Advertisement

البخلاء للجاحظ



الكتاب: البخلاء
المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)
الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت
الطبعة: الثانية، 1419 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ...
فقد اتّسم العصر العباسي بثروة فكرية عارمة تمثّلت بالدراسات والعلوم والآداب والآثار الجمّة، التي ظهرت في مرحلة ذهبية، كان لها كبير الأثر في تنمية الأدب وإغناء التراث العربي وتطويره. والملاحظ أن العصر العباسي كان غنيّا بالأدباء والشعراء على اختلاف مراحله، وهذا ناشىء عن الحياة الثقافية التي ازدهرت سواء في كثرة المدارس والعلوم والحلقات التدريسية، أو في تعدّد الأساتذة وكثرة المؤلفين وتضاعف النتاج وانتشار الثقافة.
وإذا عرف العصر العبّاسى بالعصر الذهبي، فإن ذهبيّته تلك رصّعت بولادة رجل كبير، استطاع أن يشكّل قفزة واسعة في ميادين الأدب واللغة والإجتماع والتأليف والكتابة، ألا وهو الجاحظ أحد أعلام الكتابة في العصر العبّاسي الثاني.
(1/5)

كنيته أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، من بني كنانة، بن خزيمة من مضر. ولد في البصرة سنة 160 هـ تقريبا. ولقّب بالجاحظ لجحوظ في عينيه.
نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين. ولم يتحدث الرواة عن أبيه، وإنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة. توفي أبوه وهو طفل، فتعهّدته أمّه، فكان لا بد أن يحيا في عوز وضيق.
وراح يبيع السمك والخبز ارتزاقا على ضفاف نهر سيحان في البصرة.
كان ميّالا منذ حداثته الى الدراسة والعلوم، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة، فصار يختلف الى بعض الكتاتيب، وحلقات المسجديينّ في البصرة، ثم في المربد، وهو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية. وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء.
فاكتسب الجاحظ علما وثقافة ومعرفة. وتلقى العلوم والآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر وأدبائه ومفكرّيه، فغدا طالب علم للأخفش، والأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد الأنصاري، يدرس عليهم، ويتعمّق بعلومهم ومن ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به، ويضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظّام البلخي أحد أئمة المفكرين، وشيخا للمعتزلة في ذاك العصر.
وكانت لمعتزلة تؤمن بالعقل، كما كان علم الكلام والجدل موضوع كل مجلس، وكل منتدى، فنزع الجاحظ نزعة إعتزالية ... وإذا كان اساتذة عصره قد طبّعوا الجاحظ بميزات فكرية وأدبية ولغوية وعلمية فريدة، فإن المعتزلة تركت آثارها العقلية عميقة في كتاباته، وطرائق تفكيره وتآليفه. وبات له نمط واضح ثابت، يستدلّ عليه من كتبه، ومن موضوعاته.
(1/6)

ولم يمض وقت طويل حتى إذا أحس باكتمال القوى، قصد بغداد، وأقام فيها. وهناك بزغ فجر الجاحظ، وأخذ يتألّق، واضعا كتبه الأولى منسوبة إلى عبد الله بن المقفّع، وسهل بن هارون، ليقرأها الناس وتشيع بينهم. فأصبح اسم الجاحظ يتردّد على كل شفة ولسان. وكثر الحاسدون، فأرادوا تقليد أسلوب الجاحظ، والإنتقاص منه، إلّا أنّهم لم يفوزوا.
وقرأ له الخليفة المأمون بعض كتبه في الإمامة، فأعجب بها، وقدم إليه أبو عثمان كتاب «العباسيّة» فنال ثوابه. وما كان من الخليفة المأمون إلّا أن أسند إليه ديوان الكتّاب، الذي لم يطل الإقامة فيه، وبعد ثلاثة أيام طلب الجاحظ من الخليفة إعفاءه من هذه المسؤولية التي تحتّم على صاحبها طبعا رصينا، ومسلكية صارمة لا تتلاءم ومزاج الجاحظ وطبائعه. وتوطّدت روابطه بكبار رجال عصره، فاتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير المعتصم، وكتب له ومدحه، وأهداه كتاب «الحيوان» فأجازه الوزير بخمسة آلاف دينار، ثم أغدق عليه مالا كثيرا جعله يقوم برحلات عديدة إلى دمشق وأنطاكيا ومصر ...
ولما صارت الخلافة الى المتوكل، نكب الوزير ابن الزيات بيد القاضي محمد بن أبي دؤاد، فهرب الجاحظ، ثم أعيد الى القاضي مقّيدا، مغلول العنق، معتذرا عن فراره، وقد أبدى إبن أبي دؤاد إعجابه به، فقال «أنا أثق بظرفه، ولا أثق بدينه» . وقدم إليه الجاحظ كتابه «البيان والتبيين» ، بعد أن انقطع إليه عاما كاملا. وتدرّجت إتصالاته حتى بلغت الفتح بن خاقان، فقدم له بعض كتبه. وجعله المتوكل مؤدبا لأولاده. ولما رأى بشاعته صرفه. وقد حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه، فقال: «ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني» .
واتصل أبو عثمان أيضا بإبراهيم بن العبّاس الصولي، وقد أهدى
(1/7)

إليه كتابه «الزرع والنخل» فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار.
وفي أخباره أنه زار سامرّاء أيضا، واللاذقية، وحلب، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه وكتاباته، وفيها شرع يصنّف ويؤلف، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى، ومن الصنعة الى الإنتشار، حتى ذاع صيته وملأ دنياه.
كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة، قصيرا، دميما، جاحظ العينين، قبيح المنظر. إلى أن قيل فيه:
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ
وهو نفسه كان يتحدث عن قبحه. فقد روي أن إمرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة، فلما وصلت هناك قالت للصائغ: «مثل هذا» ، وانصرفت. فسأل الجاحظ الصائغ، ماذا قد عنت المرأة بقولها ذاك، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها، فاصطحبتك لتمثيل صورته. وهذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها.
ومهما تكن تلك البشاعة، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل، وإنما كان لطيفا محبوبا، عذب اللسان، قوي الشخصية. إستطاع بصفاء قلبه، وصدق واقعيته، ونفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته ويزيل ما فيها من قرف واشمئزاز.
لقد تمتّع بطلاوة الحديث، ورطوبة الفكاهة، ورقة الدعابة. ومنح أبو عثمان ذكاء فائقا، وملاحظة دقيقة، وصراحة مطلقة، وعقلا راجحا، وثقة وتفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه، ومحبّبا غير محتقر.
ينتظر الناس فرحه الحاضر، وبديهته اليقظة، إنتظارهم كتاباته ونوادره وطرائفه.
ظلّ الجاحظ عطاء يفيض، وفكرا يدفق، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس. وقد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة والإنسان.
(1/8)

وفي أواخر حياته، سعى إليه المتوكّل طالبا إيّاه، فأجابه الجاحظ: «وما يصنع أمير المؤمنين بامرىء ليس بطائل، ذي شقّ مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟» . وقال المّبرد: «دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له:
كيف أنت؟ قال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير لا يشعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه» .
ولم يهجره الألم؛ بل تفاقم. وظل يرافقه مرافقة الكتب له. وما كاد يطوي صفحة من صفحاتها، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه، مشكّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق والأحرف والكلمات.
وهكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة 255 هـ.
للجاحظ أكثر من مئة وسبعين كتابا بين رسالة صغيرة ومؤلف، إلا أن معظم هذه الآثار لم يسلم. وإن عوامل كثيرة كانت سببا في ضياع مؤلفات عديدة لعباقرة عرب كالجاحظ. وبقي لنا بقية مما ألّفه أبو عثمان وأودعه خزائن التراث العربي، نذكر منها: كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان، وكتاب البخلاء الذي نخصّصه هنا بالتفصيل. وإنك إذا قرأته قراءة عميقة وجدت، ما يرمي إليه صاحبه من أبعاد تتناول حياة العصر العباسي، وشؤون الناس، وما أحاط بها من تغيّرات طارئة، وعادات دخيلة، وتقاليد غريبة، وأفكار جديدة على الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والفكرية.
إذن ما هو هذا الكتاب، وما غايته، وماذا يتضمن؟
هو كتاب يصوّر أحوال فئة من الناس اتخذت لنفسها منهجا معيّنا في التفكير والتصرّف والسلوك. وباتت مقتنعة به اقتناعا كاملا، تبدّدت في ظله كل الأشياء الأخرى. فإذا البخل هو واقعهم ومفهومهم وحياتهم التي يسيرون عليها، محاولين إسدال ستار من العلم عليه، علّهم في ذلك يقنعون الناس إيهاما بأنهم أصحاب فكر ومنطق، ورجال تدبير، وذو واقتصاد وتوفير.
كان الجاحظ في كتاب البخلاء عالما شأنه في جميع مؤلفّاته. كان عالما طبيعيا
(1/9)

في كتاب «الحيوان» ، وعالما نقديا في «البيان والتبيين» ، وها هو عالم إجتماعي وناقد في كتاب البخلاء، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم ومعاشهم، يحلّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة.
إستهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل ونوادره. وقد صدّره بمقدمة طويلة، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء، وأن يشعرهم بشيء من الرغبة والتشويق. ومن المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه، الذين اتّهموه بالبخل. وعمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء وسرد قصصهم، بادئا بأهل مرو، وأهل خراسان، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم «أصحاب الجمع والمنع» ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه ومعاصريه كزبيدة بن حميد، وأحمد بن خلف اليزيدي، وخالد بن يزيد، وأبي محمد الخزامي، والحارثي، والكندي، وابن أبي بردة، واسماعيل بن غزوان، وموسى بن عمران، والأصمعي، والمدائني وطرائف شتّى، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة، وكل نادرة بأسلوب قصصي طريف، وبراعه فنيّة رائعة. وبعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني، ولهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان.
وللبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شيء موضعه، في إظهار منافع المأكولات وأضرارها، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن، وقشور الباقلاء تحتوي الغذاء «إن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله» .
وأما غاية الكتاب هذا، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس، وإضحاك القارىء. ولكن مهما يكن من أمر، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلّفه هذا قد وضع من أجل الهزل والتسلية، إنما له فيه أيضا غاية جليلة؛ وهي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات والأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا. وإن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في
(1/10)

عادات العرب وتقاليدهم، فكان منها إنتشار البخل، وخاصة في العراق إبّان القرن الثالث الهجري.
والحقيقة، فإن غاية الكتاب تتعدّى الضحك والمرح، لتغدو أعمق وأشد، فإذا هي أقرب الى الردع والتأنيب، والهزء والسخرية، وذلك من أجل المنفعة العامة والإستفادة من أعمال البخلاء الشاذة إستفادة تجعلهم يميلون الى الكرم من غير إسراف، وإلى الجود في غير إقتصاد.
وهناك فريق آخر من الدارسين رأى أن كتاب «البخلاء» ما وضع إلا لأن الجاحظ كان واحدا من أولئك البخلاء، ولذلك تمكّن من معرفة أحوالهم بدقة، كاشفا حقائقهم كما هي بصدق وواقعية.
والواقع أن كتاب البخلاء يعتبر من الكتب النفيسة بمكان، لأنه دراسة واقعية لردة فعل إقتصادية. ومن أجل ذلك أفرد الجاحظ كتابا خاصا بالبخل صوّر هذه الحالة، وتغلغل أيضا بين طوايا النفس البشرية، وتفهّم نزعاتها، وحلّل أعمالها، ودرس نفسياتها، وقد قال: «ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة» .
لقد اتّبع الجاحظ أسلوبا قصصيا إخباريا يربط الأخبار بعضها ببعض.
وكانت أقصوصة البخيل قصيرة، لكنها جمعت عناصر القصة الكاملة، من مقدمة وعرض وعقدة، الى حل وخاتمة.
ولم تكن أقاصيص الجاحظ خاوية فارغة؛ بل كانت نابضة مليئة بالحياة تستمد موضوعاتها من وحي فريق من الأشحاء المسجديين والخراسانيين وغيرهم، إختاروا أحاديثهم، وانتقوا ألفاظهم بأنفسهم. من هنا نضجت أقصوصة البخيل عند أبي عثمان، واستمرت حارة دافئة يقظة، تدفىء النفس فتثيرها، وتوقظ العقل فتحركه تارة بين الاسترخاء والاستمتاع، وطورا بين التصوير والتحكيم.
وقد تمّيز كتاب «البخلاء» بخصائص هامة كان منها الموضوعية التي برزت
(1/11)

جليّة في كتابه، إذ إن الجاحظ تجرّد من ذاته، وترك البخلاء أنفسهم يتحدثون عن قضاياهم، دون أن يدخل نفسه شريكا أو موجها في الصورة، أو في الموضوع.
ولم تجر أقاصيصه على وتيرة واحدة؛ بل كانت كل منها تطغى على الأخرى من حيث النكهة والموضوع والأسلوب. ويقيننا أن أسلوبه الصامت هذا، كان من الأساليب التي أدّت إلى نجاح نوادره وتحليل نفسيات بخلائه.
لقد رسم أبو عثمان بخلاءه بريشته الماهرة الساخرة التي يصعب على المتقدمين والمتأخرين استعمالها، أو إجادة التصوير بها، لأنها ريشة متميزة لها خصائصها الأسلوبية والذوقية والنفسية التي طبعت أدب الجاحظ بطابع خاص متفرّد.
كان الجاحظ في كتاب «البخلاء» فنانا بطبعه اعتمد لونا أساسيا، وهو الذات البشرية. فغاص الى أعماقها، يستنبط ما في جوانبها من عقد وغرابة وغموض. فهو لم يقص حكاياته لإثارة تلك الغرابة، وإنما للدلالة على تلك المواقف النفسية والتعقيدات التي كان يعانيها البخلاء في عصره.
وبالإضافة الى ذلك، فإننا لا نغفل الأسلوب المسرحي الذي تحقق له في كل نادرة، وخاصة في أقصوصة «مريم الصنّاع» و «شيخ النخالة» و «معّاذة العنبرية» ، فإننا وبحق نجد أنفسنا أمام خشبة مسرح تقوم عليها هذه الشخصيات وتنهض وتتحرك كأنها من لحم ودم.
ومما ينبغي أن نقوله في كتاب «البخلاء» إن صاحبه لم يصل من خلاله إلى غاية واحدة، بل بلغ به غايات أخرى أكثر شمولية وإحاطة بدراسة الفرد والمجتمع والإنسان.
فإذا كان كتاب «البخلاء» قمة في النقد الإجتماعي والأخلاقي، وصورة ترسم حقيقة طبقة معينة، فإن كتب الجاحظ كلها توازي قمة «البخلاء» شموخا.
ولهذا قال ابن العميد: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا» .
(1/12)

وجل ما نريد قوله إننا لا نريد التعريف بمؤلفات أبي عثمان التي كتب لها الخلود؛ وإنما نريد أن نكون بهذا العمل المتواضع قد أكدنا من جديد، تقديرنا للأدب الجاحظي وفكره، وأن نكون أيضا قد اهتدينا الى السبيل الصحيح لخدمة الفكر، والأدب، والحضارة، والإنسان. والله وليّ التوفيق ...
عباس عبد الساتر- 1983-
(1/13)

توطئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
تولّاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت، حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص «1» النهار، وفي تفصيل حيل سرّاق الليل، وأنك سددت به كل خلل «2» ، وحصّنت «3» به كل عورة «4» ، وتقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، ونبّهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا يبلغه كيد، ولا يجوزه مكر.
وذكرت أن قدر نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب. وقلت:
أذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، والراحة جماما «5» ، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بدّ لمن التمس نفعه من مراجعته.
(1/15)

وذكرت ملح «الحرامي» «1» ، واحتجاج «الكندي» «2» ، ورسالة «سهل بن هارون» «3» ، وكلام «ابن غزوان» «4» ، وخطبة «الحارثي» «5» ، وكلّ ما حضرني من أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم؛ ولم سموا البخل اصلاحا والشحّ اقتصادا، ولم حاموا على المنع «6» ، ونسبوه إلى الحزم؛ ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع؟ ولم جعلوا الجود سرفا، والأثرة جهلا «7» ؟ ولم زهدوا في الحمد، وقلّ احتفالهم بالذم؟ ولم استضعفوا من هش «8» للذكر، وارتاح للبذل؟ ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل الى ثناء «9» ، ولا ينحرف عن هجاء؟ ولم احتجوا لظلف العيش «10» على لينه، ولمرّه على حلوه؟ ولم لم يستحيوا من رفض الطيّبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم؟ ولم تتابعوا في البخل؟ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الإسم، مع أنفتهم من ذلك الإسم؟ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؟ ولم عملوا، في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى؟ ولم وفروا نصيب
(1/16)

الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة، وشمول العافية؟
والمعافى أكثر من المبتلى؛ وليست الفوائد أقل من الحوائج «1» .
بل كيف يدعو الى السعادة من خصّ نفسه بالشقوة، فكيف ينتحل نصيحة العامة، من بدأ بغشّ الخاصة؟ ولم احتجوا، مع شدة عقولهم، لما أجمعت الأمة على تقبيحه؟ ولم فخروا، مع اتساع معرفتهم، بما أطبقوا على تهجينه «2» ؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل «3» عند الاحتجاج عنه، إلى الغايات عنه، الى الغايات البعيدة والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، وخمول ذكره وسوء أثره على أهله.
وكيف، وهو الذي يجمع له بين الكد، وقلة المرزئة «4» ، وبين السهر، وخشونة المضجع، وبين طول الاغتراب، وطول قلة الانتفاع، ومع علمه بأن وارثه أعدى له من عدّوه، وأنه أحقّ بماله من وليّه، أوليس هو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل الغفلة والحماقة، ثم احتجّ لذلك بالمعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة الإختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، فكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذّبا لما ظهر من جهله ونقصانه. ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، ويغبى عن القريب الجليل؟!.
وقلت: فبيّن لي ما الشيء الذي خبّل «5» عقولهم، وأفسد أذهانهم، وأغشى تلك الأبصار، ونقض ذلك الإعتدال؟ وما الشيء الذي له
(1/17)

عاندوا الحق، وخالفوا الأمم «1» ؟ وما هذا التركيب المتضاد، والمزاج المتنافي؟ وما هذا الغباء الشديد الذي الى جنبه فطنة عجيبة؟ وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح، وأدرك به الجليل الغامض؟! وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل، وأبدى صفحته للذمّ، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم، ولا من الإحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله، مسخّر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، وعرف إفراط شحّه، وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغالب طبعه، ولربما ظن أن قد فطن له، وعرف ما عنده، فموّه شيئا لا يقبل التمويه، ورقع خرقا لا يقبل الرقع. فلو أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، وعن تقويم أخلاقه، وعن استرجاع ما سلف من عاداته، وعن قلبه أخلاقه المدخولة «2» إلى أن تعود سليمة، لترك تكلّف ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمّه، ولما وضع على نفسه الرقباء، ولا أحضر مائدته الشعراء، ولا خالط برد «3» الآفاق، ولا لابس الموكلين بالأخبار، ولاستراح من كدّ الكلفة، ودخل في غمار الأمة.
وبعد، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم؟ وإن كان عيبه مكشوفا، وعيب من أطعمه مستورا؟
ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر «4» ، وشحّت بالقليل من الطعم؟ وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، وأنه، لو شاء أن
(1/18)

يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيدا «1» ، ويسيرا موجودا.
وقلت: ولا بدّ من أن تعرفني الهنات «2» التي نمت على المتكلفين «3» ، ودلّت على حقائق المتموهّين، وهتكت عزّ أستار الأدعياء، وفرّقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين المقهور المنزجر «4» ، والمطبوع المبتهل «5» ، لتقف، كما زعمت، عندها، ولتعرض نفسك عليها ولتتوهّم مواقعها وعواقبها.
فإن نبّهك التصفّح بها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته، فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك، نظرت؛ فإن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم؛ وإن كان اكتراثك غامر الإجتهاد، سترت نفسك وانفردت بطيّب زادك، ودخلت مع الغمار «6» وعشت عيش المستورين. وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالا، وكانت أسبابكما أمثالا وأشكالا، أجبت الحزم الى ترك التعرّض، وأجبت الإحتياط إلى رفض التكلّف، ورأيت أنّ من حصّل السلامة من الذمّ، فقد غنم؛ وأنّ من آثر «7» الثقة على التغرير، فقد حزم.
وذكرت أنك الى معرفة هذا الباب أحوج، وأنّ ذا المروءة الى هذا العلم أفقر؛ وإني إن حصّنت من الذمّ عرضك، بعد أن حصّنت من
(1/19)

اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، ولا أم رؤوم.
وسألت أن أكتب لك علّة «خبّاب» «1» في نفي الغيرة، وأن بذل الزوجة داخل في باب المؤاساة والأثرة؛ وأن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ وأن الزوجة في كثير من معانيها كالأمّة، وأنّ الأمة مال كالذهب والفضة، وأن الرجل أحقّ ببنته من الغريب، وأولى بأخته من البعيد؛ وأن البعيد أحقّ بالغيرة، والقريب أولى بالأنفة، وأنّ الإستزادة في النسل كالإستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، والديانة هي التي حرّمته، ولأن الناس يتزيّدون أيضا في استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
وعلّة «الجهجاه» «2» في تحسين الكذب في مواضع، وفي تقبيح الصدق في مواضع، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، وفي حطّ الصدق الى موضع الكذب. وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه «3» ، وتذكّر مثالبه «4» ، ويحابون «5» الصدق بتذكّر منافعه، وبتناسي مضارّه.
وأنهم لو وازنوا بين مرافقهما، وعدّلوا بين خصالهما، لّما فرّقوا بينهما هذا التفريق، ولما رأوهما بهذه العيون.
ومذهب «صحصح» «6» في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأن الغباء، في الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، وأنّ عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، من عيش العقلاء؛ وأنك لو أسمنت بهيمة، ورجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل وهمّة، وأخرى ذات غباء وغفلة،
(1/20)

لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمّة أبطأ؛ ولأن العقل مقرون بالحذر والإهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو «1» شحما في الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء، وأن سلم منه، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء. ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصوّرة في كتابي الذي سمّي «كتاب المسائل» «2» لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.
فأما ما سألت من احتجاج الأشحّاء، ونوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في قصصهم، إن شاء الله تعالى، مفرّقا وفي احتجاجهم مجملا، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي، دون ما انتهى إليّ من أخبارهم، على وجهها. وعلى أن الكتاب أيضا يصير أقصر، ويصير العار فيه أقل.
ونبتدىء برسالة «سهل بن هارون» ثم بطرف أهل «خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان.
ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه، إذا شئت، وفي لهو، إذا مللت الجدّ.
وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبّة «3» ، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، وربما عدّ من الوفاء، وشدّة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون.
(1/21)

وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبيّ له: لا تجزع، فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره.
وضرب «عامر بن عبد قيس» «1» بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة «2» ، لا تندى «3» .
وقيل: «لصفوان بن محرز» «4» ، عند طول بكائه، وتذكّر أحزانه:
«إن طول البكاء يورث العمى» ؛ فقال: «ذلك لها شهادة» فبكى حتى عمي.
وقد مدح بالبكاء ناس كثير، منهم «يحيى البكّاء» ، وهيثم البكّاء» .
وكان «صفوان بن محرز» يسمى: «البكاء» . وإذا كان البكاء (وما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء، وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السّخف، وقضي على صاحبه بالهلع، وشبّه بالأمة اللكعاء «5» وبالحدث الضّرع) «6» كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، الى أن ينقطع عنه سببه.
ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك، وقبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنيّ: «كأنه يضحك ضحكا» .
وقد قال الله جل ذكره: «وأنه هو أضحك وأبكى وأنه قد أمات وأحيا» ، فوضع الضحك بحذاء الحياة «7» ، ووضع البكاء بحذاء الموت؛
(1/22)

وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص.
وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، ومن مصلحة الطباع كبيرا، وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب؟ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وبه تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علّة سروره، ومادة قوّته.
ولفضل خصال الضحك عند العرب، تسمّي أولادها «بالضحّاك» و «ببسام» و «بطلق» و «بطليق» .
وقد ضحك النبي، صلّى الله عليه وسلّم، ومزح، وضحك الصالحون ومزحوا، وإذا مدحوا قالوا: «هو ضحوك السنّ، وبسّام العشيّات «1» ، وهشّ الى الضيف، وذو أريحية «2» واهتزاز، وإذا ذموا قالوا: «هو عبوس، وهو كالح «3» ، وهو قطوب، وهم شتم المحيا، وهو مكفهّر أبدا، وهو كريه، ومقبّض الوجه، وحامض الوجه، وكأنما وجهه بالخجل منضوج» !.
وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصّر عنهما أحد، صار الفاضل خطلا «4» ، والتقصير نقصا.
فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، والضحك وقارا.
وهذا كتاب لا أغرّك منه، ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن
(1/23)

يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقّه، كما ينبغي له. لأنّ ههنا أحاديث كثيرة، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها، وإن لم نسمّهم، ولم نرد ذلك بهم وسواء سميّناهم، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق والوليّ والمستور والمتجمّل، وليس يفي حسن الفائدة لكم، بقبح الجناية عليهم.
فهذا باب يسقط البتّة، ويختلّ به الكتاب لا محالة، وهو أكثرها بابا، وأعجبها منك موقعا. وأحاديث أخر ليس لها شهرة، ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها، ولا هي مقيّدة أصحابها، وليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها، واللائقين بها؛ وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها، سقوط نصف الملحة «1» ، وذهاب شطر النادرة.
ولو أن رجلا ألزق نادرة «بأبي الحارث جمّين» «2» ، «والهيثم بن مطهر» «3» ، و «بمزبّد» «4» ، و «ابن أحمر» «5» ، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون.
ولو ولّد نادرة حارّة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى «صالح بن حنين» «6» والى «ابن النواء» «7» ، والى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فان الفاتر شرّ من البارد.
وكما أنك لو ولّدت كلاما في الزهد، وموعظة الناس، ثم قلت: هذا
(1/24)

من كلام «بكر بن عبد الله المزنىّ» و «عامر بن عبد قيس العنبري» ، و «مؤرق العجلي» و «يزيد الرقاشي» «1» ، لتضاعف حسنه، ولا حدث له ذلك النسب نضارة «2» ورفعة لم تكن له.
ولو قلت: قالها «أبو كعب الصوفي» «3» ، أو «عبد المؤمن» «4» أو «أبو نواس» «5» الشاعر أو «حسين الخليع» «6» ، لما كان لها إلا ما لها في نفسها، وبالحري أن تغلط في مقدارها، فتبخس «7» من حقّها.
وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، أما بالخوف منهم، وأما بالإكرام لهم.
ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلّفته، ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة، فإن كانت لائمة أو عجز، فعليك، وإن كان عذر، فلي دونك.
(1/25)

رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد والى بني عمه من آل زياد
حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب «بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلّمكم الخير، وجعلكم من أهله.
قال الأحنف بن قيس «1» : يا معشر بني تميم، لا تسرعوا الى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلّهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون:
إذا أردت أن ترى العيوب جمّة، فتأمّل عيّابا، فإنه إنما يعيب، بفضل ما فيه من العيب؛ وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب؛ وقبيح أن تنهي عن مرشد، أو تغري بمشفق. وما أردنا، بما قلنا، إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم. ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية، فيما بيننا وبينكم. ثم قد تعلمون أنّا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، فما كان أحقّكم، في تقديم حرمتنا بكم- أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم، فلا
(1/27)

العذر المبسوط «1» عرفتم، ولا بواجب الحرمة قمتم.
ولو كان ذكر العيوب برّا وفضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا.
وإنّ من أعظم الشّقوة، وأبعد من السعادة، ألّا يزال يتذكر زلل «2» المعلمين، ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غاط العاذلين «3» ولا يحفل بعمد «4» المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب لطعمه؛ وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه ورحمه، لأهله: املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين.
وعبتم عليّ قولي: من لم يعرف مواقع السرف «5» في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الإقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية وأشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، والى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الإقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون به في إبتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذلك، وشنّعتموه بجهدكم وقبّحتموه. وقد قال الحسن «6» عند ذكر السّرف: إنه ليكون في الماعونين «7» : الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء،
(1/28)

حتى أردفه بالكلأ.
وعبتموني حين ختمت على سدّ «1» عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة لكعاء «2» ، وزوجة خرقاء. «3»
وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فنّ، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات.
وكيف وهم لا يفقدون، من ذلك، وما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن وأعلف حماره السمسم المقشّر.
فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وختم على كيس فارغ، وقال: «طينة خير من طنّة «4» » . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء.
وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين التأدّم «5» باللحم والمرق، ولنجمع، مع الارتفاق «6» ، بالمرق
(1/29)

الطيب؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا.
وعبتموني بخصف النعال «1» ، وبتصدير القميص «2» ، وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى، وأنفى للكبر، وأشبه بالنسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الإجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع.
وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع «3» إصبعه، ويقول: لو أتيت بذراع لأكلت، ولودعيت الى كراع لأجبت «4» . ولقد لفّقت سعدى إبنة عوف إزار طلحة، وهو جواد قريش، وهو طلحة الفياض «5» .
وكان في ثوب عمر رقاع أدم «6» . وقال: من لم يستحي من الحلال، خفّت مؤونته، وقلّ كبره. وقالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» .
وبعث زياد رجلا يرتاد «7» له محدّثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: «أكنت ذا معرفة به» ؟ قال: «لا ولا رأيته قبل ساعته» . قال: «أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور، قبل أن توصله إليّ» ؟ قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته» ؟
قال: «يومنا يوم قائظ، ولم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا «8» ، فظننت به الحزم» .
(1/30)

وقد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق؛ وقد جعل الله عزّ وجلّ لكل شيء قدرا وبوّأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا بالسمّ، وأمات بالغذاء، وأغصّ بالماء، وقتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع، مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع، مع الإسراف، التكبر. وقد زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف يد عنز، وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة، قال: إن كان لا بدّ فاجعلها بيّاضة. وعد أبو الدرداء «1» العراق «2» جزر البهيمة «3» .
وعتموني حين قلت: «لا يغترّنّ أحد بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقة عظمه، ووهن «4» قوته، أن يرى أكرومته، ولا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمرّا، وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبّات الدهور، مما لا يخطر على البال، ولا تدركه العقول، فيستردّه ممن لا يرّده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب وأقبح ما يكون به الكسب» . فعبتموني بذلك، وقد قال عمرو بن العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك من يموت غدا» «5» .
وعبتموني حين زعمت أن التبذير الى مال القمار، ومال الميراث،
(1/31)

وإلى مال الإلتقاط، وحباء «1» الملوك، أسرع، وأن الحفظ الى المال المكتسب والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب «2» البدن، واهتمام القلب أسرع، وأن من لم يحسب ذهاب نفقته، لم يحسب الدخل، فقد أضاع الأصل، وأن من لم يعرف قدره، فقد أذن بالفقر وطاب نفسا بالذّل.
وزعمت أن كسب الحلال مضمّن بالإنفاق في الحلال؛ وأن الخبيث ينزع الى الخبيث؛ وأن الطيّب يدعو الى الطيّب؛ وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق؛ وأن الإنفاق في الحقوق، حجاز دون الهوى. فعبتم عليّ هذا القول؛ وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا والى جانبه حق مضيّع. وقد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث ينفق في السّرف.
وقلت لكم، بالشفقة مني عليكم، وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم، ولما يحب في جواركم، وفي ممالحتكم، وملابستكم: «أنتم في دار الآفات، والجوائح «3» غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال عمر رضي الله عنه، في العبد والأمة، وفي ملك الشاة والبعير، وفي الشيء الحقير اليسير: «فرّقوا بين المنايا» . وقال ابن سيرين لبعض البحريين: «كيف تصنعون بأموالكم» ؟
قال: «نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أنّ السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر» . قال ابن سيرين: تحسبها «خرقاء «4» وهي صناع» «5» .
(1/32)

وقلت لكم، عند إشفاقي عليكم: «إنّ للغنى سكرا، وان للمال نزوة، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى، فقد أضاعه؛ ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد أهمله» .
فعبتموني بذلك؛ وقال زيد بن جبلة «1» : «ليس أحد أفقر من غنّي أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر» .
وقلتم: «قد لزم الحثّ على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره، بعد رسائلة، وفي خطبه، بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما!
ومن ذلك قوله في محمد بن زياد:
وخليقتان: تقى وفضل تحرّم ... وإهانة، في حقه، للمال!
وعبتموني حين زعمت أنّي أقدم المال على العلم؛ لأن المال به يغاث العالم، وبه تقوم النفوس، قبل أن تعرف فضيلة العلم. وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأني قلت: «وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلّة «2» نعمى» . وقلتم: «وكيف تقول هذا، وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم» . فقلت: حالهما هي الفاصلة بينهما؛ وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه، وشيء يغني بعضهم فيه عن بعض» ؟.
وعبتموني حين قلت: «إن فضل الغني على القوت، إنما هو كفضل الآلة
(1/33)

تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدّة» .
وقد قال الحضين بن المنذر «1» : «وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء» . قيل: «فما ينفعك من ذلك» ؟ قال: «لكثرة من يخدمني عليه» .
وقال أيضا: «عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما» .
ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب الأهواء. كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقالوا: «درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك» . فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع، الدرهم. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه ورضوانه: «إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم» ، وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين «2» . وكان هشام يقول: «ضع الدرهم على الدرهم، يكّون مالا. ونهى أبو الأسود الدؤلي «3» ، وكان حكيما أديبا، وداهيا أريبا، عن وجودكم هذا المولّد، وعن كرمكم هذا المستحدث، فقال لإبنه: «إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض «4» ، ولا تجاود «5» الله، فإن الله أجود منك» . وقال: «درهم من حلّ يخرج في حق، خير من عشرة آلاف قبضا» . وتلقّط عرجدا «6» من برم فقال: «تضيعون مثل هذا، وهو قوت امرىء مسلم يوما إلى الليل» ؟! وتلقط أبو الدرداء حبّات حنطة، فنهاه بعض المسرفين، فقال: «إيها، ابن العبسية، إن فقه المرء رفقه في معيشته» .
(1/34)

فلستم عليّ تردّون ولا رأيي تفندون «1» ، فقدّموا النظر قبل العزم، وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. والسلام» .
(1/35)

أهل خراسان
«نبدأ بأهل خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان، ونخص بذلك أهل «مرو» «1» ، بقدر ما خصوا به:
قال أصحابنا: يقول المروزي «2» للزائر، إذا أتاه، وللجليس، إذا طال جلوسه: «تغدّيت اليوم» ؟ فإن قال «نعم» ، قال: «لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بغداء طيب» ؛ وإن قال: «لا» . قال: «لو كنت تغديت، لسقيتك خمسة أقداح» . فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير.
وكنت في منزل «ابن أبي كريمة» «3» وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز «4» خزف، فقال: «سبحان الله تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة» ؟ قلت: «ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر» . قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة» . فلم أدر كيف أتخلص منه.
وحدثني عمرو بن نهيوي «5» قال: «تغدّيت يوما عند الكندي،
(1/37)

فدخل عليه رجل كان له جارا، وكان لي صديقا، فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل (وكان أبخل من خلق الله) ، قال: «فاستحييت منه» ، فقلت: «سبحان الله! لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل» . قال:
«قد والله فعلت» . فقال الكندي: «ما بعد الله شيء» . قال عمرو:
«فكتفه، والله كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه، ولو مدّ يده لكان كافرا، أو لكان قد جعل مع الله، جلّ ذكره، شيئا» .
وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول.
وقال ثمامة «1» : «لم أر الديك في بلدة قطّ إلا وهو لا قط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب» . قال: «فعلمت إن بخلهم شيء في طبع البلاد، وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم» .
فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: «كنت عند شيخ من أهل مرو، وصبيّ له صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثا وإما ممتحنا: «أطعمني من خبزكم» . قال: «لا تريده، هو مرّ» . فقلت:
«فاسقني من مائكم» قال: «لا تريده، هو مالح» . قلت: «هات لي من كذا وكذا» قال: لا تريده، هو كذا وكذا» . إلى أن عددت أصنافا كثيرة، كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إليّ. فضحك أبوه وقال: «ما ذنبنا؟
هذا من علّمه ما تسمع» ؟ يعني أن البخل طبع فيهم، وفي إعراقهم، وطينتهم.
وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل، وصبروا عن
(1/38)

الارتفاق «1» بالمصباح ما أمكن الصبر. ثم أنهم تناهدوا «2» وتخارجوا «3» ، وأبى واحد منهم أن يعينهم، وأن يدخل في الغرم «4» معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدّوا عينه بمنديل؛ ولا يزال ولا يزالون كذلك، إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح، فإذا أطفأوه أطلقوا عينيه.
ورأيت أنا حمّارة منهم، زهاء خمسين رجلا، يتغدون على مباقل «5» بحضرة قرية الأعراب، في طريق الكوفة، وهم حجّاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا، وهم في ذلك متقاربون، يحدّث بعضهم بعضا. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.
حدّثني مويس بن عمران «6» قال: «قال رجل منهم لصاحبه، وكانا إمّا متزاملين «7» ، وإما مترافقين، «لم لا نتطاعم «8» ؟ فان يد الله مع الجماعة، وفي الإجتماع البركة» ؛ وما زالوا يقولون: «طعام الإثنين لا يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة لا يكفي الأربعة» . فقال له صاحبه:
«لولا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة» .
فلما كان الغد، وأعاد عليه القول، قال له: «يا عبد الله معك رغيف، ومعي رغيف؛ ولولا أنك تريد الشرّ، ما كان حرصك على مؤاكلتي.
تريد الحديث والمؤانسة؟ اجعل الطبق واحدا، ويكون رغيف كل منّا قدّام صاحبه. وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك، ونصف رغيفي،
(1/39)

ستجده مباركا. إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا، لا أنت.
وقال خاقان بن صبيح «1» : «دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا، وإذا هو قد أتانا بمسرجة «2» ، فيها فتيلة في غاية الدقّة، وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح «3» ، وقد علّق على عمود المنارة عودا بخيط، وقد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرّباط. فكان المصباح، إذا كاد ينطفىء أشخص «4» رأس الفتيلة بذلك» . قال: «فقلت له: ما بال العود مربوطا» ؟ قال: «هذا عود قد تشرّب الدهن، فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان، فإذا كان هذا دأبنا «5» ودأبه، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة» . قال: «فبينا أنا أتعجبّ في نفسي، وأسأل الله جلّ وذكره العافية والستر، إذ دخل شيخ من أهل مرو، فنظر الى العود فقال: «يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شيء. أما تعلم أن الريح والشمس تأخذوان من سائر الأشياء؟ أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى «6» ، وهو عند إسراجك الليلة أعطش «7» ؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفّقني الله إلى ما هو أرشد! اربط، عافاك الله، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة. وعلى أن العود والخلال «8» والقصبة ربما تعلّقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها فيشخص لها. وربما كان ذلك سببا لا نطفاء السراج. والحديد أملس، وهو مع ذلك غير نشاف» . قال خاقان: «ففي تلك الليلة عرفت فضل اهل خراسان
(1/40)

على سائر الناس، وفضل أهل مرو على سائر أهل خراسان» .
قال مثنّى بن بشير «1» : دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان، وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف، من هذه الخزفيّة الخضر. فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك، من صالح أبدا. عاتبتك في مسارج الحجارة، فأعتبتني بالخزف. أو ما علمت أن الخزف والحجارة يحسوان «2» الدهن حسوا؟ قال جعلت فداك! دفعتها إلى حريف «3» لي، دهّان، فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت، من الدهن، ريّا لا تحتاج معه أبدا الى شيء. قال: ليس هذا أريد؛ هذا دواؤه يسير، وقد وقعت عليه. ولكن ما علمت أن موضع النار من المسرجة، في طرف الفتيلة، لا ينفكّ من إحراق النار، وتجفيفه، ونشف ما فيه؛ ومتى ابتلّ بالدّهن وتسقاه، عادت النار عليه فأكلته؟ هذا دأبهما. فلو قسمت ما يتشرّب ذلك المكان، من الدهن، بما يستمده طرف الفتيلة منه، لعلمت أن ذلك أكثر. وبعد هذا، فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة، لا يزال سائلا جاريا؛ ويقال إنك متى وضعت مسرجة، فيها مصباح، وأخرى لا مصباح فيها، لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهنا.
واعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة، والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها، كيف تجدهما ينعصران دهنا. وهذا كله خسران وغبن، لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد. على أن المفسدين إنما يطعمون الناس، ويسقون ناس، وهم على حال يستخلفون «4» شيئا، وإن كان دونا. وأنت إنما تطعم النار، وتسقي النار، ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاما للنار. قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك؟ قال:
(1/41)

تتخذ قنديلا؛ فإن الزجاج أحفظ من غيره، والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف، ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد، أو بإحراق النار؛ وأيهما ما كان، فإنه يعيد المسرجة الى العطش الأول.
والزجاج أبقى على الماء والتراب، من الذهب الإبريز «1» ؛ وهو مع ذلك مصنوع، والذهب مخلوق، فإن فضله الذهب بالصلابة، فضله الزجاج بالصفاء؛ والزجاج مجلّ، والذهب ستّار. ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه، فلا تحمّى جوانبه بوهج المصباح، كما تحمى بموضع النار من المسرجة. وإذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج، صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، وردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة، أو على وجه الماء، أو على الزجاجة؛ ثم انظر كيف يتضاعف نوره؛ وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه، وربما أعماه. وقال الله جلّ ذكره: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ «2» فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
. والزيت في الزجاجة نور على نور، وضوء على ضوء مضاعف. هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف.
وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق، وأملحهم بخلا، وأشدهم رياء، أدخل على ذي اليمينين، طاهر بن الحسين، وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام، فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق، يا أبا عبد الله؟ فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة. قال: فضحك طاهر، وقال: سألناك يا أبا عبد الله عن
(1/42)

مسألة، فأجبتنا عن مسألتين.
قصة العراقي مع المروزيّ:
ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، وذلك: إن رجلا من أهل مرو كان ولا يزال يحجّ ويتّجر، وينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه ويكفيه مؤونته. ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي: «ليت إني قد رأيتك بمرو، حتى أكافئك، لقديم إحسانك، وما تجدّد لي من البرّ في كل مرّة. فأما ههنا فقد أغناك الله عني» .
قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية؛ فكان مما هوّن عليه مكابدة السفر، ووحشة الاغتراب، مكان المروزيّ هناك. فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره، وفي عمامته وقلنسوته «1» وكسائه، ليحطّ رحله عنده، كما يصنع الرجل بثقته، وموضع أنسه. فلما وجده قاعدا في أصحابه، أكبّ عليه وعانقه، فلم يره أثبته، ولا سأل عنه سؤال من رآه قط. قال العراقي في نفسه: «لعل إنكاره إيّاي لمكان القناع» ؛ فرمى بقناعه، وابتدأ مساءلته، فكان له أنكر.
فقال: «لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة» ؛ فنزعها ثم إنتسب، وجدد مساءلته، فوجده أشدّ ما كان له إنكارا. قال «فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة» ؛ وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل، فقال: «لو خرجت من جلدك لم أعرفك» : ترجمة هذا الكلام بالفارسية: «اكرازبوست بارون بيائي نشناستم» «2» .
(1/43)

المشاركة في طبخ اللحم:
وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا، فتناهدوا «1» وتلازموا في شراء اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه، قبل الطبخ، وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة «2» أو بخيط، ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل.
فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه، وقد علّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق، ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط، القطعة بعد القطعة، حتى يبقى الحبل لا شيء فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازمة، أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد تشرّبت الدسم فقد رويت. وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة، ولكن لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأن المؤونة تخفّ أيضا، والحطب والخلّ والثوم والتوابل، ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر وإنما يختارون السكباج «3» لأنها تبقى على الأيام، وأبعد من الفساد.
قصة مقلى الخراساني:
حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام «4» قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال:
«قد كان لنا مقلى، ولكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش «5» اللحم في المقلى، وشمّ الطباهج «6» ،
(1/44)

فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي «1» ، وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.
وكيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، والمقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، وهو في البيت؟!.
طلاق بسبب غسل الخوان:
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا وسمن سلاء «2» ، ونحن على خوان «3» ليس عليه إلا ما ذكرت، والخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟ قال: وما عرفت علّته؟ قلت: لا والله. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.
ولقد طلّق إمرأته، وهي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلّا مسحته.
الأكل مع الجماعة تكلّف:
وقال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من عقلائهم وفقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟ قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما
(1/45)

المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلّف. وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل» .
السلام والطعام:
وحدّثني إبراهيم بن السندي «1» قال: كان على ربض الشاذروان «2» شيخ لنا، من أهل خراسان. وكان مصححا بعيدا من الفساد، ومن الرشا «3» ، ومن الحكم بالهوى، وكان حفيا «4» جدا، وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله، وتدنيقه «5» في نفقاته؛ وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه، ولا يشرب إلا ما بدا منه. غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان «6» ، وقطع لحم سكباج «7» مبرّد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان «8» وأربع بيضات ليس منها بدّ، ومعه خلال. ومضى وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ «9» ، وينظر موضعا تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فاذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن
(1/46)

هذا مرّة. فإن وجد قيّم «1» ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال:
اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا، رطبا، (إن كان في زمان الرطب) ، أو عنبا (إن كان في زمان العنب) ويقول له: إياك إياك أن تحابيني «2» ، ولكن تجوّد لي، فإنّك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن فان المغبون لا محمود ولا مأجور» فإن أتاه به أكل كل شيء معه، وكل شيء أتي به، ثم تخلّل، وغسل يديه، ثم تمشّى مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام الى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، ويمصي الى المسجد.
هذا كان دأبه كل جمعة!! قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلّم عليه، فردّ السلام؛ ثم قال: «هلّم عافاك الله» . فلما نظر الى الرجل وقد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعبر النهر، قال له: «مكانك، فإنّ العجلة من عمل الشيطان» . فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: «تريد ماذا» ؟ قال: «أريد أن أتغدّى» .
قال: «ولم ذاك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي» ؟ قال الرجل: «أوليس قد دعوتني» ؟ قال: «ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق، ما رددت عليك السلام. ايحسن فيما نحن فيه أن تكون، إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، أن تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ، مجيبا لك: «وعليكم السلام» . فإن كنت لا آكلا شيئا، سكتّ أنا، وسكتّ أنت، ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي. وإن كنت آكل فههنا وجه آخر، وهو إن أبدأ أنا، فأقول: «هلّم» ، وتجيب أنت فتقول:
«هنيئا» . فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف، وهذا يخرج علينا فضلا كبيرا. قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه.
(1/47)

فشهر بذلك في تلك الناحية، وقيل له: «قد أعفينا من السلام، ومن تكلف الرد» . قال: «ما بي الى ذلك حاجة، إنما هو أن أعفي أنا نفسي من «هلّم» وقد استقام الأمر» .
كذب بكذب:
ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير «1» عن وال كان بفارس، إما أن يكون خالدا خومهرويه، أو غيره، قال:
بينا هو يوما في مجلس، وهو مشغول بحسنابه وأمره، وقد احتجب بجهده، إذ نجم «2» شاعر من بين يديه، فأنشده شعرا مدحه فيه، وقرّظه «3» ، ومجّده. فلمّا فرغ قال: «قد أحسنت» . ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم» . ففرح الشاعر فرحا شديدا؛ فلما رأى حاله قال: «وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها ألف درهم» . فكاد الشاعر يخرج من جلده، فلما رأى فرحه قد تضاعف، قال: «وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول؟ أعطه يا فلان أربعين ألفا» . فكاد الفرح يقتله.
فلما رجعت إليه نفسه قال له: «أنت، جعلت فداك، رجل كريم؛ وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحا، زدتني في الجائزة، وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر» . ثم دعا له وخرج.
قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: «سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهما تأمر له بأربعين ألف درهم» ؟ قال: «ويلك! وتريد أن تعطيه شيئا» ؟ قال: «ولم امرت له بذلك» ؟ قال: «يا أحمق، إنما هذا
(1/48)

رجل سرّنا بكلام، وسررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشدّ من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السّنان هل جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به الى بيتي؟ ألسنا نعلم أنه قد كذب؟ ولكنه قد سرّنا حين كذب لنا، فنحن أيضا نسرّه بالقول ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذبا، فيكون كذب بكذب وقول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به» .
ويقال: إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوّام من قولهم:
«ينظر إليّ شزرا كأنّي أكلت إثنين، وأطعمته واحدا» إنما هو لأهل مرو.
قال: وقال المروزيّ لولا إنني أبني مدينة لبينت آريّا لدابتي.
قال: وقلت لأحمد بن هشام «1» ، وهو يبني داره ببغداد: «إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلّط عليه الطين والماء» . قال: «وما يصنع بذكر الطين والماء؟ إنما إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف «2» ، لا والله أن أهلك الناس، ولا أقفر بيوتهم، ولا ترك دورهم بلاقع «3» ، إلا الإيمان بالخلف، وما رأيت جنة «4» قط أوقى من اليأس» .
(1/49)

الزكاة والخلف:
قال: وسمع رجل، من المراوزة، الحسن وهو يحث الناس على المعروف، ويأمر بالصدقة، ويقول: «ما نقص مال قطّ من زكاة» ، ويعدهم سرعة الخلف. فتصدّق المروزيّ بماله كله فافتقر، فانتظر سنة وسنة، فلما لم ير شيئا بكر على الحسن، فقال: «حسن ما صنعت بي؟
ضمنت لي الخلف، فأنفقت على عدتك، وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت، لا أرى منه قليلا ولا كثيرا. هذا يحلّ لك؟ اللص كان يصنع بي أكثر من هذا» ؟
والخلف يكون معجّلا ومؤجلا. ومن تصدّق وتشرّط الشروط استحقّ الحرمان. ولو كان هذا على ما توهمّه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة، ولترك الناس التجارة، ولما بقي فقير، ولذهبت العبادة.
وقيل: أصبح ثمامة شديد الغمّ حين احترقت داره. وكان كلما دخل عليه إنسان قال: الحريق سريع الخلف. فلما كثر ذلك القول منهم، قال: «فاستحرق الله «1» . اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شيء لنا» .
الإقتصاد في لبس الاخفاف:
وليس هذا الحديث من حديث المراوزة، ولكنا ضممناه الى ما يشاكله:
قال سجّادة، وهو أبو سعيد سجّادة: ناس من المراوزة إذا لبسوا الخفاف «2» في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم، يمشون على
(1/50)

صدور أقدامهم ثلاثة أشهر، وعلى أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر حتى يكون كأنهم لم يلبسوا خفافهم إلا ثلاثة أشهر، مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب.
حكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام، عن جاره المروزي: أنه كان لا يلبس خفا ولا نعلا إلى أن يذهب النبق «1» اليابس، لكثرة النوى في الطريق والأسواق. قال: ورآني مرة. مصصت قصب سكر، فجمعت ما مصصت ماءه، لأرمي به، فقال: «إن كنت لا تنوّر لك، ولا عيال عليك، فهبه لمن له تنّور وعليه عيال. وإياك أن تعوّد نفسك هذه العادة في أيام خفّة ظهرك «2» ، فانك لا تدري متى تأتيك العيال» .
(1/51)

قصة أهل البصرة من المسجديّين
قال أصحابنا من المسجديين «1» :
اجتمع ناس في المسجد، ممن ينتحل الإقتصاد في النفقة، والتثمير للمال، من أصحاب الجمع والمنع «2» . وقد كان هذا المذهب عندهم كالنسب الذي يجمع على التحابّ، وكالحلف الذي يجمع على التناصر.
وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب، وتطارحوه وتدارسوه، إلتماسا للفائدة، واستمتاعا بذكره:
الحمار والماء الأجاج:
فقال شيخ منهم ماء بئرنا، كما قد علمتم مالح أجاج «3» ، لا يقربه الحمار، ولا تسيغه الإبل «4» ، وتموت عليه النخل؛ والنهر منا بعيد، وفي تكلّف
(1/53)

العذب علينا مؤونة «1» . فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه، وانتفض علينا من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. وكنت أنا والنعجة «2» كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت الى ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، وصهرجتها «3» ، وملّستها، حتى صارت كأنها صخرة منقورة، وصوّبت اليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء اليها صافيا، لم يخالطه شيء. ولولا التعبّد لكان جلد المتغوّط «4» أحقّ بالنّتن، من جلد الجنب «5» ، فمقادير طيب الجلود واحدة، والماء على حاله. والحمار أيضا لا تقزّز «6» له من ماء الجنابة، وليس علينا حرج في سقيه منه. وما علينا أن كتابا حرّمه، ولا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. وأسقطنا مؤونة عن النفس والمال.
قال القوم: هذا بتوفيق الله، ومنّه.
(1/54)

مريم الصنّاع
: فأقبل عليهم شيخ فقال: «وهل شعرتم بموت مريم الصنّاع؟ فإنها كانت من ذوات الاقتصاد، وصاحبة إصلاح» . قالوا: «فحدثنا عنها» .
قال: نوادرها كثيرة وحديثها طويل، ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية» . قالوا: «وما هي؟ قال:
زوّجت إبنتها، وهي بنت إثنتي عشرة سنة، فحلّتها الذهب والفضّة، وكستها المروي «1» والوشي «2» والقز «3» والخز «4» ، وعلّقت المعصفر «5» ودقت الطيب، وعظّمت أمرها في عين الختن «6» ، ورفعت من قدرها عند الأحماء «7» . فقال لها زوجها: أنّى لك هذا يا مريم؟ قالت:
هو من عند الله. قال: دعي عنك، وهاتي التفسير، والله ما كنت ذات مال قديما، ولا ورثته حديثا، وما أنت بخائنة في نفسك، ولا في مال بعلك «8» ، إلا أن تكوني قد وقعت على كنز. وكيف دار الأمر، فقد أسقطت عني مؤونة «9» ، وكفيتني هذه النائبة «10» . قالت: إعلم أني منذ يوم ولدتها، إلى أن زوّجتها، كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة؛
(1/55)

وكنّا، كما قد علمت، نخبز في كل يوم مرّة، فإذا اجتمع من ذلك مكوك «1» بعته. فقال لها زوجها: ثبّت الله رأيك وأرشدك، وفقد أسعد الله من كنت له سكنا «2» ، وبارك لمن جعلت له إلفا. ولهذا وشبهه قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «من الذود «3» الى الذود إبل» . وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح، وسلى مذهبك المحمود. وما فرحي بهذا منك بأشدّ من فرحي بما يثّبت الله بك في عقبي «4» من هذه الطريقة المرضية.
فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها، وصلّوا عليها. ثم رجعوا إلى زوجها فعزّوه على مصيبته؛ وشاركوه في حزنه.
درهم على درهم
: ثم اندفع شيخ منهم فقال: «يا قوم لا تحقّروا صغار الأمور، فإن أول كل كبير صغير، ومتى شاء الله أن يعظّم صغيرا عظّمه، وأن يكثر قليلا كثّره. وهل بيوت الأموال الا درهم على درهم؟ وهل الدرهم إلا قيراط إلى جنب قيراط؟ أوليس كذلك رمل عالج «5» وماء البحر؟ وهل اجتمعت أموال بيوت الأموال إلا بدرهم من ههنا، ودرهم من ههنا؟ قد
(1/56)

رأيت صاحب سقط «1» قد اعتقد «2» مائة جريب «3» في أرض العرب؛ ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط، والحمّص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل إلا الحبّة والحبّتين، من خشب الفلفل، فلم يزل يجمع من الصغار الكبار، حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب» .
ماء النخالة
: ثم قال: «اشتكيت أياما صدري، من سعال كان أصابني. فأمرني قوم بالفانيذ «4» السكري، وأشار عليّ آخرون بالخزيرة «5» تتخذّ من النشاشتج «6» والسكر، ودهن اللوز، وأشباه ذلك. فاستثقلت المؤونة، وكرهت الكلفة، ورجوت العافية. فبينا أنا أدافع الأيام، إذ قال لي بعض الموفقين: «عليك بماء النخالة، فأحسسه»
حارا» . فحسوت فإذا هو طيّب جدا، وإذا هو يعصم «8» جدا فما جعت ولا اشتهيت الغداة في ذلك اليوم الى الظهر. ثم ما فرغت من غدائي وغسل يدي حتى قاربت العصر. فلما قرب وقت غدائي من وقت عشائي، طويت العشاء وعرفت قصدي» .
فقلت للعجوز: «لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة؟ فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء وعصمة، ثم تجففين، بعد، النخالة، فتعود كما كانت، فتبيعينه إذا اجتمع بمثل الثمن الأول، ونكون قد ربحنا
(1/57)

فضل ما بين الحالين» . فقالت: «أرجو أن يكون الله قد جمع لك بهذا السعال مصالح كثيرة، لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك، وصلاح معاشك» .
وما أشك أن تلك المشورة كانت من التوفيق» .
قال القوم: «صدقت. مثل هذا يكتسب بالرأي، ولا يكون إلا سماويا» .
الحرّاق والقداحة والعرجون:
ثم أقبل عليهم شيخ آخر فقال: «كنا نلقي من الحرّاق «1» والقدّاحة «2» جهدا؛ لأن الحجارة كانت، إذا انكسرت حروفها واستدارت، كلّت، ولم تقدح قدح خير، وأصلدت فلم تور «3» . وربما أعجلنا المطر والوكف «4» . وقد كان الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة، حتى يدعها كالقوس، فكنت أشتري المرقشيثا «5» بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع. وكان علينا أيضا في صنعة الحرّاق، وفي معالجة العطبة «6» مؤونة، وله ريح كريهة. والحرّاق لا يجيء من الخرق المصبوغة، ولا من الخرق الوسخة، ولا من الكتان، ولا من الخلقان «7» . فكنا نشتريه بأغلى الثمن. فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو
(1/58)

والأعراب، وقدحهم النار بالمرخ «1» والعفار «2» ، فزعم لنا صديقنا الثوريّ، وهو، ما علمت، أحد المرشدين: أن عراجين الأعذاق «3» تنوب عن ذلك أجمع، وعلّمني كيف تعالج. ونحن نؤتي بها من أرضنا بلا كلفة. فالخادم اليوم، لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون» .
قال القوم: «قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة، ولهذا ما قال الأول:
«مذاكرة الرجال تلقح الألباب» .
معاذة العنبرية:
ثم اندفع شيخ منهم فقال: «لم أر في وضع الأمور مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية» . قالوا: «وما شأن معاذة هذه» ؟
قال: أهدى إليها العام ابن عمّ لها أضحية «4» . فرأيتها كئيبة حزينة مفكّرة مطرقة، فقلت لها: مالك يا معّاذة؟ قالت أنا إمرأة أرملة وليس لي قيّم «5» ، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبّرونه ويقومون بحقّه. وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. وقد علمت أن الله لم يخلق فيها، ولا في غيرها شيئا لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير:
(1/59)

أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطاف «1» ، ويسمّر في جذع «2» من أجذاع السقف، فيعلق عليه الزّبل «3» والكيران «4» ، وكل ما خيف عليه من الفأر، والنمل والسنانير، وبنات وردان «5» ، والحيّات، وغير ذلك. وأما المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا الى ذلك أعظم الحاجة. وأما قحف الرأس، واللحيان، وسائر العظام، فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق، ثم يطبخ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام «6» وللعصيدة «7» ، ولغير ذلك، ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منه، وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر، لقلة ما يخالطها من الدخان. وأما الإهاب «8» فالجلد نفسه جراب «9» . وللصوف وجوه لا تعد. وأما الفرث «10» والبعر، فحطب إذا جفّف عجيب» .
ثم قالت: «بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله، عزّ وجلّ، لم يحرّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها، ولا يمنع منها؛ وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يرضع
(1/60)

موضع لإنتفاع به، وصار كيّة في «1» قلبي، وقذّى «2» في عيني، وهمّا لا يزال يعودني» .
قال: «فلم ألبث أن رأيتها قط طلّقت وتبسّمت. فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم» . قالت: «أجل ذكرت أن عندي قدورا «3» شامية جددا. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ «4» ، ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحار الدسم، وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء موقعه» .
قال: «ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: كيف كان قديد «5» تلك الشاة» ؟ قالت: «بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد. لنا في الشحم والإلية والجنوب «6» والعظم المعرّق وفي غير ذلك معاش. ولكل شيء إبّان «7» » .
فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى، ثم ضرب بها الأرض، ثم قال: «لا تعلم أنك من المسرفين، حتى تسمع بأخبار الصالحين» .
(1/61)

زبيدة بن حميد:
وأما زبيدة بن حميد الصيرفيّ «1» ، فإنه استسلف من بقال، كان على باب داره، درهمين وقيراطا، فلما قضاه بعد ستة أشهر، قضاه درهمين وثلاث حبات شعير. فاغتاظ البقّال، وقال: «سبحان الله! أنت رب مائة ألف دينار؛ وأنا بقال لا أملك مائة فلس، وإنما أعيش بكدّي وباستفضال»
الحبة والحبتين. صاح على بابك جمّال، وحمال، ولم يحضرك، وغاب وكيلك، فنقدت عنك درهمين، وأربع شعيرات، فقضيتني بعد سنة أشهر درهمين، وثلاث شعيرات» ! فقال زبيدة: «يا مجنون أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء، وثلاث شعيرات شتوية ندية، أرزن «3» من أربع شعيرات يابسة صيفية، وما أشك أن معك فضلا» «4» .
وحدثني أبو الإصبغ بن ربعي «5» قال: «دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم، فقلت له: ما هذا الضرب المبرّح، وهذا الخلق السيء؟
هؤلاء غلمان، ولهم حرمة وكفاية وتربية، وإنما هم ولد. هؤلاء كانوا الى غير هذا أحوج. قال: «إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن «6» كان عندي» .
قال أبو الإصبغ: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: «ويلك! ما لك وللجوارشن؟ وما رغبتك فيه» قال: «جعلت فداك! ما أقدر أن
(1/62)

أكلّمك من الجوع إلا وأنا متكيء. الجوارشن ما أصنع به؟ هو نفسه ليس يشبع، ولا يحتاج الى الجوارشن، ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعا من أفواه الناس، وما نصنع بالجوارشن؟.
واشتد على غلمانه في تصفية الماء، وفي تبريده وتزميله «1» ، لأصحابه وزوّاره. فقال له غازي أبو مجاهد: «جعلت فداك! مر بتزميل الخبز وبتكبيره، فإن الطعام قبل الشراب» .
وقال مرة: «يا غلام هات خوان النرد» ، وهو يريد تخت النرد.
فقال له غازي: «نحن الى خوان الخبز أحوج» .
وسكر زبيدة ليلة، فكسا صديقا له قميصا؛ فلما صار القميص على النديم خاف البدوات «2» . وعلم أن ذلك هفوة من هفوات السكر.
فمضى من ساعته الى منزله، فجعله برنكانا «3» لامرأته؛ فلما أصبح، سأل عن القميص، وتفقّده. فقيل له: «إنك قد كسوته فلانا» فبعث إليه، ثم أقبل عليه، فقال: «ما علمت أن هبة السكران، وشراءه وبيعه، وصدقته، وطلاقه لا يجوز؟ وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد، وأن يوجّه الناس هذا مني على السكر، فردّه عليّ حتى أهبه لك صاحيا عن طيب نفس، فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلا» . فلما رآه صمّم أقبل عليه فقال: «يا هناه «4» ! إن الناس يمزحون، ويلعبون، ولا يؤاخذون بشيء من ذلك، فردّ القميص عافاك الله» . قال له الرجل:
«إني والله قد خفت هذا بعينه، فلم أضع جنبي الى الأرض حتى جيّبته
(1/63)

لامرأتي. وقد زدت في الكمّين وحذفت المقاديم «1» . فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه» . فقال: «نعم آخذه، لأنه يصلح لأمرأتي كما يصلح لأمرأتك» . قال: «فإنه عند الصبّاغ» . قال: «فهاته» . قال:
«ليس أنا أسلمته إليه» . فلما علم أنه قد وقع، قال: «بأبي أنت وأمي، رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حيث يقول: جمع الشّر كلّه في بيت، وأغلق عليه، فكان مفتاحه السكر» .
ليلى الناعطية:
وأما ليلى الناعطيّة، صاحبة الغالية من الشيعة، فإنها ما زالت ترقع قميصا لها وتلبسه، حتى صار القميص الرّقاع، وذهب القميص الأول.
ورفت «2» كساءها ولبسته، حتى صارت لا تلبس إلا الرفو، وذهب جميع الكساء. وسمعت قول الشاعر:
إلبس قميصك ما اهتديت لجيبه ... فإذا أضلّك جيبه فاستبدل
فقالت: «إني إذن لخرقاء. أنا، والله، أحوص «3» الفتق، وفتق الفتق، وأرقع الخرق، وخرق الخرق» .
وليد القرشي:
ومضيت أنا وأبو إسحاق النظّام وعمرو بن نهيوي، نريد الحديث في الجبّان «4» ، ولنتناظر في شيء من الكلام. فمررنا بمجلس وليد القرشي، وكان على طريقنا، فلما رآنا تمشى معنا. فلما جاوزنا الخندق، جلسنا في
(1/64)

فناء حائط له ظل شديد السواد، بارد ناعم، وذلك لثخن الساتر، والكتناز الأجزاء، ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه. فطال بنا الحديث، وجرينا في ضروب من الكلام. فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف، ونحن في يوم قائظ «1» . فلما أردنا الرجوع، ووجدت مس الشمس ووقعها على الرأس، أيقنت بالبرسام «2» . فقلت لأبي إسحاق (والوليد إلى جنبي يسمع كلامي) : «الباطنة «3» منا بعيدة، وهذا يوم منكر، ونحن في ساعة تذيب كل شيء؛ والرأي أن نميل الى منزل الوليد فنقيل «4» فيه، ونأكل ما حضر، فإنه يوم شديد فإذا أبردنا تفرّقنا. وإلا فهو الموت، ليس دونه شيء» . قال الوليد رافعا صوته: «أما على هذا الوجه لا يكون والله أبدا، فضعه في سويداء قليك» . فقلت له: «ما هذا الوجه الذي أنكرته علينا رحمك الله؟ هل ههنا إلا الحاجة والضرورة» ؟ قال: «إنك أخرجته مخرج الهزء» . قلت: «كيف أخرجه مخرج الهزء، وحياتي في يدك، مع معرفتي بك» ؟ فغضب ونتريده من أيدينا، وفارقنا. ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة، ولم أر من يجعل الأسى في المنع إلا هو، وإلا ما كان من أبي مازن إلى جبل العمّيّ.
جبل وأبو مازن:
وكان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه، فخاف العسس «5» ، ولم يأمن أحد يتبعه فيضرّه. فقال: «لو دققت الباب على أبي مازن، فبتّ
(1/65)

عنده في أدنى بيت أو في دهليزه، ولم ألزمه من مؤنتي «1» شيئا، حتى إذا انصدع عمود الصبح «2» خرجت في أوائل المدلجين «3» » .
فدقّ عليه الباب دقّ واثق، ودقّ مدلّ، ودقّ من يخاف أن يدركه العسس أو أحد يتبعه، وفي قلبه من الخوف ما يزيد عن الكفاية. فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هديّة، فنزل سريعا.
فلما فتح الباب، ونظر لجبل، أبصر الموت. فلما رآه جبل واجما «4» لا يحير كلمة، قال له: «إني خفت معرّة العسس وخوف أحد يضرني أو يتبعني، فملت إليك لأبيت عندك. فتساكر أبو مازن، وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر. ففتح فاه، وحرّك لسانه، وقال: «سكران والله، أنا والله سكران» . قال له جبل: «كن كيف شئت. نحن في أيام الربيع، لا شتاء ولا صيف، ولست أحتاج إلى سطح فأغمّ عيالك بالحر، ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار «5» . وأنا كما ترى ثمل «6» من الشراب، شبعان من الطعام، ومن منزل فلان خرجت، وهو أخصب الناس رحلا. وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة، ثم أقوم في أوائل المبكرين» . قال أبو مازن (وأرخى عينيه وفكيه ولسانه) ثم قال: «سكران، والله، أنا سكران، لا والله ما أعقل أين أنا، والله ما أفهم ما تقول» .
ثم أغلق الباب في وجهه، ودخل، لا يشكّ أن عذره قد وضح، وأنه قد ألطف النظر حتى وقع على هذه الحيلة.
(1/66)

وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا أو كلاما غير معرب، ولفظا معدولا عن جهته فاعملوا أنّا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغّض هذا الباب، ويخرجه من حدّه إلا أن ما حكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء، وأشحّاء العلماء، كسهل بن هارون، وأشباهه.
أحمد بن خلف اليزيدي:
ومن طيّاب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي «1» . ترك أبوه في منزله، يوم مات، ألف ألف درهم، وستمائة ألف درهم، ومائة وأربعين ألف دينار. فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه، فأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم، وسبعين ألف دينار، ذهبا عينا مثاقيل «2» وازنة جيادا، سوى العروض «3» .
فقلت له، وقد ورث هذا المال كله: ما بطّأ بك الليلة؟ قال: لا والله إلا أنّي تعشيت، البارحة، في البيت. فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته، وإن ذلك لغريب منه، لما احتاج إلى هذا الإستثناء، وإلى هذه الشريطة. وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم؟ وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة: لا والله إلا أن فلانا حبسني، لا والله إلا أن فلانا عزم عليّ. فأما ما يستثنى ويشترط، فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه، من قبل.
وقال لي مبتدئا مرة، عن غير مشورة وعن غير سبب جرى:
أنظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثّة «4» ، فإنها عظيمة
(1/67)

البركة كثيرة الفوائد، وهي تنوب عن الغداء، ولها نفخة تغني عن العشاء. وكل شيء من الإحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء.
ومن تحسّى الحار عرق، والعرق ينفض «1» الجلد ويخرج ضرّ الجوف «2» .
وهي تملأ النفس وتمنع من التشهّي. وهي أيضا تدفيء، فيقوم ذلك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج. وحسو الحار يغني عن الوقود، وعن لبس الحشو. والوقود يسوّد كل شيء وينتّنه. وهو سريع في الهضم، وصاحبه بعرض حريق، ويذهب في ثمنه المال العظيم. وشرّ شيء فيه أن من تعوّده لم يدفئه شيء سواه. فعليك يا أبا عثمان بالمثلثّة، واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة، وأصحاب التجربة. فخذها من حكيم مجرّب ومن ناصح مشفق.
وكان لا يفارق منازل إخوانه، وإخوانه مخاصيب متاريب «3» ، أصحاب نفح «4» وترف، وكانوا يتحفونه»
ويدلّلونه، ويفكهّونه ويحكمونه، ولم يشكّوا أنه سيدعوهم مرّة، وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة فلما طال تغافله، وطالت مدافعته، وعرّضوا له بذلك فتغافل، وصرّحوا له. فلمّا امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت. فلمّا بلغ منه ومنهم المجهود، اتخذ لهم طعيما خفيفا، شهيا مليحا، لا ثمن له، ولا مؤونة فيه. فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالذي لا شيء أعظم منه، أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي؟
قالوا: ما نشكّ أنك، حين كنت والطعام في ملكك، أغنى وأيسر. قال:
فأنا الساعة أقرب الى الفقر، أم تلك الساعة؟ قالوا: بل أنت الساعة أقرب الى الفقر. قال: فمن يلومني على دعوة قوم قرّبوني من الفقر،
(1/68)

وباعدوني من الغنى، وكلما دعوتهم أكثر، كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد؟! وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء، أو تناول من حائطه تينة، ومن خليط دابته عودا.
ومر بأصحاب الجداء، وذلك في زمان التوليد، فأطعمه الزمان في الرّخص، وتحركت شهوته على قدر إمكان عنده. فبعث غلاما له، يقال له «ثقف» ، وهو معروف، ليشتري له جديا، فوقف غير بعيد. فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر «1» ، وهو يشير بيده، ويوميء برأسه، أن:
اذهب ولا تقف. فلم يبرح. فلما دنا منه قال: ويلك! تهرّبني كأني مطلوب؟ قال: هذا طرفة: الجدي بعشرة. أنت من ذي البابة «2» ؟ مرّ الآن، مرّ مرّ. فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم، والجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة، لكثرة الخير ورخص السعر. فأمّا في العساكر فإن أنكر ذلك منكر، فإنما ينكره من طريق رخصه وقلة ثمنه، لا لغير ذلك.
ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه، بل ما تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه. ومن كانت هذه صفته، وهذا مذهبه، فغير مأمون على جليسه. وأيّ الرجال المهذّب «3» ؟ هذا والله الشنوع والتبوع، والبذاء وقلة الوفاء «4» .
(1/69)

اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته، وطلب رضاه ومحبته. ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله، وكمينا من كمائنه. وذلك أن أحبّ الأصحاب اليه، أبلغهم قولا في إيأس الناس مما قبله، وأجودهم حسما لأسباب الطمع في ماله. على أني أحسنت بجهدي، فسيجعل شكري موقوفا؛ فإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر، وإلا أمسك. لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم، وقد أغناه عن التنويه والتنبيه على مذهبه. وكيف، وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان، كانا من المسرفين؟ وأن الثوري والكنديّ يستوجبان الحجر؟ وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم «1» بالنفقة، ولا بقول العيال: «هات هات» لعرفتم حالهم ومنزلتهم.
أجهز على الجرحى:
وحدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، وإذا القوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على الجرحى، ولا تعرض للأصحّاء. (يقول: أعرض للدجاجة التي قد نيل منها، وللفرخ المنزوع الفخذ، فأما الصحيح فلا تعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه، وأصابه بعض المرق) .
وقال لي هذا الرجل: أكلنا عنده يوما، وأبوه حاضر، وبنيّ له يجيء ويذهب. فاختلف مرارا، كلّ ذلك، يرانا نأكل. فقال الصبيّ: كم تأكلون، لا أطعم الله بطونكم! فقال أبوه، وهو جدّ الصبي: إبني، ورب الكعبة.
(1/70)

وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ، قال:
قال لي صاحب الحمّام ألّا أعجّبك من صالح بن عفان؟ كان يجيء كل سحر، فيدخل الحمّام، فإذا غبت عن إجّانة النورة «1» ، مسح عانته وأرفاغه «2» ، ثم يتستر بالمئزر ثم يقوم فيغسله في غمار الناس «3» . ثم يجيء بعد في مثل تلك الساعة، فيطلي ساقيه وبعض فخذيه، ثم يجلس ويتزر بالمئزر، فإذا وجد غفلة غسله. ثم يعود في مثل ذلك الوقت، فيمسح قطعة أخرى من جسده. فلا يزال يطلّي في كل سحر حتى ذهب مني بطلية.
وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية، ولا تبريد الماء في الجرار المذارية «4» . لأن هذه ترشح، وتلك تنشف.
حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال:
حدثني أبو الأحوص الشاعر قال: كنا نفطر عند الباسياني، فكان يرفع يديه قبلنا، ويستلقي على فراشه ويقول: إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.
خالد بن يزيد
وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة «5» ، هو خالويه المكدّي «6» ، وكان
(1/71)

فد بلغ في البخل والتكدية، وفي كثرة المال، المبالغ التي لم يبلغها أحد؛ وكان ينزل في شقّ بني تميم «1» ، فلم يعرفوه. فوقف عليه ذات يوم سائل، وهو في مجلس من مجالسهم، فأدخل يده في الكيس ليخرج فلسا؛ وفلوس البصرة كبار، فغلط بدرهم بغلي «2» ، فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل. فلما فطن استردّه، وأعطاه الفلس. فقيل له: هذا لا نظنه يحل، وهو بعد بمثلك قبيح. قال: قبيح عندكم وأما أنا فإني لم أجمع هذا المال بعقولكم، فأفرّقه بعقولكم. ليس هذا من مساكين الدراهم، هذا من مساكين الفلوس. والله ما أعرفه إلا بالفراسة «3» .
قالوا: وإنك لتعرف المكدّين؟ قال: وكيف لا أعرفهم؟ وأنا كنت كاجار «4» في حداثة سنّي. ثم لم يبق في الأرض مخطراني «5» ، ولا مستعرض أقفية «6» ، ولا شحّاذ ولا كاغاني ولا بانوان، ولا قرسي ولا عوّاء، ولا مشعب، ولا فلور، ولا مزيدي ولا إسطبل إلا وكان تحت يدي. ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة؛ ولم يبق في الأرض كعبيّ ولا مكدّ، إلا وقد أخذت العرافة عليه، حتى خضع إلى إسحق قتال الحر «7» ، وبنجويه شعر الجمل، وعمرو القوقيل، وجعفر كردي كلك، وقرن أيره، وحمّويه عين الفيل، وشهرام حمار أيوب، وسعدويه نائك أمه «8» . وإنما أراد بهذا أن يؤسهم من ماله، حين عرف حرصهم
(1/72)

وجشعهم، وسوء جوارهم. وكان قاصّا متكلما بليغا داهيا، وكان أبو سليمان الأعور، وأبو سعيد المدائني القاصّان من غلمانه. وهو الذي قال لابنه عند موته:
«إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته، وما لا تأكله إن ضيّعته.
ولما ورّثتك من العرف الصالح، وأشهدتك من صواب التدبير، وعوّدتك من عيش المقتصدين، خير لك من هذا المال. ولو دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة، ثم لم يكن لك معين من نفسك، لما انتفعت بشيء من ذلك. بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك، وذلك المنع تهجينا لطاعتك.
قد بلغت في البّر منقطع التراب، وفي البحر أقصى مبلغ السفن.
فلا عليك ألا ترى ذا القرنين؛ ودع عنك مذاهب ابن شرية «1» ، فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر. ولو رآني تميم الداريّ «2» ، لأخذ عنيّ صفة الروم.
ولأنا أهدى من القطا، ومن دعيميص «3» ، ومن رافع المخش، «4» إني قد بتّ بالقفر مع الغول، وتزوّجت السّعلاة «5» ، وجاوبت الهاتف، ورغت «6» عن الجنّ الى الحنّ «7» ، واصطدت الشقّ «8» ، وجاوبت النسناس «9» ، وصحبني الرئي «10» ، وعرفت خدع الكاهن، وتدسيس العرّاف، وإلى ما
(1/73)

يذهب الخطّاط والعيّاف، وما يقول أصحاب الأكتاف «1» ، وعرفت التنجيم والزّجر، والطرق والفكر «2» .
إنّ هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدّية، ومن احتيال النهار، ومكابدة الليل»
. ولا يجمع مثله أبدا إلا من معاناة ركوب البحر، أو من عمل سلطان، أو من كيمياء الذهب والفضة، وقد عرفت الرأس «4» حقّ معرفته، وفهمت كسر الإكسير «5» على حقيقته. ولولا علمي بضيق صدرك، ولولا أن أكون سببا لتلف نفسك، لعلّمتك الساعة الشيء الذي بلغ به قارون، وبه تبنكتّ خاتون «6» . والله ما يتّسع صدرك عندي لسر صديق، فكيف ما لا يحتمله عزم، ولا يتسع له صدر. وخزن سر الحديث، وحبس كنوز الجواهر، أهون من خزن العلم. ولو كنت عندي مأمونا على نفسك، لأجريت الأرواح في الأجساد، وأنت تبصر، إذ كنت لا تفهمه بالوصف، ولا تحقّه بالذكر. ولكني سألقي عليك علم الإدراك، وسبك الرخام، وصنعة الفسيفساء، وأسرار السيوف القلعيّة، وعقاقير السيوف اليمانية «7» ، وعمل الفرعوني، وصنعة التلطيف على وجهه، إن أقامني الله من صرعتي هذه.
ولست أرضاك، وإن كنت فوق البنين، ولا أثق بك، وإن كنت لا حقا بالآباء لأني لم أبالغ في محنتك. إني قد لا بست السلاطين
(1/74)

والمساكين، وخدمت الخلفاء والمكدّين، وخالطت النسّاك والفتّاك «1» وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر، وحلبت الدهر أشطره «2» وصادفت دهرا كثير الأعاجيب، فلولا أني دخلت من كل باب، وجريت مع كل ريح، وعرفت السراء والضرّاء «3» ، حتّى مثّلث لي التجارب عواقب الأمور، وقرّبتني من غوامض التدبير، لما أمكنني جمع ما أخلّفه لك، ولا حفظ ما حبسته عليك، ولم أحمد نفسي على جمعه، كما حمدتها على حفظه، لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس «4» ، قد حفظته عليك من فتنة البناء، ومن فتنة النساء، ومن فتنة الثناء، ومن فتنة الرياء «5» ، ومن أيدي الوكلاء، فإنهم الداء العياء «6» .
ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك، ولكن بفضل بغضي للقاضي. إن الله، عزّ وجلّ، لم يسلّط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد، لأن أباه، إن كان غنيا قادرا، أحبّ أن يريه غناه وقدرته، وإن كان فقيرا عاجزا، أحبّ أن يستريح من شينه ومن حمل مؤونته، وإن كان خارجا من الحالين، أحبّ أن يستريح من مداراته، فلا هم شكروا من جمع لهم، وكفاهم، ووقاهم، وغرسهم، ولا هم صبروا على من أوجب الله حقّه عليهم. والحقّ لا يوصف عاجله بالحلاوة، كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة. فإن كنت منهم، فالقاضي لك، وإن لم تكن منهم فالله لك. فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعة عندك، وصرت الحافظ على غيرك. وإن خالفت سبيلي صار
(1/75)

مالك وديعة عند غيرك، وصار غيرك الحافظ عليك. وإنك يوم تطمع أن تضيع مالك، ويحفظه غيرك، لجشع الطمع، مخذول الأمل. احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف، فاحتالت القضاة على أولادهم بالإستبحاث «1» ما أسرعهم الى إطلاق الحجر، وإلى إيناس الرّشد، إذا أرداوا الشراء منهم. وأبطأهم عنهم، إذا أرداوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم.
يا ابن الخبيثة، إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان، فإن الكفاية قد مسختك، ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك؛ وزاد في ذلك أن كنت بكرى، وعجزة أمّك «2» .
أنا لو ذهب مالي لجلست قاصّا، أو طفت في الآفاق، كما كنت، مكدّيا. اللحية وافرة بيضاء، والحلق جهيز طل، والسمت «3» حسن، والقبول عليّ واقع. إن سألت عيني الدمع أجابت، والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير، وصرت محتالا بالنهار، واستعملت صناعة الليل. أو خرجت قاطع طريق، أو صرت للقوم عينا ولهم مجهرا «4» . سل عني صعاليك الجبل «5» وزواقيل «6» الشام وزطّ الآجام «7» ، ورؤوس الأكراد، ومردة الأعراب، وفتّاك نهربطّ «8» ، ولصوص القفص «9» ، وسل
(1/76)

عني القيقانية «1» والقطرية «2» ، وسل عني المتشبهة وذبّاحي الجزيرة «3» ، وكيف بطشي ساعة البطش، وكيف حيلتي ساعة الحيلة، وكيف أنا عند الجولة، وكيف ثبات جناني عند رؤية الطليعة، وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة «4» ، وكيف كلامي عند السلطان إذا أخذت، وكيف صبري إذا جلدت، وكيف قلة ضجري إذا حبست، وكيف رسفاني في القيد إذا أثقلت. فكم من ديماس «5» قد نقبته، وكم من مطبق «6» قد أفضيته، وكم من سجن قد كابدته. لم تشهدني وكردويه الأقطع أيام سندان «7» ، ولا شهدتني في فتنة سرنديب «8» ، ولا رأيتني أيام حرب المولتان «9» سل عني الكتيفية والخربيّة والبلالية، وبقية أصحاب صخر ومصخر، وبقية أصحاب فاس وراس ومقلاس، ومن لقي أزهر أبا النقم. كان آخر من صادفني حمدويه أبو الأرطال. وأنا مجيب مردويه بن أبي فاطمة، وأنا خلفعت بني هانيء. وأنا أول من شرب الغربى حارّا، والبزيل باردا؛ وأول من شرب بالعراق بالكبرة «10» ، وجعل القنقل «11» قرعة. وأول من ضرب «الشاهسبرم» «12» على ورق القرع، وأول من لعب باليرمع 1»
(1/77)

في البدو، وأسقط الدفّ المربّع من بين الدفاف، وما كان النقاب إلا هدّاما، حتى نشأت، وما كان الاستقفاء إلا استلابا «1» حتى بلغت.
وأنت غلام، لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق حزمك، لم تعجمك الضرّاء، ولم تزل في السرّاء والمال واسع، وذرعك ضيّق. وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس، فأتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، وخف عباد الله على حسب ما ترجو الله.
فأول ما أوقع في روعي أن مالي محفوظ عليّ، وأن النماء لازم لي، وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي، أني لما غلبتني يوما شهوتي، وأخرجت يوما درهما لقضاء وطري «2» ، ووقعت عيني على سكّته، وعلى اسم الله المكتوب عليه، قلت في نفسي: إني إذا لمن الخاسرين الضالّين، لئن أنا خرجت من يدي، ومن بيتي شيئا عليه: «لا إله إلا الله» وأخذت بدله شيئا ليس عليه شيء. والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده، وعليه، «حسبي الله» أو: «توكلت على الله» فيظن أنه قد خرج من كنف الله، جلّ ذكره، حتى يردّ الخاتم في موضعه. وإنما هو خاتم واحد، وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو؟ إن هذا لعظيم» .
ومات من ساعته، وكفّنه إبنه ببعض خلقانه، وغسله بماء البئر.
ودفنه من غير أن يضرح له، أو يلحد له «3» ، ورجع.
فلما صار في المنزل نظر الى جرّة خضراء معلقة. قال: أيّ شيء في هذه الجرّة؟ قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأيّ شيء كان فيها قبل
(1/78)

اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنّا في الشتاء نلقي له في البرمة «1» شيئا من دقيق نعمله له، فكان ربّما برّمة «2» بشيء من سمن. قال: يقولون ولا يفعلون. السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم الا في السمن والعسل؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره. قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنّا نظن أن فوقه مزيدا.
المخطراني: الذي يأتيك في زيّ ناسك، ويريك أن بابك «3» قدقوّر لسانه من أصله لأنه كان مؤذنا هناك. ثم يفتح فاه كما يصنع من يتثاءب، فلا ترى له لسانا البتة. ولسانه في الحقيقة كلسان الثور. وأنا أحد من خدع بذلك. ولا بد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبّر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصتّه.
والكاغاني: الذي يتجنّن ويتصارع ويزبد «4» ، حتى لا يشكّ أنه مجنون لا دواء له، لشدّة ما ينزل بنفسه، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علّته.
- والبانوان: الذي يقف على الباب ويسل الغلق «5» ، ويقول: بانوا.
وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي.
- والقرسيّ: الذي يعصب «6» ساقه وذراعه عصبا شديدا، ويبيت
(1/79)

على ذلك ليلة. فإذا تورّم واختنق الدم، مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين «1» وقطر عليه شيئا من سمن، وأطبق عليه خرقة، وكشف بعضه. فلا يشكّ من رآه أن به الأكلة «2» ، أو بليّة شبة الأكلة.
- والمشعّب: الذي يحتال للصبيّ حين يولد، بأن يعميه أو يجعله أعسم «3» أو أعضد «4» ، ليسأل الناس به أهله. وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم الثقيل، لأنه حينئذ عقدة «5» وغلّة. فإمّا أن يكتسبا به، وإمّا أن يكرياه بكراء «6» معلوم. وربما أكروا أولادهم ممّن يمضي إلى أفريقية، فيسأل بهم الطريق أجمع، بالمال العظيم. فإن كان ثقة مليئا، وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا.
- والفلّور: الذي يحتال لخصيته، حتي يريك أنه آدر «7» . وربما أراك أن بها سرطانا أو خرّاجا أو غربا ... أو ربما أرى ذلك في دبره بأن يدخل فيه حلقوما ببعض الرئة. وربما فعلت ذلك المرأة بفرجها.
- والكاغان: الغلام المكدّي إذا واجر «8» ، وكان عليه مسحة جمال، وعمل العملين معا.
- والعوّاء: الذي يسأل بين المغرب والعشاء. وربما طرّب، إذا كان له صوت حسن وحلق شجيّ.
(1/80)

- والإسطيل: هو المتعامي: إن شاء أراك أنه منخسف العينين، وإن شاء أراك أن بهما ماء، وإن شاء أراك أنه لا يبصر، لخسف ولريح السبل «1» .
- والمزيدي: الذي يدور ومعه الدريهمات، ويقول: هذه دراهم قد جمعت لي في ثمن قطيفة «2» ، فزيدوني فيها رحكمك الله. وربما احتمل صبيا على أنه لقيط. وربما طلب في الكفن.
- والمستعرض: الذي يعارضك وهو ذو هيئة، وفي ثياب صالحة.
وكأنه قد مات من الحياء، ويخاف أن يراه معرفة «3» . ثم يعترضك اعتراضا، ويكلّمك خفيّا.
- والمقدّس: الذي يقف على الميّت يسأل في كفنه. ويقف في طريق مكّة على الحمار الميّت، والبعير الميت فيدعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر «4» . وقد تعلّم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية، وتعرّف تلك المدن والسكك والرجال. وهو، متى شاء كان أفريقيا، ومتى شاء كان من أهل فرغانة «5» ، ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء.
- والمكديّ: صاحب الكداء «6» .
- والكعبي: أضيف إلى إبن أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء.
- والزكوري: هو خبز الصدقة، كان على سجين أو على سائل.
(1/81)

هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط. وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد.
ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء.
طرف شتّى:
رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أميّة بن عبد الله بن أسيد، رغيفا من خوانه «1» بيده، ثم رطله «2» ، والقوم يأكلون، ثم قال: يزعمون أن خبزي صغار. أي إبن زانية يأكل من هذا الخبز رغيفين؟
وكنت أنا وأبو إسحاق، إبراهيم بن سيّار النظام، وقطرب النحوي «3» ، وأبو الفتح، مؤدّب منصور بن زياد، على خوان فلان بن فلان. والخوان من جزعة «4» ، والغضار «5» صيني ملمّع، أو خلنجية كيماكيّة «6» ، والألوان طيّبة شهيّة، وغذية قدية، وكل رغيف في بياض الفضة، كأنه البدر، وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على قدر عدد الرؤوس.
فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة. ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يمدّوا بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة. وإنما هم في تنقير وتنتيف «7» .
فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح، وتحت القصعة رقاقة «8» ، فقال: «يا أبا الفتح، خذ ذلك الرغيف فقطّعه، واقسمه على
(1/82)

أصحابنا» فتغافل أبو الفتح، ثم أعاد عليه القول: فتغافل، فلما أعاد عيه القول: فتغافل، فلما أعاد عليه القول، الرابعة، قال: مالك، ويلك، لا تقطّعه بينهم؟ قطع الله أوصالك! قال: تبتلى على يدي غيري، أصلحك الله فخجّلناه مرّة، وضحكنا مرة، وما ضحك صاحبنا ولا خجل.
وزرته أنا والمكي، وكنت أنا على حمار مكاريّ، والمكّي على حمار مستعار. فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزّور»
. فكلّم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه، اسقوه ماء فقط. فسقوه ماء بئر، فلم يشربه الحمار، وقد مات عطشا. فأقبل المكّي عليه، فقال:
أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة؛ فهو لا يعرف إلا العذب. قال: فامزجوه له يا غلام.
فمزجوه، فلم يشربه. فأعاد المسألة، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي.
وقال لي مرة: يا أخي، إنّ أناسا من الناس يغمسون اللقمة الى أصبارها «2» في المري، فأقول هؤلاء قوم يحبّون الملوحة، ولا يعجبون بالحامض. فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة «3» ، فيغمسها في الخل الحاذق، ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل، بعد التغريق، ساعة، فأقول: هؤلاء قوم يجمعون حبّ الحموضة الى حب الملوحة. ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل.
والخردل لا يرام: قل لي أي شيء طبائع هؤلاء؟ وأي ضرب هم؟ وما دواؤهم؟ وأي شيء علاجهم؟
(1/83)

فلما رأيت مذهبه وحمقه، وغلبة البخل عليه، وقهره له، قلت: ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصبّاغ كله. قال: لا والله إن هو غيره! وصديق لنا آخر، كنا قد ابتلينا بمؤاكلته، وقد كان ظنّ أنّا قد عرفناه بالبخل على الطعام، وهجس ذلك في نفسه، وتوهّم أنّا قد تذاكرنا أمره.
فكان يتزيّد في تكثير الطعام، وفي إظهار الحرص على أن يؤكل، حتى قال: من رفع يده، قبل القوم، غرّمناه دينارا فيرى بعضهم أن غرم دينار أولى، فذلك منه محتمل في رضى نفسه، وما يرجو من نفع ذلك له.
ولقد خبّرني خبّاز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز، وأنه قال له: إنضج خبزي الذي يوضع بين يديّ، واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين. وأما خبز العيال والضيف، فلا تقرّبنّه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفا، وبقدر ما يتماسك فقط. فكلفّه العويص «1» ، فلما أعجزه ذلك، جلده حدّ الزاني الحرّ.
فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي «2» ، فقال: ألم تعرف شأن الجدي؟ ضرب الشّواء ثمانين سوطا، لمكان الإنضاج. وذلك أنه قال له:
ضع الجدي في التنور، حين نضع الخوان، حتى أستبطئك أنا في إنضاجه، وتقول أنت: بقي قليل. ثم تجيئنا به، وكأني قد أعجلتك.
فماذا وضع بين أيديهم غير منضج، احتسبت عليهم بإحضار الجدي.
فإذا لم يأكلوه، أعدته الى التنور، ثم أحضرتناه، الغد، باردا، فيقوم الجدي الواحد مقام جديين. فجاء به الشوّاء يوما نضيجا، فعمل فيه القوم. فجلده ثمانن جلدة، جلد القاذف الحرّة.
حدثني أحمد بن المثنى، عن صديق لي وله، ضخم البدن، كثير
(1/84)

العلم، فاشي الغلّة، عظيم الولايات، إنه إذا دعي على مائدته بفضل دجاجة، أو بفضل رقاق، أو غير ذلك، ردّ الخادم مع الخبّاز الى القهرمان «1» ، حتى يصكّ «2» له بذلك الى صاحب المطبخ.
ولقد رأيته، وقد تناول دجاجة، فشقّها نصفين، فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه، ونصفها الى الذي عن شماله. ثم قال: يا غلام جئني بواحدة رخصة، فإن هذه كانت عضلة «3» جدا. فحسبت أن أقلّ ما عند الرجلين ألا يعود الى مائدته أبدا. فوجدتهما قد فخرا عليّ بما حباهما به، من ذلك، دوني.
وكانوا ربما خصّوه، فوضعوا بين يديه الدرّاجة «4» السمينة، والدجاجة الرخصة. فانطفأت الشمعة في ليلة، من تلك الليالي، فأغار عليّ الأسواري «5» على بعض ما بين يديه، واغتنم الظلمة، وعمل على أن الليل أخفى للويل. ففطن له، وما هو بالفطن إلا في هذا الباب، وقال:
كذلك الملوك، كانت لا تأكل مع السوقة.
وحدثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق «6» التي ترفع عن مائدته، فما كان منها ملطخا دلك ذلك دلكا شديدا، وما كان منها قد ذهب جانب منه، قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك، لئلا يشكّ من رآه أنهم قد تعمّلوا ذلك، وما كان من الأنصاف والأرباع، جعل بعضه للثريد «7» ، وقطع بعضه كالأصابع، وجعل مع بعض القلايا.
(1/85)

ولقد رأيت رجلا ضخما، فخم اللفظ، فخم المعاني، تربية في ظل ملك، مع علم جم ولسان عضب «1» ، ومعرفة بالغامض من العيوب، والدقيق من المحاسن، مع شدّة تسرّع الى أعراض الناس، وضيق صدر بما يعرف من عيوبهم، وأن ثريدته لبلقاء «2» ، إلا أن بياضها ناصع، ولونها الآخر أصهب «3» . فرأيت ذلك مرّة أو مرّتين. وكنت قد هممت قبل ذلك، أن أعاتبه على الشيء يستأثر به «4» ، ويخص به، وإن احتمل ثقل تلك النصيحة، وبشاعتها في حظّه، وفي النظر له. ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من حاقّ الإخلاص «5» ، ومن فرط الإخاء بين الأخوان.
فلما رأيت البلقة «6» ، هان عليّ التحجيل والغرّة «7» . ورأيت أن ترك الكلام أفضل، وأن الموعظة لغو «8» .
وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء.
ولعل ذلك أن يكون باطلا؛ وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما أخبرك به. وهو شيء لم أره إلا فيه، ولا سمعت به في غيره.
ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين، ولا في غيرهم من المستورين، في شيء. أما الصاحب، فإنّا لا نسميه لحرمته، وواجب حقه، والآخر لا نسمّيه لستر الله عليه، ولما يجب لمن كان في مثل حاله، وإنما نسمّي من خرج من هاتين الحالين، ولربما سميّنا الصاحب إذا كان
(1/86)

ممن يمازح بهذا كثيرا، ورأيناه يتظرّف «1» به، ويجعل ذلك الظرف سلّما إلى منع شينه «2» .
قصة أبي جعفر الطرسوسي:
لم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي:
زار قوما فأكرموه وطيّبوه، وجعلوا في شاربه وسبلته «3» غالية «4» ، فحكّته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة، مخالفة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئا إذا حكتها من فوق.
وهذا وشبهه إنما يطيب جدا، إذا رأيت الحكاية بعينك، لأن الكتاب لا يصوّر لك كل شيء، ولا يأتي لك على كنهه، وعلى حدوده وحقائقه.
قصة أبي محمد الخزامي:
وأما أبو محمد الخزاميّ، عبد الله بن كاسب، كاتب مويس، وكاتب داود بن أبي داود، فإنه كان أبخل من برأ الله، وأطيب من برأ الله.
وكان له في البخل كلام، وهو أحد من ينصره ويفضله، ويحتج له، ويدعو اليه.
وأنه رآني مرة في تشرين الأول، وقد بكّر البرد شيئا، فلبست كساء لي قومسيا «5» خفيفا، قد نيل منه. فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل،
(1/87)

وأسمج «1» الجهل بالحكيم. ما ظننت أن إهمال النفس، وسوء السياسة، بلغ بك ما أرى. قلت: وأيّ شيء أنكرت منا مذ اليوم، وما كان هذا قولك فينا بالأمس؟ فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه. قلت: قد حدث من البرد بمقداره. ولو كان هذا البرد الحادث في تموز وآب، لكان إبّانا «2» لهذا الكساء. قال: إن كان ذلك كذلك، فاجعل، بدل هذه المبطّنة، جبّة محشوّة، فإنها تقوم هذا المقام، وتكون قد خرجت من الخطأ. فأما لبس الصوف اليوم، فهو غير جائز. قلت: ولم؟ قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله، فإذا أمطر الناس، وندي الهواء وابتلّ كل شيء، ابتلّ ذلك الغبار. وإنما الغبار تراب، إلا أنه لباب التراب. وهو مالح، وينقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرّش، لأنه صوف، فتنضم أجزاؤه عليه. فيأكله أكل القادح «3» ، ويعمل فيه عمل السوس، ولهو أسرع فيه من الأرضة «4» في الجذوع النجرانية.
ولكن أخّر لبسه، حتى إذا مطر الناس، وسكن الغبار، وتلبّد التراب، وحط المطر ما كان في الهواء من الغبار، وغسله، وصفّاه، فألبسه حينئذ، على بركة الله.
وكان يقع إلى عياله بالكوفة، كل سنة مرة، فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم، وقوت سنتهم. فإذا نظر الى حب هذا، وإلى حبّ هذا، وقام على سعره، اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة، بالميزان، واشترى أثقلها وزنا. وكان لا يختار على البلدي والموصلّي شيئا، إلا أن يتقارب السعر. وكان على كل حال يفرّ من الميساني، إلا أنّ يضطرّ اليه.
ويقول: هو ناعم ضعيف، ونار المعدة شيطان، فإنما ينبغي لنا أن نطعم
(1/88)

الحجر، وما أشبه الحجر. وقلت له مرّة: أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين، والتراب، والغبار المتراكم؟ قال: حبذا ذلك من خبز، وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار؟
وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله، ثم أتوه بكل بخور في الأرض، لم يتبخّر، مخافة أن يسوّد دخان العود بياض قميصه. فإن اتسخ فأتي بالبخور، لم يرض بالتبخر، واستقصاء ما في العود من القتار «1» ، حتى يدعو بدهن، فيمسح به صدره وبطنه، وداخلة إزارة، ثم يتبخر، ليكون أعلق للبخور.
وكان يقول: حبّذا الشتاء، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور، ولا يحمض فيه النبيذ، إن ترك مفتوحا، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياما.
وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه. فإذا كان في الصيف، دعا بثيابه، فلبسها على قميصه، لكيلا يضيع من البخور، شيء.
وقال مرّة: إن للشيب سهكة «2» . وبياض الشعر الأسود هو موته، وسواده حياته. ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض. والناس لا يرضون منا، في هذا العسكر، إلا بالعناق واللثام.
والطيّب غال، وعادته رديئة. وينبغي لمن كان أيضا عنده، أن يحرسه ويحفظه من عياله. وأن العطّار ليختمه على أخص غلمانه به. فلست أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل «3» ، فإن ريحه طيّبة، والشعر سريع القبول، وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب. قصرنا في حال لا لنا ولا علينا. فكان عطر الحزامي إلى أن فارق الدنيا مشط صندل، إلا أن يطيّبه صديق.
(1/89)

واستسلف منه عليّ الأسواري مائة درهم، فجاءني وهو حزين منكسر. فقلت له: إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق، مخافة ألا يرجع إليه ماله، ولا يعد ذلك هبة منة. أو رجل يخاف الشكيّة، فهو إن لم يسلف كرما، أسلف خوفا. وهذا باب، الشهرة فيه هي قرّة عينك. وأنا واثق باعتزامك وتصميمك، وبقلّة المبالاة بتبخيل الناس لك، فما وجه انكسارك واغتمامك؟
قال: اللهم غفرا! ليس ذاك بي إنما بي أني قد كنت أظنّ أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني، وآيسة مني، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته، وأودعت قلوبهم اليأس، وقطعت أسباب الخواطر. فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه؛ لأنهم إذا طمعوا فيه، احتالوا له الحيل، ونصبوا له الشّرك»
، وإذا يئسوا منه فقد أمن. وهذا المذهب من عليّ استضعاف شديد. وما أشك أني عنده غمر «2» ، وأني كبعض من يأكل ماله. وهو مع هذا خليط وعشير. وإذا كان مثله لم يعرفني، ولم يتقرر عنده مذهبي، فما ظنّك بالجيران، بل ما ظنك بالمعارف؟ أراني أنفتح في غير فحم، وأقدح بزند مصلد «3» . ما أخوفني أن أكون قد قصد إليّ بقول. ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني.
قال: ويقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك. فما يقولون إن كان أقصر مني، أليس يتخبّل في قميصي؟ وإن كان طويلا جدا، وأنا قصير جدا، فلبسه، أليس يصير آية للسائلين؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس؟ ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي. ومتى يتفق هذا؟ وأنى ذاك محيا وممات؟
(1/90)

وكان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرّأ، وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة. وقلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين. قال: وما تصنع بذلك القائل؟ هوذا أنا أشتهي لحم دجاجتين: واحدة خلاسيّة مسمّنة، وأخرى خوامزكة «1» رخصة.
وقلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الإسم. قلت: وكيف؟ قال: لا يقال فلان بخيل، إلا وهو ذو مال، فسلم إليّ المال، وادعني بأيّ اسم شئت. قلت: ولا يقال أيضا فلان سخيّ، إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الإسم الحمد والمال، واسم البخل يجمع المال والذم. فقد اخترت أخسّهما وأوضعهما. قال:
وبينهما فرق. قلت: فهاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: «سخيّ» إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم، واسم السخيّ إسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر، نافع، مكرم لأهله، معزّ، والحمد ريح وسخرية، واستماعك له ضعف وفسولة «2» . وما أقل غناء الحمد، والله، عنه، إذا جاع بطنه، وعري جلده، وضاع عياله، وشمت «3» به من كان يحسده.
وكنا عند داود بن أبي داود بواسط، أيام ولايته كسكر. فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غيره.
فأنكرت ذلك من مذهبه، ولم أعرف جهة تدبيره. فقلت للمكيّ: قد علمت أن الحزامي إنما يجزع من الإعطاء وهو عدوّه، فأمّا الأخذ فهو ضالّته وأمنيته. وإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وحيّات الأهواز، لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها، فعساه أراد التفضيل
(1/91)

في القسمة. قال: أنا كاتبه، وصداقتي أقدم، وما ذلك به. وإن ههنا أمرا ما نقع عليه.
فلم يلبث أن دخل علينا، فسألته عن ذلك، فتعصّر قليلا. ثم باح بسرّه. قال: وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه عندي من أسباب الأدبار.
قلت: أوّل وضائعه احتمال الشكر.
قال: هذا لم يخطر لي قط على بال. قلت: فهات إذا ما عندك.
قال: أول ذلك كراء «1» الحمّال. ثم هو على خطر حتى يصير الى المنزل. فإذا صار الى المنزل، صار سببا لطلب العصيدة «2» ، والأرزة، والبستندود «3» . فإن بعته فرارا من هذا، صيّرتموني شهرة، وتركتموني عنده آية، وإن أنا حبسته، ذهب في العصائد، وأشباه العصائد، وجذب ذلك شراء السمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدبس أضرّ علينا من العيال.
وإن أنا جعلته نبيذا، احتجت إلى كراء القدور، والى شراء الحبّ «4» ، وإلى شراء الماء، وإلى كراء من يوقد تحته، والى التفرّغ له.
فإن ولّيت ذلك الخادم أسودّ ثوبها، وغرمنا ثمن الأشنان «5» ، والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل. فإن فسد، ذهبت النفقة باطلا، ولم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه. لأن خلّ الداذي يخضب «6» اللحم، ويغيّر الطعم، ويسوّد المرق، ولا يصلح للإصطباغ.
(1/92)

وهذا إذا استحال خلا، وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ، ولا يصير إلى الخلّ. وإن سلم، وأعوذ بالله، وجاد وصفا، لم نجد بدّا من شربه، ولم تطب أنفسنا بتركه. فإن قعدت في البيت أشرب منه، لم يمكن إلا بترك سلاف «1» الفارسيّ المعسّل، والدجاج المسمّن، وجداء كسكر «2» ، وفاكهة الجبل، والنقل الهشّ، والريحان الغضّ، عند من لا يغيض ماله، ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه «3» سقط، مع فوت الحديث المؤنس، السماع الحسن.
وعلى أني إن جلست في البيت أشربه، لم يكن لي بدء من واحد، وذلك الواحد لا بدّ له من دريهم لحم، ومن طسوج «4» نقل، وقيراط ريحان، ومن أبراز للقدر، ومن حطب للوقود. وهذا كلّه غرم، وهو بعد هذا سؤم، وحرفة، وخروج من العادة الحسنة، فإن كان ذلك النديم غير موافق، فأهل الحبس أحسن حالا مني. وإن كان وأعوذ بالله موافقا، فقد فتح الله على مالي بابا من التلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو فوقي. وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا، دق الباب، دقّ المدل. فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء.
وإن بدا لي في استحسان حديث الناس، كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من المصلحين، وصرت من إخوان الشياطين. فإذا صرت كذلك، فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب منّي. وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ. أعوذ بالله من الخذلان بعد
(1/93)

العصمة «1» ، ومن الحور بعد الكور «2» . لو كان هذا في الحداثة «3» كان أهون.
هذا الدوشاب «4» دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود. وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّ منادمتي، فهو يحتال لي الحيل.
وكنّا مرّة موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير. وهو بعيد المكان مني. فأقبل عليّ المكّي وقال، والقوم يسمعون: يا أبا عثمان من أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو الهذيل. قال: ثمّ من؟ قلت: صاحب لنا لا أسمّيه. قال الحزاميّ من بعيد: إنما يعنيني.
ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم «5» ، ودوام نعمتهم، فالتمستم تهجينهم «6» بهذا اللقب، وأدخلتم المكر عليهم بهذا النبّز «7» . تظلمون المتلف لماله باسم الجود، إدارة له عن شيئه، وتظلمون المصلح لماله باسم البخل، حسدا منكم لنعمته، فلا المفسد ينجو، ولا المصلح يسلم.
حديث خالد عبد الله القسري:
قال أبو عبيدة: بلغ خالد بن عبد الله القسري أن الناس يرمونه
(1/94)

بالبخل على الطعام. فتكلم يوما، فما زال يدخل كلاما في كلام، حتى أدخل الإعتذار من ذلك في عرض كلامه. فكان مما احتجّ به، في شدة رؤية الإكيل عليه، وفي نفوره منه، أن قال: نظر خالد المهزول في الجاهلية، يوما، إلى ناس يأكلون، وإلى إبل تجترّ، فقال لأصحابه:
أتروني إذا أكلت بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل؟ قالوا:
نعم. فحلف بإلهه ألّا يأكل بقلا، وأن مات هزلا. فكان يغتذي اللبن، ويصيب من الشراب. فأضمره ذلك وأيبسه. فلما دق جسمه، واشتد هزاله، سمّي: المهزول.
ثم قال خالد: هأنذا مبتلى بالمضغ، ومحمول على تحريك اللحيين، ومضطر الى مناسبة البهائم، ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز. ما بالي احتملته فيمن لي منه بدّ، ولي عنده مذهب. ليأكل كل امريء في منزله، وفي موضع أمنه وأنسه، ودون ستره وبابه.
هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري «1» واحتجاجه.
فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين، وهما سيّدا بني أسد، وفيه، وفي خالد بن نضلة «2» ، يقول الأسود بن يعفر:
وقبلك مات الخالدان كلاهما: ... عميد بني حجوان، وابن المضلّل
قصة الحارثي:
وقيل للحارثي بالأمس: والله إنك لتصنع الطعام فتجيده، وتعظم
(1/95)

عليك النفقة، وتكر منه؛ وإنك لتغالي «1» بالخبّاز والطبّاخ والشواء والخباص، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوّا لتغمّه «2» ، ولا وليّا فتسرّه، ولا جاهلا لتعرّفه، ولا زائرا لتعظّمه، ولا شاكرا لتثبّته. وأنت تعلم حين يتنحّى من بين يديك، ويغيب عن عينيك. فقد صار نهبا مقسما، ومتوزعا مستهلكا. فلو أحضرته من ينفع شكره، ويبقى شكره، ويبقى على الأيام ذكره، ومن يمتعك بالحديث والإستماع، ومن يمتدّ به الأكل، ويقصر به الدهر، لكان ذلك أولى بك، وأشبه بالذي قدّمته يدك.
وبعد، فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك، ومن ان حمدك لم يحسن أن يحمدك، ومن لا يفصل بن الشهيّ القديّ، وبين الغليظ الزهم «3» ؟ قال: يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك. قالوا: ومن أبو الفاتك؟ قال: قاضي الفتيان «4» . وإني لم آكل مع أحد، قطّ ألا رأيت منه بعض ما ذمّه، وبعض ما شنّعه وقبّحه. فشيء يقبح بالشطّار، فما ظنك به إذا كان في أصحاب المروءات، وأهل البيوتات؟ قالوا: فما قال أبو الفاتك.
قال: قال أبو الفاتك: الفتى لا يكون نشّالا، ولا نشّافا، ولا مرسالا، ولا لكّاما، ولا مصّاصا، ولا نقّاضا، ولا دلّاكا، ولا مقوّرا، ولا مغربلا، ولا محلقما، ولا مسوّغا ولا ملغّما، ولا مخضّرا. فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطّاع، والقطّاع، والنهّاش، والمدّاد، والدفّاع، والمحوّل «5» ؟
(1/96)

والله إني لأفضّل الدهاقين «1» ، حين عابوا الحسو «2» ، وتقززوا من التعرّق»
، وبهرجوا صاحب التمشيش «4» ، وحين أكلوا بالبارجين «5» ، وقطعوا بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة، وتركوا الخوض، واختاروا الزمزمة.
أنا والله أحتمل الضيق والضيّفن، ولا أحتمل اللعّموظ ولا الجردبيل. والواغل أهون عليّ من الراشن «6» .
ومن يشكّ أن الوحدة خير من جليس السوء، وأن جليس السوء خير من أكيل السوء؟ لأن كل أكيل جليس، وليس كل جليس أكيلا.
فإن كان لا بد من المؤاكلة، ولا بد من المشاركة، فمع من لا يستأثر عليّ بالمخّ، ولا ينتهز بيضة البقيلة «7» ، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يبادر إلى دماغ رأس السلّاءة «8» ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركّي «9» ، ولا ينتزع شاكلة الحمل «10» ولا يقتطع سرّة الشّيصان «11» ، ولا يعرض لعيون الرؤوس، ولا يستولي على صدور الدجاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره
(1/97)

ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين غيره، ولا يتشهّى الغرائب، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا يهتك أستار الناس بأن يتشهّى ما عسى ألا يكون موجودا.
وكيف تصلح الدنيا، وكيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزوريّة، التقط الأكباد والأسنمة، وإذا عاين بقريّة، استولى على العراق والقطنة، وإن أتوا بجنب شواء، اكتسح كل شيء عليه. لا يرحم ذا سن لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال؛ وإن كان لا بد من ذلك، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي.
وأشد من كل ما وصفنا، وأخبث من كل ما عددنا، أن الطبّاخ، ربما أتى باللون الطريف، وربما قدّم الشيء الغريب، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص، صغير الحجم، وليس كالطفشيلية «1» ، ولا كالهريسة «2» ، ولا كالفجلية، ولا كالكرنبية «3» ، وربما عجّل عليه، قدّمه حارا ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور. وأصحابي في سهولة ازدراد «4» الحار عليهم، في طباع النعام، وأنا في شدّة الحار عليّ، في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن بدرت مخافة الفوت «5» ، وأردت أن أشاركهم في بعضه، لم آمن ضرره. والحار ربما قتل، وربما أعقم، وربما أبال الدم.
ثم قال: هذا عليّ الأسواري، أكل مع عيسى بن سليمان بن علي، فوضعت قدّامهم سمكة عجيبة، فائقة السمن، فجلط بطنها جلطة،
(1/98)

فإذا هو يكتنز شحما. وقد كان غص بلقمة، وهو المستسقي ففرغ من الشراب، وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة.
وكان عيسى ينتخب الأكلة، ويختار منهم كل منهوم فيه، ومفتون به. فلما خاف عليّ الأسواري الإخفاق، وأشفق من الفوت، وكان أقربهم إليه عيسى، استلب «1» من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي «2» ، وانكدار العقاب «3» ، من غير أن يكون أكل عنده، قبل مرّته. فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده، وقد رفعها اليه وشحا لها فاه «4» ، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة. قال: لم يكن الأمر كذلك، وكذب من قال ذلك. ولكنا أهوينا أيدينا معا، فوقعت يدي في مقدّم الشحمة، ووقعت يده في مؤخر الشحمة، معا. والشحم ملتبس بالأمعاء. فلما رفعنا أيدينا معا، كنت أنا أسرع حركة، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة، فتحوّل كل شيء كان في لقمته بتلك الجذبة الى لقمتي، لإتصال الجنس بالجنس، والجوهر بالجوهر.
وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج؟
ثم قال: إنكم تشيرون عليّ، بملابسة شرار الخلق، وأنذال الناس، وبكل عياب متعتّب، ووثاب على أعراض الناس متسرع. وهؤلاء لم يرضوا أن يدعوهم الناس، ولا يدعوا الناس، وأن يأكلوا ولا يطعموا، وأن يتحدثوا عن غيرهم، ولا يبالون أن يتحدث عنهم، وهم شرار الناس.
ثم قال: اجلس معاوية (وهو في مرتبة الخلافة، وفي السطح من
(1/99)

قريش، وفي نبل الهمة، وأصالة الرأي، وجودة البيان، وكمال الجسم، وفي تمام النفس عند الجولة، وعند تقصّف الرماح، وتقطع السيوف) رجلا على مائدته، مجهول الدار، غير معروف النسب، ولا مذكور بيوم صالح. فأبصر في لقمته شعرة، فقال: خذ الشعرة من لقمتك. ولا وجه لهذا القول منه إلا محض النصيحة، والا الشفقة. فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة؟ لا جلست لك على مائدة ما حييت، ولأحكينها عنك ما بقيت. فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل: تغافله عنه أم شفقته عليه. فكان هذا جزاؤه منه، وشكره له.
ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصّر في الأكل فقلت له كل، ولا تقصّر في الأكل. قال: ولم فطن لفضل ما بين التقصير وغيره؟ وإن قصّر فلم أنشّطه، ولم أحثّه. قال لولا أنه وافق هواه.
ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه، وهو على خوان المهلّب، فلم يره الساقي، ولم يفطن له. ففعل ذلك مرارا والمهلّب يراه، وقد أمسك عن الأكل الى أن يسيغ لقمته بالشراب.
فلما طال ذلك على المهلّب، قال: اسقه يا غلام ما أحبّ من الشراب.
فلما سقاه استقله، وطلب الزيادة منه. وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز. قال التميمي: إنك لسريع الى السقي، سريع الى الزيادة. وحبس يده عن الطعام. فقال المهلب: إله عن هذا أيها الرجل، فإن هذا لا ينفعك ولا يضرّنا. أردنا أمرا وأردت خلافه.
وقد علمت أني دون معاوية، ودون المهلّب بن أبي صفرة «1» ، وأنهم
(1/100)

إليّ أسرع، وفي لحمي أرتع «1» .
ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة «2» لكم واعظ، وفي أبي الحارث جميّن زاجر. فقد كانا يدعيان الى الطعام، وإلى الإكرام، لظرفهما، وحلاوتهما، وحسن حديثهما، وقصر يومهما. وكانا يتشهيان الغرائب، ويقترحان الطرائف، ويكلفان الناس المؤن الثقال «3» ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد. فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم.
بلال بن أبي بردة
قال: من ذلك أن بلال بن أبي بردة «4» كان رجلا عيّابا، وكان إلى أعراض الأشراف متسرعا، فقال للجارود: كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان؟ قال: يعرف وينكر. قال: فكيف هو عليه؟ قال: يلاحظ اللقم، وينتهر السائل. قال: فكيف طعام سلم بن قتيبة «5» ؟ قال: طعام ثلاثة، فإن كانوا أربعة جاعوا. قال: فكيف طعام تسنيم إبن الحواري؟ قال: نقط العروس. قال: فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة؟ قال: يقول: لا خير في ثلاث أصابع في صحفة. حتى أتى على عامة أهل البصرة، وعلى كل، من كان يؤثره بالدعوة، وبالآنسة، والخاصة، ويحكمه في ماله. فلم ينج منه إلا من كان يبعده، كما لم يبتل به إلا من كان يقرّبه.
(1/101)

أبو شعيب القلّال ومويس
وهذا أبو شعيب القلّال، في تقريب مويس له وأنسه به، وفي إحسانه إليه، مع سخاته «1» على المأكول، وغضّ طرفه عن الأكيل، وقلة مبالاته بالحفظ، وقلة احتفاله بجمع الكثير، سئل عنه أبو شعيب، فزعم أنه لم ير قطّ أشحّ منه على الطعام. قيل: وكيف؟ قال: يدلّك على ذلك أنه يصنعه صنعة، ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس، فضلا على غير ذلك. وكيف يجترىء الضرس على إفساد ذلك الحسن، ونقض ذلك النظم، وعلى تفريق ذلك، وقد علم أن حسنه يحشم «2» ، وأن جماله يهيّب منه. فلو كان سخيا لم يمنع منه بهذا السلاح، ولم يجعل دونه الجنن. فحوّل إحسانه إساءة، وبذله منعا واستدعاءه إليه نهيا.
قال: ثم قيل لأبي الحارث جميّن: كيف وجه محمد بن يحيى على غذائه؟ قال: أما عيناه فعينا مجنون. وقال فيه أيضا: لو كان في كفه كر «3» خردل، ثم لعب به لعب الأبليّ «4» بالأكرة «5» ، لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة. وقيل له أيضا: كيف سخاؤه على الخبز خاصة؟
قال: والله لو ألقي اليه من الطعام بقدر ما إذا جدس، نزف السحاب لوثرّ «6» ، ما تجافى عن رغيف.
(1/102)

أبو نواس
وكان أبو نواس يرتعي «1» على خوان إسماعيل بن نيبخت، كما ترتعي الإبل في الحمض، بعد طول الخلّة «2» ، ثم كان جزاؤه منه أنه قال:
خبز اسماعيل كالوش ... ي إذا ما شقّ يرفا
وقال:
وما خبزه إلا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزّه منبت البقل «3»
أبو الشمقمق
وكان أبو الشمقمق «4» يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير، وكان له ضيفان في ضيافة جعفر. وهو مع ذلك يقول:
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جو السحاب
وما روّحتنا «5» لتذبّ عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
وقيل للجمّاز «6» : رأيناك في دهليز فلان، وبين يديك
(1/103)

قصعة «1» ، وأنت تأكل، فمن أيّ شيء كانت القصعة، وأي شيء كان فيها؟ قال: قيء كلب، في قحف «2» خنزير.
وقيل لرجل من العرب: قد نزلت بجميع القبائل، فكيف رأيت خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث.
ونزل عمرو بن معدي كرب «3» برجل من بني المغيرة، وهم أكثر قريش طعاما، فأتاه بما حضر، وقد كان فيما أتاه به فضل، فقال لعمر بن الخطاب، وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟
قال: نزلت بهم فما قروني غير قوس وكعب وثور «4» . قال عمر: إن ذلك لشبعة.
وكم قد رأينا من الأعراب من نزل بربّ صرمة «5» ، فأتاه بلبن، وتمر، وحيس «6» ، وخبز، وسمن سلاء «7» ، فبات ليلته ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له (وهو لا يعرفه) بعيرا من ذوده، أو من صرمته.
ولو نحر هذا البائس لكلّ كلب مرّ به، بعيرا من مخافة لسانه، لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرّض للسابلة «8» ، يتكفّف الناس، ويسألهم العلق «9» .
(1/104)

وسأل زياد «1» عن رجل من أصحابه فقيل: إنه لملازم، وما يغبّ «2» غداء الأمير. فقال زياد: فليغبّه، فإن ذلك مما يضرّ بالعيال. فألزموه الغبّ. فعابوا زيادا بذلك. وزعموا أنه استثقل حضوره، في كل يوم، وأراد أن يزجر «3» به غيره، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤونة عظيمة «4» .
وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات، وكما ينظر الراعي للرعية، على مذهب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. وقد قال الحسن:
تشبّه زياد بعمر فأفرط «5» ، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس. فجعلتم ذلك عيبا منه.
وقال يوسف بن عمر لقوّام موائده: أعظموا الثريدة، فإنها لقمة الدرداء «6» . فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه، والصبي الذي لم ينبت فمه. وأطعموهم ما يعرفون، فإنه أنجع وأشفى للقرم «7» فقلتم: إنما أراد العجلة والراحة، بسرعة الفراغ، وأن يكيدهم بالثريد، ويملأ صدورهم بالعراق «8» .
حديث الرسول
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: سيّد الطعام الثريد. ومثل عائشة في النساء، مثل الثريد في الطعام. ولعظم صفة الثريد في أعين قريش،
(1/105)

سمّوا عمرو بن عبد مناف بهاشم، حين هشم الخبز «1» ، واتخذ منه الثريد، حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك.
عوف بن القعقاع
وقال عوف بن القعقاع لمولاه: اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم. قلتم: فلما رأى الخبز الرّقاق والغلاظ والشّواء، والألوان، واستطراف الناس للون بعد اللون، ودوام أكلهم لدوام الطّرف، وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان أقلّ لأكلهم، قال: فهلّا جعلته طعام يد، ولم تجعله طعام يدين. فقلتم: اتسع ثم ضاق، حين أراد إطعامهم الثّريد والحيس «2» ، وكل ما يؤكل بيد دون يدين. وابن القعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم، وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه. وعلى أن الترفة «3» تفنّخهم «4» وتفسدهم، وأنّ الذي فتح عليهم من باب التّرفة أشد عليهم مما أغلق عليهم من باب فضول اللذة. وقد فعل عمر، من جهة التأديب، أكثر من ذلك، حين دعي إلى عرس، فرأى قدرا صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرّة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة. فكدرها كلها في قدر عظيمة. وقال: إن العرب إذا أكلت هذا، قتل بعضها بعضا.
تفسير كلام أبي فاتك:
أما قوله: الفتى لا يكون نشّالا؛ «فالنشّال» ، عنده، الذي يتناول
(1/106)

من القدر، ويأكل قبل النضج، وقبل أن تنزل القدر، ويتتامّ القوم «1» .
و «النشّاف» ، الذي يأخذ حرف الجردقة، فيفتحه، ثم يغمسه في رأس القدر، ويشرّبه الدسم. يستأثر بذلك دون أصحابه.
و «المرسال» رجلان: أحدهما إذا وضع في فيه لقمة هريسة، أو ثريدة، أو حيسة، أو أرزّة «2» ، أرسلها في جوف حلقه إرسالا. والوجه الآخر: هو الذي إذا مشى في أشب من فسيل أو شجر، قبض على رأس السّعفة «3» ، أو على رأس الغصن، لينحيّها عن وجه، فإذا قضى وطره «4» ، أرسلها من يده. فهي لا محالة تصكّ وجه صاحبه الذي يتلوه، لا يحفل بذلك، ولا يعرف ما فيه.
وأما «اللكّام» ، فالذي في فيه اللقمة، ثم يلكمها بأخرى، قبل إجادة مضغها، أو ابتلاعها.
و «المصّاص» ، الذي يمصّ جوف قصبة العظم، بعد أن استخرج مخّه، واستأثر به دون أصحابه.
وأما «النفّاض» ، فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست، نفض يديه من الماء، فنضح على أصحابه.
وأما «الدلّاك» ، فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان «5» ، ويجيد دلكها
(1/107)

بالمنديل. وله أيضا تفسير آخر، وليس هو الذي تظنه، وهو مليح، وسيقع في موضعه، إن شاء الله.
و «المقوّر» ، الذي يقوّر الجرادق، ويستأثر بالأوساط، ويدع لأصحابه الحروف.
و «المغربل» ، الذي يأخذ وعاء الملح، فيديره إدارة الغربال ليجمع أبازيره، يستأثر به دون أصحابه. لا يبالي أن يدع ملحهم بلا أبزار «1» .
و «المحلقم» ، الذي يتكلم، واللقمة قد بلغت حلقومه. نقول لهذا: قبيح! دع الكلام الى وقت إمكانه.
و «المسوّغ» الذي يعظم اللقم، فلا يزال قد غصّ، ولا يزال يسيغه بالماء.
و «الملغّم» : الذي يأخذ حروف الرغيف، أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه، ليحملا له من الزبد والسّمن، ومن اللّبأ «2» واللبن، ومن البيض النيمبرشت «3» ، أكثر.
و «المخضّر» ، الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر «4» والودك «5» ، حتى إذا أخضّر واسودّ من الدرن، دلك به شفته.
هذا تفسير ما ذكر الحارثيّ من كلام أبي فاتك. فأما ما ذكره هو:
فإن «اللطاع» معروف، وهو الذي يلطع إصبعه، ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم، وما أشبه ذلك.
(1/108)

و «القطّاع» ، الذي يعضّ على اللقمة، فيقطع نصفها، ثم يغمس النصف الآخر في الصباغ.
و «النهّاش» ، هو معروف، وهو الذي ينهش، كما ينهش السبع.
و «المداد» ، الذي ربما عض على العصبة «1» التي لم تنضج، وهو يمدها بفيه، ويده توترها له. فربما قطعها بنترة، فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل. وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب، أو التمر، أو الهريسة، أو الأرزة، فأتى على ما بين يديه، مد ما بين أيديهم إليه.
و «الدفّاع» ، الذي إذا وقع في القصعة عظم، فصار مما يليه، نحاه بلقمة من الخبز، حتى تصير مكانه قطعة من لحم. وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق، دون إراغة اللحم.
و «المحوّل» ، هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه، احتال له حتى يخلطه بنوى صاحبه. وأما ما ذكره من الضيف والضيفن، فإن الضيفن ضيف الضيف. وأنشد أبو زيد:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن.
يقول: الأكيل لا يكون إلا يكون إلا بمالعاينة، وقد يكون الضيف (وإن كان معه الضيفن) لا يؤاكل من أضافه. يقول: فأكل الكثير من حيث لا أراه، أهون عليّ.
الطفيلي
وأما قوله: «الواغل «2» أهون عليّ من الراشن «3» » فإنه يزعم أن
(1/109)

طفيلي الشراب أهون عليّ من طفيلي الطعام.
وقول الناس: «فلان طفيلي» ، ليس من أصول كلام العرب، ليس كالراشن اللّعموظ «1» . وأهل مكة يسمونه البرقيّ.
وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان، يسمى «طفيل» «2» : كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس، فقيل له لذلك «طفيل العرائس» ، وصار ذلك نبزا «3» له، ولقبا لا يعرف بغيره. فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له «طفيلي» . هذا من قول أبي اليقظان «4» .
ثم قال الحارثي:
وأعجب من كل عجب، وأطرف من كل طريف، أنكم تشيرون عليّ بإطعام الأكلة، ودفعي الى الناس مالي. وأنتم أترك لهذا مني. فإن زعمتم أني أكثر مالا، وأعد عدة، فليس بين حالي وحالكم في التقارب، أن أطعم أبدا، وأنتم تأكلون أبدا. فإذا أتيتم في أموالكم من البذل والإطعام، على قدر احتمالكم، عرفت بذلك أن الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم. وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره. بل أنتم كما قال الشاعر:
يحبّ الخمر من مال الندامى ... ويكره أن تفارقه الفلوس
ثم قال: والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم، إلا لسوء رعة عليّ الأسواري، لتركته. وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرّقا، فبلع ضرسه، وهو لا يعلم. فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب، مولى
(1/110)

سليم. وكان إذا أكل، ذهب عقله، وجحظت عينه «1» ، وسكر، وسدر «2» ، وانبهر «3» ، وتربد وجهه «4» ، وعصب «5» ولم يسمع، ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلي. ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفّه سفا، وحساه حسوا، وزدا به زدوا «6» . ولا وجده كنيزا الا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ بحضنيها، ويقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها جميعا. ثم لا يقع غصبه إلا على الإنصاف والاثلاث. ولم يفصل تمرة قط من تمرة. وكان صاحب جمل، ولم يكن يرضى بالتفاريق. ولا رمى بنواة قط، ولا نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتشه مخافة السوس والدود. ثم ما رأيته قط، إلا وكأنه طالب ثأر، وشحشحان «7» صاحب طائلة «8» . وكأنه عاشق مغتلم «9» ، أو جائع مقرور «10» .
والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة «11» ، ويضيع ماء البحر، لصرفت عنه وجهي. فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة، هذه سيرتهم، وهكذا أدبهم، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون، ولا يبلغ من الأدب حيث يبلغون؟!
(1/111)

قصة الكنديّ:
حدثني عمرو بن نهيوي، قال:
كان الكندي لا يزال يقول للساكن، وربما قال للجار: إن في الدار إمرأة بها حمل، والوحمى «1» ربما أسقطت من ريح الطيّبة. فإذا طبختم، فردّوا شهوتها، ولو بغرفة أو لعقة، فان النفس يردّها اليسير. فإن لم تفعل ذلك، بعد إعلامي إياك، فكفارتك «2» أن أسقطت غرّة: عبد أو أمة «3» ، ألزمت ذلك نفسك أم أبيت» . قال: فكان ربما يوافي الى منزله من قصاع السكان «4» والجيران ما يكفيه الأيام، وكان أكثرهم يفطن ويتغافل.
وكان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع.
إنما لكل بيت منهم لون واحد، وعندكم ألوان.
قال: وكنت أتغدى عنده يوما، إذ دخل عليه جار له. وكان الجار لي صديقا. فلم يعرض عليه الغداء. فاستحييت أنا منه فقلت: لو أصبت معنا مما نأكل. قال: قد، والله، فعلت. قال الكندي: ما بعد الله شيء. قال: فكتفه والله، يا أبا عثمان، كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه ولو أكل لشهد عليه بالكفر، ولكان عنده قد جعل مع الله شيئا.
قال عمرو: بينا أنا، ذات يوم، عنده إذ سمع صوت انقلاب جرّة من الدار الأخرى، فصاح: أي قصاف! فقال، مجيبة له: بئر وحياتك! فكانت الجارية في الذكاء، أكثر منه في الإستقصاء.
(1/112)

قال معبد: نزلنا دار الكندي أكثر من سنة، نروّج له الكراء، ونقضي له الحوائج، ونفي له بالشرط. قلت: قد فهمت ترويج الكراء، وقضاء الحوائج. فما معنى الوفاء بالشرط؟ قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة «1» ، وبعر الشاة ونشوار «2» العلوفة، وألا يلقوا عظما، ولا يخرجوا كساحة «3» . وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته. وكان في ذلك يتنزّل عليهم؛ فكانوا لطيبه وإفراط بخله، وحسن حديثه، يحتملون ذلك.
قال معبد: فبينا أنا كذلك، إذ قدم ابن عمّ لي ومعه إبن له، وإذا رقعة منه قد جاءتني: «إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين، احتملنا ذلك. وإن كان إطماع السكان في الليلة الواحدة، يجرّ علينا الطمع في الليالي الكثيرة» . فكتبت إليه: «ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه» . فكتب إليّ: «إن دارك بثلاثين درهما، وأنتم ستة، لكل رأس خمسة، فإذا قد زدت رجلين، فلا بد من زيادة خمستين. فالدار عليك من يومك هذا بأربعين» . فكتبت إليه: «وما يضرك من مقامهما، وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال، وثقل مؤونتهما عليّ دونك؟ فاكتب إليّ بعذرك لأعرفه» . ولم أدر أني أهجم على ما هجمت، وإني أقع منه فيما وقعت، فكتب إلي:
«الخصال «4» التي تدعو إلى ذلك كثيرة، وهي قائمة معروفة من ذلك سرعة امتلاء البالوعة، وما في تنقيتها من شدة المؤنة، ومن ذلك أن الإقدام إذا كثرت، كثر المشي على ظهور السطوح المطيّنة، وعلى أرض البيوت المجصّصة، والصعود على الدرج الكثيرة. فينقشر لذلك الطين،
(1/113)

وينقلع الجص، وينكسر العتب. مع إنثناء الأجذاع لكثرة الوطء، وتكسّرها لفرط الثقل. وإذا كثر الدخول والخروج والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال، تهشمت الأبواب وتقلعت الرزّات «1» وإذا كثر الصبيان، وتضاعف البوش «2» نزعت مسامير الأبواب، وقلعت كل ضبّة «3» ، ونزعت كل رزّة، وكسرت كل حوزة «4» ، حفر فيها آبار الزدو «5» ، وهشّموا بلاطها بالمداحي «6» . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف.
وإذا كثر العيال والزوّار، والضيفان والندماء، احتيج من صب الماء واتخاذ الحببة «7» القاطرة، والجرار الرّاشحة، إلى أضعاف ما كانوا عليه.
فكم من حائط قد تأكل أسفله، وتناثر أعلاه، واسترخى أساسه، وتداعى بنيانه، من قطر حب ورشح جرة، ومن فضل ماء البئر، ومن سوء التدبير. وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين. والنار لا تبقي ولا تذر. وإنما الدور حطب لها. وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها. فكم من حريق قد أتى على أصل الغلة، فكلفتم أهلها أغلظ النفقة. وربما كان ذلك عند غاية العسرة، وشدة الحال. وربما تعدت تلك الجناية الى دور الجيران، والى مجاورة الأبدان والأموال. فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليّته ومقادر مصيبته، لكان عسى ذلك أن يكون محتملا. ولكنهم يتشاءمون به، ولا يزالون يستثقلون ذكره، ويكثرون من لائمته وتعنيفه.
(1/114)

نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح، وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس «1» ، والتغرير بالأموال، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم، وخبيء مستور. من ضيف مستخفّ، ورب دار متوار، ومن شراب مكروه، ومن كتاب متهم، ومن مال جم أريد دفنه، فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه، ومن حالات كثيرة، وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ثم لا ينصبّون التنانير «2» ، ولا يمكنّون للقدور، إلا على متن السطح، حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي. هذا مع خفّة المؤونة في إحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها. فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون، فهذا عجب. وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا، ونسيتم ما عليكم في أموالكم، فهذا أعجب.
ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالأداء. حتى إذا اجتمعت أشهر عليه، فرّ وخلّى أربابها جياعا، يتندّمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم. فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم، والذهاب بأقواتهم. ويسكنها الساكن حين يسكنها، وقد كسحناها ونظفّناها، لتحسن في عين المستأجر، وليرغب فيها الناظر. فإذا خرج، ترك فيها مزبلة وخرابا، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة، ثم لا يدع مترسا «3» إلا سرقه، ولا سلّما إلا حمله، ولا نقضا إلا أخذه، ولا برادة إلا مضى بها معه، ويدع دقّ الثوب، والدقّ في الهاون والمنحاز «4» ، في
(1/115)

أرض الدار. ويدّق على الأجذاع والحواضن والرواشن «1» ، وإن كانت الدار مقرمدة أو بالاجرّ مفروشة، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدّق عليها، ولتكون واقية دونها. دعاهم التهاون، والقسوة، والغش، والفسولة، إلى أن يدقوا حيث جلسوا، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا. لم يعط قط لذلك أرشا «2» ، ولا استحلّ صاحب الدار، ولا استغفر الله منه في السّر. ثم يستكثر من نفسه، في السنة، إخراج عشرة دراهم، ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشهر.
أيذكر ما يصير إلينا مع قلته، ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته؟
هذا والأيام التي تنقض المبرم، وتبلى الجدّة، وتفرّق الجميع المجتمع، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كلّ رطب ويابس، كما تجعل الرطب يابسا، واليابس هشيما، والهشيم «3» مضمجلا.
ولانهدام المنازل غاية قريبة، ومدة قصيرة. والساكن فيها هو المتمتع بها «4» ، والمنتفع بمرافقها. وهو الذي أبلى جدّتها وذهب بحلاها، وبه هرمت وذهب عمرها، لسوء تدبيره. فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها، وبعد إبتدائها، وغرم ما بين ذلك من مرمّتها وإصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلّاتها، وارتفقنا به من إكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل للساكن من الربح.
إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة، كانت جملة، والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة. وهذا مع سوء القضاء، والأحوج
(1/116)

الى طول الاقتضاء، ومع بعض الساكن للمسكن، وحبّ المسكن للساكن. لأن السكن يحب صحة بدن الساكن، ونفاق سوقه إن كان تاجرا، وتحرّك صناعته إن كان صانعا. ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء. إن شاء شغله بعينه، وإن شاء بزمانه، وإن شاء بحبس، وإن شاء بموت، ومدار مناه أن يشغل عنه. ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل، إلا أنه كلما كان أشدّ كان أحبّ اليه، وكان أجدر أن يأمن، وأخلق لأن يسكن. وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته، ألحّ في طلب التخفيف من أصل الغلة، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة «1» . وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته، والنفاق في صناعته، لم ير أن يزيد قيراطا في ضريبته، ولا أن يعجّل فلسا قبل وقته.
ثم أن كانت الغلة صحاحا «2» دفع أكثرها مقطعة، وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة «3» . ثم لا يدع مزبّقا «4» ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا «5»
، إلا دسّه فيه ودلّسه «6» عليه، واحتال بكل حيلة، وتأتّى له بكل سبب. فإن ردّوا عليه بعد ذلك شيئا، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله، ولا رآه قط ولا كان في ملكه. فان كان الرسول جارية ربّ الدار أفسدها وربما أحبلها، وإن كان غلاما خدعه وربما شطر به. هذا مع التشرّف على الجيران والتعرّض للجارات، ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشاكيتهم. وربما استضعف عقولهم بالشهوات، ويفتح لهم أبوابا من النفقات، ليعيبهم ويربح
(1/117)

عليهم. حتى إذا استوثق منهم «1» ، أعجلهم وحزق «2» بهم، حتى يتقوه ببيع بعض الدار، أو باسترهان الجميع، ليربح، مع الذهاب بالأصل، السلامة، مع طول مقامه، من الكراء. وربما جعله بيعا في الظاهر، ورهنا في الباطن، فحينئذ يقتضيهم دون المهلة، ويدّعيها قبل الوقت.
وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء، أن يدّعي أن له شقيصا «3» وأن له يدا ليصير خصما من الخصوم، ومنازعا غير غاصب.
وربما أخذهم ومعه امرأة يفجر بها، فيجعل استئجار البيوت وتصفّح المنازل، علة لدخولها والمقام ساعة فيها. فإذا استقر في المنزل، قضى حاجته منها، وردّ المفتاح. وربما اكترى المنزل وفيه مرمّة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخّى عاملا جيد الكسوة، وجيرانا أصحاب آنية وآلة، فإذا شغل العامل وغفل، اشتمل على كل ما قدر عليه، وتركهم يتسكعون. وربما استأجر الى جنب سجن لينقب أهله اليه، وإلى جنب صرّاف لينقب عليه، طلبا لطول المهلة والستر، ولطول المدة والأمن.
وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا أو يجرح شريفا، فيأتي السلطان الدار (وأربابها إما غيّب وإما أيتام وإما ضعفاء) فلا يصنع دون أن يسوّيها بالأرض.
وبعد فالدّور ملقاة «4» ، وأربابها منكوبون وملقّون. وهم أشد الناس اغترارا بالناس، وأبعدهم غاية من سلامة الصدور. وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها «5» وأبوابها، مع حديدها وذهب سقوفها الى مجهول
(1/118)

لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر «1» وعلى أعظم الخطر. وقد صار في معنى المودع، وصار المكتري في موضع المودع. ثم ليست الخيانة وسوء الولاية الى شيء من الودائع أسرع منها الدور. وأيضا أن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمّة ففوّضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوبا عند الأهلّة، الذي يشفّف في البناء «2» ويزيد في الحساب. فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم. وأنتم أيضا ربما أكريتم «3» مستغلات غيركم، بأكثر مما أكتريتموها منه. فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، وأعطونا من أنفسكم مثل ما تريدونه منهم. وربما بنيتم في الأرض، فإذا صار البناء بنيانكم (وإن كانت الأرض لغيركم) ادّعيتم الشركة، وجعلتموه كالإجارة، وحتى تصيّروه كتلاد مال أو مورّث سلف.
وجرم آخر، هو أنكم أهلكتم أصول أموالنا، وأخربتم غلاتنا، وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا، حتى غلات الدور من أعين المياسير «4» وأهل الثروة، ومن أعين العوّام والحشوة، وحتى تدافعوكم بكل حيلة، وصرّفوا أموالهم في كل وجه، وحتى قال عبيد الله بن الحسن «5» قولا أرسله مثلا، وعاد علينا حجة وضررا. وذلك أنه قال: «غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف «6» ، وإنما الغلة غلة الزرع والنّسولتين «7» » . وإنما جرّ ذلك علينا حسن اقتضائنا، وصبرنا على سوء قضائكم. وأنتم تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة، وتلووننا بها وهي عليكم حالّة. فصارت كذلك غلّات الدور (وإن كانت أكثر ثمنا
(1/119)

ودخلا) ، أقل يمنا وأخبث أصلا، من سائر الغلّات.
فأنتم شرّ علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم «1» ، إذ كنتم أحضر أذى وأدوم شرا. ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لا بد لكم منه، فكيف كنتم لو امتحنتم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة، وأنتم فيه بالخيار وليس عليكم طريق للإضطرار؟
وهذا مع قولكم: إن نزول دور الكراء أصوب من نزل دور الشراء.
وقلتم: لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه، وأشرط نفسه، وصار بها ممتحنا، وبثمنها مرتهنا. ومن اتخذ دارا، فقد أقام كفيلا لا يخفر، وزعيما لا يغرم. وإن غاب عنها حنّ إليها، وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرّضته للفتن: إن أساءوا جواره، وأنكر مكانه، وبعد مصلّاه، ونأت «2» عنه سوقه، وتفاوتت حوائجه، ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها، وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها. وأن من كان كذلك، فهو عبد داره، وخول جاره. وإن صاحب الكراء «3» الخيار في يده والأمر إليه؛ فكل دار هي له متنزّه إن شاء، ومتجر إن شاء، ومسكن إن شاء.
لم يحتمل فيها اليسير من الذل، ولا القليل من الضيّم «4» ؛ ولا يعرف الهوان، ولا يسام الخسف «5» ، ولا يحترس من الحسّاد، ولا يداري المتعللّين. وصاحب الشراء يجرّع المرار، وبيسقى بكأس الغيظ، ويكد بطلب الحوائج، ويحتمل الذلة وإن كان ذا أنفة. إن عفا عفا على كظم «6» ، ولا يوجه ذلك منه إلا الى العجز، وإن رام «7» المكافأة
(1/120)

تعرض لأكثر مما أنكره. قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» .
وزعمتم أن تسقّط الكراء أهون، إذا كان شيئا بعد شيء. وإن الشدائد إذا وقعت جملة، جاءت غامرة للقوة فأما إذا تقطّع وتفرّق، فليس يكترث لها إلا من تفقّدها وتذكّرها. ومال الشراء يخرج جملة، وثلمته «1» في المال واسعة، وطعنته نافذة. وليس كل خرق يرقع، ولا كل خارج يرجع. وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل أسطوان «2» وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل، وأنه أما لا يزال في بلاء، وإما أن يكون متوقعا لبلاء. وقلتم: إن كان تاجرا فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح، وتحويله في أصناف البياعات أكيس «3» . وإن لم يكن تاجرا، ففي ما وصفناه له ناه، وفيما عددنا له زاجر «4» . فلم تمنعكم حرمة المساكنة وحقّ المجاورة والحاجة الى السكنى وموافقة المنزل، إن أشرتم على الناس بترك الشراء. وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور، وجرأة للمستأجر، واستحطاط «5» من الغلة، وخسران في أصل الماء. وزعمتم أنكم قد أحسنتم الينا حين حثثتم الناس على الكراء، لما في ذلك من الرخاء والنماء. فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء، بل إنما أردتم أن تضرّونا بتزهيدكم في الشراء.
وليس ينبغي أن يحكم عن كل قوم إلا بسبيلهم، وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم.
فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم، وكلها حجة عليكم، وكلها
(1/121)

داعية الى تهمتكم وأخذ الحذر منكم. وليست لكم خصلة محمودة، ولا خلّة فيما بيننا وبينكم، مرضيّة.
وقد أريناكم أنّ حكم النازلين كحكم المقيمين، وأن كل زيادة فلها نصيب من الغلّة. ولو تغافلت لك يا أخا أهل البصرة عن زيادة رجلين، لم أبعدك على قدر ما رأيت منك أن تلزمني ذلك، فيما يتبيّن، حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف، وتصير الإقامة كالظّعن «1» والتفريغ كالشغل.
وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك، لذهب الإحسان إليك باطلا. إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا.
وقد قال الأول: «2»
«والكفر مخبثة لنفس المنعم»
وقال الآخر:
تبدّلت بالمعروف نكرا «3» وربما ... تنكّر للمعروف «4» من كان يكفر
أنت تطالبني ببغض المعتزلة «5» للشيعة، وبما بين أهل الكوفة والبصرة، وبالعداوة التي بين أسد وكندة، وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن وسيعين الله عليك. السلام» .
(1/122)

حديث إسماعيل بن غزوان
قال اسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه وأحضر حجّته، وأنصح جيبه وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد، أو من يزيّن الفساد لأهله، من شاعر بودّه أن الناس كلّهم قد جاوزوا حدّ المسرفين إلى حدود المجانين، ومن صاحب تفقيع «1» واستئكال، ومن ملّاق متقرّب، فقال:
«تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصّنه خوفا من الغيلة «2» ، وحفظه إشفاقا من الذلّة بخيلا، تريدون بذلك ذامه وشينه «3» وتسمّون من جهل فضل الغنى، ولم يعرف ذلّة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة «4» ، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا، تريدون بذلك حمده ومدحه؟ فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه. فإنّ من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطيء على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين، كان أجدر أن يخطيء في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كلّ الحذر ولا تأمنوهم على حال» .
قال اسماعيل: وسمعت الكنديّ يقول:
«إنما المال لمن حفظه، وإنما الغنى لمن تمسّك به «5» . ولحفظ المال بنيت الحيطان. وعلّقت الأبواب واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال،
(1/123)

ونقشت الرشوم «1» والخواتيم «2» ، وتعلّم الحساب والكتاب. فلم يتخذون هذه الوقايات دون المال؛ وأنتم آفته «3» وأنتم سوسه وقادحه «4» ؟ وقد قال الأول: أحرس أخاك إلا من نفسه ولكن أحسب أنك قد أخذته في الجواسق «5» ، وأودعته الصخور، ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين. من لك بألّا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب «6» ؟ وأجعلك قد حصّنته من كل يد لا تملكه، كيف لك من أن تحصّنه من اليد التي تملكه، وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر، وقد علمنا أنّ حفظ المال أشدّ من جمعه؟ وهل أتي الناس إلا من أنفسهم، ثم ثقاتهم «7» ؟ فالمال لمن حفظه، والحسرة لمن أتلفه «8» . وإنفاقه هو إتلافه، وأن حسّنتموه بهذا الإسم وزيّنتموه بهذا اللقب.
وزعمتم إنما سمّينا البخل إصلاحا والشحّ إقتصادا، كما سمّى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء «9» عارضة، والعزل عن الولاية صرفا، والجائر «10» على أهل الخراج مستقصيا «11» . بل أنتم الذي سمّيتم السّرف جودا،
(1/124)

والنفج «1» أريحيّة «2» ، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرما. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أبدا بمن تعول «3» » . وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك، وتسسد الغريب بشقوة القريب، وتتفضل على من لا يعدل عنك، ومن لو أعطيته أبدا لأخذ أبدا.
قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب، فإنه قال: يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل «4» ، وأجرى وقد انقطع النيل «5» . إني والله لو أعطيتك، لما وصلت إليك، حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك. إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة «6» . إنه والله ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس. ولكني أقول:
والله إني لو أمكنت الناس من نفسي لادّعوا رقّي «7» ، بعد سلب نعمتي» .
قال اسماعيل: وسمعته يقول:
«عجبت لمن قلّت دراهمه كيف ينام. ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا، ومن لم ينم غمّا» «8» . ثم قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وصيّة المرء يوم فقره وحاجته، وقبل أن يغرغر «9» : «الثلث، والثلث كثير» .
(1/125)

فاستحسنت الفقهاء، وتمنى الصالحون أن نغصّ من الثلث شيئا، لاستكثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الثلث، ولقوله: «إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس «1» » ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يرحم عيالنا إلا بفضل رحمته لنا. فكيف تأمرونني أن أؤثر «2» أنفسكم على نفسي، وأقدّم عيالكم على عيالي، وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى، وأن أكنز الريح وأصطنع السراب «3» ، بدلا من الذهب والفضة» .
قال إسماعيل: وسمعته يقول لعياله وأصحابه:
«اصبروا عن الرّطب عند ابتدائه وأوائله، وعن باكورات الفاكهة.
فإن للنفس عند كل طارف «4» نزوة، وعند كل هاجم بدوة، «5» وللقادم حلاوة وفرحة، وللجديد بشاشة وغرّة. فإنك متى رددتها ارتدّت، ومتى ردعتها ارتدعت والنفس عزوف «6» ، ونفور ألوف، وما حمّلتها احتملت وإن أهملتها فسدت. فإن لم تكفّ جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها، في أول ردّة، صارت أقلّ عددا وأضعف قوة. فإذا أثر ذلك فيها، فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة. فإنّ ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة. فإذا أجابتك في الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها، واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة، بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة، فلست تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة في غدك، إلا مثل ما لقيت منها في يومك، حتى
(1/126)

تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل إبتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك. ومتى لم تعدّ الشهوة فتنة والهوى عدوّا، اغتررت لهما وضعفت عنهما، وائتمنتهما على نفسك، وهما أحضر عدوّ وشرّ دخيل. فاضمنوا لي النزوة «1» الأولى، أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر، وثبات العزّ في قلوبكم والغني في أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم. فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظّما عند من لم ينل منك قط درهما، لكان الفضل في ذلك بيّنا والربح ظاهرا. ولو يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير، وفي جلسائه من هو أوجب حرمة، وأقدم صحبة وأصدق محبة، وأمتع إمتاعا، وأكثر فائدة وصوابا، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد، ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالا أو يوزّع بينهم طرفا «2» ، لجعل حظ الموسر «3» أكثر، وإن كان في كل شيء دون أصحابه، وحظ المخفّ أقل، وإن كان في كل شيء فوق أصحابه.
قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون «4» ، ومذهب الحزامي، وقصص الكندّي، وأحاديث الحارثي، واحتجاجاتهم، وطرائف بخلهم، وبدائع حيلهم.
قصة محمد بن أبي المؤمل:
قلت لمحمد بن أبي المؤمل:
أراك تطعم الطعام وتتخذه، وتنفق المال وتجود به. وليس بين قلة
(1/127)

الخبز وكثرته كثير ربح. والناس يبخلون من قلّ عدد خبزه، ورأوا أرض خوانه. وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك. وأنت لو لم تتكلّف، ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه، ثم أكلت وحدك، لم يلمك الناس، ولم يكترثوا لذلك منك، ولم يقضوا عليك بالبخل ولا بالسخاء، وعشت سليما موفورا، وكنت كواحد من عرض الناس «1» . وأنت لو لم تنفق الحرائب «2» وتبذل المصون «3» ، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر، وإلا لتحرز الأجر، فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء، نرضى لك الغنيمة بالإياب، ومن غنم الحمد والشكر، بالسلامة من الذم واللوم. فزد في عدد خبزك شيئا، فإنّ بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا. أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما، لا لك ولا عليك؟ فانظر في الأمر رحمك الله! قال: يا أبا عثمان، أنت تخطيء، وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما، وإن كان في العذر قليلا. لأنه إذا أخطأ أخطأ بنيقة وإحكام «4» . فعلى قدر التفكّر والتكلّف يبعد من الرشاد «5» ويذهب عن سبيل الصواب.
وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك. ولكن خف ما خوّفتك، فإنه مخوف. بل الذي أصنع أدلّ على سخاء النفس بالمأكول، وأدل على الاحتيال ليبالغوا؛ لأن الخبز إذا كثر على الموائد، ورّث ذلك النفس صدودا «6» ، وكل شيء من المأكول وغير المأكول، إذا ملأ العين، ملأ
(1/128)

الصدر، وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة. ولو أن رجلا جلس على بيدر تمر فائق، وعلى كدس كمثّري «1» منعوت، وعلى مائة قنو موز «2» موصوف، لم يكن أكله إلا على قدر استطرافه، ولم يكن أكله على قدر أكله إذا أتي بذلك في طبق نظيف، مع خادم نظيف، عليه منديل نظيف.
وبعد، فأصحابنا آنسون واثقون مسترسلون، يعلمون أن الطعام لهم اتّخذ، وأن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له. ولو احتاجوا لدعوا به، ولم يحتشموا منه، ولكان لا أقلّ من أن يجرّبوا ذلك المرة والمرتين، وأن لا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروناه. فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم، وشاء ظنّهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم، فهؤلاء أصحاب تجنّ وتترّع «3» . وليس في طاقتي إعتاب المتجنّي ولا رد المتترّع.
قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم، وفي حالات كثيرة ومواضع مختلفة، ورأيت أكلهم عندك، فرأيت شيئا متفاوتا وأمرا متفاقما. فاحسب أن التجنّي عليهم غالب، وأن الضعف لهم شامل، وأن سوء الظن يسرع إليهم خاصة، لم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤونة فيه بالشيء الذي لا قدر له، أو تدع دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم؟ والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك، وإنما يجيئونك بالإستحباب منك. فإن أحببت أن تمتحن ما أقول، فدع مواترة «4» الرسل والكتب، والتغضّب عليهم إذا أبطؤوا، ثم انظر.
قال: فان الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من
(1/129)

التلطيخ والتغمير «1» . والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة، لا أقدر أن أنظر إليها، وأستحيي أيضا من إعادتها. فيذهب ذلك الفضل باطلا، والله لا يحب الباطل.
قلت: فإن ناسا يأمرون بمسحه، ويجعلون الثريدة منه. فلو أخذت بزيّهم وسلكت سبيلهم، أتى ذلك على ما تريد ونريد.
قال: أفلست أعلم كيف الثريدة، ومن أي شيء هي؟ وكيف أمنع نفسي التوهّم وأحول بينها وبين التذكّر؟ ولعل القوم أن يعرفوا ذلك على طول الأيام، فيكون هذا قبيحا.
قلت: فتأمر به للعيال؛ فيقوم الحواري «2» المتلطخ مقام الخشكار «3» النظيف. وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به من الدسم.
قال: عيالي يرحمك الله عيالان: واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه، وآخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواريّ.
قلت: فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار؛ فإن فضل ما بينه وبين الحواريّ في الحسن والطيب، لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم.
قال: فههنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها، وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق، ويكون قريبا حيث تناله اليد، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به، ويكون قربه من يده كثرة على مائدته.
قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله. فأطعني واخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت. واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة، أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك على خلافه.
(1/130)

فلما حضر وقت الغداء صوّت بغلامه «1» وكان ضخما جهير «2» الصوت، صاحب تقعير «3» وتفخيم وتشديق «4» وهمز «5» وجزم «6» : يا مبشّر هات من الخبز تمام عدد الرؤوس.
قلت: ومن فرض لهم هذه الفريضة؟ ومن جزم عليهم هذا الجزم؟
أرأيت أن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعوّل على رغيف صاحبه، أو يتنحّى وعليه بقيّة، ويعلّق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه.
قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتّة؛ أهون علينا من هذه الخصومة.
قلت: هذا ما لا شك فيه، وقد عملت عندي بالصواب، وأخذت لنفسك بالثقة، إن وفيت بهذا القول.
وكان كثيرا ما يقول: يا غلام هات شيئا من قليّه «7» وأقلّ منها وأعد لنا ماء باردا وأكثر منه. وكان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا، وحال عن أمره وتبدل، حتى المؤاكلة. قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل. وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين «8» الموائد الرفيعة، وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة، وكالعلامة لليسر وللفراغ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدّموه قبل كل شيء لتقع الحدّة به. بل ما يأكل منه إذا جيء به إلا العابث، وإلا الذي لو لم يره
(1/131)

لقد كان رفع يده ولم ينتظر غيره. ولذلك قال أبو الحارث جمّين، حين رآه لا يمس: «هذا المدفوع عنه» . ولولا أنه على ذلك شاهد الناس، لما قال ما قال. ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة «1» ، ويدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى أن القصعة «2» لقد كانت ترفع البيض خاصة لعلى حاله وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها، ومن بيض السّلاءة «3» لم تقدر على ذلك. لا جرم لقد كان تركه ناس كثير، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته.
وكان يقول: الآدام «4» أعداء للخبز. وأعداها له المالح. فلولا أن الله انتقم منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه، لظننت أنه سيأتي على الحرث والنسل. وكان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا، وأقلهم عليه شربا أكثرهم تخما «5» . وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء. وربما كان شبعان وهو لا يدري. فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم «6» . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء، عرّفه ذلك مقدار الحاجات، فلم يزد إلا بقدر المصلحة.
والأطباء يعلمون أن ما أقول حق، ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطّلوا، ولذهب المكسب. وما حاجة الناس الى المعالجين إذا صحّت أبدانهم؟ وفي قول جميع الناس أن ماء دجلة أمرأ «7» من الفرات وأن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ، وفي قول العرب: «هذا ماء نمير
(1/132)

يصلح عليه المال» دليل على أن الماء يمريء، حتى قالوا: «إن الماء الذي يكون عليه النفّاطات «1» أمرأ من الماء الذي يكون سليه القيّارات «2» فعليكم بشرب الماء على الغداء، فإن ذلك أمرأ» .
وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: «يا غلام اسقني ماء أو اسق فلانا ماء» ، أتاه بقلة على قدر الريّ، فإذا قال: «أطعمني شيئا» ، أو قال: «هات لفلان طعاما» ، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتوازران؟ وكان يقول: لولا رخص الماء وغلاء الخبز، لما كلبوا على الخبز وزهدوا «3» في الماء. والناس أشدّ تعظيما للمأكول إذا كثر تمنه، أو كان قليلا في أصل منبته وموضع عنصره. هذا الجزر الصافي، وهذا الباقلي الأخضر العباسي، أطيب من كمثري خراسان، ومن المؤز البستاني. ولكنهم لقصر همّتهم لا يتشهّون إلا على قدر الثمن، ولا يحنون الى إلا على قدر القلة وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد، أو مع العادة، أو على قدر ما يعظم عندها من شأن الطعام. وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت والمرّيّ، دون الكمأة «4» بالزّبد والفلفل، لمكان الرّخص، أو لموضع الإستفيضال، ولكن لمكان طيبه في الحقيقة، ولأنه صالح للطبيعة.
علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل.
وكان إذا كان في منزله، فربما دخل عليه الصديق له، وقد كان تقدّمه الزائر أو الزائران؛ وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ما لم يبلغ بعضه قيس بن زهير «5» ، والمهلب بن أبي صفرة،
(1/133)

حازم بن خزيمة، وهرثمة بن أعين «1» وكان عنده فيه من الإحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص، ولا المغيرة بن شعبة «2» ؛ وكان كثيرا ما يمسك الخلال بيده، ليؤنس الداخل عليه من غدائه؛ فاذا دخل عليه الصديق له، وقد عزم على إطعام الزائر الزائرين قبله، وضاق صدره بالثالث، وإن كان قد دعاه وطلب إليه، أراد أن يحتال له، أو الرابع إن ابتلي كلّ واحد منهما بصاحبه، فيقول عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع: «هات يا مبشّر لفلان شيئا يطعم منه، هات له شيئا ينال منه، هات له شيئا» ، اتّكالا على خجله أو غضبه أو أنفته، وطمعا في أن يقول: «قد فعلت» .
فان أخطأ ذلك الشقيّ وضعف قلبه وحصر، وقال: «قد فعلت» ، وعلم أنه قد أحرز وحصّله وألقاه وراء ظهره، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول: «بأي شيء تغدّيت» ؟ فلا بد له من أن يكذب، أو ينتحل المعاريض «3» فإذا استوثق منه رباطا، وتركه لا يستطيع أن يترمرم «4» ، لم يرض بذلك حتى يقول في حديث له: «كنا عند فلان، فدخل عليه فلان فدعاه الى غدائه، فامتنع. ثم بدا له، فقال: في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها، ثم تناوله» : فلا يزال يزيد في وثاقه، وفي سد الأبواب عليه، وفي منعة البدوات حتى إذا بلغ الغاية قال: «يا مبشر أما إذ تغدّى فلان واكتفى، فهات لنا شيئا نعبث به» .
فإذا وضعوا الطعام، أقبل على أشدّهم حياء، أو على أشدّهم أكلا، فسأله عن حديث حسن، أو عن خبر طويل. ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه الى الإشارة باليد أو الرأس كلّ ذلك ليشغله. فإذا هم أكلوا
(1/134)

صدرا «1» ، أطهر الفتور والتشاغل والتنقّر كالشبعان الممتلىء «2» . وهو في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله. إنما هو النّتف بعد النّتف، وتعليق اليد في خلل ذلك. فلا بدّ من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده، ربما شمل ذلك جماعتهم. فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم، حتى يقلعهم من مواضعهم من حول الخوان، «3» ويعيدهم الى مواضعهم من مجالسهم، ابتدأ الأكل، فأكل أكل الجائع المقرور «4» وقال: «إنما الأكل تارات والشرب تارات» .
وكان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحا على الريق؟ فإنها تقتل الديدان، وتحفش «5» لأنفسنا قليلا، فإنها تأتي على جميع الفضول، وتشهّي الطعام بعد ساعة. وسكّره أطيب من سكر «6» الكظّة «7» . والشارب على الملأة بلاء «8» ، وهو بعد ذلك دليل على أنك نبيذي خالص. ومن لم يشرب على الريق فهو نكس «9» في الفتوة ودعي «10» في أصحاب النبيذ. وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق، من بعد عهده باللحم. وهذه الصبحة «11» تغسل عنكم الأوضار «12» ، وتنفي التّخم، وليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار.
(1/135)

والأعشى «1» كان أعلم به حيث يقول:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
وهذا، حفظك الله، هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة، ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة. وهو يوم سروره التامّ، لأنه قد ربح المرزئة «2» وتمتع بالمنادمة.
واشترى مرة شبّوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة، وغالى بها «3» وارتفع في ثمنها، وكان قد بعد عهده بأكل السمك. وهو بصري لا يصبر عنه. فكان قد أكبر أمر هذه السمكة، لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدّة شهوته لها. فحين ظنّ عند نفسه أنه قد خلا بها، وتفرّد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها، هجمت عليه ومعي السدريّ «4» فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف، ورأى الحتم المقضيّ «5» ، ورأى قاصمة الظهر «6» ، وأيقن بالشرّ، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين.
فلم يلبثه السّدري حتى قوّر السرّة «7» بالمبال «8» فأقبل عليّ فقال لي:
يا أبا عثمان، السدري يعجبه السّرر» ، فما فصلت الكلمة من فيه، حتى
(1/136)

قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا. فأقبل عليّ فقال: «والسدري يعجبه الإقفاء» ، فما فرغ من كلامه إلا والسدريّ قد اجترف المتن كله، فقال: «يا أبا عثمان والسدري يعجبه المتون» ، ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشّبوط «1» وعذوبة لحمه، وظنّ أنه سيسلم له، وظن معرفة ذلك من الغامض، فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا. ولولا أن السدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره وملأه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا، لأنه كان من الأكلة. ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه.
فلما أكل السدري جميع أطايبها. وبقي هو في النظارة، ولم يبق في يده ما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل، ظنّ أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من قرمه. فبذلك كان عزاؤه، وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه «2» وحشاشات نفسه. فلما رأى السدري يفري الفريّ «3» ويلتهم التهاما قال: «يا أبا عثمان، السدري يعجبه كل شيء» . فتولّد الغيظ في جوفه، وأقلقته الرّعدة. فخبثت نفسه، فما زال يقيء ويسلح «4» . ثم ركبته الحمّى.
وصحت توبته وتمّ عزمه، في أن لا يؤاكل رغيبا أبدا ولا زهيدا، ولا يشتري سمكة أبدا رخيصة ولا غالية، وإن أهدوها إليه أن لا يقبلها، وإن وجدها مطروحة لا يمسّها.
فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمّل. وقد مات. عفا الله عنا وعنه.
(1/137)

قصة أسد بن جاني:
فأما أسد بن جاني، فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشّر، لأن البراغيث تنزلق عن ليط القصب «1» ، لفرط لينه وملاسته «2» .
وكان إذا دخل الصيف، وحرّ عليه بيته، أثاره حتى يغرق المسحاة «3» ، ثم عليه جرارا كثيرة من ماء البئر ويتوطؤه حتى يستوي. فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديّا «4» . فإذا امتدّ به الندى ودام برده بدوامه، اكتفى بذلك التبريد صيفته. وإن جف قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر، عاد عليه بالإثارة والصب «5» . وكان يقول: خيشتي أرض، وما خيشتي «6» من بئري. وبيتي أبرد، ومؤونتي أخف. وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة وجودة الآلة.
وكان طبيبا فأكسد «7» مرة؛ فقال له قائل: «السنة وبئة والأمراض فاشية، وأنت عالم ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة، فمن أين تؤتى في هذا الكساد» ؟ قال: «أما واحدة فإني عندهم مسلم؛ وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبّب، لا بل قبل أن أخلق، إن المسملين لا يفلحون في الطب. واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبا وجبرائيل ويوحنّا وبيرا؛ وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم؛ وعليّ رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن يكون
(1/138)

ردائي «1» حريرا أسود؛ ولفظي لفظ عربيّ وكان ينبغي أن تكون لغة أهل جندي سابور «2» » .
قصة الثوري:
قال الخليل السلوليّ: أقبل عليّ يوما الثوريّ «3» وكان يملك خمسمائة جريب «4» ، ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة «5» ، ولا يشتري إلا كل غرّة، ول أرض مشهورة بكريم التربة، وشرف الموضع، والغلة الكثيرة.
قال:
فأقبل عليّ يوما، فقال لي: «هل اصطبغت «6» بماء الزيتون قط» ؟
قال: قلت: «لا والله» . قال: «أما والله لو فعلته ما نسيته» . قال:
قلت: «أجل إني والله لو فعلته لما نسيته» .
وكان يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب، وتعوّدوا إبتلاعه، وخذوا حلوقكم بتسويغه «7» . فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفيء الكليتين بذلك الشحم. واعتبروا ذلك ببطون الصفايا «8» وجميع ما يعتلف النوى «9» . والله لو حملتم أنفسكم على البزر والنوى، وعلى قضم الشعير واعتلاف القت 1»
،
(1/139)

لوجدتموها سريعة القبول. وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا، والشعير فريكا «1» ، ونوى البسر «2» الأخضر، ونوى العجوة «3» . فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة؛ لو رغبتم في الدفء لا لتمستم الشحم؛ وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن دخان الوقود، وعن شناعة السكر، وعن ثقل الغرم. والشحم يفرّج القلب. ويبيّض الوجه. والنار تسوّد الوجه؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشاء. ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم.
وكان يقول: كلوا الباقلّي «4» بقشوره. فان الباقلي يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله. فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم؟
وكان يعيّن مالا عظيما، ولم يكن له وارث. فكان يسخر ببعضهم، فيقول عند الإشهاد: «قد علمتم أنه لا وارث لي، فإذا متّ فهذا المال لفلان» . فكان قوم كثير يحصرصون على مبايعته لهذا. وقد رأيته أنا زمانا من الدهر، ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب، شديدة على صاحبها. قال: فهؤلاء المجوس يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية «5» ، فقيل له:
إن المجوسيّ لا يستحل في دينه المشرّكة، فأنت لا تجده أبدا إلا حافيا أو لا بسا نعلا سندية. وأنت مسلم ومالك كثير. قال: فمن كان ماله كثيرا فلا بد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسرّاق؟ قالوا: فليس بين هاتين منزلة؟.
(1/140)

حديث الخليل
قال الخليل: جلس الثوريّ إلى حلقة المصلحين في المسجد، فسمع رجلا من مياسيرهم يقول: بّطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى. ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية، ودار الدنيا فانية. ثم قال: ربما رأيت المبطّنة «1» الواحدة تقطع أربعة أقمصة، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر «2» . ليس ذلك إلا لتعاون الطي، وترافد «3» الأثناء. فبطنوا البواريّ «4» ، وبطنوا الحصر، وبطنوا البسط، وبطنوا الغداء بشربة باردة.
قال: فقال له الثوريّ: لم أفهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده.
قال الخليل: حمّ الثوري، وحمّ عياله وخادمه، فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز، فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق، ففرح بذلك وقال: لو كان منزلي سوق الأهواز أو نطاة خيبر «5» أو وادي الجحفة «6» ، لرجوت أن استفضل كل سنة مائة دينار. فكان لا يبالي أن يحمّ هو وأهله أبدا، بعد أن يستفضل كفايتهم من الدقيق.
وكان يقول: إذا رأيت الرجل يشتري الجدي رحمته، فإن رأيته يشتري الدجاج حقرته، فإن رأيته يشتري الدرّاج «7» لم أبايعه «8» ولم أكلّمه.
(1/141)

وأنه قال: أول الإصلاح، وهو الواجب خصف النعل «1» ، واستجادة الطرّاق «2» ، وتشحيمها «3» في كل الأيام. وعقد ذؤابة الشرّاك «4» من زيّ النسّاك، لكيلا يطأ عليه إنسان فيقطعه. ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسّخت، وغسلها من اتساخها بعد القلب.
واجعلها حبرة فانها مما له مرجوع. ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبّة في الشتاء، واتخاذ الشاة اللّبون إذا كان عندك حمار. واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار، لأنه لرحلك وبه تدرك البعيد من حوائجك، وعليه تطحن فتستفضل «5» ما يربحه عليك الطحّان، وتنقل عليه حوائجه وحوائجك، حتى الحطب، وتستقي عليه الماء. وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالا كثيرا.
اليمن والشؤم
ثم قال: أشهد أنّ الرفق يمن، أن الخرق «6» شؤم، اشتريت ملاءة مذارية «7» فلبستها، ما شاء الله، رداء وملحفة. ثم احتجت الى طيلسان «8» فقطعتها، يعلم الله، فلبسته ما شاء الله. ثم احتجت إلى جبّة فجعلته، يعلم الله، ظهارة «9» جبّة محشوة، فلبستها ما شاء الله. ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح، فجعلته مخادّ «10» ، وجعلت قطنها
(1/142)

للقناديل. ثم جعلت ما دون خرق المخادّ للقلانس «1» ؛ ثم عمدت الى أصح من أصحاب الصينّيات والصلاحيّات، وجعلت ما لا رقعة له ممحاة لي وللجارية، إذا نحن قضينا حاجة الرجال والنساء. وجعلت السقّاطّات وما قد صار كالخيوط وكالقطن المندوف، صمائم «2» لرؤوس القوارير «3» .
وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاما كثيرا. وكان من البصريين، ينزل ببغداد مسجد ابن رغبان «4» . ولم أر شيخا ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ما اجتمع له منهم: إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحراميّ عبد الله بن كاسب.
وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل، شديد العارضة «5» ، عضب اللسان «6» . وكان يحتجّ للبخل ويوصي به ويدعو إليه. وما علمت أنّ أحدا جرد في ذلك كتابا إلا سهل بن هارون وهو.
وصية بخيل
وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لأبنه:
أي بنيّ! إنّ إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق «7» ، وإنفاق الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم، وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين، والمئون تفتح
(1/143)

عليك أبواب الألوف، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين والأثر، ويحتمل القليل والكثير. أي بنيّ! إنما صار تأويل الدرهم «دار الهم» ، وتأويل الدينار «يدني إلى النار» . إن الدرهم إذا خرج الى غير خلف، وإلى غير بدل، دار الهم على دانق مخرجه. وقيل: إن الدينار يدني إلى النار لأنه إذا أنفقه في غير خلف، وأخرج الى غير بدل، بقي مخفقا معدما، وفقيرا مبلطا «1» متحرّج المخارج. وتدعوه الضرورة الى المكاسب الرديئة والطعم الخبيثة. والخبيث من الكسب يسقط العدالة، ويذهب بالمروءة، ويوجب الحدّ، ويدخل النار» .
وهذا التأويل الذي تأوّله للدرهم والدينار ليس له، إنما هذا شيء كان يتكلم بعه عبد الأعلى القاصّ. فكان عبد الأعلى إذا قيل: «لم سمي الكلب قليطا»
» ؟ قال: لأنه «قلّ ولطى» . وإذا قيل له: لم سمّي الكلب سلوقيا؟ قال: لأنه «يستلّ ويلقي» . وإذا قيل له: لم سمّي العصفور عصفورا؟ قال: لأنه «عصى وفرّ» .
وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه: الفقير رداؤه علقة «3» ، ومرقته سلقة وجردقته فلقة، وسمكته شلقة «4» . في طيب له كثير.
وبعض المفسّرين يزعم أنّ نوحا النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما سمّي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه. وأن آدم إنما سمّي آدم لأنه حذي «5» من أديم «6»
(1/144)

الأرض وقالوا: كان لونه أدمة لون الأرض، وأن المسيح إنما سميّ المسيح لأنه مسح بدهن البركة. وقال بعضهم: لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد، وكان كأنه ماسح يمسح الأرض.
أعاجيب ابن عبد الرحمن
ثمّ رجع الحديث الى أعاجيب أبي عبد الرحمن:
وكان أبو عبد الرحمن «1» يعجب بالرؤوس ويحمدها ويصفها. وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحى، أو من بقيّة أضحيته «2» ، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة. وكان سمّى الرأس «عرسا» لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة. وكان يسمّيه مرّة «الجامع» ، ومرّة «الكامل» .
وكان يقول: «الرأس شيء واحد، وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة «3» . وكل قدر وكل شواء فإنما هو شيء واحد، والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة؛ وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخرّ العين وطعمها على حدة، على أن هذه الشحمة خاصّة أطيب من المخّ وأنعم من الزبد وأدسم من السّلاء «4» ؛ وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة، وفيه الخيشوم «5» والغضروف «6» الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه لحم الخدّين وطعمه شيء على حدة» ، حتّى يقسّم اسقاطه الباقية. ويقول:
«الرأس سيّد البدن، وفيه الدماغ، وهو معدن العقل، ومنه يتفرّق
(1/145)

العصب الذي فيه الحسّ، وبه قوام البدن؛ وإنما القلب باب العقل؛ كما أن النفس هي المدركة؛ والعين هي باب الألوان؛ والنفس هي السّامعة الذائقة؛ وإنما الأنف والأذن بابان. ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه، وفي الرأس الحواس الخمس» . وكان ينشد.
قول الشاعر «1» :
إذا ضربوا رأسي، وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
وكان يقول: «الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر، وفلان رأس الكتيبة، وهو رأس القوم، وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم، واشتقّوا من الرأس الرياسة والرئيس، وقد رأس القوم فلان، إلا والرأس هو المثل وهو المقدّم» .
وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف «2» وإلى اللحيين فوضعه بقرب بيوت النمل والذرّ، فإذا اجتمعن فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء، فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع، حتى يقلع أصل النمل والذرّ من داره؛ فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب، ليوقد به سائر الحطب.
وكان إذا كان يوم الرؤوس أقعد ابنه معه على الخوان. إلا أن ذلك بعد تشرّط طويل، وبعد أن يقف له على ما يريده. وكان فيما يقول له: «إياك ونهم الصبيان، وشره الزرّاع، وأخلاق النوائح «3» . ودع عنك خبط الملّاحين والفعلة «4» ، ونهش الأعراب والمهنة «5» . وكل من بين يديك، فإنما حظّك الذي وقع وصار أقرب إليك. وإعلم أنه إذا كان في
(1/146)

الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهيّة، فإنما ذلك للشيخ المعظّم والصبي المدلّل، ولست واحدا منهما. فأنت قد تأتي الدعوات وتجيب الولائم، وتدخل منازل وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشدّ قرما «1» إليه منك. وأنا بعد أكره لك الموالاة «2» بين اللحم، فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين. وكان عمر يقول: «إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر «3» » . وكان يقول: «مدمن اللحم كمدمن الخمر» . وقال المسيح ورأى رجلا يأكل اللحم فقال: «لحم يأكل لحما، أفّ لهذا عملا» . وذكر هرم بن قطبة «4» اللحم، فقال: «وإنه ليقتل السباع» .
وقال المهلب «5» : «لحم وارد على غير قرم، هذا الموت الأحمر» . وقال الأول: «أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النساء الأحمران: الذهب والزعفران» .
أيّ بنيّ! عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش الأفاعي ولا تخضم خضم البراذين «6» ، ولا تدم الأكل إدامة النعاج، ولا تلقم لقم «7» الجمال. قال أبو ذرّ، لمن بدّل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تخضمون ونقضم والموعد لله» «8» . إنّ الله قد فضّلك فجعلك إنسانا، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا «9» . واحذر سرعة الكظة «10»
(1/147)

وسرف البطنة. وقد قال بعض الحكماء: «إذا كنت بطينا فعدّ نفسك في الزّمني «1» » وقال الأعشى:
«والبطنة مما تسفه الأحلاما»
واعلم أن الشبع داعية البشم «2» ، وأن البشم داعية السقم، وأن السقم داعية الموت؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو قاتل نفسه وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره. وأعجب إن أردت العجب. وقد قال الله جل ذكره: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
. وسواء. قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا.
أي بنيّ! إن القاتل والمقتول في النار. لو سألت حذّاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم. واعرف خطأ من قال:
«أكلة وموتة» ، وخذ بقول من قال: «ربّ أكلة تمنع أكلات» وقد قال الحسن «3» : «يا ابن آدم كل في ثلث بطنك، ودع الثلث للتفكّر والتنفس» . وقال بكر بن عبد الله المزني «4» : «ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص «5» بالكظة، وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني، وحتى لم آكل إلا ما لا اغسل يديّ منه» .
يا بنيّ! والله ما أدري حق الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظّة، ولا خشع لله ذو بطنة. والصوم مصحّة، والوجبات عيش الطالحين.
ثم قال: لأمر ما طالت أعمال الهند، وصحّت أبدان الأعراب. فلله
(1/148)

درّ الحارث إبن كلدة «1» حين زعم أن الدواء هو الأزم «2» ، وأن الداء هو إدخال الطعام في إثر الطعام.
أي بنيّ! لم صفت أذهان العرب، ولم صدقت إحساس الأعراب، ولم صحّت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقّرس «3» ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلا لقلة الرزء «4» من الطعام، وخفة الزاد والتّبلغ باليسير؟
أي بنيّ! إن نسيم الدنيا وروح الحياة، أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون بقصر العمر خليقا. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعاد، وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة.
أي بنيّ! لم صار الضب «5» أطول شيء عمرا، إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم؟ ولم زعم الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن الصوم وجاء «6» ، إلا ليجعل الجوع حجازا دون الشهوات؟ افهم تأديب الله فإنه لم يقصد به إلا الى مثلك.
أي بنيّ! قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا تحرّك لي عظم، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت دنين أذن ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علّة إلا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحب
(1/149)

الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم» .
هذه كانت وصيته في يوم الرؤوس وحده. فلم يكن لعياله إلا التقمّم «1» ومصّ العظم.
وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ.
وكان لا يشتري إلا رأس فتى لوفارة الدماغ، لأن دماغ الفتى أوفر، ويكون مخه أنقص، ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص.
ويزعمون أن للأهلّة والمحاق في الأدمغة والدماء عملا معروفا، وبينها في الربيع والخريف فضلا بينا. وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم، في أول الهلال، خرج الولد قويا ضخما، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا شختا «2» . وأنشد قول الشاعر:
لقحت في الهلال عن قبل الطّهر ... وقد لاح للضياء بشير
ثم نمى ولم يراضع فلوّا «3» ... ورضاع المحجّ عيب كبير «4»
وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رأآسي بغداد، إلا من رأآسي مسجد ابن رغبان. وكان لا يشتريه إلا يوم سبت. واختلط عليه الأمر فيما بين الشتاء والصيف، فكان مرّة يشتريه في هذا الزمان.
وأما زهده في رؤوس مسجد ابن رغبان، فان البصريين يختارون لحم الماعز الخصيّ على الضأن كله، ورؤوس الضأن أشحم وألحم رخصا وأطيب. ورأس التيس أكثر لحما من رأس الخصيّ، لأن الخصيّ من الماعز يعرق جلده، ويقلّ لحم رأسه ولا يبلغ جلده وإن كان ما عزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس، ولا يكون رأسه إلا دونا. ولذلك تخطاه إلى غيره.
(1/150)

وما اختيار شراء الرؤوس يوم السبت، فإن القصّابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، فتكثر الرؤوس يوم السبت على قدر للفضل فيما يذبحون، ولأن العوام والتجار والصنّاع لا يقرمون «1» إلى أكل الرؤوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة، ولأن عامّتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة. ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرؤوس واللحم.
وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف، فوجه ذلك أن العلل كانت تتصوّر له، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته، صيفا وافق ذلك أم شتاء. فإن اللحم في الصيف أرخص، والرؤوس تابعة للحم، ولأن الناس في الشتاء لها آكل، وهم لها في القيظ «2» أترك. فكان يختار الرخص على حسن الموقع. فإذا قويت دواعيها في الشتاء، قال: «رأس واحد شتوي كرأسين صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية، وما أكل الكسب في الحبس موثقا، غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقا» . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته وبدنه، وفي شك من استبقائه في الصيف، لنقصان شهوات الناس للرؤوس في الصيف، فكان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة. وكان يقول إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب «3» وإن تركتها لهم في الصيف، ولم يعرفوا العلة، طلبوا ذلك مني في الشتاء!.
طرائف العنبري:
حدثني المكّي «4» قال: كنت يوما عند العنبريّ، إذا جاءت جارية
(1/151)

أمّه، ومعها كوز «1» فارغ، فقالت: «قالت أمك: بلغني أنّ عندك مزمّلة «2» ، ويومنا يوم حارّ، فابعث إليّ بشربة منها في هذا الكوز» قال:
«كذبت! أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونردّه ملآن. إذهبي فاملئيه من ماء حبّكم، وفرّغيه في حبنا «3» ، ثم املئيه من ماء مزمّلتنا، حتى يكون شيء بشيء» .
وقال المكّي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر، وعرضا بعرض، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحرّ، فأما عدد الجواهر والأعراض، فمثلا بمثل.
وقال المكّيّ: دخلت عليه يوما، وإذا عنده جلّة «4» تمر، وإذا ظئره «5» جالسة قبالته فكلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها، فأخذتها فمصّتها ساعة ثم عزلتها. فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا؟
قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتّها، فصاح بها صيحة، لو كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك. وما كانت إلا في أن تبادله الإعراض وتسلّم إليه الجوهر. وكانت تأخذ حلاوة النواة، وتودعها ندوة الريق.
طرائف أبي قطبة:
قال الخليل: كان أبو قطبة يستغلّ ثلاثة آلاف دينار. وكان من البخل يؤخرّ تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد، وسيل المتاعب،
(1/152)

ليكتري «1» رجلا واحدا فقط، يخرج ما فيها، ويصبّه في الطريق، فيجترفه السيل، ويؤديه إلى القناة. وكان بين موضع بئره والصبّ قدر مائتي ذراع، فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الإنتظار شهرا أو شهرين.
وإن هو جرى في الطريق، وأذي به الناس.
وقال: ونظر يوما إلى الكسّاحين «2» ، وهو معنا جالس في رجال من قريش، وهم يخرجون ما في بالوعته، ويرمون به في الطريق، وسيل المثاعب «3» يحتمله، فقال: أليس البطّ والجداء والدجاج والفراخ والدرّاج «4» وخبز الشعير والصحناء «5» والكرّاث «6» والجواف «7» جميعا تصير إلى ما ترون؟ فلم يغالي بشيء يصير هو والرخيص في معنى واحد؟.
قال الخليل: وسمعته يقول: إياكم والفساء في ثيابكم التي تخرجون فيها، وفي لحفكم التي تنامون فيها، فإن الفساء يدرّ القمل. إني والله ما أقول إلا بعلم. ثم قال: علمتم إن الصوت يدبغ؟ قلنا: وكيف صار الصوت يدبغ؟ قال: الفسوة هي الضرطة بلا صوت، وإنما تخرجان جميعا من قارورة واحدة، فكيف تكون واحدة طيبة وأخرى منتنة؟ فهذا الذى يدلّكم أن الصوت هو الذي يدبغها.
قال: وهم ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وباني، من ولد عتّاب بن أسيد. واحد منهم كان يحجّ عن حمزة، ويقول: «استشهد قبل أن
(1/153)

يحجّ» . والآخر كان يضحّي عن أبي بكر وعمر، ويقول: «أخطأ السنة في ترك الضحية. وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق «1» ، ويقول: «غلطت رحمها الله في صومها أيام العيد. فمن صام عن أبيه وأمه، فأنا أفطر عن عائشة» .
طرائف فيلويه:
حدّثتني امرأة تعرف الأمور، قالت:
كان في الحيّ مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي، فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة، اعتزلن وتحدّثن. فبينا هنّ في حديثهنّ، إذ ذكرن برّ الأبناء بالأمهات، وإنفاقهم عليهنّ. وذكرت كلّ واحدة منهنّ ما يوليها إبنها. فقالت واحدة منهنّ، وأم فيلويه ساكتة، وكانت امرأة صالحة، وإبنها يظهر النسك يدين بالبخل، وله حانوت في مقبرة بني حصن يبيع فيها الأسقاط «2» . قالت: فأقبلت على أم فيلويه، قالت لها:
ما لك لا تحدّثين معنا عن إبنك كما يتحدّثن؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه؟ قالت: كان يجري عليّ في كل أضحى درهما. ثم قالت:
وقد قطعه أيضا. فقالت لها المرأة: وما كان يجري عليك إلا درهما؟
قالت: ما كان يجري عليّ إلا ذاك، ولقد ربما أدخل أضحى في أضحى.
فقالت: فقلت: يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى؟ قد يقول الناس: إن فلانا أدخل شهرا في شهر، ويوما في يوم، وأمّا أضحى في أضحى، فهذا شيء لإبنك لا يشركه فيه أحد.
(1/154)

قصة تمّام بن جعفر:
كان تمّام بن جعفر بخيلا على الطعام، مفرّط البخل؛ وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علّة «1» ، ويطالبه بكل طائلة «2» ؛ وحتى ربما استخرج عليه أنه كان حلال الدم.
وكان إن قال له نديم: «ما في الأرض أحد أمشي مني، ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر «3» مني» قال: «وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة؟ وهل يحمل الرجل إلا البطن؟ لا حمد الله من يحمدك» . فإن قال: «لا والله إن أقدر أن أمشي لأني أضعف الخلق عنه. وإني لأنبهر من مشي ثلاثين خطوة» . قال: «وكيف تمشي، وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمّالا؟ وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل؟ وأي بطين «4» يقدر على الحركة؟ وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود، فكيف بالمشي الكثير» ؟
فإن شكا ضرسه، وقال: «ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه «5» » قال: «عجبت كيف اشتكيت واحدا، وكيف لم تشتك الجميع؟ وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكّة؟ وأي ضرس يقوى على الضرس والطحن؟
والله إن الأرحاء السورية لتكلّ، وإن المنحاز الغليظ ليتبعه الدقّ. ولقد استبطأت لك هذه العلة. أرفق فإن الرّفق يمن، ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم» . وإن قال: «لا والله إن اشتكيت ضرسا لي قط، ولا تحلحلت لي سنّ عن موضعها، منذ عرفت نفسي» . قال: «يا مجنون لأن
(1/155)

كثرة المضغ تشدّ العمور «1» وتقوّي الأسنان وتدبغ اللثة وتغذو أصولها، وإعفاء الأضراس من المضغ يريّخها «2» ، وإنما الفم جزء من الإنسان. وكما أن الإنسان نفسه إذا تحرّك وعمل قوي، وإذا طال سكوته تفتّخ واسترخى، فكذلك الأضراس. ولكن رفقا، فإن الأتعاب ينقض القوة.
ولكلّ شيء مقدار ونهاية. فهذا ضرسك لا تشتكيه، وبطنك أيضا لا تشتكيه» ؟
فإن قال: «والله إن أروي «3» من الماء، وما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب مني للماء» قال: «لا بدّ للتراب من ماء، ولا بد للطين من ماء يبلّه ويرويه. أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلّته. والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك، مع ما أرى من شدّة أكلك وعظم لقمك.
تدري ما قد تصنع؟ أنت والله تلعب. أنت لست ترى نفسك فسل عنك من يصدقك، حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك» . فإن قال: «ما شربت اليوم ماء البتّة، وما شربت أمس بمقدار نصف رطل.
وما في الأرض إنسان أقلّ شربا مني للماء» ، قال: «لأنك لا تدع لشرب الماء موضعا، ولأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء معه مدخلا.
والعجب لا تتخم، لأن من لا يشرب الماء على الخوان، لا يدري مقدار ما أكل، ومن جاوز مقدار الكفاية كان حريّا بالتخمة» .
فإن قال: «ما أنام الليل كلّه. وقد أهلكني الأرق «4» » قال:
«وتدعك الكظّة «5» والنّفخة والقرقرة أن تنام؟ والله لو لم يكن إلا العظش الذي ينبّه الناس لما نمت. ومن شرب كثيرا بال كثيرا. ومن كان الليل
(1/156)

كلّه بين شرب وبول، كيف يأخذه النوم» ؟
فإن قال: «ما هو إلا أن أضع رأسي، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح» ، قال: «ذلك لأن الطعام يسكر ويخدّر ويختر «1» ويبلّ الدماغ ويبلّ العروق ويسترخي عليه جميع البدن. ولو كان في الحقّ لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار» .
فإن قال: «أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا» ، قال: إياك أن تأكل قليلا ولا كثيرا، فإن أكل القليل على غير شهوة أضرّ من الكثير مع الشهوة، قال الخوان: «ويل لي مّمن قال لا أريد. وبعد، فكيف تشتهي الطعام اليوم، وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة» ؟
وكان كثيرا ما يقول لندمائه: «إياكم والأكل على الخمار «2» . فإن دواء الخمار الشراب. الخمار تخمة، والمتخم إذا أكل مات لا محالة.
وإياكم والإكثار في عقب الحجامة «3» والفصد «4» والحمّام. وعليكم بالتخفيف في الصيف كله. واجتنبوا اللحم خاصّة» .
وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس. هذا الذي يضرط ويتكلم الكلام البارد وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له، وبعض من يشكره ويتضاحك له، أو ليس هو عنده إلا أن يظهر العجب به، لما ضرط الضارط، ولما تكلف النوادر إلا أهله. قول الناس للأكول النّهم وللرّغيب الشرّة: «فلان حسن الأكل» هو الذي أهلكه وزاد في رغبه، حتى جعل ذلك صناعة، وحتى ربما أكل، لمكان قولهم وتقريبهم وتعجّبهم، ما لا يطيقه فلا يزال قد هجم على قوم، فأكل زادهم وتركهم
(1/157)

بلا زاد. فلو قالوا بدل قولهم: «فلان حسن الأكل» ، «فلان أقبح الناس أكلا» ، كان ذلك صلاحا للفريقين.
ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب «1» البطن، واتخذ له الطعام الطيّب، لينفي عن نفسه المقالة، وليكذّب عن نفسه تلك الظنون. ولو كان شدّة الضرس يعدّ في المناقب «2» ويمدح صاحبه به في المجالس، لكانت الأنبياء آكل الخلق، ولخصّهم الله جلّ ذكره من الرغب بما لم يعطه أحدا من العالمين. وكيف وفي مأثور الحديث «إن المؤمن يأكل في معى واحد، وأن المنافق يأكل في سبعة أمعاء» . أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم وبالرّغب وبكثرة الأكل، ويمدحون بالزّهادة وبقلّة الطعم؟
أوليس قد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدلّه على الحسناء القتين «3» » ؟ وقد ساب «4» رجل أيوب بن سليمان بن عبد الملك، فقال في بعض ما يسبّه:
«ماتت أمّك بغرا «5» ، وأبوك بشما «6» » .
وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه، فقال: «أنا ابن آكل العرب» ؟ بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يمتدحون بكثرة الشرب، كما يتدحون لقلّة الرّزء. وكذلك قالت العرب.
قال الشاعر:
تكفيه فلذة كبد إن الّم بها ... من الشّزء ويكفي شربه الغمر
(1/158)

وقال:
لا يتأرّى «1» لما في القدر يطلبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر «2»
وقال:
لا يغمر «3» الساق «4» من أين «5» ولا وصم «6» ... ولا يعضّ على شرسوفه «7» الصفّر
والصفر هي حيّات البطون، إنما تكون من الفضول والتخم، ومن الفساد والبشم وشرب مرة النبيذ، وغنّاه المغنّي، فشق قميصه من الطرب، فقال المولى له، يقال له «المحلو» ، وهو إلى جنبه: «شق أيضا أنت، ويلك، قميصك» والمحلول هذا من الآيات «8» قال: «لا والله لا أشقّه، وليس لي غيره» . قال:
«فشقه، وأنا أكسوك غدا» . «فأنا أشقّه غدا» . قال: «أنا ما أصنع بشقّك له غدا» ؟ قال: «وأنا ما أرجو من شقّه الساعة» ؟
فلم أسمع بإنسان قط يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص
(1/159)

من غلبة الطرب، غيره وغير مولاه «محلول» .
عليّ الأعمى
دخل عليّ الأعمى على يوسف بن كل خير، وقد تغدّى، فقال: «يا جارية هاتي لأبي الحسن غداء» . قال: «لم يبق عندنا شيء» . قال:
«هاتي، ويلك، ما كان، فليس من أبي الحسن حشمة «1» » . ولم يشك عليّ أنّه سيؤتى برغيف ملطخ، وبرقاقة ملطخة، وبسكر وبقية مرق، وبعرق وبفضلة شواء، وببقايا ما يفضل في الجامات «2» والسكرجات «3» . فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل «4» ، لا شيء معه غيره. فلما وضعوا الخوان بين يديه، فأجال «5» يده فيه، وهو أعمى، فلم يقع إلا على ذلك الرغيف. وقد علم أن قوله: «ليس منه حشمة» لا يكون إلا مع القليل. قلم يظن أن الأمر بلغ ذلك، فلمّا لم يجد غيره، قال: «ويلكم ولا كل هذا بمرّة. رفعتم الحشمة كلّها.
والكلام لم يقع إلا على هذا» ؟
الغزّال:
حدثني محمد بن حسان الأسود، قال: أخبرني زكريّا القطان قال:
كان للغزّال قطعة أرض قدّام حانوتي. فأكرى «6» نصفها من سمّاك، يسقط عنه ما استطاع من مؤونة الكراء.
(1/160)

قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل، وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه، فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم، فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوّافة بحبّة «1» وأثبت عليها فلسا في حسابه. فإذا أراد أن يتغدّى أخذ الجوافة، فمسحها على وجه الرغيف، ثم عضّ عليه. وربما فتح بطن الجوافة فبّطن جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة. فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم بطنها، طلب من ذلك السمّاك شيئا من ملح السمك. فحشا جوفها لينفخها، وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملّحت به. ولربما غلبت شهوته، فكدم «2» طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته. وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخرها لقمة، ليطيب فمه بها، ثم يضعها في ناحية، فإذا اشترى من إمرأة غزلا أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل، من طريق إدخال العروض، وحسبها عليها بفلس. فيسترجع رأس المال، ويفضل الأدم.
ابن المقفع وابن جذام:
وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال:
كان ابن جذام الشبي يجلس إليّ، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغدى معنا ويقيم إلى أن يبرد. وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألحّ علي في الاستزارة «3» ، وصمّمت عليه في الإمتناع. فقال:
جعلت فداك أنت تظن أنّي ممن يتكلّف وأنت تشفق عليّ؟ لا والله إن هي إلا كسيرات «4» يابسة، وملح، وماء الحب. فظننت أنه يريد
(1/161)

اختلابي «1» بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام أطعمنا كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه. وما أظن أن أحدا يدعو مثلي إلى الخريبة «2» من الباطنة «3» ، ثم يأتيه بكسرات وملح.
فلما صرت عنده، وقرّبه إليّ، إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون، أطعمكم الله من طعام الجنّة. قال: بورك فيك. فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول. فأعاد عليه السائل، فقال:
إذهب، ويلك فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة، والطعام بين يديه. قال إذهب ويلك، وإلا خرجت إليك، والله، فدققت ساقيك. قال السائل: سبحان الله، ينهي الله أن ينهر «4» السائل، وأنت تدق ساقيه؟ فقلت للسائل: إذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين، بعد ردّه إيّاك.
أبو يعقوب الدقنان
وكان أبو يعقوب الدقنان «5» يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال.
وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم، واشترى بصلا بدانق «6» ، وباذنجانا بدانق، وقرعة بدانق، فإذا كان أيام الجزر فجزرا
(1/162)

بدانق، وطبخه كله سكباجا. فأكل وعياله، يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر، وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم. فإذا كان يوم السبت ثرّدوا «1» خبزهم في المرق. فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل؛ فإذا كان يوم الإثنين أكلوا الجزر، فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع، فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان، فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم. فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال.
أهل الجزيرة
قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة، وإذا هم في بلاد باردة، وإذا حطبهم شرّ حطب، وإذا الأرض كلّها غابة واحدة طرفاء «2» . فقلنا:
«ما في الأرض أكرم من الطرفاء» . قالوا: «هو كريم، ومن كرمه نفّر» . قالوا: فقلنا: «وما الذي تفرّون منه» ؟ قالوا: «دخان الطرفاء يهضم الطعام، وعيالنا كثير» .
أهل المازح والمديبر
وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكنانهم «3» من دقيق شعير، وحشوه- الذي يكون فيه الجوز والسكر، من دقيق خشكار.
وأهل المازح لا يعرفون بالبخل، ولكنهم أسوأ الناس حالا، فتقديرهم على قدر عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب «4» . فأما من يضيّق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق، فليس سبيله سبيل القوم.
(1/163)

سليمان الكثريّ
قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري سمّي بذلك لكثرة ماله. وكان يقرّبني وأنا صبي إلى أن بلغت. ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط. وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء. فدخلت عليه يوما، وإذا قدّامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطا؛ فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ قطعة، فلما نظر إليّ قبضت يدي، فقال: «لا تنقبض وانبسط واسترسل وليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب، فخذه كله، فهو لك بزوبره «1» ، وبحذافيره، وهو لك جميعا؛ نفسي بذلك سخيّة. والله يعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير» . فتركته بين يده، وقمت من عنده وجعلته وجهي، كما أنا، إلى العراق. فما رأيته وما رآني حتى مات.
وقال المكيّ: سمعني سليمان، وأنا أنشد شعر امرىء القيس: «2»
لنا غنم نسوقها غزار ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ «3»
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ «4»
قال: لو كان ذكر مع هذا شيئا من. الكسوة لكان جيدا.
وهو الذي قال ليحيى بن خالد، حين نقب في أبي قبيس، وزاد في داره:
عمدت الى شيخ الجبال فزعزعته وثلمت فيه.
وقال: حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه.
(1/164)

محفوظ النقّاش
صحبني محفوظ النقّاش من مسجد الجامع ليلا. فلما صرت قرب منزله، وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي، سألني أن أبيت عنده، وقال: «أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة وليس معك نار، وعندي لبأ «1» ، لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له» . فملت معه. فأبطأ ساعة ثم جاءني بجأم لبأ وطبق تمر، فلما مددت قال: «يا أبا عثمان إنه لبأ وغلظه، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفا، وما زال الغليل «2» يسرع إليك، وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء. فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلا ولا تاركا، وحرشت طباعك «3» ، ثمن قطعت الأكل أشهى ما كان إليك.
وإن بالغت بتنا في ليلة سوء، من الإهتمام بأمرك. ولم نعدّ لك نبيذا ولا عسلا. وإنما قلت هذا الكلام، لئلا تقول غدا: كان وكان. والله قد وقعت بين نابي أسد. لأني لو لم أجئك به، وقد ذكرته لك، قلت:
«بخل به وبدا له فيه» ؛ وإن جئت به، ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كل ما عليك فيه، قلت: «لم يشفق عليّ ولم ينصح» . فقد برئت إليك من الأمرين جميعا فإن شئت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال، ونوم على سلامة» .
فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعا فما هضمه الا الضحك والنشاط والسرور، فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم لأتي عليّ الضحك، أو لقضي عليّ ولكن ضحك من كان وحده
(1/165)

لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب.
حديث أبي القماقم
قال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يردّ ما صار في يدي لك، فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي، وإن لم يكن لي فأنا أحقّ به مّمن صيّره في يدي. ومن أخرج من يده شيئا إلى غيره، من غير ضرورة، فقد أباحه لمن صيّره إليه. وتفريقك إياه مثل إباحته.
وقالت له إمرأة: ويحك يا أبا القماقم إني تزوجت زوجا نهاريّا «1» ، والساعة وقته، وليست عليّ هيئة فاشتر لي بهذا الرغيف آسا «2» ، وبهذا الفلس دهنا، فانك تؤجر. فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه. فيرزقني على يدك شيئا أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني؛ فأخذهما وجعلها وجهه؛ «3» فرأته بعد أيام، فقالت: سبحان الله أما رحمتني مما صنعت بي؟ قال: ويحك سقط والله مني الفلس، فمن الغمّ أكلت الرغيف.
وتعشق واحدة، فلم يزل يتبعها، ويبكي بين يديها، حتى رحمته.
وكانت مكثرة وكان مقلا «4» فاستهداها هريسة، وقال: أنتم أحذق بها.
فلما كان بعد أيام تشهى عليها رؤوسا، فلما كان بعد قليل طلب منها حيسة فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشيلة «5» . قالت المرأة: رأيت
(1/166)

عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء، وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك.
وقال أبو الأصبغ: ألحّ أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم، يسأل عن مال المرأة ويحصيه. ويسأل عنه. فقالوا: قد أخبرناك بمالها، فأنت أيّ شيء مالك؟ قال: وما سؤالكم عن مالي؟ الذي لها يكفيني ويكفيها.
سمعت شيخا من مشايخ الأبلّة «1» يزعم أنّ فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء أهل الأبلّة. قلت: بأيّ شيء فضّلتهم؟ قال: هم أشدّ تعظيما للأغنياء وأعرف بالواجب.
بين رجلين ابليّين
ووقع بين رجلين أبليّين كلام. فأسمع أحدهما صاحبه كلاما غليظا، فردّ عليه مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكارا شديدا، ولم أر لذلك سببا. فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال؟ قالوا: لأنه أكثر منه مالا. وإذا جوّزنا هذا له، جوزّنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله.
وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح «2» يسمعني ولا أسمعه؟ أفهو أكثر مالا مني؟ ثم سكت.
قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبليّ مقيما مطمئنا، فإذا جاء المدّ قالوا: «ما رأينا مدّا قط ارتفع ارتفاعه، وما أطيب السير في المدّ، والسير في المد إلى البصرة أطيب من السير في الجزر الى الأبلّة» .
فلا يزالون به حتّى يرى أنّ من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه.
(1/167)

أحمد بن الخاركي
كان أحمد بن الخاركي بخيلا، وكان نفّاجا «1» . وهذا أغيظ ما يكون. وكان يتخذّ لكل جبّة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبّتين.
ويشتري الأعذاق «2» والعراجين «3» والسعف «4» من الكلّاء، فإذا جاء به الحمّال إلى بابه تركه ساعة يوهم الناس أنّ له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها. وكان يكتري قدور الخمّارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرّى أعظمها، ويهرب من الحمالين بالكراء» ؟ كي يصيحوا بالباب:
«ويشربون الداذيّ «5» والسّكر، ويحبسون الحمّالين بالكراء» وليس له في منزله رطل دبس. وسمع قول الشاعر:
رأيت الخبز عزّ لديك حتى ... حسبت الخبز في جوّ السحاب
وما روّحتنا «6» لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
فقال: ولم ذبّ عنهم لعنه الله؟ والله ما أعلم إلا أنه شهيّ اليهم الطعام، ونظف لهم القصاع «7» ، وفرّغهم له، وسحرّهم عليه. ثم ألا تركهم تقع في قصاعهم وتسقط على انافهم وعيونهم؟ هو والله أهل لما هو أعظم من هذا. كم ترون من مرّة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى يتقزّر «8» بعضهم، أو يكفي الله شرّه.
(1/168)

قال: وأما قوله:
«رأيت الخبز عزّ لديك حتى»
قال: فإذا لم أعزّ هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات «1» ، وأمير الأغذية، فأيّ شيء أعزّ. أي والله، إنّي أعزّه، وأعزّه، وأعزّه، وأعزّه، مدى النفس، ما حملت عيني الماء.
وبلغ من نفجه مع ذلك ما خبّرني به إبراهيم بن هانيء «2» قال: كنت عنده يوما، إذ مرّ به بعض الباعة، فصاح: «الخوخ الخوخ» . فقلت: «وقد جاء الخوخ بعد» ؟ قال: «نعم قد جاء، وقد أكثرنا منه» ، فدعاني الغيظ عليه الى أن دعوت البيّاع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: «ويحك نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد اكثرت منه؟ وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك» ، ثم أقبلت على البياع فقلت: «كيف تبيع الخوخ؟» ، فقال: «ستة بدرهم» . قلت: «أنت ممن يشتري ستّ خوخات بدرهم، وأنت تعلم أنه يباع بعد أيام مائتين بدرهم» ؟
ثم تقول: «وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم» . قال: «وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء» .
غلام صالح بن عفان
كان غلام صالح بن عفّان يطلب منه نفطا لبيت الحمار بالليل، فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس، والطسّوج «3» أربعة فلوس. ويقول:
طسّوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي.
وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمّام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسّوجا، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردّك؟
(1/169)

قال أبو كعب: دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه، ليفطروا عنده في شهر رمضان، وكنت فيهم. فلما صلّينا المغرب، ونجز «1» ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جلّ ذكره: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
وقال:
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
. اسمعوا ما أقول، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة، والبعد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة؛ إذا مدّ أحدكم يده إلى الماء فاستسقى، وقد أتيتم ببهطّة «2» أو بجوذابة «3» أو بعصيدة، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء، ولا يحتاج فيه إلى مضغ، وهو طعام يد لا طعام يدين، وليست على أهل اليد منه مؤونة، وهو ممّا يذهب سريعا، فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم. فإنكم تجمعون عليه خصالا، منها: إنكم تنغصّون عليه تلك الشّربة، إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم. ومنها أنكم تحنقونه، ولا يجد بدّا من مكافأتكم، فلعلّه أن يتسرّع الى لقمة حارّة، فيموت، وأنتم ترونه، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: «لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد؟ قال: «لأن اللحم ظاعن «4» والثريد مقيم» . وأنا وإن كان الطعام طعامي، فإني كذلك أفعل، فإذا رأيتم فعلي يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم» .
قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا فمدّ يده إلى القصعة، وقد مد يده صاحبه الى الماء. فيقول له موسى: يدك يا ناسي. ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل.
قال: وأتانا بأرزة ولو شاء إنسان أن يعدّ حبّها لعدّه، لتفرّقه ولقلته.
(1/170)

قال: فنثروا عليها لبكة من دبس مقدار نصف أسيكرة، فوقعت ليلتئذ في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي ثم قال: «أجرش «1» يا أبا كعب أجرش» . قلت:
«ويلك أما تتقي الله! كيف أجرش جزأ لا يتجزّأ» ؟
قصة ابن العقدي
كان ابن العقدي ربما استزار أصحابه الى البستان، وكنت لا أظنه ممّن يحتمل قلبه ذلك على حال. فسألت ذات يوم بعض زوّاره فقلت:
«إحك لي أمركم» . قال: «وتستر عليّ» ؟ قلت: «نعم ما دمت بالبصرة» . قال: «يشتري لنا أرزّا بقشره ويحمله معه، ليس معه شيء ممّا خلق الله إلا ذلك الأرز. فإذا صرنا إلى أرضه، كلّف أكاره أن يجشّه في مجشّة «2» له، ثم ذرّاه «3» ، ثم غربله. ثم جشّ الواش «4» منه. فإذا فرغ من الشراء والحمل، ثم من الجشّ، ثم من التذرية، ثم من الإدارة والغربلة، ثم من جشّ الواش، ثم من تذريته، ثم إدارته وغربلته، كلّف الأكّار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه «5» . فإذا طحنه كلّفه أن يغلي له الماء، وأن يحتطب له، ثم يكلّفه العجن، لأنه بالماء الحارّ أكثر نزلا.
ثم كلّف الأكّار أن يخبزه. وقبل ذلك ما قد كلّفهم أن ينصبوا له الشصوص «6» للسمك، ويسكروا الدرياجة «7» على صغار السمك لا
(1/171)

يدخلوا في السواقي، فيدخلوا أيديهم في جحرة الشلابي والرمان «1» . فإن أصبنا من السمك شيئا، جعله كبابا على نار الخبز تحت الطابق، حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير. فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كدّ وجوع انتظار. ثم لا يكون عشاؤنا إلا خبز أرزّ أسود غير منخول بالشلابي.
ولو قدر على غير ذلك فعل» .
قلت له: «فلم لا يتخذ موضع مرازّ «2» من بعض رقاق أرضه، فيبذر لكم الأرز ثم يكون الخيار في يده، إن أراد أن يعجّل عليكم الطعام أطعمكم الفرد، أو إن أحبّ أن يتأنّى ليطعمكم الجوهريّ» .
قال: والله لئن سمع هذا وسرفه ليتكلّفنّه. الله الله فينا، فإنا قوم مساكين، ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء.
اسماعيل بن غزوان
حدّثني المكّي قال: بتّ عند إسماعيل بن غزوان، وإنما بيّتني عنده حين علم أني تعشّيت عند مويس، وحملت معي قربة نبيذ، فلمّا مضى من الليل أكثره، وركبني النوم، جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي «3» .
وليس في البيت إلا مصلّى له، ومرفقة ومخدّة. فأخذ المخدّة فرمى بها إليّ، فأبيتها «4» ورددتها عليه، وأبي وأبيت. فقال: «سبحان الله! يكون أن تتوسّد مرفقك، وعندي فضل مخدّة» ؟ فأخذتها فوضعتها تحت خدّي.
فمنعني من النوم إنكاري للموضع، ويبس فراشي. وظنّ أني قد نمت، فجاء قليلا قليلا، حتى سلّ المخدّة من تحت رأسي. فلما رأيته قد مضى بها، ضحكت وقلت: «قد كنت عن هذا غنيا» ! قال: «إنّما جئت لأسوّي رأسك» .
(1/172)

قلت: «إني لم أكن أكلّمك حتى ولّيت بها» قال: «كنت لهذا جئت، فلما صارت المخدّة في يدي نسيت ما جئت به. والنبيذ، ما علمت، والله يذهب بالحفظ أجمع» .
وحدثني الحزامي والمكيّ والعروضيّ، قالوا: سمعنا إسماعيل يقول:
أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة. ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم الناس أنه سخيّ.
وفينا من يزعم الناس أنه بخيل. فانظر أيّ الفريقين أعقل؟ هأنذا وسهل بن هارون، وخاقان بن صبيح «1» ، وجعفر بن سعيد، والحزاميّ، والعروضي، وأبو يعقوب الخريمي «2» . فهل معك إلا أبو إسحاق «3» ؟.
وحدّثني المكّي، قال: قلت لإسماعيل مرّة: «لم أر أحدا قطّ أنفق على الناس من ماله، فلمّا احتاج إليهم آسوه» «4» . قال: «لو كان ما يصنعون لله رضى، وللحقّ موافقا، لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض. ولو كان هذا الإنفاق في حقه، لما ابتلاهم الله جلّ ذكره من جميع خلقه» .
حدّثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار، وكان له عرس.
فجعل طعامه كله فالوذق «5» فقيل له: إن المؤونة تعظم. قال: «احتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة. لعن الله النساء، ما أشك أن من أطاعهن شرّ منهن» .
وحديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل
(1/173)

غايته، وصار إماما، وإنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه. وكان مما يقول له: «كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع قد أخملت «1» . لك عندي أن لا تعرى ولا تضحى «2» » ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذلّ ولا تزعج منه» . وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه.
وأن أهله الّحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن ذلك. ثم حمل درهما فقط. فبيناه ذاهب إذ رأى حوّاء «3» قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه: «اتلف شيئا تبذل فيه النفس، بأكلة أو شربة، والله ما هذا إلا موعظة لي من الله» . فرجع إلى أهله، ورد الدرهم الى كيسه. فكان أهله في بلاء، وكانوا يتمنون موته والخلاص منه بالموت، والحياة بدونه.
فلما مات وظن أنهم قد استراحوا منه، قدم إبنه، فاستولى على ماله وداره، ثم قال: «ما كان أدم أبي؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام» . قالوا: «كان يتأدّم «4» بجبنة عنده» . قال: «ارونيها» «5» .
فإذا فيها حزّ كالجدول من أثر مسح اللقمة. قال: «ما هذه الحفرة» ؟
قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره، فيحفر كما ترى قال: «فهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد. لو علمت ذلك ما صلّيت عليه» . قالوا: «فأنت كيف تريد أن تصنع» ؟ قال: «أضعها من بعيد، فأشير اليها باللقمة» .
(1/174)

ولا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم مثله، أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره. وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من هذه البابة.
حديث ابن جهانة
قال ابن جهانة الثقفية: عجبت ممّن يمنع النبيذ طالبه، لأن النبيذ إنما يطلب ليوم فصد. أو يوم حجامة، أو يوم زيارة زائر، أو يوم أكل سمك طريّ، أو يوم شربة دواء. ولم نر أحدا طلبه وعنده نبيذ، ولا ليدّخره ويحتكره، ولا ليبيعه ويعقد منه. وهو شيء يحسن طلبه، وتحسن هبته، ويحسن موقعه. وهو في الأصل كثير رخيص. فما وجه منعه؟ ما يمنعه عندي إلا من لا حظّ له في أخلاق الكرام. وعلى أني لست أوجل «1» بما أهب منه على نبيذي النّقصان، لأني إذا احتجبت عن ندمائي، بقدر ما اخرجت من نبيذي، رجع إليّ نبيذي على حاله، وكنت قد تحمّدت بما لا يضرّني. فمن ترك التحمّد بما لا يضرّه كان من التحمّد بما يضرّه أبعد.
فذكر ابن جهانة ما له من الكرم بهبة نبيذه، ولم يذكر ما عليه بحجب ندمائه.
حديث الأصمعي
قال الأصمعي أو غيره: حمل بعض الناس مديني على برذون «2» ، فأقامه على الأريّ «3» . فانتبه من نومه فوجده يعتلف، ثم نام فانتبه فوجده
(1/175)

يعتلف، فصاح بغلامه: «يا ابن أمّ بعه وإلا فهبه وإلا فردّه وإلا فاذبحه. أنام ولا ينام؟ يذهب بحرّ مالي؟ ما أراد إلا استئصالي» .
حديث أبي الحسن المدائني
قال أبو الحسن المدائني: كان بالمدائن «1» تمار «2» ، وكان غلامه إذا دخل الحانوت يحتال فربما احتبس «3» فاتهمه بأكل التمر. فسأله يوما فأنكر، فدعا بقطنة بيضاء، ثم قال: «امضغها» فمضغها، فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة. قال: «هذا دأبك «4» كلّ يوم، وأنا لا أعلم؟
أخرج من داري» .
وكان عندنا رجل من بني أسد، إذا صعد ابن الأكّار الى نخلة له، ليلقط له رطبا، ملأ فاه ماء. فسخروا به، وقالوا له: «إنه يشربه ويأكل شيئا على النخلة، فإذا أردا أن ينزل بال في يده، ثم أمسكه فيه» .
والرطب أهون على أولاد الأكرة، وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه أحد شطر هذا المكروه ولا بعضه. قال: فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أخضر، لكيلا يقدر على مثله في رؤوس النخل.
حديث المصري
وحدّثني المصري وكان جار الدار دريشي، وماله لا يحصى، قال:
فانتهر سائلا ذات يوم وأنا عنده، ثم وقف آخر فانتهره، إلا أن ذلك بغيظ وحنق «5» . قال: فأقبلت عليه فقلت له: «ما أبغض إليك
(1/176)

السؤال» قال: «أجل عامة من ترى منهم أيسر مني» . قال: فقلت:
«ما أظنك أبغضتهم إلا لهذا» . قال: «كل هؤلاء لو قدروا على داري هدموها، وعلى حياتي لنزعوها. أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كلما سألوني، كنت قد صرت مثلهم منذ زمان. فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا» .
وكان أخوه شريكه في كل شيء، وكان في البخل مثله، فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا، ونحن على بابه، طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين، فبينما نحن نأكل إذ جاء أخوه، فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار. فأنكرنا ذلك، وكان يفرط في إظهار البشر، ويجعل البشر وقاية دون ماله. وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع والكبر قتل. قال: ولم نعرف علته، ولم يعرفها أخوه.
فلّما كان الجمعة الأخرى، دعا أيضا أخوه بطبق رطب، فبينا نحن نأكل، إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف، فأنكرنا ذلك، ولم ندر أيضا ما قصته. فلما أن كان في الجمعة، ورأى مثل ذلك، كتب إلى أخيه: «يا أخي كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد، ومع الكثرة يقع الإختلاف. ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه.
وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها، وصامت «1» في منزلي وصامت في منزلك، لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض. وإن طرقنا أمر الله، ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية، وطال الصخب بين هؤلاء النسوة. فالرأي أن نتقدّم اليوم فيما يحسم عنهم هذا السبب» .
فلما قرأ أخوه كتابه، تعاظمه ذلك وهاله. وقلب الرأي ظهرا لبطن، فلم يزده التقليب إلا جهلا. فجمع ولده وغلّظ عليهم، وقال: «عسى
(1/177)

أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة، أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء» . فلما عرف براءة ساحة القوم، تمشى اليه حافيا راجلا، فقال: «ما يدعوك إلى القسمة والتمييز؟ ادع صلحاء أهل المسجد الساعة، حتى أشهدهم بأني وكيل لك في هذه الضياع. وحوّل كلّ شيء في منزلي الى منزلك. وجرّب ذلك مني الساعة، فإن وجدتني أروغ «1» وأعتّل، فدونك «2» . فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي» . قال: «مالك من ذنب، وما من القسمة من بد» . فأقام عنده يناشده الى نصف النهار، ثم أقام يومه ذلك الى نصف الليل، يناشده ويطلب إليه.
فلما طال عليه الأمر، وبلغ منه الجهد، قال له: «حدّثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك، وإحضارك الماء البارد، وجمعك الناس على بابي في كل جمعة، كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عميا. إنك إذا أطعمتهم اليوم البرنيّ «3» أطعمتهم غدا السكر، وبعد غد الهلباثا «4» . ثم يصير ذلك بعد أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع، ثم يتحوّل الرّطب إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء. ثم تصير الى الكساء ثم الأجداء «5» ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع. والله إني لأرثي لبيوت الأموال ولخراج المملكة من هذا، فكيف بمال تاجر جمعه من الحبّات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف؟» ؛ قال: «جعلت فداك تريد أن لا آكل رطبة أبدا فضلا على غير ذلك؟ وأخرى فلا والله لا كلّمتهم أبدا» . قال: إياك أن تخطىء مرّتين: مرّة في إطماعهم فيك،
(1/178)

ومرّة في إكتساب عدواتهم. أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه. وتسلّم تسلم «1» » .
أبو الهذيل
كان أبو الهذيل «2» أهدى إلى مويس «3» دجاجة. وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذّ لمويس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجّب من سمنها وطيب لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد. فقال:
«وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة» ؟ قال: «كانت عجبا من العجب» ، فيقول: «وتدري ما جنسها؟ وتدري ما سنّها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسنّ. وتدري بأيّ شيء كنّا نسمنها وفي أي مكان كنا نعلفها؟» . فلا يزال في هذا، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل.
وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة. فإن ذكروا دجاجة قال: «أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة؟» ، فإن ذكروا بطة أو عناقا «4» أو جزروا «5» أو بقرة قال:
«فأين كانت هذه الجزور في الجزر، من تلك الدجاجة في الدجاج؟» ، وان استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم قال: «لا والله ولا تلك الدجاجة» ، وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج» ،
(1/179)

وإن ذكروا ميلاد شيء، أو قدوم إنسان قال: «كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة، إلا يوم» . وكانت مثلا في كل شيء، وتاريخا في كل شيء.
وأقبل مرّة على محمد بن الجهم «1» ، وأنا وأصحابنا عنده، فقال:
«إني رجل منخرق الكفين «2» ، لا أليق شيئا. ويدي هذه صناع في الكسب، ولكنها في الإنفاق خرقاء. كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الأخوان في مجلس؟ أبو عثمان يعلم ذلك. أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟» ، فقلت: «يا أبا هذيل ما نشك فيما تقول» .
فلم يرض بإحضاري هذا لكلام حتى استشهدني «3» ولم يرض باستشهادي حتى استحلفني.
أبو سعيد المدائني:
كان أبو سعيد المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة. وكان من كبار المعيّنين ومياسيرهم، وكان شديد العقل، شديد العارضة «4» ، حاضر الحجّة «5» ، بعيد الرويّة.
وكنت أتعجبّ من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع، قال أصحابنا: «كلّ لئيم بخيل، وليس كل بخيل لئيما» . لأن اسم اللئيم يقع على البخل، وعلى قلة الشكر، وعلى مهانة النفس، وعلى
(1/180)

أن له في ذلك عرقا متقدما «1» . قال أبو زيد: هو لئيم ملأم، فاللئيم ما فسّرت، والملأم الذي يقوم بعذر اللئيم «2» . فأما اللئيم الراضع، فالذي لا يحلب في الإناء، ويرضع من الخلف «3» ، مخافة أن يضيع من اللبن شيء. قال ثوب ابن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية:
وحديث مالجة «4» التي حدّثتني ... تدع الإناء تشرّبا للقادم
(القادمان الخلفان المقدمان) ؛ فلما بلغه ذلك عنها طلّقها، فلما طلّقها قيل له: إن البخيل إنما يعيب الرجل، ومتى سمعت بإمرأة هجيت في البخل؟ قال:
ليس ذلك بي «5» . أخاف أن تلد لي مثلها.
قال رافع بن هريم «6» :
...... تحلب قاعدا ... وتملج أحيانا وقعبك حاضر
يدعو الله عليه أن يجعله صاحب شاء، ولا يجعله صاحب إبل، وأن يرتضع من الخلف، وإن كان معه إناء. والعربيّ ربما أتلى «7» على صاحبه فيقول: «إن كنت كاذبا فاحتلبت قاعدا» . أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم.
فكيف نتعجّب من لؤم الرّاضع، وقد صنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك: اصطبغ من دنّ خلّ، وهو قائم حتى فني ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا.
(1/181)

وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب العينة والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح. فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الخريبة في كل يوم ليقتضي رجلا هناك دراهم فضلت عليه، وقالوا: «هذا خطأ عظيم وتضييع كثير. وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع. وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء» .
فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ والإستفادة منه؛ قالوا: نراك تصنع شيئا لا نعرفه، والخطأ منك أعظم منه من غيرك. قد أشكل علينا هذا الأمر، فأخبرنا عنه، فقد ضاقت صدورنا به. خبرنا عن مضيّك الى الخريبة «1» لتقتضي خمسة دراهم. فواحدة أنا لا نأمن عليك إنتقاض بدنك «2» ، وقد خلا من سنّك، وان تعتل فتدع القاضي للكثير بسبب القليل. وثانية أنك تنصب هذا النصب «3» ، فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى، أو تتعشى إن كنت ممن لا يتعشى. وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم. وبعد، فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق، وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك، فمن ههنا نترة «4» ، ومن ههنا جذبة، فإذا الثوب قد أودى. ومن ذلك أن نعلك تنقب وترّق وساق سراويلك تتسخ وتبلى. ولعلك أن تعثر في نعلك. فتقدّها قدّا، ولعلك تهرتها هرتا «5» . وبعد، فاقتضاء القليل أدّى بك إلى هذا وما بلغت منه شيئا. وأنك أفضل. إلا أنّا نحبّ أنك تجلّي عن الأمر بشيء، فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء» .
قال أبو سعيد: «أما ما ذكرتم من انتقاض البدن، فإن الذي أخاف على بدني من الدعة، ومن قلة الحركة أكثر. وما رأيت أصح أبدانا من الحمّالين
(1/182)

والطوّافين «1» . والقوم قبلي أن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة. وليس يقول الناس:
والله لفلان أصح من الجلاوزة «2» ؟ (يعني اختلاف الجلاوزة في العدو) . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر، فأكثر الصعود والنزول خوفا من قلة الحركة.
وأما التشاغل بالبعيد عن القريب، فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب. وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعم فقد أيقنت نفسي، واطمأن قلبي، على أنه ليس لنفسي إلا ما لها، وأنها إن حاسبتني أيام النصب، حاسبتها أيام الراحة. فستعلم حينئذ أين أيام الخريبة من أيام ثقيف «3» . وأما ما ذكرتم من تلقّي الحمولة، ومن مزاحمة أهل السوق، ومن النّتر والجذب، فأنا أقطع عرض السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم، ثم يكون رجوعي على ظهر السوق «4» . وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل، فإني من لدن خروجي من منزلي، إلى أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي، وسراويلي في كمّي. فإذا صرت إليه لبستهما، فإذا فصلت من عنده خلعتهما.
فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا «5» وأحسن حالا. بقي الان لكم مما ذكرتم شيء» ؟ قالوا: «لا» ؛ قال: «فههنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم» قالوا:
«وما هي» ؟ قال: «إذا علم القريب الدار، ومن لي عليه ألوف الدنانير، شدة مطالبتي للبعيد الدار، ومن ليس لي عليه إلا الفلوس، أتى بحقّي ولم يطمع نفسه في مالي. وهذا تدبير يجمع الى رجوع مالي طول راحة بدني «6» . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة، لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت. وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير، وموصولا بدين لي مشهور، لجاز أن
(1/183)

أتجافى «1» عنه. فأما أن أدع شيئا يطمع في فضول «2» ما يبقى على الغرماء «3» ، فهذا ما لا يجوز» . فقاموا وقالوا بأجمعهم: «لا والله لا سألناك عن مشكلة» .
حدّثني أحمد المكي- أخو محمد المكي- وكان متصلا بأبي سعيد، بسبب العينة، وبسبب صنعة المال، ولأعاجيب أبي سعيد وحديثه.
قال أحمد: قلت له مرّة: «والله إنك لكثير المال، وإنك لتعرف ما نجهل، وإن قميصك وسخ، فلم لا تأمر بغسله» ؟ قال: «فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف، كيف كان قولك لي؟ إني قد فكرت في هذا منذ ستّة أشهر، فما وضح لي بعد وجه الأمر فيه.
أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد. والثوب إذا ترادفه العرق «4» ، وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد «5» ، أكل السلك وأحرق الغزل. هذا مع نتن ريحه وقبح منظره. وبعد، فإني رجل آتي أبواب الغرماء، وغلمان غرمائي جبابرة، فما ظنّك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة «6» وحال حداد «7» ؟ جبهوا مرة «8» ، وحجبوا مرة. فيرجع ذلك علينا بمضرّة من إصلاح المال، وأن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه، مع ما يدخل من الغيظ، ويلقى من كان كذلك من المكروه.
فاذا اجتمعت هذه الخواطر، هممت بغسلها. فإذا هممت به عارضني
(1/184)

معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل، فقال: أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون. والجارية إذا ازدادت عناء، ازدادت أكلا.
والصابون نورة «1» ، والنورة تأكل الثوب وتبلي الخزّ «2» ، ولا يزال الثوب على خطر حتى يسلم الى القصر والدق. ثم إذا ألقى على الرّسن «3» ، فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق «4» . ولا بد من الجلوس يومئذ في البيت. ومتى جلست في البيت، فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات. والثياب لا بد لها من دقّ، فإنّ نحن دققناها في المنزل قطعناها، وإن نحن أسلمناها الى القصار «5» فغرم على غرم، وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشدّ. وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء «6» ، وادّعوا عليّ الأمراض والأحداث، وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم. فإذا أنا لبستها، وقد ابيضّت وحسنت وجفّت وطابت، تبيّنت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري، وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض، ففرّقته، فاستبان لي ما لم يكن يستبين، واكترثت لما لم أكن أكترث له. فيصير ذلك مدعاة «7» الى دخول الحمّام. فإن دخلته فغرم ثقيل، مع المخاطرة بالثياب، ولي امرأة جميلة شابة، إذا رأتني قد اطليت «8» وغسلت رأسي وبيّضت ثوبي، عارضتني بالتطيّب وبلبس أحسن ثيابها، وتعرضت لي، وأنا فحل، والفحل إذا هاج لم يرد رأسه شيء. فإذا أردت مواقعتها، ورأت حرصي نثرت عليّ الحوائج نثرا. ثم احتجنا إلى تسخين
(1/185)

الماء. وأشد من هذا كله أن تعلق، فتحتاج إلى ظئر «1» ، فنقع في ما لا غاية له.
مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد، وبعضها أنا.
وكان أبو سعيد هذا، مع بخله، أشدّ الناس نفسا وأحماهم أنفا «2» .
بلغ من أمره ذلك ومن بلوغه فيه، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار، وقد حلّ عليه المال. فكان ربما أطال عنده الجلوس. ويحضر عنده الغذاء فيتغدّى معه، وهو في ذلك يقتضيه.
فلما طال عليه المطل، قال له يوما، وهو على خوانه:» إن لهذا المال زكاة مؤداة. وقد علمنا أنّا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا، أنه معرّض للذهاب، وللمنازعة الطويلة، ولأن يقع في الميراث، ثم رضينا منك بالربح اليسير، بالذي ظنناه بك من حسن القضاء، ولولا ذلك لم نرض بهذا المال «3» . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة، فرفّهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين، ثم مكث عندي، إلى أن أصبت له مثلك، شهرا أو شهرين، محق فضله، وخرج علينا فضل. ومثلك يكتفي بالقليل وقد طال اقتضائي وطال تغافلك» . يقول هذا الكلام، وهو في ذلك لا يقطع الأكل.
فأقبل عليه رجل من ثقيف، فعرّض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء.
فقطع الأكل، ثم نزا «4» في وجهه الدم، ونظر إليه نظر الجمل الصؤول «5» ، ثم كاد يطير «6» ، ثم أقبل عليه فقال: «لا أمّ لك! أنا إنما
(1/186)

اصطبغت من دنّ خلّ «1» حتى فني من حسن العقل، وأحببت الغنى بغضي للفقر، وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذلّ. تعرّض لي لا أمّ لك بأني أرغب في غدائه؟ والله ما أكلت معه إلا ليستحيي من حرمة المؤاكلة، وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة «2» » . ثم نهض بالصك «3» ، وعليه طينته، فاعترض بها الحائط حتى كسرها. ثم تفل في الكتاب وحكّ بعضه ببعض، ثم مزّقه ورمى به. ثم قال لكلّ من شهد المجلس: «هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا على أني قد قبضت منه، وأنه بريء من كل شيء أطالبه به، ثم نهض.
فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: «ما دعاك إلى هذا الكلام؟ لم تقوله لهذا الرجل على مائدتي، وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه؟ وبعد، فقد والله أردت مطله الى أن أبيع الثمر، ورجونا حلاوته. فقد أحسنت إليه، وأسأت إلينا وعجّلت عليه ماله. اذهب يا غلام، فاضرب بذلك الثمر السوق «4» ، فبعه بما بلغ، فيأخذ ماله كملا «5» » . ثم ركب إليه، فأبى أن يأخذه، فلما كثر الأمر في ذلك قال: «أظن الذي دعا صاحبك الى ما قال إنه عربيّ وأنا مولى «6» . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه» . فجمع الثقفي كل شعوبيّ «7» بالبصرة حتى طلبوا إليه «8» أخذ المال.
(1/187)

وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من دون السكان، وتلقيها على كساحتهم «1» . فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل «2» ، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذ. «3»
وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف «4» ، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز «5» وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين «6» . وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير «7» الجدد: وما كان من اشكنج «8» فهو مجموع للبناء، ثم يحرّك ويثار ويخلّل، حتى يجتمع
(1/188)

قماشه «1» ، ثم يعزل للتنور. وما كان من قطع القار «2» ، بيع من القيّار. فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه، لم يتكلّف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا عليه، فإذا ابتلّ ضربه لبنا.
وكان يقول: من لم يتعرف الاقتصاد تعرّفي، فلا يتعرّض له.
وذهب من ساكن له شيء، كبعض ما يسرق من البيوت. فقال لهم: اطرحوا الليلة ترابا، فعسى أن يندم من أخذه، فيلقيه في التراب، ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان، لكثرة من يجيء لذلك. فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب. وكانوا يطرحونه على كناسته، فرآه قبل أن يراه المسروق منه. فأخذ منه كراء الكساحة.
فهذا حديث أبي سعيد.
الأصمعي:
تمشّى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته، لخسران كان ناله. وسأله حسن النظر والحطيطة «3» . فقال الأصمعي: «أسمعتم بالقسمة الضيزى «4» ؟ هي والله ما تريدون شيخكم عليه. اشترى مني على أن يكون الخسران عليّ، والربح له. هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس «5» . اذهبوا فاشتروا عليّ طعام العراق على هذا الشرط؛ على أني
(1/189)

والله ما أدري أصادق هو أم كاذب. وهاهنا واحدة، وهي لكم دوني، ولا بدّ من أن أحتمل لكم، إذ لم تحتملوا لي: والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه وتوجبون رفده «1» . لو كنت أوجب له مثل ما توجبون، لقد كنت أغنيته عنكم. وأنا لا أعرفه ولا يضربني بحق «2» ، فهلمّوا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسويّة. هذا حسن ممّن احتمل حقا لا يجب عليه، في رضى من يجب ذلك عليه» .
فقاموا ولم يعودوا؛ فخرج إليه التاجر من حقه، وأيس «3» مما قبله.
حديث جعفر عن أبي عيينة:
حدّثني جعفر ابن أخت واصل، قال:
قلت لأبي عيينة «4» : قد أحسن الذي سأل إمرأته عن اللحم، فقالت أكله السنّور «5» ، فوزن السنور، ثم قال: «هذا اللحم فأين السنّور» ؟
قال: «كأنك تعرّض بي» . قال؛ قلت: «إنك والله أهل ذلك. شيخ قد قارب المائة، وغلته فاضلة «6» ، وعياله قليل، ويعطي الأموال على مذاكرة العلم، والعلم لذّته وصناعته، ثم يرقى إلى جوف منزله. وأنت رجل لك في البستان، ورجل في أصحاب الفسيل «7» ، ورجل في السوق،
(1/190)

ورجل في الكلّاء «1» . تطلب من هذا وقر «2» جصّ «3» ، ومن هزا وقر آجرّ، ومن هذا قطعة ساج «4» ، ومن هذا هكذا. ما هذا الحرص؟ وما هذا الكدّ؟ وما هذا الشغل؟ لو كنت شابا بعيد الأمل كيف كنت تكون؟
ولو كنت مدينا كثير العيال كيف كنت تكون؟ وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافيا نصف النهار» .
قال: «كم أجمجم؛ بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ، فألححت في المسألة عنها، فقيل لك أكلها السنّور، فرميت بباقي القطعة قدّام السنّور، لتمتحن صدقهم من كذبهم، فلما لم يأكله، غرّمتهم ثمن البطّيخة كما هي. قالوا لك كان الليل، فإن لا تكن التي أكلته من سنانير الجيران، وكان الذي أكله سنورنا هذا، فإنك رميت اليه بالقطعة وهو شبعان منه. فأنظرنا «5» ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه. فأبيت إلا إغرامهم» .
قال: «ويلك إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض الفساد. وقد قال زياد في خطبته «6» : «والله إنّي ما أصل منكم الى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضا» . وأما ما لمتني عليه آنفا فإنما ذهبت الى قوله: «لو أن في يدي فسيلة، ثم قيل لي إن القيامة تقوم الساعة، لبادرتها فغرستها» . وقد قال أبو الدرداء «7» في وجعه الذي
(1/191)

مات فيه: «زوّجوني، فإني أكره أن ألقى الله عزبا» «1» . والعرب تقول: «من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء» . قال مكرز «2» : «العجز فراش وطيء، لا يستوطئه إلا الفشل الدثور «3» » .
وقال عبد الله بن وهب «4» : «حبّ الهوينا يكسب النصب «5» » . وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: «إياكم والراحة، فإنها عقلة «6» » وقال: «لو أن الصبر والشكر بعيران، ما باليت أيهما أركب» . وقال:
«تمعددوا واخشوشنوا «7» » ، واقطعوا الركب، واركبوا الخيل نزوا «8» » .
وقال لعمرو بن معدي كرب «9» ، حين شكا إليه الحقاء «10» : «كذبت عليك الظهائر» «11» ، وقال: «احتفوا، فانكم لا تدرون متى تكون الجفلة «12» » . وقال: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة» . وقال
(1/192)

لسعيد بن حاتم: «احذر النعمة كحذرك من المعصية، ولهي أخوفهما عليك عندي» . وقال: «أحذّركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل» . وقال أكثم بن صيفي «1» : «ما أحبّ أني مكفّي كل أمر الدنيا» . قالوا: «وإن أسمنت وألبنت «2» » ؟ قال: «نعم أكره عادة العجز» . أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب، وآخذ بقولك؟!
طرائف شتى
وتغدّى محمد بن الأشعث «3» عند يحيى بن خالد، فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن، وفضل ما بين الانفاق وزيت الماء «4» . فقال محمد: «عندي زيت لم ير الناس مثله» . قال يحيى: «لا يؤتى منه بشيء» ؟ فدعا محمد غلامه فقال: «إذا دخلت الخزانة، فانظر الجرّة الرابعة عن يمينك إذا دخلت، فجئنا منه بشيء» . قال يحيى: «ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه» .
وقرّب خبّاز أسد بن عبد الله إليه، وهو على خراسان، شواء قد أنضجه نضجا. وكان يعجبه ما رطب «5» من الشواء؛ فقال لخبّازه:
«أتظنّ أن صنيعك يخفى عليّ؟ إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه، ولكن تستحلب جميع دسمه، فتنتفع بذلك منه» . فبلغت أخاه فقال:
«ربّ جهل خير من علم» .
(1/193)

وكان رجل يغشى طعام الجوهريّ، وكان يتحرّى وقته ولا يخطيء.
فإذا دخل، والقوم يأكلون وحين وضع الخوان، قال: «لعن الله القدرية «1» ، من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، وقد كان في اللوح المحفوظ إني سآكله» ؟ فلما أكثر من ذلك، قال له رياح:
«تعال بالعشيّ أو بالغداة فإن وجدت شيئا فالعن القدريّة والعن آباءهم وأمهاتهم» «2» .
وجاء غلام إلى خالد بن صفوان «3» بطبق خوخ؛ إمّا أن يكون هدية، وإما أن غلامه جاء به من البستان؛ فلما وضعه بين يديه قال:
«لولا أني أعلم أنك أكلت منه لأطعمتك واحدة» .
وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية «4» ، وكنت في الذّنب وكان في الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة وفرخا واحدا مبرّدا، وأقبل بأكل ويتحدث ولا يعرّض عليّ.
وليس في السفينة غيري وغيره. فرآني أنظر اليه مرة، وإلى ما بين يديه مرة.
فتوهم أني أشتهيه واستبطئه، فقال لي: «لم تحدّق النظر؟ من كان عنده أكل مثلي، ومن لم يكن عنده نظر مثلك» . قال: ثم نظر إليّ وأنا أنظر إليه، فقال: «يا هناه أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيّب الطعام
(1/194)

وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة. وعين مثلك سريعة، فاصرف عني وجهك» قال: فوثبت عليه، فقبضت على لحيته اليسرى، ثوم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى، فما زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي.
ثم تحوّل إلى مكاني، فمسح وجهه ولحيته، ثم أقبل عليّ فقال: «قد أخبرتك أن عينك مالحة «1» ، وأنك ستصيبني بعين» . قلت: «وما شبه هذا من العين» ؟ قال: «إنما العين مكروه يحدث. فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه» . فضحكت ضحكا ما ضحكت مثله، وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحا، وحتى كأني لم أفرط عليه «2» .
هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا.
فأما أحاديث الأصمعي، وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد فيها ما يصلح لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب، وهي بضعة عشر حديثا:
قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي «3» ، وهو على الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام. ولم يكن أحد يمسّه، إذ كان هو لا يمسّه. فأقدم عليه إعرابي يوما، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه، فلم يرض بأكل لحمه، حتّى تعرّق عظمه. فقال له المغيرة: «يا هذا، تطالب عظام هذا الجدي بذحل «4» ؟ هل نطحتك أمّة» ؟ وكان الأصمعي يقول: إنما قال: «يا هذا تطالب عظام هذا البائس بذحل؟ هل نطحتك أمه» ؟
(1/195)

قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق، فقال لرجل من الشرط: «إن أقدمت على جدي الأمير، أسقطت عنك نوبة سنة «1» » .
فبلغه ذلك، فشكاه إلى الحجّاج «2» فعزله، وولى مكانه زياد بن جرير فكان أثقل عليه من عبد الرحمن. ولم يقدر على عزله، إذ كان قبل الحجاج. فكان المغيرة إذا خطب قال: «يا أهل الكوفة من بغاكم الغوائل «3» وسعى بكم إلى أميركم، فلعنه الله ولعن أمه العوراء» .
وكانت أمّ زياد عوراء. فكان الناس يقولون: «ما رأينا تعريضا قظ أطيب من تعريضه» .
قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسّه، ولا يمسّه أحد. فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب. فعرض أشعب «4» للجدي من بينهم.
فقال زياد: «أما لأهل السجن إما يصلي بهم» ؟ قالوا: «لا» . قال:
«فليصلّ بهم أشعب» . فقال أشعب: «أو غير هذا أصلح الله الأمير» .
قال: «وما هو» ؟ قال: أحلف بالمحرجات «5» أن لا آكل لحم جدي أبدا» .
قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلا من أشراف أهل البصرة، وكان عبد الملك بخيلا على الطعام جوادا بالدراهم،
(1/196)

فاستصحب الرجل شاكرا «1» ، فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعا. فأقبل عليه، فقال له: «ألف درهم خير لك من احتباسك علينا» . فاحتمل غرم ألف درهم، ولم يحتمل أكل رغيف.
وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك «2» دجاجة، فقال له: «يكفيك ما بين يديك وما يليك» . قال الأعرابي: «ومنها شيء حمى «3» » ؟ قال: «فخذها لا بورك لك فيها» .
قالوا: وكان معاوية تعجبه القبة «4» . وتغدّى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان «5» ، فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية؛ قال معاوية: «إنك لبعيد النّجعة «6» » . قال صعصعة: «من أجدب انتجع «7» » .
(1/197)

وقالوا: دخل هشام بن عبد الملك «1» حائطا له «2» ، فيه فاكهة وأشجار وثمار، ومعه أصحابه؛ فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة. فقال هشام: «يا غلام اقلع هذا واغرس مكانه زيتون» .
قالوا: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمرا هو وأصحابه.
فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النوى في طست، فسمع صوت نواتين فقال: «من هذا الذي يلعب بالكعبين «3» » ؟
وقالوا: باع حويطب بن عبد العزّى «4» دارا من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار؛ فقيل له: «أصبحت كثير المال» . قال: «وما منفعة خمسة وأربعين ألفا مع ستة من العيال» ؟
وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهما، فاستقله السائل.
فقال: «يا أحمق إن الدرهم عشر العشرة، وإن العشرة عشر المائة، وإن المائة عشر الألف، وإن الألف عشر العشرة آلاف. أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى ديّة «5» مسلم» ؟
(1/198)

قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام، وهو والي البصرة.
فوصفوا له الإستنقاع «1» في السمن. فكان إذا فرغ من الجلوس فيه أمر ببيعه. فاجتنب الناس في تلك السنة أكل السمن. وكان يفطر الناس في شهر رمضان، فكانوا يجلسون حلقا «2» ، وتوضع لهم الموائد، فإذا أقام المؤذن نهض بلال الى الصلاة، ويستحي الآخرون. فإذا قاموا الى الصلاة جاء الخبّازون فرفعوا الطعام.
قالوا: واحتقن عمرو بن يزيد الأسدي «3» هو أحد الزعماء المشهورين في أيام الأمويين بحقنة فيها أدهان؛ فلما حرّكته بطنه، كره أن يأتي الخلاء فتذهب تلك الأدهان، فكان يجلس في الطست ويقول: «صفوا هذا، فإنه يصلح للسّراج» .
قالوا: وخبرنا جار له، قال: «رأيته يتخلل «4» من الطعام بخلال واحد شهرا، كلما تغدّى حذف من رأسه شيئا، ثم تخلّل به، ثم وضعه في مجرى دواته.
وقالوا: كان ذراع الذرّاع مع خالد بن صفوان، فوضعوا بين يديه دجاجة، وبين يديه شيء من زيتون. فجعل يلحظ الدجاجة، فقال:
«كأنك تهم بها» ، قال: «ومن يمنعني» ؟ قال: «إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء» .
قالوا: مدّ يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرّة السعدي، فقال: «إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره» .
(1/199)

قالوا: ومات وعليه للدقّاق «1» وحده ثمانون ألف درهم، لكثرة طعامه.
وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملا للحجّاج على البصرة، فاستعمل على العرق «2» جرير بن بيهس المازني، ولقب جرير العطرّق.
فخرج الحكم يتنزه، وهو باليمامة «3» ، فدعا العطرّق الى غدائه، فأكل معه، فتناول درّاجة «4» كانت بين يديه، فعزله، وولى مكانه نويرة المازنّي، فقال: نويرة، وهو ابن عم العطرّق:
قد كان في العرق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن درّاجة الحكم
وفي عوارض لا تنفكّ تأكلها ... لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم «5»
وفي وطاب مملّاة مثمّمة ... فيها الصريح الذي يشفي من القرم
فلما ولى مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له فعزله، فقال نويرة:
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ... ونصحي، إذا ما بعتني بالمحلّق «6»
ولا أنهل سرّاق العراقة صالح ... عليّ، ولا كلّفت ذنب العطرّق «7»
فذهبت مثلا.
(1/200)

وتناول رجل من قدّام أمير كان لنا «1» ضخم، بيضة، فقال: «خذها فإنها بيضة العقر «2» » . فلم يزل محجوبا حتى مات.
وأتى ضيعة له يتنزه اليها، ومعه خمسة رجال من خاصّته، وقد حملوا معه طعام خمسمائة. وثقل عليه أن يأكلوا معه؛ واشتد جوعه؛ فجلس على مشارة «3» بقل، فأقبل ينتزع الفجلة، فيطوي جزرتها بعرقها، ثم يأكلها من غير أن تغسل، من كلب «4» الجوع، ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلسا: «لو قد ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا» .
قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة «5» على خوان معاوية، فرأى لقم «6» عبد الرحمن. فلما كان بالعشّي، وراح إليه أبو بكرة، قال: ما فعل ابنك التّلقامة «7» » ؟ قال: «مثله لا يعدم العلة» .
وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقما منكرا، وهاله ما يصنع.
قال له: «ما اسمك» ؟ قال: «لقمان» . قال: «صدق أهلك. أنت لقمان» «8» .
(1/201)

قالوا: «وكان له دكان لا يسع إلا مقعده، وطبيقا «1» يوضع بين يده.
وجعله مرتفعا، ولم يجعل له عتبا، كي لا يرتقي اليه أحد. قالوا: فكان أعرابي يتحيّن وقته، ويأتيه على فرس، فيصير كأنه معه على الدكان. فأخذ دبّة وجعل فيها حصى، واتكأ عليها. فإذا رأى الأعرابي قد أقبل، أراه كأنه يحوّل متكأه، فإذا قعقعت الدبّة «2» بالحصى نفر الفرس. قالوا: فلم يزل الأعرابي يدنّيه ويقعقع هو به، حتى نفر به فصرعه. فكان لا يعود بعد ذلك إليه.
(1/202)

من أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أما بعد، فإن جلوسك الى الأصمعي، وعجبك بسهل بن هارون، واسترجاحك «1» إسماعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك «2» بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التّوأم «3» ، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه واصطناعه «4» ، وإطنابك في وصف الترويج والتثمير؛ وحسن التعهد والتوفير، دليل خبيء سوء، وشاهد على عيب ودبر «5» بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجّب من مذهبهم وتسرف في ذمهم. وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد عزم على الجمع «6» ، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء.
(1/203)

في تحفظّك قول سهل بن هارون في «الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ بالثقة، وإن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة «1» ، وإن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان «2» ، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءا دون صروف الزمان، فانّا لا ننسب الى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنّة. «3» » ،
شاهد على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله.
وفي استحسانك رواية الأصمعي في أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنّة البله والأغنياء، وأن أرباب الدثور «4» هم الذين ذهبوا بالأجور «5» ، برهان على صحّة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك.
وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال: «تنعمّتم بالطعام الطيّب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعزّ الثروة وبصواب النظر في العاقبة، وبكثرة المال والأمن من سوء الحال، ومن ذلّ الرغبة إلى الرجال «6» والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذّتكم، وهذه لذتنا. وهذا رأينا في التسّلم من الذم، وذاك رأيكم في التعرّض للحمد.
وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحسّ. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم
(1/204)

الحمد. والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا «1» ، والشارب يصير بولا، والبناء يعود نقضا «2» ، والغناء ريح هابّة ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنّة تسير «3» . فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن في بناء وأنتم في هدم، ونحن في إبرام وأنتم في نقض «4» ، ونحن في التماس العزّ الدائم مع فوت بع اللذة وأنتم في التعرّض للذل الدائم مع فوت كل المروءة» .
وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به روايتك. والدليل على انتقاض طباعك «5» وإدبار أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، وعشقك لما كنت لم تزل تمقت، فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم. والشاعر أبصر بكم حيث يقول:
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودي «6»
تراثه جنّة للوارثين إذا ... أودى، وجثمانه للتّرب والدّود
وقال آخر:
تبلى محاسن وجهه في قبره ... والمال بين عدوّه مقسوم
والحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا في مالك «7» ، وأجيرا لوارثك. وأما أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود في
(1/205)

غير لذة «1» . وهل يزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه في عياله، وظهر فقره وشمت به عدوّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله «2» ، وعلى خشونة الملبس، وجشوبة المأكل «3» وهذا كله مجتمع في مسك «4» البخيل، ومصبوب على هامة «5» الشحيح، ومعجّل للئيم، وملازم للمنوع. إلا أن المنفق قد ربح المحمدة، وتمنّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة، ووفى كل خصلة من هذه حقها، ووفر عليها نصيبها، والممسك معذب بحصر نفسه، وبالكدّ لغيره، مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة، والتعرّض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرّة السوداء في نفسه «6» ، وتسليطها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه.
ولقد سرى إليك عرق، ولقد أدخل أعراقك خور «7» ، ولقد عمل فيها قادح، ولقد غالها غول. وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف «8» ، ولا شيم أعرقت فيها قريش. ولقد عرض لك إقراف، ولقد أفسدتك هجنة «9» . ولقد قال معاوية: «من لم يكن من بني عبد المطلّب جوادا فهو جميل، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق «10» ، ومن لم
(1/206)

يكن من بني المغيرة تيّاها فهو سنيد «1» » . وقال سلم بن قتيبة: «إذا رأيت الثقفي يعزّ من غير طعام «2» ، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه ثم بهرجه ثم بهرجه «3» » ، وقال ابن أبي بردة: «لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال» .
إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفيّ لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم. وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر. فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم يزجرنا «4» إلا عما لم يرضه لنفسه وقد قالوا بأجمعهم:
«إن الله أجود الأجودين «5» وأمجد الأمجدين» . كما قالوا: «ارحم الراحمين وأحسن الخالقين» . وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: «لا تجاودوا الله فإن الله جل ذكره أجود وأمجد» وذكر نفسه، جل جلاله وتقدست اسماؤه فقال: «ذو الفضل العظيم» و «ذي الطّول لا إله إلا هو» وقال: «ذو الجلال والإكرام» .
وذكروا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: لم يضع درهما على درهم، ولا لبنة على لبنة، وملك جزيرة العرب، فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال ما بين عذار «6» العراق، إلى شحر عمان «7» ، إلى أقصى مخاليف «8» اليمن، ثم توفي وعليه دين، ودرعه مرهونة. ولم يسأل حاجة قطّ فقال: «لا» ؛
(1/207)

وكان إدا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع، كان وعده كالعيان، وإطماعه كالانجاز. ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسماح.
ولقد يهب للرجل الواحد الضاجعة «1» من الشاء، والعرج «2» من الإبل.
وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير، فيقال وهب هنيدة «3» .
وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح. ولقد وهب لرجل ألف بعير، فلما رآها تزدحم في الوادي قال: «أشهد أنك نبيّ، وما هذا مما تجود به الأنفس» .
وفخرت هاشم على سائر قريش، فقالوا: «نحن أطعم للطعام، وأضرب للهام» وذكرها بعض العلماء، فقالوا: «أجواد مجّاد ذوو ألسنة حداد» «4» . وأجمعت الأمم كلها، بخيلها وسخيّها وممزوجها، على ذمّ البخل وحمد الجود، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق. وقالوا:
«أفضل الجود الجود بالمجهود» . وحتى قالوا في جهد المقل «5» ، وفيمن أخرج الجهد، وأعطى الكلّ، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله، فقال الفرزدق «6» :
على ساعة لو كان في القوم حاتم ... على جوده ضنّت له نفس حاتم
ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة «7» ، وقد
(1/208)

جاد بحوبائه عند المصافنة «1» فما رأينا عربيا سفّه حلم حاتم بجوده بجميع ماله، ولا رأينا أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه. بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا، وجعلوا ذلك من حاتم لطيء مأثرة، ثم لعدنان على قحطان «2» ، ثم للعرب على العجم، ثم لسكان جزيرة لعرب، ولأهل تلك التربة، على سائر الجزائر والترب.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله جلّ ذكره به نفسه، وما منح من ذلك نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه «3» .
ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطّ ولا حقرته، بل أحبّته وأعظمته. بل أحبّت عقبه، وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادا، لمجاوزته حدّ الجود الى السرف، ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه «4» ، ويدّارسون محاسنه، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه «5» من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه. ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف، كما تضاعف الحسنات في الآخرة. نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد «6» ، وكل معروف مجهول الصاحب. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب. وجدناهم يبغضونه مرة، ويحقّرونه مرة،
(1/209)

ويبغضون، بفضل بغضه «1» ، ولده، ويحتقرون، بفضل احتقارهم له، رهطه، ويضيفون اليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنا لا نجد الجوائح «2» الى أموال الأسخياء أسرح منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقلّ.
والبخيل عن الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحق عندهم اسم البخل، ويستوجب الذمّ، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايتها. وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهدا في كلّ ما أوجب الشكر، ونوّه بالذكر، وأذخر الأجر.
وقد يعلّق «3» البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتّخذ من الجواري والخدم، ومن الدّواب والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البزّة الفاخرة والشارة الحسنة، ما يربي «4» على نفقة السخيّ المثري، ويضعف على جود الجواد الكريم. فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغير حاله وهو ملوم. وربما غلب عليه حبّ القيان «5» ، واستهتر بالخصيان «6» ، وربما أفرط في حبّ الصيد، واستولى عليه حبّ المراكب. وربما كان اتلافه في العرس والخرس «7»
(1/210)

والوليمة، وإسرافه في الأعذار «1» وفي العقيقة «2» والوكيرة «3» . وربما ذهبت أمواله في الوضائع «4» والودائع. وربما كان شديد البخل، شديد الحبّ للذكر، ويكون بخله أوسخ، ولومه أقبح، فينفق أمواله، ويتلف خزائنه، ولم يخرج كفافا، ولم ينج سليما «5» .
كأنك لم تر بخيلا مخدوعا، وبخيلا مفتونا، وبخيلا مضياعا، وبخيلا نفّاجا «6» . أو بخيلا ذهب ماله في البناء، أو بخيلا ذهب ماله في الكيمياء «7» ، أو بخيلا أنفق ماله في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات والدخول في القبالات»
، وكانت فتنته بما يؤمّل من الأمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضّة. قد رأيناه «9» ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كلّ يوم وعنده في كل يوم عرس «10» ، ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن في الرغيف الثاني، ولا شقّ عصا الدين أشدّ عليه من شقّ رغيف. لا يعدّ الثلمة «11» في عرضه ثلمة، ويعدّها في ثريدته من أعظم الثلم.
وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم
(1/211)

أكلب «1» ، لأنهم أقلّ توكّلا وأ سوأ بالله ظنا. والجواد إما أن يكون متوكّلا، وإما أن يكون أحسن بالله ظنا. وهو على كل حال بالمتوكل أشبه، وإلى ما أشبهه أنزع «2» ، وكيفما دار أمره، ورجعت الحال به، فليس ممّن يتّكل على حزمه، ويلجأ إلى كيسه «3» ، ويرجع إلى جودة إحتياطه، وشدّة احتراسه. واعتلال البخيل بالحدثان «4» ، وسوء الظنّ بتقلّب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظنّ بخالق الحدثان وبالذي يحدث، وأهل الزمان. وهل تجري الأحداث إلّا على تقدير المحدث لها، وهل تختلف الأزمنة «5» إلّا على تصريف من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها، فقد أيقّنا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو طبيعة فيهم، إنك قد تجد الملك بخيلا، ومملكته أوسع، وخرجه أدرّ «6» ، وعدوة أسكن، وتجد أحزم منه جوادا، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقل، وعدوّه أشدّ حركة.
وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس فكرة وروية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة. فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم «7» ونقص عقولهم وقلة معرفتهم، لكان ينبغى لفارس أن تكون أبخل من الروم، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة «8» . وكان ينبغي للرجال، في الجملة، أن يكونوا
(1/212)

أبخل من النساء في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلا أعقل من أسدّ الأجواد عقلا. وكان ينبغي للكلب، وهو المضروب به المثل في اللؤم، أن يكون أعرف بالأمور من الديك المضروب به المثل في الجود «1» . وقالوا: «هو أسخى من لافظة «2» ، وألأم من كلب على جيفة، وألأم من كلب على عرق «3» » . وقالوا: «أجع «4» كلبك يتبعك» ، ونعم كلب في بؤس أهله، وأسمن كلبك يأكلك، واحرص من كلب على عقي «5» صبيّ، وأجوع من كلبة حومل «6» ، ولهو أبذأ من كلب، وحشّ فلان من خرء الكلب، وأخس كما يقال للكلب، وكالكلب في الأريّ «7» : لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة تعتلف، وقال الشاعر:
سرت ما سرت من ليلها، ثم عرّست ... على رجل بالعرج ألأم من كلب «8»
وقال الله جلّ ذكره: «فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو
(1/213)

تتركه يلهث» . وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة «1» ، أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية.
ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السّرف الى الجود، كما نجد البخيل يفرّ من اسم المتهوّر «2» ، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: «وقاح» «3» لجزع. فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدره، ويظهر فضله.
المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهي على ما منعت حريصة، وللنفوس في المكاثرة «4» علة معروفة، ولأن من لا فكرة له ولا رويّة، موكّل بتعظيم ذي الثروة، وإن لم يكن منه مناله «5» . وقد قال الأول:
وزادها كلفا بالحبّ أن منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا «6»
وفي بعض كتب الفرس: «كلّ عزيز تحت القدرة فهو ذليل» ، وقالت معاذة العدوية «7» : «كل مقدور عليه، فمقلّو «8» أو محقور» .
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون. وهذا بعض ما بغّض بعض المورثّين الى الوارثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف.
(1/214)

ولو كانوا لأولادهم يمهدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما كنز الرهبان الكنوز، ولا ستراح العاقر من ذلّ الرغبة، ولسلم العقيم «1» من كدّ الحرص. وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتلّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصر في الطلب، والحكرة «2» والبخلاء لم يحدّوا شيئا من جهدهم، ولا أعفوا بعد قدرتهم، ولا قصرّوا في شيء من الحرص والحصر، لأنهم في دار قلعة، وبعرض نقلة «3» . حتّى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول. فالبخيل مجتهد، والعاميّ غير مقصّر. فمن لم يستعن على ما وصفنا، بطبيعة قوية، وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عامّيا، وإما شقيّا، فيقيم اعتلالهم بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلّون من أزمنتهم.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لوافد كذب عنده كذبة، وكان جوادا: «لولا خصلة ومقك «4» الله عليها، لشرّدت بك من وافد قوم» . وقيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل لك في بيض النساء، وأدم»
الإبل» ؟ قال: «ومن هم» ؟ قيل: «بنو مدلج» «6» .
قال: «يمنعني من ذاك قراهم الضيف، وصلتهم الرحم» . وقال لهم أيضا:
«إذا نحروا ثجّوا «7» ، وإذا لبّوا عجّوا «8» » . وقال للأنصار: «من سيّدكم» ؟
قالوا: «جد «9» بن قيس، على أنه يزنّ «10» فينا ببخل» . فقال: «وأي داء أدوى
(1/215)

من البخل» ! فجعله داء، ثم جعله من أدوى الداء. وقال للأنصار: «أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع «1» » . وقال: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر «2» » . وقال: «لو أن لابن آدم واديين «3» من مال لابتغى ثالثا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» . وقال: السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان» . وقال: «إن الله جواد يحبّ الجود» . وقال:
«أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . وقال: «لا توكيء فيوكأ عليك «4» . وقال: «لا تحص فيحصى عليك «5» » . وقالوا: «لا ينفعك من زاد ما تبقّى» . ولم يسمّ الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما، ومن فتنة الناس بهما. وقال لقيس بن عاصم «6» : «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فللوارث» .
وقال النمر بن تولب «7» :
وحثّت على جمع ومنع، ونفسها ... لها في صروف الدهر حقّ كذوب «8»
وكائن رأينا من كريم مرزّأ ... أخي ثقة طلق اليدين وهوب «9»
(1/216)

شهدت وفاتوني وكنت حسبتني ... فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي «1»
أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي وقريبي «2»
ترى أنّ ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أمضيت كان نصيبي «3»
وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في سقيها ودؤوب «4»
غدت وغدا رب سواه يسوقها ... وبدّل احجارا وجال قليب «5»
وقال أيضا:
قامت تباكى ان سبأت لفتية ... زقّا وخابية بعود مقطّع «6»
وقريت في مقرى قلائص أربعا ... وقريت بعد قرى قلائص أربع «7»
أتبكيّا من كل شيء هينّ ... سفه بكاء العين ما لم تدمع «8»
فإذا أتاني إخوتي فدعيهم ... يتعلّلوا في العيش أو يلهوا معى «9»
لا تطرديهم عن فراشي، إنه ... لا بدّ يوما ان سيخلو مضجعي «10»
(1/217)

هلا سألت بعادياء وبيته ... والخيل والخمر التي لم تمنع «1»
وقال الحارث بن حلّزة «2» :
بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج «3»
يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج «4»
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج «5»
وقال الهذلي:
إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلّهم فناهب «6»
أخلف وأتلف، كل شي ... ء ذرعته الريح ذاهب «7»
وقالت إمرأة:
أنت وهبت الفتية السّلاهب ... وإبلا يحار فيها الحالب «8»
وغنما مثل الجراد الهارب ... متاع أيام وكلّ ذاهب «9»
(1/218)

وقال تميم بن مقبل:
فأخلف وأتلف، إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله «1»
وقال أبو ذرّ: «لك في مالك شريكان: الوارث والحدثان» . وقال الحطيئة «2» :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وفي المثل: «إصنع الخير ولو إلى كلب» . وقال في الحثّ على القليل فضلا على الكثير، قال الله جلّ ذكره: «فمن يعمل مثقال «3» ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره» ، وقالت عائشة في حبّة عنب: «إن فيها لمثاقيل ذرّ» ، ولذلك قالوا في المثل: «من حقّر حرم «4» » . وقال سلم بن قتيبة: «يستحي أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأتي أعظم منه» ، وقال: «جهد المرء أكثر من عفوه» . وقدّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جهد المقلّ على عفو المكثر، وإن كان مبلغ جهده قليلا، ومبلغ عفو المكثر كثيرا. وقالوا: «لا يمنعك من معروف صغره» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وقال: «لا تردوا السائل ولو بظلف «5» محرق» وقال: «لا تردّوه ولو بفرسن «6» شاة» ، وقال: «لا تحقروا اللقمة، فإنها تعود كالجبل العظيم، لقول الله جلّ ذكره) «يمحق الله الرّبا
(1/219)

ويربي الصدقات» ، وقال: «لا تردّوه ولو بصلة حبل «1» » . وقالت العرب:
«أتاكم أخوكم يستتمّكم «2» ، فأتّموا له» ، وقالوا: «مانع الإتمام ألأم» «3» .
وقالوا: «البخيل إن سأل ألحف «4» ، وإن سئل سوّف «5» » وقالوا: «إن سئل جحد، وإن أعطى حقد» ، وقالوا: «يردّ قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم» ، وقالوا: «البخيل إذا سئل ارتزّ «6» ، وإذا سئل الجواد اهتز» .
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ينادي كل يوم مناديان من السماء، يقول أحدهما: اللهم عجّل لمنفق خلفا، ويقول الآخر: اللهم عجّل لممسك تلفا» . وقالوا: «شرّ الثلاثة المليم، يمنع درّه ودرّ غيره «7» » . وقال الله جل ذكره: «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» . وقالوا في المثل، إذا ألجأه الدهر إلى بخيل: «شرّ ما ألجأك إلى مخة عرقوب «8» » وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: قل العدل، وأعط الفضل» ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات» «9» . وقال الله عز وجلّ: «ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا» ، وقال:
«لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون» وقال: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، «10» ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون» . وقالوا في الصبر على النائبة، وفي عاقبة الصبر: «عند الصباح يحمد القوم السّرى «11» » ،
(1/220)

وقالوا: «الغمرات «1» ثم ينجلينا» وقال الخريمي:
ودون الندى في كل قلب ثنّية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل «2»
وودّ الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل «3»
وقالوا: خير الناس خير الناس للناس، وشر الناس شرّ الناس للناس» ، وقالوا: «خير مالك ما نفعك» ، وقالوا: «عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرغبة» ، وقال الراجز:
كلّنا يأمل مدّا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل
وقال عبيد الله بن عكراش: «4» : «زمن خؤون ووارث شفون وكاسب حزون «5» ، فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشفون» ، وقال: يهرم ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص والأمل» . وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: «ما أكل ابن عمر «6» وحده قط» ، وقالوا: «ما أكل الحسن وحده قط» . وسمع مجاشع الربعي قولهم: «الشحيح أعذر من الظالم» فقال:
«أخزى الله أمرين خيرهما الشح» . وقال بكر بن عبد الله المزني: «لو كان هذا المسجد مفعما بالرجال، ثم قيل لي من خيرهم؟ لقلت: خيرهم لهم» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بشراركم» ؟ قالوا: «بلى يا رسول الله» قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» . وقالت امرأة عند جنازة رجل: «أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك «7» » .
(1/221)

رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي:
فلمّا بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من المنافسة «1» والمباينة «2» ، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب هذه، وبعث بها الى الثقفي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا لأنه، إن أجابنا، لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا على قوله الأول، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا، خرجنا الى التهاتر، وصرنا الى التخاير «3» . ومن خرج الى ذلك، فقد رضي باللجاج «4» حظا، وبالسخف نصيبا.
وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء التكفي وسحفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طبائعه وتساوت خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الإقتصاد، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط، لأن الموزون لا يولد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا. فالمتتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف، والمتكفّي ليس له مأتى، ولا جهة، ولا له رقية «5» ، ولا
(1/222)

فيه حيلة. وكل متلّون في الأرض فمنحل العقد، ميسّر لكل ربح.
فدع عنك خلطة الإمّعة، فإنه حارض «1» لا خير فيه، واجتنب ركوب الجموع فإن غايته قبل الذواق. ولا خير في المتلوّن ذي البدوات، ولا في الحرون «2» ذي التصميم. والمتلوّن شرّ من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق، لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكة، ومذاهبه محصورة معدودة، وليس لتدبير الأحمق وحيلة جهة واحدة، ومن أخطأها كذب، والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد، والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلوّن قتله بالتعذيب.
فإن قلنا فليس إليه نقصد، وإن احتججنا فلسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة. وقد قالوا: «إحفظ سرّك، فإن سرّك من دمك» . وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: «ليس بكبير ما أصلحه المال» . وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور، ولهذا قالوا في الإبل:
«لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم «3» » ، فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشدّ من جمعه.
ولذلك قال الشاعر:
وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشد من الجمع الذي أنت طالبه
(1/223)

ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: «دفعتها «1» إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المؤونة» قال: «دفعتها إليك بطيئة الإجتماع، سريعة التفرق» .
والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلّص من نزوات «2» الدرهم وتفلته والتحرز من سكر الغنى، وتقلبه شديد، فلو كان إذا تفلت كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لردّه في عقاله، ولشده بوثاقه. ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده. ولا تغتّر بقولهم:
«مال صامت» «3» ، فإنه أنطق من كل خطيب، وأنمّ من كل نمّام. فلا تكترث بقولهم: «هذين الحجرين «4» » ، وتتوهم جمودهما وسكونهما، وقلة ظعنهما، وطول إقامتهما، فإن عملهما وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع، وهما ثابتان، أكثر من صنيع السّم الناقع «5» ، والسبع العادي. فإن كنت لا تكتفي بصنعة حتى تفقده، ولا تحتال فيه حتى تحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من الذل.
وقولي هذا مرّ يعقب حلاوة الأبد، وقول أبي العاص حلو يعقب مرارة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة، ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك، فإن الشاعر يقول:
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا «6»
(1/224)

واحذر أن تخرج من مالك درهما، حتى ترى مكانه خيرا منه. ولا تنظر إلى كثرته، فإن رمل عالج «1» لو أخذ منه، ولم يرّد عليه، لذهب عن آخره.
إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله، وفي ذكر الكرم وتشريفه، وسمّوا السرف جودا وجعلوه كرما. وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضّعف والنفج «2» ؟ وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم؟ وإذا كان الباطل كرما كان الحق لؤما. والسرف، حفظك الله، معصية، وإذا كانت معصية الله كرما، كانت طاعته لؤما. ولئن جمعهما إسم واحد، وشملهما حكم واحد (ومضادة الحق للباطل، كمضادة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، والجور للعدل، والعلم للجهل) ليجمعن هذه الخصال اسم واحد، وليشملنها حكم واحد.
وقد وجدنا الله عاب السرّف، وعاب الحميّة «3» ، وعاب العصبية، ووجدناه قد خص السرف بما لم يخص به الحمية، لأنه ليس حب المرء لرهطه من العصبية، ولا أنفته من الضيم من حمية الجاهلية. وإنما العصبيّة ما جاوز الحق، والحمية المعيبة ما تعدى القصد. فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما وما وجدنا اسم العصبية ولا اسم السرف يقع أبدا إلا مذموما «4» وإنما يسرّ باسم السرف جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسر به لأن أحدا لا يسميه مسرفا، حتى يكون عنده قد جاوز حدّ الجود، وحكم له بالحق، ثم أردفه بالباطل. فإن سرّ من غير هذا الوجه، فقد شارك المادح في الخطأ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه.
(1/225)

وقد أكثروا في ذكر الكرم. وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم، وليس شيء يخلو من بعض النقص والوهن. وقد زعم الأولون أن الكرم بسبب الغنى «1» ، وأن الغنى يسبب البله «2» ، وأنه ليس وراء الأبله إلا المعتوه. وقد حكوا عن كسرى أنه قال: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع» ، وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف، أم جاع فكذب وضرع وأسفّ «3» ، وسواء جاع فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه، والظلم لؤم. وإن كان الظلم ليس بلؤم فالإنصاف ليس بكرم. وإن كان الجود، على من لا يستحق الجود كرما، فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم. فالجود إذا كان لله فكان شكرا له، والشكر كرم. فكيف يكون الجود، إذا كان معصية كرما، وكيف يتكرّم من يتوصّل بأياديك الى معصيتك، وبنعمك الى سخطك؟ فليس الكرم إلا الطاعة، وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز الحق كريما، ليكونن المقصّر دونه كريما.
فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصّل ولا يفكر ولا يمثّل «4» ؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء، وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء، فما قبّحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه، أو نتشاغل باستقصائه. على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللوم. ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى يراد بها نفس ذلك المعطى «5» . ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد. وكل من كان جوده يرجع إليه، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك
(1/226)

المعنى في سواك لما قصد إليك، فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته، ومركبا لبلوغ محبته. ولولا بعض القول لوجب لك الحق عليه حق يجب به الشكر. فليس يجبّ لمنّ كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذا كان لنفسه عمل. لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك، لما تخطّاه اليك.
وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع، على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم، فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبّد، وقد تعبد الله بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسنّ منا وإن كنا أفضل منهم. والآخر لأن النفس ما لم تحصّل الأمور وتميز المعاني، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها.
ووجدنا عطيّة الرجل لصاحبه لا تخلو أن تكون لله، أو لغير الله. فإن كانت لله، فثوابه على الله. وكيف يجب عليّ في حجة العقل شكره، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني، وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر، فإذا كان الأمر كذلك، فإنما جعلني سلّما الى تجارته، وسببا إلى بغيته، أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة، ولما يجد في فؤاده من العصر والألم، فإن كان لذلك أعطى، فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذي رفّه من خناقه «1» . وإن كان إنما أعطاني على طلب المجازاة وحب المكافأة فأمر هذا معروف، وإن كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني، أو اجترار معونتي ونصرتي، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصّلنا.
فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز «2» . فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الإسم. وما كان لله كان ممدوحا، وكان لله
(1/227)

طاعة. وإذا لم تكن العطية من الله ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سموه جودا، فما ظنك بما سمّوه سرفا؟.
أفهم ما أنا مورده عليك وواصفه لك: إن التربّح «1» ، والتكسّب، والاستئكال «2» بالخديعة، والطعم الخبيثة، فاشية غالبة، ومستفيضة ظاهرة.
على أن كثيرا مّمن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرّم، والى الصيانة والتوقي، لبأخذ من ذلك بنصيب وافر، وبمدّ واف. فما ظنّك بدهماء «3» الناس وجمهورهم؟ بل ما ظنّك بالشعراء والخطباء الذين إنّما تعلّموا المنطق لصناعة التكسّب؟ وهؤلاء قوم بودّهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حدّ السلامة الى الغفلة، حتى لا يكون للأموال حارس ولا دونها مانع. فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزّة «4» أحدهم، فإن المسكين أقنع منه، ولا تنظر إلى مركبه فإن السائل أعفّ منه «5» . وأعلم أنه في مسك مسكين، إن كان في ثياب جياد، وروحه روح نذل، وإن كان في جرم ملك «6» وكلهم وإن اختلفت وجوه مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين. إلا أن واحدا يطلب العلق «7» ، وآخر يطلب الخرق «8» ، وآخر يطلب الدوانيق «9» ، وآخر يطلب الألوف. فجهة هذا هي جهة هذا، وطعمة هذا هي طعمة هذا. وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون، على قدر الحذق والسبب. فاحذر رقاهم «10» ، وما نصبوا لك من الشرك، واحرس
(1/228)

نعمتك وما دسّوا لها من الدواهي. واعمل على أن سحرهم يسترّق الذهن ويختطف البصر. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن من البيان سحرا» ، وسمع عمر بن عبد العزيز يتكلم في حاجة فقال: «هذا والله السحر الحلال» ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا خلابة «1» » . واحذر احتمال مديحهم، فإن محتمل المديح في وجهه، كمادح نفسه.
إن مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضى طالبيه. ولو أرضيتهم باسخاط مثلهم، لكان ذلك خسرانا مبينا. فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى، وهجاء الساخط أضرّ من فقد مديح الراضي؟ وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم «2» ، لم تر ممن أرضيته في أسخاطهم أحدا يناضل عنك ولا يهاجي شاعرا دونك، بل يخليك غرضا لسهامهم ودريئة لنبالهم، ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم؟ فكيف يرضيهم، ورضى الجميع شيء لا ينال؟ وقد قال الأول: وكيف يتفق لك رضى المختلفين؟ وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع.
إني أحذّرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذّر الأمور، ويتجرّع «3» مرار العيش، ويتحمّل ثقل الكد، ويشرب بكأس الذل، حتى كاد يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه. وفقر مثلك مضاعف الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشد. ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير موعظة لغيره، وحديثا يبقى ذكره، ويعلنه بعد الممات ولده.
دعني من حكايات المستأكلين ورقى الخادعين، فما زال الناس يحفظون
(1/229)

أموالهم من مواقع السّرف، ويجنّبونها وجوه التبذير. ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلّفة والأخبار المولّدة والكتب الموضوعة، فقد قال بعض أهل زماننا: «ذهبت المكارم إلا من الكتب» . فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا تعلم.
هل رأيت أحدا قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره أنه سلّم عليهم حين افتقر فردوا عليه فضلا على غير ذلك؟ أولست قد رأيتهم بين محمّق «1» ومحتجب عنه، وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضّله ويقدّمه ويؤثره ويخصّه؟ ثم لعلّ بعضهم أن يتجنّى عليه ذنوبا ليجعلها عذرا في منعه وسببا إلى حرمانه.
قال الله جل ذكره: «يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون» «2» . فأنا القائم عليك بالموعظة والزّجر والأمر والنهي، وأنت سالم العقل والعرض، وافر المال حسن الحال. فاتّق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع والتعبير وبالتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب مختلّ العرض «3» ، عديم من المال سيء الحال.
ليس جهد البلاء «4» مدّ الأعناق وانتظار وقع السيوف، لأن الوقت قصير والحسّ مغمور «5» . ولكنّ جهد البلاء أن تظهر الخلّة «6» وتطول المدة وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد
(1/230)

تحوّل عدوّا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة «1» ، وعبدا يحقرك وولدا ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من هذا البلاء.
على أن الثناء طعم «2» ولعلك ألا تطعمه، والحمد أرزاق ولعلك أن تحرمه، وما يضيع من إحسان الناس أكثر. وعلى أن الحفظ «3» قد ذهب بموت أهله ألا ترى أنّ الشعر لما كسد «4» أفحم أهله؟ ولما دخل النقص على كل شيء أخذ الشعر منه بنصيبه؟ ولما تحوّلت الدولة في العجم «5» ، والعجم لا تحوط الأنساب، ولا تتحفّظ المقامات «6» . لأنّ من كان في الريف والكفاية، وكان مغمورا بسكر الغنى، كثر نسيانه وقلّت خواطره «7» ، ومن احتاج تحركت همّته وكثر تنقيره. وعيب الغنى أنه يورث البلدة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر.
وإن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى، وسكر الغنى شيئة المستأكلين وتضرية الخدّاعين «8» وإن كنت لا ترضى بحظ النائم وبعيش
(1/231)

البهائم، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري، ومع عزّ الغنى وسرور القدرة، فطنة المخفّ، وخواطر المقل، ومعرفة الهارب واستدلال الطالب «1» ، اقتصدت في الإنفاق، وكنت معدّا للحدثان، ومحترسا من كل خدّاع.
ليست تبلغ حيل لصوص النهار، وحيل سرّاق الليل، وحيل طرّاق البلدان، وحيل أصحاب الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصنّاع في جميع الصناعات، وحيل أصحاب الحروب «2» ، وحيل المستأكلين والمتكسّبين. ولو جمعت الجفر «3» والسحر والتمائم «4» والسمّ، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلا، وأعرض «5» وأسرى في عمق البدن، وأدخل الى سويداء القلب وإلى أمّ الدماغ «6» وإلى صميم الكبد ولهي أدّق مسلكا وأبعد غاية من العرق الساري والشبه النازع، «7» ، ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال المحكمة الوثيقة، ولو اتخذت الممارق والجواسق «8» والأبواب الشداد، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف، وتركت التقدّم فيما هو أحضر ضررا وأدوم شرا ولا غرم عليك في الحراسة فيه، ولا مشقة عليك في التحفّظ منه.
إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سمّ الخياط «9» ، جعلوا فيه طريقا نهجا
(1/232)

ولقما «1» رحبا فاحكم بابك، ثم أدم إصفاقه «2» ، بل أدم إغلاقه، فهو أولى بك.
بل إن قدرت على مصمت «3» لا حيلة فيه فذلك أشبه بحزمك. ولو جعلت الباب مبهما والقفل مصمتا لتسوّروا عليك من فوقك، ولو رفعت سمكه الى العيّوق «4» لنقبوا عليك من تحتك. قال أبو الدرداء: «نعم صومعة المؤمن بيته» . قال ابن سيرين: «العزلة عبادة» .
وحلاوة حديثهم تدعو إلى الإستكثار منهم، وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم. فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: «أكل رخلة «5» ، وشرب مشعلا «6» ، ثم تجشّأ «7» واحدة لو أن عليها رحا «8» لطحنت» . ومن ذلك قول الآخر، حين دخل على قوم وهم يشربون، وعندهم قيان، فقالوا: «أقترح أيّ صوت شئت» ؟ قال: «أقترح نشيش «9» مقلي» . ومن ذلك قول المديني: «من تصبّح بسبع موزات، وبقدح من لبن الأوارك تجشأ بخور الكعبة «10» » . ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء، وقدّامهم خبيص «11» : «أيما أطيب، هذا أو الفالوذج أو
(1/233)

اللوزينج «1» » ؟ قال: «لا أقضي على غائب» . ومن ذلك قول أبي الحارث جمّين لبعض الملوك: «جعلت فداك أيّ شيء في تلك السلّة» ؟
قال: «بظر أمك» ، قال: «فأعضّني به» . ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة لبلال بن أبي بردة، حين قال له: «صف عبد الأعلى «2» وطعامه» ، قال: «يأتيه الخبّاز فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟ فيقول:
عندي جدي كذا، وعناق «3» كذا، وبطة كذا، حتى يأتي على جميع ما عنده» . قال: «وما يدعوه إلى هذا» قال: «ليقتصر كل امرىء في الأكل، حتى إذا أتي بالذي يشتهي بلغ منه حاجته» . قال: «ثم ماذا» ؟
قال: «ثم يؤتى بالمائدة فيتسعون ويتضايق ويجدون ويعذّر «4» ، حتى إذا فتروا خوّى تخوية الظليم «5» ، وأكل أكل الجائع المقرور «6» » . وقال آخر:
«أشتهي ثريدة دكناء «7» من الفلفل، ورقطاء «8» من الحمّص، ذات حفافين «9» من اللحم، لها جناحان من العراق، اضرب فيها ضرب اليتيم عند وصيّ السوء» . وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام، وما قسم لكلّ قوم منه، فقال: «ذهبت الروم بالحشو والحسو «10» ، وذهبت
(1/234)

فارس بالبارد والحلو» ، وقال عمر: «لفارس الشفارق «1» والحموض «2» » ؛ وقال دوسر المديني: «لنا الهرائس والقلايا، ولأهل البدو اللبأ والسّلاء والجراد والكمأة والخبزة «3» في الرائب والتمر بالزبد» . وقد قال الشاعر:
ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا ... وخيلا من البرني فرسانها الزبد «4»
ولهم البريقة والخلاصة والحيس والوطيئة. وقال اعرابي: «أتينا ببّر كأفواه النغران «5» فخبزنا منه خبزة زيت في النار: فجعل الجمر يتحدّر عنها تحدّر الحشو عن البطنان «6» ، ثم ثردها فجعل الثريد يجول في الإهالة «7» جولان الضبعان «8» في الضّفرة «9» ؛ ثم أتانا بتمر كأعناق الورلان «10» ، يوحل فيه الضرس» . وعيب السويق «11» بحضرة إعرابي، فقال: «لا تعبه، فإنه من عدد المسافر، وطعام العجلان، وغذاء
(1/235)

المبكّر «1» ، وبلغة المريض «2» ، وبسرو فؤاد الحزين، ويردّ من نفس المحدود، وجيّد في التسمين ومنعوت في الطب. قفاره «3» يجلو البلغم، ومسمونه يصفّي الدم. إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان شاربا» . وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والشناغيف والمفقّعين «4» ، ورئي سمينا: «ما أسمنك» ؟ قال: «أكلي الحارّ، وشربي القارّ «5» ، والإتكّاء على شمالي.
وأكلي من غير مالي» . وقد قال الشاعر:
إنّ امتلاء البطن في حسب الغنى ... قليل الغناء، وهو في الجسم صالح
وقيل لآخر: «ما أسمنك» ؟ قال: «قلة الفكرة، وطول الدّعة، والنوم على الكظّة «6» » . وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري: «ما أسمنك» ؟
قال: «القيد والرتعة، ومن كان في ضيافة الأمير سمن» . وقيل لاخر: «إنك لحسن السحنة» ! قال: «آكل لباب البرّ، وصغار المعز، وأدّهن بخام البنفسج «7» وألبس الكتّان» .
والله لو كان من يسأل يعطي لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار الصواب على طيب المكسبة، والإقتصاد في النفقة: وقد قال بعض العرب:
«اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق» حين رأى نافجة «8» من ماله، من صداق أمّه.
(1/236)

وأي سأئل كان ألحف من الحطيئة ولا الأم؟ ومن الأم من جرير بن الخطفي «1» وأبخل؟ ومن أمنع من كثير «2» ، وأشحّ من أبن هرمة «3» ؟ ومن كان يشقّ غبار ابن أبي حفصة «4» ؟ ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية «5» ؟ ومن كان كأبي نوّاس «6» في بخله، أو كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه؟ ومن كان أكثر نحرا لجزرة «7» لم تخلق من ابن هرمة، وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام لم يزرع، من الخريمي «8» ؟ فأين أنت عن ابن يسير «9» وأين تذهب عن ابن أبي كريمة؟ ولم تقصّر في ذكر الرقاشي ومن لم يذكر شرّه؟
والأعرابي شرّ من الحاضر: سائل جبّار، وثابة ملّاق. إن مدح كذب، وإن هجا كذب، وإن أيس كذب، وإن طمع كذب. لا يقربه إلا نطف «10» أحمق، ولا يعطيه إلا من يحبّه، ولا يحبّه إلا من هو في طباعه.
ما أبطأكم عن البذل في الحق، وأسرعكم إلى البذل في الباطل. فإن كنتم الشعراء تفضّلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر:
(1/237)

فقد قال الشاعر:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وقد قال الشمّاخ بن ضرار: «1»
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفّ من القنوع «2»
وقال احيحة «3» :
استغن أومت ولا يغررك ذو شب ... من ابن عم ولا عمّ ولا خال «4»
اني أكبّ على الزورّاء أعمرها ... إن الكريم على الأقوام ذو المال «5»
وقال أيضا:
استغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس
والبس عدوّك في رفق وفي دعة ... لباس ذي إربة للدهر لبّاس «6»
ولا تغرّنك أضغان مزمّلة ... قد يضرب الدّبر الدامي بإحلاس «7»
وقال سهل بن هارون:
أذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي ... من أن يراني غنيا عنه بالياس «8»
فلا يراني إذا لم يرع آصرتي ... مستمريا دررا منه بإبساس
(1/238)

لا أطلب المال كي أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا الى الناس
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه «1»
وقال أحيحة بن الحلاج:
فلو أني أشاء نعمت بالا ... وباكرني صبوح أو نشيل «2»
ولا عبني على الأنماط لعس ... على أنيابهن الزنجبيل «3»
ولكني خلقت إذا لمال ... فأبخل بعد ذلك أو أنيل
وقال آخر:
أبا مصلح أصلح ولاتك مفسدا ... فإنّ صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أن المرء يزداد عزّة ... على قومه أن يعلموا أنه مثري
وقال عروة بن الورد «4» :
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرّهم الفقير «5»
أبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير «6»
(1/239)

ويقصيه النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير «1»
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكن الغنى ربّ غفور
وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «2» :
تلك عرساي تنطقان على عم ... د لي اليوم قول زور وهتر «3»
سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا. قد جئتماني بنكر «4»
فلعلّي أن يكثر المال عندي ... ويعرّى من المغارم ظهري
ويرى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر «5»
وتجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر «6»
وي كأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ «7»
ويجنّب سرّ النجيّ ولك ... نّ أخا المال محضر كل شرّ «8»
وقال الآخر:
وللمال منّي جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب
وقال الأخنس بن شهاب: «9»
وقد عشت دهرا والغواة صحابتي ... أولئك إخواني الذين أصاحب «10»
(1/240)

فأدّيت عني ما استعرت من الصبا ... وللمال مني اليوم راع وكاسب
وقال ابن الذئبة الثقفي: «1»
أطعت النفس في الشهوات حتى ... أعادتني عسيفا عند عبد «2»
إذا ما جئتها قد بعت عذقا ... تعانق أو تقبّل أو تفدّي «3»
فمن وجد الغنى فليصطنعه ... ذخيرته ويجهد كلّ جهد «4»
وقال:
من يجمع المال ولا يثب به ... ويترك العام لعام جدبه «5»
يهن على الناس هوان كلبه وقد قيل في المثل: «الكدّ قبل المدّ «6» » . وقال لقيط: «الغزو أدرّ للقاح وأحدّ للسلاح» «7» . وقال ابن المعافى:
إن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا، ثم قال لها اتّكي ... فقصر كما لا بد أن تلدا الفقرا
وقال عثمان بن أبي العاص «8» : «ساعة لدنياك، وساعة لآخرتك» .
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنها كم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» ،
(1/241)

وقال: «خير الصدقة غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى «1» ، وابدأ بمن تعول» ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الثلث والثلث كثير. إنك إن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكفّفوا الناس» ، وقال ابن عبّاس «2» : «وددت أن الناس غضّوا من الثلث شيئا، لقول النبي عليه السلام: الثلث والثلث كثير» ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«كفى بالمرء إثما يضيع من يقوت» . وأنتم ترون أن المجد والكرم إن أفقر نفسي بإغناء غيري، وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي. وقال في ذلك إبن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا «3»
وقال آخر:
كمفسد أدناه ومصلح غيره ... ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح «4»
وقال الآخر:
كمرضعة أولاد أخرى، وضيّعت ... بنيها، ولم ترقع بذلك مرقعا «5»
وقال الله تبارك وتعالى: «ولا تبذّر تبذيرا، إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين» ، وقال: «ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو» فأذن في العفو، ولم يأذن في الجهد، وأذن في الفضول، ولم يأذن في الأصول. وأراد كعب بن مالك «6» أن يتصدّق بماله، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمسك عليك مالك» ، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم يمنعه من إخراج ماله في الصدقة، وأنتم تأمرونه بإخراجه في السرف
(1/242)

والتبذير. وخرج غيلان بن سلمة «1» من جميع ماله فأكرهه عمر على الرجوع فيه، وقال: «لو متّ لرجمت قبرك، كما يرجم قبر أبي رغال» . وقال الله جل وعز: «لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه فلينفق مما آتاه الله» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يكفيك ما بلّغك المحلّ» . وقال: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
«2» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى «3» » . وقال الله جل ذكره: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً «4» إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
ولذلك قالوا: «خير مالك ما نفعك، وخير الأمور أوساطها، وسرّ السير الحقحقة «5» . والحسنة بين السيّئتين» ، وقالوا: «دين الله بين المقصّر والغالي» ، وقالوا في المثل: «بينهما يرمي الرامي» ، وقالوا: «عليك بالسداد والإقتصاد ولا وكس ولا شطط» «6» ، وقالوا: «بين الممخّة والعجفاء «7» » ، وقالوا: «لا تكن حلوا فتبتلع ولا مرّا فتلفظ» وقالوا في المثل: «ليس الريّ عن التشاف «8» » .
(1/243)

وقالوا: «يا عاقد اذكر حلا «1» » ، وقالوا: «الرشيف أنقع للظمآن «2» » .
وقالوا: «القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع» . وقال أبو الدرداء: «إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها» . وقال الشاعر:
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لصعب الرأس غير جموح «3»
وقالوا في عذل المصلح، ولائمة المقتصد: «الشحيح أعذر من الظالم» .
وقالوا: «ليس من العدل سرعة العذل» ، وقالوا: «لعل له عذرا وأنت تلوم» ، وقالوا: «ربّ لائم مليم» ، وقال الأحنف: «رب ملوم لا ذنب له» .
وقال: «إعطاء السائل تضرية «4» ، وإعطاء الملحف مشاركة «5» » . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تصلح المسألة إلا في ثلاث: فقر مدقع «6» ، وغرم مفظع «7» ، ودم موجع» . وقال الشاعر:
الحرّ يلحى، والعصا للعبد ... وليس للملحف غير الردّ «8»
وقالوا: «إذا جدّ السؤال جدّ المنع» ، وقالوا: «إحذر إعطاء المخدوعين، وبذل المغبونين، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور» . ولذلك قالوا: «لا تكن أدنى العيرين الى السهم «9» » يقول: إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك
(1/244)

أظهر لأعدائك من مقاتلهم. وقالوا: «الفرار بقراب أكيس» ، وقال أبو الأسود: «ليس من العز أن تتعرّض للذلّ، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم» . ومن أخرج ماله من يده افتقر، ومن افتقر فلا بدّ له أن يضرع، والضرع «1» لؤم. وإن كان الجود شقيق الكرم، فالأنفة أولى بالكرم. وقد قال الأول: «اللهم لا تثر لي ماء سوء فأكون أمرأ سوء» . وقد قال الشاعر:
واخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
وقد قال الآخر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع «2»
وقد صدق قول القائل: «من احتاج اغتفر، ومن اقتضى تجوّز «3» » ، وقيل لديسموس «4» : «تأكل في السوق» ؟ قال: «إن جاع ديسموس في السوق أكل في السوق» ، وقال: «من أجدب انتجع، ومن جاع خشع» ، وقال:
«احذروا نفار النعمة فإنها نوار. وليس كل شارد بمردود، ولا كل نادّ بمصرود «5» » وقال عليّ بن أبي طالب: «قلّ ما ادبر «6» شيء فاقبل» . وقالوا:
(1/245)

«ربّ أكلة تمنع أكلات. وربّ عجلة تهب ريثا «1» » ، وعابوا من قال: «أكلة وموتة» ، وقالوا: «لا تطلب أثرا بعد عين» . وقالوا: «لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن» . فانظر كيف تخرج الدرهم، ولم تخرجه. وقالوا: «شرّ من المرزئة «2» سوء الخلف» . وقال الشاعر:
إن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجلّ
ولأن تفتقر بجائحة «3» نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة. ومن كان سببا لذهاب وفره، لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من غيره، وقلة الرحمة وكثرة الشماتة، مع الإثم الموبق «4» والهوان على الصاحب.
وذكر عمر بن الخطاب فتيان قريش وسرفهم في الإنفاق، ومسابقتهم في التبذير، فقال: «لحرفة أحدهم أشدّ عليّ من عيلته «5» » . يقول: إن إغناء الفقير أهون عليّ من إصلاح الفاسد.
ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة «6» ، وعلى أهلك أشأم من البسوس «7» ، وعلى قومك أشأم من عطر منشم «8» . ومن سلّط الشهوات على ماله، وحكم الهوى في ذات يده، فبقي حسيرا، فلا يلومنّ إلا نفسه. وطوبى لك يوم تقدر على قدم تنتفع به. وقال بعض الشعراء:
(1/246)

أرى كلّ قوم يمنعون حريمهم ... وليس لأصحاب النبيذ حريم «1»
أخوهم ما دارت الكأس بينهم ... وكلهم رث الوصال سؤوم «2»
فهذا بياني لم أقل بجهالة ... ولكنني بالفاسقين عليم
وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد، فأما اليوم فقد استوى الناس. قال الأضبط بن قريع «3» ، لّما انتقل في القبائل، فأساؤوا جواره، بعد أن تأذّى ببني سعد: «بكل واد بنو سعد» .
خذ بقولي، ودع قول أبي العاص. وخذ بقول من قال: «عشّ ولا تغترّ» ، ويقول من قال: «لا تطلب أثرا بعد عين» ، ويقول من قال: «املأ حبّك من أول مطرة» و «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» . أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة عقلك، ولم يأتك من جهة شهوتك. وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك، ولم تأمن لائمته إياك في غدك. وقال الآخر:
إن أخاك الصدق من لم يخدعك ... ومن يضير نفسه لينفعك «4»
وقد قال عبيد بن الأبرص: «5»
وأعلمن علما يقينا أنه ... ليس يرجى لك من ليس معك
ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وعين من عقلك على طباعك «6» ، أو ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق، والزوجة الصالحة عون صدق. والسعيد من وعظ بغيره. فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال خصلة واحدة، فلا بدّ لك من نكبة موجعة يبقى أثرها، ويلوح لك ذكرها، ولذلك
(1/247)

قالوا: «خير مالك ما نفعك» ، ولذلك قالوا: «لم يذهب من مالك ما وعظك» .
إن المال محروص عليه، ومطلوب في قعر البحار وفي رؤوس الجبال وفي دغل الغياض «1» ، ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السهولة، وسواء فيها بطون الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها. فطلبت بالعز وطلبت بالذل، وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر، وطلبت بالنسك كما طلبت بالفتك «2» ، وطلبت بالصدق وطلبت بالكذب، وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق. فلم تترك فيها حيلة ولا رقية، حتى طلبت بالكفر بالله كما طلبت بالإيمان، وطلبت بالسخف كما طلبت بالنّبل. فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع، ونصبوا الشرك بكل ريع «3» . وقد طلبك من لا يقصّر دون الظفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء. وقد يهدأ الطالب الطوائل «4» ، والمطلوب بذات نفسه، ولا يهدأ الحريص.
يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة، ولا نائية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، إلا وأنت واجد بها المديني والبصري والحيري «5» ، وقد ترى شنف «6» الفقراء للأغنياء، وتسرّع الرغبة الى الملوك، وبغض الماشي للراكب، وعموم الجسد في المتفاوتين. فإن لم تستعمل الحذر، وتأخذ بنصيبك من المداراة، وتتعلم الحزم وتجالس أصحاب الإقتصاد، وتعرّف الدهور ودهرك خاصة، وتمثل لنفسك الغير حتى تتوهّم نفسك فقيرا ضائعا، وحتى تتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، ولا يكون أحد اتهم عند
(1/248)

نفسك من ثقتك، ولا أولى بأخذ الحذر. منه من أمينك، اختطفت اختطافا واستلبت استلابا وذوّبوا مالك وتحيّفوه «1» ، وألزموه السل ولم يداووه.
وقد قالوا: تلّى المال ربه وإن كان أحمق، فلا تكونّن دون ذلك الأحمق.
وقالوا: لا تعدم امرأة صناع ثلة «2» ، فلا تكونن دون تلك المرأة. وقد قال الأول في المال المضيّع المسلّط عليه شهوات العيال: ليس لها راع ولكن حلبة «3» .
وليس مالك المال المعفى من الأضراس، فيقال فيه: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير. فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم بملء بطنك وبحقائقك، وبما ينوبك.
ولا يقال للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب؛ فكس في أمرك «4» ، وتقدّم في حفظ مالك، فإنّ من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين. والأكرمان بالدين والعرض. وقد قيل: «للرمي يراش السهم «5» . وعند النطاح تغلب القرناء» «6» . وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا «7» قالت: «ليس عليك نسجه، فاسحق وخرّق «8» » . وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الناس كلّهم سواء كأسنان المشط، والمرء كثير بأخيه. ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. فتعرّف شأن أصحابك، ومعنى جلسائك؛ فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم، وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك.
إني لست آمرك إلا بما أمرك به القرآن: ولست أوصيك إلا بما أوصاك به
(1/249)

الرسول، ولا أعظّك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعقلها وتوكّل «1» » . وقال مطرّف بن الشّخير «2» : «من نام تحت صدف مائل وهو ينوي التوكّل، فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكّل «3» » .
فأين التوقّي الذي أمر الله به؟ وأين التغرير «4» الذي نهى عنه؟ ومن طمع في السلامة من غير تسلّم فقد وضع الطمع في موضع الأمانّي. وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر الله به، وإنما يحقق من الأمل ما كان هو المسبّب له. وفرّ عمر من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: «أتفرّ من قدر الله» ؟ قال: «نعم إلى قدر الله» . وقيل له: «ينفع الحذر من القدر» ! فقال: «لو كان لحذر لا ينفع لكان الأمر به لغوا» . فإبلاء «5» العذر هو التوكّل. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل قال في خصومة: حسبي الله: «أبل الله عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: حسبي الله» . وقال لشاعر:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال الآخر:
فإن يكن القاضي قضى غير عادل ... فبعد أمور لا ألوم لها نفسي
وقال زهير البابّي: «إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف، وجعلت الخلف مالا يرجع في كيسي، ومتى ما لم أحفظ أيقنت بأنه محفوظ، فإني أشهدكم إني لم أتوكل قط. إنما التوكّل أن تعلم أنك متى أخذت
(1/250)

بأدب الله أنك تتقلب في الخيرة مجزى «1» بذلك إما عاجلا وإما آجلا» ، ثم قال: «فلم تجر أبو بكر؟ ولم تجر عمر؟ ولم تجر عثمان؟ ولم تجر الزبير «2» ؟ ولم تجر عبد الرحمن؟ ولم علّم الناس يتّجرون، وكيف يشترون ويبيعون؟ ولم قال عمر:
إذا اشتريت حملا فاجعله ضخما، فإن لم يبعه الخبر «3» باعه المنظر؟ ولم قال عمر:
«فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين» ؟ ولم قال عثمان، حين سئل عن كثرة أرباحه، قال: «لم أردّ من ربح قطّ» ؟ ولم قيل: لا تشتر عيبا ولا شيبا؟
وهل حجر عليّ بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر «4» إلا في إخراج المال في غير حقّه، وإعطائه في هواه؟ وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر، والتماس الشكر؟ وهل قال أحد ان إنفاقه كان في الخمور والقمار، وفي الفسولة «5» والفجور؟ وهل كان إلا فيما تسمّونه جودا وتعدّونه كرما؟ ومن رأى أن يحجر على الكرام لكرمهم، رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم. وأيّ إمام بعد أبي بكر تريدون؟ وبأيّ سلف بعد عليّ تقتدون» ؟
وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق، والصبر على النائبة، من عند لعموظ «6» مستأكل وملّاق مخادع ومنهوم بالطعام شره، لا يبالي بأيّ شيء أخذ الدرهم، ومن أيّ وجه أصاب الدينار، ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما منقوما عليه، وليس يبالي إذا أكل كيف كان ذلك الطعام، وكيف كان سببه وما حكمه. فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك، وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل عدة لنوائبك. ولا يأمن الأيام إلا المضلّل، ولا يغتّر بالسلامة إلا المغفّل. فاحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء. سمنك في أديمك،
(1/251)

وغثّك «1» خير من سمن غيرك لو وجدته، فكيف ودونه أسل حداد «2» وأبواب شداد.
قالت إمرأة لبعض العرب: «إن تزوّجتني كفيتك» ، فأنشأ يقول:
إذا لم يكن لي غير مالك مسّني ... خصاص «3» وبان الحمد مني والأجر
وما خير مال ليس نافع أهله ... وليس لشيخ الحي في أمره أمر
وقال المعلوط القريعي:
أبا هانيء لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك ستر الله، فالله واسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قلت: هاتوا، أن يملّوا فيمنعوا
عود إلى طرائف البخلاء:
ثم رجع الحديث إلى أحاديث البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم:
حديث ابن حسان
قال ابن حسّان: كان عندنا رجل مقلّ، وكان له أخ مكثر، وكان مفرط البخل، شديد النفج. فقال له يوما أخوه: «ويحك، أنا فقير معيل، وأنت غنّي خفيف الظهر، لا تعينني على الزمان، ولا تواسيني ببعض مالك، ولا تتفرّج لي عن شيء؟ والله ما رأيت قط، ولا سمعت، بأبخل منك» . قال: «ويحك! ليس الأمر كمها تظن، ولا المال كما تحسب، ولا أنا كما تقول في البخل ولا في اليسر. والله لو ملكت ألف
(1/252)

ألف درهم لوهبت لك منها خمس مائة ألف درهم. يا هؤلاء فرجل يهب ضربة واحدة خمس مائة ألف يقال له بخيل» ؟.
صاحب الثريدة
وأما صاحب الثريدة البلقاء «1» ، فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان يظهر على إخوانه، كعجبي من شيء واحد، وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة أحاديثه وصنوف مذاهبه. وذلك أني في كثرة ما جالسته، وفي كثرة ما كا يفتّن فيه من الأحاديث، ولم أره خبّر أن رجلا وهب لرجل درهما واحدا. فقد كان يفتّن في الحزم والعزم، وفي الحلم والعلم، وفي جميع المعاني، إلا ذكر الجود، فإني لم أسمع هذا الاسم منه قط. خرج هذا الباب من لسانه، كما خرج من قلبه.
حديث طاهر الأسير
ويؤكّد ما قلت فيه ما حدثني به طاهر الأسير، فإنه قال: وممّا يدلّ على أن الروم أبخل الأمم أنك لا تجد الجود في لغتهم أسما. يقول: إنما يسمي الناس ما يحتاجون إلى استعماله، ومع الإستغناء يسقط التكلّف.
وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الإسم.
وقول القائل: «نصيحة» ليس يراد به سلامة القلب، فقد يكون أن يكون الرجل سليم الصدر، ولم يحدث سبب من أجله يقصد الى المشورة عليك بالذي هو أردّ عليك، على حسب رأيه فيك، ووجه لنفعك. ففي لغتهم اسم للسلامة، واسم لإرادة الخير، وحسن المشورة، وحملك بالرأي على الصواب. فللنصيحة عندهم اسماء مختلفة، إذا اجتمعت
(1/253)

دلّت على ما يدّل عليه الإسم الواحد في لغة العرب. فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم. «1»
حديث إبراهيم بن عبد العزيز
وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز، قال: تغدّيت مع راشد الأعور، فأتونا بجام فيه بيّاح سبخيّ «2» ، الذي يقال له الدرّاج. فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها، ثم أعزله. ثم أشقّها بإثنين من قبل بطنها، فآخذ شوكة الصّلب والأضلاع، فأعزلها، وأرمي بما في بطنها، وبطرف الذنب والجناح ثم اجمعها في لقمة واحدة وآكلها. وكان راشد يأخذ البيّاحة فيقطعها قطعتين، فيجعل كلّ قطعة في لقمة، لا يلقي رأسا ولا ذنبا.
فصبر لي على لقم عدة. فلما بلغت المجهود منه قال: «أي بنيّ إذا أكلت لطعام فكل خيره بشرّه» .
الزنجيّ والاصبهاني والتمر
قال: وكان يقول: لم أنتفع بأكل التمر قط إلا مع الزنج وأهل اصبهان. فأما الزنجيّ فإنه لا يتخيّر وأنا أتخير، وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا يأكل من غيرها، ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة. وهذا سدل، والتخيّر قرفة وجور «3» . ولا جرم أن الذي يبقى من لتمر لا ينتفع به العيال إذا كان قدّام من يتخيّر. وكان يقول:
ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق، وإنما هو تمر وما أصاب.
(1/254)

حديث سرّي بن مكرم
وزعم سرّي بن مكرم، وهو ابن أخي موسى بن جناح، قال: كان موسى يأمرنا ألّا نأكل ما دام أحد منا مشغولا بشرب الماء وطلبه. فلما رآنا لا نطاوعه دعا ليلة بالماء، ثمّ خطّ بإصبعه خطا في أرزّة كانت بين أيدينا فقال: هذا نصيبي، لا تعرضوا له، حتى انتفع بشرب الماء.
وأحاديثه في صدر الكتاب، وهذا منها.
وقال المكيّ لبعض من كان يتعشّى ويفطر عند الباسياني: ويحكم! كيف تسيغون طعامه، وأنتم تسمعونه يقول: «إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا» . ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء، ولا يقرأ غير هذه الآية؟ أنتم والله ضد الذي قال:
ألبان إبل تعلّة بن مساور ... ما دام يملكها عليّ حرام
وطعام عمران بن أوفى مثله ... ما دام يسلك في البطون طعام
إن الذين يسوغ في أعناقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام
قال: فمتى تعجب فأعجب من خمسين رجلا من العرب فيهم أبو رافع الكلابي، وهو شاعر نديّ «1» ، يفطرون عند أبي عثمان الأعور. فإفطاري من طعام نصراني أشدّ من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق.
حديث أبي المنجوف السدوسي
وحدثني أبو المنجوف السّدوسي «2» ، قال: كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحيّ فمررنا على نهر الأبلّة، ونحن تعبون، فجلسنا إليه. فلم
(1/255)

يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسران «1» أسود، فوضعه بين أيدينا. فأكل الشيخ الذي كان معنا. فلما رأيت أبي لا يأكل لم آكل، وبي إلى ذلك حاجة. فأقبل الناطور على أبي، فقال: «لم لا تأكل» ؟ قال:
«والله إني لأشتهيه، ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك إطعام الناس من الغريب. فلو جئتنا بشيء من السهريز والبرنيّ «2» لأكلنا» ، فقال مولانا، وهو شيخ كبير السنّ: «ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قطّ» .
إسماعيل بن غزوان
قال المكيّ: دخل إسماعيل بن غزوان الى بعض المساجد يصلّي، فوجد لصف تاما، فلم يستطع أن يقوم وحده، فجذب ثوب شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه. فلما تأخر الشيخ، ورأى إسماعيل الفرج «3» ، تقدّم فقام في موضع الشيخ وترك الشيخ قائما خلفه ينظر في قفاه، ويدعو الله عليه.
ثمامة وقاسم التمّار
كان ثمامة يحتشم «4» أن يقعد على خوانه من لا يأنس به، ومن رأيه أن يأكل بعض غلمانه معه. فحبس قاسم التمّار يوما على غدائه بعض من يحتشمه فاحتمل ذلك ثمامة في نفسه. ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها، ففعل ذلك مرارا حتّى ضجّ ثمامة، واستفرغ صبره. فأقبل عليه فقال: «ما
(1/256)

يدعوك إلى هذا؟ لو أردتهم لكان لساني مطلقا، وكان رسولي يؤدي عني.
فلم تحبس على طعامي من لا آنس به» ؟ قال: «إنما أريد أن أسخّيك، فأنفي عنك التبخيل وسوء الظنّ» . فلما أن كان بعد ذلك، أراد بعضهم الانصراف، فقال له قاسم: «أين تريد» ؟ قال: «قد تحرّك بطني، فأريد المنزل» قال: «فلم لا تتوضأ ههنا؟ فإن الكنيف «1» خال نظيف، والغلام فارغ نشيط، وليس من أبي معن «2» حشمة، ومنزله منزل إخوانه» ، فدخل الرجل يتوضأ؛ فلما كان بعد أيام حبس آخر، فلما كان بعد ذلك حبس آخر، فاغتاظ ثمامة، وبلغ في الغيظ مبلغا لم يكن على مثله قط، ثم قال: «هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخّيني. يحبسهم على أن يخرأوا عندي لمه؟ لأن من لم يخرأ عنده فهو بخيل على الطعام؟
وقد سمعتهم يقولون فلان يكره أن يؤكل عنده، ولم أسمع أحدا قط قال: فلان يكره أن يخرأ عنده» .
وكان قاسم شديد الأكل، شديد الحبط «3» قذر المؤاكلة. وكان أسخى الناس على طعام غيره، وأبخل الناس على طعام نفسه، وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمّل قط. فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة، حتى يجر معه إبنه إبراهيم. وكان بينه وبين إبراهيم إبنه في القذر بقدر ما بينه وبين جميع العالمين. فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظّ في الطّيبات.
فأتوه يوما بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة باكليل من عراق، بأكثر ما يكون من العراق «4» . فأخذ قاسم الذي يستقبله، ثم
(1/257)

أخذ يمنة، وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة، حتى لم يدع إلّا عرقا قدّام ثمامة، ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع.
وعارضه ابنه وحكاه. فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع، مسلوبة عارية، واللحم كله بين يده وبين يدي إبنه، إلا قطعة واحدة بين يديه، تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه. فلم يدفعها واحتسب بها في الكرامة والبرّ.
فقال قاسم لما فرغ من غدائه: «أما رأيتم إكرام ثمامة لإبني، وكيف خصّه» فلما حكي هذا لي، قلت: «ويلك أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه. هذا أخرجه الغيظ، وهذا الغيظ لا يتركه حتّى يتشفّى منك. فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت، وإن لم يقدر عليه أقدره لك الغيظ. وأبواب التجنّي كثيرة، وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت تجعله ذنبا جعلته، فكيف ذنوب من قرنك إلى قدمك» ! وكان ثمامة يفطر، أيام كان في أصحاب الفساطيط «1» ، ناسا، فكثروا عليه، وأتوه بالرقاع «2» والشفاعات. وفي حشوة المتكلمّين «3» أخلاق قبيحة، وفيهم على أهل الكلام، وعلى أرباب الصناعات، محنة عظيمة. فلما رأى ثمامة ما قد دهمه، أقبل عليهم وهم يتعشون فقال:
«إن الله عزّ وجل لا يستحي من الحق، كلكم واجب الحق، ومن لم تجئنا شفاعته فالحرمة كمن تقدمت شفاعته. كما أنا لو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ لم يكن بعضكم أحق بذلك من بعض، فكذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم بالحرمان من بعض، أو بالحمل عليه «4» ، أو بالإعتذار اليه، من بعض. ومتى قرّبتكم وفتحت بابي لكم، وباعدت
(1/258)

من هو أكثر منكم عددا، وأغلقت بابي دونهم، لم يكن إدخالي إياكم عذرا لي، ولا في منع الآخرين حجّة» . فانصرفوا ولم يعودوا.
قال أبو محمد العروضّي: وقعت بين قوم عربدة، فقام المغنّي يحجز بينهم، وكان شيخا معتلا بخيلا، فمسك رجل بحلقه فعصره، فصاح:
معيشتي معيشتي، فتبسم.
وحدثني ابن أبي كريمة، قال: وهبوا للكناني المغنّي خابية فارغة؛ كان عند انصرافه وضعوها له على الباب، ولم يكن عنده كراء حمّالها، وأدركه ما يدرك المغنّين من التّيه، فلم يحملها، فكان يركلها ركلة «1» ، فتتدحرج وتدور بمبلغ حميّة الركلة. ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان، ويرى ما تصنع، ثم يدنو منها ثم يركله أخرى، فتتدحرج وتدور، ويقف من ناحية. فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ بها المنزل.
عبد النور
قالوا: كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن «2» قد استخفى بالبصرة، في عبد القيس «3» ، من أمير المؤمنين أبي جعفر وعمّاله. وكان في غرفة قدامها جناح «4» . وكان لا يطلع رأسه منها. فلما سكن الطلب شيئا، وثبت عنده حسن جوار القوم، صار يجلس في الجناح، يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص، لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة، فلما طالت به الأيام، ومرّت أيام السلامة،
(1/259)

جعل في الجناح خرقا بقدر عينه. فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسمورا. ثم ما زال يفتحه الأول فالأول، إلى أن صار يخرج رأسه، ويبدي وجهه. فلما لم ير شيئا يريبه، قعد في الدهليز، فلما ازداد في الأنس، جلس على باب الدار، ثم صلّى معهم في مصلاهم ودخل، ثم صىّ بعد ذلك وجلس. والقوم عرب، فكانوا يفيضون في الحديث، ويذكرون من الشّعر الشاهد والمثل، ومن الخبر الأيام والمقامات. وهو في ذلك ساكت، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم، خرج عن أدبهم، وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم، فقال له: «يا شيخ إنا قوم نخوض في ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، وأنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك. ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كها، وأخبار المثالب «1» بأسرها، لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك. فلو عرّفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك، ومن مدح عدوّك» . فلطمه شيخ منهم وقال: «لا أمّ لك! محنة كمحنة الخوارج، وتنقير كتنقير العيّابين «2» . ولم لا تدع ما يريبك الى ما لا يريبك، فسكت إلا عما توقن بأنه يسرّه» ؟
قال: وقال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر، فتحولت الى شقّ بني تميم. فنزلت برجل، فأخذته بالثقة، وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم. وكان للرجل كنيف إلى جانب داره، يشرع في طريق لا ينفذ، إلا من مرّ به في ذلك الشارع رأى مسقك الغائط من خلاء ذلك الجناح. وكان صاحب الدار ضيّق لعيش، فاتّسع بنزولي عليه.
فكان القوم إذا مرّوا به، ينظرون إلى موضع الزبل والغائط، فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه. فبينا أنا جالس ذات يوم، إذ أنا
(1/260)

بأصوات ملتفّة على الباب، وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر، وإذا الجيران قد اجتمعوا إليه، وقالوا: ما هذا الثلط «1» الذي يسقط من جناحك، بعد أن كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك. وهذا ثلط يعبّر عن كل غضّ. ولولا أنك انتجعت «2» على بعض من تستر وتوارى لأظهرته. وقد قال الأول:
السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى. فلسنا نأمن من أن يجرّ على الحيّ بليّة، ولست تبالي إذا حسنت حالك في عاجل أيامك الام يفضي بك الحال، وما تلقى عشيرتك. فأمّا أن تخرجه إلينا، وإما أن تخرجه عنا» .
قال عبد النور: فقلت: «هذه والله القيافة، ولا قيافة بني مدلج «3» . إنا لله! خرجت من الجنة إلى النار» . وقلت: «هذا وعيد وقد أعذر من أنذر» .
فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء، ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك «4» .
الأصمعي وجلساؤه
شهدت الأصمعي يوما، وأقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم، وعمّا يأكلون ويشربون. فأقبل على الذي عن يمينه، فقال: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: «اللحم» ، قال: «أكل يوم لحم» ؟ قال: «نعم» ، قال: «وفيه الصفراء البيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرّة» ؟ قال: «نعم» . قال: «بئس العيش! هذا ليس عيش آل
(1/261)

الخطاب. كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا، وكان يقول: مدمن اللحم كمدمن الخمر» .
ثم سأل الذي يليه، قال: «أبا فلان ما إدامك» «1» ؟ قال: «الآدام الكثيرة والألوان الطيّبة» ، قال: «أفي إدامك سمن» ؟ قال: «نعم» ، قال: «فتجمع السمن والسمين على مائدة» ؟ قال: «نعم» . قال:
«ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا. وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدّرها في قدر واحدة، وقال إن العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا» .
ثم يقبل على الآخر، فيقول: «أبا فلان ما إدامك» ؟ قال: «اللحم لسمين، والجداء الرضع» . قال: «فتأكله بالحوّاري «2» » ؟ قال: «نعم» قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان بن الخطاب يضرب على هذا.
أو ما سمعته يقول: أتروني لا أعرف الطعام الطّيب؟ لباب. البرّ بصغار المعزى. ألا تراه كيف ينتفي من أكله، وتنتحل معرفته» ؟
ثم يقبل على الذي يليه، فيقول: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول:
«أكثر ما نأكل لحوم الجزور، ونتخذ منها هذه القلايا، ونجعل بعضها شواء» ، قال: «أفتأكل من أكبادها واسنمتها، وتتخذ لك الصباغ «3» » ؟
قال: «نعم» . قال: «ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب يضرب على هذا، أو ما سمعته يقول: «أتروني لا أقدر أن اتخذ أكبادا وأفلاذا «4» وصلائق «5» وصنابا «6» » ؟ ألا تراه كيف ينكر أكله، ويستحسن معرفته» ؟
(1/262)

ثم يقول للذي يليه: «أبا فلان ما أدمك» ؟ فيقول: «الشبارقات «1» والأخبصة والفالوذجات «2» » . قال: «طعام العجم، وعيش كسرى، ولباب البرّ، بلعاب النحل، بخالص السمن» ، حتى أتى على آخرهم؛ كل ذلك يقول: «بئس العيش هذا. ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب. يضرب على هذا» .
فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم، فقال: «يا أبا سعيد ما أدمك» ؟ قال: «يوما لبن، ويوما زيت، ويوما سمن، ويوما تمر، ويوما جبن ويوما قفار، ويوما لحم. عيش آل خطاب» .
ثم قال: قال أبو الأشهب: كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما. فإن غلا فبدرهم، فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم.
ونبّئت عن رجل من قريش أنه كان يقول: «من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطي» وإنه قال لابنه: «أي بني؛ إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطى» . ثم أقبل علينا، فقال: هل علمتم أن اليأس أقلّ من القناعة وأعزّ؟ إن الطمع لا يزال طمعا، وصاحب الطمع لا ينتظر لأسباب، ولا يعرف لطمع الكاذب من الصادق. والعيال عيالان: شهوة مفسدة وضرس طحون «3» ، وأكل الشهوة أثقل من أكل الضرس؛ وقد زعموا أن العيال سوس المال، وأنه لا مال لذي عيال. وأنا أقول إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس، وتأتي على ما
(1/263)

يقصّر دونه العيال وقد قال الحسن: «ما عال أحد قط عن قصده» .
وقيل لشيخ من أهل البصرة: «مالك لا ينمى لك مال» ؟ قال: «لأني اتخذت العيال قبل المال، واتخذ الناس المال قبل العيال» ، وقد رأيت من تقدم عياله ماله فجبره الإصلاح، ورفده الإقتصاد، وأعانه حسن التدبير، ولم أر لشهواتي تدبيرا، ولا لشرهي صبرا. وقال إياس بن معاوية «1» : «إن الرجل يكون عليه ألف فيصلح فتصلح له الغلة، ويكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح فتصلح له الغلة، فيكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيبيع العقار في فضل النفقة «2» » . وذكر الحديث عن أبي لينة «3» ، قال: كنت أرى زيادا وهو أمير يمرّ بنا على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج «4» على عنقها» . وكان سلم بن قتيبة يركب بغلة وحده، ومعه أربعة آلاف مرابطة «5» . ورآه الفضل بن عيسى على حمار، وهو أمير، فقال: «قعود نبي وبذلة جبار «6» » ، ولو شاء أبو سيّارة «7» أن يدفع بالعرب على جمل مهريّ «8» ، أو فرس عتيق لفعل، ولكنه أراد هدي الصالحين. وحمل عمر على برذون فهملج «9» تحته، فنزل عنه، فقال لأصحابه: «جنّبوني هذا الشيطان» . ثم قال لأصحابه:
«لا تطلبوا العز بغير ما أعزّكم الله به» .
(1/264)

قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال: «ما أعرف شيئا مما كان الناس عليه إلا الأذان» ، وأنا أقول ذلك، ولم يزل الناس في هبوط ما ترفّعوا بالإسراف وما رفعوا البنيان للمطاولة. وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سلمان في أيهما كان أسبق الى ركوب البراذين. وما للتاجر وللبرذون «1» ؟ وما ركوب التجار للبراذين إلا كركوب العرب للبقر.
لو كانوا إذا جلسوا في الخيوش «2» ، واتخذوا الحمامات في الدور، وأقاموا وظائف الثلج والريحان، واتخذوا القيان والخصيان، استردّ الناس ودائعهم، واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم، لعادوا الى دينهم وعيشهم. واقتصادهم. وإذا رآهم أصحاب الغلّات وأهل لشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا دونهم في البزّة والهيئة، فهلكوا وأهلكوا.
زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى «3» أراد يوما حاجة كان طريقه اليها على باب الأصمعي، وأنه دفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار، وقال له: «سأنزل في رجعتي الى الأصمعي، وسيحدّثني ويضحكني. فإذا رأيتني قد ضحكت، فضع الكيس بين يديه» . فلما دخل فرأى حبّا «4» مقطوع الرأس، وجرّة مكسورة العروة. وقصعة مشعّبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلّى بال، وعليه برّ كان «5» أجرد، غمز غلامه بعينه ألا يضع الكيس بين يديه، ولا يدفع اليه شيئا. فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه، فما تبسّم.
(1/265)

فقال له أنس: «ما أدري من أي أمريك أعجب: أمن صبرك على الضحك، وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله، أم من تركك إعطاءه، وقد كنت عزمت على إعطائه، وهذا خلاف ما أعرفك به» ؟ قال:
«ويلك! من استرعى الذئب فقد ظلم، ومن زرع سبخة «1» حصد الفقر. إني والله لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل، لما احتفلت بنشره له باللسان. وأين يقع مديح اللسان من مديح آثار الغنى على الإنسان.
فاللسان قد يكذب، والحال لا تكذب. لله در نصيب حيث يقول:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
أعلمت أن ناووس أبرويز «2» امدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة «3» ؛ لأن الشاعر يكذب ويصدق، وبنيان المراتب لا يكذب مرة ويصدق مرة. فلست بعائد إلى هذا بمعروف أبدا.
كان الأصمعي يتعوّذ بالله من الإستقراض والإستفراض «4» ، فأنعم الله عليه، حتى صار هو المستقرض منه، والمستفرض ما عنده. فاتفق أن أتاه في يوم واحد رجلان، وكان أحدهما يطلب الفرض، والآخر يطلب القرض، هجما عليه معا، فأبعله ذلك وملأ صدره ثم أقبل على صاحب السلف، فقال:
تتبدّل الأفعال بتبّدل الحال. ولكلّ زمان تدبير ولكل شيء مقدار، والله
(1/266)

في كل يوم شأن. كان الفقيه يمر باللقطة «1» فيتجاوزها ولا يتناولها، كي يمتحن بحفظها سواه، إذ كان جلّ الناس في ذلك الدهر يؤدون الأمانة ويحوطون اللقطة، فلما تبدّلوا وفسدوا، وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها، وأن يصبر على ما نابه من المحنة واختبر به من الكلفة.
وقد بلغني أن رجلا أتى صديقا له يستقرض منه مالا، فتركه بالباب، ثم خرج اليه، مؤتزرا «2» . فقال له: مالك؟ قال: جئت للقتال واللطام والخصومة والصخب. قال: ولم؟ قال: لأنك في أخذ مالي بين حالين: إما أن تذهب به، وإما أن تمطلني به. فلو أخذته، على طريق البرّ والصلة، لا عتددت عليك بحق، ولوجب عليك به شكر. وإذا أخذته من طريق السلف، كانت العادة في الديون والسيرة في الإسلاف الرد أو التقاضي. وإذا تقاضيتك أغضبتك أسمعتني ما أكره، فتجمع عليّ المطل وسوء اللفظ والوحشة وإفساد اليد في الإسلاف، وأنت أظلم.
فأغضب كما غضبت، فإذا نقلتني إلى حالك فعلت فعلك، وصرت أنا وأنت كما قال العربي: «أنا تئق وصاحبي مئق» «3» . فما ظنّك بتئق من الغيظ مملوء من الغضب، لأني متأق من الموق «4» مملوء من الكفران. ولكني أدخل الى المنزل فأخرج اليك مؤتزرا، فأعجّل لك اليوم ما ادّخرته الى غد. وقد علمت أن ضرب الموعظة دون ضرب الحقد والسخيمة «5» ، فتربح صرف ما بين الألمين، وفضل ما بين الشتمين.
وبعد، فأنا أضنّ «6» بصداقتي لك، وأشح على نصيبي منك، من أن
(1/267)

أعرّضه للفساد، وأن أعينك على القطيعة، فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا من أهل عصرك. فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيدا من مذهبهم، فلا تكلّف الناس علم الغيب فتظلمهم.
ثم قال: وما زالت العارية مؤدّاة، والوديعة محفوظة، فلما قالوا:
«أحق الخيل بالركض المعار، بعد أن كان يقال: «أحق الخيل بالصون المعار» ، وبعد أن قيل لبعضهم: «أرفق به» ، فقال: «إنه عارية» ، وقال الآخر: فأقتل، فسدت العارية، واستدّ هذا الباب «1» » .
ولما قالوا:
شمّر قميصك، واستعدّ لنائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم «2»
واخفض جناحك إن مشيت تخشّعا ... حتى تصيب وديعة ليتيم
وحين أكلت الأمانات الأمناء والأوصياء، ورتع فيها المعدّلون والصرّافون «3» ، وجب حفظها ودفنها، وكان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخؤون الفاجر واللئيم الغادر. وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر:
«لو سئلت العارية اين تذهبين» ، قالت: «أكسب أهلي ذمّا» «4» .
وأنا اليوم أنهى عن العارية والوديعة، وعن القرض والفرض. وأكره أن يخالف قولي فعلي. أما القرض فلما أنبأتك «5» ، وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت المال. ولو وهبت لك درهما واحدا، لفتحت على مالي بابا لا تسدّه الجبال
(1/268)

والرمال. ولو استطعت أن أجعل دونه ردما «1» كردم يأجوج ومأجوج «2» لفعلت. إن الناس فاغرة أفواههم نحو من عنده دراهم، فليس يمنعهم من النهس «3» إلا اليأس، وإن طمعوا لم تبق راغية ولا ثاغية، ولا سبد ولا لبد «4» ، ولا صامت ولا ناطق «5» ، إلا ابتلعوه والتهموه. أتدري ما تريد بشيخك؟ إنما تريد أن تفقره. فإذا أفقرته فقد قتلته. وقد تعلم ما جاء في قتل النفس المؤمنة.
فلم أشبّه قول الأصمعي لهذا الرجل حين قال: «أضن بك، وأشحّ على نصيبي منك، من أن أعرّضه للفساد» ، إلا بقول ثمامة حين قال لا بن سافري: «يا عاضّ بظر أمه. بالنظر مني أقول لك، وبالشفقة منّي أسبك» .
وذلك أنه ندم حين أعضّه، فرأى أن هذا القول يجعل ذلك منه يدا ونعمة.
وشهدت ثمامة، وأتاه رجلان قال أحدهما: «لي إليك حاجة» . فقال ثمامة: «ولي إليك أيضا حاجة» ، قال: «وما حاجتك» ؟ قال: لست أذكرها لك حتى تضمن لي قضاءها» ، قال: «قد فعلت» ، قال: «فحاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة» ، قال: «إنك لا تدري ما هي» . قال: بلى قد دريت» ، قال:
«فما هي» ؟ قال: «هي حاجة. ليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تحوج إلى شيء من الكلفة» ، قال: «فقد رجعت عما أعطيتك» . قال: «لكنّي لا أردّ ما أخذت» .
فأقبل عليه الآخر، فقال: «لي حاجة الى منصور بن النعمان» ، قال:
«قل: لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس. لأني أنا الذي أقضي لك الحاجة، ومنصور يقضيها لي. فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري يقضيها لي» ، ثم قال:
«فأنا لا أتكلم في الولايات ولا أتكلم في الدراهم من قلوب الناس ولأن
(1/269)

الحوائج تقتصّ «1» ، فمن سألته اليوم أن يعطيك، سألني غدا أن أعطي غيرك، فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي. ليس عندي دراهم، ولو كان عندي دراهم لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها. ولكني أؤنب لكم من شئتم عليّ لكم من التأنيب كل ما تريدون» . قلت له: «فإذا أنّبت رجلا في أمر لم تتقدم فيه بمسألة، كيف يكون جوابه لك» ؟ فضحك حتى استند الى الحائط.
وجاء مرّة أبو همام السنّوط، يكلمه في مرمّة داره التي تطوّع ببنائها في رباط عبّادان «2» ، فقال: «ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا. قد كنت عزمت على هدمها حين بلغني أن الجبرية «3» قد نزلتها» ، قال: «سبحان الله تهدم مكرمة ودارا قد وقفتها للسبيل «4» » ؟ قال: «فتعجب من ذا؟ قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت قد بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك أن يبنيه في الشارع، وبناه في الرائغ «5» ، وحين بلغني أنه يخلط في الكلام، ويعين الشمرية «6» على المعتزلة. فلو أراده أبو همّام وجد من ثمامة مربدا»
جميع مساحة الأرض» . وكان حين يستوي له اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها.
وتمشّى رجل الى الغاضري قال: «إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق» ، قال: «فأيّ شيء تريد» ؟ قال: «أن تخلف عليه «8» ، قال:
(1/270)

«فليس عليه قطع الطريق، بل عليّ قطع» .
وأتى ابن اشكاب الصيرفي صديق له، يستلف منه مالا. فقال: «لو شئت أن أقول لقلت، وأن أعتلّ اعتللت، وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت، وليس أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا «1» . ليس أفعل. فإن التمست لي عذرا فهو أروح لقلبك، وإن لم تفعل فهو شرّ لك» .
وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا، فقال: «والله ما عندنا من شيء نعوّل عليه، وقد بلغ السكين العظم «2» . والبيع لا يكون إلا مع طول المدة.
والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عبّاد «3» ، فإنه يعرف الحال وصحّة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر. فلو كتبت إليه كتابا لسرّه ذلك ولسدّ منا هذه الخلّة القائمة الساعة» .
فتناول القلم والقرطاس، ليكتب اليه كتاب الواثق المدلّ، لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ما كان هو المتلقّي لها منه. ومضى بعض من كان في المجلس الى محمد ابن عبّاد ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه؛ فأتاه أمر لا يقوم له إلا بأن يتقدم بالكتابة، ليشغله بحاجته إليه عن حاجته اليه، فكتب اليه:
«مالي يضعف، والدخل قليل، والعيال كثير، والسعر غال، وأرزاقنا من الديوان قد احتسبت، وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب. فإن رأيت أن تبعث إليّ بما أمكنك فعجّل به، فان بنا إليه أعظم الحاجة» .
(1/271)

فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذه كتابه اليه، فلما قرأه استرجع وكتب إليه: «يا أخي تضاعفت عليّ المصيبة، حتى جمعت خلة عيالك الى خلة عيالي.
وقد كنت على الاحتيال لهم، وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الأضطراب، وسأتحرّك في بيع ما عندي، ولو ببعض الطرح «1» » .
فلما رجع الكتاب الى ابن عبّاد سكن، وألقى صاحبه في أشد الحركة وأتعب التعب.
وكان رجل من أبناء الحربية له سخاء وأريحية، وكان يكثر من استزارة «2» ابن عبّاد، ويتلف عليه من الأموال، من طريق الرغبة في الأدباء وفي مشايخ الظرفاء. وكان يظن بكرمه، أن زيارته ابن عبّاد في منزله زيادة في المؤانسة وقد كان بلغه إمساكه، ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه.
فأتاه يوما متطرّئا «3» ، وقال: «جئتك من غير دعاء، وقد رضيت بما حضر» . قال: «فليس يحضر شيء. وقولك: «بما حضر» لا بدّ من أن يقع على شيء» . قال: «فقطعة مالح» ، قال: «وقطعة مالح ليس هي شيء» ؟
قال: «بلى» ، ثم قال: «فنحن نشرب على الريق» ، قال: «لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس «4» » ، قال: «فأنا أبعث الى النبيذ» ، قال: «فاذا صرت الى تحويل النبيذ، فحوّل أيضا ما يصلح للنبيذ» . قال: «ليس يمنعني من ذلك، ومن إحضار النقل والريحان إلا لأني أحتسب لك هذه الزورة بدعوة، وليس يجوز ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر» . قال محمد: «فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح، وليس عليّ فيه فساد. في هذه النخلة زوج ورشان «5» ، ولهما فرخان
(1/272)

مدركان، فان نحن وجدنا انسانا يصعدها، فانها سحيقة منجردة «1» ، ولم يطيرا، فانهما قد صارا ناهضين، جعلنا الواحد طباهجة «2» ، والآخر كردناجا، فإنه يوم كردناج» .
فطلبوا في الجيران انسانا يصعد تلك النخلة، فلم يقدروا عليه؛ فدلوهم على أكّار لبعض أهل الحربية. فما زال الرسول يطلبه، حتى يقع عليه. فلما جاء به ونظر الى النخلة، قال: «هذه لا تصعد ولا يرتقى عليها إلا بالتبليا والبربند «3» ، فكيف أرومها أنا بلا سبب» ؟ فسألوه أن يلتمس لهم ذلك، فذهب فغبر مليّا، ثم أتاهم به. فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر فكان هو الطباهج والكردناج «4» ، وهو الغداء وهو العشاء.
وكتب إبراهيم بن سيّابة «5» الى صديق له، يساويه في الأدب، ويرتفع في الحال وكان كثير المال، كثير الصامت، يستسلف منه بعض ما يرتفق به، الى أن يأتيه بعض ما يؤمل. فكتب اليه صديقه هذا يعتذر، ويقول: «إن المال مكذوب له وعليه، والناس يضيفون الى الناس في هذا الباب ما ليس عندهم.
وأنا اليوم مضيق «6» . وليست الحال كما نحب. وأحق من عذر الصديق العاقل» ، فلما ورد كتابه على ابن سيّابة، كتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا» .
علم العرب في الطعام:
قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار الكتاب
(1/273)

طويلا كبيرا، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون به وما يتهاجمون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب طويلا كبيرا، الى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، يتمادحون به وما يتهاجون به شيء، وإن قلّ، ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب.
الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزلّة «1» . ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر «2»
وجاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله» . وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن: «أو لم ولو بشاة» ، وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمّان عمرو بن عبيد «3» ويقولان: «لا يجيب الولائم» . يجعلان طعام الإملاك والإعراس والسبوع «4» والختان وليمة.
والعرس معروف، إلا أن المفضّل الضبّي «5» زعم أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: «لا عطر بعد عروس» . وكان الأصمعي يجعل العروس
(1/274)

رجلا بعينه، كان بنى على أهله فلم يتعطر له، فسمّي بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الإسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في الخبر.
وأما الخرس «1» فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء.
وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة، والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء:
«تخرسي لا مخرّسة لك» . وفي الخرسة يقول مساور الوراق:
إذا أسدية ولدت غلاما ... فبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبير «2» ... بأخبث ما يجدن من الطعام
قوال ابن القميئة: «3»
شرّكم حاضر وخيركم د ... رّخروس من الأرانب بكر «4»
فالخروس هي صاحبة الخرسة.
والأعذار طعام الختان، يقال: «صبي معذور وصبي معذر جميعا» .
وقال بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: «كنا إعذار عام واحد» . وقال النابغة:
فنكحن أبكارا وهنّ بإمّة ... أعجلنهننّ مظنّة الإعذار «5»
فزعموا أنهم سمّوا طعام الإعذار بالاعذار للملابسة والمجاورة.
(1/275)

كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتدلت تلك المعاني لم يتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: «ساق إليها صداقها» . وإنما كان هذا يقال حين كان الصّداق إبلا وغنما. وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه» . قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: «قد بنى فلان البارحة على أهله» وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبّته وخيمته، وذلك هو بناؤه.
ولذلك قال الأول:
لو نزل الغيث لأبنين امرءا ... كانت له قبّة سحق بجاد «1»
وكان الأصمعي يعدّ من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه.
ومن طعامهم الوكيرة، وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه تبرّك بإطعام أصحابه ودعائهم. ولذلك قال قائلهم:
خير طعام شهد العشيرة ... العرس والإعذار والوكيرة
ويسمّون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم:
«النقيعة» . قال الشاعر:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدّام «2»
و «العقيقة» دعوة على لحم الكبش الذي يعقّ عن الصبي «3» .
والعقيقة اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقّوا عنه
(1/276)

أي احلقوا عقيقته. ويقولون. عقّ عنه، وعقّ عليه. فسميّ الكبش لقرب الجوار وسبب الملتبس: «عقيقة» . ثم سمّوا ذلك الطعام باسم الكبش.
وكان الأصمعي يقول: لا يقولنّ أحدكم: «أكلت ملّة» . بل يقول:
«اكلت خبزة» وإنما الملّة موضع الخبزة «1» . وكذلك يقول في الراوية والمزادة. يقول: الراوية هو الجمل، وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك «2» .
فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم النقري، والممدوح الجفلي. وذلك أن صاحب المأدبة ووليّ الدعوة إذا جاء رسوله، والقوم في أحويتهم «3» وأنديتهم، فقال: أجيبوا إلى طعام فلان، فجعلهم جفلة «4» واحدة، وهي الجفالة، فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان، وقم أنت يا فلان، فدعا بعضا وترك بعضا فقد انتقر. قال الهذلي:
وليلة يصطلي بالفرث «5» جازرها ... يخصّ بالنقرى المثرين داعيها
يقول: لا يدعو فيها إلا أصحاب الثروة وأهل المكافأة، وهذا قبيح وقال في ذلك بعض ظرفائنا:
آثر بالجدي وبالمائدة ... من كان يرجو عنده العائدة
لو كان مكوكان في كفه ... من خردل ما سقطت واحدة «6»
وقال طرفة بن العبد:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
(1/277)

ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته «1» عاصم بن خليفة الضبيّ، شدّ عليه فطعنه وهو يقول:
«هذا وفي الحفلة لا يدعوني»
ويروي: «في الجفلة لا يدعوني» . كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه.
والطعام المذموم عندهم ضربان، أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت «2» واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء. من ذلك الفث «3» والدعاع «4» والهبيد «5» والقرامة والقرّة والعسوم ومنقع البرم «6» والقصيد والقدّ «7» والحيّات. فأما الفظ فانه وإن كان شرابا كريها فليس يدخل في هذا الباب، وكذلك المجدوح. فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفاوز؛ وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الابل وتلقوا ألبابها بالجفان كيلا يضيع من دمائها شيء؛ فاذا برد الدم ضربوه بأيديهم، وجدحوه «8» بالعيدان جدحا حتى ينقطع، فيعتزل ماؤه من ثقله، كما يخلص الزبد بالمخض والجبن بالأنفحة «9» ، فيتصافنون «10» ذلك الماء ويتبلّغون به، حتى يخرجوا من المفازة. وقال الشاعر:
(1/278)

لم تأكل الفثّ والدّعاع ولم ... تجن هبيدا يجنيه مهتبده
قال أميّة ابن أبي الصلت: «1»
ولا يتنازعون عنان شرك ... ولا أقوات أهلهم العسوم
ولا قرد يقزز من طعام ... ولا نصب ولا مولى عديم
وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، في القرّة، وهو يعيّر بني أسد وناسا من هوازن «2» وهما ابنا القملية «3» :
ألم تر جرما أنجدت وأبوكم ... مع القمل في حفر الأقيصر شارع «4»
إذا قرّة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل، إني من هوازن ضارع «5»
و «القرامة» : نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها.
و «العلهز» : القردان ترضّ وتعجن بالدم «6» . و «القرّة» : الدقيق المختلط بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا على رأسه قبضة من دقيق، ليكون صدقة على الضرائك، وطهورا له. فمن أخذ ذلك الدقيق للأكل فهو معيب.
وفي أكل الحيّات يقول ابن مناذر:
فإيّاكم والريف لا تقربنّه ... فان لديه الحتف والموت قاضيا
وهم طردوكم عن بلاد أبيكم ... وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
(1/279)

وقال القطامي «1» في أكلهم القدّ:
تعمّمت في طلّ وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب «2»
الى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظلماء من كل جانب «3» .
فسلمت، والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حق على كل جانب «4»
فلما تنازعنا الحديث سألتها: ... من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب «5»
من المشتوين القد في كل شتوة ... وإن كان ريف الناس ليس بناصب «6»
وقال الراعي: «7»
بكى معوز من أن يضاف وطارق ... يشدّ من الجوع الإزار على الحشا
الى ضوء نار يشتوى القدّ أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار، فيمدحون من آثر صاحبه، ولا يذمّون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة «8» . و «المصافنة» : مقاسمة هذا الماء بعينه؛ وذلك أن الماء إذا نقص عن الريّ اقتسموه بالسواء، ولم يكن للرئيس ولصاحب المرباع والصفيّ وفضول المقاسم «9» فضل على أخسّ القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء. قال الفرزدق:
(1/280)

فلما تصافنّا الإدواة أجهشت ... إليّ غضون العنبريّ الجراضم «1»
على ساعة لو أنّ في القوم حاتما ... على جوده ضنّت به نفس حاتم
وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن مامة «2» ، حين آثر بنصيبه رفيقه النمري، فقال:
ما كان من سوقة أسقى على ظمأ ... خمرا بماء إذا ناجودها بردا «3»
من ابن مامة كعب ثم عيّ به ... زوّ المنية إلا حرة وقدا «4»
أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب، إنك ورّاد فما وردا
وفي المصافنة يقول الأسدي «5» :
كأن أطيطا يابنة القوم لم ينخ ... قلائص يحكيها الحنّي المنقّح «6»
ولم يسق قوما فارسيّ على الحصى ... صباب الأداوي والمطيّات جنّح «7»
ويزعمون أنّ الحصاة التي إذا غمرها الماء في الاناء كانت نصيب أحدهم تسمى «المقلة» «8» . وهذا الحرف سمعته من البغداديين، ولم أسمعه من أصحابنا، وقد برئت إليك منه.
وقال ابن جحوش في المصافنة:
ولما تعاورنا الإدواة أجهشت ... الى الماء نفس العنبريّ الجراضم
(1/281)

وآثرته لما رأيت الذي به ... على النفس أخشى لا حقات الملاوم «1»
فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب حظّ القوم بين الصرائم «2»
وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وأن أحدهم ليجوع حتى يشدّ على بطنه الحجارة، وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار «3» ، وينزع عمامته من رأسه فيشدّ بها بطنه. وإنما عمامته تاجة، والأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان حاسرا «4» ، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيّها وتضاعف أثنائها. ولربما اعتمّ بعمامتين، ولربما كانت على قلنسوة خدرية «5» . وقال مصعب بن عمير الليثي:
سيروا فقد جنّ الظلام عليكم ... فبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم
دفعنا اليه وهو كالذيخ خاطيا ... نشدّ على أكبادنا بالعمائم «6»
وقال الراعي في ذلك:
يشبّ لركب منهم من ورائهم ... فكلهم أمسى الى ضوئها سرى
الى ضوء نار يشتوي القدّ أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقدّ يشتوى
فلما أناخوا واشتكينا اليهم ... بكوا وكلا الخصمين مما به بكى «7»
بكى معوز من أن يضاف وطارق ... يشدّ من الجوع الإزار على الحشا
(1/282)

ومما يدل على ما هم فيه من الجهد، وعلى امتداحهم بالأثرة، قول الغنوي «1» :
لقد علمت قيس بن عيلان أننا ... نضار، وأنا حيث ركّب عودها «2»
إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ... ببعض، ويبلى شحّ نفس وجودها «3»
وأنّا مقار حين يبتكر الغضا ... إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها «4»
وقال في ذلك العجير السلولّي «5» :
من المهديات الماء بالماء بعد ما ... رمى بالمقاري كل قار ومعتم «6»
وقال آخر في مثل هذا:
لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث فإن يكثرن يوما فأربع
تمدّهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع
على أنها تغشى أولئك بيتها ... على اللحم حتى يذهب الشر أجمع
وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجرا فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: «من يستعفّ «7» يعفّه الله، ومن يستعن يعنه الله، رجعت ولم أسأله» .
(1/283)

قال أعرابي: «جعت حتى سمعت في مسامعي دويا. فخرجت أريغ «1» الصيد، فإذا بمغارة، وإذا جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادّهنت وأحتذيت» .
ولما قدم المغيرة «2» القادسيّة «3» على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ضيق شديد من الحال، نحروها، وأكلوا لحومها، وأدّهنوا مشحوبها، واحتذوا «4» جلودها.
وذكر الأصمعي عن عثمان الشحّام، عن أبي رجاء العطاردي «5» ، قال: «لما بلغنا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفينا «6» وألقينا عليها جمالتنا «7» . فلا أنسى تلك الأكلة» . وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: «نعم الأدام الجوع. ونعم شعار المسلمين التخفيف» .
وذكروا عن عبد الملك بن عمير، «8» عن رجل من بني عذرة، قال:
خرجت زائرا لأخوال لي بهجر «9» ، فاذا هم في برث. «10» أحمر، بأقصى
(1/284)

حجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتانا تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو «1» بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصّفة والمعوة «2» . فتنكبت قوسي، وتقلدت جفيري «3» . فإذا هي قد أقبلت، فرميتها فخرّت لفيها.
فأدركت فقوّرت سرّتها ومعرفتها «4» ، فقدحت ناري، وجمعت حطبي، ثم دفنتها. ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم، فما استيقظت إلا بحرّ الشمس في ظهري. ثم كشفت عنها، فإذا لها غطيط «5» من الودك «6» ، كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم قمت إلى الرطب، وقد ضربه برد السحر، فجنيت المعوة والحلقان فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة، ثم سلاءة. وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطود.
وأنا اتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب. وهو من أحاديث الهيثم «7» .
وقال مديني لأعرابي: «أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون» ؟
قال: «نأكل ما دبّ ودرج إلا أم حبين «8» » ، فقال المديني: «لتهن أم حبين العافية» .
(1/285)

وقال الأصمعي: تعرّق أعرابي عظما، فلما أراد أن يقليه، وله بنور ثلاثة، قال له أحدهم: «أعطنيه» قال: «وما تصنع به» ؟ قال:
«أتعرّقه، حتى لا تجد فية مقيلا» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثاني:
«أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أتعرّقه، حتى لا يدرى ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله» ، قال: «ما قلت شيئا» ، قال الثالث: «أعطنيه» ، قال: «وما تصنع به» ؟ قال: «أجعله مخّة إدامه» ، قال «أنت له» .
وقال الآخر:
فإنك لم تشبه لقيطا وفعله ... وإن كنت أطعمت الأرزّ مع التمر
وقال الآخر:
إذا أنغاض منها بعضها لم تجد لها ... دوّيا لما قد كان منها مدانيا «1»
وإن حالوا أن يشعبوها رأيتها ... على الشعب لا تزداد إلا تداعيا «2»
معوّذة الأرحال، لم ترق مرقبا، ... ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «3»
ولا اجتزعت من نحو مكة شقة ... إلينا، ولا جازت بها العيس واديا «4»
ولكنها في أصلها موصلية ... مجاورة فيضا من البحر جاريا «5»
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا، ... وتعقب فيما بين ذاك المراديا «6»
فقلت: لمن هذي القدور التي رأى ... تهيل عليها الريح تربا وسافيا؟ «7»
فقالوا: وهل يخفى على كل ناظر ... قدور رقاش أن تأمّل رائيا «8»
(1/286)

فقلت: متى باللحم عهد قدوركم؟ ... فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا
ألاضحى الى الأضحى، وإلا فانها ... تكون كنسج العنكبوت كما هيا
فلما استبان الجهد لي في وجوههم ... وشكواهم أدخلتهم في عياليا
فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا ... أشاروا جميعا لجّة وتداعيا «1»
ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم ما أنا كاتبه لك. وهم وإن كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن حالا في الخصب. فلا تظنّن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل.
وحدثني الأصمعي، قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: «ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة «2» ، وهي له معرضة، شبعا» .
وقال الأفوه الأوديّ «3» :
تهنا لثعلبة بن قيس جفنة ... يأوي إليها في الشتاء الجوّع
ومذانب لا تستعار وخيمة ... سوداء عيب نسيجها لا يرقع «4»
وكأنما فيها المذانب حلقة ... وذم الدلاء على دلوج ينزع «5»
وقال معن بن أوس، وهو يذكر قدر سعيد بن العاص «6» ، في بعض ما يمدحه:
أخو شتوات لا تزال قدوره ... يحلّ على أرجائها ثم يرحل «7»
(1/287)

إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها ... لو شك قراها وهي بالجزل تشعل
سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت ... كهدر الجمال رزّما حين تجفل «1»
ترى البازل الكوماء فيها بأسرها ... مقبّضة في قعرها ما تحلحل «2»
كأن الكهول الشمط في حجراتها ... تغطرش في تيارها حين يجفل «3»
إذا التطمت أمواجها فكأنها ... عوائذ دهم في المحلّة قيّل «4»
إذا أحتدمت أمواجها فكأنما ... يزعزها من شدة الغلي أفكل «5»
تظل رواسيها ركودا مقيمة ... لمن نابه فيها معاش ومأكل «6»
وضاف «7» الفرزدق أبا السحماء، سحيم بن عامر، أحد بني عمرو بن مرثد، فأحمده وذكر في إحماده قدره، فقال:
سألنا عن أبي السحماء حتى ... أتينا خير مطروق لساري
فقلنا: يا أبا السحماء إنّا ... وجدنا الأزد أبعد من نزار
فقام يجرّ من عجل إلينا ... أسابيّ العنّاس مع الإزار «8»
وقام الى سلافة مسلحبّ ... رثيم الأنف مربوب بقار «9»
تدور عليهم والقدر تغلي ... بأبيض من سديف الكوم واري «10»
كأن تطلّع الترعيب فيها ... عذارى يطلعن إلى عذاري «11»
(1/288)

وقال الكميت في صفة القدر:
إوّز تغمّس في لّجة ... تغيب مرارا وتطفو مرارا
كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «1»
وأما ما ذكروا من صفات القدور، من تعيير بعضهم بعضا، فهو، كما أنشدني محمد ابن يسير: قال: لما قال الأول:
إن لنا قدرا ذراعين عرضها ... وللطول منها أذرع وشبار «2»
قال الآخر: وما هذه؟ أخزى الله هذه قدرا. ولكنّي أقول:
بوّأت قدري موضعا فوضعتها ... برابية من بين ميث وأجرع «3»
جعلت لها هضب الرخام وطخفة ... وغولا أثافي دونها لم تنزّع «4»
بقدر كأن الليل سحمة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
يعجّل للأضياف واري سديفها ... ومن يأتها من سائر الناس يشبع
قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق:
وقدر كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجذال خشب زال عنها هشيمها «5»
قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة؟ والله ما تشبع هذه الفرزدق ولكني أقول:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل
(1/289)

وقال عبد الله بن الزبير «1» يمدح أسماء بن خارجة:
ألم تر أن المجد أرسل يبتغي ... حليف صفاء وأتلى لا يزايله «2»
تخيّر أسماء بن حصن فبطنت ... بفعل العلى أيمانه وشمائله
ترى البازل «3» البختي فوق خوانه ... مقطعة أعضاؤه ومفاصله
ومما يجوز في هذا الباب، وإن لم يكن فيه صفة قدر، قول الفرزدق في العذافر بن زيد، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة:
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان العذافر «4»
ولو ضافه الدجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة يأجوج ومأجوج جوّعا ... لأشبعهم شهرا غداء العذافر
وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم «5» :
لو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر «6»
ولكن بشرا أسهل الباب للتي ... يكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر «7»
وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور. قال الرقاشي:
لنا من عطاء الله دهماء جونة ... تناول بعد الأقربين الأقاصيا «8»
(1/290)

جعلنا ألالا والرجام وطخفة ... لها فاستقلت فوقهن أثافيا «1»
مؤدية عنا حقوق محمد ... إذا ما أتانا بائس الحال طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربها ... إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا
فأجابه ابن يسير، فقال:
وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى ... بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «2»
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي: ... ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
وقال ابن يسير في ذلك:
قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار ... مثل القدور، ولم تفتصّ من غار «3»
لكنّ قدر أبي حفص، إذا نسبت ... يوما، ربيبة آجام وأنهار «4»
فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانيء الحكمي، يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضا، فقال:
ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت ... مركّبة الآذان أمّ عيال «5»
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرها ... وتنزلها عفوا بغير جعال «6»
ولو جئتها ملآى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها بعود خلال «7»
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كل هزال
(1/291)

وقال النمر بن تولب:
لها ما تشتهي: عسل مصفّى ... وإن شاءت فحوّاري بسمن
ومن أشرف ما عرفوه من الطعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان «1» ، وهو الفالوذق. مدحه بذلك أميّة بن أبي الصلت، فقال:
الى ردح من الشيزى عليها ... لباب البّر يلبك بالشّهاد «2»
ولهم الثريد، وهو في أشرافهم عامّ، وغلب عليه هاشم، حين هشم الخبز لقومه، وقد مدح به في شعر مشهور، وهو قوله:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف «3»
ومن الطعام الممدوح الحيس «4» . وتزعم مخزوم «5» أن أول من حاس الحيس سويد ابن هرمّي. وقال الشاعر:
وإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
والخبز عندهم ممدوح. وكان عبد الله بن حبيب العنبري، أحد بني سمرة، يقال له: آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وكان سيدبني العنبر في زمانه. وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير، يعني ثوب ابن شجمة العنبري. وهم يقدّمون اللحم على اللبن، ولذلك قال شاعرهم:
(1/292)

ولو أنها لم تدفع الرّسل دمها ... رأى بعضها من بعض أنسابها دما
ويقدّمون اللحم على التمر، ألا تراه يقول:
قرتني عبيد تمرها وقريتها ... سنام مصرّاة قليل ركوبها «1»
فهل يستوي شحم السنام إذا شتا ... وتمر جواثا حين يلقى عسيبها «2»
وليس يكون فوق عقر الابل وإطعام السنام شيء. والعقر هو النجدة، واللبن هو الرسل. قال الهذلي:
لو أن عندي من قريم رجلا ... لمنعوني نجدة أو رسلا
وقال الهذلي:
«ألا إنّ خير الناس رسلا ونجدة «3» » وقال المرّار بن سعيد الفقعسي:
لهم إبل لا من ديّات ولم تكن ... مهورا ولا من مكسب غير طائل «4»
ولكن حماها من شماطيط غارة ... خلال العوالي فارس غير مائل «5»
مخيّسة في كل رسل ونجدة ... ومعروفة ألوانها في المعاقل «6»
وقد وصفوا الثريد، فقال الراعي:
فبات يعدّ النجم من مستحيرة «7» ... سريع على أيدي الرجال جمودها
(1/293)

وقال فيها أيضا:
رأيت قدور الناس سودا على الصلى، ... وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر «1»
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها على طرف الظفر
يبيّنها للمعتفي بفنائهم ... ثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر «2»
تبينّ في محراثها أن عوده ... سليم صحيح، لم يصبه أذى الجمر «3»
تروح على حيّ الرباب ودارم ... وسعد، وتعروها قراضبة الفزر «4»
وللحيّ عمرو نفحة من سجالها ... وتغلب والبيض اللهاميم من بكر «5»
إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذرّ «6»
وقال بعض التميميين، وهو يهجو ابن حبّار:
لو أن قدرا بكت من طول ما حبست ... من الحفوف بكت قدر ابن حبار «7»
ما مسها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار
والشعوبية والآزادمردية «8» المبغضون لآل النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ممن فتح الفتوح، وقتل المجوس، وجاء بالإسلام، تزيّد في جشوبة عيشهم، وخشونة ملبسهم، وتنقص من نعيمهم ورفاهة عيشهم. وهم من أحسن الأمم حالا مع الغيث، وأسوأهم حالا إذا خفّت السحاب. حتى ربما
(1/294)

طبّق الغيث الأرض بالكلأ والماء فعند ذلك يقول المصرم «1» والمقتر:
«مرعي ولا أكولة» ، وعشب ولا بعير، وكلأ تبجع له كبد المصرم» .
ولذلك قال شاعرهم:
وجنّبت الجيوش أبا زينب ... وجاد على مسارحك السحاب
وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيّب وعرفوه، لأنّ الناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش. فقال زياد بن فياض، يذكر الدرمك «2» ، وهو الحوّاري:
ولاقت فتى قيس بن عيلان ماجدا ... إذا الحرب هرّتها الكماة الفوارس «3»
فقام الى البرك الهجان بسيفه ... وطارت حذار السيف دهم قناعس «4»
فصادف حدّ السيف قبّاء جلعدا ... فكاست وفيها ذو غرارين نائس «5»
فأطعمها شحما ولحما ودرمكا ... ولم تثننا عنه الليالي الحنادس «6»
وقال:
تظلّ في درمك وفاكهة ... وفي شواء ما شئت أو مرقه
وقال جرير:
تكلّفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقّق والصنّاب؟
(1/295)

وقال حسان بن ثابت:
ثريد كأنّ السمن في حجراته ... نجوم الثريا أو عيون الضياون «1»
وقال بن هرمة:
الى أن أتاهم بشيزية «2» ... تعنّ كواكبها الشبّك
وقال كامل بن عكرمة:
فقرّب بينهم خبزا ركودا «3» ... كساها الشحم ينهمر انهمارا
يدفّ بها غلاماه جميعا ... تردّهما الى الأرض انهصارا «4»
فأصبح سورهم فيها وعلمي ... لو أن العلم صنّفها إسارا «5»
فهذا في صفة الثريد.
وقال بشر بن أبي خازم:
ترى ودك السديف على لحاهم ... كلون الرار لبّده الصقيع «6»
وقال الآخر:
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدهان رأسه، فهو أنزع «7»
(1/296)

إذا النفر السود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا «1»
وقال الزبير بن عبد المطلب:
فإنا قد خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت «2»
ولولا الحمس لم يلبس رجال ... ثياب أعزّة حتى يموتوا «3»
ثيابهم شمال أو عباء ... بها دنس كما دنس الحميت «4»
فميزّ كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم.
وقال الأعشى:
للشرف العود فأكنافه ... ما بين حمران فينصوب «5»
خير لها إن خشيت جحره ... من ربها زيد بن أيّوب «6»
متكئا تقرع أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا «7»
وليس هذا من باب الافراط. وباب الافراط كقول جران العود وصف نفسه وعشيقته، فقال:
فأصبح في حيث التقينا غدية ... سوار وخلخال ومرط مطرف «8»
(1/297)

ومنقطعات من عقود تركنها ... كجمر الغضا في بعض ما تتخطرف «1»
ومن ذلك قول عديّ بن زيد:
يا لبينى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرقبها ... تقضم الهنديّ والغارا «2»
وقال الآخر:
أرى في الهوى نارا لظبية أوقدت ... يشبّ ويذكى بعدهنّ وقودها «3»
تشبّ بعيدان اليلنجوج موهنا ... وبالرند أحيانا فذاك وقودها «4»
قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو، وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم والصنف الآخر كالخزيرة التي تعاب بها مجاشع بن دارم «5» ، وكنحو السخينة «6» التي تعاب بها قريش.
قال خداش بن زهير «7» :
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم «8»
وقال عبد الله بن همّام «9» :
إذا لضربتهم حتى يعودوا ... بمكة يلعقون بها السخينا
(1/298)

وقال جرير:
وضع الخزير، فقيل: أين مجاشع ... فشحا جحافله هجفّ هبلع «1»
والخزير لم يكن من طعامهم، وله حديث. والسخينة كانت من طعام قريش.
وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان بقرب النخل، بأكل التمر، فقال الفرزدق:
لست بسعديّ على فيه حبرة ... ولست بعبديّ حقيبته التمر «2»
وتهجى أسد بأكل الكلاب، وبأكل لحوم الناس. والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها، كما تمدح القبيلة بفعل جميل، وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها. فتهجو قريشا بالسخينة، وعبد القيس بالتمر. وذلك عامّ في الحيين جميعا، وهما من صالح الأغذية والأقوات. كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد، ولعلّك إذا أردت التحصيل تجده معذورا. قال الشاعر:
يا فقعسي «3» لم أكلته لمه؟ ... لو خافك الله عليه حرّمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
وقال في ذلك مساور بن هند:
إذا أسدّية ولدت غلاما ... فبشّرها بلؤم في الغلام
تخرّسها نساء بني دبير ... بأخبث ما يجدن من الطعام
ترى أظفار أعقد ملقيات ... براثنها على وضم الثمام «4»
(1/299)

وقال:
بني أسد إن تمحل العام فقعس ... فهذا إذا دهر الكلاب وعامها
وقال الفرزدق:
إذا أسديّ جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله
وقال شريح بن أوس، وهو يهجو أبا المهوّش الأسدي:
عيّرتنا تمر العراق وبرّه ... وزادك أير الكلب حسحسة الجمر
وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. قال الشاعر في هذيل:
وأنتم أكلتم سحفة ابن محدّم ... زمانا فلا يأمنكم أحد بعد «1»
تداعوا له من بين خمس وأربع ... وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد «2»
ورفعتم جردانه لرئيسكم ... معاوية الفلحاء يا لك ما شكد «3»
وقال حسان فيهم:
إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له ... فائت الرجيع وسل عن دار لحيان «4»
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالشاة والكلب والانسان سيّان «5»
وهجا شاعر بلعنبر «6» ،، وهو يريد ثوب بن شحمة، وفيه حديث:
(1/300)

عجلتم ما صدّكم علاجي ... من العنوق ومن النعاج «1»
حتى أكلتم طفلة كالعاج «2»
ولما عيّر ثوب بن شحمة بأكل الفتى لحم المرأة، إلى أن نزل هو من الجبل، قال:
يا بنت عمي ما أدراك ما حسبي ... إذا لا تجنّ خبيث الزاد أضلاعي
إني لذو مرّة تخشى بوادره ... عند الصياح بنصل السيف قرّاع
فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم أمرأة، وكان ثوب هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما خبيثا، ولو مات عندهم جوعا. وله قصص.
ولقد أسر حاتم الطائي، وظل عنده زمانا.
وقال الشاعر يهجو باهلة بمثل ذلك:
إنّ غفاقا أكلته باهله ... تمشّشوا عظامه وكاهله «3»
وأصبحت أم غفاق ثاكله «4»
وهجيت بذلك أسد جميعا، بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة، حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب، وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق الغيظ والغيرة، فقال ابن دارة ينعي ذلك عليهم:
أفي أن رويتم واحتلبتم شكيّكم ... فخرتم؟ وفيم الفقعسيّ من الفخر؟ «5»
(1/301)

ورملة كانت روجة لفريقكم ... وأخت فريق، وهي مخزية الذكر «1»
أبا أرب كيف القرابة بينكم ... وإخوانكم من لحم أكفالها عجر «2»
وقال:
عدمت نساء بعد رملة فائد ... بني فقعس تأتيكم بأمان
وباتت عروسا ثم أصبح لحمها ... جلا في قدور بينكم وجفان «3»
وقال البراء بن ربعي، أخو مضرّس بن ربعي، يعيّر صلتا، وهو أخوه، فقال:
يا صلت إنّ محلّ بيتك منتن ... فارحل فان العود غير صليب
وإذا دعاك الى المعاقل «4» فائد ... فاذكر مكان صدارها المسلوب
والآن فادع أبا رجال إنها ... شنعاء لا حقة بأمّ حبيب
وأبو رجال هذا عمها. وقال في ذلك معروف الدبيري:
إذا ما ضفت ليلا فقعسيا ... فلا تطعم له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعه ... وخير الزاد ما منع الحراما
وعيرت كلب والقين بن جسر بأكل الخصى. وذلك بسبب النساء، وذلك أن واحدا منهم لما أطعم خصييه بسبب العبث بامرأة، سار مع من ركبوا ذلك منه فيهم مثل هذه السيرة، فقال بعض من ركب ذلك:
أبلغ لديك بني كلب وإخوتهم ... كلبا فلا تجترّوا بعدي على أحد
هذي الخصى فكلوها من نفوسكم ... كما أكلتم خصاكم في بني أسد
(1/302)

وهذا الباب يكثر ويطول، وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات. فإن أردته مجموعا فاطلبه في كتاب الشعوبية «1» . فإنه هناك مستقصى.
والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير نارا نبح، فيجاوبه الكلب، فيتبع صوته. ولذلك قال الشاعر:
ومستنج أهل الثرى يطلب القرى ... الينا وممساه من الأرض نازح «2»
وقال الآخر:
عوى حدس والليل مستحلس الندى ... لمستنبح بين الرميثة والحضر «3»
ويدلّك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب قول حميد الأرقط:
وعاو عوى والليل مستحلس الندى ... وقد ضجعت للغور تالية النجم «4»
فمنهم من يبرز كلبه ليجيب، ومنهم من يمنعه ذلك. قال زياد الأعجم، وهو يهجو بني عجل:
وتكعم كلب الحيّ من خشية القرى ... وقدرك كالعذراء من دونها ستر «5»
وقال آخر:
نزلنا بعمّار فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل «6»
فقلت لأصحابي، أسرّ إليهم: ... إذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟
(1/303)

وقال آخر:
أعددت للضيفان كلبا ضاربا ... عندي وفضل هراوة من أرزن «1»
وقال أعشى بني تغلب:
إذا حلّت معاوية بن عمرو ... على الأطواء «2» خنّقت الكلابا
وأنشدني ابن الأعرابي، وزعم أنه من قول المجنون:
ونار قد رفعت لغير خير ... رجاء أن تأوّبني الرعاء «3»
تأوّبني طويل الشخص منهم ... يجرّ ثفاله يرجو العشاء «4»
فكان عشاءه عندي خزير ... بتمر جثيثة فيه النواء
وقال في خلاف ذلك حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل «5»
وقال المرّار الحماني في كلبه:
ألف الناس فما ينبحهم ... من أسيف يبتغي الخير وحرّ «6»
وقال عمران بن عصام:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره
(1/304)

فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائره
وكفك حين ترى السائل ... ين أندى من الليلة الماطره «1»
فمنك العطاء ومنّا الثناء ... بكل محبرة سائره «2»
وفي أنس الكلاب بالناس، لطول الرؤية لهم، شعر كثير. وقال الشاعر:
يا أمّ عمرو أنجزي الموعودا ... وارعي بذاك أمانة وعهودا
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحى ... حتى تركت عقورهن رقودا
يضربن بالأذناب من فرح بنا ... متوسّدات أذرعا وخدودا
وقال ذو الرمة «3» :
رأتني كلاب الحي حتى ألفتني ... ومدّت نسوج العنبوت على رحلي
وقال الآخر:
بات الحويرث والكلاب تشمّه ... وسرت بأبيض كالهلال على الطوى «4»
هذا البيت يدخل في هذا الباب. وقال الآخر:
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب إني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك ينفحني ... والعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزقّ والقار «5»
(1/305)

وقال هلال بن خثعم:
إني لعفّ عن زيارة جارتي ... وإني لمنشوء إليّ اغتيابها «1»
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إلىّ كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتها ... ولا عالم من أي حوك ثيابها
وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف، لعادة النحر:
وفرحة من كلاب الحي يتبعها ... محض يزف به الراعي وترعيب
وقال ابن هرمة:
ومستنح نبّهت كلبي لصوته ... فقلت له: قم باليفاع فجاوب «2»
فجاء خفيّ الشخص قد رامه الطوى ... بضربة مسنون الغرارين قاضب «3»
فرحبّت واستبشرت حين رأيته ... وتلك التي ألقى بها كلّ نائب
وفي معنى الكلب من النباح يقول ابن أعيا في الحطيئة:
ألا قبح الله الحطيئة! أنه ... على كل ضيف ضافه فهو سالح
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا كل كلب، لا أبالك، نابح «4»
بكيت على مذق خبيث قريته ... ألا كل عبسيّ على الزاد نائح «5»
وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة، إذا كانوا يقومون بحق النعمة. قال الراجز:
«إن الندى حيث ترى الضغاطا» «6»
(1/306)

وقال الآخر:
يزدحم الناس على بابه ... والمشرع السهل كثير الزحام
وقال الآخر:
وإذا افتقرت رأيت بابك خاليا ... وترى الغنى يهدي لك الزوّارا
وليس هذا من الأوّل، إنما هذا مثل قوله:
ألم تر بيت الفقر يهجر أهله ... وبيت الغنى يهدى له ويزار
وهذا مثل قوله:
إذا ما قل مالك كنت فردا ... وأيّ الناس زوّار المقلّ؟
والعرب تفضّل الرجل الكسوب والغرّ «1» الطلوب، ويذمّون المقيم الفشل والدثور الكسلان. ولذلك قال شاعرهم، وهو يمدح رجلا:
شتى مطالبه، بعيد همّه ... جوّاب أودية، برود المضجع «2»
ومدح آخر نفسه، فقال:
فإن تأتياني في الشتاء وتلمسا ... مكان فراشي فهو بالليل بارد
وقال آخر:
إلى ملك لا ينقض النأي عزمه ... خروج تروك للفراش الممّهد «3»
وقال الآخر:
فداك قصير الهمّ يملأ عينه ... من النوم، إذ ملقى فراشك بارد
(1/307)

وقال آخر:
أبيض بّسام برود مضجعه ... اللقمة الفرد مرارا تشبعه
وهم يمدحون أصحاب النيران، ويذمون أصحاب الإخماد. قال الشاعر:
له نار تشبّ بكل ريح ... إذ الظلماء جللت اليفاعا «1»
وما أن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا «2»
وقال مزّرد بن ضرار:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز، للعيون النواظر «3»
جعلها شقراء ليكون أضوأ لها. وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشدّ لحمرة ناره، وإذا كثر دخالنه قلّ ضوؤه. وقال الآخر:
ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبّات الرياح الصوارد «4» .
وكلما كان موضع النار أشدّ ارتفاعا، كان صاحبها أجود وأمجد، لكثرة من يراها من البعد. ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول:
منع الغدر فلم أهمم به ... وأخو الغدر إذا همّ فعل
خشية الله وأني رجل ... إنما ذكري كنار بقبل «5»
وقالت خنساء السلمية: «6»
(1/308)

وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار «1»
وليس يمنعني من تفسير كل ما يمرّ الا اتكالي على معرفتك. وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام، وذهب مذاهب القوم، أو يكون قد شدا منه شدوا حسنا.
ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة. قال معدان بن جواس الكندي:
إن كان ما بلّغت عني فلا مني ... صديقي وحزّت من يديّ الأنامل
وكفّنت وحدي منذرا في ردائه ... وصادف حوطا من أعادي قاتل
وقال الأشتر مالك بن الحارث، «2» في مثل ذلك أيضا:
بقيت وحدي وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس «3»
خيلا كأمثال السعالي شذّبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس «4»
حمي الحديد عليهم فكأنه ... لمعان برق أو شعاع شموس
وقال ابن سيحان:
حرام كنّتي مني بسوء ... وأذكر صاحبي أبدا بذام «5»
لقد أحرمت ودّ بني مطيع ... حرام الدهن للرجل الحرام «6»
(1/309)

وخزهم الذي لم يشتروه ... ومجلسهم بمعتلج الظلام «6»
وإن جنف الزمان مددت حبلا ... متينا من حبال بني هشام «7»
وريق عودهم أبدا رطيب ... إذا ما اغبّر عيدان اللئام!! «8»
تم كتاب «البخلاء» للجاحظ
(1/310)

الفهرس
الصفحة الموضوع
5 مقدمة
15 توطئة
27 رسالة سهل بن هارون الى محمد
بن زياد والى بني عمه
37 أهل خراسان
43 قصة العراقي مع المروزيّ
44 المشاركة في طبخ اللحم
44 قصة مقلى الخراساني
45 طلاق بسبب غسل الخوان
45 الأكل مع الجماعة تكلّف
46 السلام والطعام
48 كذب بكذب
50 الزكاة والخلف
50 الاقتصاد في لبس الاخفاف
53 قصة أهل البصرة من المسجديّين
53 الحمار والماء الأجاج
55 مريم الصنّاع
56 درهم على درهم
57 ماء النخالة
58 الحرّاق والقداحة والعرجون
59 معاذة العنبرية
62 زبيدة بن حميد
64 ليلى الناعطية
64 وليد القرشي
65 جبل وأبو مازن
67 أحمد بن خلف اليزيدي
70 أجهز على الجرحى
71 خالد بن يزيد
82 طرف شتّى
87 قصة أبي جعفر الطرسوسي
87 قصة أبي محمد الخزامي
94 حديث خالد عبد الله القسري
95 قصة الحارثي
101 بلال بن أبي بردة
102 أبو شعيب القلّال ومويّس
103 أبو نواس
103 أبو الشمقمق
105 حديث الرسول
106 عوف بن القعقاع
106 تفسير كلام أبي فاتك
(1/311)

الصفحة الموضوع
109 الطفيلي
112 قصة الكنديّ
123 حديث اسماعيل بن غزوان
138 قصة أسد بن جاني
139 قصة الثّوري
141 حديث الخليل
142 اليمن والشؤم
143 وصية البخل
145 أعاجيب ابن عبد الرحمن
151 طرائف العنبري
152 طرائف أبي قطبة
154 طرائف فيلويه
155 قصة تمّام بن جعفر
160 عليّ الأعمى
160 الغزّال
161 ابن المقفع وابن جذام
162 أبو يعقوب الدقنان
163 أهل الجزيرة
163 أهل المازح والمديبر
164 سليمان الكثريّ
165 محفوظ النقّاش
166 حديث أبي القماقم
167 بين رجلين ابليّين
168 أحمد بن الخاركي
169 غلام صالح بن عفان
171 قصة ابن العقدي
172 اسماعيل بن غزوان
175 حديث ابن جهانة
175 حديث الأصمعي
176 حديث أبي الحسن المدائني
176 جديث المصري
179 أبو الهذيل
180 أبو سعيد المدائني
189 الأصمعي
190 حديث جعفر عن أبي عيينة
193 طرائف شتى
203 من أبي العاص بن عبد الوهاب الى الثقفي
222 رد أبي التوأم على أبي العاص
252 حديث ابن حسان
253 صاحب الثريدة
253 حديث طاهر الأسير
254 حديث ابراهيم بن عبد العزيز
254 الزنجيّ والأصبهاني والتمر
255 حديث سرّي بن مكرم
255 حديث أبي المنجوف السدوسي
256 إسماعيل بن غزوان
256 ثمامة وقاسم التمّار
259 عبد النور
261 الأصمعي وجلساؤه
(1/312)