Advertisement

الشفاء في بديع الاكتفاء



الكتاب: الشفاء في بديع الاكتفاء
المؤلف: محمد بن حسن بن علي بن عثمان النَّوَاجي، شمس الدين (المتوفى: 859هـ)
تحقيق ومراجعة: الدكتور محمود حسن أبو ناجي
الناشر: دار مكتبة الحياة، بيروت
الطبعة: الأولى، 1403 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: حمداً لله الذي ما خاب من اكتفى به، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي اختاره لنفسه واصطفاه من أحبابه، وعلى آله وأصحابه. فهذه نبذة من الاكتفاء، غزيرة المنال، قليلة المثال، كانت أزاهر في رياض الأدب منثورة فجمعتها، وجواهر لا يعرف لها قيمة فاستخرجتها من معادنها النفسية ونظمتها شعراً:
بكلِّ معنى بديعٍ لو يمرُّ على ... الفهمِ السقيم ولو في نومه شَفِيا
وكلما أبصرَتْهُ عينُ ذي أدبٍ ... إلا وراحَ بذَاكَ الدُّرِ مكتفيا
وسميتها (الشفاء في بديع الاكتفاء)، ورتبتها على ثلاثة أبواب، والله أسأل أن يهديني إلى طريق الصواب، فهو حسبي وبه أكتفي، وأسأله المزيد مما في الدنيا والآخرة.
(1/19)

الباب الأول: في حده ورسمه
عرف ابن رشيق القيرواني بأن قال. الاكتفاء هو أن يدخل موجود الكلام على محذوفه. واعترضه الشيخ بدر الدين بن الصاحب تبعاً للشيخ صفي الدين الحلي، بدخول الحذف فيه نحو قوله تعالى: (أنَا أُنَبِئُكُمْ بِتَأوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيَّها الصِّدِّيقُ).
واعترض ابن الصاحب أيضاً على من مثل الاكتفاء يقول الشاعر (وهو من البحر الكامل):
إني لأذكُركُمْ وقد بَلَغ الظَمَأ ... مني فأشرقُ بالزلالِ الباردِ
وأقولُ ليتَ أحبتي عاينتُهم ... قبلَ المماتِ ولو بيومٍ واحدِ
أي وقد بلغ الظمأ غايته أو حده. قال: وهو أيضاً الحذف لا من الاكتفاء. وليس مراد بدر الدين الحذف المصطلح عليه في فن
(1/23)

البديع، الذي هو عبارة عن أن يتجنب المتكلم في كلامه حرفاً أو حروفاً من حروف الهجاء أو جميع الحروف المعجمة أو المهملة؛ كما فعل الحريري في المقامة السمرقندية، حيث أتى فيها بخطبة بديعة كلها عاطلة، فإن ذلك لا ينطبق عليه حد الاكتفاء بل هو قريب منه، وإنما مراده إيجاز الحذف كما صرح به الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعتيه، فإن الإيجاز على ضربين: إيجاز قصر، وهو اختصار الألفاظ بدون حذف، والإتيان بمعان بألفاظ يسيرة، كقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةُ). وإيجاز حذف. قال ابن أبي الإصبع: وتبعه عليه الحلي وهو حذف بعض الألفاظ لدلالة الباقي عليه؛ كقوله تعالى: (وأسألِ القَرْيَةَ) أي أهل القرية وقول الشاعر:
ورأيتُ زوجَك في الوغَى ... متقلداً سيفاً ورمحَا
أي ومعتقلاً رمحاً. وقول عبيد الراعي النميري:
(1/24)

إذا ما الغانياتُ برزنَ يوماً ... وزَجحَن الحواجبَ والعيونَا
أي وكحلن العيونا، وقول الآخر:
أعلفتها تبناً وماءً بارداً
أي سقيتها على أحد التأويلين في جميع الأمثلة. ثم قال الشيخ بدر الدين: والحق أنه عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف، ويتغاضى ذكره ليفهم المعنى فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن مما يقتضي تمام المعنى كقوله:
واللهِ لا خَطر السلُّ بخاطري ... ما دمتُ في قيدِ الحياةِ ولا إذا
فمن المعلوم أن تمامه: ولا إذا مت. قلت أما البيت فللصاحب جمال الدين بن مطروح والتمثيل به صحيح، وأما الحد فهو للشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعتيه. ولا يخفى ما فيه من العلاقة والحشو والتطويل والإخلال، فإنه صريح في تقييده بالشعر وكونه في القافية، وقد صرح علماء البديع بأنه لا يتقيد بواحد منهما وأمثلتهم ناطقة بذلك، وصرح هو أيضاً - أعني ابن الصاحب - لوقوعه في شرح الحريري في قوله:
بوركَ فيه من طَلا ... كما بورك في لاَ ولاَ
(1/25)

وفي شرح القاضي الفاضل في قوله:
وقد صدق والله المتنبي عليك إذ يقول:
إنك الرجلُ الذي تضرب به الأمثالُ ... والمهذبُ الذي لا يقال مَعَه
ومثل وقوعه أيضاً في شرح السراج الوراق، وفي شرح عن القافية بل قال إنه ظفر به في الكتاب العزيز كما سيأتي بيانه، على أنك إذا تأملت حد الشيخ بدر الدين وجدته راجعاً في المعنى إلى حد ابن رشيق، وأورد عليه ما أورده هو على ابن رشيق مع قصوره وتقييده مما لا يليق فافهم ذلك، على أن في حد ابن رشيق تسامحاً من جهة أخرى، وهو أن الاكتفاء ليس نفس الدلالة، وإنما هو الحذف والاستغناء لها عن المحذوف، فينبغي أن يقال: هو أن يحذف بعض الكلام
ويستغني بدلالة الموجود عليه. وأما الجواب عن دخول الحذف فيه وكون البيتين بعده من الحذف لا من الاكتفاء فسيأتي الكلام ليه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
(1/26)

الباب الثاني: في وقوعه في القرآن الكريم
وحديث نبيه عليه أشرف الصلاة وأفضل التسليم وكلام العرب
نقل الشيخ بدر الدين بن الصاحب عن الشيخ زكي الدين ابن أبي الإصبع قال: ومما جاء في الاكتفاء العزيز قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّ قُرْآناً سُيِّرِتْ بهِ الجِبَالُ أوْ قُطِّعَتْ به الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بهِ المَوْتَى) أي لكان هذا القرآن. وقوله تعالى: (وَإذَا قِيْلَ لَهُمُ اتّقُوا مَا بَيْنَ أيْديكُمْ وَمَا خَلْفْكُمْ تُرْحَمُونَ) أي أعرضوا، بدليل (إلاَّ كَانَوا عَنْهَا مُعْرِضينَ). وقوله تعالى: (قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدَ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدُ مِنْ بني إسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ) أي ألستم ظالمين بدليل (إنَ الله لا يَهْدي القوم الظالمين) قلت: في هذا النقل نظر لأن ابن أبي الإصبع لم يتعرض لنوع الاكتفاء ولا عده من أنواع البديع فضلاً من أن يقول في وقوعه في القرآن وإلا ما أخلى منه كتابه المسمى بـ (تحرير التخيير) سيما وقد قال في خطبته أنه لم يصنفه حتى وقف على
(1/29)

أربعين كتاباً في هذا العلم وعدد مصنفيها أولهم عبد الله بن المعتز وآخرهم شرف الدين التيفاشي ولا ذكر بعده أحد من المشهورين كالسكاكي وصاحب التخليص والإيضاح ولا نظمه العميان في بديعتيهما، وإنما نظمه الحلي تبعاً لابن رشيق، فالله أعلم من استخرجه أولاً. ثم قال الشيخ بدر الدين: هذه الآيات من الإيجاز لا من الاكتفاء. قال: وقد مثل لها السكاكي في أواخر المعاني.
قلت: قد مثل هو للاكتفاء بقول القاضي ناصح الدين الأرجاني:
سترتْ محيَاها مخافةَ فتْنَتي ... ببنانِها عني فَكانَت أفتَنا
وقال الآخر:
وتجردت أطرافُها من زينةٍ ... عمداً فكانَ لها التجردُ أزينَا
أي لسرك ذلك: وقول مهيار الديلمي:
ولمتِ في البرقِ زفراتي فلو علِمتْ ... عيناكِ من أين ذاك البارقُ الساري
أي لما لمتني، فيلزم أن يعترض على نفسه، بمثل ما اعترض به
(1/30)

على ابن علي الإصبع، فإن المحذوف هنا وفي الآيات جواباً الشرط وأما قوله إن هذه الآيات من الإيجاز لا من الاكتفاء فجوابه أنه لا مانع أن يكون كل منهما إيجازاً أو اكتفاء إذ الاكتفاء نوع من الإيجاز لأن التحقيق في تعريف الإيجاز أن يقال هو أن يحذف بعض الكلام ويدل بدلالة أما لفظية نحو: (وَكانَ وَرَاءَهُم مَلِكُ يَأخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْبَا) أي صالحة بدليل (أن أعيبها) وإن قري كذلك وأن يعيبها ألا يخرجها عن كونها سفينة فلا فائدة حينئذ، أو عقلية نحو: (وأسْألِ القَرْيةَ) أي أهل القرية لامتناع توجه السؤال لها عقلاً. والاكتفاء ما دل عليه بدلالة لفظية كما تقدم. فهو أخص منه ومستلزم فيلزم من كون هذه الآية الشريفة مشتملة على الاكتفاء اشتمالها على الإيجاز. وكذلك البيتان بعدها لانطباق كل من التعريفين عليها ودخولها تحت قيد واحد وهو الدلالة اللفظية وساغ كونها لفظية أن كل شرط يقتضي جواباً وكذا كل ما صح أن يكون شاهداً على نوع الاكتفاء صح أن نستشهد به على الاتحاد من غير عكس وتقسيم دلالة المجاز إلى لفظية وعقلية وهو ما صرح به السكاكي ومن تبعه خلافاً لما أسلفناه من تعريف ابن أبي الإصبع المقتضى لاختصاصها باللفظية لما يلزم عليه من اتحاده مع تعريف الاكتفاء، ومنه نشأ سؤال ابن الصاحب المتقدم وعلى تقدير اتحادهما فيقال الاتحاد من مباحث علم المعاني والاكتفاء من مقولات فن البديع ولا يعترض على أهل فن باصطلاح غيرهم ولهذا لم يذكر الاكتفاء غالب البلغاء في علم البديع لاستغنائهم عنه بذكر الإيجاز في علم المعاني لأنه إما عينه أو نوع منه على ما تقدم من إخلاف التعريض مع أنه لا اعتراض على من ذكره فيهما
(1/31)

خالف بين تعويضهما.
أما من ذكرهما معاً في علم واحد، وهو حذف البعض لدلالة الباقي عليه كالحلي، فهو خطأ ظاهر، وتكرار محض وكأنه رأي بعضهما في بعض السبعين كتاباً التي قال أنه وقف عليها قبل نظم بديعتيه يسمى باسمه الخاص، ثم رأى الآخر في البعض الآخر منها فسمي باسمه الآخر، ورأى بعض الاختلاف في لفظ للحدين. ولم تتأمل رجوعهما في المعنى إلى شيء واحد، فجمع بينهما في بديعتيه ظناً منه أنهما غيران ثم قال الشيخ بدر الدين: وقد ظفرت له بمثال في الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: (إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وإنَّهُ). قال بعضهم: التقدير إنه من تعلمون وإن كان محتملاً فالظاهر خلافه وأن قوله بسم الله الرحمن الرحيم وما بعده خبر إن. أي أن المكتوب هذا لفظ يدل عليه قول البغوي: تبينت ممن الكتاب فقالت: إنه من سليمان وتبينت المكتوب فقال: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم: (ألاّ تَعْلُوا عَلّيَّ وَأْتُوني) ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: (سَرابيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ). قال البغوي، قال أهل المعاني: أراد الحر والبرد اكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه فلفظه اكتفى مشعرة بتسمية النوع الاصطلاحي اللهم إلا أن يريد الاكتفاء اللغوي فيحتمله ويحتمل الإيجاز والله أعلم. ومن وقوعه في كلام العرب قول
(1/32)

الشاعر: (وقيل إنه لرؤبة):
قالت بناتُ العمِّ: يا سلمى وإنْ ... كانَ فقيراً معدَما؟ قالت: وإنْ
أي: وإن كان فقيراً معدماً ترضينه أو تقبلينه؟ قالت: وإن كان فقيراً معدماً أرضاه وأقبله. فحذف من الأول جواب الشرط ومن الثاني الشرط وجوابه معاً.
وقول الآخر:
فجئت قبورَهم بدواً ولَّما ... فناديتُ القبورَ فلم تُجبْنَا
أي: ولما أكن بدواً قبل ذلك. والبدو السيد الأول في السيارة والثنيان الذي يليه في السؤدد، وقال أوس بن معزاء السعدي:
ثُنايا إن أتاهم كان بدوهم ... وبدوهم أن أتانا كان ثُنَيانا
وقول عبيد بن الأبرص:
(فاجمعْ جموعَكَ ثم وجهم إلينا)
أي الذين عرفوا بالشجاعة أو الذين جمعوا جموعاً.
وقول النابغة الذبياني:
(1/33)

أفدَّ الترحلُ غيرَ أن ركابَنا ... لَما تَزَلْ بِرحَالِنَا وكأن قَدِ
أي وكأن قد زالت، بقرينة لما يزل. وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وقد بلغه أن أشهب يدعو عليه بالموت.
تمنى رجالُ أن أموتَ وإنْ أمتْ ... فتلك سبيلُ لستُ فيها بأوحدِ
وقول ابن قيس الرقيات:
بكرتْ عليَّ عواذلي ... يلحينني وألومُهنَّه
ويقلن شيبُ قد عَلاَك ... وقد كبرتَ فَقلتُ إنَّه
أي أنه قد كان ما يقلن قال الجوهري قال أبو عبيدة: وهذا اختصار من كلام العرب يكتفي به الضمير لأنه قد علم منه انتهاء.
ويعجبني قول بعض الأعراب:
ألا يا حَبَذا أطلالُ ليلى على البلى ... ومن بذلتْ من نوالٍ وإنْ قَلاْ
وما يتمادى العهد إلا تجددت ... مودَّتها عندي وإن زَعَمَتْ أنْ ل
(1/34)

ا
أي أن لا تصل.
تنبيه:
من الغريب أن العلماء البديع مثلوا الاكتفاء الذي هو من محاسن الكلام بأمثلة منع بعضها جماهير النحاة مطلقاً وأجاز بعضها على قلة وخصوا بعضها بضرورة الشعر فمن الأول حذف الفاعل كما سيأتي من قول كشاجم الكاتب.
فقلتُ لهم لو كنتُ أضمرتُ توبةً ... وعانيتُ هذا في المنامِ بدا لي
أي نقصها، وحذف المجرور في قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض: أن غاب عن إنسان عيني فهو في (أي قلبي).
وقول ابن سابة:
أذكر بعذالها فاسكر من وردِ ... خَديها فارتع في
أي من مخمر معتق. هكذا كنت كتبت هذا الموضع قديماً ولم أدر الآن من أين نقلت ثم رأيت في الصحيح ما يخالفه وهو ما رواه البخاري في تفسير سورة البقرة عن عبد الصمد قال: حدثني أيوب عن نافع
(1/35)

عن ابن عمر (فأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ): قال بأتيها في. قال الشيخ بدر الدين الزركشي في التمقيح: كذا الرواية وكأنه أسقط الباقي وهو الدير لاستنكاره وقد أنكره عليه ابن عباس. ومن الثاني حذف صلة الموصول في قول ابن الفارض: وأدفع عنك غيك بالتي. وقول القيراطي: وادفع عدوك بالتي فإذا الذي. ومن الثالث حذف جملة الشرط وجوابه معاً في قوله: قالت وأن قال في التسهيل ويحذفان أي الشرط والجزاء بنيان في الضرورة ومثل له السراج بهذا البيت وحذف المجزوم بلم في بيت بديعتيه الحلي وهو:
قالوا: ألم تَدْرِ أن الحبّ غايتُهُ ... سلبُ الخواطِرِ والألباب قلتُ: لَمْ
وفي ما سيأتي من قول الصفدي: إن كنت في القوم أو لم، فقد صرح علماء العربية بأن ذلك مخصوص بالضرورة وأنشدوا عليه:
احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعارِبِ إن نَطَقتَ وإنْ لَم
بخلاف حذف مجزوم لما فإنه جائز اختياراً وهو أحد الأمور الخمسة التي تفارق لم فيها كما قال:
فجئت قبورَهم بدوراً ولمّا ... فناديتُ القبور فلم تَجبنَا
(1/36)

أي ولما بدا قبل ذلك إلى غير ذلك مما ستقف عليه في موضوعه وكأنهم والله أعلم سهوا عن استحضارهم تلك الأحكام وتنزيل كلامهم بينا عليه وإلا فمثل ذلك مخل بمطلق الكلام فضلاً عن أن يكون بديعاً، ويمكن أن يجاب عن التضمين الأخير بأن قتلته واختصاص بالضرورة لا يخرجانه عن كونه بديعاً. بل يجوز أن يدعى أنه من المحسنات لكن لا يتوصل إليه إلا بارتكاب ما ذكر ولا يلزم منهما أن يورثا الكلام نقصاً ولو لزم. فذلك باعتبار آخر واصطلاح قوم لأن النحوي يبحث عن المعنى الذي يفهم عن الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلام. والبديعي يبحث عن وجوه تحسين الكلام بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح الدلالة ويشهد لذلك ما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث الإيجاز عند تعداد التي فصل بها قوله تعالى (ولَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةُ) على قولهم: القتل أنفى للقتل، وقول صاحب التلخيص: وخلوه عن التكرار أي خلو قوله: (ولكم في القِصَاصِ حَيَاةُ) عن التكرار في قولهم القتل أنفى للقتل. والتكرار من حيث أنه تكرار من عيوب الكلام بمعنى أن ما يخلو عن التكرار أفضل مما اشتمل عليه ولا يلزم على هذا أن يكون التكرار مخلاً بالفصاحة ثم قال: فإن قيل في هذا التكرار العجز إلى الصدر، وهو من المحسنات في الكلام قلنا ليس حسنه من جهة التكرار ولهذا قالوا: الأحسن في رد العجز إلى الصدر أن لا يؤدي إلى التكرار بأن يكون كل من اللفظيين بمعنى آخر (انتهى). فعلى هذا يسوغ للبديعي استعمال القسم الثاني في الاكتفاء مطلقاً والقسم الثاني في النظم خاصة لأنه الموضع الذي آذنت فيه العرب فلا تتجاوز إلى غيره.
(1/37)

وأما القسم الأول: فما لا يضار إليه البتة في سعة ولا ضرورة لعدم وروده في كلام العرب الذي هو مرجع الفريقين، أعني النحاة والبديعين على أن بعضهم أجاز حذف فعل الشرط وجوابه بعد أن في السعة وقال في المعنى أنه يطرد وأجاز
الكسائي حذف الفاعل وتابعه عليه السهيلي، وابن مضاء فعلى ذلك فيستعملان مطلقاً ولكن الصحيح ما قدمناه. وبالجملة فقد توسعوا في هذا الباب جداً وأدخلوا فيه ما ليس منه حتى إنك إذا تأملت غالب ما أوردته، في هذا الكتاب غير سائغ من جهة التراكيب العربية، أو مبنياً على تأويلات ضعيفة ما كان الاكتفاء فيه به بعض الكلمة فإن العرب لم تنطبق به إلا في قول لبيد: (درس المنا) أراد المنازل قال الجوهري وهو قبيح، وفي قولهم لا أدر فإنهم حذفوا الياء منه تخفيفاً لكثرة استعمال هذه اللفظة. بخصوصها في كلامهم فلا يتعدى إلى غيرها نحو لا أرمي ولا أعطي وإذا امتنع حذف الفاعل والمفعول والمجرور لكونهما بمنزلة الجزء مما قبلهما فما ظنك بالجزء
(1/38)

الحقيقي لا يغال هذا يلتحق البيت وهذا المثال بما تقدم مما أجازت العرب حذفه لضرورة أو على قلة لأننا نقول: إن حذف بعض الكلام معهود في كلامهم بل هو أكثر من أن يذكر سيما إذا دل عليه دليل بخلاف حذف بعض الكلمة فإنه من الشذوذ بمكان وليت شعري ما في حذف الزاي واللام من المنازل من المحسنات وأما الدليل الذي دل عليه فكذا حذف الهاء والدال من شاهد في قول أبي الفتح قابوس: إذا طلبت وصله كفى بالدمع شا. وإنما أولع بهذا النوع بعض المتأخرين والعصريين وزاملوه بشعار التورية، فحسن في الذوق ولطف في السمع وتبع بعضهم بعضاً في ذلك ورأيت أشياخنا أئمة هذه الصناعة، ومالكي أزمة البراعة، كالشيخ بدر الدين السبكي - سقى الله عهده - ومولانا قاضي القضاة شهاب الدين العسقلاني - أعز الله تعالى أحكامه - وقد شادوا قصوراً في هذا النوع وأجادوا في وصف أبياتها وصفهم فاقتديت خلفهم
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوتْ ... غويتْ وإن تَرْشُدْ غزيَّة أَرشُدِ
بيد أني خرجت من العهدة بالتنبيه على ما فيه، وإلا لما أمكن تأليف هذا الكتاب، وهو في الحقيقة بناء على غير أصل، وإذا شبه الشيخ سعد الدين الاعتبار بوجوه
تحسين الكلام دون رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح الدلالة بتعليق الدر على أعناق الخنازير، فهذا أولى ولعل هذا العذر إن لم يذكر نوع الاكتفاء من البديعيين لكون بعضه أو غالبه لم يجزه العرب، وما أجازته فداخل فيبعض الإيجاز، فتأمل ما يرد إليك من الأمثلة في هذا الكتاب وغيره ونزله على قوانين العربية فما طابق
(1/39)

أصولها فاعتمده وإلا فدعه والله الموفق.
وقريب من هذا التنبيه أن الخليل بن أحمد الأزدي، ذهب في علم القوافي إلى منع إعادة الكلمة التي فيها الروي تكريرها في بيت آخر، بشرط وقوع العوامل عليها سواء اتفق معناهما كرجل وريجل أم اختلف كثغر الفم وثغر لما يلي دار الحرب. وسماه إبطاء وجعله عيباً من عيوب القوافي وهذا يؤدي إلى سد باب كبير من البلاغة وغالب الجناس المماثل أحد قسمي التام ولم يوافقه على ذلك أحد من أئمة البلاغة ولا غيرهم بل رد عليه الجمهور وخالفوه في ذلك وغلطه ابن القطاع وغيره وإن كان هو الذي اخترع علم العروض قائلين بأن الإبطاء مخصوص بما إذا أعيدت الكلمة بلفظها ومعناها، قبل مضي سبعة أبيات أو عشرة خلاف في ذلك رجع إلى أقل ما تطبق عليه القصيدة وإنما كان يميناً والحالة هذه لدلالته على ضعف طبع الشاعر وقلة مادته حيث قصر فكره، وأحجم طبعه عن أن يأتي بقافية أخرى فاستروح إلى الأولى ما جبلت عليه النفوس من معاداة المعادن. أما إذا أعيدت بلفظها دون معناها فليس بإبطاء، سواء وقعت عليها العوامل أو لم تقع إذ لا مدخل لها في ذلك لوقوعه كثيراً في أشعار الفصحاء، ودلالته على غزارة
(1/40)

مادة الشعر وقوة ملكته واقتداره على اقتناص أوابد المعاني المختلفة بالألفاظ المتفقة حتى جعلوها من محاسن الكلام وسموه تجنباً، وذلك عكس السبب المقتضي لقبح والله سبحانه أعلم.
(1/41)

الباب الثالث: في أقسامه وأمثلته
اعلم أن الاكتفاء إما أن يكون بجميع الكلمة، أو ببعضها. والاكتفاء بالجميع إما أن يكون عارياً من ملابس التورية، أو مزملاً بشعارها. والاكتفاء بالبعض أيضاً، إما أن يكون خارجاً عن الوزن إذا كان مزملاً بشق التورية الآخر أو غير خارج عنه وغير الخارج إما أن يكون في البيت الثاني فقط أو في البيتين معاً لسلامة القافية فيهما فهذه ستة أقسام نذكرها أن شاء الله على الترتيب بشواهدها وأمثلتها فنقول:
(1/45)

القسم الأول
ما كان الاكتفاء فيه بجميع الكلمة عارياً من الملابس التورية، وهو المذكور في عامة كتب في عامة كتب البديعيين ولم يعرف المتقدمون سواه في ذلك قول أبي الطيب أحمد المتنبي:
أتى الزمانُ بنوه في شبيبتهِ ... فسرهم وأتيَناه على الهرم
أي فساءنا.
وقوله:
بما بجفنيك من سقمٍ صلي دَنِفَا ... يهوى الحياةَ وأما إن صددتِ فلا
أي فلا يهواها.
ومنه ما كتبه بعض الغواني على عصابتها:
ما أحسنَ الصبرَ وأما على ... أن لا أرى وَجهك يوماً فَلا
أي فلا يحسن وبعده:
لو أن يوماً منك أو ساعةً ... تُباعُ بالدنْيا، إذا ما غَلا
ومنه ما كتبت به على كتابي المسمى (الغزلان في وصف الحسان من الغلمان):
(1/47)

أيا مرتع الغُزلان ى زلت أهلاً ... ويا منزل الأحباب حييت منزلا
يحن فؤادي نحوَ سكان رامةٍ ... وتطمع عَيني أن تُرَاكَ فكَيف لا
فالمحذوف في جميع هذه الأبيات معلوم. ومتى ذكر الشاعر تمامه في البيت الذي بعده كان عيباً من عيوب القافية ويسمى التضمين والتتميم.
كقول النابغة:
وهم وردوا الجفارَ على تميم ... وهم أصحابُ يوم عكاظَ إني
شهدت لهم مواطنَ صادقاتٍ ... شهدت لهم بصدقِ الودَ مِني
وكقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ماذا الذي في الحبِّ يُلحي أما ... واللهِ لو حملتُ منهُ كَمَا
حملتُ في الحبّ رخيمَ لمَا ... ملت على الحب فَدَعْني وما
أطلب إلي لست أرَى بمَا ... قلتُ ألا أنني بينما
أنا في باب القصرِ في بعض مَا ... أطلب من قصرهم إذا رَمَى
شبهُ غزال بسهام فَمَا ... أخطأ سهماه ولكنما
عيناه سهمَان له كُلَّما ... أرادَ قَتلي بِهمَا سلما
فالتضمين موجود في جميع هذه الأبيات، ما عدا الأخير، ولو
(1/48)

جعله اكتفاء لكان ألطف في المعنى، وأعذب في الذوق، وأوقع في النفس، ولنرجع إلى ما كنا فيه. قال أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز:
زاحَمَ لمي لمه فالتويا ... وافقَ كَفي كفه فاستويا
وطالما ذاقَا الهوى فاكتويا ... يا قرةَ العين ويا مَوتي ويَا
الشيخ سعد الدين بن عربي:
رعاك اللهُ من زمنٍ تقضَّى ... كأني قد رأيتُ به مَنَامَا
فيما ما كَان أحسَنه زمانَا ... ويا ما كانَ أطيَبه ويا ما
القاضي ناصح الدين بن الأرجاني من أبيات:
في دمه الله ذلك الركبُ إنَّهم ... ساروا وفيهم حياةً المغرمِ الدنِفِ
فإنْ أعشْ بعدهم فرداً فيا عَجبي ... وإن أمت هَكذا وجداً فَيَا أسفِ
شهاب الدين التلعفري:
يا راشقاً أسهماً من لحظِ مقلتِهِ ... فغير فؤادي ليس من هدفِ
قد كنتُ قبل النوى أشكو الصدود فوا ... لَهَفي على الصدِّ في يومي ويا أسفي
أبو بكر بن حجة:
غصن هذا مثمر بالحَسَن واعحبي ... وهو الذي لثمار الصبر قد قَطفَا
دينارُه اليوسفيُّ مذ غَابَ عن نظري ... وصرت يعقوب حزن صحتُ يا أسفي
(1/49)

أبو الفتح الكاتب:
يقولون تبْ والكأسُ في كفِّ أغيدٍ ... وصوتُ المثاني والمثالثِ عالي
فقلت لهم لو كنت أضمرتُ توبةً ... وعانيتُ هذا في المنامِ بدا لي
ويحكى هنا حكاية ظريفة، وهي أن مروان بن الحكم منع الخمر في أيام خلافته، وأمر أصحاب الشرطة أن يدوروا ليلاً فمن وجدوه سكران أحضروه بين يديه، فبينما هم ذات ليلة إذ وجدوا شاباً لم يرَ أحسن منه سكران وهو ينشد:
البدرُ يكملُ كلَّ شهرٍ مرةً ... وجمالُ وجهكِ كلَ يومٍ كاملُ
وحلولُه في برجِ قلبٍ واحدٍ ... ولك القلوبُ جميعهُنّ منازلُ
فلما فرغ من إنشاده قالوا له: أليس قد بلغك نداء أمير المؤمنين بترك السكر، قال: إني رجل غريب كما قدمت، وما علمت بما ذكرتموه. فحذروه وتركوه ومضوا. فلما
(1/50)

كانت الليلة الثانية وإذا به سكران أكثر من الليلة الأولى وهو يقول:
يقولون تُبْ والكأسُ في كف أغيدٍ ... وصوتُ المثاني والمثالثِ عالي
فقلتُ لهم لو كنت أضمرت توبةً ... وعنيت هذا في المنامِ بدا لي
فأحاطوا به أيضاً، وقالوا أليس تقدم معك بالأمس ما يغني عن إعادة القول؟ قال: فإني بت وأنا سكران، وملت إلى النسيان فإن عاقبتم فلكم الفضل وأن عفوتم فلكم
الأجر. فحذروه أن لا يعود ومضوا فلما كانت في الليلة الثالثة وإذا به سكران أكثر مما قبلها وهو يقول:
يا مَن لصبٍ كئيب دَابَ من أسَفٍ ... أضحتْ حَشَاه بنارٍ الهجرِ تلتهبُ
يموت وَجداً ولكن دونَ وصلِكم ... تعطفوا فلكم يبكي وينتحبُ
فامسكوه وأحضروه بين يدي مروان، فضرب الحد، فلما فرغوا من جلده ثمانين، قال: أصلح الله الأمير إني عبد وقد جلدتني جلد الأحرار فأعطني حق جنايتك علي، فقال: أعطوه حق جنايتنا عليه. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين أن رأى أن يعطيني حق جنايته على شرب الخمر لمن يريد فليفعل فاستظرفه وجعله من جلسائه.
وقال عبد الله بن سلمة بن جندب:
قل للمليحةِ في الخمارِ الأسودِ ... ماذا فعلتِ بزاهدِ متعبدِ
قد كان شمَّرَ للصلاةِ ثِيابَه ... حتى وقفت له بباب المسجدِ
ولهذه الأبيات حكاية أظرف من التي قبلها، وهي أن عبد الله بن سلمة بن جندب ذكر يوماً عند المهدي فاستظرفه فقيل له ما يعجبك من ظرفه قال: قدم تاجر عراقي إلى المدينة ببز كان معه، فباعه كله إلا خمراً سوداً فلم يبع منها شيء لكسادها، وعزم على ردها لبلده فقال له جندب: ماذا عليك أن نفقتها لك؟ قال: جميع الربح. قال: لا ولكن أقنع بنصفه. قال: نعم. فذهب ابن جندب إلى بيته ونظم هذين البيتين:
(قل للمليحة في الخمار) إلى آخرها وصاغ لهما لحناً وغناه حكم
(1/51)

الوادي فلم يبق في المدينة حرة ولا غيرها اشترت خماراً أسوداً حتى طلب خمار بزنته ذهب فلم يوجد فربح التاجر أضعافاً فأوفى له بالشرط.
وقال ابن الفارض من قصيدة:
وقالوا شربت الإثمَ كلا وإنما ... شربت التي في تركها عندي الإثمُ
هنيئاً لأهل الدين كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنهم هموا
ولبعضهم:
والروض يبدي زهرَه متبسماً ... فكأنه ببكا الحمامِ قد استَفَا
قم فاسقني بسلافةٍ متداركاً ... دمعي فقلبي بالهموم على شفا
ولبعضهم:
وذي هيفٍ يغريهِ بتاليته صمتُهُ ... إذا سمعته ردَّ الجوابَ تكلفَا
وطرف محلى عن شفائي مقامهِ ... فهلا صابر بات منه على شفَا
ولابن القيرواني شهاب الدين الحاجري من أبيات:
إن شاَء قلبي النومَ منها هجَرها ... فلأطعن بالوصلِ منها في غدِ
ولأعصين عواذلي في حبِّها ... إن لم أنل منها الرضى فكأن قدِ
الشيخ جمال الدين بن نباتة:
رفقاً بناظري القريحِ فَقَدَ كفا ... ما قد جَرى من عبرةٍ وتسهيدِ
وحشاشة لم يبق فيها للأسى ... فالهم إلا لمحةً وكأنَّ قدِ
ومن وقوع الاكتفاء في الحشو قول صفي الدين الحلي:
وليلةٍ زارني فقيه ... في رشدِه ليس بالفقيه
(1/52)

رأى بيمناي كأسَ خمرٍ ... فظل ينأى ويتقيه
فقلت هلا فقال كلا ... فقلت لم لا فقال إيه
فماذا تعني فقلت إني ... أنزه الكأس عن سفيه
وقول الشيخ زين الدين بن الوردي:
نمتُ وإبليسُ أتى بحيلةٍ منتدبه ... فقال: ما قولك في حشيشة منتخبه
فقلت: لا قال: ولا خمرة كرم مذهبه ... فقلت: لا. قال: ولا مليحة مطيبه
فقلت: لا. قال: ولا آلة لهو مطربه ... فقلت لا قال فنم ما أنت إلا حطبه
فعارضه الصفي الحلي فقال ولم يخرج عن الاكتفاء:
وليلةٍ طالَ سُهادي بها ... فجاء لي إبليس عند الرقادْ
فقال لي: هل لك في شفقةِ ... كبسية تطرد عنك السهادْ
فقلت: نعم قال: وفي قهوةٍ ... عتقها العاصر من عهدِ عادْ
قلت: نعم قال: وفي مطربٍ ... إذا شدا يطرب منه الجمادْ
قلت: نعم قال: وفي طفلةٍ ... في وجنتيها للحياء اتقادْ
قلت: نعم قال: وفي شادنٍ ... قد كحلت أجفانه بالسهادْ
قلت: نعم قال: فنم آمناً ... يا كعبة العشقِ وركن الفسادْ
يقرأ لدين الحمامي:
رب ليلٍ ضمني مجلسُ ... للشرب في حضرته في مَلا
(1/53)

قام بكأس الراح لي خدمة ... وقال لي: سرك ذاك؟ قلت: لا
القاضي السعيد بن سناء الملك:
رأيت طرفك يوم البين حين هَمى ... والدمع لغزُ وكحلُ الجفون لمى
فأكفف ملامك عني حينَ الثُمُه ... فما شككت بأني قد لَثمت فَمَا
لومك كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلبُ من دجوِ الكلام لَما
وقال الشيخ سعد الدين محمد بن عربي فقال:
أما لقدٍ من ماءِ الشلبيبة مرتو ... فيا حضرة الممشوق لم تشتكي الظمَا
حمى تفسره عني تصادم لحظهِ ... فلو رمت تقبيلا لذاك اللما لَمَا
الشيخ سراج الدين الوارق:
قال لي: ريقُ شهدٍ ... قلتُ ذا من فيك أحلى
ما يرى واردُه الظمآن ... يزداد إلا عبرةً مكتفياً مقتبسا
اختياري أن لا أفارق مغَناك ... ولا أسعى سواه محّلا
ولقد شئت لو ساعدَ الدهرُ ... علمته وما تساوي إلا
وجه يفوق الهلال حسنا ... ويخجل البدر أن تحلا
يقول في الحال من رآه ... أشهد أن لا إله إلا
ويقول ابن سناء الملك من قصيدة:
دنوت وفقد أبدى الكرى منه ما أبدأ ... فقبلته في الخد تسعين أو إحدى
ولبعض الشعراء:
ما أحسن بعض الناس مرسَلا ... ضرب كل الناس قَتلا
(1/54)

أمرت جفونك بالهوى ... من كان يعرفه ومن لا
لم يبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا
ولبعض الشعراء:
وبمهجتي من لا أسميه ... وأكتم لئلاً
ولبست فضل قناعة ... بيدي قمر تجلا
ولثمته في خده تسعين ... أو تسعين إلا
ولبعض الشعراء في مطلع قصيدة (أهلاً بضيفكم وسهلاً).
لو كنت للإعفاء أهلاً ... وقد حلف المها على أن لا
أن لم تزوروا فاجمعوا ... بخيالكم في النوم شملا
ولقد قنعت بوعدكم ... فترى أفوز بذلك أم لا
راموا عظامي عن هوى ... عذبنه كهلا وطفلا
فوضعت طوقي في يدي ... وقلت خلوني وإلا
وقلت لمن استدعى لبعض الأصحاب:
شهر الصيام تَقَضَّى ... وشهر شوال هلا
وقد جلسنا جميعاً ... إلى المدام فَهَلا
حسنه مولاي خيب ظني ... وكان ظني أن لا
وقلت إنك تأتي ... إذا حضرنا فلم لا
وختمه بقولي:
هذي كناية عبد ... الآن قولاً وفعلا
وقد نصحتك جهدي ... فإن حضرت وإلا
(1/55)

الصاحب بهاء الدين زهير يستدعي أيضاً:
أما تقدر أنا ... فلم تأخرت عنا
وما الذي كان حتى ... حللت ما قد عقدنا
سيف الدين المنشد من أبيات:
بين أكناف المصلى ... قمرُ ثَمَّ تجلى
لا تلمني في هواه ... استمع نصحي وإلا
طاف بالراح علينا ... فرأينا الشمسَ تَجلى
نلتُ بكر خندريس ... نطقت معنىً وشكلا
لست أدري من سَناهاً ... هي في الكاسات أم لا
عيسى العالية من قصيدة:
قد ضن بالسلام علي ... وقدماً كان يمنحني الوصلا
كأن حسودي فيه حين خلا به ... أسر له زوراً وعاهده ألا
ابن نباتة:
ولقد كلمت فما يقال لقدِه ... حزت الجمالَ جميعه إلا
ولبعضهم:
لام العذول على من ... كالبدرِ حين تجَلى
دع يا عذولي ملامتي ... والله ما أنت إلا
القاضي محب الدين:
أخلانا إلا ما جد إنْ رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهداً وإلاّ
(1/56)

نودعكم ونودعكم قلوياً ... لعل الله يجمعنا وإلاّ
وجمع الوادعي بين تضمينين واكتفائين في بيت واحد فقال:
يا لائمي في هواهَا ... أفرطتَ في اللومِ جهلاً
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا
وكذلك الشيخ أبو الحسن النحوي:
يا جاهلاً عابَ شعري ... فكذا قلبي وآلم
عليَّ نحتُ القوافي ... وما علي إذا لم
ولكن الشيخ صلاح الدين يطارف في هذا التضمين حيث أتى به تورية بإشارة التصحيف مع بديع الاكتفاء وكان محله في القسم الثاني ولكن ذكره أنسب فقال:
إنكَ من هجا شعرا ... أوتيانه بزحاف
وقل إذا ما هجوه ... عليَّ نحت القوافي
وجمع ابن نباتة بين اكتفائين فقال:
أفدي التي تاجها وفاتها ... كأنه همزة على ألفِ
أذكر ثغراً لها فاسكر من ... ورد خديها فارتع في
وكذلك شيخ الشيوخ الأنصاري وبالغ فقال:
أيَّ آسادِ عرين نظرتْ ... فسبتها أيَّ غزالٍ وأيّ
(1/57)

صادني منها غزيزاً أغيدُ ... فيه ما يشغل عندَ وي
قد أضنيتَ جسمي ... قال: قد. قلت: كي
يذهب روحي ... قال: لي
وقال صاحبنا القاضي مجد الدين بن مكناس في مطلع قصيدة:
يا عذولي في فؤادي منك كيّ ... وبذلت الروحَ والعصيانَ لي
والسابق في هذه الحلبة إلى الغابة الشيخ شرف الدين بن الفارض حيث قال:
أي ليالي الوصل هل من عودةِ ... ومن التعليل قول الصب أيّ
وبأي الطرق أرجَو رجعها ... وبما أمضي ولا أدري بأي
ومن وقوع الاكتفاء في حشو البيت قول الشاب الظريف:
رأى رضاباً عن تسليه ... أولو العشق سلو
ما ذاقه وشاقه هذا ... وما كيف ولو
ومثله قول البهاء زهير يصف ليلة أنس:
ولي ليلةُ طُرقتْ بالسعود ... فحدثْ بما شئتَ عن ليلتي
فما كان أحسنَ من مجلس ... ولا كانَ أرفعَ من همتي
بشمس الضحى ويبدو الدَّجى ... على يميني وعلى يسرتي
وبتُّ عن خبري لا تسلْ ... بذاك الذي وبتلك التي
(1/58)

ومثله قول الشيخ برهان الدين القيراطي:
بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح مسكُ ثيابكِ العطرُ الشذي
وأنفع صديقك إنْ صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
وتبعه عليه شيخنا الشيخ شمس الدين الجروي:
شيطانُنا المغويَّ عدوُّ فاعتصم ... بالله منه والتجئْ وتعوذ
وعدوك الإنسي دارِ ودارهِ ... تملكه وادفعْ عدَوك بالتي
الشيخ شرف الدين بن الفارض:
هو الحب إن لم يقض لم يقض مأرباً ... فاختر ذاك أو خلتي
ودع عنك دعوى الحب واختر لغيره ... فؤادك وادفع عنه غيك بالتي
ابن صاحب تكريت في مطلع قصيدة:
أترى يعود الشملُ بعد تشتًّتِ ... فلقدْ أطلتُ إلى الديار تلفتي
هيهات ما قد فاتَ ليس براجعٍ ... أترى تعودُ ليالينا التي
ابن سناء الملك:
وطبي حكا ريمَ الفلاني نفارهِ ... فما باله لم يحكهِ في التَلفَّتِ
يدافعني عن وصله بتهجم ... فما ضره لو كان يدفع بالتي
ابن أبي حجلة وقد زاد النيل زيادة مفرطة:
(1/59)

يا ربَ إن النيلَ زاد زيادةً ... أدت إلى هدم وفرطٍ تَشتتِ
ما ضره لو جاء على عاداتهِ ... في وقعهِ أو كانَ يدافعُ بالتي
سعد الدين بن كتاب المرج في المعنى:
تأملْ يا ملكَ الأنهارِ قد سرتْ ... منك الأماني شراباً طبيباً رغداً
وقد دخلت القُرى يلقي منافعها ... فعمها بعد فرط النفع منك إذا
فقال أيذكر عني أنني ملك ... وثلثي ماشياً إن الملوك إذا
ويحكى أن الأمير بدر الدين الخازندار كان أحضره إلى البلاد تاجر وكان يحسن إليه وهو في رقه فلما باعه وصار إلى ما صار إليه افتقر نكتب إليه رقعة فيها:
كنا جميعين في بؤسٍ نكابدُه ... والقلب والطرف منا في أذىً وقذى
واليوم أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوي فلا تنسني أن الكريم إذا
أشار بذلك إلى قول إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب:
أولى البرية طرأ أن تواسيه ... عند السرور الذي وأساك في الخزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
ويحكى أن الصاحب جمال الدين بن مطروح كتب إلى بعض الرؤساء رقعة على يد صديق لم يسمع فيها عنده فكتب إليه الرئيس هذا
(1/60)

الأمر على ما فيه مشقة فكتب
ابن مطروح في جوابه: (لولا المشقة) ففهم الرئيس مراده وقضى حاجته والإشارة في ذلك إلى قول المتنبي:
لولا المشقة سادَ الناسُ كلُّهم ... الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتّالُ
الشيخ زين الدين بن الوردي مورياً مكتفياً لكن التورية في غير القافية فلهذا ذكرناها في هذا القسم.
ماذا تقولون في محب ... عن غير أبوابكم تخلَّى
وجاءكم زائراً عفيفاً ... عن مالك هل يجوز أم لا
القاضي مجد الدين بن مكناس في مطلع قصيدة:
يا غصناً في الرياض مالا ... حمَّلتني في هواك مالا
عبد الله القرشي في مليح اسمه علي:
محب قد براه السقمَ حتى ... غدا يكايده عليلا
إذا طلب الوصال لكي يداوي ... يقول لي علي لا
ولبعضهم على سبيل التورية:
يا شاذلي دمعُ عيني أضحى إليهم رسولي ... قلبي لديكم عليل ردوا علي لي
سعد الدين محمد بن عربي في مليح اسمه أيوب:
يلوم على حبِّه العاذلون ... ولا يسمع العذال فيه ولا
يسمى بأيوب من هُمْتُ بِهِ ... ولكن عاشقه المبتلى
وكتب البهاء زهير إلى الصاحب جمال الدين بن العديم يسأله
(1/61)

حاجه:
دعوتُك لما أن بدت لي حاجةَ ... وقلت كريمُ مثله من تَفَضلا
إذا لم يكن إلا تحمل حاجة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا
الشيخ برهان الدين القيراطي من أبيات:
وإلى الخطة نسبت سهام لحاظه ... لما رمى ولكم أصابت مقتلا
زرق الأسنة لا تحاكي سودها ... قالوا ولا بيض الظبا قلنا ولا
وقد نظمت هذه القافية تورية كما ستقف عليها في القسم الذي يليه.
جمال الدين بن مطروح:
وبمهجتي رشأُ أطالت عذلي ... فيه الملام وقد حوى ما قد حوى
قالوا أفيه سوى رشاقةِ قدِّه ... وفتور عينيه وهل موت سوى
سعد الدين محمد بن عربي:
تُرى يسمحُ الدهرُ الضنينُ بقربكم ... وأحفى بكم يا جيرةَ العَلمِ الفردِ
إذا لم يكن لي عندكم يا أحبتي ... محلُ ولا قدرُ فإنَّ لكم عندي
جمال الدين بن مطروح في مطلع قصيدة:
هزوا القدود فأخجلوا سمرَ القَنا ... وتقلدوا عوضَ السيوفِ الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لنفسه إلا أنا
القاضي سعد الدين بن سناء الملك:
قتلت بطرف ظل يعدي سقمه ... أرأيتم من ضنَّ حتى بالضَّنا
يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... فعذلتم فيه ولكني أنا
غيره فإذا المنية ... فسوف تصادفه أينما
الصلاح الصفدي:
يا من إذا أتاه أهلُ المودة أو لم ... أنا محبك حقاً إن كنتَ في القوم أو لم
(1/62)

غيره:
قال لي العاذل: لم لا تنتهي ... عن هواه؟ قلت: يا عاذلُ لم
قوله:
قال لي: تهوى سواه قلت لما ... قال: هل تعشقه؟ قلت: نعم
شيخ الشيوخ الأنصاري مضمناً مكتفياً:
صلي ودعي بُعادك عن محبٍ ... يذكرك أنسُ والليل ساكن
فما إن شبت من كبر ولكن
للكشك ريح غليظ ... محرك للسواكن
أصلاه ذر وبر ... أقم الحدود ولكن
القاضي فخر الدين بن مكانس مضمناً مكتفياً:
لنا فرسُ نلاقي منه رفقاً ... كبرِّ الوالدين إذا ثَمِلَنا
يرانا حين نركبه سُكارى ... يميل على جوانبه كأنا
مولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر:
خليلي ولي العمرُ منا ولم نَتبْ ... وننوي فعال الصالحين ولكنَا
فحتى متى نبني قصوراً مشيدةً ... وأعمارنا منا تهد ولا تُبنى
ولآخر:
قسماً به ما أنت يا بدر الدجى ... إلا حكيت جماله لكنما
(1/63)

أبو بكر بن حجة مضمناً:
صهباءُ ريقتُه رشفتُ سُلافَها ... فتقلبت وعجزتُ أن أتكلما
فإذا سئلت أقل لمن هو سائلُ ... إني لأفهم ما تقول وإنما
وقال أيضاً:
يا من يقول بأن رشف لمى الحبائب لم يرق ... وغداً يعنفني به دع عنك تعنيفي
وذُقْ
الشيخ جمال الدين:
اسقني الخمرة صرفَا ... كي تحت ألحت حتا
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى
ابن أبي حجلة في فانوس مضمناً (كلام غير موجود بتاتاً).
أعز من حمى كليب، لما أسن المهلهل وخرف وكان له عبدان يخدمانه فملا منه وخرج يريد بهما سفرا، فأناخا به في بعض الفلوات وعزما قتله فلما عرف بذلك كتب بسكين على رجل ناقته وقيل أوصاهما إذا وصلا إلى قومه أن يقولا:
مبلغ الحيين أنْ مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما
ثم رجعا إلى قومه فقالا مات وأنشدا قوله ففكر بعض ولده وقال أن مهلهلاً لا يقول هذا الشعر الذي لا معنى له وإنما أراد:
(1/64)

من مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... أمسى قتيلاً في الفلاة مجندلا
للهِ دُرُكما ودرُ أبيكما ... لا يُفلت العبدان حتى يُقتلا
فضربوا العبدين فأقرا بقتله. فأنظر كيف اكتفى بصدر البيتين اعتماداً على استحضار نيتهما.
ويحكى أن رجلاً سأل رئيساً حاجة فكتب إليه يعتذر (لولا المشقة) ولم يزد على ذلك فلما ورد عليه قضى حاجته فسئل عن ذلك فقال أنه يشير إلى قول أبي الطيب:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهم ... الجودُ يعدمُ والإقدامُ قتّالُ
وقال آخر أيضاً مضمناً:
يتبادلان فينصفان ... وليس بينهما ارتيابُ
فيصيب هذا ماء هذا ... كالبحر يمطرهُ السحابُ
أبو بكر بن حجة من أبيات:
رسائل دمعي فيه صبُ مبردُ ... ألم تره لمل بدا كيف أسبلا
وريقته يا صاح في الذوق خمرةُ ... فلو ذاقا عمر لأنشدها ألا
الشيخ ظهير الدين بن البارزي:
غدا أسوداً بالشعر أبيضَ وجهه ... فأصبح من بعد التنعم في ضنكِ
على وجهه أضحى بخطى عذارِه ... تناديهما عيناه حزناً قفا نبكِ
ابن مطروح من أبيات:
بانتْ أباريقُ المُدامِ لدليمٍ ... تقهقه من فرط المسرة والضحكِ
فقم ننهب اللذاتِ قبلَ فواتِها ... ودعني من قول ابن حجر قفا نبكِ
(1/65)

سيف الدين بن المسند يصفه نفسه بالبراعة:
شعارُ يبلغ بل بلاغةُ شاعرٍ ... معانيه بل ألفاظهُ حلوةُ السبك
لقد ترك الضحاك في الناس ضحكةً ... وأبكى الذي قد قالَ قِدْماً قفا نبكِ
شرف الدين بن الوردي في مليح مغن:
رب مغنٍ ذكر لفظه ... مؤنث يسلب منا الفؤاد
وكلما أنث في لفظه ... وبان لي أنشدت بانت سعاد
الشيخ شرف الدين بن الفارض:
أهوى رشا هواه للروح غدا ... ما أحسن فعله ولو كان إذا
لم أنس قد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا شيء قال إذا
ابن نباتة:
بروحي معسول اللما يتحجب ... إذا لم يزر لم يهن عيشي ولا إذا
إذا ذقت منا حلاوة ريقه ... أتانا رقيب بليغ المن بالأذى
وله وأبدع في التضمين:
قالت: إذا غمضت جفونك فارتقبْ ... طيفي فقلت لها: نعم لكن إذا
وسمعتُ عن ريحٍ يوسفَ قبلها ... حتى انثنت ورنت فقلت: هما اللذا
(1/66)

ابن سناء الملك:
ما أبعدَ الدارَ وأدنى الجَوى ... لما نأى الأهلُ وجفَ القطين
بانَ عليها الذالُ من بعدهم ... وزادَ حتى كادَ أنْ لا يبين
فإن يقل أين الذين اعتدوا ... يقل صداها لك أين الذين
الشيخ برهان الدين بن رقاعة مكتفياً مقتبساً:
خيالُ طه مُذ سَرى ... لكهف قلبي المحتذي
عوذته لما سَبا ... قلبي بسبحان الذي
ومثله قول الشيخ زين الدين الوردي:
عوادةُ عوادةُ ... بالنعم الملذذي
قالت لنا أوتارُها ... أنطقنا الله الذي
شهاب الدين بن طوغان المقري المعروف بالأوحدي:
إني إذا ما نابني ... أمر نفى تلذذي
واشتد منه جزعي ... وجهت وجهي للذي
ومثله قول الآخر:
أفديه من حذرها وردة ... وفوقه خالُ له حالك
(1/67)

تبسم ليبدي كؤوس الطلا ... ختامه مسكُ وفي ذلك
ومثله قول القاضي مجد الدين بن مكانس:
أسهيت أبصارنا ... وبدرُكَ في أُفقِه
وثغرُك يا قاتلي ... يكاد سَنا بِرقِه
الشيخ جمال الدين بن نباتة في مطلع قصيدة:
تذكرْ مصراً والأخلاء والدهَرا ... سقى اللهُ ذاكَ السفحَ والناسَ والعصرَا
وقالتْ جفوني في الشام أبغ لذة ... فقالَ لها ما الزمان اهبطوا مصرا
وقول بعضهم:
إذا زارَ من أهوى وأنجزَ موعدي ... تلوت معيداً والذي جاء بالصدق
وأنْ صدَّ عني معرضاً فلشقوتي ... أقولُ وجاءت سكرة الموت بالحقِّ
وقول القاضي لفاضل:
أما المشيب فإنه قد أبرَقَا ... وكأنني بسحابهِ قد أغدقَا
كأنَّ الهوى خلُ الصِبا وصديقه ... حتى تلا شيبي وأن يتفرقا
وأخذ منه من قال:
لما رأيتُ مخاللي ومؤانسي ... لعظيم ودي بالقطيعةِ فَرَّقَا
فارقتهُ وخلعتُ من يده يدي ... وبلوتُ لي وله أن يتفَرقَا
(1/68)

البهاء زهير:
عندي حديثُ أريدُ ألا أذكَره ... وأنت فهمُ دون الناسِ فحوَاه
يا من أكابد فيه ما أكابدُه ... مولاي أصبر حتى يحم اللهُ
وقول الآخر:
ولم أنس ما شهدته من جماله ... وقد زرت في بعض الليالي معلاه
ويقرأ في المحراب والناسُ حوله ... ولا تقتلوا النفس التي حرم الله
فقلت تأمل ما تقول فإنَّها ... فعالك يا من تقتل الناسَ عيناه
وقول الآخر يهجو معذوراً:
أبصرته قُصر في مشيه ... لما بدت في خده الحية
قد كتب الشعر على خده ... أو كالذي مر على قرية
وقول ابن الصاحب:
تخال أنَّ حُبابَ الكأسِ أجنحةُ ... للنمل فوق عيون النحلِ تزدحمُ
ظنت سلمانها الساقي فمذ مزجت ... قرأ الحباب بها لا يحطمنكم
وقول سعد الدين بن عربي:
وجنةٍ حمراَء تحكي عندما ... ما رآها أحدُ إلا افتتن
قلت لما عاينتها مقلتي ... صبغة اللهِ ومن
(1/69)

وقول الآخر:
عن دمي خدك هذا العندمى ... سله وأحكم بيننا يا مؤتمن
قالَ: ما هذا دمُ قلت: فما ... قال: هذا صبغة الله ومَن
وتلطف من قال:
يا ذوات الخالِ قلبي مفتتن ... آه من خالِ بقلبي قَدْ سَكَن
جاءه كالسائل دمعي وإذا ... صدق السائلُ لا أفلحَ من
وأجاد من قال:
حكى الغزالُ مقلةً ولفتةً ... من ذا رآه مقبلاً ولا افتتن
أحسن خلق الله نطقاً وفماً ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن
ولجامعه محمد النواحي عفا الله عنه:
لا تأسفن على المالِ الحرام ولا ... تكن للحلال قط منبعثا
فالطيب الأصل يبدو يانعاً خَضِرا ... نباته الرطبُ مهلاً والذي خَبُثا
وبلغ الصاحب بهاء الدين ذهبي أن صديقاً اسمه يحيى شرب دواء فكتب إليه وتلطف إلى الغاية:
سلمتَ من كلِّ ألم ... ودمتَ موفورَ النِّعمِ
في صحةٍ لا تنتهي ... شبابُها إلى الهَرم
يحيى بك الجودُ كما ... يموت يا يحيى العدم
وبعد ذا قل لي ما ... كان من الأمن وكم
وقال:
لا أوحشَ اللهُ من مولىً فضائلُه ... عندي تذكرني ما لستُ أنساه
(1/70)

قلبي مقيمُ عليه لا يفارقُه ... فكيف قولي له لا أوحشَ الله
وقال جمال الدين مطروح:
لم أنسها ويدي مكان وشاحها ... وسألتها عن خَصرِها قالت فني
ودخلت جنةَ وَصلها ... متنزهاً يا ليتَ قومي يعلمون أنني
وله أيضاً من قصيدة:
فلو أضحى على تلفي مصرّاً ... لقلت معذبي بالله زدني
ولا تسمحْ بوصلِك لي فإني ... أغارُ عليك منك فكيف مني
وأعجبُ ما أحدثُ عنه أني ... قبلت به ولا يَدري بأني
ابن القيسراني:
أهيمُ إلى العذب من ريقه ... إذا هيَّم العاشقين العذيبُ
شهدت عليه وما ذقتُه ... ولكنْ من الغيبِ غيبُ
سعد الدين محمد بن عربي:
تُرى يسمح الدهرُ الضنينُ بقربكم ... وأحفى بكم يا جيرةَ العِلم الفَردِ
إذا لم يكن لي عندكم يا أحبتي ... محلُّ ولا قدرُ فإنَّ لكم عِندي
ابن سناء الملك من قصيدة:
قمنا ولا خطرةُ إلا على خطرِ ... دانٍ ولا خطوة إلا إلى الأجلِ
حتى وصلنا إلى ميقاتِ مأمنه ... يا صاحبيَّ فلو أبصرتما عَملي
أواصل الهم من ضرع إلى قدمٍ ... وأوصل الضم من مدر إلى كَفَل
(1/71)

ابن نباتة من أبيات:
يا نديمي في المُدامِ فداءُ ... لكما في المدامةِ العاذلان
خلقا البيت بالكؤوس سروراً ... أشرباها صفراَء كالزعفرانِ
واسقياني فإن تشكيتُ داءً ... فاسقياني إن شئتما تشفياني
وإذا ما قلتُ بالكأس سكراً ... فادفناني في بعض تلك الدِنانِ
وانضحا من دمي عليه فقد كان ... ندمي من نداه لو تعلماني
الصاحب جمال الدين بن مطروح:
أنظرتَ أم فوقت سهماً ... فلقد أصبتَ القلبَ لمَا
لا يا معذبَ مهجتي ... والله ما أجرمتُ جُرْما
يا عاذلي وأخو الصبابةِ ... لا تلبث أصمَ أعمى
لو كنت بالثناءِ وقد ... زارَ الحبيبُ عجبتُ مما
القاضي فخر الدين بن مكانس من قصيدة خمرية:
عذرُها لا يطاقُ في عاشقيها ... فالحذارَ الحذارَ منها وممَا
لا يغرَّنك نارها إذا أضاءت ... في ضرام فتلك أما وإما
منها وهو مطلعها وكان محلها في القسم الذي بعده لما فيه من لطف التورية مع بديع الاقتباس.
سعى العس المر أسف ألمي ... بخدودٍ من نارِها يعصي ألما
لا تقل زينب وهند وسعدى ... وسعاد فإنما هي اسما
آخر:
إني محتاجُ لما ... صار فوق الخَد لامَا
وحبيب عاد فيه ... عاذراً من كان لاَما
وعدُه مثلُ سرابٍ ... جئته يوماً فلاَما
(1/72)

قيل هل زارك من ... تهواه يوماً قلت لاَما
ابن الوردي:
إذا كرهتَ منزلاً ... فدونَك التحَولا
وإنْ جفاك صاحبُ ... فكن به مستبدِلا
لا تحمل إهانةً ... من صاحبٍ وإن عَلا
فمن أتى فمرحباً ... ومن تولى فإلى
أبو بكر بن حجة:
تطلبتُ منه قتلته وهو نافرُ ... فقال وقتلي حبنا لن يُقبَلا
فقلت له ما الوصل عدني إلى غدٍ ... فبعدك مات الصبر قال نم إلى
سعد الدين محمد بن عربي:
ما أضمرَ القلبُ شيئاً غير حيهم ... يوماً ولا فاه مني بالسلو فمُ
قالوا تقلبك والأجفان قد قبلوا ... فقلت إنهم قلبي وإنهم
ابن الوردي في بخيل:
وزرته يوماً فصادفتُه ... يكتب أسماء الطفيليه
فخفت أن يكتبني فيهم ... فقال كل قلت على نيه
القاضي ناصح الدين الأرجاني:
ما عبيد الله ممن ... نال بالعي الخسارة
هو لم يعزل ولكن ... ولقد تكفي الإشارة
آخر:
أبا جعفر لست بالملقن ... ومثلك من قال قولاً يفي
(1/73)

فإن أنت أنجزتَ لي موعدي ... وإلا هجرتَ وأدخلت في
وقد علم الناسُ ما بعدَه ... لفظَ الحديثِ ولا تكتفِ
ابن سناء الملك من قصيدة:
سلوا ملاحتها محاسنَ وجهِها ... فتريك معجزاتهِ في الزخرفِ
وتقول من هذا وقد سفكت دمي ... ظلما وتسأل عن فؤادي وهو في
الشيخ شرف الدين بن الفارض من قصيدة:
كل البدور إذا تَجلى مقبلاً ... يصبو إليه كل قدٍ أهيفِ
إنْ قلت عندي فيك صبابةُ ... قال الملاحة وكل الحسن في
منها:
إن زار يوماً يا حشاي تقلعي ... كلفاً به، أو بان يا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معه ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
وأولها:
(قلبي يحدثني بأنك متلفي) فهي دائرة كالحلقة
(1/74)

القسم الثاني
ما كان الاكتفاء به بجميع الكلمة مزملاً بشعار التورية وهو نوع اخترعه المتأخرون وتلطفوا فيه إلى الغابة فمن ذلك قول الشيخ زين الدين بن الوردي وقد أضافه بعض الطلبة وصعد به إلى سطح عالٍ ولم يطعمه شيئاً وصار يتعهده بالماء من أول الليل إلى آخره:
أحل الضيوفَ على سطحِه ... وفرَّجهم في نجومِ السما
وقطع بالجوعِ أمعاءهم ... وإن يستغيثوا يُغاثوا بما
وقول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق يهجو حماماً:
جهنم حمامُكم نارُها ... يقطع أكبادنا بالظمَا
وفيها عصاة لهم ضجةُ ... وإن يستغيثوا يغاثوا بما
ومثله قول القاضي مجد الدين بن مكانس:
فرَّط في جنب الإله من أتى ... حمامَكم وكابدَ الحِمامَا
ولم يجد مآبه ذو حاجةٍ ... حتى تلا: يا حسرتي على ما
(1/75)

الشيخ زين الدين بن الوردي من تضمينه لأبيات:
يا قابلاً كان ملتجأً وانفصلْ ... كان وما انفك الفتى ولم يزلْ
بدت لهم وجنتيه ضراما ... حتى تلوا يا حسرتي على ما
أبو بكر بن حجة قال:
وقد فرَّطَت في نفيري ... وما شفي بقربهِ سِقاما
أصبر عسى يشفى بما ريقه ... قلت لهم يا حسرتي على ما
وقال المعز المرحوم الأميني الحمصي صاحب الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة عند هوده من الغربة فكان صحبته المقراليفي نجا كافل المملكة الشامية وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء واهتدى هو الطريق وصلته إليه:
ضَلوا عن الماءِ إن سروا سحراً ... قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالوردِ دونهم ... فقلت يا ليت قومي يعلمون بما
الصاحب فخر الدين بن مكانس:
من شرطنا إن أسكرتنا الطلاصرفا تداوينا بشرب اللمَا
لعاف مزج الماء في كأسِها ... لا وأخذ الله السكارى بما
وقلت متضمناً مكتفياً:
شكوت لمثلي السقاء ما بي من الجوى ... وقلت عسى يشفي فؤادي من الظما
فحتى لا أحظى بها وإلى متى ... أقضي زماني في عسى ولعل ما
(1/76)

وقال القاضي عماد الدين أخو قاضي القضاة القاضي الحنفي من قصيدة يمدح بها المقر المرحومي الأوحدي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية:
أرختْ ذوائبها لنا في الأربعِ ... لتظل فاستغنتْ بها عن بُرْقُعِ
وعدوت أسهرُ في الليالي شعرِها ... وهو لفجر الفرق حتى مَطلعِ
وقال:
حكم الزمان بينهم وتشتتي ... وشماتةُ الأعداء أكبر محنتي
وبسيد الرؤساءِ رُمتُ تخلصا ... من محنتي فشددت رحل مطيتي
قعدتْ تمدُ خُطاها ... وأقولُ عند عيَاها
الأوحدي الأوحدي لتغنما ... يا ناقتي فزمامكي بيدي دما
الشيخ برهان الدين أمين القيراطي:
خُط للحبِّ عِذَاراً ... زادني فيه هُيَامَا
قال مثله سريعاً ... أو فدعُه قلتُ لاما
وأنشدني سيدي أحمد بن مكتم رحمه الله من لفظه في مليح اسمه إبراهيم:
إن إبراهيم أورى ... في الحشا منه ضراما
ليت قلبي بلقاه ... نال برداً وسلاما
(1/77)

الضيف التلمساني من قصيد:
وإني الذي أضنيته وهجرته ... فهل صلةُ أو عائد منك للذي
آخر:
لا تهجروا من لا تعودَ هَجَركم ... وهو الذي للنأي وصلكم عدي
ورفعتم مقدارَه بالابتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي
ومن ألطف ما يحكي عن الملك المعظم عيس بن الملك العادل أن أبن أبي عمير كتب إليه وهو ضعيف:
أنظر إلي بعين مولى لم يزلْ ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فأغنم دعائي والثناء الوافي
فنزل إليه الملك المعظم بنفسه ومده بثلاثمائة دينار وقال:
أنت الذي وهذه الصلة وأنا العائد
القيراطي في مليح مؤذن:
لي مليحُ مؤذن ... لم يمل ساعةً إلى
أنت ميت إذا غدا ... في آذان يقوله
وجمع الشيخ جمال الدين بن نباتة بين الاكتفاء والتضمين واللف والنشر والمطابقة والتورية في موضعين فقال يرثي ولداً توفي قبل الحول:
يا راحلاً عني وكانتْ له ... فضائل للخير مرجوة
لم تكتمل حولاً وأورثتني ... ضعفاً فلا حَولَ ولا قوة
(1/78)

شيخ الشيوخ الأنصاري مقتبساً:
إن دمعت عيني فمن أجلِها ... بكى على حالي من لا بَكَى
أوقعني إنسانها في الهَوى ... يا أيها الإنسان ما غرْك
القيراطي من قصيد مقتبساً:
حسنَات الجدِ منه قد أطالت حسراتي ... كلما شاء فعالا قلت إن الحسنات
ابن نباتة مضمناً:
رشأ رشفت رضابه أم ثعلب ... ما للمحب إلى وقاه بلوغ
عذب اللما متلون يعطيك من ... طرف اللسان حلاوةُ ويروغُ
الصلاح الصفدي مضمناً:
رشفتُ ريقَك حلواً ... ولم يكن بي صبرُ
وسوف أخص بوصلٍ ... وأول الغثِ قطرُ
ابن تميم مضمناً أيضاً:
لما رأيتُ البدرَ في ساعدي ... ونرجسَ الأنجم قَد صوحَا
شقا ريقَ بدرِ الدجى ... من قبل أن يَرشف شمسَ الضُحى
أبو بكر بن حجة مضمناً:
جاد النسيمُ على الوَبا ... يبسي يديه وقالَ لي
أنا ما أقصر عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي
(1/79)

ابن حجة مضمناً في وصف مجموع:
يا سيدا أطالعُه ... إن راقَ معناه فَعُدْ
وافتح له بابَ الرضى ... وإن تجدُ عيباً فَسُد
وقال:
وبدرُ ثم جميلُ ... محجبُ بالدلالِ
إذا هممت بأني ... أسلو هواه بدا لي
وقال مضمناً:
وشاعرُ فاسقُ أتى امرأة ... من ذا شامة المليحِ فلا
وقال إذا عاينوه معتذراً ... تلجئ الضرورات في الأمور إلى
ابن نباتة في مليح ساقٍ وأجاد:
سقى وأعدني وصلاً أندُ به ... عند المنام ولا والله ما وَصَلا
فيا له من ساقٍ مواعدُه ... كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
القيراطي مضمناً في وصف بادهنج:
بروحي أفدي بادهنجاً موكلاً ... بإطفاء ما يلقاه من ألمِ الجوى
إذا مدحت أوصافه قال مُنْشدا ... على أنني راض بأن أحملَ الهَوى
وقال مضمناً أيضاً:
في خد من همتْ به شامةُ ... ما الند في نفحته نَدُها
والعنبر الورد غدا مائلاً ... لا تدعني الابيا عبدها
شمس الدين محمد المزين الدمشقي مضمناً في خادم معه وأجاد:
(1/80)

خادم لألأه يحكيه حسناً ... فهو كالبدر في الدجى يتلألأُ
قلت قصدي من الأيام مليحُ ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
وقلت وهي القافية الموعود بذكرها في القسم الأول الذي قبله:
لئن تاه قومُ بالعلا وترفَعوا ... علي وما للقطيعة والقَلا
فو الله لا أرضى بِملكهم ولا ... أرى لهم حكم علي ولاَ ولاَ
وقلت مضمناً في مليح اسمه فرج:
لقد تزايد همي مُذْ فرجُ ... عني وصدري أضحى ضيقاً حرجا
ورحت أشكو الأسى والحالُ يُلذعني ... يا مشتكي الهم دعه وانتظر فَرَجَا
وقلت مضمناً في مليح لاعب شطرنج:
أراه لاعبَ شطرنج بما يغني عني ... نفسه وبشامات الخدود فُتِن
إذا دنا لقاطعي صحت من أسفٍ ... ما عودوني أحبائي مقاطعة
برهان الدين القيراطي مضمناً للمثل السائر:
مالتْ معاطفُها سكراً على دنفِ ... كأنها من رحيق الثغر قد سَكِرتْ
جئت ما جئت قتيل البين حين أنت ... وغابت فقال الصُّبُ قد حضرت
وقلت أيضاً مضمناً للمثل السائر:
رامتْ وفَا وعَدي فمذ عانيت ... معنفي ولتْ ولم تعطفِ
وزاد تهديدي فنادتُه ... مهما تشأ فأفعل ودعها تَفي
وكتبت مضمناً لبعض المخاديم أطلب منه كسوةً:
بِكُمْ قد صرت مُكتفيا ... وأنتم سادتي رُكْني
وقد جاء الشتا حقاً ... وفي التلويح ما يغني
(1/81)

الصلاح الصفدي:
صدق حلى نسماتِ الصبَا ... في ما روت عَنكم ومَا شَكَا
وقال لا أخبر منها بما ... جاءت به قلنا ولا أزكى
القاضي مجد الدين بن مكانس وأجاد:
ويلاه من لعس يمر شَفَاً ... طيب الكسرى عن ناظري حبِسَا
يا قلب لا تقطع رَجاكَ ولا ... تشكو لأرباب الهَوى لعَسَا
وأحسن منه قوله:
وحقك قد أصبحت بالهجر في شَفَاً ... ويا طالما بالوصل كنت منَعَّما
بكيت كثيراً إذا تنأى معذبي ... وقطع أشجار الوصالِ وَكلَّما
وقوله:
يقول لي كلْ لي ذهباً بَعدَما ... أسهر في هجرانِه لَيلا
أو أنثني للغيظِ بعد الرِضى ... فَكِلتُ في الحالِ له كيلا
السراج الوراق يهجو:
وقطب عند دخولي إليه ... وتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرتُه ... على الرغم مني وعند الضرورة
تتمته قول ابن هشام الهامي وعند الضرورة يؤتى الكنيف.
ومن الحكايات الظريفة أن الشيخ شرف الدين التنوخي اجتمع مع الشيخ شهاب الدين التلعفري في ليلة أنس عند الملك الصالح فاتفق أن قام الشيخ الدين لضرورة وعاد فأشار إليه الناصر أن يصفع التلعفري فلما صفعه نهض التلعفري على الفور وأمسك بلحية شرف
(1/82)

الدين وتعليق بها وأنشد ارتجالاً ويده فيها لا تفارقها:
قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنتَ ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مضيف صِفاعٍ ... بأوسع الندا وإلا خريفِ
فأنظر إلى بديع هذا لاكتفاء وحسن هذا التقسيم ولطف شمائل هذه التورية وسرعة هذا الارتجال والله أعلم.
(1/83)

القسم الثالث
ما كان الاكتفاء ببعض الكلمة مجرداً من بديع وهو أيضاً من مخترعات المتأخرين لكنه لا طائل تحته ولا فائدة فيه وهو أرذل أنواع الاكتفاء وأسفلها بل لا ينبغي أن يسمى بديعاً البتة وإنما أوردته هنا للتنبيه على انحطاط رتبته ولأجل توفية الأقسام التي وعدنا بها وبإيرادها.
فمن ذلك قول أبي الفتح:
من عاذري في عاذلي ... يلومُ في حُبي رَشَا
إذا طَلَبتْ وَصلَه ... قالَ كَفَى بالدمع شاهد
أخذ شيخنا الشيخ بدر الدين الدماميني فسح اله في أجله هذا الشاهد وكساه حلة التورية حتى صار قاضياً له بالفضل على من تقدمه وسيأتي في القسم الذي يليه إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي من قصيد:
ولقد كففتُ عنانَ عيني جاهداً ... حتى إذا اعتلت أطلقت العنان
(1/85)

شيخ الشيوخ الأنصاري:
إليكم هَجْري وقَصدي ... وفيكمو الموتُ والحياة
آمنت أنْ توحشوا فُؤادي ... فآنسوا مقلتي ولا توحشوا
شيخ الشيوخ برهان الدين القيراطي من قصيد:
أصبحتَ غصناً للمعنى لم تَمل ... ظبياً وللعشاقِ لا تلتفتْ
ما رام صبُّ أن يتوب من الهوى ... إلا نهاه جمالُ حسنك يرتوي
وسبك الشيخ جمال الدين بن نباتة هذا النوع في أحسن القوالب حتى كان أن يلحقه بالنوع الذي بعده فقال:
وقضى على ذكراه أن سمت الكَرى ... وبها ابتدائي عند وقت تنبهي
جل الذي أبدا العاشق وجعَه ... ما عزيز الوصف من ماء مهي
ولطيف هنا قول بعضهم:
قولوا لمولانا السني ... المحسن المستحسن
من قال إنك ماتنا. . . ... أو أن عبدك مايني. . .
(1/86)

القسم الرابع
ما كان الاكتفاء به ببعض الكلمة موشحاً ببديع التورية وهو من مخترعات المتأخرين أيضاً فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة وهو أول من أخترعه في ما يغلب على الظن:
أقولُ وقد جاء الغلامُ بصحفةٍ ... عقيبَ طَعام الفطر يا غايَة المُنى
بعيشك حدثني بصحن قطائفٍ ... وبح باسم من أهوى ودَعني من الكُنافة
وفي معناه ما كتب الشيخ برهان الدين القيراطي المقرأ المرحوم النوري والد مولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر عظيم الله شبابه.
مولاي نور الدين ضيفُك لم يزلْ ... يروي مكارمك الصحيحة عن عَطَا
صدقت قطائفك الكبارُ حلاوة ... بفمي وليس بمنكر صدق القَطا
وألم بهذا المعنى القاضي مجد الدين بن مكانس فقال:
لقد ظل من يلغي القطائف مأكلاً ... ويهبط من دون الكُنافة مهبطا
فكم طار ليلاً للكنافة ذائقُ ... وأمسى لها في الليل أهدى من القَطا
سيدنا أبو الفضل بن أبي الوفا يمتدح بها والده رحمه الله:
(1/87)

يا من يروم الايتمام بسيدي ... اخضع إليه بذلة وتملُّقِ
وإذا أردتَ الأقتفا والاكتفا ... سابق لمن حاز الشريعة والحَقِ
القاضي فخر الدين بن مكانس وأجاد في الغاية:
لله ظبيُ زارني في الدُجى ... مستوقراً ممتطياً للخطر
فلم يقيم إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومرحبا
وهذان البيتان الموعود بذكرهما في القسم الذي قبله للشيخ بدر الدين الدماميني:
الدمعُ فاضَ بافتضاحي في هوى ... ظبي يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهداً ووشى بَما ... أخفى فيا لله من قاض وشاهد
وله أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بها ... إن غابَ من أهوى وعز اللقا
والجد في القرب نعيمي وإنْ ... غاب في أكتفي بالشقائق
وقال أيضاً:
وربَّ نهارِ نادمتُ فيه أغيداً ... فما كان أحلاه حديثاً وأحسنا
منادمة فيها مناي فجدا ... نهار يقضى بالحديث والمنا دما
القاضي مجد الدين بن مكانس:
نزل الطلُّ بكرةً ... وتوالي تَجددا
والنَدامى تجمَّعوا ... فأجل كأس على الندا
وقلت في مليح نقانقي:
ونقانقي قال وجهي كعبةُ ... وعلى نقا كفى يكون المُلتقى
(1/88)

أبداً أحنُّ إلى عذيبِ رِضَابِه ... وأهيمُ وجداً كلما ذُكِرَ النقانقي
وقلت في مليح مهامزي:
مهامزي وجَهه روضةُ ... وخده المعشوقُ لي مشتهى
يا طرفة الساهي والحاظهُ ... لله ما أحلا عيون المَهَا
وكتب إليّ الشيخ شمس الدين وقد مررت على مجلسه فلم أسلم عليه لأمر اقتضى ذلك:
لقد مر من أهوى وعني قد انزوى ... وأحرف قلبي بالقطيعة والجوى
ودام نوى من غير ذنبٍ أصبتُه ... ولا عجب في أول اسم له التوى
فأجبته ارتجالاً موالياً:
يا هيثمي رعاك الله إن خفيتْ ... تنقل خطاك وتأتينا غداً للبيت
وإن قلت أجيء وانتظرناك للقاء ما جئت ... فأنتَ لاشك تعرفُ عندما بالهيت
وقلت وقد أرسل إليّ بعض الرؤساء هدية:
قضى عجباً بها العبدُ عبدُ ... بما أسديت من نعمٍ إليه
هلالاً سد عين الشمس وافى ... به الطبقُ الكبير وحز عليه
(1/89)

القسم الخامس
ما كان الاكتفاء به ببعض الكلمة موشحاً ببديع التورية غير خارج عن الوزن إذا قصد شق التورية الآخر واقعاً في البيت الثاني فقط وهذا القسم من أبدع الأنواع وألطفها لم يعرفه المتقدمون ولا عوج عليه من المتأخرين غير الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذه.
فمن ذلك قوله وأجاد:
بروحي أعزُ الناس نأياً وجفوةً ... وأحلاهم ثغراً وأملحُهم شكلاَ
يقولون في الأحلامِ يوجدُ شخصه ... فقلت ومن ذا بعده يجد الأملا
وقال شيخنا الشيخ بدر وأجاد أيضاً وهو الدماميني:
غيثُ السُهادِ بناظري إنْ لن أنَلْ ... بابها المعشوقُ منك المشتهى
فنطحت فيه معاينا شهد الوَرَى ... يعلوها أو ما تراها في السُّهَى
وقال أيضاً:
يقول مصاحبي والروضُ زاهٍ ... وقد بسط الربيعُ بساطَ زهرِ
تعال نباكر الروضَ المفَدَى ... وقم نسعى إليه ورد ونسرِ
ولبعضهم:
قالوا غزالُ في الوَرَى ... من للجمالِ أحرَزَا
(1/91)

وهو غزالُ نافرُ ... قلتُ لهم نَعم غَزَال
القاضي مجد الدين بن مكانس ارتجالاً:
رعى الله محسوباً كفاني بحسنهِ ... وإحسانه حتى سقيت الغد سُمَّا
وقلت وقد عانيت نعماه حدَّه ... وإنعمامه للخلق يا حبذا النُعمان
أبو بكر بن حجة:
وشجعان صبري حاصرت حسنً هجرها ... زماناً ومات الكل في حبِّها صَبَرا
وكم أسرتنا بالجفا وتَجَاهلت ... فبحنا بشكوانا إلى عالم الأسرار
ابن حجر:
دعْ يا عذولي رميَ الملام فمذ سرى ... عني الحبيب قتلت دام له البَقَا
والطرف مذ فقد بَكَى بِمَا ... يحكي الغَمَام فليس يهدي بالرقاد
لا أعلم قائله:
بروحي حمى أقماره مذ تَطَلعت ... إلى وما أصغيت للعاذل الغَوا
وأمطرت دمعي إذا فقلت على الحمى ... بأنواع أنوار فيا حبذا الأنواع
مولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر:
أُطيل الملا لمن لامني ... وأملأ في الروضَ كأسَ الطَلا
وأهوى الملاهي وطيب المَلا ... فها أنا منهمك في الملاهي
سيدي أبو الفضل بن أبي الوفا:
نواعير نعت لي ... رشأ القلب راعي
فهام القلب مني ... على حسن النواعي
القاضي صدر الدين الآدمي
(1/92)

يومَ توديعي لأحبابي غدا ... ذكر ميّ شاغل عن كلِّ شي
فربت نحوي وقالت ما تَرى ... أنت حيُّ في هوانا قلت مي
شهاب الدين الحلبي:
طيبُ نشرِ قد أتانا منكم ... يا لقومي إن هذا النشرَ طي
قربت نحوي وقالت يا تُرى ... أنت حيِّ في هوانا قلت مي
ابن حجة الحموي:
تدلى لحظُ ناعس فإذا رَنَا ... يا أعين الغزلان لا تنتهي
سها ذاك الوجه أشرق في الدجى ... فأطال لي التسهيدَ في الليل البهي
وقلت في مليح سكندري:
إسكندري الحسن طاب لي الهوى ... في ملئم الثغر الشهي الموردِ
فعلامَ تسمع فيَّ أقوالَ العِدَى ... وتصدني عن وردهِ وأنا الصدى
وقلت من قصيد:
كم صدَعَ القلبُ منذ بين ... تكاد الجبالُ منه تنهدّ
واليوم مثلُ الزجاجِ أضحى ... ليس له قوة على الصدّ
وقلت وقد عزمت على الحجاز الشريف فأرسل إلي مولانا المقر الأشرف العادلي الناصري محمد بن البازري ناظر دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية سقى الله عهده جملاً وناقة:
(1/93)

جملاً هجيناً قد بعثتَ وناقةً ... لا حج في شيء ولم الحججِ
فغدوت مكتفياً وقلتُ لأضلعي ... بالناقةِ انبسطي لمكة والهجِ
آخر:
عابوا البروقُ وقد شبهتها بسناً ... أنواراً ثغراً لما حسنه شَاعَا
وعاد يمنعني ضماً وبرد لما ... فديت بالبرق ذاك الثغر لمَا عَاد
وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ بدر الدين السبكي من أبيات:
خاف أنْ مات صُّبه وهو لم ... يدر مقامَ الوصلِ منه فَوَاتا
قلت للقلب سمّه فَقَال ... . . . القلب وجداً وما شا
(1/94)

القسم السادس
ما كان الاكتفاء فيه ببعض الكلمة موشحاً ببديع التورية غير خارج عن الوزن إذا قصد شق التورية الآخر واقعاً في البيتين معاً لسلامة قافيتهما وهو خاتم الأقسام ولب اللب وخلاصة الخلاصة وهو أبلغ في المعنى وألطف من النوع الذي قبله لما يقع للمتقدمين ولا للمتأخرين بل ولا للشيخ جما الدين بن نباتة ولا من ناصره وإنما نظمه أعيان العصرين وتلاعبوا بمعانيه البديعة حتى بلغوا فيها النهاية
وأجروا أجياد أفكارهم في ميادين الأدب فلم تفتهم غاية وادعى كل منهم أنه مخترعه وأنه له أولى
وكُلُّ يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقرُّ لهم بِذَاكا
والذي يغلب على الظن أنه من مخترعات مولانا قاضي القضاة صدر الدين علي بن الأدمي الحنفي سقى الله ثراه كما ذكره لي فمن ذلك ما كتب به إلى غرس الدين خليل بن بشارة وكان بديعاً في الحسن بارعاً في الجمال مشهوداً بصحبة المشار إليه:
(1/95)

يا مُتهمي بالسُّقْمِ كُنْ منجدي ... ولا تُطِل رَفضيَ فإني عليل
أنت خليلي فبحَق الهوى ... كن لشجوني راحماً يا خليل
قال ابن حجة: أنشدهما لي قاضي القضاة متقاضياً في الجواب على هذا الطريق فنظمت بين يديه وأنا في ذلك المجلس:
يقولون صفْ أَنفاسَه وجبينَه ... عسى للقا يصبو فقلت لهم صَبَاح
وغالطت إذا قالوا أَتَاح وِصَاَله ... وإلا إلى للقلب قلت لهم أباج
قلت: لما أنشدني ابن حجة هذين البيتين قلت له أن أباح لا يتعدى باللام وإنما يتعدى بنفسه فبهت ولم يدر، فقلت له أن كان ولا بد فينبغي أن يقال وإلا أتى قرباً فقلت لهم أني أخ فأصلحه وكتبه كذلك وهذه عادتي معه في غالب نظمه القديم والحديث حتى إني أصلحت له أشياء نظمها من فوق الثلاثين عاماً ومن أراد ذلك فعليه بكتابي المسمى (بالحجة في سرقات أبن حجة) على أن في تكرير قوله يقولون فقلت لهم وقالوا وقلت لهم من العلاقة ما يقلقل الجبال والله، أعلم.
ونظم سيدي أبو الفضل ابن أبي ألوفا قدس روحه في هذا النوع قوله:
قد تغطَّينا فروحوا بِنَا ... فهذا الوقتُ وقتُ الروَاح
وإن نأى الساقي فُنوحوا مَعِي ... عوناً فإني لا أطيق النواح
وقوله أيضاً:
من عقرب ومن حيةِ السعي ... لقد مِتَّ بلسعِ الهوام
قالوا نداوي قلبَه إن ندم ... فقلت وهل يرجى لفان دوام
لا أعلم قائله:
إن حُرَّمتْ خمرُ عدتُ مرةً ... فإن لي فيك خمراً حلالا
أو جئت ألقى ربعكم خالياً ... عللت روحي بعدكم بالطلال
(1/96)

ونظم القاضي مجد الدين بن مكانس، فقال:
قمْ منشداً في الجميع شعري الذي ... نظمته أشكو الجفا والمَلاَل
وقل إذا استحلاه ذواقُهم ... هذا لعمر الله سحر حَلاَل
وقال والبيت الثاني ليس من هذا النوع:
ويا قومُ إن خاطبكم جاهِلُ ... في صبوتي يوماً فقولوا سلام
وإن يقُلْ ليس كلامي لَكُم ... شيئاً فقولوا حقاً كَلام
وقال الأديب الفاضل غرس الدين خليل بن الغرس:
إن جاءكم صبُ فأكرموا مثواه تجزون خيارَ الثواب
وجاوبوا العذالَ عم غدا ... من دمعِه لا يستطيع الجواب
وقال في هذا النوع:
لقد صاح الوجهُ على ما مَضى ... فيا رعى الله زمانَ الصِبا
وبت أرعى النجم لكنني ... أهفو إذا هب نسيم الصَبا
وتذاكرت بعد ذلك مع الشيخ شهاب الدين بن حجر في هذا النوع وأنشدتهما له فقال: أنه نظم هذا المعنى قديماً وأنشدني:
نسيمكم ينعشني والدُجى ... طال فمن لي بمجيء الصَباح
ويا صباح الوجهِ فارقتُكم ... فزاد همي مذ فقدت الصَباح
ففكرت ساعة وأنشدته في الحال:
قد كنت لا أصبو إلى شادِن ... ضل فُؤادي نحواً وغَوان
فصرتُ بعدَ العزِ في ذلةٍ ... منذ تعشقتُ وزادَ الهَوان
فاعتذر وقال إنما ذكرت ذلك حكاية للحال لأني أتهمتك بما خرجت من عنده ونظمت في ذلك اليوم عدة مقاطيع من هذا النوع كما سنذكرها أن شاء الله تعالى. على أن المتأمل إذا نظر إلى كل من
(1/97)

المقطوعة، وجد بينهما من الفرق ما لا يخفى إلا على أكمه، لا يعرف الصواب وشتان بين قولي فيل رعى الله زمان الصباح وبين قوله فزاد همي مذ فقدت الصباح وبين قولي أهفو إذا هبت نسيم الصباح وقوله فمن لي بمجيء الصباح ومن الغريب أن الشيخ الدين الهيتمي أخبرني أن ابن حجة أخبره أن بين نظم بيته الأول والثاني خمس سنين فسبحان المانح ما هي إلا مواهب الهبة.
والأبيات التي نظمتها في هذا النوع قولي:
رعى الله أيامَ الوصل فقد مَضَتْ ... وحالتْ في حبِ ذا الرشا الأحوال
وكابدتُ أهوال الغرام وهَوْله ... فأفنيت عُمري في مكابدة الأهوال
وقولي:
خليليّ هذا ريح عزةَ فاشفيا ... أجفاني فيا لله من شَرَك الأجفا
فجفني حقاً طيبَ المَنام وجفنها ... إليه وإن سالتْ به أدمعي طوفا
وقولي:
رمت التغزل في أجفانه فَبَدا ... بمذاره فوق وردِ الوجنتينِ طَرَى
وقال قلبي لا تحفل لعزلِهما ... وحض عارضه بالمداح فهو حَدَى
ثم جاورت بعد ذلك بمكة شرفها الله تعالى فورد علينا يمني موله بفن الأدب وامتدح ابن عجلان بقصيدة بديعة وأجازه إجازة سنية وكان يخالف إليّ ويذاكرني
فلما كان اليوم الثاني من ذي الحجة وأراد الناس الخروج إلى منى ذكر لبعض أصحابه أنه دخل مكة من غير إحرام لجهله بالمناسك فقال له: أن الحج والعمرة واجبان عليك فتخير.
(1/98)

ولم يدر ما العمل ولا يحرم به فكتب إلى صورة فتيا وهي:
يا معادن العلم ومن لم يزلْ ... يهدي إلينا الدرّ والجَواهرا
قد ضاق وقتُ العَبدِ عن حجةٍ ... وعمرة مفردة ما تَبرَى
فأذعن أهل مكة لبلاغة هذين البيتين وحسن تركيبهما واشتمالهما على تمام. فلما وقفت عليهما كتبت ارتجالاً مع حسن التنغيم وبديع الاكتفاء والجناس والتورية.
يا ضيفَ بيت الله نلتَ المُنى ... منذُ تَحَصْنْتَ بأُمِ القُرَا
لبَّ بحجٍ واعتمار وقُلْ ... لله ما أحسنَ هذا القِرَا
ورأيت مقطوعة للشهاب الحجازي قريباً من ذلك وهو:
رمت قراءة فَجَلا طلعةً ... في طرّةٍ ترقى بِأُم القُرَا
أَبصرتُ ليلاً ونهاراً مَعَا ... يا قومُ ما أَحسنَ هذا القِرَا
(1/99)