Advertisement

الكشف عن مساوي شعر المتنبي


الكتاب: الكشف عن مساوي شعر المتنبي
المؤلف: إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني، المشهور بالصاحب بن عباد (المتوفى: 385هـ)
المحقق: الشيخ محمد حسن آل ياسين
الناشر: مكتبة النهضة، بغداد
الطبعة: الأولى، 1385 هـ - 1965 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه وسلم
رسالة الصاحب كافي الكفاة لأبي الحسين حمزة بن محمد الأصبهاني في كشف عيوب المتنبي
أما بعد: أطال الله مدتك، وأدام في العلوم رغبتك فالهوى مركب يهوي بصاحبه، وظهر يعير براكبه، وليس من الحزم أن يزري العالم على نفسه بالعصبية، ويضيع من علمه بالحمية، فالناس - مع اختلافهم وتباين أصنافهم - متفقون على أن تغلب الأهواء يطمس أعين الآراء؛ وأن الميل عن الحق يبهم سبيل الصدق.
وكنت ذاكرت بعض من يتوسم الأدب في الأشعار وقائليه والمجودين فيها، فسألني عن المتنبي فقلت: إنه بعيد المرمي في شعره،
(1/29)

كثير الإصابة في نظمه، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة بالكلمة العوراء.
فرأيته قد هاج وانزعج، وحمى وتأجج، وادعى أن شعره مستمر النظام؛ متناسب الأقسام. ولم يرض حتى تحداني فقال: إن ما تذكره، لتصفحه العيون وتسبكه العقول. ففعلت، وإن لم يكن تطلب العثرات من شيمتي، ولا تتبع الزلات من طريقتي. وقد قيل: أي عالم لا يفهو، أي صارم لا ينبو، وأي جواد لا يكبو؟!!.
وإنما فعلت ما فعلت لئلا يقدر هذا المعترض أني ممن يروي قبل أن يروي، ويخبر قبل أن يختبر، فاسمع وأنصتن واعدل وأنصف، فما أوردت من كثير مما زل فيه إلا قليلا، ولا ذكرت من عظيم ما اختل فيه إلا يسيرا. وقد بلينا بزمان زمن يكاد المنسم فيه يعلو الغارب، ومنينا بأعيار أغمار اغتروا بممادح الجهال، لا يضرعون لمن حلب العلم أفاويقه والدهر أشطره؛ لا سيما علم؛ فإنه فويق الثريا
(1/30)

وهم دون الثرى، وقد يوهمون أنهم يعرفون، فإذا حكموا رأيت بهائم مرسله ونعائم مجفلة.
وهاأنذا منذ عشرين سنة أجالس الكبراء وأباحث العلماء وأكاثر الأدباء وأجاري
الشعراء،؛ بالجبال تارة وبالعراق مرة أخرى وآخذ من رواة محمد بن يزيد المبرد، وأكتب عن أصحاب أحمد بن يحيى ثعلب، فما رأيت من يعرف الشعر حق معرفته؛ وينتقده نقد جهابذته؛ غير الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، أدام الله أيامه، وحصن لديه إنعامه، فإنه يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخير القافية والوزن. وعن مجلسه - أعلاه الله - أخذت ما أتعاطى من هذا الفن، وبأطراف كلامه تعلقت فيما أتحلى به من هذا الجنس.
وقد قال أبو عثمان الجاحظ: طلبت علم الشعر عند الأصمعي فألفيته لا يعرف إلا غريبة، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقد إلا فيما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند
(1/31)

أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات. فلله أبو عثمان لقد غاص على سر الشعر واستخرج أدق من السحر.
وفي هذا النمط ما حدثني محمد بن يوسف الحمادي قال: حضرت مجلس عبيد الله بن عبد الله طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عبادة أمسلم أشعر أم أبو نواس، فقال: بل أبو نواس؛ لأنه يتصرف في كل طريق، ويتنوع في كل مذهب، إن شاء جدا وإن شاء هزلا، ومسلم يلزم طريقاً واحد لا يتعداه، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه. فقال له عبيد الله: أن أحمد بن يحيى ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه، لأنه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله، وإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه، فقال: وريت بك زنادي يا أبا عبادة؛ إن حكمك في عميك أبي نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق؛ فإنه سئل عنهما ففضل جريراً، فقيل له أن أبا عبيدة لا يوافقك على هذان فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة، وإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر.
ومن أحسن ما قيل في انتقاد الأشعار ما أنشدنيه أبو الحسن
(1/32)

علي بن هارون المنجم قال: أنشدني عمي أبو أحمد يحيى بن علي النديم لنفسه:
رب شعر نقدته مثلما ي ... قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معان ... هـ وألفاظه معاً أبكارا
لو تأتي لقالة الشعر ما أس ... قط منه حلوا به الأشعار
إن خير الكلام ما يستعير الن ... اس منه ولم يكن مستعارا
وأنشدني في معنى خبر أبي عبادة مع عبيد الله عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن الأهوازي لنفسه في معلم زري على شعره:
يعيب الأحمق المطرور شهري ... وهجوي في بلادته كثير
ويزعم أنه نقاد شعر ... هو الحادي وليس له بعير
والأصل في هذا قول بعضهم:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... يجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح - ما في الغرائر
وفي اشتمال الشعر على الفاخر والرذل قول ابن الرومي، أنشدنيه أبو الحسن بن حاجب النعمان قال: أنشدني أبو عثمان الناجم قال: أنشدني علي بن العباس لنفسه
يا عائب الشعر مهلا ... فعيبك الشعر عيب
(1/33)

الشعر كالشعر فيه ... مع الشبيبة شيب
وأنا أقدم شذوراً سمعتها من الأستاذ الرئيس أدام الله علوه في نقد الشعر تدل على ما بعدها وتنبئ عما قبلها، وأين من يفهم عن هذه الإشارة ويعلم ما وراءها من النكت الدالة.
أنشدت يوماً بحضرته كلمة أبي تمام التي أولها:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... وسحت كما سحت وشائع من برد
حتى انتهيت إلى قوله:
كريم متى أمدحه أمدحهُ والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي
فقال لي: هل تعرف في هذا البيت عيباً؟ فقلت: بلى؛ قابل المدح باللوم فلم يوف التطبيق حقه، إذ حق المدح أن يقابل بالهجو أو الذم، على أنه قد روي:
. . . . . . . . . ومتى ما ذمته وحدي
فقال - أيده الله -: غير هذا أردت، فقلت: ما أعرف، قال: أعلم أن أحد ما يحتاج إليه في الشعر سلامة حروف اللفظ من الثقل، وهذا التكرير في أمدحه أمدحهُ مع الجمع بين الحاء والهاء مرتين
(1/34)

- وهما من حروف الحلق - خارج عن حد الاعتدال نافر كل النفار، فقلت له: هذا لا يدركه ولا يعلمه إلا من انقادت وجوه العلم له، وأنهضه إلى ذراها طبعه.
وكنا يوماً نتذاكر في مجلسه أعلاه الله إلى أن جرى ذكر قول الشاعر:
نعتبكم يا أم عمرو بحبكم ... إلا إنما المقلي من لا يعاتب
فاستحسنه الحاضرون وأعجبوا به وأثنوا على قائله، فقال - أيده الله -: إن من انتقاد الشعر أن ينقد ما في القافية من حركة وحرف، فقلت: كره سيدنا السناد في تغير حركة الإشباع إذ جاءت فتحة وهي في سائر الأبيات كسرة، فقال: ما أردت غيره.
فهذا قول من له بكل طرف من أطراف الفضل طرف موكل وناظر متفقد.
وكنت أقرأ عليه شعر ابن المعتز متخيراً الأنفس، فابتدأت قصيدة على المديد الأول، فرسم تجاوزها، وقدرته يحفظها ولا يرضاها، فسألته عنها فقال: هذا الوزن لا يقع عليه للمحدثين جيد الشعر، فتتبعت عدة فصائد على هذا الضرب فوجدتها في نهاية الضعف.
وجرى حديث أبي عبادة البحتري - وهو يوفيه حقه الذي
(1/35)

استوجبه بجزالة لفظه، وتشابه نسجه وغزارة طبعه وحلاوة شعره - فذكر القاضي أبو بكر الجعابي سقطاً استدركه في شعر البحتري وأنفذه إلى أبي عمر قاضي القضاة؛ وطعن فيه على البحتري، وذكر أنه ينقبض عن إظهار لكلف سيدنا بأشعار، فقال الأستاذ: نحن وإن كنا نعرف للبحتري فضله فما ندعي العصمة لهن وفي شعره الكسر والإحالة واللحن. ثم أقبل علي فقال: هل تعرف ما خرج فيه عن الوزن؟ فقلت: بلى؛ أنشدني أبو الحسن بن المنجم قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه من قصيدة له يقول فيها:
وأحق الأيام أن يؤ ... ثر فيه يوم المهرجان الكبير
فقال سيدنا: أردت غير هذان فقلت: لا أعرف، فأنشد قصيدته التي أولها:
ظلم الدهر فيكم وأساءا ... فعزاءً بني حميد عزاءا
إلى أن انتهى منها إلى قوله:
ولماذا تتبع النف شيئاً ... جعل الله الفردوس منه جزاءا
فقلت: هو كما قال سيدنا؛ لأن البيت من الخفيف؛ وفيه زيادة سببن فقال: ننشده: (جعل الله الخلد منه جزاءا) فيستقيم.
(1/36)

ثم ابتداء بذكر سقطات البحتري، فعد ما حرت فيه وعجزت عن استيعاب حفظه وتقصيه، فما علق بنفسي أن أنشد قصيدته التي أولها:
متى تسألي عن عهده تجديه
حتى انتهى إلى قوله فيها
أبا غالب بالجود تذكر واجبي ... إذا ما غبي الباخلين نسيه
فإن قوله: نسيه مختل الإعراب بعيد من الصواب.
وذكر من قصيدته التي أولها:
عذيري من نأى غدا وبعاد
وركاكة قوله:
على باب قنتسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد
وأنشد من قصيدته التي أولها
وجوه حسادك مسودة ... أم لطخت بعدي بالزاج
(1/37)

فإن هذين التشبيهين غير رائعين ولا بارعين.
وقال في أثناء هذا المجلس: ما علمت أن في طبع البحتري تكلفا إلى أن قرأت قصيدته في صفة الإيوان:
صنت نفسي عما يدنس نفسي
وسمعته - أيده الله - ينشد شعر أبي تمام الذي افتتاحه:
أما وقد ألحقتني بالموكب
وأنشد قوله فيها:
أبرزت لي عن صفحة الماء الذي ... قد كنت أعهده كثير الطحلب
فقلت: زين سيدنا هذا الشعر بإقامته الصفحة مقام (الجلدة)، فقال: كذا يلومنا لمثل أبي تمام إذا أمكن إصلاح بيت بلفظه؛ وتهذيب قصيدة بكلمة. وسمعته أيده الله يقول: أن أكثر الشعراء لا يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر ويبتدأ النسج، لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده؛ والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمراراً؛ ومع أي القوافي يحصل أجمل اطراداً، فيركب مركباً لا يخشى انقطاعه؛ ويتيقن الثبات عليه.
(1/38)

فقلت: لو مثل سيدنا هذا لكان أقرب إلى القلب وأوقع في النفس؟.
قال: نعم؛ هذا البحتري) أراد مدح أبي الخطاب الطائي؛ وقد كان ابن بسطام أحسن إلى أبي عبادة بمائتي دينار فجعلها أبو الخطاب آلافاً؛ وأضعفها وجازي ابن بسطام بها، فنظر البحتري وقد جازاه أضعافاً؛ وجعل مائنيه آلافاً، وقد كان يكفي
أن يزيده إلى الآحاد أنصافاً، فبنى قصيدته على هذه القافية حتى اتسق له ما أحب؛ وبلغ ما طلب فقال:
قضيت عني ابن بسطام صنيعته ... عندي وضاعفت ما أولاه أضعافاً
وكان معروفه قصداً لدي وما ... جازيت عني تبذيراً وإسرافاً
مئون عينا توليت الثواب بها ... حتى انثنت لأبي العباس آلافا
قد كان يكفيه فيما قدمت يده ... رباً يزيد على الآحاد أنصاف
وذكر أيده الله يوماً الشعر فقال: إن أول
(1/39)

ما يحتاج إليه فيه حسن المطالع والمقاطع؛ حتى قال: وإن فلاناً أنشدني في يوم نوروز قصيدة أولها بقبر، فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر.
فقلت: كذا كانت حال ابن مقاتل لما مدح الداعي الحسن بن زيد بن محمد فقال:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فنفر من قوله: لا تقل بشرى أنشد نفار؛ وقال: أعمى ويبتدئ بمثل هذا في يوم مهرجان.
لو تتبعت ما علقت وحفظت عن لأستاذ الرئيس في هذا الباب لاحتجت إلى عقد كتاب مفرد، ولعلي أفعل ذلك فيما بعد. وهو - مع هذا الفضل الباهر والعلم الزاخر - يرى قليل الآداب في غيره كثيراًن بل لا يرى قليلا، وبحسبك أنه ذكر يوماً أستاذنا أبا بكر بن الخياط النحوي فقال: أفادني في نقد الشعر فنا لم يكن عندي، وذلك انه جاءني يوماً باختيارات له، فكنت أرى المقطوعة بعد،
(1/40)

الأخرى لا تدخل في مرتضى الشعر؛ فأعجب من إيراده لها واختياره إياها، فسألته عنها فقال: لم يقل في معناها غيرها فاخترتها لانفرادها في بابها.
وذكر - أيده الله - اختيارات الشعر فقال: ليس فيها أحسن من كتاب الحماسة، ولقد نظرت في الدواوين لأجد ما يلحق لكل باب منه فلم أر ما يستحق الإضافة
إليه. قال: وخير الاختيارات بعدها اختيارات المفضل بإسقاط قصيدتي المرقش.
(1/41)

والآن حين أعود إلى ذكر المتنبي فأخرج بعض الأبيات التي يستوي الريض والمرتاض في المعرفة بسقوطها، دون المواضع التي تخفى على كثير من الناس لغموضها.
فأما السرقة فما يعاب بها؛ لاتفاق شعراء الجاهلية والإسلام عليها، ولكن يعاب أنه كان يأخذ من الشعراء المحدثين كالبحتري وغيره جل المعاني ثم يقول: لا أعرفهم ولم أسمع بهم، ثم ينشد أشعارهم فيقول: هذا شعر عليه أثر التوليد.
ولا عجب فهذا الصولي كان كثير الرواية حسن الأدب إلا أنه ساقط الشعر؛ يقول في كتاب الخلفاء - وقد حشاه بشعره -: إنما أثبت شعري ليعلم الناس أن في زمانهم من إن لم يسبق البحتري انتصف منه.
وليس في الإعجاب بالنفس نهاية، وكان بعض الناس يقول: أجاري البحتري وأباريه؛ وأناقضه وأساويه، فأملى الأستاذ الرئيس في ذلك قوله:
(1/42)

البحتري يروم غاية شعره ... من لا يقيم لنفسه مصراعاً
أنى يروم مناله من لو بغى ... تقويم قافية له ما اسطاعا
جذب العلاء بضبعه فأحله ... بين المجرد والسماك رباعا
وغدوت ملتزم الحضيض فكلما ... رفع الورى باعاً هبطت ذراعا
والله ولي التوفيق.
(1/43)

فأول حديث المتنبي أن لا دليل أدل على تفاوت الطبع من جمع الإحسان والإساءة في بيت واحد كقوله:
بليت بلى الأطلال أن لم أقف بها
وهذا كلام مستقيم لو لم يعقبه ويعاقبه بقوله:
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
فإن الكلام إذا استشف جيده ووسطه ورديئه كان هذا من أرذل ما يقع لصبيان الشعراء وولدان المكتب الأدباء.
وأعجب من هذا هجومه على باب قد تداولته الألسنة وتناولته القرائح واعتورته الأفكار وهو التشييب بإساءة لا إساءة بعدها، ثم أتي بما لا شيء أرذل منه سقوط لفظ وتهافت
(1/44)

معنى، فليت شعري ما الذي أعجبه من هذا النظم وراقه من هذا السبك؛ لولا اضطراب في النقد وإعجاب بالنفس.
ومن شعره الذي يتناهى له بالسلاسة؛ مع خلوه من الشراسة الموجودة في طبعه بيت رقية العقرب أقرب إلى الإفهام منه؛ وهو قوله:
نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام
فإن قوله: له فيك لو وقع في عبارات الجنيد أو الشبلي لتنازعته الصوفية دهراً طويلا
ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكاً في أمة بقوله:
بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي
(1/45)

فيتشوق إليه، ويخطئ خطأ لم يسبق إليه، وإنما يقول مثل ذلك من يرثي بعض أهله، فأما استعماله إياه في هذا الموضع فدال على ضعف البصر بمواقع الكلام.
وفي هذه القصيدة:
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الدقيق المغير نعم وهذه القصيدة يظن المتعصبون له إنها من شعره نهاية كقوله عز وجل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وكقوله: (فاصدع بما تؤمر)
وفيها يقول:
هذا أول الناعين طراً ... لأول ميتة في ذا الجلال
ومن سمع باسم الشعر؛ عرف تردد في انتهاك الستر
(1/46)

ولما أبدع في هذه المرثية واختراع قال:
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
وقد قال لي بعض من يغلو فيه: هذه استعارة، فقلت: صدقت ولكنها استعارة حداد في عرس فلا أدري هذه الاستعارة أحسن؛ أم وصفه وجه والدة ملك يرثيها بالجمال؛ أم قوله في وصف قرابتها وجواريها:
أتتهن المصائب غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال
ولما أحب تقريظ المتوفاة؛ والإفصاح عن أنها من الكريمات، أعمل دقائق فكره، واستخراج زبدة شعره، فقال:
ولا من جنازتها تجار ... يكون وداعهم نفض النعال
ولعل هذا البيت عنده وعند كثير ممن يقول بإمامته أحسن من قول القائل:
(1/47)

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تر إي القبر دل على القبر
وكان الناس يستبشعون قول مسلم:
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
حتى جاء هذا المبدع بقوله
وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
وأظن المصيبة في الراثي أعظم منها في المرثي.
ومن أطم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ والكلمات الشاذة؛ حتى كأنه وليد خباء وغذي؛ ولم يطأ الحضر؛ ولم يعرف المدر، فمن ذلك قوله يرثي طفلا
(1/48)

أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
وما أدري كيف عشق التوراب حتى جعله عوذة شعره، وليس ذلك سائغاً لمثله؛
وهو وليد قرية، ومعلم صبية.
ولما سمع قبله قد أبدعوا فقالوا:
بيد السماك خطامها وزمامها ... وله على ظهر المجردة مركب
تشبه بهم فجعل للبنين حلواء فقال:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
وما زلنا نتعجب من قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
فخف علينا بحلواء البنين، ولحق ما قال أبو بكر بن أبي قحافة لعلي بن أبي طالب: (وما من طامة إلا فوقها طامة).
(1/49)

وما زال يسمع الأقسام الشريفة في الشعر؛ كقول النابغة:
إذن فلا رفعت سوطي إلي يدي
وكقول الأشتر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إلى كثير من هذا الجنس للمتقدمين والمتأخرين والمخضرمين والمحدثين، فأراد التشبه بهم والصب على قوالبهم؛ فقال:
إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام
و (حينئذ) هاهنا أنفر من عير منفلت.
ومن ابتداءاته العجيبة وقوله لسيف الدولة في التسلية عن المصيبة:
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
(1/50)

ولا أدري لم لا يحزن الله الأمير إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق. أترى هذه التسلية عند أمته أحسن من قول أوس
أيتها النفس أجملي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا
ومن تعقيده الذي لا يشق غباره ولا تدرك آثاره قوله:
وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب
وما أشك أن هذا البيت عند حملة عرشه أوقع من قول حبيب:
إساءة الحادثات استنبطي نفقاً ... فقد أظلك إحسان ابن حسان
وسأله سيف الدولة عن صفة فرس يقوده إليه ويحمله عليه فقال أبياتاً؛ منها:
(1/51)

ومن اللفظ لفظة تجمع الوص ... ف وذاك المطهم المعروف
ومن هذا وصفه يقاد إليه المركب من مربط النجار.
وكنت أتعجب من كلام أبي يزيد البسطامي في المعرفة؛ وألفاظه المعقدة؛ وكلماته المبهمة، حتى سمعت قول شاعرنا هذا في وصفة فرس:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
وما أحسن ما قال الأصمعي لمن أنشده:
فما للنوى جد النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال
لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله.
ولم ينفك مستحسنون لجمع الأسامي في الشعر؛ كقول القائل
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعيينة بن الحارث بن شهاب
(1/52)

وكقول الآخر:
قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
فلما احتذى هذا الفاضل على طريقهم قال
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
فحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
وهذه من الحكمة التي ذخرها ارسطاطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس.
ومن بدائهه الظريفة عند متعلقي حبله؛ وفواتحه البديعة عند ساكني ظله قوله:
شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل
(1/53)

فلا أدري استهلاك الأبيات أحسن؛ أم المعنى أبدع؛ أم قوله (ترنج) أفصح؟؟.
ومن لغاته الشاذة وكلماته النادة قوله:
كل آخائه كرام بني الدن ... يا ولكنه كريم الكرام
ولو وقع (آخائه) في زايية الشماخ لا ستثقل، فكيف مع أبيات منه:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام
والكلام إذا لم يتناسب زيفه جهابذته وبهرجه نقاده
وله بيت لا أدري أمدح المقول له أم رقاه وهو قوله:
شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل
(1/54)

فلم يرض بأن سرق من بشار قوله:
والخيل سائلة تشق غبارها ... كعقارب قد رفعت أذنابها
حتى ضيع التشبيه الصائب بيت ألفاظ كالمصائب. والذي لا أمتري فيه أن عالما من المناضلين عنه عندهم أن (شوائل تشوال) أبدع في وصف الخيل من قول امرئ القيس:
له أيطلا ظبي وساقاً نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل
ومن أوابده التي لا يسمع طوال الدهر مثلها قوله في سيف الدولة:
لئن كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
وهذا التحاذق منه كغزل العجائز قبحاً؛ ودلال الشيوخ سماجة، ولكن بقي أن يوجد من يسمع، وفيها يقول:
فإن تكن الدولات قسماً فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول
(1/55)

فإن قوله: (الدولات) و (تدول) من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها
لجاء دراً.
ومن افتتاحاته التي تفتح طرق الكرب؛ وتغلق أبواب الروح عن القلب قوله:
أراع كذا كل الأنام همام ... وسح له رسل الملوك غمام
ولو لم يتكلم في الشعر إلا من هو أهله لما سُمع مثل هذا، ولكن الكلام قد جرى فيه مجرى الكلام في سعيد وبلال والخليدية والكثيفية.
ومن مبادئه التي تجمع مع استكراه الألفاظ وسقوط المعنى قبح الصنعة وفساد الصيغة قوله:
وما مطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدى هاطلات غمامه
ومن إسرافه الذي لا صبر عليه قوله:
(1/56)

يا من يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
فإنه أخذ قول الشاعر:
أصلحتني بالجود بل أفسدتني
فجعل الإفساد قتلا؛ عجزاً وبهوراً. هذا ومذهب الشعراء المدح بالإحياء عند الإعطاء؛ بالإماتة عند منع الحياء، ولهذا استحسن قول الشاعر:
شتان بين محمد ومحمد ... حي أمات وميت أحياني
فصحبت حياً في عطايا ميت ... وبقيت مشتملا على الخسران
ومن هؤلاء العوام الذين يتهالكون فيه من هذا عنده أبدع من قول البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسددت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالوصل حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
(1/57)

صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء
ومن ركيك صنعته في وصف شعره والزراية على غيره به قوله:
إن بعضاً من القريض هراء ... ليس شيئاً وبعضه أحكام
منه ما يجلب البراعة والذه ... ن ومنه ما يجلب البرسام
ومن هذا نتيجة قريحته في وصف الشعر كيف يطمع له فيه بإدعاء السبق؛ لولا التقليد الذي صار آفة العقول وعاهة الألباب.
ومما لم أقدره يلج سمعاً أو يرد إذناً قوله:
جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا أألا لا
(1/58)

وقد سمعت بالفأفاء ولم أسمع باللألاء؛ حتى رأيت هذا: التكلف المتعسف؛ الذي لا يقف حيث يعرف.
ومن استرسالاته إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل ولا يلتفت إليها فاضل قوله:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
فالمحول في الخدود من البديع المردود، ثم هذا الابتداء في القصيدة من النفور بحيث تضيق عنه الصدور ومن مدحه ببعد الغور، وقد غار فيه لعمري وما أنجد؛ قوله:
تتقاصر الإفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنى
فالمصراعان لتنافيهما يتبرأ أحدهما من الآخر تبرئي من
(1/59)

الكفار والمخالفين، ثم (الدنى) من الألفاظ التي لا يبلي الإنسان أن يعدم مثلها من شعره.
ومن شعره الذي يدخل في العزائم ويكتب في الطلسمات قوله:
لم تر من نادمت إلاكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
وأحسب أنه بهذا البيت أشد سروراً من أم الواحد بواحدها؛ وقد آب بعد فقد؛ أو بشرت به عقب ثكل.
ومن أبياته السنية الجماعية قوله:
لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين
وقلب هذه اللام بالنون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل - صلى الله
عليه - يرضى منه بهذا المجاز المحرم، والله - عز وجل - أعلم، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح.
(1/60)

ومن وسائط مقته قوله يحكي جور السلاف يستأذن في الانصراف:
قال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور
وذا انصرافي إلى محلي ... أآذن أيها الأمير
ولعمري أن الخمر إذا دبت في الكريم أسلت طبعه وأظهرت مثل هذا اللفظ له.
وكنت أقرأ كتب الألفاظ فلم أر أجمع من بيتين له؛ وهما:
الحازم اليقظ الأغر العالم ال ... فطن الألد الأريحي الأروعا
الكاتب اللبق الخطيب الواهب ال ... ندس اللبيب الهبرزي المصقعا
(1/61)

ولو كان هذا شعراً لخف الأمر وريم الكر
ومن اضطرابه في ألفاظه مع فساد أغراضه قوله:
قد خلف العباس غرتك التي ... مرأى لنا وإلى القيامة مسمعا
وللشعراء فن في اشتقاق المدائح من أسماء الممدوحين، كقول علي ابن العباس الرومي:
كأن أباه حين سماء صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
فقيل المتنبي من ذلك حبلا اختنق به فقال:
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجب
ومن عيون قصائده التي تحير الإفهام، وتفوت الأوهام وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقي وبالأعداد الموضوعة للموسيقي قوله:
(1/62)

أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة، أي هزة تبقى هناك، وأي
أريحية تثبت إذ ذاك
ومن مساءلته الطلول البالية - وكلامه اشد منها بلى وأكثر أخلاقاً - قوله:
أسائلها عن المتديريها ... فما تدري ولا تذري دموعاً
فإن لفظة (المتديريها) لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقي ثقلها على حبل سام لهذه، وليس لها في المقت غاية، ولا في البرد نهاية.
(1/63)

وهاهنا بيت نرضى باتباعه حكماً فيه، وما ظنك بمحكم مناوئية؛ ثقة بظهور حقه وايراء زنده، وإن لم يكن التحكيم من بعد أبي موسى من جيد الحزم ومرضى العزم، وهو:
أطعناك طوع الدهر يا ابن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرغم
وإن كنا قد حكمناهم فما يبعدهم من أن يفضلوه على قول أبي عبادة:
عرف العارفون فضلك بالعل ... م وقال الجهال بالتقليد
نعم ويقدمونه على قوله:
لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه
وبلغني أنه كان إذا أنشد شعر أبي تمام قال: هذا نسج مهلهل وشعر مولد؛ وما أعرف طائيكم هذا. وهو دائب يسرق منه ويأخذ عنه، ثم يخرج ما يسرقه في أقبح معرض كخريدة
(1/64)

ألبست عبادة وعروس جليت في مسوح، ولو آتي على أفراد سرقاته لطال ذلك، لكنه تعرض في هذا المكان على اختصار، ولولا خوف تضييع الأوقات لأطلت في هذا المكان.
ومما يتصل بالفن المتقدم:
فمن ذلك قوله:
عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت وهو العظم عظم من العظم
فما أكثر عظام هذا البيت، ولو وقع عليه أبو الكلاب بجميع كلابه وهي جائعة
لكان فيه قوت، ومع أنه من قول حبيب بن أو س الطائي:
تعظمت عن ذاك التعظم فيهم ... وأوصاك نبل القدر أن تتنبلا
وكان الرجل محرباً فقال في صفة الحرب وما تنتج من رعب القلب
(1/65)

فغدا أسيراً قد بللت ثيابه ... بدم وبل ببوله الأفخاذا
فكأنه حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرني والآزاذا
فلا أدري أكان في حرة الحرب أم في سوق التمارين بالبصرة.
ومن افتخاره بنفسه وما عظم الله من قدره قوله:
أنا عين المسود الجحجاح ... هيجتني كلابكم بالنباح
ولا أدري أهذا البيت أشرف أم قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
وعهدت الأدباء وعندهم أن أبا تمام
أفرط في قوله:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... أس إلا من فضل شيب الفؤاد
(1/66)

فعمد هذا إلى المعنى فأخذ ونقل الشيب إلى الكبد وجعل له خضاباً ونصولاً فقال:
إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيباً إذا خضبته سلوه مصلا
ومن مبادئه التي تنبئ عن ركوبه لرأسه وعشقه لنفسه قوله:
لجنيه أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف
وفي هذه القصيدة سقطة عظيمة لا يفطن لها إلا من جمع في علم وزن الشعر بين العروض والذوق وهو:
تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
وذلك أن سبيل عروض الطويل أن يقع مفاعلن، وليس
(1/67)

يجوز أن تأتي مفاعلين في
العروض إلا إذا كان البيت مصرعاً، اللهم إلا أن يضع هو عروضاً وتكون له دائرة منفردة. وهذه العروض قد ألزمت القبض، لعلل ليس هذا موضع ذكرها، ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على عروض فما نجد له على خطأ مساغاً.
ومنها بيت قد حشا تضاعيفه بالضعف وهو:
ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وهؤلاء المتعصبون له لا يقبح عندهم أن ينقشوا هذا البيت على صدر الكعبة وينادي في الناس: قعوا له ساجدين.
وله وقد غاص فأخرج جند له:
(1/68)

لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وأنا أقول: ليت حواء عقمت ولم تأت بمثلهن بل ليت آدم أجفر فلم يكن من نسله. وما أظرف قول الحسن
فرحمة الله على آدم ... رحمة من عم ومن خصصا
لو كان يدري أنه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى
ومن تصريفه الحسن وضعه التقييس موضع القياس في قوله:
بشر تصور غاية في آية ... تنفي الظنون وتفسد التقييسا
ويليه بيت إن لم يسح أصحابه منه سلمنا لهم؛ وهو قوله:
وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسى
(1/69)

وليس بالحلو قوله فيها:
صدق المخبر عنك ودنك وصفه ... من في العراق يراك في طرسوسا
ومما انتصف فيه عند نفسه؛ وكان الباحث عن مديته، والكاشف لعورته؛ قوله:
رماني حساس الناس من صائب أسته ... وآخر قطن من يديه الجنادل
وقد كنت أسمع رواية المتعلمين بيناً للخيل بن أحمد؛ وهو:
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
فاقتفاه شاعرنا هذا وغبّر في قفاه فقال:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
وفي رافعي رايته من يشغف بهذا البيت أشد من شغفنا بقول أبي تمام:
(1/70)

أبا جعفر إن الجهالة أمها ... ولود وأم العلم جذاء حائل
ومن ترفعه وإفصاحه عن عظيم محله وإبانته عن علو همته قوله:
وربما يشهد الطعام معي ... من لا يساوي الخبز الذي أكله
وما أدري إلى أين ينخفض قائل هذا المقال في سقوط النفس والسفال.
ومن تشبيهانه المتناسبة في الخذلان قوله:
وشوق كالتوقد في فؤاد ... كجمر في جوانح كالمحاش
ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه (الغاش)، وهذا ما لا أعلم سامعاً باسم الأدب سوغه وسمح فيه فجوزه، وذلك في قوله:
(1/71)

كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش
وإن جاز هذا جاز أن يقال: عباس بن عبد المطلب والشماخ بن ضرار تشدد الباء من عباس والميم من الشماخ، على أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه؛ إذ كان لفظ (فاعل) يبنى على (فعل) مشدد ولا يزال يركب القول في الصعبة ثقة بالقريحة السمحة، فيبتدئ زاييته بقوله:
كفر ندي فرند سيفي الجراز ... لذة العين عدة للبراز
حتى إذا امتد به النفس قال:
ديوان المتنبي: 137، وفيه (تقضم الجمر).
يقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز
(1/72)

وهذا السكر إذ جمع بينه وبين البرني والازاذ فيما تقدم من شعره تم له الأمر، وليس العجب منه ولكن ممن يظنه معصوماً لا يرى زللا؛ ولا يجد في شعره خللا وفي هذه القصيدة يصف الممدوح ومعرفته بالمديح فيقول
ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز
وفي أقل مما ذكرنا غني للمصنف، وإن لم يكن في أكثر منه كفاية للمتعسف.
ومما دلنا به على حفظه الغريب قوله:
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
يريد بالجفخ البذج والفخر؛ من قول الشاعر:
(1/73)

أتوعدني بجفخ بني عمير ... وقد أفحمت شاعر كل حي
ومن قول الآخر:
أجفخاً إذا ما كنت في الحي آمنا ... وجبناً إذا ما المشرفية سلت
وليس هذا بسائغ لمثله؛ وهو ولد قرية ومعلم صبية
وله يريد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى بأخرى الخزايا فقال:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها، والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليهن فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب وأوضع من هذا التبسط.
ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا
(1/74)

وكانت الشعراء تصف المآزر وتكني بها عما وراءها تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد له غيره فقال:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
وكثير من العهر أحسن من عفاف هذا الشاعر
هذه - أيدك الله - مقدمة علقتها ليستدل بها على ما بعدها، ولو أتيت بنظائرها مما أخرجت من شعره لأضجرت القارئ وأمللت السامع، وإن دام هؤلاء الاغمار على النقار لم يعدموا الزيارة ولم يفقدوا الزيادة.
(1/75)

فمن شاء فليعذر ومن شاء فليلم ... فللصدق أولى من وفاق البهائم

تمت الرسالة، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.
(1/76)