Advertisement

البيزرة



الكتاب: البيزرة
المؤلف: بازيار العزيز بالله نزار الفاطمي، يظن أنه أبو عبد الله الحسن بن الحسين (المتوفى: ق 4هـ)
نظر فيه وعلق عليه: محمد كرد علي
الناشر: مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له في كل لطيف من قدرته معجز يتفكر فيه، وخفي من صنعه يتنبه (له) ويدل عليه، ونعم تقتضي مواصلة حمده، ومنن تحثّ على متابعة شكره، والذي ميز كل نوع من حيوان خلقه على حدته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه مركبه؛ ويسُّره للأمر الذي خلق له، ويؤديه إلى مصلحته وقوام جسمه، وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً، وأتمه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، كذوات الأوبار التي جعلت لها وقاء وكسوة، تلزمها ولا تعدمها، فإنا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه، ونفارقه إذا استغنينا عنه، وكذوات الحد والشوكة من صدف ومخلب، فأن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة، وكذوات الحافر والخف والظلف، فأن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به، وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينةً وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً، فبعض نمتطيه، وبعض نقتنيه، وبعض نغتذيه، وأحل لنا صيد البر والبحر والهواء، نقتنص الوحش من كناسها، ونحطها من معاقلها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. ولم يكلنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عضدنا عليه، وسهل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصلها من آلة الخلقة، وسلاح البنية، وقبول التأديب والتضرية، والانطباع على الأكف والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها،
(1/17)

وموقع الانتفاع بها، كل الفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين والصقر وسائر الجوارح كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب، وعلينا كادح. وبمصلحتنا عائد، نستوزعه جل جلاله الشكر على ما منحناه من هذه الموهبة، وفضلنا به من هذه التكرمة، إلى ما نقصر عن تعداده، ونعجز عن الإحاطة به، من عوائد كرمه، وفوائد قسمه، ونرغب إليه جل جلال في العون على طاعته ومقابلة إحسانه باستحقاقه. وصلى الله على محمد نبيه الصادق الأمين البشير النذير، وعلى آله الطيبين الأخيار، وسلم تسليماً، وعلى الأئمة من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب حتى تنتهي إلى العزيز بالله أمير المؤمنين فتشمله ونسله إلى يوم الدين.
إن للصيد فضائل جمة، وملاذ ممتعة، ومحاسن بيّنة، وخصائص في ظلف النفس ونزاهتها، وجلالة المكاسب وطيبها كثيرة، به يستفاد في النشاط والأريحية، والمنافع الظاهرة والباطنة، والمران والرياضة والخفوف والحركة، وانبعاث الشهوة، واتساع الخطوة، وخفة الركاب، وأمن من الأوصاب مع ما فيه من الآداب البارعة، والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة، والأخبار المأثورة، ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه، وتفصيله وتبويبه، في هذا الكتاب المترجم بكتاب البيزرة، على مبلغ حفظنا، ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا، وينتظم لنا، اتباعاً فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعاً فيما أغفله من تقدمنا ممن يدعيه، ونحن مقدّمون ذكر الأبواب التي تشتمل على ذلك، ليأتي كل باب منها في معناه، وبالله الحول والقوة ومنه عز وجل التوفيق والمعونة.
(1/18)

باب من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ومن الأشراف.
باب تمرين الخيل بالصيد والضراءة وجرأة الفارس على ركوبها باقتحام العقاب، وتسنم الهضاب، والحدور والانصباب.
باب ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير.
باب فضائل الصيد وأنه لا يكاد يحب الصيد ويؤثره إلا رجلان متباينان في الحال، متقاربان في علو الهمة، إما ملك ذو ثروة، أو زهد ذو قناعة، وكلاهما يرمي إليه من طريق الهمة، إما لما تداوله الملوك من الطلب، وحب الغلبة والظفر، وموقع ذلك من نفوسهم، أو للطرب واللذة والابتهاج بظاهر العتاد والعدة. والفقير الزاهد لظلف نفسه عن دنيّ المكاسب، ورغبتها عن مصرع المطالب وحقنه ماء وجهه عن غضاضة المهن، وتقاضي أجرة العمل، فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما يكفيه، ويتصدق بما يفضل عنه، توقياً من المعاملة والمبايعة، ومنهم من يبيع ما فضل عن قوته، ويعود بثمنه في سائر مصلحته. وكانت هذه حال الخليل بن أحمد الفرهودي مع فضله وأدبه وكمال علمه وآلاته، في بازي كان يقتنص به، ويوسد خده لبنةً، وكان جلة الناس في عصره يجتذبونه، ويعرضون عليه المشاركة في أحوالهم فلا يثنيه ذلك من مذهبه، فأحد من كاتبه سليمان بن علي الهاشمي فكتب الخليل بن أحمد إليه:
أبلغ سليمانَ أني عنه في سَعةٍ ... وفي غنىً غير أني لستُ ذا مالِ
شحا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هُزلاً ولا يبقى على حالِ
(1/19)

وقلما رأيت صائداً إلا تبينت فيه من سيما القناعة، وعلامة الزهد والصيانة، ما لا تتبينه في غيره من سائر المخالطين للناس، ولا تكاد تسمع منه ولا عنه ما تسمعه من سائرهم وعنهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في التفسير قال: إنما سمي أصحاب المسيح الحواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقال أرسطا طاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد ثم البناء ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلاً سقط إلى بلدة ليس بها أنيس ولا زرع لم تكن له همة إلا حفظ جسمه ونفسه بالغذاء الذي به قوامه، فليس يفكر إلا فيما يصيده، فإذا صاد واغتذى فليس يفكر بعد ذلك إلا فيما يستظل به ويستكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن ههنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ.
قال أبو العباس السفاح لأبي دلامة: سل؟ فقال: كلباً، قال: ويلك، وماذا تصنع بالكلب؟ قال: قلت: سل، والكلب حاجتي، قال: هو لك، قال: ودابة تكون للصيد، قال: ودابة، قال: وغلام يركبها ويتصيد عليها، قال: وغلام، قال: وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا، قال: وجارية، قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال لا بد من دار، قال: ودار، قال: ولا بد من غلة وضيعة لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة، قال: وما
(1/20)

الغامرة؟ قال: لا نبات فيها، قال: أنا أُقطعك خمس مائة جريب في فيافي بني أسد، قال: فقد جعلنا لك المائتين عامرة، بقي لك شيء؟ قال: أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، قال: ما منعت عيالي شيئاً أهون من فقداً من هذا.
وقيل لبعض من كان مدمناً على الصيد من حكماء الملوك، أنك قد أدمنت هذا وهو خير الملاهي وفيه مشغلة عن مهم الأمور ومراعاة الملك. فقال: إن للملك في مداومة الصيد حظوظاً كثيرة أقلها تبينه في أصحابه مواقع العمارة من بلاده في النقصان والزيادة فيه، فأن رأى من ذلك ما يسره بعثه الاغتباط على الزيادة فيه وأن رأى ما ينكره جرد عنايته له ووفرها على تلافيه، فلم يستتر منه خلل، ورأس الملك العمارة، ولم يخرج ملك لصيد فرجع بغير فائدة، أما دوابه فيمرنها ويكف من غرب جماحها، وأما شهوته فينسئها، وأما فضول بدنه فيذيبها، وأما مراود مفاصله فيسلسها، وأما أن يكون قد طويت عنه حال مظلوم فيتمكن من لقائه، ويبوح إليه بظلامته، فيسلم من مأثمه. وأما أن ينكفئ بصيد يتفاءل بالظفر به إلى خصال كثيرة لا يخيل ما فيها من الربح.
وقيل للزاهد المشغوف بالصيد: لو التمست معاشاً غير هذا، فقال: ادن لا أحد مثله، أن هذا معاش يجدي عليَّ من حيث لا أعامل فيه أحداً وأنفرد به من الجملة وأسلم فيه من الفتنة، وألتمسه في الخلوات والفلوات، وهي مواضع أهل السياحة ومظان أولي العبادة، وقلمَّا خلوت من حيوان عجيب في خلقه، لطيف فيما يلهمه الله من احتيال رزقه، يحدث لي فكره في عظيم قدرة الله جل وعزّ على تصاريف الصور،
(1/21)

واختلاف التراكيب، تعجباً من مذاهب الوحش والطير، في مساعيها لمعاشها، وتمحلها لأقواتها وما يلحقها حين تقع في الأشراك، وترتبك في الحبائل، من الحتوف التي تنصبها لها الأطماع، ويسوقها إليها الحرص، فأنا من ذلك بين متبلّغ للدنيا، ومتأهب للآخرة.
وهذا كتاب كليلة ودمنة المتعارف عليه بين الحكماء فضله، المشتملة على الآداب جمله وفصوله، ذكر واضعه أنه حكمة ألفها، وجعلها على ألسنة الطير والوحش، للطف مواقعها من النفوس، بمقارنة الشكل الحيواني، وإذا كانت كذلك كانت بالقلوب أمس، من الحفظ أقرب، وإذا كان لذكرها والحكاية عنها هذا الموضع، فما ظنك بمشاهدتها ومطاردتها والظفر بما امتنع على الطالب منها.
وكانت ملوك الأعاجم تجمع أصنافها، (من الحيوان في حظائر) وتدخل أصاغر أولادها عليها وتعرّفها صنفاً صنفاً منها، كي لا (ينسبوا إلى الجهل) إذا كبروا ولم يكونوا رأوها في صغرهم، فرأوا شيئاً منها غريباً سألوا عنه.
وأشرف الغذاء الذي تحفظ به الأعضاء وما شاكلها، وليس شيء أشبه بها، وأسرع استحالة إليها من اللحم، وأفضل اللُّحمان ما استدعته الشهوة، وتقبلته الطبيعة بقوة عليه، ولا لحم أسرع انهضاماً، وأخص بالشهوة موقعاً، من لحم الصيد المطرود المكدود، لأن ذلك ينضجه ويهريه ويسقط عن الطبيعة بعض المؤونة في طبخه، وقد قام في النفس من العشق له، والتهالك عليه، والتشوف إليه، ما لم يقم فيها لغيره من المطاعم، فإذا وافى الأعضاء وقد تقدمت له هذه المقدمات، أحالته ذ
(1/22)

بالقبول في أسرع زمان. وإن كان الحيوان غليظاً عكست هذه الأسباب طبعه، ونفت ضرره، وقمعت كيموسه، وربما أُكل اللطيف الخفيف على تعنف وتكره، فكان إلى أن يأخذ من الأعضاء أقرب من أن تأخذ منه الأعضاء، وتأول الرواة معنى امرئ القيس في قوله:
ربّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مخرجٍ كفيَّه من ستره
فأتته الوحش واردةً ... فتمتَّى النزعَ من يسره
فرماها في فرائصها ... من إزاء الحوض أو عقره
مطعَمٌ للصيد ليس له ... غيرها كسبٌ على كبره
على المدح بادمان الصيد، ويمن الطائر فيه، واستثناؤه بقوله على كبره زائد عندهم في المدح لوصفه أنه يتكلف من ذلك مع قدح السن وأخذها منه شيئاً لا يعجزه مع هذه الحال، ولا يلحقه فيها ما يعرض للمسن من الفتور والكلال، وبنو ثعل بنو عمه لأنهم فخذ من طيء، وكندة فخذ من مُرة، ومرة أخو طيء، فلم يرد غير المدح. وهذا الرامي عمرو الثعلي، وكان من أرمى الناس وفيه قيل:
ليت الغراب رمى حمامة قلبه ... عمرو بأسهمه التي لم تلغب
وفي أبيات امرئ القيس هذه أدب من أدب الصيد ولطائف حيله، وهو قوله: فتمتى النزع من يسره، وتمتى وتمطى واحد، أبدلت التاء من الطاء وفي تمتى معنيان: أحدهما الاعتماد والتوسط من قولهم حصلته في متي كمى فتمتاه بمعنى تعمد متاه، والآخر بمعنى إبدال التاء من الطاء يريد التمطي، وهو
(1/23)

أن مريدي الصيد بالرمي يتمطى بيساره نحو الأرض مرات حتى يؤنس الطريدة، فتألف ذلك منه ولا تذعر له، ثم حينئذ يستغرق نزعه، ويمضي سهمه. ولا يزال امرؤ القيس في كثير من شعره يفخر بالصيد وأكل لحمه، كقوله مع عراقته في الملك:
تظلُّ طهاةُ اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجّلِ
وسماه لذة واكتفى بذلك من أن يذكر الصيد لعلمهم بذلك واشتهاره فيهم وقدره عندهم فقال:
كأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخالِ
ومن فضائله ما فيه من التبرز على ركوب الخيل صعوداً وحدوراً وكرّاً وانكفاءً وتعطفاً وانثناءً، وذلك كما قدمنا زائد في الفروسية، ملين من المعاطف، مسلس من المراود، محلل لكوامن الفضول، مثبت للركبة، منسيء للشهوة، مؤمن من العلل المزمنة.
وقال بعض الحكماء: قلما يعمش ناظر زهرة، أو يزمن مريغ طريدة، يعني بذلك من أدمن الحركة في الصيد، ونظر البساتين، فاستمتع طرفه بنضرتها، وأنيق منظرها، وليس يكبر الملك الرئيس العظيم الوقور إذا أثيرت الطريدة أن يستخف نفسه في ارغتها، ويستحضر فرسه في أثرها، ويترجل عنه في المواضع التي لا يقتحم الفرس مثلها.
وحكي عن عظماء الأكاسرة من ذلك ما هو مشهور في سيرهم، وعن الخلفاء الراشدين ما نذكره في باب من أغري به منهم، ومنها ما يسنح فيه من النشاط والأريحية، لا سيما مع الظفر، ودرك البغية، فأن المرء
(1/24)

يكون في تلك الحال أطرب منه عند سماع شائق الألحان، وتشاجي النغم من ذوي الإحسان، وربما قويت النفس حينئذ، وانبسطت الحرارة الغريزية فعملت في كوامن العلل.
أخبرني غير واحد ممن شاهد مثل ذلك أنه رأى من غدا إلى الصيد، وهو يجد صداعاً مزمناً، فطفر فعرض له رعاف حلَّل ما كان في رأسه، وآخر كانت به سلعة يجبن عن بطِّها، قويت عليها الطبيعة فانبطت. وآخر كان في بدنه جرح مندمل على نصل سهم، فبدر ذلك النصل، في وقت احداد حركته وتكامل أريحيته، وربما عكس ما يعرض له من ذلك ذميم حالاته، فآلت إلى ضدها من الخيرية، حتى يتشجع، وإن كان جباناً، ويجود وإن كان بخيلاً، وينطلق وجهه وإن كان عبوساً.
أخبرني بعض الأدباء عن رجل من الشعراء قصد بعض الكبراء. فتعذر عليه ما أمله عنده، وحال بينه وبينه الحجاب، وكان آلفاً للصيد مغرىً به، فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف، فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدة من الظباء والأرانب والثعالب، وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها، وآذان بعض، وراعى خروجه إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها، فلما ظفر بها واستبشر، ورأى تلك الرقاع، ووقف عليها، زاد في طربه، واستطرف الرجل واستلطفه، وتنبه على رعي ذمامه، وأمر بطلبه فأحضر، ونال منه خيراً كثيراً.
(1/25)

ومن شأن النفس أن تتبع ما عزها، وبعد من إدراكها، فإذا ظفرت بما هذه سبيله بعد إعمالها الحيلة فيه، كان استمتاعها بالظفر به أكثر منه بما وقع عليها فتيسر، وانقياد لها متسمحاً.
وهذا شبيه بما تأوله يحيى بن خالد البرمكي في توصيته ولده، بتقديم العدات أمام الهبات، فأنه قال لهم: إن الموعد إذا تخيل فصدق، وانتظر فطرق، وأستنجح فأنجح، أمتع من مفاجأة البرّ.
ولو أن محاول حرب، أو مقارع جيش، هلك عدوه قبل مكافحته إياه حتف أنفه، أو انفلَّ جيشه من سوء تدبيره فانصرف، أو جاءه ضاعاً طالباً لأمانه، لما كان مقدار السرور بذلك كمقداره لو نازله فقهره، أو بارزه فأسره. وهذا بين في الملاعب بالشطرنج فأن أحذق الاثنين بها وأعلمهما بتدبيرها إذا تبين التفاوت بينه وبين الآخر، ورآه متتابع الخطأ، عميّاً عن الاحتراز، متورطاً في الاغترار، مفرقاً عدده، مستهيناً لفنائه وتناقصه، محتملاً للطرح، لم يلتذ بملاعبته، ولم يحل له قمره.
ولو أن ملكاً يهدى له في كل يوم عدد كثير من أصناف الوحش والطير، لم يبلغ فرحه بذلك جزءاً واحداً من اغتباطه بقنبرة ضئيلة يدأب في صيدها، أو عكرشة هزيلة يظفر بها، وكم من جواد رائع يضن بظهره على أحب أولاده إليه قد قتله بازياره، ولو أن الصيد أمكن مريغه في أول إثارته لنقص ذلك من لذته، وقدح في موقعه.
وقال بعض المحدثين:
لولا طراد الصيد لم يك لذة ... فتَطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى يصيب غليلا
وأخذ هذا محمد بن الوزير الحافظ الغساني فكساه لفظاً حسناً في كلمة له يعتذر فيها من تأخير هدية:
(1/26)

يفَديك خلٌّ إذا هتف به ... جرت مجاري لسانه يدُهُ
أخَّر ما عنده لتطلبه ... ولذة الصيد حين تطرده
وقال بعض الكتاب يستعفي رئيساً من برٍّ بعث إليه:
قد جاءت الورق التي وقرتها ... والريم والسرج المُحَّلى والفرس
والبغلة السفواء والخلع التي ... كانت كعرض2ك ليس فيه من دنس
في ريحها أرج يضوع كأنه ... من عود مَحْتِدِكَ الكريمِ المغترس
والضوء يلمع في الظلام كأنه ... من نور وجهك أو ذكائك يُقْتَبس
لكن أبت لي أن أروح واغتدي ... كلاً على الأخوان أخلاقي الشُّمس
لا أستلذ العيش لم أدأب له ... طلباً وسعياً في الهواجر والغلس
وأرى حراماً أن يواتيني الغنى ... حتى يحاوَل بالعناء ويُلتمَس
فاحبس نوالك عن أخيك موفراً ... فالليث ليس يُسيغ إلا ما افترس
ومن فضل العلم بالصيد والعادة له ما حكاه لي أبي عن اسحق (بن) إبراهيم بن السندي، عن عبد الملك بن صالح الهاشمي، عن خالد بن برمك، أنه كان نظر، وهو مع صالح الهاشمي صاحب المصلَّى وغيره من رجال الدعوة، وهو على سطح قرية نازل مع قحطبة حين فصلوا من خرسان، وبينهم وبين عدوهم مسيرة أيام إلى أقاطيع ظباء مقبلة من البر، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: ناد في
(1/27)

الناس بالإسراج والإلجام، وأخذ الأهبة، فتشوف قحطبة فلم ير شيئاً يروعه. فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال: أما ترى الوحش قد أقبلت؟ إن وراءها لجمعاً يكشفها فما تمالك الناس أن يتأهبوا حتى رأوا الطليعة، ولولا علم خالد بالصيد لكان ذلك العسكر قد اصطلم.
وعذل بعض أبناء الملوك في الاستهتار بالصيد، والشغف به، وقيل له أنه هزل وكان أديباً فقال:
ربما أغندو إلى الصيد معي ... فتية هزلُهمُ في الصيد جِدْ
ألفوا الحرب فلما ظفروا ... فتحامَلوا أن يعاديهم أحد
واستقام الناس طراً لهمُ ... فغدوا ليس يرى فيهم أود
وتقاضت عادة الحرب وما ... جمعوه من عتاد وعُدد
وجدوا في الصيد منها شبهاً ... فابتغوها في معاناة الطرد
لترى عادتهم جارية ... لهم باقية لا تفتقد
ولما شهد أبو علقمة المُريّ عن د سوار أو غيره من القضاة وقف في قبول شهادته، فقال له أبو علقمة: لم وقفت في إجازة شهادتي؟ قال: بلغني أنك تلعب بالكلاب والصقور، قال: من خبرك أني ألعب بها فقد أبطل، وإن كان بلغك أني أصطاد بها فقد صدق من أبلغك، وأني أخبرك أني جاد في الاصطياد بها، غير هازل ولا لاعب، فهل وقف مبلغك على الفرق بين الجد واللعب؟ قال: ما وقف ولا أوقفته عليه، وأجاز شهادته.
(1/28)

ومن فضائل الصيد أنه كان الملك من ملوك فارس إذا حمل على ركوب الصيد دفع أصحابه ركابه سوطه إلى بطانته وهم خاصته، ودفعته الخاصة إلى الخدم وأدخله الخدم إلى موضع نسائه، فناولته إياه امرأة ثيب، وخرج من عندها وهو بيده، فأما في أوقات ركوبه إلى سائر المواضع غير الصيد والحرب، فيتناول السوط من حيث يركب منه.
وكانت الجوارح تنتصب على كنادرها من ناحية وساده نحو رأسه، والضواري وهي الكلاب والفهود وبنات عرس من ناحية ممد رجليه، والخيل أمامه أو عن يمينه، وكل من شهد معه الصيد حاش عليه العانة والسرب حتى يكون المكل يتصيدها، ويتصيدوا هم سائر الوحش والسباع، ما لم ينهوا عن ذلك، ولم يكن يرى أن يخلو سمعه من زقاء جارح ونباح صار وصهيل الخيل، والحان القيان، وطنين الأوثار.
وكانت لبهرام شوبين حظية مفتنة في جميع الآداب، فاقترحت عليه حضور الصيد معه، شغفاً منها به، ونزاعاً إلى مشاهدة الطرد، فأجابها إلى ذلك، فبينا هي معه إذ عن لهما سرب ظباء، وكان بهرام شوبين من جودة الرمي على ما لم يكن عليه سائر الملوك، فقال لها: أراك مشغوفة بالصيد، مرتاحة إليه، فكيف تحبين أن أرمي هذه الظباء، فقالت أريد أن تجعل ذكورها إناثاً وإناثها ذكوراً، ففهم كلامها، وقدر أنها توهمت عليه العجز عما التمسته منه، وأنها حاولت أن تبين من نقصه
(1/29)

فتفت في عضده عند من حضره من أهل مملكته، فقال: ما سألت شططاً، ثم رمى التيوس من الظباء فألقى قرونها فصارت كالإناث، وجعل يرمي كل واحدة من الإناث بسهمين، فيثبتهما في موضع القرنين، فتعود كأنها تيس، فلما تم له ذلك على ما طلبته منه عطف عليها فقتلها، خوفاً من أن تسومه بعد ذلك بفضل همتها وقريحتها، خطةً يقصر عنها فتفضحه.
وذكر الأصمعي عن الحرث بن مصرف قال: ساب رجلاً بحضرة بعض الملوك، فقال: أيها الملك أنه قتال ظباء، طلاب إماء، مشاء بإقراء، أقعر الآليتين، مقبل النعلين، أفحج الفخذين، مفجح الساقين، فقال له أردت أن تذمه فمدحته.
الإقراء جمع قري وهو مسيل نهر، وأقعر الآليتين ممتلئهما، مفجح الفخذين متباعد هذه من هذه، وهذا المصرف يضرب مثلاً في طلاب الأمر عليه، وتقسم رأيه في مناجزتهم، فيجعل نفسه كلب صيد، ويجعلهم ظباء فيقول:
تفرقت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد
فيقال إنه من شعره ويقال إنه تمثل به.
ووقف بعض الملوك بصومعة حكيم من الرهبان فناداه فاستجاب له فقال له: ما اللذة؟ فقال له: كبائر اللذات أربع، فعن أيها تسأل؟ فقال: صفهن لي، قال: هل تصيدت قط؟ قال: لا، قال فهل لك حظ في السماع والشرب؟ قال: لا، قال: فهل فاخرت ففخرت أو كاثرت فكثرت؟ قال: لا، قال: فما بقي لك من اللذات؟
(1/30)

وللصيد لذة مشتركة موجودة في طباع الأمم، وكأنها في سكان البدو والأطراف أقوى لمصاقبتهم الوحش ومنازلتهم إياها، فلا تزال تراهم لها ذاكرين، وبها متمثلين، ومنها طاعمين، حتى أن نساءهم ليتصيدن على الخيل، ذكر ذلك بعض الرواة فقال: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وإذا هم يتذاكرون العُذريين وعشقهم وصبابتهم فقال عمر: أحدثكم بعض ذلك، أنه كان لي خليل من بني عُذرة وكان مستهتراً بحديث النساء والصبوة إليهن وينشد فيهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم في كل سنة فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار وتوكفت له السُّفار حتى يقدم، فذا قدم تحدثنا حديث عاشقين صبين محزونين، وأنه التاث عليّ ذات سنة خبره، حتى قدم وافد عذرة، فأتيت القوم انشد عن صاحبي، فإذا غلام يتنفس الصعداء ثم قال: اعن أبي المسهر تسأل؟ قلت عنه نشدت، وإياه أردت، قال: هيهات هيهات، أصبح والله أبو المسهر لا مأيوساً منه فيهمل ولا مرجواً فيعلل، أصبح والله كما قال الشاعر:
لعمرك ما حبي لأسماء تاركي ... صحيحاً ولا اقضي بها فأموت
قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهالككما في الضلال، وجركما أذيال الخسار كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار، قلت: من أنت يا ابن أخي؟ قال: أنا أخوه، قلت: أما والله ما يمنعك أن تركب
(1/31)

طريق أخيك، وتسلك مسلكه إلا أنك وإياه كالواشي والنجاد لا يرقعك ولا ترقعه ثم انطلقت وأنا أقول:
ارائحةُ حجّاجُ عذرةُ غُدوةً ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما يقل اسمع وأن نقلت يسمع
ألا ليت شعري أي شيء أصابه ... فبي زفرات هجن من بين أضلعي
فلا يبعدنك الله خلاً فأنني ... سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي
فلما حججت وقفت في الموضع الذي كنت أنا وهو نقف فيه من عرفات، فإذا إنسان قد اقبل، وقد تغير لونه وساءت هيئته، فما عرفته إلا بناقته، فأقبل حتى خلف بين اعناقهما واعتنقني، وجعل يبكي، فقلت ما الذي دهاك؟ فقال: برح العذل، طول المطل، ثم أنشأ يقول:
لئن كانت غديَّة ذات لب ... لقد علمت بأن الحب داء
ألم تر ويحها تغيير جسمي ... وأني لا يزايلني البكاء
وأني لو تكلفت الذي بي ... لعف الكَلمْ وأنكشف الغطاء
فإن معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصبابة واللقاء
إذا العذريُّ مات بحتف انف ... فذاك العبد يبكيه الرشاء
(1/32)

فقلت: أبا المهر أنها لساعة عظيمة، وأنك في جميع من أقطار الأرض فلو دعوت كنت قَمِناً أن تظفر بحاجتك، وأن تنصر على عدوك، فدعا حتى إذا دنت الشمس للغروب وهم الناس بالإفاضة همهم بشيءٍ وأصخت له مستمعاً فجعل يقول:
يا رب كل غدوة وروحهْ ... من مُحرم يشكو الضحى وللوحه
أنت حسيب الخطب يوم الدوحه
قلت: وما (يوم) الدوحة؟ قال لي أخبرك إن شاء الله. إني برجل ذو مال ونعم وشاءٍ، وأني خشيت على إبلي التلف، فأتيت أخوالي كلباً، فأوسعوا لي عن صدر المجلس، وسقوني جمة الماء، وكنت فيهم خير أخوال حتى هممت بموافقة مالي بماء لهم يقال له الحرارات. فركبت فرسي، وعلقت معي شراباً كان أهداه إلي بعض الكلبيين فانطلقت حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم، رفعت لي دوحة عظيمة فقلت: لو نزلت فقعت تحت الشجرة، ثم تروحت مبرداً فنزلت، وشددت
(1/33)

فرسي بغصن من أغصانها، ثم جلست تحتها، إذا رجل يطرد مسحلاً واتاناً، فلما قرب مني إذا عليه درع صفراء، وعمامة خز سوداء، وإذا شعرته تنال فروع كتفيه، فقلت في نفسي غلام حديث عهد بعرس، اعجلته لذة الصيد، فنسي ثوبه وأخذ ثوب امرأته، فما لبث أن لحق المسحل فصرعه ثم ثنى طعنة للأتان، وأقبل وهو يقول:
نطعنهم سُلكى ومخلوجة ... كَرّك لامَيْنِ على نابل
فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت فلو نزلت، فثنى رجله ونزل، فشد فرسه بغصن من أغصان الشجرة، ثم جلس معي فجعل يحدثني حديثاً ذكرت قول الشاعر:
وإن حديثاً منك لو تبذلينه ... جَنى النحل في إعجاز عوذ مطافل
فبينا هو كذاك إذ نكت بالسوط على ثنيتيه فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط وقلت: مه فقال: ولم؟ قلت أخاف أن تكسرهما أنهما رقيقتان قال: وهل عذبتان ثم رفع عقيرته يتغنى:
إذا قَبَّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجرا
فإن زاد زاد الله في حسناته ... مثاقيل يمحو الله عنه بها الوِزرا
(1/34)

ثم قال ما هذا الذي تعلقته؟ قلت: شراب هل لك فيه؟ قال: ما أكره منه شيئاً. ثم نظرت إلى عينيه كأنهما مهاة قد أضلت ولداً، وذعرها قانص، فعلم نظري فرفع عقيرته يتغنى:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فقلت: من أين لك هذا الشعر؟ فقال: وقع رجل منا نحو اليمامة فهو الذي أنشدنيه، ثم ملت لأصلح شيئاً من أمر فرسي فرجعت وقد حسر العمامة عن رأسه فإذا هو أحسن الناس وجهاً، فقلت: سبحانك اللهم! ما أعظم قدرتك، وأحسن صنعتك، قال: وكيف قلت ذلك؟ قلت: لما راعني من نور وجهك، وبهرني من جمالك، قال: وما الذي يروعك من زرق الدواب، وحبيس التراب، ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أو يبتئس. قلت: بل لا يصنع الله بك إلا خيراً إن شاء الله، ثم قام إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة من الدرع فإذا ثدي كأنه حق فقلت: نشدتك الله أنت رجل أو امرأة؟ فقال أني والله امرأة تكره العهر وتحب العزل، قلت: وأنا والله كذلك، فجلست تحدثني ما أفقد من أنسها شيئاً، حتى مالت على الدوحة سكراً، فاستحسنت والله يا ابن أبي ربيعة الغدر، وزُين في عيني، ثم أن الله عصمني فجلست منها حجرة فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها رأسها وأخذت الرمح، وحالت في متن فرسها، فقلت لها: ولما تزوديني منك زاداً، فأعطتني بنانها فشممت منها والله كالسياب الممطور ثم قلت: أين الموعد؟
(1/35)

قالت إن لي أخوة شرساً، وأباً غيوراً، ولأن أسرك أحب إلي من أن أضرك، ثم مضت فكان والله آخر العهد منها إلى يومي هذا. فهي والله التي بلغتني هذا المبلغ. قلت: والله يا أبا مسهر ما استحسن الغدر إلا بك، فاخضلت لحيته بدموعه باكياً، قلت: والله ما قلت لك إلا مازحاً، ودخلتني له رقة فما انقضى الموسم، شددت على ناقتي، وحملت غلاماً على بعير وجعلت عليه قبة آدم حمراء، كانت لأبي عبد الله، وأخذت معي ألف دينار ومطرف خز ثم خرجنا حتى أتينا كلباً، فإذا الشيخ أبو الجارية في نادي قومه، فأتيته فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام من أنت؟ فانتسبت له فقال: المعروف غير المنكر، ما الذي جاء بك! قلت: جئتك خاطباً؟ قال: أنت الكفي لا يرغب عن حسبه، والرجل لا يرد عن حاجته. قلت: إني لم آتك في نفسي، وإن كنت موضع الرغبة ولكن لابن أختكم العذري، فقال: والله أنه لكفيّ الحسب، كريم المنصب. غير أن بناتي لا يقعن إلا في هذا الحي من قريش، قال: فعرف الجزع في وجهي، فقال: أما أنا فأصنع بك ما لا أصنعه بغيرك، أخيرها فهي وما اختارت، فقلت: والله ما أنصفتني، فقال: وكيف ذلك؟ قلت: تختار لغيري. ووليت الخيار لي غيرك، فأومى إليّ صاحبي أن دعه يخيرها، فأرسل إليها بالخيار، وقال: رأيك؟ فقالت ما كنت لأستبد برأي دون رأي القرشي وما أختار، قال: قد صيرت إليك الأمر قال: فحمدت الله جل ذكره، وصليت على محمد صلى الله عليه وقلت: قد زوجتها الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذا الألف دينار، وجعلت
(1/36)

تكرمتها العبد والبعير والقبة، وكسوت الشيخ المطرف الخزّ، ولم أبرح حتى بنى عليها وانصرفت أقول:
كفيتُ أخي العذري ما كان نابه ... ومثلي لأثقال النوائب يحمل
وربما ألث السحاب وجرت الأودية، وتتابع السيل، وثلجت الصحراء حتى يعم ذلك معاقل الأروى. وكناس الظباء، ومرابض المها، ومفاحص القطا، ومساالك الطير من الهواء، فتلجأ الصوار والسرب والعانة والرعيل والرف إلى العمارة فتؤخذ قبضاً وتكون حالها في استملامها وضعف من يقدر عليها في تلك الصورة كقول علي بن الجهم في وصف غيث:
وحتى رأينا الطير في جنباتها ... تكاد أكف الغانيات تصيدها
ولا يكون لصيدها ذلك الموقع، على أن ناساً قد أمكنهم مثل ذلك فرأوا تركه، وقالوا إنما لجأت إلينا، وعادت بجوارنا فنؤمنها ولا نروعها، ولا نجور عليها، وفعل مثل ذلك مجير الجراد، وأسمه حارثة بن حنبل من طيء، وكان الجراد قد وقع في أرضه فبدأ بالوقوع حول خبائه، فخرج أهل الحي ليصيدوه، فركب فرسه وأشرع إليهم صدر قناته،
(1/37)

وقال ما كنت لأمكّنكم من جاري، وفخر بذلك قومه، فقال هلال بن معاوية التَّغلبي:
ومنا الكريم أبو حنبل ... أجار من الناس رِجْل الجراد
وزيد لنا والنا حاتم ... غياث الورى في السنين الشداد
وفعل مثله رجل من بني عبد الله بن كلاب يقال له همَّام وبات بأرض خلاء ليس معه أحد، فأوقد ناراً وكان صاد صيداً، فلما رأى الذئب النار أتاها، وذلك من شأنه إذا رأى النار، فلما قرب الذئب منه وهو غَرْثان أقبل يتقرش ما يرميه همَّام من العظام ولا يراه، فلما تبينه رمى إليه بقية صيده ولم يرعه، وأنشأ يقول:
يا رب ذئب باسل مقدامِ ... منجرد في الليل والإظلامِ
عاود أكل الشاء والأنعامِ ... قد ضافني في الليل ذي التمامِ
في ليلة دانية الارزامِ ... يقرش ما ألقي من العظامِ
فبات في أمني وفي ذمامي ... مستدفئاً من لهب الضرامِ
آثرته بالقسم من طعامي ... ولا يخف نبلي ولا سهامي
ولو أتى غيري من الأقوامِ ... من اللئام لا من الكرامِ
إذن للاقى عاجل اِلحمام
وأخبرني من وثقت بصدقه عن رجل من جلَّة أهل همذان، أن الثلج كثر في ضياعه حتى لجأت إليها عانات كثيرة، فأخذها وكلاؤها ولم يحدثوا فيها حدثاً، وكتبوا إليه بخبرها، فكتب إليهم أن أقيموا لها قضيماً
(1/38)

وعلفاً إلى أن ينحسر الثلج، فإذا انحسر الثلج فخلوا سبيلها، واحموها حتى تصل إلى ابعد موضع من العمارة ففعلوا ذلك.
وتلجأ أيضاً إلى الأنس والعمارة إذا أجدبت السنة وعدمت الكلأ، وذكر هذا المعنى إبراهيم الموصلي في قوله يرثي أخاه إسماعيل بن جامع المغني فقال:
وإني وإسماعيل يوم فراقهِ ... لِكالغمد يوم الروع فارقه النصلُ
فإن اغْشَ قوماً بعده أو ازُرْهُم ... فكالوحشِ يدنيها من الأنُسِ المحلُ
يذكرُنيك الخيرُ والشرُّ والتقى ... وقول الخنا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فألقاك عن مذمومها متنزهاً ... وألقاك في محمودها ولك الفضلُ
وقد زعم قوم أن هذا الشعر لمسلم بن الوليد الأنصاري. ومثله لآخر:
تخرّم الدهرُ إشكالي فأفردني ... منهم وكنتُ أراهم خيرَ جُلاّسِ
وصرتُ اصحبُ قوماً لا إشاكلهم ... والوحشُ تأنسُ عند المحل بالناسِ
وأخبرني مخبر عن أبي العباس بن الداية عن المعتصم أنه أوغل يوماً في الصيد وحده، فبصر بقانص يصيد ظباءً فاستدناه وقال: حدثني اعجب ما رأيت في صيدك فقال: خربقت المشارع التي تردها الظباء، فلما شمت الخربق صدرت عطاشاً، ثم عات من غدٍ، فانصرفت أيضاً عطاشاً، ثم عادت في اليوم الثالث بأجمعها، فلما جهدها العطش رفعت رؤوسها إلى السماء فأتاها الغيث فما انصرفت حتى رويت وخاضت في الماء.
وذكرت العلماء بطبائع الحيوان أن الوحش ربما انحازت إلى العمران عن مواضعها من الجبال والبر في الفصل الذي يتصل بفصل الشتاء فيستدل بذلك أهل البلدان على قوة شتاء تلك السنة وشدة برده وثلجه، لأنها تحس في الجبال بتغير الهواء، وبردٍ شديدٍ، فتستدل بذلك على ما بعده من قوة البرد، وتخاف الهلاك فتلجأ إلى العمارة.
(1/39)

باب من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف
إسماعيل بن إبراهيم النبي صلى الله عليهما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وقد رتب الأنصار فنصب خمسين رجلاً منهم في وادٍ وقال ارموا يا بني إسماعيل فقد كان أبوكم رامياً، وكان إسماعيل عليه السلام مولعاً بالقنص محباً له، متعباً نفسه فيه، مباشراً لعمل آلات الرمي، ولقد قصده أبوه إبراهيم عليه السلام زائراً لينظر إليه فلم يجده بمحله لشغله بالقنص.
وحمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وكان من النجدة على ما خصه الله عز وجل به، حتى قيل له أسد الله، وكان إسلامه عند منصرفه من صيد، وعلى يده صقر، وجاء في الحديث أن حمزة كان صاحب قنص فرجع يوماً من صيده فقالت له امرأة كانت رأت ما نال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من أذى أبي جهل: يا أبا عُمارة لو رأيت ما صنع أبو الحكم اليوم بابن أخيك، فمضى على حاله، وهو متعلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد، فألفى أبا جهل فعلا رأسه بقوسه فشجه، ثم قال حمزة: ديني دين محمد أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعدي بن حاتم طيء وعنه الأحاديث المأثورة في محرم الصيد ومحلله لأنه كان يكثر مسألة النبي صلى الله عليه عما يعانيه من ذلك.
وقال بعض من عُذل في مداومة الصيد:
عذلتني على الطراد وقبلي ... حمزة من اراغة الصيد راحا
كاسراً صقرُه عليه ظباءً ... سانحاتٍ كفى عليها الجناحا
فابتغى ملة النبي وقد كا ... ن رأى فيه قبل ذلك جِماحا
(1/40)

ورمى هامة اللعين أبي جه ... ل بقوس فشجه إيضاحا
وعدي بن حاتم اسمح الخل ... ق إلى الصيد لم يزل مرتاحا
إنما الصيد همة ونشاطٌ ... يُعقب الجسمَ صحة وصلاحا
ورجاء ينال فيه سروراً ... حين يلقى إصابة ونجاحا
ومن خلفاء بني العباس كان أبو العباس السفاح شديد اللهج بالصيد، ناشئاً ومكتهلا، ومن أخباره أنه خرج يوماً متنزهاً نحو الخورنق في يوم من أيام الربيع، ومعه دهم من أهل بيته، وجماعة من خاصته ومواليه فبسط هناك ودعا بغدائه وحضر مائدته عمومته وأبو جعفر المنصور. فبينما هم كذلك يتضاحكون ويأكلون، إذ طلع عليهم أعرابي فوقف بازائهم فسلَّم عليهم بإشارة، فأشار إليه أبو العباس فاستدناه فدنا وقرب منه، فقال له: ادن فأصب من طعامنا فجثا على ركبتيه بعد أن سلم فأكل أكل جائع منهوم مقرور، فلما انتهى اقبل على أبي العباس فقال: بأبي أنت وأمي يا حسن الوجه، انتسب إليّ أعرفك، فتبسم، ثم قال: رجل من اليمن من عبد المدان، قال: أنت والله شريف، ولكني أشرف منك، قال أبو العباس: فانتسب إليه أعرفك، قال: بيت قيس من بني عامر. قال أبو العباس: شريف إلا أنني اشرف منك، قال: كلاّ ما بنو الحرث أشرف من بني عامر إلا أن تكون عارضتني في نسبك، قال: ما عارضتك وأنهم لأحد طرفيّ، قال: فممَّنْ أنت؟ قال: من بني هاشم، قال: رهط رسول الله صلى الله عليه، قال: نعم قال: شريفٌ والله الذي لا إله إلا هو، فما قرابة ما بينك وبين هذا الملك، يعني أبا العباس،
(1/41)

قال: قريبه. قال: بأبي أنت وأمي أهو الحُمَيْمي؟ قال: هو هو قال: فاكتم عليّ حديثاً أحدّث به عنه، قال: أكتم عليك، قال: رأيته وهو غليّم يقعد يرمي في غرض بالحُميْمَة، فيجمع بين نبله في مثل راحتي هذه، ثم ينصرف عن غرضه، فيمر بالطائر فيصرعه بسهمه فما يملك حتى يذبحه بسيفه، ويقطعه ويضرم ناراً أو يستعير نار مَلَّة قد أأضرمرميهما أضرمها أهلها لغدائهم فيرمي بصيده عليها، ويرمي بطرفه إليها لئلا يغلبه أحد على ما فيها، ثم يأكله نتفاً بريشه، مع شظية من لحمه، حتى يأتي على ما فيه ما يشركه فيه عشير ولا خليل. فصاح به داود بن علي: اسكت فض الله ناجذك، إنما تخاطب أمير المؤمنين. فقال أبو العباس لداود: يا عم ما هذه المعاشرة؟ رجل تكلم عن الأنس والانبساط، وقد تحرم بنا، ولزمنا ذمامه، فأرعبته، وأوهنت متنه، وقطعت حديثه، تكلم يا فتى! فلما سمع ما قال داود قال: وكنت أرى في هذا الفتى أمارات خير تدل على أنه سيملك ما بين لابتيها قال وما هي قال: لينُ الجانب، والصفح عن الجاهل، والبذل للنائل، مع مركبّه الكريم، وموضعه من النبوة، فضحك أبو العباس حتى فحص الأرض برجليه وضحك أهل بيته وأمر له بألف دينار وكساه وحمله.
وركب المنصور يوماً في صدره مُشَهّرَة مشمراً من ذيله، وعلى يده بازي حتى عبر الجسر بادياً، وانكفى فعبر الآخر راجعاً، وتبينه الناس فلما عاد واستقر به مجلسه قال للربيع: ما الناس في ركوب
(1/42)

أمير المؤمنين على هذه الحال، قال: عجبوا منها قال: إنه كان لأمير المؤمنين في ذلك مذهب، وهو أنه سيأتي من أبنائنا من يحب الصيد ويتبذل فيه، فأحببت أن يكون مني ما رأيت فمتى فعل مثله منا فاعل بعدي قال الناس: قد ركب المنصور على مثل هذه الصورة.
وكان المهدي محمد بن عبد الله مع ما كان فيه من الحذر والتحفظ والبعد من التبذل مشغوفاً بالصيد لا يكاد يُغِبُّه، وكان مع ذلك مجدوداً فيه لا يحرم، ذكَر ذلك بعض شعرائه في كلمة قال فيها:
يغدو الإمام إذا غدا ... للصيد ميمون النقيبهْ
فتؤوب ظافرة جوا ... رحه واكلبُه الأريبه
بمخالب وبراثن ... بدماء ما اقتنصت خضيبه
وسهامه لوحوشه ... والطير قاصدة مصيبه
وكأنما عرفته فانق ... ادت لدعوته مجيبه
وكان للرشيد حظ من الصيد لا كمداومة المهدي له، واستهتاره به، وكان يرتاح له إذا حضره ارتياحاً شديداً، حتى تحمله الأريحية على ركض فرسه، والشد في أثر الطريدة.
أخبرني بعض ولد عبد الملك صالح الهاشمي عن أبيه عن جده عن عبد الملك قال: كنت احضر مع الرشيد الطرد كثيراً، فحضرت معه يوماً ومعنا حسين الخادم، وكانت الحال بيني وبينه منفرجة، ولا يزال يتتبع هفواتي، ويغري بي الرشيد، فأراغت الكلاب طريدة وأطلقت عليها، وأعطى الرشيد فرسه عنانه ومرّ يشتد في طلبها ولم أتبعه، ولا زدت في عنان فرسي، فرأى ذلك حسين مني فاهتبله وأسرع إلى الرشيد
(1/43)

فقال: لو زاد عبد الملك بن صالح في عنان فرسه حتى يلحق بأمير المؤمنين لم يكن بذلك من بأس فقال الرشيد: استجهلنا أبو عبد الرحمن، ولم ير مساعدتنا على ما نحن فيه، قال: قد فعل ذلك فأمسك الرشيد فضل عنانه متوقفاً عليّ حتى قربت منه، فعاتبني على ما أنكره، فقلت: يا أمير المؤمنين العذر واضح. قال: وما هو؟ قلت: أنا على فرس لا أثق به قال: عذر، وأمر لي بجنيبة فركبتها وتسايرنا غير بعيد، إلى أن أثيرت طريدة أخرى ففعل كفعله الأول، ولزمت حالي الأولى، فأشتد إنكاره وتلوّمعليّ فلحقته، فقال: أقلنا العلة فما استقيلت الزلة، فقلت: يا أمير المؤمنين إذا كنت لا أثق بفرسي وقد بلوته، فأنا بما لم ابْلُه أقل ثقة، فقال: لا ولكن السكينة والوقار افرطا على أبي عبد الرحمن، وكان هذا بعض ما احفظه عليّ. وتوخّى أبو نؤاس في تشبيب قصيدته التي أولها:
خَلق الزمان وشرّتي لم تَخلقِِ ... ورُميت عن غرض الشباب بأفوقِ
ولقد غدوتُ بدستبان مُعلُمٍ ... صخب الجلاجل في الوظيف مسبّق
حرّ صنعناه لتُحكَم كفُّه ... عمل الرفيقةِ واستلاب الأخرق
(1/44)

يجلو القذى بعقيقتين اكتنّتا ... بذرى سليم الجفن غير مخرّق
ألقى زآبره وأخلف بزة ... كانت ذخيرة صانع متنوق
فكأنه متدرع ديباجةً ... عن قالص التبّان غير مسوّق
فترى الأوز قريب خطوِ مشيعٍ ... غرثانَ منبسط الشواكل بورق
يعتام جلتها ويقصر شأوها ... بمؤنّف شاكي الشباه مذلق
(1/45)

حتى رفعنا قدرنا برغامها ... واللحم بين مردَّم وموشق
فأفتتحها بذكر الصيد وصفة الجارح، هزاً منه بذلك، وبعثاً من أريحيته لما يعلمه من رأيه في الصيد، وموقعه من قلبه. والرغام التراب بالفتح ومنه أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب.
وكان محمد الأمين أشد انهماكاً في الصيد وأحرص عليه من كل من تقدمه. وأكثر طرد أبي نواس معمول في جوارح محمد وضواريه مثل قوله:
فأمتع الله به الأميرا ... ربي ولا زال به مسرورا
ثم كان المعتصم أكثرهم محالفة للصيد، وأخفهم فيه ركاباً لتوفر همته على الفروسية وما شاكلها، ودخل في بابها، وأكثر مباشرة ذلك بنفسه.
ثم كان المعتضد كالمعتصم في أكثر أموره ومآربه، وأشبه به من سائر (أهل) بيته وبنيه من الخلفاء لمباشرة الحرب والصيد وما أشبههما، ولم يكن ينفك من حرب إلا إلى صيد، ولا من صيد إلا إلى حرب، وكان يخرج لصيد الأسد، فيخيم عليها حتى لا يبقى منها باقية، أخبر عنه نجبة ابن علي نديمه قال: كان يقول كثيراً لما بني (الثريا) أتعلم أن بناءً من ابنية الخلفاء يشبه هذا البناء أو يعادله في محل أو موقع؟ أما تراني قاعداً على سريري، يعرض عليّ وزيري، ويُصاد بين يدي صيد البر
(1/46)

والبحر، وكأني في وسط المتصيد. وما أشبّه ما وقع له من ذلك إلا بقول القائل:
يا حبذا السفح سفح المرج والوادي ... وحبذا أهله من رائح غادي
تزقي فرافيره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
ولي في نحو هذا المعنى، وكنا نخرج للصيد بمصر في موضع يعرف بدير القُصير، منيف على ذروة جبل المقطم، مطل على النيل، فهو سهلي جبلي بحري:
سلام على دير القُصَير وسفحه ... فجنَّات حلوان إلى النّخَلاتِ
منازل كانت لي بهن مآرب ... وكن مواخيري ومنتزهاتي
إذا جئتها كان الجياد مراكبي ... ومنصرفي في السفن منحدرات
فأقنص بالأسحار وحشيّ عينها ... واقتنص الأنسي في الظلمات
معي كل بسام أغر مهذب ... على كل ما يهوى النديم مؤاتي
ولُحمان مما امسكته كلابنا ... علينا ومما صيد بالشبكات
وكأس وابريق ونادي ومزهر ... وساق غرير فاتر اللحظات
كأن قضيب البان عند اهتزازه ... تعلم من أعطافه الحركات
هنالك تصفو لي مشارب لذتي ... وتصحب أيام السرور حياتي
(1/47)

ولم يتأخر المكتفي عن (مثل) مذهبه في الصيد، إلا أنه كان أكثر ما يدمنه الصيد بالفهد والعُقاب، هما سَبُعا الضواري والجوارح، ويباشر ذلك بنفسه، ويمتهنها فيه، لشدة الشغف به والارتياح إليه، أخبرني بذلك شهرام وكان خصيصاً به لمعرفته وحسن أدبه. وأخبرني بمثله أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وأخبرني من رآه بظاهر إنطاكية منصرفة مع المعتضد عند أخذه وصيفاً الخادمَ والفهدُ رديفه، وقد التمسه أهلها، للسلام عليه بعد تسليمهم على أبيه، فوجدوه على تلك الحال غير محتشم (منها وانصرفت عنايته إلى الخيل) وكان جمعها واقتناؤها (ومداومة ركوبها) أكبر همة ولذته، ولم يشغف بالصيد ذلك الشغف.
(1/48)

صفة البواشق
وذكر ألوانها وشياتها وأوزانها وصفة الفاره منها
فالأحمر الأسود الظهر جيد صبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رخو ماله جلَد، والأخضر العريض القطب صلب على المواكب. ومنها الأخضر المبرديّ الشية والاسبهرج الذي يشبه لون البزاة، ومنها الأصفر. وأكثر ما رأيناه من أوزانها مائة وثلاثون درهماً وأقله خمسة وتسعون درهماً، وما رأينا منها كبيراً فارهاً والفاره منها الأوسط، وهو افره ما رأيناه ولعبنا به، ولم نصف ما للناس، وإنما ما عندنا وفي ملكنا وصدنا به.
(1/49)

باب في ضراءة الباشق وفراهته
وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي، وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل وأنجب، وذكر القرنصة وذكر ما عاش عندي منها بالقاهرة حرسها الله، وذكر ما تحتاج إليه في القرنصة من الخدمة، وذكر السبب الذي استحقت عندي به التقدمية على البزاة إذ كان مؤلفو الكتب يقدمون البازي على سائر الجوارح

صفة ضراءة الباشق وهو وحشي
يحتاج الباشق إلى أن يكون على يد رفيق من البيازرة يعرف ما يعمل به، وهو أن يخيط عينيه إلى أن يكلب على الطعم، ومقدار ذلك سبعة أيام، ومنها ما يكون كلَبه على الطعم في أكثر من هذه المدة وأقل منها، لأنها ليست بطبع واحد، ولتكن حمولته في موضع منفرد حتى يهدي فإذا هدي على اليد، وكلِب كلَباً تاماً كاملاً على الطعم، فأفتحه وأطعمه في بيت خال، فإذا كان وقت تعبيره وعبّر، فاجعله في قباء واتركه في قبضت، واقعد به بين الناس، وأقمه على يدك ساعة، فإذا وثب ثوباً خشيت أن ينخلع منه، فأردده إلى القباء، والزم به الرفق، كما
(1/50)

وصيناك، فأنك تأمن عليه أن ينخلع، وأن تخرج فخذاه، ثم لا تزال على ذلك إلى أن تجرّده، فإذا بلغ التجريد فأركب به الدابة واستجِبْه إليها مراراً كثيرة من النخل والأرض وسائر المواضع، فإذا لم يبق عليك من أجابته شيء على ما وصفنا، فخذ له من طير الماء الفرافير ولقفه إياها، فإذا لقفها فخذ واحدة وخِطْ عينها بريشة من جناحها وطِيّها، فإذا أخذها وعرفها، فأقعِد غلاماً في خليج، ومعه فرفورة. وليكن الغلام مستتراً عنك وأنت على حافة الخليج راكب، والباشق على يدك، والطبل بين يديك، وتقدم إلى من معه الفرفورة أن يطيرها عند نقرك الطبل، ثم أنقر الطبل فإذا طيرها وأخذها الباشق فاذبحها في كفه، وأشبعه عليها، فإذا عملت به ذلك مراراً وأخذها، ولم يقف عنها، فأركب إلى الصحراء ومعك الباشق، ولتكن معك طيرة ماء، وأنظر موضعاً فيه طير ماء، فأرسل الباشق عليها، فإذا صاد فأشبعه، وإن لم يحسن عليها فأخرج له طيرة الماء التي معك، وارمها له وأذبحها في رجله، وأشبعه عليها، فأنك إذا عملت به ذلك مرة أو مرتين، صاد بمشيئته الله، فإذا صاد فأشبعه، فإذا أشبعته أربعاً أو خمس مرار، فصر به إلى الماء، وأطلب ما توسط من طير الماء، فأن صاد فأشبعه وعد به في اليوم الثاني، وانتظر به العشية، واطلب به ما كبر من طير الماء مثل الأخضر وأنثاه، ومثل المذنّب وأنثاه، والدراج وأنثاه، فأنه يصيد بعون الله، فإذا بلغت به إلى ذلك فما بقي عليك من ضراءته شيء. وهذه صفة الضراءة على طير الماء. فإذا فرغ طير الماء وكان آخر السنة، وكان الباشق فرخاً، وأحببت قرنصته، فأفعل، وأن أحببت أن تطلب به الحمام ويصيده تسليقاً
(1/51)

فأعمد إلى حمام فأشدد رجله بطُوالة وأقمه على حائط قصير وكن تحت الحائط، وعلى يدك الباشق، وأمر غلامك بجر الخيط الذي في رجل الحمام ليتحرك فيراه الباشق، فإذا نظره الباشق فأرسله عليه، فإذا أخذه فأشبعه عليه، ثم نقّله من ذلك الحائط إلى ما هو أعلى منه قليلاً، ونقله من حائط إلى آخر، وكلما أخذ حماماً فأذبحه في كفه وأشبعه منه، فإنك إذا فعلت ذلك به ورأى حماماً على حائط واثبه، ولا ترسله على حمام واقع في الأرض، فأن ذلك يفسده ولا سيما إذا كان للتسليق مفرّداً وقرنصه وإن كان مقرنصاً واردت أن تنقله إلى الغربان السود فأطلب منها واحداً وأكسره له، وبادر بقصّ مخاليبه، وخزم منقاره، لئلا ينقر الباشق وأشبعه عليه وأطلب به الغربان، وليكن معك غراب في الخريطة، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن عليه فأذبح الغراب الذي معك في رجليه، واعمل على ما وصفناه، فأنه يصيد إن شاء الله.
وزعم اللعاب أن الباشق ما يصيد الغراب بكسيرة وقد كسرنا له مراراً كثيرة، وصاد الغربان بالكسائر، ولم نصف إلا ما صدنا به على أيدينا مراراً كثيرة، وكان لمولانا صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الاكرمين.
ولقد رأيت له وأنا معه صلى الله عليه في الموكب في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ثلاثة عشر باشقاً تصيد كلها الغربان السود والبقع والبيضانيات والمكاحل، وهذا عظيم لم يسمع بمثله.
(1/52)

ذكر الضراءة على البيضاني والمكحَّل
إذا أردت أن يصيد الباشق البيضاني والمحكل فأعمد إلى بيضاني أو مكحل وأشبعه عليه، فأن أعوزك البيضاني فأكسر له على حمام أبيض فإذا أخذه أخذاً جيداً، وأحكم ذلك مراراً، فأخرج به إلى الصحراء. وليكن معك في الخريطة بيضاني أو مكحل، فأن صاد شيئاً فأشبعه عليه، وأن أحسن فأرم له الذي معك وأشبعه عليه، فأنه يصيد بعد أن تطوّل روحك عليه قليلاً إن شاء الله.
وقد رأيت من فراهة البواشق ما لم أرَ مثله قط، فمنها باشق أحمر كبير ما رأيت مثله قط، ولا مثل ما جمع من الطرائد، وذلك أنه صاد في سنته ما لم يكن من صيد البواشق، ولا صاده قبله باشق، وبعيد أن يصيده باشق بعده، لأنه صاد أول سنته أنثى الأخضر، وما كان خرج قبل ذلك إلى الصحراء، وثنّى بالأخضر الذكر، ووزناه بعد إخراج قلبه فوجدنا فيه ثلاثة أرطال ونصف، وهو أكبر أخضر رأيناه، وفيها ما يكون أقل من ذلك، ولم يبق من طير الماء شيء إلا صاده ثم صاد في سنته بعد ذلك الموكب بيضانياً وكان يتجاوز الصفة في حسنه،
(1/53)

وصاد الغربان السود وصاد بعد ذلك طلقاً لم ير مثله قط ولا سُمع به.
وذلك أنا ركبنا إلى الجيزة فانتهينا إلى موضع يعرف بكُوَم الدب، وفيه بركة كبيرة، وفيها غُرٌّ كثير، فأرسلت عليها الشواهين، وتكنّى بعض من كان معنا، وكان على يده شاهين له، فزّعق علينا صاحب الشاهين فأمرت أن تُطير الغُرّ، فجازت بي واحدة عراضاً في السماء، فرميته عليها وزعقت حتى أبصره كل من حضر الموكب فصادها، وكان بين المكان الذي أرسل عليها، والمكان الذي ذبحت في كفه نحو أربعمائة ذراع، فأشبع وقُرنِصَ وعلا أمره على الغُرّ وغيرها من الطرائد المقدم ذكرها في كتابنا هذا.
ومن فُرْه البواشق ثلاثة لم يسمع بمثلها قط ولا رؤي، قُرنصَت عند مولانا صلى الله عليه، فواحد له أربع سنين، واثنان لهما من المدة دون ذلك، فمنها واد يصيد الخضر والغربان السود والبُقع ما تغير عن فراهة على ما وصفنا من ذكره، واثنان يصيدان الغربان السود والبقع في الشتاء والصيف جميعاً، وهذا عظيم لأن الغراب إنما يصاد آخر السنة عند هياجه وهو وقت الراجع، والمصريون يسمون ذلك الشهر أمشير، وهذا ما لم يسمع بمثله في صيد البواشق، لا في كتاب ولا من إنسان.
وكان لنا باشق وحشي فكسرنا له الغراب إلى أن أتجه عليه، وخرجنا به إلى الصحراء، فكان أول طلقه غراباً أبقع فوق حائط، وهذا عظيم من باشق يصيد ابتداءً غراباً فوق حائط، ولم ارَ مثله إلا باشقاً كان لمولانا صلوات الله عليه، فأنه أمرني في بعض الليالي أن أشبعه وشغل هو صلى الله عليه بطير الماء عنه، فأخذته ورجعت، لأطلب به
(1/54)

الغربان البقع، فأصبت واحداً بستان قائماً، فرميته عليه فصاده، بعد أن عمل عليه ما لا تعلمه الاجلام بالفقاق من المراوغة وحسن الطلق. وما رأيت قط افره منه على الغربان البقع، وكان ذلك عند مغيب الشمس وقد ذكرنا كيف يُضري من أول الوقت الذي يؤخذ فيه إلى أن يبلغ هذا المبلغ.
وإنه كان لنا باشق يعرف بباشق ابن حوفيه، وكان يكون على يد أمير المؤمنين صلى الله عليه، وهو يتحدث في موكبه، فكان بعض البيازرة يصيح وقد طار طير الماء، اعني الفرافير، فيرمي بالباشق، وما هو مستو للإرسال، فيصعد معها أبداً في السماء حتى يحملها، وهذا ما لم ير مثله قط على الفرافير.
ومن إطلاقه المعجزة أن مولانا صلى الله عليه رأى ليلةً فرافير في بركة فأراها للباشق ثم ستره عنها، وأنزله بعد ذلك فجاء الباشق فوقف على الأرض لما ضلت منه، فقال صلى الله عليه أريكم شيئاً مليحاً، وضربنا الطبول فقلع الباشق رجله من الأرض، وصاد منها واحدة، وهذا ما لم أرَ مثله من باشق كان لي يصيد البيضانيات، بعد أن حكم اللُعَّاب أنه لا يجيء منه شيء، فلما كان في بعض الأيام تعذّر عليّ البيضاني فأرسلته على طير الماء فلم يصيد منها شيئاً، ووقف على نخلة تحتها بركة فيها ماء، فتنحينا عن البركة وبقي بازياره يدعوه ليأخذه إلى يده، فجاز به طير ماء من السماء، ليقع في البركة مدلاّة الأرجل، فلما رآها الباشق تطلب الماء على هذه الحال طمع فيها، وقلع رجله فصاد أنثاه أبلق قبل أن تصل إلى الأرض. وهذا ما لم أرَ مثله ولا سمعت.
(1/55)

ونحن نذكر ما يكون من التياثها وعلاجاتها وكل ما يعرض من أسقامها ونشرحه مبيّناً حتى نأتي مثل الأول من أخبار صحتها وأيام سلامتها.
وقد كان عندي باشق حوّام، أي وقت أخطأ حام فلّقِب بالحوّم، وكان على الحذف فارهاً وعلى البلق، ثم آل أمره إلى أن خرجت به يوماً إلى الصيد وكان في بركة شاهمرك لطيف، فأريته إياه وسترته عنه ورميت به عليه، وضربت له الطبل فقام إلى السماء فحمله، فذبحته في كفه ودمت على الصيد به، فصاد في ذلك اليوم إلى آخر النهار أربع بيضانيّات ومكحّلا وأبلق من طير الماء، فأنسيته ما كان قد ألفه من الحومان حتى أنه كان إذا أخطأ أستقر في الأرض. وذلك أنني بطلته سنة كاملة حتى أنسي ذلك، وكان إذا أخطأ وقعد في الأرض أشبعته. فألف ذلك ونسي عادته الأولى. ومن ههنا قدمت البواشق على البزاة.
وكان عندي باشق يصيد العجّاج وهو من صيد الشاهين، فما كانت هذه منزلته في الصيد على لطافته، كيف يتقدم عليه شيء من الجوارح.
ولقد رأيت باشقاً أحمر صاد جنطة (كذا) ولم ارَ غيره صادها ولا رأيته صاد غيرها، وهذه منزلة للباشق عظيمة. وكان عندي باشق أسمه مدلل، قرنصته عندي سنة فلم يخرج نقياً، وصاد في السنة صيداً ليس بالطائل، ودخل القرنصة. وكاد أن يكون في السنة الثانية مثل
(1/56)

المقدم ذكرها حتى ليّنت عليه بدهن المعقود والشيرج الطرَي، فلما أطعم ما وصفنا من العلاج ولأن عليه بدنه نُتف منه بدنه وذنبه، وأطعم العصافير والمخاليف الطرية، ومن البشتمازك ومعه شيء من الدهن المذكور، فخرج نقياً حسناً، وكان افره من كل باشق قُرنص معه في بيته، وكان من الفراهة على طير الماء بما لم يكن غيره. وصاد الغربان السود وكان تضرب له الطبول كما يعمل به على طير الماء، فلا يرجع عنها، ولم أره قط رجع عن طريدة يرسل عليها وأقام على ما ذكرناه سنين مبقي الفراهة ونحن نذكر ما نعرفه من البواشق الفره وما جرى مجراها إن شاء الله.
ولقد كان عندي باشق فاره على كل طريدة، وذلك أنه كان يصيد من البحريات أحمر، وتسمى السقرون، ثلاثة وما أصاب من قليل وكثير على مقدار ما يستوي له صاده، وكان موكباً من فراهته وأول ما صاد عندي الغراب الأسود بكسيرة، ثم بعد ذلك كنت أقف على كوم عين شمس وتُطيّر من بركة الكوم الغرّ، فأرسله عليها فلا يرجع عنها، وأقام على ذلك سنين لم يتغير من فراهته شيء، حتى دخل بعد أربع سنين القرنصة، فأصابته في السنة الخامسة في وسط القرنصة على لا يعرف لها علاج تسمى الذّبّاح، في حلقة تمنع ما يدخل فيه وما يخرج منه، ولا يقدر على إلقاء الرمج حتى يموت ولم يلبث الطير أكثر من بكرة إلى عشية أو من بكرة، ثم أنه مات في المدة التي ذكرناها فشققنا حلقه فوجدنا فيه غدّة مفترشة بقدر الترمسة أو أصغر منها بيسير
(1/57)

فإذا دخلت إلى جارحك في القرصنة، ورأيت وجهه محولا إلى الحائط وأدرته إليك، وخلّيته فرجع إلى الحائط، وعملت به ذلك مراراً، فلم يزدك على هروبه من وجهك إلى الحائط، فما فيه شيء من العلاج فلا تشغل نفسك به.
ولقد أصاب عندي كثيراً من الجوارح هذه العلة، فما عرف لها علاج، ولقد أصابت هذه العلة عندنا باشقاً أحمر فرجونا أن يكون له في شق حلقه البر، فشققناه من خارجه برأس مِبْضع عند الاياس منه فلم ينفعه ذلك، ولم يلبث حتى مات، وما رأينا هذه العلة في غير القرنصة قط، ثم انقطعت منذ سنين، ولم نرها بعد ما قدمنا ذكره، ولا سمعنا من يقول أنه رأى مثلها قط، ولا سمع بها، ولا يدري أي شيء هي.
وأصعب ما رأيناه من علل القرنصة قد شرحناه، ونحن نشرح ما يحتاج إليه الجارح من الرفق في القرنصة ونذكر علاجه السالم 1والقاتل.
(1/58)

صفة علاج القرنصة وذكر ما يحتاج إليه من آلتها
إذا كان الباشق فرخاً وخرج عند طير الماء وأردت أن تصيد به السماني فأفعل، فإذا فرغ من السماني فأطلب به الأبرجة وصد به الحمام وأن كنت تقدر على الخروج إلى موضع الدُرّاج فأطلب به فراخ الدراج. والكسيرةُ التي تكسرها له حتى يصيد فراخ الدُرّاج أن تأخذ ثلاثة شفانين أو أربعة وتخيط أعينها وتطيرها له وتشبعه عليها، تفعل ذلك ثلاث مرار أو أربعاً. وأطلب به بعد ذلك فراخ الدراج، ولا يفارقك البَرود، وصفته أن تأخذ، وزن درهم طباشير، ودرهم بزر قثاء، ودرهم بزر خيار، ودرهم بزر قرع، ودرهم ورد يابس، ودرهم طين روي، ودانق كافور، وقشّير ما يصلح أن يقشر ودقه دقاً ناعماً، وأنخله في خرقة حرير، وأستخرج لعاب السفرجل، وأعجن به الجميع، وأصلحه فُتُلا صغاراً، وتكون معك في الصيف في سفرك، فإذا خشيت على جرحك الحرّ فخذ نصف فتيلة وأطعمه إياها، فإذا بقي باشقك على خمسة وخمسة فأجعله في بيت نظيف مكنوس مرشوش وأشدده بعد أن تبرّد عنه بعد رجوعك من المقام، ولا تنس ما ذكرناه لك فإذا مضت له جمعة فأطعمه العصفور والمخلف الصغير والبشتمازك جمعة. وأجعل الماء عنده في كل يومين مرة، وأرفق به، فإذا بقي على ثلاثة وثلاثة فأمسكه وأنتف بدنه وذنبه، ولا تمَس جناحيه، فإذا فرغت من نتفه فأنفخ عليه الماء من فيك حتى يبتل، وأشدده وأجعل طُعمه
(1/59)

ذلك اليوم نصف طعم من بشتمازك، بسبب التعب الذي لحقه مع شيء من دهن المعقود. بعد أن يكون في بيتك عُميل. فأنه يبرأ بعد أثني عشر يوماً ويكون سالماً في نفسه إن شاء الله.
وهذا باب مجرّب سالم في خدمة القرنصة ونحن نصف غيره من أبواب السلامة مما لا يعرفه الناس ونَصفُ ما تعلمه المتسوّقة الذين يريدون به السوق. وهو من السمائم القاتلة للجوارح، وما فيها خير فتوصف ولكن لا بد من صفتها حتى يعلم إنا قد عرفناها ولم تخف علينا، ونُشكر بعد ذلك على تحذيرنا من استعمالها ونحن نذكرها، وينبغي إلا يكون نتف الباشق إلا للفرخ وحده والمقرنص ينتف ذنبه.
وقد أطعم الناسُ لحم القنفذ للمقرنصات، على شريطة نحن نذكرها، وهو أن تعمد إلى القنفذ فتذبحه وتخلص شحمه من اللحم، فإذا خلص لك اللحم الأحمر، فأعمد إلى الباشق وأطعمه منه أقل من نصف طعمه، ولا تلزمه إياه دائماً، بل ليكن مرة في عشرة أيام. ومن طعم القرنصة أيضاً اليربوع في كل جمعة مرتين فأنه سالم مجرّب وهو مع الرفق مبارك سالم.
والذي هو سم في القرنصة على الباشق إذا هو أكله دهن القرطم ودهن الجوز، والغدد التي تكون في رقبة الشاة إذا ذبحت فأنها تؤخذ وتجفف وتدق وتطعم للباشق، وهذا إذا أطعم الباشق منه شيئاً خرج في غاية الحسن، وعند التحريك يندم صاحبه. ودهن القرطم والجوز أصلح من الغدد، والكل رديء على من يريد أن يلعب بباشقه، وأما الصعلوك فهو جيد له وحده.
ومتى رأيت الباشق نقياً ما عليه غريبة فأحذر منه. وقد ذكرنا ما فيه كفاية.
(1/60)

والزنبور الأحمر اليابس رديء على الباشق، وهو يدق ويطعم له على ما ذكرناه، وكذلك السمك الطويل الذي يسمى الانكليس، يقطع من ناحية الذنب أربع أصابع ومن ناحية رأسه مثل ذلك، ويجفف باقيه ويدق ناعماً وينخل في خرقة حرير، ثم يجعل في قارورة ويطعم منه الباشق في كل جمعة وزن خمس حبات فأن صاحبه يسبق حد الجوارح بخروجه من القرنصة، ومن ثم يسبق إلى الموت، فتلك فرحة لم تتم لصاحبها. وقد ذكرنا الجيد والرديء في كتابنا هذا ولم نُبَقّ شيئاً حتى ذكرناه وربما قرّح الباشق في القرنصة وذلك من دم رديء في جناح الباشق يحتاج أن يُخرج منه ولا يضرّ عصبه منه شيء ونحن نذكره إن شاء الله.
(1/61)

ذكر علاج القرح
في جناح الباشق وكيف يخرج
تُعدّ له سُكُرُّجة فيها خلّ جيد وملح جريش، وتخرج له دهن البيض، وأطلب من خشب الداذين ما يكون كثير الدهن، وحنّاءً مدقوقاً وأنحت له من الخشب أوتاداً دقاقاً صغاراً وأعمد إلى سكرجة فأجعل ذلك فيها، وأجلس أنت ومن يمسكه معك وأنظر مكان الاختناق في جناحه فأضربه بإبرة. في المكان بعينه، حتى يخرج منه الدم الرديء، وإن كان فوق الجناح أو تحته فما يضره شيء، فإذا خرج لك ذلك الدم فحكه بالملح والخل حتى يصير أبيض، وأغرز مكان كل ريشة وتداً من الخشب الذي في دهن البيض، وكبِسّ في مكان ضربته بالإبرة الحناء وتفقّده كل خمسة أيام، فإن كان قد وقع من الأوتاد شيء فأغمسه في دهن البيض، واردده في مكانه، وسقّ ما كان قديماً به، فأنه نافع مجرب، فإذا كان بعد أربعين يوماً بأذن الله.
وإن كان قد عمي عليك في ذنبه شيء من ريشه، فأعمد إلى المنقاش وأقلع ما كان مكسوراً من ذنبه، وأعمل وتداً في المكان، فأنه يخرج ولا يبقى عليه شيء، ومتى بقيت عليه إلى أن يتم اثنا عشر يوماً ورمى بها ففتشه فأنك تجد الريشة قد خرجت واستغنى عن المعالجة.
وهذا علاج البواشق للقرح ونحن نشرح في قرح البزاة غير هذا العلاج والجميع نافع لسائر الجوارح.
(1/62)

وقد رأينا ما يكون في القرنصة سميناً يلقي ريشه، وهذا شيء مليح ما يقف عليه كل أحد، وقد رأينا باشقاً ناقصاً لا يلقي ريشه وفيه سبب مليح، ونحن نذكر ذلك أجمع في كتابنا هذا، فأما السمين فأنك إذا نقصته ألقي، وذلك أنه يكون شحاً منه على ريشه ومنها ما إذا كان سميناً ولم يلق فأحمله في السحر عشرة أيام وأطرحه فأنه يلقي إن شاء الله.
وأما الناقص الذي ذكرناه في القرنصة لم يلق ريشه فأسمنه، فأنه يلقي ريشه ولا يبقي عليه غريبة. وقد رأيت ما يصيبه في القرنصة الحَر فلا يلقي ريشه، ودواؤه قريب مجرب، وهو أن تأخذ من البطيخ البُرُليّسي واحدة، فتقوّر رأسها ثم تقبضه وتملأ زهركه ثلاثة أيام ولا تبالي أن يرده وأمسك عليه طُعمه إلى إلا يبقى عليه شيء منه وأطعمه عند الظهر، وليكن نصف طعمه من بشتمازك خروف، ولا يكن من ماعز، فأنه يردّه والسبب في رده أنه زفِر.
ومما نعالجه به في الحر أيضاً وهو باب لطيف أن تمنعه الماء ثلاثة أيام ثم تأخذ بطيخة فتعصر ماءَها وتصفيه بغربال شعر، وتأخذ من البَرود المقدم ذكره في هذا الكتاب خمس فتائل، فتدقها وتطرحها في ذلك الماء وتقدمه إليه، فأنه ساعة يرى الماء ينزل إليه ويشرب منه فأعمل به ذلك ثلاثة أيام فأنه كلما مر به يوم من شرب الماء نقص من شربه، فإذا مضى له عشرة أيام فأجعل له في سُكُرّجَة لبن ضأن، مع قليل من سكر مصري مدقوق، وأجعل عليه يسيراً من دهن البنفسج، وأطعمه البشتمازك سخناً يومين، فأنه نافع مبارك، فإذا صلح فأعمد إلى العصفور الطري فأطعمه منه عشرين يوماً، فأن صلح على العصفور فالزَمْه وإن لم ينجب عليه فأنقله إلى ما نقوله من الطعم وهو الشفنين عشرة أيام فأنه يصلُح عليه. وقد علمنا أن الشفنين ضار ولكنه لا يضره لما قد تقدم من البرود. وقد بلغنا عن طبيب أنه عالج من إسهال بما يسهل فقطع الإسهال. وقد وصفنا جميع ما أمكن. وهو مجرّب
(1/63)

صفة علاج الدود
يؤخذ عود آس فيلفّ عليه قطن جديد ويقبض الباشق ويدخل في زهركه ويلف عليه قليلا ويرفق به، فأنه إذا كان من فوق خرج، ويؤخذ أيضاً ريشه فتلطخ عسلا وتدخل في زهركه فأنه نافع مبارك، وهذا العلاج ينفع إذا كان في أعلاه، فأن كان من أسفل فقد ذكرناه في علاج البزاة، وهما مختلفان، ذاك ينفع من أسفل، وهذا ينفع من فوق، وما نبقي شيئاً مما جربناه إلا ونذكره. ولسنا ممن يحشو كتابه ما ليس بصحيح ولا يحتاج إليه، ولا نريد الكثرة. ونحن ذاكرون باقي العلاجات التي لم نذكرها في هذا الباب في علاج البازي وقرنصته التي تأتي بعد هذا. وما نفع البازي من العلاج فاليسير منه علاج الباشق. وما بينهما خلفٌ غير القلة والكثرة، لأن البازي يحتمل الكثير لكبره، والباشق يكفيه القليل لصغره. وأما السبب الذي لأجله قدمنا الباشق على البازي فهو لأن البازي ثلاثة أرطال ونصف بالبغدادي وأقله ثلاثة أرطال، ووزن الباشق خمسة وتسعون درهماً وقليل من البواشق وهو أكبر ما رأيناه وزنه مائة وثلاثون درهماً وهو يصيد من الطرائد ما هو بقدر البازي وهو الأخضر ووزنه ثلاثة أرطال ونصف، ويصيد الغراب الأبقع، ووزنه رطل ونصف وله سلاح أعظم من سلاح الباشق وأطول، وهو أطول فخذين من الباشق وأشد بدناً ولولا أنه يشتغل بالهروب إذا أرسل عليه الباشق لما صاده باشق أبداً، وإنما بهربه يتمكن منه الباشق لأنه خبيث ملعون.
وقد حكي عن الغراب أن أباه قال له: إذا رأيت إنساناً يتطامن إلى الأرض فأعلم أنه يريد أن يأخذ حجراً فيرميك به فَطِر، فقال له ابنه: فإن كان الحجر في كمه كيف نعمل؟ ولم يقل الغراب هذا، ولكنه مثلٌ يُضرب لخبث الغراب ولعنته.
ووزن الغراب الأسود رطل وربع وربما زاد ونقص وهذه الأوزان من هذه الطرائد إنما هي بعد ذبحها وإخراج قلوبها.
(1/64)

باب في صفة البزاة
وذكر شياتها وألوانها وأوزانها وضراءتها والحوادث التي تحدث لها وعلاجاتها وما تحتاج إليه من الخدمة في قرنصتها صفة شياتها الأسبهرج، والأصفر، والأحمر الديز (؟) ومنها ما يكون أخضر عريض القصب مثل شٍيات البواشق، ومنها الأبيض الشديد البياض، ولم نر ببلدنا منها غير أثنين أهداهما ملك الروم إلى مولان أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

ذكر أوزانها
ثلاثة أرطال ونصف وثلاثة أرطال بالبغدادي وفيها ما يزيد وينقص على ما ذكرناه لكبره وصغره.
(1/65)

صفة ضراءة البازي
إذا وقع البازي إلى الصياد فسبيله أن يخيط عينيه، ويأخذه البازيار فيسبّقه ويغسل جناحه ويحمله على يده ستة أيام إلى أن يكلب على الطُّعم فإذا كلب على الطعم شرّقه، وقعد به في السوّق عند العشاء، وليُطل القعود ليسمع وقع الحافر إلى أن يمضي من الليل ثلاث ساعات أو نحوها ثم يرده إلى بيته ويعود به مع الأذان الأول إلى السوق، فيجلس به وهو مشرّق فإذا تكامل كلَبه، فأعمد إلى عينيه عند العِشاء فأفتحهما، ولا تُزله عن يدك إلى أن يمضي من الليل ست ساعات، فحينئذ تقوم به إلى البيت وتشدّه، فإذا كان الأذان الأول فأحمله على يدك إلى أن تصبح ولا تتراءى لك الوجوه، فأنه إذا رأى المارّ والجائي قبل أن يأنس أضطرب على يدك، وخذ شقة من حمام فأطعمه منها ما أكل، فإذا تم كلبه على الطعم فخذ له الحمام وأجعله في طوالة وأرمه له، فإذا أخذه فأذبحه في كفه، وأطعمه منه ما أكل، فإذا عملت به ما رسمناه وأخذ، فأركب الدابة، وليكن معك آخر راكباً، ومعه حمام وطِوالة، وأشدد البازي في الطوالة، وأمدده إلى قدام وأدعه إليك، فأن جاءك فأذبح في كفه وأشبعه مكانه، فإذا عملت به ذلك ثلاثة أيام وجاءك كما تريد، فلقفه في اليوم الرابع الحمام، فإذا أخذه فأذبحه في كفه، وشق منه شقة وأركب الدابة، وصح به إليك مرة ومرتين، فإذا جاءك فأشبعه، وأفعل ذلك به مراراً، فإذا صار يجيئك ولا يتأخر فجرده من سباقيه ولقفه، فإذا جاءك فأشبعه، ولا ترد منه غير ما عمله إلى غد، فاستجبه إلى الدابة فإذا جاءك من النخل وغير النخل (كذا)
(1/66)

ووثقت به فألزمه الركوب في السحر، والطعم في الغيط، وما شاكل ذلك وكن ماراً وراجعاً بين الناس فإذا هدأ وأردت ضراءته على طير الماء فأعمد إلى طيرة ماء من البلق فخذها معك في الخريطة، وأخرج إلى الصحراء، وأشددها في الطوالة وحركها، ليراها البازي ودعه ينتفها، ثم خذها وأسترها عنه، فإذا كلب على طلبها فأرمها له، فإذا أخذها وذبحها في كفه، وخلّه ينتفها، فإذا شبع من نتفها فأخرج له قلبها، ومن الحمام ما يكفيه، فإذا كان غد ذلك اليوم، فأخرج به ولتكن معك طبرة ماء وأره إياها، فإذا رآها في يدك فخذ جناحيها وأرمها إلى فوق، فإذا أخذها فأعمل به في غد ذلك اليوم مثل عملك به في أمسه، فإذا أخذها فكن من غد في سترةِ، وأعط إنساناً طيرة ماءٍ، ومُرْه أن يقف في خليجٍ فيه ماء، وليكن مستتراً عنك، وليكن الطبل معك، وأجعل العلامة بينك وبينه أن يُطير ما معه إذا كنت سعلت، فإذا فعل فأنقر في إثره الطبل، فإذا أخذها أخذاً جيداً، وكلما أخذ أشبعته فأخرج إلى الغيط به، وأطلب ساقية لطيفة وأرسله على طير الماء فأنه يصيد إن شاء الله. فإن صاد فأشبعه وأن أخطأ فأرم في كفه وأذبح في رجليه وأشبعه، فأنه يصيد غد يومه فإذا صاد وشبع خمساً أو ست شبعات فأنه يبدأ بالكبار من الأرانب والغربان والكروان والحُباري والأوز والنحام وبوقير والمطرّفات والملاعقي والعُبّال، وأن خرج إلى موضع فيه الدراج ووقع بهم لم يرجع عنهم لأن الدراج من صيده، فمتى كنت في بلد فيه الدراج والحجل فلا ترسل على غيرهما فأن طير الماء يفسد البازي إلا أن لا تصيب (؟) غير طير الماء فصده.
(1/67)

ولقد كان لي بازي وكان غطرافاً لا يساوي عند لاعب عشرة دراهم، مكسّر الريش، وكان آخر السنة فأوصلته، وكنت أصيد به الغربان البقع، ثم جاء قصال القرط فصاد العبابلة، ودخل القرنصة. وهو فرخ أحمر وخرج خيراً مما كان، وكان مولانا صلى الله عليه وعلى آبائه سماه صوفة البحر. ثم طيّرت له طير الماء فصادها.
ولقد ركبنا إلى الصيد يوماً فنحن بشبرنمنت بعد العصر، إذ رأينا في الغيط مكاحل وبلشوناً، ورهطتين وكان البازي جائعاً، فدرت عليهم واستقبلت الريح وأرسلته، فدخل إلى الرهطي الواحد فحمله، وكان رأسه محلّى، فلما جاء به إلى الأرض نجله في عينه تحت السواد في الصفرة، فأطبق عينه ولم يفتحها ساعة طويلة، حتى ظننت أن عينه تلفت ثم فتحها بعد ذلك، وقد نفذ إلى الحبة وأشبع، وانصرفنا ونحن على غاية من الغم به، فبعد ثلاثة أيام ركب عينه بياض فبطّلناه إلى أن زال ما كان على عينه، وكان دواؤه العَذِرة اليابسة المسحوقة، تنفخ في عينه بأنبوبة، وأخرج بعد ذلك إلى الصحراء فصاد أخضر وبيضانيين، ثم عبرنا على خليج فرأينا فيه بلشوناً فدرت عليه ومن معي يقولون أما تخاف الله؟ فلم أجبهم، واستخرت الله جل وعز ثم رميته عليه فصاده، وأخذ رأسه، فعدوت إليه فذبحته، وأشبعته عليه وانصرفنا، وقد قام في نفوس البيازرة ما مثله يقوم.
(1/68)

ثم أنا بعد ذلك ركبنا إلى الصيد وكان معنا فصاد أخضر وديرجاً ودخل إلى الرمل فصاد كروانة وصاد الباشق كروانين ونزلنا إلى الابليز فرأينا قطعة كراكي فذكرت اسم الله تعالى ورميته عليها. فدخل إلى الأقرع منها فحمله، وجاء به إلى الأرض فغدوت إليه وأشبعته عليه، ولم أر في المدة التي لزمت فيها الصيد، ومبلغها عشرون سنة، إلى أن صنفت كتابي هذا في علم البيزرة، مثل هذا البازي على كثرة ما رأيت منها إلا خمسة بزاة كانت تصيد الكراكي وهذا سادسها.
ولقد وصل إلينا في ليلة واحدة مائة باز من الشرق والغرب وكم تُراه أن يصل في كل سنة منها ومن غيرها محمولاً إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. مما لم يحمل إلى ملك قبله كثرة وجَوْده وكل ذلك أتولى تدبيره وأمارس تضريته والاصطياد به، وإذا كان هذا الفعل مستكثراً من بازي في طول هذه المدة حتى صار مستطرفاً غريباً في جنسه عند من شاهد منها الكثير فحسبك.
وقد ذكرنا أن البواشق تفعل مثل هذا دائماً (وهو) غير مستكثر منها ولا نادر فيها لأنها تصيد الغربان السود والبقع والمكاحل والبيضانيات والخضر والغُرّ، والبازي أشد من الباشق شوكة، وأقوى جسماً، وإذا كان الباشق يصيد ما يصيده البازي فقد وجبت له الفضيلة على البازي، ووضحت حجتنا في تقديم البواشق لما شاهدناه منها ولا شبهة على متأمل في صحة ما ذكرناه.
ولقد كان لنا باشق مقرنص جُبِلَ له من الفراهة على طير الماء ما يجوز الوصف، وذلك أنه يكون على يد مولانا صلى الله عليه فيمر به إناث الخضر من طير الماء، مدلاّة الأرجل لتقع في الماء، فيرميه صلى الله عليه عليها عراضاً، ويضع له الطبول فيدخل إليها فيصيدها، وهذا
(1/69)

من أحسن ما يكون، فبهذا الفعل وأشباهه وجب أن نقدمه على البازي إذ كان في الصحراء لا يصيد إلا العصافير فإذا نقل إلى هذه الطرائد العظيمة أتى فيها بالبدع.
وقد كان سبيل البازي وهو ملك الجارح أن يتزايد صيده أضعافاً، ليكون بالفضيلة أخص، لأن الفضيلة في هذا الحيوان لا تكون إلا بأفعاله وخواصه. وقد كان يجب إلا تخرج السنة أو يتقرنص من البزاة على التقليل خمسة على الكركي. وقد ذكرنا كيف تُضرى مذ تكون وحشية إلى أن تصيد وتبلغ النهاية، ونحن نذكر ما تحتاج إليه في القرنصة مبيناً إن شاء الله.
ولقد كان عندي بازي طريف، ومن طرافته أنه كان بَطّال المطعمة، فأصلحت له مطعمة من ذهب يُشَد عليها بخيط إلى ساقه، فكان يصيد كل يوم ثلاث إوَزّات، وما أصاب من النحام، وكان من الفُرْه الذين سبيلهم أن يوصَفوا، وكان يسمى الأقطع، وكان أخضر يضرب إلى الشهبة، وما رأيت مثله بفرد كف أفره منه، ولسنا نبقي ما تتعلق به الفراهة إلا ونذكره، ولقد كان عندي بازي أصفر مدبج الظهر وكان فرخاً فارهاً على طير الماء، ولم ار افره منه على الغربان لأنه كان يصيدها طائرة وواقعة، وما علمت أن شيئاً من صيده أفلت منه.
وكان عندي بازي حمل إلينا من دمشق، وقيل أنه من بعلبك، أصفر اللون وكان من الفراهة على حال مشكورة، لا سيما على طير الماء، وما علمت أني رأيت مثله، وصاد البلشون من على يدي، وخرجت به إلى الريف فصاد الدراج، حتى أنه لم تكن تسقط له دراجة إلى الأرض، وأقام سنين لا تتغير فراهته، ثم أنه بعد ذلك أصابه بَشَم ووقع في السلّ،
(1/70)

وهو من العلل التي لا دواء لها، وما رأيت بازياً قط خلص منها ولا سمع به، ولقد عالجناه منها فبريء ونحن نذكر الدواء.
فمن نظر في كتابنا هذا وعالج به السل فنفعه علم أنه قد أتفق لنا دواء صحيح غريب. وكان على ثقة منه، وإن لم ينفع فغير منكر أن يكون البرء في ذلك البازي، أتفق لنا لا على أنه دواء له في الحقيقة، لأنا لم نجربه في غيره، ولم يجز لنا كتمانه، فذكرناه لا تفاق السلامة به، واعتذرنا لأنا لم نرجع منه إلى ثقة بطول التجربة.
وأعلم أن أهل العراق لم يقدموا البازي حتى خبروه، فلذلك قدموه في كتبهم وهو أهل لذلك لحسنه، ولما يحدث من فراهته عندهم في العراق، وهي عندنا أقل فراهة منها عندهم.
وقد ذكرنا ما رأيناه من الفره وصدفنا عنها. ولم يبق شيء من الجوارح كلها كبيرها وصغيرها حتى لعبنا به. ولم نضع هذا الكتاب إلا بعد الاختبار لسائرها والمشاهدة لها، فنحن نرجع منه إلى ثقة، وكذلك الناظر فيه يرجع إلى ثقة فيما يلتمسه من أول أحوال الجارح في توحشه، إلى حال أنسه وفراهته، ولم نقتصر على ما ذكره من تقدمنا حتى زدنا عليه أشياء لم ينته إليها علمه ولا تجربته.
وقُصارى من جاء بعدنا أن يقف حيث وقفنا متى أتفق له من ممارسة الجوارح ما اتفق لنا بمولانا صلى الله عليه في مثل المدة الطويلة التي ذكرناها، وبعيد أن يتفق لمن يكون بعدنا ذلك، وحتى تخرجه الدربة والممارسة إلى ما أخرجتنا إليه حتى إنا نخير من طاعمنا (؟) ونعطيه من عدّة بزاة افرهها ونأخذ الأدون منها، فنلحقهم في صيدهم بالأدون، وأن سبقونا في خيارهم للأفضل الأفره.
ولقد بلغنا في صيد البازي خبر عجيب لم نسمع بمثله، وذلك أن مسلماً دخل إلى بلد الروم، فسمع من الروم رجلاً يدعو البازي، وأنه وقف لينظر ما يصيده، فخرج إليه بازي كبير فأخذه وذبحه، ثم أنه دعا
(1/71)

فخرج إليه آخر أحسن من الأول فذبحه، قال المسلم: فصعب ذلك من فعله علّي، وجعلت على نفسي أن أقتله أن ظفرت به، بعد أن اسأله عما أوجب ذبح البازيين، قال: ثم أن الرومي دعا له بازي دقيق الشية دون الأولين في الكبر والحسن، فأخذه وسُرّ وغَنى ورقص، وأخرج إداوة مملوءة نبيذاً قال: فشرب حتى نام سكراً فأوثقت كتافه فأستيقظ وقال لي بلسانه، وكنت أعرف الرومية، بحق نبيك لا تقتلني، فقلت: أمش وإلا قتلتك، فمشى معي مكتوفاً وأخذت شباكه وآلة صيده. فلما وصلت به إلى منزلي قلت حدثني لم ذبحت البازيين؟ فقال: أحدثك بعد أن تحلف لي بنبيك إلا تقتلني، وأن تطلقني، فلما توثق مني باليمين، قال: حملني على ذبح البازيين أنهما لم يكونا خالصين، وكان قد ضرب فيهما الصرر (؟) وهذا البازي اللطيف خالص وهو يصيد الكركي. فقلت أرني كيف يصيده فقال: نعم، وعزم إلا يخيطه، فلم أفعل شفقة عليه، فبعد أن مضت له جمعة شَرقَه فهو على يده إذ رأى كراكي طائرة فواثبها، ثم أنه بعد ذلك فتحه وقال: سر لترى منه ما وعدتك من صيده، فخرجت معه فرأى الكراكي، فأرسله عليها، فدخل فصاد منها واحداً، ثم قال لي: هذا هو الخالص من البزاة فأعبقته. وهذا حسن إن كان صحيحاً لأنني لم أره بل حُدّثت به بمحضر من جماعة فاستحسنته وأثبته في كتابي هذا، ومن أسند فقد برئ من عهدة الحكاية.
(1/72)

ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة
إذا أردت قرنصة البازي فأتبعه قبل ذلك في الصيد أياماً كثيرة أتعاباً جيداً، إلى أن تراه قد ألقى ثلاث ريشات من كل جناح أو أربعاً فإذا عزمت على طرحه وقطعته عن الصيد، وأردت نتف ذنبه، فلا تضعن يدك عليه حتى تريحه، وتسمنه بعض السمن، فحينئذ فانتف ذنبه في زيادة الشهر يوم السبت، وإنما أردنا بيوم السبت لخبر يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: لو زال حجر عن حجر وجبل عن جبل في يوم سبت لكان حقيقاً على الله تبارك وتعالى أن يرده إلى موضعه، فتأولنا بذلك أن يعود عوضاً من كل ريشة تنتف في يوم سبت ريشه جديدة، ولا تتخلف بعون الله. وقد عملنا ذلك في عدة بزاة ولم نر فيها إلا خيراً، فإذا أردت نتف ذنبه فقنصه تقنيصاً رقيقاً، ثم ضع يدك في أصل ذنبه وأقلع الريشة قلعاً رفيقاً، لئلا تزعجه وتوجع ظهره، وانتف نيفقه وهو ما حول زمكاته من داخل، ليخرج بخروج الذنب، وإن لم تنتف ذنب بازيك وتركته يلقي كما يحب، كان أصلح له وأسلم، وإنما ينتف من يريد يسبق بخروج بازيه من القرنصة، ثم أعمد إلى خشبة ملساء مستوية مقدارها خمسة أشبار فابنها في الحائط مما يلي صدر البيت في زاوية، وأجعل طرفها في الحائط وتوثق منها، ولتكن من الأرض على أقل من ذراع، ولا تجعل الخشبة غليظة فتنبسط كفاه عليها ولا دقيقة فلا يمكنه
(1/73)

الثبات عليها بل متوسطة تجمع كفيه، وليكن البيت الذي تلقيه فيه واسعاً بارداً، فأنك تلقيه في استقبال الحر أو في شدته، ولا تُغفل الرش في البيت كل يوم، وأجعل له تحت الخشبة رملاً لئلا تقع كفه إذا أضطرب على الأرض، فتوجعه ويضرّ لك مخالبه، وأجعل عن يمينه إجَّانة من خزف واسعة لطيفة السّمْك فيها ماء، وغَيّره في كل يوم، ليدخلها ويشرب منها ويغتسل فيها، وأطرح له في ذلك الرمل كفا من شعير فأنه ينبت سريعاً ولا سيما في الموضع الندي، فأن البازي يفرح به وينام عليه ويستريح إلى برده، وينشط إذا رأى الخضرة، ومتى انكسر من الريش الذي خرج في سنته ريشة فأقلعها فأنها تنبت بعون الله. ولا تدع بيته مفتوحاً، وتوخّ أن يكون مفرداً، وإلا يكون عليه جواز، لأنه لا يؤمن عليه أن سمع جرياً أو حركة أو جرّ بساط أو حصير أو غير ذلك مما يذعره من أن يضرب بنفسه الحائط فيهلك، وإذا كثر الجواز عليه شُغّل عن القاء ريشه، وتأخر خروجه من القرنصة، ولم يَرْمِ من ريشه الكبار شيئاً، وإذا أمن من الجواز عليه خلا بنفسه وتفرّغ لإلقاء ريشه وأسرع، ولم يمتنع كل يوم من الأغتسال، ولم يتأخر خروجه من القرنصة، ويدلك على ذلك حسن قرنصة البازي الذي لا يصيبه أذى في حال قرنصته، وإذا ألقيته فلا تكثرنّ عليه من الطعم في ابتداء الأمر تريد بذلك إسمانه، فأنه بالمتوسط من الطعم يسمن ما لا يسمن بالكثير منه، ولا تحرص على إسمانه حتى ترى ريش ذنبه قد طلع، لأنه إذا سمن قبل طلوع ريشه لم يؤمن أن يسدّ الشحم مطالع الريش، فَيعمى موضع الريش ولا يخرج إلا بعلاج، وربما عمي فلم يخرج إلا بعلاج نذكره. وقد عالجنا به عدة بزاة وأنجح، وهو أن تأخذ من دهن البيض الطري، ومن خشب الداذين ما كان طرياً، وتصلحه أوتاداً على قدر أنابيب
(1/74)

الريش، وتجعله في الدهن وتقبض البازي وتقبيه حتى تأمن عليه من الاضطراب، وليكن مع منقاش، ثم فتش عن الريشة التي عميت ونبت عليها اللحم فأقلعها وأجعل موضعها وتداً فأنها تخرج.
وأعلم أن البازي وجميع الجوارح حتى الفهد طبعها البلغم، وهو آفتها والغالب عليها، وبغلبته يقل لذلك دماؤها، والدليل على ذلك أنك لو ذبحت بازياً لما وجدت فيه من الدم ما تجده في فرخ حمام، ولو ذبحت باشقاً لوجدته أقل دماً من عصفور. وسبيل ما كان هذا طبعه أن يكون غذاؤه اللحم الحار والدم اللذين لم يزالا غذاءه في حدّ بشكاريته، فلا تؤثرن على ذلك شيئاً، واجعل طعمه في قرنصته مخاليف الحمام السمان النواهض التي قد طارت، ولا تطعمه الفراخ التي لم تطر فأنها تثقله إذا أكلها وتصلب في زهركه ولا يسيغها بسرعة، وتضره غاية الضرر، وأطعمه الحذف السمان والقنابر والعصافير الطرية البقلية وما أشبه ذلك. ولا تدم على شيء مما ذكرنا لك، بل غيّر عليه هذه اللحوم، فهو أصلح له من أن تدوم به على لحم واحد، ولا تطعمه لحماً بارداً، وأنت تقدر على حار، أعني ما وصفته لك (ولا) سيما في القرنصة، وأن أطعمته ذلك في القرنصة فليكن في الأيام من بشتمازك حَمَل سمين بدهن حار مثل دهن الجوز، أو الزنبق، والأجود أن يكون بشيرج على جهته، فأنه أقلها ضرراً، والبشتمازك هو الذي يكون في آخر الأضلاع من داخل الحمل، لا ما يكون على ظهره، ويسمى الكمازك، فتَعاهدْه في القرنصة بما ذكرناه، ودع ما ذكر في الكتب من إطعامه في القرنصة الغدد وجراء الكلاب ومخاليف الخطاطيف والفار والجرذان، وجلود الحيات اليابسة، والزنابير الحمر اليابسة، ولحوم العجاجيل وأشباه ذلك، فأنك تعلم أنه لم يتغذ في وحشيته
(1/75)

بشيء من ذلك وإنه لم يكن له غذاء إلا اللحم الحار والدم، وقد رأينا من غذّى بازيه، واستعمل في علاجه ما وجده في الكتب الموضوعة التي أكثرُ ما ضُمّنته على غير أصل وبغير تجربة، فلم يكن لبازيه بقاءٌ وكيف يكون لجارح يُطعم البنج والخربق بقاء، وهما سان قاتلان، ويخلطان مع غيرهما من العقاقير الحادة الحارة فتحرق أكباد الإبل فضلاً عن أكباد الجوارح، وذلك موجود في الكتب المحتفظ بها في خزائن الملوك، فلا تُطعم بازيك في قرنصته وغيرها سوى لحم ما وصفناه لك أو لحم ما يصيده مما يجوز أن تطعمه إياه، ونحن نذكر ما يجنَّبه من لحوم صيده إذا انتهينا إليه.
وإذا رأيت بازيك قد ألقى بعض ريشه الصغار، وطلع شيء من ذنبه، فأحسن إليه بما ذكرنا لك، وتعاهده بالأدهان، واجعل في طعمه دهن الخروع في الاحايين، أو دهن الشهدانج فأنه مع دسومته شديد الحرارة، وإذا أكل منه ألقي ريشه سريعاً إن شاء الله، ولا تكثر عليه من الادهان فتبشمه وتؤذيه ويملها، وليكن ذلك بقدر، وشحومُ ما تطعمه لحمه من المخاليف النواهض، والعصافير البقلية أحفظ لجوفه، وأنفع له وأحمد عاقبة، فتعاهده بها، ولا تكثر عليه منها فتثقله، وكلما وجدت ريشاً من بدنه حواليه، فأرم به ولا تدعه عنده، ليِبَيِن لك ما يلقيه كل يوم فإذا تمّ ريشه وذنبه وجناحه وأردت حمله، فأنقصه قبل ذلك بأيام، ليمكنك حمله ويذوب بعض شحمه، وليكن حملك له في زيادة الشهر، وكن عليه أشد حذراً، وأكثر توقياً، منك في حال توحشه، لأن الوحشي تصيده، وهو كالفرس المصنوع، يطير كل يوم ويتعب نفسه ويصيد ما يأكله فلست تخشى من اضطرابه على يدك علة تحدث له، وهذا تحمله من كندرته
(1/76)

وقد ألقيته عليها مائة يوم أو نحوها لا يتحرك منها إلا إلى يدك وقت طعمه فهو سمين لا يؤمن عليه إذا أضطرب بفزعٍ أن ينقطع، وليكن حملك له أولاً بالليل، ليلتين أو ثلاثاً في السراج فأنه أسلم له، فإذا أنس فأحمله على الدابة، وسِرْ به في برد السحر، وطف به الصحراء أن رأيته يشتهي ذلك، فأنه مما يجيعه، وإلا فأردده إلى البيت، وأحمله حتى يذوب شحمه، ثم جوّعه وأخرجه، وليكن ما ترسله عليه أولاً الدُرّاج أو طير الماء أو ما شاكلهما، وجُرّه على ذلك وأرفقه فيه، وأن أردت به طائراً كبيراً لم يكن صاده في فروخيته، فأقصد به الجبل في أول النهار، وأرسله على الكروان ليطير عليه، ويكدّ نفسه ويصيد طلقين أو ثلاثة، ولا تذقه من كل طلق إلا القليل، فأن ذلك يزيد في جوعه، وأطلب به بعد ذلك الأرنب، فأنه يصيده، وأقطعه عنها وألقه على الماء، فأن شربه فهو يزيد في جوعه أيضاً، وأدخل به الصحراء بعد ذلك، وأرسله على ما تريد من كبار الطير، فأنه لا يرجع عنه وأجعل له شبعة في كل يومين أو ثلاثة على الإجابة، بعد أن يصيد لك ما تريد، فأنك إن لم تفعل ذلك فسدت أجابته وتعذّبتَ وكدّر عليك صيده. وتفقد سباقيه عند إرسالك له فأنه إذا كان قصيراً من جانب وطويلا من جانب واضطرب على يدك، ضَرّه ذلك وأوجع إحدى فخذيه، ولم يخرج من يدك، إذا أرسلته على الصيد كما تحبّ، وربما عرج من ذلك، فليكن السباق قصيراً فأنه أسلم له من العقاب وغيرها والأسباب كثيرة، وتفقد دستبانك لئلا يكون وجه الأديم خارجاً، وإن كان من غير الأديم وكان وجهه خارجاً تزلّق تحت البازي، ولم يتمكن من الثبات على يدك فأقلبه، وأجعل المبشور خارجاً ليتمكن البازي من قعوده على يدك، ولا تحمله وأنت سكران فأنه ينكرك ويخافك، ولا تمسه ولا تطعمه وأنت جنب، فأنه لا يحتمل ذلك.
(1/77)

وقد خبرني من جرب ذلك وزعم أنه لم يمْسَسْ جارحاً وهو جنب إلا تبين فيه التغير من يومه، ولا تحمله وقد أكلت بصلاً ولا ثوماً، ولا ما يتغير له الفم فأنك تؤذيه بذلك، ويحوّل وجهه عنك، ولا تنهره ولا تصح في وجهه، فأنه يعرف، وتباعده من نفسك بل تحبب إليه بمداراتك له ورفقك به، عند حمله، ولقمه اللقمة الصغيرة في غير أوقات طعمه وصيده، وفي الليل إذا علمت أن ليس عليه طعم ولا ريمجة وليكن تلقيمك له من فيك، ليألف ذلك منك، ومتى صحت به طلب صياحك للعادة، وإنما جعل مضغ اللحْم للبازي لهذا السبب. وكثير من البيازرة لا يعرف ذلك، وإنما يطعم للعرف والعادة، وإذا أردت أن يحبك بازيك ويألفك، ويسرع الإجابة إليك، فخذ من شحم سرة الدابة وأجعله في أناء، فإذا كان الليل فأحمل البازي في السراج، وخذ من ذلك الشحم مثل الحمصة، فأجعله بين سبابتك وإبهامك، فإذا ذاب فأمسح منه منسره، فأنه يجد طعمه ورائحته وتبين لك الزيادة في أنسه، ثم لا يصبر عنك. وهذا مما أحدثته الترك على ما بلغنا. وجنبه لحم العقعق والزاغ والغُداف ودم الريحاني أعني الحذف، وما علمته سَهَكاً من سائر طير الماء، والحمامة العتيقة فأنها علقم.
ولقد خبرني بعض الناس أنه ذبح حمامة عتيقة ضخمة، وأنه أطعم منها ستة بواشق، وكانت فراخاً فلم تبت ليلتها حتى قذفت كلها دوداً، وماتت عن آخرها، وجنبه ريش الطيهوج والغرّ وإلهام وما كان ريشه ليناً،
(1/78)

فأنه يصعب عليه أن يرمي به ونعم الشيء الريمجة للجارح، لأنه لا بّد له منها في حل وحشيته، فقد اعتادها وألفها، ثم مع ذلك تنشف الرطوبة، وتتعلق بها الفضول فتخرج معها، ولا تمتنع من إطعامك البازي العظم الذي فيه المخ مثل عظم الفخذ الأعلى ودعه يبتلعه صحيحاً، والعنَق فأنه يدسم جوفه ويلينه، ويوسع مذرقه والذي لا مخّ فيه يخرج أمعاءه.

ذكر سياسية الزُّرَّق
أعلم أن سياسة الزرّق كسياسة البازي وطبعه كطبعه، وصيده كصيده، وتضريته كتضريته، وداءه كدائه، وعلاجه كعلاجه، لا فرق بينهما إلا أن البازي أضخم، ويصيد ما يعجز عنه الزرّق، وقد قرأنا في بعض الكتب أنه كان لإنسان زرّق غطراف يصيد الكراكي فما دونها، وقد أبطل في هذا القول ولم يصدق فيه.

ذكر الأدوية والعلاجات
وما يستدل به من الذرق على كل علة
أعلم أن الذرق للجارح بمنزلة البول للإنسان ويستدل البصير على علة الجارح بذرقه، كما يستدل الطبيب الحاذق على علة الإنسان بالقارورة، بل الذرق أصدق وأصح لأن الجارح لا يتعدّى طعمه، وهو اللحم الذي هو غذاؤه، فأن وافقه وجد ذلك في ذره وإن لم يوافقه لم يخف في ذرقه.
(1/79)

والإنسان ربما أشتكى علة من حرارة شديدة أو من دم فتوجب العلة أن تكون قارورته حمراء، فيشرب في الليل شربة ماء، أو يأكل رماناً فيغير ذلك المقدار ماءه، ويحيله حتى يدل على غير علته، ويشكل على الطبيب أمره.
ويحتاج من كان عارفاً بالجوارح، كثير الملازمة لها، والتجربة لعللها، إلا يخفى عليه كل جارح، وأن يعرف ذلك ظاهراً وباطناً، بذرق الجارح، ويجعل ذلك شاهداً على العلة. كما يجعل الطبيب الماء شاهداً على العلة، ويحتاج مع ذلك إلا يخالف فعل الطبيب العالم، ولا يحكم على الذرق ويدع ما سواه من الشواهد، لأن الطبيب العالم لا يحكم على الماء دون المجسّة، وما يبين له من حالات العليل، وأن حكم بغير معرفة فقد ضل الطريق، وكذا ينبغي لمن عرف الذرق إلا يحكم عليه ون غيره من الشاهد كالبازي الذي يتزنجر ذرقه وذلك يدل على الاسطارم وهي علة لا دواء لها، وتراه صافي العين، ممتلئ الصدر، حسن الحال، ولا يكون اسطارمي صافي العين أبداً، ولا سميناً لأن هذه العلة في الجارح بمنزلة وجع السل من الإنسان، فمتى يوجدَ من به السل من الناس سميناً أو حسن الحال؟ فيحتاج إذا وقف على الذرق ورأى به منه شيئاً، أن يتفقد حال البازي وينظر إلى عينيه ولحمه، وحسن استمرائه للطعم، وإلى ما أطعمه بالأمس، فأنه ربما أطعمه ما يتغير منه ذرقه، وليس ذلك بضائر له، فإذا وقف على ذرقه عالجه بما يعالج به العليل من ذلك الداء الذي دلّ عليه ذلك الذرق، كالبازي يصيد طائراً فيجب أن تطعمه من دمه، لأن الدم في الاحايين مما ينتفع به إذا غذاءه، ويسهله وينظف جوفه ويجيعه، فإذا أكله تغير ذرقه، لأن الدم يغير ذرق الجارح، وليس عليه من ذلك التغير خوف، فيقدّر من رأى ذلك الذرق أنه من تعبٍ لحق
(1/80)

البازي، أو من بَشَمٍ فيقتله لذلك جوعاً، ويعالجه بما يعالج به البشَم
وإنما ذكرنا هذا ليتبين الناظر من ذرق البازي، ومن حالاته وطعمه بالأمس، ما يكون عوناً له فيعمل بحسبه، وربما سحق الريمجة فأخرجها في ذرقه، ولم يرمها من فوق وليس ذلك بمحمود، وهي مما تغيّر ذرقه، إذا خرجت من أسفله، ذلك يذهب على أكثر اللُّعَّاب، والعلة فيه أن الريش الذي يبتلعه البازي يكون قليلاً، فلا يمكنه أن يجمعه ويرمي به، وربما ضعف عن جمعه فيذيب الريمجة لذلك، وإذا ألقي البازي الريمجة يابسة مجتمعة فذلك من علامات الصحة وأن ألقاها خضلة مبتلة فعلى قدر بللها ورطوبتها يكون فضول جوفه، ومن علامات الذرق الدالة على العلل أن تراه مخالفاً لما ذكرناه من ذرق الصحة، فإذا رأيت الذرقة بيضاء شديدة البياض قليلة السواد، خشنة شعثة مقطعة، عسرة في خروجها فأنها تدل على الجص، وعلى حسب ما يظهر لك من الزيادة في بياضها وعسر خروجها يكون الجص، وإذا رأيت الذرقة قد اختلط سوادها ببياضها والسواد يغلب على البياض فأن يدل على تعبٍ لحقه بالأمس وأن رأيتها مختلطة فيها صفرة وهي كَدِرة مقطعة فأن ذلك يدل على بشَم حديث، وأن رأيتها مدورة على هذه الصفة ولم يمددها، فأنها تدل على تخمة عنيفة، وهو قريب من البشم، وأن رأيتها مزنجرة مدورة، وفيها بعض البياض وشبيه بالبزاق، فأن ذلك يحمل من لا يعلم، على أن يشهد بأنه ذرق جارح به الاسطارم، وليس ذلك مما يخشى عليه منه، وإنما تغيَّر ذرقه من أكله لحم طائر قد رعى ما يخالف طبعه، ولم يوافقه فيتغير لذلك ذرقه يومَه ذلك، ثم يرجع الذرق إلى ما كان عليه، وربما تغير ذرقه إذا بات خالياً من الطعم، فتكون تلك الذرقة من فضول جوفه، إذا كان غير خالٍ من الطبائع الأربع وهي دليلة على المِرّة لا غير.
(1/81)

وإذا رأيت الذرقة مزنجرة قد خالطها يسير من السواد والبياض، وأعادها البازي في غده حين تحمله، فأن ذلك يدل على الاسطارم. وإذا أرابك من البازي أمر وتوهمت به علة فأصرف همتك إلى الرفق به والإحسان إليه، وأسمنه فأن السمن ربما ذهب بالداء من غير علاج، وإن لم تستغن على العلاج فلأن تعالجه وهو سمين يقوى على التقبيض واساغة ما تطعمه خير من أن تعالجه مهزولاً فيضعف.
ولقد مرت بي حكاية عن رجل كان لاعباً بالجوارح أنه قال: سألت رجلاً يلعب بالجوارح عن بازي كنت أعرفه له فذكر أنه بمنزلة الميت، وأن الاسطارم مع كثرة العلل أنهكه وأذاب لحمه حتى أنه ليس فيه من القوة نما يقعد على اليد، وأعلمني أنه أمر برميه فبعث من جاء به، فرأيته على ما حكاه من الهزل والضعف حتى لقد كان يحرك رجله فتسمع صوتَ عظامه من جوفه تتقعقع، فسقيته ماء لأني رأيت عينيه عيني عطشان. وشددته في موضع بارد كثير الهواء، فكان مطروحاً على الكندرة لا أشك أنه ميت فتركته ساعة ثم لقَّمته صدر عصفور مُخْلِف، وعيناه منطبقتان، فلما حصل ذلك المقدار في زهركه فتحهما بعد ساعة، وانتظرت به إساغة ما أطعمته، ثم أني أطعمته شقة أخرى، فعبَّرها وتبينت الزيادة فيه، وفي نظره ولم أزل يومي ذلك كلما عبَّر أطعمه أخرى إلى العَتَمة، فبات وعليه شقة، فلما أصبح نظرت إليه وقد فتح عينه وصفت بعض الصفاء، ورأيت ذرقه حسناً جيداً، فأطعمته شقتين من عصفور فعبَّرهما بعد ساعة، وتركته حتى نقي وصفا ذرقه وصح، وطلب الطعم فأطعمته عصفوراً سميناً، منظفاً من ريشه وعظامه، فلما عبَّره قوي وصلب صياحه
(1/82)

فألقيت إليه فأرة فأكلها، ووضعت عنده الماء فشرب وأكثر، لملوحة لحم الفأرة، فجوّعه ذلك وحرّضه على الطعم، فكنت أخفف طعمه وأغيّر عليه اللحوم، فما وافقه ألزمته إياه، وما ثقل في زهركه وأبطأ تعبيره جَنَّبْتُه إياه، ولم يزل ذلك فعلي به مع الرفق، وكنت على سفر فلم ينجع رفقي به، بل كان يمسك رمقه حتى استقررت وأحممت البازي، وكان وقت قرنصنته فألقيته في القرنصة، وجعلت أداريه ولا أستعمل معه ما أستعمله مع غيره من البزاة لعلمي بما في جوفه من الداء إلى أن خرج من القرنصة ينشق شحماً، وخرج ريشه أجمع فحملته فصدت به حتى الكراكي، وكان لا يقصر في صيده، ويسيغ طعمه، ولا ينكر منه شيئاً، ولقد أرسلته يوماً على التم وكانت في ماء فلم تنقلع له بسرعة، فأخذ منها واحدة، فأجتمع عليه الباقي فضربوه وغطُّوه في الماء، وهو لا يُخلي التي صادها، وكان ذلك في يوم بارد فأدركته وحملته، وهو لما به من ألم الضرب وشدة البرد، فرددته وشددته في موضع كنين فلما زال عنه ذلك حملته وأطعمته وخفَّفت عنه، فلما كان في غد ذلك اليوم رأيته وقد صار على النصف مما كان عليه، ولم تمض له إلا عشرة أيام حتى عاد إلى ما كان إلى كان عليه أولاً من الهزال وسوء الحال، فدفعته إلى من يقوم بعلاجه ومداراته، فلم يزل يتعذب به إلى وقت القرنصة فلما ألقاه وأحمَّه رجع في السمن إلى ما عهدته وألقى ريشه وخرج حسناً، وصدنا به كل طير، ولم تزل تلك حاله إلى أن توالى عليه التعب فأرسلناه في بعض خرجاتنا إلى الصيد ثلاثة أيام، فعاد إلى الهزال والضعف،
(1/83)

فلم تزل حاله معنا يُلقي في القرنصة وهو لا يُرجى، ويسمن عند احمامنا إياه، ويحمل وهو سمين فيصيد كل طير، إلى أن مضت له سبع سنين ما من سنة إلا ويرجع فيها إلى حاله الأولى، ثم أنه ذهب منا فلم نعرف له خبراً، وإنما ذكرنا قصة هذا البازي ووصفناه علته وما عملنا به لأنه لا داء للبزاة أقتل من الأسطارم، وكان الشحم يقوّي البازي، ونحن لا نشعر بعلته وهو على تلك الحال، ولو لم نسمِنه ونرفق به لمات في أول مرة، ولا تؤٍثرن على إسمان بازك شيئاً متى رأيت منه ما يَريبك. وحدثنا من نثق به أنه رأى البازي وقد صاد التم بالمغرب.

ذكر ما يحدث الجص وصفة علاجه
أعلم أن الجص يحدثه الحمام واللحم البارد إذا أكثرت على البازي منه، وربما حدث من غبار وتدٍ اوُتِد في بيت مجصص، ويحدث أيضاً من شم رائحة الجص النديّ وربما حدث من ترك ذرق البازي في موضعه فيشمّ رائحته، وعلاجُه إذا بدا به أن تلقمه الزبد أولاً حتى يحصل في زهركه، ثم تلقمه السكر، فأن الزبد يليّن جوفه، والسكر يسهله، فأن نفعه ذلك وإلا فأحقنه بزبد، أو بمخّ من ساق شاة، تجمده في الماء البارد وتجعله مثل النواة للبازي، وكذلك تجعل للزرّق والباشق إذا أصابهما الجص بقدر ما يحتملانه، ولبن الأتن ينفع أيضاً فأن أمكن وإلا فأطعمه لبن الضأن بسكَّر ثلاثة أيام، مع بشتمازك الماعز، وتفقَّد ذرقه فأنه يرمي بالجص مثل الحمصة، وإن كان البازي صيوداً فليس له دواء أنفع من الطرَد، وأكل اللحم الحار، أعني القبج والطيهوج والدراج
(1/84)

ولا سيما أن كانت سماناً، فأن طيرانه وأكله هذه اللحوم مما يذيب الجص ويذهب به، وإن لم يمكن ذلك فأطعمه لحم مخاليف الحمام السمان ودماءها وشحومها فأنها صالحة له ولا بأس بلحم الأرنب حاراً، ولحمُ الخنزير وشحمهُ أبلغُ ما عولج به الجص، فأطعمه منه طعماً أو طعمين وإذا ابيضت عبنا البازي من شدة الجص فأعلم أنه قد صعد إلى رأسه، فمن الناس من يكون وسط رأسه، ومنهم من يكوي حنكه الأعلى بعود آس أو بمسلة، وأصل هذا العلاج التُرك، وأظنهم يفعلون ذلك بالبازي وليس به جص ليأمنوا عليه، وقلّ من رأيناه كوى بازياً في حال علته فنفعه ذلك، والأصلح ما ذكرناه ولا تَقْرَبه النار، ومن الناس من يعالج الجص بأشياء كثيرة وأدوية حارة حادة، يقتل اليسير منها الرجل فضلاً عن الجارح، فتركنا ذكرها، إذ كان العقل لا يوجب قبولها، ولأنني ما امتحنتها فأحمدها، ولا رأيت من امتحنها يحمدها.
وقد حدثني من أثق بقوله أنه عالج بازياً له من الجص بمرارة عنزٍ مع يسيرٍ من فانيذ فأنتفع به، وذلك أنه أخذ مرارة عنز فصبّ نصفها وجعل في النصف الآخر من الفانيذ السكري المدقوق مقدار ما تحمله وشد رأسها بخيط وأدخلها في حلق البازي، وجرّ الخيط منها فأنتفع بذلك، وذرَقَ الداء، فمتى عالجت بهذا الدواء فأكثر عرض الماء على البازي فأنه يشرب ويرمي بما في جوفه من الجص، ولم نجرب ذلك غير أن من حدثنا به بصير ثقة، وقد شرحنا ما علمناه من علاج الناس.
وقد كان عندنا بازي لمولانا صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، به ورم في رأسه، وجص في جوفه، وكنا نعالجه بمذبح التيس، وذلك
(1/85)

أن تشدّ يداه ورجلاه ويذبح، فيجعل البازي على مذبحه يأكل منه شبعه فيدفع ما في رأسه، وحلل الجص الذي في جوفه، وكنا نعالجه بلك يومين في الجمعة وهو الذي جربناه ولم نرَ إنساناً قبل مولانا صلى الله عليه عمل ذلك. ولو شرحنا ما عندنا في علاجه لأطلنا ولم نضمّن كتابنا إلا ما جرّبناه.
ولحم الغزال محِلّل للبلغم الكائن في أجوافها، وينفع من الرياح التي تعرض لها من الجص.

ذكر علاج النَّفَس
وهو نفَسان، فمنه ما يكون بالطول ومنه ما يكون بالعرض، فأما الذي بالطول فيرجئ له البرءُ، وأما الذي بالعرض فقلما يسلم منه البازي، فإذا أصاب البازي النفس بالعرض، وكان سميناً تاراً في بدنه، فأجعله في بيت كنين مظلم، وخِط عينيه، فإن كان النفس أصابه من صدمةٍ أو ضغطة فأذب له المومياء الخالص بدهن السوسن، وأطعمه إياه مع بشتمازك الضأن، فأنه ينفع الوهن ويجبر الكسر، وإذا رأيت البازي قد استدّ نفسه ويبس لسانه في فيه، فهو من الحر، فخذ له مقدار عدستين من الكافور، وأذبهما في الماء وأسقه إياه، وانتظر بطعمه خمس ساعات لم تخش ضعفه، ثم أطعمه بشتمازك ضأن، فإذا كان من الغد فخذ له
(1/86)

بشتمازك ضأن ذبيحة وقته، وشرّحه وقطّعِه صغاراً، وألقه في اللبن، وأطعمه إياه، وإن كان لبن أتان فهو أنفع له، وقلما رأيناه من البزاة خلص من النفس إذا أصابه، وله علاج غير هذا سنذكره إن شاء الله.
وكذلك إذا أنقطع البازي لا يجيء منه شيء، لأنه عرْق ينقطع في قلبه، وربما لحقه الانقطاع في القرنصة لشحمه إذا وثب، وربما أصابه ذلك من ردة سوء من بازياره، وعلاجه كثير وما بنا حاجة إلى أن نذكر ما لا فائدة فيه، بل نذكر ما عالجنا به وجربناه، وأخذناه من الثقات، وما سوى ذلك فقد حكيناه عن قائليه، وتبرأنا من الكذب فيه، واعتمدنا الحق فيما نقوله ونحكيه، وكذا سبيل من وضع كتاباً ألا يكذب فيه، وأن يتعمد الحق فيما يحكيه، فأنه متى اختُبر من كتابه شيء ولم يصح، كُذّب في الباقي أجمع، وما بإنسان حاجة إلى أن يهجّن نفسه، وكفى بالكذب خزياً واسقاطاً وضعة واحباطاً.

ذكر علاج البَشَم
إذا تبينت في البازي بشماً فأطل جوعه، وأجعله في بيت مظلم، لئلا يقتل نفسه بكثرة الاضطراب، وقتّر عليه الطعم، وليكن أول شيء تطعمه ثلاث قطع من لحم مشرّح واذرر عليه من الزنجبيل أقل من حبة، فأن ذلك يمريه ويشهّيه الطعم، ويعقد ذره حتى تراه قد صفا، وأن لقمته لقماً بنبيذ مطبوخ طيّب كان نافعاً، فإذا حَسُن استمراؤه للطعم، وتبيَّنت صلاح حاله، فأعمد إلى قطعة طين حارة محترقة مما يكون تحت القدر، وانحت ما عليها من الدخان واسحقها وألقها في الماء ودعها قليلاً،
(1/87)

ثم صَفّ ذلك الماء عنها، وقطّع اللحم الذي تريد تطعمه للبازي، واجعله فيه لحظة وأطعمه إياه وهو سخن. ولقد عالجنا به باشقاً عندنا أصابه بشَم فأفاق، وركبنا إلى الصيد فأخطأ عليه البازيار فزاده، ولم يكن يحتمل زيادة، فرجعنا من الصيد عند العشاء الآخرة، فحبس الطعم إلى أن مضى من الليل خمس ساعات، وردّه، وأصبح فلم يأكل الطعم، فمات عند الظهر، ولو لم يزده لكان سالكاً، وأن كان ما للحيّ قاتل، ولا للميت من يحييه.

ذكر علاج البياض إذا أصاب عين البازي
إذا أصاب عين البازي بياض فخذ ديكاً فأذبحه وقطّر في عينه من مرارته فأنه نافع إن شاء الله.

ذكر ما يوِلّد القمل في البازي وصفة علاجه
أعلم أن القمل يتولد في البازي لسبب نذكره، وذلك أن البازيار إذا أطعمه ربما يخلّي على منسره شيئاً من الطعم به البازي، ولا بد له من أن يطوي، فإذا جعل رأسه تحت جناحه أكسبه ذلك القمل الصغار والكبار، وإذا أصابه فما يهنيه أكل ولا نوم ولا صيد. وقد حُدثنا أن الكبار تأكل الصغار وهو مذيب للجارح، ويمصه حتى يتركه جلداً على عظم، وعلاجه أن تأخذ من الزرنيخ الأحمر سَجْل الماء مقدار ما تعلم أنه يكفيه، وتقبض البازي إذا طلعت الشمس.
(1/88)

وللقمل أمكنة معروفة يكون فيها، فمنه ما يكون في عنقه، وفي أصول الريش من تحت جناحيه، وفي عكوته وفي نَيْفَقه، ولم نرَ أبلغ من الزرنيخ في قعله. وقد وصف المتقدمون في كتبهم زبيب الجبل والمسك والذي ذكرناه أبلغ وأنفع.
ووصف للقمل أيضاً أن يُلَفّ البازي بخرقة جديدة، ويدخل به الحمام ويصبر به ساعة، فأنه لا يبقى عليه شيء من القمل.
ووصف له أيضاً أن يجعل في عنقه طوق صوف ويدخل به الحمَّام، فأن القمل يخرج في الصوف.
والسالم الذي عملناه وجرّبناه هو الزرنيخ. ومن رَسْم الجارح إذا زرنخ أن يراح ثلاثة أيام ثم يشدّ، فأن ذلك نافع له.
وقد وصفنا الجيد والرديء وذكرنا حاليهما ومبلغ فعلهما، والانتفاع بهما، فأعمل على أيهما شئت.

ذكر علاج المسمار إذا أصاب كف الجارح
إذا أصاب المسمار كفّ البازي فعلاجه بعِلك البُطم. وقال بعض البصراء ليس يقلعه شيء إلا الكّي، وهو مجرب وهو أنفع ما عولج به المسمار، ثم يعالج بعلك البطم والمرهم، وتُلبَّد كندرته بعد ذلك، ومن الناس من يلبّدها قبل ذلك، ويبللها بالماء والملح، وذلك مما يقلع المسامير من أصلها وقد جربنا ذلك وصح.
وأكثر ما يصيبه المسمار الصقور والشواهين.
(1/89)

ذكر ما يُحدث الورمَ في الكفين وصفة علاجه
أعلم أن الورم في الكفين يحدث من جهات، فمنها ما يكون من التخمة، ومنها ما يكون من مادة تنصب إلى الموضع حادة، والفرق بين ورم التخمة وورم المادة أن تجسّ الموضع، فأن وجدته بارداً فالورم من التخمة، وأن وجدته حاراً فالورم من المادة الحادة، وقد يحدث الورم أيضاً من فتلة أصابعه فترم لذلك كفه، فأن كان من التخمة فليس غير البطّ، والأدوية التي تجذب ما في كفه من الفضل، وأن كان الورم من دمٍ أخذت له القاقيا والمغاث والمرّ ودقيق الشعير وبياض البيض وطليته به، وأن جعلت معه شيئاً من ماء الهندبا وماء الكزبرة الرطبة كان أصلح، وهو يصلح للمادة والفتلة التي ذكرنا وينفع منها وقد يكون ورم أعلى الكف من الدود، وقد بيَّنَّا علاجه في باب الدود، وإذا أردت أن تبطّ كفه فالفف عليه خرقة كتان مبلولة وخلها ساعة طويلة ثم أقلعها وأقشر موضع الورم بسكين، حتى يتبين لك، وأشرطه طولاً لا عرضاً بمبضع، وأحذر أن يصيب عروقه وعصبه شيء، وأغسل عنه الدم، وأدهنه بدهن وردٍ، وضع عليه لوقته صفرة بيض نيء، وأشدده بخرقةٍ، فأنه يبرأ بأذن الله، ولم تصب هذه العلة عندنا غير شاهين واحد فعالجناه بما ذكرناه فبرئ.
(1/90)

ذكر علاج القُلاّع
إذا أصاب البازي القلاّع فحِنّكه بالصبر والعسل، فأنهما نافعان، وأتن نزلا في جوفه خرطاه ونفعاه، وأن شئت أن تشق موضع القلاع بمبضع وتحشوه بحصاة كافور فأفعل، فأنه نافع إن شاء الله.

ذكر ما يتبين به كون الدود في البازي وصفة علاجه
إذا رأيت البازي ينتف ريشه فأعلم أن ذلك من دود يكون في جوفه، وربما نتف من نَيْفَقه، ودواؤه أن تأخذ من قشر الرمان الحامض فتدقه ناعماً، وتذرّه على البشتمازك من ماعزٍ، وتطعمه للبازي ثلاثة أيام، فأنه يبرأ بأذن الله، ومن صفاته أيضاً أن تأخذ رمانة حلوة فتعصر ماءها ثم تقطع البشتمازك صغاراً وتلقيه فيه، وتطعمه البازي فهو نافع له.
ومن صفاته أيضاً أن تأخذ من الحمص الأبيض جزءاً فتقليه قلياً خفيفاً، ثم تقشره وتنعم دقَّه، وتأخذ ثلاث قطع لحم فتلطخها بيسير من عسل، ثم تذر عليها ذلك الحمص، وتطعمها للبازي، فأنه يرمي ما في جوفه من الدود بأذن الله.
ومن صفاته أيضاً أن تأخذ لِفْتَةً فتقورّها ثم تملؤها ماء، وتسخنها على النار، وتطرح فيها من بشتمازك مقدار نصف طعمه فأنه نافع إن شاء الله.

صفة علاج الحَرّ
إذا أصاب البازي الحر فأجعل له في طعمه دهن ورد وماء ورد يومين فأنه نافع وقد جربناه، ولم نر عليه إلا خيراً.
(1/91)

صفة علاج مخاليب الجارح إذا تقلَّعت
إذ رأيت مخلب البازي قد أنقلع فأعمد إليه ودمه يسيل واردده وهو طري، والفف عليه طاقةً دقيقة من مشاقة وسَقّه بدهن البزر الحارّ فأنه نافع مجرب.
ومن صفاته أيضاً أن تَلُف عليه المشاقة وتدهنه بدهن الأركاع. ومن صفاته أيضاً العنزروت ودم الأخوين.

صفة علاج البرد
إذا أصاب البازي البرد فعالجه بالأشياء المسخنة التي تدفعه، فمما تبتدئ به إذا كان في الصيد أن تتقدم بكنس بيته وتنظيفه، وإذا كان عند عشاء المغرب ملئ له كانون ناراً، وجُعل في بيته، فإذا رجع من الصيد نُحّيَت النار من بيته وأدخل فيه، وشُدّ على كندرته، فأن ذلك نافع له، فإذا أصبح فبكّر عليه بطعمه، وليكن من مخلف رطب قد مججته في الليل خمراً عتيقاً فأنه نافع له ولا سيما إن كان قد عرق في يوم الصيد وما مثله وقد جربناه. وإذا خرجت به إلى الصيد فليكن معك في الخريطة حمام قد مججته خمراً، فإذا كان عند عَرقة البازي، وأردت أن تشبعه فأذبح الحمام وأطعمه منه فأنه نافع إن شاء الله.

صفة علاج اعوجاج ريش الجناح
إذا رأيت ريش البازي قد تعوّج وكاد أن ينكسر فأغْلِ له ماء حاراً
(1/92)

مع شبت أو خطمى وصفّ الماء وأغمز ريشه فيه وقوّمه، فأنه يستوي إذا جفّ، وإنما يصيبه ذلك من اضطرابه مع طير كبير، أو من على يد أو من تقبيض، فأعمل ما وصفنا لك فأنه نافع بأذن الله.

صفة علاج العَقْر إذا أصاب كف البازي
أعلم أن سبب العقر في كف البازي أنه يجد الدم فيعبث بها حتى يدميها، وعلاجه أن تدق دم الأخوين ناعماً وبلّ موضع العقر، وتنثره عليه، وتلصق عليه جلداً مالحاً قد طليته بيسير من صبر مبلول فأنه لا يعاود العبث بها بمنسره إن شاء الله.

ذكر ما يحدث السُّدّة في المنخرين وصفة علاجها
أعلم أن السدة يحدثها الدخان والغبار، وعلاجها أن تقبض البازي، وتقطّر في منخريه دهن ورد أو بنفسج، وتنظفهما بأسفل ريشه، وإذا أطعمته فليكن معك جناح حمام عليه بعض اللحم، ودعه ينتفه فأنه لا بد أن يسيل من منخريه الماء فيعطس لذلك، ويخرج ما في رأسه من الداء في عطاسه فيزول ما في منخريه.
وقد يحنَّك لذلك أيضاً بالصبر فينتفخ منه رأسه وتنفتح السدد، ويجعل قبل التحنيك فيه يسيرٌ من دهن ليسهل ذلك عليه.
ومن صفاته أيضاً أن تأخذ رأس ثوم فيدقّ بخل كرم عتيق، وتقطّر في منخريه منه، وتمسكه على يدك ساعة، فأنه ينفض ما في رأسه ثم تشده في الشمس، وتضع عنده ماء يغتسل فيه فأنه يبرأ وأن تعذر عليه
(1/93)

أمر السدة فخذ له سلقاً فأسلقه، وكمّدْ به الموضع ثلاثة أيام أو أربعة فهو خير ما أستعمل له إن شاء الله.
تم علاج البزاة والحمد لله رب العالمين

ذكر من يصلح أن يستخدم من الكنادر
إذا أردت أن تمتحن الكُندرة فقل له ادخل إلى البيت وأخرج البازي، فإذا دخل ومعه أصل جناح، وقدّم يده على سائر جسده، ولقي البازي وحَلَّه من على الكُندرة، وقدّم يده على سائر جسده، إذا أراد أن يخرج من الباب، وكذلك إذا أراد أن يركب عمل ببازيه مثل العمل الذي أخذه به من الكُندرة، وإذا أراد أن يدخل البيت قدّم يده على سائر بدنه فأعلم أنه فاره فلا تفرّط فيه، واستأجره بما أحب فلست تصيب مثله. وإن قلت للكُندرة أخرج البازي من بيته فدخل وما معه شيء فأعلم أنه ما يحسن شيئاً، ولا يصلح إلا للصقور، وليس يصلح للشواهين. وتسوى أجرة الأول دينارين في الشهر على اللعب وزيادة، والثاني تسوى أجرته ديناراً ونصفاً إلا أن يكون من البَرَلُّسيين الذين يباشرون صيد البلشون بأنفسهم فأنه يسوي كل الأجرة. وهذه أجرة ذكرناها للمكان الذي نحن بسبيله، فليجعله من شاء مثالاً له، والزيادة والنقصان بحسب اختلاف الأسعار في البلدان، وعلى قدر صلاحها وثِقل المؤونة فيها والأجرة تزيد وتنقص فإذا حصل النشيط فما مثله، وكسلهم به يضرب المثل، وما كل الكنادر يحسنون تخليص البازي من على طريدة، ومن شرطه إذا صاد الطريدة أو الطير أن يذبح في كفه، ويخرج له القلب، ويترك حتى يشبع من النتف، ثم يخرج له فخذ من الطريدة يدُعى به إلى اليد، فإذا رآه صعد على اليد ولمُ يتعِب إن شاء الله.
(1/94)

باب تفضيل الصقور على الشواهين
لما فيها من الفراهة وهو السبب الموجب لتقديمها وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها
إنما وجب ذكر هذا الباب لأن سائر العلماء واللًّعَّاب قدّموا الشواهين وقدمنا نحن الصقور لما رأيناه فيها ولم يكن بدّ من ذكر السبب الموجب لذلك، ونحن نشرح حالها ونذكر صيدها، بعد أن تأتي على ذكر ألونها ومبلغ أوزانها، وصفة ضراءتها، ونحكِمّ من يقع كتابنا هذا في يده علينا وعلى من قدّم الشواهين على الصقور، ببصيرة العلم لا بغلبة الشهوة والتعصب، فهو أشبه بكل عالم وألزم لكل حاكم.

ذكر ألوانها
الأشهب الكثير البياض وهو الحصاوي وموطنه الجبال والبراري. والأحمر ومأواه الأرياف والسهول. والأسود البحري وهو الذي يشتُو في الجزائر على شاطئ البحر. والأصفر والأخضر وهو الذي يضرب ظهره إلى الخضرة وقلّ من يعرف هذا اللون.

ذكر أوزانها
فمنها ما يكون وزنه رطلين ونصفاً بالبغدادي، ومنها ما يكون وزنه على الصيد رطلين وثلثاً. ومنها ما يكون وزنه رطلين.
(1/95)

صفة ضراءَتها
إذا صيد الصقر من الكوخ فيجب أن تخاط عيناه ولا يزال كذلك إلى أن يمضي له أسبوع ويهدأ على يد البازيار، وبيازرة المغرب لا يخيطونه وهو أقلّ لعمره والله أعلم بذلك وأحكم. فإذا هدأ فأفتحه وأجلس به بين الناس ليأنس. وله دليل يعرف به هدوّه، وذلك أنه يملأ زهركه طعماً ولا تكثر عليه من رش الماء، وهو وحشي فأن ذلك يورثه السورنك فإذا أخذ الحَمام في الطوالة وجاءك من البعد ووثقت باجابته فأجعله في السباق وحده، فإذا جاءك من كل مكان ولم يبق في دَعْوِه شيء فإذا أضريت منها عدة على ما رسمنا لك فأدعها اثنين أثنين على الحمام أعني الصقور، فما كان منها مشابكاً فأفرده، وما اتفق منها على الدعو فأعْزله، فإذا أردت أن تكسر على الكسيرة فمنها ما يصلح للوبر ومنها ما يصلح للريش. فالجافي من الصقور للوبر، واللطيف الخفيف للريش، وهو لميح على البلشون لأنه يحتاج إلى أن يرقى في السماء وهو أملح ما يكون، وما يعرف في العراق هو طلق حسن نحن نذكره في كتابنا هذا إن شاء الله.
وهو أن تعمد إلى بلوشن فتخيط عينيه وتوصّي الكندرة إذا رأى بلشوناً وحشياً فليطلب مكانه ولتكن معه شبكة ينصبها في موضع ذلك البلشون بعد أن يطرده، ويجعل ذلك البلشون المخيط في موضع البلشون الوحشيّ، فأنه إذا رآه في موضعه جاء إليه ليحمي مكانه، فيقع في الشبكة
(1/96)

فخذه، وما أردت منها على هذه الصفة فأنت تأخذه. ولم أرَ أحكم من البَرَلُّسبين بذلك وهم يسمون البلشون البو (قردان) وإذا حصَّلته فأرجع إلى البيت، وأخرج من غد إلى الغيط، وليكن معك من يحمل البلشون وخط عينيه، وأشدد على صلبه قطعة لحم من الخريطة، فأن الصقر إذ رآه على تلك الحال نزل عليه، فإذا عملت به ذلك وأخذه الصقر فأنقص من الطعم الذي على صلبه في كل يوم، حتى يصير يخرج إليه بلا طعم، فإذ فعلت به ما رسمناه وصار يخرج إليه من كل ناحية فأخرج إلى الغيط وليكن معك بلشون مشرّق، وأستتر في خليج، وطيّره من يدك فأن كنت قد آخيت بين صقرين فأرسلهما عليه، فإذا أخذاه فأذبحه وأشبعهما عليه. ثم أغبّ الخروج إلى الصحراء غد ذلك اليوم، وأخرج بعد غده وليكن معك واحد مفتوح طري، وأستتر وطيّره، وأرسل عليه الصقور، فإذا صادته فأذبحه، وأشبعها عليه شبعاً جيداً، ثم أغِبَّها غد ذلك اليوم، وأخرج إلى الغيط وأطلب نقعة ماء عليها بلشون فطيّره وأرسل عليه، فأن صادت فأشبع عليه، وأن أحسنت فأشبعها فأنها تصيده وتكون فُرْهاً، ما بعدها شيء طول الشتاء، فإذا كان الصيف فأعمد إلى إوَزّة بيتية زرقاء فخط على عنقها لبداً أحمر، وخِطْ عينيها وأشدد على صلبها اللحم كما عملت في البلشون وأكتفها وثيقاً لئلا تضرب الصقر إذا جاءَها، فإذا خرج إليها من كل ناحية فأخرج إلى الغيط، وأوقفها في حلفاء وأجلس ناحية، وأكشف رأسك لئلا يعرفك الصقر، فأنه خبيث إذا عرف الخريطة لم يجيء منه شيء، وكل أسود العين كذلك فإذا فعلت ما رسمناه لك وخرج إلى الأوزّة على بعد، وصار كما يخرج يجلّي على يدك الغيط كله، فأقلع اللبد من عنق الاوزة
(1/97)

وأذبح في كف الصقر كل ثلاثة أيام، ولا تنس لأن تذبح في كفه أولاً، وأفعل ذلك ثلاث مرات فإذا انتهيت إلى ما رسمناه من ذلك فأطلب مكاناً فيه حُبرُج كبير وطيء، فبكر إليه قبل طلوع الشمس، فأن الصقر كما يدخل الحلفاءَ يجليه، فأمض معه حتى تحقّ أنه جبرج، ثم أرسله عليه، فأن صاده فأذبحه في كفه وأشبعه، وأن أحسن فأذبح في كفه حماماً وأشبعه وأغبّ الخروج غدَ ذلك اليوم، واخرج بعد غده وأطلب به حبرجاً وطيئاً، فأنه يصيده إن شاء الله فإذا صاده فأشبعه من لحمه فأنه حلو طيب، وأن أحسن فأشبعه أربعاً أو خمس مرات، ثم نقله من واحد إلى أثنين، لتفره صقورك عليه، والذكر من الحبرج يسمى الخرَبَ والانثى فداده، ولقد شبرنا جناحي الخرب فكان طولهما ثمانية عشر شبراً والأنثى دون ذلك، وله لحية ومذبحه تحتها، وما كل من صاد الحُبرج عرف أن يذبحه، وهذا مما تفرد به البرَلُّسيون دون غيرهم، وما يحسن بيازرة العراق من هذا شيئاً، وقد ذكرنا ما هو من صيدهم وصيد غيرهم ونحن نصف كيف يضرى الصقر على الغزال وبعد ذلك نذكر كيف يضرى على الكركي، وبه يفخر في العراق. وقد رأينا بيازرة من أهل العراق ممن يدعي صيد الكركي بالصقر ولم نرهم يصيدونه، ورأينا أهل مصر يصيدون به الكركي والحُبْرُج جميعاً، غير أنهم بصيد الحبرج أقعد.
ولقد بلغنا عن رجل كان في أيام الأخشيد يعرف بابن سعد الهائم أنه صاد الكركي بالصقر، وكان ذلك أعجوبة عندهم. وبعد فراغنا من ذكر الصيد نصف ما تحتاج إليه من آلة القرنصة ونذكر ما هو نافع من عللها إن شاء الله.
(1/98)

صفة ضراءة الصقر على الغزال وذكر ما يحتاج إليه من الآلة
وكيف يضريه المغاربة وهم أقدر على الغزال من أهل المشرق ونبين ما نأتي به من ذلك ونبدأ بذكر ضراءة المشارقة وأي وقت تكون من السنة
أعلم أن أهل المشرق يبتدئون الضراءة على الغزال وقت الجدي، وذلك في الربيع، فأول ما يُعمل أن يُؤخذ جلد غزال صحيح فيحشى تبناً حتى يقوم ويجعل له في موضع القوائم عيدان ويخيَّط كل فتق منه ويشد بين قرنيه اللحم شداً وثيقاً، ويطعم عله الصقر إلى أن يخرج إليه، وكلما جاد خروجه نقص من اللحم، حتى يصير يخرج إليه بغير لحم، فإذا عمل ذلك بعدة من الصقور وصارت تخرج إليه، خرج الإنسان بها إلى الصحراء وأخذ معه من يعرقب لها الغزال ويجرّيه، وذلك أنه يأخذ حبل قنَّب يكون طويلاً، فيشده في رجل الغزال فوق العرقوب بأنشوطة وتجعل الصقور في موضع لا ترى منه الغزال، ويتوارى الإنسان الذي في يده حبل الغزال، وليكن مستقبلاً للريح، ثم تُخرج الصقور فإذا رأت الغزال فلترسل عليه، فإذا رآها الإنسان الذي حبل الغزال بيده خرج وصاح على الغزال، حتى يجري ويجري معه لتعمل عليه الصقور فإذا علقت به جرّه إلى الأرض وذبحه في أرجلها، وأشبعها عليه شبعاً جيداً، وروّحها يوماً في البيت وأعادها، وأخذ معه غزالاً، وعمل به مثل عمله بالغزال الذي قبله في غير ذلك المكان، وأجراه أكثر من
(1/99)

الجري الأول فإذا علقت به الصقور ذبحه وأشبعها عليه، وأراحها يوماً وجعل طعمها ذلك اليوم من قلب خروف أو من لحم حارّ وزن خمسة دراهم لكل واحد منها، ولا يطعمها عنقاً ولا رشأً فأنها تمسك إلى آخر النهار. ولقد كان عندي صقور قد تدهقنت فكان يصيبني معها ما ذكرته.
وحدثني شيخ من لعَّاب الغزال أنه كان يأخذ من صوف فروٍ عليه فيجعله في الدم ويطعم منه الصقور يوم اللَّعِب وفيها الكريم والنذل. فإذا أرحتها وعزمت على الخروج فليكن معك غزال، وبكّر إلى الصحراء وأبعد بها إلى أن تيأس من العادة، وأعط الغزال لمن يخبأ في مخلاة وأقطع فرد عرقوبه، أو فشقّ بعض أظلافه بالسكين شقاً جيداً وخلّه في الصحراء، ولا يكن معه أحد، وأخرج الصقور، فإذا رأته واشتهته فأرسلها عليه، وصح على الغزال ليجري ولا يقف، وليكن مع غلام كلب مفرد، فأن عملت عليه وصادته، فأذبحه وأشبعها عليه شبعاً جيداً، وأن خشيتَ أن يسبق الغزال الصقور فأرسل عليه الكلب وأشبعها عليه، وأرحها كما رسمنا لك، فإذا عملت ذلك ثلاث مرات فأخرج إلى الصحراء وأطلب جدياً صغيراً فأرسلها عليه، فأنها تصيده ولا ترجع عنه إن شاء الله. ولا تزال تصيد به الجِداء وكلما صادت أشبعتها حتى تزيد فراهتها على الجدي فحينئذ فأطلب بها شاة على ما رسمنا لك. ثم تدخل القرنصة وقد بقيت على ثلاث ريشات من كل جناح، ثم تطرح في القرنصة، وليس تطرح عندنا بمصر إلى أن يجيء الصقر الجديد وهو الفرخ، وذلك يكون قبل النوروز أو بعده.
(1/100)

وقد رأينا في سنة من السنين صقراً صيدّ ببلبيس قبل النوروز بثمانية عشر يوماً، وما يحتاج الصقر إذا طرحته إلى علاج غير التقوية والطعم الحار والشيرج المقشَّر مع اللحم الحارّ في كل جمعة ثلاثة أيام، فإذا استراح وبردت عنه من البرود المقدم ذكره في كتابنا هذا، ومضى له عشرون يوماً سللت ذنبه فأنه يخرج بعد أربعين يوماً بمشيئة الله، وإن كنت عوّدته الماء فلا تقطعه عنه في كل جمعة وإن لم تكن عودته الماء فليس يشربه.
وقد شرحنا ما عندنا في الضراءة على الغزال وهو فعل أهل الشرق.

صفة ضراءة المغاربة
أعلم أن ضراءة المغاربة كضراءة أهل الشرق وما بينهما غير اختلاف الأوقات، وأول ما يضرّون الصقور يصيدون بها التيوس من أول السنة إلى آخرها ما يعرفون غير التيس والشاة، وقد رأيت من فراهة طيورهم أمراً عجيباً لأنها كانت تجيء من الغرب وبَرْقَة ومن عند ابن بابان، وما من الصقور شيء أقول أنني أضريته على الغزال، بل كنت ألعب بها فرهاً من الغرب.
ولقد وصل من عند ابن بابان عدة صقور ومعها شاهين وكان من الفراهة على حالٍ تجوز الوصف. وإن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ركب ليلة إلى الجبل فرأى قطعة غزلان فأرسل عليها الصقور فانفردت منها شاة، فأخذ ذلك الشاهين من يدي وأرسله عليها ومضينا على الصقور وقد صادت، ونسينا الشاهين فرجعت أطلبه فما رأيته مع الطيور. وجاء البيازرة فسلمت الطيور إليهم، وقلت قد تلف شاهيني وركبت فلقيت مولانا صلى الله عليه صاحب العصر
(1/101)

والزمان فقال: أين شاهينك؟ قلت: أحسبه تلف فقال: ما قصَّرت. وكان ذلك غاية ما عنده إذا حرد مضاهياً لأخلاق جدّه رسول الله صلى الله عليه إذ يقول الله تعالى فيه عليه السلام لحسن خلقه: وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم. وأخْلِق بمن كان ابن محمد بمن كان ابن محمد وعلي وفاطمة أن يكون خُلقُه كخلقهم صلوات الله عليهم أجمعين.
فرجعت وقد لحقني غمّ عظيم وكان تحتي فرس من جياد الخيل، ومعي جماعة من عبيدي. وتمادى صلوات الله عليه في الصيد، ولم أزل أطوف في الصحراء إلى قبل المغيب، فرأيت شيئاً عن بعد فقربت منه فنفر بي الفرس، فتماديت فإذا بالشاهين على الشاة قد قطع أذنيها وتلطخ بدمها، وهو وحده بغير كلب معه ولا معين، فركضت إليها فلما أحسَّت بي قامت فعدت طالعه في الجبل، وقلع الشاهين رجله عليها وتبعه فلحقها فأمسكها فَنفضَته وعَدَتْ فلحقها فصادها، ثم أحست بي فقامت فَعَدت إلى أن جاءت إلى سترة فرقدت فيها، وقلع الشاهين رجله عليها، ونزلت فكبَّرت وذبحتها وأشبعت الشاهين عليها.
ورجعت لأعرّف مولانا صلى الله عليه فلقيني عمي رضي الله عنه فقال: يا مولاي وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: قد شغلت قلب مولانا صلى الله عليه وجئنا جميعاً إلى مولانا صلى الله عليه فقبَّلنا الأرض فقال: وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: كيف كانت الصورة؟ فحكيتها له صلى الله عليه فقال: ما سمعت قط نظيراً لهذا، ولا سمع به سامع، ثم عاد إلى قصره المعظم المعمور بالعز الدائم وما رأيت قط مثله ولا احسبني أرى.
وقد رأيت من الصقور ما لم يسمع بمثله كثرةً تصيد الغزلان، ولكن يرسل ثلاثة على التيس واثنان وهذا ما لا يعرفه أهل الشرق إذ كانوا بعد
(1/102)

سنتين أو ثلاث سنين يصيدون التيس والمغاربة يصيدونه من أول سنة، فلذلك كثر التعجب منهم.
ولقد استأذنت مولانا صلى الله عليه سنة من السنين في الخروج إلى ترْنُوط، وانحدرتُ في البحر قبل العشاء، وكان ذلك في أشد ما يكون من الحر فبلغناها الصبح، ومعنا ثمانية أطيار ففرقتها فرقتين، فأخذت أنا أربعة ولم تكن من إصلاحي، وكان فيها واحد يسمى أبا غلبون، ونزلت إلى الابليز وطلعت الفرقة الأخرى فوق، فصادوا أربعة اطلاق، وصدنا نحن أيضاً أربعة اطلاق ثلاثة تيوس وشاة بفرد كلب، فصار الجميع ثمانية اطلاق، واشتد الحر، وأشبعت الطيور، وما رأيت قط من صاد ذلك بمصر، ولا تصاد أبداً بمثل العِدة التي كانت معنا.
وقد رأينا من علل الطيور التي تأتي بها المغاربة ما لم نعرفه، فمن ذلك علةٌ تأخذ الطير في حنكة الأعلى مما يلي رأسه، وهم يسمونها الدكرارة، ومتى أصابت جارحاً قتله، ورأيت لهم في الحفا (كذا) شيئاً مليحاً، وذلك أنهم يعملون للجارح سفرة من أدم، ويجعلون فيها ثقباً يخرج مخاليبه منها، وهي تجمع بخيط مثل السفرة وتشد تحت السباق ولا تضره ويصاد به.
(1/103)

باب صفة الشواهين
وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها
فمن ألوانها الاسبهرج وهو الذي يغلب عليه البياض والأحمر والأسود وهو البحري الخالص. وأوزانها من رطلين ونصف بالبغدادي إلى ثلاثة أرطال وربما زاد ذلك ونقص.

صفة ضراءتها
إذا صدت الشاهين من الكوخ، فخيط عينيه ليهدأ على اليد أياماً، ثم افتحه وشرّقه فأنه مثل الباشق وهو أرق من الزجاجة التي تنكسر من أدنى شيء. والصقر أصبر منه على الكد، فإذا أنس فادعه في الطوالة على الحمام، فإذا جاء فأشبعه عليه ثم صبّيح به غد يومه فادعه، فإذا جاء وقرب من الحمام فاستره عنه، وصح في وجهه فإذا ولى والطوالة فيه فهو يلتفت، فإذا ردّ وجهه فارم له الحمام، فإذا أخذه فأشبعه عليه وصبح به أيضاً فاجعله في سبقه وخذه على يدك، وأراه الحمام وخله من يدك، فإذا دار عليك دورتين أو ثلاثاً فارم له الحمام وأشبعه منه، فإذا عملت به ذلك وسكن طبقة جيدة، فاجعل في الخريطة طيرة ماء وخذ الشاهين فارفعه فإذا سكن الجو فأخرج الطيرة من الخريطة وطيرّها له، فإذا أخذها فاذبحها وأشبعه عليها واردده إلى البيت واشدده، فإذا كان بعد ثلاثة أيام فاخرج به إلى الغَيْط، وخذ معك طيرة ماء، واطلب به ساقية فيها طير ماء، وارفعه حتى يأخذ طبقته في الدور، فأنه كلما علا كان
(1/104)

خيراً له على طير الماء، وطيًر له إذا كان فوق الريح وطير الماء تحت الريح فأن ذلك خير له، ولا تطيرّ له إذا كان تحت الريح، فأن ذرّق فأشبعه، وأن احسن فأشبعه فأنه يصيد، وأحفظه في الاجَّانة فأنه متى كان مستغنياً مرّ، ومتى كان ناقصاً لم يصعد، لأن الدوران من رقته (كذا) فمتى حصل في تيك الطبقة صعب عليه النزول إليك، ومن طبعه الهرب، ومتى بات ليلة لم ينتفع وكان متعوداً للهرب، ومتى اشتهى شيئاً لم يرجع عنه. ومن طبعه أنك تضريه على كسيرة فيصيدها يوماً واثنين ويرى ما لم تكسره له فيصيدها وأن لم تطعمه عليها وذلك من جوهره وهو سريع التوبة عنها، وذلك أنه يصيد اليوم طريدة وإذا رآها في غدٍ حوّل وجهه عنها، وذلك من رقته، ولو كان شجاعاً لما رجع عنها. وقد رأينا الصقر يرجع عن طريدة وإذا رآها بعد ذلك لم يرجع عنها، وكان عليها أفره منه في الأول، وذلك لأنه أفره من الشاهين من حيث كان، وهو يصيد ما يصيد الشاهين، لأن الشاهين يصيد طير الماء، والصقر يصيد طير الماء، ومن صيد الشاهين الاوز، ومن صيد الصقر الاوز، ومن صيد الشاهين البلشون، ومن صيد الصقر البلشون، والصقر افره من الشاهين، وأصبر منه على الكد، وأبقى على الفراهة، وهو مطبخ الصعلوك (؟) لأنه يصيد من الغزال إلى الكركي وهو أكبر ما في الريش والغزال أكبر ما في الوبر والشواهين والصقور تصيد ذلك ولا ترجع عنه.
ولقد قرأت حديثاً في الشواهين أن إنساناً كان له شاهين، وأنه كان يصيد الكراكي فهو في بعض الأيام على يده إذ رأى كركياً على بعد فوثب، فأرسله عليه فصاده، وأنه حرك ليلحقه فعارضه في الطريق ما شغله عن الشاهين، وأنه التفت فرأى الشاهين مرخي الجناح، مفتوح الفم، فجاء ليأخذ فهرب منه، ولم يكن له عادة بذلك، وكلما جاء ليأخذه
(1/105)

هرب منه ولم يزل كذلك أن جاء إلى خراث (كذا) وأنه ذهب ليأخذه فإذا حذاءه كساً (؟) والكركي تحته فأخذه وأشبعه عليه. وما أقرب هذا من الكذب، ولكني حكيته كما وجدته، وعهدة الصدق والكذب على قائله دون حاكيه.
وذكر لي عن إنسان، كان يلعب بالشاهين، أنه أرسل شاهينه يوماً على غداف فراقاه حتى غاب معه في السماء، فلما أيس منه وضجر من طلبته، عاود إلى المكان الذي عوّده أن يشبعه فيه، فرأى فيه غدفاناً فطارت، وأن الشاهين انقلب عليها فصاد منها واحداً، وأنه كان بين موضع تلف منه وبين موضع صاده أميال، وأنا أصدقه في هذه الحكاية لأنه كانت لي جَلَمة وكانت فارهة على القُبَّر تصيد من خمسة اطلاق إلى ستة مراقاة في السماء فلما كان آخر النهار تلفت، فعدنا وتركناها وخرجنا غد ذلك اليوم فدعوناها في موضع عوّدت فيه الدعو، فلم نشعر إلا بها على رؤوسنا فأخذناها، فمن ههنا صدّقنا الحكاية عن الشاهين، ولهذا سمي الشاهين غدّاراً.
ولا بد لمن صنف كتاباً أن يذكر فيه ما يصدّقه ويصح في العقل وما لا يصح في العقل ولا يقبله، ليتصفح الناظر في كتابه عقول من يقبل الكذب ويصدّقه وعقول من نفاه واستقبحه.
ومتى بات الشاهين عنك لم تنتفع به، واحتجت أن تتعب به تعباً مستأنفاً، ثم إذا أضجرته مرّ، ومتى اعتاد الهرب كان أبداً هارباً ولذلك سمي آبقاً.
ولقد كان لنا شاهين مقرنص، بخلاف الشواهين في الهرب، لأنا مذ لعبنا به وإلى أن مات ما هرب منا، وكان يصيد من طير الماء ما كُبر
(1/106)

وصغر، ولم نر مقرنصاً قط أفره منه، وقرنص عندنا سنَئة ولم يتغيَّر عن فراهته. ومتى التاث عليك جارح ورأيته قد صلح على طعم فلا تنقله إلى غيره وألزمه إياه، وقد شرحنا ما عندنا في ذلك. والشواهين ينقسم على قسمين فمنها ما يقال لها البحرية وهي التي تفرخ في ناحية البحر لعظمها، وبياض ما اعتمَت به رؤوسها من ريشها، وكثرة ما بها، ورقة ألوانها، والكوستانيات فبضد ذلك من لطافتها وحُمرة ما اعتمت به رؤوسها من ريشها، وقلة ما بها وغلظ ألوانها، فهذه الأصناف التي ذكرناها المنتفع بها، فما صيد منها في أوكارها قيل لها الغطاريف الوكرية، وما صيد منها حين تطير قيل لها المنتقلة، وما صيد منها وقد استحكم وصاد قيل لها البدرية، وما صيد منها وقد أمطرت قيل لها الممطورة، وما صيد منها آخر السنة قيل لها (المسدرة؟) وما صيد منها وقت الهياج قيل لها الرواجع وأشد ما يكون هياجها من أول يوم في نيسان إلى أول يوم في آذار.
وما لطف من الجوارح فهي ذكور، وما ضخم منها فهي إناث، وإذا أردت أن تعلم جسارة الجوارح من جُبنها فأدخل بيتاً مظلماً وضع يدك عليها فأن وثبت ثم رجعت قبضت على اليد فهو الدليل على جرأتها، وصيدها لكبار الطير وإن لم تفعل ذلك فليست جريئة.
(1/107)

باب السقاوات
وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها وما تصيده من الوبر والريش وذكر ما يستدل به على جيّدها ورديئها
فمن ألوانها الأحمر والأسود ومنها الأسقع الرأس النقي البياض وهو الجيد ومنها ما يكون بلون الحدأة وهو الرديء. وأوزانها من رطلين بالبغدادي إلى رطلين إلا أوقية وقد يكون أقل من ذلك وأكثر.

ذكر ضراءتها
أعلم أن السقاوات مثل الصقر يعمل بها وهي وحشية كما يعمل به سواء. ومن بيازرة المغرب تعلّم المشارقة الصيد بها على الأرنب والكروان والحُبارى والغراب. وذكروا أنهم يصيدون بها الحُبْرج والحجل. وبالمغرب تكون فرهاً عليها. وقد صدنا بها الأرنب سنين بغير كلب، ورأيناها فرهاً ما تبقى شيئاً إلا وتصيده إذا أضريت عليه، وهي صبورة على الحرّ، وقد رأينا منها ما يصيد الغزلان والتيوس وهذا ما لا تعرفه المشارقة بالصقور، فكيف بالسقاوات. وهذا عجيب من السقوى وإقدام. وقد قرنصنا منها عدة على ما وصفنا في كتابنا، ولم نعلم أحداً من اللعاب ذكرها في كتاب ولا خبَّر بفراهتها، وأكثر ما يُلعب في المغرب بها وبالشواهين، لفراهتها وصلابتها، ويصاد بها أول السنة قبل أن تخرج الصقور من القرنصة ومعها تجيء القطمان وهي ملاح على الهدهد. وقد شرحنا صيدها أول الكتاب مع الاجلام.
(1/108)

والكوبج الذي يصفه أهل المشرق فهو دون الصقر في القد وهو أحمر الرأس وإذا اجتمع اثنان على غراب أو على أرنب فما بعدهما شيء، وما تحتاج إلى كلب معها لأنه يفسدها بل تريد من يعينها على صيدها، وقد رأينا منها ما يصيد الاوز القرْطي، وما مثلها عليه حسناً وملاحة، وكنا إذا صدنا بها الإوز نعجب من إمساكها لها، لأنها لا تخليّها أو تجيء البيازرة، وهو مليح عجيب ما مثله. وقد ذكرنا في كتابنا ما لم يذكره غيرنا وذلك لكثرة التجارب ومخالطة أهل البصيرة.
(1/109)

باب العقبان
وألوانها وذكر أوزانها وصفة ضراءتها
فمن ألوان العقبان الأشقر والأحمر والأسود والكامخي، وأوزانها أربعة عشر رطلاً بالبغدادي واثنا عشر رطلاً وعشرة أرطال وليس فيها ما يزيد على لوزن الأول شيئاً.
صفة ضراءتها
إذا كانت العقاب وحشية فيحتاج أن تفرس تفريساً جيداً ويرفق بها إلى أن تجرّد. وإنما قدمنا العقاب على الزمَّج لفراهتها ووثاقتها وصيدها للغزال وما شاكله من الوحش. ونحن نذكر عقبان كل مكان والفره منها، والغالب من حال اللُّعَّاب بها وما يصاد بها من الوحش.
أعلم أن عقبان المغرب كعقبان المشرق في ألوانها وأوزانها، والصنعة في العمل بهما واحدة، غير أنها أصلب وجهاً، وأصدق نية في الصيد من عقبان المشرق. ولما اشتهى صيدها مونا أمير المؤمنين صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين أمر بطلبها، وجعل لمن جاءه بعقاب ألف درهم، فُحمل إليه عليه السلام كثير، فأمرنا بحملها وتجريدها فانتهينا إلى أمره صلى الله عليه، واستأذناه في تجريدها، فتقدم إلينا أن نكسر لها الكراكي فكسرنا لها، إلى أن صارت تخرج إليها خروجاً جيداً، فذبحنا في أرجلها
(1/110)

الكراكي، وغيَّرنا عليها المواضع لئلا تألف واحداً، وأول ما أطعمناها على جيفته حتى عرفت الريشة، وصارت من أي جهة رأته أثبتته، فاستأذناه صلى الله عليه فأمرنا أن نقنصها للصيد ففعلنا، وركب صلى الله عليه للصيد، وخرجنا فجاز بكراكي، فأخذ العقاب على يده وتقدم بها إلى الكراكي، واستوفى الريح وذلك حق إرسالها، ثم أرسلها صلى الله عليه فصادت كركياً فأشبعناها عليه، وأمر بردها وتصيَّد عليه السلام بسائر الجوارح ذلك اليوم وكان يخرج بهذه العقاب يوماً ويريحها يوماً إلى أن تبطرقت. ثم أمر صلى الله عليه في السنة الأخرى بطلبها شرقاً وغرباً، فحمل منها إليه ما لا يحصى كثرة، فأمرنا بإصلاحها وضراءتها على الكراكي فخرج منها عدة كثيرة فرهاً بطارقة.
ولقد ركب صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين يوماً إلى ضيعة تعرف بخراب مقاتل، فصاد بواحدة من العقبان تسمى جليمة ثمانية كراكي، لم تخطِ مذ أرسلها إلى أن أشبعها طلقاً واحداً، وكانت من الفراهة على حالٍ تجوز الوصف، وكان معها عدّة مثلها في الفراهة، وصاد ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم صيداً لم يسمع بمثله ولا رؤي أحسن منه، وهو عليه السلام الذي عرّفنا أن نصيد بالعقبان الكراكي، لأنا لم نسمع بذلك في الشرق ولا في الغرب، ثم صرنا نطلبها أكثر من طلبنا للزمامجة لفراهتها، وكان صيدنا بها لما فيها من الوثاقة والفراهة، وأنها إذا علقت بالكركي لم يفلت منها، واجتمع عندنا منها نحو المائة وما رأينا من حملها عندنا بدشاخ (؟) مع كثرة الركوب بها في المواكب، من أول النهار إلى آخره،
(1/111)

وكنا إذا صعدنا بها الجبل صادت الغزلان والأرانب والثعالب وما شاكل ذلك، وإذا نزلنا بها إلى الابليز صادت الكراكي والبلاّرجات وما شاكل ذلك من الطيور الكبار والحواصل، ولما أكملت هذه الصفات كلها وجب أن نقدمها على الزمج إذ ليس لها فراهتها ولا تجمع ما تجمعه العقاب.
وهذا باب انفردنا بذكره لم يسبقنا أحد إليه فمتى ذكر أحد بعدنا شيئاً منه فقد حصل لنا حق السبق، وعساه أن يكون منا استفاده أو من كتابنا نقله. وكذلك ما ذكرناه من فراهة البواشق وعظم ما صيد بها مما لم يسبقنا إليه غيرنا.
وقصارى من يكون بعدنا أن يلحقنا في ذلك، إذ قد فتحنا له طريق الصيد بها، ودللناه على الضراءة لها، فمتى وقع كتابنا إليه وعمل به رجونا له معرفة ذلك وتسهيله، وإلا كان بمنزلة من تقدّم في التقصير عنا. وقد شرحنا في كتابنا ما يُحتاج إليه من الكسائر وغيرها من الأسباب التي يقوى بها الإنسان على إصلاح الجوارح، ولم نكن نحن نعرف هذه الطرائد المعجزة، وإنما الفضيلة لمن أحبها وأمرنا أن نضري عليها، فبإقباله صلى الله عليه ظفرنا بما أفدناه من معرفتها، ولو ذهبنا إلى ذكر ما يبذله من الصلات ويتفضل به من الأرزاق والهبات لم يحط به وصفنا ولا بلغه كنهنا.
(1/112)

باب الزمامجة
وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها
فألوانها أربعة: الأحمر والحداوي والأسبهرج والأصفر، وفيها ما يضرب إلى السواد. وأجودها الأحمر الأسود العين وأوزانها ستة أرطال بالبغدادي وفيها ما وزنه خمسة أرطال ونصف وخمسة أرطال.
وضراءتها كضراءة العقاب وهي أرق من العقاب، وسبيلها الرفق إلى أن تجرّد، وهي ملاح خفيفة الأرواح، ولها مع ذلك على الكركي لا غير، والمتوسط أفره ما رأيناه منها، ولم نر كبيراً منها فارهاً. وصيدها محكم كصيد البازي إذا أمكنتها الكراكي، وهي خفيفة المحمل وتستجيب كما يستجيب الباشق إلى يد الفارس، ومنذ لعبنا بها وإلى حيث انتهينا ما خلّينا عنها، وما يخلو موكبنا في كل سنة من خمسة أو ستةٍ فرهٍ، والناس كلهم يقدرون أن يصيدوا بها الكركي، غير أنه لم يتَّجه لهم في العقبان ما اتجه لنا. وهي تلتاث كسائر الجوارح، ويصيبها الجصّ والاسطارم، وربما أصابها الحرّ والبرد، ويلحقها في أجنحتها علة ترمي ريشها تسمى القرض، وربما أصابتها على أخرى في أجنحتها فرمت ريشها، وهي تسمى القرح، وربما عمي الريش في أجنحتها واستدّ مكانه، فلا يخرج حتى تقبض ويفتح المكان ويعالج.
ولم نبق من سائر علاج الجوارح شيئاً إلا وقد شرحناه في باب البازي وغنينا بذكره هناك عن إعادته، لأن ما ينفع الصغير ينفع الكبير من الجوارح خاصة، غير أن كلاً يحتاج العلاج على قدر جسمه، فأن كان صغيراً فالقليل بكفيه، وأن كان كبيراً كان بحسبه وبالله التوفيق.
(1/113)

باب ما قيل في العقاب من الشعر المستحسن
قال امرؤ القيس:
كأنها حين فاض الماء واختلفت ... صقعاء لاح لها بالصراحة الذيبُ
فأقبلت نحوه في الجو كاسرة ... يحتثُّها من هواء الجو تصويبُ
صُبَّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... أن الشقاء على الأشقين مصبوبُ
كالدلو بُتَّت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريبُ
وقال آخر:
أمير يأكل الأسلاب منا ... ألا قبحاً لذلك من أمير
وينهى أن نُغير فأن أغرانا ... على جيّ أغار على المغيرِ
كلقوة مرقب ترعى صقوراً ... لتأخذ ما حوت أيدي الصقورِ
وقال آخر:
قليلاً ما تريث إذا استفادت ... غريضَ اللحم عن ضرمٍ جزوعِ
(1/114)

فما تنفك بين عُويرضاتٍ ... تجرّ برأس عكرشة زَموعِ
تعوذ ثعالب الشرقين منها ... كما لاذ الغريم من التبيعِ
وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فبلغ منه غايةً كل أحد يرومها بعده يقصر عنها وذلك قوله:
كأني بفتخاء الجناحين نِضوةٍ ... على عجل منها اطأطئ شملالِ
وذكر حالها ثم قال:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العنَّاب والحشف البالي
فجمع بين تشبيهين في بيت ثم أتعبه الناس.
وقال الهُذَليّ:
ولله فتخاء الجناحين لِقوةٌ ... توسّدُ فرخيها لحوم الأرانبِ
كأن قلوب الطير في جوف وكرها ... نوى القسب يلقى عند بعض المآدبِ
(1/115)

فخاتت غزالاً جاثماً بصُرت به ... لدى سمُرات عند ادماءَ ساربِ
فمرت على ريْدٍ فأعنتَ بعضَها ... فخرت على الرجلين أخيب خائِبِ
وقال آخر وهو امرؤ القيس:
فأدركته فنالته مخالبها ... فأنسل من تحتها والدف مثقوبُ
لا مثلها في ذوات الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ
يلوذ بالصخر منها بعد ما فترت ... منها ومنه على العقب الشآبيبُ
ثم أستعان بدحلٍ وهي تحفره ... وباللسان وبالشدقين تتريبُ
فظلَ منجحراً منها يراصدها ... ويرقب الليل إن العيش محبوبُ
وقال آخر:
يا ربما أغدو مع الأذانِ ... والنجم قد رنَّق كالوسنانِ
(1/116)

والصبح مثل الأشمط العريانِ ... والليل كالمنهزم الجبانِ
بلقوةٍ موثقة الأركان ... غرثى وكم تُشبع من غرثانِ
كأنما تضمر للرهانِ ... كريمة النجر من العقبانِ
بمخلب يهتك دستبانيِ ... يفلّ حد السيف والسنانِ
أشبه معطوف بصولجانِ ... ومنسر من الدماء قانِ
كأنه في رؤية العيانِ ... سبَّابة من قيمةٍ هجانِ
مخضوبة تُلوى على دستانِ ... ومقلة طحّارة الأجفانِ
كأنما صيغت من العقيانِ ... تضمن صيد الجأب والأتانِ
والطير في ربقتها عوانِ ... لم تأل أن صادت بلا زمانِ
(1/117)

باب صيد الفهد وصفة ضراءته
من أحب أن يصيد الفهد فليعلم كيف يصاد ويُطلب، وكيف يشد إذا صيد، وإلا فلو وقع يوماً على عشرة ولم يحسن طردها وصيدها ومداراتها إلى أن يصل بها إلى منزله لم يلحق منها شيئاً، والفهد لا يًقدر عليه إلا في يبَس، ويحتاج من يطرده أن يحفظ أثره لأنه متى خفي عنه أثره لم يجده، فإذا صاده فليشدد زوائده بخرقة، بعد أن يطرح عليه كساء ويكمّمِه، ويجعله في غرارة، وليكن رأسه خارجاً من الغرارة لئلا يموت من الحر، وعندنا بنو قُرّة متعوّدة لصيده فإذ صار به إلى منزله فليعرض عليه الماء فأن شربه وإلا رشه على رأسه وأكتافه وخواصره وجوفه، ويعمل له قلادة فيها مِدْوَر لئلا يدور فتلتوي على عنقه ويكون فيها مجرّ جيد، ويضرب له سكة في مكلان بارد ويشدّه فيها إلى آخر النهار ثم يأخذ من لحم خروف ثلاثة أرطال، فيقطعه صغاراً ويرميه في قصعة الفهد، ويحلّ الكمامة عن فمه، ويكون في جنبه، ويقدّم له القصعة، فأنه يأكل ولا يزال يمسحه، فإذا كان وقت العشاء فليدخل به البيت برفق، ويجعل له قنديلاً في سقف البيت ليضيء عليه، ويسهر معه أكثر الليل بالتمسيح ليألفه، فإذا عمل به ذلك لياليَ، وأنس ووقف على قوائمه ودار حواليه فعند ذلك يحل مجره عند إطعامه ويستجيبه بالقصعة، فكلما لحقه رمى له في القصة قليلاً من طعمه إلى أن يفرغ الطعم، ويعمل به ذلك أياماً، حتى يتبعه مثل الكلب السلوقي، ثم يعمد بعد ذلك فيبني له مثالاً في البيت على قدر الدابة ويطرح عليه الطنفسة التي يطرحها على
(1/118)

الدابة، وإذا أراد أن يطعمه جعل طعمه على المثال واستجابة إليه، فإذا صعد رمى له في القصعة قليلاً من اللحم، فإذا أكله أنزل القصعة إلى الأرض فإذا نزل إليها رمى له فيها قليلاً من اللحم، فإذا أكله شال القصعة إلى ذلك المثال المبني أيضاً وصاح به، فإذا صعد إليه أشبعه ولا يزال يعمل به كذلك مراراً حتى يثق بإجابته، فحينئذ فليقدّم له الدابة، وليكن فرساً هادئاً لا نفوراً، ويستجبْه إليه، فإذا طلع على الفرس ولم ينفر، وصار محكماً، فيخرجه إلى الصحراء ويجعل طعمه فيها، ويحكم إجابته إلى الدابة، حتى أنه يجري الفرس جرياً شديداً، والفهد يجري يطلبه، فإذا رآه كذلك فقد أحكم إجابته، ثم يطعمه يوماً ويُغبّه يوماً، وليكن حول قصعته حَلْق لتكون له علامةً، إذا سمعها جاء إليها ولم يتأخر، فإذا أحكم ذلك فلم يبق عليه في تعليمه شيء فليخرج به إلى الصحراء ويأخذ معه غزالاً ويخلّه له، فإذا أخذه ذبحه وقدّم القصعة، وفيها طعمه من اللحم الطري وجعل فيها من دم الغزال، وإن كان اللحم بائتاً ردّه كما يرد البازي، فإذا أشبعه ركب الدابة وأخذه، فإذا عمل به ذلك مراراً فليطلب به غزالاً وطيّاً فأنه يصيده فإذا شبع وتمهَّد عليه طلب به عجول بقر الوحش، فأنه يصيدها إن شاء الله، وهذه صفة الضراءة وما عندنا فيها.

ذكر الصيد بالفهد وما يستحسن منه
أعلم أن الصيد بالفهد ثلاثة أصناف، فمنها أن يُنزل إلى الوحش ولا تعلم به، ومنها ما يكون مُجاودة، ومنها ما يُخلَّى وتطرد له الوحش، وهي ثلاثة أبواب ملاح، وأحسنها ما كان مجاودة. وزعم أرسطاطاليس أن الفهد تولَّد من سبعٍ ونمرٍ، ومن شأنه إذا وثب على طريدة لم يتنفس حتى يأخذها، فيحمي لذلك وتمتلئ رئته من الهواء الذي حبسته.
(1/119)

وسبيله أن يراح ريثما يخرج ذلك النفس، وتبرد تلك الغُلَّة، ويُشقّ له عن قلب الطريدة بعد تذكيتها، ويطعمه ويسقى ريه من الماء إن كان الزمان حاراً، ودون الري إن لم يكن الحر شديداً، ثم يُبتغى به طريدة أخرى، ولا يُكلَّف في يومه أكثر من خمسة اطلاق، وقد يصاد به في اليوم نحو عشرة اطلاق، وإن لم يُرَح لم يُفلح بعد ذلك. ومن طباعه الحياء وكثرة النوم والغضب. ولا يعلم أنه عاظل أنثى وهو في يد الأنس، وقد عني بمراعاة ذلك واجتُهد فيه فلم يُعرف منه، والأسد كثيراً يفعله.
وذكر بعض الفهادين العلماء بصيدها وطباعها، أنه يمسح الفهد والفهدة ويمر يده على جميع أعضائها فتسكن لذلك حتى تصيب يده موضع بعرها، فتقلق لذلك وتنعطف عليه لتعض يده. ونومه يضرب به المثل. قال بعض الشعراء يصف نومه:
فأما نومه في كل حين ... فعين الفهد لا تقضي كراها
وقال المكتفي ووصف يوم صيد بكثرة وحشه وضراءة فهوده:
فمضى يومنا بين فهود لا تشبع، وظباء لا تجزع. أخبر بذلك عنه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وقال بعض الكتَّاب وعابة قوم بكثرة النوم ونُسِب إلى الإخلال بأعماله والتقصير في تنفيذ أموره:
رقدت مقلتي وقلبيَ يقظا ... نُ يجسّ الأمور جسّاً شديداً
يُحمَدُ النومُ في الجواد كما لا ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا
وفي طباع الفهد مشاكلة لطباع الكلب حتى في ادوائه ودوائه، والنوم الذي يعتريه شبيه بنعاس الكلب. ومن قول الأعشى في صفة بخيل مماطل:
لاقى مطالا كنعاس الكلبِ
ورجع بنا القول إلى استتمام شرح الصيد بالدسيس وسبيله في صيده
(1/120)

غير سبيل المصحر وهو ابله جداً، لما يظهر منه في تعمُّله لستر شخصه وخفاء سره، ويرسل على بعد من الطريدة بعد أن يتشوّفها، ويتلطف لإرساله من غير قلق، فتراه يمر مثل عَناق الأرض رافعاً يداً وواضعاً أخرى، على وزن وقدرٍ متناسب، ما دامت الظباء ناكسة رؤوسها ترتعي، فإذا شالتها وخاف منها التنبه عليه أمسك على الصورة التي تنتهي به الحال إليها، لا يقدم ولا يؤخَّر، ولا يرفع الموضوعة ولا يضع المرفوعة فإذا طأطأت رؤوسها سلك سبيله الأولى، حتى تقول إنه في تلك الحال كحال القانص الذي وصفه رؤبة فقال:
فبات لو يمضغ شرياً ما بصقْ
وهذه المشية يقال لها الدألان والدأل والدألى يقال دأل له يدأل إذا مشى مشية الختل وأدى له يأدو له ودأيت أدأى وفي المثل والذئب يأدو الغزال ليأكله. وفي اللفظ الأول يقول الراجز:
اهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنه لا أخا لكا
وأنا أمشي الدألى حوالكا
وقال آخر:
أدَوتُ له لآكله ... وهيهات الفتى حَذِرُ
وقد قال المحدثون في طرد الفهد شيئاً كثيراً نحن نذكر ما استحسناه إلا صيد الدسيس، فما وصفه واصف على حق صفة سوى بعض الكتَّاب فقال:
قد أسبق الأخوان بالتغليسِ ... قبل غناء القَسّ والناقوسِ
والروض مثل حلة الطاوسِ ... والريح مثل نكهة الكؤوسِ
أو مثل ما أنثوه عن جليسي ... بطالعٍ مصحَّحٍ مَقيسِ
(1/121)

مبرّأٍ من نظر النحوسِ ... أسعد بالنثليث والتسديسِ
بذي دهاء مضحك عبوسِ ... جهم كُسي من صنعة القدوسِ
ديباجةً من أحسن اللَّبوسِ ... كأنما يُبتزّ من عروسِ
إبليسَ أو أمكر من إبليسِ ... ختَّالٍ أظبٍ مخبِتِ الحسيسِ
طبّ بصيد عفرِها والعيسِ ... لا مصحرٍ للوحش بل دسيسِ
لًطا لطوّ الحاملِ الحسيسِ ... والسطو سطو القادر الارّيسِ
له دبيبٌ ليسَ بالمحسوسِ ... مثل دبيب الماء في الغُروسِ
فعلٌ كمتن الجحفل الخميسِ ... وحشٌ يضاهي حيلة الأنيسِ
حتى إذا أفضى من التأنيسِ ... إلى سكون النافر الشَّموسِ
وحمّتِ الآجالُ للنفوسِ ... أبدلها من نعمةٍ ببوسِ
أسرع من عين إلى نفيسٍ ... لاهٍ عن الخشفان بالتيوسِ
مبتدئاً منهن بالرؤوسِ ... وجِدّة العيش إلى دروسِ
وما من الأيام من محروسِ
وقال آخر في صفة الفهد والطريدة:
بذلك أبغي الصيد طوراً وتارةً ... بمُخطفَة الاكفال رُحبِ الترائبِ
(1/122)

مرقّقةِ الأذناب نمرٍ ظهورها ... مخططة الآذان غُلب الغواربِ
مدرّبةٍ زرقٍ كأن عيونها ... حواجل تستذري متون المراكبِ
الحوجلة القارورة، وتستذري يصف مكانها خلف الراكب، وأن ظهره يذريها أي يسترها والذرى الستر ومنه:
إذ قلَّبتها في العجاج حسبتها ... سنا ضرَمٍ في ظلمة الليل ثاقبِ
مولعة فُطْس الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتبِ
نواصب آذان لطاف كأنها ... مَداهِنُ للأجراس من كل جانبِ
ذوات أشافٍ رُكَّبت في أكفها ... نوافذَ في صم الصخور نواشبِ
فوارس ما لم تلق حرباً ورَجْلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائبِ
تضاءلُ حتى ما تكاد تُبينها ... عيونٌ لدى الصيران غيرُ كواذبِ
(1/123)

حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مِبَلاّت بطول التجاربِ
توسّد أجياد الفرائس أذرعاً ... مرمَّلةً تحكي عناق الحبائبِ
وهذه تشتمل على معانٍ كثيرة وقد سرقها عبد الصمد بن المعذّل فقال يصف الفهد:
قد أغتدي والشمس في أوراقها ... لم تأذن السَّدفة في اشراقها
وصحبتي الأمجاد في أعراقها ... على عتاق الخيل من عناقها
نُمر بنات القفر من أرزاقها ... تغدو منايا الوحش في أطواقها
قد واثقتنا وهي في ميثاقها ... وفيَّة ما الغدر من أخلاقها
مذمجةٌ هيِفٌ على أحناقها ... باعدها التنهيم من أشباقها
ترى بأيديها لدى اتساقها ... وصيدها بالقاع واتفاقها
مثل أشافي القين في انزلاقها ... تقدّ ما تحبط باعتلاقها
قد التجار العصب من شقاقها ... كأنها والخزر من حداقها
والخطط السود على أشداقها ... تركٌ جرى الأثمد من آماقها
باتت إلى الصيد من اشتياقها ... وجذبها الأعناق من ارباقها
كأسر العجم في أوهاقها ... تضرم في العزاء من تنزاقها
تلهُّب النيران في احتراقها ... حتى إذا آلت إلى متاقها
بالسهلة الوعساء من براقها ... في مأمن الصيران من طرّاقها
ورعيها الناضر من طبَّاقها ... وآنست بالطرف واستنشاقها
(1/124)

وجعلت تأشير من إقلاقها ... حُلَّت وسمَّينا على إطلاقها
وقد حدرنا الوحش من آفاقها ... يسوقها الحَينُ إلى مساقها
إدناءك الحور إلى عشاقها ... وهي على الغبراء في التزاقها
حدافة تخفى على رمَّاقها ... من ختلها للوحش من اسفاقها
كأنها الحيَّات في اطراقها ... أما رأيت الريح في انخراقها
ولمعة البارق في ائتلاقها ... وغيبة الشؤبوب في انبعاقها
وطيرة الأقداح في انمراقها ... تهوي هويّ الدلو في أرشاقها
ما أدرك الطرف سوى لحاقها ... وهصرها الآرام واعتناقها
وخصفها الأيدي إلى أعناقها ... شرك الضباع النعل في طراقها
شاصية تنشج في آماقها ... تفحص في التامور من مهراقها
بطح الغواة الوفذ من زقاقها ... لا نصطفي منها سوى حُذاقها
بورك للأمير في رفاقها
وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة:
ولا صيد إلا بوثَّابةٍ ... تطير على أربع كالعذَبْ
فإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلبْ
فزوبعة من بنات الرياح ... تريك على الأرض شيئاً عجبْ
(1/125)

تضم الطريد إلى نحرها ... كضم المحبة من لا يحب
قوله من لا يحب مبالغة في وصف تشبثها لأن ضم المحب من يعلم أنه لا يساعده على المحبة أشد توثقاً ولزاماً. وأخذ هذا من قول العرجي:
فتلازما عند الوداع صبابة ... أخْذَ الغريمِ ببعض ثوب المعسِرِ
والمعسر كاره لتعلق الغريم به، وكان الصواب أن يوقع تشبيهاً يدل على أن كل واحد منهما مضاهٍ لصاحبه بالملازمة، كما قال القائل وهو الجيد:
ثم اعتنقنا عناقاً ليس يبلغه ... تلاصق الطلع في طي الكوافير
وتشبيه ابن المعتز في هذا حسن لأن الفهد مجتهد في التشبث بالظبي (والظبي مجتهد في التشبث بالظبي) والظبي مجتهد في مغالبته وكذلك ضمّ المحب من لا يحبه:
إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطبْ
ألا رب يومٍ لها لا يُذَمّ ... أراقت دماً وأغاثت سَغِبْ
لها مجلس في مكان الرديف ... كتركية قد سبتها العربْ
ومقلتها سائلٌ كحلُها ... وقد حُلّيت سُبَجاً في ذهبْ
غدت وهي واثقة أنها ... تفوز بزاد الخميس الجِبْ
فظلت لحوم ظباء الفلاة ... على الجمر معجلة تُنتهبْ
كأن سكاكينهم نَشَّرتْ ... معصفرةً فوق جزل الحطبْ
(1/126)

والبيتان اللذان فيهما المعنى مأخوذان من قول عبد الصمد وهما:
كأنها والحُزرْ من حداقها ... تُركٌ جرى الأثمد من آماقها
وزاد ابن المعتز عليه في ذكر الرديف. وقال الرقاشي في صفته:
لما غدا للصيد آل جعفرِ ... رهطُ رسول الله آل المفخرِ
بفهدة ذاتِ شوىً مضبّرِ ... وكاهل ناتٍ وعنق أزبرِ
ومقلة سال سوادُ المحجرِ ... منها إلى شدق رُحاب المفغر
وذنَبٍ طال وجلد أنمرِ ... وأيطلَيْ مستأسدٍ عضنفرِ
وأذن مكسورة لم تجبرِ ... فطساء فيها رحب في المنخرِ
مثل وَجار التتفُل المغوّرِ ... أدبها اسحق في تقدّرِ
بالنقل والأشلاء غير ممترِ ... كأن فوق الأعوجيّ الأشقرِ
مَلْكاً ترقى عتبات منبرِ ... طرّاحة بالطرف ذي التسعرِ
(1/127)

بين الصوى والصحصان الأغبرِ ... حتى إذا ما آنست كالأصورِ
سرب ظباء بكثيب أعفرِ ... جاذبت المقود في تأمّرِ
وعلم العبدُ وإن لم يُخبَرِ ... بحالها أطلقها كالقسورِ
تنساب كالحية في تستّرِ ... فمرّ بين مقبل ومدبرِ
مَرّاً كلمع البرق لم يُفَتَّرِ ... كأن نضج الأرجوان الأحمرِ
منها على الخدين والمعذّر
والمسنّ منها إذا صيد كان أسرع انساً وأقبل للتأديب من الجرو الذي يربى ويؤدب، لأن الجرو يخرج خِبّاً والمسنّ يخرج على التأديب صيوداً غير خِب، وليس شيء في مثل جسم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة التي يحمل على مؤخرها والأنثى أصيد وكذلك عامة إناث الجوارح وهو من الحداد الأسنان، ويدخل بعضها في بعض، وكذلك الأسد والكلب.

ذكر ما قيل في ابتذال الملك نفسه في الصيد بهذا الضاري
ومباشرته له وقد ذكر ذلك عن كثير من الجلة والملوك
ونحن نذكره في موضعه من الكتاب إن شاء الله وقد قال بعضهم في ذلك:
ومن شغفي بالصيد والصيد شاغفٌ ... مطاردتي للوحش والفهدُ لي ردفُ
(1/128)

إذا شئت بأن أعدو عليها ذَعرتها ... بسيفين مغوارين تحتهما طرف
وأجعل كفي للجوارح منبراً ... وليس بها ثقل عليها ولا عنف
مآرب نفس لا تليها لغيرها ... وعزم قوي ليس في عزمه ضعف
إذا صاد غيري الصيد ثم أكلته ... فلذة ذاك الصيد لي قلما تصفو
وما عاب لبس الدستبان أناملاً ... تليق بها الأقلام والسيف والصحف
فللباز منها موضع ولموضع ... مصافحة الأشراف واللثم والرشف
وإني لممدوح المذاهب جمهّا ... إذا لم يحاول غير مذهبه الطرفِ
وما الظَّرف إلا جمعُ كل لطيفةٍ ... بذلك من تفسيره سمي الظرف
وقال الناشي:
وأنمرَ موْشي القميص ملمَّعِ ... كأن عليه منه رقماً موشما
يلوح على خديه خطان عُرّجاً ... قليلاً وردّا هابطَين فَقُومّا
مفتَّل عضدي ساعديه كأنما ... أعيرا بِقِدّ ثم شُدّا فأبرما
فنيطت فضول الساعدين وأحكمت ... برُصغين لزّا بالوصول فألحما
تضمَّن أظفاراً كأن حجونها ... حجون الصيامي أعجزت أن تقلما
له هامة لو أن كفاً رهيشة ... دحتها على صم الصفا لنهدّما
(1/129)

وعينان لو تدني إلى قبسيهما ... ذابلاً تذكَّى منهما وتضرّما
ونابان لو يسطو الزمان على الورى ... بحدّيهما كان الحمام مقدّما
ووجه يجيل الخير في صفحاته ... أبى كيده للخلق أن يبتسَّما
وجفنان يغتال الردى لحظاتها (؟) ... فلا يمكنان النفس أن تتلوّما
وشدقان كالغارين يلتهمان ما ... من الربد والحمش الأوابد الهما
أجَدتُ له التقويم حتى كففته ... عن الشيم اللاتي أبت أن تقوّما
وعلَّمته الامساك للصيد بعد ما ... يئست لطبع الجهل أن يتعلما
فجاء على ما شئته ووجدته ... مُحلاً لما قد كان من قبل حرّما
إذا ما غدونا نبتغي الصيد أسمحت ... لنا نفسه ألا تريق له دما
وما يتولى منه إرهاق نفسه ... ولكن يؤديه صحيحاً مسلَّما
إذا لا حطت عيناه خشفاً يرومه ... تنمَّر في اكفهراره وتزغَّما
فيكفيه من إحضاره وثباته ... ومن روغان الصيد أن يتجهَّما
وقال ابن المعتز:
أنعت أمثالاً قذذن قذا ... يشحذها الشوط البطيء شحذا
نوازياً خلف الظباء جُذّا ... كأنما تجبذهن جبذا
(1/130)

تجذّ غيطان الفلاة حبذّا ... كالنبل هذّتها القسي هذّا
لم أدر ذا أسرع شدّاً أم ذا
وقال أيضاً:
قد أغتدي قبل غدوّ بغلسْ ... وللرياض في دجى الليل نفسْ
حتى إذا النجم تدلى كالقبس ... قام النهار في ظلام قد جلس
بلاحقِ الوثبة ممتدّ النفس ... محملَجٍ أمِرّ امرار المرس
نعم الرديف راكباً فوق الفرس ... ينفي القذى عن مقلة فيها شوَس
كالزّلم الأصغر صُكّ فانملس ... عليه تلويحات وشم ما دوس
لما خرطناه تدلى وانغمس ... وخادعِ الموت ابن وثاب خُلس
إذا عدا لم يُرَ حتى يفترس
وقال:
انعتُها تفري الفضاء عَدْوا ... نوزاياً خلف الطريد نزوا
لا تحسن القدرة منها عفوا ... قد وجدتْ طعم الدماء حلوا
وقال أبو الحسين الحافظ:
قد أسبق العصم وغير العصمِ ... يجيد القلب بعيد الهّمِ
مدنَّر الجلد خفيف النجم ... كأنه في ثوب خزّ رقم
(1/131)

تخاله بعض نجوم الرجم ... مركَّب من عَصَب وعظم
ما فيه وزن درهمٍ من لحم ... فكم دمٍ أراقه من قرم
معصفر يشبه ماء الكرم ... أنفعَ لي من شاهدٍ لخصم
قال ودمه إذا خُلط بورسٍ وخل عُنصلٍ ولُطخ به قدم المنقرس سكن ألمها. وتَعرض له من العلل الخام والجر والحفا. فالخام يعرض له من اعوجاج الرّجل ودواؤه أن يطعم اللحم غباً بشيء من سمن البقر وعسل أو يؤخذ قرطم فيدق ويطبخ حتى تخرج رغوته ويصفى ويداف فيه ثلاث أوراق عسل، ويلقى عليه وزن خمسة دراهم فانيات ويحقن به.
والجرب يعرض له من بوله، وسبيله أن يبسط تحته رمل يبول فيه، لئلا يترشش عليه شيء من بوله، والرمل يصفى شعرته، ودواؤه أن يسحق له الكبريت الأبيض ويخلط بزيت ويُغلى على النار ويطلى به موضع الجرب.
ودواء الحفا قد وصفناه في باب الكلب وهو نافع للفهد إن شاء الله.
(1/132)

باب صفة الظباء
وذكر مواضعها التي تأويها وأسنانها وصيدها وما فيها من المنافع وما قيل في ذلك من الشعر
أعلم أن الظباء أصناف تختلف لاختلاف مواضعها، فالبيض منها يقال لها الآرام وهي تسكن الرمل وهي أشد الظباء حُضراً، والحمر تسكن القفاف وهي المواضع العالية، ومنها العصم والوعول وهي التي في أكرُعها بياض. والفائدة في تمييزنا إياها علم المتصيد بهذه المواضع حتى أنه إذا رأى من هذه الأصناف شيئاً علم مَن أين أقتنص فينسبه إلى مكانه، والظبي أول ما يولد طِلّ ثم خِشف ثم شادنٌ إذا طلع قَرْنه، فإذا تمت قرونه فهو شقر، ثم جذع ثم ثنيّ وجمعها ثُنيان. لا تزيد على ذلك حتى تموت.
قال الشاعر:
فجاءت كسنّ الظبي لم نر مثلها ... شفاء قتيل أو حلوبة جائع
وسأل جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أبا حنيفة فقال: ما على محرم كسر رباعية ظبي؟ قال؛ يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه. فقال عليه السلام: أنت فقيه زمانك، ولا تعلم أن الظبي لا تكون له رباعية، وهو ثني أبداً.
وعدوُها يقال من الظبي يهقق ويدرق ويطفر وينقز إذا
(1/133)

جمع قوائمه ووثب، إذا تخلف من القطيع قيل خذل، وطمر إذا وثب من عال إلى أسفل، إذا طلعت الجوزاء من حمارة القيظ قالت الظباء في كناسها، ولها نومتان في مكنسين مكنس الضحى ومكنس العشي.
ويقال نقلت الظباء إذا انتقلت من مكانس الضحى إلى مكانس العشي، وإنما رعيها في ناجر وهو صفر في الليل، وفي برد الغدوات أحياناً وتلزم الرمل وهو ما استطال، ومن الجبال ما ارتفع، وترعى في ذلك الحزن والقف لشدة حرهما. قال ذو الرمة في انتقالها:
إذا ذابت الشمسُ اتَّقى صقَراتها ... بأفنان مربوع الصريمة مُعبِلِ
إلى ظل بهوٍ ذي أخٍ يستعده ... إذا هجَّرت أيامه للتحولِ
المعبل ما ظهرت خوصبته من الأرطاب. والبهو كناس واسع له أخ إلى جنبه بالغداة والعشي قال وهو ظلف الظبي لمل يطأ عليه. وإبرة روقه قرنه أول ما يطلع، ومنه قول الشاعر وهو عدي بن الرقاع:
تزجي أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
وقال آخر في حجم القرن:
كأنهما فَصّان من فوق فضةٍ ... من الجزء أوزرّانِ بالأمس سُوداّ
(1/134)

ويستدل عليها بآثارها في الرمل والخبار من الأرض وبأبعارها فيما سوى ذلك من الصلابة، وظلفها شديد الأثر فيما تطأ عليه، وشبهه بعض المجان بالهن فقال فيه:
وتكشف عن كظلف الظبي لطفاً ... وقعر البحر عمقاً واتساعا
وقال أعرابي:
كأن هَنْها عند لمس اللامس ... كوطأة ظبي في مكان يابس
وإذا مدح هذا الموضع يكون كما قالت أعربية:
إن هني لحسن كما ترى ... كوطأة الثور الثنيّ في الثرى
ويستدل على صيد الأرض بشكلها وموضعها من السهل والحزن والرمل والصفا والانخفاض والارتفاع والآثار والأبعار، وكذلك يقال لكل ذي خف وظلف غير البقر. فأما بعر الغزال فيفرك ويستدل عليه بريحه ولطفه وتدويره قال ذو الرمة:
ترى بعر الغزلان فيه وفرقه ... حديثاً وعلميّاً كحب القَر نَفْلُ
ويستدل على الظبي الكبير بنباحه، وإذا أسن الظبي نبح قال الشاعر:
وينبح بين الشعب نبحاً كأنه ... كلاب سلوق أبصرت ما يَريبها
والظبي يبيض إذا تهزل ويحكى أنه من أملح الحيوان سكراً من الشراب ولا يدخل كناسه إلا مستدبراً، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه، وليس يحضر في الجبال،
(1/135)

قال الشاعر:
والظبي في رأس اليفاع تخاله ... عند الهضاب مقيّداً مشكولا
ويصاد بالشرك والحبالة وايقاد النار بازائه، فأنه لا يزال يتأملها ويدمن النظر إليه، فيعشي بصره ويذهل عقله، وربما أضيف إلى النار تحريك أجراسٍ فيذهل لذلك ويؤخذ.
قال الشاعر:
سوى نار بيض أو غزال بقفرة (؟) ... أغنّ من الخُنس المناخر توأم
ويصاد بالناقة وهو أن تُتّخذ له ناقة تسمى الدرية، ويتوغلون بها في المرعى حتى تكثر الظباء النظرَ إليها، ويخفي صاحبها نفسه ويكمن ويستتر، ويأتي متخفياً يمشي إلى جنبها، حتى إذا دنا من الظبي قبض عليه أو رماه من كشب.
قال أبو الطمحان:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني قانص أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من يراني ... ولست مقيّداً أمشي بقيد
ويصيده الأعراب الشديدو العدو بالجري حتى يقبض على قرنه، وربما حيل بينه وبين المياه، ونُصب له حذاء الحبالة ماء فيهمّ بوروده، فيقع في الحبالة والاشراك، ويصيده الطير والعقاب وقال الشافعي أن ما صيد بالحديد الذي يكون في الحبالة إذا قتله ذلك الحديد لم يكن ذكياً، لأنه لا يقوم مقام السهم الذي يرمى به فيقتله، لأن فعل ذلك الحديد لم يتصل
(1/136)

بيده في فعل واحد، وإذا رماه بسهم وهو على رابيةٍ فتردّى فوقع فمات فهو متردّ لا يجوز أكله، وليست هذه حال الطائر لأن الطائر مما لا سبيل له إليه إلا بعد وقوعه، وليس يموت من السقوط كما يموت الظبي وما أشبهه مّما تردّى ولم يصبه سهم.
ولحم الظبي يُوَلّدِ دماً قريباً من السواد وهو أقل ضرراً من لحم البقر والأيّل، وطبخه بالماء والملح أحمد، والكشتابية منه عجيبة جداً وهو الكوشت وهو ماء البصل بالمر، وتفسيره بالفارسية لحم هذا العضو. والقديد المبزّر منه أكثر ضرراً وأكثر لتحريك السوداء لأنه يزداد يبساً ويجود فعله ويقوى.
وكتب بعضهم إلى أخ له يقول:
لنا جَدي إلى التربيع ما هو (؟) ... كأن القطن يُنْدَف تحت جلده
عنينا بالرضاع له زماناً ... نُسَمِنّه فجاء نسيج وحده
وكشتابية من لحم ظبي ... أتتك به الجوارح بعد كدّه
إذا شئنا نضحناه براحٍ ... كنكهة شادنٍ وكَلَون خدّه
فإن لم تأتنا عجِلاً حثيثاً ... فعاقبَك الحبيب بطول صدّه
وأطيب ما في الظبي كبده (مشوية) وشحوم الظباء تغذو غذاء كثيراً منافعه.
وزعم الحكماء أن دم التيس منها ومن كل ماعزٍ مانعٌ من السموم وأنه إذا صُبّ حاراً على الحجر الذي يُضرب عليه النحاس فتّته.
(1/137)

وإذا خلط مع الزنجفر صبغ الياقوت، ويُخلط معه وهو يابس قرطاس محروق، ويعجن بشيرج ويُضمّد به البواسير فأنه ينفع منها. ومرارته تنفع من العشا في العين، وكبده إذا شُويت واكتحل بمائها نفعت، وكذلك كبد كل ماعز.
وإذا دهن إنسان مذاكيره بشحم خصية التيس مع شيء من عسل وجامَعَ وجد له لذة.
وإذا عجن بعره بخلّ ودقيق شعير وضمد به الطحال نفع منه.
وإذا أحرق بعره وسحق بالخل نفع من داء الثعلب.
وإذا شرب مع الخل أيضاً نفع من لدغ الهوام.
وإذا خلط دمه يابساً بلادنٍ ودُهن به الشعر غلّظه وطوّله.
والغزال يصادق من الحيوان الحجل.
وقال بعضهم في صيده بالحبالة:
لما غدا القانص في غداتهِ ... غدوّ مغوار إلى غاراتهِ
يحمل ما يحمل من أداته ... من شركٍ أوثق أنشوطاته
وناط أوتاداً إلى حافاته ... تأنُّقَ الكاتب في واواته
إذا لوهنّ على مشقاته ... يغتال والغيلة من عاداته
ظبي فلاه القفر في فلاته ... مبتغياً للصيد من مَبْغاته
وقفت أستمع من مرآته ... إذ لَذَتي في الصيد من لذاته
وإن علا همي على هِمّاته ... في ساعةٍ غراء من ساعاته
وفّى بماء السعد أعطياته ... ما كاد أن يلبث في مرياته
(1/138)

حتى رأيت العفر من عُناته ... محمومة الحين مقدّراته
مشدودة الاسار موثَقاته ... وقلّ من طفت بأفنِياته
أو من رأى شخصي في حاجاته ... إلا انكفا بنيل أمنياته
قال وللحبالة خشبة يقال لها الجرة تعلق فيها لتُثقلها إذا جذبها الظبي ومن الأمثال: فاوض الجرة ثم سالمها. يضرب للرجل يحاول الأمر ثم يسالم.
تم باب الظباء.
(1/139)

باب كلاب سلوق
وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها وما قيل فيها من الشعر
أعلم أن كلاب سلوق تنسب إلى سلوق قرية باليمن، والعرب تنسبها كما تنسب الخيل، وقد ذكرها أبو بكر الوقيشي للشماخ، ووصف مزرّد بن ضرار الفقعسي عدة منها بأسمائها وأنسابها فقال:
سخام ومقلاء القنيص وسلهب ... وحدلاء والسرحان والمتناوِل
بنات سلوقيين كانا حياته ... فماتا فأدوى شخصه فهو وحائل
وأيقن إذ ماتا بجوعٍ وخيبة ... وقال له الشيطان أنك عائل
يطوّف في أصحابه يستثيبهم ... فآب وقد أكّدت عليه الوسائل
وسأل زيد الخيل حين وفد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسماه زيد الخيل فقال: فينا رجلان يقال لاحدهما زرع والآخر أبو جداية لهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدهن؟ فأنزل الله عز وجل في لك: يسألونك ماذا أحلَّ لهم.
(1/140)

وروى هشام عن ابن عباس أن أسماء تلك الكلاب المخْتَلِسُ وغلابُ، والقنيص وسلهب وسرحان والمتعاطس، وإناثها أسرع تعلماً من الذكور وأطول أعماراً، وتعيش عشرين سنة، وليس كذلك غيرها من الكلاب، وأكثر ما تضع ثمانية أجْرٍ، وربما وضعت واحداً وحَملها ستون يوماً وإذا وضعت الجِرْوَ كان أعمى اثني عشر يوماً ومنه قول الشاعر:
كمثل جرو الكلب لم يفقّحِ ... أقبحْ به من ولدٍ وأشقحِ
وتسفد بعد وضعها في اليوم الثاني ولا تسفد قبل ذلك، وتحيض في كل أسبوع، وعلامة ذلك ورم ثفرها، ولا تقبل السفاد في حيضها ويعتريها هزال عند وضعها، ويظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوماً، ويكون أول ما تضع غليظاً والأنثى تبول مقعية، ومنها ما يشغَر، والشُغور رفع الرِجل للبول، يقال قَزَح ببوله وشَغَر، والأنثى تكون أول نتاجها أصغر جثة، وكذلك الحِجْر والمرأة والبَيض إذا كانا بكراً، والذكور تهيج قبل الاناث في السنة وهي صارف إذا هاجت ومستحرمة إذا منعت، ومعاظّلةُ الكلاب سِفادُها والكلب يطرح مقاديم اسنانه ويخلفها، ويخفي ذلك عن كثير من الناس، لأنه لا يلقي منها شيئاً قبل أن ينبت في مكانه آخر، وكذلك سائر السباع إلا الأنياب فأن كل ذي ناب ومخلب من الضواري يلقيها إلقاء بَيّناً متعالماً، وسبيل الغريب منها
(1/141)

أن يؤنّس حتى يوثَق به فمما يؤنّسه أن يُطعم كسرة بعسل، وما دام ذنبه ذاهباً بين فخذيه إلى بطنه فهو غير مستأنس، فإذا شاله فقد أنس وإذا مضغ له صاحبه وتفل في فيه أنس أيضاً.
ومن خصائصه أن رأسه كله من عظم واحدٍ وإذا عاين الظباء، بعيدة كانت أو قريبة، عرف المعتلّ وغير المعتلّ منها، وعرف العنز من التي، وإذا أبصر القطيع لم يقصد إلا التيس، وأن علم أنه أشد حُضراً، وأبعد وثبة، ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر خطوها، ولكنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطاً أو شوطين حَقِب ببوله، وكل حيوان يعرض له مع شدة الفزع إما سلس البول والتقطير، وإما اليسر والحُقب، وإذا حقب التيس لم يستطع البول مع شدة الحضر، ووضع القوائم معاً ورفعهما معاً، فيثقل عدوه ويقصر مدى خطوه، ويعتريه البُهر حتى يلحقه الكلب. والعنز إذا اعتراها البول لم تجمعه، وحذفت به لسعة المسيل يُعرف ذلك في الكلب طبعاً لا بتجربة، ولا يحتاج فيه إلى معاناة، ولا يعلَم ولا يدرب، وتخرجه إلى الصيد في يوم الجليد والثلج وهما متراكمان على الأرض حتى لا يثبت عليها قدم ولا خف ولا حافر ولا ظلف فيمضي الكلب، ومعه الإنسان العاقل، والصياد المجرّب، فلا يدري أين موضع الأرنب من جميع بسيط الأرض، ولا موضع كناس ظبي ولا مكو ثعلب ولا غير ذلك من موالج وحوش الأرض فيتلفَّت الكلب بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، ويتنسم ويتبصَّر
(1/142)

حتى يقف على أفواه تلك الجِحرة فيثير ما فيها، وذلك أن أنفاس الوحش المستكنَّة فيها، وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنة فيها في عمق الأرض، تذيب ما لاقاها من فم الجحر من الثلج، حتى يرقّ ذلك، وهو خفي غامض لا يقع عليه قانص ولا راعٍ ولا قائف ولا فلاح، وله أيضاً في ملبح (كذا) الدراج والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق من الرفق وحسن الاهتداء ما لا خفاء به، ومن دهائه أنه لا يخفى عليه الميت والمتماوت في تشممه، ويقال أن المجوس لا يدفنون ميتاً لهم حتى يدنوا منه كلباً فيتشمَّمه وتظهر لهم منه في تشممه (إياه) علامة يستدلُّون بها على حياته أو موته، وكذلك لا تجوز (عليه) حيلة الثعلب المتماوت، وأن كان لا يفعل الثعلب ذلك مع الكلب، بل يتماوت للغراب وغيره، وينفخ بطنه فإذا دنا منه قبض عليه. ومن خصائصه أن الأنثى تؤدي في جرائها لون الذكر لا تخرم منه شيئاً.
وقال أبو بكر الوقيشي إن القاسم بن مجمع سأله عن المعنى في اعتبار الناس المسير على الأنهار الجامدة بالكلب، فذكر أنه لصلابة وطأته وثقلها، فقال: لا إنما هو لقوة حسه وسمعه وبصره، وأنه أن سمع للماء خريراً من تحت لم يجُز منه، وأنشدت في قوة بصر الكلب لعبد ربه:
وأشرف بالقُور اليَفاع علني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
أي كلبها. وكل الجوارح تعمل لأنفسها غير الكلاب فإنها تجري على خلق في الاكتساب لأصحابها.
(1/143)

ما يعرف به هرم الكلب من فنائه
إذا كانت أسنانه سواداً كليلة دلّ ذلك على الكبر، وإذا كانت بيضاً حادة دلّ لك على الشباب، وأسنان الذكر أكبر، وهو شديد المضغ والخطم والاستمراء، وإذا ألقيت إليه بضعة اللحم وتوخى أكلها حيث لا يُرى، ويًكثر التلفت، ويعض على العظم ليرضَّه، فإذا امتنع عليه وكان مما يسيغه أبتلعه واثقاً بأنه يستمريه وليس في الأرض من جميع أجناس الحيوان ما بِذَكَرِه حجم ظاهر إلا الإنسان والكلب، ولا متسافدان أشدّ ملاءمة في طباع بعضهما لبعض من الكلبين.

ما يعرف به فراهته
من ذلك طول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظهر وصغر الرأس، وطول العنق، وغضف الأذنين، وبعد ما بينهما كأنما انضمَّتا على العنق، وزرقة العينين، وضخامة المقلتين، ونتوء الحدقة، وطول الخضم ودقته، وسعة الشدق، ونتوء الجبهة وعرضها، وشدة المنازعة للمقود والسلسلة.
ومن أمارات النجابة أن يكون تحت حنكه طاقة شعر واحدة غليظة وكذلك الشعر الذي على خدّيه ويستحب فيه قصر اليدين، وطول الرجلين لأن ذلك صالح له في الصعود، ومشاكل للأرنب في هذه الصفة، ولا يلحقها في الجبال إلا ما كان كذلك، وطول الصدر وغلظه، وقربه من الأرض، ونتوء الزّور، وغلظ العضدين، واستقامة اليدين، وانضمام الأظفار، حتى لا يدخل بينها تراب ولا طين، وعرض ما بين مفاصل
(1/144)

الأعطاف، وعرض ما بين (عطفي) أصل الفخذ (وطولهما وشدة لحمهما ورزانة المحمل ودقة الوسط وطول الجلدة التي بين أصل الفخذين) والصدر، واستقامة الرجلين من غير أن تنحني الركبتان، وقصر الساقين وقصر الذّنَب ودقته، حتى يكون كأنه خشبة من صلابته. وليس يكره أن يطول ذنب الأنثى، ولين الشعر، وهو يستحب على الجملة في ذوات الجناح والقوائم.
وقال المأمون لبعض أصحابه: أمض إلى بادية كذا وكذا فأبتع منها خيلاً تستجيدها، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بصيراً بالخيل، قال أفَلست بصيراً بالكلاب؟ قال: نعم، قال: فأبصر كل ما تتوخاه في الكلب الفاره المنجب، فالتمس مثله في الفرس وصفة النجابة فهي بمخلب تكون على رأس الذنب أو الساق والصواب فيه أن تقطع. والسود أقل صبراً على الحر والبرد، والبيض أفره إذا كنّ سودَ العيون، وقد قال قوم أن السود تصبر على البرد، وزعموا أنها أقوى وأن كل اسود من الحيوان أقوى من غيره. فأما تخُّير الجراء والفراسة فيها، فإذا ولدت الكلبة واحداً، كان افره من أبويه، وأن ولدت أثنين، فالذكر افره من الأنثى، وأن ولدت ثلاثة فيها أنثى في شية الأم فهي افره من الثلاثة وأن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو افرهها، وتؤخذ الجراء كلها وهي صغار لم تقم قوائمها فتلقى في مكان ندٍ فأيها مشى على أربع ولم يكثر سقوطه فهو الأفره.
(1/145)

أدوائها وصفة دوائها
فمن ذلك الكَلَب والذُبْحَةُ والجرب والنقْرس والفلج. فأما الكلب فيقال فيه على مذهب من المذاهب أنه جنون، ويقول فيه أصحاب الطبائع أنه كيموسٌ سوداوي يفعل في الاعداء والمخالطة للَحم المعضوض فعل السِمّام، وهو موجود عياناً، يُحيل مزاجَ الإنسان إلى مزاج الكلب حتى يحيل الذكَرَ فيخرج من إحليله مثال اكلبٍ صغار وقلما رأيت هذا الداء يعتري كلاب سلوق، وإذا عَضّ برأ هو، وانتقل الداء إلى المعضوض. وللمعضوض ضروب من الأدوية في أوقاتٍ، فأن فاتت لم ينجع الدواء.
وزعمت العرب أن دماء الملوك تشفي من الكلب، وقد أكثرت من ذلك في أشعارها، واختلف الناس في معناه فذهب قوم إلى أن الشعراء إنما خبَّرت بذلك على سفك دماء الملوك. وقال قوم: إنما المعنى أن قتل الملوك يشفى من التأثر، لأن الإنسان إذا كان له في قوم ثأر لم يكن يشفي صدره أن يقتل به إلا الأكفاء، أو من هو أعلى من قبيله ومنه قول زهير:
وإن يُقتلوا فيشتفي بدمائهم ... وكانوا قديماً من مناياهم القتل
وهذا الوجه أشبه بالمعنى في هذا الداء. واخبر رجل لا أشك في ثقته وصدقه أن رجلاً اعترضه كَلْب كَلْب فأومى ليعضَّه فتلقَّى فمه بكمّه، فأصابه من أسنانه ولعابه. ومضى لشأنه وشمّر كمّه وأقام مشمّراً له ساعات، ثم أنه نشره فتساقط منه جراءٌ صغار.
وأما الذّبحة فقد زعمت الأطباء أن من أجود ما يُستعمل للذبحة
(1/146)

العارضة للإنسان أن يُنفخ في خلقه من سحيق ما جفّ من رجيع الكلب الأبيض، أو يَتَغَرغَر به وهو أبلغ، وربما طلي به جسد المحموم، وأجوده ما أشتد بياضه. ودواؤها دواء الجرب. ودواء الجرب كبريت أبيض يُسحق ويُخلط بزيت ويُغلى على النار ويُطلى به موضع الجرب.
وأما النقرس فهو يعرض لها من الحفا لأن الأعضاء بالحفا تضعف فتنصب إليها الموادّ، ودواؤه دواء الحفا هو أن تلطخ يداه ورجلاه وعجانه بدهن خلّ وزيت. وله أيضاً أن يُجعل على يديه ورجليه قطران. وله أيضاً أن يؤخذ عفص وزاج أخضر من كل واحد منهما جزء فيُدقا ويصبّ عليهما من الخمر ما يغمرهما، ويُجعلا في الشمس أو على نار لينةٍ حتى يغلظا، ثم تُغمس كفّ الكلب في ذلك وهو فاتر.
وأما الفلج فأمارته أن يعدو الكلب يوماً ويقصّر في آخر، فيُستدل بذلك على داء في جوفه. ودواؤه ماء الشبِتّ يُعجن بدقيق الدُّخْن ويُطعَمُه الكلب سخناً. أو يُطعم كسرة خبزٍ مع صوفِ شاه معجونٍ بسمنٍ فأنه يلقي ما في جوفه من الداء. ويقال لنصيبه من صيده الحرجُ (؟) .
قال الطرمّاح:
نوازرة حرصى على الصيد همّها ... تفارط احراج الضراء الرواجز (؟)
يمرّ إذا ما حل مَرّ مقزّعٍ ... عتيقٍ حداه ابهر القوس جارز (؟)
الجارز الّيِن الأملس، وهو يصف سهماً شبَّه الكلب به في مضائه وسرعته. وقال أبو بكر: الجارز الخشن ويقال لما يُطعم في غير الصيد
(1/147)

لُحْمة الكلب وطُعمة الكلب، وكذلك يقال للفهد والبازي وكل جارح وضارٍ. فأما في الثوب فيقال لَحْمة.

صيد الكلب
إذا كسر الكلب مفرداً الأرنبَ فهو نهاية، وهو يطيق ما فوق ذلك، والفُره منها تكسر الظباء، وقد ذكرنا من حال الظباء ما فيه كفاية، وتتجاوز الظباء إلى اليحمور فتكسره، فأن زادت تعلّقت بالأيّل، ولا يطيقه منها إلا ذو الخَلق الشديد، والبنية الوثيقة والفخامة، وبعد أن يجتمع عليه الاثنان والثلاثة من كلابٍ هذه صفتها، وليس يفوتها ويقهرها بحُضره، ولكنه ذو سلاحٍ وهي ترهب قرونه يُنحي عليها إنحاءً شديداً.
وأما الأرنب والثعلب فالواحد من الكلاب يصيدهما كثيراً ما لم يتعلق الأرنب بالجبل، وعلى أن الثعلب روّاغ مَكِرٌ، وإذا صار إلى المجاودة ولم يستتر بخَمَر ولا غيره فهو في يده، وربما التفت إلى الكلب وقد أخرج لسانه من شدة الحضر فعضَّه فيرجع عنه. وقد يصيد الكلب الدرّاجَ كما أن الصقر والبازي يصيدان الأرنب، وقال بعض الأدباء:
ومصدّرين بكل مجلس حكمة ... متقدّمين بكلّ يومِ برازِ
سبقوا إلى غُرر الفخار وأحرزوا ... خَصْل الفضائل أيما إحراز
لا تستفيق من الطراد جيادُهم ... فتراهمُ أبداً على أوفاز
فبزاتهم تصطاد صيد كلابهم ... وكلابهم تصطاد صيد البازي
ألفوا الوغي فتعلّلوا بمصايد ... عن شنّ غارات وبُعد مغازِ
(1/148)

ونحن نذكر من الشعر في طرد الكلب، ونوفي بما وعدنا به من شرح حال الطريدة باباً باباً، ونبدأ بالأيل لأنه أعظم ما يصيده الكلب.
قال بعض المحدثين في ذلك:
أنعت كلباً للقلوب مُجَذلاً ... آلى إذا أمسك ألاّ يقتلا
مؤمّلاً لأهله مموّلا ... يزيد ذا الوفر ويُغني المُرمِلا
ذا همَّةٍ في الصيد في أعلى العلا ... يستصغر الظبي فيبغي الأيّلا
لا يجد الأيّل منه موئلا ... تخاله من خوفه معقّلا
يعول من كان عليه عوّلا
ولم نثبت صفات الكلب إلى أن لعبنا منها بما لا يُحصى كثرة من الشرق والغرب، وأفره ما رأيناه منها ما يجيء من المغرب، وخير ما فيها البُلق وهي حِسان فره على كل ما أرسلت عليه من الطرائد. وخير كلاب الشرق ما جاء من عند الأكراد. وقد ذكرنا من ذلك ما شاهدناه واختبرناه.
ولقد ركب مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين المنتخبين ذات مرة فأصاب من البقر ما لم يُحص كثرة، ورجع من الصيد ومعه عشرون جملاً عليها محامل فيها كلها كلاب الصيد، فرؤيت بمصر ظاهرة.
وقال الحسن بن هانيء يصف الكلب:
أنعت كلباً أهله في كدّه ... قد سعدت جدودهم بجدّه
(1/149)

فكل خير عندهم من عنده ... يظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحبٍ من مهده ... وإن عدا جلَّله ببرده
ذا غُرّةٍ محجلاً بزنده ... تلذّ منه العينُ حسنَ قدّه
تأخير شدقيه وطول خدّه ... تلقى الظباء عنتاً من طرده
تشرب كأس حتفها من شدّه ... (يصيدنا عشرين في مُرْقدّه)
يا لك من كلب نسيجٍ وحده
وقال فيه أيضاً:
أنعت كلباً للطراد سَلْطا ... مقلَدّاً قلائداً ومَقْطا
فهو الجميل والحسيب رهطا ... ترى له شدقين خُطّا خَطّا
وملطماً سهلاً ولحياً سبطا ... ذاك ومتنين إذا تمطى
قلت شرا كان أُجيدا قَطا ... يَمري إذا كان الجراء عَبطا
براثناً سحمَ الأثافي مُلطا ... ينشط أذنيه بهن نشطا
(1/150)

تخال ما دُمّين منه شرطا ... ما أن يقعن الأرض إلا فرطا
كأنما يعجل شيئاً لَقطا ... أسرع من قول قطاةٍ قطّا
تخاله الصقر إذا ما انحطا ... أو لهب النار أعيرت نفطا
يعتاج خزان الصحارى الرقطا ... يلقين منه حاكماً مشتطا
للعظم حطماً والأديم عَطّا
وقال فيه:
يا رب بيت بفضاء سبسبِ ... بعيدِ بين السَّمك والمطنّبِ
لفتيةٍ قد بكَّروا بأكلُبِ ... قد أدبوها أحسن التأدبِ
من كل أدفى مستبان المنكِبِ ... يشُبُّ في القَوْد شُبوب المِقرب
يُلجق أذنيه بحدّ المخلب ... فما ثنى وشيقة من أرنَبِ
(1/151)

عندهم أو تيس رمل علهب ... وعينِ عانات وأمّ تولب
وجلدة مسلوبة من ثعلب ... مقلوبة الفروة أو لم تُقلب
ومِرجلٍ يهدر هدر المغضب ... يقذف حالاه بجوز القَرْهَب
وقال فيه:
قد أغتدي والطير في مثواتها ... لم تعرِب الأفواهُ عن لغاتها
بأكلبٍ تمرح في قِدّاتها ... تعدّ عِينَ الوحش من أقواتها
قد لوّح التقديح وارياتها ... وأشفق القانص من حُفاتها
وقلتُ قد أحكمتَها فهاتها ... وأدنِ للصيد معلَّماتها
وارفع لنا نسبة أمهاتها ... فجاء يزجيها على شياتها
شمّ العراقيب مؤنّفاتها ... سوداً وصفراً وخَلَنْجيّاتها
كأن أقماراً على لبّاتها ... ترى على أفخاذها سماتها
(1/152)

قُودَ الخراطيمُ مخَرْطَمِاتها ... من نَهَم البهم ومن حُواتها
زَلّ المواخير عملساتِها ... مشرفةَ الأكتاف مِوزَراتها
مفروشة الأيدي شر نبثاتها ... مفدّياتٍ ومحمّياتها
مسمّنات ومفدياتها ... أن حياة الكلب في وفاتها
تقذف حالاها بجوزيْ شاتها
وقال فيه:
إذا الشياطين رأت زُنبورا ... قد قُلِدّ الحلْقة والسيورا
بكت الخزّان القرى ثبورا ... أدفى ترى في شدقه تأخيرا
ترى إذا عارضْتَه مَفْرُورا ... خناجراً قد بيّنت سطورا
(1/153)

مُشتبكات تَنْظِم السُّحورا ... اُحسِنَ في تأديبه صغيرا
حتى توفيَّ الستة الشهورا ... من سنه وبلغ الشُّغورا
وعرف الايحاء والصفيرا ... والكفّ أن تومئ أو تشيرا
يعطيك أقصى حُضْره المذخورا ... شدّاً ترى من همْزِه الاظفورا
منتشطاً من أذنه سيورا ... فما يزال والغاً تأمورا
من ثعلب غادره عفيرا ... أو أرنب جوّرها تجويرا
فأمتع الله به الأميرا ... ربي ولا زال به مسرورا
وقال فيه:
لما تَبدّى من حجابه ... كطلعة الأشط من جلبابه
هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف المِقْوَد من جِذابه
كأن متنيه لدى انسلابه ... متَنا شجاع لجّ في انسيابه
كأنما الأظفور من قِنابه ... موسى صَناعٍ رُدّ في نصابه
(1/154)

تراه في الحضر إذا هاها به ... يكاد أن يخرج من اهابه
يعفو على ما جرّ من ثيابه ... إلا الذي أثر من هُدابه
ترى سوامَ الوحش تحتوي به ... يرُحْنَ أسرى ظفره ونابه
وقال فيه:
قد طالما أفلتّ يا ثعالا ... وطالما وطالما وطالا
جلتُ بكلبٍ نحوك الأجوالا ... ما طلت من لا يسأم المطالا
وله أيضاً:
وثعلب بات قرير العينِ ... لاقى مع الصبح غراب البينِ
وقد غدا مُجْرَمِزَّ الشخصين ... فاستَقبلتْه لحضور الحَيْن
طلعةُ كلبٍ أغْضَفِ الأذنين ... فمرّ يهوي ثابت السَّدْوَيْن
إلى وِجارٍ بين صخرتين ... والكلب منه راكب المتنين
فلم يرعه غير روعتين ... حتى أراني شلوَه شلوين
مقطَّعاً أحسن قطعتين ... فرُحتُ إذ رُحتُ به نصفَيْن
كأنما رحت بأرنبين ... لأنه ماطلني بدَيْن
ثم قضانيه أبو الحصين ... بعد خداعٍ شابَهُ بَميْنِ
(1/155)

وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان يصف الطَرَد:
ما العمر ما طالت به الدهورُ ... العمرُ ما تم به السرورُ
أيام عزي ونفاذِ أمري ... هي التي أحسِبُها من عمري
لو شئتُ مما قد قلَلْن جِدّا ... عددتُ أيام السرورِ عَدّا
أنعت يوماً مرّ لي بالشامِ ... ألذّ ما مرّ من الأيامِ
دعوتُ بالصقَّار ذات يومِ ... عند انتباهي سحراً من نومي
قلت له اختر سبعةً كبارا ... كلّ نجيبٍ يَرِدُ الغُبارا
يكون للأرنب منها اثنانِ ... وخمسةُ تُفْردُ للغزلانِ
واجعل كلاب الصيد نوبتَين ... تُرسِل منها اثنين بعد اثنين
ولا تؤخر أكلبَ العِراضِ ... فهنّ حتف للظباء قاضِ
ثم تقدمتُ إلى الفَهَّادِ ... والبازياريّين باستعدادِ
وقلت: إن خمسةً لتُقنعُ ... والزُّرّقان الفرخ والملمَّع
وأنت يا طبّاخ لا تباطا ... عجّل لنا اللبّاتِ والأوساطا
ويا شرابيّ البلسْقياتِ (؟) ... تكون بالراح مُيَسَّراتِ
بالله لا تستصحبوا ثقيلا ... واجتنبوا الكثرة والفضولا
ردّوا فلاناً وخذوا فلانا ... وضمنوني صيدكم ضَمانا
فاخترت لما وقفوا طويلا ... عشرين أو فُوَيْقها قليلا
(1/156)

عصابة أكرمْ بها عصابَهْ ... شرطك في الفضل وفي النجابْه
ثم قصدنا صيد (عينِ قاصرِ) ... مَظِنَّةَ الصيد لكل خابرِ
جئناه والأرض قبيل المغرب ... تختال في ثوب الأصيل المُذهب
وأخذ الدرّاجُ في الصياح ... مكتنفاً من سائر النواحي
في غفلةٍ عنا وفي ضلال ... ونحن قد زرناه بالآجالِ
يطرب للصبح وليس يدري ... أن المنايا في طلوع الفجر
حتى إذا أحسستُ بالصباح ... ناديتهم: حيّ على الفلاح
نحن نصلي والبزاة تُخرج ... مجرّداتٍ والخيولُ تُسرَج
وقلتُ للفهَّاد امضِ فأنفرد ... وصح بنا إن عنّ ظبيٌ واجتهِدْ
فلم يزل غير بعيدٍ عنا ... إليه يمضي ما يفرّ منا
وسرت في صف من الرجال ... كأنما نزحف للقتال
فما أستوينا حسناً حتى وقف ... غُلَيّم كان قريباً من شرف
ثم أتاني عجلاً قال: السّبَقْ ... فقلت: إن كان العيان قد صدق
سرتُ إليه فأراني جاثمه ... ظننتها يقظي وكانت نائمه
ثم أخذت نبلةً كانت معي ... ودرت دورين ولم أوسّع
حتى تمكنت فلم أخطِ الطلب ... لكل جتف سبب من السبب
(1/157)

وضَجّت الكلاب في المقاود ... تطلبها وهي بجهدٍ جاهدِ
وصحتُ بالأسودِ كالخطّاف ... ليس ببيضيّ ولا غِطراف
ثم دعوت القوم هذا بازي ... فأيكم بنشط للبرازِ
فقال منهم رشأ: أنا أنا ... ولو درى ما بيدي لأذعنا
فقلت: قابلني وراء النهر ... أنت لشطرٍ وأنا لشطر
طارت له درّاجة فأرسلا ... أحسن فيها بازُه وأجملا
علّقها فعطعطوا وصاحوا ... والصيد من آيينه الصياحُ
فقلت ما هذا الصياح والقلقْ ... أكلّ هذا فرح بذا الطلق
وقال كلاّبيَ: سوّ البازا ... قد حُرّر الكلب فجز وجازا
فلم يزل يزعق بي مولائي ... وهو كمثل النار في الحلفاء
طارت فأرسلتُ فصارت شلوا ... حلّت بها قبل العلوّ البلوى
فما رفعت الباز حتى طارا ... آخر عوداً يحسن الفرارا
(1/158)

اسوَدُ صياحٌ عظيم كرّز ... مطرّزٌ محلّك ملزّزُ
عليه ألوان من الثياب ... من حلل الديباج والعتّابي
فلم يزل يعلو وبازٍ يَسفُل ... يحرز فضل السبق ليس يغفل
يرقبه من تحته بعينه ... وإنما قد زاره لِحَينه
حتى إذا قارب فيما يحسَب ... معلقه والموت منه أقرب
أرخى إلى بُنّجِه رجليه ... والموت قد سابقه إليه
صحتُ وصاح القوم بالتكبير ... وغيرنا يضمر في الصدور
ثم تسايرنا فطارت واحده ... شيطانة من الطيور ما رده
(من قُرُبٍ فأرسلوا إليها ... ولم تزل أعينهم عليها)
فلم يعلّق بازُه وادّى ... من بعد ما قاربها وشدّا
فصحت هذا الباز أم دجاجه ... ليت جناحيه على دُرّاجه
فاحمرّت الأوجه والعيون ... وقال: هذا موضع ملعون
إن لزّها الباز اصابت بنَّجا (؟) ... أو سقطت لم تلق إلا مَدْرجا
(1/159)

اعدل بنا للبنّج الخفيف ... والموضع المنفرد المكشوف
فقلت هذي حجة ضعيفة ... وغِرّة ظاهرة معروفة
نحن جميعاً في مكان واحد ... فلا تَعَلّل بالكلام البارد
قصّ جناحيه يكن في الدار ... مع الدباسي ومع القَماري
واعمد إلى جلجله البديع ... فأجعله في عنز من القطيع
حتى إذا أبصرته وقد خجل ... قلت أراه فارهاً على الحجل
دعه وهذا الباز فاطّرد به ... تفادياً من غمه وعتبه
وقلت للخيل التي حولَيْنا ... تشاهَدُوا كلكم علينا
بأنه عارية مضمونه ... يقيم فيها جاهه ودينه
جئت ببازٍ حسنٍ مُبَهرج ... دون العقاب وفويق الزُّمج
زَينٍ لرائيه وفوق الزّيْن ... ينظر من نارين في غارين
كأن فوق صدره والهادي ... آثارَ مشي الذرّ في الرّماد
(1/160)

ذي مِنسرٍ فخم وعين غائره ... وفخِذٍ ملءَ اليمين وافره
ضخم قريب الدستبان جدا ... يلقى الذي يحمل منه كدّا
وراحة تغمر كَفّي سبطه ... زاد على قدر البزاة بسطه
سُرّ وقال: هات، قلت: مهلا ... احلف على الردّ فقال كلا
أمّا يميني فهي عندي غاليه ... وكلمتي مثل يميني وافيه
قلت فخذه هبةً بقُبُله ... فصدّ عني وعلته خجله
(ثم ندمت غاية الندامه ... ولمت نفسي أكثر الملامه
على مزاحي والرجال خُطَّر ... وهو يزيد خجلاً ويحضر)
فلم أزل أمسحه حتى انبسط ... وهشّ للصيد قليلاًَ ونَشِط
صاح به اركب فاستقلّ عن يدي ... مبادراً أسرع من قول قدِ
ضم سباقيه وقال قد حصل ... قلت له الغرة من شر المعمل
سرتُ وسار الغادر العيَّار ... ليس لطيرٍ معنا مطار
ثم عدلنا نحو نهر الوادي ... والطير فيه عددُ الجراد
أدرت شاهينين في مكان ... لكثرة الصيد مع الامكان
دارا علينا دورة وحلَّقا ... كلاهما حتى إذا تعلَّقا
توازيا واطَّردا اطّرِادا ... كالفارسين التقيا أو كادا
ثَمَّت شدّا فأصادا أربعاً ... ثلاثة خضراً وطيراً أبقعا
ثم ذبحناها وخلصناهما ... وأمكن الصيد فأرسلناهما
فجدّلا خمساً من الطيور ... فزاد والرحمنِ في سروري
(1/161)

أربعةً منها انَيْسيان ... وطائراً يُعرف بالبيضاني
خيل تناجيهن حيث شيناً ... طيّعة ولُجمها ايدينا
فهي إذا ما رُفعت للعاده ... صَرّفها الجوع على الإراده
وكلَّما شدّا عليها في طَلَق ... تساقطت ما بيننا من الفرق
حتى أخذنا ما أردنا منها ... ثم انصرفنا راغبين عنها
إلى كَراكيّ بقرب النهر ... عشر أراها أو دُوَين العشر
لما رآها الباز من بعدٍ لصق ... وحدّد الطرف إليها وذرق
فقلت صدناها ورب الكعبه ... وكن في واد بقربٍ جَنْبه
فدرتُ حتى مَكَّنتْ ثم نزل ... فحطّ منها اقرعاً مثل الجمل
ما انحط إلا وأنا إليه ... ممكّناً كفي من رجليه
نزلت كي أشبعه إذا هيه ... قد نزلت من عن يمين الرابيه
فَشِلْتُه ارغب في الزياده ... وتلك للطراد شرّ عاده
لم اجزه بأحسن البلاء ... أطعتُ حرصي وعصيت رائي
فلم أزل اختلها وتنختل ... وإنما نختلها إلى الأجل
عمدتُ منها لكبيرٍ مفرد ... يمشي بعنق كالرشاء المُحصد
طار، وما طار ليأتيه القدر ... وهل لما قد حان سمعٌ أو بصر؟
حتى إذا جدّله كالعندلِ ... أيقنت أن العظم غير الفصل
ذاك على ما نلتُ منه أمر ... عثرت فيه واقال الدهر
خير من النجاح للإنسان ... إصابة الرأي مع الحرمان
صحت إلى الطبَّاخ ماذا تنتظر ... انزل على النهر وهات ما حضر
(1/162)

جاء بأوساط وجُرْدِتاجِ ... من حَجَلِ الصيد ومن درّاجِ
فما تنازلنا عن الخيول ... يمنعنا الحرص عن النزول
وجئ بالكأس وبالشراب ... فقلت وَفّرها على أصحابي
أشْبَعني اليوم ورَوّابي الفرح ... فقد كفاني بعض وسط وقدح
ثم عدلنا نطلب الصحراء ... نلتمس الوحوش والظباء
عنّ لنا سربٌ يبطن وادٍ ... يقدمه اقرن عَبْل الهادي
قد صدرت عن منهل رويّ ... من غُبَّر الوسميّ والوليّ
ليس بمطروق ولا بَكِيّ ... ومرتعٍ مقتبل جنيّ
رَغبن فيه غير مذعوراتِ ... بقاع وادٍ وافر النبات
مرّ عليه غَدِق السحاب ... بواكف متصل الرباب
لما رآنا مال بالأعناق ... (نظرةً) لا صب ولا مشتاق
ما زال في خفض وحسن حال ... حتى أصابته بنا الليالي
سرب حماه الدهر ما حماه ... لما رآنا ارتدّ ما أعطاه
بادرت بالصقَّار والفهَّاد ... حتى سبقناه إلى الميعاد
فجدّل الفهد الكبير الأقرنا ... شدّ على مذبحه واستبطنا
وجدّل الآخر عنزاً حاملا ... رعت حمى الغورَيْن حولاً كاملا
ثم رميناهن بالصقور ... فجئنها بالقدَر المقدور
افردن منها في القراح واحدة ... قد ثَقُلَتْ بالحَصر وهي جاهده
مرت بنا والصقر في قذالها ... يؤذنها بسيّء من حالها
ثم ثناها واتاها الكلب ... هُما عليها والزمان الب
(1/163)

فلم نزل نَصيدُها وتصرع ... حتى تبقَّى في القطيع أربع
ثم عدلنا عدلةً إلى الجبل ... إلى الأراوي والكباش والحجل
فلم نزل بالخيل والكلاب ... نحوزها حوزاً إلى الغياب
ثم نزلنا والبغال موقره ... في ليلةٍ مثل الصباح مسفره
حتى أتينا رحلنا بليلٍ ... وقد سبقنا بجياد الخيل
ثم نزلنا وطرحنا الصيدا ... حتى عددنا مائة وزَيْدا
فلم نزل نشوي ونقلي ونُصِب ... حتى طلبت صاحياً فلم نُصِب
شَرْباً كما عنّ من الزّقِاق ... بغير ترتيب وغير ساق
فلم نزل سبع ليالٍ عددا ... أسعد من راح أحظى من غدا
تمت وأهدي إلى بعض الملوك صيد وكتبت معه هذه الأبيات:
أزال الله شكواك ... وأهدي لك افراقا
خرجنا أمس للصيد ... وكنا فيه سباقا
فسمينا وارسلنا ... على بختك اطلاقا
فجاد الله بالرزق ... وكان الله رزاقا
وأحرزنا من الدراج ... ما الرحل به ضاقا
فأطعمت وأهديت ... إلى المطبخ أوساقا
وخير اللحم ما أقل ... قه الجارح اقلاقا
وذو العادة للصيد ... إذا أبصره تاقا
فيغذوه بما كان ... إليه الدهر مشتاقا
فكلْ منه شفاك الل ... هـ مشوياً وأمراقا
فهذه الحفظ للق ... وة لا تدبير اسحاقا
(1/164)

ما قيل في الجوارح من الشعر
ما قيل في الجوارح ووصف به من الشعر المستحسن لمتقدم ومتأخر
فمن ذلك ما قال أبو نؤاس في صفة البازي:
قد أسبق القاريّة الجونا ... من قبل تثويب المنادينا
بكل منسوب بأعراقه ... على عيون الارمينيينا
ربيب بيت وانيسٍ ولم ... يرب بريش الأم محضونا
لم ينكه جرح حياص ولم ... يبغ له بالتفل تسكينا
كُرّز عام صاغه صانع ... لم يدّخر عنه التحاسينا
ألبسه التكريز من حوكه ... وشياً على الجؤجؤ موضونا
له جراب فوق منقاره ... جمعن تأنيقاً وتسنينا
كل سنان عيج من متنه ... تخال مَحْني عطفه نونا
(1/165)

ومنسر أكلف فيه شفا ... كأنه عقد ثمانينا
وهامة كأنما قّنعت ... سبّ حياك السابريينا
ومقلة أشرب آماقها ... تبراً يروق الصيرفيينا
يرسل منه عند إطلاقه ... على الكراكيّ دُرَخْمينا
داهية تخبط اعجازها ... خبطاً تحسَّيها الأمرّينا
قد مشقته في الحشا مشقة ... ألقت من الجوف المصارينا
يحمي عليها الجو من فوقها ... حيناً ويُغريعها أحايينا
فمُقْعصٌ أثبت في نحره ... وخاضب من دمه الطينا
أعطى البزاة الله من فضله ... ما لم يخوّله الشواهينا
وقال أيضاً:
حشوتُ كفي دستباناً مُشْعَرا ... فروة سنجاب لؤاماً اوبرا
(1/166)

بقي بنان الكف ألا تَخصرا ... وغمزة البازي إذا ما ظفّرا
فشمتُ فيها الكف إلا الخنصرا ... أعددت للبغثان حتفاً ممقرا
أبرش بطنان الجناح أقمرا ... أرقط ضاحي الدفتين أنمرا
(كأن شدقيه إذا تضورا ... صدغان من عرعرة تفطرا)
كأن عينيه إذا ما أتأرا ... فُصّان قُدّا من عقيق أحمرا
في هامة علباء تهدي منسرا ... كعطفة الجيم بكفّ أعسرا
فالطير يلقين مُدّقّاً مِكسرا ... مشقاً هذاذيه ونهساً نهسرا
(1/167)

وقال غيره في صفته:
مكان سواد العين منه عقيقة ... وتبر على خط البياض يدور
تمور إذا مارنّقت في مآقها ... كما مار من ماء الزجاجة نور
له قَرْطقٌ ضافي البنائِق أنمر ... مفوّف ضاحي الشقتين طرير
ومن تحته درع كأن رقومه ... تعاريج وشي أرضهن حرير
كأن اندراج الريش منه حبائك ... بعقب سحابات لهنّ نشور
له هامة ملساء أما قذالها ... فمُوفٍ وأما جيدها فقصير
ململمة فرعاء لولا شكيرها ... لقلت مَذاكٍ ضُمَّنته صخور
معصَّبة بالقِدّ ذات نواشر ... لها من خطاطيف الحديد ظفور
له مِنسر يحكي من الظبي روقه ... إذا تم للتحجيز منه طرور (؟)
له فُوَفٌ فوق القذال كأنها ... ولم يَعْلُه وخط القتير قتير
تخّيره القنّاص من بين عصبة ... لهم عند فخر القانصين فخور
وهذّبه حتى كأن ضميره ... له دون ما تهوى النفوس ضمير
أتانا به من رأس خلقاء حزنه ... لها فوق أرآد الشفاف ذرور
(1/168)

مُؤللةٍ جَلسٍ إذا الطرف رامها ... أعادت إليه الجفن وهو حسير
كآدٍ تحاماها الأنوق فما لها ... بأحضانها دون الرؤوس وكور
سباه صغيراً فأستمرّ لحزمه ... وردّ إليه العزم وهو كبير
يُقطّع أسحار البغاث كأنما ... له في نحور البائسات ثؤور
تبوأ أيدي مالكيه كأنه ... على آمريهِ في الجلالِ أمير
ومما قيل في صفته:
كأنها ألواح بازٍ نهضل ... كُرّز يلقي ريشهٍ ويغتلي
أكلف ملتفّ بريش دغفل ... تلفَّف الشيخ التوى في المَشْمَل
إذا غدا والطير لم تُصلصل ... غدا بضيق العينين لم يكلل
بحدِ أطراف شباً مؤسل ... فانحطّ يهوي من بعيد المحتل (؟)
إن طِرن ساماهنّ سامٍ من عل ... وإن تطأطأن انحنى لأسفل
أوْدّين بعد النفض والتحفل ... من لطم ذي معمعةٍ مولول
وقال بعض المحدثين يصفه:
قد أغتدي في نفس الصباح ... بمقرم للصيد ذي ارتياح
معلّق الأشباح بالأشباح ... يركض في الهواء بالجناح
(1/169)

كركض طرف السبق في البراح ... ذي جلجلٍ كالصرصر الصيّاح
قُمّصٍ وشياً حسن الاوضاح ... تخاله منه حباب الرّاح
حتفٍ لطير اللّجَّة السَّبَّاح ... ذي الطوق منهن وذي الوشاح
يسبحن في الماء وفي الرياح
لما خَبا ضوء الصباح ومشى ... غدوت في غرته منكمشاً
أنتاب بالدير غديراً مرعشاً ... بكرَّزي كالرخام أبرشا
تخال في الجؤجؤ منه نمشا ... أو بُردَ وشّاءٍ أجاد النّقشا
أو وحي حِبرٍ في أديم رقشا ... وتحسب الريش إذا ما نهشا
قطناً على منسره منفّشا
أخطأ في قوله نهشاً كان يجب أن يقول:
ونحسب الريش إذا ما نهسا
بالسين غير معجمة في الجوارح فأما النهش بالإعجام فللحيّة.
وقال:
غدوت للصيد بفتيان نُجب ... وسبب للرزق من خير سبب
غداً تلاقي الطير حتفا من كثب ... وهي على ماء خليج تصطخب
تطلب ديناً في النفوس قد وجب ... بمقلة تهتك أستار الحجب
كأنها في الرأس مسمار ذهب ... كانت له وسيلة فلم تخب
ذي منسرٍ مثل السنان مختضب ... وذَنَب كالذيل ريّان القصب
اسُبِلَ فوق عطبة من العُطُب ... كأن فوق رأسه إذا انتصب
من حلل الكتان راناً ذا هُدَب ... قد وثق القوم له بما طلب
فهو إذا خُليّ لصيدٍ واضطرب ... عرّوا سكاكينَهُم مِن القرب
(1/170)

وقال عبد الله بن محمد الناشي يصفه:
لما تفرّى الليل عِن اثباجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه
غدوت أبني الصيد في منهاجه ... بأقْمَرِ أبدع في نتاجه
ألبسه الخالقُ من ديباجه ... ثوباً كفى الصانع من نِساجِه
حالٍ من السُّوق إلى أوداجه ... وشياً يحار الطرف في اندراجه
في نسقٍ منه وفي انعراجه ... وزانَ فَوْدَيْه إلى حِجاجِه
بزينةٍ كفته نظم تاجه ... منسره ينبئ عن خِلاجِه
وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرء في ادلاجه
بعينه كفته من سراجه
وقال:
أيا صاح بازيّ بازيّ أنه ... من البؤس والفقر في الدهر جُنّه
ألست ترى ظبيات يردن ... مياهاً يضيء تلألؤهنّه
صوارينا شأنكنّ النهودَ ... لهن فهن أولياؤكنه
قياماً أقبحكن الغداة ... أن لم تجئن إلينا بهنّه
فيَهْياه يَهياهُ أين المفر ... لهن إذا ما شاء أو تيَهنّه
ويا خيل ويهأ دراكِ دراكِ ... عساكن تمنحننا صيدهنّه
فنأخذ منهنن ثاراتنا ... بحق جناية أشباههنّه
(1/171)

(فكم من قتيل لنا هالك ... بإحداقهن وأجفانهنّه)
يمكنّ منْ شائمات القلو ... ب ضواري العيون فيصدْ نهنه.
وقال محمود بن الحسين السندي الكاتب يصفه:
لما أجدّ الليل في انحيازه ... ولاح ضوء الصبح في أعجازه
دعوت سعداً فأتى ببازه ... يحمل يسراه على قفازه
ضامن زادٍ جدّ في احرازه ... ندباً هوانُ الطير في اعزازه
أقرانه تنكل عن برازه ... يبادر الفرصة في انتهازه
كأنما راح إلى بزّازه ... فابتزّه المُوْشيّ من طرازه
فصاد قبل الشدّ في اجتيازه ... خمسين حزناً هن باحتيازه
ما أسلف البرّ فلم يجازه ... ولا خلا في الوعد من إنجازه
وله فيه:
قد أغتدي والليل مهتوك الحمى ... والصبح يسْتنفِض أسرار الدجى
مبتسماً عن ساطع من الضيا ... ضحك الفتاة الخود في وجه الفتى
أو مثل وجهي يستهّل للِقرى ... بكاسرٍ من البزاة مجتبى
أبيض إلاّ لمعاً فوق الفرا ... كأنها رش عبيرٍ في مُلا
كأنما ناظره إذا سما ... يا قوتة تهدى إلى بعض الدُّمى
كأنما المنسر من حيث انحنى ... عطفة صدغ خُطّ في خدّ رشا
كأنما نيطت بكفيه مُدى ... أوحى من النجم إذا النجم هوى
أو رجعة الطرف سما ثم انثنى ... تستأسر الطير له إذا بدا
(1/172)

موقنة منه بحتفٍ وردي ... أجزل بما كافأته وما جزى
أقرضتُه تأميل ربحٍ فَوَفى ... بواحدٍ ألفاً وأربى في العطا
وليس بين العبد والمولى ربا
قال: وكنت إلى صديق لي من الكتّاب أصف بازياً له حضرت معه الصيدَ به
قد أغتدي أو باكراً بأسحار ... ونحن في جلباب ليل كالقار
شُدّ علينا بعري وأزرار ... كأنه جلدة نوبيّ عار
حتى إذا ما عرف الصيد الضاري ... وأذن الصبح له في الإبصار
خلى لكل شيخ نائي الدار ... فارس كفٍّ ماثلٌ كالأسوار
ذو جؤجؤ مثل الرخام المرمار (؟) ... أو مصحف منمنم ذي أسطار
ومقلة صفراء مثل الدينار ... يرفع جفناً مثل جوف الزنار
ومخلب كمثل عطف المسمار ... آنَسَ طيراً في خليج هدّار
مضطرب اللجنة صافي الأقطار ... سوابحاً تغري جباب التيّار
من كل صدّاح العشيّ صفّار ... كأنه مرجّع في مزمار
وذات طوق أخضر ومنقار ... كنصف مضراب برى منه الباري
فصاد قبل فترةٍ وإضجار ... خمسين فيهن سمات الأظفار
يخبطها خبط مليك جبار ... مظفراً يطلبها بالأوتار
قد حُكّمت سيوفه في الأعمار ... كأنه فيها شواظ من نار
(1/173)

ما قيل في الباشق من الشعر
مما ضمَّناه كتابنا هذا فمن ذلك قول محمود بن الحسين الكاتب:
وكان جؤجؤه وريش جناحه ... ترجيع نقش يد الفتاة العاتق
يسمو فيَخْفى في الهواء وتارة ... يهفو فينقض انقضاض الطارق
ما حام عن طلب الحمام ولم يُفِق ... مذ كان من صيد الاوز الفائق
يشفي إذا نعب الغراب بفرقة ... قلب المحب من الغراب الناعق
وإذا القطاة تخلفت من خوفه ... لم يعدُ أن يهوى بها من حالق
له هامة كُلّلت باللجين ... فسال اللجين على المَفْرِق
يقلّب عينين في رأسه ... كأنهما نقطتا زئبقِ
وشُرّب لوناً له مُذْهباً ... كلون الغزالة في المشرق
هُنَيْدَة كاملة وزنه ... وسرعته سرعة البيدق
حِمام الحَمام وحتف القطا ... وصاعقة القَبْج والعَقْعَق
(1/174)

وأحنى عليك إلى أن يعود ... إليك من الوالد المشفق
وإن غاب عنك لصيدٍ نحاه ... بأسنان مستأسدٍ موثق
سمعت الفصيح كأن الخلي ... ل يطارحه علل المنطق
فأكرم به وبكف الأمير ... وبالدستبان إذا تلتقي
وقال بعض شعراء بني هاشم يصفه:
لما انجلى ضوء الصباح فانفتق ... غدوتُ في ثوبٍ من الليل خَلَق
بطامح النظرة في كل أفق ... بمقلةٍ تصدقه إذا رمق
كأنها نرجسة بلا ورق ... مباركٍ إذا رأى فقد رُزِق
وقد قيل في الباشق من الشعر ما لو أتينا به لأطلنا ولكنا اقتصرنا في ذلك على ما ضمناه كتابنا.

ما قيل في الشواهين من الشعر
قال أبو نؤاس:
قد اغتدي قبل الصباح الأبلج ... وقبل يفتان الدجاج الدُّحج
أو سبهردار اللون اسبهرج ... يوفي على الكفّ انتصاب الرمج
مشمر ثيابه عن موزج ... كأنما عُلّ بصبغ النيلج
كأن لون ريشه المدرّج ... من قائم منه ومن معرّج
(1/175)

باقي حروف السطر المخرفج ... أبرش أوتاد الجناح الخرجّ
بين خوافيه إلى الدّهِيرَج ... ينهس سير المقود المحملج
من نهم الحرص وأن لم يلمج ... ينحاز جولان القذى المنمنج
عند امتداد النظر المحمج ... من مقلة واسعة المحمج
كأنما يطرق عن فيروزج ... من الشواهين كلاف كنفج
في هامة مثل الصلا المدمَّج ... ومنسر أقنى رحاب المفرج
حتى قضينا كال حاج محتج ... من ديرج اللون وغير الديرج
يظل أصحابي بعيش سجسج ... من رَهَم الصيد وشرب البُختج
تراهم من معجل ومنضج ... وقادح أورى ولم يؤجج
وأنشِدتُ لبعضهم في صفته:
هل لك يا قناص في شاهين ... سَوْدَانقٍ مؤدّبٍ أمين
(1/176)

جاء به سابيه من دَرِين ... ضرّاه بالتخشين والتليين
حتى لأغناه عن التلقين ... فكاد للتثقيف والتمرين
يعرف معنى الوحي بالجفون ... يظلّ من جناحه المَزين
في قُرْطَق من خزّه الثمين ... مفوّق في نعمة ولين
يشبه في طرازه المصون ... بُرد أنوشروان أو شيرين
وشِكَةٍ كَزَرَدٍ موضون ... مضاعف بالنسج ذي غضون
كدرع يزدجر أو شروين ... أحوى مجاري الدمع والشؤون
ذي مِنْسرٍ مؤيدٍ مسنون ... وافٍ كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف نون ... يبدي اسمُهُ معناه للعيون

ما قيل في الصقر من الشعر
قال رؤبة بن العجّاج:
قد أغتدي والصبح ذو بَنيق ... بملحمٍ أكلف سَوْذَينق
(1/177)

يرمى إلينا نظر الموموق ... عجلان منها عن غدير النوق
على شمال مطعم مرزوق ... بكف بسطام على توفيق
آنس سرباً لايح التبريق ... فانقضّ ضارٍ كعب التمزيق
كأنه حطَّان منجنيق ... إذا انتحى بمخلبٍ علوق
طأطأ منهنّ عن التحليق ... قد وثقوا من وقعة الموثوق
بوقعِ لا وان ولا مسبوق ... يدير عيني وعلٍ موروق
يصكّ كل خُرّبٍ بطريق ... بين فضاء الأرض والمضيق
يعطيه بعد النفض والتعريق ... عنقاً ورأساً كقفا الإبريق
أوراق إلا جدّة التطويق ... أدمج بالحناء والخلوق
مما يُشَفّى من دم العروق ... كان صوت ريشه المطروق
لما تدلى من أعالي النيق ... قصباء حَتّ في ضيا حريق
وأنشدني بعض أهل العلم:
يا رب صقر يفرس الصقورا ... ويكسر العيقان والنسورا
يجتاب برداً فاخراً مطرورا ... مسّيراً بكتفه تسييرا
وقد تقبَّى تحته حريرا ... مشّمرا عن ساقه تشميرا
يضاعف الوشي به التنميرا ... معرّجاً فيه ومستديرا
كما يضمُّ الكاتب السطورا ... كأنه قد ملك التصويرا
لنفسه فأحسن التقديرا ... يروم منه أسداً هصورا
مشزرّاً ألحاظه تشزيرا ... كأنّ في مقلته سعيرا
(1/178)

تخاله من قلق مذعورا ... ذا حذرٍ قد جرب الأمورا
سباه من شاهقةٍ صغيرا ... قد طار أو ناهز أن يطيرا
من كان بالرفق له جديرا ... ينذر في ابقائه النذورا
كأن ساقيه إذا استثيرا ... ساقا ظليم أحكما تضبيرا
ذا هامة ترى لها تدويرا ... كما أدرت جندلاً نقيرا
تسمع من داخلها صفيرا ... يحكي من اليراعة الزميرا
ترى الاوزّ منه مستجيرا ... يباكر الضحضاح والغديرا
يثبت في أحشائها الاظفورا ... ينتظم الأسحار والنحورا
وله أيضاً:
غدونا وطرفُ الليل وسنان غابر ... وقد نزل الاصباح والليل سائر
بأجدلَ من حُمْر الصقور مؤدّب ... وأكرمُ ما جرّبتَ منها الاحامر
جريء على قتل الظباء وإنني ... ليعجبني أن يقتل الوحش طائرُ
قصير الذُّنابي والقُدامى كأنها ... قوادم نسرٍ أو سيوف بواتر
ورُقِشّ منه جؤجؤ فكأنما ... أعارته أعجامَ الحروف الدفاتر
وما زالتَ بالاضمار حتى صنعتُه ... وليس يحوز السبق إلا الضوامر
وتحمله منا أكف كريمة ... كما زُهِيت بالخاطبين المنابر
(1/179)

فعنً لنا من جانب السفح ربرب ... على سَنن تستنّ فيه الجآذر
فَجَلَّي وُحلت عقدة السير فانتحى ... لأولها إذ أمكنته الأواخر
يحث جناحيه على حرّ وجهه ... كما فُصّلت فوق الخدود المغافر
فما تمّ رجع الطّرف حتى رأيُتها ... مصرّعة تهوي إليها الخناجر
كذلك لذاتي وما نال لذة ... كطالب صيدٍ ينكفي وهو ظافر
وقال فيه:
ألفت صقراً جلّ باريه وَعزْ ... ندباً إذا قدّم ميعاداً نجز
مجتمع الخلق شديداً مكتنز ... أحمر رحب الجوف مخطوف العجز
كأنما الريش عليه حمل خز ... كأنما حملاقه زّنار قز
كأنما بنظر من بعض الخرز ... أنمر من عَزّ به في الصيد بز
في مثله يسعد اطرار الرجز ... يعدو على الظبي ويغتال الخزز
ويقتل الفز فما يُخطبه فز ... ويحتوي على الحمام والاوز
يعبرها حتى إذا جاز همز ... أمضى من العضب إذا ما العضب هُز
وإن رأى الفرصة منهن انتهز ... حاز على أشكاله ما لم تحز
ترى به شخص حمامٍ أن برز ... ما أخطأ المفصلَ منها حين حز
(1/180)

كلا ولا أحرزها منه حَرَز ... صُل بالقطاميّ إذا شئت تفز
وأفخر به فالصقر أعلا وأعز ... وساير الطير سداد من عوز
وقال آخر يصفه:
مثل القطاميّ أناف قتبه ... مختضباً معظمه ومخلُبه
يغتصب الطير وما تغتصبه ... تظلّ في الاخمار مما ترهبه
جانحة من خوفه ترقبه ... لا يأمن الضربة منه أرنبه
ولا يدب بالفضاء ثعلبه ... مثرٍ من الكسب قليل نشبه
يكتسب اللحم وما يكتسبه ... بات وطلّ من سماءٍ يضربه
حتى إذا الصبح تجلّت جوبه ... عن طرفِ لِمّاحٍ شديدٍ كَلَبه
من أضم الجوع الذي تَلّهبُه ... يكاد أن عاين شخصاً بمثقبه
بقوة الطرف الذي يقلبه ... اسنان عين صادق لا تكذبه
لاح له قبل الذُرور خُرَبه ... وليّ ولا يؤيل منه هربه
واحتثَه من جوه تصوّبه ... به رشاش من دمٍ يخضبه
كأنه طالب ذحْلٍ يطلبه ... أعسر مسحور شديد كَلَبُه
ذو ماقةٍ كدّرها تغضُّبه ... ما أن يرى أن عدوّاً يغلبه
كأنه في الُلح إذ يقطبه ... إن طار عنه ريشه وزغبه
وانفضَّ من بعد اجتماع سلبه ... عفرية صُبّ عليه كوكبه
في مستجير اللون داج غيهبه ... أو قِشعُ فَروٍ لم يُجمّعُ هدَبُه
(1/181)

باب صيد طير الماء في القمر
بالبازي والباشق وهو باب تفردنا به دون غيرنا ولم نعلم أحداً سبقنا إليه من مؤلفي كتب البيزرة من المتقدمين
إذا أردت أن تصيد بالبازي أو الباشق طير الماء في القمر فأعمد إلى أفره ما عنك من بازي أو باشق فعوّده التلقيف بالعشيّ على حمام أبيض
وكلما جاءك فأشبعه حتى يألف ذلك ولا يتأخر عنه، ثم اجعل تلقيفه مع صلاة المغرب ليلتين أو ثلاثاً حتى تثق بمجيئه على الصياح من وسط النخل، فإذا جاءك من النخل على الصياح فأشبعه على التلقيف فقط ليلتين أو ثلاثاً ثم أجعل تلقيفه مع صلاة العشاء الآخرة ولا تطعمه نهاره شيئاً، وليكن ذلك في الليلة التي تريد الصيد فيها، وإن لم ترد الصيد به فيها، فأجعل طعمه بالغداة كسائر الجوارح وإذا هو جاءك العَتَمة، ولم يتأخر عنك إذا سمع صياحك فأشبعه ليلتين أو ثلاثاً، ليألف الشبع في الليل، فإذا فعلت به ذلك وألفه وأردت الصيد به فعَيّن على خليج يكون فيه طير الماء، فأن كان بازياً فأجتهد أن يكون طير الماء كبيراً، وإن كان باشقاً فليكن طير الماء صغيراً وهي تسمَّى الحذف، فإذا عزمت على الصيد به وكانت بينك وبين خصم مبايعة على الصيد في الليل، فخذ خصمك واركب، فإذا رأيت الطير الذي عيَّنت عليه في الخليج، فلا تعجل بالإرسال
(1/182)

وأمسك يدك وأضرب الطبل، فأن الطير إذا علت رآها البازي فحينئذ أرسله، فأنه يصيد بأذن الله، ومتى أرسلته قبل أن تضرب له الطبل مرَّ على وجهه لأنه لا يتأمل طير الماء، وما يحتمل إرسال الليل يحتمله إرسال النهار، لأن الجارح يبصر الطير بالنهار عن بعدٍ ولا يمكنه النظر في الليل فلذلك وجب أن تَتَثبَّتَ في الإرسال فإذا صاد فأشبعه.
وربما أخطأ وقعد في النخل فأدعه فأنه يجيئك للتلقيف فإذا جاءك فأشبعه وقد يجوز أن يبيت على بعض النخل فإذا يئست من مجيئه فبيّت علاماً تحته فأنه يأخذه بالغداة، ولا تطعمه شيئاً، وعد به في الليلة الثانية، وليكن معك طيرة ماء مخيطة فأن هو صاد فأشبعه وإن لم تجد من طير الماء شيئاً فطيّر له التي معك وأشبعه عليها فأنه يصيد بأذن الله.
وقد حُدّثنا أن الاخشيد كان له بازي يصيد به في القمر، ولم نر ذلك ولا علمنا أن أحداً سبقنا إليه، وربما زاد الناس في الكلام ونقصوا.
وأما الشاهين والصقر فمن طبعهما الصيد بالأسحار، وكثرة صيد الشاهين في الأسحار الواقات والقُبَيسات وهي الصدوات لقلة مراوغتها في الليل.
وكذلك طير الماء ليس له مراوغة في الليل عند ضرب الطبل ولذلك يقدر على صيده.
(1/183)

باب شد الجوارح على الكنادر
قد ذكرنا في كتابنا هذا ما لم يذكره الناس في كتبهم من شدّ الجوارح على الكنادر من البزاة والبواشق، لأنها تُشدّ على العوارض، ومتى كان شدها ضيقاً لم يؤمن عليها من الانقطاع، لأنه متى وثب الجارح على غفلة وهو قصير الشدّ لم يؤمن عليه أن ينقطع، والأجود أن يكون في شدّه فضل فأنه أسلم له، ويجب على من تكون له جوارح ألاّ يبيت أو يفتقدها فإن كانت وجوهها إلى الحائط حوّلها عنه ليأمن عليها.
وحُدّثنا عن شيخ من اللعَّاب أنه كانت له عدة بواشق في بيت، وأنها كانت موجهة إلى الحائط وأن واحداً منها عارضه شيء في الليل فوثب فلقيه الحائط بشدة بدنه فمات، وأن كل ما كان معه من البواشق لما أحسَّت بوثبته وثَبَت كلها فأصبحت تحت الكنادر أمواتاً عن آخرها، ولم يُعرف لها سبب غير ما ذكرناه، فأحببنا أن نجعله باباً مفرداً وقد وصينا بما فيه الصلاح لمن انتهى إليه وعمل به وبالله نستعين وعليه نتوكل.
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين كما هو أهله ومستحقه وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليما.
(1/184)