Advertisement

الفلاكة والمفلوكون



الكتاب: الفلاكة والمفلوكون
المؤلف: أحمد بن علي بن عبد الله، شهاب الدين الدَّلْجي المصري (المتوفى: 838هـ)
الناشر: مطبعة الشعب، مصر
عام النشر: 1322 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لمن يستحق الحمد لذاته وهويته، ويستوجب الشكر لكمال إلهيته، وتتقاصر الأوهام عن دقائق أقداره وأقضيته، وتتحير الأفهام في لطائف آلائه ورأفته وتدهش العقول في كمال مصنوعاته وحكمته، وتقف الأفكار حيرى في كبريائه وقاهريته. الخلق مقهورون محجوجون بساطع حجته، والقلوب في تصرفه يقلبها كيف يشاء على وفق مشيئته. ما من شيء إلا وفي خزائنه غير معدوم، وما ننزله إلا بقدر معلوم. {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}. على علمه الخير والشر، والنفع والضر، والحركة والسكون، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره كل في فلك يسبحون. جعل لكل أجل كتاباً، وللمسببات أسباباً، وربط المسببات بالأسباب وهو خالق الأسباب والمسببات، وأوقع الشبع عقيب الأكل دائما على العادة وهو غني عن العادات، وهب العقل فيسربه سواء السبيل، وركب الحرق فنقص به الخط من التحصيل. {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنه على صراط مستقيم}، {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}. أغنى وأقنى، وأضحك وأبكى وأمات واحيا. {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم أشد عذاب أليم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي بإذنه إلى صراط مستقيم {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف
(1/1)

رحيم} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذويه، وسائر أتباعه وأوليائه ومحبيه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد، فقد منحتكم يا معشر إخواني المفاليك كتاباً بديع المثال، منسوجاً على غير منوال، مخترعاً من غير سابقة مثال مسلاة وتمثلا وحكمة وعللا، تتخذونه مفاكهة وأمثالاً، وتتصرفون به في ظنونكم رداً وأعمالاً، وتنزعون به أيديكم من ربقة انتزاعاً، وترفعون به نحو الأغراض والمقاصد شرعاً.
وكان المحرك لهذه الكتابة أن سائلا سأل عن السبب في علية الفلاكة والإهمال على نوع الإنسان، فصادف مني نشاطاً للكلام في ذلك نفشة مصدور وضربة موتور، وناراً ساكنة ألقمها حطباً، ودعوة وافقت إرادة ومطلباً.
وأنا أعتذر عما لا يوافق الغرض ولا يصيب الغرض، وعن استبدال الجوهر بالعرض، بأن استكشاف أسرار الدقائق واستشفاف أنوار الحقائق مما يتعذر أو يتعسر مع العوائق البدنية والصوارف النفسانية، ولو كان الخاطر صقيلا باتراً ومواد الكلام بحراً زاخراً، فكيف إذا كانت الفكرة كليلة، والبضاعة من العلم قليلة، والصوارف متناصرة، والبواعث متقاصرة والشواغل إلى حد المنع من معاودة التنقيح والتهذيب، والوقت ضيق عن اختيار الألفاظ وجودة الترتيب، والكتب مفقودة أو مستعارة، والهموم تشن غارة بعد غارة.
هذا مع إن المخترعات التي لم تسبق بتصنيف ولا بتدوين وترصيف لا تبلغ بها الفائدة نصابها، وتفتح للمعاذير أبوابها. ومن الله استمد العصمة من وصمة الغلط، وغوائل الأوهام وبوادر السقط، وأن يوفقنا لإخلاص النية وإحسان الطوية.
ورتبت مقصود هذا الجمع في فصول:
الفصل الأول: في تحقيق معنى المفلوك الذي قصر عليه هذا الكتاب.
الفصل الثاني: في خلق الأعمال وبيان أن لا حجة للمفلوك في التعلق بالقضاء والقدر.
الفصل الثالث: في أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسباب وان الزهد لا ينافي كون المال في اليدين.
الفصل الرابع: في الآفات التي تنشأ من الفلاكة وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها.
الفصل الخامس:
(1/2)

في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك.
الفصل السادس: في مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة ليس إلا بعد كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف وبيان السبب في ذلك.
الفصل السابع: في علية الفلاكة والإهمال والإملاق على نوع الإنسان وبيان السبب في ذلك.
الفصل الثامن: في أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية.
الفصل التاسع: في أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس والمبالغة في الاعتذار إليهم وإظهار حبهم ومناصحتهم من أحسن أحوال المفلوكين وأليق الصفات بهم وأفضى الطريق بهم إلى مقاصدهم وبيان الدليل على ذلك.
الفصل العاشر: في تراجم العلماء الذين تقلبت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل.
الفصل الحادي عشر: في مباحث تتعلق بالفصل قبله ومن المباحث النكبات الحاصلة للأعيان.
الفصل الثاني عشر: في أشعار المفلوكين أو من في معناهم وما فيها من مقاصد شتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة.
الفصل الثالث عشر: في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة نختم به الكتاب.

الفصل الأول
في تحقيق معنى المفلوك
هذه اللفظة تلقيناها من أفاضل العجم، ويريدون بها بشهادة مواقع الاستعمال الرجل الغير المحظوظ المهمل في الناس لإملاقه وفقره، وليس في صحاح الجوهري ولا في القاموس المحيط في هذه المادة مل يصلح لهذا المعنى إلا قول صاحب القاموس (فلك تفليكا: إذا لج في الأمر) فإنه يمكن أن يجعل مصححا لهذا الاستعمال.
وبيانه أن اللجاج لازم الإملاق، فإنه يلزم من الإملاق وعدم الحظ اللجاج، فيكون من باب إطلاق اللازم وارادة الملزوم.
وهذا مع ما فيه من التكلف مردود بأنه فعل تفعيلا لا يصح أن يكون اسم المفعول منه بزنة مفعول، والذي يظهر إنه مأخوذ من الفلك الذي هو جسم محيط بالعالم، فكأن الفلك يعارض غير المحظوظ في مراده ويدافعه عنه فان قيل: هذا فاسد لفظاً ومعنى: أما اللفظ فلأن الفلك اسم جامد لا يصح أن يشتق منه صيغة مفعول، ولا يصح اشتقاقه من الفلك
(1/3)

لما فيه من معنى الاستدارة، لأن الفلاكة بمعنى عدم الحظ ليست من معنى الاستدارة في شيء ولا على المجاز، على معنى أن عدم الحظ لما استلزم الحركة والاضطراب والجولان كان إطلاقها وإرادته من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، لأن اللزم لعدم الحظ هو مطلق الحركة والاضطراب لا لحركة المقيدة بالاستدارة، وأما المعنى فإن اشتقاقه من الفلك على معنى أن الفلك يعارضه في مراده ويدافعه عنه غير مستقيم، لما تقرر في الكتب الكلامية أن الله تعالى هو خالق كل شيء.
فالجواب عن الأول أن اشتقاق المفلوك من الفلكغير ممتنع، فقد قالوا (رأسته) بمعنى ضربت رأسه، و (رأيته) بمعنى أصبت رئته، وابلغ من ذلك اشتقاقهم من الحروف كما في اشتقاق (احاشي) من الحاشا الحرفية الاستثنائية في أحد التخريجين في قول من قال:
(ولا أحاشي من الأقوام من أحد)
وأبلغ من ذلك اشتقاقهم من لفظ الجملة كالحوقلة والبسملة والهيللة وعن الثاني أن ذلك من قبيل المجاز العقلي، وهو نسبة الشيء إلى زمانه مجازاً تشبيهاً للتلبس الغير الفاعل بالتلبس الفاعلي، ويشهد لذلك ما قاله العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم، (الشؤم في ثلاثة أو أن يكن الشؤم ففي المرأة والدار والفرس) على اختلاف
الروايتين جزما وتعليقا من أن ذلك على المجاز والاتساع، أي قد يحصل الشؤم مقارناً لها وعندها لا أنها هي في أنفسها مما توجب الشؤم، فقد تكون الدار قد قضى الله تعالى أن يمت فيها خلقاً من عباده، كما يقدر ذلك في البلد بالطاعون والوباء، فيضاف ذلك إلى المكان مجازاً، والله خلقه عنده وقدره.
فقد صح بهذا التقرير جواز أخذ المفلوك من الفلك، على معنى إنه الذي يعارضه الفلك في مراده على جهة التجوز. ولو سلم أن السعود والنحوس لا تدور مع حركات الأفلاك دائماً لم يكن ذلك قادحاً في صحة التجوز، لأن إضافة الفعل إلى زمانه مجازاً لا تحتاج إلى كون القضية دائمة، كما في قولهم (نهاره صائم وليله قائم) وأمثاله مما لا يحصى.
على أنا نقول: اللغة اصطلاحية على قول، والألفاظ العلمية التي يدير عليها أهل كل علم - كالرفع والنصب للنحاة مثلا - اصطلاحية إجماعاً ووفاقا. ووجه اختيار لفظ الفلاكة على الفاقة والإملاق والفقر ونحوها أن هذه الألفاظ الثلاثة ونحوها نص صريح في مدلولها، بخلاف لفظة الفلاكة والمفلوك، فإنه يتولد منهما بمعونة القرائن معان لائقة بالمقامات على كثرتها وتفاوتها.
(1/4)

الفصل الثاني
في خلق الأعمال وما يتعلق به
أما مذهب إمام الحرمين وجمهور الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة فهو أن الله تعالى يوجد للعبد القدرة والإرادة، ثم تلك القدرة والإرادة يوجبان وجود المقدور.
ومذهب أكثر المعتزلة أن القدرة الحادثة موجبة الحدوث مقدورها، وإنه لا تأثير للقدرة القديمة فيه.
ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه والقاضي أبي بكر الباقلاني في أحد أقواله والبخاري من المعتزلة إنه لا تأثير للقدرة الحادثة في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاته وإن أجرى الله العادة بخلق مقدورها مقارناً لها، فيكون الفعل خلقاً من الله إبداعاً وأحداثاً وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته.
واختلف في تفسير الكسب على قولين: (أحدهما) أن ذات الفعل تحصل بقدرة الله تعالى وكونه طاعة ومعصية، كما في لطم اليتيم تأديباً وإيذاء صفات له تابعة لوجوده يحصل بقدرة العبد، لأن مفهوم الفعل أعم من خصوص كونه قياماً وقعوداً وما به التمايز غير ما به الاتحاد، فما به التمايز هو الكسب. صرح بذلك الأبهري في شرح المواقف وبعض شراح الطوال، ولكن المشهور إيراده مذهباً للقاضي أبي بكر الباقلاني وأخذاً من أقواله.
(القول الثاني) وهو المشهور في تفسير الكسب إنه تصميم العزم على الفعل، على معنى أن الله تعالى أجرى عادته بأن العبد إذا صمم العزم على المعصية يخلق الله تعالى فعل المعصية فيه، فالعبد وإن لم يكن موجداً إلا إنه كالموجد. واستدلت الأشاعرة على مطلوبهم بمسالك كثيرة ضعفها الآمدي في أبكار الأفكار، ولم يرتض منها إلا مسلكين أخصرهما لو كان العبد خالقا لأفعال نفسه للزم وجود خالق غير الله، ووجود خالق غير الله محال، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.
وأما المعتزلة فاستدلوا على مذهبهم بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد، وهو إنه لولا استقلال العبد بالفعل لبطل مدح العباد وذمهم على الطاعات والمعاصي، إذ لا يمدح زيد ولا يذم بما يفعله عمرو من طاعة أو معصية، وإلا ارتفع الثواب والعقاب لأن العبد إذا لم يكن موجداً لفعله لم يستحق ثوابا ولا عقاباً، وكان الله
مبتدئا بالثواب والعقاب من غير استحقاق من العبد لذلك، ولو
(1/5)

كان كذلك لجاز عقاب الأنبياء وثواب الكفرة الأغبياء، ولم يبق لأحد وثوق بعمله. ولا يخفى ما في ذلك من تشويش الدين والخبط في الشريعة.
وأيضاً لولا الاستقلال لبطل التكليف بالأوامر والنواهي والتأديب، لأنه إذا لم يكن العبد موجداً لأفعاله فكيف يصح عقلا أن يقال: ائت بفعل الإيمان والصلاة والزكاة ولا تأت بالكفر وشرب الخمر والزنا، لأنه تكليف بما لا يطاق، وليطل أيضاً فائدة بعث الأنبياء، وهي دعوة المكلفين إلى فعل الطاعات وزجرهم عن المعاصي إذا لم يصدر منهم عمل فيلزم التكليف بما لا يطاق.
والجواب بمنع الملازمات: أما في المدح والذم فلأنهما باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية، إذ لا يجوز أن يمدح الشيء لحسنه وسلامته ويذم لقبحه وعاهته، فتمدح الجوهرة لحسنها وصفائها ونقائها من العيوب. وأما الثواب والعقاب فلأن عادة الله جارية على خلق الثواب عقيب خلق الطاعات وعلى خلق العقاب عقيب خلق المعاصي، لا أن العبد يوجد الطاعة والمعصية وهما يوجبانهما، كما يخلق الشبع عقيب خلق الأكل والاحتراق عقيب مسيس النار وإن قدر على أن يخلقها ابتداء.
وقولهم: (لو لم يكن الثواب جزاء فعل العبد لجاز عقاب الأنبياء وثواب الكفرة) قلنا: مسلم ولكن جوازاً تحيله العادة أو لا تحيله العادة الأول مسلم والثاني ممنوع، فلا يشك في انتفاء ما ذكروه وان كان جائزاً عقلا، وأما حديث التكليف والتأديب والبعثة والدعوة فلأنها قد تكون دواعي الفعل وأجرى الله العادة بترتيب آثارها عليها.
وتخليصه أن الأشاعرة لما وردت عليهم هذه الشبهة ورأوا أيضاً تفرقة بديهية بين ما نزاوله من الأفعال الاختيارية ومن حركة المسحور على وجهه والمرتعش، وذادهم ومنعهم البرهان الدال على أن الله خالق كل شيء عن أضافه الفعل إلى
اختيار العبد مطلقاً جمعوا بين الأمرين واثبتوا الكسب على التفسيرين السابقين، فإما أن يقال كون خصوص الفعل من كونه طاعة ومعصية واقعاً بقدرة العبد كاف في تكليفه وتأديبه ودعوته، وأما أن يقال العبد إذا صمم على الطاعة يخلق الله فعل المعصية فيه وإذا صمم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه. وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وان لم يكن موجداً، وهذا القدر كاف في التكليف والتأديب والدعوة.
وهذا أيضاً مشكل، لأن الدواعي والتصميم على فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى، فلا مدخل للعبد أصلا. ووجه الاعتذار عن هذا الإشكال كما
(1/6)

قرره الأصفهاني أن الله تعالى يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن تكون القدرة والإرادة لذاتهما اقتضت أن لهما مدخلا في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله إياهما على هذا الوجه ثم يقع الفعل بهما، فإنه جميع المخلوقات يخلق الله بعضها بلا واسطة وبعضها بوساطة أسباب، لا بأن تكون تلك الوسائط والأسباب لذاتها اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات. بل بأن خلقها الله تعالى بحيث لها مدخل، فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى، أو مقدورة للعبد بقدرة خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل.
والغرض من هذا الفصل إقامة الحجة على المفلوكين وقطع معاذيرهم وإلجامهم عن التعلق بالقضاء والقدر، وإنه متى نعيت إليهم فلاكتهم أو نودى عليهم بها كان ذلك متجهاً مخيلاً، لأنهم إما فاعلوها استقلالا أو مشاركة وأما بالمحلية والمدخلية على ما سبق تحقيقه.
ولو سلم أن ذلك من باب القضاء والقدر الصرف أو فرضت فلاكة سماوية صرفة، فكلمات العلماء في مجاري أبحاثهم طافحة بأن القضاء والقدر لا يحتج
به، وذلك لما روى مسلم في صحيحه {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتمع آدم مع موسى فقال له موسى: يا آدم أنت خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى}.
قال النووي في شرحه: فإن قلت: فإن العاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها الله علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وان كان صادقاً فيما قاله. فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومة وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يكن في القول المذكور له فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل - انتهى.
فانظر كيف اعترف بحجية السؤال واعتذر في الجواب بأن الحديث ليس منه، والقضاء والقدر وإن لم يحتج به في الدنيا فجائز أن يحتج به الأنبياء في الآخرة لعلو مقامهم عن الإيذاء والتخجيل، وإذا ثبت أن القضاء والقدر لا يحتج به في المعاصي فغيرها كذلك، إذ لا قائل بالفرق أو المقايسة، لأن العلة التي اقتضت المنع من الإحتجاج بالقدر في المعاصي مطردة في غيرها من أقداره تعالى بالمناسبة والاخالة.
(1/7)

الفصل الثالث
في أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسباب
وأن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين
ومقصود هذا الفصل يحصل بالكلام على مقامين:

المقام الأول مقام التوكل
التوكل في اللغة عبارة عن إظهار العجز والاعتماد على الغير، وخص بما يكون الاعتماد فيه على الله تعالى:
وفي الاصطلاح عبارة عن دوام حسن ملاحظة القضاء والقدر في جميع الحوادث دون اقتصار النظر على الأسباب الطبيعية، ودوام حسن الملاحظة بجامع التعلق بالأسباب ولا ينافيها. وحينئذ فحركة العبد ببدنه أو بتدبيره إما لجلب نفع كالكسب أو حفظه كالادخار أو دفع ضر كمقاومة الصائل أو قطعه كالتداوي: فأما جلب المنافع ودفع المضار ورفعها فإمضاء الأسباب إليه إما مقطوع به وهي الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله تعالى ارتباطاً مطرداً. وأما مظنون ظناً يوثق به وهي المسببات التي ارتبطت ارتباطاً أكثرياً بحيث لا يحصل بدونها إلا نادراً. وأما موهوم وهماً لا يوثق به ولا يطمأن له.
فأما المقطوع بإفضائه والمظنون إفضاؤه من الجلب والدفع والرفع كمد اليد إلى الطعام الحاضر واستصحاب الزاد في السفر في البراري المقفرة والمتنحي عن مجرى السيل وعن مفترس الأسد وترك النوم تحت الجدار المائل وإغلاق الباب وعقل البعير والتداوي بالأمور المجربة، فكل ذلك لا ينافي التوكل، وإهماله مراغمة لحكمة الله تعالى في نصب الأسباب وعدم الاكتفاء بالقدرة المجردة، وجهل بسنة الله وعادته. فمن ترك الوقاع ومد اليد إلى الطعام وإبلاغه بإطباق أعالي الحنك على أسافله، وانتظر أن يحصل له ولد كما ولدت مريم عليها السلام أو أن يخلق الله له الشبع بغير أكل أو يرسل ملكاً فيمضغه ويدخله في فيه فهو مجنون جاهل بالشريعة، لأن الاكتساب لإحياء النفس واجب، والاكتساب لنفقة الزوجة والبعض أصلا كان فرعاً في الثالث الصحيح واجب أيضاً، ولأن إهمال العيال حرام وإهلاك النفس جوعاً حرام وإغلاق الباب عليه وسد طريق العلم به وامتحان قدرة الأرزاق حرام، وتصبير النفس على الجوع لمن لا تطيق نفسه من
ذلك وتضطرب عليه حرام كما قال
(1/8)

على (الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل) - انتهى.
وقد قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما أهمل بعيره وقال توكلت على الله: {أعقلها وتوكل على الله}.
وقال تعالى: {خذوا حذركم} وقال في كيفية صلاة الخوف: {وليأخذوا أسلحتهم} وقال {وأعدوا لهم ما استطعتم} وقال لموسى {فأسر بعبادي ليلا} والتحصن بالليل لإخفائهم عن عين العدو نوع تسبب، واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار عن عين الأعداء للضرر وأخذ السلاح في الصلاة سبب مظنون.
وأما الموهوم إفضاؤه دفعاً وتحصيلا كالرقبة والكي والاستقصاء في حيل المعيشة والتدبيرات الدقيقة من وجوه الاكتساب فذلك كله مناف للتوكل، لأنه من ثمرات الحرص وحب الدنيا لا لمنافاته التوكل بالذات، لأنا قد قدمنا أن التوكل عبارة عن دوام حسن ملاحظة القضاء والقدر في جميع الحوادث، وهذا إنما ينافي الاستقصاء وتدقيق باختلاف اللوازم لا بالذات، فحينئذ التوكل هو عدم الاعتماد على الأسباب مفضية كانت إلى مسبباتها بالقطع أم لا، وأن يكون الاعتماد على خالقها، فإن اليد والطعام وقدرة التناول مثلاً كلها من قدرة الله تعالى، وكيف يتكل على اليد وغيرها وربما تفلج في الحال ويهلك الطعام، أو يحدث من تناوله مرض يؤدي إلى الهلاك، أو يتسلط على زاد المسافر غاصب أو سارق وما شاكل ذلك من الآفات، فيجب أن يعتمد على فضل الله تعالى في دفع جميع هذه الأشياء.
فقد بان واتضح مما قررناه أن ليس من شرط التوكل ترك الأسباب وإطراحها وإهمال الكسب بالبدن والتدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة اللعى أو كلحم على وضم. فإن ذلك كله حرام في الشرع ولن يتقرب إلى الله بمحارمه.
وأما الادخار فما كان منه مع فراغ القلب عن المدخر فليس من ضرورته بطلان
التوك، هكذا صرح به في الإحياء، وأما غيره فمن انزعج قلبه بترك الادخار واضطربت نفسه وتشوشت عليه عبادته وذكره واستشرف إلى
(1/9)

ما في أيدي الناس فالادخار له أولى، لأن المقصود إصلاح القلوب لتتجرد لذكر الله، ورب شخص يشغله عنه وجود المال ورب شخص يشغله عدمه، والمحذور هو الشغل عدءاً كان أو وجوداً، فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها، ولذلك بعث صلى الله عليه وسلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار والمحترفون أي أهل الحرف والصنائع - فلم يأمر التاجر بترك تجارته ولا المحترف بترك حرفته، ولا أمر التارك لهما بالإشغال بهما، بل دعا الكل إلى الله وأرشدهم إلى أن نجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا، فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوي ترك الادخار، وكذلك المعيل لا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبراً لضعفهم وتسكيناً لقلوبهم.
وقد ادخر صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنته، وأما نهي أم أيمن عن أن تدخر شيئاً لغد، ونهي بلال عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها وقال {انفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا} فلأن الادخار يضر بعض الناس دون بعض، وكذلك ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن، فقال صلى الله عليه وسلم (فتشوا ثوبه) فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلى الله عليه وسلم (كيتان).
وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالاً كثيرة فلا يقال ذلك في حقه، ووجه الجمع بين هذين الأمرين أن إظهار الزهد والفقر والتوكل مع تلك الدنانير تلبيس.
قلت: رأيت في ترجمة النجم الخبوشاني الأمار بالمعروف النهاء عن المنكر للملوك فمن دونهم الذي يضرب به المثل في الزهد إنه لما مات وجدوا له ألوف
دنانير، هذا مع مبالغة المترجمين له في الثناء عليه، ومع ما في ترجمته من إنه كان يصوم ويفطر على خبز الشعير ويركب الحمار وآنية بيته كلها خزف، فهذا الكلام مع نبوه عن هذا المقام سهل ذكره ما ذكره العلماء في الجمع بين حديث الدينارين وعدم إنكار الأقوال الكثيرة في ميت آخر وان ذلك لما أن إظهار الزهد والباطن بخلافه تلبيس، فما عجب لحال الخبوشاني وأعجب ولا تغتر.

المقام الثاني في أن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين
الزهد في اللغة الرغبة عن الشيء، خصص بما يكون الرغبة فيه عن الدنيا. وفي الاصطلاح ترك المباح المحبوب المقدور عليه لأجل الله.
وفي ضابطه قيود:
(الأول) - ترك المباح. فتارك المحظورات لا يسمى
(1/10)

زاهداً.
(الثاني) - المحبوب، فتارك ما لا يؤبه إليه كالتراب والحجر لا يسمى زاهداً.
(الثالث) - كونه لأجل الله، فبذل المال وتركه على سبيل السخاء والفتوة واستمالة القلوب والطمع في الثناء لا يكون زهداً، إذ الذكر والثناء وميل القلوب أهنأ من المال، فهو استعجال حظ آخر للنفس.
(الرابع) - المقدور، فمن ترك ما لا يقدر عليه كغير ابن أدهم من أمثالنا في دعوى الزهد في الملك لا يكون زاهداً. وفي إفراد المباح إشارة إلى أن الزهد يتبعض كما أن التوبة تتبعض، فمن ترك بعض التمتعات من الشهوة والغضب والرياسة دون بعض كان زاهداً.
وأما القانع فهو المرجح لوجود المال على عدمه ترجيحاً لا يحمله على الدأب فيه، فقولنا (المرجع) خرج به من لا يحب حصوله ولا يكره زواله وهو الراضي، وقولنا (ترجيحاً لا يحمله على الدأب فيه) خرج به من يتركه عجزاً ويسعى فيه ما وجد إليه سبيلا وهو الحريص.
وهذه المرتبة - وهي مرتبة الحرص - وإن كانت دنيا فإن لها فضلا لدخولها تحت العمومات الواردة في فضل الفقر، وذلك جمع بين قوله صلى الله عليه وسلم {يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام} وبين قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر (بأربعين خريفاً) أي أربعين سنة، بأن الأول تقدير تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، والثاني تقدير تقدم الفقير الحريص على الغني الراغب، فكأن الفقير الحريص على درجتين من خمسة وعشرين درجة من الفقير الزاهد، إذ هذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم {يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا} فلا يقتضي أن الحريص لا ثواب له على فقره، لأن العمومات تقتضي أن له ثواباً، فلعل المراد بعدم الرضا الكراهة لفعل الله من حبس الدنيا عنه، ورب راغب في المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله ولا كراهة لفعله.
إذا عرفت تمايز هذه الحقائق بمسمياتها وأسمائها فاعلم أن وجود المال في اليدين لا في القلب ودخول الدنيا على العبد وهو خارج عنها لا ينافي الزهد، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح، فكم من الرهابين من رد نفسه في كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازم ديراً لا باب له، وإنما أعلى المقامات أن يستوي عند القلب وجود المال وفقده، فإن وجده لم يفرح ولم يتأذ،
(1/11)

وكذلك إن فقده.
وقد روي عن عائشة أنها فرقت في يوم مائة ألف درهم، فقالت لها جاريتها: هلا شريت لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت. وذلك لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله والمشغول ببعض نفسه
مشغول عن الله أيضا، بل كل ما سوى الله.
مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه به منصرف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه، فكما أن النظر إلى غير المعشوق بحب شرك كذلك النظر إلى غيره ببغض شرك فيه ونقص.
وأما هروب الأنبياء والأولياء والأكابر من الدنيا فذلك لأن الدنيا خداعة مدعاة إلى الشهوات والراحة في بذلها أنس بغير الله، والأنس بغير الله بعد عن الله، فالأنبياء والأولياء يتركون الدنيا للتشريع والتعليم والخوف على أتباعهم من أن يتشبهوا بهم مع عدم قوتهم فيهلكوا. ومن دونهم ممن لا قوة له يترك ذلك احتياطاً وحزماً، فإن استواء الذهب والحجر في القلب عسير ومزلة قدم، وهو حال الأنبياء وأفراد الأولياء.
ويوضح لك أن المال في اليدين بدون القلب لا ينافي الزهد، إن خزائن الأرض حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها. وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان يتصدق بها بين أريس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار، وكان للزبير عند وفاته خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
قال عروة: كان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة. وترك عبد الرحمن ابن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة. قال ابن سيرين: كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً.
قال أبو الأسود عن عروة: أوصى عبد الرحمن
(1/12)

بن عوف في السبيل بخمسين ألف
دينار. وروى موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة الف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالأعراض له غلات، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، وقضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم.
وقال الواقدي: حدثني اسحق ابن يحيى عن موسى بن طلحة أن معاوية رضي الله عنه سأله كم ترك أبو محمد يعني طلحة من العين؟ قال: ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار.
وقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والأموال وما ترك من الناض ثلاثين ألف ألف درهم، وترك من العين ألفي ألف درهم ومائتي ألف دينار، والباقي عروض.
وقال علي بن رباح: قال عمرو بن العاص حُدثت أن طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار في كسل بهار ثلاث قناطير من ذهب. قال: وسمعت أن البهار جلد ثور، والبهار لغة ثلاثمائة رطل. قال ذلك كله أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبرى.
وأيضاً كان لسعد بن أبي وقاص والبراء بن معرور السلمى والعباس ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن عمر أموالا كثيرة. ويدل على ذلك أن العباس فدى نفسه وابن أخيه عقيلا بثمانين أوقية ذهباً ويقال ألف دينار. وما روى عن عبد الله بن عمر إنه كان إذا رأى من رقيقه أمراً يعجبه اعتقه فعرف رقيقه منه ذلك فشمروا للعبادة فأعتقهم، فقيل: له إنهم يخدعونك. فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. وما روى أن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت: يا رسول الله مال كثير وليس يرثني إلا ابني أفأوصي بثلث مالي؟ قال: لا - الحديث.
فهذا كله مما يدلك أن الدنيا ليست مكروهة لعينها وإلا لأمرهم صلى الله عليه وسلم بالانسلاخ من أموالهم. وأما المسألة المشهورة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، فذهب ابن عطاء الله قدس الله روحه إلى تفضيل الغنى، وخالف في ذلك الجنيد وجمهور الصوفية، وما أوردوه عليه من
(1/13)

أن الغنى وصف الحق والفقر وصف العبد وصفات الربوبية لا ينازع فيها، معارض بأن العلم والمعرفة وصف الرب والجهل والغفلة وصف العبد فليكونا أفضل له.
ثم لا شك أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص، والغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص.
قال ابن دقيق العبد في شرح العمدة: الذي تقتضيه الأصول إنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية يكون الغنى أفضل، ولا شك في ذلك وإنما النظر فيما إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما يوفيه، فإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضلية، فإن فسر الأفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وان كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف، فترجح الفقر. ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغني، فكان أفضل بمعنى الثرف - هكذا قاله ابن دقيق العيد في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} لما شكى له أن الفقراء قالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم - الحديث.
فقد بان لك واتضح بالكلام في هذين المقامين أن التعلق بالأسباب لا ينافي التوكل، وان وجود المال في اليدين لا في القلب لا ينافي الزهد، والمقصود إلجام المفلوكين
عن التعلق بالزهد أو التوكل في انزواء الدنيا عنهم جدلا مهما كانوا محتجين لا زاهدين حقيقة فإن الزاهد حقيقة لا كلام معه، لأن الزهد كما لا ينافي المال لا يستلزمه، وغايته أن الزهد على قسمين: قسم مع المال، وقسم لا مع المال. فلا منافاة ولا استلزام له.

الفصل الرابع
في الآفات التي تنشأ من الفلاكة
وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها
وهي أكثر من أن تحصى أو يحملها القلم:
(فمنها) ضيقة العطن والنزق، وذلك
(1/14)

أن طبيعة الفرح والسرور هو تفشي الروح الحيواني وتخلخله، وينشأ من ذلك سعة الصدر وقبول النفس لما يرد عليها وانفعالها له، ولذلك تتحين أصحاب الحوائج بحوائجهم سرور من يسألونه إياها. وطبيعة الكمد والقبض هو تكاثف الروح الحيواني وتجمعه. وينشأ منه ضيقة العطن والنزق وسوء العشرة والانحراف والانكماش عن الخلق.
(ومنها) أن الفلاكة يلزمها القهر والإكراه، ومتى استولى القهر والغلبة على شخص حدثت فيه أخلاق رديئة من الكذب والتخبيب وفساد الطويق والخبث والخديعة، ولذلك كانت اليهود موصوفين بالخبث والذل والخديعة لاستحكام القهر عليهم وغلبة الإكراه على عامة أحوالهم، ولذلك أيضاً ينهى عن إرهاف الحد على الولدان والعبيد ويؤمر بترويحهم ومدّ الطول لهم خشية عليهم من اكتساب هذه الأخلاق الذميمة.
أرسل هارون الرشيد إلى خلف الأحمر لتأديب ولده الأمين، فقال له: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة فؤاده فكن له حيث وضعك أمير
المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه أو تهمله فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالتقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
(ومنها) الحقد، وذلك إنه إذا استحكمت الفلاكة وعرف بها شخص أوسعه الناس إغاظة استهواناً به وعدم مبالاة بغضبه وأمناً من غائلته ومغبته، فإذا تواردت موجبات الغضب وازدحمت عليه من توقيفه على نقائصه والإغماض عن كمالاته وتفريعه بزلاته وتوبيخه على تقصيره وهتك أستاره وإذاعة إسراره وجبهه بأقبح الكلام في وجهه وعدم اعتباره والمبالغة من عتبه ومعاكسته في مراده، أو عدم إسعافه به وعجزه عن الوقوف في ذلك موقف نكير، أو أن ينفس غيظه منه بنفثة مصدور أو ضربة موتور، واستبحرت أسباب الغيظ وزخرت أمواج العجز عن إطفائه بالانتقام عاد ذلك إلى الباطن وأجج فيه ناراً وتحول حقداً وضغينة وسخيمة، وتعوقه موانع الفلاكة عن أعماله فيصير ألما صرفاً ووسواسا سوداوياً ومعصية مجردة.
(ومنها) الحسد، وتوجبه الفلاكة من وجوه:
(احدها - إنه إذا توالت مقتضيات الغيظ كما قدمنا وعجز المفلوك عن
(1/15)

الانتقام تحول ذلك حقداً وضغناً كما مر، والحقد يقتضي الانتقام فإن عجز أحب أن يتشفى منه انتقام الزمان له منه، وربما يحيل ذلك على كرامته عند الله، وربما إنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم منه. وبالجملة فالفلاكة يلزمها الإغاظة، والإغاظة يلزمها الحقد، والحقد يلزمه إرادة الانتقام، والعجز عن ذلك يلزمه حب زوال تلك النعمة التي بها التفاوت اللازم منه الإغاظة، ولازم لازم الشيء لازم لذلك
الشيء).
(وثانيهما) - إن ينقل على المفلوك أن يترفع عليه غيره، فإذا أصاب مساو له في صفات النفس مالا أو جاهاً وخاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق أن يتكبر عليه ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتيهه وتفاخره عليه وان يستصغره ويستخدمه وعجز عن زوال الفلاكة عنه واللحوق به في تلك النعمة أحب زوالها عن غيره.
(وثالثها) - ما يحدث في نفوس المفلوكين من دعوى الاستحقاق لتلك النعم، ولذلك قال ابن مقلة:
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة ... في شامخ من عزه المترقع
قالت لي النفس العروف بقدرها ... ما كان أولاني بهذا الموضع
حتى أن من المفلوكين من تنتهي به دعوى الاستحقاق إلى حد يرى أن النعم التي بأيدي الناس استحقاقه ومغصوبة منه، والمالك المستحق طالب لزوال ماله من أيدي الغاصبين لا محالة.
(ومنها) الغيبة والطعن في أعراض الناس والغض منهم، وذلك أن الغضب والحقد والحسد ثلاثها من البواعث العظيمة على الغيبة، إذا امتلأ المفلوك غضباً وحقداً وحسداً وعجز عن الجري على مقتضاها جهاراً ومواجهة التجأ إلى الفكرة والغوص على مساوئ خصومه وإعمال الحيلة في الاطلاع على موراتهم، وضم إليها أكاذيب وتنميقاً ونشرها على وجه الغيبة مرة إرادة الترفع بنفسه بسلامته من تلك النقائص أو لا تصافه بنقائضها الكمالية على سبيل التعريض، كما يقول فلان فاسق أو شرير إرادة سلامته من ذلك، أو فلان جاهل أو ذهنه ركيك وكلامه ضعيف تعريضاً باتصافه بنقائض ذلك، ومرة إرادة صرف الناس عن الاسترسال في تعظيم خصومه وكفهم عن الإفراط في الثناء عليهم ومحبتهم بتوقيفهم على ما يوجب تنقيصهم وصرف القبول عنهم، ومرة بتمهيد عذر نفسه من اتصافه
بالمساوئ والنقائص بمشاركة العظماء له في تلك المساوئ، ومرة على
(1/16)

سبيل اللذة بالطعن في الأعراض تشفياً بحسب المقدور، حتى قال بعض الأعراب: لم يبق من لذات الدنيا إلا الطعن في أعراض اللئام.
ثم يتعود لسانه هذه المعصية العظيمة حتى تصير له خلقاً وفكاهة ونقلا ويساعده على ذلك إمكانها وتسهيلها وعدم افتقارها إلى أدوات وآلات، وكونها عبارة عن النطق الذي هو انضغاط الهواء في المجرى على مقاطع الحروف، والهواء والتنفس طبيعي للحيوان بخلاف غيرها من المعاصي لتوقفه على أدوات كثيرة.
وأيضاً فالإنسان خلق فعالاً بالطبع كما ذكره الشيخ في الإشارات ولا يتخلف عن مقتضى طبعه من الفاعلية إلا لصارف وصاد كما في الأفعال الشاقة التي لا يمكن مزاولتها إلا بتجشم الكلف والمؤن، وكما في الصارف العقلي أو الوهمي من الكلام المضر. فمهما وجد المقتضى وزال الصارف عن الفعل كما في الكلام عملت الطبيعة عملها، ولذلك كان الامتناع من الكلام ولزوم السكوت عسيراً شديداً.
(ومنها) كون الفلاكة غطاءاً وستراً على محاسن المفلوك وكمالاته النفسانية وأدواته ومعارفه، حتى أن الفلاكة تسري إلى نطقه ومصنوعاته ومقاصده، فإما أن يغفل عن محاسن كلامه ومقاصده ولا يعبأ بها ويعرض عنها، وأما أن يصرف كلامه عن ظاهره بوجه من التأويل، وأما أن لا يفهم مراده منه، وأما أن يدعى عليه غير مراده، وأما أن يدعى فساد قصده فيه. ولذلك تروج بعض الكتب بنسبتها إلى رجل مرموق بعين الجلالة كما فعل في الورقات حيث نسبت إلى إمام الحرمين، وليست له بشهادة عباراته الفائقة الرائقة في باقي كتبه ومخالفة الورقات لما في البرهان في التصحيح والحكم، وكما فعل في السر المكنون وفي المضنون به على غير أهله حيث نسبا إلى الغزالي كما قاله الأسنوي في الطبقات وليسأله كما ذكره في الطبقات.
ولذلك أيضاً تجد البحث النفيس يلقيه الباحث بين الأفاضل فيبادرونه بالإنكار والتزييف والمناقشة ويضايقونه فيه حتى يقول لهم هذا البحث قاله الإمام فخر الدين الرازي أو الزمخشري مثلا أو من في معناهما، فحينئذ يرجعون إلى ذلك البحث بالتأويل والتثبت ويعترفون بحسنه، وربما يزيدونه توجيهاً وتقريراً.
ولكون الفلاكة غطاءاً وستراً على المحاسن تجد الشهرة والصيت والسمعة يقعن في غير موقعها غالباً، فرب شخص مشهور بالعلم أو الصلاح وليس هناك، ورب شخص قعدت عنه الشهرة وهو أحق
(1/17)

بها، وذلك لأن الفلاكة متى زالت عن شخص تزلف إليه بالثناء عليه ونشر المحاسن عنه وحمل كلامه وفعله من المحاسن والمقاصد الجميلة فوق طاقته وتناقلته الألسنة تزلفاً إليه، لما يعلمون من أن النفوس مجبولة على حب الثناء، ووقعت المحاباة والإغماض عن أحواله المدخولة وأفرغت في قوالب جميلة بالتأويل والاعتذار وجاءت المغالطات بالتلبيس والتصنيع، فيطير ذكره في الآفاق وتسير به الركبان ويجيء الصيت والشهرة وليس هناك.
وعلى الجملة فالشهرة إنما تقع في غير موقعها من جهة ما يطرق الأخبار من التزلف بالثناء الكاذب أو ما يطرق الأحوال من الخفاء وعدم تطبيقها على الواقع لخفائها بالتلبيس والتصنع، فتنتشر على خلاف ما هي عليه وأنت خبير بأن التزلف بالثناء إنما يكون للأغنياء أو من في معناهم وان الإغماض عن التلبيس والتصنع وعدم كشف الغطاء عنه إنما يكون لهم أيضاً، واعتبر العكس بالعكس.
(ومنها) أن الفلاكة مهما استولت على عالم أو فاضل أو نبيه لزمه بسببها آلام عقلية، ولا شك أن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني، ولذلك يكون التعب القلبي أشد إنهاكاً للبدن من التعب الجسماني، ولذلك يتحمل عظيم المشاق البدنية خوفاً من العتب والتوبيخ والملامة والتقريع كما أن اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية.
والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه:
(أولها) - أن اللذة عبارة عن إدراك الملائم، وكلما كان الإدراك أشد والمدرك اشرف كانت اللذة أتم، لكن الإدراك العقلي أقوى من الجسمي، لأنه ينفذ في باطن الشيء فيميز بين الماهية وأجزائها وعوارضها وجنسها وفصلها، وأما الحسي فلا شعور له إلا بظاهر المحسوس وسطوحه ومدرك العقل أشرف وهو الله تعالى وصفاته وملائكته وكيفية وضع العالم ومدرك الحس السطوح وعوارضه، وإذا كان كذلك وجب كون اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية. (وثانيهما) أنا نعلم بالضرورة أن أحوال الملائكة أطيب من أحوال البهائم، وليس للملائكة شيء من اللذات الحسية فلولا أن اللذة العقلية أطيب وإلا لكان حال البهائم أطيب من حال الملائكة.
(وثالثها) الحيوان قد يرجح غيره على نفسه في المطعوم والمشروب عند حاجته إليه، ولولا أن لذة الإيثار أقوى من لذة المطعوم والمشروب وإلا لما كان ذلك، بل الشجاع قد يلقى نفسه في المعركة مع ظن الهلاك أو يقينه، وما ذلك إلا لأن لذة
(1/18)

الحمد أقوى من لذة الحياة، وإذا ثبت ذلك في اللذة ثبت مثله في الألم العقلي والجسماني، لان نسبة هذا الألم إلى الألم الجسماني كنسبة اللذة العقلية إلى اللذة الجسمانية، وكلام الفلاسفة وابن سينا طافح بأن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني.
إذا تقرر ذلك كله فالمفلوكين من أهل العقل والفضل والنباهة آلام عقلية تلزمهم:
(أولاها) - تشوفهم وتشوقهم إلى المكارم والمعالي ومد أعناقهم نحوها ولا شك أن الشوق إلى المشوق مع عدمه وعدم التمكن من تحصيله وعدم الاشتغال بما يلهي عنه عذاب مذاب، ولذلك لا يبتهجون بالأعياد والمواسم بل تكون زيادة في كمدهم، وستأتي أشعارهم في تشوقهم إلى المعالي وتألمهم على فقدها في الفصل الثاني
عشر إنشاء الله تعالى.
(وثانيها) تألمهم بذكر نقائصهم الواقعة منهم أحياناً بحكم البشرية، لما ركب الله تعالى في البشر من القوة الشهوانية والغضبية والمتوهمة اللواتي هي أصول الفساد، وهي المشار إليها في قوله تعالى: {إلى ظل ذي ثلاث شعب} في أحد الأقوال، ولما أن للقلب ميلا إلى الأخلاق السبعية والبهيمية والشيطانية على ما هو مقرر في كتب الصوفية، ولما ركب أيضاً في الجشم من التسفل، ولما جعل من أن الفساد أدخل تحت القدرة من الصلاح كالبناء والهدم، ولا شك أن إطلاق النفس وطبيعتها ترويج لها وتنفيس من ألم ضبطها، وحينئذ فيكون الترويح والتنفيس بالنسبة إلى المفاليك ناقصاً مخدجاً لما فيه من ترقب التنقيص، ويكون أيضاً عسير الانتظام نادر الوقوع لذلك، ولقد أحسن من قال:
إما ذنابي ولا تعبأ بمنقصة ... أو ذروة المجد واحذر أن تقع وسطا
وأشد من ذلك ألما وأعظم مصيبة إضافة النقائص الموهومة أو المكذوبة إليهم وهم منها براء، ولقد عرى أهل الفضل من ذلك شدائد. كان الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمرو بن محمد الخوارزمي ساقط إحدى الرجلين، وكان يمشي في حلوب من خشب لسقوطها بالثلج في بعض أسفاره في بلاد خوارزم، فكتب معه محضراً فيه شهادة
(1/19)

خلق كثير بذلك لئلا يرمي بنقيصة السرقة.
وكان ابن فضلان أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الملقب جمال الدين الإمام في الأصول والخلاف والجدل الرئيس الوجيه ذاهب إحدى اليدين، لأنه لما خرج من نيسابور سقط عن دابته ففسدت يده وأدت الحال إلى قطعها، فعمل محضراً بذلك خوفاً من التهمة بالقبيح ومع ذلك فقد كان يجري بينه وبين المجير البغدادي مناظرات فيشنع هو على المجير بالفلسفة والمجير يشنع عليه بقطع يده.
والسبب في تخصيص أهل الفضل بإذاعة نقائصهم وعدم إقالتهم إياها والتلبيس والافتراء عليهم مهما كانت محققة أو موهومة محتملة أن النفوس مجبولة على المساوة والمباهاة ولا تحب لغيرها تفوقا عليها، فمهما وجدت سبيلا للتنقيص من كمال الكمل واو تلبيساً مقبولاً سلكته تنقيصا للكمال وطلبا للمساواة بحسب الإمكان، بخلاف الناقص في نفسه فإنه لا حاجة إلى تنقيصه.
(وثالثها) - ألم الانفراد مع أن الإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في حاجاته وضروراته بل لأقوام لأحواله إلا بالتعاون، حتى أن الرغيف من الخبز لا يضير رغيفاً إلا بآلات وأعمال تفتقر إلى صناع كثيرين كثرة بالغة.
والمدنية في اصطلاح الحكماء هي الاجتماع، ولما أن الإنسان مدني بالطبع في أحواله الكمالية والمصلحية فلا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في أموره الكمالية والمصلحية والوجدان، والتجربة اصدق شاهد في ذلك والمناسبة والاخالة تصحح القياس والإلحاق والمفاليك يلزمهم الانفراد لزوماً لا انفكاك لهم عنه. والسبب في ذلك أن الناس بالإضافة إلى المفلوك أربعة أقسام: مساوله في الفلاكة، أكثر منه فلاكة، أعلى منه بقليل، أعلى منه مطلقاً. ووجه الحصر المأخوذ بالإضافة إلى المفلوك: إما مفلوك أو غير مفلوك، والأول إما مساو أو انزل، والثاني إما أعلى بقليل أو أعلى مطلقا.
إذا تقرر ذلك فالقسمان الأولان لا فائدة في الاجتماع بهما، لأن حكمة التمدن مفقودة فيهما، وغاية الاجتماع بهما تضاعف الفلاكة وتكاثفها وتغليظ الحجاب الحاجب عن المقاصد، كانضمام ظلمة إلى أخرى وكغسل العذرة بالبول. والقسم الأخير يمنع من الاجتماع به أمور أعظمها أن العظماء والنبلاء يحرصون على سد الذرائع في أطماع المفلوكين في جانبهم بتبعيدهم والإعراض عنهم خشية من
تثقيلهم
(1/20)

بحوائجهم وان يكونوا كلا عليهم، وأنهم يتأنفون المفاليك ويستقذرونهم ويستثقلون ظلهم ويتوقعون من تقريبهم مفاسد وضوحها يغني عن بسطها، ويتوهمون في بعضهم حداً وتملقاً كاذباً صاخياً من غير إخلاص ولا مناصحة. والقسم الثالث يمنع من الاجتماع بهم أمور كثيرة أعظمها عدم تعلق الرجاء والخوف بالمفاليك الذي هو داعية الاجتماع غالبا. وشغل هذا القسم بالمساوين لهم في النباهة بحيث لا يفضون للاجتماع بالمفاليك غالبا وعدم حرص المفاليك على استمالتهم واستعطافهم اضعف الرجاء فيهم. ولكن هذا القسم أقل مانعا من القسم الأخير. ولذلك ربما نال بعض المفاليك حظاً من الاجتماع بهم.
(ومنها) وأوعهم بالأسفار ومخاطرتهم بنفوسهم فيها مع ما فيه من العذاب المذاب، بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم (السفر قطعة من العذاب) ولقد صرح بتعليل السفر بالفلاكة من قال:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمى النوى بالمقترين المراميا
والسبب في ذلك يفتقر بيانه إلى مقدمة، وهي: أن الظن أقوى من الشك، والعلم أقوى من الظن، ورتب الظنون متفاوتة في نفسها جلاءاً وخفاءاً وأجلى لقوة مستند الظن وضعفه، وكذلك رتب العلوم متفاوتة في المعلومية، فكم بين المشاهدات وبين كل قضية صدق العقل بها بواسطة الحس كعلمنا بحرارة النار وبرودة الثلج، وبين الحدسيات وهي كل قضية يصدق العقل بها بواسطة الحدس كالعلم بحكمة الصانع عند رؤية العالم على غاية الإتقان من التفاوت وان كان كل من المشاهدات والحدسيات مفيداً للعلم، ولذلك لم ينكر العلم المستفاد من الحس إلا السوفسطائية، وكم بين العقلاء من الاختلاف في الحدسيات اختلافاً قوياً وضعيفاً، ولذلك أيضاً فرقوا بين علم اليقين وعين اليقين. ومن هنا ينكشف لك مادة الجواب عن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم {بلى ولكن ليطمئن قلبي}.
ثم الإنسان متشوف إلى مصلحته، فإذا تعارض عنده في تحصيل مصلحته طريقان احدهما مظنون والآخر مشكوك فيه أو احدهما أجلى في الظن من الآخر أو احدهما أقوى في المعلومية من الآخر فالعمل بهما معاً جمع للنقيضين وتركهما معاً رفع للنقيضين
(1/21)

وكلاهما محال، والعمل بالمرجوح وترك الراجع خلاف صريح العقل، فيتعين العمل بالراجح.
إذا تقرر ذلك فالسبب في كثرة تنقلات المفلوكين في الأرض إنه متى استولت الفلاكة على شخص في بلد واضطراب في ارجائها وتلكع في طرق معاشها وذاق طبائع أهلها وراز شهامتهم وعصبيتهم وارتياحهم إلى المحامد وأريحتهم وامتحن قوته في التسلق إلى مطالبه وأبت تلك البلد عليه إلا نبوا ودفعا وممانعة عن المطلوب ومل وجوهاً لا خير فيها ومج سمعه كلاما لا محصل له وقذفهم بقلبه فقذفوه بقلوبهم بل وبظواهرهم، فحينئذ يظن أو يعلم أن تأتي المصلحة في ذلك البلد مستحيل أو متعسر، والبلد الثاني ظن الخير قائم به ولاسيما فيمن يتوهم في نفسه استعداداً لا فاضة الخير عليه، فيحب حينئذ السفر إلى البلد الثاني.
والأقيسة العقلية وان اقتضت استمرار الفلاكة في البلد الثاني من جهة أن موجبات الفلاكة القائمة بالمفلوك مصاحبة له سفراً وحضراً وكذلك موجبات فلاكته القائمة بالناس موجودة فيهم في كل بلد، لكن الأدلة متعارضة في البلد الثاني، والعلم المستفاد بالتجربة في البلد الأول مفقود في البلد الثاني، والاحتمالات مقتضية للاضطراب، وليس الخبر كالعيان ولا الشر الحاصل المحسوس كالشر المترقب المعقول وان كانا معلومين، ولذلك من قصده شخص بسيف مصلتاً يريد قتله وهو على سطح عال يرمي بنفسه منه إلى الأرض وإن كان ذلك أحد الطريقين في هلاكه، وربما صار السفر للمفلوك طبيعياً لكثرة ما يعاني من الشدائد والمشاق، كمن وقع في ماء أو نار فإنه بطبعه يأخذ إلى محيط النار وساحل الماء.
وإذا اتضح عندك ما قررناه وقفت على الحكمة في تمني المفلوكين تغير الدول وتشوفهم إلى ذلك، فإن الدولة الحاضرة كالبلد الأول والدولة المتمناة كالبلد الثاني، وقوة الرجاء وقيام احتمال الخير المتعلق بالدولة الثانية حكمه حكم البلد الثاني، وقد اشار إلى ذلك من قال:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب من الدنيا تمنى زوالها
(ومنها) تعلقهم بالأسباب المستحيلة كالنجوم والكيمياء والمطالب والحرف الهوائية الضعيفة الصدفية كصناعة الشهود لغير المعروف والدلالة لغير المشهود، والسبب في ذلك إنه إذا أخففت مساعي المفاليك وعجزوا عن المعاش الطبيعي والتعلق بالأسباب المقيسة المطردة ودهشوا وتحيروا وعميت عليهم الأنباء وتعلقت نفوسهم بالدنيا ولذاتها
(1/22)

تمنوا الأماني وقنعوا بمخادعة الإملاق بالمواعيد الكاذبة واستنشقوا الغنى من حيث لا تهب ريحه وأتوا السعادة من غير أبوابها، وأنا أبين وجه استحالة الأسباب الأول وهي الكيمياء والنجوم والمطالب واستحالة إفضاء التعلق بالسبب الآخر إلى المطلوب:
فأما النجوم فنقول: ليس البحث في تأثير شعاع الكواكب في التسخين عند المسامتة أو التبريد عند الانحراف عن المسامتة، ولا في وجود الضياء في المواضع التي تطلع فيها الشمس والقمر وعدمه فيما غابا عنه، ولا فيما يجري مجرى التأثير الطبيعي على حسب ما نصه سبحانه وله الحمد مثل ان النبات ينمى ويقوى ويشتد ويتكامل وينضج ثمره بالشمس والقمر وكما في امتداد القثاء وطوله وغلظه بالقمر، وسرعة نضج التين وادراكه بمقابلة الشمس وبقائه فجاً بطيء الإدراك بخفائه عن الشمس، ومثل أن البرد بسبب بعد الشمس عن سمت رؤوسنا، وكذلك ليس البحث في أن الشمس إذا طلعت فإن الحيوان ناطقه وبهيمته يخرج من أماكنه واكنته وتظهر القوة والحركة فيه وتزداد قوة الحيوان مع ازدياد صعود الشمس في
الربع الشرقي وتنقص وتضعف قوة الحيوان وتفتر مع ميل الشمس عن وسط السماء، ولا في ارتباط فصول العام الأربعة بحركات الشمس، ولا في انفتاح اللينوفر وورق الخطمي وتحركه بطلوع الشمس وضعفه إذا غابت عنه، ولا في المد الحاصل في بحر فارس والهند إذا بلغ القمر مشرقا من مشارق البحر إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك الموضع، ولا في الجزر الحاصل في البحرين المذكورين، ولا في تأثير الشمس والقمر حرارة ورطوبة وبرودة ويبوسة وتوابعها في هذا العالم من الحيوان والنبات بواسطة الهواء وقبوله للسخونة والحرارة بانعكاس شعاع الشمس مثلا عليه عند مقابلتها لجرم الأرض واختلاف حال الهواء بذلك واختلاف أحوال الأبخرة في تكاثفها وبردها ولطفها وحرها، ولا في أن السودان لما كان مسكنهم خط الاستواء إلى محاذاة ممر رأس السرطان وكانت الشمس تمر على رؤوسهم في السنة إما مرة أو مرتين تسودت أبدانهم وجعدت شعورهم وقلت رطوباتهم فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم، ولا في أهل الهند واليمن وبعض أهل المغرب لما كانت مساكنهم اقرب إلى محاذاة ممر السرطان كان السواد فيهم أقل
(1/23)

وطبائعهم وأخلاقهم أحسن وأجسامهم أنصع، ولا في أهل العراق والشام وخراسان وفارس والصين لما كانت مساكنهم على ممر رأس السرطان إلى محاذاة بنات نعش الكبرى والشمس لا تسامت رؤوسهم ولا تبعد عنهم كثيراً وأن لذلك لم يعرض لهم حر شديد ولا برد شديد كانت ألوانهم متوسطة وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة، ولا في أن هؤلاء مختلفون بحسب اختلاف ذلك: فمن كان من هؤلاء أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم، ومن كان منهم يميل إلى ماحية المشرق فهم أقوى نفوساً واشد ذكورة، ومن كان يميل إلى ناحية الغرب غلب عليهم اللين والرزانة، ولا في أن الترك والصقالبة لما كانت مساكنهم محاذية لبنات نعش والشمس بعيدة عن مساكنهم كان البرد غالبا
عليهم، لأنه ليس هناك من الحرارة ما ينشفها، وكان لذلك ألوانهم بيضاء وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصة وطبائعهم مائلة إلى البرودة وأذهانهم جامدة ولا في أن الأخلاط التي في بدن الإنسان تزيد ما دام القمر آخذاً في الزيادة ويكون ظاهر البدن أكثر رطوبة وحسناً، فإذا نقص ضوء القمر صارت هذه الأخلاط في غور البدن والعروق وازداد ظاهر البدن يبسا، ولا في ازدياد ألبان الحيوانات بتزايد القمر أول الشهر إلى نصفه وتناقصها مع نقصانه، ولا في أدمغة الحيوان وامقال البيض التي تزيد أول الشهر وتنقص آخره، ولا في أن الإنسان إذا نام أو قعد في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء والكسل وهاج عليه الزكام والصداع، ولا في بلاء الكتان وفساد اللحم وتغير طعمه بانكشافه لضوء القمر، ولا في كثرة الأسماك في البحر وسمنها أول الشهر وقلتها وضعفها خره، ولا في قبول الرياض والأشجار للنمو والنشو إذا غرست أول الشهر وعدم قبولها لذلك إذا غرست آخره.
إنما البحث في أن النجوم تؤثر في جملة الحوادث السفلية من السعادة والشقاوة والذكاء والبلادة والحسن والقبح والخديعة والمكر والنذالة والشهامة والشجاعة والجبن والأشكال والمقادير ونحوها، وان ذلك كله باتصالات الكواكب وانفصالاتها ومسامتتها ومباينتها، فإن هذا مما لا برهان عليه لا بخبر من لا يجوز الكذب عليه ولا بضرورة العقل ولا بنظره، وغايته حدس وتخمين وظنون كاذبة وتزوق وتفرس وحيلة وخديعة، حتى أن من لا يتقيد بالشريعة كابن سينا
(1/24)

والفارابي بالغا في الرد على الأحكاميين والنجوميين وأطال في ذلك ابن سينا في آخر الشفاء، وحتى أن أبا معشر وهو من أئمتهم اعترف بأنه تخمين، فإنه قال معتذراً: كل الأغراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها يقيناً وإنما يكون توهم أقوى من توهم.
وانظر ما كان أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حتى في ساعات أكلهم وركوبهم
وعامة أفعالهم وكيف كانت نكبتهم الشنيعة، وانظر حال علي ابن مقلة الوزير وتعظيمه لعلم أحكام النجوم ودخوله داره على طالع سعيد فنكب فيها أشد نكبة وقطعت يده ولسانه.
والدليل على بطلان ذلك أنا نشاهد عالماً كثيراً يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقاً يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندهم أحوالا مختلفة، ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك.
ولا ينفعهم الجواب بأن طالع الوقت قد يكون أقوى من طالع الأصل، فيكون الحكم له. لانا نقول: هذا بعينه يبطل الجزم بطالع ويحيل القول بتأثيره، فلعل طوالع الأحوال المتجددة أقوى من طالع الأصل فيرتفع الوثوق بطالع الأصل، إذ لا أمان لاقتضاء الطوالع بعد ضدّ ما اقتضاه، وحينئذ فلا يفيد اعتباره شيئاً.
وأيضاً فإنه لو كان طبيعياً وذاتياً لما اختلف، والتالي باطل فالمقدم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان التالي فإن المنجمين قلما يجمعون على شيء ويكون كذلك. فمن ذلك اتفاق حذاقهم سنة سبع وثلاثين عام صفين في مخرج علي رضي الله عنه من الكوفة إلى محاربة أهل الشام على إنه يقتل ويقهر جيشه، فظهر كذبهم وانتصر جيشه على أهل الشام ولم يقدروا على التخلص منهم إلا بالحيلة التي وضعوها من نشر المصاحف على الرماح والدعاء إلى ما فيها.
ومن ذلك اتفاقهم عند ما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة على أن طالعها يقتضي إنه لا يموت فيها خليفة، وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حيث قال بعض شعرائه:
يهنيك منها بلدة تقضي لنا ... إن الممات بها عليك حرام
لما قضت أحكام طالع وقتها ... أن لا يرى فيها يموت أمام
وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما سبذان ثم الهادي بعنيساباد ثم الرشيد بطوس، فلما قتل بها الأمين بشارع باب الأنبار انخرم
(1/25)

هذا الأصل حتى رجع القائل الأول فقال:
كذب المنجم في مقالته التي ... نطقت على بغداد بالهذيان
قتل الأمين بها لعمري يقتضي ... تكذبيهم في سائر الحسبان
ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وغير هؤلاء.
ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين في قصة عمورية على أن المعتصم إن خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وان النصر لعدوه، فخرج ففتح عمورية وما والاها من كل حصن وقلعة، وفي ذلك الفتح قام أبو تمام الطائي منشداً:
السيف أصدق أنباءاً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الارماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصا وأحاديثاً ملفقة ... ليست ينبع إذا عدت ولا غرب
وهي نحو من سبعين بيتا أجيز على كل بيت منها بألف درهم.
ومن ذلك اتفاقهم وفيهم زعيمهم أبو الحسن العاصمي على أن المكتفي بالله أن خرج لقتال القرامطة لم يرجع وتزول دولته وان طالع مولده يقتضي ذلك، وأخافوا وزيره القاسم بن عبيد الله من الخروج معه فخرج إليهم المكتفي وأخذهم جميعاً، ولما عاد وزيره القاسم أمر بإحضار رئيس المنجمين وصفعه صفعاً عظيماً.
ومن ذلك اتفاقهم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عندما أراد القائد جوهر بناء مدينة
القاهرة المعزبة وقد كان سبق مولاه الملقب بالمعز إلى الدخول إلى الديار المصرية لما أمره ببنائها وأن يكون نجوم طالعها في غاية الاستقامة ويكون بطالع الكوكب القاهر وهو زحل أو المريخ ولذلك سميت القاهرة فجمع القائد جوهر المنجمين فحققوا الرصد وأمر البنائين أن لا يضعوا الأساس حتى يقال لهم ضعوه وان يكونوا على نهاية من التيقظ والإسراع فوضعت على ذلك الإتقان واتفقوا على أن الدولة الفاطمية لا تخرج الدولة عنهم، فلما استولى عليها صلاح الدين يوسف بن أيوب
(1/26)

وكان المصريون قائمين بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف توهم الجهال أن ما قاله المنجمون حق، فلما رد صلاح الدين الدعوة إلى بني العباس ظهر كذبهم وكانت المدة بين وضع الأساس وانقراض الدولة نحواً من مائة وثلاثة وتسعين عاماً والاعتذار عنهم بسبق البنائين الأرصاد بعيد لان تبديل البناء وتغييره مع الاحتياط للدولة مع سهولة التغيير مما لا يتسامح به.
ومن ذلك اتفاقهم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم على إنها السنة التي تنقضي فيها بمصر دولة العبيدين، وذلك عند خروج الوليد ابن هشام المعروف بأبي ركوة الأموي، وحكم الطالع له بأنه هو القاطع لدولة العبيدين وإنه لا بد أن يستولي على الديار المصرية ويأخذ الحاكم بذلك وأكبرهم المعروف بالفكرى منجم الحاكم، فكان أبو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وكان من تدبير الحاكم أن دعا خواصهم وأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويطعموه باختياره على الحاكم ففعلوا، فزحف أبو ركوة بعساكره حتى نزل بوسيم على ثلاثة فراسخ من مصر فخرجت إليه العساكر الحاكمية فهزمته، فتحقق إنها خديعة فهرب وقتل خلق كثير من عسكره وطلب فأخذ أسيراً ودخل به إلى القاهرة على جمل مشهوراً، ثم أمر الحاكم بقتله سنة 397 وأمر الحاكم بالفكرى فقتل.
والسبب في استمالة الفكرى للحاكم أن الفكرى أصاب معه في قضيتين (أحدهما)
أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور لمحاربتهم فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه ليخرجه في طالع يختاره وتكون العهدة إن لم يظفر عليه، واتفق ظهور الأسطول. (الثانية) إنه ذكر له أن بساحل بركة موريس مسجداً وأن تحته كنزاً، وسأله أن يتولى هو هدمه فإن ظهر الكنز وإلا بناه هو من ماله، فانفق إصابة الكنز.
ولما حكم عليه الفكري بتغير دولته وقضى المنجمون بمثل قضائه وقع في نفس الحاكم أن يغير دولته تغييراً معنوياً، فعمد إلى كل متول في دولته ولاية فعزله منها، وقتل وزيره الحسن بن عماد وصار يأمر في يومه بخلاف ما يأمر به في أمسه، فأمر بسب الصحابة رضي الله عنهم على رؤوس المنابر والمساجد، ثم أمر بقطع سبهم وعقوبة من سبهم، وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض واوجب القتل على من شرب الخمر ثم أمر بغرس هذه الشجرة
(1/27)

واباح شرب الحمر، وأهمل الناس حتى نهب الجانب الغربي من القاهرة، وقتلت فيه جماعة ثم ضبط الأمر حتى أمر أن لا تغلق الحوانيت ليلاً ولا نهارا، وأمر مناياً ينادي: من عدم له ما يساوي درهماً أخذه من بيت المال درهمين بعد أن يحلف على عدمه أو يعضده بشهادة رجلين، حتى تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد لئلا تدخل الكلاب.
ثم لما قتل الفكري لم يزل اثر التنجيم في نفسه لتشوف النفس إلى التطلع إلى الحوادث قبل وقوعها، فجمع المنجمين جمعاً ثانياً بعد أن جمعهم أولا وعملوا له الرصد الحاكمي الذي خالف فيه الرصد المأموني، فألزموه فيما ألزموه بركوب الحمار وأن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام وينفرد وحده يخاطب زحل، وحكموا بأنه ما دام كذلك كان سالم النفس فلزم ما أشاروا عليه به، فخرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته وانفرد بنفسه لكوكبه، وقد استعد قوم بسكاكين فقطعوه هناك وأعدموا جثته فلم يعلم له خبر. فمن هنا تقول أتباعه الملاحدة إنه غائب
منتظر.
ومن ذلك اتفاقهم سنة 482 على خروج ريح سوداء تكون في سائر الأقطار تهلك الناس إلا من اتخذ لنفسه مغارة في الجبال، بسبب أن الكواكب كانت اجتمعت في برج الميزان وهو برج هوائي، كما اجتمعت في برج الحوت زمن نوح عليه الصلاة والسلام وهو برج مائي فحصل الطوفان فاتخذ الرعاع المغاير استدفاعاً لما انذرهم به، فلما جاء الوقت الموعود قل هبوب الرياح حتى أهم الناس ذلك لما هم عليه من الكرب وظهر كذبهم.
ومن ذلك اتفاقهم في الدولة الصلاحية على أن الإسكندرية لا يموت فيها وال، فلما مات بها الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ابن أيوب سنة 474 ثم واليها فخر الدين قراجا بن عبد الله سنة 489 ثم واليها سعد الدين ابن سودكين بن عبد الله سنة 604 انخرمت هذه القاعدة.
ومما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن الله تعالى يستجيب دعاءه جعل الرأس في وسط السماء مع المشتري، أو بنظر منه مقبول والقمر متصل به، أو منصرف عنه متصل بصاحب الطالع، أو صاحب الطالع متصل بالمشتري ناظر إلى الرأس نظر مودة، فهناك لا يشكون أن الإجابة حاصلة. قالوا: وكانت ملوك اليونان يلزمون ذلك فيحمدون عقباه، والعاقل يعلم أن الله تعالى لا يتأثر بحركات النجوم ولا توجب النجوم عليه شيئاً.
(1/28)

وأما الكيمياء فلا بحث في إمكانها على يد ولي من قبيل الكرامات وخرق العادات، وفي في الوصول إلى تصحيح صبغها ظاهراً على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق، إنما في تصيير النحاس ذهباً حقيقة على طريقة صناعية مطردة، فهذا مما لا اعتقد صحته.
وقد صنف الشيخ تقي الدين بن تيمية رسالة في إنكارها، وكذلك ابن قيم الجوزية
كما حكاه هو عن نفسه في كتابه المسمى (مفتاح دار السعادة).
واضطراب كلام الفارابي في إمكانها فأثبتها مرة ونفاها أخرى والشيخ أبو علي بن سينا سلم إمكان أن يصبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب، وان يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص. قال: وأما أن يكون الفصل المنوع يسلب أو يكسى فلم يظهر لي إمكانه، إذ هذه الأمور المحسوسة يتشبه أن لا تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجسام أنواعاً، بل هي أعراض ولوازمها وفصولها مجهولة، وإذا كان الشيء مجهولاً كيف يمكن قصد إيجاده أو إفنائه.
وللفلاسفة في امتناعها مطلقاً حجج كثيرة: فمن أقواها أن الطبيعة إنما تعمل هذه الأجسام من عناصر مجهولة عندنا، ولتلك العناصر مقادير معينة مجهولة عندنا، ولكيفيات تلك العناصر مراتب معلومة أي في نفسها وهي مجهولة عندنا، ولتمام الفعل والانفعال زمان معين هو مجهول عندنا ومع الجهل بكل ذلك كيف يمكننا عمل هذه الأجسام.
(ومنها) لو كان الذهب الصناعي مثلا للذهب الطبيعي لكان ما بالصناعة مثلا لما بالطبيعة لكن التالي باطل، أما أولاً فلاناً لم تجد شبها، وأما ثانياً لو جاز أن يوجد بالصناعة لما حصل بالطبيعة ولما ثبت امتناع التالي ثبت امتناع المقدم.
(ومنها) أن لهذه الأجساد أماكن طبيعية وهي معادنها هي لها بمنزلة الأرحام للحيوان. فمن جوز تولدها من غير تلك المعادن كان كمن جوز تولد الحيوان من غير الأرحام.
(ومنها) أن هذه الأجساد بفصولها النوعية، وتلك الفصول مجهولة لنا، فلا يمكننا إيجادها ولا إعدامها، وبتقدير أن تكون الفصول معلومة لنا لا يمكننا إزالتها وتحصبلها، لأنه لو جاز أن يجعل نوع نوعاً لجاز أن يجعل الفرس حماراً وبالعكس.
(ومنها) أن الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار من المصبوغ أو يكون المصبوغ اصبر أو متساويين، فإن كان الصابغ اصبر وجب أن يفنى المصبوغ قبل الصابغ، وان كان المصبوغ اصبر وجب أن يفنى الصابغ ويبقى المصبوغ
(1/29)

على حاله الأول عريا عن الصبغ، وان استويا فكلما استويا في المصابرة على النار كانا من نوع واحد، فليس احدهما بالصابغية وآخر بالمصبوغية أولى من العكس.
(ومنها) تكوين الذهب الطبيعي إنما يحصل في سنين كثيرة بإنضاج وطبخ من حرارة الأرض على وجه مخصوص بمواد مخصوصة، ومراعاة الإنسان النار في عمل الذهب على هذا النظام مما لا يفي به علم البشر، ثم إذا كان تكوينه بالقدرة القديمة على الوجه الطبيعي إنما يحصل في سنين فكيف يتكون بالقدرة الحادة في مدة يسيرة.
قال الطبيعيون: أن الزئبق إذا كمل نضجه في الأرض جذبه إليه كبريت المعدن فأجنه وأخفاه في جوفه لئلا يسيل سيلان الرطوبات، فإذا اختلطا واتحدا وذابت الحرارة انعقدا عند تلك ضروباً من المعادن التي يسمونها الفلزات، وهي السبعة الآحاد الذائبة الصابرة على النار المنطرقة، فإن كان الزئبق صافياً والكبريت نقياً واختلطت أجزاؤهما على النسبة وكانت حرارة المعدن معتدلة لم يعرض لها عارض من البرد واليبس ولا من الملوحات والحموضات انعقد من ذلك على طول الزمان الذهب الإبريز، وهذا لا يتكون إلا من الأحجار الرخوة والبراري الرملة، وبذلك يتضح عندك أن قوة الإنسان قاصرة عن إيجاد مثل ذلك مادة وكيفية.
ويزيد ذلك وضوحاً أن المذكور في كتب الكيمياء إنما هو رموز، فلو كان لها حقيقة لصرحوا بها، فقد صرح العلماء بما هو أنفس من ذلك وأجل قدراً مما كان له حقيقة، ولا أقول كحل المشكلات. والجمع بين الأحاديث الصحيحة والنكات
القرآنية الشريفة لئلا يكون تخليطاً في البحث، فإن البحث إنما هو في الأمور الدنيوية، بل ككتب ابن وحشية وغيره في الطلسمات الصحيحة والفلاحة النافعة وأنواع من السحر هي في بابها كفلق الصبح وفي نفاستها كالكيمياء أو فوقها، فلا يصح التعليل بأنهم إنما كتموها تمويها وزرفا وعجزاً عن تصوير مالا حقيقة له أو توهماً كاذباً وتخميناً طمعياً، والله أعلم.
وأما المطالب فلا بحث في إمكان أن يجد الشخص دفيناً جاهلياً أو إسلامياً على الاتفاق والصدف، إنما البحث في أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية
(1/30)

وفيها كنوز وأموال عظيمة وعليها موانع وطلسمات، ولتلك الموانع طرق تزول بها، وعلى تلك المطالب علامات وأمارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها، فهذا من مخارق المحتالين وأماني المفلوكين ولا دليل لهم فيما يرجون كذبهم به من أن في القرون السالفة من كان يعتقد العود إلى الدنيا فيدخر ماله لذلك لما سنبينه.
والدليل على أن المطالب لا حقيقة لها وإنما هي من المطامع الفارغة والمخارق والخديعة أن ادخار الأموال العظيمة على هذا الوجه المخصوص إما أن يكون لغرض أولا لغرض، والغرض إما دنيوي أو أخروي، والأقسام الثلاثة باطلة وما أدى إلى الباطل فهو باطل، فالقول بوجود المطالب باطل.
بيانه: إنه لا جائز أن يكون ادخار المال في الأرض لا لغرض بأن يوضع تحت الأرض عبثاً لتأكله الأرض ويذهب سدى، فإن ذلك خلاف صريح العقل لأن الذهب والفضة هما قيم الأشياء وجوهر الثمينة وأسباب المطالب، ولا جائز أن يكون لغرض أخروي، لأن شريعة الإسلام ليس فيها ما يدل على مطلوبية الادخار والكنز ونيل الدرجات في الآخرة بسببه بل هي ناهية عنه وآمرة بصرفه في وجوه القربات والخيرات. وأصحاب الملل غيرها منهم من ينكر المعاد الجسماني
على القطع، ومنهم من تردد فيه، وهؤلاء لا يجوز أن يدخروا المال لأمر أخروي، لما أن أخرويا من غير اعتقاد الآخرة محال، وذلك كعبدة النجوم والصابئة والنصارى على ما قاله الأصفهاني في شرح الطوالع في الكلام على المعاد الجسماني، وان كان فيه نظر. وأما من يقول بالأدوار والتناسح كعبدة الأوثان فالكلام في عدم ادخارهم كالكلام على القسم الثالث. وأما القسم الثالث - وهو أن يكون الادخار لأمر دنيوي يعود على المدخر لاعتقاد عوده إلى الدنيا - فهو أيضاً باطل، لأنه لو كان كذلك لبالغوا في إخفائه وسد طريق العلم به، لكنا قد فرضنا له علامات وأمارات يعرف بها، هذا خلف.
وأما عدم إفضاء حرفة الشهادة إلى المقصود فذلك لأن الحرف والصنائع على قسمين: قسم يلزم من العلم به وإجادته الحصول على ثمرته وقسم لا يلزم بل لا بد من ضميمة أخرى ومنه حرفة الشهادة وسائر الحرف الهوائية الغير المعيشية، وينبغي أن يسمى معاشاً غير طبيعي، وهذه لا وثوق بإفضائها إلى المقصود.
وبيانه فيما نحن بصدده
(1/31)

وهو الشهادة أن حقيقة حرفة الشهادة ملكة يقتدر بها على التعبير عن مقاصد المشهود له وعليه بلفظ صحيح متعارف مسترف لمقاصدهما بشروط شرعية وعلى إفراغ مقاصدهما في قالب شرعي إن كانت غير شرعية، وغايته تحويل عبارة المشهود له وعليه العامية إلى عبارة يرتضيها العلماء وتحويل تصويرهما الفاسد إلى صورة شرعية.
ثم لا يلزم من تحصيل هذه الملكة وإجادتها الحصول على ثمرتها والرواج فيها، بخلاف القسم الأول من الحدادة ونحوها، فإن من علمها وأجادها حصل على ثمرتها.
وحكم سائر الحرف الهوائية كالدلالة والنقابة في عدم إفضائها بالعارف بها إلى مقصودها حكم الشهادة، ولك أن تجعل ذلك حداً رسمياً للحرف الهوائية، فيقال في
حدها: حرفة لا يلزم من العلم بها وإجادتها الحصول على ثمرتها.
والحاصل أن الحرفة الشهادة موانع من حصول ثمرتها والمقصود منها، ولها مفاسد ونقائص عاجلة ومضار أخروية آجلة.
فأما الموانع فأمور:
(منها) أن حرفة الشهادة من قبيل الاحتراف بالعلم، والعلم كما سيجيء تحقيقه في الفصل الخامس أقبل شيء للخفاء والجحد والجهل بقدره من صاحبه، وأقبل شيء للإضافة إلى غير أهله بالحظ والجاه والتلبيس وسكوت معور عن معور، وإذا كان كذلك فقد بدور الرواج في الشهادة مع الهيئة والزي الظاهر واللباس الفاخر، ويخفى مكان الاتصاف بحرفة الشهادة على التفسير السابق، فيفوت الرواج بفوات الهيئة واللباس، وهناك ينشد:
أرى ثياباً ولكن حشوها بقر ... بلا قرون وذا عيب على البقر
(ومنها) أن مبنى حرفة الشهادة على العوام، وهم مربوطون بأوهامهم وواقفون مع مألوف عاداتهم ولا تمييز لهم بتفهم كتابة وكتابة والتقليد وظيفتهم وذاتي لهم، فلا يستعملون في وثائقهم ومكاتيبهم مجهولا لهم لتوهمهم فيه إفساد مكاتيبهم، ويلزم من عدم استعمال المجهول استمراره على خمولة ومجهوليته أبد الآبدين ودهر الداهرين.
(ومنها) أن مبنى الرواج على الشهرة، والشهرة إما بقدمية أو بتشهير مقبول القول، فأما القدمية فليس المراد بها طول الإقامة في مكان بل كثرة الكتابة التي للشاهد في أيدي الناس المحركة لدواعيهم في استعماله التي يستلزم بعضها بعضاً، والدخيل خال عن ذلك. وقدمنا أن الشخص المجهول لا يستعمل، والمكث المجرد عن الكتابة لا يفيد شيئاً، حتى لو أقام الدخيل أبد الآبدين
(1/32)

في مكان لا يستكتب فيه لم يكن بينه في الجهالة والخفاء والإهمال والجحد فرق البتة. وأما تشهير مقبول
القول فأعز من بيض الأنوق ومن تصحيح الإكسير، وما أحق هذا بقول القاضي الجرجاني:
إذا لم يكن في الأرض حر بعينني ... ولم يك لي كسب فمن أين أرزق
(ومنها) أن الحرفة هوائية صرفة، وصرفها عن الدخيل والأجنبي الذي لا زبون له بالمواطأة والحيلة والاعتذار والشعوذة والدك من إدخال الأشياء تحت الإمكان لاسيما وأهلها بطرق اللؤم أهدى من القطا، مع ما لهم من القسوة والقحة وغلظ الأكباد أحسن الله خلاصنا من أيديهم.
وأما المفاسد والنقائض العاجلة فلأن الشهادة في هذا الزمان تستلزم النذالة والسفالة والدناءة وسقوط الهمة وموت النفس والشح والقحة وتؤدى إلى التباغض والتماقت والتقاطع والتدابر والتحاسد، يتقاسمون الفلس والفلسين ويتغاضبون على الحبة والحبتين ويتراضون بالدرهم والدرهمين ويسرقون ويختلسون. قال عمر بن الوردي من أرجوزة طويلة في ذلك:
يغيب الأشغال من أبيه ... ويسرق الأجرة من أخيه
ويحلفون بالطلاق والعتاق على ما كذبهم فيه أظهر من الشمس فضلاً عما يحتمل الكذب، ويعدون ذلك استرضاءً وعقلا، ويتهافتون بسرعة القيام للأشغال ويعدونه حذقاً وكيساً، ويوسعون الدخيل حرماناً وشعبذة ويعدونه دهاءً وكيساً، وقد قلت في تهافتهم ومبادرتهم القيام:
بليت به جهولاً جاهلياً ... ثقيل الروح مذموماً بغيضاً
ولم يك أكثر الإخوان علماً ... ولكن كان أسرعهم نهوضاً
وأما المضار الأخروية فمن وجوه:
(أولها) - حضور الأنكحة مع عدم الاستظهار في شروطها من انقضاء العدة والأولياء والكفاءة وغيرها. وعلى الجملة فالإقدام على عقد من غير معرفة حكمه
حرام، ثم بتقدير وجود الشرائط فمعهم من أنفسهم المفسد الأعظم وهو فوات العدالة، لما أن كل واحد يعرف من نفسه مالا يعرف من غيره، والعدالة عند
(1/33)

الشافعية عبارة عن عدم مباشرة الكبائر والإصرار على الصغائر مع المروءة، وأين من يجمع هذه الثلاثة مع خطر النكاح وكثرة ما يترتب عليه من الأحكام من التوالد والتوارث وانتشار النسب إلى عدد كثير، وما يترتب على ذلك المنتشر من الأحكام ووجوب مالا يجب إلا بالنكاح وحل مالا يحل به، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
(وثانيهما) - أن شركة الأبدان القائل فيها قائلان: قائل بعدم جوازها البتة كالشافعي، وقائل بجوازها كالحنبلي والحنفي، وليس لنا قائل بوجوبها. وان اثنين ينعقد بينهما شركة الأبدان بغير اختيارهما، ومبنى شركة الشهود غالباً على الإكراه، فقلما يقع بين الشهود شركة أبدان صحيحة بالتراضي، بل كل منهم لا يريد الآخر ولا الكتابة معه، ويمنعه من ذلك موانع هي آكراه أو في معنى الإكراه، ويكتب احدهما مائة سطر والآخر يكتب اسمه ويتقاسمان على السواء ولا شركة بينهما قائمة، فيصير الكسب كله حراماً، مسح أن أكل الحرام مما يظلم القلوب ويمنعها من دخول الحكمة فيها.
(وثالثهما) إنه يجب على كل أحد علم ظاهر صناعته كما ذكره الشافعية في كتب الفقه أول كتاب الجهاد، فيجب على الصيرفي مثلا معرفة أن بيع درهم بدرهمين مثلاً حرام وغير ظاهر صنعته كباقي مسائل الربا التي لا يكثر دورها لا يجب عليه تعلمه، وإذا وقع له شيء منه سأل عنه العلماء. وقياسه أن كل شاهد يجب عليه أن يعلم شروط الرهن والبيع والكفالة والأقارير، لأن هذه الأشياء كثيرة الدور، وباقي مسائل هذه الأبواب يسأل عنها المفتي إذا وقع له، فحينئذ من ترك من الشهود معرفة هذه الأشياء كان عاصياً، ويتكرر عصيانه كل يوم ويترتب
على ذلك ما لا يخفى وأيضاً كثيراً ما يكتب الشهود في الشهادة على من لا يعرفونه وقد عرفه شهوده وهو كذب، لأن المعرفة لا تحصل بالنظرة ولا بالمرة، ويتكرر هذا الكتاب بتكرر الشهادة على المجاهيل، ويترتب على ذلك ما لا يخفى.
(ورابعها) - تضييع الحقوق بالجهل، فرب من يكتب شيئاً ويزيد فيه كلمة أو ينقص كلمة أو يصور صورة يترتب عليها مفاسد شرعية وهو بجهله لا يعلمها، ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأن الكلمة الزائدة أو الناقصة هكذا تحملها، لأن بتسببه وتوريطه المشهود له، وعليه في ذلك بتقليدهما إياه ظنا منهما إنه أهل للتقليد.
(وخامسها) - التدليس باسترعاء المشهود عليه بكلمات الفقهاء التي تقصر عن إدراك غوائلها
(1/34)

ودسائسها إفهام العوام من غير أن يعرف العوام ما وراء ذلك من الغور، مع القطع بأنه أو شرح له ما في ذلك من الفساد لما أقدم عليه. ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأنه هكذا تحمل وهكذا استرعاه، لأن هذا مما لا ينفع عند العليم الخبير.
(وسادسها) - أنهم يكتبون في كتب الأوقاف كلاماً طويلاً تلقوه عمن تقدمهم من غير أن يعرفوا معناه فضلاً عن الواقف المشهود عليه، بدليل أن العلماء فضلا عن المورقين ندور رؤوسهم في ثاني الحال في فهم المراد منه، والواقف لم يلتفظ به ولا بمعظمه، ولو قرئ عليه لم يفسد لاستحالة إرادة معنى شيء بدون فهمه.
على أن الإنشاءات لا بد فيها من اللفظ من فهم المعنى، بدليل أن الأعجمي لو لقن الطلاق بلا فهم فأوقعه وأراد معناه عند العارف بمعناه لم يقع. وعلى الجملة فشهادتهم على الواقف بما نسب إليه فيه وهو لم يفهمه مشكلة جداً، بل وينشأ من عباراتهم الفاسدة الناشئة عن الجهل حرمان من لعل الواقف لم يرد حرمانه لو روجع فيه ودخول من لم يرد دخوله. وعلى الجملة ففي هذا الموضع نظر ظاهر فليتأمل.
(وسابعها) - تصريح العلماء من الشافعية والحنفية بأنه لا يشهد على خطه ما لم يتذكر الواقعة، فأما القضايا التي يكون فيها مدخل أو يكون هو المورق وله في عبارته وكتابته ما يذكره بالقضية فلا كلام فيها. ولكن ثم من القضايا ما يستحيل التذكر فيه عادة، كالشهادة على الحكام في ظهور السجلات مع طول المدة وما في معنى ذلك، فليستفت الشاهد قلبه في ذلك فإنه من مزال الأقدام.
(وثامنها) - الاكتفاء في الشهادة على الحكام في السجلات الطويلة والمحاضر وصور المجالس الطوال بقول الحاكم له (نعم) جواباً لقول الشاهد له (اشهد عليكم بما فيه) من غير أن يقرأه عليه بل ولا يعرف الشاهد ما فيه لا إجمالاً ولا تفصيلا، وقد قال فقهاء الشافعية في كتاب القاضي للقاضي إنه لو يقرأ على الشاهدين وقال الحاكم لهما أشهد كما علي إنه كتابي أو أن ما فيه خطي لم يكتف بذلك.
(وتاسعها) - رفع الشهود نسب من لا يعرفون نسبه مع أن ذلك شهادة بنسبه ضمنا، كما قاله السبكي في جمع الجوامع في الكلام على أن مورد الصدق والكذب إنما هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، ولو سلم أن ذلك ليس شهادة بالنسب لا أصلا ولا ضمناً فقد قال الإمام كما نقله عنه في الروضة والرافعي إنه لو يعرف المشهود عليه إلا باسمه لم
(1/35)

يتعرض في الشهادة لاسم أبيه.
هذا ما رأيت أن أذكره مما قوى عندي مما حضرني في هذا المقام من موانع حصول المقصود من حرفة الشهادة ومفاسدها، ووراء ذلك غور لا يمكن التصريح به، ورأيت أن الإمساك عنه أولى، وما أحق ذلك بقول القائل:
في النفس أشياء لا أستطيع اذكرها ... لو قلتها قامت الدنيا على ساق
والله المسئول في الخلاص منها واليه ... اضرع وعليه أتوكل

الفصل الخامس
في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم
وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك
وإنما كانت الفلاكة ألصق بهم غالباً من غيرهم لأمور:
(منها) أن الإمارة عنهم بمعزل، والتجارة مبنية على السفسفة والمماحلة والآمال التي لا يقوم دليل على وقوعها، والفلاحة والصناعة يلزمهما المهانة والتلوث برذائل الحيل الدنيوية وأهل العلم لهم أنفة واستنكاف عن ذلك، فيقعدون عن الاكتساب متعللين بالأماني الكاذبة، فيقعون في الفاقة والإملاق.
(ومنها) أنهم يحسنون ظنونهم في الناس على مقتضى ما يتوهمونه في أنفسهم من استحقاقها لذلك، ويبنون على ذلك رفيعاً ويحاولون منيعاً، والناس لاسيما أهل عصرنا لا يقيمون لعلومهم ومعارفهم وزناً فيبنون ظنونهم على شفا جرف هار، وتأتي الحوادث بنيانهم من القواعد فتجتثه ويعودون بآمال خاسرة وظنون كاذبة.
(ومنها) أنهم لاعتيادهم القواعد الكلية والخوض في الأنظار الدقيقة يطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولاً، ويقيسون الأشياء على أشباهها على طريق قياسهم الفقهي، ويلحقون بعض الوقائع ببعض على سبيل إلحاق النظير بالنظير والقياس التمثيلي. والقضايا وان تناسبت أو تساوت من وجه فقد تختلف من وجه آخر أو من وجوه أخر تخفى على غير المهرة في أحكام الدنيا ودقائقها، أو الخصوص في المادة لو لوجود مانع أو فوات شرط أو لكون تلك القاعدة المأخوذ منها حكم ذلك الفرع ليست كلية في نفسها بل أكثرية وذلك الفرع من غير قسيم
(1/36)

الأكثر، وهم عن ذلك كله غافلون والقواعد العلمية التي يعرفونها تقضى عليهم بتصحيح الأقيسة والوثوق بها، فيطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولا تأليفاً وتنفيراً تقريباً وتبعيداً إهمالا ومراعاة، فيخبطون لذلك خبطاً عظيماً ويخطئون السياسة أصلا
ورأسا. والكيس من العامة والهمج لا يعرف الكليات ولا الأقيسة والعمل بها، ولا إلحاق الأشياء بنظائرها ولا قياس العكس والحلف والملازمات، فبنظر في الجزئي الذي هو بصدده نظراً خاصاً غير مشوش بما يفسده ويتفقه فيه مانعاً وعائقاً، ويجسره على ذلك صحة الجزم وعدم التردد وما ينشأ من كثرة الاحتمالات من الفتور والتواني وضعف العزيمة، فتنجح مساعيهم ويصيبون في ظنونهم غالباً.
(ومنها) أنهم لبعد غورهم وغوصهم يفرضون محتملات بعيدة ويجزمون بوقوعها وثوقاً منهم بظنونهم وافتتاناً بأنفسهم، وما من شيء إلا ويطرقه الاحتمال المثبط عن إمضائه واستقامته، فيتخلفون لذلك عن مظان الخير والتعرض لتنفيسات الدهر وغشيان أهل الجاه، فيقعون في الفلاكة والإهمال
(ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل من الحكمة والفلسفة والطبيعة والمنطق والجدل والطب وكلام الأقدمين والتصوف الممزوج بالفلسفة والمتبحرين في التشكيكات والشبه، وعلى الجملة فمن تضلع في هذه العلوم وحدها ولم يكن له خدمة لما في الكتاب والسنة من الأحكام والمعارف ولا تضلع في الفقه ولا نظر نظراً تاماً في كلام العلماء الكبار المتشرعين فإنه يخرج بهاء الشريعة وجلالها ومهابتها وتعظيم ما فيها من فلبه، فيسترسل في اللذات محرمة كانت أو جائزة رذيلة خسيسة كانت أو غير منفرة، ويستثقل الإتيان بالمأمورات فيتركها طلباً للراحة والدعة، وأرزاق العلماء مبنية على التماس بركتهم والاستنجاح بأدعيتهم وترفيعهم عن رذيلة الاحتراف والاكتساب الجائزين، فمتى لم يرفعوا أنفسهم عن الرذائل المحرمة ولم يكن لدعائهم عمل صالح يرفعه ولا على شمائلهم شواهد البركة أنكف الناس عن إسعافهم بمرادهم وأخذوا في طعنهم وتنقيصهم وربما رموهم بالزندقة والإلحاد، فتستحكم الفلاكة فيهم والفلاكة كالبرص في الجسد تنتشر فيه وتسري وتتزايد ما لم تجد دواءً حاسماً مانعاً له من السريان.
(ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل أيضاً أنهم يرون أن لا كمال إلا التحلي بالمعارف والإطلاع على النكات والحقائق والوقوف على الأسرار والدقائق،
(1/37)

وإن الكمالات الخارجية من المال والجاه خيالات باطلة لا كمال فيها، ويمكن أخذ ذلك والاستدلال عليه بقول عز الدين الحسن ابن محمد الاربلي الضرير الفيلسوف:
كمل حقيقتك التي لم تكتمل ... والجسم دعه في الحضيض الأسفل
أتكمل الفاني وتترك باقياً ... هملا وأنت بأمره لم تحفل
الجسم للنفس النفيسة آلة ... ما لم تحصله بها لم يحصل
يفنى وتبقى بعده في غبطة ... محمودة أو شقوة لا تنجلي
أعطيت جسمك خادماً فخدمته ... ونسيت عهدك في الزمان الأول
ملكت رقك مع كمالك ناقصاً ... أتملك المفضول رق الأفضل
وبقول أبي الفتح البستي والغزالي رحمه الله كثير اللهج به في كتبه:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... وتطلب الربح مما فيه خسران
عليك بالنفس فاستكمل سعادتها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وبقول الفارابي محمد بن محمد بن طرخان الفارابي المتوفى سنة 336:
أخي خل حيز ذي باطل ... وكن للحقائق في حيز
فما الدار دار مقام لنا ... وما المرء في الأرض بالمعجز
ينافس هذا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز
وهل نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقسع مستوفز
محيط السموات أولى بنا ... فماذا التنافس في المركز
وإذا كان الكمال الخارجي متلاشياً في أنظارهم على ما تقرر فيهم محالة لا يعطون له بالا، وهو لعمره لا يتم مع الفكرة في تثميره فكيف مع إهماله وعدم
الاعتناء به وإلقائه وراء الظهر.
(ومنها) أن العلوم خرجت عن كونها حرفاً وصناعة من الصناعات بعد مصيرها من قبل، على ما سيجيء تحقيقه والاستدلال عليه في الفصل السادس بعد هذا الفصل، وإذا كان كذلك فكيف العمل على شريعة منسوخة والوصول بسلوك سبيل قد سد والاستضاءة بمصباح قد طفئ.
(ومنها) أن رواج العلماء إنما هو لعلمهم كما أن رواج أرباب الحرف إنما هو لحرفهم، ولكن
(1/38)

العلم بطيء الحصول وليست كل الطباع تقبله، والجزء الغالب عليه الوهب من الله لا الكسب، فطائفة من العمر تنقضي في تحصيل متنه وطائفة من العمر ثانية تنقضي في تصوره وأخذه عن الشيوخ وطائفة ثالثة في تحقيقه. ثم بعد ذلك كله فصفة العلم ليست من الصفات المحسوسة الظاهرة كالحسن والقبح، ولا مما يدخله الكمية والمقدار المحسوس ليعرف التفاضل فيه بالذراع والشبر وقياس أحد المطلوبين على الآخر، ولا الدال على صفة العلم وهو البيان والنطق ظاهراً مكشوفاً لكل احد، كالشجاعة التي يعرف بها القوى من الضعيف بالافتراس والإلقاء على الأرض، وكالإجادة في المصنوعات المرئية المشاهدة، بل صفة العلم من الصفات النفسانية والكمالات الحاصلة بقوة النفس الناطقة والقوى الباطنة فهي قابلة للجحد والإنكار والمدافعة والتغطية عليها عند أهلها، وقابلة أيضاً لأن يدخل فيها غير أهلها بالتلبيس والتصنع والتمويه والجاه.
ويعين على خفائها وجهل الناس بمكانها من صاحبها وقبولها للتصنع والتمويه أن للعلم مستدع لفاهمة وحافظة، وقل أن يجتمعا في شخص، وذلك لما أن القوة الحافظة من مقدم الدماغ والقوة الفاهمة مما يلي مؤخر الدماغ في وسطه، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين وان شئت قلت: أن البطن المؤخر من الدماغ محل الاسترجاع والتذكر، والبطن المقدم محل التخيل، ويقدر
كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين. أو لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسة، والجمع بينهما محال كما قاله الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المصنف في مناقب الشافعي ناقلاً له عن الحكماء.
وإن من العلماء من له قلم وكتابة وليس له بيان ولا جدل، لأن مزاجه يتغير بالمماراة والمدافعة غضباً أو حياءً ويضيق قلبه انفعالا عن ذلك فيحصل الحبسة في لسانه بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه، أو لعدم دربته ومهارته بالبحث، أو لعيه وحبسته، أو لان في العلم والكتابة استعانة على تشييع القوة النفسانية وضبطها عن التشتت، وهذا مستمد مما ذكره الحكماء في كتبهم من أن
(1/39)

نفوس الكهان لما ضعف استعدادها تشبثت بأمور جزئية تكون مشيعة لها ومانعة من تشتتها، كالسجع ورؤية الماء وسنوح سانح.
ومنهم من له بيان وجدل ولا قلم ولا كتابة له، إما لفصاحته مع عدم وقوفه على حقائق العلوم، وأما لفساد تراكيبه إهمالا واحترازاً وان كان واقفاً على حقائقها. والقلم يضبط العيوب ويكون شاهداً عليه بخلاف العبارة، لإمكان المكابرة والاعتذار فيها وإمكان تغييرها عند المضايقة، وأما لدربته ومهارته في البحث وحسن انتقاله فيه وتغطيته على جهله وقلة مبالته.
وإن من العلماء من يزيد علمه على عقله فلا يحسن الغطاء على مجهولاته ولا الاعتذار عنها، مع أن مجهولات الإنسان أكثر من معلوماته بل لا نسبة لمعلوماته إلى مجهولاته.
ومنهم من يزيد عقله على علمه فيضع الأشياء في حاق مواضعها ويضيف إليها رونقاً وبهاءً وتهويلا وتمويهاً.
وان من العلماء من له صوت لإهماله والبكاء صغيراً لفقر أهله أو لتسليط البكاء
عليه في المهد والمحارج رطبة فيفتح العياط لهواته وتتسع مجاري صوته وتتصلب أوداجه.
ومنهم من لا صوت له لعدم ذلك، ومن لا صوت له مغلوب عاجز عن المباحثة، حتى أن بعض الناس علمه صوته وفخره نغمه، وما أحق هذا المقام بقول القائل:
فقلت لمحمد لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام
وإن من العلماء من له علم بلا جاه ولا وجاهة، فلا يمكنه المقاومة ويتلعثم لسانه ويتغير للإجلال، ويدافعه الوهم ويقول فلا يلتفت إليه أو يرد عليه رداً جاهياً تقبله العامة. ولله در القائل:
إذا التقى الخيل في معسكرها ... فكيف حال البعوض في الوسط
والقائل:
حياة بلا مال حياة ذميمة ... وعلم بلا جاه كلام مضيع
ومنهم من له جاه وحاله في ذلك ظاهر لا يحتاج إلى الكلام عليه.
وإذا تقرر لك ذلك كله علمت أن العلم اقبل شيء للخفاء والجحد والتلبيس والتصنع، وكيف الرواج بحرفة مجحودة أو خفية أو يشارك فيها بالتلبيس والتمويه.
(ومنها) أن ما في أيدي الناس إنما هو
(1/40)

ثمرة أموالهم وتكسباتهم بأعمالهم، حتى لو فرضنا خصاً خالياً من المال والتكسب لم يكن إلا حاذاً مكدياً، وعلى قدر احتياج الناس إلى نوع ذلك المال ونوع ذلك التكسب يكون نفاقه بينهم، وبقدر نفاقه تعظم ثروة صاحبه وغناه، فلذلك لا تعظم ثروة أصحاب منصب القضاء والفتوى والتدريس غالباً وذلك لعدم احتياج جمهور الناس إلى ما بأيديهم احتياجاً لازماً لا مندوحة عنه، لما أن الأمور المفتقرة إلى القضاء تنفصل بغير قضاء تارة لرجوع المبطل عن عناده لوازع دين أو عار أو خوف مترقب أو نحوها، وتنفصل
بالسياسة وبوجوه الناس تارة أخرى، ولما أن العلوم مباينة لطبائع البعض ومهجورة عند البعض ومستثقلة على البعض.

الفصل السادس
في مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة من الطاعات
ليس إلا بعد كونها صناعة من جملة الصناعات وحرفة من الحرف
هذه الدعوة مركبة من ثلاثة أمور: (الأمر الأول) أن العلوم كانت حرفة من الحرف وصناعة من الصنائع. (الأمر الثاني) أن العلوم الآن خرجت عن كونها صناعة وزال منها معنى الاحتراف والصنعة. (الأمر الثالث) كونها كمالات وطاعات.
وبيان ذلك يفتقر إلى مقدمتين:
(المقدمة الأولى) أن هذه الريعة ناسخة لجميع الرائع وأحكامها باقية بقاء الدهر. ثم أن الأحكام كلها متلقاة من الله تعالى ولا مدخل للعقل في إيجاب ولا تحريم ولا غيرهما، ولذلك قيل في حد الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فقيل (خطاب الله) لأن السنة والإجماع والقياس ترجع إليه بالآخرة. والكتاب والسنة والحكم الرعي مفتقر إلى العلوم بأسرها. وبيانه إنه بالنظر إلى المفرد الذي يستدل به وصحته في حالة إفراده يفتقر إلى علم الصرف، وأن النظر في صحة التركيب يفتقر إلى علم النحو، وفي تطبيق اللفظ على مدلوله يفتقر إلى علم اللغة، وفي إظهاره وإضماره والتفاته وتقديمه وتأخيره ونحوها مما يرجع إلى مطابقة اللفظ لمقتضى الحال إلى علم المعاني، وفي حقيقته ومجازه وكنايته واستعارته ونحوها مما يرجع إلى إيراد
(1/41)

العلمين إلى علم البديع، وبالنظر في خاصه وعامه ومطلقه ومقيده ومجمله ونحو ذلك إلى المعنى الواحد في طرق مختلفة في وضوح الدلالة إلى علم البيان، وبالنظر إلى توابع هذين طائفة من علم أصول الفقه، وفي مواقع القرآن إلى أسباب النزول، وفي استيضاح معانيه إلى علم التفسير، وفي نزوله على حروف متعددة إلى علم القراءات، وفي الاستدلال به وترتيب الأدلة إلى علم المنطق والجدل وآداب البحث، وفي الأحكام المستفادة منه وبواسطته إلى الفقه، وفي استنباط الفقه إلى أصول الفقه، وان النظر في السنة يستلزم علم رواية السنة وحفظها وعلم الحديث والناسخ والمنسوخ وأسماء الرواة وكناهم وألقابهم ومشتبه أنسابهم وجرحهم وتعديلهم ووفاتهم والأخبار والقصص. وإن النظر في الشارع يفتقر إلى علم الكلام.
ثم أن العلوم بعضها مربوط ببعض ومتعلق به إما على سبيل الاستلزام أو على سبيل الاستمداد، وهذه العلوم المذكورة تستلزم جملة من علوم الحكماء والأوائل ولو بواسطة أو وسائط، كاستلزام الفقه بواسطة الفرائض والإقرارات المجهولة علم الحساب وهو الارتماطيقي وعلم الجبر والمقابلة، وبواسطة اختلاف أحكام الوصية وما في معناها بالمرض المخوف وغيره وإباحة التيمم بالمرض ونحوه إلى علم الطب، وكاستلزام علم الكلام للطبيعة والرياضة والمنطق، وكاستلزام تعيين معرفة القبلة على كل واحد في رأي الرافعي أو على مريد السفر في رأي النووي وهو من الفقه معرفة طائفة من الهيئة، وكذلك معرفة دخول الوقت، واستلزام الاستشهاد بالشعر في النحو والتفسير علم العروض، وعلى هذا القياس قس تجد العلوم مرتبطة بعضها ببعض بالاستلزام أو الاستمداد.
(المقدمة الثانية) أن الحفاظ للقرآن بكماله في عصره صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبو زيد سعيد بن عمر الأنصاري وأبو الدرداء عويمر وزيد بن ثابت، وفي قول وعثمان بن عفان وتميم الداري وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري.
وأصحاب الإفتاء في عصره صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن حوف وأبي بن كعب وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة وزيد بن ثابت وسلمان وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري.
ثم انتهت أصول العلم إلى عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عباس، فأخذ عن ابن مسعود ستة علقمة
(1/42)

والأسود وعبيدة والحرث ابن قيس ومسروق وعمرو بن شرحبيل، وأخذ عن زيد بن ثابت أحد عشر رجلا ممن كان يتبع رأيه ويقتدى بقوله قبيصة بن ذؤيب وخارجة ابن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث والقاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله وسعيد بن المسيب وأبان بن عثمان وسليمان بن يسار، وأخذ عن ابن عباس ستة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد وجابر بن زيد وطاووس - هكذا رواه أبو بكر الخطيب بإسناده عن علي المديني، وروى الحاكم أبو عبد الله عن ابن العباس الأصم عن العباس الدوري قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة عمر وعلي وابن مسعود وأبي ابن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت - انتهى.
وانتهت أصول الرواية إلى ستة أبي هريرة وأنس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة، وانتهت أصول الأخبار والقصص إلى ستة عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه وطاووس اليماني ومحمد بن اسحق ومحمد بن عمر الواقدي، وانتهت صناعة التفسير إلى ستة عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك والسدى هكذا ذكر هذا كله جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي في كتابه المسمى تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.
ثم صار الأمر من بعده صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق واسمه عبد الله بن عثمان، بويع له في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع له البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وتوفي لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال.
ثم استخلف عمر بن الخطاب يوم وفاة أبي بكر بنصه عليه، ثم قتل لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام.
ثم استخلف عثمان بن عفان أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأياماً.
ثم استخلف علي بن أبي طالب، وقتل في رمضان سنة أربعين في يوم الجمعة، وكانت خلافته
(1/43)

أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً.
ثم بايع الناس الحسن بن علي يوم موته، فوليها سبعة أشهر وأحد عشر يوماً ويقال أربعة أشهر، ثم كره سفك الدماء فتخلى عن الأمر لمعاوية وانخلع وبايعه في جمادي الأولى سنة إحدى وأربعين، فانتقل الأمر إلى بني أمية وخلص لهم ثنتين وثمانين سنة ألف شهر، وعدتهم أربعة عشر رجلا أولهم معاوية وخلافته سبع عشرة سنة وثلاثة أشهر وآخرهم مروان بن محمد ابن مروان بن الحكم ومدة ولايته نحو من ثمان سنين.
وبعد معاوية يزيد بن معاوية، وكانت ولايته ثلاث سنين وشهرين ثم بويع لابنه معاوية بن يزيد، فمكث أربعين ليلة ثم مات، وقيل خلع نفسه لصعوبة الأمر عليه.
ثم بويع لعبد الله بن الزبير بمكة لسبع خلون من رجب سنة أربع وستين، ثم قام
مروان بن الحكم بالشام بعد بيعة ابن الزبير بأشهر فبايعه جماعة من أهل الشام، وذلك في المنتصف من ذي القعدة سنة أربع وستين ثم مات في رمضان سنة 65 فكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً.
فقام مقامه عبد الملك ابنه وجهز العساكر مع الحجاج بن يوسف لقتال ابن الزبير، وقتل ابن الزبير في المسجد الحرام بمكة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكانت ولايته تسعة أعوام وشهرين ونصفاً.
ثم ولي الوليد بن عبد الملك وتوفي سنة 96 فكانت ولايته تسع سنين وخمسة أشهر، ثم استخلف أخوه سليمان بن عبد الملك وتوفي سنة 99 فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر، ثم استخلف عمر بن العزيز وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، ثم استخلف يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، ثم استخلف أخاه هشام بن عبد الملك وكانت ولايته تسعة عشر عاماً وسبعة أشهر وعشرة أيام، ثم استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته سنة وشهرين، ثم استخلف يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، ثم استخلف أخاه هشام بن عبد الملك وكانت ولايته تسعة عشر عاماً وسبعة أشهر وعشرة أيام، ثم استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته سنة وشهرين، ثم استخلف يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم بويع أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك، ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وقتل سنة 132 هجرية.
ثم انتقل الأمر إلى بني العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فتولى أبو العباس السفاح واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في ربيع الأول وقيل لآخر سنة 132 وتوفي في ذي الحجة سنة 136، فكانت خلافته أربع سنين وعشرة
(1/44)

أشهر.
ثم تولى بعده أخوه المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد، وكان اكبر سناً منه وحج فتوفي لسبع خلون من ذي الحجة سنة 158، فكانت ولايته اثنين وعشرين سنة إلا شهراً.
ثم ولي المهدي بن محمد بن عبد الله بمكة وتوفي لثمان بقين من المحرم سنة 169، وكانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً.
ثم ولى ابنه الهادي موسى بن محمد، وكانت خلافته أربعة عشر شهراً وإحدى وعشرين يوماً.
ثم ولى بعده أخوه الرشيد أبو جعفر هارون بن محمد، فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وستة عشر يوماً.
ثم ولى بعده ابنه الأمين أبو عبد الله محمد بن هارون وقتل في المحرم سنة 198، وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوماً.
ثم ولى أخوه المأمون عبد الله بن هارون في المحرم ومات ببلاد الروم لثمان خلون من رجب سنة 218، فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً.
ثم تتابع العباسيون واحداً واحدا إلى أن ختموا بالمستعصم أبي أحمد عبد الله بن المنتصر بالله أبي جعفر منصور، وكانت عدة خلفاء بني العباس سبعة وثلاثين خليفة وجملة أيامهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جمع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فقد خرج عن بني العباس بلاد المغرب.
وإنما ذكرت هذه المقدمة بطولها لتعرف ترتيب الدول، فإن تغير الأحوال إنما هو بتغيير الملوك وتتجدد العوائد بحسب أحوال الملوك وسيتضح لك ذلك بإذن الله تعالى.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن العلوم الإسلامية لم تكن مدونة ولكن اقتضتها الشريعة اقتضاء واستلزمتها لزوماً وأفاضتها إفاضة كما تقرر في المقدمة الأولى وتلقت الصحابة أصولها من حضرته صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم الوحي وتفقههم بأسباب النزول وما أفاضته عليهم أنوار النبوة، ثم ثابروا على الحق وتساءلوا وتناظروا واجتهدوا وتراجعوا عند اختلافهم إلى من عنده مزيد علم بالمختلف فيه، وتواصوا وتعاونوا على إمضاء الشريعة وتشييعها وإلزام الناس بها وإكرام حملتها وملوك الناس علماؤهم والعلماء الكبار قليلون كما مر في المقدمة الثانية، على ما هو العادة في الأمور المبتدئة كيف تكون في مبدئها وأولها قليلة، وما ظنك بالشيء المحتاج إليه مع قلته. ويلزم من ذلك كله وفور الداعية في تحصيل العلم ومزيد الاعتناء به
(1/45)

والرغبة فيه، ولذلك كانت الفضائل والكمالات والعلوم تأخذ في الازدياد والنمو لتفاق أصحابها ولبقاء أنوار النبوة غضة طرية بين الناس، وكلما ازدادت الشريعة تمهيداً ونشراً ازدادت الصحابة وحاشاهم من تعلق هممهم بالدنيا سيادة ويسراً، فلقد كثر المال في خلافة عثمان بن عفان كثرة بالغة لم يكثر قبلها في خلافة من تقدمه حتى جاء نصيب الفارس في غزوة افريقية ثلاثة آلاف دينار أو عشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان رضي الله عنه في يوم واحد لآل الحكم ويقال لآل مروان.
ثم صارت الخلافة من الخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم إلى الأمويين فالعباسيين على ما تقدم في المقدمة الثانية، وهم ما بين صحابي وتابعي ومدل بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم والشريعة التي العلوم خدمتها شريعة قريبهم وصاحبهم وسيادتهم وفخرهم، واستيلاؤهم على الممالك به صلى الله عليه وسلم وبشريعته المستلزمة للعلوم على ما مر في المقدمة الأولى فكيف لا تأخذ العلوم في الانتشار والملوك والأمراء والأعيان والقضاة والوزراء هم أهل العلم والفضل
والعقل أو الممدحين الكمل، وشهرتهم وذكر أسمائهم في غالب خطب كتب الأقدمين تغمى عن عدهم بالأسماء، فقل أن يخلو كتاب من كتب العلماء الأقدمين خصوصاً في العلوم العقلية والأدبية إلا ويذكر فيه أن الباعث على تدوينه وزير أو قاض أو أمير أو من في معناهم، ويلزم من ذلك قوة داعية التعلم وتوفر الإرادة له، لما أن المجانسة واتحاد المقاصد والتعاون على مقصد واحد واستمداد العلماء بعضهم من بعض وزيادة العلم ورسوخه بالبحث فيه والمذاكرة له كل ذلك مقتض للألفة والمحبة والاختلاط والعناية، وألفة الملوك والأعيان ومحبتهم والاختلاط بهم يقتضي تأليفهم ومن يحبونه إلى مقاصده ومآربه، ولذلك بنيت المدارس بألوف الدنانير لجنس العلماء أو لواحد منهم بالقصد الأول ولجنسهم بالقصد الثاني واتسع الحال بالعلماء أنفسهم حتى بنواهم لبني نوعهم مدارس كثيرة وكتب التاريخ طافحة بهذا.
ولذلك أيضاً بذلت الألوف في الإرشاد إلى تصحيح كلمة أو مساعدة على مقصد علمي، كحكاية النضر بن شميل مع المأمون وإنه أمر له بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل على أن أرشده إلى أن السداد الذي بمعنى البلغة وسد الثلمة بكسر السين لا بفتحها، وان الفضل زاده من عند نفسه لذلك ثلاثين ألف درهم فتم له ثمانون
(1/46)

ألف درهم. وكحكاية أبي عثمان المازني وإحضار الواثق إياه من البصرة ليسأله عن نصب رجل أو رفعه في قول العرجي:
أظلوم أن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم
وأمره على توجيهه إياه بألف دينار. وكحكاية أحمد بن دعلج أبو محمد السجزي الفقيه المعدل المحدث الرئيس صاحب الأموال الجزيلة التي أنفق أكثرها في العلم وأهله المتوفى عن ثلاثمائة ألف دينار سنة 351، حيث بعث بمسنده إلى ابن عقدة لينظر فيه وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً. وكحكاية عبد الله بن طاهر
حيث رتب للقاسم بن سلام أبي عبيد في كل شهر عشرة ألف درهم لما وضع كتابه في غريب الحديث وقال له: أن عقلاً يعين صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق أن لا يحوج لطلب المعاش. وكحكاية علي بن محمد بن الفرات من إنه كان ينفق على خمسة آلاف من العلماء والعباد ويجرى عليهم نفقات كل شهر، وكغير ذلك من أخبار المدح والكلمات العلمية مما يغني تواتره المعنوي عن الإطالة به.
ولذلك أيضاً كان التقريب والتبعيد والضعة والشرف على حسب الاستعداد والاستحقاق، وذلك كله يستلزم كون العلوم والكمالات صنعة من الصنائع وحرفة من الحرف، لما لن الناس كانوا يرون احتياجهم إلى العلماء فوق احتياجهم إلى الحاكة والباعة والصناع وباقي الحرف أضعافاً مضاعفة.
وكان العلماء يسترزقون بعلومهم ومعارفهم ويتخذونها ذرائع ووسائل إلى مقاصدهم فوق استرزاق الحاكة والخاطة أضعافاً مضاعفة، فلذلك اتسع نطاق العلم ودونت الدواوين وصنفت الكتب وهذبت ورتبت وبسطت واختصرت واستبحر العلم استبحاراً وذخرت أمواجه وأخذ إلى أبعد مسافة من أقطار الأرض شرقاً وغرباً، حتى أن علوم الشريعة كلها من التفسير والنحو والأصول والمعاني والحديث أكثر أصحابها العجم على بعد قطرهم، مع أن صاحب الشريعة عربي وكتابه عربي والمتلقون عنه وهم الصحابة عرب.
ولذلك سبب اذكره استطراداً، وهو أن الشريعة لما استلزمت العلم على ما مر وكان العلماء هم الملوك والأعيان وكان نفاق العلماء والاحتياج إليهم فوق نفاق الخياط والحداد والحائك والاحتياج إليه
(1/47)

واسترزاق العلماء بعلمهم فوق استرزاق هؤلاء بحرفتهم صار العلم حرفة من الحرف على ما تقدم، وقاعدة الحرف أن موجوديتها وكثرتها ومهارة أهلها يدور مع التمدن والحضارة، فكلما ازداد القطر تمدناً وحضارة ازدادت الحرف إحكاماً ومهارة، فلذلك لا تجد في القرى من
المصنوعات ما يوجد في المدن ولا في صغير المدن ما يوجد في كبيرها، لما أن رواج الحرف ونفاقها هو سر موجوديتها وإحكامها، لأن الناس لا يضعون سلعهم حيث لا تقبل أو لا تنفق، وكبر المدينة وكثرة أهلها يستلزم النفاق لاحتياج الناس واختلاف أغراضهم وهممهم احتياجاً على البدل والتناوب إلى المصنوعات، واستلزام ذلك الحكم البدلية والنوبة عدم الشعور والخلو واقتضائه للنفاق، لأن توزيع المجموع على المجموع مع الكثرة على البدل والنوبة مستلزم لذلك لا محالة. ومملكة فارس والعجم كانت أكثر تمدناً وحضارة، فلذلك انتشرت العلوم فيها وأحكمت إحكاماً بليغاً إلى حد لا يوجد في غيرها لكثرة ناسها وعظم مملكتها. هذا كله في تبيين أن العلوم كانت صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف.
(وأما الأمر الثاني) وهو أن العلوم الآن خرجت عن كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف فذلك أن الحرف والدول لها شباب وهرم ولها عمر طبيعي كأعمار الحيوانات والأمور المعنوية تتراجع وتتناقص عند التناهي كالأمور الحسية، وكنا قد قدمنا أن العلوم اقتضتها الشريعة اقتضاءاً وإن الصدر الأول تشايعوا على إظهار الشريعة ولوازمها وتوابعها فراج العلم والعلماء لذلك، ولا شك أن الدول بعد الخلفاء الأربعة وان كانت فوق عصرنا هذا في الانتظام والسداد أضعافاً مضاعفة لكنها دون عصره صلى الله عليه وسلم، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) وقوله صلى الله عليه وسلم في رواية علي بن الجعد عن حماد عن سعيد بن جمهان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: {الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا}.
وخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله عز وجل بدأ هذا الأمر
نبوة ورحمة وكانتا ملكا عضوضاً
(1/48)

وكانتا عتواً وجبرية وفساداً في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبداً حتى يلقوا الله عز وجل} وخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه مختصراً.
ولسر هذه الأحاديث تجدد في الدول بعده صلى الله عليه وسلم ما لم يكن في عصره صلى الله عليه وسلم واستعجم الملك، وتجددت فيه أحوال فارس والعجم من الملابس الفاخرة والمساكن الأنيقة والحجاب ومضاعفة الحجاب ومن الوزراء والجاويشية والجوندارية وأصناف أمراء ووظائف وأسماء لم تكن في عصره صلى الله عليه وسلم، وحدث تخطي الحدود والتعاويز وتشنيع القتل وإيقاعه بغير موجب شرعي، وزالت أحوال البداوة من خوف المذمة وشدة الحياء والكرم والتبذل في المأكل والملبس والمركب ومن اتخاذ التواضع خلقاً، وحدثت الحوادث وكثرت الخوارج والمتغلبون على العباسيين الذين يدلون بنسبهم إليه صلى الله عليه وسلم، ونزلت سيادتهم بشريعته المستلزمة للعلوم كما تقدم، فخرجت حصة من مملكة الشرق من أيدي العباسيين في دولة بني بويه على يد يحكم وغيره، ثم زالت أيديهم عن العراق كله، وخرج الحكم عنهم فيه أصلا سنة وشهوراً في أيام ارسلان البساسيري في حدود الخمسين والأربعمائة، ثم عاد إلى أن أخرجه عنهم مطلقاً واستأصلهم هلاكو بن طولى خان بني جنكيز خان.
وكان الصدر الأول يدبرون أفعالهم على محض الشريعة، ثم جاء من بعدهم فأدخلوا فيها بالاستدلال والتمحل جملة من السياسة، ثم فعلوا أموراً سياسية وهونوها على الناس بالاعتذار، ثم اتسع نطاق السياسة وأدار الملوك أحوالهم على عقولهم واحدث جنكيز. خان الياساق الذي وضعه وجعل الناس يتحاكمون إليه ويطلع إلى جبل ويزعم إنه يوحى إليه به، وأكثره مخالف لشرائع الله وكتبه وإنما هو شيء اقترحه من عند نفسه بعد الستمائة وأوحاه إليه شيطانه، وكان يكتب
ابساقه في مجلدين بخط غليظ ويحمل على بعير ويبالغ في تعظيمه، وكثرت الحوادث السياسية والأمور العقلية المخالفة للشريعة واستغناء الحكام بعقولهم مما يقتضي علي بسط العلم ويقضي إلى عدم الاحتياج إليه، فإن النفوس حكوية من شأنها المحاكاة في الشر، ومهما صدر شيء وزال بقي منه أثر في النفوس، وزواله الظاهر لا يستلزم زواله من النفوس وزوال الاستدلال به وروايته على سبيل الاستحلاء والاستحسان.
وهذا كله
(1/49)

يستلزم طي بساط العلم وعدم الحاجة إليه، ولما أن العلوم من لوازم الشريعة وتوابعها كما قررناه واعدنا غير مرة، وإذا ضعف العمل بالملزوم وتسوهل فيه فأولى أن يضعف العمل باللازم ويتساهل فيه، ولذلك لم يبق من العلم سوى رسومه ومعاهده كالمدارس القديمة وسوى ما يوجبه ناموس الإسلام من الاعتراف بحقه ظاهراً.
فقد اتضح عندك خروج العلوم عن كونها مظنة الاستحقاق ومطية الاسترزاق، وكيف لا وقد صارت الوظائف الدينية تباع كما يباع الفرس والحمار، وهو الذي يسمونه نزولاً وإعراضاً ويوصى بها كما يوصى بالفرس والدار، وهو الذي يسمونه نزولاً أيضاً وتورث كما تورث الأموال يأخذها الصغار والأطفال.
وأنت إذا رجعت علمت أن كثرة الحوادث الخارجة عن الشريعة تحدث في النفوس محاكاة وأثراً واستدلالاً، وان الناس على دين ملكيهم وهم بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وان الملوك أسواق يحمل إليها ما ينفق فيها، وان الصنائع تدور مع النفاق وجوداً وعدماً، وان وثوق المحترف من الباعة والحاكة والخاطة بإفضاء حرفهم إلى ثمرتها أكثر من وثوق العلماء بإفضاء علمهم إلى ثمرته الدنيوية، وأن إهمال الصنعة والاستغناء عنها بغيرها يوجب اضمحلالها زوالها، وما نسب لذلك مما تجده وتشاهده من إهمال المنطق والحكمة بالشام واستعماله بالروم والعجم تحققت
أن العلوم خرجت عن كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف. اللهم إلا أن يحييها الله تعالى وينشرها ويبثها في أيام الملك المؤيد وينشرها، فهو الذي عمر المدارس بمصر والشام بمعروفه وبره وبآرائه الموفقة وساطع أمره وقهره وإحياء معالم العلم شرعه وشعره، أبقى الله دولته بقاء الفرقدين وملكه ما بين المشرقين.
(وأما الأمر الثالث) وهو كون العلوم كمالات وطاعات فهو الإنسان إنما ينفصل عن الحيوان بالنطق، وليس المراد به الصوت المنضغط في المجرى على مقاطع الحروف وإلا لكان الأخرس غير إنسان، ولا الكلمات المنتظمة وإلا لكانت الببغاء والغراب إنساناً، وإنما المراد به النفس الناطقة وهي التي لها الفكر والروية ومحبة العلم والمعرفة، وهي التي تملك الطبائع القياسية وغير القياسية وتكون فلسفية وحكمية وتبحث عن العلوم النظرية، ولها الاستدلال بظواهر الأمور على بواطنها ومعرفة ترتيب الموجودات في الوجود، وهذه القوة كمالها وحياتها بالعلم والبيان، فتميز الإنسان بما هو إنسان بالعلم والبيان وإلا فغير الإنسان
(1/50)

من الدواب والسباع أكثر أكلاً منه وأقوى بطشاً وأكثر جماعاً وأولاداً وأطول عمراً، وإنما يتميز عن الدواب والحيوان بعلمه وبيانه فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شراً منهم كما قال الله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} فهؤلاء هم الجهال {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} وقال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} سواء كان المعنى مثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب، إن مثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق، فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن سائر الحيوان.
وأيضاً فالجهل من أعظم الأدواء والأمراض، وقد سماه الله مرضاً في قوله تعالى
في حق المنافقين: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً} وقوله: {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون} وفي قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} فإن المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة، وكذلك أمراض القلب جميعاً من الشهوة وغيرها كالرياء والعجب والحسد والفخر كلها ناشئة عن الجهل، فإنها مركبة من الشهوة والشبهة، فإن الكبر مثلاً مركب من تخيل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومحملتهم إياه، ودواء هذه الأمراض كلها العلم، ولذلك أكثر الغزالي رحمه الله في المهلكات من ذكر دواء العلم في كل مرض من أمراض القلوب، ولهذا سمى الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور ولذلك أيضاً ترى داء الجهل متلفاً للأموال غالباً، فرب شخص يتحيل عليه بحلية شرعية يجعلها طريقاً إلى اخذ ماله، ولولا جهله بالشريعة لما تمت عليه.
وأيضاً ما روي عن ابن عمر يرفعه (أفضل العبادة الفقه) وقال عمر رضي الله عنه (موت ألف عابد أهون من نوت عالم بصير بحلاله وحرامه) وما رواه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه عن ابن عمر يرفعه (مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة) وما رواه أيضا من حديث عبد الرحمن بن عوف يرفعه (يسير الفقه خير من كثير العبادة) قال ابن قيم الجوزية في مفتاح دار السعادة: وفي رفعها نظر. وما رواه أيضاً من حديث انس يرفعه (فقيه عند الله أفضل من ألف عابد) وهو في الترمذي من حديث روح بن جناح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. قال ابن القيم:
(1/51)

وفي ثبوتهما مرفوعين نظر. والظاهر أن هذا من كلام الصحابة فمن دونهم، وما رواه المخلص عن ابن صاعد حدثنا القاسم بن الفضل بن مريع حدثنا حجاج بن نصير حدثنا هلال بن عبد الرحمن الجعفي عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: (باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من أل ركعة تطوعاً وباب من العلم تعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مائة ركعة
تطوعاً) وما رواه الخطيب أيضاً عن أبي الدرداء إنه قال: (مذاكرة العلم سلعة خير من قيام ليلة).
وما رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من سلك طريقا يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً إنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر}.
أما وضع الملائكة أجنحتها فتواضعاً وتوفيراً وإكراماً لما تحمله من ميراث النبوة، لأنه طالب لما فيه حياة العالم ونجاته ففيه شبه من الملائكة وبينه وبينهم مناسبة، لأن الملائكة يحرصون على منافع البشر يعينونهم على أعدائهم الشياطين ويستغفرون لمسيئهم.
قال الطبراني: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال: كنا نمشي في بعض الأزقة إلى باب بعض المحدثين بالبصرة فأسرعنا المشي وكان معنا رجل تاجر منهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى حفيت رجلاه وسقط.
وأما استغفار من في السموات ومن في الأرض له فإنه لما كان ساعياً في نجاة العباد جوزى من جنس عمله وجعل ما في السموات والأرض ساعياً في نجاته. وقيل سبب هذا الاستغفار أن العالم يعلم الخلق مراعاة هذه الحيوانات ويعرفهم كيفية تناولها واستخدامها وذبحها فاستحق أن يستغفر له البهائم.
وقوله: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) مطابق لحال
القمر والكواكب، فإن القمر يضيء الآفاق ويمتد نوره في أقطار العالم، وأما الكواكب فنوره لا يجاوز نفسه وما قرب عنه، وهذا حال العابد.
ووجه اختيار القمر على الشمس وان كان الشمس أكثر
(1/52)

نوراً وإضاءة أن القمر لما كان نوره مستفاداً من الشمس كان تشبيه العالم الذي نوره مستفاد من شمس الرسالة بالقمر أولى من تشبيهه بالشمس.
وأيضاً فنور القمر يتفاوت الليالي نقصاناً وتماماً، والشمس نورها في كل الأيام على السواء، والعلماء يتفاوتون في العلم تفاوتاً كثيراً، فتشبيههم بالقمر أنسب لحالهم.
وأما تشبيه العلماء بالنجوم في قوله صلى الله عليه وسلم (أصحابي كالنجوم) فمن وجه آخر وله حكمة أخرى، فإن النجوم يقتدى بها في ظلمات البر والبحر وتكون رجوماً للشياطين، والعلماء كذلك يقتدى بهم في ظلمات الجهل والكفر وترجم بهم الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم زخرف القول غروراً.

الفصل السابع
في السبب في غلبة الفلاكة والإهمال والإملاق
على نوع الإنسان وبيان ذلك
اعلم أن المفلوكية والإهمال والإملاق غالب على جنس البشر، والسبب في أن غالب البشر يرمقون العيش ترميقا ويدافعون إخفاق المساعي مدافعة ويتسكعون في طرق الإملاق أو فوقه بقليل تسكعاً أن السيادة والمجد والثروة والغنى وأشباهها إما مكتسبة وأما موروثة، فأما المكتسبة فما سوى الإمارة من المعاش الطبيعي أما تجارة أو فلاحة أو صناعة، فالتجارة مفتقرة إلى مادة متسعة ورأس مال كبير يدار في وجوه الأرباح والتثمير ويوزع على أنواع المتاجر لينجبر كساد بعضها
بنفاق الآخر وليستعان بالنافق على ادخار الكاسد ارتقاباً لحوالة الأسواق واستداراراً للنفاق ولكيلا يباع الكاسد في حال كساده وذهاب ربحه وفساده، وأيدي الناس خالية عن الأموال المقنعة القابلة لمثل ذلك غالباً.
وأيضاً فهي محتاجة إلى بصيرة تامة ودراية وافية وتجربة كاملة ليؤمن بها غش الباعة وخلابتهم وترويج السماسرة كواسدهم، ومفتقرة أيضاً إلى فراسة صادقة وحدس صحيح ليضع كل سلعة في حاق موضعها زبوناً وسوماً وترخيصاً واغلاءاً وحلولا وتأجيلا وادخارا وتعجيلا، ونفوس الناس غالباً ظلمانية لخلوها عن العلوم العقلية والأعمال الرياضية، فهي بعيدة عن البصيرة.
وأيضاً فالأيدي الغاصبة الخاطفة مستولية
(1/53)

على التجار لمقهوريتهم مع الدولة وحامية الملك وخاصته المخادعين بالاستدانة والأرباح الكاذبة والمواعيد الباطلة والرهون الغير المملوكة والالتجاء إلى الاعسارات والحيل الشرعية والاستعانة بشهود الزور ووكلاء السوء، وربما ذلك على التاجر الماهر فعاقه وأقعده عن أمثاله حتى على رأس ماله.
وأما الفلاحة فعوارضها السماوية أكثر من أن تعد من البرد والهواء المفرطين وانقطاع المطر وكثرته في غير وقته ونزول كبار الحصى والبرد وثقيل الثلج وشدة الحر ومجيء الجراد المنتشر، وكذلك العوارض الأرضية من سوء النبت وسباخة الأرض وخبث طينها ووضع الأشياء متأخرة عن أوانها وعدم استكمالها بحرثها وشروطها ونبات الأشياء المضرة خلال الأشياء المطلوبة، ومن الجرذ والفار واليربوع، ومن رخص البقول والخضراوات وما في معناها مما لا يقل الادخار مع غلاء بذورها، ومن عدم نصيحة الملعونين فيها وخبائتهم واختلاسهم وتفويت الأعمال الكمالية المصلحية وتسليط الظلمة عليهم واستعبادهم وتوسيع شروط مقاسمتهم وفرض الفرائض والتفنن في وجوه الجبايات وأنواع الظلامات
وإلجائهم إلى بيع زراعاتهم في حال كسادها وعدم رواجها مع ما يختص به أهل البدو من رداءة العيش وخشونته والبعد عن أحوال الحضارة من الرفاهية والترف وموجودية المطالب والتحلي بالعلوم، ثم مع ذلك كله ما هم عليه من دخول المهانة في قلوبهم وظهورها في أحوالهم وعلى شمائلهم، وناهيك قوله صلى الله عليه وسلم: {ما دخلت السكة دار قوم إلا دخلها الذل}.
وأما الصناعات فلقلة الماهر الحاذق فيها. وعلى الجملة فالصنائع شاغلة لأصحابها عن الدعة والراحة والرفاهية ويطرقها الكساد كثيراً ونفاقها لا جدوى له ولا يحظى صاحبه بطائل، وأصحاب الصنائع باذلون رقهم وعبوديتهم بأقل قليل للفقير والغني والمسلم والذمي، فهم بمراحل عن الشهامة وعلو الهمة والأنفة.
ثم جهات المعاش الثلاثة مفتقرة إلى التعاون والتناصح، وقد انقطعا من كافة البشر أو عامتهم لاتساع موجبات التباغض والتماقت لكثرة مقتضيات التحاسد ولحيلولة كل واحد الآخر عن مراده الناشئة من الكبر والعجب والعداوة وخوف الازدحام على مطلوب واحد، ولفوات بعض المقاصد بكثرة الشركاء وحب المباهاة والإنفراد بالمجد وخبث النفس وفساد
(1/54)

جوهرها ونقص إنسانيتها.
وأيضاً يقال على وجوه المعاش الثلاث إنه كلما تجدد للإنسان دخل جدد له صرفاً، إما للمباهاة والترفع على أمثاله أو إفراطاً في الشهوات وانهماكاً في اللذات، أو خوفاً من سوء القالة والأحدوثة بتنقيص ما يقتضيه حاله، أو بإكراه مبغض لتلك النعمة عليه، أو لان الحالات المتجددة في دخله يلزمها تجدد أمور في صرفه فلا يزل الشخص مفلوكاً مهملاً غير قادر على المكارم.
وأيضاً فوجوه المجد والسيادة الكسيبة لا تصير دفعة وإنما تكون بالتدريج والترقي ومكابدة تنميتها ومعالجة زوال موانعها مع كثرة الصادين عنها والعوارض العائقة لها أمر عسير بطيء السير، فيقضي الإنسان شطر عمره أو معظمه في فلاكة
وإديار.
هذا حكم المعاش الطبيعي، وأما غير الطبيعي كالاسترزاق بالكيمياء والتنجيم والدلالة وقلم الشهادة لغير المعروف وسائر الأرزاق الهوائية الخطفية الصدفية فهي ارسخ قدماً في الفلاكة والإدبار، لأنها بمنزلة اللقطة والعثور على دفائن الأرض، لعدم انتظامها ووفاء محصولها لخمولها، فأصحابه - لاسيما غير المشهور منهم - أئمة الفلاكة وهبولاها وينابيعها ومأواها، أعاذنا الله من ذلك ومن الاختلاط بأهله آمين.
وأما الإمارة فلا ينكر أن مبادئها مشتملة على نصيب وافر من الفلاكة والإدبار، وبيانه: أن الإمرة لا تتم إلا بالمعصية والتغلب والشوكة، وفي قمع المعاند والجاحد وتأليف القلوب المتفرقة وتمهيد المسالك والقيام بحقوق لا تحصى وكثرة معاناة شدائد ومكابدة مكائد ومشاق وتعريض النفس للهلاك وكبراء الجند مستعبدون مع ملكيهم مشغولون به عن أنفسهم مقدمون لمراده على مرادهم، ولو سلم أن السلطنة خالية من الفلاكة فهي من القسم النادر والدعوى أن الفلاكة غالبة على نوع الإنسان لا أنها لازمة لكل أنواع الإنسان هذا كله من المكتسب، أما الموروث فيطرقه أنواع من الفلاكة:
(منها) امتداد أبدي الولاة والحكام إليه.
(ومنها) مذلة اليتيم وخضوعه وفقده نصيحة أبيه
(ومنها) سهولة صرف ماله عليه لعدم تحمله مشاق جمعه وتجشمه نصب الحبائل في تحصيله، فيسرع فيه بالسرف والتبذير والسفه لعدم حنكته وبصره بعواقب الأمور، ويعود يتكفف الناس.
(ومنها) عجزه لعدم مهارته ودربته عن الوفاء بمقاصد ماله والقيام بشروط تنميته وتثميره، فيذوب قليلاً قليلا إلى أن يضمحل ويتلاشى ولا يحصل
(1/55)

منه إلا على
الملامة والتعيير والندم.
(ومنها) إنكار المنكرين كونه في رتبة مورثه ومستحقاً لما كان يعاون به مورثه ويساعد عليه، فلا يؤمنون على دعائه ولا يساعفونه على قصده ولا يسيرون معه سيرة مورثه، فيقع من ذلك في العناء العظيم والداء العقيم. وبهذا التقرير يعلم أن الفلاكة غالبة على نوع الإنسان وارثاً كان أو كاسباً، والله أعلم.

الفصل الثامن
في أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية
هذا الذي قدمناه في الفصل قبله لما كان لا ينهض دليلا إلا على غلبة الفلاكة المالية على نوع الإنسان احتجنا أن نذكر في هذا الفصل أن ذلك مستلزم للفلاكة الحالية، وأعني بالفلاكة الحالية تعذر المقاصد وانعدامها بحيث تصير الفلاكة حالا ووصفاً ذاتياً للشخص في أفعاله وأقواله دفعاً وتحصيلا حكما وتعليلا.
والدليل على ذلك أن تقول: هذا مفلوك مالاً وكل مفلوك مالا فهو مفلوك حالا ينتج هذا مفلوك حالا، وكلية الكبرى بديهي أو حسي والصغرى مسلمة بالفرض أو محسوسة. أو تقول دارت الفلاكة الحالية مع الفلاكة المالية وجوداً وعدماً والدوران آية كون المدار علة في الدائر والمعلول لا يفارق علته فهو إما مقارن أو متعقب على اختلاف المذهبين. وهذا وان كان بديعاً وهو الاستدلال بالدوران على العلية وبالعلية على مقارنة المعلول إياها فليس بعيداً من القواعد، أو يستدل بالدوران على الملازمة. وبالجملة فالدعوى تكاد تكون بديهية، والحس والاستقراء يصدق ذلك.
ويوضح ذلك أن المال عبارة عن ملك الأعيان والمنافع، والجاه عبارة عن ملك القلوب واستسخار أصحابها في الأغراض والأعمال لما فيها لذي الجاه من اعتقاد
الكمال والالتفات إليه، والمفلوك لا جاه له ومال، وكل من لا جاه له ولا مال فهو مسلوب القدرة، لما أن الجاه والمال من أعظم أسباب القدرة أو هما أسباب القدرة، ومن لا قدرة له فهو عاجز عن الوصول إلى مطلوباته، لما أن مقدوراً بلا قدرة محال، ولذلك لا يحصل مقصود المفلوك نادراً إلا بقدرة غيره من ذوي المال والجاه.
ولذلك أيضاً لو فرض شخص لا مال له ولا حرفة لم يكن إلا شحاذاً مكدياً، لأن ما في أيدي الناس إنما هو ثمرة أموالهم ومنافعهم.
وأيضاً من لا قدرة له لا يتعلق الرجاء والخوف به، ومشايعة الناس الشخص ومساعدتهم
(1/56)

إياه على مراده دفعاً وتحصيلا وتسليمهم له حكما وتعليلا لا بد لها من داعية وغرض ليترجح أحد الجائزين من الفعل والترك على الآخر بمرجح، وأعظم الأغراض والدواعي تعلق الرجاء والخوف بالشخص. لما أن الإنسان يقدر هجوم الحاجات وطروق الآفات وسوء الظن بالعواقب كامن في النفوس، لاسيما في البلد الذي لا يكمل عدله ولا يتراحم أهله، ولذلك لا تمل استزادة من الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً) وقال صلى الله عليه وسلم: {منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال}.
وذلك لأن هذه المخاوف لا موقف لها ولا لها قدرة مخصوص، فمن تعلق رجاؤه أو خوفه بشخص كانت مساعدته له لأمر يتعلق بنفسه بالآخرة وكان دافعاً لألم خوفه وساعياً في تحقيق رجائه، والشخص أنصح ما يكون لنفسه لأن نصحه لها طبيعي، فلذلك تساعف الناس الأغنياء بمراداتهم وتتزلف الخلق إليهم بمطالبهم، ويسعفونهم بمنافعهم تسليفاً وادخاراً لخوف مترقب أو رجاء متوهم وان لم ينالوا من مالهم ذرة ولا من جاههم مثقال خردلة، وإذن كانت المفاليك عن الرجاء والخوف بمعزل.
وأيضاً فالدنيا محل الازدحام والتوارد على محل واحد بخلاف الآخرة ولذلك لا حسد في الآخرة لاتساعها ووفائها بالكل بلا ازدحام، فما من مفصد يرومه المفلوك إلا وله فيه مزاحم ومدافع يمانعه عنه، وتقديمه على غيره ترجيح للمرجوح على الراجح وهو خلاف صريح العقل، ويلزم من ذلك تعذر المقاصد على المفاليك وإخفاق مساعيهم فيها.
وأيضاً فالأغنياء وذوو الجاه يتقارضون المقاصد تقارضاً ويقترضونها اقتراضاً، والتقارض يستدعي القدرة على الوفاء بالنوبة بحكم المقارضة لأنه أمر على التعاقب والنوبة والقرض لا يوضع عند المعسرين، والمفاليك ليسوا من أهل المقارضة ولا الاقتراض، على أن استلزام الفلاكة المالية للفلاكة الحالية كفلق الصبح عند المنصفين، ولعل حده مكابرة والقاعة أن المكابرة لا يطلب لها دليل. والله أعلم.
(1/57)

الفصل التاسع
في أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس
والمبالغة في الاعتذار إليهم وإظهار حبهم ومناصحتهم من أحسن أحوال المفلوكين وأليق الصفات بهم وأفضاها إلى مقاصدهم وبيان الدليل على ذلك.
اعلم أن الناس لا يبذلون منافعهم وأموالهم سدى بغير غرض ولا علة لأن المتعالي عن وجوب تعليل أفعاله بالأغراض والمصالح إنما هو الله تعالى وان خالفت المعتزلة في ذلك، فلا بد للاحسان أعم من أن يكون نفعاً أو مالا قولا أو فعلا من غرض وحظ هو عند الباذل أوفى بما بذله وتحصيله عنده أحب إليه من ذلك المبذول، فكما أن الشخص لا يلقى ماله في البحر إذ لا غرض له فيه كذلك لا يضع ماله في يد إنسان ولا غرض له فيه وذلك الغرض إما آجل وهو جزيل
الثواب في الآخرة قال صلى الله عليه وسلم: {أيما امرئ اشتهى شهوة ر شهرته وآثر على نفسه غفر الله له}، وأما عاجل في الدنيا وهو إما ترقب المكافأة بإحسان مثله نوعاً أو جنساً، أو المنة والترفع، أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم، أو جذب القلوب إلى طاعته ومحبته واستسخارهم. أو إزالة مذمة البخل وخبثه والنقرة الحاصلة للبخلاء واستقباحهم عنه، أو إزاحة حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة عن قلبه، أو إزاحة رقة الجنسية ورحمة النوعية عن قلبه ودفع الألم الحاصل له من الرقة بسبب سوء حال من يحسن إليه، أو دفع ألم خوف حاضر أو مترقب. والاستقراء يدل على الحصر.
ثم أن بعض هذه الأغراض أقوى من بعض وبعضها أدوم وأشد بياناً من بعض، فالإحسان بالوارد الأخروي قليل الثبوت والاستمرار إلا من وفقه الله تعالى.
وأيضا فأعمال الخير تتقارض وينوب بعضها عن بعض، والأعمال البنية أسهل على النفوس في تحصيل مطلوب الآخرة من الأعمال المالية، وبتقدير ثبوتها فإنما يثبت جنسها، وأما انحصارها في مفلوك بعينه فأقل ثبوتا بل لو قيل بعدم ثبوتها في مفلوك بعينه البتة لم يكن بعيداً، فلا يفيد المفلوك التعويل عليها.
وأما حب المنة والترفع فليس شاملا لعامة الخلق ولا لمعظمهم، لأن النفوس المستشرقة للمكارم والمعالي تأباه وتنفر عنه، وإنما
(1/58)

ذلك غالباً ممن يصدر عنه الإحسان تكرماً وتطبعاً وتكلفاً لا طبعاً، فهو من فساد جوهر الإنسانية.
وقولنا (لا يكون غالباً) لأن الكلام فيمن يصدر منه الإحسان لا في مطلق الإنسان، فلا يجمل بالمفلوك جعله رأس ماله، لأنه حينئذ يكون قد رضي بأقل الناس عدداً وأفسدهم جوهراً.
وأما حب الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم فلذلك يقتضي وضع المكارم في الناس على البدل والنوبة وتعميم العطاء للنظير والأعلى والأدنى، ويكتفي من
الواحد بالشخص بالمرة والمرتين والثلاثة، لأن الغرض إقامة الحجة وبسط المعذرة، فلا يحسن أيضاً بمفلوك التعلق بمحسن هذا عرضه، لأنه ماذا عسى أن يحصل من المرة والمرتين، ولأن العطاء العام قد لا يصادفه، لأن الاستدلال بالأعم على الأخص ممتنع.
وأما جذب القلوب إلى الطاعة والمحبة والإستخسار فهو أيضاً مما لا يوصل مفلوكاً إلى غاية ولا إلى مطلب يؤبه له، وقصاراه أن يوصله إلى مبادئ الخير، لان الغرض إقامة الحجة عليه واستعباده، وذلك يحصل بأدنى مرتبة يمكن استبعاد مثله بها.
وأما إزالة مذمة البخل ووضره ونفرته فلا يختص بإضافة الإحسان على المفاليك، بل قد يحصل بتنعيم النفس وإظهار بزتها وزينتها وبالبسط على العيال وضيافة النظير أو المساوي في المنزلة.
وأما إزاحة رقة الجنسية فتستدعي حالا غير مرضية تستنزل بها الرحمة زيادة على الفلاكة، إذ الفلاكة الدائمة تعتاد وتؤلف فيضعف كونها طريقاً للرحمة، وتلك الحال الزائدة تربو على الإحسان مرارها أضعافاً مضاعفة.
ثم إن رقة الجنسية من أمور الآخرة، وفيه من البحث ما تقدم، ولذلك كانت إزالة حب الدنيا عن القلب من أمور الآخرة، وفيه من البحث ما تقدم.
وإذن تقرر أن الناس لا يبذلون منافعهم وأموالهم بغير غرض، بل لا بد لهم من غرض إما عاجل أو آجل، والمفلوك تمنعه الفلاكة عن المكافأة على الإحسان بإحسان مثله، وتمنعه أيضاً من الإحافة، والأمور التي مرجعها الآخرة لا تبقى ويكتفي ببعض أعمال الخير البدنية عنها وغيرها لا يخص مفلوكا بعينه ولا يوصله إلى غاية يؤبه لها.
ثم أن ما سوى رقة الجنسية أمور راجعة إلى الباذل وحده، فلا بد في المفلوك من
تحريك بواعث الناس بأمر يرجع نفعه إليهم ويكون وصفاً للمفلوك نفسه ويدخل تحت قدرته دائماً، لتبقى داعية الإنسان متحركة دائما لا تسكن
(1/59)

لقدرة على تحريكها كل وقت، فبخضوعه وتملقه تظهر سيادتهم وعزهم ويؤمن كبر المفلوك عليهم وتيهه وصلفه بإسعافهم بمراده، وببسط أعذارهم يأمنون حقده فيعاودون الإحسان إليه وإن سلقوه إساءة وأذى، لأن الإساءة طبيعية للبشر للقوة الغضبية، ولما أن في القلب ميلا للأخلاق السبعية، ولأن في النفوس محاكاة في الشر، ولأن دخول الشر تحت القدرة أكثر من دخول الخير كالصداقة والعداوة والبناء والهدم، والمفلوك مظنة للإساءة إليه لوجود المقتضى وانتفاء المانع، فلا بد أن تعمل الطبيعة فيه عملها، ولا دواء لهذا الداء إلا بسط الإعذار. قال أبو الحوائر الواسطي:
دع الناس طراً واصرف الود عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
فشيئان معدومان في الأرض درهم ... حلال وخلّ في الحقيقة ناصح
وقال بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وبالمبالغة في الاعتذار إليهم يتجاوز عن تقصيره وقصوره وعجزه اللوازم للفلاكة، لان للأغنياء شوافع من غناهم عن ذنوبهم قد تغنيهم عن الاعتذار بخلاف المفاليك، وبإظهار حبهم ومناصحتهم يجدون فيه روحاً ونفعاً راجعاً إليهم، فيكون إسعافهم له بمراده من لوازم سيادتهم راجع بالآخرة إليهم.
ولكون هذه الأمور أكثر إفضاءاً بالمفاليك إلى مقاصدهم تجد الأسافل ترتفع على الأعالي كثيراً، لأن نفوس الأدنياء لا تأنف من الخضوع والتملق بخلاف الأعالي، وقلما تخلو دولة من ذلك.
والسبب فيه أن الدولة إذا انقرضت وجاءت دولة أخرى فأصحاب الدولة الأولى يكونون في نهاية سعادتهم، ففيهم شمم وأنفة ومطالبة لصاحب الدولة الجديدة
بحقوق لم يعطوه عليها ثمناً بل هي مما أوجبها خدمتهم في الدولة الأولى، والوقت سيف والحكم للوقت، ولصاحب الدولة الجديدة نصحاء ومتملقون وان سفلت بهم المرتبة، وسياسة الملك تقتضي تقديم من في تقديمه نظامه وأبهته، لأجرم ترتفع الأسافل على الأعالي كثيراً.
اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك، يا خالق الأسباب والمسببات والدواعي والبواعث والعزمات لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأشهدنا عظيم رحمتك حتى لا نرجو أحداً سواك، وتجل علينا ببالغ قدرتك حتى
(1/60)

لا نخاف أحداً غيرك.
اللهم انك تعلم أن الخضوع لغيرك والتملق لسواك فوق صيري وقاطع لظهري لا يبلغه وسعي ويضيق عنه ذرعي، فاغنني بك عما سواك يا رب العالمين. آمين آمين.

الفصل العاشر
في تراجم العلماء الذين تقلصت عنهم دنياهم
ولم يحظوا منها بطائل
وأقدم قبل الشروع في ذلك مقدمة:
قال القاضي في أخريات الشفاء ما ملخصه: أن من استشهد بأحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو على التشبه بهم عند هضمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسى والتحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو الهزل أو إعلاء في وصف، كقول القائل (أن كذبت فقد كذب الأنبياء) أو (صبرت فقد صبر أولو العزم) وكقول قائل:
فرّ من الخلد فاستجار بنا ... فصبر الله قلب رضوان
فحقه أن درئ عنه القتل الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعه مقاله ومألوف عادته وقرينة كلامه أو خلاف ذلك، لأن كلامه وإن لم يتضمن سباً ولا غضاً فما وقر النبوة ولا أعطاها حقها.
وقال أيضا في إيراده حكاية ما ملخصه: أن حكاية الأقوال السديدة تدور بين الوجوب والاستحباب والمنع، فقد اجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينونها للناس وينقضوا شبهها عليهم، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وكذلك الحكاية على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير عنه والتجريح له، فهذا دائر بين الوجوب والندب. وأما حكاية سبه صلى الله عليه وسلم والإزراء بمنصه على وجه الحكايات والأسمار ومضاحك المجان ونوادر السخفاء فكل ذلك ممنوع وبعضه أشد في المنبع، فما كان عن غير قصد أو غير عادة يكن من البشاعة حيث هو ولم يظهر استحسانه زجر ونهى عن العود إليه وان قوم ببعض الأدب
(1/61)

فهو مستوجب له، وان اتهم إنه اختلقه أو كانت تلك عادة له أو أظهر استحسانه لذلك أو كان مولعاً بالتحفظ لمثله قتل.
ثم قال: وقد اسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما هذا سبيله، وتركوا روايته إلا أشياء يسيرة ذكروها غير مستبشعة ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري عليه بذنبه - انتهى ملخصا.
فخرج من كلامه إن ذكر الأحوال المدخولة حكاية كان أو استشهاداً والإنكار والتعريف والرد وتبيين ما لله في ذلك الفعل من الحكمة في الحكاية.
وإنما قدمت هذه المقدمة لأنا سنذكر تراجم العلماء الذين زوى الله عنهم الدنيا في
مساق الفلاكة، فقد يقول من شم طرفاً من الفقه: إن ذكر العلماء في سياق الفلاكة غض من قدر العلم وتهاون بحرمته. والجواب عن هذا التوهم: أما أولا فما قاله القاضي على ما قررناه في كلامه، على أن ما قاله القاضي عياض رحمه الله من التفصيل إنما هو في الله تعالى وملائكته وأنبيائه. وأما ثانياً فلا نسلم مجيء مثل هذا التفصيل في الحكاية عن العلماء ولو سلم فلا نسلم مجيئه في التراجم، لأن أوصاف الكمال وأوصاف غير الكمال كل واحد منهما يشعر وصفه ونسبته إلى الشخص بانتقال لآخر عنه ورفعه، فلو اقتصر في التراجم على احدهما لكان تلبيساً وتدليساً وإغراءاً وحملا على الجهل، وهذا إن لم يعين أو يرجح ذكر الترجمة بطرفيها فلا أقل من أن يقتضي عدم المنع من ذكرها بطرفيها.
وقد يقال: لا حاجة بنا إلى هذا البحث، لأن لفظ الفلاكة والمفلوك مجتنب في هذا الفصل إلا نادراً، وإنما نذكر فيه تراجم العلماء ناقلين لها من المصنفات المعتمدة من غير إطلاق لفلاكة أو مفلوك على احد، والعهدة في المنقول على المؤرخين، والعذر في أتباعهم في نقله إنه لم يزل العلماء والمؤرخون يذكرون ذلك إملاءً وتصنيفاً شائعاً ذائعاً من غير نكير، فكان إجماعاً من السلف على جوازه. وقد تقدم كلام القاضي في جواز الحكاية على جهة التعريف أو التنفير، وتقدم أيضا ما قلناه على سبيل البحث من أن في ذكره أمناً من التدليس والتجهيل.
وأما الاعتذار عن إيراد الفلاكة والمفلوك على الندور فهو أنا نقول: الفلاكة وإن أشعرت بتنقيص إلا أنا نذكرها في هذا الفصل معراة عن معنى التنقيص، والكلمات كثيراً ما تكون حاملة لمعنيين فتعرى من أحدهما مجازاً، وهذا في الكشاف في مواضع: (فمنه) ما ذكر في سورة الأعراف أن واو
(1/62)

الحال هي واو العطف استعيرت لمجرد الوصل. وعلى الجملة فاستعمال الكل في الجزء مجاز شائع.
أو نقول: المراد بالفلاكة المذكورة في هذا الفصل وقوع ما الأولى خلافه. واللغة اصطلاحية على قول، والألفاظ التي يدور عليها معنى في تصنيف كالخبن والطي في العروض اصطلاحية اتفاقاً، فقد سقط بهذا التقرير اعتراض من يدلع لسانه كالكلب مجادلا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
اللهم عياذاً بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطال في الجهل وأذى عبادك ذراعه، فقد اتخذ بطر الحق وغمص الناس سلما إلى ما يحبه ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما يشتهيه ويأباه، ولياذاً بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته، يجعل عداوته وأذاه حذاراً وإشفاقاً وتنفيره وتخذيله إسعافاً، متى برز على الجهال بأصغريه ظن إنه قد زاحم العلماء بركبتيه.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن الفلاكة على ضربين:
(أحدهما) فلاكة مالية، ونعني بها كون الشخص غير محفوظ في أمور الدنيا المالية على ما قررناه في الفصل الأول، أو وقوع ما الأولى خلافه في الأمور المالية على ما قررناه في هذا الفصل.
(والثاني) فلاكة معنوية، ونعني بها الأوصاف المخالفة لمحاسن الطبيعة أو لمحاسن الشريعة من الأفعال المحرمة أو الأفعال المكروهة والأخلاق القبيحة المذمومة.
وإذا عرفت انقسام الفلاكة إلى هذين القسمين مالية ومعنوية اتضح لك مناسبة التراجم في هذا الفصل لمقصود الفصل، وهذا حين الشروع وإنا ننقل فيها ألفاظ المترجمين بحروفها من غير تصرف فيها لتكون العهدة عليهم في ذلك. والله المستعان.

القاضي عبد الوهاب
ابن علي بن نصر المالكي، كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس ونبت به
بغداد على عادة البلاد بذوي فضلها وعلى حكم الأيام في مخبأ فعلها، فخرج وخلع أهلها وودع ماءها وظلها، فلما فصل عنها شيعه من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطائفة كثيرة، فقال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين في كل غداة ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كل موطن ... وحتى لها مني سلام مضاعف
(1/63)

فو الله ما فارقتها على قلى لها ... واني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها وتناهت إليه الغرائب وانثالت عليه الرغائب، فمات في أول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها. زعموا إنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد: لا الله إلا الله لما عشنا متنا. توفي سنة 422.

ابن مالك
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الجياني الملقب جمال الدين، صاحب التصانيف المبسوطة والمختصرة والنظم والنثر، شيخ النحاة في عصره والإمام في اللغة، كان كثير الأشغال والاشتغال، حتى إنه حفظ في اليوم الذي مات فيه خمسة شواهد. قال شارح التنبيه الشيخ أبو جعفر رفيق الأعمى نزيل حلب في ترجمته أول الشرح: خرج من الدنيا ولم يتعلق بأعراضها ولا قرطس سهمه في أغراضها. قلت: لقد أحسن الشيخ أبو جعفر رحمه الله العبارة عن الفلاكة، فإن قوله (خرج من الدنيا) إلى آخره هو والفلاكة عبارتان عن معنى واحد. توفي رحمه الله سنة 672.

النضر بن شميل
الشاعر التميمي الماذني النحوي البصري، عالم بفنون من العلم، صاحب غريب الحديث والشعر، وهو من أصحاب الخليل. خرج النضر يريد خراسان لما ضاقت عليه البصرة بالمعيشة، فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو لغوي أو عروضي أو إخباري، فقال: يا أهل البصرة يعز علي فراقكم ولو وجدت كيلجة باقلى ما فارقتكم، فلم يكن فيهم أحد يتكلف ذلك. ودخل على المأمون في ثوب مرقوع فقال له: يا نضر ما هذا التقشف؟ فقال: ضيح ضعيف وحر شديد فأتبرد بهذه الحلقان. قال: لا ولكنك قشف. ثم تجاذبا الأحاديث إلى أن أدى بهما الحديث إلى السداد بمهنى البلغة وسد الثلمة، فأورده المأمون بفتح السين فرده النضر عليه وبين له أن المفتوح إنما هو
(1/64)

القصد لا البلغة، فأمر له عند انصرافه بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل، فصرفها له ثمانين ألف درهم عند وقوفه على سبب الصرف. وتوفي بمرو سنة 204.

الاخفش الصغير
هو علي بن سليمان النحوي، كان إماماً في اللغة والأدب، وهو غير الأخفش الكبير لأنه أبو الخطاب عبد الحميد، والأخفش الأوسط لأنه سعيد بن مسعدة أبو سعيد. كان الأخفش الصغير يلازم المقام عند أبي علي بن مقلة وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة وزيادة الإضافة، وسأله أن يعلم الوزير أبا الحسن علي بن عيسى ويسأله له إقرار رزق من جملة من يرتزق من أمثاله، ففعل فانتهره الوزير انتهاراً شديداً، وكان ذلك في مجلس حافل فشق على ابن مقلة ذلك، ثم وقف الأخفش على صورة الحال فاغتم لها وانتهت به الحال إلى أن أكل السلجم النيئ، فقيل إنه قبض على فؤاده فمات منه فجأة سنة 315.

التلعفري
محمد بن يوسف بن مسعود الأديب البارع شهاب الدين أبو عبد الله التلعفري الشاعر المشهور، اشتهر ذكره وشاع شعره، وكان خليعاً معاشراً وامتحن بالقمار وكلما أعطاه الملك الأشرف شيئاً يقامر به فطرده إلى حلب فمدح بها صاحبها العزيز فأحسن إليه وقرر له رسوماً، فسلك معه مسلك الأشرف فنادى في حلب أن من قامر مع الشهاب قطعنا يده، فامتنع الناس من اللعب معه فضاقت عليه الأرض وترك الخدمة وجاء إلى دمشق ولم يزل يستجدي بها ويقامر حتى بقي في أتون من الفقر، ثم نادم في الآخر صاحب حماه وبها مات خمس وسبعين وستمائة.

الترمذي
محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الشافعي، لم يكن للشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع، وكان من التقلل على حال عظيم، أخبر إنه تقوت في سبعة عشر يوماً
(1/65)

بخمس حبات أو قال ثلاث حبات، قيل له كيف عملت؟ قال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتاً، فكنت آكل منه كل يوم واحدة. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين وقد اختلط في آخر عمره.

يحيى بن علي
ابن محمد بن الحسن بن بسطام أبو زكريا الخطيب التبريزي الشيباني إمام اللغة والنحو، تخرج عليه خلق كثير، شرح الحماسة والمتنبي والمعلقات وغير ذلك، وكانت حصلت له نسخة من التهذيب في اللغة للأزهري في عدة مجلدات لطاف وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن عالم باللغة، فدل على أبي العلاء المعري فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة ولم يكن له ما يستأجر
به مركوباً، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها الليل وهي ببعض الوقوف ببغداد، وإذا رآها من لا يعرف صورة الحال فيها ظن أنها غريقة وليس بها سوى عرق الخطيب. ومن شعره:
فمن يسأم من الأسفار يوماً ... فاني قد سئمت من المقام
أقمنا بالعراق على رجال ... لئام ينتمون إلى لئام
توفي فجأة في جمادي الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة.

الابيوردي
أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الابيوردي، اشتغل في الفقه علي أبي حامد وبرع فيه. قال الخطيب في تاريخه: كان شاعراً فصيحاً حسن الاعتقاد متجملا في فاقه، يقال: إنه مكث سنتين لا يقدر على جبة يلبسها في الشتاء ويقول لأصحابه: بي علة تمنعني لبس المحشو. توفي في جمادي الآخرة سنة خمس وعشرين وأربعمائة. قلت: ما أحسن قوله (بي علة تمنعني ليس المحشو) فإنه من الإبهام والتورية، والعلة هي علة الفلاكة شفانا الله منها.

الشنتريني
عبد الله بن صارة أو سارة الشاعر المشهور، كان شاعراً ناثراً ناظماً ماهراً إلا إنه كان
(1/66)

قليل الحظ، ومن الحرمان لم يسعه مكان ولا اشتمل على سلطان، كان يبيع المحقرات وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع الملوك ما كان أتى إلى اشبيلية أسود حالاً من الليل وأكثر انفراداً من سهيل، وتبلغ من الوراقة فانتحلها في كساد سوقها وخلو طريقها، وفيها يقول:
أما الوراقة فهي أنكر حرفة ... أوراقها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بحالة إبرة ... تكسو العراة وجسمها عريان
توفي سنة 517.

العز
حسين بن محمد الشاعر الضرير الاربلي، تلميذ أفضل الدين الخلنجي، كان الشاعر المذكور بصيراً بالعربية رأساً في العقليات كلها إلا إنه كان فيلسوفاً رافضياً تاركاً للصلاة رث الهيئة زرى الشكل قبيح المنظر، يصدر منه ما يشعر بفساد العقيدة والانحلال، وابتلى مع العمى بطلوعات وقروح، وكان قذراً لا يتوقى النجاسات، يهين الأكابر إذا حضر مجلسهم ولا يعتني بهم، ومع ذلك كان له هيبة وحرمة. توفي سنة 660.

السهروردي
يحيى أو محمد أو عمر بن حبش الملقب شهاب الدين السهروردي أبو الفتوح المعروف بالشهاب المقتول، كان أوحد زمانه في الفلسفة والحكمة مفرط الذكاء حسن العبارة، وله تصانيف منها: الهياكل، والتلويحات، والرقم القدسي في تفسير القرآن على رأى الأوائل، واللمحات في المنطق. ورد إلى حلب واجتمع بالملك الظاهر غازي فأعجبه كلامه فمال إليه، فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين أدرك ولدك وإلا تلف، فكتب السلطان إلى الظاهر بإبعاده عنه، ثم كتب إليه بقتله. كان دنيء الهمة زري الخلقة دنس الثياب وسخ البدن لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا بداً من زهومة ولا يقص ظفراً ولا شعراً، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه. توفي سنة ست وثمانين وخمسمائة.
(1/67)

الحافظ عبد الغني
ابن عبد الواحد أبو محمد المقدسي، أنزله الشيخ عبد القادر هو ورفيقه الشيخ موفق الدين بمدرسته وما كان يمكن أحداً من النزول فيها لما تفرس فيهما من
الخير والصلاح، كان إمام وقته في الحديث رواية ودراية، وصنف الكتب الحسان منها نهاية المراد في كلام خير العباد نحواً من مائتي جزء. ومحنه كثيرة:
(منها) إنه لما دخل أصفهان وقف على كتاب أبي نعيم الحافظ في معرفة الصحابة، فأخذ عليه في مائة وتسعين موضعاً، فطلبوه من الخجندي ليقتلوه فاختفى وخرج من أصفهان في أزار.
(ومنها) إنه لما عاد إلى أصفهان دخل الموصل فقرأ كتاب الجرح والتعديل للعقيلي وذكر فيه أبا حنيفة وجرحه، فثار عليه أصحاب أبي حنيفة وحبسوه، ولولا البرهان بن البرقي الواعظ خلصه لقتلوه.
(ومنها) لما قدم دمشق من الموصل كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة بحلقة الحنابلة ويجتمع الناس إليه وحصل له قبول، فكان سريع الدمعة، فحمده الدماشقة ودخلوا عليه بطريق الناصح الحنبلي فحسنوا له أن يعظ بعد الصلاة تحت النسر، فشوش على الحافظ فصار الحافظ يقعد بعد العصر، فذكر عقيدته على الكرسي فاتفق محيي الدين بن زكي الدين والخطيب الدولعي وجماعة من الدماشقة وصعدوا إلى القلعة وواليها صارم الدين برغش فقالوا: هذا قد أضل الناس ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلساً وأحضروه وناظرهم فأخذوا عليه مواضع وارتفعت الأصوات، فقال صارم الدين: كل هؤلاء على ضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر الأسارى فنزلوا إلى جامع دمشق فكسروا منبر الحافظ وما كان في حلقة الحنابلة من الدرابزينات ومنعوهم من الصلاة ففاتتهم صلاة الظهر، ثم سافر الحافظ إلى مصر ونزل عند الطحانين وصار يقرأ الحديث، وكان الملك العزيز في الصيد فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه وبعثوا بالفتوى إلى العزيز، فقال: إذا رجعنا أخرجناه، فاتفق إنه وقع عن فرسه واشتغل بنفسه ومات، وجاء الأفضل إلى مصر ولما دخل العادل مصر ومعه وزيره ابن شكر نقل إليه ما نقل إلى
العزيز، فعرف بزهده وفضله فأكرمه عند الدخول إليه وأقام الحافظ في مسجد المصنع يذكر الحديث، فكتب أهل مصر إلى ابن شكر يقولون: قد أفسد عقائد الناس ويذكر التجسيم على رؤوس
(1/68)

الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب، فحدث الشيخ تاج الدين الكندي أن الوزير طلبه ليكتب بنفيه وكان الحافظ قد توفي، فقال للكاتب: اكتب بنفيه إلى المغرب ولم يكن علم بموته: فقلت:
ما تحتاجون تنفونه هو قد نفاكم. فقال ابن شكر: وكيف؟ قلت: الساعة أخبرني شخص بموته. فوجم ابن شكر ساعة كأنه ندم. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة.

محمد بن عبد الرزاق
ابن رزق بن أبي بكر العدل العالم شمس الدين بن محمد المحدث الرسعني الحنبلي، كان من أعيان الشهود تحت الساعات، ومن شعره:
ولو أن إنساناً يبلغ لوعتي ... ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرشا
لأسكنته عيني ولم أرضها له ... ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا
سافر إلى مصر في شهادة ثم عاد على حمار فسرق حماره وما عليه في الطريق، فرجع إلى القاهرة شاكياً فلم يحصل له مقصود، فخرج متوجهاً إلى دمشق فأتى ليسقى فرسه بالشريعة فغرق ولم يظهر له خبر. توفي سنة 689.

الخليل
ابن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، كان إماماً في علم النحو، وهو الذي استنبط العروض وعنه أخذ سيبويه وغيره. كان متقللاً من الدنيا صبوراً على العيش الخشن الضيق، وكان يقول لا يجاوز همي ما وراء بابي، كان له راتب علي سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان والي فارس والأهواز،
فكتب إليه يستدعيه فكتب الخليل جوابه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول نحتال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
(1/69)

فقطع عنه سليمان الراتب، فأنشد بيتين في ذلك فأعاد راتبه. قال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال، كان إذا قدم عليه سيبويه يقول: مرحباً بزائر لا يمل. توفي سنة 170.

أبو الطيب الطبري
طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، أخذ عن أبي حامد الإسفرايني وأبي الحسن الماسرجسي، وصنف في الأصول والجدل وغير ذلك. كان له ولأخيه عمامة وقميص إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت، وقد قال في ذلك القاضي أبو الطيب:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل
بلغ مائة وستين سنة صحيح العقل والفهم والأعضاء يفتي ويقضي ويشتغل توفي سنة 450.

أبو عثمان
ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، أخذ عنه مالك بن أنس رضي الله عنه. قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي فكنا نستزيده في حديث ربيعة فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة ها هو نائم في
ذلك الطاق. فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. فقلنا: كيف حظي مالك بك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم. توفي سنة 136.

المازني
أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني البصري، كان إمام عصره في النحو والأدب، وكان في غاية الورع، ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، فقال له المبرد: أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة اضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا كذا آية من كتاب الله ولست أرى أن أمكن ذمياً منها غيرة على كتاب الله
(1/70)

تعالى، فاتفق أن غنت جارية بحضور الواثق بقول العرجي:
أظلوم إن مصابكم رجلا
واختلف من بالحضرة في رفع رجل ونصبه، فأشخصه الواثق لإعراب البيت، فلما أعربه أمر له بألف دينار. توفي سنة 649.
وموضع الاستشهاد قول المبرد (أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة اضاقتك). ولا يقال كان زاهداً بدليل قول المترجمين له (انه كان شديد الورع) لأن الورع لا يستلزم الزهد بدليل قبوله الإلف الموهوب له، لأن الفاقة الدائمة يلزمها حوائج مجتمعة ومصارف مؤخرة لا تفي بها الألف ولا ما فوقها، والدنانير إنما هي دنانير بغداد وهي دراهم في الحقيقة.

السيرافي
أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، شرح كتاب سيبويه وصنف عدة تصانيف، كان نزهاً عفيفاً حسن الأخلاق، وكان معتزلياً ولم يظهر
منه شيء، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ينسخ ويأكل. توفي سنة 368.

نجم الدين
ابن أخي قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، كان فقيهاً فاضلا وولى القضاء ببعض البلاد الشامية، وكان مهوساً بالحكمة ويقول عن نفسه: أنا حكيم الزمان، فانقطع رزقه بهذا السبب ومقت ونسبوه إلى انحلال العقيدة، فسافر إلى الديار المصرية وقعد مع الشهود حتى مات سنة 762.

الأنماطي
إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الحافظ البارع تقي الدين أبو الطاهر ابن الأنماطي المصري الشافعي، كان إماماً ثقة حافظاً مبرزاً فصيحاً واسع الرواية ناظماً ناثراً بعيد الشبيه معدوم النظير إلا إنه كان كثير الدعابة مع الرد. مات سنة 619.

بدر الدين بن مالك
هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك، كان نحوياً عارفاً بعلم البيان
(1/71)

والعروض والأصول والمنطق ذكياً إلا إنه ينسب إلى لعب ومعاشرة من لا تليق معاشرته. توفي سنة 686.

العفيف التلمساني
سليمان بن علي بن عبد الله الأديب البارع، كان حسن العشرة كريم الأخلاق ذا وجاهة وخدم في عدة جهات من المكس، كان يتهم بالخمر والفسق والقيادة كما قاله في الجزء السابع من دول الإسلام مختصر تاريخ الإسلام لعلي بن خلف بن كامل الغزي الشافعي. قال الشيخ قطب الدين: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين
والميل إلى مذهب النصيرية، وحكى تلميذه البرهان بن الفاشوشة قال: رأيت ابنه في مكان بين ركبدارية وذا يكبس رجليه وذا يبوسه، فتألمت لذلك وانقبضت ودخلت إلى الشيخ وأنا كذلك فقال: مالك؟ فأخبرته بالحال الذي وجدت عليه ابنه محمداً، فقال: أفرأيته في تلك الحالة منقبضاً حزيناً. فقلت: سبحان الله كيف يكون ذلك بل كان أسر ما يكون، فهون الشيخ علي وقال: لا تحزن أنت إذا كان هو مسروراً، فعرفت قدر الشيخ وسعيه. قال الذهبي: هذا هو الشيخ الذي لا يستحي الله من عذابه. توفي سنة 690.

الحريري
علي بن أبي الحسن بن منصور أبو الحسن وأبو محمد مقدم الطائفة الحريرية صاحب الزاوية، كان له مكاشفات وكرامات، وكان عنده من القيام بواجب الشريعة - كما قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة - ما لم يقم به أحد من المتشرعين ظاهراً وباطناً، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عنه أحد في عصره من المحافظة على محبة الله وذكره والدعاء إليه والمعرفة به، وأكثر الناس يغلطون في أمره الظاهر وفي أمره الباطن. صحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان، كان يلبس الطويل والقصير والمدور والمفرح والأبيض والأسود والعمامة والمئزر والقلنسوة وثوب المرأة والمطرز والملون، ولما حبس سأله أصحابه أن يسأل ويتشفع فلم يفعل، فلما أقام في الحبس أربع سنين زاد سؤالهم فأمرهم أن يكتبوا قصة فيها: من الخلق الضعيف إلى الرأي الشريف ممن هو
(1/72)

ذنب كله إلى من هو عفو كله، سبب هذه المكاتبة الضعف عن المعاتبة (اصغر خدم الفقراء علي الحريري)
فقير ولكن من صلاح ومن تقى ... وشيح ولكن في الفسوق إمام
فسعوا في القصة وأرادوا أن أتصل إلى السلطان، فما قرأ أحد من الدولة القصة
إلا ورمى بها، فبلغه ذلك فاحتد وقال: ما قلت لكم ألم أنهكم عن السعي. وأقام بالحبس ست سنين وسبعة أشهر، كان يعاشر الأحداث ويصحبهم ويقيمون عنده، ولم يكن عنده مراقبة ولا مبالاة بل يدخل مع الصبيان الأحداث ويعتمد معهم ما يسمونه تخريباً، وكان له قبول عظيم لاسيما عند الأحداث، فإنه كان إذا وقع نظره على أحد من الأحداث مال إليه بحيث لا ينتفع به. توفي سنة 645.

القطب الشيرازي
قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، كان إمام عصره في المعقولات وفي غاية الذكاء، وله التلاميذ الكثيرة والتصانيف المشهورة منها شرح المختصر لابن الحاجب، كان كريما متطوحاً إلا إنه كان متهاوناً بالدين محباً للخمر ويجلس في حلق المساخر كما قاله الأسنوي في طبقاته، ومع ذلك كان معظما عند ملوك التتار فمن دونهم، وهو تلميذ النصير الطوسي. توفي سنة 710.

ابن دريد
محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق، كان يشرب الخمر إلى أن جاوز تسعين سنة. قال ابن شاهين: كما ندخل على ابن دريد فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب مصفى موضوعاً. توفي سنة 321.

يحيى بن اكتم
ابن محمد التميمي المروزي أحد أعلام الدنيا، روى عنه الإمام أحمد ابن حنبل وغيره،
(1/73)

وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً، وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب وتركها الناس لطولها، وكان له كتب في الأصول أيضا، وكان من أدهى الناس واخبرهم بالأمور كان إذا رأى فقيهاً سأله عن
الحديث أو محدثاً سأله عن النحو أو نحوياً سأله عن الكلام فيخجله ويقطعه. كان ابن زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن اكتم وكان غلاماً متناهي الجمال، فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له: خذ القلم واكتب فأملاه:
أبا قمراً خمشته فتغضبا ... وأصبح لي من تيهه متجنبا
إذا كنت للتخميش والعض كارهاً ... فكن أبداً يا سيدي متنقبا
ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة ... وتجعل منها فوق خديك عقربا
فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذباً
ولما تواتر النقل عن يحيى إلى المأمون في هذا المعنى أراد امتحانه، فأغرى به مملوكاً في غاية الجمال وذهب إلى الخلاء ثم تجسس عليه فسمعه يقول له: لولا انتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد بيتي ابن حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب:
وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
ذكر ذلك كله ابن خلكان في تاريخه، وذكرى الحصري في كتابه الذي سماه زهر الآداب وتحامل عليه في هذا المعنى بما لا يليق ذكره وذكر ولوع الشعراء به، ومما أنشده فيه قول الشاعر:
ياليت يحيى لم تلده اكتمه ... ولا وطت ارض العراق قدمه
ألوط قاضي في الأنام نعلمه ... أي دواة لم يلقها قدمه
وأي حجر لم يلجه أرقمه
توفي سنة 242.

محمد بن علي
ابن يوسف بن هود الشيخ الزاهد الكبير بدر الدين أبو علي بن هود
(1/74)

المرسي، أحد الأجلاء في التصوف، ترك الحشمة وتغرب وصحب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطب وترهات الاتحادية وزهديات التصوف وخلط هذا بهذا. كان ذاهبية وسكون وتلامذة، على رأسه قبعة وعلى جسده دلق، وكان غارقاً في الفكرة قليل الصلاة والذكر متواصل الأحزان، حمل مرة إلى والى البلد وهو سكران أخذوه من حارة لليهود، وكان له مشاركات في علوم شتى. توفي سنة 699 بدمشق.

القاضي الرفيع
عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل قاضي قضاة دمشق رفيع الدين أبو حامد الشافعي، كان فقيهاً فاضلا متكلما مناظراً متفلسفاً رديء العقيدة مغتراً، ثم ولى قضاء دمشق في أيام صاحبها الملك الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري، فاتفق هو وأمين الدولة في الباطن على المسلمين، فكانت عنده شهود زور ومدعون زوراً تدعي وتشهد على شخص بألف دينار فيأمره بالصلح. قال أبو المفر ابن الجوزي: حدثني جماعة من الأعيان إنه كان فاسد العقيدة دهرياً مستهزئاً بأمور الشريعة، يجيء إلى صلاة الجمعة سكران، وان داره كانت مثل الحانة، ثم أوقعت الدنيا بينه وبين الوزير فغدره السامري وسعى به عند السلطان فاعتقل ببعلبك واستأصل ماله، ثم نقل إلى جبل لبنان وخنق هناك أو دفع من شاهق فوقع فمات سنة 643.

البدر التستري
بدر الدين محمد بن أسعد التستري، إمام وقته في الأصلين والمنطق والحكمة، وضع تعاليق البيضاوي والطوالع والمطالع متضمنة لنكت غريبة وان كانت عباراتها قلقة ركيكة، وشرح كتب ابن سيناء، كان مداوما على لعب الشطرنج
رافضيا كثير الترك للصلاة. قال الأسنوي: ولهذا لم يكن عليه أنوار أهل العلم ولا حسن هيئهم مع ثروته الزائدة وحسن شكله توفي بهمذان في نيف وثلاثين وسبعمائة.

أبو عبيدة
اللغوي النحوي معمر بن المثنى، لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي اعلم بجميع
(1/75)

العلوم منه، وكان الغريب يغلب عليه وأخبار العرب وأيامها، وكان يكسر الشعر ولا يقيم وزنه، وإذا قرأ أو حدث لحن اعتمادا منه، وكان وسخا ألثغ مدخول النسب هجاء يميل إلى مذهب الخوارج لا تقبل له شهادة عند أحد من الحكام لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة يوما المسجد فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة:
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا
فقال لي: يا أصمعي امح هذا، فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته فقال: أثقلتني وقطعت ظهري. فقلت: لقد بقيت الطاء فقال: هي شر حروف البيت. وكان الكاتب لها أبا نؤاس وبعد البيت:
فأنت عندي بلا شك بقيهم ... منذ احتملت وقد جاوزت تسعينا
توفي سنة 209.

ابن هانئ
أبو الحسن محمد بن هانئ الازدي الأندلسي الشاعر المشهور، كان متهما بمذهب الفلاسفة مشتهرا بحب الخمر. إضافة شخص ببرقة فأقام عنده في مجلس الأنس أياما فيقال أنهم عربدوا عليه فقتلوه سنة 362.

صاعد
الربعي اللغوي البغدادي أبو العلاء صاحب كتاب الفصوص، كان محسنا في السؤال حاذقا في استخراج الأموال، غير إنه كان يتهم بالكذب في نقله فلهذا رفض الناس كتابه، ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته رمى كتاب الفصوص في النهر، فقال فيه بعض شعراء عصره:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص
فلما سمعه صاعد أنشد:
(1/76)

عاد إلى عنصره إنما ... تخرج من قعر البحور الفصوص
توفي سنة 417 بصقلية.

ابن النحاس
بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الإمام العلامة، كان من أذكياء بني آدم وله خبرة بالمنطق واقليدس، مشهور بالدين والصدق مع إطراء التكليف والتجمل وصغر العمامة فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان يتحدث في تعليمه وخطابه بلغة عامة الحلسيين ولا يتقعر في عبارته وأظنه لم يتزوج توفي سنة 618.

أبو الحسن
علي بن صاعد الصدفي المنجم المعروف بابن يونس المصري المشهور صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس في أربع مجلدات كبار كان ابن يونس المذكور أبله مغفلا يعمم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلا وإذا ركب ضحك الناس منه لشهرته وسوء حاله ورثاثة لباسه، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بليغة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان أحد الشهود ومتفننا في علوم كثيرة. دخل مرة على الحاكم العبيدي صاحب مصر ومداسه في يده فقبل الأرض وجلس والمداس إلى جانبه والحاكم يراها وهو
بالقرب منه، ولما انصرف قبل الأرض ولبسها وانصرف. توفي سنة 399.

التاج المراكشي
تاج الدين محمد بن إبراهيم بن يوسف المراكشي، حصل علوما عديدة أكثرها بالسماع لأنه كان ضعيف البصر مقاربا للعمى، كان ذكيا عجولا محتقرا للناس كثير الوقعية فيهم، ولهذا عمل عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني حتى أخرجه من مصر إلى دمشق مرسما عليه. توفي فجأة سنة 752.

العلم الاصفوني
علم الدين أحمد بن محمد بن عبد العليم المعروف بالأصفوني، كان رجلا
(1/77)

فاضلا مشاركا في علوم متعددة مشاركة جيدة، لكنه كان شرس الأخلاق مائلا إلى الحسد لا تدوم له صحبة مع أحد لاسيما من يرى إقبال الناس عليه من أهل العلم. توفي سنة 749.

الفخر الفارسي
الفيروزابادي نزيل مصر الشافعي الصوفي المحقق المحدث، له مصنفات كثيرة منها كتاب مطية النقل وعطية العقل والأصول والكلام وغير ذلك، كان فاضلا بارعا فصيحا متكلما ذا معاملات ورياضيات ومقامات، إلا إنه كان بذيء اللسان كثير الوقيعة في الناس لمن عرف ومن لم يعرف كثير الجرأة لا يفكر فيما يقول، وعنده دعابة في غالب الوقت - كذا قاله عمر بن الحاجب وابن بعطة فيما نقله عنهما عماد الدين ابن كثير في طبقاته. توفي سنة 622.

الشيخ خضر الكردي
شيخ الملك الظاهر، كاشف السلطان في أشياء كثيرة أصاب فيها، وكان حظيا
عنده وله المكانة الرفيعة لديه، ينزل السلطان إليه في كل أسبوع مرة أو مرتين وبنى له جامعا، شهد عليه عند السلطان بالزنا واللواط وشرب الخمر، وكان السلطان قد قدمت له هدية من صاحب اليمن من جملتها كر نفيس فأعطاه السلطان للشيخ خضر فدفعه لامرأة وزنى بها وأحضرها وأحضروا الكر بين يدي السلطان. توفي سنة 671.

ابن الخشاب
أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب، له العلوم اليد الطولي، كان فيه بذاءة وقلة اكتراث بالمأكل والملبس زاد الحافظ الذهبي ناقلا له عن ابن النجار وجمال الدين القفطي إنه كان بخيلا وسخا قذرا، تبقى عمامته على رأسه حتى تنقطع مما يلي رأسه من الوسخ، ويرمي عليها العصافير ذرقها فيتركه على حاله، ولم يتزوج
(1/78)

قط ولا تسري، وكان يستقي بجرة مكسورة ويلعب بالشطرنج حيثما وجده ويقف على المشعبذ وأصحاب النرود، ويستعير الكتاب فلا يعيده متعللا بضياعه بين كتبه، وكان مزاحا - وساق ابن النجار عنه من ذلك حكايات فمنها إنه قرأ عليه بعض المعلمين قول العجاج:
أطربا وأنت قنسري ... وإنما يأتي الصبا الصبي
فجعله الصبي بالياء فيهما فقال له: هذا عندك في المكتب فاستحى. ومنها إنه سأله بعض تلامذته فقال: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر. ومنها إنه سأل بعض تلامذته: ما بك؟ فقال: فؤادي يوجعني. فقال: لو لم تهمزه ما وجعك. توفي سنة 567.

ابن بري
أبو محمد عبد الله ابن أبي الوحش بن بري المقدسي، الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية. كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره، وله على كتاب الصحاح للجوهري حواش فائقة استدرك فيها عليه مواضع، كان عارفا بكتاب سيبويه، وكانت فيه غفلة ولا يتكلف في كلامه. ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق. قال يوما لبعض تلاميذه: اشتر لي هندبا بعروقو. فقال له التلميذ: هندبا بعروقه، كلامه وقال: لا تأخذه إلا بعروقو وان لم يكن بعروقو فلا آكله. ومن غفلته إنه كان يدخل الحطب والبيض جميعا في كمه وعليه الثياب الفاخرة، وربما جاء إلى البيت فلم يجده مفتوحا فيرمى بالبيض من الطاق إلى داخل، ويضع العنب بين الحطب فيتفجر وينقط على رجليه فيقول: مطر والسماء صاحية. وقريب من حكاية رمي البيض ما نقل عن أبي علي الشلوبين إنه وقع من يده كراس في الماء وبقي معه آخر فجره به من الماء فتلفا جميعا. توفي سنة 582.

الباجي
علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالباجي، الإمام في الأصلين والمنطق الفاضل فيما عداها من أذكياء الناس، قريحته لا تكاد تنقطع إلا إنه كان قليل
(1/79)

المطالعة جدا ولا يكاد أحد يراه ناظرا في كتاب، وكذلك نقل عن محمد بن زياد أبي عبد الله بن الأعرابي صاحب اللغة إنه كان يحضر مجلسه زهاء مائة نفس كل يسأله أو يقرأ عليه وهو يجيب من غير كتاب. قال أبو العباس: لزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط. توفي ابن الأعرابي سنة 221، وكان الباجي المذكور يجلس في حوانيت الشهود، وناب في الحكم بالشارع ثم ترك ذلك كله وأعرض عن التكلف في حاله كله. توفي سنة 714.

الحافظ المزي
بكسر الميم أبو الحجاج جمال الدين يوسف الحلبي المعروف بالمزي، وانتهت إليه الرحلة من أقطار الأرض، كان إماما في اللغة والتصريف، صنف تهذيب الكمال في أسماء الرجال وكتاب الأطراف، ودرس بدار الحديث. كان منقبضا عن الناس طارحا للتكلف فقيرا. توفي سنة 742.

أبو جعفر
أحمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس المصري النحوي، كان من الفضلاء، وله التصانيف المفيدة منها: إعراب القرآن، والناسخ والمنسوخ، وتفسير أبيات سيبويه بما لم يسبق إلى مثله، وفسر عشرة دواوين وأملأها، وله كتاب طبقات الشعراء، وله شرح الحماسة وله غير ذلك. وكان فيه خساسة وتقتير على نفسه، وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلا وشحا، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته، ومع هذا كان للناس رغبة كثيرة في الأخذ عنه. توفي بمصر سنة 338وكان سبب موته إنه جلس على درج المقياس على شاطئ النيل واخذ يقطع العروض من الشعر، فقال بعض العوام: هذا يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار، فدفعه برجله في النيل فلم يوقف له على خير. والنحاس نسبة إلى الصفر.

مروان بن أبي حفصة
الشاعر المشهور المشكور، كان يمدح الخلفاء والبرامكة ومعن بن زائدة،
(1/80)

وكان يحصل له من الأموال شيء كثير جدا، وكان مع ذلك من ابخل الناس لا يكاد يأكل من اللحم من بخله ولا يشعل في بيته سراجا ولا يلبس من الثياب إلا الكرابيس والفرو الغليظ. خرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: أن أطلق
لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم، فأعطاه ستين ألف درهم فأعطاه أربعة دوانيق. توفي سنة 182.

محمد بن داود
ابن علي أبو بكر الفقيه ابن لفقيه الطاهري بن لطاهري. كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا. قال ابن كثير: قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلى بحب صبي اسمه محمد بن جامع ويقال محمد بن زخرف ويعشقه ولم يزل ذلك دأبه فيه مع العفاف حتى كان سبب وفاته. وقيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف، وحكي هو عن نفسه إنه لم يزل يتعشق مذ كان في الكتاب، وإنه صنف كتاب الزهرة في ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح فقال له ابن شريح يوما: أنت بكتاب الزهرة أمهر منك بهذا. فقال له: أتعيرني بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا. توفي سنة 297.

الحسن بن سفيان
ابن عامر أبو العباس الشيباني النسوي محدث خراسان، والذي كانت تضرب آباط الإبل إليه في معرفة الحديث والفقه. رحل إلى الآفاق وتفقه على أبي ثور وأخذ الأدب من أصحاب النضر بن شميل. اتفق له إنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم لطلب الحديث، فضاقت عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال وأنفت نفوسهم من ذلك والحاجة تضطرهم، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بهذا الأمر فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان، فقام عنهم واختلى في زاوية المسجد وصلى ودعا، فما انصرف من الصلاة حتى دخل شاب حسن الهيئة فقال:
الأمير ابن طولون يتعذر إليكم وهذه مائة
(1/81)

دينار لكل واحد منكم. فقلنا: وما الحامل؟
فقال: إنه أحب أن يتخلى فجاءه فارس بيده رمح في الهواء وقال: قم فأدرك الحسن وأصحابه فإنهم في المسجد الفلاني جياعا. توفي سنة 303.

بشر بن غياث
أبو عبد الرحمن المرسي المتكلم، شيخ المعتزلة واليه تنسب الطائفة المرسية، راج عند المأمون وحظي عنده. كان لا يحسن النحو وكان يلحن لحنا فاحشا كما قاله ابن كثير. توفي في ذي الحجة سنة 218 وصلى عليه عبيد الشوبيري المحدث فليم في ذلك فقال: إلا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي قلت: (اللهم إن عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر اللهم فأذقه عذاب القبر، وكان ينكر شفاعة نبيك فلا تجعله من أهلها، وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة فاحجب وجهك الكريم عنه). وهذا معنى ما قاله بعض السلف من كذب بكرامة لم ينلها - قاله ابن كثير.

واصل بن عطاء المعتزلي
أبو حذيفة المعروف بالغزال لملازمته الغزالين، أحد الأئمة البلغاء المتكلمين، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا، ولكونه قبيح اللثغة في الراء كان يخلص كلامه منها ولا يفطن لذلك أحد لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
وجعلت وصلى الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل
كان طويل العنق، فنظر إليه عمر بن عبيد فقال من قبل أن يكلمه: لا يصلح هذا ما دامت عليه هذه العنق. توفي سنة 131.

أبو حاتم الرازي
محمد بن إدريس بن المنذر أبو حاتم الحنظي الرازي، أحد الحفاظ الأثبات العارفين
بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زرعة الرازي تغمدها الله برحمته، سمع الكثير وطاف الأقطار والأمصار وروى عن خلق من الكبار، وحدث عنه الربيع بن سليمان ويونس بن عبد الأعلى وهما اكبر منه. قال لابنه عبد الرحمن: يا بني مشيت
(1/82)

على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ، وذكر إنه لم يكن له شيء ينفق منه في بعض الأحيان، وإنه مكث ثلاثا لا يأكل شيئا حتى استقرض من بعض أصحابه نصف دينار. توفي سنة 277.

سيبويه
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري الحجة في النحو والعلم فيه إمام النحاة، شرح النحاة كتابه فانغمروا في لجج بحره واستخرجوا من جواهره حاصله ولم يبلغه إلى قعره. وزعم ثعلب إنه لم ينفرد بتصنيفه وقد ساعده جماعه في تصنيفه كانوا نحوا من أربعين نفسا هو احدهم وهو أصول الخليل بن أحمد ونكته فادعاه سيبويه لنفسه - هكذا نقله ابن كثير عن ثعلب. ونقله في مرآة الزمان عن أبي عبد الله المرزباني وتعقيبه وقال: هذا وهم من المرزباني لا جماعهم على أن سيبويه هو الذي جمع أوزان العرب وحصرها وقرر أصول الكتاب وفصوله ورتب أبوابه. وقال ابن كثير بعد نقله ذلك عن ثعلب: وقد استبعده السيراني في طبقات النحاة. ولما قدم سيبويه بغداد وناظر الكسائي وأصحابه فلم يظهر عليهم سأل عمن يرغب من الملوك في النحو؟ فقيل طلحة بن طاهر، فشخص إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض الموت فتمثل:
يؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثا يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
توفي وعمره ثنتان وثلاثون سنة سنة 180. والفسيل والفسيلة: الودي، وهو صغار النخل، والجمع الفسلان - قاله الجوهري.

شريك
ابن عبد الله بن أبي شريك أبو عبد الله القاضي النخعي الكافي، سمع أبا إسحاق السبيعي وغير واحد، أكرهه المنصور على القضاء، كان مشكورا في حكمه وإمضائه إياه على الأكابر. ذكر الخطيب بسنده أن عمر بن الهياج قال: كنت صاحب شريك
(1/83)

فأتيته يوما فخرج إلي في فروليس تحته قميص وعليه كساء، فقلت له: لقد أصبحت عن مجلس الحكم فقال: غسلت أمس ثيابي تجف وأنا منتظر جفافها اجلس.
قال: فجلست فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مولاه، وكانت الخيزران قد وجهت رجلا نصرانياً وكتبت إلى موسى بن عيسى لا يعصي له أمرا، فظلم رجلا فتعلق ذلك الرجل بشريك فاقتص له منه بيده، ثم عاد يذاكر عمر في العبد تزوج كأن لم يفعل شيئا، وقد ساق الحكاية بطولها في مرآة الزمان ناقلا لها عن الخطيب. قال في مرآة الزمان: وقد روى عن ابن عون أن شريكا كان يشرب النبيذ المثلث على رأي أهل العراق، وبذلك عابوه. توفي سنة 177.

ابن يونس
موسى بن محمد بن منعه المعروف بابن يونس الموصلي الشافعي، أحد المتبحرين في العلوم المتنوعة. قيل إنه كان يتقن أربعة عشر علما، كان يقرأ عليه الحنفيون كتبهم، وكان يقرأ عليه أهل الكتاب التوراة والإنجيل فيقرون أنهم لم يسمعوا بمثل تفسيره لها، وكان الشيخ تقي الدين بن الصلاح يبالغ في الثناء عليه، فقيل له يوما: من شيخه؟ فقال: هذا الرجل خلقه الله عالما لا يقال على من اشتغل فإنه اكبر من هذا. قال ابن خلكان: وكان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه. توفي سنة 639.
وأنشد العماد المعري في ابن يونس:
أجدك أن قد جاد بعد التعب ... غزال بوصل لي وأصبح مؤنسي
وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقة شعري أو كدين ابن يونس
قال الموفق عبد اللطيف: وكان مستغرق الوقت والعقل في حب الكيمياء حتى صار يستخف بكل ما عداها.

أبو بكر النيسابوري
عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الحافظ الفقيه الشافعي العلامة المعروف بأبي بكر زياد. قال يوسف القواس: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: أتعرف من أقام
(1/84)

أربعين سنة لم ينم الليل ويتقوت كل يوم خميس حبات؟ ثم قال: أنا هو توفي سنة 322.

محمد شمس الدين
أبو عبد الله بن الإمام العلامة عفيف الدين التلمساني الشاعر بن الشاعر، تعاني الكتابة وولي عمالة الخزانة، كان فيه عشرة ولعب وخلاعة كما قاله الغزي في مختصر تاريخ الإسلام. قال في الذيل: وكان شمس الدين محمد المذكور قد أضافه أولاد المشطوب وطلبوا منه أن يبيت عندهم، فقال لهم: أعملوا والدي بمبيتي حتى لا يتشوش خاطره وهو والوالدة فبعثوا إلى والده الشيخ عفيف الدين ولدهم العماد إسماعيل - وهو يومئذ من أحسن الفتيان صورة - لإعلام الشيخ عفيف الدين بمبيت ولده عندهم، فتكلم عفيف الدين بديها هذين البيتين وبعث بهما صحبة العماد إسماعيل:
بعثتموا لي رسولا في رسالته ... حلو المراشف والأعطاف والهيف
وقدتما ويسير ذاك إنكما ... أوقدتما النار في بادي الضنى دنف
فرد عليه ولده شمس الدين بديها وكتب على ظهره الرقعة:
مولاي كيف انثني عنك الرسول ولم ... تكن لوردة خديه بمقتطف
جاءتك من بحر ذاك الحسن لؤلؤة ... فكيف ردت بلا ثقب إلى الصدف
لما قدم السجاعي دمشق خاف منه شمس الدين لكونه كاتب الخزانة خوفا عظيما انقطع منه قلبه، فمات شابا سنة 688.

ابن حزم
أبو محمد علي الظاهري، الإمام العلامة الحافظ المجتهد. كان كثير الوقوع في العلماء فنفرت عنه القلوب وتألب عليه الفقهاء واتفقوا على بغضه وتضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وشردته عن بلادها حتى انتهى إلى بادية فلاة فتوفي بها سنة 456.

أبو الحسن
علي بن بوعت، كان شاعرا مجيدا إلا إنه كان قليل الحظ من الدنيا، لم يزل رقيق
(1/85)

الحال ضعيف القدرة إلى أن توفي وهو على حاله من الضرورة وشدة الفاقة بمصر سنة 416.

أبو حاتم السجستاني
قال التبغاشي وغيره: كان أفضل أهل زمانه علما وورعا، وبلغ من فضله إنه كان يتصدق كل يوم بدينار ويختم القرآن في كل أسبوع، وكان من أظرف أهل زمانه وأطيبهم خلوة وأحسنهم مفاكهة إلا إنه كان مولعا بالغلمان يذهب فيهم مذهب الاستمتاع بالنظر لاقتضاء الوطر، وذكر أن البرد أبا العباس كان يحضر حلقته يقرأ عليه، وكان المبرد من أجمل أهل زمانه، فقال فيه أبو حاتم:
وقف الجمال بخده ... فسما به حذو الإمام
حركاته وسكونه ... تحيا بها مهج الأنام
فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اغترام
لم أعد أفعال العفا ... ف وذاك أو كد للغرام
نفسي فداؤك يا أبا ال ... عباس حل بك اعتصام
فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام
وانله ما دون الحرا ... م فليس يطمع في الحرام
وقرأت من خط الشيخ شهاب الدين السجستاني: أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد ابن عثمان السجستاني ثم البصري النحوي المقرئ صاحب المصنفات، أخذ عن أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم، وحمل الناس القرآن والحديث والعربية، وكان جماعا للكتب وله اليد الطولي في اللغة والشعر والعروض والمعمى، ولم يكن حاذقا في النحو. وله إعراب القرآن، وكتاب ما يلحن فيه العامة، والمقصور والممدود، وكتاب القسي والنبال والسهام، وكتاب الهجاء، وكتاب الشتاء والصيف، وكتاب النحل والعسل. كان أبو العباس المبرد يلازم حلقته وهو غلام وسيم في نهاية من الجمال، فعمل فيه أبو حاتم. . . وذكر الأبيات المذكورة. توفي سنة 250.
(1/86)

ابن الجبان الأصفهاني
محمد بن علي بن عمر بن الجبان الأصفهاني أبو منصور، أحد حساب الري وعلمائها الأعيان، جيد المعرفة باللغة، ومن تصانيفه كتاب أبنية الأفعال وكتاب الشامل في اللغة وهو كتاب كبير وشرح الفصيح وهو حسن. قال ياقوت: وجدت خطه على كتاب الشامل له، وقد كتبه في سنة 416. ذكره يحيى بن مندة فقال: بينه وبين الصاحب بن عباد مكاتبات، وعلق غلاما من الديلم يقال له التركاني، فاتفق للغلام إنه عزم على الحج فلم يجد ابن الجبان بدا من موافقته ومرافقته، فلما
بلغا الميقات وأحرما وأخذا في التلبية قال ابن الجبان (لبيك اللهم لبيك والتركاني ساقني إليك) وكان هجيراه:
يا نسيم الروض في السحر ... وشبيه الشمس والقمر
إن من أسهرت ليلته ... لقرير العين بالسهر
ثم ابتلى بفراقة فكتب إليه:
يا وحشني لفراقكم ... أترى يدوم على هذا
الموت والأجل المتا ... ح وكل معضلة ولا ذا
نقلت هذه الترجمة من خط الشيخ نور الدين الأبياري.

السهيلي
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم وأبو زيد وأبو الحسن الخثعمي السهيلي الأندلسي المالقي النحوي الحافظ. ناظر علي بن الحسن ابن الطراوة في كتاب سيبويه وسمع منه كثيرا من كتب اللغة، ذكر إنه استخرج الروض الأنف من نيف وعشرين ومائة ديوان، وله كتاب التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن، وكتاب شرح آية الوصاية وشرح الجمل ولم يتمه، واستدعي إلى مراكش ليسمع بها وبها توفى. قال ابن خلكان: وكان يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نمى خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه وأقام بها نحو ثلاثة أعوام، ثم توفي سنة 581.
(1/87)

ابن دحية الكلبي
العلامة أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن محمد بن الجميل المعروف بابن دحية الكلبي، كان يكتب لنفسه ذو النسبتين بين دحية والحسين وإنه سبط أبي السام الحسيني الفاطمي. كان له التصانيف الفائقة والرحلة الواسعة والدراية الحسنة
بالنحو واللغة والحديث متنا وإسنادا، وروى عن جماعة وروى عنه جماعة طول الحافظ الذهبي روايته ومن روى هو عنه وأطال ترجمته إلى أن قال: قال ابن واصل: وكان أبو الخطاب مع فرط معرفته بالحديث متهما بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك الكامل وقد بنى له دار الحديث بالقاهرة، فأمره أن يعلق شيئا على أحاديث الشهاب، فعلق كتابا تكلم فيه على أحاديثه وإسناده، فلما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد حين: قد ضاع مني فعلق لي مثله ففعل، فجاء في الثاني بمناقصة الأول، فعلم السلطان صحة ما نقل عنه وعزله من دار الحديث. قال ابن نقطة: كان يدعى أشياء لا حقيقة لها، ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام وهو ثقة قال: نزل عندنا ابن دحية فكان يقول: أنا أحفظ صحيح مسلم والترمذي، فخلطنا له أحاديث من الترمذي بأحاديث موضوعة وامتحناه بها فلم يعرف منها شيئا. قال ابن خلكان: وصنع للمظفر صاحب اربل قصيدة ادعى إنها له، فظهرت في ديوان الأسعد بن مماتي. قال الذهبي: وكذلك نسبة شيء لا حقيقة له، قرأت بخط ابن مدى:
كان أبوه تاجراً يعرف بالكلبي بين الفاء والباء وهو اسم موضع بدانية، وكان أبو الخطاب يكتب أولا الكلبي معا إشارة إلى النسب والبلد. توفي سنة 633.

المسعودي
شارح المقامات محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود أبو سعيد وأبو عبد الله ابن أبي السعادات المسعودي الخراساني، وروى عن جماعة وروى عنه جماعة، وكان المحدثون يلينونه كما قال الذهبي. قال ابن خليل الآدمي: لم يكن في نقله بثقة ولا مأمون. توفي سنة 584.
(1/88)

الشاطبي
القاسم بن فيرة بن خلف الرعيني الأندلسي الشاطبي المقرئ أحد الأعلام. كان إماما علامة نبيلا واسع المحفوظ كثير الفنون بارعا في القراءات وعللها حافظا للحديث أستاذا في العربية، وقصيدتاه في القراءات والرسم مما يدل على تبحره. قال الذهبي: وصبر على فقر شديد ثم قدم القاهرة فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته فأجاب بعد شروط اشتراطها. قال السخاوي: أقطع بأنه كان مكاشفا وإنه سأل الله تعالى كفاف حاله ما كان أحد يعلم أي شيء هو. توفي سنة 595.
ابن طارق
أحمد بن طارق بن سنان أبو الرضي الكركي الأصل البغدادي المولد التاجر المحدث، سمع من أبي نصر موهوب بن الجواليقي وابي الفضل بن الأموري وأحمد بن طاهر المهسي وجماعة غيرهم، طول روايته وذكر من روى عنه الذهبي ثم قال: قال ابن النجار: إلا إنه كان في التشيع شحيحا مقترا على نفسه يشتري من لقم المكدين ويتبع المحدثين ليأكل معهم ولا يشعل في بيته ضوأ وخلف تجارة تساوي ثلاثة آلاف دينار. مات في سنة 592 وبقي في بيته أياما لا يدري به وأكلت الفارة أذنيه وانفه.

القاضي الفاضل
أبو علي بن القاضي الأشرف أبي الحسين اللخمي العسقلاني البيساني، مسودات رسائله لا تقصر عن مائة مجلد. قال الموفق عبد اللطيف: كان قليل النحو لكن له دربة قوية تعرض له قلة اللحن، وكان متقللا في مطعمه ومنكحه وملبسه، لباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، وكان فيه سوء خلق يكتمه ولا يظهره. توفي سنة 596.

ابن بيان
ذو الرياستين محمد بن محمد ذي الرياستين بن أبي الطاهر الأبياري المصري أبو الفضل، سمع من خلق وكتب الكثير بخطه، وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتقلب في الخدم في الأيام الصلاحية، وكان القاضي لفاضل ممن يغشي بابه ويمتدحه
(1/89)

ويفتخر بالوصول إليه، فلما جاءت الدولة الصلاحية قال القاضي الفاضل: هذا رجل كبير القدر يصلح أن يجري عليه ما يكفيه ويجلس في بيته ففعل به ذلك، ثم إنه توجه إلى اليمن ووزر لسيف الإسلام، ثم عاد وعليه ديون ثقيلة وأدى أمره إلى أن جلس في الجامع الأزهر، كان ينتقص القاضي الفاضل لا يراه بالعين الأولى والفاضل يقصر في حقه فيقصر الناس معه مراعاة له، وكان بعض من له دين أعجميا جاهلا فصعد إلى سطح الجامع وسفه عليه وقبض على لحيته، ففر وألقى نفسه من سطح الجامع فتهشم وحمل إلى داره فبقي أياماً ثم مات سنة 596.

ابن بصيلة
عبد الله بن خلف بن رافع الحافظ أبو محمد بن بصيلة المكي الأصل القاهري. كان حافظاً محصلاً عالما بالتواريخ والوفيات، وجمع مجاميع مفيدة وشرع في تاريخ مصر وعجز عن إكماله لضيق ذات يده. توفي سنة 598.

شميم
علي بن الحسن بن عنبر الأديب أبو الحسن النحوي المعروف بشميم الشاعر الحلي، قدم بغداد وتأدب بها على أبي محمد بن الخشاب وغيره وحفظ كثيرا من أشعار العرب واحكم اللغة والعربية، قال الشعر الجيد إلا أن حمقه أخره. قال الذهبي: قرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموماني قال بعض العلماء: وردت إلى آمد سنة 594فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدته ودخلت عليه
فوجدته شيخا كبيرا نحيف الجسم وبين يديه حملان مملوء كتبا من تصانيفه، فسلمت عليه ثم قلت: إنما جئت لأقتبس من علومك شيئا. فقال: أي علم تحب؟ قلت: الأدب. قال: إن تصانيفي في الأدب كثيرة وذلك أن الأوائل جمعوا أقوال غيرهم وبوبوها وأما أنا فكل ما عندي من نتائج فكري، فإنني قد علمت كتاب الحماسة وأبو تمام جمع أشعار العرب في حماسته وأنا فعلت حماسة من شعري، ثم سب أبا تمام وقال: رأيت الناس مجمعين على استحسان خمريات أبي نؤاس فعملت كتاب الخمريات من شعري، ورأيتهم مجمعين على خطب
(1/90)

ابن نباتة فعملت خطبا. وجعل يزري بالمتقدمين ويصف نفسه ويجهل الأوائل ويقول ذاك الكلب قال كذا. قلت: فأنشدني شيئا من شعرك، فأنشدني من الخمريات له فاستحسنت ذلك فغضب وقال: ويلك ما عندي غير الاستحسان. فقلت: فما أصنع؟ قال: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفق إلى أن تعب ثم جلس يقول: ما أصنع ببهائم. ثم شطح في الكلام وقال: ليس في الوجود إلا خالقان واحد في السماء وواحد في الأرض، فالذي في السماء هو الله تعالى والذي في الأرض أنا. ثم التفت إلي وقال: هذا لا يحتمله العامة لكونهم لا يفهمونه، إذا لا اقدر على خلق شيء إلا خلق الكلام. فقلت: يا مولانا أنا محدث وإن لم يكن في المحدث جرأة مات بغيظه وأحب أن أسألك عن شيء، فتبسم وقال: ما أراك تسأل إلا عن معضلة هات. فقلت: لم سميت شميما، فشمني وقال: اعلم إنني بقيت مدة لا أتغوط ثم يجيء كالبندقة من الطين، فكنت آخذه وأقول لمن انبسط إليه شمه فإنه لا رائحة له، فقلت بذلك ارضيت يابن الفاعلة. قال ابن النجار: كان أديبا مبررا في علم اللغة والنحو، لكنه كان أحمق قليل الدين رقعا يستهزئ بالناس ولا يعتقد أن في الدنيا مثله ولا يكون أبدا. وحكي ابن العديم بسنده إنه كان لا يأكل إلا التراب، فكان رجيعه يجيء يابسا لا ريح له، فيجعله في جنبه فمن دخل عليه أشمه إياه ويقول:
قد تجوهرت. توفي سنة 601 وله عدة كتب كثيرة يطول ذكرها.

الجزلي
عيسى بن العزيز بن بللبخت بن عيسى العلامة أبو موسى الجزولي اليزدكتني المراكشي النحوي، حج ولزم العلامة عبد الله بن بري وأخذ العربية عنه جماعة، وكان علامة لا يشق غباره في النحو مع جوده التفهيم وحسن العبارة، وأتى في مقدمته بالعجائب حتى أن الشخص يعرف المسألة من النحو معرفة جيدة وإذا رآها في الجزولية يدور رأسه فيها، واسم هذه المقدمة (القانون)، وكان ينكر إنها له تورعا لأنها نتائج بحوثه على ابن بري وبحوث رفقائه. وبللخت جده رجل بربري، وجزولة بطن من البربر. قال الذهبي: وقرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني أن الجزولي قاسى بمدة مقامه بمصر كثيرا من
(1/91)

الفقر ولم يدخل مدرسة، وكان يخرج إلى الضياع يؤم بقوم فيحصل ما ينفقه في غاية الصبر، ورجع إلى المغرب فقيرا مدقعا، فلما وصل إلى المرية أو نحوها رهن كتاب ابن السراج الذي قرأه على ابن بري وعليه خطه، فأنهى المرتهن أمره إلى الشيخ أبي العباس المغربي أحد الزهاد بالمغرب، وكان يصاحب بني عبد المؤمن، فأنهى أبو العباس ذلك إلى السلطان فأمر بإحضاره وقدمه وأحسن إليه انتهى. وصنف كتابا في شرح أصول ابن السراج واخذ عنه النحو أبو علي الشلوبين ويحيى بن معطي. توفي سنة 607.

التاج الكندي
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي، أعلى أهل الأرض إسنادا في القراءات. قال ابن النجار: كان اعلم أهل زمانه بالنحو، أظنه يحفظ كتاب سيبويه، ما دخلت عليه قط إلا وهو
في يده يطالع فيه، وهو في مجلد واحد بخط رفيع. والشيخ يقرأه بلا كلفة وقد بلغ التسعين. قال القفطي: كان بحلب يبتاع الخليع من الملبوس ويتجر به إلى بلد الروم. ثم ترقت به الحال وكان لينا في الرواية معجبا بنفسه فيما يذكره ويرويه، إذا نواظر جبه بالقبيح ولم يكن موفق العلم. رأيت له أشياء باردة. قال: واشتهر عنه إنه لم يكن صحيح العقيدة. قال الموفق عبد اللطيف: كان معجبا بنفسه مؤذيا لجليسه. توفي سنة 612.

ياقوت
ابن عبد الله شهاب الدين الرومي الحموي البغدادي الإمام النحوي اللغوي الإخباري. صنف كتاب معجم البلدان، وكتاب معجم الأدباء وإرشاد الالباء إلى معرفة الأدباء في أربع مجلدات، وأخبار الشعراء المتأخرين، ومعجم الشعراء، وكتاب المشترك وضعا المختلف صعقا، وكتاب المبدأ والمال في التاريخ، وكتاب المقتضب في النسب. اتفق له مرة إنه تنقص عليا رضي الله عنه فثار عليه الناس وكادوا يقتلونه فهرب إلى حلب ثم إلى الموصل واربل ودخل خراسان واستوطن مرو يتجر، ثم دخل خوارزم فصادفه خروج التتار فانهزم بنفسه وقاسى شدائد وتوصل إلى الموصل وهو فقير دائر. قال الذهبي: قال جمال
(1/92)

الدين القفطي في تاريخ النحاة له إنه كتب إليه رسالة من الموصل شرحا لما تم على خراسان، ومنها (كان المملوك لما فارق مولاه أراد استعتاب الدهر الجامع واستدرارا حلب الزمان الجامح اغترارا بأن الحركة بركة والاغتراب داعية الاكتساب فامتطى غارب الأمل إلى الغرابة وركب ركوب التطواف مع كل صحبة، فلم يرث له دهره الخؤون ولا رق له زمانه المفتون).
إن الليالي والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وهيهات مع حرفة الأدب بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ ابتسام
الدهر الكظ، ولم أزل مع الدهر في تفنيد وعتاب حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، وهي طويلة. توفي 626.

ابن معطي
يحيى بن عبد النور الشيخ زين الدين أبو الحسين الزواوي المغربي النحوي الحنفي، صنف في الأدب والنحو والعروض وحمل الناس عنه، وكان إماماً مبرزا في علم اللسان شاعراً محسناً، وكان أحد الشهود بدمشق وليس له من طرق الكسب ما يقوم بكفايته كما قال الحافظ الذهبي، فحضر مع العلماء عند الملك الكامل، وكان له طرف من النحو، فسألهم فقال (زيد ذهب به) هل يجوز في زيد النصب؟ فقالوا: لا فقال ابن معطي يجوز النصب على أن يكون المرتفع بذهب المصدر الذي دل عليه ذهب وهو الذهاب، وعلى هذا فموضع الجار والمجرور الذي هو به النصب، فيجيء من باب مررت به، إذ يجوز في زيد النصب فكذلك هاهنا. فاستحسن السلطان جوابه وأمره بالسفر معه إلى مصر، فسافر وقرر له معلوماً. قال الذهبي: فلم تطل مدة حياته فتوفي سنة 628.

أبو حامد الاسفرايني
احمد بن محمد بن أحمد الإسفرايني الشيخ أبو حامد بن أبي طاهر، شيخ طريقة العراق بل إمام المذهب على الإطلاق، شيخ الإسلام والمسلمين قاطبة ورحلة الطلاب، طبق الشيخ أبو حامد الأرض بالأصحاب وجمع مجلسه ثلاثمائة متفقه،
(1/93)

واتفق الموافق والمخالف على تفضيله حتى قال أبو الحسين القدوري: هو عندي أفقه أو أنظر من الشافعي، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة وقام يفتي إلى ثمانين سنة، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا حتى إنه قال للخليفة: انك لست بقادر على عزلي من ولايتي التي أولاني الله تعالى إياها وأنا قدر أن أكتب إلى خراسان
بكلمتين أو ثلاثة أعزلك عن خلافتك، وأرسل إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار السبكي في الطبقات عن سليم الرازي: أن الشيخ أبا حامد كان يحرس في درب كان يطالع في زيت الحرس ويأكل من أجرة الحرس توفي في شوال سنة 456.

ابن عنين
محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسين بن عنين الأديب الرئيس شرف الدين أبو المحاسن الأنصاري الكوفي الدمشقي الشاعر المشهور، سمع من الحافظ أبي القاسم بن عساكر، كان غزير المادة مطلعاً على أشعار العرب، واشتغل على القطب النيسابوري والفخر الرازي وجال في البلاد ومدح الملوك والوزراء وهجا الصدور والكبراء، أقامه الملك المعظم مقام نفسه في ديوانه فأحسن السياسة، إلا إنه في الأخير ظهر منه سوء اعتقاد وطعن في السلف واستهتار بالشريعة وكثر عسفه وظلمه وترك الصلاة وسب الأنبياء صلوات الله عليهم، ولم يزل يستورد الخمر إلى ما قبل وفاته بقليل. توفي سنة 630.

ابن حموية اليزدي
علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين حموية الإمام أبو الحسن اليزدي الشافعي المقرئ المحدث نزيل بغداد، حدث عن خلق ذكرهم الحافظ الذهبي وذكر من روى عنه. قال: وقرأت بخط أحمد بن شافع أن مصنفاته زادت على خمسين مصنفا. قال أبو سعيد السمعاني: فقيه فاضل سخي النفس بما يملك، كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه إذا خرج ذلك قعد هذا وإذا خرج هذا قعد الآخر، هكذا ترجمه الذهبي وطول في ترجمته فذكر مشيخته وكراماته إلا إنه قال: زاهد. توفي سنة 551.
(1/94)

نفطويه
إبراهيم بن عرفة أبو عبد الله النحوي المعروف، أخذ العربية المبرد وثعلب ومحمد بن الجهم، وخلط نحو الكوفة بنحو البصرة، وتفقه على مذهب داود بن علي الظاهري، ومن تصانيفه كتاب التاريخ، غريب القرآن، المقنع في النحو، المصادر، الوزراء. وغير ذلك. وكان مع كونه من أعياء العلماء غير مكترث بإصلاح نفسه، وكان يفرط به الصنان فلا يعره، وحضر يوماً مجلس وزير المقتدر حامد بن العباس، فتأذى هو وجلساؤه من صنانه فطلب الوزير مرتكا فبدأ بنفسه وأداره على الجماعة فتمرتكوا وفطنوا مراده، فقال نفطويه: لا حاجة لي به. فراجعه فأبى فاحتد حامد وقال: عاض كذا من أمه إنما تمرتكنا من أجلك فإنا تأذينا بصنانك قم لا أقام الله لك وزنا، أخرجوه وأبعدوه ببغداد. توفي سنة 323 ولقب نفطويه لرمامته وأذيته تشبيها بالنفط.

إمام الأئمة ابن خزيمة
محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة أبو بكر السلمي النيسابوري المجتهد المطلق البحر العجاج، روى عن خلائق وروى عنه الأئمة البخاري ومسلم ويحيى بن محمد بن صاعد وغيرهم. قال الحاكم: سمعت أبا عمرو ابن إسماعيل يقول: كنت في مجلس ابن خزيمة فاستمد مدة فناولته القلم بيساري إذ كانت يميني قد اسودت من الكتابة، فلم يأخذ القلم وأمسك فقال بعض أصحابه: لو ناولت الشيخ بيمينك فقد امتنع من أن يأخذ من يسارك، فأخذت القلم وناولته إياه فأخذه مني. وقد أطال الحاكم في تاريخ نيسابور ترجمته بما لا مزيد على حسنه. قال السبكي في الطبقات قال أبو أحمد الدرامي: كان له قميص يلبسه وقميص عند الخياط، فإذا فرغ الذي يلبسه وهبه وغدوا إلى الخياط وجاءوا بالقميص الآخر، وقيل له
يوما: لو حلقت شعرك في الحمام؟ فقال: لم يثبت عندي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حماما قط ولا حلق شعره إنما تأخذ شعري جارية بالمقراض. توفي سنة 311.
(1/95)

أبو عمر غلام ثعلب
محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغلام ثعلب، أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صحب أبا العباس ثعلبا فعرف به، وله تصانيف كثيرة وكان لسعة روايته وحفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة ويقولون لو طار طائر يقول أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ويذكر في معنى ذلك شيئا، وكان أغلب تصانيفه من حفظه حتى إنه املي في اللغة ثلاثين ألف ورقة فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. قال الملك المؤيد صاحب حماه في تاريخه: وكان اشتغاله بالعلوم قد منعه من اكتساب الرزق فلم يزل مضيقا عليه. توفي سنة 345.

أبو الوقت السجزي
عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق أبو الوقت السجزي الأصل الهروي الصوفي، مسند العصر ورحلة الدنيا، روى عن خلائق وروى عنه أمم لا يحصون. حكي عن والده إنه أخذه ماشيا من هراة إلى بوشبخ ليسمعه الحديث وكان أبوه أيضا ماشيا، فكان إذا أعيا حمله على كتفه وعمره إذ ذاك دون عشر سنين. قال: وكنا نلتقي أفواه الطرق فلاحين فيقولون: يا شيخ عيسى ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك. فيقول: معاذ الله أن يركب في طلب حديث رسول الوفود ترحل إلي من الأمصار. توفي سنة 554.

ابن نباتة السعدي
أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، أديب فضله تام وروض علمه زاهر،
اصفي عليه حرمانه ولم يسعفه زمانه، ورد على أبي الفضل ابن العميد وامتدحه بقصيدته التي أولها:
برح اشتياق وادكار ... ولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار
لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري
(1/96)

وكبرت عن وصل الصغا ... ر وما سلوت عن الكبار
ومنها:
لم يبق لي عيش يل ... ذ سوى معانفة العقار
وإذا استهل فتى العمي ... د تضاحكت ديم القطار
حر صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار
فتأخرت صلته فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزدها ابن العميد غير الإهمال، فتوصل إلى أن دخل عليه ومجلسه محتفل بالأعيان فأشار بيده إليه وقال: أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل وذللت لك ذل النعل وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك، ووالله ما بي الحرمان ولكن شماته قوم نصحوني فاغتششتهم وصدقوني فاتهمتهم فبأي وجه ألقاهم، فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي، إن الذي تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك وان الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبيك أعظمهم سناءا وأنوارهم شعاعا. فحار ابن العميد وشده وأطرق ساعة ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة وعن الإطالة منا في المعذرة، وإذا ترامينا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه فقال ابن نباتة: هذه نفثة مصدور والغني إذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولست ولي نعمتي فأحتملك ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي تنقض منه مرة الحليم
ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مدحي. فقال ابن نباتة: لما جلست في صدر إيوانك بأبهتك وقلت (لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة) دعوتني بلسان الحال وان لم تدعني بلسان المقال. فثار ابن العميد مغضبا ودخل حجرته وتعوص المجلس، وسمع ابن نباتة ذاهبا وهو يقول: والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إن كان بائعه مهينا له ومشتريه مماكسا فيه، فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه علمه التمسه ليتعذر إليه فكأنما غاص بين سمع الأرض وبصرها، فكان حسرة في قلب ابن العميد إلى ان مات - ملخصا من ابن خلكان.
(1/97)

الزبيدي
محمد بن يحيى بن علي بن مسلم القرشي الزبيدي الواعظ أو عبد الله كان له معرفة بالنحو والأدب. قال الذهبي: قال أحمد بن صالح بن شافع كان له في علم الأصول وعلم العربية حظ وافر، وصنف كتبا في فنون العلم تزيد على مائة تصنيف. قال الحافظ الذهبي: وكان صبورا على الفقر متعففا حنفي المذهب. قال أبو الفرج ابن الجوزي: حدثني الوزير ابن هبيرة قال: جلست مع الزبيدي من بكرة إلى قريب الظهر وهو يلوك شيئا في فيه، فسألته فقال: لم يكن فينا عجيبا يخضب بالحناء ويركب حمارا مخضوبا ويعظ ويجبه بالحق. توفي سنة 555.

أبو النجيب السهر وردي
عبد القاهر بن عبد الله بن محمد الشيخ أبو النجيب السهر وردي الصوفي الواعظ الفقيه الشافعي. قال الذهبي: الزاهد حفظ كتاب الوسيط في التفسير للواحدي وسمع كتب الحديث المشهورة وتفقه على اسعد الميمنى وتأدب على الفصيحى وكتب عنه أبو سعد السمعاني. قال ابن النجار: أنبأنا يحيى بن القاسم التكريتي أنبأنا أبو
النجيب قال كنت ابقي اليوم واليومين لا استطعم بزاد، وكنت أنزل إلى دجلة وأتقلب في الماء حتى يسكن جوعي، حتى دعتني الحاجة إلى ان اتخذت قربة وكنت استقي بها الماء لأقوام، فلما تعذر ذلك في الشتاء خرجت إلى بعض الأسواق فوجدت رجلا بين يديه طبرزين وعنده جماعة يدقون. فقلت: هل لك أن تستأجرني. فقال: أرني يديك فأريته فقال: هذه يد لا تصلح إلا للقلم، ثم ناولني قرطاساً فيه ذهب. فقلت: ما آخذ إلا أجرة عملي وكان رجلا يقظاً فقال: اصعد. وقال لغلامه: ناوله تلك المدقة، فناولني فدققت معهم فلما عملت ساعة قال: تعال. فجئت إليه فناولني الذهب وقال: هذه أجرتك، فأخذته وانصرفت ثم وقع في قلبي الاشتغال فاشتغلت. ثم قال ابن النجار: ثم وعظ على أصحابه بخربة على دجلة يحضره الرجل والرجلان إلى أن اشتهر اسمه وصار له القبول عند الملوك وزارته السلاطين وبني تلك الخربة رباطاً وبنى إلى جانبها مدرسة، ثم ولى التدريس بالنظامية وعزل عنها بعد سنتين.
(1/98)

توفي سنة 545.

الميداني
أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الفضل الميداني، صاحب الأمثال، تلميذ أبي الحسن الواحدي، واشتمل كتابه في الأمثال على ستة ألف مثل، ولما وقف عليه الزمخشري حسده فزاد في لفظة الميداني نوناً قبل الميم فصار النميداني، وهو بالفارسية الذي لا يعرف شيئاً، فعمد إلى تصنيف الزمخشري وعمل الميم نوناً فصارت الزمخشري وهو بالفارسية بائع زوجته. قال محمد بن المعالي في كتابه ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب: سمعت أكابر أصحاب الميداني يقولون: لو كان للوفاء والشهامة والفضل صورة لكان الميداني صورتها. ومن نظمه رحمه الله تعالى:
شفة لماها زاد في آلامي ... في رشف ريقتها شفاء سقامى
قد ضمنا جنح الدجى وللثمنا ... صوت كقطك أرؤس الأقلام
توفي سنة 539.

أبو العلاء الهمذاني
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الحافظ أبو العلاء الهمذاني العطار المقرئ الحنبلي المحدث شيخ مدينة همذان، أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات وتحصيل الأصول، وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الإنسان والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير. قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، سمعت أن من جملة محفوظاته كتاب الجمهرة، رآني يوماً وعلى رأسي قلنسوة مكشوفة فقال: لا تلبسها مكشوفة فإن أول من أظهر لبس القلانس مكشوفة أبو مسلم الخراساني، ثم شرع في ذكر أبي مسلم فذكر أحواله من أولها إلى آخرها. وجاءته مرة فتوى في أمر عثمان، فأخذها وكتب فيها من حفظه ونحن جلوس درجاً طويلاً ذكر فيها وفاته وسنه ومولده وأولاده وما قيل فيه إلى غير ذلك. وكان من أبناء التجار وورث مالاً فأنفقه في طلب العلم حتى
(1/99)

سافر إلى بغداد واصبهان مرات كثيرة ماشياً وكان يحمل كتبه على ظهره، وسمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد وآكل خبزاً أدهن، وسمعت شيخنا أبا الفضل الأديب الهمذاني يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه لأن السراج كان عالياً، ثم نشر الله ذكره في الآفاق وعظم شأنه عند الملوك والعوام، حتى إنه كان يمر في همذان فلا يبقى أحد يراه إلا قام ودعا له حتى الصبيان واليهود. توفي سنة 569.

ابن مكتوم
صاحب الدر اللقيط تلميذ أبي حيان أحمد بن عبد القادر بن أحمد ابن مكتوم القيسي الحنفي تاج الدين الإمام النحوي المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف المفيدة فمنها: تاريخ النحويين، وكتاب الحيل، وكتاب الدر اللقيط الذي انتقاده من البحر المحيط لأبي حيان، ومنها شرح تصريف ابن الحاجب، واختصار تاريخ القفطي، وشرح فصيح ثعلب، وله مجاميع حسنة بخطه. ورأيت بخط العلامة نور الدين الأبياري أشياء حسنة يذكر إنه نقلها من خطه، قال ابن مكتوم ومن خطه نقلت: اذكره مرة وقد حمل الحسد على العلم بعض من ابتلاه الله بالجهل ممن كان يجالسني من الشهود على أن تألب علي وأعانه على ذلك نويس من أشكاله، فاجتمع عنده نحو الخمسة منهم وكتب هو بخطه رسماً نسبني فيه إلى الوقوع فيما يعلم الله براءتي منه وقدمه إليهم ليشهدوا فيه عليّ زوراً بما تضمنه، فأراد كل منهم أن يتقدمه غيره إلى ذلك وجبنوا وألقى الله الرعب في قلوبهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، فتفرقوا من فورهم خاملين وصاروا عن قليل بعد الصحبة الأكيدة متعادين يذكر كل منهم عن الآخر ما إذا سمعه أحزنه وغمه، ولا يرقب في شتمه واغتيابه إلا ولا ذمه، فالحمد لله الذي كفاني شرهم وجعل محل كيدهم نحرهم، وحتى بلغني ذلك من بعضهم ومن آخرين سواهم فلم أعتب أحداً منهم على ما فعلته، إذ داء الحسد كما علم لا دواء له، فقال:
سوى وجع الحساد داء فإنه ... إذا حل في قلب فليس يحول
وقال محمد بن عيسى بن حمدان القرطبي:
(1/100)

كن من أخ في فؤاده دغل ... أخوف من كاسح يجاهده
انتهى ما أردت نقله من خطه، وجدت بخطه مجموعاً ومنه نقلت ما كتبت هنا، وهو مكتوب في ظهور الحجج والوثائق التي تجتمع عند الشهود بحيث إنه صار مقسوماً صفحتين صفحتين بين كل ظاهرين باطنان فيهما الوثيقة، وهذا إما عن
فقر عظيم أو عن شح عظيم، وأياً ما كان فهو مستحق للذكر في هذا الفصل.

ابن خالويه
الحسين بن أحمد بن حمدان بن خالويه الهمذاني اللغوي المقرئ النحوي أبو عبد الله، أحد العلماء المشهورين والأدباء المصنفين، ومن تصانيفه: كتاب الاشتقاق، وكتاب الجمل في النحو، وكتاب القراءات وكتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن، وكتاب المقصور والممدود، وشرح شعر أبي فراس الحمداني وغير ذلك. قرأت بخط العلامة ابن مكتوم إنه كان يلقب بذي النونين لأنه كان يطولهما في خطه وهما نون الحسين ونون ابن. قال: وقد رأيتهما طويلتين في آخر كتاب الجمرة بخطه وقد طولهما جداً كما ذكر عنه، ووجد على نسخة من إصلاح المنطق بخط أبي الحسن علي بن عبد الله بن أحمد البزار ما مثاله لما فرغت من هذا الجزء كان أبو سعيد العطاردي حاضراً فقال على لساني:
قرأت ما فيه على الحسين ... قراءة صدق لم تشب بمين
مستفهم الشكل مرتين ... فجاء كالمسك على لجين
أو كعذار فوق عارضين ... حتى إذا ما تم لي باون
شرفني الإسناد بالنونين
قال ابن مكتوم كما نقلته من خطه: وكان ابن خالويه على إمامته في اللغة ضعيفاً في النحو وعلله ضعيفاً في التصريف، وله في ذلك مع أبي علي الفارسي وتلميذه أبي الفتح بن جني حكايات معروفة. ويحكى أن أبا الطيب المتنبي لما أنشد سيف الدولة ابن حمدان قوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
(1/101)

قال له ابن خولويه: إنما يقال (شجاه) لا أشجاه توهمه ماضياً فقال له المتنبي: أسكت فما وصل الأكر إليك. وجرى بينه وبين الفارسي كلام فقال ابن خالويه:
نتكلم في كتاب سيبويه. فقال له الفارسي: لا بل نتكلم في الفصيح. ولأبي على الفارسي في تغليطه كتاب نقض الهادور قلت: وأنت إذا وقفت على ضعفه في العربية وقفت على سر الحكاية المشهورة عنه وإنها ليست من هضم النفس في شيء، وهي إنه قال له رجل: أشتهي أن أتعلم من العربية ما أقيم به لساني. فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو ما تعلمت ما أقيم به لساني. توفي سنة 370.

ابن الجصاص
المتمول الصدر الرئيس أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الجصاص البغدادي الجوهري التاجر السفار. وقال ابن طولون: لا يباع لنا شيء إلا على يد ابن الجصاص. صادره المقتدر في سنة 302 فأخذ له من الذهب والجوهر ما قوم بأربعة آلاف دينار. وقال ابن الجوزي في المنتظم اخذوا له ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عيناً وورقاً وخيلا وقماشاً ويحكى عنه بله وتغفل، مر به صديق له فقال: كيف أنت؟ فقال ابن الجصاص: الدنيا كلها محمومة وكان قد حم. ونظر مرة في المرآة فقال لصاحبه: ترى لحيتي قد طالت. فقال: المرآة في يدك. قال: الشاهد يرى مالا يرى الغائب. ودخل يوماً على الوزير ابن الفرات فقال عندنا كلاب يحرموننا ننام. فقال الوزير: لعلهم جراء. فقال: بل كل واحد قدي وقدك. وفرغ من الأكل فقال: الحمد لله الذي لا يخلف بأعظم منه. وأراد أن يقبل يوماً رأس الوزير فقال: إن فيه دهناً: فقال: أقبله ولو أن فيه خرءاً. ووصف يوماً مصحفاً قديماً فقال: كسروي. توفي سنة 315.

الأديب أبو بكر بن بقي
ترجم لهصاحب القلائد العقيان فقال: نبيل النثر والنظام، قليل الإرتياط والانتظام، ضناً عليه حرمانه وما صفا له زمانه، فصار قعيد صهوات وقاطع فلوات، مع
توهم لا يطفئه بأماني، ومن نظمه الرقيق المعاني:
(1/102)

عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك العتيق لناشق
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي
باعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
وله من قصيدة:
ولكن ما جدى صبا غير لاقح ... يسد طريق المزن عن ارضي الفل
أخلاي والآادب تجمع بيننا ... وبعض طباع لست اقضي على كل
ذوى أملى عند اهتزاز عصوبة ... وارخصني الدهر كالذي كان بي يعلى
ومنها:
وامدحهم ما حسبي الله كاذباً ... فيجزونني بالمنع شكلا على شكل

أبو الحسن
علي بن أحمد بن نونحت، كان أديباً مجيداً إلا إنه كان قليل الحظ من الدنيا، لم يزل رقيق الحال ضعيف المقدرة حتى توفي بمصر في شعبان سنة 416، وهو على حاله من الضرورة وشدة الفاقة، فكفنه أبو محمد ابن حيران متولي كتب السجلات بمصر.

الصولي
أبو بكر بن محمد بن يحيى بن عبد الله المعروف بالصولي، أحد الأدباء الفضلاء المشهورين. روى عن أبي داود السجستاني والمبرد وغيرهم وروى عنه الدارقطني والمرزباني، وله التآليف المشهورة، وكان أوحد وقته في لعب الشطرنج وبه يضرب المثل فيه، خرج من بغداد لإضافة لحقته فتوفي سنة 335.

ابن ظفر
أبو عبد الله محمد الصقلي، له التصانيف المتعددة منها: سلوات المطاع، وخبر البشر، وأنباء نجباء الأبناء، والينبوع في التفسير، وشرح مقامات الحريري، والحاشية على درة الغواص ذكره العماد في الخريدة ولم يزل يكابد الفقر حتى مات. قيل إنه زوج ابنته بحماه من غير كفء للضرورة، فرحل بها الزوج عن حماه في بعض البلاد. توفي سنة 575.
(1/103)

ابن السكيت
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت الإمام اللغوي النحوي، كان أول الأمر يؤدب أولاد العامة ببغداد بدرب القنطرة، ثم أدب ولدا بن طاهر والمتوكل وجعفر. قال الحسين بن عبد المجيب: سمعت يعقوب بن السكيت في مجلس أبي بكر بن شبة يقول:
ومن الناس من يحبك حباً ... ظاهر الحب ليس بالتقصير
فإذا ما سألته نصف فلس ... لحق الحب باللطيف الخبير
قيل: إن المتوكل قتله، وذلك أن المتوكل أمره بشتم رجل من قريش فلم يفعل فأمر القرشي أن ينال منه ففعل فأجابه يعقوب، فلما أجابه يعقوب قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل فلما شتمك فعلت، فأمر بضربه فحمل من عنده صريعاً مقتولاً. ووجه المتوكل إلى بني يعقوب من الغد عشرة آلاف درهم - قاله الابياري في نزهة الألباء.

الأديب أبو جعفر
ابن المثني، ترجم له صاحب قلائد العقيان فقال: رافع راية القريض وصاحب آية التصريح والتعريض، أقام شرائعه واظهر روائعه وجعل عصيه طائعه، وكان أليف غلمان وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متشرعاً ولا رتق متورعاً ولا اعتقد
حشراً ولا صدق بعثاً ولا نشرا، وربما تنسك مجوناً وفتكا وتمسك باسم التقي وقد هتك هتكا لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وقد اثبت له ما يرتشقه ريقا ويلحو الأوان منه شروقاً، فمن ذلك قوله:
كيف لا يزداد قلبي ... من جوى الشوق خبالا
وإذا قلت علي ... بهر الناس جمالا
هو كالغصن وكالبدر ... قواماً واعتدالاً
إن من رام سلوى ... عنه قد رام محالا
لست أسلو عن هواه ... كان رشداً أو ضلالا
(1/104)

ولما اشتهر عند ناصر الدولة ما تقرر وتردد على مسامعه انهتاكه وتكرر أخرجه ونفاه وطمس رسم فسوقه وعفاه.

الإمام أبو سهل الصعلوكي
محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الحنفي مسباً من بني حنيفة العجلي الإمام أبو سهل الصعلوكي، شيخ عصره وإمام الدنيا في الفقه والتفسير والأدب واللغة والنحو والشعر والكلام والتصوف وغير ذلك من أصناف العلوم. وعن الصاحب أبي القاسم بن عباد لم تر خراسان مثله ولا أرى هو مثل نفسه، لقي أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس علي الثقفي وغيرهم. وحكي عنه إنه قال: ما مرت بي جمعة إلا ولي على الشبلي وقفة أو سؤال، وإنه قال: دخل الشبلي على أبي إسحاق المروزي فرآني عنده فقال:
هذا المجنون من أصحابك لا بل من أصحابنا. وعن الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي إنه قال: قلت للأستاذ أبي سهل في كلام جرى بيننا: لم؟ فقال لي: أما علمت إنه من قال لأستاذه لم لم يفلح أبداً. قال السبكي في الطبقات قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وهب الأستاذ أبو سهل
جبته من إنسان في الشتاء، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس إذا لم يكن له جبة أخرى، فيقدم الوفد المعروفون من فارس وفيهم من كل نوع أمام من الفقهاء والمتكلمين والنحويين، فأرسل إليه صاحب الجيش أبو الحسن وأمره أن يركب لاستقبالهم، فلبس دراعة فوق تلك الجبة التي للنساء وركب. فقال صاحب الجيش: إنه مستخف بي أمام البلد يركب في جبة النساء، ثم ناظرهم فغلبهم أجمعين في كل فن. توفي في ذي القعدة سنة 369 وصلى عليه ابنه أبو الطيب ودفن في المجلس الذي كان يدرس فيه.

الغزي
أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الغزي الشاعر المشهور، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وقال: إنه دخل دمشق ثم بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة ومدح ورثى، ثم رحل إلى خراسان وانتشر شعره هناك وأثنى عليه.
(1/105)

وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وقال: إنه جاب البلاد وتغرب وأكثر التنقل والحركات وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي ناصر الدين بن مكرم بن العلاء وزير كرمان ومدحه بقصيدته البائية التي يقول فيها:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا
ومنها في قصر الليل.
وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر شعائبا
ومن شعره:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجي ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أن نراه كاسداً ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
ومن شعره:
وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النهى مران
وللرأي أن تختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران
ومن شعره:
من آلة ست ما عند الوزير سوى ... تحريك لحيته في حال إيماء
فهو الوزير ولا أزر يشد به ... مثل العروض له بحر بلا ماء
وله:
وجف الناس حتى لو بكينا ... تعذر ما تبل به الجفون
فما تندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجو جبين
ولد بغزة وتوفي وقد جاوز التسعين ودفن بيلخ سنة 534.
ومن نظم الغزي:
قالوا بعدت ولم تقرب فقلت لهم ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا
إذا خروجك لم يخرجك عن كرب ... حسدت من كان جليس البيت ما خرجا
كم عالم لم يلج بالقرع باب غنى ... وجاهل قبل قرع الباب قد ولجا
(1/106)

قعدت في البيت إذ ضيعت منتظراً ... من رحمة الله بعد الشدة الفرجا
قال المصنف رحمه الله: (تنبيه) قال كاتبه ومصنفه أحمد بن علي الدلجي عافاه الله من الفلاكة مهما وجدت في ترجمة عالم أو شاعر إنه طاف البلاد وجال وتنقل فاحكم عليه ما لم يكن محدثاً بأنه في غاية الفلاكة، وهذا أمر يصححه عندي الذوق والوجدان ولا أشك فيه، وأنا اقطع بأن التنقل من لوازم الفلاكة وما خرج أحد من بلد ويمكنه الإقامة فيها والله أعلم.

الفارابي
محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلغ بن طرخان من مدينة فاراب من بلاد الترك،
كان إماماً فاضلاً وفيلسوفاً كاملا برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبق إليه، وشرح كتب الأوائل. كان في أول الأمر قاضياً ببلاده فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب ارسطاطاليس فنظر فيها فصادفت منه قبولا فترك القضاء واكب عليها بجملته وتجرد وسافر إلى بغداد وأقام بها وقرأ بها المنطق على يوحنا بن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج ثم سافر إلى مصر ثم رجع إلى دمشق وأقام بها إلى مات. قال أبو الحسن الآمدي: كان الفارابي مقتنعاً باليسير من الرزق، وكان في أول أمره ماطوراً ببستان بدمشق وهو في مثل هذه الحالة ملازم للاشتغال ليله ونهاره، وكان في أكثر لياليه يستضيء على المطالعة بقنديل الحارس، ولم يزل كذلك حتى ظهر فضله وكثرت تلامذته واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله الثعلبي فأكرمه وأوسع عليه، فلم يقبل منه سوى أربع دراهم فضة في اليوم يصرفها في الضروري من عيشه. ومن دعائه (اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء) ومن شعره:
بزجاجتين قطعت عمري ... وعليهما عولت أمري
فزجاجة ملئت بحبر ... وزجاجة ملئت بخمر
فبذي أدون حكمتي ... وبذي ازيل هموم صدري
(1/107)

وكان يرى الإنفراد على شرب الخمر ولا يحب المنادمة عليها. توفي رحمه الله في شهور سنة 334. نقلت ذلك كله من عيون الأنباء في طبقات الأطباء مما اختاره الحسن ابن أحمد بن زفر الابلي الشافعي من تاريخ اصيبعة.

الهروي
صاحب الغريبين أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد العبدي الهروي القاشاني من كبار العلماء، وأخذ عن أبي منصور الأزهري اللغوي، وكتابه
المذكور فسر فيه غريب القرآن وغريب الحديث النبوي وسار في الآفاق، قال ابن خلكان: وقيل إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللذة والطرب عفا الله عنه، وقد أشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك. توفي سنة401. وضبط القاشاني بالقاف والشين المنقوطة.

ابن فارس اللغوي
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد الرازي اللغوي، كان إماما في علوم شتى خصوصا اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع أشياء كثيرة، وله رسائل أنيقة ومسائل في اللغة يعايي بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري ذلك الأسلوب في مقامته التي وضع فيها مائة مسألة وعنه اخذ البديع الهمذاني، ومن نظمه:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هم الدرهم
وله:
سقى همذان الغيث لست بسائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت اعلم
نسيت الذي أحسنته غير إني ... مدين وما في جوف بيتي درهم
وله:
وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضي حاجة وتفوت حاج
(1/108)

إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشق في السراج
(جحظة)
أبو الحسين أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة البرمكي، كان فاضلا صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة وأشعار، ومن شعره:
فقلت لها بخت على يقظى ... فجودي في المنام لمستهام
فقالت لي صرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام
وله:
أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقلبوا الأخلاق من أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم
هات اسقينها بالكبير وغنى ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وله:
وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب يسر أنت أم ثوب معسر
فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرام مقتر
توفي سنة 326.

ابن الخياط
الشاعر المفطور صاحب الديوان المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، وطاف البلاد وامتداح الناس ودخل بلاد العجم، دخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء، فكتب إلى ابن حبوس الشاعر المشهور:
لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك مني منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتها ... من أن تباع وأين أين المشتري
وقصيدته البائية كفاه بفضله، وهي التي أولها (خذا من صباه أمانا لقلبه).
توفي سنة 517.
(1/109)

الحافظ أبو الفضل
محمد بن طاهر المقدسي، ذكره الإمام العلامة الحافظ عبد الكريم ابن السمعانى في ذيله على تاريخ بغداد وقال في أثناء ترجمته: كان بحرا في الحديث. وقال أيضا في أثناء الترجمة ردا على الطاعنين فيه: وفضل محمد بن طاهر ومعرفته بعلم الحديث وتصانيفه وتبحره لا ينكر، ومن أنكر من مشايخنا عليه فإنما أنكر سيرته ولعله تاب. ونقل عن أبي الحسن بن أبي طالب الكرخي الفقيه إنه قال عنه: ما كان على وجه الأرض له نظير. ثم نقل عنه إنه صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد وإنه قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها. فقيل له: تصلى عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. ونقل أيضا عنه حكاية خرج منها إنه كان في غاية الفقر، وملخصها أن الحال أعوزته وهو يكتب الحديث ولم يبق معه غير درهم وهو محتاج إلى كاغد وإلى خبز، فردده بين الأمرين يوما وثانيه، فلما كان اليوم الثالث قال: لم يبق إلا الخبز فإني إن اشتريت به كاغدا لا أقدر على النسخ لأجل الجوع، فوضعه في فيه وخرج ليشتري به فاتفق إنه ابتلعه فأخذه الضحك، فلقيه أبو طاهر الصانع فسأله عن سبب ضحكه فكتمه إياه، فألح عليه فامتنع فحلف عليه بالطلاق ليخبرنه الخبر، فأخبره بالحال فحمله إلى البيت وتسبب له في دراهم كثيرة - اهـ ملخصا
(أبو العلاء محمد بن محمد بن صالح بن الهبارية)
كان إماما في علوم الأدب بحرا في النظم والنثر سلس الشعر مع قوة المعنى وصحة المبنى، ومن نظمه يمدح أمين الدولة بن التلميذ وكان نصرانيا وكان محمد بن الهبارية شريفا عباسيا:
يا بني التلميذ لو وافيتكم ... لم تكن نفسي بأهلي شغفه
إنما طلقت كرمان بكم ... إنكم لي عوض ما أشرفه
برئيس الحكماء المرتجى ... إنه لي جنة مخترقة
شمس مجد لا تراها أبدا ... عن سماوات العلى منكسفه
(1/110)

جل أن يدرك وصف مجده ... إنه أكثر من كل صفه
لو تمكنت لكانت جملتي ... في زوايا داره معتكفه
فبه تفتخر الدنيا التي ... أصبحت من غيره مستنكفه
إنما أحبو بني التلميذ بال ... مدح إذ كلهم ذو معرفه
فابن يحيى منهم محي الندا ... زاد في الجواد على من خلفه
حقق الكنية من والده ... كرما فيه وطبعا ألفه
وهم من صاعد عن سادة ... بأبي مجدهم ما أنطفه
لا تقسهم بالورى كلهم ... فتقس لب السرى بالجعدفه
فابن إبراهيم لاهوت العلى ... من دعاة بشرا ما أنصفه
يا رئيس الحكماء استجلها ... من بنات الفكر بكرا مترفه
إنني أنفذت نجلي قاصدا ... اشتكي دهرا قليل النصفه
قلت: وقوله (فابن يحيى منهم يحيى الندا) الخ أراد به أبو الفرج يحيى بن التلميذ، وهو يحيى بن صاعد بن يحيى بن التلميذ الملقب معتمد الملك، وله فيه مدائح غيرها فمنها قوله:
يحيى بن صاعد بن يحيى لم يزل ... للمكرمات إلى حيالي خاليا
ما زال يعربني ولم أزل ... بعلاه ما بين البرية خاطبا
ومنها:
لا تحوجن أخاك لا بل عبدك ال ... قن بن عبدك إن يروم أجانبا
فلأنت أولى بي لما عودتني ... عمن غدا لي في الأصول مناسبا
ثقة الخلافة سيد الحكماء مع ... تمد الملوك الفيلسوف الكاتبا
مازح وطايب ما استطعت فما الفتى ... ممن يكون ممازحا ومطايبا
وفداك من نوب الزمان وصرفه ... قوم يزيدون الزمان معايبا
وسبب ذلك إنه أتاه إلى اصفهان فحصل له مالا جزيلا من كبارها
(1/111)

ابن المنير
أبو الحسين أحمد بن المنير الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور، مهر في اللغة والأدب وقال الشعر فأجاد، قدم دمشق وسكنها وكان كثير الهجاء بذئ اللسان، ولما كثر منه سجنه نورى ابن أتابك صاحب دمشق وعزم على قطع لسانه، فشفع فيه ونفى، وله من جملة القصيدة:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالرأي أن يتحولا
كالبدر لما إن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
ومنها:
لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا
توفي في جمادي الآخرة سنة 548.

النفيس
أبو العباس أحمد بن أبي القاسم المنعوت بالنفيس، كان من العلماء والأدباء، وله ديوان شعر جاد فيه. ذكره العماد في الخريدة فقال: فقيه مالكي المذهب له يد في علوم الأوائل والأدب، ومن شعره:
يسر بالعيد أقوام لهم سغة ... من الثراء وأما المقترون فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أم راقني وعلى رأسي به ابن جلا
توفي سنة 603 بقوص بعد أن جاب البلاد واستجدى الناس بشعره

أبو الصلت
أمية بن عبد العزيز الأندلسي، كان أدبيا ماهرا في علوم الأوائل، ذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه، ومن نظمه:
وقائلة ما بال مثلك خاملا ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم إنني ... لما لم يحوزوه من الفضل حائز
(1/112)

توفي سنة 538.

مبرمان
النحوي شارح كتاب سيبويه وان كان لم يمته، هو أبو بكر بن محمد العسكري أخذ عن المبرد وتصدر بالأهواز. قال الذهبي: كان وضيع النفس يأخذ من الطلبة ويطلب حمال قفص فيحمله إلى داره من غير عجز وربما انبسط فبال على الحمال ويتنقل بالتمر فيحذف بنواه الناس توفي سنة 327 ولقبه المبرد مبرمان لكثرة سؤاله له. ومن مصنفاته: كتاب شرح سيبويه. وكان إذا ركب في طبلية الحمال وبال عليه اعتذر له بقوله: احسب انك حملت رأس غنم.

أبو الحسن الربعي
علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الربعي النحوي الزيدي أحد أئمة النحو، كان دقيق النظر في النحو جيد الفهم والقياس، لازم أبا على الفارسي عشرين سنة، فقال له أبو علي: ما بقيت تحتاج إلي ولو سرت من الشرق إلى الغرب لم تجد أنحى منك. ومن تصانيفه شرح الإيضاح للفارسي، وكتاب شرح مختصر الجرمى، وكتاب البديع في النحو، وكتاب المبنى على فعال، وكتاب التنبيه على خطأ ابن حبي في تفسير شرح المتنبي، وكتاب شرح سيبويه. وكان يرمى بالجنون. مر يوما بسكران ملقى على قارعة الطريق فحل سراويله وجلس
على انفه وجعل يضرط وينشد:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ونازعه يوما شخص في مسألة فعمد إلى شرحه لكتاب سيبويه، فوضعه في اجانة وصب الماء وغسله وجعل يلطم الحيطان ويقول: جزاء من يجعل أولاد البغالين نحاة. وسأل من تلامذة أن يركبوا معه إلى كلواد فظنوا حاجة عرضت، فركبوا معه وعرضوا عليه الركوب فأبى فلما صار بحذائهم أوقفهم على سلم وأخذ كساءا وعصا، وما زال يعدو على كلب هناك وهو يهرب منه تارة ويثب عليه أخرى حتى أعياه ذلك فعاونوه عليه فأمسكه وعضه عضا شديدا وقال: هذا عضني منذ أيام فأردت أخالف فيه قول الشاعر:
(1/113)

شاتمني عبد بني مسمع ... قصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعض الكلب إن عضا
توفي سنة 430.

القالي
أبو الحسن علي بن أحمد بن علي القالي، كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد وكان كلفا بها، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد فيها أبياتا بخط بائعها أبي الحسن القالى المذكور:
أنست بها عشرين حولا وبعتها ... فقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني إنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل جفوني
فقلت ولم املك سوابق عبرة ... مقالة مكوي الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... ودائع من رب بهن ضنين

البيهقي
أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسر وجردي الإمام أبو بكر، و (خسروجرد) بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء وفي آخره دال، هو الإمام الجليل الحافظ الفقيه الأصولي القائم بنصره مذهب الشافعي صاحب التصنيفات، له: كتاب السنن الكبير، وكتاب المبسوط في نصوص الشافعي، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب شعب الإيمان، وكتاب معرفة السنن والآثار. قال تقي الدين البسكي معناه معرفة الشافعي بالسنن والآثار وغير ذلك. قال تاج الدين السبكي في الطبقات: كان على سيرة العلماء قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه. توفي في نيسابور في جمادي الأولى سنة 458.

أبو سعيد الإصطرخي
الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى الإمام الجليل أبو سعيد الاصطخري القاضي.
(1/114)

قال الخطيب: أحد الأئمة المذكورين من شيوخ الفقهاء الشافعيين، كان ورعا زاهدا متقللا. قال الطبري: وحكى عن الداركي إنه قال: ما كان أبو إسحاق المروزي يفي بحضرة الإصطخرى، قال أبو إسحاق المروزي: سئل يوما أبو سعيد عن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا هل تجب لها النفقة؟ فقال: نعم. فقيل: ليس هذا من مذهب الشافعي فلم يصدق فأراه كتابه فلم يرجع وقال: إن لم يكن مذهبه وإلا فهو مذهب على ابن عباس. قال أبو إسحاق: فحضر يوما مجلس النظر مع أبي العباس بن شريح فتناظرا فجرى بينهما كلام، فقال له أبو العباس: أنت سألت مسألة فأخطأت فيها وأنت رجل كثرة أكل الباقلاء قد ذهبت بدماغك. فقال له أبو سعيد: وأنت كثرة أكل الخل والمري قد ذهب بدينك. قال الطبري: وكان من الورع والزهذ بمكان لم يصله سواه، يقال إنه كان قميصه وعمامته وسراويله
وطيلسانه من شقة واحدة وكانت فيه حدة، وله تصانيف كثيرة فمنها: كتاب أدب القضاء ليس لأحد مثله، ومن مفردات مسائله قوله (إنه ينتقض الوضوء بمس الأمرد). توفي ببغداد في ثاني الجمادين سنة 328 نقلته من طبقات السبكي.

السيد ركن الدين
الحسن بن محمد بن شرفساه العلوي الحسيني الإسترابادي تلميذ النصير الطوسي أبو الفضائل، له عدة مصنفات منها: شرح أصول ابن الحاجب وشرح مقدمته في النحو، وشرح الحاوي شرحين. وكان له ادرارات وجوامك كل يوم ستون درهما، يعيد دروس النصير الطوسي في الحكمة. قال الشيخ شهاب الحسباني ومن خطه نقلت: وكان في دينه رقة توفي سنة 718 بالموصل.

أبو هفان
عبد الله بن أحمد بن حرب بن خالد أبو هفان النحوى اللغوي، روى عن الأصمعي وصنف كتبا منها: كتاب صناعة الشعر كبير، وكتاب أخبار الشعراء. قرأت بخط الحسباني إنه كان مقترا عليه ضيق الحال، وإن دعبلا الخزاهي أضافه وسقاه نبيذا حلوا ووصى الجواري أن لا يدلوه على الخلاء ثم تركه ونام، فقال لبعض الجواري: أين الخلاء؟ فقلت لها الأخرى:
(1/115)

ما يقول سيدي؟ فقالت: يقول غنى
خلا من آل عاتكة الديار ... فمثوى أهلها منهم قفاز
فغنت هذه وصرخت هذه وشربوا أقداحا، فقال: أحسنتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، فلما أجهده الأمر قال: لعل الجارية بغدادية لا تعرف الخلاء فقال لها: أين المستراح؟ ففعلوا كفعلهم الأول فقال: لعلهن حجازيات أين الحش؟ ففعلوا كذلك ثم قال: لعلهن كوفيات دعبل وأمر له بثياب، وهي حكاية طويلة. قال سعيد بن حميد لأبي هفان لأن ضرطت عليك ضرطة لأبلغنك إلى فيد. فقال له أبو هفان:
أسعدني بأخرى تبلغني إلى مكة فإني ما حججت بعد. مات سنة 255.

الرياشي
العباس بن الفرج الرياشي مولاهم. قال المبرد: سمعت المازنى يقول: قرأ الرياشي علي كتاب سيبويه فاستنفدت منه أكثر مما استفاد منى يعني إنه أفاده لغته وشعره وأفاده هو النحو. قال المبرد: وكان الرياشي والله أحمق، ومن حمقه إنه كان صائما لا يبلع ريقه.

ابن بانشاذ
النحوي البصري العلامة طاهر بن أحمد بن بابشاذ أبو الحسن، وكان يأكل يوما مع بعض أصحابه طعاما، فجاء قط فرمى إليه بشيء فأخذه وذهب به وعاد سريعا، ثم فعل ذلك مرة بعد أخرى فعلم أن له سببا فاتبعوني فإذا بقط آخر أعمى في سطح فقال الشيخ: هذا حيوان بهيم قد ساق الله له رزقه أفلا يرزقني وأنا عبده، فترك علائقه الدنيوية ولزم غرفة في جامع عمرو بن العاص وأقبل على العلم وجمع تعليقه في المحو قريبا من خمسة عشرا مجلدا، وأصحابه كابن بري وغيره ينقلون منها ويسمونه تعليقة الغرفة، وكان له معلوم وراتب على قراءته للكتب التي يكتبونها عن السلطان وإصلاحها تعرض عليه قبل أن تحمل إلى الجهة التي عينت لها. سقط من سطح جامع بن العاص فمات من وقته سنة369
(1/116)

عبد الرحمن
ابن محمد بن عبيد الله بضم العين مصغر ابن يعيد كمال الدين أبو البركات الأنباري النحوي، صاحب التصانيف المفيدة منها: هداية الذاهب في معرفة المذاهب، وبداية الهداية في الأصول، والداعي إلى الإسلام في الكلام، النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح. وفي الأدبيات ما يزيد على خمسين مصنفا انتهت
الرحلة إليه بالعراق من سائر الأقطار. قال الموفق عبد اللطيف: لم نر في العباد والمنقطعين أقوى طريقة ولا اصدق منه في أسلوبه جد محض، ولا يعتريه تصنع ولا يعرف السرور ولا أحوال العالم، كان له من أبيه دار يسكنها ودار وحانوت مقدار أجرتهما نصف دينار في الشهر يقنع به ويشتري منه ورقا ولا يوقد عليه ضوأ، وتحته حصير قصب وعليه ثوب وعمامة قطن يلبسهما عند المضي إلى الجمعة ويلبس في بيته ثوبا خلقا ولا يخرج منه إلا يوم الجمعة وسير إليه المستضيء خمسمائة دينار فردها فقال له: اجعلها لولدك. فقال: إن كنت خلقته ارزقه. توفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة 477 ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي.

الواحدي
علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي، كان مفسرا نحويا لغويا أصوليا أنفق في صباه مالا على تحصيل العلم وكان من أولاد التجار وذكر في مقدمة تفسيره الذي البسيط أشياخه ومن قرأ عليه. قيل للغزالي لما صنف كتبه: ما علمت شيئا أخذت الفقه من إمام الحرمين من نهايته وأسماء الكتب من الواحدي، وكان الغزالي يقول: من أراد أن يسمع التفسير كأنه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه بتفسير الواحدي، وله كتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف وغيره، وكان عديم النظير إلا إنه كان يبسط لسانه في العلماء. توفي سنة 468.

ابن البرهان
عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم أبو القاسم بن برهان النحوي الأسدي العكبري، صاحب العربية والنحو والتاريخ وأيام العرب، قرأ على عبد السلام
(1/117)

البصري وأبي الحسن التميمي، كان فيه شراسة على من يقرأ عليه، وكان
الطلبة يمشون حوله يمينا وشمالا وهو يلقى عليهم المسائل وتكبر على أولاد الرؤساء، وكان يتعصب لمذهب أبي حنيفة، وكان يحب الباذخان ويقول في تفضيله: الناس يأكلونه ثمانية أشهر في العام وهم أصحاء واو أكلوا الرمان أربعة أشهر فلجوا. قرأت بخط الشيخ شهاب الدين الحسباني: إنه كان على إمامته وديانته يحب مشاهدة المليح ويقبل أولاد الأمراء والأتراك وأرباب النعم بمحضر من آبائهم، ولا ينكرون عليه ذلك لعلمهم بدينه وورعه. وتوفى سنة 446 قال: ولم يكن يلبس سراويل ولا على رأسه غطاء.

الحريري
صاحب المقامات القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد البصري الحرامي الحريري، أحد الأئمة في النظم والنثر، وعمل بعد الحريري مقامات كثيرة: مقامات ابن الصقيل، مقامات أبي العباس يحيى النصراني المعروفة بالمسيحية، مقامات أبي الهيجاء شهنيروز. شرح المقامات ابن ظفر شرحين كبير وصغير والمطرزي والشريشي وغير واحد. قيل: وكانت مسوداتها نحو حمل جمل، سمع الحريري من أبي تمام محمد بن الحسن بن موسى المقريء وأبي القاسم بن الفضل المقصافي الأديب، وقرأ النحو على أبي الحسن بن فضال المجاشعي شيخ إمام الحرمين في العربية، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. كان الحريري غنيا له ثمانية عشر ألف نخلة كل نخلة في السنة بدينار، وقيل إنه كان قذرا في نفسه وشكله ولبسه قصيرا ذميما بخيلا مولعا بنتف ذقنه، وحكى بعض أهل الأدب أن الحريري لما قدم بغداد وكان الناس يهتفون بفضائله ويتطلعون إلى لقائه، فحضر إليه ابن حكينا المعروف بالبرغوث الشاعر فلم يجده على ما كان في ظنه فنظم أبياتا:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالشان وقد ... ألجمه في العراق بالحرس
وقيل أن الحريري حضر مجلسا فذكروا فيه القول بعض الأدباء (إن لم يكن لنا طمع في درك درك فأعفنا من شرك شرك) استحسنها الحاضرون، فعمل الحريري في الحال
(1/118)

(إن لم تدننا من مبارك مبارك فأعدنا عن معارك معارك). وبلغه أن صاحبا له يسمى أبا زيد المطهر ابن سلام البصري الذي عمل المقامات على لسانه شرب مسكرا، فكتب إليه: أبا زيد اعلم من شرب الطلا تدنس فافهم سر قولي المهذب، ومن قبل سميت المطهر والفتى يصدق بالأفعال تسمية الأب، فلا تحسها كي ما تكون مطهرا وإلا فغير ذلك الاسم واشرب.

أبو العباس
أحمد بن الحسين المحوي الموصلي المعروف بابن الخباز، كان من علماء النحو وفرسانه أديبا لطيف الروح عذب العبارة حسن النظر كثير الاطلاع والحفظ. قال ابن هشام مصنف المغنى فيما وجدته بخطه: وكأنه كان غير مصنف من أهل زمانه، وقد وقفت له على عدة تآليف يشكو فيها حاله، فمن ذلك قوله في خطبة كتابه الذي سماه الفريدة في شرح القصيدة وهي قصيدة أبي عثمان سعيد بن المناس الشهير بابن الدهان (فإن أصبت فمن فضل الله الرحيم وان أخطأت فمن الشيطان الرجيم، ومن علم حقيقة حالي عذرني إذا قصرت بأن عندي من الهموم ما يزع الجنان عن حفظه ويكف اللسان عن لفظه، ولو أن ما بي بالجبال لهدها وبالنار أطفأها وبالماء لم يجر وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر، وأنا اسأل الله العظيم أن يكفيني شر شكواي وان لا يزيدني على بلواي، فاني كلما أردت خفض العيش صار مرفوعا وعاد بالحزن سبب المسرة مقطوعا، والله المستعان في كل حال منه المبدأ واليه المآل) نفلت ذلك كله من خط العلامة جمال الدين بن هشام المصنف رحمه الله. نقلت من خط الشيخ نور الدين
الأبياري (الصعاليك من العرب عروة ابن معدي كرب الزبيدي والأسعر بن مالك الأودي وعمرو بن براق الهمداني وشراحيل بن الأشهب الجعفى وأبو خراش الهذلي وعمرو ذو الكلب الهذلي) ونقلت من خطه أيضا: قال الذهبي كان في الأشعر دعابة ومزحكثير وكان يقنع باليسير، وكان له بعض قرية من وقف جدهم الأمير جلال الدين با أبي بردة، ويقال إنه بقي إلى سنة 330.
(1/119)

الفصل الحادي عشر
في مباحث تتعلق بالفصل قبله
ومن مباحث النكبات الحاصلة للأعيان لا يحملنك قلة من عددنا في الفصل قبله من العلماء الذين تقلصت عنهم الدنيا على توهن انبساط الدنيا على غالبي العلماء أو معظمهم واعتقاد تمتعهم بها، فإن لانحصارهم في العدد المذكور في الفصل قبله أسبابا: منها أنا لم نذكر من العلماء إلا من زويت عنه الدنيا ولم يترجم بزهد وشدة تقشف ورد للدنيا وإعراض عنها، وسقط بذلك طائفة كثيرة مثل الشيخ

محيي الدين النواوي
يحيى بن شرف بن مري مع إنه كان لا يأكل إلا أكلة بعد عشاء الأخيرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولا يشرب الماء المبرد، ولا يأكل من فاكهة دمشق معللا ذلك بأن الأوقاف والأملاك للمحاجير فيها كثيرة والتصرف لهم ولا يجوز إلا على وجه الغبطة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء للمماليك، وكان لا يدخل الحمام ولم يتزوج ولم يشرب الفقاع، ومأكله كعك يابس وتين حوران يأتيه به أبوه وملبسه الثياب المرقعة. توفي سنة 676.

السهروردي
صاحب عوارف المعارف إمام وقته لسانا وحالا وعلما عملا، مع إنه عمي في آخر عمره واقعد ومات ولم يخلف كفنا. توفي سنة 632.

والحسن بن العباس السرخسي
الأصفهاني مع إنه كان يسمع عليه الحديث وهو في رثاثة من الملبس والمفرش بحيث لا يساوي طائلا كما ذكره ابن كثير في طبقاته. توفي سنة 561

إبراهيم بن إسحاق
ابن بشير أبو إسحاق الخوي أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، إمام مصنف عالم يقاس بالإمام أحمد شيخ الدارقطني، كان يقول: الرجل الذي يدخل غمه على نفسه
(1/120)

ولا يدخله على عياله. وقد كان بى شقيقة منذ خمس وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، أنفق على نفسه وعياله في بعض الرمضانات درهما وأربعة دوانيق ونصفا، وبعث إليه المعتضد بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فرجع الرسول يقول له: قال لك أمير المؤمنين فرقها على جيرانك. فقال: هذا شيء لا نجمعه ولا نفرقه إما أن يتركنا وأما أن نتحول من بلده. توفي لتسع بقين من ذي الحجة سنة 284 وكغيرهم من العلماء والأولياء.
(ومنها) أنا لم نذكر أيضا من لم ينص على فقرة صريحا أو بلازم واضح، وكثيرا ما يقول المترجمون: (كان متقللا) ويقتصر عليه، فلا أذكره مع الظن بأنه من المستحقين للذكر في الفصل قبله، فمن ذلك:

ابن الأنباري
عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري صاحب أسرار العربية والمصنفات التي تزيد
على مائة تصنيف، فانهم قالوا في ترجمته انقطع للعبادة والعلم صابرا على خشن العيش والتقلل منه. توفي سنه 377.

عزيزي
ابن عبد الملك الشافعي المعروف بشيدله، صاحب مصارع العشاق، فإنهم قالوا في ترجمته: كان زاهدا متقللا من الدنيا. توفي سنة 494.

المبارك
ابن محمد بن عبد الله السوادي الواسطي نزيل نيسابور، أحد أركان الفقهاء المكثرين الحافظين للمذهب القوى المناظرة، قالوا في ترجمته: كان متجملا قانعا باليسير.
ومع ذلك ما ذكرته وغيرهم ممن لم يتضح لي فقرة إلا بلازم ضعيف أو عبارة مجمجمة وسقط بذلك طائفة كبيرة.
(ومنها) أني لم أذكر إلا من صرح بفقرة أو بلازم فقره الجلي، أما من لم يصرح بفقره ولا بغناه ولا يسند إليه تولية منصب ولا تدريس بل ترجموه بالعلم وسيبوه فلم أذكره. وفيه بحث لأنه لا يلزم من عدم ذكر الفقر عدم الفقر، ولا يقال هو معارض بمثله لأنه لا يلزم من عدم ذكر الغنى عدم الغنى، لأنا نقول: لكن الترجيح معنا، لما أن المؤرخين بصدد ذكر كمالات المترجم، حتى أنهم يذكرون تداريس لا يعبأ بها في بعض التراجم، فلو كان الذكر لتوفر الداعية على نقله فلما لم يذكر علم إنه لم يقع وسقط بذلك طائفة كثيرة:
مثل (ابن الحاجب) أبي
(1/121)

عمرو عثمان المالكي المتوفى سنة 646.
ومثل (ابن عصفور) علي بن مؤمن بن محمد العلامة الاشبيلي المتوفى سنة 644.
ومثل أبي محمد عبد الله (ابن الخشاب) وغيرهم من العلماء الأئمة
ومثل (الزمخشري) ومن نظمه:
خليلي هل تجدي على فضائلي ... إذا أنا لم ارفع على كل جاهل
من الغبن ذو نقص ينال منازلا ... أخو الفضل محقوق بتلك النازل
كفى حزنا أن يرغم العلم والحجا ... بضد زياد طيشه غير عاقل
ومن لي بحق بعد ما وقرت على ... أراذلها الدنيا حقوق الأماثل
كذا الدهر كم شوهاء في الحلي جيدها وكم جيد حسناء المقلد عاطل
ومما شجاني إن غر مناقبي ... يغني بها الركبان بين القوافل
وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي ... وسارت مسير النيرات رسائلي
وكم من أمال لي وكم من مصنف ... أصاب بها ذهني محز المفاصل
غنى من الآداب لكنني إذا ... نظرت فما في الكف غير الأنامل
فيا ليتني أصبحت مستغنيا ولم ... أكن في خوارزم رئيس الأفاضل
ويا ليتني مرض صديقي ومسخط ... عدوي وأني في فهاهة باقل
فلست بفضلى بالغا ولو أنني ... كقس إياد أو كسحبان وائل
وما حق مثل أن يكون مضيقا ... وقد عظمت عند الوزير وسائلي
فلا تجعلوني مثل همزة واصل ... فيسقطني حذف ولا راء واصل
فكل امرئ أمثاله عدد الحصا ... وهات نظيري في جميع المحافل
فوقع إلى هذا الزمان فإنه ... غلامك يجعلني كبعض الأراذل
(ومنها) أنا لم نذكر من ترجم بفقر ثم بغنى زائد تغليبا لجانب الغنى المتأخر، وسقط بذلك ايضا طائفة.
(ومنها) أن الكتب والزمان لم يساعدا على استيفاء هذا المقام وإعطائه حقه، فلعل ما لم نره أكثر مما وقفنا عليه.
(ومنها) إنا لم نذكر إلا ما وقفنا عليه في كتاب معتمد وضع للتراجم، أما الكتب الأدبية ففيها أشياء كثيرة لم أذكرها.
(منها) ما في العقد لابن عبد ربه وشرح الزيدونية لابن نباتة أن أبا الأسود الدؤلي النحوي
(1/122)

وسهل بن هارون الملقب بزر جمهر الإسلام والكندي الإمام في العلوم العقلية الملقب بفيلسوف العرب كانوا في غاية البخل، وفي عدم ذكر أبي الأسود الدؤلي معنى آخر هو جلالته وصيانته عن نسبة البخل إليه.
(ومنها) إني لم أذكر في الفصل قبله في النكبات العارضة للأعيان، فقلما خلا عالم أو نبيل من نكبة، وأنا أذكر هنا طرفا لائقا بمقصودي من ذوي النكبات:

مالك ابن أنس
ابن أبي عامر بن الحرث بن غيمان - بالغين المعجمة - أبو عبد الله الإمام المدني، أحد أئمة الإسلام، سعى به جعفر بن سلمان بن علي ابن عم أبي جعفر المنصور، فدعا به وجرده وضربه سبعين سوطا، ومدت يداه حتى انخلع كتفاه. وسبب ضربه أنهم سألوه عن مبايعة محمد ابن عبد الله بن حسن وقالوا له: إن في أعناقنا مبايعة أبي جعفر. فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد فسعى به فضرب لذلك، ثم لم يزل بعده في علو ورفعه كأنما كانت تلك السياط حليا تحلى بها. توفي سنة 174.

أبو الحنيفة
النعمان بن ثابت الفقيه الكوفي أحد الأئمة المتبوعين، كان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى أمير العراقين فأراد لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى، فضربه مائة سوط وعشرة اسواط كل يوم عشرة أسواط، وبقي على الامتناع وسجنه فتوفى بالسجن في أحد القولين سنة 150 ببغداد.

الإمام أحمد بن حنبل
أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي استحوذ على المأمون جماعة من المعتزلة وقولوه بخلق القرآن، فعن له بطرسوس أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو لناس إلى القول بخلق القرآن، فكان ذلك أول الفتنة، وكان ذلك آخر عمر المأمون قبل موته بشهور سنة 218، فلما وصل الكتاب استدعى جماعة من العلماء فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الأرزاق
(1/123)

فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الحيد سابوري فحملا على بعير متعادلين مقيدين إلى الخليفة عن أمره بذلك، ثم جاء الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير. ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وإن الأمر شديد فرد إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ومات محمد بن نوح في الطريق وأودع الإمام أحمد السجن ببغداد نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، أحضره المعتصم في قيوده وأجلسه فجلس ودعاه إلى القول بخلق القرآن فامتنع وقال: فما قال ذلك ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإن القرآن علم الله ومن علم أن علم الله مخلوق فقد كفر أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به. وناظره أحمد ابن أبي دؤاد وغيره وأنكروا الآثار التي أوردها وقالوا للمعتصم: هذا أكفرك واكفرنا. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمى واشتد غضبه فأخذ وجيء بالعقابيين والسياط وضربه ضربا مبرحا شديدا حتى أغمي عليه وغاب عقله وأمر بإطلاقه إلى أهله، فنقله وهو لا يشعر، ولما شفي من الضرب بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وكان الضرب في الخامس والعشرين من رمضان سنة221 وتوفي سنة 241.

البويطي
يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، كان الشافعي يسأل عن الشيء فيحيل عليه فإذا أجاب قال: هو كما أجاب. وقال عنه الشافعي: هو لساني، حمل إلى بغداد في أيام الواثق بالله من مصر وفي عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوق وزنتها أربعون رطلا، وأرادوه على القول بخلق القرآن فامتنع ومات بالسجن في قيوده سنة 231.

البخاري
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، أراد منه خالد بن أحمد الذهلي أن يأتيه في بيته
(1/124)

يسمع أولاده فأبى وقال (في بيته يؤتى الحكم)، فاتفق أن جاءه كتاب من محمد بن يحيى الذهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق، وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتابه خلق أفعال العباد فأراد الأمير أن يصرف الناس عن السماع من البخاري فلم يقبلوا، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن ببغداد حتى مات، فبرح البخاري إلى بلد يقال لها (خزنتك) فمات سنة 356 - نقلته بلفظه من تاريخ ابن كثير.

النسائي
أحمد بن علي بن شعيب النسائي صاحب السنن، إمام عصره والمقدم على اضرابه، رحل الآفاق واخذ عن الحذاق، وكان ينسب إلى شيء من التشيع. قالوا: دخل دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشيء من فضائل معاوية. فقال: ما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل، فجمعوا يطعنون فيه حتى
اخرج من الجامع، فسار إلى مكة فمر بالرملة فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولا شهيدا سنة 303

أبو عمرو
عيسى الثقفي النحوي شيخ سيبويه، صاحب كتاب الجامع الذي قيل أن سيبويه أخذه وزاد عليه ما استفاده من الخليل ونسبه إليه. أودعه شخص وديعة فنمى الخبر إلى يوسف بن عمر أمير العراقين، فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل إليه عيسى بن عمرو مقيدا، فدعا به ودعا حدادا وأمره بتقييده، فلما قيده قال له: لا بأس عليك إنما أرادك لتعليم ولده. قال: فما بال القيد إذا، فلما وصل إليه سأله فأنكر، فأمر بضربه فضرب بالسياط. توفي سنة149. كان كثير الاستعمال للغريب والتقعر في كلامه، وهو القائل: (افرنقعوا عني). قال يوما لأبي عمرو بن العلاء أنا أفصح من معد بن عدنان، فاستنشده أبو عمرو بيتا فيه
(1/125)

بدا بمعنى ظهر وقال له: كيف تسنده إلى جماعة الإناث أتقول بدين أو بدان؟ فقال: بدين. فقال: أخطأت ولو قال بدان لا خطأ أيضا. وإنما أراد أبو عمرو تغليطه وإنما الصواب بدون من بدا يبدوا إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء معنى آخر - ذكرت هذا استطرادا لاشتماله على فائدة.

محمد بن الزيات
أبو جعفر بن عبد الملك وزير المعتصم ثم ابنه هارون الواثق، ثم لما مات الواثق أشار هو بتولية ولده وأشار القاضي أحمد بتولية أخيه المتوكل، وتم أمر المتوكل فحقد ذلك عليه مضموما إلى حقده عليه القديم لأنه كان يغلط عليه في حياة الواثق تقربا إليه، وكان ابن الزيات قد صنع تنورا من حديد في أيام وزارته وله مسامير
محددة إلى داخله يعذب فيه الناس، وكان يقول إذا استرحم: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أدخله التنورة وقيده بخمسة عشر رطلا من الحديد، ومات في التنور فوجد قد كتب في التنور بفحمة:
من له عهد بنو ... ر يرشد الصب إليه
سهرت عيني ونامت ... عين من هنت عليه
رحم الله رحيما ... دلت عيني عليه
توفي سنة 333.

ابن الدهان
ناصح الدين أبو محمد سعيد المعروف بابن الدهان النحوي البغدادي شارح كتاب الإيضاح والتكملة وكتاب اللمع لابن جني، وكان يفضل على أبي محمد الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجري المعاصرين له، انتقل إلى الموصل قاصدا جناب الوزير جمال الدين الأصفهاني المعروف بالجواد، وكانت كتبه ببغداد واستولى الغرق في تلك السنة على البلد فغرقت كتبه، وكان خلف داره مدبغة ففاضت بالغرق إلى بيته فتلفت كتبه بهذا السبب زيادة على تلف الغرق، فأرسل من أحضرها له وكان قد أفنى عمره فيها
(1/126)

فأشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح ما أمكنه فيها، فبخرها بالإذن ولازمها بالبخور إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلا لأذنا، فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى. توفي سنة 569.

ابن عطاء
أبو العباس أحمد بن محمد بن عطاء، أحد أئمة الصوفية، حدث عن يوسف بن موسى القطان والمفضل وغيرهما. كانت له ختمة يتلوها 17 سنة يتدبرها مات ولم يكملها، أحضر في أمر الحلاج وقد كتب الحلاج اعتقاده، فسأله الوزير حامد
بن عباس عما قاله الحلاج فقال: من لا يقول بهذا فهو بلا اعتقاد. فقال له الوزير: ويحك تصوب مثل هذا الاعتقاد؟ فقال: مالك ولهذا، عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم، مالك والكلام مع هؤلاء السادة. فأمر الوزير بضرب شدقية ونزع خفيه وان يضرب بهما رأسه، فما زال يفعل به كذلك حتى سال الدم من منخريه وأمر بسجنه. فقيل له: أيها الوزير إن العامة تشوش بهذا فحمل إلى منزله. قال ابن عطاء: اللهم اقتله أخبث قتله واقطع يديه ورجليه، فمات ابن عطاء بعد سبعة أيام سنة 309، وقتل الحلاج قبله يعد أن ضرب نحوا من ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه، ثم أحرقت جثته بالنار ونصبت يداه ورجلاه ورأسه أياما على الجسر، وكان ذلك لست بقين من ذي الحجة سنة 309، ثم مات الوزير مثل ما دعا عليه ابن عطاء مقطوع اليدين والرجلين مقتولا.

ابن شنبود
المقرئ محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسين المقرئ المعروف بابن شنبود، روى عن أبي مسلم وبشر بن موسى وخلف، وكان يختار حروفا أنكرها أهل زمانه عليه، وصنف أبو بكر بن الأبناري محمد ابن القاسم الحافظ الذي كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة كتابا في الرد عليه. كان بكر المذكور من أعلم الناس بالنحو والأدب، وكان لا يأكل إلا البقالي ولا يشرب ماء إلا قريب العصر مراعاة لحفظه. عقد لابن شنبود مجلس في دار الوزير أبي علي محمد بن مقلة وادعى عليه بالحروف التي كان يقرؤها
(1/127)

فأقر بالبعض، فضر به الوزير أبو علي رأسه واستتيب، فدعا على ابن مقلة فلم يفلح بعد ذلك. وتوفي سنة 328.
ابن مقلة
الوزير أحد المشاهير الكتاب محمد بن علي بن الحسين بن عبد الله أبو علي
المعروف بابن مقلة الوزير، كان له بستان كبير جدا وعليه جمعية شبكة من ابريسم وفيه من الطيور والقماري والهزار والطواويس شيء كثير، وفيه الغزلان وبقر الوحش وحميره والنعام والأيل شيء كثير أيضا. وولى الوزارة لثلاثة من الخلفاء المقتدر والقاهر والراضي، وبنى له دارا فجمع عند بنائها خلق كثير من المنجمين فاتفقوا على أن تبنى في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشائين كما أشاروا، فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا، وقد انشد فيه بعض الشعراء:
قل لابن مقلة لا تكن عجلا ... واصبر فانك في أضغاث أحلام
تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا سنقض أيضا بعد أيام
ما زلت تختار سعدا تطلبن لها ... فلم يوف من نحس بهرام
إن القرن وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال إبرام
ثم عزل عن وزارته وأحرقت داره وانقلعت أشجاره وقطعت يده ثم قطع لسانه واغرم ألف ألف دينار، ثم سجن وحده مع الكبر والضعف والضرورة، وكان يستقى الماء بنفسه من بئر عميق يدلي الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه، وقاسى جهدا جهيدا حتى مات في الحبس سنة 328، ومن نظمه وهو يبكي على يده:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب
والنكبات كثيرة لا تحصى وفيما ذكره مقنع، فإن الكتاب كله أنموذج ومسودة في بابه. والله تعالى أعلم.
(1/128)

الفصل الثاني عشر
في أشعار المفلوكين ومن في معناهم من مقاصد
شتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة
اعلم أن الفلاكة إذا استولت على شخص وسلبته القدرة على الأفعال انتقل إلى الاسترواح والتنفس بالأقوال، وذلك لما أن في الكلام راحة وفرجا وتنقيصا من ألم الباطن، ولذلك قلما يطيق كتمان الأسرار إلا الواحد الفذ، وكذلك أيضا قلما يطيق الإنسان استدامة أقوال تخالف ما في باطنه بل لا بد له من فلتات مطابقة لما في باطنه، لما أن النفس بطبعها تطمح إلى طلب الراحة والاستلذاذ بحسب المقدور.
وإذا اتضح أن في الأقوال تنفسا وراحة ولذة وتنقيصا من آلام الباطن وضحت الحكمة في انتصاب المفلوكين خطباء وشعراء وحكماء فمرة يسلون أنفسهم بترجيح الكمالات النفسانية على الكمالات المالية بالأدلة الخطابية والتشبيهات الشعرية، ومرة يذكرون عوارضهم الأزمة بمقتضى الفلاكة ويضرعون عنها أعذارا وحكمة وتشبيهات رائقة وكلمات فائقة تنقيصا من قبح صورتها، وليشغلوا الناس بما أورده فيها من محاسن الكلام عن الفكرة في صورتها الشنيعة، ومرة يسابقون إلى ذكر نقائصهم ويجعلونها رقة أدبية أو نكتة شعرية أو كلمة هزلية قبل أن يذكرها غيرهم عنهم ليصرفوا الناس عن الاشتغال بها لأن النفوس تكره المعاد، ولذلك قيل في الأمثال (أقبح من معاد) وليكون ذلك أخف على نفوسهم، لما أن الشخص لا يتأنف من نفسه ما يتأنفه من غيره ولا يثقل عليه كلامه ككلام غيره.
حكي إن الاخفش الصغير كان يحفظ الأهاجي التي هجاه بها ابن الرومي ويوردها في جملة ما يورده، والحكمة فيه ما ذكرته لا ما ذكره ابن خلكان في تاريخه من إنه كان يقول (أنوه بذكري بها) فإن ذلك أن قاله الأخفش فقوله غطاء على المعنى الحقيقي. ولذلك أيضا يذكرون الأسفار ويغرون بها مرة وينهون عنها أخرى، فالإغراء لما قدمته في الفصل الرابع، والنهي يكون حيرة ودهشا، ولذلك أيضا يغرون بتطلب المجد والثروة تارة ويأمرون بالقناعة أخرى قلقا واضطرابا
ويذمون الأيام ويتضجرون ويتململون ويستعتبون ويشعرون وهم لا يشعرون ويفتنون وهم يفتنون ويحسبون أنهم صنعا إلا أنهم هم الخاسرون، ويتلطفون وهم يستثقلون ويتعذرون ولكن لا يعذرون أم تسألهم خرجا فهم من مغرم مثقلون، فإنا لله وإنا اله راجعون.
والأغنياء عن ذلك كله بمعزل
(1/129)

وعن العناء فيه بألف منزل، قد أغناهم الفعل عن القول والفضل عن الفضول والأعذار والإحسان عن صوغ اللسان، وأنا أورد إن شاء الله تعالى أحاسن ما يحضرني من أشعار المفلوكين ومن في معناهم في هذه المقاصد كلها.
وإنما قلت (ومن في معناهم) دفعا لسؤال مقدر توجيه أن المذكور في هذا الفصل من الشعر منه ما هو من كلام الأماثل والعظماء والنبلاء فالجواب إنه وان صدر عن عظيم أو نبيل فإنما ذكر بلسان المفلوكين وشرحا لحالهم ونيابة عنهم ورحمة عليهم، أو عند معارض فلاكة حقيقية عرضت للوجيه العظيم صيرته في حكم المفلوك بحسب تلك الحالة، أو عند عارض فلاكة حالية بحكم الوارد على القلة، فإن الوارد - كما هو مقرر في كتب الصوفية - إذا ورد على القلب وشايعته النفس بالاستحسان والاستجلاء ولم يمانعه اكسب حالا، وإذا علمت الأحوال المقتضية للأشعار الآتية والحامل عليها فهاكها غير ناس ولا غافل عما قررته في مقدمة الفصل العاشر فإنه محتاج إليها في هذا الفصل، فمن ذلك القول القائل:
-
إلى الله أشكو جور دنياكم التي ... تغر الفتى حتى يوارى برمسه
فتكسبه إن أقبلت حسن غيره ... وتسلبه إن أدبرت حسن نفسه
ومنه:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت جليسا
أي شيء أعز عندي من العل ... م فما ابتغى سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا
ومنه:
تلحى على البخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أبخلا
أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملا بها متزملا
وأرى العدو على الحصاصة شارة ... تصف الغني فيخالني متمولا
وإذا امرؤ أفنى الليالي حيرة ... وأمانيا أفنيتهن توكلا
(1/130)

ومنه:
عجبت سعاد من ارتياحى للعلا ... في العدم وهو يفل غرب الجامح
لا يغشني الإقتار عارا إنني ... رحب الذراع بكل خطب فادح
ولربما نهض المقل بعبئه ... وحبا به المثرون حبو الرازح
مثل السماكين انتفاعك منهما ... بالأعزل المدحوض فوق الرامح
ولئن خفيت عن الورى وفضائلى ... كمد الحسود ونار غيظ الكاشح
فالنار في أشجارها مخبؤه ... حتى يتاح لها يمين القادح
ومنه:
أهوى الخمول لكي أظل مرفها ... مما يعانيه بنو الأزمان
إن الرياح إذا عصفن لواقحا ... تولى الأذية شامخ الأغصان
ومنه:
المرء يحظى ثم يعلو ذكره ... حتى يزين بالذي لم يفعل
وترى الشقي إذا تكامل عيبه ... يرمى ويبخل بالذي لم يعمل
ومنه:
شغلنا بكسب العلم عن مكسب الغني ... كما شغلوا عن مكسب العلم بالوفر
وصار لهم حظ من الجهل والغنى ... وصار لنا حظ من العلم والفقر
ومنه:
لا تحقرن أديبا راق رونقه ... عن الفصاحة أما راح في شمل
فالسكر العسلى الحلو من قصب ... والنرجس البابلي الغض من بصل
ومنه:
ينجد بي تارة ويتهم بى ... ضر زمان بأهله جافي
حتى كأني قذاة مقلته ... أو خبث فوق كأسه طافي
(1/131)

ومنه:
وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال شتان حرما ... علي الغنى نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
ومنه:
ولا تعدن رزقا ما ظفرت به ... إلا إذا دار بين الحلق والحنك
ومنه:
لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تريجا وترتيبا
إن القناة التي أبصرت رفعتها ... تنمو وتحدث أنبوبا فأنبوبا
ومنه:
والحر من حذر الهوا ... ن يحاذر الأمر الجسيما
والعاجز المألوف أق ... عد ما يكون إذا أقيما
ومنه
المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق
ولئن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
وإن امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يجر حبل يفرق
لا ألفينك ثاويا في عربة ... إن الغريب بكل نبل يرشق
ما الناس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجد يرزق منهم كمن يرزق
لو يرزقون على وزان عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق
لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق
هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس، وقوله (يتصدق) هو ببناء المجهول حتى يصح
(1/132)

المعنى المراد، وهو أن الغالب على الناس قلة العقل والخفة، وأصله يتصدق عليه فحذف عليه. ولو قرئ ببناء المعلوم لا نعكس المعنى وكان معناه أن العقلاء هم الأكثر، وليس بصحيح لا دارية ولا رواية وهذا الرجل اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله إليه، فلما خاطبه أعجب بغزارة علمه وأدبه وحسن ثباته، فأمر بإطلاقه فلما ولى رده وقال: الست القائل:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه
فقال: بلى. فقال: وأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل سنة 167. فانظر إلى الفلاكة قال حكمة فكانت سببا في قتله، ومثله قول عمارة اليمني الملقب نجم الدين الشاعر:
هذا ابن تومرت قد كانت بدايته ... كما يقول الورى لحما على وضم
وكان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم
أراد إظهار معنى بديع مبتكر، فكان سببا في قتله في أحد الأقوال في سنة 569. وكنت هممت أن أضع فصلا في الكلمات التي كانت سببا للحوق ضرر عظيم
لأصحابها كهاتين الحكايتين واسميها بالفلاكة اللفظية لتكون الفلاكة ثلاثة أنواع مالية ومعنوية ولفظية، ثم بدا لي في ذلك وخشيت أن يصير الكتاب أدبيا لا علميا، ولنرجع إلى مقصود الفصل ومنه:
ليس الحمول بعار ... على امرئ ذي جلال
فليلة القدر تخفى ... وتلك خير الليالي
ومنه:
يا هذه إن رحت في ... شمل فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خرق وقار
ومنه:
وليس قبح المكان مما ... يزرى به منصبي وديني
فالشمس علوية ومع ذا ... تغرب في حمأة وطين
(1/133)

ومنه:
احتل لحقدك فاللبي ... ب بلطفه يستل ثاره
أمضى الحديد أرقه ... والماء يثقب في الحجاره
والهجو بيت منه لا ... يطفى طويل المدح ناره
يخفى الكثير من الحلا ... وة في القليل من المراره
ومنه:
ولا غرو أن يبلى الشريف بناقص ... فمن ذنب التنين تنكسف الشمس
ومنه:
وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
ومنه:
فإن تكن الدنيا إنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسرو وقد كنت ذا عسر
فقد كشف الإثراء عنك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
ومنه:
حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أنى سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغني سهل طريقي
ومنه:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... عليه يوما بما لا يشتهى وثبوا
ومنه:
قالت وقد انتضت سيوف اللحظ ... والدر ممازح لذاك اللفظ
ذا حظك ما أنقصك قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظ
ومنه:
من منصفي من معشر ... كثروا علي وكبروا
(1/134)

صادقتهم وأرى الحرو ... ج من الصداقة يعسر
كالخط يسهل في الطرو ... س ومحوه يتعذر
ومتى أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر
ومنه:
إذا فات الفتى شيئان أضحى ... بعيدا من ممازحة القلوب
جمال الوجه أو مال عظيم ... يزين في حضور أو مغيب
فكثر المال يشفع في المثاوي ... وحسن الوجه يشفع في الذنوب
ومنه:
إن الغني ترضى معيشته ... لا من يظل على ما أفات مكتئبا
لا تحقرن من الأيام محتقرا ... كل امرئ سوف يجزى بالذي كسبا
قد يحقر المرء ما يهوى فيتركه ... حتى يكون إلى توريطه سببا
إن العدو وإن أبدى مكاشرة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا
إذا وترت امرأ فاحذر مغبته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
ومنه:
أتعبت نفسك بين ذلة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل
ونثرت دهرك لا خلاعه ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل
وأضعت حط النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل
ومنه:
أهل المناصب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل محقورون بينهم
قد أنزلونا لأنا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم
فليتنا لو قدرنا أن نعرفهم ... مقدارهم عندهم أولو دروه هم
لهم مريحان من جهل وفرط غنى ... وعندنا المتعبان العلم والعدم
(1/135)

ومنه:
إذا كان غير الله في عدة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
ومنه:
إذا لم يكن عون من الله الفتى ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
ومنه:
إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حاله إلا رضيت بدونها
ومن يطلب الغالي من العيش لم يزل ... حزينا على الدنيا رهين غبونها
ومنه:
إني رأيت الدهر في حكمه ... يمنح حظ العاقل الجاهلا
وما أراني نائلا ثروة ... كأنه يحسبني عاقلا
ومنه:
إذا وجد الشيخ من نفسه ... نشاطا فذلك موت خفي
ألست ترى إن ضوء السراج ... له لهب قبل أن ينطفي
ومنه:
انفض يديك من الأنام فكلهم ... شحا يحل وأنت عجزا تعقد
ومنه:
انفض يديك من الزمان وخيره ... واحذر بنيه تفز بقلة ضيره
ولقد صفوت فما وجدت مصافيا ... في الله أصحبه ولا في غيره
ومنه:
وأخ لي تكدرت ... بعد صفو مشاربه
صاحبي حين لا يرى ... في الورى من يصاحبه
وإذا ما حظي به ... صد ولزر جانبه
(1/136)

ومنه:
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل مالي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
ومنه:
وأخ إن رام مني حاجة ... كان بالإنجاح مني واثقا
وإذا ما رمت منه حاجة ... كان بالرد بصيرا حاذفا
يعمل الحيلة في الرد لها ... قبل أن أفرغ منها ناطقا
ومنه:
إذا ما مدحت الباخلين فإنما ... تذكرهم ما في سواهم من الفضل
وتهدى لهم غما كثيرا وحسرة ... فإن منعوا منك النوال فبالعدل
ومنه:
وإذا المسافر آب مثلي مفلسا ... صفر اليدين من الذي رجاه
وخلا من الشيء الذي يهديه لل ... إخوان عند لقائهم إياه
أم يفرحوا بقدومه وتثقلوا ... بوروده وتكرهوا لقياه
وإذا أتاهم قادما بهدية ... كان السرور بقدر ما أهداه
ومنه:
لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
فالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يتكلن
ومنه:
إن قدم الصاحب ذا ثروة ... وعاق ذا فقر وافلاس
فالله لم يدع إلى بيته ... إلا المياسر من الناس
ومنه:
لا يدرك المجد من لا يركب الحطرا ... ولا ينال العلا من قدم الحذرا
(1/137)

ومن أراد العلا صفوا بلا كدر ... قضى ولم يقض من إدراكه وطرا
وأحزم الناس من لو مات من ظما ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
ومنه:
وقائلة ما بال مثلك خاملا ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم إنني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالى فهي عندي غرائز
ومنه:
من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاويا فيها على ضجر
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر
ومنه:
إلا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش مالا خير فيه
إلا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من الموت الكريه
إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو أنني فيما يليه
ومنه:
ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا
ومنه:
قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللبيب ويرزق
فأجبتهم ما كل سير نافعا الحظ ينفع لا الرحيل المقلق
وكم سفرة نفعت وأخرى مثلها ... ضرت ويكتدح الحريص ويخفق
كالبدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق
ومنه:
سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا
(1/138)

والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدرر النفي ... سة بدلت بالبحر نحرا
ومنه:
قوض ركابك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
ومنه:
اذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم
وهبه بها صبا ألم بدر إنه ... سيزعجه عنها الحمام على رغم
ولم يكن الدنيا تضيق على فتى ... يرى الموت خيرا من مقام على هضم
ومنه:
وقالوا اضطراب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن موضع الرزق ضيق
إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك كسب فمن أين أرزق
ومنه:
قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها ... إن ضاق رزق تجد في الأرض مقترحا
قلت انظروا الريق في الأفواه مختزنا ... عذبا فإن بان عنها صار مطرحا
ومنه:
عود ركابك كل يوم منزلا ... وتنقلن كي لا تمل وتضجرا
فالماء يعذب ما جرى وتلاطمت ... أمواجه فإذا أقام تغيرا
ومنه:
إذا أنا لم أجد رزقا حلالا ... ولم آكل حراما مت جوعا
ومنه:
قالوا حسبت فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
(1/139)

ومنه:
لم ينصبوا بالشاد ناج صبيحة ال ... اثنين مسبوقا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم ... شرفا وملء صدروهم تبجيلا
ما ضره أن بزعنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسولا
ومنه:
لا ينبغي للضيف إن كان ذا ... حزم وتدبير وطبع لطيف
أن يتعدى أبدا طوره ... ولا يرى إلا بحكم المضيف
فالأمر للإنسان في بيته ... إن شاء أن ينصف أو أن يحيف
وإنما ينقص أحكامه ... عليه ذو جهل وعقل سخيف
ومنه:
إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في زمن العسر
فسب نفسك الإنفاق من كنز صبرها ... عليك وإرفاقا إلى زمن اليسر
فإن قبلت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر
ومنه:
إذا لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لمالكه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تختار فاتركها جميعا
هما سببان من ملك ونسك ... ينيلان الفتى الشرف الرفيعا
ومن ينتفع من الدنيا بشيء ... سوى هذين عاش بها وضيعا
ومنه:
يا أيها العالم لا تشتكي ... فالحذق محسوب من الرزق
العلم لا يسلبه أهله ... والمال مسلوب من الخلق
ومنه:
المال اشرف ما اقتنيت فلا تكن ... سمحا به وتأن في تفصيله
(1/140)

ما صنف الناس العلوم بأسرها ... إلا ليحتالوا على تفضيله
ومنه:
أحمد الله كم أجود في الده ... ر مقالا وما يفيد المقال
كلمى في الأنام سحر ولكن ... أنا والسحر باطل بطال
ومنه:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وليس لهم حتى النشور نشور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وأجسادهم قبل القبور قبور
ومنه:
من ظن أن الغنى بالمال يجمعه ... فاعلم بأن غناه فقره أبدا
فاستعن بالعلم والتقوى وكن رجلا ... لا ترتجى غير رزاق الورى أحدا
ومنه:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
ومنه:
إني تركت لذي الورى دنياهم ... وظللت انتظر الممات وارقب
وقطعت عن نفسي المطامع ليس لي ... ولد يموت ولا عقار يخرب
ومنه:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناها هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
واني إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب طرفي إثره متندما
ولكنه إن جاء عفوا قبلته ... وإن مال لم أتبعه لولا وربما
(1/141)

وأقبض خطوي عن أمور كثيرة ... إذا لو أنلها وافر العرض مكرما
وأكرم نفسي إن أضاحك عابسا ... وإن أتلقى بالمديح مذمما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أدالوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فأتباع الجهل قد كان أحزما
ومنه:
لا يحطن رتبي سوء حالي ... آية الحسن في الجفون السقام
أنا كالنار أطفأ القطر منها ... ولها بعد نفخة اغتلام
ومنه:
أصبحت مثل السيف أبلى غمده ... طول اعتلاق نجاده بالنكب
إن يعتليه صدافكم من صفحة ... مصقولة للماء تحت الطحلب
ومنه:
وأنت السيف إن تعدم حليا ... فلن تعدم فرندك والغرار
ورب مطوق بالتبر يكبو ... بصاحبه وللرهج اعتبار

الفصل الثالث عشر
في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة
وبهذا الفصل نختم الكتاب إن شاء الله تعالى
اعلم يا أخي في الوفا وإخوة المصطفى خصوصا المفلوك مثلي إن في الكمالات النفسانية لذة تزيد على اللذات الجسمانية، فلا تستصغرن نعمه الله فيما زويت عنك الدنيا، واستحضر قوله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يعطي الدنيا لمن يحبه ولمن لا يحبه ولا يعطى الدين إلا لمن يحبه، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه فقد أخذ بحظ وافر}.
وانظر كيف يكون استجلاء لطائف العلوم شاغلا عن الأكل والوقاع أفتراه يكون دونها لذة وهو شاغل عنها، وعليك من العلوم بالكتاب والسنة والتمتع بما
(1/142)

فيهما من النكات واللطائف واستمد منهما برد اليقين وثلج الصدور، ور تقنع بالعلوم العقلية فإنها ملساء مزلة الأقدام، وأصحابها يضطربون فيها اضطراب الأرشية.
هذا الإمام فخر الدين على جلالته وإمامته يصحح في بعض كتب ما يضعفه في الآخر، وأبلغ من ذلك أن ابن الراوندي سامحه الله صنف رسائل في خلق الأعمال
وفي قدم العالم وغيرها، ثم صنف هو نفسه رسائل في رد ذلك كما ذكره صاحب الفهرست.
ولا تجمع لنفسك بين القبح الظاهر وهو الفقر وقبح الباطن وهو الجهل، وسع الناس بأخلاقهم ومعارفك إن لم تسعهم بمالك ومعروفك، واجتنب الإساءة إليهم إن عجزت عن الإحسان لهم، وخذهم بالرجاء لأنه أيسر ولا تأخذهم بالخوف وان كانوا به أطوع لأنه أخطر، وارض بميسورهم وعظم حقيرهم، فلا يحصل للنفوس مقصودها إلا خالقها فلا تطلب المقصود إلا منه، واجعل باطنك وحده لله، وكن شديد الاستهانة بأمور الدنيا ضرا ونفعا عطاءا ومنعا حصولا وفواتا سلامة وآفاتا، وانظر الأصلح لنفسك من ذلك قبل وقوعه وبعده، فتوخه واجتهد فيه ولا تكن وكلابل متحركا كيسا، ورقع خرق عجزك وفلاكتك بحيلتك ومصابرتك والتعرض لتنفيسات الدهر والوثوب عند الفرصة، ولا تيأس من روح الله. قال صلى الله عليه وسلم: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}. قال الشاعر:
والعاجزان الغالبان معاقب ... وينتهي ومعاتب لا يخجل
وقال:
ثب على الفرصة قي موضعها ... فهي لا تبقى ولا تستكسب
واقطع بأن ذرة من حظ خير من قنطار عقل، وان جزءا واحدا من المال خير من أجزاء كثيرة من الكمالات النفسانية، ولله در من سمى المال كمال الكمالات، وتحقق أن المعاصي كالسموم يضر قليلها وكثيرها مع الاستخفاف بها ومع تعظيم ارتكابها وجليها وخفيها، وفلا تغتر بالتستر والحلية فإن لله عيونا من الملكوت ناظرة إليك، وإن للطاعات عبقا وشذا تفوح على أهلها وان كتموها، وللمعاصي نتنا وذفرا تفوح على أهلها وان أخفوها، وإذا نزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس، وخذ الناس إلى
(1/143)

أغراضك بمصالحهم تحقيقا أو توهيما، فإن
النفوس تنخدع بالباطل كما تنخدع بالحق، ولا تأخذهم بغرضك المحض فقلما يساعفونك به إلا عوضا عما سلفتهم من غرض لهم سابق، وكن توابا رجاعا أوابا إلى الله عظيم الالتجاء الدعاء والالغاط بأسمائه المطلوب العلمي. قال صلى الله عليه وسلم: {الظوا بيا ذا الجلال والإكرام} قال تعالى: {قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم}.
وإياك إياك من التعويل على واحد بخصوصه وإلقاء الشراشر عليه، فإن من ألقى شراشره على غير الله وكله وما اختار لنفسه. وأنهاك أنهاك عن التوقيف على بواطنك وخفاياك، وآمرك آمرك بسد طريق العلم بذاك جهدك وتكثيف حجابه ما أمكن، وكن مع الناس بلسانك وظاهرك من كمالاتهم الدنيوية التي يعتقدونها كمالا، فإن الدنيا قد صارت مخارق للحقائق، وثم أمور لا يمكن التصريح بها ولا تتم بالتلقين، وأنا اسأل الله أن يوفقك لها ويوقفك على حقيقتها.
وهذا آخر ما تيسر لي كتابته في هذا الغرض مما سهل مما حضر وفي النفس من معاودته وبسط القول فيه، فإن هذا الكتاب إنما وضعته مسودة وأنموذجا وبرنامجا في هذا المطلوب وفتحا لباب عسى أن يلج فيه من حركه الله لذلك، ولم ادخر فيه مما حضرني إلا ما خفت على الكتاب من كساده به لغموض وكونه من الحكمة الضرورية أو من مشكلات غيرها من العلوم، فيعسر فهمه أو ينتقده من لا يقف على حقيقة معناه أو لكونه تاريخا محضا فيصبر الكتاب به أدبيا لا علميا، ولم تتسع المادة بمجانس لما أوردته أزيد مما ذكرته، أني زحمت به بالخلخلة ولززت به لزا بين عوائقي النفسانية وشواغلي البدنية مع قلة الكتب وعدمها، وما أحق هذا المقام بقول القائل:
ولست بأول ذي همة ... دعته لما ليس بالنائل
يشمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل
وأنا أستغفر الله تعالى وأتوب إليه مما لعله فيه مما هو من قبيل الشقشقة والطنطنة، أو من قبيل التمويه والسفسطة، أو من حكم لم يصادف الحق أو قول لعله يوافق
(1/144)

مرضاته سبحانه وله الحمد، أو من نية لعلها لم تخلص لله، أو مقصد مزج بغير إرشاد شرعي، أو من تعليل الأمور بالمقاصد الدنية الدنيوية، واستقيله العثرة في ذلك كله واستوهبه المعذرة واستمنحه المغفرة وأبرأ إليه من ذلك كله، لا إله إلا هو ولا غافر سواه.
(اللهم) يا رحمن يا رحيم يا واسع يا عظيم يا ذا الفضل العميم والمن الجسيم يا معطيا قبل السؤال وعالما بالحال أسألك بأسمائك كلها وصفاتك أجمعها وبكل ما إذا ما دعيت به أجبت أن تكشف عناصر الفلاكة والإهمال والحرمان، وان تصرفنا عن مواقع الشر والخذلان، وان تحفظ ألسنتنا وقلوبنا من الشيطان، وان تكلأنا بالتوفيق وتؤيدنا بالتكلان يا رحيم يا رحمن لا حول ولا قوة إلا بك يا علي يا عظيم.
(اللهم) إني أشكو إليك ضعف حلتي وقلة قوتي وهواني على الناس رب المستضعفين وربي إلى من تكلني إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي لكن رحمتك أوسع لي.
(اللهم) اقبل معاذيري وتجاوز عن تقصيري ولا تتركني حقيرا ولا تسلط علي تغييرا واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.
(اللهم) قد رفعت يدي إليك فلا تردهما صفرا.
(اللهم) ضع فيهما من خيرك وبركتك.
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الاوصاب
(اللهم) انقطع الرجاء إلا منك وحصل اليأس إلا من رحمتك لا تعكس ظنا قد عول
على فضلك ولا تخيب أملا طال تعلقه بك أعتق عنقا مد إليك من رق غيرك فك أسيرا لا يملك فكاكه إلا أنت.
(اللهم) ليس على عطائك عائق ولا يعجزك شيء فلك القدرة الكاملة والرحمة الواسعة والحكمة البالغة وكلتا يديك سخاء ولا ينقص فيضك العطاء وتستحي من تخيب آمليك غاية الحياء وعلمك قد أحاط بما في الأرض والسماء وبما في الظواهر والضمائر من الجلاء والخفاء انظر إلينا منك بنظرة رحيمة ربنا مسنا ضر نفوسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا آله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سمع الله نظر الله سبحان الله آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/145)