Advertisement

الفاخر



الكتاب: الفاخر
المؤلف: المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب (المتوفى: نحو 290هـ)
تحقيق: عبد العليم الطحاوي
مراجعة: محمد علي النجار
الناشر: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي
الطبعة: الأولى، 1380 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الفاخر
لأَِبي طالب المفضّل بن سلمة بن عاصم
بسم الله الرحمن الرحيم
حدثني أحمد بن عُبيد الله بن أحمد، قال: أملى علينا أبو بكر بن يحيى الصولي رحمه الله هذا الكتاب، وكان سبب إملائه إياه علينا أن رجلاً ممن كان يحضر مجلس أبي بكر محمد بن القاسم الأنْباري رحمه الله، فرأى يوماً في يده كتاباً فأخذه يقرؤه، فوجده مَجْلِساً من كتاب الزاهر، فقال: هذا منقول من كتاب الفاخر للمفضَّل بن سَلَمة، كما نقل أبو محمد أبو محمد بن قتيبة كتابه في المعارف من كتاب المُحبِّر لابن حبيب. فلما كان المجلس الآخر أخرج كتابه الفاخر فأملى علينا: حدثنا أبو طالب المفضَّل بن سَلَمة بن عاصم قال: هذا كتاب معاني ما يجري على ألْسُن العامة في أمثالهم ومحاوراتهم من كلام العرب وهم لا يَدروُن معنى ما يتكلمون به من ذلك، فبيَّنَّاه من وجوهه على اختلاف العلماء في تفسيره، ليكون مَنْ نظر في هذا الكتاب عالماً بما يجري من لفظه ويدور في كلامه. وبالله التوفيق.
فأول ذلك:
(1/1)

1_قولهم حيَّاك اللهُ وبيَّاك
فأما حَيّاك الله فإنه مشتق من التحيّة، والتحيّة تنصرف على ثلاثة معانٍ: فالتحية السلام، ومنه قول الكميت:

ألا حُيِّيتِ عَنَّا ياَ مَديِنا ... وَهَلْ بَأْسٌ بِقَولِ مُسلِّمينا
فيكون معنى حيَّاك الله سلَّم الله عليك.
والتحية أيضاً: المُلْكُ، ومنه قول عمرو بن مَعْدي كَرِب:

أَسيِرُ بِهِ إِلى النُّعمانِ حَتَّى ... أُنيِخُ عَلى تَحِيَّتِه بِجُندِي
فيكون المعنى مَلّكَك الله.
والتحيّة: البقاءُ. ومنه قول زهير بن جَنابٍ الكلبيّ:

وَلَكُلُّ مَا نالَ الفَتَى ... قّدْ نِلْتهُ إِلاَّ التَّحِيّهْ
أي إلا البقاء. فيكون المعنى أبقاكَ الله.
وقولهم في التشهُّد: التَّحِيَّات لله يشتمل على الثلاثة المعاني. فأما بيَّاك فإنه فيما زعم الأصمعيّ أضحكَ. ويروى أن آدم عليه السلام لما قَتَلَ أحد ابنيه أخاه مكث سنة لا يضحك، ثم قيل له: حيَّاك الله وبيَّاك، أي أضحكك، وقال الأحمر: أراد بَوَّأَك منزلاً، فقال بيَّاك لإزواج الكلام ليكون تابعاً لحيَّاك، كما قالوا:
(1/2)

جاء بالعشايا والغدايا، يريدون الغَدَوات، وقالوا الغدايا للأزواج. وقال ابن الأعرابي: بيَّاك: قَصَدَك بالتحيّة وأنشد:

لَمَّا تَبَيَّيْنَا أَخَا تَمِيمِ ... أَعْطَى عَطَاءَ اللَّحِزِ الَّلئيمِ
وأنشد أيضاً:

باَتَتْ تَبَيَّا حَوْضَهَا عُكُوفَا ... مِثْلَ الصُّفُوفِ لاَقَتِ الصُّفُوفَا
وقال أبو مالك: بيَّاك: قَرَّبَك، وأنشد:

بَيَّا لهم إِذْ نَزَلُوا الطَّعَامَا ... الْكبِدَ وَالْمَلحَاءَ وَالسَّنَاما
أي قَرَّبَ لهم.

2_قولهم مَرْحَباً وأَهْلاً
قال الفرَّاء: معناه رحَّب الله بك على الدعاء له، فأخرجه مخرج المصدر فنصبه. ومعنى رحَّب: وَسَّعَ. وقال الأصمعي: أتيتُ رُحباً أي سعة وأهْلاً كأهلك فاستأنِس. ويقال: الرُّحْبُ والرحْبُ، ومن ذلك الرَّحبَة سُميَّت لِسَعتها. وقال طفيل:

وبالسَّهْب مَيْمُون الخَلِيقَة قَوْلُه ... لِمُلْتَمِسِ المَعْرُوف أَهْلٌ وَمَرْحَبُ
وذكر ابن الكلبي وغيره أن أول من قال مرحباً وأهلاً سيف بن ذي يَزَنَ الحِمْيَريّ لعبد المطلب بن هاشم لما وفَد إليه مع قريش ليهنئوه برجوع المُلك إليه،
(1/3)

وذلك أن عبد المطلب استأذنه في الكلام. فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذِنَّا لك. فقال عبد المطلب بعد أن دعا له وقَرَّظَه وهنَّأه: نحن أهل حَرَمِ الله وسَدَنَة بيته، أشخَصنا إليك الذي أبهَجَنا لك، فنحن وفد التهنئة لا وفد المَرْزِئَة. فقال: وأيُّهم أنت؟ قال: أنا عبد المطلب. فقال سيف: مرحباً وأهلاً ورَحْلاً، ومُناخاً سَهْلاً، ومَلكاً رِبَحْلاً، يُعِطى عطاءً جَزْلاً.

3_قولهم لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ
قال الفرَّاء: معنى لبيَّك إجابةً لك. قال: ومنه التلبية بالحجّ إنما هو إجابة لأمرك بالحج، وثنّى يريد إجابةً بعد إجابة. ونصبَهُ على المصدر. وقال الأحمر: معناه إلْبابٌ بك أي إقامة ولُزوم لك، وهو مأخوذ من قولك: لّبَّ بالمكان وأَلَبَّ إذا أقام به. قال الراجز:

لَبَّ بأرْضٍ مَا تَخَطَّاها الغَنَم
ومنه قول طُفَيلٍ الغَنَوِي:

رَدَدْنَ حُصَيْنَاً مِنْ عَدِيٍّ وَرَهْطِهِ ... وَتَيْمٌ تُلَبىِّ في العُروُجِ وتَحْلُب
أي تلازمها وتقيم بها. قال: وكان أصله لبيَّيْك فاستثقلوا ثلاث باءات فقلبوا إحداهنّ ياء، كما قالوا: تَظَنَّيْتُ، يريدون تَظَنَّنْتُ، فلما كثرت النونات قلبوا
(1/4)

إحداهنّ باء. وكذلك دينار أصله دِنَّار فاستثقلوا نونين فقلبوا الأولى ياء، فإذا جمعوا قالوا: دنانير فرجعت النون لما فرَّقوا بينهما، ومنه قول العَجَّاج:

تَقَضَّى البازِي إذا البازِي كَسَر
أراد تَقَضُّضَ البازِي قاستثقل الضادات فقلب إحداهنّ ياء. وقال الراجز:

إِنِّي وَإِنْ كَانَ صَغيِراً سِنِّي ... وَكَاَنَ فِي العَيْن نُبُوٌّ عَنِّي
فَإِنَّ شَيْطَانِي أَمِيرُ الجِنِّ ... يَذْهَبُ بي فِي الشِّعْرِ كُلَّ فَنّ
حَتَّى يُزيلَ عَنِّيَ التَّظَنِّي
يريد التَّظَنُّن.
وقد حكى أبو عبيد عن الخليل أنه قال: أصلها من أَلْبَبْتُ بالمكان، فإذا دعا الرجل صاحبه قال: لَبَّيْك فكأنه قال: أنا مقيم عندك، ثم وكَّد ذلك بلبَّيْك أي إقامة بعد إقامة. وحكى عن الخليلي أيضاً أنه قال: هو مأخوذ من قولهم أُمٌّ لَبَّةٌ أي مُحِبّة عاطِفة. فإن كان كذلك فمعناه: إقبال إليك ومحبة لك. قال: وأنشد الطُّوسِيّ:

وَكُنْتُمْ كَأُمٍّ لَبَّةٍ ظَعَنَ ابْنُهَا ... إِلَيْهَا فَمَا دَرَّتْ إِلَيْهِ بساعِدِ
ويُقال: إنه مأخوذ من قولهم: داري تَلَبُّ دارَك. فيكون معناه اتِّجاهي إليك وإقبالي على أمرك.
وسَعْدَيك: معناه أُسْعِدُك إسعاداً بعد إسعاد. قال الفرَّاء: ولم نسمع لشيء من هذا بواحد، وهو في الكلام بمعنى قولهم: حَنانَيْك أي حناناً بعد حنانٍ. والحنان: الرحمة وقال طَرَفَة:

أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانَيْك بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
(1/5)

وقولهم: فلانٌ يتحنّن على فلان أي يرحمه، وهو في تفسير قول الله جلّ وعلا: " وَحَنَاناً من لَدُنَّا " أي رحمة.

4_قولهم أَقَرَّ اللهُ عَيْنَه
قال الأصمعي: المعنى أبرَدَ الله دمعته، لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وأقرَّ مشتق من القَرُر، وهو الماء البارد. وقال غيره: معنى أقَرَّ الله عينك أي صادفتَ ما يُرضيك فتقرّ عينك من النظر إلى غيره. ويقال للثائر إذا صادف ثأرَه: وقعتَ بِقرَّك، أي صادف فؤادك ما كان متطلِّعاً إليه فقرَّ. وقال الشَّمَّاخ يصف ظَبْيَةً:

كأنَّها وابْنَ أَيَّامٍ تُرَبِّبُه ... مِنْ قُرَّةِ الْعَيْنِ مُجْتَابَا دَيَابُودِ
أي كأنهما من رضاهما بمرتعهما وترك الاستبدال به مجتابا ثوبٍ فاخرٍ، فهما مسروران به. ودَيابود: ثوبٌ نُسِجَ على نِيرَيْن، وهو فارسيّ معرَّب. وقال أبو عمرو: أقرَّ الله عينَه. والمعنى صادف سروراً أذهب سَهَرَه فنام. قال عمرو ابن كُلثوم:

بِيَوْمٍ كَرِيهةٍ ضَرْباً وَطَعْناً ... أَقَرَّ بِهِ مَوَاليِكَ الْعُيُونَا
أي نامت عيونهم لما ظفِروا بما أرادوا فيه.
(1/6)

5_قولهم أَسْخَنَ الله عَيْنَه
أي بكت بدموعٍ حارة من الحزن، وهو مشتق من السَّخُون وهو الماء الحار. ويقال: من سُخْنَة العين، وهو كل ما أبكاها وأوجعها. وقال ابن الدُّمَيْنَة:

يَا سُخْنَةَ الْعَيْنِ لِلْجَرْمِىّ إِنْ جَمَعَتْ ... بَيْنِي وَبَيْنَ هَوَى وَحْشِيَّةَ الدَّارِ

6_قولهم ما بِهِ قَلَبَة
قال الأصمعي: أي ما به داء، وهو من القُلابِ، وهو داءٌ يأخذ الإبل في رؤوسها فيقلبها إلى فوق. وقال الفرّاء: ما به عِلَّة يُخشى عليه منها، وهو من قولهم: قُلَبَ الرجل إذا أصابه وجعٌ في قلبه، وليس يكاد يُفلت منه. وقال ابن الأعرابي: أصل ذلك في الدوابّ، أي ما به داءٌ لا يقلب منه حافرَه، وأنشد:

ولَمْ يُقَلِّبْ أرْضَهَا البَيْطارُ ... وَلاَ لِحَبْلَيْهِ بها حَبارُ
وقال الطائيّ: ما به شيءٌ لا يُقلقه فيتقلّب من أجله على فراشه.

7_قولهم أَرْغَمَ الله أَنْفَه
قال الأصمعي: الرَّغْم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه ويُذِلّه. وقال أبو عمرو وابن الأعرابي: أرغْمَ الله أنفَه، أي عفَّره بالرَّغام، وهو تراب يختلط فيه رملٌ دقيق
(1/7)

فمعنى أَرْغَم الله أنفَه أي أهانه، ومنه حديث عائشة في المرأة تتوضأ وعليها خضابها فقالت: اسْلُتيِه وأَرْغِميه، أي أهينيه وارمي به عنك في الرَّغام. وقال لَبِيد:

كأنَّ هِجَانَها مُتَأَبِّضات ... وفي الأقْران أَصْوِرَة الرَّغام
وأما قولهم: فعله على رَغْمِه، فمعناه على غضبه ومساءَته. يقال: أرغمتُه إذا أغضبته. قال المرقّش:

مَا ذَنْبُنَا فِي أَنْ غَزَا مَلِكٌ ... مَنْ آل جَفْنَة حَازِمٌ مُرغَمْ
أي مُغضب والرِّغم: المذلَّة والهوان. قال أبو خِراشٍ الهُذَليّ:

مَخَافَةَ أَنْ أَحْيا بِرَغْمٍ وَذِلَّةٍ ... وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ حَياَةٍ على رَغْم

8_قولهم لَعَنَهُ الله
قال الأصمعي: معناه باعَدهُ الله. واللّعن: البُعْدُ. وأنشد للشماخ:

ذَعَرْت به القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْه ... مَقَامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللِّعِينِ
أي المباعد، وقال غير الأصمعي: اللَّعنُ: الطَّرد. ومعنى كالرجل اللَّعين كالرجل المطرود. والمعنيان متقاربان.
(1/8)

9_قولهم أَخْزاهُ الله
أي كسره وأهانه وأذلّه، وأصل الخزي أن يفعل الرجل فعلة يستحي منها وينكسر لها. وقال ذو الرُّمَّة:

خَزَايَةً أَدْرَكَتْه عِنْدَ جَوْلَتِه ... مِنْ جَانِبِ الحَبْل مَخلُوطاً بها الغَضَبُ
ويقال من الاستحياء خَزِيَ يَخْزى خَزايةً. والخِزي: الهلاك والذُلُّ. يقال منه خَزِيَ يَخْزَى خِزْياً.

_10 قولهم ما يُساوِي طُليَةً
الطُّلْيَة: قُطَيعَةُ حبلٍ تُشدُّ في رجل الحَمَل أو الجَدي. وقال بعضهم: هي حبل في طُليَته أي في عنقه. وقال الكسائيّ: يقال للعنق طُلية وجمعها طُلىً.
وقال أبو عمرو والفرّاء: واحدتها طُلاة. وأنشد:

مَتى تُسْقَ من أَنْيَابِهَا بَعْدَ هَجْعَةٍ ... من اللِّيْلِ شِرْباً حِينَ مالَتْ طُلاَتُها
وقال ابن الأعرابي: فيما أظن يُراد بذلك ما يساوي طَليَةً من هِناءٍ يُطْلى به البعير، بفتح الطاء.
(1/9)

11_قولهم لا تَلُوسُه
أي لا تناله، وهو من قولهم: ما ذقت لَواساً. أي ما ذقت ذَواقاً.

12_قولهم ما يُؤاسيِه
أي ما يعوّضه من قرابته أو مودّته بشيءٍ. قال: والأوْس العِوَض. وأنشد الأصمعي:

فَلأَحْشَأَنَّك مِشْقَصَاً ... أَوْساً أُوَيْسُ من الهَبَالَه
أُوَيْس: اسم الذئب، وهو تصغير أوس، والهَبالة: اسم ناقته. يقول: أرميك بسهمٍ يكون عوضاً لك من ناقتي، وكان يجب أن يقال: يُؤاوِسهُ، ولكن قُلبت الواو فجُعلت لامَ كما قال القطاميّ:

ما اعْتادَ حُبّ سُلَيْمَى حِينَ مُعْتَادِ ... ولا تَقَضَّى بَوَاقِي دَيْنَها الطَّادِي
أراد الواطد أي الثابت، فقلب الواو فجعلها لام الفعل. ومثله كثير من المقلوب. وقال الفضل: يؤاسيِه بالهمز، أي يشاركه وهي المؤاساة. يقال: آساه بنفسه، أي شاركه فيما هو فيه وحكى الأثرم: آسيتُ فلانا وواسَيْت بمعنى وأنشد لليلى:

فإن يَكُ عبدُ الله آسَى ابن أُمِّهِ ... وآبَ بأَسْلابِ الكَمِيِّ المُغاوِرِ
وقال مؤرّج: يُؤاسِيه. من قولهم أسهِ بخير، أي أَصِبْه به. وأنشد لعبد العزيز ابن زُراة الكِلابي:
(1/10)

فإنِّي أَسْتَيسُ اللهَ مِنْكُم ... من الفِرْدَوسِ مُرْتَفَقاً ظَلِيلاَ
وهكذا بكون من العِوَض، وكذلك قول النابغة الجَْعدِي:

ثَلاثَةُ أهْلِينَ أَفْنَيْتُهُم ... وكان الإلَهُ هو المُستآسَا
أي المُستَوهب، ويكون المسؤول العِوَض.

13_قولهم بينهم مُمالَحَة
أي رَضاع. والمِلح الَّلبن. ومنه قولهم: يحفظ المِلح. معناه الرضاع. وقال أبو الطَمَحان القَيني يهجو قوماً أغاروا على إبله:

وإنّي لأرجُو مِلْحَها في بُطونِكم ... وما بَسَطَت من جِلْدِ أشْعَث أَغْبرِ
يريد بالملح اللبن والملح أيضاً البركة. يقال اللهم لا تبارك فيه ولا تُمِلحه، وقال شُتَيم بن خُوَيْلِد الفَرازي:

لا يُبْعدِ اللهُ رَبُّ العبا ... دِ والملِْح ما وَلَدَتْ خالِدَهْ
(1/11)

14_قولهم مِلحَهُ على رُكْبَتِه
يقال للرجل أدنى شيءٍ يبدده، يريد أنه سيءُ الخُلُق أدنى شيْ يغضبه. وقال مِسْكين الدَّارِميّ:

لا تَلُمْهَا إِنَّها مِنْ أُمَّةٍ ... مِلْحُهَا مَوْضُوعَةٌ فَوْقَ الرُّكَبْ
كَشَمُوسِ الخَيْلِ يَبدو شَغْبُها ... كُلَّما قيِلَ لها هالِ وهَبْ
الملح يذكَّر ويونَّث، والتأنيث أكثر.

15_قولهم أَمْرٌ لا يُنادى وَليدُه
قال الأصمعيّ: أصله في الشدَّة تُصيب القوم حتى تُذهِلَ الأم عن ولدها فلا تناديه لما هي فيه، ثم صار لكل شدة ولكل أمر عظيم. وقال أبو عبيدة: أي هو أمر عظيم لا يُنادى فيه الصغار إنما ينادى فيه الجِلّة الكبار. وقال الكِلابي: أصله في الكثرة والسعة، فإذا أهوى الوليد إلى شيء لم يُزجر عنه حذَر الإفساد لِسَعَة، ثم صار مثلاً لكل كثرة. وقال ابن الأعرابي: أمرٌ لا يُنادى وَليدُه أي ما فيه مُستزاد. أي قد استُغني بالكبار عن الصغار. وأنشد الأصمعيّ:
(1/12)

فأَقْصَرْتُ عَنْ ذِكْرِ الْغَواني بِتَوْبَةٍ ... إِلى اللهِ مِنِّي لا يُنادى وَليدُها
قال الفرّاء: وهذا يُستعار في كل موضع يُراد به الغاية. وأنشد:

لقد شَرَعَتْ كَفَّا يَزيدَ بْنِ مَزْيَدِ ... شَرائِعَ جُودٍ لا يُنادى وَليدُها

16_قولهم بالرِّفاءِ والبَنين
يُقال عند التزويج. والرِّفاء: الاتفاق والالتئام. وهو مأخوذ من رفأتُ الثوب أرفؤُه إذا لأَمْتَ بينه وضممت بعضه إلى بعض. وقال ابن هرمة:

بُدّلت مِن جِدَّةِ الشِّبيبَة وال ... أَبْدالُ ثَوْبُ المَشيبِ أردَؤُها
مُلاءَةً غَيْرَ جِدِّ واسِعَةٍ ... أخيطُها تارَةً وأرفَؤُها
وقال الأصمعي: يكون الرِّفاء من الهدوء والسكون، من قولهم رَفَوتُ الرجل إذا سَكَّنته. وأنشد لأبي خِراش:

رَفَوْني وقالوا با خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنْكَرتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يريد سكَّنوني. وقال أبو زيد: الرِّفاء الموافقة وهي المُرافاة بلا همز. وأنشد

ولمَّا أنْ رَأَيْتُ أبا رُوَيْمٍ ... يُرافيني ويَكْرَه أن يُلاما
يُرافيني بلا همز. وقال اليمامي: الرِّفاءُ: المالُ.
(1/13)

17_قولهم النقْد عند الحافِرَة
أي عند أول كلمة، ويقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أول كلمة. ويقال: رجع على حافرته أي في طريقه الأولى. وقال الله تعالى: يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُوُنَ في الَحافِرَةِ، أي في الخلقة الأولى، أي نحيا بعد موتنا. وقال الشاعر:

أحافِرَةً على صَلَعٍ وَشَيْبٍ ... مَعَاذَ اللهِ مِنْ سَفَهٍ وعارِ
أي أأرجع إلى الصِّبا، وأول أمري بعد أن كبرت؟! وقال الفرّاء: معنى النقْد عند الحافِرة - إذا قال قد بعتك عليه بالثَمَن. وقال الفرّاء: وبعضهم يقول النقْدُ عند الحافِر. قال: وسألت بعض العرب فقال: يُريد عند حافر الفرس. وهذا المثل جرى في الخيل ثم استُعمل في غيرها. وقال بعضهم: معناه النقد عند التقليب والرضا، وهو مأخوذ من حفر الأرض، لأن الحافر يخْبُر الأرض ويعرف أطيِّبة هي أم لا. وقال بعضهم: الحافرة الأرض ولا أعرف للأرض في هذا الموضع وجهاً.

18_قولهم تَرَكَه جَوْفَ حِمارٍ
قال الأصمعيّ: المعنى تركه ليس فيه شيءٌ يُنتفع به، لأن الحمار لا يُؤكل من بطنه شيء. وقال ابن الكلبي: حمار: رجل من العمالقة كان له بنون، ووادٍ خصب، وكان حَسَنَ الطريقة. فسافر بنوه في بعض أسفارهم فأصابتهم صاعقة فأحرقتهم، فكفر بالله جل وعز وقال: لا أعبد رباً أحرق بنيَّ، وأخذ في عبادة الأوثان فسلّط الله
(1/14)

على واديه ناراً فذهبت به. والوادي بلُغة أهل اليمن يقال له الجوف، فأحرقه فما بقي فيه شيء. فهو يضرب به المثل في كل ما لا بقية فيه. قال: وفي قول شّرْقيّ بن القَطامى: حمار بن مالك بن نصر من الأزْد قال: والقول الأول أشبه بالحق. وقال امرؤ القَيْس:

وخَرْقٍ كَجَوْفِ العَيْر قَفْرٍ قَطَعْتُه ... بأتْلَعَ سامٍ ساهِمِ الوَجْهِ حُسَّانِ
يريد بالعير حماراً هذا. وهو الذي يُضرب به المثل فيقال أكفر من حمار.

19_قولهم جَمَعَ الله شَمْلَكَ
قال الأصمعيّ: الشمل: الاجتماع، فيراد بذلك لا فرَّق الله شملك. ومنه قولهم قد شملهم الأمر أي عمَّهم حتى اجتمعوا فيه وأنشد:

وَكَيْفَ أُرَجِّي الوَصْلَ يا لَيْل بَعْدَ ما ... تَقَطَّعَتِ الأهْواءُ وافْتَرَقَ الشَمْلُ

20_قولهم هُوَ أحمَقُ من رِجْلَة
قال الأصمعيّ: الرِّجلة التي تسميها العامة البقلة الحمقاء، وإنما حمقها لأنها تنبت في مجاري السيل وأفواه الأودية، فإذا جاء السيل اقتلعها. وقال أيضاً خالد: سُميت بذلك لأنها تنبت في كل موضع.
(1/15)

21_قولهم تَبَلّّدَ الرِّجُل
قال الأصمعيّ: التبلُّد هو أن يضرب الرجل براحةٍ على راحةٍ من الغم عند المصيبة. وأنشد للأحوص:

ألا لا تَلُمْهُ اليَوْمَ أنْ يَتَبَلَّدا ... فَقَدْ غُلِبَ المَحْزوُن أن يَتَجَلَّدا
قال: والراحة يقال لها البَلْدة. وقال أبو عمرو: تبلّد إذ تحيّر فلم يدر أين يتوجه، ومنه قيل للصبي بليدٌ لتحيّره وقلة توجهه فيما يراد منه.

22_قولهم ضَرَبَه حَتِّى بَرَدَ
قال الأصمعيّ: ضربه حتى مات. والبرد: الموت. وقال أبو زُبيد:

بارِز ناجِذاهُ قَدْ بَرَدَ الموْ ... تُ على مصطلاه أي بُروُد

23_قولهم " لم يَبرُد بيَدي مِنْه شيء
المعنى فيه: لم يستقر ويثبت. وأنشد:

اليَوْمُ يَوْمٌ بارَدٌ سَمُومُهُ ... مَنْ عَجَزَ اليَوْمَ فَلا نَلومُهُ
قال وأصله في النوم والقرار، يقال: برد الرجل إذا نام، قال الله تبارك وتعالى: لا يَذوقونَ فيها بَرْداً وَلا شَرابا. وقال الشاعر:
(1/16)

فإنْ شِئْتَ حَرَّمْتُ النساء سِواكُم ... وإن شئتُ لم أَطْعَم نُقاخاً ولا بَرْداً
فالنُقاخُ: الماء العذب. والبرْد: النوم.

24_قولهم وَجَب البَيْعُ
قال الأصمعيّ: معناه وقع. وكذلك وجبت الشمس إذا سقطت في المغيب تجب الشمس والبيع وُجوباً، ومنه سمعت وجبَة الحائط أي سَقْطَتَه. فأما وجب قلبه فمعناه خفق وضرب يَجِبُ وجيباً. وأنشد:

وللفُؤادِ وَجيبٌ تحتَ أَبْهَرِهِ ... لَدْمَ الغُلام وراءَ الغَيْبِ بالحجَر

25_قولهم لا تُبَلِّمْ عَلَيه
قال الأصمعيّ: معناه لا تُقَبِّح فِعله وتفسده. قال: وهو مأخوذ من قولك أيلَمَتِ الناقة إذا وَرِمَ حياؤها. وقال: بعضهم: لا تُبَلِّمْ عليه أي لا تجمع عليه المكروه. وهو مأخوذ من الأبْلَمَةِ: وهي خُوصَة البَْقل. يقول: لا تجمع عليه أنواع المكروه كجمع الأبلمة أنواع البقل. يقال وإِبْلِمَة وأُبْلُمَة. وبعضهم يقول: هي خوصة المُقْل.
(1/17)

26_قولهم لا تُجلِّح عَلَيْنا
معناه لا تُكاشف. وهو مأخوذ من الجَلَح وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس وانكشافه. وقال بعضهم: معناه لا تشدد وتبقى على الشدة والمخالفة من قولهم: ناقةُ مجالِح، وهي التي تصبر على البرد وتقضم عيدان الشجر اليابس فيبقى لبنها. حكي ذلك عن ابن الأعرابي.

27_قولهم لا تُبَسِّق
قال الأصمعيّ: معناه لا تُطول من البُسوق وهو الطول، قال بَسَق الرجل والنخلة إذا طالا. قال الله جل وعز: والنَّخْلَ باسِقاتٌ لَها طَلْعٌ نَضيدٌ. أي طِوالا. قال الشاعر:

فإنّ لنا حَظائِر باسِقاتٍ ... عطاءَ اللهِ ربّ العالمينا

28_قولهم وَقَعَ في وَرْطَةٍ
قال أبو عمرو وغيره: هي الهلكة. وأنشد:

إنْ تأْتِ يوماً هَذِى الخُطَّةْ ... تُلاقِ من ضَرْبِ نُمَيْرٍ وَرْطَةْ
وقال بعضهم: الورطة: الوحل والرَدَغَة يقع فيها الغنم ولا تقدر على التخلص
(1/18)

يقال: تورطت الغنم إذا وقعت في الورطة، ثم ضُرب مثلاً لكل شدة وقع فيها الإنسان. وقال الأصمعي: الورطة أُهْوِيَّةٌ منصوبةٌ تكون في الجبل يشق على من وقع فيها الخروج منها. يقال: تورطت الماشية إذا كانت ترعى في الجبل فوقعت في الورطة ولم يمكنها الخروج، وأنشد لطُفيل يصف إبِلاً:

تَهابُ الطَّريقَ السَّهْلَ تَحْسَبُ أَنَّهُ ... وُعُوُدٌ وِراطٌ وَهوَ بَيْداءُ بَلقَعُ

29_قولهم ما يَدرْي ما طَحاها
قال الأصمعيّ: طحاها مدَّها، يعنون الأرض، قال الله جل وعز: والأرضِ وَما طَحاها. ويقال طحا قلبه في كذا وكذا إذا تطاول وتمادى. ومنه قول عَلْقَمَة:
طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسان طَروبُ ... بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حَانَ مَشيبُ
أي تطاول وتمادى في ذلك.

30_قولهم ما يُعْرَفُ قَبيلاً من دَبير
قال أبو عمرو: معناه ما يعرف الإقبال من الإدبار. قال: والقبيل: ما أقبل من الفتلِ على الصدر، والدبير: ما أدبر عنه. وقال الأصمعيّ: هو مأخوذ من الناقة المقابَلَة التي شُقَّ أذنها إلى قُدَّام، والمُدابرة التي شُقَّ أذنها إلى خلف.
(1/19)

31_قولهم إِن لم يكن شَحْمٌ فَنَفَش
قال ابن الأعرابي معناه: إن لم يكن فعلٌ فرياء، وقال: والنَّفَش الصوف.

33_قولهم كأنَّه فُقَّة
قال الأصمعي: الفُقَّة: ما يبس من الشجر. فالمعنى أنه قد بلي ونخر كالبالي من أصول الشجر.

33_قولهم وِيْلَهُ وعَوْلَهُ
فويله كان أصلها ويّ وُصلت بِلهُ - ومعنى وىْ حُزن. ومنه قولهم: وايْه معناه حُزن أخرج مخرج الندبة، وأما عوله فإن أبا عمرو قال: العَوْل والعويل: البكاء. وأنشد:

أَبْلِغْ أَميرَ المُؤْمِنين رِسالة ... شَكْوى إليكَ مُظِلَّةً وعَويلا
وقال الأصمعي: العَوْل والعويل: الاستغاثة. ومنه قولهم: مُعَوَّلي على فلان: اتكالي عليه واستغاثتي به. ومنه قول الأخطل:

لقد أوقَعَ الجَحَّافُ بالبِشْرِ وَقْعَةً ... إلى الله منها المُشتكى والمُعَوَّلُ
(1/20)

أي المستغاثُ. ونصب عَوْله على الدعاء والذم كما يقال ويلاً له، وكما يقال: تُرباً له.

34_قولهم عيلَ صَبْرُه
معناه غُلب، يقال: عاله الأمر أي غَلَبه. وقد يكون عيل صبرُه: رُفِع وغُيِّرَ عما كان عليه، من قولهم: عالت الفريضة، أي ارتفعت وزادت.

35_قولهم ما له ثاغِيَةٌ ولا راغِيَة
فالثاغية: النعجة. والثُغاء صوتها. والراغية: الناقة. والرغاء: صوتها.

36_قولهم ما لهُ دَقيقَةٌ ولا جَليلَة
الدقيقة: الشاة. والجليلة: الناقة.

37_قولهم ماله سبدٌ ولا لَبَدٌ
فالسبَد: شعرُ المَعز. واللبَد: وبر الإبل. وقال أبو صالح: كل ما لانَ من الصوف والوبر فهو لبدٌ. والسبَد: الشَعر.
(1/21)

38_قولهم ما لَهُ دارٌ ولا عَقارٌ
فالعقار: النخل. ويقال: هو متاع البيت، تقول العرب: بيتٌ كثير العقار أي المتاع.

39_قولهم أنتَ في حَرَج
قال الأصمعي: معناه أنت في ضيق من ذنبك. قال الله جل وعز: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً. وحَرِجاً.

40_قولهم رآه الصادِر والوارِد
فالصادر: المُنصرف عن الماء. والوارد الذي يأتيه. والمعنى: رآه الذاهبُ والجائي. وقال دُكَيْن:

مَلْكاً تَرى الناسَ إِلَيْهِ نَيْسَبا ... من صادِرٍ ووارِدٍ أَيْدى سَبا

41_قولهم بالسَّماءِ والطَّارِق
قال الأصمعي: يُراد بالسماء المطر. وأنشد:

مَدُّ قَرِيٍّ مَدُّهُ قَرِيُّ ... غَبَّ سماءٍ فهو ضَحْضاحيّ
(1/22)

وقال النابغة:

كالأُقْحوان غَداةَ غِبِّ سَمائِه ... جَفَّت أعاليه وأسفلُه نَدي
وقال أبو عمرو: يُراد به هذه السماء. وأما الطارق فهو النجم، وإنما سُمي بذلك لأنه يأتي بالليل. والطروق لا يكون إلا بالليل. وأنشد لجرير بن الخَطَفى.

طَرَقَ الخيال لأمِّ حَزْرَةَ مَوْهناً ... وَلَحبَّ بالطَّيْفِ المُلِمِّ خَيالا
وقالت هند:

نحنُ بَناتُ طارِق ... نَمْشي عَلى النَمارِق
تعني نحن بنات النجم شرفاً وارتفاعاً.

42_قولهم ما بالدَّارِ صافِر
قال أبو عبيدة والأصمعي: معناه ما في الدار أحدٌ يُصفر به، مما جاء على لفظ فاعل ومعناه مفعول به، كما قالوا: ماء دافقٌ وسرٌ كاتم، وأمرٌ عارفٌ. وقال الشاعر:

خَلَتِ الديارُ فما بِها ... ممَّن عَهِدْت بهنَّ صافِر
وقال غيرهما: صافرٌ: أحدٌ. كما يقال ما بها دَيَّار.
(1/23)

43_قولهم جاء بالضِّحِّ والرِّيح
معناه: جاء بكل شيء، وقال ابن الأعرابي: الضِّح: ما ضحا للشمس، والريح: ما نالته الريح. وقال الأصمعي الضِّحّ: الشمس بعينها، وفسر كتفسير ابن الأعرابي وأنشد في صفة الإبريق:

أَبْيَضُ أَبْرَزَه لِلضِّحِ راقِبُه ... مُقَلَّدٌ قُضُبَ الريَّحان مَفْعوم
مفعوم: مملوء. ولا يكاد يقال إلا أفعمتهُ. وقال أبو عبيدة: يقال ذلك في موضع التكثير، الضَّحّ: البَرازُ الظاهِر.

44_قولهم جاءَ بالطِّمِّ والرِّمّ
أي أتى بالكثير والقليل. والطِمُّ: الماء الكثير وغيره. والرِمُّ: ما كان بالياً مثل العظم وما أشبهه مما يُتَقَمَّمُ، قال الشاعر:

والنِّيبُ إن تَعْرُ مِنِّي رِمَّةً خَلَقاً ... بَعْدَ المماتِ كنتُ أَتَّئِرُ
وقال أبو حُصَيْن:

وَهُو جَبَرَ العظام وكُنَّ رِمّاً ... ومِثْلُ فَعالِهِ جَبَرَ الرَّميما
(1/24)

45_قولهم جاءَ بالقَضِّ والقَضيضِ
أي أتى بالكبير والصغير. والقض: الحصى، وقضيضه: صغاره وما تكسر منه. وقال أبو ذؤيب:

أَمْ ما لِجِسْمِك لا يُلائم مَضْجَعاً ... إلاَّ أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَع
أقضَّ أي كأن عليه قضيضاً.
وقال الحُصَيْن بن الحُمام المرَّي:

وجاءَت جِحاشٌ قَضُّها بِقَضيضِها ... وجَمْعٌ عُوالٍ ما أَدَقَّ وأَلاْما

46_قولهم جاءُوا على بَكْرَة أَبيهِم
قال الأصمعي: يعني جاءوا على طريقة واحدة. وقال أبو عمرو: معناه جاءوا بأجمعهم. وقال أبو عبيدة: معناه جاءوا في إثر بعض. وليس هناك بَكْرَة.

47_قولهم قَبْلَ عَيْرٍ وما جَرى
فالعَيْر: المثال الذي في الحدقة يسمى اللعبة، والذي جرى الطرْفُ، وجريُه: حركته. والمعنى قبل أن يطرف الإنسان. وقال الشَّمَّاخ:
(1/25)

وتَعْدو القِبِصَّى قَبْلَ عَيْرٍ وما جَرَى ... ولم تَدْرِ ما بالي ولم أَدْرِ ما لها
القِبِصَّى والقِمِصَّى: ضربٌ من العدْوِ فيه نزْوٌ.

48_قولهم حَبْلُكِ على غارِبِك
قال الأصمعي: معناه أمرك إليك اعملي ما شئت. والغارب: أعلى السنام، فإذا أُهمل البعير جُعل حبله على سنامه وتُرك يذهب حيث شاء. فيقول: أنت مُخلّى كهذا البعير لا يُمنع من شيء. وكان أهل الجاهلية يُطلِّقون بهذه الكلمة. قال النمِر بن تَوْلَب:

فلمِّا عَصَيْتُ العاذِلِينَ ولم أُطِعْ ... مقالتَهُم أَلْقَوْا على غارِبي حَبْلي

49_قولهم جاءَ يَجُرُّ رِجْلَيْه
قال الأصمعي: أي جاء مثقلاً لا يقدر أن يحمل رجليه. وجاء يجر عِطفيه. قال ابن الأعرابي: معناه جاء متبختراً يجر ناحيتي ثوبه. وجاء يضرب بأصْدَرَيه: أي جاء فارغاً. وكلام العرب يضرب أزْدَرَيْهِ.

50_قولهم ما يُدْرى أَيُّ طَرفَيْهِ أطْوَلُ
قال سَلَمَةُ: ما يدري أي والديه أشرف. حكاه الفرّاء. وأنشد:

ومَنْ لي بأطْرافي إذا ما شَتَمْتَني ... وهل بعد شَتْم الوَالِدَيْنِ صُلوحُ
(1/26)

قال: رواه أبو زيد: وكيف بأطرافي. وقال: يريد أجداده من قِبل أبيه وأمه. قال أبو طالب: وقال الأصمعي لا يدرى من أي الطرفين شرفه، أمِن قِبل أمه أم من قِبل أبيه. وهو قريب من قول الفرّاء. وقال ابن الأعرابي في ذلك: طرفاه ذكره ولسانه. والمعروف قول الأصمعي.

51_قولهم ما يَفْقَه ولا يَنْقَه
قال الأصمعي: ما يعلم ولا يفهم. قال: والفِقه: الفطنة والعلم. والنِّقْه: الفهم يقال منه: نقِهت الحديث مثل فهمت. ويقال من المرض نَقَهْتُ بالفتح والفِقه العلم، ومنه الفُقهاء.

52_قولهم جاءَ بالعَويص
أي بالكلام الذي لا يُفهم. وأصله المُتعَقِّد من الشَّعر.

53_قولهم على ما خَيَّلَتْ
أي أرَتْ وأوهَمتْ. وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيَّلت السحابة وتخيَّلت إذا أرَتْ أنها ماطرة. والخال: السحاب الذي يخيِّلُك المطر. قال الفرزدق:

أَتَيْناكَ زُوَّاراً وَوَفْداً وشامَةً ... لِخالِك خالِ الصِّدْقِ مُجْدٍ وماطِرِ
(1/27)

54_قولهم افعَلْ ذاك آثِراً ما
أي أول كل شي. ومعناه أفْعَلْه مؤثراً له. وقال عُروة:

وقَالتْ ما تُريدُ فقلتُ أَلْهو ... إلى الإصباحِ آثِرَ ذي أثيرِ
وقال الأصمعي: افعل ذلك عازماً عليه.

55_قولهم فلان يتشطّر. وفلان شاطر
قال الأصمعي: الشاطر: الذي شطر عن الخير، أي بعُد عنه. ومنه نوىً شُطُرٌ أي بعيدة. وقال امرؤ القيس:

وِشاقَكَ بَيْنَ الخَليطِ الشُطُر ... وفيمَنْ أَقامَ من الحَيِّ هَرْ
وقال أبو عبيدة: الشاطر: الذي شطر إلى الشر أي عدل بوجهه نحوه. ومنه قول الله جلّ وعز: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ، أي ناحيته.

56_قولهم شُمُّرِيٌّ وهي الشُّمرِيَّة
قال أبو عمرو: معناه المُنكمش في الشر والباطل، المتجرد لذلك،
(1/28)

وهو مأخوذ من التشمير وهو الجد في الأمر وأنشد:

تَعَجَّبَتْ مِنِّي ومن فُتوري ... بَعْدَ عَظيمِ الجِدِّ والتَشْميرِ
ويقال. إنه من قولهم قد شمَّر وانشمر إذا مضى لوجهه، فسمي بذلك لأنه يركب رأسه ولا يرتدع. وزعم بعضهم أنه الشُمَّري وهو الحادُّ النِّحْرير فغيَّرته العامة.

57_قولهم جُحامٌ، وهو يَتَجاحَمُ علينا
أي يتضايق، وهو مأخوذ من حاجم الحرب، ضيقِها وشدّتها، وقال بعضهم: يتجاحم أي يحترق حرصاً وبخلاً، وهو مأخوذ من الجحيم.

58_قولهمأحْمَقُ من دُغَةَ
هي دُغةُ بنت مَغْنَج العجليّة، ويقال مغنج ومَعْنَج بالعين. وبلغ من حُمقها أنها كانت حاملاً فضربها الطلق فظنت أن بطنها قد غمزها فذهبت تطلب الغائط، فلما تهيأت لذلك ولدت، فلما وضعته صاح فقامت مذعورة فجاءت إلى أمها فقالت: يا أمَّه هل يفتح الجَعْرُ فاه. ففطنت أمها فقالت: نعم، ويدعو أباه. وسألتها عن الموضع فأخبرتها به. فانطلقت فوجدت ولدها.
(1/29)

59_قولهم أَحْمَقُ مَئِق
قال الأصمعي: المئِق: السيء الخُلُق. قال: ويقال في مثل أنا تئِقٌ وصاحبي مئِقٌ فكيف نتفق أي أنا ممتلئ غضباً، وصاحبي سيء الخُلق فلا اتفاق بيننا. وقال غيره: مئق: أحمق. فقيل ذلك للتكرير، كما يقال أحمق رقيع.

60_قولهم أقَلُّ من النَّقَد
قال الأصمعي: النَقَدُ: صغار الضأن ورُذالُها، وأنشد:

فُقَيْمُ يا شَرَّ تَميمٍ مَحْتِداً ... لو كُنْتُمُ ضَأْناً لَكُنْتُمُ نَقَدا
=أَوْ كُنْتُمُ ماءً زَبَداً

61_قولهم هو أَهْوَنُ من قعَيْسٍ على عَمَّتِه
قال المفَضَّل: قال أبو حُصين التميمي: قُعيسٌ غلام، كان سَبْياً في بني تميم هو وعمته. وإن عمته استعارت عنزاً من امرأة من بني تميم ورهنتها قُعيساً، ثم إنها نحرت العنز وهربت. فضُرب به المثل في الهوان، وقال الشرقي بن القطامى أو غيره: بل هو قُعيس بن مقاعس بن عمرو من بني تميم، وكان أبوه سيء الصنيع إلى أخته عمة قعيس، فمات وقعيس فطيم، فحملته إلى صاحب بُرٍّ فرهنته على صاعٍ من بُرٍّ وقالت:
(1/30)

يكون هذا الصبي عندك حتى أعود بثمنه. فأخذ الصبي ومضت ولم تعد إليه، فزعم بعضهم أنه لقيها فاقتضاها ثمن صاعه فقالت: غَلِقَ الرهن. وقال بعضهم: بل تركته عنده ولم تعد إليه فربّاه الرجل واتخذه عبداً، فضُرب به المثل. قال أبو طالب: ما أظن الخبر صحيحاً.

62_قولهم لا تُبَرْقِلْ عَلَيْنا وأَخَذْنا في البَرْقَلَة
ومعناه: الكلام بلا فعل. وهو مأخوذ من البرق بلا مطر. وإذا كانت الكلمتان يُتكلم بهما في موضع ثم احتيج إلى أن تُجعلا كلمة واحدة أضافوا إلى الكلمة الأولى حرفاً من الكلمة الثانية. ومن قولهم: أكثر من الحولقة. وهو قولك لا حول ولا قوة إلاّ بالله وقال الشاعر:

فَداكَ من الأفوامِ كُلُّ مُبَخَّلٍ ... يُحَوْلِقُ إمَّا سالَهُ العُرْفَ سائِلُ
وكذلك قولهم: أكثر من البسملة، يريدون باسم الله. وحكى الخليل: حَيَّعَلَ من قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح، وأنشد:

أَقولُ لها ودَمْعُ العَيْنِ جارٍ ... أَلَمْ يَحْزُنْكِ حَيْعَلَةُ المُنادي
وأنشد:

أَلا رُبَّ طَيْفٍ مِنكِ باتَ مُعانقي ... إلى أنْ دَعا داعي الصَّلاةِ فَحَيْعَلا
وأنشد:

وما إنْ زالَ طَيْفُكِ لي عَنيقاً ... إلى أنْ حَيْعَلَ الدَّاعي الفَلاحا
(1/31)

63_قولهم فُلانٌ مَغِثٌّ
أي شرير خبيث. والمغث: الشر. وقال حسان بن ثابت يصف الخمر:

نُولِّيها المْلامَةَ إنْ أَلَمْنا ... إِذا ما كان مَغثٌ أو لِحاءُ

64_قولهم هو ابنُ عَمِّه لَحَّاً
أي ملتصق به، وهو مأخوذ من قولهم: لححِت عينه أي التصقت، ونَصبه على التفسير.
وقال الأصمعي: معنى قولهم ابن عمه لحّاً أي خالصاً. وقال غيره: الفائدة من قولهم لحّاً أنه يقال ابن عمي على التقريب. ونَصْبُه عند حُذّاق النحويين على الحال كأنه قال ملاصقاً. والدليل على أنه منصوب على الحال، حكاية أهل اللغة هما ابنا عمٍ لحّ.

65_قولهم هَلُمَّ جَرّا
أي تعالوا على هينتكم كما يسهل عليكم من غير شِدة وصعوبة. وأصل ذلك
(1/32)

من الجرِّ في السوق، وهو أن تُترك الإبل والغنم ترعى في مسيرها. وقال الراجز:

لَطالَما جَرَرْتُكُنَّ جَرِّاً ... حتى نَوَى الأَعْجَفُ واستَمَرَّأ
فاليَوْمَ لا آلو الرِّكابَ شَرَّا

66_قولهم أَخَذَه أَخْذَ سَبْعَة
قال الأصمعي: أراد سَبُعَة، يعني اللبؤة فخفف. وقال ابن الأعرابي: أراد سَبْعة من العدد. وإنما قيل سَبْعة لأنه أكثر ما يستعملون من العدد في كلامهم، من ذلك سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام. وقال ابن الكلبي: أراد سبعة بن عوف بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيّء، وكان شديداً فضُرب به المثل.

67_قولهم أَجَنًّ اللهُ جِبالَه
قال الأصمعي أي أجنَّ الله جبِلَّته أي خلقه، وقال غيره: أجن الله جباله أي الجبال التي يسكنها، أي أكثر فيها الجِنّ.
(1/33)

68_قولهم حلف بالسَّمَرِ والقَمَرِ
قال الأصمعي: السمر: الظلمة. قال: وإنما سُميت سمراً لأنهم كانوا يجتمعون في الظلمة فيسمرون أي يتحدثون، ثم كثر ذلك حتى سُميت سمراً.

69_قولهم تَناوَشوا
يُراد تقاتلوا. ومعناه أن بعضهم تناول بعضاً وأخذه بالقتال. ومنه قول الله جل وعز: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ. وقال الشاعر:

فما ظَبْيَةٌ ترعَى بَريرَ أَراكَةٍ ... تَنوشُ وَتَعْطو باليَدَيْنِ غُصُونَها
وقال الراجز:

وهْي تَنوشُ الحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلا ... نَوشاً بِهِ تَقْطَعُ أجْوَازَ الفَلا

70_قولهم ما حَجَّ ولا دَجَّ
فالحاج: الذي يحجُّ لله جل وعز. والداج: الذي يخرج للتجارة. ومعنى الحج الزيارة والاتيان. وإنما سمي الحاج بزيارتهم بيت الله جل وعز، قال دُكَين:
(1/34)

ظَلَّ يُحَجُّ وظَلَلْنا نَحْجُبُه ... وَظلَّ يُرْمى بالحَصى مُبَوِّبُه
والمعروف من كلام أهل اللغة أن الحج من قولهم حججت الشيء إذا أتيته مرةً بعد مرة، وإنما العُمرة الزيارة. والذي يُعرف أنه يقال: دَجَّ إذا سار سيراً شديداً.

71_قولهم ما زِلْنا بالهِياطِ والمِياط
قال الفرّاء: الهياط: أشدّ السوْق في الوِرد. والمياط: أشد السوْق في الصدر ومعنى ذلك بالمجيء والذهاب. وقال اللِحْيانيّ: الهياط: الإقبال، والمياط: الإدبار وقال غيرهما: الهياطُ: اجتماع الناس للصلح، والمياط: التفرق عن ذلك.

72_قولهم بَرِحَ الخَفاءُ
قال الأصمعي: معناه ظهر المكتوم، وهو من البراح، كأنه صار في بَراحٍ من الأرض، وهو ما ظهر منها وارتفع، ومثله أجهد الأمر إذا ظهر، والمعنى سار الشيء في جَهادٍ من الأرض، وهو ما غلُظ منها وارتفع. وقال غيره: برح الخفاء أي زال الخفاء فصار الأمر ظاهراً، قال: وأجهد الأمر وجَهَدَ واحد، أي اشتد من الجهد. والجَهْدُ: الشدة.
(1/35)

73_قولهم غَلٌّ قَمِل
قال الأصمعي: معناه أنهم، كانوا يُغلّون الأسير بالقِدّ وعليه الوبر، فإذا طال القِدُّ عليه قَمِلَ فيلقى منه جهداً. فضُرب مثلاً لكل ما ابتلي به ولقي منه شدة.

74_قولهم ما له عنْهُ مَحيص
قال الأصمعي: هو المَحيد والمَعْدل. والمعنى: ما له عنه مفرٌّ. يقال منه: حاصَ يحيص حيصاً، وأنشد لأعرابي في ابنته:

يالَيْتَها قد لَبِسَتْ وَصْواصا ... وَعَلَّقَتْ حاجِبَها تَنْماصا
حَتَّى يَجيئوا عُصَباً حِراصَا ... ويُرقِصوا مَنْ حَوْلنا إرقاصا
فَيجدوني عَكِراً حَيَّاصا
أي أحيص عنهم.
(1/36)

75_قولهم عبدٌ قِنٌّ
قال الأصمعي: القنّ الذي كان أبوه مملوكاً لمواليه، فإذا لم يكن كذلك فهو عبد مملكةٍ، وكأن القن مأخوذ من القنية وهي المِلْك. هذا على غير قياس.

76_قولهم نادِمٌ سادِمٌ
فالسادم: المتغير العقل من الغم، وأصله من الماء السدم وهو المتغير. ومياه سُدُمٌ وأسدام. قال ذو الرُمَّة:
وَماءٍ كَلَوْنِ الغِسْلِ أَقْوَى فَبَعْضُهُ ... أَواجِنُ أَسْدَامٌ وبَعضٌ يُغَوَّرُ
أي متهدم.
وقال بعضهم: السادم: المتحير الذي لا يطيق ذهاباً ولا مجيئاً كأنه ممنوع من ذلك. وهو مأخوذ من قولهم: بعيرٌ سَدِمٌ إذا مُنع من الضِّرابِ. وقال مروان بن الحكم لمعاوية حين قُتل عثمان:

قَطَعْتَ الدَّهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشقَ ولا تَريمُ
فلو كُنْتَ المُصابَ وكان حيَّاً ... لَشَمَّرَ لا ألَفُّ ولا سَؤُومُ
(1/37)

77_قولهم لا دَرَيْتَ ولا ائْتَلَيْت
قال الفرّاء: ائتليت افتعلت من ألَوْتُ إذا قصّرت، فيقول: لا دريت ولا قصّرت في الطلب ليكون أشقى لك، وأنشد لامرىء القيس.

وما المَرْؤُ مادامت حُشاشَةُ نَفْسِهِ ... بِمُدرِكْ أطَرافَ الخُوطوبِ ولا آلِي
أي ولا مقصّر. وقال الأصمعي: ائتليتُ افتعلتُ من ألوْتُ الشيء إذا استطعته فيقول: لا دريت ولا تلوتُ، أي لا أحسنت أن تتلو، قلبوا الواو ياء للازدواج.

78_قولهم بَقيَ مُتَلَدِّداً
أي متحيِّراً ينظر يميناً وشمالاً. وهو مأخوذ من اللديدَيْن وهما صفحتا العنق، كأن المعنى يحول عنقه مرة إلى اللديد ومرة إلى ذا.

79_قولهم لا يَقومُ بِطُنِّ نَفْسِه
قال الأصمعي: الطُّنُّ: الجسم. والمعنى أنه لا يقوم بقوت جسمه ومؤونة نفسه. وأنشد:
(1/38)

لما رَأَوْني واقِفاً كأَنِّي ... بَدْرٌ تَجَلَّى من دُجى الدُّجُنِّ
غَضْبانُ أَهْذي بِكَلامِ الجِنِّ ... فبعضُهُ مِنْهُم وَبَعْضٌ مِنِّي
بِجَبْهَةً جَبْهاءَ كالمِجَنِّ ... ضَخْمَ الذراعين عظيم الطُنِّ
أي الجسم.

80_قولهم ما أُنْكِرُكَ مِنْ سُوءٍ
أي ليس إنكاري إياك من سوء بك ولكني لا أُثبتْك. وقال أبو عبيدة السوء: البَرَص، ومنه قول الله جل وعز: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. أي من غير برص.

81_قولهم شَوَّرْتُ بِفُلان
أي عِبته وأبديت عورته. وهو مشتق من الشَّوار. والشوار: فرج الرجل. يقال في الدعاء أبدى الله شواره. ويقال: معنى شَّورت به أي فعلت به فعلاً استحيا منه، كأنه بدت عورته.

82_قولهم لا أَرْقَأَ اللهُ دَمْعَتَه
أي لا رفعها الله ومنه: رقأْت على الدرجة، ومن هذا سميت المرقأةُ. يقال: رقأت
(1/39)

ورَقَيْتُ وترك الهمز أكثر. وقال الأصمعي: وأصل ذلك في الدم إذا قَتَل رجل رجلاً فأخذ أهل المقتول الدية رقأ الدم، أي ارتفع فلا يطالب به أي دم المقتول. وقال مرة أخرى رقأ دم القاتل أي ارتفع ولو لم تأخذ الدية لهُريق دمه فانحدر. وكذلك قال المفضَّل الضبيّ، وأنشد لمُسلم بن مَعبد الوالبيّ يصف إبلاً:

مِن اللاَّئي يَزِدْنَ العَيْشَ طِيباً ... وتَرْقأُ في معاقِلها الدِّماءُ
قال: معاقل: مفاعل من العقل وهو الدية. وقال بعضهم: أرقأ الله دمعه أي قَطعهُ.

83_قولهم ما لَهُ صامِتٌ ولا ناطِق
الصامتُ: الذهب والفضة. والناطق: الحيوان. وقال خالد: الناطق: كل ما كان له كبد قال الشاعر:

فما المالُ يُخْلِدُني صامِتاً ... هُبِلْتِ ولا ناطِقاً ذا كِبِدْ
ذَريني أُرَوِّي به هامَتي ... حَياتي وقَدْكِ من اللَّوْمِ قَدْ

84_قولهم فلان نَسيجُ وَحْدِه
أي ليس له ثانٍ. كأنه ثوب نُسج على حِدَتهِ ليس معه غيره، قال الراجز:
(1/40)

جاءَتْ به مُعْتَجِراً بَبُرْدِه ... سَفْواءُ تَرْدي بِنَسيجِ وَحْدِه
وَحْدَه منصوبةٌ أبداً إلا في ثلاثة مواضع وهي: نسيجُ وحْدِه، وعُيير وحْدِه وجُحيش وحْدِه.

85_قولهم يا لُكَع
قال أبو عمرو: هو اللئيم. وقال خالد: هو العبد. ويقال للأنثى لَكاع. وأنشد الكسائي:

فقُلْتُ لها لَكاعِ أَضَعْتِ أَمْري ... وما أنا بالمُهانِ ولا المُضاعِ
فقالت لي هَجٍ فضحكتُ منها ... وقُلْتُ أَلا هَجٍ لَكِ يا لَكاعِ
وقال الأصمعي: هو العييّ بأمره الذي لا يتجه لمنطق ولا عيره. فال: وهو مأخوذ من الملاكيع، وهو ما يخرج من السَّلى، وأنشد لابن ميّادة:

رَمَتِ الفَلاةَ بِمُعْجَلٍ مُتَسَرْبِل ... غِرْسَ السلى ومَلاكعِ الأَمْشاجِ
(1/41)

86_أحسن من دبَّ ودرج
دبّ: مشى. ودرج: مات. وقال الأخطل:

قَبيلَةٌ كَشِراكِ النَّعْلِ دارِجَة ... إِنْ يَهْبِطُوا العَفْوَ لا يُوجَدْ لهم أَثَرُ
ودرج في غير هذا المثل: دَبَّ.

87_قولهم ما يَنامُ ولا يُنيمُ
قال الأصمعي: يُنيم يكون منه ما يرفع السهر فينام معه. فكأنه يأتي بالنوم. وقال غيره: يُنيم يأتي بسرورٍ ينام معه.

88_قولهم لئيم راضِعٌ
قال الطائي: الراضع الذي يأخذ الخُلالة من الخِلال فيأكلها من اللؤم لئلا يفوته شيء. وقال أبو عمرو: الراضع الذي يرضع الشاة أو الناقة قبل أن يحلبها من جشعه، وأنشد:

إِنِّي إذا ما القوْم كانوا ثلاثةً ... كَريماً ومُسْتَحْياً وكَلْباً مُجَشَّعاَ
(1/42)

كَفَفْتُ يَدي من أنْ تَنال أَكُفَّهُم ... إذا نحنُ أَهْوَيْنا وَمطْعَمنا معا
وقال أبي سَلَمة بن عاصم رحمه الله: الراضع: هو الراعي لا يُمسك معه محلباً فإذا سأله أحدٌ القِرى اعتلَّ بأنه ليس معه مِحلبٌ. وإذا أراد هو الشرب رضع من الناقة أو الشاة، وأظنه حكاه عن الفرّاء. وقال اليمامي: الراضعُ الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، يريد أنه وُلد في اللؤم. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الراضع هو الذي يرضع من الناقة ولا يحلب في إناء لئلا يسمع الصوت فتأتي الضيفانُ.

89_قولهم ما يَعْرِفُ هِرّاً من بِرٍّ
قال خالد: الهرّ: السِنَّوْر، والبرّ: الجُرذ. وقال ابن الأعرابي: ما يعرف هارا من بارا لو كُتبت له. قال أبو عبيدة: معناه ما يعرف الهرْهَرة من البرْبَرة. والهرهرة: صوت الضأن. والبربرة صوت المعز. وقال الفرازي: البر: اللُطف. والهر: العُقوق وهو من الهرير، أي ما يعرف لطفاً من عقوق.

90_قولهم آهَةٌ وميهَةٌ
قال الأصمعي وغيره: الآهة التأوّه وهو التوجع وقال مُثَقِّبٌ العبدي:

إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهَ آهَةَ الرجُلِ الحَزينِ
(1/43)

وقال بعضهم: الآهة الحصبة، والميهة: جدري الغنم. وقال الفرّاء: هي أَميهة أُسقطت همزتها لكثرة استعمالهم إياها، كما أسقطوا همزة هو خيرٌ منه وشرٌ منه وكان الأصل هو أخْيَرُ وأشَرُّ، ويقال من ذلك أُميهت الغنم وهي مأْموهة، وقال غيره: ميهة وأميهة. وقال الشاعر يصف فصيلاً:

طَبيخُ نُحازٍ أو طَبيخُ أَمِيهَةٍ ... صَغيرُ العِظام سَيّءُ القَسْم أَمْلَطُ
يقول: كان في بطن أمه، وبها نُحازٌ أو أميهةٌ فجاء ضاوياً.

91_قولهم لا قَبِلَ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً
قال الأصمعي: الصَّرفُ التطوُّع، والعدل: الفريضة. وقال أبو عبيدة: الصرف: الحيلة، والعدل: الفداء، ومنه قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تَعْدِل كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها.

92_قولهم لا أَطْلَبُ أثراً بَعْدَ عَيْن
العَين: المُعايَنَة. والمعنى: أنهه ترك الشيء وهو يراه تبع أثره حين فاته. وقال الباهلي: العينُ: الشيء نفسه، فيعني أنه ترك الشيء نفسه وهو يراه وطلب أثره. فأما قولهم: هو دِرهَمي بعينه فالمعنى نفسه. وعينُ الشيء: نفسه، قال أبو ذُؤَيْب الهذلي:

ولو أنني استودَعْتُهُ الشمْسَ لارتَقَتْ ... إليه المَنايا عَيْنها ورَسولُها
(1/44)

وأول من قال لا أطلب أثراً بعد عين: مالك بن عمرو العامليّ. وكان من حديث ذلك أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بطن عاملة ذَحْلاً، فأخذ منهم رجلين يقال لهما مالك بن عمرو وسِماكٌ أخوه، فاحتبسهما عنده زماناً، ثم دعا بهما فقال لهما: إني قاتل أحدكما فأيكما أقتلُ فجعل كل واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي. فلما رأى ذلك قتل سِماكاً وخلَّى سبيل مالك، فقال سِماكٌ حين ظن أنه مقتول:

أَلا مَن شَجَتْ لَيْلَةٌ عامِدَهْ ... كما أبداً لَيْلَةٌ وَاحِدهْ
فَأبْلِغ قُضاعَة إِنْ جِئْتَها ... وخُصَّ سَراةَ بني سَاعِدَهْ
وأَبْلِغْ نِزاراً على نأْيِها ... بِاَنَّ الرِّماحَ هي العائِدَهْ
فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاً ... لَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ
برأْسِ سَبيلٍ على مَرْقَبٍ ... ويوماً على طُرُقٍ وارِدَهْ
فَأُمَّ سِماكٍ فلا تَجْزَعي ... فَلِلْمَوْتَ ما تَلِدُ الوالِدَهْ
فانصرف مالك إلى قومه فلبث فيهم زماناً. ثم إن ركباً مروا وأحدهم يتغنَّى:
فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاً ... لَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ
فسمعت ذلك أم سماك فقالت: يا مالك قبَّح الله الحياة بعد سماك. اخرج في الطلب. فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه. فقال: من أحَسَّ ليَ الجَمَلَ الأحمر؟ فقالوا له وعرفوه: يا مالك لك مائة من الإبل وكُفَّ. فقال: لا أطلب أثراً بعد عين. فذهب قوله مثلاً. ثم حمل على قاتل أخيه فقتَلَه، وكان من غسان من بني قُمَيْر في ذلك:
(1/45)

يا راكِباً بَلِّغاً ولا تَدَعاً ... بني قُمَيْرٍ وإنْ هُمُ جَزِعُوا
فِلْيَجِدوُا مثلَ ما وَجَدْتَ فقَدْ ... كنتُ حزيناً قد مَسَّنِي وَجَعُ
لا أَسْمَعُ اللَّهَْوَ في الحَديثِ ولا ... يَنْفَعُني في الفِراش مُضْطَجَعُ
لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجَدْتُ ولا ... وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
ولا كَبير أَضَلَّ ناقَتَهُ ... يَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فاجْتَمَعُوا
يَنْظرُ في أَوْجُهِ الرِّكابِ فلا ... يعرِفُ شيئاً فالوَجْهُ مُلْتَمَعُ
جَللّتُه صارِمَ الحَدِيدة كال ... مِلحَةِ فِيهِ سَفاسِقٌ لُمَعُ
يقال: التمع لونه وامتقع إذا تغير. وسفاسق: وشي السيف.

بَيْنَ ضُمَيْرٍ وباب جِلّقَ في ... أثْوابهِ من دَمائِه دُفَعُ
أَضْرِبُه بادِياً نَوَاجِذُه ... يَدْعُو صَداهُ والرأسُ مُنْصَدِعُ
بني قُمِيْرٍ قَتَلْتُ سَيِّدَكم ... فاليومَ لا رَنَّةٌ ولا جَزَعُ
فاليوم قُمْنَا على السواء فإنْ ... تُجْرُوا فَدهْرِي وَدَهْرُكم جَذَعُ

93_قولهم حِدَا حِدَا وراءِكِ بُنْدُقة
قال ابن الكلبي: حِدا وبُندقة: قبيلتان من قبائل اليمن. وكانت بُندقة أوقعت بحدا وقعةً اجتاحتها، فكانت تُفزَّعُ بها ثم صار مثلاً. وقال أبو عبيدة: يراد بذلك الحِدأ
(1/46)

الذي يطير وهو جمع حِدأة أسقطوا الهمزة، وإنما هو من لعِبِ الصبيان. قال الشرقيّ ابن القطاميّ: حِدا بن نَمِرة بن سعد العشيرة، وهم بالكوفة، وبُندقة من مَظَّة وهو سُفيان بن سِلْهم بن الحكَم بن سعد العشيرة وهم باليمن، أغارت حِدا على بُندقة فقتلت منهم، ثم أغارت بُندقة عليهم فأبادتهم.

94_قولهم وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَه
قال ابن الكلبي: طبقة قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فوقعت بها شنّ، وهو شنّ بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دُعمي بن جَديلَة بن أسد بن ربيعة بن نزار فانتصفت منها وأصابت فيها، فضربتا مثلاً للمتفقين في الشدة وغيرها، قال الشاعر:

لَقِيَتُ شَنٌّ إياداً بالقَنَا ... طَبَقاً وافَقَ شَنٌ طَبَقَهْ
وقال الشرقيّ بن القطاميّ: كان رجل من دُهاة العرب وعُقلائهم يقال له شنٌّ فقال: والله لأطوفنَّ حتى أجد امرأة مثلي فأتزوجها. فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق. فسأله شنٌّ أين تريد؟ فقال: موضع كذا، يريد القرية التي يقصد لها شنٌّ، فرافقه. فلما أخذا في مسيرهما قال له شنٌّ: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل، أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟! فسكت عنه شنٌّ وسارا، حتى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد. فقال له
(1/47)

شنٌّ: أترى هذا الزرع أُكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتاً مستحصداً فتقول أتُراه أُكل أم لا؟! فسكت عنه، حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة، فقال شنٌّ: أتُرى صاحب هذا النعش حيّاً أم ميّتاً؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك ترى جنازة فتسأل عنها أميت صاحبها أم حي؟! فسكت عنه شنٌّ وأراد مفارقته فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله فمضى معه. وكانت للرجل ابنة يقال لها طَبَقَةُ. فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه وشكا إليها جهله وحدثها بحديثه. فقالت: يا أبه ما هذا بجاهل. أما قوله: أتحملني أم أحملك فأراد أتحدّثني أم أحدّثك حتى نقطع طريقنا. وأما قوله: أتُرى هذا الزرع أُكل أم لا. فإنما أراد أَباعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله: في الجنازة فأراد هل ترك عَقِباً يحيا بهم ذكره أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شنٍّ فحادثه ساعة ثم قال له: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ فقال: نعم. ففسره. فقال شنٌّ: ما هذا كلامك. فأخبرني مَن صاحبه. فقال: ابنة لي. فخطبها إليه فزوجه إياها وحملها إلى أهله. فلما رأوهما قالوا: وافق شنٌّ طَبَقَه. فذهبت مثلاً.

95_أُفٌّ وتُفٌّ وأفَّةٌ وتُفَّةٌ
قال الأصمعي: الأُفُّ: وسخ الأُذن، والتُفُّ: وسخ الأظفار، كان يقال ذلك عند الشيء يُستقذر ثم كثر حتى صاروا يستعملونه عند كل ما يتأذّون منه. وقال غيره: أفّ: معناه قِلَّة لك، وتفّ إتباع مأخوذ من الأَفَف وهو الشيء القليل. قال الفرّاء: يقال أُفٌّ لك وأُفّاً لك وأُفٍّ لك وأُفِّ لك وأُفَّ لك. ولا يقال في أُفَّة إلا الرفع والنصب.
(1/48)

96_قولهم أَنْتَن من العَذِرة
يعني الخُرْءَ. قال الأصمعي: وإنما العَذِرة فناء الدار، وكانوا يطرحون ذلك بأفنيتهم، ثم كثر حتى سُمي الخُرء بعينه عَذِرة، وأنشد للحطيئة:

لعَمْري لقد جَرَّبْتُكم فوجَدْتُكم ... قِبَاحَ الوجُوهِ سَيِّء العَذِرات
يريد الأفنية. قال: وكذلك سموه غائطاً وإنما الغائط المطمئن من الأرض. وكان أحدهم إذا أراد أن يقضي حاجته أتى الغائط، ثم كثر حتى سموه غائطاً. قال: وكذلك الكنيف إنما هو حظيرة تُعمل للإبل من البرد، ثم كان أحدهم ربما كنَّف في ناحية بيته حظيرة لقضاء حاجته، فكثر حتى سُمي البيت الذي يُتَّخذ لهذا كنيفاً. وكذلك الحش إنما هو النخل المجتمع، وكان الرجل يأتي ذلك النخل لقضاء حاجته يستتر به. ثم كثر حتى سمي الموضع المُتخذ لقضاء الحاجة حشّاً.

97_قولهم فلانٌ مُبْرِمٌ
قال الأصمعي: هو الذي لا خير عنده إنما هو كَلٌّ لا يُنتفع به. قال: وهو مأخوذ من البَرَم وهو الرجل الذي لا يحضر مع القوم الميسر ولا يُقامر فإذا نُحِرت الجزور وقامروا عليها أكل من لحمها. وأنشد لمتَمِّم بن نُوَيْرَة:

أَخِي ما أَخِي لا فا حشاً عند بَيْته ... ولا بَرَماً عند الشَّتاء مُدفَّعَا
(1/49)

ثم جعلوا كل مُضجر مُبرماً وسموا الضجر البَرم، قال نُصَيْب:

وما زال بِي ما يُحدِث الدهر بيننا ... من الهَجْرِ حتَّى كدتُ بالعَيْشِ أَبْرَم
وقال أبو عبيدة: المُبرم: الذي يأتي القوم بما لا يوافقهم من الحديث وغير ذلك بمنزلة الذي يجني البرم من الثمر وهو ثمر الأراك وذلك لا يُنتفع به. وقال بعضهم: المبرم الثقيل الذي كأنه يقتطع ممن يُجالسه شيئاً من استثقالهم إياه، بمنزلة المُبرم الذي يقطع حجارة البِرام من جبلها.

98_قولهم المُخَنَّث
سمي مخنثاً لتكسُّرِه، والتخنُّث: التكسُّر، ويقال: طويت الثوب على أخناثه أي على كسوره. حكى ذلك كله ابن الأعرابي.

99_قولهم أَمْرٌ مُبْهَم
قال الأصمعي: هو الذي لا يُدرى كيف يُتجه له ولا أين سبيله. وهو مأخوذ من قولهم: حائط مُبهم إذا لم يكن فيه باب ولا كوّة. والبهيم: الذي ليس فيه بياض. ومنه ليل بهيم: لا قمر فيه. ولا ضوء قال بُقَيْلَةَ الأشجعي:

كأنِّي مِن تَذَكُّرِ ما أُلاقِي ... إذا ما أَظْلَمَ اللَّيْلُ البَهِيم
ويقال للفارس الشجاه بُهمة، إذا لم يدر قَرنه كيف يحتال له.
(1/50)

100_قولهم دقه دَقَّاً نَعِمَّا
أردا دقاً بالغاً يزيد على مقدار ما يُحتاج إليه. فقال الشاعر:

فيا عَجَباً من عَبْدِ عَمْروٍ وبَغْيِه ... لقد رَامَ ظُلْمي عَبْدُ عَمْروٍ وأَنْعَما
أي بالغ وزاد. وقال آخر:

سَمِن الضَّواحِي لم تُؤَرِّقْه لَيْلَه ... وأَنْعَمَ أَبْكَارُ الهُمُومِ وعُونُها
أي وزاد على هذه الصفة.

101_قولهم استراحَ مَنْ لا عَقْلَ له
قال الأصمعي: معناه أن العاقل كثير الهموم والفكر في الأمور ولا يكاد يتهنأ بشيء. والأحمق لا يفكر في شيء فيهتم له، وأنشد للراعي:

أَلِفَ الهُمُوم وَساده وتَجَنَّبَتْ ... كَسْلانَ يُصبِحُ في المنَامِ ثَقِيلا
(1/51)

وقال: ومثلهُ قول امرىء القيْس:

وهل يَنْعَمْنَ إِلاَّ سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَليلُ الهُموم لا يَبيتُ بأوْجال
يقول: إنما ينْعَمُ الأحمق الذي لا يُفكر ولا يهتم بشيء. ويقال: إن أول من قال استراح من لا عقل له عمرو بن العاص لابنه. قال: يابني! والٍ عادِلٌ خير من مطرٍ وابل، وأسد حَطوم خير من والٍ ظَلوم، ووالٍ ظَلوم غشوم خير فتنة تدوم. يا بني عَثْرة الرِّجْل عظمٌ يُجبر، وعَثْرة اللسان لا تُبقي ولا تَذِر، وقد استراح من لا عقل له. يقول: إنما ينعم الأحمق الذي لا يفكر ولا يهتم بشيء.

102_قولهم تَجَبَّرَ الرَّجُل
معناه تعظَّم. وهو مأخوذ من جبَّار النَّخْل، وهو الذي ارتفع عن أن تناله اليد. ومنه تجبَّر الصبيّ إذا شبَّ.

103_قولهم للرجل مَأْبُون
قال أبو عبيدة: معناه معيب. والأُبْنَةُ: العيب. ويقال أبَنَهُ يأبُنُه إذا عابَه. والأصل في الأُبنَة العُقدة تكون في العود، فيقال: عود مأبون. وأنشد للأعشى في صفة سهام وفؤوس:

سلاجِمُ كالنَّحْلِ أَنْحَى لها ... قضيبَ سراءٍ قليلَ الأُبَنْ
(1/52)

104_قولهم أَبادَ الله خَضْراءَهُم
قال الأصمعي: أي أذهب الله نعيمهم وخِصبهم. قال: ومنه قول النابغة:

يَصونونَ أَبْداناً قَديماً نَعيمُها ... بخالِصةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَنَاكِبِ
قال: يعني بخضر المناكب خصبهم وسعة ما هم فيه. وليست هناك خضرة، قال: ومنه قول الفضل بن العباس بن عُتبه بن أبي لهب، وهو الأخضر:

وأنا الأخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُني ... أَخْضَرُ الجلْدَةِ في بَيْتِ العَرَبْ
قال: يريد بأخضر الجلدة الخِصب وسعَة الأمر. قال: ومنهم من يقول أباد الله غضراءهم أي خصبهم وخيرهم، ويقال أنْبَ في غضْراءَ، أي في أرضٍ سهلةٍ طيبة التربة عذبة الماء. ومعنى أنبط: استخرج الماء، ومنه قولهم استنبط، وهو مأخوذ من الغضارة وهي البهجة والحسن، ومنه قول الشاعر:

احْثُوا التُرابَ على محاسنِه ... وعلى غَضارةِ وَجهِهِ النَّضْرِ
وقال ابن الأعرابي: معنى أباد الله خضراؤهم أي سوادهم، قال: والخضرة عند العرب السواد، وأنشد القطامي:
(1/53)

يا نَاقُ سِيرِي خَبَاً زِوَرَّا ... وعارِضي اللَّيْلَ إذا ما اخْضَرَّا

105_قولهم دغَرَ منّي وهو دَغَّارٌ
قال الأصمعي: الدغْر: الاختلاس في سرعةٍ، وقال ابن الأعرابي أو غيره: الدغْرة: الغمْزة والدفعة بسرعة.

106_قولهم هو أَنْوَكُ
قال الأصمعي: النَّوك العجْز والجهل وأنشد:

تَضْحَكُ مِنّي شَيْخَة ضَحوكُ ... واسْتَنْوَكَتْ وللشَبابِ النُّوكُ
وقد يَشِيبُ الشَعَرُ السُّحْكُوكُ
وقال غيره: النوك: العيّ، وأنشد:

فَكُنْ أَنْوَكَ النَّوْكَى إذا ما لَقِتَهُم ... وَمِدْرَهَةً إٍمَّا لَقِيتَ ذوي العَقْل
(1/54)

107_قولهم هو كَيِّسٌ
قال الفرّاء: معناه عاقل. والكيّس: العقل وأنشد:

وكُنْ أكْيَس الكَيْسَى إذا ما لَقِيتَهم ... وكُنْ جاهلاً إِمَّا لَقيت ذوي الجَهْلِ

108_قولهم هو أَرْعَنٌ
الأصل في الرُعونة الاسترخاء والتقكك، وأنشد الفرّاء:

فَرَحَّلوها رِحْلَةً فيها رَعَنْ ... حتَّى أَنَخْنَاها إلى مَنْ ثُمَّ مَنْ
قال غيره: الرعَنُ الاسترخاء من العَجلة.

109_قولهم لله دَرُّك
قال الأصمعي وغيره: أصل ذلك أنه كان إذا حُمِد فعل الرجل وما يجيء منه. قيل: لله درُّك، أي ما يجيء منك بمنزلة درّ الناقة والشاة. ثم كثر في كلامهم حتى جعلوه لكل ما يتعجب منه، وأنشد لابن أحْمَرَ:

بانَ الشبابُ وأفنَى ضِعْفَهُ العُمُرُ ... للهِ دَرِّي فأيَّ العَيْشِ أَنْتَظِر
(1/55)

قال يتعجب من نفسه، أي عيش ينتظر. قال الفراء: وقد تتكلم العرب بها بغير الله فيقال: درّ درُّك عند الشيء يُمدح. وأنشد:

دّرَّ دَرُّ الشبابِ والشَّعَرِ الأَسْ ... وَدِ والضامِزاتِ تَحْتَ الرِّحال

110_قولهم هو يَنْجُش عَلَيْه. ونَجَّاشُوا سُوقِ الرقيق
قال الأصمعي: النجْش مدحُ الشيء وإطراؤه. وأنشد للنابغة في صفة الخمر:

وَتُرَخِّي بالَ من يَشْرَبُها ... وَيُفَدَّى كَرْمُها عند النَّجَشْ
وقال ابن الأعرابي: النجش: أن ينفر الناس عن الشيء إلى غيره. قال: وأصل النجش تنفير الوحش من مكانٍ إلى مكان. قال: ومنه قول الشاعر:

فما لَها الليلةَ من إنفاشِ ... غيرُ الُّسرى والسائِق النَجَّاشِ
أي المُنفِّر من موضع إلى موضع.

111_قولهم ضَرَب نَغانِغَه
قال الأصمعي وغيره: النغانغ اللحمات التي في أعلى الحلق بقرب اللهاة. قال: وهي التي تغمزها القابلة إذا حنَّكت الصبي، وتُغمَز إذا سقط الحلق وأُريد رفعه
(1/56)

وأنشد لجرير:

غَمَزَ ابنُ مُرَّةَ يَا فَرَزْدَقُ كَيْنَهَا ... غَمْزَ الطبيب نَغَانِغَ المَعْذُورِ
المعذور: الذي قد سقط حلقه. يقال من ذلك: قد عُذر الصبي. ويقال لتلك اللحمات: اللغاديد واحدها لُغدود. ولم يُعرف واحدُ النغانغ.

112_أَخذنا في الدَّوْس
قال الأصمعي: معناه تسوية الخديعة وترتيبها، وهو مأخوذ من دياس السيف وهو صقله وجلاؤه يقال: داس الصيقل السيف يدوسه دوساً ودياساً، وأنشد في صفة السيف:

صافي الحَديدَة قد أَضَّرَ بصَقْلِه ... طُولُ الدِّياس وبَطْنُ طَيْرٍ جائعُ
ويقال للحجر يصقل به مدوسٌ. وقال أبو ذُؤَيْب يصف حماراً:

وكأَنَّمَا هُو مِدْوَسٌ مُتَقَلِّبٌ ... بالكَفِّ إِلاَّ أَنَّه هُوَ أَضْلَعُ

113_قولهم تَوَحَّشَ للدَّواءِ
قال الأصمعي: معناه تجوع، والوحش: الجوع، وقد أوحش القوم إذا فنى زادهم قال الشاعر: يصف عِياله:
(1/57)

قد أَكَلُوا الوَحْشَ فَلَمْ يُشبِعْهُمُ ... وَشَرِبُوا الماءَ فطال شُرْبُهُم
أي لم يجدوا مأكلاً غير الجوع. ويقال: بات الرجل وحشاً إذا بات جائعاً وبات القوم وحشاً وقال حُمَيْد:

وإن بات وَحْشاً ليلةً لم يَضِقْ بها ... ذِراعاً ولم يُصْبِحْ لها وهْوَ ضَارِعُ

114_قولهم زكَّنَ عليه وأَخَذْنا في التَّزْكِين
قال الأصمعي: التزكين التشبيه يقال قد زكّن عليه وزكّم إذا شبّه عليه، وكذلك الظنُّ وما يُضمره الإنسان يجري هذا المجرى. وقال ابن امِّ صاحب:

وَلَنْ يُراجِع قلبي حُبَّهُمْ أَبَداً ... زَكِنْتُ من أَمْرِهِم مِثْلَ الذي زَكِنوا
أي أضمرتُ وانطويت عليه. وظننت أيضاً. وقال الفراء: زكنتُ من أمرهِ شيئاً علمته، وأزكنتُه غيري. وأنشد غيره في الظن والإضمار:

يا أَيُّهَذَا الكاشِرُ المُزَكِّنُ ... أعْلِنْ بما تُخْفِي فإنّي مُعْلِنُ

115_قولهم طامِرُ بن طامِر
قال الفراء: هو البُرغوث، سمي بذلك لطموره وهو نَزْوُه ومن ذلك قد طمر
(1/58)

الجرح إذا ارتفع. وإنما يعني به الذي يطفر ويثب على الناس وليس له أصل ولا قديم، قال الأصمعي: طمر ارتفع، وطمر سفُل، وهو من الأضداد، قال: ومنه قولهم قد طمرتُ الشيء أي سترتُهُ ودفنته.

116_قولهم الحَديِثُ ذو شُجُون
أي ذو فنونٍ وتشبُّثٍ بعضه ببعض. وأول من تكلم به ضبَّة بن أدِّ بن طابِخة بن الياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكره المفضل الضبّي أن ضبّة كان له ابنان يقال لأحدهما سعْد وللآخر سعيد. فنفرت إبل ضبة تحت الليل وهما معها فخرجا يطلبانها فتفرقا في طلبها، فوجدها سعد وأما سُعَيد فذهب ولم يرجع، فجعل ضبّة يقول بعد ذلك إذا رأى سواداً تحت الليل: أسعْدٌ أم سُعَيد. فذهب قوله مثلاً. ثم أتى على ذلك ما شاء الله لا يجيء سُعيد ولا يُعلم له بخبر. ثم أن ضبّة بعد ذلك بينا هو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحُرم وهما يتحدثان إذ مرّا على سَرحةٍ بمكان، فقال له الحارث: أترى هذا المكان، فإني قد لقيت فيه شاباً من هيئته كذا وكذا - ووصف صفة سعيد، فقتله وأخذت بُرْداً كان عليه من صفة البُرْد كذا فوصف صفة البُرد، وسيفاً كان عليه. فقال له ضبّة: ما صفة السيف؟ قال: هاهو ذا عليّ قال فأرنيه، فأراه إياه فعرفه ضبّة، ثم قال: إن الحديث لذو شجون. فذهبت مثلاً، فضربه به حتى قتله. فلامه الناس فقالوا: أَقَتلتَ رجلاً في الأشهر الحُرم؟! فقال ضبّة: سبق السيف العَذلَ. فأرسلها مثلاً. وقال الفرزدق:
(1/59)

أَأَسْلَمْتَنِي في القَوْمِ أُمُّكَ هَابِل ... وأنت دَلَنظى المَنْكِبَيْنِ بَطِينُ
خَميصٌ من الودِّ المُقَرِّبِ بينَنَا ... من الشِّنْءِ رَابِي القُصْرَ بِيْنَ سَمِينُ
فإن تَكُ قد سالَمْتَ دُونِي فلا تَكُنْ ... بِدارٍ بها بِيْتُ الذَّليل يَكُونُ
فلا تَأْمَنَنَّ الحَرْبَ إِنّ استعارَها ... كَضَبَّةَ إذ قال الحَدِيثُ شُجُونُ

117_قولهم أَسْرَعُ من نِكاحِ أُمِّ خَارِجة
هي أم خارجة بنت سعد بن عبد الله بن قُداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن أنمار البَجَليَّة، اسمها عَمْرة، وهي أم عُدُس، كانت تحت رجل من إياد وكان أبا عُذرها. وكانت من أجمل أهل زمانها فخلعها منه دَعْجُ بن عبد الله بن سعد بن قداد وهو ابن أخيها، فتزوجها بعده عمرو بن تميم فولدت له أُسَيْد بن عمرو والعنبر بن عمرو والهُجَيْم بن عمرو. ثم خلف عليها مالك بن ثعلبة بن داوود بن أسد فولدت له غاضرة بن مالك وعمرو بن مالك. وولدت قبائل العرب. وكان الخاطب يأتيها فيقول خِطبٌ فتقول نِكْحٌ. فقيل: أسرع من نكاح أم خارجة، فصار مثلاً. وزعموا أن بعض ولدها كان يسوق بها يوماً فرُفع لها راكب فقالت: ما هذا؟ فقال ابنها: إِخاله خاطباً. فقالت أخاف أن يُعجِلَنا أن نحُلَّ.
(1/60)

118_قولهم أَنْجَزَ حُرٌّ ما وَعَد
أول من قالها الحارث بن عمرو بن آكل المُرار الكندي لصخر بن نهشل بن دارم. وكان من حديث ذلك أن الحارث قال لصخر: هل أدلك على غنيمة على أنَّ لي خُمسها؟ فقال له صخر: نعم. فدله على ناس من أهل اليمن فأغار عليهم بقومه فظفروا وغنموا وملأ يديه وأيدي أصحابه من الغنائم. فلما انصرف قال له الحارث: أنجز حرٌ ما وعد. فأرسلها مثلاً فأراد صخر قومه على أن يعطوا الحارث ما كان ضمن له فأبَوْأ ذلك عليه. وفي طريقهم ثنيَّة متضايقة يُقال لها شَجَعات، فلما دنا القوم منها سار صخر حتى وقف على رأس الثنيّة وقال: أزَمت شجعات بما فيها. فقال جمرة بن ثعلبة بن جعفر بن يربوع: والله لا نعطيه شيئاً من غنيمتنا، ثم مضى في الثنية فحمل عليه صخر فقتله. فلما رأى ذلك الجيشُ أعطوه الخُمس، فدفعه إلى الحارث، فقال في ذلك نَهْشل بن حَرِّيّ:

نحنُ مَنَعْنا الجَيْشَ أنْ يتأَوَّبوا ... على شَجَعات والجيادُ بنا تَجرِي
حَبَسْناهُم حَتَّى أَقَرُّوا بِحُكْمِنا ... وأُدِّيَ أَنْفَالُ الخَمِيس إلى صَخْرِ

119_قولهم رَمَتْني بدائها وَانْسَلَّتْ
كان سبب هذا المثل أن سعد بن زيد مناة كان تزوج رُهمَ ابنة الخزرج
(1/61)

بن تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبَرَة، وكانت من أجمل النساء، فولدت له مالك بن سعد، وكان ضرائرها إذا سابَبْنها يقلن لها: يا عَفْلاء. فشكت ذلك إلى أمها، فقالت لها أمها: إذا ساببنك فابدئيهن بعفال سُببْتِ فأرسلتها مثلاً. قال فسابّتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت لها رُهم: يا عَفْلاء، فقالت ضرتها: رمتني بدائها وانسلت. وبنو مالك بن سعد رهط العجّاج كان يقال لهم بنو العُفَيْل. فقال اللعين وهو يُعرِّض بهم:
ما في الدَّوائر مِنْ رِجْلَيَّ من عَقَلٍ ... عند الرِّهان وما أُكْوى من العَفَلِ

120

الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَها ... إِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
ومُكْرَهٌ أَخُوكَ لا بَطَل
أول من قال ذلك بَيْهَس، وهو رجل من بني غُراب بن فزارة بن ذُبيان بن بَغيض، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من بني أشجع وهم في إبلهم فقتلوا منهم ستة، وبقي بَيْهَس وكان يُحمَّق وكان أصغرهم، فأرادوا قتله، ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا، يُحسب عليكم برجل ولا خير فيه؟ فتركوه. فقال: دعوني أتوصّل معكم إلى أهلي، فإنكم إن تركتموني أكلتني السباع أو قتلني العطش. ففعلوا. فأقبل معهم، فلما كان من الغد نزلوا فنحروا جَزوراً في يوم شديد الحر. فقالوا: أظِلّوا لحمكم لا يفسد، فقال بَيْهَس: لكن بالأثَلاث لحمٌ لا يُظَلُّ. فقالوا: إنه لمنكر.
(1/62)

فهمّوا بقتله ثم تركوه. ففارقهم حين انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال: لو خيّرك القوم لاخترت. فأرسلها مثلاً. ثم إن أمه عطفت عليه ورقّت له. فقال الناس: أحبّت أم بَيْهَس بيهساً ورقّت له. فقال بَيْهَس: ثُكلٌ أرْأَمَها ولداً. فأرسلها مثلاً. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته يلبسها ومتاعهم. فقال: يا حبذا التراث لولا الذلّة. فأرسلها مثلاً. ثم إنه مرّ بنسوة من قومه يُصلحن امرأةً منهن يُردن أن يُهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته، فكشف ثوبه عن استه وغطى به رأسه. فقلن: ويحك أي شيء تصنع؟ قال:

الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَها ... إِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
فأرسلها مثلاً. فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قَتَلَة إخوته ويتفصّاهم حتى قتل منهم ناساً، فقال بَيْهَس:

يا لهَا نَفْساً لَهَا ... أَنَّى لها الطُّعْمُ والسَّلاَمَهْ
قد قَتَّلَ القومُ إخوتِي ... بكلِّ وادٍ زُقاءُ هامَهْ
فَلأَطْرُقَنَّهُمُ نِياماً ... ولأَبْرُكَنَّ بِركَةَ النَّعامَهْ
قَبْضَةَ رِجلٍ وبَسْط أُخرَى ... والسَّيْفَ أقْدَمْتُهُ أمامَهْ
ثم أخبر ناساً من أشجع في غارٍ يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يُكنى أبا حشرٍ، حتى إذا قام على باب الغار دغع أبا حشرٍ في الغار. فقال: ضرباً أبا حشرٍ. فقال بعضهم: إن أبا حشرٍ لَبطل. فقال أبو حشرٍ: مُكرهٌ أخوك لا بطل. فأرسلها مثلاً. فقال المتلمّس:
(1/63)

ومن حَذَرِ الأيَّامِ ما حَزَّ أَنْفَه ... قَصِيرٌ وخَاضَ المَوْتَ بالسَّيْفِ بَيْهِسُ
نَعَامَةُ لمَّا صَرَّعَ القومُ رَهْطَهُ ... تَبَيَّنَ في أثوابهِ كيف يَلْبَسُ

121_قولهم مَرْعىً ولا كالسَّعْدَانِ
كان سبب هذا المثل أن امرأ القيس كان مُفرَّكاً لا يكاد يحظى عند امرأة، فتزوج امرأة ثيِّباً فجعلت لا تُقبل عليه ولا تُريه من نفسها شيئاً مما يُحب. فقال لها ذات يوم: أين أنا من زوجك الذي قبلي؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان. فأرسلتها مثلاً. والسعدان نبْتٌ تَسمَنُ الإبل عليه وليس في كل ما يُرعَى مثله.

122_قولهم إِذا عَزَّ أَخُوكَ فَهُن
أول من قال ذلك الهُذيل بن هُبيْرة أخو ثعلبة بن حُبيْب بن عمرو بن غَنْم بن تغلب بن وائل. وكان أغار على ناسٍ من بن ضبّة فغَنِمَ ثم انصرف
(1/64)

فخاف الطلب فأسرع السير. فقال له أصحابه: اقسِمْ بيننا غنيمتنا. قال: إني أخاف أن تشغلكم القسمة فيدرككم الطلب فتهلكوا. فأعادوا ذلك عليه مراراً، فلما رآهم لا يفعلون قال: إذا عزّ أخوك فهُنْ. فأرسلها مثلاً. وتابعهم على القِسمة.

123_قولهم عِشْ رَجَباً تَرَ عَجَباً
أول من قال ذلك الحارث بن عباد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة. وكان طلَّق بعض نسائه من بعد ما أسنَّ. فخلف عليها من بعده رجل، فكانت تُظهر له من الوَجْد به ما لم تكن تُظهر للحارث. فلقي زوجها الحارث فأخبره بمنزلته منها. فقال له الحارث: عِش رجباً ترَ عجباً. كأنه قال: عش رجباً بعد رجب. حكى ذلك أبو الحسن الطوسيّ.

124_قولهم تَسْمَع بالمُعَيْديّ لا أَنْ تَراه
أول من قال ذلك المنذر بن ماء السماء. وكان حديثه أنّ كُبيْش بن جابر بن قَطَن بن نهشل بن دارِم بن مالك بن حنظلة كان عرض لأمةٍ لِزُرارة
(1/65)

بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم يقال لها رُشيَّة، كانت سبيَّة أصابها زُرارة من الرُفيدات، فولدت له عمراً وذُئيباً وبَرغوثاً، فمات كُبيش وترعرعت الغلمةُ، فقال لقيط بن زرارة: يارُشيّة مَن أبو بنيك؟ قالت: كُبيش بن جابر. وكان لقيط عدوّاً لضَمْرة بن جاب أخي كُبيش. قال: فاذهبي بهؤلاء الغِلْمة فعَبِّسي بهم وجه ضَمْرة. فأخبريه من هم. فانظلقت بهم إلى ضمْرة فقال: ما هؤلاء؟ قالت: بنو أخيك كُبيش بن جابر. فانتزع منها الغِلْمة، وقال: الحقي بأهلكِ. فرجعت فأخبرت أهلها الخبر. فركب زرارة، وكان رجلاً حليماً، حتى أتى بني نهشل فقال: ردوا عليّ غلمتي. فشتمه بنو نهشل وأهجروا له. فلما رأى ذلك انصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال خيراً. ما أحسن ما لقيني به قومي. فمكث حولاً ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا قالوا له. فانصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيراً قد أحسن بنو عمي وأجملوا. فمكث بذلك سبع سنين يأتيهم في كل سنة فيردونه بأسوأ الردّ. فبينما بنو نهشل يسيرون ضُحىً لحقهم لاحق فأخبرهم أن زُرارة قد مات. قال ضَمْرة: يا بني نهشل قد مات حِلمُ إخوتكم اليوم فاتّقوهم بحقّهم. ثم قال ضمرة لنسائه: قِفْنَ أقسم بينكن الثُكل. وكانت عنده هند بنت كرِب بن صفوان بن شجنة بن عُطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وامرأة يقال لها خُليْدة من بني عِجل، وسبيَّة من عبد القيس، وسبيّة من الأزد من طَمَثان، وكان لهنّ أولادٌ غير خُليدة. فقالت لهند وكانت لها مُصافية، وَلَّي الثُكل بنت غيركِ! فأرسلتها مثلاً. فأخذ ضَمْرة شِقَّة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعَنْوَة بن ضمرة وأمه الطمثانية، فأرسل بهم إلى لقيط بن زُرارة. وقال: هؤلاء رهنٌ بغلمتكَ حتى أُرضيك
(1/66)

منهم. فلما وقعوا في يديْ لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم. فقال في ذلك ضَمْرَة بن جابر:

صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍ ... وإِخْوَتِه فلا حُلَّت حِلالي
كأَنِّي إِذْ رَهَنْتُ بَنِيَّ قَوْمِي ... دَفَعْتُهم إلى الصُّهْبِ السِّبالِ
فَلمْ أَرْهَنْهُم بِدَمٍ ولَكِنْ ... رَهَنْتُهم بِصُلْحٍ أو بمَالِ
صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍ ... وحُقَّ إِخاءُ شِقَّةَ بالوِصَالِ
فأجابه لقيط بن زُرارة:

أبا قَطَنٍ إِنِّي أراك حَزِينَا ... وإِنَّ العَجُولَ لا تُبِالِي الحَنِينا
أَفِي أَنْ صَبَرْتُم نصفَ عامٍ لَحقَّنَا ... ونحنُ صَبَرْنا قبلُ سبعَ سنينا
وقال ضمرة بن جابر:

لعمرُك إنَّني وطِلابَ حُبِّي ... وتَرْكَ بَنِيَّ في الشُّطُر الأعادِي
لَمِنْ نَوْكَى الشُّيوخِ وكان مِثْلِي ... إذا ما ضَلَّ لمْ يُنْعَشْ بهادِي
ثم أن بني نهشل طلبوا إلى المنذر بن ماء السماء أن يطلبهم من لقيط، فقال لهم المنذر: نحُّوا عني وجوهكم. ثم أمر بخمرٍ وطعامٍ ودعا لقيطاً فأكلا وشربا، حتى أخذت الخمرة فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة من نُدماء مُضر؟ قال: وما أقول فيه! أقول: إنه لا يسألني شيئاً إلا أعطيته إياه غير الغِلْمة. قال له المنذر: وما الغِلْمة، أما إذا استثنيت فلست قابلاً منك شيئاً حتى تعطيني كل ما سألتك. قال: فذلك لك. قال فإني أسألك الغِلْمة أن تهبهم لي. قال: سلني غيرهم. فأرسل لقيط إليهم فدفعهم المنذر. فلما أصبح لقيط لامَه قومه فندم فقال في المنذر:
(1/67)

إِنَّك لو غَطِّيْتَ أرْجَاءَ هُوَّةٍ ... مُغَمَّسةً لا يُسْتبان تُرابُها
بِثَوْبِك في الظَّلْماءِ ثم دَعَوْتَني ... لجِئْتُ إليها سادِراً لا أهابُها
فأصبحتُ موجوداً عليَّ مُلَوَّماً ... كأنْ نُضِّيتْ عن حائضٍ لي ثيابُها
وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة. وكان ضمرة صديقاً للمنذر. فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقّة ويُعجبه ما يبلغه عنه. فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمُعَيدي لا أن تراه. فأرسلها مثلاً. فقال شِقّة: أبيت اللعن وأسعَدك إلهك، إن القوم ليسوا بجُزُرٍ، يعني الشاءَ، إنما يعيش الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه. فأعجب المنذر كلامه وسرّه كل ما رأى منه. فسماه ضمرة باسم أبيه. فهو ضمرة بن ضمرة بن جابر. وذهب قوله: إنما يعيش الرجل بأصغريه، مثلاً.

125_قولهم آكُل لَحْمِي ولا أَدَعُه لآِكِلٍ
أول من قال ذلك العيَّار بن عبد الله الضبّي ثم أحد بني السيّد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبّة. وكان من حديثه فيما ذكر المفضّل الضبّي، أن العيّار وَفَد هو وحُبيش بن دُلفٍ وضرار بن عمرو الضبّيّان على النعمان بن المنذر، فأكرمهم وأجرى عليهم نُزُلاً. وكان العيّار رجلاً بطَّالاً يقول الشعر ويُضحك الملوك. وكان قد قال:

لا أَذْبَحُ النَّازِيَ الشَّبُوبَ ولا ... أَسْلُخ يومَ المُقَامَةِ العُنُقَا
(1/68)

وكان منزلهم واحداً. وكان النعمان بادياً فأرسل إليهم بجُزُرٍ فيهن تيسٌ فأكلوهن غير التيس. فقال ضرار للعيّار وهو أحدثهم سناً ليس لنا من يسلخ هذا التيس فلو ذبحته وسلخته وكفيتنا ذلك. فقال العيّار: فما أبالي أن أفعل. فذبح التيس وسلخه. فانطلق ضرار إلى النعمان فقال: أبيتَ اللعنَ. هل لك في العيّار يسلخ تيساً فقال: أبعد ما قال؟ قال: نعم. فأرسل إليه النعمان فوجده الرسول يسلخ التيس فأُتي به فضحك به ساعةً. وعرف العيّار أن ضراراً هو الذي أخبر النعمان بما صنع. وكان النعمان يجلس بالهاجرة في ظل سُرادقة وكان كسا ضراراً حُلّة من حُلله وكان ضرار شيخاً أعرج بادناً كثير اللحم. فسكت العيّار حتى إذا كانت ساعة النعمان التي يجلس فيها في ظل سُرادقه ويؤتى بالطعام، عمد العيّار إلى حلة ضرار فلبسها ثم خرج يتعارج حتى إذا كان بحيال النعمان وعليه حُلة ضرار كشف عنه فخرئ. فقال النعمان: ما لضرار قاتله الله لا يهابني عند طعامي!؟ فغضب على ضرار. فحلف ضرار ما فعل. قال: ولكني أرى العيّار فعل هذا من أجل أني كنت ذكرت سلخه التيس. فوقع بينهما كلام حتى تشاتما عند النعمان. فلما كان بعد ذلك ووقع بين ضرار وبين أبي مَرحَبٍ أخي بني يَربوع ما وقع قاوَل أبو مَرْحب ضراراً عند النعمان والعيّار شاهد. فشتم العيّار أبا مَرْحب وزجره. فقال النعمان: أتشتم أبا مَرْحب في ضرار وقد سمعتك تقول له شراً مما قال أبو مَرْحب؟! قال العيّار: أبَيْتَ اللعن وأسعدك إلهك، إني آكل لحمي ولا أدعه لآكل. فأرسلها مثلاً. فقال النعمان: لا يملك مولىً لمولىً نصيراً.
(1/69)

126_قولهم سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ
أول ما قيل ذلك لرجل من طَسْم، وكان له كلب، وكان يسقيه اللبن ويُطعمه اللحم ويُسمّنه. يرجو أن يُصيب به خيراً أو يحرسه. وبعضهم يقول: أن يصيد به أو يحرسه. فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب فأكله. فقيل: سمّن كلبك يأكلك. فذهبت مثلاً. وقال بعض الشعراء:

كَكَلْبِ طَسْمٍ وقد تَربَّبَهُ ... يَعُلُّه بالحَلِيبِ في الغَلَسِ
ظَلَّ عليه يوماً يُفَرْفِرُهُ ... إنْ لا يَلَغْ في الدِّماءِ يَنْتَهِسِ
وقال مالك بن أسماء:

هُمُ سَمَّنُوا كَلْبَاً ليأْكُلَ بَعضَهُم ... ولو فَعَلُوا بالحَزْمِ مَا سَمَّنُوا كَلْباً
وقال عَوف بن الأحوص:

أرانِي وقَيْساً كالمُسَمِّن كلْبَهُ ... فَخَدَّشَهُ أنيابُه وأظافِرُهُ

127_قولهم بأَبِي وُجوهُ اليَتامَى
أول من قاله أخ للنعمان من الرضاعة يقال له سعدُ القَرْقَرة، من أهل هَجَر. وكان أضحكَ الناس وأبطَلهم. وكان يُضحِك النعمان ويعجبه. وسعد القرقرة الذي يقول:
(1/70)

ليْتَ شِعْرِي متى تَخُبّ بِي النَّا ... قَةُ نحو العُذيبِ فالصنِّينِ
مُحْقِباً زُكْرَةً وخبزَ رُقاقٍ ... وحَباقَى وقطعةً مِنْ نُونِ
فزعموا أن النعمان قعد ذات يوم في مجلسه ضاحكاً فأنى بحمار وحشٍ، فدعا بفرسه اليَحموم فقال احملوا سعداً على اليحموم وأعطوه مِطْرَداً وخلّوا عن هذا الحمار حتى يطلبه سعد فيصرعه. فقال سعد: إني إذاً أُصرعُ عن الفرس. فقال النعمان: والله لتحْمِلنَّهُ. فُحمل على اليحموم ودُفع إليه المطرد وخُلّى الحمار، فنظر سعد إلى بعض بنيه قائماً في النظَّارة فقال: بأبي وجوه اليتامي. فأرسلها مثلاً. فألقى الرُمح وتعلّق بمعْرَفة الفرس: فضحك النعمان، ثم أُدرِك فأُنزِل. فقال سعد القرقرة:

نَحنُ بغَرْسِ الوَدِيِّ أَعْلَمُنا ... مِنَّا بجَرْيِ الجِياد في السَّلَفِ
يا لَهْفَ أُمِّي فكيف أطْعَنُه ... مُستمسِكاً واليدان في العُرُفِ
قد كنتُ أدركتُه فأَدْركَنِي ... للصَّيْدِ جَدٌّ من مَعْشَرٍ عُنُفِ

128_قولهم قد يَضرطُ العَيْرُ والمِكواةُ في النَّارِ
أول من قال ذلك: مسافِرُ بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان أتى النعمان بن المنذر يستميحه فأنزله وأكرمه. وكانت هند بنت عتبة قالت له: إذا رجعت بجائزة النعمان تزوجتك. فبينا هو ذات يوم إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله
(1/71)

عن هند فأخبره أن أبا سفيان تزوجها، فمرض فاستُسقي، فداواه عباديّ وأحمى مكاويه. فلما جعلها على بطنه ورجل قريب منه ينظر إليه فجعل ذلك الرجل يضرط فقال مسافر: قد يضرطُ العَير والمكواةُ في النار. فأرسلها مثلاً.

129_قولهم ساءَ سَمْعاً فأَساءَ إِجابَةً
أول من قال ذلك سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي. وكان تزوج صفية بنت أبي جهل بن هشام، فولدت له أنس بن سهيل، فخرج معه ذات يوم وقد خرج وجهه، فوقفا بحَزَوَّرَةَ مكة، وأقبل الأخنس بن شَريقٍ الثقفي فقال: من هذا؟ فقال سهيل: ابني. قال الأخنس: حيّاك الله يا فتى، قال: لا والله ما أُمِّي ثَمَّ، انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقاً. قال أبوه: ساء سمعاً فأساء إجابةً. فأرسلها مثلاً. فلما رجعا قال أبوه: فَضَحني ابنك اليوم عند الأخنس، قال: كذا وكذا. قالت: إنما ابني صبيّ. قال: أشبَه أمرؤ بَعْضَ بَزِّهِ. فأرسلها مثلاً.

130_قولهم إِلِيْكَ يُساقُ الحَدِيثُ
قال المفضل الضبيّ: زعموا أن رجلاً أتى امرأة يخطبها فأنعَظَ وهي تكلمه فجعل كلما ازداد إنعاظاً، وجعل يستحي ممن حضر من أهلها. فقال ووضع يده على ذَكَره: إليك يُساق الحديث. فأرسلها مثلاً. وقال ابن الكلبي: قاله عامر
(1/72)

بن صعصعة، وكان جَمَع بنيه عند موته ليُوصيهم فمكث طويلاً لا يتكلم فاستحثه بعضهم فقال: إليك يُساق الحديث.

131_قولهم كَبِرَ عَمروٌ عن الطَّوْق
أول من قال ذلك جَذيمة الأبرش. وكان عمرو بن عدي بن نصر اللخْميّ ابن أخته أجمل الناس فاستُطير ففُقِدَ زماناً من الدهر، وضُرب له في الآفاق فلم يوجد، وأتى على ذلك ما شاء الله، ثم وجده رجلان يقال لأحدهما مالك وللآخر عقيل. فأتيا به جذيمة الأبرش وهو يومئذٍ ملك الحيرة فأكرمهما وأحسن إليهما. وقال: لكما حكمكما. فسألاه أن يكونا أبداً نديمَيْه ففعل. فلم يزالا نديمَيْه زماناً من الدهر حتى فرّق بينهما الموت. وأعجب جذيمة ما رأى من أسباب عمروٍ وهيئته، فأرسل إلى أمه فألبسته وجعلت في عنقه طَوقاً، فقال جذيمة: كبر عمروٌ عن الطوق. فأرسها مثلاً. وقال متمِّم بن نُويرة:

وكُنَّا كَنَدْمانَيْ جَذيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حّتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا
وقال أبو خِراش يذكرهما:

أَلَمْ تَعْلَمِي أنْ قد تفَرَّق قَبْلَنا ... خَلِيلاَ صفاءٍ مَلِكٌ وعَقِيلُ

132_قولهم صَحِيفَةُ المُتَلَمِّس
كان من حديثهما أن عمرو بن المنذر بن امرئ القيس كان يرشِّح أخاه قابوس
(1/73)

بن المنذر، وهما لهند بنت الحارث بن عمرو الكندي آكل الُمرار، ليملك بعده. فقدم عليه المتلمس وطرفَة فجعلهما في صحابة قابوس وأمرهما بلزومه. وكان قابوس شابّاً يُعجبه اللهو، وكان يركب يوماً في الصيد فيركض يتصيّد وهما معه يركضان حتى يرجعا عشيّة وقد لَغِبا، فيكون من قابوس من الغد في الشراب فيقفان بباب سُرادقه إلى العشيّ. فكان قابوس يوماً على الشراب فوقفا ببابه النهار كله ولم يصلا إليه، فضجِر طَرَفة فقال:
لَيْتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمْروٍ ... رَغُوثاً حول قُبَّتِنا تَخُورُ
مِنَ الزَّمِراتِ أَسْبَلَ قادِماهَا ... وضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ
يُشَارِكُنَا لَنَا رَخِلان فيها ... وَتَعْلُوها الكِباشُ وما تَثُورُ
لَعَمْرُكَ إنّ قابوسَ بنَ هِنْدٍ ... لَيَخْلِطَ مُلْكَه نَوْكٌ كَثِيرُ
قسمتَ الدَّهْرَ في زَمَنٍ رَخِيٍّ ... كذاك الحُكْمُ يَقصِدُ أوْ يَجُورُ
لَنَا يَوْمٌ وللكِرْوَانِ يَوْمٌ ... تَطيرُ البائِساتُ ولا نَطيِرُ
فأمَّا يومُهُنَّ سُوءٌ ... تُطارِدُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ
وأمَّا يَوْمُنا فَنَظَلُّ رَكْباً ... وُقوفاً ما نَحُلُّ ولا نَسِيرُ
وكان طرفة عدوّاً لابن عمه عبد عمرو بن بشر بن مرثد. وكان عبد عمرو كريما على عمرو بن هند وكان سميناً فدخل مع عمرو الحمَّام. فلما تجرّد قال عمرو بن هند: لقد كان ابن عمك طرفة رآك حين قال ما قال. وكان طرفةُ هَجا عبد عمرو فقال:
(1/74)

لاخَيْرَ فيه غير أَنَّ له غِنىً ... وأنَّ له كَشْحاً إذا قام أَهْضَمَا
تَظَلُّ نِساءُ الحَيِّ يَعْكُفْنَ حَوْلَه ... يَقُلْنَ عَسِيبٌ من سَرارَةِ مَلْهَمَا
له شَرْبَتان بالعَشِيِّ وشَرْبةٌ ... من اللَّيْلِ حتى آضَ جِبْساً مُوَرِّما
كأنَّ السِّلاح فوقَ شُعْبَةِ بانَةٍ ... تَرَى نَفَخاً وَرْدَ الأَسِرَّةِ أَصْحَما
ويَشْرَبُ حتَّى يَغْمُرَ المَحْضُ قَلْبَه ... وإنْ أُعْطَهُ أترك لقلبِيَ مَجْثَما
قال: فلما قال ذلك، قال عبد عمرو: ما قال لك شرٌ مما قال لي. ثم أنشده:

لَيْتَ لنا مَكَانَ المَلْك عَمْروٍ
فقال عمرو: ما أُصدقك عليه. وقد صدقه ولكنه خاف أن يُنذره وتُدركه الرَّحِم. فمكث غير كثير. ثم دعا المتلّمس وطرفة فقال: لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما وسرّكما أن تنصرفا. قالا: نعم. فكتب لهما إلى عامله على هَجَر أن يقتلهُما. وأخبرهما أنه كتب لهما بحِباءٍ ومعروف. وأعطى كل واحد منهما شيئاً فخرجا. وكان المتلمّس قد أسنَّ. فمرا بنهر الحيرة على غلمان يلعبون. فقال المتلمّس: هل لك في أن تنظر في كتابينا فإن كان فيهما خيرٌ مضينا له وإن كان شراً ألقيناهما؟ فأبى عليه طرفة. فأعطى المتلمّس كتابه بعض الغلمان فقرأه عليه، فإذا فيه السَوءة فألقى كتابه في الماء. وقال لطرفة: أطعني وألقِ كتابك، فأبى طرفة، ومضى بكتابه إلى العامل فقتله. ومضى المتلمس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام. فقال المتلمس في ذلك:
(1/75)

مَنْ مُبْلِغُ الشَّعَرِاءَ عن أَخَوَيْهِمُ ... نَبَأً فَتَصْدُقَهُمْ بذاك الأَنْفُسُ
أَوْدِى الَّذِي عَلِقَ الصَّحِيفَةَ منهما ... ونَجَا حِذَارَ حِبائه المُتَلَمِّسُ

133_قولهم في بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَم
هذا شيء يَتمثلُ به العرب على المَزح ولا أصل له. زعموا أن الأرنب وجدت تمرة فاختلسها الثعلب منها فأكلها. فانطلقت به إلى الضبِّ يختصمان إليه. فقالت الأرنب: يا أبا الحُسَيْل؟ فقال: سميعاً دعوتِ. قالت: أتيناك لِنَحْتَكم إليك فاخرُج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم! قالت: إني وجدت تمرة. قال: حُلوة فكليها. قالت: فاختلسها الثعلب من فأكلها. قال: لنفسه بغَىَ الخير. قالت: فلطَمته. قال: بحقك أخذتِ. قالت فَلَطمني. قال: حرٌّ انتصر. قالت: فاقض بيننا. قال: حَدِّث الرعْناء بحديثَين فإن أبَتْ فارْبَعْ. فذهب هذا كله مثلاً. ومعنى ارْبَعْ: أمسِكْ وكُفَّ.

134_قولهم الطُّفَيْلِيّ
قال الأصمعي: هو الذي يدخل على القوم من غير أن يدعوه. وهو مأخوذ من الطَّفْلِ وهو إقبال الليل على النهار بظُلمته. وقال أبو عمرو: الطُفَل الظُلمة بعينها وأنشد لابن هَرْمَة:
(1/76)

سَمِعتُ فيها عَزِيفَ الجِنِّ ساكِنِها ... وقد عَلانِيَ من لَوْنِ الدُّجَى طَفَلُ
فيعني بذلك أنه يُظلم على القوم أمره فلا يدرون مَن دعاه ولا كيف دخل عليهم. وقال أبو عبيدة وغيره: الطفيلي منسوب إلى طُفيل بن زلال، رجل من أهل مكة من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يُدعى إليها. وكان يقال له طُفَيْل الأعراس والعرائس: وددتُ أن الكوفة بِرْكة مُصَهْرَجَةٌ فلا يخفى عليَّ منها شيء. وكان هو أول من فعل ذلك. فأما العرب فإنها تسمي الذي يجيء إلى الطعام لم يُدع إليه الوارِش. وقال الراجز:

ولا تَزَالُ وُرَّشٌ تأتينا ... مُهَرْكِلاتٍ ومُهَرْكِلينا
فإذا كان يفعل ذلك على الشراب فهو الواغل. وقال امرؤ القيس:

فاليَوْمَ فاشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إِثْماً من اللهِ ولا وَاغِلِ
قال أبو عمرو: يقال لذلك الشراب الوغْل. وأنشد لعمرو بن قَميئة:

إِنْ أَكُ سِكِّيراً فلا أَشْرَبُ الْ ... وَغْلَ ولا يَسْلَمُ مِنِّي البَعِير
وقال ابن الأعرابي يقال للطفيلي: اللعمَظيّ والجمع اللعامِظة، وأنشد:

لعامِظَةٌ بين العصَا ولِحائِها ... أدقاءُ نيَّالون من سَقَط السَفْرِ
(1/77)

135_قولهم هو الكانون
قال الفرّاء: هو الثقيل. قال: ومن كلامهم: قد كَنْوَنْتَ علينا أي أثقلت وأنشد للحطيئة:

أَغِرْبالاً إذا استُودِعْتَ سِرَّاً ... وكانُوناً على المُتَحَدِّثِينا
وقال الأصمعي: هو الذي إذا دخل على القوم وهم في حديث كَنَوْا عنه من أجله وقال أبو عبيدة أو غيره: هو فاعولٌ من كننتَ الشيء إذا أخفيته وسترته، فمعناه أن القوم يكُنُّون أحاديثهم عنه.

136_قولهم أَنْفَقَ مَالَهُ على النَّعْفِ والطُّلُولِ
قال الأصمعي: النعْف: ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض وليس بالغليظ. وأنشد للفرزدق:

ألم تَرَ أَنّي يَوْمَ نَعْف سُوَيْقَةٍ ... بَكَيْتُ فنادَتْنِي هُنَيْدةَ مالِيَا
والطُلول: جمع طلل، وهو ما شخَصَ من آثار الديار. والعرب تقول للرجل حيَّ الله طللك أي شخْصك. وأنشد للكميت:

أَلَمْ تَرْبَع على الطَّلَلِ المُحِيلِ ... بِفَيْدَ وما بُكاؤك بالطُّلُول
ومعنى ذلك أنه أنفق ماله عبثاً بهذه الأشعار التي فيها ذكر النعف والطلل.
(1/78)

137_قولهم في سِين
معناه زعْمِه. وهذه كلمة رومية إنما تُحكى عن عرب الشام، لأنهم أخذوها من الروم بمجاورتهم إياهم.

138_قولهم توسَّمْتُ الخيرَ في وَجْهِه
قال الفرّاء: معناه رأيت أثره في وجهه. قال: والوسم الأثر ومنه سميت السِمة لأنه يوسم بها أي يؤثّر أثرها. قال: ويكون أيضاً من الوسامة وهي الحُسْن، فيكون المعنى رأيت حُسْن الخير فيه وفي وجهه. ويقال: رجل وسيم قسيم إذا كان حسَناً.

139_قولهم أعرابيّ قُحٌّ
قال الأصمعي: القُحُّ: الخالص. وهو مأخوذ من قُحاح الأرض وهو ما ظهر منها ولم يكن فيه نبتٌ.
(1/79)

140_قولهم أعرابيّ جِلفْ
قال الأصمعي: الجِلفُ: جلد الشاة والبعير، فكأن المعنى أنه أعرابي ببدويته وجفائه، أي هو أعرابي بجلده ولم يتزيَّ بزيِّ أهل الحضَر وأخلاقهم، فيكون قد نزع جلده الذي جاء فيه ولبس غيره. قال: وهذا كقولهم: هذا كلام العرب بغُباره أي لم يتغير عن جهته. وقال غيره: أصله من أجلاف الشاة المسلوخة بلا قوائم ولا رأس ولا بطن، فكأنه جسم فقط. أي ليس يفهم ما يُراد منه. وقال اليماميّ: جَلف كل شيء: قِشره. فكأن المعنى فيه أنه مُتزيٍّ بزيِّ العرب متشبه بهم وليس منهم. والأول أصحّ في المعنى.

141_قولهم هو مَحْدُودٌ
قال الأصمعي: أي ممنوع من الرزق قد حُبِس عنه. ومنه قيل للسجَّان حدَّاد وأنشد:

يقول الحَدَّادُ أنت مُعَذَّبٌ ... غَدَاةَ غدٍ أو مُسْلَمٌ فَقَتِيلُ
قال: وكل من منع شيئاً فقد حدّه. واحتج ببيت الأعشى:

فقُمْنَا ولَمَّا يَصِيحُ دِيكُنا ... إلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادِها
أي صاحبها الذي يمنعها. يعني خمْراً.
(1/80)

142_قولهم أَكْيَسُ من قِشَّةَ
قال الأصمعي: القِشَّة الصغيرة من أولاد القِردة.

143_قولهم أخَذَهُ بِرُمَّتِه
قال الأصمعي: الرُمّة قطعة حبل في رِجل الجمل أو في عنقه، فكأن المعنى أخذه تاماً وافياً لم ينتقص ولا غُيّر منه شيء. وأنشد لذي الرُمّة في صفة وَدٍّ:
أَشْعَثَ باقِي رُمَّةَ التَّقْلِيدِ
قال: ويقال حبل أرمامٌ إذا كان قطعاً، وأنشد:

من غير مَقْلِيَةٍ وإنَّ حِبالَها ... لِيْسَتْ بأَرْمامٍ ولا أَقْطاعِ

144_قولهم فلانٌ عُرَّةٌ
قال الأصمعي: العُرّة والعَرُّ: الجَرَب، فيعني أنه يعُرُّ أهله أي يلصق بهم من العيب والدنس كالجرب. ويقال: قد عرّه بكذا إذا رماه به ودنسه، وأنشد لعَلْقَمَة الفحل:
(1/81)

قد أَدْبَرَ العَرُّ عنها وهْوَ شامِلُها ... من ناصِعِ القَطِران الصِّرف تَدْسِيمُ
قال: والعُرُّ: بثرٌ يخرج في الإبل، تزعم العرب أنه إذا خرج بالبعير تُعُمَّد أن يُبرك إلى جانبه فُيكوى فإذا فُعل بَرأَ هذا. وقال النابغة:

حَمَّلَتْني ذَنْبَ امْرِئٍ وتَرَكْتَهُ ... كَذِي العٌرِّ يُكْوَى غَيْرُه وهو رَاتِع
وقال غيره: العُرّة العَذِرة، فيراد به أنه قذر دنس يُلحق بأهله من الدنس والقذر كذلك. قال الطِّرماح:

في شَناظِي اُقُنٍ بينَها ... عُرَّةُ الطِّيْرِ كَصَوْمِ النَّعَامْ

145_قولهم صار حَديِثَ الجَرادَتَيْن
إذا شُهر أمره. يراد بالجرادتين قينتا معاوية بن بكر، أحد العماليق. وكان من حديث الجرادتين أن عادا لما كذّبوا هوداً عليه السلام توالت عليهم ثلاث سنوات تهبّ الرياح من غير مطر ولا سحاب. فجمعوا من قومهم تسعين رجلاً فبعثوا بهم إلى مكة ليستسقوا لهم، ورأسوا عليهم: قَيْلَ بن عِتْر، ولُقيْم بن هزَّال، ومرثَد بن سعد بن عُفيْر وكان مُسلماً يكتم إيمانه، وجُلْهُمَة بن الخَيْبري، ولقمان
(1/82)

بن عاد. وكانت العرب إذا أصابها جَهْدٌ جاءت إلى بيت الله تبارك وتعالى فسألت الله فُيعطيهم الله جل وعز مسألتهم إلا أن يسألوا فساداً. وكان أهل مكة إذ ذاك العماليق وهم بنو عِمْلِيق بن لاوِذ بن سام بن نوح. وكان سيّد العماليق يومئذ بمكة معاوية بن بكر. فلما قدِم وفدُ عادٍ عليه لأنهم كانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً يُكرمهم بغاية الكرامة. وفي بعض الأحاديث أقاموا حوْلاً. وكانت عنده جاريتان يقال لهما الجرادتان تُغنّيانهم. فلهوْا عن قومهم شهراً، فلما رأى ذلك معاوية من طول مُقامهم شقّ عليه وقال: هلك أصهاري وأخوالي، ما لعادٍ خَتَنٌ أشأمُ مني، وإن قلت لهم شيئاً في أمرهم توهَّموا أن هذا بُخلٌ مني. فقال شعراً ودفعه إلى الجرادتين تُغنيانهم به وهو:

ألا يا قَيْلُ وِيْحك قُمْ فَهَيْنِم ... لَعَلَّ اللهَ يَبْعَثُها غَماما
لِتَسْقِى آلَ عَادٍ إِنَّ عَاداً ... قد أمْسَوا لا يُبينُونَ الكَلامَا
من العَطَشِ الشَّدِيدِ وليس نَرْجو ... لها الشَّيْخَ الكَبِير ولا الغُلاَما
وقد كانت نساؤُهم بخَيْرٍ ... فقد أَمْسَت نساؤُهم عَيامَى
وإنَّ الوَحْشَ تأتِيهم نَهاراً ... ولا تَخْشَى لراميهم سَهاما
وأنتم ها هُنا فيما اشْتَهَيْتُم ... نَهَاركم ولَيْلكم التِماما
فقُبِّحَ وَفْدُكم من وَفْدِ قَوْمٍ ... ولا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسَّلامَا
فلما غنّتهم بهذا الجرادتان قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم فقاموا ليدعوا، وتخلّف لقمان لأنهم لم يُرَئِّسوه ورأَّسوا قيْلاً فدعوا الله جل وعز
(1/83)

لقومهم. وكانوا إذا دعوا أجابهم نداءٌ من السماء أن سلوا فيُعطوْن ما سألوا. فدعوا ربهم واستسقوا لقومهم، فأنشأ الله لهم ثلاث سحابات: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى منادٍ من السماء: يا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب، فقال: أما البيضاء فجفْل، وأما الحمراء فعارِض، وأما السوداء فَهطِلة، ويقال فمُطِلة وهي أكثرها ماء فأختارها. فناداه منادٍ قد اخترت لقومك رماداً رِمْدِدا، لا تُبقي من عادٍ أحدا، لا والداً ولا ولدا. وسيّر الله السحابة السوداء التي اختارها قيْل إلى عاد. ونودي لقمان سلْ. فسأل عُمَر ثلاثة أنسُرٍ. فأعطى ذلك. فكان يأخذ فرخ النسر من وكره فلا يزال عنده حتى يموت. وكان آخرها لُبَدٌ. وهو الذي يُضرب به المثل فُيقال: أكبر من لبد، وعُمِّر لُبد. وفيه يقول النابغة:

أَضْحَت خَلاءً وأضْحى أهْلُها احتَمَلُوا ... أَخَْنَى عليها الَّذِي أَخنَى على لُبدِ

146_قولهم أَنا النَّذِيرُ العُرْيان
هو رجل من خثعم حمل عليه يوم ذي الخَلَصةَ عوف بن عامر بن أبي عوف بن عُويْف بن مالك بن ذبيان بن ثعلبة بن عمرو بن يَشكُر بن علي بن مالك بن نُذير بن قسْر فقطع يده ويد امرأته، وكانت من بني عُتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. فكان يحُضُّ ثومه على بني قَسْر. فضُرب مثلاً لكل من حضَّ على شيء أو حذَّر. ويقال: أنه سُلِبَ فأتى قومه عُرياناً وجعل يقول: أنا النذير العريان. أي ليس في أمري شبهة.
وقال ابن الكلبي: كان من حديث النذير العريان أن أبا دُؤادٍ الشاعر كان
(1/84)

جاراً للمنذر بن ماء السماء، وأن أبا دؤاد نازع رجلاً بالحيرة من بهراء يقال له رَقَبة بن عامر بن كعب بن عمرو، فقال له رقبة: صالحني وحالفني. قال أبو دؤاد: فمِنْ أين تعيش إياد إذاً، فوالله لولا ما تُصيب من بهراء لهَلَكَت. ثم افترقا على تلك الحال. وأن أبا دُؤاد أخرج بنين له ثلاثة في تجارة إلى الشام، فبلغ ذلك رقبة البهراني فبعث إلى قومه فأخبرهم بما قال له أبو دُؤاد عند المنذر، وأخبرهم أن القوم ولدُ أبي دُؤاد. فخرجوا إلى الشام فلقوهم فقتلوهم وبعثوا برؤوسهم إلى رقبة، فلما أتته الرؤوس صنع طعاماً كثيراً ثم أتى المنذر فقال: قد اصطنعت لك طعاماً فأنا أحب أن تتغدى عندي، فأتاه المنذر وأبو دُؤاد معه. قال: فبينا الجفان تُرفع وتوضع إذ جاءته جفنة عليها أحد رؤوس بني أبي دُؤاد. قال: فقال أبو دُؤاد: أبيت اللعن إني جارك وقد ترى ما صُنع بي! وكان رَقَبة جاراً للمنذر. قال فوقع المنذر منهما في سوْءة. وأمر برقبة فحبسه، وقال لأبي دُؤاد: ما يُرضيك؟ قال: أن تبعث بكتيبتك الشهباء والدوسر إليهم. فقال المنذر: قد فعلت فوجّه إليهم بالكتيبتين. فلما رأى رقبةُ ذلك من صنيع المنذر قال لامرأته: ويحك الحَقي بقومك فأنذريهم. فعمدت إلى بعض إبل البهراني فركبته، ثم خرجت حتى أتت قومها فتعرّت ثم قالت: أنا النذير العريان. فأرسلتها مثلاً. وعرف القوم ما تُريد فصعدوا إلى عُليا الشآم. وأقبلت الكتيبتان فلم تُصيبا منهم أحداً. فقال المنذر لأبي دُؤاد: قد رأيت ما كان منهم، أفيُسكِتُك عني أن أعطيك بكل رأسٍ مائتي بعير؟ قال: نعم. فأعطاه ذلك. وفيه يقول قيس بن زهير العبسي:

سأَفْعَل مابَدا لي ثم آوي ... إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤاد
(1/85)

وقال غيره: إنما قالوا: النذير العريان، لأن الرجل إذا رأى الغارة قد فجئتهم وأراد إنذار قومه تجرّد من ثيابه وأشار بها ليُعلم أن قد فجئهم أمرٌ، ثم صار مثلاً لكل أمر تُخاف مفاجأته. ومن ذلك قول خُفاف بن نُدبة يصف فرساً:

نَمِلٌ إذا ضُفِرَ اللِّجامُ كأنَّهُ ... رَجُلٌ يُلَوِّح باليَدَيْنِ سَلِيبُ
وقال آخر:

كشَخْصِ الرَّجُلَ العُرْيَا ... نِ قَدْ فُوجِئَ بالرُّعْبِ
ومنه قول الآخر:

رَجْلاَنُ من ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أنَّا رأيْنَا رَجُلاً عُرْيانا

147_قولهم أشْغَلُ من ذاتِ النحيَيْنِ
هي امرأة من بني تيم الله بن ثعلبة كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتاها خوّات بن جُبير الأنصاري يبتاع منها سمناً، فلم يرَ عندها أحداً فطمع فيها، فساومها فحلّت نِحياً مملوءاً فنظر إليه، ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى غيره، فقالت: حُلّ نِحياً آخر ففعل، ونظر إليه فقال: أريد غير هذا فأمسكي هذا. ففعلت. فلما شغل يديها ساورها فلم تقدر على دفعه حتى قضى ما أراد وهرب فقال:
(1/86)

وذَاتِ عِيالٍ واثِقينَ بنفْعِها ... خَلَجْتُ لها جارَ اسْتِها خَلَجاتِ
وشَدَّتْ يَدَيْها إذا أَرَدْتُ خِلاطَها ... بِنحيَيْن من سَمنٍ ذَوَيْ عُجَراتِ
فكان لها الوَيْلات من تَرْكِ سَمْنِها ... وَرَجْعَتِها صِفْراً بغَيْرِ فَعَلاتِي
ثم أسلم خّوات وشهد بدراً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا خوّات كيف شِرادُك؟ وتبسم. فقال: يا رسول الله قد رزق الله جل وعز خيراً وأعوذ بالله من الحوْر بعد الكوْر. وهجا رجل رجلاً من بني تيم الله فقال:

أناسٌ ربَّةُ النِحْيَيْن مِنْهُم ... فعُدُّوهَا إذا عُدَّ الصَمِيمُ

148_قولهم أنت شَوْلَةُ الناصِحَة
كانت شوْلة أمَةً لعدوان رعْناء، وكانت تنصح لمواليها فتعود نصيحتها وبالاً لِحُمقها.

149_قولهم يا عَبَرُ
قال الأصمعي: معناه أنه يأتي بما يُعبِر العين أي يبكيها. والعبْرة: الدمعة
(1/87)

وقال غيره: العبرُ: الحزن. يقال فلان عبِرٌ وعَبْرانُ وامرأة عَبِرةٌ وعَبْرى، فكأنه غمٌّ وحُزنٌ لأهله.

150_قولهم يا وَتِحٌ
معناه يا قليل، ويقال: قليلٌ وتِحٌ ووتَحٌ.

151_قولهم يا وَغْدُ
قال الأصمعي: الوغدُ: الضعيف. ثم كثُر حتى قالوا لكل قليل وغد. وكذلك النذل هو الضعيف، ثم كثُر حتى جُعل للبخيل وغيره.

152_قولهم يا مُحارِفُ
قال الأصمعي: الذي حورِف عنه الرزق أي عُدل عنه. وقال غيره: المحارف الذي عدلت عنه الحِرفَة. والحرفة: التجارة والمعاملة. ومن ذلك قولهم: فلان حَريفي ومُعاملي.
(1/88)

153_قولهم هو ذِئبٌ أمْعَطُ
الأمعطُ: الذي قد تمعّط شعره وانجرد، وإنما يكون ذلك في الذئب يأوي الغياض وبين الشجر، وذلك أخبث الذئاب لأنه خَمِرٌ يستتر بأي شيء.

154_قولهم مَنْ عَزَّ بَزَّ
قال الأصمعي: يقال: عزَّه يَعُزّه عزَّاً. وأنشد لجرير:

يَعُزُّ على الطَّرِيق بمنْكِبَيْه ... كما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ على القِداح
وبزَّ: سَلَبَ يقال: بززته ثيابه أي سلبته. فمعنى الكلام من غلب سلب. وقالت الخنساء:

كأنْ لم يكُونوا حِمىً يُتَّقَى ... إذ الناسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عزَّ بزَّ
والبِزّةُ: الثياب. والبزة أيضاً السلاح. ومنه قولهم: فلان حسنُ البِزّة أي حسنُ اللباس. وقال الشاعر:

أُرَجِّلُ جُمَّتِي وأَجُرُّ ذِيْلِي ... ويَحْمِلُ بِزَّتي أُفُقٌ كُمَيْتُ
أُفُقٌ: فرسٌ واسعة وأول من قال: من عزّ بزّ. رجل من طيء يقال له جابر
(1/89)

بن رَألان أحد بني ثُعل. وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة. وكان للمنذر بن ماء السماء يومٌ يركب فيه فلا يلقى أحداً إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم جابراً وصاحبيه فأخذتهم الخيل بالثُّوَيَّةِ، فأُتي بهم المنذر. فقال: اقترعوا فأيكم قرع خلّيت سبيله وقتلت الباقيين. فاقترعوا جابر بن رألان فخلّى سبيله وقتل صاحبيه. فلما رآهما يُقادان ليُقتلا قال من عزَّ بزَّ. وقال جابر بن رألان في ذلك:

يا صاح حَيِّ الراني المُترَبِّبا ... واقرأْ عليه تحيّةً أنْ يَذْهَبَا
يا صاح أَلْمِمْ إِنَّها إِنْسِيَّةٌ ... تُبْدِي بناناً كالسُّيُور مُخَضّبَا
ولقد لَقِيتُ على الثُّوَيَّيةَ آمِناً ... يَسِقُ الخَمِيسَ بها وَسِيقاً أَحْدَبَا
كَرْهاً أُقَارِعُ صاحِبَيّ ومن يَفُزْ ... مِنَّا يَكُن لأخيه بَدْأً مُرهِبا
للهِ دَرِّي يوم أَتْرُك طائعاً ... أَحَداً لأَبْعَدَ منهما أَوْ أَقْربا
فعرفتُ جَدِّي يوم ذلك إذْ بدَا ... أخذُ الجُدود مشرِّقِين وغُرَّبَا
كَرَّ المنون عليكَ دَهْراً قُلَّباً ... كَرَّ الثَّفال بقَيْدِه أن يَهْرُبَا
ولقد أرانَا مالِكينَ لرَأْسِه ... نَرْعَى خِزَامَة أَنْفِه أَنْ تَشْعَبَا

155_قولهم نَدِمْتُ نَدامَةَ الكُسَعِيّ
يقال: إن الكسعيّ من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان. ويقال من اليمن. وقال
(1/90)

الهيثم: فيما أحسب، إنه رجل من بني كُسَع ثم أحد بني مُحارب يقال له غامد بن الحارث، وكان يرعى إبلاً له بوادٍ كثير العشب والخَمْط، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعةٍ في صخرة فأعجبته وقال: ينبغي أن تكون هذه قوساً، فجعل يتعاهدها في كل يوم ويقوّمها حتى أدركت قطعها وجففها. فلما جفّت اتخذ منها قوساً، وأنشد يقول:

يا ربّ وَفِّقْنِي لنَحْتِ قَوْسِي ... فإنّها من لَذَّتِي لِنَفْسي
وانْفَعْ بِقَوْسِي وَلَدِي وعِرْسِي ... أنحتُها صَفْراءَ مثَل الوَرْسِ
صَلْداءَ لَيْسَت كَقِسيِّ النُّكْسِ
ثم دهنها وخطمها بوتر، ثم عمد إلى برايتها فجعل منها خمسة أسهم، وجعل يقّلبها في كفه ويقول:

هُنَّ ورَبِّي أَسْهُمٌ حِسانُ ... تَلَذُّ للرَّامِي بها البَنانُ
كأَنَّما قَوَّمَها مِيزان ... فأبْشِرُوا بِالخِصْب يا صِبْيَانُ
إِنْ لم يَعُقْنِي الشُّؤْمُ وَالحِرْمانُ
ثم خرج حتى أتى قُترةً على موارد حُمُرٍ فكمن فيها. فمر به قطيعٌ منها، فرمى عَيْراً منه فأصابه فأمخطه السهم، أي انتظمه، فجازهُ وأصاب الجبل فأورى ناراً فظنّ أنه أخطأه، فأنشأ يقول:

أعوذُ باللهِ العَزِيزِ الرّحْمَنْ ... من نَكَدِ الجَدِّ مَعاً والحِرْمانْ
مَالِي رأيتُ السَّهْمَ بين الصَّوَّانْ ... يُورِي شَرَاراً مثل لَوْنِ العِقْيانْ
فأُخْلِفُ اليَوْمَ رَجَاءُ الصِّبْيانْ
(1/91)

ثم مكث على حاله. فمرّ به قطيع آخر فرمى عَيْراً منها فأمخطه السهم وصنع مثل صنيع الأول، فأنشأ يقول:

لا بارَكَ الرحمنُ في رَمْيِ القُتَرْ ... أعوذُ بالخَالِق من شَرِّ القَدَرْ
أَمَّخَطَ السَّهْمُ لإرْهاق الضَرر ... أم ذاك من سُوء احْتِالٍ ونَظَرْ
ثم مكث على حاله، فمر به قطيع آخر فرمى عَيْراً فأمخطه السهم وصنع مثل صنيع الأول فأنشأ يقول:

ما بَالُ سَهْمِي يُوقِدُ الحُباحِبَا ... قد كنتُ أرجو أن يَكُونَ صائِبَا
وأمكن العَيْرُ وأبْدَى جانِباً ... وصار رأيي فيه رأيا خائبا
ثم مكث على حاله، فمر به قطيع آخر فرمى عَيْراً فأمخطه السهم وصنع مثل صنيع الأول، فأنشأ يقول:

أَبَعْدَ خَمْسٍ قد حَفِظْتُ عَدَّها ... أَحْمِلُ قَوْسِي وأُرِيدُ رَدَّها
أَخْزَى الإله لِينَها وَشّدَّها ... واللهِ لا تسلَمُ منّي بَعْدَها
ولا أُرجِّي ما حَييتُ رِفْدَها
ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجراً فكسرها. ثم بات، فلما أصبح نظر فإذا الحُمُر حوله مصرَّعة، وأسهمه بالدم مضرجة. فندم على كسر القوس. ثم شد على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:
(1/92)

ندمتُ نَدَامَةً لو أَنَّ نَفْسِي ... تُطاوِعُني إِذاً لَقَطَعْتُ خَمْسِي
تَبَيَّنَ لي سَفاهُ الرأيِ مِنِّي ... لَعَمْرُ أبيكَ حِينَ كَسَرْتُ قَوْسِي

156_قولهم أَعَزُّ من كُلَيْبِ وَائل
هو كُليب بن ربيعة، واسمه وائل. وكان سيد ربيعة، وكانت رياسة مُضر وربيعة له. وكان قد بلغ من عزّهِ أنه إذا مر بروضةٍ أعجبته أو غديرٍ كَنَّعَ كُليباً ثم رمى به هناك، فلا يسمع عُواء ذلك الكُليب أحد فيقرب ذلك الموضع. فكان يقال: أعز من كليب وائل. ثم غلب الكُليب على اسمه فقيل أعزّ من كُليب.

157_قولهم أَشأَمُ من البِسُوسِ
هي البسوس بنت مِنْقَر الفُقيمية خالة جسّاس بن مرة قاتل كليب. وكان من حديث ذلك أنه كان للبسوس جار من جرم يقال له سعد بن أبي شُميْس، وكانت له ناقة يقال لها سراب. وكان كُليب بن ربيعة قد حمى أرضاً من أرض العالية في أُنُف الربيع، فلم يكن يرعاه أحد إلا إبل جسّاس بسبب الصهر بينهما، وذلك أن جليلة بنت مرة أخت جسّاس كانت تحت كُليب. فخرجت سراب ناقة الجرمي في إبل جسّاس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كُليب فأنكرها فرماها بسهم فاختلّ
(1/93)

ضرعها فولّت تَشْخَب دماً ولبناً حتى بركت بفناء صاحبها. فلما نظر إليها صرخ بالذل، فخرجت جارته البسوس فأقبلت حتى نظرت إلى الناقة. فلما رأت ما بها ضربت يدها على رأسها ونادت واذُلاّه. ثم أنشأت تقول وجسّاس يسمع:

لَعَمْرُك لو أَصْبَحْتَ في دار مِنْقَرٍ ... لمَا ضِيمَ سَعْدٌ وهو جارٌ لأبياتِي
ولَكِنَّنِي أصبحتُ في دارِ غُرْبَةٍ ... مَتَى يَعْدُ فيها الذِئبُ يَعْدُ على شاتِي
فيا سَعْدُ لا تَغْرُز بنفسك وارْتَحِل ... فإنك في قومٍ عن الجار أَمْواتِ
ودُونَك أَذْوادِي فإنَّيَ عَنْهُمُ ... لَرَاحِلَةٌ لا يُفْقِدُوني بُنَيَّاتي
فلما سمع جسّاس قولها سكّنها وقال: أيتها المرأة ليقتلنَّ غداً جمل هو أعظم عقراً من ناقة جارك. ولم يزل جسّاس يتوقع غِرّة كليب حتى خرج كليب لا يخاف شيئاً. وكان إذا خرج تباعد في الحي، فبلغ جسّاساً خروجه، فخرج على فرسه وأخذ رمحه، واتبعه عمرو بن الحارث فلم يدركه حتى طعن كليباً فدقَّ صلبه ثم وقف عليه. فقال كليب: يا جسّاس أغِثني بشربةٍ من ماء. فقال جسّاس تركت الماء وراءك. وانصرف عنه. ولحقه عمرو فقال لعمروٍ أغِثني بشربة ماء فنزل إليه فأجهز عليه فقيل:

المُسْتَجِيرُ بعَمْروٍ عند كُرْبَتِهِ ... كالمُسْتَجِيرِ من الرَّمْضِاءِ بالنَّارِ
وأقبل جسّاس يركض حتى هجم على قومه. فنظر أبوه إليه وركبته بادية. فقال لمن حوله: لقد أتاكم جسّاس بداهية. قالوا: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: لظهور ركبته، فإني لا أعلم أنها بدت قبل يومها. ثم قال: ما وراءك يا جسّاس. فقال: والله لقد طعنت طعنة لتجمعنَّ منها عجائز وائل رقصاً قال: وما هي ثكلتك أمك؟
(1/94)

قال: قتلتُ كُليباً. قال أبوه: بئس لعمر الله ما جنيت على قومك! قال جسّاس:

تَأَهَّب عَنْكَ أُهْبَة ذِي امْتِناعٍ ... فإنَّ الأَمْرَ جَلّ عن التَلاحِي
فإنِّي قد جَنَيْتُ عليكَ حَرْباً ... تغصّ الشيخَ بالماءِ القَراحِ
فأجابه أبوه:

فَإنْ تَكُ قد جَنَيْتَ عَلَيَّ حَرْباً ... فلا وَانٍ ولاَ رَثّ السِّلاحِ
سأَلْبس ثَوْبَها وأَذُبُ عَنَّي ... بها يومَ المَذلَّةِ والفِضاحِ
ثم قوّضوا الأفنية وجمعوا النعم والخيل وأزمعوا الرحيل. وكان همّام بن مرة أخو جسّاس نديماً لمُهلهل بن ربيعة أخي كليب. فبعثوا جارية لهم إلى همّام لتُعلمه الخبر، وأمروها أن تُسرّه من مهلهل. فأتتهما الجارية وهما على شرابهما فسارَّت همّاماً بالذي كان من الأمر. فلما رأى ذلك المهلهل سأل همّاماً عما قالت الجارية، وكان بينهما عهدٌ ألا يكتم أحدهما صاحبه شيئاً. فقال له: أخبرتني الجارية أن أخي قتل أخاك. فقال مهلهل: أخوك أضيق استاً من ذلك. وسكت همّام. وأقبلا على شرابهما فجعل مهلهل: يشرب شرب الآمن وهمّام يشرب شرب الخائف، فلم تلبث الخمر مهلهلاً حتى صرعته، فانسل همّام فأتى قومه وقد تحملوا فتحمل معهم. وظهر أمر كليب. فلما أصبح مهلهل إذا هو بالنساء يصرخن على كليب. فقال: ما دهاكن؟ قلن العُظْمُ من الأمر، قتلَ جسّاس كليباً. ونشب الشر بين تغلب وبكر أربعين سنة كلها تكون لتغلب على بكر. وكان الحارث بن عباد البكري قد اعتزل القوم، فلما استحرَّ القتل في بكر. اجتمعوا إليه وقالوا: قد فني قومك. فأرسلَ إلى مهلهل ببُجير ابنه فقال له: قل أبو بُجير يقرئك السلام، ويقول لك قد علمت أني اعتزلت قومي لأنهم ظلموك وخليتك وإياهم، وقد أدركت وِتْرَك، فأنشدك الله في قومك.
(1/95)

فأتى بُجير مهلهلاً وهو في قومه فأبلغه الرسالة. فقال: ومن أنت يا غلام؟ قال: بجُير بن الحارث بن عباد فقتله. ثم قال: بُؤْ بشسع كُليب. فلما بلغ فعله الحارث قال:

قَرِّبا مَرْبِط النَّعامةِ مِنَّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وائلٍ عَنْ حِيالِ
لمَ أَكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ الل ... هُ وإنَّي بِحَرِّها اليومَ صَالِي
لاَ بُجَيْرٌ أغنَى فَتِيلاً ولا ره ... طُ كُليبٍ تَزَاجَرُوا عن ضَلالِ
ثم جمع قومه فالتقى هو وبنو تغلب على جبل يقال له قِضّة فقتلهم وهزمهم، ولم يقوموا لبكرٍ بعدها.

158_قولهم أَجْسَرُ مِنْ قَاتِلِ عُقْبةَ
قال أبو عمرو القُعيْني: هو عقبة بن سِلْم من بني هُناءة من أهل اليمن صاحب دار عقبة بالبصرة. وكان أبو جعفر وجّهه إلى البحرين. وأهل البحرين ربيعة، فقتل من ربيعة قتلاً فاحشاً. فانضم إليه رجل من عبد القيس فلم يزل معه سنين. وعُزل عقبة فدخل بغداد ودخل العبدي معه. فكان عقبة واقفاً على باب المهدي بعد موت أبي جعفر فشد عليه العبدي بسكين فوجأه في بطنه فمات عقبة. وأُخذ العبدي فأدخل على المهدي فقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: إنه قتل قومي وقد ظفرت به غير مرة إلا أني أحببت أن يكون أمره ظاهراً حتى يعلم الناس أني أدركت ثأري منه. فقال المهدي: إن مثلك لأهل أن يُستبقى، ولكني أكره أن يجترئ الناس على القُوَّاد، فأمر به فضُربت عنقه. ويقال إن الوجأة وقعت في شرجة منطقة عقبة، فجعل المهدي يسائل
(1/96)

العبدي والعبدي يبكي إلى أن دخل داخل فقال يا أمير المؤمنين: مات عقبة. فضحك العبدي فقال المهدي: مم كنت تبكي؟ قال: من خوف أن يعيش. فلما مات أيقنت أني أدركت ثأري. فقال الناس: أجسر من قاتِل عقبة.

159_قولهم جَاءَ بخُفَّيْ حُنَيْن
قال الشرقي بن القطامى: كان هاشم بن عبد مناف رجلاً كثير التقلب في أحياء العرب في التجارات والوِفادات إلى الملوك، وكان نُكَحةً. وكان قد أوصى أهله متى أتوا بمولود معه علامة قد أعطاهم إياها أن يقبلوه. وتكون علامة قبولهم إياه أن يكسوه ثياباً وخُفاً. قال: فتزوج هاشم من حيٍ من اليمن وارتحل عنهم، فُولد له غلام فسماه حُنيناً ثم حمله إلى قريش. فلما قرُب منهم أرسل الغلام ومعه رجل من أهله فسأله عن عبد مناف أو المطّلب، فدُلّ عليه، فأتاه فقال: إن هذا الغلام ابن هاشم فسأله عن العلامة فلم يكن عنده شيء. فلم يقبله وردَّه إلى أهله. فلما أقبل الغلام راجعاً نظر إليه جده فقال: جاء بخفي حُنين: أي جاء بخُفيه خائباً لم يُقبل فتُخلعا ويُلبس مكانهما. فضرب مثلاً لكل خائب.
وقال أبو اليقظان: كان حنين ادُّعِي إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم أنا ابن أسد بن هاشم. فقال له عبد المطلب: لا وثياب هاشم! ما أعرف شمائل هاشم فيك فارجع. فقالوا: رجع حنين بخُفيه. فصار مثلاً لمن طلب حاجة فإذا رُدّ عن حاجته قيل: رجع بخفي حنين.
(1/97)

وقال أبو عمرو القعيني: هو حنين بن بلُّوغ العبادي من أهل دومة الكوفة وهي النجف وهو الذي يقول:

أنا حُنَيْنٌ ومَنْزِلي النَجَفُ ... ليس خَلِيلي بالبَاخِل الصَلِفُ
وإنما ضُرب به المثل لأن قوماً من أهل الكوفة دعوه لُغنَّهم فمضوا به إلى بعض الصحارى، فلما سكر ضربوه وسلبوه ثيابه فلم يبق عليه إلا خُفّاه، فلما صحا أقبل إلى أهله عُرياناً عليه خُفاه. فقالوا: جاء حُنيْن بخُفَّيه. فضُرِبَ مثلاً لكل خائب أو خاسر.

160_قولهم جاء برَأْسِ خَاقَان
هو ملك من ملوك الترك كان فيما حُكي يلي أرمينية، وكان يقال له خاقان وكان قتل الجراح بن عبد الله عامل هشام بن عبد الملك على أرمينية وأذربيجان، وأفسد تلك الناحية. فوجه إليه هشام سعيد بن عمرو الجرشي وكان مسلمة صاحب الجيش. فأوقع سعيد بخاقان فهزم أصحابه، وقتله واحتزّ رأسه ووجَّه به إلى هشام، فسر بذلك المسلمون، وضربوا به المثل.

161_قولهم أَخَذْنا في التَّطْرِيق. وطَرَّقَ عَلَيْنا
قال الأصمعي: يُراد بذلك التكهن وتخمين الشيء. وهو مأخوذ من الطَّرْق وهو ضرب الحصا بعضه على بعض ثم يُتفاءل ويُزجر عليه. وأنشد للبيد:

لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الطَوارِقُ بالحَصَا ... ولا زَاجِراتُ الطيْرِ ما اللهُ صانِعُ
(1/98)

162_قولهم فلان لا يُصْطَلَى بِنَارِه
قال ابن الأعرابي: يعني بذلك لا تُقرب ناحيته ولا ساحته ولا يُطمع فيما وراء ظهره من عزته ومنعته، وليس يعني أنه بخيل ولكنه عزيز ممتنع.

163_قولهم صبراً على مجامر الكِرَام
أول من قاله يسار الكواعب. وكان من حديثه أنه كان عبداً أسود يرعى لأهله إبلاً ضخمة. وكان معه عبد يراعيه. وأن أهله مرّوا سائرين يوماً بحذاء إبله، وكانت إبله ترتع في روضة مُعشبة، فعمد إلى لقوحٍ من لقاحه قد درّت على ولدها فحلبها في علبة له حت ملأها، ثم أقب يمشي بها وكان أفج الرِجلين حتى أتى بها بنت مولاه يسقيها وهي راكبة على الجمل، فنظرت إلى رجليه فتبسمت ثم شربت وجزته خيراً. فانطلق فرحاً حتى إذا أتى صاحبه فقص عليه القصة. فقال له اسخر بنفسك ولا تسخر ببنات الأحرار فقال: والله لقد دَحِكِت يريد ضحكت إلي دُحيك. لا أُخيّبها. فلما باتا كُسر لهما حوار سمين. فقال له رفيقه: تعال عاونّي على هذا الحِوار حتى نطبخه. فقال: ما أشغلني عنك اعمله أنت. فقام فحلب في علبته فملأها. ثم إنه أتى ابنة مولاه فنبهها إلى العلبة فاستيقظت فشربت من العلبة حاجتها، ثم إنها اضطجعت وجلس موازياً لها. فقالت: ما جاء بك؟ قال: ما أعلمك ما جاء بي! قالت: والله ما أعلم ما جاء بك. وظنّت أنه قد أذنب ذنباً فجاء لتطلب إلى مولاه. فقال: لا، ولَّ، يريد والله، ما خفا عليك ما جاء بي. يريد خَفِيَ. قالت فأي شيء هو؟ قال: ذاك دُحيك الذي دَحكت إلي. قالت حياك الله. وذهبت إلى سفط لها فأخرجته وأخرجت منه بُخوراً ودهناً طيب الريح
(1/99)

وأخذت موسى كانت تحف بها الشعر معها. ودعت بمِجمرة فيها نار، ثم وضعت البخور عليها ووضعتها تحته، وتطأطأت كأنها تصلح البخور، وعمدت إلى مذاكره فقطعتها بالموسى. فلما أحس بحرارة الحديد قال: صبراً على مجامر الكرام. ثم أومأت إلى أنها تدهنه وقالت: إن هذا دهن طيب إلا أن فيه حرارة فتصبّر عليها حتى تبرد فإن ريحك الآن ريح الإبل. ثم أشمّته الدهن على الموسى، ثم رفعتها فوضعتها بين عينيه فاستلبت بها أنفه، ثم فعلت بأذنيه مثل ذلك، وقالت: قم يابن الخبيثة. فأتى صاحبه. فلما رآه قال: أمقبل أنت أم مدبر. فقال: أخزاك الله! أو قد عمي قلبك إذ لم تكن ترى أنفاً ولا أذنين؟ أو ما رأيت وباصة العينين؟ قال: قد قلت يا يسار: كل لحم الحُوار، واشرب من لبن العشار، وإياك وبنات الأحرار.

164_قولهم طَلَّح عَلَيْه
قال أبو عبيدة وغيره: معناه كرر عليه المسألة وغيرها وألحّ حتى أتعبه فصيره بمنزلة الطَلح والطليح من الإبل، وهو الذي قد منّه السير وهزله وأنشد:

قُلْتُ لَعِنْسٍ قد وَنَتْ طَلِيحُ
وقال الأصمعي: أيضاً الرجل التعب الكال. وأنشد للحطيئة في صفة إبل:

إذا نام طِلْح أشعثُ الراسِ دُونَها ... هَداهُ لها أنفاسُها وزَفِيرُها
يعني بالطَّلح الراعي.
(1/100)

165_قولهم قَنْطَرْت علَيْنا
معناه طوَّلت وأقمت لا تبرح، وأصل ذلك من قولهم: قنطر الرجل إذا أقام الحضر والقُرى وترك البدو، حكى ذلك ابن الأعرابي. وقال غيره: قنطر الرجل أطال إقامته في أي موضع كان وأنشد:

إنْ قلتُ سِيري قَنطَرَت لا تَبْرَح ... وإنْ أَرَدْتُ مُكْثَها تَطَوَّحُ
يا لَيْتَ قد عاجَلَها الذُّرَحْرَحُ

166_قولهم هو يَتعَلَّى على الله تَعَالَى
قال أبو السمح وأبو صالح الخُزاعي: يتعلَّى: يبالغ في اليمين، وأنشد في ناقةً:

قال جمِيلٌ وتَعَلَّى بقَسَم ... بِذِمَّةٍ يومَ وفاءٍ بالذَّمَمْ
إنْ تَرجعي وأنْتِ تٌلِينَ الرِّمَمْ ... وتُتْرَكِي جَشِعَةً من النَّعَمْ
وقال الأصمعي: يتألَّى على الله أي يحلف، من الأليّة وهي اليمين وأنشد للأخطل:

شَرِبْتُ ولاقَانِي لِحِلِّ أَلِيَّتِي ... قطارٌ تَرَوَّى من فِلَسْطِينَ مُثْقَلُ
(1/101)

167_قولهم طَرِيدٌ شَرِيدٌ
الطريد: المطرود صُرف من فَعيلٍ إلى مفعول، كما قالوا: قتيلٌ أي مقتول. والشريد: الهارب، يقال: شرد البعير إذا هرب. وقال الأصمعي الشريدُ: المُفرد وقال اليمامي مثله. وأنشد للأُحَيْمر السعدي:

تَرَاه أمامَ الناجيِات كأنَّه ... شَرِيدُ نَعامٍ شَذَّ عنهُ صَواحِبُهْ

168_قولهم خَاتَلْتُه
قال الأصمعي وابن الأعرابي: المخاتلة: المشي للصيد قليلاً قليلاً في خُفيةٍ لئلا يسمع حساً. ثم صار كذلك في كل ما وُرِّي وعُمِّي على صاحبه وأنشد الأصمعي:

حَنَتْنِي حَانيِاتُ الدَّهْرِ حتى ... كأنِّي خاتِلٌ يدنو لصَيْد
أي قد كبرت فمشي ضعيف كما يمشي مخاتل للصيد. وأنشدني اليمامي لنفسه:

كرجْعَةِ أنْفاسِ الحَبِيبِ لَثَمْتُه ... بِغَفْلَةِ عَيْنٍ من رَقِيبٍ يُخَاتِلُه
أي يتغفّله.
(1/102)

169_قولهممَنْ أَشْبَهَ أبَاهُ فَما ظَلَمْ
قال الأصمعي: معناه ما وضع الشبه في غير موضعه. وأنشد الطوسي:

أقول كما قَدْ قال قَبلِيَ عالِمٌ ... بِهِنَّ ومن أَشْبَهَ أَبَاهُ فَما ظَلَمْ
قال الأصمعي: وأصل الظُلم وضع الشيء في غير موضعه. يقال: ظلم الأرضَ المطرُ إذا جاء في غير وقته، أو خدّ فيها خدّاً في غير موضعه. وأنشد:

وصاحِبِ صِدْقٍ لم تَنَلْنِي أَذَاتُه ... ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عَمِداً أَجْرُ
يعني بالصاحب وَطَبَ اللبن سقى ما فيه قبل أن يُرَوب.

170_قولهم أَخَذْنَا في تُرَّهاتِ البَسابِس
قال الأصمعي: الترهات: الطُرق الصغار المتشعبة من الطريق الأعظم. البسابس: جمع بسبس، وهو الصحراء الواسعة لا شيء فيها. ويقال بسبسٌ وسبسبٌ والمعنى: في غير القصد والطريق الذي يُنتفع بالذهاب إليه، كقولهم يتعلل بالأباطيل.

171_قولهم يَتَجَّهَمُنِي
قال الأصمعي: معناه يُغلظ لي في القول، وهو مأخوذ من قولهم رجل جَهم الوجه أي غليظه. وأنشد لجرير:
(1/103)

إن الزِّيَارةَ لا تُرْجَى ودُونَهُم ... جَهْمُ المُحَيَّا وفي أَشْبَلِهِ غَضَف
والمُحيّا: الوجه.

172_قولهم أَشأَمُ من طُوَيْس
قال الكلبي: طُويس مُخنّث كان بمكة، بلغ من شؤمه أنه ولد يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم، وقعد يوم مات أبو بكر، وأُسلِمَ الكتاب يوم قُتل عمر.

173_قولهم أَطْمَعُ من أَشْعَب
هو أشعب بن جُبير مولى عبد الله بن الزبير، من أهل المدينة. وكُنية أشعب أبو العلاء، وكان طمّاعاً. حدثني أبي قال: كُنّا عند أبي السمراء وعنده أبو عبيدة فيما أظن فتذكرنا أمر أشعب، فسأل أبو السمراء أبا عبيدة ما بلغ من طمع أشعب فقال أبو عبيدة: اجتمع عليه غلمان من غلمان المدينة بعابثُونه، وكان مزَّحاً ظريفاً مُغنّياً. فآذاه الغِلمان. فقال لهم: إن في دار بني فلان عُرْساً فانْطَلِقوا إلى ثمّ فهو أنفع لكم. لانظلق الغلمان وتركوه. فلما مضوا قال: لعل ما قلت لهم من ذلك حق. فمضى في إثرهم نحو الموضع الذي وصفه للغلمان فلم يجد شيئاً وظفر به الغلمان هناك.
(1/104)

174_قولهم وَضَعَهُ على يَدِ عَدْلٍ
قال ابن الكلبي: هو عَدْلُ بن جَزْء بن سعد العشيرة. كان على شُرطٍ تُبّعٍ وكان تُبّعٌ إذا أراد قتل رجل دفعه إليه، فضُرب به المثل في كل ما خُشي عليه.

175_قولهم عَرْقَلَ عليه
قال الأصمعي أو غير: العَرْقلة التعويج، وبه سُمي عَرْقل بن الخطيم.

176_قولهم حَوَّقَ عَلَيْه
قال: التحويق: الإدارة. أُخذ م حُوقِ الذكر وهو ما دار حول الكمَرَة. قال: ومعناه شبيه بمعنى عرقل عليه.
(1/105)

177_قولهم ضَرَبَ عليه سايَة
قال الفرّاء أو غيره: معناه طريق. أي جعل لما يريد أن يفعله به طريقاً. وهي فَعْلة من سوَّيتَ، كان الأصل فيها سَوْيَة فلما اجتمع واو وياء وسبق الأول منهما بالسكون صارتا ياء شديدة فكانت سيَّة، فاستثقلوا ياءين فحولوا إحداهما ألفا لفتحة ما قبلها كما قالوا داويَّة. وكذلك كلما استثقلوا شيئاً قلبوا بعضه ألفا أو ياءً كما قالوا دينار وأصله دِنَّار فاستثقلوا النونين فقلبوا إحداهما ياء لكثرة ما قبلها، ألا ترى أنك إذا جمعت قلت دنانير فعادت النونان في الجمع وذهبت الياء. وقال اليمامي: ساية أصلها الهمز، يقال: ساءَةً، ومعناه أنه فعل به ما يؤدي إلى مكروه والإساءة به.

178_قولهم أَخَذَ بِحَذِافِيرِه
أي بأجمعه، والاحد حِذْفار. قال الأصمعي: أو غيره هو الجانب والناحية من الشيء. وقال أبو عمرو وأبو عبيدة: الحَذْفار: الرأس. وأنشد اللحية الأوْدي يصف روضة:

خُضَاخِضَة بِخَضيع السُّيُولِ ... قَدْ بَلَغَ الماءُ حِذْفَارَها
(1/106)

179_قولهم مِسْكٌ بَحْتٌ
قال الأصمعي وغيره: هو الخالص الذي لا يشوبه شيء. وقال الشاعر:

أَلا مَنَعْتَ ثُمَالَةُ بَطْنَ وَجٍّ ... بِجُرْدٍ لم تُباحَتْ بالضَّرِيعِ
بطن وج: واد. وجرد: خيل والضريع نبت لا يُنجع ولا يغنى. فيعني أنها لم تُعم ذلك خالصاً بحتاً.

180_قولهم ولَوْ بقُرْطَيْ مارِيَة
قال ابن الكلبي: هي ماريةُ بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرَتَّع الكندية، وهي أم الحارث الأعرج ملك غسان بن الحارث الأكبر بن عمرو بن عدي بن حُجْر، وهي أخت هند الهنود امرأة آكل المُرار الكندي، وفيها يقول حسان بن ثابت حين وصف ملوك جفنة:

أولادُ جَفْنَةَ حول قَبْرِ أبِيهمُ ... قَبْرَ ابنِ مارِيَةَ الأَعَفِّ الأَفْضَلِ
فمعنى الكلام أي بالشيء العزيز الذي لا يُقدر عليه ولا يُوصل إليه.

181_قولهم أَسْبَلَ عَلَيْه
قال أبو عمرو أو غيره: أكثر كلامه. قال: وهو مأخوذ من السبل وهو المطر وأنشد لابن هرمة:
(1/107)

وعِرْفَانَ أنِّي لا أُطِيقُ زِيالَها ... وإنْ أكثَرَ الوَاشِي عَلَيَّ وأَسْبَلا
وقال جرير في سَبَل المَطَر:

لَمْ أَلْقَ مِثْلَك بَعْدَ عَهْدِكَ مَنْزِلاً ... فسُقِيت من سَبَل السَّماكِ سِجالاَ

182_قولهم تعايَر فلان
قال الأصمعي: أصل ذلك في السِّباب. يقال: تعاير بنو فلان إذا تذاكروا العار بينهم. وقال غيره: تعاير من العيارة وأصلها الانفلات وتخلية الإنسان لا يُرْدَع عن الشيء. ومنه فلا عيَّار، وهو مأخوذ من عارت الدابة تَعير إذا انفلتت.

183_قولهم الشَّاذِبُ
قال الأصمعي: هو العاري من الخير. مأخوذ من شَذَبَ النخلة. يقال قد شذَّبتُ النخلة إذا قطعت كرانيفها وعريتها منها. وأنشد في صفة الفرس:

أما إذا استقبَلْتَه فكأنَّه ... في العَيْنِ جّْع من أُوالَ مُشَذَّبُ
وإذا اعترَضْتَ به استَوَتْ أقْطَارُه ... وكأَنَّه مستدبِراً مُتَصَوِّبُ
وقال غيره: الشاذب المتروك المُتخلّى لا يُلتفت إليه، وهو مأخوذ من شَذَب النخلة وهو ما سقط عنها من ليف أو سعف.
(1/108)

184_قولهم لكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَة
قال الأصمعي: وغيره: الساقطة الكلمة التي يسقط بها لإنسان، أي لكل كلمة يخطئ بها الإنسان من يحفظها فيحملها عنه. ويقال: تكلم فلان فما سقط بحرفٍ وما أسقط حرفاً أي لم يخطئ. واللاقطة: أراد لاقطاً أي آخذاً حاملاً، فأدخل الهاء لمكان ساقطة لإزْواج الكلام. وقال الفرّاء: يُدخل الهاء في وصف المذكر في المدح والذم، فأما على جهة المدح فُيراد به الداهية، من ذلك قولهم: فلان علاَّمة ونسَّابة. وأما الذم فيُراد به البهيمة كقولهم: هِلباجَة وفقاقَةٌ.

185_قولهم تَجُوعُ الحُرَّةُ ولاَ تَأْكُلُ بِثَدْيَيْها
أي لا تهتك نفسها وتبدي منها ما لا ينبغي أن تبديه. أول من قال ذلك الحارث بن سليل الأسدي، وكان زار علقمة بن خصفة الطائي وكان حليفاً له، فنظر إلى ابنته الزَّبَّاء وكانت من أجمل أهل زمانها فأُعجب بها فقال: أتيتُك خاطباً وقد يُنكح الخاطِب، ويُدرك الطالِب، ويُمنح الراغِب. فقال له علقمة: أنت كُفؤ كريم، يُقبل منك الصفو، ويُؤخذ منك العفو، فأقِم ننظر في أمرك. ثم انكفأ إلى أمها فقال: إن الحارث بن سليل سيد قومه حسباً ومنصباً وبيتاً، وقد خطب إلينا الزَّبَّاء فلا ينصرفن إلا بحاجته. فقالت امرأته لابنتها: أيُّ الرجال أحب إليك؟ الكهل الجحجاح الواصل الميّاح أم الفتى الوضّاح. قالت: لا، بل الفتى الوضّاح. قالت:
(1/109)

إن الفتى يُغِيرُك، وإن الشيخ يَمِيرُك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل كالحَدَث السنِّ، الكثير المنِّ. قالت: يا أمّاه!

إن الفتاة تُحِبُّ الفتَى ... كحُبِّ الرِّعاءِ أَنِيقَ الكَلاَ
قالت: أي بُنيّة. إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب. قالت: إن الشيخ يدنس ثيابي، ويبلي شبابي، ويُشمت بي أترابي. فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث على خمسين ومائة من الإبل وخادم وألف درهم. فابتنى بها ثم رحل بها إلى قومه. فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قبّته وهي إلى جانبه. إذ أقبل شبابٌ من بني أسد يعتلجون، فتنفست صعداء ثم أرخت عينيها بالبكاء. فقال لها: ما يُبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفُروخِ. فقال لها: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فذهبت مثلاً. أما وأبيك لرُبَّ غارةٍ شهدتُها وسَبِيَّةٍ أردفتُها، وخمر شربتها. فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك. وقال:

تَهَزَّأَتْ أَنْ رَأَتْني لابِساً كِبَراً ... وغايةُ النَّاسِ بَيْنَ الْمَوْتِ والكِبَرِ
فإِنْ بَقِيتِ لَقِيتِ الشَّيْبَ راغِمَةً ... وفي التعَرُّفِ ما يَمضِي من العِبَرِ
فإنْ يكن قد عَلاَ رأسِي وغَيَّرَهُ ... صِرْفُ الزمانِ وتَغْيِيرٌ من الشَّعَرِ
فقد أَرُوحُ لِلَذَّاتِ الفَتَى جَذِلاً ... وقد أُصِيبُ بها عِيناً من البَقَرِ
عَنِّي إليكِ فإنّي لا يُوَافِقُني ... عُورُ الكِلامِ ولا شُرْبٌ على كَدَرِ
(1/110)

186_قولهم الصَّيْفَ ضَيَّعتِ اللَّبَن
قال الأصمعي: معناه: تركت الشيء في وقته وطلبته في غير وقته. وقال اليمامي معناه: تركت الشيء وهو ممكن وطلبته في غير وقت إمكانه. وقال أبو عبيدة: أول من قال ذلك عمرو بن عُدْس، وكان قد تزوج دَخْتَنوس من بعد كبر، فكان ذات يوم نائماً في حِجرها فجفف وسال لعابه فتأفّفت، فانتبه وهي تتأفّف فقال: أتحبين أن أطلقك؟ قالت: نعم. فطلقها فتزوجها فتى حسن الوجه، ففجئتهم غارةٌ والفتى نائم. فجاءت دَخْتَنوس فأنبهته وقالت: الخيل. فجعل يضرط وهو يقول: الخيل الخيل حتى مات. فقيل أجبن من المنزوف ضرطاً. وسُبيت دختنوس وبلغ عمرو بن عمرو الخبر فركب في طلبهم فلحقهم وقاتلهم حتى استنقذ جميع ما أُخذ واستنقذ دختنوس فردها إلى أهلها. ثم أصابتهم سنةٌ فبعثت دختنوس بجاريتها إلى عمرو بن عمرو وقالت: قولي له: نحتاج إلى اللبن فابعث لنا لَقحة. فلما أخبرت الجارية عمراً برسالة دختنوس قال لها: قولي لها: الصيف ضيعت اللبن. فذهبت مثلاً وبعث إليها بلَقْحة.

187_قولهم قَدْ عِيلَ صَبْرُه
قال الأصمعي: عِيلَ صبره: غُلب. ويقال عالني الأمر إذا غلبني، وأنشدني اليمامي:
(1/111)

ففي قُرْبِها بُرْئِي ولستَ بواجدٍ ... أَخَا سَقَمٍ إِلاَّ بما عَالَهُ طَبَّا
وقال غيره: عيل صبره: رُفع. يقال: عالت الفريضة إذا ارتفعت.

188_قولهم حَاطِبُ لَيْلٍ
أي يجمع كل شيء يحتاج إليه وما لايحتاج إليه كالذي يحطب ليلاً، أي يجمع الحطب فهو لا يدري ما يجمع.

189_قولهم تَقِيس الملائكة إِلى الحَدَّادِين
الحدّادون: السجّانون. ويقال لكل مانع حدّاد. وقال الشاعر في صفة محبوس بقتل:

يَقُولُ لِيَ الحَدَّادُ أنت مُعَذّبٌ ... غَدَاةَ غَدٍ أو مُسْلَمٌ فَقَتِيلُ
أي السجان. وقال الأعشى:

فَمِلْنَا وَلَمَّا يَصِحْ دِيكُنَا ... إِلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادِها
يعني خمراً. وحدّادها: صاحبها الذي يمنعها، ومعنى الكلام تشبه خَزَنةَ جهنم بالسجّانين من الناس.
(1/112)

ويقال إن أصل هذا المثل أنه لما نزلت هذه الأية (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) ، قال رجل من كفار قريش من بني جُمَح يُكنى أبا الأشدّين: أنا أكفيكم ثمانية عشر واكفوني واحداً. وقال بعضهم: قال إني أكفيكم سبعة عشر وأكفوني اثنين. فقال رجل سمع كلامه: تقيس الملائكة إلى الحدّادين، فأنزل الله جل وعز (وما جَعَلْنَا أصحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكةً) .

190_قولهم ما فَعَلْتُه أَصْلاً
أي تجنّبته على علمٍ ومعرفة. من الأصالة هي جودة الرأي والعقل.

191_قولهم لأُرِيَنَّكَ الكَوَاكِبَ بالنَّهارِ
أي لألقينك في شدة يظلم عليك النهار لها حتى ترى الكواكب. وإنما هذا مثل في الشدة. وقال طرفة بن العبد:

إِنْ تُنَوِّلْه فقد تَمنَعُه ... وتُرِيه النَّجْمَ يَجْرِي بالظُهُرْ
(1/113)

192_قولهم احْتَلَط
أي بالغ في غَضَبه واجتهد. وهو مأخوذ من قولهم: قد أَحْلَط إذا اجتهد في الأمر وبالغ فيه. قال الراجز:

والحَافِرُ الشَرِّ متَى يَسْتَنْبِطُهْ ... يَرْجِعْ ذَمِيماً وَجِلاَ وِيُحْلِطُهْ
أي يُجهدهُ. وقال ابن أحمر:

فأَلْقِى التِهَامِي منهُما بَلَطاتهِ ... وأَحْلَطَ هَذَا لا أَرِيمُ مكانِيَا
أي اجتهد في اليمين.

193_قولهم مَنْ حَبَّ طَبَّ
يقال: أحبَّ وحبَّ بمعنى واحد. وطبَّ: فطن واحتال. والطِبُّ: الفِطنة والحِذْقُ، ومنه سمُي الطبيب لعلمه وحذقهِ، وأنشد:

فَهِلْ لَكُمْ فيها إليّ فإِنَّني ... طَبِيبٌ بما أَعْيَا النَّطاسِيَّ حِذْيَما
فمعنى الكلام: من أحب أحسن أن يحتال، فكان فطناً لمن يُحب.
(1/114)

194_قولهمخَطَرَ بِبَالِي
قال الأصمعي: خطَر: ضرَبَ، وهو خَطْرِ البعير بذنبه. البالُ: الفكرة. وقال غيره: البال: الهمُّ، أي كان من همّي. وأما قولهم: ناعم البال، قال الأصمعي: البال: الحال. وقال غيره: البالُ: المعيشَة.

195_قولهم استأْصَلَ اللهُ شَأْفَهَ
قال الفرّاء: الشأفة: الأصل. وقال الشأفة بَثرٌ يكون في العَقِب أيضاً. وقال الأصمعي: الشأفةُ النماء والارتفاع، أي قلع الله نماءه وارتفاعه.

196_قولهم قَدْ صَرَّحَ بكَذا
قال الأصمعي: معناه أَخْلَصهُ ولم يشبه بشيء. ومنه الصريحُ في اللبن، وهو الذي قد ذهَبَت رغوته وخلص، وكذلك الصريحُ في النسب: الخالص الصحيح الذي ليس فيه غش.

197_قولهم من دُون ذا يَنْفُق الحِمارُ
زعم الشرقيّ بن القطامى أو غيره أن إنساناً أراد بيع حمارٍ له فقال للمُشوِّر
(1/115)

أَطِرْ حماري ولك عليَّ جُعلٌ. فلما دخل به السوق قال له المشوِّر: هذا حمارك الذي كنت تصيد عليه الوحش؟ قال له الرجل: من دون ذا ينفق الحمار.

198_قولهم فَعَلَ ذلك عَمْداً
أي قصداً. يقال عَمدْتُ للشيء إذا قصدته. ومنه قتلُ العَمْدِ. وقال الراجز:

عَمْداً فَعَلْتُ ذَاك بَيْدَ أَنِّي ... إخالُ إِنْ هَلَكْتُ أَنْ تُرِنِّي

199_قولهم خَرَجْنَا نَتَنَزَّه
قال الأصمعي: النُزهة: التباعد م المياه والبساتين. ومنه فلانٌ ينزّه نفسه عن كذا أي يُباعدها عنه. قال: وهذا مما غلطوا فيه فوضعوه في غير موضعه. وقال غيره: يُعنى بالنزهة التباعد عن البيوت والخروج عنها إلى مواضع المياه والبساتين.

200_قولهم جَشَّمْتُ فُلاناً
والتجميش يُراد به المزاح. قال الأصمعي: أصل ذلك أنهم كانوا يقولون
(1/116)

فلان جَمَّاش أي يطلب الحِرَ الجَّميش وهو المخلوق. قال: زهز مما وُضع غير موضعه، وأنشد:

وَلَيْتَ بِفَخْذَيْكِ ذا زَرْنَبٍ ... جَمِيشاً يُرَكَّنُ للفَيْشَل

201_قولهم فلان ذَرِبُ اللِّسان
قال الأصمعي: أصل الذَرَب فساد اللسان وسوء لفظه. قال: وهو من قولهم ذَرِبتْ معدته إذا أفسدت، وأنشد:

ولَقَدْ طَوَيْتُكُمُ على بلَلاتِكم ... وَعَلِمْتُ ما فِيكم من الأَذْرابِ
وقال غيره: الذَرَب: حَدّةُ اللسان.

202_قولهم خَضَعَ لهُ
أي ذّلَّ. قال الأصمعي: أصل الخضوع تَدْلِيَةُ الرأس للنازلة تنزل بالإنسان فينكَّس لها. يقال من ذلك: ظَبْيٌ أخْضَعَ لأنه يُطأطِئ رأسه في عدْوِه. قال متُمم بن نُويرة يصف فرساً:

فكأَنَّهُ فَوْتَ الجَوالب جانِئاً ... رِئْمٌ تُضَايِقُه كِلاَبٌ أَخْضَعُ
(1/117)

203_قولهم كَرَّاتُ الكُمَيْت
قال ابن الكلبي وغيره: أول من قال ذلك مالك بن الرَّيْب المازني في بيت له، وهو:

سَيُغْنِينِي المَلِيكُ وَنَصْلُ سَيْفِي ... وكَرَّاتُ الكُمَيْتِ على التِّجارِ

204_قولهم زَوَّرَ عَلَيْه
قال الأصمعي: التزوير: إصلاح الكلام وتهيئته، ومنه حديث عُمر يوم سقيفة بني ساعدة حين اختلف الأنصار على أبي بكر: قد كُنتُ زوَّرتُ في نفسي مقالةً أقوم بها بين يدي أبي بكر، فجاء أبو بكر فما تركَ شيئاً مما كنتُ زوَّرته إلا تكلم به. وقال أبو زيد: التزوير والتزويق واحد، ومنه المُزَّور وهو المُصْلَح المُحسّن من الكلام والخط. وقال خالد: التزوير التشبيه وقال غيره: التزوير: فعل الكذب والباطل وهو من الزُّور. والزُّور: الكذب الباطل.

205_قولهم فُلانٌ قَبَّانٌ
قال الأصمعي: وغيره: العرب يقولون قَفَّان لأنهم ليس في كلامهم باء عجميّة فأعربوه، وهو مُستقصى معرفة الشيء يعمل به الإنسان. ومنه حديث عُمر حين قال له
(1/118)

حُذيفة: إنك تستعين بالرجل الذي فيه. فقال عُمر: أستعمله لأَستعين بقُوّته ثم أكون على قفَّانه. وقال ابن الأعرابي: القَفَّان: الأمين، وهو معرّب أصله قبَّان. وقال أبو عبيدة: هو الرئيس الذي يتبع أمر الرجل ويُحاسبه ولهذا سمي الميزان قبّاناً.

206_قولهم رَجُلٌ فَقِيرٌ
قال الأصمعي: الفقير الذي له بُلغةٌ من عيش. والمسكين: الذي لا بُلغة له. قال الله جل وعز: إِنَّمَا الصَّدَقِاتُ لَلْفُقَرِاءِ والْمَسَاكِينِ. وقال الراعي:

أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيال فلم يُتْرَك لَهُ سَبَدُ
207_قولهم: فُلانٌ فيه دُعابَة قال أبو عمرو: الدُعابة: المزاح والعبث، ومنه قولهم: داعبت فلاناً أي مازحته.

208_قولهم هو كَلِفٌ بكَذا
قال الأصمعي وغيره: الكَلَفُ شدَّة الحبِّ والمبالغة فيه. وأنشد:

فَتَيَقَّنِي أَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِكُمْ ... ثم افْعَلِي ما شِئْتِ عن عِلْمِ
(1/119)

209_قولهم هو مِلطٌ
قال الأصمعي: المِلطُ الذي لا نَسَب له، وهو مأخوذ من قولهم إِمَّلَطَ ريشُ الطائر إذا سقط. فأما الخِلط فالمُختلط النسب. وقال بعضهم: الخِلْطُ ولد الزِّنا.

210_قولهم لَيْسَتْ له طَلالَةٌ
قال الأصمعي: الطلالة: الحُسْن والماء. وقال أبو عمرو: الطلالة: الفَرَحُ والسرور وأنشد لبعض الأزْدِ:

فَلَمَّا أَنْ نَبَهْتُ ولم أُعايِنْ ... سِوَى رَحْلِي ضَحِكْتُ بلا طَلاَلَهْ
أي بلا فرح. وقال ابن الأعرابي: الطلالة: الهيئة الحسنة، كأنه مأخوذ من النبْتِ المطلول وهو الذي أصابه الطلُّ.

211_قولهم هو خَجِلٌ. وقد خَجِلَ الرَّجُلُ
قول أبو عمرو: الخَجَل: الكسل والتواني وترك الحركة عن طلب الرزق وغيره، ثم جُعل في الانقطاع عن الكلام والخصر. وقال غيره: الخجل أن يبقى الإنسان باهتاً مُتحيّراً دَهِشاً. وأنشد للكُميْت:

ولَمْ يَدْقَعُوا عند ما نَابَهُمْ ... لَوَقْعِ الحُروب ولم يَخْجَلُوا
(1/120)

أي لم يخضعوا للحروب ولم يبقوا فيها باهتين كالإنسان المتحيّر. وقال أبو عبيدة خَجِلَ: بَطِرَ. قال ومعنى لم يخجلوا: لم يبطروا ولم يأْشَروا. قال: ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للنساء: إِنَّكُنَّ إِذَا جُعْتُنَّ دَقِعْتُنَّ وَإِذِا شَبِعْتُنَّ خَجِلْتُنَّ. وقال ابن الأعرابي: الدَقَعُ: سوء احتمال الفقر. الخجل: سوء احتمال الغنى. وقولهم: قعد على الدقْعاءِ أي على التراب.

212_قولهم أَوْلَمَ فُلان. وكُنَّا في وَلِيمَة
قال الفرّاء: الوليمةُ من طعام الإِمْلاك، وأما طعام الزَّفاف فإنه العُرس. وطعام الوِلادة الخُرس، وطعام حلق الرأس العقيقة، وطعام الختان العذِيرَة، وطعام بناء الدار كِيرَة، وطعام القادِم من سفر النقيعة. والدعوة التي يتخذها الإنسان لأصحابه المأْدُبة، وأنشد:

كُلّ الطعامِ تَشْتَهِي رَبِيعَه ... الخُرْس والإِعذِار والنَّقِيعَهْ
وأنشد لمُهلهل:

إِنَّا لَنَضْرِبُ بالسُّيوفِ رُؤُوسَهم ... ضَرْب القُدار نَقِيعَةَ القُدَّام
القُدار: الجزَّار. والنقيعة: الناقة التي ينحرها القادم للطعام يتخذه. والقُدّام: جمع قادم. وقال دُكيْن:
(1/121)

تَجَمَّعَ الناسُ وَقَالُوا عُرْسُ ... إذا قِصاعٌ كالأكُفّ مُلْسُ
فَفُقِئَتْ عَيْنٌ وفَاظَتْ نَفْسُ
وأنشد أبي في المأدبة:

قالوا ثَلاثاؤُه خِصْبٌ ومَأْدُبَة ... وكُلُّ أيامِه يَوْم الثلاثاءِ
وقال الهُذلي يصف عُقاباً:

كَأَنَّ قلوبَ الطَّيْرِ في جَوفِ وَكْرِها ... نَوَى القَسْبِ يُلْقَى عند بَعْضِ المآدِب
المآدب: جمع مأدبة.

213_قولهم احْتَشَم الرَّجُلُ
قال الأصمعي وابن الأعرابي: احْتشم انْقبَض. والاحتشام: الانقباض. وأنشدا أو أحدهما:

لَعَمْرُكَ إِنّ قرص أَبِي مُلَيْلٍ ... لَبادِي اليُبْسِ مَحْشُومُ الأَكِيلِ
أي ينقَبِض مَن يريد أكله لبُخل صاحبه. وقال بعضهم: الأَكيل: الضيف الذي يأكل معه.
(1/122)

214_قولهم عَقَدَهُ بأُنْشُوطَة
قال ابن الأعرابي: الأُنشوطة: العقدة التي تنحل بجَذبَةٍ واحدة. وهو مأخوذ من البئر النَّشوط، وهي التي تخرج دلوها بجذبةٍ أو جذبتين.

215_قولهم نحن في أَشْراطِ القِيامَة
قال الأصمعي وغيره: أَشْراطُ القيامة: علاماتها. ومنه قولهم: اشترطت عليه كذا وكذا، أي جعلت ذلك علامةً بيني وبينه. ومن هذا سُميت الشُرَط لأنهم جعلوا لأنفسهم علاماتً يُعرَفون بها. ومنه قول أَوس بن حَجَر ووصف رجلاً تدلَّى من رأس جبلٍ بحبلٍ إلى نبعةٍ ليقطعها فينحت منها قوساً:

فأَشْرَطَ فيها نَفْسَهُ وهُوَ مُعْلمٌ ... وأَلْقَى بأَسْبابٍ له وَتَوَكَّلاَ
يريد أنه جعل نفسه عَلَماً لذلك الأمر.

216_قولهم رَبَعتُ الحَجَر
قال الأصمعي وغيره: الرَّبْع الإشالة باليد. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه مَرَّ بقوم يَرْبَعون حَجَراً أي يُشِيلُونَه.
(1/123)

217_قولهم رَجُلٌ باسِل
قال الأصمعي وغيره: الباسل: المُرّ والبسالة: المرارة. وقد بسل الرجل أي صار مُرَّاً. وقال الفراء: الباسل الذي حَرَّم على قِرْنه الدُنوَّ منه، من البِسْل وهو الحرام. قال الشاعر:

أَجارَتُكُم بَسْلٌ علينا مُحَرّم ... وجارَتُنا حِلٌّ لكم وحَلِيلُها
فأما رجلٌ بازلٌ فإنه الكامل القوة الشديد. وهو مأخوذ من بُزول البعير وهو خروج نابِه، وذلك بعد تسع سنين تأتي عليه، وهو أقوى ما يكون. قال: وهو بمنزلة القارح من الخيل وذوات الحافر.

218 _قولهم رجل شهم
قال أبو طالب: قال أبي فيما أحسب: سألت الأصمعي عن الشهم فتردد في نفسه ساعةً ثم قال: هو الذكي الحادّ النفس الذي كأنه مُروّع من حدة نفسه قال: وهو من الناس وغيرهم بمنزلةٍ. وأنشد للمخبّل السعدي يصف ناقة:

وإذا رَفَعْتَ السَّوْطَ أفْزَعَها ... تَحْتَ الضُّلُوع مُرَوَّعٌ شَهْمُ
يعني قلبها. وقال الفراء: الشهم الذي لا تلقاه إلا حمولاً طيب النفس بما يُحمل، من الرجال والإبل.
(1/124)

219_قولهم في أَيَّ حَزَّة
قال الأصمعي: الحزّة الوقتُ والحِين، وأنشد:

ورَمَيْتُ فَوْقَ مَلاَءَةٍ مَحْبُوكَةٍ ... وأَبَنْتُ للأَشْهادِ حَزَّةَ أَدَّعِي
أي وقت ذلك تبيّن فعلي.

220_قولهم إِنِّي لأَرْبَأَنَّكَ بِكَ عَنْ كَذا
قال الأصمعي: معناه: إني لأرفعنك عنه. قال: ويقال: أرْبأَ لِيَ السبعُ أي أشرَف. وهو مأخوذ من الرَّباء. وهو الارتفاع والشرف.

211_قولهم أَرْبَى عليَّ في القول
قال الأصمعي وغيره: معناه أَشْرَف عليَّ وزاد. ومنه الرِّبا في المُعاملة، لأنه يزيد على ماله، وهو مأخوذ من الربوة وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: عليك بذلك الربوِ والربوةِ. ومن ذلك قولهم: قد ربا السوِيقُ إذا انتفخ وارتفع. وكذلك الربْو الذي يصيب الإنسان إنماهو انتفاخ ونَفَسٌ.
(1/125)

222_قولهم صَبَغُوني عِنْدَك
قال الأصمعي وابن الأعرابي: يقال: صبغت الرجل بعيني وبيدي إذا أشرت إليه. فيُقال: أشاروا إليّ عندك، أي أعلموك أنّي أصلح لما قصدتني به، كقولهم: وضعوني على يديك. وكقولهم: دسُّوك إليَّ. ومن قال: صبغوني في عينك، يعني غيرت في عينك حتى قصدتني بما تعلم أنَّه لا يذهب عليَّ.

223_قولهم عِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ
قال خالد بن كلثوم: هو جُهينة يهودي من أهل تيماء كان نازلاً في بني صِرمة بن مرة وكان ناس من بني سلامان بن سعد أخي عُذرة حُلفاء لبني صِرمة نزولاً فيهم، وكانت الحُرَقة وهي حُميس بن عامر بن مُودَعة بن جهينة حُلفاء لبني سهم بن مرة نزولاً فيهم. وكان في بني سهم خمّار يهودي من أهل وادي القُرى يقال له غُصيْن بن حيّ. وكان أهل بيتٍ من بني عبد الله بن غطفان يقال لهم بنو جَوْشَن يُتشاءَم بهم في بني صرمة، ففُقِد رجل منهم يقال له خُصيْل، فكانت أخته تسأل عنه الناس. فجلس ذات يوم أخٌ للمفقود في بيت اليهودي الذي في بني سهم يبتاع خمراً، ومرّت أخت المفقود تسأل عنه، فقال الخمّار:

تُسائِلُ عن خُصَيْلٍ كُلَّ رَكْبٍ ... وعِنْد جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ
(1/126)

يعني اليهودي الذي في بني صرمة. فقال له أخوه: نشدتك الله هل تعلم مِن أخي عِلماً. فقال: لا. ثم تمثَّلَ اليهودي ببيتٍ آخر فقال:

لَعَمْرُكَ ماضَلَّتْ ضَلالَ ابنِ جَوْشَنٍ ... حَصاةٌ بِلَيْلٍ أُلْقِيَتْ وَسْطَ جَنْدَل
فتركه حتى أمسى ثم أتاه فقتله، فقال:

طَعَنْتُ وقد كادَ الظَّلامُ يُجِنُّنِي ... غُصَيْن بن حَيٍّ في جِوَارِ بَنِي سَهْمِ
فأتى الحُصين بن الحُمام وهو سيد بني سهم يومئذٍ فقيل له: إن جارك اليهودي قد قُتل، قتله ابن جوشن وهو في بني صرمة. قال: فاذهبوا إلى جارهم اليهودي فاقتلوه. فانطلقوا فقتلوا اليهودي، فقتلت بنو صرمة ثلاثة من الحُرقة. فبلغ الحُصين فقالوا: اذهبوا فاقتلوا من جيرانهم ثلاثةً. فجاءت بنو سهم فقتلوا من بني سلامان ثلاثة. فجاءت بنو صرمة إلى الحُصين وكانوا أكثر من بني سهم بكثير فقالوا: قتلت من جيراننا ثلاثة قال: نعم. قلتم يهودِيَّنا فقتلنا يهودِيَّكم. وقتلتم من جيراننا ثلاثة فقتلنا من جيرانكم ثلاثة، وبيننا وبينكم رحم ماسَّة فلا نَشُطُّ عليكم. تأمرون جيرانكم فيرتحلون ونأمر جيراننا فيرتحلون. وقال في ذلك الحُصين بن الحُمام:

يا أخَوَيْنَا من أبِينا وأُمِّنَا ... دَعا أَخَوَيْنَا من قُضاعةَ يَذْهَبا
فإن أنتُم لم تَفْعَلوا وأَبَيْتُمُ ... فلا تعلَقونَا ما كَرِهْنَا فَنَغْضَبا
ويروى فلا تَعنُفونا. وقال بعضهم: جُفينة بن معاوية بن سلامان وكان قتل رجلاً من الحُرقة يقال له غُصين بن عامر. وكنيته أبو السبَّاق فغَبِيَ قتله، ثم إنهم ظهروا عليه، فقال الحُصين للحُرقة: اذهبوا فاقتلوا رجلاً من بني معاوية بن سعد. رجع إلى الحديث الأول. قال فأبت بنو صرمة أن يقولوا لجيرانهم ترحلون، وأجمعوا على
(1/127)

قتال بني سهم. وكانت بنو سعد بن ذبيان قد أجلبت على بني سهم. مع بني صرمة وأجلبت معهم مُحارب بن خَصَفة. فساروا إليهم ورئيسهم حُميضَة بن حرملة الصرمي، ونكصت عن الحُصين بن الحُمام قبيلتان من بني سهم وخذلتاه وهما: عدوان بن وائلة بن سهم، وعبد غُنْم بن وائلة. ولم يكن معه إلا بنو وائلة بن سهم. فساروا إليهم فلقيهم الحُصين ومن معه بدارةِ موضوع فظفر بهم وهزمهم، وقتل منهم فأكثر، ففي ذلك يقول في كلمته:

فلا غرْوَ إلا يَوْمَ جاءت مُحارِبٌ ... يَقودُون ألفاً كلّهم قد تَكَتَّبَا
مَوالِي مَوالينا لِيَسْبوا نساءَنا ... أثعلبَ قد جئتم بنكْراءَ ثعلبَا
وقال قي قصيدة له أخرى:

فيا أَخَوَيْنا من أبِينا وأُمِّنا ... إليكم وعند اللهِ والرَّحم العُذْرُ
أَلاَ تَقْبَلُونَ النِّصْفَ مِنَّا وأَنتُم ... بنو عَمِّنا لا بَلَّ هَامَكُمُ القَطْرُ
سنَأْبَى كما تَأْبَوْنَ حَتَّى تُلِينَكُم ... صَفائِحُ بُصْرَى والأَسِنِّة والأصْرُ

224_قولهم فُلانٌ عَظِيمُ المَؤونة
قال الفرّاء: المؤونة من الأيْن وهو التعب والشدّة، فكأن المعنى أنه عظيم التعب والمشقّة في الإنفاق على من يعُول. وكان أصله مَأْيُنَة فالياء حرف إعراب والضمة حرف إعراب، فاستثقلوا إعراباً على إعراب، فنقلوا الضمة عن الياء إلى ما قبلها وهي الهمزة، فانضمت الهمزة وبقيت الياء ساكنة فانقلبت واواً لانضمام ما قبلها كما قال أبو جُنْدُب الهُذلي:
(1/128)

وكُنْتُ إذا جَارِي دَعا لمَضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي
كان الأصل: مَضْيُفَة أي أمر ينزل به من الضيافة. والياء حرف إعراب والضمة حرف إعراب فاستثقلوا ذلك، فنقلوا الضمة إلى الضاد وبقيت الياء ساكنة فانقلبت واواً للضمة التي قبلها. قال: وتكون مَفْعَلة من الأَوْن وهو الدَّعة والسكون. وقال الراجز:

غَيَّر يا بِنْتَ الحُلَيْس لَوْنِي ... مَرُّ الليالِي واختلاف الجَوْنِ
وسَفَرٌ كان قليلَ الأَوْنِ
أي الراحة والدَّعَة. فكأن المعنى أن قيامه يُسكّن عياله ويُوَدِّعهم. وكان الأصل مأْونة، فالواو حرف إعراب والضمة حرف إعراب فاستثقلوا إعراباً على إعراب، فنقلوا الضمة إلى الهمزة فصارت مؤونة. قال: وتكون أيضاً فعولة من مُنْتُ القوم إذا قمت بأمورهم، هُمِزت الواو لما انضمت لأنهم يستثقلون الضمة على الواو فهمزت لتحتمل الضمة كما قالوا قَؤُول للخير، وهو قال يقول لما انضمت الواو هُمزت. وثله صؤول من صال يصول. ومن ذلك قول امرئ القيس:

ويُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشها ... نَؤُوم الضُّحَى لم تَنْتَطِق عَنْ تَفَضُّلِ
فقال نؤوم وهو النوم لما أعلمتك.
(1/129)

225_قولهم صَاحَتْ عَصافِيرُ بَطْنِه
إذا جاع. قال الأصمعي: العصافير الأمعاء. وقال أبو عمرو: العصافير ما اضطرب عند الجوع والفزع مثل الأمعاء والأحشاء والقلب وما أشبهها. وقال مُثقّب العبدي:

فَنُخِبَ القَلْبُ ومارَتْ بِه ... مَوْر عَصافِير حَشَى المُرْعَدِ
مارت به أي اضطربت به، يعني أذنه. يقول سمعت حِساً اضطربت منه.

226_قولهم في نفسي من كذا حزازة
قال الصمعي: حرقة وغمٌّ. وأنشد الشماخ:

فلما شراها فاضت العين عبرة ... وفي النفس حزَّازٌ من الوجد حامز

227_قولهم حلبَ الدَّهْرَ أَشْطرَه
قال الأصمعي: أتت عليه كل حالٍ من شدةٍ ورخاءٍ، كأنه استخرج دِرّة الدهر في كل حالاته. وأنشد للقيط بن يَعمُر الإيادي:

ما انْفَكَّ يَحْلُب دَرَّ الدَّهْرِ أَشْطُرَه ... يكون مُتَّبِعاً طَوْراً ومُمتَّبَعَا
(1/130)

228_قولهم نَعَشَه الله
قال الأصمعي: معناه رفعه الله بعد خمول. قال: ومنه سُمي النعش نعشاً لأنه يُرفع عليه الميت. ومن ذلك: انتعش الرجل إذا استغنى بعد فقرٍ أو قوي بعد ضعفٍ. وقال غيره: نعشه الله أي جبره الله وأحياه.

229_قولهم جانَبْتُ فُلاناً وبيننا جِنابٌ
قال الأصمعي: أصل المُجانبة: المقاطعة. يقال قد تجانب القوم إذا تقاطعوا وتجنَّبتُ كذا أي تركته. فمعناه تقاطعنا الأخذ، فلا آخذ منه شيئاً ولا يأخذ مني شيئاً.

230_لِلشَّيْءِ غَايَة
قال الأصمعي أو غيره: معناه: مُنتهى ذلك الجنس. وهو مأخوذ من غاية السبْقِ وهي قصبة أو غيرها توضع في الموضع الذي تكون المسابقة إليه ليأخذها السابق. فمعنى غاية أي قد بلغ أقصى مُنتهاه. وقال بعضهم: الغاية: العلامة، فيُراد أنه علامةٌ في ذلك الجنس. وهو مأخوذ من غاية الحرب، وهي الراية والعلامة التي تُجْعل للقوم يقاتلون ما دامت واقفةً. ومن ذلك قول الشمَّاخ:
(1/131)

إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاها عَرَابَةُ باليَمِين
ويقال للخِرقة التي يعلقها الخمّار على بابه إذا جلب الخمر أو كان عنده: غاية وهي من ذلك لأنها علامة أنّ عنده خمراً. وقال عنترة يصف رجلاً:

رَبِذٌ يداه بالقِداحِ إذا شَتَا ... هَتَّاكَ غاياتِ التِّجار مُلَوَّم
أي يشتري جميع ما عندهم فيهتكون تلك الخرق إذ لم يبق عندهم شيء

231_قولهم جاءنا بِطُرفَةٍ وبشيء طَرِيفٍ
قال الأصمعي: معناه جاءنا بالشيء مُحدثاً لم يكن عندنا. وأحدث ما لم نعرفه. وهو مأخوذ من الطِّرف والطارف، وهو ما استطرفْتُه لنفسك واستحدثته من مالٍ تكتسبه. والتليد والتالد: ما كان عند الرجل مما ورثه عن آبائه. وقال مالك ابن الريب:

وأصبَح مالِي من طَرِيفٍ وتَالِدٍ ... لِغَيْرِي وكانن المالُ بالأمْسِ مَالِيَا

232_قولهم لا يُزايِلُ سَوادِي بَياضَكَ
قال الأصمعي: السواد: الشخص. والبياض: الشخص. والمعنى: لا يُزايل شخصي شخصك. وأنشد لبعض الرُّجَّاز في صفة الدلو:

تَمَلَّئي ما شِئْتِ ثُمَّ صُبِّي ... إلى سَادٍ نازِحٍ مُكِبِّ
(1/132)

233_قولهم مَرَّ يَكْسَعُ
قال الأصمعي: الكسْع سرعة المَرِّ. ويقال: كسعْته بكذا إذا جعلته تابعاً له ومُذهباً له، وأنشدني أبي أو غيره في صفة أيّام العجوز:

كسع الشِّتاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْر ... أَيَّامَ شَهْلَتِنا من الشَّهْرِ
فإذا مضت أَيَّامُ شََهْلَتِنا ... صِنٌّ وصِنَّبرٌ مع الوَبْرِ
وبآمِرٍ وأَخِيه مُؤْتَمِرٌ ... ومُعَلَّلٍ وبِمُطفئِ الجَمْرِ
ذَهَبَ الشِّتَاءُ مُوَلِّياً هَرَباً ... وأَتَتْك مُوقِدةٌ من النَّجْرِ

234_قولهم فُلانٌ ظَرِيفٌ
قال الأصمعي وابن الأعرابي: لا يكون الظرف إلا في اللسان، أي هو بليغٌ جيد النطق، ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب: إذا كان اللص ظريفاً لم يُقطع. أراد أنه يكون له لسانٌ يحتجّ فيدفع عن نفسه. وقال غيرهما: الظرف: حُسْن الوجه والهيئة.

235_قولهم مَواعِيدُه مَواعِيدُ عُرْقُوبٍ
قال هشام بن الكلبي: عُرْقوب بن معبد بن أسيد بن شُعبة بن خوَّات
(1/133)

بن عبشمس بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم. قال: وقال ابن الكلبي: ليس هذا بشيء. إنما هو رجل من الأمم الماضية لا يُثبَت. وبنو سعد يقولون: هو مِنَّا. والله أعلم. وقال خالد: عرقوب رجل من الأوس أو الخزرج، سأله ابن عمٍ له أن يُعريه نخلةً. والإعراء: أن يجعل له حَمْلها سنةٍ، فوعده ذلك. فأتاه وقد حملت النخلة وصار حملها بُسراً. فجاءه يسأله ما وعده فقال: دعها تُرطِب. فتركه حتى إذا أرطَبَت أتاه فسأله إياها، فقال دعها حتى تقِبَّ. فمضى الرجل لميعادِه، فأتاه عُرقوب ليلاً فصرمها سرّاً من الرجل. فضُرب به المثل في إخلاف الوعد، فقال كعب بن زهير:

كانَت مَواعيدُ عُرْقُوبٍ لها مَثَلاً ... وما مَواعِيدُها إلا الأَبَاطِيلُ

236_قولهم غَفَرَ اللهُ له
قال الأصمعي: معناه ستر الله عليه ذُنوبه ومحاها. قال: ويقال اُصْبُغ ثوبك فهو أغْفرُ للوسخ أي أستر له.
(1/134)

237_قولهم مَحَّصَ اللهُ ذُنُوبَه
قال أبو عمرو: معناه أذهبها الله عنه وكشفها، وأنشد في صفة ليل:

حَتَّى بَدَت قَمْراؤُه وَتَمَحَّصَت ... ظَلْماؤه ورَأى الطَّرِيقَ المُبْصِرُ

238_قولهم حَتَّى أَشْفِيَ قَرَمِي
قال الأصمعي: أصل القَرَمِ: شدة شهوة اللحم. قال: ويقال هو قِرمٌ إلى اللحم وجائعٌ إلى الخبز، وعطشان إلى الماء، وعَميان إلى اللبن، وقَطِمٌ إلى النكاح، وظمآنٌ إلى الشراب وإلى الماء أيضاً. وأنشد للحُطيئة:

سَقَوا جارَكَ العَمْيانَ لَمَّا تَرَكْتَه ... وَقَلَّصَ عَنْ بَرْدِ الشَّرابِ مَشَافِرُه
وأنشد في صِفَةِ ناقة:

وَجْنَاء ذِعْلِبَةٍ مُذَكَّرَة ... زَيَّافَةٍ بالرَّحْلِ كالقَطِمِ

239_قولهم نام نَوْمَةَ عَبُّودٍ
قال أبو مسلم محمد بن شعيب الحراني: إنه عبد أسود، وكان من حديثه فيما يرفعه عن محمد بن كعب القُرظي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أوَّل
(1/135)

دخولاً الجنة لَعَبْدٌ أسْوَدُ. يعني عَبّوداً. قال وذلك أن الله عز وجل بعث نبيّاً إلى أهل قرية فلم يؤمن به أحدٌ إلا ذلك الأسود، وأن قومه احتفروا له بئراً فصيروه فيها وأطبقوا عليه صخرة، فكان ذلك الأسود يخرج فيحتطب ويبيع الحطب ويشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي تلك الحفرة فيعينه الله تعالى على تلك الصخرة فيرفعها ويُدلي إليه ذلك الطعام والشراب، وأن ذلك الأسود احتطب يوماً ثم جلس يستريح فضرب بنفسه الأرض بشِقِّهِ الأيسر فنام سبع سنين، ثم هب من نومه فقام، ثم ضرب بنفسه الأرض بِشِقِّهِ الأيمن فنام سبع سنين، ثم هب من نومه وهو لا يرى أنه نام إلا ساعةً من نهار. فحمل حُزمته فأتى القرية فباع حطبه، ثم أتى الحُفرة فلم يجد النبيّ فيها، وقد كان بدا لقومه فيه فأخرجوه. فكان يسأل عن الأسود فيقولون: لا ندري أين هو. فُضرب به المثل لكل من نام نوماً طويلاً.

240_قولهم هو يَتَحَدَّاه بكَذا
قال الأصمعي: يتحَدَّاه: يبادره. والتحدي: المبادرة. وأنشد للقيط الإيادي:

مُسْتَنجِدٌ يَتَحَدَّى الناسَ كُلَّهُم ... لو قَارَعَ النَاسَ عن أحسابِهم قَرَعَا
وقال غيره: يتحدى: يتعمَّد.
(1/136)

241_قولهم هو يَتَحَيَّن فلاناً
قال الأصمعي: معناه ينظر حين غفلته أي وقتها. قال: ويقال: وقد تُحِيِّنت الناقة إذا جُعل لحلبها وقتٌ معلوم، وأنشد في صفة ناقة:

إذا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَك أَفْنُها ... وإن حُيِّنَت أَرْبَى على الوَطْبِ حِينُها
قال: والأفْنُ: أن تُحلب في كل وقت لا يكون لها وقت معلوم.

242_قولهم هو يَتَنَغَّر ويَتَنَاغَر
قال الأصمعي: معناه يغلي جوفه غيظاً وغمّاً. وه مأخوذ من نغر القدر وهو غليانها وفورانها، يقال: نَغَرت القدر تَْنَغر نَغْراً ونَغِرت تَنْغَرُ. ومنه حديث عليّ رضي الله عنه: أن امرأةً جاءته فقالت: إن زوجي يطأُ جاريتي. فقال عليّ: إن كنت صادقة رجمناه، وإن كنت كاذبة جلدناكِ. فقالت المرأة: رُدُّوني إلى أهلي غيْري نَغِرَة. أي يغلي جوفي غيظاً. ويقال: تنغَّرَ عليه إذا توعَّده.
(1/137)

243_قولهم عَدا طَوْرَه
قال الأصمعي: معناه جاوز قدْره، ويقال: عدا كذا إذا جازَه. وقال زهير:

كأنَّ رِيقَتَها بعد الكَرِى اغْتُبِقَت ... من طَيِّبِ الرَّاحِ لَمَّا يَعْدُ أنْ عَتُقَا
أي لم يَجُز ذاك. قال: وكل شيءٍ ساوى شيئاً في طوله فهو طوْرُه وطُوارُه.

244_قولهم هو المَوْتُ الأَحْمر
قال الأصمعي: فيه قولان: يقال: الموت الأحمر والأسود، يشبه بلون الأسد، أي كأنه أسدٌ يهوي إلى صاحبه. قال: ويكون من قولهم: وطأةٌ حمراء إذا كانت طريّة لم تُدرَسْ بعْد، فكأن معناه الموت الجديد الطري. وأنشد لذي الرُّمّة:

على وَطْأَةٍ حَمْراءَ من غَيْرِ جَعْدَةٍ ... ثَنَى أُخْتَها في غَرْزِ كَبْدَاء ضَامِرِ
وقال أبو عبيدة: معنى قولهم: الموت الأحمر: هو أن يَسْمَدِرَّ بصرُ الرجل من الهوْل فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء. وأنشد لأبي زُبيد الطائي في صفة الأسد:

إذا عَلِقَتْ قِرْناً أَظافِيرُ كَفَّهِ ... رأى المَوْتَ في عَيْنَيهِ أسْوَدَ أَحْمَرَا
(1/138)

245_قولهم هو حَسَنُ السَّمْتِ
قال أبو عمرو الفرّاء: السمتُ: القصد. ويقال: اسْمُتْ لكذا أي اقْصِدْ له. وقال الأصمعي: السمت: الهيئة. والسمت: الطريق. وكأن المعنى: هو حَسَنُ الهيئة والطريقة.

246_قولهم حَكَمَ اللهُ بَيْنَنا
قال الأصمعي: أصل الحُكومة ردُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُميت حَكَمة اللِّجام لأنها تردُّ الدابة. ومنه قول لَبيد:

أَحْكَم الجِنْثِيَّ عن عَوْراتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلّْ
يصف درعاً. والجنثيّ: السيف. أي ردّ السيف عن عورات الدرع، وهي فُرَجُها والخللُ الذي فيها. كل حرباء: أراد المسمار الذي تُسمَّر به الحَلَقُ.

247_قولهم حَمِيَ الوَطِيسُ
قال الأصمعي وغيره: الوطيس: حجارةٌ مُدوّرةٌ فإذا حميت لم يمكن أحداً أن يطأ عليها. فيُضرب ذلك مثلاً إذا اشتدّ. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفِعت له الأرض يوم مُؤْتة فرأى مُعتَركَ القوم، فقال: حَمِيَ الوَطِيسُ.
(1/139)

قال اليمامي: ويقال: طِس الشيء أي أحمِ الحجارة وضعْها عليه. ولم يذكر الأصمعي للوطيس واحدة. وقال غيره: واحدتها وطيسة. وقال أبو عمرو: الوطيس: شيء مثل التنور يُختبر فيه، يُشبه حر الحرب به. ويقال: إنه التنُّور بعينه.

248_قولهم قد أَنْصَف القَارَة من رَاماها
القارَةُ: قبيلة من كنانة، هم أرمى العرب فدعتهم قبيلةٌ إلى المراماة. فقيل: قد أنصف قارَةَ من راماها. قال المفضل الضبي: القارَةُ: بنو الهَوْن بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر قال: وكانت من أرمى العرب. فرمى رجلٌ من جهينة رجلاً منهم فقتله، فرمى رجلٌ منهم رجلاً من جهينة، فقال قائلٌ منهم: قد أنصف القارَة من راماها. فأرسلها مثلاً.

249_قولهم فعلته زَمَمَا
الزَّمَم: قُبالة الشيء وتُجاهُه. وحكي أن ابن الأعرابي عن بعض الأعراب لا والذي وجهي زمَمَ قِبلَته، أي بحِذائها. وأنشد غيره:

لم أَمْشِ فيما أَتَيْتَهُ خَمَراً ... لَكِنَّنِي قد أتيتُه زَمما
فمعنى الكلام: أني أفعل الشيء مواجهةً لك ولا أُسايرُك فيه.
(1/140)

250_قولهم قد رَطَّلَ شَعْرَه
أي قد أرسَلَه من قولهم: رجلٌ رَطِلٌ إذا كان مُسترخياً ليِّنَ المفاصل.

251_قد شاَطَ بِدَمِه
معناه: ذهب به باطلاً. أي عَرَّضهُ للهَلِكة. ويقال: شاط بِدَمه وأشاط دَمَه أي ذهب به باطلاً، وشاط الدمُ نفسه، وقال الأعشى:

قد نَطْعَنُ العَيْر في مَكْنُون فائِلِه ... وقد يَشِيطُ على أَرْماحِنا البَطَلُ

252_قولهم سكرانُ ما يُبِتُّ
قال الفرّاء: معناه: ما يقطع أمراً من سُكْره. قال: ويقال أبْتتُّ عليه القضاء وبتتُّه. وقال الأصمعي: سكران ما يبتُّ. ويقال: بتتُّ عليه القضاء لا غير. ومن ذلك صدقةٌ بتَّةٌ بتْلَة أي مقطوعةٌ لا رجعة له فيها. ومنه: الطلاق ثلاثاً بتَّة، أي لا رجعة له فيها.
(1/141)

253_قولهم من مال جَعْدٍ وجَعْدٌ غيرُ مَحْمودِ
أول من قال ذلك جعْد بن الحُصين الحضرمي أبو صخر بن الجعد الشاعر، وكان قد أسنَّ فتفرق عنه بنوه وأهله، وبقيت جاريةٌ سوداء تخدمه فعلِقَت فتىً من الحيّ يقال له عرابة، فجعلت انقل إليه ما في بيت جعْد. فظن بها فقال:

أَبْلِغْ لَدَيْكِ بَنِي عَمِّي مُغَلْغَلَةً ... عَمْراً وعَوْفاً وما قَوْلِي بِمَرْدُودِ
بأَنَّ بَيْتِي أَمْسَى فَوْقَ دَاهِيَةٍ ... سَوْدَاءَ قد وَعَدَتْنِي شَرَّ مَوْعُودِ
تُعْطِي عَرَابَةُ ذِا مالٍ وذَا وَلَدٍ ... من مال جَعْدٍ وجَعْدٌ غَيْرُ محمُودِ

254_قولهم أَذْكَرْتَنِي الطَّعْنَ وكنتُ ناسِياً
أول من قال ذلك رُهم بن حَزْن الهلالي، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً آخر، فاعترضه قوم من بني تغلب فعرفوه وهو لا يعرفهم. فقالوا له: خلِّ ما معك وانجُ. قال لهم: دونكم المال ولا تعرِّضوا للحُرُم. فقال له بعضهم إن أردت أن نفعل ذلك فألق رمحك. فقال: وإن معي لرمحاً! فشد عليهم فجعل يقتل واحداً واحداً وهو يرتجز:

رُدُّوا على أَقْرَبِها الأَقَاصِيَا ... إِنَّ لها بالمَشْرَفِيِّ حادِيَا
ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وكنتُ نَاسِيَا
(1/142)

255_قولهم رُبَّ رَمْيَةٍ من غَيْرِ رَامٍ
أول من قال ذلك الحَكم بن عبد يَغوث المِنقَري. وكان أرْمَى أهل زمانه، وأنه آلى يميناً ليَذبَحنّ على الغَبغَب، ويقال: لَيَدِجَنَّ مهاةً، فحمل قوسه وكنانته فلم يصنع شياً يومه ذلك. فرجع كئيباً حزيناً وبات ليلته على ذلك. ثم خرج إلى قومه فقال: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل نفسي أسفاً إن لم أذبحها اليوم، أو قال أدِجهُها اليوم! فقال له الحُصين بن عبد يغوث أخوه: يا أخي دِجْ مكانها عشراً من الإبل. ويقال اذبح ولا تقتل نفسك. قال: لا. واللاَّتِ والعُزَّى لا أظلم عاتِرةً وأترك النافرة. فقال له ابنه مُطْعِم بن الحكم: يا أَبَه احملني معك أرفدك. فقال له أبوه: وما أحمل من رَعَشٍ وَهِلٍ جبانٍ فاشلٍ. فضحك الغلام وقال: إن لم تر أوداجها تُخالط أمشاجها فاجعلني وداجها. فانطلقا فإذا هما بمهاةٍ فرماها الحكَمُ فأخطأها، ثم مرت أخرى فرماها الحكَمُ أيضاً فأخطأها، ثم عرضت ثالثةٌ فقال ابنه: يا أبه أعطني القوس فأعطاه فرماها فلم يخطئها. فقال أبوه: ربَّ رَميَةٍ من غير رامٍ. فذهبت مثلاً.

256_قولهم الدَّالُّ على الخَيْرِ كفاَعِله
أول من قال ذلك اللُّجيج بن شُنيف اليربوعي. وكان غدا يوماً في طلب القنص فعرض له عَير فأكبّ عليه يطلبه، وأمعن في ذلك حتى انتهى إلى أرض مُوحِشة
(1/143)

لا يعرفها، فكأنه أنكرها وفتر عن الطلب. فبينا هو كذلك إذ رأى رجلاً قاعداً على أكَمةٍ أزبَّ أعمى في أطمارٍ له، وبين يديه فِراشٌ من ذهبٍ وجوهر لم ير مثله. فدنا منه اللُجيج ليتناول مما بين يديه فلم يقدر على ذلك، فقال للأعمى: يا هذا ما الذي أرى بين يديك، أهو لك أم لغيرك؟ قال: وفيم سؤالك عما لم يُكسبك إياه كاسب، ولم يهبْه لك واهب. قال: إن الذي أرى لعجب. قال له الأعمى: أعجب مما ترى سؤالك عما ليس لك. أتحب أن يأخذ إبلك من لو شاء قتلك؟! قال: لا. ولكن أخبرني أجواد فتُرجى أم بخيل فتُقصى؟ قال الأعمى: إنما يعطي الجواد ماله، وليس هذا المال لي، ولكنه الرجلٍ لا بد أن يصل إليه. قال اللُجيج: ومن الرجل؟ قال: سعد بن خَشرم بن شمام، وهو في حيّ بني مالك بن هلال فاعدل عني واطلب سعداً تُصِب جدَّاً وعيشاً رَغداً، فإن الدالَّ على الخير كفاعله. فأرسلها مثلاً فانصرف اللُجيج لأهله وقد استُطير فؤاده مما رأى، فدخل خِباءه ونعس فنام مغموماً لا يدري مَن سعد بن خَشرم. فأتاه آتٍ في منامه فقال له: يا لُجيج إن شمّاماً في حيٍّ من بني شيبان من بني مُحَلّم، فهناك فاطلُب غِناك فقد أتاك فوق مناك. فانبعث اللُجيج من منامه فاستوى على راحلته، فأتى بني شيبان. فسأل عن بني مُحَلّم ثم سأل عن سعد بن خَشرم بن شمام. فقيل له: هذا أبوه، فأتاه وهو عند خِبائه فسلّم عليه. ثم سأله عن ابنه سعد فقال انطلقَ يطلُب اللُجيج بن شُنيف اليربوعي. وذلك أنّ آتياً أتاه في المنام فقال له إن لك مالاً في نواحي أرض بني يربوع لا يعلمه إلا اللُجيج. فقال: أنا اللُجيج. ثم أدبر وهو يقول:

أَيَطْلِبُني من قد عَنانِي طِلاَبُه ... فيا لَيْتَني ألفقاكَ سَعْدَ بن خَشْرَمِ
أَتَيْتَ بني يربوع يا سَعْدُ طالِبي ... وقد جئتُ كي ألقاك آل مُحَلَّمِ
ثم سار حتى دنا من محلّته فاستقبله سعد، فقال له اللُجيج: أيها الراكب.
(1/144)

هل لقيت سعد بن خَشرم في حيّ يربوع. قال: أنا سعد فهل تدُلّ على اللُجيج بن شُنيف اليربوعي. قال أنا هو. فحيّاه وتساءلا. فقال له اللُجيج: أتيتك من أرضٍ نائية، أسري مع السارية، لأخبرك بالداهية، في أرض العالية. قال سعد: هاتِ لأمّك الخير. اصدقني خَبرك، أتَّبِع أثَرَك، وأسُرَّ نَفَرَك، وتَحْمَد سفرك. قال: أدُلّك على الرغيبَة. قال سعد: الدالُّ على الخير كفاعله. فوافق قوله قول الأعمى. فأخبره الخبر وانطلقا حتى أتيا الرجل وهو قاعدٌ في مكانه. فقال له اللُجيج: هذا سعد بن خَشرم، فأعطه ماله ولا تَظلِم. فقال له: نعم. اقبض مالك. فأقبلا بالمال. وأعطى سعدٌ اللُجيج من المال حُكمَه.

257_قولهم لَوْ تُرِكَ القَطَا لَنَامَ
أول من قال ذلك حَذام ابنة الديّان. وذلك أنّ عاطس بن خلاَّج بن سهم بن شمر بن ذي الجناح سار إلى أبيها في حِمْيَر وخَثعَم وجُعْفيّ وهَمَدان، فلقيَهم الديَّان في أربعة عشر حيّاً من أحياء اليمن. فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم تحاجزوا. وأن الديَّان خرج تحت ليلة وأصحابه هُرَّاباً. فساروا يومهم وليلتهم ثم عسكروا. فأصبح عاطس فغدا لقتالهم فإذا الأرض منهم بلاقِع، فجرَّد خيله في الطلب. فانتهوا إلى عسكر الديَّان ليلاً، فلما كانوا قريباً منهم أثاروا القطا فمرت بأصحاب الديَّان، فخرجت حذام ابنة الديَّان إلى قومها فقالت:
(1/145)

ألا يا قَوْمَنا ارْتَحِلوا وسِيرُوا ... فلو تُرِكَ القَطَا لَيْلاً لَنَامَا
أي أن القطا لو تُرك ما طار في هذه الساعة. وقد أتاكم القوم. فلم يلتفوا إلى قولها وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من الكلال. فقام دَيْسم بن طارق فقال بصوتٍ عالٍ:

إذَا قالت حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالَتْ حَذامِ
وحكى أبو عبيدة أنه سمع ابن الكلبي يقول: إن هذا البيت للُجيم بن صعب والد حنيفة وعِجل ابنَي لُجيم، وكانت حذام امرأته. وثار القوم فلجأوا إلى وادٍ كان منهم قريباً واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا منهم.

258_قولهم لا مَاءَك أَبْقَيْتِ ولا حِرَكِ أنْقِيْت
أول من قال ذلك الضبّ بن أَوْرى الكَلاعي. وذلك أنه خرج تاجراً من اليمن إلى الشام، فسار أياماً ثم حاد عن أصحابه فبقي فرداً في تيهٍ من الأرض، حتى سقط إلى قوم لا يدري مَن هُم. فسأل عنهم فأُخِبر أنهم هَمدان فنزل بهم وكان طريراً طريفاً. وأنّ امرأة منهم يقال لها عَمْرة بنت سُبيع هَوِيَتْه وهَوِيَها. فخطبها الضبُّ إلى أهلها. وكانوا لا يُزوجون إلا شاعراً أو عائفاً أو عالماً بعيون الماء. فسألوه عن ذلك فلم يعرف منه شيئاً فأبَوا تزويجه. فلم يزل بهم حتى أجابوه فتزوجها. ثم أنّ حيّاً من أحياء العرب أرادوا الغارة عليهم فتطيّروا بالضبِّ فأخرجوه وامرأته وهي طامثٌ فانطلقا ومع الضبِّ سقاء من الماء، فساروا يوماً وليلة وأمامهما عينٌ يظنّان أنهما يُصبِحانها، فقالت له: ادفع لي هذا السقاء حتى أغتسل فقد قاربنا العين، فدفع إليها
(1/146)

السقاء فاغتسلت بما فيه ولم يكفيها. ثم صبحا العين فوجداها ناضبةً وأدركها العطش. فقال الضبّ: لا ماءك أبقيت ولا حِرِك أنقيت! ثم استظلا بشجرة حيال العين فأنشأ الضبّ يقول:

تالله ما طَلَّةٌ أًصَابَ بها ... بَعْلاً سِوايَ قَوارِعَ العَطْبِ
كَيْما يكون الفُؤاد مُصْطَبِراً ... ويَكتَسِي من عَزائِه قَلْبي
وأيُّ مَهْرٍ يكونُ أَثْقَلَ من ... ما طَلَبُوه مِنَّي على الضَّبِّ
أنْ يعرِفَ الماءَ تحت صُمٍّ صَفاً ... أو يُخْبِر الناسَ مَنْطِقَ الخُطْبِ
أخرجَني قَوْمُها بأنَّ رَحىً ... دَارَتْ بِشؤْمٍ لها على القُطْبِ
فلما سمعت امرأته ذلك فرحت وقالت: ارجع إلى القوم فإنك شاعر. فانطلقا راجعين. فلما وصلا خرج القوم إليهما، فقال الضبّ: إني شاعر. فتركوهما.

259_قولهم انْصُرْ أَخَاك ظاَلِماً أو مظلوماً
أول من قال ذلك جُندَب بن العنبر بن عمرو بن تميم. وكان رجلاً دميماً فاحشاً، وكان شجاعاً. وأنه جلس وسعد بن زيد مناة يشربان، فلما أخذ الشراب فيهما قال جندب لسعد وهو يمازحه: ياسعد، شُرْبُ لبن اللقاح، وطول النَّكاح، أحب إليك من الكفاح، ودعس الرماح، وركض الوقاح. قال سعد: والله إني لأعملُ
(1/147)

العامل وأنحر البازل، وأُسكت القائل. قال جُندَب: إنك لتعم أنك لو فزِعتَ دعوتني عِجلاً، وما ابتغيت لي بدلاً. ولرأيتني بطلاً. فغضب سعد وأنشأ يقول:

هل يَسُودُ الفَتِى إذا قَبُحَ الوَجْ ... هُ وأمْسَى قِراهُ غَيْرَ عَتِيدِ
وإذا النَّسُ في النَّدِيِّ رأَوْهُ ... ناطِقاً قال قِوْلَ غَيْرٍ سَدِيدِ
فأجبه جندب:

لَيْسَ زَيْنُ الفَتَى الجَمَالَ ولكن ... زَيْنُهُ الضَّرْبُ بالحُسام التَلِيدِ
إن يجُدْك الفَتَى فَذَاك وإلاَّ ... رُبَّما ضَنَّ باليَسيرِ العَتِيد
قال سعد، وكان عائفاً: أما والذي أحلفُ به لتأْسِرنَّكَ ظَعينَةٌ، بين القرية والرقينة، ولقد أخبرني طيري، أنه لا يُغيثك غيري. وتفرّقا على ذلك. فغبرا حيناً ثم إن جُنباً خرج على فرس له يطلب القنص، فأتى أَمةً لبني تميم يقال أصلها من جُرْهُم. فقال: لتُمكّنني مسرورةً، أو لتُقهرنَّ مجبورة قالت: مهلاً فإن المرء من نُوكِه، يشرب من سقاء لم يوكِه. فنزل عن فرسه ودنا منها، فقبضت على يديه بيدٍ واحدة فلم يقدر على أن يتحرك، ثم كتفته بعنان فرسه وراحت به مع غنَمِها وهي تحدو به وتقول:

لا تأْمِنَنَّ بَعْدَها الوَلائِدا ... فسوف تَلْقَى باسِلاً مُوَارِدَا
وَحَيَّةٌ تُضْحِي بحَقٍّ رَاصِدَا
فمرّ سعد في إبله فقال: يا سعد أغِثني. فقال سعد: إن الجبان لا يُغيث! فقال جُندَب:
(1/148)

يا أَيُّهَا المَرْءُ الكَرِيمُ المِشْكُوم ... انْصُر أَخَاكَ ظَاِلِماً أَوْ مَظْلُومَا
فأقبل عليه سعد فأطلقه. وقال: لولا أن يُقال قتل امرأة لقَتلتُكِ. فقالت كلاَّ لم يكن ليكذب طيرك، ويصدق غيرك. قال: صدقت ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: انْصُر أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً. قيل يا رسول الله هذا ننصُره مَظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: تَرُدُّهُ عَن الظُّلْمِ.

260_قولهم كِلاهُما وتَمْراً
قال ذلك رجل مر بإنسان وبين يديه زُبدْ وسنام وتمر، فقال له الرجل أنلْني مما بين يديك. قال: أيُّما أحبُّ إليك زُبدٌ أم سنام؟ فقال الرجل: كلاهما وتمراً. ويقال إن الذي قال ذلك عمرو بن حُمران الجعدي، وكان في إبلٍ لأبيه يرعاها، فمرّ به رجل قد جهده العطش والجوع وبين يدي عمرو زُبدٌ وتمرٌ وقرصٌ، فقال الرجل: أطعمني من زُبْدك أو قُرصك. فقال عمرو: كلاهما وتمراً. ثم قراهُ وسقاه.

261_قولهم أَنفُكَ مِنْكَ وإِنْ كِانَ أَجْدَعْ
أول من قال ذلك قُنفذ بن جَعْوَنة المازني للربيع بن كعب المازني. وذلك أنَّ
(1/149)

الربيع دفع فرساً كان قد أبرَّ على الخيل كَرَماً وجَوْدة إلى أخيه كُميْش ليأتي بأهله، وكان كُميش أَنْوَكَ مشهوراً بالحُمق. ومنهم كان رجل من بني مالك يقال له قُراد بن جرم قدم على أصحاب الفرس ليصيب منهم غرَّة فيأخذه، وكان داهية فمكث فيهم مقيماً لا يعرفون نَسَبَه ولا يُطهر من أمره. فلما نظر كُميش راكباً للفرس ركب ناقته ثم عارضه فقال: يا كُميش هل لك في عانةٍ لم أر مثلها سِمَناً لا عِظَماً، وعَيرٍ معها ذهَبٍ؟! فأما الأُتُن فتروح بها إلى أهلك فتملأ قدورهم وتُفرح صدورهم، وأما العَير فلا افتقاره بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ قال: أنا لك به، ليس يُدرك إلا على فرسك هذا. قال: فدونَكَه. قال: نعم. فأمْسِك أنت عليَّ راحلتي. فركب قُراد الفرس وقال: انتظرني في هذا المكان. قال: نعم. ومضى. فلما توارى أنشأ يقول:

ضَيَّعْتُ في العَيْرِ ضَلالاً لا مُهْرَكا ... لِتُطْعِمَ الحَيَّ جَمِيعاً خَيْرَكا
فسوفَ تَأْتِي بالهوانَ أَهْلَكا ... وقبل هذا ما خَدَعْتَ الأَنْوَكا
فلم يزل كُميش ينتظره حتى الليل. فلما لم يره انصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت تحوَّلَ ناقةً. فلما رآه أخوه الربيع قال: أين الفرس؟ قال: تحوّل ناقة. قال: فما فعل السرْج. وعرف أنه خُدِع قال: لم أذكر السرج فاطلب له عِلّة. فضربه الربيع ليقتله. فقال له منقذ بن جَعْونة: اِلْهَ عما فاتك، فإن أنفك منك وإن كان أجدع. فذهبت مثلاً. وقدم قُراد بن جرم على قومه بالفرس وقال في ذلك:

رأيتُ كُمَيْشاً نُوكُهُ لِيَ نَافِعٌ ... ولم أَرَ نُوكاً قَبْلَ ذَلِكَ يَنْفَعُ
يُؤَمِّلُ عَيْراً من نُضارٍ وَعَسْجَدٍ ... فَهَلْ كان في عَيْرٍ كَذلك مَطْمَعُ
وقلتُ له أَمْسِكْ قَلُوصِي ولا تَرِمْ ... خِداعاً له وذُو المَكايدِ يَخْدَعُ
(1/150)

فَاَصْبَحَ يَرْمِي الخَافِقَيْن بِطَرْفِه ... وأَصْبَحَ تَحْتي ذُو أفانِينَ جُرْشُعُ
أَبَرَّ على الجُرْدِ العَناجِيج كُلِّها ... فَلَيْس ولو أَقحَمتَهُ الوَعْرَ يَخشَعُ

262_قولهم زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً
أول من قال ذلك مُعاذ بن صِم الخُزاعي، وكانت أمّهُ من عكّ وكان فارس خُزاعة. وكان يُكثر زيارة أخواله فاستفاد منهم فرساً وأتى به قومه. فقال له رجل من قومه، يقال له جُحَيْش بن سَوْدة، وكان عدواً: أتُسابقني على أنه من سبق صاحبه أخذ فرسه؟ فسابقه معاذ وأخذ فرس جحيش. وأراد أن يغيظه فطعن أيْطَل الفرس بالسيف. فسقط فقال جُحيش: لا أُمّ لك، قتلت فرساً خيراً منك ومِن والديك. فرفع معاذ السيف فضرب مفرِقع فقتله. ثم لحق بأخواله. وبلغ الحيّ ما صنَع. فركب أخٌ لجُحيش وابن عم له فلحقاه، فشدّ على أحدهما فطعنه فقتله، وشدّ على الآخر فضربه بالسيف فقتله، وقال في ذلك:

ضَرَبْتُ جُحَيْشاً ضَرْبَةً لا لَئِمَةً ... ولكن بصافٍ ذِي طَرائِقَ مُسْتَكِّ
قَتَلْتُ جُحَيْشاً بعد قَتْلِ جَوادِه ... وكنتُ قَدِيماً في الحوادث ذَا فَتكِ
قَصدتُ لعَمْروٍ بعد بَدْرٍ بضَرْبَةٍ ... فخَرَّ صريعاً مثل عاتِرَةِ النُّسْكِ
لكَيْ يَعْلَمَ الأقوامُ أَنِّيَ صَارِمٌ ... خُزَاعَةُ أَجْدادِي وأَنْمِي إلَى عَكِّ
(1/151)

فَقَدْ ذُقْتُ يا جَحْشَ بن سَوْدَةَ ضَرْبَتِي ... وَجَرَّبْتَنِي إِنْ كنتَ م القَتْلِ في شَكِّ
تركتُ جُحَيْشاً ثاوِياً ذا نَوائِحٍ ... خَضِيبَ دَمٍ جاراتُه حَ، لَه تَبْكِي
تُرِنُّ عليه أمُّه بانْتِحابها ... وتَقْشِرُ جِلْدَيْ مَحْجَرَيْها من الحَكِّ
لِيَرْفَعَ أَقْوَاماً حُلُولِيَ فيهِمُ ... ويُزرِي بِقَوْمٍ إِن تركتُهُم تَرْكِي
وحِصْني سَراةُ الطِّرْفِ والسَّيفُ مَعْقِلي ... وعِطْري غُبارُ الحَرْبِ لا عَبَقُ المِسكِ
تَتُوقُ غَداةَ الرَّوْعِ نَفْسِي إلى الوَغَى ... كَتَوْقِ القَطَا يَسْمُو إلى الوَشَلِ الرَّكِّ
ولَسْتُ بِرِعْدِيدٍ إذا راعَ مُعْضِلٌ ... ولا في نَوادِي القَوْم بالضَّيِّقِ المَسْكِ
وكم مَلِكٍ جَدَّلْتُه بِمُهَنَّدٍ ... وسَابِغَةٍ بَيْضَاء مُحْكَمَةِ السَّكِّ
فأقام في أخواله زماناً. ثم خرج مع بني خاله في جماعة من فتيانهم يتصيدون فحمل مُعاذ على عَيْرٍ فلحقه ابن خال له يقال له الغضبان، فقال: خلِّ علن العَيْر. قال: لا. ولا نَعْمَةَ عَيْن. قال الغضبان: أما والله لو كان فيك خيرٌ ما تركت قومك فقال مُعاذ: زُر غِبَّاً تزْدَد حُبّاً. فأرسلها مثلاً. ثم أتى قومه فأراد أهل المقتول قتله، فقال لهم قومه: لا تقتلوا فارسكم وإن ظلم. فقبلوا منه الدية.

263_قولهم مَنْ يَرَ يَوْماً يُرَ بِه
أول من قال ذلك كَلْحَب بن شُؤْبوب الأسدي، وكان خبَّاً عاتياً، وكان يُغير على طيء وحده. وأن حارثة بن لأْمٍ الطائي دعا رجلاً من قومه يقال له عِتْرِم فقال له: أما تستطيع أن تكفيني هذا الخبيث؟ فقال: بلى! ثم أرسل عشرة عُيوناً عليه.
(1/152)

فعلموا مكانه وانطلق إليه الرجل جماعة فوجدوه نائماً في ظلّ أراكةٍ وفرسه مشدودٌ عنده. فنزل إليه الرجل ومعه آخر، فأخذ كل واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فزِعاً. فنزع يده من ممسكها وقبض على حلق الآخر فقتله، وبادر الباقون إليه فأخذوه وشدّوه وثاقاً. فقال لهم ابن المقتول، وهو حَوْذةَ بن عِتْرِم: دعوني أقتله كما قتل أبي. قالوا: حتى نأتي حارثة. فأبى. فقالوا: والله لئن قتلته لنقتلنّك به. وأتوا به حارثة بن لأْم فقال له حارثة: يا كَلْحب إنْ كنت أسيراً فطالما أَسَرت. فقال كلحب: من ير يوماً يُرَ به. فأرسلها مثلاً. فقال حوذة لحارثة: أعطني أقتله بأبي. فقال دونَكَه. وجعلوا يتكلمون وهو يعالج كتافه حتى انحلّ، ثم وثب على رجليه يحاضرهم وتواثبوا على الخيل واتّبعوه فأعجزهم. فقال حَوْذة في ذلك:

إلَى اللهِ أشكو أَنْ أَؤُوبَ وقد ثَوَى ... قتيلاً وأَوْدَى سيَّدُ الْقَوم عِتْرِمُ
فماتَ ضَيَاعاً هكذا بِيَدِ امرِئٍ ... لَئِيمٍ فَلَوْلا قِيلَ ذو الوِتْرِ مُعْلَمُ
فبلغ ذلك كَلحباً فقال:

أَحَوْذَةَ إِنْ تَفْخَرْ وتزعُمْ بأَنَّني ... لَئِيمٌ فمِنِّي عِتْرِمُ أَلأَمُ
فأُقْسِمْ بالبيْت المحرّم مِنْ مِنىً ... أَلِيَّةَ بَرٍّ صادقٍ حين يُقسِمُ
لَضَبٌّ بِقَاعِ الأَرْضِ حَلْفَةَ مُقْسِمٍ ... صَدُوقٍ ويَرْبُوع الفلا مِنْكَ أَكْرِمُ
تواعِدُني بالمنكرات وإَنَّنِي ... صَبُور على ما نابَ جَلْدٌ عَرَمْرَمُ
(1/153)

فإِنْ أُفْنَ أَوْ أَعْمَرْ إلى وقتِ مُدّةٍ ... فإنِّي ابن شؤبوب الجسورُ الصَلَخْدَمُ

264_....
265_قولهم: قد يَضْرِط العَيْرُ والمِكواةُ فِي النَّار
أول من قال ذلك عُرفطة بن عَرفجة الهِزّاني، وكان سيد بني هِزّان، وكان الحُصين بن نبيت العكلي سيد بني عُكل، فكان كل واحد منهما يغير على صاحبه، فإذا أسرت بنو عكل من بني هِزّان أسيراً قتلوه، وإذا أسرت بنو هِزان منهم أسيراً فَدَوه. فقدم راكبٌ لبني هِزّان عليهم فرأى ما يصنعون فقال لهم: لم أر قوماً ذوي عددٍ وعُدةٍ وجَلَدٍ وثروة يلجئون إلى سيد لا ينقض بهم وِتْراً. أرضيتم أن يفنى قومكم رغبة في الدية، والقوم مثلكم تؤلمهم الجراح ويعضّهم السلاح، فكيف تُقتلون ويَسْلَمون؟ ووبّخهم توبيخاً عنيفاً وأعلمهم أن قوماً من عُكل خرجوا في إبل لهم، فاخرجوا إليهم. فخرجوا فأصابوهم فاستاقوا اللإبل وأسروهم، فلما قدموا محلّتهم قالوا لهم: هل لكم في اللِّقاح، والأمة الردّاح، والفرس الوَقاح؟ قالوا: لا. ثم ضربوا أعناقهم. وبلغ عُكلاً الخبر فساروا يريدون الغارة على بني هِزّان. ونذرت
(1/154)

بهم بنو هِزّان فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ختى فَشَت الجراح، وقُتل رجل من هِزان وأُسر رجلان من عُكل. وانهزمت عُكل فقال عُرفطة للأسيرين: أيكما أفضل لأقتله بصاحبه؟ وعسى أن نُفادي الآخر فجعل كل واحد منهم يُخبر أن صاحبه أكرم منه. فأمر بقتلهما جميعاً. فقدم أحدهما ليقتل وجعل الآخر يضرط فقال عرفطة: قد يضرط العير والمكواة في النار. فأرسلها مثلاً. ويقال أن أول من قاله مُسافر بن أب عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان من حديثه أنه كان يهوى هِنداً بنت عتبة وكانت تهواهه، فقالت: إن أهلي لا يزوّجونني منك لأنك مُعسر. فلو وفدت إلى بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوجني! فرحل إلى الحيرة وافداً إلى النعمان. فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله عن خبر أهل مكة بعده، فأخبره بأشياء كان فيها أن أبا سفيان تزوج هنداً، فطُعِن من الغمِّ. فأمر النعمان به أن يُكوى. فأتاه الطبيب بمكاويه فجعلها في النار ثم وضع مكواة منها عليه، وعِلجٌ من علوج النعمان واقف. فلما رآه يُكوى ضَرَط، فقال مُسافر: قد يضرط العير والكواة في النار. ويقال: إن الطبيب ضرط. وهذا الخبر رواه أبو الحسن الدمشقي.

266_قولهم لَنْ تَعْدمَ الحَسْنِاءُ ذَاما
أول من قال ذلك حُبيَّ بنت مالك بن عمرو العدوانية وكانت جميلة. فسمع بجمالها مالك بن غسان فخطبها وحكّم أباها في مهرها. فلما حملها قالت أمها لنِسوتها:
(1/155)

إن عند الملامَسةِ رَشْحةً لها هَنة، فإذا أردتن إدخالها على زوجها فمسِّحْن أعطافها بما في أصدافها. فلما أردن ذلك بها أعجلهُنَّ زوجها عن تطييبها، فوجد منها رُوَيْحةً. فلما أصبح قال له أصحابه: كيف رأيت طَروقَتَك؟ قال: لم أر كالليلة لولا الرُوِيْحَة أنكَرْتُها. فقالت هي من خلف السِّتْر: لن تعدم الحسناء ذاما. فأرسلتها مثلاً.

267_قولهم تَرَى الفِتْيَان كالنَّخْلِ ولا تَدْرِي مالدَّخْلُ
أول من قال ذلك عَثْمة بنت مطرود البَجَلية، فكانت ذات عقل ورأى مُستَمع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خَوْد، ذات جمالٍ وعقل. وإنّ سبعة أخوةٍ من بني عامد، بطن من الأزْد، خطبوا خَوْداً إلى أبيها، أتوه وعليهم الحُلل اليمانية وتحتهم النجائِب، فقالوا نحن بنو مالك بن عقيلة ذي النحيين. فقال لهم انزلوا الماء. فباتوا على الماء ليلتهم، ثم أصبحوا غادين في تلك الحُلل والهيئة ومعهم ربيبة لهم يقال لها الشعثاء كاهنة، فمروا بوصيدها يتعرَّضون لها وكلهم وسيم جميل. وخرج أبوها فجلسوا إليه فرحَّبَ بهم فقالوا: بلغنا أن لك ابنة ونحن شباب كما ترى، كلنا نمنع الجانب، ونمنح الراغب فقال أبوها: كلكم خيار. فأقيموا نر رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقد أتاك هؤلاء القوم. فقالت أنكِحني على قدري ولا تُشطِط
(1/156)

في مهري، فإن تخطئني أحلامُهم لا تُخطئني أجسامهم، لعلّي أصيب ولداً وأُكثِر عدداً. فخرج أبوها فقال: أخبروني عن أفضلكم. قالت ربيتهم الشعثاء الكاهنة: اسمع أُخبرك عنهم. هم إخوة، كلهم إسوة، أما الكبير فمالك، جريء فاتك، يتعب السنابك، ويستصغر المهالك، وأما الذي يليه فالغَمْزُ، بَحْر غَمْرُ، يقصر دونه الفَخْر، نَهْدٌ صَقْرٌ. وأما الذي يليه فعلقمة، صليب المعجمة، منيع المَشْتَمة قليل الجمجمة. وأما الذي يليه فعاصم، سيد ناعم، جَلْدٌ صارم، أبيّ حازم، جيشه غانم، وجارُه سالم. وأما الذي يليه فثواب، سريع الجواب، عتيد الصواب، كريم النِصاب، كَلَيْثِ الغاب. وأما الذي يليه فمُدْرِك، بذولٌ لما يملِك، عزوفٌ عما يترك، يُغني ويُهلك، وأما الذي يليه فحَنْدَل، لِقرْنه مجدِّل، مُقلّ لما يحمل، يعطي ويبذل، وعن عدوّه لا ينكل. فشاورت أختها فيهم، فقالت أختها عثمة: ترى الفتيان كالنخل وما يُدريك مالدخْلُ. اسمعي مني كلمة، إن شرّ الغريبة يُعلن وخيرها يُدفَن أنكحي في قومك ولا تغرُرْك الأجسام. فلم تقبل منها. وبعثت إلى أبيها أنكحني مُدركاً. فأنكحها أبوها على مائة ناقة ورُعاتها. وحملها مدرك فلم تلبث عنده إلا قليلاً حتى صبحتهم فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة، ثم إن زوجها وإخوته وبني عامد انكشفوا فسَبوها فيمن سَبوا. فبينا هي تسير إذ بكت فقالوا: ما يُبكيكِ؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبّحه الله جمالاً لا نفع معه. إنما أبكي على عصياني أختي، وقولها: ترى الفتيان كالنخل وما يُدريك ما الدخل. وأخبرتهم كيف خطبوها. فقال لها رجل منهم يُكنى أبا نُواس، شابٌ أسودْ، أفوَه مضطّرب الخَلْقِ: أترضين بي على أن أمنعك من ذئاب العَرَب؟ فقالت
(1/157)

لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا نعم. إنه مع ما ترين لمنيع الحليلة، وتتّقيه القبيلة. قالت: أجمل جَمالٍ، وأَكملُ كمالٍ. قد رضيتُ به. فزوّجوها إياه.

268_قولهم جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْك
أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير، كان عنيفاً على أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك، وأن امرأته سمعت أصوات السؤَّال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن من العيش الرَغْد، وإني لأخاف أن يكونوا عليك سِباعاً وقد كانوا لدينا أتباعاً! فردّ عليها: جوِّع كلبك يتبعك. فأرسلها مثلاً. فلبث بذلك زماناً ثم أغزاهم فغنموا ولم يقسِم فيهم شيئاً، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وكان أميرهم: قد ترى ما نحن فيه من هذا الجَهد ونحن نكره خروج المُلْك منكم أهل البيت إلى غيركم، فساعدنا على قتل أخيك واجْلِس مكانه. وعَرَف بغيه واعتداءه عليهم فأجابهم إلى ذلك. فوثبوا عليه فقتلوه. فمرّ به عامر بن جَذيمة وهو مقتول، وقد سمع بقوله جوع كلبك يتبعك، فقال: ربما أكل الكلب مؤدِّبَه إذا لم ينلْ شِبَعَه. فأرسلها مثلاً.

269_قولهم إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَة
أول من قال ذلك سهْل بن مالك الفزاري. وذلك أنه خرج يومئذ فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي فقيل له: حارثة بن لأْم. فأمَّ رحله فلم يُصبه شاهداً
(1/158)

فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة، فنزل فأكرمته وألطفته. ثم خرجت من خِباءٍ إلى خباء فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها. فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ماوافقها من ذلك. فجلس بفناء الخباء يوماً وهي تسمع كلامه وهو ينشد:

يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فَتَى فَزَارَهْ
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ
فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ماذا بقول ذي عقل أريب، ولا رأيٍ مُصيب، ولا أنفٍ نجيب. فأقِم ما أقمت مُكرَّماً، ثم ارتحِل إذا شئت مُسلَّما. فاستحيا من قولها وقال: ما أردت مُنكراً واسَوْأتاه. قالت: صدقت. وكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته. فارتحل فأتى النعمان فحباه وأكرمه. فلما رجع نزل على أخيها، فبينما هو مُقيم عندهم تطلّعت إليه نفسُها وكان جميلاً. فأرسلت إليه أن اخطُبني إن كانت لك فيّ يوماً من الدهر حاجة، فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه.

270_قولهم قَطَعَ الله دابِرَه
قال الأصمعي وغيره: الدابِر: الأصل. أي أذهب الله أصله. وقال الشاعر:

فِدىً لَكُما رِجْلَيَّ أُمِّي وخَالَتي ... غَداةَ الكُلاب إذ تُجَزّ الدَوابِرُ
أي يُقتل القوم فتذهب أصولهم فلا يبقى لهم أثر.
(1/159)

271_قولهم حابَيْتُ فُلاناً
قال الأصمعي: معناه خصَصْته بالمَيْل. وقال زهير:

أُحابِي بِهِ مَيْتاً بِنَخْلٍ وأبْتَغِي ... ودَادَك بالقَوْل الذي أنا قائل
أي أخصّ بهذا القول. وأظنه مأخوذاً من الحَبْوة، وهو ما خُصّ به الإنسان من العطية. ويقال: معنى حابيت إي مِلْت إلى الرجل واتصلت به. وهو مأخوذ من حَبِيّ السحاب، وهو ما دنا بعضه إلى بعض، قال أوس:

وأَبْيَضَ عَسَّالاً كأنَّ اهتزازَهُ ... تلألُؤ بَرقٍ في حَبَيٍّ تكلَّلا

272_قولهم اقتُلُوني ومالِكاً
أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير وذلك أنه عانق الأشتر النَخَعي فسقطا إلى الأرض. واسم الأشتر مالك. فنادى عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكاً، فضُرب به المثل لكل من أراد بصاحبه مكروهاً وإن ناله منه ضرر.

273_قولهم العاشِيَة تُهيِجُ الآبِيَة
أول من قال ذلك يزيد بن رُوَيْم الشيباني جدّ حَوْشَب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُوَيْم. وحديث ذلك فيما قال المفضل الضبي: زعموا أن السُلَيك ابن السُلَكة خرج يريد أن يُغير في ناسٍ من أصحابه، فمر على بني شيبان في ربيع
(1/160)

والناس مُخصِبون فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم. فقال لأصحابه: كونوا إلى مكان كذا حتى آتي هذا البيت فلعلّي أصيبُ لكم خيراً. قالوا: افعل. فانطلق وقد أمسى وجَنَّ عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رُوَيْم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت. فأتى السُلَيك البيت من مؤخِّره فدخل، فلم يلبث أن أراحَ ابن له إبله فلما أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلاّ عشَّيتها ساعة من الليل. قال ابنه: إنها آبية. قال له: العاشية تُهيجُ الآبية. فأرسلها مثلاً. ونفض يده في وجوهها فرجعت إلى مرتعها، وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها. وجلس الشيخ عندها لتتعشّى وتبعه السُليك، فلما وجده مُغتَرَّاً خَتَله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل وطردها. فلم يشعر أصحابه وقد ساء ظنهم وتخوّفوا عليه إلا بالسُليك يطردها. وقال السُلَيك في ذلك:

وعاشِيَةٍ رُجٍّ بِطانٍ ذَعَرْتُها ... بِصَوْتِ قَتيلٍ وسْطها يَتَسَيَّفُ
كأنَّ عليهِ لَوْنَ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ ... إذا ما أتاهُ صارِخٌ مُتَلَهِّفُ
فباتَ له أهلٌ خَلاء فِناؤُهم ... ومَرَّت لهم طَيْرٌ فلم يَتَعَيَّفوا
وكانوا يَظُنُّونَ الظُّنُونَ وصُحْبَتي ... إذا ما عَلَوا نَشْزاً أَهلُّوا وأوجَفوا
وما نِلْتُها حتَّى تَصَعْلَكْتُ حِقْبَةً ... وكُنْتُ لأَسْبابِ المَنِيَّةِ أَعْرِفُ
وحتى رَأَيْتُ الجُوعَ بالصيف ضَرَّنِي ... إذا قمت يَغْشَانِي ظِلالٌ فأُسْدِفُ
(1/161)

274_قولهم البيعُ مُرْتَخَصٌ وغَالٍ
أول من قال أحيحة بن الجلاح الأوسي سيد يثرب. وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي أتاه، وكان له صديقاً، لما وقع الشر بينه وبين بني عامر وخرج إلى المدينة ليتجهز لقتالهم حيث قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة. فقال قيس لأُحَيحة: يا أبا عمرو نُبِّئتُ أن عندك دِرعاً ليست بيثرب درع مثلها، فإن كانت فضلاً فبعنيها أو فهبها لي. قال: يا أخا بني عبس! ليس مثلي يبيع السلاح ولا يَفضل عنه، ولولا أني أكره أن أستليم إلى بني عامر لوهبتها لك ولحملتك على سوابق خيلي، ولكن اشترِها بابن لَبُون، فإنَّ البيع مرتَخصٌ وغالٍ. فأرسلها مثلاً. فقال له قيس: وما تكره من استلامتك إلى بني عامر؟ قال: كيف لا أكره ذلك وخالد بن جعفر الذي يقول:

إذا ما أردتَ العِزَّ في آلِ يَثْرِبً ... فنَادِ بِصَوْتٍ يا أُحَيْحَةُ تُمْنَعِ
رأينا أبا عَمْروٍ أُحَيْحَةَ جَارُهُ ... يبيت قريرَ العَيْنِ غَيْرَ مُرَوَّعِ
ومَنْ يأتهِ من خائفٍ يَنْسَ خَوْفه ... ومن يأتِه من جائعِ البَطْنِ يَشْبَعُ
فضائلُ كانت لِلجُلاح قَدِيمَةٌ ... وأَكْرِم بفَخْرٍمن خِصالك أَرْبَعِ
فقال قيس: يا أبا عمروٍ ما عليك بعد هذا من لَوم. فَلَها عنه، ثم عاوده فساومه
(1/162)

فغضب أُحيحة وقال له: بِتْ عندي. فبات عنده فلما شربا تغنّى أُحيحة وقيس يسمع:

أَلاَ يا قَيْسُ لا تَسُمَنَّ دِرْعِي ... فما مِثْلي يُساوَمُ بالدُّرُوعِ
فلولا خُلَّة لأبي جُزيْءٍ ... وأنّي لست عنها بالنَّزُوعِ
لأُبْتَ بمِثلها عَشْرٍ وطِرْفٍ ... لَحُوقِ الإطْلِ جَيَّاشٍ تَلِيعِ
ولَكِنْ سَمِّ ما أَحْبَبْتَ فِيها ... فليس بمُنْكَرٍ عَيْنَ البُيوعِ
فما هِبَةُ الدُّرُوعِ أَخَا بَغِيضٍ ... ولا الخَيْل السَّوابِق بالبَدِيعِ

275_قولهم زَيْنَبُ سُتْرَة
أول من قال ذلك ابن رهيمة المدني الشاعر لزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال بعضهم: هي زينب بنت عبد الله بن عكرمة، وكانت عجوزاً كبيرة ولها جَوارٍ مُغنيَّات. وكان ابن رُهَيمة، واسمه محمد وهو مولىً لخالد بن أسِيد، يتعشّق بعض جواريها فتُسرُّ لذلك وتَصِلهما وتكسوهما، فمن قوله فيها:

أَقْصَدْتِ زَيْنَبَ قَلْبِي بعدَ ما ... ذَهَبَ البَاطِلُ مِنِّي والغَزَلْ
ولها يقول:

إِنَّما زَيْنَبُ الهَوَى ... وهْيَ الهَمُّ والمُنى
وله فيها عدة أشعار. ثم إن زينب حجَبَتها لشيءٍ بلغها، فقال ابن رُهيمة:
(1/163)

وَجَدَ الفؤادُ بِزَيْنَبَا ... وَجْداً شَدِيداً مُتْعِبَا
أَمْسَيْتُ من كَلَفٍ بها ... أُدْعَى الشَّقِيَّ المُسْهَبَا
ولقد كَنَيْتُ عن اسْمِها ... عَمْداً لكي لا تَغْضَبَا
وجَعَلْتُ زَيْنَب سُتْرَةً ... وكَتَمْتُ أَمراً مُعْجِبَا
فصار كل من أومأ إلى شيء وهو يريد غيره يقول: زينب سُترةٌ.

276_قولهم هو يَسْحَرُ بكلامه
معناه يُعلِّل ويخدع. وقال محمد بن سلاَّم الحُمَجي: سألت يونس عن قول الله تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ. فقال: من المُعلَّلين، وأنشد لامرىء القيس:

عَصافِيرٌ وذِبَّانٌ ودُودٌ ... ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرِابِ
وقال لبيد:

فإن تسأَليِنا فيمَ نَحْنُ فإِنَّنا ... عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ
نَحُلُّ بِلاداً كُلّها حُلَّ قَبْلَنا ... ونَرْجو الفَلاحَ بعدَ عَادٍ وحِمْيَرُ
والسِّحرُ أيضاً: الاستهواء وذهاب العقل. السِّحرُ: صرفُ الإنسان عن الشيء إلى غيره. يقال: سَحَرْتُه عن كذا أي صرفتُه عنه. وقال الله جل وعز: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ. أي تُصرفون
(1/164)

277_قولهم أَخَذَتْه الأُخْذَة
قال الفرّاء: الأُخْذة السِّحر. ومنه قولهم في يده أُخذة أي حيلة يَسحَر بها.

278_قولهم مَن يَشْتَرِي سَيْفِي وهَذا أَثَرهُ
أول من قال ذلك الحارث بن ظالم. وذلك أن خالد بن جعفر بن كلاب لما قَتَل زهير بن جَذيمة بن رواحة العبسي ضاقت به الأرض، وعلم أن غَطَفان غير تاركته، فخرج حتى أتى النعمان فاستجار به فأجاره، ومعه أخوه عتبة بن جعفر. وهض قيس بن زهير فاستَعدَّ لمحاربة بني عامر. وهجم الشتاء، فقال الحارث بن ظالم: يا قيس أنتم أعلَمكُم وحَربَكُم، فإني راحل إلى خالد حتى أقتله. فقال له قيس: يا حارث قد أجاره النعمان. فقال الحارث: لأَقتلنَّهُ ولو كان في حَجرِه. وكان النعمان قد ضرب على خالد وأخيه قبَّة وأمرهما بحضور طعامه ونِدامه. فأقبل الحارث ومعه تابع له من بني محارب، فأتى باب النعمان فاستأذن فأذِن له النعمان وفرِح به. فدخل الحارث وكان من أحسن الناس حديثاً وأعلمهم بأيام العرب. فأقبل النعمام عليه بوجهه وحديثه، وبين يديه تمرٌ يأكلون منه. فلما رأى خالد إقبال النعمان على الحارث غاظه، فقال: يا أبا ليلى ألا تشكُرني؟ فقال: فيم ذا؟ قال: قتلتُ زهيراً فصِرتَ بعده سيد غطفان. وفي يد الحارث تمرات فاضطربت يده وجعل يُرعِد ويقول: أأنت قتلته. والتمر يسقط من يده. ونظر النعمان إلى ما به من الزَّمَع، فنخص خالداً بقضيبه وقال: هذا يقتُلك. فافترق القوم، وبقي الحارث عند النعمان. وأشرج خالد قُبَّتَه عليه وعلى
(1/165)

أخيه وناما. وانصرف الحارث إلى رحله. فلما هدأَت العيون خرج الحارث بسيفه شاهره حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها بسيفه. ودخل فرأى خالداً نائماً وأخوه إلى جنبه، فأيقظ خالداً فاستوى قائماً. فقال له الحارث: يا خالد أظننت أن دم زهيرٍ كان سائغاً لك، وعلاه بسيفه حتى قتله. وانتبه عُتبة أخوه، فقال له الحارث: لئِن نَبَسْتَ لأُلحِقنَّكَ به. وانصرف الحارث فركب فرسه ومضى على وجهه. وخرج عتبة صارخاً حتى أتى باب النعمان فنادى يا سوَْء جِواره. فأجيب لا رَوْعَ عليك. فقال: دخل الحارث على خالد فقتله وأخْفَر المَلِك جِواره. فوجّه النعما في أثره بفوارس، فلحقوه سَحَر، فعطف عليهم فقتل منهم جماعة. وكثروا عليه، فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرَّقها ولا لفارس إلا قَتَله. وهو يرتجز:

أنا أبو لَيْلِى وسَيْفِيَ المَعْلُوبْ ... مَنْ يَشْتَرِي سَيْفِي وهَذَا أَثَرُه
فأرسلها مثلاً. وارتدعَ القوم عنه وانصرفوا إلى النعمان.
المَعلوب: المشدود بالعلباء لئلا يضطرب السيف. والعِلباء: العَصَبة الصفراء التي تكون في العُنُق. وهما العِلباوان.

279_قولهم قد كان ذّاكَ مَرَّةً فاليومَ لا
أول من قال ذلك فاطمة بنت مُرّ الخَثْعَميَّة. وكان من حديثها فيما ذكر هشام بن الكلبي عن رجال خَثعَم. قالوا: كانت فاطمة بنت مرّ بمكة. وكانت قد قرأت
(1/166)

الكتب فأقبل عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب. فمر على فاطمة فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هشام. فقالت له: هل لكَ أن تقَعَ عليَّ وأعُطيك مائة من الإبل؟ فقال:

أَمَّا الحَرَام فلمَمَاتُ دُونَه ... والحِلُّ لا حِلّ فأسْتَبِينَه
فَكَيْفَ بِلأَمْر الذي تَنْوِينَه
ومضى مع أبيه فزوج آمنة وظل عندها يومه وليلته، فاشتملت بالنبي صلى الله عليه وسلم. ثم انصرف وقد دعته نفسه إلى الإبل، فأتاها فلم ير منها حِرصاً. فقال لها: هل لك فيما قلت لي؟ فقالت: قد كان ذلك مرَّة فاليوم لا. فأرسلتها مثلاً. ثم قالت أي شيء صنَعْتَ بعدي؟ قال زوَّجنب أبي آمنة بنت وهب فكنت عندها. فقالت: رأيت في وجهك نور النبوة فأردت أن يكون بي، وأبى الله أن يضعه إلا حيث أحبَّ. وقالت فاطمة في ذلك:

بَنِي هَاشِمٍ قد غَادَرَتْ م أخِيكُم ... أُمَيْنَةُ إذ للبَاهِ يَعْتَلِجان
كَما غادَرَ المِصْباحُ بَعدَ خُبُوئِهِ ... فَتَائِلَ قد مِيثَت لَهُ بِدِهانِ
وما كُلُّ ما يَحوِي الفَتِى مِنْ نَصِيبِهِ ... بِحَزْمٍ ولا ما فَاتَه بتَوانِ
فأَجْمِل إذا طَالَبْتَ أَمْراً فإنه ... سَيَكْفِيه جَدَّانِ يَصْطَرِعان
وقالت أيضاً في ذلك:

إِنِّي رأَيْتُ مُخيِلةً نشأَتْ ... فَتَلأْلأَت بحنَاتم القَطْرِ
للهِ ما زُهريَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيْكَ ما اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي
(1/167)

280_قولهم حَدِيثُ خُرَافَة
هو رجل من عُذرة ذكر يزيد بن هارون عن عبد السلام بن صالح بن كثير قال: حدثنا ثابت البناني قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدث نساءه فقال في حديثه: إنه كان فيمن كان قبلكم رجل كانت له أمٌ، وكانت له امرأة لها أمٌ، فقالت له امرأته لا أرضى حتى تحوَّلني عن أمك. فحوّلها عنها فكان يتحدث إلى أمه من الليل، ثم يأتي امرأته. فلما رجع من عند أمه ذات ليلة أتى أمّه آتيان فقالا لها: أيتها المرأة هل عندك من منزل؟ هل عندك من عشاء؟ قالت: مرحباً بك ادخلا. قال: فقالا لها: ما هذه الأصوات التي تُسمَع حول بيتك؟ قال: وما حول بيتها من شيء غير أنها أرادت أن تؤنسهما، فقالت: هذه أصوات إبل لنا وشاءٍ. فقال أحدهما لصاحبه: أعطي مُتمنٍّ ما تمناه. قال: فغدا عليها ابنها فقال: يا أمّتاه ما هذا الذي أرى؟ فحدثته حديث الرجلين اللذين أتياها. فانطلق الرجل فحدث به امرأته فحدثت به المرأة أمها فقالت: لا والله. ولكنه نظر إلى المنزل الصالح فأَنزل به أمه، ونظر إلى المنزل السوَء فأنزلكِه، فقولي له: والله لا أرضى حتى تحولني عن منزل أمك، وتحول أمك إلى منزلي. فأتى أمه فحدثها. فقالت: نعم! يابني افعل. ففعل فأتاهما آتيان، للمرأة وأمها بعد رَقْدة من الليل، فقالا: هل من قرىً؟ هل لك من منزل؟ فقالتا لهما: لا. وراءكما. ما عندنا إلا حنظلاتٌ في سلتنا. فقالا: ما هذه الأصوات اللاتي حول بيتكما؟ قالتا: أصوات سباع وجنٍّ، لو قد ذهبتما دخلت علينا فأكلتنا. قال: فقال أحدهما: أُعْطِي مُتَمَنٍّ ما تمنى وإن كان شراً. فلما مضيا دخلت عليهما
(1/168)

السباع فأكلتهما. فقال نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كأن هذا حديث خُرافة. فقال: إن خرافة كان رجلاً من عُذرة سَبَتْهُ الجنُّ فكان فيهم زماناً يسمع ويرى. ثم رجع إلى الناس فكان يحدثهم بما رأى في الجن من العجائب. فكان الناس إذا سمعوا حديثاً عَجباً قالوا: كأنّ هذا حديث خُرافة.
وذكر إسماعيل بن أبنٍ الورّاق قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكَّائي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال: سألت أبي عن حديث خرافة وعن كثرة ذكر الناس له، فقال: إن له حديثاً عجباً. ثم قال: بلغني أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبيّ الله حدثني بحديث خرافة. فقال النبي صلى عليه وسلم: رحم الله خرافة. إنه كان رجلاً صالحاً، وأنه أخبرني أنه خرج ذات ليلة في بعض حاجاته، فبينا هو يسير إذ لقيه ثلاثة نفرٍ من الجن فأسروه. أو قال: فَسَبَوهْ. فقال واحد منهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره إذ ورد عليهم رجل، فقال: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. قال: ما أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الجن أسرنا هذا، فنحن نتشاور في أمره. فقال: إن حدثتكم بحديث عجَبٍ فهل تشركونني فيه؟ قالوا: نعم. قال: إني كنت رجلاً من الله بخير، وكانت لله علي نِعمة فزالت وركبني دين، فخرجت هارباً. فبينا أنا أسير إذ أصابني عطش شديد فصرت إلى بئر، فنزلت لأشرب فصاح بي صائح من البئر: مَهْ. فخرجتُ ولم أشرب. فغلبني العطش فعدتُ. فصاح مَهْ: فخرجت ولم أشرب. ثم عدت الثالثة فشربت ولم ألتفت إلى الصوت، فقال قائل من البئر: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها رجلاً. فإذا أنا امرأة. فأتيت مدينة قد سمَّاها، نسي زيادٌ اسمها، فتزوجني رجل فولدت له ولدين. ثم إن نفسي تاقت إلى الرجوع إلى منزلي وبلدي، فمررت بالبئر التي شربت منها فنزلت لأشرب، فصاح بي كما صاح في المرة الأولى فلم ألتفت إلى الصوت وشربتُ. فقال: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها
(1/169)

رجلاً، فعدت رجلاً كما كنت. فأتيت المدينة التي أنا منها فتزوجت امرأةً فولدت لي ولدين، فلي ابنان من ظهري وابنان من بطني. فقالوا: سبحان الله إن هذا لَعَجَب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون فيه إذ ورد عليهم ثورٌ يطير، فلما جاوزهم إذا رجلٌ بيده خشبة يُحْضر في أثره، فلما رآهم وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ فردوا عليه مثل مردّهم على الأول. فقال: إن حدثتكم أعجب من هذا أتشركوني فيه؟ قالوا: نعم. قال: كان لي عمٌ وكان موسراً، وكانت له ابنة جميلة. وكُنا سبعة أخوة. فخطبها رجل، وكان له عِجلٌ يُربيه. فأفلت العجل ونحن عنده، فقال: أيكم ردَّه فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه واتزرتُ ثم أحضرت في أثره وأنا غلام، وقد شِبتُ، فلا أنا ألحقه ولا هو ينكُل. فقالوا: سبحان الله إن هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم رجل على فرسٍ له أنثى، وغلام له على فرس رائع فسلّم كما سلّم صاحباه وسأل كسؤالهما. فردوا عليه كمردِّهم على صاحبيه. فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أتشركونني فيه؟ قالوا: نعم. فهات حديثك. قال: كانت لي أمّ خبيثة، ثم قال للفرس الأنثى التي تحته أَكَذاكِ هو؟ فقالت برأسها: نعم. وكنا نتهمها بهذا العبد، وأشار إلى الفرس الذي تحت غلامه، ثم قال للفرس أكذاك؟ فقال: برأسه. نعم. فوجهت غلامي هذا الراكب على الفرس ذات يوم في بعض حاجاتي فحبسته عندها. فأغفى فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجُرذٍ قد خرج، فقالت له: امخُر فمَخَر، ثم قالت اكْرُر
(1/170)

فكَرَر. ثم قالت ازرع فزرع، ثم قالت: احصد فحصد. ثم قالت: دُس فداس. ثم دعت برَحى فطحنت بها قدح سَويق. فانتبه الغلام فَزعاً مُروّعاً. فقالت له: ائْتِ بهذا مولاك فاسقه إياه. فأتى غلامي فحدثني بما كان منها، وقصّ عليّ القصة. فاحتلت لهما جميعاً حتى سقيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أَكذاك؟ فقالا برأسيهما: نعم. فقالوا: يا سبحان الله إن هذا أعجب شيء سمعناه! أنت شريكنا فيه. فأجمعوا رأيهم فأعتقوا خُرافة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بهذا الخبر.

281_قولهم لاَ تُعَلِّم اليَتِيمَ البُكَاء
أول من قال ذلك زهير بن جناب الكلبي. وكان من حديثه عَلقَمة جِذل الطِعان بن فراس بن غَنْم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة بن خُزيمة، أغار على بني عبد الله بن كنانة بن بكر بن كلب، وهم بعُسْفان. فقتل عبد الله بن هُبَل وعبدة بن هُبَل، ومالك بن عبيدة، وصُريم بن قيس بن هُبَل وأسر مالك بن عبد الله بن هبل. قال فلما أُصيبوا وأفلت من أفلت، أقبلت جارية من بني عبد الله بن كنانة من كلب، فقالت لزهير ولم يشهد الوقعة: يا عماه، ما ترى فعل أبي؟ قال: وعلى أي شيء كان أبوكِ. قالت: على شقَّاء ومقَّاء، طويلة الأنقاء، تمَطَّقُ بالعَرَقِ تمَطُّقَ الشيخ بالمرق. قال: نجا أبوك. ثم أتته أخرى فقالت: يا عماه! وما تُرى
(1/171)

فعل أبي؟ قال: وعلى أي شيء كان أبوك؟ قالت: على طويل بطنُها، قصيرٍ ظهرُها، هاديها شطرُها، يكُبُّها حُضرُها. قال: نجا أبوك. ثم أتته بنت مالك بن عبيدة بن هبل، فقالت: يا عماه! ما ترى فعل أبي؟ قال وعلى أي شيء كان أبوكِ؟ قالت: على الكزّة الأنُوح، التي يكفيها لبن لقوح. قال: هلك أبوك. قال: فبكت. فقال رجل: ما أسوأ بُكاها. فقال زهير: لا تُعلّم اليتيم البُكاء. الشقَّاء: الطويلة. والمقَّاء: إتباع. يقال: أشقّ أمقّ. قال: الكزَّةُ: الضيِّقة مخارج النَفَس. والأنُوحُ: التي تنح من الكرب. قال: والنقِيُ المُخّ. والنقيُ: كل عظمٍ فيه مخ.

282_قولهم

قَدْ قِيلَ ذلك إِنَّ حَقَّاً وإِنْ كَذِباً ... فما اعْتِذارُك من شَيْءٍ إِذَا قِيلاَ
أول من قال ذلك فيما زعم بن الكلبي النعمان بن المنذر. وكان من حديثه أنّ وفْدَ بني عامر قدموا النعمان بن المنذر في بعض حوائجهم، ومعهم لبيد بن ربيعة غُلاماً صغيراً فخلّفوه في رحالهم ودخلوا على النعمان، فوجدوا الربيع بن زياد العبسي عنده. فجعل الربيع يحزأ بهم ويسخر منهم، فغاظهم ذلك ورجعوا إلى رحالهم فوضعوا غداءهم. فقال بعضهم لبعض: ما رأيتم ما لقينا من أخي بني عبس؟! فاستفظعوا ذلك. فقال لهم لبيد: إذا دخلتم غداً على النعمان فأدخلوني معكم. قالوا: أو عندك خير؟ قال: سترون. فانطلقوا به معهم. فاستأذنوا على النعمان فأذن لهم
(1/172)

والربيع مع النعمان يأكل تمراً وزُبداً. فقال لبيد: أبيتَ اللعن. إن رأيت أن تأذن لي في الكلام؟ فأذن له فأنشد:

مَهْلاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ لا تَأْكُلْ مَعَهْ ... إِنَّ اسْتُهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
وَإِنَّهُ يُدْخِلُ فيها إِصْبَعَهْ ... يُدْخِلُها حتى يُوَاري أَشْجَعَهْ
كأنَّما يَطْلُبُ شيئاً ضَيَّعَهْ
فأفّف النعمان ورفع يده. وقال: كُفّ. ويلك يا ربيع! إني أحسبك كما ذكر. قال: لا. والذي يصلح الملك ما أنا كذلك. إن الغلام لكاذب. فأْذّن لي فأرحل رِكابي. فأذن له. فقام الربيع مُغضَباً وهو يقول:

لَئِنْ رَحَلْتُ رِكابي إِنَّ لي سَعَةٍ ... ما مِثْلُها سَعَةٌ عَرْضاً ولا طُولاَ
ولو جَمَعْتَ بني لَخْمٍ بِأَسْرِهِمُ ... لم يَعْدِلُوا رِيشَةً من ريش قِتميلا
ويروى شمويلا. فأجابه النعمان:

سجّح بِرَحْلِكَ عَنَّي حيث شِئْتَ ولا ... تُكْثِرْ عَلَيَّ ودَعْ عنك الأَبَاطِيلا
فقد رُمِيتَ بداءٍ لستَ غاسِلَهُ ... ما جَاوَرَ النِّيلَ يوماً أهلهُ النيلا
قَدْ قِيلَ ذلك إِنْ حَقّاً وإِنْ كَذِباً ... فما اعتذارُك من شَيْءٍ إذا قِيلا
فذهبت الكلمة مثلاً.
(1/173)

283_قولهم رُبَّ أَكْلَةٍ تَمْنَع أَكَلات
أول من قال ذلك عامر بن الظرِب العدواني. وكان من حديثه أنه كان يدفع الناس في الحج، فرآه ملك من ملوك غسان. فقال: لا أترك هذا العدواني حتى أُذله. فلما رجع ذلك الملك إلى منزله أرسل إليه.: أُحبُّ أن تزورني فأحبوك وأُكرمك وأتخذك خليلاً. فأتاه قومه. فقالوا: تفِدُ ويَفِدُ معك قومك فيصيبون في جنبكَ ويتَّجِهون بجاهِك. فخرج وأخرج معه نفراً من قومه. فلما قدم بلاد الملك أكرمه وأكرم قومه. ثم انكشف له رأيُ الملك، فجمع أصحابه، وقال: الرأي نائمٌ والهوى يقظان. ومن أجل ذلك يغلِبُ الهوى الرأي. عجِلتُ حين عَجِلتُم، ولن أعود بعدها. إنا قد تورَّطنا بلاد هذا الملك فلا تسبقوني برَيْثِ أمرً أقيم عليه، ولا بعَجلة رأيٍ أخفُّ معه. فإن رأيي لكم. فقال قومه: قد أكرمنا كما ترى، وبعد هذا ما هو خيرٌ منه. فقال: لا تعجلوا فإن لكل عامٍ طعاماً، ورب أكلةٍ تمنع أكلات. فمكثوا أياماً. ثم أرسل إليه الملك فتحدث معه. قم قال الملك: إني قد رأيتُ أن أجعلك الناظر في أمور قومي. فقال له: إني لي كنز علمٍ لستُ أعلم إلا به تركته في الحيّ مدفوناً، وإنَّ قومي أضنَّاءُ بي. فاكتب لي سجلاً بجباية الطريق فيرى قومي طَمَعاً تطيبُ به أنفسهم، فأستخرج كنزي وأرجع إليك وافراً. فكتب له بما سأل. وجاء إلى أصحابه فقال: ارْتَحِلوا. حتى إذا أدبروا قالوا:
(1/174)

لم نر كاليوم وافِدَ قومٍ أقلَّ ولا أَبْعَدَ من نوالٍ! فقال: مهلاً فليس على الرزق فوْت، وغَنِم من نجا من الموْت. ومن لم ير باطناً يعِش واهناً، فلما قدم على قومه لم يعد.

284_قولهم ما عِنْده طائِلٌ ولا نائل
قال الأصمعي وغيره: الطائل: من الطَّوْل وهو الفضل. والنائل من النوال وهو العطية. فالمعنى: ما عنده فضلٌ ولا جود. وقال غيره: الطائل: الفضل من قولك: قد طال فلان فلاناً إذا زاد عليه في طُوله. والنائل: البُلُوغ، وهو من قولك: نلت كذا أي بلغت. فالمعنى: ما عنده فضلٌ ولا بُلغَة.

285_قولهم ...
286_قولهم رُبَّ ساعٍ لقاعِد
يقال: إن أول من قال ذلك النابغة الذبياني. وكان قد وفد إلى النعمان بن المنذر وُفُودٌ من العرب فيهم رجل من بني عبس، يقال له شقيق، فمات عنده. فلما حَبَا
(1/175)

النعمانُ الوفودَ بَعَثَ إلى أهل شقيق بمثل حِباء الوفْد. فقال النابغة حين بلغه ذلك: ربّ ساعً لقاعِد. وقال النعمان:

أَبْقَيْتَ للعَبْسِيّ فَضْلاً ونِعْمَةً ... ومَحْمَدَةً من باقياتِ المَحامِدِ
حِباء شَقِيقٍ فوق أَعْظُمِ قَبْرهِ ... وما كان يُحْبَى قَبْرُ وافِدِ
أَتَى أَهْلَه منه حِباءٌ وَنِعْمَةٌ ... وربّ امرىءٍ ساعٍ لآخَر قاعِدِ

287_قولهم يا حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ
قال أبو عبيدة: أول ما قيل ذلك للجّاج بن عتيقٍ الثقفي. وكان زياد بن أبيه ولاَّه بناء دار الإمارة بالبصرة والمسجد الجامع بها. فظهرت له أموالٌ وحال لم تكن. فقيل حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ. واقل مُصعب بن عبد الله الزبيري إنما قال ذلك عبد الله بن خالد بن أسِيد بن أبي أُمية، وقال لابنه ابنِ لي داراً بمكة واتخِذ فيها منزلاً لنفسك ففعل. فدخل عبد الله الدار فإذا فيها منزل قد أجاده وحسَّنه بالحجارة المنقوشة. فقال: لمن هذا المنزل؟ فقال: هذا المنزل الذي أعطيتني. فقال عبد الله: حَبَّذَا الإِماَرهْ وَلَوْ على الحِجارهْ.

288_قولهم أَوْسَعْتَهم سَبَّاً وأَوْدَوا بالإِبل
أول من قال ذلك كعب بن زهير بن أبي سُلْمى. وكان الحارث بن وَرْقاء الصيداوي أغار على بني غطَفانَ فاستاق إبل زهير وراعيه يساراً فقال:
(1/176)

بَانَ الخَلِيطُ ولم يَأْوُوا لمن تَرَكوُا ... وَزَوَّدُكَ اشتياقاً أَيَّةً سَلَكُوا
وبعثها إلى الحارث فلم يردَّ عليه الإبل فَهَجاه. فقال كعب: أوسعتهم سَبَّاً وأودوا بالإبل.

289_قولهم نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا
هو عصام بن شَهْبَر الجرميّ. وكان قد غَلَب على أمر النعمان بن المنذر، ولم يكن لآبائه شَرف فَشَرُفَ بنفسه، فقيل له ذلك، فقال النابغة:

نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا ... وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإِقْداما
وَجَعَلَتْهُ مَلِكَاً هَمَامَا

290_قولهم لا في العِيرِ ولا في النَّفِير
أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب. وذلك أنه أقبل بعيرِ قُريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحيَّنَ انصرافَها من الشام فندب المسلمين للخُروج معه، وأقبل أبو سفيان حتى دنا من المدينة وقد خاف خوفاً شديداً، فقال لمجدي بن عمروٍ: هل أحسست من أحد من أصحاب محمد؟ فقال مجدي: ما رأيتُ من أحد أُنكره إلا
(1/177)

راكبين أتيا هذا المكان، وأشار له إلى مُناخ عدي وبسبس عَيْنَي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبعاراً من أبعار بعيرَيهما ففتَّها فإذا هي نوىً. فقال: علائفُ يثرب. هذه عيونُ محمد، فضرب وجوه عيرهِ فساحَل بها وترك بدْراً يساراً. وقد كان بعث إلى قريش حين فَصَلَ من الشام يخبرهم بما يخاف من النبي صلى الله عليه وسلم. فأقبلت قريش من مكة. فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد أحرز العِيرَ ويأمرهم بالرجوع، فأبتْ قريش أن ترجع. ورجعت بنو زُهرة من ثنية لَفْتٍ، عدلوا إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زُهرَة، لا في العير ِ ولا في النَّفير! قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع. ومضت قريش إلى بدر فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم فأَظْفَرَهُ الله بهم. ولم يشهد بدراً من المشركين من بني زُهرة أحداً.

291_قولهم كُسَيْر وعُوَيْر
أول من قاله أُمامة بنت نُشبة بن مرّة. وكان تزوجها رجل من غطفان أَعوَر يقال له خَلَف بن رَواحة فمكثت عنده زماناً حتى ولدت خمسة، ثم نَشَزَتْ عليه ولم تصبر فطلقَها. ثم إن أباها وأخاها خرجا في سفرٍ لهما فلقيهما رجل من بني سُليم يقال له حارثة بن مرّة، فخَطَبَ أُمامةَ وأحْسَن العطِيَّة فزوجاها منه، وكان أعرجَ مكسور الفخذ، فلما دخلت عليه رأته مَحطُوم الفخذ فقالت: كُسير وعوَيْر، وكلٌ غير خير. فضرب قولها مثلاً.
(1/178)

292_قولهم بَقِيَ شَدُّه
يقال: إنه كان في الزمن الأول فيما يُحكى عن البهائم هِرٌّ قد أفنى الجرذان، فاجتمع الباقون فقالوا: نريد أن نحتال بهذا الهرِّ بحيلةٍ، فإنّه قد أفنانا. فاجتمع رأيهم على أن يُعلّق في عنقه جُلجُل، فإذا سمعوا صوته حَذِروه. فجاءوا بالجُلجُل وشدُّوه بالخيط. فلما فعلوا ذلك قالوا: من يشدُدْه في عُنُقِه؟ فقال بعضهم: بَقِيَ شَدُّه. وقد قيل في ذلك:

إِلاَّ امْرَأً يَعْقِدُ خَيْطَ الجُلْجُل

293_قولهم خَلاَ لَكِ الجّوّ فبِيضِي واصْفِري
أول من قال ذلك طرفة بن العبد، وهو يومئذ صغير، وذلك أن عمه كان قد حمله معه في بعض أسفاره، فنزل على ماءٍ لهم، وكان عليه قنابرُ، فمضى طَرَفَةَ بفخٍّ فنصبه للقنابر وقعد عامة يومه لم يَصِدْ شيئاً، ونفرت القنابر من ذلك الموضع، فقال:

قَاتَلَكُنَّ الله من قَنَابِرِ ... مُهْتَدِياتٍ بالفَلا نَوَافِرِ
فَلاَ سُقِيتُنَّ مَعِينَ المَاطِرِ
ثم انتزع فخَّه من التراب ورجع إلى عمه. فلما تحمّلوا نظر طَرَفة إلى القنابر تلتقِطُ حَبَّاً كان ألقاهُ لهُنَّ فقال:
(1/179)

يا لَكِ من قُبَّرَةٍ بمَعْمِرِ ... خَلاَ لَكِ الجَوُّ فَبِيضي واصْفِري
ونَقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي

294_قولهم كان وَبالاً عليه
الوَبال: الدّاء. قال لبيد:

رَعَوهُ مَرْبَعاً وَتَصَيَّفُوه ... بِلا وَباءٍ وسُمَيَّ ولا وَبَالِ

195_قولهم ما كان نَوْلُك أَنْ تَفْعَلَ ذَاكَ
قال أبو عبيدة: النَّوْلُ والنَّوالُ: الصَّلاح. وقال الأخفَش: النول والنوال: الحظّ والعطيَّة. وقال لبيد:

وَقَفتُ بهِنَّ حتَّى قَالَ صَحْبِي ... جَزِعْتَ ولَيْسَ ذلك بالنَّوَالِ
قال أبو عبيدة: ليس ذلك بصلاحٍ لك. وقال الأخفش: ليس ذلك بحظٍ وغنيمةٍ لك. وقال غيرهما: النَّوال: الصَّواب. وأنشد للبيد أيضاً:

فَدَعِي المَلاَمَةَ وَيْبَ غَيْرِكِ إٍنَّهُ ... لَيسَ النَّوالُ بِلَوْمِ كُلِّ كَرِيمِ
(1/180)

296_قولهم حَسِيبُكَ الله
أي محاسبك على ما تفعل. والحسيب: الذي يتولّى الحساب. وقال المُخبَّل السعدي:

فلا تُدخِلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حَوْبَةً ... يقومُ بها يوماً عليكَ حَسِيبُ
أي يحاسبك بها الله جلّ وعزّ.

297_قولهم هو غَلِقٌ
أي كثير الغضب. والغَلَق: الغضب. قال عمرو بن شَأْس:

وأَغْلَقُ من دُونِ امْرِىءٍ إِنْ أَجَزْتُه ... فلا تَبْتَغِي عَوْراتُه غَلَقَ القُفْلِ
أي أضيقُ في غضبي. ويقال: الغَلِقُ: الضَّيِّقُ الخُلُق العَسٍرُ الرِّضَى.

298_قولهم قَامَ على طَاقَةٍ
أي على أَقصَى ما يُمكِنه من الهيئة. والطَّاقَة: القوة على الشيء، وهو الطَّوْقُ أيضاً. ومنه قولهم: ما لي به طاقَةٌ أي قوَّة.
(1/181)

299_قولهم الإِيغَارُ
معناه: الموضع الذي يُمنع من دخوله. وهو مأخوذ من قولك: أوْغرتُ الماءَ، وهو أن تُغليه حتى لا يقدر أحدٌ أم يضع يده فيه.

300_قولهم هو جَزْلٌ
معناه قويٌّ على ما يُكَلَّفُه. وأصل ذلك الحَطَب الجَزلِ، وهو القوي الغليظ. ومنه أَجزَلَ الله له العطِيَّة أي وفَّرَها.

301_قولهم سَرَد الحَدِيثَ. ولا تَسْرُد عَلَيْنا
السردُ: أن تجيْ به وِلاءً في نَسَقٍ واحد. وأصل ذلك من سرْدِ الدِّرعِ، وهو أن تُحْكِمها وتجعل نظام حَلَقِها وِلاءً غير مُختلف. وقال لبيد:

صَنَعَ الحَدِيدُ محافِظاً أَسْرَادَه ... لِينالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُوم
ويكون السرد من الخَْرزِ. يقال: سَرَد يَسرد إذا خرَز. والمِسرَدُ: الإشْفَى. والسِّرادُ: السير الذي يُخْرَز به. وقال لبيد:

يُشَكُّ صِفاحَها بالرَّوْقِ شَزْراً ... كما خَرَجَ السِّرادُ من النِّقالِ
(1/182)

302_قولهم اعتَذَرْتُ إلى فُلان
الاعتِذار: قَطْع الرجل عن حاجته، أو قطعه عما أمسك في قلبه. وأصله قولهم: اعتذرت المياه إذا انقطعت. وقال لبيد:

شُهور الصَّيف واعتَذَرت عليه ... نِطافُ الشيِّطين من السِّمال
ويقال: الاعتذار: محو أثر الطلب أو محو أثر الموْجِدة، من قولهم: قد اعتذرت المنازل إذا دَرَسَت. قال ابن أحمر:

أو كُنْتَ تعرِف آياتٍ فقد جَعَلَت ... أطلال إلْفك بالوَرْكاءِ تَعتَذِر

303_قولهم فُلانٌ بَغَّاء
معناه متهم بسوْءةٍ مقروفٍ بها. والبِغاء بالكسر: التُهمة. ومنه قول الله جلّ وعزّ: ولاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ. وقال لبيد يصف بقرة تطلب ولدها:

وَقَدْ آثَرْتُ قِرْفَةَ البِغاءِ وقَدْ ... كانت تُراعِي مُلَمَّعاً شَبَبا
القِرفَةُ: التهمة. يقول: آثرت تتبَّعَ المواضع التي تتَّهِم أن يكون أصيب بها، على ثورها الملمع.
(1/183)

والبُغاء بالضم: الطلب. وقال عمرو بن برَّاقة الهمداني:

لا يمْنَعَنَّكَ من بُغا ... ءِ الخَيْرِ تَعْلاَقُ التَّمَائمِ

304_قولهم ومن اللَّجَاجَة ما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
أول من قال ذلك الأسْعَر بن حُمران الجُعفي. وكان راهنَ عل مُهرٍ له كريم فَعطِبَ، فقال:

أَهْلَكْتُ مُهْرِي في الرِّهَانِ لَجَاجَةً ... ومن اللَّجاجَةِ ما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ

305_قولهم ما وراءك يا عِصامُ
أول من قال ذلك: فيما ذكر عَوانة بن الحكم الحارث بن عمر ملك كندة. وذلك أنه لما بلغه جمال بنت عوف بن مُحلَّم وكمالها وشِدة عقلها، دعا عند ذلك امرأة من كندة يقال لها عصام ذات عقل ولسانٍ وأدبٍ. فقال لها: إنه قد بلغني جمال ابنة عوف وكمالها، فاذهبي حتى تعلمي لي علمها. فمضت حتى انتهت إلى أمها، وهي أمامةُ بنت الحارث، فأعلمها ما قدمت له. فأرسلت إلى ابنتها: أي بُنية! هذه خالتك أتتك لتنظر إليك، فلا تستتري عنها بشيءٍإن أرادت النظر من وجهٍ أو خُلُق، وناطِقيها إن استَنطَقَتْكِ. فدخلت إليها فنظرت إلى ما لم يُرَ مثله قط. فخرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كَشَفَ القناع. فأرسلتها مثلاً. ثم انطلقت إلى
(1/184)

الحارث. فلما رآها مُقبلة قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: صرَّح المحضُ عن الزُبْدة. رأيت جبهة كالمرآة المصقولة يَزيُنها شعرٌ حالِكٌ كأذناب الخيل، إن أرسلته خلته سلاسل، وإن مشطته قلت: عناقيدُ جلاها الوابِل. وحاجبين كأنهما خطَّا بقلم، أو سُوِّدا بحُمَم، تقوَّسا على مثل عين الظبيَةِ العَبْهَرة. بينهما أنفٌ كَحدِّ السيْفِ المَصقُول، حَفَّتْ به وجنتان كالأرجوان في بياضٍ كالجُمان، شَقَّ فيه كالخاتم لذيذ المبسِم، فيه ثنايا غُرٌّ، ذاتُ أشُرٍ. تُقَلِّبُ فيه لِساناً بفصاحة، وبيانٍ بَعَقلٍ وافرٍ وجوابٍ حاضِرٍ، تلتقي دونه شفتان حمَّاتان تحْلُبان رِيقاً كالشّهد، ذلك في رقبة بيضاء كالفضة، رُكِّبَت في صدرٍ كصدر تمثال دُمية، وعضدان مُدمجانِ، يتصل بهما ذراعان، ليس فيهما عظْمٌ يُمَسُّ ولا عِرقٌ يُجَسُّ، رُكِّبَت فيهما كَفَّان دقيقٌ قصبهما، ليِّنٌ عصبهُما. يُعقَد إن شئت منهما الأنامل. نَتأَ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يخرقان عليها ثيابها. تحت ذلك بطن طُوِي كطَيِّ القَباطيِّ المُدْمَجة، كُسِيَ عُكَناً كالقراطيس المُدرجة، تحيطُ تلك العُكن بِسُرَّةٍ كالمُدْهُن المجلُو. خلف ذلك ظهرٌ فيه كالجداول، ينتهي ذلك إلى خصرٍ لولا رحمة الله لانْبَتََر. لها كَفَلٌ يُقْعِدها إذا قامت، ويُقيمها إذا قعدت، كأنه دِِعْصُ الرمل لبَّدَه سقوط الطَّلّ. تحملها فخذان لَفَّاوان كأنهما قُفِلَتا على نَضَدِ جُمان، تحتهما ساقان خَدْلتان كالبرْدِيَّتين
(1/185)

شيبتا بشعرٍ أسود كأنَّه حَلَقُ الزَّرَد، يحمل قَدَمان كَخدْو اللِّسان. فتبارك الله مع صِغَرِهما كيف يَطيقان ما فوقَهما؟! فأرسل الملك إلى أبيها فزوَّجه إيَّاها. وبعث بصداقها فجُهِّزت. فلما أرادوا أن يحملوها إلى زوجها قالت لها أمها: أي بنيَّة! إن الوصية لو تركت لَفضْلٍ في أدبٍ تركت ذلك منك، ولكنها للغافل ومعونةٌ للعاقل. ولو أن امرأةً استغنت عن الزوج لغني أبَوَيها وشدة حاجتهما إليها كُنتِ أغنى الناس عنه. ولكن للرجال خُلِقنا ولنا خُلِقوا. أي بنيَّة! إنك فارقت الحٍواءَ الذي منه خرجتِ، وخلَّفتِ العُشَّ الذي فيه دَرَجتِ إلى وَكْرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبح بملكه إياك عليكِ رقيبا ومليكا، فكوني له أمَةً يكُنْ لك عبداً وشيكا. يا بُنيَّة! احملي عني عشر خصال تكن لك ذُخراً وذِكراً: الصُحبة بالقناعة، والمعاشرة بحُسن السمع والطاعة، والتعاهد لموقع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمُّ منك إلا طيب الريح. والكحل أحسن الحسن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود. والتعاهد لوقت طعامه، والهُدُوُّ عنه حين منامه، فإن حرارة الجوع مَلْهَبة، وتنغيص النوم مغضبة. والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه، فإن الاحتفاظ بالمال حُسنُ التقدير، والإرعاء على العيال والحشم حُسنُ التدبير. ولا تُفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرتِ صدره. ثم اتَّقي مع ذلك الفرح إن كان تَرِحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير. وكوني أشدَّ ما تكونين له إعظاماً أشدَّ ما يكونُ لك إكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة أطول ما يكون لك مُرافقة. واعلمي أنَّكِ لا تصلين إلى ما تُحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت. والله جلّ وعزَّ بخير لك.
(1/186)

فحُمِلت إليه فعظُم موقعها منه، وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده أمرَ اليَمَن.
ويقال إن أول من قاله النابغة الذبياني لعِصام بن شهبر حاجب النعمان. وكان النعمان قد اعتلَّ، فأتاه النابغة ليعوده فحجبه عصامٌ، فقال النابغة:

فإنَّي لا ألومُك في دُخولي ... وَلَكِنْ ما وَرَاءَكَ يا عِصَامُ

306_قولهم بَعْرَةٌ. عند الشَّيءْ يُتهاوَنْ بِه
أصل ذلك أن نساء الجاهلية كان إحداهن إذا مات عنها زوجها اعتدَّت عليه سنة لا تخرج من بيتها، فإذا تمَّ الحولُ فمرَّ كلب رمته ببعرةٍ ثم خرجت من بيتها. وإنما تفعل ذلك لتُرِي الناس أن إقامتها حَوْلاً بعد زوجها أهون عليها من بعرةٍ يُرمى بها كلب. ثم كثر ذلك حتى جُعِل مثلاً في كل ما يتهاون به. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة تُوفِّي عنها زوجها فاشتكت عينها، فأرادوا أن يُداووها، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: قد كانت إحداكُنَّ تمكث في بيتها الحَوْل، فإذا كان الحَوْل فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت. أفلا أربعة أشهر وعشرا؟!. وقد ذكرت الشعراء هذه الإقامة، فمن ذلك قول لبيد:

وهُمُ رَبِيعٌ للمُجاوِرِ فيهم ... وَالمُرْمِلاتِ إذا تَطَاوَلَ عَامُها
(1/187)

307_قولهم مَيْمُون النَّقِيبَة
أي الطلعة. وأصل النَّقيبة: اللون والصورة. ويقال هو حسن النقيبة والنِّقاب، أي الصورة واللون. وإنما سُمي النقابُ الذي تلبسه المرأة بذلك لأنه يستر نقابها أي لونها بلونه. ويقال: يُرادُ بالنقيبة المفاجأة، من قولهم: لقيت فلاناً نِقاباً إذا فاجأك من غير أن تطلُبَه. ويقال النقيبة: المُخْتَبَر، يقال نّقَّبْتُ عن خبره ونَقَبْتُ بالتخفيف والتشديد إذا بحثت عن خَبَرِه، ومنه قول الله جل وعز: فّنَقِّبوُا في البلاد هَلْ مِنْ مَحِيصٍ. أي ابحثوا عن ذلك. وقال الشاعر في النقيبة:

آبِي الهَضِيمَة مَيْموُن النقيبة مِعْ ... ناقُ الوسيقة ماضي الهَمِّ مُنْشَمِرُ

308_قولهمكان ذاك بَيْضَة العُقْر
العُقر هاهنا استعقام الرحم فلا تَحمِل. وزعم جماعةٌ من العلماء أنه يعني ببيضة العُقر بيضة الديك، وذلك أن الديك يبيض في عُمره بيضةً واحدةً، فيضرب ذلك مثلاً لكل من فَعَل فَعْلَةً واحدة لم يضف إليها أخرى. وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت بيضة الديك بيضة العُقر لأنه تُمْتَحَنُ بها الجارية فيعلم حالها في العُقر. وهذا قولٌ لا يُعقل ولا أعلم أحداً قاله غيره.
(1/188)

309_قولهم تَعِسَت العَجَلَةُ
أول من قاله فِنْدٌ مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقَّاص. وكان أحد المغنِّين المُحسنين وكان يجمع الرجال والنساء، وله يقول ابن قيس الرقَيَّات:

قَلْ لِفِنْدٍ يُشَيِّع الأظعانَا ... طَالَمَا سَرَّ عَيْشَنَا وكَفَانَا
وكانت عائشة أرسلته يأتيها بنارٍ فوجد قوماً يخرجون إلى مصر فخرج معهم، فأقام بها سنةً ثم قَدِم فأخذ ناراً وجاء يعدو فعثر وتبدَّد الجمر، فقال: تعست العجلة، وفيه يقول الشاعر:

ما رأينَا لِغُرابٍ مَثَلاً ... إذ بَعَثْنَاه يجي بالمِشْمَلَهْ
غير فِنْدٍ أرسلوه قَابِساً ... فَثوَى حَوْلاً وسَبَّ العَجَلَهْ

310_قولهم العَصَا من العُصَيِّة
أول من قال ذلك الأفعى الجُرْهُمي. وكان من حديث ذلك: أن نزاراً لما حضرته الوفاة جمع بنيه مُضر وإياداً وربيعة وأنماراً فقال: يابنِيَّ! هذه القبَّة الحمراء، وكانت من أدم، لمضر، وهذا الفرس الأدهم والخِباء الأسود لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء لإياد، وهذه البَدْرَة والمَجْلِس لأنمارٍ يجلس فيه. فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون
(1/189)

فأْتوا الأفعى الجُرْهُمي ومنزله بنَجْرَان. فتشاجروا في ميراثِه فتوجهوا إلى الأفعى الجُرْهُمي، فبينا هم في مسيرهم إليه إذ رأى مُضراً أثر كلأٍ قد رُعي فقال: إن البعير الذي رعى هذا الأعور، قال ربيعة: إنه لأزوَر، قال إيادٌ: إنه الأبْتَر، قال أنمارٌ: إنه لَشَرود. فساروا قليلاً فإذا هم برجلٍ يُضِعُ جَمَلَه. فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: هو أزْوَر؟ قال: نعم. قال إيادٌ: هو أبتَر؟ قال: نعم. قال أنمارٌ: هو شَرودٌ؟ قال: نعم. وهذه والله صِفة بعيري فدُلّوني عليه. قالوا: والله ما رأيناه. قال: هذا والله الكذِب. وتعلّق بهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟ فساروا حتى قدموا نَجْران. فلما نزلوا نادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب جَمَلي، وصفوا لي صفته، ثم قالوا: نرهْ. فاختصموا إلى الأّفعى، وهو يومئذٍ حَكَمُ العرب. فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ قال مضر: رأيته قد رعى جانباً وترك جانباً فعلمت أنه أعور. قال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة والأخرى فاسدة فعرفت أنه أزور، لأنه أفسده بشدة وطئه. قال إيادٌ عرفت أن أبتر باجتماع بعِرِه، ولو كان ذَيَّالاً لَمَصَعَ به. قال أنمارٌ: عرفت أنه شرود، لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى أرقَّ منه وأخبث نبتاً، فعلمت أنه شَرود. فقال للرجل: ليسوا بأصحابك فاطلب بعيرك. ثم سألهم: من أنتم؟ فأخبروه. فرحَّب بهم. ثم أخبروه بما جاء بهم. فقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى؟! ثم أنزلهم فذبح بهم شاةً، وأتاهم بخمرٍ، وجلس لهم الأفعى حيث يَرى، ويسمع كلامهم. فقال ربيعة: لم أرَ كليوم لحماً أطيب من لولا أن شاته غُذِيَت بلبن كلبة. قال مضر: لم أرَ كاليوم خمراً أطيب منه، لولا أنّ حَبَلَتْه نبتت على قبر. فقال إياد:
(1/190)

لم أرَ كليوم رجلاً أسرى منه لولا أنه ليس لأبيه الذي يُدعى له. فقال أنمارٌ: لم أرَ كاليوم كلاماً أنفع في حاجتنا منه، وهو يسمع كلامكم. فقال: ما هؤلاء إلا شياطين. ثم دعا القهْرمان فقال: ما هذه الخمر وما أمرها؟ قال: هي حبلة غرستها على قبر أبيك. وقال للراعي: ما أمر هذه الشاة؟ قال: هي عناقٌ أرضعتُها بلبن كلبة وكانت أمها ماتت، ولم تكن في الغنم شاة ولدت غيرها. ثم أتى أمه فقال لها: أصدِقيني مَنْ أبي؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال وكان لا يُولد له، قالت فخفت أن يموت ولا ولد له فيذهب المُلْك، فأمكنت من نفسي ابن عمٍ له كان نازلاً عليه فولدتك. فرجع إليهم فقصّوا عليه قصتهم وأخبروه بما وَصَّى به أبوهم. فقال: ما أشبه القبَّة الحمراء من مالٍ فهو لمضر، فذهب بالدنانير والإبل الحُمر، فسميت مُضَر الحمراء. وأما صاحب الفرس الأدهم والخِباء الأسود فله كل شيء أسود، فصارت لربيعة الخيل الدُهْم، فقيل ربيعة الفرس. وما أشبه الشمطاء فلإيادٍ، فصارت له الماشية البُلق فسمّيت إياد الشمطاء. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فصدروا من عنده على ذلك. وقال الأفعى: إن العصا من العُصيّة. وإن خُشَيْناً من أخْشَن. ومساعدة الخاطل تُعدّ من الباطل. فأرسلهم مثلاً. والعصا من العُصيّة معناه: تكون عُصيَّةً ثم تكبُر. والمعنى أن الأمر الصغير يكون كبيراً، فليس ينبغي للإنسان أن يحقر أمراً فإنه لا يدري ما يكون عواقبه. ومثله قول الحارث بن وَعْلة الجَرمِي:

لا تأْمَنَنَّ قَوْماً وَتَرْتَهُم ... وبَدَأْتَهُم بِالغَشْمِ والظُلْمِ
أَنْ يِأْبِروُا نَخْلاً لغَيْرِهِم ... والشيءُ تَحْقِرُه وقد يَنمِي
(1/191)

وحكى أبو الحسن الأسدي: أن العُصيَّة فرس كانت كريمة فنتجت مُهراً جَواداً فسُمي العصا، وخرج جواداً فقيل: العصا من العُصيّة، ولم أسمع به إلا عنه. والأول المعروف.

311_قولهم عَبِيدُ العَصَا
أول من قيل له ذلك بنو أسد. وكان سبب ذلك أن ابناً لمعاوية بن عمرو بن معاوية حَجَّ فَفُقِد، فاتُّهِم رجل من بني أسد يقال له حِبال بن نصر بن غاضِرة. ويقال إن غاضِرة من السكون. فأُخبر بذلك الحارث. فأقبل حتى ورد تِهامة أيام الحج وبنو أسد بها فطلبهم فهربوا منه. فأمر منادياً ينادي مَنْ آوِى أَسَديِّاً فدَمُه جُبار. فقالت بنو أسد: إنما قَتَل صاحبكم حِبال بن نصر بن غاضِرة من السُّكُون. فانطلِقوا بنا إلى الملك حتى نُخبره، فإن قَتَل الرجل فهو منهم، وإن عفا فهو أعلم. فخرجوا بحِبال إليه. فقالوا: قد أتيناك بِطَلَبَتِكَ، فأخبره حِبال بمقالتهم فعفا عنه. وأمر بقتلهم. فقالت له امرأة من كِندة من بني وهْب بن الحارث، يقال لها عُصيَّة، أخوالها بنو أسد: أبيت اللعن هَبْهُم لي لإغنهم أخوالي. قال: هم لك. فأعتقتهم. فقالوا: إنّا لا نأْمن إلا بأمان الملك. فأعطى كل واحد منهم عصاً. وبنو أسدٍ يومئذٍ قليل. قأقبلوا إلى تِهامة ومع كل رجل منهم عصاً. فلم يزالوا بتهامة حتى هلك الحارث. فأخرجهم بنو كنانة من مكّة. وسُمّوا عبيد العصا بعُصيّة التي عتقتهم، وبالعصا التي أخذوها. قال الحارث بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة يهجو رجلاً منهم:
(1/192)

اشْدُد يَدَيْكَ على العَصا إِنَّ العَصَا ... جُعِلَتْ أَمَارَتَكُم بِكلِّ سَبِيلِ
إِنَّ العَصا إِنْ تُلْقِها يا ابنَ اسْتِها ... تُلْقَى كَفَقْعٍ بالفَلاةِ محِيل
وقال عُتبة بن الوَعْل لأبي جَهْمَة الأسدي:

أَعَتِيقَ كِنْدَة كيف تَفْخَر سادِراً ... وأَبُوكَ عَنْ مَجْدِ الكِرَامِ بِمَعْزِلِ
إِنَّ العَصَا لا دّرَّ دَرُّكَ أَحْرَزَتْ ... أَشْيَاخَ قَوْمِكَ في الزَّمَانِ الأَوَّلِ
فاشْكُر لِكِنْدَةَ ما بَقِيَت فِعالَهم ... ولَتَكْفُرَنَّ اللهَ إنْ لم تَفْعَلِ

312_قولهم عند الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى
أول من قال ذلك خالد بن الوليد. لما بعث إليه أبو بكر وهو باليمامة أنْ سِرْ إلى العراق أراد سلوك المفازَة، فقال له رافع بن عمروٍ الطائي: قد سلكتُها في الجاهلية، وهي خمسٌ للإبل الواردة، ولا أظنك تقدِر عليها إلا أن تحمل الماء. قال: فتحمَّل من الماء شيئاً كثيراً، واشترى مائة شارِفٍ فعَطَّشها ثم سقاها الماء حتى روِيَت، ثم كَتَبَها وكَعَمَ أفواهها، ثم سلك المفازة. حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل، وخاف أن يذهب ما في بطون الإبل، نحرها فاستخرج ما في بطومها من الماء فسقى الناس والخيل ومضى. فلما كان في الليلة الرابعة، قال رافع: انظروا هل ترون سِدراً عِظاماً فإن رأيتموه وإلاّ فهو الهلاك. فنظر الناس فأخبروه، فكبَّر وكبَّر الناس. ثم هَجَموا على الماء. فقال خالد:
(1/193)

لِلهِ دَرُّ رافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى ... فَوَّزَ من قُراقِرٍ إلى سُوَى
عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمَ السُّرَى ... وتَنْجَلِي عنهم غيايات الكَرَى

313_قولهم رَقَّنَ عَلَيْه
معناه أَنْقَطَ عليه نُقْطة أو علَّمَ عليه علامة. يقال ذلك في الحرف الذي يُعلَّم عليه ثم جُعِل ذلك مثلاً في كل أمر يُئِس منه، معناه: أُيِسَ منه أي قد ضُرب عليه. وأصل الترقين نقطُ الكتاب وما أشبهَه. ويقال: جاء مُرتقناً بالزعفران، أي عليه آثاره والنقَطُ منه. وقال رُؤْبَة:

دَارٌ كَرَقْمِ الكاتِبِ المُرَقِّنِ ... بِيْنَ نَقَى المُلْقَى وبَيْنَ الأجْؤُن

314_قولهم قَصِيرَة من طَوِيلة
قال ابن الأعرابي: يُعنى بذلك تمرة من نخلة. فالقصيرة: التمرة. والطويلة: النخلة.
(1/194)

315_قولهم ما كُلُّ سَوْدَاء تَمْرَة ولا كُلُّ بَيْضَاء شَحْمَة
أول من قال ذلك عامر بن ذهل بن ثعلبة، أخو شيبان بن ذهل. وكانت أمهما لما مات ذهل تزوجت سعد بن مالك بن ضبة، وذهبت بابنيهما معها. فلما ولدت له ذهلاً رجع شيبان وعامر إلى قومهما، فوجدا عمهما قيس بن ثعلبة قد أكل مالهما، فوثب عليه عامر يخنقه ليقتله. فقال قيس: يا بن أخي! دعني فإنّ الشُحّ مَتْواة. فأرسلها مثلاً. فقال عامر: ما كُلُّ سَوْدَاء تَمْرَة ولا كُلُّ بَيْضَاء شَحْمَة. وتركه.

316_قولهم أَبِي يَغْزُو وأُمِّي تُحَدِّث
قال الأعرابي: ذكروا أنَّ رجلاً قًَدِم من غَزاةٍ، فأتاه جيرانه يسألونه عن الخَبَر، فجعلت امرأته تقول: قُتل من القوم كذا، وأُسر كذا، وجُرح كذا. فقال ابنها متعجباً: أَبِي يَغْزُو وأُمِّي تُحَدِّث.

317_قولهم الَّليْلُ أَخْفَى لِلْوَيْل
أول من قال ذلك سارية بن عُويمر بن أبي عَدي العُقيلي. وكان سبب ذلك أن توبة ين الحُمَيِّر شَهِد بني خفاجة وبني عوف وهم يختصون عند همّام بن مطرّف العُقيلي
(1/195)

وكان مروان بن الحكم استعمله على صدقات بني عامر. فضرب ثَوْر بن أبي سمعان بن كعب العُقيلي توبَة بن الحُميِّر بجُرز، وعلى توبة درعٌ وبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة. فأمر همّام بن مطرّف بثور فأُقعِد بين يدي توبة وقال: خُذ حقك يا توبة. فقال توبة: ما كان هذا إلا عن أمْرِك، وما كان ثورٌ ليُقدم عليَّ عند عيرك وانصرف ولم يقتص منه وهو يقول:

إِنْ يُمْكِنِ الدّهْرُ فَسَوْفَ أَنْتَقِمْ ... أَوْ لاَ فإنّ أَدْنَى لِلْكَرَمْ
ثم إن توبة بلغه أن ثوراً قد خرج في نفرٍ من أصحابه يريد ماءً لهم يقال له جِرْبِز بتثليث. فتبعهم توبة في أناس من أصحابه، حتى ذكر له أنهم عند رجل من بني عامر بن عُقيل، يقال له سارية. بن عُويمر بن أبي عدي، وكان صديقاً لتوبة. فقال توبة: لا أطرقُهم وهم عند سارية. فوكل بتفقّدهم رجلين من أصحابه حتى يخرجوا وقال سارية للقوم وقد أرادوا أن يخرجوا من عنده مصبحين: ادَّرِعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولستُ آمن عليكم توبة وقال: لقد اغتررت من الرجلين. وإني لأعلم أنهم لن يُصبحوا بهذا البلد، فاستضاء آثارهم بأن أوقد ناراً، فإذا هو بآثار القوم. فخرج توبة في أثَرِهم مُسرعاً حتى أتى قرون بَقَر، وهو موضع فيه سَمُر، فغشيِهم: فلما رأوا ذلك صَفُّوا رجالهم وزحف إليهم توبة. فارتمى القوم، ثم إن توبة قال لأخيه عبد الله: تَرِّس لي فإني قد رأيت ثوراً يكثر رَفع التُّرس عسى أن أُوافِق منه عند رفعه الترس مرمىً فأرميه. ففعل. فرماه فأصابه على حلمة ثديه فصرعه، وغشوا القوم فوضعوا فيهم السلاح حتى أثخَنوهم. ومضى توبة حتى طرق سارية بن عويمر من الليل فقال: إنا قد تركنا
(1/196)

رَهْطاً من قومك بالسَّمُرات من قرون بقر فأدركوهم، فمن كان حياً فعالجوه ومن كان ميتاً فأجِنّوه. ثم انصرف. ولحق سارية بالقوم فاحتملهم وقد مات ثَوْر بن أبي سمعان. وهذا الخبرجرَّ قَتْل توْبة.

318_قولهم عَنْقَاءُ مُغْرِبٌ
قال ابن الكلبي: كان لأهل الرَّس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له دَمْخٌ مَصْعَدهُ في السماء ميلٌ. فكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون، لها عُنُقٌ طويلةٌ. من أحسن الطير، فيها من كل لون، وكانت تقع منتصبة. فكانت تكون على ذلك الجبل تنقّضُّ على الطير فتأكلها. فجاعت ذات يوم وأعوزها الطيرُ فانقضّت على صبي فذهبت به، فسميت عنقاءُ مُغرِب بأنها تُغرب بكل ما أخذته. ثم إنها انقضت على جاريةٍ حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى جناحيها الكبيرين ثم طارت بها. فشكوْا ذلك إلى نبيِّهم. فقال: اللهم خُذها واقطع نسلها وسلّط عليها آفةً، فأصابتها صاعقةٌ فاحترقت. فضربتها العرب مثلاً في أشعارها. وأشد لعنترة بن الأخرس الطائي في مرثيّة خالد بن يزيد بن معاوية:

لَقَد حَلَّقَتْ بالجَوِّ فَتْخَاءُ كاِسِرٍ ... كَعَنْقَاءِ دَمْخٍ حَلَّقَتْ بالحَزَوَّرِ
فما إنْ لها بَيْضٌ فَيُعْرَفُ بَيْضُها ... ولا شِبْهُ طَيْرٍ مُنْجِدٍ أو مُغَوِّرِ
(1/197)

319_قولهم ما يَقْدِرُ على هذا من هو أَعْظَم حَكَمَةً منك
الحَكَمَة: القَدر والمنزلة. ومن ذلك حديث عُمر بن الخطاب: إن العبد إذا تواضع رفع الله حَكَمَته. وقال انتَعِش نَعَشَكَ الله،، إذا تكبّر وعدا طَوره وَهَصَه الله جل وعز إلى الأرض.

320_قولهم بِه نَظْرَة
النّظْرة: إصابةٌ من الشيطان. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأى في بيت أم سلمة جاريةً بها سَفْعَة، فقال: إنّ بها نَظْرَةٌ فاسْتَرْقوُا لها. والسّفعَة كالنظرة. وقال الأصمعي فيما أحسب: يُقال به نَظْرة وبه رَدَّةٌ أي قُبح. وقال الطِّرِمَّاح في صفة نَحْل:

مُخَصَّرَةُ الأَوْساطِ عارِيَةُ الشَّوَى ... وبالهامَ منها نَظْرَةٌ وشُنُوع
ويُقال: النظرة: العَيْب. قال الراجز:

وأنا سَيْفٌ من سُيوف الهِنْدِ ... ما شِئْتُ إِلاَّ نَظْرَة في غَمْدِي
أي عَيْبٌ.
(1/198)

321_قولهم شَيْخٌ فَانٍ
أي هَرِمٌ. والفَناء هاهنا: الهَرَم. ومنه حديث عمر أنه قال: حِجَّةٌ هاهنا، ثم احْدِج هاهنا حتى تَفنى. يحُضُّ على الغزوِ ويُفضّله على الحج بعد حجّة الإسلام. وقال لبيد:

حَبائلهُ مَبْثُوثَةٌ لِسَبيلِه ... ويَفْنَى إذا ما أَخْطَأَتْه الحَبائِلُ
يريد بالحبائل أسباب الموْت. يقول: إذا أخطأهُ الموت هَرِم.

322_قولهم قَمْقَمالله عَصَبَه
قال ابن الأعرابي أو غيره: معناه قَبَّضَ الله عَصَبَه وجَمَع بعضه إلى بعض. وهو مأخوذ من القَمْقام وهو الجيش يُجمع من هاهنا وهاهنا حتى يَعظُم. والقَمْقام في غير هذا: البحرُ. والقمقام: السيِّد. والقَمْقام: صِغارُ القِردان.

323_قولهم فُلاَنٌ يَسْبَعُ فُلاناً
أي يرميه بالقول الرديء. وهو مأخوذ من قولهم: سَبَعْتُ الذئب وغيره، إذا رميته بسهمك. وقال غيره: سَبَعْته أي قُلت فيه ما يَذْعَره ويجزَعُ منه. وهو
(1/199)

مأخوذ من قولهم: سَبَعْتُ الوحش أي ذَعَرْتُها. تقول: ذَعَرْته كما يَذعره السبعُ. وقال الطِّرِمَّاح يصف ذئباً:

فَلَمَّا عَوَى لَفْتَ الشِّمالِ سَبَعْتُهُ ... كما أنا أحْياناً لَهُنَّ سَبُوعُ

324_قولهم بَكَى الصَّبِيُّ حَتَّى فَحَم
قال ابن الأعرابي: معناه بكى حتى انقطع بكاؤه من كثرة ما بكى. ويقال فَحَمَ وأُفحِمَ إذا انقطع. ومنه قولُهم: ناظَرْتُه حتى أفْحَمته. ولهذا قيل للذي لا يقول الشِّعر مُفحَم، لأنه انقطع عن قول الشِّعر. ويقال: معنى فَحَم أي كَمِدَ واسودَّ وجهه من كثرة البكاء.

325_قولهم رَزَح فُلان
أي ذهب ما في بَدَنه وضعُف. قال الفرّاء وغيره: هو مأخوذ من قولهم: رَزَح البعير إذا هُزِل حتى لا يكون به نهوضٌ، فشُبّه الرجل الذي ضعُف حتى لا يقدر على النهوض بذلك. وهو كقولهم: لَصِق بالأرض. وقال الطِّرِمَّاح:

إذَا القَرْمُ بَادَرَ دِفءَ العَشيِّ ... ورَاحَتْ طَرُوقَتُه رَازِحَهْ
وقال غير الفرّاء: الرَّزاح مأخوذ من المَرْزَح وهو المُطمئن من الأرض. فكأن الضعيف قد لصِق بذلك ليس يمكنه النهوض إلى ما علا. وقال الطرِمَّاح:

كأنَّ الدُّجَى دُون البِلادِ مُوَكَّلٌ ... يَنِمُ بِجَنْبَيْ كُلِّ علْوٍ ومَرْزَحِ
(1/200)

326_قولهم فلانٌ وَسِيلةُ فُلانٍ وقد تَوَسَّلْتُ بِكَذا
فالوَسِيلةُ: ما تَقَرَّبَ به الرجل. وتوسَّلْتُ: تقرَّبْتُ. وأصل الوَسِيلة: العمل الذي يُقرِّبُ إلى الله تعالى. يقال: وَسَل فلان إلى ربه أي عمل عملاً يُقربه به إليه. قال الخليل: وَسَّل أيضاً بالتشديد. وقال لبيد:

أَرَى النَّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى الله وَاسِلُ

327_قولهم ذَرِيعَتِي إلى فُلانٍ كَذَا
أي ما يُدنيني منه ويُقربني إليه. وأصل الذريعة: جَمَلٌ يُرسل مع الوحش يَرعى معها حتى تأنس به ولا تنفر منه. فإذا أراد مُريدٌ أن يصطاد الوحش استتر بذلك الجمل، حتى إذا دنا من الوحش رمى. ثم جعل كل شيء يُدنِي من الإنسان ذريعة. وقال الراعي:

ولِلمَنِيَّةِ أَسْبابٌ تُقَرِّبُها ... كما تُقَرِّبُ لِلْوَحْشِيَّةِ الذُّرُع
ويقال للجَمَل: الدَّريَّة أيضاً.
(1/201)

328_قولهم أَطْنَبَ في وَصْفِه
قال الأصمعي وغيره: معناه اجْتَهَد. ويقال: أطْنَب في عَدوِه إذا اجتهد فيه. وكل ذاهب مُجتهد في ذهابه فهو مُطنِبٌ. ويقال: في الفرس طَنَبٌ، وهو طولٌ في ظهرِه، وهو مأخوذ من ذلك. وقال طُفِيل:

ومن بَطْنِ ذِي عَاجٍ رِعالٌ كأنَّها ... جَرَادٌ يُبارِي وِجْهَةَ الرِّيح مُطْنِبُ

329_قولهم لا يَنامُ ولا يُنيمُ
أول من قال ذلك الياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكر الكلبي عن الشرقي بن القطامى: أنّ إبل الياس نَدَّت ليلاً فنادى ولده وقال: إني طالب الإبل عن هذا الوجه، وأمر عَمراً ابنه أن يطلب في وجهٍ آخر، وترك عامراً البنه لعلاج الطعام. قال: فتوجه الياس وعمروٌ، وانقمع عُميرٌ في البيت مع النساء. فقالت ليلى بن حُلوان امرأته لإحدى خادِميها: اخرجي في طلب أهلك. وخرجت ليلى فلَقيَها عامر مُحْتقباً صَيداً قد عالجه. فسألها عنأبيه وأخيه فقالت: لا عِلْمَ لي بهما. وأتى عامرٌ المنزل. وقال للجارية: قُصَّي أثر مولاك. فلما وّلَّت قال لها: تقَرْصَعي فلم يلبثوا أن أتاهما الشيخ وعمروٌ ابنه قد أدرك الإبل. فوضع لهم الطعام. فقال الياس: السليم لا ينام ولا يُنيم. فأرسلها مثلاً. وقالت ليلى امرأته: والله إنْ زِلتُ أُخَنْدِفُ في طلبكما والِهةً. فقال الشيخ:
(1/202)

فأنت خِنْدِفُ. قال عامر: وأنا والله إنْ زِلتُ دائِباًفي صيدٍ وطبخٍ. قال: فأنتَ طابِخه. قال عمروٌ: فما فعلت أنا أفضل، أدركت الإبل. قال: فأنت مُدرِكة. وسُمي عُميراً قَمَعَة لانقماعه مع النساء في البيت. فَغَلَبت هذه الألقاب على اسمائهم.

330_قولهم هُوَ يُؤَلِّبُ عَلَيَّ
أي يُحرّش. يقال: أَلَّبَ عليه تأليباً، وقد تجمّعوا وتألّبوا عليه إذا اجتمعوا، يُحرِّضُ بعضُهم بعضاً. وهم إِلْبٌ عليه إذا اجتمعوا. وقال طُفيل:

إذا انصرَفت من عَنَّةٍ بعد عَنَّةٍ ... وجَرْسٍ على آثارها مالمُؤَلَّبِ

331_قولهم حَقَنَ الله دَمَه
أي حَبَسَه في جِلده وملأهُ به. وكلُّ ما ملأت شيئاً أو دسسته فيه فقد حَقَنْته فيه. ومن هذا سُمِّيت الحقنة، وقال الشاعر يصف إبلاً:

جُرْداً تَحَقَّنَتِ النجِيلَ كأَنَّما ... بِجُلُودِهِنَّ مَدارِجُ الأَنْبارِ
يقال أكلت النجيل فملأت به أجوافها. ومن أمثال العرب: يأبى الحقِينُ العِذْرَةَ يقال ذلك للمُعتذر بغير عُذر. قال أبو عبيدة: وأصل ذلك أنّ رجلاً حَقَنَ إهالةً وشرط أنها سمن، فلما صُبَّ فإذا هو
(1/203)

إهالة، فجعل يقول: أعذِرني. فقال الرجل: أبى الحقين العِذْرة. وقال غير أبي عبيدة: أصل ذلك أن رجلاً استطعم رجلاً فقال له: ما عندي شيء فأعذِرني. وبصر الطالبُ بِنَحْيِ سمنٍ في رَحْلهِ، فقال: أبى الحقين العِذْرة.

332_قولهم شَاعَ الخَبَر
معناه اتصل بالنَّاس فلم يكن عند بعضهم دون بعض. وكذلك سَهْمٌ شائع ومُشاع إذا تفرَّق في جميع الدار وغيرها فاتصل كلُّ جزء منه بكل جزء منها. وقال الأصمعي: أصل ذلك في بول الناقة، يقال: إذا قَطَّعَت بَوْلَها قطعاً قد أوْزَغَت ببولها، فإذا أرسلته إرسالاً متصلاً شديداً قيل: أشاعت به. وقال ذو الرُّمّة:

إذا ما دَعاها أَوزغََت بَكَراتُها ... كإبزاغِ آثار المُدَى في التَّرائِبِ
وقال:

أقامَ بها حتى استَمَرَّت حَوَامِلٌ ... وحتى أشَاعَت بَوْلَهُنَّ الرَواجِعُ

333_قولهم حتَّى أَبُورَ ما عِنْدَ فُلانٍ
معناه حتى أنظُرَ ما عنده. قال الأصمعي: وأصل ذلك في الناقة: إذا ضربها الفَحْلُ فأرادوا أن يعلموا ألاقحٌ هي أم لا عَرَضوها على الفحل، فإن صَحَّ لِقاحها استكبرت وقطّعت بولها، فيقال منه: بُرْتُ الناقة أَبورثها بَوْراً، وبعض العرب يقول: أبْتَرْتُها. وقال مالك بن زُغبة الباهلي:
(1/204)

بِضرْبٍ كآذانِ الفِراء فُضُولُه ... وَطَعْنٍ كإِبْزاغِ المخَاضِ تَبُورُها

334_قولهم عَلِمَ به الأَسْود والأَحْمَر
قال الأصمعي: الأحمرُ: الأبيض، وقال أوْس بن حَجَر:

وأَحْمَرَ جَعْداً عليه النسور ... وفي ضِبْنِهِ ثَعْلَبٌ مُنْكَسِر
ومنه قول عنترة:

كُلُّ امْرىءٍ يَحْمِي حِرَه ... أَسْوَدَه وأَحْمَرَه

335_قولهمدَاهَنَ فُلانٌ
الإدهان: ترك المُناصحة وإبقاء الرجل على نفسه، وحكى اللحياني: ما أدهنت إلا على نفسك، أي ما أبقيت إلا عليها. وأنشد الفراء:

مَنْ لِي بِالمُزَرِّرِ اليَلامِق ... صاحِبِ إدْهانٍ وأَلْقٍ آلِقِ
(1/205)

336_قولهم غَثَّكَ خَيْرٌ من سَمِينِ غَيْرِك
أول من قال ذلك معن بن عطية المذحِجي. وكان سبب ذلك أنه كانت بينهم وبين حَيّ من أحياء العرب حربٌ شديدةٌ، فمرّ معن في حملَة حملها برجل من حَربهم وهو صريعٌ فاستغاثه فأغاثه معن وسار به حتى أوصَله مأمنه، ثم عطف أولئك على مَذْحِج فهزموهم وأسروا مَعْناً وأخاً له يقال له رَوْقٌ يُضعَّف. فلما انصرفوا إذا صاحبُ معن الذي نجَّاه وهو أخو رئيس القوم، فناداه مَعن:

يا خَيْرَ جازٍ بِيَدٍ ... أُلِيتَها أَنْجِ مُنَجِّيكا
هَلْ من جَزاءٍ عندَكَ ال ... يَوْمَ لِمَنْ رّدَّ عَوَدِيكا
مِنْ بَعْدِ ما نَالَتْكَ بال ... كَلْمِ لَدَى الحَرْبِ غَواشِيكا
فعرفه صاحبه فقال لأخيه: هذا المآنُّ عليّ ومُنقِذي بعدما أشرفتُ على الموت، فهَبْه لي، فوهبه له فخلّى سبيله، وقال: إني أُحِبُّ أن أُضعِف لك الجزاء، فاختر أسيراً آخر. فاختار معنٌ أخاه رَوْقاً ولم يلتفت إلى سيد مَذحِج وهو في الأسرى. ثم انطلق فسئل عن أمرهما، فحدّث قومه بخبرهما، فأنبوه وشتموه أن لا يكون أنقَذَ رئيسهم وترك أخاهُ الفَسْل. فقال معنٌ: غَثَّكَ خَيْرٌ من سَمِينِ غَيْرِك.
(1/206)

337_قولهم استَغَثْتُ بفُلانٍ
أي استعنتُ به. والإغاثة: الإعانة. وحكى اللحياني عن بعض الأعراب: ماتَ فُلان فاستغاثوا على دفنه بنا أي استعانوا بنا. ويقال: أغثْتُ فلاناً وغوثْتُه أي أعنته. وقال الراجز:

يا رَبّ أنْتَ الرّبُّ تُسْتَغاثُ ... لَكَ الحَياةُ ولَكَ المِيراثُ

338_قولهم تَناضَل الرَّجُلان وكُنَّا في النِّضال
قال الفرّاء: معنى النضال: التخاير في الرمي. يقال: تنضَّلْتُ الرجلُ أي تخيَّرته. وأنشد:

وفِتْيَةٍ جُهُدٍ لِلزَّادِ جَمْعُهُمُ ... سِقْطٌ تُنُضِّلَ من عَجْفاءَ مِمْغالِ
قال: ومن ذلك سُمي الرجل بنَضْلَة.

339_قولهم حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسَه
قال الأصمعي وغيره: يُقال: زَهَقَ الحَجَرُ إذا ندرَ من تحت أرجل الدواب وأشباهها. فكأنَّ معنى تَزْهَقُ نفسه أي تخرج وتَندُر. وقال أمية بن أبي عائِذٍ الهُذَلي:

تَهادَى قوائمُها جَنْدَلاً ... زَواهِقَ ضَرْبَ قُلاةٍ بقَالِ
(1/207)

340_قولهم رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثاً
أول من قال ذلك مالك بن عَوْف بن أبي عمروٍ بن عَوف بن محلِّم الشيباني. وكان شيبان بن مالك بن أب عمرو بن عوف بن محلّم شام غَيْثاً فأراد أن يرحل بامرأته جُماعَة بنت عوف بن أبي عمرو، فقال له أخوها مالك: أين تَظعَن بأختي؟ قال: أطلب موقع هذه السحابة. قال: لا تفعل فإنها ربما خيَّلت وليس فيها قَطْر، وأنا أخاف عليك بعض مقانب العرَب. قال: لكنني لست أخاف ذلك. فمضى وعرض له مروان القَرَظ بن زِنباع بن جَذيمة العبسي فأعجله عنها، فانطلق بها حتى جعلها بين بناته وأخواته ولم يكشف لها سِتراً. فقال مالك بن عوف لشيبان: ما فعلت أختي؟ قال: نفَتْني عنها الرماح. فقال مالك: رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثاً، ورُبَّ فرُوقَةٍ يُدعى ليْثاً، ورُبَّ غَيْثٍ لم يكن غيْثاً. فذهب قوله مثلاً.

341_قولهم القَيْدُ والرَّتْعَةُ
أول من قال ذلك عمرو بن الصعق بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب. وكانت شاكر من همدان أسروه فأحسنوا إليه وروَّحوا عنه. وقد كان يوم فارق
(1/208)

قومه نحيفاً. فهرب من شاكرٍ، فبينا هو بقى من الأرض إذا اصطاد أرنباً فاشتواها فلما بدأ يأكل منها أقبل ذئب فأقعى منه غير بعيد، فنبذ إليه من شوائه فولَّى به، فقال عمرو عند ذلك:

لقد أوْعدَتْني شاكرٌ فخشيتُها ... ومن شعْبِ ذي همْدان في الصدرِ هاجسُ
قبائلُ شتى ألفَ اللهُ بينَها ... لها جحفٌ فوق المناكب يابسُ
ونارٍ بموماةٍ قليلٍ أنيسُها ... أتاني عليْها أطلسُ اللونِ بائسُ
نبذت إليه حُزَّةً من شوائنا ... حياءً وما فُحشى على من أجالسُ
فولَّى بها جذْلان ينفضُ رأسه ... كما آض بالنهبِ المغيرُ المخالسُ
فلما وصل إلى قومه قالوا: ياعمرو! إنك خرجت من عندنا نحيفاًوأنت اليوم بادن!! فقال: القيد والرتعة. فأرسلها مثلاً. ومعنى الرتعة: الخصب، ومن ذلك قولهم: هو يرتع في كذا، أي هو في شي كثير لا يُمنع منه، فهو مخصب.

342 قولهم غشَّ فلانٌ فلاناً
معناه أنه عمل له فيما يحب شيئاً ما يكدره، وهو مأخوذ من الغشش وهو الماء القليل الكدر، وأنشد اللحياني:
(1/209)

يومٌ على بئر بنى زيدٍ عطِش ... كِدنا من الرمضاءِ فيه نمتَحشْ
قد كان في بئرِ بني نصرٍ مخشْ ... ومشربٌ يُروى به غيرُ غَشَشْ

343 قولهم الحُمَّى أضْرَعَتْني للنوم
أول من قال ذلك رجلٌ من كلب يقال له مرينُ، وكان له أخوان أكبر منه يقال لهما مرارة ومرة. وكان مرين لصا مغيرا يقال له الذئب. فخرج مرارة يتصيد في جبل لهم يقال له أبلى، فاختطفه الجن، وبلغ أهله خبره فانطلق مرة في أثره، حتى إذا كان بذلك الموضع اختُطف، وكان مرينٌ غائباً. فلما قدم بلغه الخبر فأقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسل حتى يطلب بأخويه. فتنكب قوسه وأخذ أسهماً ثم انطلق إلى ذلك الجبل الذي هلك فيه أخواه، فمكث فيه سبعة أيام لا يرى شيئاً.
حتى إذا كان في اليوم الثامن إذا هو بظليمٍ فرماه فأصابه، واستقل الظليم حتى وقع بأسفل الجبل، فلما وجبت الشمس بصر بشخصٍ قائمٍ على صخرة يُنادى:

يا أيها الرامي الظليمِ الأسودِ ... تبَّت مراميكَ التي لم تُرشدِ
فأجابه مرين:

يا أيها الهاتفُ فوقَ الصخرةْ ... كمْ عبرةٍ هيَّجتَها وعبرَهْ
بقتلِكم مرارةً ومرَّةْ ... فرَّقتَ جمعاً وتركتَ حسْرَةْ
فتوارى الجِنَّى عنه هوياً من الليل. وأصابت مريناً حمى فغلبته عينه، فأتاه
(1/210)

الجِنَّى فاحتمله، وقال له: ما أنامك وقد كنت حذراً، فقال: الحمى أضرعتني للنوم. فذهبت مثلاً. ثم أتى به حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح خلَّى سبيله فقال مُرينٌ:

ألا من مبلغ فتيانَ قومي ... بما لاقيتُ بعدَهم جميعاً
بأني قد وردتُ بني حبي ... وعانيتُ المخاوفَ والفظيعا
غزوتُ الجنَّ أطلبُهم بثأرى ... لأسقيهم به سمَّا نقيعا
تعرَّض لي ظليمٌ بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا
وكنتُ إذا القروم تعاورَتْنِي ... جريَ الصدرِ مُعتزماً منيعاً
بنى لي معشرِي وجدود صدقٍ ... بذروةِ شامخٍ بيتا رفيعاً
وعزَّا ثابتاً وظلالَ مجدٍ ... ترى شُمَّ الجبالِ له خضوعاً

344 قولهم لا عطرَ بعد عروس
أول من قال ذلك امرأة من عذرة، يقال لها أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بنى عمها يقال له عروس، فمات عنها، فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلاً دميماً. فلما أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي وبكيتُ عند رمسه. قال: افعلي. فأنشأت تقول: يا عروس الأعراس، يا أسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال نوفل: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمة غير نعاس. ويعمل السيف صبيحات الباس.
(1/211)

ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الطيب الخيم الكريم العنصر. مع أشياء ليس تذكر. قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أير غير أعسر. فعرف أنها تعرض به. فلما رحل بها قال: أيتها المرأة ضُمَّى عطرك. ونظر إلى قشوةٍ فيها عطرها مطروحة. فقالت: لا عطرَ بعد عروسٍ. فذهبت مثلاً.

345 قولهم خالفْ تُكذر
أول من قال ذلك الحُطيئة. وكان ورد الكوفة فلقى رجلاً فسأله عن فتى المصر نائلاً، فقال: عليك بعتيبة بن النهاس العِجلى. فمضى نحو داره فصادفه، فقال له: أنت عتبة؟ قال: لا. قال: أفأنت عتَّاب؟ قال: لا. قال: إن اسمك لبيه بذلك. قال: أنا جرول. قال: ومن جرول؟ قال: أبو مُليكة. قال: والله ما ازددت إلا جهلاً بك. قال: أنا الحطيئة. قال: مرحباً بك. قال الحطيئة: فحدثني عن اعر الناس من هو؟ قال: أنت. قال الحطيئة: خالف تذكر. بل اشعر مني الذي يقول:

ومنْ يجعلِ المعروفَ منْ دونِ عرضِه ... يقرْهُ ومنْ لا يتقِ الشتمَ يُشتمِ
ومن يَكُ ذا فضلٍ فيبخَلْ بفضلِهِ ... على قومهِ يُستغنَ عنه ويُذممِ
قال: صدقت. فما حاجتك؟ قال: ثيابك هذه، فإنها قد أعجبتني. وكان عليه مطرف خزٍ وعمامة خزٍّ. فدعا بثيابٍ فلبسها ودفع ثيابه إليه. ثم قال له: حاجتك أيضاً. قال: ميرة أهلي من حبٍ وتمرٍ، وكسوتهم. فدعا عوناً له
(1/212)

وأمره أن يميرهم ويكسوهم. فقال الحطيئة: العود أحمد. ثم خرج وهو يقول:
سُئلتَ فلمْ تبخل ولم تعطِ طائلاً ... فسيَّانِ لا ذمٌّ عليكَ ولا حمدُ

346 قولهم ظَلُوم غَشُومٌ
الظلوم: الذي يأخذ ما ليس له. وأصل الظلمِ وضعُ الشيء في غير موضعه. والغشوم: الذي يخبِط الناس ويأخذ كل شيء. قال الفراء: وهو مأخوذ من غشم الحاطب، وهو أن يحتطب بالليل فيقطع كل ما يقدر عليه من الشجر بغير رؤية، وأنشد:

وقالتْ تجهَّز فاعشم الناسَ سائلاً ... كما يغشمُ الشَّجراء بالليلِ حاطبُ

347 قولهم هو عَسُوف
قال الأصمعي وغيره: العسفُ: الأخذ على غير هدايةٍ بالجرأة والإقدام، ثم جعل ذلك لكل من أقدم على أخذ ما ليس له بعنفٍ وشدة. وأنشدنا الفراء لكثير عزة يصف ناقةً:

عسوفٌ بأجوازِ الفَلا حميرية ... مريشٌ بذئبان السَّبيبِ تليلُها
(1/213)

348 قولهم تَنَخ في النِّعمة
أي طال مكثه فيها. قال الفراء: يقال تنخ في البلاد تُنوخاً إذا أقام بها طويلاً، وهو أتنخ بها مني إذا كان أطول مقاماً بها منك.

349 قولهم نصصتُ الحديثَ إلى فُلان
قال الفراء: معناه رفعته إليه. ونصصته عن كذا أي رفعته في المساءلة واستخرجت ما عنده منه. ويقال: نصت الناقة في السير أنصُّها نصاً أي رفعتها واستخرجت أقصى ما عندها. والمنصة من ذلك، وهي ثيابٌ ترفع لتقعد عليها العروس فيُنظر إليها. وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.

ونُصّ الحديثَ إلى أهلهِ ... فإنَّ الأمانة في نصِّه
أي أرفعه إليهم.

350 قولهم هوَ ظلفُ النفس وما أظلفَه لنفسِه
أي يمتنع من أن يأتي عيباً يتدنس به ويبقى أثره عليه. قال الفراء: ويقال: أرض ظلفة إذا لم تؤدّ أثراً، وقال الشاعر:

ألمْ أظلِف على الشعراءِ عِرضي ... كما ظُلِفَ الوسيقةُ بالكُراعِ
(1/214)

الكُراع: أنف من الحرة فإذا سقيت فيها وسيقة لم يتبين أثرها، فيقول: أمنعُ الشعراء أن ينالوا من عرضي كما يمتنع الكُراع من أن يتبين فيه أثر.

351 قولهم هو ضَجرٌ
قال الأصمعي وغيره: الضجر: ضيق النفس، وهو مأخوذ من قولهم مكان ضجر إذا كان ضيقاً. وقال دريد بن الصمَّة:

فإمَّا تُمسِ في لحدٍ مقيماً ... بمسَكَةٍ من الأرواحِ ضَجْر

352 قولهم فلان جيد القريحة
أي الاستخراج. وهو مأخوذ من قولهم: قرحت بئراً واقترحتُ إذا حفرت في موضع لا يوجد فيه الماء فأنبطت ماء وأنشد:

ودويةٍ مستودعٍ رذياتُها ... تَنائف لم يُقْرَح بهن معينُ

353 قولهم من غيرِ خيْرٍ طرَحَك أهلُك
يقال إنه كان رجلٌ قبيح الوجه دميمٌ، فأتى على محلة قوم قد انتقلوا عنها فوجد فيها مرآة فأخذها، فنظر فيها إلى وجهه فلما رأى قُبحه طرحها وقال: من غير خير طرحك أهلك. فذهبت مثلاً.
(1/215)

354 قولهم ذهب أمِسُ بما فيه
أول من قال ذلك ضمضَن بن عمرو اليربوعي، وكان هوى امرأةً فطلبها بكل حيلة فأبت عليه. وقد كان غر بن ثعلبة بن يربوعٍ يختلف إليها، فاتبع ضمضم أثرهما وقد اجتمعا في مكانٍ، فصار في خمرٍ إلى جانبهما يراهما ولا يريانه، فقال غر:

قِدماً تواتيني وتأبى بنفسها ... على المرءِ جوابٍ التنوفةِ ضمضمِ
فشدَّ عليه ضمضمٌ فقتله وقال:

ستعلم أني لستُ راضٍ ببضعهِا ... وأنك عنها إن نأيتَ بمعزِل
فقيل له: لم قتلت ابن عمك؟ فقال: ذهب أمسُ بما فيه.

355 قولهم النمطُ الأوسَط
قال أبو عبيدة النمط: الطريقة، يقال: الزم هذا النمط. ومنه حديث أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي عنه: "خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ورجع إليهم الغالي". والنمط أيضاً: الضرب من الضروب والنوع من الأنواع، يقال: ليس هذا من ذلك النمط.
(1/216)

356 قولهم ناهيكَ بفُلان
معناه كفاك به، وهو مأخوذ من قولهم: قد نهى الرجل من الطعام وأنهى إذا اكتفى. وقال الشاعر:

لو كان ما واحداً هواكِ لقدْ ... أنهى ولكنْ هواكِ متركُ
وقال الآخر:

يمشين دُسماً حول قبتهِ ... يَنْهيْن عن أكلٍ وعن شربِ

357 قولهم فتَّ في عَضُدَيْه
العَضُد: القوة. والفَتُّ: الكسْر، من قولهم: فتت الشيء إذا كسرته صغاراً ومعنى في: من، فالمعنى كسر من عضديه أي من قوته. والصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال امرؤ القيس:

وهل ينعمَن من كان أقربُ عهدِه ... ثلاثينَ شهراً في ثلاثةِ أحوالِ
أي من كان أقرب عهده بالرفاهية ثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال، هكذا قال الأصمعي، قال: وتكون في بمعنى مع في هذا البيت. ويقال: العضد الأعوان. وحكى النضر بن شُميل: رجل عضد إذا كان له أعوانٌ يعضدونه. فكأن المعنى فت فيهم خذلانه أي فرّقه فيهم، ويكون في هاهنا أيضاً بمعنى من، كأنه قال: فتّ منهم أي كسر منهم وضعف نياتهم.
(1/217)

358 قولهم لا تبلّه عندي بالَّة
قال الأصمعي وغيره: معناه لا ينداه منِّي ندىً ولا خير. قال: ويقال لا تبله عندي بالة وبلال مثل قطام. وأنشد:

فلا والله يابن أبي عقيلٍ ... تبُلُّك بعدها عندي بلالِ
ومنه: بل رحمة إذا وصلها، وصنع إلى قرابته خيراً. وجاء في الحديث: "بلُّوا أرحامكم ولو بالسلام".

359 قولهم يُفقع علينا وأخذ في التفقيع
فالمعنى أنه كلام وليس فيه معنى. وأصل ذلك الورقة من الورد ويره تدار ثم تغمز بالإصبع ويُسمع لها صوت، حكى ذلك الخليل. ويكون أيضاً من الفقغ وهو الضُّراط، يقال: قد فقع إذا ضرط. وإنه لفقاع خبيث. والتفقيع أيضاً: صوت الأصابع إذا غمِز بعضها ببعضٍ، وضُرب بعضها ببعض.
(1/218)

360 قولهم وقع بينهم حربُ داحسَ والغبراء
داحس: فرس قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، والغبراء: فرس حُذيفة ابن بدر الفزاري. وكان من حديثهما أن رجلاً من بني عبسٍ يقال له قرواش ابن هني، ماري حمل بن أخا حُذيفة في داحس والغبراء. فقال حمل: الغبراء أجود. وقال قرواش: داحس أجود. فتراهنا عليهما عشراً في عشرٍ. فأتى قرواش إلى قيس بن زهير فأخبره. فقال له أنفسهم، وأنا نكدٌ أباء. قال قرواش: فإني قد أوجبت الرهان. فقال قيس: ويلك ما أردت إلى شآم أهل بيت؟. والله لتنغلنَّ علينا شراً.
ثم إن قيساً أتى حمل بن بدر، فقال: إني أتيتك لأواضعك الرهان عن صاحبي. قال حمل: لا أواضعك أو تجيء بالعشر، فإن أخذتها أخذت سبقي، وإن تركتها تركت حقاً قد عرفته لي وعرفته لنفسي. فأحفظ قيساً، فقال: هي عشرون. قال حمل: هي ثلاثون، فتلاحيا وتزايدا حتى بلغ به قيس مائةً. وضع السبق على ي غلاَّقٍ أو ابنِ غلاقٍ أحد بني ثعلبة بن سعد.
ثم قال قيس: فأخيِّرُك من ثلاث، فإن بدأتَ فاخترت فلي منهن خصلتان، وإن بدأت فاخترت فلك منهن خصلتان، قال حمل: فابدأ. قال قيس: فإن الغاية مائة غلوة، وإليك المضمار ومنتهى الميطان. أي حيث توطَّن الخيلُ للسبقِ
(1/219)

قال: فخراً لهم رجل من محارب. فقال: وقع البأس بين ابني بغيض. فضمَّروهما أربعين يوماً. ثم استقبل الذي ذرع الغاية بينهما من ذات الإصاد، وهي ردهة وسط هضبِ القليب، فانتهى الذرع إلى مكان ليس له اسم. فقادوا الفرسين إلى الغابة وقد عطشوهما وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد وهي ملأى من الماء. ولم يكن ثم قصبةٌ ولا شيء غير هذا.
ووضع حمل حيساً في دلاء وجعله في شعبٍ من شعاب هضب القليب على طريق الفرسين. وكمَّن معه فتياناً فيهم رجل يقال له زهير بن عبد عمرو، وأمرهم إن جاء داحسٌ سابقاً أن يردوا وجهه عن الغاية.
وأرسلوهما من منتهى الذرع. فلما طلعا قال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: بعد اطلاعٍ إيناسٌ. أي بعد أن تطلع على الخبر تعرفه. فذهبت مثلاً. ثم أجدَّا. فقال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: رويداً يعدوان الجدد. أي يتعدَّينه إلى الوعث والخبار. فذهبت مثلاً. فلما دنوا وقد برَّز داحس قال قيس: جرى المذكيات غلاء. أي كما يتغالى بالنبل. فذهبت مثلاً. فلما دنا من الفتية وثب زهير بن عبد عمرو فلطم وجه داحسٍ فرده عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس بن زهير:

كمَا لاقيتَ منْ حملِ بنِ بدرٍ ... وإخوتِهِ على ذاتِ الغصادِ
همُ فخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍ ... وردُّوا دونَ غايتِه جوادِى
فقال قيس: ياحُذيفةُ أعطني سبقي قال: خدعتُك. قال قيس: ترك الخداعَ
(1/220)

من أجرى من مائة غلوة. فذهبت مثلاً.
فقال غلاَّقٌ الثعلبي الذي وضع السبق على يديه لحذيفة: إن قيساً قد سبق وإنما أردت أن يقال سبق حذيفة، وقد قيل، أفأدفع إليه سبقه؟ قال: نعم. فدفع إليه الثعلبي السبق.
ثم إن عركي بن عميرة وابن عمٍ له من بني فزارة ندماً حيفة وقالا: قد رأى الناس سبق جوادكم وليس كل الناس رأى أن جوادهم لطم، فدفعك السبق تحقيق لدعواهم فاسلبوه السبق، فإنه أقصر باعا وأكل حدا من أن يرادك. قال لهما: ويلكما! أرجع فيها متندماً على ما فرط؟ عجزٌ والله. فما زالا به حتى ندم، فنهى خميصة بن عمرو حذيفة وقال له: إن قيساً لم يسبقك إلى مكرمةٍ بنفسه، وإنما سبقت دابة دابة، فما في هذا حتى تدعى في العرب ظلوماً؟ قال: أما إذ تكلمت فلابد من أخذه.
ثم بعث حذيفة أبا قرفة إلى قيس يطالب بالسبقفلم يصادفه، فقالت له امرأته هر بنت كعب: ما أحب أن تصادف قيساً. فرجع أبو قرفة إلى أبيه أخبره بما قالت. فقال: والله لتعودن إليه. ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر، فأخذته زفرات وأقبل متقلقلاً. ولم يلبث أبو قرفة أن رجع إلى قيس. فقال: يقول لك أبي أعطني سبقي. فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صلبه، ورجعت فرسه عائرةً. فاجتمع الناس فاحتملوا دية أبي قرفة مائة عشراء، فقبضها حذيفة وسكن الناس. وأنزلها على النقرة حتى نتجها ما في بطونها.
ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة، وهي قريب من الحاجر
(1/221)

وكان نكح امرأةً من بني فزارة فأتاها فبنى بها. وأخبر حذيفة بمكانه فعدا عليه فقتله، وفي ذلك يقول عنترة:

لله عينا من رأى مثل مالكٍ ... عقيرةَ قومٍ أن جرَى فرسانِ
فليتَهُما لم يجرِيا نصفَ غلوةٍ ... وليتُهما لم يُرسَلاَ لرهانِ
فأتت بنو جذيمة حذيفة فقالت: يبوءُ مالك بن زهير بأبي قرفة بن حذيفة، وردوا علينا مالنا. فأشار سنان بن أبي حارثة المرى أن لا ترد أولادها معها وأن ترد المائة بأعيانها. فقال حذيفة: أردُّ الإبل بأعيانها ولا أرد النشأ.
فأبوا أن يقبلوا ذلك. فقال قيس بن زهير:

يودُّ سنانٌ لو نحاربُ قومنا ... وفي الحربِ تفريقُ الجماعة والأزلُ
يدبّ ولا يخفى ليفسدَ بيننَا ... دبيباً كما دبتْ إلى جحرِها النملُ
فيا ابني بغيضٍ راجعاً السلم تسلَما ... ولا تُشمتُوا الأعداء يفترِقِ الشملُ
فإن سبيلَ الحربِ وعرٌ مضلةٌ ... وإنَّ سبيلَ السلم آمنةٌ سهلُ
قال: والربيع بن زياد يومئذ مجاور بني فزارة عند امرأته، وكان مشاحناً لقيس في درعه ذي النون التي كان الربيع لبسها، فقال: ما أجودها أنا أحق بها منك، وغلبه عليها. فأطرد قيس لبوناً لبني زياد، فعارض بها عبد الله بن جدعان التميمي بسلاحٍ. وفي ذلك يقول قيس بن زهير:
(1/222)

ألم يأتيك والأنباءُ تنمى ... بما لاقتْ بني زيادِ
ومحبسُها لدى القرشي تُشرى ... بأدراعٍ وأسيافٍ حدادِ
فلما قتلوا مالك بن زهير ورجعوا تواحوا بينهم. فقالوا: ما فعل حمارُكم؟ قالوا: صدناه. قال الربيع: ما هذا الوحي؟ إن هذا لأمرٌ ما أدرى ما هو. قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم. قبلتم الدية ورضيتم ثم عدوتم على ابن عمكم وصهركم وجاركم فقتلتموه وغدرتم. قالوا: لولا أنك جار لقتلناك. وكانت خفرة الجار ثلاثاً، فقالوا: لك ثلاثة أيام. فخرج وتبعوه فلم يدركوه حتى لحق بقومه.
وأتاه قيس بن زهيرٍ فصالحه ونزل معه. ودرس أمةً يقال لها رعية إلى الربيع تنظر ما يعمل، فدخلت بين الكفاء والنضد لتنظر أمحاربٌ هو أم مسالم. فأتته امرأته تعرض له وهي على طهرٍ فزجرها، وقال لجاريته: اسقني. فلما شرب أنشأ يقول:

منعَ الرقادَ فما أغمضُ حارِ ... جللٌ من النبأ المهمِّ الساري
منْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ ... فليأتِ نسوتَنَا بضوءٍ نهارِ
يجدِ النساءَ حواسراً يندبْنَه ... يندبُنَ بين عوانسٍ وعذارى
أفبعْد مقتلِ مالكِ بن زهيرٍ ... ترجو النساءُ عواقبَ الأطهارِ
(1/223)

فأتت رعية قيساً فأخبرته ما قال الربيع. فقال: أنتِ حرة فأعتقها وقال: وثقت بأبي منصور. وقال قيس:

فإت تكُ حربُكُم أمست عواناً ... فإني لم أكُن ممنْ جناها
ولكنْ ولدُ سودة أرثوها ... وحشوا نارها لمن اصْطَلاها
فإني غيرُ خاذِلكم ولكنْ ... سأسعَى الآن إذْ بلغت إناها
سودة هي أم بني بدرٍ ماخلا حمَلا.

يومُ المريْقِب
ثم قاد قيس بني عبس وحلفاءهم بني عبد الله بن غطفان يوم ذي المُريقب إلى بني فزارة، ورئيس بني فزارة حذيفة بن بدرٍ. فالتقوا بذي المريقب فاقتتلوه، فقتل أرطاة وهو أحد بني مخرزوم من بني عبس عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضماً ونفراً ممن لا يعرف اسمه. وفي ذلك يقول:

ولقدْ حشيتُ بأنْ أموتَ ولم تكنْ ... للحرب دائرةٌ على ابنيْ ضَمْضَمِ
الشاتمي عرضِي ولم أشتُمهُما ... والناذرينِ إذا لمَ ألقهُما دمي
إنْ يفعَلا تركتُ أباهُما ... جزرَ السباع وكل نسرٍ قشعم
وقال:

ولقدْ علمتَ إذا التقتْ فُرسانُنا ... بِلوى المُريقب أنّ ظنَّكَ أحمَقَ
(1/224)

يوم ذي حُساً
ثم إن بني ذبيان تجمعوا لما أصاب بنو عبسٍ منهم ما اصابوا، فغزوا ورئيسهم حذيفة بن بدر بني عبس وحلفاءهخم بني عبد الله بن غطفان ورئيسهم الربيع بن زياد فتوافوا بذي حساً وهو وادٍ الهباءة في أعلاه. فهربت بنو عبسٍ وأتبعتها بنو ذبيان حتى لحقتها بالمعيقة ويقال بغيقة، فقالوا: التفاني أو تقيدونا. فأشار قيس على الربيع ابن زياد أن يناكرهم، وخاف ن قاتلوهم لا يقوموا لهم. فقال: إنهم ليس في كل حين يجتمعون، وحذيفة لا يستنفر أحداً لاقتداره وعلوة، ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع حدهم عنا، فإنهم لن يقتلوا الوالدان ولن يصلوا إلى ذلك منهم مع الذي نضعهم على يديه، وإن هم قتلوا الصبيان فهو أهون من قتل الآباء. وكان رأى الربيع مناجزتهم. فقال: يا قيس انتفخ سحرك وامتلأ صدرك من جمعهم. وقال الربيع:

أقولُ ولم أملِك لقيسٍ نصيحةً ... أرى ما تَرَى والله بالغيبِ أعلمُ
أتُبقي على ذبيانَ من بعدِ مالكٍ ... وقد حشَّ جاني الحربِ ناراً تضرمُ
وقال قيس: يا بني ذبيان خذوا منا رهانَ بما تطلبون ويُرضيكم إلى أن ننظر في هذا فقد أدعيتم ما نعلم ولا نعلم، ودعونا حتى تتبين دعواكم، ولا تعجلوا إلى الحرب فليس كل كثيرٍ غالباً، وضعوا الرهائن عند من ترضون به ونرضى. فقبلوا ذلك وتراضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو الثعلبي، فدفعوا إليه عدة من صبيانكم وتكافَّ الناس. فمكثوا عند سبيع حتى حضره الموتفقال لابنه مالك: إن عندك مكرمة لن تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغليمة، وكأني بك لو قد مت قد أتاك خالك حذيفة وكانت أم مالك أخت حذيفة يعصر عينيه وقال: هلك سيدنا ثم خدعك عنهم
(1/225)

حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ثم لا تشرف بعدها أبداً، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكي ويقول: واسيداه هلك سيدنا. فلما مات سبيع أطاف حذيفة بمالك وأعظمه، ثم قال: أنا خالك واسنُّ منك فادفع إلى هؤلاء الصبيان يكونون عندي إلى أن تنظر في أمرنا، فإنه يقبح بك أن تملك على شيئاً. ولم يزل به حتى دفعهم إليه. فلما صارا عنده أتى بهم اليعمرية، وهي ماء بوادٍ من بطن نخل، وأحضر أهل الدين قتلوا، فجعل يبرز كل غلام منهم فينصبه غرضاً ويقول له: ناد أباك، فينادى أباه وهو يخرقه بالنبل، فإن مات من يومه وإلا تركة إلى الغد، ثم فعل به مثل ذلك حتى يموت. فلما بلغ ذلك بني عبسٍ أتوهم باليعمرية، فقتلت بنو عبسٍ من بني ذبيان اثني عشر رجلاً، منهم مالك ويزيد ابنا سبيع وعركي بن عميرة. وقال: عنترة في قتل عركي:

سائلْ حذيفة حين أرَّشَ بيننَا ... حرباً ذوائبها بموتٍ تخفقُ
واسألْ عميرةَ حين أجلَت خيلَها ... رقصاً عزينَ بأي حيٍ تلحقُ

يومُ الهَباءَ ة
ثم إنهم تجمعوا فالتقوا إلى جنب الهباءة في يوم قائط، فاقتتلوا من بُكرة حتى انتصف النهار، وحجز الحر بينهم، وكان حذيفة تحرق الخيل فخذيه، وكان ذا خفض. فلما تحاجزوا أقبل حذيفة ومن كان معه إلى جفر الهباءة ليتبردوا فيه. فال قيس لأصحابه: إن حذيفة رجل تحرق الخيل باديه، وإنه مستنقع الآن في جفر الهباءة وإخوته، فانهضوا فاتبعوهم. فنهضوا فأتوهم. ونظر حصن بن حذيفة إلى الخيل، ويقال عيينة بن حصن، فبعل وانحدر في الجفر، وانحدر في الجفر. فقال حمل بن بدر: من أبغض الناس إليكم أن
(1/226)

يقف على رؤوسكم؟ قالوا: قالوا: قيس والربيع. قال: فهذا قيس قد جاءكم. فلم ينقضِ كلامه حتى وقف قيس وأصحابه على شفير الجفر، وقيس يقول: لبيكم لبيكم، يعني الصبية. وفي الجفر حذيفة ومالك وحمل بنو بدر. فقال حمل: نشدتك الرحم يا قيس! فقال قيس: لبيكم. فقال حذيفة: لئن قتلتني يا قيس لا تصلح غطفان أبداً. قال قيس: أبعدك الله، قتلك خير لغطفان، سيربع على قدره كل سيدٍ ظلوم. وجاء قرواش بن هني من خلف حذيفة، فقال له بعض أصحابه: احذر قرواشاً، وكان قد رباه فظن أنه سيشكر ذاك له، فقال: خلوا بين قرواش وظهري. فنزع قرواش له بمعبلةٍ فقصم بها صلبه وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الاسلع فضرباه بسيفيهما حتى دففا عليه. وأخذ الحارث بن زهيرٍ ذا النون سيف حذيفة، وقال إنه كان سيف مالك بن بدرٍ بسهم فقتله، وكان زيد بن مالك نذر ليقتلن بابنه رجلاً من بني بدرٍ، فأحل به نذره، وقتل مالك بن الأسلع الحارث بن عوف بن بدر بابنه. واستصغروا عيينة بن حصنٍ فخلوا سبيله. وقتل الربيع بن زيادٍ حمل بن بدرٍ فقال قيس بن زهيرٍ يرثيه:

تعلَّمْ إنَّ خيرَ الناسِ طُراً ... على جفرِ الهباءة ما يريمُ
ولولا ظلمُهُ ما زلتُ أبكي ... عليهِ الدهرَ ما طلعَ النجومُ
ولكنَّ الفَتَى حملَ بنَ بدرٍ ... بغَى والبغْىُ مرتعُهُ وخيمُ
أظنُّ الحلمَ دلَّ على قومي ... وقدْ يُستجهلَ الرجلُ الحليمُ
(1/227)

ألاقي منْ رجالٍ منكراتٍ ... فأنكرها وما أنا بالظلُومِ
ومارستُ الرجالَ ومارسوني ... فمُعْوجٌ علىَّ ومستقيمُ
وقال زبان بن سيارٍ يذكر حذيفة وكان يحسده سؤدده:

فإنّ قتيلاً في الهباءة في أستِه ... صحيفتُه إنْ عادَ للظلمِ ظالمُ
متى تقرؤها تهدكم من ضلالِكُم ... وتُقرأ إذا ما فُضَّ عنها الخواتمُ
فإنْ تسألوا عنها فوارسَ داحسٍ ... يُنبئك عنها من رواحةَ عالمُ
ونعى عقيل بن عُلَّفة على عويف القوافي حين هاجاه، فقال:

ويوقدُ عوفٌ للعشيرة نارَها ... فهلاَّ على جفرِ الهباءة أوقَدَا
فإنَّ على جفرِ الهباءة هامةً ... تُنادى بني بدرٍ وعاراً مُخلداً
وإن أبا وردٍ حذيفة مثغرٌ ... بأَيْرٍ على جفرِ الهباءة أسودَا
وقالت بنت مالك بن بدر ترثي اباها:

إذا هتَفَتْ بالرقمتيْن حمامةٌ ... أو الرسِّ فابكى فارسَ الكتِفَان
أحلَّ به أمس الجُنيدبُ نذرهُ ... وأيَّ قتيلٍ كان في غطفانِ

يوم الفرُوقُ
فلما أُصيبَ أهلُ الهباءة استعظمت غطفان قتل حذيفة وكبُر ذلك عندها فتجمعوا. وعرفت عبسٌ أن لا مقام لها بأرض غطفان، فخرجت متوجهةً نحو اليمامة
(1/228)

يطلبون أخوالهم. وكانت عبلة بنت الدول بن حنيفة أم رواحة. فأتوا قتادة بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمنياً. فمر قيس ذات يوم مع قتادة فرأى قحفاً فضربه رجله وقال: كم من ضيمٍ قد أقررت به مخافة هذا المصرع ثم لم تئل منه. فلما سمعها قتادة كرهها وأوجس منه، فقال: ارتحلوا عنا. فارتحلوا حتى نزلوا لو أهجر بيني سعد بن زيد مناة بن تميم فمكثوا فيهم زمنياً.
ثم إن بني سعد أتوا الجون ملك هجر فقالوا: هل لك في مهرةٍ شوهاء، وناقة حمراء، وفتاة عذراء؟ قال: نعم. قالوا: بنو عبسٍ غارون نُغير عليهم مع جندك وتسهم لنا من غنائمهم. فأجابهم. وفي بني عبسٍ امرأة من بني سعد ناكحٌ فيهم، فأتاها أهلها ليضموها وأخبر وها الخبر، فأخبرت به زوجها، فأتى قيساً فأخبره، فأجمعوا على أن يرحلوا الظعائن وما قوى من الأموال من أول الليل، ويتركوا النار في الرثة فلا يُستنكر عنهم عن منزلهم، وتقدم الفرسان إلى الفروق فوقفوا دون الظعن. وبين الفروق وسوق هجر نصف يومٍ، فإن تبعوهم قاتلوهم وشغلوهم حتى تُعجز الظعن ففعلوا ذلك. فأغارت عليهم جنود الملك مع بني سعدٍ في وجه الصبح فوجدوا الظعن قد أسرين ليلتهنَّ، ووجدوا المنزل خلاء، فأتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الخيل بالفروق فقاتلوهم حتى خلوا سربهم. فمضوا حتى لحقوا الظعن فساروا ثلاث ليالٍ وأيامهن حتى قالت بنت قيس لقيس: يا أبتاه أنسبر الأرض؟! فعلم أن قد جهدت فقال: أنيخوا. فأناخوا ثم ارتحل، ففي ذلك يقول عنترة:

ونحنُ منعنا بالفروق نساءَنا ... نطرفُ عنها مُشعلاتٍ غواشيَا
حفتُ والخيلُ تدمَى نُحورُها ... نفارقكم حتى تهزوا العواليَا
(1/229)

ألمْ تعلموا أنّ الأسنَّة أحرزَتْ ... بقيتَنَا لو أنَّ للدهرِ باقيَا
ونحفَظ عوراتِ النساءِ ونتَّقى ... عليهنَّ أنْ يلقين يوماً مخازِياً
فلحقوا ببني ضية ويزعمون أن مالك بن بكر بن سعد وعبساً أخوان لأم ويقال لهم ابنا ضجام فكانوا فيهم زمنياً. وأغارت ضبة، وكانت تميم تأكلهم قبل أن يترببوا، فأغاروا على بني حنظلة، فاستاق رجل من بني عبس امرأةً من بني حنظلة في يوم قائظ حتى بهرها ولهثت. فقال رجل من بني ضبة: ارفق بها. فقال العبسي: إنك بهالرحيم؟ فقال الضبي: وما يمنعني ذلك. فأهوى العبسي لعجزها بطرف السنان فنادت: يال حنظلة. فشد الضبي على العبسي فقتله. وتنادى الحيان ففارقتهم عبس، فمرت تريد الشام.
وبلغ بني عامرٍ ارتفاعهم نحو الشام فخافوا انقطاعهم من قيس. فخرجت وفود بني عامرٍ حتى لحقتهم، فدعتهم إلى أن يرجعوا ويحالفوهم. فقال قيس: يا بني عبس! حالفوا قوماً في صيابة بني عامر ليس لهم عدد فيبغوا عليكم بعددهم، فإن احتجتم أن يقوموا بنصرتكم قامت بنو عامر. فحالفوا معاوية بن شكل، فمكثوا فيهم. ثم إن شاعراً يقال إنه بن همارق أحد بني عبد الله بن غطفان، ويقال إنه النابغة الذبياني قال:

جزَى الله عبساً ابن بغيضٍ ... جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقدْ فعَل
بما انتهكوا من ربِّ عدنانَ جهرة ... وعوفٌ يُناجيهم وذلكُمُ جللْ
فأصبحتُمُ واللهُ يفعلُ ذاكُم ... يعزٌّ كم مولَى موالِيكُم شَكَلْ
(1/230)

فلما بلغت قيساً قال: ما له قاتله الله أفسد علينا حلفنا!؟ فخرجوا حتى أتوا بني جعفر بن كلاب. فقالوا: نكره أن تسامع العرب أنَّا حالفناكم بعد الذي كان بيننا وبينكم، ولكنكم حلفاء بني كلاب. فكانوا فيهم حتى كان يوم جبلة فتهايجوا في شأن قتل ابن الجون، قتله رجل من بني عبسٍ بعد ما أعتقه عوف بن الأحوص. فقال عوف: يا بني جعفر إن بني عبسٍ أدنى عدوكم إليكم، إنما يجمون كراعهم ويحدون سلاحههم، ويأسون قرحهم فيكم، فأطيعوني وشدوا عليهم قبل أن يندملوا، وقال:

إنّى وقيساً كالمسمِّن كلبَه ... فخدَّشهُ أنيابُه وأظافرُه
فلما بلغ ذلك بني عبس أتوا ربيعة بن قرط أحد بني أبي بكر بن كلاب فحالفوه. فقال في ذلك قيس:

أحاولُ ما أحاول ثم آوى ... إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤاد
منيعٍ وسطِ عكرمَة بنِ قيسٍ ... وهُوبٍ للطريفِ وللتلادِ
كفاني ما خشيتُ أبو هلالٍ ... بذاتِ الرِّمثِ كالحِدَاءِ الغوادي

يومُ شَعْوَاء
ثم إن بني ذبيان غزوا بني عامر وفيهم بنو عبس يوم شعواء وفي يوم آخر، فأسر طلحة بن سيارٍ قرواش فنسبه فكنَى عن نفسه، وقال: أنا ثورُ ابن عاصمٍ البكائي. فخرج به إلى أهله. فلما انتهى به إلى أدنى البيوت عرفته امرأةٌ من أشجع أمها عبسية، كانت تحت رجلٍ من فزارة، فقالت لزوجها: إني لأرى
(1/231)

أبا شريح. قال ومن أبو شريح؟ قالت: قرواش بن هنيٍ، نعم أبو الأضياف، مع طلحة بن سيار. قال: ومن أين تعرفينه؟ قالت: يتمتُ أنا وهو من أبوينا فربانا حذيفة في أيتام غطفان. فخرج زوجها حتى أتى خريم بن سيار، فقال: أخبرتني امرأتي أن أسير طلحة أخيك قرواش بن هني. فأتى خريم طلحة فأخبره بذلك. فقال: لا تعزى على أسيري لتسلبه مني. قال خريم: لم أرد ذلك، وإنما عرفته امرأة فلان فاسمع كلامها. فأتوها. فقال لها طلحة: ما علمك أنه قرواش؟ قالت: هو هو وبه شامةٌ في موضع كذا. فرجعوا إليه ففتشوه فوجدوا الأمر على ما ذكرت. فقال قرواش: من عرفني؟ قالوا: فلانة الأشجعية وأمها عبسية. فقال: ربَّ شرٍ قد حملته عبسية. فذهبت مثلاً. ودُفع إلى حصنٍ فقتله. فقال النابغة الذبياني في ذلك:

صبراً قُطيعَ بن عبسٍ إنَّها رحمٌ ... خُنْتُمْ بها فأناختكُم بجعجاعِ
فما أشطَّت سُميٌ إنْ همُ قتلوا ... بني أسيدٍ ومروان بن زنباعِ
كانت قروضَ رجالٍ يطلُبون بها ... بني رواحة كيل الصاعِ بالصاعِ

يوم شواحط
ولم تزل عبسٌ في بني عامر حتى غزا غزيٌ من بني عامر يوم شواحط بني ذبيان فأسر منهم ناس: أحدهم أخو حنبصٍ الضبابي أسره رجل من بني ذبيان. فلما أفدت أيام عكاظ استودعه يهودياً خماراً من تيماء، فوجده اليهودي يخلفه في أهله
(1/232)

فاجتبَّ مذ كيره فمات. فوثب حنبص على بني عبس فقال: عن غطفان قتلت أخي فدوه فقال قيس: والله إن يدي مع أيديكم على غطفان ومع هذا فإنما وجده اليهودي مع امرأته. فقال حنبصُ: والله لو قتلته الريح لوديتموه. فقال قيس لبني عبس: دُوه والحقوا بقومكم، فالموت في غطفان خير من الحياة في بني عامر، وقال قيس:

لحَا الله قوماً أرشُوا الحربَ بيننَا ... سقوْنا بها كأساً من الماءِ آجنَا
أكلَّفُ ذَا الخُصييْن إن كان ظالماً ... وإن كانَ مظلوماً وإن كان شاطِنَا
فهلاَّ بني ذبيان أمك هابلٌ ... رهنْتَ بفيفِ الريحِ إن كنت راحنَا
فلما ودت عبسٌ أخا حنبص خرجت حتى نزلت بالحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو عند حصن بن حذيفة، فجاء بعد ساعة من الليل. فقيل هؤلاء أضيافك ينتظرونك. قال: بل أنا ضيفهم. فحياهم وهش إليهم وقال: من القوم؟ قالوا: إخوتك بنو عبس، وذكروا ما لقوا وأقروا بالذنب. فقال: نعم وكرامة لكم، أُكلِّم حصناً. فرجع إليه. فقيل لحصن هذا أبو أسماء. قال: مارده إلا أمرٌ. فدخل الحارث فقال: طرقت بي حاجة يا أبا قيس. قال: أعطيتها. قال: بنو عبسٍ وجدتُ وفودهم في منزلي. فقال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا أدى ولا أتدى، قد قتلت بأبي وعمومتي عشرين من بني عيس فما أدركت دماءهم.
ويقال: انطلق الربيع وقيس إلى يزيد بن سنان بن أبي حارثة، وكان فارسي بني ذبيان، فقالا: أنعم ظلاماً أبا ضَمْرَة. قال: نعم ظلامكما! فمن أنتما؟ قالا: الربيع وقيس. قال: مرحبا. قالا: أردنا أن نأتي أباك فتعيننا عليه لعله يلم الشعث ويرأب
(1/233)

الصدع. فانطلق معهما فقال لأبيه: هذه عبسٌ قد عصبت بك رجاء أن تلائم بين أبني بغيض قال: مرحباً قد آن للأحلام أن تثوب والأرحام أن تئط. إني لا أقدر على ذلك إلا بحصن بن حذيفة، وهو سيدٌ حليم فأتوه. فأتوا حصناً فقال: من القوم؟ قالوا: ركبان الموت. فعرفهم. فقال: بل رُكبان السلم. مرحبا بكم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم لقد اختل قومكم إليكم. ثم خرج معهم حتى أتى سناناً فقال له حصن: قم بأمر عشيرتك، وارب بينهم فإني أعينك. فاجتمعت بنو مرة وكان أول من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر ثم مات، فسعى فيها ابنه هاشم بن حرملة الذي يقول له القائل:

أحيا أباهُ هاشمُ بن حرملَهْ ... يومَ الهباتيْن ويومَ اليعمَلَهْ
ترى الملوكَ حوْلَه مُغربلَهْ ... يقتلُ ذا الذنبِ ومنْ لا ذنبَ لهْ

يَوْمُ قَطَن
ولما تحمل الحاملان وتراضى ابن بغيض اجتمعت عبس وذبيان بقطَن وهو من الشربة. فخرج حصين بن ضمضم يُحلئ فرسه وهو آخذ بمرسنها. فقال الربيع ابن زاد: مالي عهد بحصين بن ضمضم مذ عشرون سنة. وإني لأحسبه هذا. قم يابيجان فادنُ منه وناطقه فإني في لسانه حبسة. فقام فكلمه فجعل حصين يدنو منه ولا يكلمه، حتى إذا أمكنه جال في متن فرسه ثم وجهها نحوه، فلحقه قبل أن يأتي القوم فقتله بأبيه ضمضم، وكان عنترة قتله، وكان حصين آلي لا يمس رأسه غسل حتى
(1/234)

يقتل بأبيه، فقتل بيحان. فامازت عبس وحلفاؤهم وقالوا: لا الحكم ما بلَّ بحرٌ صوفة. وقد غدرت بنا بنو مرة، فتناهض الحيان. ودعا الربيع بن زياد من يبارز؟ فقال سنان: وكان يومئذ واجداً على ابنه يزيد ادعوا لي ابني، فأتاه هرم بن سنان. فقال: لا. فأتاه ابنه خارجة، فقال: لا. وكان يزيد يحزم فرسه ويقول:

إنَّ أبا ضَمْرَةَ غيرُ غافِل
ثم أتاه فبرز للربيع.
وسفرت بينهم السفراء فأتى خارجة بن سنان أبا بيجان بابنه فدفعه إليه، وقال: في هذا وفاءٌ من ابنك؟ قال: اللهم نعم. فكان عنده أياماً. ثم حمل خارجة لأبي بيجان مائتي بعير، فأدى إليه مائة وحط عنه الإسلام مائة. واصطلحوا وتعاقدوا. وي ذلك يقول خارجة بن سنان:

أغنيت عن آل الربيع قتيلهُم ... وكنتُ أدعَى إلى الخيراتِ أطوارَاً
أغنيتُ عنهم أبا بيجانَ آرشُه ... ودِّي ودُهماً كمثلِ النخلِ أبْكاراً
وكان الذي وليَ الصلح عوفٌ ومعقلٌ ابنا سبيعٍ من بني ثعلبة. فقال عوف ابن خارجة بن سنان: أما إذ سبقني هذان الشيخان إلى الحمالة فهلم إلى الظل والطعام والحملان، فحمل وأطعم. وكان أحد الثلاثة يومئذ، فصروا على الصلح.

361 قولهم البلاءُ مُوَكَّل بالمَنطِق
يقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق رحمه الله. وكان من خبره فيما ذكر ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر،
(1/235)

فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب. فتقدم أبو بكر وكان رجلاً نسابة فسلَّم فردوا عليه السلام. فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: أمن هامها أو من لهازمها. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهلٌ الأكبر. قال: أفمنكم عوف الذي كان يقال: لا حرَّ بوادي عوفٍ؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطامٌ ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخمٍ؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهلاً الأكبر بل أنتم ذهلٌ الأصغر. فقام إليه غلامٌ من شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال:

إنَّ على سائلنا أنْ نسألهْ ... والعبءُ لا تعرفُه أوْ تحملَهْ
ثم قال: يا هذا إنك سألتنا فلم نكتُمك شيئاً. فمن الرجل أنت؟ قال: رجل من قريش. قال: بَخٍ بَخٍ أهلُ الشرف والرياسة. فمنْ أي قريش أنت؟ قال: من تيمِ بن مرة. قال: مكنت والله الرامي من صفاء الثغرة. أفمنكم قصيٌ بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى مجمعاً؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم:
(1/236)

الذي هشمَ الثريدَ لقومهِ ... ورجالُ مكةَ مسنتُون عجافُ؟
قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء، الذي كان وجهه قمراً يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال: لا. قال: أفمن المفضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: فاجتذب أبو بكر زمام ناقته فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال دغفلٌ:

صادفَ درءُ السيلِ دراءَ يدفعُهْ ... بهيضُه طوراً وطوراً يصدعُهْ
أما والله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو ما أنا بدغفل. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي: فقلت لأبي بكر: لقد وقعت من الأعرابي على باقعةٍ قال: أجل. إن لكل طامةٍ طامة، وإن البلاء موَكلٌ بالمنطق.
قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عله السكينة والوقار. فتقدم أبو بكر فسلم فردوا عليه السلام. قال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء عز في قومهم. وكان في القوم
(1/237)

مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق بن عمروٍ بارعاً جمالاً ولساناً. وكانت له غديرتان، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مجلساً. فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. قال: كيف المنعة فيكم؟ قال: علينا الجهد ولكل قوم جد. قال: وكيف الحرب فيما بينكم وبين عدوكم؟ قال: إنا أشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لنؤثر جيادنا على أولادنا، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله جل وعز، بديل لنا وبديل علينا. لعلك: أخو قريش. قال: إن كان بلغكم أنه رسول الله فهاهو هذا. قال: قد بلغنا أنه يقول ذاك. فإلى مَ تدعو يا أخا قريش؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أرسلني إلى خلقه. وإني أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني، فإن قريشاً ظاهرت عن أمر الله وكذبت أيضاً؟ فتلا (قلْ تعالوا أتلُ ما حرمَ ربكُمْ عليكمْ ألا تشرِكوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) .
قال: وإلى ما تدعو أيضاً؟ فتلا عليهم (إن الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكُم تذكرونَ) .
فقال مفروق بن عمروٍ: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم ظاهروا عليك وكذبوك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فتكلم
(1/238)

هانئ. فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك، وإنا نرى ترك ديننا واتباعك على دينك بمجلس واحد جلسته منا لم ننظر في أمرك ولم نتثبت في عاقبة ما تدعونا إليه زلة في الرأي وإعجالاً في النظر، والزلة تكون مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، قال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وكبيرنا وصاحب حربنا. فتكلم المثنى بن حارثة فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك فأما الجواب في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك فهو جواب هانئ بن قبيصة، وأما أن نؤويك وننصرك فإنا نزلنا بين صيرين من اليمامة والسمامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هذان الصيران؟ فقال: مياه العرب وأنهار كسرى. فأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول. وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حدثاً ولا نؤوى محدثاً، ولسنا نأمن أن يكون الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك مما يلي مياه العرب أويناك ونصرناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. وليس يقوم بدين الله جل وعز إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله أموالهم ويورثكم ديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذاك. قال فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً) (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) .
(1/239)

ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحذ بيدي وقال: يا علي! أي أحلام في الجاهلية بها يكف الله بأس بعضهم عن بعض ويتحاجزون في هذه الحياة الدنيا!

362 قولهم ما عند خيرٌ ولا مَيْر
الخير على وجوه. فالخير: المال ومنه قول الله جل وعز (وإنه لحبِّ الخيرِ لشديدٌ) فسره المفسرون: لحب المال لبخيل. والخير: الخيل، ومنه قوله جل وعز: (إني أحببتُ حبَّ الخيرِ عن ذكرِ ربي) أي الخيل. والخير: كل ما رزقه الله جل وعز الناس من متاع الدنيا، وهو الذي يراد في المثل. والميْرُ: ما جلب من الميرة وهو ما يتقوت ويتزود، فيراد أنه ليس عنده خير عاجل ولا يرجى منه أن يأتى بخير. ويقال: خرج فلان يمير أهله، وخرج يمتار لهم، إذا خرج يجلب لهم ما يحتاجون إليه. قال: الراجز:

قد يخلُف الميارَ ذا الجُوالقِ ... في أهلِه بأفلقِ الفلائقِ
صاحبُ إدهانٍ وألقٍ آلقِ

363 قولهم دوَّخْتُ البلاد
أي وطئتُها وذللتُها. ومنه قولهم: دوخني الحر أي كسرني وغلبني. ويقال: دخت للأمر أي ذللت له. وقال المسيب بن علس الضبعي:

فدوخوا عبيداً لأربابِكُم ... وإن ساءَكم ذاكُمُ فاغضبُوا
(1/240)

364 قولهم دعْه يَخيسُ
معناه: يفسد حتى لا يُنتفع به. وهو مأخوذ من قولهم: قد خاست الجيفة إذا بدأت تروحُ وتنِن.

365 قولهم قدْ حدسْتُ الأمر وأنا أحدِسُ
معناه: أظن ظناً أبلغ به غاية الشيء في عدد ووزنٍ. وهو مأخوذ من قولهم: بلغت الحداس، وهو الموضع الذي يُعدى إليه ويطلب لحاقه.
وقال الفراء: حدستُ وعكلتُ بمعنىً واحد، أحدس وأعكل إذا قلت برأيك.
وحكى: حدس الرجل صاحبه إذا صرعه. وأنشد:

بمُعتركٍ شطَّ الحبيَّا ترَى بِه ... من القومِ محدوساً وآخرَ حادسَاً
فيكون على هذا معنى حدست: أصبت.

366 قولهم القابِسُ العَجْلاَنُ
يراد به الذي لا يعرف. والقابس الذي يريد ناراً يشعلها في شيء معه. يقال: اقتبست من فلانٍ ناراً، وقبست منه، وأقبست فلاناً ناراً، وقبسته إذا أعطيته.
(1/241)

وكذلك أقبسته العلم بالألف أكثر ما يقال إذا أفدته إياه. والعجلان: المستعجل وقال النابغة:

أمنَ ألِ ميةَ رائحٌ أو مُغتدى ... عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزودِ
فيقول: هو غريب ولم يتلبث فأتفرس فيه فلم أعرفه ولم اقارب ذلك.

367 قولهم هو أجلُّ من الحرشِ
يضرب مثلاً في الآمر المستعظم الذي يكون أعظم مما يتخوف منه.
وأصل ذلك فيما تتحدث به العرب أن الضب قال لابنه: يا بني أحذر الحرش. فبينما هما في جحرهما إذا صوت فأسٍ يحفر به عنهم. يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بني هذا أجل من الحرش.
والحرش: هو أن يؤتى إلى باب جحر الضب بأسود من الحيات فيحرك عند فم الجحر، فإذا سمع الضب حس الأسود خرج إليه ليقاتله فيصاد.

368 قولهم هو آيةٌ
الآية: العلامة التي تدل على الشيء. فيراد أنه علامة فيما يوصف به يستدل بها عليه. وقال الله جل وعز في الآية، بمعنى العلامة: (قال ربِّ اجعل لي آيةً قال آيتكَ أنْ لا تكلمَ الناس) . فالمعنى والله أعلم اجعل لي آية أستدل بها على أنه يولد لي. قال: علامتك في ذلك أنك لا تقدر على أن تكلم الناس من غير خرس. وقال عمر بن أبي ربيعة:
(1/242)

بآيةِ أحجارٍ وخطٍ خططته ... لنا بطريق الغورِ والمتنجدِ
والآية أيضاً: المثل. فيراد به أنه يتمثل به في الشيء الذي ينسب إليه من خيرٍ أو شرٍ. وقال الله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آيةً) ، فكون المعنى والله أعلم أنهما مثل في كل ما يتعجب منه. وتكون أيضاً بمعنى العلامة، أي هما علامة ندل على قدرة الله جل وعز.

369 قولهم للشيء فتنةٌ من الفِتَن
الفتنة في هذا الموضع: النعمة واللذة. ومنه قول الله جل وعز: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيمٌ) . أي نعمةٌ تسرون بها وتلتذون بها ويكون أيضاً معنى الفتنة. المحنة والبلوى، أي تمتحنون بذلك ليعلم شكركم.

370 قولهم يمنعُ الماَعُونَ
الماعون في أشياء. فالماعون: الزكاة. ومنه قول الراعي:

قومٌ على الإسلامِ لمَّا يمنعُوا ... ما عُونَهُم ويكذِّبُوا التنزيلا
والماعون: ما يُنتفع به كالدلو والقدر وما أشبه ذلك.
والماعون: الماء بعينه. وأنشد الفراء نصف بيت:

يمجُّ صبيرُهُ الماعُونَ صبَّا
(1/243)

371 قولهم قدْ أجازَهُ السلْطَان
أصل الجائزة أن يعطى الرجل ما يجيزه ليذهب لوجهه. وكان الرجل إذا ورد الماء قال لقيمة: أجزني. أي أعطني ماء حتى أمضى لوجهي وأجوز عنك. ثم كثر ذلك حتى جُعلت الجائزة عطية، قال الراجز:

أقيِّمَ الماءِ فدتْكَ نفسي ... أحسِن جوازي وأقلَّ حبسي
وقال القطامي:

وقالوا فقيمٌ قيمُ الماءِ فاستجزْ ... عبادَةَ إنَّ المُستجيزَ على قُتْرِ

372 قولهم أقامُوا على فُلانٍ مأتماً
أصل المأتم: مجتمع النساء والرجال على كل حزنٍ أو فرحٍ. ثم كثر حتى صيروه في الموت خاصة، وقال ابن أحمر:

وكوماءَ تحبُوما تشايع ساقَها ... لدى مزهرٍ ضارٍ أجشَّ ومأتمِ
وقال ابنُ مقبل:

ومأتمٍ كالدُّمى حورٌ مدامعُها ... لمْ تبأَسِ العيش أبكاراً ولا عوناً
(1/244)

373 قولهم بيننا وبينك مسافةٌ
قال الأصمعي وغيره: أصل المسافة: أن الطريق كان إذا أشكل وأرادوا أن يعرفوا قدره وبعده شموا تربته، فعرف العالم بالطريق المعاود للسفر بعده من قربه. ويقال: ساف يسوف سوفاً، واستاف استيافاً: إذا شم. وقال امرؤ القيس:

على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِه ... إذا سافَهُ العودُ الديافي جرْجَرا
والعود: الجميل المسن. ضغا خوفاً من بعده، وإنما جعله عوداً لأنه أعلم بالطريق. وقال رؤبة:

إذا الدليلُ استأف أخلاقَ الطُرُق

374 قولهم ضغَا منِّي وهُوَ ضَغَّاءٌ
أصل الضغو في الكلب والثعلب إذا اشتد عليه أمرٌ عوى عواء ضعيفاً، فيقال: لذلك العُواء الضغو والضغاء. يقال: ضغا يضغو ضغواً وضغاء، ثم كثر ذلك حتى جعل لكل من عجز عن شيء.

375 قولهم الشحيحُ أعذرُ من الظالم
يقال: إن أول من قال ذلك عامر بن صعصعة. وكان جمع بنيه عند موته ليوصيهم فمكث طويلاً لا يتكلم، فاستحثه بعضهم، فقال: إليك يساقُ الحديث.
(1/245)

ثم قال: يا بني! جودوا ولا تسألوا الناس واعلموا أن الشحيح أعذر من الظالم، وأطعموا الطعام، ولا يستذلن لكم جارٌ.

376 قولهم جاء يضرب بأصدَرَيْه
هذا مما تغلط فيه العامة، لأن العرب إنما تقول: جاء يضرب أزدريه، إذا جاء فارغاً.

377 قولهم دخلَ في غُمارِ الناسِ
هذا أيضاً مما يغلطون فيه. والعرب تقول: دخل في خمارِ الناس، أي فيما يواريه ويستره منهم حتى لا يبين. وهو مأخوذٌ من خمر الوادي. وخمره: ما وارى من جرف أو شجرٍ أو غيره. ويقال: مكان خمر، إذا كان ذا خمر.
(1/246)

378 قولهم أكثِرْ من الصديقِ فإنك على العدوِّ قادرٌ
وقولهم: لا تكُنْ حُلواً فتزدرد ولا مُراً من افتُلْفَظ أول من قال هذين المثلين فيما زعم ابن الكلبي أبجر بن جابرٍ لعجلي. وكان من خبر ذلك: أن حجار بن أبجر كان نصرانياً فرغب في الإسلام، فأتى أباه فقال: يا أبه إني أرى أقواماً قد دخلوا في هذا الدين ليس لهم مثل قدمي ولا مثل آبائي فشرفوا، فأحب أن تأذن لي فيه. قال: يا بني إذا أزمعت على هذا فلا تعجل حتى أقدم معك على عمر فأوصيه بك. وإن كنت لابد فاعلاً فخذ مني ما أقول لك: إياك أن تكون لك همة دون الغاية القصوى. وإياك والسآمة، فإنك إن سئمت قذفتك الرجال خلف أعقابها. وإذا دخلت مصراً فأكثر من الصديق فإنك على العدو قادر. وإذا حضرت باب السلطان فلا تنازعن بوابه على بابه، فإن أيسر ما لقاك منه أن يعلقك اسماً يسبك به الناس، فإذا وصلت إلى أميرك فبوئ لنفسك منزلاً يجمل بك. وإياك أن تجلس مجلساً تقام منه، أو أن تجلس مجلساً يقصر بك. فإن أنت جالست أميرك فلا تجالسه بخلاف هواه، فإنك إن فعلت ذلك لم آمن عليك إن لم يعجل عقوبتك أن ينفر قلبه عنك، فلا يزال منك منقبضاً. وإياك والخطب فإنها مشوارٌ كثير العثار، وإياك أن تكون حلواً فتزدرد، ولا مراً فتلفظ واعلم أن أمثل القوم بقيةً الصابر عند نزول الحقائق، الذائد عن الحرم.
(1/247)

379 قولهم غافَصْتُ فلاناً
في المغافصة قولان: قال بعضهم: هي المواثبة. وقال بعضهم: المغافصة كالمفاجأة. وقال أبو دؤاد الإيادي يصف جيشاً:

ولنا مُغاقصةٌ تُوا ... لي بين منقصِد ورمحاً
يعني: كتيبةً. أي توالى بين رجلٍ مصروعٍ وهو المنقصدِ، ورمحاً أي ترمح رمحاً.

380 قلهم أمنَعُ من عقابِ الجوِّ
أول من قال ذلك عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وهو ابن أخت جذيمة الأبرش. ويقال ابن ابنته، وهو الذي يضرب به المثل، فيقال: كبر عمروٌ عن الطوق. وكان قصير مولى جذيمة الأبرش لما قتلت الزباء جذيمة أتى عمراً فأخبره خبر جذيمة وقتل الزباء إياه. ثم قال له: اطلب بثأرك. فقال عمروٌ: كيف وهي أمنع من عقاب الجو. فأرسلها مثلاً. فقال له قصيرٌ: لا تأبين علي في شيء فإني سوف أحتالك لك، فأعنى وخلاك ذمٌ. ثم طلب بثأره حتى أدركه.

381 قولهم ويلٌ للشحبيِّ من الخليِّ
الشجي: الحزين. والشجا، والشجو: الحزن. يقال: شجاه الهم يشجوه شجواً. وقال كثير عزة:
(1/248)

شجا أظعانُ غاضرة الغوادي ... بغيرِ مشيئة عرضاً فؤادي
ويقال: إن أصل الشجا: عظيم يعترى الحلق فيغص صاحبه بالطعام والشراب. وربما قتله. يقال: شجي الرجل يشجى شجاً: إذا أصابه ذلك. ثم كثر حتى صار الحزن شجاً، وقال سويد بن أبي كاهلٍ اليشكري:

ويراني كالشجَا في حلقِه ... عسراً مخرجُه ما يُنتزَعْ
والخلي: الذي ليس به حزن. فهو يعذل الشجي ويلومه فيؤذيه. ويقال: إن أول من قال ذلك فيما ذكر المدائني ومحمد بن سلام الجمحي: أكثم بن صيفي التميمي.
وكان من حديث ذلك أنه لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ودعا إلى الإسلام بعث أكثم بن صيفي ابنه حبيشاً فأتاه بخبره، فجمع بني تميم وقال: يا بني تميم لا تُحضروني سفيهاً، فإنه من يسمع يخل؛ إن السفيه يوهن من فوقه ويثبط من دونه. ولا خير في من لا عقل له. يا بني تميم: كبرت سني ودخلتني ذلة، فإذا رأيتم مني حسناً فأقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم. إن ابني شافه هذا الرجل "صلى الله عليه وسلم" مشافهة، وأتاني بخبره وكتابه، يأمر فيه بالمعروف، وينهي عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، ويخلع الأوثان ويترك لحلف بالنيران. وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو غليه، وأن الرأي ترك ما ينهي عنه. إن أحق الناس بمعونة محمد صلى الله عليه وسلم ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقاً فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته،
(1/249)

وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبلة، وسمى ابنه محمداً. فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخراً. طائعين قبل أن تأتوا كارهين. إن الذي يدعو غليه محمد لو لم يكن ديناً كان في أخلاق الناس حسناً. أطيعوني واتبعوا امرى اسأل لكم أشياء لا تنتزع منكم أبداً. إنكم أصبحتم أعز حي في العرب، أكثرهم عدداً وأوسعهم داراً، وإني أرى أمراً لا يجتنبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليلٌ إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئاً، وهذا أمرٌ له ما بعده. من سبق إليه غمر لعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاحتلاط عجز.
قال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم. فقال أكثم: ويلٌ للشجي من الخلي، والهفي على أمرٍ لم أشهده ولم يسبقني!! وقال المفضل بن محمد الضبي أو غيره: الشجي والخلي: رجلان. وأوا من قال ذلك لقمان بن عاد. وكان نزل بقبيلةٍ فأبصر ذات يوم امرأة قد انتبذت من بيوت الحي، فانبرى لها رجل، فمضيا جميعاً حتى انفردا، وذلك بحيث يرى لقمان ويسمع. فقالت المرأة للرجل: إني أتماوت على أهلي فإذا أسندوني في رحمي جئت فأخرجتني، وتنكرت فلم يعرفني أحدٌ. فقال الرجل: افعلي. وكان اسم الزوج الشجي، واسم الصديق الخلي، فقال لقمان: ويلٌ للشجي من الخلي. فأرسلها مثلاً.

382 قولهم حال الجرِيصُ دون القَرِيضُ
أول من قال ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي. وكان للنعمان بن المنذر يومان: يوم بؤس لا يلقي فيه أحداً إلا قتله، ويوم سعدٍ لا يلقي فيه أحداً إلا حباه، فمر به عبيد في يوم بؤسه فابتدرته الخيل فعرفوه. فقالوا له: ما كنت تصنع يا عبيدها هنا اليوم؟
(1/250)

قال: ولم؟ قالوا: هذا يوم بيئس. وأقبلوا به إلى النعمان، فلما أتاه قال: أبيت اللعن، أتتك بحائن رجلاه. فذهبت مثلاً. فقال له النعمان: أوحين وافق إناه. وعرفه النعمان وكره مكانه ورق له. فقال: أنشدني قولك:

أقفر من أهلِه ملحُوبُ ... فالقطبيَّاتُ فالذنوبُ
فقال عبيد:

أقفرَ من أهلِه عبيدُ ... فاليوم لا يُبدي ولا يعيد
فقال النعمان: أنشدني قولك:
أقفرَ من أهلهِ ملحُوب
فقد كانت تُعجبني من شعرك. قال: حال الجريص دون القريض.
والجريض: الغصص بالريق، وذلك يكون عند الموت. يقال: هو يجرص بريقه إذا تغصص به. فأمر النعمان بقتله.
ويقال إن أول من قال: حال الجريض دون القريض، حابس بن قنفذ الكندي. وكان أبوه قنفذ اشعر قومه. ولم يكن يولد له ولد ذكرٌ إلا قتله خوفاً أن يقول الشعر فيفوقه. فولد له غلام، فطلبت إليه أمه أن يتصدق به عليها. فقال: أخاف أن يقول الشعر. فضمنت له ألا يقول بيتاً. فوهبه لها. وأدرك الغلام فانفجر عليه الشعر فنهته أمه وعلمته أنه إن قرض بيتاً واحداً قُتل. فامتنع من القول، فأمرضه فمه بذلك. فلما اشتد مرضه دخل عليه أبوه فسأله عن سبب مرضه، فقال: شعر كثير خفتك أن أتكلم به. فقال له أبوه: قل ما شئت. فقال حابسٌ: حال الجريض دون القريض. فذهبت مثلاً، ثم أنشأ يقول:
(1/251)

أتأمرني وقد مُنيت وفاتي ... بأبياتٍ أحبِّرُهنَّ منِّي
فلاَ تجزَعْ عليَّ فإنَّ يومي ... ستلقَى مثله وكذاك ظني
فأُقسم لو بقيتُ لقلتُ شعراً ... أفوقُ به قوافي كل جني
ثم مات.

383 قولهم يجدِّك لا بِكَدِّك
أول من قال ذلك: حاتم بن عميرة الهمداني، وكان بعث ابنيه الحسل وعاجبة في تجارة. فلقى الحسل قوم من بني أسد فأخذوا ماله وأسروه. وسار عاجبة أياماً ثم وقع على مالٍ في طريقه من قبل أن بلغ إلى موضع متجره فأخذه ورجع، وقال في ذلك:

كفاني اللهُ بُعدَ السيرِ إنِّي ... رأيتُ الخيرَ في السفرِ القريبِ
رأيتُ البعدَ فيه شقاً ونأىٌ ... ومتلفُ كلّ منفردٍ غريبِ
فأسرعتُ الإيابَ بخيرِ حالٍ ... إلى حوراءَ خرعبَةٍ لعُوبِ
فإني ليس يثنيني إذا ما ... رحلتُ سُنوحُ شحاجٍ نَعُوبِ
فلما رجع تباشر به أهله وانتظروا الحسل. فلما جاء إبانة الذي كان يجيء فيه ولم يرجع رابهم أمره. وبعث أبوه أخاً له يقال له شاكر ف طلبه والبحث عنه.
فلما دنا شاكرٌ من الأرض التي بها الحسل، وكان الحسل عائفاً يزجر الطير، فقال:

تُخبرني بالنجاةِ القطَا ... وقولُ الغُرابِ بها شاهِدُ
تقول ألاَ قدْ دنَا نازحٌ ... فداءٌ له الطارِفُ التَّالِدُ
(1/252)

أخٌ لم تكنْ أمنا أمه ... وكان أبانا أبٌ واحدُ
تداركني رأفةً حاتمٌ ... فنعمَ المريبُ والوالدُ
ثم إن شاكراً سأل عنه فأخبر بمكانه فاشتراه منهم. فلما رجع به، قال أبوه: اسعَ بجدك لا بكدك. فذهبت مثلاً.

384 قولهم كلُّ فتلةٍ بأبيها مُعجبَة
أول من قال ذلك: العجماء بنت السعدية علقمة. وكانت خرجت وثلاث نسوة من بني سعد في ليلة طلقةٍ ليتحدثن، فأتين روضة، فلما اطمأن بهن المجلس أخذن في الحديث فقلن: أي النساء أفضل؟ قالت إحداهن: خير النساء الخريدة الودود الولود. قالت الأخرى: بل خير النساء ذات الغنى، وطيب النثا وحسن الحيا.
فالت الأخرى: خير النساء الشموع الجموع، الحصان القنوع. قالت الأخرى: بل خيرهن الجامعة لأهلها، المانعة الرافعة الواضعة.
قلن: فأي الرجال خير؟ قالت إحداهن: الحظي الرضى القنوع، غير الحظال ولا التبال. قالت الأخرى: بل خر الرجال الوطي السني، الذي يكرم الحرة ولا يجمع الضرة. قالت الأخرى: بل خير الرجال الغني المقيم، الراضي لا يلوم. قالت الأخرى: وأبيكن إن في أبي لنعتكن. قالت العجماء: كل فتاة بأبيها معجبة.
الحظال: الشديد الغيرة. يقال: قد حظل على امرأته.
(1/253)

385 قولهم فُلان فاتِكٌ
اصل الفتك: أن يأتي الرجل رجلاً غاراً لا يعلم أنه يريد قتله فيقتله. وكذلك إذا كمن له في موضع لا يعلم به ليلاً أو نهاراً فإذا وجد غرته قتله. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "قيد الإيمان الفتك، لا يفتك مؤمن". ثم كثر استعمالهم إياه حتى صار الإقدام على الأمور العظام فتكاً. ومن ذلك قول خوَّاتٍ صاحب ذات النحيين:

فشدَّتْ على النحيين كفّاً شحيحةً ... على سَمنها والفتكُ من فعلاتي
ولم يقتلها. والقتل ثلاثة أنواع: الفتك، وقد مر وصفه. والغيلة: وهو أن يخدع الرجل الإنسان حتى يصير إلى موضعٍ يستخفى له ثم يقتله. والغدر: وهو أن يعطيه الأمان ثم يقتله.

386 العَجَبُ كلَّ العجَب بين جُمادى ورجَب
أول من قال ذلك عاصم بن المقعر الضبي، وكان أخوه أبيدة علق امرأة الخنيفس بن خشرم الشيباني، وكان الخنيفس أغير أهل زمانه وأشجعهم. وكان أبيدة عزيزاً منيعاً. فبلغ الخنيفس أن أبيدة قد مضى إلى امرأته، فركب الخنيفس فرسه وأخذ رمحه وانطلق يرصد أبيدة. فأقبل أبيدة راجعاً إلى قومه قد قضى حاجته وهو يقول:
(1/254)

ألا إنَّ الخنيفسَ فاعلمُوه ... كما سمَّاهُ والدُه اللعينُ
بهيمُ اللونِ محتقرٌ ضئيلٌ ... لئيماتٌ خلائقُه ضنينُ
أيُوعدُني الخُنيفسُ من بعيدٍ ... ولما ينقطع منهُ الوتينُ
لهوتُ بجارتيهِ وحادَ عنِّي ... ويزعُم أنه أنِفٌ شفونُ
فسدد إليه الخنيفس رمحه، فقال له أبيدة: أذكرك خشرم. قال: وحرمة خشرم لأقتلنك. قال: فأمهلني حتى أستلئم. قال: أو يستلئم الحاسر؟! فقتله وقال:

أيابنَ المقشعرِّ لقيتَ ليثاً ... لهُ في جوف أيكتِه عرينُ
تقول صددتُ عنك خناً وجُبْناً ... وإنك ماجدٌ بطل متينُ
وإنك قد لهوتَ بجارتينا ... فهاكَ أبيدَ لاقاكَ القرينُ
ستعلَم أينَا أحمَى ذماراً ... إذا قصرُت شمالُك واليمينُ
لهوتَ بها فقد بدلتَ قبراً ... ونائحةً عليكَ لها رنينُ
فلما بلغ نعيه أخاه عاصماً لبس أطماراً له، وركب فرسه، وتقلد سيفه. وذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وبادر قتله قبل دخول رجب، لأنهم كانوا لا يقتلون في رجبٍ أحداً. فانطلق حتى وقف بفناء خباء الخنيفس فنادى: يا ابن خشرم أغِثِ المُرهق وطالما أغثتَ. فقال: ما ذاك؟ قال: رجل من بني ضبة غصب أخي امرأته وشد عليه فقتله وقد عجزت عنه. فأخذ الخنيفس رمحه وخرج معه حتى انطلقا إلى موضعٍ بعد فيه عن قومه. فلما علم عاصم أنه قد بعد دنا منه حتى قاربه، ثم قنَّعه بالسيف فأطار رأسه، وقال: العجب كل العجب بين جمادى ورجب. فأرسلها مثلاً. ورجع إلى قومه.
(1/255)

387 قولهم هو يَتَذَمَّرُ
أي يتوعد ويتنكر. ويقال: تذمر علي، وتنمَّر علي، وتنكر لي، بمعنى واحد، وذلك إذا أوعدك. والذمر: الرجل الخبيث.

388 قولهم فتىً مُقذَّذ
المقذذ: النظيف المتزين التام الهيئة. مأخوذ من السهم المقذذ. وهو الذي قد جعلت له القذذ، وهي ريه، الواحدة قذة. وإنما يقذذ بعد أن يستوى بريه وتثقيفه، فشبه الفتى لتمام هيئته وحسن زيه بالسهم الذي قد تم إصلاحه.

389 قولهم جاءَ فلانٌ مُهْرباً
أي يعدو عدواً شديداً، ويقال: أهرب فلان، وألهب، وأهذب، وأحضر، وأحصف، بمعنى واحد.

390 قولهم في النداء على الباقلي شرقُ الغَدَاة طَرِى
أي قطع الغداة. ويقال: شرقت الثمرة إذا قطعتها، ومنه ما روى عنالنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: أنه نهى أن يُضحى بشرقاء أو خرقاء أو مقابلة أو مدابرة. فالشرقاء: المشقوقة الأذن باثنين. والخرقاء: التي تثقب أذنها ثقباً مستديراً. والمقابلة:
(1/256)

التي يقطع من مقدم أذنها شيء ثم يترك معلقاً لا يبين كأنه زنمة. والمدايرة: أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن. وكل ذلك في الغنم.

391 قولهم أَسْكَت الله نأمته
قال الفراء: النأمة: مهموزة خفيفة: الصوت، وهو من النئيم وهو الصوت.
وقال الأصمعي: هي النامة مشددة غير مهموزة، وهي ما بنم عليه من حركته.
والأول أحب إليّ.

392 قولهم إنما هم أكلة رأس
يراد بذلك القلة، أي عدتهم عدة يسيرة، رأس يشبعها. والعامة تغلطُ في ذلك فتقول: أكلةُ رأسٍ بتسكين الكاف.
وأول من قال ذلك طريف بن تميم العنبري. وكان من حديثه فيما ذكر أبو عبيدة قال: كانت الفرسان إذا كان أيام عكاظ في الشهر الحرام أمن بعضهم بعضاً فتقنعوا كيلا يعرفوا. وكان طريف ابن تميم، ويقال ابن عمرو، لا يتقنع كما يتقنعون، فوافى عكاظ وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قد قتل قبل ذلك شراحيل أحد بني أبي ربيعة بن ذهل بن شبيان بن ثعلبة. فقال حمصيصة أحد بني شيبان: أروني طريفاً، فأروه إياه. فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر؟ قال: أتوسمك لأعرفك، فإن لقيتك في حرب
(1/257)

فلله عليَّ أن أقتلك، إلا أن تقتلني. فقال طريف في ذلك:

أوَ كلَّماَ وردتْ عُكاظَ قبيلةٌ ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسَّمُ
فتوسَّموني إنَّني أنا ذاكم ... شاكٍ سلاحي في الحوادثِ معلمُ
تحتي الأغرُّ وفوقَ جلدي نثرةٌ ... زغفٌ تردُّ السيفَ وهوَ مثلَّمُ
قال: فمضى لذلك ما شاء الله. ثم إن عائدة وهم يقولون إنهم من قريش يقال لها عائذة بن لؤي بن غالب، وهم حلفاء لبني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان خرج منهم رجلان يتصيدان، فعرض لهما رجل من بني شيبان ثم أحد بني هند، فذعر صيداً لهما فوثبا عليه فقتلاه. فتنادت بنو مر بن ذهل فأرادوا قتلهما بصاحبهم. فمنعهما بنو أبي ربيعة. فقال هاني بن مسعود: يا بني أبي ربيعة! إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم. قال: فاعتزلتهم بنو أبي ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له مبايض، فقال مقاس العائذي، واسمه مسهر بن عمرو:

تطلبُ هندٌ غزالاً ليسَ تدركهُ ... يا هندُ إنَّ غزال الفرصةِ الأسدُ
قال: فلما نزلت بنو أبي ربيعة بمبايض هرب عبد لبعض بني أبي ربيعة، فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حياً حريداً من بني بكر بن وائل قد نزلوا على مبايض، وهو بنو أبي ربيعة. فأرسلوا رسلاً يعلمون لهم ذلك. فإذا الأمر على ما قال. فقال طريف: هؤلاء من كنت أبغي يال تميم. إنما هم أكلةُ رأس.
فأقبل في بني عمرو بن تميم واستعزى قبائل من بني تميم، فأتاه أبو الجدعاء أخو بني طهية فيمن تبعه من بني حنظلة، وأتاه فدكى بن أعبد فيمن تبعه من بني سعد بن زيد مناة، فأقبلوا متساندين، حتى إذا كانوا قريباً منهم باتوا ليصبحوهم بالغارة، فبصرت بهم أمة كانت ترعى لرجلٍ من بني عائذة يقال له شمر بن أحمر، فقالت لمولاها: رأيت بالدَّوَّ نعماً كثيراً. فقال: يا بني أبي ربيعة من أي
(1/258)

الوجوه سرح نعم عباد بن مسعود؟ قالوا: من هذا الوجه: خلاف الوجه الذي جاءت منه الجارية. فقال: يا هؤلاء، قدو الله جاءتكم بنو تميم فارتؤوا رأيكم فانظروا في أمركم.
فاجتمعوا إلى سيدهم هانئ بن مسعود فقال لهم: أطيعوني اليوم وإلا انتحيت على ظبة سيفي. فقالوا: قل خلاف عليك قال: احتملوا. فاحتملوا فأصبحوا على ظهرٍ. ثم قال: لا يتخلفن عني أحد يطيق حمل السلاح. فأتوه فأتى بهم إلى علم مبايض معه، فأقام بهم عليه. ثم أمرهم فشرقوا بالأموال والسرح. قال: وصبحتهم بنو تميم وقد حذروا. فمر بهم رجل من تيمم فعرض النزال فنازله أحم المناسم، وهو نعمان بن عمرو بن قيس بن مسعود، فقتله. فقال طريف: أطيعوني يا بني تميم وافرغوا من هؤلاء إلا كلب يصف لكم ما وراءهم. فقال أبو الجدعاء وفدَ كي: أنقاتل أكلباً أحرزوا أنفسهم وندع أموالهم؟! ما هذا برأي. وخالفوه. وقال هانئ لأصحابه: لا يقاتلنَّ رجلٌ منكم.
ومضت بنو تميم حتى لحقت بالنعم والعيال، فقال رجل من بني تميم ولحق غلامين من بكر بن وائل على جمل فقال: من أنتما؟ فقالا: ابنا هانئ. فقال: ناولاني أيديكما. فأبى قبيصة، وناوله عامر يده فضبطها وغمز فرسه فاقتلعه عن الجمل، وقال: يكفيني هذا من الغنيمة. فمضى به قبل القتال، وأخذ جارية من بني عبد الله أبي ربيعة، وهانئ ينهي أصحابه ويكفهم عن القتال.
وصارت بنو تميم في النعم والعيال. وكان أول ما مر به عليهم وهم في علم مبايض حمولة عباد بن مسعود ونعمه وفيها أهله وبناته وحرمه. فقال لهانئ: والله لتأذننَّ لي في القتال أو لأفجرنَّ. قال: فقال هانئ: قد أذنت لك ولأبنتك ولست آذن لغيركم فنزلوا فاعترضوا القوم. قال هانئ بن مسعود ونظر إلى سعد بن عباد فقال: والله إنه لتسرني من ابن أخي خصلة وتسوءني أخرى، يسرني شدة متنيه ويسوءني جفاء مرفقيه. وقال عباد لأبنيه: لا تنظرا حيث يقع السلاح منكما وانظرا حيث تضعان من الرجل سلاحكما. قال: فأول من لقوا أبو الجدعاء الطهوي وهو يسوق حمولة عباد وأهله، وهو في ستة من ولده، ولحق بعباد ابنان آخران له فكان في أربعة قال سعد بن عباد: فاعترضت أبا الجدعاء فجعلت عليه عيني، وأقبل
(1/259)

تحوي معه سنان كأنه شعلة نارٍ، فمار السنان بين عضدي ودفي، فذكرت وصية أبي، ورأيت فتقاً في الدرع من تحت لبته فأطعنه في ذلك الموضع طعنة فخرج منها مثل الجر والأعنق بين كتفيه، وخر ميتاً. فأذن هانئ في القتال للناس، فانحدروا فاعترضوا بني تميم وقد تشاغلت تميم بالغنائم.
قال: وأقبل حمصيصة بن جندل وليس له هم غير طريف. فلما رآه قال: أذكر يمينك. وطعنه حمصيصة فقتله. وانهزمت بنو تميم. فقال ابن مبارد أخو بني ربيعة في ذلك، ويقال: بل قاله أبو النجم العجلي:

خاضَ العداةَ إلى طريفٍ في الوغى ... حمصيصةُ المغوارُ في الهيجاء
وقال حمصيصة يرد على طريف قوله:

أوَ كلَّما وردت عكاظَ قبيلةٌ ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسَّمُ
ولقد دعوتَ طريفُ دعوة جاهلٍ ... سفهاً وأنتَ بمنظرٍ قد تعلمُ
فأتيتَ حيّاً في الحروبِ محلُّهم ... والجيشُ باسم أبيهمُ يستهزمُ
فوجدتَ قوماً يمنعون ذمارهم ... بسلاً إذاهابَ الفوارسُ أقدموا
وإذا دعوت بني ربيعةَ أقبلوا ... بكتائبٍ دونَ النساءِ تلملمُ
سلبوك درعاً والأغرّ كليهما ... وبنو أسيَّدَ أسلموك وخضَّمُ

393 قولهم رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ
أول من قال ذلك امرؤ القيس بن حجر في بيت له:

وقدْ طوَّفتُ في الآفاقِ حتَّى ... رضيتُ من الغنيمة بالإياب
(1/260)

294 قولهم لا جرم لقد كان كذا
قال الفراء: لا جرم كلمة كانت في الأصل والله أعلم بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقاً لأفعلن، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، لا جرم لقد أحسنت، فتراها بمنزلة اليمن؟! وكذلك فسره المفسرون في قول الله جل وعز (لا جرمَ أنَّهمْ في الآخرةِ هم الأخسرون) أي حقاً، في الآخرة هم الأخسرون. قال: وأصلها من جرمت أي كسبت. وأنشد:

ولقد طعنتَ أبا عيينةَ طعنةً ... جرمتْ فزارةَ بعدها أنْ يغضبوا
أي كسبتهم الطعنة أن يغضبوا.
وفيها ثلاث لغات: فبنو فزارة يقولون: لا جرم أنك قائم. ومن العرب من يصلها من أولها بذا فيقول: لا ذا جرم: وأنشد:

إنَّ كلاباً والدي لاذا جرمْ ... لأهدرنّ اليومَ هدراً كالصرمْ
هدر المعنَّى ذي الشقاشيق اللَّهم
وحكى غير الفراء لاذا جرم، ولا أن ذا جرم، ولا ذو جرم.
(1/261)

395 قولهم إيها
معناه نعم. وأصل ذلك أن العرب تقول: أي ها الله، يصلون أي ومعناها نعم يها الله، ثم كثر في كلامهم حتى وصلوا أي بحرف من ها الله.
وقال الفراء: العرب إذا كثر الحرف على ألسنتها وعرفوا معناه حذفوا بعضه لأن من شأنهم الإيجاز، من ذلك قولهم: اللهم، كان أصله والله أعلم يا الله أمنا بخير، ثم كثر حتى وصلوا الله بحرف من أمنا. وقال الله تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل أي وربي أنه لاحق) بمعنى نعم أنه لحق.

396 قولهم لن يهلك امرؤ عرف قدره
يقال: أول من قال ذلك أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيئ. كتب إليهم: أوصيكم بتقوى الله جل وعز وصلة الرحم. وإياكم ونكاح الحمقاء فإن نكاحها غرر وولدها ضياع. وعليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل إلا في حقها، فإن فيها مهر الكريمة ورقوء الدم، وبألبانها
(1/262)

يتحف الكبير ويغذى الصغير. ولو الإبل كلفت الطحن لطحنت. ولن يهلك امرؤ عرف قدره، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هلك امرؤ عرف قدره". والعدم عدم العقل لا عدم المال. ولرجل خير من ألف رجل. ومن عتب على الدهر طالت معتبته، ومن رضى بالقسم طابت معيشته. وآفة الرأي الهوى.
والعادة أملك. والحاجة مع المحبة خير من البغضة مع الغنى. والدنيا دول، فما كان لك أتلك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك. والحسد داء ليس له دواء.
الشماتة تعقب، ومن ير يوما ير به. وقبل الرمي تملأ الكنائن. الندامة مع السفاهة.
دعامة العقل الحلم، خير الأمور مغبة الصبر. بقاء المودة عدل التعاهد، من يزر غباً يزدد حباً. التعرير مفتاح البؤس، من التواني والعجز نتجت الهلكة. لكل شيء ضراوة فضر نفسك بالخير. عى الصمت أحسن من عى المنطق، الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. كثير التنصح يهجم على كثير الظَّنَّة. من ألحف في المسألة ثقل، من سأل فوق قدره استحق الحرمان. الرفق يمن والحرق شؤم. خير السخاء ما وافق الحاجة. خير العفو ما كان بعد القدرة.

397 قولهم مقتل الرجل بين فكيه
أول من قال ذلك أكثم بن صيفي في وصية لبنيه وكان جميعهم فقال:
(1/263)

تباروا فإن البرَّ ينمى عليه العدد، وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه، إن قولي الحق لم يدع لي صديقاً، والصدق منجاة، ولا ينفع مما هو واقع التوقي، وفي طلب المعالي يكون الغني، والاقتصاد في السعي أبقى للجمام. من لم يأس على ما فاته ودع بدنه، من قنع بما هو فيه قرت عينه. التقدم قبل التندم. أصبح عند رأسٍ أحب إلي من أن أصبح عند ذنب. لم يهلك من مالك ما وعظك. ويل لعالم أمر من جاهلة. يتشابه الأمر إذا أقبل. فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق. البطر عند الرخاء حمق، والعجز عند أفن. لا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير.
لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه. تناءوا في الديار ولا تباغضوا، فإنه من يجتمع تتقعقع عمده. ألزموا النساء المهانة، فنعم لهو الحرة المغزل. حيلة من لا حيلة له الصبر. غن تعش تر ما لم تره. المكثار كحاطب الليل. من أكثر أسقط لا تجعلوا سراً عند أمة.
(1/264)

398 قولهم من لك بأخيك كله
(أ) وكل ما هو آت قريبٌ (ب) من مأمنه يؤتى الحذر (ج) واسع بجد أو دع (د) وإن مع اليوم غداً (هـ?) والحزم سوء الظن (و) ولا تحمدن أمة عام شرائها، ولا حرة عام هدائها (ز) ورب قول أنفذ من صول (ح) والحر حرٌّ وإن مسه الضرُّ (ط) ورب عجلة تهب ريثاً (ي) ومن استرعى الذئب ظلم (ك) وحسبك من شر سماعه (ل) وحسبك ما بلغك المحل (م) والجزاء بالجزاء والبادئ أظلم.
هذا كله يقال إن أكثم بن صيفي أول من قاله.

399 قولهم وأطيت فلاناً على ذلك
إنما هو وأطات فلاناً بالهمز، أي وافقته على ذلك. والمواطأة: الموافقة، ومنه قول الله
(1/265)

جل وعز (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوفقوا عدة الشهور التي حرم الله، فإذا أحلوا شهراً مكانه شهراً لتكون العدة سواء.
وكانت العرب في الجاهلية تتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم فتشق عليهم، فكانوا يولون الموسم رجلاً يسمعون له ويطيعون، فإذا أرادوا الصدر عن الحج قام فقال: أنا الذي لا أحاب ولا أعاب. فيقال له: صدقت. أنسئنا شهراً. يريدون أخر عنا حرمة المحرم إلى صفر وأحل المحرم. فيفعل ذلك. وإنما يدعوهم إلى ذلك توالى ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها، وإنما كان معاشهم من الإغارة، فكان يحل لهم المحرم ويحرم عليهم صفراً عاماً، فإذا كان العام الآخر أعاد تحريم المحرم وأحل صفراً. ولم يكونوا يفعلون ذلك في كل عام.
فلما كان العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وافق حجه العام الذي كانوا يحرمون فيه المحرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض فاحفظوا العدة".

400 قولهم ليس لما تفعل طعمٌ
الطعم: اللذة والمنزلة من القلب. وقال أبو خراش الهذلي:
(1/266)

وأغتبقُ الماءَ القراح وأجتزى ... إذا الزَّادُ أمسى للمزلَّجِ ذا طعمِ
أي ذا منزلة من قلبه ولذة عنده. وقال آخر:

ألا منْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضى ... شقاها ولا تحياَ حياةً لها طعمُ
أي لها لذة.

401 قولهم رزمةُ الثياب
قال الأصمعي وغيره: إنما قيل لها رزمة لما كان فيها ثياب مختلفة، وهو مأخوذ من قولهم: قد رازم طعامه إذا سمنا وزيتا وغير ذلك. ويقال: رازمت للدابة إذا خلطت له، وقال الراعي:

كلى الحمضَ بعدَ المقحمين ورازمى ... إلى قابلٍ ثم أعذرى بعدَ قابل

402 قولهم قد دمدم عليه
معناه أن يتكلم وهو مغضب. وأصل الدمدمة: الغضب، ومنه قول الله جل وعز (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها) أي غضب عليهم. والله أعلم.
(1/267)

403 قولهم ليس الخبر كالمعاينة
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أول من قال ذلك. وكذا عنه أنه أول من قال: "يا خيل الله أركبي" وكذا: "مات حتف أنفه" وكذا: "الآن حين حمى الوطيس".

404 قولهم تشاجرا في كذا، ووقع بينهم مشاجرة
معناه: اختلاف. وتشاجر القوم أي اختلفوا. وشجر بينهم القول أي أختلف، ومنه قول الله جل جلاله (حتى يحكموك فيما شجر بينهم) أي فيما اختلف من القول ويقال: شجر بين رجليه إذا خالف بينهما، وقال لبيد:

405 قولهم رشقني بكلمة
أي رماني بكلمة: وأصل الرشق: الرمي بالسهم. يقال: رشقت رشقاً أي رميت. والرشق، بالكسر: الوجه من الرمي. يقال: رمينا رشقا أو رشقين. والرشق أيضاً: السهام التي يرميها في الوجه من الرمي. وقال أبو زبيد الطائي يصف المنية:

كلّ يومٍ ترميه منها برشقٍ ... فمصيبٌ أو صافَ غيرَ بعيدِ
(1/268)

406 قولهم صمت ألفاً ونطق خلفاً
صمت يصمت مثل سكت يسكت. ومعنى قولهم: صمت ألفاً أي صمت في موضع ألف كلمة كان ينبغي أن يتكلم بها. ويقال: يراد به صمت ألف يوم.
والخلف: الردئ من القول. وقال ابن الإعرابي: كان إعرابي مع قوم فحبق فلم يتشور وأشار بإبهامه نحو أسته وقال: إنها خلف نطفت خلفاً. ويقال: ترك فلان خلف سوء. الواحد والجمع فيه سواء. قال الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) وقال لبيد:

ذهب الَّذين يعاشُ في أكنافهمْ ... وبقيتُ في خلف كجلدٍ أجربِ

407 قولهم رزت ما عند فلان
أي طلبت ما عنده وأردته. وقال أبو النجم يصف البقر وطلبها الكنس من الحر:

إذْ رازت الكنسَ إلى قعورها ... واتَّقتِ اللاَّفحَ من حرورها
أي طلبت الظل في قعر الكنس.

408 قولهم استعرت من فلانٍ كذا
قال الأصمعي: العارية: تحويل الشيء من موضع إلى موضع. ومعنى أعرني ثوبك أي حوله إليَّ. وأنشد لأبي النجم في صفة قانصٍ في يده سهم:
(1/269)

وفي اليدِ اليمنى لمستعيرها ... شهباء تروي الريشَ من بصيرها
يعني أنه حول المعبلة من الكنانة إلى يده اليمنى وهي الشهباء، وانشد للعجاج:

وإن أعارت حافراً معارا ... وأباً حمتْ نسوره الأوقارا
يعني حولته، أي رفعته ووضعته.

409 قولهم قد بلح في يدي غريمي
أي ليس بقى عنده شئ يقضيني. وأصل ذلك من قولهم: بلحت الركية إذا ذهب ماؤها. وبلح الفرس: إذا انقطع جريه. وقال متمم بن نويرة.

ونَّجاك منَّا بعدَ ما ملتَ جانبا ... ورمتَ حذارَ الموتِ كلَّ مرامِ
ملحُّ إذا بلَّحنَ في الوعثِ لا حقٌ ... سنابك رجليه بعقد حزامِ

410 قولهم حاشى فلاناً
أي استثنيت فلاناً وتركته. ويقال: هو يتحاشى كذا أي يتركه. وقال العكلى:

ولا يتحشَّى الفحلَ إنْ أعرضتْ به ... ولا يمنحُ المرباعَ منه فصيلها
ويروى ولا يتحاشى أي لا يدعه أن يعقره إن أنقت النوق به. وقال النابغة:

ولا أرى فاعلاً في النَّاسِ يشبهه ... وما أحاشي من الأقوامِ منْ أحدِ
إلا سليمان إذ قالَ الإلهُ لهُ ... قمْ في البريَّة فاحددها عن الفندِ
(1/270)

411 قولهم صمَّم على كذا
أي عزم عليه ومضى على رأيه فيه. وقال حميد بن ثور:

وحصحصَ في صمَّ الصفا ثفناته ... ورامَ بسلمى: أمرهُ ثمَّ صممَّا

412 قولهم لا حيتُ فلاناً في كذا وبيننا ملاحاة
الملاحاة: الممانعة والمدافعة، قال الأصمعي: وأصله الملاومة والمباغصة، ثم كثر حتى صارت كل ممانعة ومدافعة ملاحاة ولحاء. وقال أبو النجم يصف إبلا:

ولاحتِ الرَّاعيَ عن درورها ... مخاضها إلاَّ صفايا خورها
وقال حسان بن ثابت يصف خمرة:

نولَّيها الملامة إن ألمناَ ... إذا ما كانَ مغثٌ أو لحاءُ

413 قولهم تسببتُ بكذا وبيني وبينه سببٌ
أي وصلة من المودة وغيرها. وقال الله جل وعز: (وتقطعت بهم الأسباب) وكل ما جر مودة أو غيرها فهو سبب، وهو الحبل يشد في الشيء يجذب به، ولا يقال للحبل سبب حتى يكون في شيء يجذبه. وقال النابغة الذبياني:

وقال الشامتون هوى زيادٌ ... لكل منيَّةٍ سببٌ مبين
(1/271)

414 قولهم تأنيتُ فلاناً
معناه انتظرته ورفقت به. قال: وأصل التأني: التأخير. ويقال: آنيت عشائي أي أخرته، وقال الحطيئة:

وآنيتُ العشاءَ إلى سهيل ... أو الشعري فطال بي الأناءُ
وأنشدنا اليمامي:

لا يوحشنَّك منْ كريمٍ نبوةٌ ... ينبو الفتى وهوَ الجوادُ الخضرمُ
فإذا نبا فارفقْ به وتأنَّهُ ... حتَّى يعودَ به الطَّباعُ الأكرمُ
ويقال: غن خير فلان لأنى، أي بطئ، وقال تميم بن مقبل:

ثم احتملن أنيّاً بعد تضحيةٍ ... مثل المخاريف من جيلان أو هجر

415 قولهم مالي في الأمر دركٌ
أي منزلة ومرتقى. والدرك: المرقاة. قال الله جل وعز: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) وحكى الفراء: أجمل في رشائك دركاً: وهو حبل قنب يشد في العراقي، ويشد فيه الرشاء لئلا يبتل، فيكون المعنى: مالي فيه منفعة ولا مدفع عن مضرة.
(1/272)

416 قولهم تجشمت كذا
أي تكلفته على مشقة. يقال: تجشمت كذا وجشمته، والاسم الجشم. وقال المرار بن سعيد الفقعسى:

يمشين هوناً وبعدَ الجهدِ منْ جشمٍ ... ومنْ حياءٍ غضيضِ الطَّرف مستورِ

417 قولهم هو أبو البدوات
أي الآراء التي تبدو، أي تظهر له. والواحدة بداة.
وهذه الكلمة كانت العرب تمدح بها فيقال: هو ذو بدوات، أي آراء يراها ولا يراها غيره. وانشد الفراء:

والأمرُ ذو بدواتٍ ما يزالُ لهُ ... بزىءُ يعياَ بها الجثامةُ اللُّبدُ

418 قولهم شربنا على الخسفِ
أي على غير أكل. وأصل ذلك من قولهم: بات الدابة على الخسف، أي
(1/273)

على ذلك علفٍ، وكذلك بات القوم على الخسف، أي جياعاً على غير شيء يتقوتونه.
وأنشد الأصمعي وغيره:

بتنا على الخسفِ لا رسلٌ نفاتُ به ... حتَّى جعلنا حبالَ الرَّحلِ فصلانا
والرَّسل: اللبن.
والخسف في غير هذا: الهوان. ويقال: أقام فلان على الخسف إذا صبر على الذل والمهانة. وقال ابن كلثوم:

إذا ما الملكُ سامَ النَّاسَ خسفاً ... أبينا أنْ يقرَّ الخسفُ فينا
وقال المتلمَّس:

ولا يقيمُ على خسفٍ يقرُّ بهِ ... إلاّ الأذلاَّنِ عيرُ الحيَّ والوتدُ

419 قولهم غريمي يمطلني
معناه: يطول على، وأصل ذلك من قولهم: قد مطل القين الحديد، إذا مده وطوله وقال العجاج:

بمرهفاتٍ مطلت سبائكا ... تقضُّ أمَّ الهامِ والتَّائكا

420 قولهم هو يسدَّى
أي يذهب ويجئ. يقال: قد سدى الدابة إذا ذهب وجاء مرسلاً، وقال المرار الفقعسي:
(1/274)

وفتلاءَ تأدو للنَّجاءِ كأنَّها ... دموكٌ تسدَّى في مقاطٍ ومحورِ
الدموك: البكرة. تسدى: تذهب وتجئ. والمقاط: حبل القنب.
والمحور: الذي تدور عليه البكرة.

421 قولهم قد خرجت حراقيفه
الحراقيف: جمع حرقفة وهي: العظم الذي يصل ما بين الفخذ والورك، إذا هزل الإنسان والدابة ظهر. وقال غير الأصمعي: الحرقفة: الحجبةُ، وهي طرف الورك الذي يشرف على الخاصرة.

422 قولهم هو يتضور
أي يتلوى من جزعٍ أو جوع أو غير ذلك مما يبلغ من الإنسان، وقال:

لعلَّ الشَّماتىَ أنْ تدورَ عليهمُ ... نوائبُ تأتيني فلمْ أتضوَّرِ

423 قولهم نظر إليَّ شزراً
أي في جانب، وغنما يكون ذلك من البغضاء، أو من العداوة، وربما كان من الفرق.
وقال المرار في الفرق، يصف ناقة تخاف أن يعقرها:

لهاَ مبركٌ قاصٍ وعينٌ بصيرةٌ ... متى ما تصادف لمحةَ السيفِ تشزرِ
(1/275)

424 قولهم باع بيعاً بنسيئة
أصل النسيئة: التأخير. قال الفراء: يقال للرجل إذا أخرته بدينه قد أنسأته، فإذا زدت في الجل زيادة يقع عليها تأخير قلت: قد نسأتُ في أيامك وفي أجلك.
وكذلك تقول للرجل: نسأ الله في أجلك. فإذا أسقط الصفة قال: أنسأ الله أجلك.

425 قولهم أتانا بالفرج
قال الأصمعي: أصل الفرج: الانكشاف، أي انكشف ما كانوا فيه. ويقال في الغم: اللهم عجَّل لنا الفرج.
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كنت فاراً من الحجاج فسمعت قائلاً يقول: مات الحجاج، وآخر ينشد:

ربَّ ما تكرهُ النَّفوسُ من الأم ... رِ لهُ فرجةٌ كحلَّ العقال
فلا أدري بأيهما كنتُ أسرَّ!!
(1/276)

426 قولهم من أشبه أباهُ فما ظلم
قال الأصمعي: أصل الظلم كله: وضع الشيء في غير موضعه. فالمعنى: لم يضع الشبه في غير موضعه. وأنشد لكعب بن زهير:

أقولُ شبيهاتٍ بما قال عالماً ... بهنَّ ومن أشبهْ أباهُ فما ظلمْ
جزم الهاء من أشبه لكثرة الحركات.

427 قولهم أمعن في كذا
أي جد فيه وانكمش. قال الأصمعي: أصله من الماء الجاري وهو المعين.
ويقال: أمعنت الأرض إذا رويت، قال كثير: معنى قوله: أمعن: أي أجر وأظهر.

428 قولهم استخرت الله
حكى عن يونس بن حبيب النحوي: استخرت: استفعلت من الخير، أي سألته أن يوفق لي خير الأشياء التي أقصدها. قال: وكان الأصل استخيرت الله،
(1/277)

فأسقطت الياء، وألقيت حركتها على الخاء، لأن الياء ساكنة وبعدها الراء ساكنة، فأسقطت لاجتماع الساكنين.
قال الأصمعي: أصل الاستخارة في غير هذا الاستعطاف.

429 قولهم عقَّ فلانٌ والديه
عقهما: قطعهما. قال الخليل: عق الولد والده، يعقه عقا، وعقوقاً، فهو عاقٌ، أي قاطع رحمة. وأصل العق: الشق. وإليه يرجع عقوق الوالدين.

430 قولهم آرىّ الفرس للمعلفِ
قال الأصمعي: أصله الحبس، وهو الحبل الذي قد أرى له، يشد به، يقال: أرَّ لفرسك، فتشدُّ له آخيَّةً في الأرض، فسمَّي الآرىّ بالآخيَّة.

431 قولهم لفلانٍ عند فلانٍ آخيَّةٌ
أي شيء يمسكه ويعتمد عليه. والآخية والآرى واحد، وهما: المحابس التي تربط إليها الخيل، واحدتها آخيَّة، والجمع أواخي. وهو حبل يدفن في الأرض ويخرج طرفه فيها عروة فيشد به رسن الفرس، كما قال أبو النجم:

بين الأواخيّ وفيها أحبلهُ
أي في كل آخيةٍ فيها حبل.
(1/278)

432، وقولهم أصاب فلانٌ منيته
أي شهوته. قال أبو عمرو الشيباني: أصل المنية أن يضرب الفحل الناقة فيمضي لها عشر ليالٍ ونحو ذلك، فإن لم تكن لقحت عاد عليها الفحل فضربها عند رأس العشرة الأيام. ويزعمون أنها ملقحة. ويرى أنها مأخوذة من التمني تلك المنية التي وصفت.

433 قولهم أصاب فلان فرصته
المعنى: أصاب إرادته وظفره. وقال أبو زيد: أصل الفرصة في ورد الإبل، وهي النوبة إذا صارت إليه.

434 قولهم النقد عند الحافرة
يتكلم بهذا عند الشراء والبيع. وأصله: الرجوع إلى أول الأمر.
الكسائي: عند أول كلمة.
ويقولون: خرجت حتى أتيت فلاناً ثم رجعت على حافرتي، يريد أمري ويرى قول الله جل وعز: (أئنَّا لمردودون في الحافرةِ) من هذا، أي في الخلقِ الأول كما كنا في الدنيا.
(1/279)

435 قولهم ضرب ضرباً مبرَّحاً
قال الأصمعي: أصل التبريح: بلوغ الجهد من الإنسان وغيره. ومنه يقال: برح بي في الأمر، وأنشد:

تقولُ ابنتي حين جدَّ الرَّحيلُ ... أبرحتَ ربّاً وأبرحتَ جارا
أبرحتَ: بالغتَ. وقال أبو عبيدة: أبرحتَ: أعظمت وأكرمت.

436 قولهم قد ألح فلانٌ وهو ملحٌ
أي قد لزمني لا يفارقني. قال الأصمعي: أصل الإلحاح: أن يبرك البعير فلا يبرح، وأنشد:

ليسَ بخوَّارِ الضحى ولا ملحَّ
أي لا يفتر في وقت الضحى الذي تفتر الإبل فيه من سير الليل.

437 قولهم وقعوا في شئ لا ينادى وليده
قال الأصمعي: أصل هذا الشدة أو الغارة تفجأ القوم فتهرب النساء وتترك أولادها من الفزع، كما قال الله جل وعز: (يومَ ترونها تذهلُ كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعتْ) . ثم صار مثلاً لكلَّ شدَّة.
(1/280)

438 قولهم ما يفيق وما يستفيق من الشربِ
معناه: أنه لا يدعه. وأصل هذا من قولهم: استفقت الناقة، وهو أن تحلبها ثم تدعها حتى يثوب لبنها، ثم تحلبها. فقولهم: ما يستفيق: أي ليس له وقت معلومٌ، قال أبو النجم:

ولا تفيقُ العينُ منْ تهما لها

429 قولهم قسم المالَ بالسَّوَّيةِ بينهم
أي نصف لهذا ونصف لهذا. قال أبو عمرو: وأصل هذا أن السوية عند العرب كساء يحشى ثماماً يشق وسطه مثل الحلقة يحمل على ظهر الحمار، والجمع سوايا.

440 قولهم للرجل الخبيث ذئبٌ أمعط
وذلك أن الأمعط هو الذي يكون في الشجر يستنر فلا يشعر به حتى يثب على الإنسان، فيتمعط شعره، أي يتنتف من أغصان الشجرة.
وقال الخليل: ذئب أمعط، لأن شعره يتمرط فيتأذى بالبعوض والذباب، فيخرج على أذى شديد وجوع، فلا يكاد يسلم منه ما اعترض له.
(1/281)

441 قولهم فلان يناوئ فلاناً
المناواة: المعاداة, وهي مهموزة، يقال: ناوأته أناوئه مناوأة ونواء إذا عاديته. قال الشاعر:

بليت قتيبةُ في النَّواءِ بفارسٍ ... لا طائشٍ رعشٍ ولا وقَّافِ
قال الأصمعي: وأصله أنه ناء إليك بالعداوة ونؤت إليه، أي نهضت.

442 قولهم للبغل عند الزجرِ عتّ
قال الخليل: أصل ذلك إذا رد عليه القول مرة بعد مرة. يقال منه: عت يعت عتّاً، وهو مأخوذ من التعتت وهو الترديد، يقال: تعتت في كلامه تعتتاً: إذا ردد، مثل لجلج.
قال الأصمعي: غنما هو عد عند الزجر، ومعناه: اصرف وجهك إلى طريقك ودع غيره. وأنشد للنابغة:

فعدَّ عمَّا إذ لا ارتجاعَ لهُ ... وانمِ القتودَ على عيرانةٍ أجدِ
قال: ويقال للبعل أيضاً: عدس وأنشد لابن مفرغ:

عدسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ ... نجوتِ وهذا تحملين طليقُ
(1/282)

وزعم ابن أرقم: أن عدس وحدس كانا بغالين على عهد سليمان بن داود عليه السلام يعنفان على البغال عنفاً شديداً، وكان البغل إذا سمع باسم حدس طار فرقاً مما يلقى منه. فلهج الناس بذلك. والمعروف عدس.

443 قولهم للذي يتبع العمال هو دائص
الدائص: الذي يتبع الشيء ويدور حوله. يقال: داص حوله يديص ديصاً إذا دار حوله وتبعه. وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان الأنصاري:

أرى الدُّنيا معيشتها عناء ... فتخطئنا وإيَّاها نليص
فإنْ بعدتْ بعدنا في بغاها ... وإن قربت فنحن لها نديصُ

444 قولهم يجود بنفسهِ
قال ابن الإعرابي: معناه هو يسوق بنفسه، من قولهم: إنه ليجاد إلى فلانة، وإنه ليجاد إلى الحرب أي يساق إليها. وانشد للبيد:

ومجودٍ من صباباتِ الكرى ... عاطفِ النُّمرق صدقِ المبتذلْ
تأوله: انه يساق إلى النوم من صبابات الكرى.
وقال الأصمعي، وأبو عمرو: مجود: قد صب عليه النعاس صباً، من جود المطر.
(1/283)

445 قولهم هو شريكه شركة العنان
أي في شيء خاص. قال: ومعناه: انه عن هما شيء، أي عرض، فاشترياه واشتركا فيه.

446 قولهم هو يصبن في النرد
معناه: أنه يميل الفص ويتحرف به عن الاستواء. يقال: صبنت بالشيء، أي عدلت به عنه. قال الشاعر:

صبنتِ الكأسَ عنَّا أمَّ عمروٍ ... وكان الكأسُ مجراها اليمينا

447 قولهم قد خلبني حبُّ فلانة
ومعناه: بلغ خلبي. والخلبُ: حجاب القلب. ويقال للرجل الذي تحبه النساء: إنه لخلب نساء. ومنه يقال: رجلٌ خلاب، أي يخلب الناس، يذهب بعقولهم. وقال جرير:

أخلبتنا وصددتِ أمَّ محلَّمٍ ... أفتجمعينَ خلابةً وصدودا
(1/284)

448 قولهم يأتيك بالأمر من فصَّهِ
معناه: من مفصله. وهو مأخوذ من فصوص العظام، وهي مفاصلها واحدها فص. وقال عبد الله بن جعفر:

فربَّ أمرئٍ تزدريه العيونُ ... ويأتيك بالأمر منْ فصَّهِ

449 قولهم ليس لمكذوبٍ رأى
معنى ذلك: إنه إذا كذب لم يصب وجه ما يحتاج إليه، فيكون رأيه باطلاً في ذلك الأمر، لا أنه لا رأى له.
ويقال: إن أول من قال ذلك العنبر بن عمرو، قاله لابنته الهيجمانة.
وذلك أن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومها عن ذلك فأبى حتى وقعت الحرب بينهم. فأغار عليهم عبد شمس، وعلمت الهيجمانة بذلك فأخبرت أباها، فأخبر بذلك قومه، وقد كانوا يعرفون ما بينهما. فقال مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم.

حنَّتْ ولاتَ هنَّا ... وأنّضى لكَ مقروعُ
ومقروع: عبد شمس. فقال لها أبوها: أي بنية! اصدقيني فإن المكذوب ليس له رأي. فقالت له: ثكلتك إن لم اكن صدقتك، فانج وما أخالك ناجياً.
فذهبت كلمته وكلمة مازنٍ وكلتها مثلاً.
(1/285)

450 قولهم أي الرجال المهذب
يقال: إن أول من قاله النابغة الذبياني في قوله:

فلستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمُّه ... على شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ
وقريب منه قول أبي الدرداء الأنصاري:

منْ لكَ يوماً بأخيكَ كلَّه
أي ليس بدٌّ من أن يكون فيه عيبٌ أو شيء تكرهه.

451 قولهم للرجل عند الذمَّ هو أخضر
معناه: لئيم. والخضرة: اللؤم. وقال جرير:

كسا اللُّؤمُ تيماً خضرةً في جلودها ... فيا ويل تيمٍ من سرابيلها الخضر

452 قولهم هو يستنُّ
معناه: انه يذهب في أي سنن شاء لا يمنعه أحد ولا يدره عن وجهه.
والسنن: الطريق والمذهب. قال الشاعر:
(1/286)

ألا قاتلَ الله الهوى ما أشدَّه ... وأصرعه للمرءِ وهوَ جليدُ
دعاني إلى ما يشتهى فأجبتهُ ... وأصبح بي يستنُّ حيثُ يريدُ

453 قولهم للرجل عند الذم هو زندٌ متين
الزند: الضيق الخلق. والمتين: الشديد البخل. قال عدي بن زيد العبادي:

إذا أنتَ فاكهتَ الرَّجالَ فلا تلعْ ... وقلْ مثلَ ما قالوا ولا تتزنَّدِ

454 قولهم ما ترمرم
أي ما تحرك. وقال الكميت:

تكادُ العلاةُ الجلسُ منهمَّ كلَّما ... ترمرم تلقى بالعسيبِ فذالها

455 قولهم ازدمله
أي احمله: والزَّمْل: الحمل. وازْدَمَلَه: افْتَعَلَه من ذلك، وأصله ازْتَمَلَه إلا أن التاء إذا جاءت بعد الزاي صارت دالاً. وقال الكميت:

كما احضرُ الأثقالَ وهيَ مهمَّةٌ ... بمسلةَ استعلاؤها وازدمالها
ومن هذا سميت الزاملة من الإبل، لن الثقل يحمل عليها.
(1/287)

456 قولهم قد ندد به
معناه: رفع صوته بذكره وتابع القول فيه. وقال الأعشى يصف جيشاً:

كأنَّ تعامَ الدَّوَّ باضَ عليهم ... إذا ريع يوماً للصَّريخ المندَّدِ

457 قولهم كل شاةٍ برجلها معلقة
أي كل أحد مأخوذ بجريرته لا بجريرة غيره، كما أن الشاة لا تعلق برجل غيرها.
وأول من قال ذلك فيما ذكر هشام بن الكلبي عن عبد الله بن أبي بكر بن حازم الأنصاري وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد. وكان ولي أمر البيت بعد جرهم، فبنى صرحاً بأسفل مكة عند سوق الخياطين، وجعل فيه أمة له يقال لها حزرة، فبها سميت حزورة مكة. وجعل في الصرح سلما، فكان يرقاه ويزعم أنه يناجي الله تعالى. وكان ينطق بكثير من الخير. وكان علماء العرب يزعمون أنه صديق من الصديقين.
وكان يقول: مرضعة وفاطمة، ووادعة وقاصمة، زعم ربكم ليجزين بالخير ثواباً، وبالشر عقابا. إن من في الأرض عبيد من في السماء. هلكت جرهم، وربلت إياد، وكذلك الصلاح والفساد.
(1/288)

فلما حضرته الوفاة جمع إياداً فقال لهم: اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان، والأمر بعد البيان، من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجلها. فأرسلها مثلاً.
ومات وكيع فنعى على الجبال. وفيه يقول بشير بن الحجير الإيادي:

ونحنُ إيادٌ عبادُ الإل ... هِ رهطُ مناجيهِ في سلَّمِ
ونحنُ ولاةُ حجابِ العتيقِ ... ومانَ النُّخاعِ على جرهمِ

458 قولهم هذا أجل من الحرش
أصل الحرش: التحريض. ومنه قولهم: حرشت بينهم، أي حرضت.
والحرش في صيد الضباب هو أن يجاء إلى باب حجر الضب فيحرك باليد فإذا سمع الضب حركتها ظنها حية وخرج ليقاتلها. فيصطاد.
فالعرب تحدث أن الضب قال لولده: احذر الحرش. فبينما هما ذات يوم إذ سمعا صوت محفار حافر يحفر عليهما، فقال الحسل لأبيه: يا أبه هذا الحرش؟ فقال: يا بني هذا أجل من الحرش. فضرب مثلاً لكل من خشى شيئاً فوقع في ماهو أعظم.
(1/289)

459 قولهم لا يأبى الكرامة إلا حمار
أول من قال ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ودخل عليه رجلان فرمى لهما وسادتين، فقعد أحدهما على الوسادة التي رمى له ولم يقعد الآخر على وسادته، فقال له علي: اقعد على الوسادة، فلا يأبى إلا حمار. فقعد.

460 قولهم فلان باقعة
أصل الباقعة: الطائر الحذر الذي يشرب الماء من البقاع، وهي المواضع التي يستنقع فيها الماء، ولا برد المشارع والمياه المحضورة فيصطاد. فضرب به المثل لكل حذر محتال.

461 قولهم وقعوا في المنصف
أي في نصف الطريق بينهما. والمنصف مقدار نصف الشيء من إناء وغيره.
ولايقال فيما بعد من الدراهم وغيرها. قال ذو الرمة يصف عيون الإبل:

رمتها نجوم القيظِ حتَّى كأنَّها ... أواقىُّ أعلى دهنها بالمناصفِ
(1/290)

462 قولهم خريم الناعم
قال الكلبي: هو خريم بن عمرو بن الحارث بن شيبان بن أبي حارثة المرى.
وسمعت أبي يقول: قيل لخريم: ما بلغ من نعمتك؟ قال: لا ألبس الجديد في الصيف، ولا الخلق في الشتاء، ولا أتمندل إلا بالخلقان من الثياب.

463 قولهم هو كز
الكز: الضيق، أي هو بخيل. قال جندب بن عمرو التغلبي:

يا ليتني كلَّمتُ غير خارجِ ... أمَّ صبيٍّ قد حبا أو دارجِ
غرثى الوشاحِ كزَّةَ الدَّمالجِ
أي ضيقة الدمالج لامتلاء عضديها.

464 قولهم أكله الشيطان
هو حية في الجاهلية لا يقوم له شيء. وقد كان يأتي بيت الله جل وعز
(1/291)

الحرام في كل حين، فيضرب بنفسه حول البيت فلا يمر به أحد. فضرب به المثل.
وقد ذكر ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت حية يقال لها الشيطان تأتي في كل زمان البيت فلا يطوف أحد.
قال: وبعث هرقل بسفينة فيها ساج إلى أرض الحبشة ليبني له به بيعة فانكسرت بجدة، فخرجت قريش فأخذتها. فقال لهم الوليد بن المغيرة: إنكم إن اقتسمتموه بينكم ذهب، فهل لكم في أن تبنوا به الكعبة، فقد جاءكم الله به؟ قالوا: كيف نصنع بالشيطان؟ يعنون هذه الحية. قال: إن الله إذا علم نياتكم أعانكم. قالوا: وددنا! فأخذوا في ذلك. فلما ابتدأوا في العمل جاءت تلك الحية كما كانت تجيء، فأرسل الله جل وعز عليها طائراً مثل القرن فشقها واحتملها إلى قعيقعان، والناس ينظرون إليه. وأخذوا في بنيان الكعبة.
ولذلك حديث المغازي.
فأما قولهم: يا وجه الشيطان: فإنما يراد بذلك القبح، وإن كان لا يرى للفرق منه. ويقال: الشيطان حية ذو عرف قبيح الخلقة. وأنشد الفراء لرجل يذم امرأته:

عجيِّزٌ تحلفُ حين أحلفُ ... كمثلِ شيطان الحماطِ أعرفُ
وقد قيل في قول الله جل وعز: (كأنه رؤوس الشياطين) بهذين القولين.
قال الفراء: وفيه وجه ثالث، يقال: إنه نبت قبيح الرؤوس يسمى رؤوس الشياطين.
(1/292)

وأما قولهم: هو شيطان من الشياطين: فإنما يراد به النشاط والقوة والبطر، قال جرير:

أيَّامَ يدعونني الشيطانَ منْ غزلي ... وكنَّ يهوينني إذ كنتُ شيطانا

465 قولهم هو يتقين
التقين: إصلاح الشعر. يقال: العروس تقين وتكحل.
وقال أبو عبيدة: التقين التزين. ويقال لبلتي تزين العروس: مقينة. وفي الحديث: "قالت امرأة أنا قينت عائشة حين أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال رؤبة:

علىَّ ديباجُ الشَّبابِ الأدهنِ ... في عتهيِّ اللُّبسِ والتقيُّنِ
وكل صانع فهو قين. والصانعة: قينة؛ وبذلك سميت القينة لأنها تعمل بيدها. ويقال للحداد خاصة: قين. قال جرير:

تصفُ السيوفَ وغيركم يعصى بها ... يا بن القيونِ وذاكَ فعلُ الصَّقيل

466 قولهم نغصت علي
قال الأصمعي: التنغيص: قطع الشيء قبل الفراغ منه. فيقال: لكل من
(1/293)

منع إنساناً أو غيره أن يفرغ مما هو عليه: قد نغص عليه. قال ذو الرمة:

غداةَ امترتْ ماءَ العيونِ ونغَّصتْ ... لباناً من الحاج الحدورُ الروافعُ

467 قولهم الموت دون الجمل المجلل
أول من قال ذلك عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص ابن أمية بن عبد شمس، وكان يقاتل في يوم الجمل وبر تجز:

أنا ابنُ عتَّابٍ وسيفي ولولْ ... والموتُ دونَ الجملِ المجلَّلْ
قال: وقطعت يده يومئذ وفيها خاتمه فاختطفها نسر فطرحها باليمامة فعرفت يده بخاتمه.
ويقال: إن علي بن أبي طالب عليه السلام وقف عليه وقد قتل فقال: هذا يعسوب قريش، جدعت أنفي وشفيت نفسي.

468 قولهم ويأتيك بالأخبار من لم تزود
أول من قال ذلك طرفة بن العبد في قوله:

ستبدي لكَ الأيَّامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لمْ تزوِّدِ
(1/294)

469 قولهم هو يقردح
أي يذل ويخضع. وأصل القردحة: الذل، فيقال لكل من ذل ليأخذ شيئاً: قد قردح.
ويروى أن عبد الله بن خازم قال لنبيه: يا بني إذا وقعتم في شدة فقردحوا، فإن الاضطرار في الشدة أشد من الوقوع فيها.

470 قولهم نكس المريض
إذا عاودته العلة. ويقال: نكست الخضاب وغيره إذا أعدت عليه مرة بعد مرة. وقال عبد الله بن سليم الحوالي من الأزد:

لمنِ الديارُ بتولعٍ فيبوسِ ... كالوشمِ رجِّعَ في اليدِ المكنوسِ

471 قولهم هو عفر
قال الخليل: يقال عفر بين العفارة، يوصف بالشيطنة، والجمع اعفار.
قال: والعفر أيضاً: الكيس الظريف. قال: ويقال شيطان عفرية وعفريت وهم العفارية والعفاريت.
(1/295)

وقال غيره: العفر: الشديد الجريء، قال: ومنه ناقة عفرناة أي شديدة جريئة.
ويقال للغول عفرناة، وأسد عفرني والأنثى عفرناة أي شديد. وقال الأعشى:

ولقدْ أجذمُ حبلى عامداً ... بعفرناةٍ إذا الآلُ مصحْ
ويقال: اعتفرته اعتفاراً تعفيراً إذا ضربت به الأرض.
وروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغضكم إلى العفرية النفرية". وفسر تفسيرين، قال بعضهم: هو الجموع المنوع؛ وقال بعضهم هو القويُّ الظلوم.

472 قولهم فرق أنفع من الحب
أول من قال ذلك الغضبان بن القعثري الشيباني، وكان لما خلع عبد الله بن اللجارود وأهل البصرة الحجاج وانتهبوه قال: يا أهل العراق تعشوا الجدى قبل أن يتغداكم. فلما قتل الحجاج بن الجارود أخذ الغضبان وجماعة من نظرائه فحبسهم. وكتب الحجاج إلى عبد الملك بقتل ابن الجارود وخبرهم، فأرسل إليه عبد الملك عبد الرحمن بن مسعود الفزاري وأمره أن يؤمن كل خائف وأن يخرج المسجنين.
فأرسل الحجاج إلى الغضبان فدخل عليه، فقال له الحجاج: إنك لسمين.
فقال الغضبان: من يكن ضيف الأمير يسمن. وقد قيل: إنه قال: القيد والرتعة فقال: أنت القائل لأهل العراق: تعشوا الجدي قبل أن يتغداكم؟! قال: ما نفعت قائلها ولا ضرت من قيلت فيه! فقال: أتحبني يا غضبان؟ قال: أو فرق خير لك من الحب. فذهبت مثلاً.
(1/296)

473 قولهم فلان ركيك
أي ضعيف العقل: والركة: الضعف. والرك: الماء الضعيف الجرية. قال الخطيم بن نويرة المحرزي يصف غديراً شبه مشى المرأة به:

تهادى كعومِ الركّ كعكعهُ الحيا ... بأبطحَ سهلٍ حين تمشى تأوَّدُ
وقال القطامي:

تراهم يغمزون من استركَّوا ... ويجتنبون منْ صدق المصاعا

474 قولهم لا جديد لمن لا يلبس الخلقا
أول من قال بقيلة الأشجعي في قوله:

البس جديدك إنّي لابسٌ خلقي ... ولا جديدَ لمنْ لا يلبسُ الخلقا
ويروى صدر هذا البيت.

البسْ أخاك على ما كانَ من خلقٍ
ويروى أن عائشة تمثلت بالبيت الأول وتصدقت بمال عظيم، ثم رئيت ترقع خماراً لها. فقيل لها: يا أم المؤمنين، أتتصدقين بالمال العظيم وترقعين خمارك؟ فقالت: البس جديدك إني لابس خلقي.
(1/297)

475 قولهم هو أحلم من الأحنف
هو الأحنف بن قيس، واسمه صخر. وكان في رجله حتف وهو الميل، فغلب عليه لقبه. وكانت أمه ترقصه وهو صغير، وتقول:

واللهِ لولا ضعفه من هزلهِ ... وحنفٌ ودّقةٌ في رجله
ما كانَ في فتيانكم من مثلهِ
وكان حليماً موصوفاً بذلك، حكيماً معترفاً له به. فمن حلمه أنه اشرف عليه رجل وهو يعالج قدراً يطبخها، فقال الرجل:

قدرٌ ككفّ القردِ لا مستعيرها ... يعارُ ولا منْ يأتها يتدسَّمُ
فقيل للأحنف ذلك، فقال: يرحمه الله لو شاء لقال أحسن من هذا.
وقال: ما أحب أن لي بنصيبي حمر النعم. فقيل له: أنت أعز العرب. فقال: إن الناس يرون الحلم ذلاً. وقال: رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه.
قال: وكان لا يقول لأحد الطريق، وقال: إنما أنحيه عن الطريق.
وكان يقول: كثرة المزاح تذهب بالهيبة، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن أكثر من المزاح اجترئ عليه. وأنشده رجل:

يومٌ لهمدانَ ويومٌ للصَّدفْ ... ولتميمٍ مثلها أو تعترفْ
(1/298)

فقال الأحنف: تعترف يرحمك الله! فما الحاجة؟ ومن سؤدده وحكمته قوله: السؤدد كرم الأخلاق وحسن الفعال. وقال: ثلاث ما أقولهن إلا ليعتبر بهن معتبر: لا أخلف جليسي بغير ما أحضره به، ولا أدخل نفسي في غير ما أدخل فيه، ولا آتي السلطان أو يرسل إلي.
وقال له رجل: يا أبا بحر! دلني على محمدة بغير مرزئة. فقال: الخلق السجيح، والكف عن القبيح. واعلم أن أدوي الداء اللسان البذي، والخلق الردي.
وأبلغ رجل مصعباً عن رجل شيئاً، فأتاه الذي ابلغ عنه يعتذر، فقال: الذي أبلغنيه ثقة. فقال الأحنف: كلا أبها الأمير، فإن الثقة لا يبلغ! وفضائله كثيرة.

476 قولهم خاس به
معناه: غدر به. قال ابن ميادة:

فيا ربِّ إنْ خاستْ بما كان بيننا ... من العهدِ فابعثْ لي بما فعلتْ نصرا

477 قولهم قد خفت
يعنون: نام. وإنما الخفت والخفوت: النعاس. يقال: خفت يخفت خفتاً وخفوتاً. وقال ابن ميادة:
(1/299)

وكانتْ لنا لهواً تحلّى نعماسنا ... إذا ما خفتنا بالخروقِ السَّياسبِ

478 قولهم هو أقسى من النمس
النمس: الظربان. وهو سبع منن السباع.
وقال أبو زياد الكلابي: هو مثل الحمل، ولونه إلى الشهبة. قال: وهو بنجد كثير. قال: وهو من اخبث الأشياء ريحاً وأكثرها صيداً، وأكثر صيده الضباب، وإنما يصطادها بفسوه؛ وذلك انه يجيء جتى يجعل استه على باب حجر الضب ثم يفسو فيه، فإذا بلغت فسوته الضب اضطرب فسمع الظربان حسه، فطمر إلى معداته. قال: وهي منتهى حفرته، فيحفر من فوقه حتى يأخذه.
وأنشد:

فما كان يا عفراء ريحُ ابنِ جندبٍ ... ظريفٍ إذا طابَ الرياحُ يطيبُ
كأنَّ كبير السنّ أشهبَ لونه ... خبيثاً من الظربىَ إليكِ يؤوبُ

479 قولهم هو لبق
معناه: رفيق لطيف فيما يعمل. وقال رؤبة يصف حماراً:

قبَّاضةٌ بينَ العنيفِ واللَّبقْ ... مقتدرُ الصَّنعة وهواهُ الشَّفقْ
قال ابن الأعرابي: معناه: لين الخلق حلو، ومنه سميت الملبقة لليتها وحلاوتها.
(1/300)

480 قولهم ماعدا مما بدا
أي ما عداك عني مما بدا لك مني. ومعنى عداك صرفك. قال الحارث بن خالد المخزومي:

فوددتُ إذ شحطوا وشطَّ مزارهم ... وعدتهمُ عنَّا عوادٍ تشغلُ
وبدا: ظهر.
وأول من قال ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. لما قدم البصرة قال لعبد الله بن العباس: صر إلى الزبير ولا تأت طلحة، فقل: يقرأ عليك السلام، ويقول: أعرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق؟ فما عدا مملا بدا؟! فلما بلغه سلامي، وقل له: عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة.

481 قولهم وراءك أوسع لك
أول من قال ذلك الحطيئة الشاعر. وكان أتاه ابن الحمامة الشاعر فقال: السلام عليك. فقال الحطيئة: كلمة تقال ليس لها جواب. فقال: أألج؟ قال: وراءك أوسع لك. قال: قد صهرتني الشمس. قال: عليك بالجبل يفيء عليك
(1/301)

ظله. قال: قد احترقت رجلاي. قال: بل عليهما تبردا! قال: إني مرمل. قال: لم أضمن لأهلك زادك. قال: إني جائع. قال: اصبر حتى نتغدى، فإن فضل من غلماننا وأجرائنا شيء كنت أحق به من الكلب! قال: أنا ابن الحمامة الشاعر. قال: كن ابن أي طير الله عز وجل شئت! قال: أخزاك الله. قال: من شاء سب. قال: أو تحلم أيضاً. قال أفأجمع عليك بخلاً وجهلاً؟!.

482 قولهم اختر وما فيهما حظ لمختار
أول من قال ذلك الأعشى فيما حكى من خبر السموءل بن عاديا اليهودي. وكان امرؤ القيس بن حجر استودع السموءل أدراعه وكراعه وقطينه حين خرج إلى ملك الروم يستنجده على بني أسد. فلما مات امرؤ القيس بأنقرة بعث ملك من ملوك كندة إلى السموءل أن أبعث إليَّ وديعة امرئ القيس فأبى. فبعث إليه برجل من أصحابه يقال له الحارث في جيش عظيم. فلما علم به السموءل أغلق باب حصنه، فلم يكن له فيه حيلة.
وأقبل ابن السموءل، وكان غائباً وهو لا يعلم القصة، فأخذه الحارث. وقال للسموءل: أيما أحب إليك: أن تسلك إلي الوديعة، أو أقتل ابنك؟ ففكر ثم قال: اقتله فإني لا أسلم الوديعة. فذبحه وانصرف. فذكر ذلك الأعشى فقال:

كنْ كالسَّموءل إذ طافَ الهمامُ به ... في جحفلٍ كسوادِ اللَّيلِ جرَّارِ
خيَّرهُ خطَّتيْ خسفٍ، فقال لهُ ... أعرضهما هكذا أسمعهما حارِ
(1/302)

فقال: ثكلٌ وغدرٌ أنتَ بينهما ... فاخترْ وما فيهما حظٌّ لمختارِ
فشكَّ غيرَ طويلٍ، ثم قالَ لهُ: ... اقتلْ أسيرك إنّي مانعٌ جاري
فضرب قوله: وما فيهما حظٌّ لمختارِ مثلاً.

483 قولهم المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين
أول من قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عزة الشاعر. واسمه عمرو بن عبد الله بن عمر الجمحي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره يوم بدر فقال: يا محمد إني رجل معيل، وإنما خرجت معهم ليعطوني ما أعود به على عيالي. فمنَّ عليه وحذره أن يعود. فضمن له ألا يكثر عليه جمعاً. فلما كان يوم أحد خرج فيمن تألب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه رسول الله ولم يأسر يومئذ سواه.
فقال: يا محمد منَّ علي فإني حملت على الخروج عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. لا تأتي مكة تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمداً مرتين) . ثم أمر عاصم بن ثابت بن الأقلح فضرب عنقه.
ومعنى الكلام: أن المؤمن فطن لا يخدعه إنسان مرتين.
(1/303)

484 قولهم العصا من العصية
معناه: العصا تكون عصية ثم تكبر. ومعناه: أن الأمر الصغير يكون كبيراً. أي فليس ينبغي للإنسان أن يحقر أمراً فإنه ليس يدري ما تكون عواقبه.
ومثله قوله: الأمر تحقره وقد ينمي. وقال الحارث بن وعلة:

لا تأمننْ قوماً ظلمتهمْ ... وبدأتهمْ بالظُّلمِ والغشمِ
أنْ يأبروا نخلاً لغيرهمُ ... والأمرُ تحقرهُ وقدْ ينمى

485 قولهم فلان ماجن
المجون: التهتك بالمجون، والمجاهرة به، يقال: مجن يمجن مجوناً.
قال الشاعر:

إنَّ بالحيرةِ قسّاً قد مجنْ ... فتنَ الرُّهبانَ فيها وافتتنْ

486 قولهم أعط القوس باريها
أي رد الأمر إلى العالم به. ويقال إن أول من قال ذلك الحطيئة.
وكان في حديثه أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يغدى الناس، فأكل أكلاً جافياً. فلما فرغ الناس من الطعام وخرجوا ثبت مكانه. فأتاه الحاجب
(1/304)

ليخرجه فامتنع وقال: أترغب بهم عن مجالستي؟ فلما سمع سعيد ذلك قال: دعه.
وتذكروا الشعراء والشعر. فقال لهم: ما اصبتم جيد الشعر ولا شاعر الشعراء.
ولو أعطيتم القوس باريها وفقتم على ما تريدون! فقال له سعيد: وهل عندك من ذلك علم؟ قال: نعم: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:

لا أعدُّ الإقتارِ عدماً ولكنْ ... فقدُ منْ قدْ رزينته الإعدامُ
ثم أنشده إياها حتى أتى عليها. قال: فمن يقولها؟ قال: أبو دؤاد الإيادي. قال: ثم من؟ قال: ثم الذي يقول:

أدركِ بما شئتَ فقد يدرك بالض ... ضعفِ وقد يخدعُ الأريبُ
ثم أنشدها حتى أتى على آخرها. قال: ومن يقول هذه؟ قال عبيد بن الأبرص.
وفي حديث آخر أنه قال حيث سئل الذي يقول:

فجاءتْ كتيتَ المشيِ هيَّابةَ السُّرى ... يدافعُ ركناها جواريَ أربعا
يزجَّينها مشىَ النَّزيفِ وقد جرى ... صبابُ الكرى في متنها فتقطَّعا
قال: ومن يقول ذلك؟ قال: امرؤ القيس. قال: ثم من؟ قال: والله حسبك بي عند رغبة أو رهبة، إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادر! قال: ومن أنت؟ قال الحطيئة. فرحب به سعيد وقال: أسأت بكتمانك نفسك، وقد علمت شوقنا إليك وإلى حديثك! ثم وصله وكساه. فقال يمدحه:
(1/305)

لعمري لقد أمسى على الأمرِ سائسٌ ... بصيرٌ بما ضرَّ العدوَّ أريبُ
جريءٌ على ما يكرهُ المرءُ صدره ... وللفاحشاتِ المنديات هيوبُ
سعيدٌ فلا يغررك خفَّةُ لحمه ... تخدَّد عنهُ اللَّحمُ وهو صليبُ
فقال الناس: أعط القوس باريها.
والمنديات: التي تلحق بالإنسان شراً أو عاراً.

487 قولهم نفزه عنا
أي أطرده وأقمه. قال الفراء: وهو من نفزان الظبي. وقد كنت أحسبها مولدة حتى سمعتها منه. وأنشد:

يريحُ بعدَ الجهدِ والتَّرميزِ ... تنفُّسَ الجدايةِ النَّفوزِ
(1/306)

488 قولهم للديك والكبش فنيخ
معناه: مقهور مغلوب. يقال: فنخه إذا أذله وقهره. وقال العجاج:

سيعلم الجهَّال أنِّى مفنخُ ... لهامهم أرضُّها وأنفخُ

489 قولهم بينهم هدنة
يقال: بين المسلمين والمشركين مهادنة. وفعلنا ذلك في الهدنة، ومعناها: السكون. ويقال: هدنت المرأة ولدها تهدنه في المهد: إذا سكنته لينام.
وقال الراجز:

ولم يعوَّدْ نومةَ الهدون
وقال الآخر:

ومنتكثٍ عاللتُ محشورهُ بهِ ... وقد هدنَ اللَّيلُ النُّشوزَ العواليا
أي لما جاء الليلي استوى المرتفع بغيره، فكأنه لما يتبين ارتفاعه سكنه ووضع منه.
(1/307)

490 قولهم هو عقدة من العقد
قال أبو عمرو: أصل العقدة: الحائط من النخل، وجمعه عقاد. قال: والقرية ذات النخل يقال لها عقدة، فكأن أحدهم إذا اتخذ ذلك فقد أحكم أمره عند نفسه واستوثق، ثم صيروا كل شيء يعتمد عليه عقدة.
وحكى ابن حبيب: هو آلف من غراب عقدة؛ قال: وهي الأرض الكثيرة النخل فلا يكاد غرابها يفارقها.

491 قولهم فلان بوٌّ
أصل البو: أن يذبح فصيل الناقة فيسلخ برأسه وقوائمه، ثم يحشى جلده تبناً لترأمه أمه ولا تنكره، وتشم رائحته فتدر عليه ولا ينقطع لبنها. فجعل من لا يفهم ولا ينتفع به منزلة ذلك، أي هو كالجلد المحشو. وقالت الخنساء:
فما عجولٌ على بوٍّ تربِّبهُ ... لها حنينانِ إصغارٌ وإكبارُ

492 قولهم إنما هو همج
الهمج: ذباب صغير يقع على وجوه الغنم والحمير وأعينها، وهو واحد وجمع.
ويقال: واحدته همجة. ويقال: هو ضرب من البعوض. وقال الحارث بن حلزة:
(1/308)

يترك ما رقَّح منْ عيشهِ ... يعيثُ فيهِ همجٌ هامجُ

493 قولهم عمل به الفاقرة
أي عمل به عملاً شديداً. ويقال: أصله من قولهم: فقرت البعير أفقره فقراً إذا حززت أنفه بمروة أو حديدة، ثم وضعت على موضع الحز الجرير وفيه وتر ملوى لتذله به. ويقال: أصله من قولهم: فقرة إذا قطع فقرة من فقر ظهره، أو طعنه فيها، أو رماه بسهم فيها.
ويقال: فقرة وفقر، وفقارة وفقارٌ، وهي: الخرزة من خرز الظهر.

494 قولهم شاعر مفلق
أي يجيء بالعجب في شعره. والفلق: الداهية، قال سويد بن كراع الكاهلي:

إذا عرضتْ داويَّةٌ مدلهمَّةٌ ... وغرَّدَ حاديها فرين بها فلقا
والفلق: العجب. ويقال منه: أفلق: إذا جاء بالعجب.
(1/309)

495 قولهم داريت فلانا
أي خاتلته وخدعته. وأصل ذلك من قولهم: دريت الصيد أدريه إذا ختلته حتى تصيده، وقال الشاعر:

فإنْ كنتُ لا أدري الظِّباءَ فإنَّني ... أدرسُّ لها تحتَ التُّرابِ الدَّواهيا

496 قولهم

ليس الشَّفيعُ الّذي يأتيكَ مؤتزراً ... مثلَ الشَّفيع الّذي يأتيكَ عرياناً
هذا البيت قاله الفرزدق. وسبب ذلك: أن النوار ابنة أعين المجاشعية وكلته لقرابته منها ليزوجها. فلما حضر الشهود وأشهدتهم على ذلك قال: اشهدوا أبي قد تزوجها على مائة ناقة. فكرهته وأبت أن تمضي معه وشخصت إلى ابن الزبير تستعديه عليه. فلما رحلت رحل خلفها إلى ابن الزبير، فأتى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستشفع به على أبيه، وقال فيه:

أمسيتُ قد نزلتْ بحمزةَ حاجتي ... إنَّ المنوَّهَ باسمه الموثوقُ
وأتت النوار ابنة منظور بن زبان امرأة عبد الله بن الزبير.
فكلم حمزة أباه في الفرزدق وكلمته امرأته في النوار. فقضى للنوار ولم يجز للفرزدق تزويجه. فقال الفرزدق في ذلك:
(1/310)

أمَّا بنوه فلم تنجحْ شفاعتهمُ ... وشفِّعتْ بنتُ منظورِ بن زبّانا
ليسَ الشَّفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزراً ... مثلَ الشَّفيع الذي يأتيكَ عريانا
فضربه الناس مثلاً في أن شفاعة النساء أنفذ من شفاعة الرجال.

497 قولهم ما أخطأ منه نقرة
أي شيئاً يسيراً. وقال جميل بن معمر العذري:

باللهِ ربّكِ إذْ سألتكِ فاصدقي ... لا تكتميني نقرةً وفتيلاً

498 قولهم سبقك بها عكاشة
أول من قال ذلك: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه عليه السلام قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً في صورة القمر ليلة البدر" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع لي أن يجعلني الله جل وعز منهم. فقال: "فإنك منهم". فقال رجل من الأنصار على أثره: يا رسول الله ادع الله جل وعز أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة". فلم يسم من أهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم غير عكاشة.
(1/311)

499 قولهم إن أخاك من صدقك
أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير. وذلك أن معاوية ذكر له بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أباديك ولا أناجيك، وإن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تتقدم، وفكر قبل أن تندم.

500 قولهم ما المسؤول بأعلم من السائل
أول من قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله رجل عن قيام الساعة فقال: "ما المسؤول بأعلم بها من السائل". أي إني لا أعلم ذلك كما لا تعلمون.

501 قولهم خبب عليه أمره
معناه أفسد عليه. وقال امرؤ القيس:

أدامتْ على بيننا من نصيحةٍ ... أميمةُ أمة صارت لقولِ المخبِّبِ

502 قولهم لا ينتطح فيها عنزان
أول من قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك إن عمير بن عدي بن خرشة الخطمي أسرى إلى عصماء بنت مروان
(1/312)

من بني أمية بن زيد، امرأة يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحرض عليه وتقول في ذلك الشعر، فجاءها عمير في جوف الليل حتى دخل عليها وحولها نفر من ولدها نيام. فجسها بيده وكان ضريراً ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها. ثم صلى الصبح بالمدينة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقتلت بنت مروان"؟ قال: نعم! فهل على في ذلك شيء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينتطح فيها عنزان".
فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم. وسمى عمير البصير.

503 قولهم اليوم تقضى أم عمرو دينها
أول من قال ذلك فيما ذكره أبو اليقظان أم عمرو امرأة زبان بن يثربي بن الحارث بن مالك بن شبيان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة. وفي كتاب الكلبي: زبان بن الحارث، وهو أول من قاد بني ثعلبة في الجاهلية.
وكان غزا بني تغلب ودليله رجل من بني عقيلة. فذهب الدليل فأخبر بني تغلب بغزوته فندورا. واقتتلوا فقتلوا سبعة من ولده. فآلى زبان أن لا يمس رأسه غسل ولا يرى عقيلياً إلا قتله حتى يدرك بثأره.
فأتاه ذلك العقيلي متنكراً فاستأمنه ثم دله على بني تغلب. فسار إليهم فقتل منهم جماعة كثيرة وفيهم أبو محياة اليشكري، ثم حمل الرؤوس على قلوص.
وجاء بالأسلاب والغنائم إلى امرأته أم عمرو. فلما رأت ذلك قالت: اليوم تقضى أم عمرو دينها. فذهبت مثلاً.
(1/313)

وقال الكلبي: وهذا اليوم يوم الأقطانتين. وفي ذلك يقول أبو قطاف الشيباني:

ورأسَ أبي محيَّاةَ اختلينا ... فوفَّينا به عيصَ الحرابِ
وفي قتل أبي محياة يقول زبان:

ألا أبلغ بني غبرَ بن غنمِ ... ولمَّا يأتِ دونكم حبيبُ
فما بدمٍ قتلناكم ولكنْ ... رماحُ القوم تخطئُ أو تصيبُ
فلو أمِّي لقيتُ بحيثُ كانوا ... لبلَّ ثيابها علقٌ صبيبُ
فمعنى اليوم تقضى أم عمرو دينها أي تكافئ على ما فعل بها.

504 قولهم لكل مقام مقال
أول من قال ذلك طرفة بن العبد في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند:

تصدَّق عليَّ هداكَ المليكُ ... فإنّ لكلِّ مقامٍ مقالاً

505 قولهم تريد أن تضطهدني
معناه تقهرني. يقال: قد اضطهده إذا قهر، وقال زهير:

ومن يحاربْ تجدهُ غيرَ مضطهدٍ ... يربى على بغضةِ الأعداء بالطَّبنِ
(1/314)

506 قولهم كأنه القباطي
أي جمع قبطية، وهو: ثوب أبيض شديد البياض والصقل. وقال زهير:

ليأتينَّكَ منِّي منطقٌ قذعٌ ... باقٍ كما دنَّسَ القبطيَّة الودكُ

507 قولهم فلان ضيق العطن
قال بعضهم: معناه: ضيق الصدر، وهو الموضع الذي تجتمع فيه الأمور.
وأصل العطن: الموضع الذي تبرك فيه الإبل حول الماء إذا شربت. فإذا كان الرجل كثير المال عزيزاً كان عطنه واسعاً، وإذا كان المال قليلاً أو ذليلاً كان عطنه ضيقاً. ثم ضرب مثلاً للضيق الصدر وللواسع النفس.
وقال بعضهم: العطن هاهنا: الموضع الذي يجتمع إليه فيه، فإذا كان سخياً كان رحباً واسعاً لكثرة قاصديه، وغذا كان بخيلاً قل من يجيئه وضاق موضعه. وقال الأعشى:

طويلُ النجادِ رفيعُ العما ... دِ سهل المباءةِ رحبُ العطن
وقال زهير:

وحبسه نفسهُ في كلِّ منزلةٍ ... يكرهها الجبناء الضاقةُ العطن
(1/315)

508 قولهم قطب ما بين عينيه
أي جمعه وشنجه. وقطاب الشيء: مجتمعه. وفقال طرفة بن العبد يصف قينة:

رحيبٌ قطاب الجيبِ منها رفيقةٌ ... بجسّ النَّامى بضَّةُ المتجرَّد
يعني: واسعة مجتمع الجيب ليدخل يده من يريد أن يجمشها من ذلك الموضع.

509 قولهم ما أشبه الليلة بالبارحة
يقال ذلك لكل اثنين اتفقا على خلق. وذلك أن ظلمة الليلتين مشتبهة. وأول من قال ذلك طرفة بن العبد، يذم أخاه:

كلُّ خليلٍ كنتُ خاللتهُ ... لا يتركِ اللهُ له واضحهْ
كلُّهمْ أروغُ من ثعلبٍ ... ما أشبهَ الليلةَ بالبارحهْ

510 قولهم قد طبن لهم
أي فطن. والطبن والطبانة: الفطنة، وقال زهير:

ومنْ يحاربْ تجدهُ غيرَ مضطهدٍ ... يربى على بغضةِ الأعداءِ بالطَّبنِ
يقول يزيد على أعداءه بفطنته فيحتال فيما يهلكهم.
(1/316)

511 قولهم دامجته
أي أريته أني موافق له فيما يريد، مجامع له عليه. وأصل المدامجة: الاجتماع، ومنه قولهم: هو مدمج الخلق، أي مجتمعه مداخل بعضه في بعض. وقال هيمان بن قحافة يصف سانية:

يحسنُ في منحاتهِ الهمالجا ... يدعى هلمَّ داجياً مدامجا
أي متعودا لها ملازماً.

512 قولهم أقام الرهج
الرهج: الغبار، فكأن المعنى: تحرك حركة شديدة دائمة كما يكون الرهج من ركض الخيل وأشباه ذلك. وقال الأغلب يصف خيلاً:

مثلَ جرادِ الرَّدهةِ المنثارِ ... يمرُّ تحتَ الرَّهجِ المثارِ

513 قولهم في الدعاء على الإنسان يا ليتها كانت القاضية
أي الموتة التي لا حياة معها. قال الله جل وعز: (يا ليتها كانت القاضية) يقوله الكافر، أي ليتني لم أحي بعد موتي.
(1/317)

514 قولهم جيد بالغ
أي قد انتهى في الجودة. ويقال بالغ في الأمر إذا اجتهد حتى ينتهي إلى غاية.
ويقال: معنى بالغ: حق. وتفسير قول الله جل وعز: (أم لكم أيمان علينا بالغةٌ) أي قد انتهى بها إلى الغاية. ويقال: معناها حق. وقرأ الحسن البصرى (أم لكم أيمان علينا بالغةً) بالنصب على هذا المعنى.

515 قولهم الطامة
أي الداهية. والطامة: من أسماء القيامة، وهذا معناها. قال الله جل وعز: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) .

516 قولهم الغمرات ثم ينجلين
أول من قال ذلك الأغلب العجلى يذكر وقعة يوم ذي قار:

قد علموا يوم خلايزينا ... إذْ مالتِ الأحياءُ مقبلينا
أنَّا بنو عجلٍ إذا لقينا ... نمنعُ منَّا حدَّ من يلينا
نقارعُ السِّنينَ عنْ بنينا ... الغمراتِ ثمَّ ينجلينا
(1/318)

517 قولهم عذبة عذاب جرجس
كان من حديث جرجس فيما ذكر اسحاق بن بشر القرشي بإسناده عن وهب ابن منبه أنه كان رجلاً من أهل فلسطين على دين عيسى بن مريم في الفترة. وكان في تلك الفترة جبابرة قد ابتدعوا ديناً واتخذوا أصناماً يعبدونها من دون الله جل وعز، كل جبار على حياله.
وكان بالموصل جبار يقال له دادبة، عزيز الملك كثير الغلبة. ولم يأمن جرجس على نفسه عبدة الأوثان الذين ببلده فقال: لا اعلم ملكاً أمنع ولا أهيب في سلطانه من دادبة ببلد الموصل فأخرج فأكون في جواره. فخرج إليه وجاءه حتى دخل عليه فسلم فأنكره؛ ووافق ذلك يوماً قد جلس فيه يعرض الناس على دينه، فمن خالفه عذبه بأنواع العذاب.
لما رأى ذلك جرجس أعظمه وقطع به، ثم إنه شجع نفسه وقال: ما يسعني أن اكون في ذمة هذا، وقذف الله في قلبه بغضه واستحقار ما هو فيه، فقال له: اسمع أيها الملك بغير غضب، واملك نفسك حتى أبلغ ما أريد، ثم أنت بعد أعلم وما ترى. قال: نعم.
قال: أيها العبد الذي لا يملك لنفسه شيئاً ولا لغيره، إن لك رباً يملكك ويملك أهل السماء والأرض، وهو الذي خلقك ورزقك، ثم يميتك ويحييك، وإن شاء حال بينك وبين قلبك ولسانك. إنك عمدت إلى خلق من خلق الله عز وجل، حجر أصم ابكم لا يسمع ولا يبصر ولا يغني، فنحته ثم زينته بالذهب والفضة ثم نصبته فتنة للناس، ودعوته ربا وشبهته بالله تعالى، وليس ينبغي أن تعبد من دون الله شيئاً. فافهم قولي وتدبره، ولا يمنعك خلاف ما تسمع مني لهواك أن ترد الحق.
(1/319)

قال دادبة: إنك جئت يا هذا مغتاظاً علينا مستصغراً لشأننا، فأزريت بنا وبإلهنا، فأخبرني من أنت؟ ومن أين أنت؟ قال جرجس: حق لي أن أغتاظ وأستصغر شانكم حين تعدلون بالله جل ثناؤه. فأما قولك: من أنا ومن أين أنا. فإني عبد الله ابن عبد الله وأمته، خلقت من التراب وإليه أعود، وهو النسب المعروف، إليه مصيرك ومصير العباد. فلم يزل الملك يراده ويحاجه، ويعرض عليه ملكه وهو لا يزداد إلا ثباتاً على ما هو فيه، وطعناً على إلهه ومذهبه.
فلما طال ذلك على الملك قال له: اختر إما أن تسجد لصنمي سجدة فتنظر كيف أثيبك عليها، وإما أن ألقيك في هذه النار وأعذبك بأنواع العذاب! فقال له جرجس: أنا لا أسجد إلا لمن خلق السماوات والأرض.
فلما يئس الملك منه أمر به فصلب على خشبة، وحمل على أمشاط الحديد يمشط بها لحمه وجلده حتى تقطع لحمه وعصبه، وهو ينضح من خلال ذلك بالخل والخردل. فلما رأى أن ذلك لم يقتله أمر بمسامير من حديد فأحميت، ثم سمرها في رأسه حتى سال دماغه. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعل ناراً ثم أمر به فأدخل وأطبق عليه. فلما رأى أن ذلك لم يقتله، دعا به فقال: أما تجد لهذا العذاب الذي أعذبك به ألماً؟ قال: ألم أخبرك أن لك رباً هو أولى بك من نفسك؟ قال بلى! قال فهو الذي خفف عني عذابك وصبرني عليه ليحتج بي عليك غذ زعمت أن وليه ضعيف! ولك في هذا معتبر.
فلما قال ذلك خافه على ملكه وعزم على طرحه في السجن. فقال له الملأ من قومه: عن تركته في السجن طريحاً توشك أن يكيل بهم عليك، ولكن عذبه
(1/320)

في السجن بعذاب يشغله عنك. فأمر به فبطح على وجهه، ثم وتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد، ثم بنى عليه أسطوان من رخام. فظل يومه في ذلك.
فلما كان الليل أرسل الله جل وعز إليه ملكاً فقلع ذلك عنه وأخرجه من السجن فأطعمه وسقاه، وقال له: اصبر فإن الله تعالى قد جعلك سيد الشهداء يوم القيامة، وقال إني مبتليك سبع سنين يعذبك فيها ويقتلك أربع قتلات كل ذلك أرد روحك إليك وأظهرك بالحجة عليه، لعله يتذكر أو يخشى. فإذا كانت الرابعة وفيتك أجرك، وأعطيتك على قدر ما أصابك.
فأقبل فدخل على الملك فقال له: يا جرجس من أخرجك؟ قال: من ملكه فوق ملكك وسلطانه فوق سلطانك؛ وإذا شاء حال بينك وبين قلبك ولسانك! فأمر به فوضع على مفرق رأسه ميشار فنشر حتى سقط بين يديه نصفين، ثم أمر به فقطع قطعاً، وله أسد ضارية فأمر بإلقائه غليها. فلما رمى نحوها خضعت الأسد وطأطأت رؤوسها وظهورها فكانت بينه وبين الأرض يومه. وجمع الله لحمه.
فلما كان الليل رد الله جل وعز عليه روحه وأطعمه وسقاه، فلم يشعر الملك وأصحابه حقاً وبئس القوم أنتم! فقالوا: هذا ساحر فاجمع السحرة. فدعا الملك بالسحرة، فلما رأوه قروا له وقالوا: ليس هذا من عمل السحر. ولم يزل الملك يعذبه بأنواع العذاب.
فلما انقضت السنون السبع دعا جرجس ربه أن لا يقبض روحه حتى يحرق القرية الظالمي أهلها. فلما فرغ من دعائه أمطر الله عليهم ناراً من السماء. فلما حسوا بالبلاء بادروا إليه فقتلوه ضرباً بالسيوف ليكومه الله جل وعز بأجر فعلهم.
(1/321)

518 قولهم الآلى عليه
إنما هو الصراخ عليه والجزع عند المصيبة. وهو الأليلة أيضاً. ويقال: أل يؤل ألا وأللا وأليلة إذا فعل ذاك، وقال الكميت:

وأنتَ ما أنتَ في غبراءَ مظلمةٍ ... إذا دعتْ ألليها الكاعبُ الفضلُ
وقال ألاخر:

وليَ الأليلةُ إنْ قتلتُ خؤولتي ... وليَ أليلةُ إنْ هم لم يقتلوا
وروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عجب ربكم عز وجل من إلكم وقنوطكم ورزقة إياكم"، ومعناه والله أعلم: من جزعكم عند ما يصيبكم وترككم الاسترجاع والرضا بما قضاه عليكم، ومن استبطائكم رزقة ويأسكم إذا أبطأ عليكم.
وأبو عبيد يقول: هو من الكم بالفتح وقال هو أشبه بالمصادر. وفسره الدعاء، وليس للدعاء هاهنا وجه، لن الله جل وعز لا يكره ان يدعى. وأما قولهم ألكم لأنه مصدر فقد صدق، المصدر بالفتح والكسر، لأنه يكون اسم ذلك الفعل.

519 قولهم للكبير والضعيف نقض
هذا مما يغلطون فيه، وإنما هو نقض بالكسر، وأصل ذلك في البعير الذي ينتقضه السفر ويبليه، ثم كثر حتى قيل للشيخ والضعيف. وأنشد الفراء.
(1/322)

أصبحتُ يا زيدُ كأنِّي نقصُ ... وصرتُ ما يحملُ بعضي بعضُ
وضعفَ العظمُ وخفَّ النحضٌ
وغيره يرويه: جف النحض.

520 قولهم هذا أطم
معناه بلية مما كان قبله. والطامة: الداهبية والبلية. ومن هذا قيل ما من طامة إلا فوقها طامة. والطامة من أسماء القيامة وهو من هذا، وأنشد:

دعونا نزالِ فلمْ ينزلوا ... وكانت نزالِ عليهم أطمْ

521 قولهم قد أبلغ إليه في الضرب وغيره
معناه انتهى إلى الغاية. وقال حميد بن ثور يصف ناقة وضعت ولداً:

وصهباءَ منها كالسَّفينةِ أبلغتْ ... به الحملَ حتَّى زادَ شهراً عديدها
وقال النمر بن تولب:
أتيناك لا منْ حاجةٍ أجحفتْ بنا ... ولا أنَّنا ضاقتْ علينا المطالبُ
ولكنْ دعتني همتَّي حين أبلغتْ ... إليك وخالٌ من نوالكِ هاضبُ
(1/323)