Advertisement

التحرير الأدبي



الكتاب: التحرير الأدبي
المؤلف: د. حسين علي محمد حسين (المتوفى: 1431هـ)
الناشر: مكتبة العبيكان
الطبعة: الخامسة 1425هـ / 2004م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] المقدمة
مقدمة الطبقة الثانية
...
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله، وبعد:
فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب" التحرير الأدبي: دراسات نظرية ونماذج تطبيقية" أقدمها للقارئ الكريم، شاكرا الزملاء الأفاضل والطلاب في الجامعات العربية الذين تقبلوه بقبول حسن، وظنوا فيه وفي مؤلفه خيرا، فأقبلوا عليه، كما أشكر الذين كتبوا عن الطبعة الأولى، وأرجو أن تنال الطبعة الثانية من كريم عنايتهم ما نالته الطبعة الأولى.
وقد حافظت في هذه الطبعة على ما جاء في الطبعة الأولى، ولم أضف في هذه الطبعة إلا مقالة أدبية لعبد العزيز الرفاعي في فصل "المقالة" وقصة قصيرة لمحمود تيمور شيخ كتاب القصة العربية، في فصل "القصة"، ومسرحية في فصل واحد لعلي محمد الغريب في فصل المسرحية.
والله من وراء القصد، ومنه وحده التوفيق والسداد.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
د. حسين على محمد
الرياض، الجمعة 19 من ذي القعدة 1420هـ 25 من فبراير2000م
(1/5)

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلي آله، وبعد:
فمادة "التحرير الأدبي" مادة حديثة النشأة دخلت إلى مناهج الجامعات العربية لتسد نقصا في تكوين الطلاب اللغوي والأدبي، ولتساعد على إتقان التحرير، والقدرة على الكتابة السليمة.
وعلي الرغم من أن هذه المادة تدرس في كثير من الجامعات العربية، فإن المؤلفات فيها قليلة جدا لا تغطي جوانب المادة المختلفة، لذلك رأيت أن أعد كتابا جامعا لشتات هذه المادة، مقيما لحدودها، مميزا لخصائصها وسماتها، يجمع بين الفكر النظري والتطبيق العملي، ويشجع الدارس على الممارسة الفعلية للكتابة العربية الصحيحة، مع التركيز على فنون التحرير الحديثة التي جدت على الكتابة العربية.
كما عُنيت في هذا الكتاب، الذي أسميته:"التحرير الأدبي: دراسات نظرية، ونماذج تطبيقية"، بتقديم خلاصة دقيقة للقواعد العملية للغة العربية، مما يعين الطالب على استذكارها، وتطبيقها في ممارساته العملية كتابة وإبداعا.
وهذا الكتاب هو خلاصة خبرة طويلة في تدريس مادة "التحرير الأدبي"، وفي الممارسة الفعلية للكتابة الأدبية.
وقد أفاد المؤلف من الكتب السابقة التي تناولت "التحرير الأدبي" فقد
(1/7)

مهدت الطريق، وأنارت الدرب، فجزى الله أصحابها خير الجزاء على ما قدموه للغة القرآن، والكتابة العربية.
ولا يسع المؤلف إلا أن يتقدم بجزيل الشكر إلى سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية بالرياض ووكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي، فقد كان صاحب فكرة إصدار هذا الكتاب، والمعين عليها، والحافظ على إنجازها، فجزاه الله عن الكتاب وصاحبه خير الجزاء.
وأسأل الله أن يسد هذا الكتاب ثغرة في المكتبة العربية، وأن يكون خير عون لطلاب الجامعات العربية في مادة "التحرير الأدبي"، ولأصحاب الثقافة العامة الذين يرغبون في تقويم أساليبهم والارتقاء بفن الكتابة لديهم. والله الموفق.
وصلى الله على نبينا محمد.
د. حسين على محمد
الرياض، الأربعاء 4 من رمضان 1416هـ
24 من يناير 1996م
(1/8)

القسم الأول: الكتابة الصحيحة
الفصل الأول: الكتابة قديما وحديثا
مدخل
...
القسم الأول: الكتابة الصحيحة
الفصل الأول: الكتابة قديمًا وحديثًا
تعريف التحرير:
هو فن الكتابة الصحيحة، ونعني به الصياغة المحكمة التي تؤدي المعنى المراد التعبير عنه.
الكتابة ضرورة:
عرف الإنسان الكتابة من القديم وعمل على تطويرها حتى وصلت إلى هذا الشكل؛ "شعر الإنسان منذ البداية بعجزه عن تذكر الأحداث، والأعداد، والتواريخ، فعمل على تدوينها في صورة ثابتة يمكن الاحتفاظ بها والرجوع إليها كلما دعت الحاجة، فتوصل إلى تحويل الرموز الصوتية -أي اللغة- من رموز سمعية إلى رموز مرئية"1.
__________
1 د. أحمد شوقي رضوان، ود. عثمان بن صالح الفريح: التحرير العربي، ط3، مطابع جامعة الملك سعود، الرياض 1411هـ،1991م، ص11.
(1/11)

أنواع التأليف
أ-تأليف قائم على الجمع:
وهو الذي يجمع فيه المؤلف موضوعات مختلفة أو موحدة، ويضم بعضها إلى بعض، نقلا أو سمعا، مثل:
1- "البيان والتبيين": للجاحظ.
2- "الأغاني": لأبي الفرج الأصفهاني.
3- "الكامل في اللغة والأدب": للمبرِّد.
(1/11)

4-"زهر الآداب":للحصري القيرواني.
5-"العقد الفريد": لابن عبد ربه.
وتضم هذه الكتب موضوعات مختلفة، ينقل فيه المؤلف الآيات، والأحاديث الشريفة، والأشعار، والقصص، وغيرها ... دون ترتيب.
ب- التأليف الإبداعي:
وهو التأليف الذي يكتبه مؤلفه وفق فنون الكتابة الإبداعية المختلفة، كالشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، والسيرة الذاتية، مثل:
أ-إلى أمتي، وإلى حواء: لعبد الرحمن العشماوي "شعر".
ب-الموت والابتسام: لعبد الله باقازي "قصص قصيرة".
ج- التوأمان: لعبد القدوس الأنصاري "رواية".
د- أهل الكهف: لتوفيق الحكيم "مسرحية نثرية".
هـ- مجنون ليلى: لأحمد شوقي "مسرحية شعرية".
و أيامي: لأحمد السباعي "سيرة ذاتية".
جـ- التأليف المنهجي:
هو البحوث الأدبية والعملية التي تسير وفق خطة معينة، ويقسم الكاتب كتابه إلى أبواب، أو فصول مناسبة حتي يصل إلى النتائج، وغالبا ما يكون في موضوع لم يتناوله أحد من قبل، أو أن الذين تناولوه لم يعطوه حقه من البحث، أو يكون في زاوية جديدة1.
__________
1 انظر فصل" البحث" من هذا الكتاب، ص 323 وما بعدها.
(1/12)

د- الكتابة بوصفها جنسا أدبيا1:
تنقسم إلى قسمين:
1- كتابة إجرائية: وهي التي تقوم بوظيفة آنية ومحددة، كالتلخيص، والتقرير، والشكوى، والطلب، والرد، وغيرها2.
2- كتابة إبداعية: وهي فنون الأدب، مثل الشعر، والقصة، والرواية، والمسرحية، والسيرة الذاتية3
__________
1 انظر كتاب د. محمد صالح الشنطي: فن التحرير العربي: ضوابطه وأنماطه، ط2، دار عالم الكتب، الرياض 1412ـ1992، ص 24-25.
2 سندرس بعضها دراسة تفصيلية في القسم الثاني من هذا الكتاب.
3 سندرس بعضها دراسة تفصيلية في القسم الثاني من هذا الكتاب.
(1/13)

اللغة الموضوع، واللغة الأداة
1-اللغة الموضوع: هي التي يدرسها علماء النحو، والصرف، والبلاغة، وفقه اللغة.... وغيرها.
2- اللغة الأداة: وهي وسيلة التخاطب والتفاهم، نطقا وكتابة، وتختص بالكتابة وهي ما ندرسه في مادة التحرير الأدبي.
ظاهرة الضعف في استعمال اللغة العربية وعلاجها:
لوحظ في الآونة الأخيرة ضعف الطلاب في المراحل قبل الجامعية في اللغة
(1/13)

العربية، وقد عقدت في العقدين الأخيرين عدة ندوات لمناقشة هذه الظاهرة ورأى المختصين بعض الحلول لمعالجتها، ومنها:
1- الارتقاء بمستوى مدرسي اللغة العربية بالمراحل قبل الجامعية، ووضع خطة لتدريب المدرسين، تتضمن تجديد معلوماتهم.
2- الالتزام باللغة العربية الصحيحة في قاعات التدريس في المراحل قبل الجامعية، ومناشدة مدرسي جميع المواد الالتزام بذلك.
3- يجب تدريس النحو في المراحل قبل الجامعية من خلال نصوص أدبية، تختار لهم من كتب التراث، ومن الأدب الرفيع.
4-وضع الحوافز الأدبية والمادية للممتازيين في ميدان تعلم اللغة العربية.
5-تشجيع الطلاب على حفظ القرآن الكريم وتلاوته حتي يكتسبوا السليقة اللغوية التي ترفض الخطأ.
6-التركيز على تنمية المهارات اللغوية العربية، وهي فهم اللغة منطوقة، ومكتوبة، والتعبير الشفهي، والتعبير الكتابي.
7- استخدام التسجيلات الصوتية والمعامل اللغوية للتدريب على التعبير السليم والنطق السليم.
8- توجيه الطلاب إلى التحدث باللغة العربية الصحيحة أثناء المناقشة والحوار1.
__________
1 للمزيد من المناقشة والحوار اقرأ الكتاب الذي أصدرته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1412هـ لمجموعة من الباحثين بإشراف المجلس العلمي بعنوان "ظاهرة الضعف العام في استعمال اللغة العربية"، وراجع كتاب "العربية الصحيحة" للدكتور أحمد مختار عمر، ص 25 وما بعدها، حيث يلخص نتائج ندوة أقامتها جامعة الكويت، قسم اللغة العربية في الفترة من 4-6 نوفمبر 1979م.
(1/14)

اللغة والفكر
1- اللغة ضرورة
من مظاهر ذلك:
1- نعرف بها عقيدتنا الدينية.
2- أن الإنسان يقضي بها حاجاته.
3- نعرف بها المشاركات الاجتماعية، والأدوار الاجتماعية.
4- نعرف بها مواقف الإنسان واختياراته.
5- معرفة ثقافات الأمم الأخري، وآدابها، وأساطيرها وخرافاتها، وقصصها الساذجة، وأمثالها.
2- العلاقة بين اللغة والفكر:
1- لا يقوم الفكر إلا من خلال لغة.
2- الذي لغته مشوشة أفكاره مشوشة.
3- الذي لغته منضبطة أفكاره منضبطة.
4- على المفكر أن تكون لغته واضحة حتي تكون فكرته واضحة، وعليه أن يلجأ إلى الوسائل المعينة على ذلك.
(1/15)

3- كيف يكون الكاتب معبرا عن فكره بأكبر قدر من الصدق؟
- لكي يكون الكاتب معبرا عن فكره:
1- ينبغي أن يكون هناك حافز "داخلي، أو خارجي" للكتابة.
2- ينبغي أن تتوافر المعلومات اللازمة للكتابة في موضوع ما، مع المعرفة التامة به، والإلمام بجوانبه، "ويكون ذلك عن طريق الرؤية، أو الثقافة، أو البحث، أو التجربة".
3- ينبغي تحديد عناصر الموضوع وترتيبها فكريا، ووضعها في تسلسل منطقي سليم، مع صياغة الموضوع باللغة العربية الصحيحة.
4- لماذا ينصرف القارئ عن الكاتب؟
يمكن إجمال العيوب التي تصرف القارئ عن الكاتب فيما يلي:
1- عدم معرفة الكاتب لهدفه من الكتابة.
2- عدم وضوح الأفكار في ذهن الكاتب، وعدم إحاطته بالموضوع، أو افتقاره إلى المعرفة الكافية به.
3- عدم مراعاة الكاتب للترتيب المنطقي لأفكاره.
5-فيم تخلتف لغة الكتابة عن لغة الحديثة؟:
1-ثبات لغة الكتابة، أما لغة الحديث فهي متغيرة.
2-لغة الكتابة أكثر أمانة.
3-لغة الكتابة تتوجه إلى جمهور كبير، أما لغة الحديث فتتوجه إلى جمهور قليل.
4- لغة الكتابة معقدة، أما لغة الحديث فسهلة وبسيطة.
(1/16)

6- سمات لغة التفكير1:
1- الاختصار مثل: التفكير في حادث سيارة واجهك يوما، فأنت تفكر في الحادث نفسه ونتيجته، ولا تبحث عن التفاصيل وإنما ترسم صورة الحادث فقط "فتقول: حادث مخيف، ومروِّع".
2- العمومية: مثلًا: أنت تفكر في زيارة زرتها لشخص ما فإنك تذكر سماتها العامة فقط، وهل كانت جميلة أو سيئة.
3- عدم التمسك بقواعد اللغة: فالإنسان حينما يفكر، يفكر في الأشياء التي تشغله فحسب، سواء تمسك بالقواعد أم لا، فهو حينما يتذكر إنسانا فهو قد يقول لنفسه: "طيب، أو محترم، أو شرير" أما لو كتب ذلك، فسيكتب الجملة كاملة.
7- هل لغة الكتابة هي لغة الفكر؟ وما الدليل على ذلك؟
لغة الكتابة ليست هي لغة الفكر والدليل على ذلك:
1- أنني أكتب مسوَّدة عن الموضوع الذي أريد كتابته، فمثلا لو أردت كتابة موضوع أكتب مسودة له أولًا، ثم أنقله مرة أخرى بعد تنقيحه وترتيبه في ورقة أخري.
2-أنني أضع خطة أو أحدد الموضوع الذي أريد أن أتناوله، فمثلا لو أردت أن أكتب عن شاعر ما، مثل "حمزة شحاتة"، فإنني أحدد الموضوع، أو عناصر الموضوع الذي سأتناوله، فمثلا الفصل الأول يكون عن حياته،
__________
1 انظر فصل" اللغة والفكر" في كتاب "التحرير العربي" للدكتورين أحمد شوقي رضوان وعثمان بن صالح الفريح، ص3-19.
(1/17)

ويضم: حياته، نشأته، تعليمه، أساتذته، ثقافته. والفصل الثاني يكون عن موضوعات شعره: الغزل، التأمل....، ثم يكون الفصل الثالث عن خصائص شعره الفنية، ويكون الفصل الرابع عن آراء النقاد فيه.
8- كيف تكتب الفكرة؟
تعريف الفكرة: الفكرة هي نظرة خُلقية أو اجتماعية يراد تفسيرها وتحليلها، وقد تكون مثلًا سائرًا، أو بيتًا من الشعر جاريًا مجرى المثل، أو قصة ترمز إلى غاية وفكرة1.
__________
1 خليل هنداوي: تيسير الإنشاء، ط1، دار الشرق العربي، د. ت، ص216.
(1/18)

ترتيب عناصر كل فكرة:
كل فكرة يمكنك اتباع هذه الطريقة في وضع عناصرها:
1- مقدمة توضح ما فهمته من الفكرة والغرض الذي ترمي إليه.
2- يمكنك الاسترسال في هذه المقدمة لمعالجة الفكرة وأهدافها وبيان قيمتها وحقيقتها.
3- كل فكرة توجب عليك أن توضحها بأمثلة، ومثل واحد على الأقل يكون برهانًا على صحة نظرتك في الفكرة، وخير الأمثلة ما تقتبسه من حياتك الواقعية، أو الحوادث التاريخية، أو يكون نتيجة لقراءاتك، أو تأملاتك.
4- تلخيص لنظرتنا الشخصية للموضوع2.
__________
2 المرجع السابق "بتصرف"، ص216.
(1/18)

نموذج للتحليل:
الفكرة: البطالة أمّ العيوب.
النموذج: فقرتان:
1- البطالة أمّ العيوب: هذه فكرة صحيحة عن البطالة، إذ حين تصبح مجالًا للَّهو والكسل تُلقي صاحبها في بؤرة من الرذائل، ينتقل فيها من رذيلة إلى رذيلة؛ لأن الإنسان إذا لم يجد عملا نافعا يعمله، فهو مضطر إلى أن يلهو ويفسد في أيام بطالته، والحياة تريد العمل كائنا ما كان. ولا يستطيع الإنسان أن يألف الفراغ دائمًا.
2- ها هو ذا صديقك حامد، قد حلت به البطالة، وكأنما طابتْ له؛ لأنها أراحته من عناء العمل، فاستسلم إليها، وها هو ذا يتخبط في عواقبها، لقد صار أليف الشوارع، وصديق الملاهي، وابن الليالي. فيا لشدَّةَ ما تغيرَ وجهه! وتبدلت نفسه؛ لأن رذائل البطالة قد بدلت ملامحه الصافية، وغيرت نفسه الحانية1
__________
1المرجع السابق، ص216، 217 "بتصرف".
(1/19)

التحليل:
1- الفكرة هنا تتناول نظرة خلقية إلى البطالة.
2- في المقدمة وضح الكاتب ما فهمه من الفكرة، فـ"البطالة" عنده "تلقي صاحبها في بؤرة الرذائل" لا رذيلة واحدة.
(1/19)

وقد بين الكاتب أهمية العمل في الفقرة الأولى، وبرهانه على ذلك:
- إن الإنسان إذا لم يجد علمًا نافعًا يعمله، فهو مضطر إلى أن يلهو ويفسد في أيام بطالته.
- والحياة تريد العمل.
- والإنسان لا يستطيع أن يألف الفراغ الدائم.
3- في الفقرة الثانية ضرب مثلًا مقتبسًا من الحياة عن صديق أدركته البطالة، فصار:
- إلى الشوارع.
- صديق الملاهي.
- ابن الليالي.
وهذه الاستعارات المكنية السابقة تصوره بكائن ليلي لا يحلو له العيش إلا في الظلام" مثل الخفافيش، واللصوص، والحشرات السامة التي تظهر ليلا". ولذا لم تعد ملامحه صافية، ولا نفسه حانية كما كانت من قبل.
9- نموذج للقراءة:
(1/20)

الرجولة الحقة
لأحمد أمين1.
__________
1 المرجع السابق، ص223 وما بعدها.
(1/20)

عناصر الموضوع:
1-معنى الرجولة الحقة.
2- الأمثلة:
أ- متى يكون الوزير رجلًا؟
ب- متى يكون العالم رجلًا؟
ج- متى يكون الصانع رجلًا؟
3 بمَ تتوافر الرجولة للجميع؟
1- أريد بالرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف، من اعتداد بالنفس واحترام لها، وشعور عميق بأداء الواجب، مهما كلفه من نصب، وحماية لما في ذمته من أسرة وأمة، وبذل الجهد في ترقيتها، والدفاع عنها، واعتزاز بها، وإباء الضيم لنفسه ولها.
2- وهي صفة يمكن تحقيقها مهما اختلفت وظيفة الإنسان في الحياة.
أ- فالوزير الرجل: من يرى كرسيه تكليفًا لا تشريفًا، ورآه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه، أول ما يفكر فيه قومه، وآخر ما يفكر فيه نفسه.
يظل في كرسيه ما ظل محافظًا على حقوق أمته، وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه، يجيد فهم مركزه من أمته ومركز أمته من العالم، فيضع الأمور مواضعها، ويرفض في إباء أن يكون يومًا ما للأجنبي عليها، يقول "لا"
(1/21)

-حين يقولها- بملء فيه، ويقول "نعم" بملء فيه. فتكون منه خير درس للناشئين يتعلمون منه الرجولة، يقتل المسائل بحثا ودراسة، ويعرف فيه مواضع الصواب والخطأ، ومقدار النفع والضرر، ثم يقدم في حزم على عمل ما رأى واعتقد، لا يعبأ بتصفيق المصفقين، ولا بذم القادحين، إنما يعبأ بشيء واحد هو صوت ضميره، ونداء شعوره.
ب- والعالم الرجل: من أدى رسالته لقومه عن طريق علمه، يحتقر العناء يناله في سبيل حقيقة يكشفها أو نظرية يبتكرها، ثم هو أمين على حق بين يديه، لا يفرح بالجيد لجدته، ولا يكره القديم لقدمه، له صبر على الشدائد، وازدراء بالإعلان عن النفس، وإظهار للحقيقة، صادفت هوى الناس أو أثارت سخطهم، جلبت مالا أو أوقعت في فقر، يفضل قول الحق وإن أهين.
جـ- والصانع الرجل: من بذل جهده في صناعته إلى أرقى ما وصلت إليه في العالم، عشقها وهام بها حتى بلغ ذروتها، يشعر بأنه وطني في صناعته كوطنية السياسي في سياسته، وأن أمته تخدم من طريق الصناعة كما تخدم من طريق السياسة. وأن الصناعة لا تقل في بناء المجد القومي عن غيرها من شئون الدولة، فهو لهذا يرفض ربحًا كثيرًا مع الخداع، ويقنع بربح معتدل مع الصدق، وهو لهذا كان رجلًا.
3- إن في الرجولة متسعًا للجميع، فالزارع في حقله قد يكون رجلًا، والتلميذ في مدرسته قد يكون رجلًا، وكل ذي صناعة في صناعته قد يكون رجلًا، وليس يتطلب ذلك إلا الاعتزاز بالشرف وإباء المذلة.
(1/22)

الفصل الثاني: اللفظة
مدخل
...
الفصل الثاني: اللفظة
أ- الألفاظ وسماتها:
1- الألفاظ رموز لمدلولاتٍ خارجة عن الأشياء ذاتها.
2- عدد الألفاظ في اللغة قليل بالنسبة للتجارب الإنسانية عند الأمة، لهذا استخدمت اللفظة لأكثر من دلالة "لاحظ لفظتي "قرن" و"العين" في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لأبي العميثل الأعرابي"1.
3- برغم تعدد دلالات اللفظة الواحدة فإننا نستطيع أن نعرف المراد من اللفظة من خلال السياق والتراكيب.
4- الألفاظ لا تستخدم فرادى بل في سياق جمل.
ب- كيف يكون الكاتب دقيقًا في اختيار ألفاظه؟
يكون الكاتب دقيقًا في اختيار ألفاظه إذا استطاع:
1- التمييز بين المترادفات2.
2- استخدام اللفظة في سياقها المناسب.
3- البعد عن استخدام الألفاظ ذات الدلالات العامة.
جـ-كيف يتحرى الكاتب الكلمة الصحيحة؟
يتحري الكاتب الكلمة الصحيحة:
1 بأن تكون عربية أو معرَّبة.
__________
1 انظر كتابنا هذا، ص26، 27.
2 انظر كتاب رضوان والفريح "التحرير العربي"، ص23 وما بعدها.
(1/23)

2- أن تكون صحيحة الاشتقاق.
3- ألا تكون اللفظة دخيلة "أجنبية"، أو عامية.
د- كيف يستخدم الكاتب اللفظة في سياقها المناسب؟
هناك كلمات متشابهة، لكن على الكاتب أن يختار اللفظة المناسبة للتعبير الذي يريد أن يؤديه، وهذان مثلان من المتشابهات.
1-الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل "وكلها بمعنى جميل".
2- وجه دميم، خلق شتيم، كلمة عوراء، فعلة شنعاء، أمر شنيع، خطب فظيع" وكلها بمعنى قبيح"1.
هـ- كيف ينمي الكاتب ثروته اللفظية؟
الثروة اللظفية هي مخزون الإنسان من الألفاظ، وكل إنسان له معجم عام، وهو الألفاظ التي يستطيع أن يفهمها مكتوبة أو مسموعة، وهي مختزنة في ذاكرته، وتبدأ في التكوين منذ سني حياته الأولى عن طريق والديه ثم المجتمع، وله أيضًا معجم خاص وهو ما يستخدمه ذلك الإنسان فعلًا في حديثه وكتاباته وهو يمثل ثلث المعجم العام تقريبًا2، ولزيادة هذا المعجم:
1- عليه أن يحب المعرفة، فإذا أحب المعرفة أحب القراءة، ثم تعود عليها.
__________
1 انظر التحرير العربي، مرجع سابق، ص27.
2 انظر المرجع السابق، ص44، وانظر هذا الكتاب، ص28، 29.
(1/24)

2- عليه أن يقرأ في كل فروع المعرفة وليس في تخصصه فحسب، فقراءاته في العلوم والآداب والفنون المختلفة ستعرفه على ألفاظ جديدة لم يكن يعرفها من قبل.
3- عليه أن يقرأ في المعاجم المختلفة "معاجم الألفاظ، ومعاجم المعاني، والموسوعات المتخصصة".
و الظاء والضاد:
مسألة الفرق بين الضاد والظاء من المسائل التي شغلت القدماء بسبب صعوبة النطق بهما على من دخل الإسلام من الأمم المختلفة، بل وعلى بعض القبائل العربية كذلك. قال الصاحب بن عباد وهو من أوائل المؤلفين في هذا الباب:
"إذا كانا حرفين قد اعتاص معرفتهما على عامة الكُتَّاب، لتقارب أجناسهما في المسامع والتباس حقيقة كتابتهما". وقال بن الجزري:" والضاد انفرد بالاستطالة، وليس في الحروف ما يعسر على اللسان مثله، فإن ألسنة الناس فيه مختلفة، وقل من يحسنه، فمنهم من يخرجه ظاء، ومنهم من يمزجه بالذال"1.
والضاد حرف مجهور، وهو أحد الحروف المستعلية، وهو للعرب خاصة، ولا يوجد في كلام العجم إلا في القليل، أما الظاء فهو حرف مجهور وهو عربي،
__________
1 انظر مقدمة كتاب"الاعتماد في نظائر الظاء والضاد" لجمال الدين محمد بن مالك، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت 1404هـ 1984م، ص5.
(1/25)

خص به لسان العرب لا يشركهم فيه أحد من سائر الأمم، ومن ثم أطلقت "لغة الضاد" على اللغة العربية1.
ويخلط الكتاب والطلاب كثيرًا بين هذين الحرفين في كتابتهم، ومن ثم فعليهم الرجوع إلى المعاجم، أو الكتب التي تناولت الفروق بين الضاد والظاء، ومنها:
1- كتاب الفرق بين الضاد والظاء، للصاحب بن عباد، حققه الشيخ محمد حسن آل ياسين، ونشره ببغداد عام 1958م.
2-كتاب الضاد والظاء، لأبي الفرج محمد بن عبيد الله بن سهيل النحوي، نشره الدكتور عبد الحسين الفتلي، في مجلة المورد م8ع2، بغداد 1979م.
3- منظومة في الفرق بين الظاء والضاد، لأبي نصر محمد بن أحمد بن الحسين الفروخي، ونشرها الدكتور داود الجلبي، في مجلة "لغة العرب"، جـ6، سنة 1929م.
4- زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء، لأبي البركات الأنباري، نشره الدكتور رمضان عبد التواب، ببيروت 1971م.
ونقدم هنا ما ذكره جمال الدين محمد بن مالك في كتابه "الاعتماد في نظائر الظاء والضاد" تحت عنوان:
__________
1 المرجع السابق، ص5، 6
(1/26)

حرف الميم
المرض والمرظ:
المرض بالضاد: الداء.
والمرظ بالظاء: الجوع.
المضاضة والمظاظة:
المضاضة بالضاد: الحُرقة والوجع.
والمظاظة بالظاء: الوقوع في الشر، والخصومة.
المضرة والمَظَرَّة:
المضرة بالضاد: ضد المنفعة.
والمظرة بالظاء: الأرض ذات الحجارة المحددة.
المقيضة والمقيظة:
المقيضة بالضاد: البيضة التي خرج منها الفرخ. وبئر مقيضة: كثيرة الماء.
والمقيظة بالظاء: نبات يبقى أخضر إلى القيظ، يكون علفة للإبل إذا يبس ما سواه1.
__________
1 جمال الدين محمد بن مالك: الاعتماد في نظائر الظاء والضاد، مرجع سابق، ص68.
(1/27)

ز- ما اتفق لفظه واختلف معناه:
1-القَرْنُ:
القرن: من قرون الشاة والبقر.
القرن: هي الغفلة، يقال: امرأة بها قَرْنٌ.
القرن: الجُبيل الصغير، يقال: فلان عند ذلك القرن.
القرن: الحَلْبَة من العرق، يقال قد عصرنا الفرابير قرنًا أو قرنين.
القرن: من الناس، فإذا درج وفني قرن أتى قرن "الجيل من الناس، أهل زمان واحد".
القرن: من الصوف، الخُصلة منه.
القَرَن: الجعبة التي تكون فيها السهام.
القَرَن: أيضًا: مصدر الشاة القرناء، يقال: قرناء قبيحة القرَن.
القَرَن: أيضًا: دنُوُّ أحد خِلْفَيِ الشاة من صاحبه، يقال: هي قُرون بينة القرَن.
القرَن: طرف الحاجبين، يقال: رجل مقرون الحاجبين.
القرَن: الحبل يقرن فيه البعيران1.
__________
1 أبو العميثل الأعرابي: ما اتفق لفظه واختلف معناه، تحقيق، د. محمود شاكر سعيد، ط1، نادي جازان الأدبي، جازان 1412هـ، 1991م، ص32.
(1/28)

2- العين
العين على ثلاثة عشر وجهًا:
العين: هو النقد من دنانير أودراهم ليس بعَرْض1.
والعين: مطر أيامٍ لا يقلع، يقال: أصابت أرض بني فلان عينٌ.
والعين: عين البئر وهو مخرج مائها.
والعين: القناة التي تعمل حتي يظهر ماؤها.
والعين: ما عن يمين القبلة، قبلة أهل مغيبِ الشمس، يقال: نشأت السحابة من قِبَل العين.
والعين: عين الإنسان التي ينظر بها.
والعين: عين النفس، وهو من قولهم: عانَ الرجلُ الرجلَ إذا أصابه بعين، وذلك إذا نظر إليه فتعجب له، ورجل معين ومعيون.
والعين: عين الدابة أو الرجل، وهو الرجل نفسه أو الدابة، أو المتاع نفسه، تقول: لا أقبل منك إلا دراهمي بعينها: أي لا أقبل بدلًا منها، وهو قول العرب: لا تتَّبع أثرًا بعد عين2. وعينه يؤكد مثلُ "نفسه".
والعين: عين الميزان إذا رجحت إحدى كفتيه.
__________
1 العرض: كل متاع غير الدراهم والدنانير.
2 مثل يضرب لمن يبحث عن المستحيل.
(1/29)

والعين: عين الجيش الذي ينظر لهم وعليهم.
والعين: عين الرُّكبة.
والعين: هي النقرة التي عن يمين الرَّضفة1 وشمالها2.
حـ- ألفاظ بينها فروق دقيقة:
في تقسيم الحُسن العام:
- وجهٌ صبيح، أو وسيم، أو قسيم، وهو ذو صباحة أو وسامة أو قسامة.
- بشرة وضيئة. وهي ذات وضاءة.
- عينان حلوتان. وفيهما حلاوة.
- فم مليح. وهو ذو ملاحة.
- أنف جميل. وهو ذو جمال.
- لسان ظريف. وفيه ظرف.
- قَدٌّ رشيق. وهو ذو رشاقة.
- شمائل لبقة. وهي ذات لباقة3.
في تقسيم القبح العام:
- وجه دَميم. وهو ذو دَمامة.
- خلق ذميم. وهو يجتذب الذم والمذمة.
__________
1 الرضفة: العظم المنطبق على الركبة.
2 المرجع السابق، ص36، 37.
3 د. غازي براكس: فن الكتابة الصحيحة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1405هـ، 1985م، ص106.
(1/30)

كلمة عوراء: وفيها عَوَر.
- أمر شنيع، وفعلة شنعاء، وفيهما شناعة.
- امرأة سوداء: وهي تضاد "امرأة حسناء".
- أما "امرأة السوء": فتعني: صاحبة الشر والفساد.
- و"ذات السوءات": تعني: ذات الخلال القبيحة1.
في ترتيب عمر الإنسان
- الوليد: متى ولد.
- الصَّدِيغُ: ما دام لم يستتم سبعة أيام.
- الرضيع: ما دام يرضع.
- الفَطيم: إذا قطع عنه اللبن.
- الدّارج: إذا أخذ يدب، ويحاول المشْيَ.
- المثغور: إذا سقطت رواضعه.
- اليافع: إذا طالت قامته ولمَّا يبلغْ، أي ما بين سبع سنوات وعشر.
- المُتَرَعْرعُ والناشئ: إذا كان يبلغ العاشرة من العمر، أوجاوزها قليلًا، ويحسن إطلاقها على الطفولة الثالثة.
- الغلام: منذ فِطامه إلى أن يبلغ السنة السابعة.
__________
1 المرجع السابق، ص 106.
(1/31)

الطفل: منذ ولادته إلى السنة الثانية عشرة. والطفولة على ثلاث مراحل:
أولى"حتى الثالثة"، وثانية"الثالثة ـ السابعة"، وثالثة "السابعة ـ الثانية عشرة".
- المراهق: إذا أدرك سن البلوغ، بين الثانية عشرة والثامنة عشر.
- الفتى والحَدَثُ: إذا نبت شاربه، وإلى أن يبلغ الشباب.
- الشاب ما دام بين العشرين والأربعين.
- الكَهْل: ما دام بين الأربعين والستين.
- الهِمُّ واليفَنُ: إذا شاخ وضعف ونال منه العجز.
- الرجل العجوز: العاجز، والعجوز، بمقتضى إجازة مجمع اللغة العربية في القاهرة، بناء على جواز تأنيث" فَعول" إذ ذكر موصوفُة1.
في أولاد بعض الحيوانات
- المُهْرُ: ولد الفرس. وذكَر الفرس: الحصان. وأنثاه: الحجر.
- الجَحْشُ: ولد الحمار. وأنثى الحمار: الأتان.
- العِجل: ولد البقرة. وذكَر البقرة: الثور.
- الحمَل: ولد الشاة. وذكر الشاة: الخروف. والأنثى: النعجة، والضأن: اسم جنس جامع.
- الحوار: ولد الناقة قبل أن يفصل عنها. وذكَر الناقة: الجمل. والاسم الجامع لهما: البعير. أما اسم الجنس فهو: الإبل.
__________
1 المرجع السابق، ص 107.
(1/32)

- الشبل: ولد الأسد. وأنثى الأسد اللَّبْوَة أو اللَّبُؤَة.
- الخشف: ولد الظبي. وأول ما يولد الظبي يسمى الطلا، ثم الخشف، ثم الغزال، ثم الشادن.
- الجرْو: ولد الكلب.
- الفرُّوج: ولد الدجاج.
- الخِرْنق: ولد الأرنب.
- الخِنَّوْص: ولد الخنزير.
- الدِّرْص: ولد الفأر.
- الدِّغْفَل: ولد الفيل.
- القِشِّة: ولد القرد.
-الدِّبسَم: ولد الدب.
-الهِجْرَس: ولد الثعلب1.
في الشديد من الأشياء
-الأُوَارُ: شدة الحر.
-الزمهرير والصِّرُّ: شدة البرد.
-الغَيْهَبُ: شدة سواد الليل.
-الخَفَر: شدَّةُ الحياء.
__________
1 المرجع السابق، ص113.
(1/33)

-الوَصَب: شدة الوجع.
-الهَلََع: شدة الجزع.
-اللِّدَد: شدة الخصومة.
-النصَب: شدة التعب.
-الحسرة: شدة الندامة1
في الجماعات
-كوكبة من الفرسان.
-سرب من النساء، أو الظباء، أو الطير.
-رعيل من الخيل.
-قطيع من الغنم أو النعم أو الوحوش.
-رِتْل من الجراد2.
ط- ألفاظ يقع فيها الاشتباه3:
- أمس، الأمس:
إذا قلت: "أمس" قصدت به اليوم السابق ليومك مباشرة. أما "الأمس" فيراد به أي يوم من الأيام الماضية، وهذا معنى قول النحويين: "إن أمس إذا
__________
1 المرجع السابق، ص116.
2 المرجع السابق، ص120.
3 رجعنا في هذا القسم إلى "معجم الأخطاء الشائعة" لمحمد العدناني، و"العربية الصحيحة" لأحمد مختار عمر، والصفحة الأخيرة من مجلة "القافلة" "إعداد مختلفة".
(1/34)

نكرت عرفت، وإذا عرفت نكرت. أي: إذا استعمت "أمس "بدون" الـ"كان مدلولها معروفا محددًا، وإذا استعملتها بـ"ال" كان مدلولها عاما غير معين.
2- استلم، تسلم:
استلم: لمس، ومنه: استلم الحاج الحجر الأسود في طوافه.
تسلم: أخذ، ومنه: تسلم محمد نقودًا من الكلية لتفوقه، وعلى هذا نتبين خطأ من يقول: استلمت أوراق الامتحانات، أو استلمت تعهداتي، والصواب: تسلمت ...
3- جاءا سويًّا، جاءا معًا:
السوي: هو المعتدل، لا إفراط فيه ولا تفريط، والعادي: لا شذوذ فيه، والوسط الخالي من العيوب، وليس في بنية اللفظة معنى المرافقة أو المصاحبة، لذلك لا يصح أن يقال: جاءا سويًّا، إنما الصواب أن يقال: جاءا معًا.
4- حل في منزلنا، حل بمنزلنا، حل منزلنا:
"حل إبراهيم في منزلنا" خطأ، والصواب: "حل إبراهيم بمنزلنا، أو منزلنا" يحل، حلا، حلولا، وقد قال ابن سِيدَه: "حل بالقوم وحلهم،واحتل بهم، واحتلهم، سواء" أي نزل بهم.
5- يا أبي، يا أبت!:
يقولون: "يا أبتي" والصواب "يا أبي"، يا أبت" لأننا عندما حذفنا الياء من "يا أبي" عوضنا عنها بالتاء، ولا يجمع بين العِوض والمعوَّض عنه.
(1/35)

6- الكفاءة، الكفاية:
يخلط الكتاب بينهما فيستعملون اللفظة الأولى بمعنى الثانية، فيقولون مثلا: "أثبت فلان كفاءة في عمله" ويعنون بذلك تفوقه وتميزه على غيره، فإذا عرفنا أن الكفاءة بمعنى المساواة، والكفاية هي التي تحمل معنى التفوق، أدركنا أن التعبير خاطئ، وقد اشترط العلماء في الزواج الكفاءة، ولم يشترط أحدهم الكفاءة، أي تميز أحدهما عن الآخر، فإذا أردنا أن نشتق وصفًا من الكفاءة، قلنا: كفء، ومن الكفاية قلنا: كافٍ أو ذو كفاية.
7- ظرف، مظروف:
الظرف: هو الفكاهة وخفة الروح، وهو الوعاء الذي يوضع فيه الشيء، وهو كل ما يستقر فيه غيره.
والمظروف: هو ما اشتمل عليه الظرف.
ويشيع الآن قولهم: "توضع الأوراق في مظروف"، وهذا خطأ، وصواب العبارة أن يقال: "توضع الأوراق في ظرف" أو "توضع الأوراق مظروفة".
8- عَقَار، عَقَّار:
عقار: الأشياء الثابتة المملوكة، أو المنقولة، ذات القيمة، كالمنزل والأرض والضيعة.
أما عَقَّار: فهو الدواء من النبات والشجر وغيرهما، وجمع الأولى عقارات، وجمع الثانية عقاقير.
9-كَشَفَ، سَفَرَ، حَسَرَ:
هذه الأفعال تكاد تكون متقاربة في المعنى ولكن بينهما فروقًا دقيقة، فالأفصح
(1/36)

في "كَشَفَ" أن يكون للرأس، تقول: "كشفت عن رأسي"، والأولى في "السفور" أن يكون للوجه، تقول: "سفرت المرأة عن وجهها" أي كشفت فهي سافرة.
وأما حَسَرَ: فتستعمل للذراع، تقول: "حسرت عن ذراعي وأنا أتوضأ".
10- الأثاث:
الأثاث: هو متاع البيت، ولا واحد له.
هذا رأي الفراء، ويرى معظم المعاصرين رأيه، ولكن أبا زيد والأزهري وابن سيده والفيروزآبادي يرون أن الأثاث يشمل المتاع والعبيد والإبل والغنم، والواحد: أثاثة. قال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} .
وجاء في "تفسير الجلالين": هم أحسن مالًا ومتاعًا ومنظرًا.
11- أثَّر فيه:
ويقولون: أثر فلان عليه تأثيرًا كبيرًا، والصواب: أثر فلان فيه أو به تأثيرًا كبيرًا. أي جعل فيه أثرا وعلامة. وقد نقل إلينا المترجمون حرف الجر"على" من الانجليزية والفرنسية.
قال علي ـ رضي الله عنه ـ يذكر زوجته فاطمة ـ رضي الله عنه ـ: "فجرَّت بالرَّحَى حتي أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتي أثرت في نحرها....".
وقال عنترة:
أشكو من الهجر في سر وفي علن ... شكوى تؤثر في صلد من الحجر
(1/37)

12- استأذن:
يقولون: استأذن منه، والصواب: استأذنه.
أي: سأله الإذن، وقد جاء في الآية 86 من سورة "التوبة": {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ} . ويقال: "استأذنت فلانًا لكذا"، جاء في الآية 62من "سورة النور": {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} .
13- سُقِطَ في يده:
يقولون: أُسقط في يده. أي ذل وأخطأ وندم وتحير، والأصح أن يقال:
سُقط في يده، اعتمادا على قوله تعالى في الآية 149 من سورة "الأعراف": {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} . و"أُسْقِطَ" لغة، ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/392، وكذلك الأخفش في "معاني القرآن" 1/337، وحكاه عن الجوهري في "الصحاح".
14- شريعة سمحة:
يقول بعض الخطباء: "نحن على شريعة سمحاء" وهذا خطأ، والصواب: "شريعة سمحة" لأن "فعلاء" مؤنث " أفعل" " مثل: حمراء، أحمر"، أما مؤنث "فَعْل" فهو "فَعْلة" "سَمْحٌ، سمحة". ولا يوجد في العربية: "هو أسمح" حتي نقول: "هي سمحاء".
(1/38)

وعلى هذا نقيس "مشترى" عند جمعه، فنقول: "مشتريات" ولا "مشتروات". أضف إلى ذلك أن ألفها ياء لا واوا، فلا وجه لكتابتها بالواو.
17- شائن ومَشين:
يخطئون عند قولهم: هذا عمل مشين، بضم الميم. والصواب أن نقول "شائن"، لأنه لا يوجد في العربية فعل "أشان" يشين بضم أول مضارعه، ومثله زان يزين، وهو ضد "شان"، وبان يبين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالرفق فإنه ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه". فاسم الفاعل "شائن" واسم المفعول مشين، بفتح الميم فهو مثل مبيع، من حيث الوزن والإعلال اللاحق به، كما سيأتي.
18- مباع ومبيع:
كثيرًا ما نرى قد كتب على بعض السلع في بعض المعارض التجارية كالثلاجات أو السيارت، أو غيرهما "مباعة" أو "مباع" بالضم، وقد قصد الكاتب من ذلك أنها قد بيعت وتم قبض ثمنها أو عُربونٍ عليها.
وهذا الاستعمال غير صحيح، والصواب أن يقال: مبيعة أو مبيع، بالفتح وتوجيه ذلك أن فعلها ثلاثي وهو باع، واسم المفعول منه "مبيوع" على وزن "مفعول" هذا هو الأصل، وكثيرا ما نسمعه يتردد على ألسنة العامة، ثم ألقيت حركة الياء، وهي الضمة على الباء قبلها، فتحركت الباء بالضم، وبقيت الياء ساكنة بعد تجريدها من حركتها، فالتقى ساكنان، هما: الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصارت الكلمة "مبيع"، ثم كسرت الباء لتناسب الياء، فأصبحت "مَبِيع".
(1/39)

15ـ تُوفي:
يكثر الآن استعمال الفعل "توفى" مبينًا للمعلوم في مثل قولهم: "توفي فلان" وعلى الرغم من أن الاستعمال الفصيح "توفي" بالبناء للمجهول، فليس الاستعمال الأول خطأ. وقد قرأ بعض القراء "ومِنْكُمْ مَنْ يَتَوَفَّى" "بالبناء للمعلوم، وعلق أبو جعفر النحاس في كتابه" إعراب القرآن" على هذه القراءة قائلا: "فمعناه يستوفي أجله".
16- المشتريات1:
شاع بين الناس استعمال كلمة "المشتروات"، وهذا الاستعمال غير صحيح لأن الفعل "اشترى"، فاسم المفعول، بناء عليه من غير الثلاثي، على وزن المضارع بإبدال حرف المضارعة في أوله ميمًا مضمومة وفتح ما قبل آخره، فيكون اسم المفعول "مُشْتَرَى".
وعند جمع الاسم المنتهي بألف، واو تثنيته، ينظر إلى ألفه، فإن كانت ثلاثية منقلبة عن ياء قلبت ياء، كقولك رحيان في تثنية "رحى"، ورَحَيَات في الجمع، وهديان وهديات في هدى.
وإن كان الألف منقلبة عن "واو" أي أصلها "واو" تقلب واوًا، مثل:
عصوان وعصوات في "عصا" لأن فعلها عصا يعصو، أي يضرب بالعصا وأن كانت رباعية فصاعدا، تقلب ياء، في مثل: ليليان، وليليات، وبشريان وبشريات، ومنتديان ومنتديات، ومستشفيان ومستشفيات، في ليلى، وبشرى، ومنتدى، ومستشفى.
__________
1 نقلا عن: د. زيان أحمد الحاج، مجلة "الثقافة"، عدد صفر 1413 هـ، ص48.
(1/40)

أما "مُبَاع" فهو اسم مفعول من الفعل الرباعي" أباع"، تقول: أبعت الشيء: إذا عرضته للبيع، لا بعته، فالهمزة هنا أفادت زيادتها على الفعل الثلاثي "باع" معنى العرض أو التعريض للبيع مثل: رهن المدين العقار أو المتاع، فالمتاع مرهون، ولكن أرهنه تفيد معنى عرضه للرهن.
وأصل "مباع" هو مبيع، بضم فسكون ففتح، وهو اسم المفعول من الرباعي، على وزن مضارعه بإبدال الياء ميمًا مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، مثل: مكرم، نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها، فصارت "مبيع" فتحرك ما قبل الياء التي كانت معتلة في الفعل"باع"، فقلبت الفاء فأصبحت "مباع".
"فمبيع" هو الذي تم بيعه، و"مباع" هو المعروض للبيع.
19- العيّنَة، العِيْنَة:
تطلق "العيِّنة" على النموذج للشيء، كقطعة من ثوب، أو حفنة من حب، أو مادة في مختبر، وما جرى هذا المجرى، ويستعمل الفقهاء في مبحث البيوع "النموذج" في موضع العينة.
والذي يبدو لنا أن الصواب فيها هو "العِينة" بكسر العين وسكون الياء دون تشديد، ففي اللسان: عينة الخيل: جيادها. وجاء فيها أيضًا: عينة المال خياره. وهذا ثوب عينة إذا كان حسنًا في مرآة العين. واعتان فلان الشيء: إذا أخذ عينته وخياره. والعينة: خيار الشيء. وجمعها "عِيَن"، بكسر ففتح. قال الراجز:
فاعتان منها عينة فاختارها ... حتى اشترى بعينه خيارها
وقد أجاز المجمع اللغوي "العَيّنة" بفتح العين وتشديد الياء.
(1/41)

20- قِيد، وقَيْد:
كثيرًا ما نسمع قول القائل: لن أحيد عن رأيي قَيْد أنملة، أو قَيْد شعرة، بفتح القاف، والصواب: قِيد شعرة بكسر القاف، أو قاد شعرة، أي مقدار شعرة، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حتى ترتفع الشمس قِيد رمح" أي قدر رمح وقوله عليه السلام: "لقابُ قوس أحدكم من الجنة أو قِيد سوطه خير من الدنيا وما فيها". أم القَيْدُ فمعروف، وجمعه قيود وأقياد، وهو ما يقيِّد به. قال امرؤ القيس في وصف فرسه:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قَيْدِ الأوابد هيكل
21- جاء فورًا ـ جاء من فوره:
يكثر دوران هذا الاستعمال لكلمة "فور" والأصل أن يقال: جاء فلان من فوره، يؤيد ذلك وروده في التنزيل على هذه الصورة. قال تعالى: {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} [آل عمران/ 125] .
قال الزمخشري: "من قولك: قفل من غزوته، ورجع من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره.. وهو مصدر فارت القِدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها، فقيل: خرج من فوره، كما تقول: من ساعته، لم يلبث".
وقد يكون هذا الكلام على تقدير محذوف، وهو إما حرف الجر، وهو ما يسمى بالحذف والإيصال، فلما حذف الجار وصل الفعل المتعدي بنفسه إلى مفعوله، فنصب المجرور، ومثله قول الشاعر:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم على إذن حرامُ
(1/42)

أي تمرون بالديار
ومنه قوله تعالي: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا} أي من قومه.
[الأعراف/ 155] .
وإما أن المحذوف هو المصدر، والتقدير: حضر حضور فور، ثم حذف المصدر، وأقيم المضاف إليه مقامه، فنصب نائبا عن المفعول المطلق، ولكن ما أثر من كلام العرب ومن جرى على سننهم هو غير ذلك.
22- جدد، وجدد:
كثيرًا ما يتكرر استعمال لفظ جدد، بضم الجيم وفتح الدال، عند بدء العام الدراسي في المدارس والجامعات مكان اللفظ الثاني، بضم الجيم والدال، فيقال: على الطلاب الجدد أن يفعلوا كذا وكذا.. إلخ.
والصواب أن يقال: جدد بضم الأول والثاني؛ لأن جدد، بضم ففتح، جمع جدة، كعدد وعدة، ومدد ومدة، وهي، أي الجُدَّة: الطريقة. ومن معانيها: شاطئ النهر، وبه سميت مدينة جُدَّة، بالمملكة العربية السعودية، القريبة من مكة. والجُدة: الخطة السوداء في متن الحمار تخالف لونه.
قال تعالي في جمعها: {وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر/27] .
والجدة والجد واحد، وهو شاطئ البحر، كما ذكرنا، وقيل: إنه نبطي أعجمي الأصل ثم عرب. أما "جدد" بضمتين، فجمع جديد، كسرير وسرر. نقول: ثياب جدد وطلاب جدد. وسمي الثوب جديدا لأنه جد حديثًا، أي قُطع، من الجد، وهو القطع.
(1/43)

33ـ وَفى عليٌّ:
الاستخدام المعاصر لوفى يفي يجعلها متعدية لمفعولين، فيقولون "وَفَى عليٌّ محمدًا حقه" وهي فعل لازم أصلا فكيف أجعلها فعلا متعديا لمفعولين؟ والصواب في الاستعمال أن نقول: "وَفَى محمد بما قال" و"وفى إبراهيم بوعده" أما التي تتعدى إلى مفعولين فهي "وَفَّى".
24- المرضع والمرضعة:
إذا رأى الناس امرأة لها طفل يقولون: "مرضعة"، والصواب أن نقول: مرضع فلا يجوز أن نقول"مرضعة" لها إلا عند ساعة إرضاعها الطفل، أما المرضعة ـ على الإطلاق- فهي التي تمتهن إرضاع الأطفال، مثلما أقول: كانت حليمة السعدية مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
25- طالما، مادام:
نحن نستعمل"طالما" لتؤدي معني "ما دام".
فنقول:"طالما حدثتك فاستجب"، وهذا خطأ.
والصواب أن نقول: ما دمت حدثتك فاستجب".
26- قاسى من ألم شديد، قاسى ألمًا شديدًا.
هناك من يقول: قاسى علاء من ألم شديد" وهذا خطأ؛ لأنه جعله لازما وهو متعدٍّ، والصواب جعله متعديًا فأقول: "قاسى علاء ألمًا شديدًا".
27- مناط، منوط:
ويقولون: "هذا الأمر مُناط بفلان"، أي متعلق به.
(1/44)

والصواب: هذا الأمر منوط بفلان " أي معلق به، أو له صلة به؛ لأن الفعل هو "ناطهُ به" أي وصله، وليس "أناطه به".
28- نضوج الثمر، نضج الثمر:
يقولون: "نضج الثمر نضوجًا".
والصواب: "نضِج يَنْضَجُ نَضْجًا أو نُضجًا أو نِضاجًا، فهو ناضج ونضيج.
وقد أخطأ أمير الشعراء أحمد شوقي حيث قال في الجرَّاح الكبير علي إبراهيم باشا:
يد إبراهيم لو جئت لها ... بذبيح الطير عاد الطيرانا
لو أتت قبل نضوج الطب ما ... وجد التنويمَ عونًا فاستعانا
ولو قال:
لو أتتنا قبل نضج الطب ما....
لاستقام الوزن وتجنب الخطأ
29- قابله صُدفة، صادَفَهُ:
ويقولون: "قابله صُدفة".
والصواب: صادَفَهُ. أي وجده، أو لقيه، أو قابله.
ويجيز "الوسيط" أن يكون اللقاء من غير موعد أو توقع.
ويقول: إنها كلمة مولدة.
(1/45)

أما الفعل صَدَفه فيعني: صرَفَهُ.
والفعل أصدفه معناه أيضًا: صرفه
وصَدَفَ عنه: أعرض. وصدفه عن كذا وكذا: أماله، وعدل به. وجاء في الآية "157 "من سورة الأنعام: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} أي: يعرضون.
أما الصدفة فخطأ، والصواب: المصادفة، وهي لا تحمل معنى المفاجأة.
20- نَمى المال، أو نَمَا:
يخطّئون من يقول: نمى المال، ويقولون: إن الصواب هو: نما المال، أي زاد وكثر، وكلا الفعلين إملاؤه صحيح؛ لأن الفعل هذا يائي وواوي. فتقول: نمى ينمي نميا ونَمْيًا ونَماءًا ونَمِيَّة، وأضاف" المحيط": ونمية، ونقول أيضًا: نما يَنْمو نموًّا. واليائي أفصح؛ لأن "الكسائي" قال: لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سُليم، ثم سألت عنه بني سليم، فلم يعرفوه بالواو.
(1/46)

الفصل الثالث: الفقرة
يعبر الكاتب عما يحس به، ويفكر فيه بأسلوب، وهذا الأسلوب يتكون من فقرات، والفقرة بكسر الفاء، وجمعها فِقَر، وفِقْرات. ومعناها في أصل اللغة: حلي يصاغ على شكل فِقرة الظهر، ومعناها الاصطلاحي: مجموعة جمل تطور فكرة واحدة.
ومن الممكن أن تكون الفقرة جملة واحدة، في مثل هذا الحوار من مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير:
"يدخل الحاجب"
الحاجب: رجل أعمي يا سيدي، زعم أنك قابلته في قصر مراد بك في الجيزة، قبل دخولك القاهرة.
نابليون "كأنه يحاول أن يتذكر": ... سليمان الجوسقي؟
الحاجب: نعم، هذا اسمه يا سيّدي.
بوسيلج: رجل أعمى؟
نابليون: رجل عجيب، ما رأيت أذكى منه.
بوسيلج: خذ حذرك منه، لعله..
نابليون: كلا، لا خوف منه، دعه يدخل.
بوسيلج: فتشه أولًا قبل أن تُدخله.
(1/47)

نابليون: لا بأس.. فتشه بلطف.
الحاجب: سمعًا يا سيدي.
بوسيلج: ماذا عساه يريد؟
نابليون: أنا كنت أريده، جاء في الوقت المناسب.
بوسيلج: أنت يا سيدي الرجل العجيب.
"يدخل الحاجب ومعه الجوسقي"1
وقد اقتصرت الفقرة في الحوار السابق على جملة بعينها -وأحيانا جملتين أو ثلاثة- لأن الكاتب في حواره قد يطرح فكرة ما، أو يطورها، أو يريد أن يؤكد شيئًا معينًا.
لكن الفقرة أحيانًا قد تطول وفقًا للفكرة المطروحة التي تعالجها الفقرة، ويمكننا أن نطبق ذلك على هذه الفقرة التي تتحدث عن الشعر:
"تعريف الأقدمين عمومًا للشعر يدور حول العبارة الآتية:
الشعر هو الكلام الموزون المقفّى قصدًا، حيث ترددها كتب العروض والأدب واللغة، ثم تشرح قيودها من "الوزن والقافية والقصد" مع إخراج محترزات هذه القيود مما لا داعي لتكراره والإطالة فيه بنقل ما أورده الأقدمون عنه.
والملاحظ أن هذا التعريف اتجه في تمييز الشعر عن النثر إلى الشكل العروضي الذي يلتزمه الشعر العربي من توالي مقاطع الكلام على طريقة خاصة، حيث
__________
1 علي أحمد باكثير: الدودة والثعبان، مطبعة مصر، القاهرة، د. ت، ص64.
(1/48)

يتكون من كميات نغمية تتكرر عدة مرات لتؤدي الإيقاع الموسيقي الذي هو أهم خصائص الشعر.
كما يلاحظ أيضًا أنه أخذ في هذا التعريف تردُّد القوافي وتكرارها على نظام خاص وشروط محددة تفصلها كتب العروض، وكأنما تصنع القافية وقفة موسيقية في نهاية البيت، يبدأ بعدها التفاعل في البيت الذي يأتي بعد ذلك.
أما تقييد مفهوم الشعر"بالقصد" فيبدو أن الدافع لهذا القيد ديني لا علمي، كيلا يدخل الشعر بعض آيات القرآن الكريم التي تصادف مجيئها على وزن بعض البحور، مثل: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وكذلك ما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبارات موزونة "بدون قصد"، مثل: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، والقرآن ورسول الله منزهان عن الشعر وقوله، فقد وضع هذا القيد إذن لسب ديني، يؤيد ذلك أن هذه العبارات الموزونة أو سامعها لا يعْلَق بذهنه منها أنها تنتمي بسببٍ إلى الشعر.
على أنه ينبغي أن يُعلم مع ذلك أن علماءنا الأقدمين -وإن فهموا الشعر هذا الفهم الذي يعتمد على شكله الموسيقي- عرفوا للشعر قيمًا أخرى يحملها وحده، وتعد من سماته المميزة، وهي قيم فنية نص عليها بعض الدراسين منهم.
قال الجاحظ: "الشعر شيء تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا".
ويقول ابن خلدون: "قول العروضيين في حَدِّهِ: "إنه الكلام الموزون المقفَّى" ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جرم أن حدهم لا يصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من
(1/49)

هذه الحيثية، فنقول: الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصَّل بأجزاء متفقة في الوزن والرويّ".
فالجاحظ يضيف إلى خصائص الشعر الناحية الشعورية القوية فيه، فما كل كلام موزون مقفى شعر، بل الشعر ما يجيش في الصدر، فيقذف إلى اللسان تعبيرًا مشحونًا بالعواطف والأحاسيس.
أما ابن خلدون فلا يرضيه تحديد العروضيين للشعر بأنه الكلام الموزون المقفى فقط، بل لا بد لهذا الكلام أن يكون بليغًا، مبنيًّا على الاستعارات والأوصاف، أو بعبارة أقرب إلى فهمنا: لا بد أن يكون بناؤه اللفظي قائمًا على صور شعرية، تدل على خيال رائع.
فالذي يحصله المرء عن فهم الأقدمين للشعر، تلخصه الأمور الآتية:
أ- أن الشعر موسيقا تؤديها الألفاظ بالوزن والقافية.
ب- أنه يحمل الشعور الذي يجيش في الصدور، ويقذف على اللسان.
جـ- أن نسجه يتألف من صور فنية للمعاني والمشاعر.
فهذه الأمور الثلاثة "الموسيقا، والعواطف، والتصوير" تكوِّن سمات الشعر لدى علمائنا الأقدمين، ولا أظن المشتغلين بالشعر في العصر الحديث قد زادوا عليها شيئًا كثيرًا في تحديد مفهومه.
وبناء على ذلك فإن مقابل الشعر -وهو "النثر"- لا يؤخذ في مفهومه الصفات السابقة في الشعر، أوبعبارة أخرى: ليس من اللازم أن تتحقق فيه، وربما حمل بعضها أحيانًا بطريقة عفوية"1.
__________
1 د. محمد عيد: المستوى اللغوي للفصحى واللهجات، للنثر والشعر، ط1، عالم الكتب، القاهرة 1981م، ص106-108.
(1/50)

ونلاحظ على الفقرِ السابقة ما يأتي:
1- تعلن عنوان الموضوع، أو تصرح بعنوان الجزء الرئيس منه الفقرة الأولى التي تبدأ بقوله "تعريف الأقدمين للشعر.." فكأنها تحدد أن الفقرت التالية ستتناول هذا التعريف، نقلًا، وشرحًا، وتوضيحًا.
2- الانتقال من فكرة جزئية إلى أخرى، فالفقرة الثانية تتناول دور تكرار القوافي في تحديد مفهوم الشعر، والفقرة الثالثة تتناول مفهوم القصد الذي يخرج بعض الآيات، وبعض الأحاديث التي تصادف مجيئها على وزن بعض البحور ... الخ.
3- تلخيص الموضوع أو جزء منه: وغالبًا ما يكون في الفقرات الأخيرة، وهنا نلمح تلخيص الموضوع في الفقرة قبل الأخيرة التي تبدأ بقوله "فهذه الأمور الثلاثة ... ".
4- الربط بين الأجزاء الفكرية المختلفة "ويكون ذلك من خلال حروف الصلات والرباطات، من قبيل: بالإضافة إلى، أحرى، وأولى، إن قيل، لأنه، إنما، وليس هذا، فما من، وإذا كان، إلى سواهم، وأنت، إذا، فأينما"1.
والملاحظ أن فقرات الموضوع السابق، استخدمت الربط، وهي من الفقرة الثانية إلى الأخيرة، جاءت على هذا النحو: "والملاحظ، كما يلاحظ، أما..، على أنه، قال....، ويقول ... ، فالجاحظ، أما ابن خلدون، فالذي، فهذه الأمور الثلاثة، وبناء على ذلك".
__________
1 محمد علي أبو حمدة: فن الكتابة والتعبير، ط1، مكتبة الأقصى، عمّان 1401هـ-1981م، ص123.
(1/51)

1- الجملة الأولى في الفقرة:
1- الفقرة تتضمن عادة فكرة عامة واحدة.
2- الجملة الأولى في الفقرة تسمى" الجملة المفتاحية" وهي تتضمن فكرة رئيسة، تتبعها أفكار فرعية.
3- هذه الجملة المفتاحية قد تكون جملة دعاء، أو استفهام، أو اقتباس من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو قول مأثور، أو أسلوب نهي، أو أسلوب خبري، أو بإثارة قضية.
نموذج تطبيقي:
قال مصطفي صادق الرافعي في فصل عنوانه "الشيخ أحمد" يرثي فيه ابن عمه، زوج أخته الشيخ أحمد الرافعي، الذي ذهب لأداء فريضة الحج، فأفضى إلى ربه من هناك ودفن بمكة:
"يرحمك الله يا صديقي الكريم، تركتنا مصعدًا إلى الله في سلم كانت الأولى من درجاتها عتبة هذا البيت في مصر، وكانت الأخرى تلك العتبة الطاهرة من بيت الله في مكة"1.
والفكرة العامة التي تناولتها الفقرة: وفاة الشيخ أحمد الرافعي.
- والجملة المفتاحية هنا: يرحمك الله يا صديقي الكريم".
- وهي جملة دعاء.
__________
1 مصطفى صادق الرافعي: السحاب الأحمر، ط3، مطبعة الاستقامة، القاهرة 1361 هـ - 1942م، ص134.
(1/52)

2- بناء الفقرة
تبدأ الفقرة بجملة رئيسه تامة تمثل الفكرة، ثم توضح هذه الجملة بعدة طرق، منها:
1- بالتعريف: إذا كانت الفقرة تتناول شخصية أو بلدة، أو حدثًا تاريخيًّا، أو موقعة حربية.
2- بالتفريع: إذا كانت مجملة.
3- بالتمثيل: ضرب الأمثلة، لتأكيد الكلام.
4- بالوصف: إذا كانت الفقرة تتناول شيئًا تاريخيًّا أو زمانيًّا. فتبدأ الفقرة من القديم إلى الحديث، أما إذا كانت تصف شيئًا مكانيًّا فيكون الوصف من اليمين إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل.
5- الموازنة: تعتمد عليها الفقرة في بنائها، إذا كانت تتحدث عن شيئين متشابهين.
6- الاقتباس: لا بد من أهمية القول المقتبس ومكانة صاحبه، ويشترط في المقتبس الدقة والأمانة في النقل.
7- الإحصاء: لا بد فيه من الفهم والدقة في نقل الإحصائيات للتوصل إلى حكم عام دقيق، ويكثر في الكتابة العلمية، ومن الممكن أن يصوغ الكاتب هذه الإحصائيات ويوظفها في أسلوب أدبي جميل، فيكون أسلوبه علميًّا متأدبًا.
(1/53)

نموذج تطبيقي:
من النص السابق للرافعي:
"لهفي لذكراه صديقًا، كانت نفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض، وحبيبًا لو انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني.
كان دائمًا كالذي يشعر أنه لا بد ميت وتارك ميراث مودته، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته، ويجعلني معه إنسانين، وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي: لا تزال تحته رقة قلب المؤمن وفوقه رقة جَناح الملَك، يخالط نوره القلوب.
وكان حييًا، صريح الحق، ترى صدق نيته في وجهه كما يريك الحق صدق فكره في لسانه، ساميًا في مروءته ليس لها أرض تسفل عندها1، وإنما هي إلى وجه الله فلا تزال ترتفع، ودودًا لا يعرف البغض، محبًّا لا يتسع للحقد، ألوفًا لا يُسرُّ الموجِدَةَ على أحد.
وكان رحيبَ الصدر، كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته، ففي قلبه قوة عمرين، وكان طيب النفس فكأن الله لم يمد في عمره طويلًا لأنه نفى منه الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسانُ للإنسان معنى من معاني الموت2"3.
ويلاحظ على نص الرافعي أنه يبدأ بجملة ثم يفرعها: وهي وسيلة بلاغية جيدة، فكأنما يجمل ثم يشرح.
__________
1 كناية عنه أنه لا ينحط ولا ينزل سفْلًا.
2 كأيام القطيعة والعداوة والكيد ونحوها، مما يجعل أعمار الناس أقصر مما هي.
3 المرجع السابق، ص139.
(1/54)

3- متى يقتبس الكاتب النص حرفيًّا؟
يقتبس الكاتب النص حرفيًّا إذا أدى هذا الاقتباس دورًا محددًا، مثل:
1- تأييد الكاتب في موقفه من قضية ما.
2- تفنيد الكاتب لرأي معارض بنقده، أو موازنته بآراء غيره.
3- إذا كان النص المقتبس يجسم المعنى الذي يطرحه الكاتب على نحو أفضل.
4- إذا احتوى النص على بعض المصطلحات التي يصعب إيجاد بديل لها.
5- إذا كان الاقتباس ضروريًّا في بناء نسق من البراهين المنطقية.
4- عناصر الفقرة:
1- الفقرة تتضمن فكرة عامة واحدة.
2- لكل فقرة عدد من العناصر "الجمل" تتفرع عنها.
3- تختلف هذه العناصر قلة وكثرة حسب قدرة الكاتب، وهدفه من كتابته، وجمهور قرائه.
4- تتعاون هذه العناصر في النهاية لتشكل إطارًا عامًّا للفكرة الرئيسة.
5- تنظيم الأحداث:
ونقصد بالأحداث الأفكار الفرعية ضمن الفكرة الأساس:
1- ينظم الكاتب أفكاره الرئيسة في فقرته تنظيمًا سليمًا بحيث تجيء مرتبة ترتيبًا منطقيًّا.
(1/55)

2- هذا التنظيم له مظاهر كثيرة، فقد يكون من القديم إلى الحديث، أو من المحسوس إلى المجرد، أو من البعيد إلى القريب.
3- الهدف من هذا الترتيب هو الوضوح، والدقة في نقل الخبرات والأفكار.
6- الأوصاف المادية:
1- نعني بالأوصاف المادية ما يلجأ إليها الكاتب في كتابة نصوصه من استخدام الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس.
2- هذه الحواس الخمس تعد مصدرًا لإثراء الكتابة الأدبية، وتطوير الجمل، وتأييد الأفكار.
3- الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن ينقل إحساسه الصادق عن طريق حواسه للتعبير عن الأوصاف المادية التي ينفعل بها.
7- إثراء الفقرة:
1- يتضمن الموضوع الواحد في التعبير عددًا من الفقرات تتناول فكرته العامة.
2- يجب على الكاتب في فقرته أن يحقق جانبي الإقناع والإمتاع معًا للقارئ:
- الإقناع: بالأدلة والبراهين والتفسير والشرح والأمثلة "الشرح والتأييد".
- الإمتاع: بالتصوير والخيال والتأثير النفسي "من خلال الأسلوب".
3- يلجأ الكاتب إلى إثراء فقرته، واتساع بنائها ليشمل أنماطًا أسلوبية متعددة منها:
(1/56)

أ - الجملة الاسمية والفعلية.
ب - الأسلوب الخبري والإنشائي.
جـ- الجمل البسيطة والمركبة والمعقدة.
8- إعادة صياغة الفقرة:
1-كل كاتب له أسلوبه الذي يتميز به في صياغة عباراته بطريقته الخاصة التي تعبر عن شخصيته.
2- عند إعادة صياغة فقرة من الفقرات يجب أن تعبر الفقرة عن المعنى المراد التعبير عنه تعبيرًا جيدًا من خلال التزامها بالفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية.
9- تلخيص الفقرة:
1- التلخيص مهارة لغوية مكتسبة، علينا أن نتمكن منها في العصر الحديث، عصر السرعة والانفجار الثقافي.
2- عند التلخيص لأي فقرة نراعي الآتي:
أ- فهم الفكرة الرئيسية في الفقرة، والأفكار الجزئية التي تندرج تحتها.
ب- معرفة الجملة الرئيسية، والجمل المفسرة الشارحة، والجمل المؤكدة، والمعلِّلة.
جـ- معرفة الجملة المفتاحية التي تبدأ بها الفقرة، وإعادة صياغتها بأسلوبك.
د- إعادة صياغة الفقرة مع المحافظة على الأفكار العامة، وحذف الجمل المترادفة، والتكرار، والحشو، والتطويل.
(1/57)

كيف يكون التلخيص تحريرًا أدبيًّا جيدًا:
أ- التركيز على العناصر الرئيسة للفقرة، واستيفاء الأفكار الرئيسة.
ب- حذف المكرر من الألفاظ والعبارات.
جـ- الحرص على أن يكون التلخيص بأسلوبك لا بأسلوب الكاتب.
د- الدقة والوضوح في عرض التلخيص.
هـ- الاستيعاب الدقيق للمضمون الذي يتناوله الموضوع ثم إبعاده قبل الكتابة، حتى تكون الكتابة واضحة.
11- نموذج للتحليل:
للأستاذ عبد العزيز البشري1:
كان لي صديق ... أحب الحياة وغلا في حبها، وأبغض الموت وأسرف في بغضه، وسبيل الموت في العادة هو المرض، فكان إذا ذكر الموت طار قلبه فرقا2 من ذكر الموت.
وكيف يتقي المرض ويتحامى أسبابه؟ لقد جاء بطبيب، والتزمه بياض نهاره وسواد ليله، فلا يهب من فراشه إلا إذا أمره بالهبوب، ولا يطمئن إلى مضجعه إلا إذا آذنه بالاطمئنان، ولا يخرج من داره لطلبه أو لفرجة إلا إذا أشار عليه بالخروج، ولا يبدل أثوابه، أو يتروّى بجرعة الماء إلا إذا أوصى إليه الطبيب.
بل جاء بكتب الحكمة، وطلب المجلات الطبية، وجعل يديم النظر فيها، والانكباب على تفهم مباحثها، وما قال العلماء في اتقاء الأمراض وعلاجها، وما لوح به المستشكفون من إمكان التوصل إلى مدافعة الموت وإطالة الحياة.
__________
1 نقلًا عن: خليل هنداوي: تيسير الإنشاء، ص116-117.
2 خوفًا.
(1/58)

ولكنه قد يصافح إنسانًا، وقد يمس آنية، أو يلمس ثوبًا فسرعان ما يفزع إلى ألوان المطهرات: هذا يغسل به يديه، وهذا يُضَمِّخُ به ثوبه، وهذا للمضمضة، وهذا للاستنشاق.
ولكنه يتنفس ولا غناء عن أن يتنفس، وقد يجر نفسه نسمة مؤذية بما تحمل من المكروبات. فهو دائم على ترجع الأدوية، هذا لتطهير الحلق، وهذا لتنقية الرئتين، وهذا لتنظيف المصران الدقاق.
وإنه لفي نشاطه ونضارته.. حتي يرميه بابه بزائر، فإذا سقط لسانه بأن فلانا قد مات اربدَّ1 وجهه، وتتعتع لسانه2، وتاهت حدقتاه في محاجرها، وشد نفسه شدًّا، ثم تهافت بها على الزائر يسأله: "وهل مرض فلان هذا؟ وهل شكا؟ وماذا كانت علته؟ ومتى ابتدأت شكاته؟ وما الذي كان يظهر عليه من أعراض الداء؟ وهل كان يحس وجعًا؟ وفي أي موضع كان يستشعر الألم؟ وما صفة الدواء الذي كان يتناوله؟ ومن الطبيب الذي كان يعالجه؟ وهل فحص عن قلبه؟ وهل كان يعد ضرباته؟ ".
ثم إنك لتشعر أن قد نشبت في نفس المسكين معركة هائلة بين الرجاء في الحياة وتوقع الموت كما مات فلان.
ثم تكون له فترة يقبل فيها على جس نبضه، ثم تراه قد دخل في الغشية ولحقه الذهول، فزاغت عيناه، وتقلصت شفتاه، وأرعشت يداه، وجعل يطفو ويرسب في كرسيه، وأومأ فتطاير الخدام يطلبون الأطباء من كل مكان.
وكذلك قضى العمر إلى غايته مشغولًا عن متع الحياة ومطالب الحياة، بشدة الحرص على الحياة.
__________
1 اسودّ.
2 اضطرب.
(1/59)

الفصل الرابع: كيف تقرأ النص الأدبي
مدخل
...
الفصل الرابع: كيف تقرأ النص الأدبي
حينما أريد أن أقرأ نصًّا أدبيًّا فهناك أربع خطوات للتعامل مع هذا النص:
1- أن يكون هناك حافز للقراءة.
2- التعرف على هدف الكاتب من وراء النص.
غالبًا نعرف هدف الكاتب بعد قراءة نصه، أما في الكتب العلمية فنحن نعرف هدف الكاتب منذ البداية، فلو قرأنا مثلًا كتابًا عنوانه "الإيدز: طرق العدوى، والعلاج"، فمن العنوان تعرف أنه كتاب طبي يتحدث عن هذا المرض، وطرق العدوى فيه، وكيفية انتقاله إلى الأشخاص، وكيفية تجنبه.
3- معرفة الجنس الأدبي الذي يقدمه الكاتب من خلال نصه.
4- تكوين رأي في النص المقروء من خلال التعرف على:
أ - هدف الكاتب من كتابة نصه، ومدي توفيقه في الوصول إلى هدفه.
ب - معرفة مدى التزام الكاتب بقواعد الجنس الأدبي للنص، وجوانب تميزه أو جوانب الإخفاق فيه1.
__________
1 انظر فصل "المحاضرة" في هذا الكتاب، وانظر فيه نص محاضرة الدكتور محمد عارف محمود حسين: "نحو طريقة مثلى لتحليل النص الأدبي".
(1/61)

وهذه قراءة في نص قام بها طالب:
1- قراءة في نص "إرادة الحياة" لأبي القاسم الشابي1
مقدمة:
الحمد لله وحده، وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..
فإن أدبنا الحديث مليء بالنصوص والأعمال الإبداعية التي جذبت إليها الدارسين لتناولها بالبحث والدراسة وذلك لبيان خصائصها، ومناهجها، والأنماط الفكرية التي تحتويها، ومن ثم نقدها، وبيان أخطائها، وهذا هو مسلك النقاد حسبما أعلم.
من هذا المنطلق وللحرص على إفادة الطلاب، قام أستاذنا الدكتور حسين علي محمد بتكليفنا بهذه الدراسة الأدبية لقصيدة من العصر الحديث هي قصيدة "إرادة الحياة" للشاعر أبي القاسم الشابي.
ودراستنا للقصيدة هذه اتخذت طابعًا محدودًا وليست دراسة شمولية، فهي تبدأ بتعريف بالشاعر، ثم المناسبة والداعي لنظم القصيدة، ثم نطالع أثر الصور الجمالية في النص، وبعدها تقع عيناك على الشعور في القصيدة والألفاظ الدالة عليه، ومن ثم نتحدث عن الموسيقا في النص ونختتم الدراسة برأي نقدي متواضع.
__________
1 قام بها الطالب: مبارك بن سعيد آل زعير 1/4"ج" - كلية اللغة العربية بالرياض- الفصل الأول من العام الجامعي 1415/ 1416هـ.
(1/62)

هذا هو منهجنا الذي لم نتجشم عناء في وضعه وتحديده وإنما كفانا أستاذنا -جزاه الله خيرًا- مؤونة ذلك، فله من الله المثوبة، ومنا جزيل الشكر.
ولئن كان التناول محدودًا في هذه الدراسة فإنني أعتقد أنه اشتمل على أهم الجوانب المفيدة لطالب في مثل مرحلتنا.
أتركك لقراءة هذه الوريقات التي أتمنى أن تكون مشتملة على المطلوب أو قريبًا من ذلك. وفقكم الله وسدد خطاكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1/63)

نص القصيدة ...
إرادة الحياة
إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدرْ
ولا بد لليل أن ينجلي ... ولا بد للقيد أن ينكسرْ
ومن لم يعانقه شوقُ الحياة ... تبخر في جوها واندثر
فويل لمن لم تشقه الحيا ... ة من صفعة العدَم المنتصر
كذلك قالت ليَ الكائنات ... وحدثني روحها المستتر
ودمدمت الريح بين الفجاج ... وفوق الجبال وتحت الشجر
"إذا ما طمحتُ إلى غاية ... ركبت المنى ونسيت الحذر"
"ولم أتجنب وعور الشعاب ... ولا كُبَّةَ اللهب المستعر"
"ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر"
فعجَّتْ بقلبي دماء الشباب ... وضجت بصدري رياح أُخر
وأطرقت أصغي لقصف الرعود ... وعزف الرياح ووقع المطر
(1/63)

وقالت ليَ الأرض لما سألت ... "أيا أم هل تكرهين البشر"
"أبارك في الناس أهل الطموح ... ومن يستلذ ركوب الخطر"
"وألعن من لا يماشي الزمان ... ويقنع بالعيش عيش الحجر"1
"هو الكون حي يحب الحياة ... ويحتقر الميت مهما كبُر"
"فلا الأفق يحضن ميت الطيور ... ولا النحل يلثم ميت الزهر"
"ولولا أمومة قلبي الرؤوم ... لما ضمت الميت تلك الحفر"
"فويل لمن لم تشقه الحيا ... ة من لعنة العدَم المنتصر! "
وفي ليلة من ليالي الخريـ ... ـف مثقلة بالأسى والضجر
سكرت بها من ضياء النجوم ... وغنيت للحزن 3 حتى سكر
سألت الدجى: هل تعيد الحياة ... لما أذبتله ربيع العمر
فلم تتكلم شفاه الظلام4 ... ولم تترنم عذارى السحر
وقال لي الغاب في رقة ... محببة 5 مثل خفق الوتر
"يجيء الشتاء، شتاء الضباب ... شتاء الثلوج شتاء المطر"
فينطفئ السحر سحر الغضون ... وسحر الزهور وسحر الثمر".
__________
1 في رواية: عيش الحفر.
2 في رواية: لفرت عن الميت تلك الحفر.
3 في رواية: وغنيت النهر.
4 في رواية: فلم يتكلم فؤاد الظلام.
5 في رواية: محجَّبة.
(1/64)

وسحر السماء الشجي الوديع ... وسحر المروج الشهي العطر"
"وتهوِي الغصون وأوراقها ... وأزهار عهد حبيب نضر
"وتلهو بها الريح في كل وادٍ ... ويدفنها السيل أنى عبَر"
ويفنى الجميع كحلم بديع ... تألق في مهجة واندثر"
"وتبقى البذور التي حملت ... ذخيرة عمر جميل غبر"
"وذكرى فصول ورؤيا حياةٍ1 ... وأشباحَ دنيا تلاشت زُمَرْ"
"معانقة وهي تحت الضباب ... وتحت الثلوج وتحت المَدَر"
"لطيف الحياة الذي لا يملُّ ... وقلب الربيع الشذيِّ الخضر2"
"وحالمة بأغاني الطيور ... وعطر الزهور وطعم الثمر"
"ويمشي الزمان فتنمو صروف ... وتذوِي صروف وتحيا أخر"
"وتصبح أحلامها يقْظة ... موشَّحة بغموض3 السحر"
"تسائل أين ضباب الصباح ... وسحر المساء وضوء القمر"
"وأسراب ذاك الفَراش الأنيق ... ونحلٌ يغني وغيم يمر"
وأين الأشعة والكائنات ... وأين الحياة التي أنتظر"
"ظمئت إلى النبع بين المروج ... يغني ويرقص فوق الزهر! "
__________
1 في رواية: ورؤيا غيوم.
2 في رواية: وقلب الربيع الجميل العطر.
3 في رواية: برداء السحر.
(1/65)

"ظمئت إلى نغمات الطيور ... وهمس النسيم ولحن المطر"
"ظمئت إلى الكون أين الوجود ... وأنَّى أرى العالم المنتظر"
"هو الكون خلف سبات الجمود ... وفي أفُقِ اليقظات الكُبَر"
"وما هو إلا كخفق الجنا ... ح حتى نما شوقها وانتصر"
"فصدعت الأرض من فوقها ... وأبصرت الكون عذب الصور"1
"وجاء الربيع بأنغامه2 ... وأحلامه وصباه العطر"
"وقبلها قبلا في الشفاه ... تعيد الشباب الذي قد عبر"
"وقال لها قد مُنحت الحياة ... وخُلدت في نسلك المدخر"
"وباركك النور فاستقبلي ... شباب الحياة وخصب العمر"
"ومن تعبد3 النور أحلامه ... يباركه النور أنى ظهر"
"إليك الفضاء إليك الضياء ... إليك الثرى الحالم المزدهر"
"إليك الجمال الذي لا يبيد ... إليك الوجود الرحيب النضر"
"فميدي كما شئت فوق الحقول ... بحلو الثمار وغض الزهر"
"وناجي النسيم وناجي الغيوم ... وناجي النجوم وناجي القمر"
"وناجي الحياة وأشواقها ... وفتنة هذا الوجود الأغر"
__________
1 في رواية: فصعدت الأرض عن صدرها وأبصرت النور عذب الصور.
2 في رواية: بأطيافه.
3 في رواية: ومن ناجت.
(1/66)

"وشفَّ الدجى عن جمال عميق ... يشب الخيال ويذكي الفكر"
"ومد على الكون سحر غريب ... يصرفه ساحر مقتدر"
"وضاءت شموع النجوم الوضاء ... وضاع البخور بخور الزهر"
"ورفرف روح غريب الجمال ... بأجنحة من ضياء القمر"
"ورنَّ نشيد الحياة المقدَّ ... سُ في هيكلٍ حالمٍ قد سُحر"
"وأُعلن في الكون أن الطموح ... لهيب الحياة وروح الظفر"
"إذا طمحتْ للحياة النفوس ... فلا بد أن يستجيب القدر"1
__________
1 الأعمال الكاملة، أبو القاسم الشابي، الجزء الأول، الدار التونسية للنشر، ص236-240.
(1/67)

التعريف بالشاعر:
هو أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن إبراهيم الشابّي
اتفق المؤرخون على أن مولده كان في سنة 1909م أما الشهر واليوم فيظلان حائرين بين 24/ 2و 3/ 4 على أقوال عدة وروايات مختلفة.
ولد أبو القاسم ببلدة الشابيّة إحدى ضواحي مدينة توزر بالجنوب التونسي وهي بلاد معروفة بالجمال وحسن الطبيعة، ولم ينشأ بمسقط رأسه بل ظل والده يتنقل به من منطقة إلى أخرى في البلاد التونسية حيث كان يعمل قاضيًا شرعيًّا فتنقل في بيئات اجتماعية مختلفة غذت خياله الغض؛ مما كان له أكبر الأثر في شاعرية أبي القاسم.
درس شاعرنا في الكتاتيب وفيها حفظ القرآن حين بلغ التاسعة من عمره، ثم أخد والده يعلمه العربية والعلوم الدينية بنفسه، ثم أرسله إلى جامع الزيتونة
(1/67)

ومنها إلى مدرسة الحقوق التونسية حتي تخرج فيها.
كان لأبي القاسم نشاطات ومساهمات، كقيادة حركة استهدفت إصلاح التعليم والإدارة في الكلية، كما أسهم في قيام النادي الأدبي بالعاصمة، وجمعية الشبان المسلمين، ونادي الطلاب بتوزر، وكل هذه الأنشطة تبرز لنا جانبًا من حياة الشاعر المليئة بالنشاط والحيوية، كما أنها توضح لنا شيئًا من التطلع للثورة على الأوضاع الخاطئة.
عانى الشابي في حياته من مآسٍ عديدة لكن أكبر مأساة أحاطته هي مأساة مرضه الخطير الذي أصاب قلبه وكان سببًا بعد إرادة الله في قصر حياته التي انطفأت وهو في الخامسة والعشرين من عمره فجر يوم الثلاثاء التاسع من أكتوبر سنة 1934م1.
جو النص
نشأ الشابي في بيئة ومجتمع تضافرت عليه قوى الشر وعوامل الإبادة، فالاستعمار الفرنسي البغيض يستغل إمكانات تونس وشعبها ويسلبها خيرات البلاد وثمارها، ويحول بينها وبين النهوض والتنمية، والمجتمع التونسي آنذاك كان مجتمعًا مريضًا جسدًا وروحًا، نائمًا في شقائه مستسلمًا لهذه الأوضاع المزرية، فكان يسيرًا على المستعمر أن يسيِّر شعبًا هذه حالته ومثل هذا وضعه. كانت هذه هي البيئة، ولكن ما حال شاعرنا فيها؟!!
__________
1 للاستزادة انظر: الأعمال الكاملة لأبي القاسم الشابي، ص12، و: أبو القاسم الشابي لريتا عوض، ص15، و: الشابي حياته وشعره لأبي القاسم محمد كرو ص35، و: ديوان أبي القاسم الشابي ورسائله شرح مجيد طراد، ص 35 وغيرهم.
(1/68)

كان الشابي وقّاد الفكر فتيًّا طموحًا كحال غيره من الشباب والغيورين، لكنه تميز عنهم بالخيال، ورقة الحس، ورهافة الشعور، والشاعرية المنطلقة، فلم يرضَ عن المجتمع ولم يطمئن لنوع الحياة التي يحياها ولا لأصناف الظلم التي يعانيها ويكابدها، فكانت هذه القصيدة التي فاضت بها نفس هذا الفتى الثائر الطموح، فأخذ يطلقها صيحات في شعبه ليتحرر من عبودية المستعمر وينطلق من أغلاله.
وقد ضمن الشابي قصيدته خواطر وتأملات طالعها الشاعر في حياته، كما حكى فيه بعض مواقفه مع الطبيعة.
الصور الجمالية ودورها في خدمة النص:
إن الدارس لهذه القصيدة بل والقارئ لها أيضًا يرى جليًّا ما حوته من صور بيانية وصور بديعية كثيرة اهتم بها الشاعر بإيرادها ليحسّن الصورة ويقوّي المعنى وهذا هو هدف الشعراء، لكن المتمعن يدرك أن أبا القاسم قد نجح في مهمته أيما نجاح، واستطاع أن يستنطق الجمادات ويبدع فيما يسمى بالتجسيم أو التشخيص، إضافة إلى ذكر الشيء وضده الذي يعرف بالطباق، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من فائدة جمالية، وأخرى معنوية. ولنبدأ في استعراض بعض هذه الصور الجمالية مبينين أثرها في خدمة النص وإبراز المعنى.
نرى الشاعر يستخدم التشخيص، وهو أسلوب يستنطق فيه الجمادات، يبعث إليها خطابه ويصورها وكأنها ذت إرادة، فيحادثها ويحاورها ويناجيها ويكلمها وتكلمه ويضفي عليها صفات الإنسان، فتفعل فعله وليست كذلك في واقع الأمر.
(1/69)

وقد كان التشخيص من الخصائص الأسلوبية التي طرقها أرباب المدرسة الرومانسية التي ثارت -فيما ثارت عليه- على العقل، وأعلت شأن العاطفة، وقدست الخيال حتي جعلت من المعنوي محسوسًا، ومال الرومانسيون إلى الطبيعة يناجونها، ومن الأمثلة التي نراها عند أبي القاسم ما يلي:
- "يستجيب القدر": جعل الشاعر للقدرة إرادة وعقلا فمن يدعوه فإنه يجيبه ومن أصر عليه فإنه لا بد أن ينصاع له.
ولنا مع هذه الصورة الفنية رجعة في التعليق بمشيئة الله تعالى.
وهذا التشخيص" الاستعارة" أفاد المعنى قوة وتمكينًا في النفس، وحضًّا للشعب الذي يخاطبه على العمل والثورة لأن القدر سيبارك سعيهم ولن يضيع عملهم سدى بل النتيجة الحتمية واستجابة القدر مؤذنة بالتغير والتطور؛ لأن من يعمل وهو يعلم بالنتيجة الحسنة لعمله فإنه سيواصل العمل، ويتجاوز العقبات ويتجرع العلقم ليناله عاقبة حلوة في المنتهى.
- " يعانقه شوق الحياة": أبو القاسم يجعل للحياة شوقًا يريد بذلك العمل، ومعاركة الحياة وأحداثها، ويصور شوق الحياة بشخص يعانق كأنه إنسان، وفي هذا استعارة تضمنت تشخيصًا.
فائدة الصور:
- أراد الشابي حض الشعب على العمل والثورة والتفاعل مع الأحداث ومصارعتها، وعبر عن هذه بالمعانقة والتعلق بالشيء، فدلت المعانقة والمفاعلة على العمل. ثم يقول: إن الذي لا يعمل ولا يعانق هذا الشوق فالفشل حليفه والاندثار مصيره.
(1/70)

- "ودمدمت الريح.... إذا ما طمحت.. " يجعل للريح صفة التكلم وهي صفة خاصة بالإنسان فجعل الريح كشخص، وهذه استعارة مكنية، ومثله كذلك "قالت لي الكائنات"، ومثل هذا: "وقالت لي الأرض:....."، و"قال لي الغاب" مشبهًا الأرض والغاب بإنسان يتكلم.
أراد الشاعر بهذه الأمثلة أن يثبت كلامه عن الثورة والطموح والعمل ويقويه في ذهن المخاطب فجمع له المؤيدين، حتي الذين لم يعهد منهم أن يتكلموا استطاع أبو القاسم بحاسته المرهفة أن يخاطبهم وأن يشهدوا له بما قال، فالريح تزأر بقوة، إن الطموح يريد العمل، وإن المتكاسل المتواني ضعيف الهمة يعيش في الحفر بينما يصعد غيره شمم الجبال وقممها، والأرض تحب الطامحين الذين لا تثنيهم المصاعب والأخطار عن تحقيق المنى، وهي تكره أشد الكره الخائنين الذين يرضون بالعيش الذليل، والغاب يتطلع إلى رؤية الحياة الحقة حين تترنم الطيور وتهب النسمات العليلة ويعم المطر الكون بعزفه وقطراته المنعشة.
أما الاستعارة "الخالية من التشخيص" فقد أكثر منها الشاعر مقويًّا بها معانيه ولنستعر شيئًا منها:
ـ "لبست المني وخلعت الحذر": هنا استعارة مكنية شبه فيها الأماني بشيء يلبس كما شبه الحذر والخوف بشيء يخلع.
وقد أفادت الاستعارة هنا أن العمل واجب لتحقيق ما تطمح إليه النفس وما إليه تصبو، ومن مظاهر العمل أن يتمنى الإنسان الأماني العالية، ويعمل على تحقيقها، وأن يترك عنه الخوف، والحذر يخلعه ويتخلص منه ويرمي به.
(1/71)

- "ركوب الخطر": استعارة مكنية، شبه الخطر بما يركب.
- تفيدنا هذه الصورة أن الذين يعملون سوف يعترض طريقهم من المصاعب والأخطار الشيء الكثير. والأرض تمتدح من الناس الذين يستلذون ركوب الخطر كأنهم يركبون دابة ما، ويسيرونها على ما يريدون لا ترهبهم ولا يداخل نفوسهم الخوف، بل هم أعلى شأنًا منها.
-"الكون ... يجب الحياة ويحتقر الميت": استعارة مكنية شبه الكون بإنسان يحب ويحتقر.
والذي نستفيده من هذه الصور أن الكون يوافق الشاعر في نظرته، فهو يحب الناس الأحياء المتحركين العاملين بينما يكره حتي يصل إلى حد الاحتقار للإنسان الذي لا يعمل، فشأنه شأن الأموات حيث السكون وعدم الحركة.
-"العدم المنتصر": استعارة مكنية شبه العدم بمن ينتصر.
يريد الشاعر أن ينفر الناس من الكسل وترك العمل، فيبين أن الذي يسلم نفسه للدَّعَةِ والسكون والكسل عديم الفائدة حاله كحال المعدوم الذي انتصر عليه العدم وجعله تحت إمرته.
ـ "ليلة ... مثقلة بالأسى والضجر": استعارة مكنية شبه الليلة بشيء محسوس يشعر بالثقل.
أفادت الاستعارة شدة الأسى والضجر حتي إن الليلة لتحس وتشعر بثقله.
ـ "ويمشي الزمان": استعارة مكنية شبه الزمان بإنسان يمشي.
وتفيد الاستعارة أن الأحوال لا تبقى كما هي، بل إن سنة التغير ماضية، وإذا ذهب يوم وأتى آخر فإنه يحمل معه أحداثًا أخرى. ولعلك تلاحظ عدم
(1/72)

التخلص من الاستعارة حتى في التعبير العادي ذلك أنها من عوامل التحسين للمعنى، أو أنها تفرض نفسها وتصبح على لسان الفرد العادي تعبيرًا لا نحس بمدى جماله.
"سنة التغير ماضية"، "ذهب يوم/ أتى آخر"، "يحمل معه"، "تفرض نفسها" ...
ـ "النبع يغني ... يرقص" شبه النبع بمن يغني ويرقص، ففيه استعارة مكنية. ويحكي هنا أن الزمان يتساءل أين ضباب الصباح أين؟ ... أين؟ ... فهو يتطلع إلى الحياة الكريمة ثم يذكر أنه يريد أن يرى النبع يغني بين المروج ويرقص فوق الشجر.
وهذا دلالة على السعادة والحياة الجميلة حيث الغناء والرقص -كما يرى الشاعر وليس كما أرى.
ـ كما يحكي عن الزمان وأنه ظامئ إلى النور والنبع ونغمات الطيور والنسيم العليل، وكل هذه مظاهر جيدة يتطلع إليها الزمان ويطمح إليها، فإذا كان غير العاقل يطمح للمعالي فمن باب أولى أن يطمح الإنسان صاحب العقل، وصاحب الإمكانات.
ـ "جاء الربيع": استعارة مكنية شبه الربيع بإنسان يجيء، صاحب إرادة. وفيه تشخيص.
هذه الاستعارة أفادتنا أن الزمان حينما طمح للحياة السعيدة وأراد تحقيقها أتته أمانيه كما يشتهي.
(1/73)

وهنا يريد الشاعر أن يثبت قوله:
"إذا الشعب يومًا أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر"
حيث مثل هذا بالزمان الذي يرى كآبة الخريف ومظاهره ثم الشتاء وقسوته، فيطمح للتخلص من هذا الوضع وما هو إلا يسير، ثم ليتحقق مراده، فيأتيه الربيع حاملًا معه الأماني، محققًا الآمال، فكأن الربيع هو الثورة التي دعا إليها الشابي مجتمعه ليتحرر من جدبه ويصبح خصبًا مثل الأرض في فصل الربيع.
ـ "وقبَّلها قبلا..": استعارة مكنية شبه الربيع بإنسان يقبّل.
وأفدنا هنا أن الحياة انبعثت في الأرض وظهر شبابها، كما تبعث القبلة الحياة السعيدة.
(1/74)

من الصور الجمالية التي ضمنها الشابي قصيدته: التشبيه:
وهو وإن لم يُكثر منه؛ إلا إنه أجاد فيه لأنه شبه بأشياء حسية يدركها المتلقي.
وإننا نلاحظ على تشبيهات الشابي الرومانسية الواضحة، والأجواء العاطفية من الأنغام والأحلام والأجنحة، وكلها أدوات استخدمها أرباب المدرسة الرومانسية في تشبيهاتهم. وتشبيهاته قليلة كما قلنا لأنه استخدم بدلًا عن هذا الطريق طريقًا آخر هو طريق الاستعارة، فلنر ما أورده من تشبيه:
"وقال لي الغاب في رقة ... محجبة مثل خفق الوتر"
شبه الرقة بالنغم، والتشبيه أفادنا ملمحًا، وهو أن الشاعر يذكر حديثه مع الغاب حينما غلبته الأجواء الرومانسية وما فيها من تجنيح للخيال، فيوصف حديث الغاب بالرقة والخفة كأنه النغم الهادي المنبعث عن أوتار آلة موسيقية.
(1/74)

والهدف من التشبيه أن يصور لنا مدى الإحساس العميق بالحزن والأسى الذي كان عليه الحال والجو الحزين في تلك الليلة الخريفية التي حادث فيها الغاب وساءل الدجى ليبثه همومه وأحزانه.
ـ "يفني الجميع كحلم بديع": شبه فناء الجميع من الغصون والثمار والزهر بالحلم البديع الجميل الذي يرى فيه الإنسان أشياء جميلة مبهجة ثم لا يلبث أن ينتهي ويندثر دليلًا على السرعة في التحول.
ويفيدنا هذا التشبيه جانبًا من جوانب نفسية الشاعر، وهو الحزن العميق حيث يرى شيئًا سعيدًا ثم ما هو إلا وقت قليل حتي ينتهي معقبًا خلفه النهاية التعيسة.
ومن الصور الجمالية التي أثرت النص وحسنت المعنى:
"إذا الشعب يومًا أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر".
كناية عن أن العمل والجد والكفاح يتبعه الفوز والنجاح.
وفائدة هذه الكناية واضحة في حث الشاعر لشعبه على العمل والجد.
ـ "فلا الأفق يحضن ميت الطيور": كناية عن أن الضعيف لا مكان له إلا في الأماكن الوضيعة، أما الأفق والمعالي فهما للأقوياء العاملين. والحض على العمل والتنفير من الكسل واضح وفائدته جلية هنا.
وهناك كنايات كثيرة لا يتسع لها المقام هنا لأننا قي مقام التمثيل لا الحصر.
الشعور وعلاقته بالألفاظ:
إن القارئ لهذه القصيدة يرى النغم الصاخب، والصوت الثوري المرتفع، والروح الملتهبة، وهذا نابع من هدف الشاعر من نظمه لهذه القصيدة.
(1/75)

الذي أشرنا إليه في مناسبة النص.
وإذا أردنا الدقة في دراستنا فإننا نرى أنفسنا ملزمين بتقسيم النص إلى أقسام ثلاثة وذلك حسب الشعور الذي يختلف من قسم إلى آخر فنقول:
1- من بداية القصيدة حتى قوله:
فويل لمن لم تشقه الحيا ... ة من لعنة العدم المنتصر
"البيت رقم 18"
نرى الشاعر يدعو شعبه إلى الثورة لكي ينهض من وهدته ويستيقظ من رقدته حاثًّا له على مواجهة الظلم، ويقرر لشعبه أن الذي لا يعمل ولا يجد غير مؤهل للبقاء في الحياة، ثم يذكر للمخاطبين في سبيل دعم أقواله وتوكيدها أن الريح تزأر وتصيح أن الوصول للمعالي يتطلب العمل ومواجهة الشدائد، ثم الأرض التي تحب الطامحين العاملين وتكره المتخاذلين.
ونستطيع أن نجعل العاطفة المسيطرة على هذا المقطع عاطفة: الطموح، أما الألفاظ التي تدل عليها فهي:
أراد، لا بد، دمدمت، طمحت، صعود، عجب، ضجت، قصف.
2- من البيت رقم 19 حتى البيت 34 وهو قوله:
وحالمة بأغاني الطيور ... وعطر الزهور وطعم الثمر
وفي هذا القسم يحكي الشاعر خَلوته بالطبيعة، وانصرافه لها في ليلة خريفية حزينة يخاطب الليل البهيم، ثم يتوجه بخطابه إلى الغاب فيجاوبه بنغمة هادئة رقيقة مبينًا ما يحدثه الشتاء من إطفاء بهجة الأشجار ونور أزهار وفناء الجمال، ولا يبقى سوى الذكريات الجميلة.
(1/76)

ويمكننا أن نستشف الشعور من خلال حديثه وهو: الأسى والحزن ومن الألفاظ الدالة على هذا الشعور:
الأسى، الحزن، أذبلته، الشجي، تهوي، يفنى، تلاشت.
3- من البيت رقم 35 حتى البيت رقم 44:
يبين في هذا القسم شوق الطبيعة إلى النور والغصون وإلى رؤية الجداول تتمايل بين المروج والأزهار واشتياقها للحياة الزاهرة الجميلة.
ونستطيع أن نقول إن العاطفة المسيطرة هنا هي: الأمل والألفاظ الدالة هي:
تنمو، تحيا، موشحة، الأشعة، الحياة، النور، أفق.
4- من البيت رقم 45 حتى نهاية القصيدة:
نرى العاطفة: الشعور بالنجاح وتحقق الأماني.
فالشاعر يبين أن الأرض قد أبصرت الكون في أحلى هيئة، وأن الربيع أقبل عليها محييًا فيها ما فقدته من الخضرة والزهور. وأن الحياة ازدهرت من جديد، فها هو ذا النسيم العليل والغيوم الممطرة. والأرض قد حققت مناها، وحصل لها ما أرادت.
أما الألفاظ المعبرة عن هذه العاطفة فهي مثل:
انتصر، ضاءت.
وهناك تعبيرات تدل على هذه العاطفة مثل:
منحت الحياة، ضاءت شموع النجوم، رن نشيد الحياة.
(1/77)

الموسيقا في النص
قصديتنا التي نتناولها بالدراسة تنتمي إلى بحر المتقارب وهو بحر يتكون من ثماني تفعيلات هي: فعولن.. أربع في كل شطر.
وهذا البحر يعد من البحور سريعة الإيقاع، المليئة بالحركة، تشيع فيه القوة وهذا ما دفع الشاعر ليمتطي صوته، ينظم في أمواجه متناسبًا مع غرض قصيدته الحماسي الثائر الذي يصرخ فيه بشعبه يستنهض همته ويوقظ عزمه.
ثم لا يلبث هذا البحر أن يخدم الشاعر حينما تسيطر عليه موجة الحزن وتشيع فيه الخيالات والأجواء الروماسنية التي تجتذبه ليخاطب الليل ويبث له شجونه وما يختلج في نفسه من خواطر وأفكار.
وهذا البحر لا يخون الشاعر حينما تمتلئ نفسه بالأمل وتعلوه موجة التفاؤل ويشعر بأن الحياة ستعود زاهرة كما كانت.
أما القافية التي اختارها وهي حرف الراء المتميز بالتكرار والرنين وهو لا شك يناسب الغرض القوي؛ لأنه حرف مجهور فيه سمة التردد الصوتي والتكرار، هذا عن الموسيقا الخارجية.
أما الموسيقا الداخلية فإنها قد أثرت القصيدة وملأتها حتي أتمت شكلها الفني في قالب جميل ذي إيقاع حسن مؤثر في النفس.
نرى مثلا ظاهرة التكرار في الألفاظ وهي ظاهرة بارزة في هذا النص والكلمة المكررة تمثل مركزا ينطلق منه الشاعر وإليه يعود، وفي كل مرة يبني صورة شعرية، ولهذا كان التكرار عند الشابي ذا وظيفة جمالية1.
__________
1 الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت سعد الجيار، المؤسسة الوطنية للكتاب، ص47.
(1/78)

ولنأخذ على سبيل المثال قول الشابي:
وفي ليلة من ليالي الخريف ... مثقلة بالأسى والضجر
يجيء الشتاء شتاء الضباب ... شتاء الثلوج شتاء المطر
نجد الشاعر كرر كلمة" الشتاء" أربع مرات لكنها في كل مرة تقيم رابطًا مع كلمة أخرى لتشكل معها صورة شعرية جديدة" يجيء الشتاء" ثم"شتاء الضباب" ثم"شتاء الثلوج" ثم "شتاء المطر".
وهذا التكرار فائدته التنويع، فبعد أن ذكر صورة الشتاء، عدد مظاهره المتعددة وهي صورة متتالية تعطي المتلقي قارئًا أو سامعًا إيقاعات موسيقية، في الوقت نفسه الذي تمتعنا فيه بمعان جديدة.
ومن ذلك قوله:
فينطفئ السحر سحر الغصون ... وسحر الزهور وسحر الثمر
وسحر السماء الشجي الوديع ... وسحر المروج الشهي العطر
نجده يكرر كلمة "سحر" ست مرات، وطبعي أن نرى ونحس بموسيقا هذا التكرار بإيقاعاته السريعة التي تلائم التنقل الذهني السريع بين مظاهر الطبيعة، وهي إيقاعات متشابهة وبصورة منتظمة تساعد الشاعر في تداعي الأفكار، وتعينه على أن يحيا تجربته الشعرية.
وللتكرار أمثلة أخرى في هذه القصيدة.
أيضًا قامت الموسيقا على أساس آخر وإن ندر استعماله إلا أنه حينما يأتي في بيت ما فإنه يحدث الوقع الموسيقي الجميل، فخذ مثلًا:
(1/79)

فعجت بقلبي دماء الشباب ... وضجت بصدري رياح أخر
انظر إلى الجناس في "عجت وضجت". ثم انظر إلى وقعه في نفسك وأثره الجميل في التركيب الموسيقي المتناغم.
ومن ذلك قوله: فقبلها قبلة ...
فهي وإن لم تفد سوى التوكيد في المعنى إلا أن الجرس هنا جيد.
(1/80)

رأيٌ في النص:
خلاصة هذا النص: أن الذي يريد الحرية ويعمل في سبيل تحقيقها متحديًا الظلم والعدوان فإنه سيصل إليها، بل إنها ستجيء إليه مهما كان الوضع قاتمًا ومعتمًا.
وعلَّنا ندرج هذه القصيدة ضمن القصائد الإنسانية التي لا تخص قومًا دون آخرين؛ لأن المعاني التي احتوتها معانٍ عامة كأنها نموذج لتجارب المريدين للحرية، الفارين من الظلم والعبودية. نقول هذا الحكم رغم أن الذي دفع الشاعر لنظم هذه القصيدة معاناة ذاتية من رؤية المعتدي يستغل مقدَّرَات شعبه وإمكاناته، لكن الشاعر لم يورد في قصيدته شيئًا يخص هذا الشعب بالذات؛ مما يدل على أن الفكرة جادة، وعميقة، وواقعية.
من الأشياء التي تميزت بها هذه القصيدة أن الشاعر استشهد لما يقول من فكرة بأشياء عديدة، كالريح الشديدة التي لا تخاف الجبال الوعرة بل تجتاحها.
كما استشهد بحديث الأرض التي تحب الطامحين وتبارك سعيهم بينما تكره الراضين بالهوان والذلة.
(1/80)

وغير هذه الدلائل من الطبيعة الملموسة، كالأفق الذي لا يحلق فيه إلا القوي من الطيور.
كل ما مضى يحسب للشاعر كما يحسب له فنيته المتفوقة، وتصويراته للطبيعة بحاسة فنية جميلة أشاد بها دارسو شعره، كما أجاد في عرض الفكرة التي ملأت نفسه واستطاع أن يقنع بها غيره.
ولكن كما أعطينا الشاعر حقه في الإشادة بالجميل الذي أتى به، فإننا نرى أن الشاعر قد جانب الصواب فيما يتصل بالفكر والعقيدة، أو ما يتصل بالأسلوب الذي عرض به الفكرة.
استفتح الشاعر قصديته بالفكرة العامة التي أراد إيصالها، ولكنه وقع في خطإ فادح عقديًّا، حينما جعل القدر ذا استجابة وإرادة من خلالها ينصاع للشعوب المريدة للحياة والحرية فيحقق لها ما تريد، ونسي الشاعر أو تناسى في خضم مشاعره الخيالية أن القدر بيد الله سبحانه وتعالى وحده، يصرفه كيف يشاء، على ما يريد، هو المقدر وحده وهو الآمر الناهي، لا شريك معه في حكمه. صحيح أن الحق هو المنتصر في النهاية لكن متى هذه النهاية؟ متي تحصل؟ هذا ما يقدره الله سبحانه ويتصرف فيه، فقد يحصل في القريب، وربما بعد أجيال عديدة، وليس وقت ما أراده الناس وثاروا لتحقيقه. نعم العمل واجب، والجد والكد مطلوبان، ولكن النتيجة ليست بأيدي الشعوب، إنها بيد الواحد الأحد الفرد الصمد عز وجل.
وعلى أثر هذا الخطأ ثار الناس وبخاصة المتدينون منهم على أبي القاسم؛ لأن الشاعر ولو لم يعتقد أو لم يدرك أبعاد هذا القول فإن عليه البعد عن المساس
(1/81)

بألفاظ العقيدة والدين لأن لها من الشرف والقداسة ما يبعدها عن أن ترمى بسوء أو ما يوهم بذلك.
كذلك من الأشياء التي تؤخذ على الشاعر -والظاهر أنها نتيجة لقلة خبرته في الحياة وصغر سنه، ولأثر الثورة البالغ في نفسه، فإننا نرى القصيدة مليئة بالصراخ والصوت المرتفع والجو الثوري الصاخب، والأفكار التي يتصور أنها هي الطريق الموصل للحرية، وهذا وهم منه؛ لأن أساليب الغزو تطورت وتمكن المستعمر من بلاد المسلمين عندما اتخذ صورًا وأشكالًا عميقة، والله المستعان. لا أقول هذا من باب التخذيل لا وربّي، وإنما الواقع يتطلب منا أن نواجهه بواقعية، وتفهم للأحداث، بعيدًا عن العواطف الثائرة؛ لأن وسيلة المواجهة لم تعد مقصورة على المواجهة الحربية، هذا شيء، والشيء الآخر أن الخطب الرنانة والقصائد الملتهبة لم تحقق نصرًا ولن تحقق.
وهناك نواحٍ أسلوبية أشار إليها النقاد في هذه القصيدة، مثل اعتماد الشاعر على الألفاظ التقريرية المباشرة قريبة التناول التي لا تحتاج إلى أعمال ذهن في معرفة المقصود منها. لكن هذا المأخذ قد يغتفر؛ لأنه يخاطب عامة الشعب بكل فئاته: الصغير والكبير، المتعلم وغيره، فاضطر إلى المستوى العام لكنه لم يسف ولم ينزل إلى العامية بل إن ألفاظه قد ركبها في تعبيرات جميلة رصينة مثل: "ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر ... "، "إذا ما طمحت إلى غاية لبست المنى وخلعت الحذر" وأمثالها كثير.
وفي الختام أعلم يقينًا أنني لم أوفِّ الموضوع حقه، وقديمًا قيل:"ما لا يدرك كله لا يترك جلّه"، والحمد لله رب العالمين.
الطالب: مبارك بن سعيد آل زعير.
(1/82)

المراجع:
1- الأعمال الكاملة. أبو القاسم الشابي. الجزء الأول. الدار التونسية للنشر.
2- أبو القاسم الشابي حياته وشعره. تأليف أبو القاسم محمد كرو.
3- ديوان أبي القاسم الشابي ورسائله. شرح مجيد طراد. الناشر: دار الكتاب العربي. سلسلة "شعراؤنا".
4- أبو القاسم الشابي. تأليف ريتا عوض، سلسلة من أعلام الشعر العربي الحديث.
5- الصور الشعرية عند أبي القاسم الشابي. تأليف مدحت سعد محمد الجيار. الناشر: المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1984م.
6- أبو القاسم الشابي شاعر الحب والثورة. تأليف رجاء النقاش.
7-كتب أخرى مثل:
- الشابي: الحب والحياة. عمر فروخ.
- معاني التجاوز في شعر الشابي. لمجموعة من المؤلفين.
(1/83)

التعليق على القراءة:
1- قام الطالب بالقراءة حين خصص الأستاذ"20" عشرين درجة لهذه القراءة، فهنا حافز للقراءة، لتكون جادة.
(1/83)

2- بدأ الطالب بكتابة مقدمة بيّن فيها الغرض من القراءة، ثم بين منهجه فيها.
3- بدأ بإثبات النص من مصدره الأصيل.
4- عرّف بالشاعر تعريفًا موجزًا، وإن كنا نود لو عرفنا أكثر، من كتبوا عنه.
5- تحدث عن مناسبة النص، أو الجو الذي قيلت فيه.
6- تناول الصور الجمالية، وبين دورها في إثراء النص مركزًا على الاستعارة والتشبيه.
7- تناول عاطفة الشاعر وأثرها في بناء النص في فقرة مستقلة تحت عنوان: "الشعور وعلاقته بالألفاظ".
8- كان طبيعيًّا أن يتناول دور الموسيقا في بناء النص، فهي ليست عاملًا خارجيًّا يفرض على النص.
9-أبدى رأيه في النص منتقدًا الأخطاء التي وقع فيها الشاعر عقديًّا وفكريًّا.
وهي بهذا قراءة جيدة لطالب في السنة الأخيرة من دراسته الجامعية، ينقصها في استعمالها المراجع والمصادر أنها لا تذكر سنة الطبع دائمًا، ولا تذكر الناشر ومكان الطبع أحيانًا.
كما ينقصها عدم الدقة في استعمال علامات الترقيم، مثل استعمال القوسين الكبيرين ( ... ) بدلًا من القوسين الصغيرين" ... " فيما ينقله من النص.
(1/84)

الفصل الخامس: كيف تكتب موضوعا
كيف تنشئ موضوعا جيدا
...
الفصل الخامس: كيف تكتب موضوعًا؟
أولًا: كيف تنشئ موضوعًا جيدًا؟
لكي تنشئ موضوعًا جيدًا:
1- اقرأ الموضوع بانتباه جيد مرتين أو ثلاثًا، وضع خطًّا تحت المواقف المهمة.
2- اسأل نفسك: ماذا طلبوا مني أن أكتب في موضوع الإنشاء؟
3- أحط بالموضوع، وبأفكاره الرئيسة.
4- استخدم مخططًا بسيطًا لموضوعك، ثم وسعه.
5- ابدأ بمقدمة صغيرة لكنها متقنة.
6- اكتب الموضوع مقطعًا بعد مقطع، متبعًا المخطط الذي وضعته.
7- أَنْهِ موضوعك بكلمة قصيرة تلخص الموضوع كله.
8- أعد قراءة ما كتبته، واسأل نفسك: هل أحطت بما طُلِب مني؟
9- احذف من موضوعك ما لا صلة له بالموضوع، بلا تردد.
10- صحح إملاء الكلمات، ووضح الضمائر، واحذف المترادفات والصفات التي لا تفيد شيئًا.
11- بعد هذا كله انقل الموضوع من المسودة في صورته الصحيحة1.
__________
1 خليل الهنداوي: تيسير الإنشاء، ص8 "بتصرف".
(1/85)

ثانيًا: من قواعد الكتابة:
1-ألف الوصل وهمزة القطع
أولًا: ألف الوصل:
تعريفها: لا تكتب الهمزة ولا تنطق، وتأتي في ثلاث حالات:
أ- أمر الفعل الثلاثي: فهم "افهم"، قرأ "اقرأ"، ضحك" اضحك".
ب- الفعل الخماسي: ماضيه، وأمره، ومصدره:
انتقل، انتقِل، انتقال.
اجتمعَ، اجتمِع، اجتماع.
انكسر، انكسِر، انكسار
ج- الفعل السداسي: ماضيه، وأمره، ومصدره:
استثمرَ، استثمِر، استثمار.
استقال، استقِل، استقالة.
استخرجَ، استخرِج، استخراج.
ثانيًا: همزة القطع:
وهي التي تكتب وتنطق، وتأتي في ثلاث حالات:
1- أول الحروف والضمائر "ماعدا ال" مثل: إلى، أن، إذا، أنت، أنتما، أنتن....
(1/86)

2- الفعل الرباعي: ماضيه، وأمره، ومصدره:
أقبلَ، أقبِل، إقبال.
أخرجَ، أخْرِج، إخراج
أمتعَ، أمتع، إمتاع.
3- أول الأسماء، ما عدا:
أ- أول مصادر الأفعال الخماسية.
ب- أول مصادر الأفعال السداسية.
جـ- عشرة أسماء سمعت عن العرب "تحفظ ولا يقاس عليها"، وهي: اسم، است، ابن، ابنة، امرؤ، امرأة، اثنان، اثنتان، ايمن"1.
__________
1 انظر: عبد العزيز بن محمد الفنتوخ: الخلاصة في قواعد الإملاء وعلامات الترقيم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1415هـ-1994، ص10.
(1/87)

2ـ علامات الترقيم
تعريفها: هي رموز تدل على معاني مصاحبة للكتابة وليست عوضًا عن كلمات، وهي ضرورة للقراءة والكتابة لأنها تساعد على القراءة الصحيحة سواء أكانت القراءة صامتة أم مسموعة، ثم الفهم الصحيح.
1- النقطتان: علامة التفريع وتكتب في المواضع الآتية:
أ- بين القول ومشتقاته والمقول، مثل:
(1/87)

قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، قال صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة ... ".
ب- بين الشيء وأقسامه، مثل:
الكلام: اسم وفعل وحرف. الدين: اعتقاد وعمل.
جـ- بين اللفظ وما يفسر حقيقته بلفظ واحد أو أكثر، مثل:
الكلأ: العشب "مشروحًا بلفظ واحد".
اسم الفاعل: اسم مشتق للدلالة على من فعل الفعل أو اتصف به "مشروحًا بجملة".
د- بعد كلمة نحو، ومثل، أو ما شابهها "أعني، أقصد.."، مثل: البلاد الصحراوية هواؤها جافّ إذا بعدت عن البحر، مثل: الرياض.
هـ- بين اسم المؤلف وعنوان الكتاب في الحاشية، مثل:
الجاحظ: البيان والتبيين.
2 علامتا التنصيص: "الاقتباس، علامة الحصر، القوسين الصغيران.." [" ... "] :
وتستخدم في الحالات التالية:
أ- لحصر اقتباس نص بلفظه لتميزه عن نص الكاتب، والقوس الأخير عوض عن"أ. هـ" "انتهي"، مثل:
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "البر حسن الخلق ... ".
ب- لحصر عناوين الكتب والأبحاث في سياق الكتابة، مثل:
(1/88)

قرأت كتاب "البلاغة تطور وتاريخ" لشوقي ضيف.
جـ- لحصر كلمة يراد التأكيد على لفظها في سياق شرح أو مناقشة، مثل:
مواضع كسر همزة "إن".
د- الشعر لا يكتب داخل أقواس الاقتباس؛ لتميزه بشكله عن النثر، إلا في حالتين:
1-إذا كان الشعر تضمينًا، مثل:
"اقرأ تعالى الله قائلها" ... فإذا الصخور الصم تبتهل1.
2- إذا كان فيه نص، أو كلمة يراد إبراز لفظها، مثل:
ما قال"لا" قطُّ إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
3-القوسان الكبيران (.......) علامة الشرح:
ويستخدمان في الأحوال التالية:
أ- لتحديد معنى عام، أو شرح معني غامض، أو تمثيل لمجمل سابق، مثل:
1- معنى عام: الدول الإسلامية المحاربة (البوسنة والهرسك) تحارب دفاعًا عن عقيدتها، وطلبًا للنصر أو الشهادة.
2- معنى غامض: هذا سفر (كتاب ضخم) أعجبني.
__________
1 د. صابر عبد الدايم: المرايا وزهرة النار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م، ص68 "قصيدة "الجبل".
(1/89)

3- تمثيل لمجمل سابق: حروف الجواب (لا، نعم، بلى ... ) .
ب- لحصر الأعداد خشية الالتباس: تخرج صابر في العام الجامعي (1413هـ) .
ج- لحصر تصرفات الشخصية في كتابة المسرحية، في توجيه يكون للمخرج غالبًا، مثل.
- ليلى (من وراء حجاب) ...
- قيس (بانفعال) ...
د- لحصر علامة الاستفهام بعد كلمة، أو رقم، أو جملة، أو فقرة، للدلالة على الشك فيها، مثل:
عدد سكان مصر سبعة عشر مليونًا (؟)
4- علامة الإضافة [....] ، أو القوسان المركنان:
تستخدم لاحتواء الإضافة في نص محقق، أو منقول، مثل:
"وكان [علي بن الجهم] صديقًا للمتوكل ولكنه حينما غضب عليه سجنه وصلبه".
5- علامة الحذف" ... ":
وتستعمل في الدلالة على إسقاط لفظة أو أكثر، سواء في نص الكاتب أم في نص منقول، وتأتي في ثلاث حالات:
1- الاقتصار على ذكر المهم.
2- لشيء مستقبح ذكره.
(1/90)

3- لشيء لم يعثر عليه المحقق.
6- الشرطة " - ":
وتكتب في الحالات الآتية:
1-بدلًا من أسماء المتحاورين في القصة القصيرة، والرواية، وتكتب في أول السطر.
2- بين العدد ومعدوده لفظًا، أو حرفًا، أو رقمًا:
أولًا -، أ-، 1-
3- تربط بين اللفظين ليكوّنا لفظًا واحدًا، مثل:
أفرو-آسيوي "الأفريقي - الآسيوي".
4- بين رقمين داخل قوسين فتكون بمعني "حتى"، مثل:
حضر الطلاب ما بين "60-70" طالبًا.
7- الشرطتان "ـ ... ـ":
علامة الاعتراض، وتكتب لتحصر الاعتراض "هو ما عرض قبل تمام الجملة مستقلا عن معناها" وقد يكون استدراكًا أو دعاء، أو نداء، مثل:
استدراكًا: حضر محمد -لكني لم أحضر- الحفل.
دعاء: سمع محمد -حفظه الله- الأذان.
8- الفاصلة الرقمية أو الفارزة الرقمية ر:
تكتب في حالتين:
1- بين العدد الصحيح والكسر العشري.
(1/91)

2- لفصل الأرقام الكبيرة.
9- الفاصل المائل"/":
يفيد التقسيم ويكتب في الحالات التالية:
1- للفصل في التاريخ بين اليوم، والشهر، والسنة، أرقامًا، مثل: نحن اليوم في / / 1413هـ.
2- لإلغاء الخطأ: الدول العر/بية الإسلامية تعدادها الآن يزيد عن مليار.
3- للفصل بين رقم الجزء ورقم الصفحة عند الإحالة إلى الكتاب متعدد الأجزاء، مثل: زهر الآداب 2/ 113.
10- الفاصلة "،":
علامة العطف للتوقف في جمل متصلة، ومواضعها هي:
1- بين الجمل القصيرة المعطوفة داخل الفقرة: ذهب علي إلى الكلية، وعاد بعد الظهر إلى بيته.
2- بين المفردات في سياق التمثيل: نجح الأولاد: محمد، عمر، سعود.
3- بين المنادي وجملة النداء: قال الأب: يا رجل، اتق الله.
4- بعد حروف الجواب مباشرة: "نعم، لا، كلا، بلى،...." مثل: نعم، حضرت إلى الكلية هذا اليوم.
بلى، فهمت الدرس.
(1/92)

5- بين القسم وجملة الجواب، مثل: والله، لينجحن المجتهد.
ملاحظة: الفاصلة لا تكتب في آخر الفقرة، أو أول السطر.
11- النقطة ".":
وهي علامة الوقف، وتأتي في الحالات التالية:
1- بعد انتهاء الجملة التامة، وليس بعدها ما يرتبط بها مثل:
ذاكر محمد بجد، ونجح في الامتحان.
2- بعد انتهاء الفقرة.
3- بعد حرف يختصر كلمة ما لم يأت وراءه رقم مثل:
قرأت كتاب"زهر الآداب" للحصري، د. ت "دون تاريخ".
12- الفاصلة المنقوطة "؛":
وتأتي في موضعين:
1- بين جملتين بينهما علاقة في المعنى، مثل:
نجح إبراهيم في الامتحان بتفوق؛ فقد ذاكر وجدَّ واجتهد.
2- بين جملتين تامتين تربط بينهما فاء السببية، فتكون ما قبلها سببًا لما بعدها:
نجح سليمان؛ فدخل الجامعة.
(1/93)

13- علامة الاستفهام "؟ ":
من مواضعها:
1- نهاية الاستفهام الحقيقي وليس التعجبي مثل:
كم شهرًا في السنة؟
2- توضع بين قوسين للدلالة على الشك في الكلمة السابقة أو الرقم، أو الجملة:
عدد سكان جمهورية مصر العربية "20" عشرون مليونًا "؟ ".
14- علامة التعجب "! ":
ومن مواضعها:
1- بعد صيغ التعجب الصياغية والسماعية:
الصياغية: ما أجمل الفضيلة!
السماعية: لله دره فارسًا!
2- في نهاية المدح أو الذم مثل:
حبذا الكريم!
بئس اللئيم!
3- لنقل تعجب الكاتب من فكرة ما:
كقول الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت: إبريل أقسى شهور العام!
4- بعد فكرة خاطئة ينوي الكاتب مناقشتها.
5- بعد علامة الاستفهام الاستنكاري:
(1/94)

كأن يقول الرجل لابنه المتأخر في العودة ليلًا:
أين كنت حتى هذا الوقت المتأخر من الليل؟!
(1/95)

ثالثًا: تقويم عام للأخطاء التي يقع فيها الطلاب أثناء الكتابة
أخطاء الطلاب في التحرير:
أ-أخطاء إملائية:
1- الخلط بين همزة القطع وألف الوصل، وعلامة المد والألف المقصورة.
2- الخلط بين تاء التأنيث المربوطة والهاء "تكون الهاء ضميرًا أو أصلية من بنية الكلمة".
3- الخلط بين تاء التأنيث المربوطة، وتاء التأنيث المفتوحة.
4- إهمال نقط الياء المتطرفة.
5- الخطأ في موضع كتابة الألف بعد واو الجماعة "تكتب الألف بعد الواو التي تكون فاعلا".
6- كتابة واو العطف في نهاية السطر.
ملاحظتان:
1- وضع الهمزة فوق الألف في هذه الكلمات:
أما، أنا، ألّا، ألَا، أنْ، أنَّ، أو، أيضًا ...
2- لتجنب الخلط بين الضاد والظاء، اقرأ كتاب جمال الدين محمد بن مالك: "الاعتماد في نظائر الظاء والضاد"1.
__________
1 تحقيق د. حاتم صالح الضامن، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت 1404 هـ، 1984م.
(1/95)

ب- أخطاء نحوية:
1- يخطئ الطلاب في اسم إن، خبر كان "خاصة إذا كانا من المثنى أو جمع المذكر السالم، أو من الأسماء الستة".
2- المفاعيل، والحال، والأسماء الستة.
جـ- الأخطاء الأسلوبية:
1- تكرار "بين" في الجملة الواحدة.
يقولون:
- كانت صداقة متينة بين أحمد شوقي وبين حافظ إبراهيم.
- اشتعلت قصائد الهجاء بين جرير وبين الفرزدق.
والصواب:
- ... بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
- ... بين جرير والفرزدق.
2- وضع الواو قبل "إنما".
3- دخول الواو بين: "لا بد وأنْ" والصواب: "لا بد أن، لابد من أن".
يقولون:
- لا بد وأن أذاكر فالامتحانات على الأبواب.
والصواب:
- لا بد أن أذاكر..، أو: لا بد من أن أذاكر.
(1/96)

4- استعمال الكاف في بعض الجمل:
يقولون:
- نحن كمسلمين يجب علينا أن نساعد مسلمي البوسنة والهرسك.
والصواب:
- نحن -المسلمين- يجب ...
ويقولون:
- نحن كطلاب نتلقى العلم.
والصواب:
- نحن -الطلاب- نتلقى العلم.
5- تكرار "كلما" في الجملة الواحدة:
يقولون:
- كلما أديت الصلاة كلما أحسست بالراحة.
والصواب:
- كلما أديت الصلاة أحسست ...
6- استعمال التركيب "قام+الفاعل+المصدر المجرور بالباء".
يقولون:
- قام العميد بتكريم الفائزين.
- قام المسئول بافتتاح الحفل.
والصواب:
(1/97)

- كرم العميد الفائزين.
- افتتح المسئول الحفل.
د- الأخطاء الإجرائية:
1- عدم الدقة في الاستشهاد بالآيات القرآنية، أو الحديث، أو الشعر.
2- قلة المعلومات في الموضوع المراد كتابته.
3- عدم اكتمال الجمل.
4- الافتتاحية الخطابية والختام الخطابي، والوعظ المباشر.
5- التكرار في الكلمات والجمل.
6- الصيغ الجاهزة، وألفاظ الإبهام والتعميم والشرح.
(1/98)

رابعًا: من الأخطاء اللغوية الشائعة في وسائل الإعلام:
تتردد في الصحف وبعض وسائل الإعلام الأخرى بعض الأخطاء الشائعة، وسنتناول هنا بعضها.
1- يقولون:
أ- مع أن الأمر واضح إلا أنه يخفى على الكثيرين.
ب- على الرغم من وضوح الأمر إلا أنه ...
(1/98)

والصواب:
أ- مع أن الأمر واضح فإنه يخفى ...
ب- على الرغم من وضوح الأمر، فإنه يخفى ... 1
2- ويقولون:
أ- وضعت الوثائق فوق بعضها.
ب- اصطف الجنود وراء بعضهم.
والصواب:
أ- وضعت الوثائق بعضها فوق بعض.
أو: وضعت بعض الوثائق فوق بعض.
ب- اصطف بعض الجنود وراء بعض.
أو اصطف الجنود بعضهم وراء بعض2.
3- ويقولون:
- طالبت الأمم المتحدة بوقف الحروب الناشبة بين الدول وإلا لنشبت الحرب العالمية الثالثة.
__________
1- د. إبراهيم درديري: لغة الإعلام اليوم بين الالتزام والتفريط، ط1، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض1401هـ-1981م، ص19.
2- المرجع السابق، ص20.
(1/99)

والصواب:
-.... وإلا نشبت الحرب العالمية الثالثة1.
4- ويقولون:
- إن الاتفاق سيعَدُّ لاغيًا إذا لم يتم الانسحاب.
والصواب:
- ... سيعد ملغى ... من الفعل الرباعي "ألغى"، أما الفعل الثلاثي"لغا" فمعناه تكلم باللِّغْوِ واللِّغَا، وهو السقط وما لا يعتد به، وهو أيضًا الإثم في الحلف. والفعل الرباعي "ألغى" هو الوارد في المعنى الذي يقصد إليه الخبر. واسم الفاعل منه: مُلْغٍ، واسم المفعول: مُلْغَى2.
5- ويقولون:
- البرنامج على وَشَك الانتهاء.
والصواب:
-.... على وَشْكِ "بسكون الشين" من الفعل وَشُكَ الأمرُ وشْكًا أي أسرع وقَرُب. ويقال: وَشْكُ الأمرِ ووشْكَانُه: سرعتُه3.
__________
1 المرجع السابق، ص20.
2 محمد الخنيني: سياحة لغوية، جريدة "المسائية"، العدد "3969" الصادر في 7/ 3/ 1995م، ص10.
3 المرجع السابق، ص10.
(1/100)

6- ويقولون:
- إذا التزمنا الحق لعرفنا العدل.
والصواب:
- ... عرفنا العدل.
وذلك أن اللام لا تدخل على جواب اسم الشرط "إذا"1.
7- يقولون:
- تحرك القطار بينما كان الركاب يهمون بالصعود إليه.
والصواب:
- بينما "أو بينا" كان الركاب يهمون بالصعود إلى القطار، تحرك.
وإذا رغب الكاتب في وضع الظرف أثناء الكلام فثمة ظروف كثيرة تصلح لذلك: إذ، حين، وقت، لحظة، إبَّان، أثناء.. إلخ2.
8- يقولون:
- قضيت في الإذاعة ردْحًا من الزمن "بسكون الدال في كلمة ردحا".
والصواب:
- أن نقول"رَدَحًا" بفتح الراء والدال، وقد نص عليه القاموس.
قال: أقام رَدَحًا من الدهر "محركةً" أي طويلًا.
__________
1- د. إبراهيم درديري: مرجع سابق، ص23.
2- المرجع السابق، ص24.
(1/101)

أما "الرَّدْح" بسكون الدال فهو الوجع الخفيف.
9- تتردد في أخبار الانتخابات عبارة:
وحصل الحزب على ستين مقعدا "بكسر الميم". وهو خطأ.
والصواب:
"مَقعدا" بفتح الميم.
جاء في " مختار الصَّحاح" في مادة "ق ع د":
"المقاعد" مواضع القعود، وأحدها "مقعد" بوزن "مذهب".
10- يقولون في نشرات الأخبار:
أسفر الانفجار عن جُرْح سبع مواطنين "بضم الجيم في الجرح"، وهذا خطأ.
والصواب:
... عن جَرْح سبعة ... "بفتح الجيم"، حيث إن السياق يحتم علينا استخدام المصدر"جَرْحَ".
أما الجُرْحُ" بضم الجيم وسكون الراء" فهو الموضع المصاب1.
11- وهذه بعض الأفعال التي يكثر الخطأ في ضبط عينها، نقلناها من كتاب "أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتّاب والإذاعيين" للدكتور أحمد مختار عمر2.
__________
1- محمد الخنيني، سياحة لغوية، جريدة "المسائية"، العدد"3943"، الصادر في 23/ 8/ 1415هـ ـ 24/ 1/ 1995م، ص11.
2- د. أحمد مختار عمر، أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين،1411هـ ـ 1991م، عالم الكتب، القاهرة، ص84 فما بعدها.
(1/102)

المثال
...
الصواب من باب1
أمل
...
نأمَلُ أن تستمرَّ جهود السلام
...
نَصَر
برأ
...
حتي برئ من مرضه
...
فَتَحَ ونصر
بطل
...
إذا حضر الماء بَطُلَ التميم
...
نَصَرَ
ثَبَتَ
...
لقد ثَبُتَ بعد نظره
...
نصر
حث
...
يحِثُّه على فعل الخير
...
نصر
حدَّ
...
لاينبغي أن يحِدَّ من فُرص نجاحه
...
نصر
حسب
...
يحسِبُ طول المسافة
...
نصر
حصل
...
حَصُل على جائزة
...
نصر
حَفَظ
...
حفظت للكويت كرامتها
...
فَرِحَ
حَلَّ
...
لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلما
...
ضَرَب
روى
...
فشرب حتي رَوَى
...
فرح
رغب
...
إذا ما رغب في النجاح
...
فرح
شغل
...
شغِل مناصب عدَّة
...
فَتَح
12- أخطاء في ضبط أحرف المضارعة:
أحرف المضارعة هي الأحرف الأربعة التي يبدأ بها الفعل المضارع، والتي يجمعها الفعل "نأتي". وقد رصد الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه السابق عددًا من الأمثلة الخاطئة من لغة الإعلام المسموع، نثبت بعضها هنا2:
__________
1- باب نَصَرَ: فَعَلَ يَفْعُل، باب ضَرَبَ: فَعَل يفعِلُ، باب فَتَح: فَعَل يَفْعَلُ، باب فَرِحَ: فَعِلَ يَفْعَلُ، باب كَرُمَ: فَعُلَ يَفْعُلُ.
2- المرجع السابق، ص88 فما بعدها.
(1/103)

الجملة التي ورد فيها مضارعه
...
الصواب
آوى
...
كانت تأوي مئة من المنشقين
...
تُؤوي
أجرى
...
سيَجرون مناقشات فيما بينهم
...
سيُجْرون
حدّ
...
التي تُحِدُّ من قيمتها
...
تَحُدُّ
أحكم
...
تحْكُمُ قبضتَها
...
تُحْكِمُ
أخَلَّ
...
لأنها تَخِلُّ بالتوازن
...
تُخِلُّ
أزمع
...
الولايات المتحدة تزمع دعم أسطولها الجوي
...
تُزمع
زاد
...
يُزيدُ الموقف تعقيدا
...
يَزِيدُ
أساء
...
قد تَسيءُ إلى سُمْعةِ..
...
تُسيءُ
شَنَّ
...
حربٌ تُشِنُّها إسرائيل
...
تَشُنُّهَا
أصْدَر
...
تَصْدرُ حُكمًا على..
...
تُصْدِرُ
13- أخطاء في اشتقاق اسم الفاعل أو المفعول:1
الفعل الماضي
...
الجملة التي ورد فيها المشتق
...
الصواب
بَهَر
...
ضوءٌ مُبْهَر
...
باهر
صان
...
حقك مُصَان
...
مصون
أعفى
...
معفيُّون من التجنيد
...
مُعْفَوْن
عاب
...
فعل مُعاب
...
مَعيب
أُغمي عليه
...
وُجِد مغميا عليه
...
مُغْمىً عليه
لفَتَ
...
مُلْفِتٌ للنظر
...
لافت
هاب
...
رجلٌ مهاب
...
مهيب
__________
1 المرجع السابق، ص93.
(1/104)

15- أخطاء في الإسناد1:
الفعل
...
الجملة التي ورد فيها
...
الصواب
دعا
...
دعيا الرئيس ماركوس إلى الاستقالة
...
دَعَوَا
هجا
...
هجيا صاحبهما
...
هَجَوا
جثا
...
جثيا على ركبتيهما
...
جَثَوَا
رَجَا
...
رجيا الله أن يحفظ ولدهما
...
رَجَوَا
تلا
...
تليا الرسالة
...
تَلَوَ
صحا
...
صحيا من نومهما
...
صَحَوَا
بدا
...
بديا في صورة مريبة
...
بَدَوَا
__________
1 المرجع السابق، ص106.
(1/105)

الفصل السادس: كيف تكتب تلخيصا
مدخل
...
الفصل السادس: كيف تكتب تلخيصًا؟
أ- تعريفه وضرورته:
في عصر الانفجار المعرفي لا يمكن أن نحيط بكل شيء قراءة وعلمًا، وهنا تكمن أهمية التلخيص: والتلخيص يكون عرضًا لكتاب، أو تلخيصًا لمقالة، أو قصة، أو غيرها في حدود ربع حجمها.
ب- أهميته للطالب:
1- يعوده القراءة الجيدة.
2- يرشده إلى الأشياء الضرورية التي يحتاجها، ويترك ما عداها.
جـ- خطوات التلخيص:
1- إدراك الفكرة الرئيسية التي تضمنتها الفقرة، سواء أكانت مذكورة صراحة، أم نستخلصها نحن.
2- وجوب التمييز بين ما هو ضروري، وما هو غير ضروري؛ كالتمثيل، والتوضيح، والإحصاء، والاقتباس.
3- تكون كتابة التلخيص بإبعاد النص الأصلي ثم الكتابة الذهنية.
4- وجوب مراجعة التلخيص على النص الأصلي لكي نرى مدى تعبيره عن الأصل1.
__________
1 انظر في خطوات التلخيص: د. أحمد شوقي رضوان، د. عثمان بن صالح الفريح: التحرير العربي، مرجع سابق، ص152. وانظر كتابنا هذا، ص55-56. وانظر كتاب د. إسماعيل الصيفي: فن التلخيص، ط1، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1410هـ-1990م.
(1/107)

ونقدم لك نموذجين للتخليص:
النموذج الأول: المصادر الغربية لنقاد الحداثة للدكتور عبد الحميد إبراهيم 1
1-
أقرأ للواحد من نقاد الحداثة، فكأني قرأت للجميع، وأقرأ كتاب الواحد منهم، فكأني قد قرأت جميع كتبه.
وما أظن أن ذلك بسبب ذكاء نادر عندي؛ وإنما لأن المصادر واحدة، واللغة واحدة، بل إن المصطلحات والأعلام تكاد تتكرر من ناقد إلى ناقد، ومن كاتب إلى آخر.
2-
وليس من الصعب متابعة المصادر عند نقاد الحداثة، فهم يذكرونها ويكررونها، ويتباهون بها، ونظرة إلى ثبت المصادر في مؤلفاتهم، أو إلى فهارس الأعلام عندهم، تدل على المباهاة الشديدة بالمصادر الأجنبية، وعلى الولع بترديد الأعلام الإفرنجية.
وهم بذلك يريدون أن يظهروا بمظهر المتعالي على القراء، يعرفون ما لا يُعرَف ويرددون من المصطلحات ما لا يُردد، ويلوكون بألسنتهم من الأعلام الأعجمية مالا تستطيعه ألسنة الآخرين، ويضعون الكثير من الكلمات الأجنبية في مقابل
__________
1 نقلًا عن كتابه: نقاد الحداثة وموت القارئ، نادي القصيم الأدبي ببريدة 1415هـ- 1995م، ص3-6.
(1/108)

الكلمات العربية، وتبدو الصفحة الواحدة عند بعضهم خليطًا عجيبًا من الحروف العربية والأجنبية.
3-
وتبلغ العزلة ببعضهم أن يتعشق كاتبًا أجنبيًّا، ويتوحَّدُ بأفكاره، فهو يردد اسمه في كل مناسبة، ويشير إليه في كل مرجع، ويصبح في النهاية صدًى له، يود حتى أن يتسمي باسمه لو استطاع.
وهكذا عرفت ثقافتنا العربية المعاصرة من يتعصبون لسوسير حتى أصبح سوسيرًا عربيًّا، ومن يتعصبون لبوشلار حتى أصبح بوشلارًا عربيًّا، ومن يتعصبون لرولان بارت حتى تحول إلى رولان في طبعة عربية.
4-
وتبدو المصطلحات عند نقاد الحداثة في صورة مربكة، فمصطلح مثل "النقد الجديد" يختلط مع مصطلح "الحداثة"، ومصطلح مثل "الرواية الجديدة" يختلط مع مصطلح مثل "الرواية الضد" ومصطلح مثل "تيار الشعور" يختلط مع مصطلح "الرواية النفسية"، ومصطلح مثل "العبثية" يختلط مع مصطلح مثل "العدمية" و "اللاشيئية" أو حتى "الوجودية"!
5-
والأعلام أيضًا تتداخل، إن كتَّابًا من القرن التاسع عشر يوضعون في سلة واحدة مع كتاب من القرن العشرين، مع الفارق التاريخي والمنهجي بين كل منهم، وإن كاتبًا مثل كافكا يوضع في التيار العبثي مع صمويل بيكيت دون تبيّن للفارق، وكاتب مثل سارتر ينظر إليه ككاتب طليعي لا يختلف عن يونسكو.
(1/109)

وتكون النتيجة أن القارئ لا يعرف شيئًا، وأتحدى أي قارئ أن يخرج من مؤلفات نقاد الحداثة في العالم العربي، بالفارق بين البنيوية وما بعد البنيوية، والحداثة وما بعد الحداثة، والسيميولوجية والتشريحية، والأسلوبية والألسنية، أو يعرف الفروق الدقيقة بين مناهج كل من كافكا وبيكيت وسارتر ويونسكو وفولكنر وألان روب جرييه.
إن القارئ لا يعرف ذلك لسبب بسيط، وهو أن المؤلف نفسه لا يفهم ما يقرأ، هو فقط مأخوذ بالحداثة، يسرع إلى تقديم المصطلحات الأعجمية، والأعلام الأجنبية، ويكتسب بذلك منزلة عند القارئ، وتتسابق الصحف وأجهزة الإعلام إلى التقاط همهمته، فهو يعرف ما لا يعرف الغير، وهو يجيد ثقافة العالم الغربي أكثر مما يجيدها الآخرون، وهو يرطن بلغاتهم، ويتحمس لأفكارهم أكثر مما هم متحمسون.
7-
ومن الصعب جدا تصنيف أقوال الحداثة في العالم العربي، أو وضعها في سياق منظم ومفهوم، فهي كثيرة، متداخلة ومتضاربة. ولكن -وعن طريق الاستعانة بالمصادر الأصلية التي نقلوا منها- يمكن تصنيف أفكارهم في ثلاث قضايا، وكل قضية تترتب على الأخرى، وذلك على النحو الآتي:
1- موت المؤلف.
2- النصّية، أو ما يمكن أن نسميه بالتركيز على الشكل، كنتيجة للقضية الأولى.
3- مشاركة القارئ، كنتيجة للنتيجة.
(1/110)

وهي قضايا مقتطعة برمتها من سياقها الغربي، ودون أن نجد لها سياقًا مناسبًا في العالم العربي؛ لأنها في الأساس مرتبطة بلحظة تاريخية معينة، وبظروف بيئية خاصة، فتجريدها من هذا السياق التاريخي والبيئي يعني تجريدها من معانيها الحقيقية، وتحويلها إلى قضايا باردة تفتقد المبرر، وتقال للمباهاة أو التدريب الذهني.
التلخيص
يشبه الواحد من نقاد الحداثة الآخر، وإذا قرأت كتابًا لأحدهم فكأنك قرأت جميع كتبهم لأن مصادرهم واحدة، وطريقة كتابتهم واحدة.
ويمكنك أن ترجع إلى مصادرهم التي يتباهون بها ويذكرونها كثيرًا، ويرددون مصطلحاتها وأعلامها، فتجد أن بعضهم يتوحد بأفكار من ينقل عنه، فكأنه صار طبعة عربية له.
وهم يخلطون في نقل المصطلحات، كما يضعون كتابًا من القرن التاسع عشر مع كتاب من القرن العشرين لا يماثلونهم في المنهج أو الرؤية.
وبهذا يبلبلون القارئ، لأنهم -أي نقاد الحداثة- لم يفهموا أولًا ما قرأوا، فكيف ينقلون لنا ما يجهلون؟
ورغم بلبلة نقاد الحداثة، وتضارب رؤاهم، فإنهم يتناولون في كتاباتهم ثلاث قضايا:
1- موت المؤلف.
2- التركيز على الشكل.
3- محاولة إشراك القارئ في الحكم النقدي.
(1/111)

وهي قضايا مفتعلة في بيئتنا، نقلوها عن الغرب للمباهاة، أو للتدريب الذهني.
(1/112)

النموذج الثاني: نجيب الكيلاني في ذمة الله للدكتور حلمي محمد القاعود1:
مساء الاثنين الخامس من شهر شوال الحالي "مارس"، انتقل إلى رحاب الله تعالى الكاتب والأديب والشاعر الإسلامي "نجيب الكيلاني" بعد صراع طويل مع المرض الخبيث حيث أجرى أكثر من عملية دقيقة، إحداها في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وقد توفاه الله بعد عمر حافل بالجهاد من أجل دينه.
ولد نجيب الكيلاني في قرية "شرشابة" مركز "زفتى" عام1931م، وتخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة "فؤاد الأول سابقًا" أوائل الخمسينات، وعمل بمستشفيات الحكومة المصرية، وغادر مصر بعد هزيمة 1967 للعمل في البلاد العربية ومنها الكويت والإمارات، حيث استمر في الأخيرة قرابة العشرين عامًا إلى أن أحيل على التقاعد عند بلوغه الستين قبل خمسة أعوام تقريبًا.
كانت بدايات الكيلاني القصصية مبشرة بمولد كاتب متميز، فحصل في منتصف الخمسينيات وأواخرها على عدد من الجوائز المهمة، مثل جائزة المجمع اللغوي، وجائزة وزارة التربية والتعليم، وحظيت روايته "الطريق الطويل"
__________
1 جريدة "الجزيرة" "2806" الصادر في 17/ 10/ 1415هـ- 18/ 3/ 1995م.
(1/112)

باهتمام خاص، حيث اشترت منها الوزارة كميات كبيرة لمكتبات المدارس، وترصد الرواية قصة كفاح أسرة فقيرة من أجل تعليم ابنها وتحرز نجاحًا كبيرًا مع وجود المعوقات والصعوبات المادية والاجتماعية. وظهرت في هذه الرواية روح إسلامية متسامحة، تبلورت فيما بعد بقية رواياته وقصصه.
لجأ نجيب الكيلاني إلى التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية يستقي منهما روافد أعماله الروائية والقصصية، فكتب مجموعة من الأعمال المهمة التي قدمت التاريخ والسيرة في أسلوب قصصي جيد، يحقق المتعة والفائدة في آن، فضلًا عن قدرته على اختيار الأحداث والشخوص التي تمثل معادلًا للواقع المعاصر بأحداثه وشخوصه، ويمكن القول: إن التاريخ كان منجمًا ثرًّا استدعاه الكيلاني، أو صاغه من جديد في صورة روائية ليعالج من خلاله واقعًا راهنًا موّارًا بالأحداث والآمال في لغة فنية تحقق ما يسمى بالسهل الممتنع. ومن أبرز أعماله الروائية "نور الله" في جزءين، و"قاتل حمزة"، و"حارة اليهود"، و"دم لفطير صهيون"، و"أرض الأنبياء"، و"مواكب الأحرار"، و"نابليون في الأزهر"، و"اليوم الموعود"، و"النداء الخالد"، و"أرض الأشواق"، و"رأس الشيطان"، و"عمر يظهر في القدس".
وإلى جانب التاريخ والسيرة، فإن نجيب الكيلاني قد غزا ميدانا بكرًا لم يتجه إليه أحد قبله، وهو صياغة تاريخ المسلمين المظلومين في عديد من الدول والمناطق، حيث قامت قوى الشر بالتعتيم على مأساتهم وما جرى لهم.. مثلما جرى في تركستان "الصين وروسيا" وأندونيسيا، ونيجيريا، وأثيوبيا. لقد تكشفت هذه المأساة مؤخرا بسقوط الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له، وعرف الناس من خلال الأحداث الدامية في القوقاز، والبوسنة والهرسك وأثيوبيا
(1/113)

وأريتريا أن هناك مسلمين مضهدين محرومين من دينهم وأشقائهم المسلمين في بلاد العرب وغيرها. كان نجيب الكيلاني أسبق الكتاب، ولعله الوحيد من العرب الذين عرّفوا بهؤلاء الضحايا، فكتب "ليالي تركستان"، و"عذراء جاكرتا"، و"عمالقة الشمال"، و"الظل الأسود".
وفي السنوات الأخيرة قفز نجيب الكيلاني قفزة فنية هائلة، حين انتقل إلى رصد الواقع المعاصر ومعالجته روائيًّا، فيما يمكن أن نطلق عليه "الواقعية الإسلامية"، وهي مختلفة بلا ريب عن الواقعية الأوروبية "الاشتراكية والانتقادية"؛ لأنها محكومة بروح الإسلام وعدالته غير المنحازة لطبقة أو فئة. إنها واقعية تنحاز للحق وللإنسان الذي كرمه الخالق. وفي هذه القفزة يعالج نجيب الكيلاني قضايا المجتمع من خلال الظواهر الطارئة والغريبة التي طرأت على أهله وناسه، والقيم المادية التي استجدت فأفسدت النفوس والقلوب والعقول، وجعلت المقاييس الاجتماعية تبتعد عن تحقيق العدل والحرية والتسامح والرحمة. لقد كتب نجيب الكيلاني مجموعة من الروايات الجميلة التي تستبطن الواقع والإنسان معًا في رؤية إسلامية نقية، وأسلوب متميز استطاع أن يعتمد على السرد الحي والحوار الشفاف، محققًا، ربما لأول مرة، قدرة فريدة على تضمين الحوار الروائي آيات قرآنية وأحاديث شريفة، دون أن يشعر القارئ بالافتعال أو التكلف.. ومن هذه الروايات: "اعترافات عبد المتجلي"، و"امرأة عبد المتجلي"، و"أقوال أبو الفتوح الشرقاوي" و"ملكة العنب"، و"مملكة البلعوطي"، و"أهل الحميدية"، و"الرجل الذي آمن".
ولقد ظل نجيب الكيلاني وفيًّا للأسلوب الروائي التقليدي، ولكنه طوره من الداخل إذا صح التعبير، فقد استطاع مثلًا أن يضمن الحوار آيات القرآن
(1/114)

الكريم والأحاديث الشريفة كما سبقت الإشارة، وأخذ يختزل الوصف، مركزا على أبرز الملامح في الشخوص أو الأماكن أو الأحداث، وراح يطعم وصفه بصورة جزئية فيها من الطرافة والجدة أكثر مما فيها من التقليد والتكرار، وفي الوقف ذاته استفاد بما يسمى الاسترجاع "الفلاش باك" والمونولوج "الحوار الداخلي" إلى حد ما، وتخلى عما يمكن تسميته بالثرثرة الفلسفية أو السياسية التي تطبع أعمال كثير من الروائيين، ولقد كتب نجيب الكيلاني اثنتين وثلاثين رواية طويلة مما يجعله واحدا من أغزر كتابنا الروائيين.
وإلى جانب الرواية، فقد كتب عددا من المجموعات القصصية القصيرة استوحاها غالبًا من عمله طبيبًا، ومن البيئة القروية التي عاش فيها طفولته وشبابه، ومن التاريخ. وتقرب مجموعاته القصصية من عشر مجموعات منها:"موعدنا غدا" و"العالم الضيق" و"عند الرحيل" و"دموع الامير" و"فارس هوازن" و"حكايات طبيب".
وكان "نجيب الكيلاني" شاعرًا أيضًا له أكثر من خمسة دواوين من بينها: "أغني الغرباء"، و"عصر الشهداء"، و"نحو العلا"، و"كيف ألقاك" ويتسم شعره في مجمله بالبساطة والوضوح، والتعبير الفطري المباشر وهو غير التعبير الفج المباشر. وتحس في شعره بالصدق والعذوبة في آن، وقد صاغه صياغة عمودية صافية. ويذكر أن له ديوانًا ضائعًا حدثني عنه رحمه الله. فقده في فترة الاعتقال. وفي المجال الإبداعي أيضًا كتب نجيب الكيلاني المسرحية، وله بعض المسرحيات التي استلهمها من التاريخ، ومنها مسرحية "على أسوار دمشق".
(1/115)

أما في مجال البحث فقد تنوعت الموضوعات التي طرقها نجيب الكيلاني، فقد كتب في الثقافة الإسلامية، والبحوث الأدبية والقضايا الصحية والطبية التي تهم قطاعات عريضة من الناس، ومن أهم هذه البحوث التي نشرها بحثه عن "محمد إقبال" وقد بدا في كثير من أفكاره ورؤاه متأثرا بالشاعر الباكستاني الكبير الذي يمثل مرحلة مهمة من مراحل الجهاد الإسلامي في العصر الحديث. ثم بحوثه حول نظرية الأدب الإسلامي، وتصوراته لهذا الأدب الذي صار اليوم حقيقة راسخة، وله رابطة عالمية تحمل اسمه وتدعو إليه، وتصدر مجلة فصلية تضم بين غلافيها أهم ما ينتجه الأدباء الإسلاميون المعاصرون، ولعل كتابه "الإسلامية والمذاهب الأدبية" مع كتابه "مدخل إلى الأدب الإسلامي" من أبرز بحوثه في هذا المجال.
ويمكن القول: إن رصيده في الكتب الثقافية التي تتناول الإسلام وقضاياه لا يقل أهمية عن كتبه وبحوثه الأدبية، فله كتب: الطريق إلى اتحاد إسلامي"، و"الإسلام والقوى المضادة"، و"نحن والإسلام"، و"تحت راية الإسلام"، و"حول الدين والدولة"، و"أعداء الإسلامية"، وغيرها.
أما في المجال الصحي والطبي فله كتاب: "في رحاب الطب النبوي"، ولعله أول من تناول هذا الموضوع الذي يكتب عنه الكثيرون الآن، وله كتب صحية أخرى منها. "الدواء سلاح ذو حدين"، و"الصوم والصحة"، و"الغذاء والصحة"، و"التيفوئيدن الدفتريا عدو الطفولة"، و"مستقبل العالم في صحة الطفل"، و"الجدري والجديري"، و"التحصين وقاية لطفلك"، و"احترس من ضغط الدم".
(1/116)

وبصفة عامة: فإن الإنتاج الأدبي والفكري والعلمي لنجيب الكيلاني يتسق تمامًا مع تكوينه الإنساني؛ فأدبه وفكره وعلمه جميعًا تصب في نهر الخير والفضيلة والنهضة. وهي معالم تميز شخصيته وتطبعها بطابع المودة والتسامح والإرادة الصلبة. إنه محب للخير في كل زمان ومكان، وباحث عنه بالوسائل المتاحة، وكان يعي جيدًا أن الخير هو المنتصر مهما كانت قوة الشر وجبروته، ولعل هذا يفسر سر تحول الكثير من شخصياته، وانتقالها من عالم الجريمة إلى عالم الفضيلة، وهو انتقال فطري عفوي تلقائي، ويأتي بطريقة فنية محكمة لا افتعال فيها ولا تكلف. ثم إنه كان متسامحًا، ولا ينظر للوراء، ولا يختزن كراهية ولا عداوة لأحد، بل إنه يجعلك في بعض الأحيان تأسى من أجل بعض الأشرار دون أن تحقد عليهم، لقد منحته قيم الإسلام روحًا طيبة، خصبة، تعطي وتثمر حتى في أحلك اللحظات. وكان يوقن في كل الأحوال أن الجزاء عند خالق العباد وليس عند العباد. ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا آثر الإنتاج على الدعاية، والإبداع على الشهرة، ومع أن كثيرين أقل منه موهبة ومكانة طارت بصيتهم الركبان الإعلامية، فإنه لم يشعر بأدنى أسف على تجاهله في الحياة الأدبية المعاصرة، وكان حريصًا على أن يذكر لي أن بعض رواياته تجاوزت في طبعاتها المائة ألف نسخة، وهو رقم غير قليل إذا عرفنا أن متوسط توزيع الرواية عند المشاهير في حدود خمسة آلاف نسخة فقط.
لقد أعطى الكيلاني الكثير، وأغدق الكثير على من يستحق، ومن لا يستحق، وكان مؤلما لي بصفة خاصة أن من لا يستحق تنكَّر له، ولم يف بجزء بسيط مما كان ينبغي أن يقدم للرجل. لقد طلب أحدهم مبلغا ضخما ليشارك بمقالة عنه في عدد خاص تصدره مجلة إقليمية محدودة الانتشار. ورحل الرجل
(1/117)

دون أن يعلم بهذا الجحود الذي ليس غريبًا على صاحبه، ولكني علمت وانفعلت وتأثرت. ومهما يكن من أمر، فإن الأجيال التي تقرأ نجيب الكيلاني أكثر وفاء من بعض الذين أحسن إليهم وهم لا يستحقون، فقد عبر عن نبض الأمة، وحمل هويتها عبر سطوره، وواجه قضايا الناس بشجاعة الشرفاء النبلاء، كما واجه المرض الخبيث بشجاعة المؤمن ويقين المجاهد، نسأل الله أن يرحم نجيب الكيلاني، وأن يدخله فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ونقدم تلخيصًا لهذا الموضوع بقلم طالب:1
تلخيص"نجيب الكيلاني في ذمة الله"
انتقل إلى رحاب الله تعالى مساء الاثنين الخامس من شوال 1415ـ السادس من مارس 1995 الكاتب والأديب الإسلامي"نجيب الكيلاني" بعد صراع مع المرض الخبيث، وتوفي بعد عمر حافل قضاه في الجهاد من أجل دينه.
ولد نجيب الكيلاني عام "1931" وتخرج في كلية الطب، وعمل بمستشفيات الحكومة المصرية، وتنقل للعمل في البلاد العربية إلى أن أحيل إلى التقاعد.
كانت بدايته القصصية تبشر بمولد كاتب متميز، وقد حصل على كثير من الجوائز المهمة والقيمة، وحظيت روايته "الطريق الطويل" باهتمام خاص.
__________
1 الطالب فهيد سالم الشمَّري، المستوى 2/ 1 "ج" ـ كلية اللغة العربية بالرياض، الفصل الجامعي الثاني لعام 1415هـ- 1416هـ.
(1/118)

لقد جعل نجيب الكيلاني التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية مصدرًا لأعماله الروائية والقصصية فكتب في التاريخ والسيرة في أسلوب قصصي جيد.
ومن أبرز أعماله الروائية: "نور الله" في جزأين، و"قاتل حمزة"، و"عمر يظهر في القدس".
لقد أبدع نجيب الكيلاني في صياغة تاريخ المسلمين المظلومين في عديد من الدول والمناطق، حيث يعد هو مبدع هذا الميدان ولم يسبقه إليه أحد، فكتب "ليالي تركستان" و"عذراء جاكرتا". وفي آخر سنوات عمره تمكن من رصد الواقع المعاصر ومعالجته روائيًّا، الذي يمكن أن يطلق عليه "الواقعية الإسلامية" معالجًا من خلال رواياته الكثير من قضايا المجتمع المختلفة.
ولقد تأثر نجيب الكيلاني في كتاباته ورواياته بالدين الإسلامي، حيث تضمنت رواياته العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وقد كتب اثنتين وثلاثين رواية طويلة. كما كتب العديد من المجموعات القصصية القصيرة التي استوحاها من عمله طبيبًا أو بيئته القروية.
وهو شاعر أيضًا، وله خمسة دواوين من بينها "أغاني الغرباء"، وشعره جيد يتسم بالوضوح والبساطة.
ولقد كتب في الثقافة الإسلامية، والبحوث الأدبية، والقضايا الصحية والطبية، ومن أهم هذه البحوث في الثقافة الإسلامية بحثه عن "محمد إقبال" وفي البحوث الأدبية كتاباه عن "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، و"مدخل إلى الأدب الإسلامي"، وفي المجال الطبي له كتاب "في رحاب الطب النبوي" وهو أول من تناول هذا الموضوع.
(1/119)

رحم الله الأديب الشاعر الطبيب نجيب الكيلاني، فلقد أثرى بفكره وعلمه وأدبه مجالات كثيرة في حياتنا المعاصرة.
التعليق على التلخيص:
1- هذا تلخيص جيد لطالب، يكشف عن فهمه للموضوع الذي لخصه
2- لم نحس بأن هذا موضوعٌ ملخص، فقد أحسسنا بأننا نقرأ موضوعًا متكاملا.
3- يؤخذ عليه أنه نقل بعض جمل الموضوع الذي لخصه مثل "مساء الاثنين الخامس من شوال، انتقل إلى رحاب الله تعالى، بعد صراع مع المرض".
د- الفارق بين التلخيص والخلاصة:
التلخيص يكون في ربع حجم ما يراد تلخيصه، أما الخلاصة فتكون في عشر حجمه، ويقول البعض: إنها ينبغي ألا تزيد عن ثلاثمائة كلمة" وهي تمثل نسبة صغيرة جدًّا من حجم المقال الأصلي، وفي هذا العدد المحدود من الكلمات تعطي صورة أمينة للأصل، ومن ثم يمكن القول بأن الخلاصة هي لب التلخيص1.
نموذج للخلاصة2:
ولد نجيب الكيلاني في قرية "شرشابة" المصرية عام 1931م، وتخرج في كلية
__________
1 ينظر كتاب "التحرير العربي"، مرجع سابق، ص174.
2 بقلم الطالب محمد حسين عبد الله، المستوى 2/ 1"جـ" كلية اللغة العربية بالرياض، الفصل الدراسي الثاني، العام الجامعي 1415هـ-1416هـ.
(1/120)

الطب من جامعة فؤاد الأول، وقد عمل بعد التخرج في مستشفيات مصر، ثم الكويت، فالإمارات حتى أحيل إلى التقاعد قبل وفاته بخمس سنوات.
وقد كان مبرَّزًا في الرواية والقصة والشعر والبحث الأدبي، ويعد من الذين رفعوا راية الرواية والقصة الإسلامية في العالم العربي، وقد اهتم -إلى جانب الروايات والقصص- بالتاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية، والأدب الإسلامي.
وقد اهتم بأحوال المسلمين، وعبر عن مآسيهم في رواياته، وله عدد من الروايات الواقعية تجعله رائدًا للواقعية الإسلامية.
(1/121)

الفصل السابع: كيف تكتب بحثًا؟
1- أهمية البحوث:
تكشف البحوث الأدبية عن مناطق مجهولة في حياتنا الأدبية، كما تناقش قضايا لم يتوقف عندها السابقون، إذ يفترض فيها أن تكون جديدة، في مواضيع لم تطرق من قبل، أو أن الذين تناولوها قد عالجوا الأمر بطريقة جزئية أو من أحد الجوانب، ويفترض في الباحث أن تكون له قدرة على الاستنباط، والربط، والإضافة. وأن تكون له شخصية مستقلة، حتى لا يقع في مجاراة الآخرين وتكرار آرائهم، أو ترديد ما سبق قوله في بحوث أخرى.
(1/123)

2- اختيار موضوع البحث:
يختار الباحث موضوعًا يكون له صلة بمجال تخصصه، فالدارس للأدب قد يختار فترة زمنية معينة ليرصد فيها التحولات الأدبية، أو غلبة تيار من التيارات، أو مدرسة من المدارس، ويدرس شخصية أدبية، فيدرس اتجاهات الأدب في عصرها، وأثر العصر فيها. ثم يدرس جوانب التميز في هذه الشخصية موضوعيًّا، وفنيًّا، بينما يدرس المتخصص في النقد التطور في فن من الفنون، لدى شاعر من الشعراء، أو روائي من الروائيين، فيدرس مثلًا "البطل في الرواية العربية المعاصرة في مصر"، أو "ظاهرة الغموض في الشعر الحديث".
ويشترط في الموضوع أن يكون جديدًا لم يدرس من قبل. أو مرت عليه فترة طويلة، وظهرت كتب محققة أو آثار أدبية لم تكن موجودة، أو متاحة من قبل، وظهرت نصوص ودراسات تجعل البحث السابق قاصرًا عن بلوغ الحقيقة التي كتب من أجلها.
(1/123)

طريقة جمع المادة العلمية
مدخل
...
3- طريقة جمع المادة العلمية:
في جمعنا لمادة البحث يجب العودة إلى المكتبة العربية، وأن نحاول أن نستخدم المصادر والمراجع بكفاية عالية كي نستفيد منها، وننمي معرفتنا وخبرتنا.
ويمكن تقسيمها كالتالي:
(1/124)

أ- المصادر الأولى للبحث: أي المؤلفات والمصنفات والدواوين التي كتبها الشاعر أو الأديب الذي ندرسه، والشعراء والأدباء الذين يدور البحث حولهم. فإذا كنت أدرس "مسرح شوقي الشعري" مثلًا، فإن مسرحياته الشعرية: "على بك الكبير"، و"مصرع كليوباترا"، و"مجنون ليلى"، و"عنترة"، و"قمبيز"، و"البخيلة"، و"الست هدى" هي مصادري الأولى للبحث، وإذا كنت أدرس "شعر الرومانسية في مصر" فإن دواوين شعراء الرومانسية من أمثال: على محمود طه، وإبراهيم ناجي، وصالح جودت، وحسن كامل الصيرفي، ومحمود حسن إسماعيل، والهمشري، ومحمد العلائي.. وغيرهم هي مصادري الأولى.
أما إذا كان البحث محددًا بكتاب معين مثل الأسلوب في كتاب "الأيام" لطه حسين، فحينئذ نكتفي به دون مؤلفات صاحبه الأخرى، ويكون الرجوع إلى تلك الملفات مثل "حديث الأربعاء" و"على هامش السيرة" و"الوعد الحق".. وغيرها من باب توسيع أفق المعرفة بالرجل، وبجوانبه الأسلوبية وأنماطها السائدة.
(1/124)

ب- الكتب التي عالجت الموضوع معالجة كلية: أي الكتب التي تتصل جميع جزئياتها بالموضوع؛ فمثلا إذا كنت أدرس "المتنبي: حياته وشعره" مثلا،
(1/124)

فلا بد من قراءة "مع المتنبي" لطه حسين، و"المتنبي" لمحمود محمد شاكر، و"المتنبي" للمستشرق بلاشير، و"المتنبي" لشفيق جبري، و"شعر المتنبي: قراءة أخرى" لمحمد فتوح أحمد ... وغيرها من الدراسات.
(1/125)

جـ- الكتب التي عالجت الموضوع معالجة جزئية: "أي إذا كانت القضية التي نتناولها بالبحث لا تشمل الكتاب كله بل جزءًا منه، ونضرب لذلك مثلا بكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني لمن يدرس شعر "العرجي"؛ لأن هذا الكتاب تحدث عن العرجي في عدد من الصفحات"1.
__________
1 د. عبد الرحمن عطية، في رحاب اللغة العربية: مناهج وتطبيق، ط4، دار الأوزاعي، بيروت 1409هـ-1989، ص13.
(1/125)

د- نرجع إلى بعض كتب التاريخ، من الجانب المتصل منها بحياة الرجل الذي ندرس حياته أو العصر الذي نتناوله.
(1/125)

هـ- نرجع إلى كتب المعارف، كالموسوعات لنعرف تطور المصطلح الذي ندرسه، والتراجم لنعرف الشخصيات التي تناولتها هذه الكتب.
(1/125)

4- تسجيل المعلومات في بطاقات 1:
1- في قراءتنا للكتب المشار إليها آنفًا، إذا وجدنا معلومات تتصل ببحثنا يجب أن نسجلها في بطاقات، وتسجيل المعلومات في البطاقات يتم بإحدى طريقتين:
أ- إما أن نسجل المعلومات حرفيًّا كما وردت في الكتاب، وحينئذ نشير إلى رقم الجزء ورقم الصفحة.
ب- وإما أن نقتبس المعلومات الواردة، ونسجل مضمونها بأسلوبنا، وحينئذ نضع كلمة "انظر" قبل رقم الجزء ورقم الصفحة، وتسجيلنا لكلمة "انظر" يفيد أن ما نذكره منقول بالاقتباس.
__________
1 المرجع السابق، ص14، 15 "بتصرف".
(1/125)

فلا بد من قراءة "مع المتنبي" لطه حسين، و"المتنبي" لمحمود محمد شاكر، و"المتنبي" للمستشرق بلاشير، و"المتنبي" لشفيق جبري، و"شعر المتنبي: قراءة أخرى" لمحمد فتوح أحمد ... وغيرها من الدراسات.
جـ- الكتب التي عالجت الموضوع معالجة جزئية: "أي إذا كانت القضية التي نتناولها بالبحث لا تشمل الكتاب كله بل جزءًا منه، ونضرب لذلك مثلا بكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني لمن يدرس شعر "العرجي"؛ لأن هذا الكتاب تحدث عن العرجي في عدد من الصفحات"1.
د- نرجع إلى بعض كتب التاريخ، من الجانب المتصل منها بحياة الرجل الذي ندرس حياته أو العصر الذي نتناوله.
هـ- نرجع إلى كتب المعارف، كالموسوعات لنعرف تطور المصطلح الذي ندرسه، والتراجم لنعرف الشخصيات التي تناولتها هذه الكتب.
4- تسجيل المعلومات في بطاقات2:
1- في قراءتنا للكتب المشار إليها آنفًا، إذا وجدنا معلومات تتصل ببحثنا يجب أن نسجلها في بطاقات، وتسجيل المعلومات في البطاقات يتم بإحدى طريقتين:
أ- إما أن نسجل المعلومات حرفيًّا كما وردت في الكتاب، وحينئذ نشير إلى رقم الجزء ورقم الصفحة.
ب- وإما أن نقتبس المعلومات الواردة، ونسجل مضمونها بأسلوبنا، وحينئذ نضع كلمة "انظر" قبل رقم الجزء ورقم الصفحة، وتسجيلنا لكلمة "انظر" يفيد أن ما نذكره منقول بالاقتباس.
__________
1 د. عبد الرحمن عطية، في رحاب اللغة العربية: مناهج وتطبيق، ط4، دار الأوزاعي، بيروت 1409هـ-1989، ص13.
2 المرجع السابق، ص14، 15 "بتصرف".
(1/126)

كتابة البحث
مدخل
...
5- كتابة البحث:
يحتاج الباحث قبل البدء في كتابة البحث، وبعد جمع المادة العلمية المتصلة بالبحث، أن يضع مخططًا عامًّا يلتزم بحدوده حين كتابة البحث، ويشتمل كل مخطط على الخطوات التالية:1
__________
1 انظر: عبد الرحمن عطية، في رحاب اللغة العربية، مرجع سابق، ص 16-18.
(1/127)

أولًا: المقدمة:
وهي في العادة آخر ما يكتب في البحث، ويحسن أن تضم المقدمة المعلومات الآتية:
أ- تحديد الحافز الذي دعا الباحث إلى اختيار البحث.
ب- وصف الجهود التي بذلها في التنقيب والبحث، وتحديد الصعاب التي اعترضت عمله، مع ذكر جهوده وأساليبه في تذليلها.
جـ- تحديد المنهج الذي اتبعه في بحثه "تحليلي، وصفي، تاريخي، مقارن تكاملي..".
د- عرض للخطوط الكبرى للبحث "الأبواب، الفصول، الفقرات ... ".
هـ- الإشارة إلى من أسهموا في تذليل الصعاب للباحث.
(1/127)

ثانيًا: هيكل البحث:
ويقسم البحث عادة إلى أبواب وفصول، وقد يكتفى بالفصول فقط "وهذا يعود إلى طبيعة البحث، وحجمه"، وقد تقسم بعض الفصول إلى فقرات معنونة أو مرقمة1.
يراعى عادة في ترتيب الأبواب والفصول عدة اعتبارات، فقد تكون متمثلة في التسلسل التاريخي، والموضوعي، ودرجة الأهمية.
__________
1 مثل كتاب د. عبد الحميد إبراهيم: "نقاد الحداثة وموت القارئ".
(1/127)

وفي هذا القسم من البحث تتم مناقشة جميع القضايا التي يشتمل عليها البحث.
(1/128)

ثالثًا: الخاتمة:
وهي تعطينا الزبدة المستخلصة من البحث، ويشار فيها عادة إلى الخط العام الذي انتظم البحث، أي إلى المسار الذي تتحرك فيه أجزاء البحث للبلوغ إلى الهدف النهائي فيه.
وقد تشتمل الخاتمة أيضًا على القضايا التي تطلبت من الباحث جهدًا واضحًا لإبرازها، وعلى الجديد الذي قدمه البحث، وكذلك على الإضافة التي قدمها للمعرفة في الميدان الذي تناوله.
(1/128)

رابعًا: الفهارس:
وهي ضرورية جدًّا بالنسبة إلى الباحث، ومن أهمها فهرس الموضوعات الذي ييسر للقارئ معرفة جميع ملامح البحث، وهذا الفهرس يجب أن يلحق بكل بحث، سواء أكان مطبوعًا أم بقي في حيز الكتابة المخطوطة.
ومن الفهارس التي يحسن بالباحث أن يذيل بحثه بها: فهرس الأعلام، وفهرس القبائل، وفهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس القوافي.
(1/128)

خامسًا: كشاف المصادر والمراجع:
هذا الكشاف ضروري في كل بحث مخطوط أو مطبوع، وترتيب هذا الكشاف يتم عادة بإحدى طريقتين:
أ - ترتيب عناوين الكتب ترتيبًا ألفبائيا يراعي في التسلسل الحرف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث من العنوان.
ب - ترتيب أسماء المؤلفين ترتيبًا ألفبائيا، مع الإشارة إلى كتب المؤلف التي
(1/128)

استخدمها الباحث في بحثه، فإذا كان الباحث قد استخدم كتابًا واحدًا لمؤلف اكتفى بذكره، أما إذا كان قد استخدم أكثر من كتاب، فحينئذ يذكرها مسلسلة بترتيب ألفبائي.
وفي الطريقتين تُراعى أمور مشتركة، فإذا كان الكتاب محققًا ذكر اسم المحقق، وإذا كان مترجمًا ذكر اسم المترجم، كما يجب ذكر تاريخ الطبعة، وحين فقدانها نشير برمز "د. ت" أي عدم وجود تاريخ للطبعة. ونذكر مكان الطبع، وحين فقدانه نشير برمز "د. م" أي عدم معرفة مكان للمطبعة.
(1/129)

القسم الثاني: من أنواع الكتابة الموضوعية والفنية
الفصل الأول: التقرير
مدخل
...
القسم الثاني: من أنواع الكتابة الموضوعية والفنية
الفصل الأول: التقرير
تعريفه:
نوع من أنواع الكتابة الموضوعية "التي من أنواعها المقالة النقدية الفلسفية1 التي لا دخل للعواطف فيها. وتعني كلمة التقرير أن شخصًا ما يبدي رأيا أو يقرر فكرة نتيجة لموضوع ما.
أقسامه:
أ- تقرير عن عمل قائم فعلا.
ب- تقرير عن عمل مقترح.
من الذي يعده؟
يعده كل شخص قادر عليه، وعلى علم بالموضوع الذي يكتب فيه تقريرا، كما يعده كل شخص يتحمل المسئولية في مؤسسة أو هيئة ما، مثل: المدير، أو الوكيل، أو من ينوب عنهما.
خطواته2:
1- معرفة المطلوب من كاتب التقرير.
__________
1 كما سيأتي في فصل "المقالة".
2 انظر كتاب "التحرير العربي"، ص194، 195.
(1/133)

2- الالتزام بالكتابة الموضوعية.
3- جمع المعلومات والحقائق المتصلة بالموضوع.
3- وضع إطار التقرير ويشتمل على: مقدمة، صلب التقرير، خاتمة.
أهميته:
يكتب التقرير عن عمل قائم فعلا، أو عمل مقترح، ويكتبه مختص ليقوم العمل على خير وجه، ويؤدي وظيفته المثلى، كما يكتبه شخص عن أشخاص يعملون تحت رئاسته، لاختيار ذوي الكفايات منهم في المستقبل، كما قد يكتب عن تجربة علمية أداها شخص ليستفاد منها، كما قد يكتب عن سير عمل لمعرفة الخطوات التي تمت فيه.
شكله:
1- البدء بالبسملة.
2- بيان السبب في كتابته.
3- السير في التقرير حسب الخطة السابق بيانها "في الفقرة "4" من خطوات التقرير".
ونقدم لك نموذجًا للتقرير أعده الدكتور حسن ذكري حسن مدره، وهو عن كتاب مخطوط للمؤلف درويش محمد الزفتاوي قدمه لإحدى دور النشر.
(1/134)

تقرير عن كتاب: قصص للأشبال رجال أحبهم الرسول صلى الله عليه ةسلم
...
تقرير عن كتاب: قصص للأشبال رجال أحبهم الرسول صلى الله عليه وسلم: للكاتب: درويش محمد الزفتاوي
يضم الكتاب بين دفتيه عشرين ترجمة موجزة لعشرين صحابيًّا جليلًا، حاول الكاتب أن يعرضها في قالب قصصي، ليجذب انتباه الناشئة لقراءتها وفهم ما تضمنته من نماذج طيبة، وأمثلة رائعة للبطولة والكفاح، حتي يتخذوا منها القدوة الطيبة، والأسوة الحسنة، لما تمثله من أعمال جليلة أو صور حية للشجاعة والبطولة، والتضحية والعطاء، في سبيل الدين والعقيدة.
وقد حاول الكاتب أن تجيء قصصه قصيرة، ليسهل فهمها، ويستطيع الأطفال الإحاطة بها، والإلمام بكل محتوياتها: من العظات والعبر، وما تتضمنه من المبادئ والقيم الإسلامية الرائدة التي يريد الكاتب أن تصل إليهم في يسر وسهولة.
ولقد وفق الكاتب في اختياره لهذه القصص الواقعية الهادفة، وأجاد في سرده لتلك النماذج البشرية الرائعة، لبعض الشخصيات الصحابية المتفردة، التي كانت لها مواقفها البطولية الخالدة مع الدعوة الإسلامية وصاحبها صلى الله عليه وسلم، دعمًا وتأييدًا، ومساندة وتعضيدًا، حتي ارتفعت راية الحق، وصارت كلمة الله هي العليا، فشخصيات هذه القصص العشرين وأبطالها من أبطال الإسلام المعدودين، ومن أبرز رجاله المخلصين، الذين تمكن الإسلام من قلوبهم وسيطر حبه على كل حركة من حركاتهم، فوافقت أقوالُهم أفعالَهم، ولذا
(1/135)

خصهم الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض المميزات والعطايا النبوية التي لم يعطها غيرهم من الصحابة، فهذا يهديه عصاه، وذاك يهبه بيتًا، وثالث يعطيه سيفه، إلى آخر هذه المنح والعطايا، التي تمثل احترام الرسول لهم، وتوضح مدى تقديره لأعمالهم وبطولاتهم، وانتصاراتهم على كل المغريات، التي حاولت أن تصدهم عن منهج الحق، وتحول بينهم وبين طريق الهدى، فما حادوا، وما انحرفوا، وظلوا على ثباتهم ويقينهم حتى جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
كل هذا جميل وطيب، ويذكر للكاتب فيشكر عليه، ونشجعه على المزيد منه، ولكن هناك بعض الملاحظات والتوجيهات التي يجب أن تراعى لتصويب هذا العمل، ليأتي كاملا كما ينبغي، ومستوفيا كل عوامل الصحة والسلامة والجودة والإتقان، حتى تتحقق الفائدة المرجوة منه، ويؤتي ثماره الطيبة على أكمل وجه.
وتتمثل هذه الملاحظات في النقاط التالية:
أولًا: يتضمن هذا العمل عدة أخطاء يجب تصويبها وهي:
أ- الأخطاء الإملائية الكثيرة، ولعل الكثير منها كان من الناسخ، وقد أشرت إلى معظمها في هامش الكتاب، فلتصحح.
ب- الأخطاء الأسلوبية، وما سببته لهذا العمل من ضعف وركاكة، فأرجو الاهتمام بها، والعناية التامة بالأسلوب، وتجويده وإحكام صنعته، لتظهر هذه القصص في أسلوب أجمل وأفضل مما هي عليه الآن.
جـ- الأخطاء اللغوية وبخاصة النحْوية، وقد أشرت إلى كثير منها على هامش النص، فأرجو الالتزام بها، وتصويبها كلها.
(1/136)

د- عدم التزام الكاتب بعلامات الترقيم والوقف: من فواصل، واعتراض، وأدوات استفهام، وعلامات وقف، وتعجب، وغير ذلك مما يجب على الكاتب مراعاته عند الكتابة، ليفهم القارئ ما كتب بطريقة أفضل.
وقد أشرت في الهامش إلى العديد من تلك العلامات فليرجع إليها.
ثانيًا: أما من ناحية الصياغة فقد اعتمد الكاتب في قصصه على مجموعة من النقول، التي نقلها من المصادر والمراجع التي رجع إليها، وهذا لا حرج فيه، ولا مؤاخذة عليه، ولكن كان يجب على الكاتب أن يصوغ هذه المعلومات والوقائع والأحداث في أسلوب قصصي مشوق، ليؤدي وظيفته في توصيل تلك المعلومات إلى الأطفال بطريقة جذابة أكثر.
ثالثًا: سقط كثير من النصوص التي نقلها، ولعل الناسخ هو الذي وقع في ذلك: فلا بد من تكملة هذا النقص ليفهم المعنى المراد، وقد أشرت إلى عدة مواضع في الهامش حدث فيها هذا السقط.
رابعًا: وقعت بعض الأخطاء في النصوص المنقولة مما يؤثر على المعنى المراد ويغيره، فيجب على الكاتب تصويب هذه النصوص، عن طريق الرجوع إليها في مصادرها الأصلية، التي نقل عنها، حتي يتم التصحيح، وهناك إشارة في الهامش إلى هذه النصوص.
خامسًا: ذكر الكاتب أسماء بعض الصحابة الذين ترجم لهم ترجمة مطولة، وتمتد إلى عدة سطور، لاحتوائها على عشرات الأسماء، من الآباء والأجداد وفي هذا ثقل على أذهان الأطفال، ويكفي أن يذكر الاسم الذي عرف به الصحابي أو شهر به، ومن الأمثلة على ذلك الصحابي الجليل: "سعد بن الربيع بن عمرو بن مالك الخزرجي"، فكان يكفي فيه: "سعد بن الربيع"، وهكذا يجب أن
(1/137)

تكون بقية أسماء الصحابة في هذا العمل القصصي الخاص بالأطفال.
سادسًا: اعتمد الكاتب على النصوص المنقولة كما هي دون أدنى تدخل أو تصرف فيها، أو محاولة لصياغتها في أسلوب قصصي مشوق، يسهل على الأطفال فهم ما فيه، والتأثر به، دون أن يحتاج إلى من يشرحه له أو يفسره له من الكبار.
سابعًا: الهوامش هي الموطن الذي ينبغي أن يشار فيه إلى المراجع والآيات القرآنية والآحاديث النبوية، ولا تكتب داخل النص القصصي لئلا تشغل القارئ عن متابعته لأحداث القصة التي يطالعها، وينفعل بها.
هذه هي بعض الملاحظات التي يسهل ملاحظتها، ومراعاتها، والإفادة منها عند إعادة كتابة هذه المجموعة القصصية، ليأتي العمل الأدبي مكتملًا صحيحًا لا قصور فيه ولا نقص، فتحقق الفائدة المرجوة منه، وتصل المعلومة المراد تبليغها في يسر وسهولة إلى المطالع، سواء أكان رجلًا أم طفلًا، دون جهد وكد ذهن، والحاجة إلى التوضيح والشرح، فيؤدي الأدب وظيفته على أكمل وجه.
هذا، وبالله التوفيق، ومنه المدد والعون.
أ. د.حسن ذكري حسن مدره
كلية اللغة العربية، الرياض، قسم الأدب.
(1/138)

الفصل الثاني: التقويم
مدخل
...
الفصل الثاني: التقويم
أ- أهمية التقويم:
1- "هو ضروري لكل متعلم ومثقف؛ فهو إما قارئ للكتاب أو مؤلف له"1.
2- زادت أهميته في الفترة الأخيرة مع انتشار التعليم وزيادة المطبوعات.
3- أحد المتطلبات الرئيسة في الدراسة الجامعية بقسميها العام والعالي.
4-ينمي قدرة الطالب على القراءة الجيدة، والاستيعاب الدقيق.
ب- ماذا يقصد به؟
يمثل التقويم مزيجا من التلخيص والنقد، فعلى من يريد التقويم أن يقرأ العمل ويلخصه، وينقل بعض جمل منه للتمثيل ثم يلقي حكما عاما يساعد القارئ على تكوين رأي فيما يقرا سلبًا أو إيجابًا.
وهو يهدف إلى إحداث ثلاثة أمور:
أولا: إعطاء القارئ صورة أمينة لمحتويات العمل المقوم "المقال، أو الكتاب، أو المؤلِّف الأدبي".
ثانيًا: إبداء رأي الكاتب في هذا العمل وحكمه على قيمته.
ثالثًا: مساعدة القارئ في تكوين رأي شخصي عن العمل المقوم، بإعطائه نماذج كافية من كتابة المؤلف للتوضيح والتمثيل.
__________
1- انظر فصل"التقويم" في كتاب "التحرير العربي"، ص179 فما بعدها.
(1/139)

جـ- خطواته:
1- القراءة الجيدة المستوعبة للعمل المراد تقويمه، ولا تتسنى هذه القراءة الجيدة بدون قراءة العمل كاملا دون الاكتفاء ببعض أجزائه.
2- الفهم الجيد للفن الأدبي الذي قدم من خلاله العمل المقوم "دراسة، قصة، مسرحية، قصيدة....."
3- التنبه للفقرات الافتتاحية في المقالة، وإلى مقدمات الكتب والدراسات، حتى لا يحاسب المؤلف على شيء لم يهدف إلى تحقيقه.
(1/140)

نموذج للتقويم
وهذا نموذج للتقويم، يقوّم فيه الدكتور محمد علي داود كتابًا بعنوان "نحو منهج إسلامي في رواية الشعر ونقده" للدكتور مصطفي عليان.
نحو منهج إسلامي في رواية الشعر ونقده.
تأليف: د. مصطفي عليان، ط1، 464 صفحة من القطع الوسيط، دار البشير، عمان 1992.
تقويم:د. محمد علي داود
ضم البحث بعد الإهداء مقدمة وأربعة أبواب ودليلًا للمصادر والمراجع وآخر لمحتوى البحث، تناول في المقدمة مفهوم الإحسان ومتى يصيب النص الأدبي حدوده التي عددها، وأشار إلى الصلة بين الإسناد والإحسان، وفطنة الكثير.
(1/140)

من الرواة إليها والأخذ بها نظريا وتطبيقيا، وضم الباب الأول: "رواية الشعر وشرف المعنى" ثلاثة فصول:
الفصل الأول: بعنوان "الرسول ورواية الشعر" تناول فيه ما يتعلق بتمثل الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر، وطبيعة هذا الشعر، واختلاف طبيعة النبوة عن طبيعة الشعراء اختلافا جوهريا، ووضح الباحث عدم التلازم بين نفي علمه، عليه السلام، بالشعر ونفي إنشاده له، وأن التمثل بالشعر ليس فيه مساس بعصمة النبوة، ويبسط الباحث ما ورد حول هذه القضية من أقوال وآراء ويردفها بتحليل ونقد لبعضها؛ مما يؤكد تمكن الباحث من موضوع بحثه.
والفصل الثاني: بعنوان: "رواية الشعر الجاهلي في القرن الأول الهجري" عهد الصحابة والتابعين، تناول فيه الباحث الاتجاهين اللذين جرى فيهما النشاط الأدبي وأولهما: ما كان الأساس في روايته وإنشاده خلقيا ودينيا، والثاني ما تتحقق من روايته وإنشاده غايات اجتماعية ومنافع أدبية مما يحقق المنهج الذي حرص الإسلام على تحقيقه في مناحي الحياة كلها، ويورد الكثير من الشواهد وآراء العلماء موجها ومرجحا، ويخلص من ذلك إلى جواز رواية الموروث من شعر الحكم الذي يوافق الشرع والحق والفطرة النقية، ويستدل على ذلك باستشاد الرسول بعض صحابته من شعر أمية بن أبي الصلت، وبمواقف للصحابة والتابعين، وما كان يجري في مجالس بني أمية، كما فصل القول في شعر الأغراض العامة وحدود مجالاته المباحة، واستدل على ذلك بما أنشده أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأهل الكوفة وبعض مسلمي الفتح ورواة أشعار الجاهلين من الإسلاميين.
(1/141)

والفصل الثالث: "رواة شعر صراع الكفر والإيمان": قسمه الباحث إلى عناصر أولها: القرآن الكريم ورواية شعر الصراع: تناول فيه الصراع بين الحق والباطل ودور الشعر فيه ويعدد كثيرا ممن سار في هذه المناقضات من رجال ونساء، ويوضح موقف الإسلام من رواية شعر الصراع..، وثانيها: الرسول ورواية شعر الصراع: وقد بيّن فيه الباحث رأي الرسول صلى الله عليه وسلم وحثه المسلمين على روايته شريطة أن يظل طابع المنافحة دينيا، وسماحته في هذا الجانب، ووسائله في التصدي لشعر هؤلاء المشركين من إهدار دمهم، أو النهي عن رواية بعض قصائد الصراع، وأشار إلى موقف ابن هشام من ذلك، وخلص إلى أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرواية عام لكل فاسد، وأن إسقاط الفحش يخرج رواية القصيدة من المحذور إلى المباح، وقد نجح البحث في عرض ومناقشة رأي النقاد ورأي الرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدة الأعشى ونهيه عن روايتها، وثالثها: رواية شعر الصراع في عهد الصحابة والتابعين، وفيه بيّن الزمن الذي تداول فيه الرواة وغيرهم هذا النوع من الشعر وموقف المسلمين منه، ويستعرض رأي عمر بن الخطاب وموقفه من حسان بن ثابت وشعراء المشركين من التداول وأرجعه إلى أسبابه وخلص إلى أن ما تناوله الرواة من هذا الشعر كان بعيدا عن الدين، كما أنه لا يمس العرض وعرِّج على شعر الردة والأسباب التي أدت إلى ندرة تداوله، والمعاني التي دار حولها، وموقف أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- منه.
وتناول الباب الثاني: "رواية الشعر والقيم النفعية": تحدث في الفصل الأول منه عن: التأديب والتربية: فبين دور الشعر فيهما، وموقف الإسلام من ذلك، واستشهد بمواقف عمر -رضي الله عنه- كما أشار إلى اتضاح هذا
(1/142)

المنهج عند عبد الملك بن مروان وبعض خلفاء بني أمية، وبين انتشار ذلك في المجتمع الإسلامي، وعرض لكثير من هذه المرويات التي تجمع بين الجمال الخلقي والفني، كما تناول ذلك عند المفكرين والعلماء مستدلا برسالة الجاحظ إلى المعتصم التي توضح أهمية رواية الشعر وناقش رأي ابن حزم والغزالي، كما بين أنه لا تعارض بين موقف الإحسان من رواية الشعر للناشئين والاهتمام بالنسبة بين الشعر ومحصول المتأدب من القرآن الكريم والعلم النافع، ويعرض لموقف بعض الصحابة في ذلك، ويناقش الآثار الناجمة عن تغليب رواية الشعر على حفظ القرآن الكريم والعلم النافع مستعينًا بما في كتب الحديث، والكشاف، ورسائل ابن حزم وغيرها، ويشير إلى مذهب المشرق والمغرب في ذلك، ويرجح ما يراه مناسبا بالدليل والحجة القاطعة.
وفي الفصل الثاني: رواية الشواهد العلمية، تحدث الباحث عن الحاجة إلى الشعر منذ نزول القرآن الكريم وأسباب ذلك مستدلا برأي ابن عباس، كما ناقش آراء كثير من النحويين والعلماء مؤيدا ما يراه بحججه، كما ناقش رأي الفراء في اتخاذ الشعر شاهدا في توضيح المعاني المشكلة ورأيه في شعر الهجاء ومذهب الألوسي في ذلك.
وفي الفصل الثالث: "الإمتاع الأدبي": أشار الباحث إلى استمرارية الاستجابة للنزوع الفني الباحث على المتعة الأدبية في الإسلام، وما روعي في ذلك، ويعرض لرأي ابن تيمية في أثر الشعر، ويدفع الباحث التعارض بين التماس المنفعة الأدبية والفائدة العملية والعلمية، ويستعرض مرويات الصحابة وغيرهم، ويذكر من كتب التراث ما يخلص منه إلى تحديد موقف المجتمع الإسلامي في قرنه الأول من هذه القضية، ويشير إلى الاتجاهات المتشددة
(1/143)

والمتسامحة، ويتعرض لمحاورة نافع بين الأزرق وابن عباس حول الرأي في عمر بن أبي ربيعة. وينقضها رواية ودراية، ويذكر رأي الشافعي وما تتسم به مروياته فنًّا وموضوعا، كما تحدث عن مذهب الجاحظ في رواية الشعر وعلله فيما ذهب إليه ورأي ابن الأنباري وموقفه الرافض لرواية مجموعة أبي نواس أو حكايتها أو تدوينها لضررها المطلق، كما ذكر رأي ابن المعتز الذي يجيز رواية شعر أبي نواس وحججه في ذلك، كما أشار إلى رواية شعر الغزل ورأي الماوردي فيها.
وأما الباب الثالث: فهو بعنوان: "اتجاهات النقد في رواية القبيح"، وضم ثلاثة فصول: الأول بعنوان: "الإعراض عن رواية المفاسد": فبيّن منهج الأصمعي الذي يرى أن الجمال هو تعادل يجمع بين جمال الشكل ونقاء المضمون، مما يتسم مع تدينه وتطبيقه ذلك عمليًّا في موقفه من نقائض جرير والفرزدق، كما عرض لأراء الكثير من العلماء ومنهم الحصري القيرواني ورأيه في هجاء ابن الرومي ومذهبه في تضييق حدود رواية الرفث، وذكر رأي ابن بسام وإعراضه عن رواية الفاسد ورأيه في شعر الهجاء وعلله فيه، ويناقش الباحث رأي ابن بسام في إجازته هجو الأشراف دون السباب الذي أحدثه جرير، والموشحات الأندلسية، وعدد أسباب ذلك لديه، وبعد ذلك تحدث عن رأي ابن خلكان وتنقيته مختاراته من الفحش والمجون وإضاربه عن رواية شعر أبي نواس إلا القليل منه لأسباب رآها.
والفصل الثاني: إسقاط الفاسد من رواية الشعر: تناول فيه الباحث منهج ابن هشام المتميز في رواية شعر السيرة ومناط الإحسان فيه، وما تميزت به مروياته، وإسقاطه الهجاء المقذع وتغييره في بعض الألفاظ في النص الشعري حيادا به عن رواية السوء، ويسوق الأمثلة، ويناقش الآراء، ويرد لمنهج ابن
(1/144)

هشام الذي يقوم على وعي وإحاطة وذكاء، ويوضح الباحث ما أثاره هذا الإسقاط عند البعض ويعلل عليه، ويتحدث عن منهج المبرد وبعده عن رواية المقذع والسيئ من القول تدينًا وورعًا، ويوضح منهجه من نقائض جرير والفرزدق وهجاء الأخطل الذي كان يرويه لأغراض معرفية مختلفة، ويشير إلى ما رواه المبرد من هجاء وضوابطه فيه ممثلًا ومناقشًا ويتحدث عن رأي ابن السيد البطليوسي في "لزوميات أبي العلاء"، وإحسانه في إسقاط ما يمس العقيدة وما فسد من أسلوبه، ويذكر رأي ابن بسام الذي يرى ما يراه سابقه، ويزيد فيصنع مثل ذلك مع شعراء الأندلس، كما ذكر رأيه في رواية شعر المجون بقسميه، ثم تحدث عن الشريشي الذي يسقط من مروياته المقذع من الهجاء والفاحش من المجون، ويمثل لكل ما يذكر.
والفصل الثالث: "نقد المعاني الفاسدة من الشعر المروي": تحدث فيه عن الموقف الإيجابي لابن أبي عتيق، الذي يرى ضرورة التوازن فيما يُروى بين القيم الخلقية والجمالية، والإشادة إلى ما في الشعر مما خالف الشريعة، كما تناول موقف ابن سلام الذي أنكر على امرئ القيس تصريحه بالزنا والدبيب إلى حرم الناس، وذكر موقف الباقلاني من امرئ القيس ونقده ما فيه من خروج عن العقيدة من شعر المحدثين، وبعد ذلك تحدث الباحث عن موقف النقاد من كفريات أبي نواس ومنهم المبرد، وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهما، ونص بعضهم على التجاوزات العقدية عند المتنبي مما صدر منه في مرحلة الصبا، تبرئة لأنفسهم من تبعتها، كما فعل الواحدي في بعض مدح المتنبي، ويناقش الباحث أبياتًا يورد فيها رأي الواحدي كما يذكر رأي ابن وكيع فيها والذي يخالف فيه الواحدي، كما يذكر رأي العكبري في شعر المتنبي الذي يحمل عدوانًا على
(1/145)

الأنبياء وما أنكره ابن تيمية على المتنبي، كما تحدث عن موقف الرواة والنقاد من شعر أبي العلاء في صباه مما يحمل انحرافا عقديا، كما تعرض لموقف ابن بسام من شعراء الأندلس، ويستعرض الأدلة والآراء ويناقشها بما يفضي إلى رأي مقبول.
وأما الباب الرابع: فهو بعنوان: "مرويات شعرية وقيم جمالية، بدأه بتمهيد أشار فيه إلى أول من أدرك الجمال في الإلف بين اللفظ والمعنى، ومناط الشرف الذي جرى ذكره عند الأوائل وأبعاده ومعاييره، وفطانة أصحاب المنتخبات الشعرية إلى ذلك مع اختلاف أهدافهم، وتنوع هذه المرويات بين القصائد الأفراد والأبيات المفردة، ودلالتها ودورها في ترسيخ نظرية القيم الخلقية والجمالية التي هي من صميم التصوير الإسلامي، وقد ضم الباب أربعة فصول.
تناول الفصل الأول: "مرويات أولي الأمر والسيادة": كعمر بن الخطاب في روايته قصيدة لبيد بن ربيعة، ومناط الإحسان في روايتها، ويناقش ما جاء في ذلك من آراء مما جعل الباحث يقف على أهم جوانب الشخصية الإسلامية عند لبيد متخذًا من المحور النفسي والفكري في أجزاء القصيدة مدخلا إلى ذلك، كما عرض لطلب عبد الملك بن مروان إنشاد قصيدة ذي الأصبع العدواني لما جمعت من قيم خلقية وكونية وجمالية، ويبين مضامين القصيدة وما فيها من جوانب بوأتها هذه المنزلة، كما عرض لطلب الرشيد من يروي له قصيدة الأسود بن يعفر النهشلي مما رواه "الأغاني" بسنده، ويتناول القصيدة بما يكشف عن جوانبها الفنية وما فيها من دلالات تكشف عن مناط الجودة، كما يربط بين إيقاعها والإحساس النفسي، كما يكشف عن خصاص مرويات ذوي السيادة.
والفصل الثاني: "مرويات اللغويين ورواة الشعر": تحدث فيه عن مرويات
(1/146)

اللغويين وما تميز به من دقة واحتياط وجمعها لمقاييسهم التي يراعى فيها الزمان والمكان والجانب الفني، ويورد أمثلة لمروياتهم، ومنها نونية المثقب العبدي التي استجادها أبو عمرو بن العلاء، والتي تحدث عن مضامينها وتميزها وما فيها من رؤية فكرية ونفسية، مما يكشف عن خلق الشاعر، ويناقش ابن قتيبة الذي يرى أن مقولة أبي العلاء خاصة بالأبيات التي ورد بعدها التعليق مما وافقه فيه ابن طباطبا، وينقض الباحث هذا الرأي معللا لما ذهب إليه وموضحا اتساق الوصف مع خلق المثقب وفكره، كما تحدث عن إعجاب الراوية البصري يونس بن حبيب برائية عدي بن زيد، ويعلق عليها بما يبرز ما فيها من جودة، ويذكر نموذجا غزليا من مختارات الأصمعي يجد فيه جمالا وإحسانا بما حوى من جوانب تكشف عن عفاف المحب وتصون المحبوب؛ مما يدل على اتجاه الأصمعي الخلقي في الانتخاب والرواية، كما ذكر عن بعض اختيارات المبرد من شعر المولدين وما تضم من جوانب خلقية وتربوية وعلمية وسلوكية كعينية محمود الوراق وغيرها، ثم عرض لرواة الشعر في الكوفة بما يظهر لديهم من مرويات الإحسان التي لم تكن قصرًا على أهل اللغة من البصريين.
والفصل الثالث: "مرويات الأدباء والنقاد"، تحدث فيه عن مرويات الجاحظ، وما تتسم به من صلاحية للرواية والمذاكرة والإنشاء والتناول، كما تأتلف فيها الصورة الفنية بالمضمون الحسن، وساق جملة من مروياته، وأشار إلى ما أطلقه عليها من ألقاب، ثم يعرج على الإحسان في مرويات ابن طباطبا ومنهجه في الانتخاب مما يتفق مع الاتجاه الجمالي الشامل، ويحدد مختارات ابن طباطبا التي دارت بين شعري الجاهلية والإسلام، وما استحسنه، والأغراض التي ظهرت في مروياته وأسباب ذلك، وذكر جملة من النماذج التي تفرز ما ذهب إليه من شعر زهير والقطامي ونهشل المازني وغيرهم، كما تحدث عن
(1/147)

اختياراته لمراثي من شعر الفرزدق وعلله للمختار منها، كما انتقل إلى ذكر مرويات أبي هلال العسكري مما تحقق فيها الإحسان وما تتميز به من جمعها لمعاني المروءة والعلم بسلوك الصواب واجتناب الخطأ، ولذا عد في قصيدة أبي محجن الثقفي معيار التقويم الإنساني خلقًا وخلالا مما هو جماع العقل والمروءة، ويناقش الباحث رأي أبي هلال وما تتسم مروياته التي أوردها الباحث مع جمع الإحسان في المبنى والمعنى.
والفصل الرابع والأخير في البحث بعنوان: "مرويات الفقهاء والمحدثين": بين فيه ارتباط مرويات هؤلاء بالغاية الخلقية التي لا تخلو من ومضات الذوق والفن ورفعة الصنعة وقوة الدلالة ويذكر اتجاهها الذي يتوقف عند رواية شعر المحدثين، ومن مروياتهم التي ذكرناها: قصيدة أبي الحسن علي بن زريق البغدادي "لا تعذليه فإن العذل يولعه.." وقد تناول أجزاء القصيدة شرحًا وتعليقا وكشف عما فيها من فكر وفن وخلق، ووضح بناءها النامي في وحدات فكرية ونفسية متوافقة الأجزاء والمعاني، كما ذكر مقولة ابن حزم التي تبين مكانة القصيدة عنده، ويتعرض للأساس الذي بنى عليه أهل الحديث مروياتهم فيستعرض لبعض مختاراتهم الشعرية، ومنها "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" للإمام محمد بن حبان البستي وغيرهما، ويعرض لما ذكر من هذه المختارات بالتحليل مشيرا إلى ما فيها من جوانب توضح مناط الاستحسان عند ابن حبان وما تحقق فيها من معيار الجمال الإسلامي في الخلق وقبول العقل له، وما يتسم به أسلوبها، وما جمعت من جمال، ومعللا لما ذهب إليه، ويوضح ما يرفع من قيمة مرويات ابن حبان الجمالية من اعتماده فيها على نصوص بعض مشهوري الشعراء في التحليل للأفكار الوعظية، وموافقة ابن حبان في بعض مختارات أذواق السابقين كأبي تمام، وإردافه الأبيات المروية المقيدة بالأخبار المروية مما
(1/148)

يوضح العلة المرادة في التوجيه. ونصه على الحسن والجمال في بعض النصوص والأبيات السائرة قصدا للاستعانة بها على إيجاز فكرته أو توضيح مقصده، ويختم الفصل مشيرا إلى أن مرويات المحدثين تتفاوت في قيمتها الجمالية، كما أن فيها ما يطلب المعنى الخلقي الصائب ولو كان في شعر بعيد عن الجمال التعبيري، أو هابط إلى التقريرية الواضحة.
ومما لاحظت من أخطاء -أظنها مطبعية- لا تؤثر في قيمة البحث، وهي نادرة، ففي ص66 خطأ في ضبط آخر كلمة في أول بيت في الصفحة، وفي ص78 خطأ في آخر كلمة في الشطر الأول من البيت الأخير، وفي ص424 خطأ في البيت الثالث سقط بعد كلمة "ربي" أدى إلى كسر الوزن وأظن الناقص "لكن"، وفي ص426 كلمة " تأميله" لعلها تأملية.
ولقد استطاع الباحث أن يقدم صورة واضحة عن المنهج الإسلامي في العصور الإسلامية الأولى في رواية الشعر ونقده، ساعده على ذلك سعة الاطلاع، والوقوف على أبعاد القضية التي يكتب فيها، وأخذه النفس بالجد في التناول، والقدرة الواضحة في المناقشة والاستنتاج في صفاء لغة، ونصاعة بيان، ودقة اختيار الشواهد، والإفاضة في مناقشتها؛ مما أدى إلى ظهور شخصيته العلمية. والبحث يعالج قضية من القضايا الهامة في مجال الأدب الإسلامي ونقده، وبه جهد كبير، وقد نجح الباحث في تخطيط البحث، وفي عرض قضاياه، والاستشهاد والتحليل، مما يسم البحث بالأصالة والجدة في بابه، كما التزم فيه الباحث بالمنهج العلمي الدقيق.
والتقدير العام للبحث "جيد جدًّا".
(1/149)

ومن الملاحظ على هذا التقويم ما يلي:
1- أنه أعطى القارئ صورة أمينة عن الكتاب الذي يقومه، من خلال تلخيص دقيق لمحتوياته استغرق عدة صفحات.
2- أبرز الجهد الواضح الذي بذله المؤلف في التدليل لقضية "نحو منهج إسلامي في رواية الشعر ونقده" من خلال تتبعه لرواية الشعر ونقده في العصور الإسلامية الأولى.
3- حمل لنا رأي المقوِّم في الجهد العلمي لمؤلف الكتاب بقوله: "استطاع الباحث أن يقدم صورة واضحة عن المنهج الإسلامي في العصور الإسلامية الأولى في رواية الشعر ونقده، ساعده على ذلك سعة الاطلاع، والوقوف على أبعاد القضية التي يكتب فيها، وأخذه النفس بالجد في التناول، والقدرة الواضحة على المناقشة والاستنتاج في صفاء لغة.
4- ساعدنا -نحن القراء- على تكوين رأي شخصي عن العمل المقوم بإعطائنا فكرة عن الكتاب، وتقديم نماذج كافية للتمثيل والتوضيح، وبتقديره للعمل المقوَّم بأنه "جيدٌ جدًّا"
(1/150)

الفصل الثالث: الرسالة
تعريف الرسالة
هي فن من فنون النثر القولية، عرفها العرب منذ القدم، وهي مثل فنون النثر الأخرى "القصة، المسرحية، السيرة الذاتية.." لها خصائصها المميزة التي تجعلها فنًّا قائمًا بذاته.
(1/151)

تاريخ الرسالة:
يظن البعض أن الرسالة فن لم يظهر إلا بعد الإسلام بفترة طويلة معتمدين على المقولة المشهورة: "بدأت الكتابة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد" ولكن هذه المقولة تعني الرسالة المتميزة أدبيا. أما الرسائل كما نرى فقد عرفت منذ العصر الجاهلي ثم وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يكاتب الملوك والأمراء من معاصريه داعيًا إياهم إلى الإسلام، ثم بعد ذلك عرفناها في وصايا الخلفاء، وفي الرسائل التي أرسلها خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس إلى ولاتهم.
(1/151)

أنواع الرسالة:
1-الوصايا:
وهي تلك الرسائل التي أرسلها الخلفاء الراشدون إلى من ولوهم على الأمصار يطلبون منهم السير في الحكم والحرب والقضاء على طرق معينة، ومنها ما يكتبه الآن حكام الدول إلى سفرائهم أو من يقومون بمهام معينة لهم.
(1/151)

2- الرسائل الشخصية:
أ- الذاتية: وهي التي يكتبها الشخص إلى صديقه، أو قريبه، أو زميله، وتسمى بالرسائل الأهلية، ويعبر فيها الكاتب عن نفسه تعبيرا حرا بلا قيود.
ب- الأدبية: وهي تلك التي يرسلها أديب إلى أديب آخر مناقشا إياه، أو متحدثا في قضية أدبية، أو عن خبرته في عصر من العصور، وهذه يجب نشرها بعد وفاة صاحبها، خدمة للأدب بعد استبعاد ما يسوء منها.
(1/152)

3- الرسالة الرسمية "الإدارية":
وهي التي ترسلها إدارة من الإدارات، أو هيئة من الهيئات إلى فرد من الأفراد أو العكس.
خصائص الرسالة الرسمية "الإدارية":
أ- في المضمون:
ينبغي أن يوجد في الرسالة مضمون، وزمان، ومكان، أما المضمون فهو يشمل: محتوى الرسالة. والمكان: الذي صدرت منه الرسالة إلى الشخص المرسل إليه، وأما الزمان: فهو زمن الإرسال.
ب- في الشكل:
1- اسم المرسل إليه: وينبغي أن يخاطب المرسل إليه بقدره ولقبه دون زيادة أو نقصان.
2- التحية
3- الموضوع "المضمون"
4- التحية في آخر الرسالة
5- المرسل "التوقيع"
6- العنوان
7- التاريخ.
(1/152)

أما في الرسالة الموجهة من إدارة إلى شخص، فتكون الفقرات الثلاث الأخيرة: أولا فيصبح الترتيب على النحو التالي:
1- المرسل
2-العنوان
3- التاريخ
4- اسم المرسل إليه
5- التحية
6- الموضوع "المضمون"
7- التحية في آخر الرسالة
(1/153)

نماذج تطبيقية:
من نماذج الرسائل:
1- رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس1 عظيم القبط سنة ست من الهجرة. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بها مع حاطب بن أبي بلتعة، وهذا نصها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط. و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 2.
__________
1 اسمه جريج بن مينا.
2 أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت، 1/ 42.
(1/153)

وجاء في صبح الأعشى:
وذكر الواقدي أن كتابه إليه كان بخط أبي بكر -رضي الله عنه- وأن فيه:
"من محمد رسول الله إلى صاحب مصر، أما بعد، فإن الله أرسلني رسولا وأنزل علي قرآنا، وأمرني بالإعذار والإنذار، ومقاتلة الكفار، حتى يدينوا بديني، ويدخل الناس في أمتي، وقد دعوتك إلى الإقرار بوحدانيته، فإن فعلت سعدت، وإن أبيت شقيت، والسلام"1.
2- وقد رد المقوقس برسالةٍ هذا نصها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط.
سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًّا قد بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبثياب وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك"2.
__________
1 المرجع السابق، ص43.
2 المرجع السابق، ص43.
(1/154)

ومن نماذج الوصايا:
كان أهل الشام قد حصروا أبا عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- وأصحابه، فأصابهم جهد، فكتب إليه عمر -رضي الله عنه-:
(1/154)

"سلام عليك، أما بعد: فإنه لم تكن شدة إلا جعل الله بعدها فرجًا، ولن يغلب عسر يسرين1 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 2.
2- فكتب إليه أبو عبيدة رضي الله عنه:
"سلام عليك، أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
فلم يلبث أن ورد البشير على عمر بفتح الله على أبي عبيدة وهَزْمِ المشركين3.
3- ومن نماذج الوصايا أيضًا ما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن والي الكوفة:
كتبتَ إلي تسألني عن ناس من أهل الحِيرة، يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس، وعليهم جزية عظيمة، وتستأذنني في أخذ الجزية منهم، وإن الله
__________
1 أي أن الله يبدل المؤمن بعسره يسرًا في الدنيا ويسرًا في الآخرة، أي فرجًا عاجلًا في الدنيا، وثوابًا آجلًا في الآخرة. وجاء في "لسان العرب": قال الله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} رُوي عن ابن مسعود أنه قرأ ذلك وقال: "لا يغلب عسرٌ يُسرين".
2 المرجع السابق، ص181.
3 المرجع السابق، ص181، 182.
(1/155)

جل ثناؤه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى الإسلام، ولم يبعثه جابيًا، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة، ولا جزية عليه ... 1.
__________
1 المرجع السابق، 2: 276.
(1/156)

من نماذج الرسائل الأدبية:
هذه الرسالة التي أرسلها الأديب الأستاذ وديع فلسطين إلى أحد أصدقائه: القاهرة في السادسة والعشرين من يناير 1995م.
أخي العزيز الدكتور ...
شكرا على رسالتك المؤرخة في 13 /1 / 1995 وعلى مودّاتك الغالية، وأخوّتك النبيلة، ويسعدني أن أرد عليها في هذه السطور قبل أن أزداد انجرافًا في تيار الأعمال.
الأحاديث المستطردة1 نَدَرَ من يطالعها في مصر، ولم أصادف حتى الآن شخصًا أفاد بأنه قرأها أو حتى رآها، مما يدل على أنني أرسل هذا الكلام إلى قبة الهواء! ولست مهتمًّا بذلك؛ لأنني أعد نفسي متقاعدًا من مآرب الأدب -ولو في مصر- وليست بي رغبة في ولوج ميدان الأدب عن طريق أي من مجلاتنا أو صحفنا. ولهذا أدهشني قولك إن لك زملاء يهتمون بهذه الفصول؛ ربما لأنهم يجدون فيها من اللمسة الشخصية ما لا يجدونه في الكتب المنشورة، وإذا كان الحديث الخاص بالدكتور"بشر فارس" قد فاتك، فإليك صورة منه ...
__________
1 يشير إلى ذكرياته التي ينشرها في جريدة "الحياة" اللندنية عن الأدباء الذين عرفهم تحت عنوان "حديث مستطرد"، وكان ينشر هذه الزاوية من قبل في مجلة "الأديب" اللبنانية.
(1/156)

ويكشف هذا الجزء من الرسالة عن:
1- لغة قريبة من اللغة التي يتحدث بها المثقفون.
2- شكوى من الحياة الأدبية، التي لم تعد تهتم بما يُكتب.
3- في الرسالة بعض الصور الجمالية، غير المفتعلة، وإنما جاءت عفو الخاطر، مثل "قبة الهواء" تعبيرًا عن عدم جدوى الكتابة، و"أعد نفسي متقاعدًا من مآرب الأدب"، فهو بعيد عن الغايات التي يرمي إليها غيره من الكتابة.
4- حرصه على أن يقرأه من يعتزون بكتاباته، ولهذا فهو يرسل لصديقه الفصل الذي فاته، ولم يقرأه.
5- ذكر تاريخ كتابة الرسالة في المقدمة.
6- الدخول إلى الموضوع مباشرة.
7- أن للرسالة فكرة عبرت عنها، وهي شكوى الأديب من عدم المتابعة الأدبية لما يكتبه ويمليه على الناس، والاعتزاز -مع الدهشة- بالأصدقاء المتابعين له.
وهذا نموذج للرسالة الإدارية:
(1/157)

من نماذج الرسالة الإدارية
...
من نماذج الرسائل الإدارية:
الجمهورية العربية السورية
مكتبة الأسد
1498
الرقم --------
223/ 1
السيد عبد الرحمن إبراهيم العتل
كلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود
دراسات عليا - قسم الأدب
السعودية - الرياض- ص.ب 86907
الرمز البريدي/ 11632/
تحية طيبة وبعد:
إشارة1 لرسالتك التي تطلب فيها معلومات عن الإنتاج الشعري والمسرحي للشاعر بدر الدين محمود الحامد، نعلمك أنه يتوفر في المكتبة: العنوانين2 التاليين:
- ديوان بدر الدين الحامد: شاعر العاصي.
- ميسلون/ بدر الدين الحامد.
ونعلمك أن مكتبة الأسد هي المكتبة الوطنية للقطر العربي السوري ولا يسمح نظامها ببيع الكتب.
مع أمنياتنا لك بالتوفيق
دمشق في 25/ 10/ 1994م.
المدير العام
غسان اللحام
__________
1 الصواب: فإشارة.
2 الصواب: العنوانان التاليان.
(1/158)

الفصل الرابع: المقالة
مفهوم المقالة وتطورها
في اللغة
...
الفصل الرابع: المقالة
أولًا: مفهوم المقالة وتطورها
في اللغة:
المقالة: مصدر قال يقول قولا وقِيلًا ومقالةً ومقالًا1.
والمقالة: القول، والجمع مقالات2.
وقد وردت اللفظة في الشعر الجاهلي، في قول النابغة الذبياني:
وأخبرت خير الناس أنك لمتني ... وتلك التي تصطك منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
وقال كعب بن زهير:
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمة ... ذموه بالحق وبالباطل
وقال حسان بن ثابت:
ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد3
وجاء في خطبة الوداع:
"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"4.
__________
1 انظر الرازي، مختار الصحاح، ط دار الفكر 1398 هـ، ص566.
2 المنجد في اللغة والإعلام، ط2، دار الشروق، بيروت، ص499.
3 انظر د. السيد مرسي أبو ذكري: المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ط دار المعارف 1982، ص11.
4 نقلًا عن السابق، ص11.
(1/159)

مفهوم المقالة عند النقاد:
عرفها الدكتور محمد يوسف نجم بأنها "قطعة نثرية محدودة في الطول والموضوع، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكلفة والرَّهَق، وشرطها الأول أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب"1.
وعرفها الأستاذ سيد قطب بأنها "فكرة قبل كل شيء وموضوع؛ فكرة داعية وموضوع معين يحتوي قضية يراد بحثها، قضية تُجمع عناصرها وترتب بحيث تؤدي إلى نتيجة معينة، وغاية مرسومة من أول الأمر، وليس الانفعال الوجداني هو غايتها، ولكنه الاقتناع الفكري"2.
وعرفها الدكتور عبد الرازق الطويل بأنها "تتناول الموضوعات التي يمتزج فيها الفكر بالعاطفة، في عبارة واضحة منتقاه مع ملاءمة بين اللفظ والمعنى، وما يشيعه من إيحاءات"3.
ويصفها الأستاذ أنيس المقدسي بأنها "لا تختلف كثيرًا عن الشعر الوجداني المعبر عن اختيارات الشاعر الخاصة، فالقصيدة لا تعد من الشعر الجيد إذا خلت من طلاوة التعبير وجمال التصوير، أو إذا جفت فجاءت بلا ماء أو رواء، كذلك المقالة، على أن جمال التعبير والتصوير فيها لا يعني تكلف البدائع البيانية، والتوهجات العاطفية، بل يراد بها الاستعراض السوي الشائق الذي يجمع بين الإيجاز ودقة الملاحظة وخفة الروح"4.
__________
1 د. محمد يوسف نجم: فن المقالة، ط4، دار الثقافة، بيروت، د. ت، ص59.
2 سيد قطب: النقد الأدبي: أصوله ومناهجه، ط4، بيروت 1966، ص 92.
3 د. عبد الرازق الطويل: المقالة في أدب العقاد، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 1978، ص107.
4 أنيس المقدسي: الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة، ط4، دار العلم للملايين، بيروت 1984، ص230، 231.
(1/160)

ولعلنا نستطيع أن نجمل وصف المقالة فيما يلي:
1- قطعة نثرية محدودة الطول.
2- ينبغي أن تكون متسمة بالأصالة، بمعنى التعبير عن الذات.
3- تقدم فكرة، أو موضوعا، أو قضية جديرة بالمناقشة.
4- تحمل الإقناع، والإمتاع.
5- يبرز فيها الانفعال الوجداني.
6- عباراتها واضحة، منتقاة.
7- فيها دقة الملاحظة، وخفة الروح.
__________
1 د. محمد يوسف نجم: فن المقالة، ص56.
(1/161)

البناء الفني للمقالة
ينبغي أن تكون المقالة متماسكة البناء، متآلفة الأجزاء، ألفاظها على قدر معانيها، ومعانيها ملائمة لغرضها، والتصميم الدقيق للمقالة يتكون من ثلاثة أجزاء، هي:
1- المقدمة.
2- الغرض "صلب الموضوع".
3- الخاتمة.
والمقدمة تتألف من معارف مسلَّم بها لدى القراء، قصيرة، متصلة بالموضوع، معينة على ما تعد النفس له من معارف تتصل به، وهي تمهيد ملائم للدخول في الفكرة الرئيسة.
والغرض -أو"صلب الموضوع"- هو النقطة الرئيسة أو الطريقة التي يؤديها الكاتب، سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم عدة نتائج هي في الواقع متصلة معًا، وخاضعة لفكرة رئيسة واحدة، ويكون العرض منطقيًّا مقدمًا الأهم على المهم، مؤيدًا بالبراهين، قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجهًا إلى الخاتمة؛ لأنها مفاده الذي يقصده.
والخاتمة هي ثمرة المقالة وعندها يكون السكوت، "فلا بد أن تكون النتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة، صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسة المراد إثباتها، حازمة تدل على اقتناع ويقين، لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة1".
__________
1 أحمد الشايب، الأسلوب، المطبعة الفاروقية، الإسكندرية 1939م، ص94.
(1/162)

وفي كتاب "من صحائف التاريخ" للدكتور محمد رجب البيومي، لو قرأنا مقالة "قوة الإرادة"1 جيدًا، لوجدنا أنها مكونة من:
أ- مقدمة.
ب- عرض.
جـ- خاتمة.
والمقدمة: تبدو في التمهيد الذي قدم به الكاتب لمقالته، ونوه فيه بعظمة قوة الإرادة، وبين أنها ليست وقفا على رجال البطولة الحربية وذوي القوة البدنية، وأكد أن قوة الإرادة صفة نفسية لا تخص العماليق من ذوي الأجسام.
وفي العرض: نفذ الكاتب إلى صلب الموضوع بعد هذا التمهيد، وعَرْضُه لموضوعه قام على أربعة أفكار، هي:
1- وصف عروة بن الزبير بن العوام، والتنويه بأخلاقه ومزاياه وقوة إرادته.
2- موقفه من الثروة المالية، وهو موقف متسم بالزهد والقناعة.
3- عزوف عروة عن مظاهر الأبهة والجلالة، وهي منه قاب قوس.
4- موقفه الشجاع من مرضه، ووفاة ابنه في وقت واحد.
__________
1 د. محمد رجب البيومي: من صحائف التاريخ، مطبعة السعادة، القاهرة، 1981م، ص24 وما بعدها.
(1/163)

وجاءت الخاتمة تلخيصًا وتعليقًا على الفكرة الرابعة فقط، وكان الأجدر بالكاتب أن يعطينا موجزًا دقيقًا، يلخص به أفكاره التي عرضها في أسلوب أدبي رائع، وعاطفة إسلامية صافية.
وقد أشار الكاتب في سرعة وخفاء إلى حتمية الاقتداء بأمثال عروة؛ لأنه نموذج اجتماعي وإنساني رائد، وقد دافع عن إيجازه في الخاتمة حين قال: "إن من المواقف ما يشينه التعليق، إذ يبدو بروعته الخارقة نموذجًا فريدًا يدل على نفسه بأبلغ إيحاء".
تطور المقالة في الأدب العربي الحديث:
يرتبط تطور المقالة في أدبنا العربي الحديث بتطور الصحافة، فقد نشأت "المقالة" في حضن الصحافة، واستمدت منها نسمة الحياة منذ ظهورها، وخدمة أغراضها المختلفة، وحملت إلى قرائها آراء محرريها وكتابها"
وقد مرت المقالة الأدبية العربية في تطورها بعدة مراحل.
المرحلة الأولى:
يمكن أن نسميها مرحلة النشأة، وهي تلك المرحلة التي نشأت فيها الصحافة، ومن أشهر كتاب هذه المرحلة: رفاعة رافع الطهطاوي، وعبد الله أبو السعود، وسليم عنحوري.. وغيرهم "وقد نشروا مقالاتهم في "الوقائع المصرية"، و"وادي النيل"، و"الوطن"، و"روضة الأخبار"، و"مرآة الشرق". وقد ظهرت المقالة على أيديهم بصورة بدائية فجَّة، وكان أسلوبهم أقرب إلى أساليب عصر الانحطاط، فهو يزهو بالسجع الغث، والمحسنات
__________
1 د. محمد يوسف نجم: فن المقالة، ص56.
(1/164)

البديعية، والزخارف المتكلفة المموجة. وقد كانت الشئون السياسية هي الموضوع الأول لهذه المقالات، ولكن الكتاب كانوا أحيانًا يعرضون لبعض الشئون الاجتماعية والتعليمية"1.
ويمكن أن نمثل لذلك بجزء من مقالة لأحمد فارس الشدياق، بعنوان "الوطني المزيف"2 يقول فيه:
"من الناس من يبالغ في مدح وطنه، ويحن إليه حنينه، فيصلف مروه ورياضه، وحروجه وحياضه، ووهاده وجباله، وتلاعه وتلاله، وربوعه ودياره، ونباته وأشجاره، وبقوله وثماره، ودوحه وأطياره، وطيب هوائه ولذة مائه ... " إلخ.
وقد استمرت هذه المرحلة، حتى نهاية القرن التاسع عشر.
المرحلة الثانية:
يمكن أن نسميها مرحلة التطور وهي تلك التي نشأت في مطالع القرن العشرين، ومن بواكير هذه المدرسة: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومن أعلامها: لطفي السيد، وطه حسين، ومحمد السباعي، وعباس محمود العقاد، وغيرهم. والمتأمل في نتاج هؤلاء، يجدهم قد خطوا بالأسلوب الأدبي في هذه المرحلة خطوات جبارة، فخلصوه من قيود السجع والصنعة، وأطلقوه حرًّا بسيطًا، يحمل من الأفكار والمعاني الكثير، ويناقش قضايا المجتمع في مختلف شئون حياته.
__________
1 السابق، ص65-66.
2 نقلا عن كتاب: نشأة النثر الحديث وتطوره، للأستاذ عمر الدسوقي، دار الفكر العربي، القاهرة 1976، ص57.
(1/165)

من أمثلة ذلك مقالة المنفلوطي "أين الفضيلة"1، وهو متشائم في مقالته، يوحي بأن المجتمع -في عصره- كان فاسدًا في كل طوائفه جميعًا:
"فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار فرأيت التاجر لصًّا في أثواب بائع؛ وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد.. فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على ألا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم وإراحة الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منالها من الذنوب، فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه لها. فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو مِتلافًا. فتشت عنها في مجال السياسية فرأيت أن المعاهدة والاتفاق والقاعدة والشرط ألفاظ مترادفة معناها الكذب".
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة المقالة الحديثة:
ونقصد بها تلك المقالات التي ظهرت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى"1919"، وتستمر هذه المرحلة خمسين عاما تقريبًا حتى عام "1967"، وهذه المرحلة شهدت ظهور المجلات الأدبية مثل" الرسالة" و"الثقافة" و"الكاتب المصري" و"الكتاب" في مصر، و"الأديب" و"الآداب" في لبنان، و"المنهل" في السعودية، و"الحكمة" في اليمن، و"الفكر" في تونس.. وغيرها. ومن كتاب هذه المرحلة: أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، وذكي مبارك، ومحمود تيمور، وذكي نجيب محمود، ومصطفي صادق الرافعي، وعبد القدوس الأنصاري، وحسين سرحان.. وغيرهم.
__________
1 السابق، ص193.
(1/166)

وامتازت المقالات في هذه المرحلة بظهور الذاتية العاطفية، وميلها إلى المقال القصصي، مع الميل إلى الثقافة العامة لتربية أذواق الناس وعقولهم"1.
ومن الكتب التي جمعت مقالات كتبها أصحابها في دوريات قبل جمعها في كتاب، وتمثل هذه المرحلة: "وحي الرسالة" وهو كتاب في عدة مجلدات يضم الافتتاحية التي كان يكتبها أحمد حسن الزيات في مجلة "الرسالة" في صدورها الأول "1933-1951"2، و"أباطيل وأسمار" لمحمود محمد شاكر الذي يجمع مقالات له نشرها في مجلة "الرسالة"3 يكشف فيها الزيف الثقافي الذي استشرى في حياتنا الأدبية في عقد الستينيات.
المرحلة الرابعة: مرحلة المقالة الصحفية:
وبهزيمة 1967م تخلت المقالة الأدبية عن الواجهة، وأفسحت المجال للمقالة السياسية التي يكتبها: أحمد بهاء الدين، ومصطفي أمين، وجهاد الخازن، وغسان سلامة، وسلامة أحمد سلامة، وفهمي هويدي ... وغيرهم. والمقالة الاجتماعية التي يكتبها: على أمين، وأحمد بهجت، وعبد الله الجعيثن، وعبد الرحمن الدوسري، وصلاح منتصر.. وغيرهم. والمقالة الفلسفية التي يكتبها حسن حنفي، وفؤاد زكريا، وإمام عبد الفتاح إمام ... وغيرهم.
لقد أصبح الأسلوب الصحفي الذي يُعنى بقصر العبارة والاهتمام بالمعنى، مع خلوها من المحاسن البلاغية واللفظية، هو ما يميز كتابات هذه الفترة الأخيرة.
__________
1 د. محمد يوسف نجم: مرجع سابق، ص70.
2 صدرت "الرسالة" مرة أخرى عن وزارة الثقافة والإرشاد المصرية "1963-1965"، ولم يجمع الزيات افتتاحياته في الإصدار الثاني.
3 انظر مقدمته التي وضع لها عنوان "رسالة الكتاب"، ط2، مطبعة المدني، القاهرة،1972، ص7.
(1/167)

ثانيًا: أنواع المقالة الأدبية
1- المقالة الأدبية
تكاد المقالة الأدبية تكون شعرًا منثورًا، فالذاتية طابعها، وشدة الانفعال من أولى خصائصها، وتتغلب فيها حرارة الوجدان على رزانة الفكر، وتتمتع بالأسلوب الرصين، والأخيلة الجذابة، والعبارات المبنية بناء متناسقًا محكمًا.
ومنها مقالات مصطفى لطفي المنفلوطي في "النظرات" و"العبرات"، ومقالات جبران خليل جبران في كتابه "البدائع والطرائف"، ومقالات مصطفى صادق الرافعي في كتبه المتعددة، مثل "وحي القلم" و"السحاب الأحمر".. وغيرها، ومن هذا النوع أيضًا مقالات أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، ومحمد زكي عبد القادر، وأمين الريحاني، ومحمد عوض محمد.
يقول الأستاذ عمر الدسوقي في كتابة "نشأة النثر": يقتضي الأسلوب في هذا اللون من النثر الأدبي التأنق في اللفظ، وجودة السبك، وتوليد المعاني، والمعرفة بأسرار اللغة، ووفرة المحصول من المفردات، والبصر بالكلام الجيد من المنظوم والمنثور. كل ذلك إلى جانب طبيعة مواتية، وحس مرهف، وذوق رقيق يهدي إلى مواطن الجمال".
ومن أعلامها: أحمد حسن الزيات، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد أمين، وطه حسين، والمازني، وسيد قطب، ووديع فلسطين، وعبد الحميد إبراهيم، وشكري عيّاد، وعبد القدوس أبو صالح، وحسين سرحان، ومحمد بن عبد الرحمن الربيع، ومحمد بن سعد بن حسين، وحمد الدخليل ... وغيرهم.
(1/168)

ومن نماذجها مقالة "أحقًّا مات علي محمود طه؟! " لأحمد حسن الزيات1، التي يقول في مطلعها:
"أحقا رفاق علي لن تروه بعد اليوم يحيي المجالس بروحه اللطيف، ويؤنس الجلاس بوجهه المتهلل، ويدير على السُّمار أكؤسًا من سلاف الأحاديث تبعث المسرة في النفوس، وتحدث النشوة في المشاعر؟
أحقًّا عشاق علي لن تسمعوه بعد اليوم ينشد القصائد الرقيقة، ويخرج الدواوين الأنيقة، ويصور الحياة بألوان من الشعر والسحر والفتون، في إطار من الجمال والحب واللذة؟
أحقًّا أصدقاء علي لن تجدوه بعد اليوم يبذل من سعيه ليواسي، وينيل من جاهه ليعين، ويجعل بيته سكنًا لكل نفس لا تجد الدعة ولا الأنس، ومثابة لكل طائر لا يجد الروضة ولا العش؟. أحقًّا عباد الله سكت البلبل، وتحطم الجام، وتقوض المجلس، وانفض السامر، وتفرق الشمل، وأقفر الربيع، وأصبح علي طه الشاعر العامل الآمل أثرًا وخبرًا وذكرى؟ "
ومن هذا النوع من المقالة ما كتبه أحمد أمين في كتابه "إلى ولدي"، ومنه قوله: "أهم ما جربت في حياتي أني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يكسب الإنسان من المزايا ما لا يُقدَّر. لقد احتملت في سبيل ذلك بعض الآلام، وأغضبت بعض الأنام، وضاعت عليَّ من أجله بعض المصالح، ولكني برغم ذلك كله قد استفدت منه أكثر مما خسرت، لقد
__________
1 أحمد حسن الزيات: أحقًّا مات علي محمود طه، مجلة "الرسالة" العدد"856"، في 7/ 2/ 1369هـ "28/ 11/ 1949م"، ص 1641، 1642.
(1/169)

استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حسن ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا سببه"1.
__________
1 أحمد أمين: إلى ولدي، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت 1969م، ص 16.
(1/170)

2- المقالة الدينية
المقالة الدينية هي تلك المقالة "التي يهتم صاحبها بإبراز عاطفته الدينية نحو أمر يمس العقيدة أو يتصل بالمجتمع، فيكتب مقالة تبين عن رأيه فيما هو بصدده، متسمًا أسلوبه بالتدفق الشاعري نحو القيم الدينية، والذب عنها، والإخلاص لما تدفع إليه، فهو لا ينطلق في توجهه من عبث أو تلهٍّ أو استدرار، قدر ما يستند إلى ذلك المنبع العظيم النير المشرق، يستمد منه توجهه، ويمتح من نميره أفكاره"2.
وهي "تُعنى بدراسة قضايا العقيدة وشعائر الدين ودورهما في حياة الفرد والمجتمع، وبدهي أن موضوعاتها مما يمس حياة الإنسان وصلته بنفسه ومجتمعه وخالقه، ومن ثم فهي ذات جذور بعيدة في تراثنا العربي، غير أن تطور الحياة وما ظهر فيها من حياة الناس تتطلب تحديد الموقف الديني منها، وظهور العديد من المجلات الدينية مثل "الأزهر" و"الإخوان المسلمون" و"منبر الإسلام" و"نور الإسلام" و"هدي الإسلام" ساعد على ذيوع المقالة الدينية"3.
__________
2 د. محمد العوين: المقالة في الأدب السعودي الحديث، ط1، مطابع الشرق الأوسط، الرياض1412هـ-1992م، 1/ 206.
3 د. أحمد محمد علي حنطور: فن المقال في الأدب المصري الحديث، ط1، التركي للكمبيوتر وطباعة الأوفست، طنطا 1996م، ص99.
(1/170)

وتسيطر عليها الروح الدينية، حيث تخاطب الوجدان المسلم، وتتلمس أسباب ضعف الكيان الإسلامي، ثم تبحث عن وسائل تقويته، والأسلوب في هذا النوع يستمد قوته من الاقتباس من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وخطب الخلفاء الراشدين وكبار الأئمة.
ووسائل الإقناع هنا تكون نقلية غالبًا، حيث يدلل الكاتب على آرائه بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وبالمأثور من خطب ومواعظ الأولياء، وقد تكون قياسية وذلك بضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي، والاتكاء على سلوك الشخصيات الرائدة التي تمثل نماذج عامة في الوجود الإسلامي.
والمقالة الدينية كثيرًا ما تجنح إلى التاريخ تستلهمه العبر، وتستنطقه العظات، وتدلل به على مواجهة الحاضر وقضاياه المتشعبة.
ومن رواد كتابة المقالة الدينية في العصر الحديث: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا. ومن كتابها الدكاترة والأساتذة: عباس محمود العقاد، وأحمد حسن الباقوري، ومحمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، ومحمد السعدي فرهود، وخالد محمد خالد، ومصطفى محمود، وعبد الحكيم الخطيب، ومحمد عبد الواحد حجازي، ومحمد فهمي عبد اللطيف، وأحمد زين، وأحمد بهجت، وأحمد عمر هاشم.. وغيرهم.
ومن نماذجها: هذه المقالة للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشثري، وعنوانها "كيف نحصن أولادنا"، وهذا نصها:
(1/171)

كيف نحصن أولادنا؟
للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشثري1:
يكون التحصين للأولاد بقيام الأسرة بدورها التربوي في المنزل، ومتابعة سير الحياة خارج المنزل، واستشعار هذا الدور التربوي، وأنه الحصن الواقي والسياج المانع من الوقوع في شرَك الغواية، وتضييع الأوقات في لغو وعبث، ولهو وخبث، أو تسلية غير بريئة وإثارة متعمدة.
فدور الوالدين يكمن في توجيه الأولاد إلى الشيء النافع والمفيد لهم، وتربيتهم على توحيد الله، وإخلاص العمل له، والمحبة والتذلل والخضوع له.
- تنمية حواسهم ومداركهم، للنظر في نعم الله التي بين أيديهم والتي لا يستغنون عنها من مأكل ومشرب، وملبس ومركب، وقيام وقعود، ونوم ويقظة، والتأمل في هذا الكون البديع الواسع، وتدبر آياته، وإدراك بديع صنع الله فيه، بما يقوي روح العقيدة في نفوسهم، ويمكن تطبيق هذا في الخروج بهم إلى نزهة أو فسحة، أو سفر ورحلة.
- تبصيرهم بالسلوكيات الخاطئة ليجتنبوها ويحذروها، وحفظ هممهم لبناء حياة فاضلة في مستقبل أيامهم، وكلٌّ يخاطب بحسب فهمه وإدراكه.
- بعث اليقظة الإسلامية في حياتهم، وتعميق جذور الإيمان في نفوسهم، حتى يقفوا في وجه التيارات الفكرية الضالة، فيردوا زيفها، ويدفعوا باطلها بالبرهان والحجة.
- لا يتوانى الوالد في تعليم أولاده القرآن الكريم، ثم العلوم النافعة؛ لأن
__________
1 مجلة الدعوة، العدد 1705، 8 جمادى الأولى 1420هـ -19 أغسطس 1999م، ص29.
(1/172)

في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة، قال عبد الملك بن مروان: "يا بَنِيَّ، تعلموا العلم، فإن كنتم سادة فقْتُم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنت رعية عشتم". وعلى قدر ما يبذل في التربية من جهد، وما يبذر فيها من بذر، يكون النتاج والحصاد.
- تعهد الناشئة، وتوفير البيئة الصالحة، التي تكفل لهم حسن النشأة، ونماء القوة، وبناء الشخصية، والقدوة الحسنة.
- عرف أسلافنا عظم الأمانة، وثقل المسئولية، وأدركوا أن عليهم واجبًا عظيمًا، وهو ربط الجيل الناشئ بالأسس الثابتة التي إن تغيرت اهتزت الحياة، واضطرب نظامها، وأن يُنشئوا على الدين الحق، ولا يتركوا لنزغات الشياطين، ووساوس المضللين، ومن هنا كان على الآباء أن يحافظوا على صفاء فطرة أبنائهم، وأن يعمقوا في قلوبهم حقائق الإيمان، شيئًا فشيئًا، حسب الطاقة والاستعداد، بما يناسب أحوالهم، ثم عليهم أن يعلموهم معنى العبادة لله، وضرورتها للحفاظ على كيان الإنسان، فهو لا يجد طمأنينته وثقته وقوته وراحته إلا إذا غرس هذا في أعماقه، واستقر في فطرته، فإذا حرم حظه من العبادة تسرب الشقاء إلى نفسه، وضل في الحياة سعيه، مهما أوتي من العلم والذكاء، والقوة والثروة.
وبعد الإيمان والعبادة، يأتي الخلق والسلوك، فلا بد أن يكون الآباء قدوة للأبناء في الالتزام بمكارم الأخلاق، والترفع عن الدنايا والرذائل، وإلا فأي جدوى من النصح والوعظ والزجر!!
(1/173)

- يربى الولد على الشجاعة والإقدام، والجود والصبر، والإنصاف والإيثار، والسماحة واليسر، والعفة والأمانة، والمروءة والوفاء، والعزة والكرامة، وهذه أخلاق دعا إليها القرآن، ثم تغرس هذه الصفات في نفوس الناشئة، وتسقى بماء النصح والإرشاد، حتى تصبح ملكة من ملكات النفس، ثم تكون ثمرتها الفضيلة والخير وحب العلم لنفع الدين والأمة والوطن.
- من أحسن تربية أولاده، قاموا بواجبه، ورفعوا من مقامه، وكانوا له خدمًا في كبره، يوم لا يجد من يخدمه سوى أولاده البررة، الذين قام بواجبهم في زمن نشأتهم، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.
- من النافع المفيد للأولاد وللأسرة جميعًا إيصالهم بالكتاب ذي الفكر النزيه والتوجيه السليم، وإسماعهم الكلمة الطيبة، وهذا يقتضي أن يكون في البيت مكتبة خاصة بالأسرة في المنزل، ووجودها أهم بكثير من التوسع في الأمتعة والزخارف والتحف، التي تشترى بأغلى الأثمان، والطفل عندما يفتح عينيه على مكتبة في المنزل، ويرى أفراد الأسرة يترددون عليها، ويتعاملون معها، قراءة ومراجعة، وإطلاعًا ومساءلة، حينئذ تتكون لديه رغبة في المطالعة وحب القراءة.
والله الموفق للصواب، وهو الهادي إلى سواء الصراط.
(1/174)

3- المقالة الاجتماعية
ومن سماتها:
أ- تتناول الظواهر الاجتماعية، وتنتقد العادات السيئة، والتقاليد الضارة، وتنفر منها، وترغب في النافع المفيد1.
ب- الدقة والتفصيل في عرض الموضوع.
جـ- الإقناع بتقديم الحجج السليمة، والأدلة المبنية على المنطق.
د- سهولة الألفاظ وقربها من الحياة الواقعية.
هـ- وضوح المعاني، وترابطها، والتعليل لها.
و تقديم الحلول، أو السخرية الناعمة أو الحادة، إذا كان ما يعرض له الكاتب يستعصي على الحل.
ومن كتاب المقالة الاجتماعية: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد سعيد عبد المقصود، ومحمد حسن عواد، وأحمد السباعي، وعبد الكريم الجهيمان، وعبد الله بن خميس، وسعد البواردي، ومحمد حسين زيدان"2 وعائض الردّادي3، وحمد الدخيِّل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدوسري ... 4 وغيرهم.
__________
1 د. السيد مرسي أبو ذكري: المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص74.
2 محمد العوين: المقالة في الأدب السعودي الحديث، ط1، الرياض 1412هـ-1992م، ص574.
3 انظر مقالة د. عائض الردادي: "طلاب في البيوت"، جريدة "الجزيرة"، العدد"8045" الصادر في 3/ 5/ 1415هـ "8/ 10/ 1994م"، ص8.
4 انظر مقالة د. عبد الله بن عبد الرحمن الدوسري "شهر الفوائد لا شهر الموائد"، جريدة "الجزيرة" "العدد 7805 " الصادر في 10/ 2/ 1994م، ص24.
(1/175)

ومن نماذج هذه المقالة ما كتبه مصطفى لطفي المنفلوطي في "النظرات" تحت عنوان "قتيلة الجوع"، ويقول فيها:
"قرأت في الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل المقطم فظنوها قتيلة أو منتحرة حتى حضر الطبيب، ففحص أمرها وقرر أنها ماتت جوعًا.
تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء في مصر، وهذا أول يوم سجلت فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا ورزاياها هذا الشقاء الجديد.
لم تمت هذه المسكينة في مغارة منقطعة أو بيداء مجهل؛ فنفزع في أمرها إلى قضاء الله وقدره كما نفعل في جميع حوادث الكون التي لا حول لنا فيها ولا حيلة، بل ماتت بين سمع الناس وبصرهم، وفي ملتقى غاديهم برائحهم، ولا بد أنها مرت قبل موتها بكثير من المنازل تطرقها فلم تسمع مجيبًا، ووقفت في طريق كثير من الناس تسألهم المعونة على أمرها فلم تجد من يمد إليها يده بلقمة واحدة تسد بها جوعتها، فما أقسى قلب الإنسان، وما أبعد الرحمة من فؤاده، وما أقدره على الوقوف موقف الثبات والصبر أمام مشاهد البؤس ومواقف الشقاء.
لم ذهبت هذه البائسة المسكينة إلى جبل المقطم في ساعتها الأخيرة؟ لعلها ظنت أن الصخر ألين قلبًا من الإنسان فذهبت إليه تبثه شكواها، أو أن الوحش أقرب منه رحمة فجاءته تستجديه فضلة طعامه ... 1".
__________
1 مططفى لطفي المنفلوطي: النظرات، دار الجيل، بيروت 1984م،3: 26، 27.
(1/176)

4- مقالة الوصف
هي تلك التي يعمد فيها الكاتب إلى "تصوير ما يريد أو ما يخطر له أو ما يشاهد في أسلوب مؤثر، يتتبع فيه الدقائق، ويلاحق التفاصيل الصغيرة في المشهد، وينقل أثر ذلك في نفسه، وما يبعث في وجدانه من شجًى أو تخيل، فكأنه الرسام الموهوب يبدع لوحة غنية بتلك الألوان والتقسيمات والنقوش مما يلهم النفس من جميل المعاني، ويوحي إليها من ثَرِيِّ الحياة. وهي بهذا أشمل من قصرها على وصف الطبيعة، ومظاهر الكون، ومعالم الحياة ... "1.
والوصف المجرد من وجدان الكاتب وعاطفته ليس أدبًا، فعلى الأديب ألا يقتصر على وصف ما رأى، بل عليه أن ينقل لنا إحساسه وعاطفته بقدر ما يحرص على نقل الأفكار والمضمون من خلال عرضه وتحليله لما يقدم "فالبعد العاطفي والتحليلي عنصران مهمان في حركة الصورة الوصفية يميزانها عن غيرها من الصور المحفوظة المنقولة مادة بلا روح، وواقعًا بلا تفسير كما يفعل المصورون بالآلة اللاقطة"2.
ومن كتابها: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، والعقاد، ويحيى حِقِّي.. وغيرهم.
ومن نماذجها: ما كتبه مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم" تحت عنوان "موت أم":
"رجعت من الجنازة بعد أن غبرت قدمي ساعة في الطريق التي ترابها تراب وأشعة، وكانت في النعش لؤلؤة آدمية محطمة3، هي زوجة صديق طحطحتها
__________
1 محمد بن عبد الله العوين: المقالة في الأدب السعودي الحديث، ص352.
2 المرجع السابق، ص353.
3 هي زوجة صديقه الأستاذ حسنين مخلوف.
(1/177)

الأمراض، ففرقتها بين علل الموت، وكان قلبه يحييها، فأخذ يُهلكها، حتى إذا دنا أن يقضي عليها، رحمها الله فقضى فيها قضاءه. ومن ذا الذي مات له مريض بالقلب ولم يَره من قلبه في علة، كالعصفورة التي تهتلك تحت عينيْ ثعبان سلط عليها سموم عينيه.
كانت المسكينة في الخامسة والعشرين من سنها، أما في قلبها ففي الثمانين أو فوق ذلك. هي في سن الشباب، وهو متهدم في سن الموت.
وكانت فاضلة تقية صالحة، لم تتعلم، ولكن علمتها التقوى الفضيلةَ، وأكمل النساء عندي ليست هي التي ملأت عينيها من الكتب. فهي تنظر إلى الحياة نظرات تحل مشاكل وتخلق مشاكل، ولكنها تلك التي تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور الإيمان، تقرأ في كل شيء معناه السماوي، فتؤمن بأحزانها وأفراحها معًا، وتأخذ ما تعطي من يد خالقها رحمة معروفة، أو رحمة مجهولة، وهذه عندي امرأة، ... وتكون الزوجة، ومعناها القوة المسعِدة، وتصير الأم ومعناها التكملة الإلهية لصغارها وزوجها ونفسها1.
__________
1 مصطفي صادق الرافعي: وحي القلم، ط 7، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، د. ت، 2: 162، 163.
(1/178)

5- المقالة السياسية
أ- تنشر في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية.
ب- يتناول كاتبها أمرًا من الأمور الداخلية للبلد الذي تنشر فيه الصحيفة أو المجلة، أو أمرًا خارجيًّا، ويبين رأيه في هذا الأمر، تأييدًا، أو رفضًا، أو نقدًا.
جـ- لغتها بسيطة قريبة من لغة الشعب لأنه يخاطب الجماهير ويراعي كل المستويات ... ويناقش قضايا.. وكل ما يقصده هو أن يظهر الحقائق
(1/178)

ويدلل على آرائه، ويناقش آراء الخصوم ويفندها بأسلوبه المنطقي السهل الذي ينأى عن التهويمات، والإغلاق في الخيال، وشدة الانفعال"1.
د- غالبًا ما تكون قصيرة.
ومن كتابها: عباس العقاد، ومحمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين، وراشد البراوي، وأحمد بهاء الدين، ولطفي الخولي، وعبد الرحمن الراشد، وغسان سلامة، وجهاد الخازن، وحلمي محمد القاعود، وسلامة أحمد سلامة ... وغيرهم.
ومن نماذجها: مقالة جاسر عبد العزيز الجاسر المنشورة في جريدة "الجزيرة"، وهذا نصها:
أهداف زيارة رابين ووزرائه إلى جنوب لبنان2
للأستاذ جاسر عبد العزيز الجاسر
أن يكلف إسحاق رابين نفسه ويتعب معه ثلاثة عشر وزيرًا في حكومته مصطحبًا إياهم إلى الشريط اللبناني المحتل، وبالذات إلى مدينة "مرجعيون"، فلا بد أن يكون ذلك لهدف وعمل هام يتطلب هذا الحضور الذي يكاد يكون اجتماعًا طارئًا للحكومة الإسرائيلية، خصص للتفاهم مع "عاملهم" في جنوب لبنان الجنرال أنطوان لحد.
اللبنانيون ومعهم متابعو الأحداث في لبنان، تساءلوا عن هذه الزيارة وأبعادها، هل هي للتحضير لاجتياج جديد للبنان..؟ هل هي مظاهرة يراد
__________
1 د. محمد علي داود، صابر عبد الدايم: فن كتابة البحث الأدبي والمقال، ط3، مطبعة الأمانة، القاهرة 1404 هـ-1983من ص89.
2 انظر: جريدة "الجزيرة" العدد "8185" الصادر في 26/ 9/ 1415هـ- الموافق 25/ 2/ 1995م، ص21.
(1/179)

بها تخويف المقاومة اللبنانية لمنع تكرار العمليات الفدائية التي زادت وتيرتها في الأيام الأخيرة..؟
هل هناك هدف ثالث للزيارة بحثه رابين ووزراؤه الثلاثة عشر مع "عاملهم" في جنوب لبنان الجنرال أنطوان لحد يتعلق بمصيره ومصير مليشياته إذا تم التفاهم مع لبنان ضمن صفقة سلام الشرق الأوسط..؟
هذه التسؤالات الثلاثة استحوذت على اهتمام اللبنانيين خصوصًا، والمهتمين بالشئون اللبنانية، والدوائر السياسية في المنطقة عمومًا، لما تمثله زيارة رابين ووزرائه من حدث غير اعتيادي في مثل هذه الأيام.
لنأخذ الاحتمال الأول، وهو هل الزيارة للتحضير لغزو جديد للبنان؟؟
الصحف اللبنانية اعتبرت أن الزيارة لها هدف واحد فقط وهو التحضير لغزو جديد يستهدف توسيع المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان لإحكام السيطرة على أكبر عدد من القرى والمدن اللبنانية الجنوبية حيث أنها تضم قواعد ومعسكرات رجال المقاومة1، وبما أن إسرائيل قد جربت كل وسائل المواجهة، من مهاجمة القواعد ومعسكرات التدريب، وقصف القري والمدن وحتي خطف بعض قادة المقاومة، إلا أن هذه الوسائل قد فشلت في وضع حد لعمليات المقاومة، ولذا وجدت أن الوسيلة الناجحة للحد من عمليات المقاومة هي احتلال القرى والمدن التي تنطلق منها لضبطها أمنيًّا، وتعتقد الصحف اللبنانية أن إسحاق رابين والوزراء الذين رافقوه كل هدفهم مناقشة الإعداد لكل هذه الأمور مع "عاملهم" أنطوان لحد، إذ إن الغزو الإسرائيلي القادم لن يتبعه خروج، فهدف رابين كما ترى الصحف اللبنانية هو
__________
1 الأصوب: قواعد رجال المقاومة ومعسكراتها.
(1/180)

توسيع المنطقة المحتلة للبقاء فيها واجتثاث أصول المقاومة الوطنية اللبنانية، وهذا يحتاج إلى عمل إضافي من قبل ميليشات أنطوان لحد، زيادة عدد الأفراد، وتكثيف المهمات والأفراد، وكم يحتاج الجنرال لحد من قوات إسرائيلية لدعم ميليشياته التي ثبت عمليًّا أنها ليست قادرة على مواجهة رجال المقاومة الوطنية اللبنانية، وبما أن عناصر الميليشيات هدفها حماية حدود إسرائيل من هجمات رجال المقاومة، فإن واجب رابين ووزرائه تمكينهم من أداء مهمتهم التي ستصبح أكثر صعوبة في حال توسيع منطقة الاحتلال التي تسميها إسرائيل المنطقة الأمنية، وبحث كيفية مساعدة الجنرال أنطوان لحد يحتاج إلى رصد أموال وتجنيد جهات حكومية إسرائيلية أخرى؛ لأن هدف رابين تكوين دويلة فاصلة بين لبنان وإسرائيل يديريها "والٍ" يتبع تل أبيب، لذلك أحضر رابين كل هؤلاء الوزراء لدراسة توفير سبل إنشاء هذه "الدويلة" الفاصلة بين لبنان وإسرائيل.
ومن الملاحظ على هذه المقالة السياسية ما يأتي:
1- أنها قصيرة نوعًا ما، وليست طويلة، ليقرأها القارئ في جلسة واحدة.
2- أنها تتناول حدثًا قريبًا، تناولته وسائل الإعلام المختلفة، من تلفاز، وإذاعة، وصحف..
3- أنها تقدم اجتهادًا في فهم الحدث.
4- تربط الحدث الذي تتناوله "وهو زيارة رابين للشريط المحتل من جنوب لبنان" بالحدث الأكبر الذي يتناوله الإعلام العالمي "وهو الصلح مع إسرائيل"، ويوضح رأيه في هذه القضية.
(1/181)

5- تتضح لنا شخصية الكاتب من خلال هذه المقالة الموجزة، فهو:
أ- قرأ الحدث قراءة واعية مستوعبة.
ب- حدد العناصر الرئيسية لفكرته.
جـ- حلل هذه العناصر إلى أفكار جزئية.
د- ناقش الأفكار التي تطرح على الساحة وبين وجهة نظره: تأييدًا، أو رفضًا، أو تعديلًا.
6- توصل القارئ في النهاية إلى هدف الكاتب من كتابة مقالته وهو:
" ... هدف رابين "من تلك الزيارة" تكوين دولة فاصلة بين لبنان وإسرائيل يديرها "والٍ" يتبع تل أبيب" لذلك أحضر "رابين" كل هؤلاء الوزراء لدراسة توفير سبل إنشاء هذه "الدويلة" الفاصلة بين لبنان وإسرائيل.
ومن نماذج المقالة السياسية مقالة الدكتور حلمي محمد القاعود "مقولات شيوعية" المنشورة في زاويته "حفنة سطور" بمجلة الدعوة"1، وهذا نصها:
مقولات شيوعية!
للدكتور حلمي محمد القاعود
بعض الشيوعيين والملاحدة في العالم العربي لا يستحيون من الناس ولا من أنفسهم، ومهما كانت الحقائق واضحة كالشمس، فإنهم لا يتورعون عن ترديد أكاذيبهم وأباطيلهم عملًا بنظرية الألماني "جوبلز" الذي يرى في ترديد الأكاذيب والإلحاح عليها سبيلًا إلى تحويلها إلى حقائق!
__________
1 نشرت في عدد "الدعوة" الصادر في 11 من ربيع الآخر 1406هـ، 23 من ديسمبر 1985م، ثم نشرت في كتاب"حفنة سطور"، ط1، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض 1413 هـ-1993م، ص23.
(1/182)

وما تكاد ذكرى العبور في حرب رمضان المجيدة تعود، حتى ينطلق الشيوعيون في ترديد مقولات تتحدث عن مساعدة السوفيت الشيوعيين للدول العربية، وعن دور القطاع العام، وعن العلم وأثره في تحقيق العبور إلى الضفة الشرقية من سيناء.
والواقع يؤكد أن السوفييت الشيوعيين كانوا سببًا رئيسًا من أسباب الهزيمة عام 1967، وأن الأمر لو كان بيدهم في حرب رمضان 1393هـ "أكتوبر 1973م" ما سمحوا بها أصلًا، وأن تسليحهم لبعض الجيوش العربية كان تسليحا رديئا، ولولا التعويض بالإيمان والعقيدة الصحيحة ما حقق المقاتلون شيئا، ويكفي أنهم قالوا إن خط بارليف يحتاج إلى قنبلة ذرية لتدميره، وإن عبور الجيش المصري سيكلفه معظم أفراده، ولكن خيب الله ظنهم وظن الشيوعيين العرب.
أما القطاع العام -وهو الشركات التي تملكها الدولة- فقد كان دورها -خصوصًا في مجالات البناء والتشييد- فعالا ومؤثرا، ومنها تلك التي قامت ببناء قواعد الصواريخ تحت وابل القصف الإسرائيلي، لسبب بسيط جدا هو أن الأغلبية الساحقة من كوادر هذه الشركات كانت من المتدينين، ومعظمهم من الذين قضوا في سجون الحاكم التقدمي ومعتقلاته زهرة أعمارهم. لقد تغلبت عقديتهم على كل المخاطر والآلام، واستجابت لداعي الجهاد، فكان هذا التفوق، الذي يقابله انهيار ملحوظ في شركات أخرى بالقطاع العام كانت تعمل على الجبهة الداخلية!
ويظن بعض الشيوعيين العرب أن العلم نقيض الإسلام، والمسألة ليست كما يظنون، فالأبناء المتدينون الذين عبروا، وحاربوا، وهتفوا: "الله أكبر" كانوا من طليعة الشباب المسلم المتعلم المؤهل الذي يعرف حقيقة النداء الإلهي ومغزاه
(1/183)

في قوله تعالى: {اقْرَأْ} الذي كان أول نداء ينزل به الوحي على قائد هذه الأمة صلى الله عليه وسلم.
أما ما يتندر به الشيوعيون العرب من رؤية بعض المحاربين المسلمين لكرامات معينة في ميدان القتال، فله حديث آخر إن شاء الله، ولكننا نقول بصفة عامة: إن الشيوعي الذي يؤمن أن ميدان نضاله هو فيتنام قبل فلسطين، لا يصح له بحال أن يتكلم عن حرب العبور.
ومن الملاحظ على هذه المقالة:
1- أنها قصيرة، فقد نشرت في زاوية كان يكتبها صاحبها أسبوعيًّا، قبل أن يجمعها في كتاب.
2- أنها تتناول حدثًا كثر فيه اللغط من جماعة من الناس، وتبين وجه الحقيقة فيه.
3- أن الكاتب يورد دعاوى الشيوعيين ثم يرد عليها ويفندها، فكرة فكرة.
4- لغته قريبة من لغة الصحافة، وإن كان يستخدم أسماء بعض الأعلام مثل "جوبلز"، وبعض المذاهب السياسية مثل "الشيوعية"، وبعض الأمور الحربية في فترة معينة مثل "خط بارليف"، وبعض الأمور الاقتصادية ذات التعريف المحدد، مثل "القطاع العام"، وعلى القارئ للمقالة السياسية أن يكون مستعدًّا لمقابلة أمثال هذه الأشياء.
5- من أهداف المقالة السياسية أن تقنع قارئها بصدق ما تطرحه، وقد طمحت مقالة الدكتور حلمي القاعود أن تكشف وجه الشيوعيين العرب، وأطروحاتهم الكاذبة، وقد نجحت كثيرًا في ذلك.
(1/184)

6- المقالة النقدية:
الغالب عليها هو منهج البحث العلمي وما يقتضيه من جمع المادة وترتيبها وتنسيقها وعرضها بأسلوب واضح جلي لا يورط القارئ في اللبس، ولا يقوده إلى مجاهل التعمية والإبهام، ولذا يعنى الكاتب بوضع تصميم دقيق، وخطة محكمة لما يكتب حتى لا يضل قارئه السبيل، ولا بد في هذا النوع من المقالة أن يكون له مقدمة، وعرض، وخاتمة، وخطة يسير عليها، ويصل إلى نتائج في النهاية. وتعتمد على قدرة الكاتب على تذوق الأثر الأدبي أو مناقشة القضية التي يعرض لها، ثم تعليل الأحكام وتفسيرها وتقويم الأثر بوجه عام. ومن أشهر كتابها: المازني، وسيد قطب، ووديع فلسطين، وعبد الحميد إبراهيم، وشكري عياد، ومحمد مصطفى هدارة، وعبد القدوس أبو صالح، ومحمد رجب البيومي، ومحمد بن سعد بن حسين، وأحمد هيكل، وحسين سرحان، ومحمد بن عبد الرحمن الربيع، ورجاء النقاش، وفاروق عبد القادر.. وغيرهم. ومن نماذجها: مقالة الدكتور عبد القادر القط: "إلى أين يسير الشعر؟ "1.
إلى أين يسير الشعر؟
للدكتور عبد القادر القط
حين ظهر الشعر الحر -أو شعر التفعيلة- منذ أكثر من أربعين عاما، وقف معظم محبي الشعر حينذاك منه موقف الخصومة، إذ رأوا فيه خروجا على المألوف في العروض والمعجم الشعري وبناء العبارة الشعرية. لكنهم ما لبثوا
__________
1 مجلة "القافلة"، عدد صفر 1413هـ، ص12، 15.
(1/185)

بمرور الزمن ومتابعة نماذج شعرية متميزة فيه أن اطمأنوا إليه وكفوا عن قياسه إلى القديم، وأخذوا يتذوقونه بمعايير جديدة مستمدة من نظريته التي بينها النقاد، ومن نماذجه التي أبدعها الرواد من الشعراء. وقد أعانهم على ذلك التحول من موقف الخصومة الحادة إلى موقف القبول أنهم أدركوا بعد أن زالت صدمة المواجهة الأولى أن الصلة لم تكن مقطوعة بين التراث والنماذج الجيدة من ذلك الشعر في مرحلته الباكرة، وأن رواده الأوائل قد بدأوا حياتهم الشعرية في الشكل العمودي المألوف، وإن جاءت قصائدهم ذات طابع عصري في التجربة والمعجم والصورة الفنية بوجه عام. وهكذا ظلت نماذجهم الأولى من الشعر الحر محتفظة بشيء غير قليل من سمات الشعر العربي قبل ظهور ذلك الشكل الجديد.
وتلا جيلَ الرواد جيلٌ آخر ساروا بتجربة التجديد إلى مدى أبعد، وخلا شعرهم من عثرات التجربة الأولى، وبدا أقل حفاظًا على مقومات الشعر العمودي ليصل إلى "صيغة" شعرية جديدة لا تخلو من امتداد للتراث لكنها تحاول أن تبتكر لنفسها أسلوبها الخاص وإيقاعها المتميز.
وعاشت النماذج الجيدة في ذلك الشكل الجديد جنبًا إلى جنب مع القصيدة العمودية العصرية، وإن زاد شعراؤه يوما بعد يوم، وزاد إقبال الناس على نماذجه حتى كاد يطغى لدى شباب القراءة على الشكل القديم، وإن ظلوا يطربون لإيقاع القصيدة العمودية إذا كانت ذات طابع حديث متميز ولم تكن مجرد تقليد نمطي للشعر العربي القديم.
على أن طائفة من هؤلاء الشعراء في الوطن العربي كله تجاوزت تجديد جيل الرواد ومن تلاهم إلى ضروب من التجريب والتجديد التي تواجه قارئ الشعر
(1/186)

بنماذج من طراز غريب عليه، يثير في نفسه كثيرًا من القلق والعجب، وينسب هؤلاء الشعراء أنفسهم -وينسبهم النقاد- إلى ما أصبح يعرف بالحداثة ويتميز عن اتجاهات الشعر الحر الأولى سواء في طبيعة التجربة أم الصور الشعرية.
أما التجربة فارتدَّت -في أغلب الأحوال- من الواقع الخارجي إلى العالم النفسي الباطني للشاعر، فأصبح الواقع الخارجي مجرد "مثير" لما يختزنه عقله الباطن من ذكريات وتجارب. وأما الصور فتمثلت في معجم شعري جديد قد يستخدم الشاعر فيه الألفاظ في غير معناها المألوف، وقد يصوغ منها مشتقات جديدة، وقد يورد عن قصد ألفاظا هي عربية في الأصل ولكنها أصبحت لصيقة بالعامية. كما تمثلت في بناء خاص للعبارة يخرج في كثير من الأحيان على منطق اللغة ليستجيب لطبيعة التجربة الباطنة ومنطقها الخاص الذي يقوم على أوهى الروابط، أو يقفز من خاطرة إلى خاطرة ومن إحساس إلى إحساس بأسلوب "التداعي الحر" للمعاني والألفاظ. وقد يبني الشاعر بعض عباراته وصوره على مقتبسات من التاريخ أو الأسطورة أو المعاني الصوفية أو الدينية.
وكلما اهتدى الشاعر إلى اقتباس جديد أسرع الشعراء الآخرون فأخذوه عنه، حتى تشابهت أشعارهم في كثير من الأحيان، وقلت فيها الأصوات المتميزة بسمات وخصائص معروفة.
ومع أن إضفاء دلالات على الألفاظ وبناء العبارة على نحو مبتكر هما من الغايات الأولى لأي شعر أصيل، فإن الأمر عند هؤلاء الشعراء يتجاوز الحد المقبول في كثير من الأحيان ليبدو في صورة حذلقة لغوية أحيانًا أو يبدو عبثًا أسلوبيًّا وسعيًا مقصودًا وراء الغموض المغلق الذي لا يشف عن معنى أو
(1/187)

يوحي بدلالة. وقد لا يكون أصحابه أقدر المواهب الشعرية العربية، لكنهم بلا شك أعلى الشعراء صوتًا وأكثرهم شغبًا على من يساندهم من النقاد ومن لا يسير على نهجهم من العراء، وهكذا غطوا على أصوات أكثر اعتدالًا وأسمى موهبة حتي بدا أن اتجاههم أصبح يمثل التيار الرئيس للشعر العربي المعاصر. وبدأ محبو الشعر يحسون من جديد بشيء غير قليل من الغربة أمام نماذج ذلك الشعر الذي قلت فيه الرموز المشتركة بينهم وبين مبدعيه. فالتجربة المستمدة من العقل الباطن قد يكون لها رموزها الإنسانية العامة، لكن لها مع ذلك رموزها الشخصية الخاصة بالنابعة من الطفولة والنشأة والبيئة. وتظل تلك الرموز الشخصية عالمًا مغلقًا يعز فهمه حتى على الشاعر نفسه كما يعز تفسير الأحلام. ويزيد الغموض انغلاقا بما يقصده إليه الشعراء من إسراف في تفكك العبارة والنقلات السريعة من خاطرة إلى خاطرة، وما أشرنا إليه من استخدام الألفاظ بمدلولات بعيدة لا تجيء من طبيعة الأصالة والابتكار بمقدار ما تأتي من الاعتقاد بأن الغموض قرين العمل وأن الوضوح نظير السطحية في كل الأحوال.
وبدأ المتلقون والمبدعون يتبادلون الاتهام. المتلقون يرمون الشعراء بأنهم يتجاهلون هموم العصر وقضايا الحياة ويقصدون قصدًا إلى الحذلقة ويتعالون على الناس. والشعراء يتهمون القراء بالتخلف والعجز عن مسايرة "الحداثة" ويحتجون بأنهم لا يمكن أن يفرضوا على مواهبهم "الذوق العام" الذي يلتمس في الشعر معاني واضحة ومعجمًا مألوفًا وصورًا مكررة. وهم في كلامهم عن "الحداثة" يصورونها كأنها "مذهب" أدبي خاص كالواقعية، والوجدانية أو الرمزية على حين أنها في الحقيقة ليست مذهبًا في الأدب بل هي صفة للأدب.
(1/188)

تدل على أنه يستجيب لمقتضيات العصر في تجربته ولغته وصورته الفنية. ولكل عصر حداثته الخاصة، وقد يكون للحداثة في العصر الواحد أكثر من مظهر واتجاه. ومن حق أبناء كل عصر أن يجدوا أنفسهم في أدب عصرهم وإلا انتفت عنه الحداثة. ولكل عصر تياره الأدبي العام السائد، تواكبه تيارات فرعية نابعة منه أو مستقلة عنه، لكنها لا تزعم لنفسها السيطرة التامة على المواهب والأذواق ما دامت عاجزة عن الوصول إلى متلقي الأدب الذين يدركون بثقافتهم ووعيهم التحول من القديم إلى الجديد، ويحسنون الظن بالجديد ولا يقيسونه دائمًا إلى القديم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يعايشوا تلك التيارات المسرفة في التجريب والتجديد. فاللغة ليست مجرد أصوات كالموسيقا ولا مجرد خطوط كالرسم، بل هي كلمات ذات دلالات مألوفة وأبنية معروفة يكسبها الشاعر الموهوب دلالات جديدة ويستخرج منها أبنية مبتكرة، ولكنه لن يستطيع أن يخلصها تمامًا من معانيها وأبنيتها المعروفة لدى الناس.
ولا شك أن "التجريب" وسيلة مشروعة ومطلوبة في أي فن من فنون الأدب. وهو الطريق إلى تجنب الجمود وإلى مسايرة المراحل الحضارية المتعاقبة. لكنه لا ينبغي أن يكون مقصودًا لذاته ولا أن يتجاهل استجابة المعاصرين أو إعراضهم عنه إذا أتيح له المدى الزمني المعقول ليخلص من عثرات التجربة وتقترب نماذجه من النضج وتمحو معايشة المتلقي له ما قام في نفسه في البداية من شعور بالغرابة.
وقد أتيح لشعراء "الحداثة" هذا المدى الزمني المفروض، فانقضى على بداية اتجاههم نحو عشرين سنة، ولقي من وسائل النشر ما يسر وصوله إلى القراء. ومع ذلك ما زال يتعثر في تجربته وتزداد عزلته يومًا بعد يوم عن القراء، برغم
(1/189)

جهود كثيرة من النقاد لبيان نظريته وتقديم نماذجه.. والمألوف في أي تيار أدبي جديد أن يلقى شيئًا من الصد أو الخصومة في البداية، لكنه -إذا كان مبشرا بمذهب يوشك أن يظهر ويسود لأنه يعبر عن مرحلة جديدة يوشك المجتمع أن ينتقل إليها- لا بد أن يجد طريقه إلى الناس في النهاية بقراءة نصوصه ومتابعة نظرياته. أما إذا طال الأمد على هذا النحو وظلت الغربة قائمة بين النص والمتلقي فلا بد أن يعيد الشعراء والنقاد النظر في ذلك المذهب الجديد، فليس الشعر مجرد "تنفيس" عن هموم الشاعر دون تفكير في التواصل مع الآخرين، وليست لحظة الإبداع "غيبوبة" فنية تأتي بما لا مجال لإعادة النظر فيه على ضوء موقف أبناء العصر منه، وبمقدار قدرته على التأثير في حياة الناس وإمتاعهم أو عجزه عن التأثير والإمتاع.
ولن يغني عن الشعراء في هذا المقام ما يقولونه ويقوله بعض النقاد المنتصرين لذلك الاتجاه من تعبيرات ذات إيقاع ضخم ودلالة غير محدودة، كقولهم: إن الشاعر لا بد أن "يفجر" اللغة. ولن يستطيع شاعر مهما تكن قدرته وموهبته أن يفجر اللغة، فيعيد صياغة ألفاظها وعباراتها وأساليبها على نحو جديد. وغاية الشاعر المجدد الموهوب أن يخلع على بعض الألفاظ بعض الدلالات الجديدة ويضعها في سياق غير مألوف، ويبني عبارته الشعرية بناء متميزا يتجنب الأنماط المكررة والصيغ المستهلكة والمجازات التي فقدت أصالتها لطول ما استخدمها الشعراء. لكن أنصار هذا الاتجاه من النقاد يجارون الشعراء في أساليبهم الغامضة ويدرسون شعرهم بمناهج نقدية لا تعترف بالتقويم، وتقنع بالتحليل الشكلي للنص الشعري فيتساوى عندها الجيد والرديء إذ يشتركان في ظواهر شكلية واحدة. وهم بهذا يبررون للمغالين في التجريب ما في شعرهم
(1/190)

من غموض وتفكك. ولا شك أن بعض هؤلاء المجربين من ذوي المواهب والثقافة يدركون حقيقة ما يصنعون، لكن كثيرًا منهم أيضًا شعراء غير موهوبين يسيرون في ركاب ذلك الاتجاه على غير هدى ويغطون عجز الموهبة وقلة الثقافة بما يبدو أنه تجريب وتجديد، وهو في الحقيقة عبث لغوي وأسلوبي يباعد بين الشعراء والمتلقين. فليس من اليسير أن يخرج الشاعر على قوانين اللغة وأعرافها ويقدمها إلى الناس في شكل جديد، إلا إذا أوتي الموهبة القادرة والمعرفة الواسعة بالتراث والسيطرة الكاملة على اللغة في ألفاظها وأساليبها وإيقاعها، مع إدراك لطبيعة العصر الذي يعيش فيه، وقدرات قراء شعره وأذواقهم وما يلتمسون في الشعر من متعة ومعرفة.
ومن الإنصاف لشعراء هذا الاتجاه أن نذكر أنهم ليسوا بدعًا في الشعر العالمي الحديث، وإن ما يجري في الوطن العربي من نزوع إلى التجريب والتجديد له نظائر كثيرة في الشعر الغربي، وأن بعض الاتجاهات العربية الحديثة قد تأثرت في نشأتها بنظريات ونماذج غربية أو بشعراء كبار في الوطن العربي، صادفت تلك النظريات والنماذج هوى في نفوسهم ثم انتقلت على أيديهم إلى تلاميذهم ومريديهم من الشباب. على أن أمر التجديد في الغرب والوطن العربي يختلف في ظروفه الفكرية والحضارية، وفي طبيعة من يتلقى ذلك التجديد هنا وهناك.
فالحضارة الغربية -على حداثتها- قد مرت خلال ما لا يزيد على خمسة قرون بمراحل حضارية مختلفة اختلافًا شاملًا وحاسمًا فأصبح لكل مرحلة "مذهبها" الأدبي المتميز الذي يعبر عن طبيعتها ويرضي حاجتها الفنية والفكرية، من "كلاسيكية" جديدة إلى "رومانسية" ثم "واقعية" إلى رمز وتجريد غير ذلك. وأدرك المتلقون سنة التجدد والتحول، وتشكلت أذواق كل عصر حسب طبيعته.
(1/191)

الحضارية فلم يعد ممكنا أن "تتعايش" تلك المذاهب الأدبية الكبرى في عصر واحد، فإذا دخل الأدب عصر الرومانسية لم يعد مقبولا أن يكتب الأديب أدبًا كلاسيكيا، وإذا انقضت الرومانسية ونشأت الواقعية لم يعد للومانسية مكان في العصر الجديد.
ولكثرة ما يطرأ على المجتمع الغربي من تحولات حضارية وما يصاحبها من تجديد في جميع وجوه الحياة ومن بينها الأدب، أصبح التجديد والتجريب شيئًا مألوفًا عند المبدع والمتلقي على السواء، حتى انتهى إلى ما يشبه الترف الفني الذي يغدو معه البحث عن أشكال جديدة مقصودًا لذاته في بعض الأحيان، ولا بأس أن يظهر لديهم من حين إلى آخر اتجاه جديد في المسرحية أو الرواية أو الشعر يستقبله الناس بترحاب وحسن ظن. ثم ما يلبث أن ينقضي بعد حين ويظل هناك تيار رئيس سائد يمثل طبيعة العصر العامة وفهم جمهور الأدب لطبيعة الأدب وغايته.
أما الوطن العربي فإنه -برغم ما طرأ عليه من تحولات حديثة كبيرة- لم يمر بعد بتلك النقلات الحضارية الشاملة والحاسمة التي تستدعي مذهبًا أدبيًّا سائدًا له تميزه الواضح في النظرية والتطبيق، ولم يألف بعد تلك المحاولات التجريبية الفرعية التي لا يجد الناس بأسًا من استقبالها بشيء من حسن الظن ويتركون مصير بقائها أو زوالها للممارسة والزمن، لذلك تبدو دعوى أصحاب شعر "الحداثة" بأنهم وحدهم يمثلون حداثة العصر الشعرية وأن رواد الشعر الحر قد أصبحوا عند القارئ العصري مجرد تراث، ولم يمض على ظهورهم أكثر من خمسين عامًا، وأن من تلا ذلك الجيل الرائد يقفون في برزخ بين العتيق والحداثة، دعوى فيها كثير من الإسراف والغرور وتجاهل طبيعة المجتمع وأذواق محبي الشعر. وهي حين تغطي -من خلال الصخب والحركة الدائبة التي يتسم
(1/192)

بها أصحابها- على المواهب الأصيلة والنماذج المتم يزة في الشعر الحر، تلحق الأذى بالحركة الشعرية كلها وتكاد تصرف محبي الشعر عنه جميعا. وقد أصبحت تلك الحقيقة شيئًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، فأخذت دائرة المتلقين تضيق يومًا بعد يوم، ولم يعد للشعر من منفذ إليهم إلا في أمسية شعرية أو مهرجان شعري يستمعون إلى الشعر فيه من خلال إطار من "السمر الاجتماعي"، ويحاول الشعراء أن يصلوا إلى وجدان المستمعين بحسن الإلقاء والتمثيل ويستجيب الحاضرون بشيء من المجاملة المفروضة. ثم ينفضُّ السامر ولا يبقى منه في نفوس من حضروه إلا نثار من جمل شعرية هنا أو هناك أو بقايا من دعابات وحوار بين الأصدقاء. وقد يكون في الأمسية نماذج شعرية طيبة يضيع صداها في ضجيج الحلقات اللغوية والإلقاء التمثيلي، ويخبو وهجها أمام ظلمة الغموض والتعقيد.
وهؤلاء الشعراء حين يتجاهلون ميول المتلقين وطبيعة البيئة والعصر يتجاهلون في الوقت نفسه حقيقة تفرض نفسها على كل من يحرص على وجود الشعر ومستقبله وعلى بقاء الصلة بين مبدعيه ومتلقيه. فقد أصبح من الواضح لمن يتابع حركة الأدب في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة أن الشعر لم يعد له مكان الصدارة بين فنون القول، وأن وجوده أخذ في الانحسار أمام الفن القصصي والفن التمثيلي. ويؤثر أغلب الناس في هذه الأيام أن يقرءوا رواية عصرية قصيرة أو مجموعة من القصص أو يشاهدوا تمثيلية أو مسلسلًا على أن يقرأوا ديوانًا من الشعر يواجهون فيه ما لا طاقة لهم به من تجريب لغوي وأسلوبي وتجارب باطنية غامضة بعيدة عن همومهم وعن طبيعة العصر الذي يعيشون فيه. وإذا كان في نفس أغلب الناس نزعة فطرية إلى الشعر فقد أصبح يرضيها حوار شعري في مشهد تمثيلي، أو وصف جيد لشخصية، أو موقف في
(1/193)

رواية أو قصة، أو أداء بارع في التمثيل لمشهد أو شخصية أو موقف. بل لقد أصبحت تلك النزعة الشعرية الفطرية تكتفي أحيانًا بمناظر طبيعية جميلة مصورة يصاحبها شيء من الموسيقا التصويرية الجميلة.
ولا يعود إيثار الناس للقصة والرواية إلى أن الفن القصصي فن محافظ لا يواجه القراء بما يواجهونه في الشعر من تجديد. ففي الوطن العربي نهضة قصصية مرموقة ذات ثمار مختلفة طيبة لا تنقصها الحداثة، لكن أصحابها لا يتعالون على القراء كما يفعل شعراء الحداثة، ولا يتجاهلون قضايا العصر ومشكلاته ونماذجه البشرية، وهم على اختلاف حظوظهم من الحداثة أقرب إلى نفوس القراء من شعراء التجريب والتجريد، ومع ذلك فهم أكثر تواضعًا وأخفض صوتًا وأقل اتهامًا للقراء والنقاد.
ولعل الإحساس الغامض بأزمة شعرية كان من وراء اتجاه بعض الأدباء إلى ما أسموه "قصيدة النثر" مقتبسين اسمها وطبيعتها من الآداب الأوروبية، إلى جانب تأثرهم بمفهوم خاص للشعر لا يتقيد بمعاييره الشكلية المعروفة، ولعلهم قدروا أن ذلك الشكل الذي يجمع بين الشعر والنثر قد ينفذ بالشعر من تلك الدائرة الضيقة إلى جمهور أوسع من المتلقين.
وقد عرف النثر العربي الحديث نماذج كثيرة قريبة من قصيدة النثر عرفها الناس باسم "النثر الفني"، ولم يزعم أصحابها أنهم يكتبون "قصائد نثرية" ويعترض كثيرون على هذه التسمية -لا لمجرد أنها تخلط بين الشعر والنثر - ولكن لما قادت إليه من محاكاة مقصودة لبعض مقومات شعر الحداثة، فاتجهت قصيدة النثر إلى التجريد والغموض، والخروج على العرف اللغوي خروجًا يشبه الطفرة المفاجئة، ومهما يكن الرأي في غموض شعر الحداثة وجرأته المسرفة على اللغة فإن في بعض نماذجه المقبولة عناصر شعرية تكسبه قدرة على الإيحاء دون
(1/194)

أن يلتمس المتلقي فيه فكرًا واضحًا، على حين يظل غموض قصيدة النثر وتهويماتها الأسلوبية واللفظية أقل قدرة على النفاذ إلى الوجدان إذ تفتقد كثيرًا من مقومات الشعر التي تكسبه تلك القدرة الفريدة على تحويل الفكرة إلى إحساس.
ويأتي الخلط بين القصيدة الشعرية وقصيدة النثر -فيما أرى- من نظر هؤلاء الأدباء إلى الوزن في الشعر على أنه قيمة شكلية لا ينقص الشعر كثيرًا بفقدها إذا تحققت له مقوماته الأخرى.
والحق أن قيمة الوزن لا تنبع من ذلك الإيقاع المنتظم الذي تطرب له الأذن فحسب، بقدر ما تنبع من المواجهة بين موهبة الشاعر القدير وقيود الوزن في لحظة الإبداع، وما تنتهي إليه هذه المواجهة عند الشاعر الموهوب -غير النظام- من اختيار صيغة نهائية خلال خيارات عديدة من الألفاظ والمرادفات والأبنية والتراكيب التي تزدحم في خاطره في جيشان وجدان مختلط، يمتزج فيه الوعي بالتلقائية، والخبرة بالموهبة، ويكتسب الشعر بها تلك القدرة الفريدة التي تميزه عن النثر الفني. ولا أدل على هذا من أننا قلَّ أن نقرأ الشعر موقعًا ومقطعًا حسب تفعيلاته العروضية. بل إن ذلك يعد قراءة رديئة للشعر. والأغلب أن يقرأ الشاعر البيت -والسطر- على الناس فيقف ويصل ويسكّن ويحرّك، وينطق بلفظة مفردة أحيانا، أو بجملة مستقلة بنفسها أو متصلة بجملة أخرى حينًا آخر فتتداخل التفعيلات ويختلف وزن البيت وإن بقي له إيقاعه العام.
لكن التأثير الأكبر يظل قائمًا من خلال تلك الصيغ الفريدة التي أثمرتها المواجهة بين موهبة الشاعر وقيود الوزن أمام خيارات كثيرة مختلطة في لحظة الإبداع. وفي قصيدة النثر تظل المواجهة أقل احتدامًا والاختيار أكثر يسرًا، لا يستدعي بالضرورة -كما يحدث عند الشاعر- كل المختزن والمبتكر من ألفاظ.
(1/195)

اللغة وأبنيتها وتراكيبها المتصلة بالتجربة، فلا تبلغ الصورة النثرية حد الشعر ولا تكتسب صفة القصيدة. وقد يفتقد القارئ فيها ما يلتمسه عادة في النثر من بعض مظاهر الفكر.
ويقيني أنه أمام تلك الصلة المقطوعة بين المتلقين وشعراء الحداثة ينبغي للشعراء أن يعيدوا النظر في مفهومهم وفي طبيعة الصلة بين الشاعر وأبناء عصره إذا أريد للشعر أن يصمد أمام الأشكال الأدبية الأخرى وأمام سطوة الفكر العلمي التي تزداد يومًا بعد يوم في هذا المكان.
ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي:
1- أنها طويلة نوعًا ما، ولذلك نشرت في مجلة شهرية تتيح لقرائها أن يبقوا مع ما ينشر فيها شهرًا كاملًا، قبل أن تصدر لهم عددًا جديدًا.
2- أنها تناولت قضية أدبية جديرة بالدرس والمناقشة وهي: مسيرة التجديد والتجريب بلا ضوابط في الشعر العربي الحديث, وهي مسيرة تواجه قارئ الشعر بنماذج من طراز غريب عليه، يثير في نفسه كثيرًا من القلق والعجب.
3- أنها بسطت رأي المؤلف في هذه القضية، وقد أرجع أسبابها إلى:
أ - ارتداد التجربة الشعرية -عند أصحاب التجريب- من الواقع الخارجي إلى الواقع النفسي الباطني.
ب - استخدامهم الألفاظ في غير معناها المألوف.
جـ- استخدامهم ألفاظًا عربية أصبحت لصيقة بالعامية.
د- بناء خارجي للعبارة يخرج عن منطق اللغة.
(1/196)

هـ- القفز من معنى إلى آخر، ومن إحساس إلى غيره بأسلوب التداعي الحر للمعاني والألفاظ.
و اقتباس الأساطير أو استدعاء التاريخ دون فهم واعٍ لهما.
4- وضحت المقالة أن هذه الفئة "من أصحاب التجديد بلا ضوابط" ليست بدعًا في الشعر العالمي الحديث، فما يجري في الوطن العربي له نظائر في الغرب، لكنها شددت على أن التجديد في الغرب له ظروفه الموضوعية، والمتلقي الغربي يختلف عن المتلقي العربي.
5- وضحت المقالة أن هؤلاء المجربين قد يكونون أعلى الشعراء صوتًا وضجيجًا وإثارة للشغب، لكنهم ليسوا أصحاب أقدر المواهب الشعرية الغربية بكل تأكيد.
ومن الملاحظ على كاتب هذه المقالة "الدكتور عبد القادر القط":
1- أنه ناقد معروف بقدرته على الكتابة النقدية المنضبطة البعيدة عن الهوى.
2- أنه ناقش قضية حساسة، وأبدى وجهة نظره بوضوح، وبلا مواربة.
3- أنه أفاد من قدرته على تذوق الشعر العربي، ومعرفته به، وفهمه لحركات التجديد فيه على امتداد تاريخه.
4- أفاد من متابعته للأدب العالمي، في طرحه للقضية، ومقارنته بين التجريب في الشعر الغربي والشعر العربي.
5- شخصيته واضحة في مقاله، بقدرته على التناول الحر، وإبداء الرأي.
(1/197)

7- المقالة الفلسفية
وهي تعرض لشئون الفكر والفلسفة بالتحليل والتفسير، ومهمة الكاتب هنا صعبة، إذ عليه أن ينقب عن الأسس الحقيقية للموضوع، وعليه أن يعرض المادة بدقة ووضوح حتى لا يضل القارئ سبيله في شعاب هذا الموضوع الشائك. ومن كتابها: أحمد لطفي السيد، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وحسن حنفي، وإمام عبد الفتاح إمام، ومحمد عبد الواحد حجازي.. وغيرهم.
ومن نماذج المقالة الفلسفية مقالة "جزيرة بلا سياسيين" للدكتور أحمد أمين، ويقول فيها:
كان الشيخ محمد عبده، يقول: "لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته.
كل شيء في العالم يتغير حتى الأهرام، عريت بعد أن كانت مكسوة، وحتى أبو الهول كسرت الأيام أنفه وعلته الرمال، إلا السياسة الاستعمارية فإنها لم تتغير بوجه من الوجوه. وعقلية الساسة في القرن الثامن عشر هي عقليتهم في القرن العشرين، يظنون أن التهديد والوعيد يرعب الأمم، ويقضي عليها، وينفذ رغبة المستعمرين، فبعد ضرب الأسكندرية بسبعين عامًا ظلوا يفهمون أيضًا أن ضرب الإسماعيلية أيضًا ينتج نفس النتيجة مع اختلاف المقدمات اختلافا كبيرا، فقد كان الرعب يستولي على النفوس، ولم يكن وعي قومي يفهم ألاعيب السياسة ولا شيء من ذلك، ولكن عقلية الإنجليز فهمت أن ما جرب بالأمس ونجح يجرب اليوم وينجح، أما الفوارق الكبيرة وخصوصا الفوارق النفسية فقد أغمضوا أعينهم عنها.
(1/198)

كم أود أن أعيش في جزيرة مطمئنة هادئة ليس فيها ساسة، ولكن مع الأسف لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير حكومة ومن غير ساسة يسوسون الناس، فكل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار وطامعين ونهابين. فما لم تأخذ الحكومة على يدهم عاثوا في الأرض فسادا، فلا يمكن لجزيرة أن تعيش من غير حكومة، وكل كتّاب "اليوتوبيا" أو بعبارة أخرى "المدن الفاضلة"، وأفلاطون نفسه "في جمهوريته" لم يخلوا بلادهم التي عدوها مثلا أعلى من ساسة ومن حكومة.
غاية الأمر أنهم أملوا أن تكون الحكومة فيها حكومة عادلة، حكومة ترعى الأمة، ولا تستبد بها، وتأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل، مرنة تتطور مع الأحداث، وتعلم أن ما صلح أمس لا يصلح اليوم، لا كساسة الإنجليز والفرنسيين لا يتحولون عما في أذهانهم مهما تغيرت الظروف1.
ومن الملاحظ على هذه المقالة:
1- أنها تتناول قضية لها خطورتها هي: هل يمكن أن يعيش الناس -في مجتمع ما بلا ساسة يدبرون أمرهم.
2- وضح لنا الكاتب الباعث على سؤاله، وهو أن كل شيء حولنا يتغير، ما عدا نظرة المستعمرين من الإنجليز إلينا، ومعاملتهم لنا.
3- دلل الكاتب على قضيته ببعض الأمثلة التي اختارها.
4- كشفت المقالة الفلسفية عن الحقيقة الواضحة التي ينبغي ألا يضل عنها القارئ -وهو يقرأ الموضوع- وهي أنه "لا يمكن أن يعيش الناس من غير
__________
1 د. أحمد أمين: جزيرة بلا سياسيين، مجلة "الهلال" فبراير 1952م، ص15.
(1/199)

حكومة، ومن غير ساسة يسوسون الناس". ووضحت المقالة ذلك بالدليل النقلي عن أفلاطون "وأصحاب المدن الفاضلة"، وبالدليل العقلي: كل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار طامعين ونهابين. فما لم تأخذ الحكومة على أيديهم عاثوا فسادًا".
5 - وصفت المقالة الحكومة العادلة بعدة صفات "ليست موجودة في الإنجليز الذين ضربوا الإسكندرية عام 1882، ثم ضربوا الإسماعيلية عام 1951".
6- تهدف المقالة في النهاية إلى توضيح مغزى "أو فلسفة" أن يكون للناس حكومة تدافع عن مصالحهم، بأن "ترعى الأمة ولا تستبد بها، تأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل، مرنة، تتطور مع الأحداث ... ".
7- قد تنطلق المقالة الفلسفية من أحداث الواقع ومعطياته لتتأمل حدثًا ما، وتناقش قضية فكرية، وهذا ما فعله الدكتور أحمد أمين، فقد انطلق من الواقع "مقاومة الفدائيين المصريين للإنجليز في الإسماعيلية" ليناقش فكرة جديرة بالنقاش، وهي ضرورة السياسة والسياسين في حياتنا.
(1/200)

8- المقالة الانطباعية
وهي المقالة التي تصور انطباعات كاتبها عن مشاهد رآها، أو ناس عاشرهم وعاش معهم أو قرأ أو سمع عنهم، أو عن حيوانات وقع نظره عليها وسجل انطباعات عنت له عنها، وعن شيء أثار انتباهه، أو شيء قرأه وأثاره، فأراد التعليق عليه.
وهذا اللون من الكتابة يحتاج إلى عقل لاقط، قادر على الاكتشاف والرؤية، حتى يستطيع أن يدرك الأشياء التي وقع عليها بصره، فيبصر مكامن الخلل فيها أو الجدة، أو يقترح الحلول لما يرى من مثالب.
(1/200)

ومن كتاب هذه المقالة: أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز البشري، وميخائيل نعيمة، ومصطفى أمين، ومصطفى محمود، ومحمد فهمي عبد اللطيف، وأحمد بهجت.. وغيرهم.
ومن نماذجها مقالة "الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء" لأحمد بهجت، حيث عبر فيها عن انطباعه عن مقالات قرأها للويس عوض عن "الأفغاني" في مجلة "التضامن" اللندنية1 ملأها بالتخرصات والاتهامات، تحت عنوان "الإيراني الغامض"2. وهذا نص مقالة أحمد بهجت3.
الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء
للأستاذ أحمد بهجت
أيها السادة المثقفون! لقد كنا ضحية خديعة فاجعة، كنا جميعًا مخطئين حين تصورنا أن السيد جمال الدين الأفغاني رجل يوزع السعوط بيمناه، وينشر الثورة بيسراه.
كنا مخدوعين حين تصورنا أن جمال الدين الأفغاني ثائر إسلامي، ومصلح اجتماعي، ورجل دين عظيم، أيقظ الشرق من سباته.
بينما هو إيراني، وليته كان إيرانيًّا فحسب، إنما هو الإيراني الغامض وهو غامض لأنه أفاق، مغامر، متلون.
هذا الاكتشاف "الهزلي" الجديد، يدين بوجوده للدكتور لويس عوض، كشف عنه في سلسلة المقالات التي يكتبها لمجلة عربية تصدر في لندن.
__________
1 نشرت في الفترة من 16 أبريل إلى 10 سبتمبر 1983م، انظر "لويس عوض ومعاركه الأدبية" لنسيم مجلي، ص426.
2انظر د. حلمي محمد القاعود: لويس عوض، الأسطورة والحقيقة، ص 299، 233.
3- الأهرام 29 /8 / 1983م.
(1/201)

ويسمي الدكتور لويس ما ينشره بحثًا جرئيًا! والأصل في البحث أن يتحرى الحقيقة، ويحلل الأحداث والمواقف، ويضيء جوانب كانت غامضة، بهدف نهائي هو اكتشاف الحقيقة.
أما بحث الدكتور لويس فليس كالبحوث، فهو بحث جريء، ومن ثم فهو لا يلتزم بأصول البحث، ولا يرجع إلى المراجع! بل يستند إلى مراجع تشبه تقارير المخبرين السريين التي يكتبونها عن ثائر، فيصفونه بكل رذيلة وشر، ويسندون إليه كل نقيصة وبلية. وشر البلية ما يضحك.
ويبذل الدكتور لويس عوض جهدا كبيرا في بحثه المزعوم، بينما الحقيقة أنه يرسم صورة كاريكاتيرية للأفغاني، صورة تفتقر إلى الفن، وإن كان هدفها السخرية، والتشويه، وإسقاط الاحترام.
ويبدو عبث المحاولة في الجهد الشديد الذي يبذله الدكتور لويس وهو يلوي عنق الأحداث، ويكتشف منها ما يحاول به تشويه صورة الأفغاني، فهو في البداية والنهاية إيراني غامض، يتسلل وسط الظلام مدججًا بالمؤامرات.
(1/202)

9- المقالة العلمية:
"تعنى بمعالجة قضية من قضايا العلم، كأن تتحدث عن نظرية في الطب، أو في الجبر، أو الهندسة، أو الكيمياء، أو الفيزياء، أو الطبيعيات، أو تعرض ما وصلت إليه هذه العلوم، أو تعرف الناس بالمكتشفات العلمية الحديثة، وتحاول توضيح المعطيات التي ترتكز عليها الأبحاث العلمية عامة"1.
__________
1 د. أحمد أبو حاقة: البلاغة والتحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، مارس 1988م، ص229.
(1/202)

وفي المقالة العلمية سعي إلى إثبات المعارف، وزيادة معلومات الناس، وتوسيع ثقافتهم وتنمية عقولهم ومنطقهم، وتعريف لهم بما يجهلون، أو ما يعرفون فيه معرفة ناقصة.
ومن كتاب المقالة العلمية في أدبنا العربي الحديث والمعاصر: فؤاد صروف، وأحمد زكي، وعبد الحليم منتصر، وسعد شعبان، ومحمد عبد القادر الفقي.. وغيرهم.
ومن المجلات التي كانت تخصص قسمًا منها في كل عدد للمقالات العلمية المجلات الثقافية مثل: "العربي" في الكويت، و"الفيصل" و"المجلة العربية" و"القافلة" في السعودية و"الدوحة" في قطر، و"الثقافة العربية" في ليبيا، و"البحرين الثقافية" في البحرين ... وغيرها.
ومن نماذج "المقالة العلمية" مقالة أحمد محمد كنعان: "الحَمْلُ: القدرة الإلهية المتجددة" التي نشرتها مجلة "القافلة" وهذا نصها:
الحمل.. القدرة الإلهية المتجددة
بقلم الدكتور: أحمد محمد كنعان
الحمل والولادة هما وسيلتا التكاثر وبقاء النوع، ليس عند البشر وحدهم، وإنما عند جميع أنواع الثدييات. ولا يكون الحمل إلا بعد سن البلوغ، وهو وقت ابتداء النشاط الجنسي عند الذكر والأنثى. فقد شاءت عناية الله عز وجل ألا يبدأ هذا النشاط إلا بعد نضوج البنية البدنية لكل منهما، وبعد وصولهما إلى درجة من الوعي والإدراك لمعنى الحمل والولادة، ورعاية النشء.
يصل الإنسان عادة لسن البلوغ فيما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة من العمر وهو يبكر قليلًا في البلدان الحارة، ويتأخر قليلا في البلدان الباردة،
(1/203)

وبصورة عامة، فإن الفتاة تبلغ قبل الفتي بحوالي سنتين.
تبدأ قصة الحمل بالتقاء نطفة الرجل ببويضة المرأة. ويحصل هذا الالتقاء عادة في النصف الأخير من بوق الرحم. علمًا بأن للمرأة مبيضين، يقذف كل منهما بويضة واحدة كل شهرين، أي أن المرأة تنتج بويضة واحدة كل شهر وهذه تنقذف من المبيض في منتصف الدورة الشهرية التي تستغرق وسطيًّا ثمانية وعشرين يومًا ويرافق نضوجها وانقذافها تبدلات عميقة في بطانة الرحم، فإذا لم تلقح في غضون يوم أو يومين من انقذافها ماتت وتحللت، وتبع ذلك في نهاية الدورة الشهرية نزيف من الرحم، هو الذي ندعوه بـ"الطمث".
إذا لحقت نطفة الرجل بيضة المرأة بدأت البيضة الملقحة من فورها بالتكاثر قبل أن تصل إلى الرحم، فإذا وصلت الرحم علقت بسقفه، ولهذا تسمى العلقة، وتستمر خلايا هذه العلقة بالانقسام والتكاثر سريعًا، فتصبح في غضون أيام قليلة أشبه بقطعة اللحم الممضوغ، ولهذا تسمى المضغة، وابتداء من الأسبوع الرابع تبدأ أعضاء الجنين تأخذ أشكالها المعروفة، ليكتمل تشكيلها في نهاية الأسبوع الثاني عشر.
يستغرق حمل المرأة في الغالب أربعين أسبوعًا، تحسب من أول يوم من أيام آخر طمث رأته المرأة قبل الحمل. على سبيل المثال: لو أن المرأة رأت آخر طمث لها في اليوم الأول من شهر "كانون الثاني" فإن ولادتها ستكون حوالي نهاية شهر "أيلول" في نفس العام، ويمكن التأكد من حصول الحمل بعد أقل من أسبوعين من بدء الحمل، وذلك بفحص البول أو اللعاب أو بعض الاختبارات الهرمونية الخاصة. وفيما يتعلق بسلامة الجنين فقد لاحظ العلماء أن حالات الوضع التي تحدث ما بين الأسبوع التاسع والثلاثين والأسبوع الحادي والأربعين تتمتع بأحسن نسبة سلامة للجنين وتتعرض حياة الجنين للخطر إذ ما بكرت
(1/204)

الولادة عن سبعة وثلاثين أسبوعًا، أو تأخرت عن اثنين وأربعين.
يبلغ وزن الجنين عند الولادة ثلاثة كيلو جرامات وربع الكيلو جرام وسطيًّا. علمًا بأنه بدأ من النطفة والبيضة اللتين لا يزيد وزنهما عن جزء واحد من ألف مليون جزء من الجرام، وهذا معناه أن وزن الجنين يتضاعف أكثر من ثلاثة ألاف مليون مرة ما بين مرحلة النطفة ومرحلة الولادة ويحصل هذا التضاعف المذهل في غضون تسعة شهور فقط.
ومع أن الجنين قد بدأ من خليتين، فإن عدد خلاياه حين الولادة يجاوز مائتي ألف مليون خلية، وأما طوله الذي كان في البداية يقاس بالميكرونات ببضعة أجزاء من مليون جزء من المتر، فإن طوله عند الولادة يصل إلى خمسين سنتيمترًا أي أن طوله يتضاعف أكثر من مائة ألف مرة، ولو تخيلنا أن الإنسان الذي يبلغ طوله مائة وسبعين سنتيمترًا قد استطال بنفس النسبة التي يستطيل فيها الجنين خلال فترة الحمل، لبلغ طول ذلك الإنسان مائة وسبعين كيلو مترًا.
وأما الرحم الذي لا يزيد وزنه قبل الحمل عن خمسين جرامًا ولا يزيد طوله على عشرة سنتيمترات، ولا يتسع قبل الحمل لأكثر من خمسة جرامات هو وزن الجنين إضافة إلى المشيمة التي يبلغ وزنها نصف كيلو جرام، يضاف إليهما السائل الأمنيوسي الذي يبلغ وزنه كيلو جرام، أي سعة الرحم تتضاعف ألف مرة عما كانت قبل الحمل.
وأقل مادة للحمل الذي يمكن للجنين أن يعيش بعدها هي ستة شهور، وأما أطول مدة للحمل فلا تزيد في الغالب على شهر واحد بعد موعده؛ لأن المشيمة التي تغذي الجنين تأخذ بالتنكس والتحلل ولا تعود قادرة على تأمين متطلبات الجنين بعد هذه المدة. وأما الأخبار التي تروى عن نساء حملن أطول من هذه المدة، وبخاصة منها الأخبار التي تروى عن نساء استمر حملهن
(1/205)

سنوات، فهي أخبار عارية عن الصحة!
وليس الأمر كذلك بين الثدييات الأخرى غير الإنسان، فإن من الثدييات ما تحمل لفترات طويلة، ولعل أطول فترة حمل قاطبة هي فترة حمل أنثى الفيل الآسيوي التي تبلغ وسطيًّا عشرين شهرًا وقد تصل إلى خمسة وعشرين شهرًا.
وأما أقصر فترة حمل سجلت عند الإنسان حتى الآن فهي مادة حمل الطفلة "أرنستين هدجنس" التي ولدت في الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل وذلك في سان ديغو، كاليفورنيا في الثامن من شباط 1983م.
وأما بين الثدييات فإن حمل حيوان الأوبوسوم الأمريكي الذي يسمى أيضًا "أوبوسوم فرجيينا" تعد أقصى مدة حمل على الإطلاق إذ لا تتعدى اثني عشر يومًا أو ثلاثة عشر يومًا وقد لا تزيد على ثمانية أيام فقط.
وتكون المرأة عادة قادرة على الحمل منذ سن البلوغ، حتى سن اليأس الذي يبدأ وسطيًّا عند بلوغ سن الخامسة والأربعين من العمر، وأنسب السنوات لحمل المرأة عندما يكون عمرها ما بين العشرين والخامسة والثلاثين؛ لأن الحمل الذي يحصل في هذا العمر يتمتع بأقل نسبة وفيات للأجنة خلال الشهرين الأخيرين من الحمل وأقل نسبة وفيات بين المواليد كذلك خلال الأسبوع الأول بعد الولادة.
وربما كان أكبر عمر مسجل وموثق رسميًّا لامرأة حملت بعد المدة المعتادة لسن اليأس هو عمر المرأة "روث كستلر" المولودة عام 1899م في بورتلاند، أوريغون في الولايات المتحدة، فهناك شهادة ميلاد أعطيت لها عند ولادتها ابنتها سوزان في 18 تشرين الأول 1956م، وكان عمر هذه المرأة آنذاك سبعًا وخمسين سنة وثلاثة أشهر وتسعة أيام! ومع هذا فقد شكك بعض أقرباء هذه المرأة بعد حين بصحة عمرها!!
(1/206)

وقد أجريت الأيام الأخيرة تجارب عملية على بعض النساء فحملن بعد سن اليأس، وذلك بفضل التقدم العلمي الكبير الذي حصل بعد نجاح عمليات طفل الأنابيب وزرع المبايض، وغيرها من الوسائل الحديثة.
ونذكر أن الجماع قد لا يؤدي إلى الحمل، وأن نسبة الجماع المخصب قليلة جدًّا، بل نادرة، إذا ما قورنت بعدد مرات الجماع التي تجري بين الزوجين، حتى وإن لم يعمدا إلى أية وسيلة من وسائل منع الحمل.
ومن جهة أخرى، فليس كل حمل ينتهي إلى تمام مدته، فقد بينت الإحصاءات أن نحو 78% من حالات الحمل تجهض تلقائيا دون سبب ظاهر، وأن نحو 5% من حالات الحمل تسقط دون أن تعلم المرأة أنها كانت حاملا. وفي هذا شاهد على قدرة الله عز وجل الذي يدبر، ويقدر، فيسمح لجنين أن يبصر النور، ويحجب النور عن آخر، فسبحانه حين يمنح، وسبحانه حين يمنع، وسبحانه في كل حال.
(1/207)

10- مقالة الصورة الشخصية
يترجم فيها الكاتب صورة إنسان حي أو ميت، ويبين مدى التأثر والتأثير عنده، وجوانب التفوق وجوانب الإخفاق، ورأي النقاد فيه، وصورته في عصره، والكاتب لهذه المقالة يعتمد على حسن التنسيق، وجلال التعبير، حتي تبدو الشخصية الموصوفة كأنها تحدثنا، فنعجب بها إذا راقتنا، وننفر منها إذا ساءتنا1.
والفارق بين التاريخ ومقالة الصورة الشخصية "أن الأول سرد للوقائع والأحداث والمواقف والأعمال في حياة المترجم أو عالمه، وتقديمها في إطار علمي يقوم على الدقة والتفصيل والتحقيق وإحكام التنسيق وسلامة العرض. والثانية يأخذ الكاتب فيها من التاريخ المادة التي تسعفه مع ما يتمتع به من ثقافة وخبرة في أن "يصور لنا موقفًا إنسانيًّا خاصًّا من شخصية إنسانية، فيعكس لنا تأثره بها، وانطباعاته الخاصة عنها، ويحاول أن يخطط معالمها الإنسانية تخطيطًا فنيًّا واضحًا، معتمدًا على التنسيق والاختيار، بحيث تتراءى لنا الشخصية الموصوفة وكأنها حية متحركة تحدثنا ونصغي لها، وتروقنا بعض صفاتها فنعجب لها، وتسوؤنا فننفر منها2.
ومن كتّاب هذا اللون من المقالة: إبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز البشري، ومحمود تيمور، ومحمد رجب البيومي، وخيري شلبي،
__________
1 د. السيد مرسي أبو ذكري: المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ط1، دار المعارف "فرع الإسكندرية"، الإسكندرية 1982م، ص57.
2 د. أحمد محمد علي حنطور: فن المقال في الأدب المصري الحديث، ط1، التركي للكمبيوتر وطباعة الأوفست، طنطا 1996م، ص88.
(1/208)

ومحمد حسن عبد الله، وأحمد بهجت.. وغيرهم.
ومن نماذج هذه المقالة ما كتبه الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه "من صحائف التاريخ" تحت عنوان "قوة الإرادة"، وما كتبه الدكتور محمد حسن عبد الله عن نجيب الكيلاني بعنوان "ما أروع أن تقول بغير كلام"، وفي هذه المقالة يرسم صورة شخصية للمتحدث عنه، وهذا نصها:
ما أروع أن تقول بغير كلام1
للدكتور محمد حسن عبد الله
في صمت جليل، يليق برزانته.. رحل نجيب الكيلاني.
أضع صورته أمامي. خمس سنوات لم يجمعنا لقاء. كل مناسبات حضوره في القلب كثيرة؛ مع كل ذكرى عزيزة كان يحضر، أسمع نبرت صوته الهادئ الحكيم حين تعصف من حولي شعارات هي طوفان من الجنون، تظن نفسها طوفان نوح! ما كل هذا السلام في العينين؟ ومن أين جاءت هذه الوداعة في القسمات المصرية الصلبة، لشخص حكم عليه بعشر سنوات في السجن لضلوعه في أعمال خارجة على الشرعية ضمن "الجهاز السري"؟
أقلب الصورة، توقيع "نجيب الكيلاني" واضح تمامًا، وضوح أخلاقه وفكره، التاريخ تحت التوقيع: 14/ 9/ 1962.
أذكر مناسبة الإهداء، كان قد بقي لي في مصر يومان فقط، أغادر ليل القاهرة، وصداقات الجامعة، وأحلام المستقبل، لأعمل مدرسًا في الكويت،
__________
1 د. محمد حسن عبد الله: ما أروع أن تقول بغير كلام، أخبار الأدب، العدد "89"، 25/ 10/ 1415هـ ـ 26/ 3/ 1995م ص31. وانظر مقالته عن الدكتور نجيب الكيلاني في فصل التلخيص.
(1/209)

التي لم أكن أعرف عنها غير اسمها، وأنها بلد فيه بترول، وأن العاملين بها يحضرون معهم قماش بدل "شاركستين" ونظارات "بيرسول"، ولا بد أن يكون أستيك الساعة " فيكس فيلكس".كان قرار السفر حزينًا محبطًا، أقسى شيء يعانيه إنسان الشعور بالظلم في الوطن، وأن تكون أخلصت الحب للصديق، أكثر من استطاعته أن يخلص لك!!
أتأمل الإهداء خلف الصورة، في بساطته يذكرني بالعبارت المحفوظة التي كان يكتبها "أولاد" الإعدادي زمان: كاتب إليك بالقلم الرصاص، علامة المحبة والإخلاص!! يكتب نجيب "إلى الأخ العزيز الأستاذ محمد حسن عبد الله، أهدي صورتي تعبيرًا عما يكنه قلبي من حب ووفاء، وإلى اللقاء، رائحة الفراق تفوح بحدة من "إلى اللقاء" فقد كنت على سفر، لكنها الآن، بعد اثنين وثلاثين عاما تكتسب معنى آخر، فقد سافر نجيب هذه المرة، سبقني، وهأنذا أبادله الحب والوفاء، وأهتف: إلى اللقاء!!
تتداعى الذكريات فلا يطول البحث عن ملابسات اللقاء الأول. كان ذلك مساء الأربعاء 8 أكتوبر 1958، وقد ازدان نادي القصة وفتحت أبوابه على مصارعها في انتظار قدوم العميد الدكتور طه حسين. كان كمال الدين حسين، وزير المعارف، قد تأخر في حلف اليمين الدستورية أمام جمال عبد الناصر وزيرا "مركزيا لمصر وسوريا" وكان محمود تيمور، ومحمد فريد أبو حديد في الصالون تأهبًا لاستقبال القادمين، ويوسف السباعي مثل "أم العروس" فهو أمين عام النادي، أما عبد الحليم عبد الله أبي الروحي فقد كان فخورا بي حقًّا، إذ كنت الفائز الأول ذلك العام، أما نجيب الكيلاني فكانت له جائزة أيضًا.
(1/210)

كانت الصحف تحدثت عنه، وعن ملابسات سجنه، فأخرج تلك الليلة، ليتسلم جائزته ويعود إلى السجن. رأيته، ومن صوره المنشورة عرفته، تقدمت نحوه، عانقته، قلت بغير همس: سجنوك ظلمًا أولاد الكلب!! ابتسم بدهشة، نظر إلى الأرض، قال: خد بالك.. الجماعة بوليس!! كان يقف بين رجلين، لم أنتبه إلى حقيقتهما قبل كلمته، التي لم يقلها همسا، عزّ علىّ أن أعدل موقفي أو أعتذر. بثبات قلت: أنا عارف!!
بعد ساعتين أخذت ميدالية طه حسين الذهبية، وستين جنيه نقدا، وانصرفت، وعاد نجيب إلى السجن "الميدالية سرقت مع ميداليات ذهبية أخرى من مكتبه في عطلة العيد، ولا تزال مباحث المعادي توالي التحري".
استمرت الصحف تشير إلى الأديب الذي يعلم أبناءنا الحرية، وهو محروم منها، فقد كانت قصة "الطريق الطويل" قد فازت بمسابقة القراءة ذات الموضوع الواحد فقررت على الصف الثاني الثانوي، والقصة عن النضال ضد الاحتلال البريطاني، تمكن كمال الدين حسين من الحصول على عفو "صحي". وخرج نجيب من السجن، وعاد ليكمل دراسته في كلية طب القصر العيني، بعد أربعين شهرًا في طرة، والقلعة، وغيرهما.
وهكذا التقينا من جديد، هو في الطب، وأنا في دار العلوم، وتحت لواء العشق القصصي نلتقي: نقرأ ونراجع ما نكتب، ونتبادل الخبرة، وكنت أحترم فيه تاريخه القديم في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، ولم أناقش معه أبدًا أهمية أو عدم أهمية، أو خطورة هذه التنظيمات، أما إذا ساقتنا ذكريات السجن فإنه كان يتحدث عنها حديث الفنان الساخر، وليس الممرور الحاقد، يصف
(1/211)

طوابير الصباح، والإكراه على الترديد وراء أم كلثوم "أجمل أعيادنا المصرية بنجاتك يوم المنشية" وعصا الحراس "تداعب" من لا يرفع صوته بالغناء، حتى لوكان الهضيبي نفسه! وكم ضحكنا من القلب وهو يصف طابور الذهاب إلى الحمام "جماعة" وما يترتب على هذا من كشف العورات، ومشاعر الحرج وأثقال الشعور بالإثم، وأعيش معه عبر وصفه المرح السعيد، وقد لعب معه "كيوبيد" لعبة خطرة وهو في سجن القلعة!! كان قبل السجن قد عقد قرانه على إحدى قريباته، بعد إلحاح من والدته. لكن قلبه اختار اتجاهًا آخر، فكان لا بد من فصم علاقة، قبل إقامة علاقة جديدة، أما "الكوميديا" فكانت في مرحلة الانتقال. إنه يلح على "صاحبة العقدة" أن تغنم حريتها، فيطلقها لأنه سجين، وهي أحق بمستقبلها!! لكنها -على سبيل الوفاء وكما يجب على بنات "الأصول"- ترفض فكرة الطلاق، حتى لو قضى في السجن عمره كله!! وتحت هذا الوفاء الصعب تواظب على زيارته في السجن، وتحمل إليه الطعام والفاكهة، أما الأخرى التي اختارها القلب فقد كان بيتها قريبًا من السجن "يا لها من مصادفة روائية" فالزيارة عليها أيسر، والإشارت على البعد، قبل عصر الاستشعار، كان لغة معترفًا بها!!
في زمن وجيز سافر نجيب الكيلاني إلى المنصورة "ليصافح هناك جمال عبد الناصر، ويتلقى منه جائزة، فقد أقيمت مسابقة أدبية موضوعها حملة لويس التاسع وانتصار المنصورة. فاز يعقوب الشاروني بجائزة المسرحية عن "أبطال بلدنا" كما فاز أحمد باكثير بجائزة عن مسرحيته "دار ابن لقمان"، أما نجيب الكيلاني فانفرد بجائزة الرواية عن "اليوم الموعود". أقيم احتفال العيد
(1/212)

القومي في المنصورة -لأول مرة- يوم 7 مايو 1961. سافرت مع نجيب وباكثير لأقوم لهما بواجب الضيافة في مدينتي وتحضرني ذكريات. رأيت عبد الناصر في معكسر إقامة الحرس الوطني "كنت متدربًا فيه" في حديقة شجر الدر "مكان جامعة المنصورة الآن" كان هذا أعقاب حوادث مارس 1954.
عزل محمد نجيب. كرهنا عبد الناصر، وأوشكنا أن نتمرد على رفع السلاح تحية له، كان محمد نجيب أبًا طيبًا لشعب أطيب. وفي العيد القومي للمنصورة بعد سبع سنوات خطب عبد الناصر في جماهير تمتد بحجم المدينة ذاتها، دون مبالغة، وجد الناس امرأة مجهولة قيل إنها تولت غسل ثياب الرئيس في الليلة التي قضاها في المنصورة، وأثلج صدور أهل المدينة، وتناقلوا أن عبد الناصر قال للمحافظ: كيف تبني لنفسك هذا القصر بسبع حمامات؟ هل رأيت البيت الذي أسكن فيه؟
هكذا تلقى نجيب الكيلاني جائزته من يد عبد الناصر، الذي حبسه من قبل، وسيحبسه مرة أخرى، ولم أسمع يومًا عبارة ازدراء أو أمنية شريرة. كان يراه وطنيًّا عظيمًا، فقط: ليته كان معنا! وبمثل هذه اللغة كان يتحدث عن الإخوان "السابقين" الذين وجدوا لهم طريقًا آخر، فمثلا حدثني عن ياسر عرفات حين كان طالبا إخوانيًّا بهندسة القاهرة، وكيف ينسب -فيما بعد- إلى اتجاه نقيض.
بعد سنوات قلائل من لقائنا الأول، ربما عامان أو ثلاثة، ومعه مخطوط رواية جديدة، اختار لها عنوان: "الربيع العاصف"، طلب مني أن أقرأها، وأن أكتب دراسة نقدية تطبع معها!! عجبت للطلب، فقد كنت متخرجًا
(1/213)

حديثًا: واسمي أقل بكثير من اسم نجيب الكيلاني، كما أنه كان باستطاعته أن يطلب هذا من أشخاص تحددت مواقعهم واستقرت مكانتهم النقدية، حتى وإن كانوا من الشباب في ذلك الوقت، مثل عبد المحسن بدر، وتوفيق حنا، ومحمود أمين العالم، وعباس خضر، وقد أفضيت له بما يعتمل في صدري.
فقال: حتى نجيب محفوظ، لو قصدته في تقديم روايتي سيفعل، ولكن أرى أن يعتمد جيلنا على نفسه، وأن نتقدم معًا، وهكذا أصر، وكتبت تلك الدراسة التي لا تزال تطبع ملحقة بـ "الربيع العاصف"، كلما تكرر نشرها، دون تعديل، وحتى دون إضافة اللقب العلمي الذي وصلني بعد تلك الدراسة بثمانية أعوام! تجري أحداث الربيع العاصف في قريته "شرشابة" "محافظة الغربية" "ولم أشعر أبدًا بجمال هذا الاسم!! ".
عقب تخرجه في كلية الطب عين طبيبًا لعمال ورش السكة الحديد في "أبي زعبل" حين عرفت، لم أتفاءل. التعليق فرض نفسه: يا نجيب ما كفاك طره، والقلعة، حتى تختم بأبي زعبل!! مع هذا حصل على "فيلا" صغيرة جميلة، قضى فيها مع زوجته وولده حسام "الوحيد في ذلك الوقت" سنة هادئة، واستفاضني فيها مع زوجتي في أسبوع زفافنا يومين: كانا أطيب أيام العسل، وانتهت علاقته بأبي زعبل، بحشد الإخوان مرة أخرى في المعتقلات، صيف 1965، كان في زيارتي ليلة القبض عليه، فقد كنت عائدًا في الغد إلى مقر عملي بالكويت، وكان متوجسًا، لم يكن خائفًا، لم أره خائفا أبدا، ولكنه كان يشعر أن صحته لم تعد تحتمل السجن، وكانت آلام المفاصل "في الركبتين خاصة" تعاوده، وسافرت، وهناك عرفت أنه قبض عليه في اليوم التالي!! لم يطل مقامه في السجن، ولا في مصر، عقب الإفراج عنه سافر إلى دولة
(1/214)

الإمارات، استقر في دبي طبيبًا بالصحة المدرسية، وفي دبي كان آخر لقاء بيننا، حين دعاني نادي الثقافة والعلوم للمشاركة في موسمه الثقافي بإلقاء محاضرة. تعشيت في منزل نجيب، ورأيت أولاده وقد أصبحوا رجالا، وابنته عزة قد صارت طبيبة وتزوجت طبيبًا، وصار له أحفاد، ودار كبيرة في طنطا، وأكثر من خمسين كتابا.
نجيب الكيلاني أول من اهتم بطرح قضية "الأدب الإسلامي" في كتاب بهذا العنوان، ورؤيته بعيدة تمامًا عن التزمت، إنه لا يطلب في فنون الأدب أن ترتبط بالدعاية، أو الوعظ، إنه يقف تحت شعار: "من ليس علينا فهو معنا"، لا يطلب أكثر من عدم الاستهتار بالقيم، وعدم الإغراق في وصف المشاهد التي تغري بالخطيئة. أما عالمه الروائي، الذي بدأ "بالطريق الطويل" و"في الظلام" التي تحولت إلى فيلم بعنوان: "ليل وقبضان"، وقصصه القصيرة "المصرية": "موعدنا غدا"، "دموع الأمير" وغيرها، فقد اتسعت دائرة اهتمامها، لتتعقب القضية الإسلامية في مواطن أزماتها: عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي كتب: "ليالي تركستان"، وعن صراع الإسلام والوثنية في نيجيريا كتب: "عمالقة الشمال"، ثم "عذراء جاكرتا"، ومنذ فترة مبكرة ألف عن الشاعر الإسلامي العالمي "إقبال"، كما أفضى بجانب من حياته الشخصية في "مذكرات طبيب"، وإن يكن كتب عن نفسه مباشرة في "ملامح من حياتي" وهو من جزئين.
يا أخي وصديقي..
هذا دوري..آن أن أقول أنا لك هذه المرة: إلى اللقاء!!
(1/215)

المقالة الصحفية وأنواعها
مدخل
...
ثالثًا: المقالة الصحفية وأنواعها
منذ نشأة الصحافة العربية في منتصف القرن الماضي نشأ فن المقالة الصحفية التي تتناول "الظروف السياسية القائمة، وما تتركه من مشكلات تحتاج لحل سريع ورأي حاسم.. والكاتب فيه مقيد بموضوعات معينة لا تتجاوز أفكارًا معينة من الصحيفة، ويمتاز بالسهولة في التعبير، ويختلف طولًا وقصرًا، وتتعدد ألوانه بتعدد فنونه"1، ومن أنواع المقالة الصحفية:
أ- المقالة الافتتاحية.
ب- العمود الصحفي "الخاطرة".
جـ- مقالة الرأي.
د- مقالة عرض الكتب.
هـ- مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية".
وهذا تعريف موجز لهذه الفنون:
__________
1 د. السيد مرسي أبو ذكري: المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص98، 99.
(1/216)

أ- المقالة الافتتاحية:
تمثل سياسة الدولة، أو الحزب، أو الجهة التي تصدر الصحيفة، ويكتبها من تثق به الصحيفة دون أن يضع توقيعه عليها "ويستعين بالوثائق والأرشيف، ويلتمس الفكرة المثيرة والحقائق والشواهد المؤكدة للفكرة، ويلتزم بالخصائص التالية:
1- الحذر والتحفظ في إبداء الرأي، والعمل على بلورته.
2- العمل على إقناع القارئ، وتشويقه إلى متابعة القراءة.
3- التماس الموضوعات الطازجة والمسايرة للحدث.
(1/216)

4- النزوع إلى الاستمالة والتوجيه، ومخاطبة الرأي العام1.
ومن نماذجه: هذه الافتتاحية التي نشرتها جريدة "الندوة" تحت عنوانها الثابت "كلمة الندوة"، وهذا نصها:
كلمة الندوة المسلمون والحوار2
عشرات الضحايا الذين سقطوا في المواجهات وأعمال العنف الطائفية التي وقعت خلال اليومين الماضيين في "كراتشي" بباكستان، تعطي صورة سيئة عن المسلمين للعالم في عصر توصل أهله وشعوبه إلى العديد جدا من السبل والطرق لمعالجة الخلافات في الرأي التي تقع بين أبناء الشعب الواحد. بل وحتى بين الشعوب المختلفة.
ولعل أكبر الصفات التي يتميز بها إنسان هذا العصر عن عصور الغاب الغابرة، أنه توصل إلى التغلب على نوازع الشر والقتل في النفوس البشرية، وأحل محلها لغة التخاطب والتفاهم والحوار، كأسلوب حضاري يمنع الانغماس في مستنقعات الدم وحمأة الحقد والقتل والعنف.
وما حدث في كراتشي وعمد القائمون به إلى توجيه أسلحتهم إلى المصلين الخارجين من المساجد، عمل وحشي دون شك وهو لا يعطي صورة حقيقية للإسلام السمح، بل يكشف خبيئة نفوس الذين قاموا بهذه المذابح، وسواد قلوبهم، وبعدهم عن التحلي بأخلاق الإسلام الذي يحرم قتل النفس دون وجه حق. وأي حق في أن تحصد الرشاشات أرواح عدد من المصلين الذين تصادف أن أدوا الصلاة في المسجد الذي وقع عليه العدوان.
__________
1 د. محمد صالح الشنطي: فن التحرير العربي: ضوابطه وأنماطه، ص247.
2 العدد "11024" الصادر في 27/ 5/ 1415 هـ، ص3.
(1/217)

والحقيقة: أن هذه النفوس تسيء إلى المسلمين وإلى صورة وحقيقة الإسلام1. وهي تعطي شعوب العالم صورة خادعة عن الإسلام، لأن الذين يقومون بتلك الأعمال والجرائم، إنما ينتمون إلى الإسلام اسما، ولكن حقيقة الإسلام بعيدة عن أي عنف أو عدوان، دون وجه حق، ولعل هذا هو ما يدفع المضللين في الدول الغربية للحديث عما يسمونه "الإرهاب الإسلامي" ويستخدمون ما يقع في بعض الدول العربية والإسلامية دليلًا على ما يذهبون إليه، في حين أن الواقع الإسلامي بعيد عن ذلك. ولا يعبر هذا الأسلوب الغوغائي عن حقيقة الحضارة الإسلامية، وما يزرعه الإسلام في نفوس أتباعه من أخلاق الرحمة والتسامح، وتأكيده النهي عن القتل دون وجه حق. ومن المؤكد أن ما يقع في بعض الدول العربية من عنف وقتل يتصاعد من سنوات.. وما تشهده بعض الدول الإسلامية، خاصة أفغانستان والصومال، هو في حقيقته خروج عن الأخلاق والآداب الإسلامية، بل يعتبر جريمة ترتكب على أيدي أناس لا يعرفون حقيقة الإسلام، بل تدفعهم إلى القتل طموحات أحلام مريضة، كان يمكن أن تكون مقبولة وشرعية، لو أنها عرفت الطريق السليم الحضاري لتحقيقها عن طريق الحوار والتفاهم، بدلًا من القتل والسحل. كما كان يمكن أن يتحلى أصحابها بضبط النفس بدلا من الانسياق مع النوازع الشريرة في النفس البشرية.
لقد أساءت بعض الجماعات إلى الصورة النقية للإسلام وتعاليمه ومبادئه السمحة، ولم يعد مقبولًا ولا معقولًا أن تتواصل هذه الإساءة التي تلحق الضرر بأبناء الأمة المسلمة وتسيء إلى صورة المسلمين في العالم، وهو ما تتطلع كل الشعوب المسلمة إلى وضع حد له، وأن يرتقي الجميع إلى مستوى المسئولية التي
__________
1 الأصوب: وإلى صورة الإسلام وحقيقته.
(1/218)

يحملونها أمام الشعوب المسلمة نفسها وأمام العالم أيضًا. في عصر يرفض هذه الأساليب ويدعو لتغليب العقل والحكمة والجدال بالتي هي أحسن. وهي من القواعد الأساسية في العقيدة الإسلامية.
"الندوة".
(1/219)

ب- العمود الصحفي:
يكتبه أحد الكتاب المرموقين في الصحيفة "يلتقط كاتبه فكرة أو واقعة أو ظاهرة يتحدث فيها من وجهة نظره الخاصة انتقادًا، أو استحسانًا، أو تحليلا.. وفي الغالب يكون العنوان ثابتًا، والكتابة دورية؛ أسبوعية أو يومية وغالبًا ما يتسم أسلوب كاتب العمود الصحفي بخصوصية متميزة، وبإيجاز غير مخل، وربما تكمن خصوصية الأسلوب في السخرية، أو في خفة العبارة ورشاقتها، وهناك من يرى أن أهم عناصر الخاطرة أو العمود الصحفي: الفكرة الجوهرية أو الواقعة، ثم الشواهد والنتيجة، وهذا ليس أمرًا مفروضًا بالضرورة"1.
ومن كتّاب الأعمدة في جريدة "الأهرام": أحمد بهجت: "صندوق الدنيا"، وسلامة أحمد سلامة: "من قريب"، وأنيس منصور: "مواقف". وفي جريدة "الأخبار": محمود عبد المنعم مراد "كلمات"، ومصطفى أمين: "فكرة". وفي جريدة "الجزيرة": "عائض الردَّادي: "دقات الثواني"، ود. عبد العزيز الفيصل: "رؤى وآفاق"، ود. محمد سليمان الأحمد: "كلمات معدودة "، ود. عبد الله بن محمد الفيصل: "وقفة مراجعة". وفي "المسائية":
__________
1 د. محمد صالح الشنطي: مرجع سابق، ص247.
(1/219)

محمد الخنيني: "سياحة لغوية"، ود. عبد الله الدايل: "نكت لغوية"، ود. عبد الله باقازي: "وقفة"، ود. عبد الله أحمد الفيفي: "شفق".
ومن نماذج العمود الصحفي ما نشره محمد بن سليمان في عموده بجريدة "الجزيرة" تحت عنوان: "كلمات معدودة" وفيه يتحدث عن: "الصحافة والمجتمع"1 ويناقش فيه مفهوم الحرية بين الصحافة العربية وصحافة الغرب، وهذا نصه:
كلمات معدودة
الصحافة والمجتمع
للدكتور محمد بن سليمان الأحمد
قرأت أكثر من مرة ما قاله أمير دولة الكويت الشقيقة في كلمته بمناسبة العشر الأخيرة من رمضان عن الصحافة الكويتية ودورها في تنمية الروابط داخل المجتمع الكويتي ومطالبته لها بعدم تعميق الخلاف والانقسام، والتركيز على المصلحة العامة للوطن والمواطن الكويتي.
والواقع أن بعض المؤسسات الصحفية في بعض دول العالم الثالث تتعامل مع مبدأ "الحرية الصحفية" من منطلق غربي، رغم صدورها في دول شرقية. إن مفهوم الحرية ليس واحدا في كل مجتمع وفي كل عصر، فما قد يراه بعض الغربيين من أبسط مبادئ الحرية، قد يرى في بعض دول ومجتمعات غير غربية أنه ممنوع، بل ومحظورة ممارسته.
__________
1 انظر جريدة "الجزيرة"، العدد 8185، الصادر في 26/ 9/ 1415 هـ ص9.
(1/220)

هناك قيم ومبادئ تحيط بمفهوم الحرية، وتعريف الحرية يخضع كل الخضوع لهذه القيم والمبادئ الاجتماعية السائدة في المجتمع الشرقي أو الغربي.
لا يمكن مطلقا أن نقوم بتطبيق مفهوم "الحرية الصحفية" السائد في دولة ومجتمع غربي ورأسمالي ونصراني الديانة يتميز بالفردية، على مجتمع شرقي ودولة يسود فيها الاقتصاد المختلط، ويدين سكانها وحكامها بالدين الإسلامي، ويقوم فيها المجتمع على الأسرة.
الصحافة البريطانية مثلا تستطيع وبكل بساطة أن تتحدث عن علاقة سرية وغير مشروعة بين أحد وزراء الحكومة البريطانية المتزوجين وسكرتيرته، بل وتؤكد ذلك بالصور التي تدل على أن هذه السكرتيرة تحمل في جوفها من هذا الوزير، وتلتقي الصحيفة مع زوجة الوزير، ومع سكرتيرته الحامل، وحتى مع إحدى بناته لمناقشة هذه الفضيحة. كل هذا تمارسه الصحيفة البريطانية من منطلق المفهوم الغربي للحرية الصحيفة، ولا يتدخل القضاء لأنه ليس أمامه قضية.
ولكن هذه الواقعة في مجتمع شرقي إسلامي تعتبر زنا، ويعاقب عليها الشرع بالجلد لغير المحصن، وبالرجم للمحصن، وهي جريمة لا بد لها من شهود أو اعتراف. وتعاقب الصحافة أو على الأصح الصحفي الذي يتحدث عن هذا الموضوع بجريمة "القذف" في حالة حديثه عنها دون ثبوتها بالدليل القاطع لدى القاضي الشرعي وصدور حكمه النهائي حولها.
ما أود قوله: إن بعض وسائل الإعلام في عالمنا الثالث تحاول أن تطبق بعض المفاهيم الإعلامية دون أي اعتبار للمجتمع الذي تصدر فيه، وعاداته وتقاليده وقيمه، وقبل ذلك عقيدته.
(1/221)

جـ- مقالة الرأي:
تخصص معظم الصحف والمجلات صفحة أو صفحتين لمقالات الرأي، ومن الطبعي أنها لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو الصحيفة؛ فقد يوافقها صاحب المقالة أو يعارضها. وقد تكون مقالة سياسية، أو اجتماعية، أو تتناول قضية تهم الرأي العام "ويبدي كاتبها رأيه مدعمًا بالأدلة، وفق تسلسل مدروس يفضي إلى نتيجة، وقد يكون تحليلا مستفيضًا لموقف، أو دراسة مستفيضة لظاهرة"1.
ومن كتاب مقالة الرأي: ثروت أباظة، وفهمي هويدي، ود. محمد سليم العوا، ود. يوسف القرضاوي، والسيد ياسين، ود. عاطف العراقي، والشيخ محمد الغزالي، وأبو عبد الرحمن بن عقيل، ود. عبده زايد، ود. سلطان أبو على ... وغيرهم.
ومن نماذج هذه المقالة، مقالة "متى تختفي اللافتات الأجنبية؟ " للدكتور عبده زايد، وهذا نصها:1
متى تختفي اللافتات الأجنبية؟
للدكتور عبده زايد
ما من مدينة عربية كبرت أو صغرت يمكن أن تنزل بها الآن ضيفًا زائرًا، أوسائحًا عابرًا، أو عاملًا مقيمًا، إلا هالَكَ فيها كمَّ اللافتات المضيئة وغير المضيئة التي تحمل كلمات أجنبية مكتوبة بحروف لاتينية أو بحروف عربية، للإعلان
__________
1 د. محمد صالح الشنطي: مرجع سابق، ص248.
2 د. عبده زايد: متى تختفي اللافتات الأجنبية؟، جريدة "الجزيرة" العدد"8185" الصادر في 25/ 2/ 1995، ص9، 15.
(1/222)

عن سلعة محلية أو مستوردة، أو للتعريف بمتجر أو شركة، أو مؤسسة، أو فندق، أو مطعم، أو متنزه، وقد يستشري الداء فيتناول أسماء الأحياء والشوارع والمدارس، وقد يضيق فيتوقف عند أنشطة القطاع الخاص انطلاقًا من الحرية الممنوحة له في مزاولة نشاطه والإعلان عنه.
إن مدينة كبيرة كمدينة القاهرة مثلا تلطخ وجهها باللافتات الأجنبية من كل شكل ولون وحجم، وهي لافتات لا تقتصر على أسماء الشركات العالمية التي تفتح لها فروعا هناك، ولا الفنادق الدولية، ولا البنوك الأجنبية ولا حتى أنشطة القطاع الخاص وحده، إنها تتجاوز ذلك إلى أسماء الأحياء كحي جاردن سيتي، وأسماء الشوارع كشارع ماسبيرو الشهير، وأسماء المدارس وحضانات الأطفال مثل "هابي بيبي جاردن"، وأسماء المتنزهات مثل "ميري لاند"، ولا يتوقف الأمر عند الكلمات الأجنبية المزروعة في غير بيئتها، ففوضى الإعلانات قتلت الأسماء العربية والمحلية في عقر دارها، فالقاهرة تتحول إلى "كايرو"، ومصر تصبح "إيجبت"، والأرقام تصبح: "ون"، "تو"، "ثري".. إلخ.
أما في مدينة كمدينة الرياض فاللافتات الأجنبية فيها تكاد تقتصر على الأنشطة التجارية التي يتولاها القطاع الخاص الوطني أو المشترك، فأنا لم يصادفني في اللوحات الإرشادية التي تملأ شوارعها اسم غير عربي لحي أو لشارع أو لمدرسة، وقد تكون ملاحظتي هذه ناقصة؛ لأنها قائمة على استقراء ناقص.
وهذا الغزو الذي يتولى كبره أبناء المدينة العربية بالدرجة الأولى من باب الترويج والإثارة؛ لأن غرابة الإعلان وغربته من وسائل تثبيته في الذهن وجذب الناس إليه، خصوصًا حينما تتراجع الثقة في كل ما هو وطني وعربي. إن هذا
(1/223)

الغزو لم يمر بسهولة، فالغيورون على وجه المدينة العربية نبهوا إلى خطر هذا الزحف خصوصًا أنه كان ذات يوم وسيلة من وسائل الهيمنة الأجنبية أيام الاستعمار، فلما انقشع الاستعمار وتحررت الأوطان العربية من سيطرته بقيت هذه المظاهر دليلا على الهيمنة الأجنبية في الثقافة والفكر والاقتصاد أيضًا.
وإذا كان الوطنيون قد رفضوا هذا المظهر في المرحلة الماضية، فعليهم أن يرفضوه في هذه المرحلة؛ فدلالة هذه اللافتات في المرحلة الحالية هي دلالتها نفسها في المرحلة الماضية.
فإذا كانت الصحف المصرية قد أعلنت الحرب على استخدام الألفاظ والعبارات والحروف الأجنبية في أواخر الثلاثينيات الميلادية، حتى نجحت عام 1941 في حمل هذه الشركات والمصالح الحكومية التي كانت تحت الإدارة البريطانية على استخدام اللغة العربية، لغة البلاد القومية، وإذا كانت الحكومة المصرية قد استطاعت أن تغسل وجه القاهرة -وغيرها من المدن- من اللافتات الأجنبية في حركة التمصير في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات انطلاقًا من الاعتزاز باللغة القومية، فإننا مطالبون الآن بالدور نفسه.
ومن هنا وجدنا وزير التموين المصري يتصدر في آواخر الثمانينيات لهذه الفوضى الإعلانية، فأصدر قرارًا بإعادة الوجه العربي إلى مدينة القاهرة، ذلك بتغيير اللوحات الإعلانية الأجنبية إلى لوحات عربية، وقد أمهل أصحاب الشركات والمؤسسات والمتاجر ستة أشهر، وهنا أطلقت عليه وسائل الإعلام سهامها النارية، وسلقته بألسنة حداد، وسخرت من قراره، وقدمت مختلف الحجج والبراهين على تعذر تنفيذ هذا القرار واستحالته، ومضت المدة، ومات القرار، وهدأت العاصفة، واستمر الزحف التغريبي على وجه القاهرة.
(1/224)

أما مجمع اللغة العربية، وهو الحارس الأمين على هذه اللغة، فقد هاله هذا الزحف المدنس، ولكن مشكلته أنه لا يملك سلطة تنفيذية، ولا يملك إصدار حكم واجب النفاذ، ولا يستطيع أن يصدر قرارًا ملزمًا لأي جهة، فما كان منه إلا أن أصدر توصية رفعها إلى وزير التعليم السابق الدكتور أحمد فتحي سرور "رئيس مجلس الشعب الحالي"، وعاد إلى التذكير بهذه التوصية أمام وزير التعليم الحالي "الدكتور حسين كامل بهاء الدين" في افتتاح جلسات الدورة الأخيرة للمجمع، وقد طلب أن يرفع الوزير هذه التوصية إلى الجهات التي تملك إصدار القانون الملزم، وتملك تنفيذه، حتى لا يغيب وجه القاهرة تحت ركام الكلمات والعبارات والحروف الأجنبية.
وإذا كانت مدينة القاهرة قد أخفقت في استعادة وجهها العربي، ونرجو أن يكون إخفاقًا مؤقتًا، فإن البحرين تخطو الآن خطوات جادة في استعادة وجهها العربي، تحقق منها ما تحقق، وبقي منها ما بقي.
والمشكلة في البحرين أعمق، فالأمر هناك لا يتوقف عند لافتات الإعلانات التجارية، وإنما يتجاوزه إلى المعاملات الحكومية والأوراق الرسمية، حتى كشوف مرتبات العاملين في الدولة، إنها جميعًا كانت تتم إلى وقت قريب باللغة الإنجليزية، وقد بدأت البحرين أولًا بتعريب اللافتات، وهي الآن تقوم بتطبيق قانون تعريب المعاملات الحكومية، وقد حدث بالفعل، ولأول مرة في تاريخ البحرين، أن وصلت كشوف رواتب الموظفين العاملين في الجهاز الحكومي وما يتعلق بمستحقاتهم وأجازاتهم باللغة العربية بدءًا من شهر يوليو الماضي كما جاء بالعدد "498" من جريدة "المسلمون".
(1/225)

ولن يمضي وقت طويل على مدينة الرياض حتى تستعيد وجهها العربي تمامًا بإذن الله تعالى؛ ذلك أن الأمر فيها تولته أمانة مدينة الرياض، حيث أكدت الأمانة على استخدام اللغة العربية في كافة لوحات المحلات والشركات والمطاعم التي تستخدم الأسماء الأجنبية، بحيث يكون في لوحاتها مكان بارز للغة العربية لا يقل الحيز المخصص لها عن نصف اللوحة، وهذا يعد مكسبًا كبيرًا وخطوة متقدمة لتعريب وجه المدينة.
ومع هذا كله فإن هذه محاولات جزئية بطيئة، فهناك مئات من المدن العربية يغيب وجهها تحت اللافتات الأجنبية.
فمتى يعود الوجه العربي للمدينة العربية أيا كان موقعها؟
إننا نحتاج إلى أن تستعيد كل المدن العربية وجهها العربي، كبيرة كانت أو صغيرة، وتنفيذا لذلك ليس بالأمر العسير لو صدقت النيات، وصحت العزائم، فلا ينبغي لعربي يعتز بعروبته وبلغته الوطنية لغة القرآن الكريم أن يرضى بهذا الزحف التغريبي على وجه المدينة العربية، أيا كانت الأسباب والدوافع.
لقد كانت من بين الأسباب التي رفعت في وجه وزير التموين المصري سبب اقتصادي، فتغير لوحات الإعلان في مدينة القاهرة يحتاج في تقدير المعارضين إلى مليار جنيه مصري، فقد قدروا أن المدينة تضمن مليون لوحة إعلانية أجنبية، وتغيير كل لوحة كان يحتاج إلى ألف جنيه بأسعار هذا الزمان، هذا فضلا عن أن الاسم التجاري جزء مهم من رأس المال، والتفريط فيه تفريط في شيء كبير، وما أسهل الرد على ما قالوه بشرط أن تتوافر العزيمة الصادقة، فإذا كنا نضن بإنفاق هذا المبلغ الكبير على نظافة وجه المدينة من اللوحات الأجنبية
(1/226)

فيمكن أن نمنع الترخيص لأي نشاط جديد لا يحمل اسما عربيًّا ولا لافتة عربية خصوصًا إذا لم يكن فرعًا لشركة أجنبية، ويمكن أيضًا ألا نجدد الترخيص إلا لمن يتخلص من لافتاته الأجنبية كليًّا، أو جزئيًّا على الأقل.
وأما من استقر له اسم تجاري يخاف عليه فيمكن أن يبقى على الاسم القديم مع الاسم العربي الجديد فترة من الزمن، حتى ترسخ جذور الاسم الجديد ويصبح أيضًا جزءًا من رأس المال، ولأن يتعرف وجه المدينة العربية ببطء وعلى مدى طويل أفضل من أن يبقى وجهها أجنبيًّا على طول المدى.
(1/227)

د ـ مقالة عرض الكتب:
تحرص الصحف والمجلات على أن تعرض للكتب الجديدة التي ترى أنها مؤثرة وتفيد القارئ؛ من خلال تعريفه بأبرز الإصدارات الجديدة. وقد يكون الكتاب الذي يعرض له سياسيًّا، أو اقتصاديا أو أدبيا، أو مذكرات كتبتها شخصية مرموقة عن فترة عملها، وما صادفها من أشياء ترى أنها جديرة بالتسجيل.. إلخ.
ويشترط في مقالة عرض الكتب ما يلي:
1- أن تكون لغتها واضحة قريبة من الأفهام؛ لأنها تخاطب الجمهور العام، في صحيفة أو مجلة.
2- أن يكون الكتاب الذي تَعْرِضُ له قد صدر حديثا، ومتوافرا في الأسواق، ليتمكن القارئ الذي يثيره العرض من شرائه.
(1/227)

3- أن يكون الكتاب الذي يعرض له متميزا في بابه، كأن يسد ثغرة في مجاله، أو يقدم نظرية جديدة، أو يخالف المألوف نتيجة لأبحاث جديدة، أو قراءة متعمقة.
4- أن يلم كاتب مقالة عرض الكتاب بأهم ما طرحه الكاتب "صاحب الكتاب".
وليس من مهمته أن ينقد الكتاب، أو أن يبين وجه الخطأ والصواب فيه، فهذه مهمة المقالة النقدية.
ومن الذين يعرضون للكتب الجديدة: أحمد فضل شبلول في جريدة "الجزيرة"، ومحمد جبريل في مجلة"حريتي"، ومحمود الورداني في "أخبار الأدب"، وعنتر مخيمر ود. محمد علي داود في مجلة "الأدب الإسلامي".
ومن نماذج هذه المقالة مقالة "محمد جبريل" في مجلة "حريتي" عن كتاب الدكتور حلمي محمد القاعود "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة"، وهذا نصه:
لويس عوض أمام محكمة القاعود1
للأستاذ محمد جبريل
الكتاب الجديد الذي أصدره الدكتور حلمي محمد القاعود اسمه "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة". فوجهة النظر واضحة إذن قبل أن نبدأ القراءة.
ويشير الكاتب في استهلاله إلى خطورة القضايا التي يتصدى لها في قوله: إنه كان يعي أن الدخول إلى عالم لويس عوض مسألة محفوفة بالمخاطر والمحاذير،
__________
1 مجلة "حريتي"، العدد الصادر في 29/ 9/ 1415هـ ـ 26 من فبراير 1989م، ص56-57.
(1/228)

فقد مثل -على حد تعبيره- مركز قوة خطيرًا منذ الستينيات، حتى رحيله في التسعينيات. ورأى الناس منه قدرته على تحطيم خصومه، والتنكيل بهم، وفرض هيمنته على معظم الصحف والدوريات والأجهزة الإعلامية، ثم رأى منه الناس قدرته على رفع أنصاره وأتباعه وأشياعه إلى قمة المجد والشهرة، حتى لو لم يكونوا يستحقون، فقط يكفي أن يكون راضيًا عنهم.
وكما ترى، فإن الكتاب يبين عن الأرضية التي ناقش عليها شخصية لويس عوض وأفكاره، وإن أكدّ أنه قدم ما يعتقد من آراء، دون ميل أو هوى قد يسببه خلاف المعتقد أو تغاير الانتماء.
من الصعب أن نعرض لكل القضايا التي آثارها حلمي قاعود في كتابه، لذلك فسنحاول التركيز على بعض تلك القضايا، بما يوضح النظرة الكلية للويس عوض، كما يقدرها حلمي القاعود.
أما المدخل لشخصية لويس عوض، فهو أنه كان ينظر إلى الآخرين. ويتعامل معهم، ويصدر أحكامه عليهم، بقدر اتساق أفكارهم وتصوراتهم مع فكره وتصوارته، ومدى اقترابهم وابتعادهم من تحقيق مصالحه وطموحاته. ذلك ما فعله حتى مع أقرب الناس إليه، سواء أكانوا من أهله أم من أصدقائه.
القاعود يرى مفتاح شخصية لويس عوض في "النرجسية" التي تكرس الأنانية والاستعلاء، وتمجيد الذات، والغطرسة، والادعاء بلا حدود. ويورد القاعود مقولة رشاد رشدي: "إن لويس عوض غالبًا ما يبدأ الكتابة بإصدار أحكام مسبقة يكون مصدرها أوهام عقله، أو متاهات في وجدانه، أو
(1/229)

أغراض له شخصية بحتة، ثم يتبع هذه الأحكام ببراهين وأدلة بعيدة عن الحقيقة كل البعد".
وارتكازا إلى تلك النرجسية، فقد كان حضور لويس عوض في حياتنا الثقافية حضورا قمعيًّا إرهابيًّا، يعتمد على إخلاء الساحة له ولأتباعه، وتفريغها من المخالفين في الرأي والتصور والاعتقاد، وافتعال المعارك الثقافية لإرهاب الآخرين تحت رايات خادعة. أما الذين احتفى بهم لويس عوض على صفحات "الأهرام"، ونشر لهم، فقد كانوا من أشياعه أو حوارييه، الذين آمنوا بفكره، وعلى الأقل لم يعارضوه، أو ارتضوا نصائحه.
أباطيل وأسمار
ولقد كان من أهم المعارك التي خاضها لويس عوض معركته مع العلامة محمود محمد شاكر، حين تصدت مجلة "الرسالة" في عهدها الثاني لأخطاء أدانت بها لويس عوض في مقالات نشرها في "الأهرام"، عن أبي العلاء المعري تحت عنوان "على هامش الغفران"، ودخل العلامة محمود محمد شاكر المعركة بثلاثة وثلاثين مقالًا، جمعها فيما بعد تحت عنوان" أباطيل وأسمار" وذكر شاكر أن لويس عوض لم يقرأ حرفًا واحدًا من شعر أبي العلاء المعري. وإن كان قد قرأ منه شيئًا، أو قرئ عليه، فإنه لم يفهم منه حرفًا واحدًا على الوجه الذي يفهم به الشعر.
الطريف، والمؤسف أن لويس عوض -كما يقول القاعود- لم يحاول الرد على الآراء بآراء مختلفة وصحيحة، لكن شن حملة لتصفية مجلات وزارة الثقافة التي تبنى بعضها مقالات التصدي لأخطائه العلمية. وقد أغلقت المجلات بالفعل فيما عدا واحدة، وسمى لويس إنجازه بمعجزة صيف 1965، وواصل
(1/230)

الرجل حملته -من بعد- فدعا إلى طرد جيوش الدخلاء، وتطهير الثقافة منهم، ورفع أسعار المطبوعات الدورية وغير الدورية التي تصدرها وزارة الثقافة، واستطاع أن يفرض هيمنته على الساحة الثقافية، وحقق من ذلك استفادة شخصية، تمثلت في نشر كتبه بهيئة الكتاب، وحصوله -مقابلا لذلك- على أعلى المكافآت.
وعندما أخذت مجلة "الشعر" التي كانت تصدرها وزارة الثقافة موقفًا من الشعر الحر، شن لويس عوض حملة جديدة، لكنه -كما يشير القاعود- أخفق فيها، وإن أكدّ الكاتب أن المسألة لم تكن خلافًا فكريا بقد ما كانت نزوعًا من لويس عوض إلى التسلط والاستبداد والسيطرة، ليقول ما يشاء، دون أن يرد عليه أحد، أو يصحح له أخطاءه، أو يظهر له خطاياه.
مراجعات
ويلاحظ الكاتب أن تراث لويس عوض في أغلبه مقالات كتبها في "الجمهورية"، "والأهرام"، و"الكاتب"، وغيرها، معظمها يدور حول مراجعات الكتب والدواوين الشعرية، ومتابعات القضايا التي تدور في الواقع الثقافي والاجتماعي، ومن استقراء كتابات لويس في النقد الأدبي يصعب على القارئ تبين فكرة متكاملة توحي بأن الرجل يملك رؤية متكاملة، أو منهجا واضحا، فهو يبدو أقرب إلى الناقد الانطباعي، لا تحليل ولا تعليل، إنما تقرير وأحكام لا ترد.
لقد انتقد أحمد شوقي وعزيز أباظة -على سبيل المثال- بسبب عدم إدراكهما -في تقديره- للفارق بين الشعر المسرحي والمسرح الشعري. وأهمل دورهما كرائدين للمسرح الشعري، وانتقد نازك الملائكة لتصورها لشعر التفعيلة،
(1/231)

واتهمها أنها من شعراء اليمين المتطور الذكي، الذين يحاولون منع ظهور الجديد بتبني شعاراته. كذلك فقد حاول لويس عوض أن يفسر العديد من الأعمال بما يرضي توجهه الديني؛ مثل رواية "الطريق" لنجيب محفوظ، وبعض قصائد صلاح عبد الصبور، ثم ينصب عبد الصبور أميرًا للشعراء خلفًا لشوقي، "لقد أثبت صلاح نهائيا، وبما لا يدع مجالا للشك أن عمود الشعر الجديد قد أقيم، وأن أنقاض ذلك المعبد الأثير الذي انهار بموت شوقي قد أزيلت، وارتفع مكانها البناء الجديد".
ويلاحظ القاعود أن لويس عوض يسرف في استخدام أفعل التفضيل، وهو ما يمثل خطورة كبيرة؛ لأنه يغلق الطريق على الأجيال التالية، وقد ينتقص الإنجازات السابقة. ويرتبط بالأحكام العامة لدي لويس عوض "أنه ليس في جيل الستينيات غير الأديبين محمد يوسف القعيد وجمال الغيطاني". وهو قول فيه الكثير من الخطأ ومجافاة الصواب، لأن في هذا الجيل -والقول للقاعود- من هو أفضل منهما وأكثر أهمية، ومع ذلك فقد هاجم لويس هذين الأديبين -تحديدًا- فيما بعد لأسباب شخصية.
أما آراء لويس عوض في اللغة، فهي تذهب إلى أن التمسك باللغة العربية من بواعث تأخرنا الاجتماعي، وزعم أن للمصريين لغتهم الشعبية الخاصة التي اصطنعوا منها أدبًا شعبيًّا لا بأس به، وتلك اللغة الشعبية المزعومة لدى لويس عوض هي اللهجة العامية التي تختلف -في زعم لويس- عن العربية الحقة في ألف بائها، ونحوها وصرفها، وصيغ ألفاظها، وعروضها.
أما لويس عوض المترجم، فإن أسلوبه في الترجمة -كما يقول القاعود- لا
(1/232)

يختلف كثيرًا عن أسلوبه العربي الذي يكتب به، ضعيف تركيبيًّا، بعيد عن صياغة البيان العربي، مليء بالأخطاء اللغوية، بل إن ترجماته -أحيانًا- لا تطابق النصوص التي ترجمها!
ترجمة ذاتية
ويعد حلمي القاعود الرواية الوحيدة التي كتبها لويس عوض "العنقاء" "أو تاريخ حسن مفتاح" ترجمة ذاتية لمؤلفها: ثمة كثير من التشابه بين الشخصيات والأحداث والزمان والمكان، مع الاختلافات التي تفرضها طبيعة العمل الروائي، إنها وثيقة مهمة تفضح دموية الشيوعيين المصريين، ووسائلهم الخادعة لتحقيق أهدافهم، لكنها -في الوقت نفسه- تثير التعاطف معهم، وتسوِّغ إجرامهم الدامي، أما البناء الروائي فهو مجرد ذكريات، حاول لويس عوض أن يربطها ليصوغ منها رواية حول الشيوعية والشيوعيين في مصر. لذلك فإن الكاتب يعدها مجرد تجربة زاعقة بآراء لويس عوض وأفكاره أكثر منها رواية حافلة بالتعبير الفني والأدبي، ولم تضف إلى فن الرواية جديدًا.
أما لويس عوض شاعرًا، فإن حصاده الشعري يكاد يخلو من العاطفة الحقيقية، وينبض بالعقلانية غير المنطقية التي تدور في إطار ديني مليء بهواجس الإلحاد، والتطاول على الذات الإلهية، مع خيالات جنسية فجة وقبيحة.
يبقى من لويس عوض المبدع: الكاتب المسرحي. وقد صدر له "الراهب" و"محاكمة إيزيس". فضلًا عن كتاب "المحاورت الجديدة" الذي يعتمد على الحوار بين العديد من الشخصيات التي ترتدي أقنعة. أما "الراهب" فهي
(1/233)

تحمل رفضًا لمبدأ الوحدة العربية، وقد كتبها لويس عوض أثناء الوحدة بين مصر وسوريا، وعمومًا، فقد أخفقت المسرحية في تقديم عمل فني له قيمة كبيرة، بسبب نظرة مؤلفها الضيقة، وأما "محاكمة إيزيس" -كما يرى القاعود- فهي تعالج قضايا عديدة، لم تستطع أن تبلورها في مقدمات ونتائج. إنها أقرب إلى الخواطر والمشاعر منها إلى البناء المسرحي الحقيقي، وبالنسبة لكتاب "المحاورات الجديدة"، فإنه يحفل بالهجاء -وليس الرد العلمي- على مقالات مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" في فترة الستينيات، والتي كشفت قصوره العلمي.
مواقف سياسية
أما لويس عوض سياسيًّا، فإن آراءه وتصرفاته تنفي ما أعلنه من أنه لا يكتب في السياسة، ومواقفه محكومة بروحه الطائفية المتعصبة التي تتناقض مع روح المسيحية السمحة فضلًا عن روح العلم والقيم الإنسانية. إنه لم يكن منصفًا في أيٍّ من مواقفه السياسية. برغم الدعاوى العريضة التي تحدث فيها عن الحرية والديمقراطية والإنسانية والعلمانية أيضًا!
ويناقش القاعود لويس عوض في مواقفه من العديد من المفكرين العرب. يفندها أو يعارضها، فلويس عوض يرد منجزات "ابن خلدون" إلى الفكر الغربي، بدلًا من أن يرد منجزات الفكر الغربي إلى "ابن خلدون" ومن سبقه من علماء المسلمين. وبالنسبة لرفاعة الطهطاوي، فإن لويس عوض يسلبه شرف الإبداع والريادة، حين يرد إنجازاته إلى السادة الفرنسيين، ثم يلوي أفكار رفاعة وآراءه ليشوهه. ويحمله ما لا يحتمل، ويوجه لويس إلى شخصية "جمال الدين الأفغاني" طعنات قاسية، فيتحول في قلمه إلى أفّاك غامض، وعميل رخيص للاستعمار الإنجليزي، وفي المقابل، فإن لويس عوض يسبغ صفات الوطنية
(1/234)

على المعلم "يعقوب" الذي خان وطنه، ثم آثر الرحيل مع القوات الفرنسية المسيحية، خوفًا من انتقام الوطنيين المصريين.
أما آخر فصول الكتاب، فإن الكتاب يناقش في كتابات لويس عوض في الإسلام والعروبة، والتي تتلخص في الإصرار على استبعاد الإسلام من الواقع والحياة العملية، وهو -في آرائه- يغالط ولا يطرح القضايا طرحًا علميًّا. ولا يتقصى الأسباب الحقيقية للمشكلة.. أية مشكلة!..
والكتاب -في مجمله- يفجر الكثير من القضايا المهمة التي أثق أنها ستعيد طرح كتابات لويس عوض على الساحة الثقافية، ما لها وما عليها، وجوانب الصواب والخطأ فيها.
ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي:
1- أنها تتناول كتابًا قد ظهر حديثًا.
2- أن الكتاب -الذي تتناوله المقالة- يعيد النظر في ناقد شهير، برؤية علمية، وأن مؤلف الكتاب أستاذ جامعي، لم تخدعه شهرة "لويس عوض" فأعاد النظر في قراءة كتبه، ودرس مواقفه النقدية.
3- إن كاتب المقالة وضع عناوين فرعية بخط أسود كبير ليشوق القارئ إلى مطالعة مقالته، وهذه هي العناوين التي نشرت في الصفحتين اللتين نشرت المقالة فيهما:
أ- لويس عوض نرجسي.. يكرِّسُ الأنانية والاستعلاء، والادعاء بلا حدود.
(1/235)

ب- ناقد انطباعي.. لا يملك روية متكاملة، ولا منهجًا واضحًا.
جـ- فرض نفسه بالقمع والإرهاب على الساحة الثقافية.
د- مواقفه السياسية محكومة بروح الطائفية المتعصبة التي تتنافي مع روح المسيحية السمحة.
هـ- حصاده الشعري هزيل، بلا عاطفة، مليء بهواجس الإلحاد والتطاول على الذات الإلهية، والخيالات الجنسية الفجة.
4- العناوين الفرعية السابقة تضم الفكر الرئيسي للمقالة.
5- لم يُبْدِ كاتب المقالة رأيه موافقةً أو اعتراضًا، فهذا دور المقالة النقدية.
(1/236)

هـ- مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية":
من أنواع المقالات الصحفية المستحدثة مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية"، وفيها يقوم الكاتب بتلخيص ندوة، أو محاضرة، أو درس شاهده، وينبغي أن يتوافر فيها ما يأتي:
1- يقظة الكاتب، وقدرته على الإحاطة بالموضوع المطروح، وقضاياه الرئيسية، وأفكاره الجزئية.
2- قدرته على التلخيص والاختزال، فما يقال في ندوة في ساعتين يكتبه في عدد قليل من الصفحات، مع عدم الإخلال.
3- قد يكون لكاتب المقالة رأيه فيما يتابعه، أو ينقله، موافقة وتأكيدًا، ونقدًا وتفنيدًا.
(1/236)

4- لا ينبغي أن يوجزها كاتبها إيجازًا مخلًّا بالأفكار، أو مشوِّهًا للحقائق.
5- أن يضع عناوين لموضوعه تجمع بين نقل الحقيقة، وجذب القارئ.
ومن كتاب مقالة المتابعة: أحمد فضل شبلول، الذي نقدم له هنا متابعة لمحاضرة أقامها النادي الأدبي بالرياض، للدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم عن المفكر الهندي المسلم"شبلي النعماني"، وهذا نصها.
"شبلي النعماني" في النادي الرياضي بالرياض1
للأستاذ:أحمد فضل شبلول
ضمن نشاطه المنبري لهذا الموسم استضاف النادي الأدبي بالرياض مساء الثلاثاء 13/ 10/ 1415 هـ الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم الأستاذ بعمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ليتحدث عن "الاتجاه الإسلامي في أدب شبلي النعماني"، وقد حظيت المحاضرة بحضور عدد من أساتذة الجامعة والأدباء لا بأس به، شارك بعض منهم في إبعاد الشك الذي ألقاه المحاضر حول الدكتور محمد حسين هيكل وكتابه "الفاروق" عمر بن الخطاب، والشبه التي حامت حول كتاب "حياة محمد".
فما علاقة شبلي النعماني بمحمد حسين هيكل ومؤلفاته؟ وكيف تطرقت المحاضرة التي أدارها الدكتور عزت خطاب إلى هذه الأمور؟
في البداية قدم المحاضر تعريفًا بالأديب والشاعر الهندي "شبلي النعماني" فقال: ولد محمد شبلي النعماني عام 1273هـ/ 1857م في أعظم كره بالهند ـ ودرس اللغة العربية والفارسية واهتم بدارسة الحديث والفقه، وسافر للحج
__________
1 جريدة "الجزيرة"، العدد "8220"، الصادر في 1/ 11/ 1415 هـ-1/ 4/ 1995م، ص12.
(1/237)

وهو في التاسعة عشرة، وشارك في حركة عليكره، فعمل أستاذًا للعربية والفارسية، ثم انتقل إلى لكهنو واشترك في تأسيس ندوة العلماء ودار المصنفين. وقد اهتم شبلي بإصلاح نظام التعليم في المدارس العربية الإسلامية، ورد على جرجي زيدان في كتابه "التمدن الإسلامي" ونشرت مقالاته بالعربية في "المنار" التي كان يديرها محمد رشيد رضا، وهو بالإضافة إلى هذا كتب الشعر بالعربية والفارسية والأردية، ومن مؤلفاته بالأردية: المأمون، الفاروق، سيرة النعمان، سيرة النبي "جزءان". ويتضح الاتجاه الإسلامي في مؤلفاته النثرية والشعرية بجلاء.
وقد أوضح المحاضر د. سمير عبد الحميد أن عام ميلاد النعماني 1857م يعد عامًّا مشهودًا في تاريخ الهند لأنه عام الثورة التي قام بها المسلمون ضد الإنجليز، وأنه توفي في بداية الحرب العالمية الأولى 1914م/1332هـ.
كما تطرق المحاضر إلى أن الرجل غير معروف في العالم العربي، كما أنه غير معروف لدارسي الآداب الشرقية، وأنه لم يكتب عنه شيء باللغة العربية، وأنه ساعد من خلال كتاباته ومؤلفاته على إرساء التقاليد الأدبية للغة الأردية، حيث كانت الكتابة الأدبية قبله تعتمد على الفارسية. وقد ساعدت الظروف التي مر بها شبلي النعماني ومرت بها الهند عمومًا على تكون فكره وأدبه، ولعل من أهم هذه الظروف: الثورة التي قام بها المسلمون في الهند ضد الإنجليز، وموجة الاضطهاد الواسعة التي شنت ضد هؤلاء المسلمين. لذا فقد طالب شبلي النعماني بإعادة كتابة تاريخ الهند مرة أخرى، وإلقاء الضوء على دور المسلمين.
__________
1 مجلة "حريتي"، العدد الصادر في 29/ 9/ 1415 هـ -26 من فبراير 1989م، ص56-57.
(1/238)

لقد ولد شبلي النعماني وتربى في مدرسة دينية صغيرة، ثم أرسله أبوه إلى شيخ يعلمه اللغة العربية، ثم تعلم الفارسية، وعندما جاء للحج وهو في التاسعة عشرة من عمره راح يبحث في مكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة فوجد كتبًا لم تكن موجودة في الهند عن الحديث النبوي، كما أنه راح يبحث عن الكتب التي تتحدث عن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ثم انكب على الكتابة عن رحلته إلى الحج.
وفي حديث المحاضر عن شبلي النعماني أوضح أن الرجل كان سلفيًّا وأنه بدأ يتصل بسيد أحمد خان وزامله لمدة 16عامًّا ثم اختلف معه وتركه لانحرافه العقدي ثم ذهب إلى تركيا والشام ومصر لدراسة نظام التعليم بتلك الدول وتطبيقه في الهند.
وفي مصر مكث فترة طويلة زار فيها الأزهر وقابل الشيخ محمد عبده. ورغم أنه كتب كتابة طيبة عن مصر فإن نظام التربية في الأزهر لم يكن يعجبه -كما لم يعجب محمد عبده أيضًا- كما لم يعجبه أيضًا نظام التعليم، حيث لا توجد سنوات دراسة متدرجة بالأزهر، إلا أن نظام كلية دار العلوم التي أسسها علي باشا مبارك قد أعجبه، وأعجبه أكثر أن الأساتذة في تلك الكلية لم ينقلوا من كتب وإنما كانوا ينقلون من صدورهم "فكأنما العلم مطبوع في صدورهم وقلوبهم" كما زار شبلي في مصر المسرح وقال: "إن الذهاب إلى المسرح يتعارض مع الوقار والاحترام".
ثم انتقل المحاضر إلى الحديث عن أدب شبلي النعماني فأوضح أنه كما يقول شعرا مرتجلًا باللغة العربية وكان يتحدث فيه عن الأمة الإسلامية.. وهنا يتحدث المحاضر عن أن الشعر العربي في الهند يحتاج إلى دراسة وليس في الهند
(1/239)

فحسب، ولكن في المهجر الشرقي بعامة، وبالإضافة إلى الشعر، فقد كتب شبلي رسالة نثرية بالعربية عنوانها "إسكات المعتدي"، كما أبدع نثرًا عربيًّا في جامعة عليكره، وكتب عن الجزية في الإسلام، ونقد كتاب "التمدن الإسلامي" لجرجي زيدان، وكان على صداقة بالشيخ رشيد رضا صاحب "المنار"، وعلى الرغم من ذلك فقد تردد رشيد رضا في نشر ما كتبه شبلي عن "التمدن الإسلامي"، ومن وجهة نظر شبلي فإن العلماء في مصر ـ في ذلك الوقت ـ كانوا يخافون من جرجي زيدان، ولكن رشيد رضا انتصر على تردده وحرجه ونشر ما كتبه شبلي، ثم رد عليه زيدان فيما بعد. وبالإضافة إلى ردود شبلي على جرجي زيدان فإنه كان يقوم بالرد على عدد من المستشرقين وبخاصة في كتابه عن الفاروق.
وهنا يفجر المحاضر قنبلة تتعلق بالدكتور محمد حسين هيكل وكتابه "الفاروق" حيث يشك د. سمير عبد الحميد في أن هيكل عندما كتب عن الفارق رجع إلى كتاب "الفاروق" الذي كتبه بالإنجليزية ظفر خان، وذلك في الجزء الأول، وبنظرة إلى تسلسل الفصول في كلا الكتابين يقوم الشك، أما الجزء الثاني من كتاب "الفاروق" لمحمد حسين هيكل فإن المحاضر يشك بأنه مأخوذ عن شبلي النعماني.
وفي نهاية المحاضرة عرض المحاضر لنماذج من شعر النعماني، حيث يظهر أدبه في الشعر أكثر من النثر، كما يتضح الاتجاه الإسلامي أكثر في هذا الشعر.
ويعلن المحاضر أسفه لانتهاء الوقت المخصص للمحاضرة دون أن يتناول الكثير مما رتبه للحديث عن شبلي النعماني، وبخاصة دوره في تأسيس ندوة العلماء في الهند، وما كتبه عن محنة البلقان "البوسنة والهرسك الآن".
(1/240)

بعد ذلك فتح الدكتور عزت خطاب الباب للمداخلات والتعليقات والإضافات، فكان أول المتحدثين الشيخ عبد الله بن إدريس -رئيس النادي الأدبي- فشكر المحاضر وطلب منه استكمال مشواره عن شبلي النعماني بتأليف كتاب عنه، كما طلب منه أن يحيل شعر الشبلي غير العربي إلى شاعر يعيد صياغة هذا الشعر، وهنا تقدم الدكتور الشاعر حسين علي محمد بقصيدة عنوانها "العيد" قام بصياغتها شعرًا عن قصيدة مأخوذة عن شبلي النعماني ترجمها المحاضر.
أما الدكتور عبد الحميد إبراهيم فبعد أن أشاد بالمحاضر والمحاضرة، توقف عند شك المحاضر في كتاب الفاروق لمحمد حسين هيكل، وأوضح أن د. هيكل لم تكن لغته الأجنبية الأولى الإنجليزية، بل كانت الفرنسية، وأن النظر إلى فهرست الكتابين لا يقيم دليلًا على السرقة. وأن هيكل لا يحتاج إلى النقل من شبلي ولكن إذا أراد أن ينقل من الكتب فلديه كتب أخرى بالعربية. وألمح د. عبد الحميد إبراهيم إلى أن المقارنة بين كتابين تحتاج إلى وسائل وإثباتات علمية لم يقدمها المحاضر.
أما الدكتور زكي إسماعيل فقد توقف عند أمر مهم للغاية وهو فكرة شبلي النعماني وحديثه عن الأزهر وطلابه في سلوكهم اليومي، فقال: من المعروف أن الأزهر قدم عظماء للعالم الإسلامي كله، وأن انتقاد النعماني للأزهر لم يكن له أي أساس من الصحة، لأن الأزهر في ذلك الوقت كان يقوم على طريقة الأعمدة، فكل معلم يأخذ عمودًا ويدرس لطلابه الذي يتقدمون للعلم من تلقاء أنفسهم، وأن نظام السنوات المتدرجة لم يكن مطبقًا في ذلك الوقت الذي زار فيه شبلي الأزهر، وأنه لا يصح أن نقف عند حديث النعماني في ذلك.
(1/241)

الخصوص، أما الجانب الآخر فإن جامعة عليكرة بالهند حولها الكثير والكثير من الشبهات، وأنها جامعة علمانية، تبتعد عن الإسلام، وآمل أن يلقي د. سمير ظلالًا حول هذا الموضوع.
ثم تقدم بعد ذلك الأستاذ راضي صدوق ليعزز شكه في هيكل بشك آخر في كتاب "حياة محمد"، فقد حدثه الأستاذ عادل زعيتر "يرحمه الله" بأنه عندما قرأ كتاب "حياة محمد" لهيكل تذكر كتابًا باللغة الفرنسية يحمل العنوان نفسه لكاتب فرنسي "لم يذكر اسمه" وأنه قارن بين الكتابين، وأراد أن يكشف سرقة هيكل بأسلوب العلماء، فترجم الكتاب من الفرنسية إلى العربية، فإذا هذا من ذاك. "ولكن أين الكتاب؟ ومن هو مؤلفه؟ ". وتساءل الدكتور السيد الشاهد: هل كتب شبلي النعماني عما فعله الإنجليز في المسلمين بالإنجليزية؟ وأضاف أن الكتابة بالعربية معروفة، فالمآسي نعرفها، والأولى بمعرفتها هم الأوروبيون. أما محاولة سيد أحمد خان -التي تحدث عنها المحاضر- في نقل الثقافة الإنجليزية إلى الهند دون نقل الدين، فإنها تسير بشكل متطابق مع ما قام به الغرب في العصور الوسطى بنقل العلوم الإسلامية دون الأخذ بالدين الإسلامي. وفي كلتا الحالتين فالنتيجة واحدة وهي "العلمنة"، ثم تساءل د. الشاهد: هل يوجد أوجه شبه بين سيد أحمد خان وطه حسين؟.. و.. ألم يكن لأي مستشرق من المستشرقين تأثير يمكن أن يسمى تأثيرًا إيجابيًّا على شبلي النعماني ومن عاصروه؟
أما د. عبد القدوس أبو صالح فقال: إن هناك قممًا عالية تضم عباقرة من الأدباء المسلمين من غير العرب لم يتم التعريف بهم. وكفانا تعريفًا بأدباء المهجر الذين أخذوا حظًّا أوفر. وطالب د. عبد القدوس إدارة النادي بإعطاء
(1/242)

المحاضر وقتًا أطول فالموضوع جيد يجب ألا يحد بوقت معين. كما أشاد بتمكن المحاضر من موضوعه، وعفويته في الإلقاء.
ثم تحدث بعد ذلك د. حلمي القاعود فقال: كنت أنتظر أن يركز المحاضر على عنوان المحاضرة "الاتجاه الإسلامي في أدب شبلي النعماني"، ولكن مشكلة الوقت التي تحدث عنها د. عبد القدوس اضطرت المحاضر إلى تقديم نماذج قليلة من إبداعات شبلي النعماني. وآمل أن يقوم النادي بطباعة المحاضرة لنستفيد مما جاء فيها. أما عن رأي القاعود في التشكيك في مؤلفات د. محمد حسين هيكل فأوضحه بقوله: إنني أربأ بالمتحدثين أن يقيموا حفلًا على لصوصية هيكل، فهيكل لم يكن محتاجًا لأن ينقل عن الغرب، وأزعم أن هيكل ألف أول بحث علمي في كتابة السيرة، رغم المأخذ التي أخذت عليه، لذا يجب أن نتريث كثيرًا عند اتهامه باللصوصية أو السرقة.
أما د. أحمد الحسيسي فرغم أنه متخصص في الفارسية إلا أنه استفاد كثيرًا من المحاضرة التي أضافت إليه جديدًا في معلوماته عن شبلي النعماني، ثم أعلن تأييده لما قاله د. زكي إسماعيل من قبل.
ثم تحدث بعد ذلك د. حسين نصار فقال: إنني لن أتكلم عن المحاضرة التي أقر أنني على الرغم من اتصالي بالتراث الهندي فإنني عرفت منها أشياء كنت أجهلها، غير أنني أتوقف عند فكرة سرقة كتاب الفاروق، فالسرقات لها معايير ولا صلة لها على الإطلاق بالعنوان، فتشابه العنوان أو تطابقه، وأيضًا قائمة المحتويات لا يقيم دليلًا على سرقة.
ثم أعطى الدكتور عزت خطاب الميكروفون للمحاضر كي يرد على المداخلات والتعليقات والتساؤلات والاعتراضات. وكان أول رد للدكتور سمير
(1/243)

عبد الحميد هو ما يتعلق بموضوع سرقة د. هيكل فأوضح أن هيكل ذكر ثبتًا للمراجع الإنجليزية في نهاية كتابه عن الفاروق، ولكن على أية حال فإن هذا لم يعزز الاتهام. وتساءل عن الترجمة العربية لكتاب ظفر خان وقال: إنها مفقودة. ثم علق المحاضر على شكه بقوله: إن هيكل وشبلي التقيا في الحجاز كما التقى كل من ظفر خان وهيكل، وإن ظفر خان أعطي نسخة من كتابه عن الفاروق مكتوبة باللغة الإنجليزية للدكتور هيكل أثناء زيارته للحجاز، لكن يجب البحث والتقصي للوصول إلى الحقيقة، وإن كل حديثي مجرد شك فحسب.
أما بخصوص كلام الشبلي عن الأزهر فإنه لم يكن موجهًا للأزهر نفسه، ولكن لم تعجب شبلي طريقة التربية في الأزهر، وهذه غيرة منه على الأزهر، وأنا مع شبلي في هذا.
كما أوضح المحاضر أن شبلي لم يكتب عن واقع المسلمين باللغة الإنجليزية وأنه استفاد من المستشرقين، وتعلم عن توماس أرنولد منهج البحث.
أما بخصوص أوجه الشبه بين طه حسين وسيد خان في حركة عليكرة فإن الاثنين يختلفان تمامًا عن بعضهما البعض.
واختتم د. سمير عبد الحميد ردوده بقوله: إن د. حلمي القاعود محق في كلامه عن عنوان المحاضرة، ولكن الوقت لم يسمح ببيان روعة شبلي في أدبه الإسلامي، كما أنني لم أتحدث عن دور شبلي النعماني في ندوة العلماء.
(1/244)

ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي:
1- أن كاتبها أجاد عرض المحاضرة، وتلخيصها، والأجواء التي تمت فيها.
2- وضع عناوين مثيرة له لتجذب القارئ، غير العنوان الرئيسي ومنها:
أ- المحاضر يتهم الدكتور محمد حسين هيكل بسرقة كتاب "الفاروق"، والمعلقون يدافعون.
ب- "النعماني" يرسي التقاليد الأدبية للغة الأردية.
جـ- النعماني ينتقد نظام التربية والتعليم بالأزهر، ويبدي إعجابه بكلية دار العلوم.
د- علماء مصر كانوا يخشون جرجي زيدان!
(1/245)

خصائص المقالة الأدبية
مدخل
...
رابعًا- خصائص المقالة الأدبية
يمكن أن نجمل العناصر الرئيسية للمقالة الأدبية فيما يلي:
1- صدق إحساس الكاتب.
2- الأصالة بمعنى التعبير المبتكر عن الذات.
3- وجهة نظر خليقة البروز والعرض.
4- جمال التعبير.
5- قوة الإثارة، والإمتاع "العرض الجيد"1.
صفات المقال الجيد
1- صدق إيمانه بما يكتب، وحرارة عاطفته لموضوعه.
2- أن يكون متمتعًا بالذوق اللغوي الممتاز في إلباس المعاني الألفاظ المناسبة، ووضع الألفاظ في أماكنها الملائمة.
3- أن تكون لديه روح الملاحظة الذكية التي ترصد ما حولها، ثم تختار ما تراه جديدًا بالتعبير عنه من مظاهر الحياة، وشئون الكون، وتجارب الآخرين.
4- ألا يكون صوت كاتب المقالة صدى لأصوات أخرى، بل يكون تناوله لموضوعاته في المقالة تناولًا حرًّا مستقلًّا.
5- التريث في الكتابة، حتى ينأى الكاتب بقلمه عن تقديم النتاج الفج المتعجل.
__________
1 د. عطاء كفافي: المقالة الأدبية ووظيفتها في العصر الحديث، ط1، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة 1405-1985م، ص17.
(1/246)

6- الملائمة بين أسلوب الكاتب وتفكير القراء، فكاتب المقالة الأدبية يحس وجود قرائه معه وهو في عزلته يكتب على مكتبه، وكأنه يتحدث إلى هؤلاء الآلاف من القراء؛ يعرف مشكلاتهم، ولا تغيب عنهم أمانيهم.
7- الملاءمة بين أسلوب الكاتب وروحه، حتى تكون الكلمة المكتوبة انعكاسًا صادقًا لنفسه الصادقة.
8- مراعاة الكاتب الاقتصاد في الكتابة مع الوضوح فيها، ويتحقق هذان العنصران بإيراد الكلمات المفهومة، والتراكيب النحوية السلمية، حتى لا يستنفد جهد القارئ في تفسير الكلمات، وتوضيح التراكيب النحوية1.
نماذج للمقالة
وفي نهاية هذا الفصل نقدم لك خمسة نماذج للمقالة، للتحليل، على ضوء القراءة فيما سبق:
__________
1 انظر المرجع السابق، ص20 فما بعدها.
(1/247)

1- فرعونيون وعرب للأستاذ أحمد حسن الزيات 1
عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربًا من غير جند.
حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيًّا يجادل في الدجاجة والبيضة، أيتهما أصل الأخرى؟ فقال على هذا القياس: أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيمها على العربية؟
نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أعطي أَزِمَّةَ النفوس وأَعِنَّةَ الأهواء، يقول لها كوني فرعونية فتكون، أو كوني عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أوثلاثة من رجال الجدل وساسة الكلام، فبسطوه في المقالات، وأيدوه بالمناطرات، ورددوه في المحادثات، حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وأن ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مسلات، والمساجد معابد، والكنائس هياكل، والعلماء كهنة.
مهلا بني قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق، ورويدا بني عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن إلى القرابة! إن الأصول والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم وفوق الطاقة، فإذا قلنا فلان عربي أو فرنسي أو تركي، فإنما نعني بهذه النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب.
__________
1 أحمد حسن الزيات: وحي الرسالة، ط8، نهضة مصر، د. ت، ج1، ص49-52.
(1/248)

كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين. فمهيار عربي وأصله فارسي، وروسو فرنسي وأصله سويسري، والأمير فلان مصري وأصله تركي؛ لأن كلا من هؤلاء الثلاثة أصبح جزءًا من شعبه، ينطق بلسانه ويفكر بعقله ويشعر بقلبه.
فبأي شيء من هذا يتمارى أخواننا الجدليون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تشرق في قلوبهم دينًا وتسري في دمائهم أدبًا، وتجري على ألسنتهم لغة، وتفيض في عواطفهم كرامة ... ؟
لا نريد أن نحاجهم بما قرره العلماء المحدثون من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية، فإن هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع به الجدل.. وكفى بالواقع المشهود دليلًا وحجة. هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشرة قرنًا وثلثًا من التاريخ العربي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال.. وذلك ماضي مصر الحي الذي يصبح في الدم، ويثور في الأعصاب، ويدفع بالحاضر إلى مستقبل ثابت الأس، شامخ الذرى، عزيز الدعائم.
أزهقوا إن استطعتم هذه الروح، وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي، ثم انظروا ما يبقى في يد الزمان من مصر. هل يبقى غير أشلاء1 من بقايا السوط، وأنضاء2 من ضحايا الجور، وأشباح طائفة ترتل "كتاب الأموات"، وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات، وقبور ذهبية.
__________
1 الأشلاء جمع شلو وهو العضو بعد البلى والتفرق.
2 الأنضاء جمع نِضو وهو المهزول.
(1/249)

الأحشاء ابتعلت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض، وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك إلا الماضي الأبعد الذي تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة، تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيرًا بروحه؟ ولكن أين تحسون بالله هذه الروح؟ إن أرواح الشعوب لا تنتقل إلى الأعقاب إلا في نتاج العقول والقرائح. فهل كشفتم بجانب الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان، وشعر كشعر العرب؟ أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة، وصحائف موت ذهب سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث حياة، والجامد لا يلد حركة؟
لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلًا من كتاب المجد العربي؛ لأنها لا تجد مددًا لحيويتها، ولا سندًا لقوتها، ولا أسسًا لثقافتها، إلا في رسالة العرب. أما أن يكون لأدبها طابعه ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شأن "لمينا" ولا "ليعرب" فيه؛ لأن الآداب والفنون ملاكها الخيال. والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر، فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحه وروح البيئة فاتته الصبغة المحلية، وهي شرط جوهري لصدق الأسلوب وسلامة الصورة. وقديمًا كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام، وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به أثر؟
انشروا ما ضمت القبور من رفات الفراعين، واستقْرُوا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقي في يده من أكفان الماضي.
(1/250)

الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن ضخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائمًا أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وأن اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وأن القيثار الذي توقعون عليه ألحان النيل هو قيثار امرئ القيس، وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر وأجدى على الناس من صفائح الذهب وجنادل الحجارة.
إنما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليقة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع. أليس"الخزان" خيرًا من الكرنك، والأزهر أفضل من الأهرام، ودار الكتب أنفس من دار الآثار؟
وبعد فإن ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية1، وفي أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوروبية الخالصة. أما ثقافة "البردي" فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط.
__________
1 انظر نقدًا لهذه الفقرة في التعليق الذي يأتي عقب المقالات.
(1/251)

2- فلسفة القصة1 للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
لم أكتب في القصة2 إلا قليلًا، إذا أنت أردت الطريقة الكتابية المصطلح على تسميتها بهذا الاسم، ولكني مع ذلك لا أراني وضعت كل كتبي ومقالاتي إلا في قصة بعنيها، هي قصة هذا العقل الذي في رأسي، وهذا القلب الذي بين جنبي..
أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكّن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا؛ ثم إنه يخيل إلىّ دائمًا أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدًا في موقف الجيش "تحت السلاح": له ما يعانيه وما يلكفه وما يحاوله ويفي به، وما يتحاماه ويتحفظ فيه، وتاريخ نصره وهزيمته في أعماله دون سواها؛ وكيف اعترضت لجيش رأيته فنَّ نفسه، لا فنك أنت ولا فن سواك؛ إذ هو لطريقته وغايته وما يتأدى به للحياة والتاريخ.
ألا ترى أن تلك الروايات توضع قصصًا، ثم تقرأ فتبقى قصصًا؟ وإن هي صنعت شيئًا في قرائها لم تزد على ما تفعل المخدرات؛ تكون مسكنات عصبية
__________
1 مصطفى صادق الرافعي: وحي القلم، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت، ج3، ص257، 258.
2 وجه إلينا سؤال: لماذا لا تكتب في القصة؟ وكان هذا قبل أن نكتب مقالاتنا في مجلة "الرسالة"، فرددنا بهذا الرد.
(1/252)

إلى حين، ثم تنقلب هي بنفسها بعد قليل إلى مهيجات عصبية؟
وأنا لا أنكر أن في القصة أدبًا عاليًا، ولكن هذا الأدب العالي في رأيي لا يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربى الأطفال على أسلوب سواء في العلم والفضيلة، فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون، وطريقة ممحصة، وغاية معينة، ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها الحياة، والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم قوة الترجمة عما بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع فتضع أصح قوانينها.
وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص، فهم في الأدب رعاع وهمج، كان من أثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز، هذه الفوضى الممقوتة التي لو حققتها في النفوس لما رأيتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها النفس مشردة في طرق رذائلها.
إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو، تنتهي الأولى فيك بأثرها السيئ، وتبدأ الثانية منك بأثرها الطيب، وهذا عندي هو فرق ما بين فن القصة، وفن التلفيق القصصي!!
(1/253)

3- أمي لعبد العزيز الرفاعي1
كنت في أؤخر كتابة هذا المقال من حين إلى حين.. وربما لأكثر من سبب، لعل منها أنني لا أجد في نفسي الشجاعة الكافية لاسترجاع ذكرى تلك اللحظة المؤلمة التي تلقيت فيها نبأ وفاة والدتي، فشعرت شعورًا حادًّا أنها لحظة فطام مريرة، ولكنها شدة ما تختلف عن ذلك الفطام القديم.. حقًّا إنني الآن أفتقد حنانها فقدانًا لا رجعة فيه ما دمنا في هذه الحياة الدنيا.
ولعل منها أنني لا أجد هذه الكلمات التي أستعملها كلما عمدت إلى إعداد مقال ما، لا أجدها تطاوعني على التعبير الدقيق عن حقيقة مشاعري تجاه هذا الحدث الكبير، فليس من السهل أن يعبر كاتب مهما أوتي من بلاغة التعبير عن مرارة فقدان ذلك النهر الدافق من الحنان الذي كان ينهمر من ذلك الصدر الحنون.
ولعل منها، أنني كثيرًا ما تساءلت: وماذ يهم القارئ خاصة في هذا العصر العجيب المضطرب بالأحداث أن أحدثه عن أشجاني الخاصة، مع ما يغلف هذا الحديث من مرارة، ومع ما يطفح به العالم من أحداث مؤلمة تملأ النفس أسًى وشجنًا.. أليس من تلك الأحداث الكفاية؟
ومع وجاهة هذا السبب الأخير، فقد كنت أحاول أن أجد له مسوغًا.. أليس في كثير مما يكتب الكتاب أحاديث ذاتية، تدور حول ذواتهم
__________
1 عبد العزيز الرفاعي، أمي، المجلة العربية، العدد "178"، شعبان 1413هـ، ص54 فما بعدها.
(1/254)

وخصوصياتهم وأشجانهم؟ وقد وجد عشاق الأدب في هذه الخصوصيات أصداء لمشاعرهم، إلى المتعة الأدبية، وإلى جوانب من الإبداع، ترضي النفس والقلب والعقل؟
وأبادر فأقول: إنني لست من هؤلاء القادرين على الإمتاع والإبداع، ولكنني أجد في مثل هذه النفثات راحة نفسية هي راحة الإفضاء، وأحسبني أجد في هذه النفثة شيئًا آخر يهمني جدًّا، هو أن تكون أيضًا تحية لروح والدتي، التي جاهدت كثيرًا، واحتملت كثيرًا، وضحت كثيرًا، لكي يكون هذا القلم الواهن قادرًا على شيء من التعبير.. إذن فلتكن هذه الكلمة لمسة وفاء معلنة لها.
ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن تكون أمي قد روضت حروفي ... كلا.. فلم تكن قد نالت حظًّا من التعليم، فشأنها في ذلك شأن جيلها، الذي لم يتجاوز الكتاب الذي حفظت فيه بعض قصار السور، ثم انبترت صلتها بالحرف، فلم تعد تدرك منه شيئًا، وإن ظلت طوال حياتها المديدة وثيقة الصلة بثقافة السماع، تأخذ وتروي، وقد تبدع.
لقد روضت قلمي بمؤازرتها الفذة.. بوقوفها بكل قواها إلى جواري، في كل تلك الظروف الصعبة التي أحاطت بنشأتي صبيًّا فقيرًا، يقف وحيدًا تجاه قسوة الحياة إلا من حنانها وثباتها وصبرها وجهادها.. أليس من حق هذه الأم المجاهدة الصابرة، أن أقول عنها كلمة هي بعض واجب هذا القلم، الذي كان لها الفضل الكبير في ترويضه؟
(1/255)

ثم أليس من حق قرائي عليّ أن يعرفوا من كان يقف ورائي، لأكون هذا الذي كنت، مع التحفظ الشديد عند هذا التعبير.. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه!
كانت أمي كلَّ دنياني، كما كنت كل دنياها، فقد كنت وحيدها إلا من أختين، كما كنتُ شجرةً مفردةً في البرية.. ليس لي أعمام ولا أخوال، كما فقدت عطف أبي وأنا صغير.. وفي وقت كنت في أمس الحاجة إلى مساندته، أقول: فقدت عطفه، ولم أفقده!
لقد فرَّقت ظروف قاسية بين والدتي ووالدي، وكان في ذلك بدء لمرحلة شقاء أليمة بالنسبة لي، اضطررت بعدها أن أعتمد على أمي في تأمين حياتي، وحياة الأسرة الصغيرة التي تضمنا.
كان البؤس يحيط بنا من كل جانب، ولكني وجدت أمامي شخصًا صلب العزيمة، ثابتًا، جلدًا، مثابرًا، كان هذا الشخص هو أمي.. لقد استمدت من ضعفها قوة عجيبة، وصنعت المستحيل لكي تؤمِّن لنا، ولو أدنى مستوى ممكن من العيش بما كانت تبيعه من منسوجات نسوية لم تكن تُدِرُّ إلا القليل.
كنت في مفترق طريق صعب جدًّا.. وأنا بعد في حوالي الثالثة عشرة من عمري، فإما أن أفارق الدراسة لألتمس عملًا يؤمّن حياتنا، وأستطيع أن أضع حدًّا لمتاعب والدتي، فقد كنت أحس بما تعاني من شقاء جسمي ونفسي.. وهي تحاول أن تعول هذه الأسرة، وإما أن أواصل دراستي، ولو
(1/256)

إلى الشهادة الابتدائية على الأقل، وفي هذه الحالة سيظل كفاح والدتي مكتملًا، وإن كان الأمر فوق احتمالها.. فقد أخذ المرض والإعياء ينالان منها!
كنت حقًّا بين أمرين أحلاهما مر، ولكني لم ألبث أن اخترت بالاتفاق -معها- طريقًا وسطًا، هو أن أعمل في وقت فراغي، وهكذا كان، فعملت في الأمسيات، وعملت في الإجازات.. وهكذا وضعت كتفي الصغير إلى جوار كتفها الواهن، وواصلنا حياة صعبة المراس! ولكن ظل كتفها هو الذي يحمل العبء الأكبر.
وهكذا كانت أمي لي أبًا منذ صباي الباكر، وكانت هي عمي وخالي وإخواني وكل أقاربي، إذ لم يكن لي من هؤلاء أحد.
وهكذا استطاعت مع وسائلي الواهنة أن تحمل العبء إلى حين تخرجت من المعهد العلمي السعودي الذي حملت شهادته سنة 1361 هـ، عندئذ فقط أزحت كتفها من عبء النفقة، وهو لم يكن إلا أحد أعبائها الكثيرة.
أما العبء الأكبر فقد كان عبء التربية والرعاية، في هذا المجال كان عليها أن تكون أمًّا، وأن تكون أبًا.. وكان طبيعيًّا أن تمنح أمومتها لي ولأختي، ولكن أن تقوم بدور الأب أيضًا، فتلك هي المهمة الشاقة، كان عليها أن تكون مفتوحة العينين تمامًا لروحاتي وغدواتي وسائر تصرفاتي.. وأن تراقب صداقاتي وانتظامي في المدرسة، وأن تؤمن طلباتي المدرسية، وكان كل ذلك يتطلب نوعًا من الحزم، قلما يتوفر لدى الأمهات. وكان عليها
(1/257)

هنا أن تتخلى عن بعض حنانها، وأن -تنسى إلى حد ما- أني وحيدها، وقد نجحت في هذا الدور الصعب، فكنت أحسب لحزمها ألف حساب، ذلك الحزم الذي كنت أجده في الكلمة القارصة العنيفة في غير ما إسراف، أو في "علقة من مقبض "المروحة" التكروني أو الطائفي أو "المدك" الذي كان يستعمل في ضم "دكك" السراويل.. كان هو الآخر أداة إرهاب، وكان كثيرًا ما يكفي التلويح بأحد هذين السلاحين.. فقد كان أحدهما كافيًا تمامًا لروعي.
ولعل أدق مهامها أن تراقب صداقاتي، فلم تكن تسمح لي أن أكوّن صداقات إلا مع من تثق بهم، وكانت ضنينة بثقتها، وكان شكها كبيرًا، وهو مظهر من مظاهر ذكائها الحاد الذي كانت تستطيع أن تقرأ به الملامح، وأن تتفحص به اللهجة الصادقة، وابنة عمها المزيفة. ولكنها مع كل شكوكها لم تكن تضيِّق الخناق عليّ، بل تدرك بحسها المرهف أنه لا بد من منحي شيئًا من الحرية. وحينما تجاوزت العاشرة، وأخذت أسعى إلى أن تكون لي "خصوصية" لأنفرد بكتبي ولعبي، كانت تجتهد في أن تهيئ لي هذا المناخ، في ذلك الحد الضيق الذي كان يسمح به فقرنا!
لقد استطرت من الفرح حينما أعطتني بقايا "شنطة سفر" كبيرة لأجمع فيها أوراقي وكتبي، إنها أول مكتبة كونتها، وكانت هي صاحبة الفضل فيها، ثم أخذت بعد ذلك تحترم هذه الخصوصية، وتفسح الطريق لظهورها.
وكانت لا تتسامح مع الخطأ إن أخطأتُ، كما كانت تشجع التصرفات السليمة.
(1/258)

في بعض الأحايين كانت تبدي بعض الضيق بكتبي وأوراقي، وبالفوضى التي تنجم عنها، ولكنها سرعان ما تستسلم، وكأنها كانت تدرك أهمية الكتاب بالنسبة لي.
وحاولت في يوم من الأيام -حينما أصبحتُ موظفًا، وأصبحت سيد البيت- أن تلفت نظري إلى أنني أنفق الكثير على اقتناء الكتب، وكان هذا الكثير لا يزيد معدله على عشر مرتبي، فكانت حجتي أنني لا أدخن مثل الكثير من لِداتي، وأن ما ينفقه أمثالي مبدِّدًا في الهواء أنفقه على شراء الكتب التي تغذي فكري، ثم إن الكتب تعد من المدخرات مهما كسدت أثمانها، ومهما ضاق بعض الناس بها ذرعًا.
وكانت حجتي مقنعة لها، ولم تعد تناقشني بعد ذلك في تلك الكتب التي تكاثرت بعد ذلك تكاثر الفئران، وأصحبت ظاهرة مستشرية لا سبيل إلى دفعها وإن صدق فيَّ قول القائل: وعند الشيخ كتب مكدسة، ولكن ما قرأها.
ولعل مما كان يعزي أمي عن هذه الكتب التي أخذت تغزو دارنا، هي أنها نشأت هي الأخرى في مناخ كتبي، فعندما كانت "نفيسة" ـ وهذا اسمها ـ طفلة صغيرة كانت تجلس في دكان والدها السيد عبد الفتاح الرشيدي، وتراه وهو يبيع الكتب التي كانت شائعة تلك الأيام كصحيح البخاري، وفتوح الشام، والقصص الشعبية، وحينما كان والدها يتغيب عن الدكان لبعض شأنه، كان يتركها لحراسته، ولم تكن تتردد في البيع، وإن كانت تخطئ.
(1/259)

بحكم سنها، في بعض تصرفاتها، وكان هذا طبيعيًّا.
كان تحدثني بذلك، وعندما دارت الأيام وسكنتُ جدة عام 1375هـ. وترددت على الأفندي محمد نصيف آخذ من علمه وأدبه وأحاديثه، وأتنسم هواء مكتبته الرائعة، قلت له ذات يوم خلال أحاديثنا المنفردة: إن والدتي من مدينته، من جدة، سألني متطلعًا:
- ابنة من هي؟
فلم أكد أذكر اسم والدها، حتى قال:
هل تعلم أن جدك هذا أول من استورد الكتب في جدة؟
قلت: كيف كان ذلك؟
قل: لقد كان جدك رجلًا ربعة القامة، نحيلًا، قمحي اللون، وكان له دكان في "زقاق الحبال" الذي كان هو الآخر يبيع الكتب، ثم نقل دكانته إلى جوار مدخل بيت باناجه المعروف في سوق الندى، وكان من عاداته أن يأخذ بضاعته من الكتب من آل الفدّا في باب السلام بمكة المكرمة، ولكنه جاءني ذات يوم، -الكلام للأفندي نصيف- وكان سني آنذاك حوالي العشرين، وقال لي: يا أفندي، أبغاك تكلفني عند فرج يُسر، وكان هذا رجلًا موسرًا، يقرض المحتاجين، وله مشاريع خيرية، أهمها أنه أجرى العين التي كانت معروفة باسمه آنذاك، أي عين فرج يسر، ومكانها تقريبًا في مكان جامعة الملك عبد العزيز اليوم، فاستفسرت منه عن الغرض من الضمان، قال: إنني أحتاج
(1/260)

إلى عشرين ذهبية أرسلها مع فلان إلى مصر، ليرسل لي بضاعة من الكتب فإن ذلك أوفر لي من شرائها محليًّا، وسأرد المبلغ إليه بعد انقضاء موسم الحج القادم، فذهبت معه إليه، وأخرج الشيخ فرج يسر المبلغ المطلوب من "البشتخته" أي من الصندوق الصغير المخصص لحفظ النقود والأوراق المهمة، وسلمه إليه، فكتبنا له سندا به، وتمكن جدك من استيراد كمية من الكتب، كانت أول كتب يستوردها كتبي في جدة من مصر رأسًا.
كما تدربت على العيش في مناخ الكتب بعد أن تزوجت والدي الذي كان -يرحمه الله- قارئًا مولعًا بالمطالعة، يقرأ كل شيء.. الصحف والمجلات، والقصص، والروايات القديمة والحديثة، وكتب التراث، وبعض الأدب الجديد، ولكنه كان في تنقلاته الكثيرة ـ بحكم وظيفته ـ من بلد إلى بلد وبما كان يتعرض له من أزمات، كان يحسن التخلص من الكتب، فيبيعها إلى حين يستطيع شراء غيرها، وقد يهديها إلى من يراه قادرًا على الاستفادة منها.
وقصة اشتغال جدي لأمي ببيع الكتب في جدة، ثم العمل على استيرادها من مصر، ذكرها الشيخ عبد القدوس الأنصاري -يرحمه الله- في كتابه الضخم "تاريخ جدة" استقاها من الأفندي نصيف الذي كان يكثر من التردد عليه، خاصة حينما كان مشتغلًا بإعداد مادة كتابه ذلك.
وكان هذا الجو المليء بالكتب في طفولتها الباكرة، ثم في شبابها، ثم في مرحلة ما بعد الشباب، قد تعاون مع موهبتها الذاتية في تنمية معلوماتها، حيث كانت تتمتع بذاكرة حية، تستوعب وتختزن، وتحسن استعمال مخزونها من المعلومات.
(1/261)

حفظت الأحداث والتواريخ، والأمثال البلدية التي كانت تحفظ منها الشيء الكثير، وإذا كانت بعض الأمثال تعود إلى أصل شعبي مصري، فقد كانت تحرص على أن تنسبها لهذا المصدر، فتقول: قالت المصرية، ثم تورد المثل بلهجته المصرية. وقد استطعت أن ألتقط بعض الأمثال من روايتها، ولكن إلى حد ما. أما مخزونها من الشعر العامي، سواء العامية الحضرية المستعملة في مكة المكرمة وجدة وأمهات المدن الحجازية، أو العامية البدوية الشائعة في بادية الحجاز، خاصة ما يمكن أن أسميه بالودياني، نسبة إلى الوديان الخضراء المحيطة بمكة وجدة، فقد ساعدها هذا المخزون على أن تنظم شيئًا من الشعر العامي، الذي يخيل إلَّى أنه لقاء ما بين الشعر والنثر المسجوع. على أنها كانت تخفي عني هذه الأشعار، فهي كثيرًا ما تكون أشعارًا نقدية لبعض ما يقع في المجتمع من نشاز التصرفات، ولم أقف على شيء من هذه المقولات إلا في وقت متأخر جدًّا.
كانت ذاكرتها اللاقطة الحية تساعدها على تسجيل الأحداث التي مرت بها، فكانت تقص علينا قصة حياتها وكأنها تقرأ في كتاب مفتوح، وهي قصة مليئة بالمتاعب، فقد تغربت عن بلدها "جدة" وهي في ريعان الشباب في صحبة أبي الذي كان يتنقل بحكم عمله في الجمارك من بلد ساحلي إلى آخر على طول البحر الأحمر، من العقبة إلى ضبا وأملح وينبع والليث، وكانت هذه البلدة الأخيرة آخر المطاف، حيث استقر به المقام بعدها في مكة المكرمة، وقد صحب هذا الاستقرار بداية حياة بائسة غنية بالبؤس والفقر!
(1/262)

ولكن رب ضارة نافعة، فقد كانت هذه البداية البائسة عهدًا مباركًا بالنسبة لي أنا بالذات، فقد أدخلني والدي ـ يرحمه الله ـ وأنا في حوالي السادسة أو السابعة المدرسة، وصدق القائل: إن مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد بدأت صحبتي مع الحرف.. مع كل ما يحيط بحياتي من جفاف شديد، واجهته منذ تلك السن المبكرة. ولكن والدتي ـ يرحمها الله ـ كانت تحرص على أن أتعلم رغم غرامي باللهو، والإهمال، وما كنت أمنيها به من خسائر تتمثل في ضياع الدفاتر والكتب والحذاء، والإحرام.. الذي كان يستعمل للوقاية من الشمس.
وكان إذا تيسر لها أن تمر عليَّ خلال "الفسحة الكبيرة" تتحفني بقرش كبير في استدارة القمر، ليلة أربعة عشرة، وكان هذا بالنسبة لي يشكل ثروة هائلة، دونها ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية! وقد ظلت على حرصها هذا إلى أن أصبحت على أبواب الشباب، وعلى أبواب المعهد، وكان الإجهاد قد نال منها كل منال، فقد تضافرت عليها الأحداث والأمراض وحياة الجفاف، فلم يكن في وسعها أن تستمر في الكفاح، فحملت عنها العبء قبل أن أكمل السنة الدراسية النهائية في المعهد، فاستقبلت حياة العمل مدرسًا، وإن ظللت على دراستي بالمنزل حتى حصلت على شهادة المعهد العلمي السعودي، وبذلك قرت عينها، وانتهت متاعب العيش.
كنت أعدها مرجعًا في تاريخ جدة، فهي تعرف بيوتها وتعرف حاراتها، وتعرف مشاهير أهلها، فتعرف -مثلًا- أن حمزة شحاته -يرحمه الله- كان
(1/263)

في شبابه يسكن "حارة الشام" وكان أهل الحي يعدونه زينة شباب الحي، وأن لأهل الحي في ذلك شعرًا عاميًّا، وأنه كان يتمتع بوسامة تجعل فتيات الحي يهرعن إلى الرواشين ليرينه إذا مر، وكما هو معلوم، فإن مدرسة "الفلاح" التي كان يدرس بها تقع في هذا الحي إذا لم أكن مخطئًا.
وكانت تقص عليّ أن والدها ـ يرحمه الله ـ اشترك مع بعض جيرانه في استقدام مدرس مصري ـ كان اسمه "شاهين" ـ يعلم أولادهم الصغار، وأن أحدهم تبرع بإخلاء غرفة في داره لتكون نواة هذه المدرسة، وأهل جدة أدرى بهذه المعلومة وتفاصيلها، وأحسب أن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ـ يرحمه الله ـ قد أوردها في كتابه الضخم "تاريخ جدة".
وكثيرًا ما حدثتني عن الأحداث الكبيرة التي تعرضت لها جدة، كالحروب والحصار والمجاعة، كما حدثتني عن كبار البيوتات بها، وعن الأصول التي تنتمي إليها بعض البيوتات، وتجاراتها، وبدايات أعمالهم، وتقاليد الأسر ... إلخ، ولكني لم أحفل بتدوين شيء من أحاديثها، وأعترف أن ذلك كان تفريطًا مني.. ربما كان مرده أني كنت أفضل أن تكون جلساتي إليها عائلية محضة.. أقول ربما، وإن ظللت غير مقتنع بهذا العذر.
وإذا ذهبت أبحث عن أهم ما تميزتْ به في حياتها فقد كان يتمثل ذلك في صبرها واحتمالها.
في صدر شبابها فقدت زوجها الأول، الذي توفي شابًّا، ثم فقدت ابنها منه وهو في حوالي العاشرة، وفقدت بعض أطفالها من أشقائي قبل أن
(1/264)

يتجاوزوا سن الرضاع في بلدان صغيرة نائية لا تعرف الطب والأطباء، واغتربت عن بلدها ووالدها في رحلات متعددة، وعاشت في بلدان أشبه بالقرى، تقل فيها وسائل الراحة، ثم تعرضت للفقر والحاجة، وتحملت شظف العيش، وسكنت بمكة في بيوت خربة، لم تجد أمامها غيرها، وكانت عرضة أن تنقض علينا في أية لحظة، وكانت الأمطار عنصرًا مروِّعًا لنا، بل كنا نضطر إذا اشتد هطولها إلى الهجرة إلى دور بعض معارفنا حتى تنقشع الأمطار. ونالت منها الأمراض نيلًا غير يسير، واضطرت أن تعكف هي وابنتها الكبرى على ماكينة الخياطة، وعلى "المنسج" لحياكة الملابس وما إليها، لتأمين حياة الأسرة التي كنت أنا رجلها الوحيد قبل أن أبلغ مرحلة الشاب.
احتملت كل ذلك بصبر وإيمان وعزيمة، وكان إيمانها بالله عظيمًا، كان تدينها وحرصها على فروضها منذ شبابها، يعينها على ذلك الاحتمال العجيب!
إنني لا أكتب عن امرأة مثالية، ولكني أكتب عن "أمي"، هذه اللفظة الساحرة التي لم أعد أجد لها مكانًا في حياتي إلا الذكرى، وإلا نفثات تعتادني الحين بعد الحين.
أمي.. إنني أحاول أن أكتب عنكِ كلمة رثاء، ولكنك أخذتني برفقك المعهود إلى عالم الذكريات، فدخلته برفق أيضًا، وأنا أشفق على قرائي من أن أقحمهم في أمر لا يعنيهم، إلا بقدر ما يعني الصديق أمر الصديق، فيصغي إلى ثرثرته.
وماذا عسى أن أقول في رثائك؟ لم أشعر بالكلمات تخذلني قط كما أحس بها اليوم، إنها تتفلت مني تمامًا، كما كانت تتفلت مني كلما وقفت أمامك وأنا ألتمس كلمة اعتذار.
(1/265)

إنني اليوم أبحث عن تلك الكلمة، كلمة الاعتذار عن هذا العِيِّ، وعن هذا الوجوم، لو اعتصرت عمري كله دموعًا لأبكيك يا أمي، لما وفيت بحق دمعة واحدة من عينيك الغاليتين، انسكبت ذات يوم من أجلي.. وكم سكبت من أجلي من دموع!
كانت الأسفار -وأنا بها مولع- تأخذني منك كثيرًا، وتذهب بي بعيدًا.. وكثيرًا ما كنت أجد نفسي سعيدًا وأنا أستقبل رحلة جديدة أطل بها على العالم. ولكنك كنت كلما جد لي للرحيل عزم، تستقبلين عالمًا من الأحزان، وتشرق عيناك بالدموع، ولكنني كنت في كل مرة أعلل النفس بأن ألقاك على ما أحب وتحبين، وإن كنت في الأيام الأخيرة قد أصبحت أقل تفاؤلًا، يخامرك شعور غريب أنني لن أكون جوارك.. حينما يحين موعد رحلتك البعيدة.
وهكذا كان، فقد رحلت وكان بيني وبينك آلاف الأميال حيت فقدت الأمل في أن ألقي عليك النظرة الأخيرة، لولا أن رحمة الله كانت أوسع لي ... فاستدعاني شوقك، واستجاب الله دعاءك، فأتاح لي أن أقبل جبينك الوضيء في نظرة أخيرة.
فلم يكد أخي معالي الشيخ أحمد ذكي يماني يعلم بمحنة وجودي بعيدًا جدًّا عنك، حتى وضع بين يدي -جزاه الله أوفى الجزاء- بساطًا من بسط الريح، تقلني في ساعات، فإذا أنا بين يديك.. فإذا بي إلى جوار جثمانك الحبيب، وإذ بي من جملة المصلين عليه، الواقفين على ثراه.
يرحمك الله يا أمي، رحمة عباده الأبرار، وجمعني الله بك في دار القرار مع الصالحين والأخيار.
(1/266)

4- أدب المهجر الشرقي1 للدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع
إذا قيل الأدب المهجري انصرف الذهن إلى أدب المهاجر الأمريكية، إلى الأدب العربي الذي قاله المهاجرون العرب من المشرق بعامة، ومن سوريا ولبنان بصفة خاصة، إلى الأمريكتين، فالذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية أطلق على أدبهم "أدب المهجر الشمالي"، والذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية أطلق على أدبهم "أدب المهجر الجنوبي"، ويمتاز هذا الأدب بخصائص تميزه عن غيره من حيث الأسلوب والعاطفة والأفكار.
وأغلب الأدباء الذين هاجروا إلى الأمريكتين هم من العرب النصارى، ولذلك نجد التأثير المسيحي واضحًا في هذا الأدب، مهما قيل عن طوابعه الإنسانية وانتماءاته العربية..
وكنت دائمًا أتساءل:
هل اتجه كل المهاجرين العرب إلى الأمريكتين؟!
ألم تتجه طائفة أخرى إلى مهاجر أخرى.
لماذا يقصر اصطلاح "الأدب المهجري" على تلك الفئة وذلك المكان؟
وظل السؤال في ذهني، حتى قدر لي أن أذهب في مهمة رسمية إلى أندونيسيا، تلك الجمهورية الإسلامية الشرقية الكبرى التي تضم أضخم تجمع للمسلمين الذين يتعرضون لحملات التنصير، وهناك التقيت بطوائف من
__________
1 د. محمد بن عبد الرحمن الربيع: خمائل وأزهار: بحوث ومقالات أدبية متنوعة، مكتبة المعارف، الرياض 1416هـ، ص184-186.
(1/267)

العلماء والمثقفين، واستعرى انتباهي وجود مجموعة من العرب في تلك المناطق، ولهؤلاء قصة يطول شرحها وتاريخ مجيد يحتاج إلى من يزيل عنه غبار السنين.
أجداد هؤلاء هم الذين نشروا الإسلام في أندونيسيا، وفتحوها بأخلاقهم وعلمهم وحسن تعاملهم، حتى انتشر الإسلام هناك بالقدوة وحسن المعاملة.
وأغلب هؤلاء قد هاجروا من جنوب الجزيرة العربية ومن إقليم "حضرموت" بصفة خاصة.
وقد شاهدت ثلاثة أجيال من هؤلاء في اجتماع خاص وفي حفل تكريمي أقيم لنا، وجدت الجد الرجل الكبير يجيد العربية قراءة وكتابة بل وشعرًا، ووجدت الأب وقد اضطرب لسانه وضعفت عربيته لكنه يحاول ولا يكاد يبين، ووجدت الابن وقد فقد العربية فلا يكاد يعرف منها شيئًا، تلك مأساة هؤلاء العرب، وليس عن هذا أريد الحديث، لكني أردت أن أصل منه إلى عنوان الموضوع وهو "أدب المهجر الشرقي" فقد عرفت أن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين النازحين إلى "أندونيسيا وغيرها من بلاد الشرق" قد خلفوا تراثًا أدبيًّا عربيًّا إسلاميًّا، يتمثل في مجموعة من المؤلفات العربية ومن الصحف والدوريات العربية ومن الشعر العربي المنشور في المجلات أو المجموع في دواوين مخطوطة في الأغلب، أو منشورة في الأقل، وقرأت نزرًا يسيرًا من هذا الشعر وهذا التراث الأدبي، فوجدته يمتاز بعاطفة الحنين إلى الجزيرة العربية بالعاطفة الدينية، فقلت عندها: لقد عثرت على جواب السؤال، وهو: هل هناك أدب مهجري عدا ما نعرفه من أدب المهجر الشمالي أو الجنوبي؟!!
ففلت: نعم، وألف نعم.
(1/268)

هناك "أدب المهجر الشرقي" أي الأدب العربي المهاجر إلى الشرق والشرق والأقصى، أدب هؤلاء العرب الذين نزحوا إلى اندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورا والهند.. فأطلقت عليه "أدب المهجر الشرقي، وتمنيت أن يقوم أحد طلابنا في أقسام الدراسات العليا بإعداد أطروحة علمية عن هذا الأدب المجهول وما أحلى ارتياد المجهول، وما أكثر فوائد السفر.
وإلى الإخوة الكرام في أندونيسيا وفي "معهد العلوم الإسلامية والعربية" ألف تحية، فجلساتهم الأدبية والفكرية هي التي أوحت لي بهذا المقال، وألهمتني هذه القضية، وأوجبت عليّ أن أنادي بأعلى صوتي: لماذا يُهمل "أدب المهجر الشرقي"؟ لماذا؟ لماذا؟
(1/269)

5- نقاد الحداثة وموت القارئ1للأستاذ أحمد فضل شبلول
شاع في السنوات الأخيرة العديد من الأفكار والمصلطحات النقدية والأدبية التي تسللت إلى حياتنا الثقافية بحجة التطوير والتحديث، والمتأمل في هذه المصطلحات يجد أن نقادنا العرب القدماء تحدثوا عنها وبحثوها، وقاموا باختبار صلاحيتها عن طريق الدرس التطبيقي على بعض النصوص، ولكن لأنها وردت إلينا في الفترة الأخيرة عن طريق الترجمة أو النقل أو الاقتباس من لغات أجنبية، فقد تم الاحتفاء بها، واعتبرها نقادنا العرب المحدثون فتحًا جديدًا، ولم يتنبه إلا القليل منهم إلى وجود مثيلها في تراثنا النقدي والأدبي، ويرى بعض النقاد أن الأفكار والمصطلحات النقدية والأدبية غير الموجودة في تراثنا القديم والواردة من الخارج قد لا تصلح ـ في أغلبها ـ لبيئتنا العربية والإسلامية لأنها ترتد إلى جذور إغريقية وثنية، تتمرد على صورة الإله في تراثها، وتراه يحد من انطلاقة الإنسان، وتفترض صراعًا أو تعارضًا بين الإله والإنسان.
وقد أدت هذه الأفكار إلى انبثاق فكرة "موت المؤلف" التي تجر وراءها تداعيات فلسفية، ترتد إلى جذور إلحادية تؤدي في النهاية إلى اختفاء القيمة وتحويل النص إلى شكلية ميتة، وهذه الفكرة "موت المؤلف" تعني انتهاء عالم الميتافيزيقيا، أي ما وراء النص، وطرح النص كعالم مستقل بنفسه لا يعتمد على شيء خارجه.
__________
1 جريدة الجزيرة"، العدد "8209" الصادر في 20/ 1/ 1415هـ - 21/ 3/ 1995م، ص12.
(1/270)

وفي مقابل "موت المؤلف" تم تطرح فكرة مشاركة القارئ، فالقارئ هو المسئول وحده عن كشف معميات العمل الفني، وبالتالي فقد استبد هذا القارئ بالساحة وحل محل المؤلف، وأخذ ينتهك النص كي يفسره حسب هواه، وإذا قيل له: إن المؤلف لا يريد ذلك أجاب بأن المؤلف قد مات فيرحمه الله، وأنه -أي القارئ- هو الوريث الشرعي للنص.
من أجل هذا، ومن أجل تحديد المواقع، موقع المؤلف، وموقع النص وموقع القارئ، جاءت هذه الدراسة الجديدة للدكتور عبد الحميد إبراهيم "نقاد الحداثة وموت القارئ"، التي صدرت مؤخرًا في كتاب وقع في 160 صفحة من القطع المتوسط، عن نادي القصيم الأدبي ببريدة.
وتأتي هذه الدراسة دعوة إلى موت القارئ لكي ينتعش النص، ويمنح إمكاناته بلا تردد ولا حدود، ولكي يلتقي على أرضيته المؤلف والقارئ معًا في حوار، ودون أن يقتات أحدهما على جسد الآخر، ولكن كيف يقوم هذا الحوار مع قارئ ميت؟ إنني كنت أفضل أن تكون دعوة د. عبد الحميد إبراهيم إحياء للمؤلف ودوره في إنشاء النص، بدلا من دعوته إلى موت القارئ. ذلك الحوار الذي لا يقوم إلا بإحياء المؤلف والقارئ معًا، بدلا من الدعوة إلى موتهما، أو موت أحدهما على حساب الآخر.
تنقسم الدراسة إلى شقين: شق نظري؛ يرد فيه المؤلف على الكثير من أفكار النقاد الحداثيين في عالمنا العربي. وشق تطبيقي، على كتاب "الخطيئة والتكفير" للدكتور عبد الله الغذامي، وما ورد فيه من نماذج تطبيقية على شعر حمزة شحاته.
(1/271)

إن الغذامي في نظر الدكتور عبد الحميد إبراهيم يعد من أفضل نقاد الحداثة؛ لأنه يحاول أن يعود في بعض الأمثلة إلى التراث، ولأنه يمتلك موهبة نقدية تتميز بالخصوصية، ولأنه يدعم حديثه النظري بنموذج تطبيقي، ولكنه من ناحية أخرى يخلط في القسم النظري في كتابه "الخطيئة والتكفير" المدارس بعضها ببعض، وما يقوله عن إحداها ينقله إلى الأخرى، وقد يقتبس من كلام بارت عناصر السيميلوجيا وهو بصدد الحديث عن البنيوية، ويخرج القارئ في النهاية دون تعريف محدد للمدارس، وهو يثني على الجميع، ولا يفرق بين واحد وآخر من الكتاب، وكل كاتب يصبح مدرسة، وكل مدرسة تعتبر فتحًا في مسير النقد العالمي.. إلخ.
لقد اختار الدكتور عبد الحميد إبراهيم الغذامي نموذجًا لنقاد الحداثة، لأنه يرى أنهم جميعًا يكررون أنفسهم، وأنهم طبعات متكررة لنسخة واحدة، فيقول في صدر كتابه "أقرأ لواحد من نقاد الحداثة فكأنني قد قرأت للجميع، وأقرا كتاب الواحد منهم فكأنني قد قرأت جميع كتبه.. وما أظن أن ذلك بسبب ذكاء نادر عندي، وإنما لأن المصادر واحدة، واللغة واحدة، بل إن المصطلحات والأعلام تكاد تتكرر من ناقد إلى ناقد، ومن كتاب إلى آخر".
أما رأيه في كتاب "الخطيئة والتكفير" فيتلخص في أن مقدماته تختلف عن نتائجه، وأن أول الكتاب حديث عن الموضوعية العلمية، وهتاف بسقوط التحليلات النفسية، وآخره تجسس على شخصية الشاعر، وبحث عن دوافعه، وتحليل لعقده واتجاهاته، ونبش لحياته الخاصة، وحديث عن فلسفة الرفض عنده
(1/272)

وفي رأيه فإن عنوان الكتاب "الخطيئة والتكفير" يحمل مسحة مسيحية أدتا إلى دخول الناقد بفكرة مسبقة يحاول أن يفرضها على أدب حمزة شحاتة، وفي رأي الدكتور عبد الحميد إبراهيم فإن شعر حمزة شحاته يقدم لنا شخصية قلقة، لم تستطع أن تحقق ذاتها، ولم تناضل كثيرًا من أجل هذا التحقيق، فوقعت فريسة الشكوى والمرارة، وبالتالي فهو لم يجد في شعره إشارة صريحة إلى قصة الخطيئة والتكفير التي ذهب إليها الغذامي بعناصرها الست وهي:
آدم "الرجل/ البطل/ البراءة"، حواء "المرأة / الوسيلة/ الإغراء"، الفردوس " المثالي/ الحلم"، الأرض "الانحدار/ العقاب"، التفاحة "الإغراء/ الخطيئة"، إبليس "العدو/ الشر".
وبالتالي فإن الدكتور عبد الحميد إبراهيم يرى تكلفًا في شرح الغذامي للقصائد، حتى يستجيب للرموز التي وضعها، فالقارئ يقرأ الشعر ثم يقرأ شرحًا مخالفًا، إنها أفكار مسبقة عن نموذج عقدي وجداني، يحاول المؤلف أن يفرضه على واقع القصيدة.
وفي رأي الدكتور عبد الحميد إبراهيم أيضًا أن دراسة الغذامي، في شعر شحاتة لم تخلص تمامًا للجوانب الفنية؛ لأنه استطرد في شروح نظرية استبدت بمعظم صفحات كتابه "348 صفحة من القطع الكبير"، ولم يتبق منها سوى خمسين صفحة للناحية الجمالية، وهنا تبدو المفارقة فالغذامي منذ الصفحات الأولى يتبنى منهجًا يزعم أنه يتجاهل كل الإسقاطات التي هي
(1/273)

خارج البنية الشكلية للنص الأدبي، ولكن كتابه يسرف في التجريد النظري من ناحية، وفي اقتراح نموذج فلسفي من ناحية ثانية، ثم يأتي الحديث عن الجماليات في صفحات أخيرة متقطعة الصلة عن نموذجه في الخطيئة والتكفير من ناحية ثالثة.
ويرى الدكتور عبد الحميد إبراهيم أن المنهج التفكيكي قد استبد بالغذامي، وأوقعه في أحكام جزئية، حجبت عنه الرؤية الكلية، كما يأخذ على الغذامي التوقف طويلًا عند عنوان قصيدة "ياقلب مت ظمأً" حيث راح يريق حديثًا فلسفيًّا تجريديًّا حول العنوان، في حين أن الشاعر نشر هذه القصيدة في ديوان آخر تحت عنوان آخر هو "المعاناة"، وكل هذا يدل على أن الحديث عن دلالة العنوان في شعر شحاتة، واستنتاج بعض الأحكام الفنية من عنوان قصائده، حديث لا يعتمد على أساس علمي.
وإذا كان الدكتور عبد الحميد إبراهيم قد أخذ على الغذامي العديد من المآخذ في محاولاته لقراءة النصوص الثلاثة لحمزة شحاتة، فإنه يقدم قراءته الخاصة لهذه القصائد فيرى أن الشاعر لم يدخل في صراع مع أدواته يتكافأ مع موهبته المتدفقة، كما أنه لم يدخل في صراع مع مجتمعه، ومن هنا لم يحتمل معاناة القصيدة طويلًا، وآثر أن يقذفها بسرعة، فبدت عليها علائم عدم النضج الذي يتخذ مظاهر عديدة منها: ترهل القصيدة، ووقوع مفردات وجمل في حالة غير شعرية، ووقوفه عند عتبات التوظيف الخارجي للأسطورة، مما يفقدها بعدها التاريخي، ووقوفه عند سطح الملحمة.
(1/274)

ويرى د. عبد الحميد إبراهيم في النهاية أن التقيد بمنهج واحد في النقد هو نوع من العبودية تخمد الموهبة الفنية عند النقاد، لذا فإنه يقترح ألا يكون للناقد منهج في النقد بشرط أن يستوعب كل المناهج، فإخلاص الغذامي لمنهج التشريحية، على سبيل المثال، كانت نتيجته أن شاعره حمزة شحاتة يفوق الأوائل والأواخر على الرغم من نقاط الضعف التي بدت في شعره.
وهذا تعليق على مقالتين من المقالات السابقة:
1- تعليق على مقالة "فرعونيون وعرب1
تميزت المقالة ببراعة الاستهلال؛ حيث بدأها الكاتب بمقدمة لطيفة فافتتح بجملة دعائية: "عفا الله عن كتابنا الصحفيين" حتى يجذب القارئ مهما كانت ميوله واتجاهاته، حتى وإن كان من المعارضين لوجهة نظر الكاتب.
ثم أتبعها بأسلوب تعجب رائع: "ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح ويبعثوا حربًا من غير جند".
وتتوالى أساليب الكاتب وتتنوع بين الخبر والإنشاء، مما يمتع القارئ ويجبره على إتمام القراءة إلى أن ينهي المقالة، فقد عرض الموضوع عرضًا شيقًا ممتعًا بعبارات متناسقة وألفاظ عذبة سهلة ليس فيها غرابة ولا سوقية.
__________
1 بقلم: الطالب/ عبد العزيز على الصالح 2/ 1"ج" بكلية اللغة العربية بالرياض ـ الفصل الأول من العام الجامعي 1415هـ-1416 هـ.
(1/275)

ولا تخلو المقالة من السجع الحسن غير المتكلف كما في قوله: "هي أدعى إلى الفخر، وأبقى على الدهر".
ومما تميزت به هذه المقالة قوة العاطفة؛ فهي تفيض بالحب للعرب.
وأفكار المقالة مترابطة، وقد أيدها الكاتب بكثير من الحجج والبراهين العقلية، إلا أن الكاتب لم يوفق في الخاتمة حيث جانبه الصواب كثيرًا عندما قال: "وبعد فإن ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفي أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوروبية الخالصة".
وهذا يعد تناقضًا من الكاتب من نفسه؛ لأنه قال قبل عدة أسطر: لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلًا من كتاب المجد العربي لأنها لا تجد مددًا لحيويتها ولا سندًا لقوتها ولا أساسًا لثقافتها إلا في رسالة العرب".
ثم أي ثقافة هذه التي تقوم على دينين في آن واحد؟
والله سبحانه يقول في كتابه الكريم: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
وعن أي مسيحية يتحدث؟
لا أظن أن هناك غير المسيحية المحرفة التي تؤمن بعقيدة التثليث، والعياذ بالله.
(1/276)

2- تعليق على مقالة "نقاد الحداثة وموت القارئ"
1- قراءة الكاتب للكتاب الذي عرض له قراءة جيدة، وقد عرفنا ذلك من خلال تلخيصه الجيد للكتاب.
2- أشار الكاتب إلى القضايا التي قدمها الكتاب، وقد أيد بعضها، ونقد فكرة "موت القارئ" عند مؤلف الكتاب.
3- وضع عناوين جانبية للفقرات1، ليساعد القارئ على تحديد الفكرة، والإحاطة بها.
4- نقل بعض فقرات الكتاب، ليطلع القارئ على أسلوب المؤلف، وليؤيد فكرته.
5- تقترب مقالة عرض الكتاب -عند أحمد فضل شبلول- من "التقويم":
أ- ففيها تلخيص موجز للكتاب، ولأهم قضاياه.
ب- وفيها نقل لبعض فقرات الكتاب، للتمثيل.
جـ- وفيها إبداء للرأي، موافقة للكتاب، أو نقدًا له.
د- وهي تبغي تكوين رأي عند القارئ تجاه الكتاب، والقضايا التي يعرض لها.
__________
1 العناوين كانت على التوالي كالتالي: موت المؤلف، مشاركة القارئ، تحديد المواقع، كيف يقوم الحوار مع قارئ ميت، الشق النظري والشق التطبيقي، الغذامي نموذجًا، المقدمات تختلف عن النتائج، العنوان يحمل مسحة مسيحية، الغذامي متكلفًا، الشروح النظرية استبدت بالكاتب.
(1/277)

نماذج من إنتاج الطلاب في المقالة
1- جزاء سنِّمار! لنويِّر العنزي1
منذ أيام عاودني الحنين إلى قلمي الذي أحب، فأردت أن أرمق هذا المجتمع، وأسطر الأحداث كما هي، فقمت بزيارة إلى بعض المرافق الحكومية، ومن بين تلك الزيارات ذهبت إلى دار يقال لها "دار المسنين"، واتجهت إلى إحدى الغرف القريبة.
طرقت الباب وولجته مشفقة على من في الداخل، فإذا بعجوز دامعة العينين، تخنقها آهاتٌ تسعون من الزمن. جلست بالقرب منها، وقلت لها: حدثيني عما يجيش في نفسك من ألم، حدثيني ولا تزرفي هذه الدموع الحزينة.
بقيت واجمة ولم تتحدث، فانتظرت مليّا.. وبعد ذلك نطقت. وردد القلم صداها، يكتب ويقول:
ما أجمل الليل! يحمل في سكونه وهدوئه جمال الطبيعة، ويؤنس قلب عجوز حزينة بكت دمًا من شدة المصيبة، ودائمًا تتذكر في هذا الليل الطويل من احتضنته صغيرًا، وكان في المهد بريئًا، تعبت وذاقت المر حلوًا من أجله، تمنت أن يكبر وترى فيه الأمل، ترعرع شيئًا فشيئًا، وأصبح رجلًا، نسي ذلك المعروف، وأصبحت أمه نسيًا منسيًّا.
__________
1 طالبة بمركز الطالبات، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المستوى السابع 1420هـ.
(1/278)

وقف على قدميه شامخًا، وأخذ أمه ووضعها في "دار المسنين".
لقد أخطأنا عندما قلنا: "دارًا" ليتنا قلنا: "عالمًا" يضم عبرات حزينة، يضم حرقة قلوب رحيمة! وممن يا ترى؟! من فلذات الأكباد.
أما زلتَ صداحًا يا أيها الطير؟! ارفع الصوت بالأهازيج والغناء، علك تحرك مشاعر الأبناء، علك تضمد جرح الأمهات والآباء!
ما الذي يدفع هذا الابن حتى يلقي بأمه في تلك الدار؟!
لقد كانت بطنها له وعاء، واليوم هذا البيت ضاق بها، أم أن تلك الزوجة لم تعد تحتمل أن ترى عجوزًا مسنة تشاركها في البيت، وربما القيم والعادات الغربية أفسدت النفوس والقلوب.
دع عنك العقوق، فإن الحقوق ضاعت، فهل تجد من يبحث عنها ويرجعها إلى أصحابها؟ ربياك صغيرًا، فارحمهما وأنت كبير.
عبست في وجهك، وبَسَرت في عينيك، فقلت لأمك: دعيني، فسوف أزورك في كل أسبوع، ويمضي أسبوعان، ويفيض حنان الأمومة لديها، وينافس قلبُكَ الصخرَ قساوةً.
وتمضي شهور، ثم تتذكر أن لك أمًّا!
لقد أبعدت ينبوعًا من الحنان يتدفق بشدة، أما أنت مشتاق إلى ذلك الينبوع؟ أم استغنيت عن فيضه؟! تقول: بلى، أنا مشتاق وعندي لوعة.
تُرى أين اللوعة؟ وأين إحسانك إلى والديك؟
(1/279)

ومن ذلك أنادي بأعلى صوتي، فهل من مجيب لهذا النداء؟ ما ذنب تلك الأم الحزينة، وذلك الأب الشيخ الكبير؟
دعوهم يرون الشمس بخيوطها الذهبية، دعوهم يرون قطرات الندى على الأغصان الخضرة الندية، ويسمعون ويتلذذون بضحكات الأحفاد البريئة!
تحدثت تلك الدار وقالت: ارحموا جدراني فإنها لم تعد تقوى على سماع الأنين أو نبرات الشوق والحنين.
ولقد هاج اشتياقي جدة تذكرتها.. تذكرتها وعاودني الحنين إليها، كانت تسرد لي القصص عن الحياة، وعن الغابة التي ملئت بالوحوش المخيفة، ولا أنسى قصتها عن ذلك الابن العاق.
كل ذلك كانت تسرده لي الجدة الحبيبة، واليوم لا أراها، لقد ولت الأنغام الجميلة، وبقيت عبرات حزينة.
هل تعودين يا جدتي لتحدثيني مرة أخرى؟
حدثيني لأعيش الماضي الذي يستكن بين أحضانك الدافئة.
الأمل ما زال يداعبني لأسمع صوتك الحاني، وتلك دموع صادقة، فهل هناك من يكفكفها؟ أم تبقى تلك الدموع تخرق خدي وترهق قلبي؟!
أيها القارئ الكريم، ربما لم تكن تلك مقالة، لكنها زفرات ونبرات، ومشاعر وألحان حزينة، بل هي قصيدة قَصُرَتْ عنها بحورُ الخليل!
(1/280)

2- للغربة حسنات لزهراء الظفيري1
نعم.. الغربة مرة
وهذه العبارة دارجة على ألسنة الكثيرين، وربما قالها من لم يجرب الغربة أصلًا، لكني أرى أن الغربة خالفت القاعدة، وأذاقتني شيئًا غير المرارة أجهل طعمه، وأعطتني ما لم تعطه لأحد؛ لأنها بالمقابل أخذت مني ما لم تأخذه من أحد، فهي في هذه الحال أنصفتني!
فالغربة علمتني ما لم أتعلمه في مقاعد الدرس أو في صفوف الحياة؛ إذ لها الفضل في تعليمي كيف أضحك بعيون دامعة، وكيف أبتسم فرحًا بقلب حزين، وكيف أداري جراحي بالكي لا بغيره، علمتني كيف أتكلم دون أن أنطق، وكيف أنطق دون أن أعبر، وكيف أحسب الزمن دون انتظار شيء، وكيف أضيء ليلي بذكريات سوداء!
علمتني كيف أجن بعقلانية، وكيف أصرخ بصوت مهموس، وكيف أضيِّع دربي بخطوة ثابتة!
علمتني أن من يُقتل يموت مرة، ومن يغترب يموت بعدد لحظات غربته، أعطتني دروسًا عدة جعلت مني إنسانة سرابية.
وكان الدرس الأول منها في البلاغة، فعلمتني أن هناك شبهًا كبيرًا بينها
__________
1 زهراء الظفيري: للغربة حسنات، مجلة "الأدب الإسلامي" العدد "22/ 1420هـ"، ص89.
(1/281)

وبين الصبر، وشبهًا كبيرًا أيضًا بين الموت والوحدة.
والدرس الثاني كان في الرسم؛ فعلمتني كيف أرسم قناعًا تعلوه الابتسامة وإشراقة الوجه، أرتديه كل صباح لينتزعه الغير، فيظهر اللا شيء!
والدرس الثالث في علم الأحياء؛ فعلمتني أن جرح الجسد أصعب بكثير من جرح المشاعر، لأنه يحتاج إلى أدوات حادة، لكن المشاعر تحتاج إلى كلمة واحدة فقط لتودي بها.
والدرس الرابع في اللغة والأدب؛ فعلمتي أن ألتزم الصمت مهما وجه إلى من إساءات أو اتهامات؛ وذلك لأنها أنستني اللغة التي تربيت عليها!
والدرس الخامس كان في الحساب؛ فعلمتني أن الواحد إذا أنقصنا منه واحدًا يساوي أناسًا كثيرين لا معنى لهم، فقط: تعرفنا عليهم يومًا ما، وفارقناهم في يوم ما، ليصبحوا بين طيات النسيان.
وأخيرًا أعطتني درسًا في النحو؛ فعلمتني أن الظروف ثلاثة: ظرف زمان، وظرف مكان، وظرف حيرة بينهما!!
(1/282)

3- القلم الثائر لسلمى محمود شاكر1
ها هو قلمي يصارع أمواج السطور المتلاطمة من حوله، ويعلن حالة استنفار لم يعهد لها مثيل، ويتمطّى أنامل يدي، ويمتزج بها، وكأنه الأصبع السادس لها، ويطالبني بالعزف على أوتاره، والشروع بإزالة حبره الذي سئم من طول الانتظار، ويهمس همسات توحي بالشفقة والاستعطاف بأن أمده بأفكار يشدو بها.
لكن ماذا عساي أن أقول لهذا التمرد، فقد ماتت العبارات في جوفي، واختنقت العبرات في حلقي، فلم يعد يسمع حتى الأنين، وآثر قلبي الصبر على الحنين.
لكن هذا القلم العابث الثائر حرك كل ما بداخلي حتى زلزلني البركان، وهو كياني.
سأكتب، نعم، اليوم سأكتب، وفي هذه الساعة بالذات، سأكتب وسأفرغ كل ما يصول ويجول في صدري، وكل ما يعتمل في نفسي، وأملي على هذا القلم الذي ما زال يحلم بأن تظهر كتاباته إلى النور، ويرى العالم الذي أظل أسيره طويلًا، خوفًا من النظرات التي ستحيط به وتلاحقه.
لكن اليوم عاد وكأن شيئًا لم يكن، والخوف مات ولن يعود. اكتب أيها القلم، اكتب فلا تثريب عليك اليوم!
__________
1 طالبة بمركز الطالبات، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المستوى السابع 1420هـ.
(1/283)

الفصل الخامس: القصة
مدخل
...
الفصل الخامس: القصة
1- توطئة: العرب والقصَص:
مادة "قص" في اللغة تعني: التتبع والاقتفاء. يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء. منه قوله تعالى حكاية عن أم موسى حين استجابت لأمر ربها وألقت بابنها في اليم: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} 1 أي: تتبعي أثره حتى تكوني على علم بما يحدث له2.
ولا يستطيع إنسان أن يتصور وجودًا بشريًّا يخلو من القصة، مهما كان لونها وأسلوبها، فالقصة ـ بهذا المفهوم ـ ملازمة للوجود البشري فوق سطح هذه الأرض، إذا لا يتصور وجود بشري خالٍ من الحركة الدائبة، والسعي الدائم، والعمل المستمر من أجل الحفاظ على الحياة، ولا يتصور وجود هذه الحركة والسعي والعمل خاليًا من الصراع والاحتكاك. فلابد من وجود أحداث تذكر، ومواقف تعاد وتحكى، ومشاهد تنقل وتروى لمن لم يشاهدها. فالاقتضاء والتتبع ملازمان للوجود البشري على الأرض لا تختص بهذا جماعة دون جماعة"3.
وقد عرف الجاهلي القصة ومارسها من خلال شكلين من أشكال الأدب:
__________
1 سورة القصص: بعض الآية"11".
2 د. إبراهيم عوضين: في الأدب العربي المعاصر، "ط1".مطبعة السعادة، القاهرة 1395هـ، 1975م، ص 116".
3 المرجع السابق، ص116.
(1/285)

الشكل الأول: قصص الأمثال:
فقد شاعت عند الجاهلين الأمثال، "ويشير كل مثل إلى قصة ضخمة فإذا قيل: "أشأم من البسوس" فيعنون قصة الحرب الدامية بين بكر وتغلب. وإذا قيل: "أوفى من السموءل" أرادوا قصة وفاء السموءل الذي رفض تسليم دروع لغير صاحبها فكانت حياة ابنه ثمنًا لهذا الوفاء. وإذا قيل: "رجع بخفي حنين" أشاروا إلى قصة الإسكاف الحيري الذي ضحك على الأعرابي، وسرق منه بعيره بعد أن ألقى بخفين في طريقه، أحدهما يبعد عن الآخر"1.
وهذه القصص -لا تزال إلى اليوم- تشهد "على ما أنتج خيالهم، وصاغت قريحتهم من قصص ... ترينا جموح خيالهم، وسبحات فكرهم، ونظم حياتهم، وتقلبهم في بلادهم، كما ترينا مختلف طبائعهم وعاداتهم ومعتقداتهم"2.
الشكل الثاني: القصص الشعري:
من ذلك ما نراه في المعلقات وغيرها من قصائد الشعراء الجاهليين من نحو مقطوعات الأعشى في الملوك والقرون الخالية، وعينية لقيط بين يعمر الإيادي، ومعلقة عمرو بن كلثوم، وشعر امرئ القيس وغيره.
ومن ذلك قول حاتم الطائي في وصف كرم له مع طارق ليلي:
__________
1 د. السيد مرسي أبو ذكري: القصة في الأدب المعاصر، ط1، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1408هـ، 1988م، ص39، 40.
2 د. إبراهيم عوضين: في الأدب العربي المعاصر "بتصرف يسير"، ص120، 121.
(1/286)

وداعٍ دعا بعد الهدوِّ كأنما ... يقاتل أهوال السرى وتقاتله
دعا يائس شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يحاوله
فلما سمعت الصوت أقبلت نحوه ... بصوت كريم الجد حلو شمائله
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... رشدت ولم أقعد إليه أسائله
وقمت إلى برك هجان أعدها ... لوجبة حق نازل أنا فاعله
بأبيض خطت نعله حيث أدركت ... من الأرض لم تخطل عليّ حمائله
فجال قليلا وأتقاني بخيره ... سنامًا وأملاه من النِيِّ كاهله
فخر وظيف العزم في نصف ساقه ... وذاك عقال لا ينشط عاقله1
لقد عرف الأدب العربي إذن فن القصة ساذجًا في العصر الجاهلي في أيام العرب وحروبهم وأمثالهم. وفي العصر العباسي في حكايات "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" و"مقامات بديع الزمان الهمذاني"، والحريري ثم عرفه قويًّا مكتمل الخصائص في العصر الحديث نتيجة لعوامل النهضة وتطورها، مارًّا بالمراحل الآتية:
2- القصة في الأدب العربي الحديث:
مرت القصة العربية بثلاث مراحل هي مرحلة الترجمة، ومرحلة التعريب، ومرحلة التأليف.
__________
1 حاتم الطائي: ديوانه، تحقيق عادل سليمان، ص287.
(1/287)

أ- مرحلة الترجمة:
1- بدأت بترجمة القصص الأجنبية مع الاحتفاظ بمعالمها وشخصياتها وأحداثها، ومن المترجمين رفاعة الطهطاوي في "مغامرات تليماك" عن الفرنسية، ثم محمد عثمان جلال في قصة "بول وفرجيني".
2- وعندما هاجر إلى مصر عدد من السوريين "في أواخر القرن التاسع عشر" أسهموا في ترجمة العديد من القصص، وكان لهم أثر في تنشيط حركة الترجمة، ومنهم نقولا رزق الله الذي ترجم "سقوط نابيلون الثالث".
وانتهى القرن التاسع عشر، ولا تزال الترجمة هي المسيطرة على القصة، ولكنها كانت ترجمة ضعيفة الأسلوب، هابطة المستوى، غير جيدة الموضوع والهدف.
ب- مرحلة التعريب:
وفي أوائل القرن العشرين ظهرت إلى جانب حركة الترجمة حركة التعريب أو التمصير، وذلك بإعطاء شخصيات القصص وأماكنها أسماء عربية، والتصرف في بعض أحداثها لتلائم الجو المصري أو العربي، ومن ذلك "البؤساء" لفيكتور هوجو التي ترجمها حافظ إبراهيم عن الفرنسية، مع أنه لم يكن متمكنًا في هذه اللغة.
والمنفلوطي في رواياته "الفضيلة، ماجدولين، الشاعر، في سبيل التاج"، وقد ترجمت له، ثم تولى تعريبها بأسلوبه السلس العذب.
والتعريب علم غير فني، وغير خلاق؛ لأنه يعتمد على نتاج الآخرين، ولأن المعرب يستبيح لنفسه التغيير في الأصل الذي ينقل عنه، وربما قصر في نقل جوانب أرادها المؤلف، ولذلك تعثر التعريب، ومضت الترجمة في طريقها.
(1/288)

ولما انتهت الحرب العالمية الأولى نشطت ترجمة القصص واتجهت في طريقين:
أحدهما: يحاول الإثارة، وتزجية الفراغ، بالقصة الغرامية والبوليسية التي كانت تترجم بسرعة، في أسلوب ركيك ضعيف، وفي اتجاه يسيء إلى عقلية الشباب ونفوسهم.
والثاني: اهتم فيه المترجمون بالموضوع والأسلوب معًا، مثل ترجمة الزيات لقصة "آلام فرتر"، ومحمد عوض محمد في ترجمته لقصة "فاوست" وأحمد زكي في ترجمته لقصة "جان دارك".
جـ- مرحلة التأليف:
1- بدأ تأليف القصة على شكل مقامة تنقد المجتمع مثل "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، "وليالي سطيح" لحافظ إبراهيم.
2- ثم ظهرت القصة التاريخية على يدي البستاني في قصة "زنوبيا"، وجرجي زيدان في قصصه الإسلامية مثل "أبو مسلم الخرساني", "فتاة غسان"، و"غادة كربلاء"، و"عبد الرحمن الناصر" ... وغيرها، ومحمد فريد أبو حديد في "الملك الضليل"، و"عنترة"، وعلي الجارم في "غادة رشيد"، و"فارس بين حمدان"، و"هاتف من الأندلس".
وفي هذا اللون من القصص كان التاريخ هو الذي يحدد الشخصيات والأحداث مما يقيد المؤلف.
3- أما القصة الاجتماعية فقد ظهرت عام 1904 على يد الدكتور محمد حسين هيكل في "زينب" التي صور فيها الريف المصري بعاداته وتقاليده. ولكن يؤخذ على هذه القصة الاستطراد في السرد، والميل إلى المبالغة،
(1/289)

ومع هذا يعد الدكتور هيكل أول من ألف رواية اجتماعية عربية خالصة، فتح بها الباب أمام معاصريه1. فظهرت القصص المتنوعة، التي تعنى بالمشكلات الوطنية والقومية مثل "عودة الروح" لتوفيق الحكيم2، و"الثلاثية" لنجيب محفوظ، و"الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي. والقصص التي تعنى بالتحليل النفسي مثل "سارة" للعقاد. أو نقد العيوب الاجتماعية مثل قصص محمود تيمور، وإبراهيم المصري، ويحيى حقي، وإبراهيم الورداني، وإحسان عبد القدوس. والتي تصور الطبقات الشعبية الكادحة مثل قصص نجيب محفوظ، ويوسف إدريس.
__________
1 انظر في تحليل هذه الرواية كتاب د. عبد المحسن طه بدر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر "1870-1938"، ط5، دار المعارف، القاهرة 1992، ص 322، 337.
2 انظر في تحليلها المرجع السابق، ص 376، 400.
(1/290)

الفرق بين الخبر والقصة
من المعروف -كما يقول د. رشاد رشدي في كتابه "فن القصة القصيرة"-: "أن القصة تروي خبرا، ولكن لا يمكن أن نعد كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة. فلأجل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوافر فيه خصائص معينة، أولها أن يكون له أثر كلي"1.
وهذا يعني أن مجموعة الأخبار التي تروى ينبغي أن يتصل بعضها مع البعض الآخر ليحدث أثرا كليا.
وهذه الأخبار -التي تحدث أثرًا كليا- تكون حول موضوع واحد، له بداية، ووسط، ونهاية.
__________
1 رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، "ط3"، دار العودة بيروت،1984م. ص15.
(1/290)

إن هذه الأخبار -بصورة أخرى- تصور حدثًا في ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: البداية "الموقف"، والمرحلة الثانية: الوسط "الذروة"، العقدة"، والمرحلة الثالثة: النهاية "لحظة التنوير".
(1/291)

أنواع القصة "من حيث القالب"
تعريف القصة: قالب تعبيري، "يعتمد فيه الكاتب على سرد أحداث معينة تجري بين شخصية وأخرى أو شخصيات متعددة، يستند في قصها وسردها على الوصف مع عنصر التشويق حتى يصل بالقارئ أو السامع إلى نطقة معينة تتأزم فيها الأحداث وتسمى "العقدة"، ويتطلع المرء معها إلى الحل حتى يأتي في النهاية. ويرى بعض النقاد أن العقدة والحل غير لازمين لفن القصة"1.
__________
1 د. عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1400هـ، 1980م، ص12 "بتصرف يسير".
(1/291)

1- الحكاية:
تحكي واقعة من "الوقائع الحقيقية أو الخيالية -الأسطورية أو الخرافية- دون التزام بقواعد الفن القصصي"1. ويمكن أن تمثل لها بالنوادر والحكايات التي ترويها كتب الأدب مثل "الأغاني"، و"البيان والتبيين"، و"زهر الآداب" ... وغيرها، وفي أدبنا العربي كتب كاملة تحوي هذا الفن مثل "كلية ودمنة" لابن المقفع، و"البخلاء" للجاحظ، و"ألف ليلة وليلة".. وغيرها.
__________
1 المرجع السابق، ص12.
(1/291)

2- الأقصوصة:
قصة قصيرة تصور جانبًا من الحياة، يحلل فيها الكاتب جانبًا من جوانب الفن القصصي، كالحدث أو الشخصية، "وقد لا يُعنى فيها بالتفاصيل، ولا
(1/291)

يلتزم ببداية ونهاية ... وقد تدور حول مشهد، أو حالة نفسية، أو لمحة محددة. ويمكن -لقصرها- أن تقرأ في جلسة واحدة خلال فترة قصيرة1، ومن أمثلتها قصص "كل عام وأنتم بخير" لمحمود تيمور، و"هل" لمحمد جبريل، و"الزمردة الخضراء" لعبد الله باقازي، و"الناس والعيب" لعنتر مخيمر، و"وجوه وأحلام" لأحمد زلط"، و"عسل الشمس" لفؤاد قنديل، و"رشق السكين" لمحمد المخزنجي.
__________
1 المرجع السابق، ص13.
(1/292)

3- القصة:
"وهي وسط بين الأقصوصة والرواية، إذ تُعالج فيها جوانب أوسع وأحداث أرحب من أحداث سابقتها، ويشترط فيها من الناحية الفنية أن تحتوي على التمهيد للأحداث والعقدة التي تتشابك عندها وتشوق القارئ للحل، ثم الحل الذي يأتي في النهاية، فيستريح معه القارئ"1.
ومن القصاصين العرب الذين أبدعوا في فن القصة: محمود تيمور، وإبراهيم المصري، ويحيى حقي، ونجيب محفوظ، ومحمد جبريل.. وغيرهم.
__________
1 المرجع السابق، ص13.
(1/292)

4- الرواية:
"وهي أوسع من القصة في أحداثها، وشخصياتها، عدا أنها تشغل حيزًا أكبر، وزمنًا أطول، وتتعدد مضامينها كما هي في القصة، فيكون منها الروايات العاطفية والفلسفية والنفسية والاجتماعية والتاريخية"1.
__________
1 المرجع السابق، ص14.
(1/292)

ومن كتابها: نجيب محفوظ، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وثروت أباظة، وفتحي غانم، وطه وادي، ونجيب الكيلاني، ومحمد جبريل، ومحمد عبده يماني، والطيب الصالح،، وحنا مينه، وعبد الله الجفري.. وغيرهم.
(1/293)

أشكال السرد القصصي
1- المقال القصصي:
ونجده عن المنفلوطي في "النظرات" وأحمد حسن الزيات في بعض مقالات "وحي الرسالة" مثل "ضحية من هذا؟ "، و"غني فقير"، و"غراب وطفل"..وغيرها.
(1/293)

2-المذكرات اليومية:
يمتد الكاتب على تسجيل المذكرات اليوميبة مؤرخة يومًا بعد يوم، ثم يربط بينها لتؤدي مضمونًا قصصيًّا يحمل قضايا يريد توصيلها للقارئ، ومن أمثلة ذلك "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، و"مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة، و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" لمحمد جبريل.
(1/293)

3- المقامة:
قد يفرغ بعض الكتاب المعاصرين قصصهم في شكل المقامة، مثل المويلحي في "حديث عيسي بن هشام"، وعباس الأسواني في "المقامات الأسوانية".
(1/293)

4- الرسالة:
قد تكتب القصة في قالب رسالة كما في "ماجدولين" التي عربها المنفلوطي.
(1/293)

5- القصة الشعرية:
قد تكون في قالب شعري، ومنها قصص شوقي الشعرية للأطفال، وقصص إيليا أبي ماضي الشعرية الرمزية ومنها "الحجر الصغير" و"التينة الحمقاء" وقصص خليل مطران الشعرية.. وغيرها.
(1/294)

عناصر الفن القصصي
مادة العمل القصصي
...
عناصر الفن القصصي
أ- مادة العمل القصصي:
يواجه الكاتب القصصي مواقف كثيرة في الحياة بما فيها من أشخاص، وأحداث، وأماكن، وأزمان، وأجناس من مختلف الأعمار، ويتأمل ما يحدث له أو للآخرين، ويكتسب من خلال ذلك كله خبرة خاصة تكون مادة لعمله القصصي. كما يحصل عن طريق القراءة على خبرات الآخرين وهي أوسع من الخبرات الذاتية المحدودة بالزمان الذي يعيش فيه، وبالمكان الذي يتحرك في دائرته، فيتخذ من ذلك أيضًا مادة لعمله القصصي.
وخلاصة ذلك أن مادة العمل القصصي ترجع إلى مصدرين هما:
أ - الخبرات الذاتية التي يحصلها الكاتب من خلال تجاربه الخاصة.
ب - الخبرات التي يحصلها من خلال تجارب الآخرين عن طريق القراءة.
(1/294)

ب- الموقف النقدي من هذه المادة:
يرى النقاد أن الخبرة الذاتية تستوفي عنصر الصدق، أما الخبرة الحاصلة من تجارب الآخرين فينقصها هذا العنصر، وذلك يقلل من قيمتها. فمن يكتب
(1/294)

عن الريف وهو يعيش في المدينة، مكتفيًا بما يسمع أو يقرأ عنه، لا يجيد كمن يعيش في الريف، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يكتفي بتجاربه الذاتية، فلا بد له أن يفيد من خبرات الآخرين، بشرط أن يهضمها ويتمثلها تمثلًا جيدًا، حتى تصبح كأنها خبراته الخاصة ويكون صادقًا مع نفسه في كل ما يكتب، وبهذا يستمد عمله القصصي من خبراته وخبرات الآخرين.
كيف يستخدم الكاتب هذه المادة:
حين يعود كاتب القصة إلى نفسه ليستمد من خبراته المخزونة مادة قصته لا يتقيد بعرضها علينا في عمله الفني مرتبة، كما وقعت في الحياة، بل يختار من المواقف والأحداث والأشخاص ما يراه لازمًا لتكوين شكل خاص، له هدفه المحدد، ومغزاه الذي يريده. وقد تكون الحادثة تاريخية، فيجد نفسه يضيف إليها من خبراته الخاصة ما يجعل لها مغزى جديدًا. وأهمية المادة لا تأتي من أهمية الحادث، أو أهمية التاريخ، وإنما من تعميق الكاتب لها، ونظرته الفاحصة إليها من كل جوانبها، وإكسابها قيمة إنسانية.
(1/295)

جـ- عناصر الفن القصصي هي:
1- الحادثة.
2- الشخوص.
3- البناء: ويتضمن العقدة والحل.
4- الزمان والمكان.
5- السرد والحوار والوصف.
6- الفكرة.
(1/295)

1- الحادثة:
"وهي الموضوع الذي تدور حوله القصة"1، وهي مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروى فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث. فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل، إلى غاية محدودة. وهذا النوع من القصص الذي يعنى بسرد الأحداث -سواء أكانت تاريخية أم شبه تاريخية كما في قصة "عنترة" لمحمد فريد أبي حديد، أو "هاتف من الأندلس"، أو "فارس بني حمدان" لعلي الجارم أم كانت مما يحدث في حياتنا الواقعية- يسمى قصة الحادثة" أو "القصة السردية".
وللأحداث في القصة أثر كبير في نجاحها، ولا سيما إذا استطاع الكاتب أن يحتفظ في كل مرحلة من مراحل عرضها بعنصر التشويق الذي يعد من أهم وسائل إدارة الأحداث إن لم يكن أهمها جميعًا، فهو الذي يثير اهتمام القارئ، ويشده من أول القصة إلى آخرها2.
2- الشخوص:
وعددهم يقل أو يكثر تبعًا لنوع القصة، فالقصة التاريخية أو الاجتماعية تكثر فيها الأشخاص. أما القصة التحليلية أو العلمية فيقل أشخاصها، وتقاس براعة الكاتب بمدى نجاحه في رسم كل شخصية، وتمييزها بسمات خاصة تجعلها حية كأنها ترى بالعين، ورسم الشخصية يقتضي من الكاتب الالتفات إلى ثلاثة أمور:
__________
1 د. عزيزة مريدن: القصة والرواية، ص25.
2 المرجع السابق، ص25.
(1/296)

أ - التكوين الجسمي والملامح البارزة في الشخصية" وهذا هو البعد الظاهري".
ب - التكوين الاجتماعي، وهو ثقافتها، والبيئة التي تتحرك فيها.
جـ- التكوين النفسي والطابع المميز للشخصية "وهذا هو البعد الباطني".
وينقسم الشخوص من حيث التكوين النفسي إلى نوعين:
أ- نوع يسمى بالشخصية المسطحة:
وهي الشخصية الثابتة التي لها طابع واحد في سلوكها وفي انفعالها في جميع المواقف" ويعاب هذا النوع من الشخوص، ولا سيما حين يكون من الشخصيات الرئيسية في العمل القصصي".
ب- ونوع يسمى بالشخصية النامية أو المتطورة:
وهي التي تتكشف لنا جوانبها وأبعادها مع تطور القصة، فلا تكتمل لنا صورتها إلا بانتهاء القصة نفسها" وهذا هو النوع الأجود في الفن القصصي".
والشخوص في العمل القصصي من حيث دورها نوعان:
أ- شخوص أساسيون:
وهم الأبطال الذين تدور حولهم الأحداث أو معظمها، فليس المقصود بالبطولة في القصة شجاعة البطل، بل المقصود تعلق أحداث القصة وغايتها النهائية بشخصه، فبطل القصة هو الشخصية المحورية فيها.
ب- شخوص ثانويون:
وهم الذين يقومون بأدوار ثانوية لها أهميتها في إكمال الإطار القصصي
(1/297)

وتساعد في ربط الأحداث أو إلقاء مزيد من الضوء على ما يجري من أحداث، أو مساعدة البطل في المواقف المختلفة، ولذلك يظهرون ويختفون تبعًا للمواقف.
3- البناء: ويتضمن: العقدة والحل:
يتكون إطار العمل القصصي من مجموع الأحداث والوقائع التي يؤلف بينها الكاتب علي نحو بعينه، فالأحداث والوقائع إذن هي المادة التي يبني منها الكاتب عمله القصصي، وتختلف طريق بناء العمل القصصي باختلاف نوع القصة طولًا وقصرًا، كما تختلف وفقًا لتصور الكاتب لإطار عمله ومادته وطريقة كتابتها من حيث عدد الفصول، والبدء والختام، والمهم هو ترابط الأحداث بحيث يؤدي بعضها إلي بعض، وتتجه شيئًا فشيئًا إلى تكوين العقدة، وتنتهي بحلها.
ويقاس نجاح كاتب القصة بمدى تشويقه للقارئ حتى يستمر في متابعة أحداثها إلى النهاية، والرأي الغالب عند النقاد أن كل عقدة في القصة لها حل، ويرى بعضهم ترك الحل لذكاء القارئ، وقد تكون نهاية المشكلة بداية مشكلة أخرى، فلا مبرر لوضع نهاية للقصة.
4- الزمان والمكان:
معرفة البيئة الزمانية والمكانية ضرورية لفهم الواقع والأحداث وسلوك الأشخاص، وتقدير القيم التي يمثلونها؛ فالعصر الجاهلي في مبادئه غير العصور الإسلامية في قيمها الروحية ونظمها السياسية والاجتماعية، كما أن بيئة الريف غير بيئة المدينة، والحياة في الشرق غيرها في الغرب. والكاتب الناجح هو الذي يلتزم في عرض الأشخاص والأحداث بالمقومات العامة للبيئة.
(1/298)

الزمانية والمكانية، فلا يخرج عنها، ولا يقحم فيها ما لا يوافقها.
5- السرد والحوار والوصف:
السرد: هو نقل الأحداث والمواقف من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية تجعل القارئ يتخيلها وكأنه يراها بالعين، وهناك ثلاثة طرق لسرد أحداث القصة وهي:
أ- الطريقة المباشرة:
وهي أكثر الطرق شيوعًا، وفيها يروي المؤلف ما يحدث للآخرين فيقول مثلًا: "هجم عنترة على المقاتلين من فرسان طيئ.." إلخ.
ب- طريق السرد الذاتي:
وفيها تروى الأحداث على لسان المتكلم، وهو غالبًا بطل القصة، ويبدو المؤلف كأنه هو البطل مثل: "إني أقف حائرًا في مفترق الطرق بين عقلي وعاطفتي ... إلخ".
جـ- طريقة الوثائق:
وفيها يعتمد المؤلف على الخطابات والمذكرات واليوميات، ويتخذ منها أدوت لبناء قصة مترابطة الأجزاء مثلما فعل محمد جبريل في رواية "من أوراق أبي الطيب المتنبي".
والحوار: هو حديث بين الأشخاص، وفائدته جعل القارئ أكثر قربًا من المواقف، وبعث الحيوية في المشهد، والاعتماد يكون أساسًا على السرد، أما الحوار فتكملة، ويشترط ألا يزيد عن ثلث القصة حتى لا تتحول إلى مسرحية..
أما الوصف: فأسلوب يتخلل العمل القصصي كله، ويمهد له الكاتب
(1/299)

بعبارات المتحاورين مثل: "وكان عنترة يمتطي جواده فنزل عنه وهو يقول: سمعًا وطاعة يا سيدي"، وقد يستخدم الوصف غير مرتبط بالحوار مثل: كان الربيع يغطي جوانب الوادي بكساء من الحشائش الخضراء، والأزهار الناضرة". وفائدة الوصف نقل الجو الذي تجري فيه الأحداث، وتهيئة نفس القارئ لها. ومقياس نجاحه قوة التأثير في نفس القارئ بما يلائم الموقف.
ويرى بعض الواقعيين في القصة أن تكتب القصة أو ما فيها من حوار باللغة العامية1 لأن ذلك يحقق الواقعية، وهذا غير مقبول؛ لأن الواقعية تأتي من الأحداث لا من اللغة، كما أن تطبيق واقعية اللغة غير ممكن إذا تعددت الجنسيات في القصة، وفضلًا عن ذلك إن فن القصة اختيار، وليس نقلا للواقع.
6- الفكرة:
وهي المغزى الذي يرمي إليه الكاتب من تأليف القصة، والهدف الذي يهدف إلى تقريره، وهي غالبًا الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة، أو السلوك الإنساني، وذلك يثير إعجابنا بالقصة. وليست الفكرة وحدها مصدر إعجابنا في العمل القصصي، وإنما يلعب الشكل الفني دوره أيضًا، فقد تكون القصة ناجحة من حيث الإطار الفني، ولكنها تنطوي على فكرة لا تعجبنا. ومن هنا لا بد من الملائمة بين الفكرة والإطار الفني الذي تخرج لنا فيه.
__________
1 انظر في معالجة هذه الفكرة كتاب د. عبد الفتاح عثمان: بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة 1982م، ص 238 وما بعدها. وكتاب د. عزيزة مريدن "القصة والرواية" مرجع سابق، ص 55 وما بعدها.
(1/300)

الاتجاهات العامة للقصة
القصة الرومانسية
...
الاتجاهات العامة للقصة:
تعرف القصة باتجاهات عامة منها:
أ- القصة الرومانسية: وتعتمد على الخيال الحزين، والحوار الذاتي ورفض الواقع، والاتجاه إلى الطبيعة ومظاهر جمالها، ومن نماذجها: "إني راحلة" و"بين الأطلال" ليوسف السباعي، و"الجنة العذراء" لمحمد عبد الحليم عبد الله، و"الحب شيء آخر" لعنتر مخيمر.
(1/301)

ب- القصة الواقعية: وتنتزع أحداثها من الحياة العملية، ومن نماذجها: "الحرام" ليوسف إدريس، و"كل عام وأنتم بخير" لمحمود تيمور، و"عسل الشمس" لفؤاد قنديل، و"وجوه وأحلام" لأحمد زلط.
(1/301)

جـ- القصة التاريخية: وتستمد أحداثها من التاريخ، ومن نماذجها: "دماء" لفطير صهيون"، و"قاتل حمزة"، و"عمر يظهر في القدس" لنجيب الكيلاني، و"قلعة الجبل" لمحمد جبريل.
(1/301)

د- القصة الاجتماعية: وفيها تصوير أو نقد للعادات والبيئات، ومن نماذجها معظم قصص نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ويوسف جوهر، وإبراهيم الورداني، ونجيب الكيلاني، وعنتر مخيمر، وعلوي طه الصافي، وعبد العزيز المشري.
(1/301)

هـ- القصة التحليلية النفسية: وفيها تركيز على شخصية خصبة أو نادرة بالتحليل والتفسير، ومن نماذجها: رواية "السراب" لنجيب محفوظ، ومعظم قصص إبراهيم المصري القصيرة.
(1/301)

و القصة البوليسية: وتعتمد على الجرائم، ووسائل كشفها ومقاومتها، ويهتم فيها بتصوير المغامرات والمفاجآت، ومن نماذجها: "قاضي البهار ينزل البحر" لمحمد جبريل.
(1/302)

ز- القصة العلمية: وتدور حول الاكتشافات والمخترعات من نماذجها بعض روايات مصطفي محمود، ونهاد شريف.
وليس هناك ما يمنع أن تحمل القصة وصفين معًا كأن تكون واقعية اجتماعية، أو تحليلية علمية، وتخضع هذه التسمية لطبيعة الموضوع وطريقة الكاتب.
(1/302)

دراسة تطبيقية لعناصر العمل القصصي في قصة "أبو الفوارس"عنترة بن شداد"
ملخص القصة
...
دراسة تطبيقية لعناصر العمل القصصي في قصة "أبو الفوارس: "عنترة بن شداد" للأستاذ محمد فريد أبي حديد
ملخص القصة:
كان "عنترة" يقود قافلة من الإبل يتقدمها جمل"عبلة" بنت "مالك العبسي" وهي عائدة من عرس ابنة خالتها في قبيلة "هوازن"، ومعها عدد من فتيات "عبس" وتوقفت القافلة للراحة. وكان واضحًا أن "عنترة" يهتم بعبلة، فقد كان في قرارة نفسه يحبها، ولم يخف اهتمامه بها على صاحباتها وفي مقدمتهن "مروة" بنت "شداد" التي كانت تنتهز كل فرصة للتعريض بها في مكر وذكاء، وأقبلت الفتيات على الأكل والمرح والغناء، بينما راح "عنترة" يطوف بأرجاء المكان ليطمئن على سلامة القافلة، ثم جلس وحيدًا على كثيب من الرمل، وفي نفسه مشكلة ملأت قلبه همًّا، وهي أنه مجرد عبد من عبيد "شداد" وإن
(1/302)

كان أعظم فرسان القبيلة، وأقبل عليه أخوه "شيبوب" فحدثه عنترة بحبه لعبلة، ورغبته في زواجها، لكن أخاه يبين له أن ذلك يعرضه للخطر، لأنه عبد وأبوها "مالك" لن يقبل زواجه منها، بل ربما انتقم منه لتشهيره بها في أشعاره.
وتصل القافلة إلى ديار "عبس" فيذهب عنترة إلى شداد فيجده بين زعماء القبيلة، في سرادق كبير أقيم احتفالًا بأحد الأعياد الجاهلية، فيجد هناك "عمارة بن زياد" الشاب الوسيم الذي يريد الزواج من "عبلة" والذي يتحرش بعنترة ويعيره بأمه الجارية، ويدعو "عنترة" للمبارزة، فيعلوا صراخ النسوة وتسود الفوضى، ويسرع "شداد" إلى اجتذاب "عنترة" ويخرج به إلى الخلاء فينتهز "عنترة" الفرصة ويطلب منه الاعتراف بنسبه إليه، فيعترف بعد حوار طويل، ولكنه يرفض إعلان ذلك حتى لا يفاجئ قومه بهذه الحقيقة فيغضب "عنترة" ويقرر ألا يقوم للقبيلة إلا بأعمال العبيد، ولن يتصدى للدفاع عنها. ويخرج إلى الوادي ليرعى الإبل، فيجيء أخوه "شيبوب" وينقل إليه خبرًا مزعجا، وهو أن "مالك بن قراد" قرر تزويج ابنته "عبلة" من "عمارة بن زياد" فيعود "عنترة" مسرعًا إلى الحي، ويتحرش بعمارة.
وفي يوم خرج فرسان "عبس" للإغارة على قبيلة "طيئ"، فلم يخرج معهم "عنترة" وقام فرسان "طيئ" بغارة مفاجئة على "عبس" التي لم تكن فيها غير النساء والكهول وعدد قليل من الفرسان بقيادة "شداد"، فانهارت مقاومة عبس، واكتسح فرسان "طيئ" النساء وحطموا الخيام، وأشعلوا النار وأسروا"عبلة"، وكان "عنترة" ممتنعًا عن دخول المعركة لأنه عبد، وظيفته الرعي لا القتال، وجعل "شداد" يلح عليه للاشتراك في المعركة حتى يعترف به، فلما تحقق أمله انطلق بفرسه يهاجم فرسان "طيئ" حتى كسر شوكتهم، ومزق
(1/303)

جمعهم، ففروا وظل يطاردهم حتى استعاد "عبلة" وأنقذها من أيديهم، وتفرح عبس بالنصر وسلامة عبلة.
ولكن الموقف يتأزم بعد ذلك بين "عنترة" و"مالك بن قراد" بسبب خطبة عبلة "لعمارة بن زياد"، فيرحل مالك بأسرته إلى "بني شيبان" فيتقدم "بسطام بن مسعود "سيد القوم" لخطبة "عبلة" فيتحرج مالك، ويخشى عناد "عنترة"، فيعلن "بسطام" استعداده للقضاء عليه، ثم تدور مبارزة بينهما يتغلب فيها "عنترة" على "بسطام" ويكتفي بتقييده بالحبال، وتسليمه لأبيه، فلم يجد مالك بدًّا من قبول "عنترة" زوجًا لعبلة بشرط أن يمهرها ألفًا من النوق العصافير، وهو يعلم أن "عنترة" سيعجز عن دفع هذا المهر؛ لأن هذا النوع من الجمال لا يملكه إلا "النعمان بن المنذر" ملك "الحيرة".
ويقوم "عنترة" بمغامرة جريئة على مراعي "النعمان" بالعراق، ويسوق الإبل، فيطارده حراسها حتى يقبضوا عليه جريحًا ويلقوه في سجن "النعمان" إلى أن يشفى من الجراح، ويعلم "النعمان" بقصته فيعجب بشجاعته، ويعفو عنه، وتطول مدة إقامة عنترة، حتى يعتقد أهله أنه مات، وبعد فترة يهب له "النعمان" ألفًا من النوق العصافير، فيعود بها إلى عبس، ويلقاه أخوه "شيبوب"، ويخبره أن "عبلة" سوف تزف إلى "عمارة بن زياد"، ثم تخرج القبيلة كلها لاستقبال "عنترة" الذي وزع كثيرًا من الهدايا عليهم، وجاء بالنوق العصافير، ثم يتزوج "عنترة" من "عبلة" وتقام الأفراح.
(1/304)

عناصر القصة:
1- الحادثة: وهي سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع، تسير في اتجاه
(1/304)

محدد، نحو غاية محددة، فهي جميعًا ترتبط برغبة "عنترة" في الظفر بحريته، وتأكيد مكانته في قبيلته، ليصبح أهلًا للزواج من "عبلة". وقد انتهت هذه السلسلة من الوقائع إلى هذه الغاية، حتى جنى "عنترة" ثمرة كفاحه الطويل؛ فقد حصل على حريته، وتزوج "عبلة". والكاتب هنا يعتمد على سرد وقائع تاريخية أو شبه تاريخية. وهذا النوع يسمى "القصة التاريخية".
2- الشخوص: ظهر كثير منهم في هذه القصة، أمثال: عنترة، وأمه زبيبة وأبيه شداد، وعبلة، ومالك، وعمارة، وشيبوب، ومروة، وبسطام، والنعمان.
والكاتب وصفهم لنا، وجعلنا نتعرف على ملامحهم. من ذلك وصفه لعنترة " وكان الفتى شابًّا أسمر اللون. يشبه قوامه الرمح الذي في يمينه: قامة عالية، ورأس مرفوع، وصدر فسيح، وقد شمر عن ذراعين مفتولين، وكان الناظر إلى وجهه يرى أنفه الأقنى "المقوس" ينحدر على فم قوي، فيه شيء من الغلظ، ويلمح على جبينه عبسة فيها شيء ينم عن حزن كمين ... ".
فأنت ترى في هذا الوصف أمرين:
1- تكوينه الجسمي "وهو البعد الظاهري".
2- تكوينه النفسي "وهو البعد الباطني"، فكأنك تراه وتحس بما في قلبه من حزن.
وهؤلاء الشخوص بعضهم شخصيات رئيسة: "كعنترة وعبلة"، وبعضهم ثانويون "مثل بقية الأشخاص"، والشخص الرئيس هو البطل، وهو الشخصية المحورية "النامية" والمتطورة التي تتكشف لنا جوانبها وأبعادها.
(1/305)

شيئًا فشيئًا من خلال المواقف والأحداث، فبالرغم من أن "عنترة" شخصية تاريخية معروفة، نجح الكاتب في أن يجعل منها شخصية رئيسة تنكشف لنا أبعاد جديدة لها كلما أوغلنا معها في الحركة، وتتبعنا سلوكها في المواقف المختلفة. فمنذ البداية كانت الأزمة النفسية "لعنترة" هي شعوره بالمهانة فتضخمت هذه الأزمة في نفسه، ودفعته إلى التمرد على نفسه، وعلى أمه، وعلى أبيه، ثم على القبيلة كلها، ولهذا كان "عنترة" في البداية يختلف عنه في النهاية، كان عبدًا منبوذًا فصار بكفاحه حرًّا شريفًا، يتزوج عبلة، ويتصدر القبيلة.
أما الشخصيات الثانوية: فتساعد على إبراز المواقف مثل "شيبوب" الذي استغله الكاتب عدة مرات في مراحل مختلفة من القصة، ليبرز لنا مشاعر عنترة، ويكشف عن أفكاره، كما استغله مرات أخرى في الكشف عن سر غامض يؤدى إلى حركة جديدة في سلسلة الأحداث، أو الإدلاء بمعلومة تؤدي إلى النتيجة نفسها: فبعد أن انتصر "عنترة" على فرسان "طيئ" راح يبحث عن "عبلة" فلم يجدها، فخرج يتلمسها في شعاب الوادي مع نساء القبيلة وفتياتها اللائي فررن ساعة الإغارة عليهن، فعرف من إحداهن أن فرسان "طيئ" أخذوا "عبلة" سبية، فسار لا يدري من أي طريق هربوا بها، حتى لقي أخاه "شيبوبًا" ودار بينهما حوار حول اقتفاء شيبوب أثر من خطفوا "عبلة" وتتبعه لهم، حتى عرف مكانهم، فدل "عنترة" عليه.
وهنا نلاحظ أن "شيبوبا" إنما ظهر لعنترة في هذا الموقف لكي يدله على مكان "عبلة" ويغلب على هذا النوع طابع الشخصية "المسطحة" التي تظهر بصورة محددة منذ البداية.
(1/306)

3- البناء:
والمألوف في أسلوب البناء أن يتبع الكاتب تخطيطًا محددًّا بحيث تبدو الأحداث مترابطة يؤدي بعضها إلى بعض، وتتجه شيئًا فشيئًا إلى التعقيد الذي يتطلب الحل، وبذلك تسير في خط ممتد بين الهدف والنتيجة، وهذا الشكل هو الذي يتمثل في قصة "عنترة" فالهدف هو الزواج من "عبلة" برغم منافسة "عمارة" مرة، و"بسطام" مرة أخرى، وممانعة "مالك" أبيها في هذا الزواج، والنتيجة كانت إيجابية، وانتهت القصة نهاية سعيدة بزواج "عنترة" من "عبلة".
وفيما بين الهدف والنتيجة ظل "عنترة" يتأرجح، فهو مرة يجد هدفه قريب التحقق، ومرة يجده بعيدًا، ومن ذلك أن "عنترة" بعد أن أنقذ ديار القبيلة كلها من المغيرين حسب أن "مالكا" سيوافق على زواجه من"عبلة" وكانت"عبلة" قد خطبت "لعمارة" فأراد أن يستوثق من مشاعر "عبلة" نحوه أولا، ولكنها راوغته في الحديث، وانتهى الأمر "بمالك" إلى أن أخذ أسرته كلها وهجر دياره، لكي يعيش مع أصهاره "بني شيبان، وعاد "عنترة" بعيدًا عن تحقيق هدفه، بعد أن ظن أنه قريب منه.
والأثر الفني لهذا الشكل البنائي في القصة أنه يشوق القارئ إلى الاستمرار في متابعة الأحداث في القصة حتى النهاية، لكي يعرف على أي نحو تكون النتيجة. وقد بنى الكاتب هذه القصة الطويلة من ستة عشر فصلًا في تخطيط محدد، وترابط وثيق، لتكوين العقدة بوضع العقبات في طريق زواج "عنترة" من "عبلة": فهو عبد أولا، و"عمارة" يخطبها مرة، و"بسطام" مرة أخرى، وأبوها يعارض، ثم يضع شرطًا صعبًا يؤدي إلى مغامرة كاد يذهب "عنترة" ضحيتها، وهي "النوق العصافير". ثم يأتي الحل السعيد بتحقيق الأمل، وإتمام الزواج، وقد نجح الكاتب في بناء هذه القصة المشوقة.
(1/307)

4- الزمان والمكان:
الزمان هو العصر الجاهلي، والمكان هو الجزيرة العربية، وهذا التحديد يساعدنا في فهم العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية التي عبرت عنها شخوص هذه القصة من ذلك.
أ - نظر القوم إلى "عنترة" وما كان عليه من عبودية.
ب - موقف الأب من الاعتراف بابنه على الرغم من تقاليد القبيلة.
جـ- نظرة القبيلة إلى فتى من فتيانها يحب فتاته، ويشيع حبه، وإنكارهم لذلك، وقد نجح الكاتب في تحريكه للأحداث والشخوص داخل الإطار الزماني والمكاني للقصة، فلم يقحم عليهما مما لا ينتمي إليهما.
5- السرد والحوار والوصف:
اعتمد الكاتب هنا على الطريقة المباشرة في السرد، ولم يكتفِ بمجرد سرد الأحداث، بل حاول في الوقت نفسه تصويرها مثل "أهوى1 عنترة على المقاتلين من فرسان طيئ في حنق2، منحدرًا كأنه صخرة تتهدى3 من قمة الجبل، فكان يضرب العدو حينًا بسيفه الذي في يمينه، ويطعنه حينًا برمحه الذي في يساره، ويصدمه بفرسه الأبجر4 الذي كان يندفع تحته كأنه يشاركه الحنق والحماسة" فقد رسم الكاتب بهذا السرد صورة للمعركة تعتمد على سلسلة متصلة الحلقات من الأفعال التي وقعت لتصور جزئيات الأحداث وهي "أهوى، يضرب، يصدم، يندفع" ولكنك تلحظ أن الكاتب لا يتكفي بذكر الفعل عاريًا، بل يضيف إليه الوصف الذي يحدده، ويزيد وضوحًا،
__________
1 انقض.
2 غيظ.
3 تنحدر.
4 اسم فرس عنترة.
(1/308)

فالفعل "أهوى" يلحق به الوصف المحدد لحالة "عنترة" الشعورية وهو " في حنق" والأبجر أن "يندفع" ولكن في "حنق وحماسة"، كأنه يشارك "عنترة" الحنق والحماسة، وهكذا كان السرد تصويرًا للأحداث، وكذلك الوصف ينقلنا إلى مسرح الأحداث زمانا ومكانا مثل "كان الربيع يغطي جوانب الوادي بكساء من الحشيش البارض1 والزهر اليانع، والسماء لا يشوبها سوى قطع من السحاب الأبيض، وكانت الشمس تميل نحو الغروب عندما اقتربت القافلة من فم الوادى عند ظلال أجمة2 من نخيل، وسدر3 وأثل4" فهذا الوصف يهيئ نفس القارئ لمتابعة الأحداث والتأثر بها، أما الحوار فيأتي أحيانًا ليجعل القارئ أكثر قربًا من المواقف، ويجعل المشهد أكثر حيوية كالحوار الذي دار بين "عنترة" و"شداد" أثناء غارة "طيئ" على "عبس"؛ مثل قول شداد: "أما ترى قومك يصرعون تحت عينيك؟ قال "عنترة": " أي قوم لي؟ قال شداد: هلم يا "عنترة" فإن العدو يطحننا، قال "عنترة": وما لعنترة والقتال؟ ليس لـ "عنترة " قوم يا سيدي".
6- الفكرة:
وهي مغزى القصة، فقد كشفت لنا عن حقيقة من حقائق الحياة أو السلوك الإنساني، ورأينا من سلوك "عنترة" أن الصمود في وجه التقاليد البالية يؤدي إلى التغلب عليها، وأن الحرية تنال بالبذل والفداء، ولا تمنح بالقول والعطاء.
__________
1 أول ما يخرج من النبات.
2 شجر كثيف.
3 شجر النبق.
4 نوع من الشجر.
(1/309)

نمودجان للقصة القصيرة
"شندويل يبحث عن عروس"
...
نموذجان للقصة القصيرة:
1- "شندويل يبحث عن عروس" لمحمود تيمور1
كان "شندويل" جالسًا القرفصاء، معتمدًا رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلًا ولا صبيًّا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يغير جلسته، يضرب في متاهة لا يعرف له منها مخرجًا. وبغتة ألفى نفسه ينهض، وعلى وجهه يرتسم عزم وتصميم. وأخذ سمته إلى "أم فكرية".
"شندويل" هذا فلاح من قرية "المنشية"، وهي من أعمال "شبين الكوم".. رجل في حاله، لا يعرف العيب ولا يجري لسانه به، مخلص أمين، طيب القلب، لين العريكة، ولكنه معروف بصراحته، لا يداري أحدًا.
نشأ يتيم الأبوين، لم تكتحل عيناه بمرآهما، فكفله رجل خير، مزارع له أرض تفيء عليه رزقًا محدودًا، فضمه إلى أسرته: زوجه وبناته الثلاث،
__________
1 محمود تيمور: شندويل يبحث عن عروس، مجلة "العربي"، العدد "127"، يونيو 1969. وانظر شرحًا ومناقشة تفصيلية لهذه القصة في كتابنا "كتب وقضايا في الأدب الإسلامي"، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م، ص99، 112.
(1/310)

وكان "شندويل" يكبرهن بأعوام قلائل، فاختلط بالأسرة كأنه واحد منها، يعمل معهم في خدمة الدار والحقل والماشية.
وبعد سنوات دهم ربَّ الأسرة مرضٌ مفاجئ أودى به في أيام، فكانت فاجعة تجلدت لها الزوجة قدر ما تستطيع، ووقفت حياتها على توفير أسباب العيش لبناتها الثلاث، مع رعاية مرافق الدار والحقل والماشية، يعينها الفتى "شندويل" أحسن العول بما أوتي من قوة بنية، وما طبع عليه من صبر ودأب، وما تميز به من جد ونشاط.
وتواصلت الأيام ...
وكبر الفتى، واشتد عوده، وانتهى إليه عبء الحقل أجمع، فنهض به راضيًا بعمله، مرضيًّا عنه.
مع الصبح يخرج إلى الحقل محبور النفس، يسوق الماشية أمامه، وهو يردد أغانيه، ويتابع العمل في نشوة، يحرث ويعزق ويروي، ويعنى بكل شيء حواليه من زرع وضرع، لا تهدأ له حركة، ولا يشغله عن عمله شاغل، وتراه يستقبل بزوغ النبتة بفرحة غامرة، فيظل يتحسسها ويتشممها كأنها من لحمه ودمه.
وعند الظهيرة تلوح "أم فكرية" وبناتها الثلاث، يحملن صحاف الطعام، فيلقاهن "شندويل" بترحاب، وبعد أن يمسح عرقه بطرف قميصه، يهيئ لهن مكانًا ظليلًا من كثب من القناة.. وما هي إلا أن يحلّق الجميع حول سماط الطعام، مقبلين على الأكل في شهية. وتسأل "أم فكرية":
(1/311)

- ما خطب المحصول؟
فيؤكد لها "شندويل" جودته، ويبشرها بنمائه، ويقسم لها أنها ظافرة منه يوم الحصاد بما يحقق لها وبناتها الثلاث كل ما تطمح نفوسهن إليه.
وربما طاب للأسرة أن تداعب "شندويل" في أثناء الطعام بالنكات اللاذعة ليثور ثائره ويهيج غضبه، بيد أنه لا يزيد على أن يشرق وجهه بابتسامة سمحة.
فإذا أرخى المساء سدوله أوى شندويل إلى ركن في الزريبة، أعده مكانًا مختارًا له، حتى يكون بمنأى عن حريم الدار، وما أسرع أن يغشاه سبات عميق تتراءى فيه نواعم الأحلام.
على هذا المنوال سارت الأحوال راضية ندية، وترادفت الأيام على الأسرة في طمأنينة وسلام، حتى دب في قلب "شندويل" شعور طارئ لم يكن له عهد به من قبل.
لقد نشأ الفتى، وهو يجد نفسه في مكان الأخ الأكبر للبنات الثلاث، وفي مرتبة الابن لربة الدار، فقنع بهذه العاطفة الحلوة الهادئة المحايدة، يتلقاها ممن حواليه، ويبادلهن إياها في لطف وإيناس، ولكن الطبيعة لا تقر الهدوء والاتزان، ولا تعرف الحياد.. إن لها نزوزاتها، بل قل إن لها قوانينها، وهكذا وجد "شندويل" نفسه على الرغم منه ينظر إلى البنات في ازدهار أنوثتهن نظرة من طراز آخر، نظرة ميل وانعطاف، وراءها مشاعر تتوهج.. أما الرباط الأخوي المحض، فلم يعد له وحده مكان!
(1/312)

وكانت البنات على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فكأنهن وإياها نسخ مكررة، إلا فوراق تفرضها السن، وما تتميز به بعضهن من الشمائل والخلال. وقد شاع في المنطقة نبأ أولئك الصبايا الملاح، وطار صيتهن في المناطق المجاورة، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب.. فأما الكبرى فكانت أثيرة عند "شندويل" فأزمع أن يخطبها، وأفصح "لأم فكرية" عن عزمه فطأطأت رأسها في صمت، وقد تناولت عودًا يابسًا تنكب به الأرض حيالها، فلما طال صمتها، أعاد "شندويل" الإفصاح عما طلب، وقد حسب أنها لم تسمع حديثه، ولم تدرِ فحواه، فرفعت رأسها، وكست محياها طابع جد، فقلق "شندويل" أشد القلق ...
وبعد هنيهة، قالت "أم فكرية":
- أأجد لابنتي أعز منك؟ أنت ابن البيت.. كلك خير وبركة، ولكن سبقك غيرك يا "شندويل؟ "..
- من تعنين يا خالة؟
- المشرف يا "شندويل".. المشرف الزراعي طلبها منذ أيام.. وعرض مهرًا قدره مئة جنيه.
فغمغم "شندويل" وقد زاغت عيناه:
- مئة جنيه؟
- وعنده جنينة برتقال يربح منها الذهب!
(1/313)

وانجرّ "شندويل" إلى الزريبة، مثقل الخطا، يكاد يتعثر، وتوخى ركنه المختار، متهالكًا على الفراش يدفن فيه وجهه، ويسلم نفسه للأنين والانتحاب.
وتم الزواج.. وانتقلت إلى دار المشرف الزراعي كبرى البنات في مهرجان من الأغاريد والأضواء ينفح منه أريج البرتقال!
ولم يجد "شندويل" مفرًّا من قبول الأمر الواقع، فشارك القوم فرحتهم، وألفى نفسه ينهض بواجبه نحو حفل الزفاف على أكمل وجه في صدق وإخلاص.
وعادت الحياة إلى سابق مساقها.
وعاد "شندويل" إلى عمله في الحقل يجد ويكد.. ولم يتغير من نظام الأسرة شيء إلا أن عددها قد نقص فردًا.
وأحس "شندويل بقلبه على مر الوقت يخفق حبًّا للابنة الوسطى، وقد اكتملت نضجًا ونضارة، فتملكته فكرة الزواج بها، واختفت خيبته التي واجهته في التجربة الأولى، واختفى معها كل تدبر وموازنة ومنطق، فتقدّم في براءة وبساطة إلى "أم فكرية" يخطب وسطى البنات.. فطأطأت رأسها في صمت، وتناولت عودًا يابسًا تنكت به الأرض حيالها ولم تلبث أن همهمت:
- أأجد لابنتي أعز منك يا "شندويل"؟ أنت ابن البيت.. كلك خير
(1/314)

وبركة، ولكن..
- ماذا يا خالة؟
- وكيل الجمعية طلبها، وعرض شبكة ثمينة.. سوارًا مرصعًا بالجوهر!
ومضغ "شندويل" كلماته يردد:
- سوارًا مرصعًا بالجوهر؟!
وانجرّ إلى مكانه من الزريبة، ودفن في الحشية وجهه وانخرط في بكاء مرير.
ومرة ثانية، استسلم للأمر الواقع، وكان الساعد الأيمن في حفل الزفاف الجديد، وخطف بصره بريق السوار المرصع بالجوهر، وزكمت أنفه روائح ما حمل الزوج لعروسه من خيرات التموين، وفي المقصف العامر أوغل "شندويل" في الأكل، حتى أتخم.
وطوى الزمن أيامًا وأيامًا..
وعادت الحياة إلى مجراها في الدار والحقل، وإن نقص من عدد الأسرة اثنتان، ولم يبق من البنات إلا واحدة.. أتفلت هي الأخرى من بين يديه؟ ...
لن يكون ذلك بحال.. وأحس بحبه القديم للأختين السالفتين يتجمع ويتجدد في الثالثة على نحو مثير، فأقسم أن تكون من نصيبه.. لينتزعها انتزاعًا من
(1/315)

"أم فكرية".
وتقدم لها ثابت الجنان، وخطب الفتاة الصغرى في جرأة.. وكانت "أم فكرية" على وشك أن تطأطئ الرأس، وأن تفزع إلى عود يابس تنكت به الأرض، فصاح بها مبادرًا على غير ما ألفت منه:
- لا أنا خير ولا أنا بركة.. ولا أنا أيضًا ابن البيت.. أنا "شندويل".. "شندويل" وكفى!.. جئت أخطب ابنتك الثالثة، وسأعمل جهدي على إسعادها.
- ولكن.. يا "شندويل"
- ماذا يا ست "أم فكرية"؟
لقد خطب البنت رجل ولا كل الرجال يسكن دارا جديدة على "بحر شبين" فيها ثلاجة وغسالة وجهاز إذاعة.. عقبى لك يا "شندويل"!
فغص "شندويل" بريقه، وهو يجمجم:
- ومن ذلك الخاطب يا "أم فكرية"؟
- سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل.
فما كادت الجملة تصك سمعه حتى خارت قواه، فاستند إلى الحائط وهو يلتقط أنفاسه.. إنه يذكر عندما زار المدينة آخر مرة، مدينة "شبين الكوم"، إنه مر بسرادق فخم يضم جمعًا غفيرًا من الناس، وسمع خطيبًا جهير الصوت يرفع عقيرته، يهز بها السرادق هزًّا، وهو يردد أقوالًا عظيمة يستجيب لها الجمهور بالتصفيق والهتاف، وحين سأل عن الخطيب أخبروه بأنه "سكرتير
(1/316)

وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل".
وتراجع "شندويل" إلى مكانه المعهود في الزريبة، وألقى نفسه على الحشية يمرغ وجهه عليها، ويشبعها بأسنانه نهشًا وتمزيقًا.
وتكفلت الأيام بتضميد جراح "شندويل"، فكان مع الأسرة في حفل زواج الابنة الصغرى قلبًا وقالبًا، وملأ بطنه بأطايب المطاعم، وشنف سمعه بألحان الموسيقى وأصوات الغناء.
وتقضت أيام.. بل أسابيع.. وخيم على جو الدار هدوء كثيف، وانتشر صمت قابض، وقل الحديث بين أم فكرية و"شندويل" حتى أصبح لا يعدو الضروري من الألفاظ، كل منهما يحيا في ملالة وسهوم.
وأعد "شندويل" مرقدًا لنفسه في الحقل بين شجيرات ظليلة، ويتناول طعامه وحيدًا، ويمضي الليل ساهمًا يرعى النجوم.
لقد تزوجت البنات، وكان زواجهن ناجحًا أيما نجاح:
"المشرف الزراعي" بمهر مائة جنيه وجنينة برتقال.
ووكيل الجمعية التعاونية بسوار مرصع بالجوهر.
وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل بثلاجاته وغسالاته وأجهزته الإذاعية.
شخصيات مرموقة، تتضاءل بجانبها شخصية "شندويل"، حتى لتبدو تافهة مهينة. حقًّا إنه فلاح مجد نشيط، يستطيع بساعده أن يأتي
(1/317)

بالمعجزات في حقل الزراعة الخصيب، ولكن ما قيمة تلك المعجزات أمام تلك الأسماء الضخمة والمراكز الفخمة التي يعشي ضوؤها العيون؟ .. ومن الملوم؟ "شندويل" أو الأسرة التي كفلته؟ لم يفكر هو لحظة أن يعمل لنفسه. لم يفكر هو لحظة أن يقتني شيئًا.. عِجلة.. أو عنزة.. أو على الأقل دجاجة واحدة.. لم يهمه جمع المال وادخاره قدر ما أهمه أداء واجبه.. كان يسعى أبدًا إلى إرضاء من أحسنوا إليه، لا يتطلع إلى مزيد.. لقد اعتصر دمه في خدمة من آووه وكفلوه.. وأخيرًا يستبين له فقره، وهوان شأنه.. فماذا أفاد من طيبته؟ وماذا أجدى عليه إيثاره.
أيقن " شندويل" الآن أن وجهة نظره في تقييم نفسه بين الأسرة كانت على خطأ من البدء، أو كانت مبالغة فيها.. ماذا كان مصير الأسرة لولاه هو؟ لولا ما أسداه إليها من خير، وما بذل من عون؟ كان هو قوام البيت، وراعي الحقل، وحامي حمى الأسرة.. أليس هو جديرا بأن يأخذ مكانه عاليًا بينها؟
حان له أن يغضب وحق له أن ينصف نفسه، وأن له كرامة عليه أن يحافظ عليها ما وسعه أن يحافظ.
ووجد نفسه ينهض من فوره، وقد ارتسم على وجهه جد وإصرار، واتخذ سبيله إلى "أم فكرية".
كان الصباح صفيًّا رخيًا فتقدم "شندويل" من "أم فكرية"، وهي في جلسة مريحة أمام طست الغسيل، فما رأته قادمًا حتى لملمت أوصالها، وأسدلت ثوبها تغطي ما تعرى من جسدها، ونظرت إلى الشاب تخاطبه.
(1/318)

- خير يا "شندويل"..
- أو قولي شرًّا يا ست "أم فكرية".
- قال ذلك في جهامة ظاهرة، وقد تصلبت قامته، فغدت كجذع شجرة عتيقة فنحّت "أم فكرية" الطست قليلا، ومسحت يديها بطرف ردائها وقالت:
- ماذا في الأمر يا "شندويل"؟
فأجابها في صوت مجلجل:
- لقد اعتزمت الرحيل.
فوضعت المرأة يدها على صدرها، وقالت في دهشة:
- أي رحيل تقصد يا "شندويل"؟
- سأرحل يا ستي.. أرض الله واسعة.. بلاد الله لخلق الله..
- كيف تفكر في أن تتركنا؟
- على الرغم مني أفعل.
فصمتت لحظات وهي تتفحصه، فراعها تجهمه وصلابة ملامحه، وما في صوته الرجولي الأجش من عزم وتصميم.. ثم قالت:
- ألم تعد الحياة تروق لك بيننا؟
- لم يعد لي أمل في العيش في هذه الدار.. رحلت عنها الصبايا ولم أظفر بواحدة منهن.
(1/319)

- قسمة ونصيب يا "شندويل".
- وقسمتي ونصيبي أن أرحل يا ست "أم فكرية".
- أتترك الدار التي فيها نشأت وربيت؟ أتترك خالتك "أم فكرية" وحيدة بلا ساعد ولا معين؟
- على الرغم مني أفعل.. سأبرح القرية الساعة.. ألتمس عيشي في بلد آخر.. بعيد كل البعد!
- هل ساءك زواج البنات إلى هذا الحد؟
- ثلاث صبايا كالأقمار، ترفضين أن تزوجيني واحدة منهن.. والآن خلت الدار إلا مني ومنك.. لم يعد في البيت سوانا يا خالة.. أسامعة أنت قولي؟
- سامعة..
- ألسنة الناس طوال.. والكلام يتنقل على الأفواه..
- ما هذه الأفكار الغريبة يا "شندويل"؟
- هي الحقيقة التي يجب أن تقال.. لقد صرت رجلًا يا خالة.. رجلًا نبت له شارب محترم.. رجلًا في طول النخلة وعرض الجميزة وقوة فحل الجاموس.. ألم تريني وأنا في "الزعبوط" الجديد؟ ألم تلاحظي كيف أحسن لف الشال الأبيض على رأسي فيغدو عمامة مهيبة تزري بالرءوس العارية من أصحاب المراكز الكبيرة؟
فأرسلت المرأة ضحكة لينة ناعمة، وهي تقول:
(1/320)

- يخبلك ربنا يا "شندويل".
لم يعد في الدار مكان.. شندويل الصبي ذهب لحاله، وأخذ مكانه "شندويل" الرجل..
أنسيت يا شندويل أني في مقام أمك، وأنك في منزلة ابني؟
يفتح الله يا خالة.. هذ كلام لا يعتد به أحد.. وأنا أول من لا يصدقه.. لسنا ابنًا وأمًّا.. بل نحن رجل وامرأة.
ورماها بنظرة ثاقبة، ما كادت تلتقي بنظرتها حتى اضطرت أن تسبل جفنيها، وتحجب بخمارها شطر وجهها..
وعلاها سهوم..
اسمعي يا خالة، وتفهمي قولي.. إنني بصريح العبارة لا أستطيع أن أعايشك.. شريعة الله لا ترضى بذلك.. أنا مسلم موحد لله.. لا أقيم في الدار إلا زوجًا لك..
فضربت صدرها بيدها تقول:
- يا عيب الشوم..
- لا عيب ولا شوم.. إنه الحق الصريح.. لقد أحببت بناتك الثلاثة واحدة بعد الأخرى.. لأنهن يشبهنك.. أحببتهن لأنهن صورة منك يا خالة.. ورق صوته، وهو يواصل الكلام، فكان في منطقه كأنه يغني:
(1/321)

نشأت وأنا أراك مثل البدر.. بناتك من نورك أخذن نورهن.. وكنت دائمًا بدرًا منورًا في سماء حياتي طفلًا وصبيًّا ورجلًا.. في كل مرحلة كنت أحس نحوك شعورًا يلائم سني.. ولكن في كل مراحل حياتي كان هناك إحساس واحد هو الحب.. الحب الغامر الفياض!
وندت من "أم فكرية" شهقة وهي تردد في صوت لين المكاسر:
- الحب.. الحب..
ثم قالت هامسة:
- لقد تقدمت سني يا "شندويل".. أنا كبيرة بالنسبة لك..
- ولكنكِ في نظري في عمر بناتك..
وصاح بصوت كله إيمان وإخلاص:
- والله في عمر بناتك.. بل أحلى وأجمل.. أنت في نظري طبق قشطة.. اعتبريني يا خالة خادمًا لك.. ومريني تجديني رهن ما تشائين..
- ما عشت أنا لتكون خادمي يا "شندويل".
وغضت من بصرها وهي تواصل القول:
- "أنت راجل البيت.. سيد الدار.. وأنا خادمتك يا "شندويل"..
واختلج كيانه بهزة عنيفة، وألفى نفسه يهرع إليها، وينكب على يديها يلثمها، والدموع تسح من عينيه سحًّا!
(1/322)

2- حدث استثنائي في أيام الأنفوشي1 محمد جبريل1
بعد أن استقرت السمانة فوق الصاري المرتفع، الخالي من العلم، في الجانب الأيمن من سراي رأس التين ألقت نظرة متأملة على مباني السراي من حولها، والحديقة الواسعة يحيط بها سور مرتفع كحدوة حصان، والمباني المقابلة للشاطئ تآكلت واجهاتها بملح البحر، والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال، والشاطئ -وطريق الكورنيش- في تلك الأيام الخريفية التي تخلو من الحركة.
تقافزت السمانة فوق الصاري، وتهيأت لمواصلة الرحلة، لكنها -في قرار مفاجئ- غيرت طريقها، وعادت إلى شواطئ أوروبا.
في اليوم التالي، قدمت -في الطريق نفسه- ملايين الأسراب من السمان، غطت الشاطئ والشوارع والأزقة وأسطح البيوت، تهادت -من الأبواب والنوافد- إلى داخل الشقق والدكاكين. حتى الكبائن القليلة، والمغلقة، في امتداد الشاطئ، استطاعت -بوسيلة ما- أن تنفذ بداخلها.
__________
1 الأنفوشي: حي من أحياء الإسكندرية.
2 محمد جبريل: هل؟ مختارات فصول "42"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، يوليو 1987م، ص69، 71. وقد نشرت هذه القصة في مجلة "إبداع" عدد فبراير 1986م، تحت عنوان: "حدث استثنائي في حياة الأنفوشي".
(1/323)

بدا للناس -من كثافة الأسراب، ودقة تنظيمها، وانتشارها في كل الأمكنة- عجزهم عن المقاومة. مالوا -مؤقتًا- إلى التريث، فرحلة السمان لا تعرف التوقف.
هل يعد السمان نفسه لإقامة طويلة؟ لم يحاول أن يضايق الناس، ولا أن يسطو على ما يمتلكون، أو يدس منقاره في شئونهم الشخصية. أهمل حياتهم، فهم يحيونها بمثل ما اعتادوا: النوم والصحو والعمل والنقاش والفصال والأخذ والرد واجترار الذكريات، أحسنت مجموعاته الانتشار، فهيأت لنفسها الرزق.
اكتفت بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها، أفرزت -من بين أسرابها كل ما تحتاجه من جنود وعلماء وحرفيين، وموظفين. حتى الصغار، أقامت لهم مدارس ودور حضانة في حنيات السلالم والأدوار الأرضية. أغنت الناس عما ألفوه -في الزمن الخالي- من الجري وراء أسراب السمان، حتى يهوي مجهدًا في أيديهم، فتنازلت -بطيب خاطر- لموائد الطعام، عن مرضاها والمصابين في الحوادث.
لم يعد في الأمر ما يريب. استفاد الناس من حياة السمان بصورة مؤكدة: النظام والهدوء وحب العمل -والكسب- والميل إلى عدم السهر. لكن شيئًا ما مقلقًا، تحرك في النفوس، وتصاعد بالهمس، أثار الملل والمخاوف والأسئلة. لاحظ الناس أنهم لم يعودوا يتصرفون بمثل ما اعتادوا، وتنبهوا -وإن كان متأخرًا- إلى ملايين الأعين والأنفاس القريبة، والمقاسمة في المكان مهما كان
(1/324)

شخصيًّا، خلت التصرفات من العفوية التي كانت سمة أيامهم السابقة. بدا لهم استمرار الوضع -بصورته الحالية- غاية في الصعوبة. تهامسوا، وعقدوا الجلسات السرية، وتبين لهم بعد نقاش طويل- أن السكوت عن المقاومة- رغم كل شيء- طريق إلى الجنون1.
__________
1 انظر في نقد هذه القصة المقالة د. حسين على محمد: "القصة القصيرة وهموم الوطن"، مجلة "أصوات معاصرة"، العدد "24"، نوفمبر 1984م "عدد خاص عن محمد جبريل".
(1/325)

الفصل السادس: المسرحية
تعريف المسرحية
مدخل
...
الفصل السادس: المسرحية
تعريف المسرحية:
هي قصة حوارية تُمثَّل وتصاحبها مناظر ومؤثرات مختلفة، ولذلك يراعى فيها جانبان: جانب التأليف للنص المسرحي، وجانب التمثيل الذي يجسم المسرحية أمام المشاهدين تجسيمًا حيًّا، وقد نقرأ المسرحية مطبوعة في كتاب دون أن نشاهدها ممثلة على المسرح فتتحول إلى ما يشبه القصة، ولكنها مع ذلك تظل محتفظة بمقوماتها الخاصة.
ولم يعرف أدبنا العربي المسرحية قبل العصر الحديث؛ لأننا أخذناها عن الغرب، أما "خيال الظل" الذي انتشر في العصر المملوكي، ويقال: إنه أصل المسرحية، فالفرق كبير بينهما.
وقد مر الفن المسرحي بالمراحل الآتية:
(1/327)

أولًا: مرحلة النشأة
أ- مرحلة "مارون نقاش"1
اقتبس مارون نقاش هذا الفن من الغرب في مسرحية "البخيل" لمولير 1847م، ثم أتبعها بمسرحيات أخرى مؤلفة، مثل "أبو الحسن المغفل أو
__________
1 انظر حول دور مارون نقاش في المسرح العربي كتاب د. محمد يوسف نجم: المسرحية في الأدب العربي الحديث "1847، 1914م"، ط2، دار الثقافة، بيروت 1967م، ص31-38.
(1/327)

هارون الرشيد" 1849م. وكانت مسرحياته فكاهية غنائية، أقرب إلى الفن "الأوبريت" الذي يُعنى بالموسيقا أكثر من حوار، كما كانت مسرحياته قريبة من أذواق الجماهير، ولكنها كتبت بلغة تخلط الفصحي بالتركية، والعامية، في أسلوب ركيك.
ب- مرحلة "أبي خليل القباني":
خطا أبو خليل القباني بالفن المسرحي خطوة إلى الأمام، أظهر لنا فيه الكثير من مقوماته، وقربه إلى الجماهير باختياره المسرحيات الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" واتخذ من الفصحى لغة للحوار، ومزج فيها بين الشعر والنثر، مع العناية بالسجع أحيانًا. وظل يقدم مسرحياته في دمشق بين 1878، 1884، ولكن مسرحه أغلق، فهاجر إلى مصر، وتابع تقديم مسرحياته1.
جـ- مرحلة "يعقوب صنوع"2:
وفي عهد إسماعيل أنشئت "دار الأوبرا" ومثلت عليها أوبرا "عايدة" بالفرنسية، وفي سنة 1876 ظهر أول رائد مصري للمسرحية "يعقوب صنوع" -المعروف "بأبي نظارة"- الذي اتجه إلى النقد السياسي والاجتماعي-باللهجة العامية- وتابعت الفرق الشامية والمصرية تقديم مسرحياته في مصر.
وفي هذه المرحلة كانت أكثر المسرحيات مترجمة، أو مقتبسة، أو ممصرة "مكتوبة باللهجة العامية المصرية، وتتخذ شخصيات وأماكن مصرية".
__________
1 انظر المرجع السابق، ص61 وما بعدها.
2 انظر المرجع السابق، ص77-91.
(1/328)

ثانيًا: مرحلة النضج
1- في سنة 1910 عاد جورج أبيض من بعثته في فرنسا، بعد أن درس فيها الفن المسرحي وأصوله، وألفت له مسرحيات اجتماعية منها "مصر الجديدة" لفرج أنطون، كما عرّب له الشاعر المعروف خليل مطران بعض مسرحيات شكسبير مثل "تاجر البندقية" و"عطيل"، و"ماكبث"، و"هاملت"..
2- أسس يوسف وهبي فرقة "رمسيس" التي عنيت بالمآسي، ومثل رئيسها مائتي مسرحية، وظهرت "فرقة نجيب الريحاني" التي عنيت بالفن الاجتماعي النقدي، في مسرحيات ممصرة ومؤلفة.
3- بعد الحرب العالمية الأولى ظهرت في عالم المسرح "المدرسة المصرية الجديدة" التي اهتمت بالتأليف للمسرح، وتناولت المشكلات الاجتماعية، وعلاجها علاجًا واقعيًّا، ومن روادها: محمد تيمور، وأخوه محمود تيمور.
4- كتب أمير الشعراء أحد شوقي عددًا من المسرحيات الشعرية، منها: "البخيلة"، و"علي بك الكبير"، و"مصرع كليوباترا"، و"مجنون ليلى"، و"عنترة"، و"قمبيز"، و"الست هدى"، ودفع فيها بالفن المسرحي دفعة قوية إلى الأمام، فقد درس الفن المسرحي أثناء إقامته في فرنسا، وكان له فضل السبق في تأسيس المسرح الشعري العربي.
(1/329)

ثالثًا: مرحلة الازدهار
1- منذ بداية الثلث الثاني من هذا القرن "1933" أصدر توفيق الحكيم مسرحيته "أهل الكهف"، ثم أتبعها بأكثر من سبعين مسرحية، مكتملة في
(1/329)

موضوعاتها، وبنائها، وحوارها، وشخصياتها، وهو حريص على أن يساير بفنه حركات التطور الحديثة في المسرح، وهو الذي درس القواعد الرئيسة للمسرح في فرنسا دارسة جادة، ولذا نراه دائم الاتصال بالمسرح الغربي واتجاهاته. فانتقل من المسرح التاريخي، إلى المسرح الاجتماعي، ثم إلى المسرح الفكري الذي يعالج قضايا ذهنية. وبعد أن ظهر مسرح "اللا معقول" في الغرب، قدم الحكيم إلى المسرح العربي مسرحيتين من هذا الفن هما "يا طالع الشجرة"، و"الطعام لكل فم".
ويأتي بعد الحكيم، علي أحمد باكثير الذي كتب عددًا كبيرًا من المسرحيات الجيدة الطويلة والقصيرة، منها "أخناتون ونفرتيتي"، و"سر شهرزاد"، و"الدودة والثعبان"، و"الفلاح الفصيح"، و"حبل الغسيل" وغيرها.
3- أما في المسرح الشعري فنجد عزيز أباظة، وله "العباسة"، و"أوراق الخريف"، و"زهرة"، و"شجرة الدر"، و"شهريار"، و"غروب الأندلس"، و"قافلة النور"، و"قيس ولبني"، و"قيصر"، و"الناصر"، وعدنان مردم، وله "غادة أفاميا"، و"مصرع غرناطة"، و"القزم"، وصلاح عبد الصبور، وله "مأساة الحلاج"، و"مسافر ليل"، و"الأميرة تنتظر"، وعبد الرحمن الشرقاوي، وله "الفتى مهران"، و"النسر الأحمر"، وأنس داود، وله "بهلول المخبول"، و"الشاعر"، و"الزمار"، و"حكاية الأميرة التي عشقت الشاعر"، و"محاكمة المتنبي"، و"الملكة والمجنون"، و"قيس".
وقد أصبح فن المسرح "النثري والشعري جميعًا" من الفنون القيمة، التي تقام لها المهرجانات، ويمنح مؤلفوها ومخرجوها وممثلوها الجوائز، لتفوقهم
(1/330)

الإبداعي، ولقدرتهم من خلال الفن المسرحي على تقديم صورة صادقة عن المجتمع العربي المعاصر.
(1/331)

العناصر المميزة للمسرحية
مدخل
...
العناصر المميزة للمسرحية:
1- البناء.
2- الحوار.
3- الصراع.
(1/333)

1- البناء
يختلف بناء المسرحية عن بناء القصة في جانبين:
أ- شكل البناء: "ففصول المسرحية محدودة، وفصول القصة لا حد لها ولا سيما في الرواية، وإن كان هناك تشابه في الحجم بين القصة القصيرة والمسرحية المكونة من فصل واحد".
ب- أسلوب البناء: "وهو في المسرحية يقوم على التصاعد بالصراع إلى غايته، في خط متنامٍ نحو قمة مشحونة بالتوتر، ثم يتجه الخط نحو القرار الحاسم في النهاية، أما القصة فتقوم على التشابك والتعقيد في هدوء حتى ينتهي إلى الحل.
(1/333)

2- الحوار:
تقوم المسرحية على الحوار، وتقوم القصة على الحكاية وإن جاء فيها الحوار فهو غير أساسي، وهناك وسائل إضافية تساعد النص المسرحي عندما يعرض
(1/333)

على خشبة المسرح كالموسيقا التصويرية، والإضاءة وغيرهما. لكن النص نفسه لا يجري فيه من فنون القول سوى الحوار، ولذلك يقال: "لا مسرح بلا حوار"؛ وقد يكون بين شخصين، أو مناجاة بين الشخص ونفسه، يكشف به الكاتب أغوار الشخصية وهمومها الكامنة ودوافعها الخفية. وأحيانا يكون الحديث من طرف واحد ظاهر، ندرك من خلاله الطرف الآخر، وهدفه إبراز أفكار المتحدث ونواياه للمشاهدين. ويرى النقاد أن الحوار يدل على قدرة الكاتب، ويشترطون لنجاحه أن تتحقق فيه المقومات الآتية:
أ- أن يكون حيًّا نابضًا مركزًا حتى لا يمله المشاهدون والقراء.
ب- أن يعبر دائمًا عن انفعالات الأشخاص في حالاتها المختلفة من الرضا والغضب، والذكاء والغباء، وغير ذلك. فليس الحوار مجرد سؤال وجواب، أو مجرد مناقشة عقلية يشترك فيها أكثر من شخص. وإذا كان كذلك رأيناه سقيمًا ومملًّا.
جـ- أن يكون ملائمًا لمستوى الشخصيات عقليًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا؛ ولذلك يتنوع أسلوب المسرحية تبعًا لتنوع شخصياتها، على الرغم من أن الكاتب هو المؤلف للحوار، بخلاف أسلوب القصة الذي يكون في مستوى واحد.
(1/334)

3- الصراع:
هو عقدة المسرحية، وإذا كان الحوار هو الجانب المحسوس في المسرحية فإن الصراع هو الجانب المعنوي لها، وإذا صح قول النقاد: "لا مسرحية بغير حوار" فيصح أن نضيف: "ولا مسرحية بغير صراع"؛ فالصراع عنصر قائم في الحياة بين الخير والشر، سواء أكان بين أشخاص حول مبدأ أم فكرة، ونزعة، أم هدف، أم بين الشخص نفسه.
(1/334)

والمسرحية هي أكثر الفنون الأدبية ارتباطًا بحياة الناس، وفي كل شخص جوانب ضعف وجوانب قوة وأعماله موزعة بين الخير والشر. ويظهر الصراع في المسرحية في أكثر من مستوى، ويوشك كل شخص فيها أن تكون له مشكلة خاصة، ولكن إلى جانب ذلك هناك صراع عام رئيس، ومحوري، يؤدي إلى تأزم الموقف، حتى يكون الحل نهاية لتلك العقدة، أما القصة فأساسها مشكلة تحتاج إلى حل.
(1/335)

أنواع المسرحية
مدخل
...
أنواع المسرحية
1- المأساة.
2- الملهاة.
(1/335)

1- المأساة:
وهي "التراجيديا" وتنتهي بفاجعة، ولكنها تؤكد قيمة إنسانية كبرى، وكانت في بدايتها مقصورة على تصوير حياة العظماء، فأصبحت اليوم تتناول عامة الناس، وتتميز بالجدية، وحدة العواطف، وصعوبة الاختيار في المواقف، وسلامة اللغة في الصياغة.
(1/335)

2- الملهاة:
وهي"الكوميديا"،وموضوعاتها واقعية من المشكلات اليومية، ويغلب عليها الطابع المحلي، وعنصر الفكاهة رئيس فيها. ونهايتها غالبًا سعيدة. وتنقسم الملهاة قسمين هما:
أ- الملهاة الجادة:
ويغلب عليها الطابع النقدي، والإضحاك فيها وسيلة لإبراز عيوب المجتمع، فهي هادفة، وبناؤها محكم، وأشخاصها لهم أدوار محددة.
(1/335)

ب- الملهاة الهزلية:
وهي غير هادفة ولا محكمة البناء، وموضوعها غالبًا هزيل، والإضحاك هدفها الرئيس. وهذا التقسيم بين الملهاة والمأساة لم يعد قائمًا في المسرح المعاصر، فالحياة مزيج منها، ولذلك فإننا نرى مسرحيات تختلط فيها المأساة بالملهاة مثل مسرحية صلاح عبد الصبور الشعرية "مسافر ليل".
(1/336)

نماذج
...
1- نموذج من المسرح النثري من مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير
ملخص أحداث المسرحية
وتبدأ أحداثها في منزل الشيخ "سليمان الجوسقي"، شيخ المكفوفين في القاهرة، حيث يخبره أحد أتباعه بتقدم الحملة الفرنسية على مصر من قرية "شبراخيت" إلى قرية "أم دينار" -بمحافظة البحيرة- دون أن يعترض سبيلها أحد من المماليك، فيقترح "الجوسقي" على الحاضرين في مجلسه من أعيان البلاد فكرة تكوين جيش شعبي من أبناء الوطن للدفاع عنه بدلًا من الاعتماد على المماليك أو الأتراك، الذين لا تهمهم غير مصالحهم الشخصية. ثم يطلب من الأعيان أن يعودوا إلى بلادهم لجمع الشباب وتسليحهم وتدريبهم، حتى إذا قامت الثورة في القاهرة ضد الغزاة اشتعلت نيرانها في جميع القرى والمدن في وقت واحد، فلا يقدرون على إخمادها، ثم يحضر إلى المجلس شخص من أتباع
(1/336)

الجوسقي حاملًا رسالة من السيد "محمد كريم" يعتذر فيها عن عدم حضوره من الإسكندرية؛ لأن الظروف تقتضي بقاءه فيها، ويعلن تأييده لآراء "الجوسقي" وفي هذا الوقت يدخل "المسيو روستي" قنصل النمسا، والشيخ "إبراهيم أدهم" القاضي التركي، ويتطرق الحديث في المجلس إلى جيش "نابليون" الذي اقترب من العاصمة، دون أن يخرج أمراء المماليك للقائه في حين سبقهم جنود "مراد بك" في "إمبابة" وجنود "إبراهيم بك" في "بولاق".
وكان السيد عمر مكرم يطوف الشوارع، ويجمع الناس لمقاومة الجيش الفرنسي حين دخل إلى القاهرة، وبينما تتوقع البلاد هجوم الحملة الفرنسية يحضر زعيما المماليك: "إبرهيم" و"مراد" ليودعا ثروتهما عند الشيخ "الجوسقي"، لتكون في مأمن لو نجح الفرنسيون في دخول القاهرة، فيرفض "الجوسقي" ودائعهما، ويتهمهما بإهمال الدفاع عن البلاد، وبالتفكير في المصلحة الخاصة. ويحتل الفرنسيون القاهرة، ويعلن "نابليون" نفسه حاكمًا لمصر. فيذهب إليه "الجوسقي" لإقناعه بتكوين جيش من شباب مصر حسن التدريب لمطاردة المماليك الذين فروا إلى الصعيد والقضاء عليهم، وكان الهدف الحقيقي "للجوسقي" من هذا الاقتراح أن يصبح هذا الجيش الشعبي وسيلة لمقاومة الفرنسيين وطردهم في المستقبل، ولم تجز هذه الحيلة على "نابليون"، فلجأ "الجوسقي" إلى التعبئة السرية، والإعداد للثورة ضد المحتلين.
ثم قامت ثورة القاهرة ضد الحملة الفرنسية، وقبض على زعمائها، ومنهم "الجوسقي"، الذي رفض أن يدلي إلى "نابيليون" بأية معلومات، ولم يخضع أمام التهديد أو الإغراء بأن يجعله سلطانًا للبلاد. وهو في الحقيقة يريد بهذا الإغراء أن يأمن جانبه وجانب أتباعه، ولكن "الجوسقي" يرفض العرض في لباقة،
(1/337)

زاعمًا أنه لو قبل هذه السلطنة لجلبت "لنابليون" المتاعب، لأن الناس عند ذلك سيثورون عليه، ويقولون: إنه ولى رجلًا أعمى سلطانًا عليهم.
والحقيقة أن "الجوسقي" كان يريد أن يبقى حرًّا في نضال الفرنسيين، وفي التدبير السري للثورة عليهم، ولذلك غضب منه "نابليون"، وأراد "الجوسقي" أن يسخر من "نابليون" فأصر على أن يريه ابنه "داود" لعلمه أن ابنه هذا -وكان معتوهًا وفي عقله خبل- سيسيء إلى "نابليون" عندما يراه، وقد كان، فقد وصف "نابليون" بأنه صبي صغير، وعند ذلك قال "الجوسقي" لنابليون: معذرة يا سيدي، إن كان هذا يصلح ولي عهد لي، فأنا أصلح سلطانًا لمصر، ولم ترضَ زوجته "ناصحة" منه هذا الموقف، فهي تريد زوجها أن يفكر في مصلحته الخاصة، وفي مصير أسرته ويقبل أن يكون سلطانًا، وهي بهذا تدل على مدى سذاجة تفكيرها، ونظرتها الضيقة، وهذا يلائم طبيعتها وشخصيتها ورؤيتها القاصرة، ولكن زوجها "الجوسقي" مختلف عنها تمامًا، فهو رجل وطني له مكانته، واعتزازه بشخصه ورأيه، لا ينظر إلى تحقيق مصلحة خاصة تكون عاقبتها وخيمة، بل يؤثر عليها المصلحة العامة مهما جلبت له من متاعب.
وقد نجح الحوار في تصوير الشخصيات، وكان ملائمًا كل الملائمة لطبيعة كل شخصية، معبرًا عن رؤيتها للأشياء، ناقلًا في أمانة المواقف الخاصة بكل شخصية.
لنقرأ معًا هذ الحوار الذي دار بين الشيخ "الجوسقي" وزوجته ناصحة بعد أن رفض ما عرض عليه "نابليون" من أن يكون سلطانًا لمصر، وتركه يخرج من عنده غاضبًا ...
(1/338)

ناصحة: تعال هنا يا سيدنا الشيخ. كيف ترفض ما عرضه عليك؟
الجوسقي: إنه أراد أن يستدرجني يا ناصحة!!
ناصحة: يستدرجك؟
الجوسقي: حتي أسقط في عيون الناس، فينفضوا عني، إذا علموا أنني طامع في منصب السلطنة.
ناصحة: لكنك كنت طامعًا في هذا المنصب، وتعمل له منذ خمس وعشرين سنة. فماذا كنت ستصنع؟
الجوسقي: كنت سأنشئ جيش الشعب، وأطرد المماليك من البلاد، وأحرر الأمة من ظلمهم، ثم أعلن نفسي سلطانًا، فلا يختلف في اثنان.
ناصحة: لكن ذلك أصبح مستحيلًا اليوم بعد مجيء الفرنسيين، فلماذا لا تقبل لما يعرضه كبيرهم عليك؟
الجوسقي: لا يا ناصحة. لا أقبل أن أكون خادمًا للفرنسيين. خائنًا للأمة.
ناصحة: انقلب عليهم بعد ذلك، بعد أن تكون سلطانًا نافذ الكلمة.
الجوسقي: هيهات يا ناصحة؛ من باع نفسه للشيطان لا يستردها أبدًا.
ناصحة: وما عاقبة هذا الذي أنت فيه؟ ما سمعته يهددك ويتوعدك؟
الجوسقي: فكيف آمنه على نفسي بعد ذلك يا ناصحة؟
ناصحة: إذا أرضيته وسايرته.
الجوسقي: إنه عرف حقيقتي يا ناصحة!
ناصحة: ولذلك أراد أن يصطنعك.
(1/339)

الجوسقي: ليقضي علي بعد أن أقضي له وطره.
ناصحة: ومصيرنا يا سيدنا الشيخ، ألا تفكر فيه؟
الجوسقي: المصير بيد الله يا ناصحة1.
وإليك هذا الحوار الذي دار في ختامها بينه وبين "نابليون" الذي عرض عليه أن يكون سلطانًا على البلاد فرفض متعللًا بأن الفرنسيين قتلوا زوجته وابنه، وأن زوجته هي التي كانت تزين له فكرة السلطنة وقد ماتت فلا يجد داعيًا لقبول الفكرة.
نابليون: وكنت تقبل اليوم لو كانت على قيد الحياة؟
الجوسقي: نعم.
نابليون: فاعلم إذن أنها لم تقتل وأنها معززة مكرمة في بيتك.
الجوسقي: ماذا تقول؟
"يومئ نابليون بيده، فإذا ناصحة تدخل منتقبة، ومعها ابنها داود، وزوجته، وبعض "الوصائف".
ناصحة: كيف أنت يا سيدنا الشيخ؟ الحمد لله على عافيتك، هذا داود وامرأته جاءا معي لرؤيتك.
نابليون: الأسرة المالكة!
الجوسقي: "على حدة" الشجرة المعلونة!
داود: أنت بخير يا أبه؟
__________
1 انظر مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير، مطبعة مصر، القاهرة، د. ت، ص105، 106.
(1/340)

الجوسقي: بخير يا بني. اسبقوني يا أم داود إلى البيت. أنا آتٍ إليكم على الأثر.
ناصحة: ألم أقل لكم أن زوجي رجل غيور؟ هيا بنا يا أولاد. لا تتأخر كثيرًا يا سيدنا الشيخ. نحن في انتظارك..
"تخرج هي ومن معها".
نابليون: هل اطمأنت الآن يا شيخ سليمان؟
الجوسقي: وصديقي الشيخ مصيلحي؟
نابليون: سنطلق سراحه أيضًا ونكرمه من أجلك.
المصيلحي: "هامسا" يا شيخ سليمان إياك أن تبيع نفسك:
الجوسقي: معاذ الله يا شيخ مصيلحي. اطمئن.
نابليون: تريد شيئًا آخر.
الجوسقي: نعم أريد أن تعاهدني "يا جنرال بونابرت" بشرفك "يمد يده".
نابليون: "بكل سرور" يمد يده ويصافح الجوسقي، يلطمه الجوسقي بيده اليسرى لطمة قوية رنت في القاعة. مفاجأة أذهلت الجميع".
نابليون: "صائحا بالفرنسية": وغد.
الجوسقي: معذرة يا بونابرت هذه ليست يدي. هذه يد الشعب.
نابليون: خذوه، عذبوه، ثم اقتلوه1.
فأنت تلاحظ في هذا الملخص ما يأتي:
__________
1 المسرحية السابقة، ص130، 131.
(1/341)

1- الحادثة: وهي القصة التي تعرضها المسرحية كسلسلة متصلة الحلقات.
2- الشخوص: وهم الشيخ "الجوسقي" بطل المسرحية، وزوجته "ناصحة" وابنه "داود"، و"إبراهيم بك"، و"مراد بك"، و"نابليون"، والأعيان، والقاضي التركي، وقنصل النسما، و"عمر مكرم"، وبعض أتباع "الجوسقي". وبعض هؤلاء شخوص رئيسة "كالجوسقي"، وهو الشخصية المحورية النامية، والمشاهد يراها على المسرح، ويتعرف أبعادها الظاهرية والباطنية من خلال حركتها وكلامها، والباقي شخصيات ثانوية تساعد على إبراز الموقف والأحداث كما حدث في ظهور شخصية "داود" على المسرح فلم يكن ظهورها لمجرد أن نتعرف عليها أو يتعرف عليها "نابليون" كما زعم والده "الجوسقي"، ولو كان كذلك لكانت شخصية مسطحة، ولكنها في الحقيقة لها دورها الذي أراد به "الجوسقي" أن يسخر من "نابليون"، فأصر على أن يريه ابنه لعلمه أنه سيسيء إليه عندما يراه. وبهذا نجح الكاتب في أمرين معًا: في رسم شخصية "داود"، وفي إعطائها دورًا كان الموقف يقتضيه وإن كان دورًا ثانويًّا.
3- الفكرة: مسرحية "الدودة والثعبان" تمثل المسرحية التاريخية، التي تحمل أكثر من فكرة تخدم الواقع. فقد كانت هذه المسرحية في أعقاب حرب الخامس من يونيو 1967 ولهذا نجد الكاتب يلح على فكرة إنشاء جيش من الشعب1 مدرب على القتال أحسن تدريب حتى يدافع عن البلاد بنفسه بدلًا من المماليك والأتراك، ولهذه الفكرة الآن مغزاها وارتباطها بحياتنا، فما حدث في
__________
1 انظر فصل "جيش الشعب" في كتاب د. أحمد السعدني: "أدب باكثير المسرحي، الجزء الأول: المسرح السياسي"، ط1، مكتبة الطليعة، أسيوط1980م، ص109، 144.
(1/342)

هزيمة يونيو 1967 يرجع إلى أن الجيش لم يكن مدربًا تدريبًا عصريًّا كافيًا، وقد أشاع الأعداء بعد تلك الهزيمة أن الشعب المصري غير مدرب، ولا يمكن الاعتماد عليه في الدفاع عن البلاد، ولكن الكاتب رد على ذلك بأن الهزيمة سببها سوء التدريب، وقلة النظام، وغياب القيادة الواعية، وهكذا تبدو أفكار الكاتب شديدة الارتباط بالأحداث المعاصرة مع أنه يعرض في المسرحية حقبة تاريخية سابقة.
4- الزمان والمكان: الكاتب يحدد البيئة الزمانية وهي هنا فترة الحملة الفرنسية، كما يحدد البيئة المكانية وهي القاهرة، وذلك يساعد على تمثيل الأحداث والأشخاص تمثيلًا سليمًا، ويؤثر في تشكيل طبيعة المسرحية وما فيها من أزياء وعادات ومناظر، كما أن الكاتب يراعي الزمان المحدد لعرض المسرحية على جمهور لايستطيع مشاهدتها في أكثر من ثلاث ساعات، كما أن منصة المسرح لا تتسع لحشد جيشين متحاربين، ولذلك اجتنب الكاتب كثيرًا من التفصيلات واكتفى بأبرز المواقف.
5- البناء:
أ- من حيث الشكل: تكونت مسرحية "الدودة والثعبان" من أربعة فصول. في الفصل الأول منها قدم الأشخاص وبداية المشكلة الأساس، وهي الدفاع ضد الغزاة الفرنسيين الذين أصبحوا على مشارف القاهرة، وليس هناك من يتصدر لهم. وفي الفصل الثاني أضاف بعض الشخصيات وأشعل الصراع في عدة اتجاهات. وفي الفصل الثالث تمت حركة التنظيم السري لمقاومة الحملة الفرنسية وإعلان الثورة ضدها، وفي الفصل الرابع والأخير محاكمة زعماء الثورة ونهاية "الجوسقي".
(1/343)

ب- أما من حيث أسلوب البناء: فقد اتخذت المسرحية خطًّا ناميًا صاعدًا نحو قمة مشحونة بالصراع والتوتر واتجهت إلى القرار الحاسم في النهاية.
6- الحوار: قدمنا لك نموذجًا منه كان ملائمًا لطبيعة المشتركين فيه، ناقلا لأفكارهم وعواطفهم، فالجوسقي يرفض السلطة حتى لا يكون ألعوبة في يد الاحتلال، ولكنه يبرر ذلك الرفض بطريقة لا تغضب "نابليون"، حتى تتاح له الفرصة لاستدراجه وصفعه تعبيرًا عن إرادة الشعب. والمصيلحي يحذر "الجوسقي" من الخضوع للإغراء، وفي ذلك دلالة على صمود الشعب المصري، أما "نابليون" فحريص على تحقيق عدة أهداف من وراء قبول"الجوسقي" للسلطنة، فهو يجعل منه وسيلة لإخماد الثورة، وستارًا للاحتلال، وأداة للقضاء على المماليك، ثم يبعده عن الشعب، ويفقده ثقته فيه بتعاونه مع المحتلين.
7- الصراع: عرفت أن الحوار هو الجانب المحسوس في المسرحية وأن الصراع هو الجانب المعنوي لها، وأنه "لا مسرحية بلا حوار ولا صراع " لأنهما الجانبان الجوهريان في كل عمل مسرحي، وإذا رجعنا إلى الصراع في مسرحية "الدودة والثعبان" فسوف نجده عنيفًا في عدة اتجاهات.
أ- صراع في نفس "نابليون" بين نجاحه العسكري وفشله العاطفي مع حبيبته "جوزفين" مما دفعه إلى القسوة.
ب- صراع بين "الجوسقي" وزوجته حول قبول السلطنة ورفضها.
جـ- صراع بين "الجوسقي و"نابليون" حول فكرة الجيش الشعبي وإخفاء الهدف الحقيقي عنه.
د- صراع بين الجوسقي" وبعض زعماء الثورة حول الطريقة الناجحة للمقاومة. وهكذا استمر التأزم حتى جاء القرار الحاسم بالصفعة على وجه المحتل لتصنع النهاية لحياة هذا البطل المقاوم.
(1/344)

2- نموذج من المسرح الشعري من مسرحية " مجنون ليلى" لأحمد شوقي
ملخص أحداث المسرحية:
ألف أحمد شوقي مسرحية "مجنون ليلى"1 وهي مأساة عربية لها أصول تاريخية مذكورة في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني عقدتها الصراع بين الحب والتقاليد القبلية التي ترفض زواج العاشق بالفتاة التي يتغزل بها ويذكرها في شعره؛ لأن ذلك يسيء إلى سمعة القبيلة.
والمسرحية خمسة فصول: في الفصل الأول: يجتمع الفتيان والفتيات للسمر، ويأتي ذكر قيس ورغبته في الزواج من "ليلى" فتغضب، وتعلن مشكلتها وهي أنه فضحها في شعره، ويدخل قيس مدعيًا أنه يطلب نارًا، ويحضر أبوها لطرده.
وفي الفصل الثاني: نجد قيسًا شبه مجنون، ويذهبون به إلى الكعبة ليدعو الله أن يشفيه من حب ليلى، ولكنه يدعو الله ألا يشفيه من حبها، وهناك يراه الأمير عمر بن عبد الرحمن بن عوف فيعرض عليه أن يشفع له عند الخليفة حتى لا يهدر دمه، فيطلب قيس منه أن يشفع له عند "ليلى".
وفي الفصل الثالث: نرى "ابن عوف" يحاول إقناع "المهدي" والد "ليلي" بقبول "قيس" زوجًا لها، فيفوض "ليلى" في الحكم، فتحكم برفض شفاعة ابن
__________
1 المجنون: هو قيس بن الملوح الذي أحب ليلى بنت المهدي حبًّا عفيفًا، وفتن بها إلى درجة كبيرة، وحالت التقاليد بينه وبين زواجها لأنه ذكرها في شعره، فانطلق هائمًا على وجهه في الصحراء، ولقب بالمجنون أو مجنون ليلى. انظر في ترجمته: الأعلام 5: 208، 209.
(1/345)

عوف ورفض الزواج من "قيس" الذي تحبه احترامًا للتقاليد، ثم تتزوج "ورْدا" الثقفي.
وفي الفصل الرابع نرى "قيسا" هائمًا يريد أن يصل إلى بيت "ليلى" في ديار ثقيف فيضل الطريق، ويقع في قرية من قرى الجن. وبعد حوار طويل يرشده شيطان إلى ديار "ليلى" فيلتقي بها. ويتركه زوجها "ورد" معها فيشكو لها حبه. ويطلب منها أن تهرب معه ولكنها ترفض احترامًا لحق الزوجية فينصرف كالمجنون، وتمرض "ليلى".
وفي الفصل الخامس تموت "ليلي" وتدفن، وأبوها وزوجها "ورد" يتقبلان العزاء، ولكن الناس ينفرون من "ورد" ويتشاءمون منه، ثم يظهر "قيس" فجأة ويعلم بالفاجعة، فيرتمي على قبر "ليلى" وهو يبكي، ويرثيها ويرثي نفسه، ويسمع صوتًا من القبر يناديه، كأنه صوت "ليلى"، فيرد عليه قائلًا: لبيك بالروح والجسم، ثم يموت.
ونختار جزءًا من الفصل الثالث من المسرحية، حيث يجلس "المهدي" أمام خيمته في ديار "بني عامر" بالحجاز، ويقبل الأمير "عمر بن عبد الرحمن بن عوف"، والي الصدقات، وقد قبل أن يكون شفيعًا لقيس بن الملوح في طلب زواجه من "ليلى" بنت "المهدي" آملًا أن تكون مكانته سبيلًا إلى إقناع ليلى وأبيها بقبول قيس زوجًا "لليلى".
الزمان: العصر الأموي.
المكان: خيمة "المهدي" في ديار بني عامر بالحجاز.
الأشخاص: "المهدي" أبو"ليلى"، " ليلي" بنت "المهدي"، الأمير عمر بن عبد الرحمن بن عوف والي الصدقات بالحجاز.
(1/346)

المهدي:
هو الضيف ياليلَ هاتي الرطب ... وهاتي الشواء وهاتي الحلب
وهاتي من الشهد ما يشتهى ... ومن سمنه الحي ما يُطَّلب
فما هو ضيف ككل الضيوف ... ولكن أميرٌ كريم الحسبْ
"ليلى" من وراء الحجاب:
أبي ألف لبيك
ابن عوف:
لا بل قفي ... فما بي ظِماء، ولابي سَغَب
وأعلم أن القِرى دينكم ... وأن أباكِ جوادُ العرب
ولكن طعاميَ
المهدي:
ماذا؟ اقترح
ابن عوف:
طعام الرسول بلوغ الأرب
المهدي:
إذا قفي، ليلى اقربي ... تقدمي وسلمي
حل ابن عوف عندنا ... أكرم به وأحبب
ليلى:
قد زارنا الغيث فأهـ ... ـلا بالغمام الصيب
ابن عوف:
أهلا بليلى.. بالجمال ... بالحجا..بالأدب
عشت وقيسا فلقد ... نوهتما بالعرب
ليلى: "بين الخجل والغضب":
أتقرن قيسًا بنا يا أمير؟
(1/347)

ابن عوف:
ولم لا؟ ... وقد جئت من أجله
ومن أنا حتى أضم القلوب ... وأعطف شكلا على شكله
لقد جمع الحب روحيكما ... وما زال يجمع في حبله
ليلى "في استحياء":
أجل يا أمير عرفت الهوى
ابن عوف:
فهلا؟ ... عطفت على أهله؟
"ثم يلتفت إلى المهدي ويقول":
أبا العامرية قلب الفتاة ... يقول وينطق عن نبله
فأصغ له وترفق به ... ولا يسع ظلمك في قتله
ليلى:
أقيسًا تريد؟
ابن عوف:
نعم
ليلى:
إنه منى القلب أو منتهى شغله
ولكن أترضى حجابي يُزال ... وتمشي الظنون على سدله
ويمشي أبي فيغض الجبين ... وينظر في الأرض من ذله
يداري لأجلي فضول الشيوخ ... ويقتلني الغم من أجله
يمينًا لقيت الأمرين من ... حماقة قيس ومن جهله
فضحت به في شعاب الحجاز ... وفي حزن نجد وفي سهله
فخذ قيس يا سيدي في حماك ... وألق الأمان على رحله
ولا يفتكر ساعة بالزواج ... ولو كان مروان من رسله
(1/348)

ابن عوف:
إذن لن تقبلي قيسًا ... ولن ترضي به بعلًا!!
إذن أخفق مسعاي ... وخاب القصد يا ليلى
ليلى:
على أنك مشكور ... ولا أنسى لك الفضلا
وأوصيك بقيس الخيـ ... ـر، لا زلت له أهلا
لقد يعوزه حامٍ ... فكنه أيها المولى
وتنفرد ليلى بنفسها، وتراجع موقفها، وترى أنها قد تعجلت في رفض شفاعة ابن عوف، فتندم على ما كان منها وتقول":
رباه ماذا قلت ماذا كان من ... شأن الأمير الأريحي وشأني
في موقف كان ابن عوف محسنًا ... فيه وكنت قليلة الإحسان
فزعمت قيسًا نالنا بمساءة ... ورمى حجابي أو أزال صياني
والنفس تعلم أن قيسًا قد بنى ... مجدي وقيس للمكارم باني
لولا قصائده التي نوّهن بي ... في البيد ما علم الزمان مكاني
نجد غدا يطوي ويفنى أهله ... وقصيد قيس فيّ ليس بفاني
مالي غضبت فضاع أمري من يدي ... والأمر يخرج من يد الغضبان
قالوا انظري ما تحكمين فليتني ... أبصرت رشدي أو ملكت عناني
ما زلت أهذي بالوساوس ساعة ... حتى قتلت اثنين بالهذيان
وكأنني مأمورة وكأنما ... قد كان شيطان يقود لساني
قدرت أشياء وقدر غيرها ... حظ يخط مصاير الإنسان1.
__________
1 أحمد شوقي، مجنون ليلى، مطبعة الكيلاني، القاهرة، 1967م، ص72 وما بعدها.
(1/349)

تطبيق عناصر المسرحية على النص
مدخل
...
تطبيق عناصر المسرحية على النص:
لا نستطيع الحكم على المسرحية ولا استنتاج عناصرها من هذا المشهد القصير، ولكن يمكن في ضوء هذا المشهد عرض العناصر الآتية:
(1/350)

1- الحادثة: هي تسلسل الأحداث وتشابكها، لنصل إلى هذا الموقف الذي يصوره هذا المشهد الذي نرى فيه "ابن عوف" يحاول إقناع "المهدي" بقبول "قيس" زوجًا لابنته "ليلى"، فيترك والدُها لها حرية الرأي الحكم، فترفض شفاعة "ابن عوف"، وترفض الزواج من "قيس" الذي تحبه احترامًا للتقاليد.
والشاعر لم يعرض الأحداث عرضًا تاريخيًّا كما حدثت في الواقع، وإنما يعرضها من وجهة نظره، ويضيف إليها من خياله ما يحقق الغاية التي تهدف إليها، مع الاحتفاظ بما رسمه التاريخ من خطوط رئيسة.
(1/350)

2- الشخوص نوعان: شخوص رئيسة محورية، وهي هنا شخصية "ليلى" التي تدور حولها معظم الأحداث.
وشخوص ثانوية: غير أساسية له أدوار محددة تدفع المسرحية إلى النمو باستمرار، ومنها في هذا المشهد "ابن عوف" و"المهدي"، والملامح البارزة للشخصيات كما تبدو من الحوار:
أ- ليلى: فتاة عاقلة، وذكية، وجميلة، تضبط مشاعرها، وتسيطر على عواطفها، وتحرص على سمعتها ومكانة أبيها، وتضحي بسعادتها في سبيل التقاليد العربية للقبيلة، ومع ذلك لا تنسى "قيسًا" وتوصي به خيرًا.
ب- المهدي: عربي كريم، يترك الحكم لابنته على الرغم من حرصه على التقاليد.
جـ- ابن عوف: أمير رقيق القلب، اجتماعي، لم تمنعه مكانته من التوسط بين العاشقين.
(1/350)

3- الفكرة: وهي مغزى المسرحية: وما يهدف الشاعر إلى إبرازه من خلال المسرحية، وهي عرض صور من الأخلاق العربية الأصيلة، والتقاليد العريقة، مما يساعد على ترسيخ قيمنا الأخلاقية، ومثلنا الفاضلة.
(1/351)

4- الزمان والمكان: وتحديدهما يساعد على فهم الأحداث، وتصور الجو النفسي والاجتماعي المسيطر على سلوك الشخوص.
(1/351)

5 البناء: يشمل حجم المسرحية وأسلوبها، والمسرحية من خمسة فصول -سبق استعراضها- والبناء الأسلوبي لها يتدرج بالأحداث في خط صاعد، يصل بها إلى هذا الموقف المتأزم، ثم يتجه إلى الحل والاستقرار، الذي يتمثل في موت البطلين: قيس وليلى، ورسم مأساة تصير مثلًا أعلى للحب والتضحية.
(1/351)

6- الحوار: يقولون: "لامسرحية بلا حوار"، وهذا دليل على أهميته في العمل المسرحي، و"أحمد شوقي" هنا استطاع ببراعته أن يلائم بين أسلوب الحوار والشخصيات، بحيث جعله حيًّا معبرًا عن طبيعة الشخصيات، كما أنه يحدد مجالها، ويصور ملامحها النفسية.
(1/351)

7- الصراع: ويقولون كذلك: "إنه لا مسرحية بلا صراع" ومعنى ذلك أهمية عنصر الصراع في المسرحية، وهو يظهر في نفس "ليلى" متمثلًا في حبها الجارف لقيس، وفي خضوعها لسلطان التقاليد، وقد ظهر ذلك في ثنايا المسرحية.
(1/351)

نموذجان لمسرحية الفصل الواحد
مدخل
...
نموذجان لمسرحية الفصل الواحد:
ونقدم في نهاية هذا الفصل نموذجًا لمسرحية الفصل الواحد:
(1/351)

1- جابر عثرات الكرام 1 للأستاذ أنور صالح جعفر
"المشهد الأول"
"مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، يدخل الحاجب"
الحاجب: خزيمة بن بشر بالباب يا أمير المؤمنين.
سليمان: ويحك يا رجل.. منذ متى وهو على الباب ينتظرالإذن بالدخول؟
الحاجب: ما وفد إلا الساعة يا أمير المؤمنين ومازالت عليه غبرة السفر.
سليمان: أهلًا به ومرحبًا.. فليدخل.
"يخرج الحاجب، يدخل خزيمة".
خزيمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين.
سليمان: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا ابن بشر.. بالله عليك ما الذي أبطأك عنا كل هذا الوقت؟
خزيمة: ما أبطأني يا أمير المؤمنين إلا سوء الحال.
سليمان: ولماذا لم تعجل بالنهوض إلينا.
خزيمة: الضعف وقلة الحيلة.
سليمان: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وبم نهضت الآن إذن؟
خزيمة: لذلك قصة غريبة لو أذنت لي يا أمير المؤمنين قصصتها.
سليمان: قد فرغنا من مشاغلنا وقضينا حوائج الناس والحمد الله، فهات ما عندك.
خزيمة: تعلم أعزك الله يا أمير المؤمنين أني بفضل الله وكرمه كنت في نعمة سابغة وخير عميم.
__________
1 مجلة "الوعي الإسلامي"، العدد "351" ذو القعدة 1415 هـ أبريل 1995م، ص91، 92.
(1/352)

سليمان: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.. والآن ماذا جرى؟
خزيمة: إرادة الله أن تبدل الحال.
سليمان: الحمد لله على السراء والضراء، ودوام الحال من المحال يا ابن بشر ولكن.. أين الإخوان ممن كانوا دومًا موضع فضلك وبرك ومروءتك؟
خزيمة: واسوني حينًا ثم مالوا.. لكن لا لوم عليهم.
سليمان: وأي سبيل طرقت؟
خزيمة: أغلقت عليّ بابي أتقوت مما عندي، وقد عزمت ألا أبرح داري إلى أن يأتيني الموت.
سليمان: وبم نهضت إذن؟ وكيف أقلت من عثرتك؟
خزيمة: هنا وجه العجب يا أمير المؤمنين. لا أدري. هبطت على ثروة من السماء.. أربعة آلاف دينار لا أعرف إلى الآن ممن؟
سليمان: كيف؟
خزيمة: ذات مساء في هدأة الليل سمعت طرقًا على الباب، فخرجت أستطلع الأمر مشفقًا أن يكون الطارق عابر سبيل أو طالب إحسان، وأنا على ما أنا عليه من فقر وإملاق، فوجدت رجلًا على دابة ناولني كيسًا ثقيلًا وهو يقول: أصلح بهذا شأنك. فوضعت الكيس على الأرض، وأمسكت بلجام الدابة أسأله من هو.. فقال: يا هذا ما جئتك من هذه الساعة من الليل وأنا أريد أن تعرف من أنا، فقلت له: لن أقبل الكيس قبل أن أعرف من أنت، فما زاد عن قوله: أنا جابر عثرات الكرام.
سليمان: جابر عثرات الكرام؟ أو ما عرفته؟ أو ما تبينت من هو؟
(1/353)

خزيمة: كانت الليلة غير مقمرة يا أمير المؤمنين وكان الرجل ملثمًا وما أسرع ما انطلق لا يلوي على شيء.
سليمان: كم أنا متلهف الآن لمعرفة من هو جابر عثرات الكرام هذا، لو عرفناه لأعناه على مروءته وكرمه ولجزيناه أحسن الجزاء.
خزيمة: وأنى لنا أن نعرف يا أمير المؤمنين من هو؟
سليمان: الحمد لله أن في رعيتي من يتصدق بالصدقة لا تدري شماله ما أعطت يمينه، على أية حال يا ابن بشر لقد جئت في وقتك إذ رأيت أن أوليك إمارة الجزيرة. فقد عزلت واليها عكرمة، فتعالَ معي الآن نحسن وفادتك.. ثم نتحدث فيما بعد عن المهام التي أريدها منك.
خزيمة: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين.
"إظلام"
"المشهد الثاني"
"مجلس خزيمة بدار الإمارة بالجزيرة، أمامه عكرمة مكبلًا بالأصفاد"
خزيمة: لقد حوسبت يا عكرمة بواسطة كفيلنا، ووجدنا عليكم فضول أموال كثيرة فهل تشك في صحة المحاسبة؟
عكرمة: كلا البتة أيها الأمير.
خزيمة: الحمد لله استراح ضميري الآن.. لقد استدعيتك من الحبس لأسألك مرة أخرى.. أين فضول تلك الأموال يا عكرمة؟
عكرمة: أصلح الله الأمير.. ما لي إلى شيء منها من سبيل.
خزيمة: يا عكرمة.. منذ شهور وأنت مكبل هكذا بالحديد، مضيق عليك حتى مسك الضر. فهل أنت راضٍ بما أنت فيه الآن؟
(1/354)

عكرمة: لله الأمر والتدبير أيها الكريم، وكل شيء بقضاء الله وقدره.
خزيمة: يا عكرمة.. أنت ملزم بأداء هذا المال إن عاجلًا أو آجلًا، فهو أمانة، ونحن جميعًا عمال ولي الأمر، ولا نملك التصرف في شيء من مال المسلمين إلا بإذن ولي الأمر وعلمه.
عكرمة: والله يا أمير المؤمنين ما أخذت لنفسي أو لأهلي من مال المسلمين دانِقًا، وما بددته في معصية، والله ما خنت الأمانة قط منذ أن توليت.
خزيمة: أين إذن ذهب هذا المال وفي أي الوجوه أنفقته؟
عكرمة: أيها الأمير، لست ممن يصون ماله بعرضه، هناك أمور تقتضيها سياسة الرعية وتدبير أمورها صغرت أم كبرت، وهي أمور فيها ما لا يقل حفظًا لماء الوجه، إذ هي أمور لا يعلمها إلا الله، ومن كان طرفًا فيها، ولست في حل من ذكرها إن شاء الله إلا أمام أمير المؤمنين وحده.
خزيمة: ما دام الأمر كذلك فأنا لا أملك إلا الكتابة إلى أمير المؤمنين وانتظار رده. وإلى أن يصل لا أملك إلا أن أعيدك إلى الحبس.
عكرمة: أصلح الله الأمير. اصنع ما شئت، أنا راضٍ بقضاء الله وقدره.
"إظلام"
"المشهد الثالث"
"نفس المنظر السابق وأمام خزيمة كاتبه"
خزيمة: واكتب.. وهذا هو كل ما جرى بيني وبين عكرمة، والله الذي لا إله إلا هو يا أمير المؤمنين، لئن سألتني الرأي لأقولن: ما أظن بعكرمة ظن السوء أبدًا، فهو رجل طاهر الإزار محمود السيرة، نقي السريرة.
(1/355)

بالغ الجود والكرم حتى عرف بيننا بعكرمة الفياض. وما أرى فضول الأموال التي أظهرتها المحاسبة إلا من بذل في ضرورات اقتضتها السياسة وتدبير أمور الرعية بالجزيرة، وذلك أمر لا أملك البت فيه إلا برأيك وأمرك، وإن رأيت أن نشخصه إليك وتسمع منه أشخصناه.. والسلام.
"الكاتب يجمع أوراقه، ويهم بالخروج".
الكاتب: جزاك الله كل الخير يا سيدي الأمير، فنعم ما أمليت ونعم ما شهدت به في حق عكرمة.
خزيمة: ما شهدت إلا بما عرفت وخبرت من أمره يا بني.. والآن انظر إن كان بالباب أحد قبل أن ننصرف.
الكاتب: نعم أيها الأمير..هناك غلام يريد مقابلتك، وما أنسانيه إلا الشيطان.
خزيمة: دعه يدخل.
"يخرج الكاتب، ويعود بعد برهة ومعه غلام".
الغلام: السلام عليكم ورحمة الله سيدي الأمير.
خزيمة: وعليك السلام ورحمه الله.. ما الأمر؟
الغلام: "مترددا" أمرتني سيدتي -زوج سيدي عكرمة- أن أحدثك على انفراد سيدي الأمير.
"يومئ خزيمة للكاتب بالانصراف فينصرف".
خزيمة: هات ما عندك.
الغلام: تقول لك سيدتي.. ما كان يجب أن يكون الحبس والتضييق والحديد هو جزاء جابر عثرات الكرام ومكافأته عندك.
(1/356)

"صمت لبرهة"
خزيمة: يا إلهي.. يا إلهي.. أعكرمة الفياض هو جابر عثرات الكرام؟
الغلام: نعم يا سيدي.. وأنا كنت برفقته ليلة أن توجه إليك، ولكنه أبعدني قبل أن يصل إلى دارك، فلم أعرف أي باب طرق ولمن أعطى المال.
خزيمة: واسوأتاه.. واسوأتاه!!
"الغلام يهم بالانصراف"
خزيمة:..انتظر يا فتى.. لن تبرح هذا المكان إلا معي.. سنجمع وجوه البلدة، ونذهب إلى عكرمة في الحبس وسترى بنفسك ما سيكون لتبلغ سيدتك زوج عكرمة.
"إظلام"
"المشهد الرابع"
"إضاءة زنزانة سجن عكرمة"
عكرمة: الله يا علام الغيوب. أنت وحدك أعلم بحالي ففرج كربتي وهمي يا أرحم الراحمين.
"يفتح باب الزنزانة، ويدخل خزيمة والغلام والكاتب وبعض وجوه البلدة، عكرمة يراهم فينكس رأسه محتشمًا".
خزيمة: ارفع رأسك يا عكرمة، فوالله ما من أحد هنا أحق بتنكيس رأسه خزيًا وعارًا وأسفًا مني، فقد قابلت صنيعك بسوء المكافأة وقبيح الفعال.
عكرمة: يغفر الله لنا ولك أيها لأمير.
خزيمة: "للكاتب" فك قيوده. "يسارع الكاتب بفك قيود عكرمة".
(1/357)

خزيمة: هاتها هنا وضعها في رجلي.
عكرمة: ولم أيها الأمير؟
خزيمة: "وهو يجر القيود ليضعها في رجله" أريد أن أنال من الضر مثل ما نالك.
عكرمة: أقسمت عليك بالله ألا تفعل أيها الأمير.
خزيمة: كان يجب أن.. أن.
عكرمة: بالله عليك أيها الأمير.. ما دمت قد عرفت.. فدعني الآن أذهب إلى أهلي.
خزيمة: لا.. ليس قبل أن أغير من حالك ما رث، وأتولى خدمتك بنفسي ثم نذهب إلى أهلك لأعتذر إليهم وبعدها نسير إلى أمير المؤمنين.
"إظلام"
"المشهد الخامس"
"مجلس أمير المؤمنين"
الحاجب: خزيمة بن بشر بالباب يا أمير المؤمنين.
سليمان: ويحه. ماذا جرى. والى الجزيرة يقدم بغير أمرنا.. ما هذا إلا لحادث جلل وأمر عظيم.
"يومئ له بالإذن، ينصرف الحاجب ويدخل خزيمة".
سليمان: ما وراءك يا خزيمة؟
خزيمة: خير يا أمير المؤمنين.
سليمان: فما الذي أقدمك؟
(1/358)

خزيمة: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن أسرك لما رأيته من تلهفك عليه وتشوقك إلى رؤيته.
سليمان: ومن هو؟
خزيمة: عكرمة الفياض يا أمير المؤمنين.
سليمان: وأين هو الآن؟
خزيمة: ينتظر الإذن بالمثول يا أمير المؤمنين.
سليمان: أهلًا وسهلًا ومرحبًا.
"يتجه خزيمة إلى الباب، ويعود بعكرمة".
عكرمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين.
سليمان: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا فاعل الخير.. ادن مني. تعال اجلس هنا.
عكرمة: زادك الله عزة ومنعة وتشريفًا يا أمير المؤمنين.
سليمان: ياعكرمة..ما كان خيرك لخزيمة إلا وبالًا عليك.
عكرمة: لله الأمر والتدبير يا أمير المؤمنين.
سليمان: العفو من شيم الكرام، وأنت جواد فياض فهل عفوت عن ابن بشر؟
عكرمة: ما صنع ابن بشر إلا كل خير.. فهكذا يجب أن يكون عمال أمير المؤمنين قوة وحزمًا وتصريفًا للأمور.
سليمان: خذ من الكاتب يا عكرمة قرطاسًا ودواة واكتب حوائجك كلها.
عكرمة: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟
سليمان: لا بد يا عكرمة.. وكل ما ستطلب سأقضيه لك.. وفوقها عشرة آلاف دينار.
(1/359)

عكرمة: أطال الله لك البقاء كطول يدك في العطاء يا أمير المؤمنين.
سليمان: وستعود يا عكرمة إلى ولايتك، وستضم إليها أذريبجان وأرمينا، أما أمر خزيمة فهو لك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته.
عكرمة: بل يرد إلى عمله يا أمير المؤمنين.
سليمان: الحمد لله الذي هدانا للإسلام.. ولولا هداية الله لنا ما وجدنا بين ظهرانينا أمثالكم من الرجال البررة الكرام الأوفياء.
"ستار النهاية"
(1/360)

2- بائع الوهم للأستاذ علي محمد الغريب
المنظر: "سوبر ماركت" كل الإنسان "لبيع قطع غيار الإنسان.. المكان يعج بالزبائن الذين يقلبون في البضائع.. نرى أناسًا يدخلون ويخرجون طوال العرض دون كلام.. في ركن من المسرح نجد محصلًا جلس خلف مكتبه وأمامه ماكينة النقود، ليحاسب المشترين.. يبدو أحد البائعين وقد أمسك مكبرًا للصوت وأخذ في عرض البضائع".
البائع: قررررب قررررب.. تعال هنا عندي.. لا تفكر ولا تحتار.. عندي أروع تشكيلة وصل إليها العلم الحديث في تكنولوجيا صناعة الإنسان؛ بأرخص الأسعار.. قررررب قررررب.. كل ما تريد ستجده عندي.. عقلة في إصبع.. كف في ذراع.. ركبة.. مناخير.. وصلتنا أجمل تشكيلة من العيون العسلية، والعيون الخضراء، والعيون السوداء، والعيون بألوان الطيف.. ونقدم لأحبابنا الصغار ألف تحية وألف لسان.. وصلتنا مجموعة ألسن حديثة ومطورة تجعل طفلك يقلد الزرافة، أو القطة، أو الفأر، أو السحلية؛ كل ذلك في عبوة "الولد أبو لسان ونصف" يدخل رجل بسيط في ثياب رقيقة الحال"
(1/361)

الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك ملء رئتيه".
البائع: "ينهره" اخرج من هنا أيها القذر، المكان معقم وليس لأمثالك ارتياده "يخرج الرجل".
البائع: قرب قرب.. خصم خاص على جميع المعروضات، مع وجود هدايا فورية وقيمة.. شعارنا الأمانة.. هدفنا خدمة الإنسان.. لو أنفك مزكومة غيرها.. لو عينك "مدغششة" افقأها. سوبر ماركت "كل الإنسان" يقدم لك كل ما تحتاجه الأمس واليوم والغد بأرخص الأسعار وأحسن "الموديلات".. اشتر يدًا واحصل على الأخرى مجانًا "يدخل أحد الزبائن متوجهًا نحو البائع".
الزبون: أنت يا أخ.. أنت أيها النصاب.
البائع: قرب قرب.. نعم يا محترم، أي خدمة؟
الزبون: اشريت من عندكم يدًا لكنها.. لكنها ...
البائع: لكنها ماذا يا محترم تفضل!
الزبون: لكنها مجرمة.. تسرق يعني.. كل ما أروح مكان أو غيره تمتد رغمًا عني وتسرق وتسبب لي إحراجًا مع الناس!
البائع: يلا سلام عليها!!.. الحمد لله بضاعتنا رافعة رأسنا في كل مكان.. إن شاء الله تكون مرتاحًا معها؟
(1/362)

الزبون: من أين ستأتي الراحة مع مثلها.. أنا رجل محترم، ولم يسبق لي أن مددت يدي لحرام قط.. أتصدق أنها سرقت مصاغ زوجتي؟! أرجوك ساعدني في تعديلها.
البائع: للأسف لا نستطيع؛ إلا إذا كنت تريد أن تعيش بدون يد.
الزبون: كيف؟!!
البائع: "مؤكدا" تعيش بدون يد.. هذه واضحة.
الزبون: وهل يمكن ذلك؟
البائع: إذا كانت يدك لا تعجبك فأنت حر.
الزبون: "يشير لليد الاصطناعية" يدي؟!!.. تقصد أن هذه يدي؟! لا ليست يدي. أرجوك خلصني منها ومن شرها.
البائع: يا محترم، البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل.
الزبون: وما العمل إذًا؟
البائع: اشتر واحدة جديدة، واحصل على الأخرى مجانًا.
الزبون: ترى أن ذلك أفضل؟
البائع: هذا هو الحل الوحيد.
الزبون: "يشير لليد الاصطناعية" وهذه المصيبة ماذا سنفعل بها؟
البائع: اتركها لنبيعها لك على أنها مستعملة.
(1/363)

الزبون: لكني أخاف أن تؤذي أحدًا بأفعالها!
البائع: لا تهتم.. فهي مرغوبة جدًّا.
الزبون: أشكرك.. أعطني واحدة جديدة.
البائع: "يسحب كيسًا به يدين" خذ هذه واحدة والأخرى مجانًا.. انتبه يوجد بالكيس "كتلوج" يوضح كيفية استعمالها وتركيبها.. اتبع التعليمات بدقة، وترفق بها بادئ الأمر، فهذه اليد كانت لأديب عالمي.
الزبون: أديب عالمي!! إذًا فالسارقة لمن؟
البائع: كانت لمجرم عالمي أيضًا. نحن لا نتعامل ولا نتاجر إلا في العالمي.
الزبون: "غاضبا" وكيف بعتموني إياها مع أنكم تعلمون أنها سارقة؟
البائع: حضرتك طلبت أكفأ يد.
الزبون: من اليوم لا حاجة لي بها.. سأرسلها لكم بعد فكها وتركيب الجديدة.
البائع: نحن في خدمتك دائمًا.
الزبون: شكرًا "يخرج.. لحظة ثم يدخل الرجل البسيط"
الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك".
(1/364)

البائع: أخرج أيها المجنون نحن لا نتاجر في الأشياء التافهة.. قرب قرب.. أسرع قبل نفاد الكمية، لدينا أرقى وأحدث الأنوف الحساسة، والأذن المرهفة التي تسمع دبيب النمل.. قرب قرب.. كن معنا الرجل المثالي ... معرضنا يوفر لك قطع الغيار من أظافر قدميك حتى شعر رأسك.. وداعًا للصلع بعد اليوم!
"يدخل زبون آخر وتبدو عليه علامات الهم والحزن".
البائع: "يستقبله في حفاوة" أي خدمة يا محترم.. عين، يد، رجل، أنف، أذن، كل شيء تحت أمرك.
الزبون: أنا عميل لكم منذ مدة، وقد اشتريت كل المعروض عندكم تقريبًا.
البائع: المحل محلك.
الزبون: أشكرك.. أنا أثق فيكم وفي محلكم، ولقد طال بحثي عن قطعة غيار مهمة، ولم أعثر عليها فهلا ساعدتني في الحصول عليها مشكورًا.
البائع: لا تبتئس نحن لدينا كل ما تحتاج ابتداء من أظافر القدمين، حتى شعر الرأس.
الزبون: كل هذا اشتريته من عندكم من قبل، لكني أبحث عن قطعة مهمة.
(1/365)

البائع: نحن في خدمتك.. ما هي القطعة المطلوبة؟
الزبون: السعادة.
البائع: نحن لا نتاجر في هذه الأشياء.
الزبون: أين أجدها.
البائع: "يشير إلى معروضات المحل القطعة تلو الأخرى" إن افتقدتها في هذه ربما وجدتها في تلك "يمد له كيسًا" خذ هذه الأنف هدية لك من المحل، أنا شخصيًّا جربتها ووجدتها مناسبة جدًّا.
الزبون: "يرد يده" أريد سعادة سعادة.. هل تفهم؟! "يدخل رجل رقيق الحال".
الرجل: أعطني قطعتيْ غيار سعادة أصلي يا بائع الوهم "يضحك ملء رئتيه".
البائع: اخرج أيها الحقير.. لا توسخ المكان.
الرجل: انظر لنفسك أيها الممسوخ. تعال ننزع قشرتك البراقة، وقشرتي البسيطة، ثم انظر لنفسك وانظر لي، ستجد نفسك مزبلة تنعق عليها الغربان، أما أنا فستجدني أحيا وأنعم في بستان سعادتي.. ما رأيك لو أني بعتك قطعة غيار سعادة؛ لكنك لا تستحق، ابق كما أنت لتبيع الوهم للناس "يضحك في طريقه للخروج".
(1/366)

الزبون: "في لهفة" انتظر يا هذا.
البائع: دعك منه يا سيدي إنه رجل مجنون.
الزبون: نحن والله المجانين.. انتظر يا رجل.
الرجل: ماذا تريد مني؟
الزبون: أريد أن أسمع منك ما قلته منذ قليل.
الرجل: تريدني أحدثك عن هذا الممسوخ "يشير للبائع"؟
الزبون: بل حدثني عن السعادة؛ التي أنفقت من أجلها الكثير ولم أجدها.. دلني عليها.. كيف أدركها؟!
الرجل: السعادة في حب الله، والرضى عنه وعن نفسك.. أحب الناس تكن سعيدا" الزبائن يجتمعون من كل مكان في المحل ويتحلقون حول الرجل".
أحد الزبائن: أخبرنا عن سبب سعادتك.
الرجل: سبب سعادتي بسيط.. بسيط جدًّا، فأنا لا أحمل هم رزق كفله لي ربي، ولا هم أجل آتٍ في ميعاده.. أنام ملء جفوني، وقد عفوت عمن ظلمني، أحب الخير لجميع الناس، أدعو لهم، وأرجو من الله أن يغفر لي ببركة الصالحين منهم.
الزبائن: وإذا لاحقتك الهموم؟
(1/367)

الرجل: بسيطة جدًّا.. عليّ بالصبر والصلاة ومناجاة ربي في السر والعلن" يخرج".
الزبائن: انتظر يا رجل.. خذنا معك.. خذنا معك "يخرجون من خلفه".
البائع: "وقد بقي وحده" لا عليكم منهم.. إنهم يخرِّفون.. قرب قرب.. وصلتنا أروع تشكيلة من الأرجل اليابانية، والعيون الفارسية، و ... "تنزل الستارة والبائع مازال يعرض ما لديه".
ستار
(1/368)

العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة
مدخل
...
العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة:
1- الحادثة.
2- الشخوص.
3- الفكرة.
4- الزمان والمكان.
(1/331)

1- الحادثة:
وهي المواقف والوقائع والأحداث التي تتضمنها المسرحية، وطبعي أن تكون الوقائع والتفصيلات الجزئية في المسرحية أقل منها في القصة، لأن المسرحية تقوم أساسًا على الحوار، فلا سبيل لاستقصاء التفصيلات اكتفاء بالوقائع المهمة، فمثلًا مشهد محاكمة متهمين بالقيام بتمرد لا تقدم فيه وقائع التمرد نفسها، اعتمادًا على ذكاء المشاهدين الذين يدركونها من أقوال الشهود والنيابة والدفاع في القضية، فيخرج المشاهد من المسرح وقد ألم بأطراف قصة متكاملة.
(1/331)

2- الشخوص:
وهم في المسرحية قسمان:
أ- شخوص رئيسة: ومن بينهم تبرز شخصية أو أكثر يطلق عليها اسم البطل1، وهي الشخصية المحورية، وتعلق بها الأحداث منذ البداية حتى النهاية، ويجب أن تكون نامية متطورة.
__________
1 انظر المؤلف: البطل في المسرح الشعري المعاصر، "سلسلة كتابات نقدية "6"، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1991م.
(1/331)

ب- شخوص ثانويون: أدوارهم مكملة للدور الرئيس الذي يقوم به الأبطال، ويلاحظ أن الكاتب في القصة ينبغي أن يرسم لنا صورة للشخصية من جانبيها الظاهري والباطني، حتى نتعرف أبعادها، أما في المسرحية فإن الشخصية تظهر أمامنا ونحن نتعرف عليها من خلال حركتها وكلامها، وتقاس مهارة الكاتب المسرحي بمدى نجاحه في تحريك شخوصه أمامنا، وخلق مجالات لها يبرز فيها سلوكها.أما إذا قدم لنا الشخصيات في صورة ثابتة، غير نامية، فهذا عيب يجعل من الشخصية "شخصية مسطحة " لا عمق فيها.
(1/332)

3- الفكرة:
وهي الحقيقة أو الحقائق التي يريد الكاتب أن يؤكدها عن طريق تجسيمها على المسرح من خلال الأحداث والشخوص. فهو يطرح وجهة نظره في قضية تشغل الناس وهو بذلك يشارك في إنارة الطريق نحو الحل السليم.
وتسمى المسرحية "واقعية" حين يعتمد الكاتب على الواقع، وتسمى تاريخية إذا اعتمد على التاريخ، وأسطورية إذا اعتمد على الأساطير، وتسمى "فكرية" إذا تناولت قضية من قضايا الصراع الإنساني.
(1/332)

4- الزمان والمكان:
من حيث الزمان: للمسرحة وقت لا تتجاوزه، ولذلك يجب تركيزها واستبعاد تفصيلاتها، فعدد فصولها يتراوح بين فصل إلى خمسة فصول لأن الجمهور لا يستطيع أن يتجاوز ثلاث ساعات في مشاهدة مسرحية.
(1/332)

ومن حيث المكان: يتقيد الكاتب بإمكانات منصة المسرح التي لا تتسع لجيشين من المتحاربين، ولا تصلح لإشعال حريق فتستخدم مؤثرات صوتية وضوئية خلف الستار توحي بذلك.
(1/333)

الفصل السابع: المحاضرة
مدخل
...
الفصل السابع: المحاضرة
شاع في عصرنا هذا الفن الذي يجمع بين الشفافية والكتابة، ونجده في الجامعات، وحلقات الدرس، والمنتديات والنوادي الأدبية، ... وغيرها.
ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
(1/369)

أولا: المحاضرات الجامعية:
وهي تلك التي يقوم فيها المحاضر بشرح مواد علمية، أو دراسية محددة لطلابه في الشريعة، أو الآداب، أو الطب، أو الزراعة.. وغيرها. "وهذا النوع من المحاضرات.. مجال الابتكار فيها محدود، وإن كانت بعض المحاضرات ذات قيمة علمية إذا كان الأستاذ المحاضر من الأعلام في تخصصه، فهي أشبه بالبحوث التي تقوم على الابتكار وتقديم الجديد، سواء بالكشف عن مناهج جديدة للمعرفة في ميدانها، أو في الوصول إلى نتائج غير مسبوقة، وفي تقديم آراء ووجهات نظر مغايرة لما سبقها، وفقًا لبراهين وأسس ومناهج مختلفة"1.
وتعقب هذه المحاضرات مناقشات الطلاب، وقد ينشرها الأستاذ بعد ذلك في كتاب بعد أن يفيد من المناقشات التي دارت حولها، ومن نماذج ذلك كتاب الدكتور أحمد هيكل "تطور الأدب الحديث في مصر"، وكتاب الدكتور محمد أبي الأنوار "الشعر العباسي" فقد كانا في الأصل محاضرت ألقيت على طلاب.
__________
1 د. محمد صالح الشنطي: فن التحرير العربي: ضوابطه وأنماطه، ص263، 462.
(1/369)

المحاضرات المتخصصة
محاضرات في المؤتمرات والمهرجانات المتخصصة
...
ثانيًا: المحاضرات المتخصصة:
وهي قسمان:
أ- محاضرات في المؤتمرات والمهرجانات المتخصصة:
وهي تلك المحاضرات التي تلقى في مؤتمر "مثل محاضرات "الجنادرية"، ومحاضرات مهجران القاهرة الدولي للكتاب السنوية"، وهي أبحاث يكتبها مختصون في مجال تخصصهم، ويكلفون بها قبل فترة كافية، وتطبع محاضراتهم قبل المؤتمر بوقت كافٍ لتوزع على مجموعة من المناقشين المختصين في مجال البحث.
وفي يوم الندوة يلقي المحاضر موجزًا لمحاضرته، غير مخلٍ بالخطوط الرئيسية فيها، يعقبه المناقشون، ولا مانع من مشاركة الجمهور بالتعليق فيما يسمع من عرض "للمحاضر" ومناقشة" للمختصين".
وقد يعقب ذلك أن يقوم المركز الداعي لهذه المحاضرة المتخصصة، بنشر البحث، مع ما أثير حوله من نقاش1.
__________
1 يفعل المنظمون لمهرجان "الجنادرية" ذلك سنويًّا، انظر "حلقة أدب الطفل، أبريل 1993م، شوال 1413هـ.
(1/370)

ب- محاضرات التثقيف العام:
وهي محاضرات تلقى في منتدى عام، ونادٍ أدبي، أو جمعية فئوية: كجمعيات الأدباء، أو الأطباء، أو الصيادلة.. إلخ، ويلقيها علَمٌ في مجاله. وهذه عناوين عدد من المحاضرت التي ألقيت خلال العام الجامعي 1414، 1415هـ1.
__________
1 نقلًا عن العدد "212" من مجلة "الفيصل"، صفر 1415هـ، ص212.
(1/370)

1- اللغة العربية وتحديات عصر المعلومات، محاضرة ألقاها د. نبيل علي محمد عبد العزيز في قاعة المحاضرات التابعة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض.
2- مستقبل التنمية في المجتمعات العمرانية والمدن الجديدة، محاضرة ألقاها د. يحيى شديد في المركز الثقافي التابع للسفارة المصرية في الرياض.
3- آداب الشعوب الإسلامية، محاضرة ألقاها د. محمد بن عبد الرحمن الربيع في نادي القصيم الأدبي، ببريدة.
4- العربية بين الدرس القديم وعلم اللغة الحديث، محاضرة ألقاها د. عبده الراجحي في نادي القصيم الأدبي، ببريدة.
(1/371)

مرحلتا المحاضرة
مرحلة الإعداد
...
أ- مرحلة الإعداد:
1- الاطلاع، وجمع المعلومات حول موضوع المحاضرة.
2- وضع خطة للمحاضرة، كخطة البحث، وذلك بتقسيم الموضوع إلى أفكار رئيسة، وأفكار جزئية.
3- التنبه للفكرة الجديدة التي يريد المحاضر أن يطرحها، واحتشاده لتقديها تقديمًا يجمع بين المتعة والإقناع.
(1/371)

ب- تقديم المحاضرة:
1- على المحاضر أن يقدم لموضوعه تقديمًا ذكيًّا، في تمهيد يحدد فيه الغرض من المحاضرة، ويعرض فيه للخطوط الرئيسة في إيجاز، ويبين أهميتها.
2- عليه أن "يشرك الحضور بين الحين والآخر عن طريق الأسئلة، أو المشكلات أو الفروض"1.
__________
1 محمد صالح الشنطي: مرجع سابق، ص269.
(1/371)

3- عليه أن تكون مخارج حروفه سليمة، وأن يغير نبرة صوته بين حين وآخر حسب المعنى، وليبعد جمهوره عن الملل والرتابة.
4- عليه أن تكون لغته مفهومة، وإذا جاء بمصطلح جديد، فعليه أن يشرحه شرحًا موجزًا حتى يستطيع الحاضرون أن يتابعوه.
5- الهدوء وعدم الانفعال عند الرد على مداخلات المختصين أو الجمهور.
6- عدم المبالغة في تقدير جهده في المحاضرة أو الثناء عليه، وألا يهون من شأن الذين ينتقدهم، أو ينتقد بسخرية جهود السابقين له في المجال الذي يحاضر فيه.
(1/372)

نموذج لمحاضرة: نحو طريقة مثلى لتحليل النص الأدبي1
1- الهدف من دراسة النص الأدبي:
إن الهدف من دراسة "النص الأدبي" هو الوقوف على إبداعات الأديب -شاعرًا أو كاتبًا- في نصه، وما تجلى فيه من جماليات، تبدو في دقة التعبير وروعة التصوير، وحسن التركيب، وجمال الموسيقا، كما تبدو فيما تحويه الألفاظ والتراكيب والصور من تجارب صادقة، وعواطف جياشة، ومعانٍ نبيلة، وأفكار جليلة، جعلت القارئ ينفعل بها ويتأثر، مثلما انفعل بها الأديب -من قبل- وتأثر، انفعالًا وتأثرًا يجعلانه مشدودًا إلى ما في النص من سمات فنية ترقى بالأدب، ومن قيم موضوعية تسمو بالإنسان إلى مراقي التقدم والكمال.
__________
1 نص محاضرة ألقاها الأستاذ الدكتور محمد عارف محمود حسين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في كلية اللغة العربية بالرياض، شوال 1414هـ.
(1/372)

2- ما قبل تحليل النص الأدبي:
1- قائل النص:
إن أول ما ينبغي أن يوقم به دارس النص الأدبي، هو إلقاء الأضواء على قائله، ففي هذا الإلقاء كشف للكثير من جوانب النص -حين درسه وتحليله- وتوضيح لبعض الأمور الغامضة فيه.
ذلك لأن للقائل -شاعرًا أو كاتبًا- مجموعة من العواطف والمشاعر والاتجاهات النفسية التي يصدر عنها في فنه الأدبي شعرا ونثرا، وهي أمور تتحكم فيها مجموعة من العوامل والمؤثرات المحيطة به، عامة كانت هذه المؤثرات أو خاصة، فالعامة كالمؤثرات السياسية والاجتماعية والثقافية، والخاصة كالأسرة والنشأة والحياة الخاصة، والقبيلة والبلد والأساتذة.
ومما لا شك فيه أن هذه المؤثرات، هي التي تكوّن الأديب نفسيًّا وفكريًّا، وبالتالي توجهه حينما يعبر عن عواطفه وانفعالاته وشعوره وفكره.
ولكن درس هذا الجانب ينبغي أن يكون موجزًا يكشف الغامض ويوضح الملتبس في النص، ويعين على فهم نفسية الأديب وشعوره، ويرشد إلى السر في اختياره لألفاظه وتراكيبه وصوره الفنية وموسيقاه، ويرجع الكثير من هذه الظواهر الفنية إلى منابعها التي تعود إلى تلك العوامل والمؤثرات، "فتذوقنا لشعر المتنبي يكون أشد عمقًا، وأقوى روعة، حين نعرف الكثير عن حياته العاصفة المضطربة، وفهمنا لإبداع المعري يبدو أكثر وضوحًا حين نقرؤه في ضوء حياته، وما اعتورها وأحاط بها، وتعليلنا لدقة ابن الرومي يقترب من الحقيقة أكثر حين نعرف أصوله الأولى، وما ارتبطت به من اتجاه في الفن أو الفهم والتعليل"1.
__________
1 د. الطاهر أحمد مكي: الشعر العربي المعاصر، ص99، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1983م.
(1/373)

2- مناسبة النص:
إن أول ما يتوجه إليه دارس النص، بعد انتهائه من إلقاء الضوء على حياة الأديب هو كشف النقاب عن مناسبة النص، والمقصود بها الأحداث والعوامل المثيرة التي حركت روح الأديب وجعلته يكتشف موضوعه، من الأحداث الخارجية، أو الانفعالات الداخلية، التي وقعت على شخصه أو مست الذين حوله، كالأحداث المثيرة للفرح، والمحركة للأحزان، أو الباعثة على اليأس أو التفاؤل أو الغضب أو الحقد، أو الحب.. أو غير ذلك من العواطف التي تثيرها تلك الأحداث.
ولا شك أن الحديث عن المناسبة هذه تعين على فهم النص فهمًا دقيقًا، وتعين -كذلك- على فهم أبعاده وجوانبه، وهذا وذلك يساعد على فهم الجوانب الفنية في النص.
3- قراءة النص:
بعد الوقوف على حياة الأديب، وبعد معرفة الملابسات والظروف والأحداث التي هيأت لميلاد النص، من أحداث وعوامل وتجربة شعرية عايشها الأديب خلال هذه الأحداث، أدت في النهاية إلى إحساس الأديب ورغبته في التعبير عنها- أقول بعد هذا كله: على دارس النص أن يخلص إلى قراءة النص قراءة صحيحة واعية، تفصح عن فهمه له، وإحساسه به، ووقوفه على مضمونه.
ويهمنا -ونحن في مجال تدريس النص الأدبي- أن يقوم الطلاب بقراءة النص -بعد قراءة الأستاذ للنص قراءة توجيه وإرشاد للكيفية الصحيحة للقراءة- بحيث يقرأ كل طالب النص كاملًا إن كان قصيرًا، أو يقرأ مقطعًا منه إن كان طويلا، يقوم الطالب -من خلال قراءته- تقويمًا نحويًّا وصرفيًّا ولغويًّا وعروضيًّا وإلقائيًّا.
(1/374)

وينبغي -خلال هذه القراءة- أن يقف الطالب على موضوع النص، والأفكار التي يحتويها، حيث يقسم النص إلى فقرات إذا كان طويلًا، وأن يحدد لكل فقرة عنوانًا يدل على الفكرة التي تحتويها الفقرة، مع مراعاة أن الفقرة جزء ينتمي إلى كل، وبذلك يلم الطالب بموضوع النص وأفكاره قبل الشروع في تحليله، وهذا أمر يساعدنا كثيرًا في الوقوف على دقائق النص أثناء الشرح والتحليل.
وخلال هذه القراءة -أيضًا- يجب أن توضح الألفاظ الغامضة، ومعرفة ما يريد منها الشاعر بدقة "لأن الكلمة في القصيدة يمكن -أحيانًا- أن تتجاوز دلالتها المحددة لها في الاستعمال الشائع، أو الذي تعطيه لها معاجم اللغة، حين يدفع الشاعر في شرايينها بدم جديد، فيعطيها ملمحًا خاصًّا تكتسبه من الإيقاع أو السياق، أو حتى من الألفاظ المجاورة لها 1"، ومنها فإن ألفاظ الشاعر لا تعطي معنى فحسب، وإنما تثير لونًا وطعمًا ورائحة، وظلًّا وحركة 2.
وخلال القراءة -كذلك- ينبغي أن تلتقط الجمل، أو الفقرات، أو الأبيات، التي يمكن أن نجد فيها الملامح الأصيلة للشاعر، والأشكال ذات المغزى، والعبارات الهامة الأشد ارتباطًا بالموضوع، أو التي تعكس -في قوة- خصائص أسلوبه؛ لأن قراءة النص تتجاوز الحروف والألفاظ إلى ما يستتر خلفها من مشاعر وأحاسيس وحياة، والقارئ المتأني الفاهم يستطيع أن يفك ألغازها، وأن يكتشف العالم الفكري للشاعر كاملًا3.
__________
1 السابق: 101.
2 السابق: 101.
3 السابق: 101.
(1/375)

4- بيئة النص: زمانًا ومكانًا:
إذا انتهت القراءة الواعية المتأنية للنص على ضوء الأسس السابقة -يجيء ما يمكن أن نسميه وضع النص في موضوعه زمانًا ومكانًا؛ فنحدد عن طريق العصر التيار الأدبي الذي كان سائدًا على أيامه: عصر طبع أو صنعة، أصالة أو تقليد، تجديد أو محافظة؟ وأي التيارات غلب عليه: الرومانسية، أو الواقعية، أو غيرها من المذاهب، وأي القضايا شغلت أهل عصره: ذاتية أو اجتماعية أو سياسية1.. وإذا كان للبيئة الزمانية دخل في هذ كله، فإن للبيئة المكانية دخلًا كذلك، فالمضوعات والاتجاهات الفنية التي شغلت الشعراء في العصر الأموي -مثلًا- في الحجاز غير التي شغلتهم في بوادي نجد، غيرها في العراق، وهكذا. وتحديد البيئة زمانًا ومكانًا يضع يد دارس النص على الاتجاه الأدبي الذي ينتمي إليه الشاعر، أو المذاهب الأدبية التي خرج عليها، ولم ينتمِ إلى أي منها.
__________
1 السابق: 101
(1/376)

3- تحليل النص:
بقراءة النص الأدبي -على النحو السالف- يكون وقوف دارس النص على ما ينطوي عليه النص من أفكار ومشاعر وغايات، وحينئذ يخلص الدارس إلى تحليله ودراسته، والتوصل إلى عناصره المختلفة حتى يبلغ الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها، وهو في مرحلة التحليل هذه يتناول المحتوى والشكل، كل على حدة، دون أن ينسى أنهما مرتبطان بلا انفصال.
أ- المحتوى "أو المضمون":
عند تناول الدارس للمحتوى، ينبغي -أولًا- أن يحدد موضوع النص، وهو
(1/376)

ما يمكن أن يكون عنوانًا له، وفي الغالب يعالج النص عددًا من القضايا أو الأفكار العامة، ومن المهم أن نقسم النص -من حيث هذه الأفكار العامة- إلى مقاطع، يسمى كل مقطع باسم يحمل الفكرة التي يحتويها، ومن المهم -أيضًا- أن نتناول العناصر الفرعية، أو قل المعاني الجزئية التي يحتويها كل مقطع من خلال أبياته التي اشتمل عليها.
بعد تقسيم النص إلى أفكار عامة، وتقسيم كل فكرة منها إلى عناصر فرعية، يأتي شرح هذا المحتوى فكرة فكرة، أي مقطعًا مقطعًا، يأتي بعده شرح وتبيان العناصر الفرعية التي تحتويها الأبيات.
وينبغي أن يكون معلومًا أن توضيح هذه الأفكار العامة، وما تحتويه من عناصر ومعانٍ جزئية، يجب أن يكون دقيقًا بلا إطناب ولا ثرثرة.
وخلال معالجة المحتوى -على نحو ما تقدم- يقوم دارس النص بشيئين:
1- بيان الوحدة الموضوعية.
2- بيان القيم الموضوعية.
أما بالنسبة للأول، فعلى الدارس أن يقوم بالكشف عن مدى الترابط بين أجزاء المضمون العام للنص التي تمثلها أفكار العامة، وعن مدى الترابط -أيضا- بين عناصر الفكرة العامة التي تمثلها أبيات كل فكرة، بحيث يكشف عن مدى هذا الترابط والتلاحم، أو يكشف عن مدى التفكك والانفصال.
ولا يستطيع أحد أن يتعلل -للتفكك والانفصال- بتعدد موضوعات النص، فذلك أمر يمكن للأديب حسمه بحسن تلطفه، ودقة تخلصه، فتبدو المقاطع -التي قد تبدو متنافرة- وكأن كل مقطع ينادي أخاه، وهذا يدل على فهم الأديب لموضوعه وحسن تأتيه له، ويقظته التامة للطائفه ودقائقه.
(1/377)

وأما الثاني، فيقوم فيه الدارس باستجلاء ما في النص من أفكار موضوعية، وقيم شعورية ومعانٍ إنسانية، وشرحها وبيان ما فيها من صدق أو كذب، ومن صحة أو خطأ، ومن وضوح أو غموض، ومن سطحية وابتذال، أو بعد وعمق، ومن ذاتية أو موضوعية.
ب- الشكل "أو القالب الفني":
ينبغي لدراس النص -قبل أن يعرض للسمات الفنية للشكل- أن يحدد القالب الفني الذي اتخذه الأديب مجرى لإبداعه، أهو الشعر- غنائيًّا أو مسرحيًّا أو ملحميًّا -أم النثر- قصة، أو مقالة، أو رسالة، أو خطبة؛ فلكل لون من ذلك أصوله وطرائقه.
وعلى الدارس بعد تحديد القالب الفني للنص، أن يبدأ في تناول أسلوب الأديب، ونعني بالأسلوب طريقة التعبير وخصائصه، وفي الأسلوب يدرس الألفاظ التي انتقاها، وطريقته في تكوينها، وأي الألفاظ يؤثر، وعلى أي المشتقات يقبل، ويدرس العبارات، وكيف صاغها وألف بينها، كذلك يدرس الصور، وكيف ألفها، ومن أي المواد التقط عناصرها، كذلك يدرس موسيقاه وفقًا لعلم العروض، ليرى هل وفق الشاعر في اختيار هذا البحر أو ذلك، وهل يجري على عروض الخليل أم سار على الطريق التي استحدثت فيما بعد، من الموشحات أو الشعر المرسل أو شعر التفعيلة1.
1- الألفاظ:
هذا جانب هام من جوانب الدراسة الفنية للنص، فما لا شك فيه أن اختيار الألفاظ المناسبة يلعب دورًا مهما في الخلق الأدبي، فالكلام موضوع
__________
1 انظر السابق: 103.
(1/378)

للإبانة عن الأغراض التي في النفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ويدخل في ذلك أمور كثيرة يجب مراعاتها عند تحليل الألفاظ:
1- الدقة: ومعناها أن يختار الأديب من الألفاظ أدقها تعبيرًا عن المعنى الذي يجول في نفسه، فإذا لم يحسن الأديب اختيار كلماته عُدَّ ذلك عيبًا1.
2- الإيحاء: اللفظ الموحي، هو اللفظ الذي يثير في النفس معاني كثيرة، كأنه نوع من البث الغامض، ويرجع الإيحاء في اللفظ إلى أمور كثيرة، منها ما لحق باللفظ تاريخيًّا أو أسطوريًّا، أو دينيًّا أو شعريًّا، ومنها ما يعود إلى جرسه الموسيقي، وما يلقيه في النفس من ظلال.
3- الاشتقاق: ونعني به الصيغ المختلفة للمادة الواحدة، وفي هذا الجانب ينظر الدراس ليرى كيف يختار الأديب ألفاظه ذات الاشتقاق الموحي بالمعنى على نحو أتم، مثل الألفاظ ذات الحروف المضعفة، أو التي زيدت فيها حروف، أو الألفاظ الدالة على الجموع، أو المبالغة، أو الألفاظ المعرفة أو المنكرة، وغير ذلك من الاتجاهات ذوات الصلة بعلم المعاني.
4- الألفاظ وموضوع النص: يدرس في هذا المجال مدى مراعاة الكاتب لألفاظه، ومدى تناسبها للموضوع، من الجزالة والقوة، أو السهولة واللين، أو الوضوح أو الغموض.
5- الألفاظ ومدى دلالتها على نفسية الأديب: لا شك أن لكل أديب معجمه اللغوي الذي يجول فيه، وينتقي منه الألفاظ التي تعبر عن نفسه أدق تعبير، فيلاحظ الدارس -مثلًا- تردد كلمات بأعيانها في النص، كالموت
__________
1 د. غازي يموت: الفن الأدبي: ص42، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1990م.
(1/379)

والعدم، أو النور والضياء، أو الحياة والبهجة، أو المكارم والمعالي، أو غير ذلك، وحين يبحث عن السر في تردد مثل هذه الألفاظ، يجد الباحث أن ذلك يرتبط بالتكوين النفسي للأديب، الذي قد يكون مرده إلى النشأة والبيئة والاتجاه الفكري.
هذه الجوانب الفنية السابقة في دراسة الألفاظ، لا ينبغي أن ننظر إلى اللفظ -من خلالها- نظرة استقلالية، بمعنى أن يدرس اللفظ مفردًا، بل ننظر إليه من خلال مجاورة اللفظ لأخيه وترابطه به، حتى تعطي الألفاظ المعنى الذي يقصد الأديب إبرازه، ومن هنا لا نجد قيمة فنية للفظ ما لم يكن منتظمًا في سلك مع ألفاظ مكونة ما يسمى بـ "العبارة".
2- العبارة:
"يقصد بالعبارة مجموعة ألفاظ منسقة على نحو معين، لأداء معنى شعوري، وتستمد العبارة دلالتها -في العمل الأدبي- من مفردات الدلالات اللغوية للألفاظ، ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الألفاظ وترتيبها في نسق معين، ثم من الإيقاع الموسيقي الناشئ عن مجموعة إيقاعات الألفاظ متناغمًا بعضها مع بعض، ثم من الصور والظلال التي تشعها الألفاظ متناسقة في العبارة1.
ومن هنا كانت العبارة، هي التعبير الحقيقي عن التجربة الشعورية، لا الألفاظ المفردة، وليست الألفاظ المفردة إلا لبنات في بناء واحد متكامل هو العمل الأدبي، والألفاظ -بذلك- لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، وإنما تثبت لها الفضيلة في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها2.
__________
1 سيد قطب: النقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط3، دار الشروق، القاهرة 1400هـ،1980م، ص41.
2 عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة: 35-38.
(1/380)

وللعبارة أنماط متعددة، وأشكال عدة، فقد تأتي العبارة في قالب الخبر أو قالب الإنشاء، ويتشكل المعنى المقصود من الخبر من خلال سياقاته، وكذا يتشكل المقصود من الإنشاء من خلال أنواعه أمرًا أو نهيًا، أو نداء، أو استفهامًا، أو عرضًا، أو إغراء، أو تحذيرًا أو شرطًا، ومن خلال سياقاتها. وهذه جوانب هامة يجب درسها وتحليلها، وبيان قيمتها التعبيرية في أداء المعنى وإبرازه.
وإذا كنا ندرس العبارة مستقلة، لنرى قيمتها الفنية في التعبير عن المعنى، على نحو أتم، ولنرى -من خلال ذلك- مدى تجانس الألفاظ وتآلفها وامتزاجها في دلالتها على هذا المعنى إذا كنا ندرس العبارة على هذا النحو وجب علينا أن ندرس أيضًا وجه الترابط والتلاحم بين العبارات التي تكون المقطع؛ لنرى مدى توفيق الأديب في إحكام بناء العبارات على نحو فني دقيق، أو عدم توفيقه، وخلال هذه الدراسة يكشف عن مدى الوحدة الفنية التي تنتظم هذا البناء الأدبي.
وعلى دارس العبارة ألا يقف بها عند هذا الحد، بل عليه أن يدرس جوانبها الأخرى من المزايا الموسيقية والتصويرية والإيحائية، التي ترقى بها إلى مستوى التعبير الجميل "من هنا فإن النظر إلى دلالة العبارة من ناحية المعنى فقط، قد لا يدلنا على قيمة العمل الأدبي الحقيقية التي هي في المعاني المشعة، الموحية التي تكمن خلف العبارات"1.
3- الصورة الفنية:
للصورة الفنية مكانتها في النص الأدبي، وبخاصة الشعر، فهي التي تعطيه.
__________
1 د. غازي يموت: الفن الأدبي، ص23.
(1/381)

القدرة على الإيحاء والتأثير، والشعر يكتسب أهميته ودوره وغناه من الصور الشعرية؛ لأنها هي التي تعطي الألفاظ المؤلفة للغة قدرتها الإيحائية في الدلالة، فنرى الكلمات التي مستها الصورة، تغدو ينبوعًا لا ينضب للإمكانات الدلالية والصوتية1.
وعلي دارس النص -لذلك- أن يتوجه إلى دراسة الصورة الفنية في النص، فيتناول ألفاظها المكونة لها، والبيئة التي استمدت منها، وأنماطها المعبر عنها من تشبيه ومجاز مرسل واستعارة وكناية، كما يتناول قيمها الفنية في كل نمط منها، وإيثار الأديب لنمط منها دون آخر.
4- الموسيقا:
المقصود بالموسيقا في الشعر هما الوزن والقافية، وبهما تميز الشعر عن النثر في المدرسة القديمة؛ ذلك لأن النثر في المدرسة الحديثة يشتمل على الموسيقا، ذلك "أن إيقاع الجملة، وعلائق الأصوات والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائية، والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها من الأصداء المتلونة المتعددة.. هذه كلها موسيقا، وهي مستقلة عن موسيقا الشكل المنظوم، قد توجد فيه وقد توجد دونه"2.
ولأهمية الوزن والقافية في الشعر -لأنهما يشكلان العنصر الموسيقي الأول الظاهر في الشعر- تحدث عنهما النقاد طويلًا، فقالوا: "الوزن أخص ميزات الشعر وأبينها في أسلوبه، ويقوم على ترديد التفاعيل المؤلفة من الأسباب والأوتاد والفواصل، وعن ترديد التفاعيل تنشأ الوحدة الموسيقية للقصيدة كلها"3.
__________
1 د. صبحي البستاني: الصورة الشعرية، ص33.
2 أدونيس: مقدمة للشعر العربي: ص116، نقلًا عن الفن الأدبي.
3 أحمد الشايب: الأسلوب، ص48.
(1/382)

ولعل إطلاق مصطلح "موسيقا الشعر" مقصودًا به الوزن والقافية إطلاق له وجاهته، ذلك لأن "الشعر هو في الدرجة الأولى موسيقا، يشبهها في الوزن وانسجام الأصوات وترجيعها بصورة متسقة بين طويل وقصير، وضعيف وقوي، ولكن وقفات القصيدة لا يضبطها العدد بالدقة التي تنضبط بها وقفات الموسيقا. والشعر موسيقا أيضًا في قافيته، فهي تصور المقطع الذي تنتهي به أبيات القصيدة، ويتردد وقعه في أواخر كل بيت، بحيث تبدو نغمته صدى يتردد بصورة قياسية، ينتظره السامع ويستعد له.
إن على دارس النص أن يتوجه بالدراسة والتحليل إلى هذ العنصر الموسيقي الظاهر، وهما الوزن والقافية ليرى هل وفق الشاعر في اختيار هذا البحر أو ذاك لقصيدته؟ وهل وافق البحر الغرض الذي احتوته القصيدة؟ وهل وفق أيضًا في اختيار قافيته؟ وهل وافقت القافية الغرض كذلك؟
لكن هذه الصياغة الموسيقية الأم للقصيدة العربية -نعني بها الوزن والقافية- جوبهت بتغييرات عدة عبر تاريخ الأدب العربي، تغييرات ظلت تربط الشعر بالموسيقا، لكنها حاولت أن تطور في هذه الموسيقا، وفاقًا للظروف المتغيرة التي اقتضت في نظرهم إحداث تغيير في نظام الصياغة الموسيقية العربية التقليدي، انتهى -في النهاية- إلى تلك الأساليب الموسيقية المستحدثة، وهي الموشحات، والشعر الحر، وقصيدة النثر2.
وعلى دارس النص أن يتتبع هذه التغيرات الموسيقية التي جدت في الأوزان الخليلية وهو يدرس موسيقا النص؛ ليرى هل جرى الشاعر على النمط المعاد.
__________
1 الفن الأدبي: 73.
2 انظر الفن الأدبي: 73.
(1/383)

في الشعر العربي، أو سار على الطرق التي استحدثت من هذه التي ذكرت آنفًا أو استحدث الشاعر لنفسه أوزانًا جديدة؟ وعلى أي أساس تقوم؟
وهناك -إلى جانب الموسيقا الخارجية الوزن والقافية- الموسيقا الداخلية، وهي ذات جانبين هامين: اختيار الكلمات وترتيبها، والمواءمة بين الكلمات والمعاني التي تدل عليها، أما الجانب الأول -وهو اختيار الكلمات وترتيبها- فيتبدى في حسن اختيار الشاعر لألفاظه ومعرفته بالحسن منها والمستهجن، وملاءمته بين ألفاظه حتى لكأنها سبكت سبكًا واحدًا، هذا التخير للألفاظ، والدقة فيه، وهذه الملائمة الدقيقة بين الألفاظ وما يتبعها من تلاحم وامتزاج، يمثل الجانب الأول من هذه الموسيقا الداخلية، ويمكن أن ندخل في هذا الجانب أنماطًا متعددة من الموسيقا الداخلية، تظهر في التصريع، والتنويع، والازدواج، والتقسيم، والجناس، والطباق. أما الجانب الثاني، وهو المواءمة بين الكلمات والمعاني التي تدل عليها، فيعني أن يختار الشاعر لموضوعاته الشعرية الألفاظ التي تناسبها، فيختار للحماسة الألفاظ القوية "الجزلة" وللغزل الألفاظ الرقيقة "السهلة" التي تشبه أنسام الصباح، وللفخر الألفاظ القوية التي تشي بالقوة والاعتزاز لدى الشاعر. وهذا الجانب الثاني ليس منفصلًا عن الأول، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ ومن هنا كان لا بد من مراعاتهما معًا، وما الفصل بينهما -هنا- إلا من باب التوضيح.
على دارس النص أن يراعي هذه الجوانب للموسيقا الداخلية، وأن يكشف عما فيها من إيقاعات موسيقية تمنح النص جمالًا.
(1/384)

4- ما بعد تحليل النص:
ينبغي لدراس النص -بعد هذه الدراسة التحليلية للنص- أن يلقي نظرات على النص، يمكن أن تسمى "نظرات أخيرة على النص"، وفي هذه النظرات
(1/384)

يوضح العلاقة بين النص وقائله، وبين النص والبيئة، كما يلقي بعض النظرات النافذة حول "التجربة الشعورية" لدى الشاعر، وحول "عاطفته" في هذا النص، ففي العلاقة بين النص وقائله يمكن للدارس أن يكتشف صورة الشاعر الفنية، وكيف دلت هذه الصورة عليه: من خلال ألفاظه التي انتقاها، وتراكيبه التي ألفها، وصوره التي نسجها، وموسيقاه التي اختارها؛ بحيث تصير هذه الخصائص سمتًا عليه، ومشيرة إليه، كما يمكن للدارس أيضًا أن يتعرف من خلال النص على مذهبه الأدبي وتوجهه الفني، وعلى ميوله الفكرية والعقدية.
وفي العلاقة بين النص والبيئة، يمكن للدارس أن يظهر -في دراسته- أثر البيئة في النص من خلال اختيار الشاعر لبعض الألفاظ التي تدل على هذه البيئة، سواء أكانت دالة على عادات وتقاليد ونظم وأعراف أم على أفكار ومعتقدات، أو من خلال اختيار الشاعر لموضوعات دون موضوعات، كان للبيئة تأثير فيه، مثل ظهور الغزل العذري في بوادي نجد، والصريح في الحجاز، والمديح والهجاء في العراق.
أما التجربة الشعورية، فتتجلى للدارس من خلال دراسته وتحليله للنص، فيعرف إن كانت ذاتية أو موضوعية، أو خيالية، كما يعرف إن كانت صادقة أو زائفة، أو كانت عميقة أو سطحية. كل هذه الجوانب الخاصة بالتجربة الشعورية لا بد من تجليتها وتحليلها حتى تبدو واضحة لا لبس فيها.
وأما العاطفة، فهي الانفعال بالتجربة الشعورية حبًّا أو بغضًا، تفاؤلًا أو تشاؤمًا، وتتجلى للدارس من خلال دراسة النص إن كانت هذه العاطفة صادقة أو زائفة، عميقة أو سطحية، قوية أو ضعيفة، مستمرة في النص كله، أو فقدت استمراريتها.
(1/385)

المصادر والمراجع
المصادر والمراجع من الكتب
...
المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم
د. إبراهيم درديري:
2- لغة الإعلام اليوم بين الالتزام والتفريط، ط1، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض 1401 هـ، 1981 م.
د. إبراهيم عوضين:
3- في الأدب العربي المعاصر، ط1، مطبعة السعادة، القاهرة 1395، 1975.
أحمد أمين:
5- إلى ولدي، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت 1969م.
أحمد حسن الزيات:
6- وحي الرسالة، ط8، نهضة مصر، القاهرة، د. ت.
أحمد زكي صفوت:
7- جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت.
(1/387)

د. أحمد السعدني.
8- أدب باكثير المسرحي، الجزء الأول: المسرح السياسي، ط1، مكتبة الطليعة، أسيوط 1980م.
أحمد الشايب:
9- الأسلوب، المطبعة الفاروقية، الإسكندرية 1939م.
أحمد شوقي:
10- مجنون ليلى: مطبعة الكيلاني، القاهرة 1967م.
د. أحمد شوقي رضوان. د. عثمان بن صالح الفريح:
11- التحرير العربي: ط3، عمادة شئون المكتبات، جامعة الملك سعود، الرياض 1411هـ، 1991م.
د. أحمد محمد علي حنطور:
12- فن المقال في الأدب المصري الحديث، التركي للكمبيوتر وطباعة الأوفست، طنطا، 1986م.
د. أحمد مختار عمر:
13- أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين، ط1، عالم الكتب، القاهرة 1411هـ، 1991م.
14- العربية الصحيحة، ط1، عالم الكتب، القاهرة 140هـ،1981م.
د. أسعد علي:
15- التعبير والبلاغة والعروض، ط1، مطبوعات جامعة دمشق 1401هـ، 1981م.
(1/388)

د. إسماعيل الصيفي:
16- فن التلخيص، ط1، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية1410هـ، 1990م.
أنيس المقدسي:
17- الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة الحديثة، ط4، دار العلم للملايين، بيروت 1984م.
أبو بكر الرازي:
18- مختار الصحاح، ط دار الفكر، بيروت 1398هـ، 1978م.
جمال الدين محمد بن مالك:
19- في نظائر الظاء والضاد، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت 1404هـ، 1984م.
حاتم الطائي:
20- ديوان حاتم الطائي، تحقيق: عادل سليمان، المكتبة العلمية، بيروت د. ت.
د. حسين علي محمد:
21- البطل في المسرح الشعري المعاصر، سلسلة "كتابات تقدية" "6"، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، يناير 1991م.
22- كتب وقضايا في الأدب الإسلامي، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية، 1999م.
(1/389)

د- حلمي خليل:
23-العربية والغموض: دراسات لغوية في دلالة المبنى على المعنى، ط1، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1988م.
د. حلمي محمد القاعود:
24- حفنة سطور، ط1، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض 1413هـ، 1993م.
25- لويس عوض: الأسطورة والحقيقة، ط1، دار الاعتصام، القاهرة 1414هـ، 1994م.
خليل هنداوي:
26- تيسير الإنشاء، ط10، دار الشرق، بيروت د. ت.
خير الدين الزركلي:
27- الأعلام، ط4، دار العلم للملايين، بيروت 1979م.
ابن درستويه:
28- كتاب الكُتَّاب، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي، وعبد الحسين الفتلي دار عمار، عمان 1412هـ، 1992م.
د. رشاد رشدي:
29- فن القصة القصيرة، ط3، دار العودة، بيروت 1984م.
د. سمير محمد حسين:
30- تحليل المضمون، ط1، عالم الكتب، القاهرة 1983م.
(1/390)

سيد قطب:
31- النقد الأدبي: أصوله ومناهجه، ط4، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1996م.
د. السيد مرسي أبو ذكري:
32- العمل الأدبي بين الإبداع والأداء، ط1، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1987م.
33- القصة في الأدب العربي المعاصر، ط1، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1408هـ، 1988م.
34- المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ط1، دار المعارف "فرع الإسكندرية"، الإسكندرية 1982م.
د. صابر عبد الدايم:
35- المرايا وزهرة النار، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م.
د. الطاهر أحمد مكي:
36- الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل إلى قراءته، ط2، دار المعارف، القاهرة 1983م.
د. عبد الجواد الطيب:
37- دراسة في قواعد الإملاء، ط1، دار الأوزاعي، ببيروت 1404هـ، 1984م.
(1/391)

د. عبد الحميد إبراهيم:
38- نقاد الحداثة وموت القارئ، نادي القصيم الأدبي ببريدة 1415هـ، 1995م.
د- عبد الرحمن أيوب:
39- الكلام: إنتاجه وتحليله، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت 1984م.
د. عبد الرحمن عطية:
40- في رحاب اللغة العربية: مناهج وتطبيق، ط4، دار الأوزاعي، بيروت 1409هـ، 1989م.
د. عبد الرازق الطويل:
41- المقالة في أدب العقاد، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 1987م.
د. عبد الستار الحلوجي:
42- قراءة في أوراق جامعية، ط1، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض 1405هـ، 1985م.
د. عبد العزيز شرف:
43- اللغة العربية والفكر المستقبلي، ط1، دار الجيل، بيروت1411هـ، 1991م.
عبد العزيز عبد الله محمد:
44- سلامة اللغة العربية: المراحل التي مرت بها، ط1، مكتبة المنتدى العربي، بغداد 1405هـ، 1985م.
(1/392)

عبد العزيز بن محمد الفنتوخ:
45- الخلاصة في قواعد الإملاء وعلامات الترقيم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1415هـ، 1994م.
د. عبد الفتاح عثمان:
46- بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة 1982م.
عبد الكريم غلاب:
47- دفاع عن فن القول، الدار العربية للكتاب، تونس 1984م.
د. عبد المحسن طه بدر:
48- تطور الرواية العربية الحديثة في مصر "1870هـ، 1938م"، ط5، دار المعارف، القاهرة 1992م.
عزيزة مريدن:
49- القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1400هـ، 1980م.
عطاء كفافي:
50- المقالة الأدبية ووظيفتها في العصر الحديث، ط1، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة 1405هـ، 1985م.
علي أحمد باكثير:
51- الدودة والثعبان، مطبعة مصر، القاهرة، د. ت.
عمر الدسوقي:
52- نشأة النثر الحديث وتطوره، دار الفكر العربي، القاهرة 1976م.
(1/393)

أبو العميثل الأعرابي:
53- ما اتفق لفظه واختلف معناه، تحقيق: د. محمود شاكر سعيد، منشورات نادي جازان الأدبي، جازن 1412هـ، 1991م.
د. غازي براكس:
54- فن الكتابة الصحيحة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1405هـ، 1984م.
د. غازي يموت:
55- الفن الأدبي، ط1، دار الحداثة، بيروت 1990م.
د. فكتور الكك. ود. أسعد علي:
56- جذور العربية فروع الحياة، ط2، دار السؤال، دمشق 1401هـ، 1981م.
مجموعة مؤلفين:
57- ظاهرة الضعف العام في استعمال اللغة العربية، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1412هـ.
د. محمد تقي الدين الهلالي:
58- تقويم اللسانين، ط1، مكتبة المعارف، الرباط 1398هـ، 1987م.
محمد جبريل:
59- هل؟ مختارات فصول"42"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1987م.
د. محمد رشاد الحمزاوي:
60- العربية والحداثة، أو الفصاحة فصاحات، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986م.
(1/394)

د. محمد رجب البيومي:
61- من صحائف التاريخ، مطبعة السعادة، القاهرة 1981م.
د. محمد سويسي "وآخرون".
62- تنمية اللغة العربية في العصر الحديث، وزارة الشئون الثقافية، تونس 1987م.
د. محمد صالح الشنطي:
63- فن التحرير العربي: ضوابطه وأنماطه، ط2، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض 1412هـ، 1992م.
64- المهارات اللغوية، د. م، د. ت "تاريخ المقدمة: غرة صفر 1412هـ، حائل".
د. محمد العبد:
65- اللغة والإبداع الأدبي، ط1، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة 1989.
د. محمد بن عبد الرحمن الربيع:
66- خمائل وأزهار، ط1، مكتبة المعارف، الرياض 1416هـ، 1995م.
محمد العدناني:
67- معجم الأخطاء الشائعة، ط3، مكتبة لبنان، بيروت 1985م.
محمد علي أبو حمدة:
68- فن الكتابة والتعبير، ط1، مكتبة الأقصى، عمان 1401هـ، 1981م.
(1/395)

د. محمد علي داود "بالاشتراك":
69- فن كتابة البحث الأدبي والمقال، ط3، مطبعة الأمانة، القاهرة 1404هـ، 1983م.
محمد العوين:
70- المقالة في الأدب السعودي الحديث، ط1، الرياض 1412هـ، 1992م.
د. محمد عيد:
71- المستوى اللغوي للفصحى واللهجات، للنثر والشعر، ط1، عالم الكتب، القاهرة، 1981م.
محمد فريد أبو حديد:
72- أبو الفوارس عنترة بن شداد، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة 1412هـ، 1991م.
محمد ماهر فريد:
73- فن الإلقاء، ط1، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ليبيا، مصراتة 1989م.
د. محمد يوسف نجم:
74- فن المقالة، ط4، دار الثقافة، بيروت د. ت.
75- المسرحية في الأدب العربي الحديث "1874، 1914م"، ط2، دار الثقافة، بيروت 1967م.
(1/396)

محمود محمد شاكر:
76- أباطيل وأسمار، ط2، مطبعة المدني، القاهرة 1972م.
مصطفى صادق الرافعي:
77- السحاب الأحمر، ط3، مطبعة الاستقامة، القاهرة 1316هـ، 1942م.
78- وحي القلم، ط2، مطبعة الاستقامة، القاهرة 1367هـ، 1948م.
مصطفى لطفي المنفلوطي:
79- النظرات، دار الجيل، بيروت 1984م.
نسيم مجلِّي:
80- لويس عوض ومعاركه الأدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1995م.
نوال عبد المنعم قاضي:
81- التخلف الإملائي، ط1، مطبوعات تهامة، جدة 1401هـ، 1981م.
نوري شاكر الألوسي:
82- البحث الأدبي ومنهجه، دار الحرية للطباعة، بغداد 1405هـ، 1984م.
(1/397)

الصحف والدوريات
83-إبداع "القاهرة"
84- أخبار الأدب "القاهرة"
85- أصوات معاصرة "الزقازيق"
86- الأهرام "القاهرة"
87- الجزيرة "الرياض"
88- حريتي "القاهرة"
89- الحياة "لندن"
90- الدعوة "الرياض"
91- الرسالة "القاهرة"
92- العربي "الكويت"
93- الفيصل "الرياض"
94- القافلة "الظهران"
95- المجلة العربية "الرياض"
96- مرأة الجامعة "الرياض"
97- المسائية "الرياض"
98- الندوة "مكة المكرمة"
99- الهلال "القاهرة"
100- الوعي الإسلامي "الكويت"
(1/398)

للمؤلف
أ- شعر:
1- السقوط في الليل، القاهرة، دمشق 1977م، ط2، الإسكندرية 1999م.
2- ثلاثة وجوه على حوائط المدينة، القاهرة 1979م، ط2، الإسكندرية 1999م.
3- شجرة الحلم، القاهرة 1980م.
4- الحلم والأسوار، القاهرة 1984م، ط2، الزقازيق 1996م.
5- الرحيل على جواد النار، القاهرة 1985م، ط 2، الزقازيق 1996م.
6- حدائق الصوت، الزقازيق 1993م.
7- غناء الأشياء، الزقازيق 1997م، ط2، القاهرة 2002م.
8- النائي ينفجر بوحًا، الإسكندرية 2000م.
ب- مسرحيات شعرية:
9- الرجل الذي قال، الزقازيق 1983م.
10- الباحث عن النور، القاهرة 1985م، ط2، الزقازيق 1996م.
11- الفتى مهران 99 أو رجل في المدينة، الإسكندرية 1999م.
12- بيت الأشباح، الإسكندرية 1999م.
13- سهرة مع عنترة، المنصورة 2001م.
14- الزلزال، المنصورة 2001م.
ج- شعر قصصي للأطفال:
15- الأميرة والثعبان، القاهرة 1997م.
(1/399)

16- مذكرات فيل مغرور، عمان 1993م.
د- قصص قصيرة:
17- أحلام البنت الحلوة، الإسكندرية 1999م، ط2، المنصورة 2001م.
هـ- دراسات أدبية:
18- عوض قشطة: حياته وشعره، المنصورة 1976م.
19- القرآن.. ونظرية الفن، القاهرة 1979م، ط2، القاهرة 1992م.
20- دراسات معاصرة في المسرح الشعري، القاهرة 1980م، ط2، المنصورة 2002م.
21- البطل في المسرح الشعري المعاصر، القاهرة 1991م، ط2، الزقازيق 1996م، ط3، الإسكندرية 2000م.
22- شعر محمد العلاني: جمعًا ودراسة، الزقازيق 1993م، ط2، الزقازيق 1997م.
23- جماليات القصة القصيرة، القاهرة 1996م.
24- التحرير الأدبي، الرياض 1996م، ط2، الرياض 2000م، ط3، الرياض 2001م، ط4، 2003م.
25- سفير الأدباء: وديع فلسطين، القاهرة 1998م، ط2، القاهرة 1999م، ط3، الإسكندرية 2000م.
26- المسرح الشعري عند عدنان مردم بك، القاهرة 1998م.
27- كتب وقضايا في الأدب الإسلامي، الإسكندرية 1999م.
28- صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، الإسكندرية 1999م.
(1/400)

29- من وحي المساء "مقالات ومحاورات"، الإسكندرية 1999م.
30- الأدب العربي الحديث: الرؤية والتشكيل، الإسكندرية 1999م، ط2، الإسكندرية 2000م، ط3، الإسكندرية 2001م، ط4، الرياض 2002م
31- دراسات نقدية في أدبنا المعاصر، الإسكندرية 2000م.
32- مراجعات في الأدب السعودي، الإسكندرية 2000م.
33- شعر بدر بدير: دراسة موضوعية وفنية، الإسكندرية 2000م.
34- في الأدب المصري المعاصر، القاهرة 2001م.
35- أصوات مصرية في الشعر والقصة القصيرة، المنصورة 2002م.
(1/401)

الفهرس
الموضوع الصفحة
مقدمة الطبعة الأولى 5
مقدمة الطبعة الثانية 7
القسم الأول: الكتابة الصحيحة 9
1- الكتابة قديمًا وحديثًا 11
2- اللفظة 23
3- الفقرة 47
4- كيف تقرأ النص الأدبي؟ 61
5- كيف تكتب موضوعًا؟ 85
6- كيف تكتب تلخيصًا؟ 107
7- كيف تكتب بحثًا؟ 123
القسم الثاني: أنواع الكتابة 131
1- التقرير 133
2- التقويم 139
3- الرسالة 151
4- المقالة 159
5- القصة 285
6- المسرحية 327
7- المحاضرة 369
المصادر والمراجع 387
للمؤلف 400
الفهرس 402
(1/403)