الوهاب بن إبراهيم، كانت من أحسن الناس وجهاً وغناء وشعراً، وكان إبراهيم بن العباس ق64 الصولي، يهواها.
حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال حدثني ابن السخي قال: كان إبراهيم بن العباس، يهوى جارية لزينب بنت إبراهيم، أخت عبد الوهاب بن إبراهيم الهاشمي وكانت مولاتها تقين عليها وتخرجها إلى الوجوه بسر من رأى، وكانت شاعرة، مغنية، كاملة في الظرف وفي الحسن
(1/151)

والإحسان وكان إبراهيم بن العباس ممن أخرجتها عليه فمالت إليه، وأصفته مودتها، وإمتنعت من جماعة، كانوا يهوونها وإحتجبت عنهم، ثم إن إبراهيم علق غيرها، جارية كانت للواثق أهداها إليه بعض الملوك الأتراك، فخرجت عن القصر بعد وفاة الواثق، حرة، وكانت ولدت منه بنتاً، فماتت الابنة، فلما واصلها، جفا الأولى، فلما تبينت جفاه، وعرفت خبره، كتبت إليه هذه الأبيات:
بالله يا نقض العهد، ليت بمن ... بعدك من أهل ودنا نثق
وآسوأتا وأستجيبت لي أبداًإن ذكر العاشقون من عشقوا
لا غرني كاتب له أدب ... ولا ظريف مهذب لبق
كنت بذاك اللسان تخلبني ... دهراً، ولم أدر أنه ملق!
قال إبراهيم: فلما قرأت الأبيات، أخذني مثل الجنون، فصرت إليها وترضيتها، وهجرت الواثقية، فلم نزل على حال مصافاة ومواصلة، حتى فرق الموت بيننا.
(1/152)

ريا وظمياء
(1/153)

ريا وظمياء مولدتان من مولدات المدينة.
حدثني محمد بن خلف المرزبان، قال حدثني: أحمد بن سهل الكاتب، وكان أحد كتاب صاعد، قال: سمعت الحسن بن مخلد، يحدث أن رجلاً نخاساً من أهل اليمامة، قدم بجاريتين، شاعرتين من مولدات اليمامة على المتوكل فعرضهما عليه من جهة الفتح بن خاقان، فنظر إلى إحداهما، فقال لها: ما إسمك؟ قالت: ريا. قال: أنت شاعرة؟ قالت: كذا يزعم مالكي! قال: فقولي في مجلسنا هذا شعراً ترتجلينه وتذكرينني فيه وتذكرين الفتح، فتوقفت ساعة ثم أنشدت:
أقول وقد أبصرت صورة جعفر ... إمام الهدى والفتح ذي العز والفخر
أشمس الضحى أم شبهها وجه جعفر ... وبدر السماء الفتح أم شبهه البدر؟
(1/155)

فقال للأخرى، أنشدي أنت شيئاً، إن كنت قلت، فقالت:
أقول وقد أبصرت صورة جعفر ... تعالى الذي أعلاك يا سيد البشر
وأكمل نعماه بفتح ونصحه ... فانت لنا شمس وفتح هو القمر
فأمر بشراء الأولى منهما، ورد الأخرى، فقالت المردودة، لم ق66 رددتني يا مولاي؟ قال: لأن في وجهك نمشاً! فقالت:
لم يسلم الظبي على حسنه ... يوماً ولا البدر الذي يوصف
الظبي فيه خنس بين ... والبدر فيه نكتة تعرف
فأمر بأن تشتري
(1/156)

محبوبة جارية المتوكل
(1/157)

كانت مولدة، شاعرة، مغنية، متقدمة في الحالتين على طبقتها. حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر إليه لما ولي الخلافة في جملة أربع مائة جارية قيان وسواذج فتقدمتهن عنده، فلما قتل صارت إلى وصيف، فلزمت السلب وفاء للمتوكل، حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إياها فأعتقها، وقال لها: أقيمي حيث شئت، فانحدرت من سر من رأى إلى بغداد، وأخملت نفسها حتى ماتت.
(1/159)

حدثني جعفر بن قدامة، عن ملاوي الهيثمي، وعلي بن يحيى المنجم بذلك.
وحدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن خرداذبة قال: حدثني علي بن الجهم قال: كنت يوماً بحضرة ق76 المتوكل، وهو يشرب ونحن بين يديه إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة بغالية، فقبلتها وإنصرفت عن حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إليه، فقرأها وضحك، وضحكاً كثيراً، ثم رمى بالرقعة إلينا فإذا فيها مكتوب:
يا طيب تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي
أبكي إليها وأشتكي دنفي ... وما ألاقي من شدة الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكت ... من رجفتي هذه التي بيدي
إن كنت لا تعلمين ما لقيت ... نفسي فمصداق ذاك في جسدي
فإن تأملته علمت بأن ... ليس لخلق عليه من جلد!
فما بقي أحد إلا إستظرفها وإستملح الأبيات، وأمر عريباً وشارية فصنعا في الشعر لحنين غنى بهما في يومه.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: قال المتوكل لعلي بن الجهم، وكان يأنس به ولا يكتمه شيئاً من أمره: يا
(1/160)

علي، إني دخلت على قبيحة الساعة، فوجدتها قد كتبت إسمي على خدها بغالية، فو الله ما رأيت أحسن من سواد الغالية على ق66 بياض ذلك الخد!، فقل في هذا شيئاً! وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع الكلام، فإلى أن دعا بالدرج والدواة، قالت على البديهة: وكاتبة، وأنشأت تقول:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً ... بنفسي مخط المسك من حيث أثرا
لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
فيا من لمملوك لملك يمينه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا!
ويا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
قال: فبقي علي بن الجهم واجماً لا ينطق بحرف، وأمر عريب فغنت فيها هذه الأبيات التي تقدم ذكرها.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم: أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة منهن، فيهن محبوبة، فاصطبح يوماً وأمر باحضار الجواري، فاحضرن وعليهن الثياب الفاخرة الملونة والحلي، وقد تزين، إلا محبوبة فإنها جاءت في بياض غير فاخرة، فغنى الجواري، وشرب، وقال لمحبوبة: غني!، فأخذت العود وغنت وهي تبكي:
أي عيش يطيب لي ... لا أرى فيه جعفرا
ملكاً قد رأته عي ... ني طريحاً معفرا
(1/161)

كل من كان ذا سقا ... م وحزن فقد برا
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى
لا شترته بملكها ... كي توارى وتقبرا
إن موت الأخوين ... أطيب من أن يعمرا
فاشتد ذلك على وصيف، وهم بقتلها، فاستوهبها بغا فأعتقها فأخملت نفسها إلى أن ماتت.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ملاوي عن علي بن الجهم، قال: غاضب المتوكل محبوبة، فاشتد عليه بعدها عنه، ثم جئته يوماً، فحدثني أنه رأى في النوم أنها قد صالحته، ودعا بخادم، وقال له: أذهب، فاعرف خبرها، وأي شيء تصنع! فرجع وأعلمه أنها تغني، فقال: أما ترى إلى هذه! تغني وأنا عليها غضبان؟! قم بنا حتى نسمع أي شيء تغني؟ فقمنا حتى صرنا إلى حجرتها، فإذا هي تغني بهذه الأبيات:
أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني ركبت معصية ... ليست لها توبة تخلصني
فهل لنا شافع إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني
(1/162)

فطرب المتوكل وأحست به، فخرجت إليه، وخرجنا نتبادر، فأعلمني أنها رأته في النوم قد جاءها فصالحها، فقالت هذا الشعر، وغنت فيه، فأقام عندها يشرب وخرجت إلينا الجوائز.
(1/163)

بنان جارية المتوكل
(1/165)

أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني: يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال: حدثني الفضل بن العباس الهاشمي قال: حدثتني بنان الشاعرة، قالت: خرج المتوكل يوماً يمشي في صحن القصر وهو متوكئ على يدي، ويد فضل الشاعرة، يمشي بيننا، ثم أنشد قول الشاعر:
تعلمت أسباب الرضا خوف سخطها ... وعلمها حبي لها كيف تغضب
ثم قال: أجيزا هذا البيت.
(1/167)

فقالت فضل:
تصد وأدنو بالمودة جاهداً ... وتبعد عني بالوصال وأقرب
فقلت:
وعندي لها العتبي على كل حالة ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب
(1/168)

ريا جارية إسحق الموصللي
(1/169)

حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني حماد بن إسحاق، قال:
كانت ريا جارية أبي، صفراء، مليحة، حلوة الوجه، ربيت باليمامة، وإشتراها أبي لما حج، وكان يحبها، وهي القائلة فيه:
يا لذيذ المعانقة ... يا كريه المفارقه
جزت يا منتهى المنى ... بي حد الموافقه
وأنا دون من ترى ... لك ولله عاشقة
وفيه لحن من الرمل، لبعض جوارينا، إما صيد وإما دمن وكانت قد أخذت الغناء عنهما.
(1/171)

أمل جارية قرين النخاس
(1/173)

أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك، قال: حدثني أبو حفص الشطرنجي، قال: قال لي صالح بن الرشيد أن لقرين النخاس، جارية شاعرة، فاعترضها وعرفني خبرها! فدخلت إلى قرين، وأخبرته بالقصة، فأخرج إلي، جارية حسناء، ظريفة، حلوة المنطق، فقلت لها ما إسمك؟ فقالت: اسمي إذا بلغته، فقد بلغت المنتهى! قلت لها: فاسمك إذن أمل؟ فضحكت، فقلت لها: يقول لك الأمير ق72.
(1/175)

سل المهيمن خالق ال ... خلق الكثير ورازقه
ألا أموت بغصتي ... يوماً وأنت مفارقه
فأخذت دواة ودرجاً وكتبت
لا بل أراك وأنت لي ... مملوكة ومعانقه
لو كنت أعلم أن نفسك في المحبة صادقه
لدنوت منك ولو علوت إلى الجبال الشاهقه
ولهان عندي قول ساع ناطق أو ناطقه
هل غير قولهم جميعاً أنني لك عاشقه؟
وكذاك نحن فكان ما ... ذا عاشق مع عاشقه
وقالت إدفع هذا الجواب إلى الأمير فأتيته بها، فضحك وأمر بأن تبتاع له.
(1/176)

مثل جارية إبراهيم بن المدبر
(1/177)

حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال: إشتريت جارية، شاعرة، مدنية، يقال لها مثل وقد تعالت سني وكبرت، فلما كان الليل خلوت بها فلم تنهضني شهوتي، فخجلت، فقلت هذا البيت ق71:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
فقالت:
وربما فات بعض القوم أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
فخجلت يعلم الله منها، وعلمت أن فيها ما في المدنيات من الشبق، وعرفت ما عندي من العجز فبعتها كارهاً غير راض.
(1/179)

نبت جارية مخفرانة المخنث
(1/181)

كانت مغنية حسنة الغناء، محسنة، وقد ذكرت خبرها في كتاب القيان، وكانت شاعرة، سريعة الهاجس، إشتراها المعتمد.
فأخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوماً على نبت جارية مخفراته، فقلت لها: قد قلت مصراعاً فأجيزيه! فقالت: قل! فقلت: يا نبت حسنك يغشي بهجة القمر.
فقالت: قد كاد حسنك أن يبتزني بصري فأقبلت أفكر، فسبقني، فقالت:
وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر
(1/183)

فزاد فكري، فبادرتني، فقالت:
فهل لنا فيك حظ من مواصلة ... أو لا فإني راض منك بالنظر؟!
ق74 فقمت خجلاً، ثم عرضت على المعتمد فاشتراها برأي علي بن يحيى المنجم بثلاثين ألف درهم، فذكر أحمد بن الطيب، - عن بعض الكتاب - أنها عرضت على المعتمد فامتحنها في الغناء والكتابة فرضي بما ظهر له منها.
وكان أول صوت غنته في لحن لعريب، والشعر في المعتمد:
سنة وشهر قابلا بسعود ... وجه الخليفة أنه لسعيد
يا سيد الخلفاء دام لك الذي ... تهواه مسعوداً برغم حسود
عام إلى تسعين عقد حسابه ... وعنان ملك محكم معقود
والحير والقاطول أحسن منزل ... وغنا عريب ما لذاك نديد
فطرب المعتمد وتبرك بغنائها، وقال لابن حمدون: قارضها!
(1/184)

فقال: وهبت نفسي للهوى فقالت: فجار لما أن ملك فقال: فصرت عبداً خاضعاً فقالت: يسلك بي حيث سلك! فأمر بابتياعها، فابتيعت بثلاثين ألفاً.
(1/185)

رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم
(1/187)

بن مصعب
كان يقال أنها أخت مخارق، نشأ في موضع واحد، شاعرة ق75 مولدة.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال أنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، لرابعة جارية إسحق:
قل للأمير المصعبي ... أخي المكارم والمنن
والمشتري الحمد الرفيع ... بما يجل من الثمن
أدر المدامة بكرة ... وإشرب على الوجه الحسن
(1/189)

وإغنم سرورك عاجلاً ... من قبل أحداث الزمن
إن لم تكن فطناً لما ... قد قلت من هذا، فمن؟
عيش الفتى شرب المدام وترك ذاك من الغبن!
وكتبت بها إلى إسحق، فقال: لعمري إن ترك ما أشارت يغبن فاصطبح وأمر مخارقاً فغنى فيه لحناً من الهزج.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: أشتري إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، جارية، شاعرة، مدينية، وكانت تحضر مجلسه إذا شرب، فوعد يوماً جاريته مخارقاً أن يزورها وتشاغل، فقالت لصاحبتها الشاعرة حركيه.
فكتبت إليه رابعة هذه الأبيات:
ألا يأيها الملك الهمام ... لأمرك طاعة ولنا ذمام
فرحنا بالزيارة وإحتفلنا ... فلم يك غير ذلك والسلام!
قال لي عبيد الله، فقال إسحاق: فلما قرأت الرقعة، وجمت وخجلت ق76 وقمت فدخلت إليها، وأقمت عندها ثلاثة أيام، وقلت لها: هذا عوض من الخلف!
(1/190)

صاحب جارية ابن طرخان
(1/191)

النخاس
شاعرة، مغنية.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ملاوي الهيثمي، قال: كان لابن طرخان النخاس، هذه الجارية، وكان ابن أبي أمية الشاعر، يهواها، فكتب إليها:
(1/193)

إني رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأنما ... بتنا جميعاً في فراش واحد
ثم إنتبهت ومعصماك كلاهما ... بيدي اليمين وفي يمنيك ساعدي
فأجابته:
خيراً رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي ... وتظل مني فوق ثدي ناهد
ونبيت أنعم عاشقين تفاوضا ... طرف الحديث بلا مخافة راصد
(1/194)

قاسم جارية ابن طرخان
(1/195)

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال حدثني عمي الفضل ق77 عن، إسحاق الموصلي، قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي، قال: دخل العباس بن الأحنف على قاسم جارية إبن طرخان، فقال لها: أجيزي هذا البيت:
أهدى له أحبابه أترجه ... فبكى وأشفق من عيافه زاجر
فقالت بديهاً:
متطيراً لما أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
(1/197)

بدعة الكبرى جارية عريب
(1/199)

كانت أحين أهل دهرها: وجهاً وغناء، وقد ذكرتها وأخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول الشعر، شعراً ليناً يستحسن من مثلها، وكان إسحاق بن أيوب التغلبي يهواها، فلم تفكر فيه حتى إلتقيا.
فحدثني عرفة وكيلها: قال: لما رأى إسحق بدعة، وسمع غناءها إزداد شغفه بها، ومالت هي إليه
(1/201)

بعد الانحراف عنه، والنفار من ذكره، وكانت تعبث بالشعر وتقوله، فكتبت إليه على يدي:
كيف أصبحت سيدي وأميري؟ ... عشت في كل نعمة وحبور
علم الله كيف كان إغتباطي ... ونعيمي وبهجتي وسروري
بلقاء الأمير لا عدمت نف ... سي وعيني لقاءه من أمير
فلما أوصلتها إليه سر بها سروراً شديداً وخلع علي خلعة نفيسة من ثيابه ووصلني بثلاثمائة دينار وبعث معي إليها بهدايا فيها ألف دينار مسيفة، مطبقة على غالية: دينارين، دينارين ودرج كبير من ذهب، مملوءاً مسكاً وعنبراً ونداً ومائة ثوب فاخرة.
وكتب إليها:
أنا في نعمة بقربك تفدي ... ك حياتي من مفظعات الأمور
بلغت مهجتي بقربك مني ... أملي كله، وتم سروري
وصل الله بيننا ذاك ما عش ... نا وأبقاك لي بقاء الدهور!
وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف وجاء به، دخلت عليه بدعة، فقالت: شيبتك يا سيدي هذه السفرة! فقال: دون ما كنت فيه يشيب! فلما إنصرفت، قالت هذا الشعر وغنته فيه:
(1/202)

إن تكن شبت يا مليك البرايا ... لأمور عانيتها وخطوب
فلقد زادك المشيب جمالاً ... والمشيب البادي كمال الأريب
فإبق أضعاف ما مضى لك في عز وملك وخفض عيش رطيب
فطرب المعتضد وخلع عليها.
وحدثني عرفة، قال: لما قدم ق79 المعتضد من الشام ومعه وصيف، دخلت إليه بدعة، يوم جلس للشرب، فقال لها: أما ترين الشيب كيف إشتغل في رأسي ولحيتي؟!
قالت له: عمرك الله يا سيدي أبداً، حتى ترى أولاد أولادك قد شابوا، فأنت في الشيب: أحسن من القمر! وفكرت طويلا حتى قالت هذه الأبيات وغنته فيها:
ما ضرك الشيب شيئاً ... بل زدت فيه جمالا
قد هذبتك الليالي ... وزدت فيه كمالا
فعش لنا في سرور ... وإنعم بعيشك بالا
تزيد في كل يوم ... وليلة إقبالا
في نعمة وسرور ... ودولة تتعالى
فوصلها صلة سنية، وحمل معها ثياباً فاخرة، وطيباً كثيراً.
(1/203)

مها جارية عريب
(1/205)

أخبرني جعفر بن قدامة، قال أخبرني سراج المالكي، قال: كنت أهوى جارية، مغنية، لعريب، تسمى مها شاعرة، أديبة، وكان سبب ذلك أنني شاهدتها في مجلس، فأعجبتني جداً، فكتبت إليها بيتاً، قلته فيها، وهو هذا ق80.
كيف إحتيالي بنفسي أنت يا أملي ... في زورة منك قبل الموت تحييني!
فوقعت في ظهرها: اطرح وافرح! وكتبت تحت ذلك:
أنقد صحاحك إن الشعر مفسدة ... بضاعة الشعر من نقد المفاليس
فبعت ضيعة بثلاثين ألف درهم، وواصلتها، وأنفقتها عليها.
(1/207)

جلنار جارية أخت راشد بن إسحاق
(1/209)

الكوفي، الكاتب
مولدة، من مولدات الكوفة، شاعرة، مغنية.
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عيسى بن القاشي الكاتب قال: كانت لأخت راشد بن إسحق، جارية، مغنية، شاعرة، وكانت مليحة حسنة، حسنة الغناء، تقول شعراً مليحاً، قال عيسى فحدثني راشد، قال: فعشقتها وهمت بها، وعلمت أختي بذلك، فحجبتها عني، ومنعتني منها، إلا بأن أبتاعها بحصتي من ضيعة ورثتها أنا وهي عن أبينا، وحلفت
(1/211)

على ذلك، وشاورت ثقاتي فنهوني وعنفوني وضننت بالضيعة، وغلبني ما بي فقلت:
أيعذل صب على وجده ... وقد لج مولاه في صده؟
وكيف أرى الصبر عمن أرى ... دنو المنية في بعده
غزال ينسيك قد القضي ... ب بحسن الرشاقة من قده
إذا عدم الورد في روضة ... فلن يعدم الورد من خده!
قال وبلغني أن الجارية تتعجب من صبري عنها، وتقول غدر بي وإختار علي ضيعة! فأجبت أختي إلى ما طلبت، وتقرر الأمر بيننا، فكتبت إليها هذه الأبيات:
نزل القضاء بساحة الهجر ... ومحا الوفا معالم الغدر
وغدا اللقاء عليهما بلوائه ... وعليه تخفق راية النصر
فكتبت إلي:
ما كان أخوفني من الهجر ... حتى كتبت إلي بالعذر
فسكنت منك إلى مراجعة ... قوى الوصال بها على الهجر
أرجو وفاءك لي ويؤنسني ... أشياء تعرض منك في صدري
لا شتت الرحمن شمل هوى ... متآلف منا على الدهر!
فاشتريتها وصارت في ملكي، فما اخترت عليها أخرى حتى فرق بيننا هادم اللذات.
(1/212)

خنساء جارية البرمكي
(1/213)

كانت لرجل من آل يحيى بن خالد بن برمك، لم يقع إلي إسمه ونسبه وكانت مغنية، شاعرة.
فحدثني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال حدثني: عمرو بن بانة، قال: كان في جيراني، رجل من البرامكة، وكانت له جارية، شاعرة، مغنية، تدخل إليها الشعراء، يقارضونها الشعر ويسألونها عن المعاني فتأتي بكل مستحسن من الجواب، فدخل إليها سعيد بن وهب وجلس يحدثها فأطال، ثم قال لها:
(1/215)

أحاجيك يا خنساء ... في بيت من الشعر
وفيما طوله شبر ... وقد يوقي على الشبر
له في رأسه شق ... نطوق بالذي يجري
إذا ما جف لم يجر ... لدى بر ولا بحر
وإن بل أتى بالعج ... ب المعجب والسحر
وإني لم أرد فحشاً ... ورب الشفع والوتر!
ولكن صغت أبياتاً ... لها حظ من السر
فغضب مولاها وتغير لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك فما ذهب إلى ما ظننت! وإنما يعني القلم! فسري عنه، وضحك سعيد، وقال هي أعلم منك! فاحتبسه مولاها يومئذ، فجعلت تغنيهم ق96 طوراً وتقارضهم طوراً إلى أن سكروا.
وكان مولاها بعد ذلك يواصل سعيداً ويعاشره.
قال عمرو بن بانة: ولقيني مولاها، فسألته عن القصة، فحدثني بها، وأخرج إلي إبتداء سعيد بن وهب وجوابها تحته، شعر:
أبا عثمان حاجيتك ... بما قلت من الشعر
فتاة حلل الشعر لها صافية الفكر
(1/216)

وفي ظاهره فحش ... وليس الفحش في السر!
أردت المخطف المرهف ... إذ يبريه من يبري
يؤدي وهو ذو صمت ... عن الناطق إذ يجري
وذاك القلم الجاري ... بما شئت من الأمر
من الخير أو الشر ... أو النفع أو الضر
(1/217)

غصن جارية ابن الأحدب النخاس
(1/219)

شاعرة، وكان مولاها يعشقها، وولدت منه غلاماً ومات مولاها فعتقت، وكانت مبتذلة.
فأخبرني محمد بن مزيد، قال حدثني: الحسين بن دعبل بن علي الخزاعي، قال حدثني أبي، قال: كنت في ق97 الكرخ، فجزت به غصن جارية إبن الأحدب، وكانت شاعرة، يبلغني خبرها، فرأيت: وجهاً جميلاً، وقواماً حسناً، وهي تخطر في مشيها وتنظر في أعظافها، فقلت لها:
(1/221)

دموع عيني لها إنبساط ... ونوم عيني به إنقباض
فقالت:
ذاك قليل لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض
فقلت:
فهل لمولاي عطف قلب أم للذي في الحشا إنقراض
فقالت:
إن كنت تهوى الوداد منا ... فالود في دوننا قراض
فما دخل في أذني كلام أحلى من كلامها ولا رأت عيني أنضر وجهاً منها، فعدلت بها إلى غير ذلك الروي، فقلت:
أترى الزمان يسرنا بتلاق ... فيضم مشتاقاً إلى مشتاق!
فقالت:
ما للزمان يقال فيه إنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق!
فقمت أمشي أمامها وتتبعني فقصدت دار مسلم بن الوليد، فأخبرته الخبر، واستعنت به، فصادفت منه عسرة، فدفع إلي منديلاً ق89 وقال: إذهب فبعه، وخذ ما تحتاج إليه، فمضيت فبعته، ورجعت فوجدته قد خلا بها في سرداب له، فلما أحس بي وثب إلي وقال: عرفك الله يا أبا علي جميل ما فعلت! ولقاك ثوابه، وجعله أحسن حسنة لك!.
(1/222)

فغاظني قوله وطنزه وجعلت أفكر أي شيء أعمل به، ثم قال: بحياتي يا أبا علي، أخبرني من الذي يقول هذا:
بت في درعها وبات رفيقي ... خائف القلب طاهر الأطراف
فقلت مجيباً:
من له في حر أمه ألف قرن ... قد أنافت على علو مناف
وجعلت أثب عليه، وأشتمه، فقال لي: يا أحمق! منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، فأي شيء حردك يا أحمق، يا قواد؟! قلت: مهما كذبت فيه من شيء، فما كذبت في الحمق والقيادة!، وخرجت فهجرته، ثم صالحته.
(1/223)