Advertisement

الإعجاز والإيجاز



الكتاب: الإعجاز والإيجاز
المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429هـ)
الناشر: مكتبة القرآن - القاهرة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] تقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
جاء فى «قانون البلاغة» لأبى طاهر البغدادى:
سألت- أطال الله مدتك، وأدام نعمتك، وحرس دولتك- عن «البلاغة» ! و «البلاغة» ليست ألفاظا فقط، ولا معانى فحسب، بل هى ألفاظ يعبّر بها عن معان! ولكن ليس هذا كما اتفق، ولا كيفما وقع، لأن ذلك لو جرى «هذا المجرى» لكان أكثر الناس بليغا، إذ كان أكثرهم يؤدى عن المعانى التى يولدها بألفاظ تدل عليها! لكنهم يخرجون عن طريق البلاغة، ومنهاج الكتابة من وجهين:
أحدهما: أن تكون الألفاظ مستكرهة، مستوخمة، غير مرصوفة، ولا منتظمة! والثانى: أن تكون كثيرة يغنى بعضها عن بعض، ويمكن أن يعبّر عن المعنى الدال بأقلّ منها» .
وإذا كانت هناك مواقف يحتاج فيها إلى إشباع المعنى، وتوكيده، وتكريره، حيث يحتاج البليغ إلى الإطالة والإسهاب، فإن هناك مواقف يحتاج فيها إلى الاختصار والإيجاز! هذا، وأكثر ما عليه الناس فى «البلاغة» أنها: «الاختصار، وتقريب المعنى بالألفاظ القصار» وقد سئل بعضهم عن البلاغة فقال:
«هى لمحة دالّة!» .
وهذا مذهب العرب، وعادتهم فى العبارة، فإنهم يشيرون إلى المعانى بأوحى «1» إشارة! ويستحبون أن تكون الألفاظ أقلّ من المعانى فى المقدار والكثرة.
(1/5)

ويحكى عن جعفر البرمكى أنه قال: «إذا كان الإيجاز كافيا كان التطويل عيّا» «1» .
«وإذا كان التطويل واجبا كان التقصير عجزا» .
وقال ابن الأعرابى: قال لى المفضّل:
قلت لأعرابى: ما البلاغة؟ فقال:
الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل «2» ! ونحن نعيش فى عصر مازلنا نسمع أنه «عصر السرعة» يقصر فيه الوقت مهما يكن طويلا عما نحتاج إلى أن ننهض به من الأعباء التى لم تكثر، ولم تثقل على الناس فى عصر من العصور كما تكثر، وتثقل، وتتنوع، وتزدحم فى هذه الأيام التى صارت فيها الواجبات أكثر من الأوقات! وهذا كله يحملنا على أن نؤثر «الإيجاز» على «الإطناب» ، ونقصد إلى ما يلائم وقتنا القصير، وعملنا الكثير فى هذه اللحظات التى يتاح لنا ولأبنائنا فيها شىء من الفراغ للاستمتاع بلذات الأدب الخالص، والفن الرفيع، مما «قل ودلّ ولم يملّ!» .
ألا وإن على رأس تلك النماذج المفضلة ما تضمنه كتاب أبى منصور الثعالبى: «الإعجاز والإيجاز» من روائع النثر والنظم! فلقد جمع فى أبوابه العشرة ما وقع عليه اختياره من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التى سلط الضوء فيها على جوامع الكلم، ثم انتقل إلى روائع ملوك الإسلام، ونفائس الكتّاب والبلغاء، وطرائف الفلاسفة والحكماء، وملح ونوادر الظّرفاء، حتى الثلث الأول من القرن الخامس الهجرى.
وجاء الباب العاشر مسك الختام يضم قلائد الشعراء، ودررهم.
مما لا غنى عنه لدارسى الأدب، ومحبى الشعر، والباحثين عن
(1/6)

الحكمة من الطلبة والمدرسين، والمتحدثين، والخطباء، مما يصعب على الباحث أن يوفّق إلى جمعه، ولمّ شمله، فى عصر صارف عن الرجوع إلى الأمّهات والدواوين! هذا ولقد شجعنا على المضى فى استكمال «مكتبة الثعالبى» ذلك الإقبال على ما تم إصداره منها من الكتب الآتية:
1- لطائف المعارف. 2- أحسن ما سمعت.
3- درر الحكم. 4- الكناية والتعريض.
5- فقه اللغة وسر العربية.
وها هو ذا «الإعجاز والإيجاز» نرجو أن ينال حسن القبول والله أكرم مسئول.
محمّد إبراهيم سليم القاهرة فى أول شعبان 1419 هـ.
نوفمبر 1998 م
(1/7)

هذا الكتاب «إعجاز الإيجاز»
هكذا سماه صاحب كشف الظنون فقال: «إعجاز الإيجاز» - للشيخ أبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبى المتوفّى سنة ثلاثين وأربعمائة.
«ومختصره» للإمام «فخر الدين بن عمر الرازى» المتوفى سنة ست وستمائة.
أما «كارل بروكلمان» فى موسوعته الأدبية: تاريخ الأدب العربى:
(ج 5/195 برقم 28) وقد ذكره تحت عنوان: «إيجاز الإعجاز» فقدم وأخر على طريق الإضافة لا العطف! ثم قال: ويسمى كذلك: «الإيجاز والإعجاز» بعطف أحدهما على الآخر.
وهكذا أصبح لدينا ثلاثة عناوين:
1- إعجاز الإيجاز. 2- إيجاز الإعجاز. 3- الإيجاز والإعجاز.
لكن من يرجع إلى تسمية الكتاب يوم أن طبع فى أول: «مجموعة خمس رسائل» بمطبعة الجوائب بالآستانة سنة 1301 هـ ويوم أن نشره اسكندر آصف فى طبعته الأولى منفردا بالقاهرة سنة 1897 م- يجد أنه قد حمل عنوانا رابعا هو:
«الإعجاز والإيجاز» .
وقد أشار إلى هذه التسمية العلامة الزركلى فى «الأعلام» نظرا إلى أن هذه التسمية هى التي رافقت الطبعة الأولى المنقولة عن نسخة خطية بخط «جمال» سبط الشيخ صفى ابن أبى منصور، وكتبت سنة
(1/8)

422 هـ، وعثر عليها فى المكتبة الخديوية! وقد آثرنا هذه التسمية اعتمادا على ما جاء فى صدر الباب الأول من قول المؤلف:
«من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه على فضل «الإعجاز والاختصار» ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز: فليتدبر القرآن! فقد قدم الإعجاز على الإيجاز الذى هو الاختصار، وعطف أحدهما على الآخر.
وإن كنت أميل إلى ذلك العنوان الذى أشار إليه صاحب كشف الظنون ألا وهو:
«إعجاز الإيجاز» ويؤيدنى فى هذا أن الإمام الشيخ محمد عبده كتب رسالة أطال فيها وأطنب وأسهب، واعتذر فى آخرها عن الإطالة لأنه لم يكن لديه وقت لكى يوجز! فلاشك أن للإيجاز إعجازا ليس فى متناول الجميع! ولكنى أحببت أن يظل للكتاب عنوانه الذى عرف به يوم أن طبع للمرة الأولى، حتى لا يخيل للبعض أنه كتاب جديد غير ذلك الذى يعرفه الجميع باسم «إعجاز الإيجاز» .
وإذا كان الإمام «فخر الدين الرازى» قد اختصره- كما جاء فى كشف الظنون- فقد حرصت على أن أقدمه كاملا غير منقوص إلا من تلك الأبيات التى تصف «مجالس الشرب واللهو» - فما كان ينبغى لنا أن نمر عليها مر الكرام، وهى فى معية تلك النماذج العليا من القرآن الكريم، وجوامع الكلم من الحديث الشريف، وقلائد الشعر، ودرر الحكم! لم يكن بد من تهذيب الكتاب وتنقيته من تلك المختارات التى تناولت «مجالس الشرب واللهو والغزل غير العفيف» حرصا منى على أن يظل
(1/9)

للفطرة السليمة نقاؤها، وللنفوس البريئة صفاؤها وطهرها! وليس هذا العمل بدعا، ولا من الممنوع شرعا، كما قال الإمام «محمد عبده» فى مقدمة «مقامات بديع الزمان الهمذانى» ، فقد جرت سنة العلماء بالتهذيب والتمحيص، والتنقيح، والتلخيص، وليس من منكر عليهم فى شىء من ذلك! ولا شك أن لكل زمان مقال، ولكل خيال مجال! وأبناؤنا الناشئون فى حاجة إلى تلك النماذج العليا التى تنفعهم وتدفعهم إلى الكمال، وتصفى نفوسهم، وترقق مشاعرهم، وتسمو بأرواحهم! 1 ومهما يكن من شىء فإن الثعالبى الذى اختار له التعليم مهنة، وفضلها على «صناعة فراء الثعالب» قد أجاد الاختيار وقدمه لنا ولأبنائنا فى عشرة أبواب تضمنت النثر المشتمل على سحر البيان، والشعر المحاكى قطع الجمان «1» ! وما ظنك بمن لقّب بجاحظ زمانه، وجمع فى «يتيمته» من روائع الشعر حتى منتصف القرن الرابع الهجرى ما جعله بحق شاهدا على عصره! وصدق عليه قول ابن خلّكان فى وفيات الأعيان: «جامع أشتات النثر والنظم» .
لقد شهد أبو منصور العصر الثالث العباسى الذى نهض فيه الأدب فى ظل «الدّويلات» ، فى العراق، وفارس، وخراسان، على يد «البويهيين» ، كما نهض فى تركستان على يد «السّامانيين» ، فى بخارى، ونيسابور، مسقط رأس أبى منصور! وها هو ذا كتابه يشهد له بالسبق والتفوق.
أرجو الله أن يمنحنى القدرة على استكمال إحياء مكتبته، وألا يحرمنى مثوبة هذا العمل عنده فهو ولى الإجابة، وإليه الإنابة.
(1/10)

أبو منصور فى سطور
عاش أبو منصور ثمانين سنة قدم فيها ما يقرب من ثمانين مؤلفا، فقد ولد فى نيسابور (350 هـ- 961 م) .
وفيها كانت وفاته (429- 1038 م) .
مصنفاته فى العلم والأدب تشهد له بأعلى الرتب.
فتح عينيه على أقدم المدارس الإسلامية فى مدينته، تلك التى كان يشرف عليها جمهرة من النابغين فحببوا إليه أن يكون معلما، فراح يمتص الأفكار من كل نبع ليقدمها سائغة لمتذوقى الأدب.
آثر مهنة التعليم على صناعة فراء الثعالب التى نسب إليها، فكان له شأن، وتجلى للجميع فضله.
ضمه السلطان «نوح بن منصور» أحد ملوك الدولة السامانية إلى مجلسه، وقربه إليه مع كبار العلماء.
لقب بجاحظ زمانه، وتجلى نشاطه فى الجمع الذى يتراءى فيه الشكل السهل الطريف، والاختيار الحسن الجميل، فكان بحق- كما قيل- جامع أشتات النثر والنظم. ومصنفاته فى الأدب تشهد له بأعلى الرتب!
(1/11)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة المؤلف
أما بعد حمد الله على آلائه، والصلاة والسلام على محمد المصطفى وآله وصحبه وسلم.
فإن القاضى الجليل- أطال الله بقاءه- وإن كان في الأدب فرد الدهر، وبدر الصّدر، وواسطة العقد- فلابدّ لي- مع مودته التي تتصل مدتها، ولا تنقطع مادتها، وموالاته التي وقفت عليها أخيراً نفسى، وأسكنتها السوادين: من عيني وقلبي، وأياديه، ومننه التي وسمت عنقي، وملكت رقي- من إقامة رسم خدمته، بتأليف ما أشرف باسمه من كتاب، عهدي بأمثاله يستبدع، ويستحسن، ويعد من أنفس ما تشح عليه الأنفس! وإن كنت في ذلك كمن يهدي إلى الشمس نوراً، أو يزيد في البحر نهراً، ولكن ما على الناصح إلا جهده.
وقد ثنيت كتاب اللطيف في الطيب الذي كنت خدمت بتأليفه مجلسه- حرسه الله، وآنسه- بكتاب في الكلمات القليلة الألفاظ، الكثيرة المعاني، المستوفية أقسام الحسن والإيجاز الخارجة عن حد الإعجاب إلى الإعجاز..
في النثر المشتمل على سحر البيان! والنظم المحاكى قطع الجمان «1» .
وأخرجته في «عشرة أبواب» .
فالباب الأول: في بعض ما نطق به القرآن الكريم من الكلام الموجز المعجز! (من ص 13 إلى ص 17) .
(1/13)

والباب الثاني: في جوامع الكلام عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(من ص 18 إلى ص 30) .
والباب الثالث: فيما صدر منها عن الخلفاء الراشدين، والصحابة، والتابعين.
(من ص 31 إلى ص 47) .
والباب الرابع: فيما نقل عن ملوك الجاهلية.
(من ص 48 إلى ص 70) .
والباب الخامس: فى روائع ملوك الإسلام وأمرائه.
(من ص 71 إلى ص 94) .
والباب السادس: فى لطائف كلام الوزراء.
(من ص 95 إلى ص 107) .
والباب السابع: في بدائع كلام الكتاب والبلغاء.
(من ص 108 إلى 117) .
والباب الثامن: فى ظرائف الفلاسفة، والزهاد، والحكماء، والعلماء.
(من ص 118 إلى ص 122) .
والباب التاسع: فى ملح الظرفاء ونوادرهم.
(من ص 123 إلى ص 126) .
والباب العاشر: فى وسائط «2» قلائد الشعراء.
(من ص 127 إلى ص 221) .
والله تعالى أسأل أن يبارك فيه، ويجزل من نعمه وعوارفه «3» حظه.
وهذا حين سياقة الأبواب، والله الموفق للصواب.
أبو منصور الثعالبى
(1/14)

الباب الأول في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز
من أراد أن يعرف جوامع الكلم «1» ، ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء «2» ، ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام:
(1)
فمن ذلك قوله- عزّ ذكره-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[فصلت: 30] «استقاموا» كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار «3» والانزجار.
وذلك لو أن إنساناً أطاع الله- سبحانه- مئة سنة، ثم سرق حبة واحدة، لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة!
(2)
ومن ذلك قوله- عز وجل- لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[يونس: 62] ، فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم، وزوال كل مكروه عنهم.
ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف، لأن «الحزن» يتولّد من مكروه ماض أو حاضر، و «الخوف» يتولد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه، بل يتبرم بحياته.
والحزن والخوف، أقوى أسباب مرض النفس، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها! فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبليّة!
(1/15)

والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنيّة!
(3)
ومن ذلك قوله- عز اسمه- لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[الأنعام: 82] ، فالأمن كلمة واحدة، تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلها، لأن الأمن: إنما هو السلامة من الخوف، والحزن، المكروه الأعظم كما تقدم ذكره.
فإذا نالوا الأمن بالإطلاق، ارتفع الخوف عنهم، وارتفع بارتفاعه المكروه، وحصل السرور المحبوب!
(4)
ومن ذلك قوله- تعالى ذكره: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[المائدة: 1] ، فهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه، وتعاقده الناس فيما بينهم.
(5)
ومن ذلك قوله سبحانه: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[الزخرف: 71] ، فلم يبق مقترح لأحد إلا قد تضمنته هاتان الكلمتان، مع ما فيهما من القرب، وشرف اللفظ، وحسن الرونق «4» .
(6)
ومن ذلك قوله عز وجل: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
[البقرة: 164] ، فهذه الكلمات الثلاث الأخيرة تجمع من أصناف التجارات، وأنواع المرافق في ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء.
(7)
ومن ذلك قوله- جل جلاله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: 94] ،
(1/16)

ثلاث كلمات اشتملت على شرائط الرسالة، وشرائعها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها.
(8)
ومن ذلك قوله- جل ثناؤه- في «وصف خمر الجنة» : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[الواقعة: 19] ، فهاتان الكلمتان قد أتتا على جميع معايب الخمر.
ولما كان منها ذهاب العقل، وحدوث الصداع برأ الله «خمر الجنة» منها، وأثبت طيب النفس، وقوة الطبع، وحصول الفرح.
(9)
ومن ذلك قوله- تبارك اسمه: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[المائدة: 66] ، وهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس، مما تنبته الأرض «5» .
(10)
ومن ذلك قوله- عز وعلا: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ
[البقرة:
228] ، وهو كلام يتضمن جميع ما يجب على الرجال من حسن معاشرة النساء، وصيانتهن، وإزاحة عللهن، وبلوغ كل مبلغ فيما يؤدي إلى مصالحهن، ومناجحهن، وجميع ما يجب على النساء من طاعة الأزواج، وحسن مشاركتهم، وطلب مرضاتهم، وحفظ غيبتهم، وصيانتهم عن خيانتهم.
(11)
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] .
(1/17)

ويحكى عن «أردشير الملك «6» » ما ترجمته: «القتل أنفى للقتل» ، ففي كلام الله تعالى كل ما فى كلام أردشير الملك، وفيه زيادة معان حسنه:
فمنها: إبانة العدل بذكر القصاص، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله به، والجمع بين ذكر القصاص والحياة، والبعد عن التكرير الذي يشق على النفس، فإن قوله: «القتل أنفى للقتل» تكرير، غيره أبلغ منه!.
(12)
ومن ذلك قوله- عز ذكره- في إخوة يوسف: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
[يوسف: 80] ، وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن «7» ، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث، فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة.
(13)
ومن ذلك قوله- جلت عظمته: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
[الأنفال: 58] ، فلو أراد أحد الأعيان الإعلام في البلاغة أن يعبر عنه، لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي يتضمنها حتى يبسط مجموعها، ويصل مقطوعها، ويظهر مستورها، فيقول:
إن كان بينكم وبين قوم «هدنة» ، وعهد، فخفت منهم خيانة، أو نقضاً، فاعلمهم أنك نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم «8» بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.
(1/18)

فصل فيما يجري مجرى المثل من ألفاظ القرآن
ويجمع الإعجاب، والإعجاز، والإيجاز:
1- وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[فاطر: 43] .
2- إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[يونس: 23] .
3- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[المدثر: 38] .
4- كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[الرحمن: 26] .
5- كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[آل عمران: 185] .
6- لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
«9» [الأنعام: 67] .
7- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[الإسراء: 84] .
8- يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
[يوسف: 84] .
9- وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
[القصص: 77] .
10- تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
[الحشر: 14] .
11- فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
«10» [الكهف: 11] .
12- أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[نوح: 25] .
13- وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
«11» [الأنعام: 164] .
14- كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[الروم: 32] .
15- يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
[المنافقون: 4] .
16- وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[الكهف: 104] .
(1/19)

الباب الثاني في جوامع الكلم عن النبي «1» صلى الله عليه وسلم
1- «2» «إياكم وخضراء الدمن» .
2- «3» «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين» .
3- «4» «إن المنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى» .
4- «5» «لا ترفع عصاك عن أهلك» .
(1/20)

فصل فى جوامع تشبيهاته، وتمثيلاته صلّى الله عليه وسلّم
1- «1» «الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة» .
2- «2» «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» .
3- «3» «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .
4- «4» «مثل أصحابى كالملح لا يصلح الطعام إلا به» .
5- «5» «أمتي كالمطر لا يدري أوله خير، أم آخره، أينما وقع نفع» .
6- «6» «عمالكم أعمالكم، وكما تكونوا يولى عليكم» .
7- «7» «الدال على الخير كفاعله»
(1/21)

8- «8» «وعد المؤمن كأخذ باليد» .
9- «9» «إن للقلوب صدا كصدأ الحديد، وجلاؤها الاستغفار» .
10- «10» ولما كتب عقد المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرو قال:
«إن العقد بيننا كشرج العيبة إذا انحل بعضه انحل جميعه» .
فصل في استعاراته صلّى الله عليه وآله وسلم
1- «1» «جنة الرجل داره» .
2- «2» «نعم الختن القبر» .
3- «3» «المؤمن مرآة أخيه» .
4- «4» «دفن البنات من المكرمات» .
(1/22)

5- «5» «من كنوز البر كتمان الصدقة والمرض والمصيبة» .
6- «6» «داووا مرضاكم بالصدقة» .
7- «7» «حصنوا أموالكم بالزكاة» .
8- «8» «صدقة السر تطفئ غضب الرب» .
9- «9» «قد جدع الحلال أنف الغيرة» .
10- «10» «الود والعداوة يتوارثان» .
11- «11» «العلماء ورثة الأنبياء» .
12- «12» «إن التوبة تهدم الحوبة» .
13- «13» «ملعون من هدم بنيان الرّبّ» ، يعني من قتل نفساً.
(1/23)

14- «14» «الحمى رائد الموت، وسجن الله في الأرض!» .
15- «15» «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» .
16- «16» «تمسحوا بالأرض، فإنها بكم برة» .
17- «17» «من ضحك ضحكة مج من العقل مجة» .
18- «18» «اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليّنة الحجاب» .
19- «19» «الشتاء ربيع المؤمن» .
20- «20» «المؤمن قصر نهاره فصام، وطال ليله فقام» .
21- «21» «الاستماع إلى الملهوف صدقة» .
22- «22» «الحكمة ضالة المؤمن» .
23- «23» «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» .
(1/24)

24- «24» «أكثروا ذكر هادم اللذات» . يعني: الموت.
25- «25» «الخمر مفتاح كل شر» .
فصل فيما يروى من مطابقاته عليه الصلاة والسلام
1- «1» «حفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» .
2- «2» «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .
3- «3» «كفى بالسلامة داء» .
4- «4» «إن الله يبغض البخيل» .
5- «5» «حياة السخي بعد موته» .
6- «6» «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها»
(1/25)

7- «7» «احذروا من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره» .
8- «8» «أنظروا إلى من تحتكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم» .
9- «9» وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنكم لتقلون عند الفزع، وتكثرون عند الطمع» .
فصل فيما يروى من جوامع كلمه صلّى الله عليه وآله وسلّم فى التّجنيس
1- «1» «الظلم ظلمات يوم القيامة» .
2- «2» «إن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها» .
3- «3» «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
4- «4» «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم» .
5- «5» «لا إيمان لمن لا أمانة له» .
(1/26)

فصل فى سائر أمثاله، وروائع أقواله، وأحاسن حكمه في جوامع كلمه التي يلوح عليها نور النبوة، وتجمع فوائد الدين والدنيا
1- «1» «زر غباً تزدد حباً» .
2- «2» «الحرب خدعة» .
3- «3» «ما عال من اقتصد» .
4- «4» «منى مناخ من سبق» .
5- «5» «المؤمنون عند شروطهم» .
6- «6» «يد الله مع الجماعة» .
7- «7» «لا جبايه إلا بحماية» .
(1/27)

8- «8» «الهدية مشتركة» .
9- «9» «تهادوا تحابوا» .
10- «10» «القلوب تتشاهد» .
11- «11» «ترك الشر صدقة» .
12- «12» «الحياء شعبة من الإيمان» .
13- «13» «أبدأ بمن تعول» .
14- «14» «تخيروا لنطفكم» .
15- «15» «اتقوا الملاعن» .
16- «16» «خير الأمور أوسطها» .
(1/28)

17- «17» «إياك وما يعتذر منه!» .
18- «18» «مطل الغني ظلم» .
19- «19» «من غشنا فليس منا» .
20- «20» «الليل أمان» .
21- «21» «من بدا جفا» .
22- «22» «حدث عن البحر ولا حرج» .
23- «23» «كل ميسر لما خلق له» .
24- «24» «المجالس بالأمانة» .
25- «25» «كرم العهد من الإيمان» .
26- «26» «الوحدة خير من جليس السوء» .
27- «27» «السعيد من وعظ بغيره» .
(1/29)

28- «28» «البركة في البكور» .
29- «29» «بلوا أرحامكم ولو بسلام» .
30- «30» «اليمين: حنث، أو مندمة!» .
31- «31» «الندم توبة» .
32- «32» «الموت راحة» .
33- «33» «لا يكون المؤمن طعّانا ولا لعّانا» .
34- «34» «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
35- «35» «من كثر سواد قوم فهو منهم» .
(1/30)

36- «36» «انصر أخاك ظالماً، كان أو مظلوماً» .
37- «37» «انتظار الفرج بالصبر عباده» .
38- «38» «المرء على دين خليله» .
39- «39» «كاد الفقر أن يكون كفراً» .
40- «40» «لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» .
41- «41» «المستشير معان، والمستشار مؤتمن» .
42- «42» «لا خير في بدن لا يألم. ومال لا يزكى» .
43- «43» «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» .
(1/31)

44- «44» «أنزلوا الناس منازلهم» .
45- «45» «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» .
46- «46» «اليد العليا خير من اليد السفلى» .
47- «47» «من مات غريباً فقد مات شهيداً» .
وذكر «أناث الخيل» فقال:
48- «48» «ظهورها حرز، وبطونها كنز» .
وذكر «الغنم» فقال:
49- «49» «سمنها معاش، وصوفها رياش» .
(1/32)

الباب الثالث فيما صدر منها عن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين
(1) أبو بكر الصديق رضي الله عنه
1- صنائع المعروف تقي مصارع السوء. «1» .
2- الموت أهون ما قبله، وأشد ما بعده.
ولما بلغه أن الفرس ملكت عليها بنت «ابرويز» قال:
3- ذل قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة!
(2) عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1- من كتم سره، كان الخيار في يده. «2»
2- اتقوا من تبغضه قلوبكم.
3- أعقل الناس أعذرهم للناس.
4- لا تؤخر عمل يومك إلى غدك.
5- أشقى الولاة من شقيت به رعيته.
6- أخيفوا الهوام «3» قبل أن تخيفكم.
7- أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! 8- قلّما أدبر شيء فأقبل! 9- من لم يعرف الشر يقع فيه.
10- المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة!
(1/33)

(3) عثمان بن عفان رضي الله عنه
1- ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. «1»
2- يكفيك من الحاسد أن يغتم وقت سرورك.
3- تاجروا الله بالصدقة تربحوا.
(4) علي بن أبي طالب رضى الله عنه
1- قيمة كل امرئ ما يحسن.
2- المرء مخبوء تحت لسانه «2» .
3- الناس من خوف الذل في الذل.
4- الناس أعداء ما جهلوا.
5- رأي الشيخ خير من مشهد «3» الغلام.
6- استغن عمن شئت تكن نظيره.
7- واحتج إلى من شئت فأنت أسيره.
8- وأحسن إلى من شئت تكن أميره.
9- لا ترجون إلا ربك.
10- ولا تخافنّ إلا ذنبك.
11- من أيقن بالخلف، جاد بالعطية «4» .
12- قصر ثيابك، فإنها أنقى وأبقى.
13- بقية السيف أنمى عدداً، وأكثر ولداً «5» .
14- خير أموالك ما كفاك.
(1/34)

15- وخير إخوانك من واساك.
16- لو كشف الغطاء ما ازددت إلا يقيناً.
17- الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا «1» .
18- الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
19- ما هلك امرؤ عرف قدره.
20- من عذب لسانه كثر إخوانه.
21- بالبر يستعبد الحر «2» .
22- بشر مال البخيل بحادث أو وارث.
23- لا تنظر إلى من قال.
24- لا ظفر مع البغي.
25- الجزع عند البلاء تمام المحنة «3» .
26- لا ثناء مع كبر.
27- لا بر مع شح.
28- لا صحة مع نهم «4» .
29- لا شرف مع سوء أدب.
30- لا اجتناب لمحرم مع حرص.
31- لا محبة مع مراء «5» .
(1/35)

32- لا سؤدد مع انتقام «1» .
33- لا راحة لحسود.
34- لا زيارة مع دعارة «2» .
35- لا صواب مع ترك المشورة.
36- لا مروءة لكذوب.
37- لا وفاء لملول.
38- لا كر أعز من التقى «3» .
39- لا شرف أعلى من الإسلام.
40- لا معقل أحرز من الورع. «4» .
41- لا شفيع أنجح من التوبة.
42- لا داء أعيا من الجهل. «5»
43- لا مرض أضنى من قلة العقل. «6» .
44- لسانك يقتضيك «7» ما عودته.
45- المرء عدو ما جهل.
46- لا ظهير كالمشاورة. «8»
47- رحم الله امرأ عرف قدره، ولم يتعدّ طوره.
(1/36)

48- إعادة الاعتذار تذكير بالذنب.
49- النّصح بين الملأ تقريع. «1»
50- إذا تم العقل نقص الكلام.
51- الشفيع جناح الطالب.
52- نفاق المرء ذلّة.
53- الجزع أتعب من الصّبر.
54- المسئول حر ما لم يعد. «2»
55- أكبر الأعداء مكيدة أخفاهم مشورة. «3»
56- من طلب ما لم يعنه فاته ما يعنيه. «4»
57- الراحة مع اليأس.
58- الحرمان مع الحرص.
59- من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه أو استخفاف به. «5»
60- عبد الشهوة أذل من عبد الرق.
61- الحاسد ضاغن على من لا ذنب له. «6»
62- كفى بالظفر شفيعاً لمذنب! 63- رب ساع فيما يضره! 64- لا تتكل على المنى، فإنها بضائع النوكى. «7»
(1/37)

65- كثرة الوفاق نفاق.
66- كثرة الخلاف شقاق.
67- رب أمل خائب!.
68- رب طمع كاذب.
69- رب رجاء يؤدي إلى حرمان.
70- رب أرباح يؤدي إلى خسران.
71- البغنى سائق الحين. «1»
72- في كل جرعة شرقة.
73- ومع كل أكلة غصة. «2»
74- من أكثر فكره في العواقب لم يشجع. «3»
75- إذا حلت المقادير بطل الحذر. «4»
76- الإحسان يقطع اللسان.
77- الشرف بالعقل والأدب، لا بالأصل والنسب.
78- أكرم النّسب حسن الأدب.
79- الحسب حسن الخلق.
80- أفقر الفقر الحمق «5» 81- أو حش الوحشة العجب.
82- أغنى الغنى العقل.
(1/38)

83- احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود.
84- أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.
85- الطامع في وثاق الذل. «1»
86- من أبدى صفحته للخلق «2» هلك.
87- إذا أملقتم فتحاً، فتاجروا الله تعالى بالصدقة. «3»
88- من لان عوده، كشف أغصانه.
89- قلب الأحمق وراء لسانه.
90- ولسان العاقل وراء قلبه.
91- من جرى في عنان «4» أمله عثر بأجله.
92- إذا تواصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفروها بقلة الشكر.
93- إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للقدرة عليه.
94 ما أضمر إنسان شيئاً إلا ظهر منه في صفحات وجهه وفلتات لسانه.
95- اللهم اغفر زلات الألحاظ. «5»
96- وسقطات الألفاظ..
97- وشهوات الجنان..
98- وهفوات اللسان.
99- البخيل مستعجل.
100- الفقير يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء.
(1/39)

هذه المئة كلمة التي جمعها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ من كلام الإمام على رضى الله عنه.
ومن كلامه أيضاً رضي الله عنه: أعجب ما في الإنسان قلبه،
وله مواد من الحكمة وأضدادها من خلافها:
فإن سنح له الرّجاء، أزاله الطمع.
وإن هاج به الطمع، أزاله الحرص.
وإن ملكه اليأس، أهلكه الأسف.
وإن عرض له الأسف غلبه الغيظ.
وإن أسعده الرضا، نسي التحفظ.
وإن ناله الجوع حره الحر.
وإن اتسع له الأمن، استلبه العز.
وإن تجددت له نعمة، أخذته العزة.
وإن أفاد مالاً، أطغاه الغنى.
وإن عضته فاقة، شغله البلاء.
وإن جهده الجوع، أقعده الضعف.
وإن أفرط في الشبع كظته البطنة.
فكل تقصير به مضر، وكل إفراط به مفسد!.
1- ومن كلامه رضى الله عنه فى خطبة:
أوصيكم أيها الناس بتقوى الله. وكثرة حمده على آلائه إليكم، ونعمه عليكم، وبلائه «1» لديكم..
فقد خصكم بنعمه، وتدارككم برحمته.
أعورتم «2» له فستركم، وتعرّضتم لأخذكم «3» فأمهلكم!.
(1/40)

وأوصيكم بذكر الموت. وإقلال الغفلة عنه، وكيف تغفلون عمن ليس يغفل عنكم؟! وطمعتم فيمن ليس يمهلكم، فكفى بالموتى واعظاً! عاينتموهم حملوا على قبورهم غير راكبين، وأنزلوا فيها غير نازلين «4» ! كأنهم لم يكونوا عماراً، وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً.
أوحشوا ما كانوا يوطنون «5» وأوطنوا ما كانوا يوحشون واشتغلوا بما فارقوا، وأضاعوا ما إليه «6» انتقلوا..
لا عن قبيح يستطيعون انتقالا، ولا في حسن يستطيعون ازدياداً. «7»
آنسوا بالدنيا فغرتهم، ووثقوا بها فصرعتهم.
فسابقوا- رحمكم الله تعالى- إلى منازلكم التى أمرتم أن تعمروها، والتى رغّبتم فيها ودعيتم إليها.
واستتمّوا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته، فإن غدا من اليوم قريب! ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنين، وأسرع السنين في العمر!
2- ومن خطبه رضي الله عنه
فمن الأيام ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور «8» إلى أجل معلوم.
فإذا كان للمرء براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حدّ البراءة.
(1/41)

«والهجرة» قائمة على حدها لرسول ما، ما كان لله في أهل الإسلام مستسر لأمة ومعلنها، لا يقع «اسم الهجرة» على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها، وأقر بها فهو مهاجر.
ولا يقع اسم «الاستضعاف» على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه، ووعاها قلبه.
إن أمرنا صعب لا يجهله إلا عبد امتحن الله قلبه بالإيمان، ولا يعى حديثنا إلا صدور مبينة، وأعلام رزينة.
أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فلا أنا بطريق السماء أعلم مني بطريق الأرض: قبل أن تشعر برجلها فتنة تطأ في خطامها، وتذهب بأحلام قومها!
3- ومن كلامه كرم الله وجهه
أما بعد، فصلوا بالناس «الظّهر» حين تفيء الشمس «1» مثل مربض البعير.
وصلوا بهم «العصر» والشمس ضاحية «2» في عضو من النهار، حين يشارفها «3» فيء فرسخين.
وصلوا بهم «المغرب» حين يفطر الصائم، ويدفع «4» الحاج.
وصلوا بهم «العشاء الآخرة» حين يتوارى الشفق «5» .
وصلوا بهم «الغداة» «6» والرجل يعرف وجه صاحبه. وصلوا بهم صلاة أضعفهم، ولا تكونوا فتانين!
(1/42)

ومن بعض كلامه للحسين رضى الله عنهما
يا بني، أوصيك بتقوى الله- عز وجلّ- في الغيب والشهادة «1» .
وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد «2» في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله تعالى في الشدة والرخاء! يا بني ما شر بعده الجنة بشر ولا خير بعده النار بخير! وكل نعيم دون الجنة محقور. وكل بلاء دون «3» النار عافية.
اعلم يا بني: أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره.
ومن رضي بقسم «4» الله تعالى لم يحزن على ما فاته! ومن سل سيف البغي قتل به.
ومن حفر بئراً لأخيه وقع فيها.
ومن هتك حجاب غيره، انكشفت عورات بيته.
ومن نسي خطيته، استعظم خطية غيره.
ومن كابد الأمور عطب. «5»
(1/43)

ومن اقتحم البحر غرق.
ومن أعجب برأيه ضل.
ومن استغنى بعقله زل «1» .
ومن تكبر على الناس ذل.
ومن سفه عليهم شتم.
ومن دخل مداخل السوء اتهم.
ومن خالط الأنذل حقر.
ومن جالس العلماء وقر.
ومن مزح استخف به.
ومن اعتزل سلم.
ومن ترك الشهوات كان حرّا.
ومن ترك الحسد كانت له المحبة من الناس.
يا بني:
عز المؤمن غناه عن الناس، والقناعة مال لا ينفد.
ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير.
ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه.
العجب ممن خاف العقاب فلم يكف، ورجا الثواب فلم يعمل.
الذكر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة.
والسعيد من وعظ بغيره.
والأدب خير ميراث. وحسن الخلق خير قرين.
يا بني؛ ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى.
يا بني: العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا بذكر
(1/44)

الله تعالى، وواحد في ترك مجالسة السفهاء! ومن تزين بمعاصي الله- عز وجلّ- في المجالس ورّثه ذلا.
ومن طلب العلا علم.
يا بني، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق. «1»
ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب.
العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.
ومن أكثر من شيء عرف به.
ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.
يا بني، لا تؤيسنَّ «2» مذنباً، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بالخير، ومن مقبل على عمله، مفسد له في آخر عمره، صار إلى النار! من تحرى القصد «3» خفت عليه الأمور.
يا بنى، كثرة الزيارة تورث الملال.
يا بني، الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم.
إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله.
يا بني، كم من نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة جلبت نقمة.
لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعلى من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت.
ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة، وتبوأ حفظ الدعة.
(1/45)

الحرص مفتاح التعب، ومطية النصب، وداع إلى التقحم في الذنوب.
والشر جامع لمساوئ العيوب.
وكفى أدباً لنفسك ما كرهته من غيرك! لأخيك عليك مثل الذي عليك لك.
ومن تورّط فى الأمر من غير نظر في الصواب، فقد تعرض لمفاجأة النوائب.
التدبير قبل العمل يؤمنك الندم.
من استقبل وجوه العمل والآراء، عرف مواقع الخطا.
الصبر جنة من الفاقة «1» .
في خلاف النفس رشدها.
الساعات تنقص الأعمار.
ربك للباغين من أحكم الحاكمين، وعالم بضمير المضمرين. «2»
بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد.
في كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص. «3»
لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى! ما أقرب الراحة من التعب!، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة، فطوبى «4» لمن أخلص لله تعالى علمه، وعمله، وحبه، وبغضه، وأخذه، وتركه، وكلامه وصحته!
(1/46)

وبخ بخ «5» لعالم علم فكف، وعمل فجد، وخاف الثبات فأعد واستعد، إن سئل أفصح، وإن ترك سكت.
كلامه صواب، وصمته من غير عي عن الجواب.
والويل كل الويل لمن بلي بحرمان وخذلان وعصيان، واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره.
من لانت كلمته وجبت محبته.
من لم يكن له حياء ولا سخاء، فالموت أولى به من الحياة.
لا تتم مروءة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس، ولا أي طعاميه أكل.
طائفة منهم ومن التابعين رضي الله عنهم
1- ابن العباس رضي الله عنه
الهوى إله معبود «1» .
الرخصة «2» من الله صدقة، فلا تردوا صدقته.
لكل داخل دهشة؛ فابدءوه بالتحية.
(1/47)

2- الحسن بن علي رضي الله عنهما
خير المال، ما وقي به العرض. «1»
3- ابن مسعود رضي الله عنه
العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شىء أحسنه «2» .
كان الناس ثمراً لا شوك فيه، فصاروا شوكاً لا ثمر فيه!
4- معاذ بن جبل رضي الله عنه
الدّين هدم الدّين. «3»
5- محمد بن الحنفية رضي الله عنه
من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا «4» .
(1/48)

6- الحسن البصرى رضي الله عنه
ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون منه؟! إن أمرأ ليس بينه وبين آدم أب حىّ لعريق في الموت! أنتم تستبطئون المطر، وأنا أستبطئ الحجر «1» .
7- الشعبي
نعم المحدث الدفتر! كانت «2» درة عمر أهيب من سيف الحجاج.
(1/49)

الباب الرابع فيما جاء منها عن ملوك الجاهلية
1- أفريدون «1»
الأيام صحائف أعمالكم، فخلدوها أحسن أعمالكم.
وكتب إلى ابنيه: سلم وتور:
من بر والديه بره ولده.
وكان يقول:
المحسن معان، والمسيء مستوحش.
والحريص محروم.
2- منوجهر
الدنيا أشبه شيء بظل الغمام، وحلم النيام.
وكان يقول:
الملك للرعية كالروح للجسد والرأس للبدن.
والجند له بمنزلة الأجنحة للطير، والحوافر للخيل.
ومن كلامه:
عفو الملك أبقى لملكه.
(1/50)

3- پشنك التركي ولد تور بن أفريدون
لما مات «منوجهر» ندب «پشنك» أبناءه للتغلب على «إيران شهر» وكان «أفرآسياب» أكبرهم، فقال:
بلوغ الآمال في ركوب الأهوال.
والفرص تمرّ مرّ السحاب.
والقعود من أخلاق الخوالف. «1» .
والقناعة من طباع البهائم.
4- أفرآسياب «2»
مثل الترك كالدر والمسك..
لا يشرفان ما لم يفارقا معدنهما ومواطنهما.
وكان يقول:
من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد بلغ المراد.
وقال لأخيه كرسيوز:
يا أخي، إن الشجاع محبب إلى عدوه، والجبان مبغّص حتى إلى أمه.
(1/51)

5- زو بن طهماسف
العمارة كالحياة، والخراب كالموت، وبناء كل ملك على قدر همته.
وكان يقول:
أعقل الملوك أبصرهم بعواقب الأمور.
6- كيكاويس
لما تخلص من أسر «ذي الأذعار» : ملك اليمن، ورجع إلى مركز عزه، ومستقر ملكه «1» قال:
أحسن الأشياء وأطيبها العافية.
ولولا مرارة البلاء، لما وجدت حلاوة الرخاء.
وقال لرستم:
الأعمال أثمار النيات.
وقال لما ذهب ابنه «سياوش» مغاضباً «2» إلى بلاد الترك:
اللجاج «3» أقل الأشياء منفعة في العاجل، وأكثرها مضرة في الآجل.
(1/52)

7- زال بن سام
النفقة على كل شيء، من الأموال إلا الحرب فإن النفقة عليها من النفوس! وكان يقول:
الرأي السديد أجدى من الأيد «1» الشديد.
8- رستم «2» بن زال
حسن الصبر طليعة للنصر. وكان يقول:
الوفاء شريك الكرم، والغدر شريك اللّؤم.
وقال لاسفنديار:
إذا أردت أن تطاع؛ فسل ما يستطاع. وقال له:
إن المولى إذا كلّف عبده ما لا يطيقه، فقد أقام عذره ومخالفته.
9- كيخسرو بن سياوخش
السعادة في مساعدة القضاء. وكان يقول:
لا ظفر مع بغي، ولا مال مع سرف، ومن كلامه:
أعظم الخطأ محاربة من يطلب الصلح!
(1/53)

10- بشتاسب «1»
ولما حث الناس على الإيمان بزرادشت قال لهم:
الميت ومن لا دين له سواء! ولا أمانة لمن لا ديانة له.، وكان يقول:
أحق الناس بالإحسان، من أحسن الله إليه، وبسط بالقدرة يديه.
11- اسفنديار «2»
الشكر أفضل من النعم، لأنه يبقى وتلك تفنى. وكان يقول:
لا يعيب الناس إلا معيب. ومن كلامه:
لا تعمل في السر ما تستحي أن يذكر في العلانية. ومن كلامه:
الرفق مفتاح النجاح.
12- بهمن بن أسفنديار
بالأفضال «3» تعلو الأقدار. وكان يقول:
تجريب المجرب تضييع «4» .
(1/54)

13- دارا الأكبر «1»
خير الكلام حمد من رزق، وخلق، وأنطق، ووفق. وكان يقول:
مثل العدو الضاحك إليك، مثل الحنظلة الخضرة «2» أوراقها، القاتل مذاقها.
14- دارا الأصغر «3»
لا تطمع في كل ما تسمع! من عتب على الدهر طال عتبه «4» . وكان يقول:
إذا أتى وقت النائبة، أتى الشر من حيث كان الخير يأتي.
15- اسكندر
لما توجه تلقاء دارا قال له جواسيسه: إن دارا في ثمانين ألفاً، فقال:
القصاب «5» لا تهوله كثرة الغنم.
وقيل له: لوا استكثرت من النساء كثر ولدك، ودامت بهم ذكراك، فقال:
دوام الذكر بحسن السير والستر، ولا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النساء!
(1/55)

ونظر إلى شيخ خضيب «1» فقال له:
إن كنت صبغت الشيب، فكيف تصبغ آثار الكبر؟! ونظر إلى امرأة مصلوبة على شجرة فقال:
ليت كل الشجر أثمر مثل هذه «2» ! ونظر إلى رجل حسن الوجه قبيح الفعل فقال:
أما البيت فحسن، واما الساكن فرديء. وكان يقول:
لا تستخفن «الرأي الجليل» يأتيك به «الرجل الحقير» ، فإن الدرة الفائقة لا تهان لهوان غائصها!، وكان يقول:
يا أسراء الموت حلوا أسركم بالحكمة. ومن كلامه في تدبير الحرب:
احتل الشمس والريح، فإن لم يكونا لك فعليك.
احذر انتقاض التبعية، وكيد المستأمنة «3» .
حبب إلى عدوك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا.
لا تغفل «الخندق» إن كنت مقيماً، ولا الحسك إذا كنت ظاعنا «4» .
(1/56)

16- فور الهندي
المسيء لا يظن بالناس إلا سوءا، لأنه يراهم بعين طبعه. وكان يقول:
خير من الذهب معطيه.
وشر من الشر من يأتيه. ومن كلامه:
من لم تنفعك صداقته، ما ضرتك عداوته.
17- كيدر الهندي
قال للاسكندر: أحق من أحببته من نفعه لك، وضره «1» لغيرك.
18- بلهز: ملك الهند
من وادك لأمر، أبغضك عند انقضائه «2» . وكان يقول:
عحبت لمن يتكلم بما إن حكى عنه ضره، وإن لّم يحك عنه لم ينفعه.
19- بطليموس: ملك الروم
من رد ما يعلم، فهو أعذر ممن قبل ما يجهل. وكان يقول:
لا ينبغي للحكيم أن يخاطب الجاهل كما لا ينبغي للصاحي أن يخاطب السكران. ومن كلامه:
موقع الحكمة من مسامع الجهال، كموقع الذهب والفضة من ظهر الجماد.
(1/57)

20- بطليموس الثاني
أشد من الموت ما يتمنى له الموت «1» . وكان يقول:
خذوا الدر من البحر، والذهب من الحجر، والمسك من الفأرة «2» ، والحكمة ممن قالها.
21- بطليموس الأخير
كل عمل يأذن فيه العقل صواب، وكان يقول:
لا تشرب السم اتكالاً على ما عندك من الدرياق «3» . وأحسن ما يحكى عنه قوله:
ينبغي للعاقل إذا أصبح أن ينظر في المرآة، فإن رأى وجهه حسناً لم يشبه «4» بقبيح من فعله! وإن رآه قبيحاً لم يجمع بين قبيحين!
22- قسطنطين «5» الرومى
شرّ العقوبة لوم من ألطفه «6» . وكان يقول:
أوهن الأعداء أكثرهم إظهاراً لعداوته. ومن كلامه:
ما حفظ غيبك من ذكر عيبك.
(1/58)

23- دفليطاس الرومي
من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير. وكان يقول:
استصلاح العدو أحزم من استهلاكه، لأن استهلاكه ربما هيج أعظم من العداوة التي تستريح منها.
24- أرجاسف التركي
من كان نفعه في مضرتك، لم يخل في حال عن عداوتك. ومن كلامه:
العاقل من يصدّق بالقضاء، ويأخذ بالحزم.
25- خاقان ملك الخزر «1»
إذا شاورت العاقل صار عقله كله لك. وكان يقول:
من طباع الملوك إنكارهم القبيح من غيرهم، واحتمالهم إياه من أنفسهم!
26- تفقورة- ملك الصين
ينبغى الاحتمال حتى تتمكن القدرة، وكان يقول:
إضمار الغضب على من فوقك مضرّ.
(1/59)

27- أفقور شاه الأشكانى- أول ملوك الطوائف
أقل الناس عذراً في ارتكاب القبيح من عرف قبحه. وقال:
حقن ألف «1» دم محلل أيسر تبعة من دم محرم. ومن كلامه:
لا تأمن من كذب لك، أن يكذب عليك، ولا من اغتاب عندك أن يغتابك عند غيرك!
28- سأبوربن «2» أفقور شاه
من لم يرب معروفه «3» ، فكأن لم يصنعه.
وكان يأذن عليه في كل شهر مرة، ويقول:
أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية، وكان يقول:
من لم ينصحك في الصداقة لا تعذره، ومن غشك في العداوة فاعذره «4» . ومن كلامه:
وعد الملك ضمان.
29- جوذر بن سابور
الدنيا فانية، والمال عارية، وكان يقول:
لا تثق بمودة الملوك، فإنهم يوحشونك من أنفسهم آنس ما كنت منهم، وكان يقول:
(1/60)

السعايات أقتل من الأسياف، ومن السم الزعاف «1»
30- نرسي بن إيران
الدنيا غدارة غرارة إن بقيت لها لم تبق لك! وكان يقول:
أنعم على من شكرك، واشكر لمن أنعم عليك.
31- خسرو بن فرويز
ظلم اليتامى والأيامى مفتاح الفقر «2» .
والحلم حجاب الآفات «3» .
وقلوب الرّعية خزائن ملكها، ما أودعه إياها وجده فيها.
32- أردوان الأكبر
إذا وقعت «المجادلة» فالسكوت أفضل من الكلام.
وإذا وقعت «المحاربة» ، فالتدبير أفضل من التقدير. «4»
كثر القبيح حتى قل الحياء منه!
(1/61)

33- أردوان الأصغر
كفر النعمة من لؤم الطبيعة ورداءة الديانة. وكان يقول:
السلامة مع الاستقامة، ومن ردّ النصيحة رأى الفضيحة.
34- أردشير بن بابك «1» أول الأكاسرة
كان «الصاحب بن عباد» «2» يقول: يجب على الملك أن يكتب قول أردشير في سويداء قلبه، وسواد عينه:
لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل، وحسن سياسة. وكان يقول:
سلطان عادل خير من مطر وابل! وأسد حطوم خير من ملك غشوم.
وملك غشوم خير من فتنة تدوم. ومن كلامه:
عدل السلطان خير من خصب الزمان! شرّ السلطان من خافه البرىء.
لا تركنوا إلى هذه الدنيا، فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركوها فإن الآخرة لا تنال إلا بها!
(1/62)

35- سابور بن أردشير»
انحطاط ألف من العلية، أحمد عاقبة من ارتفاع واحد من السفلة. وكان يقول:
وقت اللهو إذا لم يبق من شغل. ومن كلامه:
كلام العاقل كله أمثال، وكلام الجاهل كله آمال.
36- هرمز بن سابور «2»
من قال في الناس بما يعلم قالوا فيه بما لا يعلم، وكان يقول:
من الكلام ما هو أمرع من الغيث «3» ، ومنه ما هو أخشن من السيف، ومن كلامه:
سلطان الملوك على جسوم الرعايا، لا على قلوبها.
37- بهرام بن هرمز
المروءة: اسم جامع المحاسن كلها، وكان يقول:
كلما كان الملك أجل خطرا، وجب عليه أن يكون أدق نظراً.
(1/63)

38- نرسي بن بهرام
رفع إليه أهل «اصطخر» يشكون احتباس القطر، فوقّع:
إذا بخلت السماء بقطرها، جادت يد الملك بدرها.
39- هرمز بن نرسي
أبلغ الأشياء في تشييد المملكة تدبيرها بالعدل، وحفظها بالقوة، وكان يقول:
ينبغي على الملك أن يعتني بملك رعيته كعنايته بملكه.
40- سابور «1» ذو الأكتاف
الصنيعة إذا لم ترب أخلقت كالثوب البالي والبنيان المتداعي ولما وقع في أسر «قيصر» قال:
من صبر على النوائب، كان كمن لم تنزل به، ومن جزع منها أعطبته، ولما تخلص قال:
بالمكارمة تظهر حيل العقول، وقال لقيصر:
المكافأة واجبة في الطبيعة.
41- هرمز بن سابور
لو دام الملك لم يصل إلينا. وكان يقول:
نحن كالنار من قاربها عظم عليه ضررها، ومن باعدها لم ينتفع بها!
(1/64)

42- أردشير بن هرمز
السر كامن في طي طبيعة كل أحد، فإن غلبه صاحبه بطن وإن غلب صاحبه ظهر، وكان يقول:
العاقل من ملك عنان شهوته.
43- سابور بن سابور
الحصيف «1» من لا يشتد سروره بما نال من الدنيا، ولا حزنه علي ما فاته منها. وكان يقول في أيام عمه أردشير:
إن من أشد الناس غماً من يرى غيره في الموضع الذى هو لا حق به.
44- يزد جرد الأثيم
الملك الحازم من يؤمن العقوبة في سلطان الغضب، ويعجّل مكافأة المحسن. وكان يقول:
اليد الفارغة تسارع إلى الشر، والقلب الفارغ يسارع إلى الإثم!
45- بهرام كورهوم
من كلامه: إن لّم تصد قلوب الرجال بالبشر والبر فبأي شيء تصيدها؟!
(1/65)

46- يزدجرد بن بهرام
البخل يهدم مباني الكرم، وكان يقول:
عليك السعي، وليس عليك النجح «1» ، وعليك الجد وإن لم يساعد الجد.
47- فيروز بن يزدجرد
من عمل ما يحب لقي ما يكره.
وكان آخر ما تكلم به لما أشرف على الهلاك في حرب خشنوان ملك الهياطلة:
من سل سيف البغي قتل به، ومن أوقد نار الفتنة كان وقوداً لها.
48- خشنوان ملك الهياطلة
قال لفيروز بن يزدجرد:
ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والتيه عند الاستغناء، وقال:
لا تكن كالإبرة تكسو الناس وهي عريانة، وكالذبالة «2» تضيء للناس وهي تحترق وكالبخور «3» ينفع غيره بمضرة نفسه.
(1/66)

49- بالاش بن فيروز
ألا من يجمع الأماني كلها. وكان يقول:
صحة الجسم أوفر القسم «1» ، ومن كلامه:
خلوّ الطبع من الطبع من التكاليف.
50- قباذ بن فيروز
الدين هو العقدة، والعهدة، والعدة. وكان يقول:
السفر سفينة الأذي، والمرض حريق الجسم، والحرب منبت المنايا، فهذه ثلاث متقاربة.
51- أنوشروان العادل
إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون، وكان يقول:
إن لم يساعدنا القضاء، ساعدناه. ومن كلامه:
الإنعام لقاح، والشر نتاج، ومنه قوله:
من سعى رعى، ومن نام لزم الأحلام. وقوله:
ما أكلته راح، وما أطعمته فاح. وقوله:
كل الناس أحقاء بالسجود لله تعالى، وأحقهم بذلك من رفعه الله عن السجود لأحد من خلقه. وقوله:
مثل الذي يعمر خزائنه بأموال رعيته، كمثل من يطين سطح بيته بالتراب الذي يقتلعه من أساسه.
(1/67)

ولما أنفذ «وهريز الديلمي» في ألفي رجل لمعاونة «سيف بن ذي يزن» على الحبشة قال له سيف:
أين يقع هؤلاء من خمسين ألفاً؟ فقال له: يا عربي؛ كثير الحطب يكفيه قليل النار! ورفع إليه أن وكيل نفقاته تزيّد مئونته على المقدر له، فقال:
متى رأيتم نهراً يسقي بستاناً قبل أن يشرب؟! ولما حضره الموت أمر أن يكتب على ناووسه «1» :
ما قدمناه من خير فعند من يحسن الثواب، وما كسبناه من شر، فعند من لا يعجز عن العقاب!
52- هرمز بن أنوشروان
إن أبي قد سبق من قبله، وأتعب من بعده! وقال لبهرام جور:
إياك أن تجمح بك مطية اللّجاج «2» ، فتؤديك إلى التلف.
وقال له أيضاً:
كافر النعمة بين سخط الخالق، وذم المخلوق.
53- أبرويز بن هرمز
أطع من فوقك يطعك من دونك. وكان يقول:
إذا أردت أن تفتضح، فمر من لا يمتثل أمرك. وكان يقول:
ليس لثلاث حيلة: فقر يمازجه كسل، وعداوة معها حسد، وعلة
(1/68)

يقاربها هرم!، وكان يقول:
الهرب في وقته ظفر.
ولما خلعه «شيرويه» ابنه، بمطابقة «المرازبة» «1» قال له:
عما قليل تجني ثمرة ما جنيت، والسلام عليك تسليم سنّة، لا تسليم رضا.
54- شيرويه بن أبرويز
لما خلعت «الفرس» أبرويز، وملّكت «شيرويه» قالوا له: إنا خلعنا أباك، وملكناك لنستبدل إساءاته بإحسانك، فإن فعلت وفيناك حق الطاعة، وإلا صارت عليك يد الجماعة، فقال لهم:
احفظوا لي «ثمرة الملك» أحفظ لكم «سنة العدل» وأفي ب «القول والفعل» .
ففكروا فيما قال، فإذا هو قد جمع لهم في كلمتين جميع ما يحتاجون إليه.
55- يزدجرد بن شهريار- آخر ملوك الفرس
كان يقول:
القضاء غالب، والأجل طالب، والمقدر كائن، والهم فضل، وعلى كل ملك رقيب من الآفات، فإذا أدبر الدهر عن قوم كفى عدوّهم.
(1/69)

56- جذيمة الأبرش «1» - أول ملوك العرب!
للملوك بدوات «2» . من ملك استأثر «3» ، ومن سابق الدهر عثر!.
القبيح كاسمه.
57- المنذر بن ماء السماء
العز تحت ظل السيف. وكان يقول:
حصون العرب: الخيل والسلاح. ومن كلامه:
الحرب سجال، وعثراتها لا تقال «4» .
58- النعمان بن المنذر
الملك حلو الطعم، مر التكاليف. وكان يقول:
من خان جان «5» .
ولما وقع في حبس «أبرويز» وأشرف على التلف قال:
من له يدان بغوائل الزمان «6» ؟!؛ ومن كلامه.
الملك عقيم، أي: لا أرحام بين الملوك وبين أحد.
(1/70)

59- حجر بن عمرو الكندى
قال لابنه امرئ القيس:
يا بني، أحسن الشعر أكذبه، ولا يحسن الكذب بالملوك! ولما أحاط به «بنو أسد» ليقتلوه، جعل يقول:
يا بؤس السباع من أيدي الضباع «1» !
60- عمرو بن هند
السلاح، ثم الكفاح، والمحاجزة «2» . وكان يقول:
الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويتسفهون بالأيدي لا بالألسن.
61- الحارث بن شمر الغساني- ملك عرب الشام
إذا التقى السيفان بطل الخيار، وكان يقول:
من اغتر بكلام عدوه، فهو أعدى عدو لنفسه. ومن كلامه:
الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود «3» .
(1/71)

62- حسان بن تبع الحميري- أحد ملوك اليمن
لا تثقنّ بالملك، فإنه ملول، ولا بالمروءة فإنها خئون، ولا بالدابة؛ فإنها شرود. ومن كلامه المعروف:
حصن النعمة من صروف «1» الزمن، وضروب المحن.
63- النجاشي- أحد ملوك الحبشة
الملك يبقى على الكفر، ولا يبقى على الظلم. ومن كلامه:
لا جود مع تبذير، ولا بخل مع اقتصاد، وكان يقول:
الملك من غلب جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضمير فعله.
(1/72)

الباب الخامس فى روائع كلام ملوك الإسلام وأمرائه
1- معاوية بن أبي سفيان
أول ملوك الإسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تكون ملكا» «1» . وكان معاوية يقول:
نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع. وكان يقول:
ما غضبي على من أملك، وما غضبي على من لا أملك؟! أي: لا ينبغي لي أن أغضب على من هو في ملكي، فإن يدي تصل إليه، وفي قدرتي التشفي منه، فما معنى إتعاب نفسي بالغضب على من هذه حاله؟! ولا ينبغي لي أن أغضب على من هو فوقي أو مثلى، ولست أقدر إلا على الاحتدام «2» منه، فإن ذلك يضرني ويضنيني، ولا يضر من لا تصل إليه يدي! وكان يقول فى «النساء» ! إنهنّ يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام. ويقول:
التسلط على المماليك من لؤم القدرة. وقال للحسن بن علي رضي الله عنهما:
ليت طول حلمنا عنك، لا يدعو جهل غيرنا إليك.
وقال مرة لجلسائه:
وددت لو أن الدنيا في يدي «بيضة» فاحسوها «3» كما هى!
(1/73)

2- عمرو بن العاص «1»
من كثر أصدقاؤه، كثر غرماؤه.
أي: وجب عليه قضاء حقوقهم، والحقوق ديون. وكان يقول:
الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل. ومن كلامه:
عزة الغضب تؤدي إلى ذل الاعتذار.
وكان يقول:
العاقل يعرف خير الشرين.
3- المغيرة بن شعبة «2»
تارك الإخوان متروك.
وكان يقول:
العيش في إلقاء الحشمة.
وكان يقول:
الزيادة في كل شيء سرف إلا في المعروف!
4- زياد بن أبيه «3»
من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره.
وكان يقول:
القدرة تذهب الحفيظة «4» .
(1/74)

ومن كلامه:
يجب على المرء أن يتحفظ من حسد أصدقائه، ومكر أعدائه.
5- الأحنف بن قيس «1»
من لم يصبر على كلمة يسمع كلمات. وكان يقول:
الكامل من عدت هفواته. وكان يقول:
أبعد ما يكون الساعي «2» من الله إذا صدق.
ولما قال معاوية:
أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
وأنقص الناس عقلا من ظلم من دونه، وقال الأحنف:
وأحق الناس بالإحسان من جار حكمه.
فقال معاوية: هذه والله أحسن من الأوليين.
6- عبد الله بن الزبير «3»
اذكر غائباً تره. وكان يقول:
الوحدة خير من جليس السوء. ومن كلامه:
أكلتم تمري، وعصيتم أمري!
(1/75)

7- مصعب بن الزبير «1»
المناكح الكريمة من مدارج الشرف «2» . وكان يقول:
إني لأعشق الشرف كما أعشق الجمال في النساء.
ولما اشتد الحرب بينه وبين عبد الملك بن مروان أرسل إليه عبد الملك اخاه محمد بن مروان بالأمان، فقال مصعب:
مثلي لا ينصرف عن مثل هذا المكان إلا غالباً أو مغلوباً!
8- عبد الملك بن مروان «3»
أفضل الناس من عفا وتواضع عن رفعة، وأنصف عن قوة.
ومات له ولد فقال:
الحمد لله الذى يميت أولادنا ونحبه! وكتب إلى الحجاج في أمر أهل السواد «4» :
أترك لهم لحوماً يعقدون بها شحوماً.
9- الحجاج بن يوسف «5»
العفو عن المقر لا عن المصر.
وكان يقول:
(1/76)

سلطان تخافه الرعية، خير لهم من سلطان يخافهم! ومن كلامه:
جور السلطان خير من ضعفه، لأن ذلك يخص، وهذا يعم. وكان يقول:
رب حق أخرج من باطل.
وكان يقول:
مثل «الكوفة» كامرأة حسناء فقيرة تخطب لجمالها!، ومثل «البصرة» كعجوز شوهاء غنية تخطب لمالها.
10- قتيبة بن مسلم «1»
كتب إليه الحجاج يأمره بغزو «خوارزم» ، فكتب إليه:
أنها شديدة الطلب، قليلة السلب «2» .
ولما أشرف على «سمرقند» قال:
كأنها السماء في الخضرة، أو كأن سورها النجوم الزاهرة، وكأن أنهارها المجرة «3» .
ولما قدم من «خراسان» قال:
من كان فى يده شىء من مال «ابن حازم» فلينبذه، فإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه.
فعجب الناس من حسن تفصيله وتقسيمه.
(1/77)

11- المهلب بن أبي صفره «1»
عجبت لمن يشتري العبيد بماله، ولا يشتري الأحرار بفعاله «2» .
وقال لبنيه:
أحسن ثيابكم ما كان على غيركم، وخير دوابكم ما كان تحت سواكم.
ومن كلامه:
الإقدام على الهلكة «3» تغرير، والإحجام عن الفرصة جبن شديد.
12- يزيد بن المهلب «4»
قال لإخوته:
استكثروا من المحامد، فإن المذام قل من ينجو منها.
وكان يقول:
وددت لو أنّ كلّ منكح فى جبهة الأسد، فلا ينكح إلا شجاع!
13- الوليد بن عبد الملك «5»
لما مات أبوه، وقام مقامه قال:
رزئت أعظم رزية، وأعطيت أجل عطية: موت أمير المؤمنين، وخلافة رب العالمين.
(1/78)

14- سليمان بن عبد الملك «1»
تكلم عنده قوم من الوفود فأساءوا، ثم تكلم رجل منهم فأحسن، فقال سليمان:
كان كلامه بعد كلامهم مطره لبدت عجاجه «2» ! وهرب مرة من طاعون الشام فقيل له: إن الله تعالى يقول:
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
[الأحزاب: 16] ، فقال:
ذلك القليل يزيد.
15- عمر بن عبد العزيز «3»
لولا أن ذكر الله فرض عليّ لما ذكرته إلا إجلالاً له.
ولم أسمع أحسن وأوجز من قوله- ويروي لغيره:
أن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما! وكتب إليه عامل «حمص» يقول: أنها تحتاج إلى «حصن» فقال:
حصنها، بالعدل، والسلام!!
16- يزيد بن عبد الملك «4»
ما الطمع فيما لا يرجى، وما الخوف مما لا بد منه؟! وكان يقول:
لو دام الملك لم يصل إلينا.
(1/79)

17- هشام بن عبد الملك «1»
قيل له: أتطمع في الخلافة، وأنت جبان بخيل، فقال:
كيف لا أطمع، وأنا عفيف حليم؟! وكتب إلى مسلمة بن عبد الملك:
طهر عسكرك من أهل الفساد، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين.
18- مسلمة بن عبد الملك «2»
ما لمت نفسي على خطأ افتتحته بحزم، ولا حمدتها على صواب افتتحته بعجز.
وكان يقول:
عونك اللهمّ على أعباء السّؤدد.
19- الوليد بن يزيد «3»
كان يقول:
يعجبني نشاط على غب «4» ، ومن كلامه:
ولا تؤخر لذة اليوم إلى غد، فإنه غير مأمون!
20- يزيد بن الوليد «5»
كان يقول: أنا أعرق الملوك فى الملك!
(1/80)

لأن أباه «الوليد بن عبد الملك بن مروان» ، وأمه «سهفرتك» بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار، وأم أمه بنت شيرويه بن أبرويز، وأم شيرويه مريم بنت قيصر، وأم فيروز بنت خاقان «ملك الترك» وهو القائل:
أنا ابن كسرى، وأبي مروان، وقيصر جدي، وجدي خاقان، وكان يقول:
أخاف على نفسي عين الكمال، وعودة الشرف، وآفة «1» السؤدد.
فكانت مدة ملكه خمسة أشهر.
21- مروان بن محمد- آخر ملوك بني مروان «2»
أيام القدرة- وإن طالت قصيرة، والمتعة بها- وإن كثرت- قليلة.
وكتب إلى الخارجي الشيباني:
أنا وإياك كالحجر والزجاجة، إن وقع عليها رضها، وإن وقعت عليه فضها «3» .
وعرض بظاهر الحيرة سبعين ألف فارس عربي، ثم قال:
إذا انقضت المدة لم تنفع العدة.
وكان يقول:
كنزنا الكنوز فما وجدنا كنزاً أنفع من «كنز معروف» في قلب حر!
(1/81)

22- نصر بن سيار «1»
كل شيء يبدو صغيراً، ثم يكبر إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر، وكل شىء يرخص إذا كثر ما خلا الأدب فإنه إذا كثر غلا.
23- إبراهيم بن محمد- الإمام «2»
قال لأبي مسلم:
كفى بظاهر فعلك دليلاً على نيتك. ومن قوله:
شمّر ساق الجد، والبس مرة جلد الضأن، ومرة جلد النمر.
24- أبو مسلم- صاحب الدولة «3»
ما تاه إلا وضيع!، ولا فاخر إلا لقيط، ولا تعصب إلا دخيل.
وكان يقول:
أشد أهل القتال متغضب من ذلة، ومحام على ديانة، أو غيور على حرمة. ومن كلامه:
إياك والشاعر؛ فإنه يطلب على الكذب مثوبة، وكان يقول:
الجماع جنون، ويكفي الرجل أن يجنن نفسه في السنة مرة.
25- أبو العباس السفاح- أول خلفاء بني العباس «4»
ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا.
(1/82)

وكان يقول:
إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة. ومن كلامه:
إذا عظمت القدرة قلت الشهوة.
26- أبو جعفر المنصور «1»
أعظم الناس مئونة أكثرهم مروءة.
ورفع إليه رجل قصة في شكاية بعض عماله، فوقع على ظهرها:
اكفني أمره، وإلا كفيته أمرك. ووقع إلى آخر:
فد كثر شاكوك، وقل حامدوك، فإما عدلت، وإما عزلت «2» !
27- عبد الله بن علي «3»
لما يئس مروان بن محمد من نفسه، كتب إليه يوصيه بحرمه، فوقع إليه:
الحق لنا في دمك، وعلينا في حرمك.
28- المهدي «4»
أقل ما يجب للمنعم ألا يتقوّى بنعمته على معصيته! واستأذنه مسلم بن قتيبة لتقييد يده فقال:
إنا نصونك عنها، ونصونها عن غيرك.
(1/83)

29- موسى الهادي «1»
عزى «إبراهيم الحراني» عن ابن له فقال:
أيسرك وهو فتنة، ويسوءك وهو صلاة ورحمة؟!
30- هارون الرشيد «2»
قال لإسماعيل بن صبيح:
إياك والدّالة «3» ، فإنها تفسد الحرمة، وتنقص الذمة، ومنها أتى البرامكة.
وكتب إليه «تكفور» ملك الهند يتهدده، فوقع إليه في كتابه:
الجواب ما تراه، لا ما تقرؤه.
32- محمد الأمين «4»
لما حوصر، وشغب عليه جنده، أصبح ذات يوم فسمع أصوات المحاصرين من ناحية، وأصوات الشاغبين من اخرى، فقال:
لعن الله الفريقين:
أما أحدهما، فيطلب دمي! وأما الآخر، فيطلب مالي!
33- إبراهيم بن المهدي «5»
قال للمأمون: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من أن يحيط به
(1/84)

عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب! وقال لكاتبه: لا أنس مع وحشة الكلام.
34- المأمون «1»
لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة! وكان يقول: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق.
والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد.
وكان يقول: أحسن الكلام ما شاكل الزمان.
ومن كلامه: النساء شر كلهن، ومن شر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
وقوله: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب.
وقوله: أقرباء المرء بمنزلة الشعر على جسده، فمنه ما يخفى، ومنه ما يبقى، ومنه ما يخدم ويكرم.
وقوله: إن النفس لتمل الراحة كما تمل التعب.
وذكر ولد علي بن أبي طالب فقال:
ابدءوا لتدبير الآخرة، وحرموا تدبير الدنيا.
35- عبد الله بن طاهر «2»
لا ينبغي للملك أن يظلم، وبه يدفع الظلم، ولا يبخل ومنه يتوقع الجود.
(1/85)

وكان يقول: من داخل الملك «1» فليدخل أعمى، وليخرج أخرس! ومن كلامه: سمن الكيس «2» ، ونيل الذكر لا يجتمعان.
36- المعتصم بالله «3»
إذا نصر الهوى بطل الرأي.
ولما نكب «الفضل بن مروان» قال:
عصى الله في طاعتي فسلطني عليه.
وذكر التيه عنده فقال:
حظ صاحبه من الله المقت، ومن الناس اللعن.
37- الواثق بالله «4»
دخل إليه هارون بن زياد مؤدبه، فبالغ في إكرامه، فلما خرج قيل له يا أمير المؤمنين: من هذا الفتى الذي أهلته بكل هذا الإجلال؟! فقال:
هو أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله!
38- المتوكل على الله «5»
كان يقول: أنا ملك الناس، والورد ملك الرياحين، وكل واحد منا أولى بصاحبه.
(1/86)

39- الفتح بن خاقان «1»
40- إسحاق بن إبراهيم المصعبى «2»
كيمياء الملوك العمارة، ولا تحسن بهم التجارة، وكان يقول:
لذة الدنيا في السعة والدعة!
41- محمد بن عبد الله بن طاهر «3»
من كلامه: جواهر الأحرار، لا جواهر الأحجار!
42- طاهر بن عبد الله بن طاهر «4»
السرف فى كل شىء مكروه حتى فى الكرم!
42- المنتصر بالله «5»
والله ما ذل ذو حق وإن أصفق العالم «6» عليه، ولا عز ذو باطل وإن طلع من جبينه القمر.
وكان يقول: المقادير تجري بخلاف التدبير.
43- المستعين بالله «7»
لما خلع، وأدخل عليه القضاة، والعدول ليشهدوا عليه، أخذ «ابن أبي الشوارب» كتاب الخلع، وقال له:
(1/87)

يا أمير المؤمنين: أتشهد على إقرارك بما فيه؟
قال: بلى.
قال: خار الله لك يا أبا العباس، فبكى المستعين، وقال:
يا رب إن كنت خلعتني من خلافتك، فلا تخلعنى من رحمتك!
44- المعتز بالله «1»
لما أدخل عليه العدول ليشهدوا، قال:
لا مرحباً بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الكسوف! ولما حرّضته أمه «قبيحة» على طلب ثأره من الأتراك الذين قتلوا المتوكل، وأبرزت قميصه المضرج بدمه قال لها:
ارفعيه، وإلا صار القميص قميصين، فما عادت لعادتها تلك!
45- المهتدي بالله «2»
لما أخرج ليبايع لم يكن «المعتز» خلع نفسه بعد ذلك، فقال:
لا يجتمع أسدان في غابة، ولا فحلان في عانة «3» وقال مرة: عاون على الخير تسلم، ولا تؤخره تندم! فقيل له: هذا بيت شعر، فقال: والله ما تعمدته.
46- المعتمد على الله «4»
من عرف بالحلم كثرت الجراءة عليه.
وكان يقول: لم يطع الله من عصى سلطانه!
(1/88)

47- الموفق «1»
لما دخل البصرة وطافها، ورأى شرف دور المهالبة وقصورها بها قال: صدق- والله- الفرزدق في قوله:
المهالبة قريش اليمن وهذه دور قوم تشهد لهم بالشرف والسؤدد.
48- المعتضد بالله «2»
أما والله لا أرى الدنيا تفي بهمتي ومروءتي.
وكان يقول: لا خرج عذولى من حبسى إلا إلى قبره! وقال لأحمد بن الطيب: يا سرخسي، إن في عقلك قصراً، وفي لسانك طولاً.
49- عمرو بن الليث
الطير بالطير يصاد، والمال يكسب بالمال «3» ، والرجال بالرجال تستمال.
وكان يقول: سافر بالحمار الهرم، فإن نقل، وإلا دلّ على الطريق!
50- أحمد بن طولون «4»
إن في الصلح تأخير الآجال، وتحقيق الآمال، وتثمير الأموال.
(1/89)

51- إسماعيل بن أحمد «1»
كن عصامياً ولا تكن عظامياً.
ولما ظفر بعمرو بن الليث كتب من المعركة إلى «المعتضد» :
أما بعد، فإن «عمرو بن الليث» أصبح أميراً، وامسى أسيراً.
52- المكتفي بالله «2»
ذكر وزيره القاسم بن عبيد الله فقال:
هو عمدة مملكتي، وقلمه ناظم عقد دولتي.
53- المقتدر بالله»
كان يقول: لم يملكنا الله الدنيا لننسى نصيبنا منها، ولم يوسع علينا لنضيق على من في ظلالنا!
54- عبد الله بن المعتز «4»
من فصوله القصار: أهل الدنيا كصور في صحيفة، إذا طوي بعضها نشر بعضها.
إذا كثر الناعي إليك، قام الناعي بك.
من لم يتعرض للنوائب، تعرضت له.
أفقرك الولد وعاداك! بشر مال البخيل بحادث أو وارث!
(1/90)

من نصح الخدمة نصحته المجازاة «1» أهل الدنيا كركب يساق بهم وهم نيام.
من أحب البقاء؛ فليعد للنوائب قلباً صبوراً.
من عجائب الدنيا أن نبكي من ندفنه، ونطرح التراب على وجه من نكرمه.
الموت سهم مرسل إليك..
وعمرك بقدر سفره إليك.
عقوبة الحاسد من نفسه.
لا يرضى عنك الحاسد حتى تموت.
55- القاهر بالله «2»
من يشتري جسدي بأمر خامل، ورفعتي بسلامة وضيع! وكان يقول: من صنع خيراً وشراً بدأ بنفسه.
56- الراضي بالله «3»
كان يقول: من طلب عزاً بباطل أورثه الله ذلاً بحق.
57- نصر بن أحمد «4»
قال يوماً لأبي الطيب الظاهري، وكان يهجو بني سامان:
يا أبا الطيب حتى متى تأكل خبزك بلحوم الناس؟!
(1/91)

58- الحسين بن علي الأطروش صاحب طبرستان «1»
كلمه إنسان فلم يرفع صوته فقال:
يا هذا ارفع صوتك؛ فإن بأذني بعض ما بروحك! وكان يقول: أثقل الناس من شغل مشغولاً.
59- محمد بن يزيد الدعي
كان يقول: ما أشبه «الدولة السامانية» في طول ثباتها وقلة كفاءتها إلا بالسماء التي رفعها الله بلا عمد «2» !
60- أبو بكر محمد بن المظفر محتاج الصنعاني
كان يقول:
الإنسان عبد الإحسان، والحر عبد البر، والطاعة على حسب الاستطاعة.
61- ابنه: أبو على
لما قتل «ماكان بن زكاكي» بباب الري كتب إلى نصر بن أحمد:
أما بعد، فإن «ماكان» قد صار كاسمه والسلام.
وكان يقول: من أبغض الناس إليّ صغير يتكبر، وصبي يتشايخ.
(1/92)

62- المتقي لله «1»
زال الأمر عن بني أمية، وما فيهم راجل «2» ، وأراه سيزول عنا وما فينا راكب!
63- ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله الحمداني «3»
سخط على كاتب له، وأمره بلزوم منزله، فاستؤمر في إسقاط جرايته «4» ، فقال:
إن الملوك يؤدبون بالهجران، ولا يعاقبون بالحرمان!
64- سيف الدولة أبو الحسن «5»
كان يقول: السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق «6» فيها.
وكان يقول: إعطاء الشعراء من فروض الأمراء.
65- المطيع لله «7»
كان يقول: باسمنا يدفع عن سواد الملة، وبياض الدعوة.
(1/93)

66- ركن الدولة أبو على بن بويه «1»
مثل خراسان- في صعوبة فتحها ونزارة دخلها- كابن آوى- يصعب صيده، ولا يحصل خيره «2» !
67- ابنه عضد الدولة فنا خسرو «3»
كان يقول: الدنيا أضيق من أن تسع ملكين.
68- أخوه فخر الدولة أبو الحسن «4»
كان يقول: مثل أموال الملوك كالأودية الكبار، يرى الناس غزارة مائها، ولا يرون أحد أنهارها.
69- أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمخور
كان يقول: ينبغي للملك أن يعنى بترفيه جسمه، وتحسين ذكره، وتنفيذ أمره.
وكان يقول: ثلاثة لا تخلو من ثلاثة: جسم من علل، وقلب من شغل، و «كذخد أبية» من خلل «5» .
(1/94)

70- قابوس بن وشمكير «1»
كان يقول: لذة الملوك فيما لا يشاركهم فيه العامة من معالي الأمور.
ومن كلامه: الوسائل أقلام ذوي الحاجات، والشفاعات مفاتح الطلبات.
ومن كلامه: من أقعدته نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام.
ومن ذلك: إذا سمح الدهر بالحبا، فأبشر بوشك الانقضاء، فإذا أعار فأحسبه قد أغار.
71- مأمون بن مأمون خوارزم شاه «2»
سمعته يقول: همتي كتاب أنظر فيه، وحبيب أنظر إليه، وكريم أنظر له.
72- صاحب الجيش أبو المظفر نصر بن ناصر الدين
سمعته بقول: لا ضيعة على من له ضيعه.
ويقول: يجب على «الأصاغر» أن يشكروا «الأكابر» فعلاً، لا قولاً، ويزيدوا في «الخدمة» كي يزدادوا في «النعمة» .
وخوطب في إسقاط جراية بعض خدمه، فقال:
لست أحبّ توفير مالى بنقصان اتباعي، والسلام.
(1/95)

73- السلطان المعظم أبو القاسم محمد
سمعه صاحب الجيش أبو المظفر نصر- أدام الله برهانه- يقول:
إن حسن وجه الإنسان من عناية الله به، ومن أحسن الله صورته ألقى عليه محبته، فأحبته القلوب، وارتاحت إليه النفوس! وسمعته يرد على من ينكر يوما عليه بعض إطلاقاته الصلات والصدقات وفعل الخيرات، فقال:
يا أخي، ما ننويه أكثر مما نأتيه.
وسمعت العلوي الزينبي يقول:
سمعته- أدام الله دولته- يقول: السؤدد «1» قرابة بين السادة والملوك بعضهم لبعض أقارب، وإن تباعدت بهم المناسب.
ومن كلامه: جرح المال يوسى «2» بتعويض أو إخلاف! وليس لإتلاف النفوس من تلاف!
(1/96)

الباب السادس فى لطائف كلام الوزراء والسادات
1- أبو مسلمة الخلال- وزير السفاح
كان يقول:
خاطر من ركب البحر، وأشد منه مخاطرة من داخل «1» الملوك.
2- الربيع بن يونس- وزير المنصور
كان يقول: موائد الملوك للشرف، لا للشبع «2» !
3- أبو عبد الله- وزير المهدي
كان يقول: حسن البشر علم من أعلام النجاح.
ويقول: عقول الرجال تحت أسنة أقلامها «3» .
ومن كلامه: خير الكلام ما قل ودل، ولم يمل.
4- الفيض بن أبي صالح- وزير المهدى أيضاً
من كلامه: المعروف حسن الوجه، طيب الطعم، ذكيّ العرف، لا خير فيه إذا لم يرب «4» .
(1/97)

5- يحيى بن خالد البرمكي- وزير الرشيد
ما رأيت باكياً أحسن تبسماً من القلم.
وكان يقول: الصديق إما إن شفع، وإما أن يشفع «1» .
ومن كلامه: المواعيد شباك الكرام، يصطادون بها محامد الأحرار.
ومن كلامه: ما أحد رأى في ولده ما يحب إلا رأى في نفسه ما يكره! وقال في النكبة: دخلنا في الدنيا دخولاً أخرجنا منها.
7- الفضل بن يحيى- وزيره أيضاً
جرى يوماً بين يديه مدح الناس أياه لجوده، فقال:
وما قدر الدّنيا حتى يمدح من يجود بها كلها فضلاً عن بعضها؟! ولما عزل وخلفه أخوه جعفر قال:
ما انتقلت عني نعمة صارت إلى أخي!، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه!
8- جعفر بن يحيى- وزيره أيضاً
شر المال ما ألزمك إثم مكسبه، وحرمت الأجر في إنفاقه! ومن توقيعاته: الخراج «2» عمود الملك، وما استعز بمثل العدل، وما استدبر «3» بمثل الجور.
وكان يقول: إذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار لاغياً «4» ، وإذا كان الإيجاز مقصراً كان الإكثار أبلغ!
(1/98)

9- الفضل بن الربيع- وزير الرشيد والأمين
كان يقول: ما أظن النعمة إلا مسخوطاً عليها!، أما ترونها أبداً عند غير أهلها؟! وكان يقول: إياكم ومخاطبة الملوك بكل ما يقتضي جواباً، لأنهم إن أجابوكم اشتد عليهم، وإن لم يجيبوكم اشتد عليكم!
10- الفضل بن سهل- وزير المأمون
من فراهة «1» العبد شدة هيبته لمولاه.
ومن توقيعاته «2» : الأمور بتمامها، والأعمال بخواتيمها، والصنائع «3» باستدامتها.
11- أخوه الحسن بن سهل- وزير المأمون
عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه؟! وكان يقول: الشرف في السرف، فقيل له: لا خير في السرف!، فقال: لا سرف في الخير! (فرد اللفظ، واستوفى المعنى) !.
وكان يقول: لا يصلح للصدر «4» إلا واسع الصدر!
12- جعفر بن أبي خالد- وزير المأمون
لما أراد المأمون أن يستوزره «5» قال له:
يا أمير المؤمنين؛ الوزارة هي العناية، وما بعد العناية إلا الآفات.
(1/99)

وكان يقول: لا ينبغي أن يصغر أمر عدو السلطان لأنه منه بين حالين: إما ظفر به فلن يحمد، أو عجز عنه فلن يعذر!
13- أحمد بن يوسف- وزيره أيضاً
كان يقول: بالأقلام تساس الأقاليم.
وكتب إلى صديق له يستدعيه: يوم الالتقاء قصير، فأعن عليه بالبكور.
وذكر «عنان» بن عباد» فقال: محاسنه أكثر من مساويه ولن يأتي ما يعتذر «1» منه! وكتب إلى المأمون «مع هدية» :
قد بعثت إلى أمير المؤمنين قليلاً من كثيره عندي!
14- محمد بن بزداذ- وزيره أيضاً
كان يقول: ليس في الحب مشورة، ولا في الشهوات خصومة.
ومن توقيعاته: أبواب الملوك معادن «2» الحاجات، وليس لاستنجاحها سوى: الصبر والملازمة.
15- الفضل بن مروان- وزير المعتصم
مثل الكاتب كالدولاب «3» إذا تعطل تكسر.
وكان يقول: المسألة «4» عن الصديق لقاء.
ومن كلامه: ما رأيت أقرب رضى من سخط، ولا أسرع ما بين قرب وبعد من الملوك!
(1/100)

16- محمد بن عبد الملك- وزيره أيضاً
كان يقول: قد صنع إليّ أمير المؤمنين صنيعة تفرد بها، نقلني من ذل التجارة إلى عز الوزارة.
وكتب إلى «عبد الله بن طاهر» كتاباً، قال في فصل منه:
قطعت كتبي عنك قطع إجلال، لا إخلال.
ومن كلامه: الإرجاف «1» مقدمة السكون، وزند «2» الفتنة.
17- محمد بن الفضل الجرجرائي- وزير المتوكل
عاتبه «المتوكل» يوما على اشتغاله بالملاهي والقيان عن أعمال السلطان، فقال:
يا أمير المؤمنين، إن مقاساة هموم أهل الدنيا لا يتأتى إلا باستجلاب «3» شيء من السرور!
18- عبيد الله بن يحيى بن خاقان- وزيره أيضاً
كان يقول: إذا دهانا أمر تصورناه في أصعب حالاته، فما نقص منها كان سروراً نتعجله! وكان يقول: لسان الحال أنطق من لسان المقال.
19- أحمد بن الخصيب- وزير المنتصر
لما خلع عليه للوزارة قال: مثلي كمثل الناقة التي تزين للنحر!
(1/101)

20- عبد الله بن بزداذ- وزير المستعين
وقع إلى عامل، يا هذا أسرفت، وما أنصفت، وأوجفت «1» حتى أعجفت، وأدللت «2» فأمللت، فاستصغر ما فعلت تبلغ ما أملت.
21- عيسى بن فرخانشاه- وزير المعتز
كان يقول: القلم الرديء كالولد العاق!.
قال ابن عباد: وكالأخ المشاق «3» .
وكان عيسى يقول: إني لا أشكر لحظه، وأشكو لفظه.
22- سليمان بن وهب- وزير المهتدى
كان يقول: غزل المودّة أرقّ من غزل العلاقة، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق.
ويقول: إني أغار على أصدقائي، كما أغار على حرمي.
ونظر يوماً في المرآة، فرأى شيباً كثيراً، فقال:
عيب لا عدمناه! ووصف ابنه «عبيد الله» فقال:
هو لي ولد سار، كما إني له أخ بار.
ومن كلامه: أحق الناس بالفضل أهل الفضل.
23- أحمد بن صالح بن شيرزاد- وزير المعتمد
كان يقول: ينبغي أن يكون حظ العيون والأنوف من موائد الملوك كحظ الأفواه منها!
(1/102)

24- الحسن بن مخلد- وزير المعتمد
كان يقول: أموالنا مثالنا، تجيء جملة، وتذهب جملة، فلم لا نتعجل اللذات قبل ذهابها، ونتمتع بصفو الزمان قبل كدره؟!
25- صاعد بن خالد- وزير المعتمد والموفق
كان يقول: النفس أصل لا عوض عنه، والمال فرع يعود. إذا حاد «1» عاد عما قليل.
ومن كلامه: المنع الجميل أحسن من الوعد الطويل.
27- أبو الصقر إسماعيل بن بلبل- وزيرهما أيضاً
كان يقول: رب عامل يهنأ به عمله.
ويقول: الخيانات تؤدي إلى الجنايات.
28- عبد الله بن سليم- وزير المعتضد
وقع في «كتاب مستنجز «2» إياه وعداً» :
الشرط أملك، والوعد كأخذ باليد، والوفاء من سجايا الكرام.
وفي «كتاب مذكر» :
ليس كلما أهملناه نسيناه، ولا كلما أخرناه تركناه! ووقع إلى «أحمد بن طولون» : اتق الله في الأرصاد «3» ، فإن الله بالمرصاد.
(1/103)

29- القاسم بن عبيد الله- وزيره أيضاً، والمكتفى بعده
كان يقول: عقل الكاتب في قلمه، والكلام الحسن مصائد القلوب.
30- العباس بن الحسن- وزير المكتفي والمقتدر
كان يقول: غرس البلوى يثمر الشكوى! وكان يقول: مثل العامل كالخياط يقطع ثوباً ديباجاً بألف درهم ويوماً قوهياً «1» بعشرة دراهم.
31- أبو الحسن بن الفرات- وزير المقتدر
كان يقول: ما أريد الوزارة إلا لصديق أنفعه، أو عدو أقمعه. «2»
وكان يقول: إني لآلف كل شيء حتى الصديق والطريق! وقال له الحسن ابنه: ما تركت لك عدواً، فقال: يا بنيّ، ولا صديقا. «3»
32- عيسى بن عيسى- وزيره أيضاً
كان يقول: المضيع لا رزق له.
ومن كلامه: ظلم الاتباع مضاف إلى المتبوع.
وذكر ابن مقلة فقال: يريد أمره ليومه، ولا يفكر في غده!
(1/104)

33- أبو علي بن مقلة- وزير المقتدر والقاهر والراضي
كان يقول: يعجبني من يقول الشعر تأدّبا لا تكسبا..
ومن كلامه: إذا أحببت تهالكت، «1» وإذا أبغضت أهلكت، وإذا رضيت آثرت، وإذا غضبت أثرت!
34- أبو جعفر محمد بن شيرزاد- وزير المستكفي
الأصاغر يهفون «2» والأكابر يعفون.
ومن كلامه: من عمل ما يحب لقي ما يكره.
وكان يقول: إياك والإفراط الممل، والتفريط «3» المخل.
35- أبو عبد الله الجيهاني الكبير- وزيره أيضاً
كان يقول: جمال المرء في لسانه، وجمال المرأة في عقلها.
ومن كلامه: حسن الذكر ثمرة العمر.
36- المعروف بالحاكم- وزير نوح بن نصر
أشقى الناس من باع دينه بدنيا غيره.
وكان يقول: المكانة لدى الملوك مفتاح الفتنة، وزند المحنة.
37- أبو محمد بن محمد المهلبي- وزير معز الدولة
من تعرض للمصائب تثبت للنوائب.
من ضاف الأسد، قراه «4» أظفاره، ومن حرك الدهر أراه
(1/105)

اقتداره.
ومن كلامه: من حنث «1» في إيمانه، وأخل بأمانته، فإنما يحنث على نفسه.
ومن كلامه: اكفف عن لحم يكسبك بشماً «2» ، وعن فعل يعقبك ندماً.
38- أبو الفضل بن العميد- وزير ركن الدولة
من أحاسن كلامه: خير القول ما أغناك جده، وألهاك هزله.
ومن كلامه: العاقل من افتتح في كل أمر خاتمته، وعلم من بدء كل شيء عاقبته.
وقال يوماً على المائدة: اطيب ما يكون الحمل، إذا حلت الشمس الحمل! «3»
39- ابنه أبو الفتح- ذو الكفايتين
كتب في صباه إلى الواذاري الكاتب: قد انتظمت يا سيدي في رفقة لي في سمط الثريا، فإن لّم تحفظ علينا النظام.. صرنا كبنات نعش «4» والسلام.
(1/106)

40- الصاحب أبو القاسم بن عباد- وزير فخر الدولة
كان يقول: دارنا هذه «1» خان، يدخلها من وفى ومن خان.
وسأله ابن العميد عن بغداد، فقال: هي في البلاد كأستاذ في العباد! وكان يقول: الضمائر الصحاح أبلغ من الألسن الفصاح.
ومن كلامه: وعد الكريم ألزم من دين الغريم. «2»
وكان يقول: لكل أمر أجل، ولكل وقت رجل. «3»
وكان يقول: قد يبلغ الكلام حيث تقصر السهام.
وقال في إنسان كذوب: الفاختة عنده. «4»
41- أبوذرّ
قال في وصف الحر: وجدت حراً يشبه قلب الصب «5» ، ويذيب دماغ الضب. «6»
ومن كلامه: الآمال ممدودة، والأنفاس محدودة.
ومن كلامه: كتاب المرء عنوان عقله، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه.
وكان يقول: خير البر ما صفا وكفى، وشره ما تأخر وتكدر!
(1/107)

42- أبو العباس أحمد إبراهيم الضبي- وزيره بعد الصاحب
كتب رقعة «1» ، وقال في فصل منها: الأرض زمردة، والسماء سمير، والأشجار وشي، والنسيم عبير. والطيور قيان!
43- أبو الحسن محمد المزني- وزير نوح بن منصور
كان يقول: أنا أقدم على كل شىء من غير استئصال النعم، وهتك الحرم.
وقال لرجل من أصحابه، يبني داره: تأنق فيها فهي عشك، وفيها عيشك.
ومن كلامه: إنما تنفذ أسنة أقلام الكتاب بظبي سيوف القواد. «2»
44- أبو نصر بن أبي زيد- وزير الرضى ناصر الدين
كان يقول: في استهانة بعض الأعداء: ما عسى أن يبلغ عض النملة، ولسع النحلة، ووقوع البقّة على النخلة؟! من كلامه: الهدية ترد بلاء الدنيا، والصدقة ترد بلاء «3» الآخرة.
45- أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة- وزير أبي علي السيمجوري
سمعته يقول: ينبغي للأصاغر أن يتقدموا الأكابر في ثلاثة مواطن: إذا سارو ليلاً، وخاضوا نهراً، وواجهوا خيلاً.
(1/108)

46- أبو الحسن الأهوازي- وزير صاحب الصغانيات
من حسن حاله، استحسن محاله. «1»
العدل أقوى جيش، والأمن أهنأ عيش.
من زرع الأحن حصد المحن. «2»
47- أبو القاسم أحمد بن الحسن وزير السلطان محمود
من لّم يقدمه عزمه أخّره عجزه.
من توقيعاته: كم وضيع رفعه خلقه، ورفيع وضعه خرقه «3» .
(1/109)

الباب السابع فى بدائع الكتاب والبلغاء
1- عبد الحميد بن يحيى- كاتب مروان
من كلامه: القلم شجرة ثمرتها المعاني، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.
وكان يقول: لو كان الوحي ينزل على أحد- بعد الأنبياء- فعلى بلغاء الكتاب! وذكر البلاغة فقال: هي ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة.
ومن كلامه: خير الكلام ما كان لفظه فحلاً، ومعناه بكراً.
2- إسماعيل بن صبيح- كاتب الرشيد
لم أسمع بين الشكر، والاستزادة في فصل أحسن وأوجز مما كتب ليحيى بن خالد: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه.
وكان يقول: الخط في الإبصار سواد، وفي البصائر بياض.
3- عمرو بن مسعدة كاتب المأمون
كان يقول: قليل دائم خير من كثير منقطع.
وكان يقول: كل ما يصلح للملوك على العبد حرام.
وكتب إلى المأمون: كتابي، ومن قبلي من أجناد أمير المؤمنين، وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم! فقال لأحمد بن يوسف: لله درّ عمرو ما أبلغه!
(1/110)

ألا ترى إلى إدماجه المسألة في الاختيار، وإعفائه في سلطانه من الإكثار؟!
4- إبراهيم بن العباس الصولي- كاتب المعتصم والواثق والمتوكل
كان يقول: مثل الأصدقاء كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار! ومن كلامه: الكتاب بلا تاريخ نكرة بلا معرفة، وعقل بغير سمة.
وكان يقول: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل من منشئه.
5- سعيد بن حميد- كاتب المستعين
كتب إلى صديق له يستدعيه: طلعت النجوم تنتظر بدرها، فرأيك في الطلوع قبل غروبها.
6- الحسن بن وهب «1»
مدح صديقاً له فقال: خلق كما يشتهي إخوانه!
7- أحمد بن سليم
كان يقول: أحسن الكلام ما لا تمجه «2» الآذان، ولا تتعب فيه الأذهان.
8- أبو عثمان الجاحظ «3»
قال في وصف الكتاب: وعاء ملئ علماً، وظرف حشي ظرفاً، ومن لك في روضة تقلب في حجر، وبستان يحمل في كم؟! ووصف الحبارى فقال: سلاحها سلاحها. «4»
(1/111)

ووصف الفرّوج فقال: يخرج كاسيا كاسبا.
وكان يقول: من صنف فقد استهدف، فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف. «1»
ومن كلامه في ذكر بني هاشم: هم ملح الأرض، وزبدة المجد، ودرع الشريعة!
9- إبراهيم النظام «2»
ذكر الزجاج فأخرجه في كلمتين بأوجز لفظ، وأتم معنى فقال يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر.
وقيل له: اتناظر أبا الهذيل؟! فقال نعم وأطرح له رخاء من عقلي!
10- أبو العيناء «3»
قال لعبيد الله بن سليمان: نحن في صرفك «4» مرحومون، وفي ولايتك محرومون! وقال لأبي الصقر: إلى كم يرفعنى الوزير، ولا يرفع لى رأساً «5» ؟! وقال له مرة: كيف حالك؟ فقال: أنت الحال، فإذا أصلحت صلحت.
(1/112)

وقربه يوماً:، فقال: تقريب الولي، وحرمان العدو.
وكان يقول: إذا ذهب أهل التفضل مات أهل التجمل. «1»
ولما توفي عبيد الله بن يحيى بن خاقان من السقطة عن فرسه قال: انا لله، قتل الجواد الجواد. «2»
وترجل للمصيبة فقال: أنزلتني النازلة.
11- أبو القاسم الإسكافي
من كلامه: أعوذ بالله من نزقات الشباب، ونزغات «3» الشيطان.
ومن كلامه: الزمان صروف تجول، وأمور تحول.
وله: كتاب الشكر به زكاء النعمى، والوفاء معه صلاح العقبى.
12- أبو يحيى الحمادى
كتب إليه بعض أصدقائه رفعة في الاعتذار عن التأخر عن حضرته، والإخلال بخدمته، فوقع على ظهرها:
أنت في أوسع العذر عند ثقتي بك، وفي أضيقه عند شوقي إليك! وكتب في وصف شيخ: ذاك هرم هم «4» قد أخذ الزمان من عقله كما أخذ من جسمه!
13- أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف
كتب في عهد لبعض الولاة: ادرع «5» من ثوب عفافك ما يشمل أطرافك كافة.
(1/113)

وكتب إلى قوم من العصاة: احذروا أن ينقلكم الله بأقدامكم إلى مصارع حمامكم. «1»
14- أبو سعد الوذاري
كتب إلى ابن العميد، أنا- أيد الله الأستاذ- سلمان بيته، وأبو هريرة مجلسه، وأنس خدمته، وبلال دعوته، وحسان مدحته «2» .
15- أبو العباس الأقليدسي
كان يقول: العلائق هي العوائق عن الحقائق.
16- أبوبكر الخوارزمي «3»
كان يقول: الكريم من أكرم الأحرار، والكبير من صغر الدينار.
وكتب كتاباً. في فصل منه: قد أراحنى الشيخ، بل أتعبني بشكره، وخفف ظهري من ثقل المحن، لا بل أثقله بأعباء المنن، وأحياني بتحقيق الرجا. لا بل أماتني بفرط الحيا.
ومن كلامه: الإذكار حيث التناسى، والتّقاضى حيث التعاصي.
17- أبو الفضل البديع الهمذاني «4»
من كلامه: نعم الرفيق التوفيق.
وكان يقول: غضب العاشق أكثر عمراً من أن ينتظر عذراً.
ومن كلامه: سبيل الإنسان في الإحسان سبيل الإشجار في الإثمار، فيجب إذا أتى بالحسنة، أن لا يقابل بالسيئة.
(1/114)

ومن كلامه: الكلب يزمن حين «1» يسمن، ولا يتبع حين يشبع.
وعند الجوع لا يهم بالرجوع! وكان يقول: الخبر إذا تواتر به «2» النقل قبله العقل.
ومن كلامه: ما كل نابع ماء، ولا كل سقف سماء، ولا كل بنية بيت الله، ولا كل محمد رسول الله.
ومن كلامه: سم المبرسم في «3» الشهد، والشمس تقبح في الأعين الرّمد.
يقول: من لم يجد الحميم رعى»
الهشيم.
18- أبو الفرج الببغاء «5»
من كلامه: المعرفة بأسرار الآلات أقوى معين على الصناعات.
ومن كلامه: رسوم الكريم «6» ديون.
وكتب في ذم بخيل: ما هو إلا صوف الكلب، ومخ الذر «7» ، ولبن الطير.
ومن كلامه: رب ظلوم متظلم- المكاتبة ترجمة النية.
(1/115)

19- الفتح المحسن بن إبراهيم
كتب في وصف «يوم شديد البرد» :
هذا يوم يخفّ فيه الثقيل إذا هجر، ويثقل الخفيف إذا هجم.
20- أحمد بن علي الميكالي
وصل كتابك فوجدته يسهل الحزون «1» ، ويسر المحزون، ويعطل الدر المخزون.
ومن كلامه في التراسل: أنت من أحمدته فاعتمدته فانتقدته، فاعتقدته.
21- ابنه أبو الفضل عبيد الله «2»
من فصوله: النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صوانه النشر.
ومنها: رب لاغ في إبلاغ.
ومنها: القلم مطية يمشي راكبها رهواً «3» ، ويكسو، الآنامل زهواً.
22- أبو القاسم بن حولة الهمذاني
من كلامه في بعض كتبه: ما حال من قد خلق «4» عمره، وانطوى، وبلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنية الوداع، وأشرف على دار المقام، ولم يبق منه إلا أنفاس معدودة، وحركات محصورة، ومدة فانية، وعدة متناهية؟!
(1/116)

23- القاضى أبو حسن على بن عبد العزيز
- هذا الغناء خصب المراد، فما بالي منه عسر المراد «1» ، وتوفر مولاي عليّ غير مستزاد «2» ، فما بالي حصلت على غير زاد؟!
24- أبو الفتح عل بن محمد البستي
كتب في بعض الفتوح: كتبت وقد هبت ريح النصر من مهبها، والأرض مشرقة بنور ربها.
ومن كلامه: الرشوة رشاء «3» الحاجة، والبشر نور الإيجاب، والمعاشرة ترك المعاسرة «4» .
ومن كلامه: إن لم يكن لنا طمع في درك «5» درك، فأعفنا من شرك شرّك.
وكان يقول: أجهل الناس من كان على السلطان مدلّا، ولإخوان مذلاً.
ومن كلامه: إذا بقي ما قاتك، فلا تأس على ما فاتك «6» .
وكان يقول: لا ضمان على الزمان، ولا ضياع بين الصناعة والقناعة.
25- أبو سهل محمد بن الحسن
كتب في بعض كتبه: فلان ثقيل روح الحركة، جامد هواء الراحة، حار ظل الشجرة.
(1/117)

وكتب في جواب معتذراً من التأخر عنه: قد ناب لعاب قلمك عن ركاب قدمك.
26- أبوبكر علي بن الحسن الغساني
كتب في كتاب: فتح فتوحا ألفتها النفوس والطباع، ومرت عليها الأبصار والأسماع، فهي لا تستغرب غرائبها، ولا تستعجب عجائبها.
وقال في حكاية: أنك لا تسلم حتى تسلم، ولا تأمن حتى تؤمن.
وسمعته يقول: من طلب وجد وجد، ومن قرع الباب ولجّ ولج «1» .
27- أبو أحمد منصور بن محمد
من كلامه في بعض كتبه: بي رمد، وفي الهواء ومد، ولقاء الشيخ فرج، ولكن ليس على الأعمى حرج، لا سيما والمجلس وطيء، والمراكب لطيء. وهج الصيف يثير الرهج، ويذيب المهج «2» .
28- أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي
من كلامه: تعز عن الدنيا تعز. الشباب باكورة الحياة. لسان التقصير قصير. الرفق لقاح الصلاح، وجناح النجاح. الهم في وخز النفوس، شر من السوس في خز السوس «3» .
29- الأمير قابوس بن وشمكير «4»
من كلمات كتابي المعنون «المبهج» الذي كنت أنشأته وهي قريبة من ألف كلمة كلها من صنعته، فأختار منها ما كتبه: وحفظته استحسانا
(1/118)

له وإعجاباً به. وهي. سبحان مقدر الأقوات على اختلاف الأوقات.
استظهر على الدهر بخفة الظهر. أمهد لنفسك قبل عثرة قدمك، وكثرة ندمك. خلف الوعد خلق الوغد. نسيم الريح نسيب الروح.
البخل بالطعام من أخلاق الطغام. ربما كان التقالي في التلاقي. لو كانت المشاجرة شجراً لم تثمر إلا ضجراً. من جلب در الكلام، سلب در الكرام. بعض الناس كالغذاء، وبعضهم كالسم الناقع، ما الخلاص إلا في الإخلاص. من افتقر إلى الله استغنى به. رأي الأريب المستشار أحلى من الأري المشتار «1» .
أكثر العوام كالأنعام. واكثر الأغنياء أغبياء. ورب رقعة توضح رقاعة كاتبها. المحنث عيبة العيوب، وذنوب الذنوب «2» .
لا مستمتع ببرد الظلال مع حر البلبال «3» !. ما أطيب العيش لولا أن صفوه مشوب «4» ، وعاقبته مشيب!. لا عذر لمن أعتم بالشيب أن لا يرتدي بالعقل «5» . حجر البخيل لا يروى ولا يروي «6» .
آنس القيان «7» من كان الحسن في خلقها، والطيب في خلقها.
(1/119)

الباب الثامن في طرائف الفلاسفة والحكماء والزهاد والعلماء
1- أرسطا طاليس «1»
ما زلت أشرب ولا أروى، فلما عرفت الله رويت من غير شرب! ومن كلامه: اعص الهوى، وأطع من شئت.
وكان يقول: الحكمة سلم العلوم، فمن عدمها عدم القرب من باريه.
2- أفلاطون «2»
من أيس من الشيء، استغنى عنه.
وسئل عن العشق فقال، ذا لا يعرض إلا للفراغ! وقيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟! فقال: لعز الكمال!!
3- سقراط «3»
استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه.
ومن كلامه: في كل يوم حادث لم يكن، وكان ما لا بد منه نزل!، وكأن ما نزل لم ينزل! ومن كلامه: كل شيء يستطاع قلبه إلا الطبيعة، ويقدر على رده إلا القضاء!
(1/120)

4- جوامع كلم لقمان «1» في أمور وأحوال مختلفة
نظر بعضهم إلى جارية حسناء خرجت يوم عيد- في النظارة، فقال: هذه لم تخرج لترى، ولكن لترى! ونظر إلى صياد يكلم امرأة فقال له: يا صياد، احذر أن تصاد.
ونظر إلى رجل حسن الوجه، فقال: أما البيت فحسن، وأما الساكن فردىء.
وقال له بعضهم: لم لا تطلب الولد؟! فقال: لحبي له!
5- على قبر الإسكندر «2»
قال بعضهم، لما مات الاسكندر، وجعل في تابوت ذهب:
إن هذا كان يخبأ الذهب، وقد خبأه الذهب الآن.
وقال آخر، والناس يبكون ويجزعون: قد حركنا الآن بسكونه.
وقال آخر: قد كان يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال آخر: قد كان غالباً، فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً.
وقال آخر: الصديق إنسان آخر إلا أنه أنت.
6- النظام «3»
الذهب لئيم، لأن الشيء ينجذب إلى شكله، والذهب عند اللئام أكثر منه عند الكرام!
(1/121)

7- يحيى بن عدي»
إن الطبيعة تمل الشيء الواحد إذا دام عليها، ولذلك اتخذت ألوان الأطعمة، واطلق التزوج بأربع نسوة، ورسم التنزه، والتحول من مكان إلى مكان، والاستكثار من الأخوان، والتفنن في الآداب، والجمع بين الجد والهزل.
8- القاضي أبو يوسف «2»
النور في السواد، (يعني سواد العين الذي يبصر به) .
9- أحمد بن أبى دؤاد «3»
لله در البرامكة، عرفوا تقلب الدول فبادروا بالعرف قبل العوائق، وكان يقول:
الاستصلاح خير من الاجتياح، ويقول:
من صدقت لهجته، وضحت حجته، وكان يقول:
خرق الإجماع خرق.
10- مالك بن دينار «4»
إذا رأيتم رياض الجنة، فارتعوا فيها، (يعني: مجالس الذكر) .
وكان يقول: نعم حاجب الشهوات غض البصر.
ومن كلامه: صم عن الدنيا تفطر بالآخرة.
(1/122)

11- ابن السماك «1»
كل ما فاتك من الدنيا فهو غنيمة.
وكان يقول: الذكر كالنخلة، لا تزال منها بين رزق ورفق.
12- الفضيل بن عياض «2»
الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت فيها أضعاث أحلام!
13- يحيى بن معاذ «3»
الفقر خوف الفقر، والزهد إخفاء الزهد.
وقال للعلوي لما زاره: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومزوراً.
14- الشبلي «4»
نور الحقيقة أحسن من نور الحديقة! ومن كلامه: الزهد قطع العلائق، وهجر الخلائق.
ونظر إلى مختضب فقال له: إن النور أحسن من الظلمة، فلم سوّدت نورك؟!
(1/123)

15- ابن شمعون الواعظ
قال له السلطان المعظم محمود- رحمه الله-: عظني وأوجز، فقال:
كما تحب أن يفعل الله بك، فافعل برعيتك.
وكان يقول: لم أسمع في المواعظ أبلغ وأوجز من قول من قال:
إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما! وحكي عن «أبى تراب النحشبى «1» » أنه كان يقول: ازهد في الدنيا يحبك الله، وفيما في أيدي الناس يحبك الناس.
(1/124)

الباب التاسع فى ملح الظرفاء ونوادرهم
1- مطيع بن إياس «1»
قال ليحيى بن زياد: لا مرحباً بعيش انفرد به عنك، ويوم لا أكتحل فيه بك!
2- أبو الحارث جمين «2»
قيل له: من يحضر مائدة «محمد بن يحيى» ؟ فقال:
أكرم الخلق، وألأمهم، يعنى الملائكة، والذباب! ونظر يوماً في المرآة، فاستقبح وجهه فقال:
الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره!
3- أبو عبد الله الجماز «3»
كتب إلى صديق له يسأله شيئاً، فأجابه: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً، وإن كنت ملوما، فجعلك الله معذورا! وقال للجمّاز مرة: شممت من دار فلان رائحة طيبة أطيب من رائحة العروس الحسناء في أنف العاشق الشّيّق «4» .
(1/125)

وأهدى إلى صديق له فاكهة على طبق، وكتب إليه:
من الظرف رد الظرف.
4- ابن عائشة القرشى
كان يقول: كان لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ذهب يقتبس النار فكلمه الجبار!
5- أبو العميثل «1»
دخل يوماً إلى طاهر بن عبد الله، فقبل يده، فقال له:
قد آذت خشونة شاربك يدي!؛ فقال:
كلا أيها الأمير، إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن «2» الأسد!
6- علي بن عبيدة الريحاني «3»
قال الجاحظ: مرض ابن عبيدة، فدخلت إليه عائداً، وقلت له:
ما تشتهي يا أبا الحسن؟ فقال:
عيون الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحساد.
ودخل إليه صديق له من «قطيعة الربيع» ، فعاتبه على انقطاعه عنه طويلاً، ثم قال له:
يا عجبي، أعاتبك على القطيعة، وأنت من أهل القطيعة! وكان يقول: الزيارة عمارة المودة، وقلتها أمان من الملالة.
(1/126)

7- محمد بن داود الأصفهانى «1»
كان يقول: الهوى هوان، وما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق.
ومن كلامه: نزع النفس أهون من نزع الشوق، وقطع الأوصال أيسر من قطع الوصال.
8- منصور الفقيه المصري «2»
كان يوماً يدرس أصحابه وابنه محمداً، وكان صبياً يؤذيه فنحاه، ثم اشتغل قلبه به، وحن إليه، فاستدناه، وقال: فديت من يؤذيني، وإذا يؤذيني فهو يؤدبني.
ورآه يوماً يعدو في داره، ويلعب، فقال له: يا بني لو علمت أن رجلك من قلب أبيك لوقفت بها!
9- أبو الفتح كشاجم «3»
من كلامه: لو أن المخمور يعرف قصته لقدم وصيته.
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: أنا أحفظ في هجاء المغنين قرابة ألف بيت ليس أبلغ، وأمدح، وأوجز من قوله:
ما رآه أحد في دار قوم مرتين
(1/127)

10- جحظة البرمكي «1»
سئل عن دعوة حضرها، فقال: كل شيء كان بها بارداً إلا الماء! وكتب إلى ابن المعتز: كتب عليّ أن أجيب داعي الأمير فانقطع شريان الغمام، فقطعني عنه، فكتب إليه:
إن فاتني السرور برؤيتك لم يفتني الأنس بلفظتك.
وقال جحظة لابن طومار: خيالك سمير نفسي إذا نمت، وذكرك مزاجها إذا انتبهت.
ومن كلامه: رب غائب بشخصه حاضر بخلوص نفسه.
وكان «الشبلى» يتمايل طربا على قوله:
ورق الجو حتى قيل: هذا ... عتاب بين جحظة والزمان
11- القاسم الزعفراني
كان يقول: كتب مولانا الصاحب إلى الآفاق سفاتج «2» روائج.
وكان يقول: قد نقضت غرّة الصّبّا، ولبّيت داعى «3» الحجا.
قال يوماً لأبي عبد الله الحامدي: فصدت فصدت «4» العلّة.
(1/128)

الباب العاشر فى وسائط قلائد الشعر «1»
1- امرؤ القيس «2»
يقال: أن «أمير الشعراء» امرؤ القيس، وأمير شعره، قوله:
والله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل «3» .
فإن فيه الاستنجاح بالله، ومدح البر، والحث عليه.
ومن جوامع كلمه قوله:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقوله:
إن الشقاء على الأشقين مصبوب
وقوله:
وجرح اللسان كجرح اليد
وقوله:
وخير ما رمت ما ينال
وقوله:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
2- زهير «4»
يقال: انه أجمع الناس للكثير من المعاني، في القليل من
(1/129)

الألفاظ، وأبياته التي في آخر قصيدته التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم؟! «1»
يشبه «كلام الأنبياء» وهي من أحكم حكم العرب، وما منها إلا غرّة ودرّة.
وقد وقع الإجماع على أن أمدح بيت للعرب قوله:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله «2»
3- النابغة الذبياني «3»
قال فأجاد في تشبيه النعمان بن المنذر مرة بالليل، ومرة بالشمس حيث قال:
وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت إن المنتأى عنك واسع
وقال: طالعت في «كتاب الآلات والولائم» رواية الليث عن الخليل قول النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «4»
(1/130)

فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ومن جوامع كلمه:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أيّ الرجال المهذب»
وقوله:
.. ولا قرار على زأر من الأسد
وقوله:
.. فإن مطية الجهل الشباب
4- أوس بن حجر «2»
قال أبو عمرو بن العلاء: ليس للعرب مطلع قصيدة في الرثاء أوجز لفظا، وأحسن معنى من قوله:
أيّتها النّفس أجملى جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا
ومن هذه القصيدة قوله:
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظّنّ ... كان قد رأى، وقد سمعا
(1/131)

5- بشر بن أبى خازم «1»
قوله:
وأيدي الندى في الصالحين قروض
6- مهلهل «2»
من أمثاله السائرة قوله:
لم أكن من جناتها علم الل ... - هـ وإني بحرها اليوم صال
7- طرفة «3»
من أمثاله السائرة على وجه الدهر قوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل به ولا يقيم وزنه «4» وكان ابن عباس يقول: أنه كلام نبي! ومن أمثال طرفة قوله:
ما أشبه الليلة بالبارحة!
وقوله:
إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
(1/132)

8- لقيط بن يعمر «1»
من امثاله السائرة قوله من قصيدة:
قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمر من فزعا «2»
ومنها:
هيهات ما زالت الأموال مدأبة ... لأهليها أن أصيبوا مرة تبعا «3»
9- عنترة بن شداد «4»
من قوله:
والكفر مخبثة لنفس المنعم
10- طفيل الغنوى «5»
إن النّساء كأشجار نبتن لنا ... منهنّ مر، وبعض المر مأكول
إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واجب لا بد مفعول!
(1/133)

11- الأضبط بن فريع «1»
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
12- عدي بن زيد «2»
من أمثاله السائرة فى جوامع الكلم قوله:
كفى واعظاً للمرء أيام دهره ... تروح عليه النائبات وتغتدي
عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقوله:
لو بغير الماء حلقى شرق.. ... كنت كالغصّان، بالماء اعتصارى «3»
13- الشّفنرى «4»
قال الأصمعي: لم توصف المرأة بأوجز وأحسن من قوله:
فدقّت، وجلّت، واسبكرّت، وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت «5»
(1/134)

14- أبو الطّمحان القينى «1»
قال دعبل: أمدح بيت قالته العرب في الجاهلية قول أبى الطّمحان:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «2»
15- الأعشى واسمه ميمون بن قيس «3»
وقع الإجماع على أن أهجي بيت للجاهلية قوله:
تبيتون فى المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خماصا
وأن أمدح بيت لهم قوله:
يبيتون فى المشتى خماصاً، وعندهم ... من الزاد فضلات تعد لمن يقرى
إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا له ... من النار في الظلماء ألوية حمرا
(1/135)

16- لبيد بن ربيعة «1»
في الخبر: إن أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وقيل لبشار بن برد: أخبرنا يا أبا معاذ عن أجود بيت للعرب فقال: إن تفضيل بيت على أشعار العرب لشديد! ولكن أحسن كل الإحسان، واوجز، واعجز لبيد في قوله:
أكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
17- النمر بن تولب «2»
من أمثاله السائرة في جوامع كلمه قوله:
يود الفتى طول السلامة جاهداً ... فكيف ترى طول السلامة يفعل؟!
وفي معناه لحميد بن ثور: «3»
أرى بصري قد رابنى بعد صحة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وللجعدى: «4»
ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني، فإذا السلامة داء
(1/136)

واحسن وأوجز وأبلغ من هذا كله قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كفى بالسلامة داء» «1» .
18- حسان بن ثابت «2»
من احاسن حسان في جوامع كلمه قوله:
وإن امرأ يمسي ويصبح سالماً ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
فأجازه ابنه سعيد بقوله:
وإن امرأ عادى أناساً على الغنى ... ولم يسأل الله الغنى لحسود
19- الحطيئة «3»
يقال: أن أوجع «هجاء الإسلاميين» قوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنك أنت الطّاعم الكاسى
و «أمير شعره» قوله:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
(1/137)

20- أبو ذؤيب الهذلىّ «1»
قيل: إن «هذيلا» أشعر قبائل العرب، و «أبا ذؤيب» أشعر هذيل، وأمير شعره وغرة كلامه «قصيدته في الرثاء» التي أولها:
أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع «2» ؟!
وأعمر بيوتها قوله:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وكان الأصمعى يقول: هو «أبرع بيت للعرب» ، وأحسن ما في القصيدة قوله:
وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع
فإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
21- عبدة بن الطّبيب «3»
كان عمر بن الخطاب يتعجب من جوده قوله:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح، وإشفاق، وتأميل
ومن أمثاله السائرة:
فما كان قيس هلكله هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما «4»
(1/138)

22- عمرو بن معدي كرب»
من أمثاله السائرة في جوامع كلمه قوله:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ويقال: إن أهجى شعر للعرب قوله:
ظللت كأنى للرماح دريئة ... أقاتل عن أبناء جرم، وفرّت «2»
23- أبو الأسود الدّؤلى «3»
من أمثاله السائرة في جوامع كلمه قوله:
لا تهني بعد إكرامك لي ... إن هذي عادة منتزعه
لا يكن برقك برقاً خلبا ... إن خير البرق ما الغيث معه «4» !
24- الفرزدق «5»
من وسائط قلائده في جوامع كلمه قوله:
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «6»
وقوله:
أنا وسعداً كالفصيل وأمه ... إذا وطئته لم يضره اعتمادها
(1/139)

وقوله:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
25- جرير «1»
يقال: أن أغزل شعره قوله:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا «2» !
وأمدح شعره قوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟!
سأشكر إن رددت علىّ ريشى ... وأنبتّ القوادم من جناحى «3»
وأفخر شعره وقوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وأهجى شعره قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وأصدق شعره قوله:
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل
وأظرف شعره قوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع «4» !
(1/140)

وأحسن أمثاله قوله:
إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للئام نصور «1»
وقوله:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «2»
26- الأخطل «3»
أمير شعره قوله من «قصيدة في بنى أمية» .
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «4»
وفيها:
إن العداوة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حيناً ثم ينتشر «5»
وفيها:
ضجوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر «6»
(1/141)

وفيها:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... متى يحالف بطن الراحة الشّعر «1» ؟!
وفيها:
حّتّى أقرّوا وهم منّى على مضض ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر «2»
وأصدق بيت له قوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
27- القطامي «3»
من جوامع كلمه، ووسائط قلائده قوله من قصيدة:
وخير الرأي ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا «4»
ومنها:
أراهم يغمرون من استعزوا ... ويجتنبون من صدق المضاعا
وقوله من أخرى:
والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهى، ولأم المخطئ الهبل
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وربما فات قوماً جل أمرهم ... من التأني، وكان الحزم لو عجلوا
والعيش لا عيش إلا ما تقرّبه ... عين، ولا حال إلا سوف ينتقل
(1/142)

28- الكميت بن زيد «1»
من أمثاله السائرة في أبيات قصيدة قوله:
فيا موقداً ناراً لغيرك ضوءها ... ويا حاطبا فى حبل غيرك تحطب
وقوله:
وإذا لم يكن إلا الأسنة مركب ... فلا رأي للمضطر إلا ركوبها «2»
وقوله:
وهل ظنون امرئ إلّا كأسهمه ... والنّبل، إن هى تخطى مرة تصب
29- الراعي، واسمه عبيد بن حصين «3»
كنت أظن أن «المعتز أبا عذرة» هو القائل:
«أهل الدنيا كسطور في صحيفة كلما طوى بعضها نشر بعضها» فإذا هو آخذه من شعر «الراعي» ، فألم به، ونسج على منواله، وأخفى السرقة، فأحسن جداً!
إن الزمان الذى ترجى هوادته ... يأتي على الحجر القاسي، فينفلق
ما الدهر والناس إلا مثل واردة ... إذا مضى عنق منها أتى عنق «4»
(1/143)

30- عدي بن الرقاع «1»
لا يعرف لأحد مثل قوله في «وصف الظبية والغزال» من قصيدة:
تزجي أغن كان إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها «2»
31- الأقول بن المعتز
ومنه أخذ، وعلى قالبه ضرب:
قد اطلعت ابن القرون كأنها ... أخذ المراود من سحيق الأثمد «3»
ومن قصيدة عدي:
صلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها «4»
ولا يعرف مثل قوله في «وصف المرأة» :
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر طاسم «5»
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت ... في عينه سنة، وليس بنائم
32- كثير عزة «6»
من قلائد وغرر قصائده قوله:
وإني وتهيامي بعزّة بعدما ... تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت «7»
(1/144)

لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت»
ومن القصيدة قوله:
فقلت لها: يا عز كل مصيبة ... إذا ذللت يوماً لها النفس ذلت «2»
ومن أمثاله السائرة، وحكمه البالغة قوله:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو غالب
ومن يتتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها، ولا يسلم له- الدهر- صاحب
33- الأحوص بن محمد الأنصاري «3»
من أمثاله السائرة فى وسط قلائده قوله:
يا بيت عاتكة التى أتعزّل ... حذر العدا، وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود، وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل «4»
34- جميل بن معمر «5»
يقال: أنه أغزل نظرائه، وأغزل شعره قوله:
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... قتيلاً، بكى من حبّ قاتله قبلى؟!
(1/145)

ومن أمثاله السائرة:
كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإن على الرحمن رزقكم غدا
35- عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة «1»
من عيون شعره الجارية مجرى الأمثال قوله:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت غلتنا مما نجد «2»
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدّ «3»
وقوله:
قالت: ترقّب عيون الحي إن لها ... عيناً عليك إذا ما نمت لم تنم
36- نصيب «4»
يقال: أن أمير شعره قوله:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «5»
(1/146)

37- إبراهيم بن هرمة «1»
من عزيز أمثاله السائرة قوله:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زنداً شحاحا «2»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقوله:
يحب المديح أبو جابر ... ويجزع من صلة المادح
ومن أحاسنه:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق، وجيب قميصه مرقوع «3»
ومن ملحه:
أرى طيب الحلال لديّ خبثاً ... وطيب العيش في خبث الحرام «4» !
38- أبو دهبل الجمحي «5»
هو كثير الملح والمحاسن، وليس له احسن من قوله:
وكيف أنساك؟! لا أيديك واحدة ... عندي، ولا بالذي أوليت من قدم؟!
(1/147)

قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز:
قد نفى عنه جميع وجوه النسيان بأوجز لفظ وأحسنه.
39- بشار بن برد «1»
أستاذ المحدثين، وصدرهم، وبدرهم، وأعجوبة الدنيا، لأنه كان أعمى أكمه، ولد كذلك، وقال مثل قوله:
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «2»
ومن أمثاله السائرة الفاخرة قوله:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه «3»
وقوله:
الحرّ يلحى، والعصى للعبد ... وليس للملحف مثل الرد «4»
وقوله:
وصاحب كالدمل المجد ... حملته في رقعة من جلدي «5»
وقال «هارون المنجم» : أشعر بيت في الغزل من شعر المحدثين، قول بشار:
(1/148)

أنا والله- أشتهى سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق «1»
ومن بدائعه قوله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا «2»
وقوله:
تاتي المقيم- وما سعى- حاجاته ... عدد الحصى، ويخيب سعي الناصب «3»
وقال أبو نواس:
أحببت من شعر بشار لحبكم ... بيتاً لهجت به من شعر بشار
«يا رحمة الله حلي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار»
40- حمّاد عجرد «4»
غرّة شعره ما أنشده له «ابن المعتز» ، ورواه غيره لبشار، ولأيّهما كان، فهو من خير الكلام، وسحر البيان:
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه- أبداً- بالبخل معقود
إنّ الكريم ليخفى عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
(1/149)

إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
قال الرياشي: قال بشار: أهجى بيت، هجي به أحد هو بيت العبد الذي هجاني، يعني قول حماد عجرد:
نسبت إلى برد، وأنت لغيره ... فهيهات أن تدرى لمثلك من نسب!
وكان قد تهيأ له فى هجائى بهذا البيت ما لم يتهيأ لجرير والفرزدق، وقد تهاجيا أربعين سنة! ولما سمع قوله فيه:
شبيه الوجه بالقرد ... إذا ما عمى القرد «1» !
بكى وقال: يرانى ابن ... «2» فيصفنى ولا أراه فأصفه!!
41- أبو العتاهية اسماعيل بن القاسم «3»
قال إسحاق الموصلي: أنشدني إسحاق بن مخلد الرازي لأبي العتاهية:
ما إن يطيب لذى الرّع ... - اية للأيام لا لعب، ولا لهو
إذ كان يسرف في مسرته ... فيموت من أجزائه جزو
فقلت: ما أحسنهما! أهكذا تقول!، والله إنهما روحانيان بين السماء والأرض! وكان الجاحظ يقول في قول أبي العتاهية:
إن الشباب حجة التّصابى ... روائح الجنة فى الشباب
(1/150)

فيه معنى الظرف الذي لا تقدر على معرفته القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسن، إلا بعد التطويل، وإدامة التفكير، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه.
ومن أمثاله السائرة الفاخرة قوله:
لو رأى الناس نبياً ... سائلاً. ما وصلوه
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك- الدهر- أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
وقوله:
وما الموت إلا رحلة غير أنه ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
ومن قوله في الغزل:
أعلمت «عتبة» أنني ... منها على شرف مطل
وشكوت ما ألقى إليها ... والمدامع تستهلّ
حتى إذا أبرمت ما ... أشكو كما يشكو الأذل
قالت: فأي الناس يع ... - لم ما تقول؟ فقلت: كل
قال: «ابن المعتز» : أجمع أهل الأدب على أنهم لم يسمعوا قافية أحق بمكانها من قوله: فقلت: كل.
ومن أحسن شعر قيل في «خليفة» قوله في «المهدي» :
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها «1»
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولونا لها أحدّ غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ومن جوامع كلمه، وروائع غرره قوله:
يا رب أنت خلقتني ... وخلقت لي، وخلقت منى
(1/151)

سبحانك اللهمّ عا ... لم كلّ غيب مستكنّ
مالى بشرّك طاقة ... يا سيدي، إن لم تعني
42- أبو نواس «1»
كان المأمون يقول: لو نطقت الدنيا، لما وصفت نفسها بأحسن من قول أبى نواس:
الاكلّ حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
قال سفيان بن عيينة: أحسن- والله- وأظرف شاعركم في قوله:
يا قمراً أبصرت في مأتم ... يندب شجواً بين أتراب
يبكي، فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
وإذا أعجب به سفيان- مع زهده وورعه- فما الظن بغيره؟! وقال هارون بن علي المنجم: أجمع أهل العلم بالشعر على أن أجود بيت للمحدثين «في المدح» قول أبي نواس في الفضل بن الربيع:
لقد نزلت أبا عباس منزلة ... ما إن ترى خلفها الأبصار مطرحاً
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... من جود كفك تأسو كلّ من جرحا
ومن غرر مدحه قوله فيه أيضاً:
أنت- على ما بك من قدرة ... فلست مثل الفضل بالواجد
أوجده الله، فما مثله ... لطالب فيه، ولا ناشد
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
(1/152)

وقوله في الأمين:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني، وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة ... لغيرك إنساناً، فأنت الذي تعني
وقوله في الخصيب:
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فما جازه جود، ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
ومن أمثاله السائرة قوله:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره
وقوله:
صار جدا ما مزحت به ... ربّ جدّ جره اللعب
وقوله:
كفى حزناً إن الجواد مقتر ... عليه، ولا معروف عند بخيل
43- سلم بن عمرو «1»
من احسن ما قيل في الانزعاج لغضب الملوك، والتلطف لاستجلاب رضاهم- قول سلم في «المهدي» :
إني أتتني عن المهدي مألكة ... تظل من خوفها الأحشاء تضطرب «2»
(1/153)

كيف الفرار ولم أبلغ رضى ملك ... تبدو المنايا بكفيه، وتحتجب
إني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما تأتي وتجتنب
وانت كالدهر مبثوثاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب «1»
ولما أنشأ للرشيد قصيدته التي يقول فيها:
ملك كأن الشمس فوق جبينه ... متهلل الإمساء والإصباح
وإذا حللت ببابه، ورواقه ... فانزل بسعد، وارتحل بنجاح «2»
قال: هكذا فليمدح الملوك، وأمر له بمئة ألف درهم.
ومن أمثاله السائرة قوله:
من راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور «3»
لولا منى العاشقين ماتوا ... غماً، وبعض المنى غرور
وقوله:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
44- منصور النمري «4»
غرة شعره قوله من قصيدة في الرشيد، وهي من أحسن، وأبدع
(1/154)

ما قيل في التأسف على الشباب:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
ما كدت أوفى شبابي كنه غرته ... حتى انقضى، فإذا الدنيا له تبع
فحكي ان الرشيد لما سمع هذا البيت بكى، وقال: يا نمري، ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب؟! ومن القصيدة:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع
إن أخلف القطر لم تخلف مخائله ... أو ضاق امر ذكرناه فيتسع «1»
ويقال: أن الرشيد أعطاه على هذا البيت مئة ألف درهم.
ومن أمثاله السائرة قوله:
أرى شيب الرجال من الغواني «2» ... بموضع شيبهن من الرجال
وقوله:
أقلل عتاب من اغتررت بوده ... ليست تنال مودة بقتال
وقوله:
إن المنية والفراق لواحد ... أو توءمان تراضعا بلبان
45- أشجع بن عمرو «3»
غرة شعره، وأمير كلامه قصيدته فى مدح الرشيد، وأحسن ما فيها قوله:
وعلى عدوك يا بن عم محمد ... ضدان: ضوء الصبح، والأظلام
فإذا تنبه رعته، وإذا هدا ... سلت عليه- سيوفك- الأحلام
(1/155)

وكان «جعفر بن يحيى» يقول: ما مدحت بأحب إلي من:
«عينية أشجع» ، يعني قصيدته التي يقول فيها:
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون، كما يصنع
وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون، ولا يجمع
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع
فما خلفه لامرئ مطلب ... ولا لامرئ دونه مطمع «1»
بديهته مثل تدبيره ... متى هجته، فهو مستجمع «2»
ومن غرره النادرة قوله في «الفضل بن يحيى» :
انتجع الفضل أو تخل من الدن ... يا فهاتان غايتا الهمم
46- كلثوم بن عمرو العتّابى «3»
من روائع كلامه قوله:
ذريني تجئني منيتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن عليّات الأمور مشوبة ... بمستودعات من بطون الأساود «4»
ومن كلامه الكتابي قوله:
وها أنا مغض عن هواك وصابر ... على حد مصقول الغرارين قاضب
ومنتزع عما كرهت، وجاعل ... مثالك نصباً بين عيني وحاجبي «5»
(1/156)

47- أبو الشّيص «1»
من عيون أمثاله السائرة:
لا تنكري صدي، ولا أعراضي ... ليس المقل عن الزمان براض
ومن نادر كلامه الذي لم يسبق إليه:
كريم يغض الطرف فضل حياته ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
كالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان
وقوله في موت الرشيد، وقيام الأمين:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة، وفي أنس
العين تبكي، والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم، وفي عرس
يضحكنا القائم الأمين وتبكي ... نا وفاة الرشيد بالأمس
بدر ببغداد بات في رغد ... وبات بدر بطوس في الرمس «2»
48- مسلم بن الوليد- صريع الغواني «3»
من فرائد قلائده، وأبيات قصائده قوله:
حسبي بما أدت الأيام تجربتي ... سعى عليّ بكأسيها الجديدان «4»
دلت على عيبها الدنيا وصدقها ... ما استرجع الدهر مما كان أعطانى «5»
(1/157)

وقوله في المرثية:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر
وقوله في الهجاء، ويقال: أنه أهجى شعر المحدثين:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك- كما علمت- جليل «1»
ويقال قوله:
قبحت مناظرهم فحين بلغتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر «2»
49- أبو يعقوب الخزيمى «3»
من غرره التي لم يستبق إليها:
بلاه أبو الفضل في جوده ... وهل يملك البحر أن لا يفيضا؟!
وقوله:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب
وقوله:
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم الرزايا بالذخائر مولع
50- العباس بن الأحنف «4»
كان البحتري يقول: العباس أغزل الناس، وأغزل شعره قوله:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا!
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضىء للناس، وهى تحترق «5»
(1/158)

ومما يجري مجرى المثل من غرر شعره، قوله:
نزوركم، لا نكافيكم بجفوتكم ... إن المحب إذا لم يستزر زارا
يقرب الشوق داراً، وهي نازحة ... من عالج الشوق، لم يستبعد الدارا
51- محمد بن أمية الكاتب
أنشد- يوماً- «أبا العتاهية» قوله:
رب وعد منك، لا أنساه لي ... واجب الشكر، وإن لم تفعل
أقطع الدهر بظن حسن ... وأجلى كربة لا تنجلي
كلما أملت يوماً صالحاً ... عرض المكروه دون الأمل
وأرى الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك، وتدني اجلي
فجعل «أبو العتاهية» يبكي، ويقبل رأسه، ويقول: بودي أنه لي بألف بيت من شعري!
52- الحكيم بن قنبر
لا يعرف لأحد مثل قوله:
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... فيه الذنوب، ومعذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من الفنون، وجيه حيثما شفعا
ومن أمثاله السائرة قوله:
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
53- المخيم الراسبي
كان منقطعاً إلى «محمد بن يزيد بن منصور» فكسب معه ألف درهم، فلما مات اتصل ب «محمد بن يحيى بن خالد» فأساء صحبته، فقال فيه- وهو أحسن، وأجود، وأسير ما قيل في معناه:
شتان بين محمد ومحمد ... حي أمات، وميّت أحيانى
(1/159)

فصحبت حياً في عطايا ميت ... فبقيت مشتملاً على الخسران
54- أحمد بن الحجاج «1»
كان «المطلب بن عبد الله بن ملك الخزاعي» متوفراً عليه مذ قال فيه:
ما زرت مطلباً إلا لمطلب ... ذو همة بلغتني، أو كذا السبب
أفردته برجائي أن يشاركه ... وفي الوسائل، أو ألقاه بالكتب
فلما مات المطلب قال فيه:
زمني بمطلب سقيت زماناً ... ما كنت إلا روضة وجنانا
من جاد بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائناً من كانا
أصلحتني بالجود، بل أفسدتني ... فتركتني أتسخط الإحسانا!
55- أبو عيينة محمد بن عيينة المهلبي
من ملح غرره قوله:
جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالروح في غربة، والجسم في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا روح فيه، ولي روح بلا بدن
وقوله:
أرى عهدها كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وعهدي لها كالآس حسناً ونضرة ... له بهجة تبقى إذا ما مضى الورد
ومن سوائر أمثاله قوله فى «خالد ابن عمه» :
خالد- لا أبواه- ... كان والكلب سواء
(1/160)

لو كما ينقص يزدا ... د إذا نال السماء
وقوله فيه:
أبوك لنا غيث نعيش بسيبه ... وأنت جواد، لست تبقي ولا تذر «1»
له أثر في كل عام يسرنا ... وأنت تعفي دائماً ذلك الأثر «2»
56- أخوه عبد الله بن محمد بن عيينة
من وسائط قلائده قوله:
هو الصبر والتسليم لله والرضى ... إذا نزلت بي خطة لا أشاؤها «3»
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمراً فخاب رجاؤها
بأنفسنا خير الغنيمة إننا ... نئوب، وفيها ماؤها وحياؤها
وقوله:
ما أنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى اكله اضطرارا
57- عبد الملك بن عبد الرحيم الحلاج
قوله من قصيدة كلها غرر:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه!
58- صالح بن عبد القدوس «4»
أمير شعره الذي لم يقل مثله:
وما زرتكم عمداً ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرّجل «5»
(1/161)

59- أبو محمد التيمى
من غرر كلامه قوله:
إذا ما مضى القوم الذي أنت فيهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
وإن امرأ قد سار سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
وقوله في الفضل بن سهل:
ترى عظماء الناس للفضل خشعاً ... إذا ما بدا- والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة ... فكل رفيع عنده متواضع
60- محمد بن عبيد الله العتبي «1»
من أمثاله السائرة قوله:
قالت: رأيتك مجنوناً، فقلت لها: ... إن الشباب جنون برؤّه الكبر «2»
61- محمد بن كناسة
غرة كلامه قوله:
فيّ انقباض وحشمة، فإذا ... لقيت أهل، الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما شئت، غير محتشم
62- المؤمل بن أميل
أمير شعره، ودرة تاجه قوله من قصيدة:
(1/162)

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون، فنأتيكم فنعتذر
لا تحسبوني غنياً عن مودتكم ... إني إليكم- وإن أثريت- مفتقر
63- الحسين بن الضحاك الخليع «1»
من غرر ملحه قوله في العتاب:
أين عطف الأديب فى بلد الغربة ... جوداً على ذوي الآداب؟!
أنا في ذمة السّحاب وأظما ... إن هذا لوصمة فى السّحاب
64- محمود بن حسن الوراق «2»
من أمثاله السائرة قوله:
تعصي الإله، وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وقوله:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة نفس أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروني، أيها الثقلان
65- خالد الكاتب «3»
زبدة كلامه قوله:
رقدت فلم ترث للسّاهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرّقا ... د ما فعل الدهر بالناظر!!
(1/163)

66- ابراهيم بن المهدي «1»
من أحسن قلائده الفاخرة قوله في المأمون:
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع
وقوله:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت للعفو أهل
فإن عفوت ففضل ... وإن أخذت فعدل
67- عبد الصمد بن المعذّل «2»
من أحسن كلامه قوله:
تكلّفنى إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها إن أهان لتكرما
تقول: سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سلى المفضال يحيى بن أكثما
68- بكر بن النطاح «3»
من أحاسن كلامه، قوله من قصيدة:
فرعاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو جفّ أسحم
(1/164)

فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
ومنها:
يا طالبا للكيميا ونفعها ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
69- على بن جبلة العكوّك «1»
أمير شعره قوله في أبي دلف:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره «2»
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وقوله في حميد الطوسي:
دجلة تسقي وأبو غانم ... مطعم من تسقى من الناس
فالناس جسم وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الراس
70- محمد بن أبي زرعة الدمشقي «3»
من غرر شعره قوله:
لا ملوم مستقصر أنت في ال ... بر ولكن مستعطف مستزاد
قد يهز الحسام وهو الحس ... ام ويحب الجواد وهو جواد
(1/165)

وقوله في معنى آخر وهو غاية في بابه:
لا يؤنسنك إن تراني ضاحكاً ... كم ضحكة فيها عبوس كامن
71- اسماعيل بن محمد الحمدوني
له في طيلسان بن حرب قرابة أربعين مقطوعة لا تخلو واحدة منها من معنى نادر، ومثل سائر، ومن محاسنها قوله:
يا بن حرب كسوتني طيلسانا ... مل من صحبة الزمان وصدا
طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
وقوله:
وطيلسان لو كان لفظاً إذاً ... ما شك خلق في أنه بهتان
وقوله:
كم رفوناه إذ تمزق حتى ... بقي الرفو، وانقضى الطيلسان
72- اسحاق الموصلي «1»
من محاسن ملحه قوله:
أحن إلى الأصيبية الصغار ... وهاج لي الهوى قرب المزار
وكل مسافر يزداد شوقاً ... إذا دنت الديار من الديار
73- محمد بن وهيب الحميري «2»
كان ابن عائشة القرشي يقول:
لأنا بوجدان «ضالّة الكلم» أسرّ مني بوجدان «ضالة النعم» ، فإذا
(1/166)

قيل له: ماذا؟ قال: قول ابن وهيب:
وإني لأرجو الله دوماً كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع!
ومن أمثاله السائرة قوله:
إذا ما بقيت على فرحة ... فكل بلاء بها مولع
74- دعبل بن علي «1»
أحسن بيت له به سار ذكره، وعلا أمره قوله من قصيدة:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
ومنها:
لا تأخذا بظلامتي أحدا ... طرفي، وقلبي في دمي اشتركا «2»
ومن غرر شعره قوله:
سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرويّة- حامله
يموت ردىّ الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى، وإن مات قائله
75- أبو سعد المخزومي
من ظرف أمثاله السائرة قوله:
ما أعجب الدهر في تصرفه ... والدهر لا تنقضي عجائبه «3»
وكم رأينا في الدهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه
وقوله:
ليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس
لا، ولا حومة الوغى ... كصدور المجالس
وظهور الجياد غي ... ر ظهور الطّنافس
(1/167)

ليس من مارس الحرو ... ب كمن لم يمارس «1»
76- أبو تمام حبيب بن أوس «2»
أحسن ما قيل فى تحسين الحجاب قوله:
يأيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كتب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
وأحسن ما قيل فى «الحث على الاغتراب» قوله:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه، فاغترب تتجدّد «3»
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس، إذ ليست عليهم بسرمد
وأحسن ما قيل في «حسن العهد» قوله:
وإن أولى البرايا أن تواسيه ... لدى السّرر لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
واحسن ما قيل في «ذم الشيب على كثرته» قوله:
غدا الشيب مختطا بفودي خطة ... طريق الردى منها إلى النفس مهيع
هو الزور يخفى، والمعاشر ينزوي ... وذو الألف يقلى، والجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع «4»
وسئل عن أمدح بيت له فأشار إلى قوله:
فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع
(1/168)

ويقال: بل قوله:
لو إن إجماعنا في وصف سؤدده ... في الدين لم يختلف في الملة اثنان
وقال أبو القاسم الأمدي: هو أشعر الناس «في المراثي» ، وليس له أجود وأحسن من قوله فيها:
ألا إن في كف المنية مهجة ... تظلّ لها عين العلا وهي تدمع
هي النفس إن تبك المكارم فقدها ... فمن بين أحشاء المكارم تنزع
وأحسن ما قال «في استتمام الصنائع» قوله:
إن ابتداء العرف مجد سابق ... والمجد كل المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسناً، وليس كحسنه، لتمامه
77- أبو عبادة البحترىّ «1»
كان «أبوبكر الخوارزمىّ» «2» يقول:
«غرر البحترىّ، ووسائط قلائده، وأبيات قصائده أكثر من أن تحصى» وعندي إن أفصح أبياته، وأبلغها، وأجمعها للكثير من المعانى بالقليل من الألفاظ قوله:
فمن يرض بعد السخط كان على هدى ... وليس لمن بعد الرّضا يسخط اهتدا
فإن الرضا بعد العدا يكشف القلى ... وإنّ العدا بعد الرّضا يجلب الردى
وكان «عبيد الله بن عبد الله» يقول: أبلغ بيت له قوله:
(1/169)

وتماسكت حين زعزعني الده ... ر التماساً منه لنفسي ونكسي!
وكان الصاحب بن عباد يقول: أمدح شعر له قوله:
دنوت تواضعاً، وعلوت مجداً ... فشأناك: انحدار، وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وقوله:
يذكرنيك، والذكرى غناء ... مشابه فيك طيبة الشكول
نسيم الروض فى ريح شمال
وقول البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالبر حتى أنني ... متخوف إلا يكون لقاء
وكان «أبو القاسم الآمدي» يقول: قد أكثر الشعراء في ذكر الطلول والدمن، وليس فيها أحسن وأرق من قول البحترى:
دمن مواثل كالنجوم، فإن عفت ... فبأي نجم في الصبابة تهتدي؟!
78- علي بن الجهم «1»
يقال: أنه لما شبه نفسه فى الحبس بالسيف المغمود، وقال:
قالوا: حبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي، وأيّ مهنّد لا يغمد؟!
وشبه نفسه في حال الصلب، وهو عريان بالسيف المسلول- حكم له بأنه أشعر الناس، فأذعنت له الشعراء، وهابته الأمراء.
ويقال: أنه في «المحدثين» كالنابغة في «المتقدمين» ، لأنه اعتذر إلى المتوكل بما لا يقصر عن «اعتذارات، النابغة إلى النعمان» ، ومن غرره في ذلك قوله:
(1/170)

عفا الله عنك لنا حرمة ... تعوذ بعفوك إن أبعدا
ألم تر عبداً عدا طوره ... ومولى عفا، ورشيدا هدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك، ويصرف عنك الردى
وقوله:
إن دون السلام والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار!
وقوله:
فارض للسائل الخضوع، وللمذن ... ب ذنباً غضاضة الاعتذار
وقوله:
واستعذ منهما فبئس المقام ... ان لأهل العقول والأخطار
79- يزيد بن محمد بن المهلبي «1»
من أبيات قصائده قوله:
من تظنونه؟ فقالوا جميعاً: ... ليس هذا إلا أبو عفان «2»
80- العطوي، واسمه محمد بن عبد الرحمن «3»
من أحسن ما قيل قوله:
ما ترى يومنا وحسن ابتدائه ... وندى أرضه، وهطل سمائه
وقوله:
إن صدر النهار أنضر شطري ... هـ كما نضرة الفتى فى فتائه
(1/171)

ومن غرر أحاسنه فى «ذم كثرة الآصدقاء» قوله:
لم أجد كثرة الأخلاء إلا ... تعب النفس في قضاء الحقوق
فاصرف النفس عن كثير من الن ... اس، فما كل من ترى بصديق
ومن قلائده:
يقولون: قبل الدار جار موافق ... وقبل طريق المرء أنس رفيق
ولم أسمع في «الاستزارة» ألطف، وأظرف، وأخف من قوله:
كنت المعزي بفقدي ... وعشت ما شئت بعدي
أهدى إليّ أخ لي ... سليل مسك وورد
أرق من لفظ صب ... يشكو حرارة وجد
كأنه أن تجئنا ... بلا انتظار ووعد
فاخلع عليّ سروراً ... بكونك اليوم عندى!
81- عوف بن محلّم الشيباني «1»
أمير شعره قوله من قصيدة في عبد الله بن طاهر:
يا بن الذي دان له المشرقان ... وألبس العدل به المغربان
إن الثمانين- وبلغتها- ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
قوله: «وبلغتها» حشو احسن من البيت، وله نظائر قليلة قد جمعتها في بعض كتبى.
82- عتاب بن ورقاء
أمير شعره قصيدته التي أولها:
أما صحا، أما انتهى، أما ارعوى ... أما رأى الشيب بفوديه بدا؟!
وأمير هذه القصيدة، قوله في التأسف على الشباب:
سقيا لأيام الشباب وله ... غادرني من بعده بادى الأسى
(1/172)

أكان ربعاً ذا أنيس فعفا ... أم كان برداً ذا شباب فنضا «1» ؟!
وقوله:
إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتبسط بينها الأعمار
83- القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجانى «2»
قال فى «فصد الحبيب» :
يا ليت عيني تحملت ألمك ... بل ليت نفسي تقسمت سقمك
وليت كف الطبيب إذ فصدت ... عرقك أجرت من ناظريّ دمك
أعرته صبغ وجنتيك كما ... تعيره إن لثمت من لثمك
ومن وسائط قلائده قوله من قصيدة صاحبية «3» :
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت لأفراد المعانى، وألّفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
ومن سائر معانيه:
يقولون: لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
إذا قيل: هذا مورد، قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لا قيت، لكن لأخدما
أأشقى به عرشا، وأجنيه ذلة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أسلما
(1/173)

ومن أخرى:
وقالوا اضطرب فى الأرض فالرزق واسع ... ومن لي بما قالوا، ورزقي ضيق؟!
فإن لم يكن في الأرض حر يغيثني ... ولم يك لي كسب، فمن أين أرزق؟!
84- أبو علي الحسن بن أحمد الجوهري الجرجاني
من وسائط قلائده قوله من قصيدة:
يا ليلة غمضت عني كواكبها ... ترفقي بجفون غمضها رمد
بكيت- بعد دموعي في الهوى- جلداً ... وهل سمعت بباك دمعه جلد؟
تذوب نار فؤادي في الهوى برداً ... وهل سمعت بنار ذوبها برد؟
ومن أخرى صاحبيه:
قدرت على قتلي بعدلك فاقتصد ... وكنت على قتلي بسيفك أقدرا
وأقسم لو روّيت سيفك من دمي ... لأورق بالود الصريح وأثمرا
وقوله:
ما إن لثمت بساط دارك خادماً ... إلا ليلثم في ذراك ركابي
وقوله في الغزل:
ومغلّف بالمسك في خديه ... شطر يشوق العاشقين إليه
ما جاءه أحد ليسرق نظرة ... إلا تصدق بالفؤاد عليه
وقوله:
من عاصمى يا بن أبي عاصم ... من لحظك المقتدر الظالم
(1/174)

يا خاتم الحسن أغث مدنفاً ... صارت عليه الأرض كالخاتم
85- أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري
من غرره، وملحه قوله في الصاحب:
يد تراها أبداً ... فوق يد وتحت فم
ما خلقت إذا خلقت ... إلا لسيف وقلم
86- أبو علي بن أبي القاسم القاساني
من ظرفه وملحه قوله:
لأشكرنك ما غنت مطوقة ... على الغصون، فقد طوّقتنا مننا
87- أبوبكر محمد بن العباس الخوارزمي «1»
من وسائط قلائده قوله من قصيدة:
مضت الشبيبة والحبيبة فالتقى ... دمعان في الأجفان يزدحمان
ما أنصفتني الحادثات رمينني ... بمودعين، وليس لي قلبان
وقوله من أخرى:
خليليّ هل أبصرتما مثل أدمعي ... نفدت- وحق الله- قبل نفادها
وقوله من أخرى:
قلت للعين حين شامت جمالا ... من بروق كواذب الإيماض:
لا تغرّنّك هذه الأوجه الغ ... رّ، فيا ربّ حية في رياض!
وقوله من قصيدة أخرى:
بحمدك لا بحمد الناس أضحى ... وكيلي ليس يكفيه وكيل
(1/175)

وكانوا كلما كالوا وزناً ... فصرنا كلما وزنوا نكيل
وزدت من العيال، وذاك أني ... كتبت على لقائك: من أعول؟
وقوله من أخرى:
لعمرك لولا آل بوية في الورى ... لكان نهاري مثل ليل المتيم
هم جعلوني بين عبد وقينة ... ودار، ودينار، وثوب ودرهم
وهم غمروني دائماً بصلاتهم ... وصنت عن الإيطاء شعري فيهم «1»
وقوله من أخرى صاحبية:
أقبل أشعاري إذ اسمك حشوها ... وأشتمّ ملبوسى لأنك باذله
وأخطر في حافات دار ملأتها ... طرائف باقي العيش منها وحامله
وقوله:
بنيت الدار عالية ... كمثل بنائك الشّرفا
قلا زالت رءوس عدا ... ك فى حيطانها شرفا
وقوله:
عليك بإظهار التجلّد للعدا ... ولا يظهرن منك الذّبول فتعثرا
ألست ترى الريحان يشتم ناضراً ... ويطرح في الميضا إذا ما تغيرا «2»
(1/176)

88- أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني البديع «1»
من وسائط قلائده قوله من قصيدة:
يا دهر إن تك لا محالة مزعجي ... عن خطتي، ولكل دهر شان «2»
فأعمد لراحلتي هراة فإنها ... عدن، وإن رئيسها عدنان
ومن أخرى في الأمير أبي علي:
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يهطل الذهبا
والدهر لو لم يخن، والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد، والبحر لو عذبا!
89- أبو الحسين أحمد بن فارس «3»
من ملحه لعمه قوله:
سقى همذان الغيث، لست بقائل ... سوى ذا، وفى الأحشاء نار تضرّم
وما لى لا أصفى الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدان، وما في جوف كيسي درهم
وقوله:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيماً، ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم
(1/177)

وقوله:
أسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه «1»
إياك واحذر أن تبيت ... من الثقات على ثقه
90- براكويه الريحاني
من قوله:
مضى العمر الذي لا يستعاد ... ولما يقض من ليلي مراد!
بكيت وذكرها عندي جديد ... وشاب الرأس واسودّ الفؤاد
91- أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب «2»
من وسائط قلائده قوله:
لما أتاني كتاب منك مبتسم ... عن كل فضل وبر غير محدود
حكت معايه في أثناء أسطره ... آثارك البيض في أحوالي السّود
وقوله:
إذا ملك لم يك ذا هبه ... فدعه، فدولته ذاهبه
(1/178)

وقوله في مؤلف هذا الكتاب:
أخ لي ذكي الأصل، والنفس، والطبع ... يحل محل العين مني والسمع
تمسكت منه إذ بلوت إخاءه على حالتي رفع النوائب والوضع وقوله:
إذا ازدرى ساقط كريماً ... فلا يطولنّ ضيق صدره
فأكثر الناس منه كانوا ... ما قدروا الله حق قدره
وقوله:
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعد لحديث، إن طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات «1»
وقوله:
أراني الله وجهك كل يوم ... لأسعد بالأمان وبالأماني
فوجهك حين ألحظه بعيني ... يريني البشر في وجه الزمان
وقوله:
لا يستخفنّ الفتى بعدوه ... أبداًَ، وإن كان العدو ضئيلا
(1/179)

إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربما جرح البعوض الفيلا
وقوله:
قد قلت لمّنا أن قضى مالك ... لا ردك الرحمن من هالك
أما وقد فارقتني، فانتقل ... من ملك الموت إلى مالك
92- أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي «1»
من غرر أحاسنه قوله في الغزل:
بنفسي من غدا ضيفاً عزيزاً ... عليّ، وإن لقيت به عذابا
ينال هواه من كبدي «كبابا» ... ويشرب من دمى أبدا «شرابا»
وقوله فى الاستزادة:
لا تحسبنّ بشاشتى لك عن رضا ... فوحقّ فضلك أننى أتملّق
ولئن نطقت بشكر برّك إنني ... بلسان حالي في الشكاية أنطق
وقوله:
أياضرّة الشمس المنيرة بالضحى ... ومن عجزت عن كنه أوصافه الورى
عذرتك إذ لم أحظ منك بنظرة ... فأنت- لعمري- الروح، والروح لا ترى
وقوله «لأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي» يعزيه عن أبيه:
من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة ... عني رسالة محزون، وأوّاه
أولى البرايا بحسن الصبر ممتحنا ... من كان منعاه توقيعاً من الله!
(1/180)

93- عبد الصّمد بن بابك «1»
من وسائط قلائده قوله من قصيدة صاحبية:
أزرتك يا بن عباد ثناء ... كأن نسيمه شرق بداج «2»
وقوله من أخرى:
يا قلب لا تنس فالغنى عرض ... والله من كل فائت خلف
أموت صبراً، ولا أرى ملكاً ... يرقص في جلد أنفه الصلف «3»
وقوله:
شربت على القذى ماء الأماني ... معاقرة، فأشرقني بريقي
وكنت أذم صرف الدهر حتى ... عرفت به عدوي من صديقي
وله من قصيدة:
لله همتك التي من شأنها ... جر الرماح على السماك «4» الرامح
94- أبو الحسن بن الموسوي النقيب
من وسائط قلائده قوله ل «أبى» إسحاق الصابى» من قصيدة:
لقد تمازج قلبانا كأنهما ... تراضعا بدم الأحشاء لا اللبن
أنت الكرى مؤنساً طرفي، وبعضهم ... مثل الكرى مانعا عينى من الوسن
(1/181)

وقوله:
اشتر العز بما بي ... ع فما العز بغال
بالقصار الصفر إن شئ ... ت، أو السّمر العوالى
ليس بالمقبول عقلاً ... مشتري عز بمال
إنما يدخر الما ... ل لحاجات الرجال
وقوله في مرض وزير:
يا دهر ماذا الطروق بالألم ... حام لنا عن مصدر الكرم
إن كنت لا بد آخذاً عوضاً ... فخذ حياتي، ودع حيا الأمم
لا در در السقام كيف رمى ... طبيب أعمالنا من السقم
وقوله:
عجبت للدهر في تصرّفه ... وكلّ أحوال دهرنا عجب
وقوله:
نحن- والله- في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حال ... حق من مات منهم أن يهنا
وقوله:
تعستم جميعاً من وجوه لبلدة ... تكفنهم لوم، وجهل فأفرطا
أراكم تعيبون اللئام، وأنتم ... أراكم بطرق اللّؤم أهدى من القطا
وقوله في «أبي رياش» وقد ولي عملاً:
قل للوضيع أبي رياش لا تبل ... ته كل تيهك بالولاية والعمل «1»
ما ازددت حين ولّيت إلا خسة ... كالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
(1/182)

وقوله فيه:
يطير إلى الطعام أبو رياش ... مبادرة ولو واراه قبر
أصابعه من الحلواء صفر ... ولكن الأخادع منه حمر «1»
95- سيدوك الواسطى
وقوله في الباقلي الرطب:
فصوص زبرجد في غلف دري ... بأقماع حكت تقليم ظفري
وقد خاط الربيع لها ثياباً ... لها لونان: من بيض وحمر
وقوله:
لي حبيب يزهى بحسن عجيب ... وبقد مثل القضيب الرطيب
أحرقت بالسواد فضة خدي ... هـ فقد أحرقت سواد القلوب
96- أبو الفتح بن الكاتب البكتمرى
من ظرفه وغرره قوله:
وروضة راضية عن الديم ... وطئتها بناظرى دون القدم «2»
وصنتها صونى بالشكر النّعم
وقوله:
قالوا: بكيت دماً فقل ... ت مسحت من خدي خلوقا «3»
أبصرت لؤلؤ ثغره ... فشربت من عيني عقيقا
لولا التمسك بالهوى ... لغدوت في دمعي غريقا
(1/183)

97- أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدون «1»
من أحاسن غرره قوله:
لم أؤاخذك بالجفاء لأني ... واثق منك بالوفاء الصحيح
فجميل العدو غير جميل ... وقبيح الصديق غير قبيح
وقوله:
أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب
يعد عليّ الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب؟!
وقوله:
وكنى الرسول عن الجواب تظرفاً ... ولئن كنى فلقد علمنا ما عنى
قل يا رسول، ولا تحاش فإنه ... لا بد منه أسا بنا أم أحسنا
وقوله:
عدتني عن زيارته عواد ... أقل مخوفها سمر الرماح
ولو أني أطعت رسيس شوقي ... ركبت إليه أعناق الرماح
وقوله فى الأسر:
ارث لصبّ قد زدته ... على بلايا أسره أسرا
فهو أسير الجسم في بلدة ... وهو أسير القلب في أخرى
وقوله في سيف الدولة:
بالكره مني واختيارك ... ألا أكون خليف دارك
يا تاركي إني لشكر ... ك ما حييت لغير تارك
وقوله في «وصف ناقة» ، وقد وجد من ذلك ما أملته العرب:
فيا بعد ما بين الكلال وبينها ... ويا قرب ما يرجو عليها المسافر
(1/184)

ومن غرر حكمه قوله:
المرء نصب مصائب ما تنقضي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في نفسه
وقوله:
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه المكاسب
98- أبو العشائر الحمداني
لم أسمع أظرف من قوله فى الغزل:
للعبد مسألة لديك جوابها ... إن كنت تذكره، فهذا وقته
ما بال ريقك ليس ملحاً طعمه ... ويزيدني عطشا إذا ما ذقته؟!
99- أبو المطامع ذو القرنين بن ناصر الدولة أبي محمد
من غرره قوله:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا ... ولحظ ناظره أمضى مضاربه
فما خلعت نجادا للعناق به ... حتى لبست نجادا من ذوائبه
وكان أسعدنا فى نيل بغيت هـ ... من كان في الحب أشقانا بصاحبه
وقوله:
لما التقينا معاً والليل يسترنا ... من جنحه ظلم، في طيها نعم
بتنا اعف مبيت باته بشر ... ولا مراقب إلا الظرف والكرم
فلا مشى من وشى عند العذول بنا ... ولا سعى بالذي يسعى بنا قدم «1»
100- أبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة
من ظرفه وملحه قوله فى أثير لديه استوحش منه لميله إلى آخر
(1/185)

اسمه «إقبال» :
أنكرت إقبالى على إقبال ... وخشيت أن يتساويا في الحال
هيهات لا تجزع فكل طريفة ... ربح تهبّ وأنت رأس المال
101- أبو الطيب المتنبي «1»
من وسائط قلائده، وأبيات قصائده، وإعجاز فرائده قوله لسيف الدولة:
كل يوم لك ارتحال جديد ... ومسير للمجد فيه مقام
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكاً ... كأنك مستقيم في محال
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقوله:
يجمشك الزمان هوى وحباً ... وقد يؤذى من المقة الحبيب
وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب
وجسمك فوق همة كل داء ... فقرب أقلها منه عجيب
وقوله:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
وقوله:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
وقوله:
فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد!
(1/186)

وكان «أبوبكر الخوارزمي» يقول: أمير الشعراء العصريين:
«أبو الطيب» وأمير شعره: قصيدته التي أولها:
من الجآذر في زي الأعاريب؟
وأمير هذه القصيدة قوله:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني، وبياض الصبح يغري بي
ومن غرر قصائده التي لا مثل لها قوله:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد
وقوله:
ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب «1»
وقوله:
لولا المشقة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والأقدام قتال
وقوله:
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العلم كالحلم
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
وقوله:
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
وكان «الخوارزمي» يقول: أغزل بيت للعصريين قوله:
قد كنت أشفق من دمعى على بصرى ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
102- أبو الحسين- الناشئ الأصغر
لم أسمع فى «ذم عتاب الملوك» أحسن من قوله:
إذا أنا عاتبت الملوك فإنما ... أخط بأقلامي على الماء أحرفا «2»
وهبة أرعوى بعد العتاب ألم يكن ... تودده طبعا فصار تكلّفا-؟
(1/187)

103- أبو القاسم الزاهى
أمير ظرائفه قوله:
سفرن بدورا واتّقين أهلّة ... ومسن غصونا، والتفتن جآذراً
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لجنات الثّغور ضرائرا
104- أبو الفرج الببغاء «1»
من غرر أحاسنه في الغزل قوله:
أو ليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته، وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدر عند تمامه ... ارحم فتى يحكيه عند محاقه
وقوله في الوداع:
يا سادتي هذه نفسي تودعكم ... إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت اطمع في روح الحياة لها ... والآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله نفسي بالحياة فما ... أظنني بعدكم بالعيش أنتفع «2»
وقوله فى رمد الحبيب:
أراقت دمي ظلماً محاسن وجهه ... فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو
غدت عينه كالخد حتى كأنما ... سقى عينيه من ماء توريده الخد
لئن أصبحت رمداء مقلة مالكي ... لقد طال ما استشفت بها مقل رمد
وقوله من قصيدة سيفية:
(1/188)

وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد
وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد
105- أبو الفرج الوأواء الدمشقي «1»
أمير شعره قوله في جمع خمسة تشبيهات في بيت واحد:
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً، وعضت على العناب بالبرد
وقوله:
أتاني زائراً من كان يبدي ... لي الهجر الطويل ولا يزور
فقال الناس لما أبصروه: ... ليهنك، زارك القمر المنير
متى أرعى رياض الحسن فيه ... وعيني قد تضمنها غدير
وقوله في سيف الدولة:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبداً ... وهو إذا جاد دامع العين
106- أبو عمارة الصوري
أنشدني أبو الحسن المصيصي الدلقي قال:
أنشدني «أبو عمارة» بصور، وهو أبلغ ما قيل فى «الثقيل» :
ثقيل براه الله أثقل من رأى ... ففي كل قلب بغضة منه كامنه
مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلهي، زادت الأرض ثامنه!
(1/189)

107- معد بن تميم صاحب مصر
من غرره قوله:
ما بان عذري فيه حتى أعذرا ... ومشى الدجى في وجهه فتبخترا
همت تقبله عقارب صدغه ... فاستلّ ناظره عليه خنجرا
108- السّرىّ الرّفّاء الموصلي «1»
من وسائط قلائده في سحر شعره قوله:
بنفسي من أجود له بنفسي ... ويبخل بالتحية والسلام
وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حد الحسام
وقوله:
بنفسي من رد التحية ضاحكاً ... فجدد بعد اليأس في الوصل مطمعي
وحالت دموع العين بيني وبينه ... كأن دموع العين تعشقه معي
وقوله في وصف يوم متلون جاء بالبرد:
وضحكت فيه إلى الصبا ... والشيب يضحك في عذاري
متلون يبدي لنا ... ظرفاً بأطراف النهار
فهواه مسكىّ الرّدا ... وغيمه جا في الأزار
يبكي فيجمد دمعه ... والبرق يكحله بنارى
وقوله في وصف مزين:
هل الحذق إلا لعبد الكريم ... حوى فضله حادثاً عن قديم
له راحة سيرها راحة ... تمر على الرأس مر النسيم
إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الرأس ماء النعيم
جهول الحسام، ولكنه ... يروح ويغدو بكفّى حليم
(1/190)

109- محمد بن هاشم الخالدي الأكبر
من غرر أحاسنه قوله في السحاب:
وسحاب يجر في الأرض ذي ... ل مطرف زره على الأرض زرّا
كخليل موافق للذى يهو ... اه يبكي جهراً، ويضحك سرا
وقوله في الغيم الرقيق، وهو مما لم يسبق إليه:
والبدر منتقب بغيم أبيض ... هو فيه بين تخفر وتبرج
كتنفس الحسناء في المرآة إذ ... كملت محاسنها، ولم تتزوج
110- أخوه سعيد بن هاشم الخالدي الأصغر
من بدائع سحره قوله:
يا شبيه البدر حسنا ... وضياء، ومثالا
وشبيه الغصن لينا ... وقواماً، واعتدالا
أنت مثل الورد لوناً ... ونسيماً وملالا
زارنا حتى إذا ما ... سرّنا بالقرب زالا
وقوله:
أما ترى الغيم يا من قلبه قاسى ... كأنه أنا مقياساً بمقياس
قطر كدمعي، وبرق مثل نار هوى ... في القلب مني، وريح مثل أنفاسي
111- أبو محمد المهلبي- الوزير
من غرر قوله:
أراني الله وجهك كل يوم ... صباحاً للتيمن والسرور
وأمتع ناظري بصحيفتيه ... لأقرأ الحسن من تلك السطور
وقوله:
(1/191)

ألا يا منى نفسى، وإن كنت حتفها ... ومعناي في سري، ومغزاي في جهري «1»
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما نلتقي إلا إلى عبرة تجري
112- أبو الفضل بن العميد «2»
من غرر كلامه ونظمه قوله فيمن قام على رأسه يظلله من الشمس:
ظلت تظللني من الشمس ... نفس اعز عليّ من نفسي
كم قلت يا عجبي، ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
وقوله في مداد أهداه له بعض أصدقائه:
يا سيدي وعمادي ... أمددتني بمدادي
كمسكنيك جميعاً ... من ناظري وفؤادي
أو كاللّيالى اللواتى ... رميننا بالبعاد
وقوله:
آخ الرجال من الأبا ... عد، والأقارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا ... رب بل أضر من العقارب
113- أبو الفتح ابنه- ذو الكفايتين «3»
من غرر شعره قوله من قصيدة عضدية أولها:
أفضت عقود، أم أفيضت مدامع ... وهذي دموع، أم نفوس هوامع؟!
(1/192)

ومنها فى ذكر الأعداء:
وكان لهم لبس المعصفر عادة ... فخاطت لهم منها السيوف القواطع
ومنها:
بطرتم، فطرتم، والعصا زجر من عصا ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع
وقوله لما استوزر:
دعوت الغنى، وصوب المنى ... فلما أجبن دعوت الفرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
114- أبو على مسكويه الخازن
أحسن وأبدع فى قوله لا بن العميد يهنيه بقصر جديد، بناه وانتقل إليه:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة ... ما زاد ذلك شيئا فى فضائلها
115- العلا السروى
من ظرف ملحه قوله:
فلم نرشيئا كان أحسن منظراً من ... الروض يجري دمعه وهو يضحك
116- الصاحب أبو القاسم اسماعيل بن عباد
من أمثاله السائرة:
وقائلة: لم غيرتك الهموم ... وامرك ممتثل في الأمم؟!
فقلت: ذريني على غصّتى ... فإن الهموم بقدر الهمم
(1/193)

وقوله في الغزل:
لا ترج صلاح قلبي بلوم ... حلف الجفن لا أستقل بنوم
وهواه لئن تأخر عني ... طول يومي اني سيحضر يومي؟
وقوله:
قل لأبي إن جئته ... هنيت ما أعطيت هنيته
كل جمال فائق رائق ... أنت- برغم البدر- أوتيته
وقوله:
قال لي: إنّ رقيبى ... سيّئ الخلق فداره
قلت: دعني، وجهك الجن ... ة حفت بالمكاره
وقوله:
عزمت على الفصد يا سيدي ... لفضل دم كظني، مؤلم
فلما تأخرت عن مجلسى ... أرقت بغير افتصاد دمى
وقوله في الثلج:
أقبل الجو في غلائل نور ... وتهادى بلؤلؤ منثور
فكأن السماء صاهرت الأر ... ض وصار النثار من كافور
وقوله في الوحل:
إني ركبت، وكف الأرض كاتبة ... على ثيابي سطوراً ليس تنكتم
فالأرض محبرة، والجو من ليق ... والطرس ثوبي، وأيدي الأشهب القلم «1»
(1/194)

117- أبو إسحاق الصابى «1»
من وسائط قلائده فى المدح قوله للمهلبى الوزير:
لك في المحافل منطق يشفي الجوى ... ويسوغ في إذن الأديب سلافه «2»
فكأن لفظك لؤلؤ متنخّل ... وكأنما آذننا أصدافه
وقوله أيضا:
له يد برعت جوداً بنائلها ... ومنطق دره في الطرس ينتثر
فحاتم كامن في بطن راحتها ... وفي أناملها سحبان مستتر
وقوله للصاحب:
لما وضعت صحيفتي ... في بطن كف رسولها
وتود عيني أنها اق ... ترنت ببعض فصولها
قبلتها لتمسها ... يمناك عند وصولها
حتى ترى في وجهك المي ... مون غاية سولها
وقوله لبعض الوزراء يهنيه بعيد الأضحى:
مرجيك، وصابيكا ... بذا الأضحى يهنيكا
وقد أوجز إذ ذاك ... مقالاً، وهو يكفيكا
أراني الله من عادا ... ك في الدنيا أضاحيكا
وقوله في تهنئة وزير معاد إلى عمله:
قد كنت طلقت الوزارة بعد ما ... زلت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستعين ضرورة ... كيما يحل إلى ذراك رجوعها
(1/195)

فالآن قد عادت، وآلت حلفة ... أن لا يبيت سواك وهو ضجيعها
وقوله في فاصد من غير علة:
ينبع جود لآدم من يمينه ... فأضحى لكي يعطي الأطباء فاصدا
وليس به أن يفصد العرق حاجة ... ولكنه ينحو المحامد قاصدا
وقال في وزير متوار ظهر:
صح أن الوزير بدر منير ... إذا توارى كما توارى البدور
غاب لا غاب، ثم عاد إلى الأف ... ق كما كان طالعاً مستنير
118- أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضّبّى «1»
قوله:
ألا يا ليت شعري ما مرادك ... فجسمي قد أضر به بعادك
وأي محاسن لك قد سباني ... جمالك أو كمالك أو ودادك
وأي ثلاثة أوفى سوادي ... أخالك، أم عذارك، أم فؤادك؟
وقوله:
لا تركنن إلى الفرا ... ق فإنه مر المذاق
فالشمس عند مغيبها ... تصفر من فرق الفراق
119- أبو الحسن بن سكرة الهاشمي
من أحاسن ملحه قوله في مهدي دواة:
أخ مزجت بروحي روحه فجرى ... مني كمجرى دمي في الجسم أفديه
أهدى إليّ «دواة» لو كتبت بها ... دهري أياديه لم تنفد أياديه
(1/196)

120- أبو عبد الله بن الحجاج
من أفراد معانيه قوله في الجمع بين السراب والسباخ:
دعوت نداك من ظمأ إليه ... فعناني بقيعتك السراب «1»
سراب لاح يلمع في سباخ ... فلا ماء لديه ولا سراب
ومن أظرف نوادره قوله في رجل عاداه، وأخر طعامه:
يا صاحب البيت الذي ... قد مات ضيفاه جميعا
حصلتنا حتى نمو ... ت بدائنا عطشاً وجوعا «2»
مالى أرى فلك الرغي ... ف لديك مشترفاً رفيعا
كالبدر لا نرجو إلى ... وقت المساء له طلوعا
وقوله فيه:
يا رائحاً في بيته وجائياً ... من غير ما معنى ولا فائدة
قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم «سورة المائده»
121- أبو نصر بن نباتة السعدي «3»
من أحاسن محاسنه قوله:
ولا تحقرن عدواً رما ... ك وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقا ... ب، وتعجز عما تنال الإبر
وقال فى وصف فرس أغرّ محجّل:
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه «4»
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض فى أمعائه
(1/197)

وقوله من أبيات:
ونبت بنا أرض العرا ... ق وما أصابتنا بمحنه «1»
غير الرحيل كفى البلا ... د بنقلة الفضلاء هجنه
122- أبو الحسن السلامي
أمير شعره، وغرر كلامه قوله من قصيدة:
ونحن الآل نطلب من بعيد ... لعزتنا، وندرك من قريب
تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب
وقوله من قصيدة عضديه:
والنقع ثوب بالنسور مطرز ... والأرض فرش بالجياد مخيل
تهفو العقاب على العقاب فيكتفي ... بين الفوارس أجدل ومجدل
123- أبو حسن الأحنف العكبري
من طرفه وملحه قوله:
العنكبوت بنت بيتا على وهن ... تأوى إليه، ومالى مثله وطن
والخنفساء لها من جنسها سكن ... وليس لي مثله ألف ولا سكن
124- عبدان الأصفهاني
لم أسمع في الاعتذار من الخضاب مثل قوله:
في مشيتي شماته لعداتي ... وهو ناع منغص لحياتي
ويعيب الخضاب قوم، وفيه ... لي أنس إلى حضور وفاتي
لا ومن يعلم السرائر مني ... ما به رمت خلة الغانيات
إنني رمت أن يغيب عني ... ما ترنيه كل يوم مراتي «2»
فهو ناع إليّ نفسي ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النّعاة؟!
(1/198)

125- أبو سعيد الدستمي الأصفهاني
من وسائط قلائده، وأبيات قصائده قوله من قصيدة:
بنفسي حبيب زار بعد أزوراره ... وعاودني بالأنس بعد نفاره
ولما استعان الجلنار بخده ... أغار الحشا من خده جل ناره «1»
وقوله من أخرى:
يسيل على العافين عفو نوا له ... فيكتفى ابتذال الوجه للبذل سائله «2»
ولم تجتمع كفاه والمال ساعة ... كان سحاب الغيث حقاً أنامله
ومن أخرى:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي؟!
كما ألحقت «واو» بعمرو زيادة ... ونوقش باسم الله في «ألف الوصل»
ومن أخرى في وصف شعره:
قواف إذا ما رواها المشوق ... هزت لها الغانيات القدودا
كسون عبيداً ثياب العبيد ... وأضحى «لبيد» لديها بليدا
(1/199)

126- أبو القاسم غانم بن أبي العلاء الأصفهاني
من درر تاجه، وغرر بدائعه، قوله لصاحب في «الشكوى والاستزاده» :
فإن قيل لي: صبراً، فلا صبر للذي ... غدا بيد الأيام تقتله صبرا «1»
وإن قيل لى: عذرا، فو الله ما أرى ... لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا
وقوله في الاستبشار بالبشرى:
ورد البشير بما أقر الأعينا ... فشفى النفوس، ونلن غايات المنى
وتقسم الناس المسرة بينهم ... قسماً، فكان أقلهم حظاً أنا
ولم يرث أحد الصاحب بأحسن من قوله:
يا كافي الملك ما وفّيت حقّك من ... قول، وإن طال تقريظ، وتأبين
فقت الصفات، فما يرثيك من أحد ... إلا وتزيينه إياك تهجين
مامتّ وحدك بل قد مات ولدت ... حوآء طراً، بل الدنيا، بل الدين
هذى نواعى العلا- مذمتّ- نادبة ... من بعد ما ندبتك الحور والعين
تبكى عليك العطايا والصّلات كما ... تبكي عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين
لا ينكر الناس منهم إن هم انتشروا ... حتى سليمان، فانحل الشياطين
(1/200)

127- أبو محمد عبد الله بن أحمد الخازن الأصفهاني
من غرر ملحه قوله في «غبار الموكب» :
إن هذا الغبار ألبس عطفى ... عليّا، وديني التوحيد
وكسى عارضيّ ثوب مشيب ... ورداء الشباب غض جديد
وقوله في «نسيب قصيدة» :
كل غيداء لا تخون، ولا تخ ... فر عهداً من نسوة خفرات
ذات ثدي نات، وطبع موات ... ورضاب شات، وردف عات
وقوله من قصيدة «صاحبية في الاعتذار» :
لنار الهم في قلبي لهيب ... فعفوك أيها الملك المهيب
وأحسن، إنني أحسنت ظني ... وأرجو أن ظني لا يخيب
128- أبو الحسن البديهي الشهرزوري
أمير شعره قوله من مقطوعة:
زمن كنت أصطفيه وللده ... ر صروف تشوب حلوا بمر
أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاي طلعة حر
وقوله:
يا شهرزور سقيت الغيث من بلد ... نود- وجدا به- أنا نقابله
طال الفراق بلا واف يراسلنا ... على البعاد، ولا آت نسائله
(1/201)

129- أبو القاسم عمر بن ابراهيم الزعفراني
من درره، وغرر قوله:
لي لسان، كأنه لي معادي ... ليس ينبي عن كنه ما في فؤادى
حكم الله لى عليه، فلو أن ... صف قلبي عرفت قدر ودادي
وقوله من قصيدة في تهنئة الصاحب «بالدار الجديدة» :
سر الله بالبناء الجديد ... قلب حال الشكور لا المستزيد
هذه الدار، جنة الخلد فى الدن ... يا فحلّها، وأختها فى الخلود
130- على بن هارون بن علي بن يحيى المنجم
من غرر شعره ما أنشده له الصاحب في «كتاب روزنا مجته» :
بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الأعتاب
يا نائماً بمرارة وكآبة ... هل يرتجى من غيبته إياب
لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من فرج الإله فربّما ... يصل القطوع، ويقدم الغياب
وما انشده له أبو اسحاق الصابى فى «الجوارى» ، وقد أصيبت رجله من عثرة:
كيف نال العثار من لم يزل منه مقي ... ل في كل خطب جسيم «1» ؟!
أفيرقى الأذى إلى قدم لم تخ ... ط إلا إلى مقام كريم؟!
(1/202)

131- أبو الحسن بن المنجم الأصغر
من ملحه قوله:
يقولون: لم لا تستجدّ غزالة ... تعيد بها بعد الصدود وصالا
فقلت لهم: أخشى الغزالة إن رأت ... فنا شيخها، أن تستجد غزالا
132- هبة الله بن المنجم
أمير شعره قوله:
شكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد
حيران لو شئت أهتدي ... ظمآن، لو شئت ورد
يأيها الظبي الذي ... ألحاظه تردي الأسد
أما لأسراك فدى؟! ... أما لقتلاك قود «1» ؟!
133- أبو نصر الهزيمي الأبيوردي
أمير شعره قوله:
لما رأيت الزمان نكسا ... وفيه للرفعة اتضاع
كل رئيس به ملاك ... وكل رأس به صداع
لزمت بيتي، وصنت نفساً ... بها عن الذلة امتناع
واجتني من عقول قوم ... قد أقفرت منهم البقاع
134- أبو محمد بن مطران الشامي
من أحاسن محاسنه قوله في النسيب من قصيدة:
عوان أعارتها الهجائن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت وقبلت ... مواطئ من أقدامهن الضفائر
(1/203)

وقوله في «جارية سمراء» :
مهفهفة لها نصف قضيف ... كخوط البان في نصف رداح «1»
حكت لوناً وليناً واعتدالا ... ولحظاً قاتلاً سمر الرماح
135- أبو الحسن اللجام الحراني
من ملح أحاسنه قوله:
كنت من فرط ذكاء واشتعال ... كتلظّى النار فى جزل اليبيس
فتبلّدت- ولا غرو- إذا ... خف كيس المرء مع خفّة كيس
ومن كناياته قوله لأبي مازن:
أبو مازن لازم منزله ... قد أنسي في الناس، لا ذكر له
رماه الزمان بأحداثه ... ومن حيث أخرجه أدخله
136- أبو جعفر محمد بن العباس بن الحسين الوزير
غرر شعره قصيدته المعروفة السائرة التي أولها:
لئن أصبحت منبوذا ... بأطراف خراسان
ومن أحاسنها قوله:
إذا استرفدت من صبرى ... فصبرى خير أعوانى «2»
وأنحو بنجائى إن ... قضاء الله نجاني
إلى أرضي التي أرضى ... وترضيني، وترضاني
إلى أرض جناها من ... جنى جنة رضوان
هواء لهوى النفس ... تصافاه صفيان
(1/204)

رجاء كرجاء شرّ ... د الشدة عن عان
وماء مثل قلب الصب ... قد ريع بهجران
رقيق آل كالآل ... وفيه أمن إيمان
وترب هو والمسك ... لدى التشبيه تربان
فإن سلمني الله ... وبالصنع تولاني
وأوطاني أوطاني ... وأعطاني أعطانى
وأخلى ذرعى الدهر ... وخلاني وخلاني
فإني لا أجد العود ... ما عاد الجديدان
إلى الغربة حتى تغ ... رب الشمس بشروان
فإن عدت لها يوماً ... فسجاني سجاني
وللموت الرحى الأحمر ... ألقاني ألقاني
137- ميمون بن سهل
أنشدني ميمون بن سهل الفقيه الواسطي لبلد به «سيدوك» «1» :)
عهدي بهم ورداء الوصل يجمعنا ... والليل أطوله كالّلمح بالبصر
فالآن مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير، وصبحي غير منتظر
وأنشدني سهل بن المرزبان له:
أراح الله نفسي من فؤاد ... أقام على اللجاجة والخلاف
ومن مملوكه ملكت رقاها ... ذوي الألباب بالخدع اللطاف
كأن جوانحي شوقاً إليها ... بنات الماء ترقص من جفاف
(1/205)

138- محمد بن عمر النقري
قوله في أبي «رياش التمامي» :
يطير إلى الطعام أبو رياش ... مبادرة، ولو واراه قبر
أصابعه من الحلواء صفر ... ولكن الأخادع منه حمر «1»
139- أبو طالب عبد السلام بن الحسن المأمونى «2»
من سحره المعجز في شعره قوله في نظم قصة يوسف في بيت شعر من «قصيدة له صاحبية» أولها:
يا ربع لو كنت دمعاً فيك منسكباً ... قضيت نحبي، ولم أقض الذي وجبا
ومنها:
وعصبة بات فيها الغيط متقداً ... لي شيدت فوق أعناق الورى رتباً
فكنت «يوسف» والأسباط هم ... وأبو الأسباط أنت ودعواهم دماً كذباً
ومن غرر مدحه، قوله فى «الوزير أبى الحسن المزني» من قصيدة:
لمحمد بن محمد كف بها ... يحيا الرجاء، ويدبر الإعسار
حفت به كل المكارم والعلا ... فكأنها حقاً له أسوار
يا من إذا أطر القبائل شاعر ... صلت على أبوابه الأشعار
وقوله:
فالأرض ياقوتة، والجو لؤلؤة ... والنبت فيروزج، والماء بلّور
(1/206)

من شم طيب رياحين الربيع فقل: ... لا المسك مسك، ولا الكافور كافور
وقوله من استهداء المسك:
الطيب يهدى، وتستهدى طرائفه ... وأشرف الناس يهدى أشرف الطيب
والمسك أشبه شىء بالشباب فهب ... شبه الشباب لبعض العصبة الشيب
140- القاضي أبو القاسم التنوخي «1»
من لطائف كلامه، وظرائف قوله:
رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب
كأنك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل النفوس حبيب
ومن أحاسن إخوانياته:
لي مولى لا أسميه ... كل شيء حسن فيه
ويكاد البدر يشبهه ... وتكاد الشمس تحكيه
كيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه؟!
وقوله فى الهلال:
وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقوله فى الربيع:
ما ترى من نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار
وغناء الطيور كل صباح ... وازديان الأشجار بالأنوار
وكأن الربيع يجلي عروساً ... وكأنا من قطره فى نثار
وقوله فى العمارة:
ألا من لنفسى وأحزانها ... ودار تداعت بحيطانها
(1/207)

أظل نهاري في شمسها شقياً لقياً ببنيانها
اسود وجهي بتبييضها ... وأخرب كيسي بعمرانها
وقوله في الوجه:
أطال الدهر في بغداد همي ... وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت به- على- رغمى مقيما ... كعنّين تضاجعه عجوز
141- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «1»
من غرر طرفه قوله في الحكمة:
ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى، ويفسد ما أسدى
فمن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يجيز له فقدا
وقوله في الإخوانيات:
يقولون: آفات، وشتى مصائب ... فقلت: اسمعوا قولاً عليه عيار
إذا سلمت للمرء في الناس نفسه ... وإخوانه، فالحادثات جبار «2»
وقوله:
إني أمنت إلى الذي ودي له ... بجميع ما عقد الحقوق وأكدا
إني لشاكر أمسه ووليّه فى ... في يومه، ومؤمل عنه غدا
142- أبو عثمان الناجم
أحسن شعره فى وصف شدو:
شدو الذ من ابتدا ... ء العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منى ... نفسي وصدق رجائها
(1/208)

143- أبو الحسن بن طباطبا العلوي
من غرر شعره، وأحاسن ملحه قوله:
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها لمبشري بايابه
فالحمد لله الذى قمع العدا ... وأقر أعيننا بعود ركابه
وقوله:
وفي خمسة مني حلت منك خمسة ... فريقك منها في فمي الطيب الرشف
ووجهك في عيني، ولمسك في يدي ... ونطقك في سمعي، وعرفك في أنفي
وقوله:
ليت شعري ما عاق عني حبيبا ... وقد توقعت في الظلام طروقه
بات قلبي المشوق يخلط فيه ... ظن غيري بظن أمّ شفيقه
وقوله في الزهد والقناعة:
كن بما أوتيته مغتبطا ... تستدم عيش القنوع المكتفي
إن في نيل المنى وشك الردى ... وقياس القصد عند السرف
كسراج دهنه فوق له ... فإذا غرقته فيه طفى
144- المنصور الفقيه المصرى
من ظرفه وملحه الذي يأخذ بمجامع القلوب قوله:
ومنذ قلت: لم ترك ... فقل لنا: ما أخرك؟!!
أشر داء غدرك ... أم سوء دهر غيرك؟!
(1/209)

وقوله:
قد قلت لما أن شكت ... تركى زيارتها حلوب
إن التباعد لا يضر ... إذا تقاربت القلوب
وقوله:
شاهد ما في مضمري ... من صدق ود مضمرك
فما أردت وصفه ... قلبك عني يخبرك
وقوله:
الناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينة
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينة
وقوله:
كل مذكور من النا ... س إذا ما فقدوه
صار في حكم حديث ... حفظوه، فنسوه
وقوله:
من قال: «لا» في حاجة ... مطلوبة فما ظلم!
وإنما الظالم من ... يقول: «لا» بعد نعم!
وقوله:
قال: فلان ما فعل؟! ... قلت: أبوه ما فعل
وكان في سؤاله ... جوابه عما سأل
وقوله:
إذا تخلفت عن صديق ... ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف
وقوله:
كل من أصبح فى ده ... رك ممن قد تراه
(1/210)

هو من خلفك مقرا ... ض، وفي الوجه مراه
وقوله:
ماذا أرتنا الليالي ... مما أتين إلينا
فى كل يوم نعزّى ... بمن يعز علينا
وقوله:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف
145- أبو المعتصم الأنماطى
لم أسمع أحسن من قوله:
وليل كأن نجوم السما ... ء به مقل رنقت للهجوع
ترى الغيم من دونها حاجبا ... كما احتجبت مقل بالدموع
146- أبو الفتح كشاجم «1»
من أحاسن محاسنه، وطرائف بدائعه قوله:
بأبي وأمي زائر متقنع ... لم يخف ضوء البدر تحت قناعه
لم أستتم عناقه لقدومه ... حتى ابتدأت عناقه لوداعه!
وقوله في الشيب:
تفكرت في شيب الفتى وشبابه ... فأيقنت أن الحق للشيب واجب
يصاحبني شرخ الشباب فينقضي ... وشيبي إلى حين الممات مصاحب
(1/211)

وله في العتاب:
إلى الله أشكو أخاً جافيا ... يضيع، واحفظ فيه الصنيعه
إذا ما الوشاة سعوا بي إليه ... أصاخ إليهم بإذن سميعه
كثرت عليه فامللته ... وكل كثير عدو الطبيعه
ولكن نفسي إذا أكثرت ... على الهجر ليست له مستطيعه
وقال فيه:
إلى المرآة رحت فروّ عتنى ... طوالع قد أرت عيني مشابي
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض عجباً بالتصابي
وأما شيبة فعدلت عنها ... إلى شرخ الشبيبة بالخضاب
فيالك ثمّ يالك من مشيب ... أقمت به الدليل على الشباب
وقال في «كافور» الخادم:
أكافور قبحت من خادم ... ولاقتك مسرعة جائحه
حكيت سميك في بردة ... وأخطأك اللون والرائحه
وقال في المدح:
يا كامل الآداب منفرد العلا ... والمكرمات، ويا كثير الحاسد
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد
147- علي بن محمد البسامي «1»
من وسائط وبدائع نوادره قوله فى «موت أحد ابنى عبد الله بن سليمان» «2» الوزير:
قل لأبي القاسم المرزّا ... قابلك الدهر بالعجائب
(1/212)

مات لك ابن وكان زيناً ... وعاش ذو النقص والمعائب
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب!
وقوله في أبيه:
بلوت أبا جعفر مدة ... فألفيت منه بخيلاً سخيفا
ولولا الضرورة لم آته ... وعند الضرورة آتي الكنيفا
وقوله في هذا المعنى فيه:
قل لوزير الأنام عني ... وناد: ياذا المصيبتين
يموت حلف الندى ويحيا ... حلف المخازي: أبو الحسين «1»
وقوله في وزير:
سنصبر إذ وليت فكم صبرنا ... لمثلك من أمير أو وزير
ولما لم تنل منهم سروراً ... راينا فيهم كل السرور
148- أبو الحسن جحظة البرمكى
من غرر وملحه قوله:
قلت له لما رأيته في قصور ... مشرفات، ونعمة لا تعاب:
رب ما أبين التباين فيه ... منزل عامر، وعقل خراب
وقوله:
وإذا جفاني باخل ... لم أستجر- ما عشت- قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزوره في كل جمعه
وقوله:
أنت امرؤ شكري له واجب ... ولم أكن قصرت في واجبه
(1/213)

وكيف لا أشكر من لا أرى ... في منزل إلا الذى جاد به؟!
وقوله:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
وقوله:
إني لرحال إذا الهم برك ... رحب اللّبان عند ضيق المعترك
صبرى على نفسي، ويسري مشترك ... لا تهلك النفس على شيء هلك
فليس للهم إذا فات درك ... لا تنكرن ضراعتي لا أم لك
رب زمان دله أرفق بك ... لا عاد إن ضامك دهر أو ملك
149- أحمد بن أبي طاهر
من أحاسن شعره قوله:
حسب الفتى أن يكون ذا حسب ... من نفسه، ليس حسنه حسبه
ليس الذي يقتدي به نسب ... مثل الذي ينتهي به نسبه
ومن أبيات قصائده قوله:
ودين الفتى بين التّماسك والنّهى ... ودنيا الفتى بين الهوى والتغزل
150- أبو هفان
من ملح قلائده قوله في جارية اسمها «در» :
تعجبت «در» من شيبي، فقلت لها: ... لا تعجبي، فطلوع البدر في السدف «1»
وزادها عجباً إن رحت فى سمل ... صادفت درا، فإن الدرّ فى الصدف
(1/214)

وقوله:
إن أمس منفرداً، فالليث منفرد ... والسيف منفرد، والبدر منفرد
151- منصور بن بادان
أمير شعره، وأشهره، وأذهبه في طريق المثل قوله:
فسر في بلاد الله، والتمس الغنى ... فما للورى في الأرض إلا التطلب
وقوله:
أبا دلف، ما أكذب الناس كلهم ... سواي، فأي في مديحك أكذب
152- أبو علي البصير
له ملح وطرف في «هدم» المطر داره» ، وأحسنها وأملحها قوله:
ومن تكن هذه السماء عليه ... نعمة، أو يكن بها مسرورا
فلقد أصبحت علينا عذابا ... ولقينا منها أذى وشرورا
كانت الغيث بؤساً وفقراً ... وإلى الناس حنطة وشعيرا
ومن أحاسن أمثاله السائرة قوله:
لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم، وفي الدنيا كريم «1»
ولكن البلاد إذا اكفهرّت ... وصوّح بقلها رعى الهشيم «2»
وقوله:
قد أطلنا بالباب أمس القعودا ... وحففنا به حفاء شديدا
(1/215)

ودهمنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا الموالي حمدنا العبيدا
ومن ملحه في أبي هفان:
لي حبيب في خلقة السلطان ... وعقول النساء والصبيان
وقوله:
ما عذر من ضربت به أعراقه ... حتى يعدن على النبي محمد
أن لا يمد إلى المكارم درعه ... وينال غايات المنى والسّؤدد
متحلقاً حتى تكون ذيوله ... أبد الزمان دعائماً للفرقد
153- أبو الفرج بن هند
من غرر مدحه قوله:
عابوه لما التحى، فقلت لهم: ... عبتم، وغبتم عن الجمال
هذا غزال، وهل عجيب ... تولد المسك في الغزال؟!
وقوله:
لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجاً وترتيباً
إن القناة الّتى شاهدت رفعتها ... تنمو وتنبت أنبوبا وأنبوبا
وقوله:
يسر زماني أن أناط بأهله ... وآنف أن أعزى إليه بجهله
ويعجبني إن أخرتني صروفه ... فتأخيرها الإنسان برهان فضله
وقدما رأينا قائم السيف كلما ... تقلده الإنسان قدام نصله
154- أبو سعد بن خلف الهمذاني
من أحاسن ملحه قوله:
أصرح بالشكوى، ولا أتأول ... إذا أنت لم تجمل، فلم أتجمل؟!
أفي كل يوم من هواك تحامل ... عليّ، ومني كلّ يوم تحمّل؟!
(1/216)

وإني- على ما سمتنيه- لصابر ... وإن كان من أدناه ممن يذيل
وما أدعي أني جليد وإنما ... هي النفس ما حملتها تتحمل
155- القاضي أبو روح ظفر بن عبد الله الهروي
من غرر ملحه قوله:
بأبي وأمي من شمائله ... ريح الشمال تنفست سحرا
وإذا امتطى قلم أنامله ... سحر العقول، وما به سحرا
وقوله من قصيدة:
ولا تأمنن الناس إني أمنّتهم ... فلم يبد لي منهم سوى الشر فاعلم
فإن تلق ذئباً فاطلب الخير عنده ... وإن تلق إنساناً، فقل: رب سلم
ومن أفراد معانيه، قوله في الطفيلي:
إن الطفيلي له حرمة ... زادت على حرمة ندماني
لأنه جاء، ولم أدعه ... مبتدئاً منه بإحسان
أجبت بمن أنساه لا عن قلى ... وهو ذكور ليس ينساني
ما يدني للناس منصوبه ... فليأتها الباعد والدّانى
156- القاضى أبو القاسم الداودى
من غرر شعره قوله في الاعتذار من قلة المبره:
ربما قصر الصديق المقل ... في حقوق بهن لا تستقل
ولئن قل نائل فصفاء ... في وداد وخلة لا تقل
أرخ ستراً على حفاوة بري ... هتك ستر الصديق ليس بحلّ
وقوله:
إن الوداد لدى أناس خدعة ... كوميض برق فى جهام غمام «1»
(1/217)

فهو المقال الفرد عند القوم كال ... إيمان عند محمد بن كرام
157- القاضي أبو أحمد منصور بن محمد
المتقدم ذكره في «باب الكتاب والبلغاء» وهذا مكان تشريف الشعراء بذكره فيهم، فمن درر سحره قوله:
لا تعاتب زماناً ... إن عرانا جفاؤه
شدة الدهر تنقضي ... ثم يأتي رخاؤه
كدر العيش للفتى ... يقتفيه صفاؤه
وكذا الماء يسبق الصفو ... منه جفاؤه
وقوله من قصيدة
شمائل مشرقة عذبة ... تعادل رقتها والصفاء
وقوله:
فداؤك مهجتي لو أن كتبي ... بحسب تكثري بك واعتدادي
إذاً لجعلت أقلامي عظامي ... وطرسي ناظري، ودمى مدادى
وقوله:
نظمت لؤلؤ دمعي، ثم بنت، فخذ ... بكل لؤلؤة- إن شئت- يا قوته
وأنت قوت لروح لا بقاء له ... إلا به، فعلام الهجر يا قوته؟!
158- أبو سهل محمد بن الحسن
من ملح تشبيهاته:
يا حبذا وجه الغزال الذي ... أصبح من علته ناقها
كوردة بيضاء لم تنفتح ... مصفرة أطراف أوراقها
(1/218)

159- أبو الفتح مسعود بن محمد بن الليث «1»
من غرر قوله فى حبيب زاره:
وقد نال الكرى من مقلتيه ... منال الحادثات من الكرام
وقوله لمحبوبه:
ياراميا عن لحظ طرفك أسهما ... تقبيل وردة وجنتيك شفائي
عجباً لطرفك كيف دائي كامن ... فيه، وثغرك كيف فيه دوائي؟!
160- أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي
من وسائط قلائده، وأبيات قصائده قوله:
أسير، وقلبي في هواك أسير ... وحادي ركابي لوعة وزفير
ولي أدمع غزر تفيض كأنها ... ندى فاض في العافين منك غزير
161- ابنه أبو علي المحسن
من ملحه وطرفه قوله:
خرجنا لنستقى بيمن دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا
فلما بدا يدعو تقشعت السما ... فما تم إلا والغمام قد انقضى
162- ابن لنكك البصري «2»
من ملحه وطرفه وغرره، ودرره قوله:
يا زماناً ألبس الأح ... رار ذلا ومهانه
لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه «3»
(1/219)

وقوله:
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
163- ديك الجن، واسمه عبد السلام بن رغبان «1»
قوله من قصيدة هي غرة شعره:
أبا عثمان معتبة وظناً ... وشافي النصح بعدك بالأشافي «2»
إذا شجر المودة لم تجده ... سماء البر أسرع فى الجفاف
164- ابن الرومي واسمه علي بن العباس «3»
من وسائط قلائده وأفراد معانيه: قوله في «استحالة الصديق عدوا» :
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء- أكثر ما تراه- ... يكون من الطعام أو الشراب!
ومن وسائط قلائده قوله:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كآبة ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد «4»
(1/220)

وقوله للنسيم بن عبيد الله:
إن لله غير مرعاك مرعى ... رفيعة، وغير مائك ماء
إن لله بالبرية لطفاً ... سبق الأمهات والآباء
وقوله في النهي عن ترك العتاب عند وجوبه:
يا أخى أين ربيع ذاك الإخاء ... أين ما كان بيننا من صفاء «1» ؟!
أنت عيني، وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاء!
وقوله فيمن يقتني السلاح، ولا يدافع به عن ماله، ولا يستعمله:
رأيتكم تبدون للحرب عدة ... ولا يمنع الإسلاب منكم مقاتل «2»
فأنتم كمثل النحل يشرع شوكة ... ولا يمنع الخزاف ما هو حامل «3»
وقوله في الاستزاده:
أيها المنصف إلا رجلاً ... واحداً أصبحت من قد ظلمه
كنت ترضى الفقر عرسا لامرىء ... وهو لا يرضى لك الدنيا أمه «4»
وقوله في هجاء «سليمان بن عبد الله بن طاهر» وهو أبلغ ما قيل فيه:
قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيدنفه «5»
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
وقوله في «الاستمتاع بالشباب» :
قصر الشيب فاقض ما أنت قاض ... من هوى البيض، والعيون المراض «6»
(1/221)

إن شرخ الشباب فرض الليالي ... فتصرف فيه قبيل التّقاضى!
165- عبد الله بن المعتز «1»
قد تقدم ذكره في «باب الملوك والأمراء» ، وهذا مكان ذكره فى باب الشعراء.
قوله في الغزل:
ظبي يتيه بحسن صورته ... عبث الدلال بلحظ مقلته
وكان عقرب صدغه احترقت ... لما دنت من نار وجنته «2»
وقوله:
الفاني الدهر لما مسني حجراً ... أذكى من المسك لما مسه حجر
وقوله:
عيرتني ترك «المدام» وقالت ... هل جفاها من الكرام أديب؟!
قلت: يا هذه، عدلت عن النص ... - ح، وما للرشاد منك نصيب
إنها للستور هتك، وبالألب ... - اب فتك، وفي المعاد ذنوب
وقوله:
عمر الفتى ذكره لا طول مدته ... وموته حزنه، لا يومه الداني
فأحي ذكرك بالإحسان تزرعه ... يجمع به لك في الدنيا حياتان
وقوله:
كم والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد
(1/222)

كالعين لا تبصر ما حق لها ... ولحظها يدرك ما يبعد!!
قال في النسخة الأصلية: تم الكتاب بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى «جمال» سبط الشيخ صفى بن أبى المنصور عفا الله عنهم أجمعين.
وأقول: وحققه، وهذبه باستبعاد ما قيل فى «المدام» التى حرمها الإسلام- محمد إبراهيم سليم امتثالا للأمر الكريم باجتنابها، وحرصا على تقديم ما ينفع الأبناء، ويساعد على تحقيق الأمل والرجاء والله ولى التوفيق ...
(1/223)