Advertisement

الفتح على أبي الفتح


الكتاب: الفتح على أبي الفتح
المؤلف: محمد بن حَمَد بن محمد بن عبد الله بن محمود بن فُورَّجَة البروجردي (المتوفى: نحو 455هـ)
المحقق: عبد الكريم الدجيلي
الناشر: دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد - العراق
الطبعة: الثانية، 1987 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد المقر له، بالقصور عن حق حمده. العائذ به من التقصير دون بلوغ جهده، الراغب من فضله في المزيد، المستجير به عن التنكر والنكير وصلواته على الصادح بما أمر، القاطع لمن كفر، محمد المختار، وآله الأبرار.
سألت أنالك الله سولك، ويسر لك مأمولك أن أتتبع شعر أبي الطيب المتنبي، فأستخرج منه الأبيات الغامضة وأشرحها شرحاً يأتي على إغرابه وإعرابه، حتى تكون لمعانيها متصوراً، وعلى حل عقدها مقتدراً. وها أني شمرت لإسعافك بما سألت. إن كان ظنك بعلمي صادقاً، والقدر على ما أرومه موافقاً. وبالله استعين. وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأقول:
إن ما يستبهم معانيه على الأذهان من الشعر ثلاثة أضرب. وفي كلها يضرب هذا الديوان بسهم، ويأخذ منه بقسم. وأنا أضع في كتابي هذا لكل نوع منها مثالاً تعرفه. وأدلك على مثله من شعر هذا الفاضل، لتتدرج به إلى ما ترومه، وتتخذه سلماً إلى ما تعطوا له، ويكون لك
(1/35)

عوناً على ما تتوخاه وتتلمسه، فلا شيء أفتق للخواطر في استنباط المعاني من مهاجسها، ولا أبعث للقرائح من استثارتها من مكامنها، من طول مرامها، وعد أنفاسها. والله موفقك ومرشدك.
فأول نوع منه هو الذي صدك جهل غريبة عن تصور غرضه وهذا النوع ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها ما لا يتضمن غير كلام مهجور، ولفظ مستشنع. وهو كقول الراجز:
أما تريني في الوقار والعَلة ... قاربت أمشي القَعَولي والفيجَلة
وتارة انبث نبثاً نعثله ... خزعلة الضبعان راح الهنبلة
يخاطب امرأة ازدرته وعيرته شيبه. والعلة: التحير والتبلد. يقال: عَلَة يعله علهاً. والقعولي: نوع من المشي. يقلب الرجل فيه رجليه كأنه من عرج يقال: مرَّ يقعول. والفيجلة: مشي فيه تقارب. والنبث: إثارة التراب. كأنه لضعفه لا يملك
رجليه. فهو يجرها جراً، ويثير التراب. والنفثلة: أيضاً نوه من المشي يسفي فيه التراب ماشيه برجله. ومثلها النعثله وبه سُمي الرجل نعثلا. والخزعلة والخذعلة بالذال: أيضاً هما نوع من المشي يثير ماشية التراب. ومنه ناقة خزعال، إذا كانت تثير التراب إذا سارت. وليس في كلام العرب فعلال عينه عينه غير لامه غير هذه الكلمة. يقال: مرَّ يُخَزعِلُ ويُخذعِلُ. والهنبلة: نوع من المشي في توأدةٍ.
(1/36)

فهذا وأمثاله لا يفيد إلا معرفة الغريب. فإذا عرف انكشف عن معنى ظاهر. وعامة شعر أبي حزام العكلي من هذا الجنس. ولا تكاد تجد من هذا يقال وبه الثقة. وهذا القسم تجد منه الكثير في شعر أبي تمام كقوله:
أمحمد بن سعيد ادخر الأسى ... فيها رواء الحريوم ظمائه
يقول: اجعل الأسى - وهو من التأسي - ذخرك، واصبر في هذه الرزية فإن الحر يروي يوم عطشه. أي يصبر على محنته حتى يحصل له الثواب والثناء. وفي هذا البيت من التبعيد. إن الألف واللام في الأسى هي التي بمعنى الذي. وتحتاج إلى صلة. يعني: ادخر الأسى التي فيها رواء الحر. وهذا كقولك: ضربت الرجل ضربك، يعني الرجل الذي ضربك. ومثل ذلك أيضاً من شعره كقوله:
أتت النوى دون الهوى فأتى الأسى ... دون الأسى بحرارة لم تبرد
أي حالت النوى بيني وبين من أهواه، وأتى الحزن دون العزاء
(1/37)

أي حال دونه بحرارة وجد لم تبرد. وقوله: دون الهوى، يريد من أهواه. يقال: فلان هواي يريد من أهواه، كأنه سمي بالمصدر أي هو ذو هواي. كما يقال:
فلان معرفتي وودي أي ذو معرفتي وذو ودي.
فأما في شعر أبي الطيب فهذا القسم أيضاً موجود. وأظنه كان يتعمد إلى ذلك تصديقاً لقوله:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد
أحاد وسداس معدولتان عن واحد. وقوله: لييلتنا تصغير ليله.
أراد بذلك تصغير التعظيم كقوله:
دويهية تصفر منها الأنامل
وقوله في أحاد. في: بمعنى التوعية. وليس بمعنى بها ضرب ستة في واحد. كقول القائل: كم ستة في خمسة، بل كقولك: خمسة دراهم في الكيس يريد: واحدة هذه الليلة أم ستة جمعهنَّ في واحدة وخصَّ ستة ولم يقل عشرة، وهي أكثر لأنه أراد الأسبوع لأن ستة إذا جمعت في واحدة صارت سبعة وهي ليالي الأسبوع وكان ذلك أولى لأنه زمان معلوم كالشهر والسنة وما شاكل ذلك. ولو قال: عشرة لقال المتعنت: فهلا قال مائة وهي أكثر، وأدى ذلك إلى ما لا نهاية له.
(1/38)

وقد ذكر الشيخ أبو الفتح في كتاب له فسر فيه أبياتاً انتزعها من جملة ديوانه فقال: خص ستة لان الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فكان ذكرها أولى لأنها العدد الذي فرغ الله تعالى فيه من هذا الخلق العظيم، وليس ذلك بممتنع إلا أن تلك الستة أيضاً إذا جمعت في واحدة صارت سبعة. فإذا قال قائل: إن قوله في أحاد حينئذ يكون بمعنى الضرب. وستة في واحدة فهو لعمري كذلك. ويكون فيه تعسف غير مفيد. وستأتي أخوات هذا البيت، وما جرى مجراه في عويص معانيه في موضوعها من هذا الكتاب إن شاء الله:
القسم الرابع هو الإلغاز الصريح كقول الشاعر:
وصادرة معاً والوردُ شتى ... على أدبارها أصلاً حدوتُ
وعاريةٍ لها ذنبٌ طويل ... رددت بمضغة مما اشتهيت
(1/39)

يعني بقوله: وصادرة معاً والورد شتى: سهاماً رماها فوردت متفرقة يعني وردت الرمية فلما التقطها من مساقطها صدرت عن مواردها مجتمعة، وحدا على أدبارها يعني: ارتجز حين رماها على عادتهم في الحروب. وعارية لها ذنب طويل يعني
ناراً لا تكون إلا عارية، وردها بمضغة يعني كبَّ عليها مضغة مما اشتهى من اللحوم فكأنه ردَّ المضغة على وجهها.
وهذا الجنس في أشعارها أكثر من أن يحصى. وفي شعر أبي الطيب من هذا الباب قوله:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها
أشد عصف الرياح يسبقه ... تحتي من خطوها نأيدها
يعني نعلة، وهي ناقته التي يمتطيها. وقد كرر هذا المعنى في شعره فقال في قصيدة اخرى:
وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارشٍ فغدوت امشي راكباً
يعني خفة، أو تمشكه المتخذ من الدارش الأسود. وه من الجلود غير الأدم كالارندج فهو راكبه، وهو مع ذلك ماشٍ. وشبه الشراك بالكور لأنه فوق النعل، كما أن الكور فوق الناقة ومشفر النعل كالزمام لأنه يستمسك بأصابع الرجل،
(1/40)

وشسعه بالمقود لأنه يشد إلى الشراك في مشفر النعل، فكأنه مقود يقاد به. وزعم أن تأييده فيها يسبق أشد عصف الرياح. يريد بذلك قول الناس: فلان يباري الريح جوداً، أي يسابقها إلى الجود. لا أنه يسبق الريح على الحقيقة. ومثله قوله:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عز هاة ولا غزل
العزهاة: الذي لا يحب اللهو ولا النساء. والغزل: الذي يحب ذلك. يعني سيفه الذي ارتداه وهو قليل في الشعر:
النوع الثالث ولا أقسام له وهو ما عماه إعرابه لمجاز فيه، أو حذف من اللفظ أو تقديم وتأخير سوغه الإعراب. وذلك كأبيات الإلقاء التي منها:
محمد زيداً واقتل ابني فإنه ... أحب إلى قلبي من السمع والبصر
وهكذا ينشد من يغالط، فلا يفهم كيف أمر بقتل ابنه وهو أحب إليه من سمعه وبصره. ولم يجر محمداً وهو منادى علم. وإنما يريد: أقت لابني، أي أخدم له. والقتو: الخدمة. والمقتو:
(1/41)

الخادم، من قول الشاعر:
متى كنا لامك مقتوينا
ومحم: منادى مرخم. ثم قال: زيداً. من الدية. ومنه قول ذي الرمة:
كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير ضماً في الأضاميم
أضا: جمع اضاة: غدير الماء. وميم هذا الحرف المكتوب موضعه الرفع، لأنه خبر كأنما ومثله للفرزدق:
يعلق ها من لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك الخضارم
يريد (ها) للتنبيه من الذي لم تنله سيوفنا. وهام الثانية مفعول مطلق ومثله:
عافت الماء في الشتاء فقلنا ... بَردّيِهِ تصادفيه سخينا
(1/42)

هكذا ينشده المغالط، وإنما يريد: بل رديه، فادغم اللام بالراء لقرب مخرجيهما.
يريد: قلنا لإبلنا: ردي فقد مضى الشتاء، وسخن الماء. وهذا باب يتسع وتكثر شعبه. وفي شعر أبي الطيب المتنبي منه قوله:
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجي سقي الرياض السحائب
فرق بين المضاف والمضاف إليه بلفظ الرياض، فيريد: سقي السحاب الرياض. وهذا كثير في شعر العرب فمنه قول الطرماح:
يطفن بِحُوزيِّ المراتع لَم تُرع ... بواديه من قرع القِسيّ الكَنائن
يريد: من قرع الكنائن القسي. ومثله لذي الرمة:
كأنَّ أصواتَ من إيغالٍهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
يريد: كأن أصوات أواخر الميس. ومثله:
لما رأت (ساتيدما) استعبرت ... لله درّ اليوم من لامها
يريد: لله من لامها اليوم، وسيمر بك من باب الإعراب في شعره مواضع.
(1/43)

وهذا أول ما نبدأ به من أبيات أبي الطيب المعتاصة:
قوله:
قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء
قلقها يعني حركتها في مشيتها. وهتكها: مصدر لهتك فلان الستر هتكاً. وهو مصدر فعل متعد. ولو أتى بمصدر لازم لكان اقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: انتهاكها لكان أجود من حيث الصنعة، وأقرب إلى المفهوم. إلا أنه تبع الوزن. وقوله: ومسيرها مبتدأ معطوف على قلق، وخبره محذوف لعلم المخاطب. وكأنه يقول ومسيرها في الليل هتك لها أيضاً إذ كانت ذكاء. وذكاء اسم للشمس، علم لا ينصرف. ومثل هذا كثير في أشعار القدماء والمحدثين إلا أن قوله: وهي مسك زيادة على كثير من الشعراء ممن تقدمه، إذ كان لم يجعل هتها من قبل الطيب الذي استعملته. وكأنه ألمّ بقول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
ويقول الآخر:
درةٌ كيفما أديرت أضاءت ... ومشمٌ من حيثُ ما شُمَّ فاحا
فأما المعنى المتداول إن الطيب يهتك من استعمله إذا أراد كتمان أمره فكثير، ومن ذلك قول بشار:
(1/44)

ربَّ قولٍ من سعاد لنا ... قد حفظناه فما رفعا
أملي لا تأتِ في قمرٍ ... لحديث واتقِ الدرعا
وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واشٍ إذا سطعا
وأجود منه قول آخر محدث تقدم أبا الطيب:
ثلاثة منعتها من زيارتها ... وقد دجا الليل خوف الكاشح الحنقِِ
ضوءُ الجبين ووسواس الحُلي وما ... تُمسُّ أردانُها من عنبر عبقٍ
هب الجبين بفضل الثوب تستره ... والحلي تنزعه الشأن في العرق
قوله: ومسيرها في الليل وهي ذكاء يشبه قوله أيضاً:
رأت وجه من أهوى بليلٍ عواذلي ... فقلن نرى شمساً وما طلع الفجرُ
والأصل في هذا قول القائل:
عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلي وبابُ السجن دوني مغلق
عجبت لمسراها وسرب سرت به ... تكاد له الأرض البسيطة تشرق
(1/45)

إنما تعجب من كتمان الليل مع ضوئها وحسنها. ولا ذلك لم يكن لتعجبه وجه.
وقوله:
مثلت عينك في حشاي جراجة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
هذا البيت ظاهر المعنى. إلا أني شاهدت كثيراً من الفضلاء يغالطون في معنى قوله:
مثلت عينك في حشاي جراحة
ويظنون أن معناه: خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة.
وقولون هذا كما تقول: فلان غصَّة في صدري، وشجي في حلقي وإن لم تكن لذلك حقيقة يراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر والشجي في الحلق. وكذلك هذه العين تحل محل الجراحة في حشاي. وهذا كقوله في شعره أيضاً:
ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوَعدُ
وقوله أيضاً:
كانت من الحسناء سؤالي إنّما ... أجلي تَمثّل في فؤادي سُولا
أي تخيل وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر هذا البيت ينقص هذا القول بقوله: فتشابها إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين. ومعنى البيت: مثلت، أي أحدثت لعينك مثالا في حشاي. أي جرحته جراحة
(1/46)

واسعة مثل عينك. وهذا كما تقول للغلام: خطا حسناً أي جعلت له مثالا للحروف يكتب مثلها ولعمري أن اشتقاق
البابين جميعاً من المثال والمثل ولكن اختلف المعنيان من حيث اختلاف الوضع. فيقول: إن عينك والجراحة التي أحدثتها في قلبي تشابها في النجل وهو سعة العين، وسعة الطعنة.
وقوله:
نفذت عليَّ السَابريَّ وربّما ... تنَدَّق فيه الصّعدةُ السمراءُ
السابري يحتمل معنيين:
أحدهما أن يعني الثوب الرقيق. وكل رقيق عندهم سابري. ومنه قولهم:
عرضه عرضاً سابرياً. وعرض السابري. وه مثل. وأصله أن صاحب البز يعرض من ثيابه رقيقه، وما لا يؤبه به قبل الجيد. فصار كل من يعرض شيئاً لا يريد الوفاء به. يقال له:
عرض عليَّ عرضاً سابرياً. وقد قال الشاعر:
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علينا السابري المطلعَّا
يريد: ثوباً رقيقاً: أو درعاً.
الثاني أنه يريد الدرع. وإنما سميت بذلك لما فيها من الخروق.
(1/47)

وقد يكون السابري أيضاً الذي يسير في قول الأعشى.
ترد على السابري السِبارا
والسبار الفتيلة التي يسبر بها الجرح. فإذا عنى به الثوب الرقيق فإنما يريد نفذت عينك السابري إلى قلبي، ويكون قوله: يندق فيه الصعدة السمراء حينئذ يريد به أن قميصي شديد على الرمح نفوذه لهيبتي في القلوب، ولأن الشجاع موقى. ويكون المعنى كقوله أيضاً:
طوال الرُّدينيات يقَصفُها دَمِي ... وبيضُ السُّريجيات يَقطعُها لحمي
فإذا عنى الدرع فلا يحتاج إلى ذا التأويل. وإنما يريد أن عينك وصلت إلى قلبي
فجرحته ولم تُخرق الدرع أو القميص كما قال هو أيضاً:
راميات باسهمٍ ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود
(1/48)

وإنَّما معنى هذين البيتين من قول جميل بن معمر:
ما صائب من نابل قذفت به ... يد وممرُ العقدتين وثيقُ
على نبعة زوراء أيما خطامها ... فمتن وأيما عودها ففتيق
بأوشك قتلا منك يوم رمينني ... نوافذ لم تعلم لهنَّ خروقُ
والذي أبى بأغرب من هذا في هذا الباب قول القائل:
رمتني بطرف كميتاً رمت به ... لَبَلَّ نجيعاً نحرُهُ وبنائقه
فإنه وإن لم يذكر خرق جلده فقد عرض بان مثل رميها ما يبل الكمّي نجيعاً غير انه لم أُدْمَ لأنه لم يجرح بدني، وإنما وصل إلى قلبي قبل جسمي.
وقوله:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقتُ فإنني الجوزاء
صخرة الوادي (هي امتن الصخر). وهي صخرة تكون في الوادي قد بلَّ الماء أسفلها فازدادت رسوخاً في الأرض:
(1/49)

فلولا خوف خالقها ... إذن لقلعتها حسداً
فهذا يغار على حبيبته من عينه لمباشرتها إياه بالنظر كما إن قلب أبي الطيب يحسد عينه على مباشرتها للممدوح بالنظر.
وقوله:
ولاقى دون ثأيهم طعاناً ... يُلاقي عنده الذئب الغراب
الثأي: جمع ثاية: وهي الحجارة حول البيت تبني فيأوي إليها الراعي. قال الراجز:
أصبحت بين سٍمعةٍ وسمع ... صرعن ثاياتي أشد الصرع
وقوله: يلاقي الذئب الغراب أي يجتمعان عليه لا كل الموتى أي لاقى طعاناً شديداً
لابد فيه من القتل. والأصرمان: الذئب والغراب، سميا بذلك لأنهما انقطعا عن الناس.
(1/50)

قال المرار:
على صرماء فيها أصرماها ... وخريتُ الفَلاةِ بها مليل
وقد قيل: سميا بذلك لأن أحدهما انصرم على صاحبه فلا يلتقيان إلا عند ميتة ثم يصرم أحدهما وصال صاحبه. وصرماء: أرض يعيدة عن الماء. فهذا ما عناه أبو الطيب.
وقوله:
ولم تردَّ حياةً بعد توليةٍ ... ولم تغث داعياً بالويل والحرب
هذا البيت ظاهر المعنى. وإنما ذكرناه خشية أن يظن ظان فكأن أن قوله بالويل والحرب متعلق بقوله: تغث، فإنه يكون حينئذ ذماً وهجاء، بل كيف تكون الإغاثة بالويل والحرب، وإنما يغاث الإنسان بما يزيل الويل والحرب، كما قال أيضاً:
ومنفعة الغوث قبل العطب
وليس يعني هذا. وإنّما الباء متعلقة بقوله: داعياً. يقال: دعوت الويل ودعوت شجني، ودعوت ثبوري، كما قال تعالى: لا تدعو اليوم
(1/51)

ثبوراً واحداً، وادع ثبوراً كثيرا. قال الشاعر:
وإذا دعت قمرية شجناً لها ... يوماً على فننٍ دعوت صباحي
وقد يقال: دعوت فلاناً، ودعوت بفلان، ودعوت باسم فلان كما قال الآخر:
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
وقال الآخر:
تداعين باسم الشيب في متثلم ... جوانبه من نصره وسلام
وقال الآخر:
فمن يرتجيكم بعد نائله التي ... دعت ويلها لما رأت ثأر غالب
وقوله:
جزاك ربُكَ بالإحسان مغفرةً ... فحزنُ كلِ أخي حزنِ أخو الغضب
يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به. وقال الله تعالى:
(1/52)

لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. والحزن أخو الغضب لأسباب كثيرة:
فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن. ومنها أن الرجل يأثم بالحزن، ويأثم بالغضب. قال تعالى: وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.
ومنها أن الحزن ينال من الإنسان ويخلط عليه، كما إن الغضب ينال منه ويخلط عليه وقد دلَّ على ذلك بقوله أيضاً في عضد الدولة:
آخر ما المُلْك مُعزّى به ... هذا الذي أثّرَ في قلبه
لا جزعاً بل أنفاً شابه ... أن يقدر الدهر على غَصْبِهِ
ألا تراه فرق بينهما، وجعل تأثيره في قلبه لا للجزع والحزن ولكن للغضب والأنف والحمية أن يقدر الدهر على غضبه. وكما فسّر قوله:
فكل حزن أخي حزن أخو الغضب
بالبيت الذي يليه وهو قوله:
وأنتم معشر تسخو نفوسكم ... بما يهين ولا تسخون بالسَلَب
ألا تراه قد دلّ على أن الحزن أخو الغضب، لأنه يحزن كيف قدر الدهر على سلبه. والحزن والغضب عند المتكلمين شيء واحد، وإنما
(1/53)

يستعمل الغضب على من هو دونك، والحزن على فعل من فوقك. ألا ترى إن السلطان إذا غصب رجلا على مال فانه يحزن عليه، ولو سرق سارق لغضب عليه.
وقوله:
وما قضى أحدٌ منها لبانَتَهُ ... ولا انتهى أربٌ إلا إلى أرب
هذا بيت فلسفي البنية. وذاك أن كل طالب حاجة فإنه إذا أدركها أحدثت في قلبه أربا آخر. مثال ذلك: إنك إذا تمنيت ثوباً حسناً فوجدته تمنيت رداء مثله في الحسن تلبسه معه. فإذا وجدت الرداء تتمنى فرساً تركبها فإذا وجدتها تتمنى سلاحاً تتجمل به، أو تستعين به على الأعداء، فإذا وجدته تتمنى غلمانا وأصحابا، فإذا وجدتهم تتمنى ضيعة تعود بفضلها على عيالك وأصحابك ويستديم بها تجملك. فإذا وجدتها طلبت منزلة من السلطان تحفظ بها نعمتك فإذا وجدتها طلبت الفضل على إضرابك من أصحابه. فإذا بلغت الفضل على جميعهم طلبت الملك فإذا نلته طلبت الخلود فهذا متعالم، وإياه عني القائل:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
(1/54)

والقائل:
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
وأبو الطيب الذي يقول:
ذكر الفتى عُمُرهُ الثاني وحاجتُهُ ... ما فاته وفضولُ العيش أشغال
ومن هذا قول الحجاج بن يوسف على منبره: أيها الناس أقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت، وأمنع شيء إذا سُئلت، فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً، وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله. فأني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
وقوله:
دار الملم لها طيفٌ يهددني ... ليلا فما صدقت عيني ولا كذبا
الألف وللام في (الملم) بمعنى التي، يريد: دار التي ألم أهلها طيف تهددني.
وتهددني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف، والإيعاد بالهجران والتجنب فقال:
ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم يكن حقيقة، ولا كذب الطيف في التهدد فإنه قال: لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدنّ عنك وقد بعد، ولا عذبنك وقد عذّب، وما أشبه ذلك. وقوله:
(1/55)

ما صدقت عيني معنى قول جران العود.
سقياً لزوركَ من زورٍ أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول
وأظهر منه قول ذي الرمة:
أراني إذا هوَّمتُ يا مي زرتني ... فيا نعمتا لو أنَّ رؤيايَ تصدق
وقد قال البحتري:
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الريح تجلبه الصّبا
ولو كان حقاً ما أتته لأطفأت ... غليلا ولا فكّت أسيراً معذَّبا
وقد ملح بعض المحدثين في هذا المعنى مع إكثارهم فيه:
قد جاد طيفك لي بوعدك ... وأذالني من طول صدك
ودنا إلي معا نقاً ... ومصافحاً خدي بخدك
وظفرت منك بما هويت ... بحمدٍ طيفك لا بحمدك
وحللتُ عقد إزاره ... حلّ الخيانةِ عقد ودك
وإنما أوردنا هذا البيت ومعناه ظاهر، لأن من الناس من يظن أن
(1/56)

(عيني) في قوله: كما صدقت عيني: مفعول، وفاعل صدقت الطيف. أنثه لأنه يعني المرأة. وهذا كما تقول: صدقتُ زيداً الحديث، وصدقتك سن بكري في المثل الجاري، فان هذا التأويل لا يغير المعنى، ولكنه رديء في صناعة الشعر أن يكون ضمير شيء واحدٍ مذكراً ومؤنثاً يؤتى به في بيت واحدٍ.
وقوله:
أدمنا طعنهم والقتل فيهم ... خلطنا في عظامهم الكعوبا
كعب الإنسان جمعه كعوب وكذلك كعب الرمح جمعه كعوب.
قال الشاعر:
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
وإنما أوردنا هذا البيت ليعلم إنه يعني كعوب الرمح، لا كعوب الرجل لأن الكعب أيضاً من العظام. وإنما أراد أن كعوب الرمح كسرناها فيهم لكثرة طعنهم حتى اختلطت بعظامهم. ولقائل أن يقول يعني قطعنا الأرجل، وكسرنا الأذرع والسوق حتى صارت الكعوب مخالطة غيرها من العظام وحس
(1/57)

ذلك لما كان الكعب لا يسمى به غير تلك الهنة الناتئة الثابتة في الاجل، وغيرها عظم ويكون هذا كقوله:
حتى تتلاقى الفهاق والأقدام
يعني قطعت الرؤوس والارجل، فاختلطت الفهاق، وهي مواصل الرؤوس في الأعناق بالأقدام إلا أن المتنبي ما أراد غير المعنى الأول، كانت الصنعة فيه. والغرض تشبيه كعوب الرمح بمفاصل العظام وجمعه كما في الحرب وفي الشعر.
وقال الشيخ أبو الفتح: أدمنا أي خلطتا، وجمعنا ويدعى للمتزوجين فيقال: أدم الله بينكما وأنشد:
إذا ما الخبر تأدمه بسمنٍ ... فذاك أمانة الله الثريد
وهذا جيد ولا يمنع أن يكون أدمنا من الإدامة. بل الإدامة أحسس إذ كان يعني أنا لم نزل نطعنهم حتى اختلطت العظام بكعوب الرماح. وخلط الطعن بالقتل لا فائدة فيه كبيرة لذكره فانهما مختلطان وإن لم يقله أبو الطيب.
وقوله:
كأن نجومَهُ حليٌ عليه ... وقد حُذيت قوائمُهُ الجبوبا
شبه النجوم بالحلي على الليل، وأراد أن يصفه بالسبوغ فقال: وقد حذيت قوائمه الجبوب، والجبوب: الأرض، يعني كأن الليل جعل الأرض له حذاء فهو من السماء متصل بالأرض ويجوز أن يعني بذلك
(1/58)

طول الليل. يريد أن الأرض إذا كانت له نعلا فما يقدر على خلعها لا إنه يريد المشي فيها. وكأنه نوى أن يشبه الليل بفرس أدهم عليه حلي من ذهب أو فضة وقائمه منعلة بالأرض. وكأنه نظر في هذا البيت إلى امرئ القيس يصف فرساً أغر:
كأن الثريا علقت في مصامة ... بأمراس كتان إلى صم جندلِ
يريد بصم الجندل: صلابة حوافره. إلا أن المتنبي لم يفصح بهذا. ولقائل أن يقول: هذه دعوى لا حجة عليها فلعمري إن هذا لكما تقول إلا أن الشعر يحمل معناه على أحسن ما يقدر عليه تحقيقاً أو مجازاً.
وقوله:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعبِ ... وردوا رقادي فهو لحظُ الحبائب
يريد ردوا الكواعب حتى يعود صباحي. أي دهري ليل كله. ولا صباح لي إلا وجوههن. وحقق ذلك بقوله
(1/59)

:
فإن نهاري ليله مدلهمة
ويجوز أن يعني ليلي طويل، فلو أعدتم إلي الكواعب لقصر ليلي وعاد صبحي. وهذا تمحّل. والمعنى ما قد مر ذكره.
وقوله:
وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
اللحظ هاهنا مصدر لحظه لحظاً وليس باللحظ الذي يعني به العين، أو الجفن. وإنما قلت هذا لئلا يتوهم ذلك متوهم فيفسد المعنى. وذاك أن أكثر ما يستعمل اللحظ في معنى العين. وهذا كقوله أيضاً في مكان آخر:
فبلحظها ركزت قناتي راحتي
يعني مصدر لحظت أيضاً أي نظرت إليها. ومثله اللمح والرمق. يقال: لمحته بعيني المحه لمحاً ورمقته ارمقه رمقاً. ومثله هذا قوله:
ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظرٌ أنت عينُهُ ورقادهُ
وهذا معنى البيت الأول كرره
وقوله:
أتاني وعيدُ الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب
(1/60)

كفر عاقب قرية بالشام، وهي كفور كثيرة، مثل كفر طاب، وكفر اليهود وكفر توثى وكفر شاب وكفر سلام. والسودان جمع أسود سالخ. يجمع على اساود، وعلى سودان، ولا يجمع سالخ كما قالوا: أبارص في سام أبرص. وقال الراجز:
والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنتُ عبداً يأكل الأبارصا
فجمعوا الاسم الثاني. وقد يقال: سوام أبرص بجمع الاسم الأول. وقد جمعت سام أبرص على البرصة. وقالوا: ليس في كلام العرب جمع أفعل على فعله إلا هذه الكلمة. يريد أعدوا لي الدواهي ومكروا بي، ثم قال:
ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم ... فهل في وحدي قولهم غير كاذب
فبين بهذا البيت انهم اعدوا له وشايات وكلاما، وادعى أنهم أدعياء إلى جدهم وليسوا بمحققين في أنسابهم، بل هم كاذبون. فقال: لو كانوا صادقين في أنسابهم لحق لي حذرهم. والتوقي منهم. فأما الآن وقد شاع كذبهم. فكل ما وشوا به علي معلوم إنه كذب. يقول: فهل يجوز أن يكون قولهم في وحدي صادقاً، وقد علم أنهم كاذبون.
(1/61)

وقوله:
أناس إذا لاقوا عدىً فكأنما ... سلاح الذي لاقوا السلاهبِ
يريد: إذا لاقوا أعداءهم كان سلاحهم عندهم مالا يعبأ به، كالغبار الذي تثيره خيلهم السلاهب وهذه الألف واللام التي مر ذكرها في شرح قوله:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة
يريد فكان سلاح أعدائهم غبار الخيل التي ركبوها الطوال، لقلة احتفالهم به. ولولا هذا التأويل لكان تخصيصه السلاهب نافراً مستهجناً. فقد علم إن الفارس إذا قال: الفرس سلهب فإنما يعني فرسه الذي هو راكبه. ألا ترى إلى قول حندج بن البكاء قاتل زهير بن جذيمه: (ضربته والسيف حديد والساعد شديد). كيف سبق إلى وهمك يريد إنه سيف نفسه وساعده
وقال الشيخ أبو الفتح: خصَّ السلاهب لأنها أسرع، فغبارها أخف وألطف. وهذا تمحّل لا خفاء به، وباضطرابه.
(1/62)

وقوله:
يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما باله تأثيره في الكواكب
تأثيره في الكواكب: إثارة الغبار حتى لا تظهر ليلا، وحتى يزول ضوء الشمس بالنهار، وحتى تطلع الكواكب بالنهار
قال الشيخ أبو الفتح: وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع له وليس تبعاً لها.
وهذا وجه في تفسير هذا البيت غير ظاهر. ولقائل أن يقول: هذه دعوى من تفسيرك. ولا يظهر لأحد تأثير في الكواكب إذا بلغ هو ما أراد مخالفا لما أرادت الكواكب بل يظن أنَّ بلوغه ما أراد كان مما أرادت الكواكب. وما ذكرناه أظهر وأبعد من العنت.
وقوله:
لا تجزني بضنىّ بي بعدها بقر ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
كنى بالبقر عن النساء بأعيانها، ولا تجزني دعاء، ولفظه لفظ
(1/63)

الأمر، كما تقول: لا تمت زيداً إذا دعوت له. ولو كان خبراً لقال: لا تجزني، ولا تموت زيد، يريد: لا ضنيت كما ضنيت بعدها وان كن قد جرت دموعهن كما جرت دموعي. وهذا كقوله:
أبديت مثل الذي أبديتُ من جزع ... ولم تجني الذي أجنيت من ألمِ
وقوله أيضاً:
يشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ... إليها والشوق حيث النحول
وهذا الدعاء كقول الآخر:
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت
لا يبعد جزم لأنه دعاء. ولو كان خبراً لكان رفعاً.
وقوله:
قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم ... إلى غيوث يديه والشابيب
يعني أن مصر لا تمطر، وإذا مطرت خرب كثير منها. وأهلها
(1/64)

يدعون الله ويسألونه كف المطر لأن أبنيتهم متضايقة، وبعضها فوق بعض، ولا مسيل لمياهها.
فهو يقول: لامني الناس في هجري بلاد الغيث، فقلت: تعوضت عنها بغوث يديه وشآبيبها.
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه. وليس في قوله: هجرت الغيث ما يدل على إنه هجر القليل من ندى الناس، بل يدل على إنه هجر الكثير إلى الكثير. وما قاله الشيخ أبو الفتح يعد من المحتمل الجيد، إلا إنه لم يتثبت. ولو فكّر لما غرب عنه هذا القدر. ولو عددنا مثل هذا زلة لكان كتابنا الموسوم (بالتجني على ابن جني) مفرطاً في الكبر.
وقوله:
ولله سيري ما أقل تئيه ... عشية شرقي الحدالي وغُرّب
الحدالة: موضع بالشام (وغرب: جبل، وشرقي مضاف إلى ياء النفس. يريد جعلها شرقي وسرت أريد مصر. والتئية
(1/65)

التثبت) أي اقل ما وقفت وتلومت حين سرت
بهذا المكان أريد مصر ثم قال:
عشية أحفى الناس بي من جفوته
يعني سيف الدولة. وأحفاهم: أشدهم اهتماماً في البِّر، بي.
وأهدى الطريقين الذي أتجنب
يريد: الأولى أن أعود إلى سيف الدولة، إلا أني هجرته ووردت مصر.
قال الشيخ أبو الفتح قال: أهدى الطريقين الذي اتجنب، لأنه كان يترك القصد وبتعسف ليخفي أثره خوفاُ على نفسه. وهذا جائز أن يكون عنى. إلا (أنا) لا نترك حسن معناه وإحسانه لهذا التحمل. وإنما يريد: أني فارقت من كان باراً بي. وتركت طريقاً كان أولى بي. يتدرج بذلك إلى عتاب كافور، وإظهار الندم على زيارته. وهذا مثل قوله في الأخرى:
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنِ ... عليَّ وكم باك بأجفان ضيغم
وما ربّه القراط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم
فلو أن ما بي من حبيب مقّنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم
يريد بهذا كله إظهار ندمه على مفارقة سيف الدولة. والمعنى ظاهر والتكلف فيه محال.
(1/66)

وقوله:
وعيني إلى أذنيْ أغرّ كأنَّهُ ... من الليل باقٍ بين عينيه كوكب
إنما يجعل عينه إلى أذنه لأن الفرس أسمع الحيوانات. ومن أمثال العرب: (أسمع من فرس بيهماء في غلس). والعرب تكتلئ بآذان خيلها وآذن ابلها. قال قائلهم:
أنختُ قلوصي واكتلأت بعينها ... وأمرَّت نفسي أيّ أمريّ أفعل
وذلك لأن البهائم تبصر بالليل كما تبصر بالنهار، بل هي بالليل آنس، وبالنهار اشد وحشة. ويقولون: جئته إذا استأنس الوحشي، واستوحش الإنسي يعنون ليلاً. وقيل هذه الكلمة أول من قالها رسول الله صلى الله عليه. والإنس تستوحش بالليل. فلهذا قيل: بيهماء في غلس. والعرب تقول: أذن الوحشي أصدق من عينه. ولهذا قال حميد بن ثور:
مفزّعةٍ تَستحيلُ الشخوصَ ... من الخوف تَسمع ما لا تَرى
ولليل خاصية ليست للنهار. وذلك أن الحركات تسكن، والأصوات تخفت ولصوص العرب وصعاليكها تدعي فضل السمع تريد به صدق
(1/67)

الحس. ألم تسمع قول تأبط شراً ليلة خبث الرهط للشنفري لما ورد الماء، إن على الماء رصداً، وأني لأسمع وجيب قلوبهم. فقال الشنفري: والله لا تسمع شيئاً وإنما تسمع وجيب قلبك. فوضع يده على قلبه. فقال: لا والله ما هو جيب قلبي، وما كان وجاباً ولكن على الماء رصد فامض أنت وعمرو بن براق فاشربا فستجدان على الماء رصداً. فلما ورد الشنفري لم يتعرضوا له. وتركوه، فشرب وانصرف. قال: والله لقد شربت حتى رويت. وورد عمرو فلم يتعرضوا له فروى وانصرف وقال مثل قوله. فقال لكنهم لا يريدونكما. وإنما يريدونني. فكان الأمر على ما قال في خبر له طويل.
وقوله: (كأنه من الليل) أي كأنه قطعة من الليل، وقد تم الكلام به أعني إنه غير متعلق بقوله (باق) بين عينيه كوكب، لئلا يظن ظان إنه يقول: بقي في عينيه كوكب فقط، فيسقط حينئذ (تشبيهه) إياه بالليل. وهذه اللفظة ومعناها وحدها من
أبي دواد حيث يقول:
ولها فرحة تلألأ كالشعري ... أضاءت وغيم عنها النجوم
وقول ابن رميلة يمدح رجلا:
كأنَّ الثريا عُلقَِت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري وفي خده القمر
وإن كان مدحاً يريد به وضوح الممدوح وشهرة شأنه ففيه تنبيه للقائل باق بين عينيه على هذا المعنى.
(1/68)

وقوله:
وأظلمُ أهلِ الظلمِ مَنْ بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ
قرأت كتاباً منسوباً إلى أبي علي الحسن الحاتمي يذكر فيه ما نقله أبو الطيب من كلام ارسطو إلى شعره يذكر فيه إن هذا البيت من قول ارسطاليس. أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه. ويجوز أن يكون توهم (الهاء) في نعمائه عائدة إلى (من بات). وإن كانت عائدة إليها كان المعنى مأخوذاً كما ذكر من قول ارسطوطاليس.
وإنما الهاء عائدة إلى الممدوح. ومعنى البيت أن إنعامه فائض على كل أحد فاظلم الناس من يحسد من نال من خيره، إذ كان خير مبذولا لكل واحدٍ، فلم يبق للحسد وجه إذ كان يقدر ان ينال مثله كل أحد. وإنما هذا مثل قوله:
كسائلة من يسأل الغيث قطرة
وخارج من مخرجه. وقوله أيضاً:
لا يحرم البعدُ أهلَ البعد نائِلَهُ ... وغير عاجزة عنه الاطيفال
(1/69)

وقوله:
ويغُنيك عمّا ينسب الناس إنه ... إليكَ تناهى المكرماتُ وتنسب
وقوله: عما ينسب الناس يبعد قليلا هذا البيت عن الفهم. وهو مع ذلك ظاهر
يقول:
يغنيك عن النسب ان المكارم كلها تنسب إليك. وظاهره مأخوذ من قول القائل وهو ابن أبي طاهر:
خلائقه للمكرمات مناسب ... تناهى إليه كل مجدٍ مؤثل
وللبيت باطن خبيث وهو سخرية، يريد إنه لا نسب لك لأنك عبد. ثم قال: وأنت غني عن النسب بالمكارم التي تنسب كلها إليك. كأنه يسليه بذلك القول. ثم زاد دلالة على السخرية بقوله فيما يليه:
وأي قبيل يستحقك قدره ... معد بن عدنان فداك ويعرب
ألا تراه كيف سخر به، وزعم أن القبائل كلها لا يستحق شيء منها أن تنسب إليه. أتراه أجل من النبي صلى الله عليه وسلم. وهو بن معد بن عدنان.
وبيت أبي طاهر صحيح السبك، لأنه أدعى للممدوح أن المكارم تنسب إليه، ولم يعرض لذكر النسب. وقد أتى أبو الطيب بهذا في مكان آخر وهو قوله:
(1/70)

وتنسب أفعال السيوف نفوسها ... إليه وينسبن السيوف إلى الهند
ألا تراه حين تجنب السخرية كيف راق كلامه وجاد وصفه.
وقوله:
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
هذا البيت ظاهر اللفظ والمعنى. وإنما حملني على إيراده أني قرأت أوراقاً سميت (بمساوئ المتنبي) أنشأها الصاحب كافي الكفاة قد ارتكب فيها شيئاً من المزح عجباً ليس من
طريقة العلم، ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة، وبذخ الولاية. ولعمري إنه لو لم يرو عنه هذا الكتاب لكان أجمل بمثله. إذ كان لم بتعد فيه غير الهزء الفارغ، والكلام اللغو. حتى إنه ما يكاد ينتقص شيئاً من الأبيات التي نقمها على أبي
الطيب بما تفيد معرفة مخطئاً فيه أو مصيباً، إلا مواضع يسيرة كأنها عثار منه بالجد لا عمد. فغلط فيها ودل على إنه لم يفهم ما ورده، ولم يحط علماً بما كرهه.
(1/71)

وهذه الرسالة عملها في صباه. والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد الخير له بكتمانها عليه. فمن الأبيات التي ردّها هذا البيت. يقول: ولا ندري لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا اخذ بنصيب من القلق. أترى هذه التسلية أحسن عند أمته أم قول أوس:
أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
وهنا أخطأ في موضعين:
أحدهما إنه ظن إنه يقول: كلما حزن الأمير حزنت فقط. فظن أن (يحزن) رفع لأنه أخبار. ولولا ظنه ذلك لما استفهم فقال لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا اخذ أبو الطيب بنصيب من القلق. وهذا خطأ. (ويحزن) جزم، والنون مكسورة لالتقاء الساكنين. وه دعاء. كما تقول: لا يمت زيد، ولا تشلل يدك. فيقول: لا أصابك الله بحزن فأني أحزن إذا حزنت. كأنه يقول: لا حزنني الله. وسائغ في الدعاء متعارف أن يقال: لا حزنني الله، ولا نالني بحزن. غير منكر ولا مبغي عليه. ولو كان كما ظنه لم يكن من كلام العقلاء أن يقال. لا يحزن الله زيداً فإنني مشاركه، لأن كونه مشاركاً لزيد لا يكون سبباً لأن يصرف الله الحزن عن زيد. لأنه كلام محال ولا ريب إن من يظن هذا بهذا البيت يقول ما قاله الصاحب لكن (الصواب) بخلافه.
والغلط الثاني إنه قال: أترى هذه التسلية أحسن أم قول أوس. وإن هذا البيت ليس بتسلية وإنما هو دعاء للممدوح. وليحسب إنه على ما ظن قائل هذا القول، فكيف تكون تسلية أخباره إن الله تعالى
(1/72)

لا يحزن لسيف الدولة لأن المتنبي شريكه فهذا ظاهر. وترك الدلالة على هذه الزلة غير سائغ مع ما قصدنا له من الدلالة على
غامض أبيات هذا الفاضل. والله المعين.
وقوله:
ومَنْ سَر أهل الأرض ثم بكى أسَىً ... بكى بعيون سَرهَّا وقلوب
سرهم أي أسدى إليهم ما يسرون به. فإذا بكى ساعدته تلك العيون والقلوب التي كان سرها فبكيت ببكائه. وهذا مأخوذ من قول يزيد ابن محمد المهلبي:
أشركتمونا جميعاً في سروركم ... فلهونُا إذ حزنتم غيرُ إنصاف
وقد قصر أبو الطيب في صنعه هذا البيت. وذاك إنه قال: (أهل الأرض) فعم بهذا القول. ثم قال: بكى بعيون. فنكر وخص. ولو قال: بكى بالعيون التي سرها والقلوب لكان أجود لتكون عيون أهل الأرض كلها وقلوبهم مساعدة له على البكاء، وكان أظهر للمعنى إلا أن الوزن لم يساعد. ولو قال من سر قوماً لكان قد استوفى المعنى ولم يختل اللفظ. وهو دقيق فتأمله.
وقوله:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذُنُوبِ
(1/73)

كأنه يعتذر للدهر يقول: وإن كان يسيء في وقت، فقد أحسن في وقت. فلولا إنه جمع بيننا فأولانا هذه المنة لكنّا لا نعد عليه ذنباً بتفريقه شملنا. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى وفيما هو قريب منه قول أبي تمام:
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها
وكأن قوله:
ونَذَيمُهُم وبهم عرفنا قدره ... وبضدها تتبين الأشياء
من هذا الباب أيضاً إلا أن في البيت الأول فضلا وهو نفحه عن الدهر، وتصويبه لما أتاه وعذل من يذمه على إساءته بعد إحسانه. وليس في قوله: ونذيمهم وبهم عرفنا فضله. غير إنه يقول:
أظهر حسن فضائله قبح أخلاق اللئام إذا قربوا إليه. وبيانه في قول البحتري:
وقد زادها إفراط حسُنِ جوارُها ... خلائق إصغارٍ من المجد خيّب
وحسن دراريّ الكواكب أن تُرى ... طوالع في داجٍ من الليل غيهب
(1/74)

وفي قول أبي تمام:
وليس يعرفُ الوصل صاحُبُه ... حتى يصاب بنأي أو بهجراني
وقوله:
قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس عند المغيب
وقوله:
سمجت ونبّهنا على استسماجها ... ما حولها من نَضْرةِ وجمال
وكذاك لم تفرط كآبة عاطلٍ ... حتى يجاورها الزمان بحال
وقوله:
بين البين فقدها قلما تعر ... ف فقد الشموس حتى تغيبا
وقد فسر هذا المعنى بالبيت الذي يليه إلا إنه عاد مستقبحاً لفعل الدهر، وذاماً له بعد ما نفح عنه وبعد ما ذكر إن له عذراً وأياديا عندنا فقال:
وللترك للإحسان خيرٌ لمحسنٍ ... إذا جعل الإحسانُ غيرَ ربيب
(1/75)

وفي الأوراق المنسوبة إلى الصاحب تهزؤ بهذا البيت مستطرف قال: ومن تعقيده الذي لا يشق غباره، ولا تدرك آثاره قوله: وللترك للإحسان البيت. وما أشك أن هذا البيت أرفع عند أمته من قول حبيب:
وقلت للحادثات استنبطي نفقاً ... فقد أظلك إحسان بن حَسّانِ
ولا أدري أمن قوله: بتعقيده الذي لا يشق غباره أتعجب، أم من تشبيهه هذا البيت بيت أبي تمام. وكلا الأمرين عجيب.
أما زعمه إنه قد عقد فوجه التعقيد ما لا نعلمه. فإنه لم يقدم لفظه، ولا أخر أخرى
عن موضعها، ولا غرب في المعنى، ولا في اللفظ، وإنما قال: ترك الإحسان خير لمحسنٍ إذا لم يرب إحسانه. ألا ترانا حين فككنا النظم، وجعلناه نثراً أتينا بمثل لفظه سواء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير. فليت شعري أين التعقيد. وأما قوله: (ما أشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من بيت حبيب) فلا أعلم ما التجاور بينهما والتشارك. ولعله رأى إشراكهما في لفظة الإحسان تشابهاً. وحبيب يقول: قل للحادثات جدي في الهرب واتخذي نفقاً في الأرض فقد أظلك إحسان هذا الممدوح وهو يعفي على آثارك.
(1/76)

فليت شعري ما هذا المعنى من المعنى الأول. والسلامة من هذا القول أسلم لكل لبيب. وهذا البيت مثل قوله:
أبدا يسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جُودُهُا كان بخلا
وكفت كون فرحة تورث الهمَّ ... خل يغادر الوجد خلا
وقوله:
أشد الغم عندي في سرورٍ ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقوله:
إذا استقبلت نفس الكريم مُصابها ... بخبث ثنت فاستدبرته بطيب
وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب
أراد بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر. أي إذا جزع الكريم لمصيبة في أولها راجع أمره فعاد إلى الصبر والتسليم لله تعالى. ولفظ البيت مستهجن إذ أقام الخبث مقام الجزع، ولم يتقدمه ما يوحيه ويفهمه. وإنما أراد بذلك قول الناس: خبثت نفسي لهذا الأمر، قال أبو علي الحاتمي: أخذه من قول أرسطاليس. من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الإنسان لم يحزن لورود الفجائع. إلا أن قول ارستطاليس تسلية وهداية إلى طريق العقل. وقول أبي الطيب يريد به إن الكريم
(1/77)

مراجع لعقله صبور
على عزائه، مغتفر للعظائم. وهذا معنى مطروق كثيراً لا يفتقر فيه إلى أحد. وفي البيت الذي يليه تبيان لما أراد وإنما هو معنى قول أبي تمام:
أتصبر للجلى عزاء وحسبه ... فتؤجر أو تسلو سُلُوَّ البهائم
وقال محمود الوراق:
إذا أنت لم تصبر عزاء وحسبة ... صبرت على الأيام صبر البهائم
وإلى هذا أشار بقوله:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكُمُ ... ثم استمرّ مريري وارعوى الوسن
وقوله:
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز بهِ ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعُهُ وَثبا
أراد بالمصراعين جميعاً قصر زمان الوصل. فأما المصراع الأول
(1/78)

فإنه يقول: كأنه لم يكن لقصره. كما قال عبد الصمد بن المعذل
شبابٌ كأن لم يَكن ... وشيب كأن لم يزل
وأما المصراع الثاني فيقول: كأن قصر أوقات كل نعمة فيه قصر وقت الوثب فكأن كل زيارة من الحبيب وثبة، وكل ساعة من اللقاء وثبة، وكل يوم من الاجتماع وثبة ولعمري لئن كان قول القائل:
ويوم كإبهام القطاة مزين ... إليّ صباه غالب لي باطله
أجاد. والقائل
ظللنا عند دار أبي نعيمٍ ... بيوم مثل سالفه الذباب
بالغ. فالوثب في هذا المعنى الذي قصده أبو الطيب أبلغ وأحسن. وقد وقع في هذا البيت سهو على القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فإنه ذكره في كتابه المرسوم بالوساطة فادعى إنه أخذه من الهذلي حيث يقول:
(1/79)

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
قال أخذه منه فجعل أبو الطيب السعي وثباً. وقد ملّح في اللفظ هذا قول القاضي رحمه الله وهو عجب منه، مع علمه بالشعر، وغوصه إلى المعاني الدقيقة، وكونه من النقد في الذروة العليا. وإذا زل الشيخ أبو الفتح في معنى بيت عذرناه لكونه عن صناعة الشعر بمعزل فأما القاضي أبو الحسن فلا عذر له، وإنما جناية العجلة، وحاشا لله أن ادعى الفضل على تلاميذهما فكيف عليهما. ولعل السهو أن يتفق عليّ في كثير مما أظنني أحرزت أطرافه من هذا الكتاب فضلا عما سواء إلا أن الدلالة على السهر واجبة. وتجنب موقف النعي على من به اقتديت مما أعوذ بالله منه، وبحوله وقوته استعصم، وه حسبي ونعم الوكيل.
فأقول: إن الهذلي لم يرد بالسعي المشي الصريح فجعله أبو الفتح وثباً وإنما أراد من قوله: سعيت بفلان إلى الأمير سعياً وسعاية، ولعمري إن السعاية أشهر في مصادر هذا الفعل إلا أن السعي القياس الذي لا محيد عنه، ويضطرنا إلى ذلك إن معنى البيت لا يتم، وغرض قائله لا يحصل
(1/80)

إلا بما ذكرناه. يقول: لم يزل الدهر يسعى بي إليها، ويسعى بالمكروه بيننا. فلما انقضى ما بيننا بالفراق سكن الدهر من تلك السعاية. ألا ترى إنه إن أراد السعي الذي هو المشي لم يكن له معنى. وليكن ما ظنه القاضي أبو الحسن رحمه الله سائغاً، ومشى الدهر بينهما من غير الفساد مسلما. وقوله على مضى الزمان على وصلهما فقط محمولا فما يصنع بقوله:
(فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر)
أترى الزمان لما وقع الفراق سكن عن المضي وملَّ الفلك من الدوران. والزمان إنما هو استمرار دورانه فلا مجاورة بين بيت الهذلي وبيت أبي الطيب إذن في شيء مما ذكرناه.
وقوله:
فَحُبُ الجبانِ النفس أورده التقى ... وحبُ الشجاعِ النفس أورده الحربا
وهذا البيت ظاهر المعنى، وإنما أوردناه ليدل على حسن نقله لهذا المعنى من كلام ارسطوطاليس النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذلة جداً. وترى مناها في ذلك حياتها والنفس الدنيئة بالضد من ذلك. وقد اكثر الشعراء في ذلك إلا أنهم لم يأتوا بالضدين في بيت كما أتى به. فأما الحصين بن الحمام المر فإنه أتى بمعنى النصف الأخير في قوله:
(1/81)

تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وازداد تقصيراً أبو تمام إذ كرر معنى هذا المصراع الأخير في بيت بلفظين مختلفين فقال:
سلفوا يرون الذكر عقباً صالحاً ... ومضوا يعدون الثناء خلوداً
والمصراعان معنى واحد بلفظين مختلفين.
والخنساء أيضاً عرضت لهذا المعنى الأخير دون الأول بقولها:
نهينُ النفوس وهون النفوس ... يوم الكريهة أبقى لها
وقوله:
فكيف أذمّ اليومَ ما كنتُ أشتهي ... وأدعوا بما أشكوه حين أجاب
يريد كيف أذم الشيب وكنت اشتهيه. وهذا بعد قوله:
(1/82)

منىً كنَ لي إن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب
وقوله: وأدعو بما أشكوه، من قولك: دعوت الله بكذا وكذا إذا سألته إياه وهو من قول الأول:
وعدوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحنّي فإذا السلامة داء
وإن شئت من قولك: دعوت بفلان إذا دعوته اليك، كقول عنترة:
دعوني دعوة والخيل تردى ... فما ادري باسمي أم كناني
يريد أني دعوت المشيب إلى نفسي. وأبو الطيب يقول كيف أدعو الله بما إذا أجبت إليه سلوته. يعني كيف أدعو الله بالمسيب ثم اكرهه.
وهذا من قول ابن الرومي:
هي الأعين النجل التي كنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس اسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتها ... وقد جعلت مرمى سواك تعمد
وإنما هذا بعد قوله: (منى كن لي) أي مشيبي هذا منى كن لي أي كنت أتمنى لما كنت شاباً أن يتأتى لي خضاب شبابي الأسود بالبياض فكيف اشتكى المشيب الآن، وقد بلغته. وإنما كان يتمناه لوقار الشيب وأبهته.
وقد زعم القاضي أبو الحسن أنه مأخوذ من قول العباس:
(1/83)

فما بكيت ليوم منك أسخطني ... إلا بكيت عليه بعدما ذهبا
وقول الآخر:
ربّ يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
وهذان المعنيان بينهما بعد المشرقين كما ترى، أما (معنى) بيت المتنبي فما قد مضى القول فيه ومعنى البيتين اللذين زعم إنه أخذه منهما أني كنت أشكو من الحبيب أحوالا، وأنقم منه ذنوباً فلما صرت فيما هو أشد منهما من بعده عني، وفراقه لي صرت أبكي على تلك الأيام التي كنت أبكي منها لأنها كانت تهون مع قربه مني. ثم قال القاضي أيضاً وأخذه من قول عبد الله بن محمد المهلبي
زكم مدرك أمنية كان داؤه ... بإدراكها والغيب عنه محجب
وهذا لعمري معنى بيت المتنبي الذي قدمنا ذكره. وهذا أيضاً من جناية العجلة وهو بعد أجل من أن يخفى عليه لو تأمل.
وقوله:
وللخلود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب
قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: يقول: إنما اجتمع مع المرأة ساعة وباقي دهري للفلاة والمهامة. وترك شرح ما الناس إليه أحوج. وفي البيت خبء غامض نحب الدلالة عليه لئلا يتوهم سواه متوهم فيزل. قوله: تجاب ليس من الجواب. وكيف يكون منه وقد مضى في هذه القصيدة:
(1/84)

وأدعو بما أشكوه حين أجاب
فكيف يوطئ. وهو يتجنب في شعره تكرير اللفظة الواحدة في حشو البيت فضلاً عن القافية. فلا تكاد تجد له لفظة مكررة في بيتين من قصيدة واحدة إلا القليل النزر. بل لا يتجنب مثل ذلك الطائيان. ومن لم يتمرس بالشعر تمرسه. فدواوين جميع الفحول مملوءة من التكرير. ما خلا هذا الديوان الواحد فإن التكرير عنده مستشنع، وفي دينه مسترذل.
وقوله إلى غير اللقاء لا يريد الحرب. وإنما يريد إلى غير لقاء الخود يريد ثم بيننا فلاة تقطع إلى غير لقائها على العادة المتعالمة في قول الشعراء: لا وصل إلا أن تقربنا إليها الإبل وإلا أن نقطع إليها الفلوات. وهذا كثير. وأما إن ظن ظان إنه يريد لقاء الحرب كان ذلك خطأ وذلك إن مثله من الشجعان لا يدعي أن أجوب الفلوات إلى غير اللقاء ولغير الحرب. بل لم يجر للحرب هاهنا ذكر ولم يقتصها كلام فتأمله يتضح لك.
وقوله:
وأكثر ما تلقى أبا المسك بِذلَةً ... إذا لم تصن إلا الحديد ثياب
(1/85)

هذا البيت قد ذكرناه في كتاب (التجني). وقد سها الشيخ أبو الفتح فيه سهواً بيناً. قال في تفسيره: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهاراً فذاك الوقت أشد ما يكون تبدلا للضرب والطعن. وهذا أيضاً من جناية العجلة. ولو تثبت لم يعزب عنه هذا القدر. وما الحاجة بنا إلى هذا التعسف. بل ما الحاجة
بالأبطال إن تلبس الثياب فوق دروعها. وإنما يفعل ذلك من يحتال بحرب من يخشى حربه. إذ كان يكاتمه، أو يهم به، فهو يخشى ظهور أمرها فيستظهر لحرب من يدفع إذا دوفع. وإنما معنى البيت ما أقول: وهو إنه يريد إذا لم يصن البدن إلا الحديد ثياب فحذف البدن لعلم المخاطب به. يعني في الحال التي لا تصون الإنسان ثيابه من وخز الرماح، وضرب السيوف بل يحتاج إلى الحديد. فالحديد على هذا نصب لأنه استثناء مقدم على الفاعل فظن أبو الفتح إنه يقول: إذا لم تصن الثياب إلا الحديد فهلا خصم نفسه. وقال: تصون الثياب بدن لابسها أيضاً في الحال التي يظاهر بها على درعه فما معنى قوله: إذا لم تصن الثياب إلا الحديد فهذا ظاهر. ولعمري أن اللفظ مزلة والإنصاف يليه أيضاً ولو أوردنا جميع ما ذكرناه في كتابنا (التجني) لطال هذا
(1/86)

الكتاب. وإنما أوردنا هذا البيت لأن الشرط إيراد كل غلق. وهذا البيت منه.
وقوله:
وغرَّ الدُمُستُقَ قولُ العداة ... أن علياً ثقيل وَصَب
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، إلا أن القاضي أبا الحسن ذكر في كتاب الوساطة ما هو سهو عليه في هذا البيت. فأحببت الإبانة عنه. رواه: قول الوشاة ثم قال: عيب عليه هذا البيت. وقالوا جعل الأمراء يوشي بهم. وليس بسائغ أن يقال: وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته. ولو قيل ذلك في أميرين لكان قد قصر بالموشى به ثم قال: قال المحتج عن أبي الطيب: اصل الوشاية استخراج الحديث بالمسألة، كما يوشي الرجل جرى فرسه بتحريكه وهمزة. وقد يجوز أن تحمل الكلمة على اصلها ويجعل هؤلاء وشاة لما أتوه بهذا الخبر. والكلام هو الأول عندي. والعذر ضعيف. لعمري أن كل ما أورده بدءاً وعوداً ضعيف وذلك إنه غلط في الرواية فأخذ في التَّمحل لغلطه. وقد قرأت هذا الديوان تصحيحاً ورواية بالعراق على
علماء عدة. ورواة ذات كثرة فما وجدت أحداً يروي عنه هذه الرواية. وهذا ابن جني ما ضمن كتابة الفسر غير قول العداة. ولو أنا حرفنا الروايات عن وجوهها ثم أخذنا
(1/87)

نتمحل للمحال تفسيراً لما قدرنا عليه. والزيادة في الكلام مما لا حاجة إليه.
ومعنى البيت انك تأخرت عن نصرة أهل الثغور، وكان الدمُمستق مقيماً بها يحارب المسلمين، ويغره إن الأعداء يرجفون بأنك ثقيل البدن عليل.
وقوله:
سربٌ محاسنُهُ حرمتُ ذواتها ... داني الصفات بُعيَد موصوفاتها
قوله: سربٌ هو خبر مبتدأ محذوف. كأنه يقول: هو أي سرب. أو سئولي ومرادي، أو ما أشبهه ومحاسنهُ مبتدأ ثان، خبره الجملة من قوله: حرمت ذواتها يعني حرمت ذوات محاسنها. وذوات محاسن السرب هي السرب بعينه أي حرمت وصال هذا السرب. وتقدير الكلام هو أي سرب حرمت ذوات محاسنه. وقوله:
داني الصفات بُعيَد موصوفاتها
صفاته دانية، لأنها ألفاظ هو قادر عليها متى شاء وصفها. إلا أن الموصوفات بعيدات عنه. وهنَّ السرب. وكأنه لاحظ قول القائل:
فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد
وقد ألم بهذا المعنى إلا إنه غيَّره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري (أنشدنيه لنفسه):
(1/88)

قد يبعد الشيء من شئ يشابهه ... إن السماء نظير الماء في الزورق
وقوله:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها ... أقواتُ وحشي كنَّ من اقواتها
يقول: رب جيش جعلته مثله قوت وحش، كانت خُلقت أقواتاً لتلك المقانب، يعني
قتلت الجيش. وتقدير الكلام، ورب مقانب تركتها إنه جيش يطارد الوحش ويصطادها ويتقوتها على عادة العرب في الافتخار بكثرة الطرد، كما قال أيضاً:
عليقي مراعيه وزادي ربده
أي زادي نعامة الربد. أي اصطادها فآكلها. وقد قال أيضاً في بيت آخر يصف جيشاً:
وذي لجب لأي الجناح أمَامهُ ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
يعني أن هذا الجيش لا يسلمن منه طائر ولا وحش، لأنه يصيده. وفي البيت سؤال وهو أن يقال: كيف يتقوت ما تتقوت الناس من الوحوش، وإنما يتقوت الناس أخابثها كالضبع والذئب والنمر وأشباهها. فالجواب إن العرب كانت إذا ظفرت بشيء مما سميناه أكلت من لحمه. ألا ترى إلى قول القائل:
(1/89)

فنِلتُ خسيساً منه ثم تركتُهُ ... وأقلعتُ عنه وهو منعفِرٌ ورد
وهذا البيت من قصيدة للبحتري التي أولها:
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد
حكي بإسناد إنه سمع الأبيات منها في صفة الذئب من بدوي ينشدها لنفسه فنحلها وضمها هذه القصيدة. وأنت إذا ميزت القصيدة أيقنت أنها من نتاج خاطر غير خاطر البحتري. ولهى أظهر في أثناء القصيدة من دراري النجوم في الليل البهيم. وفيها يقول:
كلانا به ذئب يحدث نفسه ... بصاحبه والجد ينعشه الجد
فأخبر أني مثل الذئب أحدث نفسي بأكله كما يريد أكلي. وأيضاً فإن الجرذان واليرابيع آكل شيء للحوم القتلى. والعرب تأكلها لإخفاء بذلك من فعلها. ألم تسمع إلى الحكاية التي حكيت في أخبار الخلفاء آن الواثق لما أحضر دخل عليه ايناخ وهو أكبر من في الدولة ليعلم هل فاظ أم به رمق. فلما أقبل نظر إليه الواثق نظرة
من علم مراده فتراجع هبة منه طائر اللب حتى دخل نعل سيفه بين الحائط وباب البيت فسقط فاندق السيف. كل ذلك رعباً من نظر الواثق. فلما كان بعد ساعة، وقضى الواثق نحبه أفرد في بيت وشغلتهم بيعة الخلافة
(1/90)

فإذا الجرذ قد انتزع إحدى عينيه فأكلها فتعجب الناس من عين أصاب مثل ايتاخ في عظم الشأن من نظرها ما أصاب. ثم بعد ساعة أكلها أخس الحيوان.
وفي الحكاية المعروفة أن بعض العرب سئل: ما الذي تأكلون من حيوان البرّ قال: كل ما دب ودرج إلا أم حبين. قال: فلتهن أم حبين العافية عني من كل تطويل.
وقوله:
أقبلتُها غررَ الجياد كأنّما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
أقبلتها أي أقبلت بها إليها. وسيرتها مقبلة لها.
قال الراعي:
يَمشين مشيَ الهجان الادم أقبلها ... خل الكووِد هدان غير مُهتاجِ
وعنى بالأيدي هنا النعم من قولهم: لفلان عندي يد بيضاء. وقد جرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي، وهي جمع الجمع. وفي يد الأعضاء بالأيادي. وقد استعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال:
قتل الأيادي وذوات الأرجل
وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارهم. فمنها قول عدي:
(1/91)

نُحسِنُ الهنأ إذا استهنأتها ... دفاعاً عنك بالأيدي الكبار
يعني بالنعم الضخام. وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة. والشاعر يورد المجاز مورد الحقيقة، فشبه غرّ الجياد ببياض أيدي هؤلاء الممدوحين في الناس. فأجاد واحسن.
وقوله:
العارفين بها كما عَرَفتُهُم ... والراكبين جدودُهم أماتها
هذا البيت يحتمل معنيين: أحدهما وهو الظاهر إن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونها لأنها من نتائجهم. وعنى إنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين كانت تركب أمهات هذه الخيل. وهم اليوم يركبون بناتها. ولو ساعده الوزن لقال: والراكبين آباءهم ليكون أصح في التقابل. وهذا المعنى سواء. وقوله في أخرى:
لعلَّ بَينُهمُ لبينك جند ... فأوّل قرّح الخيل المهارُ
وأنشدني الشيخ أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى:
بناتُ الخيلِ تعرفُها دلوك ... وصارخة وآلسُ واللقان
(1/92)

هذه كلها من بلاد الروم.
يقول: كان أبوك يغير بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ظهوره، وإيراد أبي الفتح إياه في كتاب (الفسر) ليس بذلك السائغ عندي لما اذكره. وهو أن توالي الأبيات يدل على غير ما حكى يقول:
ومقانبِ بمناقبٍ غادرتها ... أقوات وحش كنّ من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودهم ... في ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتُهم ... والراكبين جدودُهم أماتها
فهو يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين، اللهم إلا أن يدعي مدح إنه قاتل عن خيل الممدوحين. وفي هذا نبو، ويعني إنه قادها إليه. والمعنى جيد لأنه يريد إنه يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه.
والمعنى الثاني هو الذي أورده يصف معرفتهم بالخيل، ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها. والخيل تعرفهم أيضاً لأنهم فرسان. وقد قال أبو الطيب أيضاً:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم
وهذا ظاهر.
ومن أمثال العرب:
الخيل تعرف من فرسانها البُهم
وقوله: والراكبين جدودهم أماتها يريد بذلك أن جدودهم أيضاً كانوا من ركاب الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية. ويوضح معنى ذلك ما أنشد الشيخ أبو العلاء لنفسه:
(1/93)

يا بن الألى غير زجر الخيل ما عرفوا ... إذ تَعرفُ العُربُ زجر الشاء والعكرَ
يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقيا. ويقول أن منابتها لم تزل تسقى الورى يعني أنا أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس فسقيت منابت هذه النفوس كما لم يزالوا يسقون الناس وجعل للنفوس منابت لما أراد أن يدعو لها بالسقي. وإنما تحتاج إلى السقي المنابت، ثم قال:
سقيت بندى أبي أيوب يريد بذلك إلى سقيا يده أعظم السقيا وهو أفضل قومه، وخير مَنْ نبت فيهم. وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بأفضال أبي أيوب عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه (لو) دعا بأن يسقيهم الغيث لكان دون سقيا يدي أبي أيوب.
(1/94)

وهذا ظاهر ويزيد ظهوراً قوله أيضاً:
ردي الوصال سَقي طلولَكِ عارضٌ ... لو كان وصلُكِ مثلَهُ ما أقشعا
فأنه يعظم شأن السّقيا الذي يدعو به. ولا يرضى أن تكون السقيا غير متناهية. ولقد أحسن في هذا النحو القائل:
سقى الجيرة الغادين وسميّ عارض ... هزيم الحيا سبط الرواقين ممرع
بسحب كأجفاني وبرقٍ كحرقتي ... ورعد كأعوالي وغيث كأدمعي
يريد بذلك تعظيم شأن بكائه. وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه ولم يعد الصواب لكنا قلنا برأينا.
وقوله:
فإذا نوت سفراً إليكَ سبقتها ... فأضفت قبلَ مضافيها حالاتها
هكذا رواه الشيخ أبو الفتح. وكذلك رويته أيضاً من عدة مشائخ. إلا أن الصواب عندي بالنون لما أنا ذاكره. وهذا البيت بعد قوله:
لا نعذلُ المرض الذي بكَ شائقٌ ... أنت الرجال وشائق علاتها
والهاء في سبقنها عائدة إلى الرجال. فيقول: أن تتشوق الرجال وتشوق علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك. فكل أحد
(1/95)

يشتاق إليك حتى الأمراض. وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين أمرها كما تفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين. فيقول: إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت إليك الرجال العلات، فجاءتك قبلها، لأنها أعراض. وأولئك جسوم. والأعراض أخف. فأضفت قبل أن تضيف الرجال العلات. فلهذا قلت الصواب سقنها. فأما إذا رويت سبقتها من حيث أن الممدوح معلوم إنه ليس يسافر إلى الرجال وإنما يصح سبقه للرجال إذا سافر إليهم قبل أن يسافروا إليه. فإذا كان المتنبي قد قاله بالتاء فيحتاج له إلى تمحل. وهو أن يقال سبقت أضافتها بإضافة حالاتها. وفيه بُعدٌ. والمضاف مصدر أضفت، كما أن المقام مصدر أقمت، والمضيف مصدر ضفت به إذا نزلت به. كما أن المقيل مصدر قلت، والمصير مصدر صرت والمضيف مصدر صفت بمكان كذا وكذا إذا أقمت به ضيفك.
وقوله:
جللاً كما بي فليكُ التَبريحُ ... إغذاء ذا الرشأ الأغن الأشيح
كثير من العلماء تكلموا في هذا البيت ووفوا حقه من قرائحهم. ومضى أكثر الكلام في تجويز حذف النون من قوله: فليك والذي يلقاها ساكن، وتمحلوا له معاذير. وإنما أتيت به لنكتة عرضت في معناه. قال القاضي أبو الحسن: خالف بين
معنيين في المصراعين، ومثل
(1/96)

هذا كثير. فقد جاء عنهم ما ناقص المصراع الثاني به المصراع الأول مثل قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأرواح والدّيم
ومثل قول بشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عني الكرى طيف ألم
قال القاضي: وبين المصراعين اتصال عاطفي. وهو إنه لما خبر عن عظيم تبريحه، وشدة أسفه بين الذي أورثه التبريح والأسف هو الرشا الأغن الذي شككه غلبة شبه الغزلان عليه في غذائه. قلت ويحتمل معنى الطف من هذا. وهو إنه يريد ما غذاء هذا الرشا إلا القلوب وأبدان العشاق يهز لها ويمرها ويبرح بها، كما صرح به في بيت آخر نحا منحى غير الغزل وهو قوله:
وتَرتُع دون نبتِ الأرض فينا ... فما فارقتُها إلا جَديبا
وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال:
(1/97)

ترعى القلوب وترتعي ... الغزلان في (بروقه) وشيحه
فكأنه يقول المتنبي: ليكن عظيماً مثل ما حل بي تبريح الهوى. أتظنون غذاء من فعل بي هذا الفعل الشيح. والله ما غذاؤه إلا القلوب العشاق. فهذا الطف مما ذكره القاضي أبو الحسن رحمه الله فأما الشيخ أبو الفتح فلم يعرض لهذا القول. وإنما قال: هذا الشك والاستفهام منه كقول ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أمّش سالم
وقوله:
تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود (
ما عرض لتفسير هذا البيت الشيخ أبو الفتح رحمه الله. وقد زعم القاضي أبو الحسن إنه من الشعر الذي عتب به، وزعم إنه مقلوب، وإنما يصح لو قال: كأنما
الرماح تحت مفاصلها مراود وشبه هذا بقولهم، طلع الجوزاء، وانتصب على العود الحرباء، وقول الشاعر:
كأنّه رعن قفِ يرفع الالا
وعنده أن المراود وهي جمع مرود ميل المكحلة.
(1/98)

وعندي أن المرود في هذا البيت المسمار الذي فيه حلقة تدور فيه. لفظة أظنها مولدة. وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب زمانه إلا إنه جود ما شاء:
ألمّي بعراف النّقا وتيمني ... مهبَّ النُعامى واجعلي الليل مِرودا
ألا ترى إنه لا يصح معنى هذا البيت إلا أن يكون المرود هو المسمار الذي يضرب للفرس لتدور الحلقة معه كيفما دار. ومعنى بيت المتنبي حسن جداً على هذا التأويل، يشبه مفاصله لسرعة استدارته إذا ثنى عنانه عند الطعان بمسمار المرود، تدور حلقته كيفما أدبرت. يريد لين أعطافه في الميدان وعند الطراد. وليس يريد كون الرمح في مفاصله إذا طعنت. ولو كان أراد ذلك لما قال: تحت الرماح. لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحص بعض المفاصل فوقه، وبعضها تحته فلا معنى إذن لقوله: تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي غير غريب ولا حسن يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل ينغل فيها كما ينغل الميل في العين أي يدخل. وهذا رديء ممتنع لشيء آخر. وهو إنه خص المفاصل، وليس كل الطعن في المفاصل، وليست هي أيضاً بمقاتل، ولا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول:
(فرائصها تحت الرماح مراود)
أو جواشنها. أما الفرائض فلأنها مقاتل، وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو. ويمتنع أيضاً ما ذهب إليه لقوله: تثنى على قدر الطعان فإذا كانت الرماح في
مفاصلها كأميال
(1/99)

في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، ومال الحاجة إلى قوله: على قدر الطعان إن كان على بعد منها أو على قرب. فإن التثني مع قرب الطعان ممتنع جداً. وليس كل الخيل تفعل ذلك. ألا ترى إلى قول القائل يصف فرساً:
وإذا عطفت به على ناروده ... لتدويره فكأنه بركار
مدحه بذلك التعطف وهذا يعرفه من جرب وشاهد المعركة. وليس من عمل القاضي رحمه الله.
وقوله:
وأتت أبو الهيجاء ابنُ حمدانَ يابنه ... تشابَه مولودٌ كريمٌ ووالدُ
وحمدانُ حمدون وحمدان حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشدُ
هذا المعنى من احسن معاني هذه القصيدة. والبيتان من خيار أبياتها. وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أحسن
(1/100)

منها وأجود فليعلم ذلك. وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال:
ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
وقال الآخر
عياد بن أسماء بن زيد بن قارب
واحتذى هذا الفاضل على طرقهم فقال، وأنت أبو الهيجا بن حمدان البيتين. وهذه من الحكمة التي ذكرها ارسطوطاليس، وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس.
هذا كلامه فليت شعري مم أتعجب من استقباحه ما هو أحسن شعره
(1/101)

أو تهزؤه الذي لا يليق بما نحن بصدده. أم من ظنه إنه إذا تهزأ توهم الناس فيه إنه يعلم ما لا يعلمون. ولقد جود أبو الطيب حيث قال:
وكم من عاتب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
ويقول أيضاً:
ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا
أما سبك البيت فأحسن شبك. يريد أنك تشبه أباك، وأبوك يشبه أباه. وأبوه أباه، فأنت أبوك، إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء. فليت شعري ما الذي أستقبحه. وقد جاراني بعض أهل العلم فقال: أستقبح قوله: حمدان حمدون، وحمدون حارث ليس في حمدان ما يسقبح من حيث اللفظ ولا المعنى. ولنسلم له أن حمدان وحمدون لفظتان مستهجنتان فكيف نصنع والرجل اسمه هذا. فهل تستعير له أبا غير أبيه، أم يسميه بلفظه حسنة يخترعها. ولقد كان الذئب في ذلك للآباء لا للمتنبي.
وقد قال أبو بكر محمد ابن دريد الازدي في قصائده:
(1/102)

وقيس بن عمرو بن العبيد وضاطر ... أناخ على ساسٍ مسيراً فجعجع
وقول الآخر:
وقيس بن مسعود بن قيس ين خالد ... وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
فما الذي غضّ من قوله (ضاطر). وضاطر اسم الرجل. وهل أقبح من ضاطر. وقد قال أبو الطيب أيضاً:
حدقٌ يُذِمُ من القواتلِ غيرُها ... بدرُ بن عمار بن إسماعيلا
فسرد أسماء آبائه على ما قال:
عتيبة بت الحارث بن شهاب
وكما قال غيره:
فودعي غير وداع صب ... ربيعة بن جعدة بن كعب
وعلى ما فعل أبو تمام حيث يقول:
عبد المليك بن صالح بن علي ... بن قسيم النبي في نسبه
وليس فيها معنى قوله:
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا نبه
(1/103)

وقد فسره أيضاً: تشابه مولود كريم ووالد
فكأنه علم الشعراء أن شبه الابن بالأب مما يمدح به ويراد به صحة النسب وطيب المولد. وقد غلط الصاحب أيضاً في رواية البيت. وإنما هو: ذوآب بن أسماء بن زيد بن قارب وأوله: قتلنا بعد الله خير لذاته. وهو لدريد بن الصمة. ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في مقاتل الفرسان. أولها هذا البيت. وبعده:
وعبساً قتلناه بحرّ بلادهم ... بمقتل عبد الله يوم الذنائب
ولولا سواج الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والارطى غياب بن ناشب
فلليوم سميتم فزارة فاصبروا ... لوقع القنا ينزون نزو الجنادب
فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم ... وإن تقتلونا جدكم في الترائب
ذكر أبو عبيدة قال: أنشد هذا البيت عبد الملك بن مروان قال: كاد يبلغ بنسبه إلى آدم. فأما قوله: هذه من الحكمة التي ذكرها ارسطاليس، وأفلاطون فلا يقاس به كلام، ولا فهم فهمه فهم. أترى من باب الفلسفة أن يقال: فلان مثل أبيه في الشبه، أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة. فسبحان الله من سخر له هذا الكلام، وما كنا له مقرنين.
(1/104)

وقوله:
سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثاً لقد أدناك يسرٌ وأبعدا
ولم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح تفسيراً شافياً. وهذا كلامه قال جيحان نهر أي أدناك سيرك من النهر، وأبعدك من آمد. وهذا - أيدك الله - كلام غير مفيد. إذ كل من سار من موضع إلى آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث
انفصل عنه. فلو سار غلوة أو فرسخاً فما وجه المدح في هذا إذا تأولناه على ما تأوله أبو الفتح وما فائدة البيت.
ووجه تأويله عندي ما أقول. وذلك أن جيحان من أرض آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك وقوله: سريت إلى جيحان من أرض آمد، وهذه مسافة بعيدة لا يصل فيها أحد بمستوى ثلاث ولو أن قائلا قال: سريت إلى الكوفة من بغداد لفهم عنه إنه قد وصل إلى الكوفة. إذ سرى إليها من بغداد. ويجوز أن يفهم عنه إنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها ولكن الكلام بعضه يدل على بعض لاسيما من عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب:
سريت إلى جيحن من أرض آمد
أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال ليصح معنى تعجبه بقوله: (لقد أدناك ركض وأبعدا) ولولا ذلك لما كان لتعجبه وجه.
(1/105)

وقوله ثلاثاً يريد في ثلاث. فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه (سريت).
وقوله:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيد
تكلم الشيخ أبو الفتح على العيد بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب. إذ كان العيد مما يفرح الناس له. فكذلك هذا العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:
جاء نيروزنا وأنت مرادهُ ... وورت بالذي أراد زِنادهُ
وقوله: ذكر اسم الله على أضحيته، كقوله تعالى: وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. وقوله تعالى: واذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها. فذكر اسم الله عليها واجب على المسلمين. فيريد أنت عيد كل مسلم.
وقوله:
يدقُ على الأفكار ما أنت فاعلٌ ... فيتركُ ما يخفى ويأخذ ما بدا
(1/106)

قال الشيخ أبو الفتح هذا البيت مثل قول عمار الكلبي:
ما كل قولي مشروحاً لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
وختم كلامه، وهذا البيت لعمري من البيت الذي ذكره. ولقائل أن يقول منه أخذه. لولا أن عمار الكلبي محدث قد أدرك زماننا. وهو رجل بدوي أمي كأنه قد أنشدت له قصيدة على فصاحتها ملحونة أولها:
تسد ما بين حاديها بذي خُصَلِ ... كالبرد نصفان هداب ومنسوج
إلا أنا نعرف معنى البيت ثم نتكلف في كيفية أخذه. فإن كان قد سمعه المتنبي فإنه لم يأخذ معناه ولكن نقله إلى معنى آخر. فأما أن يقال هذا مثل هذا ويختتم الكلام فتقصير بين.
ومعنى هذا البيت: إن ما تبتدعه من المكارم يخفى على أفكار الشعراء. فيذكرون في أشعارهم ما يظهر منها، ويتركون ما يخفى على أفكارهم. وليس يريد أن المقتدين بك في المكارم يأخذون ما ظهر منك ويتركون ما خفي لأنه لو أراد ذلك لما أتى بالأفكار. ولقال يدق على الكرام. لو أراد ذلك لما قال: (يترك ما يخفي ويأخذ ما بدا) وكان الأبلغ في المدح أن يقول: إذا فعلت فعلا لم يهتد إلى فعل مثله أحد فلم يأت له. كما قال في مكان آخر:
تبكوا وراءك يا بن أحمد قُرّحٌ ... ليست قوائمهن من آلاتها
وأما قول عمار فيعني أن قولي أدق من أن يفهموا جميعه، فخذوا
(1/107)

ما عرفتم، ودعوا ما لم تعرفوا، فنقله إلى المدح أبو الطيب، وأقام دقة صنعه في اقتناء المكارم دقة معنى الشاعر. وأول الأبيات:
ماذا لقيتُ من المستعمرين ومن ... قياس نحوِهُمُ هذا الذي ابتدعوا
أن قلتُ بكراً يكونُ لها ... معنى خلاف الذي قاسوا وما ذرعوا
قالوا لحنتِ وهذا الحرف منخفضٌ ... وذاك نصب، وهذا ليس يرتفع
وضّربوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد فطال الضرب والوجعُ
فقلت واحدةٌ فيها جوابهُم ... وأفضل والقول بالإيجاز ينفع
حتى يصير إلى القوم الذين غذُوا ... بما غذيت به والوقل يستمع
فتعرفوا مِنهُ معنى ما أفوه به ... حتى كأني وهم في لفظه شَرعَ
كم بين قَوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قومٍ على إعرابه طُبعوا
وبين قوم رأوا شيئاً معانيه ... وبين قوم حكوا بعض الذي سمعوا
وقوله:
فارقتكم فإذا ما كان عندُكمُ ... قبل الفِراقِ أذى بعد الفراقِ
أي كانت منكم أحوال أكرهها فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يداً لأني أتسلى إذا ذكرتها عنكم وتزهدني فيكم، فهي
(1/108)

على الحقيقة يد إذ كانت سبباً للسلو عنكم. وفسر ذلك قول بعده:
إذا تذكرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الوجد الذي أجد
يريد أني أجد عليكم وجداً ينال مني، فإذا تذكرت ما صنعتم من قبح الصنيع أعان قلبي على الوجد الذي عرض له، وسلاني وصبرني. فقلبي نصب لأنه مفعول به من أعان وفاعله ما بيني وبينكم. وقوله: ما بيني وبينكم يريد من أحوال الهوى، وقبح الجزاء على حبي لكم. وقد خفف الشيخ أبو الفتح في تفسير هذين البيتين ولم يأت بكبير فائدة.
وقوله:
اليوم عهدكُمُ فأين الموعدُ ... هيهات ليس ليوم عهدكم
قال الشيخ أبو الفتح أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. فليس لذلك اليوم غد عندي وهذا ما ذكره رحمه الله إلا أن البيت لا يتكشف معنى سائره
بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه فعرفوني متى الموعد باللقاء. إذا افترقنا. ثم تدارك بقوله:
هيهات ليس ليوم عهدكم غد
قوله: أين الموعد كأنه نعى على نفسه ما أتته. وقال: وما سؤالك عن موعد اللقاءات وأنت لا تحبين بعد فراقهم فلأجل هذا الاستدراك الذي
(1/109)

لم يوضحه استبهم معناه ولم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرحه. وقوله اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:
وأخر عهد منه يوم لقيته ... بأسفل وادي الدوم والثوبُ يُغسلُ
وليس من العهد الذي هو العقد في مثل قول الحارث بن حلزة:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدّم فيه العهود والكفلاء
وكثيراً ما يستعمل العهد مكان الوعد إذا كانا من باب الموبقة فبما قال: اليوم عهدكم فأين الموعد فجمع بين اللفظين. اشتبه على من سمعه. وظن إنه يقول اليوم وعدكم الذي وعدتموني فأنجزوا وعدي فلذلك وجب إظهار ما أراده أبو الطيب.
وقوله:
صح يال جُلهَمة تذرك وإنما ... أشفار عينك ذابلٌ ومهّند
حيٌ يشار إليكَ ذا مولاهُمُ ... وهم الموالي والخليقة أعبُد
أما البيت الأول فقد فسره ابن جني تفسيراً مضطرباً. فإنه قال:
(1/110)

أي تحدق بك الرماح والسيوف فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار. وهذا كأنه من قول الآخر:
وإذا دُعوا لنزال يوم كريهة ... ستروا شُعاع الشمسِ بالخُرصان
هذا تفسيره. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك. وما بال السيوف والرماح تغطي بها عينه دون سائر الأعضاء. بل أي موضع في هذا البيت لفظه تدل على التغطية. ولم يتكلف ما يعسر تمحله فيقال كثرت عليه الرماح والسيوف حتى صارت كأنها
غطاء على عينه إذا مدَّ بصره. والعين قد تبصر ما في السماء ولا تغطيه عليها الرماح والسيوف. هذا والشاعر يقول غير ما ذهب إليه، ويريد غير ما تمحله. وإنما قوله: (تذرك وإنما أشفار عينيك) كقولك: تركت زيداً وإنما عينه سماء هاطلة. وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذا أثخنته ضرباً وتركت الأرض وإنما جنة.
يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فهابك كل واحد كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحاً، وصلت عليه بسيوف. كأنه قال: صح بال جلهمةِ يتركك. وهذا حالك من الهيبة في القلوب.
فان قال المحتج عن الشيخ أبي الفتح إنه ذهب بقوله: تغطى عينك كما تغطيها الأشفار إلى ما أوردناه من معنى الهيبة لحضور السيوف والرماح لا على تشبيه الشفر بالرمح، أو غنائه مغناه فمبطلُ فما يدعيه إذا كان الرجل لم يأت بمعنى التغطية البتة. وقد ادعاه الشيخ أبو الفتح لفظاً ثم زاده توكيداً بأن قال: كأنه مأخوذ من قول القائل:
(1/111)

سدوا شعاع الشمس بالفرسان
ومعنى السد والتغطية. وما أراده أبو الطيب بمعز عنهما. ولو قال: كأنه من قول القائل
عيناه سهمان له كلما ... أراد قتلي بهما سلما
كان أسلم له وأصوب
وأما البيت الثاني فأنا ضممناه إلى هذا البيت لأن بينهما تعلقاً نورده إن شاء الله.
قوله: حيٌ، ريد به جلهمة حيٌ يشار إليك أيها الممدوح أنك مولاهم أي سيدهم وهم الموالي أي السادات. يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيداً. بل أنت سيدهم وهم سادة البشر.
وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها (حتى يشار إليك). ولم نروه. إلا أن هذه
الرواية سائغة لطيفة. يعني انهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد إذا صحت بآل جلهمة فعل المسودين المذعنين لك بالفضائل والرئاسة والسؤدد لك عليهم.
فهذا هو المتعلق بينهما. وان كان قد تخللهما قوله:
من كل اكبر من جبال تهامة ... قلباً ومن جود الغوادي أجود
كأنه توكيد للمعنى. وتعظيماً لشأنهم أعقبه ذكره سؤدد الممدوح عليهم مما ذكره من فضلهم.
(1/112)

وقوله:
أنى يكون أبا البرية آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنت محمد
في اللفظ تقديم وتأخير إذا تصورته لم يشتبه المعنى. وتقديره، كيف يكون أبا البرية آدم. وأبوك محمد وأنت الثقلان. يريد إنه إذا كنت أنت الثقلين وأبوك محمد فإذن أبو البرية أبوك لا غيره وقوله: والثقلان أنت يريد الجن والأنس. أي أنت توازيهما فظلاً. وقد كرر هذا المعنى في شعره فأظهر قوله:
ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وليس يقال في هذا المعنى مأخوذ لكثرته على السن الناس. وقد أورد الشيخ أبو الفتح حكاية عن أبي تمام مستحسنه. وجملتها إنه اتخذ هذا المعنى من قول أبي نواس
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وهذا كله من الآية: إن إبراهيم كان أمة صلى الله عليه وعلى آله.
وقوله:
ولا الديار التي كان الحبيب بها ... تشكو إليّ ولا تشكو إلى أحد
وقال الشيخ أبو الفتح: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار أيضاً فضل، لأن
الزمان أبلاها. وهذا على ما قاله الشيخ أبو الفتح وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره.
(1/113)

وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد: لا أنا أشكو إلى أحد ولا الديار تشكو إلي لخفائها ودروسها فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله فصار مضطرباً من المحتمل السائغ، لا من الظاهر البارز.
قوله (في البيت السابق)
ما الشوق مقتنعاً مني بذي الكمد ... حتى أكون بلا قلب ولا كبد
كأنه يقول: ولا الديار تقنع مني به. ثم فسر لأي حال لا تقنع منه به فقال: تشكو إليّ أي إنها شكواها. سائغ وهي مما لا يعقل شكو إلي بدروسها وزوال جمالها. وأنا لا يحسن بي الشكوى إلى أحد لأنني ممكن يعقل ولا يحسن بي إظهار الحب، وإفشاء السر فيكون عطف نفياً على نفي تقدمه لا عطف على جملة لم تأت بعد.
ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله: لا تشكو إلى الديار لأنه لم يبق فيها فضل لشكوى فكيف عرفها وإذا بلغ الحال في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.
وقوله:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
قال الشيخ أبو الفتح: أي كأن ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرهاً له. وهذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى. وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود.
(1/114)

ولو كانت العين من الأعضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها الشعر النابت فيها ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال: إذا نظرت إلى شيبي فكأنه عاينت بياضاً نزل في سوادها، من البياض المستكره الذي ينزل فيه من العلة.
ولعل الشيخ أبا الفتح تجنب هذه المقالة لأنه رآه أضاف البياض إلى الشيب فظن
في العين من شعر أيضاً ليصح فيه معنى البيت. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسنه، وذلك إنه يريد بياضاً مستهجناً مستقبحاً كبياض الشيب كما قال البحتري
وددت بياض السيف يوم لقيتني ... مكان بياض الشيب حل بمفرق
وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به. فأراد التسوية بين البياضين وهذا واضح كثيراً
وقوله:
متى ما ازددتُ من بُعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي
(1/115)

وقوله وقع: يحتاج إلى تفسير لئلا يتوهم فيه ما يستزل عن المعنى. يقال وقع زيد في المكروه، ووقعنا في وعث من الأرض. ووقع قلبي في تهمة. وكذلك يقال وقع شيبي في الزيادة. ووقع نزق الغلام في إنقاص. والمعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء الأربعين سنة فإذا ازددت بعدها نقصت القوى وعدت انتقص بعدما كنت ازداد. وكأنه من المعنى الذي له:
فبعثنا بأربعين مهاراً ... كل مهر ميدانه إنشاده
عدد عشته ترى الجسم فيه ... زائداً لا يراه فيما تزاده
ولأجل هذا أتى به بعد قوله:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
وقوله: (فقد وقع انتقاصي في ازدياد) يريد قد ابتدأ نقصاني يزيد. وهذا المعنى من قوله:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلاً ... للمنتهى ومن السرور بكاء
على أن المعنى من قول القائل:
وأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادة الدنيا هي التنقيص
والأول فيهما جميعاً قوله:
وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
(1/116)

وقوله:
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد
قال الشيخ أبو الفتح أي أبعد بعدنا مثل التداني كان بيننا. وقرب قربنا مثل قرب البعاد كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد. وهذا تفسير واضح إلا أنا نريد أن نزيده شرحاً إذ كان البيت معقد اللفظ فنقول:
إن قربنا وبعدنا مفعول بهما. وقوله بعد التداني، وقرب البعاد منصوبان على المصدر كقول الشاعر:
له صريف صريف العقو بالمسد
وله نهيق الحمار. يريد كنهيق الحمار.
وقد يقال في العبارة عن تفسير هذا البيت لفظ آخر يزيده وضوحاً. وهو إنه يقول: قبل أن اجتمعنا كان القرب بعداً، والبعد قرباً، لانا كنا على البعد متواصلين. وعلى قرب الضميرين متباعدين فلما اجتمعنا صار البعد بعداً حقيقياً. والقرب قرباً حقيقياً. وكأنه في المصراع الأول نظر إلى قول ابن المعتز:
أنا على البعاد والتفرق ... لنلتقي بالذكر أن لم نلتقِِ
وكأن في المصراع الثاني مضاده لقوله:
وكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى
(1/117)

وقوله:
أقل فعالي بله أكثره مجد ... وإذا الجد فيه نلت إن لم أنل جد
بله: بمعنى دع أكثره، وكيف أكثره. كأنه لو تأتي له الوزن لقال: أقل فعالي مجد، فكيف أكثره وبله: وقد تكلم عليه ابن جني بنحو الورقتين من الكلام، ولا معنى
لتكراره. ومعنى هذا المصراع أني لا أفعل شيئاً إلا ومغزاي الجد، وإياه أنحو، وإليه أدأب. كأنه لو صرح بالأقل لقال: يومي مجد وأكلي مجد، وشربي مجد، وأخذي مجد وعطائي. ولو صرح بالأكثر لقال، تغريري بنفسي ودخولي في المهالك. وسيري في المفاوز ولقائي الملوك وتيهي عليهم.
وأما قوله:
وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد
فالجد هنا ضد الهزل. والجد بمعنى الحظ والبخت. فيقول جدي وتشمير إلى هذه الغاية في (سبيل) طلب المجد هو بخت وحظ من الله تعالى. فان نلت ما أريده أو لم أنله محظوظ ومبخوت.
وقوله:
من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهُمُ يُسدي اليهم بأن يسدوا
(1/118)

يريد انهم لكرمهم يعتقدون منه فضلاً عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك وأنا اشكرهم على ما أولوني من الجميل. وهو يشكرونني على أخذي نوالهم.
وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين. إذ جعلهم يسدي إليهم بأن يقبض نوالهم. وهذا هجو، إذ جعلهم كمن يؤنف من فيض نواله، وبمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:
وفيض نواله شرف عزٌ ... وفيض نوال بعض القوم ذام
على إنه وإن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه فقد علم إنه إنما يريد شده فرحه بالعطاء حتى كأن من يسأله يمن عليه. فما أكثر ما جاء نظير هذا من شعره وشعر غيره. وأجود من قال:
إنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد
ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكراً وما حمله على الرضى بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في الثاني وهو قوله:
فشكري له شكران شكر على الندى ... وشكر على الشكر الذي وهبوا بعد
(1/119)

فهذا المعنى من تعسفه في أغرب مما مضى إذ يقول: شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي. وشركتهم على ما أعطوني فصار لهم شكرين.
وقوله: الذي وهبوا بعد. جعلوا الشكر الذي أتوه له هبة ثانية منهم. وصار مستحسناً وزيادة في المعنى والصنعة.
وقوله:
وشامخ من الجبال أقود ... زرناه للأمر الذي لم يعهد
للصيد والنزهة والتمرد
قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال: لم يعهد أي إن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب والتفسير على ما حكاه، إن كانت الرواية (لم يعهد) بضم الياء لا محيص عنه والأجود عندي هو ما أرويه (لم يعهد) بفتح الياء، ويكون ضميره للشامخ من الجبال. يعني إنه لم يعهد الصيد فيه، لعلوه وارتفاعه ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير لعظيم شأنه. ألا تراه يقول:
فردِ كيافوخ البعير الأصيد ... يسار في مضيقه والجلمد
في مثل متن المسد المعقد
فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق. فهذا أراد بقوله: لم يعهد. ألا نراهم يمتدحون بالصيد ومطاردة الوحوش. على أن عامه شعر امرئ القيس، وكثير من الشعراء بعده افتخار بالطرد. وقد مدح أبو الطيب كثيراً به ولم يستنكف لأحد من الممدوحين منه كقوله:
(1/120)

وذي لجب لا ذو الجناح أماه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
وقوله لعضد الدولة:
لم يبق إلا طرد السعالي ... في الظُلمِ الغائبةِ الهلال
على ظهر الإبل الأبُّال
وخص الإبل الأبال لأنها عندهم من الجن. وكذلك الظلم عندهم تنتشر فيها الجن فوق ما ينتشر في الضوء.
وقوله:
أحلما نرى أم زماناً جديداً ... أم الخلق في شخص حيّ أعيدا
يريد ب (حي) رجلاً واحداً، دعته الضرورة إلى ذلك. وإنما هو من قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
إلا إنه أراد الزيادة في هذا المعنى، يعني أن الخلق الهالكين أيضاً أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير. وهذا كقوله أيضاً:
(1/121)

ولقيت كل الفاضلين كأنما ... ردّ الإلهُ نفوسهم والأعصرا
ومثله:
مضى وبنوه وأنفرت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد
وقوله:
يباعدن حباً يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده
الحب: المحبوب. فعل بمعنى مفعول، مثل طحن بمعنى مطحون.
(1/122)

وسلوك بمعنى مسلوك، وذبح بمعنى مذبوح. ويباعدن بمعنى يبعدن. قال الله تعالى: ربنا باعد بين أسفارنا. أي بعد بينها وقد قرئ: بعد أيضاً.
ومعنى البيت ليس من العويص الغامض. وإنما وعر مسلكه على الإفهام بقوله: يجتمعن. وكأنه أتى بهذه اللفظة ليصح به الوزن. كأنه يقول: يبعدن عني حبيباً
وصله موجود كائن بكونها. فكيف اطمع في جيب صده موجود. فوضع يجتمعن موضع الوجود والكون. وقد فسر هذا البيت بقوله:
أبي خلْقُ الدنيا حبيباً تديمُهُ ... فما طلبي منها حبيباً تردُهُ
وهذا البيت هو الأول بعينه، لا اختلاف بينهما في شئ من الوضع ولا المعنى. وفي شعره كثير مما فسر الأبيات السابقة بالتالية. فمنها قوله في هذه القصيدة:
فلا ينحلل في المجد مالُك كلُهُ ... فينحل مجدٌ كان بالمال عقدُهُ
ثم قال:
فلا مجد في الدنيا لمن قَل مالُهُ ... ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُهُ
هذا المعنى هو المعنى الذي تقدمه بعينه. ومثله كثير:
(1/123)

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فوضع النّدى في موضع السيف في العلى ... مضرٌ كوضع السيف في موضع
الندى
وقوله:
بوادٍ به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده
قال الشيخ أبو الفتح: قوله: به ما بالقلوب. أي قد قتله الوجد لفقدهم. فيجري هذا مجرى قوله أيضاً:
لا تحسبوا ربعكم ولا طللة ... أول حيّ فراقكم قتله
ومعنى هذا البيت: إن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا. فأما قول أبي الفتح: أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل. ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء. ولا ادري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسيره هذا البيت الظاهر.
وقوله:
أنا اليوم من غلمانه في عشيره ... لنا والدٌ منه يُفدّيه وِلدُهُ
(1/124)

قد كان يجب أن يقول: في عشيرةٍ، لهم والد منه. إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة. وإتمام الخبر. وقد فعل ذلك في كثير من شعره فسنذكر بعضه.
فمنه قوله:
وأني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
وكان يجب أن يقول: كأن نفوسهم ليتم الكلام الأول. هذا على الظاهر المتعارف. وقد كان الذي يذهب إليه في هذا الباب قوياً جداً لكثرته في كلامهم وحملهم الكلام على المعنى، وصرفهم الضمير عن وجهه، وترك ردة مع الحاجة إليه وذلك لان الضمير بالضمير الثاني هو الأول في حقيقة الكلام وإن اختلفت علاماتهما ولو لم يأت إلا قول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع اجر من أحسن عملا. وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين لكفى وأقنع. إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول. والذين من الأسماء النواقص فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى. ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز
يا ابجر بن ابجر يا أنتا ... أيت الذي طلقت عام جُعتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
كان الواجب أن يقول: أيت الذي طلّق. ومن ذلك قول
(1/125)

أبي النجم
يا أيها الذكر الذي قد سؤتني ... وفضحتني وطردت أم عياليا
كان يجب أن يقول: قد ساءني. ومثله
أنا الذي سمتني أمي حيدره
القياس يوجب أن يقول: سمته.
وقوله:
وأنت التي حببت شعباً إذا بدا ... إليّ وأوطاني بلاد سواهما
والكلام وأنت التي حببت. وقول كثير:
(1/126)

وأنت التي حببتِ كل قصيرة ... إليَّ وما تدري بذاك القصائر
ومثله:
وأنت التي ما من صديق ولا عدي ... يرى نضو ما أتعبت إلا آوى ليا
ومثله:
وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاً ... وليس له أمٌ سواك ولا أب
قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فاعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة. لأنه لو قال: وأنت الذي ربّى ذلك الملك لعاد الضمير من لفظ الغيبة، فإذا قال ربيت فقد خاطبه وكان أبين. ولعمري إنه لكما ذكر. ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع. ولا يحسن.
هذا كلام ابن جني. وقال أيضاً: لولا أنا سمعنا مثله من الشعر للعرب لرددناه.
(1/127)

قلت وقد لجّ أبو الطيب في هذا الباب حتى قال ك
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وقال:
قوم تفرست المنايا فيهم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام
وقال:
أيها الواسع الفناء وما فيه ... مبيت لمالك المجتاز
وقال:
كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل
وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب في كل ما مدح به. فإذا أورد ضميراً في ذم رده إلى الكلام الأول تفادياً أن يخاطب به مواجهاً، أو يرده إلى نفسه مخبراً فقد قال:
(1/128)

أنا الذي نام إن نَبّهتُ يقظانا
ألا تراه كيف هرب من أن يقول: أنا الذي نمت، لما كان كلام ذم لفظاً، ولم يؤثر الإخبار به عن نفسه. وهذا من أدق ما في شعره من الحسن وأدله على حكمته واستيلائه على قصب السبق في شعره.
وجرير قد خلط هذين المذهبين في بيته فقال:
ألم أك ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجأتُمُ من ورائيا
وباسط خير فيكُ بيمينه ... وقابضَ شر عنكُمُ بشماليا
ولم تجر العادة باستقصاء ما يجري في هذا المجرى من الإغراب. إلا إنه لما تعلق بالمعنى وأردنا التنبيه على مذهبه في أكثر شعره قادتنا الضرورة إلى إيراده.
وأما قوله:
لنا ولدٌ منه يفديه ولده
يريد أن الجاري في العادة أن يفدى الوالد ولده لفظاً أي يقول: فديته. أعني كقول:
فديت بنتي وفديت أمها
(1/129)

وكالمثل المضروب: يحمل شن ويفدي لكيز وخبره أن أخوين: أحدهما شن، والآخر لكيز كان شن باراً بأمه فكان يحملها على ظهره في اسفاره، وكانت الأم إلى لكيز أميل فكانت تفدي لكيزاً وهي على عاتق ابنها شن. فيقول أبو الطيب: كافور لما بمنزلة الوالد إلا أنا نحن نفديه، ولا يفدينا هو. وكأنه يريد بذكر الوالد التعريض له بأنه خصيّ وإنه ربى ولد ابن طغج تربية الوالد. فكرر ذلك فقال:
إنما أنت والد الأب القاطع ... خير من واصل الأولاد
وقوله: وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاً، وقوله منه بمكانة، كما تقول: رأيت من زيد أسداً ولي منك أخ شفيق.
وقوله:
يُخلّف من لم يأت دارك غايةً ... ويأتي فيدري أن ذلك جهده
قال الشيخ أبو الفتح: أي إذا اجتهد الإنسان في بلوغ الغاية فإنما مقصده دارك لأنها النهاية.
هذا على ما قاله رحمه الله إلا إنه يحتاج لهذا البيت إلى فضل تبيان.
قوله:
يخلف من لم يأت دارك غاية
أي الغاية دارك، ونهاية ما يأتيه مكتسب المجد أن يقصد، ونهاية ما يأتيه مكتسب المال. فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية لم يأتها فإذا أتاها علم أن ذلك جهده في اقتناء المكارم واكتساب المال. والغرض إن قصدك هو نهاية الآمال كما قال:
(1/130)

هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وقوله:
ووعدك فعل قبلَ وعدٍ لأنه ... نظيرُ فعال الصادق القول وعده
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: الصادق إذا وعد وفى فكأن وعده لصحة وقوع موعده فعل.
هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا. يقول: كل من كان وافياً بمواعيده فوعده نظير فعله. أي كأنه إذا وعد شيئاً فقد فعله لركون النفس إليه، وشدة الاعتماد عليه ونقيض هذا قوله:
أصبحت أروح مثرٍ خازناً ويداً ... أنا الغني وأموالي المواعيد
هذا هزو، يقول: أنا مثر ولا تعب على خازني، ولا على يدي، إذ كان إثرائي من
المواعيد لا من المال. والمواعيد لا يتعب فها الخزان والأيدي. وكذلك قوله:
جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وقوله:
لولا لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدود
قال الشيخ أبو الفتح: لولا ما اطلبه من العلي لم تقطع بي الفلاة ولا المهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.
(1/131)

قلنا لابد للفظ من بيان اشفي من هذا القول، فوجناء حرف فاعله لم تجب. وما أجوب بها بمعنى الذي وموضعها النصب. وقد وضعها موضع الفلاة. أي لم تجب بي الفلاة التي أجوبها بها وترك مفعول أجوب لأنه معلوم مفهوم. والهاء في (بها) قبل الذكر وهي للوجناء والجرداء فكأنه لو واتاه الوزن لقال: لولا العلي لم تجب بي الوجناء ما أجوبه بها من فلاة ومهمة.
ونظير هذا البيت قوله وان كان مدحاً لا افتخارا:
في سبيل قتالك والسلم ... وهذا المسير والأجذام
وإنما شرحنا هذا الشرح لئلا يتوهم متوهم إن الهاء في (بها) راجعة إلى العلى.
وقوله:
ما يقبض الموت نفياً من نفوسهم ... إلا في يده من نتنها عود
هذا البيت ظاهر المعنى. وقد تكلف له القاضي أبو الحسن رحمه الله ما كان غنيا عنه. وذكر إنه عيب بهذا. وقيل: إنّ العود يعني عود الطيب ليس بذي رائحة فيغني عند الشم أو يفزع إليه من نتنِ. ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنه لا يباشر بيده الموت قبض روحه تقززاً واستقذاراً فيحمل عوداً من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به.
(1/132)

ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب إنه يعني عود الطيب لعاجز. وإن الاحتجاج
عنه والنفح دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدياً من غير تعريج على محال، أو توهم لغير الواجب. وما أغرى القاضي أبا الحسن إلا ذكره للنتن فحسب أن لابد من طيب يقابل النتن به. وقد علم أن أبا الطيب جدا لعالم إن العرب لم تسم العود المتبخر به عوداً إلا إنه بعض العيدان وجنس منها، وانهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض. ولم نسمع أحداً من الشعراء، ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عوداً، وناولني فلان عوداً على لفظ التنكي، والمراد هذا الطيب. وإنما يقولون أخذت مندلاً أو ألوة أو مجمراً. والعود معرفاً من الأسماء التي تختص به. فإذا أتوا بعود منكراً أوردوه في اللفظ دال على الطيب فقالوا: تبخرت بعود ونكثت بعود. وما أشبه ذلك ألا ترى إلى قول الحارث بن حلزة:
أوقدتها بين العقيق بشخصين بعودٍ ... كما يلوح الضياء
ألا تراه لا يدري أعود الطيب أم عود الحطب إلا أن يدعيه مدح تحسينا للمعنى. وإلى قوله:
ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء ورد وعود
ولم ينفر ذكر العود هاهنا إذ ذكره مع الطيب، وعلم إنه يريد عود الطيب. والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله. لا يقال: أخذت عوداً
(1/133)

فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه وإلا لم يعلم ما عنيت كقول بشار:
إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوباً دعاها للصبابة داع
ولولا ما في البيت من الدليل على ما عنى لقال: الكرينة فإنها من أسماء العود فيما فسر به الحديث المروي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرينة والعرصبة. والكرينة: البربط. والعرطبة: الطنبور. وقالوا: هما تعريب كرنة
بالفارسية أي صناجة (واد بنه أي إليه الحمل). وقد قيل: الكرينة المغنية. وانشد بيت الطرماح:
تقصر معداهن كل مولول ... عليهن يستكنهن أيدي الكراين
وقد يقال: ميت يحمل على أعواده. فذكر الميت ليعلم أنك أردت الجنازة. ولولا ذلك ما علم أن الأعواد أعوادها.
وقوله:
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو إنه في ثياب الحر مولود
لم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح. ولابد له من تفسير. هذا يعرض بابن طغج. يقول: كلن لا يحب أن يركن إليه. ولا يتخذه أخاً وصاحباً لو إنه حر ولد في ثياب حر. والهاء في قوله: لو إنه عائده إلى ولد ابن طغج. كأنه يقول: لو إنه حر لما اتخذ العبد أخاه. يريد هو ولد زنا ولولا ذلك لما رضي بهذه الهضيمة. يعزيه به، ويذمه على تسلطه.
(1/134)

قوله:
وعندها لذّ طعم الموت شاربُهُ ... إن المنية عند الذّل قنديدُ
القنديد: الخمر. وقيل هي التي فيها الافاويه والطيب. وأنشدوا بيت الأعشى:
ببابل لم تعصر فجاءت سلافه ... تخالط قنديداً ومسكاً مختما
يريد أن المنية عند الذل طيبة كالقنديد. كأنه لو أمكن أن يقال: أن المنية عند الذل عسل أو ما أشبه ذلك. وهذا كقول القائل:
الموت أحلى عندنا من العسل
لا عار بالموت إذا الموت نزل
إلا أن في الخمر معنى التساقي الذي يستعمل في الموت والحرب. وليس في العسل ذلك. وهم يقولون: ورد الموت، وسقيته الموت، وليس لغيرها من الأطائب
هذه المشاركة في اللفظ. ألا ترى إلى قول القائل:
فما في تساقي الموت في الحرب سبة ... على شاربيه فاسقني منه واشربا
(1/135)

وإلى قول الآخر:
أسود شرى لاقت اسود خفية ... تساقت على حرد دماء الأساود
وقوله:
كلما قال ناء أنا منه ... سرف قال آخر ذا اقتصاده
قال أبو الفتح أي ليس على نائله قياس. وهذا مثل لان السائل لا يقول شيئاً. هذا على ما قال الشيخ أبو الفتح إلا إنه لم يشف واسيا في بعض العبارة.
وقوله: قال آخر ذا اقتصاده. ذا إشارة إلى النائل الأول الذي قال: أنا سرف. كأن النائل الثاني كذبة إذ كان أعظم منه فقال: بل هو اقتصده. وقول أبي الفتح: فليس على نائلة قياس. عبارة رديئة وعي في الكلام. فإنه لو كان أبو الطيب قال ذلك لكان قد نسب الممدوح إلى الهوج. إذ كان معناه إنه ربما أعطى القليل من يستحق الكثير. وأعطى الكثير من يستحق القليل. وكان كقول القائل:
(1/136)

فإنّها خطرت من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقوله في هذه القصيدة يصف سيفاً:
كلما استل ضاحكته إياه ... تزعم الشمس إنها أراده
الاياة: ضوء الشمس. والريد: الترب وجمعه: أراد وريدان. كذا في الجمهرة وأنشد فيه يصف:
قالت سليمى قولةً لريدها ... ما لابن عمي مقبلاً من سيدها
بذات لوث عينها في جيدها
فالشمس مؤنثة، والاياة مؤنثة. ولا ذكر هاهنا ترجع إليه الهاء في إرادة إلا السيف. والاياة نكرة تحاج لها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام. فان كانت
(الهاء) راجعة إلى اياة فالهاء في إراده. أما للشمس وأما للسيف وان كانت الهاء في أنها للشمس. فالهاء في ارآده لا تصلح أن ترجع إلى اياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث. وقد أهمل أبو الفتح هذا الفحص حتى لم يطر حسناته وارآد جمع، والشمس واياه موحدان.
والذي عندي في هذا البيت إنه ذكر الشمس إذ لم يكن تأنيثها حقيقياً واضطرت القافية إلى تذكيره. وقد فعلت العرب مثل ذلك. قال قائل:
فلا مزنة ورقت ودقها ... ولا أرض أبقل أبقا لها
(1/137)

وقول الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا
وقد فعل أبو الطيب مثل ذلك في قوله:
ومخيب العذال فيما أملوا ... منه وليس يرد كفاً خائبا
فأما وجه جمعه الارآد والاياة موحدة فإنه حملها على المعنى في قوله: كلما سُل. . . فإنه عنى سلات كثيرة. فكل سله ريد للشمس. وفي البيت نظر آخر وهو أن الريد: الترب، وإنما يقال فلانة ريدة لفلانة أي هي في سنها. ولا فائدة لكون السيف ريد للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه في مثل ضوئها في المنظر.
والقول في ذلك عندي إنه أقام الريد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام وتعويلا على دلالة الخطاب.
وقوله:
مثلوه في جفنه خفية الفقد ... ففي مثل إثره إغماده
هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. والذي قاله أبو الفتح: كان جفن هذا السيف مغشي فضة منسوجة عليه فكأنه حكوه ببقاء الفضة التي له على جفنه
صوناً من الفقد لئلا تأكل جفنه.
هذا كلامه وفيه زلل كثير في مواضع سأبينها لك فافهمه. فأحد ما زل فيه قوله: حكوه ببقاء الفضة التي على جفنه مع قوله كان مغشي عليه
(1/138)

لفضة منسوجة. فإذا كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بعضه مطروقه مصفحة لكون بقاؤها مثل بقائه وهيئتها كهيئته. فأما المنسوجة فلا بقاء لها. وقد زعم إنها كانت منسوجة فقد نقص آخر كلامه أوله. والآخر قوله: صوناً له من الفقد. فقد ظن أبو الفتح إنه يعني أن لو لم يغش لفقد. وليت شعري كيف هذا من بين السيوف كلها غير مغشاة بفضة فما يفقد. والآخر قوله: لئلا يأكل جفنه. وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد. وإنما يفقد إذا كان ذاك الجفن وصلاحه له من بعد وقد يحل أيضاً بهذا القول من حيث أن السيف إذا غشى بفضة منسوجة لم يمتنع من أكله جفنه لأن تلك الفضة لا تجعل على مكان حده. ولو جعلت عليه لكان السيف ماضياً فيها لأنها ممطولة دقيقة جداً. والذي عنا أبو الطيب غير ما حكى، وإنما شبه أثره بنسيج الفضة على جفنه فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسيج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفاً حدودها فولاذ، ومتونها حديد من المديل وهو المسمى بالفارسية (ترماهن) يهز أحدها ثم يعطف طرفة فيلتقي مع قائمة ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسيج. فيزعمون إنها تتخذ من حديد يمطل كما تمطل الفضة. فإذا صار على دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة. فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه حتى إذا صار ناراً طرق فاتحدت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، والبس حداً من (الساترمان) الجيد فلا نرى فلانداً أحسن من فرندها. وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها. فقد ادعى أبو الطيب لحذقه بصنعة الشعر أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند فعل ذلك به
أراده إلا تفقده العين يكونه في غمده بل كأنها ناظرة إليه. ولم يرد بقوله خشية
(1/139)

الفقد ضياعه وذهابه بل أراد إنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد نظره بإغماده فقد مثله في جفنه. فانظر كيف اضطرب هذا الفاضل وكيف تحمل فلم يظفر ولم يحل.
وقوله في وصف هذا السيف:
وتقلَّدتُ شامة في نداه ... جِلدُها منفساته وعتاده
قد كنت ذكرت هذا البيت في كتابي الموسوم بالتجني على ابن جني، وأوردت ما حضرني من تخطئة فيما فسره به، وحضرني الآن فيما لم أورده سالفاً. وأنا أعيد قولي ولا انقم منه ثم أتبعه بما انفتح لي.
ذكر أبو الفتح قال: قوله: جلدها منفساته وعتاده. أي ما يلي هذا السيف مما تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة. وقوله: جلدها أي الجلد الذي يكون فيه. هذا ما أورده فهل يخبر من أين استنبط إنه عنى الجلد حول الشامة. وما الذي يمنع أن يعني جلد الشامة نفسها. وإذا كان ذلك على ما حكى بدياً فلم نقضه فقال: وجلدها أي الجلد الذي يكون فيه. وهل هذا إلا من سلب التوفيق. والذي كنت حكيت استماعاً واستفادة من الشيخ أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري إنه يعنى ان الغمد لما عليه من الحلي والذهب انفس من السيف كان محلى بمائتين دنانير فجعل الغمد جلداً، إذ جعل السيف شامة. والذي لاح لي آنفاً إنه جائز أن يعني بجلده ظاهر الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده وبه يغالي بسومه إذ كان قطعه مما
(1/140)

لا يعلم إلا بالتجربة. وإنما يستدل على جودته بحسن فرنده. فهذا مما لا يمتنع، ويخرج به البيت من أن يكون مقصراً بالسيف، وغاضاً منه بعدما مدحه.
وقوله في صباه:
ذمُّ الزّمانُ إليه من أحبتِهِ ... من ذمَّ من بدره في حمد أحمده
قال أبو الفتح: الهاء في (أحبته) عائدة على العاشق. والهاء في (بدره) و (أحمده) جميعاً عائده على الزمان. والفاعل في (ذم) الثانية عائدة على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق. وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله. وقال أيضاً أي فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده أي يحمد أحمد لفضله ونجابته.
وهذا البيت على ما فسره إلا أنا نريد وضوحاً وبياناً. ونقول غير ما قال أيضا إذ كان البيت مما يستصعب كثيراً على إفهام قوم.
فقوله: (ذمَّ الزمان إليه) فهو من قوله: أحمد إليك الله وأذم زيداً. كما قال أيضاً:
أذم إلى هذا الزمان أهليه
(1/141)

وقوله: (من أحبته) جائز أن تكون الهاء للعاشق كما ذكر. والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان يريد: أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه. كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم كما ذممت بدرك. ثم قال: (في حمد احمده) يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي (ففي) بمعنى (مع). كما تقول: مرَّ وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره. ومثله قول الشاعر:
رأيت الليالي ينتهبن شيبتي ... فأوضعت باللذات في ذلك النهب
وقوله:
وكنت السيفَ قائمه إليهم ... وفي الأعداء حدُّك والغِرارُ
فأمست بالبُديّة شفرتاه ... وأمسى خلفَ قائمه الحِيار
الحيار، والبدية، أما الحيار: فقريب إلى العمارة. وأما البدية: فواغلة في البر، وبينهما مسيرة ليلة. يقول: جاوزت الحيار في
(1/142)

طلبهم، فصار الحيار خلف قائم هذا السيف. ووصلت سرعان خيلك إلى البدية فتكت بالعدو، وأخرياتها لم تبعد على
الحيار كثيراً. يريد بذلك أما عظم العسكر أو بعد الهيبة. وقد خلط الشيخ أبو الفتح رحمة الله في تفسير هذا البيت، واتى بما يحتاج اليه، وبما هو مستغن عنه فقال في بعض فصوله: عظم حال السيف. فقال: كان الحيار خلف قائمة أي قائمه أدنى إلى عمارة من الحيار فيقتضي هذا الكلام أن تكون شفرتاه إذن في العمارة. لكنه اتبع هذا الكلام بأن قال: وكانت شفرتاه وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية فقد نقض بهذا قوله أي قائمه أدنى إلى العمارة. لأن البدية كانت داخلة في البر لم تحصل الحيار خلف القائم إلا إذا تجاوزه إلى ناحية البدية: فأما إذا كان القائم أدنى إلى العمارة حصل الحيار خلفه إذ كانت شفرته في العمارة. ولا يجوز أن تكون شفرته في البدية والقائم أدنى إلى العمارة من الحيار. فيقال الحيار خلف قائمة بل يكون قدام قائمة اللهم إلا أن يقول عني بالخلف ما يلي السيف من أدناه لا ما يلي عضد الضارب ومعصمه. وهذا لا يفهم من كلام العرب.
فأقبلها المروجَ مُسوماتٍ ... ضوامر لا هزال ولا شيار
يعني إن ضمرها ليس بهزال، بل هي مصنوعة مضمرة. وذلك أنها تسقي اللبن وتقاد وتجري حتى تعرق فيسمى ذلك الحيد والطبخ. ومنه قول الراجز:
(1/143)

أنضجهنَّ الطبخ طبخ الضرعين ... والقود بعد القود حتى يهمين
وإذا فعل ذلك بها اشتد لحمها، وذاب شحمها فخفت أبدانها للجري. وأما الشيار فهن الحسان المناظر. وفلان ذو شيار، أي ذو هيبة. وهو رجل شير. ومنه قول الراجز:
كأنّها من بدن وشاره ... والحلي حلى التبر والحجارة
مدفع مشاء إلى قراره
والمصدر الشوار. ومنه قول زهير:
مُقْوَّرةٌ تتبارى لا شوار لها ... إلا القُطُوع على الأكوار والورك
والشوار في غير هذا: الفَرج. يقال: أبدى الله شوارك. وحكى أبو زيد: أجدت الدابة مشوارها إذا حسنت هيئتها. في هذا البيت وفي مشارتها انشد أبو زيد في نوادره:
وما هي إلا أن تقرب وصلها ... علاه كناز اللحم ذات مشارت
والهزال بكسر الهاء لا غير: جمع هزيل وإنما أتينا بهذا البيت (يعني بيت المتنبي) لما سمعنا قوماً يرددون هزال يظنونه مصدر هزلت الدابة. ولو أتى بمصدر لأتى معه بمصدر مثله. فقال: لا هزال ولا شوار.
(1/144)

وقوله:
من كل احور في أنيابه شَنَبٌ ... خمرٌ مُخامرُها مِسكٌ تُخامرهُ
الهاء في مخامرها عائد على الخمر. وخمر رفع بالابتداء. ومخامرها ابتداء ثان، ومسك خبره، ومخامرها مع مسك جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع. والهاء في تخامره ضمير الشنب. يعني أن خمراً قد خامرها المسك يخامر ذلك الشنب. هذا مقنع في تفسير هذا البيت. وقد ركب أبو الفتح في تفسير هذا البيت مركباً صعباً فلم يحل بطائل. قال: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر. ثم قال: يقول: قد خالطها المسك، والمسك قد خامرها. فانظر من كم نوع قد تكلف، ومن كم وجه بعيد قد تمحل والمعنى اقرب إليه من اليد إلى الفم. وألا يعلم إنه إذا أراد أن الخمر قد خالطت المسك. والمسك قد خامرها يجب أن ينشد: خمر مخامرها مسك يخامره. لان المسك مذكر. والخمر مؤنثه. وقد يعتذر عنه معتذر فيقول: إنما عنى بهذا القول إن المسك والخمر قد خامر بعضها بعضاً فجاء بعبارة يحتمل ما ذهب إليه وما اعتذر به عنه فلعمري أن ذلك عذر وليس بواضح. وكان الأولى به أن أراه ما يزعم أن يقول: الخمر قد خالطت المسك والمسك قد خالطها فكان هذا اللفظ اقرب إلى ما يدعيه، ولا يظن ظان إنه يروم سياقه لفظ البيت.
(1/145)

وقوله:
أوشك أنك فرد في زمانهم ... بلا نظير ففي روحي أخاطرُهُ
ربما اشتبه هذا البيت على كثير من المتعلمين فنحن نوضحه. قوله: أخاطره هو من الخطر الذي يكون بين المتراهنين يقال: سابق فلان فلانا على كذا أي راهنته. وقد يقال: بايعته. قال الشاعر:
من شاء بايعته مالي وخلعته ... ما تكمل التيم في ديوانهم سطرا
وليس هو من الخطر الذي هو الندب. ولا المخاطرة بالكم والذنب وهي تحريكهما من الخيلاء والكبر يقول: فمن شك في ذلك فأني أتابعه في روحي وروحه. فاكتفى بالأول لعلم المخاطب.
وقوله:
إليك ابن يحيى بن الوليد تجاوزت ... بي البيد عنسٌ لحمها والدم الشعر
قد ألفيت بعض المتشيعين يرويه: الشعر بفتح الشين. ويفسره إنه يعني لهزالها لم يبق لها لحم ولا دم إلا الشعر وحده. ولم يرو ذلك أحد عن أبي الطيب وما هو إلا من وساوس الشيطان والذي يروي عنه الشعر بكسر الشين.
ويحتمل من المعاني وجوهاً كثيرة. فأولها وهو الذي
(1/146)

أتى به أبو الفتح أني إنما كنت أحثها بمدحكم وأحدو لها به فأصون بذلك لحمها ودمها. هذا لفظه. ومعنى ثان وهو أن يعني نعله. وهو إنه لا قوة له ولا مال ولا وسيلة إلا الشعر. . فأقام اللحم والدم مقام المال والوسيلة مقام المال والوسيلة لأن الإنسان بهما يتوسل إلى السير. ويكون كقوله أيضاً:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
وهو يريد نعله. ومعنى ثالث. وهو إنه يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ولا لحم وإنما بقى لها الشعر فقط. كأنه يريد جميع ما تحمله هو الشعر. حتى أن لحمها
ودمها أيضاً شعر. ومعنى رابع وهو أجودها كلها. وهو إنه يعني إنها كأنها شعر قد تجسم ناقة فكلها شعر إذ كان كلها لحماُ ودماً فإنه لو قدر لقال لحمها، ودمها، وعظمها، وعصبها وما أشبه ذلك. ولا يريد إن ثم هزالا ولا جهداً، بل يريد غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها:
هُمُ الناس إلا أنهم من مكارم
أي تجشموا مكارم.
(1/147)

وقوله:
وتَركُك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشرُ
لم يعرض لتفسير هذا البيت أبو الفتح. ويجب أن يقال ما معنى قوله: تداول سمع المرء أنمله العشر وذلك أن الصماخين إذا سُدا سمع الإنسان في أذنه دوياً عظيما. وقد تكلمت الأطباء في ذلك وفي مآتيه بكلام ما نحن بصدده. وقد روي عن عائشة أنها قالت: من سره أن يسمع صوت الكوثر فليضع سبابتيه في صماخه. وقد أحسن الشاعر المحدث في نقل هذا الخبر إلى معنى آخر بقوله:
فاحشُ صماخيك بسبابتيْ ... كفيك تسمع لدموعي خرير
كأنه يقول: إن ذلك الدوي من دموعي. كما قالت عائشة.
وقوله:
وخرق مكان العيس فيه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكور والظهر
قال أبو الفتح: معنى البيت إن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست تذهب ولا تجيء. وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه. كما قال الآخر:
يمشي به القوم بحيث أصبحوا
أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا تبرح منها في واسط أكوارها
(1/148)

فكذلك هي كأن لها من أرض هذا الخرق كوراً وظهراً فقد قامت به لا تبرحه. ألا تراه يقول
بعد هذا:
يخذن بنا في جوزه وكأنما ... على أفقه من برقه حُللَ حمر
وأخذ هذا المعنى السري الرفاء الكندي فقال:
وخرق طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب
قد جود أبو الفتح في هذا التفسير. على إنه لا يمتنع أن يقال: غنى أن العيس منه في وسطه سائرة كما أنا من الكور على وساطته. ولم يتعرض لوقوفها ولا براحها. ومما يؤكد هذا قوله: يخدن بنا في جوزه. فلو أراد إنها كالواقفة لما قال يخدن. وإنما يريد أن سيرها من قطعة كبير شيء. والجوز الوسط. فأما قوله: كأننا على كرة فلا ريب إنه يعني أن الكرة لا تقطع بالسير لأنها كلما انتهى من يسير عليها إلى حيث بدأ منها لم يكن ذلك لها نفاذاً بل أحوج إن بدأ أيضاً ثانية، فلم يكن لسيره انقطاع مثل الكواكب. فإنها كلما قطعت إلى آخر البروج وهو الحوت لم يكن لها من الحمل محيد.
ولفظ البيت الثاني أدل على ما ذكره ابن جني من البيت الأول، ولم يعد الصواب مما أتى به. وقد ضارع شرح هذا البيت ما ادعى القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرحاني رحمه الله على أبي الطيب من الغلط في قوله:
وردنا الرهيمة في جوزه ... وباقية أكثر مما مضى
(1/149)

فقال: كيف يكون باقية أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه. والجوز وسط. ثم تمحل له عذراً من جنس ما قد مضى أنفاً في شرح قوله: وخرق مكان العيس. وعندي أن المخطئ القاضي فإنه لم يفهم البيت فتجنى له، ثم اعتذر بما قد وضعه الله عنه. وقد تقدم هذا البيت قوله:
فيالك ليلاً على أعكش ... أحم البلاد خفي الصوى
فقد ظن القاضي أبو الحسن أن جوزه الهاء لليل. وإنه كقول عمر ابن أبي ربيعه:
وردت وما أدري أما بعد موردي ... من الليل أما قد مضى منه أكثر
ولعمري إنه لو كان كما ظن لكان كلامه محالا حيق يقول: وباقية أكثر مما مضى. وإنما الهاء في جوزه لأعكش. وأعكش مكان واسع. والرهيمة ماء، مكانه في وسط أعكش. فهذا كلام صحيح. ثم قال: وباقية أكثر مما مضى أي باقي الليل. فقد بان أن المعنى لم يفهمه من بدء. والبيت صحيح السبك.
وقوله:
قرام تلاقى الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهندواني والنصر
(1/150)

قال أبو الفتح: يريد جدية من قبل أبيه وأمه. ورفع قراناً بفعل مضمر كأنه قال: انجب به قران هذه حالة وصفته. وشبه اجتماعهما بقران الكواكب تشريفاً لهما.
جود أبو الفتح في هذا الشرح. وتعقبه بما لا حاجة به إليه. وقوله شبه اجتماعهما بقران الكواكب. ولا نعلم في أي موضع من بيته شبه ذلك. كأن القران حرام أن يكون إلا للكواكب، ألا يكفي قران الصلت وعامر في المصاهرة بينهما. غفر الله لأبي الفتح وما أبعد مراميه، وأقل تأتيه.
وقوله:
إليك طعناً في مدى كل صفصف ... بكل وآهٍ كل ما لقيت نحر
الوآة: الناقة الشديدة. وإنما ذكر النحر لأنه ذكر الطعن. والعرب تذكر مع الطعن النحر. والكلى يقول الراجز:
تبكي عواليهم إذا لم تختضب ... من ثغر اللبات يوماً والحجب
وقول الأفوه:
علموا الطعن معداً في الكلى ... وادارع اللام والطرف نحار
(1/151)

وإياه عنى القائل:
فطعنت تحت كنانة المتمطر
فهناك موضع الكلية. وقيل: تحت لبانه. فأما قول الآخر: (لقيته في الكبة، فطعنته في المسبه، فخرجت من اللبة). فإنما عنى: لقيته في الهزيمة، وهو مول فطعنته في دبره فأخرج من صدره ولذلك قال أبو الطيب:
من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
وعنى بالطعن إنه عمد قتله وهلاكه، كما يعمد بالطعن قتل الرجل وهلاكه. فكذلك طعن هذا في مدى هذا الصفصف ليبيده. ثم قال: كل ما لقيته هذه الوآة مرت فيه نافذة كمن ينفذ الطعن في النحر، فكأنها لطعني رمح، وكأل الصفصف ومداه نحر: يقصد بالطعن. وكأنه لو تمكن لقال: كلما لقيت من المفاوز نحو ليصح له المعنى. ألا ترى إن النحر أيضا داخل في الكل. وما لا تقطعه الناقة كثير مما لا يسار فيه بناقة. وإنما يقطع ما يسار فيه بظهر. ومثل هذا نسبوا قوله:
فزل يا بُعد من أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا
وقوله:
وجنيني قرب السلاطين مقتُها ... وما يقتضي من جماجمها النسر
(1/152)

قال أبو الفتح: المقت: البغض. أي كان الطير ينتظر قتلى السلاطين إلى أكل لحومها. وهذا شرح مغنٍ.
ولقيت بعض المتكلفين الذين يزعمون انهم لقوا أبا الطيب، وقرءوا عليه شعره يزعم إنه حبس على هذا البيت. وقال له علي بن محمد الانطاكي: ما هذه الجرأة علي، ومواجهتك إياي بهذا المقال في السلاطين وأنا منهم فاعتذر بأن قال: إنما عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم. وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف. يقال نسرت أنسر نسراً أي خطفت. وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات. فقلت له فما صنع بقوله:
ولا تحسبن المجد زقاً وقنية ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكرُ
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
فلم بُحر جواباً. وهذا من الكذب الذي لا يبارك الله فيه، إذ الرجل له في ذاك عادة وهو يعده جرأة، وقدرة، وقلة احتفال. ألا تراه يقول:
مدحت قوماً وان عشنا نظمت لهم ... قصائداً من إناث الخيل والحصن
تحت العجاج قوافيها مضمرة ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
وقوله:
ميعاد كل رقيق الشفرتين غداً ... ومن عصى من الملوك العرب والعجم
وسألني هذا المتعمق: كيف ينشد قوله:
يتفيئون ظلال كل مطهمٍ ... أجل الظليم وربقة السرحان
(1/153)

فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظلم وربقه السرحان. يريدان هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقاله. فقلت: فما باله يجعله كربقة السرحان. افترى السرحان مربوقاً فيه ما نسبته به للفرس. فقال: بل عنى إنه إذا طارده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: قيد الأوابد هيكل.
فقلت: الربقة تحبس كالقيد. وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه، فما الذي يسومنا هذا التنافر في المعنيين الذي تزعم. وحل الظليم في سرعة عدوه، وربقه السرحان صفة الذئب في عجزه عن الفوت. فكيف يحسن هذا في صنعة الشعر. هذا وأشباهه ما لا فائدة في الإصغاء إليه.
وقوله:
لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
الأود جمع ود. وهو الصديق. وود، وود حكاها الشيخ أبو الفتح عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى. واستشهد بشواهدا وقال: يقول: لساني وعيني وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر: النصف، أي وهي شطرها فكأنها
شقت منها فصارتا شطرين فلشدة محبتي لك كأنك شقيقي.
(1/154)

هذا تفسير شافٍ. وقوله: ذا اسمها إشارة إلى اسم، وكان يجب لو تمكن أن يقول هذه أسماؤها والشطور لأنها كثيرة. ولكن الوزن اضطره إلى ذلك. وفي شعره مثل ذلك:
الثابتين فروسة في ظهرها ... كجلودها والطعن في لباتها
والشطر جائز أن يكون عطفاً على اسم ويجوز أن يكون عطفاً على الأود، إلا أن الأحسن أن يكون عطفاً على اسمها لأنه موحد، والأود جمع. فهذا من الجنس الذي عرفتك في أول الكتب إن غرضه فيه التعمية فقط وإلا فما الفائدة من هذا البيت مع ما فيه من الاضطراب، وركوب المجاز.
وقوله:
بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجرِ دمعُك أو جرى
حكى لي عن أبي الطيب إنه قيل له: خالفت بين سبك المصراعين، في المصراع الأول إيجاز بعده نفي، يريد صبرت أو لم تصبر، ووضعت في المصراع الثاني نفياً بعده إيجاب وهذا يخالف لما يستحسن من صنعة الشعر. فقال في الجواب: لئن كنت قد خالفت فيهما من حيث اللفظ فقد وافقت بينهما من حيث المعنى. وذاك إن من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر صبرى دمعه. فهذا جواب جيد، وخطابة مليحة. الله اعلم بصحتها.
وفي البيت فحص آخر وهو قوله:
(وبكاك إن لم يجرِ دمعُك أو جرى)
(1/155)

فلقائل أن يقول: كيف يبدو البكاء إذا لم يجر دمعه. وعن هذا السؤال جوابان:
أحدهما: إنه يعني ما في صوته إذا تكلم عن نغمة الحزن، وشجو الباكي، والزفير والتهيؤ للبكاء.
والجواب الثاني أن يكون بكاك عطفاً على الضمير في صبرت، كأنه يقول: صبرت وصبر بكاك فلم يجر دمعك، أو لم تصبر فجرى دمعك. وهذا أجود الجوابين وقوله فيها:
تَعِسَ المهاري غيرَ مهرّي غداً ... بمصور لبس الحرير مصورا
نافستُ فيه صورةً في ستره ... لو كُنتها لخفيتُ حتى يظهرا
قوله: بمصور أي بإنسان كأنه صورة من حسنه لبس الديباج المصور. دعا على الإبل كلها إلا هذا البعير الذي عليه المحبوب. وكذلك الهاء في (ستره) كأنه دون هذا المحبوب ستر عليه صورة. فهو ينافسها على قربها منه ثم قال: لو كنت هذه الصورة لحفيت حتى يظهر للرائين لكن هذا الستر ليس بخفي. وقد اعترض عليه من لا أعلم له بطريقة الشعر، فقال: حقيقة هذا المعنى غير متصورة، إذ لو كان المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ظهوره للناس مما لا يفيد أبا الطيب وإنما ظهوره للناس مفيد، وهو فيهم ليراه، وقائل هذا لا معرفة له بطرق المعاني إذ كان الشاعر أن يتمنى المحالات، على أن أبا الطيب لا يتمنى محالا وإنما رأى ستراً يحول بينه وبين حبيبته فقال: لو كنت مكان ذلك الستر لخفيت حتى يظهر ذلك المحبوب، ولم يتمن أن يظهر له أو لغيره بل يتمنى ظهوره فقط. والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته.
(1/156)

وقوله:
وإذا الحمائلُ ما يَخِدنَ بنفنفٍ ... إلا شققن عليه ثوباً أخضرا
لم يتعرض أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وإنما ذكر الغريب. وقوله: شققن عليه ثوباً أخضرا. وإنما يعني بالثوب الأخضر الكلأ والعشب وشقها إياه رعيها له حتى تصير كالثوب المشقوق لما رعى الوسط. وترك الحافات وان شئت كان شقهن إياه سيرهن فيه كقول طرفة بن العبد:
يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المغايل باليد
والمفايل الذي يلعب بالتراب، يقسمه بيده يطلب فيه خبيئة.
وقد سمعت من يرويه بالجمائل، بالجيم كأنه جمع جماله، مثل بقوره، وصقوره، وخيوطه. وقد جمع جمالات، وهو في التنزيل وذلك غير ممتنع في البيت، قال الشاعر:
وتقيم فغي دار الحفاظ بيوتنا ... رُتُع الجمائل في الدرين الأسود
(1/157)

وقوله:
خنثى الفحول من الكماة بصبغة ... ما يلبسون من الحديد معصفرا
يريد لون العصفر. وهو احمر، يريد الدم، ولونه أي جراحاتك إياهم العظمة شأنها، الصابغة دروعهم بلون العصفر خنثاهم أي جعلهم للبسهم المعصفرات وهي من لباس الإناث والمتشبهين بهن. ألا ترى الشاعر يقول:
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح وجنبوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق
وقوله:
وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا
شبه طلعته لنورها بالشمس، وجوده لكثرته بجود السحاب، والكنهور المتراكب. يقول: من عادة السحاب إذا اجتمع مع الشمس سترها وفيك هاتان الفضيلتان لا ترد أحديهما الأخرى. وقد كرر هذا المعنى في مكان آخر:
قمر ترى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله
وقوله في قصيدة أخرى:
شمنا وما حجب السماء بروقه ... وحري يجود وما مرته الريح
(1/158)

فهذا المعنى من الحسن والبيان كما ترى. وقد حرف أبو الفتح الرواية إذ لم يفهم
فجاء بذات العراقي قال: أي وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها. كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان متكاثفاً. وقوله: لا ترد بضم التاء وفتح الراء رواية. أي مقبولة غير مردودة.
نصب الشمس والسحاب بفعل مضمر، كأنه قال ترى ترويه فضائلك الشمس والقمر. ويجوز أن تنصبها بدلاً من مقبولة غير مردودة. فكأنه قال: وترى فضائلك مثل الشمس والسحاب نيرة مشرقة ظاهرة بارزة. ونصب فضيلة على الحال أي تراها مستحقة لهذا الاسم، وتشاهدها كذلك. ويجوز أن يكون التقدير، وترى الفضيلة فضيلة غير مردودة. ثم قدم وصف النكرة عليها فأبدل النكرة منه، ونصبه على الحال منها ونصب كنهورا على الحال. وتشرق أيضاً في موضع الحال كأنه قال مشرقة. فانظر الآن إلى هذا الكلام الطويل العريض ما الذي افاد، وما يكون أبو الطيب صنع إذا خلص له المعنى، وهل زاد على إن قال: ونرى للممدوح فضيلة ظاهرة غير مردودة كالشمس. أفهذا القدر مما يحتاج إلى هذا التعميق في اللفظ. ولا يكفيه أن يضرب له الشمس مثلا (حتى يضيف إليها السحاب. ولم نسمع أحد ضرب السحاب مثلا)
(1/159)

في الشهرة. لاسيما وإنما يضرب المثل فيها بكل مضيء والسحاب مظلم.
وقوله:
وانثنى عنّي الردُّيَنيَّ حتى ... دارَ دَورَ الحروف في هواز
لم يعمل أبو الفتح في تفسير هذا البيت شيئاً، وهو يقول: انثنت الأسنة عني، وتعطفت تعطف الحروف كاستدارتها في كتابة هواز لأن الهاء دائرتان، والواو مستديرة الأعلى مستديرة الأسفل والزاي مستديرة، ولو ساعدته القافية فقال في هواز لكان الصواب، إلا أن العرب تنطق
(1/160)

بهذه الكلمات على غير ما وضعت. فتقول: تليت أبا جاد، وهوازاً، وقريشات. كما قال الاول:
تعلمت باجادٍ وآل مرامرِ ... وسودت أثوابي ولست بكاتب
وقال أبو خنش في البرامكة:
أبو جادِهم بذلُ الندى يلهمونه ... ومعجمهم بالسيف ضرب القوانس
وإنما هو: أبجد، هوز، حطي، قرشت. وهذه الكلمات ألفت لحفظ العدد تأليفاً حسناً يكتب بها الاعداد، فلا تنقطع عند وصل، ولا تتصل عند قطع. وقد زعموا إنها أسماء الله تعالى إلا إنها مشتركة للعرب، والفرس، والروم. وتشبيهه لانعطاف الأسنة باستدارة هذه الحروف كتشبيه الحافر بالميم حيث يقول:
لو مرَّ يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها
وكتشبيه الحافر أيضاً بالعين كقوله:
أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد
إلا أن الجيد في تشبيهه تعطف الرماح ما له الشيخ أبو العلاء حيث يقول:
(1/161)

وتعطفت لَعِب الصّلال من الأسى ... فالزُجُ عند اللَّهذم الرعَّاف
فلعب الحيّات، وتعطفها حسن في تشبيه استدارة الرمح إذا التوى وتعطف.
وقوله:
هذي برزتِ لنا فهجتِ رسيسا ... ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
قد تقدم ذكر هذا البيت في كتاب التجني على ابن جني، ونحن نكرره هاهنا ليكون الكتاب كاملا. قد نعى أبو الفتح على المتنبي حذفه حرف النداء من هذي. وهذي تصلح أن تكون وصفا (لأي) فحذف (يا) مع (أي) إجحاف وذلك لا يجوز عند البصريين. وقد فسر قول الله: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) أراد ي هؤلاء بناتي. وعند البصريين غير جائز. وسمعت الشيخ أبو العلاء يقول: هذه موضوعة موضع المصدر وإشارة إلى البرزة الواحد. كأنه يقول: هذه البرزة برزت فهيجت رسيسا. وهذا تأويل حسن لا حاجة معه إلى اعتذار.
(1/162)

وقوله:
وكشفت جمهرة العباد فلم أجد ... إلا مسوداً جنبه مرؤوسا
أي سبرت وجربت واختبرت جمهرة الناس. وقوله: جنبه أي الإضافة إليه. أي كل الناس بالإضافة إليه مرؤوس مسود. وقد حذف حرف الجر فنصبه كما قال: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) أي من قومه.
وقوله: (واقعدوا لهم كل مرصد) وقوله أيضاً
وخوف كل رفيق ... أباتك الليل جنبه
منصوب بحذف حرف الجر. إلا أن بينهما فرقاً. وذلك أن قوله: أباتك الليل جنبه. يريد مجاوره وبجنبه. وفي قوله مسوداً جنبه يريد بالإضافة إليه، والقياس عليه، ولا يزيد إنه وضع بجنبه إلا مجازاً فقط.
وقوله:
كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش
هذا البيت فضح الصاحب أبو القاسم به نفسه في رسالته التي ذم بها أبا الطي يقول فيها ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه (الغاش) وهذا مما لا أعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه، أو يفسح فيه ويجوزه وذلك كقوله: كأنك ناظر البيت الخ. فما جاز هذا جاز أن
(1/163)

يقال: عباس بن عبد المطلب، وشماخ بن ضرار فلا تشدد الميم، ولا الباء. على أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه به.
هذا كلامه فإذا لم يفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح. وكأنه قد تصور إنه يريد من الغش، ولم يرد أبو الطيب شيئاً من ذلك. وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس، يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله:
غشيت ديار الحي بالبكران
قال الله تعالى: ومن فوقهم غواش. وقال ذو الرمة يصف سفوداً:
وذي شعب شتى كسوف فروجه ... لغاشية يوماً مقطعه حمرا
ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى: فلما تغشاها حملت حملا خفيفاً فمرت به. ولو أراد الغش لما أتى بالمحل لأن ذا الغش يعرف غشه فقط، ولا حاجة بمعرفة منظلته ومحلته وهذا كقوله:
ويمتحن الناس الأميرُ برأيه ... ويقضي على علم بك ممخرق
وقوله:
ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز
وله مثله كثير وإنما هذا البيت كقول علي بن الجهم:
كلمني لحظك عن كلَّما ... أضمره قلبك في غدره
ولعل الصاحب لما رآه ذكر الغدر ووجد بيت أبي الطيب مأخوذا منه ظن إنه لابد من إقامة الغش مقام الغدر. ومثله للخليع
(1/164)

أما تقرأ في عيني ... عنوان الذي عندي
والأول فيه قول الدقيقي:
تخبرني العينان والقلب كاتم ... ولا حنَّ بالبغضاء والنظر الشرز
وقوله:
أتى خبر الأمير فقيل كروا ... فقلت نعم ولو لحقوا بشاش
روى أبو الفتح بفتح الكاف. وفسّره فقال: كان أبو العشائر استطرد للخيل، وولى بين أيديها ثم جاء خبره إنه كرَّ عليهم راجعاً. أي فلو لحق بشاش لوثقت بعودته. هذا تفسير يتبع الرواية. ولعمري إنه إذا روى كذا كان التفسير هذا مع سماع الخبر. ولم يرو غير أبي الفتح كروا بفتح الكاف. ووقعت إلي نسخ عير واحدة شاميات في كلها كرواء وليس التفسير إلا ما أقول ولا الرواية إلا بالضم.
يقول: أتى خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا معشر المستميحين واللائذين به.
كروا فقلت: نعم ول بشاش. الدليل على ذلك فيما يليه:
(1/165)

وأسرجت الكميتَ فنا قلت بي ... على أعقاقها وعلى غشاشي
والأعقاق: مصدر من أعقت الأنثى فهي عقوق إذا عظم بطنها لقرب النتاج. والغشاش العجلة يقول: سرت بها على عجلة مع كونها معقاً. فهذا دليل على أن الغرض ما ذكرناه. وأيضاً قوله فيما بعد:
إذا ذكرت مواقفه لحافٍ ... وشيكَ فيما ينكسُ لانتقاش
أي يعجل سروره بها وعجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله. وأيضاً فما يفسد المعنى الذي ذكره. إن قوله فقيل كروا يكون ضميره أصحاب الممدوح، ولحقوا ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين الضميرين. وهل يرضى مثل أبي الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد لمختلفين لفظهما متفق.
وقوله:
تزيل مخافة المصبور عنه ... وتلهى ذا الفياش عن الفياش
المصبور: المحبوس ليقتل. يقال: قتل فلان صبراً أي حبس على القتل فضرب عنقه، وما أشبه هذا والفياش: المفاخرة. يعني أن هذا الممدوح يزيل مخافة ذي الخوف لأنه يستنفذ الأسير. ويلهى صاحب
(1/166)

الفخر عن مفاخرته. وفي هذا البيت من الانغلاق إنه ربما توهم أن ضمير (تزيل) للخبر وليس ذلك بجيد، لأن المفاخرة ليست مما إذا الهي الخبر عنه يدل على كبير سرور بالخبر، بل الأولى إنه يعني تلهى هذا الممدوح ذا الفخر عن مفاخرته بنهاية وعظم شأنه، وتزيل مخافة ذي الخوف باستنقاذه. فإن كان الضمير للخبر عن المواقف فإنه يعني إنها لعظمها لا ترخص في مفاخره من تلك مواقفه ولكن يختل قوله: تزيل مخافة المصبور فإن عظم رفعته لا تزيل المخافة بل الممدوح يزيلها. وحكى الشيخ أبو
العلاء إنه كان قد قال:
ويلهى الحسن في خلق الأباش
فغيره إلى هذا. والأباش المرأة السيئة الخلق.
وقوله:
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
أوقع (ما) على من يعقل في قوله: وما ولدوا على تويلات ثلاث. أحدها أن يكون غرضه أنهم أغنام غير ذي عقول كالبهائم، فاستعمل لهم (ما) لأنها لما لا يعقل. والثاني أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده، يريد (من) حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. والثالث أن يكون أوقع (ما) على المصدر. فكأنه قال: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم. وقيل في قوله تعالى: والسماء وما بناها، والأرض
(1/167)

وما طحاها، ونفس وما سواها. وقوله تعالى: وما خلق الذكر والأنثى. إن ما مقامه على مقام المصدر. كأنه يقول: والسماء وبنائها، والأرض وطحوها، ونفس وتسويتها. كذلك اقسم بخلق الذكر. وقيل أن (ما) مقامة مقام من على لغة أهل الحجاز. حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج.
وقوله: للقتل وما ولدوا فقد يعترض عليه، فيقال: إنما تقتل الرجال، ومن بلغ الحلم، فأما من ولدوا فيعني به الصغار منهم، وهم بالسبي أولى. فالجواب إن الرجال أيضاً ومن أتت السن عليه ليس يخلفون أن يكونوا مولودين. فلما نقدم في اللفظة الأولى السبي لم يجد بداً أن يقول ذلك. وقد استعمل (من) في موضع (ما) في قوله:
إن كان لا يسعى لجود ماجد ... إلا كذا فالغيث أبخل من سعى
وهذا محمول على التأويل إنه أراد بخل الساعين. وجعل الغيث ماجداً سعى لجود. والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته في العبارة
مجراه. كقول الله تعالى: والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. وأنشد القاضي الجرجاني وزعم إنه سمع من ثقة:
متى نوهت في الهيجاء باسمي ... أتاك السيف أول من لحدب
(1/168)

وقوله:
مخلى له المرج منصوباً بصارخة ... له المنابر مشهوداً بها الجمع
قال أبو الفتح: مخلى ومنصوباً نصب معاً على الحال من سيف الدولة. ومشهوداً بها الجمع نصب على الحال من صارخة. وكان الوجه أن يقول: منصوبة مشهودة إلا أن التذكير جائز أيضاً على قولك نصب المنابر وشهد الجمع. ومن أبيات الكتاب
يعيد العداه فما أن يزل ... مضمطراً طرتاه طليحا
ولم يقل مضمظرة. وهو مثير. الإعراب على ما ذكره لا ريب. والمعنى إن هذين الموضعين أعني المرج وصارخة هما متوغلان في بلاد الروم وانهما إذا أخليتا لسيف الدولة، ونصبت المنابر بهما وسهد الجميع فلم يبق في النكاية في الكفر نهاية. ومثل هذا المغزى قول أبي العلاء المعري يصف خيل رجل مدحه:
بنات الخيل تعرفها دلوك ... وصارخة والس واللقان
ليس يريد إن أمهاتها تزايغ في هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم عنهم مجتازة. ولكنه يعني انك طالما أوغلت بها في هذه الديار، وأوغل أبوك بأمهاتها فيها فهي تعرفها، وتعرف أمهاتها. والغرض بعد الإيغال في ديار العدو.
(1/169)

وقوله:
إذا دعا العلج علجاً حال بينهما ... أظمى تفوق منه أختها الضلع
فراق الضلع أختها هو بأن يطعن في الجنب فتفارق الضلع أختها بسعة الطعنة، وخلعها الأضلاع من أماكنها والضلع مفارقته أختها ابداً، وانما يلزمان بجلد تحته
على هيئة الجلد من اللحم. وإنما يريد زوال ذلك الالتزاق والمجاورة بسعة الطعنة. وقبل هذا البيت ما يقول:
كأنما تتلقاهم لِتَسلُكَهُم ... فالطعنُ يفتحُ في الجوافِ متى تَسَع
يريد كان الخيل تلقى الروم لتسلك في أبدانها. فالطعن يفتح ما يسعهن. يريد سعة الطعنة.
وقوله:
يباشر الأمنَ دهراً وهو مختبلٌ ... ويشرب الخمرَ حولاً وهو ممتقع
يعني هذا الدمستق الذي هرب أتى عليه الدهر فلم يزل رعبه منذ هذه الوقعة، ويشرب الخمر فلا يتغير من لونه لاستيلاء الصفرة عليه حين فزع فامتقع لونه، ومن شأن الخمر أن تظهر في لونه حمرةً ألا ترى إلى قول مسلم:
خلطنا دماً من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدمَ الدمُ
(1/170)

وقول ابن الرومي:
تغادر عينيك مطروفة ... وأذنك حمراء فيها خذا
وقوله:
تغدو المنايا فلا تنفك واقفة ... حتى يقول لها عودي فتندفع
قوله: عودي يحتاج إلى تفسير. واللفظة متعلقة بما مر قبله، وقد تقدمه:
كم من حشاشةٍ بطريق تضمنها ... للبانرات أمين ما له ورعُ
يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين يضطجع
يعني إن الأسرى قيدت لتقتل أن رأى سيف الدولة قتلهم. والأمين الذي ما له ورع هو القيد. وإنما هو من قول أحد اللصوص:
وإن رام منه مطلعاً ردّ شأوه ... أمينان في الساقين فهو ضرير
يريد: إن من قيد أمن هربه. ثم لما قدم إن أرواح الأسرى
(1/171)

مضمونة لسيوف
الممدوح زعم إن المنايا تغدو فتنتظر إن أمرها في الأسرى فتقع بهم فلا تزال واقفة ترى أخطارهم في ذلك اليوم كأنهم يطالبهم بالفدية، أو بذل عرض من الأعراض فلا يرى من أجله العجلة في قتلهم. فيقول للمنية عودي فلا حاجة بنا إليك. وقد تقدم هذا قول بكر بن النطاح:
كأن المنايا ليس يجرين في الوغى ... إذا التقيت الأبطال إلا برأيكا
وقوله:
وإن الذي حابى جَديلَةُ في الوغى ... به الله يُعطي من يشاء ويمنع
قال الشيخ أبو الفتح حابى أي حباها، من الحباء وهي العطية. كأنه يريد: وان الذي حبا جديلة طئ به الله أي أعطاها إياه. فبنى الفعل للاثنين، كما فعل بقولك: سافر زيد وعافاك الله ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح يعطي من يشاء ويمنع. وهذا الذي ذكره أبو الطيب ما أقوله يدل على ذلك حسن المعنى ومطابقته للفظ من غير تكلف.
حابى ضميره للممدوح وهو الذي. وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين اثنين. وجديلة طئ كرام أسخياء. ومن حاباهم عالي المنزلة في
(1/172)

السخاء. وخص جديلة طئ لأن الممدوح منهم. يقول هو أسخاهم، والله تعالى يعطي به ما يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق. فنفعهم وضرهم من جهته.
وقوله:
فتىً ألفُ جزءٍ رأيهُ في زمانه ... أقل جزُيٍ بعضه الرأي أجمع
فقد فسر هذا البيت أبو الفتح فجود. لم يبق ما يزاد اليه، ونحن نتكلم فيه لئلا يشذ عن هذا الكتاب بيت مما له معنى غلق إلا ونأتي به.
ومعنى هذا البيت إن أقل جزء من رأي هذا الممدوح مقسوماً ألف قسمة بعض ذلك (الأقل) هو جميع الرأي الذي هو مركب في الناس. ولو قدر أن يقول: أقل
جزء لا غنى ولكن صغره للوزن، وأيضاً فلتحقير ذلك القليل، وتصغير شأنه.
ومثل قوله الرأي اجمع يريد بع رأي الناس قاطبة قول الشاعر:
إن السماحة والفصاحة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
(1/173)

يريد: إن جميع السماحة، وجميع الشجاعة في الناس كلهم كانا ما ركب في هذا المرثي فلأن لا سماحة ولا شجاعة بعده.
وقوله:
وليس كبحر الماء يشتق قعرهُ ... إلى حيث يفتى الماءُ حوت وضفدع
معنى البيت واضح، يعني إن هذا الممدوح بحر، ولكن ليس كبحر الماء الذي تقدر الحوت والضفدع على شقه إلى قرار حيث يفنى الماء. لأن هذا الممدوح لو كان بحراً لما كان له قعر يوصل إليه لعظم شأنه في الجود أو العلم.
وأخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب إنه سمعه يقول: الذي قلت: إلى حيث يفنى الماء وفسره فقال: أردت به حيث يكون في فناء الماء. كان اصله فنيت الرجل أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة فيوشك أن تكون الحكاية صحيحة.
وقد كرر تشبيهه بالبحر في بيت بعده فقال:
يتيه البعيد الفكر في بعد غوره ... ويغرق في تياره وهو مصقع
(1/174)

وضمير (يغرق) فيه للبعيد الفكر، وهو مصقع صفة للبعيد. ولو كان من جيد شعره لما كرر
وقوله:
تُرفّع ثوبَها الأردافُ عنُها ... فيبقى من وشاحيها شَسوعا
إذا ماست رأيت لها ارتجاجاً ... له لولا سواعدها نزوعا
هذه القصيدة كلها من الشعر الرذل، الذي لا ينتفع به، ولا بتفسيره وقد ضمنها
ديوانه فلا بد من تلخيص ما يشتبه، وهذا يريد به كبر عجيزتها، والشسوع بفتح الشين: البعيد فعول بمعنى شاسع، يريد إنها إذا رفع ثوبها أردافها عنها شسع عن وشاحها أي بعد. ثم رد الضمير في البيت الثاني في قوله: لولا، إلى الثوب. وزعم أن شدة ارتجاجها لكثرة لحمها يكاد ينزع عنها ثوبها لولا أن سواعدها تمسكه. وهذا من قول الواصف: امرأة لا يصيب ثوبها إلا مشاشي منكبيها، ورواد في اليتيها، وحُلمتي ثدييها.
وقد فسر أبو الفتح قوله وع بالضم، وأظنه يرويه شسوعاً، وهو رديء إلا أن يصف بالمصدر. كما قال قوم قعود، ووفود، وسجود. وقد أغنى الله عن هذا التمحل بفتح الشين فيكون
(1/175)

بمعنى شاسع. وإن روى بضم الشين فليرو، ونزوعاً في البيت الثاني أيضاً بالضم فهما سواء لا فرق بينهما.
وقوله:
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف
لم يستقص أبو الفتح في شرح هذا البيت، قال: عليه في موضع عنه. أراد كشفنا عنه. كقوله تعالى: فكشفنا عنك. وقد قال النابغة:
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
يريد عني. وقوله: عليه، الهاء راجعة إلى مثله، على تأويل أبي الفتح.
وعندي إنه يجوز أن تكون عائدة إلى الممدوح وتكون عليه بمعنى له. يريد إذا داك كشفنا عن مثله له كقول الشاعر:
فدام لي ولهم ما بي وما بهم
ولو قال: دام علي وعليهم ما بي وما بهم لكان الكلام صحيحاً. وقوله انكشف، يريد به زوال. طابق بها قوله: فدام الفقد. يقول: دام فقدنا لمثله، وزال كشفنا عن مثله لانا يئسنا. ويكون قوله: دام كشفنا الأولى معناها دام مدة وزمنا، ثم لما
فحصنا وعرفنا زال. وعندي
(1/176)

أن قوله عليه من (عنه) لأنه يريد بكشفنا معنى (قولك) غصنا عليه، ونزلنا عليه، وتسلقنا عليه.
وقوله:
أمات رياح اللوم وهي عواصفُ ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو
قال أبو الفتح: لو أمكنته القافية فقال: ومغنى العلى مود لكان اظهر في المعنى الذي قصده ولكنه كان يلزمه إذا قال مود أن يقول: ورسم الندى عاف. ورسم الندى مما يعفو. كما يودي ويعفو غيرهما.
قلت المعنى الذي قصده أبو الطيب لا يؤديه إلا الفعل. لولا قال: مود، وعاف لم يأت بالمعنى، وإنما يؤدي المعنى الذي قصده الفعل المسمى فعل الحال المشترك بينه وبين الاستقبال. والمعنى في البيت للحال. يريد أمات رياح اللوم ومغنى العلى في حال ايدائه بتلك الريح. لأن الريح تعفوه وتدرسه. وهذا لطف منه أتى بعد ذكر الريح بالمعنى الذي يؤثر فيه جري الريح يريد أبو الطيب فلما أماتها عاد المغنى والرسم عامرين، أو واقعين عن مدى البلى.
وقوله:
فكان الطعن بينهما جواباً ... وكان اللبث بينهما فواقاً
قال أبو الفتح: فواق، وفَواق، وهو زمان قصير بقدر ما بين
(1/177)

الحلبتين. قلت: إن كان الغرض بقوله: ما بين الحلبتين كل قبضة على خلف عند احتلابها، وإعادة القبض على إخلافها فمعنى البيت صحيح. وان كان الغرض بين حلبتين: حلبة أولى بركت بعدها حتى اجتمع شيء من اللبن ثم احتلبت فليس المعنى بجيد. لأن أبا الطيب ما قصد إلا سرعة الإجابة، وقلة اللبث على إنه يقال لما يجتمع من اللبن بين كل حلبتين: فيقة. ويقال: أفاقت الناقة درتها وهي الفيقة. وتلك لا تجتمع إلا في ساعة أو ساعتين. وكل ولد يتفوق أمه أي يشرب اللبن فيقة فيقة والفواق
أيضاً ما يأخذ الإنسان عند امتلائه من الطعام. كأن نفسه ينقطع، أو يعلو. والمحتضر أيضاً يفوق بنفسه للفواق الذي يأخذه فجائز أن يريد. كان اللبث بينهما قدر ذلك الفواق وإنما هي نبرة وهمزة يعلو بها النفس.
وقوله:
وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي
يريد أني أعف إذا خلوت بمحبوتي. وقد كرر هذا في شعره حيق يقول:
إذا كنت تخشى العار في كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد
وهذا مفخر عالٍ وقوله: ويرضى الحب والخيل تلتقي يريد قول عمرو بن كلثوم:
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
(1/178)

إذا لم تحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا
ومعلوم أن الرجل ولو بلغ في العجز والضعف المنتهي يقاتل عن نسائه، وحبيبته. وكم من أهلك نفسه في حرب لحضور من يوده، حتى ضربت العرب الأمثال فقالت: الفحل يحمي شواله معقولا. وكانت نساء العرب إذا انتدين وسمرن ذكرت كل واحدة بلاء زوجها في الحرب وعيرت من فر منهم.
وقوله:
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن بكل القتل في كل مشفق
قال الشيخ أبو الفتح أي إذا نظرت اليهن، ونظرن إلي قتلتهن وقتلنني خوف الفراق وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا هو المعنى، ولكن يجب أن يلخص فضل تلخيص يقرب به إلى الفهم. فضمير (بعثن) للنساء لا للالحاظ. ومفعولها الالحاظ، وهذا كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفاً. يريد إقامة الأمير عريفاً. ولم أر كالليل اتخذ الهارب جملا. تريد اتخذه الهارب جملا. ولا يجوز أن يكون ضمير بعثن للالحاظ. الدليل على ذلك أن الالحاظ تبعث رسلا عند خوف الرقيب
متعارف ذلك من الشعر كقول القائل:
(1/179)

كلمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردة ما قال حاجبه
وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: بكل القتل، كقولك: جاءنا رسول بالصلح. وفي التنزيل: جاءتهم رسلهم بالينات، أي بعثت الالحاظ بقتل فظيع. من قولهم: فلان عين الفاضل وكل الفاضل ثم قال: هن وإن بعثن الحاظهن رسل القتل. فهن مشفقات علينا من القتل، وغير مريدات بنا سوءاً لحبهن إيانا.
وقوله:
وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
هذا البيت أهمله أبو الفتح، فلم بتعرض لشرح معناه. بل تكلم في غريب قوله. أطرق وفيه كلام طويل، ومعنى غلق. وإنما المفهوم عكس هذا المعنى. وهو أن تقول للبليد: نظر طرف العين ليس بنافع إذا كان طرف القلب مطرقاً. وهذا البيت يلي قوله:
ويمتحن الناس الأمير برأيه ... ويغضي على علم بكل ممخرق
وغرضه أن الناس على طبقاتهم في العجز والقصور مغترون وبإطراق طرف (عين) الأمر. وذلك من غير نافع لهم إذ كان يعرف مقاديرهم
(1/180)

بقلبه وذكائه. فقوله: ليس بنافع، يريد بنافع لهم لا للأمير. فهذا شرح المعنى.
وقوله:
يغير بها بين اللقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلَّق
ويرجعها حمراً كأن صحيحها ... يبكي دماً من رحمة المتدقق
اللقان: مكان ببلد الروم. وواسط هي بالعراق واقع بها بني البريدي لاجتاحهم. وإنما يريد بذلك قدرته على السير، كما قال في هذه القصيدة:
وكاتب من أرض بعيد مَرامُها ... قريب على خيل حواليك سبق
جعله مما إذا هم ركب، وإذا سرى أبعد المسرى. وقد ذكر اللقان في شعره في مكان آخر وهو قوله:
فقد بردت فوق اللقان دماؤهم ... ونحن أناس تتبع البارد السخنا
وأما قوله: ويرجعها حمراً فهو معنى حسن وجيد ولم يتعرض لكشفه الشيخ أبو الفتح. وليس أيضاً بغامض، إلا أني ذكرته لنكتة فيه وهو إنه أخذ (هذا) المعنى واللفظ من بعد الرجاز انشد أبو حنيفة
(1/181)

الدينوري في كتابه النبات:
يرَّفض المروءة عن صاقورها ... بكى صحيحها على مكسورها
الصوقور: فأن تكسر بها الحجارة. قال يعني بقوله صحيحاها: الصاقور وما بقى من المروءة. ويجوز أن يعني ما عن جانبي مضروب الصاقور من المروءة يسمع لهما صوتاً عند الضرب فجعله بكاءً وان كان هذا التوارد في اللفظ اتفاقاً فعجيب اتفق. وان كان عمداً فمن القبيح الذي يرضى لنفسه.
وقوله:
يعيده أطرافِ القنا من أصوله ... قريبة بين البيض غير اليلامق
قوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يعني به طول قناها. والعرب يمدحون بطولها كقول حاتم الطائي:
متى ما نحى يوماً إلى المال وارثي ... ليجد جمع كف غير ملء ولا صفر
(1/182)

وأسمر خطياً كان كعوبه نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر
وقول القطامي:
ومن ربط الجحاش فان فينا ... قفا سُلُباً وأفراساً حسانا
السلب: الطوال: ويرى سلباً جمع سلوب فعول من السلب.
وقوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله لفظ مليح لولا إنه مأخوذ وقد تقدمه شعر كثير كله على هذا. أنشد الأصمعي في صفة جمل.
لمخرج من نسعه ومدخله ... خلان بين يفن وكلكله
ناج بعيد رأسه من مرحله
أي من حيث يوضع عليه الرحل. وأخذه الاخطل فقال:
إذا صَخَبَ الحادي عليهن بروت ... بعيدة ما بين المشافر والعجب
(1/183)

وفي الشعر القديم يصف حملاً.
قريبة سرته من معرضه
يريد قصر بطنه. وآخر يصف متاعه، انشده أبو حاتم السجستاني:
يحمل بين فخذه وساقه ... أيراً بعيد الأصل من سمحاقه
وسمحاقه اثر الختان. وأجود من الجميع قول الأحوص:
شديدة إشراق التراقي أسيلة ... بعيدة ما بين الرعاث إلى العقد
وقوله: قريبة بين البيض. أيضاً حسن، إلا إنه مأخوذ من قول قيس بن الخطيم فقد قصر عن قيس إلا إنه جود في التطبيق بين القريب والبعيد:
لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضها ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب
(1/184)

وقوله:
ولا ترد الغدران إلا دماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق
الريحان جنس كثير. وفيه أخضر وغير أخضر. ألا تراهم يعدون الورد في الرياحين، إلا أن المولدين لهجوا بتسمية الضميران وهو (الشاهسفرم) ريحاناً. وتجد في كتب الطب برز الريحان بعنوان (الشاهسفرم). ولما جعل الماء أخضر شبه الضميران والدم والشقائق. وكان يجب أن يقول: الشفيق ليكون (موحدا) كالريحان. لكن القافية اضطرته. وأيضاً فالشقائق في لفظهم أكثر من الشقيق، ألفوها بقولهم: شقائق النعمان. وقيل إن النعمان كان حماه فنسب إليه. وجعل الماء أخضر وربما جعلته العرب ازرق وربما جعلته أبيض. وبكل ذلك أتى الشعر. قل
الشاعر:
ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كن لون الماء ابيض صافياً
وقول رؤبة:
يردن تحت الليل سياح الدسق ... أخضر كالبرد عزير المنبعق
وقال زهير:
فلما وردن الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصيَّ الحاضر المتخيم
(1/185)

والذي عند العلماء إن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه. زرقته من زرقة السماء لأنه مقابلها فيتلون بلونها. فأما قوله:
باقٍ على البوغاء والشقائق ... والأبردين والهجير الماحق
فالشقائق هنا جمع شقيقة، وهي ارض فيها رمل وحصى. وقيل فرجة بين الرمال. يصف مهره الطخرور، يقول: هو عربي صلب في باقي الجري، سارياً في بوغاء، وهي التراب. أو في شقيقة وهي ذات حجارة. وليس هذا من الشقائق في شيء.
وقوله:
وعذلت أهل العشق حتى ذقُتُه ... فعجبُ كيف يموت من لا يعشق
كثر كلام الناس في هذا البيت، وادعى عليه قلب الكلام، واحتجوا باحتجاجات، وزعموا إنه أراد أن يقول: كيف لا يموت من لا يعشق. وليس الأمر عندي على ما زعموا. ولو أراد ذلك، أو قاله لكان معنى رذلا، ومتداولاً خلقاً. والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمغزى أحسن كثيراً مما ذهبوا اليه، يقول: عجبت كيف يكون الموت من غير داء العشق، الذي هو أعظم الأدواء والخطب الذي
(1/186)

هو أشد الخطوب، كأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره. ولا حاجة إلى عذر أو تمحل.
وقوله:
أنت منّا فتنتَ نفسكَ لكنَّك عُوفيتَ ... من ضنىٌ واشتياقِ
قوله: أنت منّا قد تم الكلام بها، أي أنت عاشقة مثلنا لنفسك لأن كل أحد يعشق نفسه ثم قال: لكنك لن تبتلي بالضنى كما بلينا.
والشيخ أبو الفتح قد أتى بهذا البيت، واتبعه بكلام كنت أؤثر له تركه فقال: أي أنت تعشقين نفسك من حسنك وظرفك. أتراها لو لم تكن حسناء ظريفة لأبغضت نفسها، فهذا فضل من الكلام، والمعنى ما تقدم. وأظنه غلط لما أتبع به الكلام لما سمع قول القائل:
وإذا أراد تنزها في حسنه ... اخذ المرأة بكفه فتنزها
فلما سمع هذا التنزه في وجهه ... حسب كل عشق لاستحسان
(1/187)

أما البيت الأول فهو كقوله:
أبَعَدُ نأي المَليحَةِ البَخلُ ... في البعُدِ ما لا تُكلِفُ الإبل
أي إن البعد بيننا هجرك، ولو كان بعداً حقيقياً لعملنا الإبل حتى نصل إليك. والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف:
لو كنت عاتبة لسكن لوعتي ... أملي رضاك وزرتُ غيرُ مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتبِ
وقوله في البيت الثاني: ولو وصلنا عليها مثل أنفاسنا على الاماق. يعني نحافا قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفسنا. مثل قوله أيضاً:
برتني السُرى بري المدى فرددنني ... أخفُ على المركوب من نفسي جُرمي
والرمق بقية الحياة. أتى بها أيضاً لخفتها أي لم يبق منها إلا القليل. يريد: إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل:
أنضاء شوق على انضاء أسفار
ومثله كثير، إلا أن أبا الفتح أتى بكلام شديد المحال قد أثبت في كتابي (التجني) وشرحت كلامه: (وهو قوله: الارماق جمع رمق، وهو بقية النفس، أي وصلنا إليك وهي تحملنا
(1/188)

على استكراه ومشقة لشد الجهد، كما تحمل ارماقنا أنفسنا جمع نفس على مشقة لأننا قد بلغنا أواخر أنفاسنا).
وقد كان لو أراد الاستكراه والمشقة في سعة من التشبيه فما أكبر الأثقال العظام وما أكبر المشقة في حملها.
وقوله:
كل ذمرٍ يزيد في الموت حسناً ... كبدور تمامها في المحاق
قال أبو الفتح: قوله: تمامها في المحاق: كلام متناقض الظاهر، لأن المحاق غاية النقصان. فهو ضد الكمال. ولكن سوغ ذلك قوله: يزيد في الموت حسناً. أي هو من الحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف. فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها. فجاز له هذا اللفظ على طريق الاستطراق والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعاً وتطرقاً. وشبه بقول العجاج.
(1/189)

عاين حياً كالخراج نعمه ... يكون أقصى شلة محرنجمه
ثم أشبع الكلام في هذا الباب وجود ولم يقصر. غير إنه معنى أسهل من هذا وإن كان ما قاله غير ممتنع.
وهو إن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور. فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير. فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها بل أراد تمام الأمر المفتوح التاء. يقول: تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق. وهذا معنى جيد أقرب مأخذاً من الأول.
وقوله:
ليس قولي في شمس فعلك كالشمس ... ولكن في الشمس كالإشراق
جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله. ثم قال: ليس قولي نظير فعلك ولكنه لما كان دليلا عليه وأذاعه له، وتسييراً إياه في البلاد صار بمنزلة الإشراق للشمس إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول. و (في) هاهنا موضوعة موضع (إلى) يقول: ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك هذا بين. وإن شئت كانت (في) في موضع بعينها يريد الوعائية. ومثله قولك: ليس فضلك إلا كالقطر في البحر. ومثل هذا سواء قوله:
وذاك النشر عرضك كان مسكاً ... وذاك الشعر فهرى والمداكا
يعني أن شعري أذاعه لمجدك، وتسيير له. كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.
(1/190)

وقوله:
لم تر من نادمت الآكا ... لا لسوى ودّك لي ذاكا
ولا لحبيها ولكنني ... أمسيتُ أرجوك وأخشكا
لم تر التاء لمخاطبة الممدوح، و (من) نكره مثل قوله:
يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واعتدين
يريد إنساناً نادمته يعتد عليه بمنادمته إياه. يقول: وإنما سمحت بمنادمتك لشدة حبك لي ولولاها لما نادمتك. و (الهاء) في حبيها ضمير الخمر، وإن لم يجر لها ذكر. كقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر. يريد القرآن يقول: ما نادمتك لحبيها ولكن لأني أرجوك
فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاوزنا إلاك ديار
وأخشاك. وقوله: ولا لحبيها عطف على قوله: (لا لسوى ودك) كأنه يقول: لم تر أحداً نادمته غيرك لأمر غير ودك لي تلك المنادمة، ولا لحبي الخمر. وقوله
ولكنني أصبحت أرجوك وأخشاك غير ناقص قوله: لا لسوى ودك. ولكنه كلام يؤكد.
فكأنه يقول: ليس ذلك إلا لودك، ولاني أرجوك وأخشاك لا لحبي الخمر فتأمله يتضح لك.
وقوله:
ولو قلنا فدى لك من تساوي ... دعونا بالبقاء لمن قلانا
(1/191)

هذا كلام كأنه محمول على دليل الخطاب. وكأنه إذ قال: فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك. وهذا مجاز لا حقيقة. فقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب فوقع دون أبي الطيب فقال:
أيهذا الوزير لازال يفديك ... من الناس كل من هو دونك
وإذا كان ذاك أوجب قولي ... أن يكونوا بأسرهم يفدونك
وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف. فمنهم مثبت، ومنهم نافٍ يعني أن من قلاك ناقص عنك. فإنما يقليه لنقصانه عنه. وهو أيضاً مجاز. فكان من الواجب أن يقول: جميع الناس ناقصون بالقياس إليك. ولكن لما كان من تلقيه أيضاً أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك.
والذي قال أبو الفتح في هذا البيت قال: أي لو فداك من يساويك منهم دون غيرهم لكان هذا دعاء لمن يقليك ويبغضك من الملوك بالبقاء. لأنهم ينقصونك لأنهم لا يساووك في المجد بل يقصرون عنك.
وقوله:
قد استشفيت من داء بداء ... وأقتلُ ما أعلك ما شفاكا
هذا قول قلبه يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من
(1/192)

فراق وطنك، والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة. واقتل ما أسقمك ما استشفيت به.
وهذا البيت يتبع قوله:
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصبر لو صاحبت فاكا
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا
قد استغنيت من داء بداء ... البيت
قال أبو الفتح: وهذا يشبه قول النبي: كفى بالسلامة داء. وقال حميد بن ثور:
وحسبك داءاً أن تصح
وهذا يشبهه ولكن من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. لأن ذلك فراق ينال من قلبه وهو يستشفى به، وهذه سلامة لم تنل في العاجل فيه شيئاً، ولكن يؤول أمرها إلى هرم وضعف.
وقوله
فلا تحمدهما واحمد هماماً ... إذا لم يسمِ حامُدُه عناكا
أي لا تحمد فهري ومداكي فليست بمعيرك شهادة. وأحمد هماماً أي أحمد نفسه، يريد أن المادح إذا لم يسم مدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:
(1/193)

وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة. وأنت تجد هذا المعنى في كثير من شعر فمنه.
قوله:
وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا
وقوله:
وظنوني مدحتهم قديماً ... وأنت بما مدحتهم مرادي
وقوله:
وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا
هذا البيت مدخول. لأن قوله: في هواء ليس يوجب فوقاً ولا يميناً ولا شمالاً. إذ في كل الجهات غير تحت هواء. وكل سهم رمي به فان ممره في هواء، سواء عاليت به في السماء، أو خفضت إلى رميه على الأرض إلا إنه لم يجد لفظة يقيمها في هذا المقام فتؤدي المعنى غير الشكاك وقد تقدمت. وهو لا يرى تكرير الألفاظ في قصيدة. وقد غلط بها أيضاً شاعر محدث فسلك مسلكه وازداد غلطاً فقال في غزل:
أراميهنَّ باللحظات خلساً ... فترجع نحو مقتلتي سهامي
وذاك لأنهن لفرط لطفٍ ... هواهْ ليس يمسك سهم رامي
(1/194)

ألا ترى إن لقائل أن يقول: كل هواه لا يمسك السهم، إلا إنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي. اللهم إلا أن يكون الهواء فوقه. وإنما هذا معنى قول الأول:
ومن حول الطوى رماني
كان من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته. وبعد فقد جودا فيما قالا كلاهما في المعنى وقاربا في اللفظ.
وقوله:
حييٌ من الهي أن يراني ... وقد فارقت دارك واصطفاكا
زعم أبو الفتح إنه قال: واصطفاكا وأراد اصطفاءك فقصر، وأورد نحو عشرين بيتاً استشهاداً على أن قصر الممدود جائز. وما قال الرجل إلا اصطفاكا بفتح الطاء. وقد نبهت على ذلك في كتابي (التجني)
(1/195)

وذكرت غناه عن هذا الاحتجاج. وهنا كلام يجري مجرى الإشباع لما قد مضى. كيف يجوز أن يقول اصطفاكا. ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة واصطفاه بل يجب أن يتقرب إلى الله عز وجل بتلك المفارقة والزهد في داره. وإنما كان يجب أن يقول: حيي من أصدقائي وامرأتي لذلك، إذ كانوا هم الذين يلومونه ويعيرونه
بمفارقته وهذه في خيبته، ولا خيبة أعلى منها فأما الله عز وجل فرضاه في زهده في خيبته وتركه إياها إذ كان ملكاً ظالماً. وإنما يقول: إن حيي من الهي أن أفارقك، وقد اصطفاك الله تعالى، ووكل إليك الأرزاق والعباد. ألا ترى كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكر لكان لا محيص له من هذا السؤال.
وقوله:
وما أخشى نبوَّك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل
ليس قوله: وسيف الدولة، ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الأخبار، إذ قال نبوك بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق، وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل وأنت سيفها، فلا تكون إلا ماضياً صقيلا. وسيف الدولة في هذين البيتين يعني به سيف الحديد لا الممدوح. على إنه لا يمنع أن يقال عناه به ورجع من لفظ الخطاب إلى الأخبار. كأنه يقول: لا أخشى نبوك أنت الماضي الصقيل إلا إنه قلق والمعنى ما ذكرت أولا.
(1/196)

وقوله:
ومَنْ لم يعشَقِ الدنيا قديماً ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
ظاهر هذا المعنى مدخول. لأنه كم من عاشق للدنيا واصلته وواصلها، وهم الملوك والأغنياء وذووا النعمة واللهو والمترفون. ومخرج هذا المعنى على وجوه:
أحدها: إنه يريد لا سبيل إلى الوصال لكل واحد. فأما من عددنا من أهل الغنى فهم أفراد لا حكم لهم.
ووجه آخر وهو أن يريد: نعشق من الدنيا دوام نعمها، وبقاء الملك فيها والعمر فلا سبيل إلى ذلك لأحد. ويدل على ذلك أن الدنيا من غير صفة لا تفيد معنى ألا ترى إن الدنيا قد واصلت كل حي إذ كان حياته فيها وصالاً. والحياة من غير نعيم
لا تعشق.
وقوله:
رواق العز فوقكِ مسيطر ... ومُلكُ علي ابنك في كمال
عابه الصاحب بن عباد أبو القاسم رحمه الله هذا البيت. وقال:
(1/197)

لعل لفظ الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين وليت شعري أي خذلان في أن يكون رواق العز فوقها مسبطراً وما ضر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول.
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كان أحورَ من غزلان ذي البقر ... أعارها شبه العينين والجيدا
ومشرقاً كشعاع الشمس بهجته ... ومسيطرا على لبابها سودا
هذا أحسن الغزل وأحسن الغناء، والطريقة فيه لابن جامع، وخبره فيه مع الرشيد معروف وإنما ازداد حسناً استعمال المسيطر في ذكر شعر المرأة. يقول امرؤ القيس:
وإن أعرضت قلت سرعوقةٌ ... لها ذنب خلفها مسبطر
وإنما اسبطر كلمة منحوتة من اصلين على رأي بعض أهل اللغة من البسط والطر. وإن منع من ذلك المحققون منهم. وإذا جاز لامرئ القيس أن يقول في صنعة المرأة
إذا ما أبكرت بين درع ومجول
علم لا خذلان لأبي الطيب أن يقول: (رواق العز فوقك مسبطر). وما أراه نفر من هذه اللفظة إلا لبيت يروى لإعرابي ماجن (هجا) أبا
(1/198)

الشمقمق:
مررت بأير بغل مسبطرٍ ... فويق القاع كالوتر المطوق
فهل حرم استعمال هذه اللفظة من غير منكر استعمال هاجي أبي الشمقمق إياه في هذا المجون. فأمن كان هذا قياساً فقد أساء أمية بن أبي عائذ الهذلي حيث يقول:
ومن سيرها العنق المسبطر ... والعجز فيه بعد الكلال
وذو الرمة حيث يقول:
تلوم بهناه مياه وقد مضى ... من الليل حور واسبطرت كواكبه
والنابغة الذبياني حيث يقول:
يخرجن من مسبطر النقع دامية ... كان آذانها أطراف أقلام
(1/199)

وعمر بن معد يكرب حيث يقول:
لما رأيت الخيل زوراً كأنما ... جداول زرع خليت فاسبطرت
وكثير حيث قال:
على ظهر عادي يلوح متونه ... إذ العيس عالته اسبطر فعالها
ولئن كان القياس في ألفاظ هذا البيت السخيف مستمراً فأسوأ أهل الغزلان قولا الذي يقول:
جنية ولها جن تعلمها ... رمي القلوب بقوس ماله وتر
إذ قد فسد لفظه الوتر باستعمالها في هذا السخف. وأسوأ قولاً منه أبو عباد البحتري حيث يقول:
وما ربما بل كلما عن ذكرها ... بكيت وبكت الحمام المطوقا
والشريف أبو الحسن الموسوي حيث يقول
(1/200)

عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في العلا معرَّق
إلا الخلافة سودك وإنّما ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
فهذا من نخوة الوزارة وليس من باب العلم.
وقوله:
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل
يعني بالناظرين عيني سيف الدولة. يعني أن جميع ما يريانه، ويقعان عليه فحكمه له، أي هو مملك رقاب الناس وأموالهم، ومساط على نفوس أعدائه وأموالهم. فكلما وقعت عيناه على عرض من أعراض الدنيا فهو له من حزبه كان أو من حزب أعدائه. ولو لم يحتج إلى قوله (له) لكان قوله حكم الناظرين فيما يراه مؤدياً للمعنى الذي قصده غير محوجٍ إلى زيادة، إلا إنه زاد (له) فزاد المعنى وضوحاً. قوله: وحكم القلب في الجذل. أي هو جذلان أبداً، يدرك ما يرومه، ولا يعجز عن
(1/201)

شئ يطلبه فكأنه محكم في السرور. وقد (جاء) بقريب من هذا المعنى قوله:
له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال
وقوله:
ينظرن من مقلٍ أدمى أحجتها ... قرع الفوارس في العسالة الذُبل
وجه أن أدني أحجتها قرع الفوارس ما جرت العادة من قولهم في دقة البصر بالطعن: بنو فلان يطعنون الحدق، وكقولهم: رماه الحدق. فقد أقام الحجاج هاهنا مقام الحدق. فهذا وجه.
ووجه آخر هو أن يريد أن عيونها احمرت لما تشاهد من الطعان. أما غضباً، أو لطول نظرها إلى الدماء، ويكون الحجاج أيضاً مكان العين، ويريد بالدم الحمرة.
وأجود من هذين الوجهين عندي أن يريد: أدمي أحجتها طول مر هم بالرماح على أحجتها، لأن الفارس إذا لم يعرض
(1/202)

رمحه. أو يعتقله. أو يحمله على كاهله، فإنما يمده بين أذني فرسه، أو يحمله مشرعاً به عند حجاج الفرس تحت اذنه، ويكون قوله: قرع الفوارس يريد به قرع الرماح عند مد فرسانها إياها هناك لا حجتها، وذلك لاضطرابها في سيرها لا أن عدواً قرعها مريداً ضرها.
وقوله:
تركتَ خدودَ الغانياتِ وفوقَها ... دموعٌ تذيبُ الحُسنَ في الأعين النجل
تَبلُ سوداً من المسكِ وحَدهُ ... وقد قطَرتَ حمراً على الشعر الجثلِ
إنما وجه أذابه الدمع الحسن تنه مما يفسد العين فيزيل حسنها كقول القائل:
أليس يضر العين أن يكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
(1/203)

وهذا ظاهر وإنما دقة صنعته بقوله: تذيب الحسن، ولم يقل: تزيل الحسن أو ما أشبهه. لأن الدمع لما كان يذهب بالحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة لفعله أولى كما قيل في الحب إذا هزل البدن: أذابه لأنه اخذ منه قليلاً قليلا. وأيضاً لما كان في الذوب من معنى السيلان والدمع سائل فكأن سال معه الحسن، فأما تكنيه بقوله: من المسك وحده، وإنه منع من أن يكون سواده من الكحل إذ كن صواحب مصيبة متمرهات لا يكتحلن فقد أتى به ابن جني. وكذلك قوله: حمراً على الشعر الجثل لما كن ناشرات شعورهن من المصاب، والشعر كان جثلا كثيراً صار الدمع يقطر عليه. ولقائل أن يقول: فصاحبه المصيبة لا تكتحل، فكذلك لا تستعمل المسك فجوابه إنهن لم ستعملن المسك بعد المصيبة، وإنما استعملنه قبلها فبقي في شعورهن وليس الكحل كذلك فإنه لا يبقى في العين مدة طويلة، وإنما يبقى ليلة واحدة في المعهود. فإن قال قائل: كيف قطر الدمع على الشعر وان كان منشوراً فإنما يقع يميناً وشمالا. فالجواب: إن الشعر إذا كثر عم البدن. ألا ترى إلى قول القائل:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ شَعرها ... وتغيبُ فيهِ وهو وحفٌ أسحمَ
(1/204)

فجعلها تغيب في شعرها لكثرته، ولذلك أتى أبو الطيب بالجثل.
وقوله:
هل الولدُ المحبوب إلا تَعلةٌ ... وهل خلوةُ الحسناء إلا أذى البَعلِ
قال ابن جني: إذا خلت الحساء من محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها. أما لشغل قلبه عما سواها أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصلة الغواني. وهذا كلام لم
ينضجه التأمل، وكأنه ظن إن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها، ولا أذى للبعل في الخلوة بها، بل كل قرة عينه فيها وليس وصاله لها أيضاً بداعية مضرةٍ على الإطلاق. ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى فضلاً عن إباحتهن، والأمر بالاستعفاف بهن. وما ورد في الآثار في الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من معالي الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولا أو متمحلا.
والذي أراده أبو الطيب: إن المرأة ذات البعل ينال منها من خلالها غير بعلها إلا أذاة. يريد إن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة حقيقية. وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط. يزهد بذلك في الولد وفي طلب اللذة بإعراض الدنيا كلها. أي إذا كان هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما
(1/205)

سواهما أولى بالترك والزهد فيه. فهذا الأليق عندي بمذهبه. والذي قال الشيخ أبو الفتح متمحل.
وقوله:
إنَّ المعيد لنا المنامُ خيالَهُ ... كانت إعادته خيال خيالهِ
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: أنا رأينا في النوم شيئاً كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما روى ثانياً خبال ما روى أولا والذي روى أولا هو خياله فصار الثاني خيال خياله، يصف بعده عنه، وتعذر طيفه عليه. وخيال منصوب لأنه خبر كانت، وليس مقعول إعادته. وأقام المصدر مقام المفعول لأنه أراد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر ميمي مكان المخلوق وهو المفعول.
هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إلى كل خاطر ووهم. وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء من هذا الحبيب كان أيضاً خبالاً على معنى قوله:
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
(1/206)

فيقول: إن وصاله أيضاً كان خيالا تراءى في منام تقليلا له وتقصيراً لزمانه فلما زار الخيال كان خيال خيال. ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا: وهو أن لا تكون إعادته مصدراً بمعنى المفعول بل يريد أن الإعادة نفسها كانت خيالا لخياله، إذ كان أيضاً معاداً. يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل. فافهمه فهو حسن.
وقوله:
إن الرياحَ إذا عمدن لناظرٍ ... أغناهُ مقيِلُها على استعجاله
هذا تأكيد قوله قبله:
ويميت قبل قتاله ويبش قبل ... نواله وينيل قبل سؤاله
أي إن القليل منه كثير فلا يحتاج إلى استعمال غاية كيده إذا، وجوده في النهاية فلا يحوج إلى السؤال فكل أفعال الكرم والمجد منه سابق لوقته الذي ينتظر فيه. كما أن الريح إذا أقبلت إلى عين عجرت العين عن مقاومة قليلها فعجلت بالإطراق والغض قبل استعجال الرياح إياها وهبوبها بقوتها الشديدة عليها. فقوله: استعجاله مصدر أضيف إلى ضمير المفعول به. ولا إلى ضمير الفاعل، كما تقول: الثوب أعجبني دقه، والماء أرواني شربه. يريد الثوب أعجبني دق القصار إياه، والماء أرواني شربي إياه. والهاء في أغناه أيضاً للناظر. كأنه يقول: أغنى الناظر مقبل الريح عن استعجالها إياه فغضت وأعضتْ.
والذي أتى به الشيخ أبو الفتح اضطرب قال: أي هو غير محتاج إلى محرك له في الكرم، والسؤدد والفضل. كما ان الريح إذا رأيتها مقبلة إليك لم تحتج إلى استعجالها. والناظر لا يستعجب الريح، ولا
(1/207)

يريد هبوبها قط لأنه يقاومها وإنما الريح تستعجل الناظر إذا هبت عليه بالإغضاء والغض.
وقوله:
وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لابن بلا أفعاله
يعني إنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف. أما المال فللعفاة. وأما المجد فلسائر أسرته. واستحدث مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط. الدليل على ذلك قوله:
وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله
فدل بقوله: الأفعال إنه يريد المعالي والشرف. وكأنه أراد قول القائل:
وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذب ومصدق
فأقم لنفسك في انتسابك شاهداً ... بحديث مجد للقديم محقق
والأول في ذلك قول القائل وهو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم:
(1/208)

لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:
فخرتُ لنفسي لا بقومي موفراً ... على ناقصي قومي مناقب أسرتي
فقد زاد المعنى وضوحاً.
قال الشيخ أبو الفتح أي ورأى أن أفعال آبائه ليست له، ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها. ولو كان أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح لقال: (وما رأى أفعالهم لابن لأفعالهم. بل الهاء في أفعاله لسيف الدولة. يقول: ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة. وكأن الشيخ أبا الفتح أراد تفسير بيتي المتنبي ففسر بيتي عبد الله بن معاوية:
فان قال قائل فقد قال في البيت الذي قبله:
(1/209)

حتى إذا فني التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطواله
وقد زعمت إنه عنى إنه وهب ما ورث من المعالي والمجد. فالجواب إن هذا البيت مؤكد لما قلناه يعني إنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه لأن الهبة في مجد آبائه مجاز لا حقيقة له وإنما تتأتى فيه الهبة بتوفيره إياه على سائر أسرته، واستحداثه مجداً آخرا. كما صرح به الشريف الموسوي بقوله: (فخرت بنفسي لا بقومي) فكان قوله سوى العلى صنع فيه صنعة مستجدة من صعة الشعر. ونبه أن المعالي المورثة لا تفنى وإن وهبت. وأيضاً فان استثناء العلى من هذه الجملة يدل على أن وهب من العلى أيضاً فلم يفن.
وقوله:
دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تحتظى إلا على أهواله
لا تحتظى ضميره للمرارة. يعني أن كل حلاوة دونها مرارة لا تبلغ تلك الحلاوة إلا بأن تحظى إليها هذه المرارة. وهذه المرارة تحظى على أهوال الزمان والهاء في أهواله عائدة على الزمان. وهذا المعنى معنى.
قوله:
ولابد دون الشهد من إبر النحل
وكان قوله: لا تحتظي إلا على أهواله زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. لأن كل مرارة فمعلوم إنها مع هول. وقوله: على أهوال: جائز أن
(1/210)

تكون على بمعنى مع. يريد: مع أهواله. ويجوز أن تكون على تتضمن معنى الركوب أي يركب إليها أهوال الزمان. كما يقال: امتطيت الليل. واتخذت الليل حملا. وأركب الآلة بعد الآلة.
وقوله:
فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل
وهو يتبع قوله:
أنفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل
وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل
يقول: عذل الخيمة في سقوطها عليك محال، لأنها كلفت ما لا تطيق كلفت أن تشمل من يشمل دهرها وتعلو من زحل مع علوه تحته ومكانه فوق مكانه. وهو عذل فيه ظلم. ثم قال: فقل للذي عذلها على السقوط وطلب المحال منها لم لا يكون فص خاتمك يذبل. فإن يذبل جبل ولا يمكن أن يتخذ فص خاتم. يقول: فاشتمالها على من يشمل دهرها مثل كون يذبل فصا لخاتم. و (ما) هاهنا بمعنى ليس كقول أبي النجم:
كالادم المطلي في طلائه ... صعداً وما حقواه في هنائه
(1/211)

والتاء في تلوم، ولا يمنع أن تكون للمخاطب وفسر هذا البيت بقوله بعد:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
يقول: هذه الخيمة يركض في الواحد منها العسكر الكثير لعظمه إلا إنه تضيق عن شخصك نواحيها. لأنك تشمل الزمن، وتعلو زحل.
وقوله:
وتقصرُ في جوفها ... وتركزُ فيها القنا الذبل
فهذا كله إيضاح لما مضى.
قال الشيخ أبو الفتح في هذا البيت: إنما خص الذبل بالطول، لأنها لا تذبل حتى تطول. وهذه دعوى منه، فما بين الذبول والطول مشاركة. والذبول قد يوجد في غير الطويل. اللهم إلا أن تكون هذه الدعوى مسموعة، أو مقترنة ببيان غفل عنه.
والذي عندي إنه لم يأت بالذبل بل إلا للقافية، ولأنها لفظة من صفات القنا، وأقام بها الوزن والقافية. ولو كانت على النون لقال: اللدن، أو على الياء لقال: القنا الخطى، إذ كانت هذه صفات الرماح، يؤتى معها بها ولا تنفرد عنها في الأغلب.
وقوله:
جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل
قال الشيخ أبو الفتح أي أنت اكبر قدراً من أن تتصرف فيك
(1/212)

الجوارح وإنما تنال بالفكر، والاعتقاد. وهذا هو التفسير الذي لامحيص عنه.
وزعم بعضهم إنه يريد بالقلب قلب الجيش وباليد جناحه. لأن جناحي الطائر يداه. قال ذلك لأنه تقدمه بقوله:
وَمَلمُومَةٌ زردٌ ثوبُها ... ولكنّه بالقنا مُخملُ
يُفاجئ جيشاً بها حَينُهُ ... وَيُندرُ جيشاً بها القَسطلُ
قال الشيخ أبو الفتح: يحتاج لقوله: وملمومة إلى خبر. وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة خبرها. فأما التأويل فطريقه واسع. وإذا تركت الجدد فالتمحل غير متعذر. وأما قوله: وملمومة فليس بابتداء كما زعم. وإنما هو عطف على قوله:
وهم يمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل
وملومة من شأنها وصفتها. فرفعها على العطف على الجد المرفوع فإذا ما تأولنا هذا البيت كما اقترح هذا المقترح فما فائدة المتنبي في قوله: جعلتك لي عدة في قلب هذه الملومة. أتراه زعيم هذا الجيش وقائده، وسيف الدولة عدة له فيه. أم غرضه في قوله: لي وأبو الطيب في هذا الجيش أحد الحاشية والنظارة فضلا عن أن يكون من الجند.
وقوله:
فإن طبعت قبلك المرهفات ... فانك من قبلها المقصل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه إنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف كأنك أنت أول ما قطع. إذ لم ير قبلك مثلك.
(1/213)

وهذا كما قال. ويحتمل معنى أجود مما ذهب إليه. وهو إن يريد غناؤك قبل غنائه لولا قطعك لما قطع. كما قال البحتري:
ومال السيف الأبز غاد لزينةٍ ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وكما قال أبو الطيب:
ولكن إذا لم يحمل القلب كفَّه ... على حالةٍ لم يحمل الكفَّ ساعده
وكقوله:
إذا ضربت في الحرب بالسيف كفُهُ ... تبينتَ أن السيف بالكف يضرب
وكقوله:
إذا الهند سوَّت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كفٍ تزيل التساويا
وقوله:
أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما الشكوى سوى الكلل
(1/214)

وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلى أمل
معنيا هذين البيتين متصلان. وذاك إنه يقول لمن تعجب من كثرة عبراته مع النوى: لا تعجب، فهكذا كان بكاي وليس بيني وبينها بعد غير كلتها. ثم قال: وليس شوق من هو أمل للقاء حبيبته في الشدة كشوق من لا أمل له في لقائه. ويقول: لما كان البعد بيني وبينها الكلة كنت آمل لقاءها عن قرب. وكان بكاي هذا البكاء فكيف يكون الآن وما أمل لقاءها. ألا ترى إلى وجد القائل:
خليلين لا نرجو اللقاء ولا نرى ... خليلين ألا يرجوان التلاقيا
وقول الآخر:
كلانا يا أخي بحي ليلى ... بفي وفيك من ليلى التراب
ولقائل أن يقول: بل وجد من يرجو اللقاء اشد، وصبابته أقوى ألا ترى إلى قول القائل:
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديارُ من الديارِ
(1/215)

وإلى قول كثير:
وأني لأستأني ولولا طماعتي ... بعزة لالتفت عليّ سرائري
وشانت رجالا من بنيَّ وحمحمت ... وجوه رجال من بني الأصاغر
ألا تراه إنه بقي وجده لطمعه فيها. ولو لم يطمع لتزوج غيرها. وقد قال الشاعر:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فبالناش تسلو عنك لا بالتجلد
وقول الآخر:
فإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صب
فهذا ضد ما أشار إليه أبو الطيب. فالجواب إن المذهبين صحيحان. ولكل واحد منهما وجه. وذلك أن من أمل اللقاء تشوقت إليه نفسه وعجلت وتمنت فاشتد الشوق. ومن يئس ازدحم الأسف واجتمع فقوى الوجد. فأما اليأس فمع شدة الوجد يؤدي إلى السلو. وأما الطمع فلا يؤدي إلى السلو، بل يبقى ويزداد. فاليأس متلف، ولأجله يقول القائل:
تصدون عمن لو تيقن إنه ... صدود انقطاع منكم لتقطعا
(1/216)

والطمع مستديم ولأجله يقول البحتري:
أرجم في ليلى الظنون وأرتجي ... أواخر حب أخلفته أوائله
وفي الجملة أن الوجد مع الطمع أسكن وأرفق لقول القائل:
وأني لأرضى منك يا مي بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرت بلابله
بلا وبان لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد بعد الوعد قد مل أمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي أوائله
وقوله:
وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي
قال الشيخ أبو الفتح: أي في غيري. يقول كان نفسه فارقته في المشيب.
هذا تفسير غير مستقصى، ولا دال على مغزى. وما الفائدة في أن يرى أبو
الطيب عند المشيب الروح في غيره. فقد كان يرى الروح في شبابه أيضاً في غيره.
والبدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده. لأنه
(1/217)

كأنه بدل الإنسان، إذا كان يشب أو أن شيخوخة الأب، ثم يرثه، ويكون كأنه بدله في ماله وبدنه يدل على ذلك قول الأول:
شب بنيَّ فصار مثلي ... يلبس ما قد نضوت عني
فسرني ما رأيت منه ... وساءني ما رأيت مني
والروح يعني به روح نفسه. لا الجنس كما قال:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً بفند
يريد قلب نفسه. وهذا باب مغروف كبير.
وقوله:
تمسى الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال. فما يتمنى شيئاً. لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه. وكأن في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما حلا في العين يا ليت ذا ليا
(1/218)

ومثل قوله أيضاً:
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل
وتمنى الشيء عجز وقصور والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
وقوله:
فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل
ومال الفرار إلى الأجبال من أسد ... تمسي النعام به في معقل الوعل
فسر الشيخ أبو الفتح بكلام طويل، ثم لم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل. وهذا ما يسأل عنه. وإنما قال ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، ولاقطا بالروم. وكذلك الحجل يكثر في بلاد الروم ويقل في بلاد العرب يقول: العرب والروم تقاوم سيف الدولة. فالعرب هاربة منه مع القطا في البراري والقفار. والروم هاربة منه في الجبال مع الحجل. لأن بلادهم جبال. ولأجل ذلك قالت العرب في أسجاعها: قالت الحجل للقطاة: اقطي قطا. بيضك ثنتان وبيضي ثلثا. فقالت لها القطاة: احجلي حجل تفري في الجبال من خشية الرجل. وهذا المعنى في بيت أبي الطيب مثل قوله أيضاً في قصيدته الدالية:
(1/219)

تسأل أهل الجبال عن ملك ... وقد مسخته نعامة شارد
وذلك أن وهشوذان هرب من عضد الدولة في البراري والقفار. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام الهاربة في القفار مثلا. وقد أتى بمثل المعنى في هذه القصيدة بقوله:
فكلما حَلَمت عذراء عندهم
وذلك لأن الروم لا ابل في بلادها يقول: فكما حلمت عذراء في بلادهم رأت الجمال ورأت السبي مما استكن خوفك في قلوبهم فما ترى العذراء إلا السبي وإلا الجمل. وإنما هو معنى قول القائل:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الشمس والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفها الأحلام
ثم أتى بمثل هذا المعنى في البيت الذي يليه لأن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعد الوعول. فيعني بالنعام خيله على التشبيه بها في سرعة العدو وطول الساق يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم كما قال في البيت الآخر:
(1/220)

تظن فراخ الفتح أنك زرتها ... باماتها وهي العتاق الصلادم
وقوله:
ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتى من الزلل
أي ما سكنت نفسي فنمت إلا بعد معرفتي أنك لا تؤتي من زلل. يقول: أنت موفق فيما تراه، وتدبره فاستعار وجعل المعرفة بمنزلة الحشية يضطجع من ينام فوقها. ولو تأولت في قول الشاعر:
سقى الله عيشاً لم أبت فيه ليله ... من الدهر إلا من حبيب على وعد
هذا التأويل لكان حسناً. لأن (على) تتضمن معنى (فوق) على أن تجعل (مع) كقول عمر ابن أبي ربيعة:
على أنني قد قلت يا مي قولة ... لها والعتاق والارحبية تزجر
يريد: مع أني قد قلت. قال الشيخ أبو الفتح: أي ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك. وقد أجاد فيما قال. لأن هذه القصيدة اعتذار من معتبة كانت منه. إلا تراه يقول فيها:
(1/221)

لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل
لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل
يقول: لعلني أتأدب بعد عفوك عني هذه الكره. كما إن الرجل قد يعتل اعتلالا يكون له أماناً من أدواء غيرها كمرض شارب الدواء، والفتور الذي يناله، ثم تعقبه صحة من كبير الخطر وكالزكام تأمن به أدواء كثيرة من أدواء الرأس. وكضرب المؤدب الغلام يتأدب به به، ونزع عن كثير من المناكير. إلا أن الشيخ أبا الفتح خلط بعد ذلك بكلام لا أفهمه. قال: ولو كان هذا في غير سيف الدولة لجوزت بأن يكون قد طواه على هجاء، لأنه يمكن قلبه. وأي هجاء في أن يقول أبو الطيب وقد عتب عليه سيف الدولة ما أخذني النوم مع عتبك إلا ثقة مني بحلمك ولزوم التوفيق رأيك. وعلمي بأنك لا تعجل عليّ. ولا ترهقني بالعقوبة أو
كيف يمكن قلب هذا المعنى هجاء.
وقوله:
شديد البعد من شرب الشَّمولِ ... ترنج الهندَ أو طلع النخيل
(1/222)

قال الشيخ أبو الفتح: رفع شديد البعد لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: أنت شديد البعد. ورفع ترنج الهند بالابتداء. كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند. إلا إنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمر. كما تقول إذا رأيت الرجل قد سدد سهمه: سمعت صوت القرطاس والله أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفر خير مقدم فتنصبه. لأنك تريد: قدمت خير مقدم. فيجوز إضمار هذا كله. لأن في الحال دليلا عليه في كلام أتبع به هذا الفصل طويل لا فائدة في اقتصاصه. والأمر في جواز الحذف فيما ذكر على ما حكى.
أي أن هذا البيت لا حاجة به إلى هذا التعسف والتمحل العظيمين البعيدين عن كل خاطر. وإنما ترنج الهند مبتدأ. وشديد البعد خبره (قدم الخبر على المبتدأ. وإن شئت كان شديد البعد مبتدأ وترنج الهند خبر) إذ كان كلاهما معروفين أيهما كان المبتدأ جاز. والمعنى مفهوم إذا قلت: ترنج الهند شديد البعد من شرب الخمر. وإن شئت كان ترنج الهند خبر ابتداء محذوف. كأنه يقول: هذا الاترج. وخبر المبتدأ شديد البعد.
وإنما في هذا البيت أمران مما يبعده على الخواطر غير ما ذهب إليه
(1/223)

الشيخ أبو الفتح. والخطب في كليهما سهل. فأحدهما إنه حذف من الكلام ما تدل عليه الحال وذاك إنه يريد شديد البعد من شرب الخمر ترنج الهند عندك وإذا حضرك. وحذف الظروف إذا دل عليها الكلام كثير. وأيضا فإن الألف واللام في ترنج الهند يغني عن هذا الشرح. وقد مضى مثل هذا في هذا الكتاب ألا ترى إلى قول القائل:
أبى القلب إلا أم عمر. . . الخ
يريد: أبى قلبي، فأغناه الألف واللام ومعرفة المخاطب عن ذكره قلب نفسه. وهذا باب لا يستقصى في هذا المكان. فكأن أبا الطيب يريد: ترنج الهند هذا الحاضر الذي يعرفه المخاطب.
والثاني قوله من شرب الخمر. وما كلف الشيخ أبا الفتح إيراد هذا الكلام الطويل، وتسنم هذه العقاب الشاقة من النحو في طلب المعنى غير هذا. ولو أنعم النظر لما عزب عنه هذا المقدار. ولكن ارتكب تفسيراً فسح له في ميدان الإعراب فركض فيه، ولم يلتفت إلى ما وراءه. وأنت تقول: أعجبني دق الثوب. وإن الدابة قضمت الشعير، وإنك أنت سمعت الخبر. فأضفت المصدر إلى المفعول. فإذا كان هذا جائز، جاز أن تقول: ترنج الهند بعيد عن شرب الخمر. يريد يشرب الناس عليه الخمر. كما إنك لو قلت: دار زيد بعيدة عن أكل الطعام لكان كلاماً جيداً ومعنى مفهوم وعلم أنك تريد عن أكل الناس الطعام فيها. وأيضاً فليس المحذوف مع هذا الشرح إلا قولك (عليه). إذ لو تأتي له الوزن أن
(1/224)

يقول: شديد البعد من شرب الشمول، عليه ترنج الهند لفهمه، وازداد المعنى وضوحاً. وحروف الظروف حذفها أكثر من أن يحصى ويشرح وتكرر هنا. وأيضا فأي حاجة ماسة إلى قولك عندك أو بحضورك وقد أتى بعده:
ولكن كل شيء فيه طيب ... لديك من الدقيق إلى الجليل
ألا تراه قد دلك لقوله لديك. على أن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك لشرب عليه. ولكن كل شيء فيه طيب يحضرك ويكون عندك.
وقوله:
لياليّ بعد الظاعنين شكولُ ... طوالٌ وليلُ العاشقين طويل
شكول أي متشابهة. فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان.
فإن كان صيفاً قصرت. وإن كان شتاء طالت. غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني فامتناع نومي كقول القائل:
ما أطول الليل على من لم ينم
ويجوز أن يكون الغرض في مشاكلة بعضها بعضاً. إنها ليست مما
(1/225)

ينام في بعضها، أو يجد فيها روحاً. إذ كانت المدة الطويلة مما تُسلى كقول القائل:
إذا ما شئت أن تسلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
ما أحدث النائي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تلاقيا
يقول: فليالي وإن كثرت فما تتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها. بل قد دلت في الطول على حالة واحدة.
وقوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول
قد كرر أبو الفتح استجادة هذا البيت في كتابه الفسر حتى غلا فيه، وأبعد المرمى في التقريط والرضى. لكنه لما بلغ التفسير قصر قال: أي إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولا انجذاباً إلى هواكم، ومصيراً إلى ما تؤثرونه ويكون سبب الدنو منكم. ثم جعل الاسم نكرة، والخبر معرفة لأجل القافية.
(1/226)

قلنا ما الحاجة بابي الطيب إلى أن يجعل الخبر معرفة والاسم نكرة مع امتناع النحويين من إجازة ذلك إلا في الشاذ النادر. ومعنى البيت يحصل من غير هذا التمحل. وليس برح هاهنا من أخوات كان، مثل ما برح زيد مصلياً. وإنما هو من برح أي زال. تقول: برح الخفاء أي زال. وما برحت من المكان أي ما زلت تقول: فلا برحتني روضة، فلا فارقتني.
هذا ما فسره الشيخ أبو الفتح. على أن الأولى عندي أن يكون يعني إذا بعدتم عني وحيل بيني وبينكم فلا أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه. (وهذا المذهب متعارف عندهم) في الرضى بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرّ عيني وهي نازحة ... ما لا يُقر بعين ذي الحلم
أني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
وقول القائل:
إذا هب علوي الرياح رأيتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب
فأما أن تكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما المعنى قول الله تعالى: فلما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف
(1/227)

لولا أن تفندون.
فأما أن يكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما أراه ينفع أبا الطيب، ولا يسر الظاعنين وأيضا فللظاعنين غير شم الروح ملاذ كثيرة، ولهم في غير منادح. وبعد فمعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
وقوله:
لقيت بدرب القُلّة الفجر لقيه ... شفت كمدي والليل فيه قتيل
ويوماً كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول
وما قبل سيف الدولة آثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول
لعمري أن القصيدة منها مثل هذه لحقيقة ألا يستجاد منها قوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول
بل يعد تابعاً، وللأبيات تكثيراً. وقد أتى لها الشيخ أبو الفتح بتفاسير غير شافية
وكأنه لم ينتبه لمواضع الصنعة منها. إذ أرسل الكلام إرسالا، فلم يأت فيه بدقائقه. ومثلها ما يدل على حذق الشاعر بالصنعة، وتأييد الطبع القوى له قوله:
شقت كمدى، لأنه يوم ظفر الممدوح فيه بالروم. ولما كان الليل انتظر فيه ما يسر به فطال عليه جعله قتيلا عند الصباح. ويحسن ذلك لما يرى من حمرة الشفق فكأنه دم قتيل. وأنشدني الشيخ أبو العلاء المعري لنفسه. وما قصد غير هذا المقصد:
(1/228)

وعلى الأرض من دماء الشهيد ... ين علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجران ... وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشر ... مستعدياً إلى الرحمان
ثم جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس كأنها رسول منها بسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم. وهو مع ذلك يريد أن يجعل هذا مخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة. فقال: لم يثأر قبل سيف الدولة عاشق، وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته. يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. فأي مزية من حسن الصنعة ترك هذا الفاضل، أم أي إحسان وإجادة.
ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أيضاً إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت عليهم السلام، إلا أن السبق له، ولا زيادة فيما قاله علي أبي الطيب وأما قوله بعدها:
وما قبلَ سيف الدولة آثار عاشقٌ ... ولا طلبت عند الظلام ذحول
فإنه يقول إنه يعني سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم فأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل ونال ثأر العشاق منه.
ولو قال قائل: إنه عنى بالفجر في البيت الأول النار، شبهها بالفجر كان ذلك
صواباً ليتفق التفسيران. والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء المعري.
(1/229)

وقوله:
وأكبر منه همة بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل
سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له وكان هاجساً هجس ساقي الخلد. اكبر هنا من باب افعل من كذا. وليس بفعل رباعي. والهاء في منه راجعة إلى نفسه. وكأنه لو تمكن لقال: واكبر من جئته أو جسمه همة فاستغرب هذا وأخذ يمانع. فقلت الست تقول: زيد فأعدا أحسن منه قائما. والضمير في منه راجع في نفسه، فقال نعم قلت: وما يمنعك من أن تكون أكبر منه همة. والهاء منه راجعة إلى نفسه. يريد: ورب رجل أعظم من جسمه همة، ففزع إلى كتاب الفسر: وقد ذكر الشيخ أبو الفتح إن أكبر فعل فقال أي العدى همة التي بعثت به إليك، أي استعظموها وسألته الجحافل أن ينظرها بما شغل به سيف الدولة عنهم. ومحتمل التفسيرين محتمل جيد، ولا مزية لأحدهما على الآخر. ويحتمل معنى ثالثا. وهو أن تكون الهاء في منه ضمير لرسول فقد تقدمه:
وأني أهتدي هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل
يريد ورب اكبر من هذا الرسول همة بعثت إليك الروم:
(1/230)

فأقبل من أصحابه وهو مرسل ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
يقول: ورب رسول أجل من هذا الرسول قد جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم هو يعذلهم، عداوتهم لك. ويجل قدرك في عيونهم أن تعادي.
وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين. لان المعنى الذي أورده الشيخ أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قد قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام بما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل. فلما قال: واستنظرته كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ. اللهم إلا أن يقول: هذا
متعلق بقوله: بعثت به، واستنظرته فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى، وأدى المعنى الذي أراد. على إنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المتطرد كالمتمحل.
وقوله:
تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها وقتاً عن المجد شاغل
قال الشيخ أبو الفتح: نصب وقتاً لأنه ظرف لشاغل كأنه قال:
(1/231)

وليس لها شاغل عن المجد وقتاً فما فوقه. والذي رويناه وقت بالرفع. ووقت اسم ليس، وشاغل صفة له. وليس يمنع ما رواه أبو الفتح. وفيما رويناه معنى لطيف ليس يؤديه اللفظ إذا نصب الوقت. وذلك إنه يريد لهذه الكف الشرق والغرب وما تحويانه مع عظمه وليس له وقت يشغلها عن المجد مع صغرها لأن كفاً تملك الأرض شرقاً وغرباً كانت بان تملك ما هو أصغر منهما. وإذا نصب وقتاُ كان شاغل مؤدياً لما أشرت إليه إلا إنه يبقى وقتاً كالفضلة التي لو سكت عنها جاز. فأنعم النظر برفق يتضح لك ما ذكرت.
وقوله:
أجدَ الحزن فيكَ حفظاً وعقلاً ... وأراهُ في الخلق ذعراً وجهلا
لكَ ألف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للألف أصل
يريد: أنت إذا حزنت على هالك فإنما حزنت حفاظاً منك على وده وصحبته، ووفاء له. لأن الحفاظ والوفاء مما يدعو إليه العقل. وغيرك بحزن ذعراً أي خوفاً. أي خوفاً من ألم الفراق، وجبناً منه. وجهلا من غير معرفة بالسبب الموجب للحزن. ثم فسر هذه الجملة فقال: للألف، وهو مصدر ألفه والألفة. يقال ألفه ألفاً. وقد قرئ لإيلاف قريش الفهم. وليس الإلف هاهنا بالأليف. يقول فالإلف تابع لكرم الأصل. والإلف هو الذي جر الحزن عليك أي جناه. يقال جررت على
فلان جريرة أي جنيتها.
(1/232)

قال زهير:
لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم
يقول: إذا كرم الأصل كان كأنه أصل الإلف. يريد إذا كرم الأصل كان للإلف نسيباً للأصيل، ومشاركاً له في اصله، إذ كان موجوداً معه. وقد أتى بمثله في البيت الذي يليه فقال:
ووفاء نبتَّ فيه ولكن ... لم يزل للوفاء أهلك أهلا
يقول: الإلف، والوفاء من أصلك، وفي أهل بيتك. يقول أنت نبت في الوفاء فكان حظك منه في الأكثر. ولكن أهلك كلهم أهل وفاء. فهذا معنى قوله ولكن الشيخ أبا الفتح قال: قوله: نجره أي تصحبه، ويتحمل ثقله. وهذا وإن كان محتملا فالذي ذكرناه أولى، لأنه حقيقة وهذا مجاز.
وقوله:
قاسمتك المنون شخصين جوراً ... جعل القسم نفسه فيه عدلا
كانت أخته الصغيرة مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة. وبقيت
(1/233)

الكبيرة ثم ماتت فقال فيها:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدى بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركه ... أنا لنفعل والأيام في الطلب
يقول: قاسمتك المنون هاتين الأختين ظلماً منها في هذه المقاسمة وجوراً وأخذا لما ليس تحقه. إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا. لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة. فكانت هذه المصيبة جورا من المنون. إلا أن القسمة عدلت نفسها بأن أبقت الكبيرة، وأخذت الصغيرة.
وفيه الهاء راجعة إلى الجور. وقد زعم الشيخ أبو الفتح إنه يجوز فيك بالكاف
وقال: يعني به جار في فعله. إلا إنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل.
وعندي إن هذه الرواية مضطربة. لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال: قاسمتك. بل كان يقول: قاسمتنا. وكان أيضاً لا يقول: شخصين بل كان يقول: ثلاثة شخوص. أحدها سيف الدولة. والآخران أختاه ولئن أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح فقد قطع ابتداء المعنى واطراده وأدخل فيه ما ليس فيه.
وقوله:
وهو الضارب الكتيبة والطعنة ... تغلو والضرب أغلى وأغلى
(1/234)

وهذا كقوله:
ولتمض حيث لا يجد الرمح ... مداراً ولا الحصان مجالا
ولم يفسره الشيخ أبو الفتح بقليل من كلامه، ولا كثير. وقد يسأل فيقال: إذا اشتد الزحام فصعبت المطاعنة فالمضاربة قد تمكن عند ذاك لقصر السيوف وطول الرماح فما معنى قوله: والضرب أغلا وأغلا. كان يجب أن يقول: والضرب يغلو أو الطعن أغلى وأغلى. لأنه إذا لم يكن الضرب بالسيف، وهو قصير، فالطعن بالرمح مع طوله اشد تعذرا.
فالجواب: إنه إذا لم يمكن الطعن لتقارب الجيشين في اعتراكهما فالضرب متعذر لشدة الذعر، وارتعاش الأيدي، وأخذ الموت بالكظم، وإنما يريد: إذا لم يقدر على الدنو من العدو قيد رمح، فالدنو إليه قيد السيف أصعب كثيراً.
هذا اقرب ما يعرض لي من الجواب الآن، والله أعلم.
وقوله:
كلما اعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا
قال الشيخ أبو الفتح: أي كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم. ثم تليهم جياد سيف الدولة فسبقت سبقهم الندير، أي لحقهم وجاوزهم.
وقد علم الشيخ أبو الفتح إنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته. فأما سبقته فيقال فيه: عجلته. بلا ألف. قال الله تعالى: (هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى). ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ
(1/235)

أبي الفتح في اللغة والإعراب. ولا أعلم كيف نفق عليه هذا الزلل.
يقول أبو الطيب: كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم وأخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم، قبل ورود النذير عليهم. ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الربايا وإنفاذهم الجواسيس لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطريق الخفية إليهم، ونفوذ سيف الدولة فيهم. فأما قوله: بحقتهم وجازتهم فلا اعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
وقوله:
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... القتال الذي كفاك القتالا
(ما) هنا بمعنى نفي، ولم يقاتلوك حال. يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك. يريد: ما انهزموا عن غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاموا فانهزموا. وقوله: ولكن القتال الذي كفاك القتالا، معناه إن من عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أيأس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك. وكأن هذا المعنى مشتق من قولهم: الشجاع موقى، وبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والثبات الذي أجادوا قويماً ... علم الثابتين ذا الأجفالا
ومثل هذا من إقامته المضارع مقام اسم الفاعل قول الراجز يصف كلباً:
أرسلت فيها رجلا لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا
كأنه مشتمل درانكا
(1/236)

يريد يقصر ماشياً، ويطول باركا. وكذلك يكون الكلب. إلا إنه إذا مشى مد يديه على الأرض، فكان اقصر منه إذا أقعى. لأنه إذا أقعى تطاول وامتد في العلو
شخصه ومثله:
فلما خشيت أظافيره ... نجوت وأرهنهم مالكا
فيمن روى: وأرهنهم فقوله وأرهنهم يريد راهنهم. فإذا روى: وأرهنتهم لم يكن من هذا الباب. فعلى هذا قوله: ما مضوا لم يقاتلوك، أي ما مضوا غير مقاتلين لك.
وقوله:
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
قال الشيخ أبو الفتح: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم. وهذا على ما فسره. غير إنه لم يأت بما يكفي ويشفي. وفي البيت غلق، لأنه قد آخر قوله: خيالا عن موضعه لعلم المخاطب. وتقدير البيت: ابصروا الطعن في القلوب دراكاً خيالاً قبل أن يبصروا الرماح. يريد بالخيال ما يراه الإنسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى. يقول: لشدة خوفهم منك وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب رأوا الطعن دراكاً في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة. وما تقدم هذا البيت مما قبله يدل على هذا. وهو قوله:
نزلوا في مصارع عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا
تحمل الريح بينهم شعر الهام ... وتذري عليهم الأوطالا
تنذر الجسم تأن يقيم لديها ... وتريه لكل عضو مثالا
(1/237)

هذا يدل على ما قلناه. وقوله: قبل أن يبصروا الرماح فمعلوم إنه يريد يبصرونها حقيقة. فخيالا إذن متعلق بما قبله. وليس الخيال بالحقيقة.
وقوله:
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
أي عين تأملتك فلاقتك ... وطرف رنا إليك فالا
الذي أتى به الشيخ أبو الفتح من تفسير هذا البيت إن قال: قد تكرر هذا المعنى في شعره. منه قوله:
ففي أبصارنا عنه انكسار
وهذا على ما ذكر، إلا أن في هذين البيتين كثيراً مما اعذروه من الشرح. قوله: لا رأوك إلا لقلب: حلفوا ليحصرن عقولهم وليعلمن أذهانهم وأفكارهم فيك، وفي قتالك. إذ كان ما يرونه بعيونهم قد كذبهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك. فلما جربوا خابوا. ورؤية القلب هو العلم. ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه وبسطاً له. ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفاً. فقال: أي عين تأملتك فلاقتك. يريد: ان العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى. كقوله أيضاً:
(1/238)

فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
وقوله:
وطرف رنا إليك فالا
آل بمعنى رجع. يريد إن العيون إذا نظرت إليك تحيرن، وبهتت فلم تؤول أي لم ترجع، وبقيت شاخصة اليك، كما قال أيضاً:
تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره
قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره
فليس في معنى أي المصراعين تناقض، بل يجمعهما التحير والذهول. فميز بينهما. وفي هذا المكان سؤال آخر، وهو أن يقال: كيف قال:
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
وقد قال قبله:
والعيان الجلي يحدث للظن ... زولا وللمراد انتقالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم. لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي باليقين. ثم قال فيما يليه: أقسموا لا رأوك إلا بقلب. ورؤية القلب هو الظن. وذم العيان فقال:
طالما غرت العيون الرجالا
(1/239)

فالجواب عن هذا إن علم القلب، وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب. وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة، ثم علموا عظم شأنه، وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم علم أنهم لا يقاومنه بعد العيان والتجربة. وإذا رأوه بالعين دون القلب رأوا عسكراً مثل عسكرهم لم يكن هذا تناقضاً. وكان كل معنى مستقلا بنفسه، منفرداً عن صاحبه فملائماً له في طريقته.
وقوله:
وظبي تعرف الحرام من الحل ... فقد أفنت الدماء حلالا
قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه. أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال. قلنا: مال الحاجة إلى هذه الدعوة فلا يكاد يحصل منها حقيقة. وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم فلا تقتل إلا كافراً فكأنه سيوفه تعرف الحرام من الحلال. وأيضاً هو من قبل الخليفة، مفترض الطاعة، فكلما قتل عاصياً كان مستحقاً للقتل فكأنها عارفة بالحرام والحلال. والدعوة التي ادعاها الشيخ أبو الفتح قد يدعى مثلها الشاعر للممدوح. ولكن هذا إذا لم توجد حقيقة. فأما إذا وجدت الحقيقة فهو غان عن دعوى الباطل.
وقوله:
أفسدت بيننا الأماني عيناها ... وخانت قلوبهنَّ العقول
الهاء، والنون ضمير قبل الذكر. والتاء في خانت للعقول.
(1/240)

يريد: خانت العقول قلوبهن أي لم تصور إليها وجوب حفظ الأمانة، وترك الخيانة. لأنهم إذا نظروا إلى عينيها غلبهم هواها على الأمانة. ولم تكتمل العقول لتصوير القبح. وأوهمت إنه جميل. وله مثل هذا قوله:
وما هي إلا نظرة بعد نظرة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
وإنما يعني إذا بعثت رسولاً عشقها فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
وقوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أقصير طريقنا أم طويل
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل
قال الشيخ أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة. أو يطوله الشوق إلى المقصود. وهذا محال ظاهر، لأن الشوق يقصر الطريق. ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
وقول الآخر:
من كابد الشوق لم يستبعد الدارا
وإنما يريد بقوله يطول إنه يعرض له ما يصده، أو حالة تلقته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عندهم أو سوى ذلك من
(1/241)

علة أو مرض، أو ما أشبه ذلك. يريد بذلك تشوقه إلى سرعة الوصول إليه، وإشفاقه أن يطول طريقه عارض يصده. ثم أخبرك إنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وأمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. كما قال بشر بن أبي خازم:
اسئل صاحبي ولقد أراني ... بصيراً بالظعائن حيث ساروا
ومثله:
واستخبر الأخبار من نحو أرضها ... أسائل عنها الركب عهدهم عهدي
فقال: وكثير من السؤال اشتياق أي سؤال شبيه الشوق. ثم قال: وكثير من رده تعليل أي ربما ورد في جواب السائل ما ليس بالجواب بعينه، وإنما هو تعليل وتطيب لنفس السائل كقول المسؤول عن مكان كذا. ككم بقي بيننا وبينه: هاهو ذا قد بلغته ولم يبق إلا يسير. يريد بذلك تهوين السير على السائل، وتقريب المسافة وإن لم تكن قريبة. يقول: فما فائدة سؤالي، وقد علمت آمد الطريق وأعلم إنه ربما أجبت بالتعليل بغير الحقيقة.
(1/242)

وقوله:
لا أقمنا على مكان وإن طاب
قال الشيخ أبو الفتح معناه لم نقم. كقوله تعالى: فلا صدق ولا صلى. يريد لم يصدق ولم يصل. والشيخ أبو الفتح لو أمعن النظر لعلم أن (لا) هذه ليست تلك التي عناها وإنما هي التي تكون جواب القسم. كقوله: والله لا أقمت، وواله لا ضربت. وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه، ويد عليه. ألا ترى إلى قول رسول الله عليه السلام فيمن فعل كذا وكذا لا تمسه النار إلا تحلة القسم يريد قول الله تعالى: وإن منكم إلا واردها الآية. ألا ترى إنه لا قسم ظاهراً في هذه الآية ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه. وهذا اشهر من أن يدل عليه. و (لا) في بيت أبي الطيب لها وجه غير ما ذكرنا. وهو أن تكون (لا) التي تكون في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وقوله:
ولا هجمت بها إلا على ظفر
فيحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان. ويحتمل أن يريد الدعاء فيقول: لا أقمنا على مكان هذه صفته. وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل له معنى لطيف قد سها عنه الشيخ أبو الفتح وأتى مكانه بمعنى كسيف وهو إنه يريد لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه. يقول لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا. وهذا ما لا
يكون. فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
(1/243)

إذا زال عنكم أسود العين كنتم ... كراماً وأنتم ما أقام إلا اللائم
وأسود العين جبل فهو لا يزول. وكذلك هؤلاء المخاطبون لا يكونون كرماء. فالواو في قوله: ولا يمكن واو الحال، أي لا نقيم في مكان وهذا حاله. فانظر الفضل بين ما ذكرنا، وبين ما فسره أبو الفتح قال أي لو أمكنه الرحيل لرحل إلى سيف الدولة شوقاً إليه. فأي معنى (للو) ترى في هذا المصراع. وأي خاطر سقط به عليه، وأداة إليه. غفر الله له. وما سبب شوق المكان إلى سيف الدولة، ولا سيما وليس من ممالكه، ولا عبر به قط من عمره. وأين نجد من حلب.
وقوله:
لو تحرقت عن طريق الأعادي ... ربط السدر خليهم والنخيل
لم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وفيه كلام. وهذا البيت يشبه قوله:
فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل
وذلك أن الروم ليس في ديارهم السدر، ولا النخل. كما ليس في ديارهم الجمال ولا يعرفونها فقوله: ربط السدر خيلهم. يريد: لولا دفاعك عن عضد الدولة، ومعز الدولة لسارت إليهم، وأوغلوا في ديارهم حتى ربطوا خيولهم إلى السدر، وإلى النخل. يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة. وقد صرح وقال بعده:
ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول
وقوله: ربط السدر. إنما يريد ربطت إلى السدر. والروم
(1/244)

ربطوها. ولكن أما كان السدر والنخيل الممسكة عليها جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
وقوله:
محبي قياني ما لذالكم النصل ... بريئاً من الجرحى سليماً من القتل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه يا من يحب قيامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصلي أعدائي واقتلهم به. وهذا على ما فسر. إلا إنه ترك ما يجب ذكره، وهو أن القيام إن كان أبو الفتح يريد به المقام فقد اخطأ، ولا أراه أراده. لأنه لا يقال: قام زيد بمعنى أقام في المكان. وإن أراد أيضاً القيام الذي هو الانتصاب على الرجلين فقد أخطأ أيضاً لا فائدة فيه لأن يحب أهل أبي الطيب قيامه. وإنما يريد الحاجة والمؤونة. يقال: فلان القائم بفلان، وفلان قيم فلان. أي هو القائم به، والمصلح لشأنه.
ومعنى البيت: يا من يريد قيامي بأموره وتركي مفارقته ما لذلك النصل لم أجرح به، ولم أقتل. يريد ذلك النصل وأعماله أحب إلي، وأهم عندي كقولك لمن يلتمس منك المشي وقد حضر فرس ما لذلك الفرس، معناه: لا أمشي والفرس حاضر. وكذلك يريد لا أختار القيام بأمورك على أعمال النصل.
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
(1/245)

قد أكثروا الكلام في هذا البيت. وقوله تشبيهي بما. وقالوا (ما) ليس من حروف التشبيه ولم يؤت في الجواب بطائل. فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول تفسيره فكأن قائلا قال بما يشبه فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كان الأرقم، أو نحوه ذلك. فقال هو معرضاً عن هذا القول أمط عنك تشبيهي بما وكأنه فجاء بالحرف للتشبيه وهو كأن. وبلفظ ما التي كانت سؤالا فأجبت عنها بكأن التي هي للتشبيه فذكر (ما) في التشبيه لأن جوابها تضمن التشبيه فكانت سبباً له. فذكر السبب والمسبب جميعاً. وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء هما علامة للتأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها. ولكن الهمزة لما صاحبت الألف التي قبلها قيل هما جميعاً للتأنيث. هذا كلام الشيخ
أبو الفتح. وقد حكيت لي حكاية هذا موضعها.
زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائراً لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل إليه وقضى سلامة قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهى النبي صلى الله عليه عن أكل لحمها فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد فقال نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد ... إلا عنيز لجبة مجثمة
فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدنيوري، فأذن له فلما دخل،
(1/246)

قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهانا عن أكلها. قال: هي التي جثمت على ركباتها ونحرت من قفاها فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ العراق أبو العباس المبرد يقول: هي مثل اللجبه، وهي القليلة اللبن. وانشده البيتين. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا الشيخ سمع هذا التفسير أو قرأه، وان كان البيتان إلا لساعتهما هذه. فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنفية. أنفت إن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البيت.
وأنا أحلف بالله العظيم إن كان أبو الطيب سئل عن هذا البيت فأجاب بهذا الجواب الذي حكاه ابن جني وان كان متزيداً مبطلا فيما يدعيه عفا الله عنه وغفر له. فالجهل والإقرار به أحسن من هذا.
وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال: هذا مما سئل أبو الطيب عنه. فذكر أن ما تأتي لتحقيق التشبيه تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، أو كالأسد كما قال:
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
وقال لبيد:
(1/247)

وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يعود رماداً بعد إذ هو ساطع
ثم قال وأقول: إن التشبيه بما محال. وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه. فإذا قال: وما المرء إلا كالشهاب، فإنما الفيد للتشبيه الكاف. وإنما (ما) النفي. نفت ان يكون المرء كالشهاب. وإذ قال: وما هند إلا مهرة. فان (ما) دخلت على ابتداء وخبر. وكان الأصل: هند مهرة عربية. وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب التشبيه. وأم كان اللفظ مباينا للفظه. ثم نفى أن يكون إلا كذلك فليس بمنكر أن تنسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر. وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه الحكاية عن أبي الطيب. فأي الحكايتين نجعلها الصحيح، وننفي أختها. وهل ترى نفسك إلى الثانية أميل منها إلى الأولى. والله تعالى علام الغيوب.
والذي عندي ما أقوله: وهو فائدتي من الشيخ أبو العلاء المعري. وليس مما استنبطته. وهو أن تكون (ما) التي تصحب كأن، إذا قلت: كأنما ريد الأسد. ألا ترى إنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولا كثيرة من كتب النحو. وقد صارت في لغة قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها. وما عمدي ان أبا الطيب أراد غيرها. والله تعالى اعلم بالغيب. له مثل هذا البيت أيضاً قوله:
صغَرتْ كل كبيرةٍ وكبرتْ عن ... لكأنه وعددت سِنَّ غلامِ
(1/248)

أي كبرت التشبيه فأجراها مجرى ما يلزم في التشبيه من الحروف. وله مثل هذا أيضاً:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
والأول في هذا المعنى قول ابن الرومي:
يقرظ إلا أن ما قيل دونه ... ويوصف إلا إنه لا يحدد
وهو في غير هذا المديح كثير.
وقوله:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
المخايل جمع مخيلة يعني البرق. وهو مخيلة السحابة ونحوه مما يستدل به على كون النظر. وهذا مثل ضربه لصاحبيه. يقول: عيشا، يأمرهما بالعيش، تريا من أمري شأنا عظيما، فقد ظهرت مخايلة، وما تشهد لي بتحقيق ما أمله من الشرف، وبلوغ المجد، وبعد الصيت. وكان بعض أهل الأدب يفسره إنه يريد مخايل الدار، أي علاماتها، وبلقى رسمها وآثارها. ويعني بالودق دمعه. يقول: لصاحبيه: قفا، تريا بكاي على مخايل الديار، فقلت له: فما اقبح قوله بعد ذلك: ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل. أتراهما خشيا أن لا يبكي على ديار حبيبته وقد
(1/249)

استوقفها. فما باله لم يشبب للقصيدة إلا بيت واحد ذي معنى ردي منقطع.
وقوله:
كفى ثعلا فخراً بأنك منهم ... ودهراً لان أمسيت من أهلِ أهلُ
هكذا رويته ودهراً بنصب دهر. وهو معطوف على قوله: ثعلا. أي وكفى دهراً. ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: وكفى دهراً هو لان أمسيت من أهله أهل فخراً. وهذا كقوله:
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق
أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
(1/250)

وحسن هذا المعنى والوضع كما ترى ظاهر.
قال الشيخ أبو الفتح. ورواه دهر بالرفع. أي ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. فارتفع أهل لأنه وصف لدهر. والدهر ارتفع بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام. فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. ولا يتجه رفعه إلا على هذا.
لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه. ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
هذا كلامه واختياره. وشتان إضمار مبتدأ يدل عليه الكلام، ويشهد به الضمير، وحذف فعل لا انسياق للفظ معه. ولنتحاكم مع الشيخ أبي الفتح إلى إظهار الفعل الذي زعم إنه مضمر. ثم ننظر كيف انسياق الكلام في حكم الشعر. فما أراك تستحسن أن تقول: كفى ثعلا فخراً بأنك منهم. وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. بل كفى ثعلا فخراً بأنك منهم، ودهراً هو لأن أمسيت من أهله أهل.
ولو خير في هذين اللفظين السيخ أبو الفتح لاختار هذا لاشك. وقد قال أبو الطيب:
من كل رخو وكاء البطن منفتق ... لا في الرجال ولا النسوان معدود
فرفع معدوداً لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: هو معدود. ولولا ذلك لوجب جره. والقصيدة مرفوعة. وهذا في شعره وشعر غيره كثير. وما ادعاه أبو الفتح من الضرورة.
(1/251)

وقوله:
لست ممن يغره حبك السلم ... وأن لا ترى شهود القتال
ذاك شيء كفاكه عيش شا ... نيك ذليلا وقلة الأشكال
يقول: أنا عارف بك وبعشقك للحرب، فلا يغرني أن ادعيت أنك تحب السلم، وأن لا تشهد الحرب. وشهود: فعول، من باب تكثير الفعل. مثل ضروب، وقؤول، وسؤول. والتاء في ترى مضمومة يريد ترى أنت أيها الممدوح. وسمعت من ينشد: وأن لا ترى شهود القتال بفتح التاء، وضم الشين. وشهود القتال قد يراها المخانيث أيضاً والصبايا. فما فخر هذا الممدوح في أن يرى شهود القتال. وشهوده: آثاره وما جرى من دمائه، ومرادي الخيل فيه. ثم قال: ذاك شيء. يشير إلى القتال، أي كفيت القتال بكون شانيك ذليلا مهينا. وبأن لا نظير لك
فتحاربه وتنازعه لملكه، أو يحاربك وينازعك.
وقوله:
لدى الخزامي ذفر القرنفل ... محلل ملحوش لم يحلل
ملوحش: أراد من الوحش. قال ابن جني: معنى البيت الثاني إن الذي حله إنما هو الوحش وهو غير محلل من الإنس. ويقال: حلل المكان والماء إذا كثر النزول من يحل به. قال امرئ القيس:
(1/252)

(نمير الماء غير محلل) أجاد الشيخ في هذا التفسير. وسمعت من ينشد:
محلل ملوحش ما لم يحلل
فقلت له فما يكون تفسيره فقال: محلل من الحلال يريد لكثرة صنوف وحشة وقرب تناولها قد احل من دمائها ما لم يكن حلالا قبل لأنها كانت لا تمكن الصائد لما كانت متفرقة. فلما كثرت في هذه الأرض وقرب اقتناصها استعار لها لفظ الحلال لامتناعها لفظ الحرام. وليس ذلك بالممتنع. على أني لا أثق بالرواية.
وقوله:
فما حاولت في أرض مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا
كان أبا الطيب أراد بهذا البيت الألغاز. وإنما يريد أنى إذا جعلت أرضي قتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرضي، ولا ارتحلت عن أرض. وقد تقدمه:
الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا
لأنه إذا كانت أرضه القنوت فهو لا يريد مقاما في ارض أبدا.
(1/253)

ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز. وذلك إنه يريد إذا كان مسافراً أبداً، لا يقيم في بلد، ولا في مكان فكيف يكون مزمعاً عن أرض زوالا. إنما كان إزماع حين ارتحل بدناً أن يكون مسافراً أبداً. ولو أقام لاحتاج إلى إزماع زوال فلما لم يقم لم يزمع عن أرض زوالا. وهو معنى لطيف فافهمه.
وقوله:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطرٌ يزيد به الخدود محولا
إن مفتوحة الألف. يريد لأن عزم الخليط. كقولك: جئتك أن تكرمني لان تكرمني. وقد تكلم في ذلك الشيخ أبو الفتح، وأورد من الاستشهاد والإيضاح ما كفى وأغنى. وكسر ألف أن لا يجوز بته. ويعني بالمطر دمعه. ومحول جمع محل وليس مصدر إنما يقال: أمحلت البلاد أمحالا. ومحول الخدود شحوبها، وتخدد لحمها. وزوال مائها ورونقها، واصفرارها. كالبلد إذا أمحل قل خيره، واصفر نباته، وذوى عوده. وإنما قال ذلك لان المطر من صفاته أن تخصب البلاد، ويخضر العشب وتروق البقاع. فكان الدمع مطراً بخلاف المطر صنيعاً. فأي معنى أحسن من هذا وأي لفظ أنق، وأي صنعة اكمل.
وقد قال الصاحب بن عباد أبو القاسم غفر الله له في رسالته
(1/254)

المعروفة (ومن استرساله إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل، ولا يلتفت إليها فاضل: في الخد أن عزم الخليط البيت فالمحول في الخدود من البديع المرذول. ثم هذا الابتداء في القصيدة من النفور بحيث تضيق عنه الصدور).
فأي علم أفادنا بما قال غير هذا الكلام المسجوع الذي ماله مرجوع. بل ليت شعري أي شيء أنكر وما الذي نقم. والمحول للخدود مستعار. كما إن النظر للدمع مستعار. فأي نفور في هذا الابتداء الذي لم يخله من لفظ رائع. ومعنى مبتدع، وصنعة محكمة.
وبعد فقد ارتضى كل ذي عقل وفضل رأيته وسمعت به هذا الابتداء واستحسنه. وما شاهدت أحداً من الفضلاء، وذوي العقول يذمه غير هذا الظالم. فإن كان لا يرتضيه هو من بينهم وحده، وليس بأفضلهم، ولا أعقلهم فلعلة ما ذاك وقد قال بعض المحدثين:
مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح ومقلتي سماؤه
فهل ترى بهذا من عيب، وهل يؤتى من جودة صنعه، وحسن بنيه. فكيف تراه جعل العبرات مطراً، والخد ارضاً، والمقلة سماء. وإذا جاز لهذا أن يجعل الخد أرضاً فلم لا يجعل أبو الطيب لتلك الأرض محولاً وخصباً.
وقوله:
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
(1/255)

ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
لم يأت في تفسير هذين البيتين في كتاب الفسر إلا إنه قال هذا نحو قوله أيضاً:
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
وقد يسأل فيقال معنى قوله: شكوى التي ومن هي هذه الأنثى. وهلا قال شكوى الذي. فالجواب: إن التي هي المطية، وغرضه سوق الكلام إلى ذكر غيرته من المطية فكأنه قال: أنا أغار من شكواها روادفك، وثقلها لأنها كشكوى العاشقة لك المضمر وجداً. ولو قال الذي لما أمتنع، ولا تغير من المعنى شيء لكنه اتبع التأنيث تأنيثاً. وهذا كقولك: ضربت زيداً ضرب المغيظة، وكلمته كلام العاتبة. ولو قلت ضرب المغيط، وضرب العابث لجاز فافهم. ومعنى البيت الثاني إنها إذا جذبت ناقتها بزمامها قلبت رأسها مع الزمام فكأنها تطلب منها تقبيلا فتزيد غيرة أبي الطيب من شكواها تحقيقا وتوكيداً. وهذا من قول القائل:
(1/256)

والعيس عاطفة الرؤوس كأنما ... يطلبن سر محدث في الأحلس
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
قال أبو الفتح: أي تعلم الزمان من سخائه، فأخرجه من العدم إلى الوجود. ولا سخاؤه الذي أفاده منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه. وفي هذا شيء
يسأل عنه. فيقال: إنه في حالة عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في الوجود فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم. فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخا إذا وجد فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده. لولا ما تخيله لبقي أبداً بخيلا به. ثم اتبع هذا التفسير ما يوضحه من الاستشهادات والتمثيلات. وقد جود الشيخ رحمه الله فيما أتى به غير إنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا البعد. وهو أن يقال:
(1/257)

مراده فسخاً به عليَّ. يريد اتصاله به. وانضمامه إلى جنبه، يقول: قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعده سخاء الممدوح فسخاً به. وأوصلني إليه. وهذا معنى واضح لا مجال فيه ولا اضطراب.
وقوله:
وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا
يزمجر: يردد الصوت. ونفسه رفع على تأويلين: أحدهما أن تكون فاعلة يزمجر والثاني أن تكون فاعلة تظنه. يريد: تظنه نفسه مشغولا عنها مما تزمجر. وهذا هو الجيد. وعليه المعول. والأول يكون المراد: وتظنه أنت مشغولا عن نفسه لشدة غيظه مما تزمجر نفسه. على أنا قرأناه يزمجر بالياء. وإذا كانت نفسه فاعلة تزمجر بالتاء وإذا كانت نفسه تزمجر روى بالتاء أيضاً. ولم نروه.
وقوله:
قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا
الهاء في جواده للكمي. يريد: ركب الكمي جواد نفسه. وإذا ركب جواده مشكولا لم يقدر على سرعة السير. ولا استوائه. يريد تشبيهه خطوة المقارب من مخافته بخطو الجواد المشكول الذي عليه شكال. وكأنه لو أمكنه الوزن لقال: قصرت مخافته الخطى. كما يقصر الشكال خطى الجواد. وكأنه يريد ركب الكمي جواده
مشكولا فقارب خطاه. وهذا كقول القائل:
(1/258)

لما رأونا والصليب طالعا ... ومار جرجيس وسما ناقعا
خلوا لنا راذان والمزارعا ... كأنما كانوا غراباً واقعا
يريد: فطار. فتركه لعلم المخاطب. ولم يفسره الشيخ أبو الفتح، ولا الذي قبله لكنه أتى بالغريب.
وقوله:
لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال
قال الشيخ أبو الفتح: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه. وهذا كقوله أيضاً:
ويحسد الخيل منها أيها ركبا
(1/259)

وهذا كما فسره. إلا أن قوله: أواخرها الأعالي مما يجب أن يوضح غرضه فيه. وذلك إنه يريد: أن ثيابه الأعالي هي أواخر ما يلبس، إذا كانت أوائلها هي التي تلي جسده. وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكر آخر العمل، وآخر العمل أول الفكر. وإن تأويلها متأول لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى. وهكذا يلبس الملابس ابهاها، وارفعها مظاهراً به كان جيداً. وقد قال الشيخ أبو عبد الله النميري رحمه الله في تأويل قول الشاعر في كتاب الحماسة:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لأفقر مني أنني لفقير
إنه خص الأنياب العلا، لأنها هي التي تظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت. وقال هذا كقول الآخر:
إذا ضحكت شبهت أنيابها العلا ... خنافس سوداً في صراة قليب
وقال آخر فسر هذا البيت في كتاب الحماسة يعرف بابي مسلم الولادي: إنه إنما قال: العلا لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد كله. فمعنى أنيابها العلى، أنيابها كلها. كما قال عروة: (قطعتها بيدي عوهج) وإنما تقطع الفلاة بيديها ورجليها.
وقال آخر:
الواطئين على صدور نعالهم
وقد أخطأ الولادي في هذا التشبيه. فإن الشاعر قال:
(1/260)

يطاولون على صدور نعالهم
لأنها مشية ذوي الخيلاء، والمتطاول في مشيته. فهو لا يبسط قدمه على الأرض بل يمشي على طرف رجله. واتبعه بكلام آخر خطأ لا فائدة له في ذكره.
وقال غيرهما من مفسري هذا البيت: إنه قال: العلى، لأنه أراد الرفع من شأنها كقولك: زيد العلى مضافاً، وغلام عمرو العلى على حد الصفة. فهذا التفسير شبيه التفسير الثاني الذي ذكرناه في بيت أبي الطيب.
وقوله:
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما ببكاً عليه العاقل
يريد هذا الأمر الذي حكاه. يعني إقفارك أيتها المنازل، وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك لأنك لا عقل لك. والهاء في عليه تحتمل معنيين، كلاهما حسن. فأحدهما أن يعود إلى ذاك. يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل. وهو الفؤاد. والثاني أن تعود الهاء إلى أولى، يريد أولاكما ببكاء على نفسه. وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى. إلا أن فيه زيادة كقوله أيضاً:
(1/261)

لو كنت تنطق قلت معتذراً ... بي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك إنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني بعض من قتلوا
والبكاء يمد ويقصر. وقد قصره في هذا البيت.
وقوله:
تحلو الدار من الظباء وعنده ... من كل تابعة خيال خاذل
قوله تابعة يحتاج له إلى تفسير. وإنما يريد ظبية تابعة سرباً. يريد إنها ارتحلت
برحلة الحي فتبعت، وخذل خيالها. كالظبية التي تخذل القطيع فتتخلف عنه. وأراد المطابقة بين التابعة والخاذلة فجود ما شاء الله درّه. ومعنى هذا البيت تكرر من البيت الأول:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ ... أقفرتِ أنت وهنَّ منكِ أواهلُ
يعني أن ذكره إياها الباقي في ضميره كالأهل لذلك المنزل الذي نزله حبها من قلبه. وحسن قوله: تلعة بتسميتهم ولد البقرة الوحشية إنه تبيعا. وهذا من الحذق بصنعة الشعر والمعنى من قول القائل:
أنا على البعاد والتفريق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وخيال الذكر مثل خيال النوم.
(1/262)

وقوله:
دون النعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقتها وضم الشاكل
وهذا البيت دليل على حذقه بالصنعة، وكمال الإله. قوله: كشكلتي نصب ولم يقل كشكلتي فتح كحالتين يلطف شأنهما: أحديهما أن الفتح من حركات البناء والشكلتان إذا اجتمعتا كانتا للتنوين، ولا تنوين مع البناء فإذن اجتماعهما نصب وليس بفتح.
والحالة الثانية إنه لما اضطر إلى ذكر الضم، بمعنى الجمع خشي أن يقول كشكلتي فتح أدقهما وضم الشاكل. فيتوهم السامع أنه يريد ضمة البناء الكائنة شكلة. وهو يعني جمع الشاكل بينهما ودانهما وقرب أحدهما إلى الآخر. والضم والفتح من باب البناء. ومعنى البيت: إننا وقفتا نحيلين كشكلتي النصب المداني بينهما، لا نتعانق خوف الرقيب. وقوله: دون التعانق يتضمن معنى إنه قد حيل بينهما وبين التعانق لخوف الرقيب، ودون ظرف، العامل فيه وقفة في قوله: كم وقفة سحرته شوقاً. وكأنه ينظر إلى قول القائل:
أني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
واستنبطه منه.
(1/263)

وقوله:
ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قَلَمَا بأحسن من نثَاك أناملُ
هذا اخر القصيدة. و (ما) نفي، وقلبت عطف على دار. يريد: ما دار، وما قلبت. وليس ما، ظرفاً كقوله: عشت ما دار لسان في حنك. ولو كان كذلك لكان هجاء، قوله: وقلبت قلما بأحسن من نثاك وكان معناه إن نثاك ليس حسناً. معنى البيت إنه يقول: ما قيل، وما كتب أحسن من أخبارك لما فيك من الكرم الزائد على كل كرم.
ويجوز أن يريد بذلك مدح شعره فيه. يريد: ما قيل قط مثل شعري هذا الذي مدحتك به، ولقائل أن يقول: لو أراد ذلك لقال: ثنائك، لأن مدحه إياه ثناء وليس ثناء قط. لأن النثا الخبر خيراً كان أو شراً. إلا إنه لم يقصر ممدوداً في شعره بتة إلا في موضع واحد. وهو قوله:
خذ من ثنائي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
وقوله:
وإسحاق مأمون على من إهانة ... ولكن تسلى بالبكاء قليلا
قال الشيخ أبو الفتح: أي يأمنه من يهينه لسقوط نفسه. ولو قال هاهنا: تجمل بالبكا لكان أشبه. وهذا تفسير يجري مجرى الرموز
(1/264)

فلنذكر الآن غرض الرجل ثم نفسر رموز الشيخ أبي الفتح، وننظر هل اختياره أولى أو اختيار أبي الطيب في تجمل وتسلى. يقول أبو الطيب: إن من أهان بن كيغلغ أمن سطوته لعجزه عن مقابلته، أو لسقوط نفسه، كما ذكر الشيخ أبو الفتح. وإنما معنى المصراع من قول القائل:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ولبعض المحدثين مثله:
تعرض لي ناش وناش مبارك ... على القرن ميمون على من تغالب
وقد قصَّرا جميعاً عن الأول، ووقعا دونه. وقوله: تسلى بالبكاء قليلا. يريد إنه لا يملك من النكير عليّ إذ أهنته غير البكاء والجزع فيتسلى به إذ لم يقدر على إهانتي مكافأة على ما فعلت به. وهذا ابعد قوله:
أتاني كلام الجاهل بن كيغلغ ... يجوب حزوناً بيننا وسهولا
وكان أبلغ عنه إنه ذكره في بلاد الروم بقبح وتهده. فكأنه يقول تسلى بذلك القول ولم يريد المقابلة لي. ولكن تسلى بما أظهره من الجزع عجزاً عن إيقاع الفعل. فأقام البكاء مقام ذلك، إذ كان صدر عن جزع كما يصدر البكاء عن الجزع فما يصنع التجمل هاهنا. وكيف يتجمل بالبكاء من لم يقدر على مقابلة عدو ومجاراته بصنيعه بل ضد التجمل فعل من بكى جزعاً.
(1/265)

وقوله:
أما ابن من بعضه يفوق أبا الباحث ... والنجل بعض من نجله
بمثل هذا فيغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبوته فما قصر. يقول: أنا بعض والدي، لأني منه وجدت. وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرماً وبأساً. فإذن والدي فوق أبيك كثيراً قد فضله بعضه. وقد استوعب هذا المعنى بقوله: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث. وباقي البيت فضل وتبيين. وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفذوا حيله
يقول: أنا لا أفخر إلا بنفسي. وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالأب من لا فخر له في نفسه فيقول: أنا ابن فلان. وجدي فلان.
قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: معناه أنا فوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعه الشعر قادته إلى هذا النظم. وليس بضرورة كما قال:
قالت من أنت على خبر فقلت لها ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
فأتى بهذا النظم. وهذا كلام من لا يعرف صنعة الشعر. وأي صنعة في هذا البيت غير إبداع المعنى. والصنعة تحتص من الشعر باللفظ، ووجه استعماله، لا باختراع المعاني، ألا ترى إنه لو قال:
(1/266)

كما قال الشيخ أبو الفتح: أنا أفوق أبا من يبحث عني لما كان قفيه هذا المعنى البديع، الذي إياه أراد أبو الطيب. وقول الشاعر:
أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
ليس نظم الشعر فقط أحوجه إلى هذا القول. بل مذهب الشعراء المعروف في التغالط. ألا ترى إنه بنى أول بيت على المغالطة. لأنه سألت عن قائل هذا الشعر، وهي تعرفه فأجابها بجواب مغالطة أيضاً. وأنشدت مثل هذا لبعض المحدثين:
بنفسي التي قالت أأنك للذي ... يهيم بنا زعماً فقلت لها أني
لو قال الشاعر أنا الذي عاديته أنت لما كان للفظه الحلاوة التي تراها في البيت. بل الفاعل ما ذكره أبو الفتح من غير فائدة إلا لإقامة الوزن. ابن حبيبات القائل في خالد بن برمك:
لم يبق إلا الذي شيراز منزله ... أعني ابن برمك ممن يترجى أحد
فهذا تعقيد بلا فائدة. فلو قال: لم يبق إلا ابن برمك لكفى، وأغنى. ومعنى أبي الطيب بعد يضطر إلى اللفظ الذي أتى به فتأمله. وأجهد أن يأتي به في غير هذا اللفظ موجزاً تجده ممتنعاً. وقد جود أبو الطيب في هذا البيت، فما ترك في الإحسان غاية لم يأتها لولا إنه نقض هذا الأصل الذي أتى به في مكان آخر من شعره فقال:
(1/267)

فلا قطع الرحمان أصلا أتى به ... فأني رأيت الطيب الطيب الأصل
فهذه حجة لمن فاخر في الإباء. وكأنه حقق بذلك قول نصيب:
إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النباتُ بها وطاب المزرع
فإذا جهلت من أمري أعراقه ... وأصوله فانظر إلى ما يصنع
وقول أبي تمام:
فروع لا ترف عليك إلا ... شهدت لها على طيب الأروم
وقول أبي الطيب:
أفعاله نسبٌ لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
(1/268)

وقوله:
فولت تزيع الغيث والغَيْثَ خلّفت ... وتطلبُ ما قد كان في اليد بالرجل
هؤلاء بنو كلاب اظهروا العصيان بعد الطاعة، فورد دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال:
أرادت كلاب أن تفوز بدولةٍ ... لمن تركت رعيَ الشُّويهات والإبل
أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضّب الخبيث من الأكل
يقول: كانت طاعة السلطان غيثاً فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو. وطلبها له سائرة طلب بالرجل. وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا. كقولك هذا الشيء في يدي، أي حاصل عندي. وان لم يكن في يده العضو نفسها. قال الشيخ أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة. وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قريب. والله ما يفهم من قول أبي الطيب شيئاً مما يزعم. فرحم الله من عرفنا مغزاه بهذا التفسير، وكيف وهو يقول قد كان في اليد، يريد إنه كان في القديم في اليد. والشيخ أبو الشيخ يزعم إنه يريد لتناولت الغيث باليد عن قريب غفر الله له.
(1/269)

وقوله:
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي
لا أن يكون هكذا مقالي
يقول: الأيام تتظلم مني. وأنا لا أتظلم. والهاء في ماله تكون لأبي الطيب. والياء في ما لي للأيام. ثم قال: لا أن أقول ما لها وما لي. لأني لا أبالي بها، ولا أتظلم منها. ألا تراه يقول:
وكيف لا وإنما إدلالي ... بفارس المجروح والشمال
وهما فرسان لعضد الدولة. يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة لم أتظلم من الزمان، ولم يقدر على هضمي. وقوله: ما له وما لي قول المتظلم. ألا ترى قول سحيم:
ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماماً ما لهّن وماليا
وإلى قول الآخر:
يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويبز ثوبي ... كأنما أريته بريب
والبحتري يقول:
(1/270)

ما لي وللأيام صرف حالها ... حالي وأكثر في البلاد تقلبي
وقد ترك من اللفظ شيئاً يدل عليه الكلام. وذلك إنه يريد: لا أن يكون هكذا مقالي لها. لأنك لا تقول: ما أجدر زيداً أن يمر عمرو حتى يقول به فيكون في الجملة الثانية عائد إلى الجملة الأولى.
وقوله:
إذا تلفتن إلى الأظلال ... أرينهن أشنع الأمثال
كأنما خلقن للإذلال ... زيادة في سبة الجهال
قد تقدم ذكر القرون. يريد بقوله: سبة الجهال قولهم إذا شتموا: هو قرنان. وليست اللفظة بعربية صحيحة، ولا لها أصل. غير أن المولدين قد أولعوا بها، حتى جاءت في الشعر فمن ذلك قول ابن طباطبا العلوي (يذكر بعض من تعرض لهدم
سور اصفهان):
بنى السور ذو القرنين حصناً لأهله ... وأصبح ذا القرنان يهدم سورها
(1/271)

ولا أعلم السبب في هذه التسمية ما هو، ولا السبب في عبارتهم بالقرن عن فجور الزوج غير أن القرن مشتق من الاقتران، فكان من رضي بذلك من زوجه بقرين. لا أعلم غير ذلك سبباً موجهاً.
وقوله:
لو سرحت في عارضي محتال ... لعدها من شبكات المال
بين قضاة السوء والأطفال
يريد إن اللحية الكبيرة تصلح للقضاة والعدول، وتمكن صاحبها التمويه والحيلة. وقد تقدم هذه الأبيات قوله:
لها لحي سودٌ بلا سبال
ومن أبيات المعاني:
ولج النار في الطفيف من النائل ... لا يتقي ولا يتحرج
فاته المجد والعلاء فأضحى ... يفتق الخيس بالنحيت المفرج
يصف شاهد زور شهد لنزر من الفائدة بالزور فاستحق النار فكأنه ولجها. والخيس: الأجمة. يقال إنها سميت بذلك لأن لحوم الفرائس تخيس فيها أي تنتن. يريد هاهنا به اللحية. ومثل هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه كان لا يدع نصح غابته من تحت ذقنه. شبهت اللحية بالغابة لتكاثر شعرها كتكاثر شجرها. والنحت المنحوت يعني مشطاً منحوتاً. قد فرج بين أسنانه. يريد إنه قد أولع لحيته يمشطها ويسرحها ليمه بها على الناس في شهادته.
وقوله: الأطفال: يريد الذين يحجر القضاة على أموالهم حتى يبلغوا
(1/272)

الحلم ويؤنس منهم الرشد. فهم يتأكلون أموالهم إلى حين ذلك، ويظهرون العفة. ويموهون بكبر
اللحى.
وقوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمه
يريد: وفاؤكما بأن تسعدا ما لربع أشجاه طاسمه. يقول: وفاؤكما بذلك طاسم دارس، وأشجاه دارسه. لأنه لو لم يكن دارساً ما شجاني، كما أن الربع أشجاه لي دارسه. ثم لما تم الكلام أتى بزيادة فقال: أشفى الدمع ما سجم فدعوني ابكي وهذا معنى قول بعض المحدثين:
لا تلم في البكاء فالدمع لو لم ... يجر في الخد كان في القلب حمر
وقد تكلم الشيخ أبو الفتح في تقدم الخبر على تمام الاسم المبتدأ بما يغني عنا سواه. وله عندي تأويل يخرجه مما منع منه أبو الفتح. وهو أن
(1/273)

يكون قوله: وفاؤكما كالربع مقطع الكلام يريد وفاؤكما دارس كالربع ثم قال: أشجاه، يريد الذي أشجاه. من قولك: شجي باللقمة إذا غص بها. كما تقول: الرجل يكلم الأمير جسور تريد الذي يكلم الأمير. فقوله: بان تسعدا متصل بأشجاه، يريد أغصه بإسعاد كما لي فيه على البكاء. وهذا المعنى وإن كان متعسفاً فإنه مخرج له من الضرورة التي ذكرها أبو الفتح. والكاف والميم من قوله: وفاؤكما لمخاطبة صاحبيه أو لمخاطبة عينيه كلاهما وجه.
وقوله:
بليتُ بلى الأطلال أن أقفْ بها ... وقوتَ شحيحِ ضاع في التربِ خاتمهُ
أنام ملء جفوني عن شواردها ... وتسهر الخلق جراها وتختصم
وهذا على ما ذكر هذا الأديب إلا أن صاع تستعمل بمعنى أمال. صاعه يصوع صوعاً قال الشاعر:
يصوع غبوقهم أحوى زينم ... له طاب كما صخب الغريم
يريد يميلها راع لهم نوبي اسود، له صوت شديد. ولم اسمع صاع بمعنى تفرق. بل يقال: انصاع القوم إذا اخذوا في وجهةٍ ومالوا
(1/274)

فيها. فيجوز أن تكون صاع هذا الوتد التراب. أي آماله وتشعب فيه شعبه. وفي شعر العرب أبيات كثيرة مصاريعها الأواخر ركيكة، والمصاريع الأول جزلة. كقول القائل:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
فالمصراع الأول جزل في النهاية. والمصراع الثاني من كلام المتغزلين. وإن يكن ركيكاً ومثله لأبي تمام:
قدك اتئد أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
فإن كان بيت أبي الطيب من هذا الحيز فغير بدع.
وقوله:
قفي تغرمي من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
تغرم جزم للأمر، وهو (قفي). ومهجتي نصبت لأنها مفعول تغرم.
(1/275)

وفاعلها الأولى يقول: قفي فإن الأولى من النظرات أتلفت مهجتي. فإن وقفت غرمتها ثانية. وهذا المعنى مثل قول القائل: ولا أعلمه أقبل أبي الطيب أم بعد زمانه:
يا مسقماً جسمي بأول نظره ... في النظرة الأخرى إليه شفائي
ألا أن هذا البيت لا مجاز فيه. وبيت أبي الطيب فيه مجاز. وذلك أن اللحظة الأولى لاتغرم، وإنما حبيبته تغرم أول النظرة الثانية تغرم، لكنه توسع في الكلام على مذهب العرب، إذ كانت النظرة الأولى هي التي أتلفت فكأنها تلك بعينها تعاد فتغرم.
قال أبو الفتح: ومثل هذا في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نظرت فرد نظرتي الهوى ... بحزيزٍ رامة والمطي سوامي
أي حملني على أن أعدت النظر. كذا فسره. وهذا إنما نظر في أثر الأضغان فتابع
النظر شوقاً. وأبو الطيب تمنى نظرة من حبيبته ثانية. وبينهما بون بعيد.
وعندي وجه آخر محتمل، وهو أن تكتب تغرمي بالياء. يريد: قفي تغرمي يا مراءة. والأولى نصب تكون مفعولا أولا. ومهجتي نصب لأنه مفعول ثان كما تقول: غرمت زيداً مالاً يجوز
(1/276)

انتزاع حرف الجر من قولك: غرمت لزيد مالاً على القياس المطرد. ويكون وجه غرامه النظرة الأولى. وإنما التلف واقع على المهجة على مجاز قولك لمن شتمك: أغرم الشتم بإعطائي حقي. ولمن ضربك أغرم هذا الضرب بإنالتي معروفك. وهذا توسع في الكلام غير بعيد. فلما كانت النظرة الأولى أتلفت مهجته قال: أغرميها لها بنظرة ثانية. وكلا التأويلين جيد.
قالوا هذا البيت جزل نصفه الاول، ركيك نصفه الثاني. وما عسى يبلغ بخل البخيل بخاتمه. ووقوفه إذا ضاع خاتمه مع كون هذا المعنى من قول القائل:
فهن حيرى كمضيعات الخدم
وأي روعة لهذا المصراع مع قول القائل:
فقمنا وفي حيث التقينا غنيمة ... سوارٌ ودملوجٌ ومرط ومطرف
وملتقطات من عقود تركنها ... كجمر الغضى في بعض ما يتخطف
(1/277)

وقول الآخر:
فمن يستبق آثارها في ضحى غد ... يجد بلقا ملقى وقلباً ومعضداً
ودراً وخلخالاً عجلن التقاطه ... أذاعت به كف الفتى فتبددا
البلق: حجارة تكون باليمن بيض تشف. وأرجوزة أم الراعي النميري التي تقول:
جارية شبت شبابا رودكا ... لم يعد ثدياً نحرها أن فلكا
لاقت غلاماً هبرزيا منكيا ... فاعتلجا بينهما واعتركا
فحطما أساوراً ومسكا ... وطار قرطاها معاً فهلكا
وناولته كعثباً مدملكا ... أجثم جهماً لم يكن مفركا
هز إليها روقه المصعلكا ... إن كان لاقى مثله فأشركا
فإذا طابت نفوس هؤلاء عن هذه الحلي التي هي كما زعم غنيمه فأجدر أن تطب نفس أبي الطيب عن خاتمه. وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكى إنه صحف هذا المصراع فخرج عن هذا الحيز من
(1/278)

الاسترذال، فقالوا: وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه. والشجيج من صفات الوتد يريد وقوف وتد متروك في الدار. وصاع بمعنى تفرق صار في التراب وعلق فأورق. فقد عمد الخيام، وأوداة أهل الدار. وبيت السيخ أبي العلاء في هذا المعنى في السماء جودة:
غصن السباب عصى السحاب فلم يعد ... ذا خضرة إذ كل عود أخضر
قد أورقت عُمُدُ الخيامِ وأعشب ... شُعْبُ الرحالِ ولون رأسي أغير
ولقد سلوتُ عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
وجاثمه: بمعنى ثابته. وقال وقد فعل مثل ذلك في بيته:
وأكبر آيات التهتمّي إنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
من التصحيف فخرج أن يكون كفراً فقال:
وأكبر آيات التهامي آية ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
يعني به علي بن أبي طالب عليه السلام. ولا ينكر إنه آية من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته وكبراها.
(1/279)

قال: وهذا من سعادة هذا الشاب واستيلائه على ذروة الفضل، كما قال.
وقوله:
وتكملة العيش الصبا وعُقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمُه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: عنيت (بعقيه) الهرم والشيب لأنه يتلوه. والأولى عندي أن يعني الشباب. ألا ترى إنه قال بعده: وغائب لون العارضين
وقادمه، يعني كمال العيش الصبا ثم الشباب وسواد الشعر فيه ثم الشيب. وهذا المعنى من قول ابن الرومي. وهو أجود من هذا:
سلبت سواد العارضين وقبله ... بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وأجود منهما قول الشيخ أبو العلاء المعري. وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير وزاد:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
وقوله:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
(1/280)

قد سمعت الناس يتكلمون فيه، ويقولون: هو كلام متناقض. لأنه نفى أن يكون البياض قبيحاً. ثم قال: أحسن الشعر فاحمه فدل على أن أقبحه أبيضه. وهذا عنت لأنه ليس كل حسن بممتنع أن يكون هاهنا ما هو أحسن منه، ولا كل حسن بموجب أن يكون سواده قبيحا. وقد بكت أبو الطيب بقوله: أحسن الشعر. يخبر بذلك إن البياض حسن إلا أن الشعر حده يستحسن فيه السواد فقط.
وقوله:
نحن من ضايق الزمان له فيكَ ... وخانته قربك الأيام
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: أردت ضايقه فزدت اللام. وهذا كقوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون. وقوله: عسى أن يكون ردف لكم. وهذا ما ذكر وجهٌ. وللأخر قوله: خانته لوجب أن يقول مع هذا التأويل لهم. لان نحن للجماعة إلا إنه حمل على لفظ من.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
(1/281)

وقوله:
ضلالاً لهذا الريح ماذا تريده ... وهدياً لهذا السبيل ماذا يؤمم
قال للريح ضلالاً. وللسيل هدياً. لان الريح تؤذي ولا تنفع في الظاهر كما قال:
ليت الرياح صنع ما تصنع ... بكرن ضراً وبكرت تنفع
وقال للمطر هدياً لأنه يريد إنه يسقي الديار، وينبت المرعى وينتفع به. ألا تراه قال بعده:
فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تتجشم
يعني قبر والدة سيف الدولة. وكان زار قبرها في هذه الغزوة. قال الشيخ أبو الفتح: وإنما قال للمطر هدياً لأنه شبيه لسيف الدولة في سحة. ألا تراه يقول بعده:
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم
وليس بممتنع ما قال. والذي قلناه أولى لأنه يريد الدعاء على الريح لضرها. والدعاء للمطر لنفعه. فهذه مطابقة من حيث المعنى.
(1/282)

وقوله:
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح والمسمم
لم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرح هذا البيت. وفيه كلام. وذلك إنه يريد جنسها حديد على المجاز لصبرها على الكد والتعب. فكأنها خلقت من حديد. والشعار هنا ليس مما يلي الجسد من الثياب الذي هو ضد الدثار. وإنما هو شعار الجيش الذي يدعون به كقوله في الأخرى:
تناكر تحته لولا الشعار
يريد نداؤهم بشعار سيف الدولة. ويعني أن شعارهم أيضاً حديد. لأنهم يقولون سيف الدولة المنصور أو ما يشبهه من الكلام. والسيف حديد من هذا اللقب ويدل على قوله: وما لبسته. فلو أراد بالشعار اللباس لما كرر. ويريد مما لبسته التجافيف من الحديد. وقد فسر ذلك بقوله:
لها في الوغى زي الفوارس فورقها ... فكل حصان دارع متلثم
فأما قوله راياتها. والرايات تكون من خرق. فإنه على ما ظن - والله أعلم - وجعل الرماح لهم رايات يعني رماحهم راياتهم. أو يعني أن عليها اسم سيف الدولة مكتوب فجعلها حديداً لما كان المكتوب عليها حديد.
(1/283)

وقوله:
رجلاه في الركض رجل وليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
قال الشيخ أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه. كما قال جرير:
من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال
أي يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به. وإذا توقى وطء الصخور على ما حكاه لحذقه فأي قرابة بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته متلائم وضع اليدين والرجلين وما أراه إلا أعجب ببيت جرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الانتباه. وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله:
يهوين شتى ويقعن وقفا
وقوله: وفعله ما تريد الكف والقدم. أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم لاستحثاثه. فجعل ذلك التحريك منها إرادة.
(1/284)

هذا من قول امرئ القيس:
فللزجر الهوب وللساق درة ... وللسوط أخرى غربها يتدفق
ويحمل معنى آخر. وهو أن يريد إذا احتجت إلى تصريفه يميناً ويساراً فهو مؤدب
عليه لا يحرجك إلى ذلك. بل يتصرف من غير تحريك العنان، ولا للفخذ والقدم فقد يستعين الفارس على تحريك دابته بفخذيه وقدميه كما تصرف بعنانه وإلى هذا المعنى ذهب في قوله:
وأدبها طول الطراد فطرفه ... يسير إليها من بعيد فتفهم
وقوله:
بأي لفظ تقول الشعر زعنقه ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
تجوز عندك هاهنا ليس من مجاز السير كقول الشاعر:
وقولوا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
وإنما هو مجاز الدرهم الزائف. يقال: هذا درهم جائز إذا كان مهما. وربما جاز. ودرهم زائف إذا لم يجز. أنشد ابن الأعرابي:
(1/285)

ترى ورق العسان فيها كأنهم ... دراهم منها مستجاز وزائف
يعني إن هؤلاء الشعراء الذين يقصدونك ليسوا بأهل منك للإقبال عليهم، ولا الأفضال عليهم. لأنهم ليسوا عرباً ولا عجماً، ولا معرفة لهم، ولا أدب فكيف يجوز عليك مثلهم. وسمعت من سنشد: يخور. فكنت أظنه تصحيف. ولئن صحف فالمعنى جيد. لأنه من خوار الثور. شبه كلامهم لجهلهم بالخوار. ألا ترى البحتري كيف قال يعني المستعين:
بكى المنبر الغربي أو خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلن غبغبه
وهذا التصحيف في بيت أبي الطيب يشبه تصحيف بعضهم في قوله أيضاً:
والصدق من شيم الكرام فبين ... أمن الشراب تتوب أم من تركه
وجد بعضهم فنبئن مكتوباً بالألف حال التنوين فانشد فنبنا يريد نبأ من النبأ. وهو الخير فخفف الهمزة. وجوازه ما لاشك فيه. وهذا من سعادة هذا الرجل بشعره.
(1/286)

وقوله:
يُفدَّى أتمُ الطير عمداً سلاحَهُ ... نسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرها خلقٌ مخالبٍ ... وقد خلقت أسيافها والقوائم
قال الشيخ أبو الفتح: إن روايته تفدى بالتاء أثبت لما أراد النسور. وإن كان لفظ (أتم) مذكراً. وليكن كما زعم فإن التاء لا تمتنع. وفي قوله: أتم الطير عمراً تنكيت. وذلك إنه يريد أن سلاحك ليس بمعمر، بل سريع التحطيم والانكسار. كما قال أيضاً:
وإن طال أعمار الرماح بهدنةٍ ... فإن الذي يعمرن عندك عام
وما لا يعمر فلا يجب أن يفديه المعمر. لأنه التفدية تقدم إلى الهلاك قبل المفدى وإنما تفديه هذه النسور طول عمرها، لأنه قد كفاها التعب للأرزاق. وقتلت ما تطعمه. ولا تجشمها مشقة في طلبه. وبكت أيضاً بقوله: أحداثها والقشاعم أي ليس الفاني عمره بأسمح بهذا السلاح بعمره من الحدث منها المنتظر لعمر طويل تتعقب حداثته لانتفاعها به، وتعويلها في الأرزاق عليه. وقوله:
وما ضرها خلق بغير مخالب
(1/287)

مما يسأل عنه. فيقال: كيف ذاك، وهي لا تخلو من المخالب فعن ذاك جوابان.
أحدهما يعني به الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه والمسّن الذي عجز عن طلب القوت. ألا تراهم يقولون في المثل: أبر من النسر. ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسس آوى الوكر وجعل فرخه يزقه كما كان يزقه في حداثته. فهذا جواب يوضحه قوله أحداثها والقشاعم. يريد فرخها الذي ينهض، ومسنها الذي عجز عن النهوض.
وأما الجواب الثاني إنه يريد وما ضرها لو خلقت بغير مخالب. كما تقول: ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار مظلماً ولكنك تريد: ما ضر النهار لو خلق مظلماً مع حضورك. فتأمله فهو وجد جيد.
وقوله: والقوائم لا فائدة في ذكرها غير القافية. على إنها لم كانت السيوف لا ينتفع بها إلا بقوائمها أتى بها. وإن قال قائل: يعني قوائم خيله التي سارت إلى الحرب كان وجهاً. على إنه قال: يفدي سلاحه وقوائم خيله ليست من السلاح.
وقوله:
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
الجوازم كلها للتعويق منها (لم) للنفي، ولا للنهي، ولام الأمر للغائب، ولا للحاضر ففيه معنى تراخي وصول الأمر إليه. وحروف الجزاء شرط، فكلها تعويق يريد أن ما تنويه إذا كان فعلا مستقبلا مضى ووقع قبل ان يعوقه معوق لسعادة جدك، أو لسرعة ما تمضيه. ويجوز
(1/288)

أن يعني (لا) التي هي للنهي وحدها، جمعها لأنه يريد تكرير العذال لها في قولهم: لا تفعل، ولا تصنع، ولا تحارب. فيكون معنى البيت معنى المثل المعروف: سبق السيف العذل، أي انك سباق بما تهم الأعداء. وفيه أيضا معنى ضربهم المثل في السرعة كقول ذي الرمة:
أصاب خصاصة فبدا كليلاً ... كلا وانغلّ سائره انغلالا
يريد ك (لا) في السرعة إذا نطقت بها. وأقام المضارع مقام المستقبل. وقد تكلم أبو الفتح عليه، وأهمل أهم منه. ويجوز أن يعني بالجوارم لام الأمر في قولك ليفعل زيد فجمعها لأنها في أفعال كبيرة. يريد أن يسبق مضاؤها لحوق هذه اللام بها في اللفظ. وذلك من مذهب الغلو والإفراط.
وقوله:
إذا خاف ملكٌ من مَليكِ أجرتهَ ... وسيفك خافوا والجوارَ تسام
ليس الواو في قوله: وسيفك خافوا واو الحال. وإنما هي واو عطف. ومعنى البيت: آجرهم، وأبذل لهم الصلح الذي يطلبونه. لان من عادتك أن تجير كل ملك خاف من ملك. وقد خافوا سيفك فأجرهم منه. ألا تراه يقول قبله:
(1/289)

وإن نفوساً يممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام
ويقول بعده:
لهم عنك بالبيض الخفاف تفرق ... وحولك بالكتب اللطاف زحام
يقول: عند الحرب ينهزمون عنك، ولا يقاومونك. ثم يجتمعون حولك بالكتب يسألون فيها العفو. وجعلها لطافاً لأنها مكتوبة تبعث على كتمان. لكل كبير، وكل دمستق، وكل بطريق يتقرب إليك على كتمان من صاحبه. ثم تزدحم الرسل بها حولك. لأنهم يجتمعون عندك. وان تكاتموا حين صدروا. ولم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذين البيتين أصلا.
وقوله:
عُقبى اليمينِ على عُقبى الوغى ندمُ ... ماذا يَزيدكَ في إقدامك القسم
قال الشيخ أبو الفتح: إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله فهل يزيد يمينك في شجاعتك. هذا كما قال تفسير المصراع الثاني، فما بال تفسير المصراع الأول. وهو أحوج إلى التفسير. ومعناه عاقبة اليمين على ما يكون من الحرب ندامة. يريد أن من حلف لأظفرن في هذه الحرب كان عاقبة حلفه الندم. لأنه ربما لم يظفر فيندم لم حلفت فحنثت. فقوله (على) متعلقة بقوله (اليمين). كقوله أيضاً:
يميناً لو حلفت وأنت ناءٍ ... على قتلي بها لَضَربتُ عُنقي
(1/290)

إلا أن المعنى وضح هنا بقوله: حلفت. فقد اعتادوا حلفت على كذا ولم يعتادوا يميني على كذا. وعقبى، رفع لأنه مبتدأ. وندم خبر. وقد زاد المصراع الثاني وضوحاً. وأفاد فائدة أخرى بقوله بعده:
وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دل انك في الميعاد متهم
وهذا من قول القائل:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الإلية برت
فقوله قليل (قليل الألايا) دل على إنه يرى الإكثار منها قادحاً في المروة. ووجه قدحه منها ما ذكر أبو الطيب، وهو إنه دال بيمينه على إنه متهم إذا وعد. فينفي بها التهمة عن ميعاده. ولولا ذلك لوعد ولم يحلف. وهذا البيت لفظ ومعنى من قول الراجز. أنشده ابن الأعرابي في نوادره:
يا أيها المولى على جهد القسم ... بعض التألي لا تسفه أو تلم
وإنما اليمين حنث أو ندم ... وإنما الفجور والتقوى طعم
ويقسم الله لعبد ما قسم
وقوله:
الراجع الخيل مُرمْاةَ مقوَّدةً ... من كل مثلٍ وبار أهلها ارم
محفاة أي أحفاها كثرة السير. فهي تقاد ولا تركب رفقاً بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال. ألا تراه يقول:
(1/291)

وكل جواد تلطم الأرض كفُهُ ... بأغنى عن النعل الحديد من النعلِ
وقوله أيضا:
تماشى بأيدٍ كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم. وهب لم تتعود إلا البر. ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقال له: فهلا أنعلها إذا ألقت النعال، وهو ملك لا تعوزه النعال حيث سار. ويجوز أن تكون من الإحفاء الذي هو التقصي. كالخبر إنه صلى الله عليه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى. و (وبار): مدينة خربت. وارم: جيل هلكوا قديماً يقول: تدع الديار خرباً، وأهلها قتلى. وليس يريد أن وبار أهلها ارم في الحقيقة، بل يريد أن الديار كوبار خرابا. وأهلها كارم هلاكا.
وهذا البيت له نظير في هذه القصيدة بعينها وهو قوله:
عبرت تقدمهم فيه وفي بلد ... سكانه رمم مسكونها حمم
أي إنه احرق الديار فهي حمم، وقتل أهلها فهم رمم. والحمم، جمع حمه: وهو كل ما احترق كقول طرفة:
أم رماد دارس حممه
(1/292)

والرمة: العظم البالي. والحمه قد يراد به الموت كالحمام. وليس في هذا المكان.
وقوله:
فلم يَتَمَ سروجٌ فتحَ ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
والنقع يأخذ حراناً وبقعتها ... والشمس تسفر أحياناً وتَلَتَثمِ
(سروج): بلد. والهاء في جفنيه للناظر، ولا لسروج. ألا تراه قال: ناظرها ولم يقل جفنيها.
يقول: لم تصبح إلا وخيلك مزدحمة عليها. فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم. وحران من سروج على بعد. فيقول: وصل الغبار إليها لعظم الحرب. والبقعة بضم الباء وفتحها معروفة. إلا أن الشيخ أبا العلاء منع من ضمها. وقال بقعتها: بفتح الباء. وذكر أن بحران مكاناً كالبطحاء يعرف ببقعة حران. هكذا بفتح الباء فحكيت ما سمعت وآخر بأن الضم لا يجوز، لأنه لولا أن بقعه مكان بها مخصوص لكان ذكره البقعة هاهنا محال لا فائدة فيه. لأن البقع إذا اخذ حران أخذ بقعتها وإن لم يذكرها. بكنه عنى هذا المكان الواسع بها المجاور لها.
(1/293)

وقوله:
جيش كأنك في أرض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
تطاوله التاء للأرض. وليس للمخاطب. ولو أمكنه الوزن لقال: كأنه في أرض تطاوله أي تنظر أيهما أطول. ثم قال فلا الأرض قريبة. ولا الجيش قريب يعني كلاهما طويل وفسره أيضاً بقوله:
إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
فالعلم الأول: الجبل من قول الشاعر:
كأنه علم في رأسه نار
والعلم الثاني علم الجيش الذي هو المطرد. فما أحسن ما اتفق له تكرير لفظ واحد بمعنيين مختلفين على أن لو قال إذا قطعن علماً بدا علم وهذا علم الجبل وحده ومثل هذا له:
وجيش كلما حاروا بأرض ... وأقبل أقبلت بهم تحار
وقوله:
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة
(1/294)

ترعى الطبي وخصيب نبته اللِّمم
البيت ظاهر المعنى. وإنما أتينا به لئلا يظن ظان أن ترعى ضميره للخيل وإنما ترعى فاعله الظبا. وفي البيت من الغلق إنه حذف ما يدل عليه المعنى. فإنه يريد الظُبا في خصيب نبته اللمم فوقها، أو بها، أو ما شاكل ذلك. وقوله: خصيب نبته اللمم. يريد في مكان فيه من الروم ذوات الشعور لما أتى بترعى أتى خصيب. وشبه الشعور بنبات الأرض. وكثرتها بالخصب فيه. ولو كان ضمير ترعى للخيل لكانت ترى بضم التاء. كما قال الشاعر:
رعيتها أكرم رعي عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا
لأن الخيل لا ترعى الظبا، وإنما ترعيها اللمم. وسئل بعض الأعراب عن غنم كان يرعاها: لمن هذه الغنم فقال: الله راعيها، وأنا مرعيها.
وقوله:
ترمى على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيظان والاكم
وجاوزوا أرسناسا معصمين بها ... وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم
يعني أن الأرض تلفظ إلى سيوفه كل من هرب منه في مكمن أو غائط أو توارى بأكمة أو صعدها. (وأرسناس): نهر عظيم معروف. يقول: ظنوا انهم جاوزا
(ارسناس) يحول بينك وبينهم. وكيف
(1/295)

يعصمهم منك، لأنك تقطعه وتركبه بخيلك، وبالسفن التي اتخذت له. يقول: لو انعصم نفشه منك لعصمهم. ولكنك قطعته اليهم، وعبرته على سفن اتخذتها، وهي المقربة التي ذكرها حيث يقول:
تلقى بهم زبدَ التَّيارِ مُقرَبةٌ ... على جحافلها من نَضحِه رنم
رثم: بياض في الشَّفة العليا من الدابة. شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
دُهُم فوارسُها ركّاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لابها الألم
جعلها دهما لأنها مطلية بالقار. وموضع الركاب من السفينة بطنها. وهي مكدورة لأنها يعمل في السير عليها. والألم، يريد به التعب. وذلك لان التعب يلحق بالملاحين لا السفن لحذفهم بالمجاديف. فهم القوم الذين زعم أن الألم ينالهم من كدها ثم قال:
نتاج رأيك في وقتٍ على عجلِ ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم
يقول: إنك لما هممت بالعبور اتخذت له السفن على عجلة فكانت المدة في اتخاذها كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق. وقوله: حرف يحتمل معنيين.
أحدهما حرف من الحروف الثمانية والعشرين، وليس كلها إذا نطق بها مفردة وعى منها السامع معنى بل بعضها. وهي ق من وقيت، وع من وعيت العلم ود من وديت القتيل. ويكون تخصيصها لأنها أقل الكلم ذوات المعاني. فزمان النطق بها أقل زمان.
(1/296)

والثاني أن يريد بالحرف الكلمة الواحدة. وكتب العلماء مملوءة من ذلك يقولون: ليس في العرب إلا حرف أو حرفان. يريدون (كلمة أو كلمتان). ويقولون في القراءات: هذه من حروف أبي عمرو أي كلماته التي قرأ بها. فهو يريد لفظ كلمة وعاها سامع فهم.
وقوله:
والأعوجية ملء الطرقِ خلفُهمُ ... والمشرقيةُ ملء اليوم فوقهم
لما كانت الخيل مما تنبسط في الأرض جعل الطرق منها ممتلئة. ولما كانت السيوف مما تعلوا في الجو وتهبط عند الضرب جعلها ملء النهار، لأن النهار ما بين الأرض والسماء. إذ كان نوره من الشمس. والشمس تطلع من مشرقها ثم تعلو في الجو.
وهذا نظير ما مضى في هذا الكتاب من معنى قوله:
كأن نجومه حليٌ عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
يصف ليلا جعله من السماء إلى الأرض. فهو كالفرس الأدهم. نجومه حليه، والأرض نعله.
وقوله:
واسلم ابنُ شمشقيق إليَّته ... إلا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
(1/297)

قوله: إلا انثنى متصل بقوله: إليته. وكان الدمستق حلف برأس ملك الروم إنه يثبت في لقاء سيف الدولة. فلما انهزم جعله كأنه أسلم (إليته) وتركها سدى لا يرعى عليها. فهو يمضي في هزيمته، (والإلية) تبسم أي تضحك من هربه ثم قال:
لا يأملُ النفسَ الأقصى لمهجته ... فيسرق النَّفسَ الأدنى ويغتنم
يريد إنه يغتنم الأنفاس، لأنه موقن بالقتل فيرى أنفاسه كلها قبل القتل غنيمة وكأن يواعد نفسه أن يكون القتل وقت كذا فأقصى أنفاسه النفس الذي يرتد إليه وقت خروج روحه. فهو لشدة فزعه، وانقطاع أمله لا يرجو ذلك النفس في ذلك الوقت لاستبعاده أن يبقى إلى حين ذلك فهو يغتنم ما طف من الأنفاس. وهذا المعنى لا حقيقة له. ولكنه على مذهبهم في التعبيد. وزعم الشيخ أبو الفتح إنه يقول: إنه من وهله وخوفه لا يستتم نفسه. وأنت تشهد أن البيت لا يدل على إنه يستتم أو يحزم
قبل التمام. بل جعل له نفسين دانيا وقاصياً.
وقوله:
كفّي أراني ويكٍ لومك ألومك ... هم أقام على فؤاد أنجما
قال الشيخ أبو الفتح يقول: أراني هنا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. وهذا أيدك الله من باب اللغة والتصريف، وما نروم فيهما شأوه رحمه. على أني غير واثق بان تقول: فلان ألوم من فلان. يعني هو أحق بأن يلام. لأن أفعل يبني من فعل الفاعل. فتقول:
(1/298)

زيد أضرب من عمرو. والسيف أقتل من الرمح. ولا يبنى من فعل المفعول به ألا ترى أنك لا تقول: زيد أضرب من عمرو وتريد أن الضرب أوقع به من عمرو. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العربية، وإلا في الشاذ الذي لا يقاس عليه.
والمعنى إنه يقول لعاذلته: كفى لومك، أراني ألوم منك. أي أرى نفسي أقدر على اللوم منك. فلومك نصب بوقوع كفى عليه. ثم تم الكلام فابتدأ يشكو حاله يقول: حالي هم أقام على فؤاد أنجم. فهو رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو رفع بالابتداء وخبره محذوف. كأنه يريد: هم أقام على فؤاد أنجم شكواي. ومثله في القصيدة:
غصنٌ على نَقَويْ فلاة نابتٌ ... شمسُ النهار تُقلِ ليلاً مظلما
يريد غصن هذه حاله. حبيبي أو حبيبتي غصن هذه حاله. وكذلك ارتفاع شمس على هذين التأويلين. فأما قوله: أراني فليس من الرؤية بالعين، وإنما هو من باب العلم. وإن كان قوله إذا كنت في هبوة لا أراني ممتنعاً. لأن العرب لا تقول في الأفعال المؤثرة: ضربتني وأكرمتني. واكتفت بضربت نفسي، وأكرمت نفسي. ووجب أن يقول أرى نفسي لأنه من الرؤية بالعين. فهذا البيت غير ممتنع لأنه من رؤية العلم. وهم يقولون في أفعال الشك واليقين نحو: ظننتني، وخلتني. وقد (يقرأ) قول المجنون:
ندمتُ على ما كان مني فعدتني ... كما فعل المغبون حين يبيع
(1/299)

وقول جران العود:
وقوله بعد هذا البيت:
لم تجمع الأضداد في متشابه ... إلا لتجعلني لغرمي مغنما
كصفات أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما
الأضداد: هي الليل والشمس في قوله:
شمس النهار تقل ليلاً مظبما
وقضافة الغصن. وكثافة النقا في قوله:
غصنٌ على نقوى فلاة نابت
والمشابه يريد تشابه حسنها وتماثلها. وهذا كقول الأول:
أني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى المحب الغائب
فتناصف وجهها كونه غير متنافر الحسن، ليس فيه المتناهي والدرن. بل بعضه ملائم للبعض. ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح. إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها. ثم أفحمهم بعجزهم عن إدراك كنهها. فهذان أيضاً ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة. فهذا تخلص من التشبيب إلى المدح بارع. فجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
(1/300)

وقوله:
نور تظاهر فيك لاهوتيةً ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلما
ويهم فيك إذا نطقت فصاحةً ... من كل عضو منك أن يتكلما
اللاهوت والناسوت لفظتان مولدتان. يتكلم بها الفلاسفة، والمتكلمون يريدون الإلهي والإنساني من العلوم وغيرها. قال أبو الفتح: نصب لاهوتية على المصد، ويجون أن تكون حالا من الضمير في تظاهر. وقد كثر استماعي لهذه اللفظة بالهاء. وكلتا
الروايتين جيدة. ويهم ضميره للنور. أي يهم النور فيك أن يتكلم من كل عضو. وهذا التفسير الذي لامحيص عنه.
وله عندي وجه آخر، وهو أن تكون من مقحمة. ويكون فاعل يهم كل عضو. وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني. يريد ويهم كل رجل أن يخاصمني. ويكون ضمير أن يتكما للعضو. وعلى التأويل الأول للنور.
وقوله:
بحب قاتلتي والشيب تغذيتي ... هواي طفلا وشيبي بالغ الحلم
تغذيتي مصدر أضيف إلى المفعول. كما تقول: أعجبني شرب الماء ودق الثوب. يريد أني غذيت بحب قاتلتي وبالشيب. ثم فسر هذه
(1/301)

الجملة فقال: غذيت بهواي طفلا، وبالشيب عند بلوغ الحلم. يريد أني أحببت وأنا طفل. وشبت وأنا حالم لمقاساتي الشدائد. وهذا من قوله تعالى: (يوماً يجعل الولدان شيبا) وقوله طفلا، وبالغ الحلم نصبا على الحال من المفعول. قال الشيخ أبو الفتح: هذا كقولك: أكلت التفاحة نضيجة، أي في هذه الحال، وشربت السويق ملنوتاً. وقد جود في شرح هذا البيت وذكر إعرابه.
وقوله:
إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صريرَ العوالي قبلَ قعقعة اللجم
قال أبو الفتح: أي يبادر إلى اخذ الرمح فان لحق اسرج فرسه. فذاك وإلا ركب عريا. وهذا كقوله أيضاً:
حذاراً لمعروف الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام
وأنت - أيدك الله - تعلم أن الحالة التي وصفها حالة المرهوق المستعجل. فأما التي يبيت العدو فهو على تمكن من الاستعداد. وإنما يعني صرير العوالي كما جرت العادة به في ذكرت صوت مقارع السلاح. وضرب بعضه بعضاً كقول
القائل:
أشارت إلى الحرب العوان فجاءها ... يقعقع في الأقراب أول من أتى
(1/302)

فلما قال: الصرير عُلم إنه يريد صوتها إذا أصابت العظام. يعني أن العدو مفاجئ بالطعن، فهو يسمع صرير الرمح في عظامه قبل قعقعة اللجام من الفارس الحامل عليه. وأيضاً فلو أراد إنه يركب إلى العدو فرسه عريا لما قال: قعقعة اللجم فليس ثمة لجام. وقوله: حذارا لمعروف الجياد فجاءة ليس فيه ذكر التبييت، إنما يعني إنه يفاجئ العدو. وليس يلزم الشاعر أن يلزم في المدح، ولا في الهجاء ولا غيرهما طريقة واحدة. بل يتصرف في كل مذهب. فيجعل الممدوح طوراً مفاجئ بالحرب، وتارة مبيتاً لها. وهذا متعارف كثير. ولم نسمع أحداً من الشعراء جعل صوت تقارع الرماح صريراً فليفدنا الشيخ أبو الفتح.
وقوله:
له رحمةٌ تُحيي العظامُ وغضبةٌ ... بها فضله للجرم عن صاحب الجرم
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: إذا أغضبه مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم فكانت أعظم منه. فأما احتقره فلم يجازه. وأما جازاه فتجاوز عن قدر جرمه فأهلكه. وهذا تفسير جيد، إلا إنه كان يجب أن يذكر ما الفائدة من قوله: فضلة للجرم. ألم يود المعنى الذي قصده قوله بها فقتله للجرم على صاحب الجرم حتى قال مجرم. وأنا قائل في ذلك ما عندي: وهو إنه يريد وغضبة للجرم بها فضلة عن صاحب
(1/303)

الجرم فقدم الكلام وأخر. وإذا لم يتأول هذا التأويل كان قوله للجرم حشوا لا يحتاج إليه. أتى به لإقامة الوزن فقط.
وقوله:
أحقُ عافٍ بدمعك الهُمم ... أحدثُ شيء عهدا به القِدم
يقال: عفت الديار، وعفتها الريح. قال عنترة:
عفت الديار ومعلم الأطلال ... ريح الصبا وتجرم الأحوال
والعافي هنا: الدارس يقول: إن كنت تبكي الديار العافية فأحق منها بدمعك الهمم فقد عفت ودرست. ولم تبق همة إلا وقد درست. وقوله:
أحدث شيء به القدم
كلام أخرجه مخرج اللغز. يقول: القدم حديث العهد بها يريد الهمم. أي قد تقادمت وتنوسي عهدها فأحدث الأشياء بها عهداً هو القدم. ولو قال: قد تقادم عهدها لما كان في اللفظ من الحلاوة. ما في قوله: أحدث شيء عهدا بها القدم لما ترى من الصنعة وجعل حدائة عهد القدم بها قدماً لها.
(1/304)

وقوله:
أرانب غير انهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
قال الشيخ أبو الفتح: المعهود في مثل هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب. فتزايد وعكس الكلام مبالغة فقال: أرانب غير انهم ملوك. فجعل الأرانب حقيقة لهم والملوك مستعاراً منهم. وهذه عادة منه يفارق بها أكثر الشعراء. وهذا على ما قله غير أن الذي أتى به أبو الطيب أحسن في مذهب الشعراء وبقي من الشعر ما يستغنى عنه، وهي أرانب. وقد جرت العادة بأن تشبه في الذلة والخسة بالكلاب، وفي الروغان والجبن بالثعالب. ولم نسمع أحدا قال عند السب والذم هو أرنب. وقد سألت عن ذلك بعض من حضر من أهل الأدب فقال: أراه قال ذلك لأن الأرانب تحيض. فهو يدعي أنهم كالنساء اللواتي يحضن. ولو كان كما زعم لكان الأولى أن يقول: نساء. ليجمع الضعف والذلة إلى الحيض. والقول فيه ما أقول:
وذلك أن الأرنب لا يطبق جفنه يقضان ولا نائما، ولا حيا ولا ميتاً. فهو يقول: عيونهم مفتحة كالأيقاظ، وهم في الحقيقة نيام، فهم في ذلك أشباه الأرانب مع ذلتها
ودناءة قدرها. وإذا كان ذلك موجوداً في الأرانب فالذي يحكى أن الذئب ينام بإحدى مقلتيه ويحترس بالأخرى (غير ممتنع ولعله مما يطبق جفنا واحدا فظن الشاعر إنه يحترس بالأخرى) فقال:
(1/305)

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
وقوله: مفتحة عيونهم بازاء قوله: أرانب مقدماً. وقوله: نيام بازاء قوله: ملوك مؤخراً. ولو قال: ملوك غير أنهم أرانب - على ما اقترح أبو الفتح - لقال نيام غير انهم مفتحة عيونهم. فان قال قائل فالعرب قد تذم فتشبه بالأرانب. ألا ترى إلى قول القائل:
ألا منح الإله طليق سلمى ... فصاحبه محشية الكلاب
قالوا في محشية الكلاب: إنها الأرانب، لأنها تحشو الكلب ربواً. من قولهم: حشى يحشى حشاً إذا أخذه الربو. فإن كان إنما ذم بذلك لأنه يريد سرعتهم في الفرار والهرب لا غيرها من المذام التي تصلح لمن يذم بها على الإطلاق فوجه جيد. غير انهم يضربون المثل في الذلة بالأرانب. ويقولن: إن العصفور ليطمع فيه فيقع على رأسه فينقره وقال عارف الطائي:
(1/306)

ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب ... وفينا هذا العهد أنت معالقه
قلنا فقد جمعت الأرانب أوصاف المذام كلها من هرب وسرعة فرار، وحيض كحيض النساء وفتح العين مع النوم فجاد تشبيهه من كل الوجوه. وسمعت قوما من الصيادين يذكرون أن السنانير تكمن لها فتصطادها.
وقوله:
ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام
(1/307)

قد خلط ابن جني في شرح هذا البيت. واتى بمحال. وأنا أورد ما قاله، وبطلانه. ثم أفسره. قال: فالذي يدبر أمور الناس يحتاج إلى من يدبره، وهو مخلى بلا ناظر
في أمره. فلو لم ينل الأمور إلا من يستحقه لخلا الناس من خلى وإياهم لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم. وكيف يخلي من خلي وإياهم، وهو أميرهم، ومالك رقابهم. مرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وليس في البيت ما يدل على تأثمه. وإنما يريد بالمسام المال أفمرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وقوله:
وتملكه المسائل في نداه ... وأما في الجدال فلا يرام
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: هو نظار خصيم ثبت في الجدل هو لعمري كما قال. إلا أن في البيت نكتة لم ينبه عليها. وتلك المسألة تستعمل في مكانين: أحدهما مصدر سألت زيداً مالاً إذا استعطيته إياها مسألة. كقول الراجز:
وافعل العارف قبل المسألة
والآخر سألت زيد عن خبرٍ، أو علم مسألة. وهذه مسائل الفقه، ومسائل من النحو وغيرهما. فلما كانت المسائل مشتركة بين العلم والعطاء فرق ولو لم يفرق لكان تفريطاً. وكان المخاطب ربما ظن إنه تملكه المسائل مسائل العلم فيعيا بها فاتبعه ما ينفى عنه العي والعجز في الجدل. ولا هذه الشركة في اللفظة بين المعنيين لما قال ذاك. ولمدحه بما
(1/308)

جرت العادة به من سائر الاماديح من غير باب العلم وثباته عند الجدال، ولدده عند الخصام.
وقوله:
إذا عُدَّ الكرامُ فتلك عجلٌ ... كما الأنواءُ حين تُعد عامُ
أفنى الشيخ أبو الفتح اسطراً من كتابه في غريب هذا البيت. وذكر النوء وتفسيره والاستشهاد عليه. ولم يتعرض للمعنى، وهو من دقيق المعاني هذه القصيدة وإفرادها والأنواء يعني بها طلوع منازل القمر وفيها خلاف. فمن العرب من
يجعل لكل كوكب من الثمانية والعشرين أعني منازل القمر نؤا مخالفا لنوء صاحبه في العدة. فجعل نوء الكوكب ثلاثة أيام ونوءاً آخر خمسة أيام. وآخر سبعة على قدر تجاربهم وإتيان سقوطه وطلوع رقيبه بحر أو برد أو مطر أو ريح. أو غير ذلك. ومنهم من يجعل لكل كوكب منها ثلاثة عشر يوماً بعد طلوعه معدودة في نوء. فكلما حدث من الغير الذي ذكرناها عده من أحداثه وثلاثة عشر يوماً في ثمانية وعشرين منزلة ثلاثمائة وأربعة وستون يوماً. وهي أيام السنة تنقص يوما شذ عن قسمتهم.
فأي المذهبين سلك أبو الطيب. فالمعنى الذي أراده حاصل. يقول: هذه الأنواء الثمانية والعشرون إذا حصلت كلها كانت عاما. وفي عام تستكمل. فكذلك الكرام إذا عدوا كانوا عجلا. أي كانوا هذه القبيلة، أي كلهم كرام، وليس كريم إلا عجليا كأنواء منازل القمر إذا حصلت كلها كانت عاما، والكرام إذا حصلوا كانوا عجلا. فهذا من احسن معاني شعره.
(1/309)

وقوله:
لمن مالٌ تَفَرقُهُ العطايا ... وتشرك في رغائبهِ الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبةٍ يجب الذمامُ
قال الشيخ أبو الفتح يقول فإذا كنت لا ترضى بان ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرقه وتمزقه فلمن هذا المال. هذا تفسير جيد. وقد سمعت من يفسر هذين البيتين تفسيرا ينقطع فيه أحد البيتين عن الآخر، وليس بممتنع. والذي أتى به الشيخ أجود وأولى. ونجن نأتي بذلك التفسير، ونبين فضل ما أتى به على المعنى الذي ذكرناه عن بعضهم قالوا: يريد لمن ما له هذه حاله، أي لا مال تمزقه العطايا غير مالك. فترك قوله: غير مالك لدلالة المعنى عليه. وهذا كقولك: لمن ثوب مثل ثوبي. يريد إلا لي. وهذا مفهوم. ثم أتى بمعنى آخر. فقال وأنت لا ترضى بان تدعى
صاحبه، لأن الصحبة مما يوجب الذمام. لولا وجب ذمام المال عليك لما فرقته. وهذا معنى حسن، والذي أتى به الشيخ أبو الفتح معنى جيد، وهو أولى بهما ليكونا متصلين. ولنكتة أخرى وهي إنه جعل لا يرضى بأن يدعى صاحبه فيحسن أن يقول: لمن هذا المال إذا لم يكن لك وقد تقدمه هذا القول فلئن تجعله متصلا به أولى من أن يكون معنى منفردا. وقد نبه بقوله: ندعوك، على هذه النكتة.
(1/310)

ولولا هذا الفرض لقال: ولا يصاحبك فترضى. فتأمل ما ذكرت فهو دقيق بوضحه الغوص والفكر.
وقوله:
ظلوم كمتنها لصب كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم
يعني أن متنها قوي ممتلئ، وخصرها نحيف دقيق. فهي تظلم العشاق، كما يظلم متناها خصرها. وظلمهما له انهما تكلفان خصرها الدقيق حملها وهما قويان وذاك ضعيف كخصرها. قوله: من فعلها يتظلم زيادة في البيت ليست بتلك الجيدة وإنما توصل بها إلى القافية. ولو استغنى عنها لكان أوفق للبيت. وفيه أيضاً نظر آخر. وذلك أن العادة جرت بأن يوصف العجز بالكبر. والخصر بالضعف والتطبيق بينهما في الشعر. ولو قال: ظلوم كردفها لكان أولى. ولكنه لم يستقم له الوزن. وقلما سمع الشعراء يذكرون في الشعر قوة متن المحبوب، بل يذكرونه بالهيف، ورشاقة الأعلى، مع وثارة الكفل. فيقولون: غصن على نقاء وما أشبهه. فتأمل فهو من ضعيف شعره. وأخذه من قول خالد الكاتب:
صباً كئيباً يتشكى الهوى ... كما اشتكى نصفك من نصفكا
(1/311)

وقوله:
ما نقلت من مشيئة قدماً ... ولا اشتكيت من دوارها ألما
قوله: في مشيئة تشبه كتابتها مشية. ومن سمع: نقلت قدماً توهم إنها مشية فعله
من المشي وظن البيت من رابع السريع وهو:
النشر مسك والوجوه واطرف الأكف غنم
وينشد: ولا اشتكت من دورها ألما.
ليكون أيضاً مستعلن. وإنما قال الرجل: في ممشيئة مفعلة. من شاء يشاء أي هي لعبة، وليست تمشي بمشيتها وأرادتها. ولقد أتعبني بعض مسجلي الأدب يوما بكلام إطالة، وزعم أن التكلف يحمل على مد هذه الياء وروايتها مشيئة وليس المفهوم إلا المشية حتى قلت له قطع البيت فإنه من المنسرح فأذعن بعد ما لم يكد.
وقوله:
إنما مُرَّةُ عوف بن سعدٍ ... جمرات لا تشتهيها النعام
قال السيخ أبو الفتح: أي هم أحر من الجمر على أعدائهم. قلنا: جمرات العرب قبائل معروفة. منها هذه القبيلة. وليس هنا حر ولا برد. فإن قال: إنما لقبوا جمرات لحرها على أعدائها فله ذاك إلا أن ذلك شيء قصد عند التقليب وفي البدء.
(1/312)

يقول أبو الطيب: هؤلاء جمرات، إلا أنهم ليسوا كالجمر التي تشتهيه النعام. وزعموا أن النعام يحمى له الحديد حتى يصير جمراً ثم يلقى إليه فتلتهمه وهي مشتهيه له غير مكرهة عليه فما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة بأن جعلها لا تشتهيها النعام، لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات حمى في الحقيقة.
وقوله:
ألا لا أدري الأحداث حمداً ولا ذماً ... فما بطشها ولا كفها
قد سمعت قوماً ينشدون: لا أرى الاحداث، ويلحنون في ذلك ويحسبونه معنى قول القائل:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
ولو عنى ذلك لسكت على قوله: لا أرها حمدا ولا ذما. ولو قال: أسمعها لكان أولى. والوزن ألجأه إلى لفظه أورى. ولو تأتي له لقال: ألا لا
(1/313)

أحمد الأحداث ولا أذمها. يقول: إذا لم يكن بطشها لجهل، ولا كفها لحلم فحمدها وذمها محال.
وقوله:
منافعها ما ضرَّ في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما
هذا أحد الأبيات التي زل بها الشيخ أبو الفتح أقبح الزلل. وقد مضى ذكر في كتاب (التجني). ولابد من إيراد ما ذكر، وإيراد الصحيح من معناه ليكمل الكتاب. قال الشيخ أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ. وهذا ضار لغيرها ومعنى جوعها وظمئها أن يهلك الناس فتخلو منهم الدنيا. وهذا كقوله:
(1/314)

كالموت ليس له ري ولا شبع
فرحم الله أبا الفتح قد قال في نفع غيرها. فأي نفع للناس في أن يهلكوا. وأي حجة له في غفلته عن هذا. أترى لشيء من سائر خلق الله نفع في أن يهلك فضلا عن الحيوان. وإنما الهاء في منافعها راجعة إلى الجدة المرثية. يريد أن منافع هذه لصلاحها وإيثارها على نفسها، وكثرة صيانها وعبادتها ما جرت العادة به أن تضر. وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ، في الري والشبع. فإذا جاعت وظمئت كانت كأنها تغذت ورويت. وإيثار الجوع والظمأ من فعل العباد. وقوله: في نفع غيرها موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها. والخبر الأول ما ضرَّ. كأنه يقول: منافعها في نفع غيرها. ووجه آخر وهو أن تكون (في) بمعنى (مع). يريد ما ضرها مع نفع غيرها. كما تقول: أردت شتمك في إكرام زيد. أي مع إكرام زيد. فأي معنى أظهر من هذا، فيتكلف الشيخ أبو الفتح ما يزري به عفى الله عنه. وبعد فالمعنى من قول القائل:
أقسم جسمي في حسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد
وقوله:
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ. وإنما أتيت به لنكتة. قرأته على الشيخ أبي العلاء فقلت له: أنشد: بطول القنا. أم بطولاها. أعني
(1/315)

هل هو فعل مصدر طال يطول طولا أن فعلاها، كما تقول: كبراها وصغراها. فقال: ما رويت إلا بكسر اللام. فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد فالا أنشد بطولي، يراد به طوال القنا ليكون جمعا مع جمع هذا في صنعة الشعر. فقال: ما احترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
وقوله:
راعتك راعية المشيب بعارضي ... ولو إنها الأولى لراع الأسحم
أطال الشيخ أبو الفتح في غريب هذا البيت ولم يعرض لشرح معناه. وهو من دقيق معانيه ومعقدها. وأرى كثيرا من مسجلي الأدب يتخطون تفسيره. والهاء في قوله (لوانها) عائدة إلى الراعية. يقول: لو كان الأول من الشعر أبيض، والأسود طارئ لراع السواد. يريد: إنما راعك علة سيئ لا البياض. كأنه لو أراد إشباع اللفظ لقال: ولو إنها الأولى. والأسحم طار عليها لراعك الأسحم. وكان قوله أيضا:
مُنى كن لي أن البياضَ خضابُ ... فَيَخفى بِتبَييضِ القرُوُن شباب
(1/316)

من هذا المعنى مشتق. وإن كان من غير قبيله فتأمله. وقد أوضح هذا المعنى بقوله بعده:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققاً يميت ولا سوداً بعصم
وأعرف تباين هذا البيت من بيت أبي تمام:
طال إنكاري البياض ولو عمرت ... شيئاً أنكرت لون السواد
فإنه ينكر لون السواد لشيخوخته واستيلاء البياض عليه. وهذه يردعها الأسحم لأنه دليل الشيخوخة. ويحب البياض لأنه اللون الأول لون الشباب.
وقوله:
عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رازحة بغامي
قال أبو الفتح: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبلغمهن بغامي. أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن. كما تقول: إن فعلت كذا وكذا فإنك حمار، وأنت بلا حاسة. هذا ما ذكره. ولكن يزيده وضوحاً إن قال قائل فما يضر أن تحير رجل ركب المفازة فتاة. وليس الجهل بالدلالة في المفازة مما يذم به. فالجواب أن يريد إنه بدوي ومع ذلك فأني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بها من علم الأنواء وأبواب الأدب فلذلك أفتخر به، وبذلك على ذلك قوله: وكل بغام رازحة بغامي يريد بذلك أني فصيح شاعر عارف بالمنطق. وهكذا يقول الفصيح إذا اقسم يقول: أنا أعجمي إن لم أغلبك
(1/317)

بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل. فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة الحالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغامها.
وقوله:
وقد أراد المياه بغير هادٍ ... سوى عدّي لها برق الغمام
قال الشيخ أبو الفتح: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب منه برقة لم أشك في أنها ناطرة قد سقيت، فنتبعها على الثقة. هكذا قال.
والذي قال ابن قتيبة في كتابه (الأنواء). انهم يعدون سبعين برقة. وقد قال ذلك بن نويره:
وهم ينزلون الغيث والغيث عازب ... إذا ماؤهم عدوا عليه البوارقا
(1/318)

ولقائل أن يقول: فدلائل المطر في السحاب، والبرق أكثر من أن تحصى. ألا
تراهم يقولون: أرينها نمره اركها مطره. وإلى قول معقر بن حماد البارقي لابنته - وهي تقوده وقد كف بصره، وسمع صوت رعد -: ما ترين، فقالت: (أرى سحماء غفاقه، كأنها حولاء باقة لها هيدب دان، وسير وان. فقال. ألمي بي إلى معلة فإنها لا تنبت إلا بمسجاة من السيل).
ألا ترى كيف وثق بالغيث فأمرها بالهرب إلى المنجاة. فلم خص أبو الطيب عدد البرق وليس ذلك في شهرة غيره من الدلائل. فالجواب إنه لم يرد الاستدلال على المطر فقط. وإنما أراد إنه يتبع البرق حتى يجد الماء، وذلك من فعل العارفين بمواقع الماء ومحاله. وقد تقدمه دعواه إنه خريت فلاة، لأنه إذا خالت السحابة عرف مخيلتها فأقام حتى يأتيه المطر. فتأمل موضع افتخاره.
وقوله:
لا شيَء أقبحُ من فحل له ذكرٌ ... تقوده أمةٌ ليست لها رَحمُ
هذا أيضاً تعريض بكافور لابن طغج وتغريب بينهما كقوله:
(1/319)

العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو إنه في ثياب الحر مولود
يغريه به. وابن طغج فحل له ذكر، وكافور خصي فهو الأمة من حيث إنه خصي لكنه قد خالفها بكونه لا رحم له، فكأنه أنقص من أمة. هذا إغراء به. يقول: لم تملكه أمرك وأنت فحل ذو ذكر، وهو أمة في العجز ودناءة القدر، وليس بذات رحم فهو اقل من أمة. وقد أنث الرحم وهو مذكر، إذ عنى به العضو، وإذا أنثت عينت به القرابة من قولهم: بيننا رحم أي قرابة. وكذلك رحم بضم الراء. ويجوز أن تكون التاء (في ليست) (للامة). كأنه قال: أمة ليست ذات رحم. وتكون (لها) موضعه الرفع. لا النصب لأنه خبر (رحم) وهو مبتدئتان. واسم ليس ضمير يرجع إلى أمة. (ولها رحم) جملة موضعها النصب لأنها خبر (ليست).
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم
قال الشيخ أبو الفتح: إذا قيل له: هل أدركت حاجتك قال: لم أدركها. وهذا تفسير جيد لا مزيد عليه. إلا أن القاضي أبا الحسن علي بن
(1/320)

عبد العزيز رحمه الله فسره في كتاب (الوساطة) فأخطأ ثم عابه فقال: كان الواجب أن يقول عن هل ب (لا) لأنه يقول: هل تبرع لي بهذا المال فتقول: (لا). فأقام (لم) مقام (لا). لأنهما حرفان للنفي. فأقام أحدهما مقام الآخر.
وفي هذا من الظلم ما ترى، ومن الخطأ ما تعلم. لأنه لو أراد ذلك لقال: أجبت عن كل سؤال ب (لا). لأنه المقتضى فيجاب لا هو يجيب. وإنما يعني كل من اقتضى حاجة بغير السيف، ثم سأله الناس هل أدركت حاجتك، هل بلغت مرادك، هل ظفرت، هل وصلت. فيقول في الجواب عن ذلك لم أبلغ، لم أصل، لم أدرك، لم أطفر.
وقوله:
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
أما البيت الأول فأهمل أبو الفتح معناه، وشغل بالغريب. وأما البيت الثاني فأخطأ في شرحه خطأ بينا قد شرحنا ذلك في كتاب (التجني). فأما قوله: صنا قوائمهما فيعني أنا صنا السيوف أن يسلبناها أعداؤنا فتقع
(1/321)

قوائمها في موقع اللؤم. وموقع اللؤم مواطن أيديهم. وإنما تقع قوائم السيوف في مواطن أيدي الأعداء إذا سلبوها. فأما إذا لم تسلب فما تقع فيهم إلا مضاربها. وكأن في ذلك إشارة إلى قول القائل:
نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وقول الآخر:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... ولي منه ما ضمنت عليه الأنامل
فقد أنباك أن قوائم سيوفهم ثابتة في أيديهم لم تسلب. وقد تقدمه:
من كل قضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم
فهذا معنى قوله: نقاسمهم أسيافنا شر قسمة. ولو لم يتقدم هذا البيت لكان في قوله: صنا قوائمها عنهم ما يؤدي ذلك. فما أبلغه من بيت وأحكمه. والمصراع الثاني زيادة. أعني قوله: فما وقعت مواقع اللؤم والكزم. البخل، والعطاء يكونان باليد جعل أيديهم مواقع اللؤم. وإن كان قد يكون بغير البخل.
وهذا مذهب من الاتساع متعارف. وأما البيت الثاني فزعم أبو الفتح أن قوله: ما شق منظره من قولهم: شق بصر الميت شقوقاً. بمعنى جاد بنفسه. وشاق يشوق شوقا. ورواه شق بفتح الشين. قال: ولا يقال: شق الميت بصره قال ومعناه هون على بصرك شقوقه
(1/322)

ومقاساة النزع والحشرجة للموت. فإن الحياة كالحلم تبقى قليلا وتزول. وقد قال أو تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
فانظر إلى هذا التشبيه المتفاوت. إذا كان أبو تمام يقول: إن الماضي من الزمان والهذلين من الناس كالأحلام. وأبو الطيب يقول: يقظتك كحلمك فما يصنع الموت هاهنا والحشرجة وإنما هو من شق على الشيء أي صعب. يقول: هون على كل عين النظر إلى ما يشق فإنه اليقظة كالحلم إذ كان أحوال الدنيا إلى الزوال. فهذا المعنى الذي أن سمعه أبو الفتح لم ينكره فما الذي يسومه هذا العسف وشق النفس في الغوص إلى ما لا يفيد.
وقوله:
ولما تفاضلت النفوس ودبَّرت ... أيدي الكماة عالي المران
قوله: ودبرت جملة منفية معطوفة على جملة منفية. وليست جملة مثبتة جارية مجرى قوله: ما أكلت وشربت الماء. يريد إثبات الشرب، ونفي الأكل. بل هي
كقولك: ما ضربت زيداً وقتلت بكرا، يريد نفيهما جميعاً. ولعمري إن الأحسن إظهار النفي ليكون دليلا على النفي ولكن الكلام إذا دل على الغرض جاز حذف النفي. ألا ترى أن المعنى ولما تفاضلت النفوس، ولما دبرت الأيدي الرماح يريد لدبرتها الرماح، أو عصمتها عند الاستعمال ولكنها بالعقل دبرت فأطاعت، ونفذت حيث نفذت من هذا النوع كثير.
(1/323)

وقوله:
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
سمعت جماعة من أهل الأدب يتساءلون بينهم لم جعل الآذان تبصر في الحال التي ستر الغبار العيون. وأي مزية للآذان ثم على العيون. فقال المحذق منهم في الصناعة: ذاك لأن الآذان منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. ولما يعلما جميعا أن الانتصاب، وسعة الفتح لا يغنيان من الغبار وظلمته شيئاً، ألا ترى ظلمة الليل. وإن سعة العين فيه كضيقها، ونجلها كخوصها. وانتصاب العين فيه كانبساطها لمن انتصب عنه بانتصابه، وانبسطت باستلقائه على صلاوي قفاه كلا الناظرين فيه سواء وكلتا العينين غناؤهما فيه واحد. وإنما أراد الرجل أن الغبار ستر العيون حتى وقع على الجفن فمنعه أن يفت النظر والأذن لا تنطبق فلا يثقلها للغبار، وانتصابها دائم. والعين إذا اثقل الغبار جفنها انطبقت فلم تنفتح. وهي مع ذلك لا ترى فتعتمد ما تسمع فينحو نحوه ويبقى ما يجب إبقاؤه. فهذا معنى حسن. وجعل الناجي المصيفي الأذن مثقلة بالدم القاهر من القنا. فما أحسن كثير إحسان، إذ لا ثقل للدم عليها وإن جسد عليها وإن جسد عليها فإنما جسد ما فضل من القطر وذاك حيث يقول:
ثقيلات آذان من الدم والقنا ... غريقة بحر بالأسنة زاخر
بل أحسن بعض من سمع هذا البيت من المحدثين فقلبه وقال في صفة روضه:
أصْغَتْ عيونُ النور في جنباته ... فكأنما يَسْمَعَن بالأجفانِ
(1/324)

وإن كان النور لا حاجة به إلى السمع، ولا الإصغاء ولكنه ملح في السرقة.
وقوله:
يتفيأون ظلال كل مطَّهم ... أجل الظليم وربقة السرحان
قال السيخ أبو الفتح ورواه: يتقيلون، يقول يتقيلون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك. وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق كما قال النابغة. واستشهد بشعر كثير. ثم قال: وإنما استعار هنا لفظ الظلال لأن ظل كل شيء موازنه، وعلى سمته. فيريد بذلك احتذاءهم طريق آبائهم وسلوكهم مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج كما قيل:
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم قال: ويحتمل أيضاً أن يكون معناه انهم يستظلون بأفياء خيولهم في شدة الحر يصفهم بالتعرب والتبدي. فالحمد لله الذي أجرى الحق على لسانه عاقبة، كما أجرى الباطل عليه بدءاً ما قال أبو الطيب، ولا روى عنه ألا يتفيئون. يريد يجلسون في أفياء خيولهم
(1/325)

للزومهم البادية في صميم الحر، ولا ظلال لهم غيرها. وقد جرت عادة أبي عبد الله بن مقله - رحمه الله - والمتشبهين به في الخط من أهل بغداد بإظهار الألف الموصولة من خلف استواء السطر من غير تعقيب حتى تحسبها شرطة شرطت، فلعلها اتصلت بالواو فحسبها أبو الفتح يتقيلون. وهذا مما يسيء الظن بروايته - غفر الله له -. وما سمعنا أحداً روى هذا البيت يتفيئون بهمزة غير الشيخ أبي الفتح. ولتكن الرواية ما حكى فكيف يكون الأب السيد الكريم آجلا للظليم، ورقة للسرحان. أتراه يصفه بشدة العدو، ولا كبير فخر في ذلك. أم
يجعل الفرس أباه، أم يجعله متقيلا للفرس في العدو. وأي الثلاثة التأويلات تتناول هذا البيت مع روايته. أم يجعل المطهم كرة رجلا وكرة فرساً فيكون البيت نصفين متنافيين. وسيقول المتعصب له: لا ضير في ذلك فإنه من باب التوسع هو أحرج الحرج. وقد خصم نفسه وتنبه بعض التنبه فقال: ولفظ الظلال استعارة، لان ظل كل شيء موازنه، وعلى سمعته. كأنه استحيا من قائل يقول له: فما تضع بالظل وهو يريد أن يتقبل أباه فاعتذر له لا عذر الحسن الذي قد سمعته. فهلا يقول لنفسه فأولى من الظلال بالخلال. فلو قال: يتقيلون خلال كل مطهم لأدى ما يروم. ثم الثالثة قضت عليه بالحق فاستدرك المعنى. ونسي موضع التصحيف فقال يجوز أن يكون معناه أنهم يستظلون بأفياء خيولهم
(1/326)

من شدة الحر. وقد علم إنه لا يجوز غيره غفر الله له ذنوبه.
وقوله:
وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضة ... والسير ممتنع من الإمكان
قال الشيخ أبو الفتح: سألته عن هذا فقال: معناه وكل هذا الذي ذكرته على الدروب أيضا، إذ في الرجوع غضاضة على الراجع، وإذ السير ممتنع عن الإمكان. وما أحراه أن يكون سمع بعض ذلك ولكنه لم يعه عنه والغرض غير ما ذكر إذ قد تقدم هذا البيت:
خضعت لِمنُصُلِكَ المناصِلُ عنوة ... وأذل دينك سائر الأديان
أفتراه يقول: خضعت على الدروب، وأذل على الدروب أيضا. وقد قال سائر الأديان بتخصيصه بعد العموم في معنى واحد من أمحل المحال. وأظنه قال في الجواب، وكان هذا الذي أذكره فيما بعد فظن إنه يقول ذكرته فيما خلا، وإنما يعني على الدروب غضاضه كما تقول على يدي، وفي كمي مال. تريد على يدي مال، وفي كمي مال. وإنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضه، وفي رجوعنا
غضاضة. والخطاب يدن السامع على إنه يريد في مقامنا على الدروب. وهذا كما
(1/327)

تقول للجالس على التراب: قبيح، وغير جميل، أو ما أشبه ذلك. فهذا ظاهر. وما سمعه أبو الفتح فسماع مستعجل لم ينفهم.
وقوله:
كتمتُ حُّبَكِ حتى منكِ تكرِمَة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني
كأنه زاد حتى فاض من جسدي ... فصار سقمي به من جسم كتماني
قد خلط الشيخ أبو الفتح في شرح هذا الشعر، وقد مضى في كتاب (التجني) ما فيه مقنع ويعني أني تكرمت بكتمان حبك. كتمته منك أيضا. ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن. يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني بناقص للأول.
(1/328)

فقد يظن ظان إنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك. يدلك عليه
كأنه زاد حتى فاض عن جسدي
يريد الكتمان. فكيف يكون معناه أني ظهرت. فإن قال: إنما ضمير زاد للحب قلنا له: فما تصنع بقوله: فصار سقمي في كتماني يريد فصار سقمي منكتما كأنه في وعاء من كتمان. وكأنه يقول كان كتماني في جسمي في كتماني فافهمه.
وقوله:
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذَّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
قد سمعت قوما ينشدون الألسنا بفتح السين، وليس ذلك بممتنع. و (ما) بمعنى الذي يقول: الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا، وتبلدا. كما تقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك. يعني البغض الصادق، أو البغض الشديد. وإن قال قائل: (ما) بمعنى النفي. ويكون معناه: الحب ما يمنعك الشكوى. ولم يكن (ذلك) ممتنعا. والمعنى إن شكوى الحب مما يستلذ. فإذا بلغ من شدة الحب ألا ينطق فذلك
لمن النهاية. وهذا معنى قول القائل:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد ابن كذا
(1/329)

وقريب منه قول بعض المحدثين:
وأذكر خالياً حججي ... وأنسى حين أبصره
ومن روى الألسنا. كان ذلك من باب المبالغة.
ومعنى المصراع الثاني ما قاله على بن الجهم:
وقلما يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر
أو قول أبي نواس:
ولا خير في اللذات من دونها ستر
وقوله:
لا يستكين الرعب بين ضلوعه ... يوماً ولا إحسان أن لا يحسنا
قال الشيخ أبو الفتح: الإحسان هنا مصدر أحسنت الشيء إذا حذفته. وليس من الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: فهو لا يحسن أن لا يفعل الجميل. وقد جود فيما استنط كأنه يقول: لا يستكن بين ضلوعه علم ألا يحسن. ولو قال: ولا إحسان أن لا يحسنا
(1/330)

لكان أشار إليه أبو الفتح أبين وأوزن ذلك ولا العلم ألا يحسن ولو قال علم ألا يحسن لكان أبين. كما أن قولك: أعجبني ضرب زيد أبين للسامع من أعجبني الضرب زيدا. وما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: لا يستكين الإحسان حتى يحسن. أي لا يمكث حتى يفعله فأقام يسكن مقام يمكث لتقارب معنييهما. وهذا أسبق إلى الفهم مما أتى به الشيخ أبو الفتح. والذي أتى به في غاية الجودة.
وقوله:
ألقى الكرام الألى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسنن
فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن
قال الشيخ أبو الفتح: أي المكارم في يده، وتحت تصرفه. يستعملها في أي وقت شاء. وكيف شاء. وهذا على ما ذكر.
(1/331)

(إلا) وجب عليه أن يبين على أي وجهٍ هي في يده. وذاك أن الممدوح قاضٍ فمدحه بما يضاهي القضاء. فجعل المكارم كالأيتام وجعلها في حجره لما مات عنها الكرم الألى بادوا. فكلما عرضت له الأيتام بدا بالمكارم ولما لم يتأت له لفظ المكارم أقام المجد والمنن مقامهما، لأنها في معناها وليقم القافية والوزن. وترك همزة بدأ. وقد مضى مثله في هذا الكتاب من شعره. وقوله: عند الفرض والسنن مما يظهر ذلك لك ويوضحه. ولا معنى حجر اليتيم لما أجدى قوله عند الفرض والسنن. يريد القوها عليه عند موجات الفرض والسنن. لان كفالة اليتيم، ووكالته من الفروض. وهذا من حذقه بالمدح، وجودة تصرفه في المعاني.
وقوله:
قد صيرت أول الدنيا أواخرها ... آباؤه من مغار العلم في القرن
قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه، أي قد ضبطوا العلم، وقيدوا الأحكام والشرائع. وهذا على ما قاله. غير إنه لم يعرفنا أي العلوم يعني. وإنما مدحهم برواية الحديث. يعني أنهم ضابطون للأيام، عارفون بالأخبار. يدللك على ذلك قوله بعده:
كأنهم ولدوا من قبلِ أن ولدوا ... أو كان فَهمُهمُ أيامَ لم يكن
(1/332)

ومغار، من أغرت إذا قتلته. استعارة لأحكامهم العلم. ومثل هذا قوله في تشبيب غلام:
يحدث عمّا بين عادٍ وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق
يريد إنه حافظ للشعر القديم ولأيام العرب. يعني إنه أديب فلذلك أحسه.
وقوله:
ولو بدت لاتاهتهم فحجبها ... صونٌ عُقولَهُم من لحظها صانا
أهمل أبو الفتح تفسير هذا البيت. وفيه من الغلق ما ترى. وقوله: صون فاعل حجبها. وصان ضمير راجع إلى الصون. يريد صون صان عقولهم من لحظها. والمعنى إنها لو بدت لاتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها، وذهولهم عن تأملها مقام صيانها فكأنها لم تبد. ثم قال: هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها ولولا تيههم عنها، وذهولهم برؤيتها لأسلمت عقولهم للحظها فأهلكها لحظها، وذهب بهاز يريد عشقوها. ومرحى له. وبعد فالبيت مدخول، والمعنى مرذول.
(1/333)

وقوله:
ولا أسرُ بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا
قال الشيخ أبو الفتح: لا أسر بما أخذه من غيري، لأنه هو المحمود على عطاء. وهذا تفسير حسن. يقول: أنا وإن كنت شاعراً فرغبتي في الحمد أكثر من رغبتي في الصلة. فأنا أغبط الواصل على الحمد الحاصل له، ولا أسر بالعطايا ولو أعطيت ملء هذا الزمان. كما قال أيضاً:
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل
وقد بين بقوله: ولو حملت إلي الدهر، إنه يريد العطاء لا غير والحمد عليه، ولو لم يأت بذلك لاحتمل غيره من المعاني. وقد زاد ذلك المعنى وضوحاً بالبيت الذي يليه وهو قوله:
لا يجذبن ركابي نحوه أحد ... ما دمت حياً ولا قلقن كيرانا
أي أنا لا أسر بالعطايا فلا يستزرني أحد.
وقوله:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
(1/334)

هذا البيت حسن الصنعة والمعنى. يعني أن الناس كلهم كالبعران في عدم العقول، فهم يصلحون للركوب. وقال الصاحب بن عباد - رحمه الله - في رسالته في هذا البيت: (أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى بأخزى الخزايا. لو استطعت. البيت. . . ثم قال: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها. والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أسقط من هذا التسحب ولا أوضح من هذا التبسط).
وأي تبسط وتسحب على الممدوح ترى في هذا البيت. وليس كل من ذكر الناس بسوء أو بغير سوء فقد عنى جميعهم، حتى لا يشذ واحد، ولو أكده كل تأكيد. ولو توقى الشعراء هذا الباب لكانوا في حرج من جميع ما ينطقون به. ألا تراه قد قال في مرثية فاتك:
والناسُ أوضعُ في زمانك منزلاً ... من أن تُعاشرَهم وقدركَ أرفع
وهو أيضاً من الناس. أفتراه أيضا جعل نفسه وضيعا. وللشعراء قبله ما لا يحصى كثره. فعليه وحده يحرم هذا المجاز، والتأويل. وقد قال الله تعالى يخاطب مريم: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين). أفتراه اصطفاها على حواء وهي قبلها. واصطفاها على فاطمة - صلوات الله عليها - وهي بعدها. وهما من العالمين. وليس لقائل أن يقول: أراد بالعالمين نساء زمانها ففي زمانها عالم واحد. والعالمون في أزمنة تقدمت أو تأخرت. هذا وقد قيل في (كل) إنها تكون بمعنى الجمع تارة. وبمعنى البعض. وفسروا قوله
(1/335)

تعالى: (تدمر (كل) شيء بأمر ربها) إنها بمعنى البعض. وقول الشاعر:
ألا إن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
أفترى أن خالد بن عبد الله القسري خيرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن
أصحابه المنتجبين، واهل بيته الطاهرين. ألا ترى أن قوله: حيا وهالكا اكثر من قول أبي الطيب ركبت الناس كلهم. فهذا عنت. وبيت المتنبي جيد شعره:
وقوله:
أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
ليس هذا البيت مما يقتضي شرحاً ولكنه حكى عن أبي الطيب إنه سئل ما الذي يريد الزمان أن يبلغه في نفسه فليس يبلغه. فقال يريد الزمان أن يكون كله ربيعا. وليس يكون كذلك. ولو قال:
(1/336)

يريد الزمان أن يكون كله نهاراً لكان أجود، وأولى. لأن ذلك حال في نفسه والربيع حال حسنه يظهر على الأرض والشجر والنبات. على إنه يمكن أجوبة غير ذلك كثيرة. منها أن يريد الزمان أن يكون خصباً لا قحط فيه. أو يتمنى أن يكون البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو كله صحوا لا غيم فيه. إلا أن الحكاية إن كانت صحيحة فما أجاب أبو الطيب ألا بجيد من الجواب. وما أشبه هذا بما زعم أبو الفتح في شرحه:
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
وقوله:
فإنه يعني بالبيدان سلاحه: السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والترس. وعندي إن الأولى إنه يريد باليد كتابته بها. يريد أن كتابه العربي عربية. وكتابة الفارسي (الفهلندية) ووجهه اسمر من اثر البداوة. ووجه من بالشعب أشقر ببياض وحمرة. ولسانه عربي ولسان سكانه فارسي. وقد علم أبو الفتح أن الترس لا تخلو منه العرب. ألا تراهم يقولون:
(1/337)

وخرق كظهر الترس رحب قطعته
ومجناً أسمر قراع، ومجنا اخلص من ماء اليلب.
وهم درعي إذا اسلأمتُ فيها ... إلى يوم النسار وهم مجنى
وقول الهذلي:
أرقت له مثل لمع البشير ... يقلب في الكف فرضاً خفيفا
وقول العباس بن مرداس:
لنا عارض كزهاء الصريم ... فيه الأسلة والعصير
(1/338)

وقول الراجز:
إذا جعلت الجوب من شمالك ... فاجعل مصاعاً صادقاً من بالك
والفرص والعنبر والجوب والترس. وكذلك المجنا والمجن.
وقوله:
كل ما لم يكن من الصعب في الأ ... نفس سهل فيها إذا هو كانا
قوله: ما لم يكن بمعنى ما لم يقع. وليست كان الناقصة. مثل قول زهير:
فإن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها تكون
أي نقيم. ومعنى البيت أم كل ما يقع مما يستصعب في النفوس فهو سهل إذا وقع. وهذا قريب من المثل المضروب: إذا خشيت أمر فقع فيه فإنما جئته بوقته. وقول أعشى باهله:
لا يصعب الأمر إلا ريث تركبه ... وكل أمر سوى الفحشا تأتمر
(1/339)

وقريب منه قوله:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن
وقول البحتري:
لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه ... وأبرح مما حل ما يتوقع
وقوله:
كأنَّ رقاب الناسِ قالت لسيفه ... عدوّك قيسي وأنت يماني
هذا من أفراد أبيات أبي الطيب المتنبي بل من أجود جيده. وذاك أن شبيبا هذا
الخارجي عربي من بعض بطون قيس عيلان. وبينهما وبين اليمن عداوة ما قد شهر. وقد جرت العادة بنسبة السيوف إلى اليمن. ثم أن شبيباً قتل. فيريد إنه قتل بسيف نفسه، ولم يقتله كافور. فيريد كأن الرقاب لما حل بها من عظيم ضربه لها أرادت التغريب بينه وبين سيفه فقالت لسيفه: أنت يمني ورفيقك من قيس عيلان فهلا قتله. فسمع منها ما قالت فقتلته طالباً ترة نفسه، وترة اليمن في قيس عيلان. فانظر ما أحسن ما عبَّر عن قتله على يد كافور وهذه القصيدة من أولها إلى آخرها هجو (لكافور) ومدح لشبيب ومعرضها مدح كافور، وذم شبيب. فتأمل، فالصنعة فيها عجيبة جداً.
(1/340)

وقوله:
دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكر أو عوان
حرفه أبو الفتح فرواه بموضع الأعضاء. ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها. والرماح بأعقابها. لأنها مواضع الأعضاء منها بحيث يمسك الضارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بموضع الأعضاء من السيوف. ومعنى (دعته) اجتذبته، واستمالته. هذا كلامه. وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا (مفزع الأعضاء). وإذا حرف عن وجهه شعر لم يجد بداً من تمحل يخرج معناه. وهذه لشظه من أمحل المحال، لأنه ما دعي نقيض الدولة، ولا سافلة الدولة. وإنما يريد قوله:
بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضد يدان
ولا قبض على البيض المواضي ... ولا حظ على السمر اللدان
فجعل العضد مفزع الأعضاء لما بينه في البيتين قبله. فان قال: قد قلت أن معنى (دعته) اجتذبته، واستمالته فان دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف، ولا الرماح. وإنما اجتذبته. واستمالته بالملك
(1/341)

الذي ملكته. وقد قال: والرماح
بأعقابها. وما سمعنا أحداً سمى سافلة الرمح عقبه. فرحم الله أبا الفتح من كم لون اخطأ في هذا البيت. وهبه زل في المعنى فكيف رضى لنفسه بالعي - غفر الله له ولنا -. على أن هذه القصيدة لم يقرأها على أبي الطيب فما أظنه لقيه بعد خروجه إلى فارس. والذنب للناس.
وقوله:
وكأن ابنا عدو كإثراء ... له ياءي حروف أنيسيان
كأنه يعرض بعدو هـ ابنان. والسبب في ذلك أن لعضد الدولة ولدين عند إنشاده هذه القصيدة. فهو يدعو على عدو يكون له وله ابنان. كما للممدوح ابنان. ويدعو لولديه بقوله:
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بنورهما ولا يتحاسدان
وانيسان تصغير إنسان. وروى تصغيره انيسيلن بياءين في ألفاظ يسيرة شذت. منها اصيلال في تصغير أصيل بلام أخرى زائدة مع الألف. وعشيشيه وعشيشيات وكنيكنه في تصغير كنكه وهي البيضة المأكولة. فهاتان إليان وإن كانتا زيادة في عدد الحروف فهما نقصان من حيث المعنى، لأنهما للتصغير. فيقول: جعل الله ولديه وإن كانا مكثرين لعدده نقصانا من جاهه ومحله كهذين اليائين. وما احسن ما صاغ لولا بهده عن الإفهام.
(1/342)

وقوله:
ذا الذي أنت جده وأبوه ... دنيه دون جده وأبيه
(ذا محله الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه يقول: هذا الذي جده. وقد تقدمه قوله أغلب).
أغلب الحيزين ما أنت فيه ... وولي النماء من تنمية
وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه. (فذا) إشارة إلى أبي العشائر
وليس بمبتدأ يكون جده خبره لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك. ولا فائدة له في ذلك. ولا يحسن به أن يغض منه وسيف الدولة يمدحه. وليس (دون) بمعنى أوضع محلا ومنزلة. بل دون من قولك لمن يقرب منك: أنا احول دون أخيك، وأبوك دون أبيك. فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه، وولي النماء من تنمية. وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه. وجده دون أبيه وجده. وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت. وهو مما يسأل عنه. ويجب الفحص عن معناه.
وقوله:
قالوا ألم تكنه فقلت لهم ... ذلك عيًّ إذا وصفناه
لا يتوقى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى بمعناه
(1/343)

قال الشيخ أبو الفتح: في لفظ هذا البيت اختلال في صناعة الإعراب. وذلك أنهم قد عرفوا إنه لم يكنه فحكايته عنهم قالوا ألم تكنه. إنما هو على مذهب التقرير. لأنهم لم يشكوا في إنه لم يكنه فيستفهموه فصار كما تقول ألم تأت فأعطيك لا يريد استفهامه فإنما يريد إنه قد أتاك فأعطيته. وإذا كان تقريرا ففيه نقص واختلال. وذلك أن التقرير إذا دخل في لفظ النفي ردّه إلى الإيجاب في المعنى. وإذا دخل على لفظ الإيجاب رده إلى النفي في المعنى. ألا ترى إلى قول الله تعالى: أأنت قلت للناس. وهو تبارك اسمه لا يشك وإنما هو تقرير ومعناه إنك لم تقل. فهذا لفظ الإيجاب الذي عاد إلى النفي. وأما لفظ النفي الذي أعاده التقرير إلى الإيجاب فنحو قوله: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. أي أن فيها مثوى لهم. فقوله ألم تكنه ينبغي أن يعود في المعنى إلى انهم قد قالوا كنيته، أو كان عندهم ممن كناه. وهذا محال لأنهم قد أنكروا عليه ترك كنيته فلم يضع الكلام موضعه.
وهذا على ما قاله أبو الفتح إذا فسر هذا التفسير. ونحن نقول بل هو استفهام، لا يتضمن تقريراً. وما الذي يحوجنا إلى أن نجعله تقريراً ثم نخطئه وما يضر من
أن يكون استفهاما صريحاً. كأنهم سألوه: هل كناه، فقال لهم: لم أكنه، لأنه عي إذا وصفناه. فأي نقصان يلحق ما نحاه أبو الطيب من المعنى على هذا التأويل.
ثم قال لا يتوفى أبو العشائر البيت. . . وأبو الفتح أهمل تفسيره وهو محتاج إلى شرح. وذاك أن معناه متصل بما قبله. يقول: إذا لم تكنه لم يتوق أبو العشائر أن يشتبه معناه بمعنى غيره. وقوله:
(1/344)

(ليس معاني) بمعنى الالتباس وهو ظاهر. ولو روى ليس لكان يحتمل معنى جيداً فيكون قوله: ليس معاني الورى بمعناه من قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
يقول: لا يتوفى أبو العشائر من لم تجتمع فيه معاني الورى. يريد إنه قد اجتمع فيه معاني الورى. فهو لا يشتبه بغيره فأفهمه فهو دقيق إلا إنه لم يروه.
وقوله:
تجمعت في فؤاده هممُ ... ملء فؤاد الزمان إحداها
فإن أتى حظها بأزمنة ... أوسع من ذا الزمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر إحياؤها بموناها
فإن أتى حظها. الهاء للهمم. وأبداها أيضا هاؤها للهمم. يقول إن أتى حظ الهمم، وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمن أظهر تلك الهمم. فأما الآن فما يسع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها. وعندي إنه لو قال حطه يريد حظ عضد الدولة يريد ماله من المعجزات وعجائب الدولة ومساعدة المقادير له لكان أمدح وأحسن والرواية بالتأنيث. ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان، وأهل تلك الأزمنة والفيلق الجيش العظيم. وهو مذكر. أنثه لأنه يعني الطائفة والجماعة، والزمرة وما أشبهها وجعلها تعثر إحياؤها بموتاها للزحمة. وقد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة. وهذا من قوله أيضا:
(1/345)

سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهاب
وقوله:
ولا تستطيلن الرماح لغارة ... ولا تستجدين العتاق المذاكيا
أتى بهذا البيت بعد قوله: فلا تستعدن. والبناءان متفقان في المعنى مختلفان في اللفظ فأردت الدلالة على اشتقاقها. أما تستعدن فيستفعلن من العدة. وهو استفعال بمعنى لو قال: لا تعدن لأدى ما يريد. وأما تستطيلن فليس من قولك: استطلت هذا الحبل، وهذا الرمح أي رأيته (طويلا ووجدته) طويلا بل هو بمعنى لا تطلبه جياداً. فالمعنيان متفقان من حيث يريد إعدادها. أما الرماح فطويلة، وأما الخيل فجياد. ولو قال: لا تطيلن الرماح، ولا تجيدن العتاق لأديا المعنى. والمعنى من قول عبد الرحمن بن داره:
(1/346)

فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدوا ... على الذل وابتاعوا المغازل بالنبل
هذه الأبيات التي أتينا بها عي التي توهمناها غلقة المعاني. ولعل قائلا أن يقول: فهلا فسر بيت كذا. وهلا أتى بمعنى كذا. وكل أحد له غرض مقصود. وما رأيناه غلقا يراه غيرنا ظاهرا. ولعل ما يراه غلقا رأيناه ظاهرا فليعذرنا متأملو هذا الكتاب. ويعلموا أننا أردنا نفع قارئه. وما توخينا دعوى لا الفضل على أبي الفتح بن جني. ولا سمت هممنا إلى مباراته. وبودنا لو أدركنا القراءة عليه، والاستفادة منه. والى الله نرغب في إنالة جواره، وإفراغ عفوه وغفرانه عليه وعلينا.

تم الكتاب
والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وعترته.
(1/347)

وكان الفراغ من تعليقه يوم الثلاثاء قابلته بالأصل المنقول منه والحمد لله حمد
السالمين.
فرغ من تحقيق هذا الكتاب عبد الكريم بن الحاج مجيد بن الشيخ عيسى بن الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله الدجيلي الخزرجي النجفي بعد التعليق عليه وشرح غوامضه لغة وإعرابا وبعد مقدمة وافية ومن الله العون والتوفيق.
(1/348)