Advertisement

الممتع في صنعة الشعر



الكتاب: الممتع في صنعة الشعر
المؤلف: عبد الكريم النهشلي القيرواني
المحقق: الدكتور محمد زغلول سلام، أستاذ اللغة العربية وآدابها - كلية الآداب - جامعة الإسكندرية
الناشر: منشأة المعارف، الإسكندرية - جمهورية مصر العربية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] المُمْتِع فِي صَنْعَة الشِعْر

تأليف
عبد الْكَرِيم النَّهْشَلِي القيرواني

تَحْقِيق
الدكتور مُحَمَّد زغلول سَلام
رَئِيس قسم اللُّغَة الْعَرَبيَّة بكلية الْآدَاب - جَامِعَة الْإسْكَنْدَريَّة

منشأة المعارف
(/)

باب في كلام العرب
أفضل كلام وأعزه وأكرمه، وأعظمه بركة، وأعوده بصالحه كتاب الله العزيز الذي عجزت عنه خطباء العرب في عنفوانها، وشعراؤها في أبانها فهو يجل عن سجع المتكلمين، ويعظم من وزن المتكلفين من الخطباء والشاعرين وأنه معجزة باقية لأكرم أنبياء الله، وخيرته من خلقه، (صلى الله عليه وسلم)، ورحم وكرم. ثم خير كلام العرب وأشرفه عندها هذا الشعر الذي ترتاح له القلوب، وتجذل به الأخبار.
قال بعض العلماء بالعربية: أصل الكلام منثور، ثم تعقبت العرب ذلك واحتاجت إلى الغناء بأفعالها وذكر سابقيها، ووقائعها، وتضمين مآثرها، إذ كان المنطق عندهم هو المؤدي عن عقولهم، وألسنتهم خدم أفئدتهم، والمبينة لحكمهم، والخبرة عن آدابهم، وإن لا فرق عندهم بين الإنسان ما لم ينطق، وبين البهيمة إلا بتخالف الصورة، ولذلك قالوا: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، والمرء مخبوء تحت لسانة حتى ينطق. وقالوا ترك الحركة للسان عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره. واجمعوا على استحسان الكلام مع الصواب كما اجمعوا على كراهة الكلام مع الإسهاب، وكرهوا زيادة المنطق على الأدب، وزيادة الأدب على منطق هجنه. وقال محمد بن عبد الله بن عباس: أني لأكره أن يكون الرجل لعملة فضل على عقله، كما أكره أن يكون للسانه فضل على عمله. وقيل لرجل من ملوك العرب: متى يكون العلم شرا من عدمه؟. قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة.
(1/11)

وقال لبيد بن ربيعة لأبي براء عامر بن مالك
لا تسقي بيديك إن لم ألتمس ... نَعَمَ الضَّجُوعِ بِغَارةٍ أسْرَابِ
بُمقَطّعٍ حَلَقَ الرِّحَالةِ سابحٍ ... بادٍ نواجذَهُ على الأضْرابِ
يحملن فتيانَ الوغى من جعفرِ ... شعثاً كأَنهُمُ أسودُ الغابِ
يرعون منخرق اللَّديدِ كأَنَّهم ... في العزّ أُسرةُ حاجبِ وشهاب
متظاهري حلق الحَديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب
قوم لهم عرفت معد فضلها ... والحق بعرفة ذوو الألباب
وقد أخذ هذا على لبيد لأنه وضع قومه، ورفع عليهم من هم مثلهم ولا يتجاوزهم في كثير
شرف.
والعرب تقول لمن تعاطى من العلم مالا يحسن: عاط بغير أنواط. والعاطي المتناول للشيء، والأنواط كل شيء معلق، واحدها (نوط).
وقال العتابي: إن العقل إذا ميز حقا من باطل هدى اللسان إلى أبانه ذلك وأوحى إليه التعبير عنه، وقال جرير:
عوى الشعراء بعضهم لبعض ... علي فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستقاموا
(1/12)

عوي الشاعر مثل عوي الذئب. .
ولآخر:
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زلقت وما ألفيت ذا خطل ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
وقد عاب عليه من لا بصر له نحو هذا الكلام. ولا جهبذة عنده بانتقاد الألفاظ واستخراج معاني العرب، استخفافا به وتقصيرا بما فيه وجهلا كم عسير كان الشعر فرج يسره، ومعروف كان سبب إسدائه وحياة كان سبب استرجاعها، ورحم كان سبب وصلها، ونار حرب أطفاها وغضب برده، وحقد سله. وغناء أجتلبه. وكم اسم نوه به، ورجل منسي عرف باسمه، وكم شاعر سعى بذمته، فرد حمى بعدما ابيحت، واهلا بعد ما سبيت، وفك من أسارى اكتب أيديها القيد، وعنتها سلاسل القيود. قال عمرو بن معدى كرب:
يدا ما قد بديت إلى حصين ... بأمر غير منبتر اليقين
رددت له مخاضاً تاليات ... نبيلات المحاجر والعيون
وقدماً كنت جارك نصف يوم ... فأبشر أن سهمك في اليمين
فقال بديت عند الرجل يداً صالحة. وأبديت فأنا مبد اتخذت عنده يداً والتاليات: الأواخر، والمخاض: الإبل.
قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل كعب بن لؤى بنو عبد الدار وعبد العزى بن قصي، وبنو زهرة ابن كلاب، وبنو مخزوم
(1/13)

يقطه، وبنو تيم ابن مرة، وبنو جمح وسهم ابني هصيص بن كعب، وبنو عدى بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤى. فلما كثر بنو كعب
وبنو عامر بن لؤى أخرجوا بنى الحرث وبنى الحارث بن فهر من البطاح إلى الظواهر.
وقال نابغة بني جعدة:
وشاركنا قريشاً في نقاها ... وفي أنسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء بني أبان
شرك العنان: أي يشترك رجلان في شيء خاص كأنه عن لهما أي عرض، وأبان هو ابن معيط. قال الشاعر:
من سره لحم وشحم راهن ... فليأت قبة عقبة بن أبان
وقتله - أي عقبة بن أبان -. . رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء النضر بن الحارث، فعرضت له ابنته قتيلة وهو يطوف بالبيت فاستوقفته صلى الله عليه وسلم، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه وأنشدته شعرها بعد قتل أبيها، وهو:
يا راكباً إن الأثيل مظنة ... من الصبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتاً بأن قصيدةً ... ما إن تزال بها الركائب تخفق
(1/14)

منى إليك وعبرة مسفوحة ... جادت لما تحمها وأخرى تخنق
فليسمعن النضر إن ناديته ... أن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
قسراً يقاد إلى المنية متعباً ... رسف المقيد وهو عان موثق
أمحمد ولانت صنو كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته.
وقال بعض القرشيين
فإني لمن قوم كرام ثناؤهم ... لأقدامهم صغيت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام والشرك قادة ... بهم واليهم فخر كل مفاخر
وقال آخر:
على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الدرع ميل الساعدين فروع
يشق الوغى عن بأسه صدق جده ... وابيض من ماء الحديد وقيع
وقال الفرزدق في سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان:
كل امرئ يرضى وإن كان كاملاً ... إذا كان نصفاً من سعيد بن خالد
له من قريش طيبوها وقبضها ... وأن عض كفي أمه كل حاسد
(1/15)

وكان الفرزدق كثير الانتجاع للشرفاء بالمدينة، ولذلك شكاه أهل المدينة لعمر بن عبد العزيز في وقت خصاصة، فأمره بأن لا يتعرض لهم، ودفع إليه أربعة آلاف درهم. وكان سعيد هذا من أكثر قريش مالا. يقول إذا أبرقت السماء: أمطري حيث شئت، فلا تمطين على بلد إلا ولى فيه مال.
وكان محمد بن الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يفد على الأمراء، فإذا انصرف مر بابن عمه سعيد بن خالد فأقام عنده بعض المقام، فقيل له في ذلك فقال: إنه يصلني كلما مررت به بألف دينار، وهى تقع منا موقعاً.
وسعيد هو أبو سلمى التي يقول فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
دعوا إلي بسلمى والشراب وقينة ... منعمة حسبي بذلك مالاً
خذوا ملككم لا بيت الله ملككم ... فليس يساوي في الحياة عقالاً
إذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا
ومر الفرزدق بعد نهى عمر له بعبد الله بن عمرو بن عثمان وهو جالس في دهليزه وعليه عمامة خز حمراء، وجبة خز ومطرف. قال:
(1/16)

أعبد الله إنك خير ماش ... وساع بالجراثيم الكبار
نمى الفاروق أمك وابن أروى ... أباك فأنت منصدع النهار
هما قمر السماء وأنت نجم ... به في الليل يدلج كل سار
فخلع عليه ثيابه، ودفع إليه عشرة آلاف درهم. فاتصل ذلك بعمر فأحضره وقال: ألم أتقدم إليك بأن لا تعرض بمدح ولا هجاء، لقد أجلتك ثلاثا، فان أحدثت بعدها نكلت بك. فخرج وأنشأ يقول:
فأوعدني وأجلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود
وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفي محمد
الديباج يقول أبو وجزة السعدي:
وجدنا المحض الأبيض من قريش ... فتى بين الخليفة والرسول
أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمعتلج السيول
فما للمجد دونك من مبيت ... وما للمجد دونك من مقيل
فدى لك من يصد الحق عنه ... ومن يرضي أخاه بالقليل
فلولا أنت ما رحلت ركابي ... مؤثلة ولا حمدت رحيلي
(1/17)

وقدم ابن ميادة، وأسمه الرماح بن أبرد المري المدينة زائراً لعبد الواحد بن سليمان وهو أميرها، وكان عبد الواحد جواداً. وفيه يقول بعضهم.
ما كان بين وعده وعطائه ... إلا كواو العطف [بين الكلام]
وكان ابن ميادة ليلة عنده سمره، فقال عبد الواحد لأصحابه: إني أهم أن أتزوج، أفلا تبغوني أيما؟ فقال له الرماح: أنا أدلك - أصلحك الله - فقال وعلى من يا أبا الشرحيل؟. قال: قدمت عليك - أصلحك الله - فلما دخلت مسجدكم إذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فو الله بينما أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقعت عليه، فلما وقعت عيني عليه استباني حسنه، فما أقلعت عنه، فما زال يتكلم كأنما يتلو زبورا، أو يدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتى سكت، فلولا معرفتي بالأمير ما شككت أنه هو خرج من داره إلى مصلاه فسألت من هو؟، فأخبرت أنه بين الحيين للخليفتين، قد نالته ولادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لها ساطع من غرته في ذؤابته. نعم حشو الرجل وابن العشيرة. إن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، وجاب وجوه البلاد. قال: فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أمه فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم. فقال ابن ميادة: هم
لهم نبرة لم يعطها الله غيرهم ... وكم عطاء الله فضل مقسم
هذا محمد بن عبد الله بن عمرو الديباج أخو عبد الله بن حسن بن حسن لأمه، وقتله أبو جعفر، وجلده بالسياط حتى فقأ عينيه، ومات بقطع رأسه ووجه إلى شيعته بخرسان، وذلك بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وكتب إليهم (وجهت إليكم برأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) يوهمهم بذلك أنه رأس المهدي، ثم قتل
المهدي بعد.
وكان حسن بن حسن خطب إلى عمه الحسين بن علي فقال له: يا ابن أخي قد انتظرت هذا منك انطلق معي، فأدخله منزله، واخرج له ابنتيه فاطمة وسكينة وقال: اختر فاختار فاطمة، فزوجه إياها، فكان يقال إن امرأة مكنته من دولتها لمنقطة الحسن. فلما حضرت الحسن الوفاة قال:
(1/18)

إنك امرأة مرغوب فيك، وكأني بعبد الله بن عمر إذا خرج بجنازتي قد جاء على فرس مرجلا جمته، لا بساحلنه يسير في جانب الناس، معرضاً لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع في الدنيا ورائي هما غيرك. فقالت له، فأمن من ذلك وأثلجته بالإيمان من العنق والصدقة لا تزوجته. ومات الحسن فخرج بجنازته فوافاه عبد الله بن عمر في الحال التي وصف الحسن. وكان يقال لعبد الله: المطرف، من حسنه، فنظر إلى فاطمة حاسرا تضرب وجهها، وعرف ذلك فيها، فلما حلت أرسل إليها يخطبها، فقالت: كيف بيمين؟. فأرسل إليها مكان كل مملوك مملوكين، ومكان كل شيء شيئين، فنكحته وولدت محمد الديباج.
والقاسم لا عقب له، ورقيه بنت عبد الله، فكان عبد الله بن حسن يقول، وهو اكبر ولدها: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمر واحدا، ولا أحببت حب أخي أحدا.
ومن كتاب الممتع لعبد الكريم في فضل الشعر وما تعلق به وانضاف إليه من خبر أو شعر قال:
(لما رأت العرب المنثور يند عليهم ويتلفت من أيديهم، ولم يكن لهم كتاب يتضمن أفعالهم تدبروا الأوزان والاعاريض، فأخرجوا الكلام أحسن مخرج بأساليب الغناء فجاءهم مستويا. وراوه باقيا على مر الأيام، فألفوا ذلك وسموه شعرا. والشعر عندهم الفطنة. ومعنى قولهم: ليت شعري أي ليت فطنتي. والشعر أبلغ البيانين، وأطول اللسانين. وأدب العرب المأثور، وديوان علمها المشهور ولموضع قدر الشعر في العرب قال رؤبه بن العجاج في الحرب التي كانت بين بني تميم والازد: يا بني تميم أطلقوا من لساني. أي افعلوا ما أقول فيه. وقالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجدنا بشعرك. فقال: افعلوا حتى أقول ويقال إنه ارتج على النابغة أربعين سنة ثم كانت لبنى جعدة وقعة ظهروا فيها على عدوهم فاستخف النابغة الفرح الفرح فراض القريض، فلان له ما كان استصعب عليه، فقالوا: والله لنحن بإطلاق
لسان شاعرنا أسر منا بالظفر بعدونا.
(1/19)

قال عمرو بن معدى كرب:
فلوا أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
وكان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنأتها به، لذبه عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء. وكانت العرب لا تهنئ إلا بفرس ينتج أو مولود ولد، أو شاعر نبغ هكذا زعمت علماء العرب. وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: من أعز أهل البصرة؟. قال: نحن وحلفاؤنا من ربيعة. فقال عمر بن عبد العزيز - وكان حاضراً -: من تحالفهم عليه أعز وكانت بنو بكر بالبصرة حلفاء الازد ويداً معهم على بني تميم. وكذلك كانت في الجاهلية أشد الناس عداوة لبني تميم، وأكثرهم غارات على قرابة ما بينهما. قال العجاج:
إن تميما كان شيخا نائلاً ... زوج هنداً بنت مر وائلا
وكان تميم بن مر خال بكر بن وائل، وذلك أن وائل تزوج هند بنت مر وتزوج بكر هند بنت تميم. وقال عمرو بن دراك العبدي يعيب تحالف الازد على تميم:
وإني إن قطعت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم
لأعظم فجرة من أبي رعال ... وأجور في الحكومة من سدوم
تميم أسرتي وهم جناحي ... وقيس من أيديهم أديمي
(1/20)

وقال زياد الأعجم في مثل ذلك:
بكرينا إلى المران بكر بن وائل ... علانية من حلف كل يماني
فراش إذا ما احتاج للحلم منهم ... وذبان أطماع لكل مكان
فجروا خصاكم وابتغوا من تحالفوا ... من الناس حيناً غير ازد عمان
وقال بعض بني تميم:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغى من تخالف
وقال المدائني: حضر مجلس عباد والى مصر جماعة من العرب فتذاكروا فتح مصر، وكان هاشم بن جديح الكندي حاضراً ومعه جماعة من العرب اليمن فقال: البلد بلدنا، نحن فتحناه بأسيافنا، ونحن أهله. وحضر أبو العباس الزهري بعد ذلك مجلس عباد، وفيه هاشم
فأخبره عباد بقول هاشم، فقال: كذب البلد بلد من كان في عسكره ألف مثل ابن هذا. خسوا لا يعرفون. وقال زياد: والله للكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم. وقال شاعر في استدعاء ما يكون من القوم ليقول فيه:
وقافية قيلت لكم لم أجد لها ... جواباً إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكن ... ليدحض عنكم قالة الحق باطل
وقالت بنو أسيد بن عمرو بن تميم لأوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية قل فينا. قال: أبلو حتى أقل. وهمت بنو تميم أن تفر يوم صفين، فقال الأشهب بن رملية: أين يا بنى تميم. قالوا: ذهب الناس. قال: ويلكم!
(1/21)

تضرون وتعتذرون؟ وقال رؤبة لخطيب من بني أسيد - وهم رهط أوس بن حجر:
لقد خشيت أن تكون ساحراً ... رواية مراً ومرا شاعرا
فجعل نظير الشعر في الحكمة السحر الذي هو أعذب شيء وأدقه وألطفه.
وقال عمر رضى الله عنه: نعم ما تعلمته العرب الأبيات يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستنزل بها اللئيم، ويستعطف بها الكريم. وقال الحجاج لمساور بن هند: لم تقول الشعر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلأ وأقضى الحاجة فان كفيتني ذلك تركته. ومساور بن هند شريف. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لأبيه مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة الذي يقول:
جزى الله خيراً عالياً من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه
فكم دفعوا من كربة قد تلاحمت ... على وموج قد علتني غواربه
إذا قلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تحرد فيها متلف المال كاسبه
كان الحجاج كره لمساور إذ كان شريفاً قول الشعر لقولهم: الشعر أدنى مروءة الشريف، وأسرى مروءة الوضيع. وكبر مساور وعمر عمراً طويلاً وحدث من رآه مقيداً قد عظم شعره، واسترخت أذناه، وقطع له حفش، ووكلت به امرأة تقوم عليه، فقام يوماً حتى قعد في وسط البيت. فكوم
(1/22)

كومة من تراب ثم أخذ بعرتين فجعلهما على رأس الكومة، ثم أرسلهما فقال: أرسلت الجواء واليلندج. ثم نظر فقال: سبقت الجواء، فبصرت به المرأة فأقبلت
تهودل، وهو يدور حتى دخل الحفش أمامها وهي لا تني تعنفه.
واليلندج: الناقة العظيمة السمينة، والحفش ما قطع له في البيت لصغره وقال المساور للمرار الفقعسى:
ما سرني أن أمي من بني أسد ... وأن ربي ينجيني من النار
وأنهم زوجوني من بناتهم ... وأن لي كل يوم ألف دينار
وقال الشاعر:
شقيت بنو أسد بشعر مساور ... إن الشقي بكل حبل يخنق
وقال عمر رضي الله عنه: الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه.
وقال علي رضي الله عنه: الشعر ميزان القوم.
وذكروا أن البلاغة إذا وقعت في المنثور والمنظوم كان الشاعر أعذر وكان العذر على صاحب المنثور أضيق. وذلك أن الشعر محظور بالوزن محصور بالقافية، والكلام ضيق على صاحبه (فيه)، والمنثور مطلق غير محصور فهو يتسع لقائله.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) للعلاء بن الحضرمي: هل تروى من الشعر شيئاً؟ فأنشده:
حي ذوى الأضغان تسب قلوبهم ... تحيتك الحسنى وقد يرقع النغل
فإن دحسوا بالكره فاعف تكرماً ... وأن حبسوا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
(1/23)

فقال النبي عليه السلام: إن من الشعر لحكما.
وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: أن الله تعالى رفع بالشعر أقواماً في الجاهلية والإسلام وأحظاهم بما سير المادحون من مدائحهم في البلاد حتى شهروا بأطوار الأرض، وعرفوا بأقاليم العجم. ودونت في الكتب آثارهم وألحق الله تعالى لمسارهم، وأعفاهم حميد أفعالهم، فمن شيد من أعقابهم ما اسسوا له، وثمر ما غرسوا، أضاف تالدا لطارف. ومن لم تكن له همة في تشيده فله مع السقوط مزية تقديم فضل آبائه، لا يمتنع الناس له من إكرامه ورفع مكجلسه، والرقة عليه وذكر فصائل سلفه، واغتفار ما يأتي من زلَلَه. ولهذا رغب الأولون في الذكر الجميل، وبذلوا فيه مهج النفوس وعقائل الأموال، ورغبوا عن الخفض والدعة
إلى نصب المسير، ومكابدة حر الهواجر، وسرى الليل، ومقارعة الأقران، ومنازلة الأبطال.
ومن عجيب الشعر أم مديح النفس والثناء عليها قبيح على قائله، وزار عليه إلا في الشعر، وقد اغتفروا الضرورة في الشعر، ولم يغفروها في غيره، ورغبة في تخليد أخبارهم، وكانوا لا يكتبون فجعلوا روايته بمقام الكتاب.
وقال محمد بن سلام الجمحي إن القصيد حديث الميلاد، وإنما قصد الشعر على عهد هاشم بن عبد مناف أو عبد المطلب بن هاشم، وإنما كانت العرب تقول الأراجيز والأبيات بها
لا حميري قعا ولا عدس ... ولا أست عنز يحكها البقر
وكان زرارة من أسنان بني عدس بن زيد، وهو أول المقصدين، وهلهل بن ربيعة، فيقال: إن بين موت زرارة بن عدس إلى أن جاء الإسلام مائة وخمسون سنة.
وقد قيل إن لليونانين كلاما موزونا بلسانهم يتغنون به، وليس بكثير غالب عليهم، وبالشعر يتمثل. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صفين متمثلا:
(1/24)

أمرتهم أمرا بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد
وأما أما إلا من غرية إن غوت ... غويت وإن ترشد غربة أرشد
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: مانع لحوزته، مطاع في أنديته، شديد العارضة، فقال الزبرقان أما إنه علم أكثر مما قال، ولكنه جيدني شرففى، فقال عمرو: أما لئن قال ما علمته إلا ضيق العطن، زمن المروءة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلامان يا عمرو؟! لما رأى قوله أختلف، ورأى الإنكار في عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، فقال النبي عليه السلام عند ذلك: (إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما). أي يلزم الشعر كما يلزم من الحكم.
قال حبيب
(1/25)

ولولا سبيل سنها الشعر ما ذرى ... بغاة العلا من حيث تبنى المكارم
ترى حكمه ما فيه وهو فكاهة ... ويقضي بما يقضي به وهو طالم
وكان عمرو بن الأهتم خطيبا، شاعرا، جميلا، وكان يقال له المكحل وابنه نعيم بن عمرو من أجمل الناس، فلما رأى الحسن بن علي رضي الله عنهما جمال عمرو تزوج ابنته أم حبيب فوجدها قبيحة، فطلقها، وأخوه عبد الله بن الأهتم جد خالد ابن صفوان الخطيب، وآل الأهتم كلهم خطباء، وعبد الله القائل لابنه: يا بني إنا أهل بيت يتوارث علما قل ما طلبنا به حاجة إلا أدركناها وأدبا قل ما أردنا به منزلة إلا نلناها. يا بني لا تطلب الحاجة إلا من أهلها، ولا تطلبها إلا في حينها، ولا تطلب ما لست له مستحقا، فأنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا بالحرمان.
وقال علي بن الحسين: العقل أمير والأدب وزيره، فإذا لم يكن وزير ضعف الأمير، فأن لم يكن أمير بطل الوزير.
وقال معاذ: صحبة العاقل في لحج البحار وأهوال القفار أشهى إلى من صحبة الجاهل في مجلس بين جنات وأنهار، فيها ألوان الأطعمة والثمار.
وفد عمرو بن الأهتم مع قيس بن عاصم على النبي صلى الله عليه وسلم مع جماعة من بني تميم، فبادروه من وراء الحجرات، ففاخروه، وشاعروا شاعره حسان وخطيبه ثابت بن قيس، فقال قيس بن عاصم، والله لشاعرهم اشعر من شاعرنا وخطيبهم أخطب من خطيبنا، فلما أسلموا وأعطاهم صلى الله عليه وسلم كان عمرو متخلفا في رجالهم فذكره قيس بن عاصم، وأراد أن يستميح له النبي صلى الله عليه وسلم فقصر به بالذكر فألحقه النبي عليه السلام بهم، فقال عمرو يهجو قيسا:
ظللت مفترس الهلباء تشتمني ... عند النبي، فلم تصدق ولم تصب
إن تشتموني فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب
(1/26)

خرج عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر، والمخبل القريعي، وعبده بن الطبيب فبدوا عن الماء فنخروا جزورا،، وأجتمعوا على شراب لهم، فاتاهم رجل من بني يربوع كان يروى الشعر، فقالوا له: أحكم بيننا، فقال: من يعترض لكم؟! ولكني سأصف لكم، أما عمرو بن الأهتم فحلل ملوك تنشر وتطوى، وأما الزبرقان فجزرو نحرت فألقيت في قدر، فأنت تدخل يدك فتصيب سناما مرة وكبدا مرة أخرى، وقرنا مرة، وأما المخبل فمكاو يصيبها الله على
من يشاء، وأما عبده فصميل.
وقال عمر بن عبد العزيز وسمع رجلا يتكلم في حاجة بكلام بليغ وعمل لطيف ولسان رقيق فقال: هذا والله السحر الحلال.
وقال الشاعر:
من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر قبلها سحراً حلالً
قال معاوية رضى الله عنه: لقد رأيتني يوم الهرير من أيام صفين وقد عزمت على الفرار وما ردني إلا قول عمرو بن الإطنابة:
أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
وقال أخر: تعلموا الشعر فان فيه محاسن تبتغي ومساوئ تبقى، ويحل عقدة اللسان، ويشجع الجبان.
(1/27)

وقال آخر: الشعر ثلاثة أصناف؛ فشعر يكتب ويروى، وشعر يسمع ولا يروى وشعر ينبذ ويرمى.
وقال أبو سفيان بن حرب لابن الزبعري: لو أسهبت في شعرك. قال: حسبك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة، وأنشدني في نعت الشعر:
الشعراء فاعلمن أربعة ... فشاعر يجرى ولا يجرى معه
وشاعر ينشد وسط المعمعة ... وشاعر لا يرتجى لمنفعه
وشاعر يقال خمر في دعهْ
قال الرشيد: لقد كنت في بلاد الروم في ساعة أزمة وحرب شديدة إذ خطرت ببالي أبيات مالك بن عوف النمري التي يقول فيها:
ومقدم يعي النفوس بضيقه ... قدمته وشهود قومي فاعلم
قدمته ودعوت آخر خاله ... من دون غمرته وغمرته بالدم
فإذا اشتكى مهري إلي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له اقدم
وإني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم
فسكنت من جأشي، ثم حملت وحمل المسلمون، فما أتممت إنشادها حتى فتح الله عز وجل علي.
(1/28)

مات ابن لسليمان بن علي، فجزع عليه جزعاً شديداً، وأمسك عن الطعام والشراب والكلام، فقال كاتبه للحاجب ائذن للناس، وقعد على طريقهم، فجعل يقول: عزوا الأمير وسلوه، فكل تكلم، فلم يصغ إلى أحد إلى أن دخل يحيى بن منصور فقال: أصلح الله الأمير، عليكم نزل كتاب الله عز وجل، وأنتم أعرف الناس بتأويله؛ وفيكم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنتم أعلم الناس بسنته ولست أعزيك بشيء لم تسبق إلى علمه، أعزيك بقول الشاعر:
وهون ما ألقى من الوجد أنني ... أجاوره في داره اليوم أو غدا
فدعا بالغداء وتسلى.
وأنشد عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن عباس رضي الله عنه قصيدته:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر
وهي ثمانون بيتاً، وكان عنده نافع بن الأزرق الخارجي يسأله عن أشياء في العلم فقال نافع: أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض عنا - وكان نافع قد أمله بكثرة سؤاله - ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفها (فتسمح له)؟. فقال: تا الله ما سمعت سفها فقال: فقال: أما أنشدك؟!:
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيخزي، وأما بالعشي فيخسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال فيضحى، وأما بالعشي فيخسر. قال: أو تحفظ الذي قال؟. قال: والله ما سمعتها إلا ساعتى، ولو شئت أن أرددها فأنشده إياها. فقال له: ما رأيت أروى منك. فقال له ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي رضي الله عنهما.
(1/29)

وكان ابن عباس بالبصرة أميرا عليها يعشى الناس في شهر رمضان فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، فإذا كان آخر ليلة في الشهر يعظهم ويكلمهم بكلام يودعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، ووصلتكم الوفاء ورتبتكم القلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف. إن الله كلفكم الوسع. اتقوا الله ما استطعتم قال: فقدم أعرابي فقال: من أشعر الناس أيها الأمير؟ فقال: في
أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود. فقال: أشعر الناس الذي يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقالوا لا ينبغي أن يتوسع في الخطب الطوال التي يقام بها في المحافل بشيء من الشعر. وأجازوا في الخطب القصار، وفي المواعظ والرسائل، إلا أن تكون الرسالة إلى خليفة، فان محله يرتفع عن التمثيل بالشعر، بل بما في كتاب الله.
وقال حبيب يذكر انتظام الشرف في الشعر وعقد القوافي بالمجد:
إن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالشعر صار قلائداً وعقودا
وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد عقودا
وقال حبيب أيضاً:
(1/30)

ولم أرى كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم
ولا كالعلى ما لم ير الشعر بينهما ... فكالأرض غفلاً ليس فيها معالم
وما هو إلا القول يغدو فتغتدي ... له غرر في أوجه ومباسم
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلى من أين يؤتى المكارم
وقد تقدم هذا البيت (الأخير) والذي بعده.
روى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ألا رجل يرد عنا؟ قالوا: يا رسول حسان بن ثابت. قال: أهجهم - يعني قريشا -، فو الله لهجاؤك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام. أهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك الهنات. فأخرج حسان لسانه فضرب به طرف أنفه ثم قال: والله يا رسول ما لشرين به مقول من معد، والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على حجر لفلقه.
(1/31)

باب البيان
والمنة لله عز وجل في هذا البيان الذي جعل اللسان به دليلا عليه، وهاديا إليه، ومعربا عن المعرفة به خادما للقلوب، ومترجما عن نتائج العقول، ومطهراً للحكم. قالت الفلاسفة: اللسان خادم للقلب. وقالت العرب: لسان المرء كاتب قلبه إذا أملى عليه شيئاً أبانه. وقال حبيب:
ومما كانت العلماء قالت ... لسان المر من خدم الفؤاد
وقال حمزة بن حمزة للنعمان بن المنذر: المرء بأصغريه، فؤاده ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان.
وقال أبو يعقوب أسحق الخريمي:
وخلجة ظن يسبق الصرف حزمها ... تشيف على غنم وتمكن من ذخل
صدعت بها والقوم فوضى كأنهم ... بكارة مرباع تبصبص للفحل
وقال العتابي: (إن اللسان رسول العقل إلى السامعين، وأداته التي يجمع بها بين متفرق الحكمة، ويفرق بين قرائن الشبهات، وأفضل بيان العرب وأفصحه ما أداه عنها الشعر الجاري على ألسنتها بالبلاغة المحكمة، والحكمة المتقنة الباقية، مضمناً حكمتها وسائر أمثالها شاهدا على أحسابها وكريم
(1/33)

أفعالها، مخبرا عن مروءاتهم في سالف أيامهم، وعن محمود خلائقهم، وجميل وفائهم، ليتأدب غابرهم بفعل فارطهم، وليقتدي متعلمهم من الأبناء بسالف من تقدمهم من الآباء). ولذلك قال الأعشى لشريح بن عمران بن السموأل بن عادياء يذكره وفاء أبيه ليتأول ذلك فيه وقد أسره بعض الملوك من قضاعة، ونزل به تيماء على شريح بن السموأل)
كن كالسموال إذ طاف الهمام به في جحفل) (الأبيات). وقد تقدمت قبل هذا في ذكر من وفى لجاره.
وقال أحيحة بن الجلادح، وكان سيداً يصلح المال ويعم بمروءته، ويستعين بذلك على ما ينويه من الحق:
إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الكريم على الإخوان ذو مال
لها ثلاث بيار في جوانبها ... وكلها عقب تسقى بإقبال
استغن أو مت ولا يغرك ذو حسب ... من ابن عم ولا عم ولا خال
وكان يقال: التمرة إلى التمرة تمر، كما يقال: الذود إلى الذود إبل. وهو الذي يقول:
(1/34)

أطعن العرس في الشهوات حتى ... أصارتني أسيفاً عبد عبد
إذا ما جئتها قد بعت عذقاً ... تعانق أو تقبل أو تفدى
فمن وجد الغنى فليصطنعه ... ذخيرته ويجهد كل جهد
وقال بعض الحكماء: لأن يجمع الرجال مالا فيخلفه بعد موته لأعدائه خير من الحاجة في حياته إلى أصدقائه. وكتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي (رضي الله عنه) أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين ملمسها، شديد سمها، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن أس ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته منها إلى محذور. والسلام).
وقال بعضهم:
مروة معسر عف قنوع ... يقدر في معيشته ويمسك
تزيد على مروة كل مثر ... يروح ويعتدي جم التملك
وأكثر من سخائك بالعطايا ... سخاء النفس عما ليس تملك
قال الزبير بن بكار الزبيري: دخل الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، فركب معه الاحوص بن محمد الشاعر، فأتى مسجد العصبية فلما صلى قال الاحوص: أين الزوراء التي يقول فيها صاحبكم: أني مقيم على الزوراء. . . البيت
فأشار إليها: هي تلك لو طولت لاستعربت سالماً عليها. قال الوليد: إن أبا عمرو كان يراه غنيا بها فعجب الناس يومئذ لأدب الوليد أن عنى بالعلم علم كنية أحيحة بن الجلاح
(1/35)

وفي أحيحة يقول بعضهم:
رأيت أبا عمرو أحيحة جاره ... يبيت قرير العين غير مروع
فمن يأته من خائف يس خوفه ... ومن يأته من جائع البطن يشبع
خلائق في الجلاح كانت كريمة ... فأكرم به من ذي خصائل أربع
قال وكيع بن الحجاج: مات سفيان الثوري رحمة الله عليه وله مائة وخمسون ديزا بضاعة.
قال القارياني لولا هذه لتمندل القوم بنا تمندلا.
وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويصل رحمه ويكف وجهه، ويترك دنانير. فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني.
وقال سعد بن عبادة: اللهم هب لي حمداً ومجداً، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا يصلح عليه.
وقال الأحنف:
فلو مد سروي بمال قليل ... لجدت وكنت له باذلا
فإن المروءة لا تستطا ... ع إذا لم يكن مالها فاضلا
وكان الأحنف يبخل. وقال: يبخلونني وأنا أشير عليكم بالرأي يسوى عشرين ألف درهم. قالوا له: تقويمك الرأي غاية البخل.
حكى العتبى قال: كان أخوان من الشام أحدهما أيسر من الآخر، فقال أحدهما للآخر: يا أخي لو تزوجت، لعل الله أن يجعل منك خلفا؟ ففعل، فكان الذي لم يتزوج يسافر، ويترك أخاه المتزوج، وأن المرآة عشقت ذلك الأخ، فقالت لزوجها: أتدري ما يقول الجيران؟. قال: لا قالت: يقولون لا جزى الله فلانا عن بيته خيراً، يقعد مع أهله ويتركه يقلب في المهالك؟. قال: صدق الجيران. فلما عاد قال له أخوه: إني أريد الخروج في تجارتك. قال: لم؟ أفكرت شيئاً؟. قال: لا ولكني أردت أعقبك.
(1/36)

فلما خرج تهيأت ثم أتته فعرضت عليه نفسها، فلم يزل يعظها ويذكر محاسن أخيه ومساوئ نفسه حتى انصرفت، ثم عادت إليه بعد. فلما أكثرت قال لها: لتنتهين أو لأكتبن إلى أخي. فتركته وقدم أخوه، فقال: يا أخي كيف رأيت أهلي؟ فقال في نفسه: قد عصم الله ولا أفسد على أخي أهله. فقال: خير أهل. فأتاها وقد ظنت أنه قد أخبره، فقال: كيف رأيت أخي. قالت: ما زال أخوك يراودني عن نفسي فعصيت، فغضب وحلف بالمحرمات لا يكلمه أبداً ما عاش، وخرجا حاجين، فهلك الأخ الأعزب بوادي الدوم، فكأنما هلك به جمل. فلما رجعوا مروا بذلك الوادي فسمعوا صارخا يقول:
أجدك تمضي الدوم ليلاً ولا ترى ... عليك لأهل الدوم أن تتكلما
وبالدوم ثاوٍ لو ثويت مكانه ... لمر بوادي الدوم حياً وسلما
فظنت المرآة أن المنادى من السماء فقالت: يا فلان هذا مقام العائذ، إنه كان من قصتنا كيت وكيت. فقال: والله لو حل قتلك لقتلتك. ففارقها وضرب على قبره خيمة، وانشأ يقول:
هجرتك في طول الحياة وأبتغي ... كلامك لما صرت رمساً وأعظما
ذكرت ذنوباً منك كنت اجترمتها ... أنا منك فيها كنت أسوا وأظلما
فلم يزل مقيما على قبره حتى مات، فدفن إلى جنبه. قال العتبى: فسألت الشاميين فعرفوه.
والعرب تضرب المثل بجار هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم فبينما الصبيان يلعبون في مستنقع ماء لهم ويتغاطون إذ غطوا ابن أبى دؤاد، فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:
(1/37)

ألم تر أنني جاورت كعباً ... وكان جوار بعض القوم غيا
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا
يريد نواى، فلما سمع بذلك هلال أمر بنيه فأخرجوه إلى نادى قومه فقال: ولا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبى دؤاد حتى يرضى، فمشوا إلى ابن أبى دؤاد فأعطوه حتى رضي. وكان هلال قال له: احتكم حكم الصبي على أهله - وحكم الصبي أن يطلب ما لا يوجد. قال الشاعر:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله
وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك قد اخترتني جاراً واخترت دارى دارا، فجناية يدك على دونك، وأن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبي على أهله.
والعرب تضرب المثل في الجود فتقول: أجود من كعب. وهو كعب بن مامة الإيادي، وكان من جوده أنه خرج في ركب منهم رجل من النمر بن قاسط: فضلوا، فتصافنوا مالهم أي اقتسموه بالحصاة، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: أعط أخاك النمري يصطبح فيؤثره حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حين رفعت له أعلام الماء فقيل: رد كعب إنك وراد
فغلبه العطش، ولم يقدر على النهوض، فلما رأوا ذلك خيلوا عليه بثوث يمنعه من السبع أن يأكله، فمات هناك. فقال مامة يبكيه:
ما كان من سؤدد أسقي على ظلما ... خمراً بماءٍ إذا ناجودها بردا
(1/38)

من ابن مامة كعب ثم عي به ... زو المنية إلا حرة وقدا
أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد فما وردا
وقال امرؤ القيس يذكر الجوار:
يا ثعلا وأين مني بنو ثعل ... ألا حبذا قوم يحلون بالحبل
نزلت على عمرو بن ذرماء بيته ... فأكرم ما جار وأحسن ما محل
يظل لبونى بين جود مسطح ... براعي الفراخ الدارجات من الخجل
فما زال منها معشر بقسيمهم ... يذودونها حتى أقول لهم عسل
وأبلغ معدا والعباد وطيساً ... وكندة أنى شاكر لبنى ثعل
وقال قيس بن زهير - وضرب المثل بجار أبي دؤاد:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشي تشرى ... بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر ... واخوته على ذات الاصاد
هم فخروا علي بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي
وكنت إذ منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية ناد
بداهية تدق الصلب منه ... فتفصم أو تجود على الفؤاد
وكنت إذا أتاني الدهر رنق ... بداهية شددت لها نجادي
ألم تعلم بنو الميقات أنى ... كريم غير معتلث الزناد
أطوف ما أطوف ثم آوى ... إلى جار كجار أبي دؤاد
(1/39)

إليك ربيعة الخير بن قرط ... وهوباً للطريف وللتلاد
كفاني ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عني الاعادي
كأني إذا أنخت على ابن قرط ... عقلت إلى يلملم أو تصاد
القرشي الذي ذكر هو عبد الله بن جدعان من تيم بن مرة، وذلك أن الربيع ابن زياد ساوم قيس بن زهير با درع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها، فلم يردها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي احدى
منجبات قيس. هي أم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس وكانوا يسمون الكملة.
ويقال لعمارة دالق الدلو لوقعة في الغارات، فاقتاد جملها، وكانت في ظعائن عبس، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد علية، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل. أين ضل حلمك؟. أترجوا أن تصطلح أنت وبنوا زياد أبدا. وقد أخذت أمهم فذهبت لها يمينا وشمالا، فقال الناس في ذل ما شاءوا، وحسبك من شر سماعة، فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها، واطرد إبلا لبني زياد، فقدم بها معه فباعها من عبد الله بن جدعان.
والميقات التي تلد الحمقى.
وقال امرؤ القيس في منع الجار:
كأني إذ نزلت على المعلى ... نزلت على البواذخ من شام
فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا الملك الشامي
أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام
وحقر امرؤ القيس مجاورة بني شمحي بن جرم، فقال:
أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان
مجاورة بن شمحي بن جرم ... هو أنا ما أتيح من الهوان
(1/40)

وقال غيره:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان اشبال
هم يمنعون الجار حتى كأنها ... لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا النائبات وأجملوا
قوله: وأجملوا مردود على الفاعلين.
وقال قيس بن عاصم المنقري:
أيا بنت عبد الله وابنة ملك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد
(1/41)

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فأني لست آكله وحدي
كريما قضيا أو أبيا فإني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من شية العبد
الورد بين الكميت والأحمر والأشقر، وهو إلى الصفرة، والحوة: خضرة إلى السواد قال الأصمعي: قالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكميت، ومن الإبل إلا الحمر.
وقيس بن عاصم أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وذلك أنه دعي إلى الرأي يوم الكلاب فألفوه نائما، فلما أفاق عرف، فحرم الخمر على نفسه وقيل أنه نزل عليه تاجر بخمر فقال له: أصبحني قدحاً، ففعل فقال: زدني ففعل حتى سقاه ثلاثة أقداح، فقال: زدني. فقال: أنا تاجر صاحب ربح، فوثب عليه فأوثقه إلى دوحة في داره، وانتهب ماله وخمره، وكلمته أخته، فلطمها، وقال للتاجر، افد نفسك، وقال:
من فاخر تاجر جاء الإله به ... كأن عثنويه أذناب احجال
جاء الخبيث ببيسانية تركت ... صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال
وسب الخمر، وضرب اخته، فلما صحا قال: من فعل هذا؟. قالت أخته: الذي فعل هذا بوجهي، فحرم الخمر على نفسه، وقال:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... خلائق تفضح الرجل الكريم
فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أسقي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجشمهم بها الأمر العظيما
إذا دارت حمياها تعلت ... طوالع تفسد الرجل الحكيما
(1/42)

وقد رد من لا يحسن القول على قوله: يا بنت ذي البردين، وقالوا: ما قدر بردين وفرس ورد حتى يفتخر بها، وعارض هذا الشعوبي بملوك فارس وأسرتها وتيجانها، وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا. وبلغت آنيته التي يشرب فيها الداخل عليه ألف إناء من الذهب، وخدمته ألف جاريه وفعلة بعد هذا ابنة.
وقال بعض العلماء: أخطأ في المعارضة لم يكن صاحب البردين ملك العرب فيعارض عنه بملك العجم. ولم يدع أحد كان للعرب في الدولة العجم مثل ملكها وأموالها، وعددها
وحريرها وأنساجها فيحتاج إلى أن يذكر ابرويز وفيلته وجواريه وفرسه.
قال أبي قتيبة: وأما ذكره الفرس الورد فان العرب تتخذ الخيل حصونها وهي سبب العز، وسلم المجد، وبمثال العيال. قال الاسعر الجعفي:
ولقد علمت على تومي الردا ... إن الحصون الخيل لا مدر القرى
إني وجدت الخيل عزاً ظاهراً ... ينجي من الغما ويكشفن الدجى
وإذا كان للرجال جواد مبر كريم مبرز شهر به وعرف، فقيل: العسجدي ولاحق، وداحس، والورد. وقد فخرت العجم بفرس كسرى، فصوره في الصخور الصم، وفي الجبل، وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذاك
(1/43)

إلا لمعنى شريف فيه، كقولهم لهنيد بنت صعصعة عمة الفرودق: ذات الخمار، فمن لم يعرف سبباً لخمارها هي يظن أنها كانت تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك. وإنما كانت هنيدة تقول: من جاء من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي فصرمني! أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان. فسميت ذات الخمار لذلك.
وكانت صفية بنت عبد المطلب لا تغطي رأسها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا من عشرة من المهاجرين الأولين: حمزة بن عبد المطلب أخيها وجعفر وعلي ابني أبي طالب ابن أخيها، والزبير بن العوام أبنها، وعثمان بن عفان ابن بنت أختها أم أروى بنت كريز، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب وأبو سلمة ابن عبد الأشد، وأبو سره بن أبى رهم ابنا أختها برة بنت عبد المطلب، ومن عبد الله وأبي أحمد الأعمى الشاعر ابني جحش أمها أميمة.
وأما ذكر البردين فان المنذر بن محرق أجتمعت عنده وفود العرب فدعا ببرى محرق، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة وأكثرهم عدداً فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن احيمر بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد فأخذهما فاتزر بواحد، وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز من العرب معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في بنى تميم، ثم في بنى سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس. فقال المنذر: هذه عشيرتكم كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك؟ وفي بدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة، نمتني الأكابر
عن الأصاغر،
(1/44)

والأصاغر على الأكابر. وأما قولك كيف أنت في بدنك؟ فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين، فسمي ذا البردين. قال الفرزدق:
فما تم في الحيين سعد ومالك ... غلام إذا قيل لم يتبهدل
لهم وهب الجبار بردي محرق ... لعز مد والعديد المحصل
وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية عثمان بن مطعون، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، وأزوج كريمتي من لا أريد، فبينا هو بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت ثم تلى عليه الآية التي في المائدة، فقال: تبا لها، لقد كان بصري فيها نافذاً.
وقال بعضهم يذم الخمر:
من تقرع الخمر الذميمة سنة ... فلا بد يوماً أن يريب ويجهلا
فلم أر مشروباً أخس غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا
وأحذر أن تلقى حليماً بعيبها ... فيشربها حتى يخر مجدلا
وقال أخر:
تركت الخمور لشرابها ... وحلو الطلاء وحر الشكر
وقالوا شفاؤك في شربة ... من الخمر سجت بماء خصر
فقد كذبوا ما شفاء الكريم ... بشر يعل به بعد شر
(1/45)

وقال حسان:
ولولا ثلاث هن في الخمر لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرع ... دني وإن العقل ينأى فيعزب
وقال آخر:
ألم تر أني صحوت عن الخمر ... وأجمع صرماً ما حييت لها صدري
وكيف تطيق النفس صحبة صاحب ... يدله عقلي أو يقاسمني وفرى
وممن حرمها في الجاهلية عفيف بن معدي فقال:
فقالت لي هلم إلى التصابي ... فقلت عففت عما تعلمينا
وودعت القداح وقد أراني ... لها في الدهر مشغوفاً رهينا
وحرمت الخمور علي حتى ... أكون بقعر ملحود دفينا
فسمى بذلك عفيفاً، وكان اسمه شراحيل.
وقال عامر بن الظرب العدواني:
إن أشرب أشربها للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قالي
لولا اللذاذة والفتيان لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي
سالة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى بغيب ترب الأرض أوصالي
(1/46)

قال: وكم فعلة جليلة عادت حسباً لمن قل حسبه وصيرت نسباً لمن قل نسبه وأغنت ذا النسب المعروف عن الانتساب. ألا ترى إلى عاصم بن خليفة الضبي واستغنائه بما فعل عن ذكر نسبه كان إذا استأذن على عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: عاصم بن خليفة قاتل بسطام بن قيس. وكان عاصم مضعوفاً، وهو قتل بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين سيد بني شيبان. وغزا بسطام اثنتين وعشرين غزوة ظفر فيها في عشرين، وأسر في واحدة، أسره عتيبة ابن الحارث بن شهاب اليربوعي، وقتل في الثانية قتلته بنو ضبة، وعصم ابن خليفة منهم. وفي موته يقول عبد الله بن عتمة الضبي وكان منقطعاً بموقعه إلى بني شيبان وهم أخواله. وكان مع بسطام:
لأم الأرض ويل ما اجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل
نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
وجدك لن تراه ولن تراه ... تخب به عذافرة ذءول
حقيبة رحله بدن ورمح ... وتتبعه مرببة ذمول
(1/47)

إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمر في طوابقه الخيول
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
تضمنه بنو بكر بن سعد ... ولا يوفى بسطام قتيل
فخر على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل
فإن تجزع عليه بنو أبيه ... فقد فجمعوا وفاتهم جليل
بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها فصيل
إذا الأبطال خامت ... وعرد عن حليلته الحليل
أضر: دنا منه، والأمل: الحبل من الرمل، والألاء: شجر على قدر الذراع.
وقال الشاعر:
فإنكم ومدحكم بجيراً ... أخا لجإ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيد ... وتمنعه المرارة والإبا
وبنو بكر بن مسعد بن ضبة أخوال الفرزدق.
وقال محرز بن المكعبر الضبي في شأن بسطام يجيب عبد الله المتقدم قوله في بسطام:
(1/48)

ألا أبلع بني شيبان عني ... وقد يهديك ذا الحكم الأصيل
بأن الحلم موردكم مياها ... يخالط شربها كلا وبيل
ألم نطلقكم فكفر تمونا ... وليس لنعمة المكفور حول
فإن ينطق عبيد الله جهلاً ... فلم يعلم عبيد ما يقول
سما من أهل ذي قار إلينا ... بهاد لا يخالطه الضلول
فلما أن مضى بالقوم شهراً ... وبين ما يخبره الدليل
يجيش عليه بالأصوات فيه ... إذا نزلوا التحمحم والصهيل
فباتوا نازلين بنا وكنا ... قرى الأضياف إذ كره النزول
فما نظروا القرى ورأوا وجوهاً ... قليلاً في تأملها الوسيل
فلما أن أضاء الصبح جينا ... رعيلاً خلفنا منه رعيل
فما شعروا بنا حتى رأوناً ... وأكثبة الشقيق بنا تسيل
رأوا نعم الشقيقة وهي خوم ... ودون لقائه شر وبيل
أقر العين إذ دارت عليهم ... شميط اللون ليس لها خجول
وهن على الأكارم مجلحات ... لهن بكل متعرك قتيل
إذا كره السلاح مضين قدماً ... ولم يك حق عادتها النكول
وظل لها على الأنقاء منا ... إلى أن أظلموا يوم طويل
وآبوا مطلقين ولم يثيبوا ... وغال رئيسهم في الأرض غول
وكان مع بسطام دليل من بني أسد يقال له فقيد، وأن بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو ثاني الغرب المزلة. ففزع لذلك وقص رؤياه على فقيد، فقال: ألا قلت بم تعود باديا مثله. فوجل
(1/49)

فقيد منها. قال: ومضى بسطام، فلما دنا من النقا صعده راجلا ليربا عليه، فإذا هو بألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي قد فقأ عين فحلها، فلما رآها بسطام رمى بنفسه فرحاً من أعلى النقا، وأخذ يتدهدى حتى استوى بالحضيض، فناداه فقيد: مهلا يا أبا الصهباء، وقال: إن صدقت. الطير، صرعته الخيل وتطير له من رؤياه، ومن فعلته هذه، ولم يشك أنه مقتول، فمضى وترك بسطاماً فاطرد بسطام الإبل، وكان مالك بن المنتفق قد ركب فرسه، فنحا نحو قومه ونادى: يا صباحاه، فثابوا نحو الصراخ. وكان عاصم بن خليفة رجلاً به طرق وكان في أيام طرقه - أي جنونه الذي كان يأخذه في وقت من الأوقات، فجعل يأخذ حديدة له، فقالوا: ما تصنع بهذا قال: أقتل بها سيد ربيعة، فهزموا به، وأسرج أبوه خليفة دابته، ولبس لأمته، فبادره عاصم فركب فرسه، فناداه أبوه مراراً، فلم يلتفت إليه. فسأل عاصم: أيهم رئيس القوم فقال له خامسهم: هو صاحب الفرس الأدهم. فقال عاصم: الريح تعارضه حتى إذا كان بحذائه رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم يخطئ صماخ أذنه حتى خرج من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الألاء. وقال الفرزوق في ذلك ويفتخر في قتل عاصم بسطاماً:
خالي الذي ترك النجيع برمحه ... يوم النقا سرباً على بسطام
والخيل تنحط بالكماة ترى لها ... رهجاً بكل مجرب مقدام
وقال خال بسطام لبسطام: ما أحب أن يكون لي بك ابن أخت من العرب لولا وصمة وصمتها. قال: وما هي؟. قال: أسر عيينة إياك. قال: أما والله لا أوسر بعدها. قال الكلبي: قال خاله: قبلت ابن أختي. وكان له فبي الأسر حياة. قال الأصمعي: خرجت الظعن من بني حنظله تسير فأقبل رجل من بني يربوع إلى أم حاجب بن زرارة في هودجها، فقال: اسقني من هذا الماء
(1/50)

فقالت: نعم واليوم ظلم. فضرب ذراع بعيرها فسقط البعير والهودج فثار الحيان حتى كاد يكون بينهما شر فقال رجل من بني ثعلبة بن يربوع نحن نأتي بصاحبة لنا فاعقروا بها عقر صاحبنا بصاحبتكم. قال: فوقفوها في هودجها. وقالوا هلم فاعقربها، فلما أتاها، ودنا منها حل برداً كان مؤتزرا به ثم ألقاه عليها؛ وقال: أرجعي ابنة
عم غير معقور بك ولا مخزاه. قال: قال فذلك أول ما روى من حلم حاجب.
قال الأصمعي: قولها اليوم ظلم. يعني أن اليوم ظلمني حين وضع الشيء في غير موضعه. والمثل يضرب بوفاء حاجب، ورهنه قوسه عن مضر كافة وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا على مض فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث فيها سنين كسني يوسف. فتوالت عليهم الجدوب سبع سنين، فلما رأى حاجب الجدب والقحط على قومه جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا، فتلكأ عليه بعهم: رشدت فافعل، غير أنا لا نأمن عليك بكر بن وائل، ولا بد لك من ورد مياههم. فقال: ما منهم وجه إلا ولى عنده يد بيضاء إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، فكان لا يأتي على ماء إلا أكرمه سيدهم، ونحر له حتى أتى على ابن الطويلة حين أضاء الفجر وناديه قريب من حاجب فنادوا حاجب: حتى على الغداء وأمر بنطح فصب عليه تمر. فنحر ابن الطويلة جزراً وشياها، وقراه، وأراد تشييعه فامتنع حاجب، ومضى إلى إياس ابن قبيصة، فكتب له إلى كسرى، فلما أتاه وشكا إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى يحيوا، فقال: إنكم معشر العرب غدر حرصا فان أذنت لهم افسدوا في البلاد، أغاروا على الرعية قال حاجب: فأن ضامن للملك ألا يفعلوا. قال: ومن لي بان تفى (بوعدك) أنت. قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك الذين حوله فقالوا: بهذا العصا تفى، فقال الملك: ما كان يسلمها لشيء أبدا، وأمرهم فقبضوها منه وأذن لهم في دخول الريف، فأنت مضر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: هلك قومك وأكلتنا الضبع، فادع الله أن يرفع عنا القحط ويسقينا، فأنا نسلم. فدعا لهم
(1/51)

فأحيوا، وقد مات حاجب فخرج أصحابه إلى بلادهم، وارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوسه أبيه، فقال: ما أنت بالذي وضعها. فقال: أجل أيها الملك هو أبي، وقد هلك، وقد وفى له قومه، ووفى هو للملك. قال: ردوها عليه، وكساه حلة، فلما وفد إلى النبي عليه السلام وهو رئيس وفد بني تميم أهداها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يقبلها، وقال: لا أقبل زبد المشركين. فابتاعها منه الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم.
وكان حاجب مشهوراً بالحلم وحسن الأدب. قال أبو عبيدة: وقف حاجب زرارة بباب
كسرى فاستأذن له عليه غلام من العرب كان يحجبه فقال كسرى سل هذا العربي من هو من العرب؟، فسأله فقال: رجل منها، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: من أنت؟؟ قال: سيد العرب. قال كسرى: ألم تزعم أنك منها؟
قال: وقفت بالباب وأنا رجل منها، لست بمتقدم لها، فلما وصلت إلى الملك وجاورته سدتها، فقال كسرى: احشوا فاه درا.
قال أبو اليقظان: كان ذو الرقيبة أسر حاجباً في بعض حروبه، فلما رجع به إلى رحله وجد القد قد أثر في ذراعه فقال له: يا أبا عكرشة لو كنت أخبرتنا بما بلغ منك لقد وسعنا عليك. قال حاجب: إني خلقني ربي لا أشكو شيئاً، وفدى نفسه بأكثر مما فدى به معدي نفسه قط. قوم يقولون بألف بعير، فلولا الشعر ما لم يقيم لهذه الأفعال علم ولا رفع لها منار، ولدرست آثارها كما درس كثير لم يقيده الشعر، كالذي نسى من أفعال بنى حنفية، وعجل إذ لم يكن فيهم شعر، فدخلوا في جملة الحاملين عند كثير من الناس، هذا على ما كان لهم من الوقائع. وفيهم من المكارم.
(1/52)

وكان منهم هوذة بن علي ذو التاج، وأعمامه الذين يقال لهم البحور. ومنهم عمير بن سليمى الذي قتل ابن أخيه بجاره للوفاء فهو أحد الأوفياء الثلاثة.
ومنهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع الذي يقال له: رب حجر، وهي اليمامة، وهو كان اختطها برمحه، وأنزلها بني حنفية. ونفى عنها بقايا طسم وجديس.
ومنهم قتادة بن مسلمة بن عبيد، وكان ربع أربعين مرباعاً في الجاهلية.
ومن عجل أبجر بن جابر بن بجير أبو حجار، وعتيبة بن النهاس الذي قال لقهرمانه: امض مع الخطيئة، ثم ما أشار إليه من عالي المتاع ورفيعة فاشتره له. إلى كثير من مثل هؤلاء.
ومن شعرائهم العديل بن الفرخ.
ومثل هؤلاء بنو بدر كانوا مفحمين لا شعراء لهم، فما عرف عن فضلهم الشاكرون، وأغناهم عن تعداد محاسنهم المادحون، قال البحتري يمدح:
تدارك شمل الشعر والشعر شارد ال ... شوارد مرذول غريب الغرائب
فضم قوافيه إليه تيقناً ... بأن قوافيه سلوك المناقب
(1/53)

وقال ابن الرومي:
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
قال بعض الفضلاء: كان لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا واتخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم. كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضاً، والبر حقاً ثم آل الزمان إلى نشء اتخذوا منهم صناعة، وبرهم مرابحة وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة، بقد السوق خذ مني وهات.
وكان عامر بن الظرب العدواني سيد قومه، فسألوه أن يجعل لهم سيداً منهم يكون بعده، فقال: يا معشر عدوان إن القلب لا يلحق القلب، ومن لك بأخيك كله. أخذه الطائي فقال:
ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوماً بأخيك كله
وكان بعض بني تغلب يأخذ فتيانه برواية شعر عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ويعطي لكل من رواه ألف درهم حتى قال فيه بعض الشعراء:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجل لفخر غير مسؤوم
إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعد فله الأيام محطوم
وهذه القصيدة إحدى المعلقات السبع.
وكان عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر يقال له مضرط الحجارة لشدته. ويسمى محرقا لتحريقه مائة من بني تميم يوم أوراه، قتله عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي أنفه وحمية.
(1/54)

وهند أم عمرو هي بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار وأبوه المنذر ابن ماء السماء وماء السماء أمه، وهي ابنة عوف بن جشم النميرية. والمنذر هو ابن امرئ القيس من بني عمرو بن عدي اللخمى. وكان عمرو بن هند جائراً، وإياه عنى سويد بن حذاق في قوله:
أبى القلب أن يأتي السديد وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحمى وأسد عرينة ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور
وقال عمرو بن هند يوماً لجلسائه: هل تعلمون أحداً من العرب من أهل مملكتي يأنف أن
تخدم أمه أمي؟. قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم. فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن وائل وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم. فسكت عمرو على ما في فرسان تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وأمر عمرو بحجرته فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاما، ودعا الناس إليه. وقعد هو وعمرو بن كلثوم وخواص الناس في السرادق، والناس خارجه يأكلون، وأم عمرو بن كلثوم مع أم عمرو بن هند في القبة. وقد قال عمرو بن هند لأمه. إذا فرغ الناس من الطعام، ولم يبق الا الطرف فنحي خدمك واستخدمي ليلى، ومريها أن تناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها به ابنها فلما نودي بالطرف قالت هند لليلى: ناوليني الطبق. فقالت ليلى لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت هند: ناوليني، وألحت عليها فقالت ليلى: واذلاه!، يا لتغلب. فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم، فعرف الشر فيه، وقد سمع قول ليلى يا آل تغلب. فنظر ابن كلثوم إلى سيف عمرو بن هند معلقا في السرادق، ولم يكن ثم غيره، فثار إلى السيف مصلتاً فضرب رأس عمرو بن هند، فقتله، ثم خرج فنادى:
(1/55)

يا آل تغلب. فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء، ولحقوا بالحيرة. فقال في ذلك أفنون التغلبي:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاً ... وأمسك من ندمانه بالمخنق
ومن ذكر مقامات العرب وتنويههم بأفعالها فيها قول زهير بن أبي سلمى، وكان يجيد المديح. وهو أعذب لفظ، وأحسن معنى:
وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية يتنابها القول والفعل
فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتبرهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
تهاميون نجديون كيداً ونجعة ... لكل أناس من وقائعهم سجل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يلحقوهم ولم يليموا ولم يألوا
وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطيناً لهم حتى إذا نبت البقل
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلو
(1/56)

يقول فيها:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
قضاعية أو أختها مضرية ... تحرق في حافاتها الحطب الجزل
تجدهم على ما خليتهم أذاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل
قال الزبير بن بكار: كانت قريش معجبة بشعر زهير، وهو جارٍ بينهم وسائر فيهم حتى يضربوا به المثل في البلاغة. ويروى أن وفداً من قريش قالوا: يا رسول الله إنا قد سمعنا كلام الخطباء والبلغاء، وكلام ابن أبي سلمى، فما سمعنا ككلام نسمعه منك من أحد قط.
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني أحسابكم!، فما ضر قوما ما قيل فيهم بعد قول زهير، وودت أنه قيل في قومي:
على مكثريهم حق. . . . البيت
وما ينفع قوماً ما مدحوا به بعد قول الأعشى وما سرنى أنه في قومي وأن الدنيا لي بأسرها:
يبيتون في المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا
وقالت بنت لسنان بن أبي حارثة لما رأت بنتاً لزهير في بعض مجامع النساء، وإذا لها شارة حسنة: قد سرني ما أرى من هذه النعمة. فقالت بنت زهير: لعمري إن أكثر ذلك لمن فضلكم وإحسانكم، فقالت: بل والله لكم الفضل علينا أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى.
(1/57)

معنى قوله: على ما خليت هم أذاءها
أي على ما شبهت، أي هم الذين يقومون بها ويديرونها. ويقال: هو أذى المال إذا كان يدبره. وقوله: (وأن أفسد المال الجماعات والأزل). يقول: إن حبس الناس أموالهم لا يسرح وجدتهم ينحرون، وإن اشتد أمر الناس حتى يضيق وجدتهم يوسعون.
(قضاعية أو أختها مضرية) أي حرب منكرة. وقيل بل قضاعة بن معد ومضر بن نزار بن معد، تهاميون، نجديون. يقول: يأتون نجداً، لا يمنعهم بعد المكان أن يغزوه أو ينتجعوه،
سجل: القمة. يريد عزهم وغلبتهم. والقطين: الحشم والأهل. وجمعه: قطن.
ويروى: وإن يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه. والاستخبال أن يعير الرجل إبلا، فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها، فاذا أخصبت ردها. .
وقوله (يغلو) لا ينحرون إلا غالية.
وقال عمرو بن الأطنابة الأنصاري:
(1/58)

إني من القوم الذين إذا ابتدوا ... بدأوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام نازل
والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضة ... ضرب المحمجر عن حياض الإبل
والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء الوائل
والقائلين ولا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل
قال الزبير بن بكار: كانت قريش في ملك ضابط كمملكة فارس، ومالها ملك وما كان ذلك إلا بأحلامها. وكان يقال لها: قطين الإله، وقطين الله، وأهل الله، وآل الله. قال عبد المطلب بن هاشم:
لاهم إن المرء يمنع جا ... ره فامنع حلالك
أي امنع أهل بيتك الحرام، يريد مكة حين قدمها صاحب الفيل، فأهلكهم الله عز وجل، قال أبو اليقظان: قال النبي عليه السلام: رأيت جدود العرب، فرأيت جد بني عامر بن صعصعة جملا أحمر يأكل فروع الشجر. وسئل عن بني عامر بن صعصعة فقال جملا أزهر ينفاج من أطراف الشجر وسئل عن غطفان فقال: زهرة تينع.
ومما قال أبو اليقطان: هجان العرب قريش، وعامر بن صعصعة، وحنظلة بن مالك. الأزهر: الأبيض.
وقال ابن قيس الرقيات يمدح:
معقل الحلم من قريش إذا ما ... فاز بالحلم معشر آخرونا
لا يزنون في العشيرة بالسوء ... ولا يفسدون ما يصنعونا
(1/59)

وقال أبو يوسف (سفيان) بن الحارث:
لقد علمت قريش غير فخر ... بأنا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم دروعاً سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا
وأدفعهم عن الضراء منهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا
وقال كثير يمدح عبد الملك بن مروان:
من الغفر البيض الذين إذا أنتجوا ... أرت لنجواهم لوي بن غالب
يحيون بسامين طوراً وتارة ... يحيون عباسين شوس الحواجب
يردون بعد الله في الرأي أمرهم ... إلى واسع المعروف جزل المواهب
إمام هدى قد شدت الحرب أزره ... وقد أحكمته ماضيات التجارب
وقال العماني في بعض خلفاء بني هاشم:
نمته العرانين من هاشم ... إلى النسب الأوضح الأصرح
إلى نبته فرعها في السماء ... ومغرسها سرة الأبطح
(1/60)

وقال القطامي - واسمه عمير بن شيم - وذكر باديتهم ففخر بها:
ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلباً وأفراساً حسانا
وكن إذا أغرن على هلال ... وضبة إنه من حان حانا
وأحياناً على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا
روي أن سليمان بن عبد الملك أتى أرضاً له فأمر بعمارها، وانتهى إلى موضع منها غليظ فنزل الناس، وبقي سليمان على دابته، فالتفت إلى يزيد بن المهلب فقال له: ارتدف. فأبى يزيد. فقال سليمان: أما والله أن لو فعلت لكنت أكرم من الذي أردفه النعمان. فقال: يا أمير المؤمنين أقلني. قال: لا تعلمون والله أبداً. وأنشد:
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا دعوا لنزال يوم كريهة ... سدوا فجاج الأرض بالفرسان
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... ردوه رب صواهل وقيان
(1/61)

قال الزبير بن بكار: مر سعيد بن العاص بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عمر
قتل يوم بدر العاص بن هشام بن المغيرة، وهو خال عمر، فسلم سعيد مقصراً يظن أنه قتل أباه، ففطن له عمر، فقال يا ابن أخي، والله ما قتلت أباك ولكني قتلت خالي العاص بن هشام. ورأيت أباك يبحث التراب كأنه ثور، فصددت عنه، وحمل عليه علي فقتله، وما بي أن أكون، أعتذر من قتل مشرك. فقال سعيد: لو قتلته كنت على الحق، وكان على الباطل. فعجب عمر من قوله ولوى كيفه ثم قال: قريش أفضل الناس أحلاماً، وأعظم الناس أمانة ومن يرد بقريش سوءاً يكبه الله لفيه.
وقال حباب بن المنذر بعد رجوع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بدر: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) يا ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو أمروك لأطعتهم، ولو شهدتهم لحقرت أفعالهم.
ومر صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وكان علي بني مالك، وهو مقتول فقال: أبعده الله إنه كان يبغض قريشا.
وبعث صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد إلى مكة قاضيا، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وألبسه قباء أسود، وختمه بخاتم ذهب. ولم يلبس أحد قباء أسود ولا تختم بالذهب أحد من المسلمين قبله. وقال له: هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله ثم وصاه صلى الله عليه وسلم بهم.
وممن ساد صغيراً محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي. ولاه الحجاج قتل الأكراد بفارس، فأبادهم، ثم ولاه السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد
(1/62)

وقتله معاوية بن يزيد بن المهلب، وذلك أن حبيب بن المهلب لما ولى السند قدم على مقدمته رجلاً من السكاسك، ورجلا من عك، فأخذاه فحسباه فقال:
أتنسى بنو مروان سعيي وطاعتي ... وأني على ما نابني لصبور
فتحت لهم ما بين سابور بالقنا ... إلى السند، منهم زاحف ومعير
وما دخلت خيل السكاسك عسكري ... ولا كان من عك علي أمير
فلو كنت أزمعت الفرار لقرنت ... إناث أعدت للنوى وذكور
فبعث إلى العراق فحبس بواسط، ثم ضرب عنقه معاوية بن يزيد بن الملهب.
وممن ساد صغيراً مخلد بن يزيد بن المهلب. قال فيه حمزة بن بيض:
بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسام الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا
وأصبح مخلد عند عمر بن عبد العزيز فيما طلب به يزيد أبوه، فحاجه ودفع عن أبيه ما كان يطلب به، ثم مات بعقب ذلك، فقال عمر: لو أراد الله تعالى بأهل ذلك البيت خيراً لأبقى لهم ذلك الغلام.
(1/63)

وقال عمر بن عبد العزيز لأبي مجلز: ما تقول في فلان؟. فقال: يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء، ويفعل ما يشاء. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟. قال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
ومر عثمان بن عفان رضي الله عنه على مجلس بني مخزوم، وفيهم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فوقف عليهم ثم قال: إني ليسرني ما أرى من جمالكم وعددكم. فقال بعضهم: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تزوج بعضنا؟ فقال: إن شاء عبد الرحمن فعلت: قال عبد الرحمن: فإني أشاء. فزوجه مريم بنت عثمان.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أخلاقاً وأصبحها وجوها، وأشدها حياء. إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو بباطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.
وقال النابغة الذبياني:
لله عينا من رأى أهل قبه ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاماً وأكثر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا
غداة غدوا فيهم ملوك وسوقة ... يوصون بالأفعال أروع بارعا
متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... ولا الضيف ممنوعاً ولا الجار ضائعا
الملوك أهل بيت المملكة، والسوقة: كل من ينساق للملوك. وليس هو اسما يلزم أهل الأسواق والتجار.
وأما أهل اليمن فالتبابعة والعباهلة ليس فوقهم أحد. ثم المقاول وهم الأقيال والأقوال. وأحدهم قيل ومقول. وهم ستون رجلا. ثم المثامنة وهم ثمانون رجلا، فكانوا إذا مات تبع وضعوا الشورى في الأقيال، فإذا أخرجوا
(1/64)

واحداً من الأقيال فجعلوه تبعاً أدخلوا في المثامنة واحداً منهم. وكانت علامة الملوك التتويج.
قالت الخزرج للنبي (صلى الله عليه وسلم) في عبد الله بن أبي سلول: والله يا رسول الله لقد جئتنا حين نظمنا له الخرز لنتوجه. أي فهو يحسدك لما زال عنه. وكان منافقا، رأساً لهم.
قال عبد الكريم: ومن أحسن ما ينشد في دار مقامة القوم من الشعر الجامع لخصال المدح قول حسان بن ثابت الأنصاري في آل جفنة الغساني:
لله در عصابة نادمتها ... يوماً بجلق في الزمان الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
يمشون في الزرد المضاعف نسجه ... مشي الجمال إلى الجمال البزل
يسقون من ورد البريص عليهم ... كأساً تصفق بالرحيق السلسل
قوله: (حول قبر أبيهم) أي هم أرباب مدائن وقصور، وقرار، لا ينتجعون من عدم، ولا يرتحلون من ضيم، وأنهم حول قبور آبائهم ومنازل أوائلهم ودار عزهم.
ويقال إن معنى قوله: على قبر أبيهم مقيمون على مآثره وسنته. والأول أصح. وقوله: (ابن مارية) للشاعر أن يسمى الملك ويدعوه باسم أمه في الشعر.
(1/65)

وباسمه بغير كنية. وليس ذلك بغير الشعر بجائز إلا بضرورة على وجه الاحتقار. وهذا من فضل الشعر.
وقوله: (بيض الوجوه): يريد أنهم متهللون عند السؤال ولم يقع عليهم بشيء فيغير ألوانهم. ثم قال: الكريم والكرم اسم محيط بجميع أسباب الخير. ثم قال: لا، بل هو مفضل.
وقوله: (يغشون حتى ما تهر كلابهم) أي قد عرفت الضيفان لدوامهم على القرى كما قال ابن هرمة:
يكاد إذا ما أبصر الضيف كلبهم ... يكلهم من حبه وهو أعجم
وقال غيره:
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة
وقوله: (لا يسألون عن السواد المقبل) أي لا يخلعهم السواد الأعظم. ثم قال: هم ملوك يسقون البريص مكان اللبن، أي الخمر المصفقة بالمسك أو جنى النحل. ثم قال: (شم الأنوف). يريد أنهم أباة للضيم منكرون للخسف. والإنسان إذا أنف رفع أنفه. شبهوا ذلك بالشمم، وهو ارتفاع طرف الأنف.
وقال أبو سفيان للنبي (صلى الله عليه وسلم) يوم فتح مكة: كأنك أردت بقريش سوءاً. قال: بل هذا يوم يرفع الله به قريشا. قال: فما بال سعد بن عبادة يمضى بلوائه قدماً وهو يقول:
(1/66)

اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل المحرمة
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لبعض قريش: الحق سعداً وانزع اللواء من يده فإنه يضاهي قول يهود.
ودخل عوف بن محلم الشيباني على ابنته أم إياس وقد انكحتها أمها مارية بنت كثير بن زهير التغلبي من حجر بن عمرو آكل المرار، وكان عوف قدم من غزو له فأنكر هذه القباب والبيوت فسأل امرأته عن القصة، فأخبرته أنها زوجت ابنته. قال: وإلهي لئن كنت عدوت حجر بن عمرو لأصلبنك على أطول شجرة بهذا الوادي. قالت: إنه ملك، ولا أدري أحجر هو أم لا؟ فتولج عليها القبة فلما رآه قال: إي، ورب الكعبة.
ولعوف بن محلم الشيباني يقول المنذر بن ماء السماء: لا حر بوادي عوف. وذلك أن المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل، فمنعه عوف بن محلم، وأبى أن يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف. وقيل معناه: إن كل من صاد في ناحيته خضع وذل. وقيل إنه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم.
وقالت امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت عقبة بن ربيعة: لا يحبكم قلبي يا بني هاشم أبداً. أين أخي؟، أين عمي؟، أين أبي؟. أين فلان؟ تعدد آباءها وقومها. كأنهم سيوف الذهب، وكأن أعناقهم أباريق الفضة ترد أنوفهم الماء قبل شفاهم.
وقول حسان: (من الطراز الأول) يريد أنهم ممن لم يتغير شبهه بسوء الولادة، ولم تبدله أرحام غير الأكفاء، وأنهم على ذلك الخلق الأول والشيم المعروفة، لم يتحولوا عنها.
ونظير أبيات حسان في جمعها وجوه الممادح شعر النابغة في جمعه وجوه المقابح في هجائه للنعمان بن المنذر:
(1/67)

خبروني بني السقيفة ما ... يمنع فقعاً بقر قران نزولا
قبح الله ثم ثنى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ... ضر الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا
تدبر هذه الأبيات. فانك تجدها غاية فيما تكره العرب وتتشاتم به. ألا ترى كيف جمع في بيت واحد القبح، وفيه الاستيلاء على جميع ما يكره ويستشنع، واللعن وهو النفي والطرد، ثم جعله موضعاً لئيم الخال. والعرب تتمادح بالخال.
قال الفرزدق يفخر بخاله.
خالي الذي عضب الملوك نفوسهم ... وإليه كان جباء جفنه يحمل
وأم النعمان بن المنذر كانت سلمى بنت عطية الصائغ اليهودي من أهل فدك. ثم قال: الجبان الجهول، وهما من شر ما يقذف به. قال الشاعر.
جهلاً علينا، وجبناً عن عدوكم ... لبئست الخلتان: الجهل والجبن
وكان يقال: شر أخلاق الملوك الجبن عن الأعداد الأقوياء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عن الإعطاء قال بعض الشعراء:
الجبن عار، وفي الإقدام مكرمة ... ومن يفر لا ينجو من القدر
لا تبخلن ولا تجزع فإنهما ... ليسا يزيدان في مال ولا عمر
ثم جعله عاجزاً ضعيفاً يضر الأدنى، ويقصر عن ضر من بعد منه، خائناً لخليله:
قال الشاعر يمدح رجلاً بالأمانة:
لم تره جارة يمشي لساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
مثل الرديني لم تدنس عمامته ... كأنه تحت طي البرد أسوار
(1/68)

والخيانة تجمع الغدر، وقلة الوفاء، وخيانة الجار في أهله، والتقصير والعجز.
قال بعض الشعراء يذكر العفاف:
وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان
وبات يقيناً ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران
نذود بذكر الله عنا غوى الصبا ... إذا هم قلبا نينا يردان
ثم وصفه بالخيبة في مغازيه، وقلة الفوز والظفر، وحرمان التوفيق، وتأخر الإقدام. فسبحان من يسره لجمع هذه المخازي. ولقد نعلم من جمع أكثر منها وأخزى بمن هو أشبه الناس بالنعمان خلقاً وأفعالا في المساوئ، ويزيد عليه بأشياء أخر. قال بعض الشعراء للقناع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وقيل له القناع لأنه رأى مكيال أهل البصرة صغير المنظر يحمل دقيقاً كثيرا، وكان غير عليهم المكاييل، فقال: إن مكيالكم هذا لقناع والقناع الذي يقنع ما فيه أي يستر، ويقال للعنقة: القنع، لأنه يحبس رأسه. فقال الشاعر يذكر تخلفه:
سار بنا القناع سيراً نكرا ... يسير يوماً ويقيم شهرا
يصفه بقلة الإقدام على الخوارج، وأن تركه المناجزة عن جبن وتقصير لا عن حزم وتدبير. وبلغ من تقصيره أنه لما لامه إبراهيم بن الأشقر على
(1/69)

القعود عن الخوارج خرج إلى النخيلة في ستة آلاف فارس، وأقام بين دباها ودبيرا خمسة أيام فقال الشاعر فيه:
إن القناع سار سيراً ملسا ... بين دباها ودبيراً خمساً
وقتلت الخوارج امرأة بحذائه، ليس بينها وبينهم غير الجسر، وقتلوا أباها بين يدها. وكانت تستغيث بالقناع هي وجماعة من النساء قتلن معها والناس يتفلتون للخروج، والقناع يمنعهم حتى رحلت الخوارج ورجع بالناس إلى الكوفة دون قتال، ومضوا موفورين. وكان الحارث بن عبد الله يجلس هو وعمرو بن عبد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان. وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كل يوم بقربة من ألبان إبله فاختلف بينهما، فأتى عمرو أهله فقال: لا تبعثوا إلى الحارث باللبن، فأنا لا نأمن أن يرده علينا. وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟. قالوا: لا فلما راح الحارث مر بعمرو بن عبد الله فقال: يا هذا لا تجمعن علينا الهجرة وحبس اللبن. فقال: أما إذا قلت هذا. فو الله لا يحملها إليك غير فحملها من داره إلى دار الحارث وبينهما بعد كثير.
وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير من أجود الناس على جبن فيه وضعف. وأمه تماضر بنت زياد بن منظور بن سياد، من بني مازن بن فزارة. وكان يقال فيه: اعجب لأجود
الناس من أبخل الناس، ولأجبن الناس من أشجع الناس،
ومدحه الفرزدق فقال:
(1/70)

يا حمزة هل لك في ذي حاجة عرضت ... أنصاره بمكان غير ممطور
وأنت احجى قريش أن تكون لها ... وأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواري والصديق صاحبه ... نبت في طيب الإسلام والخير
وقال فيه:
ما فاز في بدر ويوم حنينها ... إلا الفوارس من بني العوام
أسل من المران في أيديهم ... قامت بهن دعائم الإسلام
وقال أيضاً:
ألم ترني شجيت بآل حرب ... وساغ بنو صفية في لهاتي
وغر كالسلام بعث منها ... غوادي في البلاد مشمرات
نزعت لمصعب منها ذنوباً ... مذللة بأفواه السراة
أليس أبوك فارس يوم بدر ... وأيام النبي الصالحات
ولبعضهم:
ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرة بقيع الزبير
ذاك معنى ألذه وقطين ... تفرح النفس أن أراهم بخير
وفي ذكر العمائم العرب تقول: معمم. أي مناط به أمر العشيرة فيستحق أن يتعمم. وسيد عمم: أي ضخم تام.
وأنشد عبد الملك يوماً وعنده عرار بن عمرو بن شاس، ولم يعرفه:
أردت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم
(1/71)

فقال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين؟. قال: لا. قال: فأنا عرار بن عمرو، فأحسن إليه. وكان عرار من أمة سوداء، وكانت امرأته الحرة تهينه.
وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتم لم يعتم معه أحد من بني عبد شمس، فلذلك قال الشاعر:
أبو أميمة من يعتم عمته ... يجلد، ولو كان ذا أهل وفي ولد
وقال أبو قيس بن الأسلت:
فكان أبو أميمة قد علمتم ... بمكة غير مهتضم ذميم
إذا شد العمامة ذات يوم ... وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشي ... بمكة غير مدخل سقيم
وكان البحتري غداة جمع ... يدافعهم بلقمان الحكيم
بأزهر من سراة بني لؤي ... كبدر الليل راق على النجوم
وحطت ذوائب الفرعين منها ... وأنت لباب سرهم الصميم
وقال غيره:
إذا سفروا بعد التهجد والسرى ... جلوا عن عراب السن بيض الصحائف
أي حلوا عمائمهم عن وجوه تعرب سنها عن عتقهم وكرم أصولهم، كما قيل في المثل: (إن الجواد عينه فراره). والصحائف صحائف وجوههم.
(1/72)

وقال أبو يعقوب الخريمي:
إذ شدوا عمائمهم لووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريم ... فأنت لأكرم الثقلين جار
قال الجاحظ: كان أبو يعقوب الخريمي يدعى الأعور، ثم عمي قبل موته بسنين وهو يدعى الأعور. وهو مولى خريم الناعم، وهو من المشهورين بالنسب إلى مولاه. وكثير من الموالي وغيرهم لا ينسب إلا بما غلب عليه وأكثر منه فشهر به، وربما غلب عليه غير نسبه.
منهم أبو مسعود البدري، ولم يشهد بدراً، وهو صاحب نزل ماء بدر وإسماعيل السدي كان يبيع الخمرة في سدة المسجد ومنهم رياش [الجذامي] مولى محمد بن سليمان، وليس لمولاه، ولكنه من جذام، وكان منقطعا إليه.
ومنهم سعيد بن زير [الجعفري] مولى جعفر، وهو من بني كلاب منقطع إلى جعفر بن سليمان، واليزيدي النحوي منقطع إلى يزيد بن منصور الحميري، وأبو علي الجرمازي، وليس بجرمازي، وإنما كان ساكنا في طرف بني الجرماز.
وأبو حسان الزيادي قاضي فارس، وليس من آل زياد، وإنما جده كان منقطعاً إلى زياد.
وسليمان التيمي مولى لبنى قيس بن ثعلبة، وكان نازلا في بني تيم، وأحمد الطحيمي الزاهد مولى لبنى ثعلبة بن يربوع، وأخوه محارب من صليبة بني الطحيم.
والحكم بن عمر العقاري صاحب خراسان، وعتبة بن غزوان هو من
(1/73)

بني مازن بن منصور أخي سليم وصفوان بن محرز المازني الذي بكى حتى ذهبت عينه. هو من غسان أخي مازن بن منصور.
وواصل بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة أنه لما كان يجلس إلى أبي عبد الله الغزال مولى قطن الهلالي. وأبو سلمة الخلال ليس بخلال، وإنما كانت داره في الخلالين، وله حوانيت يباع فيها الخل.
ومثله خالد الحذاء. كان يجلس إلى رجل حذاء.
وممن عمي بعد عوره أو عشاه، فبقي على ما نسب إليه أولا الأعشى الشاعر والأخفش النحوي، وأبو يعقوب الخريمي، وخريم الناعم المري من ولد خارجه بن يسار صاحب الحمالة بين عبس وغطفان (ذبيان)، وهو بيت بني مرة. وخريم الذي يقول، وقد قيل له: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإنه ليس لخائف عيش، والغنى، فانه ليس لفقير عيش، والصحة فانه ليس لسقيم عيش ثم لا مزيد بعد هذا. وإنما سمي الناعم لأنه كان يلبس البالي في الصيف والجديد في الشتاء.
أتى الحجاج بأساري من الترك، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: أطلب إليك أيها الأمير حاجة ليس عليك فيها مؤنة. قال: ما هي؟ قال: تأمر رجلا من أصحابك شريفا يقتلني، فإني رجل شريف. فسأل عنه أصحابه فقالوا كذلك هو، فأمر خريما الناعم المريء بقتله، فلما أقبل نحوه، وكان دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟ قال: طلبت إليك أن دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟. قال: طلبت إليك أن تأمر بقتلي رجلا شريفاً فأمرت هذا الخنفساء؟!. . .
فقال الحجاج: إنه لجاهل بما تبتغي غطفان يوم أضلت. أراد قول زهير في خارجة بن سنان:
وإن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت
(1/74)

يبغون خير الناس كما واحداً ... عظمت رزيته الغداة وجلت
إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أهلت
يقال عن خارجه إنه كبر وإنه ضل بنخل فلم ير بعد. ولما حضرت أمه الوفاة وهي حامل به قد أتمت قالت: إني لأجد مس الجنين في بطني حيا فأتوني بحديدة، فأتوها بها فبقرت بطنها بنفسها، وقالت: استوصوا به خيراً فانه أبيض طوال، وماتت، فسمى خارجة البقير. وهو الذي رهن قوسه في دماء عبس وذبيان بألف ناقة، واشترك معه أبوه وابن عمه الحارث بن عوف بن حارثة. ففيهما يقول زهير:
فرحت بما خبرت عن سيديكم ... وكانا امرأين كل أمرهما يعلو
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
فأصبحتما منها على خير موطن ... سبيلكما فيها وإن أحزنوا سهل
فأديا ألف ناقة هو وابن عمه، وأديا بعد ذلك مائتي ناقة في القتيلين اللذين قتلهما ابنا ضمضم بعد الصلح، ففي ذلك يقول شبيب بن البرصاء:
ونحن رهنا القوس في حرب داحس ... بألف وزيدت بعدها مائتان
(1/75)

باب في ذكر بيوتات العرب
بيوتات العرب ثلاثة، فبيت قيس في الجاهلية فزاره ومركزه بنو بدر. وبيت ربيعة شيبان، ومركزه بنو ذي الجدين. وبيت تميم بنو عبد الله ابن دارم، ومركزه بنو زرارة. هذا قول أبي عبيدة. وقال أبو عمرو بن العلاء ثم ثلاثة من بني دارم: آل خالد بن سلمى بن جندل، ثم يليه بيت بني صعصعة من بني مجاشع، وبيت بني ثعلبة بن يربوع آل عتاب بن هرمي بن رياح كانوا أرداف الملوك. وبيت بني ثعلبة بن يربوع آل شهاب بن عبد قيس، وبيت بني عمرو بن تميم، بيت بني عاصرة من بلعنبر، ومن بني سعد بيتان. بيت بني علاق وبني شهاب، وبيت بني شيبان بن خالد منهم قيس بن عاصم. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث عاصره بن سمرة على الصدقات.
وقال أبو عمر: بيت بني سعد اليوم آل الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمير وهو الرديم. وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت اليتم آل النعمان بن جساس. قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد والبيت في دارم، والفرسان في يربوع. والبيت من قيس في غطفان ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر والفرسان في بني سليم.
والعدد من ربيعة والبيت والفرسان في بني شيبان. وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة وكاثر بسعد وحارب بعمرو.
وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وحارب بشيبان، وكاثر بشيبان.
(1/77)

قال أبو عبيدة: ليس في العرب أشرف ولا أعد، ولا أكثر فرسانا من بكر وتغلب ابني وائل والعدد من ربيعة وفرسانها. والبيت في بني شيبان، وليس كذلك أحد من العرب لأن البيت من تميم في دارم. والعد في سعد، والفرسان في يربوع، والبيت من قيس فزاره وليست باعد قيس، ولا أكثر فرسانا
قال: وليس في العرب أربعة اخوة أنجب ولا أعد. ولا أكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأعز والحصن، وبنوه شيبان وذهل وقيس، وتيم الله.
قال: وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسى، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة. وجوادها هرم بن سنان المرى، وشاعرها النابغة الذبياني.
وفارس بني تميم عتيبة بن الحارث اليربوعي، قتله دؤاب بن ربيعة الأسدي وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري.
وفارس دارم عمرو بن عمرو بن عدس، وفارس بني سعد فدكي بن أعين المنقري. وفارس الرباب زيد الفوارس الضبي.
وفارس قيس عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس.
فإذا اختلف الناس في عامر وبسطام وعتيبة أيهم كان أشرف؟. احتج كل فارس منهم بعثرة الآخر، فقالوا: بسطام فر عن قومه يوم البطالى، وأسره عتيبة ابن الحارث يوم الغبيظ، وقتله عامر بن خليفة الضبي.
وفارس بني قيس بن ثعلبة أبو مالك حمران بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد ومسمع بن شيبان أبو المسامعة.
وفارس تميم الله بن ثعلبة عمرو بن لأي. وفارس غنى رياح بن الأسل
(1/78)

وفارس باهلة شقيق بن جزء القيني.
وكان دريد بن الصمة فارس عجز هوازن.
قال ابن سلام: فارس اليمن عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وشاعرها امرؤ القيس بن حجر الكندي وبيتها في كندة الأشعث بن قيس لا يختلف في هذا، وإنما الاختلاف في مضر. قال: وإنما الشرف ما كان قبل النبي عليه السلام ثم اتصل بالإسلام.
لقي المغيرة بن شعبة أعرابيا من بني تيم الله بن ثعلبة يقال له ابن لسان الحمرة فقال له: كيف علمك بربيعة؟. قال: أعلم الناس بهم. قال: ماتقول في قومك؟. قال: رعاة الغنم. قال: فما تقول في بني ذهل؟ قال: سادة نوكا. قال: ما تقول في شيبان؟. قال: ساداتنا وسادة غيرنا. قال: فبنو قيس بن ثعلبة؟ قال: إن جاوروك سرقوك، وإن ائتمنتهم خانوك وإن حدثوك كذبوك. قال: فما تقول في بني حنيفة؟. قال: يطعمون الطعام ويضربون الهام. قال: فما تقول في عجل؟. قال: أحلاس الخيل. قال: فبنو يشكر؟ قال: صريح تحسبهم موالي. أي فيهم حمرة. قال: فما تقول في عنزة؟. قال: خدعا وعفوا قال: فبنو ضبيعة قال: لا
يلتقي بهم السيفان من لؤمهم.
وكانت الحكومة في قيس والحمالات والملمات والأحلام والعقل في بني مازن ابن فزارة. ومنهم هرم بن قطنة بن سيار، وهو صاحب الحكومة، مسافر بن علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل.
قال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من يقايا العرب: أي العرب رأيته أفخم شأنا؟. قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على فرسه يقسم في الحليفتين أسد وغطفان.
(1/79)

وقال حاتم الطائي:
إن كنت كارهة معيشتنا ... هاأنا فحلي في بني بدر
الضاربين لدى أعنتهم ... والطاعنين وخيلهم تجرى
جاورهم زمن الفساد فنعم ... القوم في اللأواء والعسر
صبر على حلب اللقاح معا ... جيف العضال أعفة الفقر
فبعث بالماء النمير فلم ... أترك ألاطم حماة الحفر
ودعيت في أولى الندى ولم ... ينظر إلى بأعين خزر
ورد أسيار بن عمرو ولد النعمان بن المنذر أو الأسود بن المنذر الذي قتله الحارث بن ظالم المرى ألف بعير. حمل ذلك ابن النعمان فقال الشاعر:
لعسر ما بين الملوك سعى بها ... ليجمد سيار بن عمرو فأسرعا
(1/80)

باب في ذكر اللباس والطيب
أنشد الطائي:
يمشون في حلل الملوك عليهم ... والمسك في عطف لهم ومآزر
قد اليمانية القواطع قدهم ... ليسوا بمتلئي البطون ضباطر
بأولاك يفخر بعدهم أبناؤهم ... أصحاب ألوية وركب منابر
وكان ابن عمر يستجمر بعود غير مطرى، ويجعل معه الكافور، ويقول: هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستجمر. وكانت ملحفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي يلبس في أهله مورسه.
وقال أخر: رأيت على رأس ابن الزبير ما لو كان لي لكان رأس مال. وكان ابن عباس يطلي رأسه بالمسك، فإذا مر بالطريق قال الناس: مر ابن عباس أم مر المسك. وقال هشام بن عروة: كان عمر من أجود الناس غالية. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): خير طيب الرجال ما ظهرت ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفيت ريحه. ويقال: مسك مروح. من قوة ريحه إذا قوى بغيره، كما يقال عود مطري. قال الشاعر:
خودُ يكون بها القليل تمسه ... من طيبها عبقاً يطيب ويكثر
شكر الكرامة جلدها وصفالها ... إن القبيحة جلدها لا يشكر
(1/81)

ولامرئ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقال البحتري:
إذا خطرت تأرج حانياها ... كما خطرت على الروض القبول
ويحسن دلها والموت فيه ... كما يستحسن السيف الصقيل
وله أيضاً:
يذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فيه بينة الشكول
نسيم الورد في ريح شمال ... وريح المسك في راح شمول
ولغيره:
لم ألقها قط إلا وهي عاطرة ... وما تعطر إلا في الأحايين
حتى كأن إله الناس صورها ... من ماء عنبرة والخلق من طين
وقال أبو عباس المكي الأعمى، مولى بني الدؤل في بني أمية:
ليت شعري من ابن رائحة المسك ... ومما إن إخال بالخيف أنسي
حين غابت بنو أمية عنها ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسان ... عليها وقالة غير خرس
لا يعانون صامتين وإن قالوا ... أضافوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
(1/82)

وله فيهم:
فكدت ووافيت الجمار عشية ... ولم تبد لي إلا ليال قلائل
أموت أسى ثم ارعويت لصاحبي ... فقلت له أين القروم الجحافل
شهدت لقد وافت معد بقلة ... وذو يمن أو ما أرى ما أحاول
أبادوا فما ترمى جماراً حصاهم ... أم أمست خلت من عبد شمس المنازل
يعني منازل الحج بمنى.
كان الزبير قد كسا من كان بمكة من الشعراء، ولم يكس أبا العباس الأعمى لقربه من بني أمية، واتصاله بهم فقال:
لم تر عيني مثل قوم تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت
أبر بأيمان وأوفى بذمة ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت
كست أسد إخوانها ولو أنني ... بحضرة إخواني إذا لكسيت
فبلغ قوله عبد الملك، فأمر له بكسوة، وأمر من كان من أهل بيته وبنى عمه ووجوه بني أمية أن تبعث إليه كل واحد بكسوة ففعلوا.
كان رجل يقول إنني بعشرة آلاف إنسان فمات فلما حمل على نعشه صر النعش، فقال رجل كان حاضراً:
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
نظر رجل إلى هلال بن أحوز التميمي وقد أطافت به بنو تميم فقال: انظروا إليهم كأنهم إنما طافوا بعيسى بن مريم، فقال له رجل من بني تميم. هذا عيسى صلى الله عليه كان يحي الموتى. وهذا يميت الأحياء، وذلك حين قدم من أرض السند بعد أن قتلت تميم الأزد وبني المهلب.
وذم رجل الأشتر النخعي فقال له رجل: أسكت وإن جفانه هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.
(1/83)

باب يذكر فيه ما قيل في الجمال وحسن الوجوه
قال الشاعر:
إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوى المكروه
دانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه
وقال آخر:
آل المهلب قوم خولوا شرفاً ... ما ناله عربي لا ولا كادا
لو قيل للمجد خذ عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما جادا
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وقال أبو بكر رضي الله عنه يوم السقيفة للأنصار: نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً، وأكرمهم أحساباً، وأحسنهم وجوهاً وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم برسول الله (صلى الله عليه وسلم) رحما. أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وأنسبتم فجزاكم الله خيراً. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم خليقون ألا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم من خير.
قال بعض آل الزبير: جلست في مجلس بالبصرة فنسبني شيخ من أهلها فانتسبت له فبكى ثم قال: كأني أنظر إلى مصعب بن الزبير على منبر
(1/85)

هذا المسجد، وهو كأجمل الفتيان والفرزدق قائم بين يديه ترعد فرائصه وهو يقول:
عجبت لأقوام تميم أبوهم ... وهم بعد في سعد عظام المبارك
وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم ... مع الأزد مصفراً لحاها ومالك
فما ظنكم بابن الحواري مصعب ... إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك
ونحن نفينا مالكاً عن بلاده ... ونحن فقأنا عينه بالنيازك
يعني مالك بن مسمع من بكر بن وائل. وهو سيد بكر بالبصرة. ويقال: إذا غضب مالك غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. وطردته بنو تميم من البصرة حين انهزمت المروانية عن وقعة الجفرة، وفقأوا عينه، فلحق بنجدة بن عامر الحنفي، فأكرمه،
وأقام عنده حتى هلك مصعب، فرجع إلى البصرة، وأعطاه نجدة مائة من الإبل. فقالت له الخوارج: أتعطى رجلا منافقاً. قال: أردت أن أتألفه. وقد أعطى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المؤلفة قلوبهم.
والذي تولى قتل مصعب عبيد الله بن زياد بن طيبان، وكان يطلبه بثأر أخيه الثاني ابن زياد، وكان أخذ في سرق، فأمر به صاحب الشرطة فضربه فمات.
دخل عبد الله بن الزبير الأسدي على مصعب بن الزبير، فقال له: أنت الذي تقول
(1/86)

إلى رجب أو غرة الشهر بعده ... توافيكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينها ... مسومة جبريل فيها يقودها
وكان مع المختار بن أبي عبيد، ففزع الأسدي فقال: نعم أمتع الله بك فعفى عنه ووصله. فقال:
جزى الله عنا مصعباً إن فضله ... يعيش به الجاني ومن ليس جانيا
ويعفو عن الذنب العظيم اجترامه ... ويوليك بالإحسان ما لست ناسيا
ثم إن بصر عبد الله الشاعر ضر بعد ذلك، فلقي عبيد الله بن زياد بن طيبان فسمع كلامه فعرفه، فأدركه وقال له: أنت قتلت مصعب. وأنشده:
أبا مطر شلت يمين تفرعت ... بسيفك رأس ابن الحواري مصعب
ولا ظفرت كفاك بالخير بعده ... ولا عشت إلا في (بوار مخيب)
قتلت فتى كانت يداه بفضله ... تسحان سح العارض المتصوب
أغر كضوء البدر صورة وجهه ... إذا ما بدا في الجحفل المتكتب
قال: نعم والله، فما أفلحنا بعده، ولا أنجحنا، فهل توبة؟. قال له الزبير: سبق السيف العذل. هذا مثل، قاله ضبة بن أد، وكان له أبنان، سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعيد، فكان ضبة يسير ومعه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذا بهما على مكان فقال الحارث: أترى هذا الموضع فاني لقيت به فتى من صفته كذا وكذا فقتلته، وأخذت هذا السيف منه. فإذا هي صفة سعيد. فقال له ضبة: أدن السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه
(1/87)

ضبة، فقال عند هذا إن الحديث شجون.
وكان يقال إن مصعب كان أشبه الناس سيرة بسيرة السلف الصالح. ووصفه عبد الملك بن
مروان فقال: في كلامه زكانة وكانت عنده عقيلتا قريش سكينة وعائشة، ثم هو أكبر الناس مالا. جعلت له الأمان، وضمنت له أن أوليه العراق، وعلم أني سأفي له لصداقة كانت بيني وبينه، فأبى وحمى أنفاً، وقاتل حتى قتل. فقال له بعض من كان حاضراً إنه كان يصيب الشراب. قال: ذلك قبل أن يطلب المروءة، وأما منذ طلبها، فلو ظن أن الماء ينقص من مروءته ما ذاقه.
ولما قتل عبد الملك مصعبا، وجه أخاه بشرا على الكوفة، وجعل معه روح ابن زنباع وزيرا. وكان روح عالماً داهية، غير أنه من أجبن الناس وأبخلهم. فلما رأى أهل الكوفة بخله خافوا أن يفسد عليهم أميرهم. وقد كانوا عرفوا جبنه، فكتبوا على بابه ليلا:
إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لروحك يا روح بن زنباع
فلما أصبح رأى ذلك، فلم يشك أنه مقتول، فاستأذن بشراً في الشخوص فأذن له فخرج حتى قدم على عبد الملك، فقال له: ما أقدمك؟. قال: يا أمير المؤمنين تركت أخاك مقتولا أو مخلوعاً. قال: وكيف عرفت ذلك؟. فأخبره الخبر، فضحك عبد الملك وقال له: احتال عليك أهل الكوفة، حتى أخرجوك عنهم.
(1/88)

وقال الحارث بن ضابئ البرجمي يذكر فعل مصعب بن الزبير:
فكر كما كر الحواري يبتغي ... إلى الله زلفى أن يكر فيقيلا
الحواري مأخوذ من التنوير، وهو التبييض. وكان حواريو عيسى عليه السلام قصارين يحورون الثياب.
والحور شدة سواد السواد من العين، وشدة بياض البياض. وقال آخر: الحور القجل. وقال آخر يمدح:
رأيتكم بقية آل حرب ... وهضبتها التي فوق الهضاب
يذكرني مقامي في ذراكم ... مقامي أمس في ظل الشباب
وقال البحتري:
بني أحوذي يغمر السيف موقعاً ... ببسطته، والسيف وافى الحمائل
تضيق الدروع التبعيات عنهم ... على كل رحب الباع سبط الأنامل
أوائل قوم يسكن الثغر إن مشوا ... على أرضه والثغر جم الزلازل
فكم فيهم من منعم متطول ... بآلائه أو مشرف متطاول
إذا سئلوا جاءت سيول أكفهم ... نظائر جمات التلاع السوائل
خليقون سروا أن تلين أكفهم ... عرائك أحداث الزمان الجلائل
قال أبو عبيدة: سارت بنو سعد إلى بني بكر بن وائل، وكانت فيهم جارية عاشق فاكتلأت تنظر، فرأت رجلا معتجزاً بسيفه يرد متنكباً قوسه، فلاحت لها صفحة القوس فانتبهت أباها وقالت: يا أبت إني رأيت متن سيف أو صفحة قوس على موضع السلاح في الشمال من رجل أحلى الجبين، براق الثنايا، كأن عمامته ملونة بسحرة. فقال: يا بنية إني لأبغض الفتاة الكلوم
(1/89)

العين قالت: والله ما كذبتك. فصاح في قومه فأنذرهم، فقالوا: ما نبه أبنتك في هذه الساعة إلا أنها عاشق. فاستحى الشيخ وانصرف، فقالت أبنته: ارتحل فان الجيش مصبحك، فوقعت بنو سعد ببكر بن وائل، فقتلوا منهم، وملئوا أيديهم من السبي.
عاد إلى ذكر حسن الوجوه. قال الشاعر:
كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد سف الوجوه لها
وقال مرقش:
النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكف عنم
وقال آخر
وجوه لو أن الغلسين سروا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
يقوله في وصفة نساء، ولو مدح رجالا لكان عجيبا.
وقال القطامي: (يصف توقا)
يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل
وقال:
ولو وصف به نساء لكان عجيباً
وقال أبو الطمحان القيني:
(1/90)

فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفى بعقد الخارجين يفارقه
يكاد الغمام الغر يرعد إن رأى ... وجوه بني لام وينهل بارقه
وقال:
فإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه
كواكب مجد كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه
وقال الخريمي:
إذا قمر منها تغور أو خبا ... بدا قمر في جانب الأفق يلمع
أراد (أبو الطمحان) المبالغة لأن الجزع بالليل يخفى على ناظمه.
ومن حديث ابن أبي هالة يصف النبي عليه السلام: (كان فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. أطول من المربوع، وأقصر من المشدب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن تفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن. بينهما عرق يدره الغضب. أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الاسنان، رقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، طويل الزندين،
(1/91)

رحب الراحة، ششن الكفين والقدمي، سائل الأطراف خمصان الإخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء. إذا نال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً. ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء. جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدأ من لقى بالسلام، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل الغمام.
وقال الحارث بن دوس الإيادي:
امرؤ القيس بن أروى مقسم ... إن رآني لا يريني بقيد
فتحلل قلت قولا باطلاً ... أنني يمنعني سيفي ويد
ورجال حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد
إياد تنتسب في اليمن ثم في النخع ثم في مذحج، وقد نسبوا أيضاً إلى قضاعه ويقال هم جشم من بني دعمي بن إياد. وقالت أخت الأشتر مالك بن الحارث النخعي:
أبعد الأشتر النخعي آسى ... على ميت وأقطع بطن واد
نؤاخى مذحجاً بإخاء صدقٍ ... وإن نسبت فنحن إلى إياد
ثقيف عمنا وأبو أبينا ... واخوتنا نزار أولو السداد
يقال إن ثقيفاً من إياد، وولد نزار غير مدافع مضر وربيعة وإياد وأنمار. وقال لهم في حياته هذه القبة الحمراء وما أشبهها من قباب لمضر. فسموا مضراً الحمراء. والخباء الأسود والفرس الأدهم لربيعة، فسموا ربيعة الفرس. وهذه الخادم الشمطاء وما أشبهها من مال لإياد، فأخذ الخيل البلق، وما أشبه ذلك وهذه الندوة والمجلس لأنمار، فان أشكل عليكم شيء فتحاكموا إلى (أفعى نخرات)، ويقال. إنما وصى لمضر بالحمار ولربيعة بالفرس والقدر، ولأنمار بالخباء والحرث، ولأياد بالنعم.
(1/92)

وقال يحيى بن منصور الذهلي:
نزار كان أعلم حين أوصى ... لأي بنيه أوصى بالحمار
وأيهم أحق بكل طرف ... موج في الرفاق وفي الحيار
وكل من بالعراق من إياد دخلوا في النخع. وكل من بالشام مقيم على نسبه في نزار، وكان أحمد بن أبي دؤاب الإيادي مقيما على نسبة في نزار وكان شديد التعصب مع شرفه وإنصافه، وينكر أن يقال إن إياداً من اليمن واتصل بأحمد أن حبيباً الشاعر نال من مضر، وزعم أن إياداً من اليمن وكان الطائي متعصباً لليمن، شديد الغلو في ذلك، فغضب عليه ابن أبي دؤاد، فقال حبيب يعتذر إليه من قصيدته التي أولها:
سقى عهد الحمى سيل العهاد
فإن يك في بني أد جناحي ... فإن أثيث ريشي من إياد
هم عظم الأثافي من نزار ... وأهل الهضب منها والنجاد
وأين يجوز عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غادي
ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
أتى خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد
بأني نلت من مضر وخبت ... إليك شكيتي خب الجواد
وما ربع القطيعة لي بربع ... ولا نادي الأذى منى بنادي
(1/93)

وليست رغوتي من فوق مذقٍ ... ولا جمري كمين في الرماد
وقدماً كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد
وقد جازيت بالإحسان شراً ... إذا وصغت عرفك بالسواد
وكيف وعتب يوم منك فذ ... أشد علي من حرب الفساد
وكان الشكر للكرماء فضلاً ... وميداناً كميدان الجياد
يثبت أن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك عن زياد
فأرث بين حي بني جلاح ... شبا حرب، وحي بني مصاد
وغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدرٍ على ذات الإصاد
ولو كشفتني لوجدت خرقاً ... يصافى الأكرمين ولا يصادي
جديراً أن يكر الطرف شزراً ... إلى بعض الموارد وهو صاد
وقال من قصيدة أخرى:
لزموا مركز الندى وذراه ... وعدتنا عن مثل العوادي
غير أن الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى، والخط خط الوهاد
بعدما أصلت الوشاة سيوفاً ... قطعت في وهي غير حداد
(1/94)

فنفى عنك زخرف القول سمع ... لم يكن نهزة لغير السداد
ضرب الحلم والوقار عليه ... دون عور الكلام والأسداد
وحوان أبت عليها المعالي ... أن تسمى مطية الأحقاد
حمل العبء كاهل لك أمسى ... لخطوب الزمان بالمرصاد
عاتق معتوق من الهون إلا ... من مقاساة مغرم أو نجاد
للحملات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد
مليتك الأحساب أي حياة ... وحيا أزمة وحية واد
لو تراخت يداك عني فواقاً ... أكلتني الأيام أكل الجراد
كادت المكرمات تنهد لولا ... أنها أيدت بحي إياد
قال أبو بكر الصولي: كان ابن أبي دؤاد أظرف الناس لساناً، وأحضرهم جواباً، في بلاغة وإيجاد، وأحسنهم نزوعا ببيت في موضعه أو آيه في مكانها وكان كريما، جواداً مشرفاً عند
المعتصم والواثق.
قال أبو عبد الله النديم: لقد رأيت الملوك في مجلسها وخولها ومجامعها. فما رأيت آدب من الواثق. لقد خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لعمري لقد عرض عرضه لمن عرضه لقول الخزاعي:
(1/95)

خليلي ماذا ارتجى من عدى أمري ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين
وإن امرءا قد ضمن عني بمنطق ... يسد به فقري إذاً لضنين
فانبرى إليه أحمد بن أبي دؤاب، كأنما نشط من عقال يسأله في رجل من أهل اليمامة فأسهب وأطنب، وذهب في القول كل مذهب، فقال له: يا أبا عبد الله: لقد أكثرت في غير كثير ولا طيب.
فقال: يا أمير المؤمنين إنه صديقي. وقد قيل:
وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما
فقال له قد شهرني بالاستشفاع بي عندك وجعلني بمرأى ومسمع من الرد والإسعاف، فأن لم أقم هذا المقام، وإلا كنت كما أنشد أمير المؤمنين:
خليلي ماذا أرتجي. . . . البيت
فقال الواثق: يا محمد بن عبد الملك، بحياتي عليك إلا عجلت لأبي عبد الله حاجته يسلم من هجنه المطل، كما سلم من هجنة الرد.
واعتل ابن أبي دؤاب فعاده المعتصم، وقال له: إني نذرت إن عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف دينار. فقال له: فاجعلها يا أمير المؤمنين لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتاً. فقال: نويت أن أتصدق بها ها هنا. وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها. ثم نهض. فقال له أحمد: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين، فانك كما قال منصور النمري لأبيك الرشيد:
إن المكارم والمعروف أندية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
(1/96)

فقيل لأمير المؤمنين: إنك لا تعود اخوتك وكبراء أهلك، وقد عدت أحمد فقال: وكيف لا أعود رجلا ما وقعت عينه علي قط إلا ساق إلي أجراً، وأوجب لي شكراً.
وقال أبو العيناء: قلت لابن أبي دؤاب في شأن قوم من أهل البصرة تألبوا علي إنهم قدموا
من البصرة إلى سر من رأى يداً علي. فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت إن لهم مكراً. فقال: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين). فقلت: إنهم كثير. قال: (كم من فئة غلبت فئة كثيرة بأذن الله). فقلت: لله در القاضي، هو والله كما قالت الصموت الكلابية:
لله درك أي جنة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمط يطأ الرجال بحليه ... وطء الفنيق دوارج القردان
ويكبهم حتى كأن رءوسهم ... مأمومة تنحط للغربان
ويفرج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
فقال لابنه أبي الوليد: اكتبها. فكتبها بيده بين يديه.
وقال للمتوكل وقد نكبه:
أمير المؤمنين اسمع كلامي ... فإن العبد يحسن إن أساءا
دنا منك العدو وغبت عنه ... فنال بقربه ما كان شاءا
ولو كنت الغريب ولم يكنه ... تحاميني ولم تخش اعتداءا
(1/97)

وصف الجاحظ أحمد بن أبي دؤاد فقال لنا: أحمد بن أبي دؤاد ذو الحلم الفاضل واللسان اللين، والعقل العجيب، والرأي السديد، والصدر الرحيب، والقول الفصل، والجود الغمر، والعشرة الكريمة، والأخلاق المحمودة، والعطايا السنية، والقسمة السوية، وشيخ العرب، وسيد الحضر، وغيث البدو، وقاضي القضاة، ومقوم الولاة، ومن قد طبق الأرض عرفاً، وملأ صدور الرجال والأولياء عزاً، ومن جرد القول بالعدل، وكشف القناع في التوحيد، وأقام لكل حالة سويها، ولكل سوق حقها حتى عرف الحق من كان يجهله، وأقر به من كان ينكره، وأحبه من كان يبغضه، وأنس به من كان يستوحش منه، ودعا إليه من كان ينهي عنه.
وكان ابن أبي دؤاد من الغلاة في الاعتزال. وهو الذي حسنه للمعتصم والواثق وحمل الناس على اتباع رأيه في الاعتزال، وأمر ألا يكون قاض ولا عسس ولا أمير إلا من قال بخلق القرآن. وامتحن العلماء، وضربهم. ومات بعضهم في السجون. وأهلك المسلمين. وله مع أئمة الحديث أقاصيص كأحمد بن حنبل، فانه ضربه وسجنه. والبوطي مات في السجن، ويحيى بن معين أكرهه على مساعدته ظاهرا.
وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجئ من أطواد
(1/98)

أرضاً تخيرها لطيب مقامها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلى ونفاد
تحل هذه المواضع بالعراق. وهم أول معديين خرجوا من تهامة، فنزلوا بالسواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد، والخورنق حتى غلبتهم العجم، وألصقتهم بالجزيرة، وبالجزيرة يومئذ ملك من ملوك العماليق، فقتلوه، ونزلوها، فمنعوها من الفرس والروم. وعاودتهم القتال، ففرقوا ثلاث فرق، فرقة بأنقرة، وبجزيرة الروم، وفرقة بحمص، وفرقة رجعت إلى ساباط ثم فعل رجلان من إياد يقال لهما الأحمران ما فعلا، وكانا عبثا ببعض جواري شيرين فأخرجهم إلى الجزيرة، فعبثوا فيها، فأخرج إليهم كسرى جيشا كان فيه لقيط الأيادي، فكتب إلى إياد:
سلام في الصحيفة من لقيط ... على من بالجزيرة من إياد
فإن الليث كسرى قد أتاكم ... ولا يشغلكم سوق النقاد
أتاكم منهم سبعون ألفاً ... يزجون الكتائب كالجراد
على حنق أتيتكم فهذا ... أوان هلكتم كهلاك عاد
وكتب إليهم بقصيدته الطويلة التي أولها:
يا دار علبة من محلتها الجرعا ... هاجت لك الشوق والأحزان والوجعا
أرمي بعيني إذ زالت حمولهم ... بطن السلوطح لا ينظرن من تبعا
يا لهف نفسي إذ كانت أموركم ... شتى وأبرم أمر الناس فاجتمعا
(1/99)

لم يدع بعضكم بعضاً لنائبه ... كما تركتم بأعلا بيشة النخعا
أحرار فارس أبناء الملوك لهم ... من الجموع جموع تزدهي القلعا
فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكاً وآخر يجنى الصاب والسلعا
هو الجلاء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يوماً وإن وقعا
قوموا قياماً على أطراف أرحلكم ... ثم افرعوا قد ينال الأمر من فرعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا حل مكروه به خشعا
كمازن بن قنان أو كصاحبه ... عمرو الفتى حين لاقى الحارثين معا
فلما بلغهم احتملوا جميعا حتى دخلوا بلاد الروم.
وقال البحتري:
أصاب الدهر دولة آل وهب ... ونال الليل منهم والنهار
وما كانوا فأوجههم بدور ... لمختبط وأيديهم بحار
أعارهم رداء العز حتى ... تقاضاهم فردوا ما استعاروا
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطلق رجال إذا هم نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق
تحبهم عوذ النساء إذا ... ما احمر تحت الفوارس الحدق
(1/100)

وأنكر الكلب أهله ورأى الشر ... وطاح المروع الفرق
فريحهم عند ذاك أذكى من ... المسك، وفيهم لحانط ورق
إنما ينكر الكلب أهله للبسهم السلاح عند الفزع، فتنكر الكلاب حلاهم عند ذلك.
وقال الأعشى:
فيهم الخصب والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب المصلاق
وأبيون ما يسامون ضيماً ... ومكيثون، والحلوم وثاق
وترى مجلساً يغض به المحراب ... بالقوم والثياب رقاق
وقال الأعشى أيضا:
جلسوا مجالسهم على أحلامهم ... رجع العقول مخالفة الأقياد
وإذا اللقاح تروحت بعشيها ... رتك النعام عشية الصراد
وترى القدور كأنها حبشية ... غبراً، وقل حلائب الأرفاد
حبسوا على أضيافهم فشووا لهم ... من حشم منقية ومن أكباد
(1/101)

والدهر غير ذاك يا ابنة مالك ... ولقد يغير صالحاً بفساد
روى أبو حاتم عن محمد بن إدريس قال: حدثنا عبد الجبار بن سنان الحنظلي الرقي قال: حدثنا محمد بن بشير عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن ثعلب، وكان عربانيا، عن عكرمة عن ابن عباس، قال حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر الله عز وجل رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلم، وكان رجلا نسابة، وكان مقدماً، في كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: ومن أي ربيعة أنتم، أمن هامها أم من لهازمها؟. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف؟. قالوا: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟. قالوا: لا. فمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها نفسها؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟. قالوا: لا قال: أفمنكم أخوال الملوك من كندة؟. قالوا: لا. قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟. قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من بني شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال:
إن على سافلنا أن نسأله ... والعبء لا نعرفه أو نحمله
يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئاً، فممن الرجال؟ قال أبو بكر: من قريش. قال له دغفل: بخ بخ أهل الشرف والرياسة. فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تميم بن مرة. قال: أمكنت والله الرامي من صفا الثغرة. أفمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى
(1/102)

مجمعا في قريش؟ قال: لا قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مستنون عجاف. قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد، مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء قال: لا. قال: أفمن أهل الإضافة بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة؟. قال. لا. قال: أفمن أهل الرفادة قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية؟ قال: لا. فاجتذب أبو بكر زمام الناقة فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال الغلام:
صادف در السيل در يدفعه
يهيضه حيناً وحيناً يصدعه
أما والله يا أخا قريش لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش، ولست من الذوائب. فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال على: يا أبا بكر وقعت من الأعرابي على باقعه فقال: أجل يا أبا حسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق. قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر، وكان مقدماً، في كل خير فقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر في قومهم، وفيهم معروق بن عمرو، وقد غلبهم جمالا ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على تربته، وكان أدنى القوم مجساً من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟. قال له معروق: أنا لنزيد على الألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال: علينا الجد، ولكل قوم جد. قال له أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟
قال معروق: إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك آخر قريش؟.
(1/103)

قال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هاهو ذا، فقال معروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى م تدعوا إليه يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنى رسول الله، وإلى أن تأووني وتنصروني فان قريشا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد. فقال معروق: وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
فقال معروق: وإلى م تدعوا أخا قريش؟. فتلا عليه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). فقال معروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأخلاق. ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وأني أرى تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكنا نرجع وننظر. وكأنه أحب أن يشاركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش فأما تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك فالجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وأما أن نأويك وننصر ما فنانا نزلنا بين ضربين اليمامة والسماوة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما هذان الضربان. قال: أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى. فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وإنما نزلنا
(1/104)

على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثا ولا نأوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك. فان أحببت أن نأويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم الصدق، وإن دين الله لا ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم أن لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم أرضهم، وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟.
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك. فتلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيراً). ثم نهض النبي (صلى الله عليه وسلم)، فأخذ بيدي فقال: يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها، يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضا حتى بايعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وكانوا صدقاً صبراً.
قوله: عربانياً، فان هذه الألف والنون يزادان في النسبة ليفرقوا بها بين العربي اللهجة وبين العربي النسب. وسمى عبد الله بن الحارث بن همام بن مرة بن مرة بن ذهل بن شيبان ذا الجدين لأنه أسر أسيراً شريفاً فقيل له: إنك لذو جد قال: فعندي من هو فوقه، رجل من كنانة. فقيل له: إنك لذو جدين. وقيل إنه سبق في سبقين من الخيل، فقيل له ذاك.
والأول أصح. وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان هو الذي يقال فيه: لا حر بوادي عوف. أي لا يقرب واديه إلا بذمته وجساس بن مرة بن ذهل بن شيبان يسمى حامي الديار أي أنه يحمي ما إن ضيعه لزمه منه الذم وهو اللؤم، وهو الذي قتل كليب بن وائل أخو ربيعة في لقحة جارته. قال الشاعر:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأعظم جرما منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحامشة البرد اليماني المسهم
وبسطام بن قيس بن مسعود بن قيس خالد بن عبد الله ذي الجدين. وفي بسطام يقول قابوس الشاعر:
(1/105)

اسبق وفودك إما كنت ساقيها ... وابدأ بكأس ابن ذي الجدين بسطام
ينمى به من بني شيبان أسرتها ... حامى الحقيقة عن أعراضها رامي
ما زال قيس بن مسعود ووالده ... سدا الملوك به أيام أيام
فارضوا بما صنع الرحمن في مضر ... وفي ربيعة من تقديم أقوام
قد كان بالشام بسطام فقدمه ... قبل الوفود جهاراً صاحب الشام
والحوفزان هو الحارث بن شريك من بني همام بن مرة، وجده الصلت بن عمرو. أجمعت على تقديمه بكر، ولولده شريك. يقال:
يا شريك بن عمرو ... وهل من الموت محاله
يا أخا كل مصاب ... يا أخا من لا أخا له
وإنما قيل له الحوافزان لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح في وركه فعرج منها.
وقال جرير يعيب بني شيبان بإنكاحهم الفرزدق:
غاب المثنى ولم يشهد نجيكم ... والحوفزان، ولم يشهده معروق
يا رب قائلة بعد البناء بها ... الصهر راض ولا ابن القين معشوق
والمثنى بن حارثة من بني ذهل بن شيبان. أجمعت عليه بكر، فغزا سواد الكوفة، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسميه: مؤمر نفسه. ومعروق من بني شيبان أيضاً. وهانئ بن قبيصة من وجوههم. والنعمان بن شريك هو أخو الحوفزان. والمزدلف هو عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. ولده حارثة ذو التاج كان على بكر بن وائل حين
قاتلوا المنذر بن ماء السماء يوم أوارة.
(1/106)

والصريان واحدها صري يقال: صري الماء والدمع فهو صر إذا اجتمع ولم يجر. وقوله: بقل وجهه أي خرج شعر وجهه. وصفاها: لونها، يريد أن مقاتله بادية. والصفا الحجر الصلد الأملس، والدر: الدفع. ويريد هاهنا دفاع السيل أي شدته. والزمعات واحدتها زمعة، وهي شبه أظفار الغنم في الرسغ، في كل قائمة زمعتان، يكون ذلك لكل ذي ظلف. وقيل الزمعة الزائدة من ذوي الظلف. والنافغة من الرجال هو الداهية. أفصحتم بالرد تبينتموه، ولم تمجمجوه. يقال للأعجم إذا تكلم بالعربية، وحسنت لغته: قد أفصح. وللرجال إذا تكلم
دخل أعرابي مسجد الكوفة، فرأى خالد بن سلمة المخزومي فقال له: ممن الرجال؟. قال: من تيم الرباب. قال للرجال: مت أنت من حنظلة الأكرمين ولاسعد الأكبرين، ولا عمرو الأشدين، فسأل الأعرابي عنه فقيل له: مخزومي فقال: ولست والله يا خالد من بني هاشم المرسلين، ولا من بني أمية المستخلفين، ولا من بني عبد الدار المستحجبين. قال خالد: ولكن من ريحانة قريش. قال الأعرابي: شوه لك، ما كنت أظنك تتزين بهذا، إنما أسميتم ريحانة قريش لحظوة نسائكم عند الرجال. فقال خالد: أعطى الله عهدا إن عبت أحداً بعدك.
(1/107)

باب ومن حكماء قريش في الجاهلية عتبة بن ربيعة
قالوا: لم يعرف له قط كلمة رفث إلا كلمتان قالهما يوم بدر. قال لأبي جهل بن هشام - لعنة الله - ستعلم يا مصفر إسته. وقال حمزة: أنا أسد الله، وأسد رسوله، فقال عتبة: أنا أسد الحلفاء. وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
بيتاً بناه لنا الإله وما بنى ... ملك السماء فإنه لا ينقل
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل
يلجون بيت مجاشع وإن احتبوا ... ترزوا كأنهم الجبال المثل
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
يحمى إذا اختط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل
(1/109)

ويقول فيها:
ومحرق جمعوا إليه يمينه ... بصفاد مغتصب أخوه مكبل
ملكين يوم بزاخة قتلوهما ... وكلاهما تاج عليه مكلل
محرق هذا من ملوك غسان أغار هو وأخوه في طوائف من العرب من إياد وتغلب على بني ضبة بن أد وهم بزاخة، فاستافا النعم، وأتى الصريخ ضبة، فركبوا واقتتلوا قتالا شديداً، ثم إن زيد الفوارس حمل على محرق فاعتنقه وأسره، وأسروا أخاه أيضاً ثم قتلوه.
قالت الرواة: لولا شعر الفرزدق لذهب كثير من أخبار العرب وأيامها. وهذه الأبيات من قصيدة طويلة يفتخر فيها، ويذكر علمه بالشعر، ويذكر الشعراء فيها فيقول:
وهب القصائد لي إذ مضوا ... وأبو زيد وذو القروح وجرول
والفحل علقمه الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
وأخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
(1/110)

وأخو بني أسد عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنحل
والجعفري وكان بشر قلبه ... لي من قصائده الكتاب المجمل
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل
والحارثي أخو الحماس ورثنه ... صدعاً كما صدع الصفاة المعول
ولقد ورثت لآل أوس منطقاً ... كالسم خالط جانبيه الحنظل
يصدعن ضاحية الصفا عن متنها ... ولهن من جبلي عماية أثقل
دفعوا إلي كتابهن وصية ... فورثنهن كأنهن الجندل
فيهن شاركي المصادر بعدهم ... وأخو هوازن والشامي الأخطل
أراد بالنوابغ نابغة بني ذبيان، وهو زياد بن عمرو من بني سعد بن ذبيان بن بغيض، والنابغة الجعدي وهو قيس بن عبد الله بن كعب بن صعصعة. النوابغ كما يقال الفراقد، وأبو يزيد هو المخبل، وأسمه ربيعة بن مالك من بني قريع ثم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذو القروح امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الحراب بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي. وجرول هو الحطيئة بن أوس من بني عبس بن بغيض، وعلقمة هو بن عبدة من بني مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سمى الفحل لأن في بني عبد الله بن دارم
(1/111)

علقمة الخصى. وزهير ابن سلمى، وأبو سلمى ربيعة بن رياح من بني مازن بن مزينة. وابن الفريعة حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري، وأخو بني قيس طرفة بن العبد من بكر بن وائل. قتله عمرو بن هند حين هجاه. ومهلهل بن ربيعة أخو كليب ابن ربيعة من بني تغلب بن وائل. وعبيد بن الأبرص بن جشم من أسد بن خزيمة. وأبو دؤاد حارثة بن حمران الإيادي، وبشر بن أبي خازم من بني أسد. والأعشيان أحدهما الأسود بن يعفر بن نهشل بن دارم، والآخر ميمون بن قيس بن حنيفة بن قيس بن ثعلبة، وأخو قضاعة أبو الطمحان حنظلة بن الشرقي أحد بني القين بن جسر. وأخو الحماس النجاشي، وهو قيس بن عمرو بن جحيح بن حماس. وأوس بن حجر من بني عمرو بن تميم بن مر، والمساور بن هند بن قيس بن جذيمة من عبس، وأخو هوازن عبيد الراعي بن حصن بن نمير بن عامر بن صعصعة. الأخطل غياث بن عوف بن الصلت من بني تغلب.
وقال أوس بن حجر الأسدي:
ومستعجل مما يرى من إبائنا ... ولو زينته الحرب لم يترمرم
وما الملك الجبار حين نكيده ... بكيد على أرماحنا بمجرم
لعمرك ما المغتر يأتي بيوتنا ... لنمنعه بالضائع المتهضم
وما ضيفنا القرى بمدافع ... ولا جارنا في النائبات بمسلم
بني ومالي دون عرضي وقاية ... وقول كوقع المشرفي المصمم
وقال آخر:
هلا سألت عن الذين تبطحوا ... كرم البطاح وخير سرة واد
وعن الذين أبوا فلم يستكرهوا ... أن ينزلوا الولجات مسنداد
(1/112)

يخبرك أهل العلم أن بيوتنا ... منها بخير مضارب الأوتاد
وقال الأعشى لعمرو بن عبد الله:
فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا ... ولا لك حق الشرب في آل رمرم
فقال له عمرو: لكنك يا أبا بصير وقومك منهم. يهزأ به. فقال الأعشى:
وما بوا الرحمن بيتك في العلا ... باحياد شر في الصفا والمحرم
فقال له عمرو: ولكنك يا أبا بصير عريض المباهاة بها.
ورأى رجل من قريش رجلا من بني تغلب له هيئة فوقف له وهو يطوف بالبيت فقال: أني أرى رجلين قل ما وطئا البطحاء، فقال التغلبي: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة، وهي لي دونك وبطحاء ذي قار أنا أحق منك بها، وهذه البطحاء سواء العاكف فيها والبادي.
قال أبو عبيدة: قدم الفرزدق على عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة فأكرمه وأحسن ضيافته، وبلغه عنه أنه زنى، فقال لجارية له: انطلقي إلى الفرزدق فاغسلي رأسه وبعث معها ألطافاً، وهو يريد أن يختبره، فاتت الجارية إلى الفرزدق وعمر ينظر من خوخة إلى ما يصنع الفرزدق، فذهبت الجارية لتغسل رأسه، فوثب عليها فركلته فإذا هو على قفاه، ثم قالت: لعنك الله من شيخ، وخرجت حتى أتت عمر، فنفاه عمر. فلذلك قال جرير:
خرجت من المدينة غير عف ... وقام عليك بالحرم الشهود
فإن ترحم فقد وجبت حدود ... وحل عليك ما لقيت ثمود
فلما رحل الفرزدق قال:
وكنت إذا نزلت بأرض قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
(1/113)

قال: ثم قدم جرير بعد ذلك على عمر، فصنع به كما صنع بالفرزدق، وقالت له جارية: قم فاغسل رأسك، فقام فاتزر، وقال للجارية: تنحى. فقالت: سبحان الله. إنما بعثني سيدي لأخدمك. قال: لا حاجة لي في خدمتك. فأخرجها من الحجرة، وأغلق الباب، فغسل وعمر ينظر إليه من حيث بعث الجارية إلى أن أخرجها من الحجرة. وجرير لا يعلم. فلما راح أهل المدينة إلى عمر حدثهم بفعال الفرزدق وجرير وقال: عجباً لقوم يفضلون الفرزدق على جرير مع عفة بطنه وفرجه.
(1/114)

باب في ذكر الهيبة
ومما يستجاد في ذلك قول أبي عبادة الوليد بن عبيد الله البحتري:
ولما وردنا سدة الأذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر ألتم حين أقابله
إلى مسرف في الجود لو أن حاتماً ... لديه، لأمسى حاتم وهو عاذله
بدا لي محمود السجية شمرت ... سراويله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمح الرديني ثقفت ... أنابيبه للطعن واهتز عامله
وكالبدر وافته لقدرٍ سعوده ... وتم سناه واستهلت منازله
فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
ذنوت فقبلت الندى في يد امرئ ... جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالة ... ورقت كما رق النسيم شمائله
(1/115)

وقال ذو الرمة في بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
تقول عجوز مدرجة متروحاً ... على بيتها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا إن أهلي لجيرة ... لأكثبه الدهنا جميعاً وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أراجع فيها يا ابنة الخير قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قسا ... أزور فتى نجداً كريماً يمانيا
من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازياً
مرمين من ليث عليه مهامة ... تفادى الأسود الغلب منه تفادياً
فما يغربون الضحك إلا تبسماً ... ولا ينبسون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه ... كما يبهر البدر النجوم السواريا
وما الفحش منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم، ولكن هيبة هي ماهيا
لمستحكم جزل المروءة مؤمن ... من القوم لا يرضى الكلام اللواغيا
(1/116)

في السن كهل العلم يسمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرواسيا
قوله مرمين: أي مطرقين، والغلب: الغلاظ الرقاب، واحدهم أغلب ويتفادى يتقى بعضها ببعض، وأغرب: أكثر من الضحك. ويقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم بها. والتناجي: السرار.
وقال مهلهل بن ربيعة:
أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وتقاولوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه ... أم من يرد على الصريخ ويحبس
وإذا تشاء رأيت وجهاً ناعماً ... وذراع باكية عليها برنس
جزعاً عليك ولست لائم حرة ... تبكي عليك بعثرة وتنفس
ولقد شفيت النفس من سرواتهم ... والخيل تعثر في الدماء وتعبس
وتركت جساساً ينوء بصعدة ... سمراء يقدمها سنان مدعس
أكليب لو حدثت كيف عقوبتي ... علمت عظامك إذ علاها المرمس
أن لست زيراً حين ششت وقودها ... في الحرب يوم عنانها لا يسلس
قوله: (وذراع باكية عليها برنس) يعني أنهن كن نصارى، يلبسن البرانس. وزير النساء. أي يلزم مجالستهن.
(1/117)

وقال آخر:
إذا بدر احتبى بالسيف دان له ... شوس الرجال خضوع الحرب الطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وقال كثير:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت ... يزيد بهذا الحلم حلماً حضورها
فلا هاجرات القول ينطقن عنده ... ولا كلمات النصح مقصى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عنده ... وينذرهم عود الكلام نذيرها
وإني لآتي فترة فمسلم ... وإن لم تكلم حفرة من يزورها
وقال الفرزدق: وقيل هي لداود بن سلم في قثم بن العباس. وقيل للفرزدق في علي بن
الحسين عليهما السلام:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذاما جاء يستلم
وفي قثم بن العباس بن عبد المطلب يقول الأخطل:
ولقد غدوت على التجار بمسمح ... هرت عواذله هرير الأكلب
لذ تغلبه التعيم كأنما ... سحت ترائبه بماءٍ مذهب
لباس أردية الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الربرب
خضل الكياس إذا تثنى لم تكن ... خلفاً مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش متقطب
(1/118)

قوله: لذ هو الرجل يشتهى اللذات. ويقال إن الأبيات الأولى للعين المنقري. وإنما سمى اللعين لأن عمر رضي الله عنه كان في صلاة حتى دخل اللعين، فقال: ألقت مراسيها يدا الزمزام
فلما سلم قال: من هذا اللعين؟. فسمى بذلك.
وقال أشجع السلمي:
لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الأنام مفخم لا يتقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
قال عبد الكريم: ولي أبيات من قصيدة ذكرت فيها الهيبة. وهي:
ومجلس موفور الجلالة تنثني ... عيون الورى عنه وينبو خطابها
ترى فيه رفع الطرف خفضاً كأنما ... لحاظ الرجال ريبة تسترابها
نثرت به غر المعاني كأنها ... قلائد در زان جيداً سخابها
إذا حكتها ظلت نواسج عبقر ... حواسد مدسوساً إلي عتابها
على ملك تهدى إلى مكرماته ... عقائل أشعار يرف شبابها
همام دعت كفاه قاصية العلا ... فلباه منها صفوها ولبابها
وكيف بها إلا عليه طريقها ... وأين بها إلا إليه ذهابها
إذا ورد المنصور أرضاً تهللت ... وجوه رباها واستهل ربابها
إذا اغبرت الآفاق بلت سماؤه ... ثراها بأيد ما يجف رغابها
(1/119)

كان الغوادي الزرق عنه مضاؤها ... وخضر السحاب من نداه عيابها
فمن يوله سعداً ينله ومن يرد ... به شقوة تخلع عليه ثيابها
يحل ثياباً حلها البر والتقى ... ويخضر من بعد اصفرار جنابها
وما بلدة لم يأت بالطوع أهلها ... بآمنة إلا تدك هضابها
تحط بها الأسد الضواري خواضعاً ... لديك ولو أن الكواكب غابها
ولو أنها عاصتك غير مجيبة ... أجابتك من تحت السيوف رقابها
تهابك آفات الخطوب فتنتهي ... ولا تنتهي عن خطة فتهابها
رماحك أحناء الضلوع ثقافها ... وخيلك تامور النفوس شرابها
ترى كل نهد أعوجي حجوله ... كما محت الزرق العوالي حجابها
أعوجى منسوب إلى أعوج، كان لكندة فأخذته سليم في بعض أيامهم، ثم صار لبني هلال قال أبو عبيدة كان الوجيه والغراب والوفا بها تفتخر بما صار إليه منها.
قال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغنى، والأصغر لبني هلال، وذكر أن شبل هي أم أعوج. وأنها كانت لأعوج. وذو العقال لبني رياح. ومنها جلوى، وكانت لبنى ثعلبة بن يربوع. ومنها الحنفاء، وهي أخت داحس لأبيه وأمه، من ولد ذي العقال، ومنها الغبراء. كانت لقيس بن زهير، وهي خالة داحس، واخته لأبيه. وإذا قالوا بنات أعوج، فإنما يريدون الذكران من الخيل، وما لم يكن من الناس يقال للذكور منه بنات.
(1/120)

باب في الجهارة وخلافها
العرب تستحسن أن يكون الرجال جهيراً بليغا، جميلا. قال يونس بن حبيب: ليس لعي مروة؛ ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو بلغ عنان السماء.
ونظر عمر إلى جبلة بن سلمى فقال: ما أجود قناتك! فقال: سنانها أجود يريد: قلبه. وقال بعضهم:
فلا تذهبن عيناك في كل شرمح ... طوال فإن الأقصرين أمازره
المزير: العاقل. قال كثير:
ترى الرجال النحيل فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
طر شاربه: أي نبت.
وقال غيره:
وفي الصمت ستر للعيي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
وقال أعرابي: رأيت عورات الناس بين أرجلهم وعورة فلان بين فكيه. يريد من العيى.
خطب رجل جميل قليل المال امرأة، وخطبها رجل آخر دميم له مال فتزوجت الدميم لماله فقال:
ألا يا عباد الله ما تأمرونني ... بأصبح من صلى وأقبحه فعلا
يدب على أحشائها كل ليلة ... دبيب القريبانات يقرونها سهلا
(1/121)

وقال آخر:
وما حسن الرجال لهم بفخر ... إذا ما أخطأ الحسن البيان
كفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له جنان
وقال المتنبي:
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
ضحك المعتصم من عبد العزيز المكي لما دخل عليه، وكان مفرط القبح، فقال المكي
للمأمون: مم يضحك هذا؟. ما اصطفى الملك يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لبيانه. قال الله عز وجل: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدنيا مكين أمين). فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجهي، فأعجب المأمون قوله. وقالوا: أفضل اللفظة بديهة أمن وردت في مقام خوف. وقال الشاعر:
سأرفض ما يخاف علي منه ... وأترك ما هويت لما خشيت
لسان المرء يغني عن حجاه ... وعي المرء يستره السكوت
وكان عمرو بن معدى كرب جميلا وسيما، فارساً، شاعراً، وكان يختار للوفادة لجماله وبيانه. وهو القائل:
(1/122)

ظللت كأني للرماح ذريئة ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت
وجاشت إلي النفس أول وهلة ... وردت على مكروهها فاستقرت
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
قال: والبيت الأول من أمض ما هجى به أحد. والبيت الثاني من أصدق ما قاله فارس. ولا أعلم لعمرو في الجاهلية أسير منه، وهو يقدم على زيد الخيل في البأس والنجدة. وقد شهد حرب القادسية وفتوح فارس كلها، وأبلى فيها بلاء حسنا، وكان له مائة سنة.
وكتب عمر إلى سعد أن يستشير عمراً وطليحة بن خويلد الأسدي الذي كان يتنبأ ثم أسلم في الحرب، ولم يولهما من أمر المسلمين شيئاً. وسيف عمرو الصمصامة يضرب المثل به، ويقال إنه كان لعمرو بن ذي قيفان قتل به عمرو وقتل به، فوهبه عمرو لخالد بن سعيد أيام على اليمن فقال فيه:
خليلي لا أهبه على قلاه ... ولكن التواهب للكرام
خليلي لم أخنه ولم يخني ... كذلك ما خلاني أو ندامى
حبوت به كريماً من قريش ... فسر به وصين عن اللئام
ووصل الصمصامة بعد ذلك إلى موسى الهادي، فقال العتابي:
حاز صمصامة الزبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما طبقت عليه الجفون
وقيل إن المتوكل طلبه في الآفاق فقيل له إنه وصل إلى أفريقية، فبعث فيه، فقيل له إنه
وصل إلى اليمن، فوجه في طلبه حتى أخذ له بمال كثير فصقله، فأعجبه، ودفعه إلى باغص التركي، وكان شجاعاً، فيقال إنه قتله به حين دخل عليه مع الذين اتفقوا على قتله غدراً مع المستنصرية.
(1/123)

قال البحتري: كنت في ندمان المتوكل فرأيت في اليوم الذي قتل فيه علامات دلت على قتله منها أنه تجارينا تكبر كسرى وعتوه فوجه وجهه نحو القبلة، فصلى ركعات وقال: أبرأ إلى الله من الكبر والتجبر، وأخذ تراباً فجعله فوق رأسه ووجهه فتطيرت له من ذلك، ثم غنى ابن أبي العلاء صوتاً، فقال: ما بقي من سمع هذا الصوت إلا أنا وأنت. فتطيرت أيضاً له بذلك. ثم أرسلت له قبيحة مطرف خز ما رأيت مثله، فتناوله وشقه، وقال للخادم: قولي لسيدك: إذا مت فادفنيني فيه. ثم سكر ودخل القبة فكان آخر العهد به، وخرجت فلجأت إلى قناة حفرت في البستان إلى أن أصبحت فانتشرت مع الناس.
وقالوا: اللسان البليغ والشعر الجيد لا يجتمعان إلا قليلا، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة الشعر. قال الجاحظ: وقد اجتمع ذلك للعتابي.
قال عمران بن حطان:
وشهدت مجمعهم بوجه واضح ... بادي الملاحة والجمال نضير
وبيان أزهر ماجد ذي نجدة ... عال إذا اجتمع الرجال جهير
قال علي بن عبيدة الزنجاني: أتيت الحسن بن سهل بفم الصليخ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل فكتبت إليه:
مدحت ابن سهل ذا الأيادي وما له ... بذاك يد عندي ولا قدم بعد
وما ذنبه والناس إلا أقلهم ... عيال له إن كان لم يبن له جد
سأمدحه للناس حتى إذا بدا ... له في رأي عاذلي ذلك الحمد
فكتب إليه: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: مال وعقل وصبر. فقلت: للواسطة: تؤدي عنى؟ قال: نعم قلت: تقول له: لو كان لي
(1/124)

مال لأغناني عن الطلب منك، أو صبر لصبرت به على الذل ببابك، أو عقل لاستدللت به على النزاهة عن رفدك. قال: فأمر لي بثلاثين ألف درهم.
دخل ابن أبي محجن الثقفي على باب معاوية فقال: أبوك الذي يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: وما ذاك؟
قال: قوله:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرته ... وسائلي الناس عن مجدي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
قال بعض أصحاب الرشيد: دخلت عليه يوماً وهو شديد الغيظ، وهو يقول: قاتل الله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حيث يقول:
يا أيها الزاجري عن شيمتي سفهاً ... عمداً عصيت مقال الزاجر الناهي
أقصر فإنك من قوم أرومتهم ... في اللوم فافخر بهم إن شئت أوباهي
لا سمعتي تجتوي يوماً ولا خلقي ... وليس حبلي لمن صافيت بالواهي
فزين الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوماً وقد يزرى بأفواه
قال امرؤ القيس، وقد سار مستنصراً بملك الروم على بني أسد الذي قتلوا أباه. ويذكر عمرو بن قميئة:
(1/125)

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وعمرو بن قميئة عمر طويلاً فقال:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لا تقيتها ... ولكنما أرمى بغير سهام
وقال غيره:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني حابل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أني بقيد
وقال عروة بن الورد:
أليس دوائي أن أدب على العصى ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كل عشية ... يطيف بي الولدان أهدج كالرال
وقال النمر بن تولب:
يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يعيد الفتى من بعد حسن وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
ولغيره:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... وألانها الإصباح والإمساء
(1/126)

ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولا يلبث العصران يوماً وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال آخر:
أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال
وقال لطبيب:
وكيف يقودني كلف بليلي ... وهذا الشيب أصبح قد علاني
وودعني الشباب وكنت أسعى ... إلى داعي الشباب إذا دعاني
فإن يضن الشباب فكل شيء ... من الدنيا - ولا يغرك - فاني
وإني لو بقيت لمس ليل ... وصبح نهاره يتداولان
صحيحاً لا ألاقي الموت حتى ... أدب على القناة لأبلياني
وقال جرير:
كان الخليط هو الخليط فأصبحوا ... متبدلين وبالديار ديار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
(1/127)

وقيل لبعضهم: كيف حالك؟ قال: حال من يغنى ببقائه ويقسم بسلامته ويؤتي من مأمنه.
رجع إلى ذكر الجهارة وما تعلق بها
قال. . كان الرشيد إذا طاف بالبيت جعل لإزاره ذنبين عن يمين وشمال ثم طاف يأوسع من خطو الظليم، وأسرع من رجع يد الأرنب. ونظر إليه أعرابي في تلك الحال:
خطو الظليم ... ريع مشياً وانشمر
قال عبد الملك بن صالح لرجل من آله عطس عنده وبين يديه رسول ملك الروم فلم يجهر، وكان أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر وهام ومواكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبيناهم يكلمونه، ووجه ذلك الرجل في قفا البطريك إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك، فلم يدر أي شيء أنكر منه، فلما مضى الوفد قال له: ويلك!، هلا إذا كنت ضيق المنخر، كز الخيشوم أتبعها صيحة تصدع بها كبد العلج!.
قال المبرد: كان يقال إن علي بن عبد الله بن عباس كان إلى منكب عبد الله بن العباس وعبد الله بن العباس إلى منكب العباس، وأن العباس كان إلى منكب عبد المطلب. قال: فطاف علي بن عبد الله بالبيت فرأته عجوز، وعلي قد فرع الناس كأنه راكب والناس مشاة. فقالت لا إله إلا الله إن الناس ليرذلون. عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض.
وكان أبو جعفر المنصور يعرف بعبد الله الطويل. ويقال صار شبه علي بن عبد الله فعظم الجسم إلى علي بن المهدي المعروف بابن ربطة أمه، وفي
(1/128)

علي بن سليمان بن علي. وكان العباس بن عمرو بن سعد بن عبادة رضي الله عنهم من مقيلي الظعن، وممن ينقل في ذروة البعير.
وقال رجل من طي:
جمعنا لهم من حي عوف ومالك ... كتائب يردى المقرفين نكالها
فلما أتينا السفح من بطن حائل ... بحيث تلاقى طلحها وسيالها
ولما التقى الصفان واختلط القنا ... نهالاً وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن العمارة ذلة ... وأن أشداء الرجال طوالها
دعوا لنزار فانتمينا لطيءٍ ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها
ولما التقينا بين السيف فيهم ... لسائله فينا حفي سؤالها
ولما تدانوا بالسيوف تقطعت ... وسائل كانت قبل سلماً حبالها
وأعتذر بصيلة السلمي من الدمامة، وذلك أنه كان في إبل له، فمر به قوم من بني سليم، فاستسقوه لبناً، فسقاهم، فلما رأوه في الإبل وحده ازدروه، فأرادوا أن يستاقوها، فجالدهم حتى قتل منهم رجلا، وجرح آخر، وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني
سليم يمدحه:
(1/129)

ألم تسل الفوارس من سليم ... ببصلة وهو مؤتزر مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاً ... كما عض السبا الفرس الجموح
فأطلق غل صاحبه وأردى ... قتيلاً منهم، ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
حضر أبو عبيدة وخلف الأحمر مجلس الفضل بن الربيع، فسألهما عن قول عمر لابن محدورة حين أذن: كدت تشق مربطاك. فقال أبو عبيدة بالفتح والمد، وقال الأحمر هو بغير مد، مقصور، فجاء الأصمعي فقال مثل قول أبي عبيدة، فقال الأحمر: لا. فقال الأصمعي بلى. فلم يزل يحتج عليه حتى قهره.
وقد عظموا غناء العباس يوم حنين بعلو صوته وقوله: يا للأنصار يا لسورة البقرة، فتراجع الناس، ورأى النبي (صلى الله عليه وسلم) مجتلدهم فقال: الآن حمى الوسيط.
وقالوا إن رجلا أسيراً أسمع أهله (من) مسيرة يوم.
وقال النابغة الجعدي:
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يلتبسن بالغنم
قالوا: كان يزجر الأسد فيشق مرارته في جوفه، وهذا من المبالغة في الوصف.
(1/130)

وكذلك ذموا صغر الأفواه، وضيقها، وخفاء الأصوات، كما مدحوا ضد ذلك. وقال الشاعر:
كأن بني دوينة رهط زيد ... فراش حول نار يصطلينا
يطفن بحرها ويقعن فيها ... ولا يدرين ماذا يتقينا
والنساء يتقين من أزواجهن ويشردن من القبح والدمامة.
قال: تزوج امرأة شابة وكان شيخاً فعجز عنها، فقال:
بكف خضم بكرة لو تعلقت ... بحبل غلام رابض لاستقرت
سقاها بماء آجن خيص قلبها ... فقد نهلت منه قلى ثم علت
كأن شآبيب الدموع بخدها ... شآبيب ماء المزن حين استهلت
قال دعبل: أبو زياد الكلابي أعرابي قدم أيام المهدي حين أصابت الناس مجاعة، فأقام
ببغداد أربعين سنة، ومات بها، وكان يقول الشعر. ومن قوله:
أراك إلى كثبان يبرين صبة ... وهذا لعمري إن قنعت كثبيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضا ... مستخبر عمن يحب قريب
وكان نازلا على شط دجلة بالجزيرة، وثم رمل كثير. وكان العباس بن محمد الهاشمي أجرى عليهم حين نزلوا رغيفاً لكل إنسان، فلما كثروا قطعه عنهم. فقال أبو زياد:
إن يقطع العباس عنا رغيفه ... فما فاتنا من نعمة الله أكبر
قال أبو زياد الكلابي، وذكر شراد النساء: تزوج ذروة بن جحفة أحد بني الصموت امرأة تسمى مسكة، وكان رجلا فيه ردة، وكانت مسكة أشد نساء بني كلاب، فلما لقيته نفرت منه فذهبت في الجبال وفي الناس ثم ترد الوردة فتبيت الليالي ثم تجمح. وكان أمير القوم يقال له ابن هشام،
(1/131)

فأتت مسكة إلى مجلس قضائه، فرأى أحسن ما يكون من النساء، وأقبحهن حالا، عارية مهزولة، فقالت: زوجت رجلا فأجاعني وأعراني وأرعاني إبله، فأدخلها السلمي الأمير على بناته ونسائه وأرسل إلى ذروة زوجها، فلما جلس بين يديه. وكان راعي إبل قشفاً أزج الحاجبين كثير شعر الوجه. فنظر إلى مثل الكلب الكردي. وأرسل إلى مسكة فجاءت فقال: هذا زوجك؟ قالت: نعم. قال: اجلسي حذاء زوجك، فجعل ينظر إليها وإليه ثم قال: يا ذروة ما تقول؟ فقال ذروة:
يا ابن هشام نصرة المظلوم ... إليك أشكو حيفة الخصوم
ورهاء ذات عطل وسيم ... وخلق ليس بمستقيم
قد نفرت من شارف مردوم ... جشم منها وخم الملغوم
ليس بمعسوف ولا مروم ... وأعرضت كالفرس العذوم
وهي تمطى تمطي المحموم
الوسيم الحسن، والورهاء الخمصاء، والعذوم العضوض، والعطل الجسم والخلق، والشارف: الكبيرة من الإبل. يريد نفسه أنه أبيها جشم أي أبين مروم: أي معطوف عليه، إذا أحبه فقد ريمه، والملغم: الفم وما حوله وخم: متغير. قال فأخذ بناصيتها، فكلما جذبها تقع على ركبتيها وتقول: المظلومة!! وقال ذروة وقد ذهب بها:
يا مسك إن السلمي العادلا ... قضى قضاءٍ طبق المفاصلا
لما رأى ما تحكمين باطلا ... لا جعلن القد والسلاسلا
منها بحيث تجعل الخلاخلا ... والسوط حتى تسدل السدائلا
فذهب بها ذروة، فولدت له رجالا.
(1/132)

قال عبد العزيز زرارة الكلابي، وكان سيدا كريما لما سأله معاوية: أي فعله فعلتها أعجب إليك؟. قال: ما من ذاك شئ الا وقد تعجب، ولكني أعجبتني فعلة فعلتها ونحن مقبلون من نجد إلى الشام، فنزلنا ماء من مياه كلب فنظرت إلى خيمة بالفلاة، فعمدت إليها، فإذا رجل جالس على فرش تحت رقاق البيت، فأنخت ثم جلست إلى رجل جميل جهير قد اكتهل، فنسبني وسألني من أين جئت؟. فأخبرته ونسبته، فانتسب لي إلى كلب وإذا ستر في جانب البيت، فأسمع في الستر صلصلة، فلما طال ذلك قلت له: وقع في نفسي أن دون الستر إنسان مجنون. قال: لا عليك لا تسألن عنه، قلت: فإني رجل كنت أداوي المجانين، فضحك ضحكاً شديداً، وقال إنه لمجنون جنوناً ماله عندك دواء. فقلت: ما من شعبة من الجنون إلا لها عندي دواء. وجعل الكلبي يضحك، ثم قال: هذه امرأتي كانت في بيت من بيوت قومها، فلما تزوجتها والتقينا نفرت، فبلغ من الأمر أن قيدناها بقيدين من حديد. فقلت: إني لأرى شاهداً حسنا وجمالا، وإني لأعرف أنك في شدة، فما يضطرك إلى تركها عندك؟. فقال: وبكم تزوجتها بمال كثير، وأنا أخاف إن اختلعها أن يذهب مالي. قلت له: وبكم تزوجتها؟. قال: بخمسين من الإبل وخادم محليها وثيابها. قلت: أفرأيت إن أعطيتك ذاك أتتركها؟ قال: نعم. فأخبرني أن أباها قريب من الماء الذي هو به. فقلت له: أحملها إلى أبيها فحملها ووردنا الماء، فاجتمعنا بأبيها وأهلها، ودفعت إلى أبيها خمسين من الإبل وقيمة الخادم والحلي، وفارقها وفارقته.
وقال ابن أبي عيينة لامرأة من قرابته بدينا جار:
دعوتك بالقرابة والجوار ... دعاء مصرح بادي السرار
لأني عنك مشغول بنفسي ... ومحترق عليك بغير نار
وأنت توقرين وليس عندي ... على نار الصبابة من وقار
(1/133)

فأنت لأن ما بك دون ما بي ... تدارين العيون ولا أداري
ولو والله تشتاقين شوقي ... جمعت إلي خالعة العذار
وعبد العزيز بن زرارة هو الذي دخل على معاوية فقال: إني دخلت عليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواماً قدمهم الحظ وآخرين باعدهم الحرمان، وليس ينبغي للمقدم أن يأمن، ولا للمؤخر أن ييأس، وأول المعرفة الاختبار، فابل واختبر. وكان قد حجب عنه، فقال بعض شعراء كلب:
من يأذن اليوم لعبد العزيز ... يأذن له عبد العزيز غدا
ولمثل هذا السبب وشبهه من طرق المكارم وأتباع حسن الأحدوثة فعل ما فعل صعصعة بن ناجية بن عقال جد الفرزدق، وذلك أنه خطب للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إني كنت أعمل عملا في الجاهلية أف ينفعني ذلك اليوم؟. قال: وما عملك؟. قال: أضللت ناقتين لي عشراوين فركبت جملا ومضيت في طلبهما فوقع لي بيت، فإذا شيخ جالس بفنائه سألته عن الناقتين فقال: ما نارهما؟. قلت: نار بني درام. قال: هما عندي وقد أحيى الله بهما قوماً من قومك من مضر فجلست معه، فإذا أنا بعجوز خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت، فان كان صبياً شاركنا في أموالنا وإن كانت حائلا وأدناها. فقالت: وضعت أنثى. قلت: أتبيعينها؟. قال: وهل تبيع العرب أولادها؟. . إنما أشتري حياتها ولا أشتري رقها. قال: بكم؟ قلت: بكم؟ قلت: احتكم. قال: بالناقتين والجمل. قلت: ذلك لك على أن تبيعيني الجمل وإياها، ففعل. فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنة في العرب أن أشتري كل موءودة بناقتين عشراوين وجمل. فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة قد أنقذتها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله، وإن تعمل في الإسلام عملا صالحاً تثب عليه. فقال الفرزدق يفتخر بذلك:
(1/134)

ألم تر أنا بني دارم ... زرارة منا أبو معبد
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيى الوئيد فلم توئد
ألسنا بأصحاب يوم النسار ... وأصحاب ألوية المرود
قال الزبير بن بكار: لما ولدت السوداء بنت زهرة بن كلاب أرسل أبوها من يئدها، فخرج بها الوائد حتى أتى الحجون، فلما وضعها في حفرتها صاح به صائح من الجبل يا وائد الصبية! أمض ودعها عنك في البرية، إن لها علما في الإنسانية. فرجع بها إلى أبيها
وأخبره فقال: دعها فان لها لشأنا. فعمرت وكانت تقول: يا بني زهرة إن فيكم لنذيرة أو والدة نذير فاعرضوا علي نساءكم، فعرضوهن حتى مرت عليها الثريا أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. فقالت: لست بها ولتلدن. فولدت حمزة. وصفية، والمقوم بني عبد المطلب. وعرضت عليها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. فقالت إنها لنذيرة أو لتلدن نذيراً، فولدت النبي (صلى الله عليه وسلم).
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة في الطواف وهي تقول:
فمنهن تسقى بماءٍ مبردٍ ... نقاح، فتلكم عند ذلك قرت
ومنهن تسقى باخر آجن ... أحاح ولولا خشية الله فرت
ففطن عمر ما تشكو، فبعث إلى زوجها، فوجده متغير الفم، فخيره بين خمسمائة درهم أو جارية من الفئ على أن يطلقها، فاختار خمسمائة درهم. فأخذها وطلقها.
قال أبو عبيدة ك كان الحارث بن السليل الأسدي قد زار علقمة بن حصفة الطائي فنظر إلى ابنته الزباء، وكانت من أجمل النساء، فقال له: أتيتك خاطبا، وقد ينكح الطالب، ويدرك الراكب، ويمنح الراقب، فقال له: أنت كفء كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو. ثم أخبر أمها
(1/135)

فقالت لأبنتها: أي الرجال أحب إليك، الكهل الجحجاح الواصل المناح، أم الفتى الوضاح؟ قالت: بل الفتى الوضاح. قالت: إن الفتى يغيرك، والشيخ يجبرك، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحديث السن الكثير المن. قالت يا أماه:
فإن الفتاة تحب الفتى ... كحب الرعاء أنيق الكلا
قالت: أي بنية إن الفتى شديد الحجاب كثير العتاب. قالت: إن الشيخ يبلى شبابي، ويشمت بي أترابي. فلم تزل بها أمها حتى تزوجها الحارث ثم رحل بها، فبينما هو جالس يوماً بفناء قبته وهي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يتعالجون فتنفست الصعداء، ثم أرخت عينيها بالبكاء. فقال لها ما يبكيك؟. فقالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ؟ فقال لها: ثكلتك أمك!. تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. أما وأبيك لرب غارة شهدتها وسبيئة أردفتها، وخمرة شربتها. الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ثم قال:
تهزأت أن رأتني لابساً كبرا ... وغاية الناس بين الموت والكبر
فإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان بتغير من الشعر
فقد أروح للذات الفتى جذلا ... وقد أصيب بها حيناً من البقر
عنى إليك فإني لا يوافقني ... عور الكلام ولا شرب على الكدر
قيل لأبي دؤاد الإيادي، ونظر إلى ابنته تسوس فرسه: أهنتها يا أبا دؤاد. قال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني.
قال عبد الكريم في كتابه: وأكثر ألقاب الشعراء بالأبيات تقع لهم شنعة فيسمى الشاعر بها مثل: النابغة، والمزق، والمثقب، وذى الرمة، ومسكين الدرامي، والبعيث، وأبي العيال الهذلي، والمرقش، والمتلمس، وعارق الطائي، ومزرد، ومعفر بن حمار البارقي، والخطفي، والمستوغر بن زيد وعائذ الكلب. . إلى كثير من هؤلاء.
(1/136)

فالنابغة بقوله:
قد نبغت منهم شئون
ويقال: سمي الجعدي بالنابغة لأنه نبغ بالشعر بعد ما نيف على الأربعين ومعفر لقوله:
كأن نعام الدو باض عليهم ... وأعينهم تحت الحبيك حواجر
يفرج عنا كل ثغر نخافه ... مسح كسرحان القصيمة ضامر
وكل طموح في العنان كأنها ... إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر
لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عافر
والممزق لقوله:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
وعارق الطائي بقوله:
ألا حيي قبل البين من أنت عاشقه ... ومن أنت مشتاق إليه وشايقه
حلفت بهدي ممعط بركاته ... تخب بصحراء الغبيط درادفة
لئن لم يغير بعض ما قد صنعتم ... لانتخبن للعظم ذو أنا عارقه
والمثقب بقوله:
وثقبن الوصاوص للعيون
(1/137)

وذو الرمة لقوله:
أشعث باقي رمة التقليد
ومسكين بقوله:
أنا مسكين وكانت لحاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم ... بشعري ولا تعيى علي المكاسب
واسم مسكين الربيعة من ولد عمرو بن عدس بن درام، وكان كريماً شريفاً، وهو القائل أيضاً:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قلبي ينزل القدر
ما ضر جار لي أجاوره ... إلا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يضمن جارتي الخدر
وسمي البعيث بقوله:
تبعث مني ما تبعث بعدما ... أمرت حبال كل مرتها شزر
(1/138)

وأبو العيال، واسمه خداش، وسمي أبو العيال لقوله:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو يفيد غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وسمى المرقش لقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم
وسمى المستوغر بقوله:
ينش الماء في الربلات منها ... نشيش الرضف في اللبن الوغير
الربلات: أصول الفخذين. والرضف: الحجارة المحماة. والوغير: ساعة يحلب وسمى المتلمس لقوله:
فهذا أوان الأرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وسمي مزرد لقوله يصف زبدة:
فجاء بها صفراء ذات أسرة ... تكاد عليها ربة البيت تكمد
فقلت تزردها عبيد فإنني ... لدرد الموالي في المسنين مزرد
(1/139)

وسمي بشار المرعث لقوله:
من لظبي مرعث ... ساحر الطرف والنظر
قال لي لست قاتلي ... قلت أو يغلب القدر
والخطفي بقوله:
يرفعن لليل إذا ما أسدفا ... أعناق جناق وهاماً رجفا
وعنقا بعد الرسيم خطفا
وقال الأخطل لجرير: لم سمي أبوك الخطفي؟. قال: لاختطافه الفرسان في الحرب. قال: على أي عيرية كان يفعل ذلك.
وعائذ الكلب عبد الله بن مصعب الزبيري. سمى بقوله:
ما لي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض عبدكم فأعوذ
وكان سبب عشى الأعشى ميمون بن قيس أنه قال: كنت يوماً بمنفوحة وهو موضع بئر ينزع في حوضه من الطرى حين أنتصف النهار وننتظر ورود الشاء علي، فالتفت التفاتة فإذا الحوض مترع، وإذا فيه امرأة شابة جميلة حاسرة عن ساقها وسط الحوض، فلما رأيتها راعتني بجمالها، فألقيت من يدي الدلو حتى إذا دنوت منها فتناولتها أهوت إلى الأرض، فأخذت قبضة من تراب فألقت بها في وجهي وعيني ألم شديد، فوضعت يدي على عيني ثلاثة أشهر لا أفتح عينا، ثم انكشف عني، ولم يبق من بصري إلا سفافة أعشو بها ثم عمى بعد ذلك.
زعموا أن زرارة بن معبد رأى يوماً لقيطا ابنه مختالا وهو شاب، فقال: إنك لمختال كأنك أصبت بنت قيس بن خالد ذي الجدين، ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء. فقال لقيط: لله علي لا يلمس رأسي غسل حتى
(1/140)

آتيك بذلك، فسار لقيط حتى أتى قيس بن خالد سيد ربيعة، وكان على قيس يمين ألا يخطب إليه أحد علانية إلا إصابة بشر. فأتاه لقيط، فخطب إليه علانية، فقال له قيس: ومن أنت؟. قال: لقيط بن زرارة. قال: فما حملك على أن تخطب إلي علانية؟. قال: لأني إن عالنتك لم أشنك، وإن ساررتك أخدعك. قال قيس: كفء كريم لا تبيت عندي والله عزبا. ثم أرسل إلى أمها أني زوجت لقيط بن زرارة القدور بنت قيس فاصنعيها ليبتني بها ففعلت. وساق عنه قيس المهر، فابتنى بها، وأقام معهم ما شاء الله ثم ارتحل بأهله حتى أتى المنذر بن ماء السماء فأخبره بما قال له أبوه، فأعطاه مائة من هجانه، وانصرف إلى أبيه بابنة قيس وبمائة من هجائن المنذر.
وكان قيس وصى ابنته عند رحيلها مع لقيط فقال: كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب طيبك الماء، وإني قد زوجتك فارساً من فرسان مضر وإنه يوشك أن يقتل، فان كان ذلك فلا تجمشي عليه وجها، ولا تحلقي شعراً فلما أصيب لقيط تحملت إلى قومها وقالت لهم: أوصيكم بابني عبد الله بالغرائب سراً، فو الله ما رأيت مثل لقيط لم يجمش عليه وجه، ولم يحلق عليه شعر، ولولا أني عروس ما جمشت عليه وحلقت. ثم خلف عليها رجل من قومها، فسمعها تكثر من ذكر لقيط، فقال: ما أعجبك من لقيط؟ قالت: خرج يوم دجن وقد شرب وتطيب فطرد البقر وصرع منها وأتاني وبه نضح الدماء والطيب فضممته ضمة، وشممته شمة، فوددت أني مت ثمة. فلم أر منظراً قط أحسن من لقيط. فسكت عنها زوجها حتى إذا كان يوم دجن شرب وتطيب وركب فصرع من البقر، فأتاها وبه نضح من الدم والطيب والشراب فضمته إليها فقال: كيف ترين أبا الحسن أم لقيط؟. فقالت: ماء ولا كصيدا. وصيدا ركية ليس في الأرض أطيب منها.
وقال بعضهم: النساء ثلاثة: فهينة لينة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش. وأخرى وعاء ولود، وأخرى غل تمل، يضعها الله في عنق من يشاء.
(1/141)

والرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل آخر إذا أخرجه أمر شاور ذوي الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً.
وقال الأعشى في امرأة له من عترة خلقها:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس عار وطارقة
وقد استدل ابن عباس بهذا البيت الذي للأعشى، على أن العرب كانت تعرف الطلاق الثلاث.
وقال الفرزدق لما طلق النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الصرار
ولو أني ملكت زمام نفسي ... لكان علي للقدر الخيار
كان أبو الهذيل العلاف المعتزلي إذا أنشد هذا البيت لعنه إذ كان شاهداً علي فساد مذهبه.
وقال المتوكل الليثي في امرأته، وكانت أقعدت غنده، فلما طلقها أفاقت فقال:
(1/142)

قفي قبل التفرق يا أماما ... وردي قبل بينكم السلاما
سعى الواشون حتى أزعجوها ... ورث الحبل فانجذم انجذاما
فلست بزائل ما دمت حيا ... مسراً من تذكرها هياما
نرجيها وقد شحطت نواها ... ومستك المنى عاماً فعاما
صليني واعرفي أني كريم ... حلفت لمن يصارمني لحاما
ولا وأبيك لا أنساك حتى ... يجاور هامتي في القبر هاما
وقال غيره:
أحب الأرض تسكنها سليمى ... وإن كانت توارثها الجدوب
وما نفعي بحب تراب أرضي ... ولكن من يحل بها حبيب
أعاذل لو شربت الخمر حتى ... يكون لكل أنملة دبيب
إذا لعذرتني وعلمت أني ... لما أنفقت من مالي مصيب
وكان النمر بن تولب سيداً شريفاً كريماً، وكان في يوماً، فسأله سائل فأعطاه فحلها، فأنكرت عليه امرأته، فقال:
دعيني وأمري سأكفيكه ... وكوني قعيدة بيت صناعا
فإنك لن ترشدي غاوياً ... ولن تدركي لك حقاً مضاعا
(1/143)

وقال:
بكرت باللوم تلحانا ... في بعير ضل أو حانا
علقت لوماً تكرره ... أن لو آذاك أعيانا
اعملي أن كل مؤتمر ... مخطئ في الرأي أحيانا
فإذا ما لم تصب رشداً ... كان بعض اللوم تبيانا
قال يزيد بن عبد الله بن السحير أخو مطرف بن عبد الله: بينما نحن بمربد البصرة جلوس إذ أتانا شيخ أشعث الرأس فقلنا: والله كأن هذا ليس من أهل البلد إن قال أجل. وإذا معه قطعة من جراب أو أديم. قال: هذا كتاب كتبه لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقرأناه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني زهيرة بن قيس حي من عكل إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وفارقتم
المشركين، وأعطيتم الخمس من الغنائم وسهم البنى والصفى فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله).
فقال له القوم: حدثنا أصلحك الله - بما سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: صوم شهر الصبر وصوم ثلاثة أيام من الشهر يذهبن وجر الصدر. فقال له القوم: أنتم سمعتم هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم)؟ فقال: لا أركم تخافون أن أكذب على رسول الله. لا أحدثكم حديثاً. ثم أهوى بيده إلى صحفيته وانصاع مدبراً. فقيل لنا بعد ذلك إنه النمر بن تولب.
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد لبعض العرب:
رعيت لسلمى بو ضيم وإنني ... لآبى قديما إباء الضيم وابن أباه
فقد وقفتني بين شك وتهمة ... وما كنت وقافاً على الشبهات
(1/144)

فيا بعل سلمى كم تطيل أذاتها ... عدمتك من بعل تطيل أذاتي
بنفسي حبيب حال بابك دونه ... تقطع نفسي دونه حسرات
وو الله لولا أن نسيا كرعته ... فما لست بالمأمون من فتكاتي
البو: أن يخاف انقطاع لبن الناقة إذا مات سقيها فيؤخذ جلد حوارها فيحشى تبناً ويلطخ بشيء من سلاها فتعطف عليه بعد أن يعم أنفها بالعمامة حتى تكرب، ثم تسل الخرقة فتجد روحاً، وترى ذلك البو تحتها فترأمه، أي تشمه فيدر لبنها.
وقال الزبير: كان معد بن حواس التغلبي وامرأته نصرانيين فأسلمت امرأته في ولاية عمر بن الخطاب، وفرت منه إلى عمر، فخرج معد يطلبها فنزل على الزبير فاستجار به، وشكا إليه امرأته، فقال له الزبير: هل انقضت عدتها؟. قال: لا. قال: فاسلم، وأتى به عمر رضي الله عنه فردها عليه، فقال:
إن الزبير بن عوام تداركني ... بعد الإله وقد حاطتني الظلم
أهلي فداؤك ما جودا بحجرته ... إذ ساع طلمي وإذ زلت بي القدم
إذ لا يقوم بها إلا فتى أنف ... عاري الأشاجع في عرنينه شمم
وقال: كان أبو خلدة اليشكري بطلا فارساً، وكان مع عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، فاشتاق إلى البصرة فأتاها، فأقام بها شهراً، فرأى في بني عجل بالبصرة حليمة بنت
الحسن، فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، فعرفها فقيل لها إنه صعلوك مغتر فإياك وإياه. فقالت: هذا زوج لغرض معين لا آمن أن أقيم معه، وهو مع ابن الأشعث بعد يغدو إلى حرب ويروح منها فقال:
لما خطبت إلى حليمة نفسها ... قالت حليمة لا أرى لك مالا
أودى بمالي يا حلي تكرمي ... وتورعي وتحملي الأثقالا
إني وعيشك لو رأيت مقامنا ... في الصف حين نقارع الأبطال
يوماً لسرك أن تكوني خادمي ... عندي إذا كره الكماة نزالا
(1/145)

فأجابته إلى التزويج.
قال الحجاج: ما حرض علي أحد أيام حرب ابن الأشعث كتحريض أبي حزابة من ربيعة بن مالك، فإنه قام بين الصفين فسل درعه ثم أحدث عليها وقال: هكذا فاصنعوا بدروعكم يا أهل العراق، فإنها لا تصلح إلا لهذا فحموا وقاتلوا قتال الأسد، وحرض أيضاً علي أبو جلدة اليشكرى، فقال:
ألا حيى من حال العدى دون أهله ... وكيف يحيى شاحط الدار نازح
جرى طائر بالبين وانشقت العصى ... وصاح ببين من خليلك صائح
لعمري لأهل الشام أطعن بالقنا ... وأحمي لما يخشى عليه الفضائح
فررنا وخلينا البلاد التي بها ... تقوم إذا متنا علينا النوائح
جزعنا فلا ماتت نفوس نحبها ... وقد نزعت منا النفوس الشحائح
هزمنا فما راجع من بعد هجرة ... إلى قينة والدين بالناس واضح
ومنا مقيم بالقرى متربص ... وآخر قد ضاقت عليه المناوح
أجبنا وما من مورد الموت مهرب ... ألا قبحت تلك النفوس الشحائح
وما كان إلا أن لقينا فهارب ... مع الريح أو ساع وآخر سابح
بخلنا بأرواح النفوس وليتها ... أتاح لها ريب المنون المتائح
وكنا نرجى الخير عند سراتنا ... فما منهم عند الملمة صالح
فقل للحوريات يبكين غيرنا ... ولا يبكنا إلا الكلاب النوابح
(1/146)

قال المبرد: تزوج فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مردبن عيسى بن سليمان بن علي بن
عبد الله، فقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب:
أفاطم قد زوجت عيسى فأيقني ... بذل لديه عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت عن غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفاه منك بطائل ... وما ظفرت كفاك منه بطائل
إذا ما بنو العباس يوماً تبادروا ... عرى المجد واتباعوا كرام الفضائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسه ... إلى بيع بياحاته والمباقل
يرخم بيض العام تحت دجاجة ... ليخرج بيضاً من فراريج قابل
البياحات ضرب من السمك، وبفاطمة كان ينسب أبو عيينة أخوه يكني عنها بدنيا، وذلك قوله:
ألم تنه نفسك أن تعشقا ... وما أنت والعشق لولا الشقا
أمن بعد شربك كاس النهى ... وشمك ريحان أهل النقا
(1/147)

عشقت فأصبحت في العاشقين ... أشهر من فرس أبلقا
أدنياي من غمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمن ... إذا سره عبده أعتقا
سقى الله دنيا على نأيها ... من القطر منبعقاً ريقاً
ألم أخدع النفس عن حبها ... وقد يخدع الكيس الأحمقا
بلى وسبقتهم إنني ... أحب إلى المجد أن أسبقا
ويوم الجنازة إذ أرسلت ... على رقبة أن جز الخندقا
إلى السال فاحتل لنا مجلسا ... قريبا وإياك أن تخرقا
فكنا كغصين من بانة ... رطيبين حدثان ما أورقا
فقالت لها أختها استنشديه ... من شعره الحسن المنتقا
فقلت أمرت بكتمانه ... وحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي له ... تمنع لعلك أن تنفقا
السال: موقع وخفضه ضرورة.
وقال أيضاً:
هزأت دنياي أن شاب رأسي ... من هواها ولداتي شباب
قلت لا تهزأي فلو أن ما بي ... بغراب لشاب منه الغراب
(1/148)

ولقد قالت وآلت يميناً ... جاءني منها بذاك الكتاب
أترى أنك أعشق مني ... لا وربي غير أني أهاب
وقال أبو عيينة أيضاً يتغزل بدنيا ويهجو ابن عمه خالداً:
قل لدنيا بالله لا تهجرينا ... واذكرينا في بعض ما تذكرينا
لا تخوني بالغيب عهد صديق ... لم تجافيه ساعة أن يخونا
واذكري ما كان إذ ينفض ... الريح علينا الحيري والياسمينا
أنا باللهو معجب وهو ديني ... كل قوم بدينهم راضونا
حفظ الله اخوتي حيث كانوا ... من بلاد ممسين أو مصبحينا
اخوة عارون عن كل عيب ... وهم في المكارم الألونا
وهم الأكرمون يعلم ذاك الناس ... والأطيبون للأطيبينا
يتباهون في المواكب عزا ... ويقرون بالعشي العيونا
ويظلون يشربون ويسقون ... بكأس السرور شربا معينا
أشتهي قربهم على كل حال ... إن في قربهم لدنيا ودنيا
أزعجتني الأقدار عنهم وقد ... كنت بقربي منهم شحيحاً ضنينا
وتبدلت خالداً لعنة الله عليهم ... ولعنة اللاعنينا
رجل يعقر اليتيم ولا يؤتي ... زكاة ويحرم المسكينا
ويصون الثياب والعرض بال ... ويرائي ويمنع الماعونا
نزع الله منه صالح ما أعطاه ... آمين عاجلاً آمينا
في حرم الدنيا إذا كان فيها ... خالد ناطقاً مع الناطقينا
ولعمر المبادرين إلى مكة ركباً ... سارين أو مدلجينا
(1/149)

إن أضياف خالد وبنيه ... ليجوعون فوق ما يشبعونا
وتراهم في غير نسك يصومون ... ومن غير الجوع ويحكم تصبرونا
أنشدوه ما قلت فيه من الشعر ... وأنتم من مثله آمنونا
أيكم جاءه بما قلت أهديت ... له بطة وجدياً سميناً
يا بني خالد فبئس أبو القوم ... أنتم والله بئس البنونا
هذا شعر مطبوع وكان أبو عيينة يهجو خالداً، ويعف عن ذكر الحرمات لقرابته منه ثم يبلغ به منه إلى ما يهلكه به ويؤديه، ويتخلص أحسن تخلص.
كان سعيد بن ببان رجلا دميما أعور، وهو سيد تغلب بالكوفة فقدم الأخطل الكوفة، فأراد سعيد نزوله عنده، وأمر زوجته، وكانت من أجمل النساء فأصلحت دارها وفرشتها بأحسن فرش، ولبست ثيابها وحليها ثم دعاه، فقال له بعد أن أكل وشرب، ونظر الأخطل إليه، وإلى قبحه وإلى جمالها: كيف ترى زينا وحالنا يا أبا مالك؟ فأنت تدخل منازل الحلفاء والملوك، فان رأيت عيباً نهبت عليه. فقال له الأخطل ما في دارك عيب غيرك. قال سعيد: أنا والله أحمق منك يا نصراني، حيث أدخلتك داري، ثم أخرجه وطرده، فخرج الأخطل وهو يقول:
وكيف يداويني الطبيب من الجوى ... وبرة عند الأعور بن ببان
فهلا زجرت الطير ليلة جئته ... بصيغة بين النجم والدبران
صيغة كوكبان صغيران بين النجم والدبران.
زعم بعض البغداديين أن من عجائب أيام المقتدر أن امرأة يقال لها ثمل كانت تجلس للمظالم، ولم تنظر امرأة في هذا في جاهلية ولا إسلام.
(1/150)

ويقال إنه لم تلد امرأة خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك وغير أم يزيد بن الوليد الناقص وأخيه إبراهيم، وغير الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد.
وكان موسى أول ولايته لا يخالف أمه في أمر إلى أن أكثرت وسألته يوماً في حاجة لعبد الله بن مالك بعد أربعة أشهر من خلافته، فغضب الهادي وقال: ويلي على ابن الفاعلة، والله لا قضيتها لك. قالت: إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً. قال: مكانك فاسمعي كلامي، والله لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي أو خاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؟!. أمالك مغزل فيشغلك، أو مصحف فيذكرك، أو بيت يصونك؟. إياك أن تفتحي بابك في حاجة لملي أو ذمي. وانصرفت وهي
ما تعقل، فلم تنطلق بعد ذلك عنده بحلو ولا مر، وتخلفت عنه، فيقال إنها دست إليه بعض جواريه فسقته فمات. ويقال: بل مات بأجله، فلما قيل لها إنه يسيل قالت: وما أصنع به؟. فقال لها خاصتها ليس هذا وقت تعتب، فقالت: أعطوني ما نتطهر به للصلاة، ثم قالت: إنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويلي خليفة ويولد خليفة، فمات الهادي وتملك هارون (الرشيد) وولد المأمون.
ولما مات موسى الهادي أتى إلى الخيزران من عرفها. قالت: إن كان مات موسى فقد بقي هارون، وقالت لخادمها: هات لي سويقاً فشربته وسقت منه زينب بنت سليمان بن علي وأختها أم الحسين، وعائشة أختها، وريطة أم علي بن المهدي، وفرقت عليهن أربعمائة ألف درهم، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟. قالوا لها: حلف ألا يصلي الظهر إلا ببغداد. فارتحلت فلحقته.
وولي موسى الخلافة وهو ابن واحد وعشرين سنة وشهور ولم يل الخلافة أحد أصغر منه إلا المقتدر، فانه ولى وهو ابن أحد عشر سنة.
وكانت في موسى سكاكة شديدة وصعوبة مرام، وسوء ظن ن وكان يجب ألا يسأل، فإذا أعطى أجزل من نفسه ابتداء. وكان يكرم الأدب
(1/151)

وأهله. أختص ابن دأب عيسى بمجالسته. وكان عيسى من أكثر أهل الحجاز أدباً، وأعذبهم ألفاظا. وكان قد حظي عنده، وكان يدعو له بتكأة. وما طمع أحد منه في هذا. وكان يقول له: ما استقللت بك يوماً ولا ليلة قط، ولا غبت عني إلا ظننت أني لا أرى غيرك. وأمر له بثلاثين ألف دينار. فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانه لقبض المال، فلقي الحاجب فقال له: ليس ذلك إلى، والمال يحتاج إلى توقيع. فأمسك ابن دأب عن ذكره. فبينا موسى في مستشرف له نظر إلى ابن دأب وقد أقبل وليس معه غلام، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب؟، ما غير من حاله؟ ولا تزيا لنا وقد بررناه بالأمس. فقال إبراهيم: إن أذن لي أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا. قال: لا، هو علم بأمره. فدخل ابن دأب وأخذ في حديثه إلى أن عرض له الهادي بشيء من أمره فقال: أرى ثوبك غسيلا وهذا مقام تحتاج فيه إلى الجديد واللين. فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه. قال له: ألم نصرف إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك؟. فقال: ما وصل إلى شيء. فدعا بصاحب بيت مال الخاصة فقال: عجل له الساعة بثلاثين ألف
دينار. فحملت بين يديه.
قال إسحاق الموصلي: بينا نحن بين يدي الهادي في منادمته إذ جاء صبي صغير من خدمه فدنا من أذنه فأسر إليه كلمة واحدة، فنهض، ورفع مصلاه، فإذا سيف منتضى، فأخذه بيده وقال: كونوا بحالكم حتى أرجع ومضى، ولم يكن إلا يسيرا حتى رجع والسيف بجنبه، وقد ذهب عن قلبي فكره، وعن عقلي حفظه. وقال: خذوا في أمركم، فذهب عني الغناء، والتوى علي، وفطن لما بي، فقال: يا ابن اللخناء صر إلى ما كنت عليه. لا يخطر ببالك شيء ليس من شأنك. قال: فعانيت الغناء بكل حيلة فما تهيأ لي شيء أرتضيه، فو الله أنا لعلى تلك الحال إذ رجع إلينا ذلك الصبي، فدنا من أذنه فأسر إليه كلمة ما علمت أنه زاد عليها، فأخذ السيف ونهض، فما كان إلا كمقدار الوقت الأول حتى رجع إلينا كالثائر والسيف يقطر دماً، والصبي الذي كان ساره قد حمل رأسين فقال: أدخل بهما فطف من المقاصير، وقل: هذا جزاء كل امرأتين نامتا في لحاف واحد.
(1/152)

قال ابن دأب: فلما رأيت تريث الهادي وسكوت القوم لم أزل استنزله عن غضبه درجة بشعر مرة، وحديث أخرى حتى أستبشر، ووصلنا وقضى حوائجنا. رحم الله الهادي لو رأى ما كان بعده، وعاين زماننا لرأى العجب. حسبنا الله (ونعم الوكيل).
قالوا: لا تثمر الطبيعة إلا عند حسيب، كما لا تنفع الرياضة إلا في نجيب. وقالوا: الحسيب محتاج إلى الأدب، والأدب مستغن عن الحسب.
قيل لعبد الله بن عباس: لم تكتب العلم؟. قال إذا نشطت فهو لذاتي وإذا اغتممت فهو سلوتي. نظر المغيرة بن شعبة إلى امرأته فارعة بنت همام تخلل مع الغداة فطلقها، فبلغها أنه قال: والله لئن تخللت من طعام يومها لقد شرهت وانهمت، ولئن تخللت من طعام ليلتها لقد أغبت وانتنت. فقال: أبعد الله المطلاق المذواق، والله ما تخللت إلا من شظية المسواك.
وقال محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: خير النساء التي إذا أعطيت شكرت وإذا حرمت صبرت. التي تسرك إذا نظرت (أليها) وتيعك إذا أمرت.
وقال بعض الشعراء يذم امرأته:
جزاك الله يا حبناء شراً ... لبذلة أهل بيت أو لصون
تعين علي دهري ما استطاعت ... وليست لي على دهري بعون
إذا خرجت لحاجتها أتتني ... من الكذب العجيب بكل لون
وقال غيره يمدح امرأته بعد موتها:
سقى حدباء تضمر أم عمرو ... بنخلة ما استهل من الغمام
زما للأرض استسقى ولكن ... لأصداء أقمن بها وهام
(1/153)

باب احتمائهم بالشعر وذبهم به عن الأعراض
كانت العرب لا تعدل بالشعر كلاماً، لما يفخم من شأنهم، ويبهى من ذكرهم. قال بعضهم:
فإني لذو مرة مرة ... إذا ركبت حاله حالها
أقدم بالزجر قبل الوعيد ... لينهى القبائل جهالها
وقال جرير:
ابني حنفية أحكموا سفهاءكم ... أني أخاف عليكم أن أغضبا
ابني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا
قوله: أحكموا أي امنعوا، ومنه حكمه اللجام.
وقال جرير:
وعاو عوى من غير شيءٍ رميته ... بقافيةٍ أنفاذها تقطر الدما
خروج بأفواه الرجال كأنها ... قرى هندواني إذا هز صمما
الأنفاذ: الجراح الواسعة
(1/155)

هم الفرزدق بهجاء عبد القيس فبلغ ذلك زيادة الأعجم، وهو من عبد القيس فبعث إليه لا تعجل، وأنا أهدى إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية فجاء من عنده:
وما ترك الهاجون لي أن هجوته ... مصحاً أراه في أديم الفرزدق
ولا تركوا عظماً يرى تحت لحمه ... أكاسر ما أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوا له من عظامه ... وأنكت مخ الساق منه وانتقى
فإنا وما تهدي لنا أن هجوتنا ... لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق
هذا كقول الفرزدق:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال:
وهل يضر البحر أمسى زاخرا ... إن رمى فيه غلام بحجر
فلما بلغه الشعر قال: ليس لي إلى هجاء هؤلاء سبيل ما تبقى هذا العبد. وكان زياد هجاء
شديد العارضة.
المتعرق: الذي يأخذ اللحم عن العظم.
وهجا رجل من بني حرام الفرزدق فجاء به قومه إليه يقودونه. فقال الفرزدق:
(1/156)

ومن يك خائفاً لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام
وقال سحيم بن وثيل الرياحي:
إن علالتي وجراء حولي ... لذو شق على الضرع الظنون
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
فإن مكاننا من حميري ... مكان الليث من وسط العرين
وإني لا يعود إلي قرني ... غداة الغب إلا في قرين
بذي لبد يصد الألف عنه ... ولا تؤتى فريسته لحين
عذلت البزل إذ هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمعاً أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون
كريم الخال من سلفي رياح ... كنصل السيف وضاح الجبين
فإن قناتنا مشظ شظاها ... شديد مدها عنق القرين
سأحيى ما حييت وإن ظهري ... لمستند إلى نضدٍ أمين
(1/157)

العلالة: الجري بعد الجري، والجراء: المجاراة، والشق: المشقة والضرع: الضعيف الغمر، والظنون: الذي لا يوثق بما عنده. وابن جلا على الحكاية كقولك: جلا الأمر أي انكشف، ورياح: أبوهم والعرين: أكمة الأسد. ويقال للشيخ إذا جرب واحتنك منجذ، ومداودة: مزاولة، والمشظ: الخشن الشديد، والشظا ما تشظى منها أي تكسر.
هجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلا من الأنصار يقال له ابن بشر، وكان كثير المال، فخرج حتى قدم على الفرزدق، فأهدى إليه وألطفه، فقال له: ما أقدمك؟ قال: مستجيراً بالله ثم بك من رجل هجاني. قال: قد أجارك الله عنه ألست من الأنصار؟. قال: بلى. قال: فأين الأحوص منك؟. قال: هو الذي هجاني. فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: أليس هو الذي
يقول:
ألا قف برسم الدار واستنطق الرسما ... فقد هاج أحزاني وذكرني نعمى
قال: بلى. قال: ما كنت لأهجو رجلا هذا شعره. فخرج الأنصاري، فأتى جريراً بهدايا أخر. فقال: ما أقدمك؟. قال: جئت مستجيرا بالله ثم بك من رجل هجاني قال: قد أجارك الله وكفاك. أين أنت من ابن عمك الأحوص بن محمد؟. قال: هو الذي هجاني فأطرق ساعة وقال: أليس الذي يقول:
تمشي بشتمي في أكاريس ملكه ... يسي به كالكلب إذ ينبح النجما
قال: بلى. قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره. قال: فاشترى من تلك الهدايا وأتى الأحوص، فأهداها إليه وصالحه.
قال أبو عبيدة: قيل لبني كليب رهط جرير: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
(1/158)

ألست كليباً كلما سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجهه ... ذل لأقدام الرجال من النعل
وقال آخر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقال العباس بن الوليد بن عبد الملك لمسلمة عمه:
ألا يغني الحياء أبا سعيد ... ويقصر عن ملاحاتي وعذلي
فلولا أن أصلك حين ينمي ... وفرعك منتهى فرعي وأصلي
وأني إن رميتك هيض عظمي ... ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوفٍ ... يضم حشاك عن شمي وأكلي
كقول المرء عمرو في القوافي ... وقيس حين حالفه كل عدل
عذيرك من خليك من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي
أخذ قوله:
وإني إن رميتك
من قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومثله لقيس بن زهير العبسي:
(1/159)

شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد شفيت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني
وعمرو الذي ذكر هو عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وقيس بن مصوح المرادي، وكانا متباغضين في الإسلام يناقض بعضهما بعضا. وكان علي بن أبي طالب يتمثل ببيت عمرو الذي ضمنه العباس وهو:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
كلما أبصر ابن ملجم.
(1/160)

باب من الأنفة عن السؤال بالشعر
الشاعر عند العرب أفضل من الخطيب، وكانت تهنأ بالشاعر إذا نبغ، إلا أن المحدثين أخرجه عن جده، وجعلوه مكتسباً حتى قالوا: الشعر أدنى مروة السرى، وأسرى مروة الدنى. وكانت العرب تأنف عن الطلب بالشعر. قال شاعرهم:
وإني لأستبقي إذا العسر مسني ... بشاشة وجهي حين تبلى المنافع
فاعفي قرى قومي ولو شئت نولوا ... إذا ما تشكى الملحف المتصارع
مخافة أن أخلي إذا جئت زائراً ... ويرجعني نحو الرجال المطامع
فاسمع منا أو أشرف مرغماً ... وكل مصادي نعمة متواضع
وقال:
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم ... بشعري ولا تعي علي المكاسب
وقال عبيد:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
ومدح ابن ميادة أبا جعفر المنصور وقال:
فوجدت حين لقيت أيمن طائر ... ووليت حين وليت بالإصلاح
(1/161)

وعفوت عن كسر الجناح ولم يكن ... لتطير ناهضة بغير جناح
قوم إذا جلب الثناء إليهم ... بيع الثناء هناك بالأرباح
وعزم على الرحلة إليه، فأتاه راعي إبله بلبن فشرب منه شربة ثم مسح على بطنه فقال: سبحان الله أأفدي على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!، فرجع ولم يأته.
وبعث أبو عبيد الله الوزير إلى عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير بألفي دينار صلة وعشرين ثوباً، فلم يقبلها، وكتب إليه: أصلحك الله، وأمتع بك، ما لسيبك وامتناحك أجببناك ووددناك وشكرناك لفضلك ونبلك. وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك ورعايتك حق ذوي الحقوق.
وقال عبد الله بن مصعب للمهدي أمير المؤمنين:
يا ابن الذي ورث النبي محمداً ... فله تراث محمد لم ينكر
إني عقدت ذمام حبلى معصماً ... بحبال ودك عقدة المتخير
يوم المدينة عند قبر محمد ... وقبابه ومقامه والمنبر
فأخذت منك بذمة محفوظة ... من فاز منك بمثلها لم يحقر
وأراك تصطنع الرجال ولم أكن ... دون امرئٍ قدمته بمؤخر
أوأنت متخذي لنفسك جنة ... وعلي عهد الله إن لم أشكر
ولقد صبرت لسوءة صادفتها ... ممن يلاقيني بخد أصعر
لما رأوك جفوتي فتركتني ... إن آت أقصى أو أغب لا أذكر
إني إذا بلغ العدو حميتي ... برزت أمشي مشية المتبختر
ريموا العداوة صاغرين وحاذروا ... صولات ذي لبد هزبر مخدر
(1/162)

فأقبل عليه المهدي، وأعطاه حكمه فقال:
يا أمين الله في الشرق والغرب ... علينا ويا ابن عم الرسول
إن حكمي عليك تفديك نفسي ... وكثيري وأسرتي وقليلي
مجلسي بالعشي عندك في الميدان ... والإذن منك لي في الدخول
ليس شيء من الأمور وإن ... كان عظيماً عندي له بعديل
فأجابه لذلك فجعله من جلسائه، وأصاب أموالا عظيمة. وارتفعت حاله.
ومن جميل السؤال، ولطيف التقاضي قول أمية بن أبي الصلت الثقفي وكانت له حاجة عند عبد الله بن جدعان، فتقاضه بقوله:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والنساء
وأرضاك أرض مكرمة بنتها ... بنو تميم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
وهذا ألطف تقاض، وأشرف مدح.
وقال آخر:
لساني وقلبي شاعران كلاهما ... ولكن وجهي مفحم غير شاعر
فلو كان وجهي شاعراً كسب الغنى ... ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يتقي أن يخدش اللؤم عرضه ... ولا يتقي حد السيوف البواتر
ويقال عن جميل بينة بن معمر العذري إنه ما مدح أحداً قط أنفة، وصحب الوليد بن عبد الملك في بعض سفره، والوليد على نجيب فزجر به ابن العذري، فقال:
(1/163)

يا بكر هل تعلم من علاكا ... خليفة الله علا ذراكا
فقال الوليد لجميل، انزل فازجر، وظنه يمدحه، فقال:
أنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد
وأخذ في مدح نفسه وقومه. فقال: اركب لا حماك الله.
وعامة قضاعة لا يزعمون أنهم من معد، وإنما ينسبون في قحطان. وجميل عذري من قضاعة، يزعم أنه من معد كما ترى، وكذلك يقول نسابو ربيعة ومضر. يقولون قضاعة من معد بن عدنان، وبقضاعة كان يكني معد. قال الزبير ابن بكار: وعلماء قضاعة يرون أنهم من معد، والشعراء منهم كذلك مثل جميل والقطامي والكميت بن زيد، وإبراهيم بن هرمة قال جميل:
وأي معد كان فيء وماحه كما ... قد أفأنا والمفاخر منصف
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
تحب العذارى البيض ظل لوائنا ... إذا ما دعانا الصارخ المتلهف
وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ... ومرت جواري طيفهم وتعيفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... وسوف نوفيها إذا الناس طففوا
برزنا وأصحرنا لكل قبيلة ... بأسيافنا إذ يؤكل المتضعف
ونحن حمينا يوم مكة بالقناقصيا ... وأطراف القنا متقصف
فحطنا بها أكناف مكة بعدما ... أرادت بها ما قد أبى الله حندق
لما سمع الفرزدق قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا. . . البيت
(1/164)

حسده الفرزدق، وقال له: تجاف لي عنه، فأنا أحق به منك. متى كان الملك في عذرة؟، إنما هو لمضر، وأنا شاعرها. فهي تروى للفرزدق.
سمع الفرزدق الشمردل بن شريك اليربوعي يقول:
فما بين من لم يعط سمعاً وطاعة ... وبين تميم غير حز الحلاقم
فقال له: أنا أحق به منك، لتدعنه أو لتدعن عرضك. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة للفرزدق: لقد قلت أبياتا إن لها لمعنى بعيداً. قال: ما هي؟ قال:
أحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجردت تجريد الحسام من الغمد
ومدت بضبعي الرباب ومالك ... وعمرو وسارت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زهاء كأنه ... دجى الليل محمود النكاية والرقد
قال الفرزدق: لا تعدون فيها، وأنا أحق بها منك. فقال لا أنشدها أبدا إلا لك. فهي في شعر الفرزدق.
زعموا أن ذا الرمة مر بجرير فقال: يا أبا غيلان أنشدني ما قلت في هشام المري. فأنشد:
(1/165)

نبت عيناك عن طل بحزوى ... محته الريح وامتنح القطارا
فقال له: ألا أعينك؟. قال بلى. قال: قل له:
يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد ... وعمراً، ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينهما المري لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوار
ثم مر بالفرزدق فأنشده هذه الأبيات، فقال له: لقد علكهن أشد لحيين منك.
وقد روى محمد بن سلام (الجمحي) أن جميلا مدح عبد العزيز بن مروان فقال:
أمين الصدق يحفظ من تولى ... بما يكفي القوي به النبيل
أيا مروان أنت فتى قريش ... وكهلهم إذا عد الكهول
توليه العشيرة ما عناها ... فلا ضيق الذراع ولا بخيل
إليك تشير أيديهم إذا ما ... رضوا أو غالهم أمر جليل
كلا يومه بالمعروف طلق ... وكل بلائه حسن جميل
(1/166)

نما بك في الذؤابة من قريش ... بناة المجد والعز الأثيل
أروم ثابت يهتز فيه ... بأكرم منبت فرع طويل
ويقال إن رجلا من عذرة يقال له جواب وكان ابن بلويه، وكان شاعراً وكان جميل بن عبد الله أمه جذامية، فخرج جميل في أخواله من جذام وهو يقول:
جذام سيوف الله في كل موطن ... إذا ما أزمت يوم اللقاء أزام
هم وسعوا ما بين مصر فذى القرى ... إلى الشام من حل به وحرام
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كانزاع المخاض تؤام
إذا قصرت يوماً أكف قبيلة ... عن المجد نالته أكف جذام
فأعطوه مائة بكرة، وخرج جواب في أخواله بلى وقال:
إن بلياً غرة يهتدي بها ... كما يهتدي الساري بمطلع النجم
هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهم ... لا أتخول جذام قوم بلا علم
فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة ففخر على صاحبه. وذكروا أن الغرة الواحدة مما معه تعدل كل شيء مما أتى به جميل.
قال محمد بن سلام: قام روح بن زنباغ الجذامي في يوم جمعة إلى يزيد ابن معاوية حين فصل بين الخطبتين فقال: يا أمير المؤمنين ألحقنا باخواننا، فانا قوم معديون.
قال يزيد: إن اجتمع على ذلك قومك فعلناه. فقال عدي بن الرقا العماملي. وعماملة من قضاعة لما بلغه ذاك:
إنا رضينا وإن عانت جماعتنا ... ما قال سيدنا روح بن زنباع
(1/167)

فبلغ ذلك ثابت بن قيس، فجاء حتى دخل المقصورة فقال: أين الغادر الكاذب روح بن زنباغ؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين زعم روح أنه من معد، وليس نعرف ذلك، ولكنا من قحطان يسعنا ما يسع قحطان، ويعجزنا ما يعجزهم. فبلغ ذلك ابن الرقاع فقال:
قحطان والدنا الذي ندعى له ... وأبو خزيمة خندق بن نزار
أنبيع والدنا الذي ندعي له ... بأبي معاشر غائب متوارى
أظلال ليل ساقط أكنافه ... في الناس أعذر أم ظلال نهار
ونسابو مضر يزعمون أن جذام بن أسد بن خزيمة. ويقال إن قضاعة بن معد أكبر من ربيعة ومضر عدداً، وأن كلب بن وبرة بسماوة كلب تربى على قيس وخندق في البدو والحضر. وقال ذو الشامة، وهو المثلم الكلبي:
أبيتم أن تكونوا من نزار ... وخير الناس كلهم نزار
وربيتم عجوزكم وكانت ... حصاناً لا يحل لها إزار
حصان لو تلمسها يمان ... للاقى مثل ما لاقى يسار
وقال القطامي واسمه عمر بن شييم التغلبي:
أكلب هلم نحو بني أبيكم ... ودعوى الزور منقصة وعار
وقد علمت كهولهم القدامى ... إذا قعدوا كأنهم النسار
بأن قضاعة الأولى معد ... لقوم لا تغط له البكار
(1/168)

قضاعة كان جزءاً من معد ... فحطهم المعائب والسرار
فإن تعزل قضاعة عن معد ... نصر تبعاً وللتبع الصغار
ومن يك يوم دعوته غريباً ... يخنه من جناحيه انكسار
ونصر ذوي الأباعد منك وثب ... وأحشاء ابن عمك تستطار
وقلت لذي الكلاع وذي رعين ... أحق قول حمير أم جوار
تداعيهم قضاعة بعد دهر ... وفي الدهر التقلب والغيار
ونسابو نزار يجعلون أهل اليمن من ولد إسماعيل. وقال يعقوب بن السكيت إن كندة ولد قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل. وقال المبرد: قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعائشة وقد نذرت أن تعتق قوماً من ولد إسماعيل فسبى قوم من (بني) العنبر فقال إن سرك أن سرك أن تعتقي العميم من ولد إسماعيل فاعتقي هؤلاء.
وقال بعض النسابين إن بني العنبر من قضاعة، وقضاعة من معد.
(1/169)

ومن زعم أن قضاعة ابن مالك بن حمير فهو الحق. قال: فالنسب الصحيح في قحطان الرجوع إلى إسماعيل وهو الحق، وقول المبرزين من العلماء: وإنما العرب المتقدمة من أولاد عابر ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهم والعماليق. فأما قحطان عند أهل العلم فهو ابن الهميسع بن نبت بن قندر بن إسماعيل.
(1/170)

باب فيمن نوه به المدح وحطه الهجاء وأنف من اللقب ورغم الاسم إلى اللقب
قال أبو عبيدة: كان الرجال من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجال؟. فقال من بني نمير بن عامر كما ترى! فما هو إلا أن قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
صار الرجال من بني نمير إذا قيل له ممن أنت قال: من بني عامر. وكان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له ممن الرجال قال: من بني قريع، ويأنف من بني أنف الناقة، فما هو إلا أن قال الحطيئة:
سيري أمام فإن الأكرمين حصاً ... والأطيبين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
صار الرجل منهم إذا قيل له ممن أنت؟. قال: من بني أنف الناقة. واسم أنف الناقة جعفر بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقال جرير:
إذا جلست نساء بني نمير ... على تبراك خبثت الترابا
(1/171)

تبراك: ماء لبنى نمير، وهي مسبة لا يكاد أحد يذكرها لمكان بيت جرير.
إذا قيل لأحدهم أين تنزل؟ قال: على ماء، ولم يقل تبراك. وتبارك ماء لبنى العنبر.
وكانت بنو فزارة تعاب بشعر القفا فيخزون من ذلك. قال الحارث بن ظالم المري وادعى في بني عامر بن قريش:
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعرى الرقابا
وقومي إن سألت بني لؤي ... بمكة علموا الناس الضرابا
وكانت بنو فزارة تأنف من هذا الاسم حتى مدحهم مزرد به فقال:
منيح بين ثعلبة بن سعد ... وبين فزارة الشعرى الرقاب
فما قد كان بينهما بنكس ... لعمرك في الخطوب ولا بكاب
فصار ذلك مدحاً لهم كأنهم شبهوا بالأسود لمكان زبرة الأسد واكليله فرضوا بذلك. والعربي
إذا نفى من نسب إلى نسب غيره فيرضى معروف لم ينكر ذلك ورضى ومدحه وحسنه.
وكان حارثة بن بدر الغداني حول ديوانه إلى قريش، وترك قومه فقال خندف.
شهدت بأن حارثة بن بدر ... غداني اللهازم ولكلام
وسجحة في كتاب الله أولى ... به من حارث وابني هشام
سجحة يعني سجاح المتنبئه، وحارث وابنا هشام يعني بني مخزوم.
وكان رهط الزبرقان بن بدر يخلجون إلى كعب بن يشكر، فقال الزبرقان:
(1/172)

فإن أك من كعب بن سعد فإنني ... رضيت بهم من حي صدق ووالد
وإن يك من كعب بن يشكر منصبي ... فإن أبانا عامر ذو مجاسد
وكان الحطيئة ينمى إلى ذهل، فقال:
إن اليمامة خير ساكنها ... أهل القرية من بني ذهل
وقال مزرد لكعب بن زهير:
فلست كحسان الحسام بن ثابت ... ولست كشماخ ولا كمنخل
وأنت امرو من آل قدس وآرة ... أحلتك عبد الله أكناف مبهل
قال محمد بن سلام البصري: أخبرني بعض أهل العلم أن بني أبي سلمى عندهم بالبادية من بني عبد الله بن غطفان. ولم يثبت أحد ممن عزى إلى قبيلة غير آل أبي سلمى، فانهم ثبتوا في مزينة إلى يومهم هذا، فنماهم مزرد بن عبد الله ابن غطفان إلى مزينة بأن قدس وآره منازل مزينة، فثبت كعب نفسه أنه من مزينة. فقال كعب يجيب مزرداً:
(1/173)

أتعرف رسماً بين رهمان فالرقم ... إلى ذي مراهيط كما خط بالقلم
عفته رياح الصيف بعدي بمورها ... وأندية الجوزاء بالوبل والديم
يقول فيها:
ألا أبلغا هذا المعرض أنه ... أيقظان قال القول أم قال أو حلم
أنا ابن الذي قد عاش تسعين حجة ... لم يخز يوماً في معد ولم يلم
وأكرمه الأكفاء من كل معشر ... كرام، فإن كذبتي فسل الأمم
أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ... ولم أخزه حتى تغيب في الرجم
فأشبهته من بين من وطئ الحصى ... ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم
أعيرتني عزاً عزيزاً ومعشرا ... كراماً بنوا للمجد في باذخ أشم
هم الأصل مني حيث كنت وإنني ... من المزنيين المصفين بالكرم
هم ضربوكم حين جرتم عن الهوى ... بأسيافهم حتى استقمتم على القيم
فساقتك منهم عصبة خندفية ... فلا لك فيها قيد كف ولا قدم
وهم منعوا حزن الحجاز وسهله ... قديماً وهم أجلوا أباك عن الحرم
وكان أوس بن حجر الأسدي انتمى إلى طئ فعيرته امرأته فقال:
غضبت علي أني اتصلت بطيء ... وأنا امرؤ من طيء الأجبال
وإذا دعوت بني جديلة جاءني ... مرد علي جرد المتون طوال
(1/174)

وقال بشر بن مروان لزفر بن الحارث الكلابي: ما رأيت غلاماً قط يحوط من ليس منه ويضع من هو منه إلا أنت، فإنك رجل من كندة. فقال زفر:
فنحن بنو وهب كما قد زعمتم ... برئنا إليكم من كلاب ومن كعب
أنجعل أخلاقاً عليها عباؤنا ... ككندة ترديف المطارف والعصب
أولئك أهل المجد إن كنت فيهم ... وفي هؤلاء من سوقة سرف حسبي
فأما من وضعه الشعر من القبائل وقصر به حتى صار مثلا، وإن كان فيهم خير كثير، وشرف وفرسان فعاملة، وغنى، وعكل، وسلول، ومحارب وجشم، وتميم، والحبطات من عمرو بن تميم الذي قال فيهم الشاعر:
رأيت الخمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم
وروى أن الفرزدق بلغه أن رجلا من الحبطات خطب امرأة من بني دارم فقال:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع ... وتخطب في أكفائها الحبطات
فقال رجل من الحبطات يجيبه:
أما كان عباد كفيا لدارم ... بلى ولأبيات بها الحجرات
عباد بن الحصين الحبطي. وكان شريفاً وابنه المسور. وقال الحسن: ما ظننت رجلا يعد بألف فارس حتى رأيت عبادا ليلة كابل. والحبط هو الحارث بن عمرو بن تميم. وقيل له الحبط لعظم بطنه. وكان عباد صاحب شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي إذ كان على البصرة من قبل عبد الله بن الزبير.
(1/175)

قال الفرزدق
وقالوا لعباد أغثنا وقد رأوا ... شآبيب موت يقطر السم وابله
وما عند عباد لهم من كريهتي ... رواح إذا ما الشر عمت رواحله
أتحسب قلبي خارجاً من حجابه ... إذا دف عباد أرنت جلا جله
أفي قملي من كليب هجوته ... أبو جهضم تغلي علي مراجله
فقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زياداً، فلم تقدر علي حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ... ولو كسرت عين القباع وكاهله
أبو جهضم: عباد، وكانت بنو طيب استعانت به من هجاء الفرزدق، والقباع الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وكاسر عينه زياد بن أبي سفيان وكان أحول، فطلب الفرزدق، فأعجزه، وهرب من البصرة إلى الكوفة فطلبه بالكوفة فطلبه بالكوفة فهرب إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، فلم يزل بالمدينة حتى مات زياد.
وقال رجل: ما رأيت رجلا بين يدي زياد، وزياد كاسر عينه جاعل رجله على ركبته إلا رحمت ذلك الرجل.
وقال آخر:
إذا تخادرت وما بي من خدر ... ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني آلو بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر
كالحية الرقشاء في أصل الحجر
(1/176)

هذه الأبيات للنعمان بن المنذر يقولها في خالد بن معاوية السعدي.
وأما باهلة بن أعصر، فاسمه منبه، وإنما أعصر بقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعدما ... فقد الشباب أتى بلون منكر
أعمير إن أباك غير رأسه ... مر الليالي واختلاف الأعصر
وأعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.
قال زيد الخليل الطائي:
وخيبة من يخيب علي عني ... وباهلة بن أعصر والرباب
واسم غني بن أعصر عمرو، وكانت غني وباهلة توالى عامر بن صعصعة في الجاهلية بالحاجة إليهم في الاعتصار والانتصار بهم، وكانت بنو عامر تخمل عنهم النوائب والديات
وكذلك كانوا يشترطون عليهم في حلف الذل والقهر. فلذلك قال معاوية بن مالك معوذ الحكماء:
رأيت الصدع من كعب وكانت ... من الشنآن قد دعيت كعابا
سأحملها ونغفلها عني ... وأورث مجدها أبداً كلاباً
تعوذ مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما المرء في الأشياء نابا
وبهذا البيت سمي بمعوذ الحكماء. وذلك أن النعمان بن المنذر بعث لطيمة خفيرها قرة بن هبيرة القشيري في السنة التي هرب فيها النعمان من كسرى فاحتوى عليها، فقالت بنو عقيل بن كعب إن هذا للملك، فأعطونا منه بعضه، فأبت بنو قشير فاقتتلوا ووقعت بينهم دماء، فتراضوا بأحد بني أم
(1/177)

البنين عامر أو طفيل ابني مالك، فأتوهما وهما غازيان، ووجدوا معاوية، فقال: ما طلبتكم، فأما أن أفصل وإما أن أحمل، فتحاكموا إليه، فحكم بينهم ثم حمل عنهم. وقال:
سأحملها ونغفلها عني
وقال الأخطل:
شفى النفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غني ولا جسر
ولا جشم شر القبائل إنها ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
ولو تبتنى ذبيان بلت رماحنا ... لقرت بهم عيني وباء بهم وتري
وتنافر عيينة بن حصن، وزبان بن سيار، فقال عيينة: أنا عيينة، فقال زبان: أنا زبان. قال عيينة: أنا ابن حصن. قال زبان: أنا ابن سيار قال عيينة: أنا ابن حذيفة، قال زبان: أنا ابن أبي عمرو. قال عيينة: أنا ابن بدر. قال زبان: أنا ابن جابر. قال عيينة: أنا ابن الجون. . فلما انتسب في كندة، ورغب عن نسبه في فزارة قال زبان:
قرعت المجد في غطفان ... حتى تفاخرنا بزينة بنت بدر
يقال إن أم بدر كانت عند الجون الكندي فحملت ببدر وخلف عليها عمرو ابن جونة بن لوذان، فولدت له بدرا على فراشه، فقال حاتم بن عبد الله لحصن بن حذيفة حين جاروه زمن النسار:
فإن أباك الجون لم يك غادراً ... ولا من بني بدر أبيك الغوائل
وقال الفرزدق لجرير:
(1/178)

وما استشهد الأقوام من روح حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب
أي يأخذون عليه العهد أنه ليس من كليب ولا من محارب. ومحارب كليب ابن يربوع. ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان. وإياهم أراد، ومحارب أيضاً ابن فهر بن مالك بن النضر، ومحارب بن عمرو بن وديعة بن عبد القيس.
وممن حالف على لؤم الحلف جسر بن محارب، حالفت بني أمر بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، ثم قال في آل فارس الضحياء، وهو عمرو بن عامر جد خداش ابن زهير الشاعر على اللؤم والذلة. وخداش بن زهير الذي يقول:
يا راكباً إما عرضت فبلغن ... عقيلاً وأبلغ إن لقيت أبا بكر
فيا أخوينا من أبينا وأمنا ... إليكم لا سبيل إلى جسر
دعوا جانبي إني ساترك جانباً ... لكم واسعاً بين اليمامة والفهر
أغركم من قومكم عدد الحصى ... وأن الفضول في رواس وفي وبر
أبي فارس الضحياء عمرو بن عامر ... أبي الذم واختار الوفاء على الغدر
عقيل بن كعب وأبو بكر بن كلاب، وبنو كلاب عشرة أبطن: عبد الله بن كلاب، وأبو بكر اسمه عبيد، وعمرو بن كلاب، ورؤاس بن كلاب، والوحيد وكعب ووبر. هؤلاء سبعة أمهم سبيعة بنت سلول. وجعفر بن كلاب وربيعة بن كلاب والضباب وهم ولد عمرو بن معاوية بن كلاب، وأم هؤلاء الثلاثة ذؤيبة بنت عمرو بن سلول.
وعمرو بن عامر فارس الضيحاء أبو أم البنين التي يعنى لبيد بقوله:
نحن بنو أم البنين الأربعة
(1/179)

وكانت تحت مالك بن جعفر فولدت له عامر بن مالك أبا براء، وطفيل بن مالك، ومعاوية بن مالك، وربيعة بن مالك أبا الوليد.
قدم عمرو بن معدي كرب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: حياك إلهك. أبيت اللعن. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فآمن بالله واليوم الآخر يؤمنك من الفزع الأكبر. فقال عمرو: ما الفزع؟، فإني لا أفزع. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا عمرو إنه فزع
ليس كما ظننت. أو تظن أنه يصاح بالناس صحية لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله من ذلك. ثم يصاح بالناس صحية لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله من ذلك. ثم يصاح بالناس صحية لا يبقى ميت إلا نشر، ثم تلك الصحيحة تدوي تنهد منها الأرض وتخر منها الجبال، وتنشق منها السماء في عرضها انشقاق القباطي الجديدة إلا ما شاء الله من ذلك، ثم تبرز النار فينظر الناس إليها حمراء مظلمة فيطار لها لسان في السماء يرمى بمثل رءوس الجبال من شرر، لا يبقى ذو روح إلا أنخلع قلبه. فأين أنت من ذلك يا عمرو؟. قال: لا إني أسمع أمراً عظيماً.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا عمرو أسلم تسلم. فأسلم وبايع قومه على الإسلام، وذلك في شهر رجب من سنة تسع، فما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وعظم عليه، فقال عمرو في ذلك:
أمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمراً بيناً رشده
أمرتك باتقاء الله ... والمعروف تتعده
خرجت من المنا ... مثل الحمير عزه وتده
عناني على فرس ... عليه جالساً أسده
يرد الرمح شبا الـ ... ـسنان عوائراً قصده
فلولا فتنتي لا ... قيت ليثاً فوقه لبده
(1/180)

يسامى القرن إن ... قرن تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيتقتصده
فيدمغه فيحطمه ... فيمضغه فيزدرده
فأقام عمرو في قومه بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ارتد عمرو. وقال حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حماراً ساف منخره بثفر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... أرى الخيلاء من خبث وغدر
ثم أسلم بعد ذلك وغزا القادسية، فأبلى ومعه قيس بن مكشوح، وشهد مع النعمان بن مقرن فتح نهاوند فقتل هناك.
ووفد عمرو بعد فتح القادسية على عمر فسأله عن سعد فقال خير أمير بطئ في حبوته عربي في نمرته أسد في تامورته أو ناموسته، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينتقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة حبوة من حباية الخراج. يقال حيث المال والماء حبوة، وهو حسن الحبيبة. والحبوة للخراج. والنمرة: بردة من صوف يلبسها الأعراب والإماء. وجمعها نمار، والنامورة عريسة الأسد وعرينه والنامورة الصومعة. والنامور علقة القلب، والناموسة مكمن الصائد شبه به موضع الأسد.
ومن مختار شعر عمرو بن معدى كرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
(1/181)

ينادي من يراقش أو معين ... فأسمع واتلأب بنا مليع
وقد جاوزن من غمدان أرضا ... لأبوال البغال بها وقيع
ورب محرش في جنب سلمى ... يصل بعيبها عندي شفيع
كان الإثمد الحاري منها ... يسف بحيث تبتدر الدموع
وأبكار تموث بهن حيناً ... نواعم في أسرتها الرجوع
أمشي حولها وأطوف فيها ... وتعجبني المحاجر والفروع
إذا يضحكن أو يبسمن يوماً ... ترى برداً ألح به الصقيع
كأن على عوارضهن راحاً ... يفض عليه رمان ينبع
تراها الدهر مقترة كباء وتقدح ... وتقدح صفحة فيها نقيع
وصبغ ثيابها من زعفران ... بجيدتها كما احمر الجيع
وقد عجبت أمامة أن رأتني ... تفرع لمتي شيب فظيع
أشاب الرأس أيام طوال ... وهم ما تبلعه الضلوع
وإسناد الأسنة نحو صدري ... وهز المشرفية والوقوع
(1/182)

وسوق كتيبة دلفت لأخرى ... كأن زهاءها رأس صليع
دنت واستأخر الأوغال عنها ... وخلي بينهم إلا الوزيع
وخيل قد دلف لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع
فدى لهم معاً عمي وخالي ... وشرخ شبابهم إن لم يضيعوا
فإن تنب النوائب آل عصم ... ترى حكماتهم فيها رفوع
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصلة بالزماع فكل أمر ... سما لك أو سموت له ولوع
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الأنس ليس به كتيع
ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته الصديع
وأرض قد قطعت بها الموامي ... من الجنان سوبخها مليع
ترى جيف المطي بجانبيه ... كأن عظامها الرخم الوقوع
قوله: ترى حكماتهم فيها رفوع. يقال إنه لمرتفع الحكمة عن هذا الأمر إذا لم ينله: وكان الصمة سبى ريحانة بنت معدى كرب فاتبعه عمرو وهي تناديه بأعلى صوتها، فلم يقدر على استعادتها فقال:
أمن ريحانة الداعي السميع. . . القصيدة المذكورة.
كتب رجل على بابه: لا يدخل هذا المنزل شر، فقال له ديوجانس: فمن أي باب تدخل امرأتك؟. وقيل لرجل: أنت وسيم وتزوجت امرأة دميمة فقال: اخترت من الشر أقله. وقيل لسقراط: أي السباع أحسن؟. قال: المرأة.
ورأى آخر جارية تتعلم الكتابة فقال: يا معلم لا تزد الشر شراً، ورأى امرأة تحمل ناراً فقال: نار على نار والشر بالشر يهلك، وحامل شر محمول.
(1/183)

ورأى امرأة حملها السيل فقال: زاد بها على كدره كدرا. ورأى جارية حسناء فقال: خير قليل وشر كثير. ورأى امرأة تتعلم الكتابة فقال: سهم يستم ليرمى به يوماً ما. ورأى عجوزاً متزينة فقال لها: إن كنت تهيأت للأحياء فأنت مخادعة، وإن كنت تهيأت للموتى فبادري.
وكان الحارث بن تولب العكلي سيداً، فأغار على بني أسد فسبى منهم امرأة يقال لها حمرة بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر بن تولب فتركته فحسبها حتى استقرت وولدت له أولادا ثم قالت أزرني أهلي. فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى قومك أن تغلبيني على نفسي فواثقته لترجعن إليه، فخرج بها في شهر حرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطل على الحي، تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث طويلا، فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت، فانصرف وقال:
جزى الله عنا حمرة بنت نوفل ... جزاء معل بالأمانة كاذب
بما سألت عني الوشاة ليكذبوا ... علي وقد أبليتها في النوائب
تداركها مني بدو كأنها ... لدى النجم نيطت عنده بالذوائب
فقصدت كأن الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وصدت بحاجب
يعني أنها أعرضت. عنه: وقال فيها أيضاً:
وكل خليل عليه الرغاب ... والجبلات كذوب ملق
وقامت إلي فأحلفتها ... بهدي قلائده تختفق
بان لا أخونك فيما وليت ... فإن الخيانة شر خلق
ولكنني امرأة إِن نأيت ... فرفدي البكا وعطائي الشرق
(1/184)

والبيت الأول من هذه الأبيات يجب أن يكون في آخرها. وكذلك الرواية. ثم حج عاماً من الأعوام فنزل بمنى، ونزلت مع بعلها قريباً منه، فعرفته، فأرسلت إليه بالسلام وسألته عن حاله وماله، فقال محيياً لها:
ودست رسولاً والركاب مناخة ... بأن حيهم واسألهم ما تمولوا
فحييت عن شحط بخير حديثنا ... ولا يأمن الأيام إلا مضلل
ثم بلغه بعد ذلك موت حمرة فقال:
ألم تر أن حمرة جاء منها ... بيان الحق إن صدق الكلام
نعاها بالندي لنا حرام ... حديث ما تحدث يا حرام
فلا تبعد وقد بعدت فأجدى ... على قبر تضمنها الغمام
وقال النمر بن تولب في أخيه الحارث:
فو الله ما أسقى الديار لحبها ... ولكمنا أسقيك حار بن تولب
ومثل هذا المعنى لبعضهم يرثي امرأته:
سقى جدثاً تضمن أم عمرو ... بنخلة ما استهل من الغمام
وما للأرض أستسقي ... ولكن لأصداءٍ أقمن بها وهام
وقال القطامي يهجو محارب:
تقول وقد قربت كوري وناقتي ... إليك فلا تذعر علي ركابي
فجنت جنوناً من دلات منيخة ... ومن رجل عاري الأشاجع شاحب
(1/185)

سرى في جليد الليل حتى كأنما ... تخرم بالأطراف شوك العقارب
فسلمت والتسليم ليس يسرها ... ولكنه حق على كل جانب
فردت سلاماً كارها ثم أعرضت ... كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
فقلت لها لا تفعلي ذا براكب ... أتاك مصيب ما أصاب فذاهب
ولما تنازعت الحديث سألتها ... من الحي قالت معشر من محارب
من المشتوين القد ممن تراهم ... جياعاً وريف الناس ليس بناضب
ولما بدا حرمانها الضيف لم يكن علي مناخ السوء ضربة لازب
وقال بعضهم يهجو بلال المحاربي:
يقولون آتينا البعير وماله ... سنام ولا في ذروة المجد غارب
أرادت وذا كم من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني لعشيرتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وأنشد المبرد لرجل من عبد القيس يهجو باهلة:
أباهل ينبحني كلبكم ... وأسدكم لكلاب العرب
ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب
وأنشد:
سل الله ذا المن من فضله ... ولا تسألن أبا وائله
فما سأل الله عبد فخاب ... ولو كان من لؤم هذا النسب
هذا على أن لباهلة في الإسلام شرفاً باذجاً، ومنهم رجال لهم صيت، وفيهم كرم ومروءة ودين ورياسة. ومنهم أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومنهم المستورد بن قدامة الشاهد على نسب زياد ومنهم
(1/186)

جنان بن زيد الذي قال له أبو موسى الأشعري: إن باهلة كانت كراعا فجعلتها ذراعا. قال: ألا أخبرك بألأم من باهلة؟. عك وأخلاطها من الأشعريين. فقال له أبو موسى: يا ساب أميره. ومنهم حاتم بن النعمان سيد عصره، وهو الذي افتتح هراة، وابنه عبد العزيز أصم باهلة، وكان على حرب قيس أيام بني تغلب.
ومنهم سلم بن عمرو بن حصين الباهلي وابنه قتيبة بن مسلم صاحب خرسان، وابنه سلم بن قتيبة، وإليهم ينتهي شرف باهلة. وكان سلم بن عمرو أخص الناس بيزيد، ويكنى أبا صالح، وهو رب الحرون. كان إذا سبق الخيل في بعض الحلبة جرت حتى تلحقه ثم يجرى فيسبقها، فسمي الحرون.
وقال الشاعر يفخر بهم:
إذا ما قريش خلا ملكها ... فإن الخلافة في باهله
لرب الحرون أبي صالح ... وما تلك بالسنة العادلة
وكان سعيد بن سلم شريفاً مقدماً عند السلطان، وكان صالحاً ورعاً يتصدق في أول السنة التي تستقبل بعشرة آلاف درهم ويعتق نسمة. وقال له الرشيد من أي بيت قيس. فقال: في الجاهلية فزارة، قال: فمن في الإسلام؟ قال: الشريف من شرفتموه قال قال لعمرك أنت وقومك.
قال أبو عبيدة: كان عمرو بن يربوع الباهلي أول من ربع قيساً. وبلغني أن قيساً لم تجتمع على أحد غيره.
قال المبرد: حدثني رجل من أهل مكة قال: رأيت سعيد بن سلم في المنام في هيبته في حياته وفي نعمته وكثرة عدد ولده وحسن مذهبه فقلت في نفسي: ما أجل ما أعطيه!. فقال لي والدي: أعد الله له في الآخرة أكثر. ومع تمام مروءته وكماله وموضعه من السلطان كانت الشعراء لا تتهيبه
(1/187)

وتسرع إليه بالهجاء. قال سعيد بن سلم: عرض لي أعرابي فمدحني فبالغ فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ... ضلة سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد
فتأخر عنه بره قليلا فقال:
لكل أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
وقال قتيبة بن مسلم الهبيرة بن مشموخ الكلابي: أي رجل أنت؟، لو كان أخوالك غير سلول!. فبادل بهم. قال: أيها الأمير بادل بهم من شئت وجنبني عبساً وباهله.
قال أبو قلابة الجرمي: حججنا مع أبي جزء عمرو بن سعيد بن سلم. قال: وكلنا في داره وهو إذ ذاك بهي وصبي، فجلسنا في المسجد الحرام إلى قوم من بلحارث بن كعب لم أر أفصح منهم، فلما رأوا هيبة أبي جزء وإعظامنا إياه، قال قائل منهم: أمن أهل بيت الخليفة أنت؟. قال: لا، ولكني رجل من العرب. قال: ممن؟. قال: رجل من مضر قال: أعرض ثوب الملبس. من أيها عافاك الله؟.
قال: من قيس. قال: أين يراد بك؟ صر إلى فصيلتك التي تؤويك. قال رجل من بني سعد بن قيس: اللهم عفوا. قال: من أيها عافاك الله؟ قال: من بني يعصر. قال: من أيها؟ قال: من باهلة. قال: ثم عنا. قال أبو قلابة: فأقبلت على الحارثي فقلت: أتدري من هذا؟. قال: ذكر أنه باهلي. قلت: نعم. هذا أمير بن أمير بن أمير هذا عم وأمير ابن سعد أمير بن سلم أمير بن قتيبة أمير. فقال الحارثي: الخليفة أعظم أم الأمير؟. قلت: الخليفة. قال: والله لو عددت له في الخلافة أضعاف ما عددت له في الأمارة لما كان باهليا ما عدا الله قريشا. قال: فكادت نفس أبي جزء تخرج، فقلت له: أنهض بنا، فهو لأشر الناس أحياء.
(1/188)

وركب هارون الرشيد يوما على حماره، وعاد سعيد بن سلم، فدعا بمحمد الراوية المعروف بالسدي، وكان أملح الناس إنشادا، فقال له الرشيد: أنشدني قصيدة الجرجاني التي يقول فيها:
لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا خضر وإذ غصن الشباب نضير
فأنشده، فقال: الشعر اليوم في ربيعة. فأنشده، فقال سعيد: استنشده يا أمير المؤمنين قصيدة أشجع السلمي. قال: الشعر في ربيعة سائر اليوم، فلم يزل سعيد يستنشده حتى أنشده محمد البيدق:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام
فقال الرشيد: لو خرس بعد هذا لكان أشعر الناس.
أخذ قوله هذا من قول الأخطل، وقد توعده الجحاف بن حكيم، فحم، فقال له عبد الملك: خفف عليك، فأنا أجيرك منه. قال: يا أمير المؤمنين! هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجيرني منه في النوم؟
قال الجاحظ: قال سعيد بن سلم: كنت واليا بأرمينية، فعبر أبو دهمان العلائي على بابي أياماً، فلما وصل مثل قدامى بين السماطين وقال: والله إني لأعرف أقواماً لو عملوا أن سف التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثاراً للتنزه عن عيش دقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقرباً أحب إلى من أن أكون مكثراً معبداً، والله ما نمتثل عملا إلا ونضبطه ولا مالا إلا ونحن أكبر منه. إن هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثاً، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فتحبب إلى عباد الله بحس البشر وابن الجحاف فان خلفه أمناؤه عبيدة ورقباؤه على من أعوج سبيله.
(1/189)

وقال طفيل الغنوي:
وخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن أعصر والركاب
المعنى أن من غزا فخاب كر على غني وباهلة فغنم، لأنهم لا يمتنعون على من أرادهم بمنزلة الركاب لا امتناع بها.
وقال آخر: من صار في يده أسير من غني أو باهلة فقد خاب، وإنما الغانم من أسر من قشير، ومن كلاب. قال طفيل:
سمونا بالجياد إلى الأعادي ... معاورة بجد واعتصاب
نومهم على هول وبعد ... بقود يطلعن من النقاب
بمشعلة تخال الشمس فيها ... بعيد طلوعها تحت الحجاب
ترى فيها المذاكي منعلات ... مجنبة تخب مع الركاب
عليها كل أشمط جزل حرب ... وكل أشق مقتبل الشباب
طوال الساعدين يهز لدنا ... يلوح سنانه مثل الشهاب
فقتلنا سراتهم جهاراً ... وأبنا بالنساء وبالنهاب
سبايا طيء من كل حي نمى ... في الفرع منها والنصاب
وما كانت بناتهم سباءً ... ولا رغباً يعد مع الرغاب
وكانوا بين معتفر قتيل ... وبين مكلب طوع الخباب
(1/190)

وما كانت دماؤهم وفاءً ... لنا فيما يعد من العقاب
وقال شاعر لبشر بن مروان:
يا بشر يا ابن العامرية ... ما خلق الإله يديك للبخل
جاءت به عجر مقابله ... ما هن من جرم ولا عكل
وقال شاعر من باهلة:
يبيت عكلاً وحمانا يفاخرني ... واللؤم أكرم من عكل وحمان
ما ذاقت المجد حمان ولا فزعت ... عكل وتيم عدي باب سلطان
وما البراجم إلا حيض عاهرة ... ولا طهية إلا فن أفنان
وكانت غني حلفاء بني جعفر، وأحسنوا إليهم، فقال في ذلك طفيل الغنوي:
جزى الله خيراً جعفراً ... حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقى الذي لاقوه منا لملت
(1/191)

وقتل رجل من غني ابناً لعروة الرجال فخافت غني بني جعفر فتحملوا ونزلوا على بني أبي بكر بن كلاب وأبت بنو جعفر إلا أن يقتلوا منهم عقلاء دون عشرة من غني بصاحبهم، فقال طفيل:
بني جعفر لا تكفروا حسن سعينا ... وأثنوا بخير القول في كل محفل
ولا تكفروا في النائبات بلاءنا ... إذا مسكم منه العدو بكلكل
فنحن منعنا يوم جرش نساءكم ... غداة دعانا عامر غير مؤثل
رددنا السبايا من نفيل وجعفر ... وهن حبالي من مخف ومثقل
واستهانت العرب بعكل وتيم، لما كان يقع عليهم في الجاهلية من السبي وكان سباهم بعض التبابعة فنقلهم من نجد إلى سبأ فغزا الأضبط بن قريع والنمر ابن مرة بن حبان فاستنفذهم فكانت تميم تأكلهم وتعيرهم بأنهم كانوا عبيداً. فقال جرير لابن لجأ:
لم تشكروا نمرا إذ فككم نمر ... ولا القريع من الحي اليمانينا
وهذه قبائل وضع منها الهجاء مع ما أعانه ما نالهم من السبي وسوء الخلف أعنى بأهلة وأخاه غنياً وعكلا والتيم ومحارب، ولم ينجح الهجاء في غيرهم من قبائل العرب لما بهر مجدهم وسناؤهم، وغلب شرفهم، وعزهم. على أن فيهم مع ذلك شرفا سنذكره.
قال أبو زياد الكلابي وغيره في عكل على كثرة ما وضعوا منهم، فيهم: شعر وفصاحة
وخيل معروفة الأنساب في الجاهلية والإسلام.
وقال يونس بن حبيب: إن عكلا أحسن الناس وجوهاً في غب حرب.
(1/192)

أغارت بنو عامر بن صعصعة على بني سعد، فأسروا وسبوا، وكان فيمن أسروا بدر وحذيفة ابنا خلف البهدليان، ابو الزبرقان بن بدر وعمه فادركتهم عكل، فاستمفذوهم، فقال النمر بن تولب العكلي في ذلك:
أيا راكباً إما عرضت فبلغن ... بني خلف ولا تقيلن من بدر
فنحن نقبنا عن حرام ورهطه ... بتولان ريعان المسومة والسفر
فوارس من آل الوحيد وجعفر ... وآل نفيل يدعى وأبي بكر
فذلك من آلائنا وبلائنا إليكم ... ولكن لا سبيل إلى شكر
ولغني بمثل الذي فعلته عكل كثير.
أغار عنترة في ناس من بني عبس على الأغيار حي من محارب بن خصفة، فجاء الخبر غنياً، فركبوا فاستنقذوهم من بني عبس.
وأغارت غني على طيء الجبليين فنكبوا فيهم وأثخنوا، وفارسهم شيطان بن الحكم. فلما انهزم القوم قال شيطان: من أخذ شعرة من ذنب الحذواء فرس شيطان بن الحكم، والحذواء التي في أذنيها استرخاء.
وهذه وقعة انتصفت فيها غني من طيء بغارتهم عليهم يوم محجر. ولذلك قال طفيل:
فذوقوا كما ذقتم غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوب
(1/193)

قال رجل من تميم يمدح رجلا من عكل:
خليلي الفتى العكلي لم أر مثله ... تحلب كفاه الندى، سابغ القدر
كأن سهيلاً حين أوقد ناره ... بعلياء لا تخفى على أحد يسري
وقال النجاشي يمدح هند بن عاصم السلولي، وكان اجتاز به حين ضربه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النبيذ، وشرب في شهر رمضان فجعله الحد، وزاده عشرين لحرمة الشهر وإقامة للناس في مسح شعر، فألقى عليه هند كساء خز أرجوان.
إذا الله حيى صالحاً من عباده كريماً ... فحيى الله هند بن عاصم
وكل سلولي إذا ما لقيته ... سريع إلى داعي العلا والمكارم
هما البيض ألواناً وديباج أوجه ... كرام إذا ما رثت وجوه الألائم
وقال أبو زياد الكلابي أما أن سلول كرام من كرام تحالفوا ولم يدخلوا في صغار. وإنما كلمه عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي سامتهم وهي قوله: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
وأكرم العرب في أنفسها يشتد تخوفها من الهجاء، وتنفى أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب. وكانوا إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق لا يهجوهم، وربما شدوا لسانه كما فعل بنو تميم يوم الكلاب بعبد يغوث، فسألهم أن
(1/194)

يطلقوا من لسانه لينوح على نفسه، فقال:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تر قبلي أسيراً يمانيا
كأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كرى كرة عن رجاليا
فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... ندامأي من نجران ألا تلاقيا
أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيساً بأعلى حضر موت اليمانيا
(1/195)

باب فيه النهي عن تعرض الشعراء
قالوا: لا ينبغي لعاقل أن يتعرض لشاعر، فربما كلمة جرت على لسانه فصارت مثلا آخر الأبد، كالذي قال للأقيشر الأسدي: يا أقيشر - وكان يغضب من ذلك فنظر إليه طويلا، وكان الرجل من بني عبس فقال:
أتدعوني الأقيشر ذلك أسمى ... وأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدنها بالليل سرا ... ورب الناس يعرف من تناجي
فسمي ذلك الرجل ابن مطفئة السراج، ويعرف به ولده إلى اليوم.
ومر الأقيشر بمطر بن ناحية اليربوعي حين غلب على الكوفة أيام الضحاك الشاري، ومطر على منبر الكوفة يخطب فقال:
ابني تميم ما لمنبر ملككم ... لا مستقر قعوده يتمرمر
إن المنابر أنكرت أشباهكم ... فادعوا خزيمة يستقر المنبر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا ... مطراً لعمرك بيعة لا تظفر
واستخلفوا مطراً وكان كقائل ... حلف لعمرك من يزيد أعور
فبلغ جرير بن الخطفي قول الأقيشر رجلا فقال: إني جئت لأهجو قومك وتهجو قومي قال: ممن أنت؟ قال: من تميم. فقال الأقيشر:
(1/197)

لا أسداً أسب ولا تميما ... وكيف يحل سب الأكرمينا
ولكن التفاوض حل بيني ... وبينك يا ابن مضطربة العجينا
فسمي الرجل بذلك:
ومر الأقيشر بمجلس من بني فزارة، فقال صبيانهم: ذهب الأقيشر فلما أصبح دعا بدواة ولوح، واستأذنت عليه بنو فزارة، فدخلوا عليه فقالوا إنه قد بلغنا ما كان من سفهائنا، فهب لنا ذلك. قال: قد فعلت، ولكني قد قلت بيتا فاسمعوه: قالوا: وما هو؟. قال:
ذهب القبائل بالمكارم والعلا ... وبنو فزارة يلعبون الكبكبا
وهي لعبة للصبيان يركب بعضهم بعضا.
وكان يقال لعمرو بن سعيد بن العاص لطيم الشيطان، ولمروان بن الحكم حبط باطل.
قال الشاعر يذكر قتل عمرو بن سعيد:
كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بني حبط باطل ... وأنتم ذوو قربى به وذوو صهر
فرحنا وراح الشامتون عشية ... كأن على أكتافنا فلق الصخر
لحا الله دنياً يدخل النار أهلها ... ويهتك ما دون المحارم من ستر
(1/198)

وعبد الملك بن مروان أول من قال: الملك عظيم، فصارت مثلا، ولعمرو يقول عبد الملك: أمكر وأنت في الحديد. وكان عمرو مكبلا: فقال له: إن رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم. ففطن له ما قال، فصارت مثلا لمن أراد يمكر وهو مقهور.
وهجا الفرزدق عنبسة الفيل، وذلك أنه كان يفضل جريرا على الفرزدق ويروى قصائده، فقيل للفرزدق: هاهنا رجل يعيب شعرك، ويروي قصائد جرير فيك، ويفضله عليك. قال: من هو؟ قالوا: عنبسة بن معدان من مهرة
قال: أهو من أهل البصرة، ولديه منزل؟. قالوا نعم. قال: ويحكم! رجل من مهرة له منزل بالبصرة لا أعرفه إن هذا لعجب!. أروني داره. فأروه داره، فقال هذه دار معدان الفيل، فمتى كان هذا من مهرة هذا قدم أبوه البصرة أيام عبد الله بن عامر فأثرى. وأنشأ يقول:
لقد كان في معدان والفيل راجز ... لعنبسة الراوي علي القصائدا
فروى هذا البيت بالبصرة، فلقى أبو عيينة بن المهلب عنبسة على باب بعض الولادة فقال له: يا عنبسة ما أراد الفرزدق بقوله:
لقد كان في معدان والفيل زاجر
فقال: لم يقل والفيل إنما قال: واللؤم، فقال أبو عيينة والله إن شاء فررت منه إلى اللؤم لأمر عظيم.
قالوا: رب رمية كم غير رام، ورب لقب قد وضع من شريف وأزرى بكريم.
قال الجاحظ: ربما كان اسم الجارية غليم، وصبية، فيستملح ذلك إذا كانت حديثة السن، فإذا اكتملت تغير ذلك الاستملاح، وإذا صارت عجوزا ولها أولاد وصار بنوها رجالا، وبناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم، وكيف أصبحت يا صبية. ولأمر ما كنت العرب البنات، فقالوا: ما فعلت أم الفضل. وقالت أم عمرو. وذهبت أم حكيم.
(1/199)

والعرب تقول: رب قول أنفذ من صول. ألا ترى إلى علقمة بن علاثة بن الأحوص بن جعفر بن كلاب كيف بكى من قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يراقبن من جوع خلاء مخافة ... نجوم الثريا الطالعات الشواخصا
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج ما يواري الدعامص
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر ... فيا عبد عمرو ولو نهيت الأحاوصا
والعرب لا ذل عندها أذل من البكاء. ويمدحون الشدة والقساة. وقال:
يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكباداً من الإبل
وقال أحمد بن الحسين المتنبي. قليل له المتنبي لفظنته:
وإنه المشير عليك في بضلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
وإذا الفتى طرح الكلام معرضاً ... في مجلس أخذ الكلام اللذعنى
ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
قال أبو عبيدة وقد قيل له: أيما أشعر أبو نواس أو ابن أبي عيينة، أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء. فقيل له: سبحان الله أما يتبين هذا لكل أحد؟ فقال: أنا ممن لم يتبين له.
(1/200)

وقد كره عمر (بن الخطاب) رضى الله عنه أن يحكم بين النجاشي وابن مقبل، وكان عالماً بالشعر فدعا بحسان بن ثابت، فقال: هل هجاه؟ قال لا ولكن سلح عليه.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
لا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية ... في محفل لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيتاً مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت
وسمع جرير امرأة من كندة تساب امرأة من بني كليب وإذا هي تقول:
أتعدلين معرضاً بأوس ... والخطفي بأشعت بن قيس
ما ذاك بالعدل ولا بالكيس
فطلب إليها جرير حتى كفت.
وسابت امرأة من كندة امرأة من بني الهجيم، فأقبلت الكندية على الناس فقالت:
تسبني اليوم رجال ضبه ... يا لك من عبد يسب ربه
قال الله تبارك وتعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الإثم الفسوق بعد الإيمان).
(1/201)

ومن العرب من يرمي بخلة من خلال السوء، وثم تصير لقبا، وقد رمى بها مثل بني كلب. قال الجاحظ كانوا يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج وأشجع وسليم ترمى بنيك المعزى. قال النجاشي:
ولو شتمتني من قريش قبيلة ... سوى ناكة المعزى سليم وأشجع
وقال الفرزدق:
فلست مضحياً ما دمت حياً ... بشاة من حلوبة أعرجي
فما أدري إذا أنفقت مالي ... لعل الشاة تبعر عن صبي
الفرزدق أشد هجاء من جرير، وأحسن مقطعات من كل شاعر في زمانه، وأكثر نوادر ومضحكات.
وقال الشاعر لبني فقعس:
قبيلة شر خيرهم مثل شرهم ... ترى منهم للضأن فحلاً وراعيا
إذا خليت منهم عروس وبعلها ... ترى النعجة البقعاء تبكي البواكيا
إذا حلبت أغضى وصد بوجهه ... وظل إلى ما يصنع التيس رانيا
وبنو فزارة يرمون بنيك النوق، قال الفرزدق أو غيره:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
أي شدها.
قال المدائني: سأل رجل من أهل الشام محمد بن الحنفية: أعلي أفضل أم عثمان
قال: اعفني. فقال: أنت شبيه فرعون حين سأل موسى: ما بال
(1/202)

القرون الأولى؟ قال عملها عند ربي. فصاح الناس بالشامي: يا شبيه فرعون فهرب من الشام إلى مصر.
دخل الأحنف على معاوية فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في البجاد؟
قال: السخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وأراد الأحنف قول خداش:
يا كرة ما كررنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرام
الشيء الملفف في البجاد وطاب اللبن، والبجاد الكساء والسخينة حساء كانت تصنعه قريش في الجاهلية عند غلاء السعر.
عرض معاوية فرساً على عبد الرحمن بن حسان بن حسان فقال: كيف تراه؟. قال: أراه أحش هزيما. أراد قول النجاشي الحارثي تعيير معاوية بالفرار في يوم صفين فقال:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أحش هزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماح ... تناله مرته به الساقان والقدمان
وقال الفرزدق لمضرس الأسدي: كيف تركت القيان يا أخا بني أسد؟. فقال تركته نساء لصاف. أراد الفرزدق قول ابن مهوس:
(1/203)

ضمن القنان لفقعس سراتها ... إن القنان لفقعس لمعمر
وأراد الفقعسي قوله:
وإذا تسرك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيها الحمر
ذهبت قشيشة بالأباعر حولنا ... سرفاً فصب على قشيشة أبجر
القنان جبل بني أسد، ولصاف ماء لبني تميم، وأبجر بن جابر العكلي أبو حجار وكان نصرانيا.
قال المدائني: دخل رجل من محارب بن قيس على عبد الله بن يزيد بن زياد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات في موضع قريب منه غدير في ضفادع، فأسهره نقيقها فقال للمحاربي لما دخل عليه: ما تركتنا أشياخ محارب ننام ليلتنا هذه لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح لله الأمير إنها أصابت برقعاً. فهي في طلبه. أراد عبد الله بن يزيد قول الأخطل في محارب يهجوها:
تنق للا شيءٍ شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر يهجو عبد الله بن يزيد:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وقميص
(1/204)

لقي شريك النمري رجلا من بني تميم، فقال له التميمي: يعجبني من الجوارح بازي فقال له شريك: وخاصة إذا اصطاد القطا. . أراد النميري بالبازي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا
وعنى شريك بصيد القطا قول الآخر:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
تعرض دغفل النسابة للحنيف بن زيد العنبري عند ابن عامر بالبصرة،
فقال: متى عهدك بسجاد أم صادر؟. قال: مالي بها عهد قد أصلت أم حلس، وهي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك الله أنحن كنا أكثر - لكم غزوا في الجاهلية أم أنتم؟. قال: بل أنتم لم تفلحوا ولم تنجحوا. غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم فهزمناه مرة وأسرناه مرة، وقتلناه مرة، وأخذنا في فدائه خرج أمه. وغزانا أكثركم غزوا وأنبهكم ذكراً فأعرجناه، ثم أرجلناه. قال ابن عامر:
عزمت عليكما إلا كففتما
قال: وسار عمر بن هبيرة الفزاري يوماً، وإلى جانبه شريك النميري، فتقدمت بغلته فصاح به عمر: غض من لجامها. فقال: إنها مكتوبة، فبتسم عمرو قال: ويحكم! لم أرد هذا قال شريك: ولا أنا أردته.
ظن النميري أن عمر عرض له بهذا البيت:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
(1/205)

فعرض لعمر بهذا البيت الآخر:
لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
قال أبو عبيدة: عبث شبة بن عقال بعبد الله بن عباس على باب الخليفة وكان على كف عبد الله وضح، فقال: ما هذا الذي على ظهرك كفك يا ابن عباس؟. قال: سلح النعامة. وكان شبة يلقب بسلح النعامة لأنه كان مفرط الطول:
حدث بعضهم قال: حضرت مجلس عمر بن فرح الرجعي وهو يتقلد ديوان الخراج. وقد
حبس للمظالم. وكان إذا جلس رفع الحجاب. ووصل إليه الناس كيف شاءوا، قال: والناس يتكاثرون بين يديه إذ دخل عبد الحميد بن سلم بن سعيد الباهلي ومعه ابنه معه يتخطى الناس، فأنكر عمر ذلك وجعل ينظر إليهما ولم يقل شيئاً، فلما قربا منه اقبل على عبد الحميد فقال له: من هذا؟. فقال له: هيهات! أصلحك لله، وهل يخفى القمر؟! هذا ابني. فقال عمر: إن كان كذلك فارفع عنه حاشية الإزار. فقام خجلا. أراد قول بشار:
إذا أعيتك نسبة باهلي ... فكشف عنه حاشية الإزار
على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسما بنار
ودخل بشار الحمام، فقال له رجل من باهلة: وددت أن الله يا بشار رد عليك بصرك. قال بشار: ولم؟. قال: أتعلم أنك كذبت في قولك: إذا أعيتك نسبة باهلي. . . البيتان
فقال بشار: إنما قلت على أستاه سادتهم وأنت من السلفة.
(1/206)

وقالت دختنوس بنت ربيع بن زرارة يوم الشعب: فرت بنو أسد خروء الطير عن أربابها
فقيل لبني أسد: خروء الطير.
وقال امرؤ القيس في بني أسد:
قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل
فسميت بنو؟ أسد عبيد العصا.
وسأل مزرد بن ضرار أمه أن تعطيه ديناراً فأبت، فقال: لئن لم تعطني لأعرض بعرضك لأخبث شاعر في مضر، فلم تعطه شيئاً، فقال:
حك الحمار برأس فيشته ... أم الحطيئة من بني عبس
فأتت أمه إلى الحطيئة فأخبرته بخبره معها وسألته في الكف عنها، فكف.
قال أبو عبيدة خرجت إلى البادية لأسمع بعض كلام الأعراب ولغاتهم، فدخلتها فرأيت رجلا من أهل الحضر، أردت أن أسمع من كلامكم ولغاتكم. قال فأنشدني:
يحن قلوصي ذو الخياط صبابة ... بمكة يوماً من تذكرها نجدا
تذكرت نجداً موهناً بعدما انطوت ... بمثلته وازداد من أهله بعدا
فقلت له لا تبك ليلك كله ... أصاب حمام الموت أهوننا وجدا
(1/207)

قال: فأنشدته:
باتت تشوقني برجع حديثها ... وأزيدها شوقاً برجع حنيني
نضوين مغتربين بين مهامة ... طويا الضلوع على جوى مكنون
لو خبرت عني الضلوع لخبرت ... عن مستقر صبابة المحزون
قال: فقال لي: ويحك!. معك هذا وأنت تطلب من كلامنا.
القلوص في الإبل الأنثى، مثل الجارية من الناس. والبكرة مثل الفتاة والناقة مثل المرأة، والجمل مثل الرجل، والبعير مثل الإنسان. وذو الخياط أي ذو سمة في الفخذ طويلة عرضاً، وهي سمة لبني سعد.
قال العتبي: وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان فقال: ويحك!. إنك غفل لم تمسك التجارب، وفي النصح لسع العقارب، وكأني بالضاحك إليك باكيا عليك.
قال العتبي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت أحداً غفلا من نوائب الدهر، ولكن مسمه تختلف، فميسم أحرق جلداً، وثان شوى لحما، وثالث هاض عظما، ورابع أتلف نفسا، وفي كل واحد منها له واعظ لو عقل عن دهره، ولكن العقل لو عمر مائة عام وشاهد ما تملى عليه به الأيام لم تجده إلا جزعاً في الغرة.
ولما عزل مسلمة عن العراق، وولى عمر بن هبيرة الفزارى. قال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال مورعاً ... فارعى فزارة لا هناك المرتع
(1/208)

فسد الزمان وبدلت أحلامه ... حتى أمية عن فزارة تنزع
ولقد علمت إذا فزارة أمرت ... أن سوف تطمع في الإمارة أشجع
نزع ابن بشر وابن عمرو بعده ... وأخو هراة لمثلها يتوقع
ابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان. كان مسلمة أمره على البصرة. وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان على خرسان، وأخو هراة عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص وعرض لعمر بن هبيرة الفزاري. ولما ولى خالد بن عبد الله القسري قال:
بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تضج وتجزع
وقال:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادي من دمشق بخالد
وكيف يوم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد
وقال أيضاً لخالد بن عبد الله حين جلد بسبب عبد الله بن شيبة العبدري:
(1/209)

لعمري لقد سار ابن شيبة سيرة ... أرتك نجوم الليل ضاحية تجري
لعمري لقد صبت على رأس خالد ... شآبيب ما استهللن من سبل القطر
أتضرب في العصيان من كان عاصياً ... وتعصي أمير المؤمنين أخا قسر
فلولا يزيد بن المهلب حلقت ... بكفك فتخاء إلى جانب الوكر
وذلك أن عبد الله الأصغر بن شيبة بن عثمان بن طلحة كان يقال له الأعجم لثقل كان في لسانه أخافه خالد أيام إمرته على مكة فهرب منه واستجار بسليمان بن عبد الملك، فكتب له إلى خالد ألا تفتحه، فجاء بالكتاب وأخذه فوضعه ولم يفتحه. وفي الكتاب:
(ألا سلطان لك عليه، ولا على أحد من بني شيبة)
فأمر به فجلد مائة سوط، ثم فتح الكتاب، فأتى الشيبي سليمان، فأراه ظهره وثوبه متزملا بالدماء، فكتب سليمان إلى طلحة بن داود الحضري، وكان قاضي مكة: إن كان خالد ضربه وقد قرأ الكتاب ثم جلده قطعت يده. وإن كان جلده قبل أن يقرأ الكتاب فاقتد منه. فاقتاد منه عبد الله بن شيبة، ففي ذلك قال الفرزدق قوله في الأبيات المتقدمة. وكان هشام في خلافته قد
(1/210)

كتب إلى خالد عند تغيره عليه بكتاب فزعه فيه بما كان من حربه على ابن شيبة، ومن الانتقام منه، ويتوعده أنه سيكون له منه أشد من ذاك، ففعل به ما قال، وعزله وأهانه. وكان خالد بن عبد الله أيام أمرته بالعراق أمر على الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يدعى على مالك فرية فأبطلها خالد، وحفر النهر الذي سماه المبارك فانتفض عليه، فقال الفرزدق في ذلك:
أهلكت مال الله في غير حقه ... على نهرك المشئوم غير المبارك
وتضرب أقوماً براءً ظهورهم ... وتترك عهد الله في ظهر مالك
أإنفاق مال الله في غير حقه ... ومنعاً لحق المرملات الضرائك
فكتب خالد إلى مالك بن المنذر: احسب الفرزدق فانه هجا أمير المؤمنين، فأرسل خالد إلى أيوب بن عيسى الضبي فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه فطلب إليهم الفرزدق أن يمروا به على بني حنيفة. فلما قيل لمالك: هذا الفرزدق انتفخ سجره وربا. فلما
أدخل عليه قال:
أقول لنفسي حين غضت بريقها ... ألا ليت شعري ما لها عند مالك
لها عنده أن يرجع الله روحها ... إليها وتنجو من عظام المهالك
(1/211)

وأنت ابن جباري ربيعة أدركا ... بك الشمس في الخضراء ذات الحبائك
فشكاه مالك وأمر به إلى السجن، فقال يهجو أيوب بن عيسى الضبي:
نمت له بالرحم بيني وبينه ... وألفيته منى بعيداً أواصره
وقلت امرو من آل ضبة فانتمي ... إلى غيرهم جلد إسته ومناخره
فسوف يرى الزنجي ما اكتدحت له ... يداه إذا ما الشعر غنت فواقره
ثم امتدح مالكا بعد ذلك فقال:
قروم بين أولاد المعلا ... وأولاد المسامعة الكرام
تخمط في ربيعة بين بكر ... وعبد القيس في الحسب اللهام
فلم ينفعه مدحه خالداً ومالكا.
ومر الفرزدق بخالد وهو يضرب، فقال له: ضم إليك جناحك يا ابن النصرانية. قال خالد: وانتفعت بما قال. وكان الفرزدق قال حين حبسه خالد:
وإني لأرجو خالداً أن يفكني ... ويطلق عني مثقلات الحدائد
فإن يك قيدي رد همي فربما ... تناولت أطراف الهموم الأباعد
يقول لي الحداد هل أنت قائم ... وما أنا إلا مثل آخر قاعد
(1/212)

وكان الفرزدق مدراً، ويقع له الغريب. واتفق الحذاق بالشعر على أنه أعجب الشعراء مقطعات.
وقال له عنبسة مولى عثمان: يا أبا فراس: متى تذهب إلى الآخرة؟. قال: وما حاجتك إلى ذلك؟. قال: أكتب معك إلى أبي. قال: أنا لا أذهب حيث أبوك. أبوك في النار، ولكن أكتب له مع دبالويه واصطفانوس.
ومر بامرأة من بني مازن وهي على فرس لها فقال: بأبي أنت وأمي لوددت أني أقبل على مقبلك هذا فقالت: إذا والله تقبل على كمرة حارة. فأخجلته.
ووقف الفرزدق على بني ربيع، وفيهم ابن محكان شاعرهم، وقد كان هجا الفرزدق غضباً
لبني منقر، فقالوا له: مرحباً لسيدنا وشاعرنا. وكان الفرزدق هجاهم، فقال فيهم:
(1/213)

كأن ربيعاً من عماية منقر ... أتان دعاها فاستجابت حمارها
ترجى ربيع أن تجيء صغارها ... بخير، وقد أعيى ربيعاً كبارها
فلما قال البعيث: (لجرير)
ترجى كليب أن تجيء صغارها. . . . . . البيت
قال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شروداً ... تنحلها ابن حمراء العجان
ومات الفرزدق وقد قارب المائة، ويقال إنه ولد ليلة بدر. وقيل له في مرضه الذي مات فيه: أذكر الله عز وجل. فسكت طويلا، ثم قال:
إلى من تفزعون إذا حثوتهم ... بأيديكم علي من التراب
ومن هذا يقوم لكم مقامي ... إذا ما الريق غص من الشراب
فقالت مولاة له: نفزع إلى الله. فقال: أخرجوه هذه من الوصية. وكان أوصى لها بمائة درهم.
لقي الفرزدق شاب من أهل البصرة فقال: يا أبا فراس أحب أن أسألك عن مسألة قال: سل. قال: أيما أحب إليك، تسبق الخير أم يسبقك الخير؟. قال: يا ابن أخي أتجيبني إن أجبتك؟. قال: نعم. فحلفه على ذلك ثم قال: نكون معاً لا يسبقني ولا أسبقه. أسألك الآن؟ قال: نعم قال: أيما أحب إليك أن ترجع إلى منزلك فتجد امرأتك قابضة على أير رجل أو تجد رجلا قابضاً على حرها؟.
قال ومر الفرزدق بسكة المربد فإذا نسوة به، فنزل عن دابته، فجعل يطلب التراب، وقال سقط مني ايري. فقالت له إحداهن: متاعك أشد جعودة من حر أمك.
(1/214)

قال أبو عبيدة: مر الفرزدق على نسوة وهو على بغلة فلما حاذاهن ضرطت فضحكن. فقال: مم تضحكن، فما حملتني أنثى إلا صنعت ما ترين. قالت إحداهن: ما حملتك أنثى أكثر مما حملتك أمك تسعة أشهر، فكيف كان ضراطها إذا؟.
ودخل على عبد الملك بن مروان وتقدم بعض جلسائه حول الفرزدق فقال: يا أبا فراس كأنما وجهك أحراح النساء مجموعة. فقال له: تأمل عسى أن ترى فيهن حر أمك. فخجل
الرجل.
وكتب الفرزدق إلى جرير كتابا يدعوه إلى الصلح ويقول: (ويحك! ذهبت أيامنا وكثرت آثامنا وقطعنا الدهر بشتم العشيرة، فهلم إلى الصلح). وفي آخر كتابه:
شهدت طهية والبراجم كلها ... أن الفرزدق ناك أم جرير
وقال لهما بعض الخلفاء: حتى متى لا تنزعان؟. فقال جرير: إنه والله يظلمني.
قال: صدق: أنا أظلمه، ووجدت أبي يظلم أباه!
دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فقال له: أحججت؟. قال: نعم. قال: فما رأيت يا أبا فراس؟. قال: رأيت شيخاً يطوف بالبيت آخذة امرأته بحجزته، خلفها ولدان لها وهو يقول:
أنت وهبت زائداً ومزيداً ... وكهلة أولج فيها الأجردا
وهي تقول: إذا شئت إذا شئت. فقلت له: ممن أنت؟ قال: أشعري. قال له بلال بن أبي بردة: كذبت والله. ما رأيت هذا، ولقد أئتفكتها من حينك.
(1/215)

ودخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فالتحاه في مدح اليمن، فقال له الفرزدق: إن فضائل أبي موسى لكبيرة، وإنها تغني. قال الفرزدق: بحسبه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين حجمه. قال بلال: قد فعل ذلك برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يفعل مثل ذلك قبله ولا بعده. فقال الفرزدق: الشيخ كان اتقى لله وأعلم به من أن يقدم على ريبة بغير خوف.
قال ابن سلام: قدم الأحوص فنزل على عمرو بن عبيد الأنصاري وكان الأحوص يشتكي رجله، فجاء على عصا حتى قعد معه في الحلقة قبلي قبا فأخذ عمرو عصاه فضرب بها رجله الأخرى فكسرها فحمل إلى منزله، فمر به الفرزدق، فقال له: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ ماتت العجوز
بينا الفرزدق يسير إذ مر برهط من كليب، فأخذوه، وجاءوا بأتان، فقالوا أنت تعيرنا بالأتن، فو الله لا تريم حتى تنزو عليها. قال: دعوني لا أبا لكم، فأبوا عليه. فقال: أما إذا أبيتم فجيئوني بالصخرة التي كان يقوم عليها عطية إذا أراد ذلك.
وقال الفرزدق حين صار إلى الحجاز:
(1/216)

ألم يأته أني تخلل ناقتي ... بنعمان أطراف الأراك النواعم
مقيدة ترعى البرير ورحلها ... بمكة ملقى عائذ بالمحارم
فدعني أكن ما كنت حياً حمامة ... من القاطنات البيت غير الروائم
نمتك العرانين الطوال ولا أرى ... لسعيك إلا جاهداً غير لائم
فإلا تداركني من الله نعمة ... ومن آل حرب ألق طير الأشائم
فلما سمعها زياد رق له، وقال: لو أتاني لأمنته، وأعطيته، فقال الفرزدق في كلمة له:
دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لآتيه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد يرى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طالب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجة بكرا
فلما خشينا أن يكون عطاؤه ... أداهم سوداً أو محدجة سمرا
نميت إلى حرف أضر بينهما ... سرى الليل واستعرضها البلد القفرا
يروم بها الموماة من لا يرى له ... لدى ابن أبي سفيان جاهاً ولا عذرا
(1/217)

قال الجاحظ: قال شيخ من المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وجدت من يحدث عن الحسن، ويروي عن الفرزدق، وينشد له.
وحدث الرياشي قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر لذلك، ويقول: إيه! فدى لكم أبي كذا. والله كان أبركم.
وهو القائل في آخره عمره حيث تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله ألا يكذب ولا يشتم مسلماً:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائم ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلماً ... لا خارجاً من في زور كلام
أراد أن ينشد هذه القصيدة الحسن البصري، وفيها هجا إبليس، فتوقف عليه، فقال الفرزدق: لئن لم تسمعها مني لاخرجن فأقول للناس إن الحسن البصري ينهى عن هجاء إبليس. فأنشده القصيدة وفيها:
أطعتك يا إبليس تسعين حجة ... فلما انقضى عمري وتم تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أنني ... ملاق لأيام المنون حمامي
قال أبو عبيدة: كان الفرزدق قد حج وعاهد الله بين الباب والمقام
(1/218)

ألا يهجو أحدأ أبداً، وأن يقيد نفسه، فلا يحل قيده حتى يجمع القرآن. فلما قدم البصرة قيد نفسه. وقال: توبة من الشعر: ألم ترني عاهدت نفسي. . . . الأبيات
وبلغ نساء مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيداً، فقلن: قبح الله قيدك، وقد هتك جرير عورات نسائك، فلا حييت شاعر قوم!. فأحفظنه، ففض قيده. وقال:
ألا استهزأت مني سويدة أن رأت ... أسيراً يداني خطوه حلق الحجل
ولو علمت أن الوثاق أشده ... من النار قالت لي مقالة ذي عقل
لعمري لئن قيدت نفسي لطالما ... سعيت وأوضعت المطية في الجهل
ثمانين عاماً ما أرى من عماية ... إذا برقت إلا شددت لها رحلي
أتتني أحاديث البعيث ودونه ... زرود، فشامات الشقيق إلى الرمل
فقلت أظن ابن الخبيثة أنني ... شغلت عن الرامي الكنانة بالنبل
فإن يك قيدي كان نذراً نذرته ... فما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولو ضاع ما قالوا ارع منا وجدتهم ... شحاحاً على الغالي كم الحسب الجزل
إذا ما رضوا مني إذا كنت ضامناً ... بأحساب قومي في الجبال وقي السهل
(1/219)

فمهما أعش لا يضموني ولا أضع ... لهم حسباً ما حركت قدمي نعلي
أشده من النار أي من خوف النار، والعماية الجهل، وزرود ماء لبني دارم والشامات يفع من الرمل. والبعيث ابن عم الفرزدق.
قال ابن سلام: كان الفرزدق إذا أصاب دارهم أتى بها النوار فتمسك بعضها وتعطيه بعضاً، وكانت دينة، وكانت تزعم أنه طلقها، ويجحد هو ذلك، فاحتاجا يوماً، فقالت: أعطيك كذا وكذا درهما على أن تشهد الحسن على طلاقي. قال: نعم. فأعطته، فأتى الحسن، فقال: أيها الشيخ (إني) قد طلقت النوار. قال: قد سمعنا ما قلت فلما حضرها الموت أوصته أن يصلي عليها الحسن، فأخبره. فقال: إذا أخرجتموها فأعلمني. فأخرجت فجاء الحسن والفرزدق، وقد سبقها الناس فانتظروهما فأقبلا والناس. فقال الحسن: كلا: لست بخيرهم، ولست بشرهم. ثم قال له على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع؟ يا أبا فراس؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فزعم بعض التميمية أن
(1/220)

الفرزدق زئي في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك؟. فقال غفر لي. فقيل: بأي شيء؟. قال: بالكلمات التي نازعنيها الحسن.
وقال الفرزدق:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا قادني يوم القيامة قائد ... عنيف، وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
إذا شربوا فيها الحميم رأيتهم ... يذوقون من حر الحميم تمرقا
قال المدائني: قال سابق البربري: بينا نحن بباب معاوية بن هشام إذ خرج الفرزدق مسحوباً على وجهه حتى ألقى بين أيدينا. فقلنا: ماله؟. فذكروا أن معاوية قال له: من أشعر الناس؟. قال: حسان بن ثابت. ثم أنشده:
أروني سعوداً كالسعود التي ... سمت بمكة من أبناء عمرو بن عامر
هم عقدوا لله ثم وفوا بما ... تضايق عنه كل باد وحاضر
أقاموا قناة الدين حتى تمكنت ... أواصره بالمرهفات البواتر
بأسيافهم ذلت معد لربها ... فقام على قصد الهدى كل جائر
(1/221)

وقال الفرزدق لمالك بن المنذر بن الجارود:
يا مال هل هو مهلكي ما لم أقل ... ولتعرفن من القصائد قيلي
يا مال هل لك في كبير قد أتت ... تسعون فوق يديه غير قليل
فتجز ناصيتي وتفرج كربتي ... عني وتطلق لي يداك كبولي
ولقد نمت بك للمعالي ذروة ... رفعت بناءك في أشم طويل
والخيل تعلم في جذيمة أنها ... تردى بكل سميذع بهلول
إن ابن جباري ربيعة مالكاً ... لله سيف صنيعة مسلول
وقال النجاشي الحارثي لابن مقبل العجلاني:
أولئك إخوان اللعين وأسرة ... الهجين ورهط الواهن المتذلل
وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
إذا الله عادي أهل لؤم ورقة ... فعادي بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوارد عن كل منهل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
(1/222)

واستعدى بنو العجلان عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النجاشي فقالوا: هجانا. قال: وما قال لكم: قالوا قال:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة. . . البيت
قال: إنما دعا عليكم، والله لا يعادي مسلما. قالوا: فقد قال:
قبيلة لا يغدون بنية. . . البيت
قال عمر: ليتني من هؤلاء. فأنشدوه.
ولا يردون الماء إلا عشية. . . البيت
فقال: ذاك أقل للزحام، فأنشدوه: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
فقال عمر: كفى ضياعاً بمن تأكل الكلاب لحمه.
فأنشدوه:
وما سمي العجلان إلا لقوله خذ القعب. . . البيت
فقال: كلنا عبد، وسيد القوم خادمهم.
فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا. فقال: ما اسمع ذلك، إنما دعا عليكم. قالوا: فسل حساناً. فسأله، فقال: ما هجاهم ولكنه سلح عليهم.
(1/223)

وكان بنو العجلان يفخرون باسم أبيهم، وإنما سمي العجلان لتعجيله القرى للضيفان فكان ذلك شرفاً لهم، فلما هجاهم النجاشي جزعوا منه فوسموا به إلى اليوم.
وكان ابن مقبل من الشعراء الحذاق المجودين. وكان يجيد البديع في شعره. وقال عبد الملك بن مروان للأخطل: أي الناس أشعر؟ قال: العبد العجلاني. قال: لم ذاك؟. قال: وجدته قائماً في بطحاء الشعر، والشعراء على الحرفين.
ويقال إن عمر رضي الله عنه قال للنجاشي: أما قولك
تعاف الكلاب الضاريات. . . . البيت
فلا أعذرك فيه وحسبه وضربه.
حدث الزبير بن بكار قال: قال رجل:
ليهن ابن بهثة ما عنده ... فلست وإن حسدوا حاسدا
مهاتان لونها واحد ... يعلانه ثغراً باردا
فبورك فيه وفي أهله ... وفي ماله ونما صاعدا
فاستعدى عليه عمر بن الخطاب وقال: نسب بزوجي. فقال: ما أسمع بأساً وعلى ذاك لا أسمع رجلا ذكر حرمة رجل إلا نكلت به.
والعرب تمدح فترفع، وتهجو فتضع، فإذا مدحت الشيء بلطافتها وذلاقة ألسنتها اختير وبسط عذره، كما غطيت بالهجاء محاسنه. ألا تسمع إلى قول الأول:
فعين الرضا عن كل عين كليلة ... لكن عين السخط تبدى المساويا
(1/224)

وإنما سميت البلاغة بلاغة لا بلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع.
مر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر على نهر أم عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله: ما أصبح هذا النهر لأهل هذا المصر!. قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، فيتعلم العوم فيه صبيانكم، ويكون لسقيانهم ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زياداً على ذلك النهر، وكان زياد عدواً لابن عامر فقال زياد: ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر. قال غيلان: أجل أيها الأمير تنز منه دورهم ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم.
فكره بعض الناس من البيان مثل هذا المذهب. وقال الأحنف لرجل أثنى على يزيد بين يدي معاوية، ثم اعتذر للأحنف. فقال الأحنف: إن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيهاً.
(1/225)

باب في ذكر المهيرات والسراري
تقدم إلى سوار بن عبد الله العنبري رجل من بني العنبر فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي وخط خطين ثم قال: وهجينا لنا وخط ناحية فكيف نقسم المال: قال: أها هنا وارث غيركم؟ قال: لا. قال: فالمال بينكم أثلاثاً. فقال: ما أحسبك فهمت أنه تركني وأخالي وهجينا لنا. فقال سوار: المال بينكم أثلاثا. فغضب الأعرابي ثم أقبل على سوار فقال: تعلم. والله إنك قليل الخالات تالدة فينا. فقال: سوار: إذا لا يضيرني ذلك شيئاً. وكان سوار ابن أمة.
شهد السيد الحميري عند سوار فرد شهادته وقال: أنت رافضي، فقال:
قف بنا يا صاح وار ... بع بالمغاني الموحشات
يا أمين الله يا منصور ... ر يا خير الولادة
(1/227)

إن سوار بن عبد الله ... من شر القضاة
حملي نعثلي ... لكم غير موات
جده سارق عير ... فجرة من فجرات
والذي نادى رسول ... الله خلف الحجرات
يا هناة اخرج إلينا ... إننا أهل هنات
فاكفناه لا كفاه ... الله شر الطارقات
فلما بلغ المنصور كتب إلى سوار أن لا يد لك عليه. فقيل للسيد: أعتذر إليه فقد أسأت القول فيه. ففعل، فلم يقبل سوار منه. فقال:
أتيت دعي بني العنبر ... أدوم اعتذارا فلم أعذر
فقلت لنفسي وألزمتها ... الملامة من لومها أقصري
أيعتذر الحر مما أتى ... إلى رجل من بني العنبر
أبوك ابن سارق عنز النبي ... وأمك بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضون لأهل الضلالة والمنكر
(1/228)

الهجين الذي أمه أعجمية أمة كانت أو حرة، وأبوه عربي، وكانوا لا يرون قتل الهجين ثأرا.
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام: بئست الجاهلية جاهلية زهير حيث يقول:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم
فقال له زيد: ما يسقي عليك الدواء. فقال له عبد الله: صدقت حين كان أبي ابن عم أمي يعني أنه لم يكن ابن أمة، يعرض بزيد أنه ابن أمة.
قال: وتزوج عبد الله بن خالد بن أسيد امرأة من مراد، فولدت له جارية، فتزوجها عبد الله بن مطيع العدوي، فدخلت المرادية على عبد الملك، فقال لها: خدعتم الشيخ حتى زوج ابن مطيع وما رجوتم منه؟ قالت: الذي رجا أبوك من ابن حنطب، ثم قالت:
وما لي لا أبكي بعين حزينة ... وقد نكح البيض الأوانس حنطب
بني بانية السود المغابن جعدة ... لها نسب في آل دومة مطنب
آل دومة هم الزنج.
قال يونس النحوي: قال أبو مهدية يوماً: خير الناس بنو مروان. قال: فحسبته ذهب إلى صلاح سليمان، وإلى عدل بن عبد العزيز رحمه الله، وإلى نسك يزيد الناقص. ثم قلت له: صاروا عندك كذلك؟. قال: كانوا لا يملكون ابن أمة. قال: وقلت لعبيد الله الكلابي: أيسرك أنك
(1/229)

هجين، وأن لك ألف جريت في أرض العرب؟. وكان عبيد سائلاً. قال: ما أحب اللؤم بشيء. قلت: فان أمير المؤمنين ابن أمة. قال: فأخزى الله من سمع له وأطاع. قلت: فان إسماعيل النبي وهو الفخر وأبوك الأكبر ابن أمة. قال: لا أصدقكم عليه. قلت هذا لا تختلف فيه العرب. قال: إذا والله لا أومن به. قلت: فإن إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابن أمة. قال: ما يقول هذا إلا قدري. قلت: ما القدري؟. قال: لا أدري والله.
وقيل لأبي المحش الغنوي، وكان شديد التعصب على القحطانية: من خير الناس يا أبا المحش؟. قال: معد والله. قيل: فمن خير معد؟. قال: مضر والله قيل: فمن خير مضر؟ قال: قيس. قيل: فمن خير قيس؟. قال: غني والله. قيل: فمن خير غني؟. قال: محدثك والله. قيل له: فأنت إذا خير خير خير الناس قال: إي والله!. قيل: أفيسرك أنك تزوجت بنت يزيد بن المهلب، ولك الخلافة؟. قال: لا والله. قيل: فلك الجنة. فأطرق ثم قال عقلي أن لا تند مني.
ويمدحون الرجل الكريم فيقولون: هو ابن حرة. قال الزبير بن بكار: كان العرجى عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان رضي الله عنه يتعشق أم الأوقص المخزومي القاضي، وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وأمه من بني تميم، وكان يتعرض لها، فاذا رأته سترت منه. فمر بها وهي في نسوة، وهن يتحدثن، فعرفها، وأحب أن يتأملها من قرب، فعدل إليها ولقي أعرابياً على بكر له ومعه أطباء لبن، فدفع إليه دابته وثيابه، وأخذ قعوره ولبنه ولبس ثيابه، ثم أقبل فمر على النسوة، فحصن: يا أعرابي!. أمعك لبن؟. قال نعم. ومال إليهن. وجلس يتأمل أم الأوقص، وتواثب من معها إلى الوطبين، والعرجي يلحظها وينظر إليها وأحيانا إلى الأرض؟، أضاع منك شيء؟ قال: نعم قلبي!. فلما سمعت التميمية كلامه نظرت إليه وكان أزرق فعرفته، فقالت: ابن عمرو، ورب الكعبة. فوثبت وسترها
(1/230)

نساؤها، وقلن هل: انصرف عنا. لا حاجة بنا إلى لبنك. فمضى منصرفا وقال في ذلك:
أقول لصاحبي ومثل ما بي ... شكاه المرء ذو الوجد الأليم
إلى الأخوين مثلهما إذا ما ... تأوبه مؤرقة الهموم
لحين والبلاء لقيت ظهراً ... بأعلى النقع أخت بني تميم
فلما أن رأت عيناي منها أ ... سيل الخد في خلق عميم
وعيني جؤذر خرق وثغراً ... كلون الأقحوان وجيد ريم
جنى أترابها دوني عليها ... حنو العائدات على سقيم
ويقال عن العرجي إنه واعد امرأة فخرجت إليه راكبة على أتان ومعها جاريتها وخرج العرجي على حمار ومعه غلامه، فوقع على المرأة، ووقع غلامه على الجارية، والحمار على الأتان، فلما نظر إلى ذلك قال: هذا يوم غاب عذاله.
خبر موته. كان على مكة محمد بن هشام بن اسماعيل المخرومي، وكان يعادي العرجي، لأنه هجاه، وتغزل بأمه جيداء، وبامرأته حبرة، وفيها يقول: عوجى علي وسلمي حبر
وكان يطلب عليه العلل، فوافق أن العرجي كان له مولى يقوم بأمور حرمه، فبلغه أنه يخالف إليهن فلم يزل يرصده حتى رآه يحدث بعضهن، فقتله وأحرقه بالنار، واستعدت عليه امرأة المولى إلى ابن هشام فوجد عليه السبيل، وأقامه على الناس بالحناطين بمكة، ثم سجنه حتى مات في سجنه.
قال أشعب: كنت حاضراً العرجى وهو يشتم مولاه، فأكثر عليه، فرد المولى عليه، وأختلط العرجي من ذلك وقال: يا أشعب أشهد على ما
(1/231)

سمعت، قال: اشهد على ما تشهد. قد شتمته ألفاً وشتمك واحدة، والله لو أن أمك أم الكتاب، وأمه حمالة الحطب ما زاد على هذا.
وقال العرجي لما جلده ابن هشام:
وكم من كاعب حوراء بكر ... ألوف الستر واضحة التراقي
بكت جزعاً وقد شحرت ... كبول وجامعة تشد بها خناقي
ستغضب لي بأجمعها قصي ... قطين البيت والدمث الرقاق
بمجتمع السيول إذا تنحى ... إمام الناس في الشعب العماق
ولما حبس المنصور عمه عبد الله بن علي كان يكثر التمثيل بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وخلوني بمعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها بصدري
كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو
فقال المنصور: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا آثر عندنا من نفسه.
وقال العرجي لما حبس:
سينصرني الخليفة بعد ربي ... ويغضب حين يخبر عن مساقي
علي عباءة برقاء ليست ... مع البلوى تغيب نصف ساقي
وتغضب لي بأجمعها قصي ... قطين البيت والدمث الرقاق
فلما استبطأ نصر قومه قال:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
(1/232)

والعرج موضع بالطائف نسب إليه لنزوله فيه، وكونه به. وقال:
زارتك ليلى وكالي السجن قد رقدا ... ولم تخف من عدو كاشح رصدا
تكلفت ذاك ما كانت معاودة ... سرى الظلام إذا ما عرسها هجدا
يا عقب، ويحك لم حلات صادية ... عن مشرب لم يكن من بعدها وردا
ليس الإله بعاف عنك ردكها ... إن عذب الله ممن قد ترى أحدا
وقال:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... هل أدخل القبة الحمراء من أدم
أسلمتني أسوتي طراق حاشيتي ... حتى كأني من عاد ومن إرم
وقال في ذلك أيضاً:
يا ليت سلمى رأتنا لا تراع لنا ... لما هبطنا جميعاً أبطح السوق
وكشرنا وكبول القوم تنكبنا ... كالأسد تكشر عن أنيابها الروق
والناس صنفان من ذي بغضة ... حنق وممسك بدموع العين مخنوق
وفي السطوح كأمثال الدمى خرد ... يكتمن لوعة حب غير ممذوق
من كل ناشرة فرعاً لرؤيتنا ... ومفرق ذي نبات غير مفروق
يضربن حر وجوه لا يلوحها ... لفح السموم ولا شمس المشاريق
كأن أعناقهن التلع مشرقة ... من الرهو كأعناق الأباريق
وقال في زوجته عثيمة بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان رضى الله عنه:
(1/233)

إن عثمان والزبير أحلا ... بيتها باليفاع إذ ولداها
بني الهدى وحمزة أيد ... وهما إن نسبتها خالاها
إنها بنت كل أبيض قرم ... نال في المجد من قصي ذراها
سكن الناس في الظواهر ... منها ونفى عن بنية سيلاها
وبحسب المنافرين من المج ... د قصيا أن يبلغوا مولاها
فيهم الطيب النبي به الله ... إلى كل باب خير هداها
من تراب بين المقام إلى الرك ... ن نداها الإله حين نداها
فضرى منه قصي ولم يخلط ... بطين القرى ولا أكباها
سار في الخيل والرجال فلم تش ... عر قريش بذاك حتى أتاها
في كراديس كالجبال ورجل ... يقرع الاخشبين طول قناها
قال الزبير: حج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وحج معه بابي حرزة القاضي يعقوب بن مجاهد، وأشعث بن جبير مولى ابن الزبير في جماعة من ولد عثمان، فظن العرجي أن محمد بن عبد الله يتكلم فيه، ويخرجه فلم بفعل، وخرجوا في النفر الأول، فقال العرجي:
عذرت بني عمي إلى الضعف ما هم ... وخالي فما بال ابن عمي تنكبا
تعجل في يومين عني بنفسه ... وآثر يعقوباً علي وأشعبا
ولو كنت من آل الزبير وجدتني ... بمندوحة من ضيم من ضام أجنبا
بأمن فلا يحتاتني الطير ساعة ... وناط محلي البدر قارن كوكبا
ولكن قومي غرهم ذل أمرهم ... أراذلهم من بين سقطي وأجربا
(1/234)

وكان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد بن هشام بأشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام. فلما ولى الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم، وأشخصا إلى الشام، ثم دعا لهما بالسياط. فقال له محمد: أسألك بالقرابة. قال: وأي قرابة بيني وبينك، وهل أنت إلا من أشجع؟ قال: فأسألك بصهر عبد الملك. قال: لم تحفظه. قال: يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يضرب قرشي بالسياط إلا في حد. قال: ففي حد نضربك وقود، أنت أول من سن ذلك على العرجى، وهو ابن عمي وابن عثمان رضي الله عنه، فما رعيت حق جده ولا نسبه بهشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر وأنا ولي ثأره. أضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرحاً، وأثقلا بالحديد، ووجه بهما إلى يوسف بن معين بن عمرو بالكوفة، وأمره بتعذيبهما حتى يتلفا. وأمره أن يجلسهما مع ابن النصرانية خالد (بن عبد الله) القسري. وقال له: نفسك نفسك إن عاش أحد منهما. فعذبهما يوسف عذابا شديداً، وأخذ منهما مالا عظيما، ولم يبق فيهما موضع للضرب. وكان محمد بن هشام مطروحا، فاذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها، فلما اشتدت علتهما تحمل إبراهيم لينظر في وجه محمد فوقع عليه، فماتا جمعياً، ومات خالد معهما في يوم واحد. ثم نقمت اليمانية بعد ذلك على الوليد بن يزيد بقتل خالد فقتلوه.
قال إسحاق الموصلي: غنيت الرشيد يوماً بقول العرجي:
أضاعوني. . . . . الأبيات
فقال: ما كان سبب العرجي حتى قال هذا الشعر؟. فأخبرته بخبره من أوله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلما مر منه شيء، ثم أتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسكن وغيظه يسكن. فلما انقضى الحديث قال لي: يا إسحاق، والله ما حدثتني من فعل الوليد لما تركت أحداً من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجى.
وقال خالد بن يزيد بن معاوية، وتزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر الطيار:
(1/235)

جاءت بها دهم البغال وشهبها ... معتقة في جوف قر مخدر
مقابلة بين النبي محمد ... وبين علي والحواري جعفر
منافية حارت بخالص ودها ... لعبد منافي أغر مشهر
القر: مركب صغير للنساء في الهودج:
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبي ... إذا ترامى بنو الأموان بالعار
لا أرضع الدهر إلا ثغر واضحة ... لواضح الخد يحوي حوزة الجار
من آل سفيان أو ورقاء بمنعها ... تحت العجاجة ضرب غير عوار
يا ليتني والمنى ليست بنافعة ... لملك أو لحصن أو ليسار
طوال أنصية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأوقار
يريد أنه افتقر به على لبن أمه، ولم ترضعه الإماء فيميل إلى أخلاقهن.
قال الأصمعي: نظر إياس بن معاوية المزني أبو وائلة إلى رجل من ثقيف أبيض طوال فقال: أهندية أمك؟. قال: لا والله ما صرت في هندي ولا هندية قط. قال: بلى والله، وإني لأرى فيك آثار ذلك. قال: لا والله
(1/236)

إلا اللبن في الحضانة، فان خادماً هندية كانت لأبي أرضعتني خمسة أعوام. قال فهو ذاك.
قال سفيان بن عيينة: نظر عمر بن الخطاب إلى رجل فقال: أمن سعد بن بكر أنت؟ قال: لا ولكني مسترفع فيهم. قال: إن اللبن يشبه علي. وكان عرافا فائقاً. وقال الحصين المري لبني عمه:
دفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان رفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منته ... وما قد مضى من حلمكم غير راجع
مسسنا من الآباء مسا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
وقال غيره:
تخيرتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقاً معمما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالماً ... لما وجدوا غير التكذب مشتما
قال الجاحظ: هجل رجل من بني سدوس عبيد الله بن أبي بكرة، ولم يكن في الأرض زنجي إلا وعبيد الله أشد سواداً منه، فقال:
أولاد أسود نوبي ومومسة ... لم يجعل الله في ألوانهم نورا
قوم جعاد ترى باقي شعورهم ... مثل الزبيب على الهامات منثورا
(1/237)

وقال آخر:
أمك بيضاء من قضاعة في البيت ... بيت الذي يستظل في طنبه
وليس يريدون بياض الجلد، إنما يريدون إذا ذكروا البياض الرجل الخالص من العيوب وإن كان أدهم أو آدم.
قال العريان بن الهيثم لبلال بن أبي بردة: إنك ليريبتي منك بياض راحتيك وروح قدميك، وانتشار منخريك، وجعودة شعرك.
قال بلال: إني أكره أن أجعل أبا موسى ندا للأسود وأبا برزة ندا للهيثم وأجعل نفسي ندا لك. ثم تمثل:
أنا مسكين لمن يعرفني ... ولمن حاورني جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق
وكانت أم بلال أمة تسمى حوراء. وكان حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم أمه أمة سوداء، وذلك أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه دخل على الحارث بن رويم يعود ابنه يزيد، فقال: عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليه، فسماها لطيفة. فقال حوشب لبلال بن أبي بردة يعيره بأمه، وبلال مشدود عند يوسف بن عمر: يا ابن حوراء. فقال بلال وكان جلداً إن الأمة تسمى حوراء وجيداء ولطيفة.
وفي بلال يقول بعض الشعراء:
أبلال إني رابني من شأنكم ... قول تزينه وفعل منكر
ما لي أراك إذا أردت خيانة ... جعل السجود بحر وجهك يظهر
متخشعاً طبناً بكل عظيمة ... تتلو الكتاب وأنت ذئب أغبر
(1/238)

وكان بلال ورد الشام متصدياً لولاية العراق أيام عمر عبد العزيز فلزم المسجد متكئاً
بسارية تقرب من الموضع الذي يصلي فيه عمر ولا يكاد يراه عمر إلا راكعاً أو ساجداً، فأعجب به وذكره، فقال للعلاء بن المغيرة البندار: إن يكن سر هذا الغلام كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فأتاه وهو يصلي فقال: اشفع صلاتك فان لي إليك حاجة. ففعل، فقال له العلاء: قد عرفت حالي عند أمير المؤمنين، فان أنا أشرت بك على ولاية العراق ما تجعل لي؟. قال: لك عمالتي سنة. وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم. قال: فاكتب لي بذلك. فأوفد بلال إلى منزله فأتى بدواة وصحيفة وكتب له بذلك. فأتى العلاء إلى عمر بالكتاب فلما رآه كتب إلى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان عامله على الكوفة: (أما بعد فإن بلال غرنا بالله فكدنا نغتر به، ثم سبرناه فوجدناه خبيثاً كله). ويروى أنه كتب إليه: (لا تستعينني على عملك بأحد من آل أبي موسى).
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
أبلغا جاري المهلب عني ... كل جار مفارق لا محاله
إن جاراتك اللواتي بتكر ... يت لتبدين رحلهن مقاله
لو تعلقن من زياد بن عمرو ... بحبال لما ذممن حباله
عتكي كأنه ضوء بدر ... يحمد الناس قوله وفعاله
وذلك أن عبد الملك نذر دم ابن الرقيات فهرب وصير عياله بتكريت ليخفى مكانهم. وكان المهلب على الموصل فكتب إليه عبد الملك أن أحتفظ بعيال ابن قيس فتحفظ بهم فلذلك قال ابن قيس:
ولقد غالني يزيد وكانت ... في يزيد خيانة ومغالة
غلبت أمه عليه أباه ... فهو كالكابلي أشبه خاله
وأم يزيد من كابل.
(1/239)

وقال علي بن أبي طالب يوم الجمل وهو يمشي بين القتلى حين رأى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا: (لهفي عليك يعسوب قريش شفيت نفسي وجدعت أنفي، قتلت الصناديد من بني عبد مناف، وأفلتني الأعيار من بني جمح. فقال له رجل: لشد ما جزعت عليه يا أمير المؤمنين. قال إنه قام عني وعنه نسوة لم يقمن عنك.
وقال عبد الله بن عامر لعبد الله بن حازم السلمي صاحب خراسان، وكان ابن أمة تسمى
عجلاء: يا ابن السوداء قال: هو لونها. قال يا ابن العجلاء. قال: هو اسمها قال: يا ابن خازم. قال: هو خالك. وخازم بن أسماء بن الصلت، وأم عبد الله بن عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت.
وقال أمية بن عائذ الهذلي:
فأبلغ أناساً أن عرض ابن أختكم ... وراءك فاستصن عرضه أو تبدل
فإن أك ذا مجد فإني ابن أختكم ... وكل ابن أخت من مدى الخال مغتلي
فكن أسداً أو ثعلباً أو شبيهه ... فمهما تكن أنسب إليه وأشكل
وما ثعلب إلا ابن أخت ثعالب ... وإن ابن أخت الليث رئبال أشبل
ولن تجد الآساد أخوال ثعلب ... إذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل
وقال آخر:
عليك الخال راب الخال يسري ... إلى ابن الأخت بالشبه المبين
وفي الحديث: اغتربوا لا تضووا.
وقال قيس بن زهير: عليكم بالطوال فإنهن أمهات الرجال.
وقال النمر بن تولب:
إذا كانت في سعدٍ وأمك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت المرء مصفى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
(1/240)

ومن أجل الخال ترغب الملوك في مصاهرة أشرف العرب. وإن الشبه ينزع إلى الخال كثيراً.
كانت مارية بنت سنان بن أبي حارثة (المرى) عند عمرو بن المنذر فمدحه زهير فقال:
فضله بين أقوام وسؤدده ... ما لم ينالوا وإن عزوا وإن كرموا
قود الجياد وأصهار الملوك وصبر ... في مواطن لو كانوا بها سئموا
وكانت بنت زرارة بن عدس عند الأسود بن المنذر، فقال الأخطل:
تاج الملوك وههرهم في دارهم ... أيام يربوع مع الرعيان
وكانت أم إياس بنت عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان عند عمرو المقصور بن حجر آكل المرار، فولدت له الحارث بن عمرو. وملك الحارث معدا ستين سنة، فقال الحارث بن
حلزة:
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
إن عمراً لنا لديه خلال ... غير سر في كلهن البلاء
ربنا وابننا وأفضل من ... يمشي ومن دون ما لديه البناء
وكانت الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان عند امرئ القيس بن عمرو فولدت له النعمان الذي يقال له ابن الشقيقة. قال بعض بني شيبان:
ولدوا الملوك وصاهروهم بعدما ... صدعوا رؤوسهم بكل مهند
(1/241)

وممن تمدح بالخال حسان بن ثابت فقال:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا ابن ماء المزن وابن محرق ... فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا عماً
وقالت امرأة في بنت لها:
وما علي أن تكوني جارية ... تغسل رأسي وتكون الغاليه
حتى إذا ما بلغت ثمانية ... أنكحتها يزيد أو معاويه
أصداق صهر ومهور غاليه
على أن العرب تذم كسب المال من مهور النساء وتراث الموتى، وديات القتلى، ويحبون المال إذا كان حباء ملك أو غنيمة قوتل عليها حتى أخذت. قال الشاعر:
وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل مضروب السرادق خضرم
وقالوا: عجباً ممن تمتع بالسراري كيف يتمتع بالمهيرات.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس قوم أكيس من أولاد السراري لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم.
(1/242)

وقال آخر:
يا رب خال أغر أبلجا ... من آل كسرى يغتدي متوجا
وقال آخر:
فإن تك أمي من نساء أفاءها ... طوال القنا والمرهفات الصفائح
فتبا لفضل الحر إن لم أنل به ... كرائم أبناء النساء الصرائح
وقال مسلمة بن عبد الملك: إني لأعجب من ثلاثة. من رجل قصر شعره ثم أطاله، أو شمر ثوبه ثم عاد وأسبله، أو تمتع بالسراري ثم عاد إلى المهيرات. وكان مسلمة ابن أمة، وكان سمحاً جميلاً، شجاعاً، فارساً. وقفت امرأة بمصر في خصومة فحكم عليها، فقالت له: ما أقل حياءك. فكشف عن ساقه فإذا فيه تسع طعنات، فقال والله لو تأخرت شبراً ما نالني منهن واحدة، واحدة، وما منعني من ذلك إلا الحياء، وأنت تنحليني غيره.
وقال الشاعر:
أخذن اغتصاباً خطبة عجرفية ... وأمهرن أرماحاً من الحظ ذبلا
وقال خفاف بن ندبة أحد أغربة العرب، وكان فارس بني سليم:
ومعشوقة طلقتها بمرشة ... لها سنن كالأتحمي المخرق
فباتت سليباً من أناس تحبهم ... كسيباً ولولا طعنتي لم تطلق
(1/243)

وقال الفرزدق:
إلى كل حي قد خطبنا بناتهم ... بأرعن مثل الطود جم صواهله
كأن بنات الحارثين وسطهم ... ظباء صريم لم تفرق غياطله
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلا السنان وعامله
وإنما ذكر بنات الحارثيين لأن المأمور الحارثي أغار على بني دارم فأصاب امرأتين من بني زرارة، فغزا الأقرع بن حابس بني الحارث في ألفين، فسبى ابنتين لأنس بن الديان، وقد ولدت له في بني زرارة.
ومن الفرسان المعدودين، والشعراء المفلقين من بني الإماء عنترة، وأخوه هراسة ابنا شداد العبسيان، وخفاف بن ندبة، وعباس بن مرادس، وسليك ابن السلكة، وابن المغملس عمير بن الحباب، وعبد الله بن حازم، والجحاف بن حكيم عند عبيد الله بن زياد إذ دخل جرذ أبيض، وكان عبد الله أحد من ينازل الأسد، ويفزع من الجرذ، فعجب منه وقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، يعصى الرحمن ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان ويمشي إلى الأسد الورد ويتقي الرماح بصدره، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أن الله على كل شيء قدير.
(1/244)

وسأل ابن هبيرة عن قتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر سألنا وكيع بن الدورقية كيف قتلته؟. قال: غلبته بفضل شباب كان لي عليه، فصرعته. وجلست على صدره، وقلت: يالثارات دويله يعني أخاه من أمه. فقال من تحتي: قاتلك الله! تقتل كبش مضر بأخيك وهو لا يساوي كف نوى، ثم تنخم فملا وجهي. فقال ابن هبيرة: هذه والله البسالة. استدل عليها بكثرة الريق في ذلك الوقت.
وكان يقال: ما استحيى شجاع أن يفر من عبد الله بن خازم، ومن قطري بن الفجاءة. وسئل المهلب: من أشجع الناس، فقال: عباد بن الحسين الحبطي وعمر ابن عبيد الله بن معمر، والمغيرة بن المهلب، فقيل له: وابن الزبير، وابن خازم، وعمير بن الحباب؟ فقال: إنما سألت عن الإنس، ولم أسأل عن الجن.
وعمير بن الحباب ابن أمة، وابن خازم مثله.
ولما صار إبراهيم بن الأشتر بخازر لقتال عبيد الله بن زياد، قال عبيد الله: من صاحب الجيش؟. قيل له: ابن الأشتر. قال: أليس الغلام الذي كان يطير الحمام بالكوفة؟. قالوا: بلى. قال: ليس بشيء. وعلى ميمنته عبيد الله بن حصين بن نمير السكوني من كندة. وعلى مسيرته عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام. قال حصين بن نمير لابن زياد: أنت لي عمير بن الحباب غير ناس قتلى المرج، وإني لا أثق لك به. قال ابن زياد: أنت لي عدو. قال حصين: ستعلم. قال ابن الحباب: فلما كان في الليلة التي نريد أن نواقع فيها ابن الأشتر خرجت إليه، وكان لي صديقاً، ومعي رجل. فصرت إلى عسكره، فرأيته، وعليه قميص هروى، وملاءة، وهو متوشح بالسيف يجوس عسكره، فالتزمته من ورائه، فوالله ما التف إلي، ولكن قال: من هذا؟ قلت: عمير بن الحباب. قال: مرحباً بأبي المغملس. كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. قال راوية هذا الحديث: أرأيت أشجع من هذا قط؟! يحتضنه رجل من عسكر عدوه، ولا يدري من هو، فلا يلتفت إليه.
(1/245)

قال (ابن الحباب) ثم عاد إلي فقال: ما الخبر؟! قلت له: القوم كثير فناجزهم، فلا صبر لهذه العصابة على ذلك الجمع الكثير. قال: نصبح إن شاء الله ونحاكمهم إلى ظباء السيوف وأطرف القنا. فقلت: أنا منخذل عنك بثلث الناس غداً. فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم أول النهار، فأرسل أصحاب المختار الطير، فتصايح الناس: الملائكة! الملائكة!، فتراجعوا، ونكس عمير بن
الحباب رايته، ونادى: يا لثارات المرج، وانخذل بالمسيرة كلها وفيها قيس. واقتتل الناس إلى الليل، وفنى أصحاب زياد. وقال ابن الأشتر: لقد ضربت رجلا على شاطئ النهر فرجع إلى سيفي، وفيه رائحة المسك. ورأيت إقداماً وجرأة، فصرعته، فذهب يداه قبل المشرق، ورجلاه قبل المغرب، فانظروه. فأتى بالنيران فإذا هو عبيد الله بن زياد.
وعبيد الله بن زياد ابن أمة تدعى مرجانة. وكان المختار دفع إلى قوم من خاصته حماماً بيضاً وقال: إن رأيتم الأمر لنا فدعوها، وإن كان علينا فأرسلوها. وقال للناس: أن استقمتم فبنصر الله وإن حضتم حيضة، فإني أجد في محكم الكتاب وفي اليقين والصواب أن الله مؤيدكم بملائكة عصاب تأتي في صور الحمام دوين السحاب.
وكان السليك من أشد فرسان العرب وأنكرهم وأدل الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه، لا تلحق به الخيل، وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة. وهو ابن أمة. وقال له بنو عوف بن كنانة حين كبر أرأيت أن ترينا ما بقي من أحصارك. قال: نعم ابغوني أربعين شابا، وابغوني درعاً ثقيلة، فأخذها ولبسها فخرج بالشباب حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يحصر فلاث العدو لوثا، واهتضموا في حلبتيه، ولم يصبحوه إلا قليلا فجاء يحصر مثيرا بحيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق في عنقه كأنها خرقة.
وقال عنترة:
(1/246)

إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا ... أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بضربة فيصل
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الاول
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امروٌ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلث مثلي ... إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها بنقع الحنظل
يعرض في هذا الشعر بقيس بن زهير، وكان أكولا، ذلك أن بني عبس غزت بني تميم وعليهم قيس بن زهير فهزمت بنو عبس، فطلبتهم بنو تميم، فوقف عنترة فلحقتهم كتيبة من الخيل فحامى عنترة فقال القصيدة التي تقدمت.
ولعنترة أشعار حسان، وأخبار طريفة، وله القصيدة إحدى المعلقات: وكان سبب صنعته لها أنه جلس يوماً في لبني عبس بعد ما أبلى وأعترف به
(1/247)

أبوه، فسابه رجل من بني عبس فذكر سواده وأمه واخوته. فقال عنترة: إن الناس ليتواصلون في العطية، وما حضرت مرقد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط، وإن الناس ليدعون فيقرعون فما رأيناك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيتا فما حضرت أنت ولا أحد من أهل بيتك بخطية فيصل، فلو كنت فقعاً نبت بقرقرة لكنت في مزرك الذي أنت به اليوم. أي في أصلك. فلو ما جدتك لمجدتك، ولو سألت أباك وأمك لأخبراك أو نصحا لك، وإني لأحضر الناس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت، وأفضل الخطة الصمعاء.
فقال له الرجل: أنا أشعر منك. قال: ستعلم ذاك.
فكان أول ما قال عنترة يذكر قتل معاوية بن بزال وغيره. ومعاوية بن بزال خالد الأحنف بن قيس.
قاول الحماني بلال بن جرير قال: يا ابن أم حكيم. فقال له بلال بن جرير: وما تذكر من ابنة دهقان. وأخيذة رماح، وعطية ملك ليست بأمك التي بالمروت تعدو على أثر ضبانها، كأنما عقباها حافرا حمارة.
وقال رجل من قريش: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاة. فكأني نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم ابن عبد الله بن عمر الخطاب، فلما خرج قلت: يا عم من هذا؟. قال: سبحان الله: أتجهل مثل هذا من قومك؟. هذا سالم بن عبد الله بن عمر قلت: فمن أمه؟. قال فتاة. قال: ثم أتى القاسم بن محمد بن أبي بكر فحسب عنده ثم نهض، فقلت: يا عم من هذا؟ قال: أتجهل مثل هذا من
(1/248)

أهلك؟. ما أعجب هذا!. هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر. قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة. ثم أهملت شيئاً حتى جاء علي بن الحسين بن علي فسلم عليه ثم نهض، فقلت: يا عم من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله. هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. قلت: فمن أمه؟. قال: فتاة
قلت: يا عم! رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأم ولد، فمالي بهؤلاء أسوة. قال: فجللت في عينه جداً.
وقال ابن الزبير الأسدي لعبد الرحمن بن أم الحكم، وأم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي:
تبغلت لما أن أتيت بلادهم ... وفي أرضنا أنت الهمام القملس
ألست ببغل أمه عربية ... أبوه حمار أدبر الظهر ينحس
لما كان أبوه من ثقيف جعل ثقيفاً من ثمود من نسل أبي رعال عبد صالح النبي عليه السلام، وجعل كالبغل لأن الذي أمه عربية وأبوه أعجمي الدرع. ويشبهونه بالبغل.
وكان عبد الرحمن ولي الكوفة، وكان ذا قدر ثم عزل عنها وصار إلى الشام. وفيه يقول الفرزدق:
فأنت ابن بطحاوي قريش وإن تشأ ... تكن في ثقيف سيل ذي حدب غمر
(1/249)

وأنت ابن سيار اليدين إلى العلا ... تكفت بك الشمس المنيرة للبدر
دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك، فلما مثل بين يديه، ولم ير لنفسه موضعاً يحبس فيه، فعلم أن ذلك فعل به على عمد. فقال: إيه يا أمير المؤمنين لن يكبر أحد عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله. فقال: اسكت. لا أم لك. أنت الذي تنازعت نفسك الخلافة، وأنت ابن أمة. قال: أن لي جواباً، فان أذنت فيه جاوبت. قال: أجب. وما أنت وجوابك؟!. قال: الأمهات لا يقعدون بالرجال دون بلوغ الغايات، وكانت أم إسماعيل (صلى الله عليه وسلم) أمة، وقد ابتعثه الله عز وجل نبياً، وأخرج من صلبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). أفتقول هذا وأنا ابن فاطمة، وجدي علي بن أبي طالب.
قال: صدقت. ثم خرج. فقال هشام حين بقي في أهل بيته: ألستم زعمتم أن أهل البيت قد بادوا. لا، لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم.
قال الجاحظ: أئمة الشيعة من ولد الحسين الذين عندهم أنهم يعلمون كثيراً من مراشد الدين والدنيا، وعند الغلاة منهم أنهم يعلمون الغيب. أولاد إماء وهم ستة: علي بن الحسين، موسى بن جعفر. ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي. هؤلاء الأربعة، وجعفر بن محمد، أمه بنت القاسم بن محمد، وأم القاسم أمة، فكلهم ابن أمة، فهؤلاء خلفاء أصحاب الأهواء
وخلفاء أصحاب الجماعة، نعني عمر بن عبد العزيز، ومروان بن محمد، ومن أشير إليه بالخلافة كالقاسم وسالم. قال: ولم يكن في بني مروان أرجل من مروان بن محمد، وأمه أمة، ولا أفضل من يزيد الناقص، وأمه أمة، وهي بوران رخت بنت فيروز بن يزدجر، ولذلك كان يزدجرد، ولذلك كان يرتجز في حروبه ويقول:
أنا ابن كسرى وأبي خاقان ... وقيصر جدي وجدي مروان
(1/250)

وهذه ولادة ثالثة. وهو عند أهل النظر يعني المعتزلة، لأنه كان قدرياً فوق عمر بن عبد العزيز، فقد كان في الفقه والزهد واللسان بالمكان الذي قد عرفتموه.
فقد كان الجاحظ، فمحال أن يشبه عمر بن عبد العزيز. وقد ولدت عمر الإماء وذلك أن زينب بنت العلاء، وابن شهاب سباها عمرو بن المشمرخ اليشكري، فباعها بعكاظ فاشتراها بشر بن سفيان الثقفي، فأولدها امرأة تزوجها عاصم بن عمر، فولدت له امرأة تزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت عمر.
قال الجاحظ: ولم يكن في بني مروان أزهد ولا أبين لساناً ولا أشد عقلاً ولا أظهر فزعاً من عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وهو ابن أمة. ولم يكن فيهم أشجع ولا أدهى ولا أحلم. ولا أمكر ولا آدب. ولا أجمع لكل فضيلة، ولا أكثر فتوة من مسلمة بن عبد الملك وأمة أمة.
ما أبين بيان الجاحظ!.
قيل لأبي العيناء: أي شيء يحسن الجاحظ؟ قال: أي شيء لا يحسنه الجاحظ؟. وأنشد الجاحظ شعر أبي العتاهية فمجه وقال: هو أملس المتون)، ليس له عيون كأنه ونمارة الجارية كاملاً واحداً.
عليك بأرباب النمار فإنني ... رأيت صميم الموت في النقب الصفر
النمرة الجبة من الصوف القصيرة يلبسها الإماء، والنقبة الدرع تلبسه الجارية.
وقال الجاحظ: رأيت عبداً أسود لبني أسد، فقدم عليهم من شق اليمامة فبعثوه ناطورا، وكان وحشياً لطول تغربه كان في الإبل، وكان لا يلقى إلا الأكراد، وكان لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلي، وسمعته يقول: لعن الله بلاداً ليس فيها عرب. قاتل الله الشاعر حيث يقول:
(1/251)

حر الثرى مستعذب التراب
أبا عثمان إن هذه العرب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا أن الله رق عليهم في حشاه لطمست هذه العجمان آثارهم، أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا. والله ما أمر الله نبيه بقتلهم الا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم تنزيها لهم.
وكان عتاب بن ورقاء الرياحي قد أولد مولدة له يقال لها ميثاء خالداً وزياداً، وكانا فارسي تميم، وخالد أشجع الناس فارساً، وأسخاهم يداً ويكنى أبا سليمان. وكان عاملا على الري لبشر بن مروان، وعلي أصبهان، فمر به طلحة الطلحات مقبلا من سجستان فأهدى إلى خالد واستهداه شهداً فحمل إليه سبعمائة ألف درهم وكتب إليه:
(إني قد حملت ما تشترى به المشهد ولو كان في بيت المال أكثر منها لبعثت به).
وكان خالد شجاعاً فكتب إليه الحجاج: (أنك هربت عن أبيك ليلة شبيب). فكتب إليه: (قد علم من رآني لم أفر، ولكنك وأباك هربتما يوم الربذة من الحتيف بن السجف، وأنتما على بعير بقتت، فلله أبوك أيكما كان ردف صاحبه؟).
(1/252)

فقدم خالد الشام فاستجار بزفر بن الحارث، فأجره، ودخل على عبد الملك فأخبره، فأمضى جواره، فلم يزل مقيما عنده حتى مات. وقيل عتاب بن ورقاء بن الباجور السليطي رأس الأزارقة.
قال الشاعر:
لبيك ابن ورقاء الرياحي إذ ثوى ... من الدهر يوماً نابل وطعان
وقائلة هل كان بالمصر حادث ... ألا هلك عتاب هو الحدثان
(1/253)

وهذا أول اختيار الجزء الثاني.

باب أنفة السادات من قول الهجاء والمناقصات
وقد يفعل العرب ذلك أنفا عن قول الهجاء لما فيه من سوء الأثر، وتدع جواب الهجاء تنزهاً عنه. وقال معيذ بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت مراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وإن التمادي في الذي كان بيننا ... بكفيك فاستأخر له أو تقدم
وكان الأعور بن براء يهجو بني كعب بن ربيعة فأتت بنو كعب تميم بن أبي ابن مقبل، فقالوا ألا ترى ما يصنع الأعور بقومك؟.
(1/255)

فقال: ما تشاءون؟. قالوا: نشاء أن تهجو بني فلان قال: انصرفوا، فإذا أتاكم الشعر فادووا. واندفع وهو يقول:
ولست وإن شاحنت بعض عشيرتي ... لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر
فكم لي من أم لعبت بثديها ... كلابية عادت عليها الأواصر
فسمعت بذلك بنو كعب فشتموه، وسمعت بنو كلاب فركبوا إلى الأعور فنهوه عن بني كعب، وقالوا له: العجلاني خير منك أتوه بنو كعب يأمرونه بهجاء بني كلاب، فمدح بني كلاب. فقال الأعور:
ولست بشاتم كعباً ولكن ... على كعب وشاعرها السلام
ولست ببائع قوماً بقوم ... هم الأنف المقدم والسنام
وكائن في المعاشر من قبيل ... أخوهم فوقهم وهم كرام
ولم يقل الأعور بعدها شيئاً. وقال آخر:
كم من لئيم ود أني شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرماً ... أضر له من شتمه حين يشتم
وتعجب أن حاولت منك تنصفاً ... فأعجب منه ما تحاول من ظلمي
أبا حسن يكفيك ما فيك شاتماً ... لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن يشمس من ظلمي
وهجا الحطيئة، واسمه جرول بن أوس العنسي الزبرقان بن بدر فقال:
(1/256)

دع الكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وكان الزبرقان شاعراً مفلقا، فلم يرد على الحطيئة، ولا رضي لنفسه مناقضته، كما فعل بالمخبل القريعي إذ كان الحطيئة دون المخبل في الشرف، واستعدى عليه عمراً فأنصفه منه. وكان الزبرقان شريفاً، ولم يرتد بمنع الزكاة كما فعل نظراؤه، بل كان أول من دخل المدينة على الصديق بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بصدقات قومه، فقدم بإبل كأنها عروق الأرطى. والأرطى شجر له عروق حمر، فجهز بها أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد إلى أسد وغطفان، وهم على بزاخة مرتدين مع طليحة بن خويلد الفقعسي وفيهم الحطيئة، وهو مرتد، وهو القائل:
ألا كل أرماح قصار أذلة ... فداء لأرماح نصبن على الغمر
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا ليت شعري ما لدين أبي بكر
أيورثها بكراً إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ثم حسن إسلامه بعد ذلك.
وقال الزبرقان:
وفيت بأذواد الرسول وقد أتت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها
وإني لمن قوم إذا عد سعيهم ... أتى المخربات حبها وقتيرها
وقال الفرزدق إن الطرماح يهجوني لأرفعه. إيهات، ايهات! عليت دونه القضب.
عليت: ارتفعت. من عالت الفريضة أي ارتفعت. والقضب القصائد، وأحدها قضيب، أي مقضوب. والذي هجا به الطرماح الفرزدق قوله:
(1/257)

لا عز نصر امرئ أضحى له فرس ... على تميم بحب النصر من أحد
إذا دعا بشعار الأزد نفرهم ... بما ينفر صوت السبع بالنقد
أفي تميم تسامينا وما حلفت ... حتى مضت قسمة الأحساب والعدد
لو جاء ورد تميم ثم قيل لها ... حوض النبي عليه الأزد لم تعد
أو أنزل الله وحياً أن يعذبها أن لم تعد لقتال الأزد لم تعد
لا تأمنن تميميا على جسد ... قد مات ما لم تزايل أعظم الجسد
وكل لؤم يبيد الدهر سوأته ... ولؤم ضبة لم ينقص ولم يزد
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذل أولهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد
واسأل قفيرة بالمروت هل وجدت ... سوط الحطيئة بين الكسر والنقد
أم كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد
لولا قريش وحق في الكتاب لها ... وأن طاعتها تهدى إلى الرشد
دنا تميماً كما كانت أوائلنا ... دانت أوائلهم في سالف الأبد
وإنما نسب الطرماح الفرزدق إلى الحطيئة لأن الفرزدق لما هرب من زياد أتى سعيد بن العاص وهو على المدينة أيام معاوية فاستجاره فأجاره،
(1/258)

وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل، فأنشده الفرزدق شعره الذي يقول في سعيد منه:
ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان غالا
بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الأولى غلبوا فعالا
قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فقال الحطيئة: هذا والله الشعر لا ما يعلك به منذ اليوم أيها الأمير. فقال كعب: فضله على نفسك، ولا تفضله على غيرك. فقال: بل والله أفضله على نفسي وعلى غيري. يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك. ثم قال له: إن طال بك عمر فستبرز علينا. ثم قال: يا غلام. أنجدت أمك!؟ قال: لا بل أبي. يريد الحطيئة إن كانت أمك أنجدت فأنا أصبتها، فأشبهتني فألفاه لقن الجواب، فنعى ذلك عليه الطرماح بقوله:
فأسأل فقيرة. . . البيت
وقال الطرماح:
أتجعل يا ابن القين أوساً وحاتماً ... كذى مرجل عند أسته وقدوم
قال ابن شبرمه: كان الطرماح جليسا لنا، وإذا فقدناه قمنا جميعا ننظر ما دهاه فلما كنا قريبا من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف خز أخضر، فقلنا: من هذا الميت؟. قالوا: الطرماح. فقال بعضهم، والله ما استجاب الله حيث يقول:
(1/259)

فيا رب لا تجعل وفاتي إذا أتت ... على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن بصحراء فريداً، وعصبة ... يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
وكان الطرماح يرى رأي الخوارج، وكان أعرف في الشعر من الفرزدق لأن جده نفر الذي يقول:
ألا قالت أمامة ما لنفر ... أراه غيرت منه الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشعرى العبور
وقال ألطرماح:
فلما دركناهن أبدين للهوى ... محاسن واستولين دون محاسن
ظعائن يستحدثن في كل بلدة ... رهينا ولا يحسن فك الرهائن
وكان الطرماح أليفا للكميت بن زيد على بعد ما بينهما في المذهب، والعصبية. كان الكميت عدنانيا كوفيا شيعيا، والطرماح قحطانيا شامياً، صفريا. وقيل لهما: ما ألف بينكما؟ قالا: بغض العامة. وكانا معلمين. وهما أحد من اجتمع له المنثور والموزون وقال بعضهم:
أرادت وذاكم من سفاهة رأيها ... أن أهجوها لما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني لعشيرتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
(1/260)

وقال صخر بن عمرو بن الشريد:
وعاذلة هبت علي تلومني ... ألا لا تلوميني، كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي إلى أن أهجوهم ثم ماليا
أبي الذم أنى قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
الشمال واحدة الشمائل وهي الخلائق.
وكان معاوية بن عمرو بن الشريد فارساً شجاعاً، فأغار في جمع من بني سليم على غطفان فبدرته القوم فانبرى له دريد وهاشم أبنا حرملة فانطرد له أحدهما وطعنه الآخر فقتله، فقال خفاف بن ندبة: قتلني الله أن رجعت حتى أباريه، فحمل على مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزاره، فقتله. فلما دخلت الأشهر الحرام ورد عليهم صخر فقال: أيكم قاتل أخي، فقال له أحد ابني حرملة: استطردت له فطعنني هذه الطعنة، وحمل عليه أخي فقتله فان قتلته فهو ثأرك. أما أنا فلم أسلب أخاك. قال: فما فعلت بفرسه السمى. قالوا: هاهي تلك فخذها،
فانصرف بها. وقيل لصخر: ألا تهجزهم؟. فقال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، وأنا أصون لساني عن الخنا. ثم خاف أن يظن به عيى فقال الأبيات المتقدمة، ومنها:
إذا ما امرؤ أهدى لبيت تحية ... فحياك رب الناس عني معاويا
وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا
(1/261)

فلما أصاب دريداً زاد فيها.
وذي اخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا
فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم، فنظرت غطفان إلى جمعه فقال بعضهم: هذا صخر على فرسه السمى، فقيل: كلا السمى غراء، وكان خمم غرتها فأصاب فيهم. وقتل دريد بن حرملة، ثم غزا صخر بعد ذلك بني أسد بن خزيمة، فنذروا به، فاقتتلوا، فارفض أصحاب صخر عنه، وطعن في جنبه طعنة، فاستقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها فنبا من الجرح مثل اليد، فأضناه ذلك حولا فسمع سائلا يقول لامرأته كيف صخر؟ فقالت: لا ميت فينعى، ولا حي فيرجى، فعلم أنها برمت منه، ورأى تحرق أمه فقال:
أرى أم صخر ما تحل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقاً وهوان
وهم بقتل سليمى، فأخذ السيف، فلم يستقل به ساعده، وضعف عن الضرب به فنزل حتى وجد راحة فعلقها بيدها إلى عمود الخباء حتى ماتت ثم قطع ناتئا من جنبه فيئس من نفسه، فقال:
(1/262)

أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غربيان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وتروى لامرئ القيس.
وقالت خنساء في صخر أخيها:
يا صخر وراد ماءٍ قد تبادره ... أهل المياه وما في ورده عار
مشى السنين إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان أنياب وأظفار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذا تشتو لنحار
لم تره جارته يمشي لساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
تريد بقولها وراد ماء الموت لإقدامه على الحرب. والمعنى. ما في ترك ورده عار. ومثله قال المرقش.
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء الموت ما لا يعلم
وألسبتني: الجري.
وقال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه، فما مضى قلت له: أبعد ما قال لنا ما قال؟!: قال يا بني أفأوسع جرحي؟ وقال ابن الحنفية: قد تدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه. وقال عبد الله بن عروة: بعض الذل أبقى للمال والأهل. ومدح ابن شهاب شاعر فأعطاه وقال: إن من ابتغى الخير اتقى الشر.
(1/263)

باب والشعراء تستحسن انتصارها بألسنتها ويقيم ذلك أحدهم مقام سيفه ويده
قال أوس بن حجر:
بني ومالي دون عرضي وقاية ... وقول كوقع المشرفي المصمم
وكان أوس يرغب في مدحه وتحريضه، ومن تحريضه يحض النعمان بن المنذر على بني حنيفة. وذلك؛ أن شمر بن عمرو الحنفي قتل المنذر بن المنذر حين التقى مع الحارث بن أبي شمر الغساني فقال أوس:
نبئت أن بني حنيفة أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
فغزا النعمان بني حنيفة فقتل منهم وحرق عليهم. وقال:
ألا أبلغ بني بكر رسولاً ... فقد صم الظنابيب السباق
إلى الغايات أعلى المجد حتى ... حسرناكم وبرزت العتاق
وسأل بنا الغبيط وجانباه ... على حنق وساد بهم أفاق
أطعنا ربنا وعصاه قوم ... وذقنا غب طاعته وذاقوا
(1/265)

ومن مدح أوس لفضالة الأسدي، قوله يرثيه:
أيتها النفس أجلي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
قال الأصمعي: هو أحسن ابتداء مرثية، وهو كقول علي بن الحسين وتوفي له ولد فلم يربه عليه جزع، فقيل له في ذلك. فقال هذا ما كنا نتوقعه، فلما حل لم ننكره.
ولأوس بن حجر في مقالة يرثيه أيضاً:
ألم تكسف الشمس شمس النها ... ر بالنجم والقمر الواجب
لهلك فضالة لا يستوي الفق ... ود ولا جلة الذاهب
ألهفي على علم الآية ... على الحائر الحي والحارب
ويكفي المقالة أهل المقا ... ل غير معيب ولا عائب
ويحبو الخليل بخير الحبا ... ء غير صخوب ولا قاطب
برأس النجيبة من حوله ... وبالطرف كالجوذر الكاعب
فمن يك ذا نائل يسع ... من فضالة في أثر لاجب
هو الواهب العلق غير النفي ... س والمتعلى على الواهب
وأفضلت في كل شيء فما ... تناول سعيك من طالب
نجيح مليح أخو ما قط ... نقاب يحدث بالغائب
(1/266)

وكان المخبل السعدي هجا خليدة بنت بدر، فقال للزبرقان أخيها:
وأنكحت هزالاً خليدة بعدما ... حلفت برأس العين أنك قاتله
فأنكحته رهوي كان عجانها ... مشق إهاب أوسع السلح بأجله
يلاعبها فوق الفراش وجاركم بذي شرمان لم تزيل مفاصله وكان هزال قتل ابن أمية في جوار الزبرقان، ورحل إلى الجزيرة، فأقسم الزبرقان ليقتلنه، ثم مضى الدهر على ذلك وزوجه أخته خليدة، ثم مر المخبل بعد حين وقد أصابه كسر بخليدة، وهو لا يعرفها، فآته وجبرت كسره، وزودته عند رحيله، فقال: ما اسمك يا جارية؟. قالت: لم ذاك؟ قال: لأمدحك قالت: رهوي. قال: بالله ما رأيت امرأة أكرم منك لها مثل هذا الاسم. قالت: فأنت سميتني به. قال: وكيف؟. قالت: أنا خليدة أخت الزبرقان فأقسم لا يهجوها ولا أحداً من قومها. وقال:
لقد زل رأي في خليدة زلة ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله إنني ... كذبت عليها والهجاء كذوب
الرهوي التي تذم عند الجماح بسعة الفرج.
(1/267)

وقدم المدينة عبان بن قيس بن عاصم، فنزل على أروى بنت كزير فأكرمت مثواه فقال حين أراد الخروج:
حلفت على أروى سلاماً فإنما ... جزاء الثواء أن تعف وتحمدا
سلاماً أتى من وامق غير عاشق ... أراد رحيلاً ما أعف وأمجدا
وقال نابغة بني ذبيان لعامر بن الطفيل في وقعة حنين. وكان النابغة غائباً عنها، فلما قدم سأل بني ذبيان عما قالوا لعامر وما قال لهم، فأنشدوه فقال: أفحشتم على الرجل وهو
شريف. ثم قال:
إن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنه الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصارفك الحكومة والصواب
فلا تذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تبرك أو تناهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
وإن تكن الفوارس من حنين ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما أن كان من نسب بعيدٍ ... ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما سمع ذلك عامر قال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة. جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سيفها جاهلا، وتهكم بي ولم يزد عليه. والتهكم الاستخفاف.
أراد عمرو بن الأهتم أن يسفه الأحنف بن قيس فدس إليه رجلا
(1/268)

فقال: يا أبا نجم من كان أبوك في قومه؟. قال: كان في أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم. فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال الرجل: ما كان مال أبيك؟. فقال: كانت له صرمة يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلاحاً. والأهتم أسمه سنان بن سمى والذي هتمه قيس بن عاصم ضربه بطرف قوسه فكسر فمه.
وجعل عمرو بن الأهتم لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف، فأتاه الرجل وسبه بما يغضب والأحنف مطرق لا يكلمه، فأقبل الرجل يعض إبهامه ويقول: واسوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه. وفعل ذلك آخر فأمسك الأحنف عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء، فقال للرجل: يا هذا إن غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فانك منذ اليوم تجد وتحمل بغال.
ولولا الشعر ما عرف جود حاتم وكعب بن مامة وهرم بن سنان وأولاد جفنة، وإنما أشاد بذكرهم الشعر. قال الفرزدق:
على ساعة لو أن في القوم حاتماً ... على جوده سبت نفس حاتم
وقال زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة فيه والندى خلقاً
لو نال حي من الدنيا بمكرمةٍ ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وقال جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
(1/269)

وقال عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم
وقال آخر:
وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حسبه والعناء
وقال القطامي:
أليسوا بالأولى قسطوا قديما ... على النعمان وابتذروا السطاعا
وهم وردوا الكلاب على تميم ... بجيش يبلع الناس ابتلاعا
(1/270)

باب في الشعر التياط بالقلوب
ومدخل لطيف إلى النفوس، وسلم محتضر إلى الأوهام، ومعز شاف، وواعظ ناه، ومعقل يأوى إليه المحروب، ويسكن إليه المحزون، ويتسلى به المهموم. قال لبيد بن ربيعة وكان جواداً، وكان ابنه قريط أبو حنيف يلومه على ذلك، فقال له:
أنبئت أن أبا حنيف ... لا مني في اللائمينا
ابني هل أحسست أعمامي ... بني أم البنينا
وأني الذي كان الأرامل ... في الشتاء له قطينا
الفتية البيض المخالص ... أخلصوا حرما ولينا
ما إن رأيت ولا سمعت ... بمثلهم في العالمينا
فلئن بعثت لهم بغاة ... ما البغاة بواجدينا
فبقيت بعدهم وكنت ... بطول صحبتهم ضنينا
(1/271)

وإذا دفنت أباك فاجعل ... فوقه خشباً وطينا
ليقين وجه أبيك سفساف ... التراب ولن يقينا
وقال الحارث بن حلزة:
من حاكم بيني وبين ... الدهر جار علي عمدا
أود لسادتنا وقد ... تركوا لنا خلفاً وجردا
فلو أن ما يأوي يصيب ... من بني ثهلان فندا
أو رأس رهوة أو رؤوس ... شمارخ لهددن هدا
فضعي قناعك إن رأيت ... الدهر قد أفنى معدا
الفند القطعة من الجبل.
وقال علي بن أبي طالب لما مات الأشتر: (تالله مالك لو كان من جبل كان فنداً، أو كان من حجر كان صلدا على مثل مالك، فلبيك البواكي).
وقال لبيد:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد فلتزعك العوازل
وقتل نصر بن بشر بن أبي أرطأة العامري عمرو بن أراكة، وكان خليفة عبيد الله بن عباس على النمر أيام علي رضي الله عنه، فجزع عليه أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه:
(1/272)

لعمري لئن اتبعت عينك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستدر فإن كان البكارد هالكاً ... على أهله فاشدد يديك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه ... علي وعباس وآل أبي بكر
رضي الله عنهم، فتغرب عنه لما سمع الأبيات.
وكان سبب قتل عمرو بن أراكة الثقفي أن معاوية أرسل بشر بن أرطأة إلى اليمن ليقتل شيعة علي رضي الله عنه، وقال له: لا إمرة لك على قيس، فسار حتى أتى المدينة. فقتل بها ابني عبيد الله بن عباس، وكانا عند جدتهما من بني كنانة، ويقال من بلحارث بن كعب. أخذتهما من تحت ذيلها، فقتلهما فقالت:
يا من أحس بابني اللذين هما ... سمعي وطرفي اليوم مختطف
يا من أحس بابني اللذين هما ... كالدرتين تسطى عنهما الصدف
يبيت برا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم، ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى علي ووجى طفلي مرهفة ... مشحوذة وعظيم الإفك يقترف
من ذل والهة حرى مفجعة ... على صبيين بانا إذ مضى السلف
وفر أهل المدينة منه فدخلوا حرة بني سليم، ومضى إلى اليمن، فقتل وسبى. قال العتبي: مات لي بنون، فمنعني شدة الوجد بهم من البكاء عليهم فذكرت قول ذي الرمة:
(1/273)

خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجي البلابل
فحنيت فبكيت وشكوت.
ومن شعر العتبي في بيته:
ينام المسعدون ومن يلوم ... وتوقظني وأوقظها الهموم
صحيح بالنهار لمن رآني ... وليلى لا ينام ولا ينيم
كأن الليل محبوس دجاه ... فأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهم ... وأصغر ما به منهم عظيم
يذكرنيهم ما كنت فيه ... فسيان المساءة والنعيم
فبالخدين من دمعي ندوب ... وبالأحشاء من وجدي كلوم
فإن تهلك بني فليس شيءٌ ... على شيءٍ من الدنيا يدوم
وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة مابيا
فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
(1/274)

باب في دعاء بعضهم على بعض
ومما ينشد في ذلك. قال ناس من الصحابة رضي الله عنهم لعمر رضي الله عنه: ما بال الناس كانوا إذا ظلموا في الجاهلية استجيب لهم ونحن لا يستجاب لنا ولو كنا مظلومين؟. قال: قالوا فلا زاجر لهم إلا ذاك، فلما أنزل الله الوعد والوعيد والحدود والقصاص وكلهم إلى ذاك.
وقال الراجز:
يا رب يا رباه يا رب البشر ... سلط على الضحاك في برد السحر
صلا من الحيات ملموماً ذكر ... داهية قد صغرت من الكبر
أبتر ما صادف من عمر بتر
وقال:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلا ولم يقطع بها البعد قاطع
سرت حيث لم تهد الركاب ولم تتح ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تمر وراء الليل والليل ضارب ... بجثمانه فيه سهير وهاجع
إذا وقدت لم يردد الله وقدها ... على أهلها والله راءٍ وسامع
تفتح أبواب السماوات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع
وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
(1/275)

وقال ابن أحمر:
لا صاب جارهم الربيع ولا ... زادت حمولته على عشر
أي لا جعل الله له من الحمولة، وهي الإبل إلا أصابعه العشر أي لا يكون له إلا ما يحمله بكفيه. والعرب تقول: حليت قاعداً وشربت بارداً تعنى أنه يحلب الغنم لذهاب إبله ويذهب لبنها فيشرب الماء. وقال آخر:
فجنبت الحبوس أبا زبيب ... وجاد على دياركم السحاب
أي لا كان لك مال تعزى عليه، أي لا زلت فقيراً وجاءت السحاب على ديارك لتراه حسرة، والعرب تقول: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير.
قال الزبير بن بكار: كان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، ومر يوماً بقوم عكوف على رجل سمعه يسب عليا وطلحة والزبير، فنهنهه، فرفع إليه رأسه فقال: لا تهددني كما تهددني بنى. فانصرف سعد فدخل دار آل فلان، فتوضأ ثم قام فصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواماً قد سلفت لهم منك سابقة اسخطك بسبه إياهم فاره اليوم ليكون آية للعالمين.
(1/276)

فخرجت لحينة دابة من دار لا يردها شيء حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس عنها وهو بين قوائمها، فلم تزل تدعسه حتى مات. قال: فرأيت الناس يشتدون وراء سعد ويقولون أبا إسحاق أجاب الله دعاءك أجاب الله دعاءك.
ودعا أعرابي على الحجاج فقال: اللهم إن شره عتيد وخيره بليد بعيد، فباعد عتيده وقرب بعيده: وأحط به عزمة من قضائك بنصال لها فلا تحير ولا تخيب.
وقال الأصمعي لأعرابي: ما بالنا إذا دعا الرجل منا على عبده قال له: باعك الله في الأعراب؟. قال: لأنا نجيع كبده، ونعرى جلده،، ونطيل كده.
(1/277)

باب في دفاع الشر بالشر
قال:
وإني لآتي الشر حتى إذا دنا ... وحل بداري قلت للشر مرحبا
وأركب ظهر الشر حتى يلين لي ... إذا لم أجد إلا على الشر مركبا
وقال آخر:
ولا أتمنى الشر والشر باركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
قال الله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).
والعرب تتمادح بذلك. ويقال عن أبي مسلم أنه هزم نفيا وستين هزيمة فمارئي عليه كآبة الانهزام، وفتح له مثلها، فما رئي عليه أثر الفرح.
قال:
لا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أجر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
وقال:
إني إذا ما امرؤ خفت نعامته ... في الجهل واستحصدت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبته ... طوق الحمامة لا يبلي على القدم
(1/279)

وكان الحارث بن عباد اعتزل حرب بكر وتغلب، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلا. فلما قتل مهلهل بجير بن الحارث. قال الحارث: نعم القتيل قتل. أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إنه قال وهو يقتله: بوء بشسع كليب، فغضب وقال:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن خبال
لم أكن من جناتها علم الله ... ولكني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة مني ... إن قتل الكريم بالشسع غالي
لا تحيرا عني قتيلاً ولا رهط ... كليب تزاجروا عن ضلال
وقال المتنبي:
لي كل طاو تحت طاو كأنه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها في الوغى زي الفوارس ... فوقها فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلاً بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وقال الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوماً كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... وأضحى وهو عريان
(1/280)

شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
بضرب فيه تضجيع ... وتوهين وإدنان
وطعن كفم الزق ... غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حين ... لا ينجيك إحسان
(وبعض الحلم عند الجه ... ل للذلة إذعان)
ومما قيل في المكافأة بالشكر أسر حنظلة بن عامر العجلي جويرية بن زيد من بني درام، فقعد العجليون شرباً وهو في الوثاق، فرفع عقيرته يتغنى:
وقائلة ما غاله أن يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمة ... مثالب قوم لا ضعاف ولا عزل
لعلهم أن ينطروني بنعمة ... كما صاب ماء المزن في البلد المحل
وقد ينعش الله الفتى بعد عشرة ... وقد يهدي إلى الحسنى سراة بني عجل
فأطلقوه بغير فداء.
وقال آخر:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... وكانت قذى عينيه حتى تجلت
(1/281)

وقال أبو طالب:
جزى الله رهطاً من لؤي تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعود لدى جنت الحطيم كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً ... فسر أبو بكر بها ومحمد
ألم يأتكم أن الصحيفة مزقت ... وأن كلاماً لم يرضه الله يفسد
أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد
ويعني سهل بن بيضاء الفهري، وهو الذي سعى في شأن الصحيفة حتى مزقت.
وقال عمارة بن عقيل:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي لكم مني بناء مخلد
بدأتم وأحسنتم وأحسنت جاهداً ... وإن عدتم أحسنت والعود أحمد
وقال أبو نجيلة:
شكرت إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أقرضته نعمة يقضي
فأحييت من ذكرى وما كان ميتاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وكان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه، وأشدهم عارضة ولسانا، وطال عمره ونكبه دهره، فخرج عشية يبتهل لأهله، فمر به عملية
(1/282)

الفزاري، فقال: يا عمرو ما أصارك إلى ما أرى؟. قال: بخل مثلك بماله وصرف وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك. فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرهم بقوله، فقالت أمه: غرك كلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس. فلما كان السحر سمع رغاء الإبل وثغاء الشاء وصهيل الخيل ولجب الأموال. فقال: ما هذا. قالوا: عملية ساق إليك ماله. قال فاستخرج ابن عنقاء وقسم ماله شطرين، فساهمه عليه، فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ما له حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام وماه الله بالحسن مقبلاً ... له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
ومما قيل في العتاب. قال يزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدى أن صدك لي دوي
لسانك ماذي وعينك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافاً كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
عدوك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوي ليس ذاو بمستوي
تصفح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحاً وعني بين عينيك منزوي
أراك إذا لم أهو أمراً هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوي
(1/283)

أراك احتويت الخير مني واحتوى ... أذاك فكل مشتو قرب مجتوي
وكم مواطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن ... وقلت ألا يا ليت بنيايه خوي
وإنك إن قيل ابن عمك غانم ... شج أو عميد أو أخو مغلة لوي
تملأت من غيظ علي ولم يزل بك ... الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حسبتها ... تريبك حتى قيل هل أنت مكتوى
وقال النطاسيون إنك مشعر ... سلالاً، ألا بل أنت من حسد روي
جمعت وفحشا غيبة ونمية ... خصالاً ثلاثاً لست عنها بمرعوي
أفحشاً وجنباً واجتناباً عن الندى ... كأنك أفعى كدية في محجوي
فيدحو بك الداحي إلى كل سوءة ... فيا سوء من يدحو بأطلس مدحوي
بدا منك غش طال ما قد كتمته ... كما كتمت داءً بها أم مدوى
ودخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد، فجلس متقصياً، فقال له أحمد: أحسبك يا أبا تمام عاتباً. فقال: أعزك الله إنما نعيت على واحد، فأما جميع الناس فلا طاقة لي بعتابهم. فاستحسن ظرفه. وقال: من أنزلك هذا؟. فقال: من الحسن حيث يقول:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
(1/284)

وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تأتي المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... أرابك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
كأنك تشفي منك داء مساءتي ... وسخطي وما في ريبتي ما تعجل
وإن سؤتني يوماً صبرت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبل
ستقطع بي الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل
وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار الفلا متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
وتركب حد السيف من أن تمضيه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب أم ظنتي ... وبدل سوءاً بالذي كنت أفعل
قبلت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
(1/285)

دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال عبد الله: أتسمع أبياتاً قلتها، وكان واجداً عليه. فقال معاوية: هات فانشده هذه القصيدة المقدمة، فقال له أقلت بعدنا شيئاً؟. قال: نعم. وأنشده القصيدة. فقال معاوية: يا أبا بكر أما ذكرت آنفا ان الشعر لك؟. قال: أنا أصلحت المعاني وهذا ألف الشعر وهو بعد طبري، فلما من شيء فهو لي. وكان عبد الله مسترضعاً في مزينة.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتحزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في الغراء تكفيني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عني فهو يغنيني
الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم والله يجزيني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ... ألا أحبكم إذ لم تحبوني
كل امرئٍ صائر يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
(1/286)

إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق، ولا خيري بمنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق ... بالمنكرات، ولا فتكي بمأمون
وفي مثله لقعنب بن أم صاحب:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوم وإن ضننوا
إذا غلا الحمد في مالي رخصت له ... والحمد لا يشتري إلا له ثمن
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاماً ومقدرة ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوءٍ عندهم أذنوا
كل يداجي على البغضاء صاحبه ... ولا يعالنهم إلا كما علنوا
ولن يراجع قلبي ودهم أبداً ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
(1/287)

جهلاً علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
إذا بطنت أرجي خيرهم ظهروا ... وإن ظهرت لبقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءة أو تقى لله ما فطنوا
ما لي أسكن عن ضب ويشتمني ... ولو شتمت بني ضب لقد سكنوا
كمدخل رأسه لم يدعه أحد ... بين القرينين حتى لزه القرن
وما أبالي إذا أنضجت كيهم ... ويدعى الناس ما قالوا هن وهنوا
وقال ابن المعتز:
ألا هل ترون ما أرى من معاشر ... لهم في حكم يهجر الحق مشتط
يريعون مما راعهم في شبيبتي ... على حين أن ذكيت واشتعل الوخط
ألا إنها أم العجائب فاصطبر ... وإن كنت ما لقيت أمثالها قط
إذا ما رأوا خيراً أبوا وتحملوا ... إلى بنتهم أو إن رأوا شرة حطوا
ألا إن حلمي واسع إن صلحتم ... بحلمي، وعندي بعده الجدع والحبط
فلا تكثروا شوك الأذى في غضونكم ... فيكثر مني فيكم الكسر والخرط
وليس لقرباكم وأنتم عققتم ... على السيف يوم الروع عهد ولا شرط
ولا رحم إلا وقد شجبت بكم ... ومزقتموها مثل ما مزق المرط
(1/288)

ستدرس آثار المودة بيننا ... وأرحامها الدنيا كما يدرس الخط
قريبون مني لا تلاؤم بيننا ... ونحن بنو عم كما انفرج المشط
كفرتم يدي فيكم فحل عقالها ... إلى غيركم لما يشد لها ربط
وما كنت إلا من يد الله معطيا ... ألا إنه في كفه القبض والبسط
فهل عندكم عقبى فيرجع محسن ... هني الرضا، والعفو نائله سبط
وألا ملكت جانبي وعزلته ... وكنت كأني ليس لي منكم رهط
وهل عندكم من هذه غير زفرة ... تصعد منكم في الصدور وتنحط
وإلا وعيد لا يسير جنوده ... وحيات ضغن في مكامنها رقط
وقال غيره:
ألا أبلغ أبا قيس رسولاً ... بأني لم أخنك فلا تخني
ولكني طويت الكشح لما ... رأيتك قد طويت الكشح عني
فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف أو بليت أو لو أني
ولست بآمن أبداً خليلاً ... على شيءٍ إذا لم يأتمني
وصلتك ثم عاد الوصل إني ... قرعت ندامة من ذاك سني
فإن أعطف عليك بفضل حلم ... فما قلبي إليك بمطمئن
(1/289)

غيره:
إلى كم يكون الصد في كل ليلة ... وكم لا تمليني القطيعة والهجرا
رويدك إن الدهر فيه بلاغة ... لتفريق ذات البين فانتظر الدهرا
آخر:
أإن سمتني ذلاً فعفت حياضه ... سخطت ومن يأت المذلة يعذر
فهد أنا مسترضيك لا عن خيانة ... جنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال ابن الرومي:
أتاني مقال من أخ فاغتفرته ... وإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضها ... محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلي رأى الحسنى بعين جلية ... وأغضى عن العوراء غير مؤنب
فيما هارباً من سخطه متنصلاً ... هربت إلى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدنيا مقدم ... وودك مقبول بأهل وموجب
ولو بلغتني عندك أذني أقمتها ... لدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارماً ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
وقال نصر بن أحمد الخبرأرزي يعاتب معشوقاً له:
فعالك بي أصحت فؤادي من السكر ... فلم تبق لي إلا خماراً من الذكر
(1/290)

ولما بدت رايات غدرك خاذلات ... وأنجزت لي خيل السلو إلى نصري
ومن لم يطق صبراً على الغيظ يستعن ... بهجر وبعض الشر يدفع بالشر
كما لا ترى أوفى من الحر في الهوى ... كذا لا ترى في الغدر أوفى من الحر
أرى الصبر أخطأ من بخيانة ... وإن كان لا شيء أمر من الصبر
أموت بعز لا أعيش بذلة ... وعند الملوك القتل أعفى من الأسر
لعمري ما أعرضت عنك تنقصاً ... لقدرك لكن صنت نفسي على قدري
تراني إلى خير أفر من المنى ... إلى الناس أو أرضى من الوصل بالهجر
أرى كل حر بحسن العذر بعده ... ويعفى وما بعد الخيانة من عذر
ظننت بك الحسنى فأفسدك العدى ... فكيد الأعادي كان أصدق من حذري
وقالوا رأى السكين في الماء فانثنى ... ولست أرى السكين إلا على نحري
سأرعى وإن لم ترع لي حق واجب ... واحفظ ما واليت في سالف الدهر
ولولا حفاظي لم أكن متداركاً ... قليل الأيادي بالقليل من الشكر
وكان الرشيد كثيراً ما يستشهد بقول الزبير بن بكار لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن قصرت عن غير بغضة ... لراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى ... فآبى وتثنيني عليك الحفائظ
وانتظر العتبى وأغضى عن القذى ... ألاين طوراً أمره وأغالظ
وانتظر الإقبال بالود منكم ... وأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وجربت ما يسلى المحب عن الصبا ... فأقصرت والتجريب للمرءِ واعظ
(1/291)

وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يعاتب حسين بن عبد الله، وكان له صديقاً له ثم تنكر ما بينهما:
إن ابن عمك وابن أمك ... معلم شاكي السلاح
لا تحسبن إذا ابن عم ... ك شرب ألبان اللقاح
بك كاشحاً تحت اللها ... ة إذا تسوغ بالقراح
بغض العدو وليس يرضى ... حين يبطش بالجراح
فانظر لنفسك من يجيب ... ك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءه ... بالغيب أن يلحاك لاح
وقال غيره:
وإذا غنيت علي بت كأنني ... بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي في هواك قديم
يبقى على حدث الزمن وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم
وقال الفرزدق:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وغربة ... وفقد حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على دون ما لاقيته لكريم
وقال الآخر:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
(1/292)

وقال عصام الزماني:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قلبي قوماً لم يكن لهم ... في الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
لوعد قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعثهم من منزل الرامي
فقد جعلت إذا ما حاجتي ... نزلت بباب دارك أدلوها بأقوام
وقال بشر بن المغيرة بن المهلب:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
وكلهم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلاً واتخذني لنبوة ... تلم فإن الدهر حتم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
وقال الحسن:
إذا ما افترقنا فادر أن لست من ذكرى ... ولا تك في شك كأنك لا تدري
وصني على عمد بعلمك وانسني ... ولا ترع لي الإحسان يوماً من الدهر
كشفت خبيات الأمور وأدركت ... يدي فلتات الرأي في أول الأمر
عليك سلام لا يرد رعيته ... فإني لا أغضى لخل على غدر
وقال عبد الله بن أبي عيينة يعاتب ذا اليمينين:
أيا ذا اليمينين إن العتاب ليغرى ... صدوراً ويشفي صدوراً
وكنت أرى أن ترك العتا ... ب خير بأني لنفسي أرضى الحقيرا
(1/293)

وأضمرت النفس في وهمها ... من الهم هما يكد الضميرا
ولا بد للماء في مرجل ... على النار موقدة أن تفورا
ومن أشرب اليأس كان الغني ... ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتي ... لديك ويضحى لك الدهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيد إلي ... ك وأدعو القريب العشيرا
ألم أك أول آت أتاك ... بطاعة من كان خلفي يسيرا
وألزم عذرك في ما قسط ال ... حروب عليها مقيما صبورا
ففيم تقدم حقا له ... إليك أمامي ادعاءاً أخيرا
كأنك لم تدر أن الفتى ... الحمي إذا زار يوماً أميرا
فقدم من دونه قلبه ... ألست تراه بسخط جديرا
أليس ترى أن سف الترا ... ب به كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف المدى والهوى ... أكون الصبا أو أكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بي ... مهما تجد كوكبي مستنيرا
فهل لك في الإذن لي راضياً ... فإني أرى الإذن غنماً كبيرا
وكان لك الله فيما ابتغيت ... له من جهاد وليا نصيرا
ولا جعل الله في دولة ... سبقت إليها وربح فتورا
فإن ورائي لي مذهبا ... بعيداً من الأرض قاعا وقورا
به الضب تحسبه بالفلا ... ة إذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالاً ومصراً على أهله ... يد الله من حائز أن يحورا
وإني لمن خير سكانه ... وأكثرهم بنفيري نفيرا
(1/294)

وقالوا شدة الحجاب سبب العقاب. وكان يقال حاجب الرجل حارس عرضه. وقال الأمويين لقد رأيت قوماً يضربوننا بالسيوف، وما لنا إليهم ذنب إلا شدة الحجاب. وقال عتبة بن أبى سفيان: يا بني آمنة ليكن حجابكم أعقل الناس، فانه طالما شرعت في وجوهنا يوم صفين رماح قوم ليس لنا إليهم ذنب إلا ذل الحجاب.
وقال ابن المهلب لأخيه حين وجهه إلى خراسان: استغفل الحاجب واستطرف الكاتب.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. قال الشاعر:
اعلم إن كنت تجهله ... أن وجه المرء حاجبه
فيه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وقال آخر:
إنا لقينا حجاباً منك أرمضنا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا
في هذه الدار في الحجاب على ... هذا السرير العز فانقرضا
ابن الرومي:
وكم حاجب عضبان كاسر حاجب ... رمى الله منه ذلك الكسر بالكسر
فلو حجبوني من شريعة جدول ... صبرت ولكني حجبت عن البحر
(1/295)

وقال علي بن بسام:
إني أتيتك زائراً ومسلماً ... ولكني أقوم ببعض حق الواجب
فإذا نبا بك حاجب متجهم ... فعمود بابك في حرام الحاجب
ومتى رأيتك راضياً بفعاله ... فتمام بابك في حرام الصاحب
آخر:
أبا جعفر إن الولاية إن تكن ... منبلة قوماً فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنا بشيءٍ وليته ... كما لم يصغر عندنا شأنك العزل
وقال آخر:
أبا جعفر عرج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن تك في ذا اليوم قد نلت رفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكا
وكتب ابن أبي عيينة إلى صديق:
أتيتك زائراً لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قومٍ ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
وقال آخر:
على باب ابن منصور ... علامات من النبل
جماعات وحسب الما ... ل نبلاً كثرة الأهل
(1/296)

وقال:
أبيض وضاح يلوح نوره ... لندى يديه رفعت ستوره
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالدٍ وفعاله ... ألا يخيب كل أمر عاتب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أمر الغداء لنا برغم الحاجب
فأمر له بألف دينار.
وقال ابن هرمة:
سمح إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال الحمداني في الحسين بن أيوب والي البصرة:
قل لابن أيوب قد أصبحت مأمولا ... لا زال بابك مغشياً ومأهولا
إن كنت في عطلة. فالعذر متصل ... فصل إذا كنت بالسلطان موصولا
شر الأخلاء من ولى قفاه إذا ... كان المولى وأبدى البشر معزولا
(1/297)

من لم يسمن جواداً كان يركبه ... في الخصب قام به في الجدب مهزولا
افرغ لحاجتنا مادمت منشغلاً ... لو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا
آخر:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
وتشاغل بعض الولاة عن صديق فاعتذر بشغله فقال له: لولا الشغل ما أتيتك.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن اشرس ما أدري كيف أصنع في كثرة طلاب الحوائج، وغاشية الباب؟. قال: أنزل عن موضعك، على ألا يلقاك أحد. قال: صدقت. وقعد لهم.
وقال آخر:
إنما تحمد إذ تفرغ ... في حين اشتغالك
لو تفرغت من الشغل ... استوينا في المسالك
جاء إبراهيم بن المهدي إلى يحيى بن خالد فحجب عنه، فكتب إليه:
إني أتيتك للسلام ولم ... أنقل إليك لغيرة رجلي
فحجبت دونك مرتين وقد ... تشتد واحدة على مثلي
وقيل ليحيى بن خالد: غير حاجبك. قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟.
وقال محمود الوراق:
وبني الملوك حصونهم فتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتتوقوا في فتح وجه الحاجب
(1/298)

فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب
واطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
وجد في ميل بطريق مكة:
ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنيا ... وظل الميل يكفيكا
وقال أبو العنبس الصيمري في ابن المدبر:
وسل الذي عطف الأعن ... ة بالمواكب نحو بابك
وأراك تقبل مالكاً ... ما لم يكن لك في حسابك
وأذل من فعل الفري ... ر على وقوفي في رحابك
ألا تطيل تجرعي ... غصص المنية من حجابك
وقال آخر:
صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ومشيك أضعاف ما تركب
وإذ أنت تكثر ذم الزما ... ن ونفسك نفسك تستحجب
وقال:
ليس عتاب الناس للمرءِ نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
آخر:
فدع العتاب فرب شر ... هاج أوله العتاب
ويروى عن أوس بن حارثة أنه كان فيما قال لابنه: يا مالك العتاب قبل العقاب والمنية ولا الدنية.
(1/299)

وقال بعض الوزراء لعامل قبيح الأثر عزله ثم أعاده إلى عمله إنا امتحناك فما طاب خبرك، ولا حسن أثرك، ولا ساعدك رجاء، ولا تبعك ثناء. ما نقصناك ثغرك ثم لا يتبع فيه نظر لا استقصاء معه، ثم أطافت الرعاية بك، وعطفت التقيا عليك، فاستأنفنا اصطناعك، ورددنا إليك عملك، فقابل الإنعام بأحسن شكرك، والنعمة بأوفر نصحك إن شاء الله.
وقال أبو الطبيب المتنبي يعاتب علي بن حمدان:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
يا من يعز علينا أن نفارقه ... وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا نفارقهم فالراحلون هم
(1/300)

شر البلاد بلاد لا صديق بها ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم
وقال آخر في ترك العتاب:
فأقسم ما تركي عتابك عن ... قلبي ولكن لعلمي أنه غير نافعي
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائع
ولو أن ما يرضيك عندي ممثل ... لكنت لما يرضيك أول بائع
إذا أنت لم ينفعك إلا شفاعة ... ولا خير في ود يكون بشافع
وقال الفضل بن عتبة بن أبي لهب لبني العباس:
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نحبكم إذ لا تحبونا
كل له نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نعنيكم وتعنونا
لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
وقال آخر في الشناءة:
أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما عشت فانظر من تضير
فما بيديك خير أرتجيه ... وغيرك صدودك الخطب الكبير
(1/301)

ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك ما يسير
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
وقال:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طر أوتار الحراب على الشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينه ... ولاحق بالبغضاء والنظر الشزر
آخر:
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض ... إلى كل امرئٍ وغير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل
وقال جميل:
إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
آخر:
ولقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل
كل تحامل وهو يخفى بغضه ... إن الكريم على القلى يتحمل
وقال بعض المولدين:
سأترك ما بيني وبينك واقعاً ... فإن عدت عدنا والإخاء سليم
ولو قد خبرت الناس حق اختبارهم ... رجعت إلى وصلي وأنت ذميم
(1/302)

باب في التعيير والتوبيخ
قال الحارث بن خالد المخرومي يعير عبد العزيز بن عبد الله بن خالد أسيد فراره عن الخوارج وانهزامه دونهم:
فر عبد العزيز لما رأى الأ ... بطال بالسفح نازلوا قطريا
عاهدوا الله إن نجام المنايا ... ليعودن بعدها حرميا
يسكن الحل بالسفاح فمر ... أن فسلعاً وتارة بحريا
حيث لا يشهد القتال ولا يس ... مع يوماً لكر خيل دويا
وكان من حديثه أن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ولى أخاه عبد العزيز قتال الخوارج، وعزل المهلب حسداً له. وكان يقول: ذهب المهلب بحظ هذا المصر. يعني البصرة. ومضى عبد العزيز في ثلاثين ألفا. وكان يقول في طريقه إلى الخوارج: زعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب فيستغلون قلقهم، فكان أول من لقيه سعد الطائع في خمسمائة فارس كأنهم خيط ممدود، فناهزهم عبد العزيز فواقفوه، ثم انهزموا له مكيدة فأتبعهم. وأخذوا أسارى منهم فشدوا وثاقهم، وأدخلوهم غاراً، وسدوا بابه حتى ماتوا فيه، وأخذوا امرأة عبد العزيز، وهي أم حفص بنت المنذر بن الجارود فبلغ بها رجل من الخوارج سبعين ألفاً، فقال قطري: ما ينبغي لمسلم أن يكون عنده سبعون ألفا، وإن هذه فتنة، فوثب أبو الحديد فقتلها، وقال: رأيت المؤمنين يتزايدون فيها فخشيت الفتنة عليهم. فقال قطري له: أصبت.
(1/303)

وقال حسان بعد قتلى بدر للحارث بن هشام بن المغيرة:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنحوت محنى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
فقال الحارث معتذراً من ذلك:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا رأسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوى مشهدي
ففرت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
ثم أسلم الحارث يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم وخرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله وماله، فاتبعه أهل مكة يبكون فبكى، وقال: أما أنا لو كنا نستبدل داراً بدارنا ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النقلة إلى الله عز وجل. فلم يزل مجاهداً حتى مات.
وكان ابنه عبد الرحمن بن الحارث يكنى أبا محمد، وكان اسمه إبراهيم، وإنما غير اسمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أراد تغيير أسماء الذين هم على أسماء الأنبياء. وقالت عائشة رضي الله عنها: لأن كنت قعدت في بيتي عن مسيري إلى البصرة أحب إلى من أن يكون لي من رسول الله عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث.
وقال جرير للأخطل:
واقبض يديك فإنني في مشرف ... صعب الذرى متمنع الأركان
فقال الأخطل: قبض يدي ماله، رماه الله بداء القراد.
(1/304)

وقال العوام أخو بني الحارث بن همام بن مرة:
وفر أبو الصهباءِ إذ حمس الوغى ... وألقى بأبدان السلاح وسلما
فأيقن أن الخيل أن يلتمس به ... هنا عرسه أو يملأِ مأتما
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيداً وأزنما
فررتم ولم تلووا على مرهفاتكم ... لو الحارث المقدام يدعى لأقدما
فألفين بسطاماً حريصاً بنفسه ... وغادرن في كرشا لدنا مقوما
فإن يك في يوم الهباء ملامة ... ويوم الغبيط كان أخزى وألوما
وفاض أسيرا هانئٍ وكأنما ... مفارق مفروق تعشين عندما
أبو الصهباء بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن الحارث بن همام بن مرة أغار وهو الحوفزان بن شريك، والأسود بن شريك على بني شيبان يوم الغبيط متساندين على ثلاثة ألوية على بني يربوع، فساروا حتى نزلوا بطن الأناد، وبلغ بني يربوع الخبر، فنذروا به، فقال سويد: لا مطمع فيهم إذ خذلتم، ثم أغاروا، فلقيتهم بنو يربوع بمجمع شعبتي الفردوس، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزمت بنو شيبان، وأخذ سويد بن الحوفزان وزيد بن سويد بن شريك وحماهم بسطام حين أنهزموا، فكان في أخريات القوم، وألح عليه فارسان من بني يربوع وكان دراعاً، وكان على ذات النسور، وكانت إذا أخذت
في السهل لم يتعلق شيء من خليهم بها، فإذا وعثت كادوا يلحقونها، فأخذ درعه فوضعها بين يديه على قربوس
(1/305)

سرجه، ولم يزل ذلك ديدنه ودين القوم حتى حميت عليهم الشمس، وخاف أن يلحق، ومر بوجار ضبع، فرمى بالدرع فيه، فلما خخف عنها أمعطت ففاتت الطلب، وكان آخر من أتى قومه، وقد ظنوا أنه قد قتل.
وقال أبو عبيدة: ويوم الإياد هذا يوم الغبيط لبني يربوع على بني شيبان أسر فيه وذيعة بن أوس اليربوعي هانئ بن قبيصة، فقال في ذلك جرير:
رجعن بهانئٍ وأصبن بشراً ... وبسطاماً يعض به الحديد
وأحمينا الإياد وقلتيه ... وقد عرفت سنابكهن أود
وقتل قعنب بن عصمة مسروقاً، وأسر عميرة بن الحزور فقتل، وقتل حصين ابن عبد الله التغلبي وقتل كرش بن المزدلف.
وقال أبو دلامة لروح بن حاتم قبيصة:
إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى الحمام فيخزوني بنو أسد
أسالمتك المنايا أم نشأت بها ... فأنتم لنفوس الناس بالرصد
إن المهلب حب الموت عودكم ... ولم أعود أحب الموت من أحد
وقال غيره:
يقول لي المهلب كل مشرعه ... تقدم حين جد بنا المراس
فما لي إن أطلعتك غير نفس ... وما لي غير هذا الرأس راس
وقال آخر:
لما رأيت القنا الخطي مشروعة ... والمشرفية في الأيدي مصاليتا
(1/306)

طأطأت رأسي فجازوني ولو وقفوا ... طأطأته أبداً أو يبلغ الحوتا
قالوا تعير بعد اليوم قلت ذرا عاري علي وقوما أنتما موتا
ورب جبان إن ألحي كان شجاعاً. وكان في بني ليث رجل جبان بخيل فخرج رهطه غازين وبلغ ذلك ناسا من بني سليم، وكانوا أعداءهم، فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم، ولم يجد مفرا، فجلس ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه، وقال:
ما علتي وأنا حديد نابل ... إن لم أقاتلكم فأمي هابل
أكل يوم أنا عنكم نائل ... لا أطعم القوم ولا أقاتل
الموت حق والحياة باطل
ثم جعل يرميهم حتى ردهم ومنع الحي، فصار بعد ذلك سمحاً معروفاً. وهذا كما قيل: مكره أخاك لا بطل. هكذا جاء أخاك مقصور مبنى.
وقال آخر في الصبر على الحرب:
أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ولكن ... رأوا صبراً على الموت أكرما
وقال آخر يرثى عبد الله بن ناشرة، وكان غلب على سجستان أيام ابن الزبير وتغير الذين أسموه، وقتله عبد العزيز بن عبد الله بن عامر.
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا خير إلا قد تولى وأدبرا
لحى الله قوماً فيهم أسلموك وقدروا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمرا
أما كان فيهم فارس ذو حفيظة ... يرى الموت في بعض المواطن أعذرا
يكر كما كر الكليبي صهره ... وماكر إلا ضيقة أن يعيرا
(1/307)

الكليبي عثمان بن عبد الله، أحد بني عبيد. قتل معه. وقال آخر:
يا ضمر أخبرني ولست بمخبري ... وأخوك نافعك الذي لا يكذب
هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمسكم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة ... أشجتكم فأنا المحب الأقرب
عجباً لتلك قضية. وإقامتي ... يوماً على تلك القضية أعجب
ألماكم طيب البلاد ورحبها ... ولي الثماد ورعيهن المجدب
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس تدعى جندب
هذا وجدكم المغار بعينه ... لا أم كان لهم بذاك ولا أب
كان سبب يوم ذي قار أن النعمان بن المنذر حين هرب من كسرى أودع سلاحه هانئ بن قبيصة، فأرسل إليه كسرى يطلبه منه، فأبى أن يدفعه إليه، فوجه إليه قائدين من العجم، ففرت منهم بكر، وكان الذي حمل قتالهم عجل وشيبان وقوم من بني تميم اللات بن ثعلبة. ورئيس القوم أبو معدان حنظلة بن يسار العجلى، وكانت بكر قد رحلت النساء في الهوادج
وقالت إن ظفرنا رددناهن، وإن لم نظفر كن قد نجين وأمر حنظلة أن تقطع الوضين، فقطعت فسمى مقطع الوضين، ثم قال: قاتلوا عن نسائكم، فإنه أحمى لكم، فقتلت العجم. وظفرت بهم بكر، وتبعتهم بقية يومهم وليلتهم وقتل القائدان، واقتسمت بكر الغنائم، وقسموا اللطائم بين نسائهم. وهذا يوم ذي قار، وهو أكبر أيام العرب.
وكان يقال له يوم العرب الأكبر. وقال النبي عليه السلام لما بلغه ذلك: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، فلما هزمت العجم، وبلغ ذلك كسرى، واتصل به أن قيس بن مسعود عامله على الأبلة لما حضر القتال سار من الأبلة سراً حتى أتى بكر بن وائل ليلا فأشار عليهم برأيه، وأمرهم بأمره، ثم رجع فبعث كسرى إلى قيس أن ائتني فتجهز ليأتيه، فنهزه رجال من بكر أن يأتيه، وقالوا إنما بعث إليك لما بلغه عنك. فقال: كلا إنه لم يبلغه، فأتاه، فحسبه في قصر له بالأنبار كان
(1/308)

يجلس فيه الناس، وفيه حبس النعمان حتى هلك، فقال الأعشى من بني قيس بن ثعلبة يلوم قيس بن مسعود ويضعف رأيه فيما فعل:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو أسى بك وائل
أطورين في عام عزاة ورحلة ... ألا ليت قيساً غرقته القوابل
وليتك حال البحر دونك كله ... وكنت لقي تجزي عليك السوائل
كأنك لم تشهد قرابين جمة ... تعيث ضباع فيهم وعواسل
تركتهم صرعى على كل منهل ... وأقبلت تبغي الصلح. أمك هابل
لقد كان في شيبان لو كنت عالماً ... قباب وصاهلة بها وقنابل
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغني عنك ما أنت فاعل
وعريت من مال وحي جمعته ... كما عريت مما تمر المغازل
شفا النفس قتلى لم توسد خدودها ... وساداً ولم تعضض عليها الأنامل
وفي بعض كتب الهند: جانب الموتور، وكن أحذر ما تكون منه، أوثق ما تكون منك، فان سلامة الأعداء بوحشة بعضهم من بعض، ومع الأنس والثقة حضور آجالهم، وللحقود من القلوب أماني لا يؤمن عليها الألسنة وقالوا: إذا أوحشت الحر فلا ترتبطه.
ومثله حديث الحارث بن ظالم إذ قتل النعمان أو ابن الأسود أخاه فردته بنو مرة، وأعطى الأمان للحارث بن ظالم، وكان قتلى الخمس التغلبي، فقال النعمان يوما وعنده ابن ظالم:
من كان له عند هذا ثار، وأشار إلى الحارث، فليدرك ثاره. فقام ابن الخمس إلى الحارث، فقال له الحارث: أتقتلني يا بن شر الأظماء فقال له: نعم بابن شر الأسماء فقتله.
(1/309)

وعرض معاوية فرساً، فقال لعبد الرحمن بن حسان: كيف تراه؟. فقال: أراه أجش هزيماً. يعيره بقول النجاشى:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم، والرماح دوان
إذا قلت أطراف الرماح تناله ... مرته به الساقان والقدمان
فلما بلغ معاوية هذا الشعر رفع تندوثة، وقال: لقد علم الناس أن الحبل الأعلى لا يبلى.
قال أبو رياش البصري: تزوج البهلول بن كعب العنبري امرأة من بني بهدلة، فرأته يوماً يطحن، فضربت صدرها، فقالت: أهذا زوجي؟ فبلغه ذلك فقال:
تقول ودقت صدرها يمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجلي وتبيني ... فعالي إذا التفت علي الفوارس
ألست أراد القرن يركب روعه ... وفيه سنان ذو عرانين يابس
واحتمل الردف الثقيل وامترى ... خلوف المنايا حين فر المغامس
واعتذر للحين أيمن بن خريم الأسدي فقال:
إن للفتنة بسطاً بيناً ... ويد المائل منها تعتدل
فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل
إنما يسعرها جهالها ... حطب النار فدعها تشتعل
وقال البحتري للفتح بن خاقان، ولامه الفتح في تخلفه عن الحضور معه فقال:
(1/310)

ما كان قلبك في سواد جوانحي ... فأكون ثم، ولا لساني في يدي
وقعدت عنك ولو بمهجة فارس غيري رحلت إليهم لم أقعد
وقال حسان بن ثابت لابن الزبعري لما هرب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى نجران:
لا تعدمن رجلاً أحلك بعضه ... بحرار في عيش أجز لئيم
فلما بلغه البيت لم يلبث أن أتى إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأنشده:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي، ... ومن مال ميلة مبتور
أمن اللحم والعظام بما قلت ... فنفسي الفداء وأنت النذير
فعفى عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصفح عما كان منه.
وقال آخر:
ضربناكم حتى إذا قام مثلكم ... ضربنا العدا عنكم ببيض صوارم
فحلوا بأكنافي واكناف معشري ... إلى حربكم في المأزق المتلاحم
وقد كان أوصاني أبي أن أضيفكم ... إلي وأنهى عنكم كل ظالم
وقال أبو حنش الفزاري يذكر فراره عن حذيفة بن بدر يوم الهباءة:
ذكرت لموقفي حمل بن بدر ... وصاحبه الإله لدى الخطوب
فقلت لهن لا غدر لدينا ... يكون من المحب إلى الحبيب
فلو صدق الهوى أو كنت حراً ... لمت مع الندا يوم القليب
وقد جاهدت حتى لا جهاد ... وماتت حيلة الرجل الأريب
(1/311)

رديني حاضر لأستر عنه ... لمبصره وعذري بالمغيب
فلا عذر يرد علي نفعاً ... وكر العذر من فعل المريب
وكم من موقف حسن أحيلت ... محاسنه فعد من الذنوب
وكان حكم بن الطفيل أخو عامر بن الطفيل وأصحابه خنقوا أنفسهم في بعض الأيام، فعيروا بذلك تعييراً شديداً. فقال خراشة بن عمرو لعامر بن الطفيل:
أقدتهم الموت ثم خذلتهم ... فلا وألت نفس عليها تحاذر
فهل تبلغني عامراً إن لقيته ... أسليت عن أسماء أم أنت ذاكر
وإنكم إذ تخنقون نفوسكم ... لكم تحت أظلال الغضا لحرائر
وقال عروة بن الورد في ذلك:
ونحن صبحنا عامراً في بلادهم ... علالة أرماح وحزباً مذكرا
بكل رقيق الشفرتين مهند ... ولدن من الخطى أزرق أسمرا
عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
يشد الحليم منهم عقد حبله ... ألا إنما يؤتى الذي كان أحذرا
أراد أن يؤكد الفعل بالنون الخفيفة، ثم حذفها لالتقاء الساكنين.
وقال وعلة الجرمي يرد على رجل عيره بسوء المأكل:
لهان العام ما عيرتمونا ... شواء الناهضات مع الخبيص
فما لحم الغراب لنا بزاد ... ولا سرطان أنهار البريص
(1/312)

وقال المتنبي يعتذر عن فعل الجبان والشجاع:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن يرى إحسان هذا له ذنبا
وقال غيره:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وقال شريح بن الأحوص للقيط بن زرارة يعيره بترك أخيه معبداً أسيراً في أيدي بني عامر:
لقيط وأنت امرؤ ماجد ... ولكن حلمك لا يهتدي
ألما أمنت وساغ الشراب ... واصل بينك في ثهمد
رفعت برجليك فوق الفرا ... ش تهدى القصائد في معبد
وأسلمته عند جد القتا ... ل وتبخل بالمال أن تفتدي
وقال عوف بن الجزع التيمي:
هلا كررت على ابن أمك معبدٍ ... والعامري يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلق شربه ... والخيل تعدو بالكماة بداد
ولم تكن أمهما واحدة، ولكن لهما أمهات تجمعها فوق ذلك، والمحلق إبل موسومة على وجهها كالحلق.
وقال الفرزدق لسليمان بن عبد الملك، ويعير بني عبس بنبو سيف ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر، وكان سليمان لما حج مر بالمدينة منصرفاً
(1/313)

فأتى بأسرى من الروم وعنده عبد الله بن حسن بن حسن فقال له سليمان: قم فاضرب عنق البطريق، فضربه فأبان عنقه وذراعه وعمل في الجامعة، فقال له: أجلس، فوالله ما ضربته بسيفك ولكن
بحسبك، ورفع الأسرى إلى الوجوه ليقتلوهم، ورفع إلى الفرزدق أسيراً فدس العبسيون سيفاً كليلا فضرب به فنبا، فضحك سليمان والناس معه فقال الفرزدق:
إن يك سيف خان أو قدر أبى ... لتأخير نفس حينها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد
ولو شئت قط السيف ما بين أنفه ... إلى علق دون الشراسيف جامد
وقال أيضاً:
تعجب الناس أن أضحكت خيرهم ... خليفة الله يستقي به المطر
فما نبا السيف من جبن ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر
ولن يقدم نفساً قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر
وقال أيضاً:
فلا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
(1/314)

ثم قال: الويل لي من ابن المراغة لو بلغته هذه. فلما بلغت جريراً قال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
وكان الحسين بن يزيد بن شداد الحارثي غزا يوم فيف الريح بمن تبعه من قبائل مذبح بني عامر بن صعصعة، وهم منتجعون بفيف الريح، ومع مذحج النساء والذرارى، وعلى عامر كلها عامر بن الطفيل، وكان عامر قال لقومه: أغيروا بنا عليهم، فإنا نرجو أن نأخذ غنائمهم، ولا تتركوهم يدخلون عليكم دياركم، فبايعوه على ذلك، فلما دنت بنو عامر من القوم صاح رقباؤهم: أتاكم الجيش، فالتقى الفريقان وتحاربوا ثلاثة أيام، وكان عامر يتعاهد الناس ويقول: والله يا فلان ما رأيتك فعلت شيئاً، فيقول الرجل الذي قد أيده: أنظر إلى سيفي وما فيه، وإلى رمحي وسناني. وان مشهراً أقبل فقال: يا أبا علي يعني عامراً أنظر ما صنعت بالقوم، وانظر إلى رمحي حتى إذا أقبل عليه عامر وأمكنه وجأه بالرمح في وجنته، وانشقت عين عامر ففقأها، وخلى مسهر الرمح في عينه، فضرب فرسه، ولحق بقومه. وإنما دعاه إلى ما صنع بعامر ما رآه يفعل بقومه من الأفاعيل، فقال: هذا مبير
قومي.
وكان مسهر من أصحاب الحسين، وإنما هرب إلى بني عامر ليخدع عامراً، وكان ممن أبلى يومئذ من بني جعفر عامر بن الطفيل، وزيد بن قيس بن خريم ابن خالد بن جعفر. وعن عمرو بن شريح بن الأحوص قال: وأسرع القتل في الفريقين فافترقوا، ولم يستغل بعضهم من بعض غنيمة، وكان الصبر والشرف فيها لبني عامر. وهو أول يوم ذكر فيه عامر بن الطفيل. وفي هذه الوقعة يقول الفرزدق بن غالب:
(1/315)

فمن يخبر هوازن ثم يأخذ ... نميراً من هوازن أو كلابا
فقدر أبيك أمسك بالنواصي ... وخير فوارس علموا نصابا
هم ضربوا الصنائع واستباحوا ... بمذحج يوم ذي طلح ضرابا
ويوم ذي طلح هو يوم فيف الريح:
وقال جرير يعير مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى تزويجه ابنته خولة ليحيى ابن أبي حفصة، وكان مولى يهودياً فأسلم على يد عثمان:
رأيت مقاتل الطلبات حلاً فروج بناته كمر الموالي
لقد أنكحتم عبداً لعبد ... من السعد المشوهة السبال
فلا تفخر بعيش إن قيساً ... حريم فوق أعظمه البوالي
وقال الفلاح بن حزن:
نبيت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت سائسها ... أرديتها وبها التحجيل والغرر
قيس هو ابن عاصم بن سيار بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعد.
وخرج شيخ من باهلة على فرس أعجف إلى المبازرة بحضرة أبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى هذا بال على بال. فقال الشيخ:
رآني الأشعري فقال بال ... على بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد تركت الرمح فيه ... فآب بدائه وشفيت دائي
(1/316)

نازع ابن هبيرة رجلا من بني عمرو بن عامر بن لؤي فعيره بقلة المال، فقال العامري: إن
أهل الشام ليعلمون أني أكثرهم كرمة وعنبا وزبيبة، فقال ابن هبيرة: وممن عصر لغيره لشرب الخمر.
وقال عباس بن مرداس السلمي يعير عتيبة أخذه أنس بن عباس، وبينهم ما بينهم من الميثاق:
كثر الضجاج وما سمعت بغادر ... كعتيبة بن الحارث بن شهاب
جللت حنظلة المخانة والخنا ... ودلست آخر هذه الأحقاب
وأحرتم أنساً فما حاولتم ... بأساً وجاركم بين النقاب
بأست التي ولدتك وأست معاشر ... تركوك تمرسهم من الأحساب
المخانة الخيانة، والخنا الكلام القبيح، والمقيات الذي يلد الحمقى، والوقت الأحمق، والعهد الذي ذكره عباس كان بين ثعلبة بن يربوع وبني رعل ألا يؤكل مال ولا يسفك دم. فأغار عتيبة بن الحارث على طوائف من بني كلاب يوم الجوين فاطردوا إبلهم، وكان أنس بن العباس الأصم أخو بني رعل من بني سليم مجاوراً في بني كلاب، فلما عرفوهم بنو كلاب قالوا لأنس: في آثارهم فأدركهم، فلما دنا منهم قال عتيبة لأخيه حنظلة بن الحارث أكفنيه. فقال أنس: إنما أنا أخوكم وعقيد كم، وقد مضت إبلي
(1/317)

فما أخذتم من هؤلاء القوم؟ فقال له: حياك الله. هلم فاعزل إبلك. فقال: والله ما أعرفها وبنو أخي وأهل بيتي قد أمرتهم بالركوب وهم في إثرى، وهو أعلم بها مني. فبينا هم كذاك إذ طلع فوارس بني كلاب فاستقبلهم حنظلة في فوارس معه، فقال لهم أنس: إنما هم بني وبنو أخي وإنما بريتهم لنلاحق جماعة فوارس بني كلاب. فلحقوا فقتلوه الحوثرة ابن قيس الكلابي حنظلة بن الحارث وحمل لأم ابن سلمة من بني ثعلبة على الحوثرة فأسره، فدفعه إلى عتيبة فقتله صبراً، وهزم الكلابيون، ومضى بنو ثعلبة بالإبل، وفيها إبل، وفيها إبل أنس بن عباس، ثم أتبعهم أنس طمعاً في أبله، فوافق عتيبة، فأخذه عتيبة أسيراً، وأتى به أصحابه، فافتدى أنس نفسه بمائتي بعير. ففي ذلك قال عباس بن مرداس الأبيات المتقدمة. فقال عتيبة في عتابه:
غدرتم غدرة وغدرت أخرى ... فليس إلى توافينا سبيل
فإنكم عداة بني كلاب ... تفاقدتم، علي لكم دليل
دعا عليهم بأن يفقد بفقد بعضهم بعضاً.
وقال مالك بن نويرة لما أبى عتيبة أن يدفع إليهم أنسا يقتلونه، فمن عليه مالك بدفع ابن عبيد الحوثرة إليه:
ونحن ثأرنا قبلها يا ابن أمه ... غداة الكلابين والخيل سهد
فجسنا به فسرا إليك تقوده ... وأنت ضعيف الصوت قلبك يرعد
فنادى الذليل لا نازع رأسه ... وقلنا لك أقفلته وقد كدت تبلد
وقال أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي يعاتب عثمان بن خريم مولاه:
لعمر أبيك يامي إنني ... لذو أنف آب لما لم أعود
وإني ليعديني التكرم والحجا ... على ظلم ذي القربى إذا لم أسود
(1/318)

وما أنا بالباكي عليه صبابة ... إذا ما نأى عني ولا المتلدد
وإني لذو صفح عن الجهل ... بالتي تزين الفتى من فضل حلم وسؤدد
أبا لجد ترميني فإنك هازل ... وتحلف لي بالله أن لم تعمد
وكنت إذا ما غبت عما شهدته ... يسرك في الجلى مقامي ومشهدي
أزاحم عنك القوم خزراً عيونهم ... وأدفع جهدي باللسان وباليد
وأجعل عرضي دون عرضك جنة ... كذي شطب في النائبات مهند
فما زال بي حبيك حتى مللتني ... وساءك مني فريتي وتوددي
أراني إذا أصلحت أفسدت صالحي ... وإن يكن الإفساد همك يفسد
فدونك فاستبدل خليلاً فإنني ... بمثل الذي أوصيك لا بد مقتدي
وإن أك محسوداً فلست بحاسد ... وأي كريم عاش غير محسد
(1/319)

باب مما قالوه في التحذير والتخويف من شر عاقبة الظلم وجنايات الحرب
قال النابغة:
كليب لعمري كان أكبر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنه ... كحاشية البرد اليماني المسهم
وقال لجساس أغثني بشربة ... تمن بها فضلاً علي وتنعم
فقالت: تجاوزت الأخص وماءه ... وبطني شبيب وهو ذو مترسم
ويقول لعقال بن خويلد من عقيل بن كعب، وكان أجار بني وائل بن معن بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلا من بني جعدة فحذر النابغة عقالا أن يصيبه في ظلمه إياهم ما أصاب كليب وائل في تعديه عليهم، وأن يقع بينهم ما وقع بين عبس وذبيان في حرب داحس. فقال في ذلك:
فأبلغ عقالاً أن غاية داحس ... بكفيك فاستأخر لها أو تقدم
فقال عقال: لا بل أتقدم يا أبا ليلى. فقال النابغة:
تخير علينا وائلا في دمائنا ... كأنك مما نال أشياعُنا عمِي
(1/321)

فقال: لا بل عمدا يا أبا ليلى. فقال النابغة:
فما يشعر الرمح الأصم كعوبه ... بنزوة رهط الأبلج المتظلم
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يعلم.
وقال عمرو الأهتم:
فإن كلينا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذي تريان
فقال تجاوزت الأخص وماءه ... وبطن شبيب وهو غير دقان
وقال عباس بن مرداس السلمي:
فلما حشاه الرمح كف ابن عمه ... تذكر غب الظلم أي أوان
وقال لجساس أعني بشربة ... وإلا فخبر من لقيت مكاني
وقال آخر:
أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد وجهه ملعون
قد كان قومك يحسبونك سيداً ... وأخال أنك سيد مغبون
فإذا رجعت إلى نسائك فادهن ... إن المسالم رأسه مدهون
وأفعل بقومك ما أراد بوائل ... يوم الغدير سميك المطعون
وأخال أنك سوف تلقى مثلها ... في صفحتيك سناني المسنون
إن الفرية قد تبين أمرها ... إن كان ينفع عندك التبيين
وقال رجل من الخوارج لمعاوية:
أتيت مأتى كليب في عشيرته ... لو كان في القوم خرق مثل جساس
الطاعن الطعنة النجلاء عائذها ... كطرة البرد يعني فرعها الآسي
(1/322)

يقال عن العراق إذا سال بالدم، والفرع الدلو، وعني بها الدم الذي يسيل. وقال النابغة الجعدي:
ألم تعلموا ما ترزا الحرب أهلها ... وعندي ذوي الأحلام فيها التجارب
لها السادة الأشراف تأتي عليهم ... فتهلكهم والسابحات النجائب
ويستلب الدهم التي كان ربها ... ضنيناً والحرب فيها الحرائب
وقال الحارث بن وعلة الجرمي:
لا تأمنن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم
إن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والقول يحقره وقد ينمي
قومي هم قتلوا أميم أخي ... وإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهن عظمى
وقال آخر:
يفرح أن يغلبني ظالماً ... والظلم المغلوب لو تعلم
وقال الطائي:
إذا فرشوه النصف ماتت شذاته ... وإن رتعوا في ظلمه كان أظلما
(1/323)

وقال قيس بن زهير:
تعلم أن خير الناس ميت ... على حفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بني بدر ... بغي والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم
فلا تغني المظالم أن تراه ... تمتع بالغنى الرجل الظلوم
وقال الربيع بن زياد:
حرق قيس علي البلاد حتى ... إذا استعرت أجذما
جنية حرب جناها ... فما تفرج عنه وما أسلما
عشية يردف آل الربا ... ب يعجل بالركض أن يلحما
ونحن فوارس يوم الهر ... ير يسلم السقيان الفما
عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد مال سرجك فاستقدما
إذا ذعرت من بياض السيو ... ف قلنا لها أقدامي مقدما
(1/324)

إنما قال الربيع هذه الأبيات حين ارتحلت بنو عبس عن بني عامر فساروا يريدون بني ثعلبة، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفداً، فأوفدت إليهم بنو ثعلبة، فلما أتى الوفد بني عبس قال لهم قيس: انتسبوا نعرفكم، ونسبهم حتى مر بابن الخمس، فقال: أنا ابن الخمس. فقال له قيس: إن أمانا أمنتنا فيه لزمان سوء. قال: وما أخاف منك؟. لأنت والله أذل من قراد تحت ميسم بعيري، فقتله قيس بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل الخمس فلما دخل الحارث على النعمان قال النعمان: من كان له عند هذا ثار فليقتله فقام إليه ابن الخمس فقتله. وقال له الحارث: أتقتلني يا ابن شر الإظماء قال نعم: يا ابن شر الأسماء.
فقيل قيس بن الخمس بالحارث بن ظالم. فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني ارجعوا إلى قومكم فهم خير الناس كلهم، فأما أنا فوالله لا أجاور بيتاً غطفانيا أبداً ولحق بعمان، فهلك بها، ورجع الربيع وبنو عبس. فلذلك قال الربيع الأبيات المتقدمة.
وقيل لقيس بعد أن صار بعمان أي النساء أكرم؟. قال: بنات العم. قيل: وأي الخيل رأيت أصبر؟. قال: الكميت: قيل: فأي العبيد رأيت أوفى؟ قال: المولدون، وذلك أن المولدين صبر في فصاحتهم وحلفهم، ولم يعرف غيرهم فنفسه لا تنازع في سواهم.
ولما انصرف الربيع بن زياد، وكان يسمى الكامل أتى بني ذبيان وكان معه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرسى، فوقفوا عليه فقالوا: هل أحسست لنا
الحارث بن عوف وهو يعالج نجيا. فقال: هو في أهله وليس ببابه، فطلبوه، فرجعوا، وقد لبس ثيابه، فقالوا ما رأينا كاليوم قط وتركونا إليه فقال ومن أنتم؟. قالوا: بنو عبس، ركبان الموت. قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة. مرحباً بكم لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة فقالوا: أنأتي غلاماً حديث السن، وقد
(1/325)

قتلنا أباه وأعمامه لم تراه قط؟. قال الحارث: نعم. إنه حليم، وإنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه، فلما رآهم ولم يكن رآهم حصن قال: هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه. قال: من أنتم؟. قالوا: ركبان الموت فحياهم وقال: بل ركبان السلم والحياة. إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم. هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف. قالوا لم نأته. وكتموا إتيانه. قال: فأتوه. قالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا. فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه فحلف عليه حصن: هل أتوك قبلي؟ قال: نعم، قال: فقم في عشيرتك، فإني معينك بما أحببت. قال الحارث: أفأدعو معي خارجة ابن سنان؟ قال: نعم. فلما اجتمعا قالا لحصن تخيرنا من خصلتين من الغدر بهم، والخذلان لهم. قال: نعم. فقاموا بينهم قياما بدية القتلى وأخرجوا لبني ثعلبة بن سعد ألف ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس. وكان حصين بن ضمضم المري قد حلف ألا يصيب رأسه غسل حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب، وأمه من بني فزارة يريد أخواله فلقيه حصين ابن ضمضم فقتله بأخيه هرم الذي قتله العبسيون، فلما بلغ بني فزارة قتل حصين ربيعة بن وهب غضبوا وغضب حصن لقتل ابن أختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، فأرسل إليهم الحارث ابنه فقال: اللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني ابنه، فقالوا: بل اللبن أحب إلينا. فأرسل إليهم مائة من الإبل دية ربيعة بن وهب، فقبلوا الدية والصلح.
وقال ابن الأعرابي: لما كان من أمر الهباءة ما كان جاور قيس بن زهير النمر ابن قاسط، فلما جاورهم قال لهم: اطلبوا لي امرأة قد أدبها الغنى وأذلها الفقر فعزموا أن يزوجوه طيبة بنت الكيس النمري. فقال لهم: إني لا أتزوج إليكم حتى أخبركم بخلال في. إني فخور وإني غيور، وإني أنف، وإني لا أفخر حتى أبتلي، ولا أغدر حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم.
فرضوا خلاله فزوجوه، وأقام فيهم، فلما أراد الرحيل عنهم قال لهم: إني آمركم بخلال،
وأنهاكم عن خلال. عليكم بالأناة، فان بها تدرك الفرصة
(1/326)

وتسويد من لا تعاون بتسويده. وأجاره الجار على الدهر وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى. وأنهاكم عن خلط الضيف بالعيال، ولا تنفقوا في الفضول، فتعجزوا عن الحقوق. وعليكم بإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، وصنع من تريدون صنعه قبل الإلحاح. وأنهاكم عن الرهان فان به ثكلت مالكاً أخي، وعن الغبي، فانه صرع زهيراً أبي، وعن السرف في الدماء فان قتلي يوم الهباءة أورثتني العار، ألا وإني أصبحت ظالماً مظلوماً. ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكاً أخي، وظلمتهم بقتلي من لا ذنب له.
وقال آخر:
ومولى دعاه البغي والبغي كاسمه ... وللحين أسباب تصد عن الحزم
أتاني يشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلم إلى السلم
وإياك والحرب التي لا أديمها ... صحيح ولا تعدي الصحاح على القسم
ولكنها تسرى إذا نام أهلها ... فتأتي على ما ليس يخطر في الوهم
ولا بد من قتلي لعلك فيهم ... وإلا فجرح لا يحن على العظم
فلما رمى شخص رميت سواده ... ولا بد أن يرمي سواد الذي يرمى
ولما أبى ألقيت فضل ردائه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الخيل أول وهلة ... فيا لك من مختار جهل على علم
كتب بها أبو جعفر المنصور إلى عبد الله بن حسن.
وقال قراد بن عباد:
إذا المر لم يغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا
ولم يجبه بالنصر قوم أعزة ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أولى العدو ولم يزل ... وإن كان عضباً بالظلامة يضرب
(1/327)

فآخ لحال السلم من شئت واعلمن ... بأن سوى مولاك في الحرب أجنب
ومولاك مولاك الذي إن دعوته ... أجابك طوعاً والدماء تصبب
فلا تخذل المولى وإن كان ظالماً ... فإن به تثأى الأمور وترأب
وقال آخر:
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا
وقال بشار:
إن كنت حاولت هواني فما ... هنت ولا لي في هوان مقام
في الناس أبدال، ولي مزحل ... عن منزل ناب ومرعى وخام
لا نائل منك ولا موعد ... ولا رسول فعليك السلام
وقالت سبيعة بنت الأخب في بغى كان بين بني السباق بن عبد الدار بمكة وبين بني خالد بن عبد مناف بن تيم بن مر فتفانوا فيه، فلم يبق منهم إلا القليل تعظ ابنها:
أبني لا تظلم بمكة ... لا الصغير ولا الكبير
ابني من يظلم بمكة ... يلق أطراف الشرور
احفظ محارمها ولا ... يغررك بالله الغرور
الله أمن طيرها ... والوحش يعقل في ثبير
والفيل أهلك حبشه ... يرمون فيها بالصخور
فاسمع إذا حدثت ... وانظر كيف عاقبة الأمور
وقال بعض الشعراء يذكر كليباً وهماماً:
ألا أيها الركب المجنون علي من ... يحل حمى الدهنا لديكم به خبر
(1/328)

وقال آخر:
أما والله إن الظلم شؤم ... إن الظلم مرتعه وخيم
وفي آخر الكتاب بخط مخالف لخطة النسخة
وبالهامش إلى جانب هذه العبارة بخط مغربي مشابه لخط النسخة. (قلت ليس هذا بكامل المبرد وإنما هو قطعة من اختيار الممتع كتاب عبد الكريم).
(1/329)

باب في العفو عمن أذنب
روي أن أعرابيا كانت له ابنة عم ذات حسن وجمال، فتزوج بها، وكان ابن أم الحكم عاملا لمعاوية بن أبي سفيان. وبلغ ابن أم الحكم حسنها وجمالها فأرسل للأعرابي، وقال له: يا أعرابي! هل لك سلو عن زوجتك ورغبة في طلاقها؟!. فقال الأعرابي: لا والله ما أسلو عنها، ولا أفارقها إلا إذا فارقت روحي جسدي. فحسبه ابن أم الحكم، وضيق عليه. وكان له إبل وشويهات، فأنفقهن عليها حتى نفذ ما معه، وشق به الحال فطلقها على جهد جهيد ووصل إلى عند معاوية، فلما مثل بين يديه، ووقف عليه أنشد:
معاوية ذا الفضل والجود والبذل ... وذا العطف والإحسان والبرد والعدل
فخذ لي هداك الله حقي من الذي ... رماني بسهم كان أهوانه قتلي
فقال معاوية: ما خبرك يا أعرابي، وما شأنك؟
فوصف له الأعرابي القصة وأنشد:
والحب داءٌ عسير ... فيه الطبيب يحار
(1/331)

فليس ليلي ليـ ... ـل ولا نهاري نهار
فكتب معاوية إلى ابن أم الحكم ووبخه، وزجره، ونهاره عن هذه وقال في آخر الكتاب:
لقد ركبت حراماً يا ابن غاوية ... أستغفر الله من جور امرئٍ زاني
فلما وصل الكتاب إلى ابن أم الحكم وقرأه، فلما وسعه إلا أن أن يسيرها إلى معاوية وكتب الجواب:
وما ركبت حراماً حين أعجبني ... فكيف سميت باسم الجائر الزاني
وسوف تأتيك شمس لا خفاء بها ... أبهى البرية من إنس ومن جان
فلما مثلت بين يدي معاوية فإذا هي أحسن الناس جمالا وكمالا، فقال: يا أعرابي! هل تسلو عنها؟. فقال: إذا فرقت بين رأسي وجسدي. فقال معاوية: أختاري الأعرابي أو ابن الحكم أو أنا!. فقالت: الأعرابي، فأخذها الأعرابي وهو يقول:
المستعيذ بعمرو عند كربته ... كالمستعيذ من الرمضاءِ بالنار
ويروى أنه دخل عطاء بن رباح على أبي مسلم وقد كان حصلت معه هفوة، وعاتبه أبو
مسلم، فقال عطاء: أقول لك، فان كنت للذنب معتمداً فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً، فالعفو يسعك. فقال له صاحب مرو: عظيم ديني منع قلبي من الهوى. فقال أبو مسلم: يا عجبا! أقابلك بإحسان.
(1/332)

قال أبو عمرو بن العلاء: قدم أعرابي من الطائف على زياد، فذكر عن عامله بالطائف جوداً، فقال له زياد: أحسبك كاذباً. فقال: لست بكاذب. فقال: والله ما أظنك تعرف الصلاة المفترضة. قال: قد عرفتها والحمد لله. قال: فكم أفترض الله عليك من ركعة؟. فقال:
هن أربع ثم ثلاث وأربع بعدهن ... وركعتان الصبح لا يضيع
فقال زياد: أصبت فقال له: أيها الأمير فمسألة بمسألة. قال: ذلك لك. فقال له: كم أفقره ظهرك؟. فحار زياد، فقال له: أيها الأمير كنت غنياً عما أرى. فأمر كاتبه له بكتاب إلى العامل بإنصافه وصلته. وتناول الأعرابي الصحيفة وأنشأ يقول:
عناء قليل عن أرامل جوع ... صحائف بيض بينهن خطوط
فأمر له زياد بتعجيل ما في الصحيفة.
قال أبو عبيدة: كان أبو المظراب العنزي قد طلبه جعفر بن سليمان الهاشمي لجباياته، فهرب من بين يديه إلى البادية، وكان مع الوحش حتى أضر به البرد والجوع فكان ينشد:
ألا يا ظباء الرمل أحسن صحبتي ... واخفينني إن كان يخفى مكانيا
أكلت عروق الشرى معكن والتوى ... بحلقي شوك القر حتى ورانيا
وبت ضجيع الأسود الفرد بالغضا ... فليت سليمان بن زير يرانيا
فقد لاقت الغزلان مني بلية ... وقد لاقت الغيلان مني الدواهيا
(1/333)

كان أبو العتاهية له في كل سنة مائة دينار وألف درهم من عند زبيدة إذ خرجت السكة الحديدة، وكان الرشيد يحمل منها كل سنة، فأخذه القلق. قال: فصرت إلى بابها ومعي تكة وخاتم مليح ورقعة، فو الله إني لببابها إذ خرجت وصيفة، فلوحت لها بالخاتم والتكة، فقالت: يا عماه، أتبيع التكة والخاتم؟. فقلت: لا ولكن هما لمن أوصل هذه الرقعة إلى السيدة. قالت: هاتها. فأخذت الخاتم والتكة، فما كان إلا أن وصلت الرقعة إلى أم جعفر، وفي الرقعة بيتان وهما:
خبروني أن من ضرب السكة ... جدداً بيضاً، وصفراً حسنه
سككاً قد جددت لم أرها ... مثل ما كنت أرى كل سنه
قالت أم جعفر: هذه والله رقعة أبي العتاهية، وقد أغفلناه. يا جارية! ادفعي إليه مائة دينار، وألف درهم.
حدث يموت بن المزرع أن امرأة من العرب كانت أمها فارسية، وكان بنو عمها كثيراً ما يعيرونها بأمها، فلما كثر ذلك عليها أنشأت تقول:
من آل فارس أخوالي أساورة ... هم الملوك وقومي سادة العرب
وجدتي تلبس الديباج ملحفة ... من الفرير ولم تقعد على قتب
ولم تكب على الأبراد تنسجها ... معاذ ربي، ولم تشرب من العلب
فقلن لها أوصيت قومك؟. فقالت: هم والله أشد إيجاعا وما قصدت إلا دفع شرهم.
وقالت هند بنت عتبة في ضد هذا:
لبيت تنفح الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
وظل سميرة ولحيم جدي ... أحب إلي من عنب قطيف
(1/334)

ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشقوف
وكلب يطرد الطراق عني ... أحب إلي من قط أليف
وخرق من بني عمي نجيب ... أحب إلي من علج عنيف
وقال شاعر من تميم في ذم رأى تميم في سكنى البدو، ومدح رأى كسرى في اتخاذه الريف:
لكسرى كان أعقل من تميم ... عشية فر من بلد الضباب
فأنزل أهله ببلاد ريف ... وجنات وأنهار عذاب
فصاروا في محلتهم ملوكاً ... وصرناً نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله جدا تميم ... فقد أزرى بنا في كل باب
وقال بعض ثقيف:
لله در ثقيف أي منزلة ... حلوا بها بين الأرض والجبل
قوم تخير طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحقون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همته ... أخبث بعيش على حل ومرتحل
قال بعض الرواة: كنت حاجاً فأبصرت في بعض الطريق بمنى قبة فيها امرأتان على غاية الجمال إذ تكلمت إحداهما بكلام أرفثت فيه، فقلت: سبحان الله! يا أمة الله أما أنت حاجة؟!. فقالت: أيها الرجل أنا من اللواتي قال فيهن هذيل الأشجعي:
أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين برداً مهلهلاً
من اللائي لم يحججن بيغين حسبة ... ولكن ليقتلن البري المغفلا
ثم قالت: يا شيخ. النجاة؟، وأحذر أن تكون منهم.
(1/335)

قال الأصمعي: كنت في مجلس أبي عمرو بن العلاء فتذاكروا جريرا وحلاوة شعره، فقال أبو عمرو: أجمعت العرب على أن أقسام الشعر تؤول إلى أربعة أركان فمنه افتخار، ومنه مديح، ومنه هجاء، ومنه نسيب.
فأما الافتخار فسبق الناس إليه جرير في قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وأما المديح فبرز فيه على الناس في قوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وأما الهجاء فبرز فيه على الناس في قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأما النسيب فبرز فيه على الناس بقوله:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحين قتلانا
قال أبو عمرو. ظلمني الحجاج فهربت إلى صنعاء، وكنت بها أخفي شخصي نهاراً وأظهره ليلا، فإني لفي غداة من الغدوات إذ سمعت رجلا ينشد هذا البيت ك
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
وسمعت آخر يقول: مات الحجاج. قال: والله ما أدري فرحي بموت الحجاج كان أكثر أم بقول المنشد: له فرجة.
وأنشد الأصمعي للسموأل بن عاديا الغساني اليهودي: وبعضهم يرويها لعبد لملك بن عبد الرحيم الحارثي:
(1/336)

تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضر من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقصر من أعمارنا حبنا له ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول
ونحن كماء المزن ما في نصالنا ... كهام، ولا فينا يعد بخيل
(1/337)

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وأيامنا معلومة في عدونا ... لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معودة أن لا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواءً عالم وجهول
إذ مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الرجل فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل
وكان السموأل شاعراً كريماً شجاعاً، وهو أحد الأوفياء المذكورين بالوفاء وكان من خبر وفائه انه أجار قطين امرئ القيس بن حجر وأدراعه وكراعه حين توجه إلى ملك الروم، فلما مات أمرؤ القيس بأنقرة بعث الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل فيما استودعه امرؤ القيس، فأبى أن يسلمه إلا لمستحقه. فبعث إليه جيشاً عليه رجل من أهل بيته يقال له الحارث وكان السموأل ينزل حصنا يعرف بالأبلق الفرد من أرض تيماء. وإنما قيل له ذلك لأنه من حجارة بيض وسود. وكانت الزباء سارت إلى الأبلق هذا وإلى مارد حصن دومة الجندل، فامتنعا عليها، فقالت: تمرد مارد، وعز الأبلق.
فلما أخبر بهم أغلق باب حصنه، وكان له ابن إما في صيد، وإما في سفر، فجاء ولم يعلم أنه أطيف بأبيه، فأخذه الحارث وقال: أن أسلمت إلي
(1/338)

الوديعة خليت عن ابنك، وإلا قتلته ز فأبى أن يسلمها، فأخذ الحارث ابنه فصرعه، ثم ناداه: أشرف سموأل فانظر، فو الله لأقتلنه أو لتدفعن إلي الوديعة، فقال: إن الغدر طوق لا يبلى، ولابني هذا إخوة، وأنا أرجو أن يعقبنيه الله تعالى إن قتلته. فقتله. فقال السموأل في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا عاقدت أقواماً وفيت
بنى لي عاديا حصناً منيعاً ... وبئرا كلما شئت استقيت
وكان السموأل يهوديا من أهل تيماء
وقال الأعشى:
أرى عاديا لم يدفع الموت ماله ... وفرد بتيماء اليهودي أبلق
بناه سليمان بن داود حقبة ... له أزج عال وطي موثق
يوازي كبيدات السماء ودونه ... بلاط ودارات وقلس وخندق
له درمك في رأسه ومشارب ... ومسك وريحان وراح تصفق
فذلك لم يعجز من الموت ربه ... ولكن أتاه الموت لا يتأبق
وقال السموأل:
إن حلمي إذا تغيب عني ... فاعلمي أنني عظيماً رزيت
(1/339)

ضيق الصدر بالخيانة لا ينقض ... فقري أمانتي ما حييت
كم فظيع سمعته فتصاممت ... وعي تركته فكفيت
ليت شعري وأشعرن إذا ... ما قربوها منشورة ودعيت
ألي الفضل أم علي إذا حوسبت؟. ... إني على الحساب مقيت
ميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتي رهن بأن سأموت
حكى أبو عبيدة أن عمرو بن ثعلبة بن الحارث الكلبي مر راجعاً من غزاة ومعه أسارى فلقي أعشى بني قيس بن ثعلبة يريد الشام يمدح آل جفنة، فانتسب إلى غير قومه، فقال أنا من تجار أهل البحرين، فأوثقه وطرحه في الأسر، ثم سار من فوره حتى نزل على شريح بن السموأل بن عاديا، فأحسن نزوله، وأكرمه، فسأل الأعشى: من الذي أنزله؟ فقيل له:
شريح فقال: والله لقد كنت امتدحت السموأل، فأرسل إلى شريح بذلك، وسأله أن يخلصه من ضيفه، وأعلمه أنه لا يعرف من هو. فاجتمع شرب عند الكلبي وفيهم شريح، فعرف الأعشى، فقال: من هذا؟ فقال: خشاش التقطته. فقال له: أحب أن تهبه لي. فقال: ما ترجو من هذا الأعمى الزمن؟. بل خذ أسيراً فداؤه مائة من الإبل. قال: بل هذا الأعمى، فاني أرحمه. فوهبه له، فأدخله شريح قصره، وذبح له شاة، وسبأ له خمراً، فلما نفذت فيه الكأس ترنم بهجاء الكلبي وقال:
بنو الشهر الحرام فلست منهم ... ولست من الكرام بني العبيد
ولا من رهط خبار بن قرط ... ولا من رهط حارثة بن زيد
(1/340)

فبلغ عمرو بن ثعلبة هجاؤه، وقيل له إنه الأعشى، فأرسل إلى شريح أن رد إلي هبتي قال: لا سبيل إلى ذلك، ولكن احتكم في المال ما شئت. قال: فانه قد هجاني. فقال: لا يأتيك منه إلا ما تحب. وأرسل شريح إلى الأعشى أن الرجل قد وهبك لي وأحسن ثم هجوته بئسما صنعت. فقال الأعشى: والله لا أهجوه أبداً، ثم أنشأ الأعشى يقول يخاطب شريح:
شريح لا تتركني بعد ما علقت ... ببطن كفك بعد القيد أظفاري
قد طفت ما بين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تطوافي وتسياري
فكان أوفاهم عهداً وآمنهم ... جاراً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد الله ... وعند ذمته المستاسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
خيره في خطتي خسف فقال له ... مهما تقله فإني سامع داري
فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيها حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وبيض ذات أطهار
فاختار أدراعه أن لا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار
(1/341)

وشريح الذي يقول:
آت الكرام إذا وجدت ... إلى إخائهم سبيلاً
واشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السم الثميلا
أأسيد إن مالاً ملكت ... فسر به سيراً جميلا
أأسيد إن المال لا ... يبكي إذا فقد الخليلا
إن الكريم إذا تؤا ... خيه وجدت له فضولا
وقال الفرزدق في مدحه سليمان بن عبد الملك حين أجار بني المهلب:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه ... على كل حال جار آل المهلب
وفاء أخي تيماء إذ هو مشرف ... يناديه مغلولاً فتى غير أجنبي
أبوه الذي قال اقتلوه فإنني ... سأمنع جاري أن يسب به أبي
فأدى إلى آل امرئ القيس ... بزه أدراعه معروفة لم تغيب
فأخبره بوفائه، وإيثاره مأثور الحديث على أن أسلم ولده لقاتله ولا يسب بغدره. ولو لم تضمن هذه الفعالة في الشعر لذهبت مع ما ذهب من سائر المنثور، ولذلك خاف جميل بن بدر على حذيفة بن بدر حين عرض على قيس بن زهير ما عرض ليكف عن قتله يوم الهباءة، وذلك بعد ما رأى شداد بن
(1/342)

معاوية واقفا على حفر الهباءة، وقد حال بينهم وببينه الجبل. فقال حذيفة: يا بني عبس أين العوذ والأحلام؟!، فضرب جميل بن بدر بين كتفيه. وقال له: أتق مأثور الحديث بعد اليوم. أراد ما يقع في شعر يروى فيه، فيبقى على وجه الدهر.
وقال الفرزدق يذكر وفاء الحارث بن ظالم لجاره:
ولم أر جاراً لامرئٍ يستجيره ... كجاري أوفى لي جواراً وامنعا
رمى بي إليه الخوف حتى أبيته ... وقد يمنع الحامي إذا ما تمنعا
فشمر عن ساقيه حتى تطامنت ... أنابيب نفسي واستقرت بها معا
كمنع أبي ليلى عياض بن ديهث ... عشية خاف القوم أن يتنزعا
أبو ليلى هو الحارث بن ظالم المري، وكان عياض بن ديهث التميمي مجاورا في غظفان. فأغارت بنو مرة بن ذبيان على ماله، فأتى أعلاق الحارث بن ظالم فعلق دلوه بها، وناداه يا حارثاه، فقال الحارث: والله ما أنت لي بجار. فقال: هذه دلوي قد علقت معالقها بدلاء رعائك. قال: جوار والله. فقام في قومه حتى رد عليه جميع ماله. فقال الفرزدق:
(1/343)

وقام أبو ليلى إليه بسيفه ... وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان غير جاراً دلو تعلقت ... بأعلاق حبل محكم العقد مكرب
وقال حبيب في ذلك:
لي حرمة لك لولا ما رعيت وما ... أوحيت من حقها ما خلتها تجب
بلى لقد سلفت في جاهليتهم ... في الحق ليس كحقي نصرة عجب
إن تعلق الدلو بالدلو الغريبة أو ... يلابس الظنب المستحصد الطنب
وأنشد الأخفش لنصيب الأشقر وذكر إبلا:
وردن بنا وابن الليالي كأنه ... حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كل يوم شباته ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
وأنشد لغيره:
لقد زاد الهلال إلي حبا ... عيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو سناً صغير ... نظرن إليه من خلل الحجال
حدث بعضهم قال: لما كان يزيد بن المهلب بالشام مع سليمان أتاه رجل من أهل الشام اسمه عقيل لما ولى يزيد العراق، فقال له: أحب أن تأذن لي في صحبتك فقال له: إذا كنا بواسط لحقتنا، فانصرفت عنه، ولم أر أنه أذن لي، فقيل لي: دون هذا يكفيك من يريد إذناً فلحقته بواسط، فأنزلني بدار الضيافة.
(1/344)

وأجرى علي ما يجري على أضيافه. فلما كان في الليلة الرابعة أحضرني سمره، فتحدث القوم وتحدثت معهم، فأعجب بي، ثم أفاضوا في ذكر الجواري، فسكت، فقال لي: مه!، فقلت:
أفاض القوم في ذكر الغواني ... وقال القوم مهيم يا عقيل
فقلت يقول أصحاب الجواري ... فأما الأعزبون فلن يقولوا
فضحك يزيد وقال: سنلحقكم بهم. فلما انصرفت أتبعني جارية وخصيا وبغلة، وفرش بيت، وعشرة جارية آلاف درهم، ثم تابع ذلك لي خمسة عشر يوماً، فأخذت خمس عشرة جارية وخمسة عشر خصيا، وخمس عشرة دابة، وخمسة عشر بيتاً، ومائة وخمسين ألف درهم. فقلت له: لقد بلغت فوق الأمل، فأذن لي باللحاق بقومي ليروا أثر نعمتك علي. فقال: اختر،
إن شئت أقمت ووليناك، وإن انصرفت وصلناك. فقلت: أبعد الذي كان صلة؟! فقال: مه يا عقيل، إنما ذلك لطف للمقيم، ولك عندنا هبة الشاخص. فوصلني وانصرفت.
ذكر بعض المؤلفين أن قوماً من الروم يدعون أنهم من غسان من آل أولاد جبلة بن الأيهم، لمسير جبلة إلى بلاد الروم، وقوم منهم يدعون أنهم من إياد وأنه دخل مع هرقل لما هزمه المسلمون من الشام وسبعين ألف عربي، ونزلوا أنقرة. والديلم يدعون أنهم من بني ضبة، وكان باسل بن ضبة نافر اخوته فمضى إلى الدليم فأقام ببلادهم.
والترك يدعون أنهم من اليمن، ويزعمون أن تبع الأكبر لما ارتحل عن غسان أنزل بها خلقاً عظيما من أهل اليمن، فافترقوا في البلاد، وصار بعضهم إلى أن نزل آستانة. والأكراد يزعمون أنهم من قيس بن هوزان، والأدرية يزعمون أنهم من العرب. وكان بابك يدعى أنه من خزاعة. تدعى أنهم من بني أمية، وأنه لما ظهرت دولة بني العباس هرب قوم من أمية فتزوجوا فيهم، وولدوا لهم الأولاد، على أنهم على دين اليهود.
(1/345)

والبربر كلهم يزعمون أنهم من العرب، فأما لواته، ومزاية (زناته) فيدعون أنهم من قيس. وفزان يدعون أنهم لخم، وهوارة يدعون أنهم من عاملة انتقلوا من الشام. وزويلة يدعون أنهم من جرهم، وصنهاجة وكتامة تزعم أنها من حمير. ومن النساب من يثبت ذلك لهاتين القبلتين خاصة.
والحبشة تزعم أنها من عرب اليمن لمسيرهم كان إلى أرض اليمن ومقامهم بها أربعين سنة. ونصارى الحيرة يزعمون أنهم من بلحارث بن كعب، ومنهم من يزعم أنهم من لخم من رهط النعمان بن المنذر. ومنهم من يزعم أنه من رهط عدي بن زيد الشاعر، ورهطه نصارى.
كان محمد بن يزيد بن المهلب في حياة أبيه غير نبيه، ثم ملك الأمر بعده فخرج أسخى الناس وأكرمهم وأعفهم. قال له أبوه يوماً ورأى سفهه: أحسبوه فلا يخرج من الحبس حتى تظهر له توبة، فأقام في الحبس سنة وكتب إلى أبيه من الحبس:
ما قراه لمكرهٍ يقراه ... قد رواه الأمير عن فقهائه
قد جفاني لكي أتقرا ... فتقريت خائفا لجفائه
والذي انطوى عليه المعاصي ... يعلم الله نيتي من سمائه
فقال: صدقنا عن نفسه، أخرجوه، ومروا له بعشرة آلاف درهم يستعين بها على شأنه.
وأنشد بعضهم:
حظ الأديب من الدنيا هو العدم ... وللرقيع الرضيع المال والخدم
ترى الأديب طوال الدهر في خلق ... والفدم يبرى على أظفاره القلم
هذا عني فقير النفس محتقر ... وذا فقير قد أغنى نفسه الكرم
حسب الأديب بأن قد قل مشبهه ... وذاك تشركه في جهله الأمم
(1/346)

وأنشد أبو هفان:
جمعت الذي لو كان يؤلم من أذى ... فيشتكى لهانت عنده أم ملدم
غباوة أصحاب الحديث ونوكهم ... وتيه المغنى مع جنون المعلم
وقال آخر:
يا باكي الأموات إنك ميت ... فاجعل بكاءك إن بكيت عليكا
لا تبك غيرك وابك نفسك إنها ... أولى النفوس بذاك من عينيكا
وقال آخر:
إذا أنت لم تستقل الأمر لم تجد ... لكفيك من إدباره متعلقا
إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أو شكمتا أن تفرقا
كان يقال: خمس يقبحن من خمس: الحرص من القراء، والحدة من الأمراء، والبخل من الأغنياء، والفحش من ذوي الأحساب، والقسوة من ذوي الأسباب:
حشو قلبي أدب وافر ... وبين ثوبي فتى شاعر
والرزق عنى نازح شاسع ... والفقر عندي راكد حاضر
وما رجوت الغنى طرفة ... إلا كبا بي جدي العاثر
وليس لي عندك يا ذا الندى ... عون على الدهر ولا ناصر
فاكس جناحي يا شقيق العلا ... ريشاً فإني حامد شاكر
وأنشد الأصمعي لذي الرمة قوله:
(1/347)

على أنني في كل سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تصرف الأيام يامي بيننا ... فلا ناشر سراً ولا متغير
ألا إنما مي فصبراً بلية ... وقد يبتلى الحر الكريم فيصبر
يذكرني ميامن الظبي عينه ... مراراً. وفاها الأقحوان المنور
خراعيب أملود كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مراراً وتظهر
قال موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي: خرجت من منازلنا بسويقة بجنح من الليل، وذلك قبل خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن فإذا أنا بنسوة فظننت أنهن خرجن من دارنا، فنالتني عليهن غيرة، فاتبعتهن لأنظر إليهن أين يردن حتى إذا كنا بطرف الحميري التفتت إلى إحداهن وهي تقول:
سويقة بعد ساكنها بنفسي ... لقد أمست أجد بها الخراب
فعلمت أنهن من الجان، فخرج محمد وإبراهيم بعد ذلك فقتلا وخرجت فقال موسى:
يقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا أن تبيت على الصبر
قال سعيد بن عقبة: نزلت بسويقة فاستوحشت لخرابها، فقلت:
إني مررت على دار فأحربني ... لما مررت عليها منظر الدار
(1/348)

وحشاً خراباً كأن لم تغن عامرة ... بخير أهل لمعتر ومزدار
من للأرامل والأيتام تجمعهم ... شتى الموارد من ورد وصدار
مأوى الغريب وساري الليل معتسفاً ... وعصمة الضيف والمسكين والجار
لا يبعد الله حيا كان يجمعهم ... كهلا سويقة أخيار لأخيار
الدافعين عن المحتاج حاجته ... حتى يجوز الغنى من بعد إقتار
والرافعين لساري الليل نارهم ... حتى ينام على ضوءٍ من النار
لما قدم بشر بن أرطأة إلى الكوفة اخذ القراء فقتل منهم ستة نفر، وكان فيهم حجر بن عدي، فلما اتصل قتله بأهله أنشأت أخته تقول:
ترفع أيها القمر المنير ... ترفع هل ترى حجراً يسير
تحيرت الجنائز بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير
ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقيك السلامة والسرور
فإن تهلك فكل عميد قوم ... إلى ملك من الدنيا يسير
وقال له بشر لما قدمه ليضرب عنقه: أراك جزعاً من الموت. فقال: إن جزعت من الموت
فقد رأيت قبرا يحفر، وكفناً ينشر، وسيفاً يشهر.
مات رجل من أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، فقال رجل من الحاضرين: رحمك الله أبا فلان أن كنت لتجيد الغناء وتسرع رد الكأس. فقال له الحجاج: أفي مثل هذا المكان تقول هذا الكلام؟. فقال: أعز الله الأمير لو سمعته يغني:
يا لبينا أوقدي النارا ... إن من تهوين قد سارا
فقال الحجاج: قاتلكم الله يا أهل الشام. ما أوضح حجة أهل العراق في جهلكم.
(1/349)

وقال علي رضي الله عنه: إن بين الحق والباطل أصابع، ووضع يده بين أذنه وعينه فقال الحق هو أن تقول رأيت بعيني والباطل هو أن تقول سمعت بأذني. يريد أن لا يصدق المرء عن أخيه بكل ما سمع.
قال أبو عبيدة: قطع الحجاج وهو بواسط الميرة من البصرة بعقب خروجهم مع ابن الأشعث، فكتب وجوه أهل البصرة إلى عبد الملك في ذلك، فأمر أن ينظر كتاب الأحنف بن قيس فنظر فإذا برقعة لطيفة كأذن القط مكتوب فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الجائع تبلغ همته صنعاء، وإن الشبعان تقصر همته عن سفوان. وقد حبس عنا الطعام، وعليك السلام).
فلما قرأه عبد الملك قال: أبو بحر يخبرنا في رقعته أنه ما بقي عليه إلا أن يعوذ بقائم سيفه. فكتب إلى الحجاج بإطلاق الطعام إلى البصرة.
قال عيسى بن عمر: لما احتضر ذو الرمة بأصبهان رفع رأسه إلى من كان عند رأسه وقال: هذا والله يومي وليس بيوم قلت:
كأني غداة الزرق يامي مدنف ... أعالج نفساً قد أتاها حمامها
اللهم إني لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولكني، ولكني أشهد أن لا إله إلا أنت ثم مات.
قال أبو عبيدة: لما أوقع الجحاف السلمي ببني تغلب بالبشر وهو ماء على الفرات وقف الأخطل بين يدي عبد الملك بن مروان فأنشده:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكي والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها يكن ... عن قريش مستمار ومرحل
(1/350)

فقال له عبد الملك: إلى اين يا ابن النصرانية؟. قال: إلى النار: قال: أما والله لو غيرها قلت لفرقت بين رأسك وجثمانك.
قال الجاحظ: ركب المأمور في بعض الليالي متظرفا، فإذا هو بثمامة يتمايل على سرجه سكرا، فحرك المأمور دابته حتى لحق ثمامة، فضرب عجز بغلته بسوطه وقال له: ثمامة؟! قال: إي والله!. قال: سكران؟! قال: لا والله قال: أعرفتني؟. قال: أي والله. قال: فمن أنا؟. قال: لا أدري والله. فقال له المأمون: لعنة الله عليك. فقال: تترى يا أمير المؤمنين!
قال أبو عبيدة: ما رأيت رجلا مدخول النسب أجرأ على أحساب العرب من يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. كان قد صحب عباد بن زياد، فلم يحمد صحبته فهجاه وطعن في نسبة فأهانه عبيد الله وضربه، وأركبه على بعير، وطاف به، وجعل بين يديه صورة خنزير، وخلفه صورة قرد، وسقاه النبيذ الذفل، وكان يحث كلما مشى به، ونفاه إلى القندهار من بلد الهند، وكتب إلى من بالشام من اليمن:
أصبحت لا من بني قيس فتضربني ... بكر العراق ولم تغضب لنا مضر
ولم تكلم قريش في حليفهم ... إذ غاب ناصره بالشام واحتضروا
لو أنني شهدتني حمير غضبت ... وكان حقاً لها في أمرنا غير
بقندهار ومن تكتب منيته ... بقندهار يرجم دونه الخبر
فلما قرأ أهله اليمانية هذه الأبيات رحل مائة رجل من حمير من حمص إلى دمشق فلقوا معاوية داخلا إلى المسجد، فشكوا إليه ما نيل من صاحبهم، ثم قالوا عليهم الطلاق لئن لم يرد إلينا يا أمير المؤمنين لنقتلن به خير رجل من عبد شمس. فكتب إلى ابن زياد فيه فأرسله إليهم.
قال الجاحظ: كانت بنو مالك تجاور الغوث من طيء، فأنشدني عمارة لنفسه:
(1/351)

لمن طلل بذات السدر حاف ... عفاه القطر بعدك والسوافي
سلمى، لو علمت بلاء قومي ... وقودهم على بعد المساف
جيادهم إلى الأعداء حتى ... لقينا الغوث بالموت الذعاف
بكل مجرب في الحرب صدق ... ومؤتنف يجالد بالجزاف
إذاً لحمدتنا ولقلت قومي ... فداكم كل منتعل وحافي
حدث أبو عبيدة عن رجل من الميسرين قال: كنت أسير مع ركب من أصحابي فأنا بالفدفد وقد جن الليل وأضللنا الطريق وجاذبتني الراحلة زمامها، فتركتها وسرت وحدي بسيرها، فإني لكذلك إذ سمعت كلاماً فعدلت نحوه، فإذا أنا بشيخ منحني الصلب، فحرصت على إتيانه، فأتى فقال: هل لك إلى رجل إلى مثلك بالأشواق. قلت: بلى قال: فمشى واتبعته إذ دنا من شجرة فقال له: هذا رجل من العرب. فقال لي: إيه. فقال لي. من أي العرب أنت؟، فقلت من المحضرة. قال من أيها؟. قلت: من المبقرشة. قال: انتسبت. قلت: من ولد قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن مدركة. قال ابن أخي: أنا ترب كنانة. أتعرف جياداً فقعيقعان؟: قلت: نعم. قال: فتدري لم سمي جياداً قلت: لا. قال: نحن قوم من جرهم أجلتنا خزاعة فاستبسلنا للموت، وجاد الوادي بالدم فسمى جيادا، أنا عمرو بن مضاض الجرهمي أنا الذي أقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود الغواثر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك، يا للناس تجري المقادر
فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة ... كذلك عضتنا السنون الغوابر
(1/352)

فسحت دموع العين تجري لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
ثم خفق كأن لم يقل شيئاً، ... واسترشدت الطريق فأرشدت.
وأنشد الأصمعي لشوسة الفقسعي يصف صيده للذئب:
لله در أبي الحصين لقد بدت ... منه مخايل حولي قلب
ورد الحبائل وهي صور نحوه ... طمعاً لتعلقه وإن لم تنشب
حتى إذا شملت مقاعد طرفه ... أرجاؤها بتأنس وتأدب
ويداه واسطتان لما تقدما ... أو تنكصا لورود عزم المنكب
صرخت به نفس النجي مخافة ... إن النجاح لأثغر متشعب
فاستبدرت إحدى يديه القهقرى ... وثنت به الأخرى ثني تهيب
فنجا وهل ينجو من خطو الردى ... في العود من أيدي الردى المتأوب
لم ينج بعد نجائه من ساعة ... إن قام قومه نافض مترقب
فظلت منه رانياً في شخصه ... في كل حال أمها أم مذهب
متعانيا طورا لدى استشرافه ... فإذا توهد في مجال أرتب
حتى دنوت وقام مني شخصه ... بمقام دان للرماية مكثب
فنحوته سهمي فأنفذ منته ... شكا وأي فريسة لم أنشب
ثم انصرفت إلى بني مالئاً ... كفي متغبطاً بعيش مخصب
أبني أية خلة محمودةٍ ... صعبت على الطلاب أو لم تصعب
ألفيتني أهويت نحو طلابها ... فأطلت كدك من كريم المطلب
لا تشرئب إذا عنيت بصالح ... وإذا عنيت بسوأة فاشر أبب
(1/353)

كم ليلة ليلاء ملبسة الدجى ... أفق السماء سريت غير مهيب
ربط السحاب بها فضول ردائه ... فمتى يقل برق له اسكب يسكب
فصبرت حتى شق ثوب ظلامه ... عن لون ثوب مثل لون الأشهب
وأنشد الأصمعي لرجل من بني فقعس:
صب الإله على عبيد حية ... لا تنفع النفثات منها والرقى
جبلية تسرى إذا ما جنها ... ليل، وتكمن بالنهار فلا ترى
مهروته الشدقين ينطف نابها ... سما ونفحتها تهاب وتتقى
قصرت لها عنق وسائر خلقها ... عين تبص كمثل مصباح الدجى
وكأنما سلمت بأعلا جلدها ... برداً من الأفواف أنهجه البلى
رقشاء ترتصد الطريق إذا دنا ... منها المساء كأنها سنا رشا
قرناء أنشأها الإله فأدركت ... عاداً فليس لنهشة منها شفا
أوحية ذا طعنتين أحله ... آباؤه في شامخ صعب الذرى
فنشا بغار مظلم أرجاؤه ... لا الريح تصرده ولا برد الندى
في عينه قتل وفي خيشومه ... فطس وأنياب له مثل المدى
يلقا بريراً جامشاً متخلفا ... عن رفقة قدمته طول السرى
فتخوضه في عقبه بمذرب ... ماض إذا نحا على عظم فرا
وأنشد علي بن سليمان الأخفش لأبي علي البصير:
يا جامعاً مانعاً والدهر يرمقه ... مفكراً أي باب فيه يغلقه
حميت مالاً، ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياماً تفرقه
(1/354)

المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا يوم تنفقه
ارفه ببال فتى يغدو على ثقة ... إن الذي يقسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون ليس يدنسه ... والوجه منه مصون ليس يخلقه
إن القناعة من ينزل بساحتها ... لا يلق في ظلها هما يؤرقه
بل روح عز وريا كل مكرمة ... ووجه رشدٍ يلاقيه فيونقه
وقال منصور بن عمار الفقيه، وكان حلو المقطعات:
قد قلت لما استقلوا ... بالدير ميتاً وراحوا
لأهم فدوه ولا هم ... بكوا عليه وناحوا
كأنما فارقوا منه ... ظالماً فاستراحوا
لو كان للدين أهل ... شقوا عليه وصاحوا
وقال محمد بن عبد الملك الزيات الوزير لما قدم ليلقى في تنور نار:
سل ديار الحي ما غيرها ... وعفاها ومحا منظرها
وهي الدنيا إذا ما أدبرت ... صيرت معروفها منكرها
(1/355)