Advertisement

النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية



الكتاب: النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية
المؤلف: عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني، أبو محمد، نجم الدين (المتوفى: 569هـ)
اعتنى تصحيحه: هرتويغ درنُبرغ
الناشر: مطبعة مَرْسَوْ بمدينة شالَوْن - باريس
عام النشر: 1897 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] النكت العصرية
في أخبار الوزراء المصرية
تأليف
القاضي الفقيه الأرشد
نجم الدين أبي محمد عمارة بن أبي الحسن الحكمي
ثم اليمني رحمه الله وفيه قصائد من شعره، ومقاطيع من نثره وقد اعتنى بتصحيحه العبد الفقير المفتقر إلى رحمة ربه هرتويغ درنبُرغ
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال عمارة بن أبي الحسن اليمنّى الحمد الله الذي فضّل الإنسان بعقله ونطقه، ووعد الصادق أن يسأله عن صدقه، وصلى الله على محمد المختار من خلقه، المخصوص بثناه الله على المعظم من خلْقه، وعلى آله وصحبه الذين جلّوا وصلّوا في مضمار سبقه، صلاةً تقضى فرض حقّهم بعد حقّه، وبد فهذا مجموع لم أقصد به شيئاً مخصوصاً، ولا فنّاً ربّ يسّر برحمتك اخبرنا الشيخ الأجل الفاضل الرحيم البارع الأمين نبيه الدين أبو الطاهر اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري الكاتب غفر الله له ورضي عنه في شّوال سنة إحدى عشرة وسمائه بمصر قال القاضي الفقيه الأرشد أبو محمد عمارة بن أبي الحسن الحكمي ثم اليمنى وسمعت ذلك منه في شهر
(1/5)

منصوصاً بل ذكرت فيه نبذاً من الأخبار مختلفة المقاصد، متباينة المراصد، ولم أورد فيه إلا ما أملأه الخاطر، أو رواه من أقيمه في الصدق مقام الناظر، وبالله التوفيق وأشرت فيه إلى النكت العصرية، أي أخبار الوزراء المصرية، ومادام الليل والنهار دائمين، والشمس والقمر دائبين، فالعجائب المتولدة صيود، والتواريخ لها قيود، وما يخلو الإنسان من بداية مهده إلى غاية لحده، من الوقوع إما في حسن أحوال، أو قبح أهوال، وإذا لم تؤرخ النوازل، عفّى النسيان آثارها، وطمس الإهمال أنوارها، وتجنبت سجع المتكلّفين وفارقت ذلّه المتخلفين، وأطلقت أعنّة الكلام، وسامحت أسنّة الأقلام، فلا في سهل الهزالة أنا حاطب، ولا في حزن الجزالة أنا خاطب، وأشرت فيه إلى ما شاهدتّه من العجائب العصرية، في أخبرا الوزراء المصرية، من غير إفراط في أوصافهم، ولا تفريط في إنصافهم، وإن تخلل ذلك شيء ليس منه لا بالغرض، والحديث كما قيل شجون، والجدُّ قد
(1/6)

يخلط بالمجون وعسى أن يقول من وقع في يده هذا المجموع خبرتنا عن غيرك فمن تكون وغلى أي عشّ ترجع من الوكون، وأنا اقتصر واختصر واذكر من مولدي ووطني ونسبي طرفا أبني عليه حالي، وآخر مآلي، فقد قيل الإنسان من حيث يولد يوجد، ومن حيث يُنبت، يُثَبت، ولم تزل العرب تعدّ من أفضل أحسابها، ذكرها لأنسابها ومن عرف الشرف لقديمه، لم ينكر صحّة أديمه، فإما جرثومة النسب فقحطان ثم الحكم ابن سعد العشيرة المذحجي وإما الوطن فمن تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكّة مهب الجنوب أحد عشر يوماً وبها المولد والمربي وأهلها وبقية العرب في تهامة لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه ولا يجيرون شهادته ولا يرضون بقتله قوداً بأحد منهم ولذلك سلمت لغتهم من الفساد وكانت رئاستهم وسياستهم تنتهي إلى المثيب بن
(1/7)

سليمان وهو جدي من جهة الوالدة وإلى زيدان بن أحمد وهو جدي لأبي وهما ابنا عم وكان زيدان يقول أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدّاً ما منهم إلا عالم مصنّف في عدّة علوم ولقد أدركت عمّى على بن زيدان وخالي محمد بن المثيب ورئاسة حكم بن سعد العشيرة تقف عليهما وتنتهي إليهما وما أعرف فيمن رأيته أحد يشبه على بن زيدان في الودد وهذه اللفظة وهي السودد يدخل تحتها كلّ ما يوصف به سادات أشرف العرب من كل فضيلة. حدثني أخي يحيى بن أبي الحسن وكان عالماً بأيام الناس وكان عهدي بهذا يحيى ومشايخنا مثل خالي محمد وأبي ونظرائهما يمشون إلى منزل هذا يحيى ولا يردون ولا يصدرون إلا عن رأيه ومشورته.
قال لي لو كان عمّك على بن زيدان في زمن نبي لكان حواريّاً له أو صدّيقاً لفرط سودده وحدّثني الفقيه محمّد بن حسين الأوقص وكان صالحاً قال والله لو كان على بن زيدان قرشيّاً ودعانا إلى
(1/8)

بيعته لمتنا تحت راية لاجتماع شروط الخلافة فيه ما عدا النسب فإن النبي عم يقول الأئمة من قريش وقلت لأخي يحيى يوماً يا هذا إنّ الناس يلهجون بتفضيل جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد على كثير من أسلافهما وأراكم تفضّلون عمّك عليّا عليهما فقال هما كما يحكى لك عنهما ولكن والله ما يعشران عليّا في خصلة من خصال أشراف العرب وذلك أن علينا لم يكن يغضب ولا يقذع في القول ولا يجبن ولا يبخل ولا يضرب مملوكاً أبداً ولا يردّ سائلاً ولا عصى الله تعالى بقول ولا فعل وهذه همّة الملوك وأخلاق الصدّيقين وحسبك أنّه حجّ أربعين حجّة وزار النبي صلى الله عليه وسلم عشر زيارات ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم خمس مرّات وأخبره بأمور لم يُخرم منها شيء وقلت لأخي يحيى يوماً من القائل في جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد.
[وافر]
إذا طرقتك أحداث الليالي ... ولم يوجد لعلّتها طبيبُ
وأعوز من يُجيرك من سطاها ... فزيدانٌ يجيرك والمثيبُ
هما ردّاً على شتيت ملكي ... ووجه الدهر من رغمٍ قطوب
وقاما عند خذلاني بنصري ... قياماً تستكين به الخطوبُ
(1/9)

فقال هو السلطان على بن حبابة الفرودي كان قومه قد أخرجوه من ملكه وافقروه من ملكه وولوا عليهم أخاه سلامة فنزل بهما فسارا معه في جموع قومهما حتى عزلا سلامة ووليّا عليا وأصلحا له قومه وكان له قومه وكان الذي وصل إليه من برّهما وأنفقاه على الجيش في نصرته وحملا إليه من خيل من إبل وما ينيف على خمسين ألفاً من الذهب قال يحيى وفي أبي وخالي يقول مدبرٌ الشاعر الحكمي من قصيدة طويلة.
[كامل]
أبواكما ردّاً على ابن حبابة ... ملكاً تبدد شمله تبديداً
كفل المثيب عن الحسام بعوده ... مذ صال زيدان به فأعيدا
وبنيتما ما شيّدا من سوددٍ ... قدما فأشبه والدٌ مولوداً
قلت ليحيى فهل لعمّك علي مثل هذه النقبة العظيمة قال أنت صبي جاهل بل والله أمثالٌ في فنون لسودد ومكارم في سبيلي الدين والدنيا لا يصبر على احتمالها أحد سواه وحدّثني أبي قال مرض عمّك علي مرضاً أشرف فيه على الموت ثم أبل منه
(1/10)

فأنشدته لرجل من بني الحارث يدعى سلم بن شافع كان قد وفد عليه يستعينه في ديّة قتيل لزمته فلمّا شغلنا بمرض صاحبنا ارتحل الحارثي إلى قومه وأرسل إلي بقصيدة منها [وافر]
إذا أودى ابن زيدانٍ عليٌّ ... فلا طلعتْ نجومُك يا سماءٌ
ولا اشتمل النساءُ على حَنين ... ولا روّى الثّرى للسحب ماءٌ
على الدنيا وساكنِها جميعاً ... إذ أودي أبو الحسن العفاءُ
قال: فبكى عمّك وأمرني بإحضار الحارثي ودفع له ألف دينار وساق عنه الديّة بعد ستّة أشهر وكان إذا رآه أكرمه ورفع مجلسه وأخبرني خالي محمّد بن المثيب وكان في أخوالي بنى الخطّاب مثل والدي في بني زيدان بن أحمد قال أجدب الناس في بعض السنوات وهلكت المواشي وانقطعت الخضر من نبات الأرض فلا تعلم ومرّت علينا فرقاناتٌ سيّارةٌ وكان بعضها لعلي بن زيدان فأخذ منها مائتي ناقةٍ لبونٍ أربع مائة بقرةٍ ففرّقهما على المقلّين من الناس على جهة المنحة
(1/11)

دون التمليك والمنحة عند العرب عاريّة الحيوان اللبون والإباحة لدرّها دون ملكها فلمّا أخصب الناس واستغنوا شرعوا في ردّها إليه فوهب لكل إنسان ما كان منها في يده وأذكر وأنا طفل عمري ثماني سنين أن معلّمي واسمه عطيّة بن محمد بن محمد حرام بعثني إلى عمي علي ومعي لوح في إصرافه وتسمّى عندنا في اليمن الرّفعة وقال امض إلى الشيخ بهذا اللوح فلعله يدفع لنا بقرة لبونا فلمّا وصلت إليه ضمّني وأجلسني في حجره وتصفّح اللوح وكان فيه سورة ص ثم قال كم ندفع للأديب يا أبا حمزة قلت بقرة لبوناً فضحك ثم أمر له بمائة بقرة لبون معها أولادها ووهب له غلّة أرض زراعة سمسم حصل له منها ما ينيف على ألفي أردب من السمسم خاصة. وأما سعة أمواله فلم تكن تدخل تحت حصر بل كان الفارس يمشي من صلاة الصبح إلى آخر الساعة الثانية في فرقانات من الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم كلّها له وكان يسكن في مدينة منفردة من
(1/12)

البلد الكبير وأمر الناس مردود إلى والدي وخالي فأدركت الناس يقفون قياماً بين أيديهما فإذا حضر عمّي علي كانا من جملة من يقف بين يديه وينطمس أمرهما بحضوره فلا يذكران ولا غيرهما حتى ركب مشياً بين يديه وفي ركابه حتى يأمرهما بالركوب وكانت له حلّة كبيرة تسمّى حلة الصدقة يعزل فيها زكاة المواشي وقرية أخرى يخزن فيها غلال الزكاة الواجبة عليه وتسمّى قرية الزكاة وسمعت أبي وغيره يقول ما كان الفريك ينقطع عن علي بن زيدان في كل شهر طول السنة بل في كل شهر زرع وحصاد وذلك لكثرة ما يزرعه من بلاده وأما حماسته وشدّة بأسه فيضرب بها المثل وهي شيء يزيد على ما اعتاده الناس بنوع من التأييد وذلك أنه لم يكن أحد يقدر أن يجرّ قوسه وكان إذا رمى السهم أقسم أن سهمه لا يخطئ إلا أن ينكسر فوقه أو القوس أو ينقطع الوتر وكان سهمه ينفذ من الدرقة ومن الإنسان الذي تحتها ولم يكن الزّرد المدفون
(1/13)

بالخفاتين يحرز من سهمه ولا يمسكه وحجّ في بعض السنوات فاجتاز بعرب من جرش فحلفوا عليه وأضافوا فلما عاد من مكة وافق وصوله إليهم غارةً من عرب آخرين عليهم اجاحوهم وسبوا النساء وساقوا المواشي بعد أن قتلوا الرجال وكان لا يحجّ إلا وسلاحه كله محمول على بعير آخر وربّما حجّ من خيله بأفراس يجنبها إذ ليس بيننا وبين مكة غير تسعة أيام فنظر إلى ثنيّه بين جبلين لا طريق لهم غيرها وكانوا زهاء مائة فارس ومائتي من الرجالة وقاتلهم فنصره الله عليهم وخذلهم وأوسع الجرحى والقتلى فيهم فانهزموا واسترد المال والنساء فقالت له امرأة من جرش. [طويل]
أبا حسن اعتقت بالسيف نسوةً ... تجرُّ بأيدي العائثين شعورها
وانقذت سعدى من يد ابن مقرّبٍ ... وما في البدور التمّ إلا نظيرهما
أتخت لها يوم الثنية ناصراً ... وليس لها من قومها من يجيرها
(1/14)

وحين عاد إلى الثاية أمر بدفن القتلى وتعلّق النساء به فارتحل بهنّ وبالمواشي حتّى قدم بهن إلى بلده فزوّجهن لقومه وكانت فيهن خمسة عشر امرأة من العقائل المعدومات ومنهن المياسة ابنة ثابت بن عرفجة وهو رئيس قومها وأدركتها ولا يحسن الوصف أن يأتي على محاسنها وتزوجها رجل من قومها دميم الخلقة وكان الناس يعجبون من جمالها ودمامته وحسنها وقبحه فاذكر ليلة أنّهما تخاصما إلى والدي فقال زوجها إني فد عجزت عن الاحتمال والصبر على ما اسمعه من كثرة الإعجاب وقولها لست من رجالي ولا أنا من نسائك فإن أجرتني منها أجبتها قال له الشيخ لست لأجير عليها إلا بأمرها قالت أجره ليقل ما أراد قال زوجها فإني خير منك لأني أبول فيك قال الشيخ فلا والله ما انقطعت ولا خجلت بل قالت له على الفور من غير رويّة إنك لم تأت بشيء ولا أفلحت وإنما افتخرت بأستين يلتقيان وأستك أوّل منهزم منهما فضحك الناس من
(1/15)

فصاحتها وحسن جوابها الذي ردّ الفضيلة رذيلة، والغنيمة هزيمة وهذه المادة من حسن العبارة وفضيلة البلاغة شيء خصّ الله به أمة العرب دون سائر الأمم وكان الناس في أشهر القيظ يسرحون أموالهم قبل الفجر إلى واد معشب مخصب مسبع بعيد من البلد يقال له وفيه من عبيد الحكميين طوائف متغلبة نحو من ثلاثة ألف راجل قد حموا ذلك الوادي وما جاوره بالسيف ومن ظفروا به من مواليهم نهبوه وقتلوه وهم معتصمون في شعفات الجبال وصياصيها لا يقدرون عليهم وكان العدد الذي يحرس المال ويسرّح معه في كل يوم خمس مائة قوس ومائة فارس تحرسه من العبيد المتغلبة فشكا الناس إلى علي بن زيدان أنّ فيهم من قد طالت شعره وانقطع حذاؤه ووتره وسألوه أن ينظر لهم في من ينوب عنهم يوماً واحداً ليصلحوا أحوالهم فنادى مناديه بالليل من أراد أن يقعد فليقعد فقد كفى
(1/16)

ثم أمر الرعاء فسرّحوا على عاداتهم وركب وحده فرساً له نجديّاً من كرام الخيل سبقاً وأدباً وجنّب حجراً له تسمى الحرية لا تخجل الريح إذا سبقتها، ولا البروق إن لحقتها فما هو إلا أن وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خرج عليه العبيد المتغلبون فاستاقوها وقتلوا من الراء تسعة رجال وركب الرجل فأدرك العبيد وهم سبع مائة راجل أبطالٌ فقال لهم ردّوا المال وإلا فإنا علي بن زيدان فتسرّعوا إليه فكان لا يضيع سهماً إلا بقتيل منهم حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيد فإذا ولّوا كرذ عليهم فنال منهم ما يريد ولم يزل دأبه دأبهم حتّى قتل منهم خمسة وتسعين رجلاً فطلب الباقون أمانة ففعل وأمرهم أن يدير بعضهم كتاف بعض ففعلوا وأخذ جميع أسلحة الأحياء والقتلاء فحملها بعمائمهم على ظهور الإبل وعاد والعبيد بين يديه أساري وقد كان بعض الرعاء هرب في أول النهار فنعاه إلى الناس وأنّه قتل فخرج الناس أرسالاً حتى لقوه عند صلاة العصر.
(1/17)

خارجاً من الوادي والمواشي سالمة والعبيد أسارى قال لي أبي أذكر أنّا لم نصل تلك الليلة صحبة عمذك إلى المدينة حتى كسرت العرب على باب دارى ألف سيف حين قيل لهم أن عليّا قتل وامتد الخبر إلى نبي الحارث وكانوا خلفاً فأصبح في منازلهم سبعون فرساً معقورة وثلاثمائة قوس مكسورة والعرب تفعل ذلك إذا قتلت أشرافها وولاة أمرها ثم اصطنع العبيد واعتقهم وردّ عليهم أسلحتهم وثيابهم وتكلّفوا له أمن البلاد من عشائرهم ولم يكن منهم بعد ذلك مكروه إلى أحد من بلاده وكان السفهاء والشباب منّا ومن أخوالي لا يزالون يجني بعضهم على بعض جنايات تنتقل من الصغائر إلى الكبائر وربّما كثر فيها الجرحى ثم القتلى وبين منازلهم ومنازلهم ميدان واسع يلتقى الناس فيه فأي الفريقين غلب ملك الميدان فأذكر عشيّة أن القوم هزمونا حتى أدخلونا البيوت وهم في تلك الحال حتى قيل لهم هذا علي قد اقبل فنهزموا حتى مات منهم تحت أرجل الناس ثلاثة رجال ولمّا جاز علي ذلك النيدان نزل عن فرسه فجلس فيه ثم أرسل إلى خالي محمّد فخرج إليه
(1/18)

فأصلح بين الناس ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ثارت الفتنة بينهم وكان لخالي محمّد تسع بنات وله ابن واحد اسمه العاطف وكان الناس يضربون به المثل في السودد والكرم ولشجاعة حتّى بلغ من حبّ عمّي علي بن زيدان في العاطف أنه جهّز ابنة له يقال لها زينب بمال كثير جزيل ثم دعا العاطف إلى مجلس الدخول فعقد به عليها وأدخله إليها من ساعته ولم يكلفه درهماً واحداً ولا كان عنده من ذلك علم ولا أعلم أباه بذلك ولا أبي حتى كان من قتال هؤلاء وقعة أخرى أجلت للسفهاء عن العاطف قتيلاً بين أبياتنا فحمل إلى منزل والدي وكان والده محمّد بن المثيب غائباً فقدم في تلك الليلة وفي كل دار من منازلنا ومنازل أخوالي متاحة على ابنه العاطف فجّر بين الناس ذمّة وأماناً تلك الليلة ودفن العاطف في مقبرنا فلمّا أصبح الناس نادى مناديه إني قد أهدرت دم ابني فلا يحمان
(1/19)

أحد سلاحاً وانصرف الناس من جنازته والذي كان تولى قتله هو ابن عمّي يسمى حمزة بن حسين وكان بطلاً من الأبطال لا يصطلى بناره وكان عمّي علي يقول إذا غبت عن حرب يحضرها حمزة فلم أغب ولما كان بعد ثلاثة أيام ظفر عمّي علي بهذا حمزة فأدار كتافه ومشى به إلى قبر العاطف فضرب رقبته ثم تمثّل وهو يبكي عليه بقول الشاعر.
[كامل]
أبكيك ملء مدامعي متحرّقاً ... وأقول لا شلّت يمين القاتل
فلم يقاتل أحد أحداً منهم بعد ذلك ومات علي بن زيدان سنة ست وعشرين وخمسمائة وتبعه خالي محمد سنة ثمان وكان أبي يتمثّل بعدهما بقول الشاعر.
[كامل]
ومن الشقاء تفرّدي بالسود
وتماسكت احوال الناس بوالدي إلى سنة تسع وعشرين وفيها أدركت الحلم ثم أراد الله إنفاذ قدره فيهم فمنعنا الغيث سنة
(1/20)

كاملة وبعض أخرى حتى هلك الحرث والنسل ومات الناس في بيوتهم فلم يجدوا من يدفنهم وعمّت قطيفة البلوى فخرجت عنذا سنة ثلاثين وخمسمائة ونحن من أشبه الناس حالاً وفينا بعض التماسك بسبب مال كانت والدتي ورثته عن أبيها المثيب بن سليمان واستغنت عنه حتى احتاجت إليه في وقت الشدّة.
وفي سنة إحدى وثلاثين دفعت لي والدتي مصوّغاً لها لألف دينار ودفع لي أبي أربع مائة دينار وسبعين وقالا لي تمضي مع الوزير مسلم بن سخت إلى زبيد وتنفق هذا المال عليك ولا ترجع إلينا حتى تفلح فقد احتسباك عند الله وصبرنا عنك وكان بينا وبين زبيد في مهبّ الجنوب تسعة أيام فانزلي الوزير في داره مع أولاده ولازمت الطلب فأقمت أربع سنين لا أخرج من المدرسة إلا لصلاة يوم الجمعة ثم زرت الوالدين في
(1/21)

السنة الخامسة ورددت ذلك المصوغ إلى الوالدة ولم احتج إليه هذه إشارة إلى ما كنت ذكرته من التعريف بحالي وطناً ونسباً على جهة الاختصار وتخفيفاً عن كل سمع فقير من النسب والحسب ممن لعلّه أن يغتاظ من نبذة يسيرة أوردتها وأنا في إيرادها كما روى عن بعض ولاة خرسان حين خطب الناس فقال إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أشهر فقيل له هذا إنما قال في ستة أيام فقال أمرأته طالق لقد قلت ستة أشهر وأنا مستحي منكم أن تكذبوني، ودخل بعض الهاشميين من ولد العباس على أبي جعفر المنصور فأكثر الهاشمي ذكر والده والترح ذم عليه فزبره الربيع وقال لا يترح
ذم على أحد بحضرة أمير المؤمنين فقال الهاشمي للربيع أنت معذور لأنك لم تذق لذّة الآباء ولم تعرف لهم شرفاً وإنما أنت لقيط ثم نهض.
فصل في ذكر الطاف الله عزّ وجلّ وحسن ما صنعه لي في تقلّبات الأيام وتغاير الأحوال بي فمن أول ما صنعه الله
(1/22)

تعالى ذكره معي وله الحمد على نعمة التي لا تحصي ولا تعد وألطافه التي لا تحدّ أنّي تفقّهت وقال الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وقال عم من يرد الله به خيرا يفقه في الدين وأقمت في زبيد ثلاث سنين وجماعة من الطلبة يقرؤون عندي مذهب الشافعي والفرائض في المواريث ولي في الفرائض مصنّف يقرأ في اليمن ولما كان في سنة تسع وثلاثين زارني والدي وخمسة من أخوتي إلى زبيد وأنشدته شيئاً من شعري فاستحسنه ثم قال تعلّم والله أنّ الأدب نعمة من نعم الله عليك فلا تكفرها بذم الناس واستحلفني أن لا أهجوا مسلماً قط ببيت شعر فأقسم الصالح على أن أجيبه ففعلت متأولاً
(1/23)

لقول الله عز وجل ولمن بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يكن شيئاً غير هذا.
فصل ومن الطاف الله التي يجب شكرها، ويحسن ذكرها أنني حججت مع الملكة الحرّة أم فاتك ملك زبيد وكانت تقوم لأمير الحركين بجميع ما يتناوله من حاجّ اليمن برّاً وبحراً وبجميع خفرات الطريق والأدلاء ومقدِّمي العربان والأشراف ومبلغ ذلك جملة كبيرة فربما حجّ معها أهل اليمن في أربعة ألف بعير أو خمسة ويسافر الرجل منهم بجريمة وأولاده والمواشي التي
(1/24)

يذبحون منها ويحلبون درذها ومعهم المطابخ والاسرة وجميع ما يحتاجونه وكأنهم خارجون في نزهة فاذكر ليلة وقد سئمت ركوب المحمل أنّي ركبت جملاً نجيباً وحين تهوّر الليل أنست عن يميني حسّاً فعدلت إليه فوجدت هودجاً مفرداً والبعير يرتعي فناديت مراراً كثيرة يا أهل الجمل يا جمّال فلم يكلّمني أحد فدنوت فإذا امرأتان نائمتان في الهودج وأرجلهما خارجة عنه ولكل واحدة منها زوج خلخال من الذهب فسلبت الزوجين من أرجلها وهما لا يعقلان فأخذت بخطام الجمل حتى أبركته في المحجّة العظمى وعقلته وبعدت عنه بحيث أشاهد حتّى قد مرت قافلة من آخر الناس فانشطوا عقال البعير وساقوه معهم فلما أصبح الناس وإذا صائح ينشد الضالّة ويبذل لمن ردّها مائة مثقال وإذا هما أمرأتان لبعض أكابر أهل زبيد نام الجمّال عنهما فعدل البعير عن الطريق وكانت عادة الحرّة أن تمشي في ساقة الناس ولا يمشي بعدها أحد فمن نام أيقظته ومن انقطع حملته وكانت لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين وحين تنصّف الليلة الثانية تأخرت حتى مرّ بي محملها فتبادر الغلمان إلي قالوا ألك
(1/25)

حاجة قلت الحديث مع الحرّة في خلوة ففعلوا ذلك وأخرجت رأسها إلى من سجف الهودج فناولتها الوجين الخلاخل وبلغني أن وزنها ألف مثقال فقالت ما اسمك ومن تكون فقد وجب حقّك فاعلمتها بذلك وبصورة الحال التي وجدت الأمرأتين عليهما ويا سبحان الله فما كان أبركها من ساعة لأني حصل لي منها جانب قوي وصورة جميلة وشفاعة مقبولة، ووجاهة مبذولة وتقدّم على الأكابر من الفقهاء وأعيان الخواص وتسهيل الوصول إليها أي وقت شئت والاستظهار بي على التوسيط فيما بين الناس ومن صحبتي لها ومعرفتي بها حصل لي معرفة الوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي وهو القائم بدواتها ودولة فاتك صاحب زبيد وبمعرفتها كسبت مالاً جزيل وذلك أن الشيخ السعيد بلال بن جرير الداعي بعدن غزا أسطوله سواحل زبيد فقتل ونهب وأحرق فانقطع الناس عن السفر من زبيد إلى عدن ومن عدن إلى زبيد مدّة ثلاث سنين فقضى ذلك برخص بضائع كل بلد منهما وغلائها في البلد
(1/26)

الأخرى حتّى صار ما يسوى دينار بربع دينار وما يسوى ديناراً في البلد الأخرى بأربعة دنانير فأذنت لي الحرة هي والقائد سرور في السفر إلى عدن دون الأسود والأحمر ودفع لي كل واحد منهما ألوف من المال وتذكرة بما يشتري من عدن فقال اشترِ بهذا المال من البضائع الرخيصة بزبيد وما حصل فيه في عدن من فائدة فهي لك واتبع لنا برأس المال من عدن ما في التذكرة فحصل لي من المال ما لا مزيد عله وحصلت لي صحبة أهل عدن ووصلت من مودتهم إلى غاية من الاختصاص والمساهمة فإما الصلات الغامرة، والخلع الفاخره، والهدايا الجزيلة والتحف المذخورة فشيء يكثر وصفه وامتد هذا الشوط من سنة ثماني وثلاثين إلى سنة ثماني وأربعين ما من أهل دولتي زبيد إلا من يغار على نصيبه من مجالستي ومؤانستي ويطلقون ما وصل من البضائع باسمي من الهند ومن
(1/27)

عدن ومن زبيد ومن مكة ومن عيذاب برّاً وبحراً فقضى ذلك باتساع الحال وذهاب الصيت حتى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائلي وهو رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسهيده لأنك أصبحت تعد من جملة أكابر التجّار وأهل الثروة ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا ودرسوا غيرهم ومن أفضل أهل الأدب منزلة وأفصحهم عارضة فإما الوجاهة عند أهل الدول المتباعدة ونعمة خدّك بالطيب واللباس وكثرة السراري فوالله ما أعرف من يعشرك فيه فهنيئاً لك فكأن والله بهذا القول نعي إلي حالي وذهاب مالي وذلك أن كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن جاني من ذي جبلة يستدعي وصولي إليه فاستأذنت أهل زبيد فأذنوا لي على غش ودخلٍ من فساد الباطن وكانت للداعي بيدي خمسة آلاف مثقال سيرها معي أبتاع له بها أمتعة من مكة وزبيد فلمّا قدمت إلى ذي جبلة وجدته خارجاً عنها
(1/28)

في حصن ومستنزه يقال له الضربجان وقد دخل فيه
عروساً على ابنة السلطان عبد الله بن أسعد بن وائل مذ ثلاثة أيام ولم يصل إليه أحد وكانت جماعة التجار واعيان من أماثل الناس مثل بركات بن المقرى وحسن بن الحمار ومرجّي الحراني وأبي الحسن علي بن محمد النيلي والفقيه أبي الحسن علي بن المهدي القائم الذي قام باليمن أزال دولة أهل زبيد وغيرهم وكان الجميع قد سبقوني بمدة ولم يوصلهم الداعي إليه فلمّا وصلت إلى ذي جبلة كنيت إليه قول المتنبي.
[كامل]
كن حيث شئت تصل إليك ركابُنا ... فالأرض واحدة وأنت الأوحدُ
ثم تبعت ذلك برقعة مضمونها طلب الأذن في الاجتماع به فكتب بخطه على ظهر رقعتي ما مثاله.
[خفيف]
مرحباً مرحباً قدومك بالسع ... د فقد أشرقت بك الآفاقُ
لو فرشنا الأحداق تطأهن ... ن لقلت في حقك الأحداق
(1/29)

وكان هذان البيتان مما حفظه عن جارية مغنيّة كنت أهديتها إليه واتفق أن الرقعة وصلت مفتوحة بيد غلام جاهل فلم تقع في يدي حتى وقفت الجماعة وركبت إليه فأقمت عنده في المستنزه أربعة أيام بلياليها فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زبيد بما يوجب سفك دمي ولا علم لي حسداً منهم وبغياً مما تمّموا به المكيدة علي ونبوه إلى أن علي بن مهدي صاحب الدولة اليوم باليمن التمس من الداعي محمد بن سبأ أن ينصره على أهل زبيد فسألني الداعي أن أعتذر عنه إلى علي بن مهدي لما كان بيني وبين ابن مهدي من أكيد الصحبة والاختصاص في مبادئ أمره لأني لم أفارقه إلا بعد أن استفحل أمره وكشف القناع في عداوة أهل زبيد فتركته خوفاً على مالي وأولادي لأني مقيم بينهم وحين رجعت إلى زبيد من تلك السفرة وجدت أولئك القوم قد كتبوا إلى أهل زبيد في أمري كتباً مضمونها إن فلاناً كان الواسطة بين الداعي وبين ابن مهدي وقد انعقد الأمر بينهما بوساطته على
(1/30)

حربكم وزوال دولتكم فاقتلوه فحدّثني الشيخ جيّاش بن اسماعيل قال أجمع رأي أهل زبيد على قتلك في بكرة يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الآخر سنة ثماني وأربعين فلما كان آخر الليل جاءهم خبر محمد بن أبي الأغر ونفاقه وخروج الراجل معه وزحفه إلى تهامة فأزعجهم ذلك واشتغلوا عني مدة سبعة عشر يوماً وحين عادوا إلى زبيد ذكرهم بي رجل كنت أحسنت إليه وإنما حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها بي القائد اسماعيل بم محمد جليس الملك فاتك فقال سلام عليكم وهو راكب مجتاز لم يقف ثم قرأ قوله تعالى يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فلم ينتصف الليل حتى خرج الملك فاتك وعساكره إلى وادي حيس في نصرة القائد علي بن مسعود على البارزة والنوبة فمكثوا شهراً وعادوا فحملت إلى رجل منهم يقال له العريف كثيرٍ ملاً مثل اسمه كثيراً حتى أجارني ريث ما خرجت حاجّا بل هاجّا إلى مكة سنة تسع وأربعين وخمس مائة وفي موسم هذه السنة مات أمير
(1/31)

الحرمين هاشم بن فلتيه وولي الحرمين ولده قاسم بن هاشم فالزمني السفارة عنه والرسالة منه إلى الدولة المصرية فقدمتها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمس مائة والخليفة بها يومئذ الإمام الفائز بن الظافر والوزير له الملك الصالح طلائع ابن رزيك فلما أحضر للسلام عليهما في قاعة الذهب في قصر الخليفة أنشدتهما قصيدة أولها.
[بسيط]
الحمد للعيس بعد العزم والهممِ ... حمدا يقوم بما أولتْ من النّعمِ
لا أجحدُ الحقَّ عندي للركاب يدٌ ... تمنّتِ اللخمُ فيها رتبةَ الخطمِ
قربنَ بُعدَ مزار العزّ من نظريّ ... حتى رأيتُ إمامَ العصر من أممِ
ورحنَ من كعبةِ البطحاء والحرمِ ... وفدا إلى كعبة المعوف والكرمِ
فهل درى البيتُ أني بعد فرقته ... ما سرتُ من حرمٍ إلا إلى حرمِ
حيث الخلافةُ مضروب سرادقُها ... بين النقيضينِ من عفوِ ومن نقمِ
(1/32)

وللإمامة أنوار مقدّسة ... تجلو البغيضينِ من ظلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوة آيات تنصُّ لنا ... على الخفيينِ من حُكمِ ومن حِكمِ
وللمكارم أعلام تعلّمُنا ... مدح الجزيلينِ من بأس ومن كرمِ
وللعلى ألسنُ تثني محامدها ... على الحميدين من فعلٍ ومن شيمٍ
ورايةُ الشرف البذاخ ترفعها ... يد الرفيعينِ من مجدٍ ومن هِممِ
أقسمت بالفائز المعصوم معتقا ... فوزَ النجاة وأجرَ البرّ في القسمِ
لقد حمى الدينَ والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفرّاجُ للغمم
اللابس الفجر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصنعين السيف والقلمِ
وجوده أوجد الأيام ما اقترحتْ ... وجوده أعدم الثاكينَ للعدمِ
قد ملكتْه العوالي رقّ مملكةٍ ... تعير أنف الثريذا عزةَ الشّممِ
أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنها من جملة الحلمِ
يوم من العمر لم يخطر على أملي ... ولا ترقّت إليه رغبةُ الهممِ
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي
(1/33)

ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌ ... عند الخلافة نصحا غير متّهمِ
عواطف علمتنا أن بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرّحمِ
خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والأممِ
زيادة النيل نقصٌ عند فيضها ... فما عسى يتعاطى منه الديمِ
وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مراراً والأستاذون وأعيان الأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب ثم أفيضت على خلع من ثياب الخلافة مذهّبة ودفع لي الصالح خمس مائة دينار وإذا بعض الأستاذين قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمس مائة دينار أخرى وحمل المال معي إلى منزلي وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطاق لأحد من قبلي وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم واستحضرني الصالح للمجالسة ونظمني في سلك أهل المؤانسة وأنثالت على صلاته وغمرني برّه ووجدتُ بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعاني ابن الحباب والموفق ابن
(1/34)

الخلال صاحب ديوان الإنشاء وأبا الفتح محمود بن قادوس والمهذّب أبا محمد الحسن بن الزبير وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانيّة، والرئاسة الإنسانية، بأوفر نصيب، ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب، وما زلت أحذو على طرائقتهم، وأعرض جذعى في سوابقهم، حتى أثبتوني في جرائدهم ونظموني في سلك فرائدهم، هؤلاء جلساؤهم من أهل الأقلام وأما أهل السيوف والأعلام فمنهم مجد الإسلام ولده وصهره سيف الدين حسين وإخزان فارس المسلمين بدر بن رزيك وعز الدين حسام قريبه وهؤلاء هم أهله فإما غيرهم من أمراء دولته المختصين بمجالسته في أكثر أوقاته فمنهم ضرغام ونال الوزارة ومنهم على بن الزّبد ويحيى بن الخياط ورضوان بن جلب راغب وعلي هوشات ومحمد بن شمس الخلافة وعهدي بالصالح وقد أنشدته يوماً وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة أقول منها [طويل]
دعوا كلّ برق شمتمُ غير بارق ... يلوح على الفسطاط صادقَ بشرهِ
(1/35)

وزوروا المقام الصالحي فكلُّ من ... على الأرض ينسى ذكرهُ عند ذكرهِ
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغني ... فتجنّوا على مجد المقام وفخرهِ
ولكن سلوا منه العلى تظفروا بها ... فكل أمرئ يرجى على قدر قدرهِ
رمى الخريطة إلي فوجدت مائة دينار وخمسين رباعياً ومدحته في شعبان سنة خمسين وخمس مائة بقصيدة منها.
[كامل]
قصدتك من أرض الحطيم قصائدي ... حادي سراها سنّةٌ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيت فإنني ... لا مخفقٌ أملي ولا كذابُ
لم أنتجع ثمد النطاف ولم أقفْ ... بمذانب وقفت بها الأذنابُ
لكن وردتُّ قرارة العزّ التي ... تغدو عبيداً عندها الأربابُ
عثرت به قدمُ الشتاء ولا لعا ... إن لم يقلها رفعة وثوابُ
(1/36)

فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين ديناراً وودّعت الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
[كامل]
قصدتك من أرض الحطيم قصائدي ... حادي سراها سنّةُ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيتُ فإنني ... لا مخفقٌ أملي ولا كذّابُ
لم أنتجع ثمن النطاف ولم أقفْ ... بمذانبٍ وقفتْ بها الأذنابُ
لكن وردت قرارة العزّ التي ... تغدو عبيداً عندها الأربابُ
عثرتْ به قدمُ الثناء ولا لعا ... إن لم يقلها رفعة وثوابُ
فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين ديناراً وودعتُ الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
[كامل]
من لي بأن تردَ الحجازَ وغيرها ... أخبار طيبِ مواردي ومصادري
زارت بي الآمالُ أكرمَ ساحةٍ ... فوق الثّرى فغدوتُ أكرم زائرِ
ووفدتُ ألتمس الكرامة والغنى ... فرجعت من كلٍ بحظٍ وافرٍ
فكأنّ مكة قال صادقُ فألها ... سافرْ تعدْ نحوي بوجهٍ سافرٍ
فأوسعني إكراماً توقيراً وإنعاماً توفيراً وعهدي بسيف الدين حسين وهو بقول للتوزرىّ وكان يتولى الرسالة عن الخليفة إلى الوزير ثلاثمائة دينار تسفير له من الخليفة قليل فاستحملوا من الرجلُ فما جاءكم مثله وزيدوه مائتي دينار تكون الوفادة خمس مائة دينار والتسفير خمس مائة ففعلت السيدة الشريفة ست القصور ذلك ومما ودّعت به الصالح في دار الوزارة قصيدة منها.
(1/37)

[كامل]
قد قلت للآمال وهي مسيرةٌ ... عزّا يخاف مذلة المسترزقِ
ومنها:
وتيقّني أن قد وقفتِ بموقفٍ ... أدنى مواهبه العُلى وتحقّقي
أعزيزَ مصرٍ دعوةً من واثقٍ ... نفّستَ عنه خناقَ حظ موثَقِ
اعتقه من رقّ الزمان وخلّه ... وقف الثناءَ على ولاءِ المُعتقِ
واسمع محاسن لفظه لا حفظه ... كالدرّ بل أنقى من الدرّ النقي
من كل ناطقةِ المحاسن حرةٍ ... أجرت عليها الرقَ حرُّ المنطقِ
راحت شرود الذكر ينشر طيّها ... كرماً يقيد بالثناء المطلقِ
ماشانَ عقد نطاقها ضيقٌ ولا ... أزرتْ عليها عقدةٌ من منطقِِ
(1/39)

إن أحسنت فلاجل إحسان سرت ... آمالها في ضوءه المتألّقِ
لولا ندى ماء السماحة ماغدا ... ماء الفصاحة مهرقاً في مهرقِ
فكتب لي على يدي كتاباً فلمّا عله صاحبُ عدن اسقط عنّي الآلاف الثلاثة وأبرأني منها فكتبتُ إلى الملك الصالح من عدن إلى مصر أشكره على ذلك قصيدة أولها.
[طويل]
لياليّ بالفسطاط من شاطئي مصرِ ... سقى عهدك الماضي عهاداً من القطرِ
منها في شكر الصالح ومدحه
لقد غمرتني من نداه مواهبٌ ... أضافت إلى عزّ الغنى شرفَ القدرِ
قصدتُ الجناب الصالحي تفاؤلاً ... وقد فسدت حالي فأصلحني دهري
(1/40)

ولم يرض لي معروفه دون جاهه ... فسيّر كتباً كالكتائب في أمري
كأن يدي في جانبي عدنِ بها ... تهزّ على الأيام ألوية النصرِ
وما فارقتني نعمةٌ صالحيّة ... كأني من مصرٍ رحلتُ إلى مصرِ
فلما وصلت إليه هذه القصيدة قال قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا وقد كان الواجب للخدمة والصحبة وأعود إلى تأريخ انفصالي عنه سنة خمسين ثم سافرت من مصر في شوّال سنة خمسين وأدركت الحجّ والزيارة في بقيّة سنة خمسين وورد أمر الخليفة ببغداد وهو المقتفي إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم يأمره أن يركب على باب الكعبة المكرّمة الشريفة باب ساج جديد قد ألبس جميع خشبه فضّةً وطلي بذهب وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم لنفسه وأن يسير إليه خشب الباب القديم مجردّاً ليجعله تابوتاً يدفن فيه عند موته فلمّا قدمت من الزيارة سألني أمير الحرمين أن أبيع له الفضّة التي أخذها من على الباب في اليمن ومبلغ وزنها خمسة عشر ألف درهم فتوجهت إلى زبيد وعدن من مكّة حرسها الله تعالى في صفر سنة إحدى وخمسين وحججتُ في الموسم منها فدفعت لأمير الحرمين ماله وهممت بالرجوع إلى اليمن فالزمني
(1/41)

أمير الحرمين بالترسل عنه إلى الملك الصالح بسبب جناية جناها خدمه علي حاج مصر والشأم وهو مال أخذ منهم بمكة فخرج الأمر من عند الصالح إلى الوالي بقّوص أن يعوقني بقوص ولا يأذن لي في الرجوع ولا في القدوم إلى باب السلطان حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار وقيل ذلك ما نقل إلى الصالح عني أني طعنت في مذهب الإمامية وكان المتشدد في ذلك صهره الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجان ثم أذن لي الصالح في القدوم إلى الباب فكتبت إليه من مصر.
[طويل] .

ولي تحت دار الملك يومان لم تلح ... لعيني علامات الكرامة والبشرِ
وقد أخذت أيام قوصَ نصيبها ... فهل نقلتْ تلك السجايا إلى مصرِ
فخرج أمره بإنزالي وإكرامي وأيصالي إليه فأنشدتّه عند السلام عليه قصيدة أصف فيها وقعة العريش مع الإفرنج وأشرت فيها إلى البراءة مما نسب إلى من القول في مذهبه منها.
[كامل]
(1/42)

فأعلمْ وأنت بما أريدُ مقاله ... منّى ومن كل البرية أعلمُ
إني حُسدت على كرامتك التي ... من أجلها في كل ارض أكرمُ
وبدون ما أسديته من نعمة ... سدَّىً الرجالُ الحاسدون وألحموا
إن كان ما قالوا وليس بكائن ... فأنا امرؤ ممن سعى بي آلامُ
عذرٌ كما اختار الحسود وموقفٌ ... ألزمتُ نفسي فيه ما لا يلزمُ
كذبٌ وحقك لو حلمتُ بذكره ... أقسمتُ أني بعده لا أحلمُ
راجعْ جميلَ الرأي في بنظرة ... تُضحى عواطفها تسحُّ وتسجمُ
فالليلُ إن أقبلتَ صبحٌ مسفرٌ ... والصجُ إن أعرضتَ ليلٌ مظلمُ
بدأتْ صنائعُك الجميلُ ومثلُها ... بأجلَّ من تلك البداية تختمُ
فزال ما كان عنده وعاد إلى أفضل عوائده وأمر لي بمائة دينار وخرج أمره إلى الأمير عز الدين حسام باستخراج ما تأخر لي من رسوم الضيافة من بيت المال ففعل وأمني بملازمة الخدمة في المجالسة والمواكلة والمدح له وتأكدت الحرمة وتضاعفت المزية والاختصاص وكانت تجرى بحضرته مسائل ومذاكرات
(1/43)

ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك أنطق بحرف واحد حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله عز وجل فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ونهضت فخرجت فادركوني وانقطعت في منزلي أياماً ثلاثة ورسوله في كل يوم والطبيب معه ثم ركبت بت النهار فوجدته في البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء فاستوحش من غيبتي وقال خيراً فقلت إني لم يكن بس وجع وإنما كرهت ما جرى في حق السلف وأنا حاضر فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت وإلا فلا وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة فعجب من هذا وقال سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر قلت اعتقد أنه لولا هما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه ثم قرأت قول الله
(1/44)

تعالى ومن يرغب عن ملذة ابراهيم إلا من سغنه نفسه فضحك وكان مرتاضاً حصيفاً قد لقى في ولاياته فقهاء السنّة وسمع كلامهم ومما يلتحق بهذا الفصل أني لم أشعر في بعض الأيام حتى جاءتني منه رقعة فيها أبيات بخطّه ومعها ثلاثة أكياس ذهباً والأبيات قوله.
[كامل]
قل للفقيه عمارةٍ يا خير من ... أضحى يؤلف خطبةً وخطابَا
أقبلْ نصيحةَ من دعاك إلى الهدىْ ... قل حطةُ زادخلْ إلينا البابا
تلقَ الأئمة شافعين ولا تجد ... إلا لدينا سنة وكتابَا
وعلى أن يعلو محلك في الورى ... وإذا شفعتَ إلى كنتَ مجابَا
وتعجلَّ الآلاف وهي ثلاثة ... صلةٌ وحقِكَ لا تُعدُ ثوابَا
فأجبته مع رسوله بهذه الأبيات [كامل]
حاشاك من هذا الخطاب خطاباً ... يا خير أملاك الزمان نصاباً
(1/45)

لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خراباً
ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك أطاعكم وأجابا
فأشدد يديك على صفا محبّتي ... وأمنن على وسدّ هذا البابا
وهذه نكت من مواقع استحسانه لجيد الشعر نافق بهرام الغزي أحد غلمانه وتوجّه يد الصعيدي فأدركه العسكر فقتل أخوه وجماعة من الغزّ ودخل بهرام أسيراً على جمل ومن معه من الغزّ وخليهم قلائع مجنوبه تحت الجمال وكان الصالح يكرر استحسانه بيت قلته من قصيدة ثابتة في الديوان وهو قولي.
[بسيط]
تسموا إبلاً تتلو قلائعهم ... ياعزة السرج ذرقى ذلّة القتيبِ
وكان يستحسن قولي في طرخان سليطٍ حين صلب
(1/46)

[وافر]
وأتى دليل الحق أقوالهم ... ودعوت فكري عند ذاك أجابا
أراد عل منزلة وقدر ... فأصبح فوق جذع وهو عالِ
ومدّ على صليب الجذه منه ... يميناً لا تطول على الشمالِ
ونكّس رأسه لعتاب قلبٍ ... دعاه إلى الغواية والضلالِ
ويستحسن [طويل]
ولو لم يكن أدرى بما جهل الورى ... من الفضل لم تنفق عليه الفضائلُ
لئن كان منّا قاب قوسٍ فبيننا ... فراسخ من إجلاله ومراحلُ
ومن هذا النمط [وافر]
أزال حجابه عني وعيني ... تراه من الجلالة في حجابِ
وقربني تفضّله ولكن ... بعدتُ مهابةً عند اقترابي
وهو شيء كثير في الديوان ولم تكن مجالس أنسه تنقطع
(1/47)

إلا بالمذاكرة في انواع من العلوم الشرعية والادبية وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته وكانت أحواله طوراً له وتارة عليه فمّما هو عليه فرط العصبية في المذهب ولو شرحت هذه الواحدة لكثرت وطالت واتسعت وعالت ومنها جمع المال واحتجانه وهذه هي غرامه وأشجانه ومنها الميل على جانب الجند وأضعافهم والقصّ من أطرافهم وأما التي له فكانت مرتاضاً قد شمّ أطراف المعارك وتميز على أجلاف الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجرّدة وكان شاعراً محب الأدب وأهله ويكرم جليسه ويبسط أنيسه. وكان كرمه أقرب إلى الجزيل من الهزيل، ودخلت إليه ليلة السادس عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة قبل أن يموت بثلاث ليال بعد قيامه من السماط ولم أكن رأيته من أول الشهر بليل فأمر لي بذهب وقال لا تبرح ودخل ثم خرج إلى وفى يده قرطاس قد كتب
(1/48)

فيه بيتين من شعره عملهما في تلك الساعة وهما: [خفيف]
نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنامُ
قد رحلنا إلى الحِمام سنيناً ... ليت شعري متى يكون الحِمامُ
ثم قال لي تأملهما وأصلحهما إن كان فيهما شيء قلت هما صالحان وكان آخر عهدي به لأنه مات بعد هذا بثلاثة أيام.
ومن عجيب الاتفاق أني أنشدت ابنه مجد الإسلام في دار سعيد السعداء ليلة السادس عشر من شهر رمضان أو السابع عشر قصيدة أقول فيها: [طويل]
أبوك الذي سطو الليالي بحده ... وأنت يمينٌ إن سطا وشمالٌ
لرتبته العظمى وإن طال عُمره ... إليك مصيرٌ واجبٌ ومآلُ
تخالَك اللحظُ المصون ودونها ... حجاب شريف لا انقضى وحجالُ
فانتقل المُلك بعد ثلاث ليال إليه ومما رثيته به وإن
(1/49)

كان كثيراً قولي: [طويل]
أفي أهل ذا النادي عليمٌ أسائلهُ ... فإني لما بي ذاهبُ اللب ذاهلُهْ
سمعتُ حديثاً أحسدُ الصُّمَّ عنده ... ويذهل واعيه ويخرس قائلُهْ
فقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الدست منصوباً وما فيه كافلُهْ
وإني أرى فوق الوجوه كآبةً ... تدل على أن الوجوه ثواكله
دعوني فما هذا بوقت بكائه ... سيأتيكم ظلُّ البكاء ووابله
ولِمْ لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرملُهْ
فيا ليت شعري بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنّا ما بنا الدهرُ فاعلُهْ
أيُكرَم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيسكن أو تطوى ببينٍ مراحلُهْ
وقلت فيه من قصيدة: [طويل]
(1/50)

تنكد بعد الصالح الدهر فاغتدتْ ... مجالسُ أيتامى وهنّ غُيوبُ
أيُجدِب خدّي من ربيع مدامعي ... وربعي من نُعمَي يديه خصيبُ
وهل عنده أن الدخيل من الجوى ... مقيمٌ بقلبي ما أقام عَسيبُ
وإن برقتْ سِنّي لذكر حكايةٍ ... فإنّ فؤادي ما حييتُ كئيبُ
ورثيته بقصيدة أولها: [خفيف]
طمَعُ المرء في الحياة غُرورُ ... وطويلُ الآمال فيها قصيرُ
ولكم قدّر الفتى فأتته ... نُوَبٌ لم يُحِطْ بها التقديرُ
منها:
فَضَّ ختمَ الحياة عنك حِمامٌ ... لا يراعى أذناً ولا يستشيرُ
ما تَخَطَّى إلى جلالك إلا ... قدرٌ أَمرُه علينا قديرُ
بذّرتْ عمرَك الليالي سَفاهاً=فسيعَلمنَ ما جنى التبذيرُ
(1/51)

يا أمير الجيوش هل لك علمٌ ... أن حَرَ الأسى علينا أميرُ
إن قبراً حللتَهُ لغنىٌ ... إنّ دهراً فارقتَه لفقيرُ
وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيء ... ولك الفكرُ موطنٌ والضميرُ
منها في صفة ابنه:
لا يقولنّ جاهلٌ بالقوافي ... ذهب الناقدُ السميع البصيرُ
فالمرَّجى أبو شُجاعٍ عليمٌ ... بمقادير هلهنّ خبيرُ
كنتُ أخشى بأن يقول المنادى ... أيُّها الضيف جفَّ عنك الغديرُ
فابتداني بفضله قائلاً لي ... لك في ظلّيَ المحلُ الأثيرُ
ثم أسدى اليدَ التي كل خِلٍّ ... حاسدٌ لي من أجلها وغيورُ
ملكَ القلب واللسان فهذا ... مضمِرٌ حبَّه وهذا شكورُ
أخبار الملك الناصر بن الملك الصالح فأما أخبار الملك
(1/52)

الناصر العادل رزيك بن الصالح فإن الله لم يمهله إلا مديدةٌ يسيرة وكانت أفعال الخير فيها كثيرة وذلك أنه سامح الناس بالبواقي والحسبانات القديمة، وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين وسيّر على يد الأمير شمس الخلافة إما خمسة عشر الفا أو دونها إلى أمير الحرمين عيسى بن أبي هاشم برسم إطلاق الحاج وظفر بقتلة أبيه ظفراً عجيباً بعد تشتيتهم في البلاد وكان زفاف أخته إلى الخليفة العاضد في وزارته ونُقل تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة كل ذلك في وزارته وحفر سرداباً تحت الأرض يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها بل هي الحسنة التي لا توازي، واليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى وإلى الإسكندرية بتسيير القاضي الأجلّ الفاضل أبي على عبد الرحيم بن علي البيساني إلى الباب واستخدامه
(1/53)

بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النما، أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتى أكلها كل حينٍ بإذن ربها وحمل إلى الخليفة في زفاف أخته بيوت مال أقلها قناطير الذهب وترامت في أيامه الحال بالأمير عز الدين حسام قريبه وعظم صيته واستولى على تدبير كثير من أموره عمه فارس المسلمين وصهره سيف الدين وعظم غلمان أبيه عن الوقوف عند أوامره وفي أيامه قُتل الخارجي ابن نزار وقُتل أيضاً في أيامه المعظم بن قوام الدولة فإما فراسته فكان فارساً يُطلق بعدة من القنطاريات ولم يُشهر له من البأس إلا خروجه بعد عمه وسيف الدين في نوبة غارة الإفرنج على أعمال الحوف فإنه أغذَّ السير خلف الإفرنج إلى أبي عروق
(1/54)

وعاد ففرق في الجيش على بلبيس مالاً كثيراً وحمل وخلع على أعيان والموقف الثاني إدراكه لبهرام الغزى حين نافق طالباً للصعيد فإنه سرى فيمن خفَّ معه من الجيش حتى أدرك الغز عند الفجر فقتلهم وأسرهم وأما كرمه فلم يكن ببخيل وأبوه أكرم منه وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر ويستحسنه ويثيب عليه وما من هذه القضايا قضيةٌ إلا وهي مقيدة بأشعار لي ولغيري فمما قلت في غارته إلى أبي عروق في لتماس الإفرنج حين أغاروا على الحوف من قصيدة.
[بسيط]
أنت الذي يَعقد الإسلامُ خنْصَرَه ... عليه إن جلّ خَطْبٌ أو طرا وَطَرُ
متوَّج تشرِق الدنيا بطَلْعته ... وتَخجل الشمسُ مهما لاح والقمَرُ
كأن أخلاقه من حُسْنِ خِلْقته ... صيغت فقد راقت الأفعال والصُّوَرُ
إذا أقامت على ثغرِ صوارمُه ... فللنوائب عن سُكّانه سَفَرُ
(1/55)

أغرتَ قبل أبي الغارات مقتحماً ... للهول تستصغر الجُلَّى وتَحتقِرُ
فكان شمساً وكنتَ الفجرَ يقدمُها ... والفجرُ في الجو قبل الشمس ينتشرُ
منها:
وحين أبليتَ عذراً في اللحاق بهم ... والنصرُ يُقسم لا فاتوه والظفرُ
وقال عزمُك لما أن ألحّ ولم ... يَلُح له منهم عينٌ ولا أثرُ
إن ينجح منها أبو نصرٍ فعن قَدَرٍ ... نجا وكم قُدرةٍ قد عاقها القدرُ
وعُدتَّ نحو مقرّ العزّ في عُصَب ... يَفْنَى بها الأكثران الرمْلُ والمطرُ
(1/56)

وبالصوارم في أجفانها أسفٌ ... تكاد من حرّه الأجفانُ تستعِرُ
أيقنت منذ أرحتَ المُلْكَ من تَعَبٍ ... أن سوف يتعبُ في أوصافكَ الفِكرُ
وخلع على ثياباً وأمر لي بغلّة وذهب فقلت أشكره من قصيدة: [كامل]
من شاكرٌ عنّى نداه فإنني ... عن شكرِ ما أولاه ضاقَ نطاقي
مننٌ تخفَ عليه إلا أنها ... ثقلت مؤونتُها على الأعناقِ
وكان ينقم على قولي في عمه بدر الدين رزيك: [بسيط]
يا ثانياً لأبي الغارات في شرف ... أمسى به ثامناً للسبعة الشُّهُبِ
أنت الرديف له في رتبة سحبتْ ... أذيالها بكما عُجْبا على السُّحُبِ
فاسترضيتُه بقصيدة منها: [كامل]
(1/57)

مولاي دعوةُ خادم ... أهملته بعد احتفالِكْ
إن كان عن سبب فلا ... يذهبْ بحلمك واحتمالِك
أو كان عن مَلَلٍ فما ... يَخشى وليُّك من ملالِكْ
إن خفتُ دهري بعد ما ... أعلقتُ حبلى في حبالِكْ
ومدحتُك المِدحَ التي ... عبّرتُ فيها عن فعالِكْ
فالجوُّ مسدودُ الهوى ... والأرضُ ضيقة المسالِكْ
ومما ذكرته في نوبة بهرْام الغُزّىّ قصيدة منها: [بسيط]
لما تمردّ بهرامٌ وأُسرتُه ... بغياً وراموا قراعَ النبعْ بالغَرَب
ظنوا الشجاعةَ تُنجيهم فقارعهم ... أبو شُجاعٍ قريمُ المجد والحَسَبِ
أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأ ... علىلخافت قلوبُ الأنجُم الشُّهُبِ
في ليلة قدحتْ زُرقُ النّضال بها ... ناراً تُشبّ بأطرافْ القنا الأَشِبِ
سما إليهم سُمُوَّ البدر تَصحبه ... كواكبٌ من سحاب النقع في حُجُبِ
(1/58)

المشرِعون من المُران أرشيةٌ ... نابت قلوبُ أعاديها عن القلبِ
والطاعنون الأعادي كل مزبدة ... كأنها كأسُ خمرٍ حاشَ بالحبَبِ
تَرْوى الرماحُ الطوامي من مجاجتها ... فتنشنى وعليها نشوةُ الطَّرَبِ
كأنَ لمع المواضى في أكفهمْ ... صواعقٌ في الوغى تنقض من سُحُبِ
وقلت من قصيدة طويلة اذكر فيها مصاهرة الخليفة له: [طويل]
خليليَّ قولاً للأجلّ نيابة ... فقد منعتني هيبةٌ وجلالُ
أخالك لا ترضى الكواكبُ مغْشَرا ... وأنت لابناء الخلافة خالُ
ستفخر غسانُ بكم ويزيدها ... عُلى أن آل المصطفى لك آلُ
وقلت من قصيدة في ذكر بني رُزّبِك أُخاطب الخليفة واذكر الصهر: [كامل]
ضموا بشملك شملهم فكأنكم ... من ألفةٍ ألفٌ تُضَمُّ ولام
(1/59)

وغدوتم كالخَمس في كف الهُدَى ... والدهرِ إلا أنك الإبهامُ
رحلتْ من الكنف الذي مازال في ... أرجائه لبنى الرَّجاء زِحامُ
كَنَفٌ يبيت العِلمُ في حُجراته ... يُتلى ويَخفق حوله الأعلامُ
ولقيتها بكرامة من أجلها ... قعد الرجالُ الحاسدون وقامُوا
وتبوأتْ من حسن رأيك منزلاً ... لم يَعْدُه كَرَمٌ ولا إكرامُ
لم يُرضِك القصرُ الشريف وقد غدتْ ... شُرفاتُه بالنَّيرات تُقامُ
فأحلها الإكرامَ خاطُرك الذي ... للوحي عنه رحلةٌ ومُقامُ
تهنى أميرَ المؤمنين مسرةٌ ... //هنّاه عنها المُلكُ والإسلامُ
لو لم يُسامح في الهناء عبيدَه ... لنهاهمُ الإجلالُ والإعظامُ
ومن قصيدة في ذكر لظفر بالخارجي ابن نزار أخاطب الخليفة: [كامل]
ولقد أعزَّ مرامَ بيعتك التي ... أضحى يناضل دونها ويرامي
وكفاك أمرُ النائبات لعزمة ... خزمت أنوفَ عِداك بالإرغامِ
(1/60)

قُطعت رجاءُ الخارجي عليكم ... وصحابُها من سكرة الأحلامِ
أذكى العيونَ على عدوك ضابطاً ... أنفاسه في يقظة ومنامِ
حتى أتتك به السعادة راكباً ... متن الصباح وصهوة الإظلامِ
ومما قلته في انعقاد الصهر بين الخليفة وبينه من قصيدة: [كامل]
زُقت إلى حُرم الأمام عقيلةٌ ... عُقلت لها أيدي الثناء الشاردِ
هي دُرّة لم يرضَ عالي قدرِها ... بحراً سوى كَنَفٌ الأمام العاضِد
وقنيصةٌ لولا الخلافة لم تكن ... أبداً لتُغلق في حبال الصائد
عربيةٌ الأنساب لكن لم تَقِدْ ... نيرانُها بالأَجرع المتقاوِدِ
زارتك من خيس الضراغم لبوةٌ ... تُخمَى بأشبال الهِزَبْر اللابدِ
لا يُسنَد المُران حول خِبائها ... إلا بجَنب مَراتبٍ ومَساندِ
(1/61)

صاهرتمُ من لا يزال رواقُها ال ... محروس قبْلة راكعٍ أو ساجدِ
فُزتم بأبلجَ من سُلالةِ حَيْدَرِ ... وَرَثَ الإمامةَ راشداً عن راشدِ
تَغدو قريش بالإضافة نجوَهم ... مثلَ الجداول في الخِضَم الراكدِ
عن واحد وهو النبي تفرعوا ... وكذا الألوفُ تفرعتْ عن واحدِ
عقدٌ غدا صلةً لغير قطيعة ... لكن كما اتصل الذراعُ بساعدِ
لو كانت القصصُ الخوالي قبلنا ... مما يعود مع الزمان العائدِ
خِلْنا شُعَيْبا والكليم تجسدتْ=لهما حقيقةُ غائب في شاهدِ
وهي طويلة حصل لي على هذه القصيدة ثلاثُ صلات جزيلة من رزيك في إيوان القصر وقد ناب عن أبيه في الحضور مائةُ دينار على يد الأمير ابن شمس الخلافة وخرج عز الدين حسام من القصر إلى الصالح قبل كل أحد فقال له أنشد فلانٌ اليوم قصيدة من صفتها ومن شأنها فاستدعاني الصالح من ساعته إلى قاعة البحر من دار الوزارة فاستعادها ثم وصلني
(1/62)

بصلة جزيلة أُسيتُ مبلغَها ثم حضرنا للمجالسة تلك الليلة فأمر الصالح أهلَ الأدب من جلسائه أن يُنشده كلُّ واحد منهم ما عمله في القضية فأنشدوه وأمرني بالنشيد لها ففعلت ثم وصل الجماعة بمال وأجزل نصيبي أيضاً في تلك الليلة وأبنني بخير وعملتُ في نقله تابوتَ الصالح إلى القرافة قصيدة فيها ذكر المشهد والظفر بقاتليه وهي طويلة منها في التابوت.
[كامل]
خربتْ ربوعُ المكْرَمات لراحل ... عُمرتْ به الأجداثُ وهي قِفارُ
نعشُ الجدود العاثراتِ مشيِّع ... عَميتْ برؤية نعشه الأبصارُ
نعشٌ تودُّ بناتُ نعش لو غدت ... ونظامُها أَسَفاً عليه نِثارُ
شخص الأنامُ إليه تحت جنازة ... خُفضتْ برفعة قدرها الأقدارُ
(1/63)

ومنها:
وكأنها تابوتُ موسى أودعتْ ... في جانبيه سكينةٌ ووقارُ
أوطنتَه دارَ الوزارة ريْثَ ما ... بُنيت لنُقْلته الكريمةِ دارُ
وتغايَرَ الهَرمان والحَرمان في ... تابوته وعلى الكريم يُغارُ
آثرتَ مصراً منه بالشرف الذي ... حسدتْ قَرافتَها له الأمصارُ
غضب الإله على رجال أقدموا ... جهلاً عليه وآخرين اشرُوا
لا تعجبْنْ لقُدارَ ناقةَ صالحٍ ... فلكل عصر صالحٌ وقُدارُ
أُحلِلْتَ دارَ كرامةَ لا تنقضى ... أبداً وحلَّ بقاتليك بَوارُ
وقع القصاصُ بهم وليسوا مُقْنِعاً ... يُرضى وأين من السماء غُبارُ
ضاقت بهم سعةُ الفِجاج وربما ... نام الولي ولا ينام الثارُ
(1/64)

فتَهَنَّ بالأجر الجزيل وميتةٍ ... دَرَجتْ عليها قبلك الأخيارُ
مات الوصىُّ بها وحمزةُ عمُّه ... وابنُ البَتول وجعفرُ الطيارُ
وقلت قصيدة طويلة في ذكر ما حمله إلى أمير الحرمين عن حاج أهل المغرب ومصر.
[طويل]
ويسرتَ قصد البيت من بعد عُسره ... فضاقت بحارٌ بالورى وسُهوبُ
فللفُلك في طامي العُباب تحدُّرُ ... وللعيس في بحر السراب رُسوبُ
بذلتَ عن الوفد الحجيج تبرُّعاً ... مواهبَ لم يسمح بهنّ وهُوبُ
وحُطَّتْ بها عن ذمة ابن فلُيْتةٍ ... وذمةِ أهل الأبْطَحَيْنِ ذنوبُ
وابيتَها وقفاً على البر خالصاً ... وفي بر قوم خالصٌ ومشوبُ
إذا جفَّ عودُ الزرع فهي مريعةٌ ... وإن جفَّ درُّ الضرع فهي حَلوب
وقلت قصيدة طويلة هي في ديوان مدائحه اذكرُ فيها الظفر
(1/65)

بالخارجي الذي سيره عز الدين وكان يدعى الخلافة ويزعم الناس أنه من ولد نزار.
[طويل]
وفي لك خدُّ الجد والسيفُ غادرُ ... وأنهضك التأييدُ والدهرُ عاثِرُ
وأغنتك عن سلّ المواضى سعادةٌ ... تدور بهابها فيمن عصاك الدوائرُ
ليهنِك فتحٌ أنجبتْ لك أمة ... وأمُ العُلَى بالنصر والفتح عاقِرُ
نصبتَ له فوق التُّراب وتحته ... حبائلَ كيدٍ ما لهنّ مرائرُ
ومازال مرعيا من الصبح والدُّجى ... بعينِ رقيبٍ طرفُها لك ساهرُ
فكان ورودُ النيل أقصى أمانة ... فحلَّ به من أمنه ما يُحاذرُ
ثم دخلت قاعة السِّر من دار الوزارة وفيها طي بن شاوَرَ وضِرغامٌ وجماعة من الأمراء مثل عز الزمان ومُرتفع الظهير ورأسُ رزيك بن الصالح بين أيديهم في طَسْت فما هو غلا أن لمحتْه عيني ورددتُّ كمي على وجهي ورجعت على عقبي وما
(1/66)

ملأتُ عيني من صورة الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلا من مات قتيلا وقُطعت رأسه عن جسده فأمر طيٌّ من ردني فقلتُ والله ما أدخل حتى تغيب الرأس عن عيني فرفع الطستُ وقال لي ضرغام لم رجعت قلت بالأمس وهو سلطان الوقت الذي نتقلب في نعمته قال لو ظفر رزيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا قلت لا خير في شيء يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثم رجت وقلت: [كامل]
أعزِز على أبا شُجاعٍ أن أرى ... ذاك الجبين مضرَّجاً بدمائهِ
ما قلّبته سوى رجال قلّبوا ... أيديهم من قبلُ في نعمائهِ
أيام أمير الجيوش شاورَ الأولى لما وصل شاورُ إلى الغربية وعدَّى من البحيرة أسرى ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء كاخوته مُلهم وهُمام وحُسام ويحيى بن الخياط وبني الحاجب من عسكر بني رزيك فلمّا اجتمعوا بشاور أسقط ما في أيدي
(1/67)

العسكر الباقي مع بني رزيك ولم يلبث الأمر إلا ريث ما عدّى شاور حتى زالت دولة بني رزيك وإنما زالت دولة مصر بزوالهم ولما جلس شاور في دار الذهب على شط الخليج انثالت عليه وعلى ولديه طي والكامل أموال بني ريك وودائعهم من عند الناس حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده وافترقت أمراء البرقية فضرغام ومن معه حزبٌ والظهير مرتفع وعين الزمان وابن الزبد ومن معهم حزبٌ فأما ضرغام فكان أظهر الحزبين لأنه نائب الباب ولأنه من نفسه وأخوته وأصهاره في جيش عظيم وما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور فكاثروه ولازموه إلى أن ما كان من خروج شاور إلى الشأم وقتل ولده طي ووزارة ضرغام فأما أخلاق شاور في الوزارة الأولى فكانت مستورة باستمرار السلامة والطاعة والاستقامة ولم يكن فيها أقبح من قتل الناصر بن الصالح فإنها سودت ما أبيض من عالي قدره، وأعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره،
(1/68)

وما من هذه الأحوال وغيرها إلا ما وسمته بشيء من النظم وأنا مورد منه ما يكون شاهداً لما ذكرته لما جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك وضرغام نائب الباب يحيى بن الخياط أسفهسلار العساكر وكانت بيني وبين شاور أنسة تامة مستحكمة فأنشدته قصيدة في اليوم الثاني من جلوسه والجمع حافل أولها.
[بسيط]
صحّت بدولتك الأيام من سقمِ ... وزال ما يشتكيه الدهر من ألمِ
زالت ليالي بني رزيك وانصرمتْ ... والحمدُ والذمُّ فيها غيرُ منصرمِ
كأن صالحهم يوماً وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلمُ قد تُنبت الأوراقَ في السلم
كنا نظن وبعض لظن مأثمة ... بأن ذلك جمٌ غيرُ منهزمِ
فمذ وقعت وقوعَ النسر خانهمُ ... من كان مجتمعاً من ذلك الرحمِ
(1/69)

كان ضرغام ينقم على هذا البيت ويقول أنا عندك من الرَّخم.

ولم يكونوا عدوُّا ذلَّ جانبه ... وإنما عرقوا في سيلك العرِم
وما قصدتُّ بتغطيتي سواك سوى ... تعظيم شأنك فأعذرني ولا تلمِ
ولو شكرتُ لياليهم حافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدمِ
ولو فتحت فمي يوماً بذمتهم ... لم ضرَ فضلك إلا أن يسد فمي
والله يأمر بالإحسان عارفة ... منه وينهي عن الفحشاء في الكلم
فشكرني شاور وأبناه في الوفاء بنى رزيك ولما انتقل شاور إلى دار سعيد السعداء أنشدته قصيدة هي ثابتة في الديوان منها في حق بني رزيك قبل أن يقتل الناصر ابن الصالح.
[طويل]
(1/70)

وعلمتنا صون للسان بسيرةٍ ... رايناك في حقن الدماء تسيرها
أفضت على غربي حسامك ظهرها ... ففاض على غربي لساني ظهورُها
وحاشاك أن ترضى بذم خوادر ... بصارمك الماضي تُصان خدورها
وما الوزراء الغرُّ إلا سوابقٌ ... مضى أولٌ منها ووافى أخيرُها
وإن حُقق التشبيه فيكم فإنما ... طلعتم شموساً حين غابت بدورها
سحائبُ إن لم أروَ منها فإنني ... أرى الغدر عندي أن يذَمَّ غديرها
ومن كتم الحُسنى فإني مذيعها ... ون كفر النُّعمى فإني شكورها
وعندي شكر المحسنين محاسنٌ ... تقدُّ على قد الأيادي سيورُها
أتاكم بها من رقةٍ وجزالة ... فرزَْدقُها في عصركم وجريرها
أنا العربي المحضُ شعراً ومعشراً ... إذا شانَ قوماً شعرُها أو عشيرُها
فلا تسمعوا مدحاً سوى ما أقوله ... فما يستوي حولُ العيون وحورُها
(1/71)

أرى سير الأملاك تفنى وإنما ... يكون بمثلى بعثُها ونشورُها
إذا دثرتْ أحسابُ قوم فإنما ... بصيقلِ هذا القول يُجلَى دثورُها
وإن القوافي تُنسى إناثها ... ويختص بالذكر الجميل ذكورها
ومدحت الكامل في الوزارة الأولى بقصيدة منها فيما يخص بني رزيك: [طويل]
سلبتم بني رزيك بيضة عزهم ... وكانت قديماً لا تُراعُ بسالبِ
تجاذبتمُ حبلَ المعالي فكنتم ... على ترعها أقوى يدا في المُجاذبِ
ولم يذهبوا من أجل ضعف وإنما ... رُمُوا بشهاب من يد الله ثاقبِ
فإما كرم شاور فكان إليه المنتهى لم يكن يمسك شيئاً ولا يكنزه وأما الحماسة وشدة البأس فهو في مواطن الموت شديد الثبات، سديد الوثبات، وما أصدق ما قلت فيه من قصيدة أهنئه بفتح بلبيس بعد الحصار.
[كامل]
(1/72)

حِمى الوطيس فخاضه بعزائمٍ ... علَّمن حسن الصبر من لم يصبر
ضجرَ الحديدُ من الحديد وشاورٌ ... في نصر آل محمد لم يضجرِ
حلفَ الزمان ليأتينَ بمثله ... حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
وسمعت سيف الدين حُسيَنْا صهر الملك الصالح وقد جاء إلى فارس المسلمين بدر بن رزيك عند خروجه في العسكر إلى تروجة منع شاور عن الوصول من واحاتٍ إلى البحيرة يقول له انظر كيف يكون فإن طرخان لما ثار من إسكندرية يطلب الوزارة وسرتُ أنا وأنت في العسكر وامتنع الناس عن التعدية كان شاور أول من عدى ثم وثب على فرسه بلا سرج وهو بقول: [رجز]
لاخيرَ في الشيخ إذا لم يجهلِ
وزارة ضرغام وهو الملك المنصور وكانت مدة وزارته حمل الجنين تسعة أشهر سواء وضرغام أشهر محاسنا من أن يوصف كان فارس عصره، وفي الكتابة وكمال الصورة وجمال المحاضرة
(1/73)

وحيد دهره، وكان عاقل الكرم لا يضعه إلا في سمعة ترفعه، أو مداراة تنفعه، وكان أذناً مستحيلاً على أصحابه وإذا ظن بإنسان شراً جعل الظن بقينا وبعد زوال ما سبق إلى خاطره وبُلى من أخيه فارس المسلمين همام بقذى الناظر، وشجا الحناجر، وفي أيامه ذهبت أمراء البرقية قتلا بسيفه صبراً وهم صبح بن شاهنشاه والظهير مرتفع وعين الزمان وعلي بن الزبد وأسد الغاوى وأقاربهم وكنت في أيامه خائفاً منه متعلقاً بصحبة أخيه ناصر المسلمين وأحضرني ليلة بساعٍ إلى قاعة البستان من دار الوزارة بعد شهرين من وزارته فوقه في خاطري منه توهم لم يزله إلا حسن الإيناس عند الحضور والاتيحاش من الغيبة وبسطني وناولني مما بين يديه بيده وأمر لي بذهب وقال أنتم عنوان الجمال من جالستموه يا أصحاب الصالح فقد تجمَّل فدعوت له وعملت فيه قصيدة أنشدته إياها في مقام الخليفة بقاعة الذهب منها في صفة
(1/74)

الدولة.
[كامل]
همَّ الزمانُ بها فمنذ كفلتها ... أضحى يوالي نصرها ويوالي
وأجبتَ عاديةَ الفرنج بديهةً ... قبل الروية بارتحال رجالِ
قدمت الفرنج الديار المصرية على زمان وزارته.

أطفأت جمْرتَها بإخوتك الأولى ... يتسنّمون غواربَ الأهوالِ
لم أدرِ والتشبيهُ يقصر عنهمُ ... أغيوثُ نُزلٍ أم ليوث نِزالِ
طالت بأيديهم قِصارُ صوارمٍ ... باتت بها الأعمارُ غيرَ طوالِ
وخلطتم أنصاركم بنفوسكم ... فالناسُ من مولى لكم وموالِ
يا صاحبي وفي السؤال شفاء ما ... استخبرتُ عنه إن أجيبَ سؤالي
هل للوزارة حاجة أو حجة ... ترجو تتمة نقصها بكمالِ
(1/75)

هذا الذي مازال طرفُكِ دائماً ... يرنو إليه في الزمان الخالي
هذا الذي عضلوكِ عنه لتخرجي ... من عدةٍ حرُمتْ ومن إحلالِ
ولحقُّ من وزر الخلافةَ من نشأ ... في حضرة الإعظام والإجلالِ
واختص بالخلفاء وانكشفتْ له ... أسرارُها بقرائن الأحوالِ
وتصرف الوزراءُ عن آرائه ... كتصرُّف الأسماء بالأفعال
يا ابن الأئمة والثناء عليكم ... يختال بين مفصَّلِ وطُوالِ
ما تخجل الدنيا وأنت إمامها ... ووزيرك الهادي أبو الأشبالِ
وذكر لي المهذب ابن الزبير أنه متغير علي ومضمر شراً بسبب قولي في شاور وبني رزيك: [بسيط]
فمذ وقعتَ وقوعَ النسر خانهمُ ... من كان مجتمعاً من ذلك الرخَمِ
وبسبب ما كان بيني وبين الظَّهير مرتفع الثائر عليه من أكيد
(1/76)

الصحبة وذكر المهذب فيما حكى لي عنه أن ضرغاماً قال غلِط معي عمارة يوماً غلطة في شهر رمضان الذي قُتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه وهي أني قلت له أخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقية فقال أنا أكرهُ أن أرى البرقية ومرتفع في الاعتقال ومذ قبض عليه الصالح لم أجز بالبرقية ولعمري لقد جرى مني هذا القول ولم أعلم ما تؤول إليه الحال ولا ما في نفس بعضهم من بعض ولما داخلني الخوف من ضرغام انقطعت إلى أخيه همام ولم يكن ذلك إلا في آخر مدته ولما جاء شاور من دمشق بالغزشغل عني وعن نفسه ولما جازوا برأسه على الخليج وكنت أسكن صفَّ الخليج بالقاهرة قلت ارتجالاً: [وافر]
أرى حنكَ الوزارة صار سيفاً ... يجدُ يحده صيد الرقابِ
كأنك رائدُ البلوى وإلا ... بشيرٌ بالمنية والمُصابِ
(1/77)

وزارة شاور الثانية وفيها تكشفت صفحاته، وأحرقت لفحاته، وأغرقت نفحاته، وغضه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وامضّه، وبان غمره وثماده، وجمره ورماده، ولم يجف من الأنكاد لبده، ولا صفا من الأقذاء ورده، وما هو إلا أن تسلمها بالراحة، وسلمت له الهموم عوضاً عن الراحة، وفي أول ليلة دخل القاهرة ارتحل أسد الدين طالباً بلبيس فأقام بها ثم عاد إلى القاهرة فكسر الناس يوم التاج وأسر أخوه صبح وأصيب على باب القنطرة بحجر كاد ن يموت به وتعقب ذلك تثقيل القتال على القاهرة حتى دخلت من الثغرة ثم تبع هذا مجيء الفرنج وعمل البرج وحصار بلبيس ثم تلا ذلك قيام يحيى بن الخياط طالباً للوزارة ثم تلا ذلك نفاق لواتة ومن ضامها من قيس وخروج أخيه نجم وابنه سليمن وجماعة من غلمانه لحربهم ثم خروج ابنه الكامل في بقية
(1/78)

العسكر وفي أثناء هذه المدة قبضه على الأثير بن جلب راغب وقتله وأسر معاني بن فريح ثم قتله واتصل إليه الخبر من قدوم أسد لدين إلى إطفيح بأم النوائب الكبر ووافق مجيء الغز قدوم الإفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر في البر الشرقي تابعين للغز ثم لاحت الفرصة للإفرنج فعادوا إلى مصر وافترحوا من المال، ما تنقطع دونه الآمال، وخيموا على ساحل المقسم وأظهروا رجوعهم إلى الشأم فتجهز الكامل للمسير صحبة الإفرنج حدثني القاضي الأجل الفاضل عب الرحيم ابن علي البيساني قال أنا أذكر وقد خلونا في خيمة وليس معنا أحد إنما هو شاور وابنه الكامل وأخوه نجم فعزم الكامل على النهوض مع الفرنج وعزم نجم على التعزيب إلى سليم وما وراءها قال شاور لكني لا أبرح أقاتل بمن صفا معي حتى
(1/79)

أموت فنحن في ذلك حتى وصل إلينا الداعي ابن عبد القوي وصنيعة الملك جوهر وعز الأستاذ وقد التزموا المال وتفرع على هذا الأصل مقام الغز بالجيزة ونوبة البابين وحصار الإسكندرية وانصراف الغز راجعين والفرنج بعدهم فما هو غلا أن توهم شاور أن الدهر قد نام وغفا، وصفح عن عادته معه وعفا، وإذا الأيام لا تخطب إلا زواله وفوته، ولا تريد إلا انتقاله وموته، فكان من قدوم الإفرنج إلى بلبيس وقتل من فيها واسرهم بأسرهم ما أوجب حريق مصر ومكاتبة نور الدين ابن القسيم وإنجاده كلمة الإسلام باسد الدين ومن معه من المسلمين الذين قلت فيهم وقد ربط الإفرنج الطريق عليهم.
[طويل]
أخذتم على الإفرنج كل ثنية ... وقلتم لأيدي الخيل مرئ على مرئ
لئن نصبوا في البر جسراً فإنكم ... عبرتم ببحر من حديد على الجسر
فقضى قدوم الغز برحيل الإفرنج عن البلاد المصرية
(1/80)

ولم يلبث شاور أن مات قتيلاً بعد قدوم الغز بثمانية عشر يوماً وهذه السنوات التي وزر فيها شاور وزارته الثانية كثيرة الوقائع والنوازل زفيها ما هو عليه أكثر مما هو له وربما شرحت من ذلك في مواضعه من هذا المجموع ما يشهد النظم بصحة دعواه، وصدق نجواه، فمن ذلك أن طيا ولده قتل في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر رمضان وأدرك ثأره في يوم الجمعة الثامن وعشرين من جمادى الآخرة فيكون بينهما تسعة أشهر وقلت في ذلك من قصيدة: [كامل]
ونزعت مُلكَك من رجال نازعوا ... فيه وكنتَ به أحق وأقعدا
جذبوا رداءك غاصبين فلم تزل ... حتى كسوتَ القوم أردية الردى
وبردت قلبك من حرارة حرقة ... أمرت نسيمَ الليل أن لا يبردَا
تأريخُ دينٍ نلتَه في مثله ... يوماً بيوم عِبرةً لمن اعتدَى
حملتْ به الأيام تسعةَ أشهر=حتى جعلن له جمادى مولدَا
(1/81)

وكان لا يزال يستعيدها ولما عاد من حصار بلبيس هنيته بقصيدة اذكر فيها الحال أولها: [كامل]
اسمع بذا الفتح المبين وأبصرِ ... وأقصرْ عليه خُطا الهناء وأقصِرِ
فتحٌ أضاء به الزمانَ كأنه ... وجه البشير وغرة المستشبرِ
فتحٌ يذكِرنا وإن لم ننسه ... ما كان من فتح الوصي لخيبرِ
فتحٌ تولَّد يُسره من عسرة ... طالت وأيُّ ولادة لم تعسُرِ
حملتْ به الأيام إلا أنها ... وضعته تِماً عن ثلاثة أشهرِ
وهي القصيدة التي أقول منها:
تلقاه أولَ فارس إن قدمتْ ... خيلٌ وأولَ راجل في العسكرِ
هانت عليه النفسُ حتى أنه ... باع الحياة فلم يجد من يشتري
ضجر لحديدُ من الحديد وشاورٌ ... في نصر آل محمدٍ لم يضجرِ
حَلَف الزمانُ ليأتين بمثلهِ ... حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
يا فاتحاً شرق البلاد وغربَها ... يُهنئْك أنك وارث الإسكندرِ
(1/82)

وكانت هذه الأبيات من أحد الأسباب التي قوت عزمي على الاستعفاء من عمل الشعر لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس يفوقها في الجودة وقلت من قصيدة اذكر نوبة بلبيس ووزارته الأولى: [كامل]
إن بات من عدد الملوك فإنه ... لا يستوي نار الغَضا ودُخانُهَا
جُمعتْ لك الأمم الثلاث فستَها ... حتى كان لم تختلف أديانُهَا
خلّصتَ كلَّ قبيلة من ضدها ... لما التوتْ وتعقدت أشطانُهَا
إن السعادة قد أظلّ زمانُها ... وافتر من ثغر الهناء أوانُهَا
وأفاك أولُ عامها بمسرة ... لا الفِطرُ أهداها ولا رمضانُهَا
(1/83)

لما رأيتَ بطانَها متضايقاً ... وسعتَ منها حين ضاق بِطانُهَا
رأى حقنتَ به دماء خلائقٍ ... ظنتْ بأن دروعها أكفانُهَا
أشبهتَ نُوحاً مدةً وهدايةً ... في أمة متزايدٍ طُغيانُها
فكأنما البرجُ المنيفُ سفينةٌ ... والنيلُ يومَ كسرتَه طوفانُهَا
منها:
كانت وزارتك القديمة مشرعاً ... صفْواً ولكن كُدرتْ غُدرانهَا
غَصَبتْ رجالٌ تاجَه وسريره ... من بعد ما سجدتْ له تيجانُهَا
أخلى لهم دستَ الوزارة عالماً ... أن سوف ينزع بينهم شيطانُهَا
قد كان أودع في الرقاب صنائعاً ... كفرتْ بها فأبادها كفرانُهَا
هجرَ الوزارة إذ تنكر عرفُها ... وكذا النبوة إذ نبت أوطانُهَا
ومن قصيدة: [طويل]
لك المعجزاتُ الخمسُ لم يفتخر بها ... سواك ولم تخفِق عليه بنودُهَا
(1/84)

فمنها بنو رزيك حين أزلتهم ... وحمرُ المنايا في يديهم وسودُها
ومنهن صنعُ الله عندك في بني ... سوارٍ وما جرت عليها حقودُها
ومنها رجوعُ الغز عن مصرَ بعد ما ... أبيح بهم أغوارها ونجودُهَا
ومنهن أنّا ما رأينا وزارةً ... لغيرك عادت بعد ما صدَّ جيدُهَا
ومن أخرى: [بسيط]
أُثني عليه ولولا الفضل قال لنا ... كُفأ فإني بمدح السيف أقتنعُ
في كل يوم له نصرٌ ومعجزةٌ ... يقتضّها سيفُه بِكْراً ويقترعُ
لله درك موتوراً أقضَّ به ... دستٌ وسرج وأجفان ومضطجعُ
ما غِبْتَ إلا يسيرا ثم لُختَ لنا ... والثأرُ مستدركٌ والملكُ مرتجَعُ
قضيةٌ لم ينلْ منها ابن ذي يزنٍ ... إلا كما نلتَ والآثارُ تتبعُ
فافخر على الحي من قيسٍ ومن يمنٍ ... أبا شجاعٍ فليس الحقُ يندفع
واسمعْ مديحي ولا تسمعْ سواه فما ... يشكُ فضلك أن الناس لي تبَعُ
(1/85)

ورأيته يوماً وقد انشرح صدره فقلت له إن لي مدة تنازعني النفس في الحديث معك في حاجة وقد عزمت أن أقولها لك فإن قضيتها وإلا كنت قد أبليت عند نفسي عذراً قال وما هي قلت تعفيني من عمل الشعر وتنقل الجاري على الخدمة راتباً على حكم الضيافة فإني أرى التكسب بالشعر والتظاهر به نقيصةً في حقي قال منعك أن تستعفى في أيام الصالح وابنه قلت كانت لي أسوة وسلوة بالشيخ بالشيخ الجليس ابن الحباب وبابني الزبير الرشيد والمهذب وقد انقرض الجيل والنظراء قال تعفى ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائي وأخذ عليه خط الخليفة وخطه بذلك فقلت أشكره من قصيدة: [كامل]
تغدو مهابته حجاباً دونه ... ونداه عنا ليس بالمحجوب
سكنت محبته وهيبة بأسه ... منا سوادى ناظرٍ وقلوبِ
ومنها:
ومحوتَ عن وجهي مواسم صنعةٍ ... ومعيشةٍ كان اسمها يزرى بي
(1/86)

وجعلتني أحدوثةً تتلى بها ... أبداً صحائفُ أجرك المكتوبِ
فليفتخر بالشعر فيرى إنه ... حسبٌ لمثلى ليس بالمحسوبِ
أصبحتُ شاكرَ نعمةٍ لا خدمةٍ ... أقضي يد المفروض بالمندوبِ
ولما عاد من حصار الإسكندرية أكثر من سفك الدماء بغير حق وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تُسحب القتلة إلى خارج الدار فسألي الجماعة أن أعمل قصيدة في هذا المعنى فقلت من قصيدة: [طويل]
ألا إن حدّ السيف لم يُبقَ خاطراً ... من الناس إلا حائراً يترددُ
ذعرتَ الورى حتى لقد خاف مصْلِحٌ ... على نفسه أضعافَ ما خاف مفسدُ
فأغمد شفارَ المشرقي وعدْ بنا ... إلى عادة الإحسان وهي التغمدُ
فإن بروق الماضيات وصوتَها ... رواعدُ منهنّ الفرائضُ تُرعدُ
وإن صليل السيف أفحشُ نغمةٍ ... تظلُّ تغنَّى في الطُّلى وتغردُ
تجاوز وإلا فالمقطَّمُ خِيفةً ... يذوب وماء النيل لاشكَّ يجْمُدُ
(1/87)

فقال قد كان من القتل ما كان وإن تجدد شيء لم يكن في الدار لأن القضاة وأرباب الخِرق قلوبهم ضعيفة عن رؤية السيف ومما هو عليه لا له ظلم إخوته وأولاده وعبيده ومن يلوذ به ولم يُربِ أحدٌ رجال الدولة مثل ما رباهم الصالح ولا أفنى أعيانهم مثل ضرغام ولا أتلف أموالهم مثل آل شاور وشاور وهو الذي أطمع الإفرنج والغز في الدولة حتى انتقلت عن أهلها وكانت لشاور واحدة مما هو عليه لا له وهي طاعته لوله الكامل وانقياده له وتسليمه الأمر إليه وهذه تعدل كل سيئة لغيره من الوزراء وتطمس نور كل حسنة له فإنها هي السبب من كل دخيلة على الناس من آل شاور وسبب كل دخيلة عليهم من الناس ولو أخذت أشرح يسيراً من هذه الجملة خرجت عن قصد الكتاب ومن كرم شاور أني بعد حريق داري على شط الخليج ونهب ما أبقت النار لزمني دين كثير فاداه عني وبقيتْ منه مائتا دينار فدفع لي
(1/88)

مائة دينار وأمر لي بمائة كبش بيعت مائة وعشرين فقلت أشكره على ذلك منها في ذكر وزارته: [كامل]
فنُصرتَ في الأولى برعبٍ زلزل الأ ... قدامَ وهي شديدة الإقدامِ
ونُصرتَ في الأخرى بضربٍ صادقٍ ... أضحى يطير به غرابُ الهامِ
أدركتَ ثأراً وارتجعتَ وزارةً ... نزعاً بسيفك من يدي ضرغامِ
منها بعد أبيات:
هذي وقائعك اختصرتُ حديثها ... حذراً عليها من قصور كلامي
وإذا أردتَّ على الحقيقة شرحَها ... فاسئل مضارب سيفك الصَّمامِ
فلقد روينا عن حسامك بعض ما ... يروى ويحفظ ألسنُ الأيام
فاسمعْ غرائبَ من مدائحك التي ... تُثنى السيوف على الأقلامِ
آنستني بالقرب منك تكرّما ... فتغايرَ الساداتُ في إكرامي
ورفعتَني حتى توهم جاهلٌ ... بالحال أني من ذوي الأرحامِ
وحملتَ عني ثقل دينٍ فادحٍ ... لولا عظيم نداك رضَّ عظامي
ولقد سلكت من السماح طريقةً ... مهجورةً ليست بذات زحامِ
(1/89)

وكان ضيق العطن عن سماع ما يروى له من الأخبار وكان على الطعام لا يكاد يرد سائلاً في حاجة وكان شديد النكال إذا عاقب وكان صاحب الديوان خاصة لدولة ابن دخان ربما نادني في الجاري فيبلغه عني ما يضيق به صدره فيعود معي إلى الملاطفة فأعود له إلى المكارمة إلى أن قال لشاور أما صُنتني من فلان وإلا أستعفيت فقال يا هذا استحي على نفسك من مناكدة رجل يأكل معي في إناء واحد كل يوم مرتين فما زلت من بعدها أعرف مكارمة ابن دخان والمسارعة إلى حوائجي وقبول شفاعتي فيما لا يسوغ فكنت أشكر ذلك من فعل شاور.
ووقعت الشمعة ليلة على طرف ثوبي فجمد عليه يسير من الشمع فلما رحت من مجلسه لحقني الفراش إلى داري ومعه عشر نصافيات رفيعة ولما كان من الغد قال للفراش ونحن على الغداء أنت تحب العشرة فقلت نعم هو يحبهم كأنه استفهمني عن المبلغ هل وصل إلي بكماله أم لا وقل أن يمضي ليلة من مجالس أنسه
(1/90)

إلا ويحمل إلى داري على الدائم في الأكثر الحلاوات الكثيرة ولم يكن تفقده في كل شهر ينقطع عني بالدنانير العشرين فما فوقها وكان يقول ما تركنا الزمان نفعل في حقك بعض ما يجب من حقك وكان يقول إذا غبت عن مجلس أنسه لعن الله مجلساً لا يحضره فلان وأمر بقتل أبي محمد ابن شعيب وعلي بن مفلح وقد وصلا من عدن أساؤوا العشرة على مبهج افتخار السعداء حين توجه مع الوجيه بن شعيب إلى اليمن سنة إحدى وستين فقلت لشاور إن الرجلين في منزلي من ثلاثة أيام وإنه لا سبيل إليهما فأمسك ملياً ثم قام ولم ينطق وأخذت أسامره بإخبار ملوك اليمن زبيد وعدن وأورد من محاسنهم وإخبارهم ما أزال ما عنده ثم أحضرت الكتب واستخبرت الجواب وأخذت لهما منه مائة دينار وقال لهما يوم الوداع والله لولا فلان لضربتُ رقابكما وقطعت ما بين الدولة وبين أهل عدن والزمني أن أترسل في الرسالة التي سار فيها حمائل إلى
(1/91)

دمشق فاعتذرته فأبى فتركت من قال له هذا صاحب بني رزيك وإذا وقعت الوجوه في الوجوه لم يستكمل الحجة في خدمتك ولم يؤد الأمانة فقال أو يكون بنو رزيك عنده أحبَّ مني ما أظن هذا فتركت من قال ذلك للكامل فأعفوني ومن جميل ما كان يوليني أن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل وشاور والكامل عزموا على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته ثم قال شاور أحضروا فلاناً وخذوا ما عنده ولم يبقَ في النوبة إلا صرمها فلما حضرت واعلموني منعتهم وقلت إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف والنجاوي ويتوالونكم لأجل الدعوة فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها فرجع لجميع عما كانوا عليه وعزم على
(1/92)

أن يبعث الفقيه ابن غاز صاحب سيف الدين ونشئ الدولة أبا الحسن العابد رسولين إلى عدن فوصلاني وسألاني التلطف في حالهما معه فقلت له على خلوة إن كان قصدك نفعهما ورفعهما فسيرهما فإنه لا تبقى تحفه، ولا طرفه، إلا خدما بها وإن كان قصدك ضد ذلك فاتركهما فتركهما وله معي من الإحسان ما هو أشهر من هذا وأكثر ولكني اتركه لكثرته وما مثلي ومثل غيري معه إلا مثل رجلٍ قتل أبوه فقتل خيراً من أبيه ثم قال كان أبي لي جيداً وإن كان رديئاً عندكم قد أتيت على نبيذة يسيرة من الفقر العصرية، فيما شاهدتُ من أحوال الوزراء المصرية، وأنا ذاكر في هذا المختصر نتفاً جرت لي مع أقارب الوزرا، وأكابر الأمرا، فما منهم إلا من كاثرته، وعاشرته، وبلوت سمينهم وغثهم، وقويهم ورثّهم، وانكشف المصقول من الصدى، والجيد من الردى، فمنهم مجد الإسلام ابن الصالح في حياة أبيه ذكرني له سعد
(1/93)

الملك بختيار وعز الدين حسام وشكراً فعث خلفي ساعياً إلى هدف كان له في المقابر التي على باب النصر فدفع لي ثلاثين ديناراً من غير مدح ولا خدمة ثم واصلته فتضاعف بره وإيناسه حتى لم يكن يركب إلى متنزهاته من التاج والروضة والمختص وعين. شمي للصيد إلا وإنا معه ولم يزل لي مكرماً إلى أن خرج الملك الصالح إلى بلبيس خرجته الأولى وعمل فارس المسلمين بدر بن رزيك لأخيه الصالح ضيافةً مثله لمثله ثم خلع خلعاً كثيرة ووهب خيولاً وفرق مالاً على الجلساء فلما عدنا إلى القاهرة مرض فارس المسلمين وعوفي فدخلت أهنئه وليس معي شعر ولا بيني وبينه أنسه كثيرة لانقطاعي إلى رزيك فأمسكني عنده حتى خرج الناس ثم أفاض علي خلعاً سنيةً ودفع لي ذهباً وقال لا تنقطع عني فمدحته بقصيدة أذكر فيها ما فعل في بلبيس واشكره على الخلعة والبر منها: [كامل]
لم يبقِ نوعاً تقتضيه كرامةٌ ... حتى أتى منها بما لم يُعهدِ
(1/94)

أهدى مع الخلع النضارَ وما ارتضى ... بهما فجاد بكل نهدٍ أجرد
ورأت عيون الناس من نفحاته ... كرماً بخبر عنه من لم يولد
منها في ذكر الخلعة:
فأثابني عن حمده الخلع التي ... خلعت بحسرتها قلوبُ السد
رقت كما رق الهوى وتجسمت ... فلبست ذوب الماء لو لم يجمدِ
وأجلُّ ما في الأمر عندي أنه ... شرفٌ وبرٌ لمي كن عن موعدِ
مدتْ بهما يده إلى بدايةً ... منه ولا طرفي مددتُ ولا يدي
جاءت كما اختار السماح مصونة الإ ... حسان عن تسويف يومٍ أو غدٍ
منها:
ملك إذا قابلت غرة وجهه ... شفع الندى ببشاشة الوجه الندى
وأغِبُّ عن نادى نداه زيارتي ... خجلاً فيأبى أن يُغبَّ تفقدي
وحين وقف رزيك على هذه الحال لم توافقه وشرع في التقصير
(1/95)

عما الفتة وأخذ فارس المسلمين يتابع بالجميل عندي ويستدعيني للمؤانسة في كل يوم وليلة إلى أن انقطعت عن رزيك إلى فارس المسلمين وكتبت إليه في يوم عيد ولم يأتني من عنده أضحية.
[بسيط]
يا منعماً بنداه يعدمُ العدمُ ... وينجلي بهداه الظلمُ والظلمُ
وقادراًَ أمطرَ الدنيا ندىً وردىً ... ففاض من راحتيه البأسُ والكرمُ
هنيتَ عيداً تخطتني سحائبه ... وقد سقى الخلق منها وابلٌ رذمُ
عجبتُ كيف تناساني نداك وقد ... ظلت ضحاياك بين الناس تقتسم
نسيانُ مثلي بعد الذكر مغضبة ... إن الغنيمة عندي ما هي الغنم
ونشبت بينه وبين عمه وأخذ الرشيد ابن الزبير والشيزري
(1/96)

يحرضان مجد الإسلام على قطيعتي ويوقولان له من صحبتي لعمه ما أوجب اعتذاري إليه بقصيدة طويلة منها: [طويل]
ولي حرمة الضيف الغريب وخدمةٍ ... جنيتُ بها من جودكم ثمرَ العلمِ
وأحضرتموني في صدور مجالسٍ ... سرتُ بعلاكم وهي أعلى من النجمِ
فهل أنت يا ذخر الأئمة مقبلٌ ... عليّ ومجزٍ لي على سابق الرسمِ
فإن ابتسام البرق ليس بنافع ... إذا لم يبتْ فوق الثرى صوبه يهمي
ومن عجبٍ أن مر حولٌ محرَّم ... كما ساءني من غير ذنب ولا جرمِ
أمورٌ غدتْ في النفس منها حزازةٌ ... وحظٌ يخزُ الدهرُ فيه إلى العظمِ
وما جاءني ن قلة الحزم حادثٌ ... وإني لمدلول على طرق الحزمِ
ولكنها الأقدارُ يمضي صروفها ... على المرء مختاراً لها وعلى الرغمِ
ومنها في مدحه ومدح عنه:
وكم من يدٍ مجديةٍ فارسيةٍ ... أتتني كما يأتي الشفاءُ إلى القسمِ
(1/97)

فقل لليالي قد حللتُ ببرزخ ... يحيط به بحران فضلهما يطمي
إذا اشتاق غيري ساحل اليم مورداً ... وجدتُ جهاتي كلها ساحلَ اليمِّ
وفي أي ظل منهما كنتُ نازلاً ... رأيت نزول المكرمات على حُكمي
واجتمع الصالح وأخوه وأبناه في مجلس في بعض الولائم فأمرني عز الدين أن ارتحل فيهم فقلت ارتجالاً.
[طويل]
إذا نزلتْ أبناءُ رزيكَ منزلاً ... تبتسم عن ثغر النباهة خاملُهُ
وخيّم في أرجائه المجدُ والعلى ... وجاد به طلُّ السماح ووابلُهْ
ملوكٌ لهم فضل بأبلج منهم ... محافله تُزهى به وجحافلُهْ
تزرُّ على الليث الغضنفَر درعُه ... وتُلوى على الطود المنيف حمائلُهْ
يفيضُ علينا كل يوم وليلة ... بلا سبب إفضالُه وفضائلُهْ
يُثيب على أقوالنا متبرعاً ... على أنها من بعض ما هو قائلهْ
بكم شرفَ الإسلامُ وانتصر الهدى ... وقامت قناة الدين واشتد كاهلُهْ
وأصبح منكم مجدُه وجلاله ... وفارسه يوم الهياج وكافلُهْ
يتلوه أخباري مع عمه فارس المسلمين أخبار بدر بن
(1/98)

رزيك فارس المسلمين أخي الملك الصالح اختصني بأنسه، واصطفاني لنفسه، واستغنى بي عمن ألفه، وسلا بي عمن عرفه، وساهمني في جميع أسراره، وغوامض أخباره، وكانت حاشيته تلوذ بي فيما يرجونه ويخشونه منه ووجدته سليم الصدر، من كدر الغدر، حمل إلي مهراً كميتاً بعدته فشكرته بقصيدة منها: [طويل]
فدى لبنى رزيكَ قومٌ رفعتُهم ... بمدحي ولما يرفعوا لثنا قدرا
لقد زهدتني في رجالا صلاتكم ... ومن شام نور الشمس لم يحمد الفجرَا
بعثتَ بطرفٍ يسبق الطرفَ عفوهُ ... وتغدو الرياح الهوجُ من خلفه حسرَى
حكى الوردَ والياقوتَ حسناً وحمرةً ... وتاهَ فلم يرضَ العقيقَ ولا الجمرا
وأرسلتُه في الحسن وثراً كأنني ... أطالب عند النائبات به وِثرا
نذِرْتُ ركوب البرق قبل وصوله ... فوفيتُ لما جاءني ذلك النَّذرا
زففتُ القوافي في عُلاك عرائساً ... فساق لها الإحسانُ في مهرها مهراً
(1/99)

ولما قتل لصالح هاجت، القاهرة وماجت، وذل الجرى، وخاف البري، فلم أشعر حتى وصلني أحد غلمانه بخمسين ديناراً وقال إنه قد جاءنا من هذا الأمر ما يشغلنا عنك وإنا لا ندري ما تكون العاقبة فانقل أهلك إلى مصر ورتب أحوالهم بهذا الذهب فانتقلت إلى مصر وصعدت إليه فوجدته في قاعة البحر وهو لا يوصل إليه لفرط الزحام عليه ثم بصر بي فأومى لي بيده أن أدور من ناحية أخرى ففتح الخريطة وقبض لي منها قبضة بلا عدد زادت على الثلاثين وقال اشترِ بهذه الدنانير على وجه العيد ما يحتاجه أهلك فإنا عنك مشاغيل فقلت من قصيدة أشكره على ذلك.
[طويل]
وفي كل يوم لا تزال صلاتُكم ... إلى منزلي تُبدي الندى وتعيدُ
وأعجبُ ما شاهدتُ إحسانُ كفّه ... إلى وقد عضَّ الحديدَ حديدُ
ولم تُلْهِه عن عادة الود مِخنةٌ ... بها الرمح غاوٍ والحسامُ رشيدُ
(1/100)

رآني لو رأت يابسَ الثرى ... لأينعَ مخضرٌ وورقَ عودُ
وما الجود إلا فطنةٌ وتيقُّظ ... وما البُخل إلا حيرةٌ وجمودُ
وأحسنُ من نُعماه عندي كرامةً ... صديقي عليها كاشحٌ وحسودُ
وخلع علي يوماً وحملني على حجر فقلت أشكره من قصيدة: [بسيط]
قد كثَّرتْ عدد الحُسّاد أنعمه ... عندي وما كثَّر الحسادَ كالنِعَمِ
كم رحتُ عنه أجرُّ الذيل من خلعٍ ... أعلامُها كرياض الحزن والسلَمِ
إن كنتَ أحسنتَ فالإحسانُ أنطقني ... والشكرُ من نفحات الروض للديمِ
سكرُ لقوافي على مقدار ما شربتْ ... من خمرة عُصرتْ من كرمة الكَرَمِ
وقال من قصيدة يذكر حريق منظرته على الخليج بعد نصف الليل ويذكر داره الأخرى وما فيها من الستور وتصاويرها وقاطعها.
[كامل]
(1/101)

وأرى السعودَ لها عليك وفادةٌ ... تصل الهواجرَ والمدياجرهَ والسُّرَى
فلو اقترحتَ على الزمانِ شبيبةً ... سلفَتْ أتاك بها المشيبُ مبشراً
لم تحترق دارُ الخليج وإنما ... شبتْ لمن يسرى بها نارَ القِرَى
طلبتْ يفاعَ الأرض دون وهادها ... فتوقدت في رأي شامخة الذرى
أو هل تزور النارُ ساحةَ جنةٍ ... أجريتَ فيها من نداك الكوثراَ
أنشأتَ فيها للعيون بدائعاً ... زفتْ فأذهل حُسنُها من أبصرا
فمن الرُّخام مسيَّراً ومسهَّماً ... ومنمنَماً ومدرْهَماً ومدنَراً
والعاجَ بين الآبنوس كأنه ... أرضٌ منالكافور تُنبت عنبراً
قد كان منظرها بهياً رائقاً ... فجعلتها بالوشى أبهى منظرَا
وكذاك جيدُ الظبي يُحسن عاطلاً ... ويرقك البيتُ الحرامُ مستَرَا
ألبستها بيضَ الستور وحمرَها ... فأتت كزهر الورد أبيضَ أحمراَ
فمجالسٌ كسيت رقيماً أبيضاً ... ومجالسٌ كسيتْ طميماً أصفرَا
لم يبقَ نوعٌ صامتٌ أو ناطقٌ ... إلا غدا فيها الجميعُ مصوَّرَا
فيها حدائقُ لم تجدها ديمةٌ ... أبداً ولا نبتت على وجه الثَّرَى
(1/102)

والطيرُ مذ وقعتْ على غصانها ... وثمارها لم تستطع أن تنفرَا
لا تعدمُ الأبصارُ بين مروجها ... ليثاً ولا ظبياً بوجرةِ أعْفَرَا
أِنستْ نوافر وحشها بسباعها ... فظباؤها لا تتقي أسدَ الشرَى
وبها زرافاتٌ كأن رقابها ... في الطول ألويةٌ تؤمُّ العسكرا
نوبيةُ المنشى تُريك من المها ... رَوْقا ومن بزل المهاري مشفَرَا
جُبلتْ على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيه تمشى القهقَرَا
يا أيها الملك الذي اعتصمتْ يدي ... منه بحبل غير منفصم العُرَى
اسمع جواهر خاطرٍ لو لم يَغُضْ ... في بحر جودك لم يقلْ ذا الجوهرَا
روَّى منابتَ كرْمها الكرَمُ الذي ... أضحى بينبوع النَّدى متفجرَا
واتفق حضوره ليلةً مجلس أخيه الصالح والشعراء تنشد المدائح في مجد الإسلام بسبب نوبة بهرام وليس له فيها ذكر وكان الفتح له ولضرغام وكنت لا أقدر أن أذكره في القصيدة خوفاً من رزيك لأن كل من كان من أصاب رزيك أخذ الإنعام ومن كان مع فارس المسلمين حرم حتى أن الأمر بلغ به أن سيرني إلى ضرغام أخطب واحدة من بنات أخويه ملهم أو همام لولده
(1/103)

العماد قصدا منه في الاعتضاد بهم وعمل القاضي الأعز في القضية شيئاً يظن قوم أنه شعر ذكر فارس المسلمين فيه فلما زرته من الغد قال فتحتي ولا أنت وأنت صاحبي قلت فأنى يمكنني أن أجعلك إضافةً في مديح غيرك قال فهاتِ ما عملت لي على الانفراد فلعله أن يزيل ما عندي من العتب عليك ولم أكن عملت شيئاً قلت له في غدٍ إن شاء الله ثم بت ساهراً ليلي كله حتى غدوت عليه بقصيدة أولا: [طويل]
نسيبٌ ولكن بالقنا والصوارم ... ومدحٌ ولكن للعلى والمكارمِ
ومقتضباتٌ من قوافٍ كأنها ... جواهرُ لم تعبث بها كفُّ ناظمِ
شغلتَ بأوصاف لمظفَّر خاطرا ... يرى مدحه إحدى الفروض اللوازم
إذا عرضتْ لي مقرباتُ جياده ... نسيتُ بها سرب الظباء النواعمِ
(1/104)

وإن بسمتْ يوماً بروقُ سيوفه ... ذهلتُ بها عن بارقات لمباسمِ
أراك إذا قارءتَ يا بدرُ خطةً ... من الدهر لم تقرع لها سنَّ نادمِ
ولله عزمٌ ليلةَ السبت أسفرتْ ... صبيحتُه عن مُسفِر الوجه باسِمِ
طويَ بساط الأرض في نصف ليلة ... كأنك طيفٌ زار أجفانَ نائمِ
كتمتَ السرَى حتى كأنك في الدُّجى ... خيالٌ ملمٌ أو سريرةُ كاتمِ
تخوفتَ منها أن تنمَ إليهمْ ... بمسراكما والريح أمُّ النمائمِ
توهم بهرامٌ أو يوسفُ ضلةَ ... من الرأي لم تخطر على وهم واهمِ
لقد قسم الرحمنُ بينهما البلا ... بما فعلا والله أعدلُ قاسمِ
فهذا له بالأسر فقرُ وذلّة ... وهذا له بالقتل حزُّ الغلاصمِ
ولم أورد منها هذه الأبيات إلا شاهداً للحال الجارية فرضى وتضاعف إكرامه وإنعامه واجتمع هو والصالح ورزيك في وليمة عنده وفيها عقدٌ للعماد ابنه بتقدمة زمّ أو شيءٍ أنسيته
(1/105)

قلت من قصيدة كلها جيدةٍ؛ [وافر]
فمن عثرتُ به قدمٌ فإني ... بمصرٍ قد عثرتُ على المرادِ
حللتُ بنيلها فوجدتُّ نيلاً ... كفاني منةَ الوَشْل الثِمادِ
ولما زاف عندي كلُّ نقد ... وميَّزْ بهرجَ الناس انتقادي
جعلت إلى بني رزيك قصدي ... فأولوني الجميلَ بلا اقتصادِ
بذلتُ لمجدهم غُرَّ القوافي ... بما بذلوه من غُرّ الأيادي
همُ جعلوا لساني بالعطايا ... خطيبَ نداهمُ في كل نادِ
منها في الصالح:
مطاعُ الأمر تقسَم من يديه ... على الآمال أرزاقُ العبادِ
واذكر يوماً أني كتبت غليه هذه الأبيات أسئلة أن يجعل جاريَّ فيما يستخلصه غلامه صابر الدولة من راتبه والشريف الجليس
(1/106)

يومئذ ناظر مع ابن دخان في الديوان وهي: [سريع]
قل لأبي النجم الذي منُّه ... كمنّة النجم على الساري
وحقِ نعمائك وهي التي ... أعدُّها من نعمة الباري
ما يَملك الخادم في وته الح ... اضر شيئاً غير دينارِ
والويل للشعر إذا لم يصل ... وأنت لي عونٌ إلى الجاري
وصابر الدولة أقوى على العُ ... صفور من ظفري ومنقاري
فوزن المبلغ من خريطته وأمر صابر الدولة باستخراجه وكنت قد شرعت في مرمة دار سعدٍ الافتخاري فكتبت ليه: [كامل]
يا سيدا أوصفُه ... درجُ المديح إلى الفخارِ
اسمعْ فديتُك قصتي ... متفضِلاً وأقلْ عِثاري
هي قصة نتفتْ سبا ... لَ الشعر بل سلبتْ شِعاري
(1/107)

لا أستجير حديثَها ... إلا بحُكم الاضطرارِ
أوقعتُ نفسي جاهلاً ... في دار سعدِ الافتخارِي
غلطتُ فيها غلظةُ ... أزرتْ بقدري واقتداري
ضرب الظَّهيرُ ببذلها ... منّى الفقارَ بذي الفقارِ
وظننتُ شرَ بليتي ... فيها يؤول إلى اختصارِ
وإذا العِمارة لا يليق ... بغير أرباب اليسارِ
وكفاك شراً أنني ... بِعتُ المُوطَأَ والبُخارِي
لم أدرِ أني عندها ... كمبحَّر في ألف خارِ
لما كشفتُ عيوبها ... أكسلتُ بعد الانتشارِ
دارٌ هممتُ بتركها ... ولو أنها دار القرارِ
وعلى نداك معونتي ... فيها فقد وقفتْ حمارِي
وتسابق فرس صالحي وفرس فارسي فسبق الفارسي فعز ذلك على الصالح وعلى ابنه ولما كان بالليل مجلس الأنس أعاد الجماعة
(1/108)

ذكر السبق فقلتُ ارتجالاً في المجلس.
[طويل]
سأحكم في أمر السباق حكومةً ... تُبرهن عن فصل الخطاب وتنطقُ
رأيتُ الجواد الفارسيَّ وقد أتى ... أمام الجواد الصالحي يُحلّقُ
فقلتُ لقوم لا تظنوه سابقُ ... فما هو إلا حاجبٌ ومُطرِّقُ
جوادان كلٌّ منهما في رهانه ... بأخلاق مولاه غدا يتخلقُ
فقال الجماعة فتحت لنا باب لعذر بقولك حاجب ومطرق ثم اجتمعت بفارس المسلمين فأشرت عليه بحمل الفرس إلى أخيه ومحاسن المديح فيه تخجل من إحسانه أخبار الأمير عز الدين حسام وهو يضرب من خؤولة الصالح لأمة بسهم أغنته شهرته عن أبيه وعمه همته عصامية، وراحته غمامية، أول معرفتي به أني في سنة إحدى وخمسين أقبتُ رسولاً من أمير الحرمين ووجدته والياً بعض مراكز الصعيد وقد سمع بخبري عند ناصر الدولة بقوص فأعد لي ضيافة على ساحل النيل وصلت معي لكثرتها إلى القاهرة ثم لم يلبث أن صرف فتأكدت المعرفة والصحبة وحين قدمت في الطريق
(1/109)

الثانية أرسل إلى منزلي ذهباً وغلة وغنماً ثم اتصل افتقاده وكسواته ولما ولى لحبرة استدعاني بكتاب واستأذن الصالح في انحداري إليه فوصلني بعين وثياب وغلة وغنام ودواب وفرس تزيد قيمة الصلة عل خمس مائة دينار ولم أقم عنده سوى ليال ثلاث وهو بكوم شريكٍ وعمل شعرا في الصالح يسئل الصرف وسيره على يدي وتكدر صفوه وتقاصر بره بميلي إلى فارس المسلمين وبسبب بعض أهل الأدب كان تغيره علي ولما بعد قدومه من دلجة وراح شاور إلى الواحات استأذنت الناصر رزيك في السلام عليه فقال والي الآن لم تسلم عليه وله في جزيرة الذهب ثلاثة أيام فمضيت إليه وعاتبني على انقباضي عنه ثم قال ما الذي أعددت لي من ضيافة قلت حسن الظن فيك وأليقه بكرمك فقال تناول ما تحت المخدة فوجدت خمسين ديناراً ثم قال
(1/110)

لي إني كنت سيرت إلى كل واحد من الجلساء على يد وكيلي بصلة وأغفلتك قاصداً لعتبي عليك في انقطاع مديحك عني ثمانية عشر شهراً قلت له لم أزرك إلى البحيرة إلا بكتابك فلو فعلت ذلك زرتك قال حديثنا في غير هذا ثم أتيت إليه بعد دخول القاهرة بقصيدة فقال أوقفني عليها قبل أن يسمعها غيري فإن كانت جيدة فقد أعددت لها جائزة جيدة قلت لا تسمعها إلا مني ثم أنشدته قول البحتري: [كامل]
اسمعه من قوالةٍ تزددْ به ... عجباً فحسنُ الورد في أغصانه
ثم أنشدته القصيدة فملأ يدي ذهباً ولم تلبث أيامهم أن زالت ولما عاد من دمنهور في نوبة طرخان تذاكرنا أحوال من تسمو نفسه إلى الوزارة فقال لي ما أخاف على ملكنا إلا من شاور لا غير وكانت دعابته كثيرة الودك لا يغسلها الاعتذار وكانت نفسه ملوكية الرئاسة تنمو وتسمو تهب الكثير وتحتقره
(1/111)

يحذو على مثال الصالح في ارتياض النفس بالمعارف ومحبة أهلها فما قلت فيه أشكره [بسيط]
يا سائلي عن فروض الجود أو سننهْ ... وعن مناقب من يمشي على سننهْ
إن المظفَّر عزّ الدين أكرمُ من ... عرفتُ في الزمن الماضي وفي زمنِهْ
وما مدحتُ أنا الماضي مجازفةً ... لكن شهدتُّ بما شاهجتُّ من مننِهْ
لم يستفد عاذلوه بالملام له ... فأطلقوا جودَه يمشي على رسنهْ
تفيض بالبذل عند العذل راحتُه ... كأنّ راحته تصغي إلى أذُنِهْ
وقت أشكره: [بسيط]
إني غنيتُ بعزّ الدين عن نفرٍ ... خطي المديح إليهم من خطاياهُ
أغرَّ تندى قوافي الشعر إن ذكرتْ ... أخلاقه الغُرُّ فيها أو عطاياهُ
فلو لمستَ القوافي أو أشرتَ إلى ... ألفاظها قطرتْ منها سجاياهُ
(1/112)

ولما ثار طرخان من الإسكندرية يطلب الوزارة ندبه الصالح وورداً غلام الصالح ليهجما عليه في البحيرة قبل أن يعدى إلى الغربية في غلمانهما فسارا من البحيرة صلوة العصر أو بعيدها وهما على طرخان بدمنهور في زقت صلوة العصر من اليوم الثاني فكسراه وهرب تحت الليل فقلت أمدحه وأذكر الحال من قصيدة أولها [كامل]
بهرت مناقب مجدك الأوهاما ... واستبعدت حسناتك الأفهاما
ونصرت ألوية الهدى بوقائعٍ ... أصبحت فيها يا حسامُ حساما
ألونْ بطرخانٍ بوادرك التي ... سبقت غليه الظنَّ والأوهاما
لولا الفرار وساتر من ظلمة ... قسماته منها أشد ظلاما
لجعلته للبيض أول مغنم ... وقسمته بشفارها أقساما
وخلقت من صمّ الصعاد لرأسه ... جسما يزيد على الجسوم تماماً
(1/113)

رام الوزارة خاطباً فأجبته ... بفوارس أسلته عما راما
قد كان هام بها فلما عقته ... عن وصلها ركبَ الفرار وهاما
ولقيته حين استدعاني إلى البحيرة بقصيدة أولها [كامل]
أنسيم عرفك أم شميم عرارِ ... وسقيم طرفك أم سفيحُ غرارِ
جادت محلك بالغميم غمامةٌ ... تخلى بوادر دمعي المدرارِ
لا تبعثي طيف الخيال مذكراً ... فهواك يغنيني عن التذكارِ
منها:
وإلى البحيرة لا إلى صوب الحيا ... طارت بنا العزمات كل مطارِ
لبيك من داعٍ أتيتُ ملبياً ... لما دعا والثغر فيه شعاري
وردتْ أوامره على فمذ اتا ني أمرهُ لم يستقرَّ قراري
فارقتُ في قصدي لبابك حضرةً ... شرفتْ بها مصر على الأمصارِ
متيقنا أني بقصدك لم أغب ... عنها ولا عن مجلس السمارِ
لك من بني رزيك بيتٌ خلقتْ ... أقداره بقوادم الأقدارِ
(1/114)

إن أيدوك وأيدوا بك ملكهم ... فلكم يمين أيدت بيسار
لما غدوتَ أبا المهند عندهم ... سِرَّ الضمير وفارس المضمارِ
عقدوا عليك خناصرَ الثقة التي ... تزهتَ صافيها عن الأكدارِ
منها
لنا وليتَ على البحيرة أصبحت ... حرماً رخيص الأمنْ والأسعارِ
أمنتها حتى توهمَ أهلها ... أن لا يروعَ ليلهم بنهارِ
وحميت قطريها فليس بجوها ... ريحٌ تهبّ ولا خيالٌ سارِ
من مبلغٌ عني العواذلَ أنني ... ضيفٌ لرحب الباعِ رحبِ الدارِ
ملكٌ عيبَ عيبَ بأنه ... عاري المناكب من ثيابٌّ العارِ
قد قلتُ من حسن الثناءِ قصائدٌ ... ركبتْ إلى التيار في التيارِ
قد قلتُ إذ قالوا أجدت مديحه ... شكرُ الرياض يقلُّ للأمطارِ
مختارُ قيسٍ حاز مختارَ الثنا ... ما أحسنَ المختارَ في المختارِ
(1/115)

وهي طويلة فخلع على بدلة مذهبة ووصلني بمال وناب عني وقد جرى ذكري فقال خيراً وأخبرني الشيخ الجليس أبو المعالي ابن الحباب بذلك فقلت أمدحه وأشكره من قصيدة طويلة منها [طويل]
وقدمك السعيُ الحميدُ إلى العُلى ... ومن لم تقدمه المساعي تأخراً
أقول لمن أطرى على الجود حاتماً ... وكعبا ويوم البأس عمراً وعنتراً
أما وأبي الماضي لقد قال مجده ... دعِ الخبر الماضي وحدث بما ترى
لئن أحسنتْ فيه القوافي فإنه ... رآني بعين لا يراني بها الورى
أضاف إلى الجود الكرامة واستوت ... نيابته عني مغيباً ومخضراً
وألبسني الموشى من حبراته ... فألبسته وشى الثناءِ محبراً
وحالفني فالجود منه مكرر ... ومني له المدح الذي ما تكررا
وإني وإن أهديتُ من حسناته ... إلى سمعه القول الذي ليس يفترا
(1/116)

أذمُّ إليه خاطراً كلما جرى ... إلى شكر ما أولى من الجود قصراً
ولو بلغتني ما أريد بلاغتي ... نظمت له نثر الكواكب جوهراً
ولما خيم على جزيرة الذهب من الجيزة بعد نوبة ولجة ورجوع شاور إلى واحات عديت إليه بعد العشاء الأخرة والمشاعل قد كشفت الأشخاص من بعد والناس عنده على السماط فقالوا له هذا شخص واصل من المعادي فقال ما زيه قالوا زي القضاة قال هو فلان لأنه لم يبق أحد ن أهل القاهرة ومصر حتى جاءني إلا هو قالوا هوهو ثم قال لورد عش الناس وقام من السماط إلى الخيمة فجلس لي حتى سلمت عليه وكان أبوه نائماً في الخيمة فقال له ادع لنا الخيمة نتفسح أنا وفلان ثم قال هات حدثني بأي عين عندكم ولا تجاملني قلت له أنت الأمير عز الدين حسام قال لا غير قلت لا غير وكأنه أراد مني أكثر من ذلك فقال الله ولولا أنا ودفاعي لشاور لعز على صاحبك فارس المسلمين شرب النبيذ على الأغاني في مناظر الخليج ثم قال لي ما ألفت من مناصحتك في المشورة فإني
(1/117)

أشكر لك مشورات كثيرة قلت كم في ركابك من الغلمان قال خلق كثير قلت ومن السودان الذين يحملون السلاح قال جماعة فيها كثيرة قلت فإني أرى لك ألا تركب ومعك من السودان ا؛ د ولا من الركابية أكثر من عشرة ولا تتشبه بخالك إلى نزق الشبيبة عزة الملك وسوء التخيل منك والأجلان بدر وحسين جليساه وبينك وبينهم ما تعلم والشاعر يقول: [طويل]
متى يفلحُ الإنسانُ فيما يرومه ... وأعداؤه عند الأمير جلوسُ
قال نصحتني ولم يلبث أن دخل القاهرة فأنشدته قصيدة أعاتبه فيها وأمدحه أولها: [طويل]
قليل لك المدحُ الذي أنت فخرهُ ... ولو كان من نظم الكواكب نثرهُ
فسامحْ فما في مادحيك بأسرهم ... فتىً فكَّ من ربقِ انتقادك أسرهُ
فأنت الذي أغنى عن المسك نشرهُ ... ثناءً وأحيا ميتَ الجود نشرهُ
(1/118)

منها العتاب والاستماحة
فيا بحرَ جود طبق الأرض مدُّه ... ولم يك إلا دون أرضي جزرهُ
ويا وابلا بم يحظَ روضى بطله ... وقد عمَّ أقطارَ البسيطة قطرهُ
فأنعمْ بما عودتني من كرامة ... فوجهك معروفٌ نداه زبشرهُ
وليس بمثلي ثروةٌ تستفيدها ... ولكن به بعد الكرامة حقرهُ
ولي سابقاتٌ من وداد وخدمة ... يسرك سرُّ العبد فيها وجهرهُ
عمارتكم عمارُ بيتكمُ الذي ... به طل باعُ للثناء وعمرهُ
تخيركم دون الملوك فقد غدا ... إلى جودكم يعزى غناه وفقرهُ
وأنت الذي لا يعتريني نقيصةً ... إذا مر ذكري في القوافي وذكرهُ
وعندي من الشعر الملوكيّ ينتقى ... من اللؤلؤ المكنون باسمك درهُ
ومنها في ذكر رجوعه إلى الصعيد
وما الدهرُ شيء غيرُ ما أنت فاعل ... وإلا فما الليل البهيم وفجرهُ
فأوصِ بنا صرفيه خيراً فإنه ... إليك انتهى نهُى الزمان وأمرهُ
فإن يفعل الحسنى فأنت دللته ... عليها وإن يذنبْ فإنك عذرهُ
(1/119)

فقال لي أحسنت ولكن القصيدة ما يتوجه فيه الانتقاد على حزمك وعلى أدبك فأما الحزم فلو وقعت القصيدة في يد عدو لك آنذاك عند زريك وأما الطعن عليك من حيث الأدب فإنك أفرغت وسعك في المدح ولم تترك بيني وبين الخليفة والوزير غاية ترقيني إليها قلت أما التعرض للخطر مع السلطان فأنا واثق بك أنها لا تصل إليه وأما قولك أني لم أترك للخلافة والوزارة غاية من المدح إلا وقد مدحتني بها فدعني من قولك والله لو نثرت عليك عقد الجوزاء لاعتقدت أن حقك فوق ذلك فضحك وكان هذا آخر شعر لقيته به لأنه لم يبلغ إلى الصعيد إلا وقد توجه شاور من واحات يطلب البحيرة فذكر الله أيامهم بحمد لا يكل نشاطه، ولا يطوى بساطه، فقد وجدت فقدهم، وهنت بعدهم.
وممن يرتفع عن الأمراء بأبوة الوزراء حسان الدين محمود بن المأمون وإني لم أشعر في غداة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين حتى وصلتني منه بدلة من ثياب الملوك وخاصة ما يستعمل لهم ويلبسونه في المواسم من غير معرفة لي به ولا مكاثرة له ولا معاشرة ومع الغلام الواصل بها رقعة منه كتبت
(1/120)

على ظهرها ارتجالاً مع رسوله [خفيف]
قد آتتني تلك اليد البيضاء ... والأماني مصونةُ والرجاءُ
منة لا يلوح منُّ عليها ... وابتداءُ لا ينتديه ابتداء
فتقبلتها وقبلت منها ... موضعا مسَّه الندى والسخاء
وتخيرت في المكافاة عنها ... فإذا خيرُ ما ملكتُ الثناءُ
فبعثتُ المديح يشكر عنّي ... منةً تركُ شُكرها فخشاءُ
وعلى أنني وإن كنتُ متن ... تتحلَّى بشعره الجوزاءُ
فيدُ الشكر والمحامد أرضٌ ... ويدُ الفضل والجميل سَماءُ
ومن آل رزيك الأجل سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح كانت الأخبار قد ترامي إليه بخبر وصولي إلى عيذابَ وقوصَ فلما وصلت إلى العدوية تركت العشارى بها وركبت حماراً وأتيت على بئر الدرج والقرافة واجتمعت به في خزانته من دار الوزارة عند المغرب وأنا ضاربٌ لثاما ومخففٌ عمامتي ومجرس صوتي فقلت له أنا رسول الرسول إليك وجميع حاجته أن تحمل عنه مؤونة السجود عند السلام
(1/121)

على الخليفة والوزير فقال أما السجود للوزير فأنا أحمله عنه وأما الخليفة فأنا أجتهد في تخفيف الحال وأما رفعها بالجملة فلا أقدر ثم قال لي وما الذي يحسن هذا الرجل قلت هو فقيه وعنده طرف من الأدب فقال تعني شاعراً قلت نعم قال هذه نقيصة في حقه ثم دعته وركبت الحمار وخرجت من القاهرة ليلاً فبت مصر ولما اجتمعت بسيف الدين في اليوم الثاني قال لي اجتمع بي كاتبك البارحة فأما السلام على السلطان فيكون في هذه الساعة فلما استدعى للغذاء عند السلطان قال عندي رسول صاحب مكة وكنت أظنه عاقلاً وإذا هو ناقص قال له الصالح وبأي شيء عرفت نقصه قال لكونه يحسن شيئاً من هذا السُّحت الذي تعلمته أنت والجليس وابن الزبير قال الصالح لعله شاعر قال نعم قال الصالح هاته هاتِ الرجل ثم انشد الصالحُ [بسيط]
إن الذي تكرهون منه ... ذاك الذي يشتهيه قلبي
(1/122)

وبالغ سيف الدين في إكرامي وقضاء حوائجي ومن مجلسه عرفت أعيان الأمراء وتوجهت إلى الحجاز واليمن وأنا من أشكر الناس له وأكثرهم ثناءً عليه ولمّا حججت سنة وهمسن لقيت بمكة قوماً من أصحابه في المذهب ولا علم لي بهم فجرى بيني وبين رجال منهم مذاكرة في مسألة كنت فيها مستظهراً عليه وخرجت من مكة إلى اليمن وعاد ذلك الرجل إلى سيف الدين فنسبوا إلى القول في مذهبهم ما غير نية سيف الدين ورجعت إلى مكة حاجاً في الموسم الثاني فوجهني أمير الحرمين ثانيةً إلى الصالح أعتذر عنه في مال تناوله خدمةً من التجار فلما قدمت قوصَ كتب سيف الدين ملطفاً إلى عز الدين طرخان وإلى الصعيد الأعلى بأن يعوقني عن الانحدار وعن الرجوع إلى اليمن والحجاز وأن يقطع عني رسم الضيافة حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من أموال التجار ولما وصلت إلى مصر كتبت إلى الصالح بخبر قدومي فاعترض سيف الدين
(1/123)

وتقدم إلى أصحاب الديوان ودار الضيافة أن لا ينزلوني ولا يطلقوا لي رسم الضيافة ومرضت شهراً ثم عوفيت فلقيت سيف الدين بقصيدة زال بها ما عنده وعاد إلى أفضل عاداته وضاعت القصيدة فيما نهب لي عند حريق القاهرة وقتل ضرغام ثم قلت فيه قصيدة أخرى أشكره على ما تجدد من جميل رأيه أولها وعرضت به في الغزل.
[بسيط]
تيقنوا أن قلبي منهم يجب ... فاستعذبوا من عذابي فوق ما يجب
وأعرضوا ووجوه الودّ مقبلةٌ ... وللمكلَّفٌّ قلبٌ ليس ينقلبُ
ولو قدرتُ لاسلاني عقوقهم ... وكم عقوقٍ سلتْ أمٌ به وأبُ
إن م يكن ذلك الإعراضُ عم مللٍ ... فسوف ترضيهم العتبى إذا عتبوا
وإن تكدّر صافٍ من مودتهم ... فالشمس تشرق أحياناً وتحتجبُ
منها:
لم ترضَ عيذابُ أني مسني نصبُ ... من أهلها وجرى لي منهم شغبُ
حتى لقيتُ بقوصٍ لا سقتْ أبداً ... أكنلفَ قوصٍ ولا من حلَّها السحتُ
(1/124)

عوارضاً كشفَ المريخُ صفحته ... فيهمنَ والمشتري عنهن مختجبٌ
وكان إعراض سيف الدين أكبرَ ما ... لقيتُ والبحرُ تنسى عنده القلبُ
أتيتُ من مأمني فيه وفاجأني ... ما لم تكن أعينُ الآمال ترتقبُ
وأرجف الناس حتى قال قائلهم ... يا رائد الحيّ لا ماءٌ ولا عشبُ
فقلت هل أقفر الوادي أم افترق الس ... نادي أم انحلّ ذاك العقدُ والكربُ
فقيل بل جملةُ الأحوال حالية ... ومعقلُ العزّ معمورُ القنا أشبُ
وإنما المجلسُ السيفيُّ منحرف ... فإن تعذَّر مأمولٌ فلا عجبُ
وكيف لا تعرضُ الدنيا متابعةً ... لرأيه وهو في إقبالها السبُ
لولا شفاعته الحسنى ونائله ال ... أسنس لما أنجح المسعى ولا الطلبُ
يا جامع العزّ والتقوى وبينهما ... بونٌ بعيدُ المرامي ليس يقتربُ
قد بان لي منك أمرٌ كنتُ أجهله ... وغامضُ العلم بالتدريج يكتسبُ
بأنكِّ المرءُ في أهل وفي وطنٍ ... لكنه بالسجايا البيض مغتربُ
ضافي المروءة لولا فضلُ نخوته ... ودينه أدرك الواشون ما طلبوا
وكيف ينفقُ زورٌ عند مجلسيه ... والغالبان عليه الدين والحسبُ
(1/125)

وعاد معي إلى أفضل ما كان عليه من الانبساط وسماع الفضيلة والنادرة والضحك فكنت لا أجتمع به إلا إذا حجب الناس وقام فإني أقعد عنده حتى يقوم فأتحدث معه بما يخف عليه من أنواع المحاضرة والمذاكرة فأذكر يوماً أنه توضأ ومسح رجليه ولم يغسلهما فتناولت الإبريق فسكبت الماء على رجله فجذبها وهو يضحك فقلت له إن كان الحق معكم في مسح الرجلين يوم القيامة فما نُعطى ولا نعاقب على غسلهما وإن كان الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة لأنكم تتركون غسل الرجلين وهو فرض فكان يقول لي بعد ذلك الله لقد ادخلت على قلبي الشك والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء وقال لي يوماً ونحن على خلوة أعلمت أن الصالح طمع فيك أن تصير مؤمناً من يوم دخل الأشتر بن ذي الرئاستين في المذهب ولولا طعمه فيك أن ترجع إلى مذهبه ما سامح ابن ذي الرئاستين بدرهم
(1/126)

فأنشدته قولي: [مجتث]
مجالس الأنس تطوى ... على الذي كان فيها
فقال قل ولا حرج قلت لو لم أكن على بصيرة من مذهبي لمنعتني النخوة من التنفل فكان بعد ذلك يقول للصالح ما لكم فيه طمع فاتركوه.
وأما طي بن شاور فإن جميع ما قلته فيه نهب من دار الخليج ولم تطل مدته بل كان لي مكرماً وإلى محسناً هو الذي زادني في الراتب خمسة عشر ديناراً إقامة وأطلق لي في القوت مائة اردب وستين وأطلق لي رسم الشعير لخيلي ورتب لي عشرين اردباً من القمح في كل شهر وعشرة شعيراً ورتب لي من خريطته خارجاً عن راتبي وهو أربعة وعشرين ديناراً وخلع على ثلث مرات وحملني على مهرة دهماء وبرذون وأطلق
إذني عليه وقبل شفاعتي إليه ... وأذكر ليلة أنه استدعاني وقد
نمت فركبت ومعي مشعل من عنده فوجدته في دار عباس بالصاغة وقد كاد الشراب أن يغلبه فأفاض على ثيابا سنية
(1/127)

ودفع لي خمسين ديناراً وقال الله لو ملاك لك هذه الفسقية ما قضيت حقك لقولك في أبى؛ [طويل]
ولله في واحات أيامك التي ... تزيد على مر الدهور شهورها
أقمت بها تلوي حبالَ مكيدة ... لوى عنقَ الدنيا إليك مريرها
وقد زعموا أنّ الملوك مناهلٌ ... فإن صح ما قالوا فأنتم بحورها
ودخلت إليه يوماً وفي يده تفاحة كبيرة مذهبة فدفعها لي فوجدتها ثقيلة فقال لي هبها لجواريك وبقيت في كمي ولما قمت قال لمن لحقني قل له أن فيها أربعين ديناراً ورباعية فدفعتها للجواري كما أمر هذا في اليوم السابع والعشرين منه سير إلى
(1/128)

منزلي من الفطرة معتصمين كبيرين وسدًى من الحلاوة وعشرين ديناراً برسم العيد وفي اليوم الثامن والعشرين منه جاز رأسه على رمح تحت الطيقان والنساء يكبرن تلك الفطرة بأرجلهن ويولولن بالصراخ وكانت فيهن واحدة تحفظ قولي في الصالح [طويل]
أينسى وفي العينين صورةُ وجهه ... الكريم وعهدُ الانتقال قريبُ
فما زالت 0تكرره حتى رأت ضرغام فتركت ذلك فرحم الله طياً وأما أخبار الكامل بن شاور فإني أفتح من ذكرها كنيفاً، وأسعها ذماً وتعنيفاً، لما ولى أبوه أعمال قوص قال لي قبل مسيره ساعدني عند فارس المسلمين أن يقرضني مالاً أدفعه للصالح قبل خروجي فما معنى أكثر من ألف وثلاثمائة
(1/129)

ديناراً فأخذتُ له من فارس المسلمين مائة دينار حتى حمل للصالح الفين وقال لي قبل مسيره إن العرب من العرب وقد أوصيت الكامل أن لا ينقطع عنك وعاهدني على ما أراد وتوجه فلم يكن الكامل ينقطع عن منلي في الأسبوع مراراً إما ثلاثاً أو أكثر وربما ظل النهار كله وبعض الليل وربما طرقني سحيراً وخرج عشياً فما وزر أبوه [طويل]
تكلَّف لي عند اللقاء بشاشتهً ... وأقبحُ ما استحسنتُ بشرُ التكلفِ
ثم لزم الحجاب والإعجاب فكأنه ما يعفني وهذا غاية اللوم ولقيته بقصيدة أولها [طويل]
إذا لم يسالمك الزمانُ فحارب ... وباعدْ إذا لم تنتفع بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سمام العقارب
فقد هدَّ قدما عرشَ بلقيسَ هدهدٌ ... وأخربَ فأرٌ قبل ذا سد مأربِ
(1/130)

إذا كان رأسَ المال عمرك فاحتزرْ ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معركٌ ... يكرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعتني غدرُ الشباب لأنني ... أنستُ بهذا الخلق من كل صاحبِ
وغدرُ الفتى في عهده ووفائه ... وغدرُ المواضى في نُبوء المضارب
منها:
إذا كان هذا الدرُّ معدنه فمى ... فصونوه عن تقبيل راحة واهبِ
رأيتُ رجالاً أصبحتُ في مآدبِ ... لديكم وحالي وحدها في نوادبِ
تأخرتُ لما قومتهم عُلاكمُ ... على وتأبى الأسدُ سبق الثعالبِ
تُرى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهن أكرمَ نائبِ
لياليَ أتلو ذكرَكم في مجالسٍ ... حديثُ الورى فيها بغمز الحواجبِ
فلم يفلح لما زالت أيامهم الأولى وصار هو وعمه صبح منقطعين إلى همام أخي ضرغام لقيت هماما بقصيدة أقول منها في حق آل شاور جريا على عاديت في حفظ من مضت
(1/131)

أيامه [بسيط]
مآثرٌ لو تركنا شرحَ جملتها ... غنيتُ فيها عن التفصيل بالجملِ
منها الجميلُ الذي أبقيتَ سيرته ... في آل شاورَ حتى سار كالمثلِ
ما زلت توسعهم بشراً وتكرمةٌ ... حتى كأنَ ليالي القوم لم تزلِ
ولستُ في هذه الدعوى بملتمسٍ ... شهادة ولسانُ الحال يشهدُ لي
سجيةٌ من وفاءٍ فيك لو خلقتْ ... في صبغة الشعرَ المسودَ لم تحلِ
فقال الكامل بعد قيام همام لا أماتني الله حتى أقدر على مكافاتك فقلت في نفسي ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ولم تمض إلا أيام قلائل حتى عادت الوزارة إلى أبيه وإليه فاستأنف طريقته الأولى وتضاعفت وكأن الأيام بالنكبة الأولى أغرته وأضرته على مساوي العشرة مع الخلق حتى مع أبيه فإنه كان يصل إلى داره فيحجب عنه.
(1/132)

وكتبت إليه من قصيدة: [طويل]
وسمتَ بنعماك الرقاب تبرعا ... وأجيادُ شعري ما عيهن ميسمُ
وأنسيتني حتى وقفتُ مذكراً ... بنفسي وقوفاً حقه لك يلزمُ
وألغيتني حتى رأيتُ غنيمةً ... دخولي مع الجم الغفير أسلمُ
كأنيَ لم أخدمكمُ في مواطنٍ ... أصرحُ فيها والرجالُ تجمجمُ
ولم أغشَ هذا البابَ لأيام لم تكن ... تضايقي فيه الرجالُ وتزخمُ
كذبتُ على نفسي إذا قمتُ شاكراً ... وليس لسانُ الحال عني يترجمُ
وقالوا يجملْ لا تخلّ بعادة ... عرفتَ بها فالطيرُ أولى وأحزمُ
وهل بعد عتادانَ تعلمُ قريةٌ ... كما قيل أو مثلُ ابن شاورَ يغلمُ
فلم يفلح وخاطبته بقصيدة أقول فيها: [وافر]
مضى بدرٌ فأغنى عنه طيٌ ... بما أولى من الكرم الجزيل
وقدماً ما كنتُ أمدحُ للعطايا ... فقد أصبحتُ أمدحُ للسبيلِ
لقد طلعتْ علىَّ الشمسُ لما ... عدمتُ وقايةَ الظلّ الظليلِ
ولي فيه أشعار كثيرة ثابتة في الديوان لا حاجة إلى إيرادها
(1/133)

وأما البخل فكان مفتوح البصيرة فيه [طويل]
تسمى بأسماء الشهور فكفه جمادى ... وما ضمت عليه المحرمُ
ولم تكن له إلا حسنةٌ واحدة ولست أظلمه حقه فيها وهي أنه كان يردع إخوة شاور عن كثير من الظلم فإنه لولا هيبته عليهم أهلكوا الناس.
وأما الأوحد صبح أخو شاور فجاءني رسوله من سندفا بكسوة وغلة يستدعي المدح مني فكتبت إليه قصيدة منها: [كامل] لبيكَ تلبيةَ الحجيج إلى الصف=يا داعيَ الكرم المقيمَ بسندفا جودٌ تشوفَ ناظراه فزارني=كرماً ولم أكُ نحوه متشوفاً نزهتُه عن موعدٍ يغدو الندى=بنَجازه لي آملاً ومسوفاً وافي كبادرة الغمام إذا سرتْ=فتقدمت عن رعدها وتخلَّفاً قل لي فداك الأكرمُون ولا غدت=طيرُ المُنَى إلا ببابك عكَّفَا لأمِن السماحة أن تبيت مقدَّماً=بين المدائح قبلها وملَّفا وكتبتَ تسأل في قبول مثوبةٍ=منها ببابك منعماً ومشرِفَّا
(1/134)

وهي طويلة
أخبار ركن الإسلام نجم أخي شاور لم تكن لي به أنسة ولا معرفة حتى سمعني أنشد أخاه شاور بالليل قصيدة وفيها ذكر الكامل دون أهله فلما أصبح وجه إلى رسولا فحضرت إليه فقال لم تركت ذكرى وذكرت الكامل قلت إنما ذكرته تقربا إلى قلب أبيه فاعمل قلت حتى تعمل فضحك وأمر لي بعشرة دنانير فرددتها عليه وأقسمت لا صارت إلى ثم حملت له ما يوكل وعملت له مقطوعاً فغنى به عنده وتزايدت المعرفة عن الصحبة إلى المودة والمكاشفة فدفع لي إقطاعاً بمنية أبي اليسار من السمنودية وأطلق لي من خريطته في غرة كل شهر خمسة عشر ديناراً مدة ثلاث سنين فمن الشعر الذي قلته فيه على جهة الدعابة [متقارب]
أتيت إلى بابك المرتجى ... فالفيتهُ مغلقاً مرتجا
فقلت لبوابه سائلاً ... أيغلقُ باب الندى والحجى
(1/135)

فقال أراك كثيرَ الكلام ... وعندي من الرأي أن تخرجا
وإلا نتفتُ سبالَ المديح ... وأتبعتها بسبال الهجا
فضرب البواب وطرده عن بابه ولم يكن له ذنب وصرف من الغربية بالفلماط وشاور والروم على الإسكندرية فغضب وعاد إلى منية غمر فركبت إليه في البحر باستدعائه وأنشدته قولي [طويل]
ولما دنا علي ركابك هزني ... إليك اشتياق ضاع في جنبه صبري
وحين رأيت البرَ وعراً طريقه ... ركبت أخاك البحرَ شرقاً إلى البحر
وما أنا بالمجهول علم مسيره ... إليك ولا الخافيَّ حديثي ولا ذكري
ولا أنت بالمرغوب عن قصد بابه ... لقد جل عن زيد سؤالي وعن عمرو
(1/136)

ولا أنت ممن يرتجى لسوي الغنى ... ولا أنا من أهل الضرورة والفقرِ
سيسألني بعد القدوم جماعةٌ ... من الناس عماذا لقيت من الأمرِ
ولا بدَّ أن يجري الحديثُ بذكر ما ... فعلت معي فأخترْ بنا أشرفَ الذكرِ
ومن ينتجع أرض العراق وَجِلِق ... فمنيةُ غمرٍ مركزُ الكرم الغمرِ
ولي فيه من مقطوع [وافر]
ولا تسئلْ لجودِ يديه غيري ... فإنك قد سقطتَ على الخبيرِ
هو الركنُ الذي أسندتُ ظهري ... إليه فكان أقوى من ثبيرِ
ولستُ أخافُ أيامي ونجمٌ ... مجيري في زمان بني المجيرِ
حملتُ على نداه ثقل هميّ ... فقام وخفف عن ضمبري
واستشفع بي بعض أصحابه في حاجة فمكل بقضائها فقلت [طويل]
سأحمل نفسي عنك فعلَ مخُففٍ ... وأبقى على ودي وشكر لساني
(1/137)

تماطلني في حاجة لو بذلتها ... وأكرمتني أكرمتَ غيرَ مهانِ
وما أصنعُ المعروفَ إلا صنيعةُ ... يؤرخها شكري وفضلُ بياني
ولم يكن لسليمان بن شاور إلى من الإحسان ولا من التقصير ما يوجب ذكره.
ومن أماثل الأمراء وأعيانهم محمد بن شمس الخلافة كتبت إليه وقد انصرف من الإسكندرية أو من دمياط وقد سير إلى خمس منتخبات.
[وافر]
أيا شمس الخلافة وهو نعتٌ ... يصدقه جبينك بالضياءِ
رأيتُ ندى بنانك وهو أندى ... على العافينَ من ماء السماءِ
أبي حبِّ الصحابة في الهدايا ... ودان بحب أصحاب الكساءِ
تشيع جودُ كفك في الهدايا ... وعهدي بالتشيُّع في الولاءِ
وقلت في المعنى [منسرح]
(1/138)

قل للخطير الذي مكارمُه ... قد عظمتْ في زمانه خطرَهْ
وأقسم المجدُ أنّ صاحبه ... لا يتقي شره ولا أشرهْ
ليت نداه في حقّ خادمه ... كلُّ محبٍ للخمسة البرره
وكتبت إليه وهو بدمياط أستهديه عمامة شرب جديدة قصيدة منه: [وافر]
رأيتك في المنام بعثتُ نحوي ... بحامله الحيَا وهي الغمامة
فأولتَ الحيَا حياك مني ... وصحفت الغمامةَ بالعمامةْ
فأنفذْ لي بأطولَ من حسابي ... إذا أحضرتُ في يوم القيامة
ولا تك يا خطيرُ فدتك نفسي ... قديمةَ مدة لحقت قدامهْ
وأرسلها وختمَ الشرب فيها ... كخودٍ فوق وجنتها عرامةْ
كأن بياضها وجه نقيٍّ ... وحسنَ الرقم فوق الخدّ شامةْ
ولا تبعث بقيمتها فإني ... أراه من التكلف والغرامةْ
(1/139)

وليس القصدُ إلا تاجَ فخر ... يطول قامةً ويصون هامةْ
وما هذا المديحُ سوى أذانٍ ... فقل لنداك حيَّ على الإقامةْ
فسير تلثيمة جديدة طولها اثنان وثلاثون ذراعاً
وممن لا أقيس أحداً من الأمراء الأكابر بمكارمه إلى وجميلة على الأمير الظهير مرتفع الثائر في أيام ضرغام من الإسكندرية يطلب الوزارة عرفته من مجلس سيف الدين حسين وكنت مجاوراً له في الصاغة بحارة الأمراء سنة إحدى وخمسين وحصلت بيني وبينه مودة أكيدة ففلما عزمت على الحج دفع لي عينا وكسوة ما ينيف على مائة وستين ديناراً وعمل لي أزواداً منها عشرون حملة دقيق وعشرون سلة حلاوة وكعك مطابق وكساء غلماني وأهدى على يدي إلى أمير الحرمين
(1/140)

بدلة مذهبة وثلاثين منتخبة وأهدى لي سرية جميلة وركب معي إلى مصر يودعني ومعه القطوري وصبح بن شاهانشاه وواليها تاج الملوك بدران ثم قال إن بت في هذه الليلة عندنا وتركت السفر حصلت لك مائة دينار قلت فإني أبيت فأنزلهم الوالي دار الطاؤوس وسير مرتفع غلامة اليّ وقال قل له يدخل الحمام فدخلت الحمام فقال لتاج الملوك عب للرجل بدلة يخرج فيها من الحمام فهو ضيف السلطان وضيف أخيك ففعل ثم أخذ منه ومن القطوري والمفضل وتاج الملوك مائة دينار ثم دفع لي ستين دينارً ثمن أستاذين من عدن وخمسين ديناراً ثمن لؤلؤ يشتري له ثم سافرت ولا والله ما قلت فيه بيتاً واحداً من الشعر فلما عدت في السفرة الثانية أخلى لي داراً له على ضفة الخليج وحمل لي الغلة والغنم والسكر ما كفاني سنة ثم جائتني رقعة منه بخمسين تليسا قبضت ثمنها قبل أن يقبض
(1/141)

عليه الصالح بيومين لأنها وأنا غني عنها ولما قبض عليه جاءتني رقعته من الاعتقال ومعها صندوق نحاس وديعة لم أدر ما فيه إلى أن خرج من الاعتقال في أيام رزيك فقال ما فعلت في الصندوق قلت هو مودع بمصر قال فاركب بنا حتى نأخذه فلما فتح الصندوق أخرج منه حلياً وسبع مائة دينار عيناً ثم قبض بيده قبضتين عزلهما لي ومبلغهما مائة وثلاثون ديناراً ثم سير لي من الشرقية من الغلة مائتي أردب قمحاً ولما خرج إلى الغربية في أيام رزيك وعاد إلى القاهرة بعد إصلاح ما تشعث من الغربية وعريانها لقيته مهنئاً بقصيدة أولها [متقارب]
قدومك أفرحَ قلبَ الهدى ... وآنسَ وحشَ عراضِ الندى
وبرد مني جوى لوعةٍ ... نهتْ نفسَ الليل أن يبردا
أرحتَ على الدجى أبيضاً ... وقد كان وجه الضحى أسوداً
منها
(1/142)

فدى للظهير لا أتق ... ملامةَ من لام أو فندا
رجالُ هم المبتدا في السماح ... بهم وهم خبرُ المبتدا
ينداي السماحُ على بابه ... هلموا فهذا مجيبُ الندا
أبا العزَ لو جاز أن تعبد الك ... رام لأفتيتُ أن تعبدا
رأيتك تسلف أهل المديحُ ... نووالك من قبل أن تخمدا
وغيرك يسدي جميل الثناءِ ... إليه فيذهب لغوا سدى
وكم لك عندي من منةٍ ... أطلتَ على الشكر فيهال المدى
وبرٍ تعودَ قصدي فلو ... سرى في الدجى وحده لاهتدى
أجدتَّ وعلمتني ما أقول ... فلا يشكرُ الشعرُ إن جودا
وحضرت معه يوماً عند عز الدين حسام في داره فلما فرغ الغذاء قام مرتفع فقال عز الدين ما في الأمراء أكرم من هذا الأحوال الأعرج ويتلوه مرتفع بن فحل قال ورد ما نرى
(1/143)

من كرمه شيئاً فأمر عز الدين من رده وقال له إن ولد فلان يعني ولدي محمداً عازم على السفر إلى زبيد يأخذ أهله ويجيء قال اكتب له غنى ما شئت إلى ابن ميسر من ثمن القند الذي لي عنده قال اكتب علامتك على هذه الورقة فكتب العلامة وخرج فقال عز الدين لورد كيف رأيت قال ورد والله لا كتب المبلغ غيرك يعني حساماً فكتب بمائة دينار وخمسين وسيرتها إلى مصر وتشاغلنا في الحديث والمذاكرة إلى اصفرار الشمس حتى جاء المبلغ بكامله فقبضته وأتيت به إلى الظهير وأعلمته الحال فقال وبقي له الزاد والحلاوة والدقيق وأربع شكائر ثم لم أشعر به يوماً بعد خروجه من الاعتقال حتى استدعاني فركبنا إلى شمس الخلافة فاشترى منه جارية حتى حملها إلىّ وقال إن زوجتي جرى بيني وبينها شر على هذه الجارية وقد وهبتها لك واحترق جميع ما قلت فيه من الأشعار
أخبار المكرم علىّ بن الزيد ... كان المذكور من الغلاة
(1/144)

المغتالين في مذهبه من غير علم وكان في الوفاء لبني رزيك نصيري الموالاة والعقيدة وحضر مع الصالح يوم قاعة الذهب فقاتل عنه أشد القتال ولم يزل يضرب بسيفه حتى انقطع من وسطه نصفين فلما لم يبق معه سيف ألقى نفسه على الصالح وهو طريح في دهليز السرداب ووقاه بنفسه فلم تزل السيوف تنحره حتى قام الصالح وتكاثر الناس وذكرته في قصيدة رثيت بها الصالح يوم نقل تابوته إلى القرافة منها في ذكر ابن الزبد.
[كامل]
أوفى أبو حسنٍ عند ما ... خذلت يمين أختها ويسار
لا تسئلا إلا مضارب سيفه ... فلقد تزيد وتنقص الأخبار
حتى إذا انقطع الحسام بكفه ... وانفلّ منه مضربٌ وغرارُ
منها
ألقى عليك وقاية لك نفسَه ... لما انتحتك صوارمٌ وشفارُ
إن لم يذق كأس الردى فبقلبه ... من خمرها أسفا عليك خمارُ
هي وقفةُ رزق المكرمُ حمدها ... وعلى رجال لؤمها والعار
(1/145)

وحضرنا ليلة عند رزيك في وزارته وقد جمع له كل واحد من أهل الأدب بين العزاء والهناء على عظيم الرزية، وجسيم العطية، فلما أنشدناه قال أنتم تعلمون أن الصالح لو قطع رأسه في القصر لم يصح لي ملك بعده ولولا بلاء على بن الزبد يومئذ لم يسلم رأس الصالح فمن كان منكم عاملاً شعرا فينا فليمدح ابن الزبد فعملت في ذلك قصيدة أولها: [بسيط]
أوجبتَ في ذمة الأشعار والخطبِ ... دنيا أبا حسن يبقى على الحقبِ
أيامك البيضُ لا تحْصى وأفضلها ... يومٌ خصصتَ به في قاعة الذهب
وفيتَ للصالح الهادي وقد غدرتْ ... به الصنائع من ناءٍ ومقترب
كان ضرغام يقول لو قلت لعدت كان أصلح من غدرت قلت إنما أردت مقابلة الوفاء بالغدر قال وعلى مقابلتك تنسبنا إلى الغدر.

فعلت فعلَ علىٍ علىُّ وقد ... فدى نبيَّ الهدى بل سيدَ العربِ
(1/146)

لما أتتك بنانُ الموت سائلةً ... وهبتَ روحكَ مختاراً ولم تهبِ
أقدمتَ وحدكَ إقدام الليوث على ... هول يمهدُ عذرَ الليث في الهربِ
آثار سيفك أجلى من روايتنا ... والسيف أصدقُ إنباءً من الكتبِ
أرهفته بيمين غير طائشة ... عند الضراب وعزمٍ غير مضطربِ
فهل بنانك أقوى أم جنانك إذ ... شطبت بالضرب متن السيف ذي الشطبِ
لولا حفاظك يوم القصر لاضطربت ... قواعد الملكِ واحتاجت إلى التعبِ
وحضر معي ضرغام دفن امرأة لي ماتت وكانت من أهل اليمن فقال أعندك حرة غيرها قلت لا قال فلا خير في دار ليست فيها حرة مهيبة ثم ذكر لي عدة نساء وقع الرأي على واحدة منهن قال ضرغام وعلى أن آخذ لك مهرها وكان حسن التأني في الحوائج عند السلطان فلم أشعر بعد يومين حتى جاءتني منه رقعة ومعها أربعون ديناراً لم أشعر ما الذي قال لرزيك حتى دفعها وسمع ابن الزبد بالحديث وكانت بينه وبين
(1/147)

ضرغام منافسة الضرائر فسير إلى ابن الزبد بثلاثين ديناراً وستة أباليج سكر وبدلة ثياب مذهبة ومعها ثوب ديباج أحمر بأزرار ذهب وخمس شمعات موكبية وعشرة أرؤس غنم ومعها رقعة بغير خطه فيها بيت للمتنبي وهو قوله: [كامل]
ليس الذي يعطيك تالدَ ماله ... مثل الذي يعطيك مال الناسِ
وولى المحلة فقلت أودعه: [كامل]
قل للمكرم والألقاب واقعةٌ ... على علاهُ وقوعَ النقش في الحجرِ
يا كعبةً للندى لو كنت ذا أملٍ ... غداً إلى بها حجي ومعتمري
إن كنت أزمعتَ مختاراً على سفرٍ ... فاللهُ يُحْمَدُ عقبى ذلك السفرِ
أين المحلة من والٍ محلته ... من المعالي محلُّ النور في البصرِ
أثنى عليه بما يبقى بما يبقى مناقبه ... مذكورةً بلسان الصارم الذكرِ
وسوف تنظم أشعاري وقد نظمتْ ... له من المدح عقدا فاخر الدررِ
(1/148)

لك الأمانةُ في ودي أبا حسنٍ ... محمولةٌ فأقمْ إن شئتَ أو فسرِ
فقد منحتك وداً مثل عرضك لا ... تسمو إلى صفوه الأيام بالكدرِ
وصادفت عند وداعه رسولا له كان بدمياط يستعمل شروباً فدفع لي ممل إليه في تلك الساعة شقة خزائني ولفافة وتلثيمة طولها ثلاثون دراعاً رقم الجميع نسجة واحدة كان استعملهم لنفسه فبما صرف هاداني بألطاف جزيلة منها بدلة ذهبية الثوب والعمامة
وأما أسدٌ الغاوي فغاو فسد موضع جسمه من الأرض، ومكان اسمه من جريدة العرض، هذا على أنه كان يوافق في المذاهب والاعتقاد، وينافق في الانتقاد.
وأما صبح بن شاهنشاه فرفق يلم الصحبة يلين لين الفتاة، ويبعد بعد الظبي في الفلاة، لا تعرف سمينه من غثه، ولا
(1/149)

قويه من رثه، وليس لسوء نية، ولا لخبث طويه، وإنما عنانه في خطواته.
[بسيط]
يوماً بخزوي ويماً بالعقيق ويو ... ماً بالعُذيبِ ويوماً بالخُليصاءِ
وكان شاور في وزارته الأولى قد وهب لي حجراً دهماء تسوي خمسين ديناراً فلما خرج شاور إلى دمشق ادعاها أحد الأستاذين وجاءني صبح سائلاً فيها مع الأستاذ وقال هذه الحجر من خيل بني رزيك وما يحل لك أن تركبها وهي معصوبة وكان صبح قد تزوج بنت سيف الدين حسين فقلت له ركوبي ظهور خليهم أخف عند الله من ركوبك بطون نسائهم فقال جرى القبيح لعن الله الفرس وصاحبها ولم يراجعني بعد ذلك فيها وقال لي ويماً لي ويماً عز الدين حسام ما ترى في أن أزايد لورد ولأخي مؤيد حتى آخذ لك من كل واحد خلعة فقلت: [طويل]
من كلّ واحد خلعة فقلت ... وما لم يكن طبعاً فذاك تكلفُ
ثم قال لأخيه إنه قبيح بمثلك أن لا تحتال على مدح
(1/150)

فلان بشيء توصله إليه ولورد كذلك فأما أخوه فيسر لي منديلاً طوله مائة ذراع فرددته وقلت ما أريد إلا أن تشتري لي نسخة من الكامل للمبرد وكانت في عشرة أجزاء طائلة فاشتراها ثم رغب فيها فكتبت إليه: [الكامل]
يا سيّداً قامت علاه بذاتها ... مستغنياً عن نعتها وصفاتها
إن لم يكن لك في القوافي رغبةٌ ... فالطمْ بها وجهَ الرَّجاء وهاتها
فالأمُّ لا تأبي إذا لم تولها ... أصهارها خيرا طلاقَ بناتها
فغضب وقال هجوتني فقلت بل عاتبتك ولكنك لا تفرق بين الهجاء والعتب وتحاكما إلى عز الدين فقضى لي عليه وسير لي النسخة والمنديل وذهبا وصار صديقا

أخبار ورد الصالحى
واما ورد فما زال عز الدين يصقل صداه، ويفتح له باب هداه، حتى تشبه وتنبه وأنشده عز الدين لابن حيوس: [الكامل]
إنّ المدائح في المحافل زينةٌ ... ما حرّمتْ إلا على البخلاء
(1/151)

فتفجرت ينابيع ورد كرما، وآلت ذبالة فهمه ضرما، فواصلني بالبر إلى أن مدحته بقصيدة أولها [بسيط]
خذْ يا زمانُ من يديْ أملي ... لا روَّعتْ سربك الأطماعُ من قبلي
ولا مددتُّ إلى أيدي بنيك يدي ... إذاً فلا وألتْ كفّى من الشّلل
صانوا بأعراصهم أعراضهم فغدا ... شعري وسعري مصونا غيَر مبتذلِ
وكيف أتركه من غير نافلةٍ ... مضيَّعاً بينهم كالسَّبي والنَّفلِ
تركتُ من كنتُ أطريه وأطربه ... فلا ثقيلي يغنّيهم ولا رملى
وكيف أنشطُ في أوصاف ذي كرمٍ ... كسلانَ يرمي نشاطَ المدح بالكسلِ
حليتُ جيدَ علاه وهي عاطلةٌ ... وجاءني من جيدُ المدح بالعطلِ
أثنى وتثنى رجال ضمَّنى معهم ... وزنُ الكلام وليس الكحلُ كالكحلِ
وليس يحفظ إلا ما نطقتُ به ... حتى كأنّ سوى ما قلتُ لم يقلِ
(1/152)

ذنبي إلى الدهر فضلٌ لو سترتُ به ... عيبَ الحوداث لم ينسبْ إلى الزللِ
إن آثرتْ ثروة الدنيا مجانبتي ... فإنّها ابنةُ أمّ الغىّ والخطلِ
ولي إن شئتُ من تاج الخلافة من ... أرى به شرف الأفعال في رجلِ
إن جاد أو كاد في يومي ندىً وردىً ... فاضت أنامله بالرزق والأجلِ
لو كان حظٌ على مقدار منزلة ... لم ينزل المشتري عن مرتقى زحلِ
أما ترى الفلك العلوىَّ قد جعلوا ... فيه سميَّك بعد الثور والحملِ
فاسلم ودمْ وابقَ واسعدْ واعلُ واسمُ وسدْ ... وقد وجدْ واقتدرْ واحلمْ وطلْ وصلِ
واسمع محبرة الأوصاف خاطبة الإنصاف طالت معانيها ولم تطل
جاءت جزالتها لفظاً ورقّتها ... معنًى بما شئت من سهلٍ ومن جبلِ
أذكر أنه إلى مهرا كميتا وعشرة خرفان رضع سمان وعشرة أباليج سكر وخمس دكاكيج كبار زيت طيب ومثلها حار وخمسين إردبا من القمح وعشرين دينارا كل هذا ي يوم واحد ثم قتل الصالح فخرج واليا جزيرة بني نصر فقلت
(1/153)

أدعه وسيرتها خلفه [وافر]
تناولتَ المكارمَ والمساعي ... بأقوى ساعدٍ وأتمّ باعِ
منها
إذا سارت جيادك والمطايا ... فيا زمعَ القلوب من الزّماعِ
وداعُ ركابك السامي دعاني=إلى ذمّ التفرق والوداعِ
سنفقد منك أنفسنا حياةً ... وما فقدُ الحياة بمستطاعِ
آخر الموجود في هذا الكتاب في عدة نسخ والحمد لله وحده وصلوته على سيدنا محمد نبيه وآله.
(1/154)

مختار من
ديوان العلامة الأديب
الأوحد الناظم الناثر الفقيه
عمارة اليمنى رحمه الله تعالى
1 - قال أديب وقته وزمانه، وبليغ عصره وأوانه، أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن على بن زيدان القحطاني اليمنى ... يمدح ياسرا باليمن على قافية الألف [الكامل]
أدركتَ أوتاراً من الأعداءِ ... وملكتَ من عدن إلى صنعاءِ
وبلغتَ بالجرد العتاقِ وبالقنا ... ما شئتَ من شرف ومن علياءِ
2 - وقال يرثي جده العاضد في تمام سنتها [الكامل]
لو كان ينفع أن تجود بمائها ... عينٌ لجاءت أعينٌ بدمائها
(1/155)

ومنها
أوما ترى الدنيا استمرّ خلافها ... في عهدها حتى على خلفائها
طرقتْ جنابَ العاضد بن محمد ... بفناء من يرجى الغنى بغنائها
بمؤيَّد تلقى النوائبَ نفسه ... في كلّ نائبة بحسن عرائها
ومنها لم تنتقل حتى رأت في نفسها=ما أمّلت من سؤلها ورجائها
وإذا الليالي أمتعتك بشاورٍ ... فاعضضْ جفونك عن قبيح جفائها
كافى خلافتك الذي نصرتْ به ... في كلّ معترك على أعدائها
بالكامل افتخرتْ على أمرائها ... وبشاورٍ تاهت على وزرائها
سيفا إمامتك التي ما إن سطت ... إلا وكان النصرُ من قرنائها
ما ضيقتْ عطنَ الملوك ملمةٌ ... إلا وردّا ضيقها برخائها
وأظنُّ أيّاماً سمحن بشاورٍ ... لا تقدر الدنيا على نظرائها
أنا من عداد الأغنياء بفضلها ... وإلى دوام علاه من فقرائها
مدحته من قبلي مضاربُ سيفه ... فغدا ثنائي من جميل ثنائها
وسرتْ مكارمه تضيءُ لخاطري ... فسرى المديحُ إليه من أضوائها
حسنتَ وجه الدهر عندي بعد ما ... قد كان في عينَّي وجهاً شائها
(1/156)

وإذا توالى الجودُ صار عقيدةً ... لا تحللُ الأيامُ عقدَ ولائها
لم تبقِ لي أيامُ فضلك حاجةً ... إلا سؤال الله طولَ بقائها
3 - وقال يعاتب صديقاً له من الأمراء [طويل]
أبا حسنٍ كدّرتَ ماءَ صفائي ... وعاملتني عن صحبتي بجفاءِ
وأوضحتَ لي نهج العقوق وإنما ... نهتني عنه نخوني ووفائي
مدحتك لا أبغى ثوابا وإنما ... لحرمة ودّ بيننا وإخاءِ
ولو كنتُ غير الله أرجو لحاجة ... كظمتُ بكف اليأس وجه رجائي
فبدّدتَّ بي بين الورى ورأيتني ... بصورة شحاذ من الشعراء
ثوابٌ أتى كرها بغير إرادتي ... فنكّس راياتي وسفّه ورائي
خفضتَ لواءَ الحمد من بعد رفعه ... وحلّتْ بنانُ العتب عقدَ لوائي
وكسّلتَ عزمي فيك بعد نشاطه فأصبحتُ أثنى من عنان ثنائي
وما كنتُ آبى الدرهمَ الفرد لو أتى ... إلى منزلي في سترة وخفاء
ولم يتحدّث بيننا كلُّ خامل ... أشرّفُ من مقداره بهجائي
4 - وقال في العادل ابن الصالح [كامل]
(1/157)

جاورْ بمجدك أنجمَ الجوزاء ... وازددْ علوّا فوق كلّ علاء
ومنها
واستثنِ والدك الكريم فإنّما ... أمددتَّ من أنواره بضياء
وأبوك ليثُ الغاب رشَح شبله ... فرعدن منه فرائصُ الأعداء
والوابلُ الهتانُ أسبل طلَّه ... فطمتْ جداوله على البيداء
والشمس قدمت الصباح طليعةً ... فطوى رداء الظلمة السوداء
5 - وقال يمدح القاضي أبا المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الحباب السعدي وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة [كامل]
هي سلوةٌ حلت عقودَ وفائها ... مذ شفَّ ثوبُ الصبر عن برحائها
ومنها
لم أسئل الركبان عن أسمائها ... كلفا بها لولا هوى أسمائها
وسألتُ أيّامي صديقا صادقا ... فوجدتُّ ما أرجوه جلَّ رجائها
(1/158)

ومنها
ولقد هجرتُ إلى الجليس مهاجرا ... عصبا يضيم الدهرَ جارَ فنائها
مستنجداً لأبي المعالي همّةً ... تغدو المعالي وهي بعضُ عطائها
لما مدحتُ علاه أيقنتِ العدى ... إنّ الزمان أجار من عدوائها
وأغدَّ سعديَُ الأواصر أبلجٌ ... يلقى سقيماتِ المنى بشفائها
ومنها
نذرتْ مصافحة الغمام أناملي ... فوفت كفائف غمائمُ كفه بوفائها
6 - وقال يمدح أبا فاتك شجاع بن شاور ويهنئه بشرب دواء [خفيف]
دم أبا فاتك حليف بقاء ... فائض العدل والسنا والسناءِ
ومنها
أصبح الكاملُ بن شاورَ ذخراً ... لأبي الفتح سيّد الوزراء
أنتما لا خلتْ ممالكُ مصرٍ ... منكما حصنها من الأعداء
(1/159)

ومنها
أنطقتْني مناقبٌ علّمتني ... كيف أثني بها إلى العلياءِ
ويمينٌ كريمةٌ وجبينٌ ... مستهلّان بالحياء والحياءِ
أغنياني عن التملّق حتّى ... قال وجهي أبقيتما في مائي
ولو أنى دعوتُ جود شجاع ... في مهمّ لبّى نداه ندائي
7 - وقال أيضاً [كامل]
سرتم فلم تطبِ الإقامةُ بعدكم ... لمروَّعٍ بفراقكم بعد النَّوى
ولعلَّ قاهرةَ المعزّ تضمُّنا ... يوما كما كنّا على عهد الهوى
8 - وقال وقد توفي ولده حسين في ستة ثلاث وستين وخمسمائة [كامل]
داويتُ ما نفع العليلَ دوائي ... بل زاد سقما في خلال ضنائي
ومنها
ما عاش إلا سبعةً من عمره ... ونأى إلى دار البلى لبلائي
(1/160)

9 - وله في ابنه حسين أيضاً يرثيه ويصف مرضة وقلة خبرة الطبيب بها [كامل]
وقل للمنيّة لا شوى ... لم يخطِ سهمك إذ رمى
ومنها
ما كان إلا سبعةً ... وثلاثة ثم انقضى
10 - وقال بعد أن قدم ذكر حسام الدين محمود بن المأمون لم أشعر في غداة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين حتى وصلتني عنه بدلة من ثياب الملوك وخاصة ما يستعمل لهم ويلبسون في المواسم من غير معرفة لى به ولا مكاثرة له ولا معاشرة ومع الغلام الواصل بها رقعة منه كتبت على ظهرها ارتجالا مع رسوله 11 قال وكتب بها إلى محمد بن شمس الخلافة وقد انصرف من الاسكندرية أو دمياط وقد سير إليه خمس منجنيقات
(1/161)

12 - وقال من رسالة
نذرتُ لك العلى ونذرتَ برى ... وقد وفيتَ فليحسنْ وفاؤكْ
إذا كنت السماءَ وكنتُ أرضا ... ولك تمطر فما كانت سماؤكْ
وإن لم يسق عودى منك ماءٌ ... فعودى يابسٌ خجلا وماؤكْ
فأما خجلتني لسوء ظنّي ... وأما أنت فالتقصيرُ دواؤك
قافية الباء 13وقال يمدح الملك الصالح [وافر]
أعندك أنّ وجدي واكتئابي ... تراجعَ مذ رجعت إلى اجتنابي
وأنّ الهجر أحدث لي سلو?ّا ... يسكّن برده حرَّ التهابي
وأن الأربعين إذا تولّت ... بريعان الصبا قبح التصابي
ولو لم ينهنى شيبٌ نهانى ... صباح الشيب في ليل الشبابِ
وأيامٌ لها في كل وقت ... جناياتٌ تجلُّ عن العتابِ
أقضيها وتحسب من حياتي ... وقد أنفقتهنّ بلا حسابِ
(1/162)

ومنها
وقد حالت بنو رزّيكَ بيني ... وبين الدهر بالمنن الرغابِ
ومنها
ولولا الصالح انتاش القوافي ... لكان الفضلُ مجتنبَ الجنابِ
وكنتُ وقد تخيَّره رجائي ... كمن هجر السَّراب إلى الشرابِ
ولم يخفق بحمد الله سعيي ... إلى مصرٍ ولا خاب انتخابي
ولكن زرتُ أبلجَ يقتضيه ... نداه عمارةَ الأمل الخرابِ
ومنها
أقمت الناصرَ المحيى فأحيى ... رسوما كنَّ كالرسم اليبابِ
وبثَّ العدل في الدنيا فأضحى ... قطيعُ الشاءِ يأنس بالذئابِ
وأنت شهابُ حق وهو منه ... بمنزلة الضياءِ من الشهابِ
سعى مسعاك من كرم وبأس ... وشبَّ على خلائقك العذاب
فأصبح معلم الطَّرفين لماّ ... حوى شرف انتساب واكتسابِ
وصنتَ الملك من عزماتِ بدرٍ ... بميمون النقيبة والركابِ
(1/163)

بأروع لم يزل في كلّ ثغر ... زعيمَ القبّ مضروبَ القبابِ
مخوف? البأس في حرب وسلم ... وحدُّ السيف يخشى في القرابِ
ومنها
شاورُ في الجهاد شريفُ عرضٍ ... أشار بحسن صبر واحتسابِ
فأنفذَ حكمه والدهرُ آبٍ ... وأمضى عزمه والسيفُ نابِ
وقال يمدح الملك الصالح [بسيط]
إذا قدرتَ على العلياء بالغلبِ ... فلا تعرّج على سعيٍ ولا طلبِ
واخطبْ بألسنة الأغماد ما عجزتْ ... عن نيله ألسنُ الأشعار والخطب
ومنها
ألقى الكفيلُ أبو الغارات كلكله ... على الزمان وضاعت حيلةُ النوبِ
وداخلت أنفسَ الأيّام هيبته ... حتى استرابت نفوسُ الشكّ والرّيبِ
بثّ الندى والردى زجراً وتكرمةً ... فكلُّ قلب رهين الرعب في الرَّعبِ
(1/164)

فما لحامل سيف أو مثقَّفةٍ ... سوى التحمُّل بين الناس من أربِ
لما تمرّد بهرامٌ وأسرته ... جهلا وراموا قراعَ النبع بالغربِ
صدعتُ بالناصر المحيى زجاجتهم ... وللزجاجة صدعٌ غير منشعب
أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأ ... على لخافت قلوبُ الأنجم السُّهبِ
في ليلة قدحتْ زرقُ النصال بها ... نارا تشبّ بأطراف القنا الأشبِ
ظنّوا الشجاعة تنجيهم فقارعهمُ ... أبو شجاعٍ قريعُ المجد والحسبِ
سقوا بأسكرَ سكرا لا انقضاءَ له ... من قهوة الموت لا من قهوة العنبِ
ومنها
المه عزمةُ محيي الدين كم تركتْ ... بتربة الحيّ من خدّ أمرئ تربِ
سما إليهم سموَّ البدر تصحبه ... كواكبٌ من سحاب النقع في حجبِ
في فتية من بني رزّيكَ تحسبهم ... عن جانبيه رحى دارت على قطبِ
15 - وقال يندح الملك الناصر العادل بن الصالح ويشكر على ما فعله في الحج [طويل]
(1/165)

تبسم في ليل الشباب مشيبُ ... فأصبح بردُ الهمّ وهو قشيبُ
وأنكرتُ ما قد كنتما تعرفانه ... وقد يحضر الرشدُ الفتى ويغيبُ
ومن شارف الخمسين يوماً فإنّه ... وإن عاش بين الأهل فهو غريبُ
ومنها رضيتُ رضى القلوب عن أخذ ثأره=ولي غضب في النائبات أديبُ
دعوتكمُ أن تنصفوا من نفوسكم ... فهل منكم عند الدعاء مجيبُ
وإلا فما عندي سوى الصبر قدرةٌ ... ألا إنّ نصر الصابرين قريبُ
وغضيتُ من زهر الدموع طوالعاً ... لها في غروب المقلتين غروبُ
ومنها
طلعتَ طلوعَ الشمس والبدرُ غائب ... فعفّى طلوعَ ما خباه مغيبُ
وأقبلت الدنيا إليك تنصُّلا ... تقبّل أذيالَ الثرى وتتوبُ
ومنها وقد جمعتْ فيك السيادةُ كلهُّا=وغصنك من ماء الشباب رطيبُ
(1/166)

فما شيمةٌ للمجد إلا وقد غدا ... لها منك حظٌ وافر ونصيبُ
ومنها
وأوجبتَ فرض الحجّ بعد سقوطه ... فأضحى له بعد السقوط وجوبُ
ومنها
وكان لبيت الله في كلّ موسم ... عويلٌ على زوّاره ونحيبُ
ينادي ملوكَ الأرض شرقاً ومغربا ... إلا سامعٌ يدعي به فيجيبُ
فلما أتت أيامك البيضُ لا انقضتْ ... ولا خاطبتها للزمان خطوبُ
بذلت عن الوفد الحجيج تبرُّعا ... مواهبَ لم يسمح بهنّ وهوبُ
سبقتَ أهل العراق وغيرهم ... وأنت إلى كسب الثواب وثوبُ
تركت بها في الأخشبيِن نضارة ... وكان بوجه الأخشبينِ شحوبُ
16 - وقال يمدح العاضد وشاور [طويل]
(1/167)

مقامك من فضلٍ وفصلِ خطابِ ... مقام هدىً من سنّة وكتابِ
مقامٌ له بيت النبوّة منصبٌ ... ومن مستقرّ الوحي خيرُ نصابِ
إذا اشتدّ عنّا باب رزق ورحمةٍ ... حططنا المنى منه بأوسع بابِ
ومنها
ولما تراءت للهلال بضائرٌ ... يغطّي الهوى إبصارها بضبابِ
وقفنا فهنأنا الصيام بعاضدٍ ... سناه مدى الأيّام ليس بخابِ
ومنها
وآبت إليكم دولة علويّة ... أقرت علاكم عينا بإيابِ
وما هي إلا الرمح عاد سنانه ... إليه وإما السيف نحوَ قرابِ
وشيدتَّ من مجد الخلافة وما هي ... بليلة محراب ويوم حراب
وسجلينِ يأوى الأمر والنهى منهما ... إلى مشرب عذب وسوطِ عذابِ
وأطلعتَ فيها من بنيك كواكباً ... جلوا من صدى الأيام كلَّ خضابِ
وفي كل تطر منهمُ لك كوكب ... لكلّ رجيم منه رجم شهابِ
وأيدك الرحمن بالكامل الذي ... عمرتَ به الأيام بعد خرابِ
(1/168)

أميُر الجيوش الحاسمُ الداء بعد ما ... مشى من أديم الملك تحت إهابِ
أبي الفتح هادى كل داع إلى الهدى ... بفيصل خطب أو بفصل خطابِ
تضاحكه من كلّ فخر فتوحه ... كما أضحك الأحبابَ كأس حبابِ
ومنها
ومنك استفاد الجيشُ كلَّ فضيلة ... لأنّك بحر مدهم بشعابِ
ضمنتِ لهم من كلّ همّ ومطلب ... تحمُّل أعباء وفيضَ عبابِ
ولما طرا كسرُ العمود جبرتهم ... فيا طيبَ شهدٍ بعد مطعم صابِ
وفي نصرهم سارت بنوك مواكباً ... إلى عرب الرّيفينِ فوق عرابِ
فوارسُ من آل المجير ترى لهم ... سريرةَ غيب في ضراغم غابِ
وسارت إليهم عزمةٌ كامليّة ... تردّ صعاب الدهر غيُر صعابِ
فطاروا حذارا من شجاعَ بن شاورٍ ... مطارَ عقاب لا مطارَ عقابِ
وغادرهم إما طريدَ تنوفةٍ ... سحوقٍ وإما مغنما لنهابِ
فتى أصبحتْ أعمال مصرَ مضافةً ... إلى معقلي قبٍّ له وقبابِ
رديفك في متن الوزارة والعلى ... وتاليك في صفو لها ولباب
و
(1/169)

ما لحتما في الدست إلا بدا لنا ... وقارُ مشيب واعتزامُ شبابِ
وأحسنتما عون الإمام ونبتما ... له من أمور الملك خيرَ منابِ
بقيتم فإنّي لا أريد زيادة ... على حالتي من رفعة وثوابِ
17 - وقال يمدح الإمام الفائز بنصر الله ووزيره لملك الصالح [بسيط]
في مثل ذا الموقف المشهود تنتخبُِ ... غرُّ القوافي وتستنقى وتنتجبُ
ومنها
لله في أهل هذا القصر سابقةٌ ... من الإرادة في أسرارها عجبُ
آبت عليهم يدٌ إليةٌ ويدٌ ... تعزى إلى آل رزيكٍ وتنتسبُ
لولا الوزير أبو الغارات ما خفقت ... للنصر في القصر راياتٌ ولا عذبُ
ولا اعتزى لعلىٍ عند نازلة ... من القبيلين لا عجمٌ ولا عربُ
لما جبلتَ إليه الخيل مقربةً ... لم يحمه منك إلا السخط والهربُ
أضافك الملكُ لما جئتَ زائره ... كرامة ما لها إلا الظُّيا سببُ
ولَّى ويا بئسَ ما أولى مواليه ... ولو تعاينتما لم ينجهِ الهربُ
(1/170)

وأيّد الله دين الحق منك بذي ... يد لها في الوغى التأييدُ والغلبُ
أغنته أفعاله عن فخره بعلى ... أسّت قواعّدها أبناؤه النجب
18 - وقال يمدح الإمام العاضد والملك الناصر في مستهل رجب ويهنئها به [بسيط]
فرض على الشعر أن يبدأ بما يحبُ ... من الهناء الذي وافى له رجبُ
19 - وقال في شهر صفر سنة تسع وخمسين وخمسمائة يمدح الأمير المكرم علي بن الزبد ويذكر بلاءه في القصر عند قتل الصالح وقد التمس منه المدح [بسيط]
لولا ثيابك والألبابُ خافقة ... لم تنج روح الهدى من راحة العطب
لولا بلاؤك في البلوى أبا حسن ... ما زال عنّا غمىً كالغمّ والكربِ
جادت ضريح أبي الغارات غاديةٌ ... من رحمة الله من هاطل السحبِ
(1/171)

أقسمت والقسم المبرر مفترضٌ ... بالله والبيت ذي الأستار والحجبِ
لو عاش أثنى بما أوليت من حسنٍ ... ثناء معترف بالحقّ محتسب
وقد رأيتُ قبيحا أن أكون له ... عبدّ اصطناع وأنّي عنه لم أتبِ
وأين موقعُ أقوالي وقيمتها ... من قوله وهو سامي القول والرتبِ
ما بين قدر كلامينا إذا عرضا ... إّلا كما بين قدر الصُّفر والذَهبِ
لكنّ مدحك دينٌ ليس يمكنني ... إّلا القيامُ به عن ذّمة الأدبِ
وما يقوم بنعماك التي سبغت ... نظمٌ ونثر ولو صيغا من الشُّهبِ
20 - وقال في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة [سريع]
أعرب إذا ما الخطبُ لم يغربِ ... عن شرف الهمّة أو فأغربِ
ومنها:
وا رحمتا منّي لذي جلدة ... صحيحة تحتكَ بالأجربِ
من سفه الدنيا ومن لومها ... جرأةُ مغلوب على اغلبِ
كأنما جنباي لم يجنبا=منّي على قلب فتى قلَّبِ
(1/172)

ولا كففت الغرب من مقول ... أمضى إذا شئت من المقضب
طال قعودي تحت ماء المنى ... أجذب من عرضى ولم يصحبِ
وأعجزُ الناس فتى همُّه ... وقفٌ على المطعم والمشربِ
قد تقنع النفسُ بدون الفتى ... قناعةً تسندُ عن أشعبِ
لأنفضن الهونَ عن خاطري ... نفض سقيط الطَّلّ عن منكبي
مستحقبا رحلى على عزمة ... تنقضّ مثل الأجدل الأحقبِ
ومنها:
مضى أبو الفتح سليم ولم ... تمض سجاياه ولم تذهبِ
أبقى مصونا عرضه كاسمه ... والابنُ من أحيى ثناء الأبِ
ومنها:
رايةُ نجم الدين منصوبة ... لقومه في كرم المنصب
يرفعها أبلجُ من طيئ ... نيرانه تجلو دجى الغيهبِ
ملكٌ إذا ما زدت أوابه ... عرفت معنى الأهل والمرحب
تلوح سيما الملك في وجهه ... إذا كنت لم تقرأ ولم تكتب
تلقى المنى في يده والردى ... فأرغب إذا قابلته وأرهبِ
(1/173)

يعرف من لم يره أنه ... باقي طراز الحسب المذهبِ
إن جحفلٌ ضمّه ... جمّل صدرّ الدست والموكبِ
جهلتُ حظي علمي به ... والماءُ قد يستر بالطخلبِ
21 - وقال يمدح الملك الصالح طلائع بن رزيك [طويل]
هل القلبُ إّلا بضعةٌ يتقلبُ ... له خاطرٌ يرضى مرارا ويغصبُ
أم النفس إلا وهدةٌ مطئنّة ... تفيض شعابُ الهمّ منها وتنضبُ
فلا تلزمنّ الناسَ غيرّ طباعهم ... فتتعبض من طول العتاب ويتعبوا
فإنّك إن كشفتهم ربّما انجلى ... رمادهمُ من جمرة تتهلبُ
فتاركهم ما تاركوك فإنّهم ... إلى الشرّ مذ كانوا من الخير أقربُ
ولا تغترر منهم بحسن بشاشة ... فأكثر إيماض البوارق خلَّبُ
وأصنعِ إلى ما قلته تنتفع به ... ولا تطَّرح نصحى فإنّي مجرّبُ
فما تنكر الأيام معرفتي بها ... ولا أنّني أدري بهنّ وأدربُ
(1/174)

وأنّي لأقوم جذيلٌ محكَّكٌ ... وأنّي لأقوم عذيقٌ مرجَّبُ
عليم بما ترضى المروءةُ والتَّقى ... خبير بما آتى وما أتجنبُ
حلبتُ أفاويق الزمان براحة ... تدرّ بها أخلاقه حين تخلبُ
وصاحبت هذا الدهر حتى لقد غدت ... عجائبه من خبرتي تتعجبُ
ودوخت أقطار البلاد كأنّني ... إلى الريح أعزى أو إلى الخضر انسبُ
وعاشرت أقواما يزيدون كثرةص ... على الألف أو عدّ الحصى حين يخسبُ
فما راقني في روضهم قطَُّ مرتعٌ ... ولا شاقنى في وردهم قطّ مشربُ
تراني وإيّاهم فريقين كلُّنا ... بما عنده من عزّة النفس معجبُ
فعندهمُ دنيا وعندي فضيلة ... ولا شطَّ أن الفضل أعلى واغلبُ
على أنّ ما عندي يدوم بقاؤه ... عليّ ويفنى المالُ عنهم ويذهبُ
أناسٌ مضى صدرٌ من العمر عندهم ... أصعدُ ظنّي فيهم وأصوّبُ
رجوتُ بهم نيل الغنى فوجدتُّه ... كما قيل في المثال عنقاءُ مغربُ
وكسَّل عزمَ المدح بعد نشاطه ... ندى ذمُّه عندي من المدح أوجبُ
كأنّ القوافي حين تدعى لشكرهم ... على الجمر تمشي أو على الشوك تسحبُ
(1/175)

أفوه بحق كلّما رمت ذمّهم ... وما غير قول الحقّ لي قطُّ مذهبُ
وأصدقُ إّلا أن أريد مديحهم ... فإنّي على حكم الضرورة أكذبُ
ولو علموا صدق المدائح فيهم ... لكانت مساعيهم تهشّ وتطربُ
ولكن دوراً أن الذي جاء مادحاً ... بغير الذي فيبهم يسبّ ويثلبُ
وما زال هذا الأمر دأبي ودأبهم ... أغالبُ لومي فيهمُ وهو أغلبُ
إلى أن أذالتني الليالي وأعتبتْ ... وما خلتها بعد الإشارة تعتبُ
فهاجرت نحو الصالح الملك هجرةً ... غدت سببا للأمن وهو المسببُ
ومنها:
تيقنت الأفرنجُ إنك إن ترد ... ديارهم لم ينجم منك مهربُ
وخافتك إن لم تعطها الأمنَ منعما ... فجاءتك بالأسد الشرى تتغلبُ
وأهدوا رجالَ السّلم آلةَ حربهم ... ومن بعض ما أهدوا مجنٌ ومقضبُ
وذلك فألٌ صادق أنّ هزَّهم ... بسيفك يا سيف الهدى سوف يسلبُ
(1/176)

لك الرأي لم تفلل ظباه ولم يفلْ ... إذا ظلّت الآراء تطفو وترسب
وما شئت فأصنع راشداً في سؤالهم ... فرأيك من رأي البريّة أصوبُ
22 - وقال أيضاً: [طويل]
أيحسب صرفُ أنّي عائبهْ ... على ما آتى زلّة وأعاتبهْ
وماذا عسى يجدى عليّ عتابهُ ... وقد أنشبتْ في خلب قلبي مخالبهْ
23 - وقال أيضاً يمدح الكامل شجاع بن شاور [طويل]
مساعيك يهدى للنجاح طلابها ... ويخدى لإصلاح الفساد ركابها
ومنها:
أني كلّ يوم أنت مزجٍ كتيبةق ... يسيل بها وهدُ الَّربى وشعابها
فيوما إلى أرض الصعيد صعودها ... ويوماً كما أنصبّ الأتىَّ انصبابها
ولمّا رمت بالأمس حيَّ لواتةٍ ... أطاعك عاصيها وذلت صعابها
ومنها:
(1/177)

فتحت على الهادي أبي الفتح بالظُّبى ... وبالرأي قطريها وقد سدَّ بابها
وسكنتها والسيفُ في الجفن نائم ... ولولا حذار الضرب دام اضطرابها
تكفّلتها عن حضرة شاوريّةٍ ... منابك عنها في الأمور منابها
ولو لم تناصب عن وزارة شاورٍ ... أعاديه لم يستقرّ نصابها
فلا غرو أن أفضى إليك نعيمها ... وأفضى إلى شأني علاك عذابها
24 - وقال فيه أيضاً [بسيط]
أفخر فحسبك ما أوتيتَ من حسبِ ... كفاك مجدك من إرث ومكتسبِ
ومنها:
فليهنِ دولةَ مصرٍ أنّها نصرت ... من آل سعدٍ بخير ابن وخير أبِ
بشاورٍ وشجاعٍ عزّ نصرهما ... عزّت على طارق الأيام والنُّوبِ
غيثان إن وهبا ليثان إن وثبا ... فاضا على الخلق بالإعطاء والعطب
هو الكفيل ولكن قد كلفتَ له ... أبا الفوارس نجحَ العسى والطلبِ
ومنها:
(1/178)

كانت لواتة حيّا لا يردّعه ... حيٌ وشعبا صحيحا غير منشعبِ
وطال ما أمعنوا في البغي واحتقروا ... جرَّ الكتائب والتهديدَ بالكتبِ
وكم دعتها ملوك العصر قبلكمُ ... إلى المجير فلم تسمع ولم تجبِ
حتّى رماهم أبو الفتح الذي ضمنت ... أسيافه فتح باب المعقل الأشبِ
بثّ الجيوشَ على التدريج فانبعثت ... في عزوهم سربا كالوابل السَّربِ
وكنتَ آخرَ سهم في كنانته ... وفارسُ الروع من يحمي حمى العقبِ
ولم يزل عندهم منعٌ ومقدرة ... وأمرهم مستمرّ غيرُ مضطربِ
حتّى نهضتَ فلم تنهض قوائمهم ... والرعبُ يخفق في الأحشاء والرُّكبِ
25 - وقال يمدح الأمير جمال الدين فرجا [بسيط]
ما كلُّ سمع بمعدود من الخطبِ ... فلا تغرّنك دعوى الناس في الأدبِ
ومنها:
حتّى كأنّ بني أيوبَ ما علموا ... بأنّني في زماني أفصح العربِ
ضاقت عليّ لياليهم وقد رحبتْ ... للوافدين إلى الساحات والرحبِ
حتى كأنّ أذى قلبي يطيب لهم ... كالعود لولا حريقُ النار لم يطبِ
(1/179)

خافوا عليّ ولا رأيى بمنحرف ... عن الوداد ولا قلبي يمنقلبِ
فإن أتى فرجٌ من راحتي فرجٍ ... فليس ذاك بمعدود من العجبِ
26 - وقال يمدح فارس المسلمين بدر بن رزيك أخا الصالح وقد سرق فرسه الاصدأ ثم عاد منفلتا من السراق.
27 - وقال يمدحه ويسئله إنجاز ما وقع له به من زيادة في جاريه.
28 - وقال وقد توفى ولده حسين في سنة ثلاث وستين وخمسمائة [كامل]
أترى يكون لي الخلاص قريبُ ... فالموتُ بعدك يا بني يطيبُ
علّلتُ فيك الحزنَ كلَّ تعلّة ... لم تنفعنّي شربةٌ وطبيبُ
29 - وقال في ابنه اسمعيل يرثيه في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة [كامل]
(1/180)

ما كنت ألفُ منزلي إّلا بهِ ... ولقد كرهتُ الدار بعد مصابهِ
30 - وقال من قصيدة يمدح الصالح.
31 - وقال أيضاً لم أشعر بعض الأيام حتى جاءتني منه رقعة فيها أبيات بخطه يعني الصالح ومعه ثلاثة أكياس ذهبا وفيها قوله: 32 قال فأجبته مع رسوله.
33 - وقال أيضاً ارتجالا وقد جازوا عليه برأس ضرغام وهو ساكن صف الخليج بالقاهرة.
34 - وقال يمدح سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح ويشكره على ما تجدد من جميل رأيه بعد أن كان هجره.
35 - وقال من قصيدة يشكر شاورا على إعفائه من عمل الشعر.
(1/181)

36 - وقال في الكامل بن شاور.
37 - وقال أيضاً استغاثة [بسيط]
يا كاشف الضرّ إذ ناداه أيوبُ ... وجامع الشمل إذ ناجاه يعقوبُ
وعالم السرّ والنجوى إذا خفيتْ ... ضمائرٌ سرُّها بالغيب محجوبُ
لعلّ معروفك المعروفَ ينقذني ... من لوعة جمرها بالشكل مشهوبُ
هبْ لي أمانك من خوف يبيت به ... للهمّ في القلب تصعيدٌ وتصويبُ
وقد فزعت بآمالي إليك وفي ... رحاب جودك للعافين ترحيب
38 - وقال أيضاً [سريع]
سعيك للجمعة محسوبُ ... والأجر عنه لك مكتوبُ
ما فاتت الجمعة من لم يفتْ ... عزمته في الله مطلوبُ
يكفيك فضلا أنّ نعت التقى ... إليك دون الناس منسوبُ
(1/182)

39 - وقال وقد أخرج منقادا إلى القتل وطلب الفاضل فلم يصل إليه [كامل]
عبدُ الرحيم قد احتجب ... غنّ الخلاص من العجبْ
40 - ومما وجد له أيضاً وهو أخر شعر قاله [طويل]
أنادي من الأخوان غير مجيبِ ... وأمدح باِلأشعار غير مشيبِ
وأقطع أيّاما تقول همومها ... لأنفاس نفسي كيف شئت فذوبي
ومستخبرٍ ما بالكُ حالكِ حالكاً ... فقلتُ سقامٌ لم يعنْ بطبيبِ
ولا خير في أسجاع من جاع بطنه ... ولو أعربتْ يوماً بلحن عريبِ
ومن ألزم الأخوانَ ذنب أيّامه:
أكلفهم ما لا يجوز كأنما ... طرحت عليهم حصرما بزبيبِ

قافية التاء
41 - وقال يرثي ابنه محمداً [طويل]
(1/183)

سأبكي على ابني مدّتي وحياتي ... ويبكيه عنّي الشعرُ بعد مماتي
ومنها:
أتبلى المنايا مهجةَ ابنٍ ذخرته ... لدهري ويبلوني بخمس بناتِ
ومنها:
وما عشتَ إّلا ستَ عشرةَ حجة ... سقى عهدهنّ الله من سنواتِ
ومنها:
بنفسي ثاوٍ في القرافة سار عن ... محلّ عفاةٍ نحو دار رفاتِ
فقير إلى الرحمن دون عباده ... غنيٌ عن الإحسان والحسناتِ
42 - وقال في القاضيين الرشيد والمهذب ابني المهذب [طويل]
أرى ابني على ركب الله فيهما ... سجايا بقوس بينهن شتاتُ
فهذا له في المكرمات تسرُّعٌ ... وهذا له في النائبات ثباتُ
وأحمدُ ينبوعُ المحامد والندى ... إذا نضتِ الإحسانُ والحسناتُ
وللحسن الفعلُ الذي هو كاسمه ... وما كلُّ أسماء الرجال سماتُ
(1/184)

43 - وقال يرثي هوشات [طويل]
قفا فلعلّ الفيض من عبراتهِ ... يبرّد حرَّ الوجد من زفراتهِ
وميلا إلى سفح المقطَّم واربعا ... على روضة في السفح من هضباتهِ
ففي الروضة البيضاء قبرٌ بربوة ... يلوح سموُّ القدر فوق سماتهِ
ومنها:
سيبكيك عصرٌ كنتَ خير ثقاته ... وأيامُ ملك كنتَ أكفى كفاتهِ
وغرٌ إذا أعيى على الملك سدُّه ... سددتً عراه من جميع جهاتهِ
ويبكيك بالدمع الشتيت مواطنٌ ... ضمنتَ بها للملك جمع شتاتهِ
وذو لجبٍ لمّا سريتَ تقوده ... هفتْ عذباتُ النصر في عذباتهِ
ومستوضحٌ نهج الصواب كفيته ... برأيك غربي سيفه وقناتهِ
ومعتقدٌ فيك الحفاظَ حفظته ... من الموت لمّا جفّ ريقُ لهاتهِ
ومعتركٌ في المشركين شهدتَّه ... فكنتَ برغم الشرك حامي حماتهِ
وآخرُ في الإسلام فزتَ بحمده ... وأحرزت أجرى صبره وثباتهِ
تلفَّتَ في ضيق المجال فلم يجد ... سواك وفيَّ العهد عند التفاتهِ
(1/185)

ومنها:
أبا حسنٍ يهنئك أنّك لم تمت ... وصدرك مطويٌ على حسراتهِ
ولكن بلغت المنتهي مترقّيا ... ذرى شرفٍ أعليتَ من شرفاتهِ
ومنها:
فدّى لأبي الحجاج أفراسُ حلبة ... عواطلُ من أوضاحه وشياتهِ
هو الجذّع المرزي على كلّ قارح ... سبوحٌ وما يرضى بسبق لداتهِ
ومنها:
أبا حسن فات الذي كان بيننا ... فمن لي بردَ الأمر بعد فواتهٍ
44 - وقال وقد وعده المكين أبن أبي التقي على يد السرتي بشيء [سريع]
أمّا المكين المرتضى فعله ... فإنّه جوهرة الوقتِ
قد نزّه الرحمنُ أفعاله ... عن شيمة التقصير والمقتِ
وإنما السرتى لا قدّس الرحمن من يعزى إلى سرتِ
(1/186)

سَّود ما بيض من حاجتي ... بعرضه أو ليقةِ الزّفتِ
فإن يكن برٌ فعجّلْ به ... فالسختُ لا يسمح بالسختِ
45 - وقال يرثي ولده اسمعيل [طويل]
أأرجو بقاءً أم صفاء حياةِ ... وقد بدَّدت شملي النَّوى بشتاتِ
ومنها:
أتبلى الليالي لي بنيتاً ذخرته ... وتبقى لي الأيّامُ شرَّ بناتي
ومنها:
وما عشتَ إّلا سبعة من سني الورى ... سقى عهدهنّ الله من سنواتِ
46 - وقال يمدح عزّ الدين حساما [بسيط]
يا من بليغ المعاني من عبارتهِ ... ومن صريحُ المعالي من عشارتهِ
ومن تروح المنايا في إمارتهِ ... جندا وتغدو الأماني في إمارتهِ
(1/187)

ومن إذا جد في يومي ندى وردى ... فالليثُ والغيث نزرٌ في غزارتهِ
هل أنت مصغٍ إلى شكواى حرَّ جوى ... لو شئتَ بردتَّ ناري من حرارتهِ
إعراض مثلك عن مثلي بصفحته ... شرٌ تذوب الرواسي من شرارتهِ
ولو صددتَّ عن الأيّام ما عرفتْ ... فيها حلاوةُ عيش من مرارتهِ
ما بالُ من شيدتْ أفعاله شرفا ... لعامر يتعامى عن عمارتهِ
فليت شعري أبا الماضي يرى سنني الم ... اضي فوا غبن حظى من خسارته
وأنت أوّلُ من دلّ الرجال على ... فضلى وأسفر حظّى من سفارتهِ
نادى نداك على شعري ليرفعه ... سوما ورابحَ شعري في تجارتهِ
وكنتَ مثل أتى السيل مقتربا ... لولاك ما قر سيلي في قراراتهِ
إن أكثر الناسُ في قول مدحتَ به ... فبان قرَّحُ شوطٍ من مهارتهِ
فقد تجمَّع في بيت مدحت به ... علاك ما كثروه مع نزارتهِ
بيتٌ ترى كلَّ سمعٍ حين أنشده ... يقضي فريضة حجٍّ في زيارتهِ
لله درك عزَّ الدين من ملكٍ ... أضحت ممالك مصرٍ في خفارتهِ
(1/188)

47 - وقال في أخيه المؤيد وكان قد دفع إليه منديلا طوله مائة ذراع قال فرددته وطلبت منه نسخة الكامل للمبرد في عشرة أجزاء فاشتراها ثم رغب فيها فكتب إليه.
48 - وقال من قصيدة [الطويل]
ونهجٍ سعت فيه إليك مدائحٌ ... فبرزت إذ خافت وخابت سعاتهُ
بذلتُ به الدُّرَّ المصونَ لأروعٍ ... يصدّق دعوى المادحين عفاتهُ
تجنبتُ مطروق الكلامِ وهذه ... سلافةُ ما أنشأته وابتدأتهُ
ولم أر مثل الشعر ترجو بغاثه ... مطارا بجوّ قد حمته بزاتهُ
توّهم قوم أنه الوزن وحده ... وقد غاب عنهم سرُّه وسراتهُ
كذلك لون الماء في العين واحد ... وما يتساوى ملحه وفراتهُ
متى رمتُ منه رقّةً وجزالة ... فإنّ كلامي ماؤه وصفاتهُ
وغير بهيم الخطّ شعرٌ أقوله ... وأوصافكم أوضاحه وشياتهُ
49 - وقال حين أرجف الناس بقدوم العدّو إلى مصر [بسيط]
(1/189)

يا رب إني أرى مصرا قد انتهت ... لها عيون العادي بعد رقدتها
فاجعل بها ملّةَ الإسلام باقية ... وأحرس عقودّ الهدى من حلّ عقدتها
وهب لنا منك عونا نستجير به ... من فتنة يتلظّى جمرُ وقدتها

قافية الجيم
50 - وقال في حاجة عنت له [طويل]
إليك أبا إسحاق عنت حويجةٌ ... يؤمّلها صرفُ الزمان ويرتجى
51 - وقال في زكي الدين أخي شاور على جهة الدعاء

قافية الحاء
52 - قال يمدح العاضد ويشكره [كامل]
اليومَ عاد إلى المحلّة روحها ... ومزيلُ علّة أهلها ومريحها
واستبشرت بعد العبوس وإنّما ... زليَ الأمورَ أمينها ونصيحها
عادت إلى الحال القديم فأصبحت ... لا يشتكى ألمَ السقام صحيحها
(1/190)

لاشكَّ إّلا أنّ مدة نحسها ... زالت فهبت بالسعادة ريحها
فرحت بسيف الدين فرحةَ مهجةٍ ... وافى إليها بالحياة مسيحها
53 - وقال يمدح فارس المسلمين بدرا أخا الصالح [الطويل]
أيخفى صحيح الوجد والسقم لائحُ ... ويكتم سرُّ الشوق والدمعُ بائحُ
ومنها:
ولولا أبو النجم المظفَّر عطّلتْ ... مشاربُ من سيل الهدى ومسارحُ
كريمٌ غدا لي في سماء سماحة ... مطارٌ إلى نيل الهدى ومطارحُ
ومنها:
لئن حلّ في دست الوزارة عادلٌ ... سما قبله فيها إلى النجم صالحُ
فإنّك يا بدر بن رزّيكَ عنهما ... لنعمَ المكافي للعدى المكافحُ
ولمّا تجاوزتَ النهاية في العلى ... ولاذت بعطفيك الملوك الجحاجحُ
خفضت جناحي قدرة فارسية ... لهمتنا طرفٌ إلى الطرف طامحُ
بعزمك لاذ الملكُ واعتصم الهدى ... وذلّت صعابُ الدهر وهي جوامحُ
(1/191)

54 - وقال يمدح تاج الخلافة وردا غلام الصالح [طويل]
إلى كم أحوك الشعرَ في الذمّ والمدحِ ... واخلعُ برديه على المنع والمنحِ
ومنها:
قصائد لم يقصدن إّلا خليفة ... وإّلا وزيرا عارفا قيمةَ المدحِ
وإلا جوادا مثلَ وردٍ تسوقها ... سجاياه بالإكرام والخلقِ السجحِ
55 - وقال يمدح السيد الأجل الملك الناصر جامع كلمة الإيمان وقامع عبدة الصلبان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمة الله عليه.
[سريع]
طرقتها والليلُ وحفُ الجناح ... وما تلبتُ بثوب الجناح
في ليلة بات نجادى بها ... ذوائباً يخفقن فوق الوشاح
ومنها:
أصبحت الأيّامُ منقادةَ ال ... رأس إلى كفّينة بعد الجماح
وسمعها مصغٍ إلى كلّ ما ... يقوله من غرضٍ واقتراحْ
(1/192)

قد بعلَ الدهرُ بأيامه ... مذ سحّ وبلا وربالا وساح
ولو رمى كلكلَ سلطانه ... على ثبير لتردى وطاحْ
ومنها:
ملكٌ إذا حدثتَّ عن بأسه ... قال الندى واذكر حديث السماحْ
بلّغ ملوك الأرض أنَّي به ... غنيتُ عن نيل الأكفّ الشحاحْ
واخترته من بينهم منعما ... وليست الرغوةُ مثل الصُّراحْ
من طلَّ في عصمة أحسابه ... فليس بالطالب حسنَ السَّراحْ
تقول لي أنعمه كل ما ... همتَ بالسير أقم لا براحْ
وصاحب أنشدتُّه مدحةً ... فصاح زدني من قوامٍ فصاحْ
نتائجٌ القحها جوده ... أيّ نتاج لم يكن عن لقاحْ
قد عبقت باسمك ألفاظها ... فعرفها ينفح في الامتداحْ
نوافحٌ لم أدر من طيبها ... تاهَ بها الراوي أم المسكُ فاحْ
هنئك بالعام الذي سعده ... على أعاديك قضاءٌ متاحْ
تكفّلتْ أيامه أنّها ... خادمةٌ صدرك بالانشراحْ
56 - وقال يمدح الصالح طلائع بن رزيك [طويل]
(1/193)

هي البدر بل من سنة البدر أملحُ ... وغرّتها من غرّة الصبح أصبحُ
منعَّمةٌ تسبى العقول بصورة ... إلى مثلها لبُّ الجوانح يجنحُ
كانّ الظباء العفر يحكين جيدها ... ومقلتها في حين ترنو وتسنحُ
كأنّ اهتزاز الغصن من فوق ردفها ... هضيم بأعلى رملة يترنّحُ
تعلمتُ من حبّي لها عزّةَ الهوى ... وقد كنتُ فيه قبلها أتسمحُ
وهيج نار الوجد والشوق قولها ... أحتّى إلى الجوزاء طرفك يطمحُ
فلا جفنَ إّلا ماؤه ثم يسفحُ ... ولا نار إّلا زندها ثم يقدحُ
وما علمت أنّي إذا شفّنى الهوى ... إليها بدعوى الصبر لا أتبجحُ
وأنّ اعترافي بالتأخّر حيث لا ... يقدمني فضلٌ أجلُّ وأرجحُ
ألم تر فضل الصالح الملك لم يدعْ ... على الأرض من يثنى عليه ويمدحُ
كأنّ مساعي جملة الخلق جملةٌ ... غدت بمساعيه الحميدة تشرحُ
تجمَّع فيه ما تفرق في الورى ... على أنه أسنى وأسمى وأسمحُ
يرجَّى الندى منه فيغنى ويسمحُ ... ويخشى الردى منه فيعفو ويصفحُ
له كلَّ يوم منّةٌ مستجدةٌ ... يضوع جميل الذكر منها وينفحُ
(1/194)

وقافيةٍ تجلو غرائب فضله ... فتعرفُ عن فصل الخطاب وتفصحُ
بديهته تزرى بكلّ رويّة ... وتبدي عوارَ المحسنين وتفضحُ
وكم بين فياض البديهة سابقٍ ... وآخر يكدي فكرهُ حين يكدحُ
57 - وقال أيضاً [الكامل]
يا صاحِ لستُ من الغرام بصاحِ ... ما دامت الأرواحُ في الأشباحِ

قافية الخاء
58 - قال في رجب وقد اقترح عليه ذلك هو وغيره [الطويل]
أأحبابنا كم تبخلون وكم نسخو ... ببذل وداد لا يغيرّه نسخُ
وهل منكرٌ فعلُ القطيعة منكمُ ... وما داركم إّلا القطيعة والكرخُ
رميتم نشاطي في الوداد بفترة ... شددتُّ بها حبل الوفاء فلا ترخو
وناقضتمُ في الحبّ فعلى بضدّه ... فمنّي له عقدٌ ومنكم له فسخُ
خشنتم ولانت في هواكم معاطفي ... وما يستوى يوماً قتادٌ ولا مرخُ
لقد جرتمُ في دولة عاليّة ... يحبرَّ في أيامها المدح والمدخُ
(1/195)

سما قدرها فوق السماكين باذخا ... ولم يختلج في صدر مالكها البذخُ
ومنها:
ولمّا رأيتَ الملك مال عموده ... وكادت عراه أن تلين وان ترخو
قسمت العطايا والرزايا على الورى ... فباغِ له رضحٌ وباعٍ له رضخ
وأكدتَّ فينا بيعة عاضديّة ... وذلك عقدٌ لا يلمّ به الفسخُ
لكم يا بني رزّيكَ فضل مخلَّد ... يخلده في صخف مجدكم النسخُ
تبارك من أجرى المكارم منكمُ ... إلى أن نما فرعٌ بها وزكا سنخُ
حلومٌ كأمثال الرواسي شوامخٌ ... وشمَّ أنوف ليس من شأنها الشمخ
بكم أصبح الفسطاط داري ولك تكن ... سمرقند من مثوى ركابي ولا بلخُ

قافية الدال
59 - قال عند زفاف ابنة الصالح إلى الإمام العاضد [الكامل]
(1/196)

بصعود منزلة وجدٍّ صاعدِ ... ودوام مملكة وعيدٍ خالدِ
يومٌ أمدَّ من السماء بطالع ... سعدٍ وحدٍّ في العلاء مساعد
ومنها:
زارت قصورك بنت قصر لم تزل ... رحبّ الفناء لصادر أو واردِ
ومنها:
فأسلم أميرَ المؤمنين ممتَّعا ... بالعز في ظلّ البقاء الخالدِ
متملّما بدوام كافلك الذي ... جبل الزمان على صلاح الفاسدِ
حان عليك وغن كرمتَ أبوة ... في كلّ نائبة حنوَّ الوالدِ
60 - وقال في العاضد أيضاً [كامل]
أسماء ملكٍ تحتها لك مقعد ... أم دست نسكٍ فوقه لك مصعدُ
ورواقُ مجد أشرفت حجراته ... أم صرحُ عزّ بالنجوم ممرَّدُ
وضياء وجه العاضد بن محمد ... في التاج أم نور الهدى يتوقدُ
(1/197)

61 - وقال أيضاً يمدح العاضد [كامل]
بصفات مجدك يشرف التمجيدُ ... وبنور وجهك يشرق التوحيدُ
ومنها:
لما برزتَ غداةَ فطرك خاشعا ... وشعارك التكبير والتحميدُ
وعليك من شيم النبيّ وحيدرِ ... للناظرينَ أدلّةٌ وشهود
شخصتْ إليك نواظرُ الأمم التي ... ملكتهمُ لك بيعةٌ وعهودُ
حتّى صعدتَ على ذؤابةِ منبرٍ ... لو كان عودَ إياسَ ذاك العودُ
بشرتَ بل أنذرت بالحكم التي ... فيهنّ وعدٌ صادق ووعيدُ
لينتَ قاسية القلوب بخطبة ... أصغى إليها المجمع المشهودُ
لا منكرٌ أن تستكين جوارحٌ ... لمساعها أو تقشعرّ جلودُ
والوحي ينطق عن لسانك بالذي ... من دونه يصَّدَّع الجلمودُ
يومٌ جلتْ فيه الإمامةُ عزّها ... ولها الملائكة الكرام جنودُ
أمنتْ خلافتك الخلاف وأبرمتْ ... بكفيلها مررٌ لها وعقودُ
(1/198)

بالعادل ابن الصالح انتظمت فهل ... وصَّى سليمانا بها داوودُ
أغنى عن التقليد نصُّ إمامة ... والنصُّ يبطل عنده التقليدُ
لا شيءَ من حلِّ وعقد في الورى ... إّلا إلى تدبيره مردودُ
ملكٌ أغاث المسلمين وحاطهم ... منه وجودٌ في الزمان وجودُ
ورث الكفالة عن أب لم يفترق ... في عصره نصرٌ ولا تأييدُ
قسماً بمجد أبي شجاعٍ أنّه ... قسمٌ كما لا ينكران شديدُ
لقد استقلّ أبو شجاعٍ بالتي ... أثقالها للمحاملين تؤودُ
ومنها:
يهنئ أمير المؤمنين قيامه ... في ثأركم ووفاؤه المحمودُ
لم ترض بالأمر الذي رضيت به ... في الملك أطرافٌ طغتْ وعبيدُ
شقيوا بيوم الصالح الهادي كما ... شقيت بصالحٍ النبيّ ثمودُ
وتمزقوا بيد الإمام فعالكٌ ... ذاق الردى ومصفَّدٌ وطريدُ
رعت الخلافة حقَّ أروعَ لم يزل ... يحمى العدى عن عزّها ويودُ
62 - وقال يمدحه أيضاً [كامل]
عادت عليك أهلّة الأعيادِ ... ببلوغ آمالٍ ونيل مرادِ
(1/199)

63 - وقال يمدح فارس المسلمين أخا الصالح [طويل]
إذا لم يكن بين القلوب صدودْ ... فأهونُ شيء أن تصدَّ خدودُ
وعندي على جور الزمان وعدله ... فؤاد بغير الغانيات عميدُ
ووجدٌ عدمتُ الصبر لمّا وجدتُّه ... وهمّ على نقص الحياة يزيدُ
ومنها:
مضى الصالح الملك الكفيل ودهره ... ذميم وإمّا سعيه فحميدُ
تحلّت به الأيام ثم سلبنه ... فعطّل نحرٌ للزمان وجيدُ
ومنها:
أبعدَ أبي الغارات قدّس روحه ... يؤمَّل وعدٌ أو يخاف وعيدُ
ولولا أبو النجم المظفَّر بعده ... تقلّص جود واضمحلّ وجودُ
وجدناه لمّا أن فقدنا شقيقه ... فبورك موجود وطاب فقيدُ
لقد شكرته دولة علويّة ... يدافع عن حوبائها ويذودُ
(1/200)

تداركها بالعزم والحزم أروعٌ ... له عدّة من نفسه وعديدُ
وقام بها والمجدُ يخذل أختها ... أتمَّ قيام والأنام قعودُ
إلى أن أقرّ العزَّ في مستقرّه ... وقامت بحدّ المشرفيّ حدودُ
وفي ضحوة الاثنين سكن جأشها ... وشدّ قواها والبلاءُ شديدُ
وطارت نفوس الخلق من خفقانها ... وكادت جبال الخافقين تميدُ
فأمسكها بدر بن رزّيكَ عند ما ... وهي طنبٌ منها ومال عمودُ
وأطفأ نار الشرّ عند التهابها ... وليس لها غيرَ الرجال وقودُ
وساس أمورَ الناس باليأس والندى ... فأخصب مرتادٌ وذلّ مريدُ
ومدّ على البيداء ستر غمامة ... لها البيضُ برق والصليل رعودُ
ولو شاء يومَ الجمعة الفتك بالعدي ... لرضّتْ جباةٌ منهمُ وخدودُ
ولكنّه أبقى ليعلم أنّه ... قدير على ما يشتهي ويريدُ
ومنها:
فأوزعني الرحمن شكر اصطناعه ... فما فوق ما أسدي إلى مزيدُ
64 - وقال يمدح الإمام العاضد [كامل]
يا خير من نظم المديحُ لمجيدهِ ... وتنزّلت سورُ الكتاب بحمدهِ
ومنها:
(1/201)

واذكرْ أبا الميمون يعتلِ ذكرهُ ... شرفاً ولا تتعدِّ نحو معدّهِ
الحافظَ المحفوظ عند مغيبه ... بثلاثة ورثوا الهدى من ولدهِ
من ظافرٍ أو فائز أو عاضد ... اضحتْ بنو رزّيكَ ساعدَ عضدهِ
65 - وقال يمدح فارس المسلمين والملك الصالح أخاه ويذكر تقدمة عماد الملك بن فارس المسلمين [وافر]
امنتُ من الغرام على فؤادي ... ومن غيّ يغير على رشادي
ودرّجتُ الفؤاد على التسلّى ... إلى أن صار من خلقي وعادي
وقوّمتِ التجاربُ ميل قدحي ... بتسديدي إلى طرق السدادِ
فما تعدو المذلّةُ وهي قيدي ... ولا أعطى أناملها قيادي
ولي من فارس الإسلام طودٌ ... شديد الركن في النُّوب الشدادِ
كريم لم أزره قطُّ إلا ... وأخصب رائدي وورى زنادي
ينزّه ناظري في كلّ يوم ... وفكري في رادٍ أو مرادِ
ومنها:
(1/202)

وإن تنظره في رهج المذاكي ... نظرتَ إلى أبي شبلين عادِ
تتيه به السيوفُ على العوالي ... إذا ضاق المجال عن الطرادِ
ترى أبداً رؤوس معانديه ... صعوداً في الأسنّة والصعادِ
وأثوابَ الحداد على بلاد ... رماها بالمهنَّدة الحدادِ
ومنها:
ولولا الصالح الهادي بمصرٍ ... لما عرف الصلاح من الفسادِ
رفيع المجد من غسّانَ ألوتْ ... عواصفُ مجده ببني منادِ
ولولا حد عزم منه ماض ... لما سلقوا بألسنة حدادِ
لقد رفع القواعد من عماد ... لدولته بتقدمة العادِ
وروّى غصن دوحته بعرف ... جني من فرعه ثمر الودادِ
وقلّده ابنَ سبع سنينَ أمراً ... تدين له الحواضرُ والبوادي
وليس بمنكر وأبوه بدرٌ ... إذا بلغ النهاية في المبادي
لئن سبق الكرامَ فغير بدعٍ ... إذا سبق الجوادُ ابن الجوادِ
66 - وقال يمدح فارس المسلمين أيضاً [رجز]
ملَّ وقد ملتُ إلى ودادهِ ... وسلَّط الخلف إلى ميعادهِ
(1/203)

أهيف يرتجّ النقا من تحته ... إذا تثنّي الغصنُ في أبرادهِ
ومازال حلو الوصل في اقترابه ... يعقب مرَّ الهجر بابتعادهِ
ومنها:
قد كنتَ للصالح في حياته ... غضباً به يسطو على أضدادهِ
وقمتَ بالدولة بعد موته ... حتّى استقرّ الملك في أولادهِ
مددتَّ يمناك على رواقه ... حتّى كشفتَ الناس عن مرصادهِ
وابتسم الدستُ لنا عن عادل ... يقدح نورُ العدل من زنادهِ
أبو شجاعٍ ملكُ العصر الذي ... يضيق ذرعُ الدهر عن عنادهِ
67 - وقال سائلاً لربه سبحانه وتعالى [كامل]
يا جامع الشمل المبدَّدْ ... ومسدّدِ الرأي المشدّدْ
68 - وقال معاتباً في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وخمسمائة [مجتثّ]
يا أكرمَ الناس وجهاً ... وأكرم الناس عهداً
(1/204)

لكن إذا رام جودا ... أعطي قليلاً وأكدى
لئن وصلتك سهوا ... لقد هجرتك عمدا
وإن هويتك غيّا ... لقد سلوتك رشدا
جاوزتَ بي حدَّ ذنبي ... وما تجاوزتُ حدَّا
عركتَ آذان شعري ... لما طغى وتعدَّى
وآلُ رزّيكَ أولى ... من قلّد الشهب عقدا
لأنّهم ألحفوني ... من الكرامة بردا
وخوّلوني ولكن ... غلطتُ جاها ونقدا
وغرّني كلُّ وجه ... من البشاشة يندي
وقلتُ أصلٌ كريم ... وجوهر ليس يصدي
فاردد عليّ مديحي ... فلستُ اكرهُ ردَّا
والطمْ به وجهَ ظنٍّ ... قد خاب عندك قصدا
وسوف تأتيك عنّي ... ركائبُ الذمّ تخدي
يقطعن بالقول غوراً ... من البلاد ونجدا
ينشرن في كلّ سمع ... ذمّا ويطوين حمدا
69 - وقال يمدح الأمير الظهير ويهنئه بقدومه من المحلة وقد ندب لإصلاح ما تشعث منها وذلك في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة [متقارب]
قدومك
(1/205)

أفرحَ الهدى//وآنس وحشَ عراص الندى
ومنها":
أحببتَ المحلّة لمّا دعتك ... بكفّ يكفُّ أكفَّ العدي
ولما حالمتّ بأرجائها ... نقعتَ الصَّدى وجلوتَ الصَّدى
ولبّدتَّ منها العجاجَ المثار ... وثرتَ بها أسداً ملبدا
وعاثت يدُ الدهر في سربها ... فأصلحتها قبل أن تفسدا
70 - وقال يرثي ولدا له كان يسمى محمداً توفي ليلة الاثنين الرابع من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وخمسمائة بمصر ويرثي أيضاً ولده عبد الله وأخاه يحيى ودفن أحدهما بالعداية من وادي وشاعٍ باليمن [بسيط]
(1/206)

أحببتُ في خير أعضائي وأعضادي ... وخير أهلي إذا عدّوا وأولادي
بأبلجِ الوجه من سعد العشيرة لم ... يعرف بغير الندى والبشر في النادي
ومنها:
بكل أرض ثوى قبرٌ يضمّ على فرّاجِ معضلة طلاّعِ أنجادِ
قبرٌ تسجّى بأكناف العداية لم ... تؤنسه أجداثُ آبائي وأجدادي
وفي الحصيب لعبد الله مدرجةٌ ... بالعرق تسقي بصوب الرائح الغادي
وفي القرافة ثاوٍ لا تزال له ... نارٌ على قدر إطفائي وإيقادي
حلوا فرادى بأطراف البلاد وهل ... رأيتَ زهرَ الدراري غيرَ أفرادِ
غدا محمّد محموداً وخلفني ... أذمُّ همّا رثي لي منه حسّادي
مررتُ بالربع والوادي فأوحشني ... وقيل لي مات أنسُ الربع والوادي
71 - وقال يمدح فارس المسلمين بدرا أخا الصالح [متقارب]
أما وخدودِ ألفن الصدودا ... وبردِ لمى لا يبيح الورودا
وبيض صفاحٍ تسمَّى العيونَ ... وسمرِ رماح تسمَّى القدودا
ودرٍ كأنّ الطُّلا والنحور ... أعرن المباسم منه العقودا
(1/207)

ورملِ إذا ارتجّ تحت الحضور ... ذكرنا الهوى ونسينا زرودا
وسربٍ إذا ما خلا بالأسود ... رأيتَ الظباءَ يصدنَ الأسودا
لقد شئتُ أن لا يزال الغرامُ ... يجدِّد للقلب وجدا جديداً
وأن لا أرى فارس المسلمين ... إلاّ حميدَ المساعي سعيدا
مليك غدا شرفاً للملوك ... وركنٌ لملك أخيه شديدا
أقام إلى عفوه نقمةً ... تقيم على المعتقين الحدودا
متى سار موكبه كادت البلاد ... بساكنها أن تميدا
إذاما المظفَّرُ قاد الجيو ... شَ قلنا اسيلا ترى أم جنوداً
كثيرُ التبسّم في موقف ... يصافح فيه الحديدُ الحديدا
تراه غداةَ الندى والردى ... حساماً مبيداً غماماً مفيدا
ومنها:
أتتني أياديه من قبل أن ... أمدّ اليهنّ عيناً وجيدا
وأنطقني فضلُ إحسانه ... وعلّمني جوده أن أجيدا
72 - وقال أيضاً في نجم الدين أخي عز الدين ابن أخت الملك الصالح [طويل]
(1/208)

ترى عند نجم الدين علمٌ بما عندي ... له من جزيل الحمد أو خالص الودِّ
وهل عنده أنّي خطيب لمجده ... وأنّي على عليائه غيرُ معتدِّ
ومنها:
ومدحك عندي يا مؤيَّدُ طاعة ... تقرّبني من طاعة الله والمجدِ
73 - وقال فيه ارتجالا أيضاً [طويل]
لك المجد والفضل الذي ليس يجحدُ ... بل الحمد والمذمومُ من ليس يخمدُ
ومنها:
وما ضمَّ هذا الشمل وهو كما ترى ... وتسمعه إلاّ الأجلُّ المؤيَّدُ
74 - وقال في المعظم سليمان بن شاور [رجز]
يا ملكاً صرفُ الزمان عبدهُ ... والنائباتُ حين يسطو جندهُ
إن مخضَ الخطبُ فأنت زبدهُ ... أو حسن الذكر فأنت ندَّهُ
(1/209)

75 - وقال يهجو بغياً [خفيف]
يا محبّاً من النجومْ الزُّباني ... ومن الأرض زبرة الحدّادِ
وولىَّ الزُّبير دنيا وتالى ... معجزات الزُّبور في كلّ ناد
حبُّك الزُّبَّ بغّض الزُّبد عندي ... والزَّبادي
وزيبةَ الآسادِ
76 - وقال أيضاً وكتب بها إلى نجم الدين جمال الملك موسى بن الأجل المأمون [سريع]
الخادمُ المملوك ينهي إلى ... مولاه أنّ البرّ فوق المرادْ
جاورَ فيها فضلك المتنتهي ... وفاق فيها كلَّ برّ وزادْ
77 - وقال فيه أيضاً [سريع]
قل لجمال الملك يا ابنَ الذي ... ذكرُ علاه أبدا خالدُ
كلُّ مساعيكم بني فاتكٍ ... يسمو بها المولود والوالدُ
(1/210)

ما عاقني عنه سوى رمدة ... شابها في مقلتي واقدُ
وقخبةٍ محكوكة غضّة ... يرغب في خلواتها الزاهدُ
ذابت دموع العين والأيرُ من ... شوق وجلابُ أستها جامدُ
وكسُّها للنيك مستيقظ ... والأيرث من فوق الخصى راقدُ
78 - وقال أيضاً وقد تأخر عن زيارته [بسيط]
ما عاقني عنك إلاّ هيضة عرضت ... فأضعفت كلَّ شيء غيرَ معتقدي
فلا خلتْ منك عين أنت ناظرها ... فأنت عوني على الأيّام بل سندي
وعلمُ حالك روحي إن كتبتَ به ... فأمننْ بروحي ولا تحسبه عن جسدي
لا شكرَ للدهر عندي غيرَ واحدة ... إنّي وإيّاك مجموعان في بلدِ
اسليتني عن جميع الناس قاطبةً ... فقد غنيتُ ولم أحتجْ إلى أحدِ
79 - وقال يمدح الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب أخا الملك الناصر صلاح الدين [رمل]
سقمُ ألحاظ الحسان الخرَّدِ ... صحةٌ أهدتْ سقامَ الجسدِ
(1/211)

حبَّذا ظلُّ جفون أنبتتْ ... حمرة الورد على الخدّ النَّدى
لحظاتٌ لم تزل اسهمها ... يتولّعن بقلب الأسدِ
ومنها:
يا ليالٍ أسلفتني أرقا ... أنت في جاه الليالي الجددِ
قد وهبناك لأيّام بها ... قبضَ العدلُ بنانَ المعتدي
ووجدنا مدح سيف الدين في ... جانب الأيّام أقوى العددِ
ملكٌ من آل أيّوبَ له ... كرمُ الفرع وطيب المحتدِ
80 - وقال يمدح الملك المعظم شمس الدولة أخا الملك الناصر ويحثه على مسيره لليمن [كامل]
صرفُ النسيب إلى اللّوى وزرودِ ... ضربٌ من الشُّعراء غيرُ مفيدِ
وأرقُّهم ديباجةً من عنده ... غزلٌ يرود هوى الفتاة الرُّودِ
وإذا عمدتَّ إلى النسيب وضعته ... في غير وصف كنتَ غير عميدِ
ومنها:
(1/212)

ملكٌ أوحدُ مجده ولو أنّني ... ثنّيته ثنيتُ بالتوحيدِ
أثني عليه ولا أردِّد مجده ... ونداه مجبول على الترديدِ
وإذا قرنتُ مقالتي بفعاله ... فاسمعْ مجدّاً في صفات مجيدِ
جزلا يقابله جزيلُ مكارم ... أمسي بما لم يجزِ في المعهودِ
عن كلّ مال بيتُ مال صانتٌ ... غذ كلُّ بيت قلبُ كلّ قصيدِ
ومنها:
ضاق الصَّعيدُ على جيادك بعد ما ... ضمنت صعادك فتح كلّ صعيدِ
والغربُ واليمنُ القصيدةُ أهلهُ ... من خوفهم في قائم وحصيدِ
والسيفُ يلمع في الخواطر برقه ... بالسيف من عدنٍ وارض زبيدِ
فإلى متى أيدي الكماة معوقة ... عن نشر ألوية ونشرِ بنودِ
ومعاطفُ الخيل الخفاف إلى العدي ... تشكو خفاف أبدَّةٍ ولبودِ
أفلا رميتَ بها الفلاة مجرِّداً ... عزما تسدّ به عراصَ البيدِ
(1/213)

وخلعتَ مملكة يقول طريفها ... للدهر أرّخْ فيَّ رجلَ تليدِ
وعذرتَ من حسدَ الرجال على العلي ... لمّا ظفرتَ بلذّة المحسودِ
81 - وقال يرثي العاضد [كامل]
أسفي على زمن الإمام العاضدِ ... أسفُ العقيم على فراق الواحدِ
زمنٌ دفعتُ إلى سواه وأذعنتْ ... جمحاتُ رأسي في يمين القائدِ
جالستُ من وزرائه وصحبتُ في ... أمرائه أهل الثناء الخالدِ
ووجدتُّ من وجود الإمام وجودهم ... للضيف أوثق عاضدٍ ومساعدِ
82 - وقال فيه أيضاً [سريع]
يا عاضد الدين في المهدِ ... ووارثَ القائم والمهدي
83 - وقال يمدح الأمير نجم الدين جمال الملك أبا علي موسى المأمون ويهنئه بالعيد سنة سبع وخمسين وخمسمائة [خفيف]
أيّها السّيدُ الّذي أنا عبدهْ ... والّذي أنطق المدائح مجدهْ
(1/214)

84 - وقال يرثي ولده [بسيط]
بان العزا وفؤادي ما له جلدُ ... والنارُ في القلب والأحشاء تتقدُ
85 - وقال من قصيدة يمدح بها شاورا.
86 - وقال يمدح فارس المسلمين بدرا ويشكره على خلعة بقصيدة منها.
87 - وقال من قصيدة يهجو ابن دخان
[كامل]
أقسمتُ لاكشفتْ لمصرٍ غمّةٌ ... ومديرها ابنُ غمامةِ المستوقدِ
همٌّ لو اكتحل الحسانُ بلونه ... لم يفتقرن إلى اكتحال الإثمدِ
وجد السبيلَ إلى بلوغ مراده ... لمّا أرادوا ضبطه بالأمجدِ
وكأنّه معه زيادةُ خنصر ... سيّانِ إن وجدتْ وإن لم توجدِ
88 - وقال يدعو ربّه [بسيط]
(1/215)

يا ربّ هيّئ لنا من أمرنا رشدا ... واجعل معونتك الحسنى لنا مددا
ولا تكلنا إلى تدبير أنفسنا ... فالنفسُ تعجز عن إصلاح ما فسدا
أنت الكريم وقد جهّزتُ من أملي ... إلى أياديك وجهاً سائلاً ويدا
وللرجاء ثواب أنت تعلمه ... فاجعل ثوابي دوام الستر لي أبدا
89 - وقال في شاور عند رجوعه من حصار الإسكندرية وقد أكثر من سفك الدماء بغير حق فسئل أن يعمل قصيدة في المعنى.
90 - وقال يمدح نجم الدين بن مصال [كامل]
ردَّا أحاديثَ المنى وأعيدا ... ومعاهداً حسنتْ ربي وعهودا
دار عهدتُّ بها الآهلّةَ أوجهاً ... متهلّلاتٍ والغصونَ القدودا
والأقحوانَ مباسماً معسولةَ ال? ... ?نغمات والوردَ الجنيَّ خدودا
واستخبرا ريما برامةَ نافراً ... لم لا يريد عن الصدود صدودا
(1/216)

ومنها:
ماشٍ على سنن المعالي يقتفي ... في المجد آباءً له وجدودا
جازوا على الشّعري وجاوز حدُّهم ... بفضائلٍ لا تقبل التحديدا
أبقى سليمٌ من مصالٍ سيّدا ... ساد الكهولَ من الملوك وليدا
فبنى لبيت بني مصالٍ جدُّه ... شرفاً فزادته النجومُ مشيدا
ومنها:
شكر الورى لك في البحيرة سيرة ... أبقت عليك من الثناء خلودا
سعدتْ بعدلك بعد جور طالما ... أشقى طريفاً واستباح تليدا
ونسخت من جور الولاة شريعة ... يتوارثون رسومها تقليدا
أيّدتَّ بالتقوى وصادقِ عزمة ... جلبا إليك النصرَ والتأييدا
ومهابةَ السمت الملوكيّ الذي ... يغدو بها أسدُ العرينة سيدا
فقدتْ بك الإسكندريّة أنسها ... فأعدتَّ فيها أنسها المفقودا
كنّا وأنت على البحيرة نازل ... والثغرُ يشكو فترة وخمودا
جزنا بدارك لا خلتْ فتصورّتْ ... فيها النفوسُ جلالك المعبودا
فجعلتً سدةَ بابها ورحابها ... حرمَا وصحبى ركَّعاً وسجوداَ
واستشعروا وجه السما مبتسّماً ... فيها وبشرَ جبينك المعهودا
(1/217)

حتّى إذا قدم الركابُ يحفُّه ... نصرٌ يحفُّ ميامنّا وسعودا
فطلعتَ في جنباتها متهلّلا ... كالبدر لا بل للوجود وجودا
ومنها:
أبدي الندى وإعاده ليفيدني ... في المكرمات العطفَ والتأكيدا
91 - وقال يمدح القاضي الفاضل [طويل]
لك الحمد إن أرضاك قولي لد الحمدُ ... وما لي وسعٌ غير ذاك ولا جهدُ
أنا الحرُّ يا عبد الرحيم فإن جرى ... حديث الذي أوليتني فأنا العبدُ
92 - وقال أيضاً وكتب بها إلى شهاب الدين [خفيف]
نطقتْ عنك ألسنُ الأغمادِ ... بجدال الرقاب يومَ الجلادِ
وسرى الحمدُ من لسان القوافي ... مخبراً عن نداك في كلّ نادٍ
فتمتَّعْ بدولة خدمتها ... بالتهاني مواسمُ الأعيادِ
(1/218)

دولةٌ حاضريّة حاسدوها ... في انتقاص وغيرها في ازديادِ
لك من صدرها محلُّ الفؤادِ ... أو فمن طرفها محلُّ السوادِ
فعلُ محمودٍ كاسمه بعد أيُّو ... بَ وفاءً أو كاسمه في المبادي
ساد فيها وسدَّ عنها خطوباً ... ذهبتْ بيتن عزمه والسدادِ
أنت ثبَّتَّها برغم المداجي ... في بداياتها ورغم المبادي
أردفتْ خلفها رجالاً وخلّتْ ... معها منتّهى عنانَ الهادي
ولا خلتْ منك والداً لاك منها ... في المهمّات طاعةُ الأولادِ
والدٌ ألّفتْ مساعيه فيها ... بين أجفانها وبين الرُّقادِ
هيبةٌ تملأُ الصدور ولكن ... أين منها مواضعُ العبّاد
لم تزل تعمر القلوب إلى أن ... زرعتْ حبَّ حبّة في الفؤادِ
فله في النفوس خالصُ ودٍّ ... ثابتٍ في ضمائر الاعتقادِ
طهّر الله صدره حين أعلى ... قدره عن ضغائن الأحقادِ
ومنها:
جهلوا ما عرفتَ منّي وفضلي ... علمٌ فوق شامخ الأطوادِ
نقصوا بي من حيث زادوا فكانوا ... نسباً زاد نقصه بزيادِ
أنت واصلت بالكرامة برّي ... وهي أقصى مطالبي ومرادي
(1/219)

ثمّ اتبعتها بألطاف برّ ... بالغت في تعهُّدي وافتقادي
93 - وقال يمدح المكرم عليّ بن الزيد [كامل]
يامن تظلُّ له الكواكب حسداً ... لعلوّ رتبته وتمشي سجَّدا
ومنها:
واسلمْ فقد شكر الوصيُّ وآله ... عزما نصرتَ به النبيَّ محمَّدا
94 - وقال لعزّ الدين حسام [سريع]
يا أكرمَ الحاضر والبادي ... وفارسَ الموكب والنادي
ويا ذبابَ الأبيض المنتضي ... عزما ونصلَ الصعدة الصادي
وافى كتابٌ منك مضمونه ... شكرك عن برّي وإسعادي
بدأتَ بالحسنى فجازيتها ... والفضلُ في الإحسان للبادي
فثق بودّي واعتقدْ أنّني ... لمن يناديك بمرصادِ
وسلْ من الله تجدْ منعماً ... طولَ حياة الناصر الهادي
(1/220)

95 - وقال أيضاً على لسان بعض من حصل في اعتقال السلطان [بسيط]
هذي مناجاةُ عبد رقّ حاسدهُ ... من البلاء الذي أمسى يكابدهُ
لا يطرق النومُ أجفاناً لمقلته ... ومقلةُ الموت من قربٍ تراصدهُ
ومنها:
أمّا الرجاء فقد جهّزتُ مركبه ... وفدا إلى ملك ما خاب وافدهُ
الكاملُ ابن أبي الفتح الذي اعتصمتْ ... به الخلافةُ لمّا غاب والده
حاشا كمالك من نقص تقدُّمه ... والبدرُ يعرف بعد النقص زائدهُ
فتش تجدْ لي نظيراً في الذين هفوا ... وما نظيرك ممّن أنت واجدهُ
وما أقيمُ لنفسي حسنَ معذرة ... أنا المسيءُ الذي ضلّتْ مقاصدهُ
بعدتُّ عنكم وكانت زلّةً وخطا ... فاغفر وذلك ذنبٌ لا أعاودهُ
إنّي شقيت وهل من فضلِ عاطفةٍ ... عليّ تسعد جدّي أو تساعدهُ
لستُ الجليدَ على ما قد بليتُ به ... فارحمْ فلو كنتَ صخراً ذاب جامدهُ
إنّ ابن سبعين قد أشفى على طرفٍ ... من المنيّة واختلّت قواعدهُ
(1/221)

ومنها:
لو قصَّر الحمدُ بي عن شكر أنعمه ... فالله شاكرهُ عنّي وحامدهُ

قافية الراء
96 - قال يمدح ياسراً باليمن [كامل]
سفر الزمان بواضح من بشرهِ ... وافترّ باسمُ ثغره من ثغرهِ
وأضاء حتّى خلتُ فحمة ليله ... طارت شراراً في توقّد فجرهِ
ومنها:
بالياسر المغني بأيسر جوده ... والمقتني عزَّ الزمان بأسرهِ
من طالت اليمنُ العراقَ بفضله ... وسمتْ على أرض الشَّآم ومصرهِ
97 - وقال من قصيدة يهنئ بعيد الفطر [كامل]
أحيي معارفَ كلّ معروف بها ... ومحا معالمَ منكريه ونكرهِ
98 - وقال يمدح الإمام العاضد [كامل]
(1/222)

الشعرُ يعلم أنّ قدرك أكبرُ ... ممّا نقول وأنّ فضلك أكثرُ
لكنّ مدحك خدمة مفروضة ... أمر المقلُّ بفعلها والمكثرُ
ومنها:
شرفتْ أميرَ المؤمنين مواسمٌ ... أضحتْ تؤرَّخ باسمكم وتسطَّرُ
قسمتْ كما قسم الزمان محاضرٌ ... لم ينصرم ومقدَّمٌ ومؤخَّرُ
واجلُّها يومُ الخليج فإنّه ... من بينها يومٌ أغرُّ مشهَّرُ
يومٌ خلعتَ عليه ليلَ عجاجة ... شهبُ الأسنّة في دجاها تزهرُ
يومٌ كأنّ الجيش تحت قتامه ... سرٌّ بأثناء الجوانحُ مضمرُ
وافاك فيه النّيلُ وهو من الحيا ... خجلٌ يقدّمِ رجله ويؤخّرُ
قد جاء معتذراً إليك وتائباً ... من ذنبه الماضي ومثلك يعذرُ
لولا تعثُّره بأذيال الثرى ... ما كان مذروراً عليه العثيرُ
لو لم تغبّر بالندى في وجهه ... ما لاح قطُّ عليه لونٌ أغبرُ
ولوَ انّه لاقى ركابك أبيضاً ... صرفاً لكدّره العجاج الأكدرُ
ولقد عدمناه فنبتَ نيابةً ... عزّ الغنيُّ بها وأثرى المعسرُ
إن كان من نهرٍ فكفُّك لجةٌ ... أو كان من مطر فوبلك أغزرُ
(1/223)

شتّانِ بينكما أبخرٌ واحد ... كيدٍ أناملها الكريمةُ أبحرُ
في كلّ وقت فيضُ جودك حاضر ... فينا ونائله يغيب ويحضرُ
وعلى الحقيقة لا المجاز فإنّه ... من نعمة الله التي لا تكفرُ
كسرُ الخليج عبارةٌ عن منّة ... أضحى بها كسرُ البريّة يختبرُ
فتملًَّ موسمه وعمرا خالدا ... تمضي لياليه وأنت معمَّرُ
وتهنَّ أيّامَ الكفيل ودولةً ... عزّت بها فهو الهناءُ الأكبرُ
هادي الدعاة كفيلُ دولتك التي ... تهدي إذا ضلّ السميعُ المبصرُ
إن كنتَ في وجه الخلافة مقلةً ... فالصالحُ الهادي عليها يحجرُ
أو كنتَ في حرم الإمامة قبلةً ... فهو الشعار لأهلها والمشعرُ
أو كنتَ للإسلام شمس هداية ... فطلائعٌ منها الصباحُ المسفرُ
ملكٌ إذا عدّ الملوك وفضلها ... بدأ اللسانُ به وثنَّى الخنصرُ
شيمٌ يروق الأذنَ منها مسمعٌ ... وعلّى يروق العينَ منها منظرُ
أحيي بمحي الدين سيرته التي ... يطوي بها نشرُ الثناء وينشرُ
ذخرُ الأئمة من خلائف هاشمٍ ... ووصيلةٌ لهمُ تصان وتذخرُ
الناصرُ المحيي الذي بغنائه ... أضحتْ عظيمةُ كلّ خطب تصغرُ
شرفتْ بنو رزّيكَ حتّى أنّهم ... دون البريّة للكواكب معشرُ
وتواضعوا والدهرُ يعلم والعلى ... أنّ الزمان بهم يتيه ويفخرُ
(1/224)

الشائدون على كبا من دونها ... كسرى وقصَّر عن نداها قيصرُ
فليسلموا للعاضد بن محمد ... عضدٌ يذلُّ به العدوُّ ويقهرُ
99 - وقال في الأكرم بن الزبد [طويل]
إذا ما لقيتَ الأكرمَ النَّدبَ فاعتذر ... إليه من التقصير في الحمد الشكرِ
وقل لا خلا منك الزمانُ ولا انطوى ... بساطك من نهيٍ مطاعٍ ومن أمرِ
فما زلتَ طلقَ الوجه في السُّخط والرضى ... حميدَ السجايا في التجهُّم والسُّرِ
إذا ما تسحبنا عليك قبلتنا ... قبول رحيب الساح والراح والصدرِ
100 - وقال يرثي الملك الصالح [خفيف]
ليت يوم الاثنين لم يبتسّم ... عن محيّاه للّيالي ثغورُ
طلعتْ شمسهُ بيوم عبوسٍ ... حيَّر الطير شرُّه المستطيرُ
وتجلّة صاحبه عن جبين ... إثمدُ الليل فوقه مذرورُ
صبَّح المجدَ في صبيحة ذاك الي? ... ?وم غبراءُ صليمٌ عنقفيرُ
(1/225)

بلغ الدهرُ عندها ما تمنّى ... وعليها كان الزمان يدورُ
حادثٌ ظلّت الحوادثُ ممّا ... شاهدته من جوده تستجيرُ
ترجف الأرضُ حين يذكرُ عنه ... وتكاد السماءُ منه تمورُ
طبَّق الأرضَ من مصاب أبي الغا ... رات خطبٌ له النجومُ تغورُ
ومنها:
لك رضوانُ زائرٌ ولقوم ... هلكوا فيه منكرٌ ونكيرُ
حفظتْ عهدك الخلافة حفطاً ... أنت منها به خليق جديرُ
أحسنتْ بعدك الصنيعةَ فينا ... فاستوتْ منك غيبة وحضورُ
وأبى اللهُ أن يتمّ عليها ... ما نوى حاسد لها أو كفورُ
ضيّقوا حفرة المكيدة لكن ... ضاق بالناكثينَ ذاك الحفيرُ
وتجرَّوا على القصور بغدر ... وسراجُ الوفاء فيها ينيرُ
حرمٌ آمنٌ وشهرٌ حرامٌ ... هتكتْ منهما عرّى وستورُ
لا صيامٌ نهاهمُ لا إمامٌ ... ظاهرٌ تربُ أخمصيه ظهورُ
أخفروا ذمّة الهدى بعد علمٍ ... ويقينٍ أنّ الإمام خفيرُ
وإذاما وفت خدورُ البوادي ... بذمام فما تقول القصورُ
غضب العاضدُ الإمام فكادت ... فرقاً منه أن تذوب الصخورُ
(1/226)

أدرك الثأر من عداه بعزم ... لم يكن في النشاط منه فتورُ
واستقامت بنصره وهداه ... حجّةُ الله واستمرّ المريرُ
101 - وقال يمدح المظفر أخا الملك الصالح [رجز]
يا ضبية الرمل التي ... أنستها وتنفرُ
لام عليكِ عذلى ... لو شاهدوكِ عذروا
ومنها:
واشكر أبا النجم الذي ... إحسانه لا يكفرُ
بدرَ بن رزّيكَ الذي ... أدنى نداه البدرُ
ذو غرّة تزهو بها ... تيجانه والمغفرُ
ومنها:
قلتُ لمن كان معي ... اكشفْ لنا ما الخبرُ
فقال لي منتهراً ... اسكتْ لفيك الحجرُ
يجوز أن يخفى السُّهى ... فكيف يخفى القمرُ
(1/227)

فقلتُ من هذا الذي ... تعظمه وتكبرُ
قال جلالُ الرُّؤسا ... فاستعمروا وأبصروا
هذا الذي تجمّلتْ ... مصرُ به لا شيزرُ
فعندها قلتُ لح? ... ?ظّي أنت حظٌّ مدبرُ
حتّى متى أضجرُ من ... دهري ولست أضجرُ
وسوف ابلغُ المنى ... إن عزم المظفَّرُ
لأنّني من ظلّه ... في ذمّة لا تخفرُ
نلتُ به ما أرتجى ... أمنتُ ممّا أحذرُ
وهو على ما اشتهي ... من كلّ خلق أقدرُ
102 - وقال يمدح نجم الدين بن مصال [سريع]
قولا لنجم الدين يا خيرَ من ... نادت نداه غرُّ أشعاري
ووارثَ الأفضل من بعده ... منصبه العاري من العارِ
يا من ثناه وسنا وجهه ... نزهةُ أسماع وأبصارِ
يفديك أقوامٌ عطاياهمُ ... ماءٌ أجاجٌ بين أحجارِ
ظاهرُ أثوابهمِ أبيضٌ ... والعرضُ من زفت ومن وقارِ
(1/228)

زعانفٌ تأنف من ذمّهم ... وحمدهم عوني وأبكاري
أهدىَ لي فروٌ له قيمة ... غالية لكنه عارى
يبيت في الليل بلا سترة ... والقطُّ يحميه من الفارِ
فامننْ ولا تمننْ إلى إثرها ... بشقّة من عمل الدارِ
فسوف يجزيك ثنائي بها ... من كلّ قيراط بقنطارِ
103 - وقال في يوم الخميس وقد نقل الصالح من الدار التي كان بها مدفوناً بالقاهرة إلى تربة بالقرافة [كامل]
يا مطلقَ العبرات وهي غزارُ ... ومقيدَ الز?َّفرات وهي حرارُ
ما بالُ دمعك وهو ماء سافح ... يذكي به من حدّ وجدك نارُ
لا تتّخذني قدوةً لك في الأسى ... فلديّ منه مشاعرٌ وشعارُ
خفضْ عليك فإنّ وند بليتي ... وارٍ وفي صدري صدى وأوارُ
عن كان في يدك الخيارُ فإنّني ... ولهانُ لم اترك وما أختارُ
(1/229)

في كلّ يوم لي حنينُ مضلّة ... يؤدي لها بعد الحوار حوارُ
عاهدتُّ دمعي أن يقرّ فخانني ... قلبٌ لسائله الهمومُ قرارُ
هل عند محتقر يسيرُ بليّةٍ ... إنّ الصغار من الهموم كبارُ
ومنها:
حتّى إذا شيّدتّها ونصبتها ... علماً يحجُّ فناؤه ويزارُ
ومنها:
أكفيلَ آل محمد ووليَّهم ... في حيثُ عرفُ وليّهم إنكارُ
ومنها:
ولقد وفي لك من صنائعك امرؤٌ ... بثنائه تستمع السُّمّارُ
أوفى أبو حسنٍ بعهدك عند ما ... خذلتْ يمينٌ أختها ويسارٌ
غابت حماتك واثقين ولم تغب ... فكأنّهم بحضوره حضّارُ
ومنها:
لقي المنيّة دون وجهك سافراً ... عن غرّة لجبينها إسفارُ
(1/230)

ومنها:
ملك جناية سيفه وسنانه ... في كلّ جبّار عصاه جبارُ
جمعتْ له فرقُ القلوب على الرضي ... والسيفُ جامعهنّ والدينارُ
وهما اللذان إذا أقاما دولة ... دانت وكان لأمرها استمرارُ
وإذا هما افترقا ولم يتناصرا ... عزّ العدوُّ وذلّت الأنصارُ
يا خيرَ من نقضتْ له عقدُ الحبي ... وغدا إليه النقضُ والإمرارُ
ومضتْ أوامرهُ المطاعةُ حسب ما ... يقضي به الإيرادُ والإصدارُ
إنّ الكفالة والوزارة لم يزل ... يومي إليك بفضلها ويشارُ
كانت مسافرة إليك وتبعدُ ال? ... ?أخطارُ ما لم تركب الأخطارُ
حتىّ إذا نزلتْ عليك وشاهدت ... ملكاً لزند الملك منه أوارُ
ألقتْ عصاها في ذراك وعرّيتْ ... عنها السروجُ وحطّت الأوكارُ
لله سيرتك اليت أطلقتها ... وقيودها التأريخ والأشعارُ
جلّتْ فصلَّى خاطري في مدحها ... وكبتْ ورائي قرَّحٌ ومهارُ
والخيلُ لا يرضيك منها مخبرٌ ... إلا إذاما لزّها المضمارُ
ومدائحي ما قد علمتَ وطالما ... سبقتْ ولم يبللْ لهنّ عذارُ
إن أخّرثنى عن جنابك مخنةٌ ... بأقلَّ منها تبسط الأعذارُ
فلديّ من حسن الولاء عقيدةٌ ... يرضيك منها الجهرُ والإسرارُ
(1/231)

104 - وقال يمدح العاضد [طويل]
فتوحٌ لها في كلّ يوم مسرةٌ ... تباشرُ سمعَ المجد منها البشائرُ
قضى الله يا ذخر الأئمة أنّ من ... يناويك أو ينوي لك الغدر خاسرُ
ومنها:
وأبطلتَ كيد الخارجيّ بن يوسفٍ ... وأنت كفيل لابن يوسفَ ناصرُ
توهّمَ أنّ الملك ما سوّلتْ له ... وساوسُ أملتها المنى والخواطرُ
وهذا مرام لم تزل دون نيله ... مواردُ حتفٍ ما لهنّ مصادرُ
105 - وقال يمدح الناصر بن الصالح [كامل]
دانت لأمرك طاعةُ الأقدارِ ... وتواضعت لك عزّةُ الأقدارِ
وسما على الشعرى محلُّك في الورى ... فسمتْ بذكرك همةُ الأشعارِ
ومنها:
(1/232)

وامددْ يديك أبا الشُّجاع مثوبةً ... وعقوبةً بالسيف والدينارِ
فهما ذريعةُ عزّة وكرامة ... وهما ذريعة ذلّة وصغارِ
النائبان عن المنيّة والمنى ... في قسمة الأرزاق والعمارِ
والمصلحان فسادَ كلّ طويّة ... مرتابةٍ بالعرف والإنكارِ
والقائمان إذا تطاول ناكث ... بحراسة الأوطان والأوطارِ
والحاملان عن الممالك ثقلِ ما ... تحتاج من نقض ومن إمرارِ
الرافعان غداةَ كل كريهة ... خطرَ الملوك على القنا الخطارِ
والموقدان لهم بكلّ ثنيّة ... نارَ العلي في راس كلّ منارِ
ولقد جمعتَ أبا الشُّجاع إليهما ... خفضَ الجناح ورفعةَ المقدارِ
وذعرتَ ساهية القلوب بهيبة ... سكّنتها بسكينة ووقارِ
ووفيتَ هذا الدين واجبَ حقّه ... فصفتْ مشاربه من الإكدارِ
ولكلّ عصر دولة وسياسة ... تجري الأمورُ بها على الإيثار
فإذا بدا لك جالساً في دسته ... فحذارِ من ليث العرين حذارِ
وأقصرْ خطاك وكفَّ عن وجه الثرى ... ما طال من ذيلٍ وفضلِ إزارِ
واحصرْ مقالك إن نطقتَ فربّما ... وعظَ المقلُّ بعثرة المكثارِ
عندي لك الخبرُ اليقين فثقْ بما ... ينهي إليك جهينةُ الأخبارِ
أصبحتُ منه وقد علمتَ فصاحتي ... في كلّ أستقيل عثارى
(1/233)

أقسمتُ بالملك الذي ألفاظه ... سحرُ العقول ونفخة الأشجارِ
ذخر الأئمة كافلِ الخلفاء من ... نسل الهداة الخمسة الأطهارِ
لقد اعتراني الشكُّ هل في تاجه ... وجهٌ صبيحٌ أم صباحُ نهارِ
وجهٌ به تقذى عيونُ عداته ... كمدا وتجلى أعينُ النُّظّارِ
لم أدرِ هل نصبتْ مراتبُ دسته ... بمقرّ ملك أم بدار قرارِ
دارٌ غدتْ يا شمسها وغمامها ... فلكاً ولكن ليس بالدَّوّارِ
وكأنّما هي جنّة أغنيتها ... يا بحرها عن منّة الأنهارِ
وجعلتها دارَ السلام فبوركتْ ... دارُ السلام وكعبةُ الزُّوّارِ
لو لم تكن بيتاً بيمينك ركنه ... ما كان مستوراً بذي الأستارِ
أهدتْ لها تنّيسُ ما لم يفتخر ... بنظيره عصرٌ من الأعصارِ
وأمدّها حسنُ اقتراحك بالذي ... لم تقترحه خواطرُ الأفكارِ
ومنها:
فتملَّ دولتك التي افتخرتْ بها ... مضرٌ على الأعصار والأمصارِ
غبّرتَ في وجه الملوك بسيرة ... لم يكتحل أحدٌ لها بغبارٍ
وغدتْ علاك صحيفةً عنوانها ... أمنتْ رعيّةُ من يخاف الباري
وبنيتَ بعد أبيك شامخ رتبة ... يغني العيانُ لها عن الأخبارِ
(1/234)

أعلمتنا لما طلعتَ ببرجها ... أنّ البروج مطالعُ الأقمارِ
يا خابط العشواء بعد طلائعٍ ... هذا الشهابُ ضرام تلك النارِ
يا ظامئ الآمال إنّك نازل ... بغدير ذاك العارض المدرارِ
يا خائف الضاري نصيحتك فاتئدْ ... واحذر فهذا شبلُ ذاك الضاري
واسلمْ لأيّام غدا بك أهلها ... من جورها في ذمّة وذمارِ
106 - وقال في كسر الخليج يمدح العاضد سنة تسع وخمسين وخمسمائة [طويل]
سجودا فهذا صاحب الركن والحجرِ ... ووارثُ علم النمل والنحل والحجر
ومنها:
تملَّ أميرَ المؤمنين مواسماً ... تزورك من صوم شريف ومن فطرِ
يواصلها سعدٌ بجدّك مقبل ... فعامٌ إلى عام وشهرٌ إلى شهرِ
ركبتَ إلى كسر الخليج وغنّما ... ركبتَ إلى جبر الرعايا من الكسرِ
ولمّا رأيتَ البرّ بحرا من الظُّبا ... تعجّبتَ من بحر يسير إلى نهرِ
غدوتَ بفتح السدّ في حفِ أرعنٍ ... يسدّ هبوب الريح بالأسل السمرِ
(1/235)

يردّ ظلام النّقع فجراً كأنّما ... أسنّته مطبوعة بسنا الفجرِ
كأنّ على البيداء منه صحيفةً ... كتائبها سطرٌ يضاف إلى سطرِ
إذا خفقتْ أعلامه وبنوده ... رأيتَ عليها غرّة العزّ والنصرِ
وقد خلّع التأييدُ فوقك حلّةً ... تطرَّز بالإحسان والعدل والبرِّ
ومنها:
أوارثَ مجد الحافظ بن محمد ... وحافظَ حكم الله في محكم الذكرِ
إذاما استجاب اللهُ صالحَ دعوةٍ ... فمتعك الرحمنُ بالناصر الذخرِ
فقد سترتْ أيّامه عيب دهرنا ... فلا كشف الرحمنُ بالناصر الذخرِ
فقد ... سترتْ أيّامهُ عيب دهرنا
فلا كشف الرحمنُ ذلك من سترِ
ومنها:
وكم قدرة يا آل رزّيك مكنكمُ ... تبرُ بالإحسان عن شرف القدرِ
ولو لم تكونوا آمرينَ على الورى ... لكنتم أحقَّ الناس بالنهي والأمرِ
فكيف وقد أضحى إمامُ مانكم ... لكم جامعاً بين الكفالة والصّهرِ
قدمتم له ما دام شعري فإنّه ... سيبقى إلى أن ينقضي عمرُ الدهرِ
107 - وقال يمدح عزّ الدين حساماً [طويل]
(1/236)

سرى لكِ عرفٌ في النسيم الذي سرى ... وخطرةُ ذكر نفّرتْ سنةَ الكرى
وأومض من تلقاء أرضكِ بارق ... قضى لكِ عندي أن تنامي وأسهرا
يذكّرني درّا بثغركِ أبيضاً ... ولونَ خضاب في بنانكِ أحمرا
طوى لكِ بردَ الليل نشرٌ كأنّما ... أجاز على دارينَ وهنا وما درى
وما كان ذاك النشرُ إلاّ تحيّةً ... بعثتّ بها مسك الذوائب أذفرا
بعثتِّ بيتكَ الريح روحَ ابن قفرةٍ ... برى لحمه هزُّ النوافخ في البرى
حليفٌ لأكوار المطايا كأنّما ... يعدّ القرى أوطى مهاداً من القرى
إذا قطعتْ أوصالَ أرض ركابه ... فقد وصلتْ ذيل الهواجر في السُّرى
كأن ابن حجرٍ قد عناه بقوله ... نحاول ملكاً أو نموت فنعزرا
وما ظفر الراجي من المجد غاية ... إذا هو لم يرجُ الأجلَّ المظفَّرا
ومنها
وهذَّب فكري نقدهُ وانتقادهُ ... وأثنى على شعري وإن كان أشعرا
108 - وقال يمدح بدر بن رزيك ويذكر حريقاً وقع بمنظرته بالخليج وبذكر داره الأخرى وبناءها وستورها الديباج ومقاطع
(1/237)

العاج والأبنوس ويسئله في سكتى دار [كامل]
ليست صفاتُ علاك مما يمتري ... فيها ولا مما يصاغ ويفتري
مدحتك قبل مديحنا لك همةٌ ... أغنتك شهرةُ فضلها أن تشهرا
ومنها:
وكفتك عن جرّ العساكر هيبةٌ ... أضحتْ تجرّ بكلّ أرض عسكرا
وشفعتها بغرائمٍ لولا التُّقى ... أذكتْ على الآفاق جمراً مسعرا
ووقائع أيّدتَّها بصنائعٍ ... ضمنَ المديحُ لذكرها أن يشترى
نابت منابَ الخضر في تطوافه ... مذ فارقتْ هذا الحبابَ الأخضرا
كم موقف أذكيتَ من شهب القنا ... في ليلِ عثيره سنّا وسنوراً
ومواطنٍ وطنتَ نفسك عندها ... لمّا وردتَ الموتَ أن لا تصدرا
فتكشّفتْ من فارس الإسلام من ... ملك تعوَّدّ أن يعان وينصرا
صدّقت نعتك بالمظفَّر عندما ... حمىَ الوطيسُ بها فرحتَ مظفرا
حيث الأعنّةُ والأسنّةُ شرَّعٌ ... والجوُّ قد لبس العجاج الأكدرا
(1/238)

وكأنّ عزمك قال حين تقدّمتْ ... بك همةٌ لم ترضَ أن تتأخّرا
لا تكسر الأعداء حتّى يشهدوا ... صدر الزابل في الصدور تكسَّرا
والمشرفيّةُ لا يروق بياضها ... إلاّ إذا صبغَ النجيعَ الأحمرا
بين الحديد على يمينك غيرةٌ ... حسدَ الحسامُ بها الأصمَّ الأسمرا
فغدا لما نظم المثقَّف ناثراً ... عقدٌ تمامُ جماله أن ينثرا
فافخر بهمتك التي من حقّها ... إن لم يرعها مجدها أن تفخرا
ومنها:
لله فيك أبا الضياء سريرةٌ ... يجري بطاعتها القضاءُ إذا جرى
فتملَّ داراً شيّدتها همّةٌ ... يغدو العسيرُ بأمرها متيسّرا
جمّلتها وتجمّلت مضرٌ بها ... لمّا علتْ بك عزّةً وتكبُّرا
فاقت على الإطلاق كلَّ ثنيّة ... وسمتْ فنا استثنتْ سوى أمّ القرى
ومنها:
وسقيتَ من ذوب النُّضار سقوفها ... حتّى لكاد نضارها أن يقطرا
ومنها:
(1/239)

لم يبد فيها الاروضُ إلاّ مزهراً ... والنخلُ والرُّمّانُ إلاّ مثمرا
ومنها:
وبها من الحيوان كلُّ مشهَّرٍ ... لبسَ الوشيجَ العبقريّ مشهّرا
ومنها:
وكأنّ صولتك المخوفة أمّنتْ ... أسرابها أن لا تراعَ وتذعرا
ومنها:
وغدوتُ محسوباً على إحسانه ال? ... ?ضافي ومحسوداً عليه من الورى
حتّى متى أنا في جوارك أكترى ... داراً ودورك للأنام بلا كرا
فامننْ بها في القرب منك فسيحةً ... فالقربُ منك بنور عيني يشترى
ومنها:
تسقي العقولَ سلافةً لم تعتصر ... من بابلٍ أبداً ولا من عكبرى
روى منابتَ كرمها الكرمُ الذي ... أضحى بينبوع الندى متفجرا
شربَ السماحُ الفارسيُّ كؤوسها ... فقضت على معروفه أن يشكرا
بدرَ بن رزّيكَ الذي لا تتقي ... هفواته في مجلس أن تبدرا
(1/240)

ومنها:
فليخىَ ما حببتْ مدائحُ مجده ... وليبقَ ما بقي الزمانُ معمرا
109 - وقال يمدحه في شهر رمضان سنة ست وخمسين [رجز]
عند ظباء الجلهتين ثاره ... وبين أطناب المها عثارهُ
ومنها:
بدرُ بن رزّيكَ الذي لا ينقضي ... نورٌ محيّاه ولا إبدارهُ
قد خالف البدرَ فلا خسوفه ... في حالة يخشى ولا سرارهُ
يطلع من أبنائه في دسته ... نجومُ ملك هم غداً أقمارهُ
أشبالُ خيسٍ وهمُ أسوده ... صغارُ عصر وهمُ كبارهُ
أصبحتَ غصناً وهمُ ثمارهُ ... أمسيتَ بحراً وهمُ أنهارهُ
إنّ أبا النجم الهمام لم يزل ... يعلو على نجم السما منارهُ
صار على نهج أخيه بعد ما ... حلَّق في جوّ العلى مطارهُ
أشبهه خاقاً طاهراً ... إذ كان من إنجازه نجارهُ
وثتّما ابناءَ رزّيكٍ وهم ... خيار بيت أنتما خيارهُ
(1/241)

همُ لبابٌ أنتما لبابه ... وهم نضار أنتما نضارهُ
فاحتبسوا لي بولاءِ صادق ... أخبركم عن صدقة اختبارهُ
كلٌّ يرى حبّكمُ وإنّما ... عمارةٌ من دونهم عمارهُ
110 - وقال وقد سوغه الأمير الظهير مرتفع الخواص دارا له بالخليج تعرف بدار سعد الافتخاري فكتب إلى بعض الأمراء يستعينه في مرمتها [كامل]
ولربَّما زلق الحما ... رُ وكان من غرض المكاري
111 - وقال يمدح فارس المسلمين بدر بن رزيك.
112 - وقال لولي الدولة صهر الجعل [سريع]
قل لولي الدولة اسمعْ فقد ... ضيقتَ صدر النظم والنثرِ
إن كنتَ لم تشكر على ما مضى ... من اختصاصي لك بالشكرِ
فابسط ليَ العذر على زّلتي ... فإنّني أنظرُ في أمري
(1/242)

113 - وقال وكتب بها إلى القاضي المهذب بن الزبير وكان طلب منه شيئاً من شعره [طويل]
ألا أيّها الناس قديمَ مودّة ... أبيتُ لها حفظاً مع النوم ذاكراً
أراك إذا أومأتَ نحوَ مهمّة ... ركبتَ إليها كلَّ هول مبادرا
وإن عرضتْ حاجٌ إليك صغيرةٌ ... أعدتَّ رسولي مخفقَ السعي صاغرا
فإن كان ذا عدلاً دعوناك عادلا ... وإن كان ذا جوراً دعوناك جائراً
ولو كنتَ كالنقّاش فيما عدمته ... من الشعر لم تعدم من الناس عاذرا
ولكنّني مازلت أدعى حقيقةً ... وإلاّ مجازاً قبل شعرك شاعراً
وقد أزمع الوفدُ اليمانيُّ رحلةً ... فرأيك في أن لا تعوق المسافرا
114 - وقال يمدح العادل رزيك في حياة أبيه [سريع]
المدحُ يدري أنّكم أكبرُ ... من كلّ ما ينظم أو ينثرُ
115 - وقال يمدح الصالح [سريع]
(1/243)

لا وعيونَ لحظها ساحرُ ... وطرفها بي أبدا ساخرُ
وما بدا من عقدات النَّقا ... تحت غصون كلُّها ناضرُ
ما عرفَ الإشراك في حبّكم ... لي بعد ما وحّدكم خاطرُ
وإنّما أنتم تغيّرتمُ ... لما سعى بي كاشح كاشرُ
ونافرِ الأعطاف عاملته ... باللطف حتى سكن النافرُ
ولم أزل أمسحُ أعطافه ... ورأيه في قصّتي جائرُ
حتّى غدا من خجلٍ مطرقا ... وكلُّ إعراض له آخرُ
عجبتُ من ذلّي ومن عزّه ... من موقفٍ عاذله عاذرُ
في ليلة ساهرها نائم ... فما له سمعٌ ولا ناظرُ
مددتُّ فيها الفخُّ لمّا خلا ال? ... ?جوُّ إلى أن وقع الطائرُ
فبنتُّ من فرط اغتباطي به ... أظنُّ أنّي غائب حاضرُ
أحسبُ أنّي في جميع الورى ... ناهٍ بما أختارهُ آمرُ
مفترضُ الطاعة مستوجبُ ... ال?
أمرِ كأنّي الملك الناصرُ
السّيدُ ابن السيّد المرتضى ... فرعٌ نماه الحسبُ الطاهرُ
أشرفُ أملاك الورى همّةً ... أوّلهم في المجد والآخرُ
تجري الليالي بالذي يشتهي ... طوعاً ويجري الفلكُ الدائرُ
مبارك الطلعة ميمونها ... نورُ العلي في وجهه ظاهرُ
(1/244)

يعرف من لم يره أنّه ... ذاك الذي يذكره الذاكرُ
أفرسُ من تحمله شطبةٌ ... ضامرة كالرمح أو ضامرُ
أطعنُ من هزّ طوال القنا ... ما كلُّ من هزّ القنا ماهرُ
والله ما أدري أليثُ الشرى ... في سرجه أم جحفل سائرُ
لا غروَ أن يحمي خيسَ العلي ... شبل أبوه الأسد الخادرُ
ويهديَ الركب إذا أظلموا ... نجمٌ أبوع القمر الزاهرُ
الصالحُ الهادي له والد ... لقد تساوى النجرُ والناجرُ
تبارك المعطي لكم هذه ال? ... ?رتبة فهو الملك القادرُ
رداؤها فوقكمُ لائق ... وهو على غيركمُ نافرُ
قد كان عبّاس بها وابنه ... والمجد فيها مكره صاغرُ
ولم يزل فوقهما سترها ... مرخى إلى أن قتل الظافرُ
فأصبحتْ أستاره عنهما ... مكشوفة غذ غضب الساترُ
تعوّضتْ عن فاجر صالحاً ... لا يستوي الصالحُ والفاجرُ
وفيكما بينهما آيةٌ ... باهرة برهانها باهرُ
كلاكما سارٍ إلى سيرة ... فيها أبوه قبله سائرُ
أنت تقيُّ العهد وافٍ به ... وهو بما يعقده غادر
(1/245)

أنت بآيات الهدى مؤمن ... مصدّقٌ وهو به كافر
وهو لآل المصطفى خاذل ... وأنت سيف لهمُ ناصرُ
لو كان حيّاً وتباريتما ... كنتَ المجلّى وهو العاشر
إن قدّمته السّنُّ في مدّة ... فهو إلى فضلك يستاخرُ
أنت بما شيّدتَّه أوَّلٌ ... وهو بما هدّمه آخرُ
بمثل ما أوتيتَ من رتبة ... وسوددٍ فليفخرِ الفاخرُ
أصبحتَ من سر العلي حيث لا ... يدركك الناظرُ والخاطرُ
مبجَّلَ القدرَ يقول العدي ... أنت على ما تشتهي قادرُ
فما لمن ترفعه خافضٌ ... ولا لمن تكسره جابرُ
ساحتك الخضراء لا أقفرتْ ... ينتابها الوارد والصادر
أصبحتُ من جملة زوارها ... فلم ينل ما نلته زائرُ
لم يرضَ بالإكرام لي وحده ... فجادني إنعامه الغامرُ
شرّفني بالقرب من حضرة ... ينفق فيها الأدبُ البائرُ
مسفرةُ الغرّة لم ألقها ... إلاّ أنثنى لي أملٌ سافرُ
دائمةُ الإحسان ينتابني ... من راحتيها رائحٌ باكرُ
يا مجد الإسلام الذي لم يسرْ ... سيرَ ثناه المثلث السائرُ
(1/246)

يا من غدا بالمجد مستأثرا ... وليس بالنعمة يستاثرُ
يا سابقاً لا يدَّعي سابقٌ ... مدحَ معاليه ولا خاسرُ
اسمع سمعتً الخير من خادم ... حظُّك من إخلاصه وافرُ
لم يدرَ من سكرة إعجابه ... أساحرُ الخاطر أم شاعرُ
لكنّه شرَّفَ قدر الثَّنا ... بنظم ما أنت له ناثرُ
إنّي وإن أحسنتُ لا أدعي أنّي لما أسديتُه شاكرُ
116 - قال يمدح رزيك بن الصالح [بسيط]
في مثل مدحك شرح القول مختصرُ ... وفي طوال القوافي عنده قصرُ
ومنها:
حيّتْ بعزمة محيي الدين مملكةٌ ... صفا بوالده فيها له كدرُ
متوَّجٌ تشرق الدنيا بطلعته ... وتخجل الشمسُ مهما لاح والقمرُ
إذا أقامت على ثغر صوارمه ... فللنوائب عن سكّانها سفرُ
أغاث أعمالَ بلبيسٍ وأمّنها ... من بعد ما غالها الإشفاقُ والحذرُ
(1/247)

وليس يعلو لمن رام العلي خطرٌ ... إن لم يهنْ عنده التعزيرُ والخطرُ
أغرتَ قبل أبي الغارات مقتحماً ... للهول تستصغر الجلَّي وتحتقرُ
فكان شمساً وكنتَ الفجر يقدمها ... والفجر في الجوّ قبل الشمس ينتشرُ
بعزمة الناصر بن الصالح انكشف ال? ... أعداءُ عن حوزة الإسلام وانذعروا
لجّتْ به الغارة الشَّعواءُ خلفهمُ ... والنصرُ يقسم لا فاتوه والظَّفرُ
فأمعنوا هزماً منه ومذ علموا ... بأنّه نافرٌ في لإثرهم نفروا
وحين أبليتَ عذراً في اللحاق بهم ... وصحّ منك السُّرى والليلُ والسَّهرُ
وقال عزمك لما أن ألحَّ ولم ... تلحْ له منهمُ عين ولا أثرُ
إن ينجُ منها أبو عمرو فعن قدرٍ ... نجا وكم قدرة قد عاقها القدرُ
وعدتَّ نحو مقرّ العزم في عصبٍ ... يفنى بها الأكثران الرمل والمطرُ
وللصوارم في أجفانها أسفٌ ... تكاد من حرّه الأجفانُ تستعر
جيشٌ إذا انضمّ قطراه رأيتَ على ... أرجائه شجراتِ الخطّ تشتجرُ
شاموا حياً ومحياً منك بينهما ... سحائبُ البشر والإنعامُ منهمرُ
أرضيتَ عسكرَ مصرٍ بالنَّوال ولم ... يزل رضي الناس بابٌ قرعه عسرُ
فاشكر يداً أصبحوا شكراً لمنّتها ... على ولائك إن غابوا وإن حضروا
117 - وقال وقد مات لتاج الخلافة ورد ولد ووصل
(1/248)

إليه من الشأم ثلاثة أخوة وذلك في رجب سنة ست وخمسين وخمسمائة [طويل]
أراجعةٌ لي عشيةُ الزمن النضرِ ... وعيشٌ تقضَّي في كنانةَ والنَّضرِ
لياليَ ريعانُ الشبيبة مقبل ... وغصنُ الصبا يهتزّ في ورقٍ خضرٍ
ومنها:
وكلُّ العلى من قبلِ ورد عقيمة ... فليس لها يا وردُ غيرك من بكرِ
كريمٌ له من آل رزّيكَ إمرةٌ ... نما فرعها من دوحة المجد والفخرِ
يعدّونه ذخراً لكل ملمّة ... وأكرمْ به عند الملمات من ذخرِ
ومنها:
وساد من الأملاك كلَّ مسوَّد ... وقاد جيوش المسلمين إلى الكفرِ
وطول باعَ الأسر والقتل في العدى ... وفكّ بنعماه الرقاب من الأسرِ
ومن عجبٍ أنّ المنايا تطيعه ... إذا شاء في زيد وإن شاء في عمرو
وتبدي له العصيان في مهجة ابنه ... لقد بالغت في شيمة اللوم والغدرِ
(1/249)

تولتْ بضرغامَ بن بدر وأنّه لأمنعُ في الإمكان من بيضة العقرِ
مضى الأكرمُ المأمول حين تطلّعت ... إليه عيونُ الوفد والعسكر المجرِ
ولاحت لهم مخايلُ سودد ... ويخبرهم عن صدقها كرمُ النجرِ
ومنها:
كأن الليالي استشعرتْ سوءَ فعلها ... وإن ضاق عن تقصيرها سعةُ العذرِ
فعوضّنه بابنٍ ثلاثةَ أخوة ... وقد يستفاد الربحُ من موضع الخسرِ
أتت بهم الأيّامُ جبرا لكسرها ... فيا لك من كسرٍ ويا لك من جبرِ
سروا من بلاد الشأم نحوك نجعةً ... كما انتجع الأسباطُ يوسفَ في مصرِ
قضيّةُ حال تقتضي نيلَ رتبة ... يلمُّ بها حكمُ العيافة والزجرِ
وما أنت إلاّ الكفّ تسطو على العدى ... وهم قوّة فيها كأنملك العشرِ
وقد أيَّدَ الرحمن موسى كليمه ... بهارون لمّا قال أشركه في أمري
118 - وقال يمدح فارس المسلمين أخا الملك الصالح [طويل]
سرتْ نفخةٌ كالمسك أزهى وأعطرُ ... وأرديةُ الظَّلماءِ تطوى وتنشرُ
(1/250)

ومنها
بعيشك هل في الأرض غيريَ عاشقٌ ... وهل فارسُ الإسلام إلاّ المظفَّرُ
شهابُ أمير المؤمنين الذي غدت ... بدولته الأيّامُ تسمو وتَفخرُ
أَغَرُّ لَوَ أنّ ما عرفنا حديثه ... لحَدَّثّنا عنه سريرٌ ومِنْبَرُ
حَمَى حَرَم العَلْياءِ لمّا تواثبت ... عليها سباعٌ ضارياتٌ وأَنْسُرُ
وفي ضحوة الاثنين لولا دفاعُه ... لما كان كسرُ المُلك والدين يُخبِرُ
وقد أَعربْت يومَ العروبة خيلُه ... عن النصر تحت القصر والخَلْقُ حضَّرُ
حلفتُ بزُوّار المحصَّب من مِنىً ... ومَن ضمّه منهم حطيمٌ ومَشعَرُ
وبالنَّفر من بَطْحاءِ مكّةَ بعد ما ... أهّلو بذكر الله فيها وكبّرُوا
لقد سُدتِّ يا بدر بن رُزِّيكَ رتبة ... لها البدرُ خِلٌّ والكواكب معشرُ
تُناط أمورُ المُلك منك بحازم ... يقدَّم من تدبيرها ويؤخَّر
ومنها
تهلَّلَ بشرا واستهلّ أَنامِلاً ... فلله بدرٌ مُشْمِسُ الجوّ مُمْطِرُ
أرى الناس جِسمْا آلُ رُزِّيكَ رأسُه ... وبدرٌ له تاج ورَزّيِكُ جوهرُ
دعوا يا بني الأخبار يحيى وجعفرا ... فكلُّ بني رزّيكَ يحيى وجعفرُ
ولا تذكروا كعبا وعمرا وعنتراً ... فخادمهم كعب وعمرو وعنترُ
(1/251)

وخلّوا حديث البختريّ فإنّني ... لهم بختريٌّ لم تناسبه بخترُ
وكنت أظنُّ الشعر بعد طلائعٍ ... يضيع فينسى أو يموت فيقبرُ
فأحييتمُ تلك السجايا بمثلها ... حياةً بها ميتُ المكارم ينشرُ
ومنها
سأفنى ويفنى ما بذلتم من الندى ... ويخلد مدحي فيكمُ ويعمّرُ
فلا تتركوني أشتكي جورَ حادث ... وأنتم على الإنصاف أقوى وأقدرُ
ومنها
أياديك لا يحصى لديَّ عديدها ... وأبياتُ مدحي فيك تحصى وتحصرُ
119 - وقال يمدحه أيضا [كامل]
هنّئت مفتتح الصيام السافرِ ... عن وجه مغفرة واجرٍ وافرِ
120 - وقال في القاضي المكين أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الحباب السعدي وقد حدث له مرض أخره عن
(1/252)

حضور الملك الصالح طلائع بن رزيك [طويل]
وحقّ المعالي يا أباها وصنوها ... يمينَ امرئ عاداته القسمُ والبرُّ
لئن قصَّرت عما بلغتَ من العلى ... وأحرزته أبناءُ دهرك والدهرُ
متى كنتَ يا صدر الزمان بموضع ... فرتبتُك العليا وموضعك الصدرُ
ولما حضرنا مجلسَ الأنس لم يكن ... على وجهه إذ غبت أنس ولا بشرُ
فقدناك فقدانَ النفوس حياتها ... ولم يكُ فقد الأرض أعوزها القطرُ
وأظلمَ جوّ الفضل إذ غاب بدره=وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ 121 وقال يشكره وقد بلغه ثناؤه عليه وشكره لشعره [طويل]
قبولاً وإلاّ بان عجزُ الخواطرِ ... وعذراً وإلاّ ضاق عذرُ الضمائرِ
فما يشعر المزجى كواعب فكره ... إليك اغترارا أنّه غير شاعرِ
ولو لم يشجّعني تغاضيك عاقني ... محاذرتي من خجلة المتجاسرِ
(1/253)

وما أنت ممّن أستخيرُ لقاءه ... حياءً وإجلالاً بميسور خاطري
على أنّ فكري لم تزل خطراتُه ... سوائمَ في روض م الفضل ناضرِ
122 - وقال في رمضان يمدح تاج الخلافة وردا غلام الملك الصالح
خاطر فإنّ الحظّ للمخاطرِ ... وأهجرْ بها أوطانها وهاجرِ
وارمِ بأيدي العيس كلّ قفرة ... تضلّ فيها لحظات القافرِ
ومنها
فإن عدمتَ من علاك شاهدا ... فقلّل الدعوى ولا تكابرِ
يا أسد الدين وما من حاجة ... يدعى لها مدُّ الفرات الزاخرِ
إنّ بني رزّيكَ لما أن سطت ... أيمانهم منك بعضب باترِ
واطلعوا منك على نصيحة ... طاهرة الأذيال والسرائرِ
واختبروا عزمك في مواضعٍ ... تكشّفتْ عن كرم المخابرِ
عدّوك للملك العقيم عدّةً ... باقية من أَنفسِ الذخائرِ
وشاطروك أنعُما شكرتها ... إنّ المريد واجب للشاكرِ
(1/254)

فاعتضدوا منك بكاف لم يزل ... غناؤه يكبر في الكبائرِ
ومنها
زارته من أرض الشّام أخوة ... ثلاثة اكرِم بهم من زائرِ
أمّ المعالي عاقرٌ من مثلهم ... واليأس أرجى من رجا للعاقرِ
123 - وقال فيه أيضا [سريع]
يا أسد الدين بدت حاجةٌ ... نزاهتي تخجل من ذكرها
صنتُ عقود النظم من شرحها ... معتمدا فيك على سترها
ولم أشم وجه القوافي بها ... رفعا لمقدارك عن قدرها
حبستها عنك حياءً وقد ... أطلق حسنُ الظنّ من أسرها
فامننْ بها ولتكُ مستورةً ... فإنّما المنة في سترها
124 - وقال يهنئ الكامل شجاع بن شاور بعيد الفطر [طويل]
تهنَّ بأعياد غدا بك فخرها ... وسار مسيرَ النجم باسمك ذكرها
(1/255)

ومنها
ولولا أبو طيءٍ لنصّتْ مشيرةٌ ... إليك وقال الصدرُ أنّك صدرها
على أنّك الكافي الذي في حياته ... إليك انتهى نهى الليالي وأمرها
125 - وقال أيضا يمدحه
لو اطلعتِ على سرّي وإضماري ... لم تؤثري غيرَ ما يجري بإيثاري
لكنّ قلبكِ لم تضرم شرارتهُ ... من نار قلبي ولا من زندي الواري
ومنها
أقسمتُ بالبيت معمورا جوانبه ... بالوفد ما بين حجّاج وعمارِ
لقد نهضتَ بأمر لا يقوم به ... أبا الفوارس لا بادٍ ولا قارِ
أنت الذي يعقد الإسلام خنصرهَ ... عليه في كلّ إيراد وإصدارِ
كم موقفٍ لك من بأس ومن كرم ... صفا بك الملك فيه بعد أكدارِ
لم ترضْ فيه مشيرا تستشير به ... غير النصيحين من سيف ودينارِ
ما غاب شاورُ عن دست حللتَ به ... والشبلُ يحمي عرين الضّيغم الضاري
منعتَ كيدَ رجال أن يتم على ... ما أضمروا فيه من مكر وإصرارِ
(1/256)

قلدتّهم طوقَ إحسان فحين بغوا ... قلدتّهم حدّ ماضي الغرب بتارِ
يا قربَ ما استلفوا منكم بما غرموا ... في الحال من غير إمهال وإنظارِ
في مدّة الحمل أدركتم جنابهمُ ... على علاكم بأخذ المُلك والثارِ
إنّ الوزارة لو خلّيتها رجعتْ ... إليك طائعةً من غير إجبارِ
لكن رأيناك في أولى وثانيةٍ ... لم تأخذ الملك إلاّ أخذ قهّارِ
إذا تمسّك أقوامٌ بعصمتها ... طلقتها من خليل غير مختارِ
فما تمدّ إليها الخاطبون يدا ... إلاّ كسرتَ عليها زندَ جبارِ
وما علمنا وزيرا قبل دولتكم ... ردّت له وجه عرفٍ بعد إنكارِ
وسوف تعتذر الأيّامُ نحوكمُ ... إذا تكشَّف هذا العارض الطاري
أبا الفوارس ما حبّي لدولتكم ... خافٍ فيحتاج إيضاحي وإظهاري
أحبُّ شاورَ إخلاصا وعترته ... وهل عمارةُ فيكم غير عمارِ
أثني عليكم إذا لم يستطع أحدٌ ... يقول من خوف تقصيرٍ وإقصارِ
فكيف أشكو الليالي وهي جارية ... بما تريدون من نفع وإضرارِ
لم يَقنع الدهر أنّ الشعر لي سمة ... أعدّها من سمات النقص والعارِ
حتى أغار على وفري فصيّره ... مقسما بين أيدي الغز والنارِ
واستأصل النهبُ والإحراق ما تركت ... لي الحوادثُ من مال ومن دارِ
(1/257)

أدافع الهمّ عن قلبي فيغلبني ... ما شئت من فقد أوطان وأوطارِ
مولايَ دعوةُ عبد لم يزل أبدا ... يهدي لك المدحَ من عونٍ وأبكارِ
صن ماءَ وجهي عمّن لا يناسبني ... فليس للحرّ إلا عونُ أحرارِ
واستوصِ يا ابن كفيل الملك بي أبدا ... خيرا فلي حرمات الضيف والجارِ
وانظر لكثرة أشعار مدحت بها ... فليس للحر إلاّ على قصدي وإيثاري
لا تخذلوها فهذا وقُ حاجتها ... للنصر يا خبيرَ أعوانٍ وأنصارِ
فاجعل نداك غريبا لا شبيهَ له ... من الندى في غريب الفضل والدارِ
وما أكلّفُ نُعماك التي سبقت ... أبا الفوارس إلا القوت والجاري
وقال يمدح قطب الدين [كامل]
سارت حشاشة مهجتي إذا ساورا ... والنومُ من بعد الأحبّة عارُ
ومنها
ففدىً لقطب الدين مالك دولة ... شغلته عن أوتاره الأوتارُ
(1/258)

وعصابةٍ من حاسدي أيّامه ... طاروا وما قُضيت لهم أوطارُ
إن فقتَ جنسا أنت منه فأحمر ... الياقوتِ نوعٌ جنسهُ الأحجارُ
أغنى صباحك عن سنا مصباحهم ... بالشمس يخفى الكوكب الغرّارُ
127 - وقال على لسان سائل يمدح نجم الدين أبا محمد بن مصال
إن كنتِ أزمعتِ على المسيرِ ... فلا تفكّي ربقة الأسيرِ
فليس في قلبي ولا ضميري ... إلاّ رضاكِ فاعدلي أو جوري
ومنها
بلّغ بلغتَ غاية السرورِ ... شكوايَ من دهري إلى الأميرِ
الأفضل ابن الأفضل الوزيرِ ... نجم الهدى ذي السؤدد الخطيرِ
وابنِ سليمٍ ذي الثنا الأثيرِ ... والثمْ ثرى جنابه المعمورِ
128 - وقال في الفقيه عيسى [وافر]
(1/259)

صفا كدرُ الشريعة واستقرّا ... وأيد أمرها بك واستمرّا
لئن أحي سميّك فرد ميتٍ ... فقد أحييتَ بالإسلام مصرا
129 - وقال يرثي نجم الدين أبا الملك الناصر صلاح الدين رحمهما الله [طويل]
هي الصدمة الأولى فمن بات صبرهُ ... على هول ملقاها تضاعف أجرهُ
ولابدَّ من موت وفوت وفرقة ... ووجدٍ بماء العين يوقد جمرهُ
وما يَتسلى من يموت حبيبه ... بشيء ولا يخلو من الهمّ فكرهُ
ولكنّه جرحٌ يعزّ اندماله ... وكسرُ جناح لا يؤمّل جبرهُ
ومنها
فمن ناصريه عزّه وتقيّه ... وسيفاه منهم والصّلاح وفخرهُ
أولئك أهل الحلّ والعقد ينتهي ... إلى أمرهم طيُّ الزمان ونشرهُ
ومن كافليه قطبه وشهابه ... إذا بات محتاجا إلى الشدّ ازرهُ
هما أخوا أيّوب والملك الذي ... أتى بهما تلواً له وهو بكرهُ
(1/260)

وما حسنُ فوق الحسين وإنّما ... تأخر عنه في الولاة عصرهُ
ولو خلّف ابنا واحد سيّدُ الورى ... لما حاز ميراثَ الخلافة صهرهُ
ولم يتنازع عمّه وابن عمّه ... عليها إلى أن يجمع الخلقَ حشرهُ
فكيف لخيسٍ آل أيوبَ أسدهُ ... لقد بان خوفُ الدهر منهم وذعرهُ
ومنها
أفاض على الأيّام أحسنَ سيرة ... يموت بها جورُ الزمان وغدرهُ
إذا كانت البلوى من الله فليكنْ ... من الحزم حمدُ الله فيها وشكرهُ
130 - وقال يمدح ضياء الدين ابن الشهرزوري [وافر]
أما لي من عذولكمُ عذيرُ ... ولا من جور صدّكم مجيرُ
علقتُ بغادر يهتزّ عطفا ... وردفا مثلَ ما اهتزّ الغديرُ
عزيزٌ عهدها زافراتُ وجدٍ ... هي الجمرات قيل لها زفيرُ
ومنها
(1/261)

نظمنا ف ضياء الدين شعرا ... على صفحاته للصدق نورُ
نشرّفه بذكر علاك فيه ... كما شرفت بقومك شهرزورُ
ونعلم أنّ مدحا لم يقيّد ... به إحسانكم كذبٌ وزورُ
وأمّ المكرمات لمن عداكم ... من الأولاد مقلاتٌ نزورُ
بكلّ قرارة ودّي وحمدي ... بأخلاق هي الروض النضيرُ
فكم غنّاكم قلمٌ وسيف ... فأطربكم صليلٌ أو صريرُ
وقلَّ الناصرون بأرض مصرٍ ... فكان وداده نعمَ النصيرُ
وتابع بِرّه نحوي ولكن ... كما يتتابعُ النّوء المطيرُ
131 - وقال أيضا [مجتث]
قل للمشارف عنّي ... مقالَ من يتشرّرْ
132 - وقال أيضا [كامل]
هل تبلغان لبختيار ... زاكي المروءة والنجارِ
الأوحد الملكِ المفضَّلِ ... عن ذوي الهِمم الكبارِ
(1/262)

أنّي لقيت صديقنا ... حمدان أنحسَ من قُدارِ
لم يلقني إذ جئتُه ... إلاّ بمطل واعتذارِ
حتى كأنّي عنده ... من بعض أنذال التجارِ
قوم تهمّ نفوسهم ... أن يعصروا دهن الحجارِ
أف للحيته التي ... نبتت على خزيٍ وعارِ
وقرتُه وقصدتّه ... فرجعتُ عنه بلا وقارِ
لا أستجيز هجاءه ... أين الهجاء من الحمارِ
نعماؤه عاريّةٌ ... أوشكْ بردّ المستعارِ
133 - وقال يرثي ولده عطية [متقارب]
عطيّةُ إن ذقتَ طعم الحمامِ ... فإنّ فراقك عندي أمرْ
هوى كوكبٌ منك بعد الطلوع ... ذوي غصنٌ منك بعد الثّمرْ
ولو لم تكن قمرا زاهرا ... لما مُتَّ عند خسوف القمرْ
134 - وقال في دار ركن الإسلام [كامل]
يا دارُ دار عليك سعدُ المشتري ... وجرى عليكِ زلالُ نهر الكوثرِ
(1/263)

ولقد جمعتِ من المحاسن جملة ... لم تتفق لممخبّر ومعبّر
ولقد كسيتِ من الرّخام غلائلاً ... نسجتْ ولكن من نقيّ المرمرِ
وكأن حسن بياضه وسواده ... ليلٌ تبسَّم عن صباح مسفرِ
كمرايش الحبرات أو كقلائدٍ ... كافورهنّ مفصّل بالعنبرِ
دارت محاسنه على فسقيّة ... تُملى فتحكي مقلة من مخجرِ
وعلى جوانبها بساطُ خميلةٍ ... قد فروزوه بالنبات الأخضرِ
وترى دساترها تفوذ بمائها ... فوزا حكى ذيل السحاب الممطرِ
دارٌ كمثل النجم شرّف قدرها ... نجم بن شاسٍ ذو الجبين الأزهرِ
ملكٌ إذا عُدّ الملوك ببنصرِ ... قدّمته فعددته بالخنصرِ
ومنها
لم يفتخر حمدانُ وابنُ مناهبٍ ... أعطافَ عطفيها ولم تتكسّرِ
135 - وقال يمدح الملك المعظّم شمس الدولة أخا الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله [بسيط]
(1/264)

ما عن هوى الرشاء العذريّ أعذارُ ... لم يَبق لي مذر أقرَّ الدمع إنكارُ
لي في القدود وفي ضمّ النهود وفي ... لثم الخدود لبناتٌ وأوطارُ
هذا اختياري فوافقْ إن رضيتَ به ... أو لافدعني وما أهوى وأختارُ
وغُرّ غيري ففي أسري ودائرتي ... من المها درّةٌ صدري لها دارُ
لمنى جزافا وسامحني مصارفةً ... فالناسُ في درجات الحبّ أطوارُ
لا عتبُها من سموم الغيظ معتَصر ... ولا عتابي لها إن قمتُ إعصارُ
بيّتُ دائرةَ الإنصاف دائرةً ... على صفاء هوى ما فيه أكدارُ
يميل بي وبها والريحُ ساكنة ... للوصل والهجرِ إقبالٌ وإدبارُ
هذا هو الغزل المنسوج من كلمٍ ... في العقل منهنّ صهباءٌ وأوتارُ
تغزّلٌ طال ما حلّ الإزارُ به ... طيبا وحلّت عن الأجياد أزرارُ
منزّهُ اللفظ لا يزرى بقائله ... مع الدماثة لا إثمٌ ولا عارُ
وصلتهُ في مديحي في عُلى ملكٍ ... أفعاله سيرٌ تتلى وآثارُ
متوجٌ من بني أيّوب عاش به ... حظّي وأصبح للأشعار إشعارُ
إن قلتُ ساحتُه للوفد منتجعٌ ... فقلْ وراحتُه للرّفد مِدرارُ
كأنّ راحلهم عنها ونازلهم ... فيها مدى العُمر حجّاجٌ وعمارُ
وكلّما حطّ رحلٌ في أباطحها ... حطّت به من ذنوب الفقر أوزارُ
عالي السجية لا ينأى لطارقة ... من اليسار ولا يُدنيه إعسارُ
(1/265)

لو أثّرتْ قبلُ الأفواه في يده ... لبان منها على كفيه آثارُ
أناملٌ تبذل الدينار واهبة ... ولا يباشرها للّمس دينارُ
تجدى وتردى وفي صفح المهنّد ما ... ندري ونعلم وهو الماءُ والنارُ
ومنها
يبتاع بالجود أحرارَ الرجال فهم ... عبيدُ نعمته والقومُ أحرارُ
لا فخر إلا لفخر الدين وانقطعت ... عرى الدعاوي فلا يغررك إكثارُ
سلني به فلسانُ الكون يحفظ ما ... أقول وهي تواريخٌ وأخبارُ
قيّدتها وهي في الآفاق مطلقةٌ ... سيّارة وحديثُ المجد سيارُ
أقول والقولُ مأثور وأشرفه ... ما عبّرت خطبٌ عنه وأشعارُ
لا تخدعنّ فتورانشاهُ أكرمُ من ... حُطّت سروجٌ بناديه وأكوارُ
أما وشمسُ بني أيّوبَ ضامنة ... هدايتي فنجومُ السعد أقمارُ
إن الليالي أساءت غير عالمة ... أنّ ابن أيوبَ لي من جورها جارُ
أمّا الزمان فقد وافى رحابك بي ... مهاجرا فليكن لي منك أنصارُ
وأبخلْ بمعدن هذا الدّر وهو فمي ... فالبخلُ بي كرمٌ محضٌ وإيثارُ
وأطربْ على خطراتي فهي مطربة ... لا بل على قطراتي فهي أنهارُ
إن شئتَ ودّاً فسلمانٌ وعمّارُ ... أو رمتَ حمداً فبشارٌ ومهيارُ
(1/266)

فالبختريُّ وديعي وهو أسبقُ من ... يضمّه في رهان الفضل مِضمارُ
وأنت فوق ابن خاقانٍ ندىً ورديً ... يثني على قطرها المنهلّ أقطارُ
فامنن عليّ بنصف الألف راتبةً ... فقدرُ ودّك لا يحويه مقدارُ
مقسومةً في شهور العام تحملُ لي ... أقساطُها كلَّ شهر وهي إدرارُ
وإن عزمتَ على تيسير مكرمة ... فهذه الكلماتُ الغرُّ أطيارُ
136 - وقال أيضا [سريع]
إن شئت أن أكتب مسترسلا ... إليك فيما عنّ أمري
فاكتب على الظهر ولا تعتذرْ ... فإنه اكتم للسرِّ
137 - وقال أيضاً يخاطب رجلا جليل القدر على الحجابة وأن بوابه لا ينصف من طرقه [بسيط]
يا من أذلّ ببسط العذر من جارا ... ومدّ سبقاً إلى العلياء من جارى
رتبْ على الباب إنساناً له أدبٌ ... وعشرةٌ يلتقي بالبشر من زارا
ومجلسا خالياً باسم الجلوس ولا ... يُرى علينا إذا جئنا إنكارا
فلي ثلاثة أيّام أعود من الدهليز ... ابسطُ عند النفس أعذارا
(1/267)

وللدّهاليز أربابُ الظلامة لا ... أهلُ الكرامة إجلالا وإقدارا
واستخبرِ ابن عريفٍ والرشيد تجد ... لديهما نبأ عنّي وأخبارا
138 - وقال من كتاب بعد النثر [طويل]
أفي كلّ يوم أنت باعثُ همة ... إليّ أبا عمرانَ من دونها الشكرُ
أجيء إلى الإسكندرية لم تقف ... أكفُّ بني المأمون عنّي ولا القطرُ
يصاحبني في كلّ أرض نوالُهم ... كأنّ أياديهم معي أبدا سفرُ
أمنتُ بموسى كيدَ دهر وسحره ... إذا حلّ موسى بلدةً بطلَ السحرُ
كأن جميع الناس إلاّ أقلّهم ... مساوٍ لدنيانا وموسى لها عذرُ
139 - وقال في القاضي الفاضل رحمهما الله [سريع]
إن قصر الشكرُ فهب عذراً ... تجاوزت نعمتك الشكرا
ومنها
يا أبيض الوجه ويا طاهر العرض ... ويا أعلى الورى قدرا
(1/268)

عرفّني جودك طعم الغنى ... حتى غدا يستطرف الفقرا
140 - وقال يرثي نجم الدين والد الملك الناصر صلاح الدين [بسيط]
فلا تقل غِرّةُ الدنيا مطامعها ... فمانع الموت لا غشٌ ولا غررُ
ومنها
صلّى الإله على نجم أضاء لنا ... من نسله النيران الشمس والقمرُ
141 - وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين في حياة أبيه وعمه [طويل]
(1/269)

لك الحسبُ الباقي على عقب الدهرِ ... بل الشّرف الراقي على قمة النسرِ
ومنها
وقرّت لكم عينٌ وجوانحٌ ... أعيضت ببرد الوصل عن حرقة الهجرِ
وألقابكم في الدين مثلُ فعالكم ... تنمّ بها الأخبارُ عن كرم الخبْرِ
لها أسدٌ منكم ونجم ومنكمُ ... صلاح وسيف إنّ ذا غاية الفخرِ
حمى الله منكم عزمة أسديّةً ... فككتم بها الإسلام من ربقة الكفرِ
لئن نصبوا في البر جسرا فإنّكم ... عبرتم ببحر من حديد على الجسرِ
طريقٌ تقارعتم عليها مع العدى ... ففزتم بها والصخر يقرع بالصخرِ
أخذتم على الإفرنج كلّ ثنية ... وقلتم لأيدي الخيل مرّي على مُرّي
وأزعجه من مصر خوف يلزّه ... كما لزَّ مهزوم من الليل بالفجرِ
وكم وقعةٍ عذراءَ لما اقتضضتها ... بسيفك لم تترك لغيرك من عذرِ
ورعتَ بأطراف اليراعينَ قلب من ... تفرّخ في أيامه بيضة الغدرِ
كتائبُ تنفي الهمّ عن مستقره ... وكتب تزيل الهمَّ عن موطن الفكرِ
إذا نشرتْ أعلامها وعلومها ... ثنتْ أمل المغرور طياً على غرِّ
وأصبحتَ كالآساد في الجد والجدى ... فناهيك من ماء نمير ومن نمرِ
وصغّرتَ مقدار الخطايا بقدرة ... يغور بضافي حلمها وغرُ الصدرِ
(1/270)

إذا ماتت الأحقادُ يوما بحلمكم ... فليس لها غيرُ التجاور من قبرِ
وأيدكم بالناس كاسرةُ العدى ... ولكنّها بالجود جابرةُ الكسرِ
أبوك الذي أضحى ذخيرة مجدكم ... وأنت له خير النفائس والذخرِ
142 - وقال يمدح الأمير نجم الدين جمال الملك أبا علي موسى ابن المأمون ويهنئه بشهر رمضان [كامل]
يا موقداً نارَ القرى للساري ... ومشيبَّ جذوتها بكلّ منارِ
بلّغتَ ما ترجوه من نيل المنى ... وتنافس الأخطارِ والأوطارِ
وتضاعفت أبدا عليك ولا انقضت ... بركاتُ هذا الصوم والإفطارِ
143 - وقال من قصيدة بمدح الصالح 144 وقال فيه أيضاً من قصيدة 145 وقال من قصيدة يودع الخليفة والوزير منها
(1/271)

146 - وقال عند قدومه إلى مصر وكتب بها إلى الصالح [طويل]
ولي تحت دار الملك يومان لم تلحْ ... لعيني علاماتُ الكرامة والبشرِ
وقد أخذت أيّام قوصَ نصيبها ... فهل نقلتْ تلك السجايا إلى مصرِ
147 - وقال يهنئ شاورا بعد عوده من حصار بلبيس 148 وقال من قصيدة يمدح بدرا أخا الصالح وقد نفذ إليه مهرا كميتا بعدته 149 وقال من قصيدة يمدح عز الدين حساما 150 وقال يمدحه من قصيدة أيضاً 151 وقال من قصيدة يمدح ركن الإسلام نجم الدين أخا شارو
(1/272)

152 - وقال فيه أيضاً 153 وقال يمدح محمد بن شمس الخلافة 154 وقال يودهع علي بن الزبد عند ما ولي المحله 155 وقال رحمه الله [سريع]
إن كبرتْ سنّي فلي همّة ... لم يتأثّر فضلها بالكبرْ
ما ضرّني غدرُ الليالي وقد ... وفى ليَ السمعُ ونورُ البصرْ
ولا خبا مصباحُ ذكرى ولي ... فكرٌ سليم ولسان ذكرْ
156 - وقال سامحه الله [رمل]
أيها القاري إذا م? ... تُّ لنظمي ولنثري
إن أكنْ أحسنتُ فأشكرْ ... أو فدعْ ذمّي وشكري
وأطّرح ذكرى إذا م? ... رّ على سمعك ذكرى
أو فقلْ ما شئتَ إنّي ... عنك مشغول بقبري
(1/273)

157 - وقال رضي الله عنه [رمل]
ليت شعري بعد موتي ... من ترى يسكن داري
وكذا يا ليت شعري ... من لهذي الكتب قارِ
فلقد أنفقتُ فيها ... عمرَ ليلي ونهاري
يا غريم اليتم رفقاً ... بأطيفالٍ صغارِ
وتحكَّمْ كيف ما أح? ... ببتَ فالدنيا عواري
158 - وقال يناجي ربه [بسيط]
أقول لابني وقد قال الطبيب له ... لم يبق إلاّ رجاءُ الخالق الباري
رضيتُ بالله مرجوًّا إذا اعترضتْ ... وساوسُ اليأس في ظنّي وأفكاري
159 - وقال يمدح أمير الجيوش شاورا [طويل]
(1/274)

عسى منجدُ الإظعان يوما يغيرها ... وفاتلُ أسباب النوى لا يغيرها
ومانعُ العيون أجفاني لذيذَ رقادها ... يبيع جفوني رقدةً أو يعيرها
ولولا العيون النُّجلُ ما ذقتُ لوعة ... يثقف مخنىًّ الضلوع زفيرها
إذا ما أدارت باللحاظ كؤوسها ... أدارت عقارا كلُّ قلب عقيرها
وهل فتنُ الألباب إلاّ فتونها ... وهل فترُ أهل العزم إلاّ فتورها
وبين قباب الخيف من جبلي مني ... أسيرةُ خدرٍ لا يفكّ أسيرها
يشقّ على طيف الخيال لقاؤها ... من الخوف إلاّ أن ينام سميرها
ينمّ عليها كلَّما نمّت الصبا ... على الروض وهناً مسكها وعبيرها
طوتها بنان البين عنّا لنيّة ... وأعجلُ من نفر الحجيج نفورها
وأبقتْ يسيرا من حشاشةِ مهجةٍ ... أبي الوجد إلاّ أن يسير يسيرها
فيا ساكني أكنافِ نعمانَ أنعموا ... بزورة حق يشبه الحقَّ زورها
فلو شئتمُ برّدتمُ حرَّ حرقة ... يهيّجها تذكاركم ويثيرها
ألا حبَّذا فيكم مشقّةُ شقّة ... يظلُّ سواءً هجرها وهجيرها
ولو كان لي في النفس أمرٌ بذلتها ... وهان على الأخطار فيكم خطيرها
ولكنّها ملكٌ لدولة شاورٍ ... ولا بدَّ لي في ملكها أستشيرها
(1/275)

فإن أذنتْ في ذاك أفعلْ وإن أنتْ ... سلا وجدُ نفسي واستمرّ مريرها
وزيرٌ شفى صدر الوزارة بعد ما ... شكتْ ألمَ الداء الدفينِ صدورها
تتوَّج منه بالمهابة تاجها ... وأشرقَ ناديها وسرَّ سريرها
وما جهلتْ قط الوزارةُ أنّه ... يكون بلا شكّ إليك مصيرها
وكنّا نرى منها مكانك بيناً ... تراه صحيحاتُ العيون وعودها
وقد عرف الإسلامً أنّك سيفه ... كذا الليلةُ البيضاءُ يعرف نورها
وأيَّ رحا دارت فلم يك شاورٌ ... بقطب الوطايا والرزايا مديرها
ومنها
تروح وبالنصر العزيز رواحها ... وتغدو وللفتح المبين بكورها
يؤمُّ بها الفسطاطَ منك متوَّجٌ ... له أبدا عيرُ العلي ونفيرها
صدمتَ بها من آل رزّيكَ هضبة ... تصدعَ رضواها وساخ ثبيرها
تحطَّم منها ساعدٌ ومساعد ... فأمست وما يرجى لجبرٍ كسيرها
ولمّا خلتْ أوكارهم من نسورهم ... وطارت حذارا من سطاك نسورها
منحتَ الذراري خيرَ برّ وربّما ... يبرّ بأشبال الليوث مبيرها
عفوتَ ولو كنتَ الذي قدرتْ على ... مساءته لو يعف عنك قديرها
(1/276)

ولا غروَ أن ماتت حقودٌ بحلمكم ... فإنّ صدور القادمين قبورها
رأيتُ رجالا زوّدوهم مذمّة ... وتلك السجايا فكرتي لا تجيرها
أأجحدُ أحيانا أبا الفتح أرخيتْ ... عليه به أبوابهم وستورها
وحاشاك أن ترضى بذمّ خوادرٍ ... بصارمك الماضي تصان خدورها
ومنها
وإن لم أكن نلتُ الغنى في زمانهم ... فتلك سحاب بلَ تربى مطيرها
ومنها
أبا الفتح والمعروف شيء مداره ... على عرض الدنيا وإني مديرها
إذا ما قضيتم للورى كلَّ حاجة ... فلي حاجة سهلٌ عليك عسيرها
أضفتَ إلى الجاري الذي لي إقامةً ... أقمتَ بها حالي وأثرى فقيرها
ووقّعتَ لي فيها بخطّك منعما ... وعدلك من جور النصارى نصيرها
فإنّهم لا يقطعون طريقها ... على أملي يوما وأنت خفيرها
(1/277)

وقد زعموا أن الملوك مناهلٌ ... فإن صحّ ما قالوا فأنت بحورها
نظرتم إلى الأيّام وهي ذميمة ... فجئتم بأيّام قليل نظيرها
فلا اعتمدتْ إلاّ عليكم أمورها ... ولا ابتسمتْ إلاّ إليكم ثغورها
160 - وقال من رسالة [بسيط] بئس الكتاب غدت كفّىَ تسطرهُ=مخبّرا عن حديث ساء مخبرهُ كتبته وبودّي لو عدمتُ يدي=وذاب ناظرُ عيني حين أنظرهُ 161 وقال من أخرى [متقارب]
فليت الرسالة لمّا تكن ... وليست رسالةُ خير البشرْ
ولكن رسائلُ لمّا تعدْ ... علينا بخير وعادت بشرْ
162 - وقال في الهرمين [طويل]
(1/278)

خليليّ ما تحت السماء بنيّة ... تماثل في إتقانها هرميْ مصرِ
بناءٌ يخاف الدهرُ منه وكلُّ ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهرِ
تنزَّهَ كطرفي في بديع بنائها ... ولم يتنزّه في المراد بها فكري
163 - وقال من قصيدة أولها [كامل]
بكرتْ عليك مدائحٌ أبكارُ ... سمحتْ ببذل مصونها الأفكارُ
إن وقّرتك عن النسيب كرامةً ... فلهنّ منك كرامة ووقارُ
أو أحسنتْ فيك الثناءَ فإنّها ... طربتْ وشكرُ المحسنين عقارُ
زارت جنابك والمودةُ قصدها ... لا درهمٌ قصدتْ ولا دينارُ
لكنّها خطبت صداقةَ حضرة ... تهدي لها بصداقها الأشعارُ
164 - وقال أيضاً [وافر]
أبا حسّانَ والأيّامُ تمضي ... ويبقى فعلكم وجميلُ ذكرى
أما وحياةِ دولتكم فإنّي ... أعدُّ حياتها سببا لعمري
لقد سكنتْ محبتكم فؤادي ... على حاليَّ من عسرٍ ويسرِ
فإن أحسنتمُ فثقوا بشكري ... وإن لم تحسنوا فثقوا بعذري
(1/279)

165 - وقال أيضاً [طويل]
على عدنٍ من ساكني شاطئْ مصرِ ... سلام وما المخصوصُ غيرُ أبي بكرِ
تحيةُ مشتاق وتحفة ماجد ... سليمُ غديرِ القلب من كدر الغدرِ
يحيّيك من نثر ونظم ببعض ما ... وهبتَ له يا مالك النظم والنثرِ
ولا عجبٌ فالبحرُ ينشى سحائباً ... ويعكس أحياناً فتمطر في البحرِ
166 - وقال أيضاً [سريع]
الحمد لله على حالة ... لا حولَ لي فيها ولا قدرهْ
أحوجني الدهرُ إلى صاحب ... قد سئمتْ معرفتي قدرهْ
إذا قضى لي حاجة نزرةً ... لم يقضها إلاّ على ضجرهْ
تعجبه كثرةُ ذلي له ... وليس ذا من كرم العشرهْ
وإن أتته رقعتي لم يجبْ ... عنها ولم يشغل بها فكرهْ
ولستُ بالغافل عن مثلها ... لكنّني أكرهُ مل يكرهْ

قافية الزاي
167 - قال يهجو كاتبا من كتاب النصارى يكنى أبا
(1/280)

الفضل [رمل]
يا أبا النقص المكنَّى ... بأبي الفضل مجازاً
لك يا ابن البظر قرنٌ ... بلغ النجم وحازا

قافية السين
168 - قال في الفقيه غيسى [وافر]
وقائلةٍ من الرجل الذي لا ... يماثله الرجالُ فقلتُ عيسى
فقالت ما دليلك قلت أضحتْ ... بهمّته كلومُ الدهر توسى
169 - وقال يرثى العاضد لدين الله [كامل]
أسفي لملكٍ عاضديّ عطّلتْ ... حجراته بعد الندى والباس
أخذتْ بنانُ العزّ من أمواله ... ورجاله بمخانق الأنفاس
وعسى الليالي أن تردّ زمانكم ... لدنا كعود البانة الميّاس
أبني علىّ والبتولِ وأحمدٍ ... وكواكب الدنيا وخير الناس
170 - وقال أيضاً في المعنى [كامل]
(1/281)

قلبُ الزمان على الخلافة قاسِ ... ما للزمان جرى بغير قياسِ
قطعتْ يدٌ أضحتْ قصوركمُ به ... مهجورةً بعد الندى والباس
هذي حصونُ الروم عطّلِ غزوها ... وغزتْ دياركمُ بنو العّباسِ
حتى متى لا تنتهي عن ظلمكم ... أبدا ولا لجراحكم من آسِ

قافية الشين
171 - قال يمدح سيف الدين حشسين في شهر رمضان سنة سبع وخمسين [طويل]
أباذلَ صوبِ الجود غيرِ رشاشِ ... وموقدَ نار المكرمات لعاشِ
وفارسَ قلب الجيش في حيث يدَّعىِ ... بأثبت ذي قلب وأربطِ جاشِ
172 - وقال في بعض كتاب النصارى يكنى أبا
(/)

الفضل وقد خدم في دار الكباش بأمر ابن دخان [متقارب]
رأيتُ أبا النقص ضاقت به ... مذاهبه في التماس المعاشِ
ومن حبُّه في ذوات القرون ... غدا وهو نائب دار الكباشِ

قافية الضاد
173 - قال يعتذر عن زيادة صديق بمرض أصابه [سريع]
يا مالك الرق ومن حقُّه ... على الرعايا واجبٌ مفرضْ
لم يمنع الخادم من قصده ... سعياً إلى بابك غيرُ المرضْ
إذا مرضنا وتخطَّتكمُ ... عوائقُ الأيّام فهو الغرضْ
لأنكم جوهر أيّامنا ... والناسُ فيها من عداكم عرضْ

قافية العين
174 - قال يمدح الناصر بن الصالح [رجز]
يا باذلا رزقَ الورى ومانعا ... وخافضا أقدارهم ورافعا
ومنها
لو أنّ بهرامَ السماءِ خانه ... وطائرُ النسرينِ خرَّ واقعا
فما عسى بهرامُ وهو عبده ... إذ كفرَ الصنعَ يكون صانعا
سلبته ثوبَ الحياة إذ غدا ... لخلعه الطاعة عنه خالعا
(/)

قطعتَ يومَ السبت رأسَ صنوه ... وذاق يومَ السبت سما ناقعا
صفحتَ يومَ الحي عنه قادرا ... فعاد في فعل القبيح راجعا
وفارقَ الطاعة وهي جنّة ... تحرز من كان مطيعا سامعا
عفوتَ في الأولى فلَّما خانها ... أدنتْ له الأخرى حماما شاسعا
أراد أن يطلع ذروة العلي ... لكن بدا من فوق جذع طالعا
غادرته فوق الصليب قائما ... يمدّ وسط الجوّ باعا واسعا
مدًّا إلى الأفق يدي مستمطرٍ ... فأمطرته النبلْ وبلاً هامعا
تركتها مارقةً من مارق ... خان ونزعتَ الحسام القاطعا
وهو ينادي بلسان حاله ... هذا جزا من كفرَ الصنائعا
بهرامُ مفتاحٌ لكل ناكث ... أصبح في بحر النفاق شراعا
فليصبحُ من خمر للهوى مخامرُ ... إن كان حلمُ عن سفاهٍ رادعا
ولا يخادعْ نفسه فإنّه ... ربَّ خداع أهلك المخادعا
175 - وقال يذكر بعض اصدقائه ما وعده [منسرح]
غيرُ بعيد وغيرُ ممتنعِ ... نسيانُ مولاي للحديث معي
176 - وقال في مشارف الصناعة وقوص يذكر
(1/284)

وصليبا وابن قطاعة [مجتث]
قل للمشارف عنّي ... إذا اختبى في الصناعهْ
كتبُ الرقاع إلى من ... يهينهنّ رقاعهْ
وليس حكمُ القوافي ... يجوز في كل ساعهْ
وسوف تسمع منها ... ما لا تريد سماعهْ
عاملتهنّ بغدر ... والغدرُ بئسَ الصناعهْ
حاشي غلامَ صليبٍ ... من ذاك وابنَ قطاعهْ
177 - وقال يمدح المكرم ورداً غلام الصالح [سريع]
قلتُ وما قصدي رياءٌ بما ... أقول في الناس ولا سمعهْ
جمَّل وردٌ جيد أيّامه ... بالجود والهيبة والمنعهْ
178 - وقال يمدح الكرم أيضاً ويودعه وقد خرج لولاية الغربية [وافر]
وأيقنتِ الشجاعةُ أنّ وردا ... أحقُّ فتىً يلقَّب بالشُّجاع
(1/285)

وكم ناددت ظباه إلى قلوب ... وقد خفقتْ رويدك لن تراعي
فدى لأبي الحسام ولا أحاشي ... رجالٌ جانبوا كرم الطباع
179 - وقال يهنئ شاورا بعيد الفطر ويشكو موقف الجاري الراتب له [رجز]
إن نشطتْ فقلْ لها لا ترتعي ... على طلول دارساتِ الأربع
ومنها
يا خير مبدٍ في السماح مبدع ... إنّ امرأً ترفعه لم يوضع
وإنّ من وضعته لم يرفعِ ... قد مسّني الضرُّ ومسّ من معي
ضاقت بنا أحوالنا فوسعِ ... أضحكٌ والجمرُ بين أضلعي
من كثرة الدَّين وفقرٍ مدقعِ ... وأنت ظلّي زإليك مفزعي
والدهر لا يحمل عنك موضعي ... فأنصرْ نصيريَّك في التشيّعِ
وقد وجدت أرض شكر فأنزع 180 وقال أيضاً [طويل]
(1/286)

أعد لي جوابي في طهور رقاعي ... ليرجع سري وهو غير مذاع
وإن عقتها لنصبح حجة ... على فقد عاملتني بخداع
181 - وقال وقد كتب بها إلى الملك الناصر ولم ينشدها وترجمها بشكاية المتظلم، ونكاية المتألم، [طويل]
أيا أذنَ الأيّام إن قلتُ فأسمعي ... لنفثة مصدرو وأنّه موجعِ
وعى كلّ صوت تسمعين نداءه ... فلا خيرَ في أذن تنادي فلا تعي
تقاصرَ بي خطبُ الزمان وباعه ... فقصَّر عن ذرعي وقصَّر أذرعي
وأخرجني من موضع كنتُ أهله ... وأنزلني بالجود في غير موضعي
بسيف ابن مهديّ وأبناءِ فاتكٍ ... أقضَّ من الأوطان جنبي ومضجعي
فيمَّمتُ مصراً أطلبُ الجاه والغنى ... فنلتهما في ظلّ عيش ممنَّعِ
وزرتُ ملوك النّيل إذ زاد نيلهم ... فأحمدَ مرتادي وأخصبَ مرتعي
(1/287)

وفزتُ بألفٍ من عطية فائزٍ ... مواهبه للصنع لا للتصنُّع
وكم طرقتني من يدٍ عاضديةٍ ... سرتْ بين يقظي من عيون وهجعِ
وجاد ابن رزّيكٍ من الجاه والغنى ... بما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
وأوحى إلى سمعي ودائعَ شعره ... لخبرته منّي بأكرمِ مودعِ
وليست أيادي شاورٍ بذميمة ... ولا عهدها عندي بعهد مضيَّعِ
ملوكٌ رعوا لي حرمة صار نبتها ... هثيما رعته النائباتُ وما رعى
وردتُّ بهم شمسَ العطايا لوفدهم ... كما قال قوم في علي وتوسُّعِ
مذاهبهم في الجود مذهبُ سنّةٍ ... وإن خالفوني في اعتقاد التشيُّعِ
فقل لصلاح الدين والعدلُ شأنه ... من الحكمُ المصغي إليّ فأدَّعي
سكتُّ فقالت ناطقاتُ ضرورتي ... إذا حلقاتُ الباب علّقنَ فأقرعِ
فأدللتُ إدلالَ المحبّ وقلتُ ما ... أبالي بعفو الطبع لا بالتطبُّعِ
وعندي من الآداب ما لو شرحته ... تيقّنت أني قدوةُ ابن المقفَّعِ
أقمتُ لكم ضبفا ثلاثةَ أشهر ... أقول لصدري كلَّما ضاق وسعِ
أعلّلُ غلماني وخيلي ونسوتي ... بما صنعتُ من عذرٍ ضعيفٍ مرقَّعِ
(1/288)

ونوّابكم للوفد في كلّ بلدة ... تفرّقُ شمل النائل المتوزَّعِ
وكم من ضيوف الباب ممّن لسانه ... إذا قطعوه لا يقوم بإصبعِ
مشارعُ من نعمائكم زرتها وقد ... تكرّر بالإسكندريّة مشرعيِ
وضايقني أهلُ الديون فلم يكن ... سوى بابكم منه ملاذي ومفزعيِ
فيا راعي الإسلام كيف تركتها ... فريقيْ ضياع من عرايا وجوَّعِ
دعوناك من قربٍ وبعدٍ فهبْ لنا ... جوابك فالبازي يجيب إذا دعى
إلى الله أشكو من ليالي ضرورة ... رجعنا بها نحو الجناب المرجَّعِ
قنعنا ولم نسئلك صبرا وعفّة ... إلى أن عدمنا بلغةَ المتقنّعِ
ولمّا أغصَّ الريقُ مجرى حلوقنا ... أتيناك نشكو غصّة المتوجّعِ
فإن كنتَ ترعى الناس للفقه وحده ... فمنه طرازي بل لثامى وبرقعي
ألم ترعني للشافعيّ وأنتمُ ... أجلُّ شفيع عند أعلى مشفَّعِ
ونصري له في حيث لا أنت ناصر ... بضرب صقيلاتٍ ولا طعنِ شرَّعِ
ليالىَ لا فقهُ العراق بسجسج ... بمصرَ ولا ريحُ الشَّآم بزعزعِ
كأنّي بها من أهل فرعونَ مؤمنٌ ... أصارعُ عن ديني وإن حان مصرعي
أمن حسناتِ الدهر أم سيّآته ... رضاك عن الدنيا بما فعلتْ معي
ملكتَ عنان النصر ثمّ خذلتني ... وحالي بمرأى من علاك ومسمعِ
(1/289)

فما لك لم توسعْ علىّ وتلتفتْ ... إلىّ التفاتَ المنعم المتبرّعِ
فإمّا لأنّي لست دون معاشرٍ ... فتحتِ لهم باب العطاء الموسَّعِ
وإمّا لما أوضحته من زعازعٍ ... عصفن على ديني ولم أتزعزعِ
وردّي ألوفَ المال لم ألتفت لها ... بعيني ولم أحفل ولم أتطلّعِ
وإمّا لفنّ واحد من معارفي ... هو النظم إلاّ أنّه نظمُ مبدعِ
فإن سمتني نظما ظفرتَ بمفلق ... وإن سمتني نثرا ظفرتَ بمصقعِ
طباعٌ وفي المطبوع من خطراته ... غنى عن أفانين الكلام المصنَّعِ
سألتك في دينٍ لياليك سقنه ... وألزمتنيه كارها غير طيّعِ
وهاجرتُ أرجو منك إطلاقَ راتب ... تقرَّرَ من أزمان كسرى وتبَّعِ
وليتك فيمن أطلق الشَّرق مطلعي ... لتعلم نبعى إن عجمتَ وخروعي
وما أنا إلاّ قائم السيف لم يعنْ ... بكفّ ودرّ لم يجد من مرصّعِ
وياقوتةٍ في سلك عقد مدارةٍ ... على خرزات من عقيق مجزَّعِ
وكم مات نضناضُ اللسان من الظما ... وكم شرقتْ بالماء أشداقُ ألكعِ
فيا واصلَ الأرزاق كيف تركتني ... أمدُّ إلى نيل المنى كفَّ أقطعِ
(1/290)

أعندك أنّي كلَّما عطسَ أمرؤٌ ... بذي شممٍ أقنى عطستُ بأجدع
ظلامةُ مصدوع الفؤاد فهل له ... سبيلٌ إلى جبر الفؤاد المصَّدع
وأقسم لو قالت لياليك للدجى ... أعدْ غاربَ الجوزاء قال لها أطلعى
غدا الأمر في إيصال رزقي وقطعه ... بحكمك فأبذل كيف ما شئت وأمنع
كذلك أقدارُ الرجال وإن غدتْ ... بحكمك فاحفظْ كيف شئتَ وضيعِ
فيا زارع الإسلام في كلّ تربة ... ظفرت بأرض تنبت الشكر وأزرع
فعندي إذا ما العرفُ ضاع غريبه ... ثناءٌ كعرف المسكة المتضّوع
وقد صدرتْ في طيّ ذا النظم رقعةٌ ... غدا طعمي فيها إلى خير مطمع
أريدُ بها إطلاق ديني وراتبي ... فأطلقهما والأمرُ منك ووقّع
وبيني وبين الجاه والعز والغنى ... وقائعُ أخشاها إذا لم توقّع
وما هي إّلا مدّة نستمدها ... وقد فجت الأرزاقُ من كلّ منبع
إلى هاهنا أنهى حديثي وانتهى ... وما شئتَ في حقي من الخير فأصنع
فإنّك أهل الجود والبرّ والتقى ... ووضع الأيادي البيض في كلّ موضع
(1/291)

2 - قافية الفاء 182 قال يرد على بعض الشعراء وهو الأحدب ابن أبي حصينة وقد أنشد بذم الدولة الماضية بين يدي نجم الدين أبي الملك الناصر عند ما سكن اللؤلؤة.
[بسيط]
أثمتَ يا من هجا الساداتِ والخلفا ... وقلتَ ما قلته في ثلبهم سخفا
جعلتهم صدفا حلّوا بلؤلؤةٍ ... والعرفُ ما زال سكنى اللؤلؤ الصَّدفا
وإنّما هي دار حلَّ جوهرهم ... فيها وشفَّ فأسناها الذي وصفا
فقال لؤلؤة عجباً ببهجتها ... وكونها حوتِ الأشرافَ والشَّرفا
فهي بسكانها الآيات إذ سكنوا ... فيها ومن قبلها قد اسكنوا الصحفا
والجوهرُ الفردُ نورٌ ليس يعرفه ... من البرّية إّلا كلُّ من عرفا
لولا تجسمه فيهم لكن على ... ضعف البصائر للأبصار مختطفا
فالكلبُ يا كلبُ أسنى منك معرفةً ... لأنّ فيه حفاظا دائما ووفا
183 - والأبيات التي أنشدها ابن أبي حصينة [بسيط]
(1/292)

يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا ... منها وما كان فيه لم يكن طرفا
قد عجّل الله هذي الدار تسكنها ... وقد أعدّ لك الجنّاتِ والغرفا
تشرفت بك عمّن كان يسكنها ... فالبس بها العزَّ ولتلبسْ بك الشرفا
كانوا بها صدفا والدارُ لؤلؤةٌ ... وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا
184 - وقال جاءني رسول الأوحد صبح أخي شاور من سندفا بكسوة وغلة يستدعى المدح مني فكتبن إليه بقصيدة منها.
185 - وقال من قصيدة يهجو ابن دخان [كامل]
من كلّ فدم لا يزال لسانه ... مغرّى بحرف الزاي أو بالقافِ
إن كان يحسب أنّ خسّة أصله ... تحميه من حمتي ومرّ ذعافى
فالأسد تفترس الكلابَ إذا عدتْ ... أطوارها والأسدُ غير ضعافِ
دعني أثقل بالهجاء لجامه ... إنّ البغال كثيرة الإخلافِ
لا تأمننّ أبا الرذائل بعدها ... وأحذرْ أمانة سارق خطافِ
فالمرتجى عند اللئام أمانةً ... كالمرتجى ثمرا من الصفصافِ
(1/293)

186 - وقال يهجوه أيضاً [سريع]
قل لابن دخانٍ إذا جئته ... ووجهه يندي من القرقفِ
في آست أمّ جاريَّ ولو انّه ... أضعافُ ما في سورة الزخرفِ
وأصفع قفا الذلّ ولو انه ... بين قفا القسّيس والأسقفِ
مكَّنك الدهرُ سبالَ الورى ... فأحلقْ لحاهم آمنا وانتفِ
خلا لك الديوانُ من ناظرٍ ... مستيقظ العزم ومن مشرفِ
فاكسب وحصّلْ وادَّخرْ واكتنز ... وأسرق وخن وابطش وخذْ واخطفِ
وابكِ وقلْ ما صحّ لي درهمٌ ... فردٌ وصلّبْ واجتهدْ واحلفِ
وأستغنمِ الفترة من قبل أن ... يرتفع الإنجيلُ بالمصحف
هذا دخان الشعر أرسلته ... إلى دخان المشعل الأسخفِ

قافية القاف
187 - قال يمدح الملك الصالح [بسيط]
من كان لا يعشق الأجياد والحدقا ... ثم أدَّعى لذّة الدنيا فما صدقا
(1/294)

في العشق معنى لطيف ليس يعرفه ... من البرية إلاّ كلُّ من عشقا
لا خفَّف الله عن قلبي صابته ... للغانيات ولا عن طرفيّ الأرقا
ومنها:
لو كنت أملكُ روحي وارتضيتُ بها ... بذلتها لكِ لا زورا ولا ملقا
وإنّما الصالح الهادي تملّكها ... بفيض جود رعى آماله وسقى
واقتادها الحظُّ حتّى جاورت ملكا ... تمسى ملوكُ الليالي عنده سوقا
ومنها:
وعشتَ للناصر المحي الذي نطقت ... أفعاله في علاه قبل من نطقَّا
المخرزِ السَّبق الأوفى ولا عجبٌ ... إذ كنت والده أن يحرز السَّبقا
188 - وقال يهجو عدي الملك [طويل]
لحي الله مدحا لا يرجَّى ثوابه ... لديكم وهجوا لا يخاف ويتَّقى
عذرتُ عديَّ الملك إذ ليس عنده ... من العرض شيء يتقى أن يمزَّقا
فما لك لا تخشى بها عرضك الذي ... يفوت الثريَّا والسماك المحلّقا
(1/295)

189 - وقال يرثي الملك الصالح ويمدح ولده الملك الناصر وأنشدها في مشهد بالقرافة في شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
[طويل]
أرى كلَّ جمع بالرَّدى يتفرقُ ... وكلَّ جديد بالبلى يتمزّقُ
وما هذه الأعمارُ إّلا صحائفٌ ... تؤرَّخ وقتا ثم تمحى وتمحقُ
ومنها:
ولمّا تقضَّى الحولُ إّلا لياليا ... تضاف إلى الماضي قريباً وتلحقُ
وعجنا بصحراء القرافة والأسى ... يغرّب في أكبادنا ويشرّقُ
عقدنا على ربّ القوافي مقائلاً ... تعزّ إذا هانت جيادق وأينقُ
وقلنا له خذ بعض ما منت منعما ... به وقضاء الحقّ بالحرّ أليقُ
عقود قواف من قوافيك تنتقى ... ودرَّ معان من معانيك يسرقُ
نثرنا على حصباء قبرك درَّها ... صحيحا ودرُّ الدمع في الخدّ يفلقُ
ومنها:
وجدنا كمُ يا آل رزيكَ خير من ... تنصّ إليه اليعملاتُ وتعنقُ
(1/296)

وفدنا إليكم نطلب الجاه والغنى ... فأكرمّ ذو مثوى وأغنى مملقُ
وعلمتمونا عزّة النفس بالندى ... وملقى وجوه لم يشنها المتلُّقُ
وصيّرتم الفسطاط بالجود كعبةً ... يطوف بركنيها العراق وجلَّقُ
فلا ستركم عن مرتج قطُّ مرتجٌ ... ولا بابكم عن معلق الخطّ مغلقُ
وليس لقلب في سواكم علاقة ... ولا ليدِ إّلا بكم متعلَّقُ
190 - وقال وكتب بها إلى شرف الدولة بن جبر جواباً عن شعر بعث به إليه قبل اللقاء يتشوقه على هذا الوزن وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
[خفيف]
بات يرعى السُّهى بطرف مؤرَّقْ ... وفؤادٍ من الغرام محرَّقْ
191 - وقال يمدح الملك الصالح [كامل]
هل تعلمان طريقة لم تطرقِ ... أو موردا للشكر غيرَ مرنَّقِ
فأقابلَ الكرم الذي سبق المنى ... نحوى بشكر نحوه لم يسبقِ
192 - وقال يمدح العادل رزيك في حياة الصالح أبيه [كامل]
(1/297)

لمّا أدار مدامةَ الأحداقِ ... دّبت حميَّا نشوةِ الأخلاقِ
جار المدير لها ولو عدَّى الهوى ... في حكمه لأمنتُ جور الساقي
ظبيٌ أعار الليل طرةَ شعره ... وأمدَّ ضوءَ الصبح بالإشراقِ
وسنانُ ذابَ السحرُ في آماقه ... وأذاب ماء الروح من أماقى
كتب الحمالُ على صحيفة خدّه ... عذرَ المحبّ وحجةَ المشتاقِ
ما كنتُ أدري قبل رؤية وجهه ... أنّ الخدود مصارع العشاقِ
ومنها:
من مبلغ اليمن الذي فارقته ... ما غاب عنه من حديث فراقي
أنّي وردت الجود يفهقُ بحره ... وشربتُ من كأس الغنى بدهاقِ
في ظلّ فياض المواهب أبلجٍ ... حلت يداه من الزمان وثاقي
أنسيت حين وردتُّ غمر نواله ... ما اعتدتُّ من ثمدٍ ومن رقراقِ
للناصر بن الصالح الشَّرفُ الذي ... فاقت به مضرٌ على الآفاقِ
193 - وقال يمدح الأجلّ الموفق أبا الحجاج يوسف بن محمد الكاتب كاتب الدست وصاحب ديوان الإنشاء والرسائل بمصر.
[كامل]
(1/298)

ما هاج مرنةَ دمعه المترقرقِ ... إّلا تألَّقُ بارقٍ بالأبرقِ
برقٌ يذكّرني وميض مبلسمٍ ... يسرى الهوى في ضوئها المتألّقِ
من كلّ ثغر مثل ثغر مخافةٍ ... خافٍ طريقَ رضابة لم يطرقِ
نسج العفافُ عليه ثوبَ صيانة ... همُّ الخيانة عندها لا يرتقى
سقيا لأيّام الشباب فإنّها ... روض الحياة وزهرة المستنشقِ
أيامٌ اصطحب الغواني والغنى ... في ظلّ أغصان الشباب المورقِ
194 - وقال في غرض له [مجتث]
يا ربِّ نفّس خناقي ... وحلَّ عقدَ وثاقي
واسترْ عليَ فإنّي ... أخاف هتك خلاقي
195 - وقال يمدح الملك الناثر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله.
[طويل]
فؤادٌ يجمُّ الشوقَ والوجدُ يحرقُ ... أراق كرى الأجفان وهو مورَّقُ
دع العين تغرق بالمدامع خدَّه ... فخاطره في لجة الوجد مغرقُ
وفي خدّ ذات الخال حمرة جمرة ... على نارها ماء الصبا يترقرقُ
(1/299)

ومنها:
تركتَ قلوب المشركين خوافقاً ... وبات لواء النصر فوقك يخفقُ
لئن سكن الإسلام جاشا فإنّه ... بما قد تركتم خاطر الكفر يقلقُ
سمتْ بصلاح الدين ملّةُ أحمدٍ ... وطائرها فوق السماك محلّقُ
وطلعةُ مولود كريم تطلّعتْ ... إليه عيون للمسالك ترمقُ
لك الخير قد طال انتظاري وأطلقتْ ... لغيري أرزاقٌ ورزقي معوَّقُ
كأنّك لم يسمع بجودك مغرب ... ولم يتحدث عن عطائك مشرقُ
وإنّي من تاريخ أيّامك التي ... بها سابقُ التاريخ يمحي ويمحقُ
صدقتك فيما قلت أو أنا قائل ... بأنّك خير الناس والصدقُ اوثقُ
وحسبي أن أنهى إليك وانتهى ... وأحسنُ من ظنّي وأنت تحققُ
196 - وقال أيضاً: [بسيط]
كتبي إليك على مقدار ما اتفقا ... من الحوادث لا صفواً ولا رنقا
(1/300)

فأصبح بفضلك عنها في تصفحها ... فما تروقك لا ملقا ولا ملقا
197 - وقال يمدح الفقيه الحافظ [كامل]
إن قلتَ قد خرستْ خلاخلُ ساقها ... فاسمع لما يوحيه نطقُ نطاقها
ومنها:
أخلاقُ حضرةِ احمدَ بن محمَّدٍ ... أحلى وأعذب من مدير مذاقها
قطبٌ عليه مدارُ أمّة أحمدٍ ... حيث انتهى الإسلام من آفاقها
هو رحلة الدنيا التي عقدت له ... فرقُ الهدى ما انحل من اصفاقها
وكأنّما الإسكندرية مكّةٌ ... والرفق والتوفيق زاد رفاقها
في مشرق الدنيا ومغربها إلى ... يمينّها مع شأمها وعراقها
وفدٌ إليك وطالبون ودائعاً ... قيدتَّ ما جهلوه من إطلاقها
هجروا الديار وكلَّ واضحةِ الطُّلى ... ذاقوا افتراق العيس يومَ فراقها
(1/301)

وتعرضوا عنها بقصدك زلفةً ... فكوا بها الأعناق من أرباقها
ومنها:
ولربَّ غامضة إذا ما استقبلتْ ... كشفتَ بالبرهان من أعلاقها
ويدٍ من المعروف لمّا استبهمت ... أبوابها فتَّحتَ من أغلاقها

قافية الكاف
198 - قال يعرض لابن دخان [كامل]
لا تحسبنْ أنّي هجو ... تك فالهجاء يجلُّ عنكا
لكن صفعتُ بك الذي ... نفثاته يعرفن منكا

قافية اللام
199 - قال يرثي الملك الصالح [طويل]
(1/302)

فيا أيّها الدستُ الذي غاب صدره ... فماجت بلاياه وهاجت بلايلهْ
عهدتُّ بك الطود الذي كان مفزعا ... إذا نزلت بالملك يوماً نوازلهْ
فمنْ زلزلَ الطودَ الذي ساخ في الثرى ... وفي كلّ أرض خوفه وزلازلهْ
ومن سدَّ باب الملك والأمر خارج ... إلى سائر الأقطار منه وداخلهْ
ومن عوَّق القاري المجاهد بعد ما ... أعدّتْ لغزو المشركين جحافلهْ
ومن أكره الرمح الردينيَّ فالتوى ... وأرهقه حتّى تحطَّمَ عاملهْ
ومن كسر العضبَ المهنَّد فاغتدى ... وأجفانه مطروحة وحمائلهْ
ومن سلب الإسلام حليةَ جيده ... إلى أن تشكى وحشةَ الطوق عاطلهْ
ومن أسكت الفضل الذي كان فضلهُ ... خطيباً إذا التفت عليه محافلهْ
وما هذه الضَّوضاء من بعد هيبة ... إذا خامرتْ جسما تخلت مفاصلهْ
كأنّ أبا الغارات لم ينش غارة ... يريك سوادَ الليل فيها قساطلهْ
ولا لمعت بين العجاج نصوله ... ولا طرَّزت ثوب الفجاج مناصلهْ
ولا سار في عالي ركابيه موكب ... ينافس فيه فارس الخيل راجلهْ
ولا مرحتْ فوق الدروع يراعةٌ ... كما مرحتْ تحت السروج صواهلهْ
ولا قسمتْ ألحاظه بين مخلصٍ ... جميل السجايا أو عدوّ يجاملهْ
(1/303)

ولا قابل المحراب والحرب عاملا ... من الباس ولإحسان ما الله قابله
تعجّبُ من فعل الزمان بنفسه ... ولا شكَّ إلا أنَّه جنَّ عاقلهْ
بمن تفخر الأيّام بعد طلائعٍ ... ولم يك في أبنائها من يماثلهْ
أتنزل بالهادي الكفيل صروفها ... وقد خيَّمتْ فوق السماك منازلهْ
وتسعى المنايا منه في مهجة امرئ ... سعت هممُ الأقدار فيما تحاولهْ
200 - وفال يمدح المظفر أخا الملك الصالح [طويل]
لكم منم ودادي ناصر ليس يخذّلُ ... ولي خاطرٌ يغزى بكم حين يعذلُ
أأحبابنا يهنئكم اليوم أنّكم ... تجورون في ظلم الوداد وأعدلُ
تبدّلتم بعد النوى وسلوتم ... وقلبي لا يسلو ولا يتبدلُ
فإن كان شيبي أصلَ عيبي لديكم ... ُ
فكلُّ شباب نازلٌ سوف يرحل
وما الشعر المسودُّ إلاّ حديقة ... يروق الفتى أوراقها ثمّ تذبلُ
ومن نصلتْ بالشيب صبغة رأسه ... فليس له إّلا التقى والتنصلُ
ومن لم تزعه الأربعون فإنّه ... عليل بأخبار الصبي يتعلّلُ
أيا قلب كم تنهاك وأعظة النُّهى ... وتزجرك الأيّامُ لو كنت تقبلُ
(1/304)

إما لك همّ غيرُ نظم قصيدة ... تضمّنها بالقول ما ليس تفعلُ
تعزّلتَ حتّى زهرة الصبي ... وقالت قوافي الشعر كم تتغزلُ
كأنّ أبا الفتح المظفَّر لم يجبْ ... عليك له الحقَّ الذي ليس يجهلُ
فعد لك عن نفل الكلام لفرضه ... فمن لم يقم بالفرض لا يتنقَّلُ
201 - وقال يمدح الناصر بن الصالح [سريع]
خادم ذيل المجلس العادلِ ... وغرس عصر الصالح الكافلِ
يقبّل الأرض وينهي إلى ... مالك رقّ الحقّ والباطلِ
وواحدِ العصر الذي فعله ... حليةُ هذا الزمن العاطلِ
ومطلع الشمس على دسته ... من بعد ذاك القمر الآفلِ
202 - وقال يمدحه أيضاَ [خفيف]
خفةُ الروح واجتنابُ الثقالهْ ... فتحا للقريض بابَ المقالةْ
203 - وقال يمدح الإمام العاضد ووزيره الصالح [كامل]
(1/305)

إن حارت الأفكار كيف تقولُ ... في ذا المقام فعذرها مقبولُ
بهر الجمالُ العاضديُّ خواطراً ... خطرُ الخلافة عندهنّ جليلُ
ومنها:
لا يبلغ البلغاء وصفَ مناقبٍ ... أثنى على إحسانها التنزيلُ
شيمٌ لكم غرٌّ أتى بمديحها ال ... فرقان والتوراة والإنجيل
سيرٌ نسخناها من السُّور التي ... ما شانها نسخٌ ولا تبديلث
قامت خواطرنا بخدمة نظمها ... فيكم وقام بنثرها جبريلُ
شرفٌ تبيت به قريشٌ كلُّها ... عولاً لكم وعليكم التعويلُ
إنّ الرسول أبوكمُ من دونها ... فمن الذي منها أبوه رسولُ
ولقد ورثتَّ مقام قوم يستوى ... منهم شبابٌ في العلى وكهولُ
وجمعت شملَ خلافة لم يختلف ... في فضلها المعقول والمنقولُ
لمّا برزتَ إلى المصلَّى معلنا ... وشعارك التكبير والتهليلُ
وخطبت فيه المؤمنين خطابةً ... ذابت عيونٌ عندها وعقولُ
وسللتَ غربَ فصاحة نبويّةٍ ... شهدتْ بأنّك للنبيّ سلسلُ
ومنها:
شيمٌ كفلتَ بهنّ ملّةَ أحمدٍ ... والصالح الهادي لهنّ كفيلُ
(1/306)

كافٍ هو البابُ الذي من لم يصل ... منه فليس له إليك وصولُ
204 - وقال يمدح الملك الناصر بن الصالح [طويل]
لكلّ مقام غي علاك مقالُ ... يصدّقه بالجود منك فعالُ
ومنها:
رأيتك لم تقنع بمنصبك الذي ... علا فنجوم الأفق عنه سفالُ
فباشرتَ مكروه الوغى في مواطنٍ ... حرامُ المنايا بينهنّ حلالُ
وهل يفخر الصَّمصام إّلا بقطعه ... وغن راق منه جوهرٌ وصقالُ
كأنّك خلتَ السّلمَ نقصا على العلى ... وليس لها غيرُ القتال كمالُ
ولمّا تشكى الحوفُ حيفا على الهدى ... وكاد الهوى يسطو عليه ضلالُ
نهدتَّ إلى الإفرنج تزجى كتائباً ... تغلّ بها أعناقهم وتغالُ
فولوا وقد أبقت عليهم نفوسهم ... سباسبُ حالت دونهم ورمالُ
(1/307)

وأتبعتهم ركضا على كلّ سابح ... إذا الريحُ كلّتْ لم يصبه كلالُ
جيادٌ إذا جّردتها يومَ غارة ... فليس لها غيرُ الوشيح ظلالُ
طوالع في ليل القتام غواربٌ ... عليهنّ من نسج القتام جلالُ
يثير غبارا كلّما قذىَ الهدى ... بفتنةِ طاغٍ كان منه كحالُ
رميت بها بهرام عن قوس عزمة ... تبيت لها الأقدارُ وهي ثقالُ
وأدركتهم إدراك من لا يفوته ... مرامٌ ولا ينأى عليه منالُ
سريت بها والليلُ وحفٌ شبابه ... فصحبتهم إذ شاب منه قذالْ
ولمّا اشتملتَ الليل بردا إليهم ... جرت بالذي تهوى صبا وشمالُ
وأوقدتَّ نيران الوغى بذوابلٍ ... سرتْ ولها رزقُ النصال ذبالُ
وأتبعتها والكفُّ تقوى بأختها ... ببيض تصون المجد وهو مذالُ
إذا هجرتْ أغمادها لم يكن لها ... سوى قطع أوصال الطغاة وصالُ
فهنّ شجاً في حلق كلّ معاند ... وهنّ على قلب الولىّ زلالُ
عتادُ مليك يكثر البأسَ والندى ... إذا قلّ نزلٌ في الورى ونزالُ
هو القاسم السَّجلينِ عفوا ونقمةً ... وحاسمُ داء الدهر وهو عضالُ
تكفَّل همَّ الملك عن قلب كافلٍ ... عدا وهو فينا عصمة وثمالُ
تقيل الأماني عنده تحت رحمة ... بها عثرات المسلمين تقالُ
تروح الأيادي من يديه خفيفةً ... وتغدو على الأعناق وهي ثقالُ
(1/308)

ومنها:
إذا كان رأى الناصر الملك ناصري ... فإنّ صريح القول في حفالُ
فتى عنده فضل وفصل إذا التقى ... جلادٌ على نصر الهدى وجدالُ
205 - وقال يمدح المكرم بن الزبد أيضاً [طويل]
أبا حسنٍ جاءت إليّ مثوبةٌ ... من النمط الأدنى عن النمط العالي
أتتنى أثوابٌ غلاظ كأنّها ... خواطرُ ينسجن القريضَ لبخالِ
206 - وقال يمدح العاضد [كامل]
من أجل هيبة ذا المقام المذهلِ ... لم يغنِ عن أحد شجاعةُ مقولِ
ومنها:
ورثوا الإمامة حاضرا عن غائب ... وتداولوها آخرا عن أوّلِ
من ظافرٍ أو فائزٍ أو عاضدٍ ... بيتٌ خلافته على النص الجلى
أوصى إليك بها ابن عمك بعده ... نصَّا كما نصَّ النبيُّ على علي
(1/309)

207 - وقال في عيد الفطر من سنة سبع وخمسين يمدح العاضد ووزيره العادل بن الصالح [بسيط]
تقبَّلَ الله صوماً أنت واصلهُ ... من الصلاح بأعمالٍ تشاكلهُ
208 - وقال يمدح الناصر بن الصالح على لسان سائل من أهل الأدب سأله ذلك في سنة سبع وخمسين في محرم [كامل]
فقتَ الملوك مهابةً وجلالا ... وطرائقاً وخلائقاً وخلال
وسجاحةً ورجاحة وفصاحة ... وصباحة وسماحة ونوالا
أخجلتَ أفراد الزمان أيالةً ... وكفالةومقالة وفعالا
209 - وقال في عيد النحر [سريع]
قلْ للأمير الأكرم الكاملِ ... يا خير من أصغى إلى قائلِ
أقسمتُ بالبيت ومن زاره ... في الحجّ من حافٍ ومن ناعلِ
لو حملت شمُّ الجبال الذي ... حملته منك على كاهلِ
مال عليك الدهرُ لكنّه ... لم يستند منك إلى مائلِ
(1/310)

ومنها
لا تعتقد أنّى أبو فاتكٍ ... أرضى امتنانَ العارض الهاطل
لكنك المولى الذي ما على ... سائله منقصةُ السائلِ
ولا إذا أسدى يداً حرةً ... تبدو عليه عزّة الباذلِ
وقد مضى العيدُ ولم يأتني ... ما اعتدت من برِّ ومن نائلِ
فإن يكن عامك ذا ممحلا ... فليس ودّي لك بالماحلِ
وإن تردْ صبري إلى قابلٍ ... صبرتُ مختارا إلى قابلِ
وأسعد بعيد لم يزرني به ... جودك في طل ولا وابلِ
210 - وقال يمدح عز الدين حساما [طويل]
ألا قلْ لعز الدين لا زال جدُّه ... عزيزا وأما ضدُّه فذليلُ
ولا زال منصور اللواءِ مظفراً ... يقيم صنعا الأيام حين تميلُ
أتاني كتاب منك أمّا سطوره ... فروض وأما نشره فقبولُ
ولم أدرِ هل بين السطور شمائلٌ ... بعثتَّ بها أم بينهنّ شمولُ
فقد هزّ أشواقي إلى أن تركتني ... أقول وكتمانُ الغليل غلولُ
(1/311)

ترى تسعد الأيّامُ بالجمع بيننا ... وهل لي إلى برد اللقاء سبيلُ
وإن تبخل الدنيا بتأليف شملنا ... فرأىُ المقام الناصريّ جميلُ
211 - وقال يمدح العادل رزيك بن الصالح ويهنئه بعيد الفطر سنة أربع وخمسين وخمسمائة [كامل]
لك أن تقول إذا أردتُّ وتفعلا ... ولمن سعى في ذا المدى أن يخجلا
لم يبق غيرُ أبيك خلّد ملكه ... أحدٌ تقرُّ بقاصية العلى
أصبحتَ للإسلام مجداً باذخاً ... وذخيرة ترجى وباعا أطولا
خلفتُ بنو رزّيكَ عزتك التي ... جعلتك عزّتُها أعزَّ محجَّلا
وقال يهجو الكاتب المعروف بالجعل [بسيط]
لو كان للشعر عند الله منزلة ... ما ساغه الله من أشداقه الجعلُ
إن كوسجَ التنفُ خدّيه وشاربه ... فإن لحيته فوق الخصى خصلُ
يا كاتباً فوق خصييه وعانته ... من المداد ومن حبر استه كتلُ
ومن يحكّ أكالاً تحت عصعصه ... لا تأكلنّ مع الأملاك إن أكلوا
(1/312)

312 - وقال يمدح العادل بن الصالح [كامل]
لله من يومٍ أغرَّ محجَّلِ ... في ظلّ محترم الفناء مبجَّلِ
ومسرّةٍ سمح الزمانُ لنا بها ... في دارِ منهلّ الندى متهللِ
الناصرِ بن الصالح السامي إلى ... شرفٍ معمٍّ في المعالي مخولِ
يومٌ يقول لك السرورُ به اقترحْ ... ما شئتَ من بيض الأماني يفعلِ
وتملَّ قصراً أشرفتْ شرفاته ... بعلى أبيك على السماك الأعزلِ
شيدتَّ فيه مناظراً مجديّة ... أصبحن أفضلَ من بناه الأفضلِ
ودليل فخرك أنّ ما شيدتَّه ... أعلى وأن بناءه من أسفلِ
214 - وقال يمدح رزيك بن الصالح [رجز]
لولا جفونٌ ومقلْ ... مكحولةٌ من الكحلْ
ولحظاتٌ لم تزلْ ... أرمى نبالا من ثعلْ
وبردٌ رضا به ... ألذُّ من طعم العسلْ
يظمأْ إلى بروده ... من علَّ منه ونهلْ
لما وصلتُ قاطعا ... إذا رأى جدّي هزلْ
(1/313)

مخالفٌ لو أنّه ... أضمر هجري لوصلْ
وأغيدٍ منعمٍ ... يميل كلَّما اعتدلْ
يهتزّ غصنُ قدّه ... ليناً إذا ارتجّ الكفلْ
غرٍّ إذا جمشته ... أطرقَ من فرطِ الخجلْ
أريعنٍ مدللٍ ... غزيلٍ يأبى الغزلْ
سألته في قبلة=من ثغره فما فعلْ
راضته لي مشمولةٌ ... ترمي النشاطَ بالكسلْ
حتّى أتاني صاغراً ... يحدوه سكرٌ وثملْ
أمسى بغير شكره ... ذاك المصونُ يبتذلْ
وبات بين عقده ... وبين قرطيه جدلْ
وكدتُّ أمحو لعساً ... في شفتيه بالقبلْ
فديته من مبسمٍ ... ألثمه فلا أملْ
كأنه أناملٌ ... لمجد الإسلام الأجلْ
معروفهنّ أبداً ... يضحك في وجه الأملْ
الناصرُ بن الصالح ال ... هادي من المدح أجلْ
لكن يعدُّ مدحه ... للصدق من خير العملْ
من يستعيذ باسمه ال ... عالي إذا خطبٌ نزلْ
(1/314)

أبلجَ من شبابه ... نورَ الشباب المقتبلْ
يبدو به في غرّة ال ... دنيا سرورٌ وجذلْ
ويشرق الملكُ به ... أجلْ وتفخر الدُّولْ
ومنها
يا جاهلاً بفضله ... سلني وغيري لا تسلْ
قد زرته فنلتُ من ... إنعامه ما لم ينلْ
والتفَّ ذيلُ فضله ال ... ضافي على واشتملْ
215 - وقال يمدح الأمير سيف المجاهدين ابن المقفع عند سفره [طويل]
أبى المجدُ إن يزمعْ رحيلاً فللندى ... وللبأس والمجد الرفيع رحيلُ
أودعُ من عالي ركابك سيّداً ... كثيرُ ثنائي في علاه قليلُ
كريم غدت أفعاله مثل وجهه ... وما منهما إلا أغرُّ جميلُ
وما فرحتْ إخميمُ قبلك بامرئ ... له غررٌ من فضله وخجولُ
سمت نفسه عن كلّ مثل ومشبه ... فليس له غيُر النجوم قبيلُ
(1/315)

على أنّه من دوحة يعربيةٍ ... لها المجد فرعٌ والسماح أصولُ
إذا هزها ريح المديح ترنّحتْ ... ومالت مع الآمال حيث تميلُ
وقتك من الأسواء أنفسُ معشرٍ ... لهم حسبٌ في الباخلين طويلُ
إذا جال فكري في مذمّة عرضهم ... تهانى عنهم أنهم لك جيلُ
لك الُله من ريب الحوادث حافظ ... وبالتنح فيما يبتغيه كفيلُ
ولا زلتَ محروس العلاء بهمّة ... تعلّمنا بالمقل كيف نقولُ
216 - وقال يمدح تاج الخلافة وردا ويذكر غدر المغاربة بغلمانه وانصرافه من جزيرة نصر [بسيط]
يهوى الحبيبينِ من بأس ومن كرم ... على البغيضينِ من جبن ومن بخلِ
لا يحلّ بثغر حلَّه أبدا ... سوى النقيضين من أمنٍ ومن وجلِ
لك العزائم والآراءُ إن نصبتْ ... بالقول والفعل لم تفلل ولم تفلِ
وربَّ معضلة لما دعيتَ لها ... كففتَ ما ناب من أنيابها العضلِ
وموردٍ تتحامى الأسدُ مشرعه ... وردتَّه بصدور الشُّرَّع الذُّبَّلِ
أقدمتَ فيه ونارُ الموت جامحة ... وخضتَ بحر بلاياه ولم تبلِ
(1/316)

أطلعتَ فيه سنا بيض جعلتَ لها ... سودَ الجماجم أبدالا من الحللِ
وغارةً لا يشقُّ الطيفُ شقتها ... طويتَ فيها بساطَ الريث بالعجلِ
حتى هجتَ هجوم الريح في طفلٍ ... من العجاجة مستغنٍ عن الطفلِ
باشرتها بحسام غير منثلم ... أبا الحُسام ولم تسئل عن الأسلِ
ما كان غدرُ بني أردنَّ محتسبا ... كم حادثٍ جللٍ في الفكرِ لم يجلِ
ما ضرّ مجدكَ غدرٌ جاء من نفر ... أعزك الحول فاغتالوك مهلا على مهلِ
لو ناضلوك على الإنصاف عرّفهم ... مواقعَ الرّمي رامٍ من بني ثعلِ
لكن مشوا لك مغتالين في حمرٍ ... وعادةُ الأسد أن تؤتى من الغيلِ
قد كان قصدُ الأعادي أن تخفّ لها ... وأن ينالك فيها ألسنُ العذلِ
فصدّك الحزمُ عن إدراك ما طلبوا ... حاشى خلالك أن تؤتى من الخللِ
لا يحسبوا أنّك الموهون جانبه ... فإنّ جرحك جرحٌ غيرُ مندملِ
فإنّ عزّك أقوى أن يضيّعه ... فقدُ اليسيرينَ من خيلٍ ومن خولِ
يفديك يا وردُ قومٌ ما ذكرتَ لهم ... إلاّ علتْ كلَّ خدّ وردة الخجلِ
إن يستجدّوا على أبليتَ جدتها ... فما يقاس جديدُ المجد بالسّملِ
وإنّ أكبر غبنٍ أن تُقاس بهم ... ما كلّ غبن من الدنيا بمحتمل
(1/317)

أوليتَ أرضَ بني نصرٍ وما معها ... والطيرُ لا يلتقي فيها من الوجلِ
فخيّم الأمنُ فيه مذ نزلتَ بها ... حتى أضجّ الكرى من صحبة المُقلِ
قد كنتَ فتحت أبواب الأمان لنا ... فكيف أقفلتها في ساعة القفلِ
ما أنت بالرَّجل المنقوص منزلة ... إذا عزلتَ ولا المزدادِ بالعملِ
وكيف يعزل ملكٌ جودُ راحته ... على المكارم والٍ غيرُ منعزلِ
217 - وقال يمدح الكامل بن شاور ويهنئه برجب [بسيط]
إن كان عطفك للإعجاب يختالُ ... فإنّ طرفكِ للألباب يغتالُ
قلوبنا بين هجر منك أو صلةٍ ... يقتادها لكِ إعراضٌ وإقبالُ
ومنها
لله عزمكَ من قوصٍ ومورده ... فسطاطُ مصرَ ودون الورد أهوالُ
فارعتم آلَ رزّيكٍ على شرف ... لو لم تزيلوهم عنه لما زالوا
برأيك انفتلت تلك الحبالُ لهم ... وأنت بالرأي نقّاضٌ وفتالُ
(1/318)

إن لم تهاجر إلى جيزونَ ممتطياً ... جرداءَ يصحبها عودٌ وشملالُ
فقد أقمتَ مقاما كان موقفه ... برداً على كبد العلياء سلسالُ
حزتَ الشجاعةَ أفعالاً وتسمية ... إذ لم يروّعك آساد وأصلالُ
وما مضى بك يوم ليس فيه على ... أيّام ضرغامَ تدبيرٌ وأعمالُ
وإنّ أيّام بلبيسٍ لعالمةٌ ... منك الغناء وإن لم يدرِ جهّالُ
أبليتَ فيها سيّرتَ من عددٍ ... ومن عديدٍ إلى الأعداء ينتالُ
لولا بيوت من الأموال جدّت بها ... على عساكرها لم يستقم حالُ
وقد سحبتَ إلى يحيى ململة ... لها من الحلق الماذي أذيالُ
قارعته فتشظى عودُ صعدته ... ضعفا وهل يتساوى النبع والضالُ
وآفى إلى شاطئ مصر وصخبته ... ممن فللت شبا حديه فلاّلُ
حملت عن شاورٍ أثقالَ بلدته ... حتى لخفّت مهماتٌ وأثقالُ
هذي الوزارة قد ألبستها حللاً ... قشيبة ولعهدي وهي أسمالُ
عادت إلى أنسها الماضي وبهجتها ... فدارها اليوم دار منك مِخلالُ
أعجتها وهي معطار النسيم وقد ... مضت عليها ليال وهي متفالُ
أنت المشار إليه قبل أسرته ... برتبة لم يشنها القيل والقالُ
إذا نطقت فمسموع وممتثلٌ ... وإن سكت فإعظام وإجلالُ
(1/319)

ملكٌ يصلّي إلى أفعال سؤدده ... لا بل عليها لأهل المدح أقوالُ
218 - وقال يهنئه بشهر الصوم [كامل]
شغلَ الزمان بما تقول وتفعلُ ... فغدت خواطرنا بذكرك تُشتغلُ
ومنها
شكرت علاك أبا الفوارس دولةٌ ... ما إن لها إلاّ عليك معولُ
أضحتْ إذا استثنتْ أباك وأردفت ... من بعده أحداً فأنت الأولُ
لولا كمالك لم يقلْ لك كاملٌ ... لولا الفضائل لم يقل لك أفضلُ
يك تضربَ الأمثال في الشيمِ التي ... أصبحت غاية من بها يتمثّلُ
إنّ الخلافة والوزارة لم تزل ... يا ابن الكفيل بنصرها تتكفلُ
ما امتد ظلُّ الأمن فوق رواقها ... إلاّ وتاجك بالغنى يتظللُ
لم تعدُ منها صفحةٌ بملمة ... إلاّ وعزمك في صداها صقيلُ
وكم نصيت ذبالة في ذابل ... تهدي المواكب والكواكب أفلُ
وسترت بيضَ عمائمٍ بغمائمٍ ... سودٍ تولى نسجهنّ القسطلُ
(1/320)

وتنوفةٍ بالجيش ضاق مجالها ... فالذئب فيها والقنا لا يعسلُ
غادرتَ يوم عداك فيها أيوماً ... وتركتهم والليلُ فيها أليلُ
ورميتهم بالجرد وهي أجادلٌ ... منقضّةٌ من فوقهم أو جندلُ
وتوهموا لمع الحديد ولونه ... روضا بوارقه تجود وتهطلُ
فإذا اخضرار الروض درعٌ سابلٌ ... والغصن رمحٌ والمهند جدولُ
وغدا أخوك الفتحُ يقسم لا نجوا ... بك لا فعلت وباب مصرٍ مقفلُ
صدّقت نعتك في الكمال بأربع ... شرفُ الفعال بها يتم ويكملُ
بأسٌ ومعروف تنازعَ فيهما ... قلمٌ تقلبه يدان ومنصلُ
لك في رقاب الشاكرين صنائعٌ ... ووقائعٌ بالناكثين تنكّلُ
فلقد أخذتم ثأركم من عصبة ... تفصيل جملة فعلهم لا يجملُ
لم يجعلوا مهر الوزارة غير ما ... ساقوا لها من عُذرة لا تجهلُ
إن سميت ذات الحليل فإنها ... لمجدّلٍ بالرمل منكم مرملُ
ولئن توارت بالحجاب وأعرضت ... عنكم فخاطرها إليكم مقبلُ
أمهلتموها حملَ تسعة أشهر ... وهي العقيم لغيركم لا تحملُ
رجعتْ إليكم وهي ذات طهارة ... وسليلها فتحٌ أغرّ محجّلُ
وعضلتموها عند خطبة غيركم ... حتى انجلت وهي المهمُّ المعضلُ
أنقذتموها من أناملهم وقد ... قبضت عليها كفّهم والأنملُ
(1/321)

ولقيتم عنها القتال بمثله ... من بعد ما انكشفت وبان المقتلُ
ضمنت لكم شهب الكواكب والقنا ... نصرا فطاعنه السماك الأعزلُ
يا مالكا لو سمنته ردّ الصبي ... أيقنتُ أنّ يمينه لا تبخلُ
أشكو إليك من الزمن إجاحة ... وجراحة تدمى وليست تدملُ
دينٌ كما شاء الحريقُ وحالهُ ... في خاطري منها حريقٌ مشعلُ
أعجمتُ مبلغهُ فأشكل قدرهُ ... ولسوف ينقطه نداك ويشكلُ
وعلى اهتمامك أن يخفف ثقله ... إن أنت لم تُسئل فمن ذا يسئلُ
هل بعد عبادان تعلم قريةٌ ... أو يرتجى ملكٌ وأنت الأفضلُ
219 - وقال أيضاً [رجز]
أنهى إليك من خفى حالي ... ومن أمور قد أكلن بالي
220 - وقال يمدح الأمير سيف الدولة أبا الميمون مبارك بن منفذ [رجز]
قدّك مثل الغصن في اعتدالهِ ... لولا نسيمٌ هبّ من عذّالهِ
(1/322)

ومنها
خطّ على المبارك بن كامل ... تمامُ ما ينقضَ من كمالهِ
أعلى على الميمون من مناره ... أضعافَ ما أعلاه من منالهِ
مولىً وإن قلت خليلٌ لم أخفْ ... من عهده بوائق اختلالهِ
لا تنحت الأيامُ طولَ عمره ... ما يشبه الخلالَ من خلالِه
قد جانسَ الإحسانَ بالحسنِ فهل ... جميله يشتقّ من جمالهِ
المرشدي المنقذيّ المنتمي ... في المجد بين آله وآلهِ
من معشر ما منهم إلا أمرؤٌ ... تنصّلَ الدهرُ إلى نصالهِ
مجدٌ يبيت فرعه لأصله ... متبعاً يحدو على مثالهِ
يتبع فيه كاملا مقلدا ... إلى عليّ وهو من أقيالهِ
أسنده نصرٌ إلى مقلّدٍ ... عن منقذٍ وهو أبو أشبالهِ
مطّردون كاطّراد جدول ... زلَ القذى عن جريتي زلالهِ
وكاطراد من كعوب ذابل ... يجلو دجى الليل سنا ذبالهِ
بيتٌ إذا حدّثت عن بيتهمُ ... لم يزد الإسنادُ عن إرسالهِ
قد شدّ مجد الدين إزر عقده ... فالدهر لا يطمع في انحلالهِ
وأصبحت صفحةُ فخذ قومه ... لا صديتْ تلمع من صقالهِ
(1/323)

أبلجُ لا يخشى راجي فضله ... ولا يرى الوصمة في سؤالهِ
ما في الغمام من ردى ومن ندىً ... فمن سجاياه ومن سجالهِ
ذا في قليب المستقي قصيرةٌ ... أرشيةُ الحاجات من نوالهِ
فضيلتي تُعرف من مقالتي ... وفضله يعرف من فعالهِ
صنتُ به شعرا له بذلته ... وصون بيت الله في ابتذالهِ
221 - وقال فيه أيضاً [خفيف]
خذْ حديثي فإنّه معسولُ ... ورجالٌ حديثهم مفسولُ
بتّ حيث التفتّ شاهدتُّ روضاً ... وعذيراً وقابلتني قبولُ
غيرَ أن القدود لم أكُ أدري ... قبل هذا من أيّ شيء تميلُ
222 - وقال أيضاً [سريع]
أخلفتَ ميعادكَ يا أكمل ... وغير هذا بالوفا أجملُ
لا تعتقدها هفوةً سهلةً ... ما كلُّ ذنب ثقله يحملُ
أعلاك حجّاجٌ بأخلاقه ... حاشاك أن تعمل ما يعملُ
(1/324)

أقسمُ لا يسمعها غيرهُ ... وعندها المزموم والمهملُ
ويلاه إن غنّتْ قفا نبكِ من ... ذكرى حبيب داره حوملُ
جنايةٌ منه وجرحٌ على ... مودّة الأحباب لا يدملُ
هذا عتابٌ لزمت ميمهُ ... مع لامه فاسمعْ لما أعملُ
223 - وقال يرثي ابن عطية [طويل]
عطيةُ إن صادفتَ روحَ محمدٍ ... أخيك وصنويك العليّينِ من قبلِ
فسلّم عليهم لا شقيت وقل لهم ... سقيتُ أباكم بعدكم جرعةَ الثكلِ
ومنها
وما في بني ذا الجيل من هو مثلكم ... كما ليس في آبائهم أحدٌ مثلي
ومنها
عسى رحمةُ الرحمن تجمع بيننا ... فإما على قرب وإما على مهلِ
224 - وقال في المعنى [متقارب]
(1/325)

أزور القرافة لا عن هوىً ... وأمنحها الصدّ لا عن قلى
225 - وقال أيضا [سريع]
فديتُ من لم ينقطع برّه ... عنّيَ في قول ولا فعلِ
226 - وقال أيضاً [بسيط]
هم الأحبّةُ إن جاروا وإن عدلوا ... والمالكون لقلبي كيف ما فعلوا
فليعلموا أنّ ودي ما يغيّره ... تغيّرُ من سجاياهم ولا مللُ
وليقبض اللومَ عن قلبي تبسُّطهُ ... فقد طويتُ بساطاً مدّه العذلُ
أجلُّهم أن يزور العيب ساحتهم ... وأن أقول لهم يا قاطعين صلوا
فكلما لاح ضوء البرق قلت له ... أقصر فقلبي ببرق النيّل مشتغلُ
فما ألامُ على شيء سوى كلفي ... بحب من ليس في الدنيا له بدلُ
أحبّةٌ لهم في القلب منزلة ... أضحت وفردوسُ أخلاقي لها نزلُ
يقوم بالعذر عني في محبتهم ... عذرٌ يقدّسه التشيبُ والغزلُ
(1/326)

227 - وقال يمدح زين الدين عمر بن لاجين رحمه الله [وافر]
رجونا قطع هجركِ بالوصالِ ... فأخرجكِ الدلالُ إلى الملالِ
وهبّ نسيمُ عاذلكِ المُعنَّى ... فمال وغصنُ قدكِ في الميالِ
رحلتِ إلى الصبى فنزلتِ منه ... بمجتمع المحاسن والجمالِ
فجودي قبل راحته وعودي ... فقاطنه سريع الانتقالِ
وهذا الوردُ بدّل في خدود ... تناهى مثلَ شعشعة الذُّبالِ
وما ظلُّ الشباب وإن تمادى ... لياليه بمأمون الزوالِ
عذرتكِ في جفائكِ لي فإنّي ... رأيتُ العذرَ من خلق الليالي
طرفن بشيب رأسي منكِ طرفا ... كأنّ قذاءَ لخظكِ من قذالي
تعلّق لي سوادٌ في فؤادي ... فيا لي من سواد الهمّ يا لي
ولو حمل الزمانُ ثقيل همّي ... على متنيه ضجَّ من الكلالِ
وكم لي في بنيه من خليل ... يراودني بعين الاختلالِ
أهدّى للوفاء به فيأبى ... ويعدل عن طريق الاعتدالِ
صبرتُ عليه محتملا إلى أن ... تعلّم حسن صبري واحتمالي
وقلتُ له أرحها من مراح ... يؤول به السمينُ إلى الهزالِ
(1/327)

وأبطئها وأنشطها فإنّا ... مننّا من عقال واعتقالِ
أباركُ في مباركها بياتا ... تبيت عراصه ملقى الرّجالِ
ومن عمرٍ عمارةُ كلّ ظنًّ ... خرابٍ فالخفيّة كلُّ فالِ
ومن لم يغنِ ملجأنه فإنّي ... إلى عمر بن لاجينٍ مآلي
228 - وقال عند اجتيازه بالقصور الزاهرة وزوال أمر أهلها [بسيط]
عمارةٌ قالها المسكينُ وهو على ... خوف من القتل لا خوفٍ من الزللِ
(1/328)

229 - وقال يرثي يولده حسينا في ربيع الآخر سنة إحدى وستين [كامل]
الدمع يهمل والفؤاد عليلُ ... والقلبُ في غمراته متبولُ
ولقد أبيتُ وفي حشائي جمرهُ ... متأجّج بالحرّ ليس يزولُ
من فقد طفلٍ كان لي ومؤنّسي ... وبه على الأيّام كنت أصولُ
230 - وقال وقد زار صديقا له ولم يجده فكتب إليه [سريع]
يا سيّدا ساحةُ أبوابه ... لكلّ من لاذ بها قبلهْ
قد استنبتُ الطّرسَ في لثمه ... كفك واستودعته قُبلهْ
فامدد إليه راحة لم يزل ... معروفها يخجلُ من قبلهْ
231 - وقال في كاتبي الشيخ الأثير وهما الصقر وابن قضاعة [كامل]
(1/329)

الناسُ في بلوى وفي بلبالِ ... بالصقر وابن قضاعة الغربالِ
يا مسلمين ويا نصارى أنظروا ... كتّابنا وكفاة بيت المالِ
غلظَ الأثير بذا وذلك غلطة ... جلّت إليه بضائعَ العذّالِ
232 - وقال في بعض كتاب النصارى [طويل]
ألا قلْ لكتّاب الصناعة كلّهم ... وخصَّ أبا النقص المكنّى أبا الفضلِ
على أمّ من لا يعتني بحوائجي ... أيورُ التي برّكن في سورة النخلِ
233 - قال يهجو ابن دخان [بسيط]
لم يبق لابن دخانٍ عند خالقه ... أمنيةٌ يتمناها ويأملها
لأنّ حوصلة الملعون لو فتحتْ ... لأعيت الناس في مصرٍ حواصلها
وإنما فاته والله يلعنهُ ... أنّ الأزبّة لم يعظم فياشلها
وسوف تنتبه الأيامُ من سنة ... حتى يسمّى أبا النقصان غافلها
فاشرب عليها وكل يا ابن الخبيث فما ... يخطيك عاجل أقوالي وآجلها
(1/330)

واعلم بأنّ قوافي الشعر ما غضبتْ ... إلاّ وسوّد وجه الحقّ باطلها
هذي مقدّمة تأتي أواخرها ... كما كرهت كما جاءت أوئلها
234 - وقال فيه أيضاً [خفيف]
كلّما رمتُ سلمه رام حربي ... ما لهذا الوضيع قولوا وما لي
أجربُ العرض يشتفى بهجائي ... وهو عرضٌ بالذمّ ليس يبالي
أفصحُ الناس في ثلاث حروف ... وهو في غيرها قليل المجالِ
مولعٌ في الكلام بالزاي والقا ... ف معنّىً بباء بظر العيالِ
235 - وقال من قصيدة يصف طرخان حين صلب 236 وقال أيضا من قصيدة يمدح الصالح 237 وقال يمدح ضرغاما بقصيدة منها في صفة الدولة 238 وقال وقد اجتمع الصالح وأخوه وابناه في مجلس في
(1/331)

بعض الولائم فأمره عز الدين أن يرتجل فيهم شيئا فقال 239 وقال من قصيدة يمدح فيها هماما أخا ضرغام منها في حق أهل شاور 240 وقال في قصيدة يمدح بها الكامل بن شاور 241 وقال من رسالة كتب بها إلى الأمير أبي المهند حسام [بسيط]
ليت النسيم إذا حمّلتُ عاتقه ... شوقا تقصّرَ عنه الكتبُ والرسلُ
يهدي تحيّة أشواقي إلى ملكٍ ... يفيض من راحتيه الرزقُ والأجلُ
كأنّ صدري من ضيق ومن حرج ... للوافدين إلى أبوابه سبلُ
وجدتُّ من كلّ شيء غائب بدلا ... وليس عوضٌ منهم ولا بدلُ
كم ليلة بات وجدي وهو مشتغل ... في خاطر بسواه ليس يشتغلُ
إذا تذكرتُ أيامي بحضرته ... ضاقت عليّ فهلا سهلٌ ولا جبلُ
جزنا بساحة عزّ الدين فابتدرت ... من المباسم في أرجائها القبلُ
(1/332)

وأوهمتنا عطاياه وهيبتهُ ... حضوره فاستجدَ الرعب والأملُ
وطالما غاب ليثُ الغاب منتقلا ... والرعبُ في الغاب باقٍ ليس ينتقلُ
242 - وقال يرثي أهل القصر [كامل]
لا تندبنْ ليلى ولا أطلالها ... يوما وإن ظعنتْ بها أجمالها
واندبْ هديتَ قصور ساداتٍ عفتْ ... قد نالهم ريبُ الزمان ونالها
درست معالمهم لدرس ملوكهم ... وتغيّرت من بعدهم أحوالها
243 - وقال أيضا وكتب بها إلى القاضي الأكرم فخر الدولة [متقارب]
دنا العيدُ هنّيت أمثالهُ ... وعرّفتَ باليمن إقبالهُ
ولازال ما اقترحته المنة ... تجرّ ببابك أذيالهُ
إلى فخر دولةِ دين الهدى ... تعبّ من الشعر جريالهُ
فتى زان منصب أعمامه ... وجمّل بالفضل أخوالهُ
قافية الميم 244 قال يمدح ياسرا باليمن [كامل]
(1/333)

لبس البهاء بسعيك الإسلامُ ... وتجملتْ بفعالك الأيّامُ
فتّ الملوكَ فضائلاً وفواضلاً ... وعزائمها عزّت فليس ترامُ
خطبوا العلاءَ وقد بذلتَ صداقها ... فنكاحُها إلا عليك حرامُ
245 - وقال أيضا [كامل]
النصر من قرناء عزمك فاعزمِ ... والدهرُ من أسراءِ حكمك فاحكمِ
والحزمُ قبل العزم فاحزم واعزمِ ... وإذا استبان لك الصواب فصمّمِ
واستعمل الرفقَ الذي هو مكسب ... ذكر القلوب وجدْ وأجملْ وأرحمِ
وإذا وعدتَ فعدْ بما تقوى على ... إنجازه وإذا اصطنعت فتمّمِ
246 - وقال يمدح الإمام الفائز ووزيره الصالح وذلك عند قدومه مصر وهي أول شعر قاله بها
(1/334)

247 - وقال يمدح المظفر فارس المسلمين أخا الصالح [طويل]
فما استنشقتْ ريحَ الصباح خياشمٌ ... من القوم إلا والقنا في الخياشمِ
رميتهمُ بالصافنات وفوقها ... ضراغمُ لا يفرسن غير الضراغمِ
إذا اعتقلوا سمر الوشيج حسبتهم ... أراقمَ ينهشن العدى بأراقمِ
تظنّهمُ في الروع خرسا وبينهم ... كلام بأطراف الرماح الهواجمِ
توهّم بهرامٌ ويوسف ضلّة ... من الرأي لم تخطر على وهم واهم
هما جمعا ضغثا كثيرا ومنّيا ... نفوسهما منهم بأضغاث حالمِ
ومنها
وكانا يظنان الظنونَ جهالةً ... بمن ألفاه من لفيف الأعاجمِ
فلما التقى الجمعان بالحيّ أصبحا ... يعضان فيها حسرةً بالأباهمِ
وصبّحهم بدرُ بن رزّيكَ معلما ... يجيش كموج الأخضر المتلاطمِ
كأنّ اشتعال الزرق في ليل نقعه ... كواكبُ في قطع من الليل فاحمِ
كأنّ وميض البرق في جنباته ... بروقٌ سرت في عارض متراكمِ
وأرسلتها مثل النسور كواسراً ... تسوق حماماً نحو سرب الحمائمِ
(1/335)

صدمتهمُ منها بجردْ صلادمٍ ... فصدّعتهم صدع الجياد الصلادمِ
طلعتَ وفيهم نجدةٌ وحمية ... وهم بين مهزوم هناك وهازمِ
وقد منع الأبطالُ أن لا تزورهم ... نبالٌ كمنهلّ من الوبل ساجمِ
وفي خيلهم كرٌّ وفرٌّ وعندهم ... طعانُ وضربٌ بالقنا والهلاذمِ
فغادرتهم بالحيّ صرعى كأنّهم ... بقيّة زرع من حصيد وقائمِ
نثرتَ بحد السيف ما نظم القنا ... هنالك من عقد الطلى والمعاصمِ
وأدركتهم والأرضُ واسعةُ الفضا ... وصيّرتهم في مثل حلقة خاتمِ
فأضحوا وهم من بعد غبطةِ حاسدٍ ... لنعمتهم يرجون رحمةَ راحمِ
ورحتَ سليمَ العرض من كلّ وصمة ... ولكن حدّ السيف ليس بسالمِ
ولما رأيتَ الناس في خفية الردى ... وأوجههم ما بين شاهٍ وساهمِ
رميتَ سواد الجيش بالجيش فانجلتْ ... عجاجته عن أذرع وجماجمِ
حملتَ عليهم حملةً فارسيةً ... فمزّقت ثوب المازق المتلاحمِ
وأوقدتّ نار الحرب ثم اصطليتها ... بعزم مشى في جمرها المجاحمِ
وباشرتها جهرا بنفس كريمة ... تصان وتفدى بالنفوس الكرائمِ
فسادٌ كفاه الله منك بمصلحٍ ... وداءُ شفاه الله منك بحاسمِ
وكم غمة لولا أبو النجم أصبحت ... قذىً في عيون أو شجاً في حلاقمِ
ومعضلةٍ جلّى دجاها ولم يزل ... مليّاً بكشف المعضل المتفاقِمِ
(1/336)

وخطبٍ عظيم قام في دفع صدره ... ومازال مذخوراً لدفع العظائمِ
ينادي لأمر لا ينادى وليده ... إذا حزم الإشفاقُ شمل الحيازمِ
تلقّى تميماً حين أقبل طالباً ... منّى قطعت منه مناط التمائمِ
وقابله الملكُ الهمام بعزمة ... غدا قاصراً عن مجدها كلُّ قائمِ
وما افترق الجيشان إلا ورأسه ... يميل على غصن من الخطّ ناعمِ
وأعوانه عونٌ على ما يسوءه ... وجثمانه طعمُ النسور الحوائمِ
وما كان ذاك الجمع إلا غنيمة ... لبدرٍ وإلا عدة للهزائمِ
همامٌ يروع الأسدَ في كل مأزق ... ويصحبه التأييدُ في كل مأزمِ
متى عجمت أيدي الليالي قناته ... فألفته أيديهن صلبَ المعاجمِ
أخو الحزم والإقدام مازال عنده ... شجاعةُ هجامٍ وتدبيرُ حازمِ
تراه غداة الحرب أول طاعنٍ ... رعيلا ويوم السلمِ أخر طاعمِ
أفاد جسيماتِ الأيادي تبّرعا ... وخلّد ذكر المأثرات الجسائمِ
أحاديثَ من حلم وبأس ونائل ... تجدّد ذكر السودد المتقادمِ
نسينا بها أخبار قيس بن عاصمِ ... وعمرو بن معدىٍ وكعب وحاتمِ
248 - وقال يمدح الإمام العاضد ويذكر صهارته للصالح [كامل]
(1/337)

ثغرُ الهدى متبلّج بسامُ ... ووجوهُ أيّام الزمان وسامُ
عزم الإلاهُ لعبده ووليّه ... عزما جرةْ بسعوده الأقلامُ
ورأى بنور الله عقد صهارة ... سعدتْ به الأخوال والأعمامُ
لما تعرّضَ حاسدوه لردّه ... أمضاه كرْها والأنوافُ رغامُ
وأتمَّ ما فعل الكفيلُ طلائعٌ ... إنّ البداية حسنها الإتمامُ
ولئن وفيت لقد وفى لك قلبها ... وكفاك إذ خان الكفاةُ وخاموا
وبدون ما أولاك من إخلاصه ... يرعى ذمارٌ بعده وذمامُ
قد قلتُ للنفر الذين تعرّضوا ... لخلاف ما تهوى وأنت إمامُ
إنّ الخلافة لا يزال يمدّها ... من رتبها التأييدُ والإلهامُ
فإذا قضتْ بعض القضاء فإنّه ... بردٌ على كبد الهدى وسلامُ
أو ليس للرحمن فيك سريرةٌ ... لم ترقَ في درجاتها الأوهامُ
لم تعتقل إلا عقيلةَ معشر ... لعلاك منهم غاربٌ وسنامُ
أبناءُ زرّيكَ الذين تكشفتْ ... عنّا بهم غممٌ وجاد غمامُ
ضمّوا بشملك شملهم فكأنّهم ... من ألفةٍ ألفٌ تضمُّ ولامُ
وغدوتم كالخمس في كفّ الهدى ... والبدهرِ إلا أنّك الإبهامُ
هذا المقامُ العاضديُّ مخلد ... أبدا عليك ودائم ما داموا
وأبو شجاعٍ كافلٌ لك أنّه ... حرمٌ على أهل العناد حرامُ
(1/338)

لزمتْ ملازمها وأبرمَ عقدها ... ملكٌ إليه النقضُ والإبرامُ
العادلُ بن الصالح الحامي العلي ... والشّبلُ يحمي ما حمى الضّرغامُ
ملكٌ يلوح على معاطف ملكه ... للناظرينَ سكينةٌ وغرامُ
249 - وقال أيضاً وعرض بالفائز يمدحه [طويل]
ولاؤك مفروض على كلّ مسلمٍ ... وحبتك مفروط وأفضلُ مغنمِ
إذا المرءُ لم يكرم بحبّك نفسه ... غدا وهو عند الله غير مكرَّمِ
ورثتَّ الهدى عن نصّ عيسى بن حيدرٍ ... وفاطمةٍ لا نصّ عيسى بن مريمِ
وقال أطيعوا لابن عمّي فإنّه ... أميني على سرّ الالاه المكتَّمِ
وكذلك وصّى المصطفى في ابن عمّه ... إلى منجدٍ يومَ الغدير ومثهمِ
على مستوى فيه قديمٌ وحادث ... وإن كان فضلُ السبق للمتقدّمِ
ملكتَ قلوب المسلمين ببيعة ... أمدّت بعقد من ولائك مبرمِ
وأوتيتَ ميراثَ البسيطة عن أب ... وجدٍّ مضى عنها ولم يتقسّمِ
لك الحقُّ فيها دون كلّ منازعٍ ... ولو أنّه نال السماك بسلَّمِ
ولو حفظوا فيك الوصيّة لم يكن ... لغيرك في أقطارها دورُ درهمِ
(1/339)

250 - وقال أيضاً [بسيط]
أبا عليٍّ وما من حاجة عرضتْ ... إلى نداك سوى عتبي على كرمكْ
صغّرتَ قدرَ ودادٍ كنتُ أكبره ... حاشى اهتمامك أن يجني على هممكْ
نفرتَ بالقسم المبرور ذا ثقة ... يدنو إليك وإن قعقعتَ من لجمكْ
يفيدك يا ابن أبي الهيجا ذوو هممٍ ... تزلّ أقدامهم في المجد عن قدمكْ
عصرتَ أكباد أهل العصر من أسفٍ ... علماً وحلماً ولم تبلغ مدى حلمكْ
أقسمتُ بالله خوفاً من معاملتي ... وما أبالي وحقّ الله عن قسمكْ
وسوف أنزلُ حاجاتي إذا عرضتْ ... بكعبة الجود والبطحاءِ من حرمكْ
وما يضلّ ابنُ ليل بات يرشده ... نورٌ من العلم مشبوبٌ على علمكْ
251 - وقال أيضاً [سريع]
يا ملكاً ساحةُ أبوابه ... باللثم والتعفير مخدومهْ
قد اشترى الخادمُ مملوكةً ... مليحة الصورة معدومهْ
ذات فمٍ مطعمه بارد ... واستٍ على الأيّام محمومهْ
فرانةً بالطبع مصّاصةً ... لكنّها ليست بكادومهْ
قيمتها ستون لكنّني ... أعوزني الثُّلثُ من القيمهْ
(1/340)

252 - وقال يهجو ابن دخان [طويل]
هبِ القبطَ لم تعرف طريقاً إلى العلي ... ولا سمعتْ أخبارَ كعبٍ وحاتمِ
فما لقريش وهي أكبرُ حجةٌ ... تقيم بها شرعَ الندى والمكارمِ
تكلّفنا بعد الولاء عقوقها ... على الضيم أو نقضَ العرى والعزائمِ
عسى شيمةُ الأنباط وهي ذميمة ... تغيّرها الأسباطُ من آل هاشمِ
253 - وقال يمدح الإمام العاضد وولد الملك الصالح ناصر الدين [وافر]
أمعتسفَ المهامةِ والموامي ... على قلص سواهمَ كالسهامِ
أبنْ لي ما حداك إلى مرامِ ... تركت به المطايا كالمرامي
أعنْ مضرٍ أجدَّ بك انتجاعٌ ... وطامى النّيل يروى كلَّ ظامي
فلا تكُ مثل منتهج جهاماً ... يخلّف خلفه صوب الغمامِ
أملتمساً نوالاً أو ثواباً ... تعدهما لفقر أو أثامِ
وعلَّى العاضدِ الهادي قديرٌ ... على الغفران والمننِ الجسامِ
فألقِ عصا الإقامة في مقام ... كرامته تزيد على المقامِ
(1/341)

ترى الجبهاتِ والأقدامَ فيه ... تفضَّل بالسجود وبالقيامِ
ولولا الحظُّ من أجر وفخر ... لما رغمتْ أنوفٌ في الرَّغام
وسلّمْ بالسجود على إمام ... يجلّ عن التحية بالسلامِ
وقبّلْ تربَ ساحته فمنها ... عرفنا حرمة البيت الحرام
ومنها:
وأيَّدَ ملكه بابي شجاع ... وذلك من تمام الاهتمام
فأسفرَ وجهُ ملك عاضديّ ... يشار به إلى عضدِ الإمامِ
تطلّعتِ العلَى منه إلى من ... يشرّف الرُّتب السوامي
بنى بالناصر المحيي مناراً ... تقطَّع دونه نفسُ الكرامِ
ولم يكُ نصرُ والده عليه ... بذلك رميةً من غير رامِ
ومنها:
به طالت بنو رزّيكَ باعا ... علي الحيينِ من يمنٍ وشامِ
254 - وقال في شهر رمضان يمدح العاضد ووزيره الكامل سنة سبع وخمسين [كامل]
(1/342)

خلعَتْ عليك مواسمُ الأيام ... حَلَى الجلال وحلةَ الإعظامِ
يمحو المحاقُ البدر عند تمامه ... ونراك طول الدهر بدرَ تمامِ
جلتِ الخلافةُ منك فوق سريرها ... كنزَ الهدى وذخيرةَ الإسلامِ
وبقيةَ الله التي ببقائها ... تجرى الأمورُ على أتمّ نظامِ
بالعاضد المهدِى قُدس ذكرُه ... صحّت لنا الأيام بعد سقامِ
ومنها:
أقسمتُ بالمَلِك الشهيد طلائعٍ ... وكفى به قسَماً من الأقسامِ
لو لم يكن رمضانُ شهرَ كرامة ... يُقضَى له خصائصُ الإكرامِ
لأنفْتُ من تاريخه وسلبتُه ... ذكرَ الفضيلة من شهور العامِ
ووسمتُه إن الصوم ليس بواجب ... فيه وإنّ الفِطر غير حرامِ
إني ليحزنني طلوعُ هلاله ... وطلائعٌ رهنُ الصَّدى والهامِ
وأحبُّ شعبانا لأني لا أرى ... مه إلى شوالَ غيرَ ظلامِ
بلَّ الرحيقُ ثراك من مستشهدَ ... ظامٍ وبحرُ نداه عذبٌ طامِ
ومن العظائم إن سلوتُك بعد ما ... روّى نداك مفاصلي وعظامِي
سنَّ ابنُ شاورَ سُنّةً أحييتَها ... يا ابن القَوام بصائمٍ قوامِ
(1/343)

فقضى عليك أبو الشجاع كما قضى ... لأخيك خيرَ خليفة وإمام
ذقتَ الحِمام كما أذقتَ ولستما ... سيين لولا العدل في الإحكامِ
ولقد طويتَ حياةَ أروعَ لم يزل ... مغزىً بنشر العلم والإعلامِ
أطفأتَ نور الله إلا أنه ... أطفاك من لَفَحاته بضرامِ
آظننتَ أن الغاب ليس بمشبعِ ال ... جنبات من شبلْ ومن ضرغامِ
حلّت بنو رزيك من ثبج العلى ... ما عزّ من مرمىً وبعد مرامِ
تعلو وتغلو رتبةٌ هم أهلها ... أبداً على السامي أو المُسْتامِ
ومنها:
قلْ للخلافة لا خلافَ وقد غدا ... عنها الكفيل أبو الشجاع يُحامى
ومنها:
فتحُ الفتوح أتاك من يد كافل ... لم يرضَ مُنّةَ ذابل وحُسامِ
فاسألْ إلاهَك أن يُديم حياته ... لك ألف عام بعد هذا العامِ
وقال يودع عز الدين عضد الدولة حساماً عند سفره في ذي القعدة.
[طويل]
(1/344)

شكا ألم التوديع وهو أليمُ ... محبٌ بروعات الفراق عليمُ
وقال يشكر الأجل فارس المسلمين ويمدحه وولده العماد في صفر سنة ست وخمسين وخمسمائة.
[بسيط]
كن لي على شكر ما أوليتَ من نعمِ ... عوناً فإني بحق الشكر لم أقمِ
ومنها:
وربَّ نازلة شمّرتَ مجتهداً ... في كشفها عمتها عن كاشف الغُممِ
فِعلَ الوصّى على بالنبي وقد ... همّت بحرمته الكُفارُ في الحرمِ
مواطنٌ نُبْتَ فيها عند غيبته ... عنها ولستَ على غيب بمتَّهَمِ
بنيتَ بالسيف مجداً قال شامخُه ... إن العماد عمادٌ غير منهدمِ
نجلٌ كريم رأينا من نجابته ... حلمَ الكهول ولم يبلغَ مدى الحُلُمِ
شبيهُ مجدك في خلْق وفي خُلُق ... والشبلُ كالليث في بطش وفي فَحَمِ
وقال يمدحه أيضاً ويهنئه برجب سنة ست وخمسين.
[كامل]
(1/345)

سهلتْ حُزونةُ وجده وغرامِهِ ... من بعد شِرة شوقه وعرامِهِ
وقال يعزّى بالفائز ويهنئ بجلوس الإمام العاضد.
[طويل]
لئن قلّ صبر فالمصاب عظيمُ ... وإن جلّ شكر فالنوالُ جسيمُ
تحيرتُ في شكر الزمان ولومهِ ... فلم أدرِ بعد الشكر كيف ألومُ
غدا الدهر محمود الفعال إلى الورى ... وعهدي به بالأمس وهو ذميمُ
وسرَّ قلوباً بعد ما كان ساءها ... ففي كلّ قلب جنةٌ وجحيمُ
لئن عرضتُ للفائز الطَّهرِ نقلةٌ ... فأنت أميرَ المؤمنين مقيمُ
وإن حسدتُنا جنةُ الخُلد قربه ... فقربُك منّا جنةٌ ونعيمُ
ورثَّت الهدى بالنص منه وقوله ... أخي وابن عمي إن عَدِمتُ يقومُ
وقد سنَّ ذاك المصطفى في ابن عمه ... فمن شرفيْكم حادثٌ وقديمُ
حكتْ بيعةَ الرضوان بيعتُك التي ... يصحّ بها الإيمان وهو سقيمُ
وقد رِحتْ والحمد لله صفقةٌ ... لها من رقاب المؤمنين لزومُ
يدُ الله فيها فوق أيدٍ أعادها ... من النكث عقدٌ في ولاك سليمُ
تُواليك بالإخلاص فيها سرائرٌ ... تُصلّي لكم لولا التقى وتصومُ
لقد رامت الأيام أمراً فنلتَه ... وما اقدرَ الأقدارَ حين ترومُ
(1/346)

طرقن بأمّ النائبات فأشرفتْ ... على الموت أرواحٌ لنا وجُسومُ
ولولا سيوف العاضدي طلائعٍ ... لخفَّ وقورٌ عندها وحليمُ
سيوفٌ إذا ضاق المجال عن القنا ... فهنّ لهامات الخصوم خصومُ
ولكنه الطود الذي لا يهزه ... رياح ولو هبّت وهنّ حُسومُ
وقال في الغزل: [وافر]
سأعذرُكم وأحفظُ ما أضعتم ... من الحرُمات والودّ القديمِ
ويأتيكم على بٌعدي وقُربي ... سلامُ الله من قلب سليمِ
وليس يَذمّ أهل الفضل عندي ... إذا عذروا سوى الرجل الذميمِ
وقال يمدح رزيك بن الصالح: [بسيط]
أنت الزمان فمن ترفعه يعلُ ومن ... تخفض من الناس لا يرفع له عَلَمُ
ومن تغافلتَ عنه فهو مطَّرَحٌ ... ومن نظرتَ إليه فهو محتشَمُ
وقال أيضاً: [بسيط]
(1/347)

يا مٌسبِل الستر لا تكشفه عن رجُلٍ ... لا يلتجئ أبداً إلا إلى كَرَمِكْ
واستُر عليه ولا تهتكْ سريرته ... بقول من يُستحل الضيفَ في حَرَمِكْ
وهذه هذه فأمنن عليه بها ... مضافةٌ نحو ما أوليتَ من كَرَمِكْ
وقال يمدح الكامل شجاع بن شاور ويذكر مسيره لقتل ابن الخياط بالأعمال القوصية عند خروجه عليهم وظفره بالجميع وعوده بعد ذلك إلى الأعمال البحرية لتمهيد البلاد ورجوعه إلى مستقره غانماً.
[طويل]
لياليك من بشرٍ تهشَ وتبسمُ ... وأيامك الحُسنَى بمجدك تقسمُ
يسوق التهاني طاعةً ومحبةً ... إلى بابك الميمون عيدٌ وموسمُ
لك الحظُّ من عامين ماض ومُقبلٍ ... يَحثّهما ذو حجة ومحرَّمُ
فمستقبلٌ أضحى بشكرك يبتدى ... وماضٍ وقد أمسى بذكرك يختمُ
وفي مثل هذا الشهر عُرفتَ يُمنَه ... سما بك عزمٌ نحوَ يخيّ مصممُ
تيممتِ الحالُ الصعيدَ لحربه ... فضاق به فوق الصعيد التيممُ
جلبتَ إليه عصبةٌ كاملية ... بأمثالهم تُبنى المعالي وتُهدَمُ
إذا نطقتْ يومَ الجلاد سيوفُها ... فإن لسان النصر فيهن يُهمُ
(1/348)

تريك سنا الإصباح منها أسنةٌ ... حكتْهنّ في ليل العجاجة أنجمُ
صدمتَ بها يخَي وقد كاد امرُه ... وتدبيره الثاني يتمُّ ويُبرمُ
فعثّرتَ مسعاه وأطفأت ناره ... وعوّقت مجرى سيله وهو خِضرمُ
ولم يقدم الفُسطاطَ إلا وعزمُه ... يؤخر رِجْلاً خوفُه ويقدِمُ
أرادت قُريشٌ نصره ولو أنّه ... وما ذاك إلا للمخافة منكمُ
وإلا فلم تنكِر قريشٌ بأنكم ... سنامُ العلى والناسُ خفٌّ ومنْسِمُ
وقد علمتْ أحلامُها وعقولها ... غداةَ عصتْكم أنها سوف تندمُ
وما جهلتْ أيام إشْنَا وطُنبُذٍ ... وساحلِ دهُروطٍ بأنك ضيْغَمُ
وقفتَ بها تحمي فوارسَك التي ... كفيتَ أذاهم حين دافعتَ عنهمُ
وأبقيتَ فيها يا شجاع بن شاورٍ ... طرازا على كمّ الشجاعة يُرقَمُ
وإنّ عجيباً أن سيفك في الوغى ... محلٌ لأرواح العدى وهو محرَمُ
ولو ولدتْ منك الوزارة واحداً ... له النصرُ يوم الروع والنصلِ توأمُ
لئن عُرفتْ الشناشنُ في الوغى ... فوالدك الهادي أبو الفتح أحزْمُ
أميرُ الجيوش العاصديُّ الذي غدتْ ... بطاعته الأقدارُ تعطي وتَحْرَمُ
(1/349)

أخو معجزات لم يصل قطُّ كاهن ... إلى السرّ من مكنونها ومنجمُ
وكم من يد قد قارعتكم على العلى ... ففزتم بها واللهُ بالغيب أعلمُ
وقد أعرضتْ عمن سواكم فلم تَبِتْ ... أعنّتُها إلا إليكم تسلِمُ
حملتَ من الأثقال عن قلب شاورٍ ... نوائبَ لا يقوى بهنّ يليْلَمُ
إذا نابه أمرٌ فإنك مخْذمٌ ... وإن فاته ثغر فإنك لِهذَمُ
تكلفتَ عنه رحلة الصيف والشتا ... كأنك تلتذ الشقا حين تنعِمُ
فيوما إلى إنجاده أنت مُنجِدٌ ... يوماً إلى إسعاده أنت مُتهمُ
نهضتَ لأعمال المحلة نهضةً ... يُداوى بها جسمُ العلى حين يَسقمُ
ومهدتَّ أكناف البلاد بهيبة ... كفتك وما أهريقَ بالسيف محجمُ
بثثتَّ بها بأساً وجوداً تنافياً ... كما تتنافى جنةٌ وجهنَّمُ
فلم يبقَ فيها من عفاتك معدمُ ... ولم يبقَ فيهالا من عُداتكْ مجْزِمُ
وعدتَّ إلى دست الوزارة قافلاً ... وجيشُك بالتأييد والنصرِ معلمُ
وكفُّك مبسوط وعدلُك شامل ... ومجدُك محروس ونهجُك أقوَمُ
وأضحتْ رحابُ المُلك لما حللتَها ... تُحيَّى بتعفير الوجوه وتلثَمُ
أعدتَّ على الأيام كلَّ ظْلامة ... ومالُك من جور الندى يتظلَّمُ
(1/350)

فلو بلغتْ نحو السماء بلاغةٌ ... لكانت لك الشعري مع الشعر تُنظمُ
وقال يمدحه أيضاً: [وافر]
محلُّك لا يُسام ولا يُسامَى ... وقدرُك لا يُرام ولا يُرامَى
وناديك الكريمُ أجلُّ نادٍ ... يحجّ إليه من صلّى وصامَا
إذا البيتُ الحرامُ نأَى فإنَا ... نزور بدارك البيت الحرامَا
فناءً لا تزال العين تلقى ... لأعيان الملوك به زحامَا
ومنها:
رأتْ مِصْرٌ أباك لها مسيحا ... فأنشر عدلُه فيها رِمامَا
وأشفى مُلكها سقَما فداوى ... دخيلةَ دائها وشفى السَّقامَا
ثبتَ أبا الفوارس من علاه ... ذرىً قعدَ الزمانُ بها وقامَا
وكنتَ كشاورٍ خَلْقاً وخُلقاً ... ومكرُمةً وعزماً واهتمامَا
لئن كفلتْ عزائمُه اإمامَا ... فقد كفلتْ مواهبُك الأنامَا
وقد كان الزمان لنا عبوساً ... فعلّمه نداك الابتسامَا
فلا زالت مدائُحنا تُهنّى ... بكم أعيادَنا عاماً فعامَا
(1/351)

لئن خدمتْك في عشرٍ ونخر ... فقد خدمتْك فِطْراً بل صيامَا
لها قوتٌ مضت سنةٌ عليه ... وعدةُ أشهر أيضاً تمامَا
وليس بمنكرٍ للعبد بيوما ... من المولى إذا طلب الطعامَا
وقال أيضاً: [وافر]
إذا كان الولاءُ عليك تُلوى ... علائقُه فأهونْ بالكلامِ
سلامٌ رائحٌ أبداً وغادٍ ... عليك إذا ونتْ هِممُ السلامِ
وقال يمدح شمس الدولة: [بسيط]
العلم مذ كان محتاج إلى العلَمِ ... وشفرةُ السيف تَستغنى عن القلَمِ
(1/352)

وخيرُ خليْك إن صاحبتَ في شَرف ... عزمٌ يفرِق بين الساق والقدَمِ
إن لمعالي عروس غيرُ واصفة ... إن لم تخلقِ رداءَئْها برشح دمِ
ترى مسامع فحر الدين تسمع ما ... أملاه خاطرُ أفكاري على قلَمي
فإن أصبتُ فلي حظُّ المصيب وإن ... أخطأتُ قصدك فاعذرني ولا تَلُمِ
ومنها:
لا يدرِك المجد إلا كلُّ مقتحمِ ... في موجِ ملتطمٍ أو فوجِ مضطرِمِ
لا يَنقض لخطرة الأولى بثانية ... ولا يفكرُ في العُقبَي من الندمِ
كأنما السيف أفتاه وقال له ... في فتح مكةَ حلَّ القتل في الحَرَمِ
ولم يُراعوا لعثمانٍ ولا عُمرٍ ... ولا الحسينِ ذمامَ الأشهرُ الحُرُمِ
فما تروم سوى فتحٍ صوارُمه ... يُضحكن في كل يوم عابسَ البهمِ
حتى كأن لسان السيف في يده ... يَروى الشريعة عن عادٍ وعن إرَمِ
هذا المحدَّثُ عنه في ثيابك يا ... شمسَ الهدى والعلى يُصغي إلى كَلِمي
(1/353)

هذا ابن تومرْتَ قد كانت بدايته ... كما يقول الورى لحماً على وَضَمِ
وقد ترامَى إلى أن أمسكتْ يدُه ... من الكواكب بالأنفاس والكظمِ
وكان أول هذا لدين من رَجلٍ ... سعى إلى أن دعوه سيدَ الأممِ
والغيثُ فهو كما قد قيل أوله ... قطرٌ ومنه خرابُ السدّ بالعرِمِ
والبدرُ يبدو هلالاً ثم يكشف بالأنوارِ ما سترتْه شملةُ الظلمِ
تنمو قُوى الشيء بالتدريج إن رزُقتْ ... لظَىً فيقوى شرارُ الزَّند بالضَّرَمِ
حاسبْ ضميرك عن رأى أتاك وقُلْ ... نصيحةٌ وردتْ من غير متَّهَمِ
أقسمتُ ما أنت ممن حل همتهُ ... ما راق من نِعم أو رقَّ من نغَمِ
وإنما أنت مرجوٌ لواحدة ... بنى بها الدهرُ مجداً غيرَ منهدِمِ
كأنني بالليالي وهي هاتفة ... مذ ضُمَّ سمعُ رجال دونها وعَمِى
وبالعلى كلما لاقتك قائلة ... أهلاً بمنشرِ آمالي من الرممِ
(1/354)

مولايَ دعوةَ مظلوم وربَّتَما ... تحنو الموالي على الداعي من الخدَمِ
أصبحتُ بالشعر ملحوظا بمنقصة ... ولم أزل بين أهل العلم كالعلمِ
صُنْ معدنَ الدُّرّ عن كف تقلبُها ... ومعدنُ الدُّر والياقوتِ فهو فمي
والعصرُ يعلم أني فيه جوهرةٌ ... رخيصةُ السعر بالغالي من القيمِ
وقال أيضاً يمدح نجم الدين ولد السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمة الله عليهما.
[بسيط]
يا خير معتصب بالتاج منتصبٍ ... ترضى المكارمُ عن يوميه والأممُ
هل أنت مصغٍ إلى دعوى أخبرُها ... إلى علاك فأنت الخَصْم والحَكمُ
ما زال في الثغر لي رزقٌ سحائبُه ... تهمي على روض آمالي وتنسجمُ
حتى ملكتَ فلا نجمٌ أسيرُ به ... إلى علاك ولا نارٌ ولا علمُ
واليوم خمسةُ أعوام محرَّمة ... لم يسقني لك طلٌّ لا ولا ديمُ
ومنها:
وأنت أكرمُ من يمشي على قدم ... والناسُ عنك فقد أثنوا بما علمُوا
(1/355)

وما التواترُ مما أستريبُ به ... حاشى لقاعدة الإجماع تنخرِمُ
إسكندريةُ ثغرٌ أنت مالكه ... والنارُ من عزَماتي فيه تضطرمُ
فامنن ووقَعْ بنصف الألف أقسمُها ... فيهم فمالك بين الناس يُقتسمُ
واغرمْ فإن الملوك الصيدَ عادتُهم ... إذا رأوا عاجزاً عن مغرَك غرمُوا
ومن رجاك لنزْرٍ يستعين ب ... فحكمتي في ندى كفيْك تحتكمُ
أنت المسيح وأحوالي بها سقمٌ ... فامنن بمجزةٍ يبْرَا بها السقمُ
فلو مدحتُ زماني وهو عبدكُم ... بمدحكم لم يزرني الشيبُ والهرمُ
لهفي على أسد الدين الهُمام وكم ... جرت عليه دموع العين وهي دَمُ
لو عاش لي لم أقمْ هذا المقام ولا ... أذَّلني الدينُ والأطفالُ والحرَمُ
قد كان يرفعني في صدر مجلسه المع ... الي ويَبسط أُنسي حين أحتشمُ
وكان يعرف مقداري وقد ذكروا ... أن المعارف في أهل النُّهى ذِمَمُ
فقل لفضلك بحفظني لخدمته ... فربما تُحفظ الأجداثُ والرِممُ
وانظر ليّ بعينيه فبينكما ... في كل برٍ وفعل صالحٍ رَحِمُ
وقال أيضاً: [طويل]
أناجيك والهمُّ الدخيلُ مقيمُ ... وأدعوك والصبرُ الصحيح سقيمُ
(1/356)

ومنها:
ألاهبْ لنا من حية الهم رقيةً ... فإنك من ليل السليم سليمُ
وقال أيضاً: [كامل]
أصنيعةَ الطَّهْر الإمامِ ... أنعمْ وأصغِ إلى كلامي
ومنها:
إيّها أبا البركات كُنْ ... عن خادمي نِعمَ المحامي
فوحقِّ ودك إنني ... ماكنتُ قطُّ بمستضامِ
أخسسْ بعتمة كوكب ... لولا حيائي واحتشامي
وحقارة الجيش الذي ... عندي يقلّ عن الكلامِ
وإذا اعتزامُك كان في ... كفّي غنيتُ عن الحُسامِ
ومتى تُصافحني فلا ... أرضى مصافحةَ الغمامِ
وأسلمْ ودُمْ في نعمةِ ... تتْرَى على رغم اللئامِ
وقال وكتب بها إلى القاضي الفاضل رحمه الله: [كامل]
(1/357)

أجرِ النسيم إلى الشمائمْ ... وانفُثْ رُقاك على السمائمْ
وأشرْ إلى أخوات ك ... فّك تسقِنا وهي الغمائمْ
ومنها:
مولايَ دعوةَ مُقعَدٍ ... والدهرُ بين يديك قائمْ
لي حاجتان عظيمتا ... ن وأت أهل للعظائمْ
قلبي وهمي منهما ... فارحمهما دامٍ ودائمْ
جرّدْ لرفع شكايتي ... عزماً يَعضّ على الشكائمْ
وعزيمةً خطَراتُها ... تَطوى الطوَّى عن ضيفِ حاتِمْ
غرْسَ الرَّجاءِ إلى متى ... يُبدي الثمارُ من الكمائمْ
وقال وقد اتهموه: [مجتث]
واللهُ أعلى وأعلَمْ ... بما جرى وهو أحكمْ
لقد طرت لي أمورٌ ... من مثلها يُتوجّمْ
بُليتُ من كل نَذْل ... ولْدِ زِناً متجهِمْ
(1/358)

على القبيح بلفظ ... من المُحال متَرْجِمء
يَغتابُني ثم يبدو ... بوجهه يتبسّمْ
ويستبيح لعرضي ... ليزدريه ويَثلمْ
ياربِّ أنت بصير ... وأنت بالغيبِ أعلَمْ
إني عن الفحش ناءٍ ... معسَّف متبرِّمْ
لكن جَزَا من يُضيع الج ... ميل مع غير مسْلِمْ
يكون هذا جَزَاه ... من كل نَغْل ومجرمْ
وقال من قصيدة في الصالح يذكر فيها البراءة مما نسب إليه من القول في مذهبه.
وقال من قصيدة في شاور.
وقال من قصيدة مدح بها مجد الإسلام ابن الصالح.
وقال من قصيدة مدح بها عز الدين حساماً.
(1/359)

وقال من قصيدة يمدح بها الكامل بن شاور.
وقال وكتب بها إلى محمد بن شمس الخلافة وهو بدمياط.
وقال في ابن دخان وقد وقع كتاب كان بيده لقوم.
[طويل]
تسائلني عن قصتي متجاهلاً ... لتوجدني عذرا وعندك علُمهَا
وتدعو على الجاني بكل عظيمة ... وأنت أبوها يا صديقي وأمُّها
وقال يمدح شاوراً: [طويل]
عنانُ الليالي في يديك مسلَّمُ ... ومجدُك من أحداثهنّ مسلَّمُ
سبقتَ الملوك السابقين وفُتَّ من ... يجيء فأنت السابق المتقدِمُ
ومنها:
(1/360)

أجرت الهدى يا ابن المجير فأصبحتْ ... عليك ثنايا تُثنى وتبسمُ
لك الحمد عن آل النبي محمد ... ومثلك من يستوجب الحمد منهمُ
كفلتَ لهم أن يُكتشف الغمُّ عنهمُ ... ولو أنه قطعٌ من اليل مُظلِمُ
كأنك ما في الأرض غيرُك مؤمن ... وليٌ ولا في الخَلق غيرُك مسلِمُ
حسرتَ لثام الخوف عن وجه ملْكهم ... ووجهُك بالنقع المثار ملثَّمُ
جلوتَ جبيناً مثل سيفك أبيضاً ... عليه قناعٌ بالعجاجة أقتمُ
وذدتَّ الأعادي عن حريم خلائفٍ ... حمَى حِلَّها سيف بكفّك مخرِمُ
لعمري لقد فرجتَ عن مِصْرَ غمة ... تشيب لها الأهرامُ خوفاً وتهرمُ
ويا طالَما كشفتَ عنها عظيمة ... يكاد لها وجهُ المُقطَّم يُخطَمُ
ولولا دفاع الله عنها بشاورٍ ... لأمسى عليها للمذلة ميسَمُ
وغادرها غدرُ الزمان وريبُه ... وأكثرُ من فيها يتيمٌ وأتمُ
ولكن تلافاها أبو الفتح ناظماً ... فرائدَ شمل لمنكن قطُّ تُنظمُ
لئن بلغتْ من كافر لك حُجةٌ=لقد شيعت في شاكر لك أنعُمُ
فما يتُقَى كسرٌ وجودُك جابر ... ولايُشتكى جرحٌ وسيفُك مرْهَمُ
رفعتَ ببسط العدل كلَّ ظلامة=ومالك من جور الندى يتظلَّمُ
(1/361)

ومنها:
سيُثنى عليكم ضيفُكم وغريبكم ... ثناء جميلاً والزمانُ له فَمُ

قافية النون
وقال يمدح الإمام العاضد.
[طويل]
ولاؤك دينٌ في الرقاب ودينُ ... وودُّك حصن في المَعاد حصينُ
وحبُّك مفروض على كل مسلم ... يقول بحُب المصطفى ويدينُ
وقال يمدح الصالح ويرثى أهل البيت: [كامل]
شأنُ الغَرام أجلُّ أن يَلْحاني ... فيه وإن كنتَ الشفيقَ الحاني
أنا ذلك الصبُّ الذي قطعتْ به ... صلةُ الغرام مطامعَ السلوانِ
ملئْ زجاجةُ صدره بضميره ... فبدتْ خفيةُ شأنه للشاني
غدرتْ بموثقها الدموعُ فغادرتْ ... سِرّى أسيراً في يد الإعلانِ
(1/362)

عنَّفتَ أجفاني فقام بعُذرها ... وجدٌ يُبيح ودائعَ الأجفانِ
ومنها:
ياصاحبَيّ وفي مجانبة الهوى ... رأى الرَّشاد فما الذي تريانِ
بي ما يذود عن التسبُّب أوله ... ويزيل أيسرهُ جنونَ جَنانِي
قبضتْ على كف الصبابة سلوةٌ ... تنهى النُّهى عن طاعة العصيانِ
أمسى وقلبي بين صبر خاذلٍ ... وتجلدٍ قاصٍ وهمٍّ دانِ
قد سهلتْ حزنَ الكلام لنادبٍ ... آل الرسول نواعبُ الأحزانِ
فابذلْ مشايعة اللسان ونصرَه ... إن فات نصرُ مهنَّد وسِنانِ
واجعلْ حديث بني الوصيّ وظلمِهم ... تشبيبَ شكوى الدهر والخذلانِ
غصبتْ أميةُ إرثَ آل محمد ... سَفَهاً وشنت غارةَ الشنآنِ
وغدتْ تخالفُ في الخلافة أهلها ... وتقابلُ البرهان بالبُهتانِ
لم تقتنع أحلامها بركوبها ... ظهر النفاق وغاربَ العدوانِ
وقعودهم في رتبة نبوية ... لم يَبنِها لهم أبو سفيانِ
حتى أضافوا بعد ذلك أنهم ... أخذوا بثأر الكُفر في الإيمانِ
فأتى زيادٌ في القبيح زيادةً ... تركتْ يزيدَ يزيدُ في النقصانِ
(1/363)

حربٌ بنو حربٍ أقاموا سوقها ... وتشبهت بهم بنو مروانِ
لهفى على النفر الذين أكفهم ... غيثُ الورى ومعونةُ اللهفانِ
أشلاؤهم مزقٌ بكل ثنية ... وجسومهم صَرْعَي بكل مكانِ
مالت عليهم بالتمالئ أمةٌ ... باعت جزيلَ الربح بالخسرانِ
دفعوا عن الحق الذي شهدتْ لهم ... بالنص فيه شواهدُ القرآنِ
ما كان أولادهم به لو أيدوا ... بالصالح المختار من غسانِ
أنساهم المختارَ صدقُ ولائه ... كم أولٍ أرْبى عليه الثاني
وقال يبشر بخلاص الظهير مرتفع من الاعتقال.
[بسيط]
من استعان بغير الله لم يعنِ ... زمن تعزَّز بالرحمن لم يُهنِ
وأروحُ الناس من باتت سريرته ... نقيةً من دخيل الحقد والضغَّنِ
حاسبْ ضميرك لا تأمن بوائقهوأزجره من خطرات العين والأذن
وقمْ إذا رنَّقت في مقلة سنةٌ ... قيام منتبه عن غفلة الوَسَنِ
مستشفعاً برسول الله وابنته ... وبعْلِها والحسين الطهر والحسنِ
ومنها:
وهذا أبو العز لولا صدقُ نيتّه ... في القول ولفعل لم يخلص من المحنِ
(1/364)

وقال أيضاً وكتب بها إلى طبيب دعاه فاعتذر عن إجابته: [طويل]
إذا أكثرَ المحمومُ من هَذَيانِهِ ... فقدِمْ له عذرَ الخبير بشأنهِ
ولا تتأخرْ حين تُدعى لحاجة ... فما الغيث بالمحمود بعد أوانِهِ
وقال في ابن عين الزمان: [كامل]
قلْ للسعيد بن السعيد المجتبى ... صقرِ الخلافة وابن ءين زمانِهِ
يا وارثاً عن يوسفٍ أخلاقَه ... ومعيدَ فضلْى سيفه ولسانِهِ
إن الأوامرِ مذ أتتني لم تكن ... لي همة إلا خلُوُّ مكانِهِ
واعتضتُ بالدار الشريفة موضعاً ... أخربتُ بعض العمر في عمرانِهِ
زادت مرمتُه على مائة وذا ... ميدانُ حرب لستُ من فرسانِهِ
وقال يهنئ ابن الزبد بخلع تمام السنة لانتقال الملك الصالح: [بسيط]
أقول والصدقُ فيما قلتُ يعضدني ... وعادةٌ لي إذا ما قلتُ لم أمِنِ
(1/365)

لأمدحنّ فتى تجرى مكارمُه ... من المدائح مجرى الروح في البدنِ
ومنها:
وفضلتْك ثلاثٌ مذ علمتُ بها ... أحببتُ مدحَك حبَّ العين بالوسنِ
منها وفاؤك للقوم الثلاثة في ... وقت يخون أخاه كلُّ مؤتمنِ
وحُسنُ صبرك يوم القصر منفرداً ... للموت يا ليت يومَ القصر لم يكنِ
وحفظُك العهد بعد الموت ثالثةً ... ألزمتَ قلبك فيها صحبةَ الحزنِ
حتى كأن الأسى والحُزن معتقدٌ ... تَلقى به اللهَ في سر وفي علنِ
آلت دموعُك لا ترقى إلى سنة ... لقد وفيتَ بحق الفرض والسُّننِ
فاستقبل الحقب المستقبلات بما ... تنسى به لوعة الماضي من الزمنِ
واسحبْ على السحب فضلَ الذيل من خلعٍ ... أعرتَها فضلَ عرضٍ غيرِ ذي درنِ
ظلّت تزرُّ على بأس ومكرمة ... ولا تزرُّ على بُخل ولا جُبُنِ
وقال على الوزن أيضاً: [بسيط]
قل للمكرَّم إدلالاً وما بَرحَ الإ ... حسانُ منه على الإدلال يحملني
(1/366)

خلع على الشعر مما أنت لا بسه ... فإنه غيرُ محتاج إلى الثمنِ
حتى يقول عذولي في محبتكم ... إن اختياري لكم جارٍ على السننِ
وتعلم العينُ أن الجود قام لها ... بما تكلفته عن نشوة الأذنِ
وقال يمدح فارس المسلمين أخا الصالح.
[متقارب]
بقاؤك يا فارس المسلمينا ... اقرَّ الهدى وأقرَّ العيونَا
ولولا دفاعك عن حوزة ال ... هدى عدمَ الناسُ دنيا ودِينا
بك استمسكتْ دولةُ الفاطمي ... فعلقتها منك حبلا متينَا
ومنها:
بقيتَ إلى أن ترى في العمادِ ... وإخوته كلَّ ظنٍ يقينا
وقال يمدح أمير الجيوش شاورا عند رجوعه من حصار بلبيس والإفرنج صحبته: [كامل]
(1/367)

لأمدحنّ فتى تجرى مكارمُه ... من المدائح مجرى الروح في البدنِ
ومنها:
وفضلتْك ثلاثٌ مذ علمت بها ... أحببتُ مدحَك حبَّ العين بالوسنِ
منها وفاؤك للقوم الثلاثة في ... وقت يخون أخاه كلُّ مؤتمَنِ
وحسنُ صبرك يومَ القصر منفرداً ... للموت يا ليت يومَ القصر لم يكنِ
وحفظُك العهد بعد الموت ثالثةً ... ألزمتَ قلبك فيها صخبةَ الحزَنِ
حتى كأنّ الأسى والحزن معتقدٌ ... تلقى به الله في سر وفي علنِ
آلت دموعُك لا ترقى إلى سنة ... لقد وفيتَ بحق الفرض والسننِ
فاستقبل الحقبَ المستقبلاتِ بما ... تنسى به لوعة الماضي من الزمنِ
واسحبْ على السحب فضلَ الذيل من خلعٍ ... أعرتَها فضلَ عرضٍ غير ذي درنٍ
ظلّت تزرُّ على بأس ومكرمة ... ولا تزرٌّ على بُخل ولا جُبُنِ
وقال على الوزن أيضاً: [بسيط] قلْ للمكرَّم إدلالاً وما برِحَ الإحسانُ منه على الإدلال يحملني:
اِخلعْ على الشعر مما أنت لابُسه ... فإنه غيُ محتاج إلى الثمنِ
حتى يقول عذولي في محبتكم ... إن اختياري لكم جارٍ على السننِّ
وتعلم العينُ أن الجسود قام لها ... بما تكلفتُه عن نشوة الأذنِ
وقال يمدح فارس المسلمين أخا الصالح: [متقارب]
بقاؤك يا فارس المسلمينَا ... أقرَّ الهدى وأقرَّ العيونَا
ولولا دفاعك عن حوزة ال ... هدى عدمَ الناسُ دنيا ودِينا
بك استمسكتْ دولةُ الفاطمي ... فأعلقْتَها منك حبلا متينَا
ومنها:
بقيتَ إلى أن ترى في العماد ... وإخوته كلَّ ظنٍّ يقينَا
وقال يمدح أمير الجيوش شاورا عند رجوعه من حصار بلبيس والإفرنج صحبته: [كامل]
إن السعادة قد أظلّ زمانُهَا ... وافترّ عن ثغر الهناء أوانُهَا
وافاك أولُ عامها بمسرة ... لا الفطْرُ أهداها ولا رمضانُها
عامٌ كأن شهوره من حُسنها ... دررٌ تضاحك في السلوك جمانُهَا
فتحتْ فتوحُك بالسعادة بابَها ... فاسعد بمملكة عظيمٍ شأنُهَا
متقسِم يوم الندى معروفُها ... متبسِم يوم الهدى عرفْانُها
مجْداً بني عبد المجيد فإنكم ... من دوحة نبوية أغصانُهَا
مذ غاب ناطقها فإنك أسُها ... والتَّرجُمان لما قراه لسانُهَا
كم آية رؤيت لكم إسرارُها ... آل الوصّى وللورى إعلانُهَا
درج الزمانُ وعندكم أسرارها ... فيما ترون وعندكم إيمانُهَا
وهبِ الخلافة شاركوكم في اسمها ... أو ليس فرّق بينكم فرقانُهَا
فكأنما تأويلكم أرواحُها ... وكأنما تفسيركم أبدانُهَا
كثرتْ عليها المدعون وما لهم ... فيها إمامتُكم ولا قربانُهَا
نطقتْ بأيةِ مصرَ كم من شيركُوهْ ... سيرٌ يزيد على السماع عيانُهَا
أخبرتمونا عنه قبل مجيئه ... أخبارَ صدق صح منه بيانُهَا
وكأن علم الكائنات وديعة ... مخزونة وصدوركم خزانُهَا
تأتي الأمورُ وقد سطرتم ذكرها ... فيكون بعد حديثكم حدثانُهَا
حتى كأن صروفها عن أمركم ... تجرى وأعنانُ السماء عِنانهَا
(1/368)

الله أكبرُ والخلافةُ فيكم ... من أن تلين لحاسد عيدانُهَا
إني وبيعتك لكريمة جنة الم ... أوى وشاورٌ الرضى رضوانها
هو مقلة الدنيا وأسود عينها ... والعاضد بن المصطفى إنمانُهَا
وعد المهيمنِ أن سيظهِر دينَكم ... عدةً على كرم الإلاه ضمانُهَا
أفتخْمِد الأعداء جذوةَ دعوة ... قُدحتْ بأنوار الهدى نيرانُهَا
إن بات من عدد الملوك فإنه ... لا يستوى نار الغضا ودخانها
راجٍ بفأل الصبر يبذل نفسَه ... حيث المنية ضيقٌ ميدانثهَا
ولقد دفعتُ إلى ثلاث يوائبٍ ... كادت تشيب لهولها ولدانُهَا
من معشر تغدو السماحةُ والندى ... فيما حوت أجفانُها وجفانُهَا
فعصابةٌ غزيةٌ غادرتُها ... وأجلُّ ما نرجوه منك أمانُهَا
وعصابةٌ روميةٌ عاشرتُها ... فتأدبتْ وتهذبتْ أذهانُها
وعصابةٌ مصريةٌ بك أصبحتْ ... فوق البرية راجحاً ميزانُها
ومنها:
وتداركت بلبيس منك عواطفٌ ... يسعُ الزمانَ وأهله غفرانُهَا
أقسمتُ لولا حسن رأيك لاغتدى الن ... اقوسُ في بلبيسَ وهو أذانُهَا
بلدٌ لو انهدمت قواعد سورة ... بيد النصارى لم يُعد بُنيانُهَا
(1/369)

أبقيتَها للمسلمين وإنه ... ليعزّ بعد خرابها عمرانُهَا
شفع النساءُ إليك فيه فشفّعتْ ... في سيآت رجالها نسوانُهَا
وهبَ الجرائمَ للجرائم قادرٌ ... ترضى سُطاه ولا يُرى إذعانُهَا
ومنها:
وأرى قرانات الكواكب لم تكن ... إلا وأثر في عداكِ قرانُهَا
وإذا رميتَ مُعانِدا بمكيدة ... وأردتَّ أن يجنى عليه زمانُها
هبت عليه من الرياح دبورُها ... ومن الكواكب طالعٌ دبرانُهَا
فاسلمْ كفيلَ خلافة علوية ... أضحى بسيفك ظاهراً برهانُهَا
وقال يهنئ الأمير بدران عند قدومه بعد حصار أسد الدين شيركوه في الثاني: [رجز]
الحمد لله الذي ... أذهب عنّا الحَزَنَا
بمقدم الملك الذي ... أقرَّ منّا الأعُينَا
تاجُ الملوك خيرُ من ... هزّ المواضي والقَنَا
بدرٌ يثنَّى لفظُه ... وما الفُرادي كالثُنَا
(1/370)

ثُنى لما أن غدا ... بدرَ السَّناء والسَّنَا
واسمُ الفتى أشرفُ من ... ذكر منعوت والكُنَى
يفدى الظهيرَ معشر ... ما إن بنوا كما بنى
أصبح جيشُ الفاطم ... يمن نأى ومن دَنَا
من أمره ونهيه ... بين المنايا والمُنَى
فشاكرٌ نقلتَه ... من فقره إلى الغنى
وغادرٌ غادرتَه ... يجني ثمار ما جَنَى
وموثقٌ أطلقتَه ... بالجاه من قيد العَنَا
ورضتَم بصولة ... بها تروض الزمَنا
وسُستَهم سياسةً ... صبّتْ على العز الهَنَا
أقمتَ من صعادهم ... ما كان بالميل انحنى
خشنتَ بالله لهم ... حتى ألنتَ الخشِنَا
ولِنْتَ حتى طمعوا ... أن يسئلوك الوسنَا
فرأفةٌ وغلظة ... من هاهنا وهاهَنا
أصحتَ في نياتهم ... مُثرَى اليدين ممكِنَا
والملكُ يُبدي لك من ... أسراره ما بَطنَا
(1/371)

والكُفر والإسلام قد ... تيتنا منك الغنى
قد وجداك صادقاً ... سريرةً وعلنَا
فلقبوك المٌرتضَى ... لا بل أمينَ الأمنَا
حتى انجلت غمامةٌ ... للغمّ تهمى مِحنَا
فكنتَ فيهم قارح ال ... رأى ومَهْرا أرَنَا
وأنت مشكور الفعا ... ل والمقال والثًّنَا
وما رأت أعينُنا ... مذ غبتَ شيئاً حسَناً
كأنما الناس وقد ... غبتَ علينا لا لنَا
كم ليلة هيجتْ لي ... فيها الشَّجَا والشَّجَنَا
ذراك أنّ خاطري ... لما ظعنتَ ظَعنَا
وعاد روحي عند ما ... عدتَّ يحلّ البدنَا
لك الهناء قادماً ... لا بل لنا بك الهنَا
واسمعْ لدُرّ ينتقَى ... باسمك ثم يقتنَى
معدنُه العالي فمي ... وقد ملكتَ المعدنَا
رضيتُ إكرامَك لي ... مثوبةً وثمنَا
فإن أجزتَ بيعتي ... فما أخافَ الغَبنَا
فابقَ لتشييد العلى ... وابقَ على ما بيننَا
(1/372)

وقال على لسان إنسان في ظاعن بن العفير من قرابة شاور: [طويل]
حرامٌ على قلبي يرى وهو ساكنُ ... غديّة قالوا ظاعنٌ عنك ظاعنُ
فتىً إن تغبْ عنّا محاسنُ وجهه ... فلمّا يغبْ إحسانُه والمحاسنُ
فتىً يستوي منه وفاءُ وسودد ... ظواهرُ أخلاقه وبواطنُ
سلام عليه حيث حلّ ركابُه ... محافظةً إن ضيع العهد خائنُ
أغيثتْ سمنُّودٌ بعالي ركابه ... فعزّ لها أنفٌ ذليل ومارنُ
فكلُّ فساد عن سمنُّودَ راحل ... وكلُّ صلاح في سمنُّودَ قاطنُ
فأعوزُ مطلوبٍ بها اليومَ خائف ... وأكثرُ موجود بها اليومَ آمنُ
فتىً ظاؤه في السلم غيرُ مصحَّف ... وإن قرئتْ يوم الوغى فهو طاعنُ
وقال في الماجد صهر شاور: [رجز]
راخِ لها في حلَق البرينِ ... واشددْ عليها حلَقَ الوضينِ
ومنها:
(1/373)

يا ماجد الدنيا وسيف الدينِ ... ومستخفَّ الراجح الرزَّينِ
عند مقامي شدة ولينِ ... لو لم تكن باللؤلؤ المكنونِ
ذا خبرة ما علقتْ رُهونِي ... في عرضْ هذا الجوهر الشمينِ
على خليق بالثنا قمينِ ... صبَّ من الحمد بما يُصبيني
مازال في حادثة تعروني ... يقوم في صدر الزمان دونِي
أبلجُ طلقٌ الوجه والجبينِ ... شمالُه في الجود كاليمينِ
سلسالُه من كرم ودينِ ... لا كامرئ صَلْصالُه من طينِ
قدرتُ لمسَ الوابل الهتونِ ... فقلتُ للآمال لن تميني
وقال في القاضي الفاضل: [كامل]
جعلَ الدعاءَ وظيفةً لك والثَّنا ... عبدٌ جمعتَ إلى السَّناء له السَّنَا
تفديك مهجة خادم عرفتَه ... من بعد خيفة فقرة كيف الغِنَى
أحسنتَ حتى خلتُ أنك حالفٌ ... أن لا يراك الله إلا مُحسِنَا
أعتقتني ولك الولاءُ فإن أَمَتْ ... فاحجبْ قبيلي من تباعدَ أو دَنَا
(1/374)

وإذ أتاك السائلون وقيل من ... مولى فلانٍ في الرجال فقل أنا
أنهي إليك ولا أغثك أنني ... في نعمة لك جاوزتْ حدَّ المنى
يا رازقي في حيث قال الناس لي ... متا مثل رزقك جائزٌ أن يمكنا
بيني وبين الإسينية شقةٌ ... منها تقوس عودُ ظهري وانحنى
فأعضْ بها المملوك ولأرحم عجزه ... غبراءَ عامرةَ تسمى مرسنا
وقال يرثي بعض ولده: [وافر]
أيا سفحَ المقطم كم سفحنا ... على مجراك من دمعٍ هتون
ومنها:
وكم لي في القرافة من حبيب ... قريبٍ وهو رهن نوى شطونِ
ومنها:
لئن أبلتْ لك الدنيا جبينا ... فثكلى فيك قد أبلى جبيني
كأنك يا محمدُ لم تدافع ... صدورَ نوائب الأيام دوني
(1/375)

ومنها:
رزقتكُ بعد إدراكي بعام ... فبم تبعد سنينك عن سنيني
فكنتَ إذا العيونُ رنتْ إلينا ... أخي في كل عين أو قريني
وكنتُ أرى الحنانة ضعفَ عزمٍ ... فآنسني فراقك بالحنين
وقال أيضاً:
أتاني جوابك عن رقعتي ... على غيرها فأسأتَ الظنونا
فلا تعتذر عن جواب الظهور ... فبعضُ الظهور يفوق البطونا
ولا ترتهني بإمساكها ... فلستُ بتارك حظي رهينا
وقال يمدح الملك الناصر ويعرض بذم الناس: [خفيف]
أيها الناس والخطابُ إلى من ... هو من حيث فضله إنسانُ
هذه خطبةٌ إلى غير شخص ... نظمت نثرَ عقدها الآذان
لم أخصص بها فلانا فإني ... في زمان ما في بنيه فلانُ
وقال يرثي زوجته أم ولده سيف الملك بن سيف الملك
(1/376)

نبهتني حمامةٌ بسحير ... عند تغريدها على الأغصان
هتفت بي وقد تحدَّرَ دمعي ... فوق خديَّ أحمراً كالجمانِ
زدتُّ هما بنوحها فوق همي ... واعتراني حزنٌ على أحزاني
قاتُ ماذا التغريد قالت دهاني ... في خليلي ريبق من الحدثانِ
قلتُ إن كنت قد عدمتِ خليلاً ... فأنا قد عدمتُ ظبيةَ بأن
دعجةُ المقلتين في وجنتيها ... وردةٌ في شقائق النعمانِ
كملتْ عفةً وديناً وفخراً ... وبهاءً يزهى على كيوانِ
أصلها طيب وفرعٌ زكي ... مورقٌ العود يانعُ الأغصانِ
وعدمتُ السلوَّ واعتضتُ عنه ... زفراتِ للهيب والنيرانِ
إذ دهتني فيه خطوبُ الليالي ... ورمتني عن قوسها المرنانِ
وخلتْ بعدها الديارُ أضحتْ ... موطناً للذئاب والغربانِ
بعد عهدي بها أنيسةَ رسمٍٍ ... فرمتها المنونُ بالشنآنِ
غدرتنا الأيام بعد اجتماع ... بددتْ شملنا من الأوطانِ
فصغيرٌ باكٍ بقلب قريح ... وكبيرٌ ينوح بالأشجانِ
بعضنا قد قضى وبعضٌ شديدٌ ... والمنايا تحشنا بسنانِ
ويحَ قلبي لنا حدا المو ... ت وساروا بنعشها للمكانِ
أنزلوها في الترب رغما برغمي ... ثم صارت رهينةَ الأكفانِ
(1/377)

غيبوا شخصها فغاب صوابي ... وبهائي ومهجتي وجناني
وتمنيتُ لو فديتُ ثراها ... بسواد العيون من اجفاني
رحتُ عنها بخيبة وإياس ... ولهيبٍ يمض كالأفعوانِ
كان أنسى بها قدما ... كنتُ أسطو بها على الأزمانِ
تركتني فرداً أكابدُ شبلي ... وأرد النواح بالألحانِ
وأقضي عمري بظنٍ كذوبٍ ... وبقلبي ما لا يؤدي لساني
فسلامٌ عليك ما غرد الط ... ير على أيكة من الأغصانِ
وحباكِ الإلاهُ منه نعيماً ... دائماً ثابتاً مع الولدانِ
في خلود من الجنان مقيمٍ ... مع حريم النبيّ مع رضوانِ
وقال يرثي ولده: [خفيف]
حرتُ ماذا قول فيما دهاني ... في بني ذخرته لزماني
وقال يرثيه أيضاً: [وافر]
حسبتُ الدهرَ في ولدي ... يساعدني ويسعدني
(1/378)

ومنها:
لإسماعيلَ أشواقي ... تزيد على مدى الزمنِ
وإسماعيل لي شغلٌ ... عن اللذاتِ يشغلني
وإسماعيل لا أسلو ... هـ حتى الموت يصرعني
سأبكيه وأندبهُ ... بنوح زائد الشجنِ
كما قمريةٌ ناحت ... ببغدادٍ على غصنِ
وأبقى بعده أسفاً ... مدى الأيام والزمنِ
وقال يرثي ابنه حسيناً: [خفيف]
خطبتني الخطوبُ بالهمْ لما ... حدثتني بألسن الحدثان
ومنها:
يالها نكبةً على نكبة جا ... ءت وجرحاً يبكي بجرح ثانِ
ومصابٌ على مصاب وتثكلٌ ... بعد ثكل أصيب منه جناني
ومنها:
(1/379)

رحلوه إلى القرافة رغماً ... أودعوه للخد والأكفانِ
ومنها:
كلَّ عام للموت عندي نصيبٌ ... في سراة البنين والإخوان
وقال أيضاً: وقال من قصيدة: وقال: [مجتث]
يا أعررَ العين قلْ لي ... ويا أشلَّ البنانِ
لعل قرنك عنا ... يرد شرَّ القرانِ
لأنه قرنُ تيسٍ ... مبطنٍ بأتانِ
وقال في ابن دخان: [كامل]
أضحت على شطّ الخليج ذخائري ... مزقاً بأيدي النهب والنيرانِ
وأضرُّ من شكوى الحوادث أنني ... أصبحت مدفوعاً إلى ابن دخانِ
(1/380)

دعتِ الضرورةُ نحوه فغشيه ... حتى رآني الله حيث نهاني
طبعت على الشمس بعد طلائعٍ ... وحرمتُ عزَّ الجاهِ بالسلطانِ
وقال يهجوه أيضاً: [طويل]
وقائلةٍ ما لي أرى الجوّ مظلماً ... بأعمال مصرٍ دون كل مكانِ
فقلتُ ومصرٌ كالبلاد وإن يكن ... علاها دخانٌ فهو بابن دخانِ
لقد سئمًَ الإسلامُ طول حياته ... ودار على قرنيه ألفُ قرانِ
متى تقبض الأيام عنا بنانه ... وتبسط كفَّ الأروعِ ابنِ بنانِ
لقد ترك الأعمالُ صفراً كأنها ... قوالبُ ألفاظٍ بغير معاني
فصدقْ مقال الناس فيه ولا تقل ... كلامُ العدى ضربٌ من الهذيانِ
فأقسم لو عاداه كلبٌ أهانه ... لأنهما في القدر يستويان
فأما لساني فالكرامُ تخافه ... وأيُّ كريم لا يخاف لساني
وما بيننا إلا لأني بواحد ... أدينُ إذا دان الخبيث بثانِ
(1/381)

وقال قصيدة: [كامل]
يا دهرُ قد أكثرتَ في التلوينِ ... فالى متى بمطالبي تلويني
أتظنني أرضى بما ملأ الثَّرى ... نوءُ الثُّريا دونَ ما يرضيني
حلقْ يخافقني منايَ إلى السُّهى ... فالدونُ لا يرضاه غيرُ الدونِ
سلْ بي ولستَ بجاهل فنوائب الس ... أيام أدريها كما تدريني
من لي بطالعة السعود وقد غدا ... قطعُ الفراق ملازمي وقريني
خذلَ النصيرُ على الزمان وصرفه ... وجفا معيني حين جفّ معيني
حسبي إذا خذل الزمانُ وأهله ... عوناً على الدنيا بنجم الدين
كم قلتُ أصبي فكرهَ بغرابي ... فسمعتُ منه غرائباً تصيبني
تلِكٌ إذا قابلتُ بشرَ جبينه ... فارقتُه والبشرُ فوق جبيني
وإذا لثمتُ يمينه وخرجتُ من ... أبوابه لثم الرجالُ يميني
وإذا نظمتُ له النجومَ فإنما ... أجزى على المفروض بالمسنونٍ
أما الرعود فقد أتاني وصلها ... وأريد وصلُ نجازها يأتيني
(1/382)

وقال وكتب بها إلى تقى الدين: [مجتث]
قد كان جبيَ مخضاً ... فردا لست الأغاني
فزاحمتها أخيرى ... من الحسان الغواني
تقسمَ الحُبُّ مني ... ما بين جادٍ وثانِ
جمعتُ عشرين ظبياً ... في قبضتي وبناني
وسوف أملأُ بيتي ... من الوجوه الحسانِ
من كلّ ذات قوام ... مجدولةٍ كالعنانِ
لا بالطوال العوالي ... ولا القصار السمانِ
يسلبن جيداً ولحظاً ... من الظباءِ الرَّواني
يمشين مشىَ حمام ... مقيِّدِ الخطو عانِ
فهذه بدرُ تمٍ ... وهذه غصنُ بانِ
تبيت هذي ببطني ... لسانهُا في لساني
وتلك تَلطى بظهري ... وكفُّها في الفلاني
قد أمسكتْه وقالت ... حتى توفّى ضماني
أدورُ من ذب إلى ذي ... وليس عندي توانِ
قسمتُ قسمةَ عدلٍ ... والعدلُ في الحب شاني
(1/383)

حتى إذا جمحا لي ... وحان وقتُ الطعانِ
طعنتُ بالرمح حتى ... غيبتُ نصل السّنِانِ
وذلك الشيء منها ... كمثل ترس يماني
لقيتُ منها شجاعاً ... في الحرب غيرَ جبانِ
تراه كلَّ أوانِ ... عن قربه غير وانِ
واللهُ يبقى كريماً ... بفضله قد كفاني
ذاك التقىُّ المرجى ... لتائبات الزمان
أصبحتُ من جور دهري ... بجوده في أمانِ
أرى صروف الليالي ... وعينها لا تراني
ربّ الفصاحة تعنو ... لها رقابُ البيانِ
ألفاظُ نظم ونثرٍ ... مملوءةٌ بالمعاني
ذو المنّ ليست عليه ... نقيصةُ الامتنانِ
مولاي دعوةَ شيخ ... قد عاش ألفَ قرانِ
وشعره فيك يبقى ... بقيتَ والشيخ فانِ
قل للمشايخ أقمها ... فقد سمعتَ أذاني
(1/384)

قافية الهاء وقال أيضاً: [كامل]
أفدِي معذبَ مهجتي أفديهِ ... إن كان بذلُ حشاشتي يرضيهِ
ظبيُ تحيرتِ المحاسنُ والصبيَ ... في وجهه فعذرته في الثيهِ
يا حبذا وردٌ أبيتُ على الرضى ... باللثم من وجناته أجنيهِ
تبيك حمرةِ جمرة في خذه ... أبداً وحمرُ خمرة في فيه
وحياةِ نغمته اللذيذة ما دعتْ ... أذني ألذُّ من الملامة فيه
قافية الياء وقال أيضاً: [كامل]
يا أيها المَلك الذي ... كل الملوك له رعيَّهْ
إن كنتُ من خدامكم ... فعلامَ لا أعطي الحريةْ
(1/385)

إن كنتُ من ضيفانكم ... فالضيف أولى بالعطيةْ
والله ما أبقى الخمو ... ل على وليك من بقيةْ
ووحقّ رأسك إنّ حا ... لي لو علمتَ بها رزيةْ
وإذا هممتُ بكشف با ... طنها أبتْ نفسٌ أبيةْ
لا تنظرنَّ إلى التح ... مل إنّ عادته رديةْ
وفِ لي بعهدك إنني ... لك فيه من أوفى البريةْ
لله أو لمدائحي ... أو خدمتي أو للحمةْ
وقال وهو وراء جنازة ولده: [بسيط]
أركبك الموتُ يا عطيةْ ... نعشاً ويا بئستِ المطيةْ
لا كفلٌ قابلٌ رديفاً ... منها ولا صهوة وطيةْ
وإن يكن في المعاد لقيا ... فدونه مدةٌ بطيَّةْ
وقال في الأمير المؤتمن أبى على موسى بن المأمون
[سريع]
أصبحَ عبد الحضرة العالية ... يشكو جديد الحالة الباليةْ
توقَّفَ الجاري فإما له ... عاملةٌ ناصبة صاليةْ
(1/386)

وانقطع القوتُ ومن ينقطع ... عنه فما حالتُه حالية
فشهر ذي القعدة فكتْ يدي ... من واجبي فيه يدٌ عاليةْ
وشهرَ ذي الحجة قالوا لنا ... ذاك بقايا السنة الخاليةْ
وأولُ العام على ما حكوا ... إن صدقوا يؤخذ في الجاليةْ
فابعث بمن ينتف ذقنَ المنى ... إن لم تكن آمالنا ساليةْ
أو فتداركْ عرضها منعماً ... بعرض تلك القطعة الداليةْ
وقال من قصيدة يشكو عز الدين حساماً: وقال: [كامل]
رتبةُ الحكمْ السنيةْ ... هدمتْ هدم البنيةْ
أخربَ الجهالُ منها ... كلَّ ثغر وثنيةْ
وغدتْ دنيةُ الحُك ... م بهم وهي دنيةْ
هذا آخر ما وجد من شعر الشيخ الفقيه الأديب أبي محمد عمارة بن أبي الحسن الحكمي ثم الميني عفا الله عن
(1/387)

وقال يمدح فارس المسلمين: [بسيط]
يلاحَ بي عادل ... في أحورٍ خاذلْ
حلوِ الشيمْ
في وصله وابلْ ... لروضيَ الذابلْ
لا في الديمْ
قد حيرَّ الأذهان ... فكلها ولهانْ
يشكو الصَّدى
للحسن والإحسان ... في وجهه عنوانْ
إذا بدا
وجوهرُ الألحانْ ... أصدافه الآذان
إذا شدا
من لحظة الخاتل ... ولفظه القاتلْ
ذقتُ الألمْ
والسحرُ من بابلْ ... في جفنه الذابلْ
أصلُ السقمْ
ومنها:
يا مطرب الأفهامْ ... ومتعب الأجسامْ
كم تعنفْ
والظلمُ والإظلامْ ... بفارس الإسلام
لا يعرفْ
قد هذب الأيام ... فالدهرُ والأحكامْ
لا يجنفْ
وقال يمدح الصالح وولده وأخاه فارس المسلمين:
[متقارب]
(1/388)

أبيضٌ مجردةٌ م عيونْ ... تسلُّ وأجفانهنّ الجفونْ
عجيبُ لها قضبا باترةْ
تصول بها المقلُ الفاترةْ
فتغدو لأرواحنا واترةْ
ظباءٌ فتكن بأسد العرينْ=وغائرة خرجت من كمينْ
إذا هززن رماح القدودْ
حمينَ النفوسَ لذيذ الورودْ
حياضَ اللَّمَى ورياض الخدود
فلا تُطمعنك تلك الغصون ... فإن كثيب نقاها مصونْ
وفيهنّ فتانةٌ لم تزلْ
أوامرُ مقلتها تمتثلْ
ومن أجل سلطانها في المقلْ
تقول لها أعينُ الناظرينْ ... إذا ما رنتْ ما الذي تأمرينْ
منعمةٌ ردفها مخصبُ
وما أهتزّ من خصرها مجدبُ
مقسمةٌ كلها يعجبُ
فجسمٌ جرى فيه ماء معينْ ... وقلبٌ إذا صخرةً لا تلينْ
(1/389)

أما وعلى الصالح الأوحدِ
ردى المعتدى وندى المجتدى
وجعدُ العقوبة سبطُ اليدِ
ومن نصر العترةَ الطاهرينْ ... ونعمَ النصيرُ لهم والمعينْ
لقد شرفتْ مصرُ والقاهرةْ
بأيام دولته القاهرةْ
وأصبح للدولة الطاهرةْ
بعزم ابن رُزّيِكَ فتحٌ مبينْ ... وعزمِ ابنه ناصر الناصرينْ
إذا ما بدا الملكُ الناصر
بدت شيمٌ ما لها حاصرْ
يطول بها الأملُ القاصرْ
كريمُ السجية طلقُ الجبينْ ... برا اللهُ كلتا يديه يمين
فتى شأوُ همته لا ينالْ
فماذا عسى في علاهُ يقالُ
وقد حاز أنهى صفات الكمالْ
وحوله اللهُ دنيا ودينْ ... وأضحى له كلُّ خلق يدينْ
(1/390)

فلا زال ظِلُّ أبيه مديدْ
مدى الدهر في دولة لا تبيدْ
وبلغَ في نفسه ما يريدْ
وإخوته السادةِ الأكرمينْ ... وفي عمتهم فارس المسلمينْ
تم جميع الديوان بحد الله وعونه وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلامه على يد العبد الفقير إلى الله تعالى الفائز من به يكتفى أحمد بن أبي بكر بن أحمد المالكي السنفي عفا الله عنه وغفر له ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين آمين وكان الفراغ منه يوم الأحد تاسع شوال سنة 984.
(1/391)

ذيل
ديوان عمارة اليمني
وقال لم يعن أحداً: [مجتث]
إن كان عندك حزمُ ... تأوي إليه وعزمُ
فإن كل هجاء ... عندي وإن زلّ وصمُ
ولا تقل إن قدري ... عن المذمةّ يسمُو
فالنجم لو كان يهجي ... ما لاح في الجو نجمُ
وهبْ هجيتَ بشعر ... رثٍ أما فيه شتمُ
وسوف يكتبُ منه ... على جبينك رقمُ
لا تفرحنّ بحمد ... تبنيه فالذمُّ هدمُ
وقال: [سريع]
أصبحت الأحكامُ في عصرنا ... تبكي ولا يفهمَ تعديدها
(1/392)

نشكو من الحكام جهلا به ... سوادُ خديها وتسويدها
دنيةُ الحكم بأفعالهم ... دنية خُففَ تشديدها
وكتب إلى صديق له: [سريع]
يا سيدا يشهد لي خلقه ... وخلقه أن الورا دونهْ
كم لك من مكرمة ضخمة ... ومنّة ليست بممنونةْ
وموقف بين الردى والندى ... يخافه الناس ويرجونهْ
قد اشترى الخادم مملوكة ... صورتها بالحسن مدهونةْ
كاملة العقل ولكنها ... إذا خلتْ في الفرش مجنونةْ
قيمتها ستون موزونةٌ ... والنصف منها غير موزونةْ
وهي على ذاك فأنعمْ به ... تحت خُصى البائع مرهونةْ
ونمى إليه أن الركاب الأجلى التقوى أدام الله ظله، وتقبل فعله وقوله، عاد إلى مقر عزة من قصره، ومنصب نهيه وأمره، حين فات أهل الجامع المعزى من الشرق بحضوره، ما يفتخر به أهل الشرقي على نظيره، [متقارب]
(1/393)

وللشافعية فخر على ... سواهم بدولتك العادلة
وإن كنت أصبحت للفرقتين ... كفيلاً بأنعمك الشاملة
بقيتم فنحن الريا ... وأيمانكم سحب هاطلةْ
وقال: [خفيف]
هل لميعادك الكريم تمامُ ... أم لدى المطل غاية وانصرامُ
كلما جئتُ أقتضى منك دينا ... عاقني الانقباض والاحتشامُ
وإذا ما المحبُّ كان جباناً ... شطَّ مرمى الهوى وغرَّ المرامُ
وإذا كان من يحيّ عظيماً ... قدرُه فالسكوت عنه كرمُ
ولعمري ما الخوف عنك نعاني ... بل نهاني الإجلال والإعظامُ
(1/394)

نبذة
من

خريدة القصر وجريدة العصر
لعماد الدين كاتب
أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن اليمني من أهل الجبال ونزل زبيد وتفقه بها وهو من تهامة من مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً من قحطان من أولاد الحكم بن سعد العشيرة وجد أبيه زيد ابن أحمد كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللهجة واللسن، شعره كثير، وعلمه غزير، ذكر أنه وفد إلى مصر في زمان المعروف بالفائز، وأقام بها إلى أن نكب فعطب وهو بمرارة فائز، أمر بصلبه في القاهرة صلاح الدين
(1/395)

في شعبان أو رمضان سنة تسع وستين في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد وكانوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى فاحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة، ووقعت اتفاقات عجيبة في قتله فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها: [بسيط]
قد كان أولُ هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأممُ
ويجوز أن يكون هذا البيت معمولاً عليه فأفتى فقهاء مصر بقتله، وحرصوا السلطان على المثلة بمثله، ومنها أنه كان في النوبة التي لا يقال عثرتها، ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها، ومنها أنه كان قد هجا أميراً كبيراً فعدوا ذلك من كبائره، وجر عليه الردى في
(1/396)

جرائره وعمل فيه تاج الدين الكندي أبو اليمن بعد صلبه: [طويل]
عمارةُ في الإسلام أبدى خيانةّ ... وبايعَ فيها بيعةً وصليبا
فأمسى شريك الشرك في بغض أحمدٍ ... فأصبح في حبَ الصليب صليبا
وكان خبيث الملتقى إن عجمتَه ... تجد منه عوداً في النفاق صليبا
سيلقي غداً ما كان يسعى لأجله ... ويُسقي صديداً في لظى وصليبا
فمن شعر عمارة ما أنشدنيه الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد بن مصال ببعلبك في شهر رمضان سنة سبعين [كامل]
لو أن قلبي يوم كاظمة معي ... لملكتُه وكظمتُ فيض الأدمعِ
قلب كفاك من الصبابة أنه ... لبى نداءَ الظاعنين وما دعى
(1/397)

ما القلب أول غادر فألومه ... هي شيمة الأيام قد خلقتْ معي
ومن الظنون الفاسدات توهمي ... بعد اليقين بقاءه في أضلعي
وأنشدني أيضاً لعمارة اليمني من قصيدة: ووجدت له بعد موته قصائد يرثى بها أهل القصر فمن جملتها قصيدة أولها: [بسيط]
رميتَ يا دهرُ كف المجد بالشللِ ... وجيدَه بعد حسن الحَلى بالعطلِ
وأنشدني الأمير العضد أبو الفوارس مرهف بن الأمير أسامة ابن مرشد بن منقذ من قصيدة له في فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بمصر عند توجهه إلى اليمن قال أنشدها وأنا حاضر وأنشدني لعمارة أيضاً في الملك المعظم شمس الدولة.
وأنشدني له أيضاً من قصيدة في صلاح الدين [طويل]
وما فكرة الإنسان إلا ذُبالة ... تضيء وبكنْ نورها بالهوى يخبو
(1/398)

ومن شعره قوله: [كامل]
إن كان يحسب أنّ خسّة أصله ... تحميه من حُمتي ومن ذُعافي
فالأسدُ تفترس الكلاب إذا عدت ... أطوارها والأسدُ غير ضعافِ
دعني أثقل بالهجاء لجامه ... إن البغال كثيرة الأخلافِ
لا تأمننّ أبا الرذائل بعدها ... وأحذرْ أمانة سارق خطافِ
فالمرتجى عند اللئام أمانةْ ... كالمرتجى ثمراً من الصفصافِ
وذكر لي بعض المصريين بالقاهرة إن الصالح بن رزيك رغب عمارة في أن يعود متشيعاً ويأخذ منه ثلاثة ألف دينار فكتب إليه والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم وترك وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم فهلك.
(1/399)