Advertisement

الموازنة



الكتاب: الموازنة بين أبي تمام والبحتري
المؤلف: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (المتوفى: 370 هـ)
المجلد الأول والثاني: تحقيق / السيد أحمد صقر
نشر / دار المعارف - الطبعة الرابعة
المجلد الثالث: تحقيق / د. عبد الله المحارب (رسالة دكتوراة)
نشر / مكتبة الخانجي - الطبعة الأولى، 1994 م
عدد الأجزاء: 3 (هذا الكتاب الإلكتروني هو الجزء الأول فقط من الكتاب)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم على جزيل نعمائك، وأسألك المزيد من صلاتك وسلامك على خاتم أنبيائك، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وأما بعد: فإني ألفيت أشق ما يضطلع به أهل العلم من عملٍ أن يوكل إليهم تحقيق كتاب صنف وكتب قبل زمانهم، وقد رأيت أنه على قدر بعد العهد بالتصنيف والكتابة يكون الجهد، وتثقل التبعة، وأن العمل يكون أكثر تعقداً وأثقل تبعة إذا لم يتيسر من نسخ الأصل سوى نسخة فريدة أو ما هو بمنزلة ذلك من النسخ التي أخذ بعضها عن بعض، وما من شك في أنه لا يقدر هذا الجهد الجاهد إلا من عرف ما يكابده العالم الحريص على بلوغ الغاية التي يصبو إليها من الدقة والإتقان، وهذا وحده عناءٌ ليس من فوقه عناء.
وهذا كتاب " الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري " أحد تصانيف الإمام النقادة أبي القاسم الحسن بن بشر بن يحيى، الآمدي، البصري، المتفوي في عام 370 من الهجرة، أقدمه لقراء العربية بعد الذي كابدت في تحقيقه، وأنا مطمئن - أو قريب من الطمأنينة - إلى أنهم سيجدون فيه طلبة طالما تاقت إلها نفوسهم، وأنهم سيقءون نسخةً صحيحةً من كتابٍ نشره الوراقون قبل اليوم ثلاث مراتٍ وكأنه لم ينشر؛ لكثرة ما شاع فيه من تحريفٍ، ونقصٍٍ، وسوء ترتيب.
وقد كانت النية على أن أنشر - مع هذه الكلمة - بحثاً أتعرض فيه لتأريخ فن النقد الأدبي، ثم أرسم لك طريقة أب يالقاسم الآمدي في كتابه، وأذكر لك ما تجمع لدي من الملاحظات عليه بعد أن صحبته أمداً ليس بالقصير، وأحدثك - على الأخص - عن تحامله على أبي تمام وإغضائه الإغضاء البالغ عن البحتري. كما كانت النية منعقدةً على أن أنشر مع الكتاب أنواعاً من الفهارس الأبجدية أعددتها له؛ ولكن ظروفاً قاهرة عاقتني عن كل ذلك، وأهونها ظروف الحرب القائمة التي جعلت الحصول على الورق من أعقد الأمور، وإنه ليهون على نفسي فوات هذه الأغراض، ويهونها على نفسك معي، أنك لن تجد بداً من استيعاب الكتاب قراءةٍ وتدبراً، وأنك حين تنتهي من قرائته ستكون قد أدركت من ذلك الشيء الكثير.
والله المسئول أن ينفع بهذا العمل على قدر الإخلاص فيه، وأن يهيئ له فرصة أخرى يخرج فيها للناس على وجهٍ أقرب إلى الكمال.
عن منيل الروضة في سعبان 1363 يوليه 1944 كتبه المعتز بالله تعالى - محمد محي الدين عبد الحميد
؟

أبو تمام
1 - هو حبيب بن أوس بن الحارس بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان ابن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وجلهمة هو طيء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
2 - ولد بقرية جاسم، وهي إحدى قرى الجيدرو، من أعمال دمشق، وأثبت الأقوال المأثورة أن مولده كان في سنة تسعين ومائة من الهجرة.
3 - كان أبو تمام أسمر الون، طويلاً، حلو الكلام، غير أن في لسانه حبسة، وفي كلامه تمتمة يسيرة، حتى قيل فيه:
يا نبي الله في الشعر، ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم
وكان فطناً شديد الفطنة، قوي العارضة، حاضر البديهة. وقد واتته هذه الخلال ومكنت له من الغوص على المعاني؛ فكان لا يزال يجد في أثرها حتى يصل إلى ما يعسر على غيره متناوله.
4 - كان لأبي تمام مذهب في المطابق والمجانس اشتهر به، ونسب إليه. وهذا المذهب لم ينسب لأبي تمام لأنه اخترعه؛ فقد طرقه الشعراء من قبله، وقالوا منه، ولكنه نسب إليه وعرف هو به لأنه فضل الشعراء جميعا فيه، وأكثر منن وسلك جميع شعبه، بل إنه كان مثار ما دار حوله من الجدل، ومن جهته انطلقت ألسنة الناقدين عليه، بحق أحياناً، وبغير حق أحياناً أخرى؛ ذلك بأنه بالغ في سلوك هذه السبيل وأولع بها، حتى ليندر أن يخلو بيتٌ له منه، فأوقعه هذا الولوع في التعسف وارتكاب متن الشطط، ولكن الذي لا شك فيه أن الجيد من شعره كثير، وأنه لا يلحق غباره في جيده.
5 - اتصل أبو تمام برجال الدولة في عصره، ومدح وهجا ورثى، وقال في كل أغراض الشعر، وقد أحصيت عدة من مدحهم فألفيتهم ثمانية وأربعين ما بين خليفة وابن خليفة ووزير وكاتب وقاض وسري: مدح أمير المؤمنين المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد، ورثاه بعد موته، ومدح أمير المؤمنين الواثق بالله ابن المعتصم، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات، وأبا عبد الله بن أبي دؤاد، والحسن بن وهب، وأخاه سليمان بن وهب، ومالك بن طوق، وأبا دلف القاسم ابن عيسى العجلي، وأبا المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي، وأبا الحسن محمد بن الهيثم بن شبابة، وإسحاق بن إبراهيم المصعبي، وإسحاق بن أبي ربعى كاتب أبي دلف، ومحمد بن حسان الضبي، وخالد ن يزيد بن مزيد الشيباني، وكان أكثر إنسان مدحه أبو تمام هو أبو سعيد محمد بن يوسف الثغري؛ فقد أحصينا له فيه سبعا وعشرين كلمة. ونريد أن نسجل ههنا أن أبا تمام الطائي كان كثيراً ما يمدح الطائيين؛ فأبو سعيد الطائي، وأحمد بن عبد الكريم طائي، وعمر بن عبد العزيز طائي، وغير هؤلاء من ممدوحيه طائيون؛ فهل كان يمدح على العصبية أو الرغبة في الجائزة؟ ذلك بحث لم يستقم لنا وجه الرأي فيه، ولا هو مما تحتمله هذه العجالة في هذه الظروف. وعسى أن يتهيأ لنا من بعد أن نفيض فيه.
6 - وتوفي أبو تمام بالموصل سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وبني عليه أحد بني حميدٍ الطوسي قبةً خارج الميدان، وقبره الآن في حديقة البلدية بالموصل.

البحتري
1 - هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى، البحتري: الطائي، أحد بني بحتر بن عتود، ثم من طيء.
2 - ولد بمنبج في عام 206 من الهجرة، ونشأ في البادية بين قومه بني طيء وغيرهم، وروى عن كثير من العلماء، كأبي العباس المبرد، ثم اتصل بأبي تمام ولزمه، وما زال يترسم خطاه، ويحذو حذوه، ويردد صداه، ويقتفي قفوه، حتى طار في الآفاق ذكره، وعلا كعبه.
3 - كان - على فضله، ونصاعة بيانه، ورقة كلامه، وبديع أسلوبه، وجزيل شعره - من أبخل خلق الله؛ فقد كان له أخ وغلام معه في داره، فكان يقتلهما جوعاً، حتى إذا بلغ منهما الجهد أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا، ويقول لهما مع ذلك: كلا، أجاع الله أكبادكما وأطال إجهادكما! وكان - فوق ذلك - من أوسخ خلق الله ثوباً وآلةً، وأبغضهم إنشااً، وأكثرهم افتخاراً بشعره، حتى ليروى عنه أنه كان إذا أنشد شعراً قال لمستمعيه: لم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله مالا يقدر أحد أن يقول مثله!.
4 - قال أبو الفرج عنه: شاعر، فاضل، حسن المذهب، نقي الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرف حسنٌ في ضروب الشعر، سوى الهجاء؛ فإن بضاعته فيه نزرة، وجيده منه قليل.
5 - اتصل بكثير من رجالات الدولة، ومدح الكثيرين، وأكثر مدائحه في أمير المؤمنين المتوكل على الله، ووزيره الفتح بن خاقان، وما زال متصلا منهما بسبب: يختلف إليهما، ويمدحهما، إلى أن قتلا على مشهدٍ منه، فرجع إلى منبج، وبقي يختلف إلى الؤساء والعية في بغداد وسر من رأى، ويمدحهم.
6 - سئل أبو العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فأجاب: المتنبي وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. وسئل البحتري: أيكما أشعر؟ أنت أم أبو تمام؟ فأجاب: جيد أبي تمام خيرٌ من جيدي، ورديئي خير من رديئه. وقيل للبحتري يوماً: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به! ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له، آخذٌ منه، لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
7 - أنشد البحتري أبا تمام يوماً شيئاً من شعره، فلما انتهى تمثل أبو تمام بقول أوس بن حجر:
إذا مقرمٌ منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم
ثم قال له: نعيت إلي والله نفسي، فقال: أعيذك بالله من هذا القول! فقال: إن عمري لن يطول وقد نشأ في طيء مثلك. أما علمت أن خالد بن صفوان رأى شبيب بن شبة - وهو من رهطه - يتكلم فقال: يا بني، لقد نعى إلي نفسي إحسانك في كلامك؛ لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله، فقال: بل يبقيك الله ويجعلني فداك. ومات أبو تمام بعد سنة.
8 - وتوفي البحتري في عام 284 من الهجرة.
(/)

الآمدي
1 - هو أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى، الآمدي الأصل، البصري المولد والمنشأ.
2 - كان حسن الفهم، جيد الدراية والرواية، أخذ العلم عن الأخفش، والزجاج، وابن السراج، والحامض، وابن دريد، ونفطويه، ومن في طبقة هؤلاء، وله شعر حسن، وتآليف جيدة تدل على صرٍ صحيح واطلاع واسع، وكان يتعاطى مذهب الجاحظ فيما يصنعه من التآليف.
3 - كتب في بغداد لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي. وكتب في البصرة لأبي الحسن أحمد بن الحسن بن المثنى ولأخيه أبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، ثم كتب بعدهما للقاضي أبي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي على الوقوف التي يليها القضاة، وكان يكتب له بحضرته في مجلس حكمه، ثم من بعده كتب لأخيه القاضي أبي الحسن محمد بن عبد الواحد حين ولى قضاء البصرة، واشتهر بهما حتى لقبوه " كاتب بني عبد الواحد الهاشميين " ثم لزم بيته.
4 - له تصانيف كثيرة، نذكر منها ههنا: 1) تفضيل امرئ القيس على شعر الجاهليين، وهو يشير إليه في الموازنة أحياناً.
2) - تبيين غلط قدامة في كتابه " نقد الشعر ". وقد أشار إليه في الموازنة أيضاً.
3) - المؤتلف والمختلف من أسماء الشعراء، وقد طبع في مصر.
4) - معاني شعر البحتري.
5) - الرد على ابن عمار فيما خطأ فيه أبا تمام.
6) - فرق ما بين الخاص والمشترك من معاني الشعر.
7) - كتاب فعلت وأفعلت.
8) - الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وهو هذا الكتاب.
5 - وتوفي أبو القاسم الآمدي في عام سبعين وثلثمائة 370 من الهجرة.
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسل الله قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: هذا ما حثثت - أدام الله لك العز والتأييد، والتوفيق والتسديد - على تقديمه من الموازنة بين أبي تمام حبيب أوس الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري في شعريهما، وقد رسمت من ذلك ما أرجو أن يكون الله عز وجل قد وهب فيه السلامة، وأحسن في اعتماد الحق وتجنب الهوى المعونة منه برحمته.
ووجدت - أطال الله عمرك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة الأشعار المتأخرين يزعمون أن شعر أب يتمام حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيد أمثاله، ورديه مطروحٌ ومرذول؛ فلهذا كان مختلفاً لا يتشابه، وأن شعر الوليد ابن عبيد البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، وليس فيه سفسافٌ ولا ردي ولا مطروح، ولهذا صار مستوياً يشبه بعضه بعضاً.
(1/3)

ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعريهما وكثرة جيدهما وبدائعهما، ولم يتفقوا على أيهما أشعر، كما لم يتفقوا على أحدٍ ممن وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المآتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، ومثل من فضل أبا تمامٍٍ، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام. وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما. وإنهما لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوعٌ، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور وأبي يعقوب المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعةٍ، ومستكره الألفاظ والمعانين وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم؛ لما فيه من
(1/4)

الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أنى لا أجد سبكة وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب؛ لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته.
ولست أحب أن أطلق القول بأيهما أشعر عندي؛ لتباين الناس في العلم، واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين؛ لأن الناس لم يتفقوا على أي الأربعة أشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى، ولا في جرير والفرزدق والأخطل، ولا في بشار ومروان والسيد، ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم؛ لاختلاف آراء الناس في الشعر، وتباين مذاهبهم فيه.
فإن كنت - أدام الله سلامتك - ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتري أشعر عندك ضروةً. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على غير ذلك فأبو تمام عندك أشعر لا محالة.
(1/5)

فأما أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر، ولكني أوازن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، فأقول: أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى، ثم أحكم أنت حينئذ على جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علماً بالجيد والردئ.
وأنا أبتدئ بما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعضٌ على بعضٍ؛ لتتأمل ذلك، وتزداد بصيرة وقوة في حكمك إن شئت أن تحكم، أو اعتقادك فيما لعلك تعتقده مع احتجاج الخصمين به: 1 - قال صاحب أبي تمام: كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه حتى قيل: الطائي الأكبر، والطائي الأصغر، واعترف البحتري بأن جيد أب يتمام خيرٌ من جيده، على كثرة جيد أبي تمام؛ فهو بهذه الخصال أن يكون أشعر من البحتري أولى من أن يكون البحتري أشعر منه.
(1/6)

2 - قال صاحب البحتري: أما الصحبة فما صحبه ولا تلمذ له، ولا روى ذلك أحدٌ عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه، ودليل هذا الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيدٍ محمد بن يوسف الثغري وقد دخل إليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأفاق صبٌ من هوى فأفيقا؟
وأبو تمام حاضر، فلما أنشدها علق أبو تمام أبياتاً كثيرة منها، فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فقال: أيها الأمير، ما ظننت أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم، ثم اندفع ينشد ما حفظه. حتى أتى على أبيات كثيرة من القصيدة، فبهت البحتري، ورأى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد محمد بن يوسف، فحينئذ قال له أبو تمام: أيها الأمير، والله ما الشعر إلا له، وإنه أحسن فيه الإحسان كله، وأقبل يقرظه ويصف معانيه، ويذكر محاسنه، ثم جعل يفخر باليمن، وأنهم ينبوع الشعر، ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف للبحتري الجائزة.
فهذا الخبر الشائع يبطل ما ادعيتم؛ إذ كان من يقول هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه، وهو لا يعرف أبا تمام إلا أن يكون بالخبر،
(1/7)

يستغنى عن أن يصحيه أو يتلمذ له أو لغيره في الشعر.
وقد أخبرني أنا رجلٌ من أهل الجزيرة - ويكنى أبا الوضاح، وكان عالما بشعر أبي تمام والبحتري وأخبارهما - أن القصيدة التي سمعها أبو تمام من البحتري عند محمد ابن يوسف وكان أول اجتماعهما وتعارفهما القصيدة التي أولها:
فيم ابتدار كما الملام ولوءا؟
وأنه لما بلغ إلى قوله فيها:
في منزلٍ ضنكٍ به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا
نهض إليه أبو تمام فقبل بين عينيه: سروراً به، وتحفياً بالطائية، ثم قال: أبى الله إلا أن يكون الشعر يمنياً.
3 - قال صاحب أبي تمام: إلا أنه - مع هذا - لا ينكر أن يكون قد استعار بعض معاني أب يتمام؛ لقرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام فيعلق شيئاً من معانيه، معتمداً للأخذ أو غير معتمد.
(1/8)

4 - قال صاحب البحتري: ليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه؛ فهذا كثير قد أخذ من جميل، وتلمذ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحداً أطلق على كثير أن جميلاً أشعر منه، بل هو - عند أهل العلم بالشعر والرواية - أشعر من جميل. وهذا ابن سلام الجمحي ذكره في كتاب الطبقات في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وجعله مع البعيث والقطامى، وذكر أنه عند أهل الحجاز خاصة أشعر من جرير والفرزدق والأخطل، وجعل جميلا في الطبقة السادسة مع عبد الله بن قيس الرقيات والأحوص ونصيب، إلا أنه قال: إن جميلاً يتقدمه في النسيب. وهذا غير مقبول منه؛ لأنه إنما يحكيه عن نفسه، وأهل الحجاز إنما قدموا كثيرا من أجل نسيبه، وحسن تصرفه فيه. وقد حكى عن جرير أنه قال في بعض الروايات: كثير أنسبنا.
(1/9)

ويدل على تقدمه في النسيب قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها أبا سعي الكاتبي أولها:
من سجايا الطلول أن لا تجيبا
لو يفاجى ركن المديح كثيراً ... بمعانيه خالهن نسيبا
طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشبيبا
أراد أن كثيراً لو فاجأه هذا المديح - على حسن نسيبه - لخاله نسيبا، وخص كثيراً لشهرته بالنسيب وبراعته، واحتمل ضرورة الشعر، ورد كثيرا إلى التكبير فقال كثيراً ولم يقل جميلا ولا جريراً ولا غيرهما، مما لا ضرورة في اسمه. وعلى أن كثيراً قد ذكر اسمه في شعره مكبراً: إما ضرورة، وإما اعتماداً لتفخيم اسمه وأن لا يأتي به محقراً، فقال:
وقال لي الواشون: ويحك؟ إنهابغيرك حقا يا كثير تهيم
وقد ذكر أبو تمام كثيراً في مواضع أخر فجاء به مكبراً في قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصفه بالبلاغة، وهو قوله:
(1/10)

فكأن قسا في عكاظٍ يخطب ... وكثير عزة يوم بين ينسب
وذلك لعلم أبي تمام بتقدم كثير في النسيب على غيره، وشهرته بالتجويد فيه، على أن جميلا لا شعر له مما يعتد به إلا في النسيب والغزل.
فقد علمتم الآن أن هذه خلةٌ لا توجب لكم تفضيل أب يتمام على البحتري من أجل أنه أخذ شيئاً من معانيه.
وأما قول البحتري " جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه " فهذا الخبر - إن كان صحيحاً - فهو للبحتري، لا عليه؛ لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد اجتمعا - نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علوا حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً، وأن البحتري يعلو بتوسط، ولا يسقط، ومن لا يسقط ولا يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف.
والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني - وكان
(1/11)

صديق البحتري - أنه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني وأنا أقوم بعمود الشعر منه وهذا هو الذي يعرفه الشاميون، دونن غيره.
وسمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضاً يقول: كان البحتري عند نفسه أشعر من أبي تمام ومن سائر الشعراء المحدثين.
وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه الذي ذكر فيه أخبار الشعراء نحواً من ذلك.
قال أبو علي محمد بن العلاء: كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟ قال: وكان - مع هذا - أحسن الناس أدب نفسٍِ، لا يذكر شاعر محسنٌ أوغير محسنٍ إلا قرظه، ومدحه، وذكر أحسن ما فيه.
قال أبو علي: ولم لا يفعل ذلك؟ وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، وذهب بخيرهم، وانفرد بأخذ جوائز الخلفاء والملوك دونهم؟. فلو لم يفعل ذلك إلا استكفافاً وحذراً من بيت واحد يندر فيبقى على الزمان لكان من الحظ له أن يفعله.
(1/12)

قال: وكذلك كان أبو علي دعبل بن علي الخزاعي يهجو الملوك والخلفاء ولا يكاد يعرض لشاعر إلا ضرورة، وقد حذر في أول كتابه الذي ألفه في الشعر من التعرض للشاعر، ولو كان من أدون الناس صنعة في الشعر، وقال: رب بيت جرى على لسان مفحم قيل فيه " رب رميةٍ من غير رامٍ " فسارت به الركبا، ولذلك يقول في بعض شعره:
لا تعرضن بمزحٍ لامرئٍ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جاريةٌ ... مشئومةٌ لم يرد إنماؤها نمت
ثم نرجع إلى قول الخصمين: 5 - قال صاخب أب يتمام: فأبو تمام انفرد بمذهبٍ اخترعه، وصار فيه أولاً وإماماً متبوعاً، وشهر به حتى قيل: هذا مذهب أب يتمام، وطريقة أب يتمام، وسلك الناس نهجه، واقتفوا أثره، وهذه فضيلة عرى عن مثلها البحتري.
6 - قال صاحب البحتري: ليس الأمر لاختراعه لهذا المذهب على ما
(1/13)

وصفته، ولا هو بأول فيه، ولا سابق إليه، بل سلك في ذلك سبيل مسلم، واحتذى حذوه وأفرط وأسرف، وزال عن النهج المعروف، والسنن المألوف، وعلى أن مسلماً أيضاً غير مبتدع لهذا المذهب، ولا هو أولٌ فيه، ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع - وهي: الاستعارة، والطباق، والتجنيس - منشورة متفرقة في أشعار المتقدمين، فقصدها، وأكثر في شعره منها، وهي في كتاب الله عز وجل أيضاً موجودة، قال الله تعالى: " واشتعل الرأس شيباً " وقال تبارك وتعالى: " وآيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار " وقال: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة "؛ فهذه من الاستعارة التي هي مجاز في القرآن. وقال امرؤ القيس:
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فجعل الليل يتمطى، وجعل له إردافا وكلكلاً. وقال زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
(1/14)

فجعل للهوى أفراساً ورواحل. وقال طفيلٌ الغنوى:
وجعلت كورى فوق ناجيةٍ ... يقتات شحم سنامها الرحل
فجعل الرحل يقتات السنام وقال لبيدٌ الجعفي:
وغداة ريحٍ قد كشفت وقرةٍ ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
فجعل للشمال يداً، وللغداة زماماً؛ فهذه كلها استعارات.
وقال الله جل وعز في التجنيس: " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "، " فأقم وجهك للدين القيم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عصية عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ". وقال القطامى:
ولما ردها في الشول شالت ... بذيالٍ يكون لها لفاعا
(1/15)

وقال أيضاً:
كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤاداً ما له فاد
وقال جرير:
وما زال معقولاً عقالٌ عن الندى ... وما زال محبوساً عن المجد حابس
وقال ذو الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشرٍ يؤمى به السيل أبطح
وقال ارمؤ القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبسا
وقال الفرزدق:
خفاف أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل سافٍ وحاصب
ذكر ذلك كله أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب البديع. قال: ومن الطباق قول الله تعالى: " ولكم في القصاص حياةٌ "
(1/16)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". وقال زهير:
ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
فطابق بين الصدق والكذب. وقال طفيلٌ الغنوى:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول
فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول ".
فتتبع مسلم بن الوليد هذه الأنواع، واعتدها، ووشح شعره بها، ووضعها في موضعها، ثم لم يسلم مع ذلك من الطعن، حتى قيل: إنه أول من أفسد الشعر، روى ذلك أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، قال: وحدثني محمد بن قاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبي يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم اتبعه أبوتمام، واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خالٍ من بعض هذه الأصناف، فسك
(1/17)

طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه؛ وقد حكى عبد الله بن المعتز في هذا الكتاب الذي لقبه بكتاب البديع أن بشاراً وأبا نواس ومسلم بن الوليد ومن تقيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم. ثم إن الطائي تفرع فيه، وأكثر منه، وأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط، وثمرة الإسراف.
قال: وإنما كان الشاعر يقول من هذا الفن البيت والبتين في القصيدة، وربما فرئ في شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيتٌ واحدٌ بديعٌ، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى قدراً، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل. وقد كان بعضهم يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول: لو كان صالحٌ نثر أمثاله في تضاعيف شعره وجعل منها فصولا في أبياته لسبق أهل زمانه، وغلب على ميدانه. قال ابن المعتز: وهذا أعدل كلامٍ سمعته.
قال صاحب البحتري: فقد سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه، وصار استكثاره منه وإفراطه فيه من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما بحده كثيراً في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحسن العبارة،
(1/18)

وحلاوة الألفاظ، وصحة المعاني، حتى وقع الإجماع على استحسان شعره واستجادته، وروى شعره واستحسنه سائر الرواة على طبقاتهم واحتلاف مذاهبم؛ فمن نفق على الناس جميعا أولى بالفضيلة، وأحق بالتقدمة.
7 - قال صاحب أبي تمام: إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه؛ لدقة معانيه، وقصور فهمه عنه، وفهمه العلماء والنقاد في علم الشعر، وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه.
8 - قال صاحب البحتري: إن ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني - وقبلهما دعبل بن علي الخزاعي - قد كانوا علماء بالشعر وكلام العرب، وقد علمتم مذاهبهم في أبي تمام، وازدراءهم بشعره، وطعن دعبل عليه، وقوله: إن ثلث شعره محالن وثلثه مسروق، وثلثه صالح. وروى أبو عبد الله محمد بن داةد بن الجراح في كتاب الشعراء عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن الهيثم بن داود عن دعبل أنه قال: ما جعله الله من الشعراء، بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر، ولم يدخله في كتابه المؤلف في الشعراء.
(1/19)

وقال ابن الأعرابي في شعر أب يتمام: إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطلٌ، روى ذلك أبو عبد الله محمد ابن داود عن البحتري عن ابن الأعرابي. وحكى محمد بن داود أيضاً عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن محمد - وكان عالماً بالشعر - أنه قال: أبو تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال. وروى عنه أنه قال: دخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الحسن بن وهب وأبو تمام ينشده، فقال له إسحاق: يا هذا لقد شددت على نفسك. وذكره أيضاً أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب البديع. وغير هؤلاء العلماء ممن أسقط شعره كثيرٌ: منهم أبو سعيد الضرير، وأبو العميثل الأعرابي صاحبا عبد الله بن طاهر " القيمان بأمر خزانة الحكمة " بخراسان، وكانا من أعلم الناس بالشعر، وكان عبد الله بن طاهر لا يسمع من شاعر إلا إذا امتحناه وأنشدهما شعره ورضياه، فقصدهما أبو تمام بقصيدته التي يممدح فيها عبد الله بن طاهر وأولها:
هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزماً فقدماً أدرك النجح طالبه
(1/20)

فلما سمعا هذا الابتداء أعرضا عنه، وأسقطا القصيدة، حتى عاتبهما أبو تمام، وسألهما النظر فيها، فلولا أنهما ظفرا ببيتين مسروقين فيها استحسناهما فعرضا القصيدة على عبد الله بن طاهر وأخذا له الجائزة لكان قد افتضح، وخابت سفرته، وخسرت صفقته، والبيتان:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
أخذ معنى البيت الأول من قول البعيث:
أطافت بعثٍ كالأسنة هجدٍ ... بخاشعةٍ الأصواء غبرٍ صحونها
وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر:
غلام وغى تتحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون
وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
ولما أوصلا إليه الجائزة قالا له: لم تقول مالا يفهم؟ فقال لهما: لم لا تفهمان ما يقال؟ فكان هذا مما استحسن من جوابه.
وهذا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ما
(1/21)

علمناه دون له كبير شيء، وهذه كتبه وأماليه وإنشاداته تدل على ذلك، وكان يفضل البحتري، ويستجيد شعره، ويكثر إنشاده، ولا يميله؛ لأن البحتري كان باقياً في زمانه، أخبرنا أبو الحسن الأخفش قال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد يقول: ما رأيت أشعر من هذا الرجل، يعني البحتري، لولا أنه ينشدني لما أنشدكم لملأت كتبي وأمالي من شعره.
قال صاحب البحتري: فقد بطل احتجاجكم بالعلماء، وتفضيلكم شعره.
9 - قال صاحب أب يتمام: أما احتجاجكم بدعبل فغير مقبولٍ ولا معولٍ عليه؛ لأن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده، وذلك مشهور معلوم منه؛ فلا يقبل قول شاعر في شاعر، وأما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه؛ لغرابة مذهبه، ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لايفهمه ولا يعلمه، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه، والدليل على ذلك أنه أنشد يوماً أبياتاً من شعره، وهو لا يعلم قائلها، فاستحسنها وأمر بكتبها، فلما عرف أنه قائلها قال: خرقوه،
(1/22)

والأبيات من أرجوزته التي أولها:
وعاذل عذلته في عذله ... فظن أنى جاهلٌ من جهله
وكان أبن الأعرابي - على علمه وتقدمه - قد حمل نفسه على هذا الظلم القبيح والتعصب الظاهر، فما تنكرون أيضاً أن تكون سائر من ذكرتموه مثل حاله؟ 10 - قال صاحب البحتري: لا يلزم ابن الأعرابي من الظلم والتعصب ما ادعيتم، ولا يلحقه نقصٌ في قصور فهمه عن معاني شاعرٍ عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة إلى الاستعرات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة، بل العيب والنقص في ذلك يلحقان أبا تمام؛ إذ عدل عن المحجة إلى طريقةٍ يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله، وأما ما استحسنه ابن الأعرابي من شعر أب يتمام على أنه لأعرابي فأمر بكتبه، ثم أمر بتخريقه لما علم أنه قائله، فذلك غير منكر، ولا يدخل ابن الأعرابي في التعصب والظلم؛ لأن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذٍ على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالزيادة والاستجادة مما يورده المحتذى على الأمثلة، وعذر ابن الأعرابي في هذا واضحٌ، وقد سبقه الأصمعي، وذلك أن لإسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد الأصمعي:
(1/23)

هل إلى نظرةٍ إليك سبيل ... فيروى الصدى ويسفى الغليل؟
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثيرٌ ممن تحب القليل
فقال الأصمعي: لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب، فقال: هذا والله هو الديباج الخسرواني، قال: إنهما لليلتهما، فقال: لا جرم والله إن أثر الصنعة والتكلف بينٌ عليهما. حدثنا بهذا الحديث أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي، قال: حدثنا أبو الحسن المهراني، قال: حدثني أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: أنشدت الأصمعي، إلا أنه ذكر عن إسحاق أنه قال له: إنهما لليلتهما، فقال الأصمعي: أفسدتهما؛ فالأصمعي في هذا غير ظالم؛ لأن إسحاق - مع علمه بالشعر، وكثرة روايته - لا ينكر له أن يورد مثل هذا؛ لأنه يقوم في النفس أنه قد احتذاه على مثال، وأخذه عن متقدم، وإنما يستطرف مثله من الأعرابي الذي لا يعول إلا على طبعه وسليقته، وابن الأعرابي في أبي تمام أعذر من الأصمعي في إسحاق؛ لأن أبا تمام كان مغرماً مشغوفاً بالشعر، وانفرد به، وجعله وكده، وألف كتباً فيه، واقتصر من كل علم عليه، فإذا أورد المعنى المستغرب لم يكن ذلك
(1/24)

ببدعٍ له؛ لأنه يأخذ المعاني ويحتذيها، فليس لها في النفوس حلاوة ما يورده الأعرابي القح.
11 - قال صاحب أبي تمام: فقد أررتم لأبي تمام بالعلم والشعر والرواية، ولا محالة أن العلم في شعره أظهر منه في شعر البحتري، والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم.
12 - قال صاحب البحتري: فقد كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً، وكان الأصمعي عالماً شاعراً، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء، وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء؛ فقد كان التجويد في الشعر ليست علته العلم، ولو كانت علته العلم لكان من يتعاطاه من العلماء أشعر ممن ليس بعالم؛ فقد سقط فضل أب يتمام من هذا الوجه على البحتري، وصار البحتري أفضل وأولى بالسبق؛ إذ كان معلوما شائعاً أن شعر العلماء دون شعر الشعراء، ومع ذلك فإن أبا تمام تعمد أن يدل في شعره على علمه باللغة وبكلام العرب؛ فيعمد لادخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من شعره، وذلك نحو قوله:
(1/25)

هن البجارى يا بجير ... أهدى لها الأبؤس الغوير
وقوله:
قدك اتئب أر بيت في الغلواء
وقوله:
أقرم بكرٍ تبارى أيها الحفض
وهذا في شعره كثير موجود، والبحتري لم يقصد هذا، ولا اعتمده، ولا كان له عنده فضيلة، ولا رأى أنه علم؛ لأنه نشأ ببادية منبج، وكان يتعمد حذف الغريب والوحشي من شعره؛ ليقربه من فهم من يمتدحه، إلا أن يأتيه طبعه باللفظة بعد اللفظة في موضعها من غير طلب لها، ويرى أن ذلك أنفق له؛ فنفق، وبلغ المراد والغرض؛ ويدلك على ذلك أنه كان يكنى أبا عبادة، ولما دخل العراق تكنى أبا الحسن؛ ليزيل العنجهية والأعرابية، ويساوي ف يمذاهبه أهل الحاضرة، ويتقرب بهذه الكنية إلى أهل النباهة والكتاب من الشيعة،
(1/26)

وقد ذكر بعضهم أنه كان يكنى أبا الحسن، وأنه لما اتصل بالمتوكل وعرف مذهبه عد لإلى أب يعبادة، والأول أثبت، وقد حكى أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الشعراء أن أبا عبادة كنية البحتري القديمة؛ فشتان ما هما، من حضري تشبه بأهل البدو فلم ينفق بالبادية، ولا عند أكثر الحاضرة، وبدوي تحضر فنفق في البدو والحضر.
13 - قال صاحب أب يتمام: فقد عرفناكم أن أبا تمام أتى في شعره بمعانٍ فلسفية، وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، فإذا فسر له فهمه واستحسنه.
14 - قال صاحب البحتري: هذه دعاوٍ منكم على الأعراب في استحسان شعر صاحبكم إذا فهموه، ولا يصح ذلك إلا بالامتحان، ولكنكم معترفون ومجمعون مع من هو معكم وعليكم أن لصاحبكم إحسانات وإساءات، وأن الإحسان للبحتري دون الإساءة، ومن أحسن ولم يسء أفضل ممن أحسن وأساء.
(1/27)

15 - قال صاحب أبي تمام: ما أجمعنا معكم أن صاحبكم لم يسء، بل هو قد أساء في قوله:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء
وهذا وصف للإناء لا للشلااب؛ لأنه لو ملأ الإناء دبساً لكان هذا صفته. وقال:
صحكاتٌ في إثر مقام الضحك، والرعد مقام العطايا، وإنما كان يجب أن يقيم الغيث مقام العطايا، لا الرعد، وله لحون في شعره معروفة نحو قوله:
ونصبته علماً بسامراء
وقوله:
نبرات معبد في الثقيل الأول
(1/28)

وقوله:
عرج بذي سلمٍ فثم المنزل ... ليقول صبٌ ما يشاء ويفعل
وأشباه لهذا كثيرة؛ فقد تساويا في الغلط.
16 - قال صاحب البحتري: ما نعينا على أبي تمام اللحن - وهو في شعره كثير لو تتبع - فتنعوا مثله على البحتري؛ لأن اللحن لا يكاد يعرى منه أحد من الشعراء المحدثين، ولا يسلم منه شاعر من الشعراء الإسلاميين؛ وقد جاء في أشعار المتقدمين ما علمتم من الإقواء وغير الإقواء مما لا يقوم العذر فيه إلا بالتأويلات البعيدة، وعلى أنه ليس شيء مما عبتم به البحتري من اللحن خارجا عن مقاييس العربية، ولا بعيداً من الصواب، بل قد جاء مثله كثير في أشعار القدماء والأعراب والفصحاء، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه، ونحن لو رمنا أن نخرج ما في شعر أبي تمام من اللحن لكثر ذلك
(1/29)

واتسع، ولوجدنا منه ما يضيق العذر فيه، ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالطلب والحيلة والتمحل الشديد، وذلك مثل قوله:
ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... لأثنين ثانٍ إذ هما في الغار
معنى هذا البيت أن بابك صار جاراً في الصلب لمازيار، وهو ثانية في كبد السماء، ولم يكن ثانياً لاثنين إذ هما في الغار: أي هو ثاني اثنين في الصلب لمازيار الذي هو رذيلة، وليس هو ثانياً في الغار؛ لأن هذه فضيلة؛ فكان يجب أن يقول في البيت " ولم يكن لاثنين ثانياً "؛ لأنه خبر يكن، واسمها هو اسم بابك مضمر فيها؛ فليس إلى غير النصب سبيل في البيت، وإلا بطل المعنى وفسد، وفساده أنك إذا أخليت " يكن " من ضمير بابك وجعلت قوله " ثاني " اسمها كان ذلك خطأ ظاهراً قبيحاً؛ لأنك إذا قلت: كان زيد وعمرو اثنين ولم يكن لهما ثان، كنت مخطئاً؛ لأن كل اثنين أحدهما ثانٍ للآخر، وكذلك إذا قلت: كانوا ثلاثةً ولم يكن لهم ثالث، كنت مخطئاً؛ لأن أحد الثلاثة هو ثالثهم، وإنما تكون مصيباً إذا قلت: كانا اثنين ولم يكن لهما ثالث، وثلاثةً ولم يكن لهم رابع، وأيضاً فإنه لو أراد هذا المعنى لم يكن في البيت فائدة البتة؛ لأنه كان
(1/30)

يكون المعنى حينئذٍ أن بابك ثاني مازيار، فأي فائدة في هذا مع ما فيه من الخطأ الفاحش؟ وأي تعلق لهذا المعنى بما قبله في البيت؟ وقال في آخر قصيدة:
شامت بروقك آمالي بمصر، ولو ... أضحت على الطوس لم تستبعد الطوسا
فأدخل في طوس الألف واللام، وهي اسم بلدة معروفة، وقال:
إحدى بني بكر بن عبد مناه
وإنما هي مناة في الإدراج، كما قال الله وتبارك وتعالى " ومناة الثالثة الأخرى " وإنما تكون بالهاء في الوقف، لا في الحركة والدرج.
وقال في هذه القصيدة:
لولا صفاتٌ في كتاب الباه
وإنما هي الباءة بالمد في تقدير الباعة، وإن كان قد حكى الباه في بعض اللغات الرديئة، والردى لا يعتد به.
(1/31)

وقال:
فكم لي من هواء فيك صافٍ ... غذى جوه، وهوى وبي
فقال غذى وهو غذٍ بالتخفيف.
وقال في قصيدة:
على الأعادي ميكالٌ وجبريل
فأوقع الإعراب على الياء من الأعادي، وذلك غير جائز لمتأخر. وقال:
ستين ألفاً وسبعيناً ومثلهما ... كتائب الخيل تحميها الأراجيل
فنون النون من " سبعين " وهذا لا يسوغه محدثٌ، ونحو هذا مما ليست بنا حاجة إلى ذكره؛ لأنا لم نتتبعه ولا عبناه به؛ لما وصفناه في باب اللحن وكثرته في أشعاره المتأخرين، وإنما عبناه بخطائه في معانيه، وإحالته في استعارته، وكثرة ما بورده من الساقط والغث البارد، مع سوء سبكه، ورداءة طبعه، وسخافة لفظه، مما سنذكره في باب آخر من الاحتجاج عليكم.
فأما ما عبتم به البحتري من قوله:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء
(1/32)

فما زالت الرواة وشيوخ أهل الأدب والعلم يستحسنون هذا البيت ويستجيدونه له، وذكره عبد الله بن المعتز بالله - وقد علمتم فضله وعلمه بالشعر - في باب ما اختاره من التشبيه في كتابه الذي نسبه إلى البديع، ولكنكم أبيتم إلا إفساده، ثم أجلبتم وأكثرتم أن تنعوا على شاعر محسن بيتاً واحداً، فما زلتم تبحثون وتتحملون حتى وجدتم أبياتأً تحتمل من التأويل ما يحتمله الأول، وهو قوله:
ضحكاتٌ في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
وكلا البيتين إلى الصواب أقرب، ومن الخطأ أبعد، فأما قوله:
يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء
فإنما قصد إلى وصف هيئة الشراب في الإناء، ولم يقصد إلى وصف الشراب خاصة، ولا إلى الإناء، كما ادعيتي، ولو أراد وصف الإناء لكان مصيباً؛ لأن الزجاجة أيضاً يوصف ما فيها، وتقع المبالغة في نعتها، وقد جاء في وصف أواني الشراب ما جاء، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول علي بن العباس بن جريج الرومي يصف قدحاً:
(1/33)

تنفذ العين فيه حتى تراها ... أخطأته من رقة المستشف
كهواء بلا هباء مشوب ... بضياء، أرقق بذاك وأصف
وسط القدر: لم يكبر لجرعٍ ... متوالٍ، ولم يصغر لرشف
لا عجول على العقول جهول ... بل حليم عنهن من غير ضعف
فالزجاجة إذا رقت وصفت وسلمت من الكدر اشتد صفاؤها وبريقها، فإذا وقع فيها الشراب الرقيق اتصل الشعاعان، وامتزج الضوءان، فلم تكد الزجاجة تتبين للناظر، ولو صببنا دبساً أو عسلا أو لبناً وماء كدراً في إناء هذه صفته في الرقة لما خفى الإناء على الناظر؛ لأن هذه الأشياء لا شعاع لها ولا ضياء يتصل بشعاع الإناء وضوئه، وقد سبقه إلى هذا المعنى علي بن جبلة فقال:
كأن يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا تحيط عليه كاس
وقال الآخر، أنشده أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش:
وإذا ما مزجت في كأسها ... فهي والكأس معاً شيءٌ أحد
فأنتم في هذه المعارضة بالخطأ أجدر، وبالعيب أحرى.
(1/34)

فأما قوله:
وبروق السحاب قبل رعوده
فإنه أقام الرعد مقام الغيث؛ لأنه مقدمة له، وعلم من أعلامه، ودليل من أقوى دلائله، ألا ترى أن برق الخلب لا رعد له، وقد قال الأعشى:
والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا
فجعل الرعد هو الذي يستنزل المطر، وقال الكميت:
وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجمٍ رواعدها
وإذا كان البرق ذا رعدٍ فقلما يخلف. ومثل هذا في كلام العرب - مما ينوب فيه الشيء عن الشيء، إذا كان متصلا به، أو سبباً من أسبابه، أو مجاوراً له - كثيرٌ؛ فمن ذلك قولهم للمطر: سماء، ومنه قولهم: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قومٍ ... رعيناه وإن كانوا غضابا
(1/35)

يريد إذا سقط المطر رعيناه، يريد رعينا النبت الذي يكون عنه، ولهذا سمى النبت ندى؛ لأنه عن الندى يكون، وقالوا: ما به طرقٌ، أي ما به قوة، والطرق: الشحم، فوضعوه موضع القوة؛ لأن القوة عنه تكون، وقولهم للمزادة: راوية، وإنما الرواية البعير الذي يسقي عليه الماء، فسمى الوعاء الذي يحمله باسمه، ومن ذلك الحفض متاع البيت، فسمى البعير الذي يحمله حفضاً.
ومن ذلك قول المسيب بن علسٍ:
وتمد ثنى جديلها بشراع
أراد بدقلٍ، فقال: بشراع؛ لأن الشراع عليه يكون.
وهذا باب واسع، وأيسر من أن يحتاج إلى استقصائه.
وبعد؛ فلو كان هذان البيتان خطأ - كما ادعيتم وأخذتم على هذا الشاعر المجتمع على إحسانه غلطاً من غيرهما في شعره - لما كان بذلك داخلا في جملة المسبوقين، ولا الخطاطئين في الشعر؛ لجودة
(1/36)

نظمع، واستواء نسجه، ووقوع لفظه في مواقعه، ولأن معانيه تصح بالنقد، وتخلص على السبك. أبو تمام يتبهرج شعره عند التفتيش والبحث، ولا تصح معانيه على التفسير والشرح.
17 - قال صاحب أب يتمام: لئن أسرفتم في الذم، وبالغتم على صاحبنا في الطعن، وتجاوزتم الحد الذي يقف عنده المحتج المناظر، إلى مذهب المسقط المغالط، والمتعصب المتحامل - فلسنا نمنع أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه، وغير منكرٍ لفكر نتج من المحاسن ما نتج، وولد من البدائع ما ولد، أن يلحقه الكلال في الأوقات، والزلل في الأحيان. بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه، ويتجاوز له عن زلله، فما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن، ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب.
هذا الأصمعي قد عاب امرأ القيس بقوله:
وأركب في الروع خيفاتةً ... كسا وجهها صعفٌ منتشر
وقال: شبه شعر الناصية بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس كريماً، وذلك هو الغمم، والذي يحمد من الناصية الجثلة، وهي التي لم تفرط في الكثرة فتكون الفرس غماء، والغمم مكروه، ولم
(1/37)

تفرط في الخفة فتكون الفرس سفواء، والسفا أيضاً مكروهٌ في الخيل، والجيد ما قال عبيد:
مضبرٌ خلقها تضبيراً ... ينشق عن وجهها السبيب
وروى ذلك عنه أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني.
وقال أيضاً: سمعت الأصمعي يقول: أخطأ امرؤ القيس في قوله:
لها متنتان خظايا كما ... أكب على ساعديه النمر
لأن المتن لا يوصف بكثرة اللحم، ويستحب منه التعريف، وكذلك الوجه كما قال طفيلٌ:
معرقة الألحى تلوح متونها
وأخذ عليه في قوله وصف الفرس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب
(1/38)

وقال: هذه الفرس بطيئة؛ لأنها تحوج إلى السوط، وإلى أن تركض بالرجل وتزجر؛ ويقال: إن أول من عابه بهذا البيت زوجته لما اجتكم إليها هو وعلقمة الفحل، فغلبت علقمة، فطلقها. وقد أخذ أيضاً عليه قوله:
أغرك مني أن حبك قاتلي
وقال: إذا لم يغر هذا فأي شيء يغر؟ وعيب زهير بن أبي سلمى بقوله:
يخرجن من شرباتٍ ماؤها طحلٌ ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا
وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء خوف الغمر والغرق، وإنما ذلك لأنها تبيض في الشطوط.
وعيب على كعب ابنه قوله:
(1/39)

ضخمٌ مقلدها فعمٌ مقيدها
وقالوا: إنما توصف النجائب برقة المذبح وأخذ على النابغة قوله يصف عنق المرأة بالطول:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق
وهذا قريب من قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
بل أبو نواس أعذر؛ لقوله " لتخافك " يريد لتكاد تخافك، والشعراء تسقط " تكاد " في الشعر وهي تريدها.
وجاء في القرآن مثل ذلك، قال الله عز وجل: " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال "،
(1/40)

وقال لاشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظراً يزيل مواطئ الأقدام
أي: نظراً يكاد يزيل، فأضمر " يكاد " واللام إذا جاءت كانت أدل عليها، وقال الله عز وجل: " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت.
وأخذ على النابغة قوله:
ألكنى يا عيين إليك قولاً ... ستحمله الرواة إليك عني
وقالوا: فاعتذر له الأصمعي، وقال: هذا مما حملته الرواة علىالنابغة! كأنه يدفع أن يكون قوله.
وأخذ على المسيب قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناجٍ عليه الصيعرية مكدم
قال: الصيعرية صفةٌ للنوق، لا للفحول، فسمعة طرفة بن العبد
(1/41)

- وهو صبي - فقال: استنوق الجمل، وضحك منه، ويقال: إن المسيب قال: أخرج لسانك يا فتى، فأخرجه، فقال: ويلٌ لهذا من هذا، يعني رأسه من لسانه.
وأخذ على المرقش قوله:
صحا قلبه عنها سوى أن ذكرةً ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
قالوا: من إذا ذكر دارت به الأرض ليس بصاحٍ.
وأخذ على عدي بن ويد قوله:
يبذ الجياد فارهاً متتابعاً
وقالوا: لا يقال للفرس فارهٌ، وإنما يقال له: جواد، وكريم، والفاره: البغل والحمار.
وأخذ عليه أيضاً قوله في صفة الخمر:
والمشرف الهيدب يسعى به ... أخضر مطموثاً بماء الحريص
(1/42)

الحريص: سحابة تحرص وجه الأرض: أي تقشره لشدتها، ويقال: الحريص اسم نهر بناحية الحيرة، فوصف الخمر بالخضرة، وما وصفها بذلك أحد غيره.
وأخذ على الأعشى قوله:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شول
وقالوا: هذه الألفاظ كلها التي بعد " شاوٍ " متقاربة في المعنى.
وقرئ على الأصمعي قول أبي ذؤيب الهذلي:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنى فهى تثوخ فيها الإصبع
(1/43)

تأبى بدرتها إذا ما استكرهت ... إلا الحميم فإنه يتبضع
فقال: هذه الفرس تساوى درهمين؛ لأنه جعلها كثيرة اللحم، رخوة، يدخل فيها الإصبع، حرونا، إذا حركت قامت، إلا العرق فإنه يسيل.
وقرئ على الأصمعي قول أبي النجم:
يسبح أولاه ويطفو آخره
فقال: حمار الكساح إذاً أفره منه.
وعاب الأصمعي ذا الرمة في قوله:
حتى إذا دومت في الأرض أدركها ... كبرٌ ولو شاء نجى نفسه الهرب
وقال: الفصحاء لا يقولون دوم في الرض، وإنما يقولون: دوم في
(1/44)

الهواء، إذا حلق، ودوى في الأرض، إذا ذهب.
وكان الأصمعي أيضاً يعيبه في قوله:
ونقرى عبيط الشحم والماء جامس
وقال: إنما يقال للجامد من السمن وما أشبهه جامس، وروى ذلك عنه أبو حاتم.
وحكى أبو نصر عن الأصمعي قال: كنا نظن الطرماح شيئاً حتى قال:
وأكره أن يعيب على قومي ... هجائي الأرذلين ذوى الحنات
لأنها إحنةٌ وإحنٌ، ولا يقال حناتٌ.
وأخذ على الآخر قوله:
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساقٍ وحافرٍ
فسمى رجل الإنسان حافراً، وهذه استعارةٌ في نهاية القبح. وكذلك قول الآخر:
قد أفنى أنامله عضه ... فأضحى يعض على الوظيفة
(1/45)

فجعل له وظيفا مكان الرجل. وكذلك قول الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملكٍ أظلافه لم تشقق
وقال الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره
وعيب على أيمن بن خريم قوله يمدح بشر بن مروان:
فإنا قد وجدنا أم بشرٍ ... كأم الأسد مذ كاراً ولوداً
وقالوا: أخطأ في أن جعل أم الأسد ولودا؛ لأن الحيوانات الكريمة عسرةٌ نزرة النتاج، والصواب قول كثير:
يغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلاتٌ نزور
وقال جرير:
صارت حنيفة أثلاثاً؛ فثلثهم ... من العبيد، وثلثٌ من مواليها
(1/46)

فقيل لرجل من بني حنيفة: من أي الأثلاث أنت؟ فقال: من الثلث الملغى.
وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي عمارة بن عقيل ينشد لجرير:
لما تذكرت بالديرين أرقتني ... صوت الدجاج وقرعٌ بالنواقيس
فقال: أخطأ والله أبوك، التأذين لا يكون في أول الليل، وقال من طلب العذر لجرير: أرقني انتظار صوت الدجاج.
وعاب الأخطل الفرزدق في قوله:
أبنى غذانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألام أعين وسبال
قال: وكيف وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟ وقال عطية حين بلغه الشعر: ما أسرع ما رجع أخي في هبته؟ ومدح الفرزدق الحجاج وقد دخل عليه ببيت واحد، فقال:
ومن يأمن الحجاج والطير تتقيعقوبته إلا ضعيف العزائم؟
فقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب، وتتقي الصبى، ما جئت بشيء؟ وإنما أراد الفرزدق الطائر الذي يطير في السماء فليست تناله يدٌ.
(1/47)

وأخذ على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب
وهذا لا يمدح به خليفة.. وأراد أن يمدح رجلا من بني أسد كان أجاره، فهجاه؛ وكان يقال لقوم الرجل: القيون، يعيرون بذلك، فقال:
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر
أي: فاليوم نفى ذلك عن نفسه، فما زاد على أن نبه عليه، وقد كان له في الممادح متسعٌ. وأراد أن يهجو سويد بن منحوفٍ فمدحه، وذلك قوله:
فما جذع سوءٍ خرب السوس وسطه ... لما حملته وائلٌ بمطيق
وأخذ على الفرزدق قوله يمدح وكيع بن أبي سويد:
إذا التقت الأبطال أبصرت وجهه ... مضيئاً، وأعناق الكماة خضوع
(1/48)

فقالوا: أساء القسمة، وأخطأ الترتيب؛ وإنما كان يجب أن يقول: أبصرته ساميا وأعناق الملوك خضوع، أو أبصرت لونه مضيئاً وألوان الكماة كاسفة.
ومن خطأ الشعر قول عدي بن الرقاع يذكر الباري تبارك وتعالى:
وكفك بسطةٌ ونداك سحٌ ... وأنت المرء تفعل ما تقول
فجعل ربه مرءاً، وعابه الأصمعي في قوله:
لهم رايةٌ تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت في ثعلب الرمح طائر
وقال: الراية لا تخطر، إنما الخطران للرمح.
ومن فاسد اللفظ وقبيحه قول ذي الرمة:
فأضحت مباديها قفاراً رسومهاكأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
أراد: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
ومن خطأ المديح قول الكميت يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
(1/49)

إلى السراج المنير أحمد لا ... تعدل بي رغبةٌ ولا رهب
عنه إلى غيره، ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا
وقيل أفرطت، بل قصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
لج بتفضيلك اللسان، ولو أكثر فيك الضجاج واللجب
فمن يعنفه ويؤنبه على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكثر عليه فيه الضجاج واللجب؟ وهذا لو كان قاله بين المشركين وفي صدر الإسلام لعل العذر كان يتسع له فيه، وقد اعتذر له معتذر واحتج بأن قال: لم يرد النبي عليه الصلاة والسلام خاصةً بهذا الخطاب، وإنما أراد أهل بيته؛ لأنه قد قال فيهم من الشعر ما قال، ولأن بني أمية كانت تعنف من يمدحهم، وتنكر أشد الإنكار على من يتخونهم، ويغرق في الثناء عليهم والوصف لهم.
وعيب أيضاً الكميت بأن جمع كلمتين لا تشبه إحداهما الأخرى، وذلك قوله:
وقد رأينا بها حوراً منعمةً ... روداً تكامل فيها الدل والشنب
وقال: الدل إنما يكون مع الغنج أو نحوه،
(1/50)

والشنب إنما يكون مع اللعس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم؛ والجيد ما قاله ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
ولو استقصينا هذا الباب لطال جداً، وإنما أوردنا ههنا منه مثالا لتعلموا أن فحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة، واتبعهم اشعراء، واحتذوا على حذوهم، وبنوا على أصولهم - ما عصموا من الزلل، ولا سلموا من الغلط.
هذا في المعاني التي هي المقصد والمرمى والغرض، فأما ما بوبه النحويون من عيوب الشعر في الإقواء والإكفاء والسناد، وغي رذلك مما هو عيبٌ في اللفظ دون المعنى، فليست
بنا حاجةٌ إلى ذكره، لكثرته وشهرته. وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين - من الغلط والخطأ واللحن - فاشٍ أيضاً وأشهر أيضاً من أن يحتاج إلى أن تبرهنه أو ندل على ذلك؛ فلم يك أحد من متقدم ولا متأخر في خطئه ولا سهوه وغلطه مجهول الحق، ولا بمجحود الفضل، بل عفى عندكم إحسانه على إساءته، وعلا تجويده على تقصيره، فكيف خصصتم أبا تمام دون غيره بالطعن، وعبتموه دون من سواه بالزلل والوهن؟ ولم يك بذلك بدعاً، ولا منفرداً، ولا إليه
(1/51)

سابقاً؛ فبخستم حق الإحسان الذي انتشر في الآفاق، وسارت به الركبان، وتمثل به المتمثل، وتأدب بحفظه وإنشاده المتأدب، مما إن ذكرناه لم تنكروه، وأقررتم بفضله، وأجمعتم على استجادته واستحسانه، فهل الظلم المستقبح والتعصب المستهجن إلا ما أنتم مرتكبوه وخابطون فيه؟ 18 - قال صاحب البحتري: أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين؛ ففي البيت الواحد، والبيتين، والثلاثة؛ وربما سلم الشاعر المكنر من ذلك بنة، وتعرى منه، حتى لا تؤخذ عليه لفظة؛ وأبو تمام لا تكاد تخلو له قصيدةٌ واحدةٌ من عدة أبيات يكون فيها مخطئاً، أو محيلا، أو عن الغرض عادلا، أو مستعيراً استعارة قبيحة، أو مفسداً للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، أو مبهماً بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج، مما لو عددناه لكان كثيراً فاحشاً، فكيف يكون ما أخذ على الشعراء من الوهم وقليل الغلط عذراً لمن لا تحصى معايبه ومواقع الخطأ في شعره؟ ... وعلى أن أكثر ما عددتموه - مما أخذته الرواة على الشعراء - صحيح، والسهو فيه إنما دخل على الرواة، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه.
19 - قال صاحب أبي تمام الطائي: فبم تدفعون قول البحتري يرثى أبا تمام ودعبلاً، ويذم من بقي بعدهما من الشعراء:
(1/52)

قد زاد في حزني، وأوقد لوعتيمثوى حبيبٍ يوم مات ودعبل
وبقاء ضرب الخثعمي وشبهه ... من كل مضطرب القريحة مجبل
أهل المعاني المستحيلة إن هم ... طلبوا البراعة بالكلام المقفل
أخوى لا تزل السماء مخيلةً ... تغشا كما بحيا السحاب المسبل
جدثٌ لدى الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعى ورمةٌ بالموصل
فمحال أن يرثى البحتري أبا تمام ويذكر من بعده من الشعراء بأن قرائحهم مضطربة ومعانيهم مستحيلة، وعنده أن أبا تمام تلك صفته، فلم تنكرون فضل من يعترف البحتري بفضله، ويشهد في الشعر له، وتنسبون العيب إليه وهذه صفته عنده، وتلحقونه به وهو يبرئه منه؟ 20 - قال صاحب البحتري: ولم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام - بعد اجتماعهما وتعارفهما - متصافيين على القرب والبعد، متحابين متلائمين على الدنو والشحط، يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب، ولم يكن في زمانهما شاعر مشهور يفد على الملوك ويجتدي بالشعر وينتسب
(1/53)

إلى طيء سواهما، فليس بمنكرٍ أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل، ويصفه بأحسن ما فيه، وينحله ما ليس فيه، وخاصةً في الشعر؛ ثم في تأبين الميت فإن العادة جرت بأن يعطى من التقريظ، والوصف، وجميل الذكر، أضعاف ما كان يستحقه، فلا تدفعوا العيان؛ فلن يمحق وصف البحتري أبا تمام في حياته وتأبينه إياه بعد وفاته ما ظهر من مقابحة وفضائح شعره.
21 - قال صاحب أب يتمام: فقد علمتم وسمعتم الرواة وكثيراً من العلماء بالشعر يقولون: جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله، وإذا كان جيد دون جيده لم يضر ما يؤثر من رديئه.
22 - قال صاحب البحتري: إنما صار جيد أب يتمام موصوفاً لأنه يأتي في تضاعيف الردئ الساقط؛ فيجئ رائقاً لشدة مباينته ما يليه، فيظهر فضله بالإضافة، ولهذا قال له أبو هفان: إذا طرحت درة في بحر خرء فمن الذي يغوص عليها ويخرجها غيرك؟ والمطبوع الذي هو مستوى الشعر قليل السقط لا يبين جيده من سائر شعره بينونةً شديدةً، ومن أجل ذلك صار جيد أب يتمام معلوماً وعدده محصوراً.
(1/54)

وهذا عندي - أنا - هو الصحيح؛ لأني نظرت في شعر أبي تمام والبحتري وتلقطت محاسنهما، ثم تصفحت شعريهما بعد ذلك على مر الأوقات؛ فما من مرة إلا وأنا الحق في اختيار شعر البحتري ما لم أكن اخترته من قبلن وما أعلم أني زدت في اختيار شعر أبي تمام ثلاثين بيتاً على ما كنت اخترته قديما.
23 - قال صاحب أبي تمام: أفتنكرون كثرة ما أخذه البحتري من أب يتمام، وإغراقه في الاستعارة من معانيه؟ فأيهما أولى بالتقدمة: المستعير، أو المستعار منه؟ 24 - قال صاحب البحتري: قد ابتدأنا بالجواب عن هذا في صدر كلامنا، ونحن نتمه في هذا الموضع إن شاء الله تعالى: أما ادعاؤكم كثرة الأخذ منه فقد قلنا إنه غير منكرٍ أن يكون أخذ منه من كثرة ما كان يرد على سمع البحتري من شعر أب يتمام؛ فيعتلق معناه: قاصداً الأخذ، أو غير قاصدٍ، لكن ليس كما ادعيتم وادعاه أبو الضياء بشر بن يحيى ف يكتابه؛ لأنا وجدناه قد ذكر ما يشترك الناس فيه، وتجري طباع الشعراء عليه، فجعله مسروقاً، وإنما السرق يكون في البديع الذي ليس للناس فيه اشتراك، فما كان من هذا الباب فهو الذي
(1/55)

أخذه البحتري من أبي تمام، لا ما ذكره أبو الضياء وحشا به كتابه، وأنا أذكر هذين الشيئين في موضعهما من الكتاب، وأبين ما أخذه البحتري من أبي تمام على الصحة، دون ما اشتركا فيه؛ إذ كان غير منكر لشاعرين متناسبين من أهل بلدين متقاربين أن يتفقا في كثير من المعاني، لا سيما ما تقدم الناس فيه، وتردد في الأشعار ذكره، وجرى في الطباع والاعتياد من الشاعر وغير الشاعر استعماله.
وبعد؛ فينبغي أن تتأملوا محاسن البحتري، ومختار شعره، والبارع من معانيه والفاخر من كلامه؛ فإنكم لا تجدون فيه على غزره وكثرته حرفاً واحداً مما أخذه من أبي تمام، وإذا كان ذلك إنما يوجد في المتوسط من شعره فقد قام الدليل على أنه لم يعتمد أخذه، وأنه إنما كان يطرق سمعه فيلتبس بخاطره فيورده.
تم احتجاج الخصمين بحمد الله.
(1/56)

مساوئ الشاعرين
وأنا أبتدئ بذكر مساوى هذين الشاعرين؛ لأختم بذكر محاسنهما، وأذكر طرفاً من

سرقات أبي تمام، وإحالاته، وغلطه، وساقط شعره، ومساوى البحتري في أخذ ما أخذه من معاني أب يتمام، وغير ذلك من غلطٍ في بعض معانيه، ثم أوزان من شعريهما بين قصيدتين إذا اتفقتا في الوزن ولاقافية وإعراب القافية، ثم بين معنى ومعنىً؛ فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك، ثم أذكر ما انفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد بابا لما وقع في شعريهما من الشبيه، وبابا للأمثال، أختم بهما الرسالة، وأتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما، وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم؛ ليقرب متناوله، ويسهل حفظه، ةتقع الإحاطة به، إن شاء الله تعالى.
(1/57)

سرقات أبي تمام
كان أبو تمام مشتهراً بالشعر، مشغوفاً به، مشغولا مدة عمره بتخيره ودراسته، وله كتب اختيارات فيه مشهورة معروفة؛ فمنها: الاختيار القبائلي الأكبر اختار فيه من كل قبيلٍ قصيدةً، وقد مر على يدى هذا الاختيار، ومنها اختيارٌ آخر ترجمته القبائلى، اختار فيه قطعاً من محاسن أشعار القبائل، ولم يورد فيه كبير شيء للمشهورين؛ ومنها: الاختيار، الذي تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية والإسلام، وأخذ من كل قصيدة شيئاً حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة، وهو اختيار مشهور معروف باختيار شعراء الفحول، ومنها اختيار تلقط فيه أشياء من الشعراء المقلين ولا شعراء المغمورين غير المشهورين، وبوبه أبواباً، وصدره بما قيل في الشجاعة، وهو أشهر اختياراته، وأكثرها في أيدي الناس، ويلقب بالحماسة، ومنها اختيار المقطعات، وهو مبوب على ترتيب الحماسة، إلا أنه يذكر فيه أشعار المشهورين وغيرهم والقدماء والمتأخرين، وصدره بذكر الغزل، وقد قرأت هذا الاختيار، وتلقطت منه نتفاً وأبياتاً كثيرة، وليس بمشهور شهرة غيره،
(1/58)

ومنها اختيار مجرد في أشعار المحدثين، وهو موجود في أيدي الناس؛ وهذه الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وأنه اشتغل به، وجعله وكده، واقتصر من كل الآداب والعلوم عليه؛ فإنه ما شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا قرأه واطلع عليه، ولهذا أقول: إن الذي خفى سرقاته أكثر مما قام منها، على كثرتها.
وأنا أذكر ما وقع إلي في كتب الناس من سرقاته، وما استنبطته أنا منها واستخرجته؛ فإن ظهرت بعد ذلك منها على شيء ألحقته بها، إن شاء الله.
1 - قال الكميت الأكبر، وهو الكميت بن ثعلبة:
ولا تكثروا فيه اللجاج؛ فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
أخذه الطائي فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
وذلك أن أهل التنجيم كانوا حكموا بأن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم: إنا نجد في كتبنا أن مدينتنا هذه لا تفتح إلا في وقت
(1/59)

إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهورٌ يمنعك من المقام فيها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها حتى فتحها وأبطل ما قالوه؛ فلذلك قال الطائي:
السيف أصدق أنباء من الكتب
هو أحسن ابتداءاته.
2 - وقال النابغة يصف يوم الحرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعةٌ ... لا النور نورٌ ولا الإظلام إظلام
أخذه الطائي، فقال وذكر ضوء النهار وظلمة الدخان في الحريق الذي وصفه:
ضوءٌ من الناء والظلماء عاكفةٌ ... وظلمةٌ من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعةٌ من ذا، وقد أفلت ... والشمس واجبةٌ من ذا، ولم تجب
3 - وقال الأعشى:
وإن صدور العيس سوف يزوركم ... ثناءٌ على أعجازهن معلق
أخذه الطائي فقال:
من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعةٌ غير مزجاةٍ من الكلم
4 - وقال مسلم بن الوليد في صفة الخمر:
قتلت وعاجلها المدير ولم يقد ... فإذا به قد صيرته قتيلا
(1/60)

أخذه الطائي وأحسن الأخذ فقال:
إذا اليد نالتها بوترٍ توفرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل
فإن كان أخذها من ديك الجن فلا إحسان له؛ لأنه أتى بالمعنى بعينه، قال ديك الجن:
تظل بأيدينا تقعقع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
كذا وجدته فيما نقلته، وليس ينبغي أن يقطع على أيهما أخذ من صاحبه؛ لأنهما كانا في عصر واحد.
5 - وقال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن ارمأ ... فقد الشباب، وقد يصلن الأمردا
أخذ الطائي المعنى والصفة فقال:
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشههم بهن خدودا
6 - وقال البعيث:
وإنا لنعطى المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع
فقال الطائي:
فما كنت إلا السيف لا قى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
(1/61)

7 - وقال الطائي:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
أخذ صدر البيت الأول من قول كثير:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرجوا ... قلائص في أصلابهن نحول
ويشبه قول البعيث:
أطافت كالأسنة هجدٍ ... بخاشعة الأصواء غبرٍ صحونها
وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر.
غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
8 - وقال جران العود العود يصف الخيال:
سقياً لزورك من زورٍ أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول
فذكر العلة في طروق الخيال، وهو السابق إلى هذا المعنى، فأخذه العباس ابن الأحنف فقال:
خيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت أنتباهى ما يزول
(1/62)

وليس يزورني صلة، ولكن ... حديث النفس عنك هو الوصول
فتبعه الطائي فقال:
زار الخيال لها، لا، بل أزاركه ... فكرٌ إذا نام فكر الخلو لم ينم
وقال في هذا المعنى أيضاً:
نم فما زارك الخيال، ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال
9 - وقال أبو تمام الطائي:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك، كما علمت، جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك؛ إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
أخذه من قول هشام المعروف بالحلو أحد الشعراء البصريين يهجو بشار ابن برد:
بذلة والديك كسبت عزا ... وباللوم اجترأت على الجواب
(1/63)

فأخذه إبراهيم بن العباس فقال وأجاد وأحسن:
نجا بك عرضك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا
10 - وقال الطائي:
والشيب إن طرد الشباب بياضه ... كالصبح أحدث للظلام أفولا
أراد قول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليلٌ يصيح بجانبيه نار
فقصر عنه.
11 - وقال قيس بن ذريح:
بليعٌ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... وإن هو لاقاها فغير بليغ
أخذه الطائي فقال:
لم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلد؟!
12 - وقال الحطيئة:
إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصان عليها لؤلؤٌ وزبرجد
(1/64)

فأخذه كثير فقال:
إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصانٌ عليها عقد در يزينها
أخذه الطائي فخلط؛ لقصده إلى مجانسة اللفظ، فقال:
عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور، وعن سلسالها الخصب
13 - وقال مسلم بن الوليد:
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعته في كل مرتحل
أخذه الطائي فقال:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقاتل
فأتى في المعنى زيادةً، وهي قوله " إلا أنها لم تقاتل " وجاء به فيبتين.
(1/65)

وقد ذكر المتقدمون هذا المعنى؛ فأول من سبق إليه الأفوه الأودى، وذلك قوله:
وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
فتبعه النابغة فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
فأخذه حميد بن ثور فقال يصف الذئب:
إذا ما غدا يوماً رأيت غمامةً ... من الطير ينظران الذي هو صانع
(1/66)

وقال أبو نواس:
تتأيا الطير غزوته ... ثقةً بالشبع من جزره
أي: تتعمد وتقصد.
14 - وقال منصور النمري يمدح الرشيد:
وعينٌ محيطٌ بالبرية طرفها ... سواءٌ عليه قربها وبعيدها
أخذه أبو تمام فقال:
أطل على كلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار
عجز هذا البيت حسنٌ جداً، وبيت النمري أحب إلى؛ لأن معناه أشرح 15 - وقال مسلم بن الوليد:
فلما انتضى الليل الصباح وصلته ... بحاشيةٍ من لونه المتورد
أخذه أبو تمام فقال:
حطت على قبة الإسلام أرحله ... والشمس قد نفضت ورساً على الأصل
(1/67)

هذا ما ذكره ابن المنجم، والذي أظنه أنه أخذه من قول الآخر:
والشمس صفراء ... كلون الورس
16 - وقال مرار الفقعسي في وصف الأثافي:
أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم
أخذه أبوتمام فقال:
أثافٍ كالخدود لطمن حزناً ... ونؤيٌ مثملا انقصم السوار
أورد المعنى في مصراع، وأتى بالمصراع الثاني بمعنى آخر يليق به فأجاد، إلا أن بيت المرار أشرج وأوضح معنىٍ، لقوله " أثر الورود على جوانبها " فأبان المعنى الذي من أجله أشبه الخدود الملطومة.
17 - وقال أبو نواس:
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ ... من كف لؤلؤةٍ ممشوقة القد
أخذه أبو تمام فقال وأساء:
أوردةٌ بيضاء بكرٌ أطبقت ... حبلا على ياقوتةٍ حمراء
لأن قوله " أطبقت حبلا " كلام قبيح مستكره جداً.
(1/68)

18 - وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
أخذه من قول كثير:
إذا وصلتنا خلةٌ كي تزيلها ... أبينا، وقلنا: الحاجبية أول
وذكر محمد بن داود بن الجراح في كتابه أنه أخذ المعنى من قول ابن الطثرية إذ يقول:
أتاني هوها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
وهذا أجود ما قيل في هذا المعنى؛ لأنه ذكر الصلة.
19 - وقال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدوالك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
أخذه من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
(1/69)

وقد كان ابن أبي دؤاد سأله عن هذا المعنى أنشده القصيدة، فقال: أهو مما اخترعته؟ فقال: أخذته من قول ابن هاني:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ
20 - وقال ابن الخياط في قصيدة يمدح بها المهدي، فأجازه بجائزة ففرقها في الدار، فبلغه فأضعف له الجائزة، فقال:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
أخذه أبوتمام فقال:
علمني جودك السماح؛ فما ... أبقيت شيئاً لدى من صلتك
وبيت ابن الخياط أبلغ وأجود.
21 - وقال دعبل بن علي:
وإن امرأ أسدى إلى بشافعٍ ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج؛ إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فأخذه أبو تمام فقال وألطف المعنى وأحسن اللفظ:
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله
(1/70)

وإذا امرءٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله
22 - وقال مسلم بن الوليد ف يالحجاب، وأخطأ ف يالمعنى:
كذلك الغيث يرجى في تحجبه ... حتى يرى مسفراً عن وابل المطر
أخذه أبو تمام فقال:
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب
إلا أن لبيت أبي تمام وجهاً من الثواب، وقد ذكرته في بابٍ ف يهذا الكتاب مع ما أخذ على مسلم بن الوليد في بيته من العيب.
23 - وقال النابغة الجعدي:
وتستلب الدهم التي كان ربها ... ضنيناً بها، والحرب فيها الحرائب
فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
لما رأى الحرب رأى العين نوفلسٌ ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
أو أخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
وسعروا الحرب واسم الحرب قد علموالو ينفع العلم مشتقٌ من الحرب
(1/71)

24 - وقالت مريم بنت طارق ترثى أخاها، في أبيات أنشدها ابن الأنباري في أماليه:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ ... يجلو الدجى، فهوى من بينها القمر
أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى، فقال:
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء من بينها البدر
أو أخذه من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه؟ أمريم أخذت من جرير، أم جرير أخذ منها؟ وروى دعبل بن علي الخزاعي لأبي سلمى المونى، من ولد زهير، واسمه مكنفٌ وهو الذي كان يهجو بني القعقاع آل ذفافة العبسي فيقول:
إن الضراط به تعاظم مجدكم ... فتعاظموا ضرطاً بني القعقاع
قال دعبل: فلما مات ذفافة رثاه أبو سلمى فقال:
أبعد أبي العباس يستعتب الدهر ... وما بعده للدهر عتبي ولا عذر؟
(1/72)

ألا أيها الناعي ذفافة ذا الندى ... تعست وشلت من أناملك العشر
ولا مطرت أرضاً سماءٌ، ولا جرت ... نجومٌ، ولا لذت لشاربها الخمر
كأن بني القعقاع بعد وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
توفيت الآمال بعد ذفافةٍ ... فأصبح في شغلٍ عن السفر السفر
يعزون عن ثاوٍ تعزى به العلا ... ويبكى عليه البأس والمجد والشعر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
قال أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح: قال أبو محمد اليزيدي: أنشدني دعبلٌ هذه القصيدة، وجعل يعجبني من الطائي في ادعئه إياها، وتغييره بعض أبياتها.
25 - وقال مسلم بن الوليد يرثي:
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍ ... أثنى عليها السهل والأوعار
أخذ أبو تمام المعنى وقصر ف يالعبارة، فقال:
وقفنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال في السحابة تقلع
وتقصيره عن مسلم أن مسلماً قال " أثنى عليها السهل والأوعار " فأراد أن هذه السحابة عمت بنفعها، وفي قول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " إبهام؛ لأنه لم يفصح بالثناء عليها وأنها نفعت، وقد يقال في السحابة إذا أقلعت ما هو غير
(1/73)

المدح والثناء، إذا نزلت في غير حينها، وف يغير وقت الحاجة إليها، وكثيراً ما يضر المطر إذا كانت هذه حاله، وإن كان أبو تمام لم يرد هذا القسم، وإنما أراد القسم الآخر فقط؛ فقصر في العبارة والشرح، ألا ترى إلى قول الشاعر الأول ما أحسن ما شرط، وهو طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمةٌ تهمى
قال " غير مفسدها " لما دعا لها بالسقيا التي تدوم، وقال البحتري:
ألح جوداً فلم تضرر سحائبه ... وربما ضر عند الحاجة المطر
وقول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " يحتاج إلى تفسير مع سرقته المعنى.
26 - وقال العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
أخذه الطائي فقال:
أآلفة النحيب، كم افتراقٍ ... أظل فكان داعية اجتماع؟
وبيت الأعرابي وهو عروة بن الورد - أجود من بيتهما،
(1/74)

وهو قوله:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنى للمقام أطوف
27 - وقال أبو تمام:
أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي
أخذ المعنى من قول بعض الخوارج وسامه قطري بن الفجاءة قتال الحجاج، لأن الحجاج كان من عليه، فقال:
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيدٍ تقر بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة، والذي ... غطت على إحسانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف فاحتجت له فعلاته
أأقول جار علي؟ لا، إني إذاً ... لأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعاً ... غرست لدي فحنظلت نخلاته
28 - وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخ ... الق أن لا يكنها سدف
أخذه أبو تمام فقال:
فعجبت من شمسٍ إذا حجبت بدت ... من نورها، فكأنها لم تحجب
(1/75)

أو أخذه من قول أبي نواس:
ترى ضوءها من ظاهر الكأس ظاهراً ... عليك، ولو غطيتها بغطاء
29 - وقال مسلم بن الوليد:
يصيب منك مع الآمال طالبها ... حلماً وعلماً ومعروفاً وإسلاماً
أخذه أبو تمام فقال وبرز عليه وإن كان بيت مسلم أجمع للمعنى:
نرمي بأشباحنا إلى ملكٍ ... نأخذ من ماله ومن أدبه
30 - وقال أبو نواس:
تبكي البدور لضحكه ... والسيق يضحك إن عبس
أراد ههنا بالبدور حمع بدرة، فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
كل يومٍ له وكل أوان ... خلٌ ضاحكٌ ومالٌ كئيب
فبإزاء هذا البيت قول أبي نواس " تبكي البدور لضحكه " وقوله " والسيف يضحك إن عبس " فضلٌ.
31 - وقال جرير:
وهن أضعف خلق الله أركانا
أخذه أبو تمام فجعله في الخمر، فقال:
(1/76)

وضعيفةٍ فإذا أصابت فرصةً ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء
32 - وقال رجل من بني أسد، وكان أبو عبد الله الجرشي - أحد شعراء الشاميين - أنشدنيه لبعض شعراء بني أسد:
تغيبت كي لا تجتويني دياركم ... ولو لم تغب شمس النهار لملت
وظننته مصنوعا حتى وجدت عبد الله بن المعتز بالله ذكر في كتابه المؤلف في سرقات الشعر عجز هذا البيت:
ولو لم تغب شمس النهار لملت
للكميت بن زيد فأخذه الطائي فقال:
فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
فأما قول الإيادي:
فإني رأيت القطر يسأم دائباً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
فمن أبي تمامٍ أخذه؛ لأنه متأخر بعده.
33 - وقال مسلم بن الوليد:
موفٍ على مهجٍ واليوم ذو رهجٍ ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أمل
(1/77)

فأخذه الطائي فقال وقصر:
رآه الملج مقتحماً عليه ... كما اقتحم الفناء على الخلود
34 - وقال قطري بن الفجاءة:
ثم انثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الاقدام
أخذه أبو تمام فقال وكأنه عكس المعنى وكلاهما جيد حسن:
ومجربون سقاهم من بأسه ... فاذا لقوا فكأنهم أغمار
وقد كرر هذا المعنى في بيت آخر فقال:
كهل الأناة فتى الشذاة إذا غدا ... للحرب كان الاجد الغطريفا
35 - وقال آخر:
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
ويروى بالرماح أخذه الطائي فقال وقصر وغير المعنى وجاء بغرض آخر
لفظ لأخلاق التجار وإنهم ... لغدا بما ادخروا له لتجار
(1/78)

36 - وقال أبو نواس بمدح الخصيب:
فما جازه جودٌ، ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
أخذه أبو تمام فقال بمدح ابن أبي داود، وقصر عنه:
إليك تناهى المجد من كل وجهةٍ ... يصير فما يعدوك حيث تصير
37 - وقال جرير يهجو الأخطل:
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلاً تكر عليكم ورجالاً
أخذه أبو تمام فقال:
حيران يحسب سجف النقع من دهشٍ ... نقى يحاذر أن ينقض أو جرفاً
وأخذ جرير المعنى من قول الله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم ".
38 - وقال مسلم يرثي:
سلكت بك العرب السبيل إلى العلى ... حتى إذا سبق الردى بك داروا
(1/79)

نفضت بك الآمال أحلاس المنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
أخذه أبو تمام فقال:
توفيت الآمال بعد محمدٍ ... فأصبح مشغولاً عن السفر السفر
أو أخذ ذلك من أبي سلمى يرثى ذقاقة العبسى كما حكى دعبلٌ.
39 - وقال توبة بن الحمير:
يقول أناسٌ: لا يضرك نأيها ... بلى كل ماشف النفوس يضيرها
أخذه أبو تمام فقال وزاد فيه:
لا شيء ضائر عاشقٍ، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيءٍ ضائره
40 - وقال عنترة:
فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
(1/80)

أخذه أبو تمام فقال:
يحملن كل مدججٍ، سمر القنا ... بإهابه أولى من السربال
قال ذلك لأنه ظن أن عنترة أراد الثياب نفسها، وإنما أراد عنترة بقوله " ثيابه " نفسه.
41 - وقال مسلم بن الوليد:
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ةيجعل الهام تيجان القنا الذبل
أخذه أبو تمام وأساء الأخذ وتعسف اللفظ فقال:
أبدلت أرؤسهم يوم الكريهة من ... قنا الظهور قنا الخطى مدعما
أو أخذا المعنى جميعاً من قول جرير:
كأن رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
42 - وقال امرؤ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
أخذه أبو تمام وعدل به إلى وجه المديح فقال:
سما للعلا من جانبيها كليهما ... سمو حباب الماء جاشت غواربه
(1/81)

وما قيل في إخفاء الحركة والدبيب أبلغ ولا أبرع من بيت امرئ القيس هذا.
43 - وقال الفرزدق يهجو جريرا:
أنتم قرارة كل مدفع سوأةٍ ... ولل سائلة تسيل قرار
أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى جميعاً فقال:
وكانت لوعةً ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلةٍ قرار
44 - وقال محمد بن بشير الخارجي من خارجة عدوان:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
أخذه أبو تمام فقال:
فلو أبصرتهم والزائريهم ... لما مزت الحميم من البعيد
فقصر عن الأول.
45 - وقال بعض الأعراب يصف المصلوب، أنشده ثعلب:
قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه
كأنما يضحك في إشراقه
(1/82)

أخذ أبو تمام قوله " آلف مثواه على فراقه " فقال:
لايبرحون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سفرٍ من الأسفار
46 - وقال مسلم بن الوليد وهو معنى سبق إليه:
لا يستطيع يزيدٌ من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاماً
أخذ أبو تمام المعنى فكشفه وأحسن اللفظ وأجاد فقال:
تعود بسط الكف حتى لوانه ... دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
47 - وقال ذو الرمة:
وليلٍ كجلباب العروس أدرعته ... بأربعةٍ والشخص في العين واحد
أحم علافيٌ، وأبيض صارمٌ ... وأعيس مهرىٌ، وأروع ماجد
أخذه أبو تمام فقصر وليس هو المعنى بعينه، فقال:
البيد والعيس والليل التمام معاً ... ثلاثةٌ أبداً يقرن في قرن
والذي اتبع ذا الرمة فأحسن الاتباع البحتري في قوله:
(1/83)

يا خليلي بالسواجير من أد ... بن معنٍ وبحتر بن عتودٍ
اطلبا ثالثاً سواي؛ فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
48 - وقال النابغة الذبياني، وكان الأصمعى يتعجب من جودته:
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار
اخذه أبو تمام فقال وزاد ذكر الموت:
خضعوا اصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار
49 - وقال كعب بن زهير يمدح قريشا:
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
أخذه أبو تمام كما قال لي بعض الرواة فقال يرثي بني حميد:
لو خر سيف من العيوق منصلتا ... ما كان إلا على هامتهم يقع
روى الشاميون أن أبا تمام سئل عن هذا المعنى فقال أخذته من قول نادبه: لو سقط حجر من السماء على رأس يتيم ما أخطأ فأما قول كعب لا يقع الطعن إلا في نحورهم فإنما أراد أنهم لا يولون الدبر وليس من معنى أبي تمام في شيىء
(1/84)

50 - وقال يصف الراية:
تخفق أثناؤها على ملك ... يرى طراد الأبطال من طراده
أخذه من قول أبي نواس:
تعد عين الوحش من أقواتها
وأخذهأبو النواس من قول أبي النجم:
تعد عانات اللوى من مالها
51 - وقال أبو تمام يستهدي نبيذا: وهي نزر لو أنها من دموع الصب لم تشف منه حر الغليل أخذه من قول الآخر أو أخذه الآخر منه والمعنيان متشابهان:
لو كان ما أهديته إثمدا ... لم يكفإلامقلة واحدة
52 - وقال يصف مغنية تغني بالفارسية:
ولم أفهم معانيها ولكن ... شجت كبدي فلم أجهل شجاها
أخذه من قول الحسين بن الضحاك على مافي قول الخليع من المناقضة:
(1/85)

وما أفهم ما يعني ... مغنيا إذا غنى
سوى أني من حبي ... له أستحسن المعنى
لأنه قال: ماأفهم ما يعني ثم قال: استحسن المعنى وإنما أراد بالمعنىاللحن لامعنى القول0 وأجود من ذلك كله قول حميد بن ثور يصف الحمامة:
ولم أر مثلى شاقة صوت مثلها ... ولا عربياً شاقه صوت أعجما
53 - وقال الفرزدق يرثى امرأ له ماتت حاملا:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من درام ذو حفيظة ... لوان المنايا أمهلته لياليا
فقال أبو تمام وأجاد اللفظ وأحسن الأخذ أصاب التمثيل، فقال يرثى ابنين صغيرين ماتا لعبد الله بن طاهر:
لهفى على تلك المخايل فيما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا
54 - وقال أبو تمام:
صلتانٌ أعداؤه حيث حلوا في حديث من ذكره مستفاض
(1/86)

فأخطأ في قوله ((مستفاض)) وإنما هو مستفيض، وقد احتج له محتج بأ، قال: أراد مستفاض فيه، وإنما جعلهم يفيضون في ذكره لأنهم أبداً على حال وجلٍ واحتراسٍ من شدة الخوف منه، ألا تراه قال ((حيث حلوا)) أى هم بهذه الحال قريباً كانت دراهم منه أو بعيدا.
وأخذ هذا المعنى من قول أعشى باهلة يرثى أخاه لأمه المنتشرة:
لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... في كل فج وإن لم يغز ينتظر
أو من قول عروة الصعاليك:
وأن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشؤف أهل الغائب المنتظر
وهذان البيتان جميعاً أوضح وأشرح وأجود من بيت أبي تمام، وقد قيل: أنه أراد أن أعداه يقرّون بفضله، وفيضون في ذكر مناقبه، وذلك محتمل، والمعنى الأول أقوى وأفشى في كلامهم.
55 - وقال بشار بن برد:
شربنا من فؤاد الدّن حتى ... تركنا الدن ليس له فؤاد
أخذه أبو تمام فقصّ عنه فقال:
غدت وهي أولى من فؤاد بعزمتى ... ورحت بما في الدن أولى من الدن
(1/87)

56 - وقال الأخطل:
تدب دبيباً في العظام كأنها ... دبيب نمال في نقاً يتهيل
أخذه أبو تمام فأسد المعنى فقال:
إذا الرّاح دبت فيه تحسب جسمه ... لما دب فيه قريةً من قرى النمل
57 - وقال أبو دواد الإيادي:
لا أعد الإقلال عدماً، ولكن ... فقد من قد فقده الإعدام
أخذ أبو تمام صدر البيت فقال:
يحسب الإقلال عدماً، بل يرى ... أن المقلّ من المروءة معدم
58 - وقال أبو الهدى:
وترى سهيلاً في السّماء كأنه ... ثورٌ يعارضه هجان الربب
أخذه أبو تمام فقال:
أراعى من كواكبه هجانا " ... سواما " لا تريع إلى المسيم
(1/88)

59 - وقال أبو نواس:
شققت من الصبا واشتق منى ... كما اشتقت من الكرم الكروم
أخذه أبو تمام فقال:
ألذ مصافاة من الظل فى الضحى ... وأكرم فى اللأواء عودا " من الكرم
60 - وقال مسلم بن الوليد:
نمضى المنايا كما تمضى أسنته ... كأن فى سرجه بدرا " وضرغاما "
أخذه أبو تمام فقال:
فتى من يديه البأس يضحك والندى ... وفى سرجه بدر وليث غضنفر
61 - وقال ابن هرمة:
استبق عينيك لا يود البكا بهما ... واكفف بوادر من عينيك تستبق
ليس الشؤون وان جادت بباقية ... ولاالجفون على هذا ولا الحدق
أخذه أبو تمام فقال:
ولا تبقى على ادمان هذا ... ولا هذا العيون ولا القلوب
62 - وقال أبو تمام يهجو السراج:
يا ابن الخبيثة لم تعرض صخرة ... صماء من مجدى لعرض زجاج؟
(1/89)

أخذه من قول الآخر وأظنه بشارا:
ارفق بعمرو اذا حركت نسبته ... فانه عربى من قوارير
63 - وقال الشاعر (العديل بن الفرخ) :
مها مه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدى الغاسلات رحيض
أخذه أبو تمام فقال:
وبساط كأنما الآل فيه ... وعليه سحق الملاء الرحيض
64 - وقال أبو تمام:
فا شمالوا يلجلجون دؤوبا " ... مضغا " للكلال فيها أنيض
أخذه من قول زهير:
تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهى تحت الكشح داء
65 - وقال أبو نواس:
سن للناس الندى فندا ... فكأن البخل لم يكن
(1/90)

أخذه أبو تمام فقال:
مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
66 - وقال فى الغزل:
مستحيل أن تحتويك الظنون ... كيف يحوى مالا تراه العيون
غير أنا نقول: أنك خلق ... حركات مخلوقة وسكون
أخذه من قول أبى نواس وقصر عنه:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
يسوقه من قرار الى قرار مكين
حتى بدت حركات مخلوقة من سكون
67 - وقال أبو العتاهية:
كم نعمةلايستقل بشكرها ... لله فىطى المكاره كامنه
اخذه الطائى فقال وأحسن لأنه جاء بالزيادة التى هى عكس الشىء الأول:
قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
(1/91)

68 - وقال آخر، ولست أدرى أهو قبل الطائي أو في أيامه:
ما كنت أحسب أن بحراً زاخراً ... عم البرية كلها. إرواء
أضحى دفيناً في ذراع واحد ... من بعد ما ملك الفضاء فضاء
فقال الطائي، وأبر عليه وعلى كل من ذكر هذا المعنى:
وكيف احتمالي للسحاب صليعةً ... بإسقائها قبراً وفي لحده البحر
69 - وقال آخر:
نؤى كما نقص الهلال محاقة ... أو مثل ما فصم السوار المعصم
أخذه أبو تمام فقال:
ونؤى مثلما انفصم السوار
70 - وقال أخر في السحاب:
كأن عينين باتا طول ليلهما ... يستمطران على غدرانه المقلا
(1/92)

فقال الطائي، وحول المعنى، وأجاد:
كأن الغمام الغر غيبن تحتها ... حبيباً؛ فما ترقى لهن مدامع
71 - وقال الطائي:
وليست بالعون العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب
أخذه من قول الفرزدق:
وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد ترى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طالب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجة بكرا
72 - وقال الآخر، وهو معبد الهذلى:
أي عيشٍ عيشي إذا كنت منه ... بين حل وبين وشك الرحيل؟
كل فج من البلاد كأنّى ... طالبٌ بعض أهله بذحول
فقال الطائي:
كان له ديناً على كل مشرق ... من الأرض، أو ثأراً لدى كل مغرب
73 - وقال آخر، وأنشده ابن أبي طاهر والأخفش للأرقط بن دعبل:
نهنه دموعك من سح وتسجام ... البين أكثر من شوقي وأسقامى
وما أظن دموع العين راضية ... حتى تسح دماً هطلاً بتسجام
(1/93)

أخذ الطائى معنى البيتين ولفظهما فقال:
ما اليوم الأول توديعى ولا الثاني ... البين أكثر من شوقى وأحزاني
وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغنى أقصى خراسانِ
74 - وأنشدنى ابن أبي طاهر لدعبل:
إن جاء مر تغباً سائلٌ ... آلت إليه رغبة السائل
أخذه أبو تمام فقال:
وأني أرجو عاجلاً أن تردنى ... مواهبه بحراً مواهبي
75 - وقال دعبل بن على:
وأسمرٌ في رأسه أزرق ... مثل لسان الحيّة الصادى
أخذه الطائي فقال:
مثقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب أدمتها، والعشاق القضفا
فزاد المعنى بأن شبه زرقتها بزرقة الروم، وسمرتها بسمرة العرب، ولكن قول دعبل ((مثل لسان الحية الصادى)) ليس لحسنة نهاية.
76 - وقال أبو نواس:
وأطعم حتى ما بمكة آكل ... وأعطى عطاءً لم يكن بضمار
(1/94)

أخذ الطائى معنى صدر البيت فقال:
فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حت ىمن يحاربه
77 - وقال أبو نواس في أرجوزة يصف فيها الحمام ويمدح فيها قوما:
بشرهم قلب النّوال اللاّحق ... كالبرق يبدو قبل جودٍ دافق
والغيث يخفى وقعه للرّامق ... إن لم يجده بدليل البارق
أخذ المعنى أبو تمام فقال:
يستنزل الأمل البعيد ببشره ... بشر الخيمة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّما تدعو إلى ... معروفها الرّوّاد ما لم تبرق
78 - وقال أبو العتاهية:
وإن إذا ما تركنا السّؤا ... ل منه فلم نبغه يبتدينا
وإن نحن لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبداً يبتغينا
وقال مسلم بن الوليد في معنى بيت العتاهية الأول:
أخ لي يعطيني إذا ما سألته ... ولو لم أعرض بالسؤال ابتدا نيا
أخذ أبو تمام معنى هذا البيت ومعنى بيت أبى العتاهية الأول فقال:
(1/95)

ورأيتنى فسألت نفسك سيبها ... لى ثم جدت وما نظرت سؤالى
أو لعله أخذ من قول منصور النمري:
رأيت المصطفى هارون يعطى ... عطاءً ليس ينتظر السؤالا
وأجود من هذا كله قول سلم الخاسر:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وأخذ أبو تمام معنى بيت أبي العتاهية الثاني فقال:
كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن تحملت عنه كان في الطلب
79 - وقال مسلم:
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أسءت شيمة من قتى محض
أخذه أبو تمام وزاد زيادة حسنة، فقال:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... ففي سوء القضاء لى العذر
80 - وأنشد أبو تمام في الحماسة:
ترد السباع معى فالفى كالمدل السباع
أخذ المعنى من فيه فقال:
أبن مع السباعي الماء حتى ... لخالته السباع من السباع
(1/96)

81 - وقال النظار بن هشام الأزدى:
يعف المرء ما استحيا ويبقى ... نبات العود ما بقيى اللحاء
وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء زايله الحياء
أخذ أبو تمام معنى البيتين وأكثر لفظهما، فقال:
يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
82 - وقال أبو نوّاس:
أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... ونجم الليل مكتحل بقار
أخذه الطائي فقال:
إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد
83 - وسمع أبا نواس يقول:
تبكى فتذرى الدر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب
فقال وأساء كل الإساءة وقصر وقبح صدر البيت:
ملطومة ٌ بالورد أطلق طرفها ... في الخلق؛ فهو مع المنون محكم
(1/97)

84 - وقال أبو تمام:
ومما كانت الحكماء قالت: ... لسان المرء من خدم الفؤاد
أخذه من الجعد بن ضمام أحد بني عامر بن شيبان، ذكره أبو تمام في اختبارات القبائل:
إن البيان مع الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان بما يقول رسولا
85 - وقال طريح الثقفي يرثي قوماً:
فلله عينا من رأى قط حادثاً ... كفرس الكلاب الأسد يوم المشلل
أخذه أبو تمام فأجاد في الأخذ فقال:
من لم يعاين أبا نصرٍ وقاتله ... فما رأى ضبعاً في شدقها سبع
وهذا معنى متداول، وقد يجوز أن يكون أخذه الطائي من غير هذا الموضع.
86 - وقال مروان بن أبي حفصة:
ما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير
(1/98)

أخذه أبو تمام، فقال:
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
87 - وقال أبو دهبل الجمحي:
ما زلت في العفو للذنوب وإط ... لاق لعانٍ بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
أخذه أبو تمام فقال:
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
88 - وقال زيد الخيل الطائي:
وأسمر مربوعٌ يرى ما رأيتهبصيرٌ إذا صةبته بالمقاتل
أخذه أبو تمام فقال:
من كل أسمر نظار بلا نظرٍ ... إلى المقاتل ما في متنه أود
89 - وقال أبو نخيلة في مسلمة بن عبد الملك:
ونوهت من ذكرى، وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
(1/99)

أخذه أبو تمام فقال:
لقد زدت أوضاحي امتداداً، ولم أكن ... بهيماًن ولا أرضى من الأرض مجهلا
ولكن أيادٍ صادفتني جسامها ... أغر فوافت بي أغر محجلا
90 - وقال المسيب بن علس:
هم الربيع على من كان حلمهم ... وفي العدو مناكيدٌ مشائيم
وقال علاقة بن عركي التيمي يرثي قوماً:
وكنتم قديماً في الحروب وغيرها ... ميامين للأدنى لأعدائكم نكدا
ومثله قول كعب بن الأجذم:
بنو رافعٍ قومٌ مشائيم للعدى ... ميامين للمولى وللمتحرم
أخذ الطائي هذا المعنى فقال في مدح أبي سعيد:
إذا ما دعوناه بأجلح أيمنٍ ... دعاه ولم يظلم بأصلع أنكد
91 - وقال دكينٌ الراجز:
عارى الحصى يدرس ما لم يلبس
(1/100)

أخذه أبو تمام فقال:
تجدد كلمات لبست، وتبقى ... إذا ابتذلت، وتخلق في الحجاب
أو أخذه من قول الراجز:
عودٌ على عودٍ من القدم الأول ... يميته الترك ويحييه العمل
يعني طريقاً.
92 - وقال تميم بن أبي بن مقبل:
قد كنت راعي أبكارٍ منعمةٍ ... فاليوم أصبحت أرعى جلةًً شرفا
يريد عجائز، أخذه الطائي فقال وعدل بشطر البيت إلى وجه آخر فأحسن:
كنت أرعى الخدود، حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما
93 - وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
والمال يغشى رجالا لا طباخ بهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
(1/101)

أخذه الطائي فقال:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي
94 - وقال أبو تمام في وصف الشعر:
ولكنه صوب العقول: إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
أخذه من قول أوسٍ:
أقول بما صبت على غمامتي ... ودهري، وفي حبل العشيرة أحطب
95 - وقال أمية بن أبي الصلت:
عطاؤك زينٌ لامرئ إن حبوته ... بخيرٍ، وما كل العطاء يزين
أخذه الطائي فقال:
ما زلت منتظراً أعجوبةً زمناً ... حتى رأيت سؤالاً يجتنى شرفا
96 - وقال كثير:
ونازعني إلى مدح ابن ليلى ... قوافيها منازعة الغراب
(1/102)

أخذه الطائي فقال:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
97 - وقالت محياة بنت طليق من بني تيم الله بن ثعلبة:
نعى ابنى مجل صوت ناعٍ أصمني ... فلا آب محموداً بريدٌ نعاهما
وقال سفيان بن عبد يغوث النصرى:
صمت له أذناي حين نعيته ... ووجدت حزناً دائماً لم يذهب
أخذه الطائي فقال:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
ونحوه قول الحارث بن نهيك الدارمي:
ففقأ عيني تبكاؤه ... وأورث في السمع مني صمم
98 - وقال شقران بن عرباض القشيري:
فما السائل المحروم يرجع خائباً ولكن بخيل الأغنياء يخيب
وقال آخر - وهو الشجاع الهاتف - في خبر عن ابن الكلبي، ورواه ابن دريدٍ:
لاتزهدن في اصطناع العرف من أحدٍ ... إن الذي يحرم المعروف محروم
أخذه أبو تمام فقال:
وإني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنما حورفتم في المكارم
(1/103)

99 - وقال عنترة:
والطعن مني سابق الآجال
وإنما أراد الآجال سابقة طعني؛ لشدة خوفه إذا سدد سنانه للطعن.
أخذه الطائي فغيره تغييراً حسناً فقال:
يكاد حين يلاقي القرن من حنقٍ ... قبل السنان على حوبائه يرد
100 - وقال عدي بن الرقاع بمدح بعض بني مروان:
وإذا رأيت جماعة هو فيهم ... نبئت سؤدده وإن لم تسأل
أخذه الطائي فقال:
يحميه لألاؤه ولوذعيته ... عن أن يذال بمن أو ممن الرجل
فقصر عديٌ بالممدوح؛ إذ جعله إذا كان في جماعة لم يعرف حتى تنبئ عنه شمائله، وتبعه أبو تمام في التقصير.
101 - وقال:
طلب المجد يورث المرء خبلاً ... وهموماً تقضقض الحيزوما
فتراه، وهو الخلى، شجياً ... وتراه، وهو الصحيح، سقيما
أخذ قوله " وهموماً تقضقض الحيزما " من قول لقيط الإيادي:
(1/104)

لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... همٌ يكاد حشاه يحطم الضلعا
102 - وأخذ معنى قوله:
ولهته العى فليس يعد ال ... بؤس بؤساً ولا النعيم نعيما
من قول لقيطٍ أيضاً:
لامترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروهٌ به خشعا
103 - وقال أبو العارم الطائي:
غبي العي، أو فهمٌ تغابى ... عن الشذان والفكر القواصي
أخذه أبو تمام، فقال وزاد عليه وأحسن:
ليس الغبي بسيدٍ في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
أو أخذه من قول دعبل:
تخال أحياناً به غفلةٌ ... من كرم النفس، وما أعلمه!
104 - وتمثلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته عليه السلام فيما روى عنها، ولا أعلم صحته:
صبت على مصائبٌ لو أنها ... صبت على أليام عدن لياليا
ومثله قول الطائي:
عادت له أيامه مسودةً ... حتى توهم أنهن ليالي
(1/105)

105 - وقال ابن أذينة:
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني
أخذه الطائي فقال:
الرزق لا تكمد عليه؛ فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
106 - وقال الطائي:
وجه العيس وهي عيسٌ إلى الل ... هـ فآضت من الهواجر شيما
أخذه من قول ابن هرمة:
بدأت عليها وهي عيسٌ فأصبحت ... من السير جوناً لاحقات الغوارب
107 - وأنشد الأشنا نداني ف يالمعاني يذكر الإبل:
ردت عواري غيطان الفلا، ونجت ... بمثل إيبالةٍ من حائل العشر
(1/106)

أخذه أبو تمام فقال:
فكم جزع وادٍ جب ذروة غاربٍ ... وبالأمس كانت أتمكته مذانبه
108 - وقال أبو تمام:
لو أضخنا من بعدها لسمعنا ... لقلوب الأيام منك وجيبا
أخذه من قول أبي النواس:
حتى الذي في الرحم لم يك نطفةً ... لفؤاده من خوفه خفقان
109 - وقال آخر:
يا حبذا ريح الجنوب إذا غدت ... بالفجر وهي ضعيفة الأنفاس
قد حملت برد الثرى، وتحملت ... عبقاً من الجثجاث والبسباس
أخذه الطائي فقال:
أرسى بناديك الندى، وتنفست ... نفساً بعقوتك الرياح ضعيفا
110 - وقال نصيب:
وقد عاد ماء الأرض ملحاً؛ فزادني ... على ظمئي أن أبحر المشرب العذب
(1/107)

أخذه أبو تمام فقال:
كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمناً عذاب الورد فهي بحار
111 - وقال غيلان بن سلمة الثقفي يصف فرساً:
نهد كتيس أقب معتدلٍ ... كأنما في صهيله جرس
أخذه أبو تمام فقال:
صهصلقٌ في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس
112 - وقال الفرذدق:
قيامٌ ينظرون إلى سعيدٍ ... كأنهم يرون به هلالا
أخذه أبو تمام فقال:
رمقوا أعالي جذعه فكأنما ... رمقوا الهلال عشية الإفطار
113 - وقال ابن مناذر في البرامكة:
إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
لهم رحلةٌ في كل يومٍ إلى العدى ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر
(1/108)

أخذه أبو تمام فقال:
حين عفى مقام إبليس سامى ... بالمطايا مقام إبراهيما
114 - وقال أبو تمام:
فحيوا بالأسنة ثم ثنوا ... مصافحة بأطراف الرماح
أخذ قوله " فحيوا بالأسنة " من قول مسلم بن الوليد:
فحيوا بأطراف القنا، وتعانقوا ... معانقة البغضاء غير التودد
وأخذ قوله " مصافحة بأطراف الرماح " من قول أب يإسحاق التغلبي:
دنوت له بأبيض مشرقي ... كما يدنو المصافح للسلام
115 - وقال جرير في يزيد بن معاوية:
الحزم والجود والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاختلفوا
ألم به أبو تمام فقال:
من البأس والمعروف والجود والتقى ... عيالٌ عليه، رزقهن شمائله
فقال " عيال عليه " وهو نحو قول جرير " نزلوا على يزيد " ولعل أبا تمام أخذه من قول دعبلٍ:
تنافس فيه الحزم والبأس والتقى ... وبذل الهى حتى اصطحبن ضرائرا
(1/109)

116 - وقال الكميت يصف الخيل:
يفقهن عنهم إذا قالوا، ويفقههم ... مستطعمٌ صاهلٌ منهم ومنتحم
أخذه أبو تمام فقال:
وهو إذا ما ناجاه فارسه ... يفهم عنه ما تفهم الإنس
117 - وقال الكميت أيضاً:
وألقين البرود على خدودٍ يزين الفداغم بالأسيل
يريد بالفداغم الوجوه اللحيمة؛ فقال أبو تمام:
وثنوا على وشى الخدود صيانةً ... وشى البرود بمسجفٍ وممهد
118 - وقال الأبيرد الرياحي:
وكنت أرى هجراً فراقك ساعةً ... ألا، لا، بل الموت التفرق والهجر
أخذه أبو تمام فقال:
الموت عندي والفرا ... ق كلاهما مالا يطاق
(1/110)

119 - وأنشد أبو العباس المبرد للعتبى:
أضحت بخدى للدموع رسوم ... أسفاً عليك، وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحسن من المواطن كلها ... إلا عليك؛ فإنه مذموم
قال: وأخذه الطائي فقال في إدريس بن بدر السامي:
دموعٌ أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوبٍ تقطع
وقد كان يدعي لابس الصبر حازماً ... فأصبح يدعى حازماً حين يجزع
قال: وجاء به الطائي في موضع آخر. فقال:
الصبر أجمل غير أن تلذذي ... في الحب أحرى أن يكون جميلا
120 - وقال الراجز، أنشده يعقوب بن السكيت:
قد أضحت العقدة صلعاء اللمم ... وأصبح الأسود مخضوباً بدم
العقدة: موضعٌ ذو شجر لا يفنى فيذهب، وصلعاء اللمم: الجماجم، وهو جمع لمة، فجعله مثلا لرؤوس النبت أكلته الإبل فصارت لممه صلعاً، والأسود: الحية تطؤه الإبل فتقتله؛ فظفر بهذا أبو تمام فقال: حتى تعمم هامات الربى من نوره وتأزر الأهضام
(1/111)

والأهضام: ما انخفض من الأرض.
ووجدت ابن طاهر خرج سرقات من المعاني بالمشترك بين الناس مما لا يكون مثله مسروقا 1 - فمن السرق قول أبي تمام:
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ... ولكن أملته عليه الحمائم
أخذه من قول العتّابي:
بكى واستملّ الشوق من في حمامة ... أبت في غصون الأيك إلا الترنما
أظن قوله " في حمامة " أراد به من صوت حمامة، دعته إليه الضرورة، وليس هذا موضع " في " وقوله " أملته " من قول العتّابي " واشتملّ ".
وقد جاء مثله في أشعارهم: 2 - وقال: أخذه وقوله:
لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحكٌ، وإن بكاءك استغرام
(1/112)

من قوله الآخر:
فإن إن بكيت بكيت حقاًّ ... وإنك في بكائك تكذبينا
3 - وقال:
فنول حتى لم يجد من ينيله
أخذه من قول علي بن جبلة:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وبدأت إذا قطع العفاة سؤالها
وقد ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير ابن جبلة: 4 - وقال:
إني لأعجب ممن في حقيبته ... من المنى بحورٌ كيف لا يلد
أخذه من مروان في قوله:
لو كان يحمل من هذا الورى ذكر ... لكنت أول خلق الله بالولد
ومن قوله أيضاً:
لو كان يخلق في بطن امرئ ولد ... لأصبح البطن منه ضامناً ولدا
(1/113)

5 - وقال:
يحميه لألاؤه ولو ذعيته ... عن أن يذال بمن أو ممن الرجل
أخذه من قول حسان:
إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فما إن يقال له من هوه
وقد ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير حسان.
6 - وقال:
فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها ... فقد أسكنت بين الطلى والجماجم
أخذه من قول عنترة:
ولم يعلم جوية أن نبلى ... يكون جيرها البطل النجيد
7 - وقال:
يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام
(1/114)

أخذه من قول أبي العتاهية:
لم تنتقصني إذ أسأت وزدتني ... حتى كأن إساءتي إحسان
8 - وقال الطائي:
أجل أيها الربع الذي خفّ آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
أخذه من قول العرجي:
ألا أيها الربع الذي بان آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
9 - وقال:
لا تذيلن مصون همك وانظر ... كم بذي الأيك دوحة من قضيب
أخذه من قول الأشهب بن رميلة:
على بني يشد الله أزرهم ... والدوح ينبت عيداناً فيتكهل
10 - وقال:
أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما
أخذه من قول أبي الشيص:
وكم من ميتة قد مت فيه ... ولكن كان ذاك وما شعرت
(1/115)

11 - وقال في وصف الرماح:
كأنها وهي في الأكباد والغة ... وفى الكلى تجد الغيظ الذى تجد
أخذه من قول النمري:
ومصلتاتٍ كأن حقداً ... منها على الهام والرقاب
12 - وقال:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍ ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
أخذه من قول الآخر:
إذا أسلفتهن الملاحم مغنماً ... دعاهن من كسب المكارم مغرم
13 - وقال:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
وقد ذكرت أخذ هذا المعنى فيما تقدم من كثير.
14 - وقال:
توفيت الآمال بعد محمدٍ ... فأصبح مشغولاً عن السفر السفر
(1/116)

أخذه من قول عصام الجرجاني:
ألا في سبيل الله آمالك التي ... توفين لما اغتالك الحدثان
وقد تقدم ذكر هذا وأنه أخذه من موضع آخر.
15 - وقال:
تعليفها الإسراج والإلجام
أخذه من قول جرير:
حراجيج يعلفن الذميل، كأنها ... معاطف ظبيٍ أو حنى الشراجع
16 - وقال:
ذاك الذي كان لو أن الأنام له ... نسلٌ لما عليهم جبنٌ ولا بخل
أخذه من قول أبي السمط:
(1/117)

لو كان جدكم شريكٌ والداً ... لناس لم تلد النساء بخيلا
17 - وقال:
حمراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغمام الرقرق
أخذه من قول مسلم:
صفراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغيوم البجس
18 - وقال: أخذ قوله:
بياض العطايا في سواد المطالب
من قول بعض العرب:
همامٌ عطاياه بدورٌ طوالعٌ ... على آمليه في سواد المطالب
ومن قول الأخطل:
رأين بياضاً في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
19 - وأخذ قوله:
ناجيت ذكرك، والظلماء عاكفةٌ ... فكان يا سيدي أحلى من الشهد
من قول ابن أبي أمية:
كم ليلةٍ نادمني ذكره ... يسعدني المثلث والزير
(1/118)

20 - وأخذ قوله:
والعيش غضُ والزمان غلام
من قول الأخطل:
سعيت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟
21 - وقال أخذ قوله:
ذاك الذي أحصى الشهور وعدها ... طمعاً لينتج سقبةً من حائل
من قول أعرابي:
إنا وجدنا طرد الحوامل ... خيراً من التاتان والمسابل
وعدة العام وعام قابل ... ملقوحة في بطن ناب حائل
22 - وأخذ قوله:
يعلون حتى ما يشك عدوهم ... أن المنايا الحمر حيٌ منهم
(1/119)

من قول مسلم بن الوليد:
لو أن قوماً يخلقون منيةً ... من بأسهم كانوا بني جبريلا
23 - وأخذ قوله:
لو كان في الدنيا قبيلٌ آخرٌ ... بإزائهم ما كان فيها معدم
من قول بشار بن برد:
لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير
24 - وقال في قوله:
ذقنا الصدود، فلما اقتاد أرسننا ... حنت حنين عجولٍ بيننا الرحم
من قول الأسود بن يعفر:
سما بصرى لما عرفت مكانه ... وأطت إلى الواشحات أطيطا
25 - وأخذ قوله:
صفراء صفرة صحةٍ قد ركبت ... جثمانه في ثوب سقمٍ أصفر
من قول على بن رزين الكوفي:
(1/120)

بيضاء رعبوبةٌ صفراء من غير
26 - وقال في قوله:
لم تكمدي فظننت أن لم تكمدي
من قول بعضهم:
لا تنكري جزع المحب؛ فإنه ... يطوى على الزفرات غير حشاك
أو أخذه من قول مسلم بن الوليد:
قد أولعته بطول الهجر غرته ... لو كان يعرف طعم الهجر ما هجرا
27 - وقال في قوله:
سقى الغيث غيثاً وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحابٌ ولا قطر
من قول عقيق بن سليك العامري:
سقاك الغيث إنك كنت غيثاً
28 - وقال في قوله:
أمن بعد طي الحادثات محمداً ... يكون لأثواب العلى أبداً نشر
(1/121)

من قول أبي نواس:
طوى الموت ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لما تطوى المنية ناشر
29 - وقوله أيضاً:
ومن العجائب ناصحٌ لا يشفق
من قول المخبل:
ولا يعدم الغاوى على الغي لائما ... وإن هو لم يشفق عليه يلوم
30 - وأخذ قوله:
من شرد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
من قول الأعشى:
هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر
وفي قول أبي تمام زيادةٌ حسنة، وهي قوله: " حتى استطرف الإعدام ".
(1/122)

31 - وأخذ قوله:
حلفت، إن لم تثبت، أن حافره ... من صخر تدمر، أو من وجه عثمان
من قول الآخر:
لو كان حافر برذوني كأوجهكم ... بني بديل، لما أنعلته أبدا

باب
ومما نسبه فيه ابن أبي طاهر إلى السرق ما ليس بمسروق؛ لأنه مما يشترك فيه الناس من المعاني والجاري على ألسنتهم، ومنه ما نسبه إلى السرق والمعنيان مختلفان.
32 - فمن الأول قول أبي تمام:
ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمنٍ؟ ... فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه
وقال: أخذه من قول العتابي:
ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
ومثل هذا لا يقال له مسروق؛ لأنه قد جرى في عادات الناس - إذا مات الرجل من أهل الخير والفضل، وأثني عليه بالجميل - أن يقولوا: ما مات من خلف مثل هذا الثناء، ولا من ذكر بهذا الذكر. وذلك شائع في كل أمة، وفي كل لسان.
(1/123)

33 - وقال أبو تمام:
إذا عنيت بشيءٍ خلت أنى قد ... أدركته أدركتني حرفة الأدب
وقال: أخذه من قول الخريمى:
أدركتني وذاك أول دائي ... بسجستان حرفة الآداب
و ((حرفة الآداب)) لفظة قد اشترك الناس فيها، وكثرت على الأفواه، حتى سقط أن نظن أن واحداً يستملها من آخر، هذا قول أبي طاهر.
ولم يقل أبو تمام ((أدركتنى حرفة الأدب)) إنما قال ((أدركتنى حرفة العرب)) وقد ذكرت غلطه فى هذه اللفظة عند ذكر البيت فى الموازنة.
34 - وقال في قوله:
لو العافون كم لك فى الندى ... من لذة أو فرحة لم تحمد
أخذه من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف، ولكن يلذ طعم العطاء
وما إخاله احتذى في هذا البيت على قول بشار؛ لأن بشار قال: ليس يعطيك رغبة في جزاء يرجوه، ولا خوفاً من مكروه، ولكن لالتذاذه العطية،
(1/124)

وأراد أبو تمام أن الطالبين لو علموا التذاذه الندى لم يحمدوه، والمعنيان إنما اتفقا في طريق التذاذ الممدوح بعطائه فقط؛ وهذا ليس من بديع المعانى التى يختص بها شاعر فيقال: إن واحد أخذه من الآخر؛ لأن العادة جارية بأن يقال: فلان لا يعطى متكارهاً ولا متكلّفاً، بل يعطى عن نية صادقة، ومحبة لبذل المعروف تامة، ونحو هذا من يقول.
35 - وقال في قوله:
لو كان ينفخ قين الحى في فحم
من قو الأغلب:
قد قاتلوا لو ينفخون في فحم ... ما جبنوا ولا تولوا من الأمم
وهذا معنى شائع من معاني العرب، وجار في الأمثل أن يقولوا: قد فعلت كذا، واجتهدت في كذا لو كنت تنفخ في فحم ٍ؛ لأن النفخ يحي النار ويشعلها، والنفخ في حطب ليس بفحم ولا أخذت النار فيه لا يورى ناراٍ.
36 - وقال في قوله:
والموت خير من سؤال سؤول
(1/125)

من قول محمود:
وارغب إلى ملك الملوك، ولا تكن ... بادى الضراعة طالباً من طالب
ومثل هذا لا يكون مسروقاً؛ لأنه على الألسن أن يقال: وقع سائل على سائل، ومجندٍ على مجتدٍ، ووقع البائس على الفقير، وأمثال هذا.
37 - وقال في قوله:
همةٌ تنطح النجوم، وجدٌ ... آلفٌ للحضيص فهو حضيض
من قول أعرابي:
همته قد علت وقدرته ... في اللحد بين الثرى مع الكفن
وهذا أيضاً من المعاني المشتركة الجارية في العادة أن يقولوا: همته في علاء، وجده في سفال، وهمته ناطقة وجده أخرس، وهمة ذات حراك وجدٌ ساكن، وهمة فلان ترفعه وجده يضعه؛ وما أشبه هذا.
38 - وقال في قوله:
تقبل الركن ركن البيت نافلةً ... وظهر كفك معمورٌ من القبل
من قول عبد الله بن طاهر:
أعلت له ذكره فكافأها ... بأن توالى في ظهرها القبل
(1/126)

وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر قبل الكف، وهذا ليس من المعاني المبتدعة؛ لأن الناس أبداً يقولون: ما خلق وجهه إلا للتحية، وكفه إلا للقبل، كما قال دعبل:
فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
ومثل هذا، مما نطقوا به كثيراً، فلا يكون عندي مسروقاً.
39 - وقال في قوله:
نظرت فالتفت منها إلى أح ... لى سوادٍ رأيته في بياض
من قول كثير:
وعن نجلاء تدمع في بياضٍ ... إذا دمعت وتنظر في سواد
وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر البياض والسواد، والألفاظ غير محظورة، وأبو تمام إنما قال " فالتفت منها إلى أحلى سواد " يعني حدقتها " في بياض " يعنى شحمة عينها، وهذا هو الصحيح، وقد قيل: سواد عينها في بياض وجهها، وكثير أراد أن عينها تدمع إذا دمعت، يريد خدها، وتنظر في سواد، يعني حدقتها، وهذا المعنى غير ذاك.
(1/127)

40 - وقال في قوله:
وكم لك لولا ما أخففها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق
بالله أدفع عني ثقل فادحها ... فإنني خائف منها على عنقى
من قول أبي نواس، والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا نواس قال:
لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
أنت امرؤٌ جللتني نعماً ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فذكر أن نعم الممدوح قد غلبت الشكر، فاستعفاه من نعمة أخرى حتى يقوم بشكر نعمته السالفة، وأبو تمام قال: لولا ما أخففها به من الشكر لم أطق حملها، ثم أحسن وألطف في قوله " فإنني خائف منها على عنقي " ومعنى أب ينواس أجود وأبرع.
41 - وقال في قوله:
أعمل النتف والطلا وقديماً ... كان صعباً أن تشعب القاروره
(1/128)

من قول الأعشى:
كصدع الزجاجة ما تستطي ... ع كف الصناع لها أن تحيرا
قلت: ووقع في شعر الأعشى أيضاً قوله:
فبانت وفي الصدر صدعٌ لها ... كصدع الزجاجة لا يلتئم
وهذا معنى متداول مشهور مبذول من معانيهم في الزجاج، قد نطق به الناس، وأكثروا فيه حتى سقط أن يقال: إن أبا تمام أخذه من الأعشى، وقد تقدم فيه المسيب بن علس فقال:
بانت وصدع القلب كان لها ... صدع الزجاجة ليس يتفق
وقال آخر:
مثل صدع الزجاج أعيا الصناعا
وقال آخر:
وتفرقت نياتهم فتصدعوا ... صدع الزجاجة ما لها تيفاق
ومثله كثير.
42 - وقال في قوله:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكماً ... إذا العفو منه وهو في السيف حاكم
من قول مسلم بن الوليد:
يغدو عدوك خائفاً؛ فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا
(1/129)

والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: إذا حكم سيف الممدوح على الهام حكم عفوه على السيف، ومسلم قال: إن عدو الممدوح يخافه؛ فإذا رأى أن قد قدر على العقاب رجاه؛ فليس هذا المعنى من ذلك في ئيء.
43 - وقال في قوله:
فإن هزرئتم سللناها وقد غنيت ... دهراً وهام بني بكر لها غمد
من قول سعد بن ناشب:
فإن أسيافنا بيضٌ مهندةٌ ... عتقٌ، وآثارها في هامهم جدد
والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: " وهام بني بكر لها غمد " وهذا قال: " وآثارها ف يهامهم جدد " فهذا غير ذلك.
(1/130)

44 - وقال في قوله:
فلو كانت الأزراق تجري على الحجى ... هلكن إذاً من جهلهن البهائم
من قول أب يالعتاهية:
إنما الناس كالبهائم في الرز ... ق، سواءٌ جهولهم والحليم
وبين المعنيين خلاف؛ فإن أبا العتاهية أراد أن رزق كل نفس يأتيها - جاهلةً كانت أو عالمةً - كما يأتي البهائم، وهذا قائم في الفطرة والعقول؛ فتتفق الحخواطر في مثله. وأبو تمام قال: إن الرزق لو جرى على قدر العقل لهلكت البهائم، وهذه زيادة في المعنى حسنة، وإن كان إلى مذهب أبي العتاهية يؤول.
(1/131)

45 - وقال في قوله:
وأشجيت أيامي بصبر حلون لي ... عواقبه، والصبر مثل اسمه صبر
من قول أبي الشيص:
يصبرني قومٌ براءٌ من الهوى ... وللصبر تاراتٍ أمر من الصبر
فقول الناس: الصبر مرٌ، والصبر كاسمه صبر، وقولهم: الصبر محمود العاقبة، وإن كان مراً؛ لا يكون مسروقاً فيقال: إن واحداً أخذه من آخر، وقول أبي الشيص: إن للصبر تارات يكون فيها أمر من الصبر، أي: له تارات يكون فيها شديد المرارة، وقول أبي تمام: أشجيت أيامي بصبر حلت لي عواقبه، ثم قال: والصبر مر عواقبه، يريد في الحلق، أي لو جرعته لكان مقطعه شديد المرارة، وإنما قال هـ1اليجتمع له في البيت حلاوة عواقبه ومرارة عواقبه، هذا تفسيره على ما رواه ابن أبي طاهر، ولم يقل أبو تمام والصبر مر عواقبه، وإنما قال: والصبر مثل اسمه صبر.
(1/132)

46 - وقال في قوله:
لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
من قول مسلم:
لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالبٌ ونسور
وذكر وقوع الذئاب وغيرها والنسور وما سواها من الطير على القتلى معنى متداولٌ ومعروفٌ، وهو في بيت أبي تمام غيره في بيت مسلم؛ لأن مسلماً قال لممدوحه: لو حاكمتك - يريد الفرقة والعصب التي لقيتك - في مطالبتك بثأر من قتلت منها لشهدت عليك الثعالب والنسور، وأبو تمام قال على سبيل الاستهزاء: لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يؤدي الذئب والنسر شكرها؛ لكثرة ما أكلا منها، وهذا المعنى غير ذاك، والله أعلم.
(1/133)

تم الجزء الأول من الموازنة على ما جزأه مؤلفه، والحمد لله.

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي عفا الله عنه: قد ذكرت في الجزء الأول احتجاج كل فرقة من أصحاب أبي تمام حبيب ابن أوسٍ الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري على الأخرى في تفضيل أحدهما على الآخر، وقلت: إني أبتدئ - بعد هذا الباب - بذكر معايبها؛ لأختم الكتاب بوصف محاسنها؛ فأتبعت ذلك بما خرجته من سرقات أبي تمام وبيضت آخر الجزء لألحق به ما وجدته منها في دواوين الشعراء فعلمت عليه، وما أجده بعد ذلك؛ فإنه كثير السرق جدا.
وقد سمعت أبا علي محمد بن العلاء السجستاني يقول: إنه ليس له معنى انفرد به فاخترعه إلا ثلاثة معان، وهي قوله:
تأبى على التصريد إلا نائلاً ... إلا يكن ماءً قراحاً يمذق
نزراً كما استكرهت عائر نفحةٍ ... من فأرة المسك التي لم تفتق
(1/137)

وقوله:
بني مالك قد نبهت خامل الثرى ... قبورٌ لكم مستشرفات المعالم
رواكد قيس الكف من متناول ... وفيها على لا ترتقى بالسلالم
وقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها اسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
ولست أرى الأمر على ما ذكره أبو علي، بل أرى أن له - على كثرة مآخذه من أشعا ر الناس ومعاينهم - مخترعات كثيرةً، وبدائع مشهورة، وأنا أذكرها عند ذكر محاسنه إن شاء الله تعالى.
ومع هذا فلم أر المنحرفين عن هذا الرجل يجعلون السرقات من كبير عيوبه؛ لأنه باب ما يعرى منه أحدٌ من الشعراء إلا القليلب، بل الذي وجدتهم ينعونه عليه كثرة غلطة، وإحالته، وأغاليطه في المعاني والألفاظ.
وتأملت الأسباب التي أدته إلى ذلك؛ فإذا هي ما رواه أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن أحمد أن أبا تمام يريد البديع إلى
(1/138)

المحال، وهذا نحو ما قاله أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله في كتابه الذي ذكر فيه البديع، وكذلك ما رواه محمد بن داود عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبيه أن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وأن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحير فيه، كأنهم يريدون إسرافه في طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها، حتى صار كثيرٌ مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة ويقتسرها مكارهة، وتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ما قرب في حسن، ولم يفحش، واقتصر من القول على ما كان محذوا الشعراء المحسنين؛ ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر وتذهب ماءه ورونقه، ولعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه - لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان قليله حينئذٍ يقوم مقام كثير غيره؛ لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكنه شره إلى إيراد
(1/139)

كل ما جاش به خاطره ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالردئ، والعين النادر بالرذل الساقط، والصواب بالخطأ. وأفرط المتعصبون له في تفضيله، وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له عن خطائه وتأولوا له التأول البعيد فيه، وقابل المنحرفون عنه إفراطاً بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه. وتجاوز ذلك بعضهم إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه فيه، واحتج بما لا تقوم حجة به، ولم يقنع بذلك مذاكرة وقولاً حتى ألف في ذلك كتاباً، وهو أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار القطر بلى المعروف بالفريد، ثم ما علمته وضع يده من غلطه وخطئه إلا على أبيات يسيرة، ولم يقم على ذلك الحجة، ولم يهتد لشرح العلة، ولم يتجاوز فيما نعاه بعدها عليه الأبيات التي تتضمن بعيد الاستعارة وهجين اللفظ، وقد بينت خطأه فيما أنكره عليه من الصواب في جزء مفرد إن أحب القارئ له أن يجعله من جملة هذا الكتاب ويصله بأجزائه فعل ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي تضمن يدخل ف يمحاسن أبي تمام التي ذكرت أنى أختم كتابي هذا بها وبمحاسن البحري.
(1/140)

وأنا أذكر ما غلط فيه أبو تمام من المعاني والألفاظ، مما أخذته من أفواه الرجال وأهل العلم بالشعر عند المفاوضة والمذاكرة، وما استخرجته أنا من ذلك واستنبطته، بعد أن أسقطت منه كل ما احتمل التأويل، ودخل تحت المجاز، ولاحت له أدنى على.
وأنا أبتدئ بالأبيات التي ذكرت أن أبا العباس أنكرها، ولم يقم الحجة على تبيين عيبها وإظهار الخطأ فيها، ثم أستقصى الاحتجاج في جميع ذلك؛ لعلمي بكثرة المعارضين ومن لا يجوز على هذا الشاعر الغلط، ويوقع له التأول البعيد، ويورد الشبه والتمويه. وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
1 - أنكر أبو العباس أحمد بن عبيد الله على أبي تمام قوله:
هاديه جذعٌ من الأراك، وما ... تحت الصلا منه صخرةٌ جلس
قال: هذا من بعيد خطائه أن شبه عنق الفرس بالجذع، ثم قال " جذع من الأراك " ومتى رأى عيدان الأراك تكون جذوعاً؟ وتشبه بها أعناق الخيل!.
وأخطأ أبو العباس في إنكاره على أبي تمام أن شبه عنق الفرس بالجذع، وتلك عادة العرب، وهو في أشعارها أكثر من أن يحصى، وقد بينت ذلك فيما غلط فيهأبو العباس على أبي تمام.
(1/141)

وأصاب أبو العباس في إنكاره أن تكون عيدان الأراك جذوعاً، وإن لم يلخص المعنى؛ لأن عيدان الأراك لا تغلظ حتى تصير كالجذوع، ولا تقاربها.
فإن قيل: إن الشجرة من الأراك قد تعظم حتى تصير دوحة يستظل بها الجماعة من الناس والسرب من الوحوش، وذلك معروف موجود، وقد قال الراعي:
غذاه وحولى الثرى فوق متنه ... مدب الأتى والأراك الدوائح
والدوائح: العظام منه، جمع دوحة.
قيل: إن الأمر وإن كان كذلك في بعض شجر الأراك من علوها وتشعب أغصانها في الغلظ، ولو انتهت إلى هذه الحالة - وذلك غير معولم - لما قيل لها أيضاً " جذوع "؛ لأن الجذع إنما هو للنخلة فقط، وقد يقال على سبيل الاستعارة لما يشبه بالنخلة، قال الراجز:
بكل طرفٍ أعوجي صهال ... يمشي إذا ما قيد مشى المختال
تحت هواد كجزوع الأوقال
فقال: " كجذوع الأوقال " والأوقال: جمع وقلة وهي شجرة المقل؛ لأن فيها شبهاً من النخل من جهة الخوص والليف.
فإن قيل: فقد قال ذو الرمة:
(1/142)

وهادٍ كجذع الساج سامٍ يقوده ... معرق أحناء الصبيين أشدق
قيل: ذو الرمة إنما قال ذلك على التشبيه؛ لأن العود من الساج يشبه الجذع المنحوت في غلظه وهيئته، وعود الأراك من أبعد شيء من ذلك؛ لأنه لا يمتد ولا يستوى استواء الجذع ولا غيره من أجناس الشجر التي تمتد أبدانها علواً امتداداً مستوياً، وذلك لرقته وشدة التووائه وتشعبه.
2 - وأنكر أبو العباس قول أبي تمام:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
وقال: هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت، ولم يزد على هذا شيئاً، والخطأ في هذا البيت ظاهر؛ لأنى ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالقرة، وإنما يوصف الحلم بالعظم والرجحان والثقل والرزانة، ونحو ذلك، كما قال النابغة:
وأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا
وكما قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
(1/143)

وكما قال أبو ذؤيب:
وصبرٌ على حدث النائبات ... وحلمٌ رزينٌ وقلبٌ ذكي
وكما قال عدي بن الرقاع في مثل ذلك:
في شدة العقد والحلم الرزين وفي ال ... قول الثبيت إذا ما استنصت الكلم
وقال أيضاً:
أبت لكم مواطن طيباتٌ ... وأحلامٌ لكم تزن الجبالا
وكما قال عدي أيضاً:
الجامع الأصيل وسؤدداً ... غمراً يقاس به وحكمةً حازم
وكما قال أيضاً:
قرمٌ له مع دينه وتمامه ... حلمٌ إذا وزن الحلوم ثقيل
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةً ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل
وقال أيضاً:
إنا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهال
وكما قال الآخر:
وعظيم الحلم لو وازنته ... بثبيرٍأو برضوى لرجح
(1/144)

ومثل هذا كثير في أشعارهم، ألا ترى أنهم إذا ذموا الحلم كيف يصفونه بالخفة؛ فيقولون: خفيف الحلم، وقد خف حلمه؟ وقال عياض بن كثير الضبي:
تنابلةٍ سودٍ خفافٍ حلومهم ... ذوى نيرب في الحي يغدو ويطرق
وقال عقبة بن هبيرة الأسدي:
أبنى المغيرة قبل آل خويلدٍ ... يا للرجال لخفة الأحلام
وقال قد بن مالك الأسدي:
كأن جرادةً صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا
جعلها صفراء لأنها ذكر، وهو أسرع من الأنثى وأخف.
وقال ابن قيس الرقيات، ووجدتها في ديوانه، والصحيح أنها لأبي العباس الأعمى:
(1/145)

بحلومٍ إذا الحلوم استخفت ... ووجوهٍ مثل الدنانير ملس
وقال قيس بن عمير الكناني:
كمثل الحصى بكر، ولكن خيانة ... وغدرٌ وأحلامٌ خفافٌ عوازب
فهذه طريقة وصفهم الحلم، وإنما مدحوه بالثقل والرزانة، وذموه بالطيش والخفة.
وأيضاً فإن البرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالمتانة والصّفاقة، وأكثر مايكون ألواناً مختلفة، كما قال يزيد بن الطثرية:
أشافتك أطلال الدّيار كأنما ... معارفها بالأبرقين برود
والأبرق والبرقاء من الأرض: ما كان فيها حجارة ورمل؛ فقيل ((برقاء)) لاختلاف الألوان فيها، ومن ذلك الجبل الأبرق الذي فتل من قوى مختلفة الألوان؛ فلذلك شبه الشاعر معارف الديار بالبرود لاختلاف ألوان البرود.
ولولا أنه قال ((رقيق حواشي الحلم)) ما ظننت أنه شبه بالبرد إلا لمتانته، وهذا عندما أفحش الخطأ، ثم قوله ((لو أن حلمه في بكفيك)) كلام في غاية القبح والسخافة، وأظن أبا العباس بن عمار إنما أنكر هذه اللفظة فقط.
وإنى لأعجب من اتباع البحترى إياه في البرد - مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه - حيث يقول:
(1/146)

وليال كسين من رقة الصيف ... فخلين لأنهن برود
وكيف لم يجد شياً يجعله في الرقة غير البرد؟ ولكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعاً للمذهب الصحيح المعروف:
خفت إلى السؤدد المجفو نهضته ... ولو يوازن رضوى حلمه رجحا
وقوله:
فلو وزنت أركان رضوى ويدبل وقيس بها في الحلم خف ثقيلها
وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم، ويعلم أن الشعراء إليه تقصد، وإياه تعتمد، ولعله قد أورد مثله، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ.
3 - وأنكر أبو العباس على أبى تمام قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صورت ... لها وشحاً جالت عليها الخلاخل
ولم يذكر موضع العيب فيه، ولا أراه علمه، وأنا أذكره وألخصه فأقول: إن هذا لذى وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب، وهو أقبح ما وصف به النساء؛ لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد وتضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحاً تجول فقد أخطأ الوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الخلخال -
(1/147)

الذي من شأنه أن يعض بالساق - وشحاً حائلا على جسدها ح لأن الوشاح هو ما تقلده المرأة متشحة به، فتطرحه على عاتقها، فيستبطن الصدر والبطن، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى الحجز، ويلتقى طرفاه على الكشح الأيسر؛ فيكون مها في موضع حمائل السيف من الرجال، وإذا كانت هذه صورة الوشاح فغير جائز يوسف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة وطولها، وكون ذلك لائقاً بتشبيه النساء في البيت الثاني بقنا الخط، وإنما يوصف الوشاح بالقلق والحركة ليستدل بذلك على دقة الخصر؛ لأنه يقلق هناك إذا كان الخصر دقيقاً، والبط اضمر، بل حركته تدل على ضمر البطن أكثر، وليس طوله في نفسه مما يدل على امتلاء ولا خمص، وإذا كان الخلخال - وهو الحلقة المستديرة المعروف قدرها - وشاحاً للمرأة فإن يأخذ أعلى جسده كله، وإذا كانت كذلك فقد مسخت إلى غاية القماءة والصغر، وصارت في هيئة الجعل؛ وقد تصف العرب الخصر بالدقة، ولكن تعطى كل جزء من الجسد قسطه من الوصف، كما قال امرؤ القيس:
طوال المتون والعرانين كالقنا ... لطاف الخصور في تمامٍ وإكمال
ألا تراه قال لطاف الخصور قال في تمام وإكمال ولو قال هذا الشاعر لو أن الخلاخيل صيرت لها حقباً لصح له المعنى كما قال منصور النمرى:
(1/148)

فلو قست يوماً حجلها بحقابها ... لكانا سواءً، لا، بل الحجل أوسع
فجعل حجلها - وهو الخلخال - أوسع من حقابها، والحقاب: ما تديره المرأة على خصرها؛ فهو يختص بالخصر، وكذلك النطاق، والوشاح لا يختص بالخصر، وإنما يعلق حتى ينتهى إليه إذا كان الخصر دقيقا والبطن ضامراً، فاتبع أبو تمام منصوراً في المعنى فأخطأ.
ومن عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الخصر إلا إذا ذكرت معه من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والرى، على ما عرفتك، كما قال ذو الرمة:
عجزاء، ممكورةٌ، خمصانةٌ، قلق ... منها الوشاح وتم الجسم والقصب
وكما قال أيضاً:
وفي العاج منها والد ماليج والبري ... قنا مالئٌ للعين ريان عبهر
أناةٌ تلوث المرط منها بدعصةٍ ... ركامٍ، وتجتاب الوشاح فيقلق
وكما قال:
ترى خلفها نصفاً قناةً قويمةً ... ونصفاً نقاً يرتج أو يتمرمر
(1/149)

وكما قال الشنفري:
فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملت ... فلوجن إنسانٌ من الحسن جنت
أي: دق منها ما ينبغي أن يدق، وجل منها ما ينبغي أن يجل؛ فهذا هو تمام الوصف.
وقال تميم بن أبي مقبل:
هيف المردى رداحٌ في تأودها ... مخطوفةٌ منتهى الحشاء عطبول
فقال " هيف المردى " ثم قال " رداح " والرداح: العظيمة العجز، وهذا مقول ذي الرمة " خلفها نصفا قناة قويمة " وقوله " عطبول " قويمة العنق.
وقال تميم أيضاً:
من الهيف مبدانٌ ترى نطقاتها ... بمهلكةٍ أخراصهن تذبذب
فجعلها هيفاء، وهي الخميصة البطن، ثم قال مبدان؛ فصار البدن لا يمنع من الهيف، ولا يضاده.
وقال تميم أيضاً:
(1/150)

وقد دق منها الخصر حتى وشاحها ... يجول، وقد عم الخلاخيل والقلبا
وقال علي بن أبي هلقمة الجرمي:
ترى حجلها ملآن ليس بزائدٍ ... يجول، ولم تملأ وشاحاً ولا عقدا
فإن ذلك من شأن الوشاح؛ لأن من سبيله أن يكون جائلا إذا انتهى إلى خصرها لدقته، ومن شأن العقد أن يجول أيضاً على عنقها وترائقها؛ لقلة اللحم هناك، وذاك هو المحمود من الوصف، وقال امرؤ القيس:
على هضيم الكشح ريا المخلخل
وقال طرفة بن العبد:
وملأى السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا
وقال علقمة بن عبدة:
صفر الوشاحين، ملأى المرط، خرعبةٌ، ... كأنها رشأٌ في البيت ملزوم
وقال المرار:
(1/151)

بيض العوارض بدنٌ أبدانها ... رجح الروادف ضمر الخصار
وقال كثير:
كسون الريط ذا الهدب اليماني ... خصوراً فوق أعجازٍ ثقال
وقال كثير أيضاً:
يجول الوشاح بأقرابها ... وتأبى خلاخلها أن تجولا
وقال آخر:
عقيليةٌ، أما ملاث إزارها ... فدعصٌ، وأما خصرها فبتيل
يريد كأنه لدقته مقطوعٌ مما يليه. وهذا كله ضد ما قاله أبو تمام.
فإن حمل بعض من يريد إقامة العذر له نفسه على أن يقول: إنما ذهب في قوله " جالت عليها الخلاخل " إلى قولهم: فلان يدخل في الخاتم لظرفه ولين أخلاقه، لا لضيق مفاصله! قيل: هذا من كلام العامة، وقول أب يتمام: " من الهيف " يمنع هذا التأول ويحجز عنه؛ لأن الهيف الخميصات البطون، الواحدة هيفاء، وإلى هذا ذهب، لا إلى وصف الأخلاق ورقة الطباع.
(1/152)

فإن قال قائل: إنما قال " لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحاً " أي لو ساغ ذلك وجاز، كما يقال: لو دخل أحد في سم الخياط لرقته وحسن أخلاقه لدخل زيد، وكما قال الشاعر:
لو طار ذو حافرٍ سرعةٍ طارا
وكما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قومٌ لسؤددهم أو مجدهم قعدوا
قيل: هذا مذهبٌ حسن معروف من مذاهبهم، ولكن ليس بينه وبين قول أبي تمام شبه، وإنما كان يشبهه لو قال: " لو أن الخلاخيل تكون مكان الوشاح لجال عليها " ولو قال هذا أيضاً لكان يعد مخطئا؛ لأنه سواء عليه قال هذا أو قال قصر ظهرها أو بعض خلقها أو ضم بعض أعضائها إلى بعض، حتى لو يكون خلخالها مكان وشاحها لجال عليها، ومثل هذا لا يقوله أحد إلا الكشحى وأبو العير، ولفظ بيته أقبح من هذا، وأشنع؛ لأنه إنما أخرجه مخرج الحقيقة، أو ما يقارب الحقيقة، نحو قول القائل: لو تغطت هندٌ بشعرها لغطاها، ولو سترت وجهها بذراعها لسترته، ولو مسستها لثاخت الإصبع فيها، أو لأدمتها، وهذا ضرب من المبالغة، وهو إلى الحقيقة أقرب، وليس من الأبيات المذكورة في شيء ولا على سياقة ذلك
(1/153)

اللفظ، والإحالة فيما مخرجه الحقيقة أقبح من الإحالة فيما مخرجه مخرج التوسع؛ والمبالغة.
وبعد فإن أبا تمام إنما قال: من الهيف، والهيفاء هي الضامرة البطن، وقد تكون ضامرة مطوية وخصرها غير دقيق؛ لأنها قد تكون من ضمرها عريضة الحقوين، فيضطرب الوشاح هناك، لأنه إنما يجري من أحد جانبيها على حقو واحد.
واضطراب الوشاح لا يدل على دقة الخصر خاصة؛ لأنه قد يضطرب والخصر غير دقيق، وصمته ولزومه لا يوجب عرض الخصر لا محالة، لأنه غير مطيف به، وإنما يقع طرفه على أحد جانبيه، فما وجه جعل الخلخال في موضع الوشاح؟
فإن قيل: لم يذهب إلى دقة الخصر، وإنما ذهب إلى وصف البطن بالضمر، لأنه قال: من الهيف والهيف، الضوار البطون.
قيل: فهذا موضع غلطه وإحالته، لأن ضيق الخلخال والوشاح لا يوجب ضمر البطن، ولا يدل على ذلك أيضاً طوله ولا قصره: وإنما يدل على الضمر حركته لا غير، وطوله إنما يدل على طول الطهر. وقصره على قصره، والخلخال بمعزل عن ذلك كله.
وإنما سمع أبو تمام قول علي بن جبلة:
فلو قست يوما حجلها بحقابها ... لكانا سواء، لا بل الحجل أوسع
فاتبعه فأخطأ وأحال؛ لأن العقاب لا يخص غير الخصر، فأراد ابن جبلة أن يدل على دقة الصر فقال: لو قيس خلخالها بحقابها لكانا سواء وكان الخلخال أوسع؛ لأن الخلخال مستدير كاستدارة العقاب، ودقة الخصر تقتضي ضيق العقاب. كما أن تمام الظهر وطل القناة يقتضي
(1/154)

طول الوشاح وطول حمائل السيف؛ لأنهما يخصان القمامة، ألا ترى إلى قول أبي نواس:
أشم طوال الساعدين كأنما ... يناط نجاد سيفه بلواه
وكما قال البحتري:
ينوس إذا تمطى في النجاد
وكان ينبغي لأبي تمام لما وصف النساء في البيت التالي بالطول والتمام فقال:
قنا الخط إلا أن تلك ذوابلٌ
أن يصف الوشح بالطول والتمام؛ لأن الوشاح من المرأة في موضع خمائل السيف، فكيف يجعلها مثل الخلاخل ويجعل الخلاخل مثلها؟.
وقد يبالغ الشاعر في أشياء حتى يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج النادر، فيستحسن ولا يستقبح، نحو قول الشاعر:
من رأى مثل حبنى ... تشبه البدر إذ بدا
يدخل اليوم خصرها ... ثم أردافها غدا
ومثل هذا كثير، وقد بالغ النابغة في وصف عنق المرأة بالطول، فقال:
(1/155)

إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق
فجعل القرط يخاف أن يسقط من هناك فيلك، وإنما أخرج هذا كالمثل: أي لو كان مما يقع منه الخوف لخاف، وقال ذو الرمة:
والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب
فدل بقوله: " تباعد الحبل منه " على طول عنق المرأة؛ فهذه المبالغة لائقة مستحسنة؛ لأنه دل على الوصف بالشيء الذي يخص الموصوف، لا بالشيء الذي يخص غيره، ولو كان أبو تمام قال: " لو أن الخلاخيل صيرت لها نطقاً " لكان أتى بالصواب؛ لأن النطاق هو كل ما يدار على الخصر مثل المنطقة من سير كان أو ثوب أو غيرهما، أو لو قال " حقباً " لأن الحقاب والنطاق بمنزلة واحدة، وأظنه أراد أن يقول هذا فغلط فجعل مكانه الوشاح.
وقد بالغ أبو العتاهية في وصف الخصور بالدقة، فقال:
ومخصراتٍ زرننا ... بعد الهدو من الخدور
نفجٌ روادفهن يل ... بسن الخواتم في الخصور
لم يرد أن خواتمهن في خصورهن؛ لأن هذا محال، وإنما ذهب إلى مثل قولهم: " جفنة يقعد فيها خمسة " أي: لو قعدوا فيها لو سعتهم.
(1/156)

وقال الآخر:
لها حافرٌ مثل قعب الولي ... د يتخذ الفأر فيه مغارا
أي: لو اتخذ فيه مغاراً لوسعه، فكذلك قوله: " يلبسن الخواتم في الخصور " أي: تصلح خصورهن أن تدخل في خواتمهن لدقتها، وكل ما دنا منم المعاني من الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة.
فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالطٌ، وهو ثلاثة أبيات.
4 - ومما أخطأ فيه الطائي البيت الذي بعد قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صيرت ... لها وشحاً جالت عليها الخلاخل
وهو قوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانسٌ ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
وإنما قيل للقنا " ذوابل " للينها وتثنيها، فنفى ذلك عن قدود النساء
(1/157)

التي من أكمل صفاتها التثنى واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يهززن للمشي أوصالاً ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا
أو كاهتزاز ردينى تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا
فشبه تميمٌ قدودهن بالردينى للينه وتثنيه لا غير، هذا أجود من كل ما قاله الناس في مشي النساء وحسن قدودهن، وقوله " مها الوحش " أراد كمها الوحش إلا أن هاتا أوانس؛ فوضع المشبه به في مكان المشبه، وهذا في كلامهم شائع مستفيض.
5 - ومما أخطأ فيه الطائي أقبح خطأ قوله:
قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
لأن الصبا هي القبول، وليس بين أهل اللغة وغيرهم في ذلك خلافٌ.
فإن قيل: إنما سميت الصبا قبولا؛ لأنها تقابل الدبور؛ فلعله استعار هذا الاسم للدبور، فقال " بين الصبا وقبولها " يريد الدبور لأنها تقابل
(1/158)

الصبا ومقابلتها أي الريح المقابلة لها.
قيل: هذا غلط من وجوه: منها: أنه قد ذكر الدبور في البيت مرة؛ فلا يجوز أن يأتى بها مرة ثانية.
ومنها: أنه ما سمع من العرب " زيدٌ قبولك " أي: مقابلك، ولا " دار زيد قبول دار عمرو " بمعنى مقابلتها؛ فإنما خصت الصبا وحدها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي من الموضع الذي يقبل منه النهار، وهو مطلع الشمس، وقيل لها " دبور " لأنها ضدها، أخذه من أقبل وأدبر، ولو جاز هذا في كلامهم وساغ في لغتهم أو كان مثله مسموعا منهم لساغ أن تسمى الشمال أيضاً قبولا؛ لأنها تقابل الجنوب، وأن تسمى الجنوب قبولا؛ لأنها تقابل الشمال. وما أظن أحداً يدعى هذا، ولا يستجيز أن يعارض بمثل هذه المعارضة، ولا أن يحد لغةً غير معروفة، وينسب إلى العرب ما لم تعلمه ولم تنطق به.
ومنها - وهي أولاها في فساد هذا التأويل -: أنه قال: " بين الصبا وقبولها ودبورها أثلاثا " وقوله " أثلاثا " يدلك أنه أراد ثلاث رياحٍ، وأنه توهم أ، القبول ريحٌ غير الصبا، وهذا واضح.
(1/159)

والجيد قول البحتري:
متروكةٌ للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها
فجاء بالرياح الأربع.
وقال البحتري أيضاً:
شنئت الصبا إذ قيل وجهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها
فقوله " وجهن " يعني الحمول، والهاء في " قبولها " راجعةٌ إلى الرياح.
وهذا مما يوهمك أنه أراد ريحين، وإنما أراد
(1/160)

ريحاً واحدة، وسماها باسميها، فقال: شنئت الصبا، وعاديت القبول: أي أبغضت هذين الاسمين؛ لأن حمول الظاعنين توجهت نحوها، ولم يقل إن الحمول توجهن إلى وجهتين مختلفين.
وحكى ابن الأعرابي - أو حكى عنه - أنه قال: القبول كل ريحٍ طيبة المس لينة، لا أذى فيها، سميت قبولا لأن النفس تقبلها، وأظن الأخطل - إن كانت الرواية صحيحة - لهذا قال:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبةٌ قبول
أي: طيبة لا تمنعنا الانصراف والسير، وهذه لبست من الريح التي ذكرها أبو تمام في شيء؛ لأن هذه على هذا الوصف: قد تكون الشمال، وتكون الجنوب، وتكون الصبا، وذلك إنما أراد ريحاً بعينها؛ لأنه قال: " بين الصبا وقبولها " فجعلها مضافة إليها، كما لو قال " بين الشمال وجنوبها " لأنهما ريحان معروفتان، وهما أختان مختلفتان تعتقبان، وكذلك لو قال " بين الصبا ودبورها " وكذلك لو قال " بين القبول ودبورها " أو " بين القبول وشمالها " فإذا ذكرت القبول مع هذه الرياح المعروفة كانت هي الصبا، وليس هذا موضع القبول التي هي الريح اللينة المس الطيبة على ما ذكر؛ لأنه وصف مجهول، ويجوز أن يكون لكل ريح ولا يقع في هذا الموضع؛ لأنك إذا عنيتها بقولك " قد هبت الصبا وقبولها " لم يدر أي ريح هي؛ فما معنى إضافتها إلى الريح المعروفة التي هي إذا لان مسها جاز أن تسمى بذلك الاسم؟ خذا خلفٌ من القول إذا قيل.
وأيضاً إن أبا تمام إنما أراد أن هذه الرياح عفت هذه الديار، وذهبت بها؛ فما وجه ذكره لريح طيبة لينة المس مع الدبور؟ هذا محال أن يكون أراده، كيف والديار يدعى لها بهبوب الرياح اللينة الضعيفة لئلا تعفوها؟ ألا ترى قول أبي تمام:
أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
(1/161)

وقال البحتري:
وإذا هبت الرياح نسيماً ... فعلى ربع دارها والجناب
فشرط أن تكون الرياح نسيما، وقال:
راحت لأربعك الرياح مريضةً ... وأصاب مغناك الغمام الصيب
فشرط أن تكون الرياح مريضةً؛ لئلا تعفوها وتمحوها.
فإن قيل: فلعله أراد " بين الصبا وقبولها " أي: بين الصبا سهلها ولينها، ولا يكون يريد بالقبول اسمها المعروف، وإنما يريد الاسم الذي يقع للريح اللينة المس، فكأنه قال " بين القبول وقبولها " كما يقال: " جاءنا عباسٌ وعباسه " أي: ووجهه العباس، و " أتانا الضحاك وضحاكه " أي: ووجهه الضحاك؛ لأن التعبيس والضحك في الوجه، و " فتنتنا حوراء بحوارئها " أي: بعينها الحوراء.
قيل: هذا كله لفظ سائغ مستقيم، غير أنا ما سمعنا مثل هذا في الريح، ولا علمناه في اللغة، ولا وجدنا في الشعراء أحداً قال: " الصبا وقبولها "، ولا " الجنوب وقبولها " ولا " الشمال وقبولها " أي: سهلها ولينها، ولو أراد الطائي ذلك كان أيضاً مخطئاً؛ لأن الريح لينها وشديدها ريحٌ واحدة، وقد قال أبو تمام " أثلاثا " فدل على أنه أراد ثلاث رياح، وإن
(1/162)

كان أراد ريحاً أخرى غير الصبا فقد قدمت القول في أن ذلك غير سائغ ولا مستقيم، وقد استقصى أصحاب الأنواء في كتبهم ذكر الرياح وأصوافها ونعوتها، واستشهدوا بأكثر ما سمعوه من أشعار العرب فيها، وبالغ أبو حنيفة الدينورى في ذلك؛ فما منهم أحد ذكر أن القبول غير الصبا، وإنما قال ابن الأعرابي في نوادره: إن العرب تسمى كل ريح طيبةٍ لينة المس قبولاً، قال الأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبةٌ قبول
فإنما أراد الصبا؛ لأنها ريحٌ محبوبة تنسب إلى الطيب، وهي دائمة الهبوب لينة المس معتدلة في أكثر أوقاتها: أي فإن منعت سدوس نائلها فإن الريح طيبة قبول، أي: هي صباً ما تمنعنا من الانصراف والرحيل؛ فإن كان ما ذكره ابن الأعرابي صحيحاً - وهو الصحيح إن شاؤ الله - فإنهم إنما قالوا لكل ريح طيبة لينة قبول تشبيها لها بالصبا، كأنهم إن هبت شمالٌ لينة، قالوا: هذه الصبا، أو هذه القبول، أي: كالصبا أو كالقبول، فأسقطوا حرف التشبيه، وجعلوا المشبه في مكان المشبه به، كما تقول إذا شممت أترجةً طيبة العرف: هذه المسك، أو كالمسك، وإذا رأيت وجهاً حميلا قلت: هذا هو البدر، وإن شئت كان المعنى: هذه المسك حقا، وهذا هو البدر يقينا، ولوهبت شمال شديدة مزعجة حتى تقول: هذه هي الدبور بعينها - لكان هذا من أسواغ
(1/163)

كلام وأصحه، فإن كانت العرب سمت الشمال والجنوب - إذا هبتا هبوباً سهلا ليناً - قبولا فإنما شبهوها بالصبا وأعاروها اسمها. وإنما قيل لها قبول لأنها تأتي من مطلع الشمس، وهو الموضع الذي يقبل منه النهار، وقيل للدبور دبوراً لأنها تهب من حيث يدبر، وقد قيل غير ذلك، وهذا هو الصحيح. وحكى بعضهم عن النضر بن شميل أنه قال: القبول ريحٌ تلى الصبا ما بينها وبين الجنوب، وهذا غير معروف ولا معول عليه، وقد ذكر بعضهم أن قوما شموا الشمال قبولاً، قال: وليس ذلك بثبت، ولا معول عليه إلا أن يكون قاله على هذا الوجه الذي ذكرته على التشبيه. والله أعلم.
وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ولا تذكر في محو الديار القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس مع الدبور التي لا تكاد تهب، فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة.
ولو قال آخر ممن لا تمييز معه: أراد بين الصبا وقبولها، أي: الريح التي قبلتها، كأنها قابلتها فقبلتها فهي قبولها، يعني ريحاً من الرياح، كما يقال: فاخرته ففخرته، وخاصمته فخصمته.
(1/164)

قيل: هذا خطأ من وجوه: منها أن الريح التي تقابل الصبا مقابلة صحيحة هي الدبور، وقد ذكرت في البيت الأول؛ فلا يجوز أن يرددها؛ ومنها: أنك لا تقول قابلت زيداً فقبلته، مثل فاخرته ففخرته؛ لأنك إذا قابلته فقد صرت قابلته وصار قبالتك؛ فليس أحدكما في هذا بأفضل من آخر، وذلك مثل قولك: واجهته، وآزيته، وساويته، وحاذيته؛ لأنك في هذه الأفعال مثله وهو مثلك؛ فلا يجوز أن تقول فيه: فعلته: أي غلبته؛ ومنها: أنك إذا قلت " زيد ضاربٌ عمراً، وضروب عمرو، وقاتلٌ بكراً، وقتول بكرٍ " لم تدل على أنه كانت هناك مضاربة بينهما ومقاتلة؛ لأنه يجوز أن يكون الضرب وقع من أحدهما ولم يقع من الآخر. ولذلك أصل؛ فلذلك لا يدل قوله " قبولها " على أنه كانت هناك مقابلة، كما لا يدل قولك " زيد ضارب عمرو " على أنه كانت مضاربة بينهما حتى غلب زيد عمراً بالضرب، وإذا لم يكن على الشيء دليل لم تقم به حجة.
(1/165)

6 - ومن خطائه قوله:
وصنيعةٍ لك ثيبٍ أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى، وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم
غلطه وقع في البتين جميعاًن وقالوا: أراد بقوله " وصنيعة لك " أي: للممدوح " ثيب " أي: قد افترعت " أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم " أي: قليل المال، وجاء بالكعاب على أنها تقوم مقام البكر ليجعلها في البيت ضد الثيب فتصبح له القسمة: أي هذه الصنيعة ثيبٌ عندك: أي قد اصطنعت مثلها مراراً، وهي الكعاب - يريد البكر - عند هذا العائذ بك؛ لأنها أول ما اصطنعته إليه أو لأنها أكبر صنيعة صنعتها عنده.
قالوا: والكعاب هي التي كعب ثديها، وقد تكون بكراً، وتكون ثيباً، فليست ضد اً للثيب في البيت، ولا تصح بها قسمته؛ لأن اسم الكعاب لا يزول عنها إذا افترعت حتى ينهد ثديها ويرتفع.
قالوا: واعتمد أن يشرح هذا المعنى في البيت الثاني فقال:
حلت محل البكر من معطى،
(1/166)

وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم
وذلك معنى قوله: " وهي الكعاب لعائذ بك " ثم قال: " زفت من المعطى زفاف الأيم "، وهو يريد معنى قوله: " وصنيعة لك ثيب " على أن الأيم هي الثب.
وقالوا: هذا خطأح لأن الأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله عز وجل: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " أفتراه قال أنكحوا الثيبات من النساء دون الأبكار؟ إنما أراد تبارك اسمه أنكحوا النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ فالثيب والبكر والصغيرة والكبيرة ممن لا زوج لها تدخل في الآية، قال الشماخ:
يقر بعيني أن أحدث أنها ... وإن لم أنلها أيمٌ لم تزوج
وهذا هو المعروف في كلامهم.
وهذا الذي ذكروه من غلطه في الأيم هو كما ذكروه، فأما ما ادعوه في البيت الأول من الغلط في الكعاب بأن أقامها مقام البكر فليس ذلك بغلط، والمعنى صحيح، وقد جاء مثله في أشعار العرب، قال قدامة بن ضرار الحنفى:
غداة خطبنا البيض بالبيض عنوةً ... وأبن إلينا ثيباتٍ وكعبا
أراد بالكعب الأبكار،
(1/167)

وقال جرير يهجو امرأة:
وقد حملت ثمانية وتمت ... لتاسعة وتحسبها كعابا
فأقام الكعاب مقام البكر، وجعلها ضد الثيب، ومثله في كلامهم كثير موجود، فعلوا ذلك - وإن كان الكاعب قد تكون بكراً وتكون ثيباً - لأن أول أحوال الكواعب أن يكن قد ناهزن حد البلوغ، وبدت ثديهن بالتكعيب؛ فهن في هذه الحال أكثر ما يكن أبكاراً وغير ذات أزواج، قال عمرو ابن معد يكرب:
تركوا السوام لنا وكل خريدةٍ ... بيضاء خرعبة وأخرى ثيب
فأقام الخريدة مقام البكر، وجعلها ضد الثيب في البيت، والخريدة الدرة، والخريدة هي الحيية حكى اللحيانى قال: سمعنا أعرابياً من كلب يقول الخريدة الدرة التي لم تثقب وهي من النساء البكر، والخرعبة: اللينة المفاصب الطويلة، هذه قد تكون بكرا، وقد تكون ثيباً، إلا أنه جعلها بكراً؛ لأن الحياء أكثر ما يكون في الأبكار.
فقد صح معنى بيت أبي تمام الأول ف يالكعاب، وبقى الغلط قائماً في الأيم، وجعلها في البيت الثاني ضد البكر.
(1/168)

فإن قيل: فلم لا يكون لأبي تمام إقامة الأيم في البيت الأول مقام الثيب؛ إذ كانت الأيم قد تكون ثيبا، كما أقمت الكعاب في البيت الثاني مقام البكر؛ إذ كانت الكعاب قد تكون بكراً، وتتجاوز له في هذا كما تجاوزت لبه في تلك؟ قيل: لفظة كعاب تدل بصيغتها على صغر السن كما عرفتك؛ فهي في الأكثر تكون بكراً غير مفترعة؛ فلذلك استحسنوا أن أقاموا الكعاب مقام البكر، ولفظة أيم لا تدل على حد في السن: من صغر، ولا كبر، ولا على بكورة، ولا افترع؛ فلا تجوز إقامتها مقام الثيب بحال، وقد غلط في الأيم بعض كبار الفهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديثٍ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لحقه السهو في تأويله فحمله على غير معناه؛ فلعل أبا تمام من هذا الوجه قد لحقه الغلط.
وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر، فقال - وقد ذكر صنيعةً أيضاً -:
(1/169)

وليست بالعوان العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب
والعوان: هي التي بين المسنة والصغيرة السن، وهي التي قد عرفت الأمور، وجرت عليها التجربة؛ فلذلك قيل: العوان لا تعلم الخمرة، ومنه قيل: حربٌ عوا، وهي التي قوتل فيها مرةً بعد مرةٍ، وإنما استعير لها اسم المرأة في هذه الحال، كما قال الشاعر:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
فاستعار لها أول ما تبدأ وتنشأ اسم الفتاة، وأراد أبو تمام أن هذه الصنيعة ليست بالعوان عندي: أي ليست صنيعةً قد تقدمتها لك لدى صنائع تشبهها لبعظمها وجلالها، ولا هي بالبكر منك: أي ليست مع ذلك بكر صنائعك، بل قد أسديت كثيراً مثلها إلى غيري، وهذا هو المعنى الذي قصده في البيتين المتقدمين، إلا أنه جعل " العنس " هنا في موضع العانس كأنه أراد أن يقول: وليست بالعوان العانس عندي فغلط فقال العنس ولاعانس: هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى جاوزت حد الفتاة، والعنس: اسم من اسماء الناقة، وهي التي قد انتهت في شدتها وقوتها، فأين وصف الناقة من وصف المرأة؟
(1/170)

فإن قيل: إن أبا تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئاً من وجهٍ غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة - الثيب، وقيل: إنها التي كان لها زوج، وجرير قد أفصح أنها ذات الزوج في قوله:
وأعطوا كما أعطت عوانٌ حليها ... أقرت لبعل بعد بعلٍ تراسله
فكيف يكون العانس وصفاً للعوان، ولاعانس هي التي حبست عن التزويج؟ قال عامر بن جوين الطائي:
ووالله ما أحببت حبك عانساً ... ولا ثيباً لو أن ذاك أتاني
فجعلها ضد الثيب، والعنس أولى بأن تكون وصفاً للعوان من العانس، ويكونان جميعاً من أوصاف العوان؛ لأن العوان إذا أريد بها الناقة، وهي دون المسنة وفوق الفتية، فهي حينئذ الكاملة، والعنس: الناقة التي قد انتهت في قوتها، فهما صفتان متفقتان استعارهما الشاعر للصنيعة من أوصاف النوق، كما استعار البكر الكعاب من أوصاف النساء.
قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن ويتصل به، فيكون في ذلك بيانٌ وإيضاح، أما العوان والبكر - وإن كان قد وصف بهما غير المرأة من البهائم وغير البهائم - فإن البكر في البيت لا تكون مستعارة إلا من أوصاف النساء، من أجل ما اقترن بها من لفظ الكعاب التي هي
(1/171)

مخصوصة بوصف الجارية التي قد كعب ثديها، فلا تكون العوان في صدر البيت من أوصاف النوق، والبكر في آخره من أوصاف النساء؛ فعلمنا أنه لم يرد بالعنس إلا العانس فغلط، كأنه أراد أن هذه الصنيعة ليست في حال ما هي عندي بالعوان العانس، ولا ف يحال ما هي عندك بالبكر الكعاب؛ لأن المرأة تكون كاعباً وبكراً في حال، وعواناً وعانساً ف يحال أخرى، فتنتقل في هذه الأوصاف، والعنس لا موضع لها ههنا.
وأما قوله " إنه لو أراد العانس كان مخطئاً؛ لأن العانس هي التي حبست عن التزويج حتى جازت حد الفتاة؛ فلا تكون وصفاً للعوان؛ لأن العوان عند أهل اللغة الثيب " فيقال: إنه إنما كان يسوغ لك هذا التأويل لو زال اسم العنوس عن المرأة إذا تزوجت، فأما وهو باقٍ عليها بعد التزويج الذي صارت به ثيباً فلم لا يكون وصفاً للعوان التي هي أيضاً ثيب عندك، ألا ترى إلى قول كثير:
فإن طلابي عانس أم ولدة ... لمما تمنيني النفوس الكواذب
فقال ((عانساً)) وجعلها أم ولدة.
فإن قال: فلعل أبا تمام لم يرد هذا وإنما أراد بالعنس مصدر عنست المرأة تعنس عنساً وعنوساً، فجعل المصدر - وهو عنوس - وصفاً للعوان مكان العانس، والمصادر قد تجعل أوصافاً في مكان أسماء الفعالين.
قيل له: المصدر المعروف في مصدر ((عنست المرأة)) وهو العنوس، ولم يسمع العنس، وعلى أن الأصمعى قد أنكر عنست مخففاً، وقال: إنما هو
(1/172)

عنست تعنس تعنيساً بالتشديد، حكى ذلك عنه يعقوب بن السكيت، وهب أن قد جاء العنس مصدر عنست فليس في كل موضوع يسوغ أن تكون المصادر أو صافاً، وإنما تكون أوصافاً على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم: إنما زيد دهره أكلٌ ونومٌ، وإنما عمرو أبداً قيامٌ وقعودٌ؛ فإن شئت كان المعنى إنما زيد ذوأ كل ونوم، وإنما عمرو ذو قيام وقعود فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه، أو تجعل زيداًنفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذلك كثير منهما، كما قالت الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار
فجعلت الناقة هي الإدبار والإقبال لأن ذلك كثر منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف؛ فهذه طريقة الوصف بالمصادر، وإذا تأولت بالعنس المصدر في قوله " وليست بالعوان العنس " كان ذلك كقولك: ليست هند بالصبية الصغر، تريد الصغيرة، ولا دعد بالهرمة الكبر، تريد الكبيرة؛ فهذا لا يسوغ في منطق ولا يعرف في لغة، ولكن قد تستعمل هذه المصادر وصفاً على نحو ماذكرته؛ فيقال هند الحسن كله، ودعد الجمال أجمعه، وزيد الهرم أقصاه، وعبد الله البغض نفسه، والتينة عينه، وإن شئت كان
(1/173)

المعنى هند صاحبة الحسن كله، ودعد ذات الجمال أجمعه، وزيد أخو الهرم، وعبد الله ذو التيه؛ فأقمت المضاف إليه مقام المضاف: كما قال الله عز وجل: (وسأل القرية التي كنا فيها) يريد أهل القرية، وإن شئت جعلت هنداً هي الحسن، هي الجمال، على المبالغة، لما كانتا غايتين فيهما، وجعلت زيداً هو الهرم، وعبد الله هو التيه، لما كانا متناهيين في هذين الوصفين. ولو كان أبو تمام اقتصر على ذكر العوان والبكر - وهما اللفظتان اللتان استعارتهما الشعراء في هذا المعنى، ولم يخلط بهما العنس والكعاب والثيب والأيم - لكان قد سلك الطريق المستقيم، فأتى باللفظ المألوف المستعمل، وتخلص من فاحش الخطأ، وإنما أراد معنى قول الفرزدق:
وعند زيادٍ لو تريد عطاءه ... رجالٌ كثيرٌ قد ترى بهم فقرا
قعودٌ لدى الأبواب طالب حاجةٍ ... عوان من الحاجات، أو حاجة بكرا
أي: منهم طالب حاجةٍ عوان: أي حاجة قد عرفها وصارت عادةً له ورسماً يتطلبه في كل حين، ومنهم طالب حاجة بكر: أي أول ما يلتمسه منه ويقترحه عنده، فأخب أبو تمام أن يزيد على هذا المعنى ويغرب، فأخرجه ذلك إلى الخطأ.
وقد أحسن محمد بن حازم الباهلي في قوله:
أبا جعفرٍ يا بن الجحاجحة الغر ... بدت حاجةٌ، والحر يأوى إلى الحر
(1/174)

وقد لبتني منك بالأمس نعمةٌ ... فهل لك في أخرى عوانٍ إلى بكر
على أنها إن أمكنت أو تعذرت ... فإنك بين الشكر مني والعذر
فهذه طريقة الشعراء في العوان والبكر.
7 - ومن خطائه قوله:
الود للقربى، ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
لأنه نقص الممدوح مرتبةً من الفضل، وجعل وده لذوى قرابته، ومنعهم عرفه، وجعله في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له ف يهذا عذراً يتوجه.
وقد عارضني في معنى هذا البيت غير واحدٍ ممن ينتحل نصرة أبي تمام.
فقال بعضهم: إن العرف ما يتبرع به الإنسان؛ فلذلك جعله في الأباعد، فأما الأقارب فإن برهم وصلتهم من الحقوق الواجبة اللازمة.
قلت: إن كنت تريد الحقوق التي تلزم وتجب من طريق الحكم فإن ذلك إنما هو للآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، والأعمام والأخوال، والإخوة والأخوات إذا كانوا فقراء محتاجين؛ فيجب لهم من الإنفاق عليهم بقدر القوت والكفاية، وهذا لا يخرج أن يسمى معروفاً، ألا تراهم يقولون: أنل أباك من معروفك، أو أنل أمك من معروفك؛ فلا يكون هذا قبيحاً، بل حقاً، وقال الله عز وجل فيما فرض على الرجال للنساء: " وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، فقد صار الفرض ههنا معروفاً؛ لأن المعروف هو الحسن الجميل من
(1/175)

القول والفعل الذي قد عرفت المصلحة فيه؛ فصار معهوداً معتاداً إذاأورد لم تنفر النفوس منه فتنكره، وهذا لا يكون الإنسان محموداً به إذا أعطاه هذه الطبقة من أهله حتى يمدح بفعله ويفتخر له به، بل يكون مذموماً إذا اقتصر عليه ولم يتجاوزه إلى التوسعة عليهم، والإغناء لهم، إن كان من ذلك ممكناً وعليه مقتدراً، فما بال غير هؤلاء من الأقارب ممن ليس له حق من طريق الحكم، وهم بنو الأعمام الذين هم الأعضاد والعدة، وبهم تكون النصرة، وكذلك بنو الأخوات وبنو الأخوال لم يجعل المعروف - الذي هو تبرع - في الأباعد دونهم ويخرجون منه.
وإن أردت الحقوق التي يلزمها الإنسان نفسه تكرماً وتفضلاً فذلك حقيقة العرف الذي يتبرع المرء به، ويحمد عليه، ويمدح بفعله إياه، وإعطتئه له، ويذم إذا منعه. والأقارب على الاختلاف في طبقاتهم وأنسابهم أولى به من الأباعد؛ فمن جعله في الأباعد دونهم فذلك منه غاية اللؤم، ونهاية العقوق، وعين الحمق، وإن وصفه واصفٌ به فقد بالغ في ذمه، وتناهى في هجائه.
وقال آخر: قوله " الو للقربى " قد جمع لهم الود والعرف وغيره؛ لأن الود يشتمل على ذلك كله، والعرف الذي خص به الأبعدين لا يجمع الوداد؛ إذ ليس كل من أسديت إليه معروفاً فقد وددته، فقد أعطى ذوى القربى أكثر مما أعطى الأبعدين.
(1/176)

فقلت له: وليس كل من وددته أيضاً فقد أسديت إليه نائلا ولا معروفا، ولا يتضمن لفظ الود غير المحبة فقط، وعلى أن قوله " دون الأقرب " توكيد يوجب إخراج الأقارب عن العرف، وتخليصه للأبعدين، فما معنى هذا التأويل الذي تأولته؟ فأقام على أن الود يجمع العرف والصلة، وهذا غير معروف، ولا موجود في كلام الناس، وقد قال المقنع الكندي:
فإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلفٌ جدا
إذا جمعوا صرمى معاً وقطيعتي ... جمعت لهم مني مع الصلة الودا
فأفصح هذا بأنه يجمع لهم بين الصلة والود وقال البحتري:
مودةٌ وعطاءٌ منك نلتهما ... ورب معطى نوال غير مودود
فقال " مودة وعطاء منك نلتهما " فلو كانت المودة لا تكون إلا ومعها عطاء لم يكن لهذا القول معنى، وكذلك البيت قبله، وقال " رب معطى نوال غير مودود " ورب مودود غير معطى نوال، ألا ترى إلى قول الأعشى:
بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها ... بعد ائتلافٍ، وخير الود ما نفعا
(1/177)

فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام:
قراني اللهى والود حتى كأنما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي
وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة فقد ناقض إذاً هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من المناقضة.
فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب.
فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا لزيد، والمال لعمرو مفرداً دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ويفرد عمراً به دون زيد آخراً؟ وهذا أقبح ما يكون من
(1/178)

المناقضة. وإنما كان يصح هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد أخرج عمراً من الود إخراجا مؤكداً بقوله " دون الود "، فأما الكلام الأول فمتناقض، كما عرفتك.
وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون الأقرب، وما ظننت أن أحداً يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى مثل هذا الاحتجاج.
ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ليس كل من وددته فقد أنلت معروفاً؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال " نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء يقترن بها.
وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود.
قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم.
وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل
(1/179)

فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلطٍ ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهماً وهو يريد غرضاً فأصاب به عين رجلٍ فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس.
وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده.
قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان مجيئه أو قبله.
وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلاً عن الأقرب أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهبٌ للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرصٍ من شعير دون ما سواه، أي فضلاً عما سواه، وهذا مذهبٌ صحيح معروف.
قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأولٌ لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه
(1/180)

حقيقة معنى هذا اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها دع، كقول كثير:
بسطت لباغي العرف كفا بسيطةً ... تنال العدى، بله الصديق، فضولها
أى: تنال العدى فدع الصديق، أى: لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى الصديق، و " دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه.
قال: فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله عز وجل: (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها) ذكر أن معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و " دون " قد تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " أى: فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام مثل وراء، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى: أمام عرفه فى الأقرب أى: قبله.
قلت له: أما ما قيل فىقوله عز وجل (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان: أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون المعنى أنه عز وجل لا يستحى أن يضرب
(1/181)

مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية الصغر الى ما هو فوقه أى: ما زاد عليه وتجاوز (هـ) والوجه الآخر: (أن يكون (فما فوقها) بمعنى) فما فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم.
وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة "، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد:
(1/182)

أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصي تحنى عليها الأصابع
بمعنى أليس أمامي؛ لأنه قال ذلك قبل أن يرى ويشاهد نفسه وقد لزم العصاء وقد قال الله عز وجل: " وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ غصبا " قالوا: إنه كان أمامهم، وصلح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه.
فقد وضح لك الآن معنى " دون " وأنها لا تخرج عن بابها الذي وضعت له، ألا ترى أنك تقول: نزلت في القرية دون النخل؛ فيجوز أن تكون القرية أمام النخل، وخلفه، وأن يكون المعنى أنك أفردت القرية بنزولك، ولم تعرج على النخل، وكذلك " لقيت زيداً دون عمرو " و " أكلت السمك دون اللبن " أخرجت عمراً من لقائك، واللبن من أكلك، وكذلك قول الطائي " دون الأقرب " قد أخرجهم من العرف، وهذا لا شيء أوضح منه.
وقد حمل بعضهم نفسه على أن قال: " إنما " أراد الطائي " لكن عرفه في الأبعد الأوطان دون عرفه في الأقرب " وهذا من أفحش الخطأ؛ لأن قوله: " دون الأقرب " مثل قولك: " ودى لزيد دون عمرو "؛ فليس معناه كمعنى قولك: ودى لزيد دون ودى لعمرو؛ لأنك في الأول قد أخرجت عمراً من الود وأفردت زيداً به، وفي الثاني جعلت
(1/183)

الود لزيد دون الود لعمرو، أي: أقل منه؛ فهذا معنى وذاك معنى آخر.
وأيضاً فلو اعتمد أبو تمام هذا المعنى لكان قد أخرج " لكن " التي إنما تدخل للأستدراك من أن يكون استدرك بها شيئاً؛ فلا يكون لها في البيت معنى البتة.
وقال آخر ممن يلتمس العذر لأبي تمام: إنما هذا على طريق الإيثار كما يؤثر الإنسان على نفسه، فكذلك يؤثر على أقاربه.
قيل له: الإثار على النفس حسنٌ جداً، وصاحبه ممدوحٌ، كما قال الله عز وجل: " ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصةٌ " وكما قال أبو خراشٍ الهذلي:
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وكما قال عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
والإيثار إنما يكون إيثاراً ويقع الحمد به إذا آثر الإنسان غيره على نفسه أو على ولده، وفي بعض الأحوال فأما إذا آثر بعض الطالبين على بعض بغير سبب يعلم فهو بذلك مذموم وغير ممدوح، فكيف إذا آثر البعيد على القريب؟
(1/184)

وقد جاء في أشعار العرب من الحث على بر الأقارب ومن حمد من وصلهم وذم من حرمهم ما هو أشهر وأكثر من أن يخفى؛ قال زهير:
وليس مانع ذى قربى وذى رحمٍ ... يوماً، ولا معدماً من خابطٍ ورقا
وقال أبو دواد الإيادي:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال حاتم الطائي:
لا تعذليني على مالٍ وصلت به ... رحماً قريباً؛ فخير المال ما وصلا
وقال أوس بن حجر:
أليس بوهابٍ مفيدٍ ومتلفٍ ... وصولٍ لذى قربى هضيم لمهتضم؟
وقال زهير:
وذى نسبٍ ناءٍ بعيدٍ وصلته ... بمالٍ، وما يدري بأنك واصله
وقال كثير:
بسطت لباغي العرف كفاً بسيطةً ... تنال العدى بله الصديق فضولها
(1/185)

هذا المعنى أولى بالصواب من قول الطائي؛ لأنه أراد أن عرفه ينال العدى فضلا عن الصديق؛ لأن قوله " بله الصديق " أي: فدع الصديق لأنه لا يصل إلى العدى إلا بعد أن يصل إلى الصديق؛ قال كثير أيضاً:
لأهل الود والقربى عليه ... صنائع بثها برٌ وصول
وللفقراء عائدةٌ ورحم ... فلا يقصى الفقير ولا يعيل
ألا تراه بدأ بأهل وده وقرابته فجعل صنائعه فيهم، ثم ثنى بالفقراء فجعل لهم عائدة ورحما: أي رحمة؟ وقال كثير أيضاً:
ولم يبلغ الساعون في المجد سعيه ... ولم يفضلوا إفضاله في الأقارب
جزتك الجوازي عن صديقك نضرةً ... وقربت من مأوى طريدٍ وراغب
وصاحب قوم معصم بك حقه ... وجار ابن ذى قربى وآخر جانب
رأيتك والمعروف منك سجيةٌ ... تعم بخيرٍ كل جادٍ وغائب
جادٍ يقال: فلانٌ يجدو ويجتدى، أي: تعم بالمعروف من هو بحضرتك ومن هو غائب عنك؛ فجعل كثير كما ترى معروفه عموما في الأقارب وف يالأباعد إلى الحاضر والغائب. وقال ابن هرمة:
كم نائلٍ وصلاتٍ قد نفحت بها ... ونعمةٍ منك لا تحصى أياديها
(1/186)

عند الأقارب والأقصين نفعهما ... بيضٌ روائحها، تحدو غواديها
وقال كنانة بن عبد ياليل الثقفى:
صلاةٌ وتسبيحٌ وإعطاء نائلٍ ... وذو رحمٍ تناله منك إصبع
يريد بقول إصبع معروف ونائل.
وقال إسماعيل بن يسار النسائي:
وإذا أصبت من النوافل رغبةً ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها
وقال المسشيب بن علسٍ في منع الأقارب:
من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة الثقفي يذم فاعل ذلك:
من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتى الممات أقاربه
فإن يك خيرٌ، فالبعيد يناله ... وإن يك شرٌ، فابن عمك صاحبه
فقد تراه كيف ذم على حرمان القريب.
وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية في نحو ذلك:
تمد إلى الأقصى بذديك كله ... وأنت على الأدنى صرورٌ مجدد
وإنك لو أصلحت من أنت مفسدٌ ... توددك الأقصى الذي تتودد
الصرور: الضيق حلمة الثدي؛ والمجدد: الذي انقطع لبنه.
(1/187)

فهذه طريقة القوم في هذا، وهذا مذهب سائر الأمم.
وأما قول أبي تمام:
وربما عدلت كف الكريم عن ال ... قوم الحضور، ونالت معشراً غيبا
فليس هو من بيته الأول في شيء، وقد أدرك فيه الغرض، كأنه يعذر من فعل هذا: أي ربما اتفق أن يفعله من غير قصد أيضاً، وليس هذا بمحمود.
وقد ذهب البحتري إلى نحو ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
بل كان أقربهم من سيبه نسباً ... من كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان أيضا قد دخل تحت الإساءة.
ونحو هذا قول البحتري أيضا:
إذا قسمه عدلاً: ففيكم نواله، ... وفي سر نبهان بن عمرو مآثره
وما عجبٌ أن تشهدوا الطعن دونه ... وما عشرتكم في نداه عشائره
فأي قسمة عدل ههنا: أن يجعل نداه في غير قومه، ويقتصر بهم على أن يحوزوا الفخر بمآثره؟ وإن كان قد دل بقوله " وما عشرتكم في نداه عشائره " على أنه لم يحرمهم نواله البتة.
والأحسن في هذا قوله:
فإن تنفرد عنا قشيرٌ بمجده ... فلم تنفرد عنا بنائله الجزل
(1/188)

فأعطاهم المجد والنائل جميعا.
وشبيهٌ بهذا أو قريبٌ منه قوله:
عطاؤك ذا القربى جزيلٌ، وفوقه ... عطاؤك في أهل الشناءة والبعد
فقال " عطاؤك ذا القربى جزيل " ثم قال " وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة والبعد " فقوله " وفوقه " أي: أجزل منه، وقد يكون " فوقه " بمعنى زيادة عليه، والمعنى الأول بالبيت أليق.
والجيد في هذا البعيد من العيب قوله:
ظل فيها البعيد مثل القريب ال ... مجتبى والعدو مثل الصديق
يريد نعمته ولا أعرف لأبي تمام فيما قال عذراً يتوجه، ولا وجدت فيما تصفحته من أشعار العرب ما يجانسه إلا قول عامر بن صعصعة بن ثور الفقعسي:
لمن يزورك من أشرافنا لطفٌ ... وذى القرابة إدناءٌ وتقريب
وأطن أبا تمام عثر به واستغر به فأخذ المعنى وزاد عليه زيادةً أخرجته إلى ذم الممدوح؛ لأن هذا الشاعر قال " لمن يزورك من أشارفنا لطفٌ " أي: بر، " ولذى القرابة إدناء وتقريب " ولم يقل إدناء وتقريب دون البر، كما قال أبو تمام؛ لأن البر واللطف إذا كانا للغريب الزائر، وكان الإدناء والتقريب في تلك الحال لذى القرابة - فقد يجوز أن يمنحه البر واللطف في حالٍ أخرى ووقت آخر، ولا يوصل البر إليه في وقت إيصاله إلى
(1/189)

الغريب، وهذا إن كان يقع في الأكثر فلا عيب على هذا الشاعر فيما قاله.
ولله در أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري إذ يقول في هذا المعنى:
ما إن يزال الندى يدنى إليه يداً ... ممتاحةً من بعيد الدار والرحم
وقوله:
وما أضعت الحق في أجنب ... فكيف تنسى واجباً في شقيق؟
8 - ومن خطائه قوله:
يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
لفظ هذا البيت مبنيٌ على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ فكأنه أراد بقوله " يدي لمن شاء رهن " أي: أصافحه وأبايعه معاقدةً أو مراهنة إن كان من لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف " إن " التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف " من " وهي الاسم الذي صلته " لم يذق " فاختل البيت، وأشكل معناه.
والحذف لعمري كثيرٌ في كلام العرب، إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة الكلام، قال الله عز وجل: " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق
(1/190)

الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى "، أراد عز وجل أو لم يتفكروا فيعلموا " أنه ما خلق ذلك إلا بالحق، أو لم يتفكروا فيقولوا "، وأشياء هذا كثيرٌ.
ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ".
قال أبو عبيدة: العرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد، كأنه أراد فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وقوله عز وجل: " إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وفي الشعر مثل هذا موجود، قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تأثم ... يفضلها في حسبٍ وميسم
يريد أحدٌ يفضلها، فخذف " أحد "؛ لأن الكلام يدل عليه، ذكر ذلك سيبويه. وأنشد في باب الحذف:
وما الهدر إلا تارتان فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد فمنهما تارة أموت.
(1/191)

فإن تأول متأولٌ هذا البيت على ألفاظٍ أخر محذوفة غير اللفظ الذي ذكرته فالاختلال بعد قائم؛ لكثرة ما حذف منه، وسقوط الدليل عليه.
9 - ومن خطائه قوله:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئاً منها، وليس الأمر كذلك، إنما الوشائع غزلٌ من اللحمة ملفوفٌ يجره الناسج بين طاقات السدى عند النساجة قال ذو الرمة:
به ملعبٌ من معصفاتٍ نسجنه ... كنسج اليمانى برده بالوشائع
فأما قول كثير:
ديارٌ عفت من عزة الصيف بعدما ... تجدّ عليهن الوشيع المنمنما
فإنما أراد بالوشيع هنا سد به الخصائص بين الشيئين، وهو من وشائع الغزل مأخوذ، والمنمنم: مأخوذ من النمام، أي بعد ما كانت هذه الديار تجد بالوشيع، أي: يخصص به خيامها.
(1/192)

ومثل أبي تمام لا يسوغ له الغلط في مثل هذا؛ لأنه حضرى، إنما يسامح في ذلك البدوى الذي يريد الشئ ويلم يعاينه فيذكر غيره؛ لقلة خبره بالأشياء التي تكون بالأمصار.
وأما أبو تمام فليست هذه حاله، ما جهل هذا، ولكنه سامح نفسه فيه، ألا ترى إلى قوله في موضوع آخر يصف قصيدةً:
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسحف والأشجان والطرب
فقال ((في توشي لحمتها)) .
10 - ومن خطائه قوله:
لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان في وعده من رفده بدل
ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل إيثاره وتقديمه على الآجل، ألا ترى قول الذي قول القائل الذي قد صار مثلا: 3 والنفس ملوعة بحب العاجل والعاجل أبداً هو المطلوب والمرغوب فيه، حتى إن قليلة يؤثر على كثير الأجل، كام قال الآخر:
أعذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث
كأنه يريد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب من الأكثر المبطئ؛
(1/193)

فمن شأن العاجل أبدا أن يكون أفضل الأعواض والأبدال من كل آجل إذا كان في خير، فعلجل الخير من آجله، كما أن عاجل الشر شر من آجلهن لأن العاجل شئ قد وقع: إن كان خيراً فقد حصل نفعه، أو شراً فقد تجعل ضرره، آجل الخير يخشى فؤته، وربما وقع الإخفاق منه، كما أن آجل الشر يرجى زواله، وربما لم يقع، فكيف لا يكون العجل بدلاً أو خلفاً من الآجل؟ فإن قال قائل: إن الذي أراد أبو تمام وقاله صحيح، ومذهبه فيه مستقيم؛ لأن العاجل لا يكون أبداً بدلاً ولا خلفاً من الآجل؛ لأن البدل لا يكون قبل المبدل منه، ولا الخلف يتقدم على ما هو الخلف له؛ لأنه إنما قيل له خلف لإتانه خلف الذي هو قدامه؛ فأبو تمام إنما أنكر أن يكون العاجل بدلاً أو خلفاً من الآجل على هذه السبيل.
قيل: هذا غلط من التأويل أو مغالطة؛ لأنه ليس على هذا الوجه منع أبو تمام من أن يكون العاجل بدلاً من الآجل؛ فيحتج بأن هذا أولى بالتقديم وهذا أولى بالتأخير من طريق الترتيب، وإنما أراد أنه لا يقوم في الحاجة إليه، فكيف يكون الأول مقام الثاني والمتقدم مقام المتأخر؟ وكان وجه الكلام الذي يصح به المعنى ويستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعلٍ لكان في وعده من رفده بدل0 فإن قال: فهذا هو الذي أبو تمام.
(1/194)

قيل: ليس الأمر كذلك لأن طريقة لفظه في البيت أن يكون معناه لوكان فيشيء عاجل من شىء آجل بدل.
وبعد؛ فلو أراد ما ظننته وذهبت إليه - وذلك ليس بمعلوم، ولا في البيت عليه دليل - لم يلتفت إلى إرادته؛ لأنك إذا فصلت الإضافة من عاجل قول أو آجل فعل ففرقت بين المضاف والمضاف إليه لم يدل أحدهما على الآخر؛ لأن لفظة ((عاجل)) لا تدل غير مضافةٍ على ما تدل عليه لفظة " عاجل قولٍ " كما أن لفظة " آجل " لا تدل على " آجل فعلٍ " ولا يدلان أيضاً على شيء مضمر، كما أن قولك: " زيد أول ناطقٍ وآخر ساكتٍ، وعمرو أول خارج وآخر قادمٍ، وبكر أول آخذٍ وآخر تارك " إذا أفردت " أول " و " آخر " لم يدلا على شيء مما أضيف إليه. ألا ترى أن الأصمعي أنكر على ذى الرمة قوله يصف الوتر:
كأنه في نياط القوس حلقوم
فقال: حلقوم ماذا؟ إذ كان يجب أن يقول: حلقوم طائر، أو حلقوم قطاةٍ، أو غيرهما مما يشبه الوتر في الدقة، وإلا فقد يكون الحلقوم حلقوم فيل، أو حلقوم بعير، وهذا من الأصمعي إنكارٌ صحيحٌ، وإن كان لا يلزم
(1/195)

ذا الرمة فيه ما يلزم أبا تمام؛ لأن العرب لا تشبه الوتر إلا بحلقوم الطائر.
وذلك قول الراجز:
لأم ممر مثل حلقوم النغر
أخذه أبو نواسٍ فقال:
لأم كحلقوم النغر
وقال الراجز: لأم كحلقوم القطاة تغترف وأبو تمام إنما أراد أن هذا الممدوح يقيم وعده لصحته مقام عطيته، وأحب الإغراق على رسمه فأخطأ في تمثيل ما مثل بذكر العاجل والآجل؛ لأنه أطلق القوم عموماً لا يدل على الخصوص.
والجيد النادر في هذا قول البحتري:
لو قليلٌ كفى امرأ من كثيرٍ ... لاكتفينا بقوله من فعاله
وأحسن الراعي في قوله:
ضافى العطية: راجيه وسائله ... سيان، أفلح من يعطى ومن يعد
11 - ومن خطائه قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدى من هذا وهذاك أطول
(1/196)

فجعل للدهر - وهو الزمان - عرضاً، وذلك محض المحال، وعلى أنه ما كانت به إليه حاجة؛ لأنه قد استوفى المعنى بقوله: " كطول الدهر " فأتى على العرض في المبالغة.
فإن قيل: فلم لا يكون سعةً ومجازا؟ قيل: هذه ألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، وهي بعيدة من المجاز؛ لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة، لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس: عشنا في خفض ودعة زماناً طويلا عريضاً، وما زلنا في رخاء ونعمةٍ الدهر الطويل العريض. وإنما أرادوا إتمامه وكماله واتساعه لهم بما أحبوه؛ لأنهم إذا وصفوا بالطول والعرض ماله طول وعرضٌ على الحقيقة فإنما يريدون تمامه وكماله وسعته، نحو قولهم: ثوبٌ طويل عريض، أي: تام واسع، وأرض طويلة عريضة، أي: تامة في الطول والسعة، وكذلك إا وصفوا ما ليس له طول ولا عرض على الحقيقة فإنما يريدون التمام والكمال، ألا ترى إلى قول الراعي:
أنت ابن فرعى قريشٍ لو تقاسمها ... في المجد صار إليك العرض والطول
فاستعار للمجد ههنا الطول والعرض؛ لأنه أراد صار إليك المجد بتمامه وكماله،
(1/197)

وكذلك قول كثير:
بطاحيٌ له نسبٌ مصفى ... وأخلاقٌ لها عرضٌ وطول
أي: لها سعة وتمام وكمال في الفضائل والمحاسن، وكذلك قوله:
إذا ابتدر الناس المكارم بزهم ... عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
أي بزهم منه أخلاقه وتمامها وكمالها ف يالفضل؛ لأن الأخلاق تمدح بالسعة وتذم بالضيق، إلا أن أكثر ما يأتي في كلامهم العرض المراد به السعة إذا جاء مفرداً عن الطول، نحو قولهم: فلان في نعمةٍ عريضة، وله جاهٌ عريض، وكما قال الله عز وجل: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " أي: سعتها، وكما قال الله عز وجل في موضع آخر: " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريضٍ "، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يقطعن عرض الأرض غير لواغبٍ ... وكأن بحريها لهن صحار
أي: يقطعن سعة الأرض، وكما قال الآخر:
سأجعل عرض الأرض بيني وبينهم ... وأجعل بيتي في غنى وأعصر
(1/198)

وكما قال العجاج:
إذا تغشوا بعد أرصٍ أرضا ... حسبتهم زادوا عليها عرضا
أي: سعة وكثرة، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل أيضاً:
حتى إذا الريح خبت بالسفا خبباً ... عرض البلاد أشت الأمر واختلفا
أي: سعة البلاد؛ فهذا إذا جري على هذا اللفظ المستعمل حسن ولم يقبح، وإذا عدلت به عن هذه الطريقة وهذه الألفاظ المألوفة إلى ما يشبه الحقائق أو يقاربها كنت مخطئاً؛ لأنك إذا قلت: " مضى لنا في الخفض والدعة دهرٌ طويل كأن طوله كعرضه " لم يجز ذلك؛ لأن هذا على هذا الترتيب كأنه وصفٌ لأشياء مجسمة، كما قال الطائي:
بيمٍ كطول الدهر في عرض مثله
فكان بهذا اللفظ كأنه يذرع ثوياً أو يمسح أرضاً أو يصف بالاجتماع والتدوير رجلا، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
وكل يمانٍ طوله مثل عرضه ... فليس له أصلٌ ولا طرفان
فإن قيل: فإذا جعلت للزمان العرض الذي هو سعة على المجاز فلم
(1/199)

لا تجعل له العرض الذي هو خلاف الطول على المجاز؟
قيل له: العرض الذي هو خلاف الطول حقيقة، والزمان لا عرض له على الحقيقة، فكيف تكون الحقيقة مجازا؟ فإن قيل: فإن الزمان لا يوصف بالسعة، كما لا يوصف بالعرض، فلم استعرت له العرض الذي هو السعة؟ قيل: العرض - وإن جاء وصفاً وحلية للزمان في قولهم: عاش فلان في نعمة زمناً طويلاً عريضاً - فإنما صلح لأنك وصلته بالطول، وقرنته به، فكأن المعنى عاش في زمن تم له وكمل واتسع، كما أخبرتك، والزمان قد يوصف بالسعة فيقال: قد اتسع لك الوقت والزمان في فعل كذا، ولا يقال عرض لك في الوقت سعة، والعرض ههنا هو السعة، ولكن أجرى هذا على حسب ما استعملوه، وإنما يراد في الوقت فسحة لك وامتداد يراد به معنى الطول، وقال ضرار بن الخطاب:
ولولا هاجرٌ وبنو قتال ... وما لاقيت في الزمن العريض
فذكر العرض مفرداً عن الطول: أي الزمن الذي اتسع لك، وقد يجوز - إن قلت: عاش في الخير دهراً عريضاً - أن تريد بالعرض سعة الخير فيه، لا سعته في نفسه، كما قالوا " ليل نائم " أي: ينام
(1/200)

فيه، " ولمحٌ باصر " أي: يبصر به.
وإنما تستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويلييق به؛ لأن الكلام إنما هو مبنيٌ على الفائدة في حقيقته ومجازه، وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في النطق فلا وجه لاستعارتها، ولو كان الزمان يوصف بالعرض على الحقيقة - وهذا محال - لما كان في بيت أبي تمام معنى؛ لأنه إنما أراد أن يبالغ في طول وجده؛ إذ كان الوجد يوصف بالطول، كما يوصف به الشسوق والغرام ونحوهما؛ فيقال: طال وجدي، وطال شوقي، وطال غرامي.
وكذلك الزمان إنما يوصف بالطول؛ فيقال: طال ليلي، وطال نهاري، فما كانت حاجة إلى العرض؛ وإنما فضل وجده على الدر وعلى اليوم الذي جعله كالدهر من جهة الطول لا من جهة العرض، ألا تراه قال:
ووجدي من هذا وهذاك أطول
وقد ذكر أبو تمام العرض في بيت آخر فقال:
إن الثناء يسير عرضاً في الورى ... ومحله في الطول فوق الأنجم
وكيف يعقل سير الثناء عرضاً في الورى وهو لم يحدد موضعاً بعينه فيحسن فيه ذكر الطول أو العرض، فيكون كما قال الراعي:
وجرى على حرب الصوى فطردته ... طرد الوسيقة في السماوة طولا
(1/201)

فحسن أن يقول " طولا " لأنه ذكر السماوة، ودكما قال النابغة، ويقال: إنه محمول عليه:
جنيدبن مع الغطاط يقدن حتى ... قطعن الحزن عرضاً والرمالا
فصلح لأنه ذكر أنهن قطعن أرض الحزن والرمال؛ ومثل قول أب يتمام قول المرار:
فلو كانت تجوب الأرض عرضاً ... ولكن جوبهن الأرض طولا
وله، ولبيت أب يتمام معنى غامض يصحان به، وأنا أذكره مع شرح المعاني الغامضة من شعر أبي تمام.
ومما يشبه قول أب يتمام:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
أو يقاربه قول الكميت يصف عدة قوم بالكثرة:
كالليل، لا، بل يضعفو ... ن عليه من بادٍ وحاضر
وكيف يتحصل مقدار الليل حتى يتحصل ضعفه؟؟ وهذا أيضاً يصح على السبر والتفتيش، إذا حصل معناه، وذلك أن الليل لا يغشى الأرض كلها بظلمته، وإنما يغشى بعضها، فلعل الكميت أراد أنهم يأخذون من
(1/202)

الأرض ضعف ما أخذه الليل منها إذا غشيها، على سبيل المبالغة، وكما قال الأحمر بن شجاع الكلبي:
بجأواء تعشى الناظرين كأنها ... دجى الليل، بل هي من دجى الليل أكثر
12 - وقال أبو تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ ... كوسعه، لم يضق عن أهله بلد
وهذا أيضاً غلط؛ من أجل أن كل بلد يضيق بأهله، وليس شيقه من جهة ضيق الأرض؛ لأن الأرض لو كانت واسعةً عشرة أشعافها في المقدار، أو ألف ضعفٍ مثلها لما كان ذلك بموجب أن يكون الحزن أو الصمان أو الغول أو نجد أو المدينة أو مكة أو الكوفة أو البصرة، في قدر مساحة كل ناحية منها، أو أوسع وأزيد مما هي علمه الآن، إذ لم يختط البصرة ولاكوفة من اختطهما، ولا أسس مكة والمدينة من أسسهما على قدر سعة الأرض وضيقها، ولا صار قدر الحزن والصمان هذا القدر، في ذرعهما ومساحتهما
(1/203)

على قدر مساحة الأرض وذرعها بقسطٍ أخذاه منها، وإنما ذلك على حسب ما أدى إليه الاجتهاد والاختيار ممن أسس كل بلدة ومصر كل مصر.
وكان ينبغي أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعا الفلك ولضاقت عنها السماء، أو أن يقول: لو أن سعة كل بلد أو مصرٍ كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد، وكان حينئذ يكون المعنى لائقاً مستقيما.
والجيد الصحيح ف يهذا المعنى قول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم تكن ... ليسلكها فرداً سليك المقانب
أي: لم يكن ليسلكه إلا بدليلٍ لسعته، وأيضاً فإن الجزء من الأرض وهو ما يكون فيه الحيوان والنبات، وإنما مقداره على ما يقوله أهل الهندسة الربع من الأرض أو أقل من الربع، والمسكون من جملة ذلك لعله لا يكون جزءاً من ألف جزء من ذلك؛ فما معنى جعله ضيق البلدان الضيقة إنما هو من أجل ضيق الأرض؟ فإن قيل: فإنما أراد بقوله " لو أن الأرض " أي لو أن البلدان واسعة.
قيل: لا يدل قوله " الأرض " وهو لفظ عمومٍ على البلدان التي هي
(1/204)

مخصوصة، ولا يكون الغلط إلا هكذا: أن يريد القائل لفظة تدل على معنى فيأتي بأخرى ليست فيها على ذلك المعنى دلالة.
13 - ومن خطائه قوله:
وكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
فالأوضاح: هي البياض في الأطراف، وقد يكون أيضاً في البهم، وكذلك أيضاً الغرر قد توجد في البهم كثيرا، وهذا فساد في ترتيب البيت؛ لأنه ليس إذا وجدت شيات البهم - وهي صغار الغنم - أكثر ما في الخيل، أو وجدت شيات الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح والغرر، وإنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم، حتى تكون مخصوصة بالخيل؛ فيقول: لو لم تعدم الأوضاح والغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فأما أن توجد شيات البهم في الخيل كثيراً، أو شيات الخيل في البهم دائما، فليس هذا
(1/205)

بموجبٍ حمد الأوضاح والغرر في الخيل؛ لأن الأوضاح والغرر موجودة في الغنم أيضاً.
وقال طارق بن شهابٍ المازني يصف المعزى وتيس الغنم
وراحت أصيلاناً كأن ضروعها ... دلاءٌ، وفيها واتد القرن لبلب
له رعثاتٌ كالشنوف، وغرةٌ ... شديخٌ، ولونٌ كالوذيلة مذهب
فذكر أن له غرة. قال آخر ف يوصف عنز سوداء:
سوداء إلا وضحاً في الشوى ... كأنما الجوزاء في الأكرع
فذكر بياض أكرعها، وذلك موضع التحجيل، بل لو قال: " لو لم تقل الأوضاح والغرر في البهم، لما حمدت في الخيل " لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنى أظنها ف يالبهم أقل، وف يالخيل أكثر، وليس في هذا البيت دليل عل هذا ولا ذاك.
(1/206)

14 - ومن خطأ المدح قوله:
سأحمد نصراً ما حييت، وإنني ... لأعلم أن قد جل نصرٌ عن الحمد
فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أل سورةٍ بذكره، وحث عليه، وللعرب في ذكر الحمد ما هو كثير في كلامها وأشعارها، ما فيهم من رفع أحداً عن أن يحمد، ولا من استقل الحمد للممدوح، قال زهير بن أبي سلمى:
متصرف للحمد، معترف ... للرزء، نهاضٍ إلى الذكر
فقوله " متصرف للحمد " أي حيث ما رأى خلة تكسبه الحمد التمسها وطلبها.
وقال زهيراً أيضاً:
أليس بفياضٍ يداه غمامةٌ ... ثمال اليتامى في السنين محمد؟
فقوله " محمد " أي: يحمد كثيراً. وقال الأعشى:
ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى ثمن
(1/207)

وقال أيضاً:
يشتري الحمد بأغلى سعيه ... واشتراء الحمد أدنى للربح
وقال أيضاً:
إليك أبيت اللعن كان كلالهاإلى الماجد الفرع الجواد محمد
فوصفه بأن جعله محمداً: أي يحمد كثيراً. وقال الآخر:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
فهذه هي الطريقة المعروفة في كلام العرب، ولو قال الطائي " لو جل أحد عن المدح لجللت عنه " كان أعذر، كما قال البحتري:
لو جل خلقٌ قط عن أكرومةٍ ... تبنى جللت عن الندى والباس
أي: كنت تجل لعلو شأنك عن أن يقال: سخى، أو شجاع؛ إذ كان هذان الوصفان قد يوصف بهما من هو دونك.
وقال البحتري أيضاً:
واحمد أنفس ما تعوضه امرؤٌ ... رزئ التلاد إن المرزأ عوضا
فأما قول البحتري:
كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كي ... ف؟ سرى مجده فعاب الثناء
(1/208)

فعيبه الثناء إنما معناه عظم أن يدركه ويبلغ حده، ألا تراه قال " كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ " أي: لا طريق إلى كيفية الثناء الذي يستحقه ويليق به، ثم قال " سرى مجده فعاب الثناء " قطعاً من الكلام الأول.
15 - ومن خطائه قوله:
ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ... ثم ارعوبت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقود
وهذا ما خلف عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها؛ لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجه، ويعقب الحرارة، وهو في أشعارهم كثيرٌ موجود ينحى به هذا النحو من المعنى؛ فمن ذلك قول أمرئ قيس:
وإن شفائي عبرةٌ مراهقةٌ ... فهل عند الرسم دارس ن معول؟
وقول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفى نجى البلابل
(1/209)

وقال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا
وهو كثير في أشعارهم، ما عدل به أحدٌ منهم عن هذا المعنى، وكذلك المتأخرون، هذا السبيل سلكوا، وأبو تمام من بينهم ركب هذا المعنى؛ وكرره في شعره متبعاً لمذاهب الناس؛ فمن ذلك قوله:
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وقال في موضوع آخر:
واقعاً بالخدود، والحر منه ... واقعٌ بالقلوب والأكباد
وقال أيضاً:
فافزع إلى ذخر الشؤون وعذبها ... فالدمع يذهب بعض الجهد الجاهد
وقال أيضاً:
فلعل عينك أن تجود بمائها ... والدمع منه خاذل ومواس
وقال أيضاً:
فلعل عبرة ساعة أذريتها ... تشفيك من إرباب وجد محول
فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت به العادة في وصف الدمع
(1/210)

لكان المذهب الصحيح المستقيم. ولكنه أحب الإغراب؛ فخرج إلى مالا يعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم.
وقد تبعه على الخطأ البحترى فقال:
فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب في الحسان معذب
قوله: تدق الجوى من قولهم لم يدق الأرض منه شئ أي: لم يصل، وفي شعر امرئ القيس ما فيه مودقى أي: على أثرى. وأصله من الدنو، فكأنه قال تدق الجوى، يقال: أتان وديقٌ، أي: تدنو من الفحل، ومنه الوديقة الهاجرة؛ لدنو الحرن وقيل لقطر المطر ودٌٌ لا نحلا به من السحاب ودنوه من الأرض.
16 - ومن خطائه قوله:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
فمعنى هل في هذا البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر
(1/211)

ذلك ويحققه، ويقتضى من المخاطب في الجواب الاعتراف به، نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ هل أودك وأوترك، وهل أقضى حاجتك؟ وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينبغي أن يكون قد وقع، نحو قوله: هل كان قط إليك شيء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟ فقوله في البيت " وهل أرضى " تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، وهو الرضا، كما يقول القائل: وهل يمكنني المقام على هذه الحال؟ أي: لا يمكنني، وهل يصبر الحر على الذل؟ وهل يروى زيد؟ أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفي؛ فقوله " وهل أرضى " إنما هو نفى للرضا، فصار المعنى ولست أرضي؛ إذ كان الذي يسخطني ما فيه رضا من له الأمر: أي رضا الله تعالى، وهذا خطأ منه فاحش.
فإن قال قائل: فلم لا يكون قوله " وهل أرضى " تقريراً على فعل هو في الحال ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟ ونحو قول الشاعر:
هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقاً ... وأبذل معروفي له دون منكري؟
قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه " هل أودك " " أهل أوثرك " وقوله " سل عني هل أصلح للخير " أو " هل أكتم السر " أو " هل أقنع بالميسور " مثل قول أبي تمام " هل رضيت، وهل أرضى " فإن صيغة
(1/212)

هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا " " وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك " " وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقول ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو بكشف العمى ... ثلاث الأثافى والرسوم البلاقع
لأن الواو ههنا كأنها عطفت جواباً على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى الجميل، فقال آخر:
وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟
وكقول ذى الرمة:
أمنزلتي مى سلامٌ عليكما ... هل الأزمن اللائي مين رواجع؟
لما علم أن التسليم غير نافعٍ عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " وكما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ
ثم قال:
وهل عند ربعٍ دارسٍ من معول؟
وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي
(1/213)

" إنما معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن جهته إلى ضده.
فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " أي: قد أتى.
قيل: هذا إنما قاله قومٌ من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل اللغة جميعاً على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد " بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدوماً في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعةٌ من أهل العربية في قوله عز وجل " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت لفظ الماضي خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل
(1/214)

المستقبل؛ فسقط عنها أن تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و " هل " ليس فيها ذلك.
وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد أرضى؛ فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر، ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر الذي إيّاه قصد بالاستفهام؟ فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج الطويل.
وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد، وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، وادّعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته.
17 - ومن خطائه قوله في البكاء على الديار:
دار أجل الهوى عن أن ألمّ بها ... في الرّكب إلاّوعيني من منائحها
وهذا لفظ محال عن وجهه؛ لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن
(1/215)

أن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وأن غلطاً وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ.
18 - ومن خطائه أيضاً في وصف الربع وساكنه قوله:
قد كنت معهوداً بأحسن ساكنٍ ... ثاوٍ وأحسن دمنةٍ ورسوم
والربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه، والواب قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماً ... وغدا الدهر فيك عندي ملوماً
وقال ارمؤ القيس:
وهل عند رسمٍ دارس من معول؟
فقال ذلك لأن الرسم يكون دارساً وغير دارس، وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
19 - ومن خطائه أيضاً قوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
(1/216)

أراد وكفى بأنه مضى حميداً شاهداً على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أن مضى حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر.
فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه.
قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهرٌ عليه كيف يعلم ما مضى من حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهداً على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على القلب.
قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه.
فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو والضرورة؛ لأن كلام الله عز وجل يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، وقال عز وجل: " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير لشديدٌ " أي: وإن
(1/217)

حبه للخير لشديد، ولهذا أشباهٌ كثيرة في القرآن.
قيل: هذا ليس بقلب، وإنما هو صحيح مستقيم، إنما أراد الله تعالى اسمه: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، أي: نميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره، وقالوا: إنما المعنى لتنيء العصبة، وقوله " وإنه لحب الخير لشديد " قيل: المعنى إنه لحب المال لشديد، والشدة: البخل، يقال " رجل شديدٌ وتشدد " أي: بخيل، يريد إنه لحب المال لبخيل متشدد، يريد إنه لحب المال: أي لأجل خبه المال يبخل، وقالوا في قوله عز وجل: " ثم دنى فتدلى ": إنما كان تدليه عند دنوه واقترابه، وكما قال أبو النجم:
قبل دنوا الأفق من جوزائه
والجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا الأفق منها، وليس هذا من القلب المستكره، ومثله في الشعر كثير، قال الشاعر:
ومهمهٍ مغبرةٍ أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه
قوله " كأن لون أرضه سماؤه " أي: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وليس الأمر في ذلك بواجب؛ لأن أرضه وسماءه مضافان جميعاً إلى الهاء،
(1/218)

وهي كناية عن المهمة، فأيهما يشبه بصاحبه كانا فيه سواء، وإنما تغبر آفاق السماء من الجدب واحتباس القطر، وقال الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسكٌ ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره
قال: وكان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله، وكلاهما متقاربان؛ لأن الحبل إذا أمسك الحافر فإن الحافر أيضاً قد شغل الحبل.
فهذا كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر، ولا في القرآن، وهو ما جاء في كلامهم على سبيل الغلط، نحو قول خداش بن زهير:
وتركب خيلاً لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
وإنما الضياطرة هي التي تشقى بالرماح، وكقول الآخر:
(1/219)

كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم
وإنما الرجم فريضة الزناء، وكقول الفرزدق يصف ذئباً:
وأطلس عسال وما كان صاحباً ... رفعت لناري موهناً فأتاني
وإنما النار رفعها للذئب، وأنشده المبرد، وقال: القلب جائز للأختصار، إذا لم يدخل الكلام لبسٌ، كأنه يجيز ذلك للمتقدمين دون المتأخرين، وما علمت أحداً قال " للأختصار " غيره، فلو قال لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه، ويجوز أن يكون الفرزدق ف يهذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن، وأبو تمام وغيره من المتأخرين لا يسوغون مثل هذا وإنما أراد أبو تمام وكفى بما يظهر من تفجعي بهذا الرزء الذي رزئته شاهداً على أن الطلل مضى حميدا، قلت: وليس له أن يقلب في مثل هذا؛ لأنه القلب المستكره.
(1/220)

فإن قيل: إنه لم يرد القلب، وإنما أراد وكفى على رزئي بمحمود أمر الطلل شهيدا.
قيل: فبأي شيء أستشهد؟ وأين شهيده؟ 20 - ومن خطائه قوله في باب الفراق:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةً ... فلباه طل الدمع يجري ووابله
أراد أن الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخفف لاعج الشوق، ويطفئ حرارته. وهذا إنما هو نصرىٌ للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حربٌ للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه ويكسر منه حده، كما قال البحتري:
وبكاء الديار مما يرد الش ... وق ذكراً والحب نضواً ضئيلاً
قوله " يرد الشوق ذكراً " أي: يخففه وثلمه حتى يصير ذكراً لا يقلق ولا يزعج كإقلاق الشوق، وقوله " والحب نضوا " أي يصغره ويمحقه، كما قال جرير:
فلما التقى الحبان ألقيت العصى ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
فلو كان الدمع ناصراً للشوق لكان يقويه ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك، فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمٌ لتخفيفه عنه وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء.
(1/221)

وقد تبعه البحتري ف يهذا الخطأ فقال بنعى الديار التي وقف عليها:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصلٍ تصر ما
21 - ومن خطائه ف يمعنى الشوق قوله:
يكفيك شوقٌ بطيل ظماءه ... فإذا سقاه سم الأسود
فقوله شوق يطيل ظماءه غلط؛ لأن الشوق هو الظمأ نفسه، ألا ترى أنك تقول: أنا عطشان إلى رؤيتك، وظمآن، ومشتاق، بمعنى واحد، فكيف يكون الشوق هو المطيل للظمأ؟ وكيف يكون في الساقي، والمحبوب هو الذي يظمئ ويسقى، أو البعد أو الهجرة! لا الشوق، فكيف يكون الشوق يطيل شوقه؟ 22 - ومن خطائه قوله:
أمر التجلد بالتلدد حرقةٌ ... أمرت جمود دموعه بسجوم
جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد، والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبته وتذهب به، فأما أن يجعله متلدداً فإن هذا من أحمق المعاني أولاها بالاستحالة، وأيضاً فأي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة وإن كان ليس بخطأ، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة أو نحو هذا، وأما الأمر فليس هذا موضعه
(1/222)

ولو قال بعث أو جلبت لكان له وجه.
23 - ومن خطائه قوله:
من حرقة أطلقتها فرقةٌ أسرت ... قلباً، ومن عذل في نحرة غزل
قوله أطلقتها فرقة أي ثورتخا وأظهرتها، وإنما قال أطلقطها من أجل قوله أست قلباً ليطابق بين الإطلاق والأسر، وقوله أسرت قلباً يعنى الفرقة، وهو معنى ردئ؛ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب، لا الفراق، فإن لم يكن مأسوراً قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم حضر التوديع؟ وما كان وجه البكاء والاستهلاك والوجل الذي ذكره قبل البيت، والقصة الفظيعة التي وصف الحان فيها عند مفارقتهم؟ وماعلم أن للفراق لوعة صعبة ونار محرقة عند وروده وفجأته؛ فلا يسمى ذلك أسراً ذلك أسراً ولا علاقة! وإنما محنة تطرأ على أسير الحب،
(1/223)

وربما قتلته كما يقتل الأسير، والفراق إنما له ثم تبرد وناره، وتخمد وقتاً فوقتاً، حتى يدرس الحب.
فالفراق يفك أسر الحب، وينسى الخليل خليلة إذا امتد به زمان؛ ألا ترى إلى قول ذهير بن جناب الكلبى:
إذا ما شئت أن تشلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد اليالى
فما أنسى خليلك مثل نأى ... وما أبلى جديدك كابتذال
وقول آخر:
ينسى الخليلان طول الناى بينهما ... وتلتقى طرق شتى فيأتلف
هذا هو المعنى الصحيح المعروف، وإن كان قد تقدم أبا تمام في هذا المعنى من تبعه، وحذا على حذوه، فالردئ لا يؤتم به. ولعله سمع معنى سائغاً حسناً فأفسده لسوء عبارته، وكثيراً ما يفعله هذا، زكلن ينبغي أن يقول: من حرقة بعتها فرقة أو أظهرتها فرقة جرحت قلباً، حتى يكون أسير الهوى قتيل الفراق.
فإن قيل: فلم لا يكون قوله أسرت قلباً للحرقة للفرقة؟ قيل: لا يكون ذلك؛ لأن الأسر إذا قبح أن يكون فعلا للفرقة
(1/224)

قبح أيضاً أن يكون فعلاً للحرقة؛ لأن الفرقة هي التي جلبت الحرقةن فشأنها كشأنها.
24 - ومن خطائه قوله:
ما لامرئ خاص بحر الهوى عمر ... إلا وللبين فيه السهل والجلد
وهذا عندى خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة؛ لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه: عمر، كما لا يقال: ما لزيد رأس إلا وفيه شجة أو ضربة، وما له لسان إلا وهو ذرب أو فصيح، وكذلك لا يقال: ما له عمر إلا وهو قصير، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد، مثل أن تقول: ما له ضلعٌ إلا مكسورة؛ وما له يد إلا وفيها أثرٌ، ولا رجلٌ إلا وفيها حنف.
وليس قولهم " ماله عيش إلا منغص، ولا حياة إلا كدرة " مثل قولك: ما له عمر إلا قصير، ولو قتله؛ لأن عيش الإنسان ليس له مدة حياته بأسرها؛ لأنك قد تقول: كان عيشي بالعراق طيباً، وكانت حياتي بمكة لذيذة، وكان عيشي بالحجاز أطيب من عيشي باليمن،
(1/225)

ولا تقول: كان عمري؛ لأن العمر هو المدة بأسرها، والعيش والحياة ليسا كذلك؛ لأنهما يتبعضان.
فإن قيل: فأنت تقول " مالزيد رأس حسن، ولا أنف أشم، ولا لسان ذرب ".
قيل: إنما يصلح هذا من أجل النفي؛ لأنك إنما تريد ليس له رأس من الرؤوس الحسنة، ولا لسان من الألسن الذربة وإذا دخلت " إلا " ههنا فقد جعلت المنفى موجباً، وحقيقة؛ فإذا قلت " ليس لزيد رأس إلا حسن " فقد أوجبت له عدة رؤوس!! وهذا خطأ؛ وكذاك سبيل العمر.
وإن كان أراد بالعمر منزله الذي يتوطنه ويعمره، فذلك هو المعمر، وما علمت أن أحداً سماه عمراً إلا أن يكون دير النصاري فإنهم يسمونه عمراً، وما كان يمنعه أن يقول " وطن " مكان " عمر " لأن لفظهما ومعناما واحد، وقد يكون للأنسان عدة أوطان توطنها.
وقد ذكر العمر في موضع آخر من شعره، وهو يريد مدة الحياة؛ فقال:
إذا مارقٌ بالغدر جاوز عمره ... فذاك حريٌ أن تئيم حلائله
أراد أنه إن جاور عمره - أي قاربه - بالغدر، فقد عرضه للزوال والنفاد،
(1/226)

وهذا من عويص ألفاظه، وما أراد بالبيت الأول إلا مدة الحياة؛ لأن ما قبل البيت وما بعده عليه يدل.
25 - وقال في علي بن الجهم:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمعٍ جامد
فافرغ إلى ذخر الشؤون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقد
قوله " يذهب بعض جهد الجاهد " أي: بعض جهد الحزن الجاهد، أي الحزن الذي جهدك فهو الجاهد لك، ولو كان استقام له أن يقول " بعض جهد المجهود " لكان أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف.
وقد جاء أيضاً فاعل بمعنى مفعول؛ قالوا " عيشةٌ راضية " بمعنى مرضية، و " لمح باصرٌ " وإنما هو مبصرٌ فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل حال يقال، وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا يتعدى إلى غيره؛ فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله " فلم تفقد له دمعاً ولا صبراً " من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكياً، والباكي لا يكون صابراً، فقد نسق بلفظةٍ على لفظةٍٍ وهما
(1/227)

نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمين، ومعناه أنك إذا فقدت أخاً فأدام البكاء عليك فلست بفاقد. ولم يرد بفاقدٍ شخصه، وإنما أراد لست بفاقد وده ولا أخوته، وهو محصل لك غير مفقود وإن كان غائباً عنك، وإلى هذا ذهب، إلا أنه أفسده بذكر الصبر مع البكاء، وذلك خطأ ظاهر، ولو كان قال " فلم تفقد له دمعاً ولا جزعاً " أو " دمعاً ولا شوقاً ولا قلقاً " لكان المعنى مستقيما، وظننته قد قال غير هذا، وأن غلطاً وقع في كتابة البيت عند النقل، حتى رجعت إلى أصل أبي سعيد السكري وغيره من الأصول القديمة فلم أجد إلا " دمعاً ولا صبراً " وذلك غفلة منه عجيبة.
وقد لاح لي معنى أظنه - والله أعلم - إليه قصد، وهو أن يكون أراد إذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا - أي يواصل البكاء عليك - فلست بفاقده، على ما قدمت ذكره: أي فقد حصل لك وصار ذخراً من ذخائرك، وإن غاب عنك وغبت عنه، وإن لم تفقد له صبراً - أي وإن صبر عنك - فلست بفاقد؛ لأنه إن صبر وسلاك
(1/228)

فليس ذاك بأخ يعول عليه، فلست أيضاً بفاقده؛ لأنك لا تعتد به موجوداً ولا مفقوداً، ولكن ذهب على أبي تمام أن هذا غير جائز؛ لأنه وصف رجلا واحداً بالوصفين جميعاً، وهما متضادان، ولو كان جعلهما وصفين لرجلين فقال:
وإذا فقدت أخا لفقدك باكيا ... أو صابراً جلداً فلست بفاقد
أي: لست بفاقد هذا؛ لأنه محصل لك، أو لست بفاقد هذا؛ لأنه ناسٍ مودتك - لكان المعنى سائغاً حسناً واضحاً، أو لو جعله شخصاً واحداً وجعل له أحد الوصفين فقال:
وإذا فقدت أخاً فأسبل دمعه ... أو ظل مصطبراً فلست بفاقد
لكان أيضاً سائغاً على هذا المذهب، أو لو كان استوى له في ذلك اللفظ بعينه أن يقول " فلم تفقد له دمعاً أو صبراً " حتى لا يجعل له إلا أحدهما لساغ ذلك، لكنه نسق بالصبر على الدمع فجعلهما جميعا له، ففسد المعنى.
فهذا وأشباهه الذي قاله الشيوخ فيه، من إن يريد البديع فيخرج إلى المحل.
(1/229)

26 - وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظماً وجما
رأيت أحسن مرشيً، وأقبحه ... مستجمعين لي التوديع والعنما
العنم: شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جاريةٍ، الواحدة عنمة، كأنه استحسن أصبعها واستقبح إشارتها إليه بالوداع، وهذا خطأ في المعنى، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ؟ سقى البشام!
فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعنه به؛ فسر بتوديعها، وأبو تمام استحسن أصبعها واستقبح إشارتها، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، ولكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب، وأقلهم معرفة بالغزل، وأغلظهم طبعاً، وأبعدهم فهماً.
27 - ومن خطائه قوله:
فلويت بالمعروف أعناق المنى ... وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
(1/230)

حطم ظهر الوعد بالإنجاز: استعارةٌ قبيحة جداً، والمعنى أيضاً في غاية الرداءة؛ لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، وذلك إذا أبحره، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا تراهم يقولون: قد مرض فلانٌ وعده، وعلله، ووعد وعداً مريضاً، وإذا أخلف وعده فقد أماته؛ فالإخلاف هو الذي يحطم ظهر الموعد، لا الإنجاز، ولا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالانجاز ظهر المال، لا الموعد، وحينئذ فالموعد كان يصح ويسلم، ويتلف المال.
28 - وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً على كاهل الوعد
كاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحاً مسلماً، لا أن يكون محطوما كما قال في البيت الأول؛ فهذه استعارة صحيحة على هذا البيت. وإن كان " كاهل الوعد " قبيحاً.
(1/231)

29 - ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله:
إذا ما رحى دارت سماحة ... رحى كل إنجازٍ على كل موعد
وهذا إتلاف الموعد، وإبطاله؛ لأنه جعله مطحوناً بالرحى، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموعد ليس بضد للإنجاز، فإذا صح هذا بطل ذلك، بل الوعد الصادق طرفٌ من الإنجاز، وسببٌ من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو في هذه الاستعارة غالطٌ، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقاً وكفا لسائل ... وأنضرهم وعداً إذا صوح الوعد
فتصويح الوعد هو أن يخلفه فيبطل، ولا يصح؛ لأنه من " صوح النبت " إذا جف، ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده، إذا وعد امرأ ... أنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو المعنى الصحيح: أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب. ولله در أبي إسحاق إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل
(1/232)

فهذه الاستعارة الصحيحة: أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين، وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصراً ... عمر العدو به وعمر الموعد
فإن عمر الموعد مدة وقته؛ فإذا أنجز صار مالا؛ فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى. ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى، وجاء بالأمر من فصه؟ فقال:
يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى ... بمواهب قد كن أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان الشيء الذي الموعد واقعٌ به، وصحته هو صحة ذلك الشيء.
ثم أتبع البحتري هذا البيت بأن قال:
شيم السحائب: ما بأن بوارقاً ... في عارضٍ إلا انثنين رواعدا
فجعل البوارق مثالا للمواعد، وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة مثالا للغيث الذي هو العطايا؛ فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي؛ لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب، والرعد صوت ذلك الازدحام؛ فالبرق يرى أولا، والرعد يسمع آخراً، وهو هو، وذلك أن العين أسبق
(1/233)

إلى الإبصار من الأذن للأستماع؛ لأن العين ترى الشيء في موضعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها، فشبهها بالموعد التي تجر المواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وإنما أقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برقٌ ولا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه مطر، ثم إن التشبيه صح بأن صار الرعد بعد البرق.
وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعدهم فعلٌ إذا ما تكلموا ... فتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قول " نعم " فجعل الوعد هو الفعل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري أيضاً الموعد وكيف تحول عطاء تمثيلا آخر حسناً، فقال:
وشكرت منك مواهباً مشكورةً ... لو سرن في فلكٍ لكن نجوماً
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراً ... تفضى إليه العين كن غيوماً
وذلك لأن الغيم يصير مطرا، كما أن الموعد يصير عطاء، وأبو تمام - فيما يذهب إليه - غالط؛ لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
(1/234)

30 - ومن خطائه قوله:
فلو ذهبت سنات الدهر عنه ... وألقى عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار
قوله " وألقى عن مناكبه الدثار " لفظ ردئ، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى؛ فلو كان أتبعه بما يكون مثله في معناه، بأن يقول: فلو ذهبت سنات الدهر عنه واستيقظ من رقدته أو انتبه من نومته أو انكشف الغطاء عن وجهه؛ لكان المعنى يمضي مستقيما؛ لأن من كان في سنةٍ أو نوم أو مغطى على وجهه أو عينيه فإنه لا يبصر الرشد، ولا يكاد يهتدى لصواب، وإنما هذه كلها استعارات، والمراد بها هداية القلب وإبصاره وفهمه، وقد جرت العادة باستعارتها في هذا المعنى، فأما دثار المناكب فليس من هذا الباب في شيء؛ إذ قد يبصر الإنسان رشده ويهتدي لصواب أمره وعلى مناكبه دثارٌ وعلى ظهره أيضاً حمل، ولا يكون ذلك مع النوم والرقاد والغطاء على العين؛ لأنه إنما يراد نوم القلب والتغطية عليه؛ لأن الإنسان إنما يقال له: " قد عمى قلبك " و " قد عميت عن الصواب عينك " و " قد غطى على فهمك " ولا يقال: " قد غطيت بالدثار عن الصواب مناكبك، ولا ظهرك "، ولفظة الدثار أيضاً إنما
(1/235)

تستعمل لمنع الهواء والبرد، لا لمنع الفهم والرشد.
31 - ومن خطائه قوله:
وأرى الأمور المشكلات تمزقت ... ظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف، إلا أنه ... مذ سل أول سلةٍ لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجهٍ أزهرٍ ... وقبضت أربدها بوجهٍ أربد
فقال " الأمور المشكلات " وجعل لها ظلمات، فكيف يقول: فبسطت أزهرها، والزهر هي النيرات، والمشكلات لا يكون شيء منها نيراً؟ وكأنه يريد أن الأمور المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه، ومنها ردئ قد جهلت أيضاً حاله؛ فهي كلها مظلمة، فيمزق ظلماتها برأيه، ويكشف عن الجيد منها ويبسطه: أي ستعمله، ويكشف عن رديئها ويقبضه: أي يكفه ويطرحه، ولكن ما كان ينبغي له أن يقول " بوجه أزهر " و " بوجه أربد "؛ لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثير؛ لأن الصنع إنما هو للرأي وللعقل؛ فإذا رأى ذو الرأي أمراً استبان منه الأشياء المظلمة،
(1/236)

وانفتحت المغلقة، أو رأى أن يغلق أمراً مفتوحاً إذا كان الصواب موجباً ذاك عنده؛ فالرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر، والوجه على الأحوال كلها أبيض، وليس يريد أبيض في لونه.
والعاجز إذا ورد عليه الأمر يبهظه تبينت الكآبة في وجهه؛ ولله در منصور النمري حيث يقول:
ترى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا، والأمور تطير
فقال " ساكن الأوصال باسط وجهه " فدل على قلة اكتراثه بالأمور التي ترد عليه، وقول أبي تمام " بوجهٍ أربد " لا معنى له؛ لأنه من صفات الغضبان أو المكتئب من أمر ورد عليه، وو عندي في ذلك غالط، وفي ذلك مسيء.
32 - ومن خطائه قوله يذكر سير الإبل:
كالأرحبى المذكى سيره المرطى ... والوخد والملع والتقريب والخبب
فالأرحبي من الإبل: منسوبٌ إلى أرحب، حي من همدان تنسب إليهم النجائب،
(1/237)

والمذكى: الذي قد انتهى في سنه وقوته، والمرطى: من عدو الخيل فوق التقريب ودون الإهذاب، والوخد: الاهتزاز في السير مثل وخد النعام، والملع: من سير الإبل السريع، والتقريب: من عدو الخيل معروفٌ، والخبب: دونه، وليس التقريب من عدو الإبل، وهو في هذا الوصف مخطئ، وقد يكون التقريب لأجناسٍ من الحيوان، ولا يكون للإبل، وإنا ما رأينا بعيراً قط يقرب تقريب الفرس، والمرطى أيضاً: من عدو الخيل، ولم أره في اوصاف الإبل ولا سيرها.
33 - ومن خطائه قوله:
ومشهدٍ بين حكم الذل منقطعٌ ... صاليه، أو بحبال الموت متصل
جليت والموت مبدٍ حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقوله " بين حكم الذل " لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها " بين "، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز؛ فكما لا يقال بين العز فكذلك لا يقال بين حكم العز حتى يقال هذا؛ لأن " بين " إنما هي وسطٌ بين شيئين.
(1/238)

فإن قال: إن حكم الذل مشتمل على مشهد الحرب ومن يصلاها؛ فكأنه ذهب بقوله " بين " إلى معنى وسطٍ: أي ومشهد وسط حكم الذل.
قيل: وسط لا يحل محل بين، وبين لا يحل محل وسط؛ لأنك تقول: البئر وسط الدار، ولا تقول: البئر بين الدار، وتقول: المال بيننا نصفين، ولا تقول: المال وسطنا، والمعنى الذي بنى أبو تمام البيت عليه سياقة لفظه أن يقول: ومشهدٍ بين حكم الذل وحكم العز: أي ومشهد بين الذل والعز، محجمٌ من يصلاه - وهو الذليل - أو مقدم - وهو العزيز - جليته وكشفته، يعني الممدوح؛ فخذف أحد القسمين الذي لا يصلح " بين " إلا به مع القسم الآخر، وجعل قوله " منقطع " في موضع محجم، و " متصل " في موضع مقدم، وليس هذا من مواضع متصل ولا منقطع، وقد أغراه الله بوضع الألفاظ في غير مواضعها من أجل الطباق والتجنيس اللذين بهما فسد شعره وشعر كل من اقتدى به، وقوله " وقد تفرعن في أفعاله الأجل " معنى في غاية الركاكة ولاسخافة، وهو من ألفاظ العامة.
وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطلٌ على كل النفوس فعلاً من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كل فرعونٍ كان في الدنيا.
(1/239)

34 - ومن خطائه قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتساراً ... ولولا السعي لم تكن المساعي
قوله " سعى فاستنزل الشرف اقتساراً " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف، وذلك أنك إذا ذممت رجلا شريفاً شريف الآباء كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حططت شرفك، ووضعت من شرفك، وقد وكده بقوله " اقتساراً ".
وقوله " ولولا السعي لم تكن المساعي " فبئس السعي والله سعى؛ لأن الشرف لا يحط إلا بألأم ما يكون من الأفعال، وكأنه أراد سعى فحةى الشرف نفسه، فأفسد المعنى بذكر استنزاله إياه، كأنه لو لم يستنزله ما كان يكون حاوياً له، فهلا قال: ترقى إلى الشرف الأعلى فحواه، أو بلغ النجم، أو علا على الشمس، كما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قومٌ بسؤددهم أو مجدهم قعدوا
35 - ومن خطائه قوله:
يقظٌ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق
(1/240)

قوله " على نائل له مسروق " خطأ؛ لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقاً منه؟ وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذاً منه على طريق السرقة؟ وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه؛ إذ كان من شأن المتيقظ أن لا غفل حتى يستتم عليه السرق، وقد كان يصح هذا المعنى لو قال: علىمال له مسروق، حتى يكون يعطى ما له اختياراً لجوده ويغضى إذا سرق منه لكرمه.
36 - ومن خطائه قوله:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذةٍ وقريحةٍ لم تحمد
ويروى " من لذة أو فرحة " أي من لذة وفرح؛ أي ابتداع واستخراج وهذا عندي غلط؛ لأن هذا الوصف الذي وصفه داعيةٌ أن يتناهى الحامد له في الحمد، ويجتهد في الثناء بأن لا يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه، لا على الشيء الذي له بواعث شهوة من نفسه وشدة صبابةٍ إليه ومحبة لفعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام فعلى ذلك يجب أن يحمد ويمدح.
(1/241)

أما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد، حتى لو بنت ... كفاك مجداً ثانياً لم تحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت الأوصاف والمحامد؛ فإن جئت بنوع من المكارم تبنى به مجداً آخر لم يقدر من يحمدك ويثنى عليك على أكثر مما تقدم.
37 - ومن خطائه قوله:
تناول الفوت أيدي الموت قادرةً ... إذا تناول سيفاً منهم بطل
قوله " تناول الفوت أيدي الموت " عويضٌ من عويصاته، وهذا أيضاً محال وإنما سمع قول سعد بن مالك:
هيهات حال الموت دو ... ن الفوت وانتضى السلاح
والفوت: هو النجاة، أي حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال هو " تناول الفوت أيدي الموت " وهذا محال؛ لأن النجاة لا تتناولها يد الموت، ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وهذا من عقيده الذي يخرجه إلى الخطأ، وإنما قصد إلى ازدواج الكلام في الفوت والموت، ولم يتأمل المعنى،
(1/242)

والوجه الصحيح قول البحتري:
تتدانى الآجال ضرباً وطعناً ... حين يدنو فيشهد الهيجاء
38 - ومن خطائه:
واكتست ضمر الجياد المذاكي ... من لباس الهيجا دماً وحميما
في مكرٍ تلوكها الحرب فيه ... وهي مقورةٌ تلوك الشكيما
فهذا مغى قبيح جداً: أن جعل الحرب تكون الجيل من أجل قوله " تلوك الشكيما " و " تلوك الشكيما " أيضا ههنا خطأ؛ لأ ن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحومة الحرب، وإنما تفعل ذلك واقفة لا مكر لها.
فإن قيل: إنما أراد أن الحرب تلوكها كما تلوك هي الشكيم.
قيل: هذا تشبيه، وليس في لفظ البيت عليه دليل، وألفاظ التشبيه معروفة، وإنما طرح أبا تمام في هذا قلة خبره بأمر الخيل، ألا ترى إلى قول النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
والصيام ههنا القيام؛ أي خيل واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم فهي وقافة، وخيل تحت العجاج في الحرب، وخيل تعلك اللجما، قد أسرجت وألجمت، وأعدت للحرب.
(1/243)

والشاعر الحصين كان أحذق من الطائي وأعلم بأمر الخيل قال:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
وإلا فمتى رأى يجري وهو يلوك شكيمه؟ فأما قول أنس بن الريان:
أقود الجياد إلى عامرٍ ... عوالك لجمٍ تمج الدماء
فإن القود قد يكون في خلاله تلبث وتوقف تلوك فيه الخيل لجمها، والمكر لا يستقيم ذلك فيه؛ فأما قول أبي حزابة التميمي:
خاض الردى في العدى قدما بمنصله ... والخيل تعلك ثنى الموت باللجم
فإنما جعل ثنى الموت مثلاً، والثنى: حطام النبات اليابس، ولم يرد أن الخيل تعلك اللجم على الحقيقة.
39 - ومن خطائه قوله:
والحرب تركب رأسها في مشهدٍ ... عدل السفيه به بألف حليم
في ساعةٍ لو أن لقماناً بها ... وهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارها ... فتركن طير العقل غير جثوم
(1/244)

فالبيتان الأولان جيدان، وقوله جثت طيور الموت في أوكارها بيت ردئ في القسمة، ردئ في المعنى؛ لأنه جعل طير الموت في أوكارها جاثمةً: أي ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثومٍ، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو واقعة عليهم، فأما أن تكون جائمة في أوكارها فإنها في السلم أو في الأمن جاثمة في أوكارها أيضاً، وطير العقل ليست بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، ولو كان قال:
جثمت طيور الموت فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار الحياة تحوم
لكان أشبه وأليق، أو لو قال:
سقطت طيور الروع فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار العقول تحوم
لكان أيضاً قريباً من الصواب؛ لأنهم يقولون: طار عقله من الروع، فإذا ثاب إليه عقله وسكن قيل: قد أفرخ روعه، وهذا مثل، وذلك أن الطائر إذا أفرخ لزم عشه وفراخه، وقد يجوز أن يكون " أفرخ روعه " أي: ذهب؛ لأن الطائر إذا أفرخ فطارت فراخه انتقل عن ذلك العش، وقولهم " جثم الطائر " إنما هو أن يلصق جثمانه بالأرض، يذهب إلى أن طيور الموت ساكنة، وطيور العقل منزعجة طائرة،
(1/245)

وقوله " غير جثوم " لا ينوب مناب طائرة ولا منزعجة؛ لأن الطائر قد لا يكون جاثماً وقد يكون قائماً على رجليه ساكناً مطمئناً، وهذه حاله في أكثر أوقاته؛ فقد حمل المعنى على لفظ لا يليق به، ولا يؤدي التأدية الصحيحة عنه.
40 - ومن خطائه قوله في وصف الفرس:
ما مقربٌ يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق
قوله " ملآن من صلف " يريد التيه والكبر، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة؛ فأما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى، وإنما تقول: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك؛ إذا كانت زوجته تكرهه، وقال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام
والصلف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب " رب صلفٍ تحت الراعدة " يعنون الرعد بغير مطر: فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا قد ذم أبو تمام الفرس من حيث أراد أن يمدحه، والتلهوق: هو لطف المداراة والحيلة بالقول وغيره حتى يبلغ الحاجة، ومنه قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل له ارمأةٌ نال منها:
(1/246)

فلم يزل بالحلف النجي ... لها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاءٍ قي ... وغاب كل نفسٍ مخش
وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء التلهوق، وقال: وهو مثل التملق، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين إلا غالطاً.
41 - وقال أبو تمام:
عطفوا الخدور على البدور، ووكلوا ... ظلم الستور بنور حورٍ خرد
وثنوا على وشى الخدود صيانةً ... وشى البرود بمسجفٍ وممهد
والبيت الأول حسنٌ حلو، وأخذ قوله " وثنوا على وشى الخدود صيانةوشى البرود " من قول الكميت.
وأرخين البرود على خدودٍ ... يزين الفداغم بالأسيل
وقوله " بمسجفٍ وممهد " فالمسجف يريد ستر باب الحجلة، وكل باب مشقوق فكل شق منها سجقٌ، وكذلك سجف الخباء، والمسجف: المرخى، والتسجيف: إرخاء السجفين، وقوله " بمسجف " أي من مسجف وممهد؛ فجعل الباء في موضع " من " كما قال عنترة:
(1/247)

شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ذلك منسوقاً على المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه حاله فيعطفه عليه.
فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحاً
والرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
ورججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً، وأراد هذا وزججن الحواجب وكحلن العيونا.
(1/248)

قيل: متقلد السيف هو حامله أيضاً؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما جميعاً محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعاً زينةٌ؛ فحسن أن يعطف أحدهما على الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار لفظٍ ولا تأولٍ.
42 - ومن خطائه قوله:
بقاعيةٌ تجري علينا كؤوسها ... فتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى
ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة.
والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان يظهر في صحوه مودته وينافقه.
وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل
(1/249)

فيمنع ما كان يتحمله من بذله في الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف العاقبة، ونحو هذا.
وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتوماً كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن يجتمع فيها الشيء وضده، والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا الحقيقة.
وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قولٌ صحيحٌ، وقوله " وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته.
فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعاً ومجازاً؟
(1/250)

قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازنٌ له وحافظٌ؛ فهو ضد للشيء الذي تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز.
43 - ومن خطائه قوله في وصف فرس:
وبشعلةٍ نبذٍ كأن فليلها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق
قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه.
وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك عيبٌ من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقةً فهو أرحل، ولا يقال أشعل.
وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسناً جداً، ثم ما سلم أيضا من العيب، فقال:
(1/251)

وبشعلةٍ كالشيب مر بمفرقي ... غزلٍ لها عن شيبه بغرامه
فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضاً في الناصية، وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية أيضاً السعف.
وأيضاً؛ فإن البحتري وصف فرساً أدهم فقال:
جذلان تلطمه جوانب غرةٍ ... جاءت مجيء البدر عند تمامه
فأي حسن يكون لبياض ناصية على بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي تمام ف يهذا الفرس أيضاً:
مسود شطرٍ مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطرٍ كابيضاض المهرق
شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله عز وجل: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا
(1/252)

البعض أو الجزء: أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن البعض في هذا الموضع.
والجيد النادر قول البحتري:
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجبٍ بنموذج
وقد جعله أبوتمام في أول الأبيات أشعل بقوله " بشعلة " ثم جعله هنا أبلق؛ فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
(1/253)

قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: قد ذكرت في الجزء الثاني الموازنة بين شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشعر أبي عبادة الوليد بن عبيدٍ البحتري، وخطأ أبي تمام في الألفاظ ولامعانين وبيضت آخر الجزء لألحق به ما يمر من ذلك في شعره، وأستدركه من بعد في قصائده.
وأنا أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه، والساقط من معانيه، والقبيح من استعاراته، والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه، على ما رأيت المتأخرين يتذاكرونه، وينعونه عليه ويعيبونه، وعلى أنى وجدت لبعض ذلك نظائر في أشعار المتقدمين؛ فعلمت أنه بذلك اغتر، وعليه في العذر اعتمد؛ طلباً منه للاغراق والإبداع، وميلا إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإنما كان يندر من هذه الأنواع المستكرهة على لسان الشاعر المحسن البيت أو البيتان يتجاوز له عن ذلك؛ لأن الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع على قوالب، ويحذو على أمثلة، ويتعلم الشعر تعلماً، ويأخذه تلقناً؛ فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من
(1/259)

تقدمه إلا فيما استحسن منهم، واستجيد لهم، واختير من كلامهم، أو في المتوسط السالم إذا لم يقدر على الجيد البارع، ولا يوقع الاحتطاب والاستكثار مما جاء عنهم نادراً ومن معانيهم شاذاً، ويجعله حجة له وعذراً؛ فإن الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ فإن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجةٌ سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة النعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه الطريقة حتى سقط شعره؛ لأن لكل شيء حداً: إذا تجتوزه سمى مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه، فكيف إذا تتبع الشاعر مالا طائل فيه: من لفظة شنيعة لمتقدم، أو معنى وحشي فجعله إماماً، واستكثر من أشباهه، ووشح شعره بنظائره؟ إن هذا لعين الخطأ، وغايةٌ في سوء الاختيار.
(1/260)

باب ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات
1 - فمن ذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك؛ فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
2 - وقال:
سأشكر فرجة الليت الرخى ... ولين أخادع الدهر الأبى
3 - وقال:
فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربةً غادرته عوداً ركوبا
4 - وقال:
تروح علينا كل يوم وتغتدي ... خطوبٌ كأن الدهر منهن يصرع
5 - وقال:
ألا لا يمد الدهر كفا بسيء ... إلى مجتدى نصرٍ؛ فيقطع للزند
(1/261)

6 - وقال:
والدهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلا إذا أشرقته بكريم
7 - وقال:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهراً أي عبأيه أثقل
8 - وقوله يصف قصيدة:
تحل يفاع المجد حتى كأنها ... على كل رأس من يد المجد مغفر
لها بين أبواب الملوك مزامرٌ ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر
9 - وقوله:
به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالدٌ وهو مرتد
أما وأبي أحداثه إن حادثاً ... حدا بي عنك العيس للحادث الوغد
10 - وقوله:
جذبت نداه غدوة السبت جذبةً ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد
(1/262)

11 - وقوله:
لو لم تفت مسن المجد مذ زمنٍ ... بالجود ولابأس كان الجود قد خرفا
12 - وقوله:
لدى ملكٍ من أيكة الجود لم يزل ... على كبد المعروف من فعله برد
13 - وقوله:
في غلةٍ أوقدت على كبد ال ... نائل ناراً أخنت على كبده
14 - وقوله:
حتى إذا اسود الزمان توضحوا ... فيه؛ فغودر وهو منهم أبلق
15 - وقوله:
إيثار شزر القوى رأى جسد ال ... معروف أولى بالطب من جسده
16 - وقوله:
وما ذكر الدهر العبوس بأنه ... له ابنٌ كيوم السبت إلا تبسما
(1/263)

17 - وقوله:
وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهفٍ حسن القد
18 - وقوله يصف الأرض:
إذا الغيث غادى نسجها خلت أنه ... مضت حقبةٌ حرسٌ له وهو حائك
19 - وقوله:
ولا جتذبت فرشٌ من الأمن تحتكم ... هي المثل في لين بها والأرائك
20 - وقوله:
إذاً للبستم عار دهرٍ كأنما ... لياليه من بين الليالي عوارك
21 - وقوله يرثي غالباً:
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب
(1/264)

22 - وقوله:
كأنني حين جردت الرجاء له ... غضا صببت لها ماءً على الزمن
23 - وقوله يصف فرساً:
فكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق
وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته؛ فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر أخدعا، ويداً تقطع من الزند، وكأنه يصرع، ويحل، ويشرق بالكرام، ويتبسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يداً، ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلماً تارةً ومرتداً أخرى، والحادث وغداً، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبةً حتى خر صريعا بين يدي قصائده، وجعل المجد مما يحقد عليه الخوف، وأن له جسداً وكبداً، وجعل لصروف النوى قدا، وللأمن فرشاً، وظن أن الغيث كان دهراً حائكا، وجعل للأيام ظهراً يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الزمان الأبلق؛ وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب.
(1/265)

وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقار به أو يدانيه، أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه؛ فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه، نحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره شيئاً فشيئاً، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ما يكون على من يثراعيه ويترقب تصرمه؛ فلما جعل له وسطاً يمتد وأعجازاً رادفة للوسط وصدراً متثاقلا في نهوضه حسن أن يتسعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطياً من أجل امتداده؛ لأن تمطى وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يتسعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد ملاءمةً لمعناها لما استعيرت له.
(1/266)

وكذلك قول زهير: ِوعرى أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذى الصبا أن يوصف أبداً بأن يقال: ركب هواه، وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس، وأن يجعل النزوع أن تعرى أفراسه ورواحله، وكانت هذه الاستعارة أيضاً من أليق شيء لما استعيرت له.
ونحو ذلك قول طفيل الغنوى:
وجعلت كورى فوق ناجيةٍ ... يقتات شحم سنامها الرحل
لما كان شحم السنام من الأشياء التي تقتات، وكان الرحل أبداً يتخوفه ويتنقص منه، ويذيبه - كان جعله إياه قوتاً للرحل من أحسن الاستعارات، وأليقها بالمعنى.
وكذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا أبلغ النعمان عني رسالةً ... فمجدك حوليٌ ولؤمك قارح
لما جعل مجده حديثاً غير قديم حسن أن يقول " حولي "؛ لأن العرب إذا نسبت الشيء إلى الصغر وقصر المدة قالوا: حوليٌ؛ لأن أقل عدد الأحوال - وهي السنون - حول واحد، ولهذا قال حسان:
(1/267)

لو يدب الحولي من ولد ال ... ذر عليها لأندبتها الكلوم
لم يرد بالحولى من ولد الذر ما أتى عليه الحول، ولكنه أراد بالحولي أصغر ما يكون من الذر، وإنما أخذ ذلك من قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محولٌ ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
ومما يدل على صحة المعنى وأن الحولي إنما يراد به الصغر دون معنى الحول قول الراجز:
واستبقت تحذف حولي الحصى
فأراد بحولي الحصى أصغره، وقول الآخر أنشده ثعلب:
تلقط حولي الحصى في منازلٍ ... من الحي أضحت باللحيين بلقعا
ولما جعل لؤمه قديماً حسن أن يقول " قارح ".
ونحو ذلك قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
لما كانت المنية - إذا نزلت بالإنسان خالطته - صح أن يقال: نشبت فيه، وصح أن يستعار لها اسم الأظفار؛ لأن النشوب قد يكون بالظفر.
وعلى هذا جاءت الاستعارات في كتاب الله تعالى اسمه، نحو قوله
(1/268)

عزة وجل: واشتعل الرأس شيباً لما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير حالة الأولى كالنار التى تشتعل في الجسم من الأجسام فتحيله إلى النقصان والاحتراق، وكذالك قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار لما كان انسلاخ الشئ من الشيء وهو أن يتبرأ منه ويتزيل منه حالا فحالا كالجد من الحم وما شا كلهم انفصال النهار عن الليل شيئاً فشيئاً حتى يتكامل الظلام انسلاخ، وكذلك قوله عز وجل: فصب عليهم ربك سوط عذاب لما كان الضرب بالسقوط من العذاب استعير للعذاب سوط.
فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب.
وأما قول أبي تمام ولين أخداع الزمان الأبى فأى حاجة إلى الأخداع حتى يستعيرها للزمن؟ وكان يمكنه أن يقول: ولين معاطف الدهر الأبى، أو لين جوانب الدهر، أو خلائق الدهر، كما تقول: فلان سهل الخلائق، ولين الجوانب، وموطأ الأكتاف، ولأن الدهر
(1/269)

يكون سلاً وحزيناً وليناً وصعبا على قدر تصرف الأحوال فيه؛ لأن هذه الألفاظ كانت أولى بالاستعمال في هذا الوضع، وطانت تنوب عن المعنى الذى قصده، ويتخلص من قبح الأخداع؛ فإن الكلام متسعاً، ألا ترى إلى قوله ما أحسنه وما أو ضحه:
ليالى نحن في وسنلت عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق
وأياماً لنا وله لدانا ... غنينا في حواشيها الرقاق
فاستعار للأيام الحواشى، وقوله:
أيامنا مصقولةٌ أطرافها ... بك، والليالى كلها أسحار
وأبلغ من هذا وأبعد من التكلف وأشبه بكلام العرب قوله:
سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادثات ولا سوام تذعر
فقد تراه كيف يخلط الحسن بالقبيح، والجيد بالردى، وإنما قبح الأخداع لما جاء به مستعاراً للدهر، ولو جاء في غير هذا الموضع أو أتى به حقيقة ووضعه في موضعه ما قبح، نحو قول البحترى:
(1/270)

وأعتقت من ذلك المطامع أخدعى
ونحو قوله:
ولا مالت بأخدعك الضياع
ومما يزيد على كل جيدٍ قول الفرزدق:
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع
فأما قوله: " فضربت الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين - على قبحهما - أسوغ؛ لأنه قال " ضربةً غادرته عوداً كوباً " وذلك أن العود المسن من الإبل يضرب على صفحتي عنقه فيذل؛ فقربت الاستعارة ههنا من الصواب قليلا، ومن القبيح في هذا قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
أي ضرورةٍ دعته إلى الأخدعين؟ وكان يمكنه أن يقول " من اعوجاجك " أو " قوم ما تعوج من صنعك " أي: يا دهر أحسن بنا الصنيع؛ لأن الأخرق هو الذي لا يحسن العمل، وضده الصنع، وكذلك قوله:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهراً أي عبأيه أثقل
(1/271)

فجعل للدهر عقلا، وجعله مفكراً في أي العبأين أثقل، وما معنى أبعد من الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأشبه والأليق بهذا المعنى لما قال " تحملت ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضع، أو لا نهد، أو لأمن الناس صروفه ونوازله، ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة والإفراط.
وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرةً من بعيد الاستعارات متفرقةً في أشعار القدماء كما عرفتك لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها، وأحب الإبداع، وأغرق في إيراد أمثالها، واحتطب، واستكثر منها: فمن ذلك قول ذى الرمة:
تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع
فجعل للدجى يافوخا، وقول تأبط شراً:
نحز رقابهم حتى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم
فجعل للموت أنفا، وقول ذى الرمة:
يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء عن الكبر
(1/272)

فجعل للكبرياء أنفاً، وقال معقل بن خويلد الهذلي، أو غيره:
تخاصم قوماً لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
فجعل للحية أنفاً: أي قبضت بيدك على طرف لحيتك كما يفعل النادم أو المموم، وما أظن ذا الرمة أراد بالأنف إلا أول الشيء والمتقدم منه، كما قال يصف الحمار:
إذا شم أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواصي وامتحان الكرائم
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب الشعراء: وهذا البيت غر الطائي حتى أتى به وإنما أراد ذو الرمة بقوله (أنف الضيف) أول الضيف كقولهم أنف النهار: أي أوله ورعينا أنف النهار أي أوله قال أمروء القيس:
قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق لاحق الإطلين محبوك ممر
وقوله في أنفه أي في أول جريه وأشده ويقال في أنفه في أنف
(1/273)

الغيث الذي ذكره، أي في أوله، يقول: لم يطأ هذا الغيث أحدٌ قبلي، ولم يذهب هذا الشاعر حيث ذهب أبو العباس، وكذلك قول أعرابي يصف البرق:
إذا شم أنف الليل أومض وسطه ... سناً كابتسام العامرية شاغف
إنما أراد إذا اشتم أول الليل، وقال آخر أنشدناه الأخفش عن ثعلب يذم رجلا:
ما زال مجنوباً على است الدهر ... ذا جسدٍ ينمى وعقلٍ يحرى
فجعل للدهر استاً، وقول شاتم الدهر أحد شعراء عبد القيس:
ولما رأيت الدهر وعراً سبيله ... وأبدى لنا ظهراً أجب مسلعا
ومعرفةً حصاء غير مفاضةٍ ... عليه ولوناً ذا عثانين أجمعا
(1/274)

وجبهة قردٍ كالشراك ضئيلةً ... وصعر خديه وأنفاً مجدعا
فجعل للدهر ظهراً أجب، ومعرفةً حصاء، ولوناً ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة قرد، وجعل أنفه أنفاً مجدعا، وهذا الأعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر، وجاء بها هازئاً، ومثل هذا في كلامهم قليل جداً، وليس مما يعتمد ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه.
24 - ومن ردئ استعاراته وقبيحها وفاسدها قوله:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى ... من ماء قافيةٍ يسقيكه فهم
فجعل للقافية ماء على الاستعارة؛ فلو أراد الرونق لصلح، ولكنه قال " يسقيكه " ففسد معنى الرونق؛ لأنك إذا قلت " هذا ثوب له ماء " لم تجعل الماء مشروباً فتقول: ما
(1/275)

شربت ماء أعذب من ماء أعذب من ماء ثوب شربته عند فلان، أورأيته على فلان الملك؛ وكذلك لا تقول: ما شربت ماء أعذب من ماء " قفا نبك " أو أعذب من ماء قصيدة كذا؛ لأن للستعارة حداً تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت وقبحت.
فأما قولهم " فلان حلو الكلام " و " عذب المنطق " أو " كأن ألفاظه فتات السكر " فهذا كلام الناس على هذه السياقة، وليس يريدون حلاوة على اللسان، ولا عذوبة في الفم، وإنما يريدون عذباً في النفوس، وحلواً في القلوب، كما قال هو، أعني أبا تمام:
يستنبط الروح اللطيف نسيمها ... أرجاً، وتؤكل بالضمير وتشرب
وكذلك قولهم " حلو المنظر " إنما يريدون حلوا في العين، ولا تقول: ما ذقت أحلى من كلام فلان، ولا ما شربت أعذب من ألفاظ عمرو؛ لأن هذا القول صيغة الحقيقة، لا الاستعارة، ولا تقل: ما شر بت أعذب من عمرو، ولا ما أكلت أحلى من عبسد الله، فاعلم هذا؛ فإن حدود الاستعارة معلومة.
(1/276)

فأما قوله:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب ... وأمر في حنك الحسود وأعذب
فالمكاسر: الأخلاق، وإنما أراد أمر في حنك العدو إذا نطق بها، أو أمر في حنكه أن يذكرها، أو يخبر بها، وأعذب في حنك وليه ووديده إذا نشرها، وكما قال زهير:
تلجلج مضغةً فيها أنيضٌ ... أصلت فهي تحت الكشح داء
لأنه أراد كلمةً فصلح أن يقول أنيض: أي لم تنضج، وأصلت: تغيرت وأنتنت، وذلك لما جعلها مضغة أي لقمة في فيه؛ فهذا طريق الاستعارة فيما يصلح وبفسد؛ فتفهمه فإنه واضح.
وأما قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌ قد استعذبت ماء بكائي
فقد عيب، وليس بعيب عندي؛ لأنه لما أراد أن يقول " قداستعذلت ماء بكائي " جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماءٍ وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة، كما قال الله عز وجل: " وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها " ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة، وإنما هي جزاء السيئة؛ وكذلك: " إن
(1/277)

تسخروا منا فإنا نسخر منكم " والفعل الثاني ليس بسخريةٍ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل.
فلما كان مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول، وجرعته منه كأساً مرة، وسقيته منه أمر من العلقم، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع على الاستعارة - جعل له ماء على الاستعارة، ومثل هذا كثير موجود.
وقد احتج محتج لأبي تمام في هذا بقول ذى الرمة:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرةً ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقول الآخر:
وكأسٍ سباها التجر من أرض بابلٍ ... كرقة ماء البين في الأعين النجل
وهذا لا يشبه ماء الملام؛ لأن ماء الملام استعارة، وماء الهوى ليس باستعارة؛ لأن الهوى يبكى؛ فتلك الدموع هي ماء الهوى في الحقيقة، وكذلك البين يبكي؛ فتلك الدموع هي ماء البين على الحقيقة.
فإن قيل: فإن أبا تمام أبكاه الملام، والملام قد يبكي على الحقيقة؛ فتلك الدموع هي ماء الملام على الحقيقة.
قيل: لو أراد أبو تمام ذلك لما قال " قد استعذبت ماء بكائي " لأنه لو بكى من الملام لكان ماء الملام هو ماء بكاء أيضاً، ولم يكن يستعفى منه
(1/278)

25 - ومن ردئ استعارته وقبيحها قوله:
مقصرٌ خطوات البث في بدني ... علماً بأني ما قصرت في الطلب
فجعل للبث - وهو أشد الحزن - خطواتٍ في بدنه، وأنه قد قصرها؛ لأنه ما قصر في الطلب، وهذا من وساوسه المحكمة، وإنما أراد به قد سهل أمر الحزن عليه أنه ما قصر في الطلب؛ لأنه لو قصر كان يأسف ويشتد حزنه، فجعل للحزن خطى في بدنه قصيرةً لما جعله سهلا خفيفاً، وهذا ضد المعنى الذي أراد؛ لأن الخطى إذا طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذه الخطى القصيرة؛ فعلى هذا يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث - وهو الحزن - قليلٌ ولا كثير.
فإن قيل: إنما أراد أن الحزن هو في قلبه خاصة، وأن قوله " في بدني " أي في قلبي؛ لأن قلبه في بدنه.
قيل: الأمر واحد في أن الخطى إذا طالت على الشيء - قلبه كان أو ما سواه - أخذت منه أقل مما تأخذ إذا قصرت.
فإن قيل: أراد بطول الخطى الكثرة وبقصرها القلة.
قيل: هذا غلط من التأويل، وليس العمل على إرادته، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه.
(1/279)

وبعد، فإن من أعجب الوسواس خطوات البث في البدن.
26 - ومن ردئ استعاراته وقبيحها قوله:
جارى إليه البين وصل خريدةٍ ... ماشت إليه المطل مشى الأكبد
الهاء في " إليه " راجعةٌ إلى المحب، يريد أن البين " ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين " حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري، فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه يريده فجرى البين ليمنعه، فجعلهما متجاريين، ثم أتى في المصراع الثاني بنحو من هذا التخليط، فقال: ماشت إليه المطل مشى الأكبد، فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقلٍ مماطل فجعل عزمها مشيا، وجعل المطل مماشيا لها، فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟ وأنشد أبو العباس ابن المعتز في كتاب سرقات الشعراء لسلم الخاسر يعيبه بردئ الاستعارة في قوله يري موسى الهادي:
(1/280)

لؤلا المقابر ما حط الزمان به ... لا، بل تولى بأنفٍ كلمه دامي
وقال: هذا ردئ كأنه من شعر أبي تمام الطائي! وليت لم يكن لأبي تمام من ردئ الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها، ونعوذ بالله من حرمان التوفيق.
(1/281)

ما جاء في شعر أبي تمام من قبيح التجنيس
ورأى أبو تمام أيضاً المجانس من الألفاظ مفرقاً في أشعار الأوائل، وهو ما اشتق بعضه من بعض، نحو قول امرئ القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
وقوله أيضاً:
ولكنني أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقول القطامى:
ولما ردها في الشول شالت ... بذيالٍ يكون لها لفاعا
وقول ذى الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشرٍ يرمى به السيل أبطح
وقول رجل من عبسٍ:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا
(1/282)

وقول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةً ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وقول حيان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حدٌ إذا لبس الحديد
وقول النعمان بن بشير لمعاوية:
ألم تبتدركم يوم بدرٍ سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم
وقول جرير:
فما زال معقولاً عقالٌ عن الندى ... وما زال محبوساً عن الخير حابس
وقول الفرزدق:
خفافٌ أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل سافٍ وحاصب
وكأن هذين الشاعرين في تجنيس ما جنسا من هذه الألفاظ وحاجتهما إليه يشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " عصية عصت الله، وغفارٌ غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ".
(1/283)

ونحو هذا مما تعمد الشعراء لتجنيسه قول جندل بن الراعي:
فما عمرت عمروٌ وقد جد سعيها ... وما سعدت يوم التقينا بنو سعد
ومن ألطف ما جاء من التجنيس وأحسنه في كلام العرب قول القطامى:
كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤاداً ماله فادي
ومثل هذا في أشعار الأوائل موجود، لكنه إنما يأتي منه في القصيدة البيت الواحد والبيتان، على حسب ما يتفق للشاعر، ويحضر في خاطره، وفي الأكثر لا يعتمده، وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه؛ فلا ترى فيه لفظة واحدة.
فاعتمده الطائي، وجعله غرضه، وبنى أكثر شعره عليه، فلو كان قلل منه واقتصر على مثل قوله:
يا ربع لو ربعوا على ابن هموم
وقوله:
أرامة كنت مألف كل ريم
وقوله:
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
(1/284)

وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى - لكان قد أتى بالغرض، وتخلص من الهجنة والعيب، فأما أن يقول:
قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما
فانشتار عيون الشرك في غاية الغثانة والقباحة، وأيضاً فإن انشتار العين ليس بموجب للاصطلام، وقوله:
إن من عق والديه لملعو ... نٌ، ومن عق منزلاً بالعقيق
وقوله:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهبٌ أم مذهب
(1/285)

وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
فهذا كله تجنيسٌ في غاية الشناعة والركاكة والهجانة، ولا يزيد زيادة على قبح قوله:
فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى، ومهما أورق السلم
فإن هذا من كلام المبرسمين، وقد عابه أبو العباس عبد الله بن المعتز ببعض هذه الأبيات في كتاب البديع، جاء بها في قبح التجنيس.
وقد جاء من التجنيس في أشعار العرب ما يستكره، نحو قول امرئ القيس:
وسنا كسنيق سناءً وسنما
ولم يعرف الأصمعي هذا، ولا أبو عمرو وقال أبوعمرو: وهو بيت مسجدى: أي من عمل أهل المسجد، وقال الأصمعي: السن: الثور، ولم يعرف سنيقا، ولا سنما،
(1/286)

ويقال: سنيق جبل، ويقال: أكمةٌ، وسم ههنا: البقرة الوحشية، سناء: أي ارتفاعا، ويروى " سناما " أي ارتفاعا أيضاً، من " تسنمت الجبل " علوته.
وقول الأعشى:
شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شول
وهذا عند أهل العلم من جنون الشعراء، وقرأ هذه القصيدة على أبي الحسن علي بن سليمان النحوي قارئٌ، فلما بلغ إلى هذا البيت قال أبو الحسن: صرع والله الرجل.
وما زلت أراهم يستكرهون قول ذى الرمة:
عصاقسّ قوسٍ لينها واعتدالها
ويروى " عصا عسطوسٍ " وقد قيل: إنه الخيزران.
وهذا إنما جاء من هؤلاء مقللاً نادراً؛ لأنك لو اجتهدت أن ترى لواحدٍ منهم حرفاً واحداً ما وجدته، والطائي استفرغ وسعه في هذا الباب، وجد في طلبه، واستكثر منه، وجعله غرضه؛ فكانت إساءته فيه أكثر من إحسانه، وصوابه أقل من خطائه.
(1/287)

ما يستكره للطائي من المطابق
ورأى الطائي الطباق في أشعار العرب، وهو أكثر وأوجد في كلامها من التجنيس، وهو: مقابلة الحرف بضده أو ما يقارب الضد، وإنما قيل " مطابق " لمساواة أحد القسمين صاحبه، وإن تضادا أو اختلفا في المعنى، ألا ترى إلى قولهم في أحد المعنيين - إذا لم يشاكل صاحبه - ليس هذا طبق هذا، وقولهم في المثل " وافق شنٌ طبقه " والطبق للشيء إنما قيل له طبقٌ لمساواته إياه في المقدار، إذا جعل عليه أو غطى به، وإن اختلف الجنسان.
قال الله عز وجل " لتركبن طبقاً عن طبق " أي: حالا بعد حال، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى، وإنما أراد جل وعز - وهو أعلم - تساويهما فيكم، وتغييرهما إياكم؛ بمرورهما عليكم، ومنه قول العباس بن عبد المطلب:
إذا انقضى عالمٌ بدا طبق
أي: جاءت حال أخرى تتلو الحال الأولى؛ ومنه طباق الخيل، يقال: طابق الفرس إذ1اوقعت قوائم رجليه في موضع قوائم يديه في المشي أو العدو؛ وكذلك مشي الكلاب، قال الجعدي:
(1/288)

طباق الكلاب يطأن الهراسا
فهذا حقيقة الطباق، إنما هو مقابلة الشيء لمثله الذي هو على قدره، فسموا المتضادين - إذا تقابلا - مطابقين؛ ومنه قول زهير:
ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا
فطابق بين قوله " كذب " وبين قوله " صدقا "؛ وقول طفيلٍ الغنوى يصف فرساً:
يصان وهو ليوم الروع مبذول
فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول "، وقول طرفة بن العبد:
بطئ عن الجلى سريعٍ إلى الخنا
فطابق بين " بطئ " و " سريع ": فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا الفن من حلو الألفاظ وصحيح المعنى نحو قوله:
(1/289)

نثرت فريد مدامعٍ لم تنظم
ونحو قوله:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب
ونحو قوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
وأشباه هذا من جيد أبياته، وتجنب مثل قوله:
قد لان أكثر ما تريد، وبعضه ... خشنٌ، وإني بالنجاح لواثق
وقوله:
لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد
وقوله:
وإن خفرت أموال قومٍ أكفهم ... من النيل والجودى فكفاه مقطع
ونحو هذا مما يكثر، إن ذكرته ذهب عظيم شعره وسقط، وأكثر ما عيب عليه منه.
(1/290)

وهذا باب - أعني المطابق - لقبه أبو الفرج قدامة بن جعفر في كتابه المؤلف في نقد الشعر " المتكافئ "، وسمى ضرباً من المجانس المطابق، وهو: أن تأتي الكلمة مثل الكلمة سواء في تأليفها واتفاق حروفها، ويكون معناها مخالفاً، نحو قول الأفوه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجلٍ عيرانةٍ عنتريس
والهوجل الأول: الأرض البعيدة، والهوجل الثاني: الناقة العظيمة الخلق الموثقة، وقول أبي دواد الإيادي:
عهدت لها منزلا دارساً ... وآلاًِ على الماء يحملن آلا
فالآل الأول: أعمدة الخيام، والآل الثاني: ما يرفع الشخوص.
وقول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهلٍ ... وللؤم فيه كاهلٌ وسنام
وما علمت أن أحد فعل هذا غير أبي الفرج، فإنه وإن كان هذا اللقب يصح لموافقته معنى الملقبات، وكانت الألفاظ غير محظورة،
(1/291)

فإنى لم أكن أحب له أن يخالف من تقدمه، مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه الأنوع والألف فيها؛ أذا قد سبقوه إلى اللقب، وكفوه المؤونة.
وقد رأيت قوماً من البغداديين يسمون هذا النوع المجانس الممائل، ويلحقون به الكلمة إذا تكررت وترددت، نحو قول جرير:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
(1/292)

وهذا باب

في سوء نظمه
وتعقيد ألفاظ نسجه، ووحشي ألفاظه
وما أكثر ما تراه من ذلك، وتجده في شعره، وأظنه سمع ما روى عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه في زهير بن أبي سلمى لما قال فيه: كان لا يعاظل بين الكلا، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح رجلا إلا بما في الرجال، فلم يرتضى هذا لشعره، وأحب أن يثتكثر بما ذمه وعابه.
وقد فسر أهل العلم هذا من قول عمر، وذكروا معنى المعاظلة، وهي: مداخلة الكلام بعضه في بعض، وركوب بعضه لبعض، من قولك: تعاظل الجراد، وتعاظلت الكلاب، ونحوهما مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد، وأكثر ما يستعمل في هذين النوعين، وكذلك فسروا حوشي الكلام، وهو الذي لا يتكرر في كلام العرب كثيراً؛ فإذا ورد ورد مستهجناً.
وقالوا في معنى قوله " وكان لا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال " أراد أنه لا يمدح السوقة بما يمدح به الملوك، ولا يمدح التجار وأصحاب الصناعات بما يمدح به الصعاليك والأبطال وحملة السلاح؛ فإن الشاعر إذا فعل ذلك فقد وصف
(1/293)

كل فريق بما ليس فيه، فذكروا هذه الجمل، ثم مثلوا لها أمثلة تزيد ما قاله عمر رضي الله عنه وضوحاً وبياناً، إلا أبو افرج قدامه بن جعفر فإنه ذكر ذلك في كتابه المؤلف في نقد الشعر ومثل له أمثلة المعاظلة غلطا قبيحاً، وقد ذكرت ذلك في كتابٍ بينت فيه جميع ما وقفت عليه من سهوة وغلطه.
وأنا أذكر ههنا ما إليه قصدت من سائر ما في شعر أبي تمام م هذه الأنواع فإنها كثيرة، وأورد من كل نوع قليلا، فيستدل به على الكثير؛ فأقول: إن من المعاظلة التي قد لخصت معناها في الكتاب على قدامة شدة تعليق الشاعر ألفاظ البيت بعضها ببعض، وأن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها أو تجانسها، وإن اختل المعنى بعض الاختلال.
1 - وذلك كقول أب يتمام:
خان الصفاء أخٌ خان الزمان أخاً ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد
فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات آخرها قوله " عنه " ما أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال
(1/294)

ألفاظ في البيت من أجل ما يشبهها، وهو " خان " و " خان " و " يتخون " وقوله " أخ " و " اخا " فإذا تأملت المعنى - مع ما أفسده من اللفظ - لم تجد له حلاوة، ولا فيه كبير فائدة؛ لأنه يريد خان الصفاء أخٌ خان الزمان أخاً من أجله إذا لم يتخون جسمه الكمد.
2 - وكذلك قوله:
يا يوم شرد يوم لهوى لهوه ... بصبابتي، وأذل عز تجلدي
فهذه الألفاظ إلى قوله " بصبابتي " كأنها سلسلة، من شدة تعلق بعضها ببعض، وقد كان أيضا استغنى عن ذكر اليوم في قوله " يوم لهوى "؛ لأن التشريد إنما هو واقع بلهوه، فلو قال " يا يوم شرد لهوى " لكان أصح في المعنى من قوله: " يا يوم شرد يوم لهوى " وأقرب في اللفظ؛ فجاء باليوم الثاني من أجل اليوم الأول، وباللهو الثاني من أجل اللهو الذي قبله، ولهو اليوم أيضاً بصبابته هو أيضا من وساوسه وخطائه، ولا لفظ أولى بالمعاظلة من هذه الألفاظ.
(1/295)

3 - ونحو قوله أيضا:
يومٌ أفاض جوى أغاض تعزيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
فجعل اليوم أفاض جوى، والجوى أغاض تعزيا، والتعزى موصولا به " خاض الهوى " إلى آخر البيت؛ وهذا غاية ما يكون من التعقيد والاستكراه، مع أن " أفاض " و " أغاض " و " خاض " ألفاظ أوقعا في غير موضعها، وأفعال غير لائقة بفاعلها، وإن كانت مستعارة؛ لأن المستعمل في هذا أن يقال: قد علم ما بفلان من جوى، وظهر ما يكتمه من هوى، وبان عنه العزاء، وذهب عنه العظاء والتعزي، فأما أن يقال: فاض الجوى، أو أفيض، أو غاض، أو غيض: فإنه - وإن احتمل ذلك على سبيل الاستعارة - قبيحٌ جداً، وكذلك خوض الهوى بحر التعزي معنىً في غاية البعد والهجانة، ثم اضطر إلى أن قال " بحري حجاه المزيد " فوحد المزبد، وخفضه، وكان وجهه أن يقول " المزبدين " صفة للبحرين؛ فجعله صفة للحجى، ويقال: إنه أراد ببحري حجاه المزيد قلبه ودماغه؛ لأنهما موطنان للعقل، وذلك محتمل؛ إلا أنه جعل المزبد وصفا للحجى، ولا يوصف العقل بالإزباد، وإنما يوصف به البحر، وهذا وإن كان يتجاوز في مثله فإنه
(1/296)

إلى الوجه الأردأ عدل به، وجنب الطريق عن الوجه الوضح.
فإذا تأملت شعره وجدت أكثره مبنياً على مثل هذا وأشباهه، وقد ذكرت من هذه الأمثلة من شعره ما دل على سواها.
فإن قال قائل: إن هذا الذي أنكرته وذممته في البيات المتقدمة وفي هذا البيت - من شدة تشبث الكلام بعضه ببعض، وتعلق كل لفظةٍ بما يليها، وإدخال كلمة من أجل أخرى تبهها وتجانسها - هو المحمود من الكلام، وليس من المعاظلة في شيء، ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم قالوا: هذا كلام يدل بعضه على بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض.
قيل: هذا صحيح من قولهم، ولم يريدوا هذا الجنس من النثر والنظم، ولا قصدوا هذا النوع من التأليف، وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها: إما على الاتفاق، أو التضاد، حسما توجبه قسمة الكلام، وأكثر الشعر الجيد هذه سبيله، ونحو ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة، ومن يعشثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
(1/297)

لما قال " ومن يعش ثمانين حولا " وقدم في أول البيت " سئمت " اقتضى أن يكون في آخره " يسأم " وكذلك قوله أيضاً:
الستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر
فالستر الأول اقتضى الستر الثاني، وكذلك قوله:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض تزلق
لما قال " ومن لا يقدم رجله مطمئنة " اقتضى أن يأتي في آخر البيت " تزلق " وكذلك قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوةً ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
اقتضى " العدم " في البيت أن يأتي بعده " قنوة " وكذلك اقتضى قوله: " وبعد المشيب " قوله " طول عمر وملبسا " وكذلك قوله:
فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تقصدوا لدم نقصد
(1/298)

كل لفظة تقتضي ما بعدها.
فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض، وياخذ بعضه برقاب بعض؛ إذا أنشدت صدر البيت علمت ما ياتي في عجزه؛ فالشعر الجيد - أو أكثره - على هذا مبني، وليست بنا حاجة إلى الزيادة في التمثيل على هذه الأبيات.
(1/299)

وأما قول عمر رضي الله عنه في زهير: " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " فإن أبا تمام كان لعمري يتتبعه، ويتطلبه، ويتعمد إدخاله في شعره؛ فمن ذلك قوله:
أهلس أليس لجاءٌ إلى هممٍ ... تغرق الأسد في آذيها الليسا
ويروى " أهيس أليس " الجاد، وهذه الرواية أجود، وهي مثل:
إحدى لياليك فهيسى هيسى
والهلاس: السلال من شدة الهزال؛ فكان قوله " أهلس " يريد خفيف اللحم، والأليس: الشجاع البطل الغاية في الشجاعة، وو الذي لا يكاد يبرح موضعه في الحرب حتى يظفر أو يهلك؛ فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا، لم يقنع بأهلس أليس حتى قال في آخر البيت " الليسا " يريد جمع أليس،
(1/300)

وقوله:
وإن بجيريةٌ نابت جأرت لها ... إلى ذرى جلدي فاستؤهل الجلد
فقال " بجيرية " " جأرت لها " وهذه الألفاظ وإن كانت معروفة مستعملة فإنها إذا اجتمعت استقبحت وثقلت، وكذلك قوله:
هن البجارى يا بجير
والبجارى: جمع بجرية، وهي الداهية، وقوله:
بنداك يوسى كل جرحٍ يعتلى ... رأب الأساة بدردبيسٍ قنطر
الدردبيس والقنطر: من أسماء الدواهي، وقوله:
قدك اتئب أربيت في الغلواء
وزاد هذه الألفاظ هجنة أنها ابتداء في ابتداء القصيدة، وقوله:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه ... بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائر كهل
(1/301)

وإنما سمع قول بعض الهذليين:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره ... رياح بن سعدٍ رده طائرٌ كهل
ووجدت في تفسير أشعار هذيل أن الأصمعي لم يعرف قوله " طائر كهل " وقال بعضهم: كهل ضخم، وما أظن أحداً قال " طائر كهل " غير هذا الهذلي، فاستغرب أبو تمم معنى الكلمة فأتى بها، وأحب أن لا تفوته؛ فمثل هذه الألفاظ لا يستعملها شاعر متقدمٌ إلا أن يأتي في جملة شعره منها اللفظة واللفظتان، وهي في شعر أبي تمام كثيرةٌ فاشية، وقد أنكر الرواة على زهير - مع ما قاله عمر رضي الله عنه " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " - قوله:
نقيٌ تقيٌ لم يكثر غنيمةً ... بنهكةٍ ذى قربى ولا بحقلد
واستشنعوا " بحقلد " وهي اليء الخلق، ولا يعرف في شعره لفظة هي أنكر منها، وليس مجيئه بهذه اللفظة الواحدة قادحا فيما وصفه به عمر رضي الله عنه، وأكثر ما ترى هذه الألفاظ الوحشية في أراجيز الأعراب، نحو قول بعضهم
(1/302)

أنشده أبو حاتم:
فشجا جحافله جرافٌ هبلع
وقول آخر:
غرباً حروراً وجلالاً خرخره
وأنشد الأصمعي:
وآخذٌ طعم السقاء سامط ... وخائرٌ عجالطٌ عكالط
إذا ذهب عن اللبن حلاوة الحليب ولم يتغير فهو سامط، وإذا خثر اللبن جداً حتى ثخن فهو عكالط،
(1/303)

وقال آخر أنشده الأصمعي:
وربربٍ خماص ... يأكلن من قراص
وحمصيصٍ ... وقاص
واس: نبتٌ متصل بعضه ببعض.
وإذا كان هذا يستهجن من الأعرابي القح الذي لا يتعممل له ولا يطلبه، وإنما يأتي به على عادته وطبعه؛ فهو من المحدث - الذي ليس هو من لغته ولا من ألفاظه ولا من كلامه الذي تجري عادته به - أحرى أن يستهجن، ولهذا أنكر الناس على رؤبة استعماله الغريب الوحشي، وذلك لتأخره وقرب عهده، حتى زهد كثير من الرواة في رواية شعره إلا أصحاب اللغة والغريب.
وقد ذكر أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتابه المؤلف في سرقات الشعراء ومعانيهم، عن العنزى، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي الزارع، قال: حدثني ابن عائشة، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت أردت بشعرك شعر العجاج
(1/304)

ورؤبة فما صنعت شيئاً؛ وإن كنت أردت شعر أهل زمانك فما أخذت مأخذنا، أرأيت قولك:
ومن عاداك يلقى المرمريسا
أي شيء في المرمريس أعجبك؟
ووجدت أبا عبيدة ذكر في كتاب الخيل في

باب ما يستدل به على جودة الفرس وهو يحضر " وبيضة مرمريس، وهمةٌ مرمريس، وهي الضخمة " وأراد ابن مناذرٍ الداهية.
وقد جاء أبوتمام بالدردبيس، وهي أخت المرمريس، فقال:
بنداك يوسى كل جرحٍ يعتلى ... رأب الأساة بدردبيس قنطر
وهي الداهية أيضاً، وكذا القنطر.
(1/305)

باب

ما كثر في شعره من الزحاف واضطراب الوزن
وذلك هو ما قاله دعبل بن علي الخزاعي وغيره من المطبوعين: إن شعر أب يتمام بالخطب وبالكلام المنثور أشبه منه بالكلام المنظوم.
فمن ذلك قوله:
وأنت بمصرٍ غايتي وقرابتي ... بها، وبنو أبيك فيها بنو أبي
وهذا من أبيات النوع الثاني من الطويل، ووزنه: " فعولن مفاعيلن " وعروضه وضربه مفاعلن؛ فحذف نون فعولن من الأجزاء الثلاثة الأول، وحذف الياء من مفاعيلن التي هي المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضاً؛ لأنه حذف خامسة.
وكذلك قوله من هذا النوع:
كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأصفر فاقعٌ وأحمر ساطع
(1/306)

فحذف النون من آخر " فعولن " كلها، وهي أربعة، وحذف الياء من " مفاعيلن " التي في المصراع الثاني أيضاً، كما فعل في البيت قبله.
ومن ذلك قوله من هذا النوع أيضاً:
يقول فيسمع، ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الآله فيوجع
فحذف النون من " فعولن " الأول، والياء من " مفاعيلن " التي تليها، ومن " فعولن " التي هي أول المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضاً، وهو من الزحاف الحسن الجائز، إلا أنه إذا جاء علىالتوالي والكثرة في البيت الواحد قبح جداً.
وقال:
لم تنتقض عروةٌ منه ولا قوةٌ ... لكن أمر بني الآمال ينتقض
وهذا من النوع الأول من البسيط، ووزنه مستفعلن فاعلن، وعروضه وضربه فعلن، فزاد في عروضه حرفا فصار فاعلن؛ لأنه قال " قوة " فشدد، وذلك إنما يحسب له في أصل الدائرة لا في هذا الموضع، فإن خففها حتى تصير على وزن فعلن فيتزن البيت كان مخطئاً من طريق اللغة،
(1/307)

ثم نقص من فاعلن الأول من المصراع الثاني الألف فصار فعلن، وهذا يسمى مخبوناً لأنه حذف ثانيه.
وقال:
إلى المفدى أبي يزيد الذي ... يضل غمر الملوك في ثمده
وهذا من النوع الأول من المنسرح، ووزنه مستفعلن مفعولان مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن، فحذف السين من مستفعلن الأولى ومن مستفعلن التي هي أول المصراع الثاني فبقى متفعلن، وهذا ينقل إلى مفاعلن، ويسمى مخبوناً؛ لأنه حذف ثانية، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فبقى مستعلن فينقل إلى مفتعلن، ويقال ل: مطوى؛ لأنه ذهب رابعه، وحذف الواو من مفعولات الأولى ولاثانية، فصار فاعلات، ويقال له أيضاً: مطويٌ؛ فأفسد بكثرة الزحاف، وتقطيعه: إللمفد دا أبى ى زيد الذي يضللغم رلملوك فيثمده مفاعلن فاعلات مستفعلن مفاعلن فاعلات مفتعلن ثم قال في هذه القصيدة:
جلة أنماره وهمدانه ... والشم من أزده ومن أدده
(1/308)

فحذف الفاء من مستفعلن الأولى، فعادت إلى مفتعلن، وحذف الواو من مفعولات الأولى ومفعولات الثانية فصارت فاعلات، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن، وتقطيعه: جللتأن مارهيو همدانهى وششمممن أزدهىر منأدده مفتعلن فاعلات مستفعلن مستفعلن فاعلات مفتعلن وهذه الزحافات جائزة في الشعر غير منكرة إذا قلت، فأما إذا جاءت في بيت واحد في أكثر أجزائه فإن هذا ف ينهاية القبح، ويكون بالكلام المنثور أشبه منه بالشعر الموزون.
ومن هذا النوع من المنسرح قوله:
ولم يغير وجهى عن الصبغة ال ... أولى بمسفوع اللون ملتمعه
وتقطيعه: ولم يغى ير وجهيع نصصبغتل أولى بمس فوعللون ملتمعه مفاعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مفتعلن فحذف السين من مستفعلن الأولى فصارت مفاعلن وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن.
ومثل هذه الأبيات في شعره كثير إذا أنت تتبعته، ولا تكاد ترى في أشعار الفصحاء والمطبوعين على الشعر من هذا الجنس شيئاً تم السفر الثاني من الموازنة على ما جزأه مؤلفه رحمه الله تعالى والحمد لله رب العالمين
(1/309)

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه أجمعين قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ الامدي:
لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء وممن تأخر أخذاً كثيراً.
وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيتٍ مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت.
وكان ينبغي أن لا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوى هذين الشاعرين؛ لأنني قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوى الشعراء، وخاصة المتأخرين؛ إذ كان هذا باباً ما تعرى منه متقدم ولا متأخر، ولكن أصحاب أبي تمام ادرعوا أنه أول سابق، وأنه أصل في الابتداع والاختراع؛
(1/311)

فوجب إخراج ما استعاره من معاني الناس؛ ووجب من أجل ذلك إخراج ما أخذه البحتري أيضاً من معاني الشعراء، ولم أستقص باب البحتري، ولا قصدت الاهتمام إلى تتبعه؛ لأن أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام، بل استقصيت ما أخذه من أبي تمام خاصة؛ إذ كان من أقبح المساوى أن يتعمد الشاعر ديوان رجل واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام، ولو كان عشرة أبيات، فكيف والذي أخذه منه يزيد على مائة بيت؟ فأما مساوى البحتري - من غير السرقات - فقد دققت واجتهدت أن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه، وجودة طبعه، وتهذيه لألفاظه - من ذلك إلا أبياتاً يسيرة أنا أذكرها عند الفراغ من سرقاته، فإن مر بي شيء منها ألحقته به، إن شاء الله تعالى.
(1/312)

سرقات البحتري
1 - قال:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكأس قائمةٌ بغير إناء
أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
كأن يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا يحيط عليه كاس
2 - وقال البحتري:
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةً ... منقادة تحت السنان الأصيد
أخذه من قول بشار:
خلقوا قادةً فكانوا سواءً ... ككعوب القناة تحت السنان
وأخذه أبو تمام فقال:
جمعت عرى أعماله بعد فرقةٍ ... إليك كما ضم الأنابيب عامل
(1/313)

3 - وقال البحتري:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعةً لم توهب
أخذه من قول الفرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أعطيت مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
4 - وقال البحتري:
أرد دونك يقظاناً ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
أخذه من قول قيس بن الخطيم:
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصردٍ محسوب
5 - وقال البحتري:
ملوكٌ يعدون الرماح مخاصراً ... إذا زعزعوها والدروع غلائلا
وهذا مثل قول محمد بن عبد الملك الفقعسي، ولعله منه أخذه:
ولا لاقياً كعب بن عمرو يقودهم ... أبو دهشم نسج الحديد ثيابها
6 - وقال البحتري:
كوعول الهضاب رحن وما يم ... لكن إلا صم الرماح قرونا
(1/314)

وهذا من نوادر المعاني، وما عرف مثله إلا قول نصر بن حجاج بن علاط السلمى، ولعله منه أخذه:
ترى غاية الخطى فوق متونهم ... كما أشرفت فوق الصوار قرونها
7 - وقال البحتري:
ينال الفتى ما لم يؤمل، وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر
أخذه من قول الآخر، وأنشده ثعلبٌ:
وحذرت من أمر فمر بجانبي ... لم يلقني، ولقيت ما لم أحذر
8 - وقال البحتري:
وإذا الأنفس اختلفن فما يغ ... نى اتفاق السماء والألقاب
أخذه من قول الفرزدق:
وقد تلتقي السماء في الناس والكنى ... كثيراً، ولكن فرقوا في الخلائق
9 - وقال البحتري:
لم تخط باب الدهليز منصرفاً ... إلا وخلخالها مع الشنف
أخذه من قول أب ينواس:
قد جمعوا آذانه وعقبه
(1/315)

10 - وقال البحتري:
ولست أعجب من عصيان قلبك لي ... عمداً، إذا كان قلبي فيك يعصيني
أخذه من قول حسين بن الصحاك الخليع:
وتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاكا!
وبيت البحتري أجود.
11 - وقال محمد بن وهيب:
هل الدهر إلاغمرةٌ ثم تنجلي ... وشيكاً، وإلا ضيقةٌ فتفرج
أخذه البحتري فقال:
هل الدهر إلا غمرةٌ وانجلاؤها ... وشيكاً، وإلا ضيقةٌ وانفراجها
12 - وقال في وصف الذئب:
فأتبعتها أخرى وأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
وقال في هذا المعنى:
قومٌ ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفةً بمواطن الكتمان
أخذه من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
والضاربين بكل أبيض مرهفٍ ... والطاعنين مجامع الأضغان
(1/316)

إلا أن قول عمرو " والطاعنين مجامع الأضغان " في غاية الجودة والإصابة؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن موضع الضغن فذلك غاية كل مطلوب.
13 - وقال البحتري:
إلى فتىً يتبع النعمى نظائرها ... كالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
أخذه من قول أبي دهبل الجمحي:
وليلةٍ ذات أجراس وأروقةٍ ... كالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
وهذا إنما أراد قول امرئ القيس:
وليلٍ كمج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلى
14 - وقال البحتري:
محركاً رأسه توهمه ... من عطسةٍ قائماً على شرف
يشبه قول الآخر:
كأن أبا السمى إذا تغنى ... يحاكي عاطساً في عين شمس
15 - وقال البحتري:
سقمٌ دون أعين ذات سقمٍ ... وعذابٌ دون الثنايا العذاب
(1/317)

أخذه من قول بشار:
ذات الثنايا العذاب ... من دونهن عذاب
16 - وقال البحتري:
وكان في جسمي الذي ... في ناظريك من السقم
أخذه من قول منصور بن الفرج:
حل في جسمك ما كا ... ن بعينيك مقيما
17 - وقال البحتري:
تجد بدر الدجى يدنو بشمسٍ ... إلى من الرحيق الخسرواني
أخذه من قول الخليع:
قمرٌ يحمل شمساً ... من رحيق الخسرواني
18 - وقال البحتري:
كأن سهيلاً شخص ظمآن جانح ... مع الأفق في نهى من الأرض يكرع
أخذه من قول محمد بن يزيد الحصني السلمي يصف النجوم:
(1/318)

حتى إذا ما الحوت في ... حوضٍ من الدلو كرع
19 - وقال البحتري:
قومٌ إذا شهدوا الكريهة صيروا ... كمم الرماح جماجم الأقران
أخذه من مسلم بن الوليد حيث يقول:
يكسو السيوف رؤوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
وأخذه مسلم من قول جرير:
كان رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
20 - وقال البحتري:
ولم لا أغالي بالضياع وقد دنا ... على مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لي ترييعها واغتلالها ... وكان عليكم عشرها وخراجها
أظنه - والله أعلم - حذا على قول شبيب بن البرصاء:
ترى إبل الجار الغريب كأنما ... بمكة بين الأخشبين مرادها
يكون عليه نقصها وضمانها ... وللجار، إن كانت تزيد، ازديادها
(1/319)

21 - وقال أبو صخر الهذلي:
أغر أسيديٌ تراه كأنه ... إذا جد يعطى ماله وهو لاعب
أخذه البحتري فقال:
وادعٌ يلعب بالدهر إذا ... جد في أكرومةٍ قلت هزل
22 - وقال عبد الصمد بن المهذل:
ظبيٌ كأن بخصره ... من رقة ظمأ وجوعا
إني علقت لشقوتي ... يا قوم ممنوعاً منيعا
أخذه البحتري فقال:
من غادةٍ منعت وتمنع نيلها ... ولو أنها بذلت لنا لم تبذل
فزاد على عبد الصمد بقوله لو بذلت لنا لم تبذل.
23 - وقال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
(1/320)

وهذا مثل قول الحنتف بن السجف الضبي ويجوز أن يكون أخذه منه:
وفرقت بين أبني هميم بطعنةٍ ... لها عاندٌ يكسو السليب إزارا
قوله " لها عاند " يريد الدم.
24 - وقال عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي:
وإنى ليدعونى لأن أستزيدها ... فؤادى وأخشى سخطها وأهابها
ونحوه قول البحترى ويجوز أن يكون أخذه منه:
وعتب من حبيك حتى إننى ... أخشى ملامك أن أبثك ما بى
25 - وقال أبو نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
(1/321)

أخذه البحترى فقال:
فكم لك فى الأموال من يوم وقعة ... طويل من الأهوال فيه عويلها
26 - وقال جابر بن السليك الهمدانى:
أرمى بها الليل قدامى فيغشم بى ... إذ الكواكب مثل الأعين الحول
أخذه البحترى فقال:
وخدان القلاص حولا " إذا قا ... بلن حولا " من أنجم الأسحار
27 - وقال عروة بن الورد:
مطلا " على أعدائه يزجرونه ... بساحاتهم زجر المنيح المشهر
فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
(1/322)

ألم به البحترى فقال:
فترى الأعادى ما لهم شغل ... إلا توهم موقع يقعه
28 - وقال البحترى:
على نحت القوافى من مقاطعها ... وما على إذا لم تفهم البقر
ذكر على بن يحيى المنجم أن البيت للمجثم الراسبى وكان شاعرا " اتصل بمحمد بن منصور بن زياد فككسب معه ألف درهم فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى بن خالد البرمكى فأساء صحبته فهجاه فقال:
شتان بين محمد ومحمد ... حى أمات وميت أحيانى
فصحبت حيا فى عطايا ميت ... وبقيت مشتملا " على الخسران
فهذا ما مر بى من سرقة البحترى من أشعار الناس على غير تتبع فخرجتها ولعلى لواستقصيتها لكانت نحو ماخرجته من سرقات أبى تمام وتزيد عليها وعلى أننى قد بيضت فى آخر الكتاب فمهما مر بى شىْ ألحقته به إن شاء الله تعالى.
(1/323)

وهذا ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام خاصة مما نقلته من صحيح ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب؛ لأنه استقصى ذلك استقصاء بالغ فيه حتى تجاوز إلى ما ليس بمسروق، فكفانا مؤونة الطلب.
1 - قال أبو تمام:
فسواءٌ إجابتي غير داعٍ ... ودعائي بالقفر غير مجيب
فقال البحتري:
وسألت مالا يستجيب، وكنت في اس ... تخباره كمجيب من لا يسأل
2 - وقال أبو تمام:
فكادج بأن يرى للشرق شرقاً ... وكاد بأن يرى للغرب غربا
فقال البحتري:
فأكون طوراً مشرقاً للمشرق ال ... أقصى، وطوراً مغرباً للمغرب
3 - وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
(1/324)

فقال البحتري:
ولن تستبين الدهر موضع نعمةٍ ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
4 - وقال أبو تمام:
فإن تكن وعكةٌ قاسيت سورتها ... فالورد حلفٌ لليث الغابة الأضم
إن الرياح إذا ما أعصفت ... عيدان نجدٍ ولم يعبأن بالرتم
فقال البحتري:
فلست ترى شوك القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرند
ولا الكلب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد
5 - وقال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همةً ... ولكنه في سائر الناس مطمع
فقال البحتري:
ثنى أملى فاحتازه عن معاشرٍ ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
(1/325)

6 - وقال أبو تمام:
بمحمدٍ ومسودٍ ومحسدٍ ... ومكفرٍ وممدحٍ ومعذل
فقال البحتري: ذاك المحمد والمسو - د والمكرم والمحسد 7 - وقال أبو تمام:
وقد قرب المرمى البعيد رجاؤه ... وسلت الأرض العزاز ركائبه
فقال البحتري:
أدار رجاه فاغتدى جندل الفلا ... تراباً، وقد كان التراب جنادلا
8 - وقال أبو تمام:
رافعٌ كفه لسبرى فما أح ... سبه جاءني لغير اللطام
فقال البحتري: ووعدٌ ليس يعرف من عبوس ان - قباضهم أوعدٌ أم وعيد
(1/326)

9 - وقال أبو تمام:
ونغمة معتفٍ جدواه أحلى ... على أذنيه من نغم السماع
فقال البحتري:
نشوان من طرب السوال كأنما ... غناه مالك طيءٍ أو معبد
10 - وقال أبو تمام:
ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار
فقال البحتري:
ملكٌ له في كل يوم كريهةٍ ... إقدام غرٍ واعتزام مجرب
11 - وقال أبو تمام:
لا المنطق اللغو يزكو في مقامه ... يوماً، ولا حجة الملهوف تستلب
فقال البحتري:
إن أغفلوا حجةً لم يلف مسترقاً ... لها، وإن يهموا في القول لم يهم
12 - وقال أبو تمام:
مجدٌ رعى تلعات الدهر وو فتى ... حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم
(1/327)

فقال البحتري:
صحبوا الزمان الفرط، إلا أنه ... هرم الزمان وعزهم لم يهرم
13 - وقال أبو تمام:
كريمٌ متى أمدحه والورى ... معي، وإذا ما لمته لمته وحدي
فقال البحتري:
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم
14 - وقال أبو تمام:
البيد والعيس والليل التمام معاً ... ثلاثةٌ أبداً يقرن في قرن
فقال البحتري:
أطلبا ثاثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
15 - وقال أبو تمام:
وما نفع من قد باي بالأمس صادياً ... إذا ما السماء اليوم طال انهمارها
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍ ... للناس ما لم يأت في إبانه
(1/328)

16 - وقال أبوتمام:
تكاد مغانيه تهشّ عراصها ... فتركب من شوقٍ إلى كلّ راكب
فقال البحتري:
ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما ... فيوسعه لمشى إليك المنبر
17 - وقال أبو تمام:
وكيف احتمالىللّسحاب صنيعةً ... بإسقائها قبراًوفي لحده البحر
فقال البحتري:
ملآن من كرمٍ؛ فليس يضّره ... مرّ السّحاب عليه وهو جهام
18 - وقال أبو تمام:
فليشكروا جنح الظّلام ودروزاً ... فهم لدروز والظّلام موالى
فقال البحتري:
نجا وهو مولى الرّيح يشكر فضلها ... عليه، ومن يول الصّنيعة يشكر
(1/329)

19 - وقال أبو تمام:
أنت المقيم فما تعدو رواحله ... وعزمه أبداً منه على سفر
فقال البحتري:
مسافرٌ ومطاياه محللةٌ ... غروضها، ومقيمٌ وهو مر تحل
20 - وقال أبو تمام:
وسرّف العليا، وهل بك مذهبٌ ... عنهاوأنت علىالمكارم قيّم؟
فقال البحتري:
متقلقل العزمات في طلب العلا ... حتّىيكون على المكارم قيمّا
21 - وقال أبو تمام:
فلم يجتمع شرقٌ وغربٌ لقاصدٍ ... ولا المجد في كف امرئ والرام
فقال البحتري:
ليفر وفرك الموفى وإن أع ... وز أن يجمع الندى ووفوره
(1/330)

22 - وقال أبو تمام:
فوفرت يافوخ الجبان على الردى ... وزدت غداة الروع في نجدة النجد
فقال البحتري:
ويغدو ونجدته في الوغى ... تدرب نجدات فرسانه
23 - وقال أبو تمام:
ما زال وسواسي لعقلي خادعاً ... حتى رجا مطراً وليس سحاب
فقال البحتري:
وعجيبٌ أن الغيوم يرجي ... هن من لا يرى مكان الغيوم
24 - وقال أبو تمام:
بكل صعب الذرى من مصبٍ يقظٍ ... أقام متئداً أن سار معتزما
فقال البحتري:
لايبرح الحزم يستوفى صريمته ... أقام متئداً أم سار معتزما
25 - وقال أبو تمام:
لرددت تحفته عليه وإن علت ... عن ذاك واستهديت بعض خصاله
(1/331)

وقال أبو تمام أيضاً:
وانفح لنا من طيب خيمك نفحةً ... إن كانت الأخلاق مما توهب
فقال البحتري:
لا تسل ربك الكثير وسله ... خصلةً تستفيدها من خصاله
26 - وقال أبو تمام:
غريبةٌ تؤنس الآداب وحشتها ... فما تحل على قومٍ وترتحل
فقال البحتري:
ضوارب في ألافاق ليس بنازحٍ ... بها من محلٍ أوطنته ارتحالها
27 - وقال أبو تمام:
كأنما خارمه أولقٌ ... أو غازلت هامته الخندريس
فقال البحتري:
وتخال ريعان الشباب يروعه ... من جنةٍ أو نشوةٍ أو أفكل
(1/332)

28 - وقال أبو تمام:
حمدٌ حبيت به وأجرٌ حلقت ... من دونه عنقاء ليلٍ مغرب
فقال البحتري:
فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
29 - وقال أبو تمام:
تدعي عطاياه وفراً وهي إن شهرت ... كانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفا
فقال البحتري:
وإذا اجتداه المجتدون فإنه ... يهب العلى في سيبه الموهوب
30 - وقال أبو تمام:
وتلبس أخلاقاً كراماً كأنها ... على العرض من فرط الحصانة أدرع
فقال البحتري:
قومٌ إذا لبسوا الدروع لموقفٍ ... لبسوا من الأحساب فيه دروعا
(1/333)

31 - وقال أبو تمام:
لما أظلتني غمامك أصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودي
فقال البحتري:
ومعترضون إن حاولت أمراً ... بهم شهدوا على وهم شهودي
32 - وقال أبو تمام:
أنضرت أيكتي عطاياط جتى ... صار ساقاً عودي وكان قضيبا
فقال البحتري:
حتى يعود الذئب ليثاً ضيغماً ... والغصن ساقاً والقرارة نيقا
33 - وقال أبو تمام:
فما تصطاد غير الصيد
فقال البحتري:
وتصطاد الفوارس صيدها
(1/334)

34 - وقال أبو تمام:
الآن حين عرست في كرم الندى ... تلك المنى وبنيت فوق أساس
فقال البحتري:
غفل الرجال بنوا على جدد الثرى ... لما بنوا، وبنيت فوق أساس
35 - وقال أبو تمام:
فعلام الصدود من غير جرمٍ ... والصدود الفراق قبل الفراق
فقال البحتري:
على أن هجران الحبيب هو النوى ... لدى، وعرفان المشيب هو العذل
36 - وقال أبو تمام:
وفتىً إذا جنف الزمان فما يرى ... إلا إلى عزماته يتظلم
فقال البحتري:
ولو أنصفتني سر مراءٌ لم أكن ... إلى العيس من قطانها أتظلم
(1/335)

من دوحة الكلم الذي لم ينفكك ... وقفاً عليك رصينه محبوساً
فقال البحتري:
ولك السلامة والسلام؛ فإنني ... غادٍ، وهن على علاك حبائس
38 - وقال أبو تمام:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطلٍ ... حتى يجاورها الزمان بحال
فقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسنٍ جوارها ... خلائق أصفارٍ من المجد خيب
39 - وقال أبو تمام:
وما العرف بالتسويف إلا كخلةٍ ... تسليت عنها حين شط مزارها
فقال البحتري:
وكنت وقد أملت مراً لحاجتي ... كطالب جدوى خلةٍ لا تواصل
40 - وقال أبو تمام:
آساد موتٍ مخدراتٌ ما لها ... إلا الصوارم والقنا آجام
(1/336)

فقال البحتري:
حشدت حولها سباع الموالي ... والعواي غابٌ لتلك السباع
41 - وقال أبو تمام:
ولاذت بحقويه الخلافة، والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله
فقال البحتري:
لاذت بحقويه الخلافة؛ إنها ... قسمٌ لأفضل هاشمٍ فالأفضل
42 - وقال أبو تمام:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديته ... خرقاً، ولو شئنا لقلنا المركب
فقال البحتري:
حملت عليه في سبيل فتوةٍ ... هي الثغر خلف المجدبل تفضل الثغرا
43 - وقال أبو تمام:
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل
(1/337)

فقال البحتري:
ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل
44 - وقال أبو تمام:
أورقت لي وعداً وثقت بنجحه ... بالأمس، إلا أنه لم يثمر
فقال البحتري:
والوعد كالورق الجنى تأودت ... منه الغصون ونجحه أن يثمرا
45 - وقال أبو تمام:
إنّ الهلال إذارأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
فقال البحتري:
مثل الهلال بدا؛ فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتّىأقمرا
46 - وقال أبو تمام:
نرمى بأشباحنا إلى ملكٍ ... نأخذ من ماله ومن أدبه
فقال البحتري:
نغدو فإمّا استمحنا من مواهبه ... فضلاً، وإما استفدنا من آدابا
(1/338)

47 - وقال أبو تمام:
وما خير برقٍ لاح في غير وقته ... ووادٍ غدات ملآن قبل أوانه
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍ ... للناس ما لم يأت في إبانه
48 - وقال أبو تمام:
لا يكرم النائل المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتى يكرم الطلب
فقال البحتري:
علمتني الطلب الشريف، وإنما ... كنت الوضيع من اتضاع مطالبي
49 - وقال أبو تمام:
أرسى بناديك الندى، وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
فقال البحتري:
راحت لأربعك الرياح ضعيفةً ... وأصاب مغناك الغمام الصيب
(1/339)

50 - وقال أبو تمام:
الود للقربى ولكن رفده ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
فقال البحتري:
بل كان أقربهم من سيبه سيباً ... من كان أبعدهم من جذمه رحما
51 - وقال أبو تمام:
شرخٌ من الشرف المنيف يهزه ... هز الصفيحة شرخ غمرٍ مبقل
فقال البحتري:
أدركت ما فات الكهول من الحجى ... في عنفوان شبابك المستقبل
52 - وقال أبو تمام:
بعثن الهوى في قلب من ليس هائماً ... فقل في فؤادٍ رعنه وهو هائم
(1/340)

فقال البحتري:
فبعثن وجداً للخلى، وزدن في ... برحاء وجد الهائم المستهتر
53 - وقال أبو تمام:
غرةٌ بهمةٌ، ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما
فقال البحتري:
عجبت لتفويف القذال، وإنما ... تفويفه لء كان غير مفوف
54 - وقال أبو تمام:
وما زالت تجد أسى وشوقا " ... له وعليه أخلاق الرسوم
فقال البحترى:
فهيج وجدى ربعها وهوساكن ... وجدد شوقى رسمها وهومخلق
55 - وقال أبو تمام:
تراه يذب عن حرم المعالى ... فتحسبه يدافع عن حريم
فقال البحترى:
حامى عن المكرمات مجتهدا " ... ذب المحامى عن ماله ودمه
(1/341)

56 - وقال أبو تمام:
تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد
فقال البحترى:
أقر بما لم أجنه متنصلا " ... إليك على أنى إخا لك ألوما
57 - وقال أبو تمام:
وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد قيودا
فقال البحترى:
والمجد قد يأبق عن أهله ... لولا عرى الشعر الذى قيده
58 - وقال أبو تمام:
شك حشاها بخطبة عنن ... كأنها منه طعنة خلس
فقال البحترى:
فرجت جونتها بخطبة فيصل ... مثل لها فى الروع طعنة فيصل
(1/342)

59 - وقال أبو تمام:
جم التواضع والدنيا بسودده ... تكاد تهتز من أقطارها صلفا
فقال البحترى:
أبدى التواضع لما نالها رعة ... عنها، ونالته فاختالت به تيها
60 - وقال أبو تمام:
إذا أطلقواعنه جوامح غله ... تيقن أن المن أيضا " جوامح
فقال البحترى:
وفى عفوه لو يعلمون عقوبة تقعقع فى الأعراض إن لم يعاقب
61 - وقال أبو تمام:
قصر ببذلك عمر وعدك تجولى ... شكرا " يعمر عمر سبعة أنسر
(1/343)

فقال البحترى:
وجعلت نيلك تلو وعدك قاصرا " ... عمر العدو به وعمر الموعد
62 - وقال أبو تمام:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجرى ووابله
فقال البحترى:
نصرت له الشوق اللجوج بعبرة ... تواصل فى أعقاب وصل تصرما
63 - وقال أبوتمام:
من ليلة فى وبلها ليلاء ... فلو عصرت الصخر صار ماء
فقال اليحترى:
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى ... ورطبن حتى كاد يجرى الجندل
64 - وقال أبو تمام:
بر بدأت به ودار بابها ... للخلق مفتوح ووجه مقفل
فقال البحترى:
إلام بابك معقود على خلق ... وراءه مثل مد النيل محلول
هذا ما أخذه البحترى من أبى تمام.
(1/344)

ولعل قالا يقول: قد تجاوزت فى هذا الباب، وقصرت، ولم تستقص جميع ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم من المسروق، وليس الأمر كذلك، بل قد استوفيت جميعه، فأوضحت، وسامحت بأن ذكرت مالعله لا يكون مسروقا "، وإن اتفق المعنيان أو تقاربا، غير أنى اطرحت سائر ماذكره أبو الضياء بعد ذلك لأنه لم يقنع بالمسروق الذى يشهد التأمل الصحيح بصحته، حتى تعدى ذلك إلى التكثير، وإلى أن أدخل فى الباب ما ليس منه، بعد أن قدم مقدمة افتتح بها كلامه.
وقال: ينبغي لمن نظر في هذا الكتاب أن لا يعجل بأن يقول: ما هذا مأخوذ من هذا، حتى يتأمل المعنى دون اللفظ، ويعمل الفكر فيما خفى، فإنما السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد آخذه في أخذه.
قال: ومن الناس من يبعد هنه إلا عن مثل بيت ارمئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية، فقال أحدهما " وتحمل " وقال الآخر " وتجلد ".
قال: وفي الناس طبقة أخرى يحتاجون إلى دليلٍ من اللفظ مع المعنى، وطبقة يكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل.
(1/345)

فجعل هذه المقدمة توطئةً لما اعتمده من الإطالة والحشد، وأن يقبل منه كل ما يورده، ولم يستعمل مما وصى به - من التأمل وإعمال الفكر - شيئاً، ولو فعل ذلك لرجوت أن يوفق لطريق الصواب؛ فيعلم أن السرق إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الساعر، لا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم، ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال: أخذه من غيره.
غير أن أبا الضياء استكثر من هذا الباب، وخلط به ما ليس من السرق في شيء، ولا بين المعنيين تناسبٌ ولا تقارب، وأتى بضربٍ آخر ادعى فيه أيضاً السرق والمعاني مختلفة؛ وليس فيه إلا اتفاق ألفاظ ليس مثلها مما يحتاج واحد أن يأخذه من آخر؛ إن كانت الألفاظ مباحةً غير محظورة، فبلغ غرضه في توفير الورق وتعظيم حجم الكتاب.
وأنا أذكر في كل بابٍ من هذه الأبواب أمثلة تدل على صحة ما ذكرناه، ونجعلها قياساً على ما لم نذكره؛ فإن في البعض غنى عن الإطالة بذكر الكل.
1 - فمما أورده أبو الضباء من المعاني المستعملة الجارية مجاري
(1/346)

الأمثال وذكر أن البحتري أخذه من أبي تمام قول أبي تمام:
جرى الجود مجرى النوم منه؛ فلم يكن ... بغير سماحٍ أو طعانٍ بحالم
وقال البحتري:
ويبيت يحلم بالمكارم والعى ... حتى يكون المجد جل منامه
وهذا الكلام موجود في عادات الناس، ومعروف في معاني كلامهم، وجارٍكالمثل علىألسنتهم، بأن يقولوا لمن أحبّ شيئاًأو استكثر منه: فلان لايحلم إلا بالطعام، وفلان لايحلم إلا بفلانه من شدة وجده بها، وهذا الزنحبى ما حلمه إلا بالتمر؛ ولا يقال لمن كانت هذه سبيله: سرق، وإنما يقال له: اتفاق؛ فإن كان واحد سمع هذا المعنى أو مثله من آخر فاحتذاه فإنما ذكر معنى قد عرفه واستعمله، لا أنه أخذه سرقة.
2 - وأنشد لأبي تمام:
إذا القصائد كانت من مدائحهم ... يوماً فأنت لعمري من مدائحها
فذكر أن البحتري أخذه فقال:
(1/347)

ومن يكن فاخراً بالشعر يذكر في ... أضعافه فبك الأشعار تفتخر
وهذا غلط على البحتري؛ لأن الناس لا يزالون يقولون: فلان يزين الثياب ولا تزينه، ويجمل الولاية ولا تجمله، وفلانة تزيد في حسن الحلى ولا يزيد في حسنها، وفلان تفتخر به الأنساب ولا يفخر بها، وهذا ليس من المعاني التي يجوز أن يدعى أحد من الناس أنه ابتدعها واخترعها أو سبق إليها، ولا يجوز أن يكون مثل هذا - إذا اتفق فيه خطيبان، أو شاعران - أن يقال: إن أحدهما أخذه من الآخر.
3 - وأنشد لأبي تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
وذكر أن البحتري أخذه فقال:
وأيامنا فيك اللواتي تصرمت ... مع الوصل أضغاثٌ وأحلام نائم
وكأنه ما سمع الناس يقولون: ماكان الشباب إلا حلماً، وما كانت أيامه إلا نومة نائم، وما أشبه ذلك من اللفظ، فكيف يجوز أن يكون ذلك مسروقاً؟ 4 - وذكر أن من ذلك قول أب يتمام:
قد يقدم العير من دعرٍ على الأسد
(1/348)

وقول البحتري:
فجاء مجيء العير قادته حيرةٌ ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره
أو لم يسمع ما هو كالمجمع عليه من أن العير إذا رأى السبع أقبل إليه من شدة خوفه منه، حتى صار مثلا يتمثل به، كما يتمثل بالفراشة إذا تهافتت في الناء، وفي ذلك أمثال وأشعار كثيرة، فما أظن علمها سقط عن البحتري.
5 - ومن ذلك قول أبي تمام:
هيهات لم يعلم بأنك لو ثوى ... بالصين لم تبعد عليك الصين
وقول البحتري:
يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوا ... في الصين في بدها ما استبعد الصينا
وهذا جار على أفواه العامة والخاصة والنساء والصبيان أن يضربوا المثل ف يالبعد بالصين، وأن يوقعوا التهديد به؛ فيقولوا: لو أنك بالصين لما بعدت على، فكيف لا يهتدي البحتري إلى مثل هذا؟ 6 - ومن ذلك قول أب يتمام:
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
(1/349)

وقول البحتري:
فإذا لقيتهم فموكب أنجمٍ ... زهرٍ وعبد الله بدر الموكب
وهذا معنى متقدم مبتذل: جاء به النابغة وغيره، وكثر على الألسن حتى صار أشهر من كل مشتهر، وبيت أب يتمام خاصة فإنما سرقة على سياقه من مريم بنت طارق ترثي أخاها:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
7 - ومن ذلك قول أبي تمام:
همةٌ تنطح النجوم وجدٌ ... آلفٌ للحضيض فهو حضيض
وقل البحتري:
متحيرٌ يغدو بعزمٍ قائمٍ ... في كل نائبةٍ وجدٍ قاعد
وهذان المعنيان جنسهما واحد، ولفظهما مختلف، وهما شائعان في الكلام، وجاريان في الأمثال، يقال: فلان علي الهمة، وهمته في
(1/350)

الثريا وحاله في الحضيض، وفلان يسامي بهمته النجم ولكن قعد به حظه، ونحو هذا من اللفظ؛ فليس يجوز أن يعتور هذا المعنى شاعران فيقال: أحدهما أخذه من الآخر.
8 - ومن ذلك قول أب يتمام:
وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوفٍ على ترح الوداع
وقول البحتري:
ما لشيء بشاشةٌ بعد شيءٍ ... كتلاق مواشكٍ بعد بين
وهذا معنى مستفيض معروف، ومنه قول الحجاج بن يوسف: لولا فرحة الأوبات لما عذبتهم إلا بالأسفار، وغرض كل واحد من هذين الشاعرين في هذين البيتين مخالف لغرض صاحبه؛ لأن أبا تمام ذكر أنه لا يفرح بالقدوم إلا من شجاه وأحزنه التوديع، وأراد البحتري أنه ليس شيء من المسرة والجذل إذا جاء في أثر شيء ما كالتلاقي بعد التفرق؛ فليس - وإن كان جنس المعنيين واحداً - يصح أن يقال: إن أحدهما
(1/351)

أخذ من الآخر؛ لأن هذا قد صار جارياً في العادات وكثيراً على الألسن؛ فالتهمة ترتفع عن أن يأخذ أحد عن آخر.
9 - ومن ذلك قول أبي تمام:
لهم نشبٌ، وليس لهم سماحٌ ... وأجسامٌ، وليس لهم قلوب
وقول البحتري:
خلقٌ ممثلةٌ بغير خلائقٍ ... ترجى، وأجسامٌ بلا أرواح
وهذا الكلام أيضاً هو أعرف في كلامهم وأشهر من أن يحتاج شاعرٌ أن يأخذه من الآخر، وهم دائماً يقولون: ما فلان إلا شبحٌ من الأشباح، وما هو إلا صورة في حائط، أو جسدٌ فارغ؛ ونحو هذا من القول الشائع المشتهر.
10 - ومن ذلك قول أبي تمام:
لا تدعون نوح بن عمرو دعوةً ... للخطب إلا أن يكون جليلا
وقول البحتري: يا أبا جعفرٍ! وما أنت بالمد - عو إلا لكل أمرٍ كبار ونسى قول الناس: اختر لعظيم الحوائج العظيم من الناس، ولكبير الأمور كبيرهم، وقال رجل لابن عباس: إن لي إليك حاجةً صغيرة، فقال: اطلب لها رجلا صغيراً.
(1/352)

11 - ومن ذلك قول أبي تمام:
بيضٌ فهن إذا رمقن سوافراً ... صورٌ، وهن إذا رمقن صوار
وقول البحتري:
أنى لحظت فأنت جوذر رملةٍ ... وإذا صددت فأنت ظبي كناس
وهذا تسبيه أعين النساء بأعين البقر، وتمثيلهن بالصوار، وبالظباء؛ وجل كلام العرب عليه يجري، فلا تكون الشعراء فيه إلا متفقين.
12 - ومن ذلك قول أبي تمام:
ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبانٌ قد رسا ويلملم
وقول البحتري:
ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع
وهذا المعنى أيضاً شائع من معانيهم، وكثير من أشعارهم، ومنه قول الفرزدق:
فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل
(1/353)

وقوله يخاطب جريرا أيضاً:
فرم حضناً فانظر متى أنت ناقله
أفترى البحتري ما سمع هذا من قول الفرزدق ولا من قول غيره فنقله كما سمعه أبو تمام فنقله؟ 13 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وفي شرف الحديث دليل صدقٍ ... لمختبرٍ على شرف لاقديم
وقول البحتري:
على أنا نوكل بالأداني ... وتخبرنا الفروع عن الأصول
وهذا معنىٍ شائعٌ في الكلام أيضاً، مشهور كثير على الأفواه أن يقولوا: إن العروق عليها ينبت الشجر، ومن أشبه أباه فما ظلم، والعصى من العصية، والغصن من الشجرة، ودلت على الأم السخلة، ومثل هذا لا يكون مأخوذاً مستعاراً 14 - ومن ذلك قول أبي تمام:
ولذاك قيل: من الظنون جليةٌ ... صدقٌ، وفي بعض القلوب عيون
وقول البحتري:
وإذا صحت الروية يوماً ... فسواء ظن امرئ وعيانه
(1/354)

وهذا أيضاً من الأمثال المشهورة المتداولة السائرة، وهو قولهم: ظن العاقل كيقين غيره، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
الألمفي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
15 - وقال أبوتمام:
لا نجم من معشرٍ إلا وهمته ... عليك دائرةٌ يأيها القطب
بقي بيت البحتري لم يذكره، وهو هذا:
ودارت بنو ساسان طرا عليهم ... مدار النجوم السائرات على القطب
وكأنه ما سمع قول الناس: فلان قطب هذا الأمر، وعلى فلان مدار القصة، ونحو هذا من القول الذي يستغنى الإنسان بما جرى منه في عاداته أن يستعبره من غيره.
16 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وأقل الأشياء محصول نفعٍ ... صحة القول والفعال مريض
وقول البحتري:
وما لمثلي في القول منك رضاً ... والقول في المجد غير محسوب
(1/355)

وأبو تمام زعم أن رونق القول بالمواعيد لا يتحصل منه نفع إذا لم يكن فعال، وجعل الصحة ف يالقول والمرض في الأفعال مثلن في الاستعارة، والبحتري إنما ذكر أنه لا يرضى بالقول؛ لأن القول لا يحتسب به للماجد بغير فعل؛ فالغرضان مختلفان، والمعنى معنى واحد شائع جار في عادات الناس أن يقولوا: إنما زيد كلام، وإنما عمرو قول بلا فعل، ومثل هذا - مع كثرته على الألسن - لا يقال: إنه مسروق.
17 - ومن ذلك قول أبي تمام:
ستر الصنيعة واستمر ملعناً ... يدعو عليه النائل المظلوم
وقول البحتري:
أكافرٌ منك فضل نعمى ... وستر نعمى الكريم كفر
فذكر أبو تمام رجلا ذمه بستر الصنيعة، وجعله ملعناً يدعو عليه النائل المظلوم، على الاستعارة، والبحتري ذكر أن ستر النعمى كفر، وكلا اللفظين مستعملان شائعان على الألسن؛ فلا يقال لمن تكلم بأحد اللفظين: إنه استعاره من الآخر.
(1/356)

18 - ومن ذلك قول أبي تمام:
شهدت جسيمات العلى وهو غائبٌ ... ولو كان أيضاً شاهداً كان غائبا
وقول البحتري:
بشيراً لكم فيها، نذيراً لغيركم ... له شاهدٌ عن موضع الفهم غائب
وهذا المعنى أيضاً جارٍ على الأفواه، ومستعمل في الكلام، تعرفه العامة كما تعرفه الخاصة، وذلك قولهم: فلان شاهد كغائب، وحاضر كمن لم يحضر، وفلان سواء والعدم.
19 - ومن ذلك قول أبي تمام:
دعيني على أخلاقي الصم للتي ... هي الوفر أو سربٍ ترن نوادبه
وقول البحتري:
وخد القلاص يردني لك بالغنى ... في بعض ذا التطواف أو يرديني
وهذان المعنيان أصلهما واحد، وهو قول امرئ القيس:
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
(1/357)

وشهرته وكثرة استعمال الناس إياه يغنى البحتري عن أن يقال: إنه استعاره، أو أخذه.
20 - ومن ذلك قول أبي تمام:
كحلت بقبح صورته فأمسى ... لا إنسان عيني في السياق
وقول البحتري:
شكوت قذى بعينك بات يدمى ... كأنك قد نظرت إلى طماس
وهذا أيضاً من المعاني التي تمنع شهرتها وابتذال العامة والخاصة لها من أن يقال: إنها مسروقة، وإن واحداً ائتم فيها بآخر.
21 - ومما جاء به أبو الضياء على أنه مسروق، والمعنيان مختلفان ليس بينهما اتفاق ولا تناسب، قول أب يتمام:
فاقسم اللحظ بيننا؛ إن في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير
وقال البحتري:
سلامٌ وإن كان السلام تحية ... فوجهك دون الرد يكفي المسلما
وأبو تمام سأل من يخاطبه أن يقبل عليه، ويجعل له قشطاً من النظر؛ فإن إدامة النظر تدل على المودة، كما أن الإعراض يدل على البغض.
(1/358)

والبحتري إنما سلم على الهيثم الغنوى، وذكر أن السلام تحية، وأن وجهه لجماله وطلاقته يكفي المسلم قبل رده، والمعنيان مختلفان، وليس لواحد منهما من الرقة والغرابة ما ينسب أحدهما إلى انه محذوٌ على ألآخر أو مسروق منه.
22 - ومن ذلك قول أبي تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
وقول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فرداً سليك المقانب
وأبو تمام ذكر أن رحب صدر الممدوح وسعته تزيد على سعة الأرض، فأسرف، وأخطأ ف يالمعنى بما قد ذكرته في باب خطائه في المعاني، والبحتري ذكر سعة صدر الممدوح، وجعل له مفازة على اللاستعارة، وذكر أنه لو تطرق لم يكن ليسلكها سليكٌ الذي لم يكن ليكبر عليه سلوك الأرض وإن عرضت وطالت، وإنما أراد جميعاً سعة صدر الممدوح، كما جرت العادة بهذا الضرب
(1/359)

من المدح، فأفرطا، ولكن سلك كل واحد منهما معنىً غير معنى صاحبه كما ترى.
23 - ومن ذلك قول أبي تمام:
إنما البشر روضةٌ؛ فإذا ما ... كان برٌ فروضةٌ وغدير
وقول البحتري:
فإن العطاء الجزل ما لم تحلهببشرك مثل الروض غير منور
فأراد أبو تمام البشر مع البر كالروضة والغدير، وأراد البحتري أالعطاء ما لم يكن معه بشر كان كالروض غير منور؛ فليس بين المعنيين اتفاق إلا في ذكر البشر والروض، والألفاظ غير محظورة على واحد.
24 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وغني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنما حورفتم في المكارم
فقال البحتري:
إذا ابتدا بخلاء الناس عارفةً ... يتبعها المن فالمرزوق من حرما
فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارفٍ في ملتمساته ومكالبه،
(1/360)

ولكن الذين أملهم وطلب ما عندهم حورفوا ف يمكارمهم؛ فأحسن في المعنى واللفظ كل الإحسان؛ وأراد البحتري أن البخيل إذا امتن بمعروفه فالمرزوق من حرم ذلك المرعوف؛ فهذا المعنى غير معنى أب يتمام، وليس بينهما اتفاق ولا تقارب.
25 - ومن ذلك قول أبي تمام:
إذا شب ناراً أقعدت كل قائم ... وقام لها من خوفه كل قاعد
وقول البحتري:
ومبجلٌ وسط الرجال، خفوفهم ... لقيامه، وقيامهم لقعوده
وليس أحد المعنيين من الآخر في شيء؛ لأن أبا تمام أراد أن الممدوح إذا شب نار الحرب أقعدت كل قائم لقتاله ومنابذته: أي تزعج كل واحد خوفاً وفرقاً؛ وذلك مأخوذ من قول الفرزدق:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌ ... آل تميمٍ أقعدت كل قائم
وقوله " وقام لها من خوفه كل قاعد " أي: زال عن الطمأنينة والهدو والقرار فقام، وإنما يريد انزعاج الخائف؛ فجعل ذلك قياماً له، والبحتري إنما ذكر أن الرجال يخفون لقيام ممدوحه، أي:
(1/361)

يسرعون بين يديه إذا قام، فإذا قعد قاموا إجلالا وهيبة، وأن من شأنه أن لا يجلس أحد بجلوسه وأن يكون الناس كلهم قياماً إذا جلس، والمعنيان مختلفان، وليس بينهما اتفاق إلا في ذكر القيام والقعود، والألفاظ مباحة.
26 - ومن ذلك قول أبي تمام:
ورب يومٍ كأيامٍ، تركت به ... متن القناة ومتن القرن منقصفا
وقول البحتري:
من معركٍ ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انشنين ضلوعا
وليس بين المعنيين اتفاق إلا في أن الشاعرين وصفا حال الطعن بالقنا كيف يقع؛ فذكر ذلك أن ممدوحه يقصف متن القرن ومتن القناة، وشبه هذا انطواء الرماح واعوجاجها - إذا وقعت بضلوع القوم - باعوجاج ضلوعهم، وهذا من التشبيهات الظريفة العجيبة، وهو المعنى الذي استغربه واستحسنه أبو تمام لما أنشد البحتري محمد بن يوسف القصيدة، وذلك أول اجتماعهما وتعارفهما على ما يرويه الشاميون.
27 - ومن ذلك قول أبي تمام:
بين البين فقعدها، قلما يع ... رف فقدٌ للشمس حتى تغيبا
(1/362)

وقول البحتري:
فاضل بين الإخوان عسرى في ... ظلماء ليلٍ تفاضلت شهبه
وليس بين المعنيين تناسبٌ؛ لأن أبا تمام ذكر أن موضع فقدها بان، وأنه قلما يعرف فقد الشمس إلا بعد غروبها، وهذا جارٍ ف يعادات الناس واستعمالهم أن يقولوا: لا يعرف فضل الإنسان حتى يفقد، ولا يعرف فضل العافية إلا عند البلية، ولا قدر الدرهم إلا عند الحاجة إليه؛ والبحتري أراد أن عسره بين له عن مراتب إخوانه، وفضل بعضهم على بعض في معونته وبره، كما يتفاضل الشهب في ظلمة الليل، وأراد بالشهب الكواكب، وهذا المعنى لطيف جداً، وليس من معاني أب يتمام في شيء.
هذا، ومما دعى أبو الضياء على البحتري فيه السرق، والاتفاق في أكثر ذلك إنما هو في الألفاظ التي ليست محظورة على أحد، وقد مضى فيما قبل من هذا الباب أبيات.
28 - فمن ذلك قول أبي تمام:
إن الصفائح منك قد نضدت على ملقى عظامٍ لو علمت عظام
(1/363)

وقول البحتري:
مساعٍ عظامٌ ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائم أعظم
فأراد أبو تمام أن عظام الرجل الذي رثاه عظام القدر، وأراد البحتري أن مساعي القوم عظام لا يبلى جديدا وإن بليت عظامهم، وليس ههنا اتفاق إلا في لفظ العظام لا غير.
29 - ومن ذلك قول أبي تمام:
لا يدهمنك من دهمائهم عددٌ ... فإن أكثرهم أو جلهم بقر
وقول البحتري:
على نحت القوافي من مقاطعها ... وما على لهم أن تفهم البقر
فأراد أبو تمام أنه لا يجب أن ينظر إلى كثرة عددهم؛ فإن أكثرهم بقر، وذكر البحتري أن عليه أن يجيد القول، وليس عليه أن تفهمه البقر، وما ههنا اتفاق إلا في لفظة البقر.
30 - ومن ذلك قول أبي تمام:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
(1/364)

وقول البحتري:
إن الخليفة ليس يرقب في لاذي ... حاولت إلا أن نقول ويفعلا
والاتفاق ههنا إنما هو في القول والفعل.
31 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وما يوم زرت اللحد يومك وحده ... علينا، ولكن يوم زيدٍ وحاتم
وقول البحتري:
بأبيض وضاحٍ كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيدٍ وحاتم
أفترى البحتري ما سمع بذكر زيد الخيل ولا حاتم الطائي اللذين يفخر بهما اليمن كلها فيشبه ممدوحه بهما إلا من بيت أبي تمام؟ 32 - ومن ذلك قول أبي تمام:
لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوةٍ ... ولكنهم كانوا ثلاث قبائل
وقول البحتري:
كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بهم ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر
فجعلهم أبو تمام ثلاث قبائل، وجعلهم البحتري ثلاثة أبحر؛
(1/365)

فليس ههنا اتفاق إلا في ذكر ثلاثة.
33 - ومن ذلك قول أبي تمام:
كساك من الأنوار أبيض ناصعٌ ... وأحمر ساطعٌ وأصفر فاقع
وقول البحتري:
من واضحٍ يققٍٍ وأصفر فاقعٍ ... ومضرج جسدٍ وأحمر قاني
أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع وأحمر قانٍ لولا بيت أبي تمام؟ 34 - ومن ذلك قول أب يتمام:
لولا مناشدة القربى لغادركم ... فريسة المرهفين لاسيف والقلم
وقول البحتري:
زنت الخلافة إشرافاً وقد حبطت ... وذدت عن حقها بالسيف والقلم
وكذلك أيضاً لم يكن البحتري يهتدي إلى الجمع بين السيف والقلم لو لم يجمعهما له أبو تمام!
(1/366)

35 - ومن ذلك قول أبي تمام:
أبي لي نجر الغوث أن أراأم التي ... أسب بها، والنجر يشبهه النجر
وقول البحتري:
سيدٌ نجر المعالي نجره ... يملك الجود عليه ما ملك
وقد كان يبغي لأبي الضياء أن لا يخرج مثل هذا في السرق، ولا يفضح نفسه!! 36 - ومن ذلك قول أبي تمام:
متواطئو عقبيك في طلب العلى ... والمجد، ثمة تستوى الأقدام
وقول البحتري:
حزت العلى سبقاً، وصلى ثانياً ... ثم استوت من بعده الأقدام
37 - ومثله قول أبي تمام:
في غداةٍ نهضوبةٍ كان فيها ... ناضر الروض للسحاب نديما
(1/367)

وقول البحتري:
قد تعالت بك المروءة حتى ... قد حسبناك للسماك نديما
وما يجعل مثل هذا مسروقا إلا من لا معرفة له بحلي المعاني فضلاً عن خفيها.
38 - ومن ذلك قول أبي تمام يصف الفرس:
من نجل كل تليدةٍ أعراقه ... طرفٍ معم في السوابق مخول
وقول البحتري:
وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول
وما في " معم مخول " من الغرابة حتى يتلقنه البحتري من أبي تمام، على كثرته على الألسن، وقول الناس في مدح الفرس: كريم الآباء والمهات، وشريف الأنساب ونحو هذا؟ 39 - ومن ذلك قول أب يتمام:
فأذرت جماناً من دموع نظامها ... على الخد إلا أن صائغها الشعر
(1/368)

وقول البحتري:
جرى في نحرها من مقلتيها ... جمانٌ يستهل على جمان
فالاتفاق ههنا إنما هو في لفظ " جمان " وقول ذلك " نظامها على الخد " وقول هذا " جرى في نحرها " فلا يقتضى أن يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن الدمع على الخد جريه، وإلى النحر يصل، وهذه حال لا يجهلها أحد ممن وصف الدمع.
40 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وهل للقريض الغض أو من يحوكهعلى أحدٍ إلا عليك معول
وقول البحتري:
وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن ... في نوبةٍ إلا عليك معول
فحظر على البحتري لفظة " معول " وحرمها عليه من أجل أن أبا تمام لفظ بها!.
41 - ومن ذلك قول أبي تمام:
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله
(1/369)

وقول البحتري:
حاز حمدي، وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
فمعنى أبي تمام مشترك بين الناس، وليس مخترعاً؛ لأنك أبداً تسمع قول القائل - إذا بلغ حاجته بشفاعة - أن يقول للشفيع: ما أعتد هذه إلا من الله ومنك؛ فليس لأبي تمام فيه شيء أكثر من أن عبر فيه بعبارة حسنة مكشوفة؛ فالبحتري لم يأخذ المعنى منه لأنه من العادات موجود، ولكنه أحسن في التمثيل، وأغرب وأبدع.
(1/370)

وهذا الآن ما أخطأ فيه البحتري من المعاني
1 - قال البحتري:
ذنبٌ كما سحب الرداء يذب عن ... عرفٍ، وعرفٌ كالقناع المسبل
هذا خطأ من الوصف؛ لأن ذنب الفرس - إذا مس الأرض كان عيبا، فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يسمها، كما قال امرؤ القيس:
بضافٍ فويق الرض ليس بأعزل
فقال " فويق الأرض " أي: فوق الأرض بقليل.
وقد عيب على امرئ القيس قوله:
لها ذنبٌ مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
(1/371)

وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا؛ لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض فهو عيبٌ؛ فليس ينكر أن يشبه الذنب به إن لم يبلغ أن يمس الأرض؛ لأن الشيء إنما يشبه بالشيء إذا قرب منه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه، ولاق به، ولأن امرأ القيس لم يقصد طول الذنب أن يشبهه بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السبوغ والكثرة والكقافة، أر تراه قال " تسد به فرجها من دبر " وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، بل يكون رقيقاً نزر الشعر خفيفاً؛ فلا يسد فرج الفرس، فلما قال " تسد به فرجها " علمنا أنه إنما أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإنما أشبه الذنب الطويل ذيل العروس من هذه الجهة، وكان في الطول قريباً منه؛ فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب، ولا أن يكون ذنب الفرس من أجل تشبيهه بلاذيل مما يحكم على الشاعر أيضاً أنه قصد إلى أن الفرس يسحبه على الأرض،
(1/372)

وإنما العيب في قول البحتري " ذنبٌ كما سحب الرداء " فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
لها ذنبٌ مثل ذيل الهدى ... إلى جؤجؤٍ أيد الزافر
الهدى: العروس التي تهدى إلى زوجها، وأيد: شديد، والزافر: الصدر؛ لأنها تزفر منه، فإنما أراد بذيل العروس طوله وسبوغه؛ فشبه الذنب الطويل السابغ به، وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الأرض.
ومما يصحح ذلك قولهم: فرسٌ ذيال؛ إذا كان طويلا طويل الذنب، فإذا كان قصيراً طويل الذنب قالوا: ذائل، وإنما قالوا ذلك تسبيهاً للذنب بالذيل لا غير، قال النابغة الذبياني:
بكل مدجج كالليث يسمو ... إلى أوصال ذيالٍ رفن
رفن ورفل واحدٌ، وهو الطويل الذنب وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ القيس من الغلط في كتابه الذي جمع فيه سرقات الشعراء.
(1/373)

2 - وقال البحتري: هجرتنا يقظى وكادت على عا - دتها في الصدود تهجر وسنى
وهذا عندي غلطٌ؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى، والجيد قوله:
أرد دونك يقظاناً، وياذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
فصحح المعنى، وأتى به على حقيقته وكذلك قوله:
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظاً ونحن نيام
وقوله:
نعذب أيقاظاً وننعم هجدا
جيدٌ أيضاً؛ لأنه حملها على أن حالها مع خياله إذا نامت كحاله مع خيالها إذا نام، وأن واحد منهما ينعم مفردا مع خيال صاحبه؛ لا أنهما ينعمان معا في حال واحدة إذا نام أحدهما فرأى خيال الآخر. وإنما أخذ معنى بيته الأول - وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال - من قول قيس بن الخطيم.
(1/374)

أنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النوم غير مصردٍ محسوب
وما أظن أحداً سبق قيساً إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جداً، ولكن فيه أيضاً مقال لمعترض، وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط؛ لأن قيساً قال " ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم " فأراد أيضا أنها تؤتيه نائمة، وخيال المحبوب يتمثل في حال نوم المحب ويقظته كما ذكرت، وكان الأجود لو قال: ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم: أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي، حتى يكون النوم واليقظة معا منسوبين إليه، إلا أنه يتسع من التأويل لقيس مالا يتسع للبحتري، لأن قيسا قال " فقد تؤتينه في النوم " ولم يقل: فقد تؤتينه نائمة فقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم: أي في نومي، ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري؛ لأن البحتري قال وسنى ولم يقل في الوسن.
(1/375)

3 - وقال البحتري ف يمدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا ال ... تعنبف عن كرمٍ يصده
وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح.
4 - وقال البحتري:
تشق عليه الريح كل عشيةٍ ... جيوب الغمام بين بكرٍ وأيم
وهذا أيضا غلط؛ لأنه ظن أن الأيم هي الثيب، وقد غلط في مثله أبو تمام، وذكرته في أغاليطه، وسها فيه أيضاً بعض كبار الفهاء؛ فظن البحتري أن الأيم هي الثيب، فجعلها في البيت ضد البكر، والأيم: هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " أراد جل ثناؤه اللواتي لا أزواج لهن؛ فالبكر والثيب جميعا داخلتان تحت الأيم؛ فتكون بكراً وتكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.
فإن قيل: إن الأيم قد تكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.
(1/376)

قيل: أجل إنها تكون ثيبا وتكون بكراً ومعنسا وكعابا، إلا أن لفظة " أيم " لا تدل على شيء من هذه الأوصاف، وليست عبارة إلا عن التي لا زوج لها لا غير؛ وقد شرحت هذا المعنى شرحا شافيا في غلط أبي تمام.
5 - وقال البحتري:
شرطي الإنصاف إن قيل اشترط ... وصديقي من إذا قال قسط
وكان يجب أن يقول " أقسط " أي: عدل، وقسط - بغير ألف - معناه جار، قال الله تبارك وتعالى: " وأما الفاسطون فكانوا لجهنم حطباً " وقال: " إن الله يحب المقسطين ".
6 - وقال البحتري:
صبغة الأفق بين آخر ليلٍ ... منقضٍ شانه وأول فجر
يصف فرسا أشقر أو خلوقيا. والحمرة لا تكون بين آخر الليل وأول الفجر وهو عندي في هذا غالط؛ لأن أول الفجر الرزقة، ثم البياض،
(1/377)

ثم الحمرة عند بدو قرن الشمس. كما أن آخر النهار عند غيبوبة الشمس الحمرة، ثم البياض، ثم الزرقة وهي آخر الشفق؛ وقال البحتري:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث رشٌ ثم ينسكب
وقال آخر:
وأن يسجع القمرى فيها إذا غدا ... بركبانه قرنٌ من الشمس أزرق
وكأن البحتري أراد أن يقول بين آخر ليل منقض شأنه وأول نهار؛ فيكون قد قابل بين الليل والنهار، والحمرة قد تكون بين آخر الليل وأول النهار، كما تكون بين آخر النهار وأول الليل، فقال " وأول الفجر "، والجيد في مثل هذا المعنى قول أب يتمام يصف فرساً أشقر:
كأن قد كسفت في أديمه الشمس
7 - وقال البحتري:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " قد أدنى خطاها كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي.
(1/378)

والجيد قول عنترة؛ لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته بالقصر، فقال:
فوقفت فيها ناقتي، وكأنها ... فدنٌ؛ لأقضي حاجة المتلوم
قال ذلك ليعلم أنه لم يقف بها ليريحها. وقد كشف ذو الرمة عن هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:
أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب
يقول: أنخت لأصلي، لا من سآمة بها، وقوله " لثنتين " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد الليل " وذاهب " يريد النهار فإن قيل: فإنما قال " قد أدنى خطاها " ليعلم أنه قصد الدار من شقةٍ بعيدة.
قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فيقول الرجل لصاحبه أو صاحبيه: قف، وقفا، ولو كان هناك قصدٌ إليها لكانوا إذا وصلوا لا يقولون: قف، ولا قفا وإنما ذلك تعريج على الديار في مسيرها، وسأزيد في شرح هذا المعنى فيما بعد عند ذكر الوقوف على الديار.
8 - وقال البحتري:
غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهةً في خلةٍ من خلاله
(1/379)

إذا معشرٌ صانوا السماح تعسفت ... به همةٌ مجنونةٌ في ابتذاله
قوله " إذا معشر صانوا السماح " معنى ردئ؛ لأن البخيل ليس من أهل السماح فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السماح، أو صانوا السخاء؛ أو صانوا الجود، أو صانوا الكرم؛ فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟ فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء الذي يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا.
قيل: البحتري لا يسوغ مثل هذا، ولا يجوز له؛ لأنه متأخر، ولا سيما أن ليست ههنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول " صانوا الثراء " مكان " صانو السماح ".
(1/380)

وهذا ما عيب به البحتري وليس بعيبٍ وإنما ذكرته لئلا يظن ظان أنه صحيح، وأني تخطيته، فمن ذلك ما نعاه عليه أصحاب أبي تمام، وهما بيتان، وقد ذكرت احتجاج أصحاب البحتري فيهما في الجزء الأول من هذا الكتاب، وأنا أعيد ذكرهما ههنا لزيادةٍ عندي في الاحتجاج يحتاج إليها.
1 - أنكروا عليه قوله:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء
وقالوا: لو ملئ الإناء دبسا لكانت هذه حاله، والمعنى عندي صحيح: لا عيب فيه، ولا قدح، وذلك أن الرجل قد دل بهذا الوصف على أن شعاع الشراب في غاية الغلبة، وأن الكأس غاية في الرقة؛ فاعتمد أن وصف الإناء وما فيه وصف الهيئة على ماهي عليه، وإنما أخذ المعنى من قول علي بن جبلة:
كان يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا تحيط عليه كاس
ألا ترى أن هذا أيضاً قد دل على أن الكاس في غاية الرقة، ومثله قول الآخر:
(1/381)

إنما نعجتنا موسومةٌ ... ضمنت حمراء ترمى بالزبد
وإذا ما نزلت في كأسها ... فهي والكأس معاً شيءٌ أحد
وقد أنشد أبو العباس ثعلب بيت البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ المعنى من قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
قال أبو العباس: وهذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمرة؛ لأنه جمع بين اللون والطعم، ونحوه قول الآخر، وهو الأخطل:
ولقد تباكرنى على لذاتها ... صهباء عارية القذى خرطوم
يريد أنها صافية؛ فالقذى فيها لا يستتر، ولم يعب ثعلبٌ البحتري، ولا طعن في بيته، بل يدلك إنشاده وذكره في موضع السرق على استجادته له، واستحسانه إياه.
(1/382)

2 - وأنكروا قوله:
ضحكاتٌ في ٌثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا، وإنما كان ينبغي له أن يقيم الغيوث مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب، ومعنى التمثيل في البيت صحيح، لأن الرعد مقدمة الغيث، وقل رعدٌ لا يتلوه المطر، وإذا كان هذا هكذا فقد صار المعنى كأنه أولٌ، وإنما أخذ البحتري المعنى من قول بشار:
وعد الجواد يحث نائله ... كالبرق ثم الرعد في أثره
فأقام الرعد مقام الغيث، ونحوه قول بشار:
حلبت بشعري راحتيه فدرتا ... سماحاً، كما در السحاب الرعد
وأظنهما جميعاً أخذا المعنى من قول الأعشى:
والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا
وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
فإن لم أصدق ظنهم بتيقني ... فلا سقت الأوصال مني الرواعد
(1/383)

فجعل التي تسقى هي الرواعد، وقال الكميت:
وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجمٍ رواعدها
ومثل هذا كثيرٌ في كلامهم لا ينكره منكر، وقال أبو تمام:
وكذا السحائب، قلما تدعو إلى معروفها الرواد ما لم تبرق
فجعل البرق عند الرواد دليل الغيث، وقد يكون برق لا مطر معه كثيراً، وبرق الخلب هذه حاله؛ فالبحتري في أن أقام الرعد مقام الغيث أعذر من أبي تمام لأنه قد يرتفع سحاب ويبرق ولا يمطر، فإذا أرعد لا يكاد يخلف.
3 - ومن ذلك قول البحتري:
يا هلالاً أوفى بأعلى قضيبٍ ... وقضيباً على كثيبٍ مهيل
وقالوا: هذا خطأ؛ لأن الكثيب - إذا كان مهيلاً - فإنه يذهب ولا يستمسك، وذلك مذموم من الوصف،
(1/384)

قالوا: والجيد قوله:
كالبدر غير مخيل والغصن غي ... ر مميلي والدعص غير مهيل
وقالوا: قد تراه هنا كيف شرط في الدعص - لما شبه العجز به - أن جعله غير مهيل؛ لأن العرب إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل شرطت فيها أن تكون ندية، وأن تكون ممطورة، كما قال الراجز:
جبن بأعجازٍ لهن ناوية ... كأنها الكثبان غب ساريه
ناوية: سمانٌ، من الني وهو الشحم، وكقول الآخر:
مثل الكثيب إذا ما بله المطر
وكما قال مرداس بن أبي عامر السلمي:
إذا هي قامت في النساء حسبت ما ... فويق نطاق العقد صعدة سأسم
(1/385)

وأسفل منه ظهر دعص أصابه ... نجاء السماء في الكثيب المخيم
وقال الأخضر بن جابر الفزاري:
تلوث أثناء الفاع الأتحمى ... بمثل دعص الرملة المديم
أراد الذي قد بلته الديمة، وهي السحابة؛ وقال جندل بن المثنى الطهوي:
لا بل كدعصاء نداها مثرى ... عفراء حفت برمالٍ عفر
وقال امرؤ القيس:
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتبسا من لين مس وتسهال
والحقف: المستدير من الرمل؛ لأن الريح تنخله وتجمعه، وقال " يمشي الوليدان فوقه " لأن الندى أصابه فهو صلب وفيه مع ذلك لين ونعومة، وقد شبه امرؤ القيس أيضاً كفل الفرس بالدعص الندي فقال:
له كفلٌ كالدعص لبده الندى ... إلى كاهل مثل الرتاج المضبب
(1/386)

وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
وإن مال الضجيع بها فدعصٌ ... من الكثبان ملتبدٌ مطير
قالوا: هذا الوصف المجود، والمعنى الصحيح من معاني العرب، ولولا أن تشبيه الردف بالكثيب المنهال خطأ لما قال البحتري في بيته الآخر: " والدعص غير مهيل ".
وهذا المذهب الذي ذهبوا إليه لعمري صحيحٌ من مذاهبهم، إلا أن الشعراء إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل ووصفتها بالانهيال فإنما تقصد إلى تحرك أعجازهن عند المشي، كماقال رؤبة بن العجاج:
إذا وصلن العوم بالهركل ... رجرجن من أعجازهن الخزل
أولااك رملٍ والج في رمل
فقال " أوراك رمل والج في رمل " وولوجه تحركه ودخول بعضه في بعض، وكما قال الأعشى:
روادفه تثنى الرداء تساندت ... إلى مثل دعص الرملة المتهيل
(1/387)

نيافٌ كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل
فدل بقوله " ترتج إن مشت " على أن قوله " إلى مثل دعص الرملة المتهيل " إنما أراد تحرك عجزها في حال مشيها، وكذلك قول رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال ... عزز منه وهو معطى الأسهال
ضرب السواري متنه بالتهتال
التهتال والتهتان واحد، فقال " مثل الكثيب المنهال " لما قال " ميالة " أي: أنها تتثنى في مشيتها وتتحرك روادفها، ثم شرط أنه " عزز منه ضرب السواري " أي شده ليمنع من سيلانه وذهابه، وإنما أراد حالا بين الحالين، ألا تراه قال: " هو معطى الإسهال ضرب السواري " أي شده ضرب السواري وهو مع ذلك يتيهل؛
(1/388)

وقال ابن أبي سفيان الغامدي:
ذات شوى عبلٍ وخضرٍ أبتل ... وكفلٍ مثل الكثيب الأهيل
فأراد بالأهيل الذي يترجرج عند المشي، وقال المقنع الكندي:
إذا قامت تنوء بمرجحنً ... كدعص الرمل ينهال انهيالا
فحسن ذكر الانهيال من أجل ذكره للقيام، ولو لم يذكره لكان غرضه فيه معروفاً. وقال عبد الرحمن بن الحكم:
كأن ما بين قصراها وخنصرها ... منها نقاً دمثٌ من عالج هار
(1/389)

فقصراها: آخر الأضلاع، وهي القصرى والقصيري؛ فدل بقوله " هار " على أنه أراد تحرك روادفها، فكذلك قول البحتري:
وقضيب على كثيب مهيل
إنما أراد تحرك أردافه، وقد دل على المشي بقوله:
يا هلالاً أوفى بأعلى قضيبٍ
فالمعنيان لا يتناقضان؛ لأن الشاعر إن ذكر الانهيال فإنه أراد الحركة عند المشي، وإن لم يذكر ذلك وشرط في الكثيب الندى وإصابة الغيث فإنما قصد أن ينص على اجتماعه واستمساكه كما قال رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال
ثم قال:
عزز منه وهو معطى الأسهال ... ضرب السواري متنه بالتهتال
فانتظم الوجهين جميعاً.
(1/390)

والذي شرح هذين المعنيين أتم الشرح، وأبر في الوصف على كل محسن، تميم بن أبي بن مقبل في قوله يصف مشي النساء:
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حيناً وينهاه الثرى حينا
إنما أراد بقوله " ينهال حينا " تحرك أعجازهن إذا مشين كما يتحرك جانب الرملة للأنهيال فينهاه الثرى وهو ما تحته من التراب أو الرمل النندى، وهذا لا شيء أوضح منه.
4 - ومن ذلك قوله:
متى أردنا وجدنا من يقصر عن ... مسعاته أو فقدنا من يدانيه
وقالوا: ليس هذا بالجيد؛ لأنه وصفٌ يشرك ممدوحه فيه البقال والحمال والمراق وباعة الدواء ولقاط النوى؛ لأن هؤلاء أيضاً متى شئنا وجدنا من يقصر عن مسعاتهم، وهو الحجام والكناس والنباش.
والبيت عندي صحيح، وغرض البحتري فيه معروف، ومثله أو نحوه قول الأعشى:
وأخو النساء متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد
وهو لا يشاء ذلك، إنما أراد أن ذلك سهلٌ موجود في النساء، وكذلك قول البحتري " متى أردنا وجدنا " أي: أن ذلك موجود سهل حاصل، وإن لم يكن هناك إرادة ولا طلب؛ لأن تلك حالٌ قد علمت منه، وقد صحح المعنى ووكد المدح بقوله " أوفقدنا من يدانيه " والبقال
(1/391)

والمراق وأمثالهما غير مفقود من يدانيهم؛ فجعل البحتري أحد القسمين في البيت معلقاً بالآخر: أي ذلك كله سهل موجود، ولو اقتصر على النصف الأول كان لعمري فيه متعلق.
5 - ومن ذلك قوله:
تهاجرٌ أممٌ لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
قالوا: والطيفان لا يهجدان، وإنما أراد إذا هجدنا، فقال " إذا هجدا ".
وقد سمعت من يحتج فيه بما لا يبعد عندي من الصواب، وهو أن قال: إنه أراد إلا تزوار نفسينا إذا هجدا؛ فأقام الطيف مقام النفس وقال " هجدا " ولم يقل " هجدتا " للفظ الطيف وهو مذكر، وقال: إن النفس تنام على الحقيقة كما قال تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ".
فقيل له: النفس لعمري يطلق عليها النوم، فإذا نامت رأت خيالات الأشياء التي ترى حقائقها في اليقظة؛ فالنفس غير الخيال، وقد تتمثل للنفس في حال يقظتها وإن لم ترها العين؛ فليس النفس من الخيال في شيء.
(1/392)

قال: فإذا كانت النفس والخيال يلتقيان في النوم، فلم لا أسميهما خيالين - وإن كان أحدهما خيالا والآخر نفساً - على المجاز الذي تفعله العرب؟ وهذا عندي احتجاج صحيح، ويصح عليه معنى البيت.
6 - ومما نسبوا فيه البحتري إلى سوء التقسيم قوله:
فكأن مجلسه المحجب محفلٌ ... وكأن خلوته الخفية مشهد
وقالوا: إنه ليس في المصراع الثاني من الفائدة إلا ما في الأول؛ لأن مجلسه المحجب هي خلوته الخفية، وقوله " محفل " كقوله " مشهد ".
والمعنى عندي صحيح؛ لأن المجلس المحجب قد يكون فيه الجماعة الذين يخصهم، وفي الأكثر الأعم لا يسمى مجلساً إلا وفيه قوم، ألا ترى إلى قول مهلهل:
واستب بعدك يا كليب المجلس
أي: أهل المجلس، على الاستعارى، فجعل البحتري مجلسه الذي احتجب فيه مع ما يخصه كالمحفل، والمحفل: هو المجمع الكثير، والخلوة الخفية قد يكون فيها منفرداً، وقد يكون معه محبوب، فبنها وبين المجلس والمحفل فرق؛ فكأنه إذا خلا خلوة خفية وفيها معه من يشاهده - ومن يشاهده يجوز أن يكون واحداً
(1/393)

أو اثنين - والمحفل لا يكون إلا عدداً كثيراً، فهذا أيضاً فرق صحيح بين المحفل والمشهد، وإنما أراد البحتري أنه لا يفعل في مجلسه المحجب إلا ما يفعله في المحفل، ولا يفعل في خلوته الخفية إلا ما يفعله مع من يشاهده، ينسبه إلى شدة التصون وكرم السريرة.
7 - ومثله قوله:
أمين الله، دمت لنا سليما ... ومليت السلامة والدواما
قالوا: وقوله " دمت لنا سليما " هو قوله " مليت السلامة والدواما " فإن هذا قبيح جداً.
وليس الأمر عندي كذلك، بل القسمة صحيحة؛ لأنه لما تقدم ذكر السلامة والدوام في أول البيت قال في عجزه " ومليت السلامة " أي: أديمت لك تلك السلامة وذلك الدوام.
وأجود من هذا أن يكون لما قال دمت لنا سليما - وذلك بذكر السلامة وفيها الألف واللام؛ لأنها اسم الجنس، وكذلك الدوام - فكأنه قال: مليت السلامة كلها والدوام كله وليس بمنكر أن يقول القائل في الدعاء " دام لك الدوام " كما يقول: طال طولك، وقر قرارك، وضل ضلالك، وزال زوالك، وذلك كلام مستعمل حسن، ومعنى " مليت " أطيلت لك وأديمت، مثل تمليت،
(1/394)

وهو مأخوذ من الملاوة والملوة، وهما الدهر، والملوان: الليل والنهار. ومنه قولهم: وقفت مليا.
8 - وقال البحتري:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فينا بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفرٍ؛ فكأنها ... سحرٌ تجلله النهار المقبل
وقالوا: هذا معنى فاسد؛ لأن السحر طرة النهار وأوله وبدء ضيائه، والشيء في مثل هذا لا يتجلل أوله؛ لأن التجلل هو أن يشتمل عليه ويغطيه، والسحر أمام النهار أبداً؛ فلا يجوز أن يتغشاه؛ لأنه المتصل بالظلمة والمختلط بها والطارد لها، فهو يدور حول كرة الأرض دائماً على صورة واحدة لا يتغير.
وهذا عندي معارضة صحيحة، إلا ان هذا معنى يتجاوز في مثله؛ لأن البحتري إنما أراد تجلله النهار في رأي أعيننا وما نشاهده؛ لأن زرقة السحر لما استطار الضوء صار كأنه شيء غطى عليها، وإن كانت حقيقتها أنها اتقلبت إلى قطر آخر من الأرض.
9 - وقال البحتري:
لم أر كالهجر لم يرحم معذبه ... والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد
وهذا كان بعضهم يراه سهواً، ويقول: إن المعذب بالهجر مرحوم،
(1/395)

فأما الذي يواصله حبيبه فمغبوط أبداً ومحسود، وقد قيل في ذلك من الأشعار ما هو أشهر وأكثر؛ فمنها قول يزيد بن الطثرية:
أعوذ بخديك الكريمين أن يرى ... لنا حاسدٌ في غبر الوصل مطمعا
وقول أب يصخر الهذلي:
فقد تركتني أحسد الطير أن أرى ... أليفين منها لم يروعهما النفر
وقول جرير:
ويحسد أن يزوركم، ويرضى ... بدون البذل لو علم الحسود
وقول جميل بن معمر:
لولا الوشاة لزرتكم ببلادكم ... لكن أخاف مقالة الحساد
وقول عتبة بن بجير الحارثي:
أيام تهجرني ليلى وأحسدها ... وأطيب العيش عندي مضغة الحسد
أي: هي تهجرني، وأنا أحسدها: أي أحسد عليها.
وليس الأمر عندي في هذا البيت على ما تأوله هذا المتأول وظنه، وذلك أن البحتري لم يرد بقوله " لم أر كالهجر لم يرحم معذبه " جنس الهجر، ولا جنس الوصل، فيخرج الكلام مخرج العموم لكل هجر وكل وصل، كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم، وإنما أراد " لم أر كالهجر لم
(1/396)

يرحم معذبه " أي: كالهجر الذي هذه حاله على طريق التعجب " والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد " أي الوصل الذي هذه حاله، وهذا كما تقول: " لم أر كالرجل يسئ فلا يذم، ويحسن فلا يشكر " أي كالرجل الذي هذه حاله، ولم يرد كل الرجال، وكيف يظن مثل هذا بالبحتري وهو يقول:
ونحسد أن يسرى إلينا من الهوى ... عقابيل يعتاد الهوى باعتيادها
فكم نافسوا في حرقةٍ إثر فرقةٍ ... تعجب من أنفاسنا وامتداها
فقد ترى كيف يزعم أنه يحسد على الجوى وعلى الحرق، فكيف على الوصل؟ 10 - وقا لالبحتري:
أي ليلٍ يبهى بغير نجومٍ ... وسحابٍ يندى بغير بروق؟
عابه بعضهم بهذا، وقالوا: قد يكون برقٌ ولا غيث معه، وهو برق الخلب، والرجل لم يقل لا برق إلا ومعه مطر، وإنما قال لا مطر إلا ومعه برق.
11 - وسمعت من يعيب قوله:
كالروض مؤتلقاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
ويقول: النور هو الأبيض، والزهر هو الأصفر لا محالة،
(1/397)

فإذا قلت " في هذا الروض أنوار مختلفةٌ " جاز ذلك، لأنك تضم إلى البياض غيره فيجري الأسم علىالجميع، على سبيل المجاز، كما تقول " العمران " لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، و " القمران " للشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك إذ قلت " فيها أزهار كثيرة " جاز ذلك وإن كان فيها أبيض وأحمر وما سواهما من الصفرة توسعاً ومجازاً؛ فإذا فصلت معتمدا لأن تخص كل جنس باسم، كما فعل البحتري، ولم يجز أن يعدل بكل جنس عن اسمه المخصوص؛ فتقول حينئذ: يعجبني من هذا الموضع صفرة زهره، وبياض نوره، وحمرة شقائقه، ولا يجوز أن تقول: يعجبني حمرة نوره، ولا بياض زهره، كما قال البحتري؛ لأن ذلك خطأ ف ياللغة على ما استعملته العرب.
ولعمري إن هذا هو الأشهر في كلامهم، والأغلب في المأثور عنهم، إلا أنهم قد جعلوا الزهر نوراً، والنور زهراً، وجاء ذلك ف يالشعر، قال عدي بن زيد:
حتى تعاون مستك له زهرٌ ... من التناوير شكل العهن في اللؤم
(1/398)

اللؤم: جمع لأمة ولؤمة، وهي متاع الرحل من الأشلة والولايا تكون موشاة بالعهن - وهو الصوف المصبوغ بالحمرة - وغير ذلك من الألوان؛ فقال " زهر " ثم قال " من التناوير " وقال " شكل العهن ". وقال زهير ابن مسعود الضبي:
متنورٌ غدق الندى قريانه ... مثل العهون من الخواطر مقمر
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائه ... مختلف الألوان في أسمائه
نوراً تحار الشمس في حمرائه ... مكللا بالنور من صفرائه
فقال " بالنور من صفرائه ". وقال حميد بن ثورٍ:
كأن على أشداقه نور حنوةٍ ... إذا هو مد الجيد منه ليطعما
(1/399)

يصف فرخ الحمامة وصفرة أشداقه، ويشبهها بصفرة الحنوة لا محالة؛ فقال نور حنوة؛ ولم يقل زهر حنوة، وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذاصفقت وردتها نور الذبح
والذبح: نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويقال له " الذبح " وهذا كله دليل على أن هذه الأسماء تستعمل في هذه الألوان كما ترى على اختلافها.
12 - وسمعت من يعيب قوله:
فمجدلٌ ومرملٌ وموسدٌ ... ومضرجٌ ومضمخٌ ومخضب
ويوقولن: إن قوله " مضرج ومضمخ ومخضب " بمعنى واحد، وذكر أنه إن أراد رجلا واحداً أنه مضرج ومضمخ ومخضب جاز؛ لأن كل لفظةٍ تكون مؤكدةً للأخرى، قال: ولكنه أراد فمنهم مضرج ومنهم مضمخ ومنهم مخضب، كما قسم في صدر البيت.
ولعمري إن البحتري كذلك أراد، وليس بمنكر؛ لأن المضرج
(1/400)

من التضريج وهي الحمرة المشرقة التي ليست بقانية، والمضمخ يريد به غلظ الدم وأنه في متانة الطيب الذي يتضمخ به، والمخضب أراد أن الدم قد خضبه كما يخضب بالحناء؛ ففي كل لفظة ما ليس في الأخرى، وإن كانت الحمرة قد شملت الجميع؛ لأن المضرج يجوز أن يكون أراد به طراوة الدم: أي منهم حديث عهدٍ بالقتل، والمضمخ من قد خثر عليه الدم كأن قتله قد تقدم قبل الآخر، والمخضب يجوز أن يكون مضى لقتله يومٌ وأكثر فقد اسود عليه الدم، وهذه معانٍ كلها محتملة، وقد يجوز أن يريد بقوله " مضرج " سائر جسده، وبالمضمخ أن السيف أخذ عوارضه وتحت لحيته، وذلك موضع من مواضع التضمخ بالطيب. وأراد بالمخضب أن السيف أخذ في رأسه وفي يديه ورجليه. وذلك مواضع الخضاب. وقد يكون المضرج المقطع؛ يقال: " ضرجته " إذا قطعته. وهذه معانٍ لطيفة، وقد يجوز أن يعتد بها، والوجه القوي هو الأول.
13 - وسمعت قوماً ينكرون قوله في وصف الخمر:
وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء
ويقولون: إن الدمع لا تتردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدمع يجري وتتابع.
(1/401)

والمعنى صحيح، ولا عيب فيه؛ لأن التردد قد يكون الجولان، وقد يكون التتابع والتواتر، يقال: قد تتابعت كتبي إليك، وترددت؛ بمعنى، وتواترت رسلي وتتابعت، والكتاب الأول هو غير الثاني. وكذلك قد يكون الرسول الأول غير الرسول الثاني، وإنما حسن أن يقال تتابعت وترددت لأن كل واحد من الكتب يقال له " كتاب " ويقال لكل واحدٍ من الرسل رسول؛ فلما ضمهم اسم واحد حسن استعمال التتابع والتردد. وإن كانت أشخاصاً متباينة، وكل واحد غير الآخر؛ فكذلك الدمع، حسن أن يقال: قد تتابعت دموعه على خده، وترددت، وإن كانت دمعة غير الأخرى. والحباب وإن جال في القدح دائراً فيه فإنه ربما جرى فيه على جهةٍ واحدةٍ؛ كما يجري الدمع على جهة واحدة، وهذا من أحسن التسبيه وأليقه؛ لأن الخمر قد يكون منها ما هو أحمر إلى التوريد الخفيف كحمرة الخد، وخاصة إذا أرقت بالماء؛ كما قال الشاعر:
كميت إذا فضت، وف يالكأس وردةٌ ... لها في عظام الشاربين دبيب
فإذا شبهت الخمرة بالخد وذكر الحباب فمن أليق ما شبه به وأحسنه وأصحه الدمع؛ لأن الدمع قد يقف في الخد كوقوف الحباب في صحن الكأس، وباب اختلاف حركة الحباب وحركة الدمع فليس كل شيء
(1/402)

يشبه بشيء يقع التشبيه فيه من جميع الجهات حتى لا يغادر منها شيئاً، وقد يكون إنما شبه به ببعض ما فيه لا بكله.
14 - ورأيت من عاب قوله:
وصبغت أخلاقي برونق خلقه ... حتى عدلت أجاجهن بعذبه
وقالوا: إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول " فمزجت " لا أن يقول " وصبغت " أو لما قال " وصبغت " أن يقول " حتى عدلت ألوانهن بحسن لونه ".
وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيحٌ، ولذلك أنه ليس هناك صبغ على الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذبٌ ولا أجاج على الحقيقة فيستعمل بذكر المزاج، وهذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم بعضها مقام بعض؛ لأنها ليست بحقائق فيما استعبرت له، ألا ترى أنك تقول: فلان قد شارك فلاناً، وخالطه، ومازجه، وانسبغ به، بمعنى واحد، وإن كان بعضها أوكد من بعض، ولا يكون هناك مداخلة ولا ممازجة لجسم في جسم، ولا مخالطة على الحقيقة.
15 - ومما عيب عليه من التعسف والتعقيد في اللفظ قوله:
فتى لم يمل بالنفس منه عن العلى ... إلى غيرها شيءٌ سواه مميلها
(1/403)

وكان بعض الناس يرى أنه لاحنٌ، ويقول: إنه إنما أراد فتى لم يمل بنفسه عن العلى شيء مميل نفس سواه، أي: ما يميل النفس عن المعالي من اللهو واللعب والدعة وحب الراحة والضن بالمال، ونحو هذا من الأشياء الشاغلة عن السؤدد، فقدم " سواه " وكنى عن النفس بقوله " مميلها " بعد أن حذفها، قال: وذلك غير جائز؛ لأنك إذا قلت " لن يضرب هامة عمرو وأحدٌ ضارب هامة غيره فقدمت " هامة غيره " فقلت: لن يضرب هامة عمرو واحدٌ هامة غيره ضاربها، وجعلت الهاء في " ضاربها " كنايةً عن الهامة لتقدمها جاز؛ إلا أن البصريين من النحويين يقولون: " هامة غيره ضاربها هو " كما أنه لو قال: " شيءٌ نفس سواه مميلها هو " جاز، فإن فككت الإضافة وأسقطت هامة وقدمت " غير " فقلت: " لن بضرب هامة عمرو واحدٌ غير ضاربها " لم يجز؛ لإسقاطك الهامة التي كنايتها الهاء في قولك " ضاربها " ولا تجوز الكناية عن غير مذكور في مثل هذا، فكذلك لا يجوز في البيت " شيء سواه مميلها " وهو يريد شيء نفس سواه مميلها؛ لأن الهاء في قوله " مميلها " كناية عن النفس؛ فلا يجوز إسقاط النفس.
وهذا لعمري إن كان البحتري أراده فهو غالط، غير أنه - والله أعلم -
(1/404)

إنما أراد فتى لا يميل بالنفس منه عن العلي إلى غيرها شيء بخفض " شيء " على أن الممدوح هو الذي لم يمل بنفسه عن العلي إلى شيء غيرها، ثم قال " سواه مميلها " على الابتداء والخبر: أي لكن سواه من الناس مميلها، فأضمر " لكن " وهذا سائغ؛ وأنشد سيبويه:
على الحكم المأتى يوماً إذا قضى ... قضيته أن لا يجور، ويقصد
قال: أراد ولكنه يقصد، فأضمر " لكن " فلذلك رفع " يقصد "، وعلى أنه مستعمل كثير فاشٍ في الكلام أن تقول: زيد لا يقعد عن المكارم وعمرو يقعد عنها، وأنا لا أجفوك إنما بكر الجافي لك؛ فيكون الكلام مستغنياً بنفسه؛ فلا يحتاج إلى إضمار.
فإن سلم البيت من عيب اللحن لم يسلم من عيب التعسف، ولست أعرف بيتاً تعسف في نظمه غير هذا.
16 - ومن ردئ التجنيس وقبيحه قوله:
أمنا أن تصرع عن سماحٍ ... وللآمال في يدك اصطراع
يقول: أمنا أن يغلبك غالبٌ يصرعك عن السماح ويمنعك منه، وللآمال في يدك اصطراع: أي تنافسٌ وتغالبٌ وازدحام، وقوله " في يدك " لأن العطاء إليها ينسب،
(1/405)

وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر فقال يصف أخلاق الممدوح:
يتصرعن ففرجاء دنو ال ... مزن، والودق خارجٌ من خلاله
وهي ههنا أقل قبحاً منها في البيت الأول، ولو قال " يتدانين للرجاء دنو المزن " كان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن " يتصرعن " أوكد ف يالمعنى؛ لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن، يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ولا توقٍ للأنحطاط والوقوع؛ ليدل على الحرص والشهوة.
وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر، وأوقعها موقع الذم، فقال:
من يتصرع في إثر مكرمةٍ ... فدأبه ف ياتباعها دأبه
يريد من يتساقط في أثر مكرمة إذا سعى لطلبها ولم يكن له نهوضٌ فيها فدأب الممدوح دأبه المعروف المشهور منه، أي: جده ولحاقه، وحرك الدأب الثاني وسكن الأول، ومعناهما واحد، ويجوز أن يكون أراد فدأبه في اتباعها - أي عادته في اتباعها - دأبه، أي: سعيه وحركته، وهو أجود.
17 - ومن ردى التجنيس أيضاً قوله:
حييت بل سقيت من معهودةٍ ... عهدي غدت مهجورةً ما تعهد
(1/406)

ويروى " سقيت من عمعمورة " يخاطب الدمن، أي: عهدي بها معمورة معهودة، ومن روى " معهودة عهدي " أي: عهدي بها معهودة فغدت معهودة ما تعهد، وقد يكون العهد من التعهد، ويكون قوله " ما تعهد " أي: قد نسيت، وهذا يشبه تجنيسات أبي تمام.
(1/407)

باب في اضطراب الوزن
وما رأيت شيئاً مما عيب به أبو تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله، إلا أنه في شعر أبي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل: من ذلك اضطراب الأوزان في شعر أبي تمام.
1 - وقد جاء في شعر البحتري بيتٌ هو عندي أقبح من كل ما عيب به أبو تمام ف يهذا الباب، وهو قوله:
ولماذا تتبع النفس شيئاً ... جعل الله الفردوس منه بواء
وكذلك وجدته في أكثر النسخ وهذا خارج عن الوزن، والبيت من العروض هو البيت الأول من الخفيف وهو سداسيٌ وزنه:
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
وتقطيعه:
ولماذا تتببعن تفشيئاً ... جعلللاهل فردوسمن هبواء
(1/408)

فعلاتن مفاعلن فاعلاتن ... فعلاتن مستفعلن فعلاتن
فحذف ألف " فاعلاتن " الأولى والثانية والأخيرة فصارت فعلاتن، وسين " مستفعلن " الأولى فصارت مفاعلن، وذلك كله زحاف جائز، وزاد في البيت سبباً، وهو حرفان: الهاء من اسم الله عز وجل، واللام من لفظ الفردوس، وهو إكفاء، ولا أعرف مثل هذا البيت، وقد رأيت في بعض النسخ " جعل الله الخلد منه بواء " فإن يكن هكذا قال فقد تخلص من العيب ويكون تقطيع البيت:
جعلللا هلخلد من هبواء
2 - وقال البحتري:
حلأتنا عن حاجةٍ ممنوعٍ ... مبتغاها وحاجيتن ممطولة
وهذا من العروض هو البيت الأول من الخفيف، وتقطيعه:
حلالأتنا عنحاجتن ممنوعن ... مبتغاها وحاجتن ممطوله
فاعلاتن مستفعلن مفعولن ... فاعلاتن مفاعلن مفعولن
وكان يجب أن تكون عروض البيت - وهي مفعولن الأولى - فاعلاتن، ولا يجوز فيها مفعولن، بلى لو كان البيت مصرعاً لجاز في عروضه
(1/409)

مفعولن كما جاز في ضربه - وهي القافية - وذلك قوله " ممطوله " فأما جعله مفاعلن في موضع مستفعلن الثانية في البيت فذلك جائز من الزحاف، وقد غير قومٌ هذه اللفظة في البيت - وهي ممنوع - فقالوا " بمنوعٍ مبتغاها " أي: حلأتنا عن حاجة بمانعٍ منع مبتغاها من عائقٍ أووالٍ عليها، ويكون " بمتغاها " في موضع نصب بمنوع، وهو محتمل.
قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ بن يحيى الآمدي:
وأنا أذكر بإذن الله الآن في هذا الجزء المعاني التي يتفق فيها الطائيان؛ فأوزان بين معنى ومعنى، وأقول: أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطالبني أن أتعدى هذا إلى أن أفصح لك بأيهما أشعر عندي على الإطلاق، فإني غير فاعل ذلك؛ لأنك إن قلدتني لم تحصل لك الفائدة بالتقليد، وإن طالبت بالعلل والأسباب التي أوجبت التفضيل، فقد أخبرتك فيما تقدم بما أحاط به علمي من نعت مذهبيهما، وذكر مساويهما في سرقة معاني الناس وانتحالها، وغلطهما ف يالمعاني والألفاظ، وإساءة من أساء منهما في الطباق والتجنيس والاستعارة، ورداءة النظم واضطراب الوزن، وغي رذلك مما اوضحته في مواضعه وبينته، وما سيعود ذكره في
(1/410)

الموازنة من هذه الأنواع على ما يقوده القول وتقتضيه الحجة، وما سنراه من محاسنهما وبدائعهما وعجيب اختراعهما؛ فإني أوقع الكلام على جميع ذلك وعلى سائر أغراضهما ومعانيهما في الشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد وأفضله على الردئ، وأبين الرئ وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التلخيص، وتحيط بع العبارة، ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته، وقلت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبلٌ لتلك الطباع وامتزاج بها، وإلا فلا يتم ذلك، ثم أكلك بعد ذلك إلى اختيارك، وما تقضى عليه فطنتك وتمييزك، فينبغي أن تنعم النظر فيما يرد عليك، ولن ينتفع بالنظر إلا من يحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمل علم، ومن إذا علم أنصف.
ثم إن العلم بالشعر قد خص بأن يدعيه كل أحد، وأن يتعاطاه من ليس من أهله؛ فلم لا يدعي أحد هؤلاء المعرفة بالعين والورق والخيل والسلامح والرقيق والبز والطيب وأنواعه؟ ولعله قد لابس من أمر الخيل وركوبها
(1/411)

والسلاح والعلم بذلك أو الرقيق واقتنائه أو الثياب ولبسها أو الطيب واستعماله أكثر مما دعاناه من أمر الشعر وروايته؛ فلا يتهم نفسه في المعرفة بالشعر تهمته إياها بالمعرفة ببعض هذه الأشياء مما عاناه وتناوله، وما باله وقد ركب الخيل كثيراً لما راقه من الفرس ملاحة سبيبه، واستدارة كفله، وبريق شعره، وحسن إشراقه وجودة خصره - توقف عن ابتياعه حتى يشاور من يخبره عن عتقه، وموضع نتاجه، وصحة قوائمه، وسلامة أعضائه، وبراءته من العيوب الظاهرة والباطنة، وكذلك السيف لما بهره جلاؤه، وصقاله وصفاء حديدته - لم يمض فيه اختياره على غيره من السيوف، حتى شاور من يعرف حسنه وطبعه وجوهره وفرينده ومضاءه، وكذلك لم أهجبه من ثوب الوشى حسن طرزه، وكثرة صوره، وبديع نقوشه، واختلاط ألوانه - لم يبادر إلى إعطاء ثمنه حتى رجع إلى أهل العلم بجوهره وكثرة مائه وجودة رقعته وصحة نساجته وخلاص إبريسمه.
(1/412)

فكيف لم يفعل مثل ذلك بالشعر لما راقه حسن وزنه وقوافيه، ودقيق معانيه، وما يشتمل عليه من مواعظ وآداب وحكم وأمثال؛ بم يتوقف عن الحكم له على ما سواه حتى يرجع إلى من هو أعلم منه بألفاظه، واستواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه، وكثرة مائه ورونقه؛ إذ كان الشعر لا يحكم له بالجودة إلا بأن تجتمع هذه الخلال فيه. ألا ترى أنه قد يكون فرسان سليمين من كل عيب، موجودٌ فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال، المتقاربتان في الوصف، السليمتان من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق، حتى يجعل بينهما في الثمن فضلا كبيرا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على صاحبه؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كل واحد منهما بطبعه، وكثرة دربته، وطول ملابسته. فكذلك الشعر: قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحداً، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفاً.
وقد ذكر هذا المعنى بعينه محمد بن سلام الجمحي وأبو علي دعبل بن علي الخزاعي في كتابيهما.
(1/413)

وحكى إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم: أخبرني عن معرفة النغم وبينها لي، فقلت: إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة.
قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا وفضل هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان.
وقد قيل لخلفٍ الأحمر: إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر، وتقول: هو ردئ، والناس يستحسنونه! فقال: إذا قال لك الصيرفي إن هذا الدرهم ظائفٌ فاجهد جهدك أن تنفقه فإنه لا ينفعك قول غيره: إنه جيد.
فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة له أن يقضي له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه، وأن يسلم له الحكم فيه، ويقبل منه ما يقوله، ويعمل على ما يمثله. ولا ينازع في شيء من ذلك؛ إذ كان من الواجب أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم، ولا يخاصمهم فيها، ولا ينازعهم إلا من كان مثلهم نظراً في الخبرة وطول الدربة والملابسة؛
(1/414)

فإنه ليس في وسع كل أحدٍ أن يجعلك - أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم - في العلم بصناعته كنفسه، ولا يجد إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن هو أخص الناس به سبيلا، ولا أن يأتيك بعلة قاطعة، ولا حجة باهرة، وإن كان ما اعترضت فيه اعتراضاً صحيحاً وما سألت عنه سؤالا مستقيما؛ لأن مالا يدرك إلا على طول الزمان ومرور الأيام لا يجوز أن تحيط به في ساعةٍ من نهار.
نم إن العلم بالذي لا يعلم به في أكثر أحواله إلا بالرؤية والمشاهدة لا يعرف حق المعرفة بالقول والصفة، وقد قيق: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى ذلك بينة واضحة، ومعلومة ظاهرة، وهي أنه لا يمكن أن يشاهد بك جميع المعلومات التي احتواها وعلم علمه منها بملابستها في السنين الطويلة؛ فمن المحال أن يقدر أن يصف لك عشرة آلاف فرسٍ أو عشرة آلاف جارية أو عشرة آلاف سيف مختلفات الأجناس والجواهر والأوصاف فيجعلك مشاهداً لذلك كله في لحظة واحدة ووقت واحد، ومخبراً لك بكل علة وكل حجة وكل نعتٍ وصفة في كل نوع من ذلك وكل جنس في تلك الساعة، وهو إنما علم ذلك على مرور
(1/415)

الأيام وطول الزمان. وهذا مجال لا يمكن ولا يسوغ ولا يقدر عليه إلا خالق الخلق وبارئ النسم.
وبعد؛ فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي، وتعرفنا من أين طرأ عليك العلم بالشعر، أمن أجل أن عندك خزانة كتب تستمل على عدة من دواوين الشعراء وأنك ربما قلبت ذلك أو تصفحته أو حفظت القصيدة أو الخمسين منه؟ فإن كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك، فلم لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقاتك؟ فإنك دأباً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده حتى إذا رمت تصريف دينار بدراهم أو تصريف دراهم بدينار أو ابتياع ثوبٍ أو شيء من الآلة لم تثق بفهمك ولا علمك حتى ترجع إلى من يعرف ذلك دونك فتستعين به على حاجتك؟ ولم لما خفت الغبينة في مالك فأذعنت وسلمت وأقررت بقلة المعرفة، ولم تخش الغبينة والوكس في عقلك فتسلم العلم بالشعر إلى أهله؟ فإن الضرر في غبن العقل أعظم من الضرر في غبن المال.
فإن قلت: وما العلم بالخيل والبز والرقيق والذهب والفضة التي لم
(1/416)

يطبع الإنسان على المعرفة بها والعلم بجيدها ورديئها كما طبع على الكلام؛ فكان كل أحد يكون متكلما، وليس كل أحد صيرفيا ولا بزازاً ولا نخاساً؟.
قيل: ولا كل أحد يكون شاعراً، ولا خطيباً، ولا منطيقا بليغا، ولا بارعا، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت أحداً يتكلم فيستحسن كلامه، وآخر يتكلم فيضحك منه؛ فالإنسان المتكلم يعلم معاني ألفاظ لغته، ولا يعلم جيدها من رديئها، ومتخيرها من مرذولها، كما أنه يعلم أيضاً أنواع الثياب والجواهر والخيل والرقيق، ويميز بين أجناسها، ولا يعلم جيد كل جنس من رديئه، وأرفعه من أدونه، فكما أن المعرفة بكل جنس من هذه صناعة، فكذلك المعرفة بكل جنس من أجناس الكلام والشعر والخطابة صناعة، فإذا رجعت ف يالمرعفة بتلك إلى أهلها فارجع أيضاً في المعرفة بهذه إلى أهلها.
وبعد؛ فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بأمر هذه الصناعة أو الجهل بها، وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فإن عرفت علة
(1/417)

ذلك فقد علمت، وإن لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بأن تتأمل شعري أوس بن حجر والنابغة الجعدي؛ فتنظر من أين فضلوا أوساً، وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم ابن أبي بن مقبل، فتنظر من أين فضلوا بشرا. وأخبرني بعض الشيوخ عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل أن سائلا سأله عن الراعي وذى الرمة أيهما أشعر، فصاح عليه صيحة منكرة: أي لا يقاس ذو الرمة بالراعي، وكذلك غير المفضل لا يقيسه به ولا يقارب بينهما، فتأمل أيضاً شعري هذين فانظر من أين وقع التفضيل؛ فهذا الباب أقرب الأشياء لك إلى أن تعلم حالك في العلم بالشعر ونقده. فإن علمت من ذلك ما علموه، ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموه وأخروا من أخروه؛ فثق حينئذ بنفسك، واحكم يستمع حكمك وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة، ثم إن كنت شاعرا فلا تظهر شعرك، واكتمه كما تكتم سرك، فإن قلت إنك قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل
(1/418)

ذلك منك حتى تذكر العلل والسباب، فإن لم تقدر على تلخيص العبارة عن ذلك حتى تعلم شواهد ذلك من فهمك ودلائله من اختياراتك وتمييزك بين الجيد والردئ.
ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بأن شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق، وجملا من الكلام والجدال، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية، وأنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع معاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدت فيه وميزت - ظننت أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتك عليه نفذت فيه، وكشفت لك عن معانيه، وهيهات! لقد ظننت باطلا، ورمت عسيراً؛ لأن العلم - أي نوع كان - لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإكباب عليه، والجد فيه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه، ثم قد يتأتى جنسٌ من العلوم لطالبه وبتسهيل عليه، ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله، وما في طاقته تعلمه؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك.
(1/419)

باب في فضل أبي تمام
وجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها، والاستنباط لها، ويقولون: إنه وإن اختل في بعض ما يورده منها فإن الذي يوجد فيها من النادر المستحسن أكثر مما يوجد من السخيف المسترذل، وإن اهمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه، على كثرة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وإنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي.
وهذا من أعدل كلامٍ سمعته فيه، وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا له لاشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون ما سواها فضل امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والاسلام، حتى إنه لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني
(1/420)

واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره، ولكان كسائر شعراء أهل زمانه؛ إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم، ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا: هو أول من شبه الخيل بالعصى، وذكر الوحش والطير، وأول من قال " قيد الأوابد " وأول من قال كذا، فهل هذا التقديم له إلا لأجل معانيه؟
وقالوا: وإذا كان قد اضطرب لفظ أبي تمام واختل في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل لفظه كثيراً، ويسفسف دائماً، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقه وفضله حتى جعلوه نظير النابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلاً لزهير الذي صرف اهتمامه كله إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، وألحقوه بامرئ القيس الذي جمع الفضيلتين؛ فجعلوهم طبقةً، وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل به صاحبه، ولو أن أبا تمام حي يخلو من كل لفظ جيد البتة أو لو أنه قال بالفارسية أو الهندية:
(1/421)

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال الناء فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل عرف العود
أو قال:
هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت، وإن لم تودد
أو ما أشبه هذا من بدائعه حتى يفسره بكلام عربي منثور، أما كان هذا يكون شاعراً محسناً باعثاً شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره وتفسيره واستعارة معانيه؟ فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظٍ وأحسن سبكٍ؟
(1/422)

باب في فضل البحتري
ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذاً، وأسلم طريقاً من أبي تمام، ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك عدداً كثيراً، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
(1/423)

قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمحٌ تكفى إشاره ... وليس بالهذر طولت خطبه
وكما قال أيضاً:
ومعانٍ لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرولٍ ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ الغريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد
فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.
قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدركٍ لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من
(1/424)

صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادةً لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيدٍ ولا لفظ حسن كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه.
وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم
(1/425)

بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها.
وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع الحيوان والنبات.
ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوعٍ محتاجٌ إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية.
فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري تبارك وتعالى ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جملٍ أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات.
والعلة الفاعلة هي تأليف الباري جل جلاله لتلك الصورة.
والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص منها.
(1/426)

وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله عز وجل إياها: لا تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية.
فهذا قولٌ جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن فضائل الكلام خمسٌ لو نقص منها فضيلة واحدة
(1/427)

سقط فضل سائرها، وهي: أن يكون الكلام صدقا، وأن يوقع موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة. قال: ورذائله بالضد من ذلك؛ فإنه إن كان صدقا ولم يوقع موقع الانتفاع به بطل فضل الصدق منهن وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به ولم يتكلم به في حينه لم يغنه الصدق ولم ينتفع به، وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه ولم يحسن تأليفه لم يستقر في قلب مستمعه، وبطل فضل الخلال الثلاث منه، وإن كان صدقاً وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه وأحسن تأليفه، ثم استعمل منه فوق الحاجة خرج إلى الهذر، أو نقص عن التمام صار مبتورا وسقط منه فضل الخلال كلها.
وهذا إنما أراد به بزرجمهر الكلام المنثور الذي يخاطب به الملوك، ويقدمه المتكلم أمام حاجته، والشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صدقاً، ولا أن يوقعه موقع الانتفاع به؛ لأنه قد يقصد إلى أنه يوقعه موقع الضرر، ولا أن يجعل له وقتاً دون وقت، وبقيت الخلتان الأخريان، وهما واجبتان في شعر كل شاعر، وذلك أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئاً على قدر حاجته؛ فصحة التأليف في لاشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة
(1/428)

المعنى، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه.
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة بينهما، ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.

خاتمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا حمد وآله وصحبه أجمعين
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أن أوازن بين البتين أو القطعتين، إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يكاد يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد، وهي المرمى والغرض.
وبالله أستعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وترك التحامل؛ فإنه جل اسمه حسبي ونعم الوكيل.
وأنا ابتدئ بإذن الله من ذلك بما افتتحا به القول: من ذكر الوقوف على الديار والآثار، ووصف الدمن والأطلال، والسلام عليها، وتعفية الدهور والأزمان والرياح والأمطار إياها، والدعاء بالسقيا لها، والبكاء فيها، وذكر استعجامها عن جواب سائلها، وما يخلف قطينها الذي كانوا حلولاً بها من الوحش، وف يتعنيف الأصحاب ولومهم على الوقوف بها، ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها. وأقدم من ذلك ذكر ابتداءات قصائدهما في هذه المعانين إن شاء الله.
(1/429)

الابتداءات بذكر الوقوف على الديار
قال أبو تمام:
ما في وقوفك ساعة من باس ... نقضي حقوق الأربع الأدراس
وهذا ابتداء جيد صالح، وقوله " الأدراس " جمع دارس، وقلما يجمع فاعل على أفعال، ومنه: شاهد وأشهاد، وماجد وأمجاد، وصاحب وأصحاب.
وقال أيضاً:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان نائد
أراد لنشدان الناشد الذي يقول: أين أهلك يا دار؟ كما ينشد الناشد الضالة إذا طلبها.
وقال أيضاً:
قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا
علاثة: اسم صاحبه، أراد قف يا علاثة، وهذان ابتداءان صالحان
(1/430)

وقال أيضاً:
قف نؤبن كناس هذا الغزال ... إن فيه لمسرحاً للمقال
التأبين: مدح الهالك، والكناس هنا: الربع، وإنما يريد الخيمة أو البيت من بيوتهم، سماه كناساً لأنه جعل المرأة غزالا: أي قف بنا نندبه فإن المقال يتسع فيه، وهذا أيضاً بيتٌ جيد ومعنى حسن مستقيم.
وقال:
ليس الوقوف يكف شوقك فانزل ... وابلل غليلك بالمدامع يبلل
وهذا معنى ظريف، وقد جاء مثله في الشعر، قال الأصم الباهلي - وسامه عبد الله بن الحجاج - ولا أعرف غيره، وأظن أبا تمام عثر به واحتذى عليه؛ لأنه كان مولعاً بغرائب الألفاظ والمعاني:
أتنزل اليوم بالأطلال أم تقف؟ ... لا، بل قف العيس حتى يمضى السلف
السلف: المتقدمون، وإنما قال ذلك لأن الوقوف على الديار إنما هو وقوف المطي، ولا يكادون يذكرون نزولاً.
وأنشد منشدٌ قول كثيرٍ وكثيرٌ يسمع:
وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريمٍ قاعداً أتلدد
(1/431)

فقال كثير: أنا ما قلت كذا، أتراني قاعداً أصنع ماذا؟ قيل: فجالساً؟ قال: ولا هذا! أجالساً كنت أبول، قيل: فما قلت؟ قال: واقفاً؛ يريد واقفاً على مطيته فهذا هو المعروف من عاداتهم.
وقد قال كثير:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
والقولص لا يعقلها راكبها إلا إذا نزل عنها، والعقل فوق الركبة.
وقال البحتري:
ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟
التصابي: التفاعل من صبا يصبو إذا اشتاق، وإذا فعل فعل الصبى.
وقال أيضاً:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلاً ... مقصراً من ملامتي أو مطيلا
وهذا ابتداءان في غاية الجودة.
وقال أيضاً:
قف العيس قد أدنى خطاها كلاهما ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
وهذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " أدنى خطاها
(1/432)

كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الديار التي تعرض لأن يشفيه، وإنما وقف لإعياء المطى.
والجيد قول عنترة:
فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدنٌ لاقضى حاجة المتلوم
فإنه لما أراد ذكر الوقوف احتاط بأن شبه ناقته بالفدن، وهو القصر؛ ليعلم أنه لم يقفها ليريحها.
وقد كشف ذو الرمة هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:
أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب
يقول: أنختها لأن أصلى، لا من سآمة، هكذا فسروه، وقوله " لثنتين " يعني ركعتي العصر اللتين يقصرهما المسافر بين اثنين جاء يريد الليل وذاهب يريد النهار.
فإن قيل: إنما قال " أدنى خطاها كلالها " ليعلم أنه قصد الدار من شقة بعيدة فيكون أبلغ في المعنى.
قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فإن كانت واقعة على سنن الطريق قال الذي له أربٌ في الوقوف لصاحبه أو أصحابه: قف، وقفا، وقفوا، وإن لم تكن على سنن الطريق قال: عوجا، وعرجا، وعوجوا، وعرجوا، كما قال امرؤ القيس:
(1/433)

عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام
في الوقوف حيث انتهت راحة، والترعيج فيه زيادة تعبها وكلالها، وإن قلت المسافة، كما قال أبو تمام:
وما بك إركابي من الرشد مركباً ... ألا إنما حاولت رشد الركائب
لأن هذا القول منه دل على الترعيج والتردد في الرسوم، أو أن أصحابه أرادوا أن يستمر في السير ولا يتعوق في الوقوف فيعود عليها ذلك بضرر في العاقبة وإن أكسبها راحة ما في الوقوف، فقال له أبو تمام " إنما حاولت رشد الركائب " لا رشدي، فأما الأصمعي فإنه يرى التعريج أيضاً وقوفا لا عدولا، قال أبو حاتم: قلت له: ما معنى عرج؟ قال: قف، فقلت: يقال: عرج إذا عدل؟ فقال: لا، وأنشد بيت ذى الرمة:
يا حدايي بنت فضاض أما لكماحتى نكلمها همٌ بتعريج
(1/434)

أي همٌ بوقوف، وهذا لا يمنع أن يكون همٌ بعدول، ونفس الاشتقاق يدل على العدولن والله أعلم.
وقال كثير يصف السيل:
فطوراً يسيل على قصده ... وطوراً يعرج ألا يسيلا
فلو كان هناك قصد إلى الدار من جماعتهم أو منه وحده لما لاموه، ولا عنفوه على احتباسه وإطالته، ولا استعجلوه وهو دائبا يسألهم التلؤم عليه والتوقف معه.
وهذه طريقة القوم في الوقوف على الديار، ولهم فيها من الأشعار ما هو أشهر وأكثر من أن أحتاج إلى ذكره، وتلك سبيل سائر المحدثين، وطريقة الطائيين ما عدلا عنها، ولا خرجا إلى غيرها، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ما في وقوفك ساعةً من باس ... نقصي ذمام الأربع الأدراس
كيف سأل صاحبه أن يقف عليه ساعةً؟ ثم قال بعد بيت آخر:
لا يسعد المشتاق وسنان الهوى ... يبس المدامع بارد الأنفاس
وقوله:
لا تمنعني وقفة أشفى بها ... داء الفراق فإنها ماعون
وقال البحتري:
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعدٍ ... يعطى الأسى من دمع المبذول
(1/435)

وقال أيضاً:
قف بها وقفةً ترد عليها ... أدمعاً ردها الكرى أنضاء
وقال أيضاً:
ماذا عليك من انتظار متيمٍ ... بل ما تضرك وقفةٌ في منزل
وقال أيضاً:
خلياه ووقفةً في الرسوم ... يخل من بعض بثه المكتوم
ثم إنا ما علمنا أحداً قصد داراً عفت من شقةٍ بعيدة، واحداً كان أو في جماعة، للتسليم عليها، والمسألة لها، ثم انصرفوا راجعين من حيث جاءوا، وإن هذا ما سمح به، ولا هو من أغراضهم؛ إذ ليس فيه جدوى، ولا يؤدي إلى فائدة، لأن المحبوب إن كان حياً موجوداً فقصد رباعه ومواطنه التي هو قاطنها والإلمام به فيها أولى وأحرى، وإن كان ميتا فالإلمام بناحية الأرض التي فيها حفرته أولى وأحرى، وعلى أنهم لا يكادون يزورون القبور، وإنما وقفوا علىالديار، وعرجوا عليها عند الاجتياز بها والاقتراب منها؛ لأنهم تذكروا عند مشارفتها أوطارهم فيها، فنازعتهم نفوسهم إلى الوقوف عليها، والتلوم بها، ورأوا أن ذلك من كرم العهد وحسن الوفاء، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
أمواطن الفتيان نطوى لم نزر ... شوقاً ولم نندب لهن صعيدا؟
(1/436)

ويروى " لم نزر شعفاً " أي: كيف نطوى الرسوم والدمن التي هي مواقف أهل الفتوة، يريد الكرام، ولم نزر حزناً لها ولا سهلا، لأنه أراد بالعشف ما ارتفع من الأرض وعلا، وأراد بالصعيد ما اطمأن من الأرض وسفل، والصعيد إنما هو وجه الأرض الذي فيه التراب، وأكثر ما يكون فيما اطمأن من الأرض، لا فيما علا، فكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة، وأن طيها عند الاجتياز بها من النذالة وقبيح الرعاية وسوء العهد.
وما أحسن ما قال أبو نواس:
وإذا مررت على الديار مسلماً ... فلغير دار أميمة الهجران
على طريقة القوم المعتادة.
وقال البحتري يخاطب نفسه أو صاحباً معه:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
فمن زعم أن البحتري بهذا القول كان قاصداً للدار وغير مجتازٍ احتاج إلى دليل من لفظ البيت يدل عليه، ولا سبيل له إلى ذلك.
فإن قيل: ولم لا يكون للمطية حق على من بلغته منازل الأحباب يوجب أن يكرمها ويريحها كما قال أبو نواس:
(1/437)

وإذا المطى بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام
قيل: هذا أصلٌ آخر طريقه غير طريق القوف على الديار، ولا يقاس أصلٌ على أصل، وإنما يقاس على الأصل فروعه التي تتفرع منه، وهذا الشرط في كل علم. وقال أبو نواس ف يموضع آخر يخاطب ناقته أيضاً:
فلم أجعلك للغربان نحلاً ... ولم أقل اشرقي بدم الوتين
يريد قول الشماخ، والشماخ إنما قال:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
لأنه رأى ناقته قد شفها السير وهزلها وأنضاها حتى دبرت، وذلك قوله:
إليك بعثت راحلتي تشكى ... كلوماً بعد محفدها السمين
فيقول: إذا بلغتني عرابة فلا أبالي أن تهلكي، وهذا ليس بدعاء عليها، وإنما أراد أنك إذا بلعتنيه فقد بلغت الغنى وأدركت العوض فهذا معنى وقول أبي نواس له معنى آخر، وليس بضد لقول الشماخ،
(1/438)

وإنما يضاده قول المرأة التي قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن بلغتني ناقتي هذه إليك أن أنحرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبئس ما جزيتها " لأن هذه قصدت أن جعلت جزاء التبليغ النحر؛ فهذان المعنيان يتضادان، وقول الشماخ خارج عنهما، فإنه أصل ثالث، والوجه الذي جاء به البحتري في الوقوف على الديار وتحرز منه عنترة وذو الرمة وجه غير هذه الوجوه، وطريقة غير هذه الطرق، ولم أقل إنه خطأ، وإنما قلت: إن المعنى غير جيد، فغن التمست العذر للبحتري قلنا: إنه وصف حقيقة أمر العيس عند الوصول إلى الدار، وهذا مذهبٌ من مذاهب العرب عامٌ في أن يصفوا الشيء على ما هو، وعلى ما شوهد، من غير اعتماد لإغراب ولا إبداع، وربما ورد هذا الوجه على ألسنتهم أحسن من كل معنى بديع مستغرب، وربما وقع فيه مثل هذا الخلل لقلة التحرز، وسترى للبحتري وغيره في هذا الكتاب من هذا النوع ف يمواضعه ما هو أجود من كل جيد، إن شاء الله.
وقال البحتري:
عرج بذى سلمٍ فثم المنزل ... فيقول صبٌ ما أراد ويفعل
وهذا ابتداء جيد، وقد رواه قوم " ليقول صبٌ ما أراد ويفعل
(1/439)

" والنصب أجود في الروايتين، والرفع له وجه، والمتأخرون لا يكادون يسلمون من اللحن، وهو في أشعارهم كثير جداً.
وقال:
كم من وقوفٍ على الأطلال والدمن ... لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن
وهذا أيضاً ابتداء جيد.
وقال أيضاً:
استوقف الركب في أطلالهم وقفا ... وإن أجد بلى مأثورها وعفا
يقال: أجد في أمره من الانكماش، وجد، وهذا ابتداء صالح.
وقال:
قفا في مغاني الدار نسأل طلولها ... عن النفر اللائين كانوا حلولها
وهذا الابتداء ليس بالجيد؛ من أجل قوله " اللائين "؛ لأنها لفظة ليست بالحلوة ولا مشتهاة، وليست مشهورة.
فهذا ما ابتدآ به من ذكر الوقوفن وأجعلهما فيه متكافئين؛ من أجل براعة بيتي البحتري الأولين، وأنهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولأن للبحتري في الباب التقصير الذي ذكرته له، وليس لأبي تمام مثله.
(1/440)

التسليم على الديار
قال أبو تمام:
دمنٌ ألم بها فقال: سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام
هذا المصراع الأول في غاية الجودة والبراعة والحسن والصحة والحلاوة، وعجز البيت أيضاً جيد بالغ.
وقال:
سلم على الربع من سلمى بذى سلم ... عليه وسمٌ من الأيام والقدم
وهذا ابتداء ليس بالجيد؛ لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ، وإنما يحسن إذا كان بلفظتين، وقد جاء مثله في أشعار الناس، والردئ لا يؤتم به.
وقال الأبيرد بن المعذل الرياحي:
جزعت ولم تجزع من البين مجزعا ... وكنت بذكر الجعفرية مولعا
وقد جعل بعض الرواة هذا البيت أول قصيدة لامرئ القيس على هذا الوزن، وذلك باطل، وما ينبغي للمتأخر أن يحتذى الأخذ إلا للجيد المختار؛ لسعة مجاله، وكثرة أمثلته.
(1/441)

وقال البحتري:
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم
وقال أيضاً:
أمحلتى سلمى بكاظوة اسلما ... وتعلما أن الهوى ما هجتما
وهذا ابتداءان جيدان.
وقال أيضاً:
حييتما من مربع ومصيف ... كانا محلى زينبٍ وصدوف
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها ... نعم، ونسالها عن بعض أهليها
وهذا البيت ردئ؛ لقوله " نعم " وليس بالمعنى إليها حاجة، جاء بها حشواً. ومن الحشو ما لا يقبح، و " نعم " ههنا قبيحة، وقد أولع بها كثير بن عبد الرحمن في ابتداءاته فقال:
أمن أم عمرو بالحريق ديار ... نعم دارساتٌ قد عفون قفار
(1/442)

وقال:
أمن آل سلمى الركب أم أنت سائل ... نعم، والمغاني قد درسن مواثل
وقال:
أهاجتك ليلى إذ أجد رحيلها ... نعم، وثنت لما احزألت حمولها
احزألت: انتصبت وارتفعت.
وقال:
أبائنةٌ سعدى؟ نعم ستبين ... كما انبت من حبل القرين قرين
وهي في كل هذه البيات رديئة، وموضعها من هذا البيت الأخير أصلح؛ لأن إسقاطها من الجميع يحسن، ولا يحتاج الاستفهام فيها إلى جواب، إلا هذا البيت فإن الاستفهام فيه يقتضي أن يكون " نعم " جوابا له، ومع هذا فليس لها حلاوة ولا حسن، ولكثير استفهامات لا جواب لها على عادات الشعراء المحسنين.
ومنها قوله:
من آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طللٌ يلوح قديم
وكل أبيات كثير أجود من بيت البحتري؛ لأن " نعم " فيها جواب، وهي في بيت البحتري حشو، وقال البحتري في بيته " نحييها " والأجود "
(1/443)

نحيها " جزم لأنه جواب الأمرن وقد يكون " نحييها " رفعاً على الحال، والجواب ههنا أجود من الحال.
فهذا ما وجدته من تسليمهما على الديار، وأبو تمام عندي ف يقوله " دمن ألم بها فقال سلام " أشعر من البحتري في سائر أبياته.
وما سمعت من التسليم على الديار أحسن من قول أبي نواس:
وإذا مررت على الديار مسلماً ... فلغير دار أميمة الهجران
(1/444)

ما ابتدآ به من ذكر تعفية الدهور والأزمان للديار
قال أبو تمام:
لقد أخذت من دار ماوية الحقب ... أنحل المغاني للبلى هي أم نهب؟
أراد أنحلٌ المغاني للبلى، فحذف التنوين، والحقب: الدهر، وجمعه أحقاب، والحقب: السنون، واحدتها حقبة، وقال " لقد أخذت " فأنث والحقب مذكر، وأظنه أراد أيام الدهر ولياليه، ويقال: الحقب ثمانون سنة؛ فعلى هذا قال " أخذت ".
وقال أيضاً:
قد نابت الجزع من ماوية النوب ... واستحقبت جدةً من ربعها الحقب
" واستحقبت " أي جعلت الحقب - وهي السنون - جدة الربع في حقيبتها، والحقيبة: ما يحتقبه الراكب، وهو وعاء يجعله خلفه إذا ركب ويحرز فيه متاعه وزاده، وهذه استعارة حسنة، وإنما يريد أن الحقب سلبت الربع جدته وذهبت بها.
(1/445)

وقال البحتري:
أرسوم دارٍ أم سطور كتاب ... درست بشاشتها على الأحقاب
أي: على مر السنين، وهذا البيت أبرع من بيتي أبي تمام لفظا، وأجود سبكا وأكثر ماء ورونقاً، وهو من الابتداءات النادرة العجيبة، والمشبهة لكلام الأوائل؛ فهو فيه أشعر من أبي تمام.
(1/446)

وفي إقواء الديار وتعفيها
قال أبو تمام:
طلل الجميع لقد عفوت جميداً ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
أراد " وكفى بأنه مضى جميداً شاهداً على أنى رزئت " وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أنه مضى حميداً، وقد استقصيت الكلام في هذا فيما تقدم في غلط أبي تمام وقال أيضاً:
أجل أيها الربع الذي بان آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
وهذا أيضاً ابتداء جيد.
وقال أيضاً:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
وهذا بيت ردئ معيب؛ لأن الوشيعة والوشائع هو الغزل الملفوف من
(1/447)

اللحمة التي يدخلها الناسج بين السدى، والبرد الذي قد تمت نساجته ليس فيه شيء يسمى وشيعة ولا وشائع، وقد ذكرت هذا في أغاليطه.
وقال البحتري:
تلك الديار ودارسات طلولها ... طوع الخطوب دقيقها وجليلها
وقال أيضاً:
يا مغاني الأحباب صرت رسوما ... وغذا الدهر فيك عندي ملوما
وقال أيضاً:
لم يبق في تلك الرسوم بمنعج ... إما سألت معرجٌ لمعرج
وقال أيضا ":
هلا سألت بجو ثمهد ... طللا " لمية قد تأبد
هذه كلها ابتداءات جياد بارعة اللفظ صحيحة المعنى وأبيات أبى تمام أيضا " رائعة ولكن فيها ما ذكر ته.
(1/448)

تعفية الرياح للديار قال أبو تمام:
عفت أربع الحلات للأربع الملد ... لكل هضم الكشح مغربة القد
الحلات: جمع حلة هو الموضع الذى يحلونه يقال: حلة ومحلة والأربع الملد: يريد أربع نساء ملد من قولهم: غصن أملود وهو الناعم و " أملود " لا يجمع على " ملد " وأنما هو جمع أملد، و " هضيم الكشح " يريد ضامرة البطن وقوله " مغربة القد " يريد أغرب قدها: أى لها قد غريب فى الحسن وإنما أراد عفت أربع حلال: أى مواطنلأربع نسوة وهذا تكف شديد وقد جاءت بلفظ غير حسن ولاجميل، وكذلك " مغربة القد " من قول الشعراء المتأخرين: غريب الحسن وغريب القدوالكلمة إذا لم يؤت بها على لفظها المعتاد هجنت وقبحتوقوم يروونه " أربع الحلات " جمع ربع وذلك غلط، وأنما أراد الرجل العدد: أى عفت أربع لأربع
(1/449)

ولا أعلم لأبى تمام ابتداء ذكر فيه الرياح غير هذا البيت، وهوردىْ اللفظ قبيح النسج. وقال البحترى:
بين الشقيقة فاللوى والأجرع ... دمن جبسن على االرؤياح الأربع
وهذا من ابتداء أته العجيبة النادرة وإحسانه فيه الإحسان المشهور وقوله " بين الشقيقة فاللوى " كقول امرىء القيس " بين الدخول فحومل " والأصمعى يرويه بالواو، وأهل العربية يقولون: الدخول مواضع متفرقة وأكثر الشعراء يستعملون الفاء هذا الموضع. وقال البحترى:
أصبا الأصائل إن برقة ثهمد ... تشكوا اختلافك بالهبوب السرمد
مازلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقول: إنهم ما سمعوا لمتقدم ولا متأخر فى هذا المعنى أحسن من هذا المعنى أحسن من هذا البيت ولا أبرع لفظا " ولا أكثر ماء ولا رونقا " ولا ألطف معنى.
وقال البحترى:
لاأرى بالبراق رسما " يجيب ... أسكتت آيه الصبا والجنون
وهذا ابتداء صالح.
(1/450)

وفى البكاء على الديار قال أبو تمام:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب
قد أنكر " مصونات الدموع السواكب " بعضهم وقال: كيف من السواكب ماهو مصون وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التى هى الآن سواكب، ولفظة يحتمل ما أراده، والبت لفظاً ومعنى ونظماً.
وقال أيضاً:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن من شانيك أو يكفا
هذا ابتداء حسن.
وقال أيضاً:
أزعمت أن الربع ليس يتيم ... والدمع في دمنٍ عفت لا يسجم
وقال أيضاً:
قرى دارهم منى الدموع السوافك ... وإن عاد صبحى بعدهم وهو حالك
وهذان ابتداءان جيدان.
(1/451)

وقال أيضاً: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عينٍ يحتلب ماءه الوجد الجرع والأجرع والجرعاء: أرض ذات رملٍ وحجارة مختلطة خشنة، وقد قيل: رملة سهلة، والحسى: ماء المطر يغيض في الرمل قليلا ثم يصير إلى الصلابة فيقف فيحفر عنه ويشرب، وجمعه أحساء.
وقال البحتري:
متى لاح برقٌ أو بدا طللٌ قفر ... جرى مستهلٌ لا بكئٌ ولا نزر
وهذا بيت حسبك به جودةً وحسنا وبراعة وفصاحة.
ونحوه قوله:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح
هذا مثل قول امرئ القيس " بين الدخول فحومل " وهذا أيضاً بيت جيد، وليس كالأول.
وقال أيضاً:
أفي كل دارٍ منك عينٌ ترقرق ... وقلبٌ على طول التذكر يخفق
(1/452)

وهذا أيضاً غاية في جودته وبراعته وكثرة مائه.
وقال أيضاً:
ألما يكف في طللى زرود ... بكاؤك دارس الدمن الهمود
وقال أيضاً:
أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم ... وقوفٌ بربعٍ أو بكاءٌ على رسم
هذه الأبيات الثلاثة كأنه منكر على نفسه البكاء، وقد أحسن فيما اعتمد من ذلك وأجاد، وهو ضد ما ذهب إليه أبو تمام في أبياته.
وقال البحتري، وهو حسن جداً:
وقوفك في أطلالهم وسؤالها ... يريك غروب الدمع كيف انهمالها
وقال:
عند العقيق فماثلات دياره ... شجنٌ يزيد الصب في استعباره
وقال:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي ... والنوح في دمنٍ أقوت وأطلال
وقال:
أبكاءً في الدار بعد الدار ... وسلوا عن زينبٍ بنوار
(1/453)

وهذا من البحتري تصرفٌ في البكاء على الديار حسن، ومعانٍ فيه مختلفة عجيبة، كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها، والبحتري في هذا الباب أشعر.
(1/454)

سؤال الديار واستعجامها عن الجواب
قال أبو تمام:
الدار ناطقةٌ وليست تنطق ... لدثورها؛ إن الجديد سيخلق
وقال في مثل معناه:
وأبي المنازل إنها لشجون ... وعلى العجومة إنها لتبين
وهذا معنى شائع على ألسن العرب أن تقول لمن يعقل: وأبيك لقد أجملت، وكثرت على الألسن حتى تعدوا بها إلى مالا يعقل، قسماً وغير قسم، وكذلك قالوا: لأمك الهبل، ولأمك الويل، ثم قالوا مثل ذلك لما لا أم له، وقال محرز بن المكعبر يرثي بسطام بن قيس:
لأم الأرض ويلٌ ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل
فجعل للأرض أما.
(1/455)

وقد قال البحتري:
لعمر أبي الأيام ما جار حكمها ... علي، ولا أعطيتها ثنى مقودي
فجعل للأيام أباً، وقوله " شجون " جمع شجن، وما أفل ما يجمع فعلٌ على فعول، قالوا: أٍد وأسود، وليس هو بابه، والشجن: الحاجة، والشجن: الهم والحزن.
وقال أبو تمام:
من سجايا الطلول أن لا تجيبا ... فصوابٌ من مقلتي أن تصوبا
هذا البيت صدره جيد، وقوله " فصواب " ليست بالجيدة في هذا الموضع، وإنما أراد التجنيس.
وقال البحتري:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل ... ترد قولاً على ذى لوعةٍ بسل
وهذا بدأ جيد لفظه ومعناه.
وقال البحتريّ:
صب يخاطب مفحمات طول ... من سائل باك ومن مسئول
أراد أنه باكٍ والطلول باكية، وهذا ابتداء صالح.
(1/456)

وقال:
عزمت على المنازل أن تبيما ... وإن دمن بلين كما بلينا
أي: عزمت عليها أن توضح لنا، ويكون ((تبين)) بمعنى تفصح هي في نفسها، يقال: بأن الشيء وأبان، قوله ((وإن دمن بلين كما بليان)) أي: عزمت عليها أن تبين لنا القول وإن كانت قد بليت كما بلينا نحن، وهذا بيت ردئ العجز.
وقال البحتي:
أقم عليها أن ترجع القول أو على ... أخلف فيها بعض ما بي من الخبل
وهذا أيضاً بيت ردئ الصدر لفظه ومعناه؛ لأنه أراد أن يقول: قف لعلها أن ترجع القول أو على، فقال ((أقم)) مكان قف، وليس هذه اللفظة نائبة عن تلك؛ لأن الإقامة ليست من الوقوف في شيء، والدليل إلى أنه أراد أن يقول قف قوله بعد هذا:
فإن لم تقف من أجل نفسك ساعة ... فقفها على تلك المعالم من أجلي
وقال ((علها أو على)) وهما وإن كانتا لفظتين عربيتين فلعل أحسن من عل وأبرع، وزاد في تهجينها أنه كررها في مصارع، وقوله ((أخلف بعض مابى من الخبل)) عجز حسن، أي:
(1/457)

أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد.
وقال:
بالله يا ربع لما زدت تبيانا ... فقلت لي الحي لما بان لم بانا
وقا لأيضاً:
هب الدار ردت رجع ما أنت سائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله
وهذا بيت غير جيد؛ لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله:
أفي ذاك برءٌ من جوى الهب الحشا ... توقده واستغزر الدمع جائله
وقال أيضاً:
هل الربع قد أمست خلاءً منازله ... مجيبٌ صداه أو يخبر سائله؟
(1/458)

وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي ... ترد سلامي أو تجيب سؤالي
وهذا ابتداء حسن.
فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، والجيد للبحتري قوله:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل
وقوله:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي
والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا البحتري أجود لفظاً، وأصح سبكاً، وهما في هذا الباب متكافئان.
(1/459)

ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه
قال أبو تمام:
أطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشاً بهن عكوفا
وهذا بيت جيد لفظه ومعناه.
وقال أيضاً:
أأطلال هندٍ ساء ما اعتضت من هند ... أقايضت حور العين بالعين والربد
العين: بقر الوحش والظباء، والربد: النعام، وقايضت: أبدلت، وهذا البيت ليس بالجيد ولا بالردئ.
وقال أيضاً:
أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم
وهذا بيت جيد.
وقال البحتري:
ربعٌ خلا من بدره مغناه ... ورعت به عين المها الأشباه
وهذا بيت حسن حلو.
(1/460)

وقال البحتري أيضاً:
عهدي بربعك مأنوساً ملاعبه ... أشباه آرامه حسناً كواعبه
وهذا بيت في غاية الجودة والبراعة لفظه ومعناه.
وقال أيضاً:
عهدي بربعك مئلاً آرامه ... يجلى بضوء خدودهن ظلام
وهذا بيت جيد اللفظ والمعنى، ولفظ الأول أحلى وأبرع، وقوله " يجلى بضوء خدودهن ظلامه " حسن جداً.
وقال أيضاً:
أرى بين ملتف الأراك منازلا ... مواثل لو كانت مهاها مواثلا
وهذا أيضاً بيت من أبرع ابتداءاته.
فهذا ما وجدته لهما في هذا النحو، والبحتري في أبياته أشعر من أبي تمام في أبياته.
(1/461)

فيما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها
قال أبو تمام:
أقشيب ربعهم أراك دريساً ... تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا
وهذا بيت من جيد الابتداءات وبارعها.
وقا لالبحتري:
مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجى أخلاقها ودذورها
وهذا بيت في جودة بيت أبي تمام وبراعته.
وقال:
لعمر المغاني يوم صحراء أربد ... لقد هيجت وجداً على ذى توجد
وقال أيضاً:
ما جو خبتٍ وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه
وقال أيضاً:
كلما شاءت الرسوم المحيله ... هيجت من مشوق صدرٍ غليله
وهذه كلها ابتداءات جياد، وهي مع بيت أبي تمام متكافئة.
(1/462)

الدعاء للدار بالسقيا
قال أبو تمام:
أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرةٌ ونعيم
وقال أيضاً:
سقى عهد الحمى صوب العهاد ... وروى حاضرٌ منهم وبادي
وهذا ابتداءان جيدان.
وقال أيضاً:
يا برق طالع منزلاً بالأبرق ... واحد السحاب له حداء الأينق
قوله " طالع " لفظة رديئة ف يهذا الموضع قبيحة، وقوله " واحد السحاب له حداء الأينق " لفظه ومعناه جيدان فصيحان، وإنما خص
(1/463)

البرق لأنه دليل الغيث وقال أيضاً:
أيها البرق بت بأعلى البراق ... وأغد فيها بوابلٍ غيداق
البرقا: جمع برقة، مثل برمة وبرام، وهي الأرض ذات الطين والحصى تكون ذات ألوان مختلفة، وهذا بيت جيد، ووصله ببيت هو غاية في الحسن والحلاوة نأتي به إن شاء الله تعالى في بابه.
وقال:
يا دار دار عليك أرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا
يقال: أرهمت السماء، إذا أتت بالرهمة، وهو المطر اللين، يقال: رهمة وأرهام، كأكمة وآكام، فإن قلت " أرهام الندى " كان ذلك سائغاً، فترأد: تثنى لكثرة مائه وغضاضته، ومنه " امرأة رود الشباب " أي: غضته، وهذا بيت ليس بجيد اللفظ ولا النسج.
وقال البحتري:
نشدتك الله من برق على أضم ... لما سقيت جنوب الحزن فالعلم
(1/464)

وهذا بيت بارع اللفظ، جيد المعنى، وزاد في جودته قوله " نشدتك الله ".
وقال أيضاً:
سقيت الغوادي من طلولٍ وأربع ... وحييت من دار لأسماء بلع
وهذا أيضاً بيت جيد اللفظ والمعنى، ويدخل في باب التسليم على اديار لقوله " وحييت من دار ".
وقال أيضاً:
أناشد الغيث هل تهمى غواديه ... على العقيق وإن أقوت مغانيه
وهذا بيت جيد وقال أيضاً:
أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديارٍ بعلو الشام أدراس
ملث: دائم كثير، ورجاس: مصوت، يريد الرعد، وهذا بيت كثير الماء والرونق.
وقال أيضاً:
لا يرم ربعك السحاب يجوده ... تبتدى سوقه الصبا أو تقوده
(1/465)

وقال أيضاً:
سقى دار ليلى حيث حلت رسومها ... عهادٌ من الوسمى وطفٌ غيومها
وهذان ابتداءان جيدان، وليسا مثل ما تقدم.
وقال أيضاً:
سقى ربعها سح السحاب وهاطله ... وإن لم يخبر آنفاً من يسائله
وهذا البيت ردئ العجز من أجل قوله " آنفاً " لأنه حشوٌ لا حاجة للمعنى به؛ فهذا ابتداء من الدعاء للديار بالسقيا، وهما عندي متكافئان.
(1/466)

في لوم الأصحاب في الوقوف على الديار
قال أبو تمام:
أراك أكبرت إدماني على الدمن ... وحملي الشوق من بادٍ ومكتمن
وهذا ابتداء صالح وقال أيضاً:
ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق
هذا بيت ردئ جداً، وقد ذكرت ما فيه في باب ما ذكرناه له في وسط الكلام في تعنيف الأصحاب على الوقوف على الديار، وهذا البيت ابتداء، وإنما ذكرته هناك لأن معناه يتضح بالأبيات التي بعده؛ فجعلته في ذلك الباب.
وليس لأبي تمام ابتداء صالح في لوم الأصحاب غير هذين البيتين.
فأما البحتري فإنه تصرف ف يابتداءاتٍ جيادٍ حسانٍ بارعةٍ حلوةٍ؛ فمن ذلك قوله:
فيم ابتداركما الملام ولوعا ... ابكيت إلا دمنةً وربوعا
وهذا بيت حسن، وفيه سؤال، وهو أن يقال: إنما لاموه على بكائه على الدمنة والربوع، فما وجه اعتذاره بأنه لم يبك إلا دمنة وربوعا؟
(1/467)

والجواب أنه أراد أبكيت إلا ما مثله يبكي؟ وقد تقدمني الناس فيه ولم ينكر ذلك على أحد.
وقوله:
خذا من بكائي في المنازل أودعا ... وروحا على لومي بهن أو اربعا
وهذا بيت جيد.
وقوله أيضاً:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصراً من ملامتي أو مطيلا
وهذا بيت جيد حسن، بارع اللفظ والمعنى، وقد ذكرته أيضاً في باب الوقوف على الديار.
وقوله:
أحرى الخطوب بأن يكون عظيما ... قول الجهول: ألا تكون حليما
وقوله:
ما أنت للكلف المشوق بصاحب ... فاذهب على مهلٍ فليس بذاهب
وقوله:
في غير شأنك بكرتي وأصيلي ... وسوى سبيلك في السلو سبيلي
(1/468)

وقوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود
ولهما في تأنيب العذال في غير الوقوف علىالديار ابتداءاتٌ ليس بضائرٍ ذكرها ههنا.
فمن ذلك قول أب يتمام:
تقى جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس حبيبي إن عذلت بمصحبي
وقوله أيضاً:
دأب عيني البكاء، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي
وقوله أيضاً:
كفى وغاك؛ فإنني لك قالى ... ليست هوادي عزمتي بتوالي
وقوله أيضاً:
لامته لام عشيرها وحميمها ... منها خلائق قد أبر ذميمها
(1/469)

وقوله أيضاً:
متى كان سمعي خلسةً للوائم ... وكيف صغت للعاذلين عزائمي
وقوله أيضاً:
قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
وهذه كلها ابتداءاتٌ صالحة، إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن مما عيب من ابتداءات الطائي قوله:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان البغداديين يقولون: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندي، وقد ذكرته في ابتداءات المراثي، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت في الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشي كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها في مصراع
(1/470)

واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يرفق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت في الغلواء "؛ فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت في الغلواء " فاستهجنت، ولو جاء هذا في شعر أعرابي لما أنكروه؛ لأن الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثورالذي يستعمله في مخاطباته ومحاوراته، ولو خاطب أبو تمام بهذا المعنى في كلامه المنثور لما قال لمن يخطبه إلاحسبك استح زدت وغلوت، وهذا كلام حسن بارع.
قال: فمن شأن الشاعر الحضري أن يأتي في شعره بالألفاظ العربية المستعملة في كلام الحاضرة؛ فإن اختارأن يأتي بما لايستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشىّ الذي يقلّ استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقاً في تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضيعه، فيكون قد اتسع مجاله بالاستعانة به، ودلّ على فصاحته وعلمه، وتخلصّ من الهجنة، كما أنالشاعر الأعرابي إذا أتى في شعره بالوحشىّ الذي يقل استعماله إياه في منثور كلامه وما يجري دائماً في عادته هجنّه وقبّحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولايستكثر؛ فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شئ مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛ فمن ذلك قوله:
أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ... ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي
وقوله أيضاً:
يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذّال في رشد
متى كان سمعى خلسةً ... وكيف صنعت للعاذلين عزائمى
وقوله أيضاً:
قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى
وهذه كلها ابتداءات صالحة إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكرأبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح فى كتاب أن مما عيب من ابتداءات الطائى قوله:
كذافليجل الخطب وليفدح الأمر
وقوله:
خشنت عليه أخت بنى خشين
فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمرىمن تجنيساته القبيحة وعهدت مجان البغداديين يقول: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندى، وقدذكرته فىابتداءات المراثى، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة فى نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشى كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها فى مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يفرق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت فى الغلواء " فاستهجنت، ولوجاء هذا فى شعر أعرابى لما أنكروه لأن الأعرابى إنما ينظم كلامه المنثور الذى يستعمله فىمخاطباته ومحاوراته، ولوخاطب أبوتمام بهذا المعنى فى كلامه المنثور لما قال لمن يخاطبه إلا حسبك استح زدت وغلوت، وهذاكلام حسن بارع.
قال: فمن شأن الشاعر الحضرى أن يأتى فى شعره بالألفاظ (العربية) المستعملة فىكلام الحاضرة، فإن اختار أن يأتى بما لا يستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشى الذى يقل استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقا فى تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضعه، فيكون قداتسع مجاله بالاستعانة به، ودل على فصاحته وعلمه، وتخلص من الهجنة، كما أن الشاعر الأعرابي إذا أتى فى شعره بالوحشى الذى يقل استعماله إياه فى منثور كلامه وما يجرى دائما فى عادته هجنه وقبحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولا يستكثر، فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شىء مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛
(1/471)

فمن ذلك قوله:
أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ... ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي
وقوله أيضاً:
يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذّال في رشد
وقوله أيضاً:
إنما الغي أن يكون رشيداً ... فانقصا من ملامه أو فزيدا
وقوله أيضاً:
ألم يك في وجدي وبرح تلددي ... نهاية نهىٍ للعذول المفند
وقوله أيضاً:
مرنت مسامعه على النفنيد ... فعصى الملام لاعينٍ وخدود
وقوله أيضاً:
شغلان من عذلٍ ومن تفنيد ... ورسيس حب طارفٍ وتليد
وقوله أيضاً:
أقصرا ليس شأني الإكثار ... وأقلا لن يغني الإكثار
(1/472)

وقوله أيضاً:
قلت للائم في الحب أفق ... لا تهون طعم شيء لم تذق
وقوله أيضاً:
أما كان في تلك الدموع السوائل ... بيانٌ لناء أو جوابٌ لسائل
وقوله أيضاً:
أكثرت في لوم المحب فأقلل ... وأمرت بالصبر الجميل فأجمل
وقوله أيضاً:
رويدك إن شأنك غير شاني ... وقصرك لست طاعة من نهاني
وقوله أيضاً:
يكاد عاذلنا ف يالحب يغرينا ... فما لجاجك في لوم المحبينا
وقوله أيضاً:
عذيري فيك من لاحٍ إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما
وقوله أيضاً:
طفقت تلوم ولات حين ملامه ... لا عند كرته ولا إحجامه
ولا خفاء بفضل البحتري أيضا على أبي تمام في هذا الباب، وقد مضت الموازنة بين الابتداءات بذكر الديار والآثار، وأنا الآن أذكر ما جاء عنهما من ذلك في وسط الكلام.
(1/473)

ما قالاه في أوصاف الديار والبكاء عليها
قال أبو تمام:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
دمنٌ كأن البين أصبح طالباً ... دينا لدى آرامها وحقودا
قربت نازحة القلوب من الجوى ... وتركت شأو الدمع فيك بعيدا
خضلاً إذا العبرات لم تبرح لها ... وطناً سرى قلق المحل طريدا
وقوله " وكفى على رزئي بذاك شهيدا " ليس بالجيد، وقد ذكرت معناه فيما تقدم من ذكر معانيه في باب الابتداءات عند ذكر البيت، وقوله قربت نازحة القلوب من الجوى " يريد القلوب التي بعد عهدها بمرض الحب فأدنيتها من ذلك عند الوقوف عليك، يخاطب الطلل والدمن، وقوله " وتركت شأو الدمع فيك بعيداً " أي: دائماً طويلا، وقوله " خضلا إذا العبرات لم تبرح لها وطناً سرى قلق المحل طريداً " أي: من كان إنما يبكي في وطنه على الحوادث التي تحدث عليه فيه سرى هذا الدمع قلق المحل طريدا، أي اعتسف المسير لطوله حتى يحل بهذه الدمن، وهذا نحو من قوله:
(1/474)

فما وجدت على الأحشاء أبرد من ... دمعٍ على وطن لي في سوى وطني
فقوله " على وطن " يعني الرسوم والطلول التي يقف عليها، وهذا من جيد ألفاظه وصحيح معانيه، وغرضه فيما وصف من الدمع غرضٌ حسن، وأحسن منه وألطف وأغرب قوله:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا
لا عذر للصب أن يقنى السلو ولا ... للدمع بعد مضى الحي أن يقفا
حتى يظل بماء سافحٍ ودمٍ ... في الربع يحسب من عينيه قدر عفا
وهذا المعنى ليس له، وإنما أخذه من قول أبي وجزة السعدي:
عيونٌ ترامى بالرعاف كأنها ... من الشوق صردانٌ تدب وتلمع
قيل في تفسيره: شبه الدمع وقد عصفره الدم بالرعاف، وشبه العيون - وهي تفيض بالدمع تارة وتحبسه أخرى - بالصردان تنتفض تارة وتظهر قريبا من الأرض تارة، وبيت أب يتمام أجود لفظاً ونظماً، ولا أظن البحتري ذهب إلى مثل هذا المعنى، ولا للمعنى الذي قبله
(1/475)

في وصف الدمع، ولكنه يعتذر مرةً بقلة دمعه، ومرة يذكر كثرته ويفتخر بغزره، وفي كل ذلك يحسن ويجيد؛ فمن اعتذاره قوله في قصيدته التي أولها:
فيم ابتدار كما الملام ولوعا ... أبكيت إلا دمنةً وربوعا
يا دار غيرها الزمان وفرقت ... أيدي الحوادث شملها المجموعا
لو كان لي دمعٌ يحسن لوعتي ... خليته في عرصتيك خليعا
لاتخطبي دمعي إلى؛ فلم يدع ... في مقلتي جوى الفراق دموعا
قوله في ابتداء القصيدة " أبكيت إلا دمنةً وربوعا " قد أخبر أنه بكى ثم قال " لو كان لي دمع يحسن لوعتي " أي: لو كان ل يدمع غزير يليق بلوعتي وينبئ عنها، وكذلك قوله " فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا " أي: دموعا كافية أرضاها، أو دموعا تشفيني؛ لأنه استقل دمعه واستنزره، أو أن يكون انقطع دمعه وفنى، ولله در كثير إذ يقول:
وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريم واقفاً أتلدد
ولم أر مثل العين ضنت بمائها ... على، ولا مثلي على الدمع يحسد
(1/476)

وقال أبو تمام:
أقشيب ربعهم أراك دريساً ... تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا
ولئن حبست علىالبلى لقد اغتدى ... دمعى عليك إلى الممات حبيسا
وأرى رسومك موحشاتٍ بعدما ... قد كنت مألوف المحل أنيسا
وبلاقعاً حتى كأن قطينها ... حلفوا يميناً أخلفتك غموسا
وهذا كلام رصينٌ، وقوله " حلفوا يمينا أخلفتك " أي: كأنهم حلفوا يمينا ألا يعودوا إليك، فأخلفتك هذه اليمين.
ومن حلو معانيه وجيد ألفاظه في البكاء على الديار قوله:
دمنٌ لوت عزم الفؤاد ومزقت ... فيها دموع العين كل ممزق
وقال أيضاً:
سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضرٌ منه وبادي
نزحت به ركى العين إني ... رأيت الدمع من خير العتاد
وهذا البيت في غاية الجودة لفظه ومعناه،
(1/477)

يريد فيا حسن الرسوم ولم يمش إليها الدهر: أي لم يصبها الدهر ببعد أهلها عنها، فأخرجه هذا المخرج القبيح المستهجن.
ومن إحسان أبي عبادة المشهور في هذا قوله:
أمحلتى سلمى بكاظمة اسلما ... وتعلماً أن الهوى ما هجتما
هل ترويان من الأحبة هائماً ... أو تسعدان على الصبابة مغرما
أبكيكما دمعاً ولو أنى على ... قدر الجوى أبكى بكيتكما دما
ومن جيد شعر أبي تمام أيضا في هذا الباب قوله:
أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم
أدار البؤس حسنك التصابي ... إلى فصرت جنات النعيم
لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أًصبحت ميدان الهموم
ومما ضرم البرحاء أنى ... شكوت وما شكوت إلى رحيم
أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسوماً من بكائي في الرسوم
(1/478)

وهذا من أسهل كلامه وأسلس نظمه، ومن أبعد قولٍ من التكلف والتعسف، وأشبهه بكلام المطبوعين وأهل البلاغة، وقوله " فصرت جنات النعيم " معنىً حسنٌ، ولكن فيه إسراف أن يجعل داراً خلت من أهلها وسماها دار بؤس وهو باكٍ فيها جنات النعيم.
وقد أتى البحتري بهذا المعنى متبعاً فيه أبا تمام، ولكنه جاء به على سبيل اقتصادٍ واعتدالٍ، واجتنب إفراطه، فقال:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماً ... وغدا الدهر فيك عندي ملوما
ألف البؤس عرصتيك وقد كن ... ت بعيني جنةً ونعيماً
فقال " ألف البؤس عرصتيك " ثم قال " وقد كنت بعيني جنة ونعيما " فجعلها جنة ونعيما فيما مضى، ومع هذا فإني أقول: إن بيت أبي تمام أحسن، وهو في سائر أبياته أشعر.
وقال البحتري:
لعمرك إن الدراسات لقد غدت ... بريا سعاد وهي طيبة العرف
بكينا فمن دمع يمازجه دم ... هناك، ومن دمع نجود به صرف
وهذا حسن جداً، وإنما أخذ قوله ((بريا سعدا وهي طيبا العرف) من قول الآخر، أنشده الأخفش عن المبرد:
وأستودعت نشرها الديار؛ فما ... تزداد إلا طيبا على القدم
وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهي قوله ((فما تزداد إلا طيبا على القد)) .
(1/479)

وقال البحتري:
ترى الليل يقضى عبقةً من هزيعه ... أو الصبح يجلو غرة من صديعه
أو المنزل العافي يرد أنيسه ... بكاء على أطلاله وربوعه
إذا ارتفق المشتاق كان سهاده ... أحق بجفني عينه من هجوعه
وهذا لفظ فحلٌ، ومعان في غاية الصحة والاستقامة.
وللبحتري في وصف الديار والبكاء عليها مذهب آخر، وهو حسنٌ جداً، ومن ذلك قوله:
أبكاءً في الديار بعد الدار؟ ... وسلواً بزينب عن نوار؟
لا هناك الشغل الجيد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلت تحمى ... من صدور العشاق محو الديار
نظرةٌ ردت الهواء الشرق غرباً ... وأمالت نهج الدموع الجواري
وهذا غرض حلو، ومعنى لطيف،
(1/480)

ومثله قوله، ولكن ليس فيه ذكر البكاء:
أبيت بأعلى الحزن والرمل دونه ... مغانٍ لها ومجفوةٌ وطلولُ
وقد كنت أرجو الريح غرباً مهبها ... فقد صرت أهوى الريح وهي قبول
وذلك لأن القبول هي الصبا، ومهبها من مطلع الشمس، ونحوه قوله:
كلفتني أريحيات الصبا ... طلقاً في الحب ممتد الرسن
نقلتني في هوى بعد هوى ... وابتغت لي سكناً بعد سكن
وقوله:
ما ظننت الأهواء بعدك تمحى ... من صدور العشاق محو الديار
معنىً حسنٌ، وإنما أخذه من قول أبي تمام:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلولٌ باللوى ورسوم
وبيت البحتري أحلى وأبرع وقال البحتري في وجه آخر، وهو أيضاً حسن لطيف:
في كل يومٍ دمنةٌ من حبهم ... تقوى، وربعٌ بعدهم يتأبد
أوما كفانا أن بكينا غربا ... حتى شجتنا بالمنازل ثهمد
(1/481)

ومثله قوله:
هو الدمع موقوفاً على كل دمنةٍ ... تعرج فيها أو خليطٍ تزايله
تراد فهم خفض الزمان ولينه ... وجادهم طل الربيع ووابله
وإنما حذا البحتري هذا المعنى على حذو قول كثير:
وكنت امرأ بالغور مني صريمة ... وأخرى بنجدٍ، ما تعبد وما تبدى
فطوراً أكر الطرف نحو نهامةٍ ... وطوراً أكر الطرف كراً إلى نجد
وأبكي إذا فارقت هنداً صبابةً ... وأبكي إذا فارقت دعداً على دعد
وهذا ما لا مزيد فيه على حسنه وطلاوته، ومثله قول جرير:
أخالد قد علقتك بعد هندٍ ... فشيبني الخوالد والهنود
هوى بتهامة هوى بنجدٍ ... فقتلني التهائم والنجود
وقال جرير في نحو هذا:
إلى الله أشكو أن بالغور حاجةً ... وأخرى إذا أبصرت نجداً بداليا
ومثله قوله أيضاً:
أحب ثرى نجدٍ، وبالغور حاجةٌ ... فغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدا
(1/482)

هذا باب في وصف أطلال الديار وآثارها
قال أبو تمام:
قفوا نعطي المنازل من عيونٍ ... لها في الشوق أحساءٌ غزار
عفت آياتهن، وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار؟
أثافٍ كالخدود لطمن حزناً ... ونويٌ مثل ما انفصم السوار
قوله " أحساء " جمع حسي، وهو الماء يغيض في الرمل، فإذا وصل إلى الصلابة وقف؛ فيحفر عنه ويشرب، وقد قال في موضع آخر:
ودع حسي عينٍ يحتلب ماءه الوجد
وقوله " أثافٍ كالخدود لطمن حزناً " من قول المرار الفقعسي:
أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم
وقال البحتري:
عوضٌ منهم خسيسٌ وقد حلوا اللوى منزلٌ بوجرة عافي
لم تدع منه مبليات الليالي ... غير نؤيٍ تسفى عليه السوافي
(1/483)

وأثافٍ أتت لها حججٌ دو ... ن لظى الناء مثلٌ كالأثافي
وقوله " مثل " أي قائمة ثابتة " كالأثافي " يريد الكواكب التي عند الفرقدين وهي ثلاثة، قيل لها أثاف لشبهها بالأثافي، فشبه البحتري الأثافي بها لثبوتها وأنها مثلٌ على مر الدهر؛ قال أبو حنيفة الدينوري في كتابه في الأنواء: إن في تثليثها طولاً، ولو شبهها البحتري بالنسر الواقع - لأنه أشهر وأظهر وأقرب شبهاً - لكان ذلك أحسن وأليق وأكشف للمعنى من أن يشبهها بشيء إنما استعير له اسمها، وليس يعرفه كل أحد، ولكنه جاء به من أجل القافية، وقال البحتري:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح
عفا غير نؤي دارسٍ في فنائه ... ثلاث أثافٍ كالحمائم جنح
وهذا جيد حسن وعلى منهج الشعراء، وأظنه أخذه من قول عدي بن زيد:
وثلاث كالحمامات بها ... بين مجثاهن توشيع الحمم
قال ابن الأعرابي: لا يكون " مجثاهن " إنما هو " مجراهن ".
(1/484)

أو من قول أبي نواس:
كما اقترنت عند المبيت حمائم ... بعيدات ممسى ما لهن وكون
وهذا أجود من بيت عدي ومن بيت البحتري.
وقد شبه الأثافي بالحمائم غير واحدٍ من الشعراء، والبديع النادر في وصف الأثافي قول كثير:
أمن آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحوملٍ طللٌ يلوح قديم؟
لعب الزمان برسمه فأجده ... حونٌ عواكف في الرماد جثوم
سفع الخدود كأنهن وقد مضتحججٌ عوائد بينهن سقيم
قوله " فأجده جونٌ عواكف " يعني الأثافي؛ لأن الريح لما كشفت عنها فظهرت سوداء، شبهها بالعوائد، والجون: الأسود، والجون: الأبيض، وهو من الأسماء المتضادة، قال الأصمعي: يقال: غابت الجونة، وطلعت الغزالة، يعني مغيب الشمس وطلوعها، وهما أسمان من أسماء الشمس، وإنما سميت الشمس جونة عند الغروب لما يعرض فيها من تغير اللون إلى السواد.
(1/485)

وقال حميد بن ثورٍ:
على أن سجقاً من رمادٍ كأنه ... حصى إثمدٍ بين الصلاء سحيق
وقال أبو سعيد المخزومي:
يبكي ثلاثاً كالحمام ركدا ... تسفى بها الريح رماداً أرمدا
كأنما يطحن فيها إثمدا
وقال بشار بن برد:
ومسجد شيخٍ كنت في زمن الصبا ... أحييه أحياناً وفيه نكوب
غدا بثلاثٍ ما ينام رقيبها ... وأبقى ثلاثاً ما لهن رقيب
" غدا " يريد الشيخ " غدا بثلاث " أي بثلاث نسوة " ما ينام رقيبها " يعني الشيخ أنه ما ينام عن رقبتها " وأبقى ثلاثا " يعني الأثافي.
وأخذ أبو تمام قوله " ونؤى مثل ما انفصم السوار " من قول آخر:
نؤى كما نقص الهلال محاقه ... أو مثل ما فصم السوار المعصم
وهذا العجز ما لحسنه نهاية. وقال كثير:
عرفت لسعدى بعد عشرين حجة ... بما درس نؤيٌ في المحلة منحن
قديمٌ كوقف العاج، ثبتٌ حواؤه ... مغادر أوتادٍ برضمٍ موضن
(1/486)

قوله " منحن " مستدير. والوقف: السوار من الذبل ومن العاج. والرضم: صخور عظام. والرضم - أيضاً - هضاب صغار. والموضن: هو الذي بعضه فوق بعض. يقول: ضربت الأوتاد بحجارة الرضمة.
وما أحسن قول بشار:
ونؤي كخلخال الفتاة وصائم ... أشج على ريب الزمان رقوب
الصائم الأشج يعنى الوتد، والصائم القائم.... قال النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
فجعله رقوبا لانفراده، على الاستعارة. والمرأة الرقوب ولاشيخ الرقوب: الذي لا يعيش له ولد، والذي لا ولد له فهو ينتظره. والمستعمل في الرقبة أن يقال: رقيبٌ، وراقبٌ. وأظنه ذهب إلى توكيد الفعل، مثل قولهم " ضارب " فإذا وكدوا قالوا " ضروبٌ ". وكذلك " شاربٌ وشروبٌ، وآكلٌ وأكولٌ " أي كثير الأكل والشرب. وقال أبو تمام:
والنؤى أهمد شطره فكأنه ... تحت الحوادث حاجبٌ مقرون
وهذا أيضاً في وصف النؤى حسنٌ،
(1/487)

ولست أعرف للبحتري في مثل هذا شيئا إلا ما لا يشتبه فيه، وهو قوله:
آثار نؤيٍ بالفناء مثلمٍ ... ورمام أشعث بالعراء مشجج
وهذا على مذاهب الناء. وقال النابغة:
رمادٌ ككحل العين ما إن تبينه ... ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع
ووصل البحتري بيته بأن قال:
دمنٌ كمثل طرائق الوشى انجلت ... لمعاتهن من الرداء المنهج
يضعفن عن إذ كارنا عهد الصبا ... أو أو يهجن صبابةً لم تهتج
ولرب عيشٍ قد تبسم ضاحكا ... عن طرق زمنٍ بهن مدبج
وهذا كله على مذاهب الناس، ونحو قوله " كمثل طرائق الوشى " قول النابغة:
على الغصن الحالي كأن رسومها ... الركنين وشيٌ مرجع
" مرجع " بعضه على بعض في النساجة، وقال كثير:
مغاني ديارٍ لا تزال كأنها ... بأفنية الشطآن ريطٌ مضلع
وقال كثير أيضا:
غشى الركب ربعها فعجبنا ... من بلاه، وما المدى بقديم
(1/488)

كحواشي الرداء قد مح منه ... بعد حسنٍ عصائب التسهيم
وهذا حسن جداً. وقول البحتري " يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى " يعني لطول عهدهن ودروسهن.
وقد تصرف شعراء الجاهلية والإسلام في وصف آثار الديار أحسن تصرفٍ، وأتوا فيه بكل تشبيه مستحسن ومعنى مستغرب؛ فمنه قول طرفة:
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
الوشم: أثر الحناء. وخص ظاهر اليد لأن دروسه أسرع. وقال لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبرٌ تجد متونها أقلامها
وهذا ما زلت أسمع العلماء تعجب من حسنه ولطافة معناه، وكان الفرزدق إذا أنشده يسجد ويقول: إنا نعرف مكان السجود في الشعر كما تعرفونه في القرآن. وقال آخر، وأنشده إسحاق بن إبراهيم:
تمتع بكر الطرف في رسم منزلٍ ... تحمل عنه قاطنوه فأقفرا
ترى فيه آثاراً، وإن كان داثراً ... تذكرك الشوق القديم فتذكرا
(1/489)

قوله " فتذكرا " ليس بالجيد، ووجهه الرفع، ولكنه جاء به على إدارة التوكيد، وقد جاء مثله في أشعارهم، قال جذيمة الأبرش:
ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات
وقال الجعدي:
وأقبل على مجدي ومجدك نبتحث ... مساعينا حتى نرى كيف نفعلا
ومثله قليلٌ. وأحسن من هذا ومن كل حسنٍ قول محمد بن عبيد الأزدي:
فلم تدع الأرواح والماء والبلى ... من الدار إلا ما يشوق ويشغف
وأنشد إسحاق، ووجدته في التعليقات ليعلى الطائي:
لبسن البلى حتى كأن رسومها ... طعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب
وقال ابن وهيب في مثله يذكر منزلين:
لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد
وقال البحتري في مثل هذا:
صبٌ يخاطب مفحمات طلول ... من سائل باكٍ ومن مسئول
(1/490)

حملت معالمهن أعباء البلى ... حتى كأن نحولهن نحولي
وأنشدني غير واحد من الشيوخ:
ما غير الدار بعد بينهم ... ريحٌ عفت آيها ولا مطر
كأنما جزعةٌ يمانيةٌ ... قد نشرت في عراصها الحبر
وقال آخر، وأنشده حماد:
قد وقفنا ... بطلول وأرسم
لائحاتٌ كأنها ... برد وشى منمنم
وسألنا فألحمت ... عن جواب المكلم
وهذا كله أحلى وألطف معاني، وألوط بالنفس من كل ما قال الطائيان.
(1/491)

قد تم - بحمد الله تعالى - القسم الذي سبق نشره من كتاب " الموازنة " للعلامة الآمدي، بعد ما روجع أدق مراجعة وأكملها وأوفاها، ونحن بصدد البحث عن أصول خطية دقيقة تامة كاملة لهذا الكتاب واجتلابها من مواطنها، لننشره تاماً كاملاً؛ نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإدراك هذه البغية، ويسدد خطانا؛ إنه مولانا ونعم النصير.
(1/492)