Advertisement

المفاخرة بين الماء والهواء



الكتاب: المفاخرة بين الماء والهواء (مطبوع ضمن كتاب المفاخرات والمناظرات)
المؤلف: أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد البَرْبِير الحسني، أبو الفيض (المتوفى: 1226هـ)
عُني بها: الدكتور محمَّد حسَّان الطَّيَّان
الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لمن خلق العناصر، وجعل لكل منها فضلا تعقد عليه العناصر، وصلاة وسلاما على الجوهر الفرد الذي منه عرض العالم، ومن هو في الدارين سيد بني آدم، وعلى آله وصحبه، ومن تعلق بحبه، ما اكتحلت عيون الطروس بمراود الأقلام، وقلدت نحو الدروس بعقود ألفاظ العلماء الأعلام.
وبعد - فإن الفكر والخيال، دخلا بي إلى رياض ضاع زهرها فنّم عليه النسيم ودار عليه الماء الزلال، أكلها دائم وظلها، كأنما قابلت مرآتها جنة النعيم فانطبع فيها مثالها وشكلها، فتلقتنا عوديات طيورها بالصدح، ومجامر كمائم ورودها بالنفح،
(1/23)

وزهرها بثغر باسم ونهرها بقلب صافي، وأدواحها ببسط بساط البسط من ظلها الضافي، وقامت لنا الأشجار على سوقها، وسفرت لنا عرائس الورود عن لثام غبوقها، وأدارت علينا سلاف طلها كؤوس الزهور، قبل أن ترشفه شمس البكور، وحيتنا راحة الراحة والسرور، بأصابع المنثور، وغنت لنا مطوقات شواديها على العيدان، وأعربت وهي عجماء بفنون تمايلت لها قدود الأفنان، حتى لو سمعها ركب العشاق على النوى لنسي الحجاز والعراق وتمنى الدخول لذلك البستان، ورقصت بين أيدينا جواري الماء، وظهرت مع وجود شموسنا وبدورنا نجوم النبات حتى ظنناهم نجوم السماء، ولاح لنا عرض الغيث وشارب الآس فأذكرنا العيش السالف، وطاف النسيم بكعبة صفانا طوف القدوم فما كان ألطف ذلك الطائف.
غير أننا كنا نسمع محاورة، ضمنها منافرة ومفاخرة، فسألنا الرياض عن جلبة الأثر، فقالت سلوا النسيم فقد أصبح عند النسيم الخبر، فوجهنا وجه السؤال الوسيم، إلى قبلة النسيم، فتدلى وتدلل، وما ألطف النسيم إذا تعلل، ثم مر بنا مُقْبلا ومُقَبِّلا، هذا وكلما مرَّحلا، وقال: يا أهل الفراسة والسياسة، والفتوة والمروة والحماسة، إنها منافسة بين الماء والهواء أوجبها حب انفراد كل منهما عن صاحبه بالرياسة،
فهل تنعمون بحضورهما لديكم، ومثولهما بين يديكم، ليعرض كل ماله من حسن الأوصاف، وتحكموا بينهما بالعدل والإنصاف،
(1/24)

فقلنا: لا نكره ذلك ولا نأباه، فهلم بهما إلينا لنرفع ما بينهما من الاشتباه، فشمس الحق لا يحجبها حجاب الباطل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل، فلم يزل الحق أبلج، والباطل لجلج، وحسبك قول خالق الخلاق، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.
فعند ذلك سرى النسيم إليهما مسرى النوم في الأجفان، والروح في الأبدان، والراح في الندمان، فأتي بهما وهو يتبسم ويتنسم ويتسنم، فحيا كل منهما وسلم، فقلنا: وأنتما حييتما بالسلام، وحييتما ما عطس الفجر ودب الظلام، فإنكما أعظم دعائم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وأنتما الشقيقان اللذان لم يوجد لهما ثالث في عالم الإمكان، فهل ولج بينكما ذو نفاق، حتى صدر منكما هذا الشقاق، أو ذاك من دسائس النفس الأمارة، ووساوس تلك العدوة الغدارة الغرارة، التي لا تأمر إلا بالبشر، ولا تصبو إلا إلى الضو، كيف لا وهي عروس إبليس، ومصدر أفعال التدليس والتلبيس، أعدى العدى، وسبب الردى، قال لها الحق أقبلي فأدبرت، وأعرضت عن جنابه واستكبرت، وحتى ألقاها في الجوع، وألجأها به إلى الذل والخضوع، فالشر في إهمالها، والخير في أعمالها وإذلالها، فمن أطاعها ندم، ومن عصاها سلم، ومن قهرها بالجهاد فهو بطل، ومن ملكها من مدينة جسمه خرب نظام إنسانيته وبطل،
(1/25)

فالرأي للعاقل أن يحذر مكرها، ويخالف أمرها، ولا سيما إن أمرته بقطع رحم القرابة والأدب، أو رحم الصحبة أو الحرفة التي كل منها كلحمة النسب، والمرء قليل بنفسه كثير بالإخوان، والرحم مشتقة من الرحمن، ولهذا يصل من وصلها، وينفصل من فصلها، وخير الناس من جنح إلى الصلح، ولم يداو جرحاً بجرح. كما قال الشاعر:
داوي جوي بجوي وليس بحازم ... من يستنكفّ النار بالحلفاء
وقال آخر:
من يشف من داء بآخر مثله ... أثرت جوانحه من الأدواء
وقال الآخر:
وما كنت إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذما
والحزم فيما قاله الشاعر:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي.
على أن الدنيا دار زوال، ومنزلة ارتحال، ولا يليق بالعاقل أن ينافس فيما يزول، ويوجه آماله إلى ما للفناء يؤول. كما قيل:
(1/26)

منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل
ولا يغتر الفتى بقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوة ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
بل يتأمل قول الآخر:
قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق
أبقيا ما استطعتما فسيرمي ... بين شخصيكما بسهم فراق
ولقد استعاذ النبي (صلى الله عليه وسلم) من جار السوء قي دار المقامة، إشارة إلى أن جار الدنيا يتحول عنك أو تتحول عنه وإنه لا يليق الضجر منه ولا السآمة، ومن المعلوم أن الدنيا إن بقيت لها لم تبق لك،، فطوبى لمن جعلها قنطرة لآخرته فمر بها على هذا القصد وسلك، وويل لمن اغتر بسكونها وهي تمر مع السكون، وظنها شرابا ولو اختبرها لم يجدها غير آل وسراب، ويا سعادة من أقصر، عندما أبصر، واعتبر، لما اختبر، فالدهر أفصح مؤذن بالزوال، وأفضح مؤذن بالارتحال.
فلما سمع الماء ما قلناه من الكلام، وتأمل ما فيه من منثور النثر وقلائد النظام، تموج وتأود، ورغا وأزبد، وجرى واضطرب، وعبس بعد القهقهة وقطب، وقال يا معشر الأكابر، أما بلغكم قول الشاعر:
(1/27)

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فلا رأى للمضطرّ إلا ركوبها
وقول الآخر:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
وقول الآخر:
وظل ذوي القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وقول السفاح وهو أول من وطد الخلافة العباسية حين قتل بنو عمه بني أمية:
تفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وإن كانوا أعقّ والأما
أمل عرفتم أن الأخ المعاند، كالعضو الزائد، يشين الذات، ويمنع اللذات، فقطعه من الرشد، وإن آلم الجسد، هذا ولا يغر الهواء صفائي فكم تكدرت، ولا يثق بسلاستي فكم انعقدت واستحجرت، والذي جمعت في صفائي الأضداء، كما قال الشاعر وأجاد:
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
وحسبك ما قاله الشاعر، (كالماء فيه الحياة والغرق)، فإن زعم الهواء أن له عليّ فضيلة، فليعرضها على أسماعكم غير متعلل بعلة ولا متحيل بحيلة.
فقلنا: نعوذ بالله من اجتماع النفس والهوا، فمن رام منكما أن يتكلم فليجعل منبر الفخر له مستوى.
(1/28)

فعند ذلك ثار الهواء وله غبار، وصعد منبر الفخار، وقال: الحمد لله الذي رفع فلك الهواء، على عنصر التراب والماء، ونفخ في آدم من روحه وعلمه جميع الأسماء. أما بعد - فمن عز مني فقد اكتفى، ومن جهلني فسأبدو له بعد الغفا، أنا
الهواء الذي أؤلف بين السحاب، وأنقل ريح الأحباب، وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب، نصر الله بي محمداً وصحبه الأمجاد، وأهلك الله بي قوم عاد، وأنا الذي تم بي ملك سليمان، وأجري الماء في خدمتي لكل مكان، وسيربي الفلك في البحر كما تسير العيش في البطاح، وأطار بي في الجو كل ذات جناح، وأنا الذي ألعب بالطرز فوق الغرر، كما ألعب بلحي الجبابرة من البشر، وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القناة والشبان في الثعبان، وأنا الذي أميل قامات الأغصان، وأدنى عارض الغيث وعذار الآس من خد الشقيق وشارب الريحان، إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهو، وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو، لا أتلون مثل الماء، المتلون بلون الإناء، لولاي لما عاش كل ذي نفس، ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس، ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان، ولا غرد طائر على غصن بان، ولولاي ما سمع قرآن ولا حديث، ولا عرف طيب المسموع والمشموم من الخبيث،
(1/29)

فكيف يفاخرني الماء الذي شبه الله به الدنيا البغيضة، التي عنده جناح بعوضة، وأنا الذي أطير بلا جناح إلى جميع الجهات، وهو الذي يخر على وجهه ويمشي على بطنه كالحيات، وحسبي وحسبه هذا التفاوت العظيم، {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم}، وحسب الماء ذما خلوه من الحرارة المشتقة منها الحرية وكون الرطوبة فيه طبيعة غريزية، وأنا الذي سلم قلبي من القلب وإن كان من أحرف العلة، وهو الذي قلب الله قلبه لتحركه وانفتاح ما قلبه، وأنا الذي جعلني الله نشرا بين يدي رحمته، وجعل مني طوفانا أستأصل به ما تركه آدم من ذريته.
هذا وما خصني الله به من المزايا يعجز عنه فم الدواة ولسان القلم وصدر الرقيم، وفوق كل ذي علم عليم، وأما أنت فحسبك عيبا قول بعض الأدباء فلان كالقابض
على الماء، وبالله قل لي أي فخر لمن يعز مفقودا ويهون موجودا، ومن إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه، ومن نبع من الصخور، ومر مذاقه في البحور، وشرق به شاربه، وغرق فيه مجاوره ومصاحبه وعلت فوقه الجيف، وانحطت عنده اللآلئ في الصدف،
(1/30)

وقد بان الصحيح من السقيم، والمنتج من العقيم، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم.
ثم انحدر من منبره، ووعينا ما سرده من مفخرة، وقال للماء: هات يا أبا الدأماء.
فعلا الماء بموجه، حتى صعد إلى ما انحط عنه الهواء من أوجه، ولولا الأرض تملكه لسال، لكنه تجلد وأقبل علينا وقال:
الحمد لله الذي خلق كل شيء، وجعل من الماء كل شيء حي، وأما بعد - فقد سمعت جعجعة ووعوعة، ظننتها صرير باب، أو طنين ذباب، باطل في صورة حق، وسراب إذا تأملته زال وانمحق، فاسمع أيها الهواء ما أتله من آيات فخري الشامل، وما أجلوه عليك من عقد فضلي الذي أنت منه عاطل، وقل جاء الحق وزهق الباطل، اعلم أو لا إن الدعوى قبيحة، وإن كانت صحيحة كما قيل:
وما أعجبتني قط دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد
فكيف إذا كانت بالزخارف مموهة، فهي أقبح من الخلفة المشوهة، ولعمري لا يروج الدرهم المغشوش، وإن أحكموا فيه أنواع النقوش، ولا سيما إذا كان الناقد بصير، ولا ينبؤك مثل خبير، هذا وقد سردت ما
(1/31)

زعمته فيك من الخصوصيات إلى سبيل المفاخرة والمباهاه، وأنا أقول ما فخر، وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر، وأنا الجوهر الشفاف، المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله مني جميع الجواهر حتى اللآلئ في الأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها، وأخرج منها للعالم جميع أقواتها، وأكسو عرائس الرياض أنواع الحلل، وأنثر عليها لآلئ الوبل والطل، حتى يضرب بها في الحسن المثل، كما قيل:
إن لسماء إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر
وأنا الذي أقتل العجوز، واذهب حرارة آب وتموز، وقد أفتاني الأفاضل أن من دخل علىّ من باب المفاخرة أنه لا يجوز، فكيف ينكر فضلي من دب أو درج، وأنا البحر فرعي وفي الأمثال حدث عن البحر ولا حرج، وأما أنت أيها الهواء فكم ذهبت فيك نصائح النصاح، كما قال ابن هرمة وبعض القول في الرياح،
(1/32)

ولعمري أنه لا بقي قبولك بدلورك، ولا تقوم جنتك بسعيرك، ولطالما ولطالما أهلكت أمما بسمومك وزمهريرك، فكم تواتر عنك حديث تشمئز منه النفس وتمجه الأذن وحسبك من العناد إنك تجري بما لا تشتهي السفن، وأنت المولع برقص الجواري كفعل الفساق، وأنت الذي تهيج التراب وتغري النار يالإحراق. كما قال فيك ابن الرومي:
لا تطفين جوي بلوم أنه ... كالريح يغري النار بالإحراق
ومن عيوبك إنك لا تسكن ولا يقر لك قرار، ولم تفهم الإشارة في قوله تعالى {وله ما سكن في الليل والنهار}، وقد ضربت العرب بعدم استقامتك الأمثال كما نقله عنهم أصحاب القصص فمن ذلك قولهم:
إن ابن آوى لشديد المقتنص ... وهو إذا ما صيد ريح في قفص
وأما قولك لولاي لما عاش إنسان، ولا بقي على قيد الأرض حيوان، فجوابه لو شاء الله لعاش العالم بلا هواء، كما عاش عالم الماء في الماء، ولم لا قلت إن غالب هلاك كل ذي روح من الوباء، وإنه لولا الرطوبة التي اكتسبتها أنت مني بالمجاورة، لاحترقت أنت فضلا عن العالم لمجاورتك لطبيعة النار الحارة، فعلم بهذا أن حرارتك عرضية، لا إنها فيك طبيعية، ولو شئت لافتخرت بالحرارة التي تعرض لي من النار والارتماض، ولكن لا يليق بالعاقل أن يفتخر بالأعراض، لأن العرض
(1/33)

لا يبقى زمانين، كما برهن على أنه لا ينتقل إلى مكانين، وما الافتخار
بشيء سريع الزوال، وأما بعرض ليس لطبيعة الشخص عليه انجبال. قال الشاعر:
وأحق من نكسته ... بالذل من درجاته
من مجده ممن غيره ... وسفا له من ذاته
ولذلك قيل:
لسنا وإن أحسابنا كومت ... يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني وتفعل مثل ما فعلوا
وأما قولك: إن طبيعتي الرطوبة فذلك أعظم فخري، لأن الرطوبة مادة الحياة التي في الأجسام تسري، إذ الحرارة بمنزلة النار في الأبدان، والرطوبة لها بمنزلة الأدهان، فإذا خلص الدهن انطفى السراج، وزال ما فيه من النور الوهاج، وأما تعبيرك لي بأني متلون فالتلون صفة عارف الزمان، المتخلق بقوله تعالى: {كل يوم هو في شأن}، (وأما قولك) إن قلبي قد انقلب، فالحمد لله الذي قلبه لأعلى الرتب، لأنه كان آخر الحروف فصار أولها، وكلن مفضولها فصار أفضلها، إذا الألف تدل على الذات الأحدية، والباء تشير إلى الحقيقة المحمدية، فكل الأحرف من الباء، والباء إذا فنيت صورتها، وتعينها ونقطتها، كانت عين الألف بلا مراء،
(1/34)

(وأما قولك) إن فيّ حرف العلة، وإنني منسوب بوجوده في إلى الزلة، فلا يليق أن تعيبني بشيء أوجد الله فيك مثله، وهب إنك خلوت منه فهل تخلو من قول الأطباء فيك إنك أساس كل علة، (وأما قولك) إن الله شبه بي الدنيا فقد شبه الله بك أفئدة الكفار، وجعل زمهريرك سعيرا في النار فإن المذموم مقصوراً وممدوداً، إن مددت كنت جباراً عنيدا، وإن قصرت كنت إلها معبودا، وأنا الذي لا أتغير بالمد ولا بالجزر، وكيف يتغير من هو مادة البحر، وأما افتخارك برفعة المنازل، وعدك ذلك من أعظم الفضائل، فلا فضيلة للشخص بالمكان ولا بالزمان، كما قال
الشاعر الملسان:
ولو كان المكان له علو ... لطار الجيش وانحط القتام
وقال الطغرائي:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
هذا وأنشدك الله أينا كان عليه عرش الرحمن قبل خلق العالمين وأينا الذي جعل منه كل شيء حي وذكره بذلك في كتابه المبين، وأينا الذي بعث به ابن عباس إلى ملك الروم في قارورة كان أرسلها إليه مع بعض الجنود، وطلب منه أن يضع له فيها كل شيء والشيء عندنا هو
(1/35)

الموجود، أما كفاك شهادة الله لي بالطهورية في قوله تعالى {وأنزلنا من السماء ماءا طهورا لنحي به بلدة ميتا ونسقيه ومما خلقنا أنعاما وأناس كثيرا}.
أما بلغك شهادة الله ببركتي وحسبي بها فخرا في طول البلاد والعرض، حيث قال في كتابه العزيز {وأنزلنا من السماء ماءاْ مباركا فأسلكناه في الأرض}، أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة، حيث جعلني الله نهرا من أنهار الجنة، أما علمت أن مني حوض من كان إذا مشى في الشمس تظله الغمامة، وأما تيقنت أنني نبعث من بين أصابعه فكنت له معجزة كما أكون لوارثي مقامه الرفيع كرامة، أما عرفت إنني أرفع الأحداث، وأطهر الأخباث، وأجلو النظر، وأكون للمؤمنين في الآخرة نورا في محل التحجيل والغرر، أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء، ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء. واعلم إنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي ألا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي، وأنا لا أحب المعالي، وأنا سلم للمحل المنخفض وحرب للمحل العالي، لا أتجاوز حد العبيد، ولا أنازع سيدي فيما أختص به من الصفات التي لا تفنى ول
(1/36)

اتبيد بل أخشى دائما بطشه
واستحضر قوله تعالى: {إن بطش ربك لشديد}، فلذلك باعدني الله من النار، وجعلك حجابا بيني وبينها أتقى بك ما تطاير منها من الشرار، وقد علم كل عالم إن فضائلي تجل عن الحصر، وإني سيد العناصر ولا فخر، أقول قولي هذا واستغفر الله من لغو الكلام، واسأله لي ولأحبابي حسن الختام. ثم نزل والتمس منا أن نحكم له بالفضل على الفور، وأن نجانب في حكمنا الميل والجور.
فقلنا له: إن كلا منكما أدنى إلى الفضل بحجة، وسلك من الدلائل العقلية والنقلية أوضح محجبة، غير أن تكافؤ الأدلة، غادر منا الأفكار مضمحلة، وقد عجزت عن ترجيح فضلكما الأفكار، كما عجز القاضي الأفعى عن الحكم لأبناء لذار، وليس لهذه المعضلة، والحادثة العظيمة المشكلة، إلا الكبار لا الهمج الرعاع، كما قيل: إن الكبار أطب للأوجاع.
قال بعضهم:
إن العظيم يحمل العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما
(1/37)

ولعمري ليس لها غير إمام، وغرة شامنا ومصرنا، المجتهد الذي قلد ببره أعناقنا تقليدا، وأخجل لطفه غض الزهر فتستر بأكمامه حتى رأينا في خدوده توريدا، أعظم الموالي قدرا، وأعلاهم نجرا، وأرحبهم صدرا، وأكثرهم برا، وأنفذهم نهبا وأمرا، وأعدلهم نحيزة، وألينهم شنشنة وغريزة، ذو اليدين، الذي كأنه ذو الخلال أو ذو النورين، من لو رآه ذو الجناحين لطار لفضله، أو ذو البطنين لمال لبذله، أو ذو الأذنين لروى أحاديث شمائله الملاح، أو ذا الهلالين لقال أنه الشمس وغرة الصباح، صاحب الطالع السعيد، الجاري سيب كفه على الصعيد جري السعيد، الجواد، المذهب غلة الجواد، من برز في ميدان الفضل وبرز، وحوى قصبات الرهان وأحرز، وزركش تاج المجد وطرز، المسحود، المحشود، رشيد الموالي وعين أمينها، وأبو عذرة المروة وابن مدينها، والمتقلد من فرائد المحامد بثمينها،
خلاصة العباد من العباد، وثمرة دوح روض الحقاق من آل مراد، من فضله الجوهر الفرد عند كل منصف وعندي، جناب مولانا وسيدنا عين أعيان الموالي الكرام السيد عبد الرحمن أفندي، لا زال وهو البر بحر الجود، ونجم الهدى والسعود، موطئ العقب والأكناف، حامي الذمار والأطراف، منيفا على آل عبد مناف، ملحوظا بعين العناية والألطاف،
(1/38)

فإنه عذيق الشام المرجب، وروضها المشذب المهذب، ومعشوقها المحبب، روحها الذي به قوامها، وسلكها الذي لا يتم إلا به نظامها، فكل من لم يشن إلى قصده العنان، كان أشد ندما عن الكسعي وأخسر صفقة من أبي غبشان، لأنه لا يصرف الهمة، ادني الهمة، ولا تبصر منه إلا رأيا كالنجم في الدآدئ المدلهمة، عنده الحجنة، اعظم هجنه، وخلف الوعد، خلق الوغد، وعدم الجود بالموجود، من سوء الظن بالمعبود، له توكل الطير، وعنده لا سرف في الخير، يحب المحاسنة، ويكره المخاشنة، ويحاشى مجلسه من المحاشنة، فياله من جواد واسع المجسه، لا يرتاع من لمحسه، ونجيب لا يقعقع له
(1/39)

بالشنان، ولا ينبه بطرق الحصا وهل ينبه اليقظان، وإن تأملت عزمه ولحظة، تحققت أنه أسد بيشة ولحظة، فمن باراه فقد نافس حوتا وصارع ضرغاما، وقاوم بالهرارة عضبا حساما، ونطح بقرنه المقطم، ورام أن يحكي بسرابه البحر الغطمطم، ولم يعلم أن بيت القدس، غير بيت المقدس، وأن بقيع الغرقد، غير رقيع الفرقد، وأن شجر المرخ، غير شجر الورخ، وأن الزنبور غير البازي وإن شاركه في الخفق والطيران، وإن ورد السلم غير ورد البستان، ولله در من قال:
(1/40)

قد يبعد من شيء يشابهه ... إن السماء شبيه البحر في الرزق
ومن قال:
وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفا هما متباعدان
فإن يفق الأنام وذاك منهم فإن المسك بعض دم الغزال
كما قلت فيه:
لا غرور لابن المرادي ... وذاك شمس المواكب
إن فاق كل الموالي ... فالشمس بعض الكواكب
فهلم للوفود عليه، والمثول بين يديه، فهو الذي يستنبط المسائل، ويرضي بفضله وبذله كل مسائل، وإن لم يكن غير مكارمه إليه وسائل.
فلما سمع الماء والهواء بمعروف ذلك الحبيب السري، والإمام الهمام العبقري، تعشقاه على السماع، طلبا منا المبادرة إلى جنابه ليبلغا منه حظ الاجتماع، فسرنا بهما إلى جنابه، حتى بلغنا فسيح رحابه، وكحلنا الجفون بأثمد أعتابه، فصادف دخولنا خروج كعبة ذاته من حرم الحرم، فكأنما خرج الورد من الأكمام ولليث من الأجم، فنهضنا له على الأقدام، وحيانا بألطف سلام، وتسلم سلم قصر الفريد، وأشار إلينا أن نتبعه
(1/41)

في الصعود إلى ذلك القصر المشيد، فرأينا قصرا ينسب الخورنق للقصور، ويغمد غمدان كما تغمد في أجفانها الذكور، وما بالك بقصر شهدت فضلاء الأكياس، بأنه جمع محاسن الدنيا كما جمع صاحبة محاسن الناس (فكنا كما قال القاضي الفاضل):
فمنعت أماني بمولي هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
ثم أمر لنا بالجلوس، هذا وعطف كل منا من الطرب ينوس، فأقبلت علينا ذات الدولة وبنت الوجاق، التي كلما مرت حلت، وكلما ثقلت خفت على كل من رشف منها وذاق، السمراء المعشوقة، المقبولة مشروبة ومرئية ومنشوقة، بنت اليمن واليمن، ذات الجمال والحسن.
شعر:
كسواد العيون تظهر للنا ... س سوادا وفي الحقيقة نور
التي أرخصت الغالية وكانت ندها، وملكت عنبر الطيب فأصبح يقول لا تدعني إلا
بياعبدها، وغارت منها بكر السلاف حتى اصفرت
(1/42)

من غيرتها، وأين بنت الحرام من بنت الحلال، وأين جونة المسك من قوارير الأبوال، فأخذنا تلك البنية بالنية الصافية، وشربناها فقامت بها دعائم العافية، ولم نزل نرشف منها ذوب المسك ومحلول السبج، حتى جأتنا قصبات السبق للسرور تنادي ما على من أحرز قصبات وتاه من حرج، فيالها قصبات تدهش الأبصار، كأنها أغصان بان في طرف كل غصن زهرة من جلنار، وقد اشتمل مجلسنا على كل نديم له صورة الدمية ونفجة الريحانة ونشوة السلافة ولطافة الدرة اليتيمة والجمانة، أديب ألمعي، كأنه الأصمعي، تراه الكامل في الأدب، والعمدة في كل مطلب يأتيك من البديع، بما يخجل ربيع الزهر وزهر الربيع، يثمر المسامرة، ويحضر المحاضرة، ويتقن المحاورة، ويحسن المجاورة، يبادهك بما رقَّ وراق، يجلب لك الغصن من أزهار الأفكار وثمرات الأوراق، يجود على السمع بما يطلبه القلب من الاقتراح، ويجلو عليك من راح ملحه ما يوجب لك الراحة والارتياح (كما قيل في أمثالهم)
لنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباَّء مأمونون غيبا ومشهدا
إذا ما خلونا حسن حديثهم ... معينا على نفي الهموم ومسعدا
يفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتهذيبا ورأيا مسددا
ولا غيبة نخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منها لسنا ولا يدا
(1/43)

وما زلنا نقتطف منهم زهور الآداب، ونغترف ثمار الألباب، وهم يمزجون جدهم بالمفاكهة والمباسطة، ويزهون كالعقد وصاحب المنزل لهم كالواسطة، ومجلسه يحتفل بالوافدين، ويغص بالواردين، وهو يخاطب كلا على قدره وعقله، ويتحف كل من له وطر بقضاء وطره، ولا يتعلل كغيره بشغله، حتى أقبل ملك الليل بسواده الأعظم، ونثر على الأفلاك جواهر النجوم التي كأنها العقد المنظم، هذا ونحن في فلك السعود، كوكبنا ومساؤنا دخان العنبر والعود، وقد أشرق بدر تلك
المنازل بالنور والكمال، وأشرف علينا بجبين لطيف رأينا عليه الهلال، وشنف ندر منطقه منا الإسماع، حتى خيل لكل منا أنه جليس القعقاع.
وما زلنا في ليلنا نجمع عقود السرور كأنها فذلك، وتتمتع بنعيم لو سئلنا عن أنفس أعمارنا فذلك، حتى نبذا لله الكري في هامة منا وراس، فأسكرتنا سنة النوم والنعاس، وهجم علينا ملك الكري، وقد كاد أن يشيب عارض الليل مما سال من دمع الشمع وجرى، وعند ذلك طوينا من المنادمة بساطها، وتفرقنا تطلب كل نفس منا راحتها وانبساطها، ثم اصطحبنا على الوساد للرقاد، وأعطينا الجفون حقها من الإغفاء بعد السهاد،
(1/44)

ولم نزل في ضيافه المنام، تقرينا أياديه السرور في الأحلام، حتى لفظ الشرق من لهواته ياقوته سهيل، ودب مشيب الفجر في عارض الليل، فنهضنا للصلاة، وجلس كل منا في مصلاه، حتى طلعت شمس صاحبنا الفّلق، على الصاحب ابن عباد، فنفذ شعاعها من ظواهرنا إلى كل قلب منا وفؤاد، ثم دخلنا عليه وسلمنا ودعونا له بطول البقا، فأجاب وأجاد وأجاز وتلقنا أحسن اللقا، ثم جاءت القهودة التي طابت منظرا وخبرا وذوقا وشما، ثم جيء بقصبات التبغ فارتضعنا منها كل ثدي يلذ دره ريحا ولنا وطعما.
فلما استوفيا منها أوفر حظ، وخلا مجلسنا من كل بارد ثقيل فظ، وشرب ذلك البحر المحيط بالفضل غليونه، وأراد أن يلقي عليّ لكوني من الساحل بعض درره الثمينة، بادرته بالدعاء، وعرضت عليه مفاخرة الماء والهواء، وسألته فصل الخطاب، والإنعام بالجواب. فالتفت عند ذلك للماء وأخيه، وقال: إن كلا منكما محق فيما يدعيه، فما أشبهكما في السماء بالفرقدين وفي الأرض بالعينين، ففضلكما معجز لا يكاد يميز أحدكما عن أخيه مميز، وقد نفع الله بكما العالم على تباين أنواعه وأشكاله، وقد ورد أن الخلق عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله، فلا تشتغلا بالمفاخرة عن شكر هذه النعمة، واعلما أن حب الفخار أهبط إبليس إلى
حضيض اللعنة من أوج
(1/45)

سرف الرحمة، فلا تجعلاه لكما إماما، فمن يفعل ذلك يلق أثاما، واعلما إن الفخر في الدنيا بالمال، وفي الآخرة بالأعمال، واحسن الافتخار الافتقار، وظهور الذل والانكسار، فقد قال من سال من بين أصابعه الماء المنهمر، الفقر فخري وبه افتخر، فمن كان عبد الله كان له به الافتخار، لا من كان عبد النفس أو الهوى أو الدرهم أو الدينار، فمن مناجاة على كرّم الله وجهه وزاده منه قربا، سيدي كفانا شرفا أن نكون لك عبيدا وكفانا عزا أن تكون لنا ربا.
وللقاضي عياض:
ومما زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا
على أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء، أخاك الهواء، وحققت لي بأنكما لستما في لفضل سواء، وهي أن الله خلق آدم من الماء، وخلق إبليس، فاعترف لأخيك بالفضل عليك ودع عنك زخارف التلبيس، فأكبر من الحق من قبله وأصغر من الباطل من عمله، والتذلل للحق أقرب للعز من التعزز بالباطل، وأعظم الزلات زلة العاقل.
فعند ذلك عدل الهواء عن هوجه واعوجاجه، ومخاصمته وعلاجه، وأقبل يقَّبل ذيل الماء ويعتذر إليه، من استطابته عليه، وأقبل كل منهما
(1/46)

على صاحب المنزل يؤدي بالدعاء له حقوقه، حيث سلك بكل منهما مجاز الطريقة والحقيقة.
(1/47)