Advertisement

التاج في أخلاق الملوك



الكتاب: التاج في أخلاق الملوك
المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)
المحقق: أحمد زكي باشا
الناشر: المطبعة الأميرية - القاهرة
الطبعة: الأولى، 1332هـ - 1914م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] باب في الدخول على الملوك
دخول الأشراف
إن كان الداخل من الأشراف والطبقة العالية، فمن حق الملك أن يقف منه بالموضع الذي لا ينأى عنه، ولا يقرب منه، وأن يسلم عليه قائماً. فإن استدناه، قرب منه، فأكب على أطرافه يقبلها، ثم تنحى عنه قائماً، حتى يقف في مرتبة مثله. فإن أومأ إليه بالقعود، قعد. فإن كلمه، أجابه بانخفاض صوتٍ، وقلة حركة. وإن سكت، نهض من ساعته، قبل أن يتمكن به مجلسه بغير تسليمٍ ثانٍ، ولا انتظار أمرٍ.

دخول الأوساط
وإن كان الداخل من الطبقة الوسطى، فمن حق الملك، إذا رآه، أن يقف، وإن كان نائياً عنه. فإن استدناه، دنا خطى ثلاثاً أو نحوها، ثم وقف أيضاً. فإن استدناه، دنا نحواً من دنوه الأول، ولا ينظر إلى تعب الملك في إشارة أو تحريك جارحة؛ فإن ذلك، وإن كان فيه على الملك معاناة، فهو من حقه وتعظيمه.

كيفية الدخول على الملك
وإن كان دخوله عليه من الباب الأول الذي يقابل وجه الملك ويحاذيه - وكان له طريق عن يمينه أو شماله - عدل نحو الطريق الذي لا يقابله فيه بوجهه، ثم انحرف نحو مجلس الملك، فسلم قائماً ملاحظاً للملك. فإن سكت عنه، انصرف راجعاً من غير سلام
(1/6)

ولا كلام؛ وإن استداناه، دنا خطى وهو مطرق، ثم رفع رأسه. فإن استدناه، دنا خطى أيضاً ثم رفع رأسه حتى إذا أمسك الملك عن إشارة أو حركةٍ، وقف في ذلك الموضع الذي يقطع الملك فيه إشارته، قائماً.
فإن أومأ إليه بالقعود، قعد مقعياً أو جاثياً. فإن كلمه، أجابه بانخفاض صوتٍ، وقلة حركة، وحسن استماع. فإذا قطع الملك كلامه، قام فرجع القهقرى. فإن أمكنه أن يستتر عن وجهه بجدارٍ أو مسلكٍ لا يحاذيه إذا ولى، مشى كيف شاء.

استقبال الملك للملوك
وعلى الملك، إذا دخل عليه من يساويه في السلطان والتبع والعز والولادة والبيت، أن يقوم فيخطو إليه خطىً ويعانقه، ويأخذ بيده فيقعده في مجلسه، ويجلس دونه؛ لأن هذه حال يحتاج الملك إلى مثلها، من الداخل عليه، إذا زاره؛ فإن بخسه حظه ومنعه ما يجب له، لم يأمن الملك أن يفعل به مثل ذلك. ومتى فعل كل واحدٍ منهما بصاحبه ماهو خارج عن النواميس والشرائع، تولد من ذلك فساد، وحدثت ضغائن بين الملوك يقع بسببها التباغض والتعادي والتحاسد. وإذا اجتمع ذلك في المملكة، كان سبباً للبوار، وداعيةً إلى التجارب.

وداع الملك للملوك
وعلى الملك، إذا أراد هذا الذي قدمنا صفته، الأنصراف، أن يقوم معه إذا قام، ويدعو بدابته ليركب حيث يراه، ويشيعه ماشياً، قبل ركوبه، خطى يسيرةً، ويأمر حشمه بالسعي بين يديه.
(1/7)

وعلى هذا كانت أخلاق آل ساسان من الملوك وأبنائهم، وبهذه السياسة أخذهم أردشير بن بابك، فلم تزل فيهم حتى ملك كسرى أبرويز، فغيرها؛ فكان مما اعتد عليه شيرويه، ابنه، في ذكر مثالبه ومعايبه وقد قلنا إن من حق الملك أن لا يطيل أحد عنده القعود؛ فإن اخطأ مخطيء في ذلك، فمن إذن الملك له بالانصراف أن يلحظه. فإذا عرف ذلك فلم يقم، كان ممن يحتاج إلى أدبٍ، وكان الذي وصله بالملك ظالماً له ولنفسه.
(1/8)

باب في مطاعمة الملوك
ومن حق الملك، إذا تبذل مع أحد، وأنس به حتى طاعمه، أن لا ينبسط بين يديه في مطعمه؛ فإن في ذلك خلالاً مذمومةً: منها، أن انبساطه يدل على شرهه؛ ومنها، أن في ذلك سوء أدب، وقلة تمييز؛ ومنها، أن فيه جرأةً على الملك ببسط اليد، ومدها، وكثرة الحركة.
وليس في كثرة الأكل مع الملك معنىً يحمد، إلا أن يكون الآكل كميسرة التراس أو حفصٍ الكيال، الذين إنما يحضرون لكثرة الأكل فقط. فاما أهل الأدب، وذوو المروءة، فإنما حظهم من مائدة الملك المرتبة التي رفعهم إليها، والأنس الذي خصهم به.
(1/9)

المنصور والفتى الهاشمي
قال: وحدثني ابراهيم بن السندي بن شاهك، عن أبيه، قال: دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فاستجلسه ذات يومٍ، ودعا بغدائه، وقال للفتى: أدنه فقال الفتى: قد تغديت. فكف عنه الربيع، حتى ظننت أنه لم يفطن لخطاه. فلما نهض للخروج، أمهله.
فلما كان من وراء الستر، دفع في قفاه. فلما رأى الحجاب ذلك منه، دفعوا في قفاه حتى أخرجوه من الدار.
فدخل رجال من عمومة الفتى، فشكوا الربيع إلى المنصور. فقال المنصور: إن الربيع لا يقدم على مثل هذا، إلا وفي يده حجة؛ فإن شئتم أغضيتم على ما فيها، وإن شئتم سألته، وأنتم تسمعون. قالوا: فسله.
فدعا الربيع، وقصوا قصته. فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلم من بعيد، وينصرف. فاستدناه أمير المؤمنين، حتى سلم عليه من قريب، ثم أمره بالجلوس. ثم تبذل بفضيلة المرتبة التي صيره فيها أن قال، حين دعاه إلى طعامه: قد فعلت. وإذن ليس عنده لمن أكل مع أمير المؤمنين إلا سد خلة الجوع. ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل.
(1/10)

على مائدة اسحق بن ابراهيم
حدثني أحمد بن عبد الرحمن الحراني، قال: كنت أحضر على مائدة اسحق بن إبراهيم، أنا وهاشم ابن أخي الأبرد والناقدي؛ فكنت أعد على مائدته ثلاثين طائراً. فأما الحلو والحامض والحار والقار، فاكثر من أن أحصيه. فلا نرزأ من ذلك كله إلا مقدار ما يأكل الطائر. إنما نكسر الخبز بأظفارنا.
قلت: فما كان ينشطكم؟. قال: لا ولو فعل ما فعلناه قال: فما هو إلا أن نتوارى عن عينه حتى ننتهب.

شرف مؤاكلة الملوك
وكذلك يجب للملوك أن لا يشره أحد إلى طعامهم، ولا يكون غرضه أن يملأ بطنه، وينصرف إلى رحله، إلا أن يكون الآكل أخا الملك، أو ابنه، أو عمه، أو ابن عمه، أو من أشبه هؤلاء؛ ويكون أيضاً ممن يقصر بعد الأكل ويطيل المنادمة، ويجعل ما يأكل غذاء يومه وليلته، إذ كان لا يمكنه الانصراف متى شاء.
وكانت ملوك فارس، إذا رأت أحداً في هذه الحال التي وصفنا من شره المطعم والنهم، أخرجوه من طبقة الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار والتصغير.
(1/11)

والملك، وإن بسط الرجل لطعامه، فمن حقه على نفسه، وحق الملك عليه أن لا يترك استعمال الأدب، ولا يميل إلى ما تهوى طبيعته؛ فإنه من عرف بالشره، لم يجب له اسم الأدب، ومن عرف بالنهم، زال عنه اسم التمييز.
وإذا وضع الملك بين يدي أحدٍ طعاماً، فليعلم ذلك الرجل أنه لم يضعه بين يديه ليأتي عليه، بل لعله، إن كان لم يقصد بذاك إلى إكرامه أو مؤانسته، أن يكون أراد أن يعرف ضبطه نفسه، إذا رأى ما يشتهي من بسطه لها.
وحسب الرجل، إذا أتحفه الملك بتحفة على مائدته، أن يضع يده عليها. فإن ذلك يجزئه، ويزيد في آدابه.

بين معاوية والحسن بن علي
ألا ترى إلى معاوية بن أبي سفيان، حين وضع بين يدي الحسن عليه السلام، دجاجةً، ففكها، نظر إليه معاوية، فقال: هل كان بينك وبينها عداوة؟ فقال له الحسن: هل كان بينك وبين أمها قرابة؟.
(1/12)

إن هذا الكلام الذي دار بينهما قد قرح في قلب كل واحدٍ منهما. ومعاوية لم يقل هذا القول، لأنه كان يعظم عليه قدر الدجاجة.
فكيف يكون ذلك، وهو يكتب إلى أطرافه وعماله، ولى زيادٍ بالعراق بإطعام السابلة، والفقراء، وذوي الحاجة؟ وله في كل يومٍ أربعون مائدة يتقسمها وجود جند الشام؟ ولكن علم أن من حق الملك توقير مجلسه وتعظيمه، وليس من التوقير والتعظيم مد اليد، وإظهار القرم، وشدة النهم، وطلب التشبع بين يدي الملوك وبحضرتها. وعلى هذا كانت ملوك الأعاجم من لدن أردشير بن بابك إلى يزدجرد.

شره القضاة
ويقال إن سابورذا الأكتاف، لما مات موبذان موبذ، وصف له رجل من كورة إصطخر، يصلح لقضاء القضاة في العلم والتأله والأمانة. فوجه إليه، فلما قدم، دخل عليه، ودعا بالطعام إليه، فدنا، فأكل معه، فأخذ سابور دجاجةً فنصفها،
(1/13)

ووضع نصفها بين يدي الرجل، ونصفها بين يديه، ثم أومأ إليه أن كل من هذه، ولا تخلط بها طعاماً، فإنه أمرأ لطعامك، وأخف على معدتك. وأقبل سابور على النصف، فأكل كنحو ما كان يأكل. ففرغ الرجل من النصف، قبل فراغ سابور، ثم مد يده إلى طعام آخر، وسابور يلحظه.
فلما رفعت المائدة، قال له: ودع وانصرف إلى بلدك. فإن آباءنا وسلفنا من الملوك، كانوا يقولون: من شره بين يدي الملك إلى الطعام، كان إلى أموال الرعية والسوقة والوضعاء أشد شرهاً. فلم يستكفه على ما كان أحضره له.

الملك وضيوفه على المائدة
ومن حق الملك أن لا يرفع أحد إليه طرفه، إذا أكل، ولا يحرك يده معه في صحفة.
ومن قوانين الملك أن توضع بين يدي كل رجلٍ صحفة، فيها كالذي بين يدي الملك من طعام غليظٍ أو دقيقٍ أو حارٍ أو قار، ولا يخص الملك نفسه بطعام دون أصحابه، لأن في ذلك ضعةً على الملك، ودليلاً على الاستئثار.
(1/14)

ومن حق الملك أن لا يغسل أحد بحضرته يديه من خاصته وبطانته، إلا أن يكون معه من يساويه في الجاه، والعز، والبيت والولادة. فقد بينا ما يجب لأولئك آنفاً.
ومن العدل أن يعطي الملك كل أحد قسطه وكل طبقةٍ حقها، وأن تكون شريعة العدل في أخلاقه كشريعة ما يقتدي به من أداء الفرائض والنوافل التي تجب عليه رعايتها والمثابرة على التمسك بها، وإيناس الناس في بسط أيديهم في الطعام، حتى يسوي في ذلك بين الملوك والنمط الأوسط والعامة.
وليس أخلاق الملوك كأخلاق العامة. وكانوا لا يشبهون في شيء. وإنما تحسن كثرة الأكل مع الصديق والعشير والمساوي في منازل الدنيا من الرفعة والضعة. فأما الملوك، فيرتفعون عن هذه الصفة، ويجلون عن هذا المقدار.
ومن حق الملك، إذا رفع يديه عن الطعام، أن ينهض عن مائدته كل من الحاف بها، حتى يواروا عنه بجدارٍ أو حائلٍ غيره. فإن أراد الدخول، كان ذلك بحيث لا يرون قيامه، وإذا أراد القعود لهم، دخلوا إليه بإذن ثانٍ.
ومن قوانين الملك أن يكون منديل غمره كمنديل وجهه، في النقاء والبياض، وأن لا يعاد إليه إلا أن يغسل أو يجدد.
(1/15)

الحديث على المائدة
ومن حق الملك أن لا يحدث على طعامه بحديث جدٍ ولا هزل. وإن ابتدأ بحديثٍ، فليس من حقه أن يعارض بمثله. وليس فيه أكثر من الاستماع لحديثه، والأبصار خاشعة.
ولشيءٍ ما، كانت ملوك آل ساسان، إذا قدمت موائدهم، زمزموا عليها، فلم ينطق ناطق بحرفٍ حتى ترفع. فإن اضطروا إلى كلام، كان مكانه إشارة وإيماء يدل على الغرض الذي أرادوا، والمعنى الذي قصدوا.
(1/16)

وكانوا يقولون: إن هذه الأطعمة بها حياة هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعل ذهنه في مطعمه، ويشغل روحه وجوارحه فيه، لأن تأخذ كل جارحةٍ بقسطها من الطعام، فيغتذي بها البدن والروح الحيوانية التي في القلب، والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تاماً، وتقبله الطبيعة قبولاً جامعاً.
وفي ترك الكلام على الطعام فضائل كثيرة، وهي في آيينهم تركنا ذكرها، إذ كانت ليست من جنس كتابنا هذا.
(1/17)

قال: وحدثني بعض المحدثين، قال: قال بعض الأمراء، وأظنه بلال بن أبي بردة، لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، إذ كنتم عنده؟ فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندي لون كذا، ودجاجة كذا، ومن الحلواء كذا. قال: ولم يسأل عن ذلك؟ قال: ليقصر كل رجلٍ عما لا يشتهيه، حتى يأتيه بما يشتهي قال: ثم يؤتى بالخوان، فيتضايق ويتسع، ويقصر ويجتهد. فإذا استغنى، خوى تخوية الظليم، ثم أكل أكل الجائع المقرور.
قال: والجارود هذا هو الذي قال: سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.
(1/18)

باب في المنادمة
طبقات الندماء
ومن أخلاق الملك أن يجعل ندماءه طبقات ومراتب، وأن يخص ويعم، ويقرب ويباعد، ويرفع ويضع، إذ كانوا على أقسامٍ وأدوات.
فإنا قد نرى الملك يحتاج إلى الوضيع للهوه، كما يحتاج إلى الشجاع لبأسه، ويحتاج إلى المضحك لحكايته، كما يحتاج إلى الناسك لعظته، ويحتاج إلى أهل الهزل، كما يحتاج إلى أهل الجد والعقل ويحتاج إلى الزامر المطرب، كما يحتاج إلى العالم المتقن.
وهذه أخلاق الملوك، أن يحضرهم كل طبقةٍ، إذ كانوا ينصرفون من حال جدٍ إلى حال هزلٍ، ومن ضحك إلى تذكير، ومن لهوٍ إلى عظةٍ. فكل طبقةٍ من هذه الطبقات ترفع مرةً وتحط أخرى، وتعطي مرةً وتحرم أخرى، خلا الأشراف والعلماء، فإن الذي يجب لهم رفعة المرتبة، وإعطاء القسط من الميزة، والنصفة من المعاشرة، ما لزموا الطاعة ورعوا حقها.
(1/19)

في حضرة الملك
وليس من حق الملك أن يبرح أحد من مجلسه إلا لقضاء حاجة. فإذا أراد ذلك، فمن الواجب أن لا يلاحظه، فإن سكت الملك قام بين يديه، ثم لاحظه، فإن نظر إليه، مضى لحاجته. فإذا رجع، قام ماثلاً بين يديه أبداً، وإن طال ذلك، حتى يوميء إليه بالقعود، فإذا قعد، فمقعياً أو جاثياً. فإن نظر إليه، بعد قعوده، فهو إذنه له بالتمكن في قعوده.
وليس له أن يختار كمية ما يشرب ولا كيفيتها، إنما هذا إلى الملك، إلا أن من حقه على الملك أن يأمر بالعدل عليه، والنصفة له، ولا يجاوز به حد طاقته، ولا وسع استطاعته، فيخرج به من ميزان القسط، وحد القصد: لأنه لا يأمن أن يتلف نفساً، وهو يجد إلى إحيائها سبيلاً.
ومن أخلاق الملك السعيد أن يحرص على إحياء بطانته، حرصه على إحياء نفسه، إذ كان بهم نظامه.

مراتب الندماء والمغنين
لدى الفرس وفي الإسلام
وإذ قد انتهينا إلى هذا القانون من القول، فبنا حاجة إلى الإخبار عن مراتب الطبقات الثلاث من الندماء والمغنين، وإن كانت مراتبهم في كتاب الأغاني محصورة، فقد يجب ذكرها في هذا الموضع أيضاً، لأنها داخلة في أخلاق الملوك.
(1/20)

ولنبدأ بملوك العجم، إذ كانوا هم الأول في ذلك، وعنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة، وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظها، والاقتصار على جديلتها: كان أردشير بن بابك أول من رتب الندماء، وأخذ بزمام سياستهم، فجعلهم ثلاث طبقات:
(1/21)

فكانت الأساورة وأبناء الملوك في الطبقة الأولى، وكان مجلس هذه الطبقة من الملك على عشرة أذرع من الستارة؛ ثم الطبقة الثانية، كان مجلسها من هذه الطبقة على عشرة أذرع وهم بطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم؛ ثم الطبقة الثالثة، كان مجلسهم على عشرة أذرع من الثانية، وهم المضحكون وأهل الهزل والبطالة.
غير أنه لم يكن، في هذه الطبقة الثالثة، خسيس الأصل ولا وضيعه ولا ناقص الجوارح، ولا فاحش الطول والقصر، ولا مؤوف، ولا مرسي بأبنةٍ، ولا مجهول الأبوين، ولا ابن صناعة دنيئة، كابن حائك أو حجام، ولو كان يعلم الغيب مثلاً.
وكان أردشير يقول: ما شيء أضر على نفس ملكٍ من معاشرة سخيفٍ، أو مخاطبة وضيعٍ؛ لأنه كما أن النفس تصلح على مخاطبة الشريف الأديب الحسيب، كذلك تفسد بمعاشرة الدنيء الخسيس حتى يقدح ذلك فيها، ويزيلها عن فضيلتها؛ وكما أن الربح إذا مرت بطيبٍ، حملت طيباً تحيا به النفس، وتقوى به جوارحها، كذلك إذا مرت بالنتن، فحملته، ألمت له النفس، وأضر بأعلاقها أضراراً تاماً.
(1/22)

أقسام الناس
وكذلك جعل الناس على أقسام أربعة، وحصر كل طبقة على قسمتها: فالأول، الأساورة من أبناء الملوك؛ والقسم الثاني، النساك وسدنة بيوت النيران، والقسم الثالث، الأطباء والكتاب والمنجمون، والقسم الرابع، الزراع والمهان وأضرابهم.
وكان أردشير يقول: ما شيء أسرع في انتقال الدول، وخراب المملكة من انتقال هذه الطبقات عن مراتبها، حتى يرفع الوضيع إلى مرتبة الشريف، ويحط الشريف إلى مرتبة الوضيع.
وكان الذي يقابل الطبقة الأولى من الأساورة وأبناء الملوك، أهل الحذاقة بالموسيقيات والأغاني، فكانوا بإزاء هؤلاء نصب خط الاستواء.
وكان الذي يقابل الطبقة الثانية من ندماء االملك وبطانته، الطبقة الثانية من أصحاب الوسيقيات.
(1/23)

وكان الذي يقابل الطبقة الثالثة، من أصحاب الفكاهات والمضحكين أصحاب الونج والمعارف والطنابير، وكان لا يزمر الحاذق من الزامرين إلا على الحاذق من المغنين. وإن أمره الملك بذلك، راجعه واحتج عليه.
وقلما كانت ملوك الأعاجم خاصة تأمر أن يزمر على المغني إلا من كان معه في أسلوب واحد، إذ لم يكن من شأنهم أن ينقلوا أحداً من طبقة وضيعة إلى طبقة
(1/24)

رفيعة. إلا أن الملك كان ربما غلب عليه السكر حتى يؤثر فيه، فيأمر الزامر الطبقة الثانية أو الثالثة أن يزمر على المغني من الطبقة الأولى، فيأبى ذلك، حتى إنه ربما ضربه الخدم بالمراوح والمذاب فيكون من اعتذاره أن يقول: إن كان ضربي بأمر الملك وعن رأيه، فإنه سيرضى عني إذا صحا، بلزومي مرتبتي.
وكان أردشير قد وكل غلامين ذكيين، لا يفارقان مجلسه، بحفظ ألفاظه عند الشرب والمنادمة. فأخذهما يمل والآخر يكتب حرفاً حرفاً، وهذا إنما يفعلانه، إذا غلب عليه السكر، فإذا أصبح، ورفع عن وجهه الحجاب، قرأ عليه الكاتب كل ما لفظ به في مجلسه إلى أن نام. فإذا قرأ به الزامر، ومخالفة الزامر أمره، دعا بالزامر، فخلع عليه وجزاه الخير، وقال: أصبت فيما فعلت، وأخطأ الملك فيما أمرك به. فهذا ثواب صوابك، وكذلك العقوبة لمن أخطأ، وعقوبتي أن لا نزمزم اليوم غلا على خبز الشعير والجبن. فلم يطعم في يومه ذلك غيرهما.
وما ذاك إلا حثاً على لزوم سنتهم، وحفظ نواميسهم، وأخذ العامة بالسياسة التامة، والأمر اللازم.
(1/25)

انقلاب الحال في عهد بهرام جور
فلم يزل على ذلك ملوك الأعاجم، حتى ملك بهرام جور بن يزدجرد، فأقر مرتبة الأشراف وأبناء الملوك، وسدنة بيوت النيران على ما كانت، وسوى بين الطبقتين من الندماء والمغنين، ورفع من أطربه، وإن كان في أوضع الدرجات، إلى الدرجة الأولى، وحط من قصر عن إرادته إلى الطبقة الثانية، فأفسد سيرة أردشير في المغنين وأصحاب الملاهي خاصةً، فلم يزل الأمر على ذلك، حتى ملك كسرى أنوشروان، فرد الطبقات إلى مراتبها الأولى.
الستار بين ملوك الأعاجم كلها من لدن أردشير بن بابك إلى يزدجرد تحتجب عن الندماء بستارة، فكان يكون بينه وبين أول الطبقات عشرون ذراعاً لأن الستارة من الملك على عشرة أذرع، والستارة من الطبقة الأولى على عشرة أذرع.
وكان الموكل بحفظ الستارة رجلاً من أبناء الأساورة، يقال له خرم باش، فإذا مات هذا الرجل، وكل بها آخر من أبناء الأساورة، وسمي بهذا فكان خرم باش، إذا جلس الملك لندمائه وشغله، أمر رجلاً أن يرتفع على أعلى مكان في قرار دار الملك، ويغرد بصوت رفيع يسمعه كل من حضر، فيقول: يا لسان، احفظ رأسك فإنك تجالس في هذا اليوم ملك الملوك! ثم ينزل.
(1/26)

فكان هذا فعلهم في كل يوم يجلس فيه الملك للهوه، ولا يجتريء أحد من خلق الله أن يدير لسانه في فيه بخير ولا غيره، حتى تحرك الستارة، فيطلع القائم عليها، فيؤمر بأمرٍ فينفذه، ويقول: افعل يا فلان كذا، وتغني، يا فلان، كذا وكذا.
وكان الندماء من العظماء والأشراف وأبناء الملوك وإخوة الملك وعمومته وبني عمه، وأوضع الطبقات في مجلس الملك في نقابٍ واحدٍ إطراقاً وإخباتاً وسكون طائر، وقلة حركة.
فلم يزل أمر الملوك من الأعاجم كذلك، حتى ملك الأردوان الأحمر، فكان يقول: من كانت له منكم حاجة، فليكتبها في رقعة، وليرفعها قبل شغلي، فأفهم ما فيها،
(1/27)

ويخرج إليه أمري، وعقلي صحيح، وفكري جامع.
فمن سأل، في غير هذا الوقت، حاجةً، ضربت عنقه، وهو أول من فتح هذا. وكان لا يرد سائلاً، ولا يعطي مبتدئاً.
فلم يزل الأمر على ذلك، حتى ملك بهرام جور، فكان يقول للندماء: إذا رأيتموني قد طربت، وخرجت من باب الجد إلى باب الهزل، فسلوا حوائجكم.
وكان يوكل بحوائجهم صاحب الستارة. فكان إذا سكر، مد الناس أيديهم برقاعهم، فأخذها صاحب الستارة، فأنفذها إليه، فأخذها بيده، وضمها عليها، ثم رمى بها من غير أن ينظر في شيء منها، ويقول: أنفذوا كل ما فيها. فكان ذلك ربما بلغ في ليلة واحدة من سؤالٍ في إقطاع أو قضاء دينٍ أو طلب منحة ألف ألفٍ أو أكثر، إلا أن ذلك لم يكن تباعاً.
وكان إذا رفع أحدهم في رقعته ما ليس يجوز لمثله، وهو خارج من حد القصد وادخل في باب الإفراط، لم تقض له حاجة، وسمي جاهلاً، ولم تؤخذ له رقعة بعدها أبداً.

في عهد الأمويين
ثم لم يكن ذلك، بعد، في أخلاق الملوك من الأعاجم والعرب حتى ملك يزيد بن عبد الملك، فسوى بين الطبقة العليا والسفلى، وأفسد أقسام المراتب، وغلب عليه اللهو، واستخف بآيين المملكة، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه والرد عليه. وهو أول من شتم في وجهه من الخلفاء، على جهة الهزل والسخف.
(1/28)

قلت لإسحق بن إبراهيم: هل كانت الخلفاء من بني أمية تظهر للندماء والمغنين؟.
(1/29)

قال: أما معاوية ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد، فكان بينهم وبين الندماء ستارة. وكان لا يظهر أحد من الندماء على ما يفعله الخليفة، إذا طرب للمغنى والتذه، حتى ينقلب ويمشي ويحرك كتفيه، ويرقص، ويتجرد حيث لا يراه إلا خواص جواريه. إلا أنه كان، إذا ارتفع من خلف الستارة، صوت أو نعير طرب أو رقص أو حركة بزفيرٍ تجاوز المقدار، قال صاحب الستارة: حسبك يا جارية! كفي! انتهى! أقصري! يوهم الندماء أن الفاعل لذلك بعض الجواري. فأما الباقون من خلفاء بني أمية، فلم يكونوا يتحاشون أن يرقصوا أو يتجردوا، ويحضروا عراةً بحضرة الندماء والمغنين. وعلى ذلك، لم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد في المجون والرفث بحضرة الندماء، والتجرد، ما يباليان ما صنعا.
(1/30)

قلت: فعمر بن عبد العزيز؟
قال: ما طن في سمعه حرف غناء، منذ أفضت الخلافة إليه إلى أن فارق الدنيا. فأما قبلها، وهو أمير المدينة، فكان يسمع الغناء، ولا يظهر منه إلا الأمر الجميل. وكان ربما صفق بيديه، وربما تمرغ على فراشه، وضرب برجليه وطرب. فأما أن يخرج عن مقدار السرور إلى السخف، فلا.
في عهد العباسيين: قلت: فخلفاؤنا؟ قال: كان أبو العباس في أول أيامه يظهر للندماء، ثم احتجب عنهم بعد سنة. أشار بذلك عليه أسيد بن عبد الله الخزاعي؛ وكان يطرب ويبتهج ويصيح من وراء الستارة: أحسنت والله! أعد هذا الصوت! فيعاد له مراراً. فيقول في كلها: أحسنت. وكانت فيه فضيلة لا تجدها في أحد؛ كان لا يحضره نديم ولا مغنٍ ولا ملهٍ، فينصرف، إلا بصلةٍ أو كسوةٍ، قلت أم كثرت.
وكان لا يؤخر إحسان محسنٍ لغدٍ، ويقول: العجب ممن يفرح أنساناً، فيتعجل السرور، ويجعل ثواب من سره تسويفاً وعدةً؛ فكان في كل يومٍ وليلة يقعد فيه لشغله، لا ينصرف أحد ممن حضره إلا مسروراً. ولم يكن هذا لعربي ولا عجمي قبله؛ غير أنه يحكى عن بهرام جورٍ ما يقارب هذا.
(1/31)

فأما أبو جعفر المنصور، فلم يكن يظهر لنديم قط، ولا رآه أحد يشرب غير الماء. وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعاً، وبين الستارة والندماء مثلها؛ فإذا غناه المغني فأطربه، حركت الستارة بعض الجواري، فاطلع إليه الخادم صاحب الستارة فيقول: قل له: أحسنت، بارك الله فيك! ؛ وربما أراد أن يصفق بيديه، فيقوم عن مجلسه، ويدخل بعض حجر نسائه، فيكون ذاك هناك، وكان لا يثيب أحداً من ندمائه وغيرهم درهماً، فيكون له رسماً في ديوان. ولم يقطع أحداً ممن كان يضاف إلى ملهيةٍ أو ضحك أو هزلٍ، موضع قدم من الأرض. وكان يحفظ كل ما أعطى واحداً منهم عشر سنين، ويحسبه، ويذكره له.
وكان أبو جعفر المنصور يقول: من صنع مثل ما صنع إليه، فقد كافأ، ومن أضعف، كان مشكوراً، ومن شكر، كان كريماً، ومن علم أن ما صنع، فإلى نفسه صنع، لم يستبطيء الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في مودتهم. ولا تلتمس في غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك. وأعلم أن الطالب إليك الحاجة، لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن رده.
وكان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء، متشبهاً بالمنصور نحواً من سنة، ثم ظهر لهم. فأشار عليه أبو عونٍ بأن يحتجب عنهم، فقال: إليك عني، يا جاهل!
(1/32)

إنما اللذة في مشاهدة السرور وفي لدنو من سرني. فأما من وراء وراء، فما خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيهم من السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظاً موفراً.
وكان كثير العطايا، وافرها، قل من حضره إلا أغناه. وكان لين العريكة، سهل الشريعة، لذيذ المنادمة، قصير المناومة، ما يمل نديماً ولا يتركه إلا عن ضرورة، قطيع الخنا، صبوراً على الجلوس، ضاحك السن، قليل الأذى والبذاء.
وكان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، قليل الإغضاء، سيء الظن. قل من توقاه وعرف أخلاقه، إلا أغناه. وما كان شيء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال. وكان يأمر للمغني بالمال الخطير الجزيل، فيقول: لا يعطيني بعدها شيئاً، فيعطيه، بعد أيام، مثل تلك العطية.
(1/33)

ويقال: إنه قال يوماً، وعنده ابن جامع وإبراهيم الموصلي ومعاذ ابن الطبيب، وكان أول من دخل عليه معاذ، وكان حاذقاً بالأغاني، عارفاً بها: من أطربني اليوم منكم، فله حكمه.
فغناه ابن جامع غناءً لم يحركه، وكان إبراهيم قد فهم غرضه، فغناه:
سليمى أجمعت بينا ... فأين تظنها أينا
فطرب، حتى قام عن مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعد بالله، وبحياتي!.
فأعاد، فقال: أنت صاحبي، فاحتكم.
فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، حائط عبد الملك بن مروان وعينه الخرارة بالمدينة قال: فدارت عيناه في رأسه، حتى صارتا كأنهما جمرتان، ثم قال: يا ابن اللخناء! أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني، وأني حكمتك فأقطعتك! أما والله، لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك وفكرك، لضربت الذي فيه عيناك! ثم سكت هنيهةً.
قال إبراهيم: فرأيت ملك الموت قائماً بيني وبينه ينتظر أمره. ثم دعا إبراهيم الحراني، فقال: خذ بيد هذا الجاهل، فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء!.
فأخذ الحراني بيدي، حتى دخل بي بيت
(1/34)

المال. فقال: كم تأخذ؟ فقلت: مائة بدرة. فقال: دعني أؤامره.
قلت: فآخذ تسعين. قال: حتى أؤامره.
قلت: فثمانين. قال: لا.
فأبى إلا أن يؤامره، فعرفت غرضه، فقلت له: آخذ سبعين لي، ولك ثلاثون. قال: شأنك.
قال: فانصرف بسبعمائة ألف، وانصرف ملك الموت عن الدار. قال: وكان الرشيد في أخلاق أبي جعفر المنصور، يمتثلها كلها إلا في العطايا والصلات والخلع. فإنه كان يقفو فعل أبي العباس والمهدي. ومن خبرك أنه رآه قط وهو يشرب إلا الماء، فكذبه. وكان لا يحضر شربه إلا خاص جواريه، وربما طرب للغناء، فتحرك حركةً بين الحركتين في القلة والكثرة. وهو، من بين خلفاء بني العباس، من جعل للمغنين مراتب وطبقات، على نحو
(1/35)

ما وضعهم أردشير بن بابك وأنوشروان. فكان إبراهيم الموصلي، واسماعيل أبو القاسم بن جامع، وزلزل منصور الضارب في الطبقة الأولى وكان زلزل يضرب، ويغني هذان عليه.
(1/36)

والطبقة الثانية: سليم بن سلام أبو عبيد الله الكوفي، وعمرو الغزال ومن أشبههما. والطبقة الثالثة: أصحاب المعازف والونج والطنابير. وعلى قدر ذلك كانت تخرج جوائزهم وصلاتهم. وكان إذا وصل واحداً من الطبقة الأولى بالمال الكثير الخطير، جعل لصاحبه اللذين معه في الطبقة، نصيباً منه، وجعل للطبقتين اللتين تليانه منه أيضاً نصيباً. وإذا وصل أحداً من الطبقتين الأخريين بصلة، لم يقبل واحد من الطبقة العالية منه درهماً، ولا يجتريء أن يعرض ذلك عليه. قال: فسأل الرشيد يوماً برصوما الزامر، فقال له: يا إسحق! ما تقول في ابن جامع؟ فحرك رأسه، وقال: خمر قطربل، يعقل الرجل، ويذهب العقل.
قال: فما تقول في إبراهيم الموصلي؟ قال: بستان فيه خوخ وكمثرى وتفاح وشوك وخرنوب.
قال: فما تقول في سليم بن سلام؟ فقال: ما أحسن خضابه! قال: فما تقول في عمرو الغزال؟ قال: ما أحسن بنانه! قال: وكان منصور زلزل من أحسن وأحذق من برأ الله بالجس؛ فكان إذا جس العود، فلو سمعه الأحنف ومن تحالم في دهره كله، لم يملك نفسه حتى يطرب.
(1/37)

قال إبراهيم: فغنيت، يوماً، على ضربه، فخطأني. فقلت لصاحب الستارة: هو، والله، اخطأ!.
قال: فرفع الستارة، ثم قال: يقول لك أمير المؤمنين: أنت، والله، أخطأت!.
فحمي زلزل، وقال: يا إبراهيم، تخطئني؟ فوالله ما فتح أحد من المغنين فاه بغير لفظٍ إلا عرفت غرضه! فكيف أخطيء، وهذه حالي؟.
فأداها صاحب الستارة، فقال الرشيد: قل له: صدقت! أنت كما وصفت نفسك، وكذب إبراهيم وأخطأ.
قال إبراهيم: فغمني ذلك، فقلت لصاحب الستارة: أبلغ أمير المؤمنين، سيدي ومولاي، أن بفارس رجلاً يقال له سنيد، لم يخلق لله أضرب منه بعود، ولا أحسن مجساً، وغن بعث إليه أمير المؤمنين فحمله، عرف فضله، وتغنيت على ضربه. فغن زلزلاً يكايدني مكايدة القصاص والقرادين.
قال: فوجه الرشيد إلى الفارسي، فحمل على البريد، فأقلق ذلك زلزلاً وغمه. فلما قدم بالفارسي، أحضرنا، وأخذنا مجالسنا، وجاؤوا بالعيدان قد سويت. وكذلك كان يفعل في مجلس الخلافة، ليس يدفع إلى أحدٍ عوده، فيحتاج إلى أن يحركه، لأنها قد سويت وعلقت مثالثها مشاكلةً للزيرة على الدقة والغلظ.
قال: فلما وضع عود الفارسي في يديه، نظر إليه منصور زلزل فأسفر وجهه، وأشرق لونه، فضرب وتغنى عليه إبراهيم. ثم قال صاحب الستارة لزلزل: يا منصور، إضرب.
قال: فلما جس العود، ما تمالك الفارسي أن وثب من مجلسه بغير إذن، حتى قبل رأس زلزلٍ وأطرافه، وقال: مثلك، جعلت فداك
(1/38)

لايمتهن ويستعمل. مثلك يعبد.
فعجب الرشيد من قوله، وعرف فضيلة زلزل على الفارسي، فأمر له بصلةٍ، ورده إلى بلده.
وكان منصور زلزل من أسخى الناس وأكرمهم؛ نزل بين ظهراني قومٍ، وقد كان يحل لهم اخذ الزكاة. فما مات حتى وجبت عليهم الزكاة.
وكان إسحق برصوما في الطبقة الثانية. قال: فطرب الرشيد يوماً لزمره، فقال له صاحب الستارة: يا إسحق! أزمر على غناء ابن جامع. قال: لا أفعل.
قال: يقول لك أمير المؤمنين، ولا تفعل؟ قال: إن كنت أزمر على الطبقة العالية، رفعت إليها. فأما أن أكون في الطبقة الثانية، وأزمر على الأولى، فلا أفعل.
فقال الرشيد لصاحب الستارة: ارفعه إلى الطبقة الأولى؛ فإذا قمت، فادفع البساط الذي في مجلسهم إليه.
فرفع إسحق إلى الطبقة العالية، وأخذ البساط، وكان يساوي ألفي دينار. فلما حمله إلى منزله، استبشرت به أمه وأخواته، وكانت أمه نبطية لكناء.
فخرج برصوما عن منزله لبعض حوائجه، وجاء نساء جيرانه يهنئن أمه بما خص به، دون أصحابه، ويدعون لها. فأخذت سكيناً، وجعلت تقطع لكل من دخل عليها قطعة من البساط، حتى أتت على أكثره.
فجاء برصوما، فإذا البساط قد تقسم بالسكاكين. فقال: ويلك ما صنعت؟ قالت: لم أدر، ظننت أنه كذا يقسم فحدث الرشيد بذلك، فضحك، ووهب له آخر.
وزعم سعيد بن وهب أن إبراهيم الموصلي غنى أمير المؤمنين هارون صوتاً، فكاد
(1/39)

يطير طرباً، فاستعاده عامة ليله، وقال: ما رأيت صوتاً يجمع السخاء والطرب وجودة الصنعة والسخف غير هذا الصوت! فأقبل إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين! لو وهب لك إنسان مائة ألف درهم، أو لو وجدت مائة ألف درهم مطروحةً، كنت أسر بها أو بهذا الصوت؟ قال: والله، لأنا أسر بهذا الصوت مني بألف ألف، ألف ألف. قال: فلو فقدت من بيت مالك مائة ألف كان أشد عليك، أو لو فقدت هذا الصوت وفاتك هذا السرور؟ قال: بل ألف ألف، وألف ألف أهون علي.
قال: فلم لا تهب مائة ألف أو مائتي ألف لمن أتاك بشيءٍ فقد ألفي ألفٍ أهون عليك منه؟ فأمر له بمائتي ألف درهم.

الخليفة الأمين
قلت لإسحق: فالمخلوع، أين كان ممن ذكرت؟ قال: ما كان أعجب أمره كله! فأما تبذله، فما كان يبالي أين قعد، ومع من قعد. وكان، لو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب، خرقها كلها، وألقاها عن وجهه، حتى يقعد حيث قعدوا. وكان من أعطى الخلق لذهبٍ وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو لها.
وقد رأيته، وقد أمر لبعض أهل بيته في ليلةٍ بوقر زورق ذهباً، فانصرف به.
وأمر لي، ذات ليلة، بأربعين ألف دينار، فحملت أمامي. ولقد غناه إبراهيم بن المهدي غناءً لم أرتضه. فقام عن مجلسه، فأكب عليه، فقبل رأسه. فقام
(1/40)

إبراهيم، فقبل ما وطئت رجلاه من بساطه. فأمر له بمائتي ألف درهم.
ولقد رأيته يوماً، وعلى رأسه بعض غلمانه، فنظر إليه، فقال: ويلك! ثيابك هذه تحتاج إلى أن تغسل. انطلق، فخذ ثلاثين بدرة، فاغسل بها ثيابك.
ولقد حدثني علويه عنه، قال: لما أحيط به، وبلغت حجارة المنجنيق بساطه، كنا عنده، فغنته جارية له بغناءٍ تركت فيه شيئاً لم تجد حكايته. فصاح: يا زانية! تغنينني الخطأ! خذوها!.
فحملت، وكان آخر العهد بها.

الخليفة المأمون
قلت: فالمأمون؟.
قال: أقام بعد قدومه عشرين شهراً لم يسمع حرفاً من الغناء. ثم سمعه من وراء حجابٍ، متشبهاً بالرشيد. فكان كذلك سبع حججٍ ثم ظهر للندماء والمغنين.
قال: وكان حين أحب السماع ظاهراً بعينه، أكبر ذاك أهل بيته وبنو أبيه.
ويقال أنه سأل عن إسحق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر، وقالوا: يغادر تيهاً وبأواً. فأمسك عن ذكره. قال: فجاءه زرزر يوماً، فقال له: يا اسحق! نحن اليوم عند أمير المؤمنين! فقال إسحق: فغنه بهذا الشعر:
(1/41)

يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود
لحائمٍ حام حتى لا حراك به ... محلأٍ عن سبيل الماء مطرود
فلما غناه به زرزر أطربه وأبهجه وحرك له جوارحه، وقال: ويلك! من هذا؟!
(1/42)

قال: عبدك المجفو المطرح، ياسيدي إسحاق قال: يحضر الساعة.
فجاءه رسوله، وإسحق مستعد، قد علم انه إن سمع الغناء من مجيدٍ مودٍ أنه سيبعث إليه فجاءه الرسول؛ فحدثت انه لما دخل عليه، ودنا منه، مد يده غليه، ثم قال: ادن مني. فأكب عليه واحتضنه المأمون، وأدنا، واقبل عليه بوجهه مصغياً إليه، ومسروراً به.

أخلاق الملك السعيد
ومن أخلاق الملك السعيد ترك القطوب في المنادمة، وقلة التحفظ على ندمائه، ولا سيما إذا غلب أحدهم على عقله، وكان غيره أملك به منه بنفسه.
وللسكر حد، إذا بلغه نديم الملك، فأجمل الأمور وأحراها بأخلاقه أن لا يؤاخذه بزلةٍ إن سبقته، ولا بلفظةٍ إن غلبت لسانه، ولا بهفوةٍ كانت إحدى خواطره.
والحد في ذلك أن لا يفعل ما يقول، ولا ما يقال له؛ وإن خلي ونفسه، رمى بها في مهواة، وإن أراد أحد أخذ ثيابه لم يمانعه.
فأما إذا كان ممن يعرف ما يأتي وما يذر، وكان إذا رام أحد اخذ ما معه، قاتله دونه؛ وكان إذا شتم، غضب وانتصر، وإذا تكلم أفصح، وقل سقطه؛ فإذا كانت هذه صفته، ثم جاءت منه زلة، فعلى عمدٍ أتاها، وبقصدٍ فعلها. فالملك جدير أن يعاقبه بقدر ذنبه. فإن ترك عقوبة هذا ومن أشبهه، قدح في عزه وسلطانه.
(1/43)

ومن الحق على الملك أن لا يجاوز بأهل الجرائم عقوبة جرائمهم. فإن لكل ذنبٍ عقوبةً. إما في الشريعة والنواميس، وإما في الإجماع والاصطلاح. فمن ترك العقوبة في موضعها، فبالحرى أن يعاقب من لا ذنب له. وليس بين ترك العقوبة، إذا وجبت، وعقوبة من لا ذنب له، فرق. وإنما وضع الله الملوك بهذه المواضع الرفيعة، ليقوموا كل ميل، ويدعموا كل إقامة.
تطيب الملك وتجمله: ومن أخلاق الملك أن لا يشارك بطانته وندماءه في مس طيبٍ ولا مجمرٍ؛ فإن هذا وما أشبهه يرتفع الملك فيه عن مساواة أحد. وكذا يجب على بطانة الملك وقرابته أن لا يمسوا طيباً إذا تطيب، لنفرد الملك بذلك دونهم. وليس الطيب كالطعام والشراب اللذين لا بد من مشاركة الندماء فيهما.
فأما كل ما أمكن الملك أن ينفرد به دون خاصته وحامته؛ فمن أخلاقه أن لا يشارك أحداً فيه. وكذا حكي عن أنوشروان ومعاوية بن أبي سفيان. وبعض أهل العلم يحكي عن الرشيد ما يقرب من هذا.
وأولى الأمور بأخلاق الملك، إن أمكنه التفرد بالماء والهواء، أن لا يشرك فيهما أحداً؛ فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد.
(1/44)

ألا ترى أن الأمم الماضية من الملوك، لم يكن شيء أحب إليهم من أن يفعلوا شيئاً تعجز عنه الرعية، أو يتزيوا بزي ينهون الرعية عن مثله؟! فمن ذلك أردشير بن بابك، وكان أنبل ملوك بني ساسان. كان إذا وضع التاج على رأسه، لم يضع أحد في المملكة على رأسه قضيب ريحانٍ متشبهاً به؛ وكان إذا ركب في لبسةٍ، لم ير على أحدٍ مثلها؛ وإذا تختم بخاتمٍ، فحرام على أهل المملكة أن يتختموا بمثل ذلك الفص، وإن بعد في التشابه.
وهذه من فصائل الملوك. وطاعة أهل المملكة أن تتحامى أكثر زي الملك، وأكثر أحواله وشيمه، حتى لا يأتي مالا بد لها منه.
وهذا أبو أحيحة سعيد بن العاص: كان إذا اعتم بمكة، لم يعتم أحد بعمةٍ ما دامت على رأسه.
وهذا الحجاج بن يوسف؛ كان إذا وضع على رأسه طويلة، لم يجتريء أحد من خلق الله أن يدخل، وعلى رأسه مثلها.
وهذا عبد الملك بن مروان؛ كان إذا لبس الخف الأصفر، لم يلبس أحد من الخلق خفاً أصفر حتى ينزعه.
(1/45)

وهذا إبراهيم بن المهدي، بالأمس: دخل على أحمد بن أبي دؤاد بن علي، وعليه مبطنة ملونة من أحسن ثوبٍ في الأرض، وقد اعتم على رأسه رصافيةً بعمامة خزٍ سوداء، لها طرفان خلفه وأمامه، وعليه خف أصفر، وفي يده عكازة آبنوس ملوحٍ بذهبٍ، وفي إصبعه فص ياقوتٍ تضيء يده منه. فنظر إلى هيئةٍ ملت قلبه، وكان جسيماً، فقال: يا إبراهيم! لقد جئتني في لبسةٍ وهيئةٍ ما تصلح إلا لواحدٍ من الخلق.
وحدثني أبو حسان الزيادي وذكر الفضل بن سهلٍ، فترحم عليه، وقال: وجه إلي في ليلة، وقد أويت إلى فراشي، رسولاً، فقال: يقول لك ذو الرياستين:
(1/46)

لا تعتم غداً على قلنسوة إذا حضرت الدار.
قال: فبت واجماً، وأنا لا أعلم ما يريد بذلك. وغدوت، وغدا الناس على طبقاتهم ومراتبهم؛ فجاء الحسين بن أبي سعيد إلى من في الدار، فقال: إن أمير المؤمنين يقعد في هذا اليوم، ويعتم على قلنسوة، فانزعوا عمائمكم.
وحدثني بعض أصحابنا عن الحسن بن قريش، قال: لما مات القاسم بن الرشيد، وجه إلي المأمون رسولاً، فأتيته. فجعل يسألني عن عياله وعن أمواله، ويشكوه إلي، ويقول: كان يفعل كذا، ويفعل كذا، فكان في تلك الشكاية أن قال: وكان إذا ركب بمروٍ في رصافية.
الملك في مجلس الشراب: ومن أخلاق الملك، إذا علم أن بعض الندماء قد بلغ غاية مجهوده في الشرب، وأن الزيادة بعد ذلك تضر ببدنه وجوارحه، أن يأمر بالكف عنه، وأن لا يكلف فوق وسعه. فإنه من تجاوز حق العدل عن الخاصة، لم تطمع العامة في إنصافه.
ومن حق الملك أن لا يكلمه أحد من الندماء مبتدئاً ولا سائلاً لحاجة، حتى يكون
(1/47)

هو المبتديء بذلك. فإن جهل أحد ما يلزمه في ذلك، تقدم إليه فيما يجب عليه. فإن عاد، فعلى الموكل بأمر الدار أن يحسن أدبه، وأن لا يأذن له في الدخول، حتى يكون الملك يبتديء ذكره، ثم يوعز إليه أنه، إن عاد، أسقطت مرتبته، فلم يطأ بساط الملك.
وكان شيرويه بن أبرويز يقول: إنما تعذر البطانة برفع حوائجها إلى الملوك عند ضيقةٍ تكون، أو عند جفوةٍ تنالهم من ملوكهم، أو عند موتٍ يحدث لهم، أو عند تتابع أزمةٍ. فإذا كان ذلك، فعلى الملك تعهد ذلك من خاصته، حتى يصلح لهم أمورهم، ويسد خلتهم. فإذا كانوا من الكفاية في أقصى حدودها، ومن خفض العيش في أرفع خصائصه، ومن ذات اليد وإدرار العطايا في أتم صفاتها، ثم فتح أحد فاه بطلب ما فوق هذه الدرجة، فالذي حداه على ذلك الشره والمنافسة. ومن ظهرت هاتان منه، كان جديراً أن تنزع كفايته من يده، وتصير في يد غيره، وينقل إلى الطبقة الخسيسة، فيلزم أذناب البقر، وحراثة الأرض.

أنعام الملوك ومنتهم
ومن أخلاق الملك أن لا يمن بإحسان سبق منه، ما استقامت له طاعة من أنعم عليه، ودامت له ولايته، إلا أن يخرج من طاعةٍ إلى معصيةٍ، فإذا فعل ذلك، فمن
(1/48)

أخلاقه أن يمن عليه أولاً بإحسانه، ويذكره بلاءه عنده، وقلة شكره ووفائه، ثم يكون من وراء ذلك عقوبته بقدر ما يستحق ذلك الذنب في غلظه ولينه.
وحدثني محمد بن الجهم، وداود بن أبي دواد قالا: جلس الحسن ابن سهل في مصلى الجماعة لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافياً حاسراً، وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء! ذنبي اعظم من الهواء! ذنبي أعظم من الماء! قالا: فقال له الحسن بن سهل: على رسلك! تقدمت منك طاعة، وكان آخر أمرك إلى توبة. وليس للذنب بينهما مكان. وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.

العفو عند المقدرة
ومن أخلاق الملك السعيد أن لا يعاقب، وهو غضبان، لأن هذه حال لا يسلم معها من التعدي والتجاوز لحد العقوبة. فإذا سكن غضبه، ورجع إلى طبعه، أمر بعقوبته على الحد الذي سنته الشريعة، ونقلته الملة فإن لم يكن في الشريعة ذكر عقوبة ذنبه، فمن العدل أن يجعل عقوبة ذلك الذنب واسطة بين غليظ الذنوب ولينها، وأن يجعل الحكم عليه فيه، ونفسه طيبة، وذكر القصاص منه على بال. فأما العقوبة فلا تجوز إذا رفع أمرها إلى الملك.
(1/49)

وليس الذنب بحضرة الملك كالذنب بحضرة السوقة، ولا الذنب بحضرة الحكيم كالذنب بحضرة الجاهل، لأن الملك هو بين الله وبين عباده، فإذا وجب بحضرته الذنب، فمن حقه العقوبة عليه ليزدجر الرعايا عن العياثة والتتايع في الفساد.

آداب البطانة مع الملوك
ومن حق الملك، إذا هم بالحركة للقيام، أن تسبقه بطانته وخاصته بذلك، فإن أومأ إليهم أن لا يبرحوا، لايقعد واحد منهم، حتى يتوارى عن أعينهم.
فإذا خرج، فمن حقه أن تقع عينه عليهم وهم قيام، فإذا قعد، كانوا على حالهم تلك. فإن نظر إليهم ليقعدوا، لم يقعدوا جملةً، بل تقعد الطبقة الأولى، أولاً، فإذا قعدت عن آخرها، تبعتها الطبقة الثانية. فإذا قعدت عن آخرها، تبعتها الطبقة الثالثة. وأيضاً فإن لكل طبقة رأساً وذنباً. فمن الواجب أن يقعد من كل طبقةٍ رأسها، ثم هلم جراً على مراتب الطبقة أولاً أولاً.
ومن حق الملك أن لا يدنو منه أحد، صغر أو كبر، حتى يمس ثوبه ثوبه إلا وهو معروف الأبوين، في مركبٍ حسيبٍ، غير حامل الذكر ولا مجهول.
(1/50)

فإن احتاج الملك إلى مشافهة خاملٍ أو وضيعٍ، واضطر إليها، إما لنصيحةٍ يسرها إليه، أو لأمرٍ يسأله عنه، فمن حق الملك أن لا يخلي أحداً يدنو منه حتى يفتش أولاً، ثم يأخذ بضبعيه اثنان، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. فإذا أبدى ما عنده، وقبل منه الملك ما جاء به، فمن حقه على الملك الإحسان إليه، والعائدة عليه، والنظر في حاجته، إن كانت له، ليرغب ذوو النصائح في رفعها إلى ملوكهم، والتقرب بها إليهم.

حديث الملك
ومن حق الملك، إذا حدث بحديث، أن يصرف من حضره فكره وذهنه نحوه، فإن كان يعرف الحديث الذي يحدث به الملك، استمعه استماع من لم يدر في حاسة سمعه قط ولم يعرفه، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه، فإن في ذلك أمرين: أحدهما ما يظهر من حسن أدبه، والآخر أنه يعطي الملك حقه بحسن الاستماع. وإن كان لم يعرفه، فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أقرم وأشهى منها إلى فوائد السوقة ومن أشبههم.
وإنما مدار الأمر والغاية التي إليها يجري، الفهم والإفهام، والطلب ثم التثبت.
قال عمرو بن العاص: ثلاثة لا أملهن: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي
(1/51)

ما حملت رحلي وذكر الشعبي ناساً، فقال: ما رأيت مثلهم أشد تناقداً في مجلس ولا أحسن فهماً عن محدث.
وقال سعيد بن سلم الباهلي لأمير المؤمنين المأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني أمير المؤمنين من قصده إلي بالحديث، وإشارته إلي بطرفه، لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، وتوجبه الحرية.
قال المأمون: لأن أمير المؤمنين، والله، يجد عندك من حسن الإفهام إذا تحدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لم يجده عند أحدٍ فيما مضى، ولا يظن أنه يجده فيما بقي.
وفيما يحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرٍ له، وكان لا يسايره أحد من الخلق مبتدئاً وأهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم، فإن التفت يميناً، دنا منه صاحب الحرس، وإن التفت شمالاً، دنا منه الموبذ، فأمره بإحضار من أراد مسايرته، قال: فالتفت في مسيره هذا، يميناً، فدنا منه صاحب الحرس، فقال: فلان. فأحضره، فقال: حدثني عن أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرة، فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه. فحدثه أنوشروان بالحديث، فأصغى الرجل إليه بجوارحه كلها، وكان مسيرهما على شاطيء نهر.
وترك الرجل، لإقباله على الحديث، النظر إلى مواطيء حافر دابته، فزلت إحدى قوائم الدابة، فمالت بالرجل إلى النهر، فوقع في الماء ونفرت دابته، فابتدرها حاشية الملك وغلمانه، فأزالوها عن الرجل، وجذبوه فحملوه على أيديهم حتى أخرجوه، فاغتم لذلك أنوشروان، ونزل عن دابته، وبسط له هناك، فأقام حتى
(1/52)

تغدى في موضعه ذلك، ودعا بثياب من خاص كسوته، فألقيت على الرجل، وأكل معه، وقال له: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها الملك! إن الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمة، قابلها بمنحةٍ، وعارضها ببلية، وعلى قدر النعم تكون المحن. وإن الله أنعم علي بنعمتين عظيمتين هما: إقبال الملك علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، وهذه الفائدة وتدبير هذه الحرب التي حدث فيها عن أردشير، حتى لو رحلت إلى حيث تطلع الشمس أو تغرب، كنت فيه رابحاً. فلما اجتمعت نعمتان جليلتان في وقت واحد، قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك وخدمه وحسن جده، كنت بمعرض هلكة. وعلى ذلك، فلو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض، كان قد أبقى لي الملك ذكراً متلداً، ما بقي الضياء والظلام. فسر الملك، وقال: ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه!.

بين معاوية والرهاوي
وهكذا يحكى عن أبي شجرة، يزيد بن شجرة الرهاوي، أنه بينا هو يساير معاوية
(1/53)

بن أبي سفيان، ومعاوية يحدثه عن يوم خزاعة وبني مخزوم وقريش، وكان هذا قبل الهجرة، وكان يوماً أشرف فيه الفريقان على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رابية، ثم أومأ بكميه إلى الفريقين، فانصرفوا.
قال: فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث، إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه، وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه، وهو ما يمسح وجهه.
فقال له معاوية: لله أنت! ما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك، يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! قال: أعتق ما أملك، إن لم يكن حديث
(1/54)

أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري، وغطى على قلبي، فما شعرت بشيء حتى نبهني أمير المؤمنين.
فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألفٍ من العطاء، أخرجك من عطاء أبناء المهاجرين، وكماة أهل صفين، فأمر له بخمسمائة ألف درهم، وزاده في عطائه ألف درهم، وجعله بين جلده وثوبه. فلئن كان يزيد بن شجرة خدع معاوية في هذه، فمعاوية ممن لا يخادع ولا يجارى؛ ولئن كان بلغ من بلادة يزيد بن شجرة وقلة حسه ما وصف به نفسه، ما كان بجدير بخمسمائة ألف في عطائه. وما أظن ذلك خفي عن معاوية، ولكنه تغافل على معرفةٍ، لما وفاه حق رياسته.
ويروى عن معاوية انه كان يقول: السرو التغافل.
(1/55)

بين أبي العباس السفاح وأبي بكر الهذلي: وكذلك حكي عن أبي بكر الهذلي أنه بينما هو يسامر أبا العباس، إذ تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس، فعصفت الريح، فأذرت طساً من سطح إلى مجلس أبي العباس، فارتاع ومن حضره، ولم يتحرك أبو بكر لذلك، ولم تزل عينه متطلعة لعين أبي العباس. فقال له: ما أعجب شأنك، يا هذلي! لم ترع مما راعنا.
قال: يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بمحادثة أمير المؤمنين، لم يكن فيه لحادث مجال. وإن الله إذا انفرد بكرامة أحد، وأحب أن يبقى له ذكرها، جعل تلك الكرامة على لسان نبيه أو خليفته. وهذه كرامة خصصت بها، مال إليها ذهني، وشغل بها فكري. فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها ولا وجمت لها إلا بما يلزمني في نفسي
(1/56)

لأمير المؤمنين.
فقال أبو العباس: لئن بقيت لك، لأرفعن منك ضبعاً لا تطيف به السباع، ولا تنحط عليه العقبان.

أقوال في حسن الاستماع
وكان عبد الله بن عياش المنتوف يقول: لم يتقرب العامة إلى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع.
(1/57)

وكان أبو زرعة، روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي يقول: إن أردت أن يمكنك الملك من أذنه، فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث.
وكان أسماء بن خارجة الغزاري يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجلٍ يصغي إلى حديثي.
وكان معاوية يقول: يغلب الملك حتى يركب بشيئين: بالحلم عند سورته، والإصغاء إلى حديثه.
(1/58)

عود إلى أخلاق الملوك
ومن أخلاق الملك، إذا قرب إنساناً أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه، ثم دخل عليه بعد، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط، وأن يظهر من الإجلال له والتعظيم والاستخذاء أكثر مما كان عليه قبل، فإن أخلاق الملوك ليست على نظام.
ومن أخلاقهم أن لا تكون أخلاقهم معروفة، فيتمثل عليها، ويعاملون بها. ألا ترى أن الملك قد يغضب على الرجل من حماته، والرجل من حماته وبطانته، إما لجنايةٍ في صلب مالٍ، أو لخيانة حرمة الملك، فيؤخر عقوبته دهراً طويلاً، ثم لا يظهر له ما يوحشه حتى يتقي ذلك في اللحظة والكلمة والإشارة وما أشبه ذلك. وليست هذه أخلاق سائر الناس، إذ كنا نعلم أن طبائع الناس الانتصار في أول أوقات الجنايات، وعند أول بوادر الغضب.
فأما الملوك وأبناءهم، فليست تقاس أخلاقهم، ولا يعاير عليها. إذ كان أحدهم يضع أعدى خلق الله له بين أذنه وعاتقه، وبين سحره ونحره، فتطول بذلك المدة، وتمر به الأزمنة، وهو لو قتله في أول حادثةٍ تكون، وعند أول عثرةٍ يعثر، لم يكن
(1/59)

بين هذه القتلة وبين الأخرى بعدها بعشرين سنة فرق، غذ كان لا يخاف ثاراً، ولا في الملك وهناً.

معاقبة أنوشروان للخائن
وفيما يذكر عن سيرة أنوشروان أن رجلاً من خاص خدمه جنى جناية اطلع عليها أنوشروان، والرجل غافل عنه. وكانت عقوبة تلك الجناية توجب القتل في الشريعة؛ فلم يدر كيف يقتله: لا هو وجد أمراً ظاهراً يقتل بمثله الحكام فيسفك به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الوهن على الملك والمملكة، ولا وجد لنفسه عذراً في قتله غيلة، إذ لم يكن ذلك في شرائع دينهم ووراثة سلفهم. فدعا به بعد جنايته بسنةٍ، فاستخلاه وقال: قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى أن أعلمها، وما أجدني أسكن إلى أحدٍ سكوني إليك إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به. وقد رأيت أن أدفع إليك مالاً لتحمل إلى هناك تجارة وتدخل بلاد الروم فتقيم بها لتجارتك؛ فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجارتهم وأقبلت إلي. وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع طلع ما بنا حاجة إليه من أمورهم وأسرارهم.
فقال الرجل: أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه.
فأمر له بمالٍ، وتجهز الرجل، وخرج بتجارة؛ فأقام ببلاد الروم، حتى باع واشترى ولقن من كلامهم ولغتهم ما يعرف به مخاطبتهم وبعض أسرار ملكهم. ثم انصرف إلى
(1/60)

أنوشروان بذلك، فاستبشر بقدومه، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، وأمره بطول المقام، والتربص بتجارته. ففعل، حتى عرف واستفاض ذكره.
فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كان في السنة السابعة، أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جامٍ من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة الملك، ويجعل مخاطباً للملك، ومشيراً إليه من بين أهل مملكته، ويدني رأسه من رأس الملك في الصورة كأنه يسر إليه. ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال له: إن الملوك ترغب في هذا الجام، فإن أردت بيعه، فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته، فإنه إن باعه من الملك نفسه نفعك، وإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو من بعض حامته.
فجاء غلام الملك بالجام ليلاً، وقد وضع الرجل رجله في غرز ركابه، فسأله أن يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ بذلك عنده يداً. وكان الملك يقدم ذلك الغلام، وكان من خاص غلمانه وصاحب شرابه. فأجابه إلى ذلك، وأمره بدفع الجام إلى صاحب خزانته، وقال: احفظه! فإذا صرت إلى باب الملك، فليكن فيما أعرضه عليه.
فلما صار إلى ملك الروم، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعزله فيما يعرض على الملك. فلما دفع الجام في يدي الملك، نظر إليه، ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه، عضواً عضواً، وجارحةً جارحةً، فقال: أخبرني، هل يصور مع الملك صورة رجل خسيس الأصل؟ قال: لا قال: فهل يصور في آنية الملك صورة لا أصل لها ولا علة؟ قال: لا قال: فهل في دار الملك اثنان يتشابهان
(1/61)

في صورةٍ واحدةٍ حتى يكون هذا كأنه هذا في الصورة، وكلاهما نديما الملك؟ قال: لا أعرفه. فقال: قم! فقام، فتأمله قائماً، فوجد صورته قائماً في الجام. ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل صورته في الجام مدبراً. ثم قال: أقبل، فأقبل، فتأمل صورته في الجام مقبلاً، فوجدها بحكاية واحدة، وتخطيط واحد.
فضحك الملك، ولم يجتريء الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالاً له وإعظاماً. فقال ملك الروم: الشاة أعقل من الإنسان، إذ كانت تأخذ بمديتها فتدفنها، وأنت أهديت إلينا مديتك بيدك!.
ثم قال له: تغديت؟ قال: لا. قال: قربوا له طعاماً. فقال الرجل: أيها الملك! أنا عبد ذليل، والعبد لا يأكل بحضرة الملك. فقال: أنت عبد ما كنت عند ملك الروم، متطلعاً على أموره متتبعاً لأسراره، بل أنت ملك ونديم ملك إذا قدمت بلاد فارس. أطعموه!. فأطعم، وسقي الخمر حتى إذا ثمل، قال: إن من سنن ملوكنا أن تقتل الجواسيس في أعلى موضع تقدر عليه، وأن لا تقتله جائعاً ولا عطشان.
فأمر أن يصعد به إلى صرحٍ كان يشرف منه على كل من في المدينة، إذا صعد. فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك الصرح، ونصب رأسه للناس.
فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الحرس أن يأمر المغرد بصوت الحراسة، إذا ضرب بأجراس الذهب، أن يقول إذا مر على دور النساء الملك وجواريه:
(1/62)

كل نفسٍ وجب عليها القتل ففي الأرض تقتل، إلا من تعرض لحرم الملك، فإنه يقتل في السماء.
فلم يدر أحد من أهل مملكته ماذا أراد بذلك حتى مات فليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد، ومطاولة الأيام بها صبر الملوك. ولذلك بطل القياس على أخلاقهم، ووجهت آراء ذوي الحجى والتمييز في العمل عليها والمقابلة بها حتى تخرج على وزنٍ واحدٍ، وينظم مؤتلف.

عبد الملك والأشدق
وكذلك يحكى عن عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الأشدق، انه أقام
(1/63)

بضع سنين يزاول قتله. فمرة يرجئه، وأخرى يهم به، ومرة يحجم، وأخرى يقدم، حتى قتله على أخبث حالاته.

الرشيد والبرامكة
وحدثني قثم بن جعفر بن سليمان، قال: حدثني مسرور الخادم، قال: أشهد بالله، لكنت من الرشيد وهو متعلق بأستار الكعبة، بحيث يمس ثوبي ثوبه، وهو يقول في مناجاته ربه: اللهم إني استخيرك في قتل جعفر بن يحيى، ثم قتله، بعد ذلك، بخمس سنين أو ست.

مراعاة حرمة الملك
ومن حق الملك أن لا يرفع أحد من خاصته وبطانته رأسه إلى حرمةٍ له، صغرت أم كبرت. فكم من فيلٍ قد وطيء هامة عظيم وبطنه، حتى بدت أمعاؤه، وكم من
(1/64)

شريفٍ وعزيز قومٍ قد مزقته السباع وتمششته، وكم من جارية كانت كريمة على قومها عزيزة في ناديها قد أكلتها حيتان البحر وطير الماء، وكم من جمجمة كانت تصان وتعل بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء، وغيبت جثتها في الثرى بسبب الحرم والنساء، والخدم، والأولياء! ولم يأت الشيطان أحداً من بابٍ قط حتى يراه بحيث يهوي منقسم اللحم والأعضاء، هو أبلغ في مكيدته وأحرى أن يرى فيه أمنيته من هذا الباب، إذا كان من ألطف مكايده، وأدق وساوسه، وأحلى تزيينه!
(1/65)

فعلى الحكيم المحب لبقاء هذا النسيم الدقيق، وهذا الماء الرقيق، أن يطلب دوامها لنفسه حيلة يجد إليها سبيلاً، ويدفع مقارفتها لكل شيء يقع فيه التأويل بين أمرين من سلامة تنجي أو عطبٍ يتلف. ولا يتكل على خيانة خفيت، أو فجرةٍ حظي بها أحد من أهل السفه والبطالة. فإن تلك لا تسمى سلامة، بل إنما هي حسرة وندامة، يوم القيامة. وكم من فعلةٍ قد ظهر عليها بعد مرور الأيام، وطول الأزمنة بها، فردت من كان قد أحسن بها الظن حتى تركته كأمس الذاهب، كأن لم يكن في العالم!

إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك
ومن حق الملك، إذا أنس بإنسانٍ حتى يضاحكه ويهازله ويفضي إليه بسره ويخصه دون أهله، ثم دخل على الملك داخل أوزاره زائر، أن لا يرفع إليه طرفه، إعظاماً وإكراماً، وتبجيلاً وتوقيراً، ولا يعجب لعجبه. وليكن غرضه الإطراق والصمت وقلة الحركة.
(1/66)

ومن حق الملك أن لايرفع أحد صوته بحضرته، لأن من تعظيم الملك وتبجيله، خفض الأصوات بحضرته، إذ كان ذلك أكثر في بهائه وعزه وسلطانه.
وبهذا أدب الله أصحاب رسوله، صلى الله عليه وسلم، فقال عز من قائل: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ". فأخبر أن من رفع صوته فوق صوت النبي فقد آذاه، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن آذى الله فقد حبط عمله.
وكان قوم من سفهاء بني تميم أتوا النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد! أخرج إلينا نكلمك. فغم ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وساءه ما ظهر من سوء أدبهم، فأنزل الله عز وجل: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ".
ثم أثنى على من غض صوته بحضرة رسوله، فقال جل اسمه: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ".
فمن تعظيم الملك وتبجيله خفض الأصوات بحضرته، وإذا قام عن مجلسه، حتى لا يدخل الملك وهن ولا خلل ولا تقصير، في صغير أمرٍ ولا جليله.

في غياب الملك
وكانت ملوك الأعاجم تقول: إن حرمة مجلس الملك، إذا غاب، كحرمته إذا حضر.
(1/67)

وكان لها عيون على مجالسها، إذا غابت عنها. فمن حضرها، فكان في كلامه وإشارته وقلة حركته وحسن ألفاظه وأدبه - حتى أنفاسه - على مثل ما يكون إذا حضر الملك، سمي ذا وجه، ومن خالف أخلاقه وشيمه، وظهر منه خلاف ما يظهره بحضرة الملك، سمي ذا وجهين، وكان عند الملك منقوصاً متصنعاً.

مكافآت الملوك
ومن أخلاق الملك أن يخلع على من أدخل عليه سروراً، إما في خاصة نفسه وإما في توكيد ملكه. فإن كان السرور لنفسه في نفسه، فمن حقه على الملك أن يخلع عليه خلعةً في قرار داره، وبحضرة بطانته وخاصته. وإن كان في توكيد ملكه، فمن حقه أن يخلع عليه بحضرة العامة، لينشر له بذلك الذكر ويحسن به الأحدوثة، وتصلح عليه النيات، ويستدعي بذلك الرغبة إلى توكيد الملك وتسديد أركانه. وليس من العدل أن يفرد المحسن بخلعةٍ فقط، إلا أن تكون تلك الخلعة على شربٍ أو لهوٍ. فأما إذا كانت لأحد المعنيين اللذين قدمنا ذكرهما، فمن العدل أن يكون معها جائزة وصلة وترتيب، أو ولاية أو إقطاع أو اجراء أرزاق أو فك أسير أو حمل حمالاتٍ أو قضاء دين أو إحسان، كائناً ما كان، مضافاً إليها، وموصولاً بها.
(1/68)

باب في صفة ندماء الملك
ينبغي أن يكون نديم الملك معتدل الطبيعة، معتدل الأخلاط، سليم الجوارح والأخلاق، لا الصفراء تقلقه وتكثر حركته، ولا الرطوبة والبلغم يقهره ويكثر بوله وبزقه وتثاؤبه ويطيل نومه، ولا السوداء تضجره وتطيل فكره وتكثر أمانيه وتفسد مزاجه. فأما الدموي فليس يدخل في هذه الأقسام المذمومة، إذ كان بالبدن إليه حاجة كحاجته إلى تركيبه وسلامته.
ومن حق الملك، إذا زامله بعض بطانته، أن يكون عارفاً بمنازل الطريق، وقطع المسافة، دليلاً بهدايته وأعلامه ومياهه، قليل التثاؤب والنعاس، قليل السعال والعطاس، معتدل المزاج، صحيح البنية، طيب المفاكهة والمحادثة، قصير المياومة والملايلة، عالماً بأيام الناس ومكارم أخلاقهم، عالماً بالنادر من الشعر والسائر من المثل، متطرفاً من كل فن، آخذاً من الخير والشر بنصيب. إن ذكر الآخرة ونعيم أهل الجنة، حدثه بما أعد الله تعالى لأهل طاعته من الثواب، فرغبه فيما عنده؛ وإن ذكر النار، حذره ما قرب إليها. فزهده مرةً، ورغبه أخرى. فإن بالملك أعظم
(1/69)

الحاجة إلى من كانت هذه صفاته، وبالحرى إذا أصاب هذا، أن لا يفارقه إلا عن أمرٍ تنقطع به النقمة.

عدة الملك في سفره أو نزهته
ومن حق الملك إذا خرج لسفرٍ أو نزهةٍ، أن لا يفارقه خلع للكساء، وأموال للصلات، وسياط للأدب، وقيود للعصاة، وسلاح للأعداء، وحماة يكونون من ورائه وبين يديه، ومؤنس يفضي إليه بسره، وعالم يسأله عن حوادث أمره، وسنة شريعته، وملهٍ يقصر ليله، ويكثر فوائده.
وعلى هذا كانت ملوك الأعاجم، أولها وآخرها.
وأيضاً، فإن ملوك العرب لم تزل تمتثل هذا وتفعله.

خلال الندماء وملاعبة الملوك
ولندماء الملك وبطانته خلال يساوون فيها الملك ضرورةً. ليس فيها نقص على الملك، ولا ضعة في الملك. منها: اللعب بالكرة، وطلب الصيد، والرمي في الأغراض، واللعب بالشطرنج، وما أشبه ذلك.
ومن الحق على الملك أن لا يمنع ملاعبه ما يجب له من طلب النصفة في هذه الأقسام التي عددنا. ومن حق الملاعب له المشاحة والمطالبة والمساواة والممانعة، وترك الإغضاء والأخذ
(1/70)

من الحق بأقصى حدوده؛ غير أن ذلك لا يكون معه بذاء ولا كلام رفثٍ ولا معارضة بما يزيل حق الملك، ولا صياح يعلو كلامه، ولا نخير ولا قذف ولا ماهو خارج عن ميزان العدل.
وفيما يحكى عن سابور أنه لاعب ترباً كان له بالشطرنج إمرة مطاعة. فقمره تربه، فقال له سابور: ما إمرتك؟ فقال: أركبك حتى أخرج بك إلى باب العامة. فقال له سابور: بئس موضع الدالة وضعتك، فرد غير هذا. فقال: بهذا جرى لفظي. فأسف لذلك سابور، وقام فدعا ببرقع، فتبرقع، ثم جثا لتربه، فامتنع أن يعلو ظهر الملك إجلالاً له وإعظاماً. فنادى سابور بعد ذلك بسنةٍ في الرعية: لا يلعبن أحد لعبةً على حكمٍ غائبٍ، فمن فعل، فدمه هدر.
فأما إذا كانت المشاحة على طلب الحق في هذه الأقسام التي ذكرنا بمعارضة شعر، وتوبيخٍ في مثلٍ ونادرٍ من الكلام، وإخبارٍ عن سوء لعب اللاعب، وتأنيبٍ له، فهذا مما يخاطب به الملك، ويعارض فيه. فأما إذا خرج عن هذا، فدخل في باب الجرأة كما فعل ترب سابور، فإنه خطأ من فاعله، وجهل من قائله، وجرأة على ملكه. وليس للرعية الجرأة على الراعي.
ومن حق الرجل على الملك، إذا ضرب معه بالكرة، أن يتقدم بدابته على دابة
(1/71)

الملك، وصولجانه على صولجان الملك، وأن يعمل جهده في أن لا يبخس حظه ولا يفتر في مسابقةٍ ولا مراكضةٍ ولا التفاف كرةٍ ولا سبقٍ إلى حدٍ ونهاية وما أشبه ذلك. وكذلك القول في الرماية في الأغراض، وطلب الصيد، ولعب الشطرنج.
سمعت محمد بن الحسن مصعب يقول: كان لي صديق من بني مخزوم، وكان لاعباً بالشطرنج. فذكرته لأبي العباس، عبد الله بن طاهر، فقال: أحضره. فقلت للمخزومي: تهيأ للقاء أبي العباس وكان متصرفاً، كثير الأدب، فغدوت به، فدخل. فلما وقعت عين أبي العباس عليه، وقف؛ فرآه من بعيد، ثم انصرف من غير أن يكلمه؛ فقال: هذا رجل من أهل الأدب، فاغد به ولاعبه الشطرنج بحضرتي
(1/72)

حتى أبوره؛ وعابثه حتى يخرج إلى باب الهزل والشتيمة.
فلما قعدنا، دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا الغلام البوشنجي! وهو ساكت.
ثم دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا مولى مخزوم، فسكت.
ثم دارت عليه ضربة، فقلتك خذها يا ابن مخزوم، في خرم مخزوم!، فسكت.
واستؤذن لرجلٍ من آل عبد الملك بن صالح، وكان خاصاً بأبي العباس، فأمر بالأذن له. فلما دخل الهاشمي وقعد، قال لي المخزومي: ليس فيك موضع شرف ولا عز، فأفاخرك: أنت بوشنجي ثمن دانق! ولكن قل لهذا الهاشمي يفاخرني حتى ينظر ما يكون حاله. فأما أنت، فمن أنت حتى أفاخرك؟ فضحك أبو العباس حتى فحص برجليه، وأمر له بخمسمائة دينار، وقربه وآنسه.

آداب الندماء عند نعاس الملك
ومن أخلاق الملك إذا غلبته عيناه، أن من ينهض حضره من صغيرٍ أو كبير، بحركةٍ لينةٍ خفيفة، حتى يتوارى عن قرار مجلسه، ويكون بحيث يقرب منه إذا انتبه. ولا يقولن إنسان في نفسه: لعل الملك، إن هب من سنته لا يسأل عني، أو لعله أن يمتد به النوم أو يعرض له شغل. فإن هذا من أكبر الخطأ. وقد قتل بعض الملوك رجلاً في هذه الصفة.
(1/73)

وليس من الحزم أن يجعل الحكيم للملك على نفسه طريقاً، وهو إن سلم من عذل الملك ولائمته لكرم الملك وشيمته، قدح ذلك في نفس الملك، واضطغن عليه. وبالحرى أن لا يسلم من عذلٍ وتأنيب.

إمامة الملك للصلاة
ومن حق الملك، إذا حضرت الصلاة، فالملك أولى بالإمامة، لخصالٍ: منها أنه الأمام، والرعية مأمونة؛ ومنها أنه المولى وهم العبيد؛ ومنها أنه أولى بالصلاة في قرار داره وموطيء بساطة، ولو حضر مجلسه أزهد الخلق وأعلمهم.
فإذا قام للصلاة، فمن حقه أن يكون بينه وبين من يصلي خلفه عشرة أذرع، وأن لا يتقدمه أحد بتكبير ولا بركوعٍ ولا سجودٍ ولا قيامٍ.
وهذا، وإن كان يجب لكل من أم قوماً من صغير أو كبير أو شريف أو وضيع، فهو للملك أوجب. فإذا سلم الملك، فمن حقه أن يقوم كل من صلى خلفه قائماً، فإنهم لا يدرون أيريد تنفلاً أو دخولاً أو قعوداً في مجلسه.
فإن قام لنافلةٍ، فليس من حقه أن يتنفلوا، لأنهم لا يدرون لعله أن يسبقهم أو يقطع صلاته لحدثٍ، فيكون يحتاج إلى أن يسبقهم، وهو قيام يصلون بإزائه، وهو قاعد. ولكن من حقه أن يكونوا بحالهم حتى يعلموا ما الذي يفعل. فإن قعد، انحرفوا إلى حيث لا يراهم، فصلوا نوافلهم، وإن دخل في الصلاة، صلوا على مكاناتهم.
(1/74)

آداب مسايرة الملك
وقد قلنا إن من حق الملك أن لا يبتدئه أحد بمسايرة. وإن طلب ذلك منه من يستحق المسايرة، فالذي يجزئه من ذلك أن يقف بحيث يراه ويتصدى له. فإن أومأ إليه، سايره، وغن أمسك عن الإيماء، علم أن إمساكه هو ترك الإذن له في مسايرته.
ومن حقه، إذا سايره، أن لايمس ثوبه ثوب الملك، ولايدني دابته من دابته، ويتوخى أن يكون رأس دابته بإزاء سرج الملك، غير أنه لا يكلفه أن يلتفت إليه. ولا ينبغي له أن يبتدئه بكلام.
وإن كان لا يثق بلين عنان دابته حتى يصرفه كيف شاء ومتى شاء، فالرأي لا أن لا يسايره. فإن في مسايرته وصمةً عليه وعلى الملك. أما عليه، فإنه يحتاج إلى حركة متواترة يتعب بها نفسه ودابته، ويخرج بها عن حد أهل الأدب والمروءة والشرف، ولعله في خلال ذلك أيضاً أن لا يبلغ ما يريد.
وأما على الملك، فإنه وهن في المملكة، لأن الملك، إن طلب الصبر عليه وعلى سير دابته، كان إنما يسير عند ذلك بسيره، وليس في آيين المملكة أن يسير الأعظم بسير من هو دونه.
ولذلك كانت رؤساء الأكاسرة والأساورة والدبيربذ وموبذان موبذ ومن أشبه هؤلاء من خاصة الملك، إذا هم الملك بالمسير في نزهة أو لبعض أموره، وعرضوا دوابهم
(1/75)

على راضة الملك وصاحب دوابه. وكان كل واحدٍ منهم لا يأمن أن يدعو به الملك للمسايرة والمحادثة، فيحتاج إلى معاناة دابته لبلادةٍ أو كثرة نفورٍ أو عثارٍ أو جماحٍ، فيكون على الملك من ذلك بعض ما يكره. وكان الرائض يمتحن دابةً دابةً من دواب هؤلاء العظماء. فما اختار منها ركب، وما نفى أرجيء.
وأيضاً إن من حق الملك، إذا سايره واحد، أن لا تروث دابته ولا تبول ولا تتحصن ولا تتشغب، ولا يطلب المحاذاة لسير دابة الملك، وإن أراد ذلك منعه راكبه.

مسايرة الموبذ لقباذ
وفيما يحكى عن ملوك الأعاجم أن قباذ، بينا هو يسير والموبذ يسايره، إذ راثت دابة الموبذ، وفطن لذلك قباذ. فاغتم الموبذ بذلك، فقال له في كلام بينهما: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل، أيها الموبذ؟ فقال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك.
فضحك قباذ حتى افتر عن نواجذه، وقال: لله أنت! ما أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما قدمك الملوك، وجعلوا أزمة أحكامهم في يدك!.
ووقف، ثم دعا بدابة من خاص مراكبه، فقال له: تحول عن ظهر هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك.
(1/76)

مسايرة شرحبيل لمعاوية
وهكذا يحكى عن معاوية بن أبي سفيان، بينا هو يسير وشرحبيل ابن السمط يسايره، إذ راثت دابة شرحبيل؛ فقال معاوية: يا أبا يزيد! إنه يقال إن الهامة إذا عظمت، دلت على وفور الدماغ، وصحة العقل. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة، وعقلي ضعيف ناقص.
فتبسم معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعير. فضحك معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعيرٍ. فضحك معاوية، وقال: أفحشت، وما كنت فاحشاً! وحمله على دابة من مراكبه.
(1/77)

فليتنكب من يساير الملوك ما يقذي أعينهم بكل جهده. فإن لمسايرتهم شروطاً يجب على من طلبها أن يستعملها ويتحفظ فيها. وقلما حظي أحد بمسايرة ملك حتى يكون قلبها مقدمات يجب بها الخطوة.
فأما نفس المسايرة للملك المتصلة، فإن الأعاجم كلها كانت تتطير منها وتكرها. وأيضاً فإن الملك لم يكن يثابر على مسايرة أحد من بطانته بعينه، لما كان يعلم من طيرتهم من ذلك، وكراهتم له.

صاحب الشرطة والهادي
ويقال إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى أمير المؤمنين، وعبد الله بن
(1/78)

مالك الخزاعي أمامه، والحربة في يده، فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى، وعبد الله لا يشعر بذلك، وموسى يحيد عن سنن التراب، وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موسى وموضعه، فيطلب أن يحاذيه؛ فإذا حاذاه، ناله من ذلك التراب ما يؤذيه. حتى إذا كثر ذلك من عبد الله، ونال موسى أذى ذلك التراب، قال لسعيدٍ: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! والله ما قصر في الاجتهاد، ولكنه حرم حظ التوفيق.
ما قاله عبد الله بن الحسن للسفاح: وفيما يذكر عن عبد الله بن حسن أنه بينا هو يساير أبا العباس السفاح، بظاهر مدينة
(1/79)

الأنبار، وهو ينظر إلى بناء قد بناه، فقال أبو العباس له: هات ما عندك، يا أبا محمد!، وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه، فأنشده:
ألم تر مالكاً لما تبنى ... بناءً نفعه لبني بقيله؟
يرجي أن يعمر عمر نوحٍ ... وأمر الله يحدث كل ليله!
فتبسم أبو العباس كالمغضب، وقال: لو علمنا، لاشترطنا حق المسايرة! فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخواطر وإغفال المشايخ! قال: صدقت، خذ في غير هذا.

ما قاله الهاشمي للخراساني
وذكر المدايني أن عيسى بن موسى، بينا هو يساير أبا مسلمٍ عند منصرفه إلى أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، إذ أنشد عيسى:
سيأتيك ما أفنى القرون الأولى ... وما حل في أكناف عادٍ وجرهم
ومن كان أنأى منك عزاً ومفخراً ... وأنهد بالجيش اللهام العرمرم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ قال عيسى: أبداه لساني قال: فبئس الخاطر، والله إذن!

عدم تسمية أو تكنية الملك
ومن حق الملك أن لا يسمى ولا يكنى في جدٍ أو هزل، ولا أنسٍ ولا غيره. ولولا أن القدماء من الشعراء كنت الملوك وسمتهم في أشعارها، وأجازت ذلك واصطلحت عليه، ما كان جزاء من كنى ملكاً أو خليفةً إلا العقوبة. على أن ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعرٍ ولا خطبةٍ ولا تفريطٍ ولا غيره؛ وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة.
(1/80)

والدليل على ذلك أنه لو سمى أحد من الخطباء والشعراء في كلامه المنثور ملكاً
(1/82)

أو خليفةً، وهو يخاطبه باسمه، كان جاهلاً ضعيفاً خارجاً من باب الأدب. ولولا أن الاصطلاح منعنا إيجاب المنع من ذلك، كان أول ما يجب.
ولا أدري لم فعل القدماء ذلك، كما أني لا أدري لم أجازته ملوكها، ورضيت به، إذ كانت صفة الملوك ترتفع عن كل شيء، وترقى عنه.
وكانت الجفاة من العرب بسوء أدبها وغلظ تركيبها، إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، خاطبوه ودعوه باسمه وكنيته. فأما أصحابه، فكانت مخاطبتهم إياه: يا رسول الله! ويا نبي الله!
(1/83)

وهكذا يجب للملوك أن يقال في مخاطبتهم: يا خليفة الله! ويا أمين الله! ويا أمير المؤمنين!
(1/84)

عند تشابه الأسماء
ومن حق الملك، إذا دخل عليه رجل، وكان اسم ذلك الرجل الداخل أحد صفات الملك، فسأله الملك عن اسمه، أن يكني عنه، ويجيب باسم أبيه؛ كما فعل سعيد
(1/85)

بن مرة الكندي، حين أتى معاوية، فقال له: أنت سعيد؟ فقال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرة! وكما قال السيد بن أنس الأزدي، وقد سأله المأمون عن اسمه، فقال: أنت السيد؟ قال: أمير المؤمنين السيد، وأنا ابن أنس!.
وهكذا جاءنا الخبر عن العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصنو أبيه. قيل له: أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وولدت أنا قبله.
(1/86)

ألا تراه، رحمه الله، كيف تخلص إلى أحسن الأحوال في الأدب، فاستعمله؟ وعلى هذا المثال يجب أن تكون مخاطبة الملوك، إذ كانت صيغتهم غير صيغ العامة، كما قال أردشير بن بابك في عهده إلى الملوك.

ما يتفرد به الملك في عاصمته
ومن حق الملك أن يتفرد في قرار داره بثلاثة أشياء، فلا يطمع طامع في أن يشركه فيها:
(1/87)

فمنها الحجامة، والفصد، وشرب الدواء، فليس لأحدٍ من الخاصة والعامة ممن في قصية دار المملكة أن يشركه في ذلك.
وكانت ملوك الأعاجم تمنع من هذا وتعاقب عليه، وتقول: إذا أراق الملك دمه، فليس لأحد أن يريق دمه في ذلك اليوم حتى يساوي الملك في فعله، بل على الخاصة والعامة الفحص عن أمر الملك، والتشاغل بطلب سلامته، وظهور عافيته، وكيف وجد عاقبة ما يصالح به.
وليس الاقتضاء بفعل الملك في هذا وما أشبهه من فعل من تمت طاعته وصحت نيته وحسنت معونته، لن في ذلك استهانةً بأمر الملك والمملكة.
ومن قصد إلى أن يشرك الملك في شيء، يجد عنه مندوحةً ومنه بداً، بالمهل المبسوطة والأيام الممدودة، فهو عاصٍ مفارق للشريعة.
ويقال إن كسرى أنوشروان كان أكثر ما يحتجم في يوم السبت، وكان المنادى، إذا اصبح في كل يوم سبت، نادى: يا أهل الطاعة! ليكن منكم ترك الحجامة في هذا اليوم على ذكر! ويا حجامون، اجعلوا هذا اليوم لنسائكم وغسل ثيابكم!.
وهكذا كان يفعل في يوم فصد العرق وأخذ الدواء.

دعاء الملك وتعزيته
ومن حق الملك، إذا عطس، أن لا يشمت، وإذا دعا، لم يؤمن على دعائه. وكانت ملوك الأعاجم تقول: حقيق على الملك الصالح أن يدعو للرعية الصالحة، وليس بحقيق للرعية الصالحة أن تدعو للملك الصالح، لأن أقرب الدعاء إلى الله دعاء الملك الصلح.
(1/88)

ومن حق الملك أن لا يعزيه أحد من حاشيته وحامته وأهل بيته وقرابته. وإنما جعلت التعزية لمن غاب عن المصيبة، أو لمن قارب الملك في العز والسلطان، والبهاء والقدرة. فأما من دون هؤلاء، فينهون عن التعزية أشد النهي.
وفيما يذكر عن عبد الملك بن مروان أنه مات بعض بنيه وهو صغير، فجاءه الوليد فعزاه، فقال: يا بني! مصيبتي فيك أقدح في بدني من مصيبتي بأخيك! ومتى رأيت ابناً عزى أباه؟ قال: يا أمير المؤمنين! أمي أمرتني بذلك! قال: ذاك يا بني أهون علي! وهذا لعمري من مشورة النساء.

غضب الملك ورضاه
ومن أخلاق الملك سرعة الغضب، وليس من أخلاقه سرعة الرضى. فأما سرعة الغضب، فإنما تأتي الملك من جهة دوام الطاعة، وذلك لأنه لا يدور في سمعه ما يكره في طول عمره. فإذا ألفت النفس هذا العز الدائم، صار أحد صفاتها. فمتى قرع حس النفس مالا تعرفه في خلقها، نفرت منه نفوراً سريعاً، فظهر الغضب، أنفةً وحميةً.
وأما رضى الملك فبطيء جداً، لأنه شيء تمانعه النفس أن يفعله، وتدفعه عن نفسها، إذ كان في ذلك جنس من أجناس الاستخذاء، وخلق من أخلاق العامة.
(1/89)

وهكذا عن أبي العباس أنه غضب على رجل ذهب عني اسمه، فذكره ليلةً من الليالي، فقال له بعض سماره: يا أمير المؤمنين! فلان لو رآه أعدى خلق الله له، لرحمه وانعصر له قلبه. قال: ولم ذاك؟ قال: لغضب أمير المؤمنين عليه. قال: ماله من الذنب ما يبلغ به من العقوبة هذا الموضع. قال: فمن عليه، يا أمير المؤمنين، برضاك. قال: ما هذا وقت ذاك! قال: قلت إنك يا أمير المؤمنين لما صغرت ذنبه، طمعت في رضاك عنه. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه مدة طويلة، لم يحسن أن يغضب ولا يرضى.

وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم
وكذا جرى لعبد الله بن مالك الخزاعي مع الرشيد، حين غضب عليه: أمر أهله وحشمه وجميع قرابته أن يجتنبوا كلامه وخدمته ومعاطاته حتى أثر ذلك في نفسه وبدنه، فتحاماه أقرب الناس منه من ولدٍ وأهل، فلم يدن منه أحد، ولم يطف به.
فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي، وهو كان أحد أدوائه، في جوف الليل، فقال له: يا أبا العباس! إن لك عندي يداً لا أنساه، ومعروفاً ما أكفره، وقد علمت ما تقدم به أمير المؤمنين في أمرك، وهاأنذا بين يديك، ونصب عينيك! فمرني بأمرك، فوالله
(1/90)

لأجعلن نفسي وقاية نفسك، وأسوقها في كل ما نكأها أو جرحها.
فقال له عبد الله خيراً، وأثنى عليه، وأخبره بعذره في موجدة أمير المؤمنين عليه. فوعده محمد أن يكلم أمير المؤمنين، ويخبره باعتذاره. فلما أصبح محمد، وافاه رسول أمير المؤمنين، فركب. فلما دخل عليه، قال: من أتيت في هذه الليلة؟ قال: عبدك، يا أمير المؤمنين، عبد الله بن مالك، وهو يحلف بطلاق نسائه، وعتق مماليكه، وصدقة ماله مع عشرين نذراً يهديها إلى بيت الله الحرام حافياً راجلاً، والبراءة من ولاية أمير المؤمنين إن كان ما بلغ أمير المؤمنين سمعه الله من عبد الله بن مالك، أو اطلع عليه أو هم به، أو أضمره أو أظهره.
قال: فأطرق الرشيد ملياً مفكراً؛ وجعل محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقاً، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه، يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحاً، فدخلا جميعاً؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجداً، ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجله وبساطه وموطيء قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذا دخل على الرشيد، رأى فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم، فقال محمد: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثراً باقياً من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة
(1/91)

في بسطه له. فقال الرشيد: يا محمد! إنامعشر الملوك، إذا غضبنا على أحدٍ من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقى لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار.

أسرار الملك
ومن حق الملك أن يكتم أسراره عن الأب والأم والأخ والزوجة والصديق. فإن الملك يحتمل كل منقوص ومأنوف، ولا يحتمل ثلاثةً: صفة أحدهم أن يطعن في ملكه، وصفة الآخر أن يذيع أسراره، وصفة الآخر أن يخونه في حرمه.
فأما من وراء ذلك، فمن أخلاق الملوك أن تلبس خاصتها، ومن قرب منها على ما فيهم، وأن تستمع منهم إذا سلموا من هذه الصفات الثلاث.
وكان كسرى أبرويز يقول: يجب على الملك السعيد أن يجعل همه كله في امتحان أهل هذه الصفات، إذ كانت أو كان الملك ودعائمه، فكانت محنته في إذاعة السر عجيبة.
وللقائل أن يقول فيها: إنها خارجة من باب العدل، داخلة في باب الظلم والجور، وللآخر أن يقول: إنها محن الحكماء من الملوك.
وكان إذ عرف من رجلين من بطانته وخاصته التحاب والألفة والاتفاق في كل شيء، خلا بأحدهما فأفضى إليه بسر في الآخر، وأعلمه أنه عازم على قتله، وأمره بكتمان ذلك عن نفسه، فضلاً عن غيره، وتقدم إليه، في ذلك، بوعيده.
(1/92)

ثم جعل محنته في إذاعة سره ملاحظة صديقه في دخوله عليه وخروجه من عنده، وفي إسفار وجهه ولقائه للملك، فإن وجد آخر أمره كأوله في أحواله، علم أن الآخر لم يفض إليه بسره ولم يظهره عليه، فقربه واجتياه، ورفع مرتبته وحباه، ثم خلا به، فقال: إني كنت أردت قتل فلانٍ لشيء بلغني عنه، فبحثت في أمره، فوجدته باطلاً.
وإن رأى من صاحبه نفور نفسٍ، وازورار جانب، وإعراض وجهٍ، علم أنه قد أذاع سره، فأقصاه واطرحه وجفاه، وأخبر صاحبه أنه أراد محنته بما أودعه من سره. فإن كان هذا من أهل المراتب، وضع مرتبته، وإن كان من الندماء، أمر أن يحجب عنه، وإن كان من أصحاب الأعمال، أمر أن لا يستعان به، وإن كان من سدنة بيوت النيران، أمر بعزله وإسقاط أرزاقه. ويقول: من لم يصلح لملكه، لا يصلح لنفسه، ومن لم يصلح لنفسه، فلا خير عنده. ويقول: إن القلب اعدل على القلب شهادةً من اللسان، وقل شيء يكون في القلب إلا ظهر في العينين، إذ كانت الأعضاء مشتركةً يتعلق بعضها ببعض.

حفظ حرم الملك
فأما محنته في الحرم، فكان إذا خف الرجل على قلبه، وقرب من نفسه، وكان عالماً يظهر التأله، وكان عنده ممن يصلح للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، أحب أن يمتحنه بمحنةٍ باطنة فيأمر به أن يحول إلى قصره، ويفرغ له بعض الحجر التي تقرب منه، ولا يحول إليها امرأةً ولا جاريةً ولا حرمةً، ويقول له: إني أحب الأنس بك في ليلي ونهاري، ومتى كان معك بعض حرمك، قطعك عني، وقطعني عنك.
(1/93)

فاجعل منصرفك إلى منزل نسائك في كل خمس ليالٍ ليلةً. فإذا تحول الرجل، وخلابه، وآنسه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحال أشهراً.
فامتحن رجلاً من خاصته بهذه المحنة في الحرم، ثم دس إليه جاريةً من خواص جواريه، ووجه معها إليه بألطافٍ وهدايا. وأمرها أن لا تقعد عنده في أول ما تأتيه. فلما أتته بألطاف الملك، قامت. فلم تلبث أن انصرف.
حتى إذا كانت المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهةً، وأن تبدي بعض محاسنها، حتى يتأملها، ففعلت، ولاحظها الرجل، وتأملها، ثم انصرف.
فلما كانت المرة الثالثة، أمرها أن تقعد عنده، وتطيل القعود وتحادثه، وإن أرادها على الزيادة من المحادثة، أجابته، ففعلت، وجعل الرجل يحد النظر إليها، ويسر بحديثها. ومن شأن النفس أن تطلب، بعد ذلك، الغرض من هذه المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت: إني أخاف أن يعثر علينا، ولكن دعني أدبر في هذا ما يتم به امرنا. ثم انصرف.
فأخبرت الملك بكل ما دار بينهما، فوجه أخرى من خاص جواريه وثقاتهن بألطافه وهداياه، فلما جاءته، قال لها: ما فعلت فلانة؟ قالت: اعتلت. فاربد لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده، كما فعلت الأولى في المرة الأولى، ثم عاودته بعد ذلك، فقعدت أكثر من المقدار الأول، وأبدت بعض محاسنها، حتى تأملها. وعاودته في المرة الثالثة، فأطالت عنده القعود والمضاحكة والمهازلة. فدعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة. فقالت: إنا من الملك على خطى يسيرة، ومعه في دار واحدة. ولكن الملك يمضي بعد ثلاثٍ إلى بستانه الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه، فأظهر أنك عليل، وتمارض. فإن
(1/94)

خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام ههنا إلى رجوعه، فاختر المقام، وأخبره أن الحركة تصعب عليك. فإذا أجابك إلى ذلك، جئت في أول الليل، ولبثت عندك إلى آخره.
فسكن الرقيع إلى هذه الأنسة، وانصرف الجارية إلى الملك، فأخبرته بكل ما دار بينها وبينه.
فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك، فقال للرسول: أخبره أني عليل. فلما جاءه الرسول وأخبره، تبسم أبرويز، وقال: هذا أول الشر. فوجه إليه بمحفةٍ، فحمل فيها حتى أتاه، وهو معصب الرأس. فلما بصر به من بعيد، قال: والعصابة الشر الثاني. وتبسم.
فلما دنا من الملك، سجد، فقال له أبرويز: متى حدثت بك هذه العلة؟ قال: في هذه الليلة. قال: فأي الأمرين احب إليك: الانصراف إلى منزلك ونسائك ليمرضنك، أو المقام ههنا إلى وقت رجوعي؟ قال: ههنا، أيها الملك، أرفق لي، لقلة الحركة.
فتبسم أبرويز، وقال: ما صدقت! حركتك ههنا، إن خلفتك، أكثر من حركتك في منزلك.
ثم أمر أن تخرج له عصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى. فأيقن الرجل بالشر. وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى حد المملكة، ويجعل العصا في رأس رمحٍ تكون معه حيث كان، ليحذر منه من لا يعرفه. فلما أخرج بالرجل عن المداين، متوجهاً به نحو فارس، أخذ مديةً كانت مع بعض الأعوان الذين وكلوا به، فجب بها ذكره، وقال: من أطاع عضواً من أعضائه صغيراً، أفسد عليه أعضاءه كلها، صغارها وكبارها، فمات من ساعته.
(1/95)

امتحان من يطعن في المملكة
وكان قد نصب رجلاً يمتحن به من فسدت نيته، وطعن في المملكة، فكان الرجل يظهر التأله والدعاء إلى التخلي عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، وترك أبواب الملوك.
وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب في خلال ذلك كلامه بالتعريض بذم الملك، وتركه شرائع ملته وسنن دينه ونواميس آبائه. وكان هذا الرجل الذي نصبه لهذا، أخاه من الرضاعة، وتربه في الصبا. فكان إذا تكلم هذا الرجل بهذا الذي قد مثله له أبرويز، وأمره به ليمتحن بذلك خاصته، أخبر به. وأنا أعلم به. وإن كان كذلك فإنه لا يقصدني بسوءٍ، ولا المملكة بما يوهنها.
فيظهر الاستهانة بأمره، والثقة من الطمأنينة إليه. ثم يوجه إليه في خلال ذلك من يدعوه غليه، فيأبى أن يجيبه، ويقول: لاينبغي لمن يخاف الله أن يخاف أحداً سواه. فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل في الزيارة له والأنس به. فإذا خلوا تذاكروا أمر الملك، وابتدأ الناسك يطعن على الملك، وفي صلب المملكة. فأعانه الخائن، وطابقه على ذلك، وشايعه عليه، فيقول له الناسك: إياك أن تظهر هذا الجبار على كلامك! فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي. فحصن منه دمك. فيزداد الآخر إليه استنامةً، وبه ثقةً. فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به القتل في الشريعة، قال له: إني عاقد غداً مجلساً للناس، أقص عليهم، فاحضره! فإنك رجل رقيق القلب عند الذكر، حسن النية، ساكن الريح، بعيد الصوت، وإن الناس إذا رأوك قد حضرت مجلسي، زادت نياتهم خيراً، وسارعوا إلى استجابتي. فيقول له الرجل: إني أخاف هذا الجبار، فلا تذكره إن حضرت مجلسك.
(1/96)

وكانت العلامة فيما بينه وبين أبرويز أن ينصرف الرجل عن مجلس الناسك إذا ابتدأ في قصة الملك، وكان أبرويز قد وضع عيوناً تحضر مجلس الناسك، متى جلس. فبكر الناسك، وقص على العامة، وزهد في الدنيا، ورغب في الآخرة. وحضره الرجل الخائن، فلما فرغ من قصصه، وأخذ في ذكر الملك، نهض الرجل، وجاءت عيون أبرويز فأخبرته بما كان. فإذ زال عنه الشك في أمره، وجهه إلى بعض البلدان، وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك رجلاً وهو قادم عليك بعد كتابي هذا في كذا وكذا. فأظهر بره، والأنس به، والثقة بناحيته. فإذا اطمأنت به الدار، فاقتله قتلةً تحيي بها بيت النار، وتصل بها حرمة النوبهار. فإنه من فسدت نيته لغير علةٍ في الخاصة والعامة، لم يصلح بعلة.

تقاضي الملك عن الصغائر
ومن أخلاق الملك التغافل عما لا يقدح في الملك، ولا يجرح المال، ولا يضع من العز، ويزيد في الأبهة. وعلى ذلك كانت شيم ملوك آل ساسان.
(1/97)

وفيما يحكى عن بهرام جور أنه خرج يوماً لطلب الصيد، فعار به فرسه حتى وقع إلى راعٍ تحت شجرة، وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ علي عنان دابتي، حتى أبول.
فأخذ بركابه حتى نزل، وأمسك عنان الفرس. وكان لجامه ملبساً ذهباً، فوجد الراعي غفلةً من بهرام، فأخرج من خفه سكيناً، فقطع بعض أطراف اللجام. فرفع بهرام رأسه، فنظر غليه، فاستحيا، ورمى بطرفه إلى الأرض، وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي حاجته من اللجام. وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه، حتى إذا ظن أنه قد أخذ حاجته من اللجام، قام، فقال: يا راعي، قد إلي فرسي، فإنه قد دخل في عيني مما في هذه الريح، فما اقدر على فتحهما.
وغمض عينيه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام. فقرب الراعي فرسه، فركبه. فلما ولى، قال له الراعي: أيها العظيم، كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا؟ لموضع بعيد.
قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي، وما وطئت هذه الناحية قط غير يومي هذا، ولا أراني أعود إليه ثانية.
فضحك بهرام، وفطن لما أراد، فقال: أنا رجل مسافر، وأنا أحق بأن لا أعود إلى ههنا أبداً.
ثم مضى. فلما نزل عن فرسه، قال لصاحب دوابه ومراكبه: إن معاليق اللجام قد وهبتها لسائلٍ مربي، فلا تتهمن بها أحداً.
(1/98)

وهكذا يحكى عن أنوشروان انه قعد ذات يومٍ في نيروز أو مهرجان، ووضعت الموائد، ودخل وجوه الناس الإيوان على طبقاتهم ومراتبهم. وقام الموكلون بالموائد على رؤوس الناس، وكسرى بحيث يراهم.
فلما فرغ الناس من الطعام، جاؤوا بالشراب في آنية الفضة، وجامات الذهب. فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب. فلما انصرف الناس، ورفعت الموائد، أخذ بعض القوم جام ذهبٍ، فأخفاه في قبائه، وأنوشروان يلحظه. فصرف وجهه عنه.
وافتقد صاحب الشراب الجام، فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يفتش.
فقال كسرى: لاتتعرض لأحد! وأذن للناس فانصرفوا. فقال صاحب الشراب: أيها الملك! إنا فقدنا بعض آنية الذهب! فقال الملك: صدقت! قد أخذها من لا يردها عليك، وقد رآه من لا ينم عليه. فانصرف الرجل بالجام.
وهكذا فعل معاوية بن أبي سفيان في يوم عيدٍ، وقد قعد للناس، ووضعت الموائد وبدر الدراهم والدنانير للجوائز والصلات فجاء رجل من الجماعة، والناس يأكلون، فقعد على كيس فيه دنانير. فصاح به الخدم: تنح! فليس هذا بموضع لك.
فسمع معاوية،
(1/99)

فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به المجلس فأخذ كيساً، فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله، وقام. فلم يجسر أحد أن يدنو منه. فقال الخادم: أصلح الله أمير المؤمنين! إنه قد نقص من المال كيس دنانير. فقال: أنا صاحبه، وهو محسوب لك.
وهذه أخلاق الملوك معروفة في سيرهم وكتبهم. وإنما يتفقد مثل هذا من هو دون الملك. فأما الملك، فيجل عن كل شيءٍ، ويصغر عنده كل شيء.

رد على العامة
والعامة تضع هذا وما أشبهه في غير موضعه؛ وإنما هو شيء ألقاه الشيطان في قلوبهم، وأجراه على ألسنتهم، حتى قلوا في نحوٍ من هذا في البائع والمشتري: المغبون لا محمود ولا مأجور. فحملوا الجهلة على المنازعة للباعة، والمشاتمة للسفلة والسوقة، والمقاذفة للرعاع والوضعاء، والنظر في قيمة حبةٍ، والاطلاع في لسان الميزان، وأخذ المعايير بالأيدي.
وبالحرى أن يكون المغبون محموداً ومأجوراً، اللهم إلا أن يكون قال له: اغبني. بل لو قالها، كانت أكرومة وفضيلة، وفعلةً جميلة تدل على كرم عنصر القائل، وطيب مركبه.
(1/100)

ولذلك قالت العرب: السرو التغافل.
وأنت لا تجد أبداً أحداً يتغافل عن ماله إذا خرج، وعن مبايعته إذا غبن، وعن التقصي إذا بخس، إلا وجدت له في قلبك فضيلةً وجلالةً ما تقدر على دفعها. وكذا أدبنا نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: يرحم الله سهل الشراء، سهل البيع، سهل القضاء، سهل التقاضي.
وهذا الأدب خارج من قولهم: المغبون لامحمود ولا مأجور.
وقال معاوية في نحوٍ من هذا: إني لأجر ذيلي على الخدائع.
وقال الحسن عليه السلام: المؤمن لا يكون مكاساً.
وفيما يحكى عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج في حياة أبيه لمتنزهه، فبسط له في صحراء، فتغدى مع أصحابه، فلما حان انصرافه، تشاغل غلمانه بالترحال، وجاء أعرابي، فوجد منهم غفلةً، فأخذ دواج سليمان، فرمى به على عاتقه، وسليمان ينظر
(1/101)

إليه.
فبصر به بعض حشمه، فصاح به: ألق ما عليك! فقال الأعرابي: لا لعمري! لا ألقيه ولا كرامة! هذا كسوة أمير المؤمنين وخلعته.
فضحك سليمان، وقال: صدق، أنا كسوته. فمر كأنه إعصار الريح.
وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن علي بالأمس، وقد عثر برجلٍ سرق درةً رائعةً، أخذها من بين يديه. فطلبت بعد أيامٍ، فلم توجد. فباعها الرجل ببغداد، وقد كانت وصفت لأصحاب الجوهر. فأخذ وحمل إلى جعفر، فلما بصر به، استحيا منه، وقال: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني، فوهبتها لك؟ قال: بلى.
قال: لاتعرضوا له. فباعها بمائتي ألف درهم.

إكرام الأوفياء
ومن أخلاق الملك إكرام أهل الوفاء وبرهم والاستنامة إليهم والثقة بهم والتقدمة لهم على الخاص والعام، والحاضر والبادي.
وذلك انه لا يوجد في الإنسان فضيلة أكبر ولا أعظم قدراً، ولا أنبل فعلاً من الوفاء. وليس الوفاء شكر اللسان فقط، لأن شكر اللسان ليس على أحدٍ منه مؤونة.
واسم الوفاء مشتمل على خلال:
فمنها أن يذكر الرجل من أنعم عليه، بحضرة الملك فمن دونه. فإن كان الملك
(1/102)

فيه سيء الرأي، فليس من الوفاء أن يعينه على سوء رأيه. فإن خاف سوط الملك وسيفه، فأحس صفاته أن يمسك عن ذكره بخيرٍ أو شرٍ.
ومنها المواساة للصاحب في المال، حتى يقاسمه الدرهم بالدرهم، والنعل بالنعل، والثوب بالثوب.
ومنها الحفظ له في خلفه وعياله، ما كان في الدنيا، حتى يجعلهم أسوةً بعياله في الجدب والخصب.
ومنها الشكر له باللسان والجوارح.
وكانت ملوك الأعاجم كلها، أولها وآخرها، لا تمنع أحداً من خاصتها وعامتها شكر من أنعم عليها أو على أحدٍ منها، وتقريظه وذكر نعمه وإحسانه، وإن كانت الشريعة قد قتلته، والملك قد سخط عليه. بل كانوا يعرفون فضيلة من ظهر ذلك منه، ويأمرون بصلته وتعهده.
ويقال إن قباذ أمر بقتل رجلٍ كان من الطاعنين على المملكة، فقتل. فوقف على رأسه رجل كان من جيرانه، فقال: رحمك الله! إن كنت، ما علمت، لتكرم الجار، وتصبر على أذاه، وتواسي أهل الحاجة، وتقوم بالنائبة! والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغاً حتى حملك على عصيان ملكك، فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته! وقديماً ما تمكن ممن هو أشد منك قوةً وأثبت عزماً.
فأخذ الرجل
(1/103)

صاحب الشرطة فحبسه. وانتهى كلامه إلى قباذ، فوقع قباذ: يحسن إلى هذا الذي شكر حساناً فعل به، وترفع مرتبته، ويزاد في عطائه.
وهكذا فعل سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، حين حمل رأس مروان الجعدي إلى أبي العباس السفاح بالكوفة، فقعد له مجلساً وجاؤوا بالرأس.
فقام سعيد بن عمرو بن جعدة، فأكب عليه قياماً طويلاً، ثم قال: هذا رأس
(1/106)

أبي عبد الملك، خليفتنا بالأمس، رحمه الله! فوثب أبو العباس، فطعن في حجره.
وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدث الناس بكلامه. فلامه بنوه وأهله،
(1/107)

وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار.
فقال: اسكتوا. قبحكم الله! ألستم الذين أشاروا علي بالأمس بحران بالتخلف عن مروان، ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما ليغسل عني عار تلك الفعلة إلا هذه. فإنما أنا شيخ هامة، فإن نجوت يومي هذا من القتل، مت غداً.
قال: فجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل؛ فأصبحوا، ولم يأته أحد. وغدا الشيخ، فإذا هو بسليم بن مجالد. فلما بصر به، قال: يا ابن جعده! ألا أبشرك بجميل رأي أمير المؤمنين؟ إنه ذكر في هذه الليلة، ما كان منك، فقال: والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلا الوفاء، ولهو أقرب منا قرابةً، وأمس بنا رحماً منه بمروان، إن أحسنا إليه. قال: أجل، والله.
(1/108)

وهكذا فعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بمعاوية بن أبى سفيان، حين دعاه إلى مفارقة علي بن أبى طالب، والدخول في طاعته. فكتب إليه قيس بن سعد: يا وثن بن وثن! تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب، والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك! فوالله الذي لا إله غيره! لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، وما سالمتك أبداً، وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا حزب الشيطان على حزب الله. والسلام! وفي سيرة الاسكندر ذي القرنين أنه لما قصد نحو فارس، تلقاه جماعة من أساورتهم برأس ملكهم، ومن انضم عليهم، وقال: من غدر بملكه، كان بغيره أغدر! وفيما يحكى عن شيرويه أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً، وقد رجع من الميدان، فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، وملكك ما كنت أحق به منه، وأراح آل ساسان من جبريته وعتوه وبخله ونكده. فإنه كان ممن يأخذ بالحبة،
(1/109)

ويقتل بالظن، ويخيف البريء، ويعمل بالهوى.
فقال شيرويه للحاجب: احمله إلي.
فحمل، فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز كنت في كفاية من العيش.
فكم زيد في أرزاقك اليوم؟ ما زيد في رزقي شيء.
فهل وترك أبرويز، فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ لا.
قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه، ولم يقطع عنك مادة رزقك، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة والوقوع في الملوك، وهم رعية؟ فأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان فيما لا يجب.
وحدثني صباح بن خاقان، قال: حدثني أبي أن أبا جعفر المنصور لما أتي برأس
(1/110)

إبراهيم بن عبد الله، فوضع بين يديه، جاء بعض أولئك الرويدية، فضرب الرأس بعمودٍ كان في يده. فقال المنصور للمسيب: دق وجهه! فدق المسيب أنفه. ثم قال المنصور له: يا ابن اللخناء! تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع ولا ينفع تضر به بعمودك، كأنك رايته وهو يريد نفسي، فدفعته عني. اخرج إلى لعنة الله وأليم عذابه.
ويقال أن أبا جعفر وجه إلى شيخٍ من أهل الشام، وكان من بطانة هشام، فسأله عن تدبير هشام في بعض حروبه الخوارج، فوصف له الشيخ ما دبر، فقال: فعل، رحمه الله، كذا، وضع، رحمه الله، كذا.
فقال المنصور: قم، عليك لعنة الله! تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل، فقال وهو مول: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي، لا ينزعها غلا غاسلي. فقال له المنصور: ارجع، يا شيخ! فرجع. فقال له: أشهد
(1/111)

أنك نهيض حرةٍ وغراس شريف! عد إلى حديثك! فعاد الشيخ إلى حديثه، حتى إذا فرغ، دعا له بمالٍ ليأخذه، فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجةٍ إليه؟ ولقد مات عني من كنت في ذكره آنفاً، فما أحوجني إلى وقوفٍ على باب أحدٍ بعده. ولولا جلالة عز أمير المؤمنين، وإيثار طاعته، ما لبست لأحدٍ بعده نعمةً.
فقال المنصور: مت إذا شئت، فلله أنت! فلو لم يكن لقومك غيرك، لكنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً.
ويقال إن الرجل كان من شيبان.

أدب سماع الملك ومحادثته
ومن حق الملك، إذا حضره سماره أو محدثوه، أن لا يحرك أحد منهم شفتيه مبتدئاً، ولا يقطع حديثه بالاعتراض فيه، وإن كان نادراً شهياً، وأن يكون غرضهم حسن الاستماع، وإشغال الجوارح بحديثه؛ فإذا فرغ من الحديث فنظر إلى بعضهم، فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك الجنس من الحديث. وليس له أن يأخذ في غير جنس حديثه.
وليس لمن حدث الملك أن يفسد ألفاظه وكلامه، بأن يقول في حديثه: فاسمع مني أو افهم عني أو يا هذا أو ألا ترى. فإن هذا وما أشبهه عي من قائله، وحشو في كلامه، وخروج من بسط اللسان، ودليل على الفدامة والغثاثة.
وليكن كلامه
(1/112)

كلاماً سهلاً، وألفاظه عذبةً متصلة، وسقط كلامه قليلاً.
فإذا فرغ من الحديث، فليس له أن يصله بحديث آخر، وإن كان شبيهاً بالحديث الأول، حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه.
فإن أعرض لشغل يعرض له، فليس له أن يمر في حديثه، وأن يصل كلامه، فيحتاج الملك إلى الإصغاء إليه، ويحتاج إلى التشاغل بما عرض له، فيجمع عليه أمرين. فإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث؛ وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته.
ومن حق الملك أن لا يضحك من حديثه إذا حدث، لأن الضحك بحضرة الملك جرأة عليه؛ ولا يظهر التعجب بفائدة حديثه. وإنما هذا إلى الملك. فإن ضحك الملك من الحديث، وأظهر السرور به، فذاك غرض حديثه، وإليه قصد؛ وإن سكت، فلم يكن في الحديث ما يلهيه ويطر به أو يستفيد منه فائدة، كان قد سلم من العيب، إذ لم يضحك ولم يعجب.

إعادة الحديث:
ومن حق الملك أن لا يعاد عليه الحديث مرتين، وإن طال بينهما الدهر، وغبرت بينهما الأيام؛ إلا أن يذكره الملك؛ فإن ذكره، فهو إذن منه في إعادته.
وكان روح بن زنباعٍ يقول: أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة من أيامه، ما أعدت عليه حديثاً.
(1/113)

وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجلٍ بعينه قط.
وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحداً أغزر علماً من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثاً قط.
وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلةً، وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟
(1/114)

وكان الشرقي بن الفطامي يعيد الحديث مراراً، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي فيستعيده.
(1/115)

وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في القابلة حتى يحفظه.
ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعةً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أفكه مجلساً، ولا أعظم أبهةً وقدراً منه. وكان عيسى بن دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين.
(1/116)

ولم يكن هذا لأحدٍ. غير أنه يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ.
وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده،
(1/117)

ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.

أمارات الذهاب من مجلس الملك
ومن حق الملك، إذا تثاءب أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حالٍ فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره.
وكان يستاسف إذا دلك عينيه، قام من حضره.
وكان يزدجرد الأثيم إذا قال: شب بشد، قام سماره.
وكان بهرام جور إذا قال: خرم خفتار، قام سمارة.
وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء، قام سمارة.
وكان سابور إذا قال: حسبك يا إنسان، قام سمارة.
(1/118)

وكان أنوشروان إذا قال: قرت أعينكم قام سمارة.
وكان عمر بن الخطاب إذا قال: الصلاة، قام سمارة. وكان ينهى عن السمر بعد صلاة العشاء.
وكان عثمان إذا قال: العزة لله!، قام سمارة.
وكان معاوية إذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره.
وكان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره.
وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره.
وكان الهادي إذا قال: سلام عليكم!، قام من حضره.
وكان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره.
(1/119)

وكان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره.
وكان الواثق إذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره.
وكان المأمون إذا استلقى على فراشه، قام من حضره.
غير أن بعض من ذكرنا كان ربما قام بجنسٍ آخر من الإشارة والكلام، وإنما أضفنا إلى كل واحدٍ منهم أغلب أفعاله كانت عليه.

اغتياب الآخرين أمام الملك
ومن حق الملك أن لا يعاب عنده أحد، صغر أو كبر غير أن من أخلاقها التحريش بين اثنين، والاغراء بينهما.
فمن الملوك من يدبر في هذا تدبيراً يجب في السياسة؛ وذاك أنه يقال: قل إثنان استويا في منزلة عند الملك والجاه والتبع والعز والحظوة عند السلطان فاتفقا، إلا كان ذلك الاتفاق وهنأ على المملكة والملك، كانا، متى شاءا أن ينقصنا ما ابرم الملك ويحلا ما عقد، ويوهيا ما أكثر، قدراً على ذلك للاتفاق والمجامعة. ومتى انفصلا حتى يتباينا أو يتحاربا، كان تباينهما
(1/120)

أثبت في نظام الملك، وأوكد في عز المملكة. وكان متى أراد هذا شيئاً، أراد الآخر خلافه. فإذا تباينا في ذات أنفسهما، اجتمعا على نصيحة الملك، شاءا أم أبيا، وآثرها كل واحد منهما على هوى نفسه، وانتظم للملك تدبيره، وتم له أمره.
ومن الملوك من لا يقصد إلى هذا، ولا يكون غرضه الإغراء بين وزرائه وبطانته لهذه العلة، بل ليعرف معايب كل واحدٍ منهما. فإن معرفة ذلك تقطع الوزير عن الانبساط في حوائجه، والتحسب على ملكه.

آداب رسول الملك
ومن الحق على الملك أن يكون رسوله صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيانٍ وعبارة، بصيراً بمخارج الكلام وأجوبته، مؤدياً لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة، لا يميل إلى طمع ولا طبع، حافظاً لما حمل.
وعلى الملك أن يمتحن رسوله محنةً طويلةً، قبل أن يجعله رسولاً.
(1/121)

وكانت ملوك الأعاجم، إذا آثرت أن تختار من رعيتها من تجعله رسولاً إلى بعض ملوك الأمم، تمتحنه أولاً، بأن توجهه رسولاً إلى بعض خاصة الملك، ومن في قرار داره في رسائلها.
ثم تقدم عيناً عليه، يحضر رسالته ويكتب كلامه. فإذا رجع الرسول الرسالة، جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته. فقابل بها الملك ألفاظ الرسول. فإن اتفقت أو اتفقت معانيها، عرف الملك صحة عقله، وصدق لهجته، ثم جعله الملك رسولاً إلى عدوه، وجعل عليه عيناً يحفظ ألفاظه ويكتبها، ثم يرفعها إلى الملك. فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك، وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يتزيد عليه للعداوة بينهما، جعله رسوله إلى ملوك الأمم، ووثق به. ثم كان بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة.
وكان أردشير بن بابك يقول: كم من دمٍ قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمةٍ قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهدٍ قد نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه!
وكان يقول: على الملك، إذا وجه رسولاً إلى ملك آخر، أن يردفه بآخر. وإن وجه رسولين، أتبعهما باثنين، وإن أمكنه أن لا يجمع بين رسولين في طريقٍ ولا ملاقاةٍ ولا يتعارفان فيتواطآ، فعل. ثم عليه، إن أتاه رسوله بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر، أن لا يحدث في ذلك خيراً أو شراً، حتى يكتب إليه مع رسول ربما حرم بعض ما أمل، فافتعل الكتب، وحرض المرسل على المرسل إليه، فأغراه به، وكذب عليه.
(1/122)

ويقال إن الأسكندر وجه رسولاً إلى بعض ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرفٍ منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد، إذا مالت. وقد جئتني برسالةٍ صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفاً ينقضها؛ أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه قاله.
فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفاً حرفاً، ويعاد إلى الملك مع رسولٍ آخر، فيقرأ عليه ويترجم له.
فلما قريء الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. وكتب إلى الإسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلاً.
فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على كلمةٍ أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، جعلت ذلك ثأراً في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه.
(1/123)

احتياط الملك
ومن أخلاق الملك أن يكون لمنامه في ليل ولا نهار موضع يعرف به، ولا حوى يقصد إليه؛ إذ كانت أنفس الملوك هي المطلوب غرتها، والموكل برعاية سنتها، وساعة غفلتها.
ويقال إن ملوك آل ساسان لم يعرف مبيت أحد منهم قط، ولا مقيله.
فأما أردشير بن بابك، وسابور، وبهرام، ويزدجرد، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، فكان يفرش للملك منهم أربعون فراشاً، في أربعين موضعاً، ليس منها فراش إلا ومن رآه من بعيد على الانفراد، لا يشك أنه فراش الملك خاصةً، وأنه نائم فيه. ولعله أن لا يكون على واحد منها، بل لعله ينام على مجلس رقيق، وربما توسد ذراعه، فنام.
ولو لم يجب على ملوكنا حفظ منامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع، غلا النبي صلى الله عليه وسلم، فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته إياه، وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به، ويمتثلوا فعله. وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل، صلى الله عليهما، عن الله، جل ثناؤه، بذلك، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام، فأنامه على فراشه، ونام هو، صلى الله عليه وسلم، بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى فراشه، فنهض منه علي، انصرفوا عنه.
(1/124)

ففي هذا أكبر الأدلة، وأوضح الحجة على ما ذكرنا، إذ كانت أنفس الملوك هي الأنفس الخطيرة الرفيعة التي توزن بنفوس كل من أظلت الخضراء، وأفلت الغبراء.
وكانت الأعاجم تقول: " لا ينبغي للملك أن يطلع على موضع منامه إلا الوالدان فقط؛ فأما من دونهما، فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب الحزم وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة، وأوقع في الهوينا.

معاملة ابن الملك للملك
ومن حق الملك أن يعامله ابنه كما يعامله عبده، وأن لا يدخل مداخله إلا عن أذنه، وأن يكون الحجاب عليه أغلظ منه على من هو دونه من بطانة الملك وخدمه، لئلا تحمله الدالة على غير ميزان الحق.
فإنه يقال أن يزدجرد رأى بهرام ابنه بموضعٍ لم يكن له، فقال: مررت بالحاجب؟ قال: نعم. قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم. قال: فاخرج إليه واضربه ثلاثين سوطاً، ونحه عن الستر، ووكل بالحجابة أرادمرد.
ففعل ذلك بهرام، وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة؛ ولم يعلم الحاجب فيم غضب الملك عليه.
فلما جاء بهرام، بعد ذلك ليدخل،
(1/125)

أرادمرد في صدره دفعةً وقذه منها، وقال: إن رأيتك بهذا الموضع ثانيةً، ضربتك ستين سوطاً: ثلاثين منها لجنايتك على الحاجب أمس، وثلاثين لئلا تطمع في الجناية علي.
فبلغ ذلك يزدجرد، فدعا أرادمرد، فخلع عليه وأحسن إليه.
ويقال أن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب. فكان إذا أراد الدخول عليه قال: يا جارية! انظري هل تحرك أمير المؤمنين.
فجاءت الجارية مرة حتى فتحت الباب، فإذا معاوية قاعد، وفي حجره مصحف، وبين يديه جارية تصفح عليه. فأخبرت يزيد بذلك.
فجاء يزيد، فدخل على معاوية. فقال له: أي بني! إني إنما جعلت بيني وبينك باباً، كما بيني وبين العامة. فهل ترى أحداً يدخل من الباب إلا بإذنٍ؟ قال: لا قال: فكذلك فليكن بابك! فإذا قرع عليك فهو إذنك.
وهكذا ذكر لنا أن موسى الهادي دخل على أمير المؤمنين المهدي، فزبره، وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا أن يفتح بابك! وذكر لنا أن المأمون لما استعر به الوجع، سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله! ما إلى ذلك سبيل. ولكن إن شئت أن تراه من
(1/126)

حيث لا يراك، فاطلع عليه من ثقبٍ في ذلك الباب.
فجاء حتى اطلع عليه، وتأمله، ثم انصرف.
وذكر لنا أن إيتاخ بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضعٍ لم يكن له أن يقف فيه، فزبره، وقال: تنح! فوالله لولا أنى لم أتقدم إليك في ذلك، لضربتك مائة عصاً.
وليس لابن الملك من الملك إلا ما لعبده من الاستكانة والخضوع والخشوع، ولا له أن يظهر دالة الأبوة وموضع الوراثة. فإن هذا إنما يجوز في النمط الأوسط من الناس، ثم الذين يلونهم. فأما الملوك، فترقى عن كل شيء يمت به.
وليس لابن الملك أن يسفك دماً، وإن أوجبت الشريعة سفكه، وجاءت الملة
(1/127)

به، إلا عن إذن الملك ورأيه، لأنه متى تفرد بذلك، كان هو الحاكم دون الملك. وفي هذا وهن على الملك، وضعف في المملكة.
وكذلك ليس له أن يحكم في الحلال والحرام والفروج والأحكام، وإن كان ولي عهد الملك، والمقلد إرث أبيه، والمحكوم له بالطاعة، إلا عن أمره ورأيه.
وليس له، إذا جمعته والملك دار واحدة، أن يأكل إلا بأكل الملك. ولا أن يشرب إلا بشربه، ولا أن ينام إلا بمنامه.
وكذا يجب عليه، في كل شيء من أموره السارة والضارة أن يكون له تابعاً، ولحركته تالياً.
وليس هذا على من دون ابن الملك من بطانته وسائر رعيته. لأن ابن الملك عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه، والملك اصل، والابن فرع، والفرع تابع للأصل، والأصل مستغنٍ عن الفرع.
وليس لابن الملك أن يرضى عمن سخط عليه الملك، وإن كان المسخوط عليه لا ذنب له عنده، لأن من العدل والحق عليه أن يوالي من والى الملك، ويعادي من عاداه. ولا ينظر في هذا إلى خط نفسه، وارادة طبعه، حتى يبلغ من حق الملك ما أن وجد إلى غيلته سبيلاً أن يقتله، وعلى هذا ينبغي أن يكون نظام العامة لملكها.
(1/128)

شهوة الاستبدال لدى الملك: وقد تحدث في أخلاق الملك ملالة لشهوة الاستبدال فقط. فليس لصاحب الملك، إذا أحدث الملك خلقاً، أن يعارضه بمثله، ولا إذا رأى نبوةً وازورارةً، أن يحدث مثله، فإنه متى فعل ذلك فسدت نيته، ومن فسدت نيته عادت طاعته معصيةً، وولايته عداوةً. ومن عادى الملك، فنفسه عادى، وإياها أهان.
ولكن عليه، إذا أحدث الملك الخلق الذي عليه بنية أكثر الملوك، أن يحتال في صرف قلبه إليه. والحيلة في ذلك يسيرة: إنما هو يطلب خلوته، فيلهيه بنادرةٍ مضحكة، أو ضرب مثلٍ نادرٍ، أو خيرٍ كان عنه مغطى، فيكشفه له.
كما فعل بعض سمار ملوك الأعاجم: أظهر الملك له جفوة الملالة فقط، فلما رأى ذلك، تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وصياح الديوك، وشحيج البغال، وصهيل الخيل.
ثم احتال حتى دخل موضعاً يقرب من مجلس الملك وفراشه يخفي أمره. فنبح نباح الكلاب، فلم يشك الملك أنه كلب وابن كلب. فقال: انظروا ما هذا؟ فعوى عواء الذئاب، فنزل الملك عن سريره.
فنهق نهيق الحمار، ومر الملك هارباً.
وجاء غلمانه يتبعون الصوت، فلما دنوا منه، أحدث معنىً آخر، فأحجموا عنه. ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه، فأخرجوه وهو عريان مختبئ.
فلما نظروا إليه، قالوا للملك:
(1/129)

هذا مازيار المضحك! فضحك الملك حتى تبسط، وقال: ويلك! ما حملك على هذا؟ قال: إن الله مسخني كلباً وذئباً وحماراً، لما غضب علي الملك.
فأمر أن يخلع عليه، ويرد إلى موضعه.
وهذا لا يفعله إلا أهل الطبقة السفلى. فأما الاشراف، فلهم حيل غير هذه، مما يشبه أقدارهم.
كما فعل روح بن زنباع، وكان أحد دهاة العرب. رأى من عبد الملك بن مروان نبوةً وإعراضاً. فقال للوليد: ألا ترى ما أنا فيه من إعراض أمير المؤمنين عني بوجهه، حتى لقد فغرت السباع أفواهها نحوي، وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد: احتل في حديث يضحكه! فقال روح: إذا اطمأن بنا المجلس، فسلني عن عبد الله بن عمر، هل كان يمزح أو يسمع مزاحاً؟ فقال الوليد: أفعل.
وتقدم، فسبقه بالدخول، وتبعه روح. فلما اطمأن بهم المجلس، فقال الوليد لروح: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ قال: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن هجته فقالت:
(1/130)

ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت ليلك أيما قمر
أنفقت مالك غير محتشمٍ ... في كل زانيةٍ وفي الخمر!
قال: وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين، وهما في رقعة، فخرج بهما، فإذا هو بعبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! انظر في هذه الرقعة، وأشر علي برأيك فيها.
فلما قرأها، استرجع عبد الله. فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا؟ قال عبد الله: أرى أن تصفو وتصفح! قال: والله، يا أبا عبد الرحمن، لئن لقيت قائلها لأنيلنه نيلاً جيداً! فأخذ ابن عمر أفكل واربد لونه، وقال: ويلك، أما تستحي أن تعصي الله؟ قال: هو والله ما قلت لك! وافترقا. فلما كان بعد ذلك بأيام، لقيه فأعرض ابن عمر بوجهه.
فقال: بالقبر ومن فيه، إلا ما سمعت كلامي! فتحوب عبد الله، فوقف وأعرض عنه بوجهه. فقال: علمت، يا أبا عبد الرحمن، أني لقيت قائل ذلك الشعر فنلته؟ فصعق ابن عمر، ولبط به. فلما رأى ما حل به، دنا من أذنه فقال: إنها امرأتي.
فقام ابن عمر، فقبل ما بين عينيه.
فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال: قاتلك الله، يا روح! ما أطيب حديثك! ومد إليه يديه، فقام روح فأكب عليه، وقبل أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين، ألذ نبٍ فأعتذر،
(1/131)

أم لملالةٍ فأرجو عاقبتها؟ قال: لا والله! ما ذاك من شيء نكرهه.
ثم عاد له أحسن حالاً.
ونحو هذا يحكى عن جرير بن الخطفي، حين دخل على عبد الملك، وقد أوفده إليه الحجاج، وقال لجرير: كن في آخر من يدخل.
فلما دخل جرير، قال محمد: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي، مادحك وشاعرك.
قال جرير: فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاد مديحه؟ قال: هات بالحجاج! قال: فقلت: بل بك، يا أمير المؤمنين! قال: هات في الحجاج.
فأنشدته قولي في الحجاج:
صبرت النفس يا ابن أبي عقيلٍ ... محافظةً، فكيف ترى الثوابا؟
ولو لم ترض ربك، لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا،
إذا سعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا.
فقال: صدقت، هو كذلك! ثم قال للأخطل، وهو خلفي، وأنا لا أراه: قم فهات
(1/132)

مديحنا! فقام، فأنشده، فأجاد، وأبلغ. فقال: أنت شاعرنا، وأنت مادحنا؛ قم فاركبه! فألقى النصراني ثوبه، وقال: جب، يا ابن المراغة قال: وساء ذلك من حضر من المضرية، وقالوا: يا أمير المؤمنين، لا يركب الحنيف المسلم، ولا يظهر عليه.
فاستحيا عبد الملك، وقال: دعه! قال: فانصرف أخزى خلق الله حالاً، لما رأيت من إعراض أمير المؤمنين عني، وإقباله على عدوي، حتى إذا كان يوم الرواح للوداع، دخلت لأودعه، فكنت آخر من دخل عليه. فقال له محمد بن الحجاج: يا أمير المؤمنين، هذا جرير، وله مديح في أمير المؤمنين! فقال: لا، هذا شاعر الحجاج.
قلت: وشاعرك، يا أمير المؤمنين! قال: لا.
فلما رأيت سوء رأيه، أنشأت أقول:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ...
فقال: ذاك فؤادك! ثم أنشدته، حتى بلغت البيت الذي سره، وهو قولي:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟
فاستوى جالساً، وكان متكئاً، فقال: بلى نحن كذلك، أعد. فأعدت، فأسفر لونه،
(1/133)

وذهب ما كان في قلبه، ثم التفت إلى محمد بن الحجاج، فقال: ترى أم حزرة ترويها مائة من الإبل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! إن كانت من فرائض كلبٍ، فلم تروها فلا أرواها الله! قال: فأمر لي بمائة فريضة. ومددت يدي، وبين يديه صحاف أربعة من فضةٍ قد أهديت إليه، فقلت: المحلب، يا أمير المؤمنين! فأخذت منها واحدة، فقال: خذها، لا بورك لك فيها.
قلت: كل ما أخذت من أمير المؤمنين مبارك لي فيه.
وهكذا فعل بالأمس عبد الملك بن مهلهل الهمداني، وكان سليمان ابن أبي جعفر قد جفاه. فأتاه يوماً في قائم الظهيرة، والهجيرة تقد. فاستأذنن فقال له الحاجب: ليس هذا بوقت إذنٍ على الأمير.
فقال له: أعلمه بمكاني.
فدخل عليه، فأعلمه، فقال له: مره يسلم قائماً ويخفف! فخرج الحاجب، فأذن له، وأمره بالتخفيف. فدخل، فسلم قائماً، ثم
(1/134)

أمسيت فبينا أنا في الطريق، إذا بمؤذن قد ثوب بصلاة المغرب على مسجد معلق.
فصعدت، ثم صعدت، ثم صعدت..
قال سليمان: فبلغت السماء، فكان ماذا؟ قال: فتقدم إنسان، إما كريجي وإما سنيدي وإما طمطماني. فأم القوم، فقرأ بكلامٍ لم افهمه، ولغةٍ ما أعرفها، فقال: ويل لكل هره زمأ مالاً وعدده يريد: " ويل لكل همزةٍ لمزة الذي جمع مالاً وعدده ".
قال: وإذا خلفه رجل سكران ما يعقل سكراً، فلما سمع قراءته، ضرب بيديه ورجليه وجعل يقول: إيرعكي دركلي! إيرعكي دركلي في حرم قاريك! فضحك سليمان، ثم تمرغ على فراشه، وقال: ادن مني يا أبا محمد، فأنت أطيب أمة محمد! ثم دعا بخلعة، وقال: إلزم الباب، واغد في كل يومٍ. وعاد إلى أحسن حالاته عنده.
وهذه أخلاق الملوك لمن فهمها. وليس بعجب أن تتلون أخلاقهم، إذ كنا نرى أخلاق القرين المساوي، والشريك والإلف تتلون ولا تستوي، ولعله يجد عن إلفه
(1/135)

وقرينه وشكله، مندوحةً. فكيف بمن ملك الشرق والغرب، والأسود والأبيض، والحر والعبد، والشريف والوضيع، والعزيز والذليل.

صلاح الجفوة في التأديب
وعلى أنه ربما كانت جفوة الملك أصلح في تأديب الصاحب من اتصاله بالأنس، وإن كان ذلك لا يقع بموافقة المجفو، لأن فيها فراغ المجفو لنفسه، وتخلصه لأمره، ولما كان لا يمكنه الفراغ له من مهم أمره. وفيها أيضاً أنه إن كان المجفو من أهل السمر، وأصحاب الفكاهات، فبالحرى أن يستفيد بتلك الجفوة علماً طريفاً محدثاً له بالكتب ودراستها أو بالمشاهدة والملاقاة، وربما كان لا يمكنه قبل ذلك، وهو في شغله. ومنها أن جفوة الملك ربما أدبت الصاحب الأدب الكبير.
وذاك أنه كل من أنفس الملك مجلسه، وطال معه قعوده، وبه أنسه تمنى الفراغ، وطلبت منه نفسه التخلص والراحة والخلوة لإرادة نفسه. كما أنه من كثر فراغه وقل أناسه، جفي واطرح، وطلب الشغل والأنس وما أشبه ذلك.
فبهذه الأخلاق ركبت الفطر، وجبلت النفوس.
فإذا جاءه الفراغ الذي كان يطلبه ويتمناه من الجهة التي لم يقدرها، طلبت نفسه الموضع الذي يمله، والشغل الذي كان يهرب منه.
(1/136)

ومنها أنه كان في عز ومنعةٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وكان مرغوباً إليه، مرهوباً منه، ثم لما حدثت جفوة الملك، أنكرها ما كان يعرف، وعصاه من كان له مطيعاً، وجفاه من كان به براً.
ومنها أن جفوة الملك تحدث رقة على العامة، ورأفةً بهم، وتحدث للمجفو حسن نيةٍ.
ومنها أن الرضى، إذا كان يعقب الجفوة، وجب على المجفو شكر الله تعالى على ما ألهم الملك فيه، فتصدق وأعطى، وصام وصلى.
فكل شيءٍ من أمر الملك حسن في الرضا والسخط، والأخذ والمنع، والبذل والإعطاء، والسراء والضراء. غير أنه يجب على الحكيم المميز أن يجهد بكل وسع طاقته أن يكون من الملك بالمنزلة بين المنزلتين. فإنها أحرى المنازل بدوام النعمة، واستقامة الحال، وقلة التنافس، ومصارعة أهل الحسد والوشاة.

صفات المقربين من الملك
وليس من أخلاق الملك أن يدني من عظم قدره، واتسع علمه، وطاب مركبه، أو ظهرت أمانته، أو كملت آدابه.
(1/137)

وهذه الصفات هي جنس آخر يحتاج الملك إلى أصحابه ضرورة، لحاجته من القضاة إلى الفقه والأمانة، وحاجته من الطبيب إلى الحذق بالصناعة والركانة، وحاجته من الكاتب تحبير الألفاظ، ومعرفة مخارج الكلام، والإيجاز في الكتب، وما أشبه ذلك.
فأما القرناء والمحدثون وأصحاب الملاهي ومن أشبههم، فكل من دنا منهم من الملك، وعلق به، كائناً من كان، ومن حيث كان.
وكذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها.
وفيما يذكر عن أنوشروان انه قال: صاحبك من علق بثوبك.
وكذا وجدنا في أمثال كليلة ودمنة أن الملك مثل الكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه.
وقد نجد مصداق ذلك عياناً في كل دهر، وأخبار كل زمان.
(1/138)

سخاء الملك وحياؤه
ومن أخلاق الملك الكرم والسخاء.
فهما قرينا كل ملكٍ كان على وجه الأرض. ولو قال قائل إنهما ركبا في الملوك كتركيب الأعضاء والجوارح، كان له أن يقول؛ إذ كنا لم نشاهد، ولم يبلغنا عمن مضى من الملوك، ملوك العجم ومن كان قبلهم، وملوك الطوائف وغيرهم، القحة والبخل.
فأما السخاء، فلو لم يكن أحد طبائع الملوك، كان يجب أن يكون باكتسابٍ إن كان الملك من أهل التمييز؛ وذلك انه يفيد أكثر مما ينفق. فإذا كانت هذه صفة كل ملك، فما عليه من اتخاذ الصنائع، وعم المنن، والإحسان إلى من نأى عنه أو دنا منه من أو ليائه، والرحمة للفقير والمسكين، والعائدة إلى أهل الحاجة.
وأما الحياء، فهو من أجناس الرحمة.
وحقيق للملك، إذ كان الراعي، أن يرحم رعيته؛ وإذ كان الإمام، أن يرق على المؤتم به، وإذ كان المولى، أن يرحم عبده.
فقد تخطي العامة، وكثير من الخاصة، في الملوك، حتى يسمونهم بغير أسمائهم، ويصفونهم بغير صفاتهم، وينحلونهم البخل والإمساك، إذا رأوا الملك على سننٍ من
(1/139)

القصد، وعدلٍ من حد الإنفاق، ويغفلون عما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، بقوله عز وجل: " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ".
وبمدحه الصالحين من عباده بالقصد في ذات أيديهم، بعلمهم أن أرضى الأحوال عنده، ما دخل في باب الاقتصاد، بقوله: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ".
وقد ذكر بعض من لا يعلم، في كتاب ألفه في البخلاء من الملوك، أن هشام بن عبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، وأبا جعفر المنصور وغيره منهم. ولولا أنا
(1/140)

احتجنا إلى الأخبار عن جهل هذا، لم يكن لذكره معنى، ولا للتشاغل بالرد عليه. وكيف يكون المنصور ممن دخل في جملة هذا القول، ولا يعلم أن أحداً من خلفاء الإسلام، ولا ملوك الأمم، وصل بألف ألفٍ لرجلٍ واحدٍ غيره! ولقد فرق على جماعة من أهل بيته عشرة آلاف ألف درهم. ذكر ذلك الهيثم بن عدي والمدايني.
وحدثني بعض أصحابنا عن أبيه عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي،
(1/141)

فقال: يا زيد! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: كم خلف أبو يزيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها.
قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتها الحرة في مأتمه.
قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟ قلت: ستاً! فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب المهدي.
فغدوت، فقيل لي: معك بغال؟ فقلت: لم أؤمر بإحضار بغلٍ ولا غيره، ولا أدري لم دعيت.
قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع لكل واحدةٍ من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ففعلت. ثم دعاني المنصور فقال: قبضت ما أمرنا به لبنات أبي يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: أغد علي بأكفائهن، حتى أزوجهن
(1/142)

منهم.
قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيكٍ من بني عمهن. فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن يجعل صداقهن من ماله. وأمرني أن أشتري بما أمر لهن ضياعاً يكون معاشهن منها.
فلما سمع هذا الجاهل المائن بمثل هذه المكارم لعربي أو أعجمي! ولو أردنا أن نذكر محاسن المنصور على التفصيل والتقصي، لطال بها الكتاب، وكثرت فيه الأخبار.
وقلما استعملت العامة وكثير من الخاصة التمييز، إيثاراً للتقليد. إذ كان أقل في الشغل، وأدل على الجهل، وأخف في المؤونة. وحسبك من جهل العامة أنها تفضل السمين على النحيف، وإن كان السمين مأفوناً، والنحيف ذا فضائل؛ وتفضل الطويل على القصير، لا للطول ولكن لشيء آخر لا ندري ما هو، وتفضل راكب الدابة على راكب البغل، وراكب البغل على راكب الحمار، اقتصاراً على التقليد إذ كان أسهل في المأتى، وأهون في الاختيار.

اعتلال الملك
ومن حق الملك إذا اعتل، أن لا تطلب خاصته الدخول عليه في ليل ولا نهار، حتى يكون هو الذي يأمر بالإذن لمن حضر، وأن لا يرفع إليه الحاجب أسماءهم
(1/143)

مبتدئاً، حتى يأذن له. فإذا أذن له بالدخول، فمن حقه أن لا تدخل عليه الطبقة العالية مع التي دونها، ولا يدخل عليه من هذه الطبقة جماعة، ومن غيرها جماعة. ولكن على الحاجب أن يحضر الطبقات الثلاث كلها أو من حضر منها، ثم يأذن للعليا جملةً. فإذا دخلت، قامت بحيث مراتبها، فلم تسلم عليه، فتحوجه إلى رد السلام، فإذا علمت أنه قد لاحظها، دعت له دعاءً يسيراً موجزاً، ثم خرجت. ودخلت التي تليها، فقامت على مراتبها أقل من قيام الأولى، ودعت دعاءً أقل من دعاء الأولى، ثم دخلت بعدهما الثالثة، فكان حظها أن يراها فقط. وليس من عادة الملوك وقوف هذه الطبقة الثالثة، تتأمل الملك، وتدعو له، وتنظر إليه. وإنما مراتبها أن يراها فقط.
ومن حق الملك أن لا ينصرف أحد من هذه الطبقات إلى رحله إلا في اليوم الذي كان فيه ينصرف في صحة الملك. وبالحرى ينبغي أن يبرح فناءً سيده ومالكه، انتظاراً لإفاقته من علته، وفحصاً عن ساعات مرضه.

جوائز البطانة
ومن الحق على الملك تعهد بطانته وخاصته بجوائزهم وصلاتهم، إن كان ذلك يكون مشاهرةً أو مساناةً.
ومن أخلاق الملك أن يوكل باد كاره صلاتهم، ولا يحوج أحداً منهم إلى رفع رقعةٍ أو إذكار أو تعريضٍ. فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظ من الملوك.
(1/144)

وكانت ملوك آل ساسان يفعلون في هذا فعلاً بقي لهم ذكره إلى هذه الغاية، وإلى انقضاء مدة العالم.
فكان الملك منهم يقدر الرجل من خاصته وبطانته تقديراً وسطاً بين الإسراف والاقتصاد في مؤنة كلها، وحوائجه خاصها وعامها، فإذا كان التقدير على الجهة التي وصفنا، عشرة آلاف درهم في الشهر، وكانت للرجل ضيعة، أمر أن يدفع إليه في كل ثلاثين ليلة عشرة آلاف درهم، لأنزاله ونفقاته وحوائجه.
ويقول له الملك: قد علمنا أن الضيعة التي أفدتها هي مما تقدم من صلاتنا لك، وقد تسلفنا شكر تلك النعمة منك، وليس من العدل أن تكون في خدمتنا، وتكون نفقتك من شيء أفدته بشكرٍ قد تقدم، وحرمة قد تأكدت. فليكن ما أثمرت لك ضيعتك ظهرياً لنوائب الزمان، وتخرم الأيام، وانقلاب الدول، وحوادث الموت، ولتكن مؤنك وكلفك على خاص أموالنا.
وكذلك الطبقات على هذا النظام والإحكام، فيمضي على أحدهم عشرون سنة لا يفتح فاه بطلب درهم ولا غيره، منبسطاً لزمانه، مبتهجاً بنعم ملكه، مسروراً بما يكفي عن التذكار وشكوى الحال.
(1/145)

هدايا المهرجان والنيروز
ومن حق الملك هدايا المهرجان والنيروز.
والعلة في ذلك أنهما فصلا السنة.
فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إذن بدخول فصل الحر. إلا أن في النيروز أحوالاً ليست في المهرجان؛ فمنها استقبال السنة، وافتتاح الخراج، وتولية العمال، والاستبدال، وضرب الدراهم والدنانير، وتذكية بيوت النيران، وصب الماء، وتقريب القربان، وإشادة البنيان، وما أشبه ذلك.
فهذه فضيلة النيروز على المهرجان.
ومن حق الملك أن يهدي إليه الخاصة والحامة.
والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه، إذا كان في الطبقة العالية. فإن كان يحب المسك، أهدي مسكاً لا غيره. وإن يحب العنبر،
(1/146)

أهدى عنبراً. وإن كان صاحب بزة ولبسة، أهدى كسوةً وثياباً، وإن كان الرجل من الشجعاء والفرسان، فالسنة أن يهدي فرساً أو رمحاً أو سيفاً. وإن كان رامياً، فالسنة أن يهدي نشاباً. وإن كان من أصحاب الأموال، فالسنة أن يهدي ذهباً أو فضةً. وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه موانيذ للسنة الماضية، جمعها وجعلها في بدرٍ حريرٍ صيني، وشريحات فضة، وخيوط إبريسم، وخواتيم عنبر، ثم وجهها.
(1/147)

وكذلك، إنما كان يفعل من العمال من أراد أن يتزين بفضل نفقاته أو بفضل عمالته أو أداء أمانته.
وكان يهدى الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة والباكورة من الخضروات.
وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين إلى الملك ما يؤثرنه ويفضلنه كما قدمنا في الرجال. غير أنه يجب على المرأة من نساء الملك، إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن تهديها إليه بأكمل حالاتها، وأفضل زينتها، وأحسن هيآتها. فإذا فعلت ذلك، فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه، ويخصها بالمنزلة، ويزيدها في الكرامة، ويعلم أنها قد آثرته على نفسها، وبذلت له مالا تجود النفس به، وخصته بما ليس في وسع النساء، إلا القليل منهن، الجود به.
ومن حق البطانة والخاصة على الملك، في هذه الهدايا، أن تعرض عليه، وتقوم قيمة عدل.
فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أثبتت في ديوان الخاصة. فإن كان صاحبها ممن يرغب في الفضل، ويذهب إلى الربح، ثم نابته نائبة من مصيبةٍ يصاب بها أو بناءٍ يتخذه، أو مأدبةٍ يأدبها، أو عرسٍ يكون من تزويج ابنٍ، أو إهداء ابنةٍ إلى بعلها، نظر إلى ماله في الديوان وقد وكل بذلك رجل يرعى هذا وما أشبهه ويتعهده، فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلافٍ، أضعفت له ليستعين بها على نائبته.
(1/148)

وإن كان الرجل ممن أهدى نشابةً أو درهماً أو تفاحةً أو أترجة، فإن تلك الهدية إنما قدمها لتثبت له في الديوان، ويخبر الملك إن نابته نائبة. فعلى الملك إعانته عليها، إذا كان من أساورته وبطانته أو محدثيه. فإذا رفع للملك أن له في الديوان نشابةً أو درهماً أو أترجةً أو تفاحةً، أمر الملك أن تؤخذ أترجة، فتملأ دنانير منظومة ويوجه بها إليه.
وكان لا يعطي صاحب التفاحة إلا كما يعطي صاحب الأترجة، وأما صاحب النشابة، فكانت تخرج نشابته من الخزانة، وعليها اسمه، فتنصب ويوضع بإزائها من كسوة الملك ومن سائر الكساء. فإذا ارتفعت حتى توازي نصل النشابة، دعي صاحبها، فدفعت إليه تلك الكسوة.
وكان من تقدمت له هدية في النيروز والمهرجان، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت، ثم لم يخرج له من الملك صلة عند نائبه تنوبه أو حقٍ يلزمه، فعليه أن يأتي ديوان الملك ويذكر بنفسه، وأن ر يغفل عن إحياء السنة ولزوم الشريعة. وإن غفل عن أمره بعارضٍ يحدث، فإن ترك ذلك على عمدٍ، فمن سنة الملك أن يحرمه أرزاقه لستة أشهر، وأن يدفعها إلى عدو، إن كان له. إذ أتى شيئاً فيه شين على الملك، وضعة في المملكة.
وكان أردشير بن بابك، وبهرام جور، وأنوشروان يأمرون بإخراج ما في خزانتهم في المهرجان والنيروز من الكسى فتفرق كلها على بطانة الملك وخاصته، ثم على سائر الناس على مراتبهم.
وكانوا يقولون: إن الملك يستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة الشتاء في الصيف، وليس من أخلاق الملوك أن تخبأ كسوتها في خزائنها، فتساوي العامة في فعلها.
(1/149)

فكان يلبس في يوم المهرجان الجديد من الخز والوشي والملحم. ثم تفرق كسوة الصيف على ذكرنا.
فإذا كان يوم النيروز، لبس خفيف الثياب ورقيقها، وأمر بكسوة الشتاء كلها ففرقت.
ولا نعلم أن أحداً بعدهم اقتفى آثارهم إلا عبد الله بن طاهر، فإني سمعت من محمد بن الحسن بن مصعب يذكر أنه كان يفعل ذلك في النيروز والمهرجان، حتى لا يترك في خزائنه ثوباً واحداً إلا كساه. وهذا من أحسن ما حكي لنا من فضائله.

لهو الملوك وشربهم
ومن أخلاق الملوك اللهو.
غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتاً واحداً، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، حتى يجعله جداً لا هزل فيه، وحقاً لا باطل معه، وخلقاً لا يمكنه الانصراف عنه.
وليس هذا صفة الملك السعيد.
ومن أدمن شيئاً من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم المشتاق.
وهذا قد نراه عياناً. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديدٍ، وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان بعقب التعب والسهر.
(1/150)

وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا.
فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتاً واحداً من اليوم والليلة، لهذه الفضيلة التي فيها.
فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقساماً: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه وشغله. وأن لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به.
وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيامٍ يوماً، إلا بهرام جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم.
وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في كل يومٍ وليلةٍ، مرةً.
وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخموراً.
وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرةً، حتى لا يعقل في السماء هو
(1/151)

أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر.
غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي المنة.
وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوماً، ويدع يوماً.
وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليالٍ، ليلةً.
ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ولا سمع غناءً.
وكان هشام يسكر في كل جمعة.
وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمارٍ؛ ولا يوجد أبداً إلا ومعه إحدى هاتين.
وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت.
وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت.
(1/152)

وكان المهدي والهادي يشربان يوماً، ويدعان يوماً.
وكان الرشيد يشرب ظاهراً، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه.
وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي.
وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة.
وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها.
لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك من كان لا يلبس القميص إلا يوماً واحداً أو ساعةً واحدةً. فإذا نزعه، لم يعد إلى لبسه.
ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أياماً، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم يلبسه بعد.
فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان،
(1/153)

وقباذ، فإنهم كانوا يلبسون القميص، ويغسل لهم، ثم يلبسونه ويغسل لهم. فإذا غسل ثلاث عركاتٍ لم يغسل بعدها، وجعل في الخلع التي تخلع على الولد والقرابات والعم وابن العم والأخ وابن الأخ. ولم يكونوا يخلعون ما قد لبسوه إلا على القرابات من أهل بيت المملكة خاصةً، لا يجاوزونهم إلى غيرهم. فأما الخلع التي تقطع وتتخذ للطبقات وسائر الناس، فتيك صنف آخر.
وكان ملوك العرب، منهم من يلبس القميص مراراً، ويغسل له غسلاتٍ: معاوية وعبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمدٍ وأبو العباس وأبو جعفر والمأمون.
فأما يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، والمهدي والهادي والرشيد والمعتصم والواثق، فإنهم كانوا لا يلبسون القميص إلا لبسةً واحدةً، إلا أن يكون الثوب نادراً معجباً غريباً.
فأما الجباب والأردية، فلم تزل الملوك تلبسها السنة أو أكثر أيام السنة، ومنهم من كان يلبس الجبة والمطرف، السنين الكثيرة.
وليس الجباب والأردية، كالقميص والسراويل، لأن القميص والسراويل هما الشعار، وسائر الثياب الدثار. ولذلك كره من كره إعادة لبسها.
(1/154)

وأخلاق الملوك في البطر ومس الطيب وتغلل الغالية تختلف.
فمن الملوك من إذا مس الطيب وتغلل بالغالية، لم يعد إلى مس طيبٍ ما دام عبقها في ثوبه.
ومن الملوك من كان إذا مس الطيب، وتغلل بالغالية، فتضوعت منه وعلقت بثيابه، أمر بصب ماء الورد على رأسه حتى يسيل. فإذا كان من غدٍ، فعل مثل ذلك.
فأما من كان لا يمس طيباً ما دام يجد عبق الطيب في ثيابه: فأردشير بن بابك، وقباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكسرى ابرويز، وكسرى أنوشروان؛ ومن ملوك العرب: معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمد؛ ومن خلفاء بني العباس، وأبو جعفر، والمأمون.
وكان المعتصم قلما يمس الطيب. وكان يذهب في ذلك إلى تقوية بدنه وإعانته على شدة البطش والأيد. وأما في أيام حروبه، فكان من دنا منه، وجد رائحة صدأ السلاح والحديد من جسمه.
(1/155)

زيارة الملوك لأخصانهم
ومن أخلاق الملوك الزيارة لمن خص بالتكرمة منهم وآثروه المنزلة ورفع المرتبة.
وزيارة الملك على أربعة أقسام: فمنها الزيارة للمطاعمة والمنادمة، ومنها الزيارة للعيادة، ومنها الزيارة للتعزية في المصيبة، ومنها الزيارة للتعظيم فقط.
وأكبر هذه الأقسام وأرفعها ذكراً الزيارة للتعظيم. لأن هذه الأقسام الثلاثة أكثر ما تقع وتتفق بسؤال المزور الملك، وتلطفه في ذلك.
(1/156)

وربما رفع الملك مرتبة الوزير، وخصه، وقدمه على سائر بطانته، فيكون من حيل الوزير أن يتعالل فيعوده الملك، فيظهر للعامة منزلته عنده وتكرمته إياه وإيثاره له.
وأيضاً، فقل ملك سأله وزيره أو صاحب جيشه أو أحد عظمائه زيارته إلا أجابه إلى ذلك، ولا سيما إذا علم أن غرضه في ذلك الزيارة في المرتبة، والتنويه بالذكر.
فإذا كانت الزيارة من الملك على أحد هذه الأقسام الثلاثة، فهي منزلة كان صاحبها يحاولها فبلغها، وأمنية طلبها فأدركها.
فأما الزيارة للتعظيم، فإنها لا تقع بسؤالٍ، ولا بإرادة المزور، إذ كان ليس من أخلاق وزيرٍ ولا شريفٍ أن يقول للملك: زرني لتعظمني، ولترفع في الناس من ذكري وقدري.
فإذا كان ذلك من الملك ابتداءً، فقد علمنا أن تلك أرفع مراتب الوزراء، وأفضل درجات الأشراف.
(1/157)

وكان أردشير وأنوشروان إذا زار وزيراً من وزرائهما أو عظيماً من عظمائها للتعظيم لا لغيره، أرخت الفرس تلك الزيارة، وخرجت بذلك التاريخ كتبهم إلى الآفاق والأطراف.
وكانت سنة من وزاره الملك للتعظيم أن توغر ضياعه، وتوسم خيله ودوابه، لئلا تسخر، ولا تمتهن. ويأتيه خليفة صاحب الشرطة في كل يوم مع ثلاثمائة راكبٍ ومائة راجلٍ، يكون بابه إلى غروب الشمس. فإن ركب كانت الرجالة مشاةً أمامه والركبان من خلفه. ولا يحبس أحد من حامته وخاصته لجنايةٍ جناها، ولا يحكم على أحدٍ من عبيده بحكمٍ، وإن وجب على أحدٍ من بطانته حد، وجه به إليه ليرى فيه رأيه، ويؤخر عليه وظيفة ما عليه من خراج أرضه حتى يكون هو الحامل له، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان على كل هدية، وتعرض على الملك، ويكون أول من يأذن له الحاجب، ويكون من الملك، إذا ركب عن يمينه، منزوياً، وتكون مرتبته إذا قعد عن يمينه، وإذا خرج من دار المملكة، لم يقعد بعده أحد.
(1/158)

وكانت ملوك آل ساسان لا تزور أحداً لعلةٍ من هذه العلل التي قدمنا ذكرها، فينصرف بخلعه أو طيبٍ أو تحفةٍ أو هديةٍ من جاريةٍ أو غلام. غير أنه كان إذا نزل الملك، وطأ لرجله فرساً رائعاً بسرج مذهبٍ، وأداةٍ تامة، فقدم إليه إذا أراد الانصراف.
فكان الأمر كذلك، حتى ملك بهرام بن يزدجرد. فكان ينادم الاساورة من أبناء أهل الشرف، فيخلع عليه في كل ساعةٍ خلعة مجددة، ويشتهي الزامرة والمغنية والرقاصة، فيأخذها. وكان أول من أطلق يده في ذلك، لغلبة اللهو علي، وإيثاره هواه.
فأما من كان من ملوكهم، فعلى الأمر الذي ذكرنا، والحكاية التي أدينا.

استقبال الملوك للناس في الأعياد
ومن أخلاق الملك القعود للعامة يوماً في النيروز، ولا يحجب عنه أحد في هذين اليومين من صغير ولا كبير، ولا جاهلٍ ولا شريف.
وكان الملك يأمر بالنداء قبل قعوده بأيام، ليتأهب الناس لذلك، فيهيئ الرجل القصة، ويهيئ الآخر الحجة في مظلمته، ويصالح الآخر صاحبه إذا علم أن خصمه
(1/159)

يتظلم منه إلى الملك. فيأمر الموبذ أن يوكل رجالاً من ثقات أصحابه، فيقفون بباب العامة، فلا يمنع أحد من الدخول على الملك.
وينادي مناديه: من حبس رجلاً عن رفع مظلمته، فقد عصى الله، وخالف سنة الملك، ومن عصى الله، فقد أذن بحربٍ منه، ومن الملك.
ثم يؤذن للناس، وتؤخذ رقاعهم فينظر فيها. فإن كان فيها شيء يتظلم فيه من الملك، بدي به أولاً، وقدم على مظلمة. ويحضر الملك الموبذ الكبير والدبيربذ ورأس سدنة بيوت النار، ثم يقوم المنادي فينادي: ليعتزل كل من تظلم من الملك. فيمتازون.
ويقوم الملك مع خصومه حتى يجثو بين يدي الموبذ فيقول له: أيها الموبذ، إنه ما من ذنبٍ أعظم عند الله من ذنب الملوك! وإنما خولها الله تعالى رعاياها لتدفع عنها الظلم، وتذب عنه بيضة الملك جور الجائرين، وظلم الظالمين. فإذا كانت هي الظالمة الجائرة، فحق لمن دونها هدم بيوت النيران، وسلب ما في النواويس من الأكفان. ومجلسي هذا منك، وأنا عبد ذليل، يشبه مجلسك من الله غداً، فإن آثرت الله آثرك، وإن آثرت الملك عذبك.
فيقول له الموبذ: إن الله إذا أراد سعادة عباده، اختار لهم خير أهل أرضه. فإذا أراد أن يعرفهم قدره عنده، أجرى على لسانه ما أجرى على لسانك.
ثم ينظر في أمره، وأمر خصمه بالحق والعدل. فإن صح على الملك
(1/160)

شيء، أخذه به، وإلا حبس من ادعى عليه باطلاً، ونكل به، ونودي عليه: هذا جزاء
(1/161)

من أراد شين الملك، وقدح في المملكة.
(1/162)

فإذا فرغ الملك من مظالمه في نفسه، قام فحمد الله ومجده طويلاً، ثم وضع التاج على رأسه، وجلس على سرير الملك، والتفت إلى قرابته وحامته وخاصته، وقال: إني لم أبدأ بنفسي فأنصف منها إلا لئلا يطمع طامع في حيفي. فمن كان قبله حق، فليخرج إلى خصمه منه، إما بصلحٍ وإما بغيره.
فكان أقرب الناس إلى الملك في الحق كأبعدهم، وأقواهم كأضعفهم.
فلم يزل الناس على هذا في عهد أردشير بن بابك ثم هلم جراً، حتى ملكهم يزدجرد الأثيم، وهو النحس البارتكر. فغير سنن آل ساسان، وعاث في الإرض، وظلم الرعايا، وأظهر الجبرية والفساد، وقال: ليس للرعية أن تنتصب من الراعي، ولا للسوقة أن تتظلم من الملوك، ولا للوضيع أن يساوي الرفيع في حق ولا باطل.

عقوبة الملك الظالم
فذكرت الأعاجم في كتبها وسير ملوكها أنه بينا هو قاعد في الإيوان، والناس على طبقاتهم ومراتبهم، إذ دخل من باب الإيوان فرس مسرج ملجم، لم ير قط شيء أحسن منه منظراً، ولا أكمل أداةً. فأهوى نحو يزدجرد الأثيم. فقامت إليه الاساورة
(1/163)

لتدفعه عنه، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رمحه فأرداه، وهو في خلال ذلك يقصد إلى الملك، فقام إليه يزدجرد، وقال للأساورة: دعوه، فإنه إلي يقصد.
فدنا منه حتى أخذ بمعرفته، فذل له الفرس، وتطامن حتى ركبه. فلما جال في متنه، خطا به خطىً، ثم رده إلى قرار مجلسه، فنزل عنه، وجعل يمسحه بيده، مقبلاً ومدبراً. حتى إذا وجد الفرس منه ممكناً وغفلةً، رمحه فأصاب حبة قلبه، فقتله. فقالت الفرس: هذا ملك من الملائكة، جعله الله في صورة فرس، فبعثه لقتل يزدجرد، لما ظلم الرعية، وعاث في الأرض.
وكان بهرام جور بن يزدجرد في حجر النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، وضعه أبوه عنده ليتأدب بآداب العرب، ويعرف أيامها وأخبارها ولغاتها فبلغه خبر أبيه، وأن الفرس ملكت عليها رجلاً ليس من أبناء ملوكها. فاستنهض النعمان بن المنذر واستنجده، وقال: إن لي عليك حقاً، إذ كنت أحد أولادك. وإن أبي قد مات، وملكت
(1/164)

الفرس رجلاً من غير بيت الملك. فإن أنت خذلتني، ذهب ملك آل ساسان. فقال له النعمان: ما أوآل ساسان، وهم الملوك وأنا رعية؟ ولكني أخرج معك في جيشي لتقوى نيتك، وتصح عزمتك. ثم أنت أولى بقومك، وهم أولى بك. قال: فهذا أريد.
فخرج النعمان مع بهرام حتى صار بالمداين، وبلغ الفرس قدومهما، فخرجوا إلى بهرام، فقالوا: ما تريد؟ فقال: ملك أبي وإرث آل ساسان.
قالوا: إن أباك سامنا العذاب أيام مدته، فانفرد الله بقتله. فلا حاجة لنا في أحدٍ من عقبه.
فقال بهرام: إن جور أبي وظلمه لا يلزمني لائمةً، ولا يكسبني ذماً. وأنتم لم تخبروني، فيجب علي حمد أو ذم.
قالوا: فإنا قد أقمنا رجلاً نرضاه.
فقال: إن هذا فساد في صلب الملكة أن تملكوا من ليس من أهلها. فإذا فعلتم، فامتحنوني وهذا الرجل محنةً توجب المملكة.
قالوا: وما هي؟ قال: تعمدون إلى أسدين ضاريين فتجمعونهما في موضعٍ واحدٍ، وتضعون تاج المملكة بينهما، وتقولون لهذا الذي ملكتموه أمركم يأخذ من بينهما، فإن فعل فهو أحق بالملك وأولى. وإن أبى أن يفعل، وفعلت أنا ذلك، كنت أحق بالملك منه.
قالوا: نعرض عليه هذا.
(1/165)

فقالوا ذلك له، فقال: ما أقدر على هذا، ولكن قولوا له فليفعل. فإن أخذ التاج من بين الأسدين، فهو أحق بالملك وأولى.
فأخذوا التاج، وعمدوا إلى أسدين فأجاعوهما، ثم وضعوا التاج بينهما، وقالوا لبهرام: شأنك!.
فنزل بهرام عن فرسه، وأخذ الطبرزين ومضى نحوهما. ثم بدا له، فجعل الطبرزين في منطقته؛ ودنا من الأسدين، فأهويا نحوه، فأخذ برأس أحدهما فأدناه من رأس الآخر ثم نطحه به حتى قتلهما جميعاً. وشد على التاج، فأخذه من موضعه، فجعله على رأسه.
فملكته الفرس أمرهم، وانصرف النعمان إلى الحيرة، وسار بهرام سيرةً حسنةً،
(1/166)

وعدل فيهم، حتى كان أحب إليهم من جميع ملوك آل ساسان.
إلا أن اللهو واللعب كان أغلب أحواله عليه.

استقصاء أحوال الرعية
ومن أخلاق الملك السعيد البحث عن سرائر خاصته وحامته، وإذكاء العيون عليهم خاصةً، وعلى الرعية عامة.
وإنما سمي الملك راعياً، ليفحص عن دقائق أمور الرعية وخفي نياتهم. ومتى غفل الملك عن فحص أسرار رعيته، والبحث عن أخبارها، فليس له من اسم الراعي إلا رسمه، ومن الملك إلا ذكره.
فأما الملك السعيد، فمن أخلاقه البحث عن كل خفي ودفين حتى يعرفه معرفة نفسه عند نفسه، وأن لا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسته ونظام ملكه من الفحص عما قدمنا ذكره.
ولم ير ملك قط كان أعجب في هذا الأمر من أردشير بن بابك. ويقال إنه كان يصبح فيعلم كل شيء بات عليه من كان في قصبه دار مملكته من خيرٍ أو شر، ويمسي فيعلم كل شيءٍ أصبحوا عليه. فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان
(1/167)

عندك في هذه الليلة كيت وكيت.
ثم يحدثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح.
فقال إن بعضهم كان يقول إنه كان يأتيه ملك من السماء، فيخبره. وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.
ثم كان فيمن نأى من أهل مملكته على مثل هذه الحال.
فيقال إن الأمم كلها، أولها وآخرها، وقديمها وحديثها، لم تخف أحداً من ملوكها، خوفها أردشير بن بابك من ملوك الأعاجم، ومن كان قبلهم، وعمر بن الخطاب من خلفاء الإسلام.
فإن عمر كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه في مهادٍ واحدٍ، وعلى وسادٍ واحد. فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيشٍ إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده. فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسً ومصبح.
وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم،
(1/168)

حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه، وأخصهم به. فساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص عن أسرارها خاصةً.
ثم اقتفى معاوية فعله، وطلب أثره، فانتظم له أمره، وطالت له مدته.
وكذا كان زياد ابن أبيه يحتذي فعل معاوية، كاحتذاء معاوية فعل عمر.
وفيما يحكى عنه أن رجلاً كلمه في حاجةٍ له، فتعرف إليه، وهو يظن أنه، لا يعرفه، فقال: أصلح الله الأمير! أنا فلان بن فلان.
فتبسم زياد وقال: تتعرف إلي، وأنا أعرف منك بأبيك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وجدك وأمك وجدتك، وأعرف هذا البرد الذي عليك، وهو لفلان بن فلان.
فبهت الرجل وأرعب حتى أرعد، وكاد يغشى عليه.
وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف.
ثم لم يكن بعد هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور. فكان أكثر الأمور عنده معرفة أحوال الناس، حتى عرف الولي من العدو، والمداجي من المسالم. فساس الرعية ولبسها، وهو من معرفتها على مثل وضح النهار.
(1/169)

ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد، فكان أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته، وأكثرهم بها عنايةً، وأحزمهم فيها أمراً.
وعلى نحو هذا كان المأمون أيامه. والدليل على ما قلنا فيه ما شاهدنا من رسالته إلى اسحق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث، وهو بالشأم. خبر فيها عن عيب واحدٍ واحدٍ، وعن حالته وأموره التي خفيت، أو أكثرها، عن القريب والبعيد.
ثم ما علمت أن أحداً ممن كان دون السلطان الأعظم في دهرنا هذا كان أشد على الأسرار بحثاً وأكثر لها فحصاً، حتى بلغ من هذا الجنس أقصى حده، وآخر نهايته، وأبعد مداه، وجعله أكثر شغله في ليله ونهاره، إلا اسحق بن إبراهيم.
فحدثني موسى بن صالح بن شيخ، قال: كلمته في امرأةٍ من بعض أهلنا، وسألته النظر لها،
(1/170)

فقال: يا أبا محمد! من قصة هذه المرأة ومن حالها ومن فعلها.
قال: فوالله! لم يزل يصفها ويصف أحوالها حتى بهت.
وحدث أبو البرق الشاعر، قال: كان يجري علي أرزاقاً، فدخلت عليه، فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهرٍ من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا.
فأخبرني بشيءٍ من أمر منزلي مما جهلت بعضه، وعلمه كله.
وحدثني بعض من كان في ناحيتة، قال: رفعت إليه رقعةً أسأله فيها إجراء أرزاقي.
فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد. فقال: كذبت! فبهت، وقلت في نفسي: يا نفس، من أين علم أني كذبت؟ فأقمت سنةً، لا أجتري على كلامه. ثم رفعت إليه رقعةً أخرى في إجراء أرزاقي. فقال: كم عيالك؟ فقلت: أربعة.
فقال: صدقت فوقع في حاشية رقعتي: يجرى على عياله كذا وكذا.
ولولا أن يطول كتابنا في إسحاق وذكره، لحكينا عنه أخباراً كثيرةً، وهي من هذا الجنس، وفيما ذكرناه كفاية.
فعلى الملك أن يميز بين أوليائه وأعدائه بالفحص عن أسرارهم ودقيق أخبارهم، حتى إن أمكنه أن يعرف مبيت أحدهم ومقيله، وما أحدث فيهما، فعل.
(1/171)

فإن الرعية لا تسكن قلوبها جلالة ملكها، ولو عبدته الجن والإنس ودانت له ملوك الأمم كلها، حتى يكون أشد إشرافاً عليها، وأكثر بحثاً عن سرائرها من أم الفريد عن حركته وسكونه.
خصال تطول بها مدة الملك: وأيضاً فإنه يقال في بعض كتب الأوائل في مواعظ الملوك وآدابها: إن الملك تطول مدته إذا كانت فيه أربع خصال: إحداهما: أنه لا يرضى لرعيته إلا ما يرضاه لنفسه، والأخرى: أن لا يسوف عملاً يخاف عاقبته، والأخرى: أن يجعل ولي عهده من ترضاه وتختاره رعاياه، لا من تهواه نفسه، والرابعة: أن يفحص عن أسرار الرعية، فحص المرضع عن منام رضيعها.
وقد تجد مصداق هذا القول ونشهد به. وذلك أنا لم نر مدةً طالت لملك عربي ولا عجمي قط إلا لمن فحص عن الأسرار، وبحث عن خفي الأخبار، حتى يكون في أمر رعيته على مثل وضح النهار.
(1/172)

الملوك أمام الأمور الجليلة
ومن أخلاق الملك، إذا دهمه أمر جليل من فتق ثغر، أو قتل صاحب جيشٍ، أو ظهور عدو يدعو إلى خلاف الملة، أو قوة مناويءٍ، أن يترك الساعات التي فيها لهوه، ويجعلها وسائر الساعات في تدبير مكايدة عدوه، وتجهيز جنوده وجيوشه، وأن يصرف في ذلك شغله وفكره وفراغه على مثل ما فعل من مضى من ملوك الأعاجم وغيرها، للتسويف والتمني وحسن الظن بالأيام نصيباً.
فإن هذا عجز من الملك، ووهن يدخل على الملك.
وكانت ملوك الأعاجم، إذا حزبها مثل هذا، أمرت بالموائد التي كانت توضع في كل يوم أن ترفع وظائفها، واقتصرت على مائدةٍ لطيفةٍ، ورأس الأساورة.
فلا يوضع عليها إلا الخبز والملح، والخل والبقل، فيأخذ منه شيئاً هو ومن معه، ثم يأتيه الخباز بالبرماورد في طبقٍ، فيأكل
(1/173)

منه لقمةً؛ ثم يرفع المائدة، ويتشاغل بتدبير حربه، وتجهيز عساكره. ولا تزال هذه حاله حتى يأتيه عن ذلك الفتق ما يرتقه، وعن ذلك العدو ما يحب. فإذا أتاه، أمر أن يتخذ له طعام مثل طعامه الأول، وأمر الخاصة والعامة بالحضور. وقامت الخطباء أولاً بالتهنئة له، والتحميد لله تعالى بالفتح عليه والنصر له. ثم قام الموبذ فتكلم، ثم الوزراء بنحوٍ من كلام الخطباء. ثم مد الناس أيديهم إلى الأطعمة على مراتبهم؛ فإذا فرغوا، بسط للعامة في ظهر الإيوان، وللخاصة في صحنه بحضرة الملك؛ وقعد صاحب الشرطة للعامة، كقعود الملك للخاصة. ثم دعا بالمغنين وأصحاب الملاهي.
وكانوا يقولون: إن حق شكر النعمة أن يرى أثرها.
(1/174)

وكانت الخلفاء والأمراء، إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المنابر، وحرضوا الناس على الطاعة، ولزوم الجماعة.
وفيما يذكر عن معاوية أنه قال: ما ذقت أيام صفين لحماً ولا شحماً ولا حلواً ولا حامضاً؛ ما كان إلا الخبز والجبن وخشن الملح، إلى أن تم لي ما أردته.
ويحكى عن عبد الملك بن مروان أن صاحب إفريقية أهدى إليه جاريةً تامة المحاسن، شهية المتأمل.
قال: فلما أن دخلت على عبد الملك بن مروان، نظر إليها، وفي يده قضيب خيزران. فصعد ببصره إليها وصوبه، ثم رمى بالقضيب، وقال: رديه علي.
فولت. فنظر إليها مقبلةً ومدبرةً، فقال: أنت والله أمنية المتمني.
قالت: فما يمنعك يا أمير المؤمنين، إذ كانت هذه صفتي عندك؟ قال: بيت الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء، ولو باتت بأطهار
وكان هذا في خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ثم أمر بها أن تصان وتخدم. فلما فتح عليه، كانت أول جاريةٍ دعا بها.
ويحكى عن مروان بن محمد الجعدي أنه أقام ثلاثين شهراً، لم يطأ جاريةً إلى أن قتل. وكان إذا استهدفت إليه الجارية، قال: إليك عني! فوالله لا دنوت من أنثى،
(1/175)

ولا حللت لها عقد حبوتي، وخراسان ترجف بنصر، وأبو مجرمٍ قد أخذ منه بالمخنق.
(1/176)

الحرب خدعة
ومن أخلاق الملوك المكايدة في حروبها.
ولذلك كان يقال: ينبغي للملك السعيد أن يجعل المحاربة آخر حيله، فإن النفقة في كل شيء إنما هي من الأموال، والنفقة في الحروب إنما هي من الأنفس. فإن كان للحيل محمود عاقبةٍ، فذلك بسعادة الملك، إذا ربح ماله، وحقن دماء جيوشه. وإن أعيت الحيل والمكايد، كانت المحاربة من وراء ذلك.
فاسعد الملوك من غلب عدوه بالحيلة والمكر والخديعة.
وقد روينا عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، ما يحقق هذا، ويؤكده بقوله: الحرب خدعة.
وليس لأحدٍ من الخدع ما لملوك الأعاجم. والأخبار في ذلك عنهم كثيرة. ولكنا نقتصر من ذلك على حديثٍ أو حديثين.
فمن ذلك ما يذكر عن بهرام جور أنه لما ملك بعد أبيه يزدجرد، بلغه أن ناحية من نواحي أطرافه قد أخذت، وغلب عليها العدو. فاستخف بها وأظهر الاستهانة به، حتى قوي أمر ذلك العدو واشتدت شوكته. فكان إذا أخبر بحاله، استخف بأمره، وصغر من شأنه. حتى قيل إنه قد زحف إليك، ووجه جيوشه إلى قرار دارك. فقال: دعوه فليس أمره بشيء.
فلما رأى وزراؤه تهاونه وتراخيه عن أمر عدوه، واستهانته به، اجتمعوا إليه، فقالوا: إن تراخي الملك عن عدوه ليس من سياسة الملك، ولا تدبير المملكة، وقد قرب هذا العدو من قرار دار الملك، وأمره كل يوم في علو.
فقال بهرام: دعوه، فأنا أعلم بضعفه وصغر شأنه منكم.
وأقبل على اللهو واللعب، وترك
(1/177)

ما يجب عليه من الصمد لعدوه والقصد له.
فلما دنا عدوه منه، وأشرف عليه، وخاف الوزراء ورؤساء أهل المملكة اجتياحه، اجتمعوا فتآمروا بينهم على توبيخ الملك وتعنيفه وإعلامه ما قد أشرفوا عليه من البوار والهلكة.
وبلغه الخبر، فأمر مائتي جاريةٍ من جواريه، فلبسن الثياب المصبغة المختلفة الألوان، ووضعن على رؤوسهن أكاليل الريحان، وركبن القصب.
وفعل بهرام كما فعلن، فلبس من ثيابهن المصبوغة، وركب قصبةً، وأذن للوزراء فدخلوا عليه. فلما رآهم، صاح بالجواري، فمررن يخطرن، وبهرام خلفهن يغني، وهن يغنين معه، ويصحن ويلعبن.
فلما رأى ذلك وزراؤه، يئسوا منه واجتمعوا على خلعه.
وبلغه الخبر، فدعا جاريةً من خاص جواريه، وقال: لك الويل إن علم أحد من أهل المملكة ما أريد أن أفعل! ثم أمرها أن تحلق رأسه فحلقته. ودعا بمدرعة صوفٍ فتدرعها، وخرج في جوف الليل ومعه قوسه ونشابه.
وتقدم إلى الجارية أن تخفي أمره، وتظهر أنه عليل إلى رجوعه إليها.
ومضى وحده، حتى انتهى إلى طلائع العدو. فكمن في مغارٍ على ظهر الطريق. فجعل لا يمر به طائر في السماء، ولا وحش في البر، إلا وضع سهمه منه حيث أحب.
وجعل يجمع كل ما صاد من ذلك، فجمعه بين يديه حتى صار كالشيء العظيم.
قال: فمر به صاحب طليعة العدو، فنظر إلى أمرٍ بهت له. فأخذه وقال: ويلك! ما أنت، ومن أنت، ومن أين أنت؟ قال: إن أعطيتني الأمان، أخبرتك! قال: فلك الأمان! قال: أنا غلام سائس، وإن مولاي غضب علي - وكان لي محسناً - فأوجعني ضرباً، ونزع ثيابي، وحلق رأسي، وألبسني هذه المدرعة، وأجاعني. وإني طلبت غفلته، فخرجت أطلب شيئاً أصيده
(1/178)

فآكله. فما أعجبني كثرة ما صدت، اردت أن أرمي بكل ما معي من هذه السهام، ثم أنصرف.
فأخذه، فحمله إلى الملك، فأخبره بقصته. فقال له الملك: إرم بين يدي! فرمى بين يديه، فكان لا يضع سهمه في طائرٍ ولا غيره إلا أصابه حيث أراد. فبهت الملك، وطال تعجبه. فقال: ويلك! في هذه المملكة من يرمي رمايتك؟ فضحك بهرام، وقال: أيها الملك! أنا أخسهم رمايةً، وأحقرهم قدراً. وعندي جنس آخر من الثقافة.
قال: وما هو؟ قال: ادع لي بإبرٍ.
فدعا له بها. فأخذ إبرةً، فرمى بها على عشرة أذرعٍ، ثم أتبعها بأخرى فشكلها، ثم اتبعها بأخرى فشكلها كذلك، حتى جعلها سلسلةً قد تعلق بعضها ببعض.
فبهت الملك، وملي قلبه رعباً، فقال له: ويلك! ملككم هذا جاهل! أما يعلم أني قد قربت من قرار داره! فضحك بهرام، وقال: إن أعطاني الملك الأمان نصحته. قال: قد أعطيتك الأمان.
قال: إن ملكنا إنما تركك استهانةً بأمرك، وتصغيراً لشأنك، وعلماً بأنك لا تخرج من قبضته. وذلك أني أخس من في دار مملكته، وأخملهم ذكراً. فإذا كنت، وأنا بهذه الحال، أقتل بألفٍ سهمٍ ألف رجلٍ، فما ظنك بالملك، وله مائة ألف عبدٍ في قرار داره، أصغرهم شأناً أكبر مني؟ فقال له الملك: صدقني فيما قلت! ولقد خبرت عن بهرام من تصغيره لشأني، واستخفافه بأمري ما طابق خبرك. وما تركني أبلغ هذا الموضع من ملكه إلا لما ذكرت؟ فأمر عظيم جيشه أن يرتحل من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل. ثم خرج لا يلوي على شيء، وأطلق بهرام. فانصرف بعد ثالثةٍ، حتى دخل داره ليلاً؛ فلما أصبح،
(1/179)

قعد للناس، ودخل عليه الوزراء والعظماء، فقال: ما عندكم من خبر عدونا هذا؟ فأخبروه بانصرافه عنهم. فقال: قد كنت أقول لكم إنه صغير الشأن، ضعيف المنة.
ولم يعلم أحد منهم ما كانت العلة في انصرافه.
مكايد كسرى أبرويز: وكان كسرى أبرويز، بعد بهرام جور، صاحب مكايدٍ وخدع في الحروب، ونكاية في العدو.
وكان قد وجه شهر براز لمحاربة ملك الروم، وكان مقدماً عنده في الرأي والنجدة
(1/180)

والبسالة ويمن النقيبة.
فكان شهر براز قد ضيق على ملك الروم قرار داره، وأخذ بمخنقه، حتى هم بمهادنته، ومل محاربته، وطلب الكف عنه. فأبى ذلك عليه شهر براز.
واستعد له ملك الروم بأفضل عدة، وأتم آلة، وأحد شوكة، وتأهب للقائه في البحر.
فجاءه في جمع لا تحصى عدته. قد أعد في البحر كل ما يحتاج إليه من مالٍ وسلاحٍ وكراعٍ وآلةٍ وطعام وغير ذلك، والسفن مشحونة موقرة.
فبينا هو كذلك إذ عصفت ريح في تلك الليالي، فقلعت أوتاد تلك السفن كلها وحملتها إلى جانب شهر براز، فصارت في ملكه.
وأصبح ملك الروم، قد ذهب أكثر ما كان يملك من الأموال والخزائن والعدد والسلاح. فوجه شهر براز بتلك الخزائن والأموال إلى أبرويز. فلما رأى أبرويز ما وجه به شهر براز، كبر في عينه، وعظم في قلبه، وقال: ما نفس أحق بطيب الثناء، ورفيع الدعاء، والشكر على الفعل الظاهر من شهر براز! جادلنا بما لا تسخو به النفوس، ولا تطيب به القلوب! فجمع وزراءه، وأمر بتلك الأموال والخزائن، فوضعت نصب عينيه، ثم قال لوزرائه: هل تعلمون أحداً أعظم خطراً وأمانةً، وأحرى بالشكر من شهر براز؟ فقامت الوزراء، فتكلم كل واحدٍ منهم، بعد أن حمد الله وشكره ومجده، وأثنى على الملك وهنأه، ثم ذكر ما خص الله به الملك من يمن نقيبة شهر براز وعفافه وطهارته ونبله وعظيم عنايته.
حتى إذا فرغوا، أمر بإحصاء تلك الأموال والخزائن. ثم قام أبرويز فدخل إلى نسائه. وكان للملك غلام يقال له رسته، وكان شيء الرأي في شهر براز؛ فقال: أيها الملك! قد ملأ قلبك قليل من كثيرٍ، وصغير من كبير، وتافه من عظيم، خانك فيه شهر براز، وآثر به نفسه. ولئن كان الملك مع رأيه الثاقب، وحزمه الكامل، يظن أن شهر براز أدى الأمانة، لقد بعد ظنه من الحق، وخس
(1/181)

نصيبه.
فوقع في نفس أبرويز ما قال رسته، فقال له: ما أظنك إلا صادقاً. فما الرأي عندك؟ قال: تكتب غليه بالقدوم، وتوهمه أن بك حاجةً إلى مناظرته ومشاورته في لم أمرٍ لم تجز الكتابة به، فإنه إذا قدم لم يخلف ما يملك وراءه، إذ كان لا يدري أيرجع إلى ما هناك أم لا؛ فيكون كل ما يقدم به نصب عينيك.
فكتب أبرويز إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه لمناظرته ومشاورته في أمرٍ يدق عن الكتاب والمراسلة.
فلما مضى الرسول، أردفه برسولٍ آخر وكتب إليه: إني كنت كتبت إليك آمرك بالقدوم لناظرك في مهم من أمري. ثم علمت أن مقامك هناك أقدح في عدوك، وأنكى له، وأصلح للملك، وأوفر على المملكة. فأقم، وكن من عدوك، على حذر، ومن غرته على تيقظ. فإنه من ذهب ماله، حمل نفسه على التلف أو الحتف. والسلام! وقال للرسول الثاني: إن قدمت فرأيته قد تأهب للخروج إلي وظهر ذلك في عسكره، فادفع إليه هذا الكتاب.. وكتب: أما بعد، فإني كتبت إليك، وقد استبطأت جواب قدومك وحركتك. وعلمت أن ذلك لأمرٍ تصلحه من أمر نفسك أو مكيدة عدوك. فإذا أتاك كتابي هذا، فخلف أخاك على عملك، وأغذ السير، ولا تعرج على مهم ولا غيره، إن شاء الله.
وإن لم تره استعد للخروج، ولا تأهب له، فادفع إليه الكتاب الأول.
(1/182)

فقدم الرسول الثاني، وليس لشهر براز في الخروج وعزم ولا خاطر، ولا هم به. فدفع إليه الكتاب الأول.
فقال شهر براز: أول كل قتلةٍ حيلة.
وكان خليفة شهر براز: بباب الملك قد كتب إليه ما كان من قول رسته للملك، وما كان من جواب الملك له.
ثم نازعت أبرويز نفسه، ودعاه شرهه إلى إعادة الكتاب إلى شهر براز بالقدوم عليه.
فلما قرأ شهر براز كتابه الثالث، قال: كان الأمر قبل اليوم باطناً، فأما اليوم فقد ظهر.
فلما علم أبرويز أن نية شهر براز قد فسدت، وأنه لا يقدم عليه، كتب إلى أخي شهر براز: إني قد وليتك أمر ذلك الجيش، ومحاربة ملك الروم. فإن سلم لك شهر براز ما وليتك، وإلا فحاربه! فلما أتاه كتابه، أظهره، وبعث إلى شهر براز يخبره أن الملك قد ولاه موضعه، وأمره بمحاربته إن أبى أن يسلم إليه ما ولاه.
فقال له شهر براز: أنا أعلم بأبرويز منك. هو صاحب حيلٍ ومكايد، وقد فسدت بيته لي ولك. فإن قتلني اليوم قتلك غداً؛ وإن قتلك اليوم، كان قتلي غداً أقوى.
ثم إن شهر براز صالح ملك الروم، لما خاف أبرويز. وتوثق كل واحدٍ منهما من صاحبه، واجتمعا على محاربة أبرويز. فقال له شهر براز: دعني أتولى محاربته، فإني
(1/183)

أبصر بمكايده وعوراته.
فأبى عليه ملك الروم، وقال: بل أقم في دار مملكتي حتى أتولى أنا محاربته بنفسي.
فقال شهر براز: أما إذ أبيت علي، فإني مصور لك صورةً، فاعمل بما فيها، وامتثلها.
ثم صور له كل منزلٍ ينزله بينه وبين أبرويز في طريقه كله، وأي المنازل ينبغي له أن يقيم فيه، وأيها يجعلها طريقاً وسيراً ماضياً، حتى إذا أقامه من طريقه كله على مثل وضح النهار، قال له: فإذا صرت بالنهروان، فأقم دونه، ولا تقطعه غليه، واجعله منزلك، وجهز جيوشك وعساكرك إليه.
فمضى ملك الروم نحوه.
وبلغ أبرويز الخبر، فضاق به ذرعه، وارتج عليه أمره، فكان أكثر جنوده قد تفرقوا لطلب المعاش، لقطعه عنهم ما كان يجب لهم من إقطاعاتهم وأرزاقهم. فبقي في جندٍ كالميت، أكثرهم هزلى أضراء.
وكان ملك الروم يعمل على ما صوره له شهر براز في طريقه كله، حتى إذا أشرف على النهروان، عسكر هناك، واستعد للقاء أبرويز. وقد بلغه قلة جموعه، وتفرق جنوده، وسوء حال من بقي معه. وكان في أربعمائة ألفٍ، قد ضاقت بهم الفجاج والمسالك، فطمع في قتل أبرويز ولم يشك في الظفر به.
فدعا أبرويز رجلاً من النصارى، كان جده قد أنعم على جد النصراني واستنقذه من القتل أيام قتل ماني وكان من أصحابه الذين استجابوا له، فقال له أبرويز: قد علمت ما تقدم من أيادينا عندكم، أهل البيت قديماً وحديثاً.
قال: أجل أيها الملك! وإني لشاكر ذلك لك ولآباءك.
قال: فخذ هذه العصا، وامض بها إلى شهربراز، فأته في قرار
(1/184)

ملك الروم، فادفعها إليه من يدك إلى يده.
وعمد إلى عصاً مثقوبةٍ، فأدخل فيها كتاباً صغيراً منه إلى شهر براز: أما بعد، فإني كتبت إليك كتابي هذا واستودعته العصا. فإذا جاءك فحرق دار مملكة الروم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وانهب الأموال، ولا تتركن عيناً تطرف، ولا أذناً تسمع، ولا قلباً يعي، إلا كان لك فيه حكم. واعلم أني واثب بملك الروم يوم كذا وكذا. فليكن هذا وقتك الذي تعمل فيه ما أمرتك.
قال: وأمر للنصراني بمالٍ، وجهزه، وقال: لا تعرجن على شيءٍ، ولا تقيمن يوماً واحداً. وإياك ثم إياك أن تدفع العصا إلا إلى شهر براز، من يدك إلى يده! ثم ودعه، ومضى النصراني. فلما عبر النهروان، اتفق أن كان عبوره مع وقت ضرب النواقيس. فسمع قرع عشرة آلاف ناقوسٍ أو أكثر. فانهملت عيناه، وقال: بئس الرجل أنا إن أعنت على دين النصرانية، وأطعت أمر هذا الجبار الظالم! فأتى باب ملك الروم، فاستأذن عليه، فأذن لله، فأخبره بقصة أبرويز حرفاً حرفاً، ثم دفع إليه العصا، فأخذها ونظر فيها. ثم استخرج الكتاب منها، فقريء عليه، فنخر وقال: خدعني شهر براز! ولئن وقعت عيني عليه، لأقتلنه! وأمر، فقوضت أبنيته من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل، وخرج ما يلوي على أحدٍ.
ووجه أبرويز عيناً له يجيئه بخبره؛ فانصرف إليه، فأخبره أن الملك قد مضى ما يلتفت لفتةً، فضحك أبرويز وقال: إن كلمةً واحدةً هزمت أربعمائة ألفٍ لجليل قدرها، ورفيع ذكرها!
(1/185)

وغذ قد انتهينا إلى هذا الموضع من كتابنا هذا، وأخبرنا بأخلاق الملوك في أنفسها وما يجب على رعاياها لها، بقدر وسع طاقتنا، فلنختم كتابنا هذا بذكر من بعثنا على نظمه، وكان مفتاحاً لتأليفه وجمعه.
ولنقل إنا لم نر في صدر هذه الدولة المباركة العباسية، ولا في تاريخها وأيامها إلى هذه الغاية، فتىً اجتمعت له فضائل الملوك وآدابها ومكارمها ومناقبها، فحاز الولاء من هاشمٍ والخصيص من خلفاء بني العباس الطيبين، والتبني من المعتصم بالله، وإخوته الأبرار من أئمة المؤمنين، وورثة خاتم النبيين، عدا الأمير الفتح بن خاقان، مولى أمير المؤمنين.
فلتهنئة هذه النعمة المهداة! وبارك له واهبها، وزاده إليها الدأب عليها حتى يبلغ به ارفع يفاعها، وأسنى ذروتها، وأعلى درجاتها، في طول من العمر، وسلامةٍ من عوادي الزمان وغيره، ونكباته وعثراته، فإنه رحيم كريم!
(1/186)