Advertisement

الأوائل للعسكري



الكتاب: الأوائل
المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)
الناشر: دار البشير، طنطا
الطبعة: الأولى، 1408 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
وأما بعد فهذه هى الطبعة الثانية لكتاب الأوائل لأبى هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى، تخرج على القراء الكرام فى ثوب جديد، وقد اهتممت فيها بتدقيق كثير من التحقيقات والتعليقات التي أتيحت لى فرصة مراجعتها، كما اهتممت بإثبات كثير من الفقرات التى سقطت من الطبعة الأولى.
ولما كان ضبط آيات القرآن الكريم ضرورة حتمية ليتمكن القارىء الكريم من قراءتها صحيحة كما رويت عن أئمة القراء، وكما وردت فى المصحف الشريف كان لابد من الاهتمام بضبطها، والعناية بوضع علامات الاعراب على حروفها حتى يتحقق الغرض من الضبط.
وكما اهتممت بضبط الآيات القرآنية الشريفة اهتممت كذلك بضبط ما ورد فى ثنايا الكتاب من الشعر حتى تسهل قراءته آملا أن يجد القارىء الكريم فى هذه الطبعة ما يرغبه فى استيعاب ماحواه هذا الكتاب النفيس من العلوم والمعارف. نفع الله به، وأجزل لمؤلفه ومحققه المثوبة والأجر إنه سميع قريب مجيب
(1/5)

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، المحقق دكتور محمد السيد الوكيل جدة فى يوم الأربعاء 1 من شهر ربيع الأول عام 1406 هـ 13 من شهر نوفمبر عام 1985 م
(1/6)

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه ونهج نهجه واتبع هداه.
أما بعد. فإن إحياء التراث العلمى لكل أمة حتم واجب على أبنائها، وإن تخليد آدابها فريضة لا يستطيع القيام بها إلا أهلها، كما ان العناية بابراز هذا التراث العلمى الأدبى فى ثوب قشيب شىء لا بد منه- لا سيما الكتب التى لم تزل تطوى عليها المكتبات العتيقة أجنحتها، وتواريها بين أحشائها من المخطوطات التى لم يقدر لها بعد الخروج من مخابئها لترى النور، ولم تهيأ لها العقول التى تتناولها بالتحقيق والتصحيح والتعليق..
وان كتابنا- الأوائل- هذا الذى بين أيدينا لهو أحد هذه الكتب وهو كتاب كما سيرى القارىء فريد فى تبويبه، ظريف فى عرضه تليد فى أحداثه، وهو فوق ذلك مزيج من الأدب الذى تستمتع العقول بتحصيله، والتاريخ الذى تتوق النفوس إلى الوقوف على حقائقه، وقد عهد إلى سعادة مدير الجوازات والجنسية بالمدينة المنورة السيد أسعد طرابزونى بتصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه، وقدم إلى نسخة مخطوطة يرجع تاريخ نسخها إلى سنة 1267 هـ، وعدد صفحاتها ثلاثمائة صفحة، ومسطرتها واحد وعشرون سطرا، وبالاطلاع على النسخة وجدت فى ذيلها ما يشير الى أنها أخذت من نسخة خطية موجودة فى مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وذهبت الى المكتبة ووجدت النسخة وليس فيها ما يشير الى تاريخ خطها، ولكنى وجدت فى نهايتها تعليقا لأحد قرائها يدعو لكاتبها بطول العمر وأرخه بعام 1153 هـ،
(1/7)

ففهمت من ذلك أن كاتبها كان حيا حتى ذلك التاريخ، ويتضح من ذلك أنها نسخت منذ مائتين وخمسة وثلاثين عاما تقريبا، وعدد صفحاتها أربعمائة وثمانون صفحة، ومسطرتها ثمانية عشر سطرا، فاستخرت الله وعزمت أن أعتمد عليها فى التصحيح والتحقيق رغم خطها الذى لا يقرأ إلا بصعوبة ومشقة، وذلك لعدم نقط الحروف أولا ولعدم الفوارق التى تميز بين الحروف ثانيا حتى يشتبه عليك الكاف واللام كما يلتبس عليك الميم والراء فى آخر الكلمة، ومشينا خطوات فى التحقيق لا بأس بها رغم كل هذه الصعوبات، ثم فوجئنا بسقوط فقرات اختل لفقدها المعنى واضطرب لسقوط التركيب، وأصبحنا كمن يقرأ ألغازا لا يجد لها حلا، ورحنا نفتش عن نسخة أخرى، وفى اليوم التالى بشرنى الأستاذ عبد الحميد السنارى الموجه الدينى بمنطقة المدينة المنورة التعليمية بوجود نسخة مخطوطة بخط فارسى قديم يصعب قراءته، والنسخة موجودة بمكتبة مدرسة دار الحديث بالمدينة المنورة، وعدد صفحاتها ثلاثمائة وأربع وثمانون صفحة، ومسطرتها سبعة عشر سطرا.
ولا يفوتنى هنا أن أسجل ما للأستاذ عبد الحميد من فضل كبير، فقد ساعدنى كثيرا بوقته وجهده وعلمه طوال فترة المقابلة التى قضاها معى فى المكتبات المختلفة، واعانتنا النسخة الأخيرة على استكمال كثير من الفقرات والكلمات التى فقدت فى النسخة الأولى، ومع هذا فكنا نتعثر فى كلمات لا نستطيع قراءتها أحيانا، وأحيانا لا نجد لها فى معجمات اللغة معنى لتحريف فيها، وكثيرا ما كانت تواجهنا جمل غير مستقيمة المعنى لما فيها من تقديم وتأخير، فأما الكلمات التى لم استطع قراءتها فكنت اقرأ ما قبلها وما بعدها واضع مكانها كلمة مناسبة يستقيم بها المعنى دون خلل او اضطراب، واما الكلمات التى لم أقف على معناها فى المعجمات فقد أشرت اليها فى التعليق بقولى (هكذا وجدت فى الأصل ولعل المراد كذا) ، واما الجمل التى اختل معناها لاختلال تركيبها فكنت أقدم ما يستحق التقديم وأؤخر ما محله التأخير حتى يستقيم المعنى، كما شرحت الكلمات الصعبة فى ذيل كل صفحة، ومع هذا فانى أشعر أنه لا بد من هفوات يدركها ذوو البصائر والمعرفة، والأمل
(1/8)

التماس العذر عند العثور عليها فقد بذلت جهد استطاعتى وما قصرت فى شىء أستطيعه، وأما الناشر فانى اسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، فقد أخرج الى النور كتابا كاد الدهر أن يطوى صفحاته عليه فينسى.
نبذة تاريخية:
قال صاحب كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون: علم الأوائل علم يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب، وهو من فروع علم التاريخ والمحاضرات، وفيه كتب كثيرة منها كتاب الأوائل لأبى هلال الحسن بن عبد الله العسكرى المتوفى سنة 295 هـ، وهو اول من صنف فيه، ولخصه الإمام جلال الدين السيوطى، وسماه بالوسائل، وللطبرانى ولأبى القاسم الراشدى وللجلال بن خطيب داريا رحمهم الله تعالى. وجاء فى هامش لطائف المعارف لمحققيه الأستاذين ابراهيم الابيارى وحسن كامل الصيرفى، أول من ألف هذا الفن- الأوائل- ابن قتيبة الدينورى سنة 276 هـ. فى كتاب المعارف، وابن رسته أبو على احمد بن عمر فى القرن الثالث فى كتابه الاعلاق النفيسة، والطبرانى سليمان بن احمد بن أيوب سنة 360 هـ. وله كتاب الأوائل، وأبو هلال الحسن العسكرى بعده سنة 395 هـ. وله كتاب الأوائل ايضا، وقد لخصه الجلال السيوطى سنة 911 هـ وسماه (الوسائل الى معرفة الأوائل) ، ومن قبل السيوطى وبعد العسكرى القاضى بدر الدين محمد الشبلى سنة 769 هـ. وله كتاب (محاسن الوسائل فى علم الأوائل) ، ثم ابن خطيب داريا محمد بن احمد بن سليمان بن يعقوب سنة 810 هـ. وكتابه لم يعرف اسمه، وبعده الحافظ شهاب الدين أبو الفضل احمد بن على بن حجر سنة 852 هـ. واسم كتابه (اقامة الدلائل على معرفة الأوائل) ، ثم القاضى على دده سنة 998 هـ. واسم كتابه (محاضرة الاوائل ومسامرة الأواخر) ، ثم المولى عثمان بن محمد المعروف بدوفاكين زاده الرومى سنة 1013 هـ. وله كتاب (أزهار الخمائل فى وصف الأوائل) ، ثم بعد هذا أرجوزة تسمى (وسائل السائل الى معرفة الأوائل) .
(1/9)

ونرى من هذا العرض ان صاحب كشف الظنون يقول: ان العسكرى اول من ألف فى هذا الفن، ومحققى لطائف المعارف يقولان: ان ابن قتيبة هو أول من ألف فى هذا الفن، ولا خلاف بينهما عند التحقيق، فان ابن قتيبة فى كتابه المعارف تكلم عن الأوائل عرضا ولم يفرد لها كتابا، وهو متقدم على العسكرى، وأما العسكرى فقد أفرد لها كتابا خاصا، وعلى هذا يكون ابن قتيبة أول من كتب فى هذا الفن والعسكرى أول من ألف فيه كتابا خاصا كما بين ذلك فى مقدمة كتابه.
ومؤلف كتابنا:
هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران أبو هلال اللغوى العسكرى قال أبو طاهر السلفى: وكان لأبى أحمد تلميذ وافق اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبيه وهو عسكرى أيضا، فربما اشتبه ذكره بذكره فاذا قيل الحسن بن عبد الله العسكرى الأديب فهو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران أبو هلال اللغوى العسكرى. نسبة الى عسكر مكرم- وقد وجدت فى شذرات الذهب كنية للآخر تغاير كنية صاحبنا فهذا أبو هلال وذاك أبو أحمد.
قال أبو طاهر: سألت الرئيس أبا المظفر محمد بن أبى العباس الابيوردى- رحمه الله- بهذان عنه، فأثنى عليه ووصفه بالعلم والفقه معا وقال: كان يبرز (يتبزز) «1» احترازا من الطمع والدناءة والتبذل، وكان الغالب عليه الأدب والشعر، روى أبو الغنائم بن حماد المقرىء املاء قال: أنشدنا أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى لنفسه:
قد تخطّاك شباب ... وتفشّاك مشيب
فأتى ما ليس يمضى ... ومضى ما لا يؤوب
فتأهّب لسقام ... ليس يشفيه طبيب
(1/10)

لا توهّمه بعيدا ... إنما الآتى قريب
ومن شعر أبى هلال فى تفضيل الشتاء على غيره من الأزمنة قوله:
وغيوما مطرّزات الحواشى ... بوميض من البروق وخفو «1»
كلّما أرخت السماء عراها ... جمع القطر بين سفل وعلو
وهى تعطيك حين هبّت شمالا ... برد ماء فيها ورقّة جوّ
وترى الأرض فى ملاءة ثلج ... مثل ريط لبسته فوق فرو
فاستعار المرار «2» منها لباسا ... سوف يمنى من الرياح بنصو «3»
فكأنّ الكافور موضع ترب ... وكأنّ الجمان «4» موضع قرو «5»
وليال أطلن مدّة درس ... مثلما قد مددن فى عمر لهو
وقد روى عن أبى هلال أبو سعد السمان الحافظ بالرى، وأبو الغنائم بن حماد المقرىء.
مؤلفاته:
ومؤلفاته كثيرة وفى فنون مختلفة فله فى اللغة كتاب.
(1/11)

1- التلخيص.
2- وكتاب صناعتى النظم والنثر وله فى الأدب.
3- جمهرة الأمثال.
4- ومعانى الأدب.
5- وكتاب التبصره.
6- وشرح الحماسة.
7- والدرهم والدينار.
8- واعلام المعانى فى معانى الشعر.
9- والفرق بين المعانى.
10- وديوان شعر.
11- ونوادر الواحد والجمع.
وله فى التاريخ.
12- من احتكم من الخلفاء الى القضاة.
13- والأوائل، وله فى تفسير القرآن الكريم كتاب.
14- المحاسن فى خمسة مجلدات، وله فى فنون مختلفة.
15- العمدة.
16- وفضل العطاء على العسر.
17- وما تلحن فيه الخاصة.
وزاد صاحب البغية على هذه الكتب رسالة فى العزلة والاستئناس بالوحدة.
ويبدو أن المؤلف رحمه الله كان رقيق الحال، وكان يكتسب قوته بكده، نلمح ذلك فى شعره الذى ضاق فيه بالحياة وتبرم بأهلها، وروى ياقوت
(1/12)

فى معجم الأدباء عن أبى طاهر السلفى قال: ومما أنشدنا القاضى أبو أحمد الموحد بتستر قال: أنشدنا أبو حكيم العسكرى اللغوى قال: أنشدناه أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى لنفسه بالعسكر:
إذا كان مالى مال من يلفظ العجم «1» ... وحالى فيكم حال من حاك أو حجم
فأين انتفاعى بالأصالة والحجى ... وما ربحت كفّى من العلم والحكم
ومن ذا الذى فى الناس يبصر حالتى ... فلا يلعن القرطاس والحبر والقلم
كذلك تدل الأبيات الآتية على انه كان يمارس البيع والشراء بنفسه، وأنه كان فى مجتمع لا يقدر العلماء والأدباء استمع اليه يقول:
جلوسى فى سوق أبيع وأشترى ... دليل على أنّ الأنام قرود
ولا خير فى قوم تذلّ كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عنّى رثاثة كسوتى ... هجاء قبيحا ما عليه مزيد
قال ياقوت فى معجمه (واما وفاته فلم يبلغنى فيها شىء غير انى وجدت فى آخر كتاب الأوائل من تصنيفه. وفرغنا من املاء هذا الكتاب يوم الأربعاء لعشر خلت من شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة) وكتاب الأوائل هو آخر ما صنف المؤلف، ولم يعثر على أثر فى التصنيف بعد هذا العام، ولهذا فان ياقوت يرى انه توفى سنه 395 هـ. رحمه الله رحمة واسعة وقد مدحه أحد
(1/13)

الشعراء بقوله:
وأحسن ما قرأت على كتاب ... بخطّ العسكرى أبى هلال
ولو أنّى جعلت أمير جيش ... لما قاتلت إلا بالسّؤال
فإنّ الناس ينهزمون منه ... وقد ثبتوا لأطراف العوالى
المحقق
(1/14)

مقدمة المؤلف
رب يسر وأعن الحمد لله الذى رفع رتبة الأدب وذويه، وأعلى منزلة العلم وحامليه، وجعلهم للدين قواما، وللمحاسن نظاما، ففهم بهم الغبى، وأنطق العيى، وصيرهم ورثة انبيائه، وأئمة لأوليائه، وحججا على أعدائه، وألبسهم العز ما أبقاهم، وخلد ذكرهم حين أفناهم، فأعيانهم مفقودة، وأمثالهم فى القلوب موجودة، وذلك من أعظم النعم عليهم، وأفضل المنن لديهم، ولما فى بقاء الذكر من الجمال وفى خلود الاسم من الكمال، قال ابراهيم عليه السلام فيما حكى الله تعالى عنه: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
«1» وقال تعالى: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
«2» فقرعهم باعراضهم عما فيه ذكرهم، وتباهتهم «3» عما فيه جميل ذكره، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
«4» فامتن عليهم بالقرآن لما لهم فيه من بقاء الذكر، وجميل النشر، وقد قال الأول: ذكر الرجل عمره الثاني، قال الشاعر:
لعمرك إنّ المرء تخلد بعده ... أحاديثه والمرء ليس بخالد
(1/15)

وقال آخر:
وما الخير فى طول الحياة إذا امرؤ ... مضى ثمّ لم يذكر بخير عواقبه
وقال آخر:
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنّه من نشرها منشور
وقال آخر:
فإن يك أفنته اللّيالى ومرّها ... فإنّ له ذكرا سيفنى اللّياليا
وقال آخر
عرضت وجهى ودنا انطلاقى ... والمال يفنى والثّناء باقى
وقال آخر:
فأثنوا علينا لاأبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد
ومما يقرب منه قول زهير:
فلو كان حمد الناس يخلد لم يمت ... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
ولكنّ فيه باقيات وراثة ... فورّث بنيك بعضها وتزوّد
تزوّد الى يوم الممات فإنّه ... ولو كرهته النّفس آخر معهد
(1/16)

وقال الأسدى:
فإنى أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندى أن أموت ولم ألم
وقال آخر:
وإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود
وقال بعضهم: (لان أذكر فى شر خير لى من ألا أذكر فى شر ولا خير) «1» وسمعت رجلا يقول: (لأن أكون رأسا فى الضلالة أحب الى من أن أكون ذنبا فى الهداية «2» ) .
والنباهة لباقية التى لا تدركها الايام، والذكر العالى الذى لا يحطه مرور الزمان، نباهة العلماء وذكر الحكماء، لأنه يسير فى الأوقات من غير دافع يرده، ولا مانع يصده، وتؤمن عليه غارة الليالى والأيام، وجناية السنين والاعوام فى دروس آثاره وطموس أنواره، وقليل العلم كثير بل ليس من العلم قليل، وخير العلم ما ينفع وأنفعه ما يحاضر به، ولا يعتاض عند مطلبه، وأجل ما يعين على حفظه حسن تصنيفه، وبراعة تدوينه وتأليفه واولى ما يصنف منه ما تعظم الحاجة اليه، ويكثر تطلع النفوس الى معرفته والوقوف عليه، وإن أغفل إتقانه الأولون، وأخل باستقصائه المتقدمون.
قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل- أيده الله-: وقد رأيت أكثر الخاصة وجل العامة لهجين بالسؤال عن أوائل الأعمال، ومتقدمات الأسماء والأفعال، ولم يجدوا فى ذلك كتابا يجمع فنونها ويحوى ضروبها
(1/17)

بأخبارها وشرح وجوهها وأبوابها الا نبذا متفرقة فى تضاعيف الصحف وابتداء الكتب لم تذكر أسبابها ولم تشرح أبوابها، فعملت كتابى هذا مشتملا على هذا النوع من الأخبار وحاويا لهذا الفن من الآثار، مشروحا ملخصا، ومهذبا مخلصا لا يشوبه كدر ولا يرهق وجهه قتر، ليكون عونا على المذاكرة وقوة للمؤانسة، وجعلته عشرة أبواب:
الباب الأول: فى الاخبار عما كان من قريش وفيهم من أوائل الأعمال وابتداءات الأمور فى الجاهلية وما حدث بمكة منها.
الباب الثانى: فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية بعد قريش من العرب الباب الثالث: فيما جاء من ذلك منسوبا الى النبى- صلّى الله عليه وسلم- الباب الرابع: فيما روى عن الصحابة والتابعين- رضى الله عنهم- الباب الخامس: فيما جاء عن الملوك فى الاسلام.
الباب السادس: فيما جاء منه عن الامراء والرؤساء فى الاسلام.
الباب السابع: فيما جاء منه عن القضاة والعلماء والأدباء.
الباب الثامن: فيما جاء منه عن النساء خاصة.
الباب التاسع: فى الاخبار عما جاء منه عن العجم خاصة.
الباب العاشر: فى أشياء مختلفة رويت عن العرب والعجم ولم ينفرد كل نوع منها بنفسه فجعلتها بابا واحدا وبالله التوفيق.
(1/18)

الباب الأول فيما جاء من ذلك عن قريش
(1/19)

أول ما تحرك أمر قريش
وأخذ شأنهم يرتفع وذكرهم ينتشر حين قدم قصى مكة من عند أمه فاطمة بنت سعد بن سيل الأزدى أزد شنوءه، وكان كلاب أبو قصى تزوجها فولدت له زيدا (وهو قصى) وزهرة ثم هلك كلاب وزهرة قد شب وزيد صغير، فقدم ربيعة بن خزام العذرى مكة فتزوج فاطمة وحملها الى قومه وحمل زيدا لصغره، فولدت فاطمة لربيعة رزاحا وشب زيد فسمته قصيا لبعد داره،- والقصو البعد- فنازع رجلا من عذرة فقال له العذرى: الحق بقومك فلست منا، فأتى أمه فسألها عن قومه فأخبرته بما كان من أمرها وأمره، فشخص مع الحجاج الى مكة، فلم يلبث ان اجتمع مع أبى غبشان سليم بن عمرو الخزاعى على شراب، فلما سكر أبو غبشان اشترى منه قصى ولاية البيت بزق خمر وقعود، فقيل: أخسر من أبى غبشان، وأحمق من أبى غبشان وأندم من أبى غبشان، فجرت أمثالا. قال بعضهم:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ «1» خمر فبئست صفقة البادى
باعت سدانتها بالخمر وانقرضت ... عن المقام وظلّ البيت والنادى
(1/21)

وقال آخر:
أبو غبشان أظلم من قصىّ ... وأظلم من بنى فهر خزاعه
فلا تلحوا «1» قصيّا فى شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه
وقال آخر:
إذا فخرت خزاعة فى قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور
وبيعا كعبة الرّحمن جمعا ... بزقّ بئس مفتخر الفجور
وقال آخر:
باعت خزاعة بيت الله صاحبه ... بزقّ خمر فلا فازوا ولا ربحوا
فتحزبت خزاعة على قصى، فاستنصر أخاه من أمه رزاحا. فأقبل بمن معه، وجمع قصى كنانة فنفوا خزاعه عن مكة، وجمع قريشا من رؤوس الجبال وشعابها فأنزلهم الأبطح، فسمى مجمعا، قال مطرود:
قصىّ أبوكم «2» كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر
(1/22)

ثم قال أبو تمام:
أادريس ضاع المجد بعدك كلّه ... ورأى الّذى يرجوه بعدك أضيع
مشوا فى زوايا نعشه وكأنّما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
ويبسط كفّا فى الخطوب «1» كأنّما ... أناملها فى الجود والبأس أذرع
ففتش قصى عن أجلة قومه فسمى قريشا، والتقريش التفتيش قال الحرث بن حلزة:
أيها المبلغ المقرّش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء
وقيل: كان قريش اسما للنضر بن كنانة واشتقاق من التقرش وهو التكسب وكانت قريش تجارا، وقيل التقرش التجمع.
وكانت صوفة تجيز الناس من عرفة الى جمع ومن جمع الى منى، فاذا رمى الناس الجمار أخذت ناحيتى العقبة، فيقولون: أجيزى صوفة، فلا يجوز أحد حتى تجوز صوفة، وكانوا يرون ذلك دينا، فاعترضهم قصى بمن معه وانهزمت صوفة وخلت مكة والموسم لقصى، فكان أول من نال الملك من ولد النضر بن كنانة فقال رزاح بن ربيعة:
جلبنا الخيل مضمرة تعادى ... من الأعراف أعراف الجناب
الى غورى تهامة قادرينا ... بنى الذفراء فى قاع يباب
(1/23)

وقام بنو علىّ اذ رأونا ... على الأسياف كالإبل الظراب «1»
فأمّا صوفة «2» الخنثى فخلّوا ... منازلهم محاذرة الضّراب
وقال رزاح أيضا:
أجبنا قصيّا على نايه ... على الخيل تردى رعبلا رعيلا «3»
نسير بها اللّيل حتّى الصباح ... ونكمى «4» النهار إلى أن يزولا
وردن سراعا كورد القطا ... يورّعن «5» ميلا ويركضن ميلا
بأبناء سعد وأشياعها ... نجوب الحزون ونطوى السهولا
فصبّحن مكّة قبل الغطاط «6» ... فدسن خزاعة دوسا وبيلا
خبطنهم بصلاب النّسور ... كخبط العزيز القوىّ الذّليلا
ومن قبل ذلك ما قد جعلن ... لصوفة منهنّ يوما طويلا
(1/24)

وكنّا له جنّة فى اللّقاء ... وسيفا بيمنى يديه صقيلا
فلما استوى أمر مكة لقصى بنى دار الندوة، فكانت قريش تقضى فيها أمورها، فلا تنكح ولا تشاور فى أمر ولا حرب الا فيها، وهى دار الامارة، وبابها فى المسجد حيال الكعبة.
ثم قال لقريش انتم جيران الله والحجاج زوار الله فهم أضيافه واحق الاضياف بالكرامة أضيافه، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، ففرض عليهم فرضا يدفعونه اليه، فيصرفه فى إقامة الحجاج فجرى ذلك الى اليوم إلا أن الخلفاء هم الذين يقيمونها.
وكان قصى فى زمن بهرام جور وهو بهرام بن يزدجر.
وقصى أول من احتفر بالابطح سقاية للحجاج وسماها العجول وقال:
سقى الله العجول برغم عاد ... وكانت من زيادته العجول
فلم يزل يشرب منها حتى سقط فيها رجل من بنى جعيل فعطلت، وكانت زمزم زمن جرهم.
وهو أول من ثرد الثريد بعد ابراهيم- عليه السلام- وعاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد وقال: لابد أن يفضل من العرب اذا أكلوا فضلة مرق تجعل لمسكين قال: فأرادت العرب ألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه قال:
وليس من طعام العجم. واحتج بما أخبرنا به أبو أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن سعيد عن الجلودى عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله بن محمد بن على قال: قال حصين لفيروز أحب أن أتغذى عندك، قال: فما تشتهى؟
قال: ثريدا: قال: انى أكره أن أضع على مائدتى طعام الكلاب ولكنى أتحمل ذلك لك.
(1/25)

قال أبو هلال:- أيده الله تعالى-: لو كان الثريد طعاما خبيثا مكروها لكان ما يقال فيه شائعا، فأما وهو طعام مشتهى طيب فلا اعتراض على العرب فى اتخاذ طعام طيب، وليس ترك العجم اياه قدحا فيه فكم من شىء مختار قد تركته العجم غفلة عنه أو جهلا به، وليس ثردهم فى المرق يدل على أنهم أرادوا منع ما يفضل منه.
أول من أخذ الايلاف لقريش هاشم بن عبد مناف
والايلاف كتاب أمان يؤمنهم بغير حلف، فأما الولاف فتدارك «1» لمعان البرق ولا يكاد يخلف، والآلاق- بالقاف- أن يلمع لمعة بعد لمعة وربما أخلف، اخبرنا غير واحد عن ابن دريد وغيره عن أبى حاتم العبثى ومحمد بن سلام قال: كانت قريش تجارا وكانت تجارتهم لا تعدو مكة وما حولها، فخرج هاشم بن عبد مناف الى الشام فنزل بقيصر، وكان يذبح كل يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله، وكان من أتم الناس وأجملهم، فذكروا ذلك لقيصر فأحضره، فلما رآه استجهره «2» وكلمه فأعجبه، فلما رأى مكانه عنده قال: أيها الملك، ان قومي تجار العرب فان رأيت أن تكتب لى كتابا تؤمنهم فيقدمون عليك بما تستظرف من أمتعة الحجاز فيكون أرخص لكم، فكتب كتاب أمان لمن يخرج منهم، فخرج هاشم به فكلما مربحى من العرب أخذ من أشرافهم الأمان حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شىء أوتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج معهم هاشم يجوزهم ويوفيهم إيلامهم حتى ورد بهم الشام، وفى ذلك يقول القائل:
تحمّل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن فيض
(1/26)

ثم خرج المطلب بن عبد مناف الى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن اتجر اليهم من قريش، وكان أكبر ولد أبيه، ويسمى الفيض، وهلك بردمان من اليمن. وخرج عبد شمس بن عبد مناف الى ملك الحبشة وأخذ لهم ايلافا ثم ورد مكة وهلك بها وقبره بالحجون، وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ لهم عهدا من كسرى، ثم قدم مكة ورجع الى العراق فمات بسلمان فاتسعت قريش في التجارة وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش بركة فى الجاهلية والاسلام. وفيهم يقول الشاعر:
كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ «1» خالصه لعبد مناف
وقال مطرود بن كعب يرثيهم:
يا عين جودى وأذرى «2» الدّمع وانهملى ... وابكى على البيض من سرّ المغيرات
وابكى لك الويل امّا كنت فاقدة ... لعبد شمس بشرقىّ الثّنيّات
وهاشم فى ضريح وسط بلقعة ... تسفى «3» الرّياح عليه وسط غزّات «4»
تبكين عين العلا إذ كان مصرعه ... سمح السّجيّة بسّام العشيّات
وكان هاشم يسمى أبا فضلة، واسمه عمرو.
(1/27)

وروى بعض الشيوخ عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال:
خرجت وجماعة من قريش الى العراق فى تجارة، فلما دنونا من الأرياف خرج قوم فقطعوا علينا فدخلنا المدائن مخففين، قال: فكنت أطوف بها أطلب رجلا يفهم عنى ما أقول فأسترشده فى أمرنا فلا أجد، حتى مررت بصائغ سقطت مطرقته فقال: بسم الله، وأخذها فدنوت منه، فذكر انه نصرانى من أهل الحيرة، فشكوت اليه ما لقينا فقال: سر الى باب الملك فان المتظلم لا يمنع منه، فلما ادخلت اليه وذكرت أمرنا دفع إلى ألف درهم وأخرجت، فعدت اليوم الثانى فتكلمت فدفع إلى ألف درهم أخرى وأخرجت، وكذلك فى اليوم الثالث، فلما أمرت بالخروج وقد دفع الى ألفا أخرى أومأت اليه انى لم أحضر لطمع، فعلم أن الترجمان يخون ويؤدى خلاف ما أورد عليه، فأحضر ترجمانا آخر فأدى ما قلت، فقال: لا تبرحوا البلد، فلم نلبث الا قليلا حتى أدخلنا اليه، فاذا اللصوص والترجمان مكتوفون بين يديه وأمتعتنا موضوعة، فقيل لنا: هل تفقدون شيئا منها؟ قلنا: مقرعة، فطالبهم بها فقالوا: لا نعرف لها موضعا ونعوضهم عنها مقرعة فضة، ثم اشترى منا تجارتنا بربح وافر، فذكرت ما أعطيت في الأيام الثلاثة، فقيل: هى لك لا يسترد ما أعطيناه، وأقمنا حتى أصلحنا أمورنا وخرجنا، فاذا اللصوص والترجمان مصلوبون فى المكان الذى قطعوا علينا فيه.
أول من سن الدية مائة من الابل عبد المطلب
أخبرنا جماعة من مشايخنا قالوا: لقى عبد المطلب من قريش أذى كثيرا حين أقام سقاية زمزم، وحسدوه حسدا شديدا لانصراف الناس اليها عن غيرها. لمكانها من المسجد الحرام، ولأنها بئر اسماعيل عليه السلام، فنذر لئن ولد له عشرة نفرا بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى بنوه عشرة جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء لله به فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟
(1/28)

قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا وليكتب عليه اسمه ثم ليأتنى به ففعلوا، فدخل بهم على هبل وكان أعظم أصنام قريش يضربون عنده بقداحهم لحوائجهم، فقال عبد المطلب للسادن: أضرب على بنى هؤلاء بأقداحهم، ودخل الكعبة فقام يدعو الله فضرب بها عليهم فخرج القدح على عبد الله،- وكان أحب ولده إليه- وكان هو وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو ابن عابد المخزومى، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به الى أساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحهم ليذبحه، فقامت اليه قريش فقالوا: لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟
ولو كان فداه أموالنا أفدينا، وانطلق الى الحجاز فان فيه عرافة فاستخرها، فانطلق حتى قدم عليها فقالت: كم الدية فيكم؟ قال: عشر من الابل، قالت: فارجع الى بلادك ثم قرب صاحبك وعشرا من الابل واضربنّ عليه وعليها بالقداح فان خرجت عليه فزده عشرا من الابل حتى يرضى ربك، فان خرجت على الابل فانحرها عنه، فقد رضى ربك، ونجى ولدك، فخرج حتى أتى مكة ثم قرب عبد الله وعشرا من الابل وضرب فخرجت القداح على عبد الله فزاد عشرا، فما زال يزيد حتى بلغت الإبل مائة فخرجت القداح على الابل، فقالت قريش: قد انتهى رضى ربك.
فقال: والله ما أنصفت ربى، خرجت على عبد الله تسع مرات فلم أذبحه، وخرجت على الابل مرة فأذبحها، لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا فخرجت القداح على الابل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها بائس ولا سبع، وولد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بعد خمس سنين من هذه القصة.
أول من سن الدية كذلك النضر بن كنانة
وذلك انه قتل أخاه فوداه مائة من الابل فجرت سنة.
(1/29)

قال الكميت:
أبونا الّذى سنّ المئين لقومه ... ديات وعدّاها سلوفا «1» مئينها
فسلّمها واستوثق النّاس للّذى ... تعلّل لمّا سنّ فيها حروبها
غنائم لم تجمع ثلاثا وأربعا ... مسائل بالإلحاق شتّى ضروبها
وقال أبو اليقظان: اول من سنها كذلك أبو سيارة العدوانى، وهو الذى كان يفيض بالناس من المزدلفة الى منى على حمار أسود أربعين سنة، فقالت العرب: أصح من عير «2» أبى سيارة، فجرت مثلا قال: وكان من دعائه اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعاتنا، واجعل المال فى سمحائنا.
وكان خالد بن صفوان والفضل الرقاشى يختاران ركوب الحمير، ويجعلان أبا سيارة قدوة فيه. قال بعضهم لخالد وهو على حمار: ما هذا الركب؟ قال: عير من نسل الكداذ «3» اضم السربال، مفتول الاجلاد «4» ، محملح القوائم، يحمل الرحلة، ويبلغ العقبة، ويقل داؤه، ويخف دواؤه، ويمنعنى أن أكون جبارا فى الأرض أو أكون من المفسدين، ولولا ما فى الحمار من المنفعة، ما امتطى أبو سيارة ظهر عير أربعين سنة.
وأما الفضل فانه سئل عن ركوبه الحمار فقال: أقل الدواب مؤونة، وأسهلها جماحا، وأسلمها صريعا، وأحفظها مهوى، واقربها مرتعا، يرى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويسمى مقتصدا وقد أسرف فى يمنه، ولو شاء أبو
(1/30)

سيارة ان يركب فى الموسم جملا مهريا «1» أو فرسا أعوجيا «2» لفعل.
فسمع كلامه أعرابى فقال: الحمار شنار، والعير عار، منكر الصوت بعيد الفوت، متزلق فى الوحل متلوث فى الضحل، «3» ان وقفته أدلى، وان أطلقته ولى، مسايره مشرف، وراكبه مقرف، كثير الروث قليل الغوث، سريع الفواره، «4» بطىء فى الغاره لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب فى إناء.
وقال بعضهم فى وصف بغلة: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة العير.
أول من خضب بالوسمة «5» من قريش عبد المطلب
حدثنا الشيخ أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى عن الفضل بن الحباب عن الرياشى عن العتبى قال: وفد عبد المطلب على بعض ملوك اليمن فرآه قد شاب، فأمر له بخضاب أسود فاختضب به، فلما رآه عبد المطلب حسنا قال:
فلو دام لى هذا الشّباب حمدته ... وكان بديلا من حبيب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرة ... ولابدّ من موت يليه أو هرم
(1/31)

أول ما عظم أمر قريش فسميت آل الله وقرابينه
حين هزم الله جيش الفيل، وكان من أول حديثهم أن تبعا دخل فى اليهودية فى أيام قباذ، وكان لدوس- رجل من يهود نجران- ضيعة يخرج بنوه اليها ليلا فيجرون فيها من الماء أكثر مما يخصها، فاجتمعت نصارى نجران فقتلوهم، وطلبوا أباهم دوسا فأعجزهم، فقالوا له: أقبل فقال: لا يقبل المرء على الموت، فذهبت مثلا. فقالوا: الى أين عن لهوك وغنائك؟ فقال:
الاحياء يعون. فسار حتى دخل على ذى نواس وكان تهود، فشكى اليه ما أصيب به، فخرج الى أهل نجران فحاصرهم ثم عاهدهم، فلما تمكن منهم أوقع بهم وهم مغترون، فلم ينج منهم الا الشريد.
فلحق بعضهم بالنجاشى ومعه الانجيل قد أحرق أكثره، فلما رآه ساءه، فكاتب ملك الروم بذلك واستدعى من جهته سفنا يحمل فيها الرجال الى اليمن، وبلغ ذاك ذانواس فصنع مفاتيح كثيرة فلما دنا منه جيش الحبشة أرسل اليهم بها، وقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن فخذوا المال والارض وانا طوع لكم، فاطمأنوا وتفرقوا فى المخاليف «1» يجبون، فارسل ذو نواس الى المقاولة اذا كان يوم كذا فاذبحوا كل ثور أسود فيكم، فعلموا الذى أراد فقتلوهم فلم يبق منهم الا القليل، وبلغ النجاشى ذلك فجهز اليهم سبعين ألفا عليهم أبرهة ومولى بن حزام، وأمرهم الا يقبلوا صلحا.
فعلم ذو نواس أنه لا قبل له بهم، فركب حتى أتى البحر فأقحم فرسه فيه فغرق، وملكت الحبشة اليمن، ونزل أبرهة صنعاء فى قصر غمدان، فكتب اليه النجاشى: من نزل منزل الملوك تجبر، فاهدم ما أشرف من حيطان غمدان حتى توازى به حيطان بلدك ففعل، ثم انصرف عامة الجيش الى الحبشة.
وأقام بها أبرهة ملكا مستبدا بالاموال، فبعث اليه النجاشى بأرياط، فلما
(1/32)

نزل به دعاه الى المبارزة فطمع أرياط فيه،- وكان أقوى منه- وكمن له أبرهة عبدا من عبيده، فلما بادره أرياط وثب العبد فطعنه فقتله، وصفت اليمن لابرهة، وحكم العبد فقال: أريد الا تدخل امرأة على زوجها حتى ابتدىء بها، فقال: لك ذلك، ففعل بذلك زمانا حتى ثارت به أهل اليمن فقتلوه، فقال لهم أبرهة: قد آن لكم ان تكونوا أحرارا، فلما عرف النجاشى عصيان أبرهة حلف على وطء بلاده وجز ناصيته واراقة دمه، فحلق أبرهة شعره وأخذ جزءا من دمه وبعضا من تراب بلده، وكتب الى النجاشى: انما انا عبدك وقد بلغت عنى الكذب، وقد جززت ناصيتي وبعثت بها اليك وبدمى لتريقه وتراب أرضى لتطأه فتبر بيمينك فأعجبه ذلك وأمسك عن الاساءة اليه، فاستجمع ملك اليمن لا برهة.
وبنى كنيسة صنعاء على علوة من غمدان، فاشتغل ببنائها عشر سنين، فلما أتمها رأى الناس شيئا لم يروا مثله قط، وأراد صرف حجاج العرب اليها، حتى دخلها نفر من بنى كنانة من قريش وأحدثوا بها، فغضب أبرهة وعزم على غزو مكة وهدم الكعبة، فخرج بجيش كثيف وتبعه الفساق من خثعم عليهم نفيل بن حبيب وبنو أمه من بنى الحرث بن كعب، فسار حتى نزل الطائف، وفيها بيت يعبد فعزم على هدمه، فقال له مسعود بن معتب: ان رأيت أن تمضى لقصدك، فاذا رجعت رأيت فينا رأيك، فخرج نحو مكة، فلما شارفها أخذ أموال قريش فاستاقها وهم بالمسير، فخرج اليه أبو طالب «1» - وكان له ولأهله فيها ابل- فقال: خل عنها، فلها من لو أراد منعها، فأمر له بإبله، وخرج حتى قام بفناء البيت يدعو الله تعالى ويقول:
لا همّ إنّ المرء يمنع رحله ... فامنع حلالك «2»
(1/33)

لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم أبدا محالك ... إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدالك
بدالك ثم صار أبرهة، فلما انتهى الى المغمس «1» نكص الفيل فزجروه وأدخلوا الحديد فى أنفه حتى خزموه فلم يتحرك، ثم طلعت عليهم طير أكبر من الجراد فقذفتهم بحجارة فى أرجلها فولوا هاربين، ثم هلك أكثرهم وفيهم أبرهة، فلما دفع الله عن قريش شرهم قالت العرب: قريش آل الله وقرابينه قال الحارث بن ظالم:
فإن يك منهم أصلى فمنهم ... قراش للإله بنو قصىّ
وقال أبو الصلت «2» الثقفى فى شأن الفيل:
إنّ آيات ربّنا باقيات ... ما يمارى فيهنّ إلّا الكفور
حبس الفيل بالمعمّس حتّى ... ظلّ يحبو كأنّه معقور
وقال أبو قيس بن الأسلت:
وعندكم منه بلاء مصدّق ... غداة أبى يكسوم «3» مهدى الكتائب
كتائبه بالسّهل تمشى ورحله ... على العدواء فى رؤوس المراقب «4»
(1/34)

فلمّا أجازوا بطن نعمان ردّهم ... جيوش الإله بين ساف وحاصب «1»
وولد رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد خمسين يوما من طارقة الفيل، قدم الفيل مكة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من محرم، وولد النبى يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، وهو اليوم العشرون من نيسان سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين من سنى ذى القرنين، والشمس فى الثور، قال أبو الحسن النسابة:
رواه لنا أبو أحمد عنه ولد- عليه السّلام- يوم الإثنين السابع عشر من ذى ماه، وهو اليوم العاشر من نيسان، وقد مضت من ملك أنوشروان أربع وثلاثون سنة وثمانية أشهر، وكان- صلّى الله عليه وسلم- يقول: (ولدت فى زمن الملك العادل أنو شروان) ، ومن أيام ملوك الروم على عهد قسطة، «2» ومن أيام ملوك اليمن من أول سنة من ملك أبرهة، كذا قال وهو مخالف لما تقدم، ومن أيام ملوك العرب بالعراق لثمان سنين وثمانية أشهر من ملك أبى هند عمرو بن هند، وملك الشام يومئذ أبو الريان الحارث الوهاب.
أول من أوقد النار بالمزدلفة حتى يراها من يندفع من عرفة فهى توقد إلى الآن قصى
وهى احدى نيران العرب، ونيران العرب هى نار الاستمطار، ونار التحالف ونار الأهبة للحرب، ونار الطرد، ونار الحرس، ونار السعالى، ونار الاسد، ونار القرى، ونار السليم ونار العذاء، ونار الوسم.
فأما نار الاستمطار: فكانوا فى الجاهلية الاولى اذا احتبس المطر
(1/35)

يجمعون البقر، ويعقدون فى أذنابها وعراقيبها السلع والعشر، «1» ويصعدون بها فى الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار، ويزعمون أن ذلك أسباب المطر.
قال أميه بن أبى الصلت:
سلع مّا ومثله عشر مّا ... عائل مّا وعالت البيقورا
وقال الودّاك الطائى:
لادرّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة «2» ... ذريعة لك بين الله والمطر
البيقور والباقور والبقر سواء.
وأما نار التحالف: فانهم كانوا يوقدونها، ويعقدون حلفهم عندها، ويذكرون، منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد ويحل العقد، ويهولون على من يخلف على الغدر، «3» قال أبو هلال: وانما كانوا يخصون النار بذلك دون غيرها من المنافع، لان منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها شيء من الحيوان، قال أوس بن حجر:
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهوّل حالف
وكانوا يقولون عند عقد الحلف: الدم الدم، الهدم الهدم،- بالفتح- وما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير، أو غيره من الجبال كل قبيلة كانوا
(1/36)

يذكرون الجبال التى يعرفونها.
وأما نار الطرد: فانهم كانوا يوقدونها خلف من يمضى ولا يشتهون رجوعه، قال شاعر قديم:
وجمّة أقوام حملت فلم تكن ... لتوقد نارا خلفهم للتندّم
والجمة الجماعة يمشون فى الدم والصلح.
قال بشار:
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... وردّ عليك الصّبا ما استعارا
وأما نار الأهبة للحرب: فانهم كانوا إذا أرادوا حربا، أو توقعوا جيشا، أوقدوا نارا على جبلهم، ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزار «1» ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
واذا جد الامر أوقدوا نارين، قال الفرزدق:
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... نزل العدوّ عليك كل مكان
ضربوا الصنّائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
وأما نار الحرس: فكانت في بلاد عبس، فاذا كان الليل فهى نار تسطع، وفى النهار دخان يرتفع، وربما ندر منها عنق فأحرق من صوبها،
(1/37)

فحفر لها خالد بن سنان فدفنها، فكانت معجزة له، وأهل النظر ينكرون نبوته، ويقولون: انما كان أعرابيا من أهل البادية، والله تعالى يقول:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
«1» .
وقال خليد العبثى:
وأىّ نبىّ كان من غير قرية ... وهل كان حكم الله فى كرب النّحل
وقال:
كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرّجل السّميع
وأما النار التي تنسب الى السعالى «2» : فهو شيء يقع للمتغرب والمتقفر قال أبو المطران عبيد بن أيوب:
لله درّ الغول أىّ رفيقة ... لصاحب دوّ «3» خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالىّ نيرانا تبوح وترهر
وأما نار الصيد: فنار توقد للظباء لتعشى اذا نظرت اليها، ويطلب بها ايضا بيض النعام، قال الطفيل:
عوارب لم تسمع تنوح مقامه ... ولم تر نارا ثمّ حول محرّم
(1/38)

سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغنّ من الخنس «1» المتاجر توأم
وأما نار الأسد: فانهم يوقدونها اذا خافوه، وهو اذا رأى النار استهالها، فشغلته عن السابلة، قال بعضهم: إذا رأى الأسد النار حدث له فكر يصده عن ارادته، والضفدع اذا رأى النار تحير وترك النقيق، وتنبأ بعضهم فقيل له ما علامتك؟ وكان بقربه غدير فيه ضفادع تنق ليلا قال: آمر ضفادع هذا الغدير بالسكوت فتسكت، ثم قال لغلامه خذ السراج وامض، فقل لها فلتسكت، فسكتت. لما رأت السراج، ففتن القوم، وكان مسيلمة قد عمد الى بيضه فجعلها فى خل، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس. وتركها، فجفت فيها وعادت الى هيئتها، وكذلك تكون وأتى بها جماعته وأهل بيته، فدعاهم الى تصديقه فكذبوه فأخرجها، فلما نظروا اليها تحيروا وصدقوه، وهم أعراب جهال لا يعرفون وجوه الأمور، وأخذ حماما مقاصيص ودخل بيتا، وزعم انه يناجى الله لينبت أجنحتها فى الحال، فغرز فى أجنحتها ريشا أعده عنده، ثم أخرجها وخلاها فطارت فزادت فتنة القوم، وكانوا من أجهل الناس ومن جهلهم انهم اتخذوا إلها من الحيس «2» فعبدوه دهرا، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال رجل من بنى تميم يهجوهم:
أكلت حنيفة ربّها ... زمن التّقحّم «3» والمجاعه
لم يحذروا من ربّهم ... سوء العواقب والتّباعه
واما نار الحباحب «4» : فكل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح من نعال الدواب وغيرها، قال أبو حية:
(1/39)

وأوقد نيران الحباحب والتقى ... غضا «1» تتراقى بينهنّ ولاوله
والعرب تسمى البرق نارا، قال الشاعر:
نار يعود بها للعود جدّته ... والنّار تلفح عيدانا فتحترق
ونار اليراعة: وهو طار صغير، اذا طار بالليل حسبته شهابا، والطرب «2» من الفراش اذا طار بالليل حسبته شرارة، وتقول العرب: أكذب من تلمع، وهو حجر يلمع من بعيد واذا دنوت منه لم تر شيئا.
ونار القرى: توقد للأضياف، قال الشاعر:
له نار تشبّ بكلّ ريع ... إذا النيران جلّلت القناعا»
وما أن كان أكثرهم سواما «4» ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وأخذه الأشجع فقال:
تروم الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع
(1/40)

وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
وقال ابن ميادة:
يداه يد تنهلّ بالخير والنّدى ... وأخرى شديد بالاعادى ضريرها
وناراه نار زاد كلّ مدفّع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها
وقال الأعشى:
يشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق
والمحلق الممدوح وكان هذا البيت يستحسن حتى قال الحطيئة:
متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
فعفى على الاول، هكذا قالوا، وعندى ان الاول أحسن وأعذب.
ونار الحرب: مثل وليس بحقيقة.
ونار السليم، توقد للملدوغ اذا سهر، وللمجروح اذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب، «1» لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤديهم الى الهلكة: قال المجروح:
أبا ثابت أنا إذا يسبقوننا ... ستركب خيل أو ينبّه نائم
(1/41)

نداميّة تعشى الفراش رشاشها ... يبيت له ضوء من النّار جاحم
والمنزوف اذا نام أصابه الكزاز «1» .
ونار الفداء: وذلك ان الملوك اذا سبوا القبيلة خرجت اليهم السادة للفداء والاستنهاب، فكرهوا ان يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، وفى الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون لانفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن، وذلك قول الأعشى:
وهذا الّذى أعطاه بالجمع ربّه ... على فاقة وللملوك هباتها
نساء بنى شيبان يوم أوارة «2» ... على النّار اذ تجلى له فتياتها
ونار الوسم: يقال للرجل ما نارك؟ أى، ماسمة إبلك؟ وقرب بعض اللصوص أبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه، وانما سئل عن ذلك لانهم يعرفون ميسم كل قوم وكرم أبلهم من لؤمها فقال:
يسألنى الباعة أين نارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
كلّ نجار أيل نجارها ... وكلّ دار لأناس دارها
وكلّ نار العالمين نارها
(1/42)

وقال آخر:
يسقون آبالهم بالنّار ... والنّار قد تسقى من الأوار
يقول لما رأوا نارها خلوا لها المنهل فشربت لعز أصحابها.
أول من سمى الجمعة جمعة وكانت تسمى عروبة كعب بن لؤى
وذلك أنه جمع قريشا وخطبهم فقال: اسمعوا وعوا، وتعلموا تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل داج، «1» ونهار ساج، «2» والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين، كل ذلك الى بلى، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، وأصلحوا أعمالكم، فهل رأيتم من هالك رجع؟! ام ميت نشر؟ الدار أمامك، والظن خلاف ما تقولون، زينوا حرمكم وعظموه، وتمسكوا به ولا تفارقوه، فسيأتى له بناء عظيم، وسيرخج منه نبى كريم، ثم قال:
نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها
يؤوبان «3» بالاحداث حين تآوبا ... وبالنّعم الضّافى علينا ستورها
صروف «4» وأنباء تقلّب أهلها ... لها عقد ما يستحلّ مريرها «5»
على غفلة ياتى النّبى محمّد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
(1/43)

ثم قال أيضا:
يا ليتنى شاهد النّجوى لدعوته ... خير العشيرة يبغى الحقّ جذلانا «1»
ولعروبة نظائر من الاسماء التى كانت تستعمل ثم ترك استعمالها، فمن ذلك أسماء الايام كلها، وعروبة منها، فقد كانوا يسمون الأحد الأول، والإثنين أهون، والثلاثاء جبار، والاربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وأنشد الاعشى.
أآمل أن أعيش وأنّ يومى ... بأوّل أو باهون أو جبار
أو التّالى دبار أو فيومى ... بمؤنس او عروبة أو شيار
وكانوا يقولون الاتاوة، فتركوها وقالوا: الخراج، والمكس فتركوه وقالوا:
الضربية وقالوا: أنعم الله صباحك ومساك وتركوا أن يقولوا للملك أبيت اللعن وأن يقولوا للصاحب والسيد والملك أربابا، وأن يقولوا للجارية غلامة وللمرأة رجلة، وكل ذلك كان مستعملا فى الجاهلية قال أمرؤ القيس:
ألا أنعم صباحا أيها الطّلل «2» البالى
وقال الحارث بن حلزة:
ربّنا وابننا وأفضل من يمشى ومن دون ما لديه الثّناء «3» وقال آخر: يهان لها الغلامة والغلام
(1/44)

وقال آخر:
لم يراعوا حرمة الرّجله «1»
وقد حدثت فى الاسلام معان وسميت بأسماء كانت فى الجاهلية لمعان أخر، فأول ذلك القرآن «2» والسورة «3» والآية «4» والتيمم، قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
«5» أى تحروه، ثم كثر ذلك حتى سمى التمسح تيمما، والفسق وهو الخروج من طاعة الله تعالى، وانما كان ذلك فى الرطبة اذا خرجت من قشرها، والفأرة اذا خرجت من جحرها، وسمى اظهار الايمان مع اسرار الكفر نفاقا، والسجود لله ايمانا، وللوثن كفرا، ولم يعرف أهل الجاهلية من ذلك شيئا.
ومنه تسمية الرجل الذى أدرك الجاهلية والاسلام مخضرما، وأصله من خضرمت الغلام أى ختنته، والأذن إذا قطعت من طرفها شيئا وتركته ينوس، «6» وكأن زمان الجاهلية قطع عليه وقال بعضهم: الخضرمة الابل التى نتجت من العراب واليمانية، فقيل: رجل مخضرم اذا عاش فى الجاهلية والاسلام وهذا أعجب «7» القولين إلىّ، وكان أهل الجاهلية يقولون رجل صروره اذا بلغ النهاية فى العبادة، فصار ذلك فى الاسلام اسما لمن لم يحج، وكانوا يسمون قوام البيت السدنة، فقيل فى الإسلام الحجبة، ومن الاسماء المستحدثة تسمية الفرج المتاع والعورة، وأصل العورة الانكشاف والامكان، يقال أعور الفارس اذا بدا موضع منه للطعن والضرب، وأعور البيت اذا أمكن السراق، وفى القرآن إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
«8» أى معورة ممكنة لمن أرادها، وعورة الثغر المكان الذى اذا انكشف وظهر
(1/45)

للعدو خيف من جهته، ومن ذلك الغائط «1» والنجو «2» والعذرة «3» لزيل الانسان، والملامسة للنكاح، الى غير ذلك مما يطول شرحه.
أول قسامة كانت
ما أخبرنا به أحمد قال: أخبرنا الهذلى قال: أخبرنا أبو عبد الله الجهنى قال:
كان من حديث عمرو بن علقمة وخداش بن عبد الله ان خداشا خرج الى الشام فى ركب قريش واستأجر، عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، فلما كان ببعض الطريق نزلوا منزلا، وانطلق خداش بظهره يرعاه، وترك عند عمرو ناقة مهزولة، وأمره أن يعلفها، وفى عنقها حبل، فمر قوم على عمرو فاستعانوه وقد شردت أبلهم، فطرح لهم الحبل الذى فى عنق الناقة، فلما جاء خداش قال: أين الحبل؟ فأخبره أنه أعاره رجلا، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ وقد نزلنا أرضا لانجد فيها مستعانا، فضربه بعصا فشجه، فضمن «4» من ضربته، وجعل يجد وجعا كأنه ينزل الى صدره.
فكتب عمرو كتابا الى أبى طالب وأبى سفيان بن حرب وبنى عبد مناف، أنه كان من أمرى كذا وكذا، فان رجع اليكم ولست معه فقد قتلنى، فاطلبوا بدمى، ثم استعرض قوما فدفعه اليهم فبلغوا بنى عبد مناف، فلما قدم خداش وليس معه عمرو سألوه عنه، فقال: مات فقالوا: كذبت بل قتلته، فطلبوا العقل، فأبى عليهم، فقال: ما مكث إلا أياما حتى مات فتحاكموا الى الوليد بن المغيرة، وهو يومئذ حكم قريش، فقضى على خداش ورهطه بالقسامة، أن يحلف خمسون رجلا ما قتلنا صاحبكم، فحلفوا كلهم إلا حويطب بن عبد العزى، افتدت أمه يمينه بأربعين أوقية ورقا، والاوقية أربعون درهما، وكان أكثر قريش ريعا بمكة فهلك الذين
(1/46)

حلفوا جميعا، وورثهم حويطب فذلك قول أبى طالب:
أفى فضل حبل لا أباك ضربته ... بمنسأة قد جاء حبل وأحبل
هلمّ إلى حكم ابن صخرة انّه ... سيحكم فيما بيننا ثمّ يعدل
كما كان يقضى فى أمور تنوبنا ... فيعمل للأمر الحسيم فيفصل
وصخرة هى أم الوليد فقال أبو الوليد أحد بنى عامر بن لؤى:
أتدعو إلى حكم بن صخرة آنفا ... أماه «1» لحكم العبد والعبد أنذل
خداش اذا ما هاجت الحرب فارس ... وعند بنى سجع بمكّة يعمل
أبا طالب ما كنت تعلم أنّه ... خداش اذا ما كان يوم محجّل
قال العباس بن عبد المطلب فى ذلك وقد روى لغيره
أيا قومنا ان تنصفونا فانصفت ... قواطع «2» فى ايماننا تقطر الدّما
تركناهم لا يستحلّون بعدنا ... لذى رحم من سائر النّاس محرما
(1/47)

وزعناهم «1» وزع النوامس «2» بالقنا ... وكلّ سريجىّ «3» اذا هزّ صمّما
فلا ترجونّا حاصن بعد طهرها ... لئن نحن لم نتار من القوم علقما
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... وان أنصفوا حتّى تعقّ وتظلما
وغلط عمر بن شبه من هذا الخبر فى ثلاثة مواضع قال: المقتول علقمة بن المطلب وهو عمرو بن علقمة وانما زل لما سمع قول العباس «لئن نحن لم نثأر من القوم علقما» وانما اراد عمرو بن علقمة فلم يستو له البيت فذكر علقمة اضطرارا وقال علقمة ابن أخت أبى طالب وليست تعرف لابى طالب أخت كانت عند المطلب بن عبد مناف ثم قال وقضى فيه الوليد وهو غلط ولا يشك أهل الاخبار أنه قضى بالقسامة وأنه اول قسامة قضى بها.
اول من خلع نعليه لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة
فخلع الناس نعالهم فى الاسلام، وكانت قريش يقولون: لا وثوبى الوليد الخلق منهما والجديد، وكانوا عملوا له تاجا ليتوجوه به، فجاء الاسلام فانتقض أمره، وكان من قبل يسمى ريحانة قريش، أخبرنى بعض البصريين قال: دخل رجل منا مشهدا بالبصرة فمشى بنعليه حتى تخطى الى المحراب، فوثب عليه القوم يضربونه فقال: اسمعوا عذرى فان تصورتموه والا فشأنكم، انا رجل منكم يعنى من الشيعة وقد جعلت لله على نفسى الا أمر بهذا المشهد الا أدخله متبركا به متقربا الى الله فيه، واجتزت هذا الوقت وانا جنب، فلم أخلع نعلى لئلا تمس رجلى أرضه، فخلوه واعتذروا اليه، فلم أر اجهل منهم، نقموا
(1/48)

عليه ما هو فى سعة من فعله، وعذروه فى المحظور.
ومثله ما سمعت أصحابنا يتحدثون ان جماعة دخلوا على بعض المتكلمين ببغداد، فوجدوه يأكل فى يوم من شهر رمضان، فلما أنكروا عليه قال:
أخبركم أنى لست أشك فى الله- تعالى- ولكنى أشك فى النبوة، فبلغ بعض الشيوخ قوله فقال: ما رأينا رجلا نقم عليه الفسق واعتذر بالكفر غيره، وقريب منه ما أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا الجوهرى قال: أخبرنا عمر بن شبة عن صلت بن مسعود عن احمد بن شبوية عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال:
قدم معاوية مكة أو قال المدينة، فأتى المسجد فقعد فى حلفة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبى بكر، فأقبلوا اليه، وأعرض ابن عباس عنه، فقال:
وأنا أحق بهذا الامر من هذا المعرض وابن عمه، فقال: ابن عباس ولم؟ ألتقدم فى الاسلام؟ أم سابقة مع رسول الله؟ أم قرابة منه؟ قال: لا. ولكن ابن عمى المقتول ظلما، قال فهذا أحق به، يريد ابن أبى بكر، قال: إن أباه مات موتا قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر، قال: ان أباه قتله كافر، قال فذاك أدحض لحجتك ان المسلمين عتبوا على ابن عمك فقتلوه فى كلام هذا معناه.
اول من حرم الخمر فى الجاهلية الوليد بن المغيرة
وقيل اول من حرمها قيس بن عاصم، وكان يأتيه خمار فيبتاع منه الخمر، ولا يزال فى جواره حتى ينفذ ما عنده، فشرب ذات يوم فسكر سكرا شديدا، فجذب ابنته، وتناول ثوبها، وأنهب ماله ومال الخمار، وانشأ يقول وهو يضربه.
من تاجر فاجر جاء الآله به ... كأنّ لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث بميسانية «1» تركت ... صحبى وأهلى بلا عقل ولا مال
(1/49)

فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع، وما قال، فآلى أنه لا يذوق الخمر أبدا، وقال:
رأيت الخمر صالحة «1» وفيها ... خصال تفسد الرّجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أسقى بها أبدا سقيما
ولا أعطى بها ثمنا حياتى ... ولا أدعو لها أبدا نديما
ودخل حارثة بن بدر الغسانى على زياد وفى وجهه أثر، فقال له: زياد:
ما هذا الاثر فى وجهك؟ قال: ركبت فرسا لى أشقر فحملنى حتى صدم بى الحائط، فقال له زياد: انك لو ركبت الاشهب لم يصبك مكروه، وقيل لاعرابى، لم لا تشرب»
الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وممن اشتدت رغبته فى الخمر حتى بلغت الغاية، ابن هرمة دخل على المنصور فأنشده:
له لحظات من حفا فى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «3»
فأمّ الذى أمّنت آمنة الرّدى «4» ... وأمّ الذى حاولت بالثّكل ثاكل «5»
فأعجب بها المنصور وقال: ما طلبتك؟ قال: تكتب الى عاملك
(1/50)

بالمدينة الا يحدنى اذا وجدنى سكرانا، قال: لا أعطل حدا من حدود الله، قال: يحتال لى فكتب الى عامله، من أتاك بابن هرمة سكرانا فاجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين، فكان العون «1» إذا مروا به يقول من يشترى مائة بثمانين؟ فيتركونه ويمضون.
ومما يجرى مع هذا ما أخبرنا به أبو احمد قال: أخبرنا الكرمانى قال:
أخبرنى أبو جعفر بن العينى عن أبيه قال: حدثنا دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس فى مجلس لهم، فقال له أبو نواس: مجلسنا هذا قد شهد اجتماعنا فيه، ولهذا اليوم ما بعده، فليأت كل امرىء منكم بأحسن ما قاله، فلينشدناه فأنشد أبو الشيص:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوّم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّى منك حظّى منهم
وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
فجعل أبو نواس يعجب من هذا الشعر، حتى لا يكاد ينقضى عجبه، وأنشد مسلم أبياتا من شعره الذى يقول فيه:
موف على مهج «2» فى يوم ذى رهج «3» ... كأنّه أجل يسعى الى أمل
(1/51)

فقال له أبو نواس: هات يا أبا على، وكأنى بك قد جئتنا بأم الفلا.
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فقلت: كأنك كنت فى نفسى، ثم سألوه ان ينشدهم، فأنشدهم:
لا تبك ليلى ولا تطرب الى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسا إذا نزلت فى حلق شاربها ... أبصرت جمرا بها فى العين والخدّ
والخمر ياقوتة والكأس لؤلوة ... من كفّ جارية ممشوقة القدّ «1»
تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فمالك من سكرين من بدّ
لى نشوتان وللنّدمان «2» واحدة ... شىء خصصت به من دونهم وحدى
قال: فقاموا فسجدوا له، قال: أفعلتموها أعجمية؟ لا كلمتكم ثلاثا وثلاثا وثلاثا ثم قال: تسعة أيام، وهجر الاخوان كبيرة، وفى هجر بعض يوم استصلاح للفاسد، وعقوبة على الهفوة، ثم التفت الينا فقال: أعلمتم ان رجلا عتب «3» على أخ له فى المودة، فكتب اليه المعتوب عليه، يا أخى، أن أيام العمر أقل من أن تحتمل الهجرة، قال أبو هلال: فأخذ هذا المعنى بعضهم فقال:
الدهر أقصر مدة ... من أن يمحّق بالعتاب
(1/52)

وقال فى معناه:
لا تعن الدهر على مبتلى ... يرجوك أن تكفيه الدهر
وعد الى الوصل فعمر الفتى ... أقصر أن يحتمل الهجر
أول من قطع فى السرقة الوليد بن المغيرة
قطع رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فى الاسلام، وجاء به القرآن فى قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
«1» وكانت قريش تحكم بذلك، وروى العلماء أن بيت مقيس بن عبد القيس السهمى كان مألفا «2» لشبان قريش، وكان له قينتان «3» ، يقال لهما: اسماء وعثمة يغنيانهم، وكان ديك ودييك الخزاعيان يخدمانهم، فنفد شرابهم ذات يوم ونفقتهم، فعمد أبو لهب وكان من جملتهم الى غزال كان فى الكعبة فتناوله ليلا، وكسره وأخذ ما فيه من ذهب وياقوت، وكان له قرطان وهبهما لأسماء وعثمة، ثم صاروا الى غير نزلت بالابطح «4» تحمل الخمر، فاشتروا كل خمر فيها فشربوا شهرا، ثم مر العباس بن عبد المطلب بدور بنى سهم عشيا، فسمع القينتين تغنيان بقول الشاعر:
انّ الغزال الّذى كنتم وحليته ... تقنونه لخطوب الدهر والغير «5»
طافت به عصبة من شر قومهم ... أهل التّقى والعلى والبيت ذى الستر
واستقسموا فيه بالأزلام «6» علّكم ... أن تحضروا بمكان الرأس والاثر
(1/53)

فعرف العباس أبا طالب، فجاء فى نفر حتى دنوا من الباب، فسمعوا أبا سامع يقول للقينتين: غنياهم بقولى:
أبلغ بنى النضر أعلاها وأسفلها ... أنّ الغزال وبيت الله- والركن
أمست قيان بنى سهم تقسّمه ... لم يغل عند نداماهنّ فى الثمن
وقهوة مزّة تغلى التجار «1» بها ... غانية عتّقت فى الدنّ من زمن
فلما صحوا، هرب بعضهم، وأخذت القينتان، فوجد عندهما القرطان، فقالتا: انما نحن أمتان فخليتا، وأخذ ديك فقطعت يده، وتجافوا عن أبى لهب لشرفه، وكان الغزال أهداه الى البيت اسفنديار الفارسى حين سمع بذكر البيت يحج إليه.
أول من كسا البيت
أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا عبد الله بن العباس، قال: حدثنا الفضل بن عبد العزيز قال: حدثنا ابراهيم الجوهرى قال: قال الواقدى: حدثنى حزام بن هشام عن أبيه قال: نهى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ان يسب أسعد الحميرى وهو تبع، وقال: انه أول من كسا البيت، وزاد غيره فقال: هو أبو كرب وهو أول من جعل للبيت مفتاحا، وقال:
وكسونا البيت الّذى حرّم الله ... ملاء معصّبا وبرودا «2»
(1/54)

ونطاعا من الخصاف «1» فرشنا ... وجعلنا لبابه اقليدا «2»
وقال فهاتان منقبتان لليمن ليس فى العرب لها أخت ولا سنة.
حدثنا باسناده عن الواقدى قال: حدثنى اسماعيل بن ابراهيم بن أبي ربيعة عن أبيه قال: كسى البيت فى الجاهلية الانطاع، ثم كساه النبى- صلّى الله عليه وسلم- الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطى، «3» ثم كساه الحجاج ديباجا، «4» والصحيح ان أول من كساه الديباج ابن الزبير، وقيل يزيد بن معاوية، وقيل عبد الملك، وأول من خلق «5» البيت ابن الزبير، وأول من أحرمه يزيد بن معاوية، وهم الذين كانوا يسترون البيت.
أول من نسأ النسىء القلمس
وهو حذيفة «6» بن عبد فقيم وتوارثه بنوه فكان آخرهم الذى أدرك الاسلام أبو ثمامة.
أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا عبد الله عن الفضل عن إبراهيم عن الواقدى قال: كانت العرب اذا فرغوا من حجهم اجتمعوا بمنى اليه- يعنى القلمس فأحل لهم من الشهور ما أحل، وحرم ما حرم، فأحلوا ما أحل، وحرموا ما حرم، وكان اذا حرم أربعة الاشهر ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذى حرم الله حرموها، فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه وحرم مكانه صفرا
(1/55)

فحرموه، لتواطىء عدة أربعة الاشهر، فلما أرادوا الصدر «1» اجتمعوا اليه فقال: انى أحللت دماء المحلين من طىء وخثعم فاقتلوهم حيث ثقفتموهم، وانما أحل دماء طىء وخثعم لأنهما يصيبان الناس فى الاشهر الحرم، قال جندل الطعان يفتخر بالنسىء:
لقد علمت معدّ أنّ قومى ... كرام النّاس ان لهم كراما
وأىّ النّاس فاتونا بوقر «2» ... وأىّ النّاس لم يعلك لجاما «3»
ألسنا النّاسئين «4» على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما
أول من بوب بمكة باب حاطب بن أبى بلتعة
وفيه نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
«5» وكان كتب الى أهل مكة يعرفهم ان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يريد غزوهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة واحتج بها المرجئة «6» وقالوا: هذا فعل مثل هذا الفعل ولم يخرج من الايمان، قيل لهم:
قال- تعالى- فى آخر الآية: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
افتسمونه ضبالا؟ فان قالوا نعم. قلنا: فى الخروج من اسم الايمان مثل ذلك، فان قيل: هذا يعنى أنه من يفعله بعد النهى والوعيد قلنا مثله.
(1/56)

أول من سقف بها بيتا وكانوا ينزلون العريش
واول من اتخذ بها روشنا «1» بديل بن ورقاء الخزاعى، وهو أول من بنى بها بيتا مربعا، وكانوا لا يبنون بها بيتا مربعا لان الكعبة مربعة فلا يبنون بها بيتا رفعا لشأنها وتشريفا لامرها، وأول من بنى بها بيتا سعد بن سهم فقال عبد الله بن وداعة يفتخر:
وسعد السعود جامع الشمل إنّه ... بدا الحلف والاحلاف أهل خلاف
وأوثق عهد الحلف والودّ بينهم ... بأمر حصيف «2» فيهم ونصاف
وذلك ما أرسى ثبير»
مكانه ... وما بلّ بحر صوفة بنطاف
واول من بوب بمكّة بيته ... وسوّر فيها مسكنا باثاف
واكرم من تحت السماء أبوّة ... وأمجد أمّا عطّفت بعطاف
فذاك ابن نعم «4» ساد غير مكلّف ... ولكن بأفضال «5» وفضل عفاف
والنطاف جمع نطفة وهى الماء يقال نطفة عذبة أى ماء عذب.
(1/57)

ومن أوائل أفعالهم حلف الفضول
اخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا ابو عمر القاضى قال: حدثنا عبد الله ابن شبيب عن ابى بكر بن ابى شيبة عن عبد الله بن عروة عن حكيم ابن حزام، واخبرناه عن الطوس عن الزبير بن بكار عن رجل عن محمد بن حسن عن محمد بن فضالة عن هشام بن عروة عن عائشة، وأخبرناه عن ابى بكر بن دريد عن ابى حاتم عن أبى عبيدة، يزيد بعضهم على بعض، فجعلت أحاديثهم حديثا واحدا، ان رجلا من بنى زبيد من مذحج قدم مكة بسلعة فباعها من العاص بن وائل، وكان شريفا فظلمه ثمنها، وأبت الأحلاف- عبد الدار ومخزوم وجمع- ان يعينوه عليه، فأوفى الزبيدى على أبى قبيس «1» عند طلوع الشمس، وقريش حول الكعبة، فصاح بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائى الدار والنفر
ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا للرّجال وبين الحجر والحجر
هل محفر من سهم لخفرتهم ... فعادل أم ضلال مال معتمر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقال الزبير بن عبد المطلب: ما لهذا مترك، فاجتمعت زهرة وتيم وأسد فى دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاما، فتحالفوا ليكونن يدا على الظالم للمظلوم حتى يردوا حقه اليه، وعلى التأسى فى المعاش، فقالت قريش قد دخل هؤلاء فى فضل من الامر، ثم أتوا العاص بن وائل، فانتزعوا سلعة
(1/58)

الزبيدى من يده فدفعوها اليه، وقال الزبير وكان صاحب هذا الحلف:
إنّ الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... ألّا يبيت ببطن مكّة ظالم
وورد رجل من خثعم مكة، ومعه بنت له يقال لها القتول، من أحسن الناس وجها فعلقها «1» نبيه بن الحجاج، وغلب عليها أبويها، فأتى أبوها حلف الفضول، فحالوا بينها وبينه، قال نبيه: أتركوها عندى الليلة: فقالوا:
ما أجهلك، ولا شخب «2» ناقة، فقال نبيه:
لولا الفضول وحلفها ... والخوف من عدوانها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
وشربت فضلة ريقها ... ولنمت فى أحشائها
وقال:
راح صحبى ولم أحى القتولا ... لم أودّعهم وداعا جميلا
إذ بدا للفضول ان يمنعوها ... قد أرانى ولا أخاف الفضولا
وقال النبى- صلّى الله عليه وسلم-: قد شهدت مع عمومتى فى دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت عليه اليوم لأجبت، وما أحب أن سينقضى ولى حمر النعم، ثم كان بين الحسين- عليه السّلام- وبين معاوية كلام فى أرض للحسين، فقال الحسين لابن الزبير خيره فى ثلاثة والرابعة الصلح: ان يجعلك او ابن عمر بينى وبينه، او يقر بحقى ثم يسألنى ان أهبه له، او يشتريه منى فان
(1/59)

أبى فوالذى نفسى بيده لاهتفن عليه بحلف الفضول، فقال ابن الزبير: والله لئن فعلت وأنا قاعد لأقومن، او قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحى مع روحك، ثم خيره بين ابن الزبير او ابن عمر، فقال معاوية: لا حاجة لنا فى الصلح، واشتراها منه، هكذا رواه لنا أبو أحمد عن الطوسى باسناده الذى تقدم، ورواه لنا أيضا فى كتاب أمراء المدينة أن هذه القصة كانت للحسين مع الوليد بن عقبة بن أبى سفيان وهو يلى المدينة.
أول من أهدى البدن الى البيت الياس بن مضر
وهو اول من وضع الركن بعد ذهابه فى الطوفان، وقال بعض المفسرين: إياه عنى الله تعالى فى قوله: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ
يعنى الياس بن مضر وأهل دينه جميعهم (بالواو والنون) «1» ، كأن كل واحد منهم الياس، وقال بعضهم الياس والياسين بمعنى واحد، كما تقول ميكال وميكائيل، وقرىء على آل ياسين يعنى محمدا- صلّى الله عليه وسلم-.
أول من غير الحنيفية وبحر البحيرة وسيب السائبة وجعل الوصيلة والحام عمرو بن لحى
وهو عمرو بن ربيعة أبو خزاعة، وهو أول من ولى البيت منهم، ثم رحل الى قومه بالشام ورأى الاصنام تعبد فاعجبته عبادتها، وقدم مكة بهبل، ودعا الناس الى عبادته والى مفارقته الحنيفية، فأجابه الجمهور وأكثره من لم يجربه حتى استمر «2» له ما أراد منه، وقال النبى- صلّى الله عليه وسلم-: «أطلعت فى النار فرأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فيها- والقصب المعا «3» - وكان الأصل فى عبادة الاوثان، ان قوما من الأوائل اعتقدوا ان الكواكب تفعل أفعالا تجرى فى
(1/60)

النفع والضر مجرى أفعال الآلهة على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده فى أنفسهم والزيادة فيه عندهم، وذلك ان الملك يحتاج الى الدين كحاجته الى الرجال والمال، لأن الملك لا يثبت الا بالتبعة، والتبعة لا تكون الا بالإيمان، والإيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذا لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الاصنام على صور الكواكب التى يعبدونها بزعمهم، ليشاهدوها من قرب فتحلوا فى نفوسهم، وتزكوا محبتها فى قلوبهم، ثم انتشر ذلك فى أكثر الارض، وعم جل «1» الأقاليم، وسمعت المشايخ يذكرون ان بعض المراكب اخطأ السمت «2» فى بعض البحار حتى انتهى أهله إلى جزيرة، واذا فيها ناس لم يعرفوا قط أن فى الارض ناسا غيرهم، وعرف بدلائل المكان ان أحدا منا لم يخلص اليهم قط، واذا هم يعبدون الاصنام، ووقفوا من جهتهم بالاشارة الى ان السبب الذى دعاهم الى عبادتها هو الذى ذكرناه فى أمر الكواكب وهذا من أعجب ما فى هذا الباب والله أعلم.
وزعمت العرب أنها تعبد الاصنام لتشفع لها عند الله، وهذا مثل ما حكى عن بعض السؤال أنه كان يقول «اللهم ارزق الناس حتى يعطونى» فقال له أبو الحارث حميد: مالك تسأل الله سفتجة «3» بالرزق، سل الله يرزقك، وكان ينبغى للعرب أن يعبدوا الله ليرحمهم، ولا يحتاجون الى اقامة شفيع.
وعمرو بن لحى اول من بحر البحيرة وسيب السائبة وجعل الوصيلة والحام.
والبحيرة: الناقة اذا نتجت خمسة أبطن، فان كان الخامس أنثى بحروا
(1/61)

أذنها أى شقوها، وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها، وان كان ذكرا نحروه للآلهة، ولحمه للرجال دون النساء.
والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل ان سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة ان يفعل ذلك، فلا يحبس عن رعى ولا ماء ولا يركبه أحد.
والوصيلة: من الغنم كانوا اذا ولدت الشاة سبعة أبطن فان كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وان كان أنثى تركت، وان كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم تذبح لمكانها وكان لبنها وجميع منافعها حراما على النساء، وان وضعته ميتا اشترك فى أكله الرجال والنساء.
وقالوا: السائبة الانثى من الابل، يسيبها الرجل لآلهته، ومن البقر والغنم فيكون ظهورها وأولادها وأصوافها واوبارها وأشعارها للآلهة، والبانها للرجال دون النساء.
والحامى: الفحل اذا ركب ولد ولده، وقالوا: اذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره، فلا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
(1/62)

الباب الثانى فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية
(1/63)

أول ما قيل الجاهلية
جاءت امرأة الى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إن إبلا لى أصيبت فى الجاهلية، فأنزل الله تعالى الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
«1» وكانت قريش تسمى فى الجاهلية العالمية لفضلهم وعلمهم، قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب
ألسنا أهل مكّة عالميا ... وأدركنا السلام بها رطابا
والسلام الحجارة والعرب تزعم أن الحجارة كانت رطبة لينة قال ابن العجاج:
قدّ كان ذلكم زمن الفطحل «2» ... والصخر متبلّ كطين الوحل
وقال مقاتل بن سليمان: أثرت قدم ابراهيم- عليه السّلام- فى الصخر كتأثير أقدام الناس فى ذلك الزمان فى الصخور، الا أن الله تعالى سوى تلك الآثار وعفاها ومسحها ومحاها سوى أثر قدم ابراهيم- عليه السّلام- تكرمة له، وارادة لتخليد ذكره وكانوا يقولون ان كل شيء كان يعرف وينطق قال أمية:
بآية كان ينطق كلّ شىء ... وخان أمانة الديك الغراب
(1/65)

ويقولون ان الاشجار لم يكن لها شوك، قال الشاعر:
وكان رطيبا يوم ذلك صخرها ... وكان حصيدا طلحها وسيالها «1»
وان ذلك انما تغير حين عصى ابن آدم فى قتله أخاه، وان الأرض لما شربت من دم المقتول عوقبت بعشر خصال: أنبت فيها الشوك، وصير فيها الفيافى «2» . وخرق فيها البحار، وملح طعمها، وطعم أكثر مياهها، وخلق فيها الهوام والسباع، وجعلت قرار العاصين، وصير جهنم فيها، وجعل ثمرها لا يأتى إلا فى حين، وجعلت توطأ بالأقدام، ثم لم نشرب بعد دم أحد من ولده ولا غير ولده، قال عمر «3» لأبى مريم الحنفى: وكان قتل أخاه زيدا يوم اليمامة «انى لاشد بغضا لك من الأرض للدم» فقال أبو مريم: أو يضر بى ذلك؟ قال لا: قال فلا أبالى، ويقال: ان الحية كانت مثل الجمل، وكانت تطير، فدخل فيها ابليس، فطارت به حتى أدخلته الجنة، فأغوى آدم، فسيرت ملعونة، قال عدى بن زيد:
وكانت الحيّة الرّقطاء «4» إذ خلقت ... كما ترى ناقة فى الخلق أو جملا
قال: فعوقبت بقص جناحيها، وقطع أرجلها، واعراء جلدها، وشق لسانها، والقاء عداوة الناس عليها، ونسب الكذب والظلم اليها، فقيل:
أكذب من حية، وأظلم من حية، وكذبها ان تنطوى فى الرمل على الطريق فتصير كأنها طبق خيزران، ومنها حيات بيض تستدير فتحسب خلاخيل أو أساور، وذلك لتغرى الناس فتهلكهم، وظلمها أنها لا تمر بجحر فتدخله الا هرب صاحبه منه وخلاه، الى غير ذلك من حشو كثير وتخليط طويل عريض.
(1/66)

أول من خطب على العصا والراحلة قس بن ساعدة الايادى
وهو أول من أظهر التوحيد بمكة، وما حولها مع ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، ولو لم يكن من فضل قس الا أن النبى- صلّى الله عليه وسلم- روى عنه لكفاه فخرا.
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان عن يحيى ابن عبد الحميد الوراق عن أبى معاوية عن الاعمش عن مسلم بن مسروق عن عبد الله قال: قدم وفد أياد على النبى صلّى الله عليه وسلم فقال: ما فعل قس بن ساعدة؟ قالوا: هلك يا رسول الله، فقال كأنى أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر ويقول:
أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، «1» وأنهار مجراة، إن فى السماء لخبرا، وان فى الارض لعبرا، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسما لا أثم فيه، ان لله دينا هو أرضى له وأفضل من دينكم الذى أنتم علية، إنكم لتأتون من الامر منكرا ثم انشأ.
فى الذاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مواردا للموت ... ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوها ... يمضى الأكابر والاصاغر
لا يرجع الماضى الىّ ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
وقال النبى صلّى الله عليه وسلم: (يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة فإن كان قاله لله فهو من أهل الجنة)
(1/67)

وهو أول من قال (أما بعد) أخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم عن العقدى عن بعض رجاله قال: أوصى قس بن ساعدة ولده فذكر الله ثم قال:
(أما بعد) - وهو أول من قالها- فان المعا تكفيه البقلة، وترويه المرقة، ومن عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك يجد من يظلمه، وإن عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك، وإذا نهيت عن شىء فابدأ بنفسك، ولا تجمع مالا تأكل، ولا تأكل مالا تحتاج إليه، وإذا أخرت فلا يكونن كنزك الا فعلك، وكن عف العيلة، «1» مشترك الغنى، تسد قومك، ولا تشاور مشغولا وان كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا تدع فى عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك، وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فأقصر، ولا تستودعنّ سرك أحدا، فانك ان فعلت ذلك لم تزل وجلا، وكان المستودع بالخيار، إن جنى عليك كنت أول ذلك، وإن وفى لك كان الممدوح دونك.
وقالوا: أول من قال (أما بعد) داود عليه السلام وهو قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
«2» أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن زياد ابن الخيل عن إبراهيم بن المنذر عن عمر بن عبد العزيز عن أبى الزناد عن أبيه عن بلال بن أبى بردة عن جد أبى موسى أنه قال: فصل الخطاب (أما بعد) وقال الشعبى كذلك، ومعناه أنه يفصل بين الحمد لله وغيره مما سابق البربرى: يبتدأ «3» وبين ما يجىء بعده من القول، قال الشاعر:
باسم الذى أنزلت من عنده السّور ... والحمد لله أمّا بعد يا عمر
فإن رضيت بما يأتى وما يذر ... فكن على حذر قد ينفع الحذر
(1/68)

وقال آخر:
سارعى منك ما ضيّعت منّى ... وهل يرعى لذى غدر ذمام
وأمّا بعد فالدّنيا علينا ... مكدّرة لفقدك والسلام
والمراد أنها لا تقع مبتدأة، ويجوز أن تقع بعد بسم الله الرحمن الرحيم، ولا بد من مجىء الفاء بعدها، لأن أما لا عمل لها الا اقتضاء الفاء، لأن الفاء تصل بعض الكلام ببعض وصلا لا انفصال بينه ولا مهلة فيه، وأما فاصلة، وأثبت بالفاء لرد الكلام على أوله، وقال الضحاك بن مزاحم: فصل الخطاب العلم بالقضاء، وقال شريح والحسن: فصل الخطاب الشهود والايمان، ذهبا إلى أنه بهما يجب الحكم وتفصل الأمور.
وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، رأيت فى بعض الكتب أن قسا كتب إلى بعض من هو على أول من كتب من فلان إلى فلان نحلته، من قس بن ساعدة، إلى فلان بن فلان- وهو أول من كتب بذلك- ورأيت بعده كلاما زدنا فى اللفظ والوصف عليه، فأخذت معناه، وكسوته الألفاظ من عندى، وزدت عليه ليحسن، أما بعد فانك لا تفوتك ربك بنفسك، فكن عند رضاه، وأحذر سخطه يكفك المهم، ويدرأ «1» عنك غائبة الملم، وانظر ماذا تجرح «2» فإنك مجزى بما تكدح، «3» وكن لله يكن لك، وعليك بالصبر فإنه من أوكد أسباب النصر، واياك والإضاعة «4» فإنه لا يبقى عليها الكثير، ولا يتبين معها القليل،
(1/69)

ولا تصحبن أحمق «1» ولا فاجرا ولا بخيلا، فالأحمق يوثقك، «2» والفاجر يوبقك، «3» والبخيل يسلمك، واعلم أنه إذا أهملت نفسك لم تجد من يرعاها، فتول من اصلاحها ما لا يقدر عليه غيرك والسلام.
أول من قضى فى الخنثى عامر بن الظرب العدوانى
أخبر أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن إبراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: لم يكن فى العرب عضلة الا أسندت إلى عامر بن الظرب، سئل عن الخنثى «4» أتعطى حظ الذكر أم حظ الأنثى؟ فلم يدر ما يقضى فيه، فقالت جاريته «5» : اجعله ليقم فليبل، فإن خرج البول مما يكون للرجال فهو رجل، وإن خرج مما يكون للنساء فهى امرأة، فقضى به فاستمر، ثم ثبت فى الإسلام فى كلام هذا معناه.
وكان يقول فى وصيته: ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، وما رأيت موضعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناس الداء لاحياهم الدواء، سيرجع الميت حيا، ويعود لا شىء شيئا، فنفرت العرب عنه، فقال: ويل أمها نصيحة لو كان من يسمعها يقبلها.
أول من رجم فى الزنا ربيعة بن حدار الأسدى
وذلك أن امرأة منهم هويت «6» رجلا، واحتالت حتى هربت إليه،
(1/70)

وأوهمهم أنها هلكت، ثم لقيها بعض بنيها فعرفها، ورفع أمرها إلى ربيعة بن حدار الأسدى، فأمر برجمها فرجمت، وذكر أنها تمارضت ثم تماوتت حتى حملت إلى المقابر فدفنت، فلما انصرف القوم عطف عليها صديقها فأخرجها وذهب بها والله أعلم، وهذا بعيد، على أن النساء مع ضعف عقولهن ربما أبدعن فى الحيلة وأجدن المكيدة، ولا تتم حيلهن إلا على الرجال، لاستضعافهم لهن واستغبائهم إياهن وظنهم أن المرأة ليس لها قوة ولا عزيمة، ولا يغلبك مثل مغلب.
ومن حيلهن ما حدثنا به أبو القاسم الكاغدى قال: أخبرنا العقدى عن المدائنى أن ابن زائدة فى فوارس لقوا رجلا ببعض بلاد الشرك معه جارية لم ير مثلها شبابا وجمالا، فصاحوا به أن خل عنها ومعها قوس فرمى بعضهم فجرحه فهابوا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمى فانقطع وتره، فأسلم الجارية واشتد فى جبل كان قريبا منه، فابتدروها»
وفى أذنها قرط فيه درة فانتزعها بعضهم فقالت:
ما قدر هذه؟ كيف لو رأيتم درتين فى قلنسوته «2» فاتبعوه فقالوا: ألق ما فى قلنسوتك، وفيها وتر قوس كان أعده ونسيه، فلما ذكروه عقده فى قوسه، فولى القوم ليس لهم هم إلا أن ينجوا بأنفسهم، وخلوا عن الجارية.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى قال: كان لرجل من الخوز ضيعة بالبصرة يغشاها فى كل حين، فتزوج بالبصرة فبلغ امرأته الخوزية ذلك، فلطفت حتى عرفت اسم ولى امرأته، فافتعلت كتابا منه إلى زوجها تعلمه فيه أنها ماتت، فينبغى أن ترد البصرة لقبض ميراثها، فلما أصلح الرجل أمره للخروج قالت له:
يا هذا قد أنكرت طول اختلافك إلى البصرة وقد تخوفت أنك تزوجت بها، فلا تفارقنى حتى تطلق كل امرأة لك بالبصرة، فقال فى نفسه: ما على أن أرضى هذه بما لا يضرنى، فحلف بالطلاق على كل امرأة بالبصرة، فلما فرغ قالت
(1/71)

له: دونك الجهاز فكله فى بيتك، فقد كفاك الله مؤونة السفر.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى عن خالد بن كلثوم أن الفرزدق كان قد راود امرأة شريفة فى قومها عن نفسها، وتهددها بالهجاء إن لم تطعه، فاستعانت بالنوار امرأة الفرزدق، فقالت النوار: واعديه الليلة وأعلمينى ففعلت، فجاءت النوار ودخلت الحجلة، «1» وجاء الفرزدق ودخل ونحى السراج.
فلما واقعها قالت: يا فاسق، قال: وأنت هى ما أطيبك حراما وأردأك حلالا.
وأخبرنا بإسناده عن المدائنى عن الأصمعى عن الأخيل بن أبى الأخيل عن أدهم التميمى قال: لقينى كثير عزة فقال: لقينى جميل فى الموضع الذى لقيتنى فيه فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أمى الحبيبة أعنى بثينة قال: وأين تريد؟ قلت: إلى الحبيبة أريد عزة، قال: لا بد من أن ترجع عودك على بدوك فتستجد لى موعدا من بثينة، فقلت: عهدى بأبيها، قال: لا بد، قلت: فمتى آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون «2» ثيابهم، قال: فأتيت إياها فقال: ماردك يا ابن أخى؟ قلت أبياتا عرضت لى فأحببت عرضها عليك، فأنشدته:
فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبى ... على نأى «3» دار والموكّل مرسل
بأن تجعلى بينى وبينك موعدا ... وأن تأمرينى بالّذى فيه أفعل
(1/72)

وآخر عهدى منك يوم لقيتنى ... بأسفل وادى «1» الدوم والثّوب يغسل
فضربت بثينة جانب الخدر، وقالت: أخسأ فقال أبوها: مهيم «2» يا بثينة؟ قالت: كلب يأتينا اذا نوم الناس من وراء الرابية، قال: فرجعت إليه، فأخبرته أنها وعدته اذا نوم الناس.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى عن العتبى قال: كانت امرأة من بعض نساء أهل الشويرة «3» خطبها رجال من قريش منهم عبد الله بن عباس بن أبى ربيعة، فسأل عن أغلب الناس عليها، فقيل: مولاة لها، فبذل لها الفى درهم ان احتالت فى صرفها إليه، فخلت بها المولاة، ونصبت ذراعها تحت حنكها تنظر فى وجهها، وتتنفس الصعداء فقالت: مالك؟ قالت: أرحمك قالت:
ولم؟ قالت: إن المرأة لا تنعم إلا بزوج وولد، قالت: قد خطبنى رجال من قريش فلان وفلان وعبد الله ابن عباس، فقالت: أف أف «4» لا تريدينه؟ إنى رأيته يبول، ورأيت بين رجليه رجلا ثالثة، فردت جميع من خطبها وأجابت عبد الله، فلما دخل بها رأته مثل الدر اللطيف فباتت بشر ليلة، وقالت لمولاتها: بكم بعتنى؟ قالت: بالفين، قالت لا أكلتيها الا فى مرض.
أول من حكم أن الولد للفراش أكثم بن صيفى
وكانت العرب لا تقدم عليه أحدا فى الحكمة، ومن كلامه: أن قول
(1/73)

الحق لم يدع لى صديقا، الاقتصاد أبقى للجام، «1» من لم يأس «2» على ما فاته ودع نفسه، من قنع بما هو فيه غنى، التقدم قبل التندم، رأس الأمر خير من ذنبه، لن يهلك أمرؤ عرف قدره، ولم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله، أخذ بعضهم رأس الأمر خير من ذنبه فقال:
ورأس أمر الفتى ... خير له من ذنبه
وقريب منه قول ابن الرومي:
أبنىّ إنّ فضول الحظّ ميسمة «3» ... فانظر لنفسك بعض الحظّ واتّرك
وكن قلنسوة المملوك تحظ به ... ولا تكوننّ نعلى بذلة الملك
وقريب من قوله: من لم يأس على ما فاته ودع نفسه، قول الآخر: إن حزنت على ما فات فاحزن على ما لم يأت، وقال النابغة:
اليأس عمّا فات ينفع راعيه «4» ... ولربّ مطعمة تعود ذباحا
أول خلع كان ثم أثبته الإسلام ما كان من عامر بن الظرب
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى قال: كان من حديث عامر بن
(1/74)

الظرب أنه زوج ابنته ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، وقال لأمها حين أراد البناء بها، قولى لابنتك: لا تنزلن فلاة إلا ومعها ماء، وأن تكثر استعمال الماء، فإن الماء جعل للاعلى جلاء وللأسفل نقاء، وإياك أن تميلى إلى هواك ورأيك، فإنه لا رأى للمرأة، ولا تستكرهن زوجها على نفسه، ولا تمنعه عند شهوته فإن الرضا فى الاتيان عند اللذة ولا تكثر مضاجعته فإن الجسد إذا مل مل القلب، فلما دخلت الجارية عليه نفرت منه، ولم ترده فأتى ابن أخيه العم، فشكا إليه، فقال له: يا ابن أخى، إنها وإن كانت ابنتى فإن نصيبك الأوفر، فاصدقنى فإنه لا رأى لمكروب، «1» وان صدقتنى صدقتك، ان كنت نفرتها فاحفظ عصاك عن بكرتك تسكن، وإن كانت نفرت عنك من غير تنفير منك فذلك الداء الذى لا دواء له، والا يكن وفاق ففراق، وأجمل القبيح الطلاق، ولن يترك «2» أهلك مالك، وقد خلعتها منك، وأعطيتك مهرها، وهى فعلت ذلك بنفسها، فزعم العلماء إن ذلك أول خلع كان.
أول من رفع له الشمع وأول من احتذى بالنعال وأول من وضع المنجنيق وأول من ملك قضاعة بالحيرة جذيمة الأبرش
وكان أبرص فكنى عنه بالأبرش والوضاح، على أن بعض العرب تتبرك بالبرص وتمدحه قال ابن حبناء
لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصة ... إنّ اللهاميم «3» فى أقرانها بلق
(1/75)

وقال آخر:
يا كأس لا تستنكرى نحولى ... ووضحا أوفى على خصيلى «1»
فإنّ نعت الفرس الرحيلى «2» يكمل بالغرّة والتحجيلى «3» وقال آخر:
أبرص فيّاض اليدين أكلف «4» والبرص أندى باللهى وأعرف «5» وقال آخر:
نفرت سودة عنّى إذ رأت ... صلع الرأس وفى الجلد وضح
قلت يا سودة هذا والّذى ... يفرج الكربة عنّا والكلح
هو زين لى فى الوجه كما ... زيّن الطرف تحاسين القرح
وزعم أبو نواس أن جذيمة كان يفخر بالبرص ولو كان كذلك لما كنى عنه بالبرش والوضح وزعم أن بلعاء بن قيس لما شاع فى جلده البرص قيل له ما هذا؟ قال: سيف الله جلاه وقال آخر:
ليس يضرّ الطرف توليع البهق ... إذا جرى فى حلبة الخيل سبق
(1/76)

وكان الذى ملك جذيمة على ثغر العرب ازدشير بن بابك، وأنزله الحيرة، وكان عقيما لا يولد له، واختلف فى نسبه فقيل: من العماليق، «1» وقيل: من الأزد، وقيل: من تنوخ، وكان شديد الكبر، فمن كبره أنه كان ينادم الفرقدين «2» ذهابا بنفسه، يشرب قدحا، ويصب لكل منهما قدحا، قال متمم:
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتىّ قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
حتى نادمه مالك وعقيل، وفيهما يقول الشاعر:
تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء «3» لو علمت جليل
فلا تحسبى أنىّ تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى يا أميم جميل
ألم تعلمى قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
وجذيمة هو الذى يقول:
أضحى جذيمة فى تزيين منزله ... قد حاز ما جمعت من قبله عاد
(1/77)

وكان من أحسن الناس وجها، فخطب «1» الزباء بنت عمر ابن طريف من العماليق، وكانت على الشام والجزيرة من قبل الروم، وكانت قد بنت على شاطىء الفرات من الجانبين قصورا ومدائن، وهى إلى اليوم قائمة خربة، وكانت حصينة لا يسلكها سالك، ولا يدركها طالب، وقد سقفت فى الفرات أنفاقا بين مدينتيها، تفزع إليها إذا حزبها أمر، وكانت تغزو من حولها من العرب، فغزت دومة «2» الجندل وتيماء، «3» وهو الأبلق، فامتنع عليها، فقالت: «تمرد مارد «4» وعز الابلق» «5» فأرسلتها مثلا، فاجابت جذيمة، وكانت بكرا، فجمع أصحابه فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضى، وخالفهم قصير بن سعد اللخمى، وكان لبيبا، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج، فعصاه وسار حتى كان بمكان يدعى بقة بين هيت والأنبار، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالشخوص إليها، لما علموا من رأيه فيها، فقال له قصير: انصرف ودمك فى وجهك فأبى، فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر» ، فأرسلها مثلا، وطعن جذيمة حتى عاين مدينتها، والكتائب دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأى؟ فقال:
(تركت الرأى ببئر بقة) ، ثم قال: وعلى هذا إن لقيتك الكتائب فحيوك تحية الملوك، وساروا أمامك. فقد كذب ظنى، وإن أخذوا جنبيك فإنى معرض لك العصا، وهى (لا يشق غبارها) .
(وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمرو بن عدى بن النضر بن ربيعة اللخمى، فلم يشعر ذات يوم أن رأى العصا عليها قصير فقال: (خبر ما جاءت به العصا) فأخبره قصير الخبر، وقال: أطلب بثأرك منها قال: (كيف وهى
(1/78)

أمنع من عقاب الجو) ؟ فقال قصير: أما إذا أبيت، فإنى سأحتال (فدعنى وعداك ذم) «1» فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم أتى الزباء، فقالت: (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقال: أتهمنى عمرو فى مشورتى على خاله بإتيانك فجدعنى، فلم تقر نفسى عنك، وان لى مالا كثيرا بالعراق، فأعطينى شيئا، وأرسيلنى بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه من طرائف العراق، ففعلت، فأطرفها وزادها مالا كثيرا، وقال: هو ربح، فاعجبها وسرت به، فردته ثانية، فأطرفها وزادها، وتلطف حتى علم موضع الانفاق، ثم ردته ثالثة، فأتى عمرا فقال: أحمل الرجال فى الصناديق على الابل، ففعل، وفيهم عمرو، فلما وافاها، نظرت إلى العير، فقالت: إن العير لتحمل صخرا أو تطأ فى وحل، وصنع لها رجز فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا «2» أجندلا «3» يحملن أم حديدا
أم صرفانا» تارزا شديدا ... أم الرّجال جثّما قعودا «5»
ودخلت العير المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال فحلوها، ووقعوا إلى الأرض مستلمين، وشدوا عليها فخرجت هاربة تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو فضربها عمرو فقتلها، ويقال: بل كان لها خاتم فيه سم فمصته، وقالت: (بيدى لا بيد عمرو) «6» فماتت، وسبيت الذرارى، ونهبت الأموال، فقالت العرب فى أمرها أشعارا كثيرة: فمن ذلك
(1/79)

قول المتلمس:
ومن حذر الاوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس
وقال نهشل:
ومولى عصانى واستبدّ برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير
فلمّا رأى ما غبّ أمرى وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى أنيسا أن يكون أطاعنى ... وقد حدثث بعد الأمور أمور
وقال عدى بن زيد «1»
ألا يا أيّها المترى المرجّى ... الم تسمع بخطب الأوّلينا
دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة ينتحى عصبا تبينا «2»
فطاوع أمرهم إلّا قصيرا ... وكان يقول لو تبع اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولان تدينا
ففاجأها وقد جمعت فيوجا «3» ... على أبواب حصن مصلتينا
(1/80)

فأردته ورغب النفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا
وحدّثت العصا الانباء عنه ... ولم أر مثلها فرسا هجينا «1»
وقدّدت الأديم لراهشيه «2» ... وألفى قولها كذبا ومينا
ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المندبات لمن منينا
أطفّ «3» لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا
فأهواه لمارنه «4» فأضحى ... طلاب الوتر مجدوعا مشينا
وصادفت امرأ لم تخش منه ... غوائله وما أمنت أمينا
فلمّا ارتدّ منها أرتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضغينا «5»
أتتها العيس تحمل مادهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الانفاق عمرا ... بشكّته «6» وما خشيت كمينا
(1/81)

فجللها قديم الأثر عضبا ... يصكّ به الحواجب والجبينا «1»
فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأىّ معمّر لا يبتلينا
ولم أجد الفتى يلهو بشىء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا
وإن أمهلن ذا جد «2» عريض ... علقن به «3» وإن فرّطن حينا
الم تر أنّ ريب الدّهر يعلو ... أخا النّجدات والحصن الحصينا
أول عربى لبس الطوق عمرو بن عدى
وكان عدى «4» ينادم جذيمة، فعشقته رقاش أخت جذيمة، فحملت منه، فلما خشيت الفضيحة قالت: اذا سكر الملك فاسأله أن يزوجنى منك.
ففعل، ودخل عليها من ليلته، وأصبح هاربا من جذيمة، فلما استبان حملها قال جذيمة
حدّثنى رقاش لا تكذبينى ... الحرّ حملت أم لهجين
(1/82)

أم لعبد فأنت أهل لعبد ... أم لدون فأنت أهل لدون
فقالت: حملت ممن زوجتنى منه، فولدت عمرا، فلما كبر فقد مدة، ثم ظفر به مالك وعقيل النديمان فأتيا به جذيمة، فحكمهما، فسألاه منادمته فأجابهما إليها، وأرسل عمرا إلى أمه، فزينته وألبسته طوقا، فقال: شب عمرو عن الطوق، فسار مثلا فلما كان من أمر جذيمة ما كان، قام عمرو مقامه، فلم يزل هو وولده وهم آل المنذر على الحيرة من قبل الفرس حتى ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، فأزالهم وملك الحرث بن عمرو آكل المرار الكندى، فلما ملك أنو شروان بن قباذ ملك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، فلما أقبل هرب الحارث، واتبعته خيل المنذر فأدركوا ابنه عمرا فقتلوه، وفاز هو ثم قتلته كلب بسخلانه.
أول من اتخذ السياط مالك الأصبحى
وهو ملك من ملوك اليمن، فسمى السوط الأصبحى قال الراعي:
أخذوا العريف فقطّعوا حيزومه «1» ... بالأصبحيّة «2» قائما مغلولا «3»
وقال فى لغز:
عليك سلام الاصبحيّة كلّما ... يحن أخو شوق لبعد ديار
(1/83)

فأنت أخو شين وخدن «1» دناءة ... وصاحب عار وابن أمّ شنار «2»
أول من اتخذ الرحال العلافية حزم بن ذياب
وكانت العرب تركب المخاصر قال ذو الرمة
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد
أحمّ علافىّ وأبيض صائم ... وأعيس مهرى وأروع ماجد «3»
وأخد المعنى البحترى فقال:
اطلبا ثالثا سواى فانىّ ... رابع العيس والدّجى والبيد
قال أبو بكر بن دريد: علاف حى من العرب تنسب إليهم الرحال العلافية.
أول من وضع الكتاب العربى
قيل إسماعيل عليه السلام، والصحيح عند أهل العلم أنه مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة «4» وهما من أهل الأنبار، وفى مصداق ذلك يقول الشاعر:
(1/84)

كتبت أبا جاد وحطّى مرامر ... وسوّدت سربالى ولست بكاتب
وسئل المهاجرون، ممن تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة وسئل أهل الحيرة عن ذلك، فقالوا: من أهل الأنبار.
وقالوا: أول من وضعه أبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت وضعوا الكتاب على أسمائهم، وكانوا ملوكا، «1» وقد عظم الله أمر الكتابة وفخم شأنها، فجعل ذكرها فى أول ما أنزل من كتابه، وهو قوله: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
وأكثر العلماء فى وصف الخط، فمن أجود ما قيل وأوجز قول بعضهم، الخط مركب البيان، وقال جعفر بن يحيى: الخط خيط الحكمة، به تفصّل وينظم منثوره فنظمته وقلت:
الكتب عقد شوارد الكلم ... والخطّ خيط فرائد الحكم
بالخطّ نظّم كلّ منتشر ... منها وفصّل كلّ منتظم
وقال بشر بن المعتمر:
القلب معدن، والخط جوهر، واللسان مستنبط، والعلم صانع، والخط صنعه، وقال أبو العينا: الخطوط رياض العلوم، وتخاير غلامان فى خطيهما إلى سهل
(1/85)

بن هرون فقال: هذا وشى محبوك، «1» وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية فتوافقتما فى نهاية.
ومن فضل حسن الخط أنه يدعو الناظر إلى قراءته، وإن اشتمل على لفظ مرذول، ومعنى مجهول، وربما اشتمل الخط القبيح على بلاغة وبيان وفوائد فيرغب الناظر فيه عن المنفعة به لوحشة صورته، وكان مشايخ الكتاب ودهاة العمال يختارون أن يكون ما يرفعونه من حسباناتهم إلى دواوين السلطان بخط قبيح، ومداد ناضل، «2» ليثقل تصفحه فيترك استقصاء النظر فيه.
وقالوا: القلم قيم الحكمة، وقال بعضهم:
مستودع قرطاسه حكما ... كالرّوض فرّق بينه زهره
وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشّكل فى أضعافه ثمره
أول من قال مرحبا وأهلا سيف بن ذى يزن
قالها لعبد المطلب بن هاشم لما وفد إليه مع قريش ليهنئوه برجوع الملك إليه، وذلك أن عبد المطلب قال له بعد أن دعا له وهنأه: نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجنا لك، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة، «3» فقال: وأيهم أنت؟ فقال عبد المطلب قال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومناخا سهلا، وملكا ربحلا، «4» يعطى عطاء جزلا. ومعنى مرحبا، وجدت رحبا أى سعة، وأهلا أى وجدت أهلا كأهلك، وقال الفراء: معناه رحب الله بك وأهلك، على الدعاء،
(1/86)

فأخرجه مخرج المصدر ومعنى رحب واسع
أول من اتخذ أسنة الحديد سيف بن ذى يزن
أمر معصما وهوقين فاتخذها، وكانت أسنة العرب قبل ذلك قرون البقر الوحش، وفى مصداق ذلك يقول الشاعر:
تقلّب صعدة جرداء «1» فيها ... نقيع السّمّ أو قرن محسّ «2»
أول من حرم القمار أقرع بن حابس
أخبرنا القاسم عبد الوهاب بن ابراهيم عن العقدى عن أبي جعفر عن المدائنى وغيره قالوا: أول من حرم القمار أقرع بن حابس، بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأقرع بن حابس حكم العرب فى كل موسم بعكاظ، وهو من المؤلفة قلوبهم وهم:
أبو سفيان بن حرب. وابنه معاوية، وحكيم بن حزام؟ والحرث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس.
أعطى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- كل واحد من هؤلاء مائة من الإبل، إلا صفوان بن أمية فانه أعطاه شعبا «3» بما فيه من نعم وغنم، فتكلمت الأنصار فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- الا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله، فرضوا وعندها قال ذو الخويصرة التميمى لرسول الله: هذا عطاء لا يراد به وجه الله، فغضب رسول الله وقال: (اذا لم أعدل فمن؟) وأعطى عباس بن مرداس أربع قلائص «4» فقال:
(1/87)

أتجعل نهبى ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
وقد كنت فى القوم ذا مدرأ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلّا قلائص أعطيتها ... عديد قوائمها الاربع
فزيد حتى رضى وعبيد اسم فرسه
أول من أحدث الحداء
أخبر أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يزيد بن حكيم عن الحكم ابن أبان عن عكرمة، وحدثنا باسناده عن أبى زيد عن أبى عاصم عن عبد الله بن مجاهد وغيره قالوا: بينا رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- سائر إلى تبوك، اذ سمع حداء فأسرع، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: من مضر، قال: وأنا من مضر فاحدوا، قالوا: إنا لأول من حدا بيننا خيار مياسير. قال لبعض أصحابه: ألا تنزل فتسوق؟ قال: نحن على ظهورها ولا ندرى ما نقول، فكيف اذا كنا عند استاهها؟ فضربه بعصا، فصاح يايدى، وسارت الابل، فضحك رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ونزل رجل من أصحابه يسوق ويقول:
تا الله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- (رحم الله قائلها) قالوا: وجبت وقائلها:
هو عامر بن الأكوع، ضرب العدو فقصر السيف فأصابه فمات، وكانوا يكتبون من مات شهيدا، فشكوا فى عامر حتى قال فيه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- هذا القول، فى كلام هذا معناه.
قال الشيخ أبو هلال:- رحمه الله- وأمر الصوت عجب، منه ما يقتل كصوت الصاعقة، ومنه ما يسر ويبهج حتى يرقص، ومنه ما يقلق، ومنه ما يبكى، ومنه ما يزيل العقل ويورث العشق، وقد بكى ما شرحويه من قراءة أبّى، فقيل له: كيف تبكى من كتاب لا تصدق به؟ قال انما أبكانى الشجا. وبه
(1/88)

ينومون الصبيان، ويسقون الدواب بالصفير، وتصر آذانها اذا غنى المكارى، وتزيد الابل فى مشيها ونشاطها إذا حدا بها الحادى، ويستخرج به الحية من جحرها، فيظن العامة ان ذلك انما يكون بالرقى، وليس كذلك، ولكن للصوت فى طباعها تأثير، والرعد الشديد إذا وافق سباحة السمكة فى أعلى الماء رمت بيضها، والحمامة ربما رمت بيضها قبل الأجل، وتسمع الرعد فيتعضل «1» عليها أياما بعد طول الأجل، واذا قلت الرعود فى السنة قلت الكمأة «2» فيها، وأهل البطائح يبنون حظيرة فى الماء، ويصيحون حولها فيجتمع السمك إليها حتى تمتلىء، وأهل الصناعات اذا خافوا الملال ترنموا، وينشط الرهبان أنفسهم بألحان يمجدون الله بها، ويستريحون من التعب والسهر إليها، وللنفس قوى شريفة من الحلم والجود والشجاعة تتحرك بالنغمات، ومن الأصوات ما يشجع ويغرى مثل أصوات الدبادب والبوقات «3» ولذلك اتخذت فى الحروب، وقالوا: اذا سمعت الابل ضربا وزمرا أقبلت وطأطأت رؤوسها حتى كادت تنام، وعندهم ان المريض اذا سمع أصوات المزاهر خف ما به، ويستبدل الطفل اذا سمعها ضحكا ببكائه، ويزعمون ان الغناء يفتح أبواب الرأى، ويسدد الفكر، وكان الاسكندر اذا التبس عليه أمر أمر بالغناء، واذا توجه له الرأى قطعه، وكانت ملوك العجم اذا نابتها نائبة لجأوا الى اللهو والغناء، ويستفتحون به وجوه الرأى، ولما بلغ أنو شروان أن خاقان غلب على أرمينية ونهب وسلب استقبله بالملاهى والزمر، فظن خاقان ان ذلك استصغارا له ففر منهزما، ونبذ ما كان أفاده، فقالت الاعاجم: ان الملك الموكل بالفرح هو الذى فله «4» ودفعه، وكانوا يتيمنون «5» بعد ذلك بالغناء والملاهى.
(1/89)

وقالوا لا يكره السماع إلا ذوو الطباع الفاسدة والأنفس الكدرة، كما أن الطيب لا يعافه «1» إلّا كل مأووف المشام، «2» وليس طرب من طرب على الغناء من أجل المعانى، لأن أكثرهم لا يفضله على معنى، وليست لأصوات البلابل والهزارات والقمارى والورشانات معان، وهى على ما نعرفها معجبة مطربة مذكرة لمعاهد الآلات وادمان التواصل والاسعاف، وذلك موجود فى أشعار العرب، كقول حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوق الّا حمامة ... دعت ساق حرّ فى حمام ترنّما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
ولم أر مثلى شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما
ودخل أبو تمام أبر شهر وهى نيسابور، فسمع فى بعض لياليه فيها مغنيه تغنى بالفارسية، فعشق صوتها، ثم أحضرها، فلما أكثر منها فتن بها، وما كان يعرف شيئا مما تغنى به، فقال:
حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها «3» ومضى كراها «4»
سمعت بها غناء كان أولى ... بأن تنقاد نفسى من غناها
ومسمعة تفوق النّفس «5» حسنا ... ومن تصممه لا يصمم صداها
(1/90)

مرت «1» أوتارها فشفت وشاقت ... ولو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت «2» كبدى فلم أجهل شجاها «3»
فكنت كأنّنى أعمى معنّى «4» ... يحبّ الغانيات «5» ولا يراها
أخذه بشار فقال:
يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
ويقال: ان من الألحان الفارسية لحنا يسمى القمى، لا يسمعه احد الا طرب عليه، عرفه أو لم يعرفه، وان الذى سمعه أبو تمام كان ذلك اللحن.
أول عربى قتل خنقا
عدى بن زيد ويكنى أبا عمرو، وكان فى ترجمة كسرى، فأرسله الى قيصر فحمد أمره وعظم عنده، وكان يسكن الحيرة، فوردها وهو من أنبل أهلها ولو اراد أن يملكه كسرى لفعل، الا أنه كان مشغوفا بالصيد واللهو، وأراد كسرى أن يستعمل عليها، فاستشاره فأشار بالنعمان بن المنذر، ثم قدم به عليه، وقال له:
ان سألك كسرى فقال: أتكفينى العرب وأخوتك؟ وكانوا مع النعمان اثنا عشر رجلا، فقل: اذا أنا لم أكفكهم فأنا عن غيرهم أعجز، وقال لاخوته: قولوا:
نكفيك العرب إلا النعمان، فلما قالوها: انصرف عنهم كسرى، وأمر عديا ان
(1/91)

يملك النعمان فملكه، فغضب عدى بن أوس من مرينا، وكان يريد الملك للأسود بن المنذر، فصنع عدى بن زيد طعاما لعدى بن أوس، ودعاه الى المحالفة الا يبغى واحد منهما لصاحبه غائله، وقام عدى بن زيد فحلف، فقال عدى بن أوس: وعلى مثل ما حلفت لا أزال أبغيك الغوائل حتى أموت، فما زال النعمان مكرما لعدى بن زيد حتى دعاه عدى يوما الى طعام صنعه، فركب اليه النعمان فاعترضه عدى بن أوس فاحتبسه فتغدى عنده، فاحتفظها عدى بن زيد عليه، فدعاه النعمان فأبى ان يأتيه، فأمر فسحب من منزله اليه فأثقله بالحديد وحبسه، وفى ذلك يقول عدى بن زيد: وقد ماتت عنده فى السجن امرأته أمية:
فاذهبى يا أمىّ «1» غير بعيد ... لا يؤاتى العناق من فى الوثاق
فاذهبى يا أمىّ إنّ يشأ الل ... هـ يفرّج من ضيق هذا الخناق
قد نبت فىّ الخطوب التّى قب ... لى فما بعدها إلى اليوم باق
لا تعدّى ريب المنون ذوى الخفض ولا من خيانة برماق «2» وقال أيضا:
الا من مبلغ النّعمان عنّى ... وقد تهدى النّصيحة من مغيب «3»
أحظّى كان سلسلة وغلّا ... وقيدا والبيان لدى اللّبيب «4»
(1/92)

وهم أضحوا لديك كما أرادوا ... وقد يرجى النّوال من المثيب
فما زال يسأله الاقالة ويستعظفه فى مثل قوله:
أبلغ النّعمان عنّى مألكا ... أنّه قد طال حبسى وانتظارى
لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى
نحن كنّا قد علمتم قبلها ... عمد البيت وأوتاد الإصارى «1»
نحسن الهنء «2» اذا استهنائنا ... ودفاعا عنك بالأيدى الكبارى
ولج النعمان فى حبسه، فكلم عمرو أخو عدى كسرى فيه فأمر النعمان بتخليته، فخاف ان يكيده اذا خلاه، فأرسل اليه من خنقه، وأعطى الرسول أربعة آلاف مثقال على ان يخبر الرسول كسرى أنه وجده ميتا، فجزع كسرى لموته، فأراد النعمان أن يسكن منه، فكتب اليه: إنى وجدت لعدى ابنا هو له خلف، فكتب بان يبعثه اليه ففعل، واسمه زيد فلم يزل يبغى الغوائل للنعمان عند كسرى، فقال له يوما: رأيت رغبتك فى النساء، وعند آل المنذر منهن ما تشتهيه، الا أنهم يأنفون من مصاهرتك، فغضب وكتب الى النعمان مع زيد بن عدى وأسوار معه يريده على تزويجه بعض بناته أو أخواته، فقال النعمان أما وجد الملك فى مها السواد «3» وفارس ما يكتفى به؟ فقال زيد للاسوار: أتسمع ما يقول؟ ثم ورد على كسرى فذكر أنه قال: اما للملك فى بقر السواد كفاية؟ وإنما قال النعمان: المها وأراد الحسان حسب ما تقول العرب للمرأة الحسناء مهاة وظبيه، فغضب كسرى وكتب الى
(1/93)

النعمان أقبل، وأحس بالشر، فأتى طيئا وغيرها من القبائل يعوذ بها فلم يقبلوه، وقالوا لو أطقنا أن نخلصك منه خلصنا أنفسنا منك، فوضع ماله عند هانىء بن مسعود، وخرج الى المدائن وقال:
أسير الى كسرى وأعلم أنّه ... سيقتلنى والموت لا شكّ نازل
وما جزعى من ان أموت وانّما ... حياتى فى الدّنيا ليال قلائل
وكان فرارى منه عارا وسبّة ... فسرت وقد جاشت علىّ المراجل «1»
عرضت على جلّ القبائل حربه ... فردّت علىّ الحرب تلك القبائل
فقيس سراب لامع وتميمها ... هباء مقيم والأعاصير وائل
فقلت لنفسى ليس للموت مدفع ... فموتى ولم تنسب اليك الرّذائل
فلما دخل المدائن لقى زيد بن عدى، فقال له: أنت فعلت هذا واللات لأسقينك بكأس أبيك! فقال: أنج نعيم، فو الله لقد أثبت لك أخيّة لا ينزعها المهر الأرن، أى النشيط، فأمر به كسرى فألقى تحت أرجل الفيلة فقتلته، «2» فقال سلامة بن جندل:
هو المولج النّعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق
وكان لآبرويز ألف فيل، واثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وخمسون ألف
(1/94)

فرس وبرذون «1» وبغل، ويذكر من الجواهر والمتاع والآنية ما لم يذكر لاحد من الملوك قبله ولا بعده، وبلغ جنده فى الشرق والغرب ما لم يبلغ جند ملك قط، وكان جبارا عاتبا، فقتله ابنه شيرويه،- واسمه قباذ- ووثب على اخوته فقطع أيديهم وأرجلهم، ووقع الطاعون فيهم حتى أفناهم.
أول من خرج من تهامه اياد
قال: وكانت مكة وما حولها تجمع ولد نزار فكثرت أياد فضاقت بهم، فخرجوا الى الارياف حتى نزلت بين الحيرة والبحرين على عهد بنى أسد، فلما كان زمن سابور ذى الاكتاف أفسدوا وأصابوا الطريق وأغاروا على السواد، وسابور بالجبل كان يتصيف هناك، وقال: بل وثب فارسى على امرأة منهم فنكحها، فوثب أخوها واسمه- أحمد- فنكح أخت الفارسى، فغضب سابور فجمع لهم وكتب اليهم لقيط بن يعمر الأياد وكان رهينة عند سابور عن أياد لئلا تعتو «2» فقال فيها:
يا دار عمرة من محتلّها الجزعا ... هاجت لك الهمّ والأحزان وارجعا
يالهف نفسى إن كانت أموركم ... شتّى وأحكم أمر النّاس فاجتمعا
لو أنّ جمعهم راموا بهدّته ... شمّ الشّماريخ من تهلان «3» لا تصدعا
فى كلّ يوم يسنّون الحراب لكم ... لا يهجعون اذا ما غافل هجعا
(1/95)

وأنتم تحرثون الارض عن سفه ... فى كلّ معتمد تبغون مزدرعا «1»
وتلقحون حيال الشّول آونة ... وتنتجون بدار القلعة الرّبعا «2»
وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تجمعون وهذا الجيش قد جمعا
اذكوا العيون وراء السّرح واحترسوا ... حتّى ترى الخيل من تعدائها رجعا
فإن غلبتم على ضنّ بداركم ... فقد لقيتم بأمر الحازم الفزعا
مالى أراكم نياما فى بلهنية «3» ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا
وقد أظلّكم من شطر أرضكم ... هول له ظلم يغشاكم قطعا
هو الفناء الّذى تبقى مذلّته ... إن طار طائركم «4» يوما وان وقعا
لا تتمروا المال للأعداء انّهم ... ان يظهروا يحتووكم والتّلاد معا
وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا
(1/96)

لا مسرفا «1» إن رخاء العيش ساعده ... ولا اذا عضّ مكروة به خشعا
مشرّد «2» النّوم تعنيه أموركم ... يروم منها الى الأعداء مطّلعا
ما أنفكّ يحلب هذا الدّهر اشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا
لا يطعم النّوم إلّا ريث يحفزه ... همّ يكاد حشاه يحطم الظّلعا «3»
حتّى استمرّت على شزر «4» مريرته ... مستحكم الرّأى لا فحما ولا ضرعا «5»
هذه أجود أبيات قيلت فى صفة صاحب حرب وقائد جيش.
وقال فى آخرها
لقد محضت لكم ودىّ بلا دخل ... فاستيقظوا انّ خير العلم ما نفعا
وهى أجود قصيدة قيلت فى الانذار.
فلما بلغهم هربوا، فتبعهم جند سابور فالتقوا بموضع (دير الجماجم) «6» واصطلمت أياد، وبدت طائفة منهم فدخلت بلاد الروم، فطاب
(1/97)

سابور ملكها بهم فأبى أن يسلمهم اليه، فغزاه حتى أسره فكان محبوسا عنده سبع سنين، ثم جدعه وخلاه بعد أن عطف عليه ما يؤديه فى كل سنة، فقال الشاعر:
الأحمر ان أهلكا أيادا ... وحرّما قومهما السّوادا
هو أحمر واحد وهو الرجل الذى أتى الأعجمية، ضم اليه آخر حاله كحاله فقال: الاحمران، كما قال: الدبران لدبر واحد ضم اليه مكان آخر فقال: الدبران، ومن قول لقيط «يكون متبعا طورا ومتبعا» أخذ زياد قوله (الا وأنا قد سسنا وساسنا السائسون وجربنا وجربنا المجربون فوجدنا هذا الامر- يعنى السلطان- لا يصلحه الا شدة فى غير عنف ولين فى غير ضعف) فلما قضى كلامه قال الاحنف: انما الرجل بجده، والسيف بحده، والفرس بشده، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وقد بلغ بك جدك ما ترى، وأنك لا تحمد حتى تبتلى.
اول من جليت «1» له السيوف سعد بن سهل
وقد روى فيه شعر لم أرتضه فتركته.
(1/98)

الباب الثالث فيما جاء من ذلك منسوبا إلى النبى «صلى الله عليه وسلم»
(1/99)

أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم محمد (صلّى الله عليه وسلم)
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى قال: سألت أبا خليفة عن كتاب بسم الله الرحمن الرحيم قال: سئل ابن عائشة عن ذلك فقال: حدثنى أبى ان قريشا كتبت فى جاهليتها باسمك اللهم، فكان النبى صلّى الله عليه وسلم يكتب كذلك ثم أنزلت بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
«1» فأمر ان يكتب فى صدور الكتب بسم الله، ثم نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
«2» فكتب بسم الله الرحمن، ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
«3» فجعل ذلك فى صدور الكتب، ثم كتب فى أول كل سورة من سور القرآن سوى براءة لتشبهها بالانفال، «4» ومعنى بسم الله، أبدأ ببسم الله.
أول من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز محمد- صلّى الله عليه وسلم-
وذلك حين احتاج الى مكاتبة الملوك فقيل له: إنهم لا يقبلون الكتب الا مختومة، فاتخذ خاتما من ذهب، ففشت خواتيم الذهب فى أصحابه، فطرحه واتخذ خاتما من ورق، ونقش عليه محمد رسول الله فى ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول
(1/101)

سطر والله سطر، وكان فى يده حتى مات، وفى يد أبى بكر حتى مات، وفى يد عمر حتى مات، وفى يد عثمان ست سنين، فلما كثرت عليه الكتب دفعه الى رجل من الانصار ليختم عنه به، فأتى قليبا «1» لعثمان فسقط الخاتم فيه فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتما من ورق ونقش عليه مثل النقش الاول، واما ديوان الخاتم فأول من اتخذه معاوية، وولاه عبيد الله بن أوس الغسانى وسلم اليه الخاتم وعلى فصه «لكل عمل ثواب» ، وكان سبب ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حمد بن معاوية عن الهيثم بن عدى قال: كان عمر بن سعيد غلاما ليزيد بن معاوية، فقطع الى ابن الزبير بعثا عليهم عمرو بن الزبير، فلما التقوا أسره عبد الله بن الزبير فقال له: قبحك الله أما كان فى بلائى عندك ما يكفيك؟ من كان يطلبه بشىء فليقم، فجعل الرجل يقول: نتف لحيتى، وآخر يقول نتف أشفار عينى، وآخر يقول نزع حلمة ثديى فيؤمرون بالقصاص منه، فأقام بذلك سنة، ثم جاء مصعب ابن عبد الرحمن بن عوف فقال: ضربنى مائة سوط وليس بأمير ولم أذنب ذنبا، فأمره فضربه فنغل «2» جلده فمات، فلامه الناس على ذلك، فقال: أنكم لا تدرون ما صنعت به: كتب له معاوية بمائة الف درهم الى زياد فقلب الكتاب فجعلها مائتى الف فدفعها اليه زياد، فلما رفع محاسبه قال معاوية:
ما كتبت له الا بمائة الف، فنظروا فى الديوان فوجدوها مائة الف، فكتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة يأمره بأخذه بها، فحبسه فأديتها عنه، وجعل ديوان الخاتم من يومئذ.
وكان خالد بن الزبير أخو عمرو لأمه، أمهما بنت خالد بن سعيد قد أعطى عمرا الامان هو وعروة وعبيدة أبناء الزبير، فاحتقرهم عبد الله فى كلام هذا معناه وقال:
حتّام لا أنفكّ حارس سكّة «3» ... أدعى فاسمع مذعنا وأطيع
(1/102)

يتداول النّاس الرّياسة بينهم ... وأروم «1» حظّهم فلا أسطيع
وأكلّف العبء الثّقيل وإنّما ... يبلى بها الاتباع لا المتبوع
فعليهم الاثقال يحتملونها ... وعلى الرّئيس الختم والتوقيع
وقال آخر:
يا أيّها الملك المنفّذ أمره شرقا وغربا أمنن بختم صحيفتى ما دام هذا الطّين رطبا واعلم بأنّ جفافه ممّا يعيد السّهل صعبا وقال آخر:
ختمت الفؤاد على سرّها ... كذاك الصّحيفة بالخاتم
هوت بى إلى حبّها نظرة ... هوىّ الفراشة للجاحم
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن عمرو بن تركى القاضى عن القحذمى قال:
كان على خاتم البريد للأكاسرة صورة ذباب، يريدون بذلك الا يحجب كما ان الذباب لا يمكن حجبه، وكانوا لا يمكنون منه الا الوزراء فقط، أخبرنا أبو أحمد عن الجلودى عن زياد بن الخليل عن يزيد بن خالد عن مروان بن عمر العمرى عن محمد ابن كعب أنه قال: الأمانة خير من الخاتم والخاتم خير من ظن السوء.
أول ما أوحى اليه (صلّى الله عليه وسلم) وأنزل عليه من القرآن
أخبرنا أبو أحمد- رحمه الله- قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا عمر ابن شبه قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا الوليد بن محمد عن الزهرى عن عروة عن عائشة قال: وحدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن غير هؤلاء قال: أول ما
(1/103)

بدىء به رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) من الوحى الرؤيا الصادقة، ثم حبب اليه الخلاء، فبينما هو فى حراء أتاه جبريل- عليه السّلام- فقال له: اقرأ قال: قلت ما أنا بقارىء، فغطنى ثم أرسلنى وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
إلى قوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
«1» فرجع ترجف بوادره، «2» فأخبر خديجة، فخرجت إلى الراهب وعداس عبد العتبة بن ربيعة كان يتعبد وإلى ورقة بن نوفل فسألتهم عن جبريل- عليه السّلام- فقالوا: وما ذكرك له ولست من أهل ذكره؟ فألحت عليهم، فقالوا: أمين الله على وحيه ورسوله إلى رسله، قالت: فان محمدا ذكر أنه أتاه، فقال: ورقة أخشى أن شيطانا تشبه له فرجعت، وقد أنزل الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
«3» ثم صار النبى صلّى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل وقرأ عليه الآيات، فقال:
أشهد ان هذا كلام الله، وان أدرك زمانك اتبعك، ثم احتبس الوحى، فقالت قريش: ودعه ربه وقلاه «4» فأنزل الله تعالى وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
«5» فمكث سنتين، ثم أنزل الله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
«6» فلما فعل اشتدت عليه قريش، ثم نزل ذكر البعث فأتاه أبى ابن خلف بعظم نخر وفته «7» وذراه وقال: أتعدنا ان يحيى الله هذا؟ فأنزل الله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«8» ثم اشتد عليه أمر قريش حتى أدخل الشعب، ثم كان من أمر الهجرة ما كان فى كلام هذا معناه.
(1/104)

أول صلاة صلاها صلاة الاولى وأول صلاة ركع فيها صلاة العصر
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا ابراهيم بن محمد قال:
حدثنا عثمان بن سعيد الاحول قال: حدثنى على بن عباس عن أبى الجحاف عن عبد الكريم مولى زاذان قال: سمعت عليا- عليه السّلام- يقول: صليت قبل الناس بتسع سنين، وأن أول صلاة ركعنا فيها صلاة العصر، قلت: يا رسول الله ما ما هذا؟ قال أمرت به. وكانت العرب تأنف من الركوع وتسميه التحنية.
أخبرنا أبو أحمد حدثنا الجوهرى قال: حدثنا حماد بن سلمه عن الكلبى ان وفد ثقيف قدموا على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقالوا: يا محمد، إنا اخوالك وأصهارك وجيرانك وأشد أهل نجد عليك حربا، وخيرهم لك سلما، إن حاربناك حاربك من بعدنا، وان سالمناك سالمك من بعدنا، فاجعل لنا الا نعشر ولا نحشر ولا ننحنى ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، فقال «1» : لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا تكسروا أصنامكم بأيديكم ولا خير فى دين ليس فيه ركوع، قالوا فمتعنا باللات سنة، فان خشيت لائمة العرب فقل: الله أمرنى بذلك، فقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- لا والله ولا نعمت عين، أحرقتم كبد رسول الله أحرق الله أكبادكم، «2» لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب فأنزل الله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ
«3» ولما وفد عامر بن الطفيل ومعه أربد بن ربيعة أخو لبيد لامه على رسول الله، وسأله عامر الخلافة بعده، وطلب منه المرباع، «4» وأن يكون له الوبر ولرسول الله المدر، «5» قال له رجل: لو سألت سبابة من سبابة
(1/105)

المدينة ما أعطاك، يعنى بلحة. ورأى عامر الصلاة فقال: والله لا نظرت الى عامرية منحنية، وقال: لأملأنها خيلا شقرا ورجالا حمرا. فدعا عليه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فأصابته غدة فانحاز إلى بيت سلولية، فجعل يقول: غدة كغدة البعير وموت فى بيت سلولية؟ فصار مثلا يضرب فى اجتماع نوعين من المكروه، ثم مات وأخذت أربد صاعقة بعد ذلك، وكان عامر يقدم اليه لقتل رسول الله اذا شغله عامر بالكلام، فلما انصرف لامه على ترك ذلك، فقال أربد: والله ما هممت بذلك الا دخلت بينى وبينه او كنت أضربك؟ فرثى لبيد أربد فقال:
ما ان تعدّ المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد
أخشى على أربد الحتوف «1» ولا ... أرهب نوء السّماك «2» والأسد
فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفارس يوم الكريهة النّجد وقال يرثيه:
ذهب الّذين يعاش فى أكنافهم ... وبقيت فى خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مذمّة وخيانة ... ويعاب قائلهم وان لم يشغب «3»
يا أربد الخير الكريم فعاله ... أفردتنى أمشى بقرن أعضب
انّ الرّزية لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب
(1/106)

وقال فيه أيضا:
ألا ذهب المحافظ والمحامى ... ودافع ضيمنا يوم الخصام
وهل حدّثت من أخوين داما ... على الأيّام الا ابنى شمام
ابنا شمام جبلان وقال أيضا يرثيه.
بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع «1»
وقد كنت فى أكناف جار مضنّة ... ففارقنى جار بأربد نافع
فلا جزع ان فرّق الدّهر بيننا ... فكلّ امرىء يوما له الدّهر فاجع
وما النّاس الّا كالدّيار وأهلها ... بها يوم حلوّها وغدوا بلاقع «2»
وما البرّ الّا مضمرات وفى التّقى ... وما المال الّا معمرات ودائع «3»
وما المرء الّا كالشّهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد اذ هو ساطع
وما المال والأهلون الّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن ترد الودائع
وما النّاس الّا عاملان فعامل ... يتبّر مايبنى وآخر رافع
(1/107)

قال أبو هلال:
مضمرات أى لايراها الناس، والمعمرات ما اعمرتك عمرى أى جعلتها لك، يتبر يعنى يفسد والمعنى الناس صنفان مصلح ومفسد.
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقىّ بالمعيشة قانع
أليس ورائى ان تراخت منيّتى «1» ... لزوم العصا تحنى عليها الاصابع
أخبّر أخبار القرون التّى مضت ... أدبّ كأنى كلّما قمت راكع
وأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه «2» ... تقدم عهد القين «3» والنّصل قاطع
فلا تبعدن إنّ المنيّة موعد ... علينا فدان للطّلوع وطالع
أعاذل ما يدريك الّا تظنّيا ... اذا ارتحل الفتيان من هو راجع
أتبكى على اثر الشّباب الّذى مضى ... الا إنّ أخذان الشّباب الرّعارع «4»
أتجزع ممّا أحدث الدّهر للفتى ... وأىّ كريم لم تصبه القوارع «5»
(1/108)

ويمضون ارسالا ويلحق بعدهم ... كما ضمّ أخرى التاليات المشايع
لعمرك ما تدرى الطّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع «1»
مضى ما مضى منّى وفىّ بقيّة ... كأنى سيف ناحل الاثر قاطع
أول صلاة صلاها جماعة
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا ابو طاهر النديم قال: حدثنا اسحاق ابن محمد النخعى قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حفص قال: حدثنى أبى قال: مر أبو طالب ومعه جعفر على نبى الله- صلّى الله عليه وسلم- وهو يصلى وعلىّ على يمينه فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فتأخر على وقام جعفر معه وتقدمهم رسول الله، فأنشأ أبو طالب يقول:
انّ عليّا وجعفرا ثقتى ... عند احتدام «2» الزّمان والكرب
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما ... أخى ابن أمّى من بينهم وأبى
والله لا أخذل النّبى ولا ... يحذله من بنى ذو حسب
فكانت اول جماعة فى الاسلام.
(1/109)

أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: حدثنا أبو سعيد القرشى قال: أول خطبة خطبها رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فى يوم أول جمعه صلاها فى بنى سالم فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره، وأشهد الا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العمل وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصى الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا مبينا، أوصيكم بتقوى الله، فانه خير ما أوصى به المسلم المسلمين أن يحضهم على الآخرة ويأمرهم بالتقوى، فاحذروا ما حذركم الله من نقمته، «1» فلا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أجل منه ذكرى تكون لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما ينوى من أمر آخرته، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره فى السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن ذلك دركا لعاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما سوى ذلك تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
«2» الآية فسبحان الذى صدق قوله وأنجز وعده حقا بلا خلف، لقوله ذلك فانه يقول ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
«3» فاتقوا الله فى عاجل أمركم وآجله فى السر والعلانية، فانه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
«4» ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وان تقوى الله تقوى نعمته وتقوى عقوبته وتقوى سخطه، وان تقوى الله تبيض الوجه وترضى الرب وترفع الدرجة، خذوا بحقكم لا تفرطوا، وأحسنوا كما أحسن الله اليكم، وعادوا
(1/110)

أعداءه وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ
«1» وسماكم المسلمين، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
«2» ولا قوة الا بالله، أكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد اليوم فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله الذى بينه وبين الناس، ذلك بان الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه «3» .
أول ما صلى رسول الله صلاة الخوف
أخبرنا أبو القاسم عن العبدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأبو أحمد عن الجوهرى عن عمر بن شبه عن شيوخه قال: أغار ابن عيينة الفزارى على لقاح «4» رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بالغابة، فنذر بهم سلمة بن الاكوع فتبعهم فما زال يرميهم حتى استنقذها منهم، وبلغ رسول الله الخبر فنودى يا خيل الله اركبى، وذلك أول ما نودى به، فجاء بالمسلمين، فتقدم الاخرم الأسدى فعقر فرس عبد الرحمن بن عيينه، وعطف عليه عبد الرحمن فقتله، وتحول إلى فرسه ثم عقر عبد الرحمن فرس أبى قتادة، وكان من المسلمين، فعطف عليه أبو قتادة فقتله وتحول إلى فرسه، وهو فرس الأخرم، وانهزم المشركون، وطرحوا ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون بذلك حتى نزلوا على الماء، وأتاهم عيينة مددا لهم، وحضرت الصلاة فصلى النبى بأصحابه صلاة الخوف، فقامت طائفة بإزاء العدو وطائفة معه، فصلى بهم ركعة، فذهبوا إلى المصاف، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، وصلى القوم ركعة ركعة وصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ركعتين، هكذا قالوا.
فلما جاء الليل انصرف المشركون الى بلادهم، فطلب أصحاب رسول
(1/111)

الله منه أن يتبعهم، فقال: ملكتم فاسجحوا، «1» ورجع رسول الله الى المدينة فى كلام هذا معناه.
قال أبو زيد: وهو أول فرس غدا فى سبيل الله تعالى، وهو فرس المقداد بن عمرو، فدل ذلك على ان الغزوة كانت قبل بدر، «2» اذ قد قيل: ان الخيل كانت يوم بدر فرسا للمقداد وفرسا لمرثد بن أبى مرثد، وذكر المدائنى ان غارة عبد الرحمن على اللقاح كانت سنة ست، وان أول ما صلى صلاة الخوف فى ذات الرقاع وهى سنة خمس.
أول امرأة تزوجها (صلّى الله عليه وسلم)
خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، وكانت قبله عند أبى هالة، فولدت له هندا وهالة، «3» وهما خالا الحسن والحسين، وخلفه عليها عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، وهى الطاهرة، وهى أخت فاطمة لأمها، وهى خالة الحسن والحسين عليهما السلام، وكانت عند صيفى.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: حدثنا أبو خيثمة قال:
حدثنا جزاء بن عبد الحميد عن أشعث عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير قال: اجتمعت نساء قريش فى عيد لهن فجاءهن يهودى فقال: يوشك أن يبعث فيكن نبى فأيتكن استطاعت أن تكون له أرضا يطؤها فلتفعل، فشتمنه وطردنه، ووقر ذلك فى صدر خديجة، وكانت استأجرت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وبعثته مع ميسرة غلامها الى الشام، فبينما هى تنظر قدومهما نظرت
(1/112)

رجلا يطلع من عقبة المدينة وليس فى السماء غيم الا قدر ما يظله، واذا هو النبى- صلّى الله عليه وسلم- فقالت: ان قول اليهودى حق والمبعوث محمد، فقالت له:
اخطبنى، فلقى عمه ابا طالب فقال: أخطب على خديجة، قال: أخاف الا يفعلوا أيم قريش وأنت يتيم قريش، فقال: أخطبها على، فلقى أبو طالب أباها وقالوا: عمها،- وهى الصحيح- فذكر له ذلك فلقيها فقال: فلان يخطبك لشيخ من قريش، فقالت: شيخ قضى شبابه وساء خلقه لا حاجة لى فيه، فقال لها: محمد فقالت أوسط قريش حسبا وأفصحهم لسانا، أعود عليه بمالى فيكون عطف يمينى، فبعث اليه ان تعالى نزوجك، فاستنهض معه أبا طالب فقال: أخاف الا يفعلوا وان ردونى كانت الفضيحة، فتأخر وبعث معه حمزة، فمروا بعلى يلعب مع الصبيان فانطلق معهم، فلما دخلوا قال النبى:- صلّى الله عليه وسلم- الحمد لله الحى الذى لا يموت فقالوا: ما هذا الكلام؟ ثم تكلم بما أراد وأرادوا، فقالوا: تكلمت، ولكن من يضمن لنا المهر؟ فقال على: أبى، فلما بلغ الخبر أبا طالب جعل يقبل عليا ويقول: بأبى أنت وأمى.
قالوا: والصحيح ان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، ولو كان ذلك كذلك لكان لعلى يوم استشهد أكثر من سبعين سنة، ولم يقل هذا أحد، والغلط فى أحد الأمرين إما فيما رووه من كون على معهم، او فيما ذكروه من سن النبى يومئذ، وقد قيل: أنه كان يومئذ ابن ثلاثين سنة، وقالوا: ابن خمس وثلاثين والله أعلم بالصواب.
وروى أن أبا طالب خطب فى تزويج النبى (صلّى الله عليه وسلم) خديجة، أخبرنا أبو احمد قال: حدثنى أبو الحسن محمد بن القاسم السعدى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا اسحاق بن محمد النخعى قال: حدثنا محمد بن عثمان الواسطى قال: حدثنا على بن هشام ابن محمد بن عبد الله بن رافع عن أبيه عن جده قال: لما أراد النبى أن يتزوج خديجة خطب ابو طالب فقال: الحمد لله، جعلنا من زرع ابراهيم وذرية اسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا،
(1/113)

وجعلنا الحكام على الناس، ثم ان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى من لا يوازن بأحد الا رجح به، ولا يعدل بأحد الا فضله، وان كان فى المال قلا فان المال ظل زائل، وله فى خديجة رغبة ولها فيه مثلها، وما كان من صداق ففى مالى، وله بعد نبأ عظيم وخطر شاسع، وهذه من الخطب المستحسنة الموجزة.
وشبهها خطبة أمير المؤمنين على- عليه السّلام- لنفسه فى املاك فاطمة، حدثنا أبو احمد عن أبى الحسين النسابة عن سعيد بن العباس عن الزبير ابن بكار عن عمه قال: سمعت أبا سعيد الأصمعى يقول: لما أملك على بفاطمة- عليهما السلام- قال له النبى:- صلّى الله عليه وسلم- أخطب فقال: الحمد لله شكرا لانعمه وأياديه، وأشهد ان لا اله الا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على سيدنا محمد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، واجتماعنا مما قدره الله تعالى وأذن فيه، وان رسول الله زوجنى ابنته فاطمة بصداق اثنتى عشرة أوقيه، فاسألوه واشهدوا.
وقالوا: خطب النبى- صلّى الله عليه وسلم- لما زوج فاطمة، أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن إسماعيل عن الغلابى عن سعيد بن وافد قال: سمعت الحسين بن زيد بن على يقول: سمعت عبد الله بن الحسين بن الحسن بن على- عليهما السلام- يحدث عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن جابر قال الغلابى: وحدثنى احمد بن عيسى بن زيد قال: حدثنى الحسين بن زيد عن عمومته وأهله قالوا: ان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- حين زوج عليا فاطمة خطب فقال: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب عقابه، المرغوب اليه فيما عنده، النافذ أمره فى سمائه وأرضه، الذى خلق الخلق بقدرته، ودبرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيهم، ثم ان الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا نسخ بها الايام «1» وألزمها
(1/114)

الأنام، فقال وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
«1» فأمر الله يجرى الى قضائه، وقضاؤه يجرى الى قدره، وقدره يجرى الى أجله، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
«2» ، ثم ان الله تعالى أمرنى ان أزوج فاطمة من على، وقد زوجته على أربعمائة مثقال فضة ان رضى بذلك على، فقال على:- رضى الله عنه- رضيته عن الله ورسوله فقال: جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وأخرج بينكما كثيرا طيبا، «3» قال جابر: فو الذى بعثه بالحق، لقد أخرج بينهما كثيرا طيبا.
وتزوج- صلّى الله عليه وسلم- عائشة بنت أبى بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها ودخل بها ولها تسع سنين، وسودة بنت زمعة بن قيس، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة واسمها هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، فهؤلاء ست قرشيات، وزينب بنت جحش، وكانت قبله عند زيد بن الحارثية «4» وهى التى نزل فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
«5» .
وزينب بنت خزيمة الهلالية، وميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، ونكح مما أفاء الله عليه جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية، وصفية بنت حيى بن أخطب النضيرية، وريحانة بنت زيد من بنى قينقاع، وتزوج أيضا عمرة بنت يزيد العامرية وكان بها وضح فطلقها، وأسماء بنت النعمان بن الحارث بن الأسود بن شراحيل بن كندى بن الجون بن آكل المرار، وأم شريك وهى التى وهبت له نفسها.
(1/115)

وتوفيت عنده منهن خديجة، وزينب بنت خزيمة، وريحانة، وخلى سبيل العامرية والكندية، وأرجأ ام شريك، وتوفى عن تسع: عائشة وحفصة وأم سلمه وأم حبيبة وسوده وزينب وصفية وميمونة وجويرية، وبعث اليه المقوقس بمارية وأختها سيرين، فاتخذ مارية لنفسه وأولدها ابراهيم- عليه السلام- ووهب سيرين لحسان بن ثابت وهى أم عبد الرحمن.
أول ولد ولد له عبد الله
أخبرنا أبو القاسم بن سيران عن عبد الرحمن بن جعفر عن الغلابى عن العباس بن بكار عن الهزلى عن عكرمة عن ابن عباس، وحدثنا أبو احمد عن الطوس عن الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، وعن غير هؤلاء يزيد بعضهم على بعض قالوا: تزوج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهى بنت أربعين سنه، فأول من ولدت له عبد الله ثم زينب ثم القاسم ثم الطاهر ثم المطهر ثم رقية ثم أم كلثوم ثم الطيب ثم المطيب ثم فاطمة، وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات القاسم والطاهر قبل النبوة فمر رسول الله راجعا من جنازة القاسم على العاص بن وائل السهمى وابنه عمرو فقال: أنى لأشنؤه فقال العاص: لا جرم فقد أصبح أبتر، فانزل الله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
، «1» وزوج زينب من أبى العاص بن الربيع، وأم كلثوم «2» من عتيبة بن أبى لهب، فطلقها بعد أن نبىء رسول الله، فتزوجها عثمان، فولدت له عبد الله فلما بلغ ست سنين ماتت والنبى ببدر، «3» فتزوج بعدها أم كلثوم وتزوج على
(1/116)

فاطمة فى السنة الثانية من الهجرة.
أول ما تكلم به حين دخل المدينة
أخبرنا أبو احمد عن الجلودى عن عبد الرحمن بن خلف عن معاذ بن عوذ الله عن عوف بن أبى جميلة عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام قال:
لما قدم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- المدينة احتفل الناس قبله، فقالوا: قدم رسول الله- قدم رسول الله، فجئت فى الناس فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب، وكان أول شىء تكلم به أن قال. «أيها الناس اطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا الارحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» ومما يجرى مع هذا قول بعضهم: أبخل الناس من بخل بالسلام على معرفته وجاره إذا غدا أو راح، ودخل بعض الصلحاء على بعض الخلفاء فسلم، فقيل له:
أصبت السنة واخطأت الأدب، فقال: لا خير فى أدب ليس فيه سنة.
وجعل السلام فى الاسلام مكان السجود، والمصافحة بدل تقبيل اليد، ولما دخل جعفر بن أبى طالب فى أصحابه على النجاشى سلموا عليه ولم يسجدوا له فغضب، فقال له جعفر: أيها الملك جئناك بتحية رضيها الله لأوليائه وأهل طاعته فجعلها تحية أهل الجنة، وكان السجود تحيتنا اذ نحن نعبد الأوثان، فبدلنا الله بها خيرا منها وهو السلام فرضى.
أخبرنا أبو احمد عن بعض رجاله عن ابراهيم بن المدبر قال: دخل الفقهاء على المتوكل ونحن وقوف بين يديه فاستدناهم، فكل قبل يده، الا اسحاق بن اسرائيل فإنه قال: ما ينقصك يا أمير المؤمنين الا أقبل يديك، وقد حدثنى الفضل بن عياض عن هشام عن الحسن أنه قال: المصافحة تزيد فى المودة وتبقى ببهاء المؤمن، فبسط المتوكل يده فصافحه، ثم وصله بأكثر ما وصل واحدا منهم وقلت فى المعنى:
(1/117)

أتراك تسمح بالنّوال ... وأنت تبخل بالسّلام
لا توحش النّفر الكرام ... فأنت من نفر كرام
قد ضلّ من لا يشترى ... ودّ الاكارم بالكلام
وقال:
تضنّ بتسليم وزورة ساعة ... فكيف نرجّى جود كفّيك بالوفر
أول هدية أهديت اليه بالمدينة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن بعض رجاله قال: أول هدية أهديت الى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- هدية زيد بن ثابت، قصعة مثرودة خبزا وسمنا ولبنا، ثم هدية سعد بن عبادة، قصعة ثريد عليها عراق- والعراق عظم عليه لحم وكذلك العرق بالفتح- وهدية فروة بن عمرو الجزامى حين أسلم، بعث اليه بثياب فيها قباء سندس مخوص بالذهب وفرس وحمار وبغلة شهباء، فكانت أول شهباء رؤيت فى المدينة، وكان فروة عاملا من قبل الروم على عمان من أرض البلقاء، فقسم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- الثياب بين نسائه، وأعطى منها أبا بكر، ووهب الفرس لأبى أسيد الساعدى، وأعطى القباء مخرمة، ومات الحمار عند منصرفة من حجة الوداع، وبلغ ملك الروم صنيع فروة فأراده على الرجوع الى دينه فأبى، فأمر بصلبه فقال حين يصلب:
ألا هل أتى هندا بأنّ خليلها ... على ماء عفر فوق احدى الرّواحل
على ناقة لا يضرب الفحل أمّها ... مشرّبة أطرافها بالمناجل «1»
(1/118)

ومن هنا أخذ أبو تمام قوله فى مصلوبين:
أمسوا وأضحوا فى متون ضوامر «1» ... قيدت لهم من مربط التّجّار
سود الثّياب كأنّما نسجت لهم ... أيدى الجنون «2» مدارعا من قار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الاسفار
أول غزوة غزاها بنفسه الأبواء وهى غزوة ودان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن ابى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
خرج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- النصف من صفر يوم الإثنين من السنة الثانية من الهجرة، وقد بلغه ان جمعا من قريش خرجوا، فاستخلف على المدينة عبادة بن الصامت، وقيل: غيره، ولواؤه مع حمزة بن عبد المطلب فلم يلق قريشا ووادعه مخشى بن عمرو الضمرى على بنى ضمره فغاب خمس عشرة ليلة ثم رجع.
وقد ذكر نصيب ودان فى شعره. أخبرنا أبو احمد عن أبيه عن عسل عن بعض رجاله قال: دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك قبل خلافته فقال:
أنشدنى يا أبا فراس، وأراد ان ينشده مديحه فأنشد.
وركب كأنّ الرّيح تطلب عندهم ... لها سلبا من جذبها بالعصايب
سروا يركبون اللّيل وهى تلقّهم ... على شعب الأكوار من كلّ جانب
(1/119)

اذا بصروا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان، وقال لنصيب: أنشد مولاك فانشد
أقول لركب قافلين تيمّموا ... قفاذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّرونا عن سليمان إنّنى ... لمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فاثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فأعطاه وحرم الفرزدق، قلنا: وشعر الفرزدق أحسن وأجود، وأكثر طلاوة، وأبين بلاغة وفصاحة، ولكنه مفارق لحسن الأدب، ولما يوجبه العقل، لأن العاقل لا يفتخر بحضرة السلطان، ولا يمدح نفسه عند الملوك، وأعقل الناس أخضعهم للسلطان، والكبر عليهم هلكة.
أول لواء عقد
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن ابى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
أول لواء عقده رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- لواء أبيض لحمزة، حمله مرثد حليف حمزة فى السنة التى هاجر فيها فى شهر رمضان، بعثه فى ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض عير قريش مقبلة من الشام، فلقى أبا جهل وأبا سفيان فى ثلاثمائة، فحجز مجدى بن عمرو الجهنى بينهم، فانصرفوا من غير قتال.
وكانت رايته يوم حنين سوداء من برد لعائشة، وأول ما عقدت الرايات يومئذ، وكانت قبل ذلك الألوية. وكانت راية على يوم صفين سوداء، يحملها الحضين بن المنذر، أبو ساسان، وحضين بالضاد المعجمة، وليس فى العرب
(1/120)

حضين غيره وكان بخيلا وفيه يقول زياد الاعجم:
يسدّ حضين بابه خشية القرى ... بأصخر والشّاة السّمين بدرهم
وفيه يقول الضحاك بن هشام.
وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لانفع وموتك فاجع
أول خمس خمسه
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى قال: عبد الله بن جحش: دعانى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- حين صلّى العشاء فقال: واف مع الصبح أبعثك وجها، فوافيت ومعى سيفى وقوسى، فصلّى النبى بالناس الصبح، فانصرف فوجدنى سبقته واقفا عند بابه، وأجد نفرا معى من قريش، فدعى أبى بن كعب فكتب كتابا وأعطانيه وقال: استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى اذا سرت ليلتين فانشر كتابى ثم امض لما فيه، واسلك النجدية قال: فانطلق حتى اذا كان ببئر أبى ضمرة قرأ الكتاب فاذا فيه، سر حتى تأتى بطن نخلة «1» على اسم الله وبركته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك، فترصد بها عيرا لقريش، فقدموها فصادفوا العير، ففزع أصحابها، فحلق بعض الصحابة رأسه ليقولوا انماهم عمار فأمنوا، ثم قاتلوهم فى آخر يوم من رجب وقالوا: ان أخرنا دخلوا الحرم، فأنكر المشركون ذلك وقالوا: أحل محمد من الشهر الحرام ما كان يحرم، وورد عبد الله بن جحش بالخمس على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقسم الباقى بين أصحابه، فكان أول خمس خمسة.
فلما أكثر المشركون واليهود الانكار لما كان منهم من القتل والسبى
(1/121)

فى رجب، أنزل الله تعالى فى عذرهم يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
«1» يعنى الكفر، ففرح المسلمون وسكنوا.
أول قتيل من المشركين
وقد قتل يومئذ عمرو بن الحضرمى، وهو أول قتيل قتل منهم وأسر عثمان ابن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان فكانا أول أسيرين أسرا منهم فى الاسلام، وأسلم الحكم بن كيسان، ورجع عثمان بن عبد الله كافرا بعد أن فودى، وكانت غنيمة أهل نخلة أول غنيمة غنمها المسلمون.
أول ما قاتل جمهور المشركين وهزمهم وظفر بهم وهو أول يوم علا فيه الاسلام ورفعت أعلامه وانحط منار الكفر وزلزلت أركانه
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى وعن غير هؤلاء قالوا: أقبل أبو سفيان بن حرب بعير قريش من الشام يحميها، ومعه ثلاثون رجلا أو أربعون، وخرج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة فى ثلاث وثلاثين رجلا من المهاجرين وواحد وستين رجلا من الأوس ومائة وسبعين من الخزرج، ولم يكن خرج بأحد من الانصار قبل ذلك فى قتال، ومعهم سبعون بعيرا وفرسان، فرس للمقداد بن الأسود الكندى والآخر لمرثد بن أبى مرثد الغنوى، يعترض العير ففاتته.
(1/122)

وجاء حتى نزل ببدر وكانت سوقا تقام فى كل سنة ثمانية أيام، وخرجت قريش تريده وهم ما بين تسعمائة والف، وخيلهم مائة، وكان أول طالع منهم زمعة بن الأسود، فقال رسول الله «صلّى الله عليه وسلم» (اللهم أنك أنزلت على الكتاب وأمرتنى بقتال المشركين ووعدتنى احدى الطائفتين وأنت لا تخلف الميعاد وهذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم «1» الغداة) فاستجيب له فيهم، فهزموا وقتل صناديدهم وأسروا، فكان القتلى سبعين والأسرى سبعين، وقيل أربعين وأربعين.
وضرب عنق النضر ابن الحارث، وهو أول من ضرب عنقه فى الاسلام فقالت ابنته ترثيه: وتخاطب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أمحمّد ها أنت صنو «2» نجيبة لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق «3»
فقال صلّى الله عليه وسلم: لو سمعت شعرها ما قتلته «4» ، فلما قسم غنائمهم أخذ سيف منبه بن الحجاج،- وهو ذو الفقار- فتقلده فكان أول سيف تقلده، وأخذ أيضا جملا مهريا لابى جهل صفّية، فجعله فيما أهدى الى مكة، فهابت قريش من يومئذ جانب المسلمين، فتركت الطريق التى كانت تسلكها الى الشام، واستأجرت رجلا يقال له الفرات بن حيان، فخرجوا بتجارة عظيمة، فبعث رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة فأصابها، وورد بها المدينة، فقال حسان ابن ثابت: يذكر الفرات بن حيان حين انصرف رسول الله من بدر ومعه فرسان
(1/123)

فرس للمقداد وفرس للزبير.
أقمنا على الرّس «1» النّزوع لياليا ... بأرعن «2» جرّار عريض المبارك
بكلّ كميت جوزه نصف خلقه ... طوال الهوادى مشرفات الحوارك «3»
ترى العرفج الحولىّ تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطىّ الرّواتك «4»
اذ ارتحلوا عن منزل خلت أنّه ... قريب المدى بالموسم المتعارك «5»
نسير فلا تنجو اليعافير وسطنا ... وإن وألت منّا بشدّ مواشك «6»
دعوا فلجات الشّام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك «7»
بأيدى رجال هاجروا نحو ربّهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك
اذا أقبل العضروط من رمل عالج ... فقولا لها ليس الطّريق هنالك «8»
(1/124)

فان نلق فى تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيّان يكن جدّ هالك
يصيب وما يدرى ويخطى ومادرى ... وليس يكون النّوك الّا كذلك «1»
وانما يستحسن ذلك لدخوله فى باب التهويل على العدو، وهو يجرى مجرى المكيدة فى الحرب، ومثله ان خثعم قتلت رجلا من بنى سليم فقالت أخته ترثيه.
لعمرى وما عمرى علىّ بهّين ... لنعم الفتى غادرتم آل ختعما
وكان اذا ما أورد الخيل بيشة ... الى حين أسراج أناخ فألجما «2»
فأرسلها رهوا رعالا كأنّها ... جراد رمته ريح نجد فأتهما «3»
فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ فقالت: اللهم لا أعرف الا فرسه.
ومثله ان ليلى بنت عروة بن زيد الخيل قالت لابيها: كم كانت الخيل؟
حين قال:
بنى عامر هل تعرفون اذا غدا ... أبو مكنف قد شدّ عقد الدّوائر
بجيش تضلّ البلق فى حجراته ... ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
(1/125)

وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغى ... كثير بواكبه سريع البوادر «1»
أتت غادة للورد ان نكره الوغى ... وحاجة رمّحى فى نمير بن عامر
قال أبو هلال قوله تضل البلق فى حجراته غاية فى صفة الكثرة، لأن البلق مشاهير، فاذا خفى فكأنه فى جيش قد بلغ نهاية الكثرة، وتقول العرب: هو أشهر من الفارس الابلق.
فقال: لست أعرف إلا ثلاثة أفراس أحدها فرسه.
أول ما جالت خيله وأول من قتل بيده يوم أحد
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى وأبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجالهم قالوا: خرجت قريش فى شوال سنة ثلاث من مكة حنقين يطلبون ثأرهم ببدر فى ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فرس، وقيل: مائة وسبعمائة دارع، فلما دنوا من المدينة راح رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- حين صلّى الجمعة فى سبعمائة ولواؤه مع على بن أبى طالب- عليه السّلام- وفيهم فرسان «2» فرس لرسول الله وفرس لابى بردة بن نيار، فلما صلّى الغداة يوم السبت قدم لواءه، والتقى الجمعان فقتل من المشركين تسعة ثم انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، فبصر خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين خلو موضع الرماة، فحمل على المسلمين فانكشفوا، وقتل أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وستة وستون رجلا من الانصار، وأصيبت رباعية النبى- صلّى الله عليه وسلم- وشج فى وجنته، وعلاه ابن قمئة
(1/126)

بالسيف فوقاه طلحة بن عبيد الله- رضى الله عنه- فسلت «1» أصبعه.
أول من قتل بيده الشريفة
وسار رسول الله بأصحابه فى الوادى، وتبعه أبى بن خلف فعطف عليه رسول الله وبيده حربة فطعنه بها طعنة خفيفة فوجد منها ألما شديدا، فقيل له: ما عليك بأس، لو كانت هذه بعين أحدنا لم يألم، فقال: لو أن ما أجده بجميع الناس لماتوا، ثم مات.
فلما أراد المشركون الانصراف أشرف أبو سفيان على أصحاب رسول الله فى عرض الجبل فنادى بأعلى صوته، أعل هبل فقال عمر بن الخطاب: «2» الله أعلى وأجل، فقال: قد أنعمت «3» يا ابن الخطاب، ثم قال: أين ابن أبى كبشة؟ أين ابن أبى قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والايام دول، والحرب سجال، «4» فقال عمر: لا سواء قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار قال: انكم لتقولون ذلك لقد خبنا اذا وخسرنا.
ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم فقال عمر: «5» الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال: قم يا ابن الخطاب أكلمك، فقام فقال: أنشدك بدينك هل قتلنا محمدا؟
فقال: اللهم لا وانه ليسمع كلامك قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة، وكان أخبرهم أنه قتله، ثم قال: ليس الذى تجدونه من المثلة فى قتلاكم من رأى سراتنا «6» ثم أدركته الحمية فقال: بل لم نكره ما كان منها، وانصرف وقال: موعدكم البدر الصغرى فى العام المقبل.
(1/127)

وأخبرنا أبو أحمد عن الفرائى عن الجهنى عن ابن العراج قال: كان المجذر بن زياد قتل سويد بن الصامت فى الجاهلية ثم أسلم، وحضر أحدا مع النبى- صلّى الله عليه وسلم- فلما جال المسلمون تلك الجولة جاء الحارث بن سويد من خلفه فضرب عنقه، وجاء جبريل فأخبر النبى، فخرج رسول الله الى قباء ومعه الناس وفيهم الحارث فى ملحفة مصبوغة، وكان قد أعرس بأهله قبيل ذلك، فقال رسول الله لعويم بن ساعدة: ان قدم الحارث الى باب المسجد فاضرب عنقه بالمجذر فقد قتله فى الشعب، فقال الحارث: والله ما كان قتلى له رجوعا عن الاسلام ولا ارتيابا فيه، ولكنه أمر وكلت فيه الى نفسى وأنا أتوب الى الله تعالى ورسوله، وأؤدى ديته، وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستين مسكينا، فلما استوعب رسول الله كلامه وكان الحارث يقول ذلك ويلوذ بركابه، قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- عويم، قدمه فاضرب عنقه، فضرب عنقه فقال حسان:
أكنت فى سنة من نوم أوّلكم ... يا جار أم كنت مغترا بجبريل
أم كنت يا ابن سويد حين تقتله ... فى طامس من خلاء الارض مجهول
وقلتم لا نرى والله يبصره ... وعنده محكمات الآى والقيل
محمّد فيكم والله يحبره ... عمّا تكنّ سريرات الاقاويل
أول صدقة اتته صدقة بن عذرة السبب فى تخليق المساجد
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الصمد ابن عبد الوارث عن عمر بن سليم عن أبى الوليد قال: قلت لابن عمر: ما بدء الزعفران يطلى به المسجد؟ فقال: برأى رسول الله نخامه فى المسجد فقال: ما اقبح هذا! من فعل
(1/128)

هذا؟ فجاء صاحبها فحكها وطلاها بالزعفران، فقال رسول الله: هذا أحسن من ذلك وفى غير هذا الاسناد، أن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- حكها بعرجون كان بيده، وقال: ائتونى عنبرا فأتى به، فجعله على رأس العرجون، ولطخ به على أثر النخامة، فمن هنالك جعلتم الخلوق فى مساجدكم.
أول من أجلى من اليهود
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى قال: لما قدم رسول الله المدينة وادعته اليهود كلها، فجاءت امرأة عربية تحت رجل من الانصار الى سوق قينقاع، فجلست عند صائغ، فجاء يهودى من أهل قينقاع فخل درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فقام رجل من المسلمين فقتله، فقام اليهود فتحايشوا «1» وقتلوا الرجل ونبذوا العهد فغزاهم النبى- صلّى الله عليه وسلم- فى ذى القعدة أو ذى الحجة سنة اثنتين، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فأراد قتلهم فاعترض دونهم عبد الله بن أبى بن سلول، وكانوا حلفاءه، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله فبرىء عبادة منهم، وقام عبد الله دونهم، وادخل يده فى جنب درع رسول الله، وقال: لا أرسلك حتى تحسن فى موالى أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعونى من الاسود والاحمر، فولى رسول الله محمد بن مسلمة وعبادة بن الصامت اخراجهم فأخرجوا، وغنم المسلمون اموالهم وذلك اول ما ظهر نفاق عبد الله.
(1/129)

الباب الرابع فيما روى عن الصحابة والتابعين
(1/131)

أول من أسلم من المهاجرين
اختلف فى ذاك: فروى أن أول من أسلم على بن أبى طالب- عليه السلام- اخبرنا أبو احمد قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا زكريا بن يحيى المنقرى قال: حدثنا محمد بن صالح العدوى قال: حدثنا أبو حبيب بن رزين قال: حدثنا أبو إسحاق الهدانى عن الشعبى قال أخبرنا: أشياخنا منهم جرير بإسلام أبى بكر رضى الله عنه فى خبر طويل قال أبو بكر: فلما قدمت مكة استبشروا فظنوا أنهم فتح عليهم بقدومى فتح، واجتمعوا إلى، وشكوا أبا طالب، وقالوا: لولا تعرضه دونه لما انتظرنا به، قلت: ومن تبعه على مخالفة دينهم؟ قالوا: بنو أبى طالب. وهذا يدل على أن عليا- عليه السّلام- اذ ذاك بالغ ولو كان صبيا صغيرا لما اعتد به تابعا.
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ قال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: حدثنا العلاء بن صالح عن المنهاك بن عمر وعن عباد بن فلان الاسدى قال: سمعت عليا- عليه السلام- يقول: أنا عبد الله، وأنا أخو رسول الله، وانا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدى الا كذاب مفتر، ولقد صليت قبل الناس بسبع سنين «1» .
أخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا ابراهيم بن الخليل الجلاب ببغداد قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال: حدثنا يحيى بن يمان عن سليمان عن سلم الاعور عن حسنة العرنى عن على- رضى الله عنه- قال: بعث رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يوم
(1/133)

الإثنين، وأسلمت يوم الثلاثاء، وأخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا عبد الله بن محمد ابن عبدان قال: حدثنا الثقفى قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن نصر قال: أسلم على- عليه السلام- وهو ابن أربع عشرة «1» سنة وكانت له ذؤابه.
وأخبرنى أبو احمد قال: أخبرنا محمد بن أبى عمر النهدى قال: حدثنى أبو عبد الله ابن زياد بن سمعان المدائنى عن محمد بن على بن الحسين قال: على أول ذكر آمن، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهاجر الى المدينة وهو ابن أربع وعشرين سنة، وقالوا: أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وقالوا: اثنتا عشرة سنة.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الاصمعى قال: وفد الوليد بن جابر بن ظالم على النبى- صلّى الله عليه وسلم- وصحب عليا، وشهد معه صفين، وكان من فرسانه المشهورين، ثم وفد على معاوية فى الاستقامة، فدخل فى جماعة وفد العراق، فلما انتسب له قال: انت صاحب ليلة الهرير؟ «2» قال:
نعم، قال: والله لكأنى بك الآن ترتجز وتقول:
شدّوا فدا لكم امّ وأب ... فانّما الملك غدا لمن غلب
هذا ابن عمّ المصطفى والمنتخب ... بنوه «3» فى العلياء سادات العرب
ليس بموضوم «4» اذا نصّ النسب ... أوّل من صام وصلّى واقترب
(1/134)

قال: أنا قائلها، وذاك أنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة، ولا فضيلة تصير الى المقدمة الا وهى مجموعة له، وكان أول الناس سلما، وأرجحهم حلما، وأكثرهم علما، فات الجياد فلا يشق غباره، واستوى على الامد «1» فلا يخاف عثاره، وأوضح المنهج الهدى فلا يبيد مناره، وسلك القصد فلا تدرس آثاره، «2» فلما ابتلانا الله بافتقاده، وجعل الامر الى من شاء من عباده، دخلنا فى جماعة المسلمين، فلم ننزع يدا من طاعة، ولم نصدع صفاة جماعة، «3» على أن لك منا ما ظهر وقلوبنا بيد الله، فأقبل صفونا، وأعرض عن كدرنا، ولا تشهد كوامن الاحقاد فان النار تقدح بالزناد، قال: وانك لتهددنى بأوباش «4» العراق محر نجم النفاق، «5» ومستقر الشقاق، والفجار الفاسق الملحده المراق، قال:
يا معاوية، هم الذين اشرقوك بالريق، وحبسوك فى المضيق، وذادوك «6» عن سنن الطريق، حتى حاكمت بالمصاحف الى من صدق بها وكذبت، وآمن بمنزلها وكفرت، وعرف تأويلها وانكرت.
فغضب معاوية وادار طرفه فيمن حوله فاذا جلهم من قريش، فقال: أيها الشقى الخائن، انى لأخال ان هذا آخر كلام تفوه به، وكان عفير بن سيف بن ذى يزن يومئذ بدمشق بباب معاوية، فأخبر بمقال الطائى ومراددته معاوية فخاف عليه، فأقبل وقدهم معاوية بقتله، فنظر الى من حضر من اليمانية، وقال: شاهت الوجوه ذلا وقلا وجدعا، كشم «7» الله هذه الانوف كشما موعبا، ثم قال: يا معاوية، انى والله ما أقول قولى هذا حبا لاهل العراق ولا جنوحا اليهم، ولكن الحفائظ تحل الاحقاد، والله لقد رأيتك بالامس خاطبت أخا تميم وهو أعظم جرما من هذا وأنكى
(1/135)

لقلبك، وأقدح فى صفاتك وأجد فى عدواتك وأشد استنصارا فى حربك، ثم توبته وسرحته، وأمرت بقتل ابن عمك تناسيا لنا واستصغارا لجماعتنا كأنا لا نمر ولا نحلى، ولعمرى لو وكلتك بنو قحطان الى قومك لكان جدك الغابر وذكرك الداثر وحدك المفلول وعرشك المثلول، «1» فأربع على ظلعك، «2» وأطونا على بلالتنا، «3» يسهل لك حزننا وينقد لك ضغننا، «4» فانا لا نرام بسواء للضيم، «5» ولا نتلمط جزع الخسف «6» ولا نغمز تغماز التين ولا ندر على الغضب، «7» فقال معاوية: ان الغضب شيطان فأربع أيها الانسان، فانا لن نأتى لصاحبك سوءا، ولم نرتكب منه ممضغا، «8» ولم نهتك له محرما، فدونك هو، لم يضق عنه من حلمنا ما وسع غيره، وأخذ عفير بيد الطائى وخرج الى منزله وقال: لتئوبن «9» بأكثر مما آب به أحد، ففرض على كل واحد من اليمانية دينارين من عطائه فبلغت اربعين الفا، فتجعلها من بيت المال ودفعها اليه ورده الى العراق.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الجوهرى عن أبى زيد عن يوسف بن موسى القطان عن حكام بن سلم عن أبى درهم ان الحجاج بعث الى الحسن، فلما حضر قال له يزيد بن ابى مسلم: ان الامير يريد ان يدفع الى التجار الف درهم على ان يردوها اليه عند الحول (ده دوازده) ، «10» فما ترى؟ قال: ذلكم محض الربا، قال: لا تفسد على الامير عمله فقال: ان الله لم يجعل هذا الدين هوى للملوك
(1/136)

وأتباعهم قال: فاستوى الحجاج وقال: ما تقول فى أبى تراب؟ قال: من أبو تراب؟ قال: ابن أبى طالب، قال: اقول: ان الله جعله من المهتدين، قال:
هات برهانا، قال: قال الله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها..
إلى قوله تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
وكان على أول من هدى الله مع النبى- صلّى الله عليه وسلم- قال: رأى عراقى، قال: هو ما تسمع، ثم خرج وقال: لما عوفيت من الفاسق ذكرت عفو الله عن العباد فى كلام هذا معناه.
وقالوا أول من أسلم أبو بكر رضى الله عنه.
حدثنا أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: حدثنى عبد الملك بن سليمان الاسلمى عن النضر عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: أول من أسلم أبو بكر، وقيل لبلال وقد رجع من الحلبة بالشام، من سبق؟ «1» قال: النبى- صلّى الله عليه وسلم- قالوا:
فمن صلّى؟ «2» قال: أبو بكر، قالوا: إنما سألناك عن الخيل، قال: انما أجبتكم عن الخير.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو روق عن الرياشى عن الاصمعى قال:
أراد عمر أن يمنع الحلبة فقيل له: سوق من أسواق العرب، قال: فليركبها أربابها، فلما أرسلت الخيل أقبل أعرابى على فرس وهو يقول:
غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنّا أهلها
لو ترسل الرّيح لجئنا قبلها
فعثرت فرسه فسقط، فتقدمه رجل من ولد أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- بفرسه، فقال الاعرابى: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما جرى، قد رأيت
(1/137)

أنه قد سبقنى، وأتاك رجل كان أبوه سباقا الى الخير.
وقيل ان أبا بكر- رضى الله عنه- رابع أربعة من المسلمين، والشاهد ما روى زكريا بن يحيى الطائى عن أبى بكر عن حميد بن منهب حاجا فى السنة التى قتل فيها عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فصادفت طلحة والزبير وعائشة بمكة، فلما ساروا الى البصرة سرت معهم، فلما وقفت عائشة بالبصرة قالت: ان لى «1» عليكم حرمة الامومة، وحق الموعظة، لا يتهمنى الا من عصى ربه «2» بى ميز مؤمنكم من منافقكم، وفى رخص لكم فى صعيد الأقواء، وأبى رابع «3» أربعة من المسلمين، وأول من سمى الصديق، مضى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- راضيا عنه، فطوقه وهف الامامة، ثم اضطرب حبل الدين، فأخذ بطرفه وربق لكم أبناءه، ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الرده، وأطفأ ما حشت يهود، وانتم يومئذ جحظ «4» العيون تنظرونه الغدره، وتسمعون الصيحة، فرأب الثأى، «5» وأودم العطلة، «6» وامتاح من الهوة، «7» واجتهز من الردى، «8» ثم انتظم طاعتكم بحبله فى ذات الله، فولى أمركم رجلا مرعيا اذا ركن اليه، بعيد ما بين اللابتين اذا ضل، عركة للاذاة بجنبه «9» صفوحا عن أذى الجاهلين، يقظان الليل فى نصرة الاسلام، خشاش المرآة، فسلك مسلك
(1/138)

السابقين، ففرق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن وأنا نصب المسألة عن مسيرى هذا، لم ألتمس إثما، ولم أورث فتنة أوطئكموها، أقول قولى هذا صدقا وعدلا، واعذارا وانذارا وأسأل الله أن يصلى على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
فانطلق رجل سمع مقالتها الى الاحنف بن قيس وهو معتزل فى بنى سعد وأخبره بما قالت، فأنشأ الاحنف يقول:
لشتّان ما بين المقامين تارة ... نضارا وطورا غدرة يستقيلها
فلو كانت الاكنان دونك لم تجد ... عليك مقالا أو هناة تقولها «1»
وقفت يمينا للسّيول وقلّ من ... يقوم بها إلّا علاه بليلها «2»
محضت سقائى عذرة ولمامة ... وكلتاهما كانت لغولك غولها «3»
ألمّا ترى أنّ الامور بضرّة ... من الشرّ كم يعبأ بليلى ليلها
حجابك أخفى للّتى تسترينها ... سفورك أدعى للّتى لا أقولها
فلما بلغت عائشة مقالة الاحنف قالت: لقد استفرغ حلم الاحنف لقد
(1/139)

استفرغ الاحنف حجاه إياى، الى الله أشكو عقوق أبنائى، ثم أنشأت تقول:
بنىّ أتّعظ انّ المواعظ شهّد ... ويوشك ان تبكى عيونك ميلها
ولا تستهن بالله حقّ امومتى ... فانّك اولى النّاس الّا تقولها
(ولا يطعننىّ بالخنا من له حجى ... فى أمّة قد كان بعلى رسولها «1» )
قال أبو هلال رحمه الله قولها (حق الامومة) من قولهم أم بين الامومة، وقولها (فى رخص لكم فى صعيد الاقواء) يعنى التيمم بالصعيد، وكان النبى- صلّى الله عليه وسلم- أقام عليها فى سفر «2» فلم يجدوا ماء فنزلت آية التيمم، وواحد الاقواء أقا وهو الصخر، وقولها: (وأبى رابع أربعة من المسلمين) يقال: أنه أسلم قبله خديجة وعلى وزيد بن حارثة، وقولها: (وهف الامامة) أى معظمها، وقولها (ربق لكم أبناءه) أى جمع، والربقة الحبل، وفى الحديث «من خلع ربقة الاسلام من عنقه فهو دان» وقولها: (حشت يهود) أى أوقدوا، وقولها: (أودم العطلة) »
والعطلة التى عطلت ورمى بها، والودم بها نوع من السير، وقولها: (بعيد ما بين اللابتين) أى الجانبين، واللابة أرض تركبها حجارة سوداء، وقولها: (خشاش المرآة) الخشاش الخفيف الصعل،
(1/140)

والمرآة مفعلة من الرؤية «1» وقول الاحنف.
لشتّان ما بين المقامين تارة ... نضارا وطورا غدرة يستقيلها
يعنى اختلاف قول عائشة فى عثمان رضى الله عنه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن أبى مخنف عن كبير بن أبى اسماعيل عن عمر بن بشير عن عمته أم زيد قالت: كنت مع عائشة- رضى الله عنها- بمكة، فأتاها ان عثمان قتل، فقالت: أبعده الله بما قدمت يداه، يا معشر قريش لا يشأمنكم عثمان كما شأم أحمر ثمود قومه، ان أحق بهذا الامر ذو الاصبع.
ثم أتاها أن عليا رضى الله عنه استخلف، فقالت: تعسوا، لا تؤمروا بنى تميم أبدا، يأيها الناس، ان عثمان قتل مظلوما، وان عليا أخذ الامر بغير شورى، والله لا نرضى لنقاتلنه، فقالت أم سلمة: يأيها الناس، ان عثمان قتل، وان الناس ولوا عليا خير من تعلمون، وقد بايعنا فبايعوا عليا، وكان الاحنف يميل الى أمير المؤمنين على- عليه السلام- أيام الجمل، فاعتزل فى بنى سعد يمنعهم عن قتاله، وما روى عنه فى على الا واحدة.
أخبرنا أبو القاسم قال: حدثنا العقدى قال: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو الحسن المدائنى عن مشيخة بن تميم ان الاحنف لم يتعلق عليه الا ست خصال، قوله فى أمر الزبير حين قيل له: هذا الزبير قد مر آنفا فقال: (ما اصنع به؟ وقد جمع بين جيشين عظيمين يقتل بعضهم بعضا، وها هو ذا صار الى منزله سالما) «2» واتبعه ابن جرموز فقتله، فقال الناس: الاحنف
(1/141)

قتله وقوله حين أتاه كتاب الحسن بن على- عليهما السلام- يستنصره: قد بلونا حسنا وآل أبى الحسن، فلم نجد له ايالة للملك، ولا صيانة للمال، ولا مكيدة فى الحرب، ولم يجبه، وقوله للمرأة حين أتته بمجمر: أست المرأة احق بالمجمر، وقوله للحباب بن يزيد: أسكن يا آدر وكان آدر وقوله لقطرى بن الفجاءة «1» الخارجى: ان أبا نعامة أشار على القوم فركبوا البغال، وجنبوا الخيل، وأصبحوا ببلد وأمسوا بغيره، فأقمن ان يطول أمرهم، فأخذ قطرى بقوله، وأتاه رجل فلطمه فقال له: لم لطمتنى؟ قال: جعلوا لى جعلا ان ألطم سيد بن تميم، فقال: انك اخطأت، سيد بنى تميم جارية «2» بن قدامة، فجاء الرجل حتى لطم جارية، فأخرج جارية سكينا من خفه وقطع يد الرجل فقالوا:
قطعة الأحنف.
أول من أسلم من الانصار معاذ بن عفراء
أخبرنا أبو امد باسناده عن الواقدى قال: حدثناابن أبى حنيفة عن داود بن الحصين قال: خرج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- من مكة فمر فى أهل يثرب على يمينه نفر، معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهن وعويمر بن ساعدة، فعرض عليهم الاسلام فأسلم معاذ، وقال رافع بن مالك: دعنى استخير، فكتب على بعض سهامه محمد رسول الله، وضرب بها فخرج المكتوب عليه ذلك ثلاث مرات فأسلم، ثم أسلم الباقون، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- تمنعون لى ظهرى حتى أبلغ رسالة ربى، فقالوا: انما نحن أعداء متباغضون، وانما كان بعاث «3» العام الاول، وان تقدم ونحن كذلك لا يكن لنا عليك اجتماع، وموعدك الموسم من العام المقبل، ثم قال رافع: أكتب لى بعض ما معك، قال: انى لا أخط بيدى، قال: فأمل
(1/142)

على فأنى آخذ الكلمة، وكان الكامل فى الجاهلية الشاعر الكاتب الرامى الذى يحسن العوم، فأملى عليه وعلى ابن عفراء سورة يوسف وطه، فقدموا المدينة، فجاء رافع قومه وهم فى مشرقة «1» فقال: انى قد اهديت لكم هدية ما أهدى رجل لقومه خيرا منها الا ابن عفراء، فقرأ عليهم السورتين فرموه بالحجارة والمحايض «2» وكان ابناه خلاد ورفاعه أشد الناس عليه، ثم أسلما وشهدوا بدرا، وقتل رافع يوم أحد أصابته رمية فلم يزل ضمنا حتى مات فى كلام هذا معناه.
أول من سمى القرآن مصحفا وأول من جمعه أبو بكر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة، خاف أبو بكر ان يهلك طائفة من أهل القرآن، وانما كان فى العسب «3» والرقاع «4» فأمر الناس فأتوه بما كان عندهم، فأمر به فكتب فى الورق، فلما كان أيام عثمان كثر اختلاف الناس فى القراءات، فقالوا حرف عبد الله وحرف أبى موسى، فاستشار الصحابة، فأشاروا عليه بجمع الناس على مصحف واحد، فجمع ما كان بأيدى الناس من المصاحف وأحرقها، أو قالوا: غسلها، وأمر سعد بن العاص- وكان أفصح الناس- فأملى على زيد بن ثابت، فكتب مصاحف وفرقها فى البلدان فأبو بكر أول من جمع القرآن، وعثمان أول من جمع الناس على مصحف واحد فى كلام هذا معناه.
والمصحف بالكسر لغة أهل الحجاز، وهى رديئة، لانه أخرج مخرج ما يتبادل ويتعاطى باليد، والمصحف أكرم من ذلك، وأهل نجد يقولون: مصحف من قولك أصحفته فهو مصحف اذا جعلت بعضه على بعض، وهى أعجب اللغتين
(1/143)

الى، وقالوا: أول من جمع القرآن عمر، «1» وكان لا يقبل من احد شيئا منه حتى يشهد شاهدان، فمات عمر قبل ان يجمع.
وقد روينا ايضا حديثا دل على ان عليا- عليه السلام- اول من شرع فى جمع القرآن، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا الصولى قال: حدثنا الغلابى قال: حدثنا أحمد بن عيس قال: حدثنا عمى الحسين ابن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما قبض رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- تشاغل على بدفنه، فبايع الناس أبا بكر، فجلس على يجمع القرآن، وكتبه فى الخزف «2» وأكتاف الابل وفى الرق، «3» فمكث ثلاثة أيام، واجتمعت بنو هاشم كلها معه، ولم يبايعوا أبا بكر، والزبير معهم، فلما كان اليوم الثالث قال أبو بكر لعمر: قد تخلف بنو هاشم عنى، ولم يتم لى الامر حتى يبايعونى، فجاءا الى على فدخلا عليه، فقال أبو بكر: أبا حسن، ما أبطأ بك عنا؟ قال: يا أبا بكر، ما كنت أظن أنك تقدم على أمر وأنا فيكم، قال: أبا حسن أكرهت امارتى؟ أبسط يديك أبايعك، قال: أو تفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: ما كنت لافعل، ان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- رضيك لديننا فرضيناك لدنيانا، ما كان يخلفنى عن بيعتك كراهة منى لها، ولكن كنت أجمع «4» ما أنزل الله على نبيه- عليه السلام- من القرآن، وهو ذا قد جمعته فى هذه الصحيفة الملأى، ثم بايعه، كذا سمعته. والصواب فيها، هو ذا قد جمعته، ولا يقال وهو ذا.
(1/144)

أول خليفة فرض له العطاء رعيته أبو بكر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عاصم عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال وأبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وغير هؤلاء قالوا: لما ولى أبو بكر- رضى الله عنه- غدا الى السوق، فقال المسلمون: أفرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه قالوا: رداءاه اذا أخلقهما وضعهما وأخذ غيرهما، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل ذلك، وظهره اذا سافر، فقال: رضيت، فلما حضرته الوفاة أوصى بأن يرد ما أخذه من ذلك الى موضعه من مال المسلمين.
أول خليفة ولى وأبوه حى أبو بكر
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قيل لابى قحافة: استخلف أبو بكر، قال: أو أقرت بذلك بنو قصى؟ قالوا: نعم، قال: يفعل الله ما يشاء، قال: ولم ولوه؟ قالوا لسنّه قال فأنا أسن منه.
ونازع أبو سفيان أبا بكر، وأغلظ له أبو بكر، فقال أبو قحافة: وقر «1» أبا سفيان، فقال: ان الله رفع بالاسلام بيوتا ووضع بيوتا فبيتك مما رفع وبيت أبى سفيان مما وضع، وتوفى أبو قحافة بمكة بعد وفاة أبى بكر بستة أشهر وأيام فى المحرم سنة أربع عشرة وله سبع وتسعون سنة، وكان المنصور يدعو عبد الله بن الحسن أبا قحافة، لان ابنه محمدا ادعى الخلافة وهو حى.
أول من سمى خليفة أبو بكر
وخليفة الرجل من يقوم مقامه، خلفته أخلفه خلافة، وأما الخلافة بالفتح فالحمق وقلة الخير، رجل خالف وفى القرآن الكريم فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
، «2» قال أبو زيد: يعنى من لا خير فيه من المنافقين، ويقال: خليفة
(1/145)

وخلائف وخليف وخلفا، واذا أرادوا تعظيم الخليفة قالوا: خليفة الله كما قالوا: بيت الله وشهر الله.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا نفطوية عن أبى العباس المنصورى عن عبد الله بن محمد القرشى ان أعرابية عرضت للمنصور فى طريق مكة بعد وفاة أبى العباس فقالت: يا أمير المؤمنين، أحسن الصبر، وقدم الشكر، فقد اجزل الله لك الثواب فى الحالتين، وأعظم عليك المنة فى الحادثتين، سلبك خليفة الله «1» وأفادك خلافة الله، فسلم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، واختار لك فيما ملكك من أمر الدنيا والدين.
أول من هنأ وعزى فى مقام واحد
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: دخل عطاء بن أبى صيفى على يزيد فهنأه بالخلافة، وعزاه فى أبيه، ففتح للناس باب الكلام فى ذلك قال: رزئت «2» يا أمير المؤمنين فى خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية نحبه «3» فغفر الله له ذنبه، ووليت الرياسة، وكنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله جليل الرزية، وأشكر على جزيل العطية، فعظم الله فى معاوية أجرك، وأحسن على الخلافة عونك، فأخذه أبو دلامة فقال مما يرثى به المنصور ويمدح المهدى:
عيناى واحدة ترى مرزوّة ... بإمامها جذلى وأخرى تذرف «4»
تبكى وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت ويسرّها ما تعرف
(1/146)

ما أن رأيت ولا سمعت كما أرى ... شعرا أرجله وآخر انتف
أهدى لذاك الله فضل خلافة ... ولذاك جنّات النّعيم تزخرف
هلك الخليفة يا لأمّة أحمد ... وأتاكم من بعده من يخلف
فابكوا لمصرع خيركم ووليّكم ... واستبشروا بقيام ذا وتشرّفوا
فأخذه أبو الشيص، فقال يمدح محمد الامين ويرثى هارون:
جرت جوارى السّعد والنّحس ... والنّاس فى ماتم وفى عرس
العين تبكى والسّن ضاحكة ... فنحن فى كربة وفى أنس
يضحكنا القائم الامين ويب ... كينا وفاة الإمام بالأمس
أول ما ورد على أبى بكر (رضى الله عنه) حين استخلف
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد على العراق، وكتب الى المثنى بن حارثة ان يطيعه، فاستقبله بالنباج، «1» وأتاه أبجر بن جابر فقال له: قدمت خير مقدم، ويعظم الله لك المغنم، ويظهرك على العجم، قال خالد: لو شئت ان تقول الشعر لقلته.
(1/147)

ما دينك يا أبجر؟ قال: دين عيسى بن مريم، قال: اذا أنت على ديننا أتؤمن بمحمد؟ قال: لا، قال: اذا أقتلك، قال: أتقتلنى إن لم أتبع دينك ولم أحاربك؟ قال: نعم، قال: ومتى كان دينكم؟ انما جئتم منذ أعوام، قال:
كذا يقول من كفر بعيسى، لتسلمن أو لاقتلنك، قال له المثنى: هب لى ابن عمى فأبى، فقال: اذا أسلم نصارى العرب فأنا زعيم أن سيسلم، فخرج أبجر وقال:
فإن تنجنى اللهم من شرّ خالد ... فأنت المرجّى للشّدائد والكرب
وسار خالد حتى أتى بانقيا، «1» فصالحه أهلها على ألف درهم وطيلسان، «2» فبعث به الى أبى بكر، فكان أول ما أورد عليه من العراق.
وقالوا: أول ما ورد عليه من العراق مال الحيرة، والاول أصح، وكسا الطيلسان الحسن بن على- عليهما السلام- وقال ضرار بن الازور:
أرقت ببانقيا ومن يلق مثلما ... لقيت ببانقيا من الهمّ يأرق
أول من استخلف من الخلفاء أبو بكر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: لما استعر بأبى بكر الوجع أرسل إلى على وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار، فقال: قد حضر ما ترون، ولا بد من قائم بأمركم، فان شئتم اخترتم لا نفسكم، وان شئتم اخترت لكم، قالوا: بل اختر لنا، فقال لعثمان: أكتب، هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة فى آخر عهده بالدنيا خارجا منها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يتوب الفاجر، ويؤمن الكافر، ويصدق الكاذب، عهد وهو يشهد ان لا اله الا الله وان
(1/148)

محمدا عبده ورسوله، وقد استخلف- ثم رهقته غشية «1» - فكتب عثمان عمر بن الخطاب، فلما أفاق قال: أكتبت شيئا؟ قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال:- رحمك الله- اما أنك لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا، فاكتب، قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدى، ورضيته لكم، فان عدل فذلك ظنى فيه، وان بدل فلكل نفس ما كسبت، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«2» فالتوى «3» عمر- رضى الله عنه- وقال:
لا أطيق القيام بأمر الناس، فقال أبو بكر: هاتوا سيفى، وتهدده فانقاد عمر، قال: ثم دخل عليه طلحة، وعاتبه على استخلافه عمر، فقال: ان عمر والله خير لكم، وانت شر لهم، اما والله لو استخلفتك لجعلت أنفك «4» فى قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذى يضعها، أتيتنى قد دلكت عينك تريد ان تفتننى عن دينى، وتزيلنى عن رأيى، قم، لا أقام الله رحلك، أما والله لئن بلغنى أنك غمطته، «5» وذكرته بسوء لالحقنك بحمضات قنة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك لححون راضون، فقام طلحة فخرج.
قال أبو جعفر: حمضات جمع حمض وهو ضرب من النبت والقنّة اعلى الجبل والجمع قنن وقنان.
أول ما ظهر الاسلام بمكة وأقيمت الصلاة علانية
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن محمد بن عبد الله عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، وعنه عن يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير، وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر المدائنى جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قالوا: دعا رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقال: اللهم أعز الاسلام بعمر بن
(1/149)

الخطاب أو بأبى جهل بن هشام فاستجاب الله دعاءه فى عمر، فأسلم بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فظهر الاسلام بمكة، «1» وأقيمت الصلاة علانية فى المسجد الحرام، وجاء جبريل- عليه السلام- الى رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) فقال: اقرأ يا محمد على عمر السلام وأخبره أن رضاه حكم، وغضبه عز، فى كلام هذا معناه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر قال: حدثنا بشر بن محمد أبو أحمد السكرى قال: حدثنا المسعودى عن القاسم قال: قال عبد الله: ان اسلام عمر كان فتحا، «2» وان هجرته كانت نصرا، «3» وان امارته كانت رحمة، «4» ما اصطففنا حول الكعبة ظاهرا حتى أسلم عمر، وانى لا حسب الشيطان يفر من عمر، وانى لا حسب بين عينى عمر ملكا يعلمه، فاذا ذكر الصالحون فحى هل بعمر «5»
أول من سمى أمير المؤمنين عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن بن عثمان عن عبد الله ابن صالح عن يعقوب عن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن الزهرى عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن سليمان عن الشفاء- وكانت من المهاجرات- ان أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله، حتى كتب عمر الى عامل العراق أن يبعث اليه رجلين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم، فقدما
(1/150)

المدينة ودخلا المسجد فوجدوا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لكم فى هذا لتخرجن مما دخلت فيه، فأخبره وقال:
أنت الامير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يومئذ، فى كلام هذا معناه «1»
أول من كتب التاريخ الهجرى عمر فى ربيع الاول سنة 16
وكان سبب ذلك فيما روى أبو أحمد عن بعض رجاله، ان أبا موسى الاشعرى كتب الى عمر، إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندرى على أيها يعمل، قد قرأنا صكا منه محله شعبان، فما ندرى أى الشعبانين، الماضى أم الآتى؟ فرأى ان الاشهر الحرم تقع حينئذ فى سنتين، «2» فجعله من المحرم وهو آخرها فصيره أولا لتجتمع فى سنة واحدة.
وكانت الكتب تؤرخ من موت كعب بن لؤى، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما خمسمائة وعشرين سنة، وأرخ بنو اسماعيل من نار ابراهيم- عليه السلام- الى بنائه البيت الى تفرق معد، ومن تفرق معد الى موت كعب بن لؤى، ثم أرخوا بعام الفيل، ثم من الهجرة، وعادة الناس ان يؤرخوا بالشىء المشهور والامر العظيم المذكور، فأرخ بعض العرب بعام الخنان لشهرته بتماوتهم فيه، قال النابغة الجمدى:
(1/151)

فمن يك سائلا عنّى فانّى ... من الفتيان أيّام الخنان «1»
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعامّ بعد ذاك وحجّتان «2»
وقد أبقت صروف الدّهر منّى ... كما أبقت من السّيف اليمانى
وتقول العرب أرخت الكتاب وورخته، ولا تكاد ورخت تستعمل اليوم، وكانت العرب تؤرخ بالنجوم قديما، وهو أصل قولهم نجمت على فلان كذا حتى يؤديه فى نجوم.
أول من اتخذ بيت مال عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن قتادة قال: آخر ما أتى به النبى- صلّى الله عليه وسلم- ثمانمائة ألف درهم من البحرين، فما قام عن مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن له بيت مال، ولا لابى بكر، وأول من اتخذه عمر.
أول من سن قيام شهر رمضان جماعة سنة أربع عشرة
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن عيسى عن عبد الله بن وهب عن بكر بن مضر وعبد الرحمن بن سلمان عن أبى الهاد عن قيس ابن عبد الملك وعن غير هؤلاء قالوا: أمر عمر أبا خيثمة وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل أن
(1/152)

يصلوا بالناس فى شهر رمضان، وسمع الناس يقولون: فلان أقرأ من فلان، وفلان أحسن صوتا بالقرآن من فلان، فنهاهم عن ذلك وقال: أتفعلون ذلك وأنتم أنتم، فكيف بمن جاء بعدكم؟ وكانوا قبل ذلك يصلون فى المسجد فرادى، ثم قدموا أبيا فصلّى بهم فرآهم عمر فقال: بدعة وأى بدعة ثم أقر أبيا على ذلك، وأضاف اليه أبا خيثمة ومعاذ.
أول من عس بالليل
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان وعن الجوهرى عن أبى زيد قال: قال عبد الله بن زيد الاسلمى: بينا عمر يعس ذات ليلة اذ سمع امرأة تقول
هل من سبيل الى خمر فأشربها ... أم هل سبيل الى نصر بن حجّاج
فلما أصبح سأل عنه واحضره،- وكان من بنى سليم- فاذا هو أحسن الناس وجها، وشعرا، فحلقه «1» فازداد حسنا، فأمره ان يعتم، «2» ففعل ذلك فازداد حسنا، فقال عمر: والذى نفسى بيده لا يجامعنى فى ارض، فأمر له بما يصلحه وسيره الى البصرة، فكتب نصر من البصرة الى عمر بعد حول:
لعمرى لئن سيّرتنى وحرمتنى ... وما نلت ذنبا انّ ذا لحرام
وما نلت شيئا غير ظنّ ظننته ... وفى بعض تصديق الظّنون أثام
لئن غنّت الحوراء يوما بمنية «3» ... وبعض أمانىّ النّساء غرام
(1/153)

فحقّقت بى الظّن الّذى ليس بعده ... بقاء فمالى فى النّدىّ كلام
فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لى بالمكّتين مقام
وقد يغنى ممّا تظنّ تكرّمى ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا ظننت صلاتها ... وفضل لها فى قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبّ منّى غارب وسنام «1»
وقالت المرأة:
قل للامام الّذى تحشى بوادره ... مالى وللخمر أو نصر بن حجّاج
انى غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساج
إنّ الهوى زمّه التّقوى «2» فحبّسه ... حتّى أقرّ بألجام وأسراج
أمنيّة لم أرد فيها بضائرة ... والنّاس من هالك فيها ومن ناج
فضرب أهل المدينة المثل بهذه المرأة فقالوا: أصعب من المتمنية، وهى العزيمة بنت همام أم الحجاج بن يوسف، وقالوا: جدته، وكان حين عشقت
(1/154)

نصرا تحب المغيرة بن شعبة.
وذكروا ان عروة ابن الزبير كنى أخاه عند عبد الملك، فقال له الحجاج: أتكنى أخاك المنافق عند أمير المؤمنين؟ لا أم لك، فقال عروة: ألى تقول ذلك يا ابن المتمنية؟ وأنا ابن عجائز الجنة، صفية وخديجة وأسماء وعائشة «1» .
ولما ورد نصر البصرة نزل على مجاشع بن مسعود، فعشق امرأته شميلة، وكانت هى ونصر كاتبين، ومجاشع أمى لا يكتب، فكتب نصر على الارض بحضرة مجاشع، انى قد احببتك حبا لو كان فوقك لأظلك، او كان تحتك لأقلك، فكتبت شميلة، وأنا، فقال مجاشع ما كتب وكتبت؟ قالت:
كتب كم تحلب ناقتكم وتغل أرضكم؟ فكتب: وأنا فقال: ما هذا لذاك، فطبق وكفأ على الكتابة جفنة، «2» وأتى بمن قرأها، فقال لنصر: ما سيرك عمر لخير، قم فان وراءك اوسع لك، فنهض خجلا الى منزل بعض المسلمين، فضنى «3» من حب شميلة، فبلغ مجاشعا فعاده، فوجد «4» لما به، فقال لشميلة: قومى اليه فمرضيه، ففعلت، وضمته الى صدرها فعادت قواه، قال بعض العواد: قاتل الله الاعشى، كأنه شهد أمرهما فقال:
لو أسندت ميتا إلى صدرها ... عاد ولم ينقل الى قابر
فلما فارقته عاد الى مرضه، فلم تزل تتردد عليه حتى مات، فقال أهل البصرة: أدنف من المتمنى فذهبت مثلا، وروى بعض الشيوخ خلاف هذا
(1/155)

قال: لما توفى عمر ركب صدر راحلته حتى أتى المدينة.
وكان عمر غيورا والغيرة من أحمد أخلاق الرجال، وعابوا على معاوية ثلاثا تعين على السؤدد، «1» الجلح، واندحاق البطن، وتركه الافراط فى الغيرة، والجلح انحسار الشعر عن مقدم الرأس، واندحاق البطن خروجه وكبره، ومن أعجب ما روى فى الغيرة ان عبد الله بن الزبير وقف لابيه الزبير بباب داره وقال: لا أتركنك تدخل حتى تطلق أمى فان مثلى لا يحسن أن تكون له أم توطأ، فطلقها، فتركه فدخل، ومما يدل على شدة غيرة عمر- رضى الله عنه- ما أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة قال: تناشد الناس شعرا على عهد عمر- رضى الله عنه- ثلاث سنين ثم ذكر رجل أنه قاتل قائله، فقال عمر: كيف كان شأنك وشأنه؟ فقال: أقبلت حتى نزلت قرية فى الليل واذا مصباح فى بيت رجل يغنى:
وأشعث غرّه الاسلام منّى ... خلوت بعرسه يوم التّمام «2»
فقال عمر: اقتحم عليه، فقال: قد فعلت، ثم قال:
أتيت على ترائبها وتسرى ... على جرداء لاحقة الحزام «3»
فقال عمر: أقتل، قال: قد فعلت، قال أبعده الله الى النار، ثم زاد فيها
كأنّ مجامع الويلات منها ... قيام ينظرون الى قيام
ومنه ما روى لنا أبو أحمد قال: تذاكرنا غيرة عمر بالبصرة، فقال ابن
(1/156)

جمهور: دخل رجل من أهل المدينة على امرأته وقد افترشها «1» رجل فقتله، وخرج حتى أتى عمر- رضى الله عنه- وهو يأكل فأكل معه، «2» فجاء أولياء المقتول، فقالوا: الآكل معك قتل صاحبنا، فقال له: أكذلك هو؟ قال:
نعم، دخلت على امرأتى فاذا هو قاعد منها مقعدى فقتلته، قال له عمر:
أحسنت فإن عاد فعد هكذا.
قال وحدث أبو الوليد عن عبد الله بن صالح عن (بور بن برمك) ان عمر كان يعس «3» فى المدينة، فسمع صوت رجل فى بيت يغنى فدخل عليه من وراء البيت، فوجد عنده امرأة وخمرا، فقال: ما هذا يا عدو الله؟ قال:
لا تعجل يا أمير المؤمنين، ان كنت عصيت الله فى واحدة فقد عصيته فى ثلاث، قال الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
«4» وقد تجسست وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«5» وقد تسورت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
«6» وقد دخلت من غير سلام، قال عمر: فهل عندك من خير ان عفوت عنك؟ قال: بلى «7» يا أمير المؤمنين، لله على ان عفوت عنى الا أعود، فعفى عنه.
أول من عاقب على الهجاء
أخبرنا غير واحد ان الزبرقان بن بدر لقى الحطيئة فقال: من أنت؟
فقال: أنا حسب موضوع أبو مليكة، فقال له: الزبرقان إنى أريد وجها فسر
(1/157)

الى منزلى وكن هناك حتى أرجع، ففعل، فأنزلته امرأة الزبرقان وأكرمته، فحسده بنو عمه بنو لأى، فدسوا الى الحطيئة، فقالوا: ان تحولت الينا أعطيناك مائة ناقة، ونشد الى كل طنب «1» من أطناب بيتك حلة هجرية وقالوا لامرأه الزبرقان: إنما قدم الزبرقان هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح «2» ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النجعة «3» تخلف الحطيئة، وتغافلت المرأة، فاحتمله القريعيون، ووفوا له بما قالوا، فأخذ فى مدحهم، وهجا الزبرقان فقال:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولا يرى طاردا للحرّ كالياسى
دع المكارم لا ترحل لبعيتها ... واقعد فانّك أنت الطّاعم الكاسى «4»
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر، فحكم عمر حسان، فقال ما هجاه ولكن سلح «5» عليه، فحبس عمر الحطيئة فى بئر، فقال يستعطفه:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... خمر «6» الحواصل لا ماء ولا شجر
(1/158)

ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها اذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر «1»
فأخرجه عمر، وجلس على كرسى، وأخذ شفرة وأوهمه أنه يريد قطع لسانه، فصاح وقال: إنى يا أمير المؤمنين، والله قد هجوت أمى وأبى ونفسى وامرأتى، فتبسم عمر وقال: ما الذى قلت؟ لابى وأمى:
ولقد رأيتك فى النّساء فسؤتنى ... وأبا بنيك «2» فساءنى فى المجلس
وقلت أيضا: «3»
تنحّى فاجلسى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمين
ولم أظهر لك البعضاء منّى ... ولكن لا أخالك تعقلين
أغربا لا اذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثين
وقد أخذ هذا المعنى من كعب بن زهير حيث يقول:
ولا تمسّك بالوعد الّذى وعدت ... الا كما يمسك الماء الغرابيل
(1/159)

قال: وقلت لامرأتى:
أطوّف ما أطوّف ثمّ آوى ... الى بيت قعيدته لكاع «1»
وقلت لنفسى:
أبت شفتاى اليوم الّا تكلّما ... بسوء فما أدرى لمن أنا قائله
أرى لى وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
وقد هجا من أحسن اليه فقال:
سمحت ولم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
فخلى سبيله عمر بعد ان أخذ عليه الا يهجو احدا، وجعل له ثلاثة آلاف درهم اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر ذلك:
وأخذت أطوار الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخف ... شتمى وأصبح آمنا لا يجزع
أول من ضرب فى الخمر ثمانين عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت النبى- صلّى الله عليه وسلم- غداة الفتح يتخلل الناس، ويسأل عن منزل خالد بن الوليد،
(1/160)

وأنا غلام شاب، فأتى بشارب «1» فأمرهم فضربوه بما فى أيديهم، فمنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بعصا، وحثا «2» رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فى وجهه التراب، فلما كان أبو بكر- رضى الله عنه- أتى بشارب، فسأل عن ضرب رسول الله فحزروه «3» أربعين، فضربه أربعين، فلما كان عمر- رضى الله عنه- كتب اليه خالد بن الوليد ان الناس قد انهمكوا فى الشراب وتحاقروا العقوبة، فقال: فهم عندك فاسألهم، وعنده المهاجرون الاولون، فسألهم فاجمعوا على ان يضرب ثمانين، وقال على: «4» - عليه السلام- ان الرجل اذا شرب افترى، فاجعله حد الفرية، «5» ثم ضرب فى أيام عثمان أربعين.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد باسناده قال: دخل أبو زينب وأبو مروع على الوليد بن عقبة فوجداه سكرانا، فأخذا خاتمه ولحقا بعثمان فأخبراه، فأشخصه «6» وشهدا عليه، فأمر عثمان عليا ان يجلده، فقال للحسن: قم فاجلده، فقال: «ول حارها من تولى قارها» ، «7» وأمر عبد الله ابن جعفر ان يحده فجعل يضربه، وعلى- رضى الله عنه- يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، جلد النبى- صلّى الله عليه وسلم- أربعين، وأبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنه، وهذا أحب الى، فقال أبو زبيد الطائى:- وكان نصرانيا ينادم الوليد-
(1/161)

ولعمر الإله لو كان للسّيف ... مصال او للسّنان مقال
ما تناسيتك الصّفاء ولا الودّ ... ولا حال دونك الاشغال
ولحرّمت لحمك المبغض صلة ... ضلّ حلمهم فكيف اعتالوا «1»
من رجال تناولوا منكرات ... لينالوا الّذى أرادوا فنالوا
أول من حرم المتعة «2» عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى خداش عن عيسى بن يونس عن الاملح قال: سمعت الزبير يقول: تمتع عمرو بن حريث من امرأة بالمدينة فحبلت، فأتى بها عمر فأراد ان يضربها، فقالت: تمتع منى عمرو بن حريث، فقال: من شهد نكاحك؟ فقالت: أمى وأختى، فأرسل عمر الى عمرو فقدم، فسأله، فقال: صدقت، فقال عمر للناس: هذا نكاح فاسد وقد دخل فيه ما ترون، ورأى عمر ان يحرمه، قال الزبير: فقلت لجابر: هل بينهما ميراث؟ فقال: لا، وخطب عمر فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أنا أنهى عنهما، او أعاقب «3» عليهما، قال سعيد بن المسيب:
(1/162)

رحم الله عمر، لولا أنه نهى عن المتعة لفشا الزنا، وقال ابن عباس:- رضى الله عنه- رحم الله عمر، لو أنه ما نهى عن المتعة ما زنى أحد، وكان ابن عباس يرى المتعة قال الشاعر:
يا صاح هل لك فى فتوى ابن عبّاس
فقال على لابن عباس: انت امرؤ تائه، نهى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- عن متعة النساء وأكل لحوم الحمر الاهلية بخيبر، «1» فرجع ابن عباس عن هذا القول، فنادى يوم عرفة بأعلى صوته، من عرفنى فقد عرفنى، ومن لم يعرفنى فأنا عبد الله ابن العباس، الا ان المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، فقال جابر بن عبد الله: نهانا رسول الله عن المتعة فلم نعد لها أبدا، وقالت الفقهاء:
قد صح حظر المتعة من جهة الاجماع «2» والقرآن والسنة، والصحيح ان عمر نهى عنها لنهى النبى- صلّى الله عليه وسلم- عنها، والشاهد حديث أبى هريرة، ان رسول الله حرم المتعة بالطلاق والنكاح، وقوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
«3» والمتعة هى وراء ذلك، وأما متعة «4» الحج فان النبى أحلها ثلاثة أيام ثم حرمها.
أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن منصور بن سلمة عن الخزاعى عن ليث بن سعد عن يزيد بن الهادى عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن عمر فى أول خلافته جعل أمهات الأولاد فى
(1/163)

ميراث أبنائهن، حتى مات رجل من بنى فهر وله أولاد من مهيرة، «1» وغلام من أم ولد، فأقاموها عليه قيمة سخطوا عليه فيها لجمالها، فأخذ الغلام أمه، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فأرسل إلى الغلام فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، خيرونى بين أن أؤدى فى أمى، وبين أن يخرجونى من ميراث أبى، فاخترت أحرار أمى، وعلمت أن الله رازقى، فقال عمر: لقد فعلت ما أردت، فقام عمر على المنبر يخطب الناس، فقال: أما بعد، فقد كان منى فى أمر أمهات الأولاد ما كان، وقد ركب الناس فيهن الحرام، وأيما أمة ولدت من سيدها فلا تباع ولا توهب ولا تورث، وهى لسيدها متعة فى حياته، فإذا مات فهى حرة «2»
أول من جمع الناس فى صلاة الجنائز على أربع تكبيرات عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى خداش عن أبى الورقاء عن سفيان عن عامر عن شقيق عن أبى وائل قال: جمعهم يعنى عمر فسألهم عن تكبيرات الرسول- صلّى الله عليه وسلم- فقال بعضهم: أربع، وقال بعضهم:
خمس، وبعضهم ست، كلهم قال ما سمع، فجمعهم على أربع، قال:
وكان آخر ما كبر النبى أربعا على سهيل بن البرصاء «3»
أول من اتخذ الديوان عمر
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى عن العادى قال: حدثنا ابن الضحاك عن الهيثم بن عدى عن عوانة قال: جاء مال من البحرين الى أبى
(1/164)

بكر، فساوى فيه بين الناس، فغضب الانصار، فقالوا: ما فضلنا، فقال لهم أبو بكر: صدقتم ان أردتم أن أفضلكم فقد صار ما عملتموه للدنيا، وان شئتم كان ذلك لله وللدين، فقالوا: والله ما عملناه الا لله، وانصرفوا، فرقى أبو بكر المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: يا معشر الانصار، لو شئتم ان تقولوا:
أنا آويناكم وشاركناكم فى أموالنا. ونصرناكم بانفسنا لقلتم، وان لكم من الفضل ما لا يحصى عدده وان طال به الامد، فنحن وانتم كما قال الغنوى
جزى الله عنّا جعفرا حين أزلفت «1» ... بنا نعلنا فى الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقى الّذى لا قوه منّا لملّت
هم أسكنونا فى ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنّت
ثم قام عمر، فأتاه أبو هريرة من البحرين بثمانمائة ألف درهم، وقيل:
خمسمائة ألف درهم، فخطب وقال: قد جاءكم مال، فإن شئتم كلته كيلا، وإن شئتم عددته عدا، فقال الفيرزان: ان العجم يدونون ديوانا «2» يكتبون فيه ما لواحد واحد، وأراد عمر ان يبعث بعثا، فقال له الفيرزان: ان تخلف رجل عن هذا البعث كيف تصنع؟ وكيف تعلم عاملك بخبره؟ وأشار عليه الديوان فعمله. وجعل المال فى بيت مال، ثم قال بمن نبدأ؟ فقيل: بنفسك، فقال:
بأهل بيت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فبدأ بازواج النبى، فجعل لعائشة اثنى عشر ألفا فى كل سنة، وكتب أزواج النبى فى عشرة آلاف لكل واحدة، «3» وكتب
(1/165)

بعد أزواج النبى عليا- عليه السلام- فى خمسة آلاف، ومن شهد بدرا من بنى هاشم، ثم كتب عثمان فى خمسة آلاف، ومن شهد بدرا من موالى بنى أمية على سواء، ثم قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك، قال: بل نبدأ بآل أبى بكر، فكتب طلحة فى خمسة آلاف، وبلالا فى مثلها، ثم كتب لنفسه، ومن شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف، ثم كتب الانصار فى أربعة آلاف، فقالوا: قصرت بنا عن اخواننا، قال: أجعل الذين قال الله لهم لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
«1» مثل من أتته الهجرة فى داره قالوا: رضينا، ثم كتب لمن شهد فتح مكة فى ألفين فى كلام هذا معناه.
أول من فتح الفتوح ومسح السواد عمر
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى قال العمرى: عن أبى عبد الرحمن الثعلبى، وأخبرونا عن غير هؤلاء قالوا: لما ظهر المسلمون على السواد وفارس. لم يعلموا كيف يصنعون بالخراج وجباية أهل الذمة؟ وكان سعد يستعمل العامل على طروح «2» فيأتيه بما يجد، ولا يدرى كيف يعمل؟ وكان بعث عمر عثمان بن حنيف على مساحة السواد، وكاتبه بأن يبعث اليه من دهاقينها «3» عشرة نفر، «4» ففعل، فسألهم عمر عما كانت ملوك فارس تعمله فى جباية الخراج، فاختلفوا عليه، فقال: ما سبب اختلافكم؟ قالوا: لننظر ما لنا عندك، قال: لكم عندى ما تحبون، فقالوا: كانت ملوك فارس يأخذون
(1/166)

على كل جريب «1» عامر او غامر «2» مما يناله الماء قفيزا «3» ودرهما، ومن القفيز الحنطة على التقريب درهم، والدرهم تتمة درهمين، وإنما ألزموا ذلك العامر والغامر، لان الارض تبور سنة وتعمر سنة، فكانوا يقولون: اذا دفعنا اليكم الارض والماء. فأدوا حقوقنا عمرتم أو لم تعمروا، وتفسير الخراج- الكروة- «4» وأخذوا منهم عن كل جريب عامر وغامر، أربعة دراهم، وأمر عثمان بن حنيف فمسح السواد، وحدها فى الطول، من العلث وحوبى- وهما من أرض الموصل- الى عبادان، «5» وهى مائة وخمسة وعشرون فرسخا، فبلغت جربانه ستة وثلاثين ألف جريب، «6» فوضع على كل جريب من الحنطة أربعة دراهم، وكل جريب من الشعير () «7» وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم «8» والرطب ستة دراهم، وعلى جريب الزيتون اثنا عشر درهما، وعلى أهل الذمة- على الفقير منهم- اثنا عشر درهما فى كل سنة، وعلى الوسط منهم أربعة وعشرون، وعلى أهل اليسار ثمانية وأربعون درهما، رفع عنهم الرق حين وضع عليهم الخراج فى رقابهم، وجعلهم أكرة فى الارض.
قال الشعبى لم يكن لاهل السواد ذمة، فلما أخذت الجزية منهم صارت لهم ذمة، فمن أسلم منهم فهو حر لا خراج عليه ولا رق. فبلغ جباية السواد «9» أيام عمر وعثمان مائة الف الف، فلما ولى معاوية صارت الى
(1/167)

خمسين الف الف. فلما كان أيام الحجاج بلغت جباية السواد ثمانية عشر ألف ألف، وكان أسلفهم ألفى ألف، فحصل ستة عشر ألف ألف، بعد العسف والظلم وضرب الابشار وهتك الحرم.
وقال المدائنى: وبلغ الخراج من سواد الكوفة أيام عمر- رضى الله عنه- مائة ألف ألف درهم، «1» الدرهم يومئذ- درهم ودانقين «2» ونصف- وقال أبو جعفر الحرار: أنا أقول انها دنانير، وقيل: كان الحجاج يجبيها ستين ألف ألف، ثم صارت فى أيام عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف مثقال، ولما نقصت الجباية أيام الحجاج، منع أهل السواد ذبح البقر، فسمعت بعض أصحابنا يتحدثون أن ابن الغز كان عظيم الذكر، فاذا واقع امرأة ذهب عقلها، فانكرت امرأة ذلك وقالت: سأجرب، فلما واقعها قال لها: أترينى السها؟ وهو كوكب صغير فى بنات نعش، قالت: ها هو ذا، وأشارت الى القمر. فضحك وقال: (أريها السها وترينى القمر) فذهبت مثلا فلما كان أيام الحجاج، شكى اليه خراب السواد، فحرم لحوم البقر لكثرة الحرث. فقال بعض الشعراء
شكونا إليه خراب السّواد ... فحرّم فينا لحوم البقر
وكان كما قيل فى بعده ... أريها السّها وترينى القمر
أول وشاية كانت بالعمال ومصالحة خليفة لهم على ما يأخذه منهم
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة
(1/168)

قال أبو بكر: هذا الخبر صدر به أبو عبيدة كتاب منافع الشعر ومضاره، قال:
كتب يزيد بن قيس الصعق الكلابى الى عمر (رضى الله عنه)
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله فى الأمر والنّهى
وأنت أمين الله فينا ومن يكن ... أمينا لربّ النّاس يسلم له صدرى
فلا تدعن أهل الرّساتيق «1» والقرى ... يضيعون مال الله فى الأدم الوفر
وأرسل الى الحجّاج فاعرف حسابه ... وأرسل إلى جزء وأرسل الى بشر
ولا تنسينّ النّافعين كليهما ... ولا ابن غلاب من سراة «2» بنى نصر
وما عاصم منّا بصفر عنانه ... وذاك الّذى فى السوق مولى بنى بدر
وأرسل الى النّعمان وابن مغفّل ... وصهر بنى غزوان إنّى لذو خبر
وشبل هناك المال وابن محرّش ... وقد كان فى أهل الرّساتيق ذا ذكر
فأرسل اليهم يصدقوك ويخبروا ... أحاديث هذا المال ذى العلم الدثر «3»
فقاسمهم نفسى فداؤك انّهم ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
(1/169)

ولا تدعونّى للشّهادة انّنى ... أعيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
أرى الحور كالغزلان والبيض كالّدمى «1» ... وما ليس يحصى من قرام «2» ومن ستر
ومن ريطة «3» مكنونة فى خبائها ... ومن حىّ أستار معصفرة حمر
اذا التّاجر الدّارىّ جاء بفأرة «4» ... من المسك راحت فى مفارقهم تجرى
نؤوب «5» اذا آبوا ونغزوا اذا غزوا ... فأنّى بهم وفر ولسنا ذوى وفر
الحجاج الذى ذكره، هو الحجاج بن عتيك الثقفى، كان على الغزاة وجزء ابن معاوية، عم الاحنف، كان يلى السوق، وبشر بن المحتضر المرى كان على جند نيسابور، والنافعان نافع بن الحارث كان على غنائم الابلة، وأخوه نفيع أبو بكرة، وابن غلاب خالد بن الحارث ابن أوس من بنى دهمان، كان على بيت المال بأصبهان، وعاصم بن قيس بن الصلت السلمى، كان على المناذر وعلى الصدقة، والذى فى السوق سمرة بن جندب، كان على سوق الاهواز، والنعمان بن عون بن نضلة من بنى عدى بن كعب، وضمير بن غزوان ومجاشع بن مسعود، وابن مغفل المزنى، وهو الذى نزل فيه قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
، «6» وشبل بن معبد البجلى، وابن محرش- هو أبو مريم أياس ابن صبيح- كان على رام هرمز، فلما قاسمهم عمر أموالهم أجاب الكلابى الحارث الغلابى.
(1/170)

أبلغ أبا المختار امّا لقيته ... فقد كان ذا قربى اليك وذا صهر
فما كان مالى من جباية خائن ... فتجعلنى ممّا يؤلّف فى الشّعر
ولكن عطاء الله فى كلّ ركبة ... اذا الخيل جالت بالمثقّفة السّمر «1»
وصبرى اذا حاد النّجيد «2» عن الوغى ... وأمرى اذا حاد المدجّج «3» بالصّبر
فان كنت للنّصح ابتغيت قصيدة ... فانّ لدى الله المثوبة بالأجر
وان كان عن بغى وفرط نفاسة ... فشرّ هى الحوّاء «4» ذو النّيرب «5» المعرى
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا ابن الأنبارى قال: حدثنا محمد بن أحمد المقدمى قال: حدثنا عبد الله بن شيب قال: حدثنا محمد بن معاوية عن عبد الرحمن بن عبد الملك الانصارى- وكان جليسا لمالك ابن أنس- عن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: لما قلد عمر بن الخطاب عمرو بن العاص على مصر، بلغه انه قد ظهر له مال كثير، من ناطق وصامت «6» فكتب اليه:
(1/171)

اما بعد: بلغنى ما ظهر لك من كثرة المال، ولم يكن ذلك فى رزقك، ولا كان لك مال قبل ذلك، فأنى لك ذلك؟ فو الله لو لم يهمنى فى ذات الله، الا من اختان مال الله لكثر همى. وانتشر أمرى، وقد كان عندى من المهاجرين الاولين من هو خير منك، ولكنى قلدتك هذا الامر رجاء عنائك، «1» فان كان ذاك لك، فإنا لا نؤثرك على أنفسنا، فاكتب الى: من أين لك هذا المال؟ وعجل.
فكتب عمرو: أما بعد: فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين، فأما ما ظهر لى من مال، فانا قدمنا بلادا رخيصة الاسعار، كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصابنا فى الفضول التى اتصلت بأمير المؤمنين، والله لو كانت جبايتك حراما ما جئتك، وقد اتهمتنى، «2» فأقصر عنى كتابك، فان لنا أحسابا اذا رجعنا اليها أغنتنا عن العمل مع مثلك، وذكرت ان عندك من المهاجرين من هو خير منى، فان كان ذاك فو الله ما دققت لك بابا ولا فتحت لك قفلا، فكتب اليه عمر رضى الله عنه:
أما بعد: فإنى لست من تسطيرك الكتاب، وتسقيفك «3» الكلام فى شىء، وأنتم معشر الامراء، قعدتم على عيون الاموال، ولن يعوزكم عذر، وانما تأكلون النار، وتؤثرون العار، وقد وجهت اليك محمد بن مسلمة فسلم اليه شطر ما فى يدك، فصنع عمرو لمحمد طعاما فلم يأكل منه، وقال: هذا تقدمة الشر، لو جئتنى بطعام الضيف لأكلت، فنح عنى طعامك، وأحضرنى مالك، فأحضره ماله، فجعل يأخذ شطره، فلما رأى كثرة ما صار الى محمد قال: لعن الله زمانا كنت فيه عاملا لعمر، فو الله لقد رأيت عمر وأباه، على كل واحد منهما عباءة قطوانية، «4» لا تجاوز مآبض «5» ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن
(1/172)

وائل فى مزراب الديباج، «1» فقال محمد: أيها عنك «2» فعمر والله خير منك، واما أبوك وأبوه فانهما فى النار، ولولا ما سبقت اليه من الاسلام، لألفيت معتقلا شاة، يسرك عذرها، «3» ويسوؤك جمادها، «4» قال: صدقت فاكتم على، قال أفعل.
وأكثر ما كتب لك من هذه الاخبار فانى أكتبه من حفظى اذ حال بينى وبين الوصول الى مظانها من كتبى، استيلاء الضعف، وقله المعين، فان وجدت فى بعض ألفاظها تغييرا فلا تنكر، فانى قد أديت اليك المعانى وافية، وصورتها فى نفسك تصويرا صحيحا، وما ألقيته من ألفاظها فانه لا يحتاج اليه فى كشف أغراضها والتعبير عن صورتها، فاذا انكشف لك المعنى فلا تبال بما القى من فضول اللفظ، فقد خف عنك بالقائها مؤونة فضل الاستمتاع، وفضل الحفظ، وكثرة تحريك اليد بالكتابة، ولكل كلام مقدار تقبله النفس، ويعيه القلب فاذا جاوز ذلك تبرم به القارىء، ونبا عنه سمع السامع، وخير الامور أوسطها، وأحبها الى النفوس أعدلها.
أول من انتقش على خاتم الخلافة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الاسود بن شيبان قال: حدثنا خالد بن سمير قال: كان رجل يقال له معن بن زائدة، انتقش على خاتم الخلافة، فأصاب به خراجا من خراج الكوفة، فبلغ عمر ذلك فكتب الى المغيرة ابن شعبة يعلمه أمره، ويأمره ان يطيع فيه أمر رسوله، فخرج المغيرة حتى وقف على معن، وقال لرسول عمر: مرنى بما شئت، قال:
اجعل فى عنقه جامعه، «5» واحبسه، ففعل، والسجن يومئذ من القصب، ففرج القصب وخرج وركب ناقة، حتى أتى عمر فقال: السلام عليك يا أمير
(1/173)

المؤمنين قال: وعليك السلام، من أنت؟ قال أنا معن بن زائدة، قد جئتك تائبا، قبل ان تقدر على، قال: لا حياك الله، فلما صلى الصبح استشار الصحابة، فقال بعضهم: اصلبه، وقال بعضهم: أقطع يده، فسأل عليا فقال:
كذب كذبة فعقوبته بشره «1» فضربه وحبسه مدة.
ثم سأل معن رجلا يسأل فيه عمر، فسأله فقال: ذكرتنى الطعن، وكنت ناسيا، ثم عاد به فضربه وحبسه طويلا، «2» ثم قال: أكتب لنا مالك؟
وأظن ان هذا أول ما صولح عليه رجل من جناية جناها، فأخذ شطر ماله، وكان بالمضيق بين مكة والمدينة، فركب معن ناقته حين طلعت الشمس يوم عرفة، فانتهى الى عمر قبل المغرب، فلما رجع عمر، سأل عن ذلك، فأخبره بصدقه، وكان عمر لما شاطره ماله اختار معن الذى فيه هذه الناقة، فأراد معن أن يعرف عمر أنه غبنه.
أول من ارتشى يرفأ حاجب عمر
قال المغيرة بن شعبة: ربما عرق الدرهم بيدى لا دفعه الى يرفأ غلام عمر ليسهل أذنى.
أخبرنى أبى- رحمه الله- قال: حمل بعض أصحابنا الى بعض العمال رقعة من شفاعة، فردها، وحمل أخرى، فردها، ولم يشفع لصاحبها، فقال له بعض ندماء العامل: نراك تحمل قرطاسا مطويا على مختلفات سود، فترد عن حاجتك، فلو حملته ملونا على أشباه بيض لقضيت لك، فحمل الرجل دراهم، فقضى حاجته.
المختلفات السود، يعنى الحروف، والاشباه البيض، الدراهم، قال زهير:
(1/174)

ومن لم يصانع «1» فى أمور كثيرة ... يضرّس «2» بأنياب ويوطأ بمنسم «3»
أول من حمل الطعام من مصر الى الحجاز عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم باسناده على المدائنى عن شيوخه قال: أجدبت الارض على عهد عمر فألقت الرعاة عصيها، فتقاطرت البوادى «4» المدينة، فاجتمع فيها خمسون ألفا، فكان عمر- رضى الله عنه- يعولهم، فكتب عمر الى عماله: الغوث الغوث، «5» فحملوا اليه فى البر والبحر، وحمل بن العاص من مصر فى بحر أيلة طعاما كثيرا، وفى البر مثله، فقال لابى عبيدة بن الجراح:
مر به الى البادية، واقسم الطعام فيهم، وألبسهم الطروف، «6» وانحر لهم الابل، ففعل، وأكلوا واحتملوا اللحم والودك، «7» وحلف عمر- رضى الله عنه- لا يأكل سمنا ولا لحما حتى يحيا الناس، ثم كتب اليه عمرو بن العاص: ان الخلق لا يشبعهم الا الخالق، فمر الناس فليستسقوا، فقال كعب الاحبار: كانت بنو اسرائيل اذا أصابهم جدب، استسقوا بعصبة «8» الانبياء:
فمشى عمر الى العباس حتى صعد به المنبر، فقال: اللهم انا قد توجهنا اليك بعم نبينا، وصنو «9» أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. وقال العباس: اللهم انك لم تنزل بلاء الا بذنب، ولا تكشفه الا بتوبة، وقد توجه القوم بى اليك لمكان نبيك، وهذه أيدينا مبسوطة اليك بالتوبة من الذنوب،
(1/175)

ونواصينا «1» ذليلة لك، فاسقنا الغيث، «2» وانشر علينا رحمتك، ولا تجعلنا من الخائبين.
قال فأرخت السماء عزاليها بشآبيب «3» المياه، حتى استوت الحفر والآكام، «4» فقال عمر: هذه والله الوسيلة، فى كلام هذا معناه.
أول من احتبس فى الاسلام صدقة عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا أبو زيد قال:
حدثنى محمد بن يحيى عن الواقدى عن عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن عن عمر بن سعيد بن معاذ قال: قالت الانصار: أول ما احتبس فى الاسلام صدقة عمر، كان له مال يقال له ثمغ، «5» فجاء الى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقال: لى مال وأنا أحبه، فقال: احبس أصله وسبل ثمره، ففعل، وقال الواقدى: عن رجاله، ثمغ أول مال تصدق به فى الاسلام، فى كلام هذا معناه.
أول من أعال الفرائض عمر
قال ابن عباس: أول من أعالها «6» عمر- رضى الله عنه- قال: لما التوت الفرائض، فدافع بعضها بعضا، قال: والله ما أدرى، أيكم قدم الله،
(1/176)

وأيكم أخر؟ - وكان امرأ ورعا- فقال: ما أجد لى شيئا من ان اقسم المال بينهم بالحصص، وأدخل على كل ذى حق ما دخل عليه عول الفريضة.
وروى ان العباس أول من أشار على عمر بذلك، وكان ابن عباس لا يرى العول، ويقول: وايم الله لو قدم من قدم، وأخر من أخر، ما عالت فريضة فقيل: وأيها التى قدم الله، وأيها التى أخر؟ قال: كل من لم يزل عن فريضة إلا إلى فريضة فهى التى قدم، وكل من إذا زال عن فريضة لم يكن له إلا ما بقى فهى مما أخر، فأما التى قدم، فالزوج والزوجة، والام، لانهم لا يزالون عن فرض الا الى فرض، والبنات والاخوات يزلن عن فرض الى تعصيب مع البنين، والاخوة، فيكون لهن ما بقى مع الذكور، فيبدأ بأصحاب السهام ثم يدخل الضرر على الباقين، وهم الذين يستحقون ما بقى اذا كانوا عصبة.
أول من أخذ زكاة الخيل عمر (رضى الله عنه)
أتى بفرس تباع بمائة قلوص «1» فقال: ما ظننت ان أثمان الخيل تبلغ هذا المبلغ، وأخبر أن بالشام خيلا سائمة، «2» فأمر بأخذ الصدقة منها، وبناه على قول رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقد ذكر الخيل «خذوا حق الله فيها» قال أبو حنيفة: فأما قول رسول الله: عفوت لكم عن الخيل والرقيق، فانما أراد الخيل التى تتخذ للركوب، دون السائمة، وفى السائمة الصدقة. كما يقول مخالفنا: انما أراد الرقيق الذى يتخذ للخدمة، دون الذى يشترى للتجارة، وفى الذى يشترى للتجارة الزكاة، وكلا اللفظين خاص.
أول من اقطع القطائع عثمان (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وعن أبى جعفر
(1/177)

ايضا عن الحسين بن الاسود «1» يحيى بن آدم عن اسرائيل عن جابر وعن العقدى أيضا وعن هؤلاء قالوا: أول من أقطع الارضين عثمان، ولم يقطع النبى (صلّى الله عليه وسلم) ولا أبو بكر ولا عمر ولا على- رضى الله عنهم- «2» فاقطع الاشعت طيزنا باد، «3» وعدى بن حاتم الروحاء، قال أبو هلال: قد روى ان النبى صلّى الله عليه وسلم أقطع قطائع، فاقتدى عثمان به فى ذلك، وأقطع خباب بن الارت وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد والزبير واقطع طلحة أجمة الجوف «4» - وهو موضع الناسيح- «5» وكتب الى سعيد ابن العاص، وهو بالكوفة ان ينفذها له، فكتب اليه ان طرفا لها فى البحر وآخر فى البر، فجعل لطلحة- وهو كاتب عثمان- أرضا ونهرا كانا له، فكتب الى سعيد، ويحك أنفذها! فانى أتخوف عليك، ففعل فى كلام هذا معناه.
أول من حمى الحمى عثمان
أخبر أبو القاسم بن سيران- رحمه الله- قال: أخبرنا الجوهرى عن أبى زيد عن عمر بن سعيد الدمشقى عن أبيه قال: انى لفى المنزل، إذا أنا برسول عثمان يدعو أبى، فقام فلبس ثوبه، فانطلق وانطلقت معه، فاذا عثمان جالس وعنده المهاجرون، وعيون الانصار، فتكلم، فعلمت أنه ليس بمجلسى، فتنحيت، فقال: إنكم نقمتم على رجال استعملتهم هذه الاعمال
(1/178)

فولوها من رأيتم، ونقمتم على الحمى، «1» وانى نظرت فعلمت ان المسلمين لا يستغنون عن ابل تكون معدة للنائبة تنوب، ولامر يحدث، فحميت الحمى، وانى أشهدكم أنى قد أبحته، ونقمتم على أنى آويت الحكم بن أبى العاص، وكان النبى- صلّى الله عليه وسلم- يقبل توبة الكافر، وان الحكم تاب، فقبلت توبته، ولو كان بينه وبين ابى بكر وعمر من الرحم ما بينى وبينه لآوياه، ونقمتم على أنى أعطيت من مال الله، والله ما أخذت من مال الله درهما واحدا، أكذاك يا طلحة؟ قال نعم.
وذلك فى قدمة قدمها معاوية، وهو حاضر، فقال: يا معشر المهاجرين، قد علمتم أنه ليس منكم رجل الا وقد كان فى قومه من يقطع الامور عليه، حتى بعث الله رسوله، فسبقتم اليه، وابطأوا عنه، فسدتم عشائركم، حتى أنه ليقال بنو فلان ورهط فلان، وان هذا الامر فيكم ما استقمتم، فإن تركتم شيخنا هذا يموت على فراشه والا دخل فيكم غيركم، فقال على:- عليه السلام- ما أنت وذاك يا ابن اللخناء «2» ؟ فقال معاوية: مهلا أبا الحسن عن ذكر أمى، وكانت بأحسن نسائكم، ولقد أسلمت فأتت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فبايعت، فصافحها، وما رأيته صافح امرأة غيرها، فقام على ليخرج مغضبا، فقال عثمان: اجلس فقال: لا أجلس، فقال: عزمت عليك لتجلسن، فأبى وولى، وأخذ عثمان بطرف ردائه، فترك الرداء وخرج، فاتبعه عثمان بصره، فقال: والله لا تصل اليك ولا الى أحد من ولدك، قال: فتعجبت فى نفسى مما آلى عثمان، «3» فذكرته لسعد بن أبى وقاص، فقال: لا تعجب فإنى سمعت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يقول: ليست لعلى، ولا لاحد من ولده، فانى لفى المسجد يوما وعلى وطلحة والزبير جلوس، اذ طلع معاوية، فتواصوا
(1/179)

بينهم الا يوسعوا له، فجلس بين أيديهم، ثم قال: أتسمعون؟ والله لئن لم تتركوا شيخكم هذا يموت على فراشه، لا أعطيكم الا السيف، ثم قام فخرج، فقال على: كنت أحسب عند هذا شيئا، فقال طلحة: قاتله الله! لقد رمى غرضه، وما سمعت كلمة أملأ لصدرك منها.
أول من خلق المسجد وأول من خفض صوته بالتكبيرة وأمر بالنداء الثالث
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن الصباح عن اسماعيل بن زكريا عن عاصم بن أبى مخلد قال: أول من خفض صوته بالتكبيرة عثمان، لضعفه، فلما كان من أمر على- عليه السلام- ما كان رفع صوته به، فقال عمران او عمار: لقد ذكرنا هذا شيئا نسيناه من سنة نبينا- عليه الصلاة والسلام-.
وأخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ميمون بن الاصبغ عن الحكم بن نافع عن شعيب بن أبى حمراه عن الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: جاء عبد الله بن زيد الى النبى فأخبره بما رأى فى التأذين، «1» فوجد النبى- صلّى الله عليه وسلم- قد أمر به، وكان بلال يؤذن بإقامة الصلاة، فتقدم اليه بالتأذين قبل الاقامة، ثم جاء بلال فى الفجر- والنبى صلّى الله عليه وسلم نائم- فزاد، الصلاة خير من النوم، وأقرت فى تأذين الغداة، «2» فجرى الامر فيه الى أيام عثمان- رضى الله عنه- فكبر «3» الناس، فأمر بتأذين الجمعة الثالث، فثبتت، وأمر بتخليق المسجد «4» ورزق المؤذنين، وهو أول من فعل ذلك قال الحسن: انما كان أذان وإقامة والأذان اذا خرج الامام محدث، فى كلام هذا معناه.
(1/180)

أول من أرتج عليه فى الخطبة عثمان (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن على بن مجاهد عن الاعمش عن يزيد بن حصين عن أبى العالية قال: اتخذ لرسول الله- صلّى الله عليه وسلم- منبرا ثلاث مراق، وكان يقوم الى أعلاه، فلما توفى، قام أبو بكر دون مقامه، وقام عمر دون مقام أبى بكر، فلما بويع عثمان قام مقام رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، فقال سلمان: اليوم ولد الشر، قال: فلما استوى فى أعلاه، نظر فى وجوه الناس، ووجم «1» فأحف «2» وصلّى على رسول الله فأوجز، ثم قال: أيها الناس، ان اللذين تقدمانى، يعدان لهذا الموقف كلاما، وأنتم الى إمام عادل، أحوج منكم الى أمام قائل، وستأتيكم الخطبة على وجهها، ثم نزل، قالوا: فأنكر على عثمان قيامه حيث قام النبى، ولم ينكر على أبى بكر وعمر قيامهما فى مصلاه، ولو وقف عثمان دون مقامهما، لصار نزول كل امام عن مقام من تقدمه سنة، وذكر لبعض الامراء صنيع عثمان هذا، فقال له بعض المخانيث:»
أشكره يا أمير المؤمنين، فلولاه كنت الآن تخطب فى بئر.
أول من قدم الخطبة فى صلاة العيدين عثمان
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يزيد بن هارون عن حميد وعن غير هؤلاء قال حميد: قلت للحسن: من صلّى بعد الخطبة؟ قال: عثمان، صلّى ثم خطب، فرأى كثيرا من الناس يذهبون، فخطب ثم صلّى، وقال: لا بأس أن تؤخر الصلاة حتى نتكلم بحاجتنا، وكان النبى- صلّى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته، يصلون ثم يخطبون، وقد روى خلاف ذلك.
(1/181)

حدثنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من قدم الخطبة قبل الصلاة مروان، فقام اليه رجل فقال: يا مروان، انك قد خالفت السنة فقال: ان ذلك قد ترك. فقال أبو سعيد الخدرى: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت النبى- صلّى الله عليه وسلم- يقول:
من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليفعل، والا فبلسانه، والا فبقلبه، وذلك أضعف الايمان، وقد روى هذا المعنى من وجوه أخر تركناها كراهة الإطالة.
أول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم عثمان
خطب فى شهر رمضان فقال: أيها الناس، هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقضه، وليزك ما بقى، قال أبو يوسف: لما جعل عثمان اخراج الزكاة الى أرباب الاموال، سقط حقه من الاصل، فليس لخليفة بعده أن يطالبهم به، وليس ذلك كصدقة المواشى، لان أرباب الاموال يحفظون أموالهم تحت أيديهم، وحفظ الصحارى على الامام، قال: ولهذا نصب عمر العشارين «1» لما كثرت الفتوح، وتصرفت التجارة فى البلدان، ليأخذوا زكاة ما يمر بهم من أموال التجار، ويعتبروا الانصاب والحول، ولا يأخذوا ممن عليه دين، ولا من مال الصبى، وذلك لان حماية الطرقات وما تحتوى عليه، انما تلزم الامام، وقال محمد بن الحسن: بل جعل عثمان القبض فى الاصل للامام، وعلى هذا القياس، يجوز أن يعزل الامام بعد عثمان أرباب الاموال عن ذلك، كما للموكل أن يعزل الوكيل، وكما أنه إن جعل القبض الى مصدق بعينه كان له عزله، والصحيح قول أبى يوسف: لان ذلك العقد لو كان كالوكالة لانفسخ عند موت عثمان، لان الوكيل ينعزل عند موت الموكل، وانما كان ذلك كسائر ما عقده عمر مما لا يجوز حله لاحد.
(1/182)

أول ما وقع الخلاف أول ما وقع الاختلاف من الامة فخطأ بعضهم بعضا حين نقموا على عثمان أشياء نحن ذاكروها
وكان اختلافهم قبل ذلك فى الفقه ولم يكن اختلافا يخطىء فيه بعضهم بعضا. فمما نقموا «1» أمر عبيد الله بن عمر، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن نصر بن أبى جمعة عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عمر وعن المدائنى عن على بن مجاهد عن حميد بن البحترى عن الشعبى ويزيد ابن عياض وسليمان بن أرقم عن الزهرى عن سعيد ابن المسيب قالوا: قال عبد الرحمن بن أبى بكر: مررت بالهرمزان وجفينة وأبو لؤلؤة وهم نجى، «2» وذلك قبل أن يطعن عمر، فلما بغتهم، تاروا «3» وسقط من بينهم خنجر لها رأسان، قال: وهو الخنجر الذى أصيب به عمر- رضى الله عنه- فدعا عبيد الله الهرمزان وأدخله الى مربد، «4» وقال: انظر الى فرس عندى، فقال: لا اله الا الله فقتله وواراه، وأرسل الى جفينة- وكان نصرانيا- وأدخله المربد وضربه، فلما وجد مس السيف، خر وصلب «5» على الأرض صلبا وسجد، ثم خرج فقتل امرأة أبى لؤلؤة وبنتا له وابنا له صغيرا، فأخذ وحبس- وذلك فى اليوم الثانى من موت عمر- فلما قام عثمان، استشار فى أمره، فقال عمرو بن العاص: دماء سفكت فى غير ولايتك، فاجعلها دية، فأخذ منه خمس ديات وخلى سبيله، وأنكر على- عليه السلام- ذلك، ورأى قتله، فلما ولى خافه عبيد الله،
(1/183)

فقدم الكوفة، وسأل الاشتر أن يأخذ له أمانا من على، فأبى، وقال: ان رأيته لاقتلنه بالهرمزان فلحق بمعاوية، فقال معاوية: الحمد لله الذى جعلنى أطالب بدم عثمان، وجعل عليا يطلب بدم الهرمزان، فقال زياد بن بياضة.
أبا عمرو عبيد الله رهن ... ولا تشكك بقتل الهرمزان
أبا عمرو حكمت بغير حقّ ... وما لك بالّتى حدثت يدان
وشهد عبيد الله صفين مع معاوية، وقد أعلم بجلاجل علقها فى أعناق خيله، وهو أول من فعل ذلك، فقتل بصفين.
ونقموا عليه أمر المنبر وقد ذكرناه.
وأمر الحكم بن أبى العاص. أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن أبى معشر عن عبد الله بن أبى فروة وعن غير هؤلاء قالوا: كان الحكم بن أبى العاص يهزأ برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- واذا صلّى قام خلفه وأشار بأصبعه، فاطلع يوما فى حجرة النبى: فقام إليه النبى- عليه الصلاة والسلام- يعيره، «1» فرجع الحكم، فقال النبى: من يعذرنى من هذه الوزغة؟ «2» تطلع على فى بيتى، لو أدركته لفقأت عينه، فسيره الى الطائف، فلما قام أبو بكر سأله عثمان رده فأبى، ثم سأل ذلك عمر فأبى، فلما قام عثمان رده، وقال: كنت سألت رسول الله أن يرده فوعدنى، فلما وليت رددته، ولو كان بين أبى بكر وعمر من القرابة ما بينى وبينه لآوياه.
وخمس أفريقية. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن عيسى بن يزيد ويزيد بن عياض عن جعفر عن عبد الرحمن بن المسور: أن مروان بن الحكم بنى دارا، وصنع طعاما، ودعا الناس، وقال: والله ما أعاننى فى بناء
(1/184)

دارى أحد! فقال المسور: أقبل على طعامك ولا تحلف، قال: أو تقول غير ذلك؟ قال نعم وان ذكرته غضبت، قال: فاذكره، قال: غزونا أفريقية سنة سبع وعشرين، فما كنت أنقانا حسبا، ولا أكرمنا فعالا، ولا أكثرنا مالا، ثم حضرنا القتال، فما كنت أشدنا قلبا، ولا أشجعنا لقاء، ولا أعظمنا غناء، ففتح الله على المسلمين، فاشتريت خمس أفريقية، وقدمت على ابن عمك عثمان بشيرا، فوهبه لك، واتخذت أموالك، وبنيت دارك، وأصلحت شأنك، قال: ألم أقل لك انك حسود؟ قال ألم أقل لك انك تغضب؟ وقالوا:
اشترى مروان خمس افريقية، وقيمته أربعمائة ألف دينار، بمائة ألف دينار، من عبد الله بن أبى السرح، فلما قدم المدينة، أدى بعضه، ووهب له عثمان الباقى.
وأمر المصاحف وأمر الحمى وقد ذكرناهما. «1»
وأمر ابن أبى وقاص والوليد. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن أبى اسحاق قالوا: أوصى عمر فقال: من ولى بعدى من المسلمين فليول البصرة أبا موسى أربع سنين، وليستعمل سعدا على الكوفة، فولى عثمان سعدا تكملة سنة، ثم عزله، وبعث الوليد بن عقبة، فكان يشرب ويلعب، فقال عمرو بن زرارة: عزل عثمان عنا ابن أبى وقاص، الهين اللين السهل القريب الحسن البلاء فى الاسلام، واستعمل أخاه الاحمق الفاجر، فكتب الوليد الى عثمان يشكوه، فكتب اليه: وما لعمرو بن زرارة والانزاع والتأمير، «2» انما ذلك الى المهاجرين الاولين من قريش، وانما عمرو أعرابى جلف جاف، فاتق الله فيما وليت، وانصر الضعيف، وخف الله فى السر والعلانية، قالوا: فلما قدم الوليد الكوفة، قال له سعد: احمقنا بعدك أبا وهب ام كيست «3» بعدنا؟ فقال: فكل ذلك لم يكن، ولكنه سلطان القوم، يضعونه
(1/185)

حيث يحبون، فقال سعد متمثلا:
خذينى فجرّينى ضباع وأبشرى ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
وأنكروا عليه ضربه الرجل الذى شهد على الوليد بالخمر.
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى محمد الناجى عن مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان: انى صليت الغداة خلف الوليد، فالتفت الينا بعد ما صلّى، وأنا أجد ريح الخمر، فقال: أزيدكم؟ إنى أجد نشاطا، فأمر به عثمان فضرب، فقالت الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود، وقال الحطيئة يذكر صنيع الوليد:
شهد الحطيئة حين يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
فنزعت مكذوبا عليك ولم ... تردد الى عوز ولا فقر
ورأوا سماتك ماجدا «1» متبرّعا ... أعطى على الميسور والعسر
نادى وقد كملت صلاتهم ... أأزيدكم ثملا «2» ولا يدرى
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لقرنت بين الشّفع والوتر
وأبوا أبا وهب ولو قبلوا ... زادت صلاتهم على عشر
(1/186)

كفوا عنانك «1» اذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجرى
وأمر ابن مسعود. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن بشر بن عاصم عن الاعمش عن عبد الله بن سنان الاشعرى وعن المدائنى عن محمد بن الفضل عن يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع وعن غير هؤلاء قال عبد الله بن سنان: خرج علينا عبد الله بن مسعود، فقال: فقدت من بيت مالكم مالا، لم يكتب به براءة، «2» ولم يأتنى فيه أمر أمير المؤمنين، فكتب الوليد ابن عقبة الى عثمان يشكوه، فعزله من بيت المال، قال: فبينا الوليد يخطب، نهض عبد الله فصلّى، فقال الوليد: أتاك فى هذا أمر أمير المؤمنين أم ابتدعت؟ قال:
لم يأتنى فيه أمره وما ابتدعت ولكن أبى الله أن ينظرك بصلاتنا وأنت تلعب، فكتب عثمان فى حمله الى المدينة، فخرج، فقال عثمان: يأتيكم ذؤيبه، «3» فلا تسلح «4» على شىء، فيأكل منه الا مات، فلما قدم عاتبه، وأحرمه عطاءه ثلاث سنين، فلما حضرته الوفاة، حمله اليه، فقال: حرمتنيه حين ينفعنى، وتعطينه حين لا ينفعنى؟ ورده وأوصى الى الزبير أن يصلّى عليه، فلما مات صلّى عليه، فعاتبه عثمان، وقال: لهممت أن أنبشه «5» واصلّى عليه، فقال الزبير: لو رمت ذلك لحيل بينك وبينه، فوقف على قبره، وترحم عليه، وحمل عطاءه الى ولده، فقال الزبير:
لا ألفينّك بعد الموت تندبنى «6» ... وفى حياتى ما زوّدتنى زادا
(1/187)

وأمر قصره طمار وما جرى فيه بينه وبين عبد الرحمن ابن عوف أخبرنا أبو القاسم العقدى عن أبى جعفر قال: قال أبو يعقوب السروى: بنى عثمان قصره طمار أو الزوراء، وصنع طعاما، ودعا الناس، فحضروا، فلما نظر عبد الرحمن الى بنائه قال: يا ابن عفان. قد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وانى أستغفر الله من بيعتك، فغضب عثمان، وقال عبد الله بن العباس: كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، فمرض عبد الرحمن، فعاده عثمان، فكلمه، فلم يكلمه حتى مات.
وأمر عبادة بن الصامت أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى معشر عن محمد بن كعب عن بريك الاسلمى قال: مر بعبادة بن الصامت عير تحمل الخمر من الشام، فقال: أزيت هذا؟ قالوا لا. بل خمر تباع لمعاوية، فأخذ شفرة فشق الروايا «1» فشكاه معاوية الى أبى هريرة، فقال له: أبو هريرة مالك ولمعاوية؟ له ما تحمل، ان الله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
«2» فقال: يا أبا هريرة انك لم تكن معنا اذ بايعنا رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، بايعناه على السمع والطاعة، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر، نمنعه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى بها الله وفى الله له أجره، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«3» فكتب معاوية الى عثمان: يشكوه فحمله الى المدينة، فلما دخل عليه قال: سمعت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يقول: «سيلى أموركم رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله» وعبادة يشهد أن معاوية منهم، فلم يراجعه عثمان.
(1/188)

وايثاره بنى أمية، أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن معمر عن الزهرى وعن غيرهم قال: تزوج سعيد بن العاص أم البنين بنت الحكم، فأعانه عثمان بأربعين ألفا، فهلكت، فتزوج أم عمرو بنت عثمان، فأعطاه مالا من بيت المال، وأمر عبد الله بن الارقم أن أن يكتم عليه حتى يرده، فلم يفعل، وأنكح الحارث بن أبى الحكم ابنته عائشة، ومروان ابنته أم أبان، وعبد الله بن خالد ابن أسيد ابنته أم سعيد، وأعطاهم أموالا من بيت المال، وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن سويد ابن أبى حاتم عن قتادة قال: أمر عثمان للحكم ابن أبى العاص بمائة ألف درهم، ولابى سفيان يمثلها، ولمروان بمائتى ألف، فجاء عبد الله بن الارقم بمفاتيح بيت المال، فوضعها بين يدى عثمان، وبكى، فقال: ما يبكيك إن وصلت رحمى؟
فقال: لعلك جعلت هذا عوضا عما أنفقت فى سبيل الله، لو أعطيت مروان مائتى درهم لكان كثيرا، وقال عثمان: ألق مفاتيحك يا ابن الارقم فانا سنجد غيرك.
ومثله أمر أبى موسى، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن شريك عن عمار الدهنى عن سالم بن أبى الجعد قال: قدم أبو موسى على عثمان بمال من العراق، فأخذ منه غلام من آل عثمان قبضة، فقال عثمان: اذهب بها. وقالوا: بل قسمه بين أقاربه، فبكى أبو موسى، فقال:
ما يبكيك؟ قال قدمت على عمر بمال فى العام الاول، فتناول منه صبى درهما، فأخذه عمر فرده الى موضعه، فقال: إن ابا بكر وعمر منعا أرحامهما لله، وأنا أصل رحمى لله.
وأطعامه الحارث بن الحكم سوق المدينة: أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر بن محمد بن معاوية النيسابورى عن عبد الله بن جعفر عن شريك عن عطاء بن يسار، وأخبرنا أيضا عن أبى جعفر عن المدائنى عن ابراهيم بن محمد عمن حدث عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: قال عطاء: جاء
(1/189)

النبى- صلّى الله عليه وسلم- الى سوق المدينة فقال: ان سوقكم هذا لا يضيق، ولا يؤخذ منه خراج او غلة، «1» قال عيسى ابن طلحة: فأطعمه عثمان الحارث بن الحكم، فأنكر الناس ذلك، فخطبهم وقال: ان الله أمر بصلة الرحم، ان أبا بكر وعمر رأيا رأيا، لا نقول انهما أخطآ، رأيا ان يمنعا المال أقاربهما، فلما وليت كان لى قرابتان، أقل قومهم مالا، بهم حاجة، فرأيت أن أصلهم، فأعطيت مروان خمس أرمينيه، فبلغ خمسة عشر ألف درهم، وجعلت الحارث على السوق، يأخذ كل يوم درهمين، ولعله لا ينقلب الا بدرهم، وكان امرا ذا حاجة، وزوجت عبد الله بن خالد بن أسيد،- وكان من أقل قريش مالا- فصنعت شيئا وان رأيتم ذا سرفا وخطأ فخذوه، فقد عرفتم مكانه، وإن لم يكن سرفا ففيم النكير؟
وأمر أبى ذر. قال أصحابنا: ان أبا ذر كان يذهب الى أن المسلم لا ينبغى أن يكون فى ملكه أكثر من قوت يومه، إلا شيئا ينفقه فى سبيل الله، او يعده لغريم، ويتأول على ذلك قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
«2» الآية قالوا: فاختار الخروج الى الرّبذة «3» زهدا منه فيما فى أيدى الناس، وكذلك روى عن الحسن، ومما يصدقه ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن اسحاق بن ادريس بن بكار أن عبيد الله بن العباس قال: كان أبو ذر يقول: لا يبيتن فى بيت أحدكم دينار ولا درهم ولا ذهب ولا فضة الا شيئا ينفقه فى سبيل الله، أو يعده لغريم، «4» فبعث اليه معاوية جنح «5» الليل ألف دينار، أراد أن يخالف قوله فعله، فلما جاءته قسمها، فلم يصبح وعنده منها دينار واحد، فقال معاوية للرسول: انطلق الى أبى ذر وقل له:
(1/190)

أرسلنى الى غيرك فأخطات بك، فقال أبو ذر: قل له: ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار واحد، فان أخذتنا بها، فأنظرنا نجمعها لك، فلما رأى معاوية ان قوله يصدقه فعله، كتب الى عثمان: ان كان لك حاجة فى الشام فأرسل الى أبى ذر، فقد أوغر «1» قلوب الناس، فكتب اليه ألحق بى.
وقد روى خلاف ما تقدم ذكره من خروجه الى الربذة من تلقاء نفسه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن أبى عبد الرحمن العجلانى وعيسى بن يزيد قالا: أنبأنا بعض أهل العلم، عن رجل من بنى غفار قال: بينا أنا عند معاوية أحدثه، غضب، ولم أر شيئا أغضبه، ثم قال لرجل:
عجل على بأبى ذر، فلم ألبث ان طلع، فاذا رجل طويل مشتمل «2» بكساء، فما سلم حتى جلس، فقال: يا معاوية، لم بعثت الى؟ قال: بلغنى أنك تطعن فى أمير المؤمنين عثمان، وهو إمامك، قال: هو طعن على نفسه، قال: أما والله لولا ان أبده «3» - او لفظ هذا معناه- أمير المؤمنين بما لا أدرى، أيوافقه أم لا؟ لكنت أول أصحاب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أضرب عنقه، قال:
قاتلك الله يا معاوية! تراقب عثمان ولا تراقب الله؟ الا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله؟ فاسترخت عينا معاوية، وأذناه، وقال: حدثنى، قال: سمعت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يقول: «ويح «4» أمتى من أعين الامى، يراوح بين منكبيه،»
يخرج بمن اتبعه من أهله حتى يوردهم نار جهنم، فسيرتطم ويرتطمون» «6» كانك هو ولا أدرى، فقام معاوية، فدخل، وخرج أبو ذر، فلحقته، فسلمت عليه، فتجهمنى، «7» فانتسبت له، فرد علىّ السلام،
(1/191)

وكتب معاوية الى عثمان، يخبره ان أبا ذر يطعن عليه، فكتب عثمان يأمره بحمله اليه، فحمله على قتب، «1» تحته مسح، «2» وخرجت معه، فكنت ألقى تحته ردائى، فقرحت فخذاه، وقدمنا المدينة، فلما دخل على عثمان قال:
لا أنعم الله لقين «3» عينا ... أبدا ولا عساه فينادمنا
تحيّة السّحط اذا التقينا
فقال أبو ذر: وما قين؟ والله ما سمتنيه أمى ولا أبى، ولكن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- كان اذا رآنى رحب بى، وأدنى مجلسى، قال عثمان:
اجلس. ألم يبلغنى أنك تقول: ما أحب أن أكون فى صلاح عمر بن الخطاب؟ قال: وان قلته فمه «4» أسلمت كما أسلم، وهاجرت كما هاجر، وأنا على يقين من نفسى، وشك من غيرى، فقال عثمان: ما ترون فى أبى ذر؟ ودخل على- عليه السلام- وعليه عمامة بيضاء، فقال: لم أرسلت الى؟ قال لامر أبى ذر، قال: فلوما تركتموه كمؤمن آل فرعون. ان كان كاذبا فعليه كذبه، فقال عثمان لعلى: بفيك التراب قال: بل بفيك قبلى، ثم خرج، فمكث الناس أياما، ثم دخل أبو ذر وبين يدى عثمان مال، فقال:
ما ترون فى رجل اذا زكى ماله؟ هل عليه غيره؟ قال كعب الاحبار: لا ليس عليه شىء، فقال أبو ذر: متى كانت الفتيا اليك يا ابن اليهوديه؟ بل عليه أن يصل رحمه، ويتقى الله ربه، فقال عثمان: عن بلدنا، قال الى الشام؟ قال:
لا، قال: فمكة؟ قال: لا. قال: فهو التغريب بعد الهجرة، فخرج الى الربذة ومعه على يشيعه، فأقبل مروان يسير حتى أدخل راحلته بين راحلتيهما ليسمع ما يقولان، فضرب على وجه راحلته، وأعلم عثمان، فلام عليا فقال:
(1/192)

إن كان أغضبك أنى ضربت وجه راحلته فهذا وجه راحلتى فاضربوها، وأقام أبو ذر بالربذة حتى مات- رضى الله عنه-.
وأمر عمار بن ياسر وعائشة: أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الاعمش عن سالم بن أبى الجعد وأخبرنا باسناده عن أبى جعفر قال: قال أبو يعقوب السروى: وأخبرنا غير هؤلاء جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قالوا: جعل الناس ينقمون على عثمان ايثاره بنى أمية، وهو يعمل على شاكلته، فكتب عمار والمقداد ومعهما نفر كتابا اليه، يذكرون فيه ما ينقم الناس عليه، فمضى به عمار اليه، وتسلك «1» الباقون، فلما قرأه قال: أنت كتبت هذا؟ قال نعم، ونفر معى. قال من هم؟ قال: لا أخبرك. قال:
اضربوا العبد، فضربه من بحضرته، وقام هو فوطئه حتى فتقه، وكان لا يستمسك بوله فحمل مغشيا عليه، فقالت عائشة: إنك برىء من صاحب هذه الحجرات فقال: من لى بهذه الحميراء؟ انها لمن شر بيت من قريش. فقال طلحة والزبير: كذبت، قال: بل كذبتما، قالا: بل كذبت، قال: بل صدقتما وكذبت فى كلام هذا معناه.
فهذه جملة مما نقم على عثمان- رضى الله عنه- وعذره فى أكثرها واضح، واللائمة عنه ساقطة، الا تراهم رووا ان الذى أخذه من بيت مال المسلمين، ووصل به قرابته انما أخذه ليرد العوض عنه، وليس فى أخذه على هذه الشريطة أثم، وأما ضربه من ضرب، وحرمانه من حرم، فانما كان تأديبا منه لهم، لما كان من اجترائهم عليه، ومراجعتهم إياه، اذ كان فى ذلك خرق هيئته، «2» والوضع من أبهته، «3» وأدبهم ليعز سلطان الله فى أرضه.
وأما قولهم: عطلت الحدود، فكيف يقال ذلك؟ وقد حد الوليد ابن
(1/193)

عقبه، وهو أخوه من أمه، وأعز الناس عنده، وحد عاصم بن عمر بن الخطاب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر، «1» ومحمد ابن حذيفة فى الخمر، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم، وأما ضربه الرجل الذى ذكر الوليد يشرب الخمر: فلم يكن شاهدا، وانما يكون شاهدا اذا كان معه شاهد آخر، يشهد بما يشهد به، وإلا فقوله يجرى مجرى النميمة والاغرار، «2» وأما حبه لاقاربه: فغير بديع «3» لان الناس مجبولون على حب القربى، والوحشة من البعداء، وكان فيهم على علاتهم غناء، وعندهم كفاية، فلذلك كان يوليهم، ويستعملهم ويستكفيهم، الا ترى الى فتوح ابن عامر؟ فتح جور «4» واسطخر «5» ونيسابور وطوس ومشى الى سرخس، ووجه الاحنف ففتح قوهيان، والاسود بن كلثوم ففتح بيهق «6» من خراسان. الى غير ذلك من فتوحه، وفتح عثمان بن أبى العاص أرخان، «7» وقالوا: فتحه أبو موسى وبلادا من كورة دار ابجرد، وفتح الوليد بن عقبة التين والطبسين، وموقان من أرمينية، وفتح ابن أبى السرح كثيرا من بلاد المغرب. وكان لهم بأس فى الحرب، ونكاية فى العدو، وحماية الثغور، يقومون فيها مقام غيرهم، وكان الذى يذكرون به من مكروه الافعال، لا يصح عند عثمان، وما صح فيه عنده، أجرى فيه حكم الله فحد الوليد بن عقبة الحد الشرعى فى الخمر ...
وأما قول عبد الرحمن: فانى استغفر الله من بيعتك فان كان صحيحا فانه قالها على جهة المبالغة، فى انكار ما رأى من بنائه وسعة نفقته عليه. لا لصحة
(1/194)

الاعتقاد لذلك، لان التوسعة فى النفقة على بناء، واتخاذ طعام، لا يبلغ ان يكون فسقا يستغفر معه من سعته. وكانوا فى ذلك الوقت يستعظمون الصغير من الذنوب، لقرب عهدهم برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ثم بخشونة عمر، وشدة استقصائه ومناقشته على الصغير من المعاصى، وبهذا يتأول قول عائشة: انك برىء من صاحب هذه الحجرات، ونحن نعلم ان عثمان لم يبرأ من رسول الله، وانما قالت ذلك: على حسب ما يقال للرجل اذا أفرط فى ضرب غلامه او ابنه انك لكافر القلب، لما يتصور فى الكافر من القساوة، لا على ان ذلك الضرب كفر هذا الى أنا لا ندعى لعثمان العصمة من الذنوب، بل نقول: يجوز وقوعها منه، مع انصرافه عنها الى التوبة، حتى يموت وهو طاهر من الذنوب، نقى الجيب من العيوب لان النبى- صلّى الله عليه وسلم- أخبر عن عاقبة أمر العشرة أنهم فى الجنة.
وقد فرغ أصاحبنا المتكلمون، من الكلام فى تصويب ما عليه المخالفون من أفعال الأئمة، الا فى هذه الاخبار التى تقدمت، فإنى ما قرأت لاحد منها شيئا، وأرجو ان يكون ما ذكرته من تصويب عثمان فيما نقم عليه، مقنع ان شاء الله.
فكانت هذه الامور سبب الاختلاف بين الناس، لانهم صاروا فريقين عاذر له فيها، وناقم عليه بها، ثم قتلوه فاشتد الخلاف، واشتبكت الحروب، وصار الناس فرقا، فكل يحتج لنفسه وعصابته، ويرد على من يخالفه من غير طائفته، وشرح هذا يطول، وليس كتابنا منه بسبيل، فتركته.
أول خليفة ولى وأمه تحيا عثمان رضى الله عنه
واسمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب، ثم موسى وهارون ابنا المهدى، وأمهما الخيزران، أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الطيب بن محمد عن قعنب بن محرز عن سعيد بن سالم قال: قال الهادى لامه الخيزران حين ولى الخلافة:
(1/195)

ان الامر والنهى لا يبلغه قدر النساء، فلا يخرجن من خفر الكفاية الى بذلة التدبير، «1» اختمرى بخمرتك، وعليك بسبحتك، ولا أعلمنك تعديت ذلك الى تكليف يعز لك، «2» وتعنيف يلزمك، ولك على بعد ذلك الطاعة التى أوجبها الله فى غير كفر ولا مأثم.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن محمد بن العباس عن على بن محمد النوفلى قال: قال لى عبد الملك بن اسماعيل: كنت مع المهدى اذ قدمت عليه الخيزران فى مائة قبة ملبسة وشيا وديباجا، فقال أبو العتاهية:
رحن فى الوشى «3» وأصبحن عليهنّ المسوح ... كلّ نطّاح من الدّهر له يوم نطوح
لتموتنّ وإن عمّرت ما عمّر نوح ... فعلى نفسك نح ان كنت لا بدّ تنوح
وكانت الخيزران أرضعت الفضل بن يحيى بلبان الرشيد، فقال مروان بن أبى حفصة:
كفى لك فضلا أنّ أفضل حرّة ... غذتك بثدى والخليفة واحد
لقد زنت يحيى فى المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالدا فى المشاهد
ثم محمد بن هارون الامين. وأمه أم جعفر بنت أبى جعفر المنصور، ولم يتول الخلافة هاشمى الابوين إلا على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، ومحمد الأمين أبوه الرشيد، وأمه أم جعفر
(1/196)

بنت المنصور، تلقب بزبيدة، قال أبو الهول الحميرى «1» .
ملك أبوه وأمّه من نبعة ... منها سراج الأمّة الوهّاج «2»
شربوا بمكّة فى ذرا بطحائها «3» ... ماء النّبوّة ليس فيه مزاج «4»
ثم المتوكل- وهو جعفر بن المعتصم- ثم المنتصر- وهو محمد بن المتوكل- ثم المستعين- وهو احمد بن محمد بن المعتصم- وأمهما ريا:
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن ابن محمد عن أحمد بن حمدون قال: عملت أم المستعين قلادة، «5» لم يبق شىء حسن الا جعلته فيها. وأنفقت عليها مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، وسألته ان يقف عليها، قال أحمد: فما رأينا فى الدنيا شيئا الا قد عمل فيها، ومددت أنا يدى الى غزال من ذهب قد ملىء عنبرا، عيناه حبتا جوهر، وعليه سرج ولجام وركاب من ذهب فأخذته، ووضعته فى كمى، وجئنا فوصفنا له حسنها، فقال أترجة: أنه سرق منها شيئا، وغمز به على، فقلت: يا سيدى أألام على مثل هذا؟ فقال: ارجع فخذ ما أطقت حمله مما تريده، فقال أترجة: وأنا معه، فمضينا فملأنا أكمامنا وخفافنا، وفتحنا أقبيتنا، «6» وجعلنا تحتها ما قدرنا عليه، وعقدنا أطراف الشفاشح «7» فوق ذلك، وأقبلنا نمشى مشى الحبالى، فلما رآنا ضحك فقال
(1/197)

الجلساء: نحن فما ذنبنا؟ قال: قوموا أنتم أيضا، وقال المغنون: مثل ذلك، فاذن لهم، وجاء فوقف على الطريق ينظر كيف يحملون ما معهم ويضحك، فنظر يزيد المهلبى الى سطل من ذهب مملوء مسكا فأخذه وخرج، فقال: الى أين؟ قال إلى الحمام. فضحك، وأمر الاطباء والخدم والفراشين فانتهبوا الباقى، فوجهت اليه أمه سرا، لله أمير المؤمنين فى جميع أفعاله، كنت أحب أن يراها قبل أن يفرقها، فقال: يعاد مثلها، فأعيد فى مدة شهرين، فى كلام هذا معناه.
ثم المعتز، وأمه قبيحة وسميت بذلك عوذة من العين، لخلوها من جميع العيوب، أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن عبد الله بن المعتز قال: لما بويع لابى بالخلافة قال مروان ابن أبى الجنوب يخاطب أمه:
لله درّك يا عقيلة «1» جعفر ... ماذا ولدت من التّقى والسّودد «2»
انّى لأعلم أنّه لخليفة ... إن بيعة عقدت وان لم تعقد
انّ الخلافة قد تبيّن نورها ... للنّاظرين على جبين محمّد
فدعته فوضعت فى فمه حبتين من جوهر، فزعم أنه باعهما بمائة ألف درهم، ثم المعتضد- وأمه ضرار- ثم المطيع- وأمه مشعلة- ولم يتول أحد الخلافة وأبوه باق الا أبو بكر الصديق رضى الله عنه وقد ذكرناه.
أول من خلع عثمان فى حياته عمرو بن زرارة
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن بعض أصحابه عن هشام
(1/198)

بن محمد قال: أول من خلع عثمان فى حياته وبايع عليا عمرو بن زرارة والحارث بن عداء، أقام حياته ببنى أود فخلعه وقال:
أقسمت بالله ربّ البيت مجتهدا ... أرجو الثّواب به سرّا وإعلانا
لاخلعنّ أبا وهب وصاحبه ... كهف «1» الضّلالة عثمان بن عفّانا
أول من اتخذ صاحب شرطه
فى كلام أوردت منه ما احتيج اليه، وعثمان- رضى الله عنه- أول من اتخذ صاحب شرطة وكان صاحب شرطته عبد الله بن منقذ من تميم قريش.
أول من بايع عليا (عليه السلام)
ذكر الواقدى عن رجاله قالوا: جاء الاشتر الى على حين قتل عثمان- رضى الله عنه- فقال له: قم فبايع الناس، فو الله لو تكلمت لتعصرن «2» عليها عينك مرة أخرى، فجاء حتى دخل بين سكن، «3» واجتمع الناس اليه، وفيهم طلحة والزبير لا يشكان ان الامر شورى، فقال الاشتر: هل تنتظرون أحدا؟ قم يا طلحة فبايع؛ فقام يجر رجله حتى بايع عليا، فقال حبيب ابن زؤيب او ذؤيب:
اول من بايعه أشل، فما أظن أمره يتم، واول من بايعه اشتر، ألقى خميصة كانت عليه، وأخذ السيف وجذب يد على فبايعه وقال: والله لا يتكلم أحد منكم الا ضبت عنقه، فقام طلحة والزبير فبايعا، وبايع الناس فكانا يقولان بعد ذلك: بايعنا واللج على رؤوسنا، أى السيف.
(1/199)

أول من بايعه من أهل مصر عبد الرحمن بن عديس
بايعه وقال:
خذها اليك واعلمنّ أبا الحسن ... أنّا نمرّ الأمر امرار الرّسن»
وخطب على- رضى الله عنه- أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن القاسم عن أبيه قال: لما استخلف على صعد المنبر ثم قال:
حق وباطل، ولكل أهل: وقال: ما أدبر شىء ثم أقبل، وإنى لاخشى ان تكونوا فى فترة من دينكم، ولئن ردت عليكم أموركم إنكم لسعداء، قد كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كبيرا، كنتم فيها غير محمودين، ولو أشاء لقلت عفا الله عما سلف، مضى الرجلان، وقام الثالث كالغراب، همته بطنه، وبجد لو قطع رأسه وجناحاه كان خيرا له، ثلاثة واثنان ليس لها سادس. نبى أخذ الله يده وملك طار بجناحيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر فى النار، هلك من ادعى، وخاب من افترى، اليمين والشمال مظلمة «2» والطريق المنهج عليه، ما فى الكتاب وآثار النبوة، ان الله تعالى أدب هذه الامة بالسيف والسوط، ليس فيهما هوادة، فاستتروا فى بيوتكم، وتفقدوا أعمالكم، والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته «3» للحق هلك، الا كل قطيعة أقطعها
(1/200)

عثمان، ومال من مال الله فهو رد على المسلمين فى بيت مالهم، والله لو رأيناه نكح به النساء وتفرق به فى البلدان لرددناه، لان الحق قديم لا يخلق، «1» وان لكم فى الحق سعة، ومن ضاق عنه الحق فالباطل عنه أضيق، ثم بعث الى سيفه ودرعه ونجائب «2» كانت له فأخذها، فقال الوليد بن عقبة:
الا من لليل لا تغور ... اذا غاب نجم لاح نجم يراقبه
خليلىّ انّى لست أنسى مصابه «3» ... وهل ينسينّ الماء من هو شاربه
هموا قتلوه كى يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى أقاربه «4»
هو الأنف والعينان منّى وليس لى ... سوى الأنف والعينين وجه أصاحبه
ثلاثة رهط قاتلان وسالب ... سواء علينا قاتلاه وسالبه «5»
بنى هاشم كيف المودّة بيننا ... وعند علىّ «6» سيفه ونجائبه
(1/201)

أول قتال كان بين فريقين من أهل القبلة
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن رجاله عن الواقدى عن عبد الله بن الحارث عن أبيه وأبى القاسم عن رجاله عن المدائنى قال: لما صارت عائشة- رضى الله عنها- وطلحة والزبير بحفر أبى موسى، بعث اليهم عثمان بن حنيف- وهو عامل على البصرة- عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلى، فدخلا على عائشة- رضى الله عنها- وقالا: ما جاء بك؟ قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان، أفلا أغضب لعثمان من سيوفكم؟ قالا: وما أنت وسوط عثمان وسيوفنا؟ أنت حبس «1» رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، نذكرك الله أن تهراق «2» الدماء فى سببك، قالت: وهل أحد يقاتلنى؟ قال: أبو الاسود:
نعم. والله قتال أهونه شديد.
ثم دخلا على الزبير وطلحة، وكلماهما، فوقعا فى على ونالا منه، فأتيا عثمان فعرفاه، فأمر الناس فلبسوا السلاح، ودخل طلحة والزبير وعائشة حتى انتهوا الى المربد، فخطبت فقالت: ان عثمان غير وبدل، فلم نزل نغسله حتى أنقيناه، وبلوناه بالشدة حتى أخلصناه، ولما صار كالذهب المصفى عدا عليه السفهاء فقتلوه، ثم أتوا عليا فبايعوه على غير ملأ من الناس أفنغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟ لا يصلح هذا الأمر حتى يرد شورى كما فعله عمر- رضى الله عنه-، فقال بعضهم: صدقت وقال بعضهم: كذبت. واضطربوا بالنعال، فصارت تجمعها، فاستقبلهم عثمان فى الناس، فشجوهم «3» بالرماح، ورماهم النساء والصبيان من فوق البيوت، وأفواه السكك، «4» فاندفعوا حتى أتوا مقبرة بنى مازن، فنابت اليهم نائبة من الناس،
(1/202)

ولقيهم عثمان من الغد فى أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى زالت الشمس، وكثرت القتلى، ثم كتبوا بينهم كتابا لا يتعرض بعضهم لبعض حتى يرد على- عليه السلام-، فوقفوا أياما، ثم جاء عبد الله بن الزبير فى أصحاب له، فطرق «1» عثمان بن حنيف وأسره، وجىء به الى طلحة والزبير فأمرا به فضرب، ونتفت لحيته، وأرادا قتله، فقال معاذ بن عبد الله: ان قتلتموه لا آمن الانصار على ذراريكم بالمدينة، فحبسوه، ثم أرسلوه، فقال حكيم بن جبلة:
ما كنت فى شك من قتالهم، ولقد ازددت فيه بصيرة، فمن كان فى شك فلينصرف فخرج فى سبعمائة من عبد القيس وبكر بن وائل، فقاتلهم، فضرب رجل منهم ساق حكيم فقطعها، فأخذها حكيم فرماه بها فصرعه، ثم جاء اليه فقتله، واتكأ عليه، فمر به رجل فقال: من قاتلك؟ قال وسادتى، «2» وقتل يومئذ سبعون رجلا من عبد القيس، وبلغ أمرهم عليا فقال:
دعا حكيم دعوة سميعه ... نال بها المنزلة الرّفيعه
يا لهف «3» نفسى على ربيعه ... ربيعة السّامعة المطيعه
أتيتها كانت بها الوقيعه ... بين محلّى سوقها والبيعه «4»
فى كلام هذا معناه.
وحدث أسد بن سعيد عن أبيه عن جده عن جد أبيه قال: بلغنى ان عبد الملك بن مروان قال لجلسائه: أخبرونى عن حى من العرب فيهم أشد الناس وأسخاهم وأخطبهم، وأطوعهم فى قومه، وأعظمهم خطرا، وأحلمهم وأحضرهم جوابا، وأسرعهم انتصافا قالوا: فى قريش؟ قال: لا. قالوا: ففى حمير؟ قال: لا. قالوا: ففى مضر؟ قال: لا.
(1/203)

قال مصقلة العبدى: فهم فى ربيعة ونحن منهم: قال: صدقت، قالوا: فمن هؤلاء؟ قال: أما أشد الناس فحكيم بن جبلة، قطعت ساقه فرمى بها الذى قطعها فجندله، «1» ثم جاء اليه وقال:
يا ساق لن تراعى. ... انّ معى ذراعى.
أحمى بها كراعى «2»
فقتله واتكأ عليه، فقيل، من قاتلك؟ قال: وسادتى.
وأما أسخى الناس: فعبد الله بن سوار، استعمله معاوية على السند، فرحل اليها فى أربعة آلاف لا يوقد مع ناره نار، فرأى ذات يوم نارا فى معسكره، فأنكرها، فقال صاحبها: اعتل بعضنا واشتهى الخبيص، «3» فاتخذناه له، فأمر الا يطعم الناس الا الخبيص حتى ضجوا، فردهم الى الخبز واللحم.
وأما أسود «4» الناس وأطوعهم فى قومه: فالجارود بن بشر، قبض رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فارتدت العرب، ومنعت الصدقات، فقال لقومه ان كان الله قبض رسوله فهو حى لا يموت، فتمسكوا بدينكم، فمن ذهب له شىء فعلى مثلاه، فما خالفه أحد.
وأما أحضر الناس جوابا وأشدهم انتصافا: فصعصعة بن صوحان وفد على معاوية فى وفد العراق. فقال: مرحبا بكم قدمتم البلاد المقدسة، وأرض المحشر والمنشر، والانبياء والرسل، والعلم والحلم، إن أبا سفيان لو ولد الناس جميعا لكانوا حلماء علماء عقلاء.
فقال صعصعة: ليس الناس تقدسهم البلاد ولكن تقدسهم أعمالهم، ولن
(1/204)

يضر مؤمنا بعد المحشر، ولن ينفع كافرا قرب المنشر، ومن سكنها من الجبابرة والفراعنة أكثر، وأما قولك: إن أبا سفيان لو ولد الناس جميعا لكانوا حلماء علماء عقلاء: فقد ولدهم خير من أبى سفيان- آدم عليه السلام- فمنهم السفيه والحليم والاحمق والكيس، فقال معاوية، أتردن على؟
لا شردنك فى البلاد، ولا جفينك «1» عن الوساد. قال: أجد فى الأرض سعة، وفى فراقك دعة. «2» فقال: قد كنت أبغض أن أراك خطيبا، قال: وأنا والله أبغض أن أراك أميرا.
وأما أحلم الناس: فالاشج العبدى، فان وفد عبد القيس وردوا على رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ومعهم صدقاتهم، وفيهم الاشج. وكان أول عطاء ارتزقه رسول الله من ذلك المال. فقال: يا أشج فيك خصلتان، الحلم والاناة، «3» وكفى برسول الله شهيدا.
قالوا: ولم يغضب الاشج قط، وكان ينبغى أن يورد هذا الخبر فى الباب الثالث، فأغفلناه حتى أوردناه فى هذا الموضوع.
أول من عمل بآية النجوى على (عليه السلام)
أخبرنا أبو القاسم بن سموان عن الجلودى عن محمد بن عيسى عن الجمانى عن على بن هشام عن محمد بن عبد الله بن رافع عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى أيوب الأنصارى قال: لما نزلت آية النجوى «4» أشفق الناس وبخلوا، فناجى على- عليه السلام- رسول الله صلّى الله عليه وسلم- عشر
(1/205)

نجاوى «1» ، وتصدق كل مرة بدينار، فلما علم الله بخلهم أنزل الرخصة، فلم يعمل بها الا على، والآية هى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً
«2» والرخصة: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
الآية.
أول من اتخذ بيتا يطرح الناس فيه القصص
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن مسعدة ابن اليسع عن أبى عون عن محمد بن سيرين قال: اتخذ على بيتا يلقى الناس فيه القصص، «3» حتى كتبوا شتمه فألقوه فيه فتركه، ثم اتخذه المهتدى أيام خلافته.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن أحمد ابن محمد بن اسحاق قال: كان المهتدى يجلس للمظالم فارتشى أصحابه على تقديم بعضها على بعض، فاتخذ بيتا له شباك حديد على الطريق، وأمر فنودى بطرح القصص فيه، فكان يدخله وحده فيأخذ ما يقع بيده. أولا، فينظر فيه لا يقدم بعضها على بعض، وكان المهتدى فى بنى العباس، نظير عمر بن عبد العزيز فى بنى أمية، كان يلبس الصوف، ويصوم الدهر، قيل أنه ما أفطر فى أيام خلافته الا الاعياد وأياما اعتل فيها، وكان يصلّى أكثر الليل.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: قدم رجل من الرملة يتظلم الى المهتدى فانصفه فاستخفه الفرح حتى غشى عليه، فأتاه المهتدى بنفسه، فلما أفاق، قال: ما حسبت أنى أعيش حتى أرى هذا العدل، فلما رأيته داخلنى من السرور ما زال معه عقلى، فقال: كان الواجب أن ننصفك فى بلدك، فاذا لم
(1/206)

نطق ذلك، فنعطيك ما أنفقت فى طريقك، وكان أنفق عشرين دينارا، فأمر له بخمسين دينارا، واستحله من تأخر حقه، فما سمع بهذا منه أحد الا خشع له قلبه، فى كلام هذا معناه.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن محمد بن الفضل قال: طالب رجل بعض قواد الا تراك بضيعة غصبه عليها بحضرة المهتدى، فقال التركى: لى وفى يدى، وقالت الفقهاء: لمن هى فى يده، وعلى خصمه البينة، فقال المهتدى: علّمت هذا، وذهب أمرك على من علمك. أنت فى الاسلام منقطع وحدك لا إرث لك، ولا يجوز أن تملك مال هذه الضيعة «1» الا بأقطاع «2» أو شرى أو إرث عن زوجة، فهل ورثتها عن زوجة؟ قال: لا. قال: فأحضرنى كتب اقطاعك أو شراك، والا سلمتها اليه، فخرج التركى فاشتراها منه، وعجب الناس من فطنة المهتدى.
وكان الملك فى الجاهلية يجلس للعامة، فى النيروز مرة، «3» وفى المهرجان»
مرة فيأتونه بظلاماتهم، فان تظلم منه متظلم، جاء حتى جلس مع خصمه عند المربد، فاذا نظر بينه وبينه لبس تاجه، وانتصب للنظر فى أمور الناس، فلم يطمع أحد فى ظلم أحد بعد ما رأى من اعطاء الملك الحق من نفسه، وقال أنو شروان: خفت أن يحجب عنى المظلوم، فعلق على أقرب الاستار اليه أجراسا، ووصلها بسلسلة ونادى مناديه، من ظلم فليحرك السلسلة، وهو الاصل فى قول الناس (حرك فلان السلسلة) على فلان اذا وشى به، وكان ملوك الفرس اذا بلغهم أن كلبا مات بقرية أخذوا أهلها بالبينة أنه مات حتف أنفه، ولم يمت جوعا.
(1/207)

أول من فرق بين الخصوم على (عليه السلام)
خرج قوم فى خلافته سفرا فقتلوا بعضهم فلما رجعوا طالبهم على به، وأمر شريحا بالنظر فى أمرهم بإقامة البينة، فقال على: عليه السلام-
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل
أراد أنه قصر، ولم يستقص كتقصير صاحب الابل فى تركها، واشتماله ونومه، ثم فرق بينهم، وسألهم فاختلفوا، فلم يزل يبحث حتى أقروا، فقتلهم، وذلك أول ما فرق بين الخصوم.
أول من سن صلاة الركعتين عند القتل خبيب بن عدى
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن محمد بن أفليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب وعن الجوهرى عن أبى زيد عن غير هؤلاء، جعلت أحاديثهم حديثا واحدا، قالوا: بعث النبى- صلّى الله عليه وسلم- عاصم بن أبى الأفلح «1» ، ومرثد بن أبى مرثد، وخبيب ابن عدى وزيد بن الدّثنّة وعبد الله بن طارق الى مكة، يتخبرون له خبر قريش، فلما كانوا بالرجيع اعترضهم بنو لحيان- حى من هذيل- فجعل عاصم يقاتل وهو يقول:
ما علّتى وأنا جلد «2» نابل «3» ... والقوس فيها وتر عنابل «4»
نزل «5» عن صفحتها المعابل «6» ... أتراس القوم ولا تقاتل
والموت حقّ والحياة باطل
(1/208)

وقال: اللهم أنى أحمى دينك فاحم لى لحمى، فلما قتل أراد القوم أن يحملوا رأسه، فاجتمع عليه الدبر- النحل- فلم يقدروا عليه، فقال الاحوص:
فحزت «1» واعتمت فقلت ذرينى ... ليس جهل أتيته ببديع
فأنا ابن الّذى حمت لحمه الدّبر ... قتيل اللحيان يوم الرّجيع
وأما خبيب وزيد فصعدا فى الجبل، فحمل القوم لهما الامان من القتل، فلما نزلا، أو ثقوهما، وانطلقوا بهما الى مكة، فباعوهما. فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا، وكان قتل الحارث يوم بدر، فلما انسلخ الأشهر الحرم أخرجوه الى الحل ليقتلوه، فقال:
ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أىّ جنب كان فى الله مصرعى
وذلك فى ذات الإله وان يشا ... يبارك على أعضاء شلو «2» ممزّع
ثم ركع ركعتين وقال: والله لولا تحسبون أننى أجزع من القتل لزدت، وهو أول من فعل ذلك. فقام عقبة بن الحارث فقتله، وصلبوه، وقتل نسطاس مولى صفوان بن أمية زيد بن الدثنة فقال حسان:
(1/209)

يا عين جودى بدمع واكف سرب «1» ... على حبيب مع الغادين لم يؤب
فرع توسّط فى الأنصار منصبه ... صافى الضّريبة محض غير مؤتسب «2»
بنى سخينة انّ الحرب قد لقحت ... يحلو بها الصّاب «3» يهديه لمحتلب
فيها أسود بنى النّجّار يقدمهم ... زرق الأسنّة فى معصوصب لجب «4»
أول من بايع رسول الله بيعة الرضوان سنان الأسدى
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم فى سبعمائة «5» من أصحابه، ومعه سبعون بدنة، يريدون زيارة البيت، فلقيه خالد ابن الوليد فى خيل فصده، وكان بعث عثمان- رضى الله عنه- الى قريش يستأذن له فى الدخول، فأجاره سعيد بن العاص، وتأخر رجوعه، فبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قتل، فبايع الناس على ألا يفروا، وهى بيعة الرضوان، فكان أول من ضرب يده على يد رسول الله فيها سنان بن سنان الأسدى، فضرب رسول الله احدى يديه على الاخرى وقال: هذه يد عثمان، ثم كتبت قريش بينهم وبين رسول الله الصلح عشر سنين.
(1/210)

وان ينصرف عامة ذلك ويعتمر من قابل، فرجع رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن عبد الله ابن وهب عن الليث بن سعد، ان يزيد بن أبى حبيب حدثه عمن حدثه، ان عبد الرحمن بن عوف أرسل الى عثمان وهو مريض يعاتبه فى بعض ما عتب الناس عليه، وقال لرسوله: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وقل له: وليتك ما وليتك من أمور الناس وان لى أمورا ما هى لك، لقد شهدت بدرا وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها، ولقد فررت يوم أحد وصبرت، فقال عثمان- رضى الله عنه- لرسوله: اقرأ على أخى السلام وقل له: أما ما ذكرت من شهودك بدرا وغيبتى عنها، فقد خرجت لها وردنى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- عن الطريق الى ابنته التى كانت تحتى لما بها من المرض، ووليت منها الذى يحق على ثم دفنتها، ثم لقيت رسول الله منصرفه من بدر فبشرنى بأجر عند الله مثل أجوركم، وأعطانى سهما مثل سهامكم، فأنا أفضل أم أنتم؟ وأما بيعة الرضوان فان رسول الله كان بعثنى لاستأذن له من قريش فى الدخول بالهدى، يطوف بالبيت، وينحر هديه، ويحل من عمرته، فاستبطأنى، وخاف أن يكون غدر بى، فهاجه مكانى على بيعة الرضوان، فلما فرغ من بيعتكم ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه بيعة عثمان. فأيديكم أفضل أم يد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-؟ وأما ما ذكرت من صبرك يوم أحد وفرارى، فقد كان ذلك، فأنزل الله العفو فى كتابه عنى، فعيرتنى بذنب غفره الله لى، ونسيت من ذنوبك ما لا تدرى أغفر الله لك أم لم يغفر؟ فلما جاء الرسول بهذا بكى، وقال: صدق والله أخى، لقد عيرته بذنب غفره الله له، ونسيت من ذنوبى مالا أدرى أغفرت لى أم لم تغفر؟
أول من شهر سيفه فى سبيل الله الزبير بن العوام
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن القعبنى عن سفيان ابن عيينة، وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن لوط بن
(1/211)

يحيى عن مجالد عن الشعبى قال سفيان: أول سيف شهر فى الاسلام سيف الزبير، قيل له: قد قتل رسول الله، فخرج بسيفه يسعى وهو غلام، قالوا:
فلما قتله بن جرموز، جاء عليا فقال على:- عليه السلام- بشر قاتل ابن صفية «1» بالنار، ونظر الى سيفه فقال: كم كشفت به الغماء عن وجه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، قال أبو جعفر: فقال ابن جرموز:
أتيت عليّا برأس الزّبير ... رجوت به عنده الزّلفه
فبشّر بالنّار قبل العيان ... وبئست بشارة ذى التّحفه
فقلت له ان قتل الزّبير ... لولا رضاك من الكلفه
وسيّان عندى قتل الزّبير ... وضرطة عير بذى الجحفه
فلما ورد مصعب البصرة استخفى ابن جرموز، فقال مصعب: ليظهرن سالما وليأخذ عطاءه موفورا، أيظن أنى أقتله بأبى عبد الله، وأجعله ندا له؟
فكان هذا من الكبر المستحسن. وكان ابن جرموز يدعو لدنياه فقيل له: هلا دعوت لآخرتك! فقال: أيست «2» من الجنة بقتل الزبير، فى كلام هذا معناه.
أول من أراق دما فى سبيل الله سعد بن أبى وقاص
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى عن أبى بكر بن اسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
خرجت أنا وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وابن مسعود فى شعب أبى دب نتوضأ ونصلّى، ونحن مستخفون، الى أن ظهر علينا نفر من المشركين، قد كانوا يرصدوننا، واتبعوا أثرنا، أبو سفيان بن حرب، والاخنس بن شريق، وغيرهما، فعابوا علينا ذلك وأنكروا. حتى
(1/212)

بطشوا بنا، فتضاربنا واقتتلنا، فأخذ سعد لحى «1» جمل فضرب به رجلا من المشركين فأشجه شجة أوضحت، فانكسر المشركون، وقوى أصحابى، وطردناهم حتى خرجوا من الشعب، فكنت أول من هراق دما فى الاسلام.
أول من جمع بالمدينة أسعد بن زرارة
جمع فى أربعين رجلا فى هزمة «2» بين ظهرى بنى بياضة يقال لها الخضمات، وقيل أول من جمع فيها مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف فى دار سعد بن خيثمة، قبل مقدم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-.
أول من أفشى القرآن بمكة عبد الله بن مسعود
وكان صاحب سواد رسول الله- أى أسراره- وصاحب وساده- أى فراشه- وسواكه ونعليه وطهوره فى السفر، وكان يستره اذا اغتسل، ويوقظه اذا نام، ويمشى معه فردين، ويلبسه نعليه، ويمشى أمامه بالعصا، واذا أتى مجلسا نزع نعليه وأدخلهما فى ذراعه، وكان يشبه به فى سمته وهديه «3» .
أول من رمى بسهم فى سبيل الله
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عمر بن عون عن خالد ابن أبى عبد الله عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: سمعت سعدا يقول: انى لاول رجل من العرب رمى بسهم فى سبيل الله، ولقد كنا نغدو مع رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ومالنا طعام الا ورق الشجر، حتى ان أحدنا ليضع كما يضع البعير ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تغمزنى على الدين، لقد خبت اذا وضل عملى، وكانوا وشوا به الى عمر وقالوا: لا يحسن ان يصلّى.
(1/213)

وأما أول من رمى من عسكر المسلمين يوم أحد فقزمان وكان من المنافقين، وعظم بلاؤه يومئذ، وجرح فقيل له: لتهنك الشهادة. فقال: والله ما قاتلت للشهادة، ولكن للحفاظ. فقال رسول الله: ان الله ليؤيد دينه بالرجل الفاجر.
ومما يجرى مع هذا ما أخبرنا به أبو القاسم عن العقدى أبى عرفه عن عيسى بن يونس عن عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن أبى سلام الدمشقى عن خالد بن يزيد الجهنى قال: كنت رجلا راميا، وكان يمر بى عقبة بن عامر الجهنى فيقول: أخبرك بما قال لى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-؟ فأتيته فقال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه محتسب فى صنعته الخير، والرامى به، ومناوله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا، وليس اللهو إلا فى ثلاث: تأديب «1» الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بنبله، ومن ترك الشىء بعد ما علمه رغبة عنه، فانها نعمة كفرها.
أول من استشهد فى الإسلام الحارث بن أبى هالة
أخبرنا أبو القاسم بن سيران عن عبد الرحمن بن جعفر عن العلاء عن بشر بن حجر الشامى عن على بن منصور الانبارى عن شرقى بن القطامى قال: أول قتيل فى الاسلام الحارث بن أبى هالة، وكانت أمه خديجة قد ولدت الحارث وهندا ابنى أبى هالة، وذلك ان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- لما أمر أن يصدع بما يؤمر قام فى المسجد الحرام فقال: قولوا لا اله الا الله تفلحوا، فوثبت عليه قريش، فأتى الصريخ أهله، فكان أول من أتاه الحارث بن أبى هالة، فضرب فى القوم ففرقهم عنه، ثم عطفوا عليه فضربوه حتى قتلوه، وقال غيره: أول من استشهد فى الاسلام سمية أم عمار، طعنها أبو جهل فى فرجها فقتلها حين أظهرت الاسلام.
(1/214)

أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون «1»
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله بن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى عن رجاله وعن الجوهرى عن أبى زيد عن شيوخه قالوا: أول من مات من المهاجرين، وأول من دفن بالبقيع، عثمان بن مظعون، فدخل رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقد مات وجعل فى أثوابه، فقالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، انى شاهدة ان الله قد أكرمك، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وما يدريك؟ فقالت: يا رسول الله لا أدرى فمه؟ فقال: انى أرجو له الجنة، ولا أدرى ما يفعل بى وأنا رسول الله، قالت: فو الله لا أزكى بعده أحدا أبدا، ثم لحد له رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وفصل حجرا من حجارة لحده، فوضعه عند رجليه، فمر مروان حين ولى فأمر به فنحى، وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به، وليس على قبر عثمان بن عفان حجر يعرف به. فلامته بنو أمية، وقالوا: عمدت الى حجر وضعه رسول الله فأزلته، وأمروا به أن يرد، فقال: والله إذ رميت به لا يرد، فى كلام هذا معناه.
أول من أتى أرض الحبشة من المهاجرين حاطب بن عمرو
وكانت الى الحبشة هجرتان، والى المدينة هجرة واحدة، قالوا: لما أظهر رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- الدعاء الى الاسلام، اشتد كياد المشركين عليه، وعلى من أسلم من قبائلهم، فأمر رسول الله بالخروج الى الحبشة، فخرجوا اليها، فكان أول من أتاها حاطب بن عمرو، أخو سهيل بن عمرو، فلما هاجر الى المدينة، لحقوا به.
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله عن الفضل عن الواقدى قال، قالوا: لقى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- اسماء بنت عميس، وكانت من المهاجرين الى الحبشة، وقال لها: سبقناكم بالهجرة، فقالت: بل نحن
(1/215)

سبقناكم بها مرتين، وشركناكم فى الثالثة، ثم قالت: لعمرى لقد كنا الطرداء، وكنتم أنتم مع رسول الله فى عشائركم، يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، ويؤمن مخائفكم، فسكت عنها عمر.
أول من قدم من المهاجرين الى المدينة
أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وهى أول ظعينة «1» قدمت المدينة.
أول من ضرب على يد رسول الله ليلة العقبة البراء بن معرور
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى فى خبر طويل، قال: اجتمع الانصار مع رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- على البيعة، فقالوا: اننا نخاف ان أعزك الله وأظهرك، ان ترجع الى قومك وتدعنا، فقال النبى: الدم الدم، الهدم الهدم، أى دمى دمكم ما قمتم به قمت معكم، وما هدمتم هدمته، فلما أرادوا البيعة قال العباس: يا معشر الخزرج، انما تبايعون هذا الرجل على حرب الأسود والاحمر، فان كنتم اذا أنهكت «2» أموالكم، وقتلت أشرافكم، أسلمتموه فمن الآن: قالوا: فانا نقبله على مصيبة الأموال، وقتل الاشراف قال: فأخذ العباس بيد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وقال: يا معشر الانصار، أخفوا جرسكم فان علينا عيونا، وقدموا ذوى أسنانكم فانا نخاف أقوامكم عليكم، فاذا بايعتم فتفرقوا فى رحالكم، فاكتموا أمركم، فان طويتم هذا الأمر حتى يتصدع «3» هذا الموسم فأنتم الرجال، وأنتم لما بعد اليوم. فقال البراء بن معرور: والله عندنا كتمان ما تحب، واظهار ما تحب، وبذل مهجنا رضاء ربنا، إنا أهل
(1/216)

حلقة وافرة «1» ، واهل منعة، «2» وعز، وكنا على ما كنا عليه من عبادة ونحن كذلك، فكيف اليوم؟ وقد بصرنا الله ما عمى على غيرنا، وأيدنا بمحمد، أبسط يدك. فكان أول من ضرب يده على يد رسول الله للبيعة فى كلام هذا معناه.
وقالوا: أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، وكان أحد الخطباء. أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد عن على العكلى عن ابى خالد عن الهيثم بن عدى قال: قام أبو الهيثم بن التيهان خطيبا بين يدى على بن أبى طالب- عليه السلام- فقال: ان حسد قريش اياك على وجهين، أما خيارهم فتمنوا ان يكونوا مثلك، منافسة فى الملأ، وارتفاع الدرجة، وأما شرارهم فحسدوك حسدا أثقل القلوب وأحبط الاعمال، وذلك أنهم رأوا عليك نعمة قدمك اليها الحظ، وأخرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا ان يلحقوك حتى طلبوا ان يسبقوك، فبعدت عليهم والله الغاية، واسقط المضمار، «3» فلما تقدمتهم بالسبق، وعجزوا عن اللحاق، بلغوا منك ما رأيت، وكنت والله أحق قريش بشكر قريش، نصرت نبيهم حيا، وقضيت عنه الحقوق ميتا، والله ما بغيهم الا على أنفسهم، ولا نكثوا الا بيعة الله، يد الله فوق أيديهم، فها نحن معاشر الانصار، أيدينا وألسنتنا لك، فأيدينا على من شهد، والسنتنا على من غاب.
أول من أذن فى الاسلام بلال (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن هيثم عن بشر عن أبى عمير عن أنس عن عمومته من الأنصار وعن غير هؤلاء قالوا:
اهتم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بجمع الناس للصلاة فقال بعضهم: انصب راية،
(1/217)

وذكر بعضهم الشبور، «1» وبعضهم الناقوس، فلم يعجبه ذلك، ثم أتاه عبد الله بن زيد الانصارى وقال: انى لبين النائم واليقظان، فرأيت رجلا عليه ثوبان أخضران، قام فأذن ثم قعد، ثم قام فقال مثلها، الا أنه قال: قد قامت الصلاة، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، علمها بلالا، فكان بلال يؤذن، فاذا غاب أذن ابن أم مكتوم، واذا غاب اذن أبو محذورة، قال الشاعر:
كلّا وربّ الكعبة المستوره ... وما تلا محمّد من سوره
والنّغمات من أبى محذوره
فقال رسول الله: (إذا أذن بلال فلا يطعم أحد. واذا أذن عمرو فكلوا واشربوا فانه ضرير البصر) فاستدل بعض الفقهاء بهذا على جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر.
أخبرنا بعض أصحابنا قال: استقضى بعض العلويين بواسط فجمع الفقهاء ليتناظروا فى مجلسه، فقال بعضهم: ما الدليل على جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر؟ فقال: قول النبى- صلّى الله عليه وسلم- (إذا أذن بلال فلا يطعم أحد واذا أذن عمرو فكلوا واشربوا) قال: فهذا دليل على أنه كان يؤذن قبل طلوع الفجر، قال: فقال القاضى: أليس قول النبى:- صلّى الله عليه وسلم- (على منى كهارون من موسى) دليلا على أن اذان الفجر لا يجوز قبل طلوع الفجر، قال: فقلت له:
ما أنكرت ان قول النبى (اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر) وقول الله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
السورة، وقول على (لا رأى لمن لا يطاع) وكل خبر يروى، وكل اية نزلت دليل على جواز اذان الفجر قبل طلوع الفجر، قال: وارتج المجلس ضحكا، والقاضى مبهوت لا يدرى ما قال، وما قلت له، فقمت وقلت: أنزل الله القضاء على من ولاك القضاء.
(1/218)

أول مولود ولد فى الاسلام قبل الهجرة عبد الله بن عمر
وأمه زينب بنت مظعون الجمحى، تزوجها عمر فى الجاهلية فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الاكبر، وحفصة، وكان عبد الله ممن لم يدخل فى الفتنة، «1» وممن لا يرى طلاق المكره، وكان اذا اغتسل من الجنابة غسل داخل عينيه حتى ذهب بصره، فاذا توضأ غسل بيده الى منكبه، ودخل على بعض الأمراء فأحضر له بربطا، «2» فقال: أتعرف هذا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال نعم.
هذا ميزان جيرانى، وذلك من سلامة قلبه.
وأعجب من غسل عبد الله داخل عينيه من الجنابة صنيع أنس بن مالك، وأبى طلحة الانصارى أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن المغيرة بن محمد عن على بن محمد بن سليمان النوفلى عن أبيه قال: قلت لعيسى بن جعفر: وهو والى البصرة، لو أحضرت عدة من الفقهاء والأدباء، وأطايب الناس مجلسك فى كل أسبوع يوما، فتغدوا عندك وتذاكروا الفقه والآثار وأخبار الناس، فتستفيد معرفة وذكرا حسنا، فقال: اختر لى منهم عشرة، واقبض كل شهر الف درهم، وفرقه فيهم، فلما حضروا تذاكروا أنس بن مالك، فقلت: ولاه الحجاج نيسابور من أرض فارس، فأقام فيها سنتين يقصر الصلاة ويفطر، ويقول: ما أدرى كم مقامى ومتى يوافينى العزل، فانكر عيسى ذلك، فتبادر القوم بالأسانيد بصحته، فقلت: أعجب من هذا صنيع أبى طلحة الانصارى، كان يأكل البرد فى شهر رمضان، ويقول: ليس بطعام ولا شراب، فأنكره عيسى، فتبادر القوم بالأسانيد، فقال حماد بن زيد: كأنك تحب أن تذكر مساوىء أصحاب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقلت: والله ما قصدت ذلك، ولا أبغضت واحدا منهم، ولكنى أعلمك أنك على خطأ اذا حدثت عن النبى أنه قال: (أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فترسل هذا ولا توضحه
(1/219)

فيسمعه من لا يدرى، فيفعل فعل أبى طلحة وأنس، فيكون الاثم عليك. وانما عنى- صلّى الله عليه وسلم- العلماء منهم، مثل عمر وعلى وابن مسعود ومعاذ بن جبل ومن شابههم، لا على الجمهور.
أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة عبد الله بن الزبير
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى عن مصعب بن ثابت عن أبى الاسود قال: لما قدم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم مولود، فقالوا:
سحرهم اليهود، فكان أول مولود ولد فى الاسلام من المهاجرين عبد الله بن الزبير، قال: فكبر الناس تكبيرة ارتجت منها المدينة، وفرحوا، وكان الزبير يهنأ به وأبو بكر، وكانت ولادته فى شوال لعشرين شهرا من الهجرة، فحنكه «1» رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بتمرة، وأمر ان يؤذن فى أذنه بالصلاة، فأذن أبو بكر فيها، وكان عبد الله بن الزبير أحد فضلاء الناس، عقلا وحزما وشجاعة وبيانا غير أنه كان بخيلا متناهى البخل.
أخبرنا أبو أحمد عن دريد عن أبى حاتم قال: قرأت على أبى عبيد حديث مادر فضحك، وقال: تعجبى من العرب قد ضربت المثل فى البخل بمادر لفعلة تحتمل التأويل، وتركوا، مثل ابن الزبير، مع ما يؤثر عن لفظه وفعله من دقائق البخل، نظر وهو خليفة الى رجل يقاتل الحجاج على دولته وقد دق فى صدور أهل الشام ثلاثة أرماح، فقال: اعتزل حربنا فان بيت المال لا يقوى على هذا، وقال فى تلك الحرب لجنده أكلتم تمرى وعصيتم أمرى، سلاحكم رث، «2» وحدثكم غث،»
عيال فى الجدب، أعداء فى الخصب، وقال لرجل كان يتعاطى بيع الرقيق: ما أشد إقدامك على ركوب الغرر، وإضاعة المال، قال بماذا؟ قال: بضاعتك هذه الملعونة، قال: ومالها؟ قال: من ضمان
(1/220)

نفس، ومؤونة ضرس، قال: وسمع ان مالك بن الأشعر الدارمى من بنى مازن أكل من بعيره وحده، وحمل ما بقى منه على ظهره، فقال: دلونى على قبره حتى أنبشه، وقال لرجل أتاه مجتديا، وقد أبدع به فشكا اليه حفاء ناقته، فقال: اخصفها بهلب، وارفعها بسبب، وانضح خفها بالماء، وأعد بها يبرد خفها، «1» فقال يا أمير المؤمنين: جئتك مستوصلا لا مستوصفا، «2» فلا بقيت ناقة حملتنى اليك! فقال: ان وصاحبها «3» .
قال: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب، ومالك بن زيد مناة، وحنيف الحناتم آبل العرب، ما تكلفوا تكلف هذا الخليفة فى وصف علاج ناقة الأعرابى.
وكان يأكل فى سبعة أيام أكلة، ويقول فى خطبة: انما بطنى شبر فى شبر فما عسى أن يكفينى؟ فقال فيه الشاعر: «4»
لو كان بطنك شبرا كان قد شبعت ... وكنت أفضلت فضلا للمساكين
فان يصبك من الأيام جائحة ... لم أبك منك على دنيا ولا دين
والمادر رجل من بنى هلال بن عامر بن صعصعة سقى إبله فبقى فى أسفل الحوض ماء قليل، فأحدث فيه، ومدر «5» الحوض به لئلا ينتفع به أحد فسمى
(1/221)

مادرا، وذكر أن بنى فزارة وبنى هلال سافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمى، فقالت بنو عامر: يابنى فزارة أكلتم أير الحمار، فقالوا: أكلناه ولم نعرفه، وحدثت أن ثلاثة نفر اصطحبوا. فزارى وتغلبى. وكلابى. وصادوا حمارا ومضى الفزارى فى حاجة. فطبخا وأكلا، وخبآ للفزارى جردان «1» الحمار، فلما رجع قالا قد خبأنا لك، فجعل يأكل ولا يكاد يسيغه، وجعلا يضحكان، ففطن وقال: آكل سواء العير وحومانه؟ وحومان الحمار جردانه، ثم أخذ السيف وقال: لتأكلانه والا قتلتكما وقال لاحدهما وكان اسمه مرقمة، كل فأبى، فضربه فأبان رأسه، «2» فقال الآخر: طاح مرقمة، فقال: وأنت ان لم تلقمه، أراد ان تلقمها، فلما ترك الألف، ألقى الفتحة على الميم كما قالوا:
ويل أم الحيرة وأى رجال به أى بها، قال الكميت بن ثعلبة.
نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... اذا خيّرت تحطىء فى الخيار
أصيحانيّة «3» أدمت بسمن ... أحبّ إليك من أير الحمار
بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحبّ الى فزارة من فزارى
فقالت بنو فزارة: ولكن لكم يا بنى هلال من فرى حوضه وسقى إبله، فلما رويت سلح فيه ومدره بخلا أن يشرب غيره منه، فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين.
وباسناد لنا أن رجلا تقاضى فزاريا دينا له عليه، فقال له الفزارى:
ما أعطيتك أير حمار. فقال له: بورك لكم فى أير الحمار تأكلونه اذا جعتم
(1/222)

وتقضون ديونكم اذا استدنتم.
أول مولود ولد من الأنصار النعمان بن بشير لاربع وعشرين شهرا من الهجرة
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى قال: قالوا: أتى النبى- صلّى الله عليه وسلم- بالنعمان بن بشير اليوم السابع من مولده، وعليه شعر البطن، فأمر بحلقه، وقال: عقوا عنه بشاة، وتصدقوا بزنة شعره على المساكين، فهو أول من تصدق بزنة شعره.
أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبى بكرة «أول من لاعن فى الاسلام هلال بن أمية الواقفى»
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى داود عن عباد ابن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
«1» قال: سعد بن عبادة: يا رسول الله، أهكذا أنزلت؟ فلو وجدت لكاعا. متفخذها رجل لم يكن لى أن أخبركم حتى آتى بأربعة شهداء؟ فو الله لا آتى بهم حتى يقضى حاجته، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-: يا معشر الانصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه، فانه رجل غيور، والله ما تزوج قط الا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل منا ان يتزوجها، فقال سعد: والله يا رسول الله، إنى لأعلم أنها حق، قال: فان رسول الله لكذلك إذ جاء هلال بن أمية الواقفى فقال: انى جئت البارحة عشاء الى حائط لى، فرأيت مع أهلى رجلا، فكره رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ما جاء به، وقيل تجلد، وتبطل فى المسلمين فقال هلال: يا رسول الله، انى لأجد فى وجهك كراهة ما جئت به، وإنى أرجو أن يجعل الله لى فرجا، فان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- لكذلك اذ نزل عليه الوحى،
(1/223)

وكان اذا نزل عليه الوحى يربد «1» وجهه وجسده لذلك، وأمسك عنه أصحابه، فلم يكلمه، أحد.
فلما رفع الوحى قال: يا هلال أبشر، فقد جعل الله لك فرجا، ثم قال:
ادعوها فدعيت، فقال: ان الله جل ثناؤه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، فقال هلال: ما قلت الا حقا، وقالت هى: كذب.
فقيل لهلال: أشهد فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين وقيل له فى الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، قال لا يعذبنى الله عليها أبدا كما لم يجلدنى عليها، فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدى فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، فصبرت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومى، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين، وقضى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- الا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جلد الحد، وليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق ولا هو متوفى عنها.
وقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أبصروها، فان جاءت به أشبح أصهب «2» أرسح أحمش الساقين «3» فهو لهلال بن أمية، وان جاءت به خدلج الساقين، «4» سابغ الاليتين، أورق «5» جعدا «6» جماليا فهو لصاحبه، فجاءت به
(1/224)

خدلج الساقين، سابغ الاليتين، أورق جعدا جماليا فهو لصاحبه، فجاءت به خدلج الساقين، سابغ الاليتين، أورق جعدا جماليا، فقال رسول الله: لولا الأيمان لكان لى ولها أمر.
أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن عبد الحميد عن عمران ابن أنس عن أبيه قال: كان من ظاهر فى الجاهلية حرمت عليه امرأته آخر الدهر، وكان أول من ظاهر فى الاسلام أوس ابن الصامت، وكان به لمم، «1» لاحى «2» امرأته خولة بنت ثعلبة، فقال لها: أنت على كظهر أمى، فسألت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقال: ما أراك الا قد حرمت عليه، فجادلته مرارا، ثم دعت الله، فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
«3» الى آخر القصة.
فقال لها رسول الله: مريه فليعتق رقبة، قالت: من أين يجدها؟ والله ما له خادم غيرى، قال: فليصم شهرين متتابعين، قالت: لا يطيق انه لكالحرساه، «4» قال: فليطعم ستين مسكينا، قالت: وأنى له ذلك؟ انما هى وجبة، قال: فليأت أم المنذر- وكان عندها تمر الصدقة- فليأخذ شطر وسق، فليتصدق به على ستين مسكينا، ففعل، وكان يطعم كل مسكين مدين، هذا معنى الحديث.
(1/225)

أول من رجم فى الاسلام ماعز أول من استقبل القبلة حيا وميتا البراء بن معرور أول ما نسخ من الشريعة أمر القبلة
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: اختلف الناس فقال بعضهم: لم يزل رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يسجد نحو بيت المقدس، ويجعل الكعبة وراء ظهره، وقال بعضهم: لم يستقبل الكعبة حتى أتى المدينة فجعل يصلّى الى بيت المقدس، لئلا تكذب به اليهود اذا صلّى الى غير قبلتهم مع ما يجدون من نعته، فصلّى إليه سبعة عشر شهرا، وقالوا ستة عشر شهرا، ثم سأل الله أن يحوله الى الكعبة فأنزل الله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
«1» ففعل، وكان ذلك أول ما نسخ من الشريعة.
فقالت قريش: قد تردد على محمد أمره، وقد توجه اليكم، وهو راجع الى دينكم، وشق على اليهود توليه عن بيت المقدس، فقال حيى بن أخطب للمسلمين: ان كانت صلاتكم الى بيت المقدس هدى، فقد رجعتم عنه، وان كانت ضلالا، فقد مات عليها جماعة منكم، أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وغيرهما، فانزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
«2» وكانت الانصار تصلّى الى بيت المقدس قبل مقدم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بسنتين.
وأول من توجه الى الكعبة البراء بن معرور
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن عيسى عن عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- قال: من سيدكم يا بنى سلمة قالوا: جد بن قيس،
(1/226)

قال: لم سودتموه؟ قالوا: لانه أكثرنا مالا، وإنا لنذمه بالبخل، قال: وأى داء أدوى «1» من البخل؟ بل سيدكم بشر ابن البراء بن معرور، وكان البراء أول من استقبل القبلة حيا، فبلغ النبى صلّى الله عليه وسلم ذلك، فأمره أن يستقبل بيت المقدس، فأطاع، حتى اذا حضرته الوفاة قال: وجهونى نحو المسجد الحرام، فلما قدم رسول الله المدينه صلّى الى بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا، هكذا قال: ثم صرفت القبلة الى البيت الحرام فى جمادى والبراء أول من صلّى عليه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- من المسلمين.
أول ما حرمت الخمر أول من جلد فيها عبد الله بن الحمار
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن عبد الرحمن القرشى عن الوليد بن مسلم عن مرزوق بن أبى الهذيل وغيره أنهم سمعوا ابن شهاب يحدث، أن أول آية نزلت فى تحريم الخمر يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
«2» الآية فتواعظ المسلمون فيما بينهم، وقالوا: من اتبع هواه لا يتركها حتى تحرم، فانزل الله تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
«3» فانتهى بعضهم عنها ولم ينته بعض، فشرب سعد بن أبى وقاص مع رجال من بنى عمرو بن عوف، فسكروا فاقتتلوا، فكسروا أنف سعد، فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ
- إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
؟ «4» فقال عمر: لننتهين، وكان عمر حرمها على نفسه قبل التحريم، وقال الواقدى: أول من أتى به رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- رجل يقال له عبد الله الحمار، قد شرب وسكر، فأمر فحثوا فى وجهه التراب، وضربوه بنعالهم، ثم أتى به الثانية، ففعل به مثل ذلك، والثالثة حتى ضربوه
(1/227)

مرارا، فقال عمر: اللهم العنه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم- لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله، وكان يشترى الشىء يأتى به الرسول على أنه هدية، فاذا أكله وفرقه قال: يا رسول الله، هذا صاحبه، فأعطه ثمنه، فيضحك الرسول، ويأمر بارضاء صاحبه، هذا معنى الحديث.
وقيل أول من ضرب فى الخمر نعيمان والأول أصح.
أول فرس عقر فى الاسلام فرس جعفر بن أبى طالب
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قالوا: وجه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- جعفر بن أبى طالب سنة ثمان إلى مؤتة فى جيش فنزلوا معان، فلقوا جمعا للروم، معهم قوم متعربة من لخم وجذام ونهد «1» ، أو غيرهم، عليهم مالك بن زافلة، فالتقوا فعقر جعفر فرسه، ليعلم المشركين أنه الموت أو النصر، فكان أول فرس عقر فى الإسلام، ثم قتل جعفر، وأخذ الراية عبد الله بن رواحة فقتل، وقتل قطبة بن قتادة مالك بن زافلة فقال:
طعنت ابن زافلة الرّائش ... برمح مضى فيه ثمّ انحطم
ضربت بسيفى شرى سيفه ... فمال كما مال غصن السّلم
واجتمع الجيش الى خالد ابن الوليد، وانصرف ففتح الله عليه.
أول من استصبح فى مسجد رسول الله وأول من عمل المنبر تميم الدارى
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد وعن غير هؤلاء قالوا: كان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يشتكى رجله اذا قام وقعد من وجع يقال له الرجز، فقال له تميم الدارى: الا أعمل لك منبرا؟ قال: وكيف المنبر؟ وكان تميم الدارى رأى منابر
(1/228)

الكنائس بفلسطين، فقطع أثلا، وعمله وجعله درجتين ومقعدا، فتحول اليه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فحن الجذع فوضع يده عليه فسكت، ثم دفن تحت المنبر، ثم كتب معاوية الى مروان أيام خلافته أن يبعث اليه بمنبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقطعه مروان، فأصابتهم ريح مظلمة بدت فيها النجوم، فتركه وزاد فيه ست درجات، فصار تسع درجات، وما زاد فيه أحد قبله ولا بعده «1» ، وتميم أول من استصبح فى مسجد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- هكذا رواه لنا فى كتاب المدينة «2» .
(1/229)

الباب الخامس فيما جاء من ذلك عن الملوك فى الإسلام
(1/231)

أول من بايع لولده معاوية وأشار عليه المغيرة بن شعبة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الهيثم عن عدى عن الشعبى قال: كتب المغيرة بن شعبة الى معاوية حين كبر وخاف العزل، فكتب اليه معاوية، أما ما ذكرت من كبر سنك، فأنت أكملت عمرك، وأما ما ذكرت من اقتراب أجلك، فانى لو أستطيع دفع المنية لدفعتها عن آل أبى سفيان، وأما ما ذكرت من سفهاء قريش، فان حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل، وأما ما ذكرت من العمل فصح رويدا تدرك الهيجاء جمل، فاستأذن معاوية فى القدوم فاذن له، فقال الربيع ابن هريم: فخرج المغيرة، وخرجنا معه إلى معاوية، فقال له: يا مغيرة! كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم خرجنا معه الى معاوية، فقال له: يا مغيرة! كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم يبق منك شئ، ولا أظننى الا مستبدلا بك، قال: فانصرف الينا، ونحن نعرف الكآبة فى وجهه، فقلنا ما يريد أن يصنع؟ قال: ستعلمون قال: فأتى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ان الانفس يغدى عليها ويراح، فلو نصبت لنا علما نصير اليه، مع أنى قد دعوت أهل العراق الى يزيد فركنوا اليه، حتى جاءنى كتابك، فقال: يا أبا محمد، انصرف الى عملك، فأحكم هذا الأمر لابن أخيك، فأقبلنا على اليزيد فركض، فقال: يا مغيرة! وضعت رجلك فى ركاب طويل، ألقى على أمة محمد، قال: فذاك الذى دعا الى البيعة ليزيد «1» .
(1/233)

أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعد عن أبيه قال: لما أراد معاوية ان يعقد البيعة ليزيد قال لاهل الشام:
أن أمير المؤمنين قد كبر، ودنا من أجله، فما ترون؟ وقد أردت أن أولى أمركم رجلا من بعدى، قالوا: عليك بعبد الرحمن بن خالد، فأضمرها، واشتكى عبد الرحمن بن خالد، فأمر ابن أثال طبيبا من عظماء الروم فسقاه شربة فمات، فبلغ معاوية موته، فقال: ما أنجد إلا من أنقص عنك من تكره، «1» وبلغ حديثه ابن أخيه خالد بن المهاجر، فورد دمشق مع مولى له، يقال له نافع: فقعد لابن أثال ليلا، فلما طلع منصرفا من عند معاوية شد عليه خالد، فضربه وقتله، فطلبهما معاوية فوجدهما، فقال لخالد: قتلته لعنك الله؟ قال: نعم، قتل المأمور وبقى الآمر، «2» ولو كنا على سواء ما تكلمت بهذا الكلام، فضرب معاوية نافعا مائة سوط، وقضى فى ابن أثال بالدية باثنى عشر الف درهم، وأدخل بيت المال منها ستة آلاف، فكانت دية المعاهد مثل ذلك، حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأبطل الذى كان يأخذه السلطان منها، وقال خالد حين رجع الى المدينة:
قضى لابن سيف الله «3» بالحقّ سيفه ... وعرّى من جمل الدخول رواحله
فان كان حقّا فهو حقّ أصابه ... وان كان ظنّا فهو بالظّن فاعله
سل ابن أثال هل ثارت ابن خالد ... وهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله
يقول لعروة بن الزبير، «4» وقال كعب بن جعيل يرثى عبد الرحمن:
(1/234)

ألا تبكى وما ظلمت قريش ... بأعوال البكاء على فتاها
ولو سئلت دمشق وأرض حمص ... وبصرى من أباح لكم قراها
فسيف الله أدخلها المنايا ... وهدّم حصنها وحمى حماها
فأسكنها معاوية بن حرب ... وكانت أرضه أرضا سواها
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن سعيد بن عامر عن جورية ابن أسماء قال: لما أراد «1» لبيعة ليزيد كتب الى مروان وهو على المدينة فقرأ كتابه على الناس فقال: ان أمير المؤمنين قد كبر سنه، ورق عظمه، وخاف أن يأتيه أمر الله، فيدع الناس حيارى كالغنم، لا راعى لها، فأحب أن يعلم علما، ويقيم إماما بعده، فقيل: وفق الله أمير المؤمنين وسدده فليفعل، فكتب مروان اليه بذلك، فكتب، ان سم يزيد، فسماه، فقال عبد الرحمن بن أبى بكر، كذبت والله وكذب معاوية، لا يكون ذلك أبدا، أشبه الروم؟ كلما مات هرقل، قام هرقل، «2» فقال مروان: هذا الذى قال الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
«3» الآية فأنكرت عائشة عليه ذلك، وكتب مروان الى معاوية بذلك، فأقبل، فلما دنا من المدينة استقبله أهلها، فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن على، (رضى الله عنهم) وعبد الرحمن بن أبى بكر، فلما رآهم سبهم واحدا واحدا، «4» ودخل المدينة،
(1/235)

وخرج هؤلاء الرهط، «1» معتمرين، ثم خرج معاوية حاجا، فاستقبلوه، فلما دخلوا عليه رحب بهم والطفهم، ثم أرسل اليهم يوما، فقالوا لابن الزبير: أنت صاحبه فكلمه، فلما دخلوا عليه دعاهم الى بيعة يزيد، فسكتوا، فقال:
أجيبوني، فقال ابن الزبير: اختر خصلة من ثلاث: اما أن تفعل فعل رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فلا تستخلف، او فعل أبى بكر نظر الى رجل من أعراض «2» قريش، أو فعل عمر جعلها شورى فى ستة فقال: ألا تعلمون أنى كنت قد عودتكم من نفسى عادة أكره ان أمنعكم إياها حتى أبين لكم؟ انى كنت أتكلم بالكلام فتعرضون فيه، وتردون على، وإياكم ان تعودوا، وانى قائم فقائل مقالا لا يعارضنى فيه أحد منكم الا ضربت عنقه.
ثم وكل بكل واحد منهم رجلين، وقام خطيبا فقال: ان عبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن على وعبد الرحمن بن أبى بكر قد بايعوا، فبايعوا، فابتدر الناس يبايعون حتى اذا فرغ ركب نجائبه، «3» ومضى الى الشام، وأقبل الناس على هؤلاء يلومونهم، فقالوا: والله ما بايعنا ولكن فعل بنا ما فعل، هذا معنى الحديث.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: قدم معاوية حاجا فى عام واحد وخمسين، وأذن لمروان وقال: أشر على فى أمر الحسين، قال:
أرى أن تخرجه معك فتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه، قال: أردت والله أن تستريح منه، ونحمل مؤنته، على أن ينال منى ما ينال منك فان انتقمت قطعت رحمه «4» وان صبرت صبرت على أذاه، ثم أذن لسعيد بن العاص،
(1/236)

فقال: أشر على فى أمر الحسين قال: أرى أنك لا تخافه على نفسك، وانما تخافه على من بعدك، وأنت تدع له قرينا ان قاتله قتله، وان ماكره ماكره، فاترك حسينا بمنبت النخلة، يشرب من الماء، ويذهب فى الهواء، لا يبلغ عنان السماء، «1» قال: أصبت.
لأخبرنكم عنى يا بنى أمية: لن يبرح هذا الأمر فيكم ما عظمتم ملوككم، فاذا تمناها كل امرىء منكم لنفسه وثب بنو عبد المطلب فى أقطارها، «2» وقال الناس: آل رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، فكانت الخلافة فيكم كحجر المنجنيق «3» يذهب أمامه، ولا يرجع وراءه.
أول من وضع البريد فى الاسلام معاوية بن أبى سفيان وأحكم أمره عبد الملك
فقال لابن الزعيزعة: وليتك ما خلف بابى إلا أربعة: المؤذن فانه داع الى الله فلا حجاب عليه، وطارق الليل، فانه لو وجد خير لنام، والبريد متى جاء من ليل أو نهار فلا يحجب، وربما أفسد على القوم تدبير سنّتهم «4» حبسهم البريد ساعة، والطعام اذا أدرك فافتح الباب وارفع الحجاب وخل بين الناس وبين الدخول، ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
بابى خلائق خالد وفعاله ... الّا تجنّب كلّ أمر عائب
واذا حضرنا الباب عند غذائه ... اذن الغذاء لنا برغم الحاجب
وروى هذا الكلام عن زياد أيضا.
(1/237)

أول من سمى الغالية غالية معاوية أيضا
شمها من عبد الله بن جعفر وسأله عنها فوصفها له فقال: انها غالية، ويقال: انه شمها من مالك بن اسماء ابن خارجة، وكانت أخته هند أول من صنعتها، فسألها عنها فقالت: أخذته من شعرك.
أطيب الطّيب طيب أمّ أبان ... فأرمسك بعنبر مسحوق
خلطته بزنبق «1» ولبان ... فهو أحدى على اليدين شريق «2»
وأنكر الجاحظ ذلك وقال: نحن نجد فى أشعار الجاهلية ذكر الغالية وأنشد البيتين ونسبهما الى عدى، وذكر قول الهيثم. ان أربعة أشياء أتت قريشا والعرب من جهة الحبشة. الغالية، وحمل النساء اذا متن فى النعوش، والمصحف له دفتان، وصداق أربعمائة دينار.
قال: ولا أظن الهيثم يثبت فى هذا الحديث، وانما يؤتى الناس من ترك الثبت، وقلة المحاسبة، ولا يدفع التثبت والتحفظ من قريحة جيدة وقد قال الشاعر:
انّما تنفع التّجارب من كان عاقلا
قد علمنا ان ولد هارون النبى من اليهود كانوا طبقوا الحجاز وقرى العربية، وما زالوا يحملون موتاهم من الرجال والنساء فى النعوش، وما زالت التوراة فى أيديهم بين الدفتين، وأما الغالية: فمتى كانت الحبشة أصحاب عيش رقيق وتنعم فهل يعدلهم شىء آخر يشبه الغالية، ومعجونات العطر كلها عربية،
(1/238)

يدل على ذلك أن اسماءها كلها عربية صحيحة مثل الغالية والشاهرية والخلوق واللخلخة والعطن وهو العود المطرى والذريرة «1» ولو كانت عجمية لكانت أسماؤها معربة كما يقولون فى أسماء ألوان الطبيخ: مثل السكباج «2» والدغياج والطباهجة «3» والمصوص «4» بالفارسية مزرور والمردون- وهو السميط- «5» والسميط بالفارسية روا قال: والخلوق «6» وهو مما استعملته العرب قديما، وكان السيد منهم اذا قتل رجلا من غير رهطه، وكان أولياء الدم أعزاء، قالوا: اما ان يقتلك صاحبنا، واما أن تدفع الينا رجلا من رهطك شريفا نقيده «7» به، فكان السيد يعمد الى رجل شريف فيلبسه أجود لباس ويخلقه ويزفه اليهم، فان وجدوه كفؤا قتلوه، أو عفوا عنه بعد القدرة. قال: فقتل حاجب بن زرارة مرار بن حنيفة فقالت قبائل دارم: إما أن تقتد بنفسك، واما ان تدفع الينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بنى زرارة من عدس أن يصير اليهم حتى يقاد، فمروا بالفتى على أمه مزينا مخلقا، «8» فانشد أخوها:
تضمّخ بالخلوق وجهّزوه ... لناجز حتفه والسيّف دامى «9»
وكان كظبية عترت ضلالا ... مكان الشّاة فى الشّهر الحرام «10»
وهذا مثل قول الحارث بن حلزة.
(1/239)

عنتا «1» باطلا فظلما كما ... تعتر عن حجرة الرّبيض الظّباء
وانما قال أخوها هذا القول لتجزع أمه فلعل حاجبا يدفع اليهم سواه، فقالت الام: ان حيضة وقت حاجبا الموت لعظيمة البركة، فجعلت ابنها حيضة فى جانب ما يدفع الأذى عن السيد.
أول من عمل المقصورة معاوية
قال العينى: رأى معاوية على منبره كلبا فأمر فاتخذ له المقصورة فى المسجد، وقالوا: أول من اتخذها مروان.
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن عبد الحكم بن عبد الله بن المطلب بن عبد الله قال: أول من أحدث المقصورة فى المسجد مروان ابن الحكم، بناها بحجارة منقوشة وجعل لها كوى، وكان قد بعث ساعيا الى تهامة، فظلم رجلا يقال له دب، فجاء حتى قام حيث يريد مروان ان يصلّى، فطعنه بسكين معه، فلم يصنع شيئا، وأخذوه، وقالوا: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بعثت عاملك فأخذ مالى، فقلت أذهب الى الذى بعثه أقتله فهو أصل الظلم، فحبسه مروان حينا، ثم أمر به فاغتيل سرا، وأمر ببناء المقصورة وكان يصلّى فيها مخافة ان يصيبه ما أصاب عمر- رضى الله عنه.
أول من نقص التكبير وأول من خطب جالسا
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن رجاله عن ابراهيم عن الشعبى قال: أول من خطب جالسا معاوية، حين كثر شحمه وعظمت بطنه، وهو أول من نقص التكبير، وكان اذا قال «سمع الله لمن حمده» انحط الى السجود ولم يكبر، فعد الناس خطبته جالسا من البدع، حتى بعث عبد الملك
(1/240)

بن مروان حبيش بن دلجة فدعا بخبز ولحم فأكله على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم دعا بماء فتوضأ عليه، ودعا الناس الى بيعة عبد الملك فبايعوه كرها، ثم بعث ابن الزبير أخاه عروة فقتله.
أول ملك عبثت به رعيته واجترىء عليه أشد الاجتراء معاوية
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن أبى زيد قال: بلغنى فيما روى فى ذلك ان معاوية لما حج قال شاب من قريش لمولى: ان أنت قمت الى معاوية، فسألته، من كان زوج أمه قبل أبى سفيان، فلك كذا، فقام الرجل اليه فقال: ليخبرنا أمير المؤمنين، من كان زوج أمه قبل أبى سفيان؟ قال: حفص بن المغيرة، فكلم ذلك الرجل عمرو بن الزبير بعد ذلك بكلام أغلظ له فيه، فأمر به فضرب حتى مات، فبلغ ذلك معاوية فتغيظ على عمرو، وهم به، فقيل هو الرجل الذى قام اليك بمكة، فقال كذا فقال: فأنا اذا قتلته وأنا أحق من وداه «1» .
أول من أقر التسليم على الملوك معاوية
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الله ابن عبد الصمد بن خداش عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعى عن التسليم على الأمراء فقال: أول من فعله معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز، قال الأوزاعى: انى لاكرهه لانه مفسدة لقلوبهم.
وكره من الداخل على الملك ان يسلم لأن التسليم يقتضى الرد، وليس ينبغى ان يخاطب الملك بما يوجب عليه كلفة رد، ورجع جواب، ألا ترى أنه لا ينبغى لاحد أن يسأله عن حاله؟ وعما بات عليه فى ليلته الا أن يكون طبيبا فيسأل عن ذلك ليكون علاجه له بحسبه، ولان التسليم أيضا مبتذل فى سائر الناس، وعادات الملوك مباينة لعادات الرعايا، فسبيل الداخل عليهم، إن كان من الاشراف أن يجرد عليهم الدعاء، ويخلص التمجيد والثناء، قائما بحيث
(1/241)

لا ينأى عنهم، ولا يقرب منهم، فان استدناه الملك، أكب على أطرافه فقبلها، ثم قام، فان أومأ «1» إليه بالقعود قعد، فان كلمه أجابه بانخفاض صوت، وقلة حركة وان سكت، نهض قبل أن يتمكن به المجلس بغير تسليم، ولا توديع ولا انتظار أمر.
وان كان من الطبقة الوسطى، فينبغى أن يقف نائيا عن الملك، وان استدناه دنا خطوات ثلاثة، فان استدناه ثانيا، دنا مثل ذلك، فان أومأ اليه بالقعود قعد مقعيا، «2» أو جاثيا، وان كان فى دخوله محاذيا له عدل يمينا أو شمالا، ان أمكن ذلك، ثم ينحرف الى مجلسه، فاذا وقعت عينه عليه هرول اليه حتى يقف بين يديه، ويدعو قائما، وان سكت عنه انصرف ومشى القهقرى «3» من غير سلام ولا كلام، وان أمكن ان يستتر بشىء عن نظره فعل، «4» فاذا دخل اليه من يساويه فى السلطات فينبغى للملك ان يقوم اليه فيعانقه، ويجلس مجلسه، ويجلس دونه، فاذا انصرف مشى معه خطى يسيرة، ويدعو بدابته، ويأمر حشمه بالسعى بين يديه، ليفعل به مثل ذلك اذا كان فى مثل حاله.
ومن حضر طعام الملك فينبغى ان يقلل الاكل غاية الاقلال، حتى يأكل كما تأكل الطير، فانما يراد بمواكلة الملوك التشريف لا الشبع.
وروى ان سابور ذا الاكتاف أراد أن يولى رجلا قضاء القضاة، فأحضره طعامه، فأكل أكلا واسعا، فلما فرغ قال له: انصرف فان من شره بين يدى الملوك كان الى مال الرعية أشره،.. ودعا المنصور فتى من بنى هاشم الى
(1/242)

طعامه فقال: قد أكلت، فعدل به الربيع فضربه ثلاثين مقرعة، فعاتبه المنصور فقال: ان هذا كان يقف فى النظارة فاستدناه أمير المؤمنين، حتى دعاه الى طعامه، فظن أن ذلك يراد به الشبع، وأغفل ما فيه من التشريف، فأدبته على سوء تمييزه، فشكر له المنصور وأجازه.
ومن يدنه الملك لمنادمته ينبغ أن ينادمه على حسب عادة الملك فى ذم نفسه، وارسالها عند الشرب، «1» ولا يسأله حاجة اذا سكر، فان ذلك يجرى مجرى الخداع، واذا أراد أن يقوم لحاجة فينبغى أن يلاحظ الملك، فان نظر اليه قام مائلا، فان نظر اليه مضى. وان عاد وقف أبدا، حتى اذا نظر إليه قعد مقعيا أو جاثيا، فإذا نظر إليه تمكن، وليس له ان يختار كمية الشرب وكيفيته، وعلى الملك أن يأمر بالكف عنه اذا بلغ الكفاية، ولا يكلفه فوق وسعه، فإن من يجاوز حد العدل على الخاصة، لم تطمع العامة فى انصافه، واذا كان من اسم الداخل على الملك بعض صفات الملك، فسأله الملك عن اسمه، فينبغى ان يكنى عنه، ويصف الملك بتلك الصفة، ... دخل سعيد بن مرة الكندى على معاوية فقال له: أنت سعيد؟ قال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرة، وقيل للعباس بن عبد المطلب: أنت أكبر أم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-؟ فقال:
رسول الله أكبر منى، وأنا أسن منه.
واذا حدثه الملك بحديث فينبغى أن يصرف فكره وذهنه نحوه، ويظهر السرور بالفائدة منه، روى أن بعضهم ساير أنوشروان، فقال له أنو شروان:
حدثنى حديث كذا، وكان يعرفه، فأنكر معرفته، وأخذ أنو شروان يحدثه الحديث، وأصغى اليه بجوارحه كلها، وكان سيرهما على شاطىء نهر فأغفل الرجل النظر الى مواطىء دابته، فمالت به الى النهر، فابتدره الحاشية وأخرجوه
(1/243)

فقال له: كيف غفلت عن مواطىء دابتك؟ فقال: ان الله اذا أنعم على رجل بنعمة قابلها بمنحة، وعلى قدر النعم تكون المحن، وان الله أنعم على نعمتين:
اقبال الملك على من بين هذا السواد الاعظم، والفائدة بحديثه، فلما اجتمعتا جاءت على أثرهما هذه المحنة، فأمر فحشى فمه جوهرا ودرا ثمينا.
ومثل ذلك أن يزيد بن سحرة ساير معاوية يوما، فأقبل عليه يحدثه، فصلت وجه يزيد حجر عاثر، فصار الدم يسيل على ثيابه ولا يمسحه ولا يشتغل به، فقال له معاوية: أما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك؟ قال: وجهك يسيل، قال: عنق ما أملك ان لم يكن حديث أمير المؤمنين الهانى، وغمر فكرى، فما شعرت بما أصابنى، فقال معاوية: لقد ظلمك من جعلك فى ألف من العطاء، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وزاد فى عطائه ألفا، ولا شك أن يزيد تصنع لمعاوية فى هذا الكلام، وان معاوية تخادع له لحسن أدبه.
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى عن ابن أبى قال: قلت للزهرى من أول من سلم عليه؟ فقيل: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، فقال: معاوية بالشام، ومروان بن الحكم بالمدينة، كانوا يقولون: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، انتهى.
أول من استلحق فى الاسلام معاوية
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حيان بن بشر عن جرير ابن المغيرة عن الشعبى وأخبرنا أيضا عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عمرو ومحمد بن محمد بن خلاد عن المدائنى وعن غير هؤلاء جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قال: فرض عمر لزياد ألف درهم، فلما أخذها قال: ما فعلت الفك؟
قال: أعتقت بها عبيدا. قال: نعم الألف الفك! وكان يكتب من زياد بن
(1/244)

عبيد، حتى قال أبو سفيان: لعلى- عليه السلام- لولا ان يستوفى عمر أهابى لعرفت أن زيادا قريب النسب منك، «1» أنا غرسته فى رحم أمه، ثم ولاه على- عليه السلام- فارس، فكتب اليه معاوية: أما بعد، فانك امرؤ سفيه يغرك منى قلاع تأوى اليها كما تأوى الطير الى أو كارها، وايم الله لولا انتظارى ما الله محدث لك، لكنت أنا وأنت كما قال العبد الصالح: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
«2» الآية. وكتب فى أسفل الكتاب يعلمه أنه يريد الدعاء فقال فيها:
لله درّ زياد أيّما رجل ... لو كان يعلم ما يأتى وما يذر
افخر بوالدك الأدنى ووالده ... انّ ابن حرب له فى قومه خطر
واترك ثقيفا فانّ الله باعدهم ... حتّى يلاقيهم فى نسبة مضر
إنّ انتحالك قوما لا يناسبهم ... الّا بأمّك ذنب ليس يغتفر «3»
فلما قرأ الكتاب قال: العجب لابن آكلة الاكباد، «4» وكهف النفاق، يتهددنى وبينى وبينه ابن عم النبى- صلّى الله عليه وسلم- فى مائة ألف، وايم الله، لئن أفضى الى ليجدن منى أحمر ضرابا بالسيف ثم بعث بكتابه الى على، فكتب اليه:
(1/245)

أما بعد: فانى قد وليتك ما وليتك ما أنت أهل له، وأنا أعلم أنك لم تضبطه الا بالتقوى والصبر، وقد قرأت كتاب معاوية، فاحذر فانه الشيطان يأتى المرء من بين يديه ومن خلفه، وكانت من أبى سفيان زمن عمر فلتة فلا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها ميراث.
فلما قرأه زياد قال: شهد لى أبو الحسن ورب الكعبة، فلما قتل على- رضى الله عنه- واجتمع الامر لمعاوية، قال للمغيرة ابن شعبة: ان داهية العرب متحصن فى قلاع فارس، معه الاموال، ما يؤمننى أن يدعو الى رجل من أهل البيت، فيعيد على الأمر جذعة، «1» قال: أتحب أن أكون رسولك اليه؟ قال:
نعم، فخرج حتى ورد عليه، فقال: ان معاوية أقلقه الوجل منك، وقد استقام له الأمر، وبايعه الحسن، وليس فى أهل هذا البيت أحد يمد اليه الناس أعناقهم، وأرى ان تصل حبلك بحبله، وتنقل أصلك الى أصله، ففعل، وقدم الى معاوية فادعاه، وخطب وقال: انه من يرد على دفع خسيسته، «2» واثبات وطأته، سبب له الأمور، وأجرى له المقادير، حتى يبلغ به النسب المشهور، والأمد المذكور، وان زيادا من الله عليه وعلينا معه بصلة رحم، مدتها رحم مقطوعة، فوشمت العروق فى مناسبها، «3» واشتبكت الارحام فى معادنها، فالحمد لله الذى وصل ما قطعه الناس، وألطف لما جفوا عنه، وحفظ ما ضيعوا منه، فقال يونس بن سعيد: خالفت قول النبى- صلّى الله عليه وسلم- «الولد للفراش وللعاهر الحجر» قال: لقد هممت أن أطير بك طيرة بطيئة وقوعها قال: ثم يكون الرد الى الله تعالى قال: أجل، استغفر الله! فقال عبد الرحمن بن الحكم «4» :
(1/246)

الا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلّفة «1» من الرّجل اليمانى
أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زان
فاقسم أنّ رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان «2»
ومعاوية أول من اتخذ الخصيان لخاص خدمته، وللجاحظ فيه كلام نذكره بعد ان شاء الله تعالى.
أول من أخرج المنبر فى العيد مروان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن الزعفرانى عن محمد بن عبيد عن الاعمش عن اسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أول من أخرج المنبر فى يوم العيد مروان، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام اليه رجل فقال: خالفت السنة، فأخرجت المنبر ولم يكن يخرج، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان ابن فلان. فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يقول: من رأى منكم منكرا فان استطاع غيره بيده، وان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان.
(1/247)

أول غدر كان فى الاسلام
ما كان من أمر عبد الملك بن مروان مع عمرو بن سعيد أخبرنا ابو احمد عن أبى بكر بن دريد عن عمه عن أبيه عن ابن الكلبى قال: كان مروان بن الحكم ولى العهد عمرو بن سعيد ابن العاص بعد أبيه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر فى الاسلام فقال بعضهم:
يا قوم لا تقلبوا عن داركم فلقد ... جرّبتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا ... يدعون غدرا بعهد الله كيسانا «1»
يقتّلون الرّجال البزل ضاحية «2» ... لكى يولوا أمور النّاس ولدانا
تلاعبوا بكتاب الله واتّخذوا ... هواهم فى معاصى الله قربانا
فهدّموا ما أطاقوا من مدائننا ... ونحن نحسب ذا عدلا وإحسانا
ويقطعون بنا أعناق سادتنا ... ويغلقون بنا أبواب دنيانا
وقال يحيى بن الحكم «3» أخو مروان يرثيه:
أعينىّ جودا بالدّموع على عمرو ... عشيّة شدّوا بالخلافة بالختر «4»
(1/248)

كأنّ بنى مروان اذ يقتلونه ... بغاث «1» من الطّير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بنى خيط باطل ... ومثلكم يبنى البيوت على الغدر
فرحنا وراح الشّامتون بنعشه ... كأنا على اكتافنا فلق الصّخر
قال: وكان مروان يلقب بخيط باطل، وكان عمرو يسمى الاشدق، لتشادقه فى الكلام قال الشاعر:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكلّ خطيب لا أبالك أشدق
وقيل: بل كان أفقم مائل الذقن، ولهذا سمى لطيم الشيطان، وهذا هو الصحيح، وخطب ابن الزبير لما قتله عبد الملك، فقال: ان أبا الذبان قتل لطيم الشيطان، وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
«2» واستنطقه معاوية وهو غلام فقال: ان أول مركب صعب، وان مع اليوم غدا، وأول الغدر خرق، «3» وقال: الى من أوصى أبوك بك؟ قال: أوصى الى ولم يوصى بى.
وهذا من قول الراجز
انّى اذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه «4»
(1/249)

وشدّ فوق بعضهم بالأرويه ... هناك أوصينى ولا توصى بيه
أول من نهى عن الأمر بالمعروف
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن محمد بن يونس الكريمى عن أبى عاصم الضحاك عن بن مخلد عن أبى خديج عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة، بعد قتل ابن الزبير، فى العام الذى حج فيه، سنة خمس وسبعين فقال:
بعد حمد الله والثناء عليه، أما بعد: فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأفون، «1» الا وان من كان قبلى من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الاموال، الا وانى لا أداوى أدواء «2»
هذه الامة الا بالسيف، حتى تستقيم لى، فكأنكم تكلفوننا أعمال المهاجرين الاولين، ولا تعملون مثل أعمالهم، فلن يزدادوا الا اجتراحا، ولا تزدادوا الا عقوبة، حتى حكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد، قرابته قرابته، وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا، فقلنا بسيوفنا هكذا، الا وانا نحتمل لكم كل شىء، الا وثوبا على منبر، او نصب راية ألا إن الجامعة التى جعلتها فى عنق عمرو بن سعيد عندى، والله لا يفعل احد فعله الا جعلتها فى عنقه، ثم لا أخرج نعشه «3»
الا صعدا، وزاد غيره: والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله الا ضربت عنقه ثم نزل فركب ناقته وأخذ بزمامها البهى بن رافع فقال:
فصحت ولا شلّت وضرّت عدوّها ... يمين هراقت مهجة «4» بن سعيد
(1/250)

أول من نهى الناس عن الناس عن الكلام بحضرة الخلفاء
اول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان وكان الناس قبله يراجعون الخليفة فيما يقول، ويعترضون عليه فيما يفعل، وأكثروا من ذلك على عثمان، ثم على معاوية، وكان يجرى فى مجلسه من المنازعات والخصومات ما يجل وصفه، وكان يحتمل ذلك تحلما وابقاء على ملكه، فلما صار الأمر الى عبد الملك، أخذ الناس مأخذ ملوك الاعاجم، فنهاهم عن الكلام بحضرته، والمنازعة فى مجلسه، وتوعدهم على مخالفة رسمه فى ذلك، وكان يقول: لست بالخليفة المستضعف، يعنى عثمان، ولا الخليفة المداهن، يعنى معاوية، ولا الخليفة المأفون يعنى يزيد.
قلنا ومن حق مجلس الملك، الا ترفع فيه الاصوات، اذا كان ذلك زائدا فى مهابة الملك وأبهته، «1»
ولما كان فى خفض الصوت من بهاء المجلس، وكمال صاحبه، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
«2»
الآية وحرمة مجلس الرئيس اذا غاب كحرمة اذا حضر. وكان لملوك العجم عيون على مجالسهم، يتأملون من حضرها، فمن كان كلامه واشارته، وحسن لفظه اذا غاب الملك على مثل ما يكون عليه اذا حضر سمى ذا وجه، ومن كان بخلاف ذلك سمى ذا وجهين وكان مبتغضا عندهم منقوصا.
أول خليفة بخل عبد الملك بن مروان
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن الغلابى عن محمد بن عبد الله العتبى من ولد عتبة بن أبى سفيان عن أبى خالد القرشى من ولد أمية بن خالد قال: قال عبد الملك- وكان أول خليفة بخل- اى الشعراء أفضل؟ فقال له كثير بن هراسة يعرض به، أفضلهم المقنع الكندى حيث يقول:
إنّى أحرّص أهل البخل كلّهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضى
(1/251)

ما قلّ مالى إلّا زادنى كرما ... حتّى يكون برزق الله تعويضى
فالمال ينفع من لولا دراهمه ... امسى يقلّب فينا طرف محفوض
لن تخرج البيض «1» عفوا من اكفّهم ... الّا على وجع منهم وتمريض
كأنّها من جلود الباخلين بها ... عند النّوائب تحذى «2»
بالمقاريض
فقال عبد الملك- وقد عرف ما أراد- الله أصدق من المقنع حيث يقول: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
«3»
وكان عبد الملك يسمى رشح الحجارة لبخله، ويكنى أبا الذّبان لبخره. «4»
اخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: نظر عبد الملك الى خالد بن يزيد- وقد شابت عنفقته «5»
- فقال: كأنك عاض على حجر فقال: لأنهن يلثمن فاى ولا يشممن قفاى، يعرض به أنه أبخر، فالنساء يشممن قفاه دون وجهه، والناس يرون ان انفاس النساء وانفاس الطيب تشيب قال الشاعر:
انّما شيّبنى الطّيب وانفاس الغوانى
وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قال سعيد بن عثمان- ولم يكن بالحصيف- للحسن بن على- عليهما السلام- ما بال
(1/252)

أصداغنا تشيب قبل عنافقنا؟ وعنافقكم تشيب قبل أصداغكم؟ فقال: ان أفواهنا عذبة، فنساؤنا لا يكرهن لثامنا، ونساؤكم يكرهن لثامكم، فيصرفن وجوههن، فيتنفسن فى أصداغكم.
وكان المنصور فى ولد العباس كعبد الملك بن مروان فى بنى أمية فى بخله، ورأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر فى ملكه، وأجاز سلمان الحادي «1»
بنصف درهم، فشتان ما هو والمأمون أو غيره من خلفاء بنى العباس.
سمع مرة بعض ولده يقول لوكيله قد رأيت فى السوق بقلا حسنا فاشتر لنا منه بنصف درهم، فقال: أما أنك إذا عرفت للدرهم نصفا، فانك لا تفلح أبدا.
واستعمل الحسن البصرى رجلا فى شىء، ودفع اليه درهما، فقيل له:
كان يجزيه نصف درهم، فقال: أو يقاسم المؤمن أخاه درهما؟
وأنشد ابن هرمة المنصور:
له لحظات فى حفافى سريره ... اذا كرّها فيها عقاب ونائل «2»
فأما الّذى أمّنت أمّنه الرّدى ... وأما الّذى حاولت «3»
بالثّكل ثاكل
فدفع اليه عشرة آلاف درهم، وقال: يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها، فقال: يا أمير المؤمنين، انى ألقاك بها على الصراط بختم الجهبذ «4» .
(1/253)

أول من ضرب الدراهم فى الإسلام وأول ما عملت الاوزان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن المدائنى وأبى عبد الرحمن الثعلبى، وأخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز الثقفى، وعن غير هؤلاء جعلت احاديثهم حديثا واحدا، قالوا: كان عبد الملك أول من كتب فى صدور الطوامير «1»
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وذكر النبى صلّى الله عليه وسلم مع التاريخ، فكتب ملك الروم. إنكم قد أحدثتم فى طواميركم شيئا من ذكر نبيكم، فاتركوه، والا أتاكم فى دنانيرنا من ذكره ما تكرهون، فعظم ذلك فى صدر عبد الملك، فأرسل الى خالد بن يزيد بن معاوية- وكان أديبا عالما- فقال: يا أبا هشام، إحدى بنات طبق، قال: أفرج الله روعك يا أمير المؤمنين، حرم دنانيرهم، واضرب للناس سككا «2»
فيها ذكر الله تعالى، وذكر نبيه- صلّى الله عليه وسلم-، ولا تعفهم مما يكرهون، فضرب الدنانير سنة خمس وسبعين، وكانت الدراهم العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، والعشرة منها وزن ستة، فتقدم عبد الملك بذلك واستمر.
وضرب الحجاج الدراهم، ونقش فيها: الله أحد، الله الصمد، فكرهها الناس لمكان القرآن فيها، لان الجنب والحائض يمسها، ونهى ان يطبع أحد غيره، فطبع سمير اليهودى دراهمه السميرية، من فضة خالصة وجعل فيها ذهبا، فأتى بها الحجاج وبسمير، فأمر بقتله فقال: انظر اليها فإن لم تكن أجود من دراهمك فاقتلنى، فنظر فوجدها أجود، فأمر بقتله لجرأته على ضربها بغير اذنه، قال: فانى أعرض عليك أمرا ان رأيته أصلح للمسلمين من قتلى قبلته وأعفيتنى، قال: هاته، فوضع الاوزان: وزن ألف وخمسمائة، وثلاثمائة، الى وزن ربع قيراط، فجعلها حديدا ونقشها، وجاء بها الحجاج وقال: هذا انفع للمسلمين، لا يغبن احد معها-، وكان الناس انما يأخذون الدرهم الوزان فيزنون به غيره، وأكثر ذلك يؤخذ
(1/254)

عددا، حتى كان من أمر سمير ما كان اخبرنا هذا الخبر أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز الثقفى عن أشياخه.
أول من شدد فى أمر العيار
وأول من شدد فى أمر العيار يوسف بن عمر، أمر الا يضرب درهم بنقص حبة، «1»
فما فوقها، ثم امتحن بعد ذلك درهما، فوجده ينقص حبة، فأمر أن يضرب كل واحد من الضاربين ألف سوط- وكانوا مائة- فضرب فى حبة واحدة مائة ألف سوط.
ومما يشبه هذا من فعله أنه أمر أن يتخذ له طنافس، «2»
فلما عملت، أمر يده عليها فعلقت بإبهامه عقدة من طنفة، فقطع يد الصانع، وكان مع ذلك يقول فى خطبته: اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، وعن حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوا، واحتمل بأصره، «3»
وباء بوزره، ذلك هو الخسران المبين.
وكان قصيرا كأنه عقدة رشاء، «4»
او سجة عصا، «5»
وكان اذا وصف بالقصر اغتاظ، وكان الخياط اذا قال له: يقنعك هذا الثوب ويحتاج فيه الى زيادة فرح وخلع عليه، واذا فضل من الثوب شىء أمر بضربه وحبسه، وكان له نديم يقال له عبدان،- وكان من أطول الناس- فقال له: يا عبدان، أنا أطول أم أنت؟ قال فوقعت فى محنة تحتها السيف، فقلت: أصلح الله الأمير، انت أطول منى ظهرا، وأنا أطول منك ساقا، فضحك وقال: أحسنت.
(1/255)

أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن بعض رجاله قال: استكتب زاذان فروخ صالح ابن عبد الرحمن- وكان من سبى سجستان- فلما ولى الحجاج رأى ذكاء صالح، فقال صالح لزاذان: ان الامير سيقدمنى عليك، وانت سببى فيه، ولست أحب ذلك، فقال: لا بد للأمير منى، انه لا يجد من يقوم بحساب ديوانه غيرى، قال صالح: انه إن امرنى بنقل الديوان الى العربية فعلت قال: فانقل بين يدى منه شيئا، ففعل، فقال: فكيف تصنع بالاضافات؟ قال: أقول أيضا فقال: زاذان لكتّابه الفرس: التمسوا مكسبا فقد ذهب مكسبكم. ثم نقل صالح الديوان الى العربية، فكان كتّاب العراقيين غلمانه وتلامذته.
وكان ديوان الشام الى سرجون، وكان روميا نصرانيا، كتب لمعاوية، ولمن بعده الى عبد الملك، ثم رأى عبد الملك منه توانيا وادلالا، فقال لسليمان بن سعد مولى الحسين- وكان على الرسائل- ما أحتمل تسحب «1»
سرجون، فقال: انقل الحساب الى العربية، قال: او تفعل ذلك؟ قال: نعم قال: فانقله، فنقله فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام، فكان عليها حتى ايام عمر بن عبد العزيز، فعزله واستكتب صالح بن كثير الصدائى هذا معنى الحديث، وعبد الملك أول من رفع يديه على المنبر.
أول من أخذ الجار بالجار والولى بالولى مروان بن الحكم
هكذا سمعناه، ولا ندرى أكان ذلك أيام خلافته أو امارته؟ ذكر بعض الشيوخ مروان بأبيه فجلده وتمثل:
جانيك من يجنى عليك وقد ... تعدى الصّحاح مبارك الجرب
(1/256)

فقال: فتى، ما هكذا قال الله تعالى، قال: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
«1»
فرق له وخلاه.
ومن مليح ما جاء فى ذلك، ما أخبرنا به أبو احمد عن الريان عن أبى جعفر بن العينى عن أبيه قال: أول خليفة أخذ الجار بالجار والولى بالولى سليمان بن عبد الملك، قال: دخل عليه فتى ظريف، وعلى رأس سليمان وصيفة حسناء قائمة، فجعل الفتى يديم النظر اليها، فقال سليمان: هات سبعة أمثال قيلت فى الاست وهى لك، فقال الفتى: أست لم تعود المجمرة «2»
، قال واحدة. قال: أستى اختى، «3»
قال: اثنان، قال: أست المسؤول أضيق، «4»
قال: ثلاثة، قال: أست العامر أعلم، «5»
قال: أربعة، قال: من الله عليه وأسته، قال: خمسة، قال: الحر يعطى العبد بنجع أسته، قال:
سته، قال: لا مالك أبقيت، ولا حرك أنقيت، «6»
قال: ليس هذا من ذلك، قال الفتى: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين، قال:
خذها- لا بارك الله لك فيها-! وروى هذا الحديث ايضا عن بعض شيوخه عن ابن الاعرابى.
اول من لبس النعال الصرارة المروانى
وكان قصيرا، وكان يتخذ الغلاظ من النعال النباتية لامرين: أحدهما أن ذلك يزيد فى قامته، والآخر أن يؤذن جواريه وحريمه بصريرها أو ان دخوله
(1/257)

عليهن، فان كانت احداهن على حالة لا يجوز ان يطلع عليها تغيرت عنها، وكان ذلك من الآداب المستحسنة، فاتخذ اهل الوقت بعد ذلك نعال الخشب، يتوخون بها ما توخاه المروانى بالنعال الصرارة.
أول من رد فدكا عمر بن عبد العزيز
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن ابن عائشة، وعن أبيه عن عمه قال: شهد على وأم أيمن عند أبى بكر- رضى الله عنه- أن النبى- صلّى الله عليه وسلم- وهب فدكا لفاطمة، وشهد عمر وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- كان يقسمها، فقال أبو بكر: صدقوا وصدقت، كان مالا لابيك، وكان يأخذ منها قوته ويقسم الباقى، فما تصنعين بها؟ قالت:
صنيع أبى قال: فلك على ان اصنع فيها صنيع أبيك- عليه الصلاة والسلام- فكان يدفع اليهم ما يكفيهم، ويقسم الباقى، وكذلك فعل عمر وعثمان وعلى، فلما ولى معاوية- وذلك بعد الحسن- تداولوها حتى ولى مروان، فوهبها لعبد العزيز بن مروان، فتخلصها عمر ابنه فى حياة أبيه، فلما ولى كانت أول مظلمة ردها على بنى على- عليه السلام- ثم قبضها يزيد بن عبد الملك، فلما ولى أبو العباس ردها الى عبد الله بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر، ثم ردها المهدى على ولد فاطمة، ثم قبضها موسى وهارون، ثم ردها عليهم المأمون.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن مهدى بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم، وأول رقعة وقعت فى يده نظر فيها وبكى، ثم قال: أين وكيل فاطمة بنت رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-؟ فقام شيخ وعليه دراعة وعمامة وخف ثغرى، فتقدم فجعل يناظره فى فدك، والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون، ثم أمر أن يسجل بها لهم فسجل وأمضاه المأمون، فأنشأ دعبل يقول:
أصبح وجه الزّمان قد ضحكا ... بردّ مأمون هاشم فدكا
(1/258)

فلم تزل فى أيديهم حتى كان أيام المتوكل، فأقطعها عبد الله بن عمر الباريار، وكان فيها احدى عشرة نخلة مما غرسه رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- بيده، وكان آل أبى طالب يأخذون ذلك الثمر، فاذا قدم الحجاج أهدوا اليهم منه، فيصل اليهم به مال جليل، فبلغ المتوكل ذلك، فأمر عبد الله بن عمر بصرمه «1»
ويعصره، فوجه رجلا يقال له بشر بن أمية الثقفى، فصرمه وعصره، وذكروا أنه جعله نبيذا، فما وصل الى البصرة حتى ملح، وقتل المتوكل.
أول من لبس السواد حين قتل مروان بن محمد ابراهيم بن محمد الإمام
جىء به مروان فقال: أنت الذى تدعى لك الامامة؟ قال: لست به، فقال: أسوة بمن فى الحبس من بنى أبيه، وكان فيه جماعة من قريش، فلما أحس ابراهيم بالقتل، عهد الى شيعته، ان لا يهولنكم قتلى، وكونوا على ما أنتم عليه من تضافركم، وتعاونكم، فاذا تمكنتم من أمركم، فاستخلفوا عليكم ابن الحارثية- يعنى أبا العباس- ثم قتله مروان، فلبس شيعته السواد، فلزمهم وصار شعارا لهم، فقال شريف منهم أيام أبى العباس، يذكر قتل ابراهيم:
علام وفيم يترك عبد شمس ... لها فى كلّ داعية ثغاء «2»
فما بالقبر فى حرّان منها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء «3»
أخبرنا أبو احمد عن عمه عن أبى عبيدة قال: حدثنى الحسن بن على قال: حدثنى بعض أصحابنا عن محمد بن أبى كامل عن رجل قال: قال ابراهيم
(1/259)

ابن المهدى: كنت عند الخيزران يوما وعندها الهاشميات وغيرهن، وهى على أنماط عليها وسائد أرمنية، وزينب بنت سليمان جالسة عن يمينها، اذ عرضت امرأة من آخر المجلس، عليها أطمار فقالت: يا أم الخليفة الاول والثانى، وامرأة الخليفة، أنا امرأة مروان بن محمد، قد أصار بى الدهر الى ما ترين، فغيرى من حالى، فرقت لها، وهمت لها بالخير، فقالت لها زينب بنت سليمان: لا زلت كذلك، ولا زالت هى حالك، ولا كرامة لك، اذكرى وقد قتل مروان ابراهيم الامام، وأشفقت ان يمثل به، فأتيت هذه وهى جالسة على هذا الفرش بعينه، فكلمتها تسأله فى هبة جثته لى لأواريها، فقطبت وجهها وقالت: ما للنساء وللدخول فى أمر الرجال؟ فأيست وتعرضت لمروان، فكان أوصل لرحمه، فدفعه الى وأعاننى على جهازه، فجهزته ودفنته.
أول من ظهر لندمائه من ملوك بنى العباس المهدى
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن يحيى بن على عن أبيه عن اسحاق الموصلى قال: كان المهدى فى أول أمره يحتجب على ندمائة، متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم لما قال سلم الخاسر:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور «1»
فاشار اليه أبو عون أن يحتجب عنهم، فقال: اليك عنى يا جاهل! انما اللذة مع مشاهدتها، وفى أدراك الجوارح لها لذة، فأما من وراء الحجاب فما له معنى، وكان بشار قال:
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج «2»
فلما سمع بيت سلم قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى، ومن هاهنا «3» أخذ
(1/260)

أبو نواس قوله:
الا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ... ولا تسقنى سرّا اذا امكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعنى من الكنى ... فلا خير فى اللّذّات من دونها ستر
وهذا أشأم بيت قيل، وكان سبب زوال ملك محمد الامين وقتله هذا البيت، لما اتصل بالمأمون أمر مناديا فنادى به فى بلاد خراسان «1» وقال: قائل هذا البيت ينادم محمدا، ويقول مثل هذا بحضرته، فلا يكون منه نكير، فاشتد اهل خراسان على محمد، واستحلوا قتله، واتصل ذلك بمحمد فحبس أبا نواس، وانكر عليه.
وكان أبو العباس يظهر لندمائه فى اول خلافته، ثم قال له أسد بن عبد الله الخزاعى- وكان صاحب حرسه- ان الخلافة ترق على كل شىء، والبذلة «2» فيها أكبر الخطأ، فاحتجب عنهم بستارة، وكان لا ينصرف عنه نديم، ولا مله فى كل يوم يجلس لهم فيه الا بعطاء كثير أو قليل، وهذه فضيلة لم تكن لعربى ولا عجم قبله ولا بعده الا أنو شروان، فقد حكى عنه مثل ذلك، وكان يقول: أعجب من انسان يفرحه انسان ويمكنه مكافأته فيؤخرها ويجعلها عدة وتسويفا، فيتكدر صفوها، وينطمس نورها.
والمهدى اول من علق الخيس، «3» وذلك أنه جلس الى جنب حائط عليه منديل رطب، فوجد برده، فأمر باتخاذ الخيس، وكان ملوك بنى أمية
(1/261)

يعدون تطيين البيوت التى يبردون فيها أشهر الصيف مرات فى الأسبوع.
قال الجاحظ: هذه ملوك نزلوا على دجلة، من دون الصيادة الى قرية بغداد فى القصور والبساتين، وكانوا أصحاب نظر واستخراج، من لدن أزدشير بن بابك الى زمن فيروز ابن يزدجرد، وقبل ذلك أيضا ما كان نزلها ملوك الازدوان بعد ملك الاسكندر، فهل رأيتم أحدا منهم اتخذ حراقة او زلالة «1» أو قاربا؟ وهل عرفوا الخيس مع حر البلاد وشدة وقوع السموم؟ وهل عرفوا الجمازات «2» فى أسفارهم؟ وهل عرف فلاحوهم من الاثمار المطعمة، وغراس النخل على الفرد دون الشطر؟ وأين كانوا عن تزيين سقوفهم بالرديات «3» ؟ وأين كانوا عن استنباط قهوة العصفر؟ واين كانوا عن مراكب الامم فى ممارسة العدو فى البحر؟ ان طلبت النوازح «4» أدركتها، وان كرهتها فاتتها، بعد ان كانوا أسارى فى يد الهند، تتحكم عليهم، وتتلعب بهم، وأين كانوا عن الرمى بالنيران؟ وكانوا يتخذون الأدهان، وينفقون عليها، فترى الرجال رسم العمائم، وسخ القلانس، وكان الرجل اذا مر بالعطار، وأراد كرامته دهن رأسه ولحيته، وكان الرجل من عوام الناس اذا أطعم ضيفا او زائرا كسر الخبز بين يديه، كى لا يحتشم من أكل الكثير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللحم غرفوا للجار والجارة منه غرفة، وكان الناس لا يغسلون أيديهم للطعام قبله كما كانوا يغسلونها بعده، ثم اتخذوا الموائد السفر وبسطوا اللبود على وجوه البسط الكريمة، وكانوا يستخدمون فى منازلهم الرجال الشباب، والوصائف الرومية، من الكواعب والنواهد. «5» فاستحدثوا الخصيان والغلمان بدلا من
(1/262)

الجوارى، وكان خوان أحدهم طسموان، «1» فاستبدلوا الخلنج بالصفر «2» ، وجعلوا الصفر للطساس «3» والاباريق، وكانت المرأة اذا خرجت شدت رأسها بالرمائد «4» - والرمائد على زى نساء العرب اليوم- وكانوا يلبسون القمص على الجلباب، لا يعرفون المبطنات، فترى القميص متقلصا عن جبه الراكب، واتخذوا المرفلات، «5» وشربوا الثلج، وأحصو ما وجدوا فى ديوان الفرس من أسماء غريبة، فلم يجدوه على عشر العشر مما استخرج بعد، وكانوا يأتون الصين فى سنة ويرجعون فى سنة، ويقيمون سنة، وقد رجع إلى البصرة رجال لم يتم لهم أن يغيبوا ثمانية عشر شهرا، وكانوا يلبسون الديباج، فجعله هؤلاء أفيفا لدوابهم، وكان الكتاب اذا كتبوا وفرغوا من الرسائل قطعوا الكاغد «6» بالمقاريض، ثم حددوا أظفار الابهام فقطعوه به، ثم قطعوه بمواخر الاقلام، وهذه خطوط الاول فى المصاحف والسجلات والعهود، وهذه خطوط الناس اليوم، وكانوا يشربون فى جامات «7» الذهب والفضة، وقد عرف الناس فضيلة الزجاج فى خفة المحمل، وفى ادراء ما وراءها من الاشخاص.
قال أبو هلال:- ايده الله- يريد أن عمل الحراقات والزلالات وصب الزردج، واستخراج النساسخ، وتعليق الخيوش، وعمل الرديات، انما كان فى الاسلام، وكذلك إجراء السفن المقيرة فى البحر.
أول من زاد فى الكتاب بعد حمد الله الصلاة على رسول الله هارون الرشيد
كان اذا كتب فأتى أحمد الله اليك كتب: وأسأله أن يصلى على محمد
(1/263)

وآله، قالوا: وكان ذلك من أفضل مناقبه، وكان الرشيد كاتبا شاعرا، خطيبا أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: كانت على الروم امرأة منهم، وكانت تلاطف الرشيد، ولها ابن صغير، فلما نشأ فوضت الأمر اليه، فعاث وأفسد وخاشن الرشيد، فخافت على ملك الروم فقتلته، فغضب الروم، فخرج عليها نقفور فقتلها، واستولى على الملك، وكتب الى الرشيد: اما بعد فان هذه وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرخ، «1» وينبغى ان تعلم انى أنا الشاه وانت الرخ، فأد الى ما كانت المرأة تؤدى اليك، فلما قرأ الكتاب قال للكتاب اجيبوا عنه، فأتوا بما لم يرتضه، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين الى نقفور كلب الروم. اما بعد: فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى.
ثم خرج فى جمع لا يسمع مثله، فتوغل فى بلاد الروم، يقتل ويسبى ثم أوقد نقفور فى طريقه نارا ليصده بها، فخاضها محمد بن يزيد الشيبانى، وتبعه الناس حتى صاروا من ورائها، فرأى نقفور أنه لا قبل له به، فصالحه على الجزية يؤديها عن رأسه، وعن سائر أهل مملكته، فقال أبو العتاهية:
امام الهدى اصبحت بالدّين معنيّا ... واصبحت تسقى كلّ مستمطر ريّا
قضى الله ان صفّى لهارون ملكه ... وكان قضاء الله فى الخلق مقضيّا
تحلّبت الدّنيا لهارون بالرّضا ... وأصبح نقفور لهارون ذمّيّا
فلما سقط الثلج أمن نقفور على نفسه فنقض العهد، فلم يجرؤ أحد أن يذكر ذلك للرشيد الا شاعر من أهل جده، أعطاه يحيى بن خالد مائة ألف
(1/264)

درهم، ودخل عليه وأنشده.
نقض الّذى اعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر امير المؤمنين فانّه ... فتح أتاك من الاله كبير
فلقد تباشرت الرّعيّة اذ أتى ... بالنّقض منه وافد وبشير
اعطاه جزيته وطأطأ خدّه ... حذر الصّوارم والرّدى «1» محذور
انّ الإمام على اقتسارك «2» قادر ... قربت ديارك أو نات بك دور
فقال الرشيد: أو فعلها؟ ورحل فى بقية الثلج، وأقام على هرقلة يرمى حصنها بالنيران حتى افتتحها، فقال بعضهم:
هوت هر قلة لمّا أن رأت عجبا ... جواثما ترتمى بالنّفط والقار «3»
كأنّ نيراننا فى جنب قلعتهم ... مصقّلات على أرسان قصّار «4»
فعاد نقفور الى الجزية، ورجع الرشيد.
وأما ما جاء فى خطابته: فأخبرنا احمد عن الصوالى عن الحسين بن
(1/265)

يحيى عن محمد بن عمرو الدومى قال: كان الرشيد ربما خطب مرتجلا من غير ان يعد كلاما، فصعد يوما المنبر، وقد شغب الجند، ثم سكنوا بعد ايقاع بهم، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد والملائكة المقربين، وعلى الانبياء أجمعين، أما بعد: فقد كان لكم ذنب، ولنا عتب، وكان منكم إجرام، ومنا انتقام وعندى بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والاحسان الى المحسنين، والتعمد لاساءة المسيئين، الا يكفر لكم بلاء، «1» ولا يحبس عنكم عطاء، وعلى بعد ذلك الوفاء ان شاء الله.
وأما الشعر فطبقته فيه عالية، أنشدنا أبو احمد عن الصولى للرشيد.
واذا نظرت الى محاسنها ... فبكلّ موضع نظرة نبل
وتنال منك بحدّ مقلتها ... مالا ينال بحدّه النّصل «2»
شغلتك وهى لكلّ ذى بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم يباعدها ... عن ذى الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل
وقل ما تسمع شعرا يشبه هذا الشعر.
أول من دعى الى بيعته على المنبر محمد الامين
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن احمد بن يحيى قال: كانت العرب تسمى مواضع أرصاد السلطان مسالح من السلاح فكره المأمون هذا الاسم فسماها مصالح من المصلحة ثم أنشد:
تذكّرتها وهنا وقد حال دونها ... قرى أذربيجان المسالح والخالى
(1/266)

يعنى الذى خلى عن بلاده الى هذا الموضع.
واستبقاء المأمون ابراهيم المهدى فعلة لم يسبقه إليها احد من الاولين والآخرين، وذلك أنه استبقاه بعد وثوبه على الخلافة. وبيعة الناس له بها، وعادة الملوك اذا ظفروا بمن ينازعهم الملك ان يقتلوه.
كان المأمون قد ولى على بن موسى الرضا العهد بعده. فغضب بنو العباس، فخلعوه، وبايعوا ابراهيم بن المهدى فى محرم سنة اثنتين وثمانين. «1» فحارب الحسن بن سهل ابراهيم فهزمه. والمأمون بخراسان.
فلما قدم بعد ان ظفر بابراهيم قال له: قد استشرت فى أمرك فأشير علىّ بدمك. فقال: ان المشير أشار عليك بما جرت به عادة السياسة. الا انك أبيت ان تطلب النصر الا من حيث عودته، من العفو، فان عاقبت فلك نظير. وان عفوت فلا نظير لك، وان جرمى أعظم من ان أنطق فيه بعذر. وعفو أمير المؤمنين اجل من ان يقابل بشكر، وان لى لشفعة الاقرار بالذنب. وحق العمومة بعد الاب. فلا يسقط عن كرمك عملك، ولا يقع دون عفوك عندك.
فقال المأمون: لو لم يكن من حق نسبك الصفح عنك. بلغك املك حسن تنصلك. «2» ولطف توسلك.
روى جعفر بن قدان بن زياد الكاتب عن سارية الكبيرة قالت: قال ابراهيم بن المهدى: لما قدم المأمون مدينة السلام من خراسان، أمن الناس غيرى، فتواريت فاختللت اختلالا شديدا، فقالت لى عجوز من الازد:- كانت تخدمنى- سأحتال لك فى ان يصل اليك مال، فركبت زورقا فلما حاذت المأمون فى قصره على دجلة صاحت: النصيحة فأمر بها فادخلت اليه، فقالت: ان دللتك يا أمير المؤمنين على ابراهيم بن المهدى فما تجعل لى؟ قال: مائة ألف درهم. قالت: وجه معى رسولا، ومره أن
(1/267)

يطيعنى فى جيمع أمره، وادفع اليه الف دينار، ومره ان يدفعها الى حين أريه دينار، ومره ان يدفعها الى حين أريه وجه ابراهيم.
فوجه المأمون معها حسين الخادم، ودفع اليه الدنانير، وأمره بما قالت، فجاءت بالحسين حتى دخلت به مسجدا فيه صندوق عظيم، فقالت له: أدخل هذا الصندوق. فتأنى. فقالت: ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتى؟ وان لم تفعل انصرفت، ولم يتهيأ ما يريد الا بهذا، فدخل الحسين الصندوق، فأتت بحمال فحمله، فجعلت تطوف به فى الاسواق والشطوط، فمرة يسمع صوت الباعة، ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما اظلم الليل أدخلته دارا، وفتحت عنه، واذا مجلس عظيم فى صدره ابراهيم بن المهدى يشرب، وبين يديه جوار يغنينه فانكب الحسين على رجل ابراهيم فقبلها، وسأله ابراهيم عنه وعن المأمون، وتناولت المرأة منه الدنانير، وقال له ابراهيم: كل عندى لقمة، واشرب قدحا، وتحمل عنى رسالة، وامض محفوظا، قال: أفعل.
وقدم اليه طعام فأكل، ثم سقى شرابا فيه ببخ، «1» فشربه فسكر وأدخل الصندوق، وأقفل عليه، وحمل حتى أتى به باب العامة فوضع، فلما أصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد، فانهوا خبره الى صاحب الحرس، وكتب فى الخبر الى المأمون، فاحضر وفتح، واذا الحسين متلوث مسلوت، «2» فعولج حتى أفاق فقال المأمون: أرأيت ابراهيم؟ قال له: اى والله قال: أين هو؟ قال: لا أدرى. وحدثه بالقصه فقال المأمون: خدعتنا والله. وذهب المال. فقال ابراهيم فتفرجت بالالف مدة مديدة.
أول من اتخذ الاتراك المنصور
أخبرنا أبو احمد عن الصولى قال: حدثنا ثمود بن المزرع قال: حدثنا
(1/268)

الجاحظ قال: أول من اتخذ الا تراك المنصور، اتخذ حمادا التركى ثم اتخذ المهدى مبارك التركى، وتوليا التركى، وهو الذى قتل الوليد بن طريف الخارجى مع يزيد بن مزيد.
واما الخصيان فذكر الجاحظ أنهم اتخذوا فى الاسلام.
أول كتاب صدر من ملوك بنى العباس فيه شعر
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن القاسم بن اسماعيل قال: وثب أهل حمص بعاملهم على المعونة موسى بن ابراهيم بن البغيث الرافقى- وكان قتل رجلا من رؤسائهم- وأخرجوه ثم وثبوا على محمد بن عبدوية- وكان وليهم بعد ابن البغيث- وأمر المتوكل ابراهيم بن العباس ان يكتب اليهم كتابا مختصرا يحذرهم فيه فكتب:
أما بعد: فان أمير المؤمنين يرى من حق الله عليه، فيما قوم به من أود، «1» أو عدّل به من زيغ، «2» أو لمّ به من شعث، «3» استعمال ثلاث يقدم بعضهن على بعض: وأولهن ما يستظهر به من عظمة وحجة، وما يشفعه من تحذير وتنبيه، ثم التى لا تقع بحسم الداء غيرها
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيدا فإن لم تجد أجدت عزائمه
وكان ابراهيم ابتدأه كلاما، فرآه يتزن، فجعله بيتا، هكذا رواه لنا عن الصولى.
وروى لنا أيضا عنه محمد بن زكريا الغلابى عن مهدى بن سابق قال: كتب
(1/269)

رافع الى الرشيد كتابا فى أسفله:
اذا جئت عارا او رضيت بمثله ... فنفسى على فنفسى من الكلب أهون
فكتب اليه الرشيد كتابا فى أسفله:
ورفعك نفسا طالبا فوق قدرها ... يسوق لك الحيف المعجّل والذّلّا «1»
أول من أخر النيروز «2» المتوكل
أخبرنا أبو أحمد الصولى عن يحيى بن على عن أبيه واحمد ابن يزيد عن أبيه قال: وسمعت ابراهيم بن المدبر يحدث بطرف منه قال: بينا المتوكل يطوف فى متصيد له، رأى زرعا أخضر فقال: قد استأذننى عبد الله بن يحيى فى فتح الخراج، وأرى الزرع أخضر، فقيل له: أن هذا قد أضر بالناس، فهم يقترضون ويستسلفون، فقال: أهذا شىء حدث أم هو لم يزل كذا؟ فقيل له:
هو حادث.
ثم عرف ان الشمس تقطع الفلك فى ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، وان الروم تكبس فى كل أربع سنين يوما، فيطرحون من العدد، فيجعلون شباط ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوما، وفى السنة الرابعة- وهى التى تسمى الكبيسة- يكمل من ذلك الربع يوم تام، فيصير شباط تسعة وعشرين يوما. وكانت الفرس تكبس الفصل الذى بين سنتها وبين سنة الشمس فى كل مائة وست عشرة سنة شهرا، وهذا الكبس فى طوله أصح من كبس الروم، لأنه أقرب إلى ما يحصله الحساب من الفصل فى سنة الشمس.
فلما جاء الاسلام عطل ذلك ولم يعمل به. فأضر بالناس ذلك، وجاء زمن هشام، فاجتمع الدهاقنة «3» الى خالد بن عبد الله القسرى، فشرحوا له،
(1/270)

وسألوه ان يؤخر النيروز شهرا، فكتب الى هشام بن عبد الملك- وهو الخليفة- فقال هشام: أخاف أن يكون ذلك من قول الله تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
«1» فلما كان أيام الرشيد، اجتمعوا الى يحيى بن خالد البرمكى وسألوه أن يؤخر النيروز نحو شهر، فعزم على ذلك، فتكلم اعداؤه فيه، وقالوا: يتعصب للمجوسية، فأضرب عنه، وبقى على ذلك الى اليوم.
وأحضر المتوكل ابراهيم بن العباس، وأمره أن يكتب عنه كتابا فى تأخير النيروز بعد أن يحسبوا الايام، فوقع العزم على تأخيره الى سبعة وعشرين يوما من حزيران، فكتب الكتاب على ذلك، وهو كتاب مشهور فى رسائل ابراهيم.
وانما احتذى المتوكل بالله ما فعله المتوكل الا أنه قد قصره فى أحد عشر يوما من حزيران، فقال البحترى يمدح المتوكل ويذكر تأخير النيروز:
لك فى المجد أوّل وأخير ... ومساع صغيرهنّ كبير
انّ يوم النّيروز عاد الى العهد ... الذّى كان سنّه أردشير
انت حوّلته الى الحالة الأولى وقد كان حائرا يستدير وافتتحت الخراج فيه فللأمّة فى ذاك مشهد مذكور قال احمد بن يحيى البلاذرى: حضرت مجلس المتوكل وابراهيم ابن العباس يقرأ الكتاب الذى انشأه فى تأخير النيروز، والمتوكل يعجب من حسن عبارته، ولطف معانيه، والجماعة تشهد له بذلك، فدخلتنى نفاسة، «2» فقلت: يا أمير المؤمنين، فى هذا الكتاب خطأ، فأعادوا النظر، فقالوا: ما نراه، فما هو؟ فقلت: أرخ السنة الفارسية بالليالى، والعجم تؤرخ بالايام، واليوم عندهم اربعة وعشرون ساعة، يشتمل على الليل والنهار، وهو جزء من
(1/271)

ثلاثين جزءا من الشهر، والعرب تؤرخ بالليل لان سنتهم وشهورهم قمرية، وابتداء رؤية الاهلة بالليل، قال: فشهدوا بصحة ما قلت، واعترف به ابراهيم، وقال: ليس هذا من علمى، فخف عنى ما دخلنى من النفاسة.
ثم قتل المتوكل قبل دخول السنة الجديدة، وولى المنتصر واحتيج الى المال، وطولب به الناس على الرسم الاول، وانتقض ما رسمه المتوكل، فلم يعمل به حتى ولى المعتضد، فقال ليحيى بن على المنجم: قد كثر ضجيج الناس من أمر الخراج، فكيف جعلت الفرس مع حكمتها، وحسن سيرتها، افتتاح الخراج فى وقت لا يتمكن الناس من أداء الخراج فيه، قال: فشرحت له أمره وقلت: ينبغى أن يرد الى وقته، ويلزم يوما من أيام الروم، ولا يقع منه تغيير، فقال: الق عبد الله بن سليمان، فوافقه على ذلك، فوافقه وحسبنا حسابه، فوقع فى اليوم الحادى عشر من حزيران، فأحكم أمره على ذلك، وأثبت فى الدواوين، وكان النيروز الفارسى فى وقت نقل المعتضد له يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ومن شهور الروم الحادى عشر من نيسان، وأخره حسب ما أوجبه الكبس ستين يوما حتى رجع الى وقته الذى كانت الفرس ترده اليه. وكان قد مضى لذلك مائتان واثنتان وثلاثون سنة فارسية، تكون من سنى العرب مائتين وتسعا وثلاثين سنة وبضعة عشر يوما، ووقع بعد التأخير يوم الاربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين ومائتين ومن شهور الروم الحادى عشر من حزيران.
أول من أمر أهل الذمة بتغيير زيهم المتوكل
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: أمر المتوكل أهل الذمة أن يلبسوا العسلى، وان تكون ركبهم حصنا، وان يجعل على مقدمة السرج زر، وكذلك على مؤخره. وعلى القلنسوة مثله، وعلى الدراريع رقاع من قدام ومن
(1/272)

خلف، وعلى أبوابهم صور من خشب.
وأمر ألا يستعان بهم، فأسلم لهذا السبب جماعة منهم: ابو نوح عيسى ابن ابراهيم، وقدامة بن زياد، والهيثم بن خالد كاتب الوزير.
(1/273)

الباب السادس فيما جاء من ذلك عن الأمراء والوزراء والجلساء
(1/275)

أول الأمراء على مكة
عتاب بن أسيد، ولاه النبى- صلّى الله عليه وسلم- حين صدر عن حجة الوداع، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن رجاله قالوا:
لما توفى النبى- صلّى الله عليه وسلم- ارتدت العرب، وكان عتاب بن أسيد بمكة، استعمله النبى عليها، فخاف ان يرتد أهلها، فبدر اليه منهم بادرة، «1» فنزل شعبا من شعابها، «2» فجاء سهيل بن عمرو فأخرجه الى المسجد، وخطب الناس فقال:
ان يكن محمد قد مات، فان الله حى لا يموت، وقد علمتم أنى أكثركم قتبا «3» فى بر، وجارية فى بحر، فقروا على أمركم، وأدوا زكاتكم، وانا ضامن ان لم يتم هذا الامر أن أردها عليكم، فإنى والله أعلم ان هذا الأمر سيمتد كامتداد الشمس من طلوعها الى غروبها، قالوا: وأنى علمت ذلك؟
قال: أنا رأينا رجلا وحيدا جريدا فريدا، لا مال له ولا عز ولا عدد، قام فى ظل هذه الكعبة فقال: أنا رسول الله اليكم، فكنا بين هازل وضاحك، ومستجهل وراحم، فلم يزل أمره ينمو ويتصاعد، حتى دنا له طوعا او كرها، ولو كان من عند غير الله، لكان كالكرة فى يد بعض سفهائكم، فبلغ أبا بكر قوله فشكر له.
(1/277)

أول الأمراء على المدينة
سهل بن حنيف وولاه على- عليه السلام- حين خرج الى البصرة لقتال اصحاب الجمل، فلما قتل حكيم بن جبلة، وأريد قتل عثمان بن حنيف قال: ان أخى سهلا والى علىّ على المدينة، ولو قتلتمونى لانتصر من ذريتكم، فخلوا سبيله.
أول الأمراء على مصر
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن عمرو بن هشام القرشى ومحمد بن عمرو بن شعيب عن أبيه، وعن غير هؤلاء قالوا: كتب عمر- رضى الله عنه- الى عمرو بن العاص، سنة تسع عشرة، يأمره بالمسير الى مصر، فأتاه الكتاب وهو محاصر قيسارية «1» فسار فى شعبان، فى ثلاثة آلاف وسبعمائة، حتى نزل العواصم، فقال رجل من القبط:
عجبت لهؤلاء، يدخلون مصر فى هذه العدة وهذا العدد، وبها عساكر يتبعها عساكر، فقال صاحب له: لا يقصد هؤلاء أحدا الا قتلوه، ولا ينزلون حصنا الا فتحوه، حتى يقتلوا خيرهم، فاذا فعلوا ذلك، اختلفوا وضعف أمرهم، وسار عمرو حتى أتى غزة، «2» فبعث ملكها: أن أرسل الى رجلا من أصحابك أكلمه، فقال عمرو: ما له أحد غيرى، فدخل المدينة، فسمع منه كلاما لم يكن بمثله له عهد، فقال: هل فى أصحابك مثلك؟ قال: لا تسأل عن هوانى عليهم، وانما بعثونى اليك وقالوا: لو نزل به حاذرا «3» كان نزل بأهوننا، فأمر له بجائزة وكسوة وبعث الى البواب، اذا مر بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه، فلما خرج لقيه نصرانى من غسان، فقال له: يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج، فنبهه، فرجع الى الملك، فقال: قد نظرت الى ما أعطيتنى
(1/278)

فوجدته لا يسع بنى عمى، فأردت ان أجيئك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، وتكسوهم هذه الكسوة، فيكون معروفك عند عشرة، فقال: مرحبا بهم، عجل بهم، وبعث الى البواب ان خل سبيله، فمر عمرو يتلفت حتى أمن، وندم على ما فعل ولم يفارقه حتى صالحه، فلما أتى به الى عمرو قال: وأنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك.
وسار حتى أتى فسطاط «1» - وقد خندق أهلها- فأقام عليهم، وقدم الزبير بن العوام فى خمسة آلاف، وقال: جئت أميرا على الجماعة. فقال عمرو بن العاص: بل جئت مددا، ثم اتفقا أن يكون كل واحد منهما أميرا على أصحابه، وخرج المشركون فهزمهم المسلمون، ودخلوا حصنهم فحاصروهم، وقال الزبير: ما نطاول «2» قوما فى ديارهم، يأتيهم أمدادهم، ووضع سلما على الحصن وصعد، وصعد الناس ففتحوه عنوه. «3»
وقيل بل فتحوه صلحا على كل رأس دينار، ولكل رجل من المسلمين جبة صوف، وبرنس «4» وعمامة وخفان، ولهم الاتباع نساؤهم وأولادهم، وذلك سنة عشرين، فأقام عمرو بها أميرا أربع سنين، ثم اجتمع العدو بين مصر والاسكندرية، فسار اليهم عمرو فى عشرة آلاف، على مقدمته شريك بن سحماء فى ألفين فانهزم الاعداء ودخلوا الاسكندرية، فحاصروها ثلاثة أشهر، فكادوه، «5» فأقاموا النساء على الحصن، ناشرات شعورهن، ووجوههن الى المدينة، عليهن السلاح، والرجال مقبلون عليه يقاتلونه، يخوفونه بكثرة العدد، فناداهم عمرو فقال:
(1/279)

ان كان فيكم رجل مستجاب الدعوة، فسلوه ان يدعو الله تعالى ان يسلطكم علينا فتقتلونا، فإن الآخرة خير لنا من الدنيا.
فتعجبوا وقالوا: من يطيق قوما راحتهم عندهم القتل؟ وقالوا ليس لنا الا أن نصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار،- على كل حالم دينار- وقيل:
ديناران، على ان يخرج منهم من شاء الى الروم، ويقيم من شاء منهم بالاسكندرية.
أول الامراء على البصرة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأخبرنا غيره قالوا: كتب قطبة بن قتادة- وهو اول من أغار على السواد من ناحية البصرة- الى عمر- رضى الله عنه- أنه لو كان معه عدد ظفر بمن فى ناحيته من العجم، فبعث عمر عتبة بن غزوان أحد بنى مازن ابن منصور فى ثلاثمائة، وانضاف اليه فى الطريق نحو مائتى رجل، فنزل أقصى البر- حيث يسمع نقيق الضفادع- وكان عمر تقدم اليه بذلك، فكتب الى عمر إنا نزلنا بأرض فيها حجارة بيض. فقال عمر: الزموها فإنها أرض بصرة، فسميت بذلك.
ثم سار الى الابلة «1» فخرج اليه مرزبانها «2» فى خمسمائة أسوار «3» فهزمهم عتبة ودخلوا البلد، وأقام عتبة عليها حتى فتحها فى شعبان سنة أربع عشرة وقالوا: فى رجب، وأصاب المسلمون سلاحا وطعاما ومتاعا، وكانوا يأكلون الخبز، وينظرون الى أيديهم، هل سمنوا؟ وأصابوا برانى «4» فيها جوز فظنوه حجارة، فلما ذاقوه استطابوه، ووجدوا صحناة «5» فقالوا: ما كنا نظن العجم
(1/280)

تدخر العذرة، «1» وأصاب رجل سراويل فلم يحسن لبسها فرماها وقال: أخزاك الله من ثوب! فما تركك أهلك بخير، وأصابوا أرزا فى قشره، فلم يمكنهم أكله، فظنوه سما، فقالت بنت الحارث بن كلدة: إن أبى كان يقول: اذا أصابت النار السم، ذهبت غائلته «2» وطبخوه وأكلوه، فاستطابوه وجعلوا يأكلونه، ويقدرون أعناقهم، ويقولون: قد سمنا.
وبعث عتبة بالخمس الى عمر- رضى الله عنه- مع رافع بن الحارث ثم قاتل عتبة أهل دست ميسان، «3» وظفر بهم، واستأذن عمر فى الحج، فأذن له، فلما حج رده الى البصرة، فلما كان بالفرع «4» وقصته ناقته «5» فمات، فولى عمر البصرة المغيرة بن شعبة، فرمى بالزنا، فعزله، وولى أبا موسى.
أول الأمراء على الكوفة
سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك.
أخبرنا أبو أحمد الجوهرى عن أبى زيد عن الفضل بن الدكين عن أبى العسل عن هارون بن عبد الله عن عفيف بن معد يكرب. وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قالوا: كان المثنى بن حارثة الشيبانى أول من أغار على السواد من ناحية الكوفة، فبعث عمر- رضى الله عنه- أبا عبيد بن مسعود الثقفى، لينضاف الى المثنى، ويتعاونا على الفرس، فعقد أبو عبيد جسرا، وعزم على العبور اليهم، فنهاه المثنى وغيره من ذوى الرأى، فأبى وعبر بمن كان معه، فقاتلهم فقتل، وقتل من المسلمين ألف وثمانمائة رجل، ونجا الباقون بعد جهد شديد، وبعث عمر سعد بن أبى
(1/281)

وقاص، فافتتح القادسية «1» والمدائن، ومصر الكوفة، ثم عزله حين وشى به الاشعث ورجال من أهل الكوفة.
قالوا: قدمنا على عمر فقلنا: نحب أن تعزل عنا سعدا، فقد اعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا قال: لعل ذلك أن يكون! وولى فندمنا على ما قلنا، وخفنا ان يخبر سعدا، فيكون أخبث لنا صحبة مما كان، فتبعناه فقلنا: ان لم تسمع فيه قولنا، فلا تذكره له قال: لعل ذلك أن يكون! فغدونا اليه، فخرج سعد من عنده يسب ويلعن، فقلنا: انه والله بلغه قولنا: واستعمله علينا، ثم قال قائل منا هذا والله غضب معزول، فدخلنا اليه، فقال: انى قد عزلت عنكم سعدا، فأخبرونى، اذا كان الامام عليكم يمنعكم حقوقكم، ويسىء صحبتكم، ما تصنعون؟ قلنا ان رأينا خيرا حمدنا الله، وان رأينا شرا صبرنا.
فقال: لا والله لا تكونوا شهداء فى الارض حتى تأخذوهم فى الحق كأخذهم اياكم فيه، وتضربوهم على الحق، كضربهم اياكم عليه، والا فلا، ثم ولاها عمارا ابن ياسر، وعزله، ثم ولاه ثانية وعزله، وولى جبير ابن مطعم واستكتمه، فأتى رجل ابن أبى ثور فقال: رأيت عمر وجبيرا نجيا، وأظنه قد ولاه الكوفة.
فبعث ابن أبى ثور امرأته- وكان يقال لها لقاطة الحصى لنقلها الاحاديث- الى امرأة جبير، وهى تصلح جهازه للخروج، فقالت: ما تصنعين؟ قالت: أبو محمد يريد سفرا قد كتمنيه. قالت: أو ترضى الحرة من زوجها أن يكتمها أمره؟ فتركت ما كانت عليه متغضبة فقال لها جبير: عودى قالت بالنذور العظام لا أمس شيئا حتى تخبرنى لأى شىء خروجك؟ فأخبرها، فرجعت تعالج، وجاءت لقاطة الحصى، فسألتها عن أمره، فقالت: ذكر لى أمره، واستكتمنيه، فقالت: حلفى لو كان بى مرض ما كتمتك فأخبرتها، فأخبرت ابن أبى ثور، فأخبر صاحبه، فراح إلى عمر فقال: بارك الله لك فى رأيك، قد وليته قويا أمينا، فقال: نشدتك الله! هل رأيتنى مخليا بجبير؟ فأتيت ابن أبى
(1/282)

ثور وأخبرته فأرسل امرأته الى امرأة جبير فاقتص الخبر كأنه معهم؟ فأرسل عمر الى جبير فقال: لا تحدث شيئا، فانك عندى أمين ولكنك ضعيف، فعزله، وولاها المغيرة بن شعبة.
وروى عن المأمون انه قال: الملوك تحتمل كل شىء الا القدح فى الملك وافشاء السر، والتعرض للحرم.
أول الامراء على الشام أبو عبيدة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن رجاله قالوا: لما فرغ أبو بكر- رضوان الله عليه- من أهل الردة، وأمر الحيرة، استنهض الناس الى الشام، فتثاقلوا، فقال عمر: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ
«1» فقال خالد بن سعيد بن العاص: لنا تضرب مثل المنافقين؟ فقال أبو بكر: كلا! ولكن أراد أن يبعث المتثاقلين، فعقد أبو بكر لخالد بن سعيد على الشام، فقال عمر: أتعقد لرجل أمر الناس بالتغالب؟ «2» وكان خالد حين توفى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- غائبا، فلما قدم وقد بويع أبو بكر، أتى عليا- رضى الله عنه- فقال: أرضيتم أن يليكم رجل من تيم؟
فعزل أبو بكر خالدا، فعقد ليزيد بن أبى سفيان، وبعثه فى سبعة آلاف، ومشى معه وهو راكب، وأوصاه وودعه ثم وجه بعد ثالثة شرحبيل بن حسنة فى سبعة آلاف. ثم وجه أبا عبيدة بن الجراح فى مثلهم أميرا عليهم جميعا، وبعث عمرو بن العاص فى قوم من مسلمة الفتح وغيرهم، فقال عمرو: ألست أميرا على جماعة الناس بالشام؟ قال: لا، أنت أحد الامراء، فاذا اجتمعتم لحرب، فأميركم أبو عبيدة.
وقال عمرو: لا أرى أن يقدم الذين حادوا الله ورسوله، على من قاتل عن دين الله، فغضب سهيل بن عمرو ورجال من قريش، فظنوا أنه عرض بهم. ثم قال
(1/283)

سهيل لهم: اغضبوا على أنفسكم، دعوا ودعيتم، «1» فأسرعوا وأبطأتم، والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين الا وقفته مع المسلمين، فسار عمرو فنزل بغمر الغربان من أرض فلسطين، وأتى يزيد بن أبى سفيان البلقاء «2» وشرحبيل الأردن، وأبو عبيدة باب، «3» فصالحه أهلها، فكان أول ما صولح عليه من الشام وكان هرقل بفلسطين، فقال لأصحابه: إنكم قد غيرتم وبدلتم وأفسدتم، فسلط الله عليكم أضعف الأمم عندكم، وان مدينة من مدائنكم لتعدل أضعافهم، فقاتلوا عن أنفسكم وحرمكم، واستخلف أخاه، وخرج الى انطاكية، «4» فقال أبو بكر- رضى الله عنه- تحوله أول نقصه وهزيمته.
ثم خرج خالد بن سعيد بن العاص فى جماعة الى مرج الصفر «5» فبلغ أهل بصرى. «6» فخرجوا فى أربعة آلاف، فأتوهم وهم غارون. فقتلوا خالدا «7» وجماعة من المسلمين، وانهزم الباقون، فعزم أبو بكر على تولية خالد بن الوليد الشام، وهو بالحيرة، «8» فكتب اليه بذلك، فاستخلف المثنى بن حارثة، وخرج فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة فى ثمانمائة، فقال محصن بن الحارث الأسدى:
اذا رأيت خالدا مخفّفا ... وكان بين الأعجمين أنصفا
فى فيلق بالنّقع قد تلحّفا ... وهبّت الرّيح شمالا جرحفا «9»
(1/284)

فى حومة الموت اذا الموت هفا «1» ... لودّ بعض القوم لو تخلّفا
ليس أخو الإسلام إلّا من وفا فجاء حتى وصل طرف المفازة، «2» فالتمس دليلا، فجىء برافع بن عمير الطائى، فقال له: لا يسلك هذه المفازة الا مغرور، فقال: لا بد من سلوكها، قال: فمن استطاع أن يصر أذن بعيره على ماء فليفعل، فحملوا ما قدروا عليه من الماء، وساروا حتى فنى ماؤهم، وشارفوا الهلاك.
فقال رافع: اطلبوا شجرة عوسج، «3» فطلبوا فلم يروا شيئا، وكان رافع قد رمد فلم يقدر على الطلب، فقال: هلكت وهلكتم، اطلبوا، فذهبوا يمينا وشمالا، فوجدوا منها جذما، «4» فقال: احفروا، فحفروا، فاستطلبوا الماء، فارتووا وحملوا، وارتحل خالد، وطرقوا هنوا «5» من ليلتهم- وهو ماء لكلب- ووافقهم ناس من بهراء «6» فانحازوا اليهم، فدخل المسيب بن نجبة بيتا فسمع غناء بن النعمان البهرانى يقول:
الا علّلانى قبل جيش أبى بكر ... لعلّ منايانا قريب ولا ندرى
أرينى سلاحى يا سمىّ فإنّنى ... أخاف بيات القوم مطّلع الفجر
(1/285)

فهل لكم فى السّلم قبل لقائهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر «1»
فضربه المسيب فرمى برأسه فى جفنة «2» كان يشرب منها، وساق أهله وماله.
وقال بعض الطائيين:
لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر الى سرا «3»
خمسا اذا سارها الجبس «4» بكى ... ما سارها قبلك من إنس يرى
وقال رجل من طىء أيضا:
ونحن جلبنا الخيل يوم يراعة ... نطاعن عنها والأسنّه تقطر «5»
بدوّيّة مرّت كأنّ سراتها ... بأرجائها القصوى ملاء منشّر «6»
فكان خالد على الشام حتى قام عمر فعزله.
(1/286)

أول من سلم عليه بالإمرة
قيل له السلام عليك أيها الأمير، وكانوا قبل ذلك يقولون للأمراء اذا دخلوا عليهم السلام عليكم، كما يقولون لغيرهم، وأظن ذلك قيل للمغيرة بن شعبة أيام ولايته على الكوفة لمعاوية.
أول أمير أخذ ما جبى وهرب
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: جبى ابن عباس- وهو وال لعلى (رضى الله عنهما) على البصرة- مالا كثيرا، فقال له أبو الاسود: ان أعطيت من قبلك حقوقهم، وحملت الباقى إلى أمير المؤمنين ليستعين به على أمور المسلمين، فقال: لو كنت يا أبا الاسود من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت به المرعى، وما أحسنت مهنته فى المساء، فكتب أبو الاسود الى على- عليه السلام- بذلك، فوجه على مولاه سعدا الى ابن عباس يأمره بحمل المال اليه، فشتمه ابن عباس وتهدده، فخرج حتى أتى عليا، فأخبره فكتب اليه يلومه ويعنفه، وكتب هو يعذر نفسه، ويلزم الذنب سعدا، ثم عمد الى المال، وكان أربعمائة ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، «1» واحتمله وخرج، وخرج معه عشرون رجلا من قيس، فجعل يعطى فى طريقه كل من يسأله، حتى أتى مكة فأعطى ما كان معه، واحتجز الباقى.
وكتب اليه على- عليه السلام- إنى أشركتك فى أمانتى، ولم يكن أحد من أهل بيتى أوثق عندى ولا أرجى لمواساتى منك، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، «2» والعدو قد حرب، «3» والأمة فتنت، قلبت ظهر المجن، «4» وخذلتنى
(1/287)

فلا إمامك آسيت، «1» ولا للامانة أديت، كأنك لم ترد بعملك الله، وكأنك كنت تكيد «2» الأمه عن دنياها، فلما أمكنتك الفرصة، عاجلتهم الشدة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب دانية المعزى، «3» رحيب الصدر تحملها غير متحرج عن أخذها، كأنك حزت تراثك «4» من أبيك وأمك، واتخذت مكة دارا تشترى بها مولدات الطائف، تختارهن على دينك، تعطى فيهن مال غيرك، سبحان الله! أما تؤمن بيوم الحساب؟ او ما تخاف الميعاد؟ او ما يعظم عندك ان تشترى الاماء، وتنكح النساء، بمال اليتيم والأرملة «5» والمسكين؟
فأقسم بالله! ما أحب ان ما أصبت كان لى حلالا أنفقه فى سبيل الله لا أحاسب به يوم القيامة، فلا غرو «6» لأكلك له حراما، فاردد ما أخذت، فو الله لو لم تردده ثم أمكننى الله منك لأعذرن الله فيك، فلو أن حسنا أو حسينا أتيا مثل الذى أتيت، ما كان لهما عندى هوادة «7» ولا ظفرا فيه منى برخصة، انتهى.
فكتب اليه ابن عباس: بلغنى كتابك تعظم فيه ما أخذت من المال، ولعمرى لحقى فيه أكثر مما أخذت.
فقال على- عليه السلام- العجب ممن يرى أن له من مال المسلمين أكثر مما لرجل منهم، قد أفلحت ان كان يمينك الباطل، وادعاؤك مالا يكون لك يخرجك
(1/288)

من الاثم، ويحل لك الحرام، عمرك «1» الله إنك اذا لانت السعيد.
وبإسناده قال: ولى على- عليه السلام- عبد الله بن سوار ابن همام العبدى، البحرين، فجبى مالا وهرب، وكتب اليه على يتهدده، فكتب اليه ابن سوار بشعر، قاله بكير بن وائل الطامى من الازد:
ما إن نبالى اذا ما كنت جنّتنا ... ان نشرط المال شرط الماء بالعسل «2»
وأنت بحر على قوم تخافهم ... وصخرة فى الأدانى ماؤها وشل «3»
أول من عرف بالبصرة
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن خلاد بن يزيد عن ناهض ابن سالم عن أبى بكر الهزلى قال: أرسلنى النصر بن عمرو الى الحسن أسأله عن التعريف «4» هاهنا قال: وما هذا وذاك؟ قلت: إنه لمن خيرهم. قال: أجل فأخبره ان أول من عرف بالبصرة عبد الله بن العباس، قال للناس: هذا يوم عرفة، فهلموا نجتمع فيه، فندعوا الله، لعل دعاءنا يوافق دعاءهم، فتنزل الاجابة فنشركهم فيها، فصعد المنبر، فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا وكان متجه نجد غربا.
ومن أول أفعاله ما أخبرنا به أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحجاج بن نصر عن قرة عن خالد قال: سئل الحسن عن صلاة الكسوف، فقال: صل كما تصلّى، تركع وتسجد، قال رجل: إنهم يقولون: تركع ثم ترفع رأسك ثم تقرأ ثم تركع. قال الحسن: أول من فعل هذا ابن عباس بالبصرة. «5»
(1/289)

أول رأس ثقف فى الاسلام
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن قال: عقد على لقيس بن سعد بن عبادة على مصر، فبايعه أهلها إلا أهل قريات كانوا شيعة لعثمان، قالوا له: نعطيك الخراج، ولا نبايع عليا، حتى يجتمع الناس على إمام، فأعطاهم قيس ذلك، فطمع فيه معاوية، فكتب اليه يدعوه الى مبايعته فأبى، فقال لعمرو بن العاص: ان قياس شديد الرأى، شديد البأس، وله نية فى قتالنا، وإن اجتمع علينا أهل العراق، وأهل مصر لم نقم لهم، فما الرأى؟ قال:
نكتب كتابا على لسانه بالمبايعة لك، فإن عيون على يكتبون اليه بذلك فيعزله، «1» فكتب معاوية: من قيس بن سعد، أما بعد: فان قتل عثمان كان حدثا فى الاسلام عظيما، وإنى نظرت لنفسى فلن يسعنى فى دينى مبايعة أهل البغى، وقد ألقيت اليك التسليم، وأجبتك الى قتال عدوك والسلام. وقرأه معاوية على الناس، فكتب عيون على اليه به.
فقال عبد الله بن جعفر: إن قيسا قد داهن، فاكتب اليه بمناجزة «2» من لم يبايعك، فان فعل، والا فاعزله، فكتب اليه بذلك، فكتب قيس: العجب منك يا أمير المؤمنين! تأمرنى بقتال قوم كافين، ومتى قاتلتهم ظاهروا عليك، فاستجاشوا «3» عليك بأعدائك، فلم تكن لنا بهم طاقة، فاكفف عنهم، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب اليه على- عليه السلام- أنا الشاهد، وأنت الغائب، ان عملت برأيى، وإلا فاعتزل.
وقال عبد الله بن جعفر لعلى: ينبغى أن توليها محمد ابن أبى بكر- وكان
(1/290)

محمد أخاه لامه، أمهما أسماء بنت عميس- فولاه اياها، فخرج حتى قدم على قيس، فقال قيس: ان صاحبك وان كان قويا فى بدنه، فإنه ليس بذى علم فى الحرب، فان أردت ان تبقى لك مصر، فاعمل فيها عملى، وودعه وخرج الى المدينة، فخير محمد الذين وادعهم قيس بين البيعة لعلى أو القتال أو الجلاء، فتحايشوا «1» عليه، وكانوا اثنى عشر ألفا، فاضطرب أمره، فلما انقضى امر الحكمين، ازدادوا عليه قوة، واختل أمر مصر.
فقال على: ليس لمصر الا قيس أو الاشتر، فكتب معاوية الى جانستان وهو بالقلزم: «2» اذا مر بك الاشتر فاحتل عليه حتى تقتله، فلما حصل عنده سقاه شربة عسل فمات، واشتد أهل مصر على محمد، (فاستمد عليا،) «3» فندب الناس إليه فتثاقلوا، وخرج عمرو بن العاص الى مصر، فى أربعة آلاف، واستعد لهم محمد، فقاتلهم فغلبهم مرارا، ثم كسروه فتفرق عنه أصحابه، وأخذه معاوية ابن خديج، فقال له: أسألك بحق أبى عليك الا خليت عنى! فقال معاوية:
أنا أسأل نفسى بحق الله الا أخلى عنك، وأنت قتلت عثمان، وقدمه فضرب عنقه، وثقف رأسه، «4» وحمله الى معاوية، وأدخله جيفة حمار واحرقها، فما أكلت عائشة شواء حتى ماتت.
وقالوا: أول رأس حمل فى الاسلام رأس عمرو بن الحمق، قالوا: لما قتل على- عليه السلام- بعث معاوية فى طلب عمرو بن الحمق، ففاته فأخذ امرأته فحبسها، ثم ظفر عبد الرحمن بن الحكم بعمرو فقتله، وبعث رأسه الى معاوية، فكان أو رأس حمل فى الاسلام، قال أبو هلال: أيده الله (فان كان حمل رأس ابن أبى بكر صحيحا فهو الاول.) «5»
(1/291)

أول أمير مات بالبصرة
أخبرنا أبو أحمد باسناد بعد علىّ إخراجه قال: قال الحسن: قدم علينا بشر بن مروان بالبصرة- وهو أبيض بض- «1» أخو الخليفة، وابن الخليفة، ووالى العراق، فأتيته مسلما عليه، فقال الحاجب: من أنت؟ قلت: الحسن البصرى. قال: الفقيه؟ قلت: نعم. قال: ادخل الى الامير، واياك أن تديم النظر اليه، وإن سألك عن شىء فاحذف الجواب حذفا، «2» ولا يكون كلامك الا جوابا، وتجوز فى المجلس ما استطعت، الا أن يجلسك، فدخلت وهو على سرير، وعليه فرش قد كاد يغوص فيها، ورجل قائم متكىء على سيفه، فسلمت فقال: من أنت أعرفك؟ قلت: الحسن البصرى، قال: فقيه هذه المدرة؟
قلت: نعم. قال: ما تقول فى زكاة أموالنا؟ أندفعها الى الفقراء أم السلطان؟
قلت: أى ذلك فعلت جزا عنك قال: فرفع رأسه الى الرجل وقال: لشىء ما يسود من يسود، ثم أومأ الى بالجلوس، فجلست، فجعل يخالسنى «3» النظر، اذا رميته بطرفى أمال بصره عنى، فاذا خفضت عنه أبرز فى بصره، فتجوزت فى المجلس وقمت، ثم عدت بالعشى، فاذا هو فى صحن مجلسه، والاطباء حواليه، وقالوا: الامير محموم، ثم عدت فى الغد، فاذا الناعية «4» تنعى والدواب قد جزت نواصيها، فحمل ودفن جانب الصحراء وجاء الفرزدق فقال:
أعينىّ أمّا تسعدانى بالبكا ... فما بعد بشر من عزاء ولا صبر
ألم تر أنّ الأرض دكّت جبالها ... وأنّ نجوم اللّيل بعدك لا تسرى
(1/292)

سيأتى أمير المؤمنين مصيبة ... وتنمى الى عبد العزيز «1» الى مصر
فإنّ أبا مروان بشرا أخاكما ... ثوى «2» غير متبوع بذم ولا غدر
وقد كان حيّات العراق يخفنه ... وحيّات ما بين المدينة والنّهر «3»
فما بقى احد كان على القبر إلا خر باكيا، وانصرفت وصليت الى جانب الصحراء ما قدر لى، ورجعت الى القبر، وقد أتى بعبد أسود يحمله أربعة، فدفن الى جانب قبره، فو الله ما فصلت بين القبرين حتى قلت: أيهما قبر بشر؟ وقال الشاعر:
والعطيّات سباب «4» بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
أول أمير مات بالكوفة المغيرة بن شعبة أول ما سميت العطيات جوائز فى سلطان ابن عامر
سمعت أصحابنا يتحدثون ان عبد الله بن عامر بن كريز- وكان على العراق من قبل عثمان- بعث جيشا مع قطن ابن عمرو الهلالى الى كرمان، «5» فى أربعة آلاف، فجرى الوادى بسيل مفرط، فخيف الغرق على من عبر، والعدو على من لم يعبر، فقال قطن: من عبر فله ألف درهم. فعبر رجل وآخر، حتى عبروا كلهم، فأعطاهم عمرو ذلك، وكان أربعة آلاف الف درهم، فاستكثرها
(1/293)

ابن عامر فكتب فيها الى عثمان- رحمة الله عليه- فأجازها وقال: ما كان معونة فى سبيل الله فجائزة، وصارت الجائزة اسم العطية.
قال الكندى:
فداء الأكرمين بنى هلال ... على علّاتهم أهلى ومالى
هم سنوا الجوائز فى معدّ ... فصارت سنّة أخرى اللّيالى
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر عند تركيب النّصال
وقال أهل اللغة: هو من قولهم استجاز الرجل، اذا سأل ان يسقى إبله، وأنشدوا:
عجوز عليها مسحة من ملاحة ... أقاتلتى يا للرّجال عجوز
لو انّ مياه الأرض كانت بكفّها ... لما تركتنا بالمياه نجوز
وابن عامر هو أول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد، وهو أول من لبس الخز، «1» فقال أهل المدينة: قد لبس الامير جلد دب، وهو أول من لبس الطيلسان «2» من العرب فى الاسلام، وقالوا: أول من لبسه جبير بن مطعم.
أول من صلب رجلا فى الإسلام
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قال أبو
(1/294)

يعقوب الشروى: أن الوليد بن عقبة دخل مسجد الكوفة، ودعا بساحر يقال له نطروبى، فأراهم فيلا فوق فرس يشتد بهم فى المسجد وأراهم ناقة تشتد على حبل، وحمارا عدا حتى دخل فم نطروبى، ثم خرج من دبره، ومر رجل فضرب عنقه، ووقع رأسه جانبا، ثم قال للسيف: أقمه فأقامه.
وأتى جندب بن كعب الصياقلة، وأخذ من مولى له سيفا، وأتى المسجد فضرب عنق نطروبى، وقال: أحى نفسك. فأراد الوليد قتل جندب، فقام قومه دونه، فحبسه، فلما رأى صاحب السجن صلاته، قال اذهب حيث شئت فقال: أخاف الطاغية عليك، فقال: ما أسعدنى يقتلنى! فانطلق جندب، وبعث الوليد الى صاحب السجن فضرب عنقه وصلبه فى السبخة، «1» فكان أول مصلوب فى الإسلام.
وقالوا: أول من صلب بعد الهجرة رجل بعثته قريش إلى المدينة ليغتال النبى- صلّى الله عليه وسلم- أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن وهب ابن جرير عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: جلس نفر من قريش، فتذاكروا من أصيب منهم ببدر وقالوا: لو وجدنا رجلا يقتل لنا محمدا، ونجعل له ما يريد، فقال رجل أنا جرىء الصدر، جيد الحديد، «2» جواد الشد «3» أقتله ثم أهرب فى أحد القيران «4» أعدو كما يعدو العير فأفلت- والعير الحمار الذكر- فجعل له أربعة رهط كل رجل منهم أوقية، فخرج حتى أتى المدينة، فنزل على ابن عم له، وقال: جئت مسلما، فأطلع الله نبيه على شأنه، فبعث الى الرجل شد ضيفك وثاقا، وائتنى به، فجعل يقول: أهكذا تفعلون بمن تبع دينكم؟ حتى أتى به النبى- صلّى الله عليه وسلم- فقال له: جئت مسلما، فقال: كذبت، وقص عليه قصته
(1/295)

فأنكر، فأمر رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فصلب على جبل بالمدينة، يقال له ذباب، وكان اول مصلوب بالمدينة بعد الهجرة.
أول من وضع الكسور والتوابع على أهل الخراج زياد
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: حكى محمد بن داود بن الجراح عن عبد الله بن سليمان قال: انى لأقف على رأس المهتدى وقد جلس للمظالم، وبحضرته القواد والكتاب، فرفع اليه فى قصة الكسور، فقال لأبى. عرفنى حالها، فقال:
كان عمر- رضى الله عنه- قسط الخراج ورقا «1» وعينا والدراهم تؤدى فيه عددا، ففسد الناس، فكانوا يؤدون الضريبة ووزن الدرهم فيها أربعة دوانق، ويستبدون بالوافى، ووزنه مثقال. «2»
فلما ولى زياد العراق، طلب بأداء الوافى، فشق ذلك على الناس، وكان يلزم فى حمل المال مؤونة، فألزمها أصحاب الخراج، وزادت فى ذلك عمال بنى أمية زيادة أجحفت بالناس، فلما ملك عبد الملك قرر وزن الدرهم على نصف وخمس مثقال، وترك المثقال على حاله، ثم ألزم الحجاج وعماله الناس الوظائف، وهدايا النوروز والمهرجان، فجرى الرسم به حتى ولى عمر بن عبد العزيز، فأمر باسقاط ذلك كله، واجراء الناس على رسم عبد الملك، فلما ولى يزيد بن عبد الملك بعد عمر، رد الأمر على ما كان عليه، وجرى الامر على ذلك الى أيام المنصور، فخرب السواد، فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير، وصيرهما مقاسمة، وترك غيرهما على رسمه.
وحدث بعد ذلك أشياء لزمت عليها مؤنة، فزيدت على المال، فقال المهتدى: معاذ الله ان ألزم الناس ظلما تقدم العمل به وتأخر، وحق ما حمل من
(1/296)

بيت من الاموال أن ينفق عليها منها، وتقدم باسقاط الكسور والتوابع على الناس، فقال الحسن بن مخلد: ان أسقط أمير المؤمنين ذلك، ذهب من مال السلطان عشرة آلاف ألف درهم، ومد بها صوته.
فقال المهتدى: قد عرفت مذهبك فى هذا القول، تريد تحريض الموالى بما انتقص من أموالهم، وما أمتنع ان أقيم حقا لله، وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، وإن كان فى ذلك كل حيف على بيت المال، ولو نظر الموالى فى أمرك وأمر نظرائك، أخذوا ما خوفتهم أن يذهب من مالهم منك، فارتعد الحسن وأبلس، «1» ثم كلم فيه المهدى فوضع له. هذا معنى الحديث.
اول من رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجاج، واول من رفع ذلك عمر ابن عبد العزيز، وأول من رسم المقاسمة «2» المنصور، وأول من رقع الثياب، ولبس الخفاف الساذجة «3» بالبصرة من الامراء، زياد وهو أول من دعا النقرى، وكانوا يدعون الجفلى، قال أبو هلال: أيده الله- الجفلى أن يدعو الإنسان الى طعامه جميع الحى، والنقرى ان يخص قوما دون قوم قال طرفة:
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
والآدب الذى يدعو الناس الى طعامه، والمأدبة الدعوة. قال الزناد «4» لعجلان! كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف. ثم على الأسنان، ثم أدعو الذين لا يعبأ الله بهم شيئا قال: ومن هم؟ قال الذين يلبسون ثياب الصيف فى الشتاء، وثياب الشتاء فى الصيف، فقال: هذا هزل ولو تقدمت اليك فيه لأدبتك.
(1/297)

وأما ترقيعه الثياب فقال: ما بال الرجل يأخذ عطاءه ألفين فلا يبلغ الحول حتى يدان أكثر من ذلك؟ فقيل له: ذهب أموال الناس فى الكسوة. فصدر «1» قميصه وجلس فيه، فصدر الناس ثيابهم، وكان الرجل حين ينشق ثوبه يلقيه، فاتخذ الزياديه ولبسها، فلبسها الناس معه، وكان الناس يتكلفون للعيد مراكب يركبونها، فمشى الى العيد ومشى الناس معه، والناس يقتدون برؤسائهم فى أكثر أمورهم، حتى يسمون بأسمائهم، ويكتنون بكناهم، ويفعلون ما يقدرون عليه من أفعالهم.
وكان زياد يرقع ثوبه لئلا يستحى غيره من ترقيع ثوبه، ولا يحمل على نفسه فى استثرائه واستجادته، وكان يعطى الكثير وربما أعطى القليل، لئلا يأنف المسئول عن تقليل العطية عند تعذر الامكان، ولا يقع حجة السائل عن المسئول اذا أعطاه قليلا. وسأله رجل فأعطاه درهما، فقال: أصلح الله الامير- صاحب العراق، وخليفة أمير المؤمنين يعطى درهما؟ فقال: نعم ان من بيده خزائن السموات والارض ربما رزق أخص عبيده، وأقربهم منه وسيلة، التمرة واللقمة فما يكبر عندى أن أصل رجلا من اخوانى ثمانية آلاف درهم، ولا يصغر عندى أن أطعم سائلا رغيفا، اذا كان الجواد الكريم، أرحم الراحمين. يفعل ذلك.
وهو أول من اتخذ الذراع التى تذرع بها الارضون هكذا قالوا:
وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى عمرو العمرى عن أبى عبد الرحمن البعلى عن أبى ليلى عن الحكم عن عمر أنه كتب الى عثمان بن حنيف بمساحة السواد، فمسحها بذراع كانت ذراعا وقبضة، فقام الابهام شيئا يسيرا، فهى بين المنتصب والمنضجع.
وقال جعفر بن مهلهل: جعل عبيد الله بن عبيد الله بن معمر لاهل البصرة
(1/298)

ذراعا يذرعون بها الدور، من أطول ذراع وجدها الرجل وأقصر ذراع وجدها الآخر. اما الذراع التى يذرع بها الارضون، فان زيادا وضعها فلما قدم سليمان بن على زاد فيها وسماها الهاشمية، فبقيت الى اليوم، وكانت تسمى الزيادية، وقيل: ان ذراع أيام عمر كانت ذراعا وقبضة الابهام منتصبة، وقالوا: انه نظر الى ثلاثة نفر من أطول من يعلمه ذراعا وأوسطه وأقصره فجمعها فأخذ ثلثها، فبعث به الى الكوفة، وأمر سعدا حين كوف الكوفة ان يجعل سككها خمسين ذراعا بذلك.
أول من جمع العراقين
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن المدائن، وأخبرناه عن غيره قال: كان زياد على البصرة وأعمالها الى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة،- وهو أميرها- فكتب معاوية الى زياد بعهده على الكوفة مع البصرة، فكان اول من جمعتا له، فشخص الى الكوفة، واستخلف سمرة بن جندب، فرجع زياد وقد قتل سمرة ثمانية آلاف رجل.
قالوا: جاء رجل فأعطى زكاة ماله، وصلّى ركعتين، فقتله سمرة، فأتاه أبو بكرة فقال له: ثم قتلت رجلا عند أحسن عمله، قال: أخوك زياد يأمرنى بذلك، قال: أنت وأخى فى النار.
وكان رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- قال لسمرة وأبى هريرة وأبى محذورة:
آخركم موتا فى النار، فمات أبو هريرة، وكان سمرة يسأل عن أبى محذورة، وأبو محذورة يسأل عن سمرة، فمات أبو محذورة، ثم أخذ سمرة الزمهرير «1» فمات شر ميتة، وكان سمرة أول من باع خمرا فى الاسلام.
وأول من اتخد الحرس والعسس، ومشى بين يديه بالحراب والعمد، وجلس بين يديه على الكراسى، وأول من اتخذ السقيف على حوانيت السوق
(1/299)

زياد وذلك حين أمر الا تغلق أبواب الحوانيت، وكانت الكلاب تطرق الامتعة، فأمر بمد السقف عليها، وكان يقول: انا والله ما علونا أعوادكم، «1» واستحللنا فيكم الا بذبنا عن حريمكم، «2» وأيما عقال «3» أصيب من مقامى هذا الى خراسان، «4» فأنا ضامن له.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن التبوذكى عن سليمان بن مسلم عن أبيه قال: سمعت زيادا يقول: من سرق له متاع لم نسأله البينة، فليجىء فليأخذه، وكان الناس يغطون أمتعتهم ويذهبون.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على بن محمد قال:
كان زياد يؤخر العشاء الآخرة، حتى يصليها آخر من يصلى، ثم يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة او مثلها، يرتل ترتيلا، ثم يمهد قدر ما يرى ان انسانا يبلغ آخر بيت ثم يأمر صاحب شرطة بالخروج، فيخرج، فلا يرى انسانا الا قتله، فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتى به زيادا، فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله قدمت بحلوبة لى فغشينى الليل فاضطررتها الى موضع، وأقمت لا صبح ولا علم لى بما كان من الامير، قال: أظنك صادقا. ولكن فى قتلك صلاح الأمة، فأمر فضربت عنقه.
وزياد أول من شدد أمر السلطان، ووكد أمر الملك وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخاف الناس من سلطانه حتى أمن بعضهم بعضا، فكان الشىء يسقط من الرجل او المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتى صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة فلا تغلق بابها عليها، وأدر العطاء، وبنى دار الارزاق، فقال حارثة بن بدر الغدانى: يذكر سيرته:
(1/300)

ألا من مبلغ عنّى زيادا ... فنعم أخو الخليفة والأمير
لأنت إمام معدلة وقصد ... وحزم حين تحضرك الأمور
أخوك خليفة الله بن حرب ... وأنت وزيره نعم الوزير
نصبت على الهوى منه ومالى ... محبّة ما يجن «1» له الضّمير
بأمر الله منصور معان ... إذا جار البريّة لا يجور
وقال فى آخرها:
تقاسمت الرّجال به هواها ... فما تخفى ضغائنها «2» الصّدور
وكان زياد يسوى بين طعامه وطعام أصحابه، فوضع يوما على مائدته شهدة، فقال: أعلى كل مائدة مثلها؟ قيل: لا قال: فارفعوها.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على ابن محمد عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد لمولاه عجلان: قد وليتك حجابتى، وعزلتك عن أربعة: طارق الليل، فشر ما جاء به، لو كان خيرا ما كنت من شأنه، ورسول صاحب الثغر، فانه ان جلس ساعة فسد عمل سنة، والمنادى بالصلاة، وصاحب الطعام، فان الطعام اذا أعيد عليه التسخين فسد، فأبطأ زياد يوما بالغذاء لشىء كان فيه من أمر الدهاقين، فقال شعبة بن المحسن الضبى:
الغذاء- أصلح الله الأمير- فقال رجل من الدهاقين: بأى ذنب أتيناه حتى
(1/301)

ابتلينا بهولاء الكلاب؟ فسمعها زياد، فقال: بجرأتك على الله وشركك به، وكذبك عليه يا ابن المحسر، لا تعودن لمثل هذا، ودعا بالطعام فأكل، وكان أكولا ذميما، فقال له زياد: ما لك من الولد؟ قال: تسع بنات قال: وأين أكلهن من أكلك؟ قال: أنا أجمل منهن، وهن آكل منى، فقال زياد:
ما أحسن ما سألت! ففرض لهن، فقال ابن محسن:
اذا كنت مرتاد السّماحة والنّدى «1» ... فناد زيادا أو أخا لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ماله ... اذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد
وما لى لا أثنى عليه وإنّما ... طريفى منهم كلّه وتلادى «2»
هما اصلحا أمر البريّة بعد ما ... تفانوا وكادوا يصبحون كعاد
أول من عرف العرفاء
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابن سلام عن أبى المعتمر قال: زياد اول من عرف العرفاء، «3» وجعل عليهم المناكب، «4» وقال:
العرفاء كالايدى، والمناكب فوقها، وقيل لمعاوية: أنت أذكى الناس أم زياد؟
فقال: انه لا يدع الامر يتفرق عليه، وانه يتفرق على ثم أجمعه، وقال له معاوية: أنا أسوس منك. ضبطت سلطانى باللين، وضبطت سلطانك بالشدة.
(1/302)

وخطب زياد فقال: لا أجد ساقطا رد على شريف، أوحدثا رد على ذى شيبة الا أوجعت بطنه وظهره، وكتب زياد الى معاوية: أنى ضبطت العراق بشمالى، ويمينى فارغة يسأله ولاية الحجاز. فكره ابن عمر ذلك فدعا عليه فخرج فى أصبعه طاعونة، فأراد قطعها، فنهاه شريح عن ذلك وقال: تلقى الله أجذم، قد قطعت يدك خوفا من لقائه. فمات فى سنة ثلاث وخمسين، وكانت ولايته العراق خمس سنين.
أول من أذن معه فى المقصورة أبان بن عثمان
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: قال الواقدى: أول من أذن معه المؤذنون فى المقصورة أبان بن عثمان ابن عفان، وانما كان يؤذن فيما مضى على المنارة، وكان أبان سجلا «1» أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن العليمى عن المدائنى عن عبد الله بن حفص التميمى ومسلمة بن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية: أن أعرابيا توجه من الموسم يريد المدينة، فكسر به بعيره، فأقبل برحله يحمله، حتى أتى باب أبان ابن عثمان، وهو على المدينة، فسأله فحرمه فأتى عبد الله ابن جعفر فقال لآذنه: «2» ان معى هدية فأعلموه، فأعلمه فقال: هدية تحملها او يحملها غيرك؟ قال: أحملها. قال: هات فقال:
(أبا جعفر إنّ الجياد تواكلت ... وأدركها عند الحضار فتور) «3»
أبا جعفر ضنّ الأمير بماله ... وأنت على ما فى يديك أمير
فقال: قد يكون ذلك. فقال: أجل. فقال:
(1/303)

أبا جعفر يا ابن الشّهيد الّذى له ... جناحان فى اعلى الجنان يطير
أبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلوا ... وليس لرحلى فاعلمنّ بعير
قال: أصبته انطلق إلى الابل، فتخير أفضل ناقة أو جمل فخذه، فجاء أعرابيا بصيرا بالابل، فتخير ناقة يعدها لرحله، فمنعه الغلام، فرجع الى عبد الله فأخبره، فوجه معه، فقال: أعطه الناقة التى طلب، والغلام الذى منعه، فجاء الغلام الى عبد الله فقال: جعلت فداك! صحبتى. فقال: لا بأس إنه بنا لصب، أتبيعه؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: ثلاثمائة. قال: هى لك، ودونك السيف فلا تحد عنه، فانى ابتعته بأربعمائة دينار، وأعتق العبد وزوجه وولده، فقال الاعرابى:
حبانى عبد الله نفسى فداؤه ... بأعيس موّار سباط مشافره
والاعيس الابيض تعلوه حمرة والجمع عيس، والموار السريع السير، والسبوط فى سائر النجائب يستحب.
وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا واللّيل ملق عساكره «1»
سأثنى بما أوليتنى يا ابن جعفر ... وما شاكر عرفا كمن هو كافره
ومما روى عن أبان بن عثمان من الامثال ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن هارون بن معروف عن عبد الله ابن وهب قال: قال
(1/304)

حيان: أخبرنى أبو عثمان أنه سمع أبان بن عثمان يقول: قال رسول الله:- صلّى الله عليه وسلم- «المجالس أمانة» وقالوا، أحسنوا مجلس العشيرة، فقال:
الرجل اذا كان فى مجلس العشيرة لم يبال ما قال، واذا كان فى غيره تحفظ فى كلامه.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: حدثنا ابن ذكوان قال: حدثنى التوزى قال: لما ولى أبان بن عثمان المدينة كان يطوف بالبيوت بنفسه ليسمع ما يحدث خوفا من أن يعاب بشىء، فسمع قائلا يقول: اللهم اعزل أبان، فقال أبان:- والمدينى لا يعرفه- وما صنع بك؟ قال: ما صنع بى شيئا، ولكنى استطلت ولايته ومللتها، قال له: ويحك! أنما له ستة أشهر، قال: ففى دون هذا نفع الملك، والله انى لامل كنيتى «1» فأغيرها فى كل جمعة، وانى لأؤذن فاذا توسطته مللت، فجئت بمن يتمه عنى.
أول من رفع يديه فى الخطبة يوم الجمعة
عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وكان أول من حكم فى الوصية برأيه، وكان يقول: من سمى جعلته حيث سمى ومن أوصى به حيث أمر الله جعلناه فى الاقربين، وكان أحد الاجواد المذكورين.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الجوهرى قال: قال أبو زيد: كانت لرجل جارية تعجبه، فاحتاج الى بيعها، فجعل يتصبر حتى اضطر، فقالت الجارية:
انى ارى ما بك، فلو بعتنى فانتفعت بثمنى كان أمثل مما أراك تلقى! قال:
أفعل على كره. فأتى بها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، فأعجبته فقال: بكم؟
قال: بمائة ألف درهم، وهى خير من ذلك، فنقده الثمن، فلما نهض قال:
(1/305)

ولولا قعود الدّهر بى عنك لم يكن ... يفرّقنا شىء سوى الموت فاعذرى «1»
أروح بهمّ فى الفؤاد مبرّح ... اناجى به قلبا قليل التّصبّر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل الّا أن يشاء ابن معمر
قال: شاء ابن معمر، خذ بيدها والمال لك.
وقالوا: أتى بها عمر بن عبيد الله بن معمر، فذكر البحترى بعد ذلك عبيد الله فقال: وقد رد عليه الحسن بن سهل غلامه نسيما بعد أن أعطاه ثمنه:
وأعطيت ما أعطيت والبشر شاهد ... على فرح بالبشر منك مبشّر
وكان العطاء الجزل ما لم تحلّه ... ببشرك مثل الرّوض ما لم ينوّر
أطعت لسلطان التّكبّر والّلهى «2» ... وعاصيت سلطان الهوى والتّكبّر
فو الله ما أدرى سلوت عن الهوى ... فأعطيتنيه او حسدت ابن معمر
اول من رآه الناس يتوضأ (يستنجى) بالماء بالبصرة
عبيد الله بن أبى بكرة فقالوا: أنظروا الى هذا الحبشى يلوط استه بالماء، وكان عبيد الله أحد الصلحاء الاجواد. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى
(1/306)

زيد عن احمد بن معاوية عن محمد بن داود قال: أتت امرأة الى عبيد الله بن أبى بكرة فقالت: أتيتك من بلدة شاسعة، تخفضنى خافضة وترفعنى رافعة، لملمات برين عظمى، «1» وأذهبن لحمى، فصرت ولهى، «2» أمشى بالحضيض، «3» قد ضاق على العريض، فسألت فى أحياء العرب عن المحمود سيبه، «4» المأمون عيبه، والمرجو نائله «5» والكريم شمائله، فدللت عليك، وانا امرأة من هوازن قد هلك الوالد، وغاب الوافد، «6» ومثلك سد الخلة، «7» وفك الغلة، «8» فافعل بى احدى ثلاث: اما ان تحسن صفدى، «9» او تقيم أودى، «10» او تزودنى الى بلدى، قال: بل أجمعهن لك.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الاصمعى قال: مر عبيد الله بن أبى بكرة ببنى ضبيعة فسلم فقال رجل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال لمن معه احفظوا لى اسم الرجل، فما برحوا حتى أتاه صله «11»
أول من ميز العتاق والهجن المنذر بن أبى حمصة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن معاوية ابن عمرو عن أبى اسحاق الفزارى عن أبى عيينة عن ابراهيم ابن المنتشر عن على بن الاقمر، أن الخيل أغارت بالشام وعلى الناس المنذر بن أبى حمصة الوادعى، وأدركت
(1/307)

الفرات من يومها، وجاءت الكوادن «1» ضحى الغد فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، وكتب فى ذلك الى عمر- رضى الله عنه- فقال: لقد هبلت «2» الوادعى أمه، لقد أذكرته، أمضوا على ما قال وفى رواية أبى احمد قال رجل منهم:
ومنّا الذّى قد سنّ فى الخيل سنّة ... وكانت سواء قبل ذاك سهامها
وقالوا: اول من ميز بينها سليمان بن ربيعة.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن معاوية عن إسحاق عن أبى رجاء عن موسى بن عثمان بن الاسود قال: بعث عمر سليمان بن ربيعة على جيش، وسار معه عمرو بن معد يكرب وطليحة الاسدى، فلقوا العدو فهزموهم وأصابوا غنائم كثيرة، فلما قفل «3» قسمها، وأمر أن تعرض عليه الخيل، فكان يسهمها ولا يسهم الا لكل عتيق، «4» فمر به فرس لعمرو وفيه غلظ فقال سليمان: انه لهجين، «5» وما أريد أن أسهمه، فغضب عمرو وقال:
أجل ما يعرف الهجين الا الهجين، فقدم اليه الاشتر وكان من رهطه فقال: يا عمرو ما تراك الا سلبت الحال التى تكون عليها بالبادية، أما تعلم ان هذا الاسلام، وأن أمر الجاهلية قد اضمحل؟ أما لو أمرنا بك لاخذناك له فقال عمرو: ما عرفت الذل قبل اليوم. وبلغ أمرهما عمر فكتب الى سليمان: أما بعد: فقد بلغنى صنيعك بعمرو، وأنك لم تحسن بذلك ولم تجمل فيه، واذا كنت بمثل مكانك من دار الحرب، فانظر عمرا وطليحة وقربهما منك.
(1/308)

واسمع منهما فان لهما بالحرب علما وتجربة، واذا وصلت الى دار السلام، فأنزلهما منزلتهما التى أنزلا أنفسهما بها، وقرب أهل الفقه والقرآن.
وكتب الى عمرو: أما بعد فقد بلغنى اقتحامك «1» لاميرك، وشتمك له، وان لك لسيفا تسميه الصمصامة، وان لى سيفا أسميه المصمم، وانى أحلف بالله لو قدر لى ووضعته على هامتك «2» لا أرفعه حتى أقدك «3» به. فلما جاءه الكتاب قال: والله ان هم ليفعلن.
أول من مشت الرجال معه وهو راكب الاشعث بن قيس
وكان بنو عمرو بن معاوية ملكوه عليهم وتوجوه، أخبرنا أبو القاسم عن المدائنى باسناده قال: قدم حجاج كندة فيهم بنو وليعة، وهم من عمرو بن معاوية، ورسول الله- صلّى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على القبائل، فعرض نفسه عليهم فلم يقبلوه. فلما هاجر- صلّى الله عليه وسلم- جاءه وفد كندة، فيهم بنو وليعة والاشعث، فأطعم رسول الله بنى وليعة طعمة من صدقات حضرموت واستعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضى، وأجراها لهم، ثم حدث أمر أوجب ان يتجافوا عنها سنتهم، فأبوا وأبى زياد أن يعطيهم إياها، واختلفوا فارتدت بنو وليعة، وتوفى رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وهم على ردتهم، فأظهروا الشماتة بموته- صلّى الله عليه وسلم-، وغنت بناياهم وخضبن أيديهن له، فأقر أبو بكر زيادا على حضرموت، وأمره بأخذ البيعة له على أهلها، واستيفاء صدقاتهم، فبايعوه غير بنى وليعة، ثم خرج يقبض الصدقات من بنى عمرو بن معاوية، فأخذ ناقة لغلام لهم، فهتف بمسروق بن معدى كرب، فقال لزياد أطلقها، فأبى، فقال مسروق:
(1/309)

تطلّقها شيخ بخدّيه شيب ... ملمّعا فيه كتلميع الثّرب «1»
ماض على الرّيب اذا كان الرّيب وقال للغلام: قم فأطلقها، فلما قام أمر زياد بحبسه، فاجتمعوا على حرب زياد، فبيتهم زياد وهم غارون، «2» فقتل وليعة فى جماعة كثيرة، ونهب وسبى، ولحق من نجا منهم بالأشعث، فاستنصروه على زياد فقال: لا أنصركم حتى تملكونى عليكم، فملكوه وتوجوه، فخرج فى جمع كثيف، فكتب أبو بكر الى المهاجر بن أمية- وهو بصنعاء- أن يسير بمن معه الى زياد، فاستخلف (عكرمة بن أبى جهل على الجيش، وتعجل فى كتيبة سريعة، حتى التقى بجيش زياد وهاجم الاشعث فهزمه) «3» وقتل مروان، ولجأ الباقون الى حصن نجير، فحاصرهم المسلمون، فصالحوهم على ان ينزلوا على حكم أبى بكر، (فأرسلوا هانىء بن مسروق بن معدى كرب، وزرعة بن قبيسة الى أبى بكر) «4» ووقتوا لهما وقتا، فكتب معهما أبو بكر الى زياد والمهاجر، اذا أتاكم كتابى، ولم تحدثوا فى القوم شيئا، فخلوا سبيلهم، على أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأخرج معهما المغيرة بن شعبة، فلقيهما رجل فقال لهما: قد هزم المهاجر، فكتما المغيرة الخبر، وتباطآ، فقال الاشعث لاصحابه: أرى صاحبيكم لا يرجعان بخير، فصالح الاشعث المسلمين على أن يؤمنوا منهم عشرة، وكتب فى ذلك كتابا، فقال له الحفشيش: تكتب نفسك وتدعنى، والله لتمحون اسمك وتثبت اسمى، ففعل خوفا منه، واستنزل القوم، وأخذت أسلحتهم.
وقالوا للأشعث: اعزل العشرة، فتركوهم وقتلوا الباقين، وكانوا
(1/310)

سبعمائة وقيل: ثمانمائة، وقطعوا أيدى النساء اللاتى شمتن بوفاة رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وأرادوا قتل الاشعث فقال: أترون أنى طلبت الامان لغيرى وتركت نفسى؟ قالوا: هو ما ترى، قال: أصيروا حكمى الى أبى بكر، فحمل الى المدينة فى الحديد، فعفا عنه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، وكانت مكفوفة فولدت محمدا واسماعيل، واسحاق، فخرج الاشعث الى السوق، فما مر ببعير ولا شاة ولا بقرة الا عقرها، فصرخ الناس، وجاءوا الى أبى بكر بخبره، فأنكره، فقال: يا خليفة رسول الله أنا رجل غريب، وقد أولمت بها وأثمانها فى مالى، فدفع أثمانها قالوا: وحج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، «1» وكان أسامة «2» أسود أفطس، فقال أهل اليمن: ألهذا الحبشى جيشنا؟ «3» فارتدوا بعد وفاة الرسول- صلّى الله عليه وسلم-.
أول من ادعى نصرة أهل البيت أول من نال الرئاسة بالحيلة
المختار بن أبى عبيد الثقفى، وهو أول من نال الرئاسة بالحيلة فى الاسلام.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى أحمد عن عيسى ابن دينار قال: سألنا أبا جعفر عن المختار قال: كان كذابا يكذب على الله ورسوله، ولكنه أول من نصرنا، ومن مليح حيله ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى بكر الهذلى عن الاصمعى قال: أراد محمد ابن الحنفية ان يقدم الكوفة أيام المختار، وكان المختار يدعو اليه ويزعم أنه أمره، فبلغ المختار ذلك فقال: ان فى المهدى علامة أن يضربه رجل فى السوق ضربة بالسيف فلا يضره، فلما بلغ ذلك محمدا أقام، وانما قال ذلك لعلمه أن محمدا
(1/311)

اذا ورد الكوفة لم يكن للمختار فيها معه أمر.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن رجاله قال: قال المختار: أى عبد بايعنا فهو حر، فسمعها عبد الله بن الزبير فقال: كان يقول:
إنى اعرف كلمة لو قلتها كثر تبعى، وهى هذه الكلمة.
قال أبو هلال- أيده الله- أحب الزنج وبنى أمره على هذا فاستمال العبيد.
وكان المختار لا يقرأ حرفا من القرآن، وكان يصلى بالناس صلاة النهار ولا يصلى بهم صلاة الليل، فاتهموه فكانوا يقرأون خلفه.
أخبرنا باسناده عن أبى زيد عن رجاله عن طفيل بن جعدة ابن هبيره قال:
رأيت لجار لنا زيات كرسيا قد شربه الزيت وركبه وسخ كثير، وكنت قد أعدمت، فأخذته منه وجئت المختار، فقلت: كنت اكتمك شيئا ثم لم أستحل ذلك، معنا كرسى كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه يرى أن فيه أثرة من العلم، «1» قال: سبحان الله! أفأخرته الى اليوم؟ ابعث به، فبعثت به وقد غسل فخرج عود نضار «2» أبيض، فغشاه «3» وأمر لى باثنى عشر ألف درهم وخطب فقال: لم يكن فى الأمم الخالية أمر الا كان فى هذه الامة، وكان فى بنى اسرائيل التابوت، وفيكم هذا الكرسى، اكشفوا عنه، فكشفوه فكبر الناس، ثم أقبل عبيد الله ابن زياد يريد قتاله، فقال لابراهيم بن الاشتر: أمرنى جبريل أن أوليك حربه.
فخرج فى اثنى عشر ألفا وقال له: سيكون لاصحابك جولة، فلا تروعنك، فعندها نزول الملائكة لنصرى، ودفع الى مولاه طيورا بيضا وقال:
(1/312)

كن من ورائهم، ولا يعلمن بك أحد، فاذا التقوا وجالوا فأرسلها، ففعل، وخرج ابراهيم، ومعه الكرسى على بغل يمسكه سبعة عن يمينه وسبعة عن يساره، فقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة، وازدادت فتنتهم بالكرسى، وقتل إبراهيم عبيد الله ابن زياد وهو لا يعرفه.
فلما أصبحوا رأوه فاحتزوا رأسه، وحمله إبراهيم الى المختار، فوضعه بين يديه وهو يتغدى، فقال: الحمد لله، وكان قد وضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يدى بن زياد، وهو يتغدى ثم بعث به المختار الى ابن الحنفية، فأرسله ابن الحنفية الى على بن الحسين، فوصل اليه وهو يتغدى فقال: الحمد لله! دخلت على ابن زياد، وبين يديه رأس أبى وهو يتغدى، وأتى ابن الزبير بالرأس، ووضع بين يديه، فخرجت حية من تحت الاستار فأخذت بأنفه، فأمر به والقى فى بعض شعاب مكة، ثم سار مصعب من البصرة يريد قتال المختار، فأخرج اليه جيشا فهزمهم مصعب، وجاء فخرج اليه المختار، فقاتله وانهزم وتمثل:
كلّ بؤس ونعيم زائل ... وبنات الدّهر يلعبن بكل
والعطيّات شتات بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
ودخل القصر، ومعه خمسة آلاف من أصحابه، فحاصرهم مصعب فتمثل المختار بشعر غيلان بن سلمة:
فلو رآنى أبو غيلان اذ حسرت ... عنّى الأمور الى أمر له طبق «1»
لقال رغب ورهب أنت بينهما ... حب الحياة وهول النّفس والشّفق «2»
(1/313)

إما مسيف على مجد ومكرمة ... او أسوة لك فيمن تهلك الورق «1»
ثم قال لاصحابه: أخرجوا فقاتلوا، فاما أن تظفروا أو تموتوا كراما خير لكم من أن يخرج غدا كل رجل منكم فتضرب عنقه وأنتم تنظرون، فأبوا، فقال: وانى لا أعطى بيدى وخرج فى نفر يسير، فقاتل حتى قتل، والمختار اول من لبس الدراريع «2» السود بالعراق.
أول من رفع صوته بالتهليل بعد الصلاة مصعب بن الزبير
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن معاوية عن عمرو وعن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى قال: مر عبيدة بالمسجد فسمع مصعبا حين فرغ من الصلاة يقول: «لا اله الا الله وحده لا شريك له» يرفع صوته بها فقال: ما له؟ قاتله الله! انه لغار بالبدع، ثم صار هذا سنة فى العامة يفعلونها، الا أنهم يقولون فى آخر الصلاة: يا رب يا رب!
أول من مشى خلف الجنازة بلا رداء بالعراق مصعب بن الزبير
مشى كذلك خلف جنازة الاحنف، وقالوا: قدامها، أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يحيى بن كثير عن قرة بن خالد عن أبى الضحاك قال: رأيت مصعب بن الزبير يمشى قدام جنازة الاحنف فى قميص واحد، وهو أمير العراق، وكان الاحنف مكينا منه، قال أبو زيد: كان ابن عصيفير محبوسا بمائة ألف، فبلغه أن مصعبا يريد الكوفة، فأمر رجلا ان يقسم الا نزل الاحنف فى طريقه، وينزله داره اذا قدم، ففعل، فكلم الاحنف فيه مصعبا، فقال: عليه مائة ألف، فقال: مثلك أيها الامير يسألها؟ ومثلى سألها ومثله
(1/314)

تركت له، فقال: هى لك ومثلها، فلما أحرزها الاحنف جعلها لابن عصيفير.
وكلم الاحنف مصعبا فى عبد الله بن الحر، وكان محبوسا، فأطلقه، فقال ابن الحر: ما أدرى بم أكافئك؟ الا أنى أقتلك فتدخل الجنة وأدخل النار، فقال: لا حاجة لى فى مكافأتك، وكان مصعب من أحسن الناس وجها وأسخاهم كفا وأشجعهم قلبا، وكان أحب عمال العراق الى الناس للينه فى موضع اللين وشدته فى موضع الشدة، وكان أمر أخيه عبد الله مستقيما حتى قتل، فاضطرب أمره وانحل نظامه والذى أنكر على مصعب، وهجن «1» أمره، أنه أمن أصحاب المختار، وهم خمسة آلاف، فلما خرجوا اليه قتلهم، فقال له عبد الله بن عمر: لو أن رجلا أتى غنما للزبير فذبح فى غداة واحدة خمسة آلاف، أكنت تراه مسرفا؟ قال: نعم. واستحيى وقتل عمرة بن النعمان بن بشير زوجة المختار فقال عمر بن أبى ربيعة:
انّ من أعجب العجائب عندى ... قتل بيضاء حرّة عطبول «2»
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذّيول
وبقى مصعب أميرا على العراق حتى صار اليه عبد الملك فقاتله، فاسلمه أهل العراق، وتفرقوا عنه، فبقى فى سبعة، فأمنه عبد الملك، وضمن له أن يوليه العراق فقال: ان مثل هذا الامر لا ينكشف عن مثلى الا وهو غالب او مقتول، فأمن أهل الشام ابنه عيسى، فقال له مصعب: صر اليهم فقد أمنوك فقال: لا تتحدث نساء قريش أنى قد أسلمتك، قال: فتقدم احتسبك، فتقدم فقتل بين يديه، وشد على مصعب عبد الله بن زياد بن ظبيان، وشد عليه مصعب، فضربه فهشم رأسه، فرجع وعالجه، وجاء وشد عليه وزرقه زائده فصرع، ونزل ديلمى- مولى عبد الله بن زياد بن ظبيان- واحتز رأسه، وحمله عبد الله بن زياد الى عبد الملك فلما رآه سجد، فقال عبد الله: ندمت
(1/315)

ألا أكون ضربت رأس عبد الملك حين سجد، فأكون قد قتلت ملكى العراق وتركتها تضطرب، فقال الأقيشر يرثى مصعبا:
والله ما حدّثت قائد جحفل ... عند الوغى متقلّب الأزوال «1»
أمضى وأكرم مشهدا من مصعب ... لولا تقارب مدّة الآجال
وكان لمصعب يوم قتل نيف وثلاثون سنة.
أول من أطاف الناس حول الكعبة للصلاة الحجاج بن يوسف
أخبرنا أبو أحمد عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز قال: سمعت أبا محمد يقول: ان رجلا من أهل مكة يذكر ان الحجاج أول من أطاف الناس حول الكعبة للصلاة، وكانوا يصلون صفا فقال طاووس: كأنا كنا عن هذا عميا.
أول من اتخذ المحامل
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية وعن المدائنى وأخبرنا عن غير هؤلاء قال: أول من ركب المحامل الحجاج، وكان المحمل صغيرا مثل محمل اللبن، فرآها رجل يقال له ضب فقال:
كيف نراها بالفجاج تنهض ... بالغيد ليلا والحداة تقبض «2»
(1/316)

حرض عليهنّ السّقيف النغّض ... والخشب الماسور والمعرّض «1»
فيها علوج كالحمير ربّض ... ذاك وان قيل الفداء أعرضوا «2»
وقال الشاعر:
أخزى مليك النّاس خزيا عاجلا ... أوّل عبد أحدث المحاملا
عبد ثقيف كان أزلا آزلا وكان مكحول يقول: ان فى المحامل نعمة.
وهو اول من أجرى فى البحر السفن المقيرة، «3» غير المحذورة- المدهونة- والمسطحة- غير ذات المناحى- وهو اول من نقش على يد كل رجل اسم قريته، ورده اليها وأخرج الموالى «4» من بين العرب فقال الراجز:
جارية لم تدر ما سوق الابل ... أخرجها الحجاج من كنّ وظل «5»
لو كان بدر حاضرا وابن جمل ... ما نقشت كفّاك فى جلد حمل
(1/317)

وقال آخر لنوح بن دراج حين استقضى على الكوفة.
يأيّها النّاس قد قامت قيامتكم ... اذ صار قاضيكم نوح بن درّاج
لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت ... كفّاه ناجية من نقش حجّاج
وكان الذى دعاه الى ذلك ان أكثر القراء والفقهاء كانوا من الموالى، وكانوا جل من خرج عليه مع ابن الاشعث، فاراد أن يزيلهم من موضع الفصاحة والادب، ويخلطهم بأهل القرى فيخمل ذكرهم، وكان سعيد بن جبير منهم- كان عبد رجل من بنى أسد اشتراه من ابن العاص فأعتقه- فلما أتى به الحجاج قال: يا شقى بن كسير، «1» أما قدمت الكوفة، وليس بها عربى؟ واستقضيت أبا بردة بن موسى، وامرته ألا يقطع أمرا دونك؟ وجعلتك فى سمارى «2» وكلهم من رؤوس العرب؟ وأعطيتك ألف ألف درهم تفرقها فى أهل الحاجة لم أسألك عن شىء منها؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك على؟
قال: بيعة لابن الاشعث كانت فى عنقى. فغضب وقال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين فى عنقك من قبل؟ والله لاقتلنك! قال: انى اذا كما سميت سعيد، دعنى أصلى ركعتين، قال: ولوه الى قبلة النصارى، قال سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
«3» ثم بطح على الارض، فقال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
«4» ومدت عنقه فضربت، فاختلط عقل الحجاج فى الحال، فقال: قيدونا، فظنوا أنه يريد القيود التى فى رجل سعيد، فقطعوا ساقيه، وأخرجوا القيود، وما زال الحجاج مختلط العقل
(1/318)

حتى مات بعد أيام قلائل، وما قتل بعده أحدا، وقالوا عناه جرير بقوله:
يا ربّ ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دمّ الأوداج «1»
وكان الحجاج اذا نام رأى سعيدا متعلقا بثوبه، ويقول له:
يا عدو الله، فينتبه، ويقول ... مالى ولسعيد بن جبير
وكان لسعيد يوم قتل، سبع وأربعون سنة، وقيل خمس وأربعون.
والحجاج أول من حمل الثلج، وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال. وعليها جنب شواء وثريدة «2» وسمكة وبرنية «3» فيها عسل، وكان يقول للناس رسولى اليكم الشمس فاذا زالت فاغدوا لغدائكم، واذا جنحت «4» فروحوا لعشائكم وكان لا يطعم الا شاميا، وهو أول من أجاز بألف ألف درهم، أجاز الجحاف السلمى فيما حمل من دماء بنى تغلب، وهو أول من قعد على سرير فى حرب، وروى أن مصعبا كان يقاتل أهل الشام ومعه سبعة، وكان يكر عليهم فينفرجون عنه. فيجلس على مرفقة «5» فيروحون اليه. فيعود اليهم فيتفرقون عنه، فيجىء ويجلس على المرفقة، فما زال ذلك دأبه حتى زرقه زائدة فصرع.
ومن كلام الحجاج وهو من أوائل المعانى، ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية عن محمد بن حرب عن الشعبى قال: صعد الحجاج المنبر، فتكلم بكلام لم أسمعه من أحد قبله ولا بعده، قال: أيها الناس كتب الله على الدنيا الفناء، فلا بقاء لما كتب الله عليه الفناء،
(1/319)

وكتب على الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب الله عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا الأمل لقصر الاجل، وقال: رأيت الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله، وقال يوما: لولا اهوال يوم القيامة لكان يوما نزها «1»
أول من قتل الحجاج بالعراق عمرو بن ضابى البرجمى
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عاصم عن عوف عن أبى رجاء عن أبى بكر الانبارى عن أبيه عن أحمد بن أبى عبيد عن محمد بن زياد بن ريان الكلبى عن عبد الملك بن عمير قالوا: كان عمر وعثمان يعاقبان على الهجاء فاستعار ضابى من قوم كلبا يقال له: فرحان، فأرادوا أخذه منه فقال:
تجشّم نحوى وفد فرحان خطّة ... تظلّ بها الوجناء وهى حسير «2»
فراحوا بكلب مردفيه كأنّما ... حباهم بتاج المرزبان أمير «3»
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم ... فإنّ عقوق الوالدين كبير
اذا غبرت من آخر الّليل دخنة ... يظلّ لها فوق الفراش هرير «4»
(1/320)

فاستعدوا عليه عثمان بن عفان، فقال له: ويلك! رميت أم قوم بكلبهم، لو كنت فى عهد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- لنزل فيك قرآن، فضربه وحبسه، ثم عرض عليه، فوجد عنده خنجرا أراد أن يغتال به عثمان، فرده الى الحبس فقال:
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله «1»
وما الفتك ما أمّرت فيه ولا الّذى ... تحدّث من لاقيت أنّك فاعله
وما الفتك الّا لامرىء ذى حفيظة ... اذا همّ لم ترعد عليه خصائله «2»
فمات ضابى فى الحبس، فلما قتل عثمان جاء عمير بن ضابى البرجمى «3» فوطئه، وقالوا: لطمه.
قال عبد الملك بن عمير: فلما اشتدت شوكة أهل العراق وطال توثبهم بالولاة، خطب عبد الملك الناس فقال: ان العراق قد علا لهبها، وسطع وميضها، «4» وعظم الخطب بها، فجمرها زكى، «5» وشهابها ورى، «6» فهل من رجل ذى سلاح عتيد، «7» وقلب شديد، فينتدب لهم؟ فيخمد نيرانها ويبيد شبابها، فسكت الناس، فوثب الحجاج فقال: أنا يا أمير المؤمنين للعراق،
(1/321)

فقال: ومن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف الثقفى ابن أبى الحكم بن عقيل بن مسعود صاحب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وعظيم القريتين، فقال: اجلس فلست هناك، وأطرق عبد الملك مليا، «1» ثم رفع رأسه فقال: من للعراق؟ فسكت الناس، ووثب الحجاج، وقال: انا يا أمير المؤمنين. قال: ومن أنت؟ قال:
من قوم رغبت فى مناكحتهم قريش، ولم يتأبوا منهم، واعادة الكلام مما ينسب صاحبه الى العى، «2» ولولا ذلك لاعدت الكلام الاول، فقال:
اجلس، فلست هناك، وأطرق ثم رفع رأسه وقال: من للعراق؟ فسكت الناس، فقال: مالى ارى الليوث قد أطرقت ولا ارى اسدا يزأر نحو فريسته، فسكتوا، ووثب الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين. قال: وما الذى أعددت لأهلها؟ قال: ألبس لهم جلد النمر، ثم اخوض الغمرات، «3» واقتحم الهلكات، فمن نازعنى طلبته، ومن لحقته قتلته بعجلة وريث، «4» وابتسام وازورار، «5» وطلاقة واكفهرار، «6» وشدة ورفق، وصلة وحرمان، فان استقاموا كنت لهم وليا حفيا، «7» وان خالفوا لم أبق منهم طوديا، «8» ولا عليك ان تجربنى، فان وجدتنى، للطلى «9» قطاعا، وللارواح نزاعا، وللأموال جماعا، والا فاستبدل بى، فان الرجال كثير، فقال عبد الملك. أنت لها،
(1/322)

وقال لكاتبه: اكتب له عهده ولا تؤخره، وأعطه من الرجال والكراع «1» والأموال ما سأل، قال عبد الملك بن عمير: بينا نحن جلوس فى المسجد الاعظم بالكوفة اذا أتانا آت فقال: هذا الحجاج بن يوسف، قد قدم أميرا على العراق فاشرأب «2» نحوه الناس، وأفرجوا له إفراجة عن صحن المسجد، فاذا نحن به يتبهنس «3» فى مشيته، عليه عمامة خز حمراء، منتكبا «4» قوسا عربية، يؤم المنبر، فما زلت أرمقه «5» ببصرى حتى صعد المنبر، فجلس عليه، وما يحدر «6» اللثام عن وجهه، وأهل الكوفة حينئذ لهم حال حسنة، وهيئة جميلة، وعز ومنعة، يدخل الرجل منهم المسجد ومعه عشرة أو عشرون من مواليه، عليهم الخزوز والقوهية، «7» وفى المسجد رجل يقال له: عمير بن ضابى البرجمى، فقال: لمحمد بن عمير التميمى، هل لك أن أحصبه؟ قال لا حتى أسمع كلامه، فقال:
لعن الله بنى أمية! يستعملون علينا مثل هذا، ولقد ضيع العراق حين يكون مثل هذا أميرا عليه، والله لو كان هذا كله كلاما ما كان شيئا، والحجاج ينظر يمنة ويسرة، حتى غص المسجد بأهله، فقال: يا أهل العراق! انى لا أعرف قدر اجتماعكم الا اجتمعتم، قال رجل: نعم- أصلحك الله- فسكت هنيهه لا يتكلم، فقالوا: ما يمنعه من الكلام الا العى والحصر، فقام فحدر لثامه، وقال: يا أهل العراق! أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ابن مسعود.
(1/323)

أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى «1»
صليب العود من سلفى نزار ... كنصل السّيف وضّاح الجبين «2»
وماذا تزدرى الشّعراء منّى ... وقد جاوزت سنّ الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذنى مداورة الشئون
وانّى لا يعود الىّ قرنى ... غداة الغبّ الّا فى قرينى
والله يا أهل العراق إنى لارى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، والله لكأنى أنظر الى الدماء بين العمائم واللحى.
هذا أوان الحرب فاشتدّى زيم ... قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم «3»
ليس براعى إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم «4»
وقال:
قد لفّها الّليل بعصلبىّ ... وشمّرت عن ساق شمّرىّ «5»
(1/324)

أروع خرّاج من الدّوىّ ... مهاجر ليس باعرابىّ «1»
وقال:
ما علّتى وأنا شيخ إدّ ... والقوس فيها وتر عردّ
مثل جران العود أو أشدّ ويروى مثل جران البكر أو أشد «2» ثم قال:
والله يا أهل العراق، ما يغمز جانبى كنغماز التين ولا يقعقع لى بالشنان، «3» ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت مع الغاية، وان أمير المؤمنين عبد الملك نثل كنانته «4» بين يديه، فعجم عيدانها «5» عودا عودا، فوجدنى أمرها عودا، وأشدها مكسا، فوجهنى اليكم، ورماكم بى، يا أهل الكوفة، يا أهل النفاق والشقاق ومساوىء الاخلاق، انكم طالما أوضعتم فى الفتنة، وأضطجعتم فى مناخ الضلال، وسننتم سنن الغى، وايم الله لالحونكم لحو العود، «6» ولأقرعنكم قرع المروة، «7» ولا عصبنكم عصب السلمة
(1/325)

ولاضربنكم ضرب غرائب الابل، «1» أنى والله لا أحلق الا فريت، «2» ولا أعد الا وفيت إياى وهذه الزرافات، وقال وما يقول، وكان وما يكون، وما أنتم وذاك؟ «3» يا أهل العراق! انما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرتم بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها فاستوسقوا «4» واعتدلوا، ولا تميلوا، واسمعوا وأطيعوا، وشايعوا وبايعوا واعلموا أنه ليس منى الاكثار والابذار والاهذار، «5» ولا مع ذلك النفار والفرار، انما هو انتضاء هذا السيف، ثم لا يغمد فى الشتاء والصيف، حتى يذل الله لامير المؤمنين صعبكم، ويقيم له أودكم، وصعركم «6» .
ثم انى وجدت الصدق من البر، ووجدت البر فى الجنة، ووجدت الكذب من الفجور، ووجدت الفجور فى النار، وان أمير المؤمنين أمرنى باعطائكم أعطياتكم واشخاصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين، وقد أمرت لكم بذلك، وأجلتكم ثلاثة أيام، وأعطيت الله عهدا يؤاخذنى به، ويستوفيه منى، لئن تخلف منكم بعد قبض عطائه احد لاضربن عنقه، وأنهبن ماله، ثم التفت الى أهل الشام فقال: يا أهل الشام! أنتم البطانة والعشيرة، والله لريحكم أطيب من ريح المسك الأذفر، وانما أنتم كما قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
«7» والتفت الى أهل العراق فقال:
لريحكم أنتن من ريح الابخر وانما أنتم كما قال الله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
(1/326)

كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
«1» .
اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام: فقال القارىء: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين الى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد اليكم الله، فسكتوا فقال الحجاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام، فسكت، فقال: يا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق ومساوىء الاخلاق.
يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام؟ هذا أدب ابن أبيه؟؟ «2» والله لئن بقيت لكم لاؤدبنكم أدبا سوى أدب ابن أبيه، ولتستقيمن لى أو لاجعلن لكل امرىء منكم فى جسده وفى نفسه شغلا.
اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما بلغ الى موضع السلام صاحوا وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته، ودخل قصر الامارة، وحجب الناس ثلاثة أيام، وأذن فى اليوم الرابع، فدخل عليه عمير بن ضابى، فقال:- أصلح الله الامير- إنى شيخ كبير وقد خرج اسمى فى هذا البعث، «3» ولى ابن هو على الحرب والاسفار أقوى وأشجع عند اللقاء، فان رأى الامير ان يجعله مكانى فعل، فقال: انصرف أيها الشيخ راشدا، وابعث ابنك بديلا، فلما ولى، قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الامير! أتعرف هذا؟ قال: لا والله! قال: هو عمير بن ضابى، الذى أراد أبوه ان يفتك بعثمان، فلم يزل محبوسا عنده حتى أصابته الدببلة «4» فمات. ثم جاء هذا فوطىء أمير المؤمنين عثمان- رضى الله عنه- وهو مقتول. فكسر ضلعا من أضلاعه، وأبوه الذى يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله
(1/327)

فقال على بالشيخ، فلما أتى به قال له: أما يوم الدار «1» فتشهده بنفسك، وأما فى قتال الخوارج فتبعث بديلا، ان فى قتلك لصلاحا لاهل المصرين. «2» يا حرسى! «3» اضرب عنقه. فضربت عنقه فصاح البراجم على الباب فقال، ارموا اليهم برأسه، فرمى به فولوا هاربين.
وكان ابن عم «4» لعبد الله بن الزّبير الاسدى، قد سأله ليشفع له الى الحجاج ليأذن له فى التخلف، فلما قتل عمير بن ضابى خرج ولم ينتظر الاذن.
فقال عبد الله بن الزبير:
أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أمسى مقطعا متصعّبا
تجهّز فإمّا ان تزور ابن ضابىء ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا «5»
والّا فما الحجّاج مغمد سيفه ... مدى الدهر حتّى يترك الطّفل أشيبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هى أقربا
(1/328)

فكم قد رأينا تارك الغزو باكيا ... تحمّم حنو السّرج حتّى تحنّبا «1»
فلما اتصلت الخيل والرجال بالمهلب عجب وقال: لقد ولى العراق رجل ذكى.
أخبرنا أبو أحمد عن أبى روق عن الرياش عن الاصمعى عن أبى عمرو قال: خرج عهد عبد الملك الى الحجاج: وليتك المصرين والفوجين وعمان والبحرين، فسر اليها قصير العذار «2» ، كميش الإزار، «3» واضغط الكوفة والبصرة، والفوجان سجستان.
والحجاج أول من حبس الرجال مع النساء فى قيد واحد، ووثاق قد شد، وأمر السياسة متشبه فيه بزياد، وكان من قتل أكثر ممن قتل زيادا، وهاب الناس زيادا أكثر مما هابوا الحجاج. وذكر أنه قتل أكثر من مائة ألف رجل، أكثرهم لم يستحق القتل، ومات فى حبسه اثنا عشر ألف رجل أكثرهم لم يستحق الحبس، وأخرجوا وأخرج معهم أعرابى ذكر أنه حبس سبع سنين لانه بال فى أصل ربض واسط، «4» فلما انصرف قال:
اذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب
أول من ارتشى من عمال العراق ابن هبيرة
وكان نصب ظاهر العراق، وهو أعرابى أمى، وقتله المنصور بواسط، فقال أبو عطاء السندى:
(1/329)

ألا انّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود
عشيّة قام النّائحات وشقّقت ... جيوب بأيدى مأتم وخدود
أول من ضرب باب القسطنطينية بالسيف عبد الله بن طليب
وكان معه مسلمة فأخذه قيصر بعد ذلك، وأراد قتله فقال: ان قتلتنى ما بقيت بيعة فى بلاد الاسلام الا هدمت، ولا نصرانى الا قتل فخلاه.
أول من عبر نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قدم سعيد ابن عثمان- وأمه أم عبد الله بن عمرو بن مخزوم- وافدا على معاوية. فسأله ان يوليه العراق، فأبى، وغضب سعيد ونهض، فلما كان من الغد. صلى الغداة معه، فلما انفتل اخذ بطرف ثوبه وتمثل:
ثكلتك أمّك أىّ سيّد معشر ... يضع الكبير ولا يربّى صغيرا
فقال معاوية: أما والله لقد أخرجتها شنعاء عظيمة، تتبعها ضحكة لا يعرق لها جبينك، ودخل ودعا سعيدا، فسبقه الى الكلام فقال: أما والله لقد رقاك أبى، واصطنعك حتى بلغت الذى لا تجارى اليها، ولا تسامى فيها، فما شكرت بلاءه، ولا جازيت بآلائه، انك قدمت على هذا- يعنى يزيد- والله لانا خير منه أبا وأما ونفسا! قال معاوية: أما سالف بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به، وقد كان شكرى لذلك أنى طلبت بدمه حتى انكشفت الامور، ولست بلائم لنفسى فى التشمير، واما فضل أبيك على أبيه فلا ينكر، هو والله أفضل منى قدما، واقرب برسول الله- صلّى الله عليه وسلم- قرابة، وأما فضل أمك على أمه فلعمرى لا مرأة من قريش خير من أمرأة من كلب، وأما أنت وهو، فو الله لا
(1/330)

أحب أن الغوطة «1» دحست- أى ملئت- ويقال: ملئت دحاس اذا كان مملوءا ناسا رجالا كلهم مثلك لى به، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين ابن أختك، وله حق ورحم، وقد عتب فاعتبه، وسأل أمرا فسوغه «2» ، فولاه خراسان، فسار حتى قدم نيسابور، «3» وكان معه مالك بن الريز «4» فقال:
رأيت سنا نار بنيرين «5» أوقدت ... ورجلى بنيسابوريا بعد منظرى
ثم قطع النهر، وأول من قطعه من أصحابه رفيع أبو العالية، فقال سعيد:
رفعه وعلا، ثم أتى سمرقند، «6» وأقام عليها، وحلف لا يبرح حتى يدخلها، ويرمى القهندر، فخرج اليه أهلها ثلاثة أيام، فقاتلوه، فقال بعض أصحابه:
فباشر فى الحرب المنايا ولا ترى ... لمن لم يباشرها من الموت مهربا
أخو غمرات لا يروّع جاشه «7» ... اذا الموت ارتدى وتعصّبا
ففقئت عين المهلب بالطالقات، ثم لزم العدو المدينة فلم يخرجوا لقتاله، وطال مقامه، فدل على حصن فيه أبناء ملوكهم، فصار اليهم فحاصرهم، فخاف العدو أن ظفر بهم أن يقتلهم، فصالحوه على أن يدخل البلد، ويرمى القهندر، «8» وأعطوه رهناء، فدخل ورماه بحجر فدخل فى بعض كواته، فتطيروا منه، وقالوا: قد ثبت أمر العرب، ثم قفل حتى أتى
(1/331)

مرو، ومعه الرهناء، وورد عليه سليمان ابن فتة فحجبه ولم يأذن له، وكان سعيد بخيلا، فهدده ابن فتة بالهجاء، فقال سعيد: يهجونى وأنا بن عثمان بن عفان؟ فقال: صدق. ان الناس جميعا ولد آدم، ذهبا وفضة ونحاسا، وهو من نحاس بنى آدم، وقال يهجوه:
سألت قريشا عن سعيد فأجمعوا ... عليه وقالوا معدن «1» اللّؤم والبخل
فقلت لنفسى حين أخبرت أنّه ... بخيل ألا ليس ابن عثمان من شكلى؟
وقالت لى النّفس اللّجوج طماعة ... أليس ابن عثمان بن عفّان ذا فضل؟
فقلت: بلى كم من كريم مهذّب ... سليل لئيم عاجز خامل الأصل
وكم من فتى كنّ اليدين مذمّم ... وكان أبوه عصمة النّاس فى المحل «2»
فأخضعت يأسا حين أيقنت أنّه ... بخيل وقد ألقوا على غاربى حبلى
ووجّهت عيسا نحو عمرو فأخمدت ... مواشكة نفرا تهيّا كالفحل
مرمّد فى عين الزّمان كأنّها ... خداريّة سفعاء تهرب من وبل «3»
(1/332)

الى ما جد الخدّين سبط بنانه ... اذا سئل المعروف يهتزّ كالنّصل «1»
فألقيت عمرا لا بخيلا بماله ... ولا مغلقا باب السّماحة بالقفل
ثم خرج سعيد الى الشام ومعه الرهناء، ثم خرج الى المدينة بهم وأخذ سيوفهم، وما كان عليهم من حرير وديباج، ومناطق الذهب والفضة، وألبسهم الصوف، وكان يستعملهم فى الحرث والبناء، فاجتمعوا عليه فى بيت فقتلوه وقتلوا أنفسهم، فقيل لسعيد: قتيل الصفد، «2» قال أبو الحسن: قتلوه فى مجلسه، وصاح أهله، فركب أهل المدينة، وأطافوا بالبيت والصفد فى البيت قد أغلقوه، فكشطوا ظهر البيت، فاذا هم قد قتلوه وقتلوا أنفسهم.
وقالوا: اول من شرب من نهر بلخ، مولى للحكم بن عمرو.
أول من صلى وراء النهر من المسلمين
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قال زياد لحاجبه: ادع لى الحكم، وهو يريد ابن الحكم بن أبى العاص فدعا الحاجب ابن عمرو بن مجدع، فلما رآه تيمن به. وقال له: صحبة من رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-، فاستعمله على خراسان وقال: ما أردتك، ولكن الله أرادك، فسار حتى قدم خراسان، ففرق العمال، وغدا فقطع النهر، وكان أول من شرب منه بعد قطعه مولى له واستسقاه الحكم، فسقاه فى ترسة، «3» وصلى ركعتين، فكان أول من صلى وراء النهر. ثم قال له المهلب: النجاة أيها الامير، فلا خير فى المقام والعدو مطل عليك، ففعل، وكتب اليه زياد: ان أمير المؤمنين كتب الى
(1/333)

يأمرنى ان أستصفى له الصفراء والبيضاء، «1» فقال الحكم: كتاب الله قبل كتاب معاوية، والله لو كانت السموات رتقا «2» على عبد واتقى الله لجعل له مخرجا، ثم قال للناس: اغدوا على غنائمكم فغدوا، فعزل الخمس وقسم الباقى بينهم، فعظم فى أعين المسلمين، ولم يضره مخالفته زيادا ثم دعا يوما فقال: (اللهم إنى مللتهم وملونى فأرحنى منهم وأرحهم منى) فلم يلبث ان مرض ومات سنة خمسين.
أول من أمر الناس بالتناهد «3» فى الغزو الربيع بن زياد
وكان أميرا على خراسان، ولاه أياها زياد سنة احدى وخمسين، فتوجه اليها فى خمسين ألفا، فجاشت الترك والهياطلة، «4» بناحية قوهستان، «5» فسار اليهم فكان الناس يتبارون فى النفقات، فتعظم عليهم المؤونة، فأمرهم الربيع أن يتناهدوا، فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما، ويولونه رجلا ثقة عليهم، فاذا نفذ أخرجوا مثله. ثم أوقع بالترك فهزمهم، ونكث أهل بلخ فغزاهم، فعادوا الى الصلح، ودخل صاحبه على رئيسهم وطالبه بالجزية ومنعه، فقال: ما هذا؟ قال: أمرنا ان نستأديكم بالصغار وهذا هو الصغار، وكان الربيع يقول: من أراد النجابة فعليه بجسام النساء وقصارهن كتائب الجماع.
وكان زياد معجبا بالربيع يقول: من يلومنى على الربيع؟ ما ناظرته فى أمر الا وجدته قد سبق اليه، ولا أتانى منه كتاب الا فى جر منفعة للناس، او دفع مضرة عنهم ولا سألته عن شىء الا وجدت علمه عنده، ولا أصابت ركبته
(1/334)

ركبتى فى مسيرى، ووجه الربيع عبد الله بن أبى عقيل الى خوارزم، فقتلوه، وأصيب رجال من المسلمين ثم ظهر عليهم، فقال يونس بن سعيد:
فجاشت من قصور الرّىّ نفسى ... وطارت من جبال خوارزم
وبعث الربيع الى زياد مرزبان مرو، فلما قدم عليه أمر زياد الناس فأظهروا السلاح والعدة، فلما وصل إليه، قال: كيف ترى عدتنا مع قرب عهدنا بالسلطان؟ قال: رأيت هذه العدة لمن كان قبلكم، فما أغنت عنهم حين أدبر أمرهم، وما ضركم اذا لم تكن معكم مع اقبال دولتكم؟ قال: صدقت.
ودعا الربيع فقال: اللهم ان كان لى عندك خير، فاقبضنى عاجلا، فقد مللت الحياة، وصلى الجمعة وخرج فسقط فمات سنة ثلاث وخمسين رحمه الله تعالى.
أول من حذا الخيل، وأول من اتخذ ركب الحديد المهلب بن أبى صفرة
وكانت ركب العرب من الخشب فقال فيه الشاعر:
ضربوا الدّراهم فى إمارتهم ... وضربت للحدثان والحرب
حلقا ترى فيها مرافقهم ... كمناكب الحمّالة الجرب
وذلك ان الفارس يصل الراجل بركابه فيوهن مرفقه، وكان المهلب أفضل رأيا وعزيمة وكرما وشجاعة، ونظرا بالجواب وكان يقاتل الخوارج ببعض النواحى، وقد خندق على عسكره وبقربه أجمة «1» فدخلها يوما، فطافها، فلما عاد، قال لاصحابه: زيدوا فى عرض الخندق ذراعا، فقالوا: لا حاجة الى ذلك قال: لا بد منه، فزيد فيه، فلما كان الغد، رأوا شجرة طويلة
(1/335)

قد طرحت فى الخندق، واذا العدو قد عضدوها «1» من تلك الاجمة، وأرادوا نصبها على الخندق، والعبور عليها.
وكان يقول لولده: ما رأيت أحدا قط بين يدى، الا أحببت أن يكون ثنائى عليه، واعلموا يا بنى أن ثيابكم على غيركم احسن منها عليكم، وذكر أبو تمام هذا فى قصيدة يخاطب بها على بن مرو ويستهديه فروا.
دنا سفر والدّار تنأى وتصقب ... وينسى سراه من يعافى ويصحب «2»
وأيّامنا خزر العيون عوابس ... اذ لم يخضها الحازم المتلبّب «3»
ولا بدّ من فرو اذا اجتابه امرؤ ... غدا وهو سام فى الصنّابر أغلب «4»
أمين القوى لم تحصص الحرب رأسه ... ولم ينض عمرا وهو أبيض أشيب «5»
قال أبو هلال: يقول. لم يطل لبسه وهو أسود لانه اذا كثر بياضه كان أسرى له.
يسرّك بأسا وهو غير معمّر ... ويعتدّ للأيّام حين يجرّب
تظلّ البلاد ترتمى بضريبها ... وتشمل من أقطارها وهى تجنب
قال أبو هلال: يقول: اذا صارت الريح شمالا ذموا صاحبها فكان الريح
(1/336)

جنوبا.
إذا البدن المقرور ألبسه غدا ... له راشح من تحته يتصبّب «1»
اذا عدّ ذنبا ثقله منكب امرىء ... يقول الحشا احسانه حين يذنب
يراه الشّفيف المرثعنّ فينثنى ... حسيرا وتغشاه الصّبا فتنكّب «2»
اذا اليوم أمسى وهو غضبان لم يكن طويل مبالاة به حين يغضب
كأنّ حواشيه العلى وخصوره ... وما انحطّ منه جمرة تتلهّب
فهل أنت مهديه لمثل شكيره ... من الشّكر يعلو مصعدا ويصوّب
له زئبر يحمى من الذّمّ كلّما ... تجلببه فى محفل متجلبب «3»
فأنت العليم الطّبّ أىّ وصيّة ... بها كان أوصى بالثّياب المهلّب
أول من اتخذا سفندرورى فيروز حصين
سمعت أبا أحمد- رحمه الله- يقول: قال الجاحظ: لما حرم الحجاج آنية الذهب والفضة ان يؤكل فيها ويشرب، قال فيروز:- وكان من أشرف أبناء ملوك فارس- فى أى الآنية آكل وأشرب؟ قيل: فى آنية
(1/337)

القوارير. قال: تلك يعمل منها المحاجم، «1» لا أتهنى بأكل وشرب فيها، ثم خلط الذهب والفضة بالنحاس، وسماه سفندرورى، واتخذ منه آنية يأكل فيها ويشرب، وكان فيروز من أجلاء الموالى، وكان له محل فى الفرس، وفضل فى نفسه.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو اسحاق العبشمى قال: أخبرنا محمد بن يزيد قال: كان فيروز حصين جيد البيت فى العجم، كريم المحتد «2» مشهور الاباء، فلما أسلم والى حصين ابن أبى حر العنبرى، فنسب اليه، وكان جوادا شجاعا نبيل الصورة، ومن محاسنه، ان الحجاج لما حارب ابن الاشعث نادى منادى الحجاج، من أتانى برأس فيروز فله عشرون ألف درهم، ففصل فيروز من الصف، وصاح، من عرفنى فقد عرفنى ومن لم يعرفنى فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالى ووفائى فمن أتانى برأس الحجاج فله مائة ألف درهم، فقال الحجاج: فو الله لقد تركنى كثير التلفت وأنا بين خاصتى، ثم أنه أتى به بعد ذلك الى الحجاج، فقال: يا فيروز! بذلت فى رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت، قال: والله لأمدنك ثم لأسلخنك! أين المال؟ قال: عندى، فهل الى الحياة من سبيل؟ قال: لا. قال:
فأخرجنى الى الناس حتى أجمع لك، فلعل قلبك ان يرق على! ففعل الحجاج ذلك، فخرج فأحل الناس من ودائعه، واعتق رقيقه، وتصدق بماله، ثم رد الى الحجاج فقال: الآن اصنع ما شئت، فشد فى العصب الفارسى ثم شرح لحمه، ثم نضح بالخل والملح فما تأوه حتى مات.
وقريب من هذا ما أخبرنا به أبو احمد قال: أخبرنا أبو اسحاق قال:
(1/338)

أخبرنا محمد بن يزيد قال: حدثنى مسعود ابن بشر قال: قال محمد بن المنتشر الهمدانى: دفع الى الحجاج أزاد مرد بن الهزير، وأمرنى أن استخرج منه وأغلظ عليه، فقال لى: يا محمد أن لك شرفا ودينا وانى لا أعطى على القوة شيئا، فاستأدنى فى رفق، ففعلت، فأدى الى فى أسبوع خمسمائة ألف درهم فبلغ ذلك الحجاج، فأغضبه وانتزعه من يدى، ودفعه الى رجل كان يتولى له العذاب، فدق يديه ورجليه، ولم يعطهم شيئا، قال محمد: فإنى فى السوق يوما فاذا صائح ينادى بى، يا محمد! فإذا هو معرض على بغل مدفوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج ان آتيه، فدنوت منه وملت اليه، فقال: انك وليت منى ما ولى هذا فأحسنت، وانهم صنعوا بى ما ترى، ولم أعطهم شيئا، ولى عند فلان خمسمائة ألف درهم، فخذها فهى لك، فقلت: ما كنت لآخذ على معروفى شيئا، ولا أرزئك «1» على هذه الحال شيئا، قال: فأما اذا أبيت فاسمع أحدثك.
حدثنى بعض أهل دينك، عن نبيك أنه قال: اذا رضى الله عن قوم أمطرهم المطر فى وقته، وجعل المال عند سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم، واذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم وجعل المال عند بخلائهم، وأمطرهم المطر فى غير حينه، قال: فانصرفت، فما وضعت ثوبى حتى وافانى رسول الحجاج، فدخلت اليه والسيف بيده فقال: ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت: أيها الأمير! ما غششتك منذ استصحبتنى، وما كذبتك منذ استخبرتنى، ولا خنتك منذ ائتمنتنى، ثم حدثته الحديث، فلما صرت الى ذكر الرجل الذى عنده المال، أعرض عنى وأومأ إلىّ بيده، وقال: ان للخبيث نفسا وقد سمع الأحاديث.
(1/339)

أول من اتخذ الدفاتر للحساب فى الديوان خالد بن برمك
وكان قبل ذلك فى أدراج، وهو أول من رسم ديوان الخيل على ما هو عليه اليوم، وجدت بخط أبى أحمد لما استخلف السفاح، أقر خالد بن برمك على ما كان اليه من أمر الغنائم وقسمها. وضم اليه ديوان الخراج والجند فحسن أثره وكان الديوان صحفا مدرجة، فجعلها دفاتر فخص بأبى العباس وعرض اليه بعد أبى سلمة، وقال الشاعر فى آل برمك:
وزارة تشغل عقد العاقد ... ورثتموها عن أبيكم خالد
قد أحكمت بالشّد والوطائد ... للولد الغابر بعد الوالد «1»
قال ابراهيم السندى: كان خالد بن برمك مع قحطبة وقد نزل قريبا من العدو فى حرب، فنظر خالد الى الصحراء وقال: أيها الأمير! ناد فى الناس بالركوب والاستعداد للحرب قال: وما ذاك؟ ثم طلع سرعان «2» حبل العدو، فصادفوا منهم هيئة واستعدادا، فدفعوهم، فعجب قحطبة وقال: كيف عرفت ذلك؟ قال: رأيت الوحش مقبلة الينا فعرفت أنها لم تصل الى غير شأنها الا لجيش قد غص «3» الفضاء، وملأ الصحراء، قال: أمتعنى الله بك، فلولا فطنتك لاصطلمنا «4» .
(1/340)

وهو أول من سمى سؤال الملوك روادا.
وجدت فى خطبة بعض الشيوخ. صار عبد الله بن شريك النميرى فى جملة من أهل البيوتات، الى خالد بن برمك يستميحه «1» فقالوا له: قد حضر سؤالك: فقال: انى والله استقبح لهم هذا الاسم، وقال: رأيت ان أسميهم روادا. فقال عبد الله بن شريك: والله ما ندرى أى يديك عندنا أجل، صلتك أم تسميتنا؟ وقال يزيد بن خالد الكوفى:
حذا خالد فى بذله حذو برمك ... فليس له فى الباذلين عديل
وكان بنو الآمال «2» يغزون قبله ... الى اسم على الاعدام فيه دليل
يسمّون بالسّؤال فى كلّ موطن ... وان كان فيهم فاضل وجليل
فسمّاهم الرّواد سترا عليهم ... كذاك فعال الأنبلين نبيل
وكان خالد بن برمك يأمر باجراء الانزال على من يقدم عليه من الزوار، ويتعاهدهم بأنواع التحف، وينزلهم المنازل الواسعة، فاذا تراخت أيام الواحد منهم، أمر له بجارية ناهد «3» بكر فقدم عليه أبو جيش النمرى وأنشده شعرا منه:
(1/341)

وما أنا إذ زرت الاغرّ ابن برمك ... من النّاهد البيضاء بالمتباعد
وزير أمير المؤمنين ومن له ... يد فضلت فى الجود كلّ مجاود
فقال: لا تنصرف الا وهى معك، وكان وقت العشاء الآخرة وقال لوكيله: أحضر وصيفة بيضاء ناهدا. قال: من أين لى ذلك فى هذا الوقت؟
قال: لا بد، وكان لا يراجع قال: فجئته بوصيفة كانت لى، فدفعتها اليه واحتسبتها بثمنها لى.
وقيل ان المساور بن النعمان- وكان على كورة فارس- أول من سمى السؤال زوارا، وأنشدوا:
انّ المساور أعطى اللّائذين به ... مع اللهى أحسن الأسماء للبشر
كانوا يسمّون سؤالا فصيّرهم ... دون البريّة زوارا ولم يجر
أول من اتخذ الجربانات العراض جعفر بن يحيى
وكان طويل العنق، فأراد ان يسترها بعرض الجربان، «1» ومدح أبو نواس يحيى بن خالد فأراد أن يجيزه بجائزة سنية، فمنعه جعفر لميلة كانت الى أبان اللاحقى، وكان أبانا يعادى أبا نواس، فقال أبو نواس يهجوه:
(1/342)

قالوا امتدحت فماذا اعتضت قلت لهم ... خرق النّعال واخلاق السّرابيل
قالوا فسمّ لنا الممدوح قلت لهم ... أو وصفه يعدل التّفسير فى القيل
ذاك الامير الّذى طالت علاقته ... كأنّه ناظر فى السّيف بالطّول
وقال فيه:
عجبت لهارون الامام وما الّذى ... يرى ويرجىّ منك يا خلقة السّلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه ... قفا ملك يقضى الهموم على بثق «1»
وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... والأم من كلب عقور على عرق «2»
قال أبو هلال: وقد ظلمه قبحه الله! فما كان فى الارض أفضل من برمك وبنيه، ولا أتم آلة فى كل فضيلة منهم، ولكن الشاعر كذبه، وقد قيل:
وانّما الشّاعر مجنون كلب «3» ... أكثر ما يأتى على فيه الكذب
ووجدت بخط بعض العلماء قال اسحاق الموصلى: ولد لى مولود فحمل الى عبد الله بن مالك عشرة آلاف درهم وقال: اصرفها فى ثمن ظئر، «4» فقبضتها ثم جئته يوما فاحتبسنى، وأحضر الطعام والشراب وقال:
(1/343)

لم لم تنبسط عندنا كانبساطك عند غيرنا؟ قلت: كأنك تريد البرامك؟ قال:
اياهم أردت، قلت: فاسمع حديثا من أحاديثهم، قال: هات.
قلت: كنت فى ابتداء أمرى فى منزل ضيق، ولى حمار ليس له مربط، فكنت أربطه فى دهليز «1» فأتأذى بأقذاره، فوقف يحيى بن خالد على ذلك، فقال: ان لوما بنا ان يكون من نخصه ونوده ليس له منزل يصح ان نزوره فيه عند توانيه، ودعا بوكيل له وقال: ابن لابى محمد دارا تصلح أن نجتمع معه فيها، فأومأت الى عدة دور حوالى فأحضر أربابها، وأوقفهم على أثمانها، وانصرف ليحمل لى المال، فحضرته من الغد ودعاهم فقالوا: جاء البارحة رجل أصفهانى ووفانا وأشهد علينا، وما شككنا أنه رسولك، ونحن فى ذلك إذ حضر الاصفهانى، ومعه الفعلة، وأخذوا فى الهدم، فاغتممت غما لاكفاء له، وقلت للوكيل: تبتاع من الجانب الآخر. وابتعنا دويرتين. «2» وامتنع بقية جيرانى من بيع دورهم. فجعلت أبنى دارا صغيرة، وجعل الاصفهانى يبنى دارا ليس لها نظير حسنا وسعة ونفاسة، وجعل يسابقنى الى ما أريد، من باب حسن وخشب نادر، وبناء مجيد، ونقاش حاذق، فنغصنى عيشى، فلما تم البناء أعلمت يحيى، فقال للوكيل: اشتر لكل دار من دارى أبى محمد ما يصلح له من الفرش الصيفى والشتوى، وما يحتاج اليه من الآلات والاوانى والخدم والغلمان.
والوصفاء والوصائف، ما يومىء اليه، ففعل.
ثم قال: لا بد ان تعودنا يوما، قلت: متى شئت، فحمل الى مائة ألف درهم وسمى يوما يحضر فيه، فهيأت جميع ما يصلح لمثله. فحضر هو وولده محمد وجعفر والفضل وجماعة ندمائه وخواصه. فطاف فى الدار، ثم صعد الى السطح، وأشرف على دار الاصفهانى، وقد ارتفع بناؤها وفرشت وزينت
(1/344)

فقال: لمن هذه الدار؛ قلت: لرجل أصفهانى، صبه الله على بنصب وعذاب، وقصصت عليه قصته فنزل وقال: يا غلام؛ الفعلة فأحضروا فقال:
انقبوا فى هذا الحائط بابا، فنقبوا، ودخلوا! ودخلت معه، واذا فيها عدد ما أعددته من الجوارى والغلمان والفرش والآلات والاوانى، ومثل ما اتخذت من الطعام والشراب، فأكل وأكلنا وقال: لولده: هديتكم الدار الجديدة. فأحضر كل واحد منهم عشرة آلاف دينار. وقال: خذها وتمتع بهذه الدار، ولا تسب الاصفهانى، فانه كان يعمل ما يعمله لك.
فقلت هذا واحد من أحاديثهم، وما صار الى منهم فى دفعة واحدة. فمن فعل مثل فعلهم، فعلت به مثل فعلى بهم، والا فلا، فما أجاب عبد الله جوابا.
وذكر أحمد بن حذيفة ان المنصور هم بهدم ايوان كسرى، واستعمال آجره «1» فى بناء يبنيه ببغداد، فقال له خالد بن برمك: لا ينبغى ان تفعل ذلك لان هذا البناء، وان كان فخرا للاعاجم، فان ذكره وفخره قد عاد الى أهل الاسلام وذلك أنهم غلبوا على ملك من كان يفتخر بهذا البناء، والغالب أحق بالفخر، فقال له المنصور: أبيت الانصرة الاعاجم، وأمر بهدمه، فهدم منه ثلمة، «2» وحمل آجره الى بغداد، فنظر، فاذا كل آجرة تقوم عليه بدرهم، فأضرب عن هدمه.
فقال له خالد: أما الآن فينبغى أن تهدمه، لئلا يقال: أنه لم يسعه ان يهدم ما وسع الاكاسرة بناءه، فضاقت نفسه عن النفقة فتركه؟ وقالوا: ان ايوان كسرى يحتاج فى هدمه من النفقة الى مثل ما احتاج اليه فى بنائه، وهذا معدوم فيما سواه من الابنية، الا ما يقال فى هرمى مصر.
(1/345)

أول من سمى وزيرا أحمد بن سليمان الخلال
وزر لابى العباس السفاح، وسمى خلالا لانه كان يجلس عند الخلالين، كما سمى واصل بن عطاء الغزال، وما باع غزلا قط، وانما كان يجلس فى بعض حوانيت الغزالين، ومثل هذا كثير.
وقد وزر احمد لابى العباس السفاح ستة اشهر، وقيل أربعة أشهر، ثم قتل، وكان حسن البيان، قال يوما لابى العباس وقد هم بالعفو عن جماعة من بنى أمية: العفو مقرب من الله ومباعد من النار اذا قصد طريقه، وأصيب به أهله، فأما هؤلاء الذين تضمر قلوبهم غدرا، ويورى رمادهم جمرا لم تقل ضغائنهم، «1» ولا فنيت بوائقهم، «2» فالقتل لهم أشفى والراحة منهم أعفى، فقتلهم أبو العباس.
وكان توقيعه، آمنت بالله وحده. فخرج لابى اللفائف صلة من أبى العباس، وتأخر توقيع أبى سلمة فيها فأنشده:
قل للوزير أراه الإله فى الحقّ رشده ... الباذل النّصح طوعا لآل احمد جهده «3»
يا واحد النّاس وقّع آمنت بالله وحده
فوقع فيه، وأجازه بأربعمائة درهم من ماله.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن عمرو بن تركى عن الوليد بن هشام عن القحدمى قال: بلغت أبا سلمة فوارض من أبى العباس، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين! ان أمية بن الأسكر وقف على ابن عم له فأنشده.
(1/346)

نشدتك بالبيت الّذى طاف حوله ... رجال بنوه من لؤىّ بن غالب
فإنّك قد جرّبتنى هل وجدتنى ... أعينك فى الجلىّ، وأكفيك جانبى
وإن معشر دبّت اليك عداوة ... عقاربهم دبّت اليهم عقاربى
قال: اللهم نعم. قال: فما بال سيرك الى دسيسا؟ قال: لا تنكرنى والله بعدها! ومن ضن بالعلق النفيس أشفق من تلونه. «1» والله ما سار فكرى الى مجازاتك عن ابلائك عندنا الا رجع حسيرا عن بلوغ استحقاقك فقال أبو سلمة: كذا الظن بأمير المؤمنين، والأمل فيه والمرجو عنده، ودنا فقبل يده، وكان قتله بعد ذلك بأسبوع.
كتب أبو العباس الى أبى مسلم: ان أبا سلمة قد نافق فوجه أبو مسلم عزار بن أنس فى جماعة، فلما خرج أبو سلمة من عند أبى العباس ليلا، وثبوا عليه وأحكموا، ثم ضربوه فقتلوه، فقال الناس: قتله الخوارج، فقال سليمان بن المهاجر:
انّ المساءة قد تسرّ وربّما ... كان السّرور بما كرهت جديرا
انّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشنأك «2» كان وزيرا
أول من افتتح المكاتبة فى تهنئة النيروز والمهرجان أحمد بن يوسف الكاتب
أهدى الى المأمون سفط «3» ذهب، فيه قطعة عود هندى فى طوله
(1/347)

وعرضه، وكتب معها: هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العيد والسعادة، وقد قلت:
على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله ... وان عظم المولى وجلت فضائله
الم ترنا نهدى الى الله ماله ... وان كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر علّ البحر عنه وناهله «1»
ولكنّنا نهدى الى من نجلّه ... وان لم يكن فى وسعنا ما يشاكله
يقول سعيد بن حميد: على مثل هذا المنظوم والمنثور، فكتب الى أبى صالح بن يزداد، وكان خلفه على ديوان الرسائل: النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف اليك، فما عسانا ان نهدى لك فى هذا اليوم، وهو يوم قد شملت فيه عادة الاتباع الاولياء باهدائهم السادة العظماء، وكرهنا أن نخليه من سنة، فنكون من المقصرين، او ندعى أن فى وسعنا ما يفى بحقك علينا فنكون من الكاذبين، فاقتصرنا على هدية تقضى بعض الحق، وتقوم عندك مقام أجمل البر، وجمعنا فيها ما تحب من الرفق بنا وسلوك طريق أوليتنا، وهو الثناء الجميل، والدعاء الحسن فقلت:
لا زلت أيها السيد الكريم- دائم السرور والغبطة- فى أتم العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمر بك الاعياد الصالحة، والايام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد.
قال أحمد بن طاهر: أخذ صدر هذا الكلام من المعلى ابن أبى أيوب
(1/348)

للمعتصم،- وقد طلب منه مالا ليضمن لامير المؤمنين- والمال منه، وليس فيما أوجبه الحق نقيصة ولا على أحد منا غضاضة «1» وباقية من كلام احمد بن يوسف وغيره، حتى لو ألحق كل كلام بصاحبه لعرى منه سعيد، فلم يكن له الا بالثقة.
أول من وزر لثلاثة من ولد العباس محمد بن عبد الملك الزيات
وزر للمعتصم والواثق والمتوكل، وكان سبب وزارته ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولى عن الطيب بن محمد الباهلى عن أحمد بن سعيد بن مسلم قال: ورد كتاب من الجبل على المعتصم، يوصف فيه خصب السنة وكثرة الكلأ، فقال لأحمد بن عمارة: ما الكلأ؟ فلم يعرفه فدعا محمد بن عبد الملك فسأله عنه فقال: ما رطب من النبات فاذا جف فهو حشيش، ويسمى أول ما نبت الرطب والبقل، فقال لأحمد: أنت انظر فى الامور والدواوين والأعمال، وهذا يعرض عليه، فعرض عليه أياما، ثم استوزره، وعزل أحمد.
وكان محمد قبل ذلك يلى أمور المطبخ والفرش وكان كثير الادب جيد الشعر، فمن شعره فى جاريته شكرانه أم ابنه عمرو- وقد ماتت- وهو أجود شعر علمته فى معناه.
تقول لى الخلّان لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السّن الّتى معها الصّبر
وكان أبوه زياتا الا أنه كان كثير المال.
(1/349)

وأما أحمد بن عمارة فكان أبوه طحانا من أهل المدائن، أتى البصرة فاتخذ بها ضياعا فكثر ماله.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن احمد بن محمد بن اسحاق عن محمد بن على كاتب على بن صالح الثعلبى قال: جلس أحمد بن عمارة للمظالم أيام وزارته، فتقدم اليه رجل فقال: ان كاتب عجيف وجه غلمانه فنهبوا منزلى، وأخذوا منه قيمة ثلاثين ألف دينار، فأنكر كاتب عجيف ذلك، وقال: من أين كان لك هذا المال؟ قال: أنى أقيم البينة على صحة ما أقول، فقال أحمد: لعمرى ان هذا مال جليل، ولكل شىء دليل، فمن أبوك حتى نستدل على صحة قولك؟ قال: كان أبى طحانا من أهل المذار، انتقل الى البصرة، فاتخذ بها ضياعا، ففتح الله عليه، وعلى من بعده، حتى ملكت هذا المال، وأكثر منه، فتغامز أهل المجلس، فقال:
ما علينا من أبيك هات بينتك، فقال الرجل: نعم، كان عمى زياتا كثير المال، ولا ولد له فمات، فورثته، فبلغ الخبر المعتصم، فضحك وأمر أن ينصف من كاتب عجيف، وتحدث الناس بما كان من أمر الرجل، وعجبوا من جدله وفطنته.
وكان عبد الملك الزيات يلوم ابنه محمدا على شغله بالادب وتركه للتجارة، فقال له يوما: ما أرى ما أنت فيه ينفعك، فقال: لتعلمن أنه ينفعنى، وخرج الى الحسن بن سهل، فمدحه بقصيدة أولها:
كأنّها حين تناءى خطوها ... أخنس موشىّ الشّوى يرعى القلل «1»
فأعطاه عشرة آلاف درهم فقال له أبوه: لا ألومك بعدها على شغلك بالادب.
وأخذ عليه فى هذا البيت مأخذان: أحدهما قوله: كأنها حين تناءى خطوها، فابتدأ بمضمر ووصف شيئا لم يذكره، والآخر قوله: أخنس موشى
(1/350)

الشوى يرعى القلل، ذكر أن الثور يرعى قمم الجبال، وهذا خطأ فاحش، وانما الثور يرعى فى السهل، والاوعال تكون فى رؤس الجبال، وله فى الأول حجة، وليس له فى هذا حجة. وقال فى هذه القصيدة:
الى الوزير الحسن استجلبتها ... أىّ مناخ ومراح ومحل
سيف أمير المؤمنين المنتضى «1» ... وحصن ذى الرّياستين المعتقل
أنتم يد الملك الّذى صال بها ... خليفة الله على حين وهل «2»
وهضبة الدّين وأنصار الهدى ... وعصمة الحقّ وفرسان النّقل
فأين لا أين وأنّى مثلكم ... وأنتم الاملاك والنّاس خول «3»
فدخل يوما الحسن بن سهل على الواثق ومحمد وزيره، والواثق عليل فجعل الحسن يصف له العلل والاغذية، فقال محمد: إنى لك يا أبا محمد الطب؟
قال: قد خدمنا من كل علم رؤساء أهله. فقال محمد: متى كان ذاك؟ - واراد الوضع منه- فقال الحسن: كان ذاك أيام.
فأين لا أين وأنّى مثلكم ... وأنتم الاملاك والنّاس خول
فانخزل محمد وخجل، ولم يرد جوابا.
ومن جيد شعر محمد قوله:
(1/351)

مازال يقصر كلّ حسن دونه ... حتّى تطاول عن صفات النّاعت
وقوله:
كأنّ مجال الطّرف من كلّ ناظر ... على حركات العاشقين رقيب
ومثل خبره هذا مع الحسن بن سهل خبره مع اسحاق ابن الجنيد. قال لاسحاق: يا لوطى! فقال اسحاق: انما حقق على اللواط عندك قولى
قبل اللّوم والعذل ... وتخلّى عن الغزل
فاستحيى محمد وخجل.
وهذا الشعر لمحمد ويصف فيه الغلمان ومنه:
وأرى البيض قد قطعن ... من الحبل ما وصل
فابتغ وصل كلّ ذى ... هيف مشرف الكفل «1»
لا يبالى من شاب من ... عاشقيه او اكتهل
كلّما قلت سيّدى ... جدّد الوصل قد فعل
وبعد هذا أبيات سخيفة تركتها لسخفها.
وكان محمد يقول: ما رحمت شيئا قط، وانما الرحمة خور فى الطبيعة، وضعف فى البنية، «2» ومت «3» اليه رجل بجوار كان بينه وبين آبائه فقال: وما الجوار؟ انما الجوار قرابة بين الحيطان.
فلما أراد المتوكل قتله أحضر تنورا حديدا- كان محمد اتخذه ليعذب فيه ابن اسباط المصرى- فأجلس فيه فقال: ارحمونى يا هؤلاء، قالوا: هل الرحمة إلا خور فى الطبيعة، وضعف فى البنية؟ أجرينا فيك حكمك فى الناس.
(1/352)

فأجلس فيه الى أن مات بعد ثلاث فدفن فلم يعمق قبره، فنبشته الكلاب فأكلته.
وكان الجاحظ منقطعا اليه، فخاف ان يؤخذ مع أسبابه، فلم يتعرضوا له لعلمه، وتقدمه.
(1/353)

الباب السابع فى ذكر القضاة والعلماء والأدباء والقصاص وأصحاب المذاهب ومصنفى الكتب.
(1/355)

أول قاض فى الإسلام عمر بن الخطاب
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال أيوب بن محمد الرقى عن أبى المعافى عن مسعر عن محارب ابن دينار قال: لما ولى أبو بكر قال:
أعينونى، فولى عمر القضاء، وأبا عبيدة بيت المال، فمكث عمر سنة لا يأتيه أحد فى قضية، وهذا خلاف ما روى ان أبا بكر لم يتخذ بيت مال، قال: وأول من اتخذه عمر.
أول قاض بالمدينة عبد الله بن نوفل
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: حدث مصعب بن الزبير عن محمد بن الضحاك عن عثمان عن أبيه قال: اول قاض بالمدينة عبد الله بن نوفل، استقضاه مروان، وكان أول ما قضى به حقا على آل مروان، فزاده ذلك عند مروان خيرا.
أول قاض بالكوفة جبير بن القشعم
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: أول من قضى بين أهل الكوفة جبير بن القشعم بالقادسية، ثم قضى بينهم سليمان بن ربيعة.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن ابن عثمان عن أبى زيادة عن الحجاج عن القاسم ابن عبد الرحمن قال: ضرب رجل دابة فنفحت «1» رجلا فقطعت أذنه، فاختصموا الى سليمان بن ربيعة، وهو على
(1/357)

القضاء بالقادسية، فقضى أن الضمان على الراكب فبلغ ذلك ابن مسعود فقال:
الضمان على الضارب لانه انما أصابته النفحة من ضربته.
وقالوا: أول من قضى بين أهل الكوفة أبو قرة الكندى.
أول قاض بالبصرة أبو مريم الحنفى
واسمه أياس بن صبيح بن محرس.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن ابن عثمان عن أبى عبيدة قال: أول من قضى بين أهل البصرة أبو مريم الحنفى لعتبة بن غزوان، عند قدومه البصرة سنة أربع عشرة، فلم يزل قاضيا حتى مات عتبة فى سنة خمس عشرة، وولى المغيرة بن شعبة فأقره، حتى عزل، فلم يقض بعده الا يسيرا، حتى شكى الى عمر ضعفه فعزله.
وكان أبو مريم قتل زيد بن الخطاب أخا عمر، وكان لعمر شدة عليه.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عاصم عن أبى عون عن محمد قال: خرج عمر من الخلاء وهو يذكر شيئا من القرآن، فقال له أبو مريم: انك خرجت من الخلاء، قال عمر: أمن فتيا مسيلمة هذا؟ «1» وكانوا يقولون ان فى عمر شدة عليه لانه قتل أخاه زيدا يوم اليمامة، فلما كان بعد جعل يقول: ان الله أكرم زيدا بيدى، ولم يهنى بيده، «2» قال له عمر. أقتلته؟ لا أحبك حتى تحب الارض الدم، قال: او يمنعنى ذلك حقى عندك؟ قال: لا. قال: لاضير اذا «3» وقالوا أول من قضى بالبصرة لعمر سليمان ابن ربيعة وقتل بلنجر من أرض الترك. فى خلافة عثمان (رضى الله عنه) وعظامه عند أهلها يستسقون بها.
(1/358)

قال ابن حمانة:
وانّ لنا قبرين قبرا بلنجر ... وقبرا بأعلى الصّين يا لك من قبر
فهذا الّذى بالصّين عمّت فتوحه ... وهذا الّذى بالتّرك يسقى به القطر
أراد بالذى فى الصين قبر قتيبة بن مسلم، قيل بفرغانه «1» فجعله فى الصين.
وقالوا: أول من قضى بالبصرة كعب بن سور؟
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى قال: حدثنا الحسن بن عثمان عن اسماعيل بن ابراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبى ان كعب بن سور كان جالسا عند عمر، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى، انه يبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما فى اليوم الحار وما يفطر، فاستغفر الله لها، وأثنى عليها، وقال: مثلك أنثى الخير، فاستحيت المرأة وقامت راجعة.
فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديت «2» المرأة على زوجها إذ جاءتك تستعديك؟ قال: أو ذاك أرادت؟ قال: نعم. قال: ردوا على المرأة، فردت، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، هذا زعم انما جئت تشكين زوجك أنه تجنب فراشك، قالت: أجل، أى امرأة لا تبتغى ما يبتغى النساء؟
فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب: اقض بينهما، قال أمير المؤمنين أحق بالقضاء بينهما، قال: انك فهمت من أمرهما ما لم أفهم، قال: فانى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هذه رابعتهن، فأقضى له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد
(1/359)

فيهن، ولها يوم وليلة، فقال عمر- رضى الله عنه- والله ما رأيك الاول أعجب «1» الى من الآخر! اذهب فأنت قاض على البصرة، فقتل يوم الجمل مع عائشة رضى الله عنها.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد، وذكر عبيدة ولم يسنده:
أن صاحب عين هجر «2» أتى عمر وعنده كعب بن سور فقال: يا أمير المؤمنين! ان لى عينا فاجعل لى خراج ما تسقى، فقال: هو لك، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ليس ذلك له، قال: ولم؟ قال: لانه يفيض ماء عن أرضه فيسيح فى أرض الناس، ولو حبس ماؤه فى أرضه لغرقت، فلم ينتفع بمائه ولا بأرضه، فمره فليحبس ماءه ان كان صادقا، قال عمر: أتستطيع أن تحبس ماءك؟ قال: لا. فكانت هذه لكعب مع الأولى وبمثل هذه القصة استقضى عمر شريحا على الكوفة.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى يزيد عن الحسن ابن عثمان عن اسماعيل بن ابراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبى: ان عمر اشترى من رجل فرسا أن رضيه فحمل عليه رجلا فعيب الفرس، فجاء به صاحبه، فقال: لا أقبله، دفعته اليك صحيحا وتدفعه الى كسير؛ فقال عمر: اجعل بينى وبينك شريحا، قال: لا أعرفه، ثم أتاه فقص عليه القصة، فقال: ان كنت حملت عليه بأمره فاردده عليه، والا فقد ضمنته حتى تدفعه اليه كما دفعه اليك، فقال عمر: ما الحق الا هذا، اذهب فأنت قاض على الكوفة، هذا معنى الحديث.
وقال له حين استقضاه: لاتشار ولا تضار، ولا تشتر ولا تبتع، ولا ترتش، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! ان القضاة اذا توخوا عدلا،
(1/360)

وزحزحوا بالعلم عنهم جهلا، كانوا كغيث قد أصاب محلا.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية عن ابن الكلبى عن الشرقى قال: كانت عند شريح امرأة قد ولدت له، وله وصيفة يحبها، فانصرف فى يوم حار فوجد امرأته نائمة، فأمر الوصيفة فصارت الى بيت فخلعت قرقلها، «1» وخلع قميصه، ودنا منها، وانتبهت المرأة فاقتفت أثره، وأحس بها فذهب عقله، فلبس القرقل، ولبست الجارية القميص، وأكب على البساط يشير، فقالت، ما تصنع؟ قال: زعمت الجارية ان طوله كذا، وزعمت أنه كذا، قالت: فقرقلها: عليك، قال: من هذا أعجب أنا أيضا، فذهبت تلومه، فقال: هى حرة.
وبعضهم ذهب الى ان عمر لم يكن ليولى شريحا الكوفة وفيها المهاجرون والانصار، وليست له صحبة. وقيل ان شريحا قضى سبعا وخمسين سنة- الى فتنة ابن الزبير- وتوفى فى سنة ثمانين، وهو ابن مائة وثمانى سنين.
أول قاض جار فى القضاء بلال بن أبى بردة
أخبرنا أبو احمد باسناده أن رجلا قدم الى بلال رجلا فى دين له عليه، فأقر الرجل به،- وكان بلال يعنى بالرجل- فقال المدعى: يعطينى حقى أو تحبسه باقراره، قال القاضى: انه مفلس، قال: لم يذكر افلاسه، قال: وما حاجته الى ذكره، وأنا عارف به؟ فان شئت أحبسه فالتزم نفقة عياله، قال:
فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفا بالجور.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن أيوب عن عقيل عن أبى عمرو الضرير قال: أمر بلال داود بن هند أن يحضره عند تقدم الخصوم اليه، فان حكم بخطأ رمى بحصاة فيرجع بلال قال: فتقدم اليه مولى له ينازع
(1/361)

رجلا، فحكم لمولاه ظلما، فرمى داود بحصاة فلم يرجع، ثم بأخرى فقال له بلال: ليس هذا مما يرمى له الحصاة، هذا مولاى.
وكان بخيلا على الطعام، أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على عن محمد قال: كان أبو موسى استرضع لابنه أبى برده فى بنى فقيم فى آل العرق فلما قدم بلال البصرة قيل له: لو وليت أبا العجوز ابن أبى شيخ بن العرق، قال: انى رأيت منه خلالا ثلاثا رأيته يحتجم فى بيوت اخوانه، ورأيته جالسا فى الظل وعليه مظلة، ورأيته يتأذن بنص القيلة، «1» قال: وكان أصابه داء فوصف له السمن يجلس فيه، فكان يجلس فيه، ثم يأمر ببيعه، قال: فترك أهل البصرة أكل السمن، وكان يحيى بن نوفل يمدحه، ثم بدا له فجعل يهجوه، فمما قاله يمدحه فيه قوله:
وكلّ زمان الفتى قد لبست ... خيرا وشرّا وعدما ومالا
فما الفقر كنت له ضارعا ... ولا المال أظهر منه اختيالا
وقد طفت للمال شرق البلاد ... ومغربها وبلوت الرّجالا
وزرت الملوك وأهل النّدى ... أنول الى ظلّهم حيث مالا «2»
ولو كنت ممتدحا للنّوال ... فتى لامتدحت عليه بلالا
(1/362)

ولكنّنى لست ممّن يريد ... بمدح الملوك لديهم سؤالا
ومما هجاه به على روى هذه القصيدة ووزنها قوله:
وأمّا بلال فبئس البلال ... أرانى به الله داء عضالا
وامّا بلال فذاك الّذى ... يميل به الشّرب حيث استمالا «1»
فيصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولالا
ويمشى بزيف كمشى النّزيف ... كأنّ به حين يمشى شكالا «2»
وقال:
أقول لمن يسائل عن بلال ... وعبد الله عند ثنا الرّجال
بلال كان الأم من رأينا ... وعبد الله الأم من بلال
هما أخوان أمّاذا فجون ... وأمّاذا فأصهب ذو سبال «3»
(1/363)

فجونهما يشبّه نسل حام ... وأصهبهم يشبّه بالموالى «1»
وكان أبوهما فيمن رأينا ... أسيل الوجه مكتسى الجمال «2»
فقد فضحا أبا موسى وشانا ... بنيه بالتّهوّر والضّلال
وكان بلال محتالا خبيثا. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: ولى يوسف بن عمر صالح بن كريز او كروم على العنب فبقى عليه ثلاثون ألفا، فحبس بها، وبلال محبوس فقال له بلال: ان على العذاب سالما، ويلقب بزنبيل، فإياك أن تقوله: وجعل يكرر زنبيل حتى علقها، فعذبه سالم، فنسى اسمه وكنيته، وجعل يقول: اتق الله يا زنبيل! فيقول: أقبل، فلما خلى سبيله قال له: ألم أنهك عن زنبيل؟ فقال: وهل القانى فى الزنبيل غيرك؟
أنا لم أعرف ما زنبيل لولاك، وما تدع شرك فى سراء ولا ضراء.
وكان بلال يقول: ربما تقدم الى الخصمان، فأجد أحدهما أخف على قلبى من الآخر فأحكم له.
أول ما ظهرت الخارجية حين حكم الحكمان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: التقى على- عليه السلام- ومعاوية بصفين فى ذى الحجة سنة سبع وثلاثين، وقيل فى محرم «3» ، وعلى فى مائة ألف، وقيل سبعين ألفا، ومعاوية فى سبعين ألفا من أهل الشام، فقتل من الفريقين سبعون ألفا، خمسة وأربعون ألفا من أهل
(1/364)

الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق.
فلما كان اليوم الثالث اقتتلوا نهارا، ووصلوه بليلتهم، وهى ليلة الهرير، فقال معاوية لعمرو لئن أصبح الناس على ما هم عليه انه لفناء العرب، أو ظهور ابن أبى طالب، فهل من رأى؟ قال: نعم. تأمر اذا أصبحت برفع المصاحف، بيننا وبينكم كتاب الله.
وقيل: ان معاوية هو الذى استخرج هذا الرأى وقال: والله لا رمينهم غدا فليعلقه برأى لم يشهد ابن أمه، «1» فلما أصبح نادى من كان عنده مصحف فليعلقه فى رمحه او عنق دابته، فأصبحوا وقد علقوا مائتى مصحف «2» ، بالرماح وأعناق الخيل، وأمر ابن لهيعة، او ابن لبينة، فأوفى على شرف، ونادى: يا أهل العراق اذا قتلنا وقتلتم فمن يدفع الترك والروم عن حريمنا وحريمكم؟ بيننا وبينكم كتاب الله، فقال أهل العراق أجبنا، وأمسكوا عن القتال، فلم يقاتل أحد إلا الأشتر، وقال على للناس: أمضوا على أمركم، فانما رفعوا المصاحف ضجرا من الحرب، وان عمرا ومعاوية والضحاك وابن أبى سرح ليسوا بأهل دين ولا قرآن، قد عرفتهم صغارا وكبارا فلم أعرفهم بخير.
قالوا: لا يحل لنا قتالهم وقد دعونا الى كتاب الله، لنجيبنهم أو لننابذنك «3» قالوا: وبعث الى الاشتر فكفه عن القتال، فلما رجع الاشتر قال لهم: شاهت الوجوه، أحين علوتم ظفرا، وظنوا أنكم قاهرون، رفعوا المصاحف وهنا وضجرا، فرهبتم كتاب الله يريدونه وقد تركوا سنة من أنزل عليه؟ أخبرونى، متى كنتم محقين؟ أحين تقاتلون من حين أمسكتم؟
فقتلاكم الذين لا تشكون فى فضلهم عليكم إذا فى النار؟ والله لكنتم خدعتم فانخدعتم يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادة فى الدنيا، وشوقا
(1/365)

الى لقاء الله، فلا أراكم تفرون الا الى الدنيا من الموت، ما أنتم براملين، بعد هذا اليوم غدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.
فأتى الاشعث بن قيس معاوية فقال: ما أردت برفع المصاحف؟ قال:
أردت أن نرجع نحن وأنتم الى كتاب الله، فتبعثون رجلا منكم، ونبعث رجلا منا، فيختارا لهذا الامر رجلا تصلح عليه الامة، قال: أنصفت، فرجع وأخبر الناس بقوله، فاختلفوا، فكان رأى الجمهور، وقد أنكره آخرون وهم عبادهم، وأهل البصائر منهم، وأرادوا معاودة الحرب، فأبى الناس وفارقوا عليا، وهم أربعة آلاف، وأراد الباقون عليا للتحكيم، فقال: أحكم ابن عباس، فقال: الاشتر أو الاحنف، فأبى أصحابه، وقالوا: ان لم تحكم أبا موسى لم نرم معك بسهم، فحكمه على كره منه له وللتحكيم.
وحكم معاوية عمرو بن العاص، فكتبوا بينهم كتابا فى ذلك، ورجع على- رضى الله عنه- الى الكوفة، فأقام والناس مختلفون، منهم من يرى التحكيم خطأ، ومنهم من يراه صوابا، ومعاوية بدمشق لا ينكر عليه أحد شيئا ثم اجتمع الحكمان، «1» فخلع أبو موسى عليا- عليه السلام- وأقر عمرو معاوية، فقال الذين فارقوا عليا وأنكروا التحكيم «2» قالوا لعلى: حكمت فى دين الله فتب، فقال: ما أذنبت فأتوب، وانما غلبنى الناس، فأتيت ما أتيت من ذلك كرها، ولو أردت الحرب لكان أصحابى أشد على من أهل الشام، ففارقوه وقالوا: لا حكم الا لله.
وأول من قالها بصفين عروة بن جديم، «3» وقيل يزيد بن عاصم
(1/366)

المحاربى، ثم قاتلهم على- عليه السلام- على النهر فهزمهم، «1» وكان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكواء، ثم بايعوا لعبد الله ابن وهب الراسبى، وكان أحد الخطباء الاجواد، فقال لهم عند بيعتهم إياه: إياكم والرأى الفطير، والكلام القصير، دعوا الرأى يغب، «2» فان غبوبه يكشف للمرء عن حقيقته، وكان يقول: ان ازدحام الجواب مضلة للصواب، وليس الرأى بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب، فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبق، وغنيمة تليها من غير صواب الى معاودته، «3» والتماس الريح من جهته، ان الرأى ليس ينتهى، «4» ولا هو ما أعطتك البديهة وانتزاع الخاطر، وخمير الرأى خير من فطيره، «5» ورب شىء غابه خير من طريه، وتأخيره خير من تقديمه وانما ذم الناس البديهة لان الهوى يقابلها، ومدحوا الفكر لان الرأى استيقظ له، فإذا كان الرأى هو المشاورة، فحق لما نتج ان يكون حكمة لا تخطىء، وصوابا لا يفل، وحقا لا ينازع، وكان الخوارج يذهبون الى ان كل ذنب صغير أو كبير كفر، ويرون قتل الجمهور من التابعين.
ثم تأول نافع بن الازرق- وهو الذى نسب اليه الأزارقة- قول الله تعالى رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
تأول هذه الآية على ان قتل الأطفال، وبقر النساء عن الاجنة حلال «6» ، فلما أظهر ذلك، فارقه طائفة من أصحابه ثم قتل
(1/367)

برستقباد «1» فولى عبد الله بن بشير فانحاز بهم الى دولاب «2» .
وكان الخوارج أشد الناس جلدا ومصابرة للأقران وكلبا اذا رأوا فرصة، فما زالوا يظهرون على كورة كورة ويليهم منهم أمير بعد أمير حتى صار الامر الى قطرى بن الفجاءة، ثم اختلفوا عليه وهو بجيرفت، «3» فارتحل بمن معه الى طبرستان وأقام طائفة منهم مع عبد ربه الصغير بجيرفت، فصار اليهم المهلب، فارتحلوا يريدون سجستان، واتبعهم فلحقهم فى بعض الطريق بعد قتال شديد، «4» وأمر فى الناس والنجدة عجيب، وخرجت طائفة منهم مع عمرو الصبا، حتى دخلوا قوس، «5» فبعث اليهم الحجاج سفيان بن الابرد فحاصرهم، (حتى جعلوا يأكلون خيولهم، ثم خرجوا اليه بأسيافهم، فقاتلوهم حتى قتلوا) «6» والتقى سورة بن الجرد مع قطرى وهو شيخ كبير، فوقعت أبهام قطرى فى فم سورة، فما زال يلوكها حتى أثخنه، وصاحت جاريته، واأمير المؤمنيناه! فعرف أنه قطرى فأقبل باذان مولى الاشاعرة، فأعان سورة عليه فقتلاه، واختلفا فى حمل رأسه، فقال رجل من الجند: ضعا رأسه على يدى حتى تتفقا، فوضعاه على يده فطار بالرأس الى سفيان بن الابرد، فأوفده الى الحجاج، فأعطاه عشرة آلاف درهم (ثم قدم باذان على الحجاج فصدقه، وأعطاه أربعة آلاف درهم) «7» وأمر لسورة بعشرة آلاف درهم، وذلك فى سنة تسع وتسعين، وروى ان معاوية أول من زعم ان الله يريد أفعال العباد كلها، وانه اول من ترك القنوت فى صلاة الغداة.
(1/368)

أول من أظهر الرفض «1» ابن سبأ
وذلك أنه أظهر الطعن على السلف، وبلغ من ذلك مبلغا أنكره عليه على- عليه السلام- فنفاه من الكوفة، فلما قتل على رجع اليها ودعا الناس الى مقالته، فأجابه بعضهم وثبتت الى اليوم.
أول ما اختلف الناس فى خلق القرآن أيام أبى حنيفة
فسئل عن ذلك أبو يوسف، فأبى ان يقول انه مخلوق، وسئل عنه أبو حنيفة فقال: انه مخلوق، «2» لان من قال، والقرآن لا أفعل كذا فقد حلف بغير الله، وكل ما هو غير الله فهو مخلوق، فأخرجها من طريقته فى الفقه، وأجاب عليها على مذهبه.
أول من زعم أن الله لم يزل متكلما جهم بن صفوان
ومما تفرد به فيما ذكره أبو القاسم البلخى قوله: إن الجنة والنار تفنيان، وان الايمان هو المعرفة فقط دون الاقرار وسائر الطاعات، وهو من أهل ترمذ- بلدة على شاطىء نهر بلخ- وخرج مع الحارث بن شريح ينتحل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فقتل بمرو، قتله سالم الجون فى آخر ملك بنى أمية.
أول من قص فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم تميم الدارى
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن مسلم التيمى عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب قال: اول من قص فى
(1/369)

مسجد رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- تميم الدارى، استأذن عمر أن يذكر بالله فأبى، ثم استأذن أخرى فأبى، حتى كان آخر ولايته فاذن له ان يذكر يوم الجمعة، قبل أن يخرج عمر للصلاة، فكان عمر يمر به فيشير الى حلقة هذا الذبيح، ثم توفى عمر. فاستأذن عثمان بن عفان، فأذن له ان يذكر يومين فى الاسبوع، فكان يفعل ذلك، وقد روى غير ذلك.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن حباب عن عيسى بن يونس عن أبى بكر بن أبى مريم عن حبيب ابن عبيد عن عصيف بن الحارث الثمالى ان عبد الملك بن مروان سأله عن القصص ورفع الايدى على المنابر فقال: انه لمن أمثل ما أحدثتم، واما أنا فلا أجيبك اليهما، انى حدثت عن النبى- صلّى الله عليه وسلم- أنه قال «ما من أمة تحدث فى دينها بدعة الا أضاعت مثلها من السنة» والتمسك بالسنة أحب الى من إحداث بدعة.
وقالوا: اول من قص عبيد بن عمير الليثى بمكة ويقال: أول من قص الأسود بن سريع التميمى صحابى وكان يقول فى قصصه:
فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... والّافانىّ لا أخالك ناجيا
وسمع أبو نواس أن القصص بدعة فسار الى مسجد بعض القصاص ليعبث به، ومعه أصحاب له، فجلس وأخرج يده من ذيله ينتف أبطه فقال له القاص- ما هذا موضع ذا، فصاح به أبو نواس ويلك! وقال: أترد على وأنا فى سنة وأنت فى بدعة، فضحكوا منه.
أول من حكم فى نتف اللحية مسروق
نتف كوسج لحية الالحى فرفع الى مسروق فدعا بالميزان فنتف لحية الكوسج ووزنها فنقص عما نتف من لحية الألحى، فتممه من رأس الكوسج حتى استوى الميزان.
(1/370)

أول من وضع الإعراب أبو الاسود الدؤلى
وهو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة، وأمه من بنى عبد الدار.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حباب بن بشير عن يحيى بن آدم عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود قال: أول من وضع العربية أبو الاسود الدؤلى وجاء به الى زياد بن ابيه- فقال: انى ارى العرب قد خالطت هذه الاعاجم، وقد تغيرت ألسنتها، افتأذن لى أن أضع كلاما يقيمون به كلامهم؟ فقال: لا. فجاء رجل الى زياد: بالبصرة فقال: أصلح الأمير! توفى أبانا وترك بنون، فقال زياد: توفى أبانا، وترك بنون؟ ادعوا أبا الاسود، فقال ضع للناس الذى نهيتك ان تضعه لهم.
وأخبرنا أبو احمد عن أبى زيد عن أبى حاتم عن محمد بن عباد عن أبيه قال: سمع أبو الاسود رجلا يقرأ «ان الله برىء من المشركين ورسوله» بكسر رسوله فقال: لا يسعنى الا ان أصنع شيئا أصلح به نحو هذا فوضع النحو وأبو الأسود اول من قال بالقدر، «1» والمسلمون كلهم ينتفون من هذا الاسم فبعضهم يقول: ان اسم القدر انما يلحق من يكثر من ذكر القدر. (فلا يفعل فعلا محمودا أو مذموما ولا يأتى عليه حسنة ولا سيئة الا قال: هذا بقدر الله، وهكذا قدر الله، وقالوا: يقول أهل اللغة لمن يكثر من ذكر الشىء فى حينه وفى غير حينه) «2» مثل من يكثر من ذكر العسل، انه عسلى أو يكثر من ذكر المساجد انه لمسجدى، قالوا: فهكذا من يكثر من ذكر القدر انه قدرى، وسمى قدريا. وقال آخرون: بل القدرية الذين يزعمون أنهم يقدرون أفعالهم وأمورهم وقد فرغ المتكلمون من هذا الباب فتركت الاستقصاء.
(1/371)

وأبو الاسود أول من نقط المصاحف، وكان فصيحا حازما عاقلا شاعرا مجيدا، وهو أحد البخلاء المذكورين، وأحد البخر المشهورين.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن معاوية عن الاصمعى خدمنا صاحب لنا قال: سأل أبو الاسود أعرابيا، كيف أبوك؟ قال:
أخذته الحمى، ففضخته فضخا ففتحته فتحا «1» فطبخته طبخا فتركته فرخا، قال: فما فعلت امرأته التى عهدتها تهاره وتمارّه وتضاره؟ «2» قال: طلقها وتزوج غيرها فحظيت ورضيت وبطيت، قال: وما بطيت؟ قال: حرف من العربية لم يبلغك قال الاصمعى: هى مثل رضيت.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: تنازع أبو الاسود وامرأته فى ولد منها الى زياد فقال: أنا أحق به منها حملته قبلها، ووضعته قبلها. فقالت: حمله خفا، ووضعه شهوة، وحملته ثقلا ووضعته كرها، قال زياد: صدقت أنت أحق به ما لم تزوجى، أما لو أدركتنا يا أبا الاسود ودونك قوة لاستعملناك على بعض أمورنا. فقال أللصراع تريدنى؟ وكان مما يدل على بخله قوله لولده: لا تجاروا الله فانه أجود وأمجد، ولو شاء ان يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون محتاج فعل، ولا تجهدوا أنفسكم فى التوسع على الناس فتهلكوا هزالا.
وقال له بعض الامراء: سمعت أنك شديد على حقك وأنه لا يذهب لك شىء على أحد، فمم ذلك؟ قال: من سوء ظنى بالناس، ومجانبتى أهل الافلاس وقيل له: ما كان أظرفك لولا بخل فيك! فقال: ما خير ظرف لا يحفظ ما فيه؟.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن موسى ابن اسماعيل عن عسل بن مضمر عن سعيد بن يزيد عن بعض أصحابه قال: قال أبو الاسود لمعاوية:
(1/372)

لو كنت مكان أبى موسى ما صنعت كما صنع، قال: وما كنت تصنع؟ قال:
كنت أنظر عدة من المهاجرين وعدة من الانصار، ثم أشهدهم بالله تعالى، المهاجرون أحق بالخلافة أم الطلقاء؟ فقال معاوية: أقسمت عليك بالله لا تذكرها أبدا ما عشت! وباسناد لنا عن سفيان الثورى قال: جاء أبو الاسود الى قومه ومات عريفهم، وقد أجمع رأيهم ان يعرفوا رجلا فقال: لا تعرفوا فلانا فانه أهوج أحمق يأكل طعامكم، ويتثاقل عن حاجاتكم، ولكن عرفوا فلانا فانه أهوس أهيس، ملك ملحس، «1» ان طمع انتهز وان سأل أرز «2» - والاهوس والاهيس الجواد السمح- وسمع أبو الاسود قوما يستشيرون فى تزويج امرأة وخاطبها فقال: زوجوها من عاقل، فان أحبها أكرمها، وان أبغضها أنصفها.
أول من صنف فى الفقه مالك بن أنس صنف الموطأ
وهو مالك بن أنس بن عامر من حمير، وعداده فى بنى تيم بن مرة من قريش، وكان أبوه أنس بن عامر يروى عن عمر وعثمان وطلحة وأبى هريرة، وحمل مالك ثلاث سنين، وكان شديد البياض، أصلع عظيم الهامة، وكان يأتى المسجد ويقيم صلاته فيه ويقضى حقوق اخوانه فى التهانى والتعازى ثم ترك ذلك فقيل له فيه، فقال: ليس كل الناس يقدر ان يخبر بعذره، وكان يكره حلق الشارب، ويراه مثله، وسعى به الى جعفر بن سليمان، وقالوا: انه لا يرى ان بيعتكم هذه شيئا، فغضب جعفر، ودعا به فجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، فلم يزل بعد ذلك الضرب فى العلو والرفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليا حلى بها، وبلغ من منزلته فى الناس أن أهل المدينة كانوا يستسقون بقلنسوته، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، وله خمس وثمانون سنة ودفن بالبقيع.
(1/373)

أول من صنف الكلام أبو حذيفة واصل بن عطاء
قال أبو عثمان: لم يعرف فى الاسلام كتاب كتب على أصناف الملحدين، وعلى طبقات الخوارج، وعلى غالية الشيعة والمشايعين فى قول الحشوية قبل كتب واصل بن عطاء، وكل أصل نجده فى أيدى العلماء فى الكلام والاحكام فانما هو منه، وهو أول من قال: الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، واجماع وأول من علم الناس كيفية مجىء الاخبار وصحتها وفسادها واول من قال: الخبر خبران، خاص وعام، فلو جاز ان يكون العام خاصا، جاز أن يكون الخاص عاما، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون الكل بعضا والبعض كلا، والامر خبرا والخبر أمرا، وأول من قال: إن النسخ يكون فى الأمر والنهى دون الاخبار. وأول من سمى معتزليا، «1» وذلك لمجانبته تقصير المرجئة «2» . وغلو الخوارج، «3» وكل من نبز «4» بشىء أنف منه، مثل الرفض والجبر «5» والرافض يسمى نفسه شيعى، والمجبر يقول: أنا سنى، ولذلك المرجىء يسمى نفسه شاريا. والمعتزلى راض باسم الاعتزال غير نافر منه، ولا كاره له ولا مستبدل به، لما رضيه له سلفه وكان أبو حذيفة واصل خطيبا راوية قد لقى الناس، وجالس ابن الحنفية وسمع منه، واختلف الى الحسن، وكان طويل الصمت، وكان يظن به الخرس، فقيل لعمرو ابن عبيد: انه أعلم الناس بالرد على أهل البدع والملحدة
(1/374)

فقال عمرو: لا يأتى هذا العنق بخير، وكان واصل العنق، «1» مضطرب الخلق، فلما اجتمع عمرو معه وناظره واصل فى المنزلة بين المنزلتين «2» لزمت عمرو الحجة، فترك مذهبه، وكان يذهب الى ان الفاسق منافق على قول الحسن، ورأى عمرو من غزارة علم واصل ونفاذه فى وجوه المعرفة ما هاله فقال: أشهد ان الفراسة باطل، والزكن خطأ «3» وكان مع كماله واجتماع خصال الفضل فيه قبيح اللثغة، «4» لم تسمع الراء من أحد أفحش مخرجا منه من فيه، وهو شىء لا يتصور فى كتاب، فما زال يروض نفسه حتى أخرج الراء من كلامه، فقال الفضل ابن عيسى الرقاشى:
ان كان قد أعد لكل ما يمتحن فيه على جهة التخلص فى غير استكراه، والتوقى من غير تكلف انه لعجيب، وخطب هو وشبيب بن شيبة، والفضل بن عيسى الرقاشى عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأتى الفضل ابن عيسى، وشبيب بن شيبة بكل عجيب من اللفظ، وبديع من المعنى، ثم خطب واصل فانتظم معانيهما فى ألفاظ يسيرة، ثم افتن فيما لم يخطر لهما على بال، ولم يسنح «5» لهما فى وهم فقال شبيب: أيها الامير! لو قطع كلامه على أول ابتدائه لقيل: هذا ممن نقل اللحن، ويصيب المفصل، وأما الآن فهل سمعت للشيخ وحده؟ فأسنى لهما الجائزة فقبلاها، وردها واصل، فتوهم عبد الله ان يسويه من التفضيل فى الجائزة على قدر فضله فى البراعة، فأضعفها له، فلم يقبلها، وقال: اجعل جائزتك نبش القبص «6» لاهل هذا البلد، فزاد عجبه من تركه الراء فى الحفر، وتناوله النبش ليتخلص منها. وكان مرة فى بعض الثغور، ففاجأهم
(1/375)

العدو ليلا فسمعوه يقول لغلامه: ألبد الجواد «1» فاستظرفوا توقيه الراء، وهو يكلم غلامه والاظرف أنه كان على ذلك الحال من المخافة والانزعاج.
وبلغه ان بشار بن برد الشاعر ذكر عنده عمر فنال منه، وعثمان فشتمه، ثم على رضى الله عنهم جميعا فأنشد:
وما خير الثّلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذى لا تصحبينا
فقال واصل: اما هاهنا أحد يذهب الى هذا الاعمى المشنف المكنى بأبى معاذ فيبعج بطنه على مهاده، فقال: الاعمى ولم يقل: الضرير، وقال المكنى بأبى معاذ ولم يقل: بشار، وقال: المشنف ولم يقل: المرعث- وذلك ان بشارا كان يلقب المرعث، والمرعث المقرط، والرعث القرط، والمشنف المقرط أيضا، والشّنف القرط الذى يعلق فى أعلى الأذن- وقال:
يبعج ولم يقل: يبقر، وترك الفراش، وقال: المهاد.
واما قولهم: واصل الغزال، فلم يكن غزالا، ولكن كان يجلس الى أبى عبد الله الغزال مولى قطن الهلالى، وكان رضيعه ومن مستحبيه، وذلك مثل ما قيل لابراهيم بن يزيد الخوزى، ولم يكن خوزيا، وانما كان ينزل بمكة بشعب الخوز وأبو سعيد المقبرى ليس بنسب، ولكن كان ينزل المقابر، وقد أجمع أصحابنا أن واصلا لم يمس بيده دينارا ولا درهما قط، ولذلك قال الاسباط بن واصل الشيبانى فى كلمة يرثى فيها واصلا:
ولا صرّ «2» دينارا ولا مسّ درهما ... ولا عرف الثّوب الّذى مرّ قاطعه
يقول: لم يدر كم شبرا يقطعه، كما تعرف التجار وقد علمنا ان دعاة واصل فى الآفاق، ورسله الى الاطراف، أنبل من جميع رؤساء النحل. وكان
(1/376)

قد جهز الى افريقية والى خراسان والجبال والى السند والى الثغور والحجاز رجالا يدعون الى مقاله، فهجروا له الاوطان، وخلفوا الازواج والولدان، واهملوا الاموال، وصبروا عن مجالسة الاخوان، وليس هذا بصفة غزال، ولا أحد ممن يعالج الحرف، وقال أبو الطروق يردد ذلك المعنى:
متى كان بيّاع الغزول مقدّما ... على كلّ حال فى الرّهان وسابق
متى اجتمع الشّرق المنير وغربه ... ليبّاع غزل خامل الأصل مارق
أول من وضع اللغة على الحروف وأول من عمل العروض أبو عبد الرحمن الخليل بن احمد
وكان من فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد صريح فيهم، وقيل هو مولاهم، وأصله من الفرس،- والفراهيد غنم صغار، واحدها فرهود- وكان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسا، وأشدهم تعففا وكان الملوك يقصدونه متعرضين له لينال من دنياهم فلم يكن يفعل ذلك، وكان يعيش من بستان له خلفه أبوه بالجزيرة، «1» وكان يحج سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت.
حدثنا أبو احمد عن الصولى عن المغيرة بن محمد المهلبى من حفظه قال: حدثنا خالد بن خداش قال. كان الخليل ابن أحمد يحب ان يرى عبد الله ابن المقفع، وكان عبد الله يحب ذلك، فجمعهما عباد بن عباد المهلبى، فتحدثا ثلاثة أيام ولياليهن، ثم افترقا، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟
قال: ما رأيت مثله قط، وعلمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقنع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله قط، وعقله أكثر من علمه.
قال المغيرة: وصدقا فى ذلك، فقد أدى عقل الخليل الى أن مات أزهد الناس، وجهل ابن المقفع فكتب أمانا لعبد الله بن على على المنصور، فقال فيه
(1/377)

ما كان مستغنيا ان يقوله مما لا تتحمل الامراء فضلا عن الخلفاء مثله، فكتب المنصور حين قرأ قوله: «ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله، فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حل من بيعته» فاشتد ذلك على المنصور جدا، وخاصة أمر البيعة، فكتب الى سفيان بن معاوية- وهو أمير على البصرة- أن اقتل ابن المقفع، فقتله.
ولم يكن فى العرب أزكى من الخليل بن احمد، وهو مفتاح العلوم ومصرفها.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: سمعت احمد بن يحيى يقول: انما وقع الغلط فى كتاب العين لان الخليل رسمه ولم يحشه، ولو حشاه ما أبقى فيه شيئا، لان الخليل لم ير مثله، وقال: حشا الكتاب قوم علماء، الا انه لم يؤخذ عنهم رواية، وانما وجد بنقل الوراقين، فاختل الكتاب لهذه الجهة.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى، عن محمد بن يحيى الادمى عن عبد الله بن الفضل عن أبيه قال: كان عندنا رجل يعطى دواء لظلمة العين، ينتفع به الناس فمات. فأضر ذلك بمن كان يستعمله. فذكر ذلك للخليل فقال: أله نسخة؟ فقالوا لم نجد نسخة. قال: فهل كانت له آنية يعمل فيها؟ قالوا:
نعم. قال: فجيئونى بها، فجاءوه بها، فجعل يتشممه ويخرج نوعا نوعا، (حتى ذكر خمسة عشر نوعا،) «1» ثم سأل عن جمعها، ومقاديرها، فعرف ذلك ممن يعالج مثله، فعمله وأعطاه الناس، فانتفعوا به، مثل تلك المنفعة، ثم وجدت النسخة فى بعض كتب الرجل، فوجد الاخلاط ستة عشر خلطا كما ذكر الخليل، لا يغفل منها الا خلطا واحد.
حدثنا أبو أحمد عن الصولى عن اسحاق بن ابراهيم القزاز عن ابراهيم التيمى قال: سمعت عبد الله بن داود الحرسى يقول: قال الخليل بن احمد:
(1/378)

ثلاثة أشياء أنا أحبها لنفسى ولمن أحب رشده: أحب أن أكون بينى وبين ربى من أفاضل عباده، وأكون بينى وبين الخليفة من أوسطهم، وأكون بينى وبين نفسى من شرهم.
قال عبد الله: لو كتب شىء بالذهب لكتب هذا. وقال الخليل: اذا أردت ان تعرف خطأ معلمك فجالس غيره.
وحدثنا الصولى عن محمد بن يزيد قال: نما الى أن الخليل بن أحمد قال: اذا خرجت من منزلى لقيت أحد ثلاثة: اما رجل أعلم منى بشىء فذلك يوم فائدتى، او مثلى فذلك يوم مذاكرتى، أو دونى فذلك يوم ثوابى.
وقال الخليل: أكثر من العلم لتفهم، واختر منه لتحفظ، وقال: أنا أول من سمى الاوعية ظروفا، وانما قيل للانسان ظرف وهو ظريف، لحفظه الادب وقال: أثقل ساعاتى على ساعة آكل فيها.
وأول من سمى بأحمد بعد النبى- صلّى الله عليه وسلم- والد الخليل.
وأول من سمى عبد الصمد مؤدب لآل مروان.
روى أن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان كان فى مكتب عبد الصمد، فساومه بشىء كرهه، فدخل سعيد- وهو غلام- على بعض خلفاء بنى مروان فشكاه اليه فقال:
إنّه والله لولا أنت لم ... ينج منّى سالما عبد الصّمد
انّه قد رام منّى حظّه ... لم يرمها قبله منّى أحد
فهو فيما رام منّى كالّذى ... يطلب الثّعلب فى حبس الاسد
فطرده الخليفة واختار لولده مؤدبا غيره.
حدثنا أبو احمد عن الصولى عن المبرد عن الحرمى قال: قال الخليل بن احمد: رتبت البيت من بيوت العرب- يريد الخباء- فسميت الاقواء ما جاء
(1/379)

من المرفوع فى الشعر والمخفوض فى قافية واحدة نحو قول النابغة.
أمن آل ميّة رائح أو مغتدى «1»
..............
ثم قال:..........
وبذاك خبّرنى الغراب الاسود
قال: انما سميته أقواء لتخالفه، لان العرب تقول أقوى الفاتل اذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى.
قال: وسميت تغير ما قبل حروف الروى سنادا من مساندة بيت الى بيت اذا كان كل واحد منهما ملقيا على صاحبه ليس مستويا، ومثل ذلك من الشعر:
عبد شمس أبى فان كنت غضبى ... فاملأى وجهك الجميل خدوشا
ثم قال..............
وبنا سمّيت قريش قريشا «2»
قال: وسميت الاكفاء ما اظطرب حرف رويه، فجاء مرة نونا ومرة ميما، والعرب تفعل ذلك لقرب مخرج الميم من النون مثل قوله:
بنات وطّاء على خدّ الظّلم ... لا يشتكين عملا ما أنقين
مأخوذ من قولهم: بيت مكفاء اذا اختلف شقاه، واللقاة الشقة فى مؤخر البيت، والايطاء من طرح بيت على بيت، وأصله طرح شىء فوق شىء، فكأنه أوطأه اياه، والايطاء رد القافية مرتين.
(1/380)

قال الحرمى: والاخفش يضع الاكفاء فى موضع السناد، والسناد فى موضع الاكفاء على هذا الاستشقاق قال الخليل: وسمى البيت الذى نصفه مثل آخره مصرع وشطره مصراع، كقول امرىء القيس.
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فكأنه باب على مصراعين قال ذو الرمة:
وشعر قد أرقت له ظريف ... أجنّبه المساند والمحالا
وقال جرير:
ولا الاقواء أو مرس القوافى ... بأفواه الرّواة ولا سنادا «1»
أول من ترجم له الطب والنجوم خالد بن يزيد
وكان شاعرا فصيحا جوادا قيل له: جعلت أكثر شغلك فى طلب الصنعة، قال: أطلب بذلك أن أغنى الاخوان وأصل الاقارب والجيران، انى طمعت فى الخلافة وأختزلت دونى، فلم أجد منها عوضا الا أن أبلغ آخر هذه الصنعة، فلا أحوج أحدا عرفنى أن يقف بباب السلطان رغبة أو رهبة.
قال أبو هلال- أيده الله- ليس من يعتقد ان الكمياء يصح، ويطمع فى قلب الفضة ذهبا أو النحاس فضة بتام العقل، لانه يطمع فى قلب الاعيان، وقلب الطبائع والجبلات عن أصولها، ولا يكون ذلك الا من سخافة العقل وعدم التمييز.
أول من صنف فى غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى
صنف كتاب المجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن
(1/381)

الازرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روى فى ذلك، وهو خبر معروف.
وكان من عدم معرفته وتقدمه فى العربية ربما لم يتم البيت من الشعر حتى يكسره، ويخطىء اذا قرأ فى المصحف، وكان يبغض العرب ويؤلف فى مثالبها الكتب، ويرى رأى الخوارج، ويرمى باللواط، فبعث به أبو نواس فقال:
صلّى الإله على لوط وشيعته ... أبى عبيدة قل بالله آمينا
وكان مولى لتميم، ومات سنة عشر ومائتين او احدى عشرة، وقد قارب المائة، وكثير من العلماء والرؤساء المعروفين رموا بذلك، حكى عن الحجاز أنه قال: غلام فى محله أنفع من حوض فى جب، ودخل الجاحظ على المازنى وعنده المبرد- وهو غلام- فأخفى شخصه فى جب عن الجاحظ، وجلسا يتحدثان فعطس المبرد من مكمنه، فقال الجاحظ: من هذا المبرد منا؟
فسمى بذلك. وقال الشاعر:
ويوم كنار الشّوق فى الصّدر وال ... حشا على أنّه منها أجرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت من الفاظه أتبرّد
ودخل البحترى مسجد المبرد، فرأى غلمانا ملاحا فقال: ما أحسن المسجد بقناديله! وفى نحو ذلك يقول بعضهم فى مجلس ابن دريد:
من يكن للظّباء طالب صيد ... فعليه بمجلس ابن دريد
انّ فيه لأوجها قيّدتنى ... عن طلاب العلى بأوثق قيد
وأخبرنا أبو أحمد قال: كنا فى مجلس نفطويه، وهى يملى، فدخل غلام وضىء، فقطع الاملاء، وقال: قال رجل من أهل عصرنا:
(1/382)

كم خاس «1» ميعادك يا مخلف ... كم تحلف الوعد تحلف
قد صرت لا أدعو على كاذب ... ولا ظلوم الفعل لا ينصف
فما شك أحد ممن حضر ان الغلام كان قد وعده فأخلفه، وان الشعر له.
وأخبرنا أبو أحمد قال: كنا فى مجلس ابن دريد وكان يتضجر ممن يخطىء فى قراءته، فحضر غلام وضىء، فجعل يقرأ ويكثر الخطأ، وابن دريد صابر عليه، فتعجب أهل المجلس، فقال رجل: يا أهل المجلس! لا تعجبوا فان فى وجهه غفران ذنوبه، فسمعها ابن دريد، فلما أراد ان يقرأ قال: هات يا من ليس فى وجهه غفران ذنوبه، فعجبوا من صحة سمعه، مع علو سنه.
وأخبرنا أبو القاسم بن شيراز- رحمه الله- قال: أخبرنا أبو بكر الجوهرى قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: كان سعيد بن حميد الكاتب قد هوى غلاما من أبناء الاتراك- بسر من رأى «2» - بارع الجمال، فبذل له خمسين دينارا ليحضره فقال: على أنى اذا أذن العشاء الآخرة انصرفت، فلما وافى أمر بوضع فما فرغوا حتى كان وقت صلاة العشاء الآخرة، فقال سعيد:
يا غلام! الدواة والقرطاس، فكتب الى المؤذن:
قل لراعى الظّلام أخّر قليلا ... قد قضينا حقّ الصّلاة طويلا
ليس فى ساعة تؤخّرها وز ... ر تكافا بها وتأتى جميلا
وتراعى حقّ الفتوّة فينا ... وتعافى من أن تكون ثقيلا
أول ما ظهر اللواط حين كثر الغزو فى صدر الاسلام
وطالت غيبة الناس عن أهليهم، وذلك حين افتتح خراسان، وجمع البعوث فى ثغورها، وسبوا ذرارى المشركين فيها، واتخذوهم وصفاء،
(1/383)

يخدمونهم فى خاص أنفسهم، وطالت الخلوة معهم والصحبة لهم، وعلى حسبها يكون الانس، ورأوهم يجرون مجرى النساء فى بعض صفاتهن، فطلبوا منهم ذلك الفعل فأجابوهم، وأطاعوهم للأنس الذى بينهم، لما عودوهم من شدة الانقياد لهم.
وكان ابتداؤه اول ما ظهر من خراسان فى صدر الاسلام ولم يعرف أهل الجاهلية من العرب والعجم أصلا، والدليل على ذلك أنه لم يرو فيه شعر ولا مثل، وكان من عادتهم ان يقولوا الاشعار الكثيرة فى الشىء الزهيد كقولهم فى الفأر والجوز، وحكايتهم عن لسان الضب «1» واليربوع «2» وغير ذلك، ولو كان معروفا ذلك الفعل عندهم لعيروا به أو وصفوه، فأنهم يصفون مادونه، اما ما روى عن النبى- صلّى الله عليه وسلم- او عن أمير المؤمنين على- عليه السلام- انه رأى رجلا ينكح رجلا فالقى عليهما حائطا، «3» فان المنكوح كان مبتلى بالداء الذى يسمى الابنة ولم يكن ذلك لشهوة النكاح، وقد ذكر جماعة من رؤساء العرب فى الجاهلية بهذا الداء، منهم أبو جهل، وكانت الفرس ترى على من به هذا الداء ثم مكن من نفسه ضرب الرقبة، وعلى من فعل به ذلك مثله أيضا، وكانوا يجعلون الناكح بمنزلة القاتل لانه ضيع نطفة كان يكون منها انسان، فكانوا يرون قتله لذلك.
أول من صنف فى صنعة عبد الله بن المعتز
الف كتابا صغيرا سماه كتاب البديع، «4» وذكر أن اسم البديع اسم لفنون
(1/384)

من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأخرين بينهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم، ولا يدرون ما هو؟ وقال: وما جمع فنون البديع غيرى، ولا سبقنى اليه أحد، وألفته فى سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخه منى على بن يحيى بن أبى منصور المنجم.
وكان عبد الله كثير الادب، بارعا فى الفضل، كامل الأداء فى المعرفة، وهو غاية فى الشعر لا يلحقه فيه أحد من بنى هاشم، وربما ادعى قوم لعلى بن محمد بن طباطبا مشاكلة عبد الله بن المعتز فى الشعر، وذلك أنهم رأوا لعبد الله تشبيهات فى فنون الأشياء، ورأوا لعلى بن محمد كلاما فى بعضها، فظنوا أنهما اتفقا من هذه الجهة وما كل سمراء تمرة، «1» والشأن فى الالفاظ وتسويتها وسلاستها وحلاوتها، فأما المعانى فمطرحة يتناولها كل أحد. وقد يستوى معنى كلامين وبينهما كما بين الثرى والثريا، وأين تقع ألفاظ على من ألفاظ عبد الله؟ وألفاظ على ظاهرة التكلف تعلوها مجاجة أهل الخبل، وألفاظ عبد الله فيها سلاسة أهل العراق وجزالة أهل الحجاز، فمن ذلك قوله فى متنزه ذكره:
الا ربّ يوم قد لبست ظلاله ... كما أغمد القين الحسام اليمانيا «2»
وان ثقبته العين لاقت قراره ... تخال الحصى فيها نجوما رواسيا
اذا ما تمشّت فىّ عين خريدة «3» ... فليست تخطانى الى من ورائيا
(1/385)

وليل كجلباب الشّباب قطعته ... بفيتان صدق يقبلون الامانيا
وأنّا رأينا المشرفيّات والقنا ... وبذل النّدى للمكرمات مراقيا «1»
وجمع سقينا أرضه من دمائه ... ولو كان عافانا قبلنا العوافيا
ودسناهم بالضّرب والطّعن دوسة ... أماتت حقودا ثمّ أحيت معاليا
وقوله:
اذا لاح روض منه ظلّل روضه ... نسيم ضعيف الجانبين رقيق
ترى هاجع الانوار ترفع جفنه ... كذى الغشى يلقى راحة فيفيق «2»
وقوله:
والرّيح تجذب أطراف الرّداء كما ... أفضى الشّقيق إلى تنبيه وسنان
وقوله:
وحلت عليها ليلة رحبيّة «3» ... اذا ما صفا فيها الغدير تكدّرا
(1/386)

طويلة ما بين البياضين «1» لم يكن ... ليصدق فيها صبحها حين بشّرا
كأنّ الرّباب الجون دون سحابه ... خليع منّ الفتيان يسحب مئزرا «2»
اذا لحقته لوعة من ورائه ... تلفّت واستلّ الحسام المذكّرا «3»
وقوله:
وقد علا الطّود نيلا من أصائله ... كما يصفّر فودى رأسه الخرف «4»
الى محاسن كثيرة يضيق الوقت عن استيعابها والاحاطة بكلها او بجلها وانظر الآن الى تكلف على بن محمد فى قوله يصف النجوم:
نجوم أراعى طول ليل بروجها ... وهنّ لبعد السّير ذات لعوب
كأنّ الّتى حول المجرّة أوردت ... لتكرع «5» فى ماء هناك صبيب
ولا صبح الّا رائد الرّيع «6» اذ رأى ... اوائل مرعى اللّيل غير خصيب
(1/387)

كأنّ رسول الفجر يخلط فى الدّجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب
وهذه الألفاظ لا ماء لها ولا طلاوة «1» عليها وقال:
وأصبح كالسّماء الأرض لونا ... وقد أخذت تقطّر من جمود
رخاما سقفها يحكى رخاما ... فمن ثلج وغيم ذى ركود
كأنّ الشّمس مرآة تراءى ... لنا ولها شعاع ذو خمود
متى تر شمس دجن خلف غيم ... ترى المرآة فى كفّ الحسود
تقابلها فتلبسها عشاء ... بأنفاس تزايد فى الصّعود
وهذا كما ترى شعر ساقط لا خير فى لفظه ووصفه، وكذلك أكثر شعره الا ماندر، وهو قليل. ولعبد الله من النثر ما لا يتعلق به شىء من الكلام، فمن ذلك قوله:
«العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره، اذا الباغى بغى عليك، قام الداعى بك، العقل غريزة يزينها التجارب، الحكمة شجرة تنبت فى القلب، وتثمر فى اللسان، النفس أدنى عدو، النصح بين الملأ تقريع، المتواضع فى طلب العلم أكثر علما، كما أن المنخفض من الارض أكثر البقاع ماء، اذا زاد العقل نقص الكلام، نعم الجهال كرياض المزابل، «2» الشفيع جناح الطالب، منع الحافظ خير من عطاء المضيع، الآمال لا تنتهى، والحى
(1/388)

لا يكتفى، فى العواقب شاف او مريح، الدار الضيقة العمى الاصفر، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح، المعرفة بالفضيلة عليك فضيلة منك، ثب على الفرصة او دع، «1» قلوب الاخيار حصون الاسرار، أهل الدنيا كصورة فى صحيفة لا ينشر بعضها الا اذا طوى البعض، من لم يتعرض للنوائب تعرضت له، أفقرك الولد وعاداك، من تكلف مالا يعنيه فاته ما يعنيه، الغضب ضد العقل، النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها الا أن تجدد حطبها، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين سبب عدمه، المعروف غل «2» لا يكفه الا الشكر او المكافأة، لا راحة لحاسد، ولا حياء لحريص، الحرمان مع الحرص، الذل مع الدين، لا يكفيك من لم تكفه» وله شىء من هذا المعنى كثير.
ولما توفى المكتفى قام العباس بن الحسن، فأمر المقتدر، وأخذ البيعة له بالخلافة، فاستخلف وهو صبى لم يبلغ، ثم قتل طائفة من الجند العباس بن الحسن، وخلعوا المقتدر، وبايعوا عبد الله بن المعتز، واستوزروا له محمد بن داود بن الجراح، فمكث بذلك ليلة، فلما كان من الغد، أنفذ عبد الله الحسين بن حمدان، فى جند الى دار المقتدر بالله، فخرج اليه الخزر والاتراك، وأخذه العامة بالضجيج وانهزم، وخرج عبد الله هاربا الى البردان «3» ، ثم جلس فى زورق صياد فعاد الى بغداد، فأدخل دار المقتدر فكان آخر العهد به، فورد على الناس ما لم يروا أعجب منه قط، وهو رجوعه الى بغداد على غير عهد ولا عقد بها، وكان قد بويع له بالخلافة، وخرج معه وجوه القواد، وكبراء الناس.
فقال الناس: لم يكن به بأس، ولكن أدركته حرفة الأدب.
(1/389)

الباب الثامن فيما جاء من ذكر النساء
(1/391)

أول امرأة خفضت وثقبت أذنها هاجر أم اسماعيل
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم بن سعيد الجوهرى عن الواقدى عن ابن أبى سبرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أكرم ابراهيم النبى- صلّى الله عليه وسلم- هاجر، فشق ذلك على سارة، قالت: تصنع بأمتى هذا؟ فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أطراف، فخاف ابراهيم أن تمثل بها، قال:
الا أدلك على ما تبرين به يمينك؟ قالت: بلى. قال تخفضينها وتثقبين أذنيها، فكانت هاجر أول من خفضت وثقبت أذناها فجعلت فيها قرطين، فقالت سارة: ما أرى هذا زادها الا حسنا.
أول امرأة اكتحلت بالاثمد زرقاء اليمامة
واسمها طسم، وسميت بلدها بها، قال محمد بن حبيب: كانت تبصر من مسيرة أيام، وكانت من جديس طسم، «1» خرج قوم من طسم الى حسان تبع، فاستجاشوه على جديس، فجهز اليهم جيشا، فلما صاروا فى الجو على مسيرة ثلاثة أيام، صعدت فرأت الجيش، وقد حمل كل رجل منهم شجرة يستتر بها ليلبسوا عليها، فقالت: قد أتتكم الشجر، وأتتكم حمير قد أخذت شيئا شجرة، فلم يصدقوها، فقالت: أحلف لقد أرى رجلا ينهش كتفا أو يخصف
(1/393)

نعلا! فلم يصدقومها فصبحهم حسان فاجتاحهم وأخذ الزرقاء، فشق عينيها، فاذا فيها عروق سود من الاثمد فقال الاعشى يصفها:
اذا نظرت نظرة ليست بكاذبة ... ورفّع الآل رأس الكلب فارتفع
قالت: أرى رجلا فى كفّه كتف ... او يخصف النّعل لهفا أيّة صنع
أول من غنى الغناء العربى طويس
وقالوا جرادة جارية ابن جدعان، فمن قال ان طويسا أول من غنى قال:
كانت الفرس والروم فى أيام ابن الزبير- لما هدمت الكعبة- يبنونها ويغنون بألحانهم، فسمعها المغنون فنقلوها الى العربى، وكانوا قبل ذلك لا يتجاوزون الرمل والهزج «1» واول من ابتدأه طويس، وطويس اول مشئوم ولد فى الاسلام، ولد يوم توفى- صلّى الله عليه وسلم- وفطم يوم مات أبو بكر- رضى الله عنه- وبلغ الحلم يوم قتل عمر- رضى الله عنه- وتزوج يوم قتل عثمان- رضى الله عنه- وولد له يوم قتل على- رضى الله عنه وكان يكنى أبا عبد النعيم، «2» وكان يقول: أنا أبو عبد النعيم، وأنا طاوس الجحيم، واحتج من قال: ان أول من غنى جرادة، بأن اسحاق الموصلى ذكر للجرادتين، جاريتى عبد الله بن جدعان فى المائة المختارة لحنا من الثقيل الاول وهو:
أقفر من أهله مصيف ... فبطن نخلة فالعريف
هل تبلغنّى ديار قومى ... مهريّة سيرها لفيف «3»
يا أمّ عثمان نوّلينا ... قد ينفع السّائل الطّفيف
أعمامها الشّم من لؤىّ ... صيد وأخوالها ثقيف «4»
(1/394)

ولم تزل الجرادتان فى ملك ابن جدعان حتى أسن فوهبهما لامية ابن أبى الصلت.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الزبير بن بكار عن جعفر ابن الحسن عن ابراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبى الصلت على عبد الله بن جدعان فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما أتى بك! قال: كلاب غرماء نبحتنى ونهشتنى، فقال له عبد الله: وأنا على حقوق لزمتنى، فأنظرنى قليلا أنجم «1» ما فى يدى، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك عن مبلغه، فأقام أياما ثم أتاه، فأنشأ يقول:
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك انّ شيمتك الحياء
وعلمك بالامور فأنت قرم ... لك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
تبارى الرّيح مكرمة وجودا ... اذا ما الكلب اجحره «2» الشّتاء
اذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثّناء
فلما أنشده هذا الشعر، كانت عنده قينتان قال: خذ أيهما شئت، فأخذ احداهما وانصراف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، فقالوا: قد ألفيته عليلا، فلو رددتها عليه، فانه يحتاج الى خدمتها كان ذلك أقرب لك عنده، وأكثر من كل حق ضمنه، فوقع الكلام من أمية موقعا، فرجع
(1/395)

ليردها، فقال له ابن جدعان: لعلك انما تردها لان قريشا لاموك على أخذها، فقال: ما أخطأت يازهير، وأنشد:
عطاؤك زين لامرىء ان حبوته ... كسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجهه ... اليك كما بعض السّوال يشين
فقال عبد الله خذ الاخرى، فأخذهما وخرج، فلما صار الى القوم أنشأ يقول:
وما لى لا أحيّيه وعندى ... مواهب يطّلعن من النّجاد
لأبيض «1» من بنى عمرو بن تيم ... وهم كالمشرفيّات الحداد
لكلّ قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرّأس تقدم كلّ هادى
عماد «2» البيت قد علمت معدّ ... وانّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّ «3» ... وآخر فوق دارته ينادى
الى ردح من الشّيزى عليها ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد «4»
(1/396)

وقال فيه:
ذكر ابن جدعان بخير ... كلّما ذكر الكرام
من لا يخون ولا يعق ... ولا يبخّله الانام «1»
يهب النّجيبة والنّجيب له الرّحالة والزّمام «2» وذكر أبو اسحاق الموصلى ان اول من غنى الغناء العربى سعد بن منجح أبو عثمان «3» ، وقالوا: أبو عيسى مولى لبنى مخزوم ومن عنائه:
أسلام انّك قد ملكت فاسجحى ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح «4»
منّى على عان أطلت عناءه ... فى الغلّ عندك والعناة تسرّح «5»
إنّى لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح
والذى عليه أكثر العلماء أن طويسا أول من غنى الغناء العربى.
أول امرأة بايعت النبى من نساء الأنصار أم عامر الأشهلية
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى عن أسامة بن زيد الليثى عن داود بن حصين عن أبى سفيان مولى أبى أحمد قال: سمعت أم عامر الأشهلية تقول: جئت أنا وليلى بنت الحطيم وحواء بنت يزيد بن السكن، فدخلنا عليه، يعنى على
(1/397)

النبى- صلّى الله عليه وسلم- ونحن متلفعات بمروطنا «1» بين المغرب والعشاء، فسلمت ونسبنى فانتسبت، ونسب صاحبتى فانتسبتا، فرحب بنا ثم قال: حاجتك، فقلت: يا رسول الله! جئنا نبايعك على الاسلام، فقد صدقناك، وشهدنا ان ما جئت به حق، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- قد بايعتكن، قالت أم عامر:
فدنوت منه، فقال: انى لا أصافح النساء، قولى لالف امرأة كقولى لامرأة واحدة.
وقد روينا ان عليا- عليه السلام- قال لمعاوية فى بعض منازعاتهما:
يا ابن اللخناء، «2» فقال معاوية: دع أبا الحسن ذكر أمى، فما هى بأخس نسائكم، وقد بايعت النبى- صلّى الله عليه وسلم- فصافحها، وما رأيته صافح امرأة غيرها، فعلى مقتضى هذا الخبر، تكون هند أول من صافحها رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- من النساء «3» .
وقالوا: أول من بايعت النبى- صلّى الله عليه وسلم- أم سعد كبشة بنت رافع، وأم عامر بنت يزيد بن السكن وحواء بنت يزيد بن السكن.
أول امرأة قطعت فى السرقة قلابة بنت سفيان المخزومية
قطعها النبى- صلّى الله عليه وسلم- وشفعوا لها، فقال-: صلّى الله عليه وسلم- لو سرقت فاطمة لقطعتها.
أول امرأة حدت فى القذف حمنة بنت جحش
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حسين بن ابراهيم عن فليح بن سليمان الأسلمى عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثى وعبيد الله ابن عبد الله قالوا: قالت عائشة: كان
(1/398)

النبى- صلّى الله عليه وسلم- اذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بيننا فى غزاة غزاها، فخرج سهمى، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فاتخذ لى هودجا، وسرنا ثم نزلنا عند القفول منزلا، فلما حان الرحيل قمت فمشيت، فلما قضيت حاجتى وأقبلت مسست صدرى، فاذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته، واحتمل هودجى، فرحلوه وهم يحسبون انى فيه- وكان النساء اذ ذاك خفافا، إن إحداهن تأكل العلقة من الطعام «1» .
فأقبلت وقد ارتحلوا، فجلست، ثم غلبتنى عيناى فنمت، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش، فلما أصبح رأى سوادا، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه، «2» ثم ركبت راحلته حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا فى نحر الظهيرة، «3» فتكلم المنافقون، والذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول، وقدمنا المدينة، واشتكيت شهرا لا أشعر بما يفيض فيه أصحاب الافك، ثم خرجت مع أم مسطح، فعثرت فى مرطها فقالت: تعس مسطح «4» فقلت: بئس ما قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت:
يا هنتاه! «5» ألم تسمعى ما يقولون؟ فأخبرتنى بقول أهل الافك، فازددت مرضا.
واحتبس الوحى، فاستشار النبى- صلّى الله عليه وسلم- على بن أبى طالب وأسامة ابن زيد- رحمه الله- فى فراقى، فقال أسامة: ما نعرف الا خيرا، وقال على: يا رسول الله! لا تضيق على نفسك، فان النساء كثير، ثم انزل الله تعالى
(1/399)

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ...
«1» الآيات الى آخر القصة، فأتاها رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقالت: بحمد الله لا بحمدك، ثم أمر رسول الله بحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش فجلدوا ثمانين ثمانين.
فهؤلاء أول من جلد فى القذف، ثم قال حسان: يعتذر عما كان منه، ويمدح عائشة- رضى الله عنها-
حصان رزان لا تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «2»
فقالت عائشة:- رضى الله عنها- لكنك يا حسان لست كذلك، وكان أبو بكر- رضى الله عنه- ينفق على مسطح، فحلف ليقطعن عنه النفقة، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى ...
الى قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
«3» فقال أبو بكر: بلى نحب ذلك، وعاد فى النفقة هذا معنى الحديث.
أول امرأة حملت فى نعش من العرب
زينب بنت جحش زوج النبى- صلّى الله عليه وسلم- ورضى الله عنها، وقد ذكرنا أمر النعش فيما تقدم.
أول ظعينة هاجرت «4» الى المدينة
أم سلمة زوج النبى- صلّى الله عليه وسلم-
(1/400)

أول بكر هاجرت
أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن عبد الرحمن بن عوف ابن عمرو بن العاص.
أول امرأة نبئت سجاح بنت سويد بن خالد
أخبرنا أبو احمد عن رجل نسيت اسمه قال: قال عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبى عن عوانة أو غيره قال: كان من حديث سجاح بنت سويد بن خالد ابن أسامة بن العنبر بن يربوع التميمية، وتكنى أم صادر، وأخوها عتبان وكانوا من بنى تغلب، فلما قبض النبى- صلّى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر، وكانت الردة، نبئت سجاح، وخرجت من بنى تغلب، فتبعها أناس كثيرون من النمر ابن قاسط وأياد. ومن بنى تغلب الهذيل بن عمران. فخرجت تسير بهم الى بلاد بنى تميم، فلقيها بنو حنظة فقالت: انا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بعثت نبية، قالوا، مرينا، قالت: ان رب السماء والتراب يأمركم ان توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، «1» فليس دونهم حجاب.
فسارت بنو حنظلة الى بنى ضبة، وهم من الرباب، وسارت سجاح ومن معها من بنى تغلب والنمر ابن قاسط الى حفر التيم، وعليه من الرباب بنو عدى وثور، فأما بنو حنظلة فلقوا بنى ضبة، فهزمتهم، ولقيت سجاح ومن معها تيما وعديا وثورا، فقاتلوهم قتالا شديدا، وجاءتهم وفود بنى تغلب والنمر وأياد، وأرسلت بنو ضبة يطلبون الى حنظلة أن يودوا «2» قتلاهم، ويصالحوهم، فقالت: لا تعجلوا على الرباب فانهم يحثون نحوكم الصعاب.
(1/401)

ثم قالت: عليكم باليمامة، فانها دار اقامة، نلقى أبا ثمامة، فان كان نبيا ففى النبى علامة، وان كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بعد ملامة، فخرجوا نحوها ومعها عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد، وعمرو بن أهثم، والاقرع بن حابس وشبث بن ربعى وهو مؤذنها- فساروا حتى نزلوا الصمان، «1» فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب- وكان قد تنبأ- فتجسس أهل اليمامة لها- فقال مسيلمة: دعونى ورأيى، فأهدى لها، وكتب اليها، ان موعدنا يوم كذا نلتقى فيه، ونتدارس، فان كان الحق بيدك بايعناك، وان كان فى أيدينا بايعتنا، فخرجت فى أربعين، فلما جلسوا أحصاهم، ثم قال ليقم من هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، حتى ننظر من صاحب الأمر، فقاموا.
فقال مسيلمة لغلامه: عثن لها لتذكر الباه- والعثان الدخان- أى بخر لها بشىء من الطيب- فقال مسيلمة: لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريشا لا يعدلون، رحم الله من سمع، وما زال أمره فى كل ما شاء مجتمع، وأطمع فى الخير فطمع، أراكم الله محياكم، ومن رجز «2» خلاكم، ويوم القيامة نجاكم، علينا صلوات من معشر أبرار، لا أشقياء ولا نجار، يصلون بالليل، ويصومون بالنهار، ولربهم الكبار، رب النور والأمطار، ولما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم انبسطت، النساء يأتون، والخمر يشربون، أنتم معشر الابرار، سبحان ربى كيف يحيون، والى رب السماء يرقون، لو أنها حبة من خردلة فى جندلة «3» لقام عليها شهيد، يعلم ما فى الصدور، أكثر الناس، يومئذ المثبور، «4» قالت: أشهد أنك نبى، وآمنت به.
(1/402)

فقال: انكن- معشر النساء- خلقتن لنا أفراجا، وخلقنا لكم أزواجا، فاذا ملكناكن أرتجن لنا ارتجاجا، «1» فنولجه فيكن ايلاجا، فتخرجن أولادا انتاجا، قالت: صدقت.
ثم قال:
ألا قومى الى البيت ... فقد هيىّ لك المضجع
فان شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
وان شئت سلقناك ... وان شئت على أربع
قالت: بذلك أوحى الى. قال: هل لك أن تزوجينى نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف عن عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق الى اليمامة، وتركت الجمع الذى كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بنى تميم صلاة الغداة «2» والظهر والعشاء، وقال: ان بنى تميم لقاح لا أتاوة عليهم- يعنى الخراج- فعامة بنى تميم لا يصلون هذه الصلوات الى اليوم فلم تزل عند مسيلمة الى ان قتل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة.
قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة، خرجت هى قومها وهى تنظف عرقا، قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدته أحق بالامر منى، فبايعته، وزوجته نفسى، قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها ان رفعت عنكم صلاة الغداة والعتمة، «3» فقد أوحى الى بذلك. قالوا: وما هو؟ قال:
ضفدع بنت ضفدعين رأسك فى الماء ورجلك فى الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الاكرمين، قومى ادخلى التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمدين، فرضوا، فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن
(1/403)

حاجب بن زرارة:
أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا
فلعنة الله ربّ النّاس كلّهم ... على سجاح ومن بالإفك أعوانا
أعنى مسيلمة الكذّاب لا سقبت ... أصداءه غيث مزن حيث ما كانا «1»
وقال الاغلب العجلى:
انّ سجاحا لاقت الكذّابا ... سألها فأعيت الجوابا
وهتكت عن سترها الحجابا ... فلا أهلا لقيت ولا رحابا
أول امرأة لبست المصبغات فى الإسلام شميلة
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن شباب بن خياط عن الهيثم بن عدى عن ابن عباس عن الشعبى قال: كانت شميلة أول من لبست المصبغات، وعملت السقوف، وعبأت الطيب، وكانت تحت ابن عباس، فربما أخذ دملجها «2» فتأتى به امرأة ذرعة بنت مشرح أم على فتقول: هذا طوق شميلة، فتقول: انه لحسن فتقول: انه والله دملجها، فتقول: لا بارك الله لك ولا لها! وكان ابن فسوة وهو عتيبة بن مرداس قد أتى ابن عباس فحجبه، «3»
(1/404)

فجعل يهجوه، ويذكر شميلة، فمما قال:
أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معرفى ولم يخش منكرى
وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر
ويسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت حمام فى القليب المغوّر
فلو كنت من زهران قضيّت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر
فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... الى حسن فى داره وابن جعفر
اذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف محيّر
يطالع أهل الشّوق والباب دونه ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر «1»
أول ما عرفت الجمازات
ان أم جعفر أمرت الرجالين فى بعض مسيرها خلف الرشيد، أن يزيدوا فى سير البختية، وخافت فوت الرشيد، فلما حركت مست ضروبا من المشى من المرفوع وجمزت «2» فى خلال ذلك، ووافقت امرأة حسنة الاختيار، تفهم الامر، فوجدت لذلك الجمز رائحة، ومع الراحة لذة، فأمرتهم ان يسيروها تلك المسيرة، فمازالوا يقربون ويبعدون، ويخطئون ويصيبون، وهى فى
(1/405)

خلال ذلك تخطئهم وتصوبهم، حتى شدوا من معرفة ذلك شدوا، «1» ثم انها قرعتهم لاتمام ذلك حتى تم واستوى، وقد تقع مثل هذه الامور اتفاقا، كما سقط الناطق «2» من كف الاجير فى الصفر «3» المذاب فخاف أهله فساده، ثم رأوا ما أعطى من اللون فعملوا فى الزيادة والنقصان، وكان ذلك فى دولة الاسلام، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الشبه البتة.
أول امرأة جلدت فى زنبيل أم جعدة الليثى
وهى جدة بنى جعدة، أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى بن أبى غسان عن بحر بن على، ان ابنة لعثمان بن عفان كانت تحت مروان بن الحكم،- وهو يومئذ أمير على المدينة- وكانت تحب الحديث، وكان ممن يحدث اليها رجل من بنى ليث، ثم أحد بنى سجع يقال له: عبد الرحمن بن عمر بن شييبة، وكان يلقب خان الجمال وكان ذلك يبلغ مروان فيكذب به، وكان أخوا مروان عبد الرحمن ويحيى يطالبان أن يخلى بينه وبينهم، فبينما هم على ذلك إذ خرج مروان حاجا، فبلغ أخوته حين دخلوا مكة ان قد أدخلته، فرفعوا ذلك الى مروان.
وقالوا: ائذن لنا ننهض اليه فنقتله، فزجرهم عن ذلك فألحوا عليه، حتى اذا كان يوم النفر الأول ألحوا عليه فقال: دونكم وما تريدون، فخرجوا، وسمع ذلك خصى على رأس مروان فانسل، وجعل يسأل عن منازل بنى ليث، حتى دخل عليهم، فوجد عبد الرحمن بن جحش،- وهو ابن عم الرجل- فقال له: تعرف ابن عمك خان الجمال؟ قال: نعم. قال: تعلم ان بنى الحكم، قد استأذنوا الامير ان يخرجوا ليقبضوا عليه فى دار مروان؟ قال وما علمك بذلك؟ قال:
(1/406)

كفيتك. أنه عندها فر رأيك. ثم ولى.
قال فقلت: أبعده الله وأسحقه! ثم أدركتنى الرحم فقمت الى ناقتى الزلوج فارتحلتها، ثم أخذت بزمامها حتى جئت العقبة، فسألت عندها: هل رمى أحد؟ قالوا: نعم. مر الآن ركب متنكرون فرموا ثم ولوا سراعا. فرميت ثم مضيت سريعا، حتى دخلت المسجد الحرام، فسألت أهل الطواف عنهم فقالوا: نعم طاف الآن بنو الحكم وغلمان لهم، ثم مضوا على رواحلهم، فركبت، فلا أمر على أحد الا قالوا: مروا سراعا، حتى نزلت السرج، «1» فأشير لى اليهم، أنظر الى عمائمهم، فسرت حتى أمسيت، وجاوزت بريديدعة، «2» نظرت الى بياضهم معرسين، قال: فنزلت وعلقت الزمام الى عنق راحلتى، ثم خرجت وخرجت وراءها، وعدلت ذات الشمال عن المحجة، فاستيقظ رجل منهم فقال: من هذا؟ قلت: فحام، قال: أمض راشدا حتى اذا تواريت منهم أنخت وركبت، ووضعت السوط فى الراحلة، فجئت المدينة من الغد، حيث صليت العتمة، فأنخت عند باب المسجد الذى عند باب مروان- والقاضى أبو هريرة- فسألت عنه فقيل: انصرف، وأخذت بحلقة المسجد، وصحت بأعلى صوتى- أنا عبد الله بن جحش وقد سبقنا الحاج، وتركت الامر صالحا، لا يقولن أحد انى كنت قبله، ورددت ذلك مرارا حتى علمت أن من فى الدار قد سمع صوتى، فلما رأيت ذلك قلت أيضا:
أنا ابن جحش وهى الزّلوج ... حمراء فى حاركها دموج «3»
كأنّ فاها قتب مفروج ... يأيّها الفوّاقة والولوج «4»
(1/407)

أخرج فقد آن لك الخروج ... أتاك بالقوم مطايا عوج «1»
لهنّ من طول السّرى ضجيج قال: وكان مروان قد اتهم أم جعدة التى تمشى بين خان الجمال وبين زوجته، فأخذها- وكانت عظيمة ذات خلق- وأمر بها فجعلت فى مكتل، ثم ربط عليها وهى فيه- فكانت اول امرأة جلدت فى مكتل.
(1/408)

الباب التاسع فيما جاء عن العجم خاصة
(1/409)

أول من اتخذ النيروز عيدا
أجمعت الفرس ان جم الملك أول من اتخذ النيروز «1» عيدا، وجعل تعظيمه دينا، وهو الذى بنى مدينة طوس «2» وقال النسابون: فى زمانه بعث الله تعالى هودا الى عاد، وصالحا الى ثمود، وولد قحطان أبو اليمن، وكان الدين قد تغير قبله، فلما ملك جدده وأظهر العدل، فسمى اليوم الذى ملك فيه نوروز- أى اليوم الجديد- ثم عربته العرب فقالوا: نيروز الحق ببناء طيقور وزعمت الفرس ان ذلك اليوم كان معظما عند أهل المعرفة قبل جم، لأنه اليوم الذى خلق الله فيه الخلق، قالوا: ولذلك جعل الله فى وقته ابتداء الشور النامى، «3» وهيج تناسل الحيوان وجعل المهرجان «4» دليل القيامة، لتناهى جمهور النامى فيه وانقطاع النماء عنه، ووقوف معظم الحيوان عن التناسل.
وذكروا ان سبب رفعهم النار فى ليلته قصدا لتحليل العفونات والزلوجات التى أبقاها الشتاء فى الهواء، وأرادة التنويه بذكره وشهرة أمره، ورش الماء فيه انما هو بمنزلة النشرة، «5» وهو أيضا تطهير مما قد انضاف الى الابدان من دخان النيران فى ليلته، وسبب اهداء السكر فيه ان قصب السكر ظهر فى زمن جم، ولم يعرف قبله، فوقع لبعض الناس ذواقه بالاتفاق، فلما وجد حلاوته احتال
(1/411)

لاستخراج مائه وطبخه، فوقع الفراغ منه فى يوم النيروز، فأهداه الى الملك فيما أهدى اليه، فتبرك به وجعل اهداءه سنة، وكان الملك من ملوك الفرس يجلس فى النيروز، فيقوم رئيس الكتاب فيقول بعد الحمد لله ومدح الملك:
أيها الملك! الرفق يمن، والخرق «1» شؤم، وصالحوا الاعوان محتاجون الى ما يقيمهم فى أفعالهم، ويفضل عنهم لعطلتهم، فان ضيق عليهم كان معولهم على مال السلطان، فيكون من حيث يرتجى الربح يقع الخسران، وحيث تكون الخيانة، يكون التمحق، «2» وحيث الامانة، تتم البركة، والفجور يقلل قطر السماء، ومع الخيانة تعدم الزكاة، الخراج يدر الاموال، والاموال تكون الجنود، وبالجنود يقمع العدو، فيتم العدل، ثم يمسك.
ويقوم المؤيد، ويقدم هديته، فيثنى على الله ثم على الملك ويقول:
بقليل الغفلة يطول العناء، فأشرف على أمرك أيها الملك، حتى لا يستتر عليك ما تحتاج الى معرفته، قدم الحزم فى أمورك تتم وتسلم فى عواقبها، أكظم الغيظ تحمد مغبته فى أمرك، وكن برعيتك رءوفا، تكثر محبتهم لك، أصفح عن المسىء فليس كل الاوقات تدوم لك الطاعة، لا توقع فى غير موضع الايقاع فتظلم، «3» ولا تتركه فتستضعف لا يمزح بحضرتك فتنتقض جلالتك، ويجترىء الاخساء فى مجلسك، فتذهب هيبتك، ثم يجلس.
ويقوم الوزير، ويقدم هديته، ويقول بعد الثناء على الله عز وجل ثم على الملك: بسط العدل، وتقويه الجند، واعطاء المستحق، وتأديب المسىء، ترغيب فى احسان من ليس محسنا، ويزع عن الاساءة من كل مسيئا، واذا انصرف المحسن عن بابك بغير مكافأة، والمسىء بغير عقوبة، أو شك الا يرى فيه محسن ولا يغيب عنه المسىء، بدرور «4» الارزاق تصفو ضمائر الاجناد،
(1/412)

وببسط العدل تكثر العمارة، وبتوفر الخراج تسلم قلوب الرعية، ثم يجلس.
ويقوم رأس المرازية، ويقدم هديته، ويقول بعد الثناء على الله تعالى ثم على الملك: الجنود جناح الملك، وسداد الثغر، ومفاتيح الحصون، وبهم قمع الاعداء ورفع الاولياء، وحقيق برفع المنزلة، واسناد العطية من بذل دمه، ولم يضن عن الملك بنفسه، بالسرور تكون النجدة، وبالسرور تكون الكفاية، وبحق أقول: ان حسم العادة، ومنع الواجب مما يوغر الصدر حتى يصير الولى عدوا فيحتاج الى الاحتراس ممن يحترس به، ثم يقدم الناس هداياهم، فيأمر بالخلع والجوائز، ومكافأة كل مهد على قدره.
وكان من سير ملوكهم ان يتأملوا هدايا الاولياء، ويعرفوا مقاديرها، ويأمروا باثباتها فى الديوان، فمن أهدى مالا يترقب أحواله، فاذا اتفق له او لاقاربه أعراس أو املاك أو غير ذلك مما يحتاج فيه الى نفقة أضعف له قيمة ما أهداه أضعافا مضاعفة وحمل إليه، ومن أهدى سهما حمل له من فاخر الثياب ما يعلوا السهم اذا أقيم، ومن أهدى تفاحة أو أترجه أعطى زنتها ذهبا، أو غرز فيها الدنانير حتى تعمها، وتحمل اليه، ومن أغفل مكافأته على ما أهداه لعارض يعرض ثم لا يذكر بنفسه دفع حقه الى عدوه وحرم منه.
أول ما ظهر المهرجان على عهد أفريدون
وذلك ان الدين قبل أيامه فسد، أفسده الضحاك فوثب به أفريدون فقيده، فسمى اليوم الذى ظفر فيه المهرجان، والمهر الوفاء، وجان: سلطان فكان معناه سلطان الوفاء، «1» وكان سبيل الملك فيه سبيله فى النيروز، القتل والأسر.
(1/413)

أول من وضع العشور الضحاك
وهو نمرود وهو أول من تغنى له، وأول من لبس التاج، وفى زمانه ولد ابراهيم عليه السلام، وقصته ما قصه الله تعالى فى القرآن.
أول من نظر فى الطب افريدون
وفى زمانه ظهرت الفلاسفة، وتكلم فى فنونهم، والله أعلم بحقائق هذه الاشياء.
أول من جمر البعوث فرعون
والتجمير ان يلزم الامير الجيش الثغر، ولا يأذن لهم فى القفول، قال الشاعر:
معاوى امّا أن تجهّز أهلنا ... الينا وامّا أن نؤوب معاويا
أجمّرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنّيتنا حتّى مللنا الامانيا
معاوى للحبس المحجّر قد أتى ... له سنتان فى خراسان ناويا
معاوى كم ذى زوجة قد تركته ... ومن ذى أخ لا يرجونّ التّلاقيا
وان لا تدع تجميرنا عن نسائنا ... نعد لك أيّاما تشيب النّواصيا
وكان عمر رضى الله عنه يجمر الجيش، حتى سمع امرأة تنشد ليلا وهو الذى أخبرناه أبو احمد عن أبى روق عن الرياشى عن أيوب بن الحسن الهاشمى عن ابن أبى أويس عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر ليلة فسمع امرأة تقول:
(1/414)

تطاول هذا اللّيل وأسودّ جانبه ... وأرّقنى أن لا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله لا شىء غيره ... لحرّك من هذا السّرير جوانبه
ولكنّنى أخشى الإله وأتّقيه ... واحفظ بعلى أن تنال مراكبه
فسأل حفصة- رضى الله عنها-، كم تصبر المرأة على زوجها؟
فقالت: أربعة أشهر أو ستة أشهر- شك مالك- فقال: لا أحبس جيشا أكثر من هذا.
والتجمير فى غير هذا الموضع رمى الجمار. قال الشاعر:
ولم أر كالتّجمير موقف ساعة ... ببطن منى ترمى جمار المحصّب
وتبدى الحصى منها اذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب
والإجمار السرعة فى السير، ويقال لليلة قبل السرار: ليلة جمير، ويقال: جمرت المرأة شعرها اذا ضفرته وتجمر القوم اذا صار لهم بأس، وخف مجمر أى مجتمع، وأجمر حيله جعلها جملة، والجمرات من العرب عبس وضبة ونمير والحارث.
أول من طبخ الآجر هامان
قالوا: وهو قوله تعالى فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً
«1» والصرح القصر. ولمح بعضهم بأبيات فيها ذكر هامان، وتشييد
(1/415)

الصرح، وهو قوله:
ان كان فى آية لله معتبر ... فأنت معتبر فى كلّ انسان
جسم نحيف وأنف قد صفا عظما ... كأنّه جبل فى رأس ثعبان
لو كان فرعون اذ رام السّماء سما ... فيه لأعياه عن تشييد هامان
ومثله فى المبالغة قول الاعشى: واستغفر الله منه.
لا ترى جسمها مع الأنف الّا ... بدليل وسمعة ومنادى
لا تلمنى ربّ العباد فما ... كنت إلا سخريّة للعباد
وقال آخر:
فلو جعلت امامى ... ودنت دين اليهود
لكان حصنى ممّا ... أخاف أنف سعيد
وكان أخفى لشخصى ... عن العدوّ الحسود
من خندق دون حصن ... عليه بابا حديد
أول من غير سنة آل ساسان يزدجرد الاثيم
سمى أثيما لكثرة مقابحه، كانت ملوك الفرس يتوخون المعدلة والانصاف، ويزيحون أسباب الظلم والعدوان فى جميع متصرفاتهم، وينصرون المظلوم وان كان دنيا على الظالم وان كان شريفا، ويقولون: اذا لم يكن الملك منصفا عادلا فهو لص متغلب، حتى ولى يزدجرد الاثيم فأزال هذه وقال: ليس على الرعية أن تعترض على الراعى فى شىء مما يريده، وليس للرعية أن تشكوه، وتنكر شيئا من أمره.
(1/416)

وكان ذات يوم واقفا فى جنده، فأقبل فرس من أحسن ما يكون من الخيل، عليه سرج ولجام، ولم ير أحسن منه، فتبادر القوم نحوه، فكل من قرب منه رمحه، «1» وهو فى ذلك يؤم «2» يزدجر، فقال: دعوه فانه يريدنى، وتقدم اليه وأخذ بلجامه ومسحه، وانقاد له الفرس، فبينما هو يدور به، ويمسحه، رمحه فأصاب قلبه، فمات من وقته، فقالت الفرس:
ذلك الملك الموكل بالعدل، لما كثر من يزدجرد الجور بعثه الله اليه فقتله.
أول من جعل للضيف صدر المجلس
بهرام جور وهو أول من سماه مهمان، ومعناه عظيم وذكر فى مفاخرات العرب والعجم عربيا وفارسيا تفاخرا، فغلب العربى الفارسى فى كل خصلة ذكراها، حتى ذكر القرى والضيافة فقال الفارسى: لنا فى ذلك ما ليس للعرب، نحن نسمى الضيف مهمان أى عظيمنا أو كبيرنا، فنجعل أنفسنا نضافة إليه، وانتم تسمونه الضيف، فتجعلونه مضافا اليكم، فغلب الفارسى العربى فى هذه الخصلة.
أول من وضع الخراج
وقالوا: أول من وضع الخراج وأزال المقاسمة أنو شروان، مر بغلة يتناول منها صبى شيئا وأمه تمنعه فقال: لم تمنعينه؟ فقالت: ان فيها حقا للملك، فلا نستحلها لأنفسنا حتى نؤدى حقه فيها، فقال: قذ ضيقنا على الناس، لو أخذنا عن كل غلة شيئا معلوما، وخلينا بينها وبين صاحبها كان أمثل، فجمع وزراءه ليوافقهم على استبداء الخراج وترك المقاسمة، فقام بعض
(1/417)

الكتاب فقال: أيها الملك! أعيذك بالله أن تضع ما يبقى على ما يفنى! فقال للكتاب: أقتلوه، فقاموا اليه بالدوى، «1» فضربوه حتى قتلوه، وهو أول من قتل بالدوى.
أول من مسح الأرض
وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: اول من مسح الارضين، ووضع الدواوين وجدد الخراج، ووظف على البلاد، قباذ، فصير لذلك ديوانا بحلوان سماه ديوان العدل، وكان كل شىء يجبى من مملكة الفرس عشر مرات مائة ألف ألف «2» مثقال، وكان الملك اذا أخذ نصف الجباية، وترك النصف للناس، كان الناس متماسكين- ليست بهم سعة ولا ضيق- فان أخذ أكثر من النصف أضر ذلك بهم بقدر أخذه، فحباهم قباذ ستمائة ألف ألف، وذلك تسعمائة ألف ألف درهم، «3» فأضر ذلك بالناس وكان العراق يجبى أيام أنو شروان ستمائة ألف ألف مثقال.
وأما أبرويز فانه أحرز فى بيوت الأموال تسعة آلاف ألف، «4» وترك فى أيدى الناس فى المملكة مائة ألف ألف فهلك الناس، حتى كانت الجارية تقام فتباع بدرهم.
(1/418)

أول ما عمل القورج «1»
لما عمل كسرى القاطول «2» ، انقطع الشرب على أهل السافل فخرجوا يتظلمون اليه، فوافقوه فى متنزه له راكبا، فقالوا: أيها الملك! جئنا متظلمين منك، فنزل وجلس على التراب وقال: لا أبرح حتى أزيل ظلامتكم، فذكروا قصتهم فأمر بسد القاطول فقالوا: لا نجشم الملك فى ذلك، ولكن تجعل لنا ماء يجرى الينا من فوق القاطول، فأمر بعمل قورج أجرى فيها الماء اليهم، فكان أول ما عرف القورج.
(1/419)

الباب العاشر فى ذكر أنواع مختلفة من أحاديث جاءت عن العرب والعجم قصر على نوع منها أن يعقد له باب وفى ذكر أشياء عثرت بها بعد نظم أبواب الكتاب فجمعتها فى هذا الباب.
(1/421)

أول شىء بناه الله تعالى
قال العتبى: وجدت فى التوراة أول شىء بناه الله تعالى السماء.
أول قرية بنيت على الارض
قرية يقال لها: ثمانين، بناها نوح- عليه السلام- وجعل لكل رجل ممن معه بيتا وكانوا ثمانين فهى الى اليوم تسمى ثمانين.
أول بيت بنى الكعبة
قال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
«1» وبكة موضع البيت، ومكة اسم البلد.
أول من خاط الثياب ولبسها ادريس
وكانوا يلبسون الجلود، وهو أول من خط بالقلم على ما قالوا والله أعلم.
أول من عملت له النورة سليمان (عليه السلام)
كذا قيل، والنورة عربية صحيحة.
أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أضل الكذاب ناقة، فاتهم بنى عميرة، فتجوع لهم، ليتشوه «2» على ماء لهم، فلما كان يوم ورودها تعرى ثم رجز:
لهمّ ان كانت بنو عميره ... رهط الثّلاث هذه مقصوره
قد حشدوا الغدرة مذكوره ... وأصبحوا كأنّهم قاروره «3»
(1/423)

من ابل وغنم كثيره ... فابعث عليهم سنة قاشورة «1»
تحتلق المال احتلاق النوّره «2»
فقالوا: كم ثمن ناقتك؟ قال: ثلاثون درهما فأعطوه اياها.
التشوة: ان يقف الرجل بحذاء ابل يريد ان يصيبها بالعين، فيقول:
ما أحسنها ما أسمنها، والتجوع تفعل من الجوع، وعندهم أنه اذا جاع كان ذلك أنكى فيها، ومن أحسن ما شبه به النورة اذا طلى بها قول بعض المحدثين:
ومجرّد الابواب أسلم نفسه ... لمجرّد يكسوه مالا ينسج
ثوب تمزّقه الانامل رقّة ... ويزيله الماء الزّلال فيبهج
فكأنّه لمّا بدا فى خضرة ... نصفان ذا عاج وذا قيروزج «3»
أول من عمل الصابون سليمان (عليه السلام)
والصابون اسم أعجمى، وان كان موافقا لبعض أبنية العرب مثل ياعور وساجور.
أول من عمل القراطيس
وقالوا: اول من عمل القراطيس يوسف (عليه السلام) والقرطاس عربى وكانت الاغراض «4» تعمل من القراطيس، فسمى الغرض قرطاسا، ويقال
(1/424)

قرطست اذا أصبت القرطاس، وهو الغرض، ومن بديع ما جاء فى ذلك قول أبى تمام:
قرطست عشرا فى مؤذّنة ... فى مثلها من سرعة الطّلب
ولقد أرانى لو وقفت يدى ... شهرين أرمى الارض لم أصب
أول من ركب الخيل إسماعيل (عليه السلام)
وكانت الخيل قبل ذلك وحشا، فأخذها وصنعها، فأنست وتعلم ولده صنعتها منه، فبقى علمه فيهم، ولهذا اختصت العرب بالمعرفة بها، وهى مما يتمدح بارتباطها، قال النبى:- عليه الصلاة والسلام- «الغنم بركة، والإبل جمال، والخيل معقود فى نواصيها الخير الى يوم القيامة» وقال فى أنثاها: «ظهورها حرز، وبطونها كنز» وقال: «خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة» والسكة السطر من النخل، والمأمورة المصلحة المعلمة، قال الأسعر الجعفى يصف الخيل:
ولقد علمت على توقّى الرّدى ... أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فاصطلى «1»
وهذا أحسن ما قيل فى اصطفاف الخيل، والعرب تفتخر باتخاذ الخيل والابل، وتذم الغنم، على ان النبى- صلّى الله عليه وسلم- قال: «السكينة فى أهل الغنم، والخيلاء فى أهل الخيل والابل، وفى الفدادين أهل الوبر، والحكمة يمانية» الفداد الخافى الصوت.
وقيل لابنة الخس: ما تقولين فى مائة من الابل؟ قالت: منى. قيل فمائة
(1/425)

من المعز؟ قالت: قنا قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: عنا. «1» قيل: فمائة من الخيل؟ قالت: لا تحس ولا ترى. قيل. فمائة من الحمير؟ قالت: أخزى الله الحمير من مال! فى ظهره دبرة، وفى بطنه كمره، قموص الحنجرة، «2» ان أرسلته ولى وان ربطته أدلى.
أول شعر قيل فى الإسلام قول ضرار بن الخطاب
أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد قال: أول شعر قيل فى الإسلام قول ضرار بن الخطاب الفهرى:
تداركت سعدا عنوة فأسرته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا
فلو نلته طلّت «3» دماء جراحه ... وكانت حراما ان تطلّ وتهدرا
قوله: تداركت سعدا، يعنى سعد بن عباده، والمذر هو ابن عمرو من الخزرج، كانا من الانصار الذين بايعوا رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- ليلة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلا، فلما نفر الناس من منى، خرجت قريش فى طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو كلاهما، ثم أعجزهم المنذر، وأخذوا سعدا، فربطوا يديه الى عنقه، ودخلوا به مكة يضربونه ويجذبونه بحمية.
قال سعد: فانى لفى أيديهم اذا طلع رجال من قريش، فيهم رجل مضىء شعشاع «4» حلو، فقلت فى نفسى: ان كان عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى، رفع يده فلطمنى لطمة شديدة. فقلت فى نفسى: ما عندهم بعد
(1/426)

هذا خير، واذا هو سهيل ابن عمرو، ثم هتفت بجبير بن مطعم، والحارث بن أمية ابن عبد شمس فجاء فخلصانى، فقال ضرار هذا الشعر، فأجابه حسان.
ولست الى سعد ولا المرء منذر ... اذا ما مطايا القوم أصبحن ضمّرا
وانّك واستبضاعك «1» الشّعر نحونا ... كمستبضع تمرا الى أرض خيبرا
أول جيش خرج من المدينة بعد وفاة الرسول- صلّى الله عليه وسلم- جيش أسامة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
لما كان يوم الاثنين لثلاث بقين من صفر سنة احدى عشرة ضم رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- جيشا الى أسامة، فيهم أبو بكر وعمر والزبير، وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم من المهاجرين الاولين وكان لاسامة ثمانية عشر عاما، فتكلم الناس، فخرج رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- عاصبا رأسه فخطبهم، وقرظ «2» أسامة، وذكر حسن منزلته عنده، فسكنوا وخرج أسامة فعسكر فى الجرف، على فرسخ من المدينة، ورسول الله- صلّى الله عليه وسلم- مريض، فاستأذنه أسامة أن يقيم إلى أن يعافى، فلم يأمره ولم ينهه، ثم توفى رسول الله وبويع أبو أبكر- رضى الله عنه-، فخلف أسامة عمر والزبير وأبا عبيدة، وسار الجيش حتى أغار على بلاد الشام، وكان ذهابه ومجيئه أربعين يوما، وقيل سبعين يوما، وكان سعد يلقى أسامة بعد ذلك فيسلم عليه بالامرة، فهذا هو الاصل فى التسليم بالامرة والوزارة والقضاء على المعروفين من هذه الأعمال.
(1/427)

أول يوم انتصفت فيه العرب يوم ذى قار
ويسمى يوم ذى قار، ويوم ذات العجوم، ويوم البطحاء، ويوم الجبانات، «1» ويوم ذى الحنو، ويوم قراقر، وكان حديثه أن النعمان بن المنذر قتل عدى بن زيد، وكان فى تراجمة كسرى، فقام ابنه زيد بن عدى مقامه، فما زال يفسد على النعمان عند كسرى أبرويز حتى تنكر له، وأمره بالوفود عليه، فاستودع النعمان حلقه ونعمه هانىء بن مسعود الشيبانى، ورحل الى كسرى، فقتله، واستعمل أياس بن قبيصة على الحيرة، وأمره أن يضم ما كان للنعمان فيبعث به إليه، فبعث إلى هانىء، أن أرسل بودائع النعمان الى، فلم يجبه الى ذلك.
وغضب كسرى، وأظهر أنه مستأصل بكر بن وائل، وقال له النعمان بن زرعة التغلبى: أمهلهم حتى يقيظوا، «2» فانهم اذا قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له: ذو قار، فتأخذهم كيف شئت، فلما نزل بكر بن وائل ذاقار أرسل اليهم النعمان ابن زرعة أن اختاروا احدى ثلاث: اما ان تعطوا بأيديكم فيحكم الملك فيكم كيف يشاء، وإما أن تخلوا الديار، وإما أن تأذنوا بحرب، فتآمروا وولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلى فقال لهم: إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وان هربتم قتلكم العطش، فتلقاكم تميم فتهلككم، فليس لكم الا الحرب.
فبعث كسرى هامرزا التسترى، وكان على أسلحته بالقطقطان «3» وإلى والى جلايزين- وكان ببارق- «4» فانضما الى اياس ابن قبيصة، وأمر قيس بن مسعود- وكان استعمله على الطف «5» - بالانضمام اليهم، فاجتمعوا بصحراء
(1/428)

ذى قار فانفتل مسعود بن قيس ليلا، فأتى هانىء بن مسعود وقال: أعط قومك سلاح النعمان، ففعل ذلك.
فلما دنا الجمعان قال هانىء: يا معشر بكر! لا طاقة لنا بجنود كسرى، ومن معه من العرب، فاركبوا الفلاة فتسارع الناس الى ذلك، وردهم حنظلة بن ثعلبة، وقطع وضن الهوادج «1» لئلا يستطيعوا سوق نسائهم فسمى مقطع الوضن، ونادت نساء بكر، أتدعوننا للقلف وتنصرفون؟ «2» فحمى الرجال وقطع سبعمائة منهم أيدى أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب بالسيوف، فجالوا وضرب حنظلة على نفسه قبة، وقال: والله لا أفر حتى تفر القبة، فرجع أكثر الناس، واستقوا لنصف شهر، والتقوا فعطشت الفرس، فهربت الى الجبانات، فتبعتهم عجل، فقاتلوا فى الجبانات، فعطشوا فمالوا الى بطحاء ذى قار، فأرسلت اياد- وهى مع الفرس- الى بكر بن وائل سرا أنا ننهزم اذا التقيتم، وقويت نفوس بكر وكمنوا كمينا، وباكروهم فالتقوا فقال حنظلة:
قد جدّ أشياعكم فجدّوا ... ما علّتى وأنا مؤد «3» جلد
والقوس فيها وتر عردّ ... مثل ذراع البكر أو أشدّ
(1/429)

قد جعلت أخبار قومى تبدو ... انّ المنايا ليس منها بدّ «1»
وقال أيضا:
من فرّ منكم فرّ عن حريمه ... وجاره الأدنى وعن نديمه «2»
أنا ابن سيّار على شكيمه ... انّ الشّراك قدّ من أديمه
وكلّهم يجرى على قديمه
ونادى هامرز بردا، فقال برد «3» بن حارثة اليشكرى: ما تقول؟ قيل:
رجل يدعو الى المبارزة. قال: وأبيكم قد أنصف. وبرز له برد فقتله. وقال حنظلة: يا قوم! لا تقفوا لهم فيسبغوكم النشاب، فحملت ميسرة بكر وميمنتها على الفرس وخرج الكمين من ورائهم، وفشل اياس بن قبيصة وهو فى القلب، وولت اياد منهزمة فانهزمت الفرس فقتلوا ما بين بطحاء ذى قار حتى بلغوا الراحضة، «4» وقتل حنظلة بن ثعلبة والى حلايزين، وأسر النعمان ابن زرعة «5» وقال:
(1/430)

رجعت بنعمان بن زرعة مردفا ... على سابح يهدى الرّعيل المقدّما «1»
وأبكت عيون من زهير وأشللت ... كنانة فى يوم من السّر أقتما
ثم من عليه فخلى عنه.
وقال بكير أصم بنى الحارث
ان كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقى على كرم بنى همّام
ضربوا بنى الاحرار يوم لقوهمو ... بالمشرفىّ على مقيل الهام «2»
وقال الأغلب العجلى:
قد علموا يوم خنّابزين ... إن مالت الاحياء مقبلينا
وطارت الجفون وانقضينا ... أنّا بنى عجل ان التقينا
ندفع عنّا حدّ من يلينا ... الغمرات ثمّ تنجلينا
عنّا ونيران تأخّرينا
قال العديل بن فرج العجلى:
وما يعدّو من يوم سمعت به ... فى النّاس أفضل من يوم بذى قار
(1/431)

وقال الاخطل:
هلّا لقيتم معدّا كلّ معضلة ... كما لقينا معداّ يوم ذى قار
وروى عن النبى- صلّى الله عليه وسلم- أنه قال: «اليوم ينتصف العرب من العجم» فنظروا فإذا هو يوم ذى قار.
أول من علم المثمنات من الجوارى الغناء ابراهيم الموصلى
أخبرنا أبو القاسم بن سيران- رحمه الله تعالى- عن شيخ له عن عمر بن شبة قال: حدثنى اسحاق قال: لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسناء الغناء، وانما كانوا يعملون الصفر والسود، وأول من علمهن أبى، فبلغن كل مبلغ، وأول من بلغ فيهن الثمن الوافر أمان جارية قرين النحاس، بلغت مائة ألف درهم، وكان ابن أبى عيينة يهواها فقال لابى:
قلت لمّا رأيت أمان ... قد طغى سومه بها طغيانا
لا جزى الله الموصلىّ أبا اسحاق عنّا خيرا ولا احسانا جاء من موصل بوحى من الشّيطان أغلى به علينا القيانا «1» من غناء كأنه سكرات الموت يصبى القلوب والآذانا وقال ابن سيابة:
يا أبا اسحاق قد نفّقت أسواق القيان ... وجعلت القينة الشّوهاء فى حدّ الحسان
(1/432)

بأغانيك الّتى يروينها ... خير الاغانى
كم شقى بك فيهنّ ... ومفتون وعانى
ما لابراهيم فى العل ... م بهذا الشّأن ثانى
انّما عمر أبى اس ... حاق زين للزّمان
جنّة الدّنيا أبو اس ... حاق فى كلّ زمانى «1»
قال ابراهيم: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: هب لى درهما فان الخليفة قد حبس يده عنا فقال: ما عندى ما أرضاه لك، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ومعه خمسون الف دينار يشترى لنا بها، ثم قال:
ما فعلت ضيا جاريتك؟ قلت: هى عندى قال: أقول له: يشتريها منك، فلا تنقصها عن خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه وانصرفت.
فبكر على رسول صاحب اليمن، ومعه صديق لى، فقال جاريتك ضيا فأخرجتها، واستتممت بها خمسين ألف دينار، فقال: هل لك فى ثلاثين ألف دينار مسلمة؟ قال: وكان شراؤها على أربعمائة دينار، وأخذنى زمع «2» لما سمعت ذكر ثلاثين ألف دينار، وخفت أن يحدث عليها أو على المشترى أو على الفضل حادثة فيفوتنى ذلك، فسلمتها اليه وأخذت المال، وبكرت على الفضل، فلما نظر الى ضحك وقال: يا ضيق الحوصلة! حرمت نفسك من عشرين ألف دينار، فقلت له: دعنى والله! لقد دخلنى شىء أعجز عن وصفه، فبادرت بقبول المال.
فقال: لا ضير! يا غلام! هات الجارية، فجىء بها على حالها، فقال خذها، انما أردت نفعك، فلما نهضت قال: ان صاحب أرمينية «3» قد جاءنا فقضينا حوائجه، ونفد ما كتبه، ومعه ثلاثون ألف دينار يشترى لنا بها ما نريد،
(1/433)

فاعرض عليه جاريتك، ولا تنقصها عن ثلاثين ألف دينار، فانصرفت، وبكر على صاحب أرمينية، فساومنى الجارية، فقلت: لا أنقصها عن ثلاثين ألف دينار، فقال: معى على الباب عشرون ألف دينار مسلمة، خذها، فدخلنى- والله- مثل الذى دخلنى فى المرة الاولى، وخفت مثل خوفى الاول، فسلمتها اليه، وأخذت المال، وجئت الفضل فقال: ويلك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، وضحك وضرب برجله، فقلت: خفت والله ما خفت فى المرة الأولى، قال: جاريته يا غلام! فجىء بها، فقال خذها، ما أردنا الا منفعتك، فقلت: أشهدك- جعلت فداءك- أنها حرة، وأنى قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، قد كسبت لى فى يومين خمسين ألف دينار، فما جزاؤها الا هذا.
أول من غنى من الأنصار
رجل يقال له: أحمد النّصبىّ الهمدانى من أهل الكوفة كان يغنى فى أشعار أعشى همدان، وكانا ينتجعان «1» بشعره (هذا يقوله) وهذا يغنى به، ثم خرجا مع عبد الرحمن بن الاشعث، فقتلا، وترك النصب «2» فلم يذكر حتى أعادة جحظة، فأبدع فيها، وأعجب الناس بها وأخذوها عنه، والنصب ضرب من النشيد، والنشيد على ثلاثة أضرب: أولها الاستهلال وهو أن يكون النشيد فى بعض البيت الاول، ثم يكون باقى البيت مبسوطا، والضرب الثانى أن يكون فى بيت تام، وربما كان فى بيتين، والتشبيه قد يتكرر فى الشعر مرتين، فيكون البيت الاول نشيدا، والثانى نشيطا، والثالث نشيدا أيضا، والنسب «3» ان يكون النشيد فى عدة أبيات، قال: ولا يكون الا على الطنبور «4» .
(1/434)

أول من قصد القصائد مهلهل
يقول الفرزدق: (ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل) وهو خال امرىء القيس، واسمه عدى بن ربيعة، وأسر يوم قضة، وهو آخر أيام بكر وتغلب، وكان على تغلب فأسره الحارث بن عباد- وهو لا يعرفه- فقال له: تدلنى على عدى بن ربيعة- المهلهل- وأنت آمن، فقال له المهلهل: ان دللتك عليه فلى دمى؟ قال: نعم. قال: فأنا عدى بن ربيعة، فجز ناصيته وخلاه، وقال:
لهف نفسى على عدىّ ولم ... أعرف عديّا اذ أمكنتنى اليدان
ثم خرج مهلهل فلحق باليمن، فنزل فى جنب فخطب اليه رجل منهم ابنته فقال: انى غريب طريد فيكم، وان أنكحتكم قال الناس: اقتسروه فأكرهوه حتى زوجها، وكان المهر أدما فقال:
أنكحها فقدها الاراقم فى ... جنب وكان الحباء من أدم «1»
لو تأتّى من جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم «2»
ثم انحدر، فأسره عوف بن مالك بن ضبيعة فمات فى اساره.
(1/435)

أول من أطال الرجز الاغلب
وقيل العجاج أخبرنا أبو احمد عن الشطبى قال: حدثنا محمد بن احمد ابن الحسن قال: حدثنا أبو اسحاق السبيعى قال: ذكروا الرجز والرحاب فقالوا: كان الرجز يقول منه الرجل فى الجاهلية فى الحرب واذا خاصم او شاتم او فاخر يقول: البيتين أو الثلاثة ونحو ذلك، فكان العجاج أول من رفع الرجز وشرفه، وفتح أبوابه، وشبهه بالشعر، فجعل له اوائل وتشبيه، ووصف فيه الديار وأهلها وذكر ما فيها، وذكر الرسوم «1» والقلوب، ونعت الابل والطلول «2» وكان يشبه العجاج بامرىء القيس، وفى أول الاسلام كانوا يقولون العجاج وابنه رؤبة، ثم اختلفوا، فقال تميم: أولهم العجاج ثم حميد الارقط ثم رؤبة وقالت ربيعة أولهم الاغلب ثم أبو النجم ثم العجاج، واحتجت بقول العجاج: (انّى أنا الاغلب حيا قد نشر) ، قالوا: وانما قال حكيم بن متعة من بنى تميم.
قالوا: وأرجز الرجز ثلاث أرجوزات، ليس فى الجاهلية والاسلام، أمدح من أرجوزة العجاج (قد جبر الدّين الاله فجبر) .
ولا أرجوزة فى وصف رام وقانص وحمير رجز من أرجز رؤبة (وقائم الاعماق خاوى المخترق) . ولا أرجوزة فى وصف الابل ورعاتها ورعيها أرجز من أرجوزة أبى النجم (الحمد لله الوهوب المجزل) وقد فضلت هذه الاراجيز لانها جمعت جودة مع طول.
أول من وقف على الديار وأبكى واستبكى امرؤ القيس بن حجر
وقالوا: امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام، وأياه عنى امرؤ القيس بن حجر فى قوله:
(1/436)

يا صاحبىّ قفا النّواعج «1» ساعة ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حمام
وقال ابن حذام، وانشدوا لامرىء القيس:
عوجا على الطّلل المحيل «2» لعلّنا ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حزام
وامرؤ القيس اول من قال: (دع ذا) فى الخروج عن النسيب الى المديح وغيره، وأول من شبه الخيل بالعصا واللقوة «3» والسباع والطير، (واول من شبه النساء بالظبى، وأول من شبه بشبهين فى بيت واحد وهو قوله:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى «4»
واول من شبه الحمار بمقلاة الوليد- وهو عود يضرب بالقلة يلعب بها الصبى- وأول من شبه بكرّ الاندرى،- وهو الحبل- وهو أول من شبه الطلل بالوحى وبالزنبور فى العسب.
أول من خاطب بأطال الله بقاءك عمر بن الخطاب
حدث على بن حرب الموصلى يرفعه الى عبيد بن رفاعة عن أبيه قال:
جلس على- عليه السلام- والزبير وسعد فى جماعة الى عمر- رضى الله عنهم أجمعين- فتذاكروا العزل «5» فقال: لا بأس به فقال رجل: أنتم تزعمون انه الموءودة الصغرى، فقال على- رضى الله عنه-: لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ولحما ثم خلقا آخر، فقال عمر صدقت- أطال الله بقاءك- فجرى من يومئذ.
(1/437)

أول من كتب فى آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان أبى بن كعب
وهو أول من كتب لرسول الله- صلّى الله عليه وسلم- حين قدم المدينه.
أول من قال: جعلت فداءك عبد الله بن عمر
قال يونس بن عمران: ذكر رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- الفتنة، او ذكرت له فقال: اذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، «1» وضعفت أمانتهم، واختلفوا فصاروا هكذا- وشبك بين أصابعه- فقال ابن عمر: جعلت فداءك يا رسول الله! فكيف أصنع؟ قال: الزم بيتك، وعليك بما تعرفه، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع العامة.
وقالوا: أول من قالها على- رضى الله عنه- لما دعا عمرو ابن عبدود العامرى الى البراز يوم الخندق فلم يجبه أحد، فقال على- رضى الله عنه- جعلت فداك يا رسول الله! أتأذن لى؟ قال: انه عمرو بن ود فقال: وأنا على ابن أبى طالب، فخرج اليه فقتله.
وأما من أشار الى هذه اللفظة فأخذها الناس منه حاتم الطائى وهو يقول:
اذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... بموت فكن أنت الّذى تتأخّر
أول من أجرى على العميان والزمنى وأقام طعمة «شهر رمضان الوليد بن عبد الملك» أول من طرد الخيل طرفة
فقال:
فقل لخيّال الحنظليّة ينقلب ... اليها فإنّى واصل حبل من وصل
فتتبعه جرير فقال:
(1/438)

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعى بسلام
قال أبو هلال: وهذا باب ان أوردناه احتجنا الى افراد كتاب له.
أول من خرج اللطيف وعقد المعانى مسلم بن الوليد
قال بعضهم: هو أول من أفسد الشعر، وجاء بالفن الذى سماه الناس بالبديع، ثم جاء بعده الطائى، فتخير فيه وليس ذلك عندنا كذلك، انما تلك طريقة تستظرف، ومسلك يستطرف، وكيف يقال لمثل قوله:
أجررت حبل خليع فى الصّبا غزل ... وشمّرت همم العذّال فى عذل
ولقوله فيها:
موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى الى أمل «1»
يكسو السّيوف نفوس النّاكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل «2»
ولمثل قوله:
يجود بالنّفس ان ضنّ الجواد بها ... والجود بالنّفس أقصى غاية الجود
وقوله:
وانىّ وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل «3»
(1/439)

فان أغش قوما بعده أو ازورهم «1» ... فكالوحش يدنيها من الانس المحل
كيف يقال لهذا القول انه فاسد، لا يقول ذلك الا من لا علم له بجواهر الكلام:
أول من رثى نفسه يزيد
وهو ابن حذاق العبدى، وشعره اول شعر قيل فى ذم الدنيا.
هل للفتى من بنات الدّهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من راق
قد رحّلونى وما رحّلت من سغب ... والبسونى ثيابا غير أخلاقى
ورفّعونى وقالوا: أيّما رجل ... وأدرجونى كأنّى طىّ مخراق «2»
وارسلوا فتية من خيرهم نسبا ... ليسندوا فى ضريح التّرب أطباقى «3»
وأقسموا المال وأرفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم: مات ابن حذّاق
هوّن عليك ولا تولع باشفاق ... فانّما مالنا للوارث الباقى
كأنّنى قد رمانى الدّهر من غرض ... بنا فذات بلا ريش وأفواق «4»
(1/440)

أول من قال أيدك الله عمر بن الخطاب
قال عمر- رضى الله عنه- ذلك، لعلى بن أبى طالب- رضى الله عنه-
أول أطم «1» بنى بالطائف
أخبرنا أبو احمد قال: حدثنا الجلودى قال: حدثنا المغيرة ابن محمد قال: حدثنا ابراهيم بن محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا العتبى عن أبيه قال:
خرج أبو سفيان بن حرب وركب من قريش وثقيف يريدون بلاد كسرى بتجارة لهم، فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان، فقال: انا فى مسيرنا هذا لعلى خطر، قدومنا على ملك لم يأذن لنا بالقدوم عليه، وليس لنا بمتجر، فأيكم يذهب بالعير، فان أصيب فنحن براء من دمه، وان يغنم فله نصف الربح،؟
فقال غيلان بن سلمة الثقفى: أنا أمضى بالعير، فقال:
فلو رآنى أبو غيلان اذ حسرت ... عنّى الامور بأمر ماله طبق
لقال رغب ورهب أنت بينهما ... حبّ الحياة وهول النّفس والشّفق
امّا مسيف على مجد ومكرمة ... او أسوة لك فيمن يهلك الورق «2»
وخرج بالعير، وكان أبيض طويلا جعدا، فتخلق ولبس ثوبين أصفرين، وشهر نفسه، وقعد بباب كسرى، حتى أذن له فدخل عليه، وشباك من ذهب بينه وبينه، فقال له الترجمان: يقول لك الملك: ما أدخلك بابى بغير اذنى؟
(1/441)

فقال: لست من أهل عداوة أكن جاسوسا، وانما حملت تجارة، فان أردتها فهى لك، وأن كرهتها رددتها، قال: وانه ليتكلم اذا سمع صوت كسرى، فخر ساجدا فقال له الترجمان: يقول لك الملك: ما أسجدك؟ فقال: سمعت صوتا مرتفعا حيث لا ترفع الاصواب، فظننته صوت الملك، فسجدت، فشكر ذلك له، وأمر له بمرفقة توضع تحته، فرأى فيها صورة الملك، فوضعها على رأسه، فقال له الحاجب: الملك يقول لك: إنما بعثنا بها اليك لتقعد عليها، فقال: قد علمت، ولكنى رأيت عليها صورة الملك، فوضعتها على أكرم أعضائى، فقال له: ما طعامك فى بلادك؟ قال: الخبز. قال: هذا عقل الخبز، ثم اشترى منه التجارة بأضعاف أثمانها، وبعث معه من بنى له أطما بالطائف، فكان أول أطم بنى بالطائف.
قال أبو هلال- أيده الله-: فى هذا الخبر دليل على ان الامر الذى عقده نوفل بن عبد مناف بين العرب والفرس، كان قد انقضى.
قال: وهذا آخر ما خرج الينا من الاوائل وان خرج شىء آخر ألحقناه به وبالله التوفيق. وفرغنا من أملائه يوم الأربعاء لأربع عشرة خلت من شعبان، سنة خمسة وتسعين وثلاثمائة وحسبنا الله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الاكرمين وسلم.
(1/442)

خاتمة
وهذا آخر ما توفقت اليه، ويعلم الله أنى لم أضن بجهد، ولم أقصر فيما تمكنت منه، راجيا المعذرة عما يجده القارىء من تقصير فى التعليق، فقد بذلت أقصى الجهد، مع قلة المراجع، وضيق الوقت.
وقد فرغت من التعليق عليه صباح يوم الأحد 28 من شهر ذى القعدة سنة 1385 هـ. الموافق 20 من شهر مارس سنة 1966 م.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الاكرمين، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.
المدينة المنورة 28 من ذى القعدة سنة 1385 هـ.
20 من مارس سنة 1966 م.
(1/443)