Advertisement

تعليق من أمالي ابن دريد



الكتاب: تعليق من أمالي ابن دريد
المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى: 321هـ)
المحقق: السيد مصطفى السنوسي، مدرس اللغة العربية بجامعة الكويت
الناشر: المجلس الوطني للثقافه والفنون والآداب بالكويت - قسم التراث العربي
الطبعة: الأولى، 1401 هـ - 1984 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ أعِن
(1) قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو عثمان، عن التوزّي عن أبي عُبَيْدة قال: لمّا كان يومُ الجمل، والتقَى الناسُ، خرج رجلٌ من بني اسدٍ، فلَقِىَ محمد بنَ طلحة بنَ عُبيد الله - وكان يُسَمَّى السَّجَّاد من كثرة سجوده وطُول صلاتِه - فحمل عليه الأَسَدِيُّ، فلمّا غَشِيَه قال: حم - وكانت شعار أصحاب علي رضوان الله عليه - فمضى بِطَعْنَتِهِ ولم يلتَفِتْ إلى قوله، ثم انشأ الأَسَدِيُّ يقول:
وأَشعَثَ قَوَّام بآياتِ رَبِّه ... قليلِ الأَذَى فيما تَرى العينُ مُسْلم
هَتَكْتُ بِصدْرِ الرَّمْحِ جَيْبَ قَمِيصهِ ... فَخَّر صَريعاً لليَدَيْنِ ولِلفَمِ
عَلى غَيْرِ شئٍ غَيْرَ أنَ لَيسَ تابِعاً ... عَليَّاً ومَنْ لا يَتْبَعِ الحَقَّ يَظِلم
يُذَكِّرني " حم " والرّمحُ شاجرٌ ... فَهَلاَّ تَلا " حم " قبلَ التَّقدُمِ؟
(1/71)

قال ابو بكر بن دُريد: والهيثم بن عدِي، وابن الكَلْبِي يرويان هذه القصيدة للأَشْتَر، ويزيدان في الخبر.
(2) وقال ابو بكر بن دريد: اخبرنا البكر بن سعيد عن محمد بن عَبّاد قال: ذكروا أن وفداً من اهل المدينة خرجوا إلى خُراسان إلى طَلْحة الطَّلَحات، فلمّا صاروا في بعض البَوادِي رُفِعَتْ لهم خَيْمة خفية، فمَضوا وقد اجنَّهم الليل فإذا هُم بعَجوز ليس عندها من يَحٌلُّ لها، ولا يرحل عنها، والى جنب كسر خَيمتِها عُنَيْزة، فقالوا لها: هل من مَنزل فننزل؟ فقالت: إى ها الله، على الرّحب والسّعة والمّاء السابغ، فنزلوا، فإذا ليس بقربها ولدٌ ولا اخٌ ولا بَعْلٌ. فقالت: ليِقم احدكم إلى هذه العُنَيْزة فليَذْبحها. فقالوا: اذن تهلكي، والله ايتّها العجوز، إن عندنا من
(1/72)

الطعام لبلاغا، ولا حاجة بنا إلى عُنيزتكِ، فقالت: انتم أضيافٌ وأنا المَنزولُ بها، ولولا أني امرأَة لذَبَحْتُها. فقام احدُهم مُتَعَجِّبَاً منها فذبح العَنْز، فأتخَّذت لهم طعاماً وقرَّبته اليهم، فلمّا اصبحوا غَدَتْهم ببقيتَّها، ثم قالت: أينَ تُريدون؟ قالوا: طَلْحة الطَّلَحات بخُراسان. فقالت: إذنْ والله تأتون سيِّداً ماجِداً صِهْميماً، غَيْر وَخشٍ ولا كَزومٍ هَلْ انْتُم مُبلِغوه كتاباً إن دَفَعْتَه الَيكُم؟ فَضَحكِوا، فقالوا: نفعَلُ وكرامة. فدَفَعْتْ الَيْهم كِتابَاً على قِطعةِ جرابٍ عِندَها.
فلمّا قدموا على طلحة، جعل يسألهم عما خلفوا، وما رأوا في طريقهم فذكروا العجوز وقالوا: نُخْبِرُ الاميرَ عَنْ عَجَبٍ رَأيناه. واخبروه بقصّة العجوز وصَنيعِها وقَوْلتها فيه، ثم قالوا: ولَها عندنا كِتاب اليك، ودفعوه اليه، فلمّا قرأَ الكتابَ ضَحِكَ وقال: لَحَاهَا الله منْ عجوز، ما أحْمَقَها، تكتُب إلى من اقَصْى الحِجاز تسأَلُنِي مِنْ جُبْنِ خُراسان. ولم يَدَعْ للوَفْد حَاَجةً الا قَضاها، فلمّا ارادوا الخُروج قال: هَل أَنتُم مُبلِغوها الجُبْن الذي سأَلَتْ؟ قالوا: نَعم. وقد كان أَمَرَ بِجبنْتَيَنِ عَظِيمَتَيْنِ، فأمرَ بنَقْبِهمِا ومَلاَهُمَا دَنانير، وسوَّى عليهما، ثم قَال: بَلِّغوها الجَبنَتَيْن،
(1/73)

فلمّا قدمُوا عَلَيها نَزلوا قَالوا لَها: وَيْحَك، كَتبتِ إلى مِثل طَلْحَة الطلحات تَسْتَطْعِمينَه جُبْنَ خُراسان؟ قالت: وقَد بَعثَ اليَّ بشئٍ؟ قالُوا: نَعَم، واخرجوا الجَنْبَتَين فكَسرتهُما فتَناثَرتْ الدّنانير منهما، ثم قالت: أمِثْلي يَسأَلُ طَلحَة جُبْناً؟ ثم قالت: أقرأُ عَلَيْكُم كِتابي إليه؟ قالوا: نَعم، فإذا في كتابها:
يا أيهَّا المّائِحُ دَلْوى دونَكا
اِنِّي رأَيْتُ النَّاسَ يَحمْدَوُنكما
يُثنُون خَيْراً ويُمَجدَونَكَا
ثم قالت: أفَأَقْرأُ عليكم جوابَه؟ قالوا: نعم. فأذا جوابُه
إنَّا مَلاْناها تَفيضُ فَيْضَا
َفلَنْ تَخافِي ما حيِيتِ غَيْضَاً
خُذِي لكِ الجُبْنَ، وعُودي ايْضَاً
(3) أَنشَدَ ابنُ دريد عن أبي حاتِمٍ، عن أبي عُبَيْدة للفرزدق يَمْدح نَصرَ بنَ سَيّار:
(1/74)

يَرْضَى الجَوادُ إذا كفَّاهُ وازنَتَا ... إحدَى يَمِينيْ يَديْ نصْر بنِ يسَّارِ
يَداه خَيْرُ يَديْ حَيٍّ سَمِعت به ... من الرِّجالِ بِمَعْروفٍ وإنكَارِ
العَابِطُ الكُومَ إذ هَبَّتْ شآمِيَةٌ ... وقاتلَ الكَلْبُ مَن يَدْنو إلى النَّارِ
والقائِلُ الفاعلُ الميمونُ طَاِئرُهُ ... والمّانعُ الضَّيم ان يَدْنو مِن الجَارِ
كَمْ فيكَ إن عُدِّدَ المعْروفُ مِن كَرَمٍ ... ونَائِلٍ كَخَلِيج المُزْبِد الجَارِي
انْتَ الجَوادُ الَّذِي تُرْجَى نَوافِلُهُ ... وأَبْعَدُ النَّاسِ كُلّ النَّاِس من عَاِر
وأقربُ النَّاسِ كُلّ النَّاس مِن كَرَمٍ ... يُعْطِي الرَّغائِب لم يهْمُم بإِفتار
اخبرنا ابن دريد قال: اخبرنا أبو عُثمان الأُشنانْدانِيّ، عن العُتْبي عن أبي اسحاق قال: حدثني ابنُ الكليبة قال: ولاَّني عُمر بن عبد العزيز عَمَلاً فلمّا ودّعتُه قال: يا ابن الكليبة، ما أمَلُ أهْلِك فيك؟ قلتُ: السَّلامةُ والعافِيةُ. قال: لا، ولكن أملُهم فيك ان تَرِدَ لهم عَلى ظَهْرِك، وأن تَحْمِل لهم عَلى كاهِلك، يا ابن الكُليبة إني لأَعْلَمُ أنَّ لك ولداً تُحِبُّ لهم الغِنى، وتكره لهم الفقر، وأن الله عزَّ وجلّ قد كتب عليهم فقراً، أو كتب لهم غِنى، وأنَّ اهلَ السّموات والأَرض لَو جَهدوا أن يُغْنُوا من كَتب الله عليه الفقر أو يُفْقِروا من كتب الله له الغِنى،
(1/75)

لم يقَدروا على ذلك. انظر لِنفسك، ولا تَنظر لغِيْرك، وقد أحْببتك، فلا أبغضك وأستوْدعك الله.
(5) اخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عثمان عن العُتبي، قال: قِيل لبعض الزُّهَاد: أخبرنا عن الدّنيا. فقال جَمَّةُ المَصَائِب، رَنِقَةُ المَشَارِب، لا تُمتِّع صاحِباً بصاحب.
(6) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عثمان عن التوزّي قال: صحِب ابن عبْدَل الأَسَدِيُّ معروف بن بشر حيناً، فأبْطأ عنه بصِلته، فتغّيب عنه أَياماً، ثم اتاه فقال: أيْن كنت؟ فقال: أصلَح الله الأَمير، خَطبتُ ابنةَ عمٍّ لي، فأرسلت إليَّ: انَّ لِي أَشاوي على الناسِ وديونا، فأنْطلِق فأجمعْ ذلِكَ، ثم ائْتِني أَفْعَل، ففعلت، فلمّا أَتَيتُها بحاجتها كتبت:
سَيُخْطئُكَ الَّذي أَمَّلْتَ مِني ... إذا انتَقَضَتْ عليك قُوى حِبالي
كَما أَخْطأكَ مَعْروفُ بنُ بِشْر ... وكنت تعدّ ذلك رَأْسَ مال
فلَا والله لو كَرِهَتْ شِمالي ... يميني ما وَصلْتُ بهما شِمالي
(1/76)

قال: فضَحِك وقال: ما ألطفَ ما سأَلت، وأمرَ له بخمسة آلاف.
(7) وأخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عُثمان عن التَّوزي قال: اشتري أَبو الاسود الدُّؤَلي جارية للخدمة، فأَقبلت تتطيَّبُ وتتعرّض له فأنشأَ يقول:
أَصلاحُ إِنِّي لا أُريدُك لِلصِّبَا ... فَدَعِي التَّعرُّض حَوْلنا وَتَبذَّلِي
إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحى ... ولحَمْلِ قِرْبَتِنا وغَلْى المِرْجَلِ
فإذا ترَّوحَ ضيفُ أَهْلِك أَو غدا ... فَخذِي لآخرَ نَحْوَ أَهْلكِ مُقْبِلِ
(8) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عُثمان قال: كان الجَمَّاز منقطعاً إلى أبي جزء الباهليّ، فتنسّك أَبو جزء، فقال للجَمَّاز: لا احبّ ان تُخالطني إلا تنسّك. فأَظهر النُّسك، ثم أَنشأَ يقول:
قد جفاني الأَمير كيْ أَتقرّا ... فتقرّيت مكرها لجفائه
والذي أَنْطَوى عليه المَعاصي ... عَلم الله نِيَّتي من سمائه
ما قِراةٌ لمكره بقراةٍ ... قد رَواه الأَميرُ عن فقهائه
(9) أَخبرنا ابن دريد قال: حدّثنا أبو عثمان قال: حدثني محمد بن حسّان قال: حدّثني هشام بن الكلبي قال:
(1/77)

لمّا قَدِم سيف بن ذي يزن الحِميري على كِسرى أَجلسه معه ثم دعا بالشراب، فسقاه كأْساً، فأَخذها فصبّها على رأْسه، فأَنكر كسرى ذلك، فقال: أَيّها الملك، إنِّي نذرت أَلا أَشربَ شَراباً حتى أُدرِكَ بِثأْرِي، ولمْ أَرَ مَوْضِعاً مني اكرَم عليَّ من رأسي.
(10) وأَنشَدَ الأَصمعي:
رويدَك يا قُمْرِيٌّ لَسْتَ بمضْمِرٍ ... من الشَّوق إلا دُونَ ما أَنا مُضْمِرُ
ليَكْفِكَ انَّ القلبَ مذُ انْ تنكَّرت ... أَسَيْمَاءُ عَن معروفه مُتَنَكِّرُ
سَقَى الُله أَياماً خَلَت وليالِيا ... فلم يَبْق إلاَّ عَهْدُها المُتَذَكَّرُ
لَئِنْ كانت الدُّنيا أَغَبَّت إساءةً ... لَمّا أحسْنَتْ في سالِف الدَّهر أكثرُ
(11) وعن الأَصمعي قال: قال بعضُ الحكماءِ: اصطناع المعروف في الدنيا يَقِي مَصارع السُّوء.
(12) قال: وكان عبدُ الملك بنُ مَرْوان يقول: لأَن أُخطِئ وقد استشرت أحبّ إلىّ من أَن أُصيب برأْيٍ، وقد وَثِقْتُ بِرَأْيي وقد اصبت من غير مَشورة، فإن المُمْضِيَ رَأْيَه يُزري
(1/78)

به أَمران، تصديقه رأيه الواجب عليه تكْذِيبه، وتركُه ما يزداد به بَصيرةً في أَمْره من المَشورة.
(13) قال: وقيلَ لبعض الحكماء: ما جِماعُ ما يَرْغَبُ فيه صاحبُ الدنيا. قال: الدَّعة من غير تَوانٍ، والسِّعة من غير تَبِعَة، والسُّرور من غير مَأْثَم.
(14) وقيل له: أيُّ الأُمور أَمْلكُ بالِانسان؟ الطّبيعةُ أم الأَدبُ؟ قال: الادبُ زيادةٌ في العَقل، والطبيعةُ عارِيةٌ لهما، ولكلّ واحدة آفات، قيل: فكيْف السّلامةُ من تلك؟ قال: هو ألا يَشوبَ العَقلَ العُجبُ، ولا العِلمَ الفخرُ، ولا النَّجدةَ البغْيُ، ولا اللُّبَّ الزيْغُ، ولا الحِلْمَ الحِقْدُ، ولا الجودَ السَّرَفُ، ولا الرأفةَ الجَزعُ، ولا التَّواضعَ المُخادَعةُ، ولا اللُّطْفَ المَلَقُ، ولا الحَياءَ البَلادَةُ، ولا الوَرعَ السُّمعةُ. قيلَ: فأيُّ الأدَبِ أَحْسَن؟ قالَ أَدبُ الصَّالحين.
(15) عن ابن عباس قالَ: قَدِم علينا عمرُ بن الخطَّاب - رحمةُ الله عليه - حاجّاً، فصَنَع له صفوانُ بنُ أُميّةَ طَعَاماً، قال: فجاءُوا بجَفْنَة يَحْمِلُها اربعة، فوُضِعَت بين القوم، فأخذَ القوم يأْكلونَ، وقام الخُدّام، فقالَ عمر: ما لي لا ارى خُدّامَكم يأْكُلُونَ؟ أَترغبون عنهم؟ فقال سُفيانُ بنُ عبدِ الله: لا واللهِ يا أميرَ المُؤْمِنِينَ، ولكنّا نَسْتَأْثر
(1/79)

عليهم، فَغَضِبَ غَضَباً شَديداً، ثم قال: ما لِقَوْمٍ يَستأْثِروُن على خُدّامهم؟ فَعلَ الله بهم وفَعل. ثم قال للخُدّام: اجلْسِوا فكُلُوا، فقعدَ الخُدّامُ يأْكلون، ولم يأْكل أَمير المؤمنين.
(16) وعن عبد الله بن المُبارك، قال: اشترى عمرُ بن الخطاب أعراضَ المسلمين من الحُطَيْئة بثلاثة آلاف درهم، فقال الحُطَيْئة:
واخَذْتَ أَطْرار الكلام فَلم تَدَعْ ... شَتْماً يَضُرُّ ولا مَدِيحاً ينفعُ
ومَنَعْتَني عِرَض البَخيلِ فَلَمْ يَخَفْ ... شَتْمي فأصبحَ آمناً لا يَفْزَعُ
(17) وأَنشَدَ الأَصمعي ولم يذكر قائلاً:
تُبْدِي لَك العَيْن ما في نَفْسِ صاحبِها ... من الشَّناءة، أو وُدّاً إذا كانا
إنَّ البغيضَ له عينٌ يصدُّ بها ... لا يستطيع لِمّا في الصَّدْرِ كِتمانا
وعين ذي الوُدِّ ما تَنْفَكُّ مقبلَةً ... تَرى لها مَحْجِراً بَشَّا وانسانَا
والعينُ تنطقُ والَأفواه صَامِتةٌ ... حتى تَرى من ضميرِ الْقلبِ تِبْيانا
(18) وعن الأَصمعي قال: اسْتُعْمِلَ أسلم بن زُرارة الكَلْبي على خراسان، فكان ينبِشُ قبورَ الأَعاجم، لأَنهم كانوا يَدْفِنُون مَعهم الذَّهب والفضة، وكان عليها قبلة الحَكَمُ بنُ عَمرو الغِفارِيّ، فقال بَيْهُس بنُ صُهَيبٍ الجرْميّ:
(1/80)

تَعَوَّذ بحُجْرٍ واجْعل القبرَ في الصّفا ... من الأَرض لا يَنْبِشْ عِظَاَمَك أَسْلَمُ
هو النَّابشُ القبرَ المُحيلَ عِظامُه ... لينظُرَ هلْ تحتَ السَّقائف دِرْهَمُ
تَجَنَّبْ لنا قَبْرَ الغفارِيّ والْتَمِس ... سِوى قَبرِه لاَ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الدَّمُ
(19) وأَنشَدَ الأَصمعي:
وأيّ خَير يكون في رَجُلٍ ... ليْسَ لأُنْثَى يُدْعَى ولا ذَكَرِ
ليسَ له غَيْرُ نَفسِه نَسَبٌ ... كأَنَّه آدم أَبو البَشرِ
(20) وأَنشَدَ الأَصمعي:
كِلابُ النَّاس إنْ فكَّرت فيها ... أضرُّ عليك مِن كَلَب الكِلابِ
لأنَّ الكَلبَ لا يُؤْذي صَديقاً ... وإنَّ صَديقَ هَذا في عَذابِ
ويأْتِي حين يَأْتِي في ثِيابٍ ... وقَدْ حُزِمَتْ على رَجُلٍ مُصابِ
فَأَخْزَى الله أَثواباً عَليْهِ ... وأَخْزَى الله ما تَحْت الثِّيابِ
(21) وأَنشَدَ عبد الرحمن ابن اخيِ الأَصمعي:
قُلْ للمُسَاوِر أَنَّ زَهْدَم خَائِنٌ ... فَخَفِ الالَهَ وأَعْفِنَا مِن زَهْدَمِ
انَّ العَفِيفَ اذا استْعانَ بخَائِنٍ ... كان العَفِيفُ شَريكَه فِي المّأَثَمِ
(22) وأَنشَدَ الأَصمعي:
الا أبْلغ مُعاتَبَتي وقَولْي ... بَني عَمِّي فَقَدْ حَسُنَ العِتابُ
وَسَل هَل كَان لي ذَنْبٌ اليهم هُمُ منه فأَعْتِبَهم غِضَاب
(1/81)

ُ
كَتَبْتُ الَيْهمُ كُتُباً مِراراً ... فَلَمْ يَرْجِعْ اليَّ لَهُم جَوابُ
فما أَدْري أَغيَّرهُمْ تَنَاءٍ ... وطولُ العَهْد امْ مالاً اصَابوا
ومن يَكُ لا يَدُوم لَه وصَالٌ ... وفَيه حين يَغْتَرِب انْقِلابُ
فَعَهْدِي دَائمٌ لهمُ وُوُدِّي ... على حَالٍ اذا شَهِدوا وَغَابوا
(23) وأَنشَدَ الأَصمعي:
ارى وَحْدَة المَرْء خَيْراً لَه ... اذا ما الجَليسُ عَليْه اسْتطَالاَ
وكَمْ مَجْلسٍ قَدْ حَشَدْنا لَه ... لَكَ الخَيْر هاج علينا جِدَالا
فلا تَلْحَني ان هَجَرْتُ الجَليس ... لغيرِ قلًى وَهَوَيْتُ اعْتِزَالا
وفكَّرتُ في مَا بِه قَدْ أُمِرْتُ ... وفِكْرُ اللَّبيب يهيجُ اشتعالا
اذا ما الفَتَى جاوزَ الأَرْبَعين ... ولم يُعقِبِ النَّقْصَ منه الكَمالاَ
ولم يتبعِ العُصْبةَ الزَّاهِدين ... ويَنْفِى الحَرامَ ويَبَغِى الحَلاَلاَ
فلا تَرْجُه طولَ ايَّامِه ... فَلَيْس يَزيدُك الا خَيَالاَ
(24) وأَنشَدَ عبد الرحمن وأَبو حاتم ايضا:
أَرَى سَارقَ الأَمْوالِ تُقْطَعُ كَفُّهويُنْفَى، فلَيْتَ الشِّعْرَ يُقْطَعُ سَارِقُهْ
ولو قُطع السُّرَّاق للشِّعْر لَمْ تَزَلْ ... يَمِينُ امرِئٍ في بَعضِ شِعْرٍ تُفارِقُهْ
(1/82)

وكَم مَرَّةٍ أُخْبِرتُ عَنْ مُتَنَحِّلٍ ... تَنَحَّلَ شِعراً سَائراَ أَنا نَاطِقُهْ
فَأَحْرَزَ امْوالاً بِشِعْرِى وَضَيْعَةً ... وَقَد كَان مُحْتاجاً تَنُوسُ شَبارِقُهْ
الشَّبارق: القميص الخَلق.
(25) وأَنشَدَ الأَصمعي، قال: اظُنهّا لابنِ قيس الرقّيات:
لا يُعْجِبَنَّك صَاحبٌ ... حتَّى تَبَيّنَ ما طِباعُه
ماذا يَضِنّ به عَلَي ... كَ وما يَجود بِه اتِّساعُه
أَو ما الذي يَقْوىعلَي ... هِ وما تَضيقُ به ذرَاعُه
واذا الزَّمانُ رَمَى صَفا ... تَك بالحوادِث ما دِفاعُه
فَهُناكَ تَعرِف مَا ارِتْفا ... عُ هَوى اخِيك وما اتِّضاعُه
(26) وعن الأَصمعي قال: خاف البراءُ بن قَبِيصَةَ من الحَجّاج، فهرب وانشأ يقول:
أرِقْتُ بأَحْسَاء العُنَابِ ومَنْ يَكُنْ ... له مِثل أضْيَافي مِن الهَمِّ يَأْرقِ
أخَوَّفُ بالحَجّاجِ طَوْراً ومَنْ يَكُنْ ... طَريداً لِلَيْثِ بالعِراقَيْن يَفْرَقِ
كأنَّ فُؤادِي بين اظْفَارِ طائِرٍ ... مِنْ الخَوْف في جَوِّ السَّماء مُعَلَّقِ
حِذارَ امرِئِ قد يَعْلَمُ اللهُ أنَّه ... متى ما يَعِدْ من نَفْسِه الشَّرَّ يَصْدُقِ
(1/83)

(27) وعن الأَصمعي قال: قيلَ لاعرأبي اتَصْعَدُ هذا السَّطحَ، ثم تَثِبُ منه إلى الطريق ولك كذا كذا؟ قال: نعم، فصَعد ثم اتَّزَرَ بكساءٍ وتَحَزَّم ثم انشأ يقول:
من كُلِّ شئٍ قَضَتْ نَفْسي لُبَانَتها ... إلا التَّنكُّسَ مِنْ فَوْق الأَحاجيرِ
فلمّا رَأَوُا الجِدَّ منه منعوه.
(28) وأَنشَدَ الأَصمعي للمُقَنَّع الكِنْدِيّ:
واذا رُزقْتَ مِن النَّوافِل ثَرْوَةً ... فامْنَحْ عَشيرتَكَ الأَدَانِي فَضْلَها
واسْتبْقِها لِدِفاعِ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... وارفُقْ بنَاشِيها وطَاوِعْ كَهْلَها
واحْلم إذا جَهِلتْ عَليكَ غُواتُها ... حتى تَرُدَّ بِفضلِ حِلْمٍ جَهلهَا
واعلَم بأنَّك لا تكُونُ فَتاهُمُ ... حتى تُرَى دَمِثَ الخَلائقِ سَهْلَها
(29) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن قال: اخبرنا عمِّي عن ابنِ عائشَةَ، عن أبيه قال: استأذنَ عبدُ الله ابنُ العباس على مُعاويةَ بن أبي سُفيان، فأذن له، فلمّا رآه من بعيدٍ قال لسعيد بن العاص: لأسألَنَّ ابن عبّاس عن مسائل يعِي جوابها - وعند معاوية رجالُ قُريشٍ، وأشرافُ العرب - فقال له سعيد: مَهْلاً فليس في ابن عباسٍ مَطْمعِ، ولا مثلُه يعي بجواب. فلمّا جلَسَ قال معاوية: يا ابنَ عباس، ما تقولُ في أبي بكرٍ الصّديق رحمه الله؟ قال ابن عباس: رَحِم الله أبا بَكْرٍ، كان واللهِ للقرآن تالياً، وللشَّيْنِ
(1/84)

قالياً، وعن القبيح نابياً، وعن المُنْكَر ناهياً، وعن الفَحْشاء ساهِياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المحارم جانفاً، وعن المُوبقات صادفاً، تخال قلبَه الدهرَ واجماً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دُنْياه سالِمّا، وعلى العَدْل في البرية عازماً، وفي كل الامور حازماً، والمعروف آمِراً، واليه صائراً، وعن المُهلكات زاجراً، وبنور الله ناظراً، ولنفسه في المصَالح قاهراً، فاقَ اصحابه ورعاً وكفافاً، وقناعةً وعفافاً، وسادهم زهداً وامانة وبِراً، فأنقذ الله به من الشِّقاق إلى يوم التَّلاق.
قال: فما تقول في عُمر رحمه الله، قال: رَحِمَ الله عمر كانَ والله ركنَ الاسلام، ومأْوى الأَيتام، ومحلّ الايمان، ومنتهى الإحسان، وملاذَ الضُّعفاء، ومَعْقِل الخُوّاف. قام بحق الله صابراً مُحْتسباً حتى ظهر الدين في النواحي، وذُكِر اللهُ في الاقطارِ والضَّواحي، وعُبد في كل البِقاع، وفي الغُموض واليَفَاع، مطيعاً لله عز وجل، وَقُوراً عند نقضْ الحُبَا، ذَكُوراً لله في الشِّدّة والرخا، فأَعقبَ الله مُبغِضِيه الندامة إلى يومِ القيامة.
(1/85)

قال: فما تقول في أبي عمرو عُثمان رحمه الله؟ قال رحم الله ابَا عمرو، كان والله اكرم الحَفَدة، وافضَلَ البَرَرة، قَوّاماً بالأَسْحار، كثيرَ الدموع عند ذكرالنَّار، دائمَ الفِكر فيما يَعْنِيه بالليل والنهار، نهَّاضاً إلى كُلِّ مكْرُمة، سَعّاءً إلى كل موجبة، فرَّاراً من كل مُوبقة، وفيَّاً حَييَّا أبِيَّاً، صاحب جيش العُسرة، وبئْر رومة، وخَتَنُ المُصطفى صلى الله عليه وسلم، فأَعقب الله قاتِليه اللعَّائن إلى يوم التغابن.
قال: فما تقول في علي بن أبي طالب رحمه الله؟ قال: رَحِم الله ابا حَسَن، كان واللهِ عَلَمُ الهُدى، وكَهْفَ التُّقى، ومَحلَّ الحِجى، وبَحْرَ النَّدَى، وطَوْدَ النُّهى وعلمّا للوَرى، ونوراً في ظُلم الدّجى، وداعِياً إلى المَحَجّة العظمى، ومستمكاً بالعروة الوُثْقى، وسامِياً إلى الغاية القُصوى، وعالِمّا بما في الصُّحُفِ الأُولى، وعامِلاً بطاعة الملك الأَعلى، وعارِفاً بالتأْويل والذِّكرى، ومتَعلِّقاً بأسبْاب الهُدى، وحائداً على طُرُقات الرَّدى، وسامِياً إلى المجد والعُلى، وقائِماً بالدّين والتقوى، وتاركا للجَوْر والأَذَى، واوَّلَ من آمَن واتَّقى، وسيَدَ من تقمَّص وارتدى، بعد النبيّ المصطفَى، وأفضلَ من صام وصلىّ، وأفخرَ من ضَحِك وبَكَى، صاحب القِبلتين، فهل يُساويه بشر؟ وأَبو السِّبطين فهل يوازيه احد؟ وزَوْج البتول خَيرِ النِّسوان، فهل يَلْحَقُه مخلوقٌ يكونُ او يكون؟
(1/86)

كان واللهِ للأشدّاءِ قاتِلا، ولهم في الحروب حائِلاً، على مَنْ يُبْغِضُه لعنةُ الله ولعنةُ العِباد إلى يوم التَّناد.
قال فما تقول في طَلْحَةَ والزُّبير؟ قال رحمةُ الله عليهما، كانا والله عفيفيين، مُسْلِمَيْن، مؤمنين صادقين، خَيَّرين، فاضِلين، طَاهرَينْ مُطهْرينِ، شَهِيدَين، فرَعى اللهُ لهما النصرة اليتيمة، والصُّحبة الكريمة، والأَفعال الجميلة، فأَعقب اللهُ من نالَهُما بسوء العَثْرَة إلى يومِ الحَسْرة.
قال: فما تقولُ في العَبْاس بن عبد الملطب؟ قال: رَحِم الله أبا الفَضْل، صِنْو أبي نبي الله، وقُرة عينِ صفىّ الله، سَيِّد الأَعمام، وصائن.
*** حتى اصيبه (30) وعن الأَصمعي قال: قال عَمُّ الأحنف: قال ليَ الأَحنف الْقَ مُسَيلَمَة، فأنظر ما هو، قال: فلمّا رجعت إليه قال: كيف رأيته؟ فقلت: ما هو بنبي صادق ولا بكذَّاب حاذق. فقالَ رجل ممن حضرَ: أأُخبره بهذا؟ فقلت: إذن أَقول إنك صاحبُ هذه المقالة، ثم اخالفك عليها.
(1/87)

(31) وعن الأَصمعي أن ابناً لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه ولم يسمّه سأَله أن يعطيه من مالِه، أو مال المسلمين، فقالَ عمر: أرَدْتَ أن القى الله ملكاً خائناً؟ هلا سألتني من مالي؟ ثم أعطاه كذا وكذا، شيئاً صالحا قد سمّاه من ماله.
(32) وأَنشَدَ الأَصمعي لرجل من بني هذم بن عوذ العبسي:
من يَكَ غافِلاً لم يَلْقَ بُؤْساً ... يُنِخْ يوماً بساحته القَضاءُ
تعاوَرُه بناتُ الدهرِ حتّى ... تُثَلِّمه كما ثُلِمَ الإناءُ
وكلُّ شَديدَةٍ نزلت بحَىٍّ ... سيأْتي بعدَ شِدتِها رخاءُ
فقل للمُتَّقِي غَرَضَ المنايا ... توَقّ فليس يَنفعك اتّقاءُ
فما يُعْطَي الحَريصُ غنيّ لحِرصٍ ... وقد يَنْمِي لَدَى الجود الثَّراءُ
وليس بنافعٍ ذي البُخْلِ مالٌ ... ولا مُزرٍ بصاحِبِه العَطاءُ
غَنِيٌ النفس ما اسْتَغْنَى غَنِىُّ ... وفقْر النَّفس ما عَمِرَت شَقاءُ
يودّ المرءُ لو يُفني الليالي ... ألا وفناؤُهُن لَه فَناء
وعن اسحق بن ابراهيم الموصلي قال: كانَ نُصَيْب من اهل وَدّان، وكان عبداً لرجل من بني كِنانة هو
(1/88)

واهل بيته، وكان كقدماً عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم، قال اسحق حدثني رجل من اهل كلية، من خزاعة، وكلية: قرية كان يكون بها نصيب، وكثير، قال بلغني أن نصيباً قال: قلت الشعر وانا شاب فأعجبني قولي، ثم اتهمت رأيي ونفسي، فجعلت آتي أشياخاً من خزاعة، وأَنشَدَهم القصيدة من شعري، ثم انسبها إلى بعض شعرائهم، فيقولون: احسن والله، هذا الكلام، وهكذا الشعر، فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو يومئ ذ بمصر، فقلت لأختي امامة - وكانت عاقلة -: أي أخت إني قلت شعراً، وانا أريد عبد العزيز بن مروان، فأرجوا أن يعتقك الله به، وكل من رق من قرابتي. قالت: إنا لله وإنا اليه راجعون يا بن أم، اتجمع عليك الخصلتين: السواد، وأن تكون ضحكة للناس؟ قال: قلت: فأسمعي، فأَنشَدَتها، فقالت: بأبي أنت أحسنت والله، في هذا والله رجاء عظيم، فأخرج على بركة الله، فخرجت على قعود لي فأتيت المدينة، فوجدت بها
(1/89)

الفرزدق في مسجد النبي صلى الله وسلم، فهويت إليه فقلت، أَنشَدَه واستنشده، وأعرض عليه شعري، فأَنشَدَته، فقال لي، ويلك هذا شعرك الذي تطلب به الملكو؟ قلت: نعم: قال: لست في شئ، إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فأفعل، قال: فأنفضخت عرقاً، وحصبني رجل من قريش كان قريباً من الفرزدق، سمع غنشادي، وسمع ما قال الفرزدق، فأوما الي، فقمت إليه، فقال: ويحك هذا شعرك الذي أَنشَدَته الفرزدق؟ قلت: نعم، قال: فقد احسنت والله، والله أن كان الرفزدق لشاعراً إنك لتعرف محاسن الشعر، وقد والله حسدك، فأمض لوجهك، ولا يكسرك ما قال، فسرني قوله، وعلمت أنه قد صدقني، قال: فأعتزمت المضي إلى عبد العزيز فحضرت بابه مع الناس، فنحيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراهم، فرأيت رجلاً على بغلة حسن الهيئة، يؤذن له إذا جاء، فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه اماشي دابته، فلمّا رآني قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، انا رجل من اهل الحجاز، شاعر، وقد مدحت الامير، وخرجت إليه راجياً لمعروفه، وقد اخرت عن الباب ونحيت، قال: فأَنشَدَني، فأَنشَدَته، فأعجبه شعري، فقال: ويحك! هذا شعرك؟ اياك أن تنحل، فأن الامير راوية، عالم بالشعر، وعنده رواة، فلا تفضحن نفسك، فقلت: والله ما هو
(1/90)

إلا شعري، قال: فقل أبياتاً تذكر فيها حوف مصر وتفضلها على غيرها، والقني بها غداً، فغدوت عليه، وأَنشَدَته:
سرى الهم تثنيني إليك طلائعه ... بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لحمه ... عن العظم، حتى كاد تبدو واشاجعه
قال: وذكرت فيها الغيث فقلت:
وكم دون ذاك العارض البارق الذي ... له اشتقت من وجه أسيل مدامعه
يمشي به افناء بكر ومذحج ... وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه
بكل مسيل من تهامة طيب ... دميث الربا تسقى البحار دوافعه
قال: انت والله شاعر، احضر الباب فأني ذاكرك، فجلست على الباب، ودخل فما ظننت انه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي، فدخلت فسملت على عبد العزيز فصعد في بصره وصوب، ثم قال: أشاعر؟ ويلك! قلت: نعم أيها الامير، قال: فأَنشَدَني، فأَنشَدَته فاعجبه شعري، وجاءه الحاجب فقال: ايها الامير. هذا أيمن بن خريم الأَسَدِيُّ بالباب، قال: فأذن له، فدخل، فأطمأن، فقال له: يا ايمن، كم ترى ثمن هذا العبد؟ فنظر الي فقال:
(1/91)

انه لنعم الغادي اثر المخاض، ثمنه مئة دينار، قال: فأن له شعرا وفصاحة، قال لي ايمن: اتقول الشعر؟ قلت: نعم، قال: فثمنه ثلاثون دينارا، قال: يا ايمن ارفعه وتخفضه؟ قال: لانه احمق، ما لهذا وللشعر؟، مثل هذا يقول الشعر ويحسنه؟ قال: أَنشَدَه يا نصيب، فأَنشَدَته، فقال له عبد العزيز: كيف تسمع؟ قال: شعر اسود، وهو اشعر اهل جلدته، قال: هو والله اشعر منك، قال: امني ايها الامير؟ قال: أي والله منك، قال: انك ايها الامير لمل كرف، قال: كذبت والله ما انا كذلك، ولو كنت كذلك ما صبرت عليك تنازعني التحية، وتؤاكلني الطعام، وتتكئ على وسائدي وفرشي وبك الذي بك - يعني وضحا كان بأيمن - قال: فاذن لي اخرج إلى بشر بالعراق، واحملني على البريد، ففعل، فخرج ايمن إلى بشر فأَنشَدَه:
ركبت من المقطم في جمادي ... إلى بشر بن مروان البريدا
ولو اعطاك بشر الف الف ... رأى حقا عليه بأن يزيدا
امير المؤمنين اقم ببشر ... عمود الدين ان له عمودا
ودع بشرا يقومها ويحدث ... لاهل الزيغ اسلاما جديدا
كأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لاعظم الايام عيدا
على ديباج خدى وجه بشر ... اذا الالوان خالفت الخدودا
(1/92)

ينعي بقوله: اذا الالوان، لانه كان بوجه عبد العزيز كلف.
فأعقب مدحتي سرجا خلنجا ... وأبيض جوزجانياعنودا
وانا قد وجدنا ام بشر ... كأم الاسد مذكارا ولودا
فأعطاه مئة الف وعن اسحاق بن ابراهيم قال: بلغني ان نصيبا كان اما قدم على هشام اخلى له مجلسا، واستنشده مراثى أبيه، وبكى معه، فأَنشَدَه يوما مديحا له في قصيدة طويلة، يقول فيها:
اذا استبق الناس العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثم صلت شمالكا
فقال له هشام: بلغت غاية المدح فسلني اعطك، قال: يدك بالعطية اجود وابسط من لساني بالمسألة، فأمر له بخمسين الفا، وما اجاز هشام بها احدا قط.
وعن أبي عُبَيْدة، عن يونس قال: قال بلغني عن أبي وجزة انه قال: لقيت النسابة البكري بمنى،
(1/93)

فسألته، فاذا هو اعلم الناس، فقلت له: أي الشعراء اغزل؟ قال: اصدقهم وجدا، الذي ان سمعت شعره اويت لقائله، اما نفث في سمعك قول حجازيكم، عبد الله بن عجلان الهندي، واستخفه مرة الوجد فهرب، فوقع ببلاد بني فزارة، فقال:
بكى فرثت له اجبال صبح ... واسعدت الجبال بها مروت
حجازي الهوى علق بنجد ... جوى لا يعيش ولا يموت
فتردعه الدبور لها اجيج ... ويسلمه إلى الوجد المبيت
كأن فؤاده كفا غريق ... تنازعه بشط البحر حوت
لهند منك عين ذات سجل ... وقلب سوف يفقد او يفوت
اذا اكتنفا بضرهما سقيما ... يعادي الداء ليس له مقيت
وعن اسحاق بن ابراهيم قال: كان نصيب يتتبع كل من كانت بينه وبينه قرابة فيشتريه ويعتقه، فبقي ابن عم له يقال له سحيم عند رجل من الاعراب، فقال لسيده: بعنى ابن عمى، هذا الذي عندك، فأبى عليه، فقال له
(1/94)

نصيب: كم الذي تسأل به؟ فذكر شيئا كثيرا، فقال له: يقنعك هذا؟ قال: نعم، قال: قد اخذته على ان تمهلني في الثمن حتى اسعى فيه فأجمعه، قال: فمن يكفيني امر غنمي؟ قلت: غلامي هذا، وهو اجلد منه، يقوم فيه كله، فرضى به، وخرجت فطلبت ثمنه، وسألت فيه حتى اتمه الله، وجئته فدفعته اليه، واعتقت سحيما، فكان معي، فبينا انا يوما في بعض الطريق اذا الناس مجتمعون ينظرون، فملت اليهم، فاذا سحيم وسطهم سكران باتُّ يزمر ويرقص، فلمّا رآني طرح المزمار من يده، قلت: سحيم، قال: سحيم، والله لئن كنت اعتقتني لمّا تحب فو الله ما انا كما تحب، وان كنت اعتقتني لمّا احب فهذا الذي احب، فقلت:
اني اراني لسحيم قائلا ... ان سحيما لم يثبني طائلا
ولم يكن بر الفؤاد واصلا ... نسيت اعمالي لك الرواحلا
وقرعي الابواب فيك سائلا ... حتى اذا انست خيرا عاجلا
وليتني منك القفا والكاهلا ... اخلقا شكسا ولونا حائلا
(1/95)

وأَنشَدَ اسحق بن ابراهيم:
الآن ابصرت المدى ... وعلا المشيب مفارقي
ابصرت امر غوايتي ... ومنحت قصد طرائقي
وعن كاتب كان لطاهر قال: ولّى طاهر بعض النواحي رجلا، فقال لي: أكتب عهده واترك في اسفل القرطاس فضلا، قال: ففعلت ما امرني، فأخذ القرطاس وكتب في اسفله:
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذم مع التقدير تدبير
فان هلكت مصيباً وأظفرت به ... فأنت عند اولي الالباب معذور
وان ملكت على جهل وفزت به ... قالوا جهول اعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور
(39) وعن أبي حاتم قال: اخبرني رجل من أهل البصرة كان يصاحب أبا نواس، قال: مرض ابو نواس فكتب إلى صديق يعاتبه على ترك عيادته:
يا صديقي لقد جفاني جميع ... الناس لمّا جفوتني واستهانوا
بي وقد كنت كالامير عليهم ... بك إذ كنت ملطفأبي وكانوا
لي عبيداً أو كالعبيد المطيفي ... ن فلمّا أقضيتني واستبانوا
(1/96)

سوء حالي لديك صاروا مع الده ... ر ولو عدت لي عادوا ودانوا
لي، فعد لي فلست مثل اناس ... كنت ارجوا الوفاء منهم فخانوا
(40) وعن رجل من اهل بغداد، قال: دخلت على العباس بن جذيمة، في مرضه الذ مات فيه، فرأيته قد جزع جزعاً شديداً، فقلت له: ما هذا الجزع الذي اراه بك؟ فبكى، ثم انشأ يقول:
إن ذكر الموت أبدى جزعي ... ولمثل الموت نبدي الجزعا
وله كأس لنا دائرة ... مزجت بالصاب منها التلعا
كل حي سوف يسقاه وإن ... مدت العيشة منه جرعا
(41) وعن أبي حاتم، قال: سألت أبا عُبَيْدة عن قولهم: النذير العريان. قال: هو الزبير بن عمرو الخثعمي، وكان ناكحاً في بني زيد، فأرادت بنو زيد ان تغزو خثعم، فخافوا أن ينذر قومه، وكان اصم، فزملوه، واحتفظوا به، فصادف غرة، فحاضرهم، وكان من اجود الناس شداً، فاتى قومه فقال:
(1/97)

أنا المنذر العريان ينبذ ثوبه ... لك الخير لا ينبذك الثوب كذاب
(42) وأَنشَدَ الأَصمعي لشقران العذري يرثي اخاه:
ذكرت أبا أروى كانني ... برد الهموم المّاضيات وكيل
لكل اجتماع من خليليين فرقة ... وكل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
(43) وعن الأَصمعي، قال: مات معدان بن مضرب السكوني، وخلف اولاداً عيلة، ولاخيه حجية بن المضرب مئتان من الابل، فيها عبدان له، فامر عبديه ان يريحا إبله على ولد اخيه، فإنه قد وهبها لهم، وكانت له امرأتان فغضبت إحداهما، فقال حجية:
لججنا ولجت هذه في التجنب ... وشد قناع دوننا وتنقب
وخطت بعود إثمد جفن عينها ... لتقتلني، وشد ما حب زينب
رأيت اليتامى لا يسد اختلالهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب
فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي بيت آخر معزب
(1/98)

عيالي اولى أن ينالوا خصاصة ... وان يشربوا رنقاً إلى حين مكسب
عطاء مليك أو أسير أفكه ... إذا نام عنه كل نكس معصب
فإن تقنعي فأنت بعض عيالنا وإن تكرهي سوء المعيشة فأذهبي
أنفت لهم من أن يكون اختيارهم ... عطاء الموالي من أفيل ومصعب
رحمت بني معدان إذ ساف مالهم ... وحقوا به مني ورب المحبص
احأبي به عظام من لو لقيته ... حريباً لاساني على كل مركب
اخوك الذي إن تدعه لعظيمة يجبك ... وإن تغضب إلى السيف يغضب

ومن الجزء الخمس
(44) اخبرنا ابو بكر بن دريد، قال: أخبرنا ابو حاتم عن الأَصمعي عن يونس قال: جاء اعرأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، والله لقد امسينا ومالنا بعير يئط ولا صبي يصطبح، ثم أَنشَدَه:
اتيناك والعذراء يدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى
ولا وزر إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا الرسل
(1/99)

فقام النبي صلى الله عليه يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً غدقاُ طبقاً، عجلا غير رائث، نافعا غير ضائر، تنبت به الزرع، وتملا به الضرع، وتحيي به الارض بعد موتها. فو الله ما رد يده إلى نحره حتى التقت السماء بأودائها وجاء اهل الباطنة يصيحون، يا رسول الله، الغرق الغرق، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدسنة حتى احدق بها كالاكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله أبو طالب، لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي - رضوان الله عليه - فقال: يا رسول الله، كانك اردت:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للارامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نترك احمداً ... ولمّا نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن ابائنا والحلائل
(1/100)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فقل رجل فقال:
لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا لوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوةً ... إليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلفت الرداء ... وأسرع حتى أتتنا الدرر
دقاق العزا لي وجم البعاق ... اغاث به الله حيي مُضر
وكان كما قاله عمُّه ... ابو طالب أبيضا ذا غرر
به الله أنزل صوب الغمام ... فهذا العيان وذاك الخبر
فمن يشكر الله يلق المزيد ... ومن يكفر الله يلق الغير
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت.
(45) قال أبو عُبَيْدة: كان عقبة بن زهير بن أبي سلمى يشبب بسلمى، احدى نساء بني الجُلَيح، فتوعدوه فقال:
تذكر سلمى إنه لَطَروب ... على حين أن شابت وكاد يشيب
وادبر منها كل خير وأقبلت ... عواذله تلحى وليس ذنوب
يفدينه طوراً يلمنه ... ويزعم أن ليست لهن قلوب
(1/101)

أتذهب سلمى في النهار فلا ترى ... وبالليل أيم حيث شاء يشيب
المت بنا من أذرعات فسلمت ... من الليل أو رؤيا المنام كذوب
فو الله ما ادري أسلمى تقولت ... أم الحلم أم كل إلى حبيب
على حين وافى الحج كل مبلد ... إلى الله يدعو ربه وينيب
فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب
فصدت بعيني جؤذر فتمايلت ... بمثل كثيب مال فيه قضيب
وكرت بالحاظ المها وتبسمت ... بعجفاء عن غر لهن غروب
جرى الإسحل الأحوى عليهن أو جرى ... عليهن من فرع الأرك قضيب
فإن تك سلمى قد امر حديثها ... فقد كان يحلو مرة ويطيب
وانت امرو تغدو على كل غرةٍ ... فتخطي فيها مرة وتصيب
ومن يك غارات على الناس ماله ... فلابد يوماً أنه سيخيب
فقلت له قد طال نومك فأرتحل ... أبا لنوم داوي الفلاة تجوب
(46) اخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عمي الحسين بن دريد، عن ابن عائشة، عن صفوان بن عيسى، قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اطلبوا الحوائج إلى الحسِان
(1/102)

الوجوه. فقال: رجل يا أبا عبد الرحمن إنما يعني من الوجوه التي تحل، فقال ابن عائشة، لا، إلا من الوجوه التي يدل عليها الخير، وأَنشَدَ:
وجهك الوجه لو تسأل به المزن ... من الحسن والجمال استهلا
وأَنشَدَ أيضاً:
وجوه لو ان المدلجين اغتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
(47) وعن أبي عُبَيْدة قال: تشاتم بلال بن أبي بردة والعريان بن الهيثم عند خالد بن عبد الله القسري، فقال بلال: إني والله ما انا بأبيض الراحتين، ولا منتشر النحرين، ولا جعد قطط. فقال له خالد: ويلك يا بلال، أشعر هذا؟ قال: لا، ولكنه كلام يتلو بعضه بعضاً. قال: فأسرع العريان إلى أبيه وجده فتناولهما، فقال بلال: يا عريان، اتريد أن تشتم أبا بردة لأشتم أباك، وتشتم جدي لأشتم جدك؟ كلا، والله إني لكما قال مسكين الدارمي:
(1/103)

انا مسكين لمن يعرفني ... ولمن ينكرني جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق
فقال خالد: ويلك يا عريان، لشد ما احتقرك بلال.
(48) وعن ابن عائشة قال: كان فيمن كان قبلكم ملك من الملوك، وكان شديد الغضب، فكتب لأهله ثلاث صحائف، وقال: إذا رأيتموني قد اشتد غضبي فأدفعوا إلي هذه، فإذا لاأيتموني قد سكن قليلاً فأدفعوا الي بالاخرى، فإذا رأيتموه قد سكن فأدفعوا إلى الثالثة.
وكان في الاولى: إنك لست بإله، وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً.
وفي الثانية: لا يرحم من في السماء من لا يرحم من في الارض.
وفي الثالثة: خذ الناس بأمر الله، فأنه لا يصلحهم الا ذاك.
(49) وعن أبي عُبَيْدة قال: خطب رجل من بني تميم، يقال له لقيط، إلى شفاء بن ناصر المنافي، من بني مناف بن دارم، ابنته، فلم يزوجه، وقال:
(1/104)

تروح يالقيط فأن ليلى ... برأبية لها شرف منيف
تخبرني بأنك ذو فضول ... وترعد لي كما رعد الخريف
ففي الاعياص اكفاء لليلى ... وفي قبر لها كف شريف
ثم تواترت على شفاء سنون، فزوج ابنته لرجل من بني نهشل، فقال الفرزدق:
رأيت شفاء طأطأ الحوب رأسه ... وقد كان يلفي رأسه وهو طامح
أأنكحت ليلى راعي الضأن منهما ... ومرت لذي المعزى النحوس البوارح
وراحت بفياض قلوص بغرة ... ومن تطوعنه حاجة فهو رائح
أأنكحت ليلى نهشليا لمّاله ... هبلت، وكانت في قريش مناكح
(50) وعن أبي يزيد مولى مزينة قال: امتخط الحسن بن علي - رضوان الله عليهما - عند معاوية بيمينه، فقال له معاوية: أتمتخط بيمينك؟ قال: نعم، يميني لمّا علا، ويساري لمّا سفل، فقال معاوية: اهل بيت يرتفعون من حيث يتضع الناس.
(1/105)

(51) وأَنشَدَ الأَصمعي لشفاء المنافي:
المرء من ريب المنون كأنه ... عود تعاوره الرعاء ركوب
ذهبت شعوب بماله وبأهله ... ان المنايا للرجال شعوب
نصبا لكل منية يرمى بها ... حتى يصاب سواده المنصوب
(52) وعن أبي عُبَيْدة قال: قامت امرأَة إلى الحجاجفقالت: اصلحك الله، ان لي ابنا جهز في ثغر كذا وكذا منذ كذا وكذا، فأنا كما قال الشاعر:
مثل عجول فقدت بوها ... قد فاتها الوارد والصادر
ارعى نجوم الليل مكروبة ... والقلب مني واله طائر
فامنن على من لبها ذاهل ... وليلها من همها ساهر
فأمر بقفوله، ثم قال: عليك لعنة الله ان عققتها او هممتها.
(53) وعن الهيثم بن عدي عن رحالة، قال: وفد على عبد اللهابن سوار بن همام العبدي رجل من اهل البصرة، وهو عامل معاوية على السند، فانتظر اذنه ثلاثا، ثم دخل عليه فأنكره فقال: من الرجل؟ قال: من اهل البصرة، من بني تميم،
(1/106)

ثم من بني سعد، قال: وما أقدمك؟ قال: حرمة أمت بها: ماهي؟ قال: كنت تمر بمجلس بني سعد فتسلم، فأرد عليك بأتم من سلامك، وبأجهر من كلامك، واتبعك بدعائي من بين رجال قومي، قال: حرمة والله.
(54) وكان لقمان بن عاديا الذي عمّر عمر سبعة أنسر، مبتلى بالنساء، وكان يتزوج المراة فتخونه، فتزوج غير امرأَة، حتى تزوج جارية صغيرة لم تعرف الرجال، ثم نقر لها بيتا في صفح جبل، وجعل له درجة سلاسل ينزل بها ويصعد، فأذا خرج رفعت السلاسل حتى يرجع، فتعرض لها فتى من العماليق، فوقعت في نفسه، فأتى بني أبيه فقال: والله لاجنين عليكم حربا لا تقومون بها، قالوا: وما ذاك؟ قال: امرأَة لقمان هي احب الناس الي، قالوا: فكيف نحتال لها؟ قال: اجمعوا سيوفا ثم اجعلوني بينها، وشدوها حزمة عظيمة، ثم ائتوا لقمان فقولوا: انا اردنا ان نسافر، ونحن نستودعك سوفنا هذه حتى نرجع، وسموا له يوما. ففعلوا، واقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان، فوضعها في ناحية بيته وخرج لقمان، وتحرك الرجل، فحلت الجارية عنه، فكان
(1/107)

يأتيها، فأذا احست بلقمان جعلته بين السيوف، حتى انقضت الايام، ثم استرجعوا سيوفهم، فرفع لقمان رأسه بعد ذلك، فأذا نخامة تنوس في سقف البيت، فقال لامراته: من نخم هذه؟ قالت: انا، قال: فتنخمي، ففعلت، فلم تصنع شيئا. فقال: يا ويلتاه، السيوف دهتني، ثم رمى بها من ذروة الجبل، فتقطعت قطعا، وانحدر مغضبا، فأذا ابة له يقال لها صحر، قالت يا ابتاه ما شأنك؟ فقال: وأَنتِ أَيضا من النِّساءِ، فضرب رأسها بصخرة فقتلها. فقال العرب: ما أَذنبت الا ذنب صُحْر، فصارت مثلا.
(55) وعن عبد الله بن عميرنقال: كانت الاعاجم قد بلغهم ان العرب سيظهرون على بلادهم، ويستعبدون ابناءهم، وكان سابور ذو الاكتاف لا يسمع بغرة لاحد من العرب الا غار عليهم، فسمع بغرة لبني تميم فحذروا، فقال لهم عمرو بن تميم - وهو يومئذ شيخ قد اتت عليه خمسمئة سنة، وقد تناسل اولاد اولاده فصاروا قبائل -: اذهبوا ودعوني، فقد
(1/108)

حضر اجلي، فلعلي اصرف هذا عنكم، او يقتلني فأستريح، فجعل في مكتل، وعلق بشجرة ينزل تحتها سابور، وأقبل سابور فوجدهم قد نذروا، فنظر إلى المكتل، فأمر به فأنزل، فأذا هو بشيخ كبير، فقال له: من انت؟ وقال لترجمانه: سله من هو، وما احواله. فقال له الترجمان: من انت؟ قال: انا من العرب قال: ومن أي العرب؟ قال: انا ابن تميم بن مر فقال سابور: اياك أطلب وقومك خاصة قال له عمرو: علينغا ايها الملك، مالك ولقومي تقتلهم؟ قال: بلغني انكم الذين تظهرون علينا وتقهروننا على بلادنا.
فقال له عمرو: أبحق تستيقنه ام بظن تظنه؟، فو الله لئن كان باطلا ما ينبغي ان تقتل قوما براء في غير ذنب، وان كان حقا عندك، ثم قتلت العرب كلهم لأبقى الله منهم رجلا يفعل ذلك بك وبأهل بلدك، فأحسن الينا نحسن اليك، واحسن السيرة فينا نحسن السيرة فيك.
فقال سابور: لأن أكون سمعت هذا الكلام قبل اليوم احب الي من ان اعطي ملء الارض ذهبا وفضة، فخلى سبيله وكف
(1/109)

عن قتلهم بعد ذلك. فبهذا قال العنبري يمن على بني تميم:
رددنا جمع سابور وانتم ... بمهواة متالفها كثير
(56) وعن عُبَيْدة، قال: وقفت امرأَة من الخوارج على الحسن، فقالت: ياابا سعيد:
الموت باب لدار انت داخلها ... فانظر لنفسك بعد الباب ما الدار
فقال الحسن: الدار جنة عدن ان عملت بما يرضى الاله وان قصرت فالنار ثم دخل بيته فلم يزل وقيذا اياما.
(57) وعن أبي عُبَيْدة، قال: كان ابو العطاف التميمي باع حجة كان حجها من رجل من بني دارم لرجل من اهل الكوفة بخمسين درهما، وقال:
لئن طلب الكوفي اجرا بحجتي ... لقد زادت الكوفي من ربه بعدا
شرى حجة لا يقبل الله بيعها ... لشر عباد الله كلهم عبدا
فميعاد يوم القيامة نلتقي ... جميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده يوم القيامة نلتقي ... جميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده باب الجحيم فأنه ... له موعد والله ينجز الوعدا
(1/110)

(58) وعن الأَصمعي، قال: قدم حسان بن ثابت على جبلة بن الايهم الغساني، فمرض عنده، فعاده جبلة، وقال: ما تشتهي يا أبا الوليد؟ فقال: ما لايوجد ببلدكم، رطبات مختلفات من رطب ابن طاب، قال: والله ما نقدر على هذا، ثم قال: يا أبا الوليد اني والله شعفت بالخمر، فاذممها لي. قال حسان في ذلك:
لولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرع ... دنى، وأن العقل ينأى فيعزب
فقال: أفسدتها على، فحسنها إلى فقال:
لولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد مال يستفاد ويطلب
أمانيها والنفس تظهر طيبها ... على همها والحزن يسلى فيذهب
فقال: لاجرم، والله لاتركتها

ومن الجزء الثاني
(59) قال الاقيشر:
رب ندمان كريم سيد ... ماجد الجدين من فرعى مضر
قد سقيت الكأس حتى هرها ... لم يخالط صفوها فيها كدر
قلت قم فصلى قاعداً ... تتغشاه سمادير السكر
(1/111)

قرن الظهر مع كما ... تقرن الحقة بالحق الذكر
ترك الطور فما يقرأها ... وتلا الكوثر من بين السور
(60) وعن أبى عُبَيْدة، قال: لمّا عزل يزيد بن الملهب عن خرسان، وولى قتيبة، قال كعب الاشقري (3) ذهب الكرام المفضلون فهذا العام لارعد ولابرق
وترى مياه الارض غائضة ... وترى سحاباً ماله ودق
لافضل يرجى عند ذي سعة ... ولايدر لمرضع عرق
ولاترى كف يجاد بها ... بعطاء ذي فقر ولا رزق
(61) وعن حماد بن اسحاق، قال: كان لرجل عبادي امرأتان: عجوز، وشابة، فكانت العجوز اذا رأت في لحيته شعرة سوداء نتفتها، وكانت الشابة أذا رأت بيضاء نتفتها، حتى تركتها أمعط. سس (62) وعن الأَصمعي، قال: مر أعرأبي معه رمح برجل عبادي، فقال له العبادي: أتبيعه؟ فقال الاعرأبي: نعم،
(1/112)

بكم تشتريه؟ فقال العبادي: برغيف. فقال الاعرأبي: هل (20) رأيت رمحاً قط اشترى برغيف؟ فقال العبادي: أخزى الله شرهما في الجوف.
(63) وعن الاعصمي، قال كان عندنا قاضي بالبصرة، فأقبل يوماً يطرب ويبكى ويقول: أمن ذكر خود دمع عينك يسفح فقيل له: ماخوذ؟ فقال: واد في جهنم ياحمقى (64) وأَنشَدَ الأَصمعي:
أرى ابلى من أخر الليل سجعت ... حنيناًوما قرة العين حنت
تحن إلى الغراء من وضح الحمى ... ولو جن شيء من نزاع لجنت
(65) وأَنشَدَ الأَصمعي:
فلو كان يغني غير أن ليس مغنياً ... حنين اذن لم نأل فيه التاسيا
(66) وعن الأَصمعي، قال: كان صخر والمغيرة ابنا حبناء التميميان من بنى ربيعة بن حنظلة، فأيسر أحدهما (فامتن) على الاخر، فقال لاخيه:
رأيتك لمّا نلت مالاً وعضنا ... زمان نرى في حد أنيابه شغبا
تجنى على الدهر أنى مذنب ... فأمسك ولاتجعل يسارك لى ذنبا
(1/113)

فأجابه أخوه:
لحى الله أنانا عن الضيف بالقرى ... وأقصرنا عن عرض والده ذبا
واجدرنا ان يدخل البيت باسته ... اذا القف ابدى من مخارمه ركبا
يريد انه اذا رأى ركبا قد نجد من القف زحف إلى بيته باسته لئلا يرى فيستضاف.
(67) وعن الأَصمعي، قال: قال هلال المّازني - واغترب عن قومه:
اقول لناقتي عجلي وحنت ... إلى الوقبى ونحن على جراد
اتاح الله يا عجلي بلادا ... هواك بها مربات العهاد
واسقاها فرواها بودق ... مخارجه كأطراف المزاد
فما عن بغضة منا وزهد ... تبدلنا بها عليا مراد
ولكن الحوادث اجهضتنا ... عن الوقبى واطراف الثماد
(1/114)

(68) وأَنشَدَ الأَصمعي لاعرأبي يذم ابنه:
الحمد لله كل بابنه جذل ... غيري اكابد منه الغيظ والمضضا
فليت ربي دعاه غير ممهله ... وكان لي منه ثكل دائم عوضا
فلو تسدد ايدي الموت اسهمها ... نحوي اذن لنصبت ابني لها غرضا
هل يقبل الموت اضعاف الفدى هبة ام هل يسلفني من سمه عرضا
لعل روحا من الايام تدركني ... حتى اذا استودعته الرمس فانقرضا
(69) وأَنشَدَ الأَصمعي قال: أَنشَدَني رجل من اهل الكوفة:
تعرض لي في دلها نبطية ... لاعشقها اني اذن لعشوق
فقلت: ابعدي عني وانت ذميمة ... بعيد لعمري ما طلبت سحيق
ولكن لبلغ حرة قد هويتها ... واحببتها اني بذاك حقيق
(70) وأَنشَدَ الأَصمعي، ولم يسم قائلا:
ما بلغ الانعام في الشكر غاية ... على المرء الا غاية الشكر اطول
ولا بلغت ايدي المنيلين بسطة ... من الطول الا بسطة الشكر افضل
ولا رجحت في الوزن يوما صنيعة ... على المرء الا وهي بالشكر اثقل
فمن يشكر المعروف يوما فقد اتى ... اخا العرف من حسن المكافاة من عل
(1/115)

(71) وأَنشَدَ الأَصمعي للشماخ:
اذا نادى قرينته حمام ... جرى لصابتي دمع سفوح
يرجع بالدعاء على غصون ... هتوف بالضحى غرد فصيح
هفا لهديله منياذا ماتغرد ساجعاقلب قريح
فقلت: حمامة تبكي حماما ... وكل الحب نزاع طموح
(72) وعن معمر بن راشد، ان عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب اليه معاوية: اما بعد، فأن التفهم في الخير زيادة في الخير زيادة ورشد، وان الرشيد من رشد عن العجلة، وان الخائب من خاب عن الاناة، وان المتثبت مصيب، وان العجل مخطيء، ومن لم ينفعه الرفق ضره الخرق، ومن لم تنفعه التجارب لا يدرك المعالي، ولا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، ولا يدرك ذلك الا ان يقوده الحلم، والعاقل يسلم من الزلل بالتثبت والاناة وترك العجلة، ولايزال (العجل) يخشى الندامة.
(73) وعن الأَصمعي، قال سمعت أعرأبياً يقول: الشر مخوف من كل وجه، والنفع مرجو من كل ناحية،
(1/116)

وما أكثر ما يأتي الخير من وجه الخوف، ويأتي الشر من ناحية الرجاء.
(74) وعن مسلم بن يسار، قال: قدمت البحرين، فنزلت على امرأَة لها بنون ورقيق ومال، وهي مكتبئة، فلمّا أردت الخروج سلمت عليها، وقلت: هل لك من حاجة؟ قالت: حاجتنا إن قدمت هذا البلد ان تنزل علينا. فغبرت نحواً من عشرين سنة، ثم قدمت فأتيت بابها فأذا هو موحش، فأستأذنت عليها، فسمعت ضحكها، فاذنت لي، وعندها إنسانة، فلمّا دخلت قالت: أراك تعجب مما ترى، فقلت: إنسانة، فلمّا دخلت قالت، أراك تعجب مما ترى، فقلت: أجل، قد رأيت بابك فأنه لآهل، قالت: فأنك لمّا خرجت من عندنا جعلنا لا نرسل في بر لاالا عطب، ولا بحر الا غرق، ومات بنى ورفيقى. قلت فالكآبة والسرور اليوم؟ قالت: إنى كنت إذا ذكرت حالى تلك ظنت أنه لا خير لةى عند ربى، فلمّا رزئت مالى ووالدى رجوت، قال مسلم: فلقيت عبد الله بن عمر فحدثته الحديث، فقال: ما سبق نبى الله أيوب، صلى الله عليه وسلم، هذه الا حبوا، ولكنى أنشقت خميصتى فأرؤسلت بها مع نافع يرفؤ ها، فلم يجئ رفؤها كما أحب، فغمنى ذلك
(1/117)

(75) وعن جراد بن طارق، قال: أقبلت مع عمر - رحمة الله عمله - لصلاة الغداة، حتى اذا كنا بالسوق، سمعت صوت صبي يبكي، فجاء حتى قام عليه، فاذا عنده أمه، فقال: ما شأنك؟ قالت: جئت إلى هذه السوق لبعض الحاجة، فضربني المخاض، فولدت. وهي إلى جنب دار قوم في السوق. فقال: أشعر بك أحد من أهل هذه الدار؟ وما صنع أهل هذه الدار؟ أما انى لو علمتهم شعروا بك لم ينفعوك بشيء فعلت بهم كذا وكذا، ثم دعا لها بشربة من سويق، فقال: اشربي هذا يقطع الحس ويقبض الحشا ويدر العرق، ثم دخل المسجد فصلى بالناس.
(76) وعن أبى عُبَيْدة عن يونس، قال: كان عمروا بن عدى الشاعر الذي يقال له: (الخصفى) لقبه (الكيذبان) ، وانما سمى الكيذبان لانه لقيه جيش، فقالوا له: ما أنت؟ فقال: أنا وأصحاب لى خرجنا نريد الغارة. فقالوا: وكم هم؟ قال: إذا كنا ومثلنا ونصف مثلنا كنا كذا وكذا، فشغلهم بالحساب، ومر على وجه فانملس منهم، فسمى الكيذبان
(1/118)

ومن الجزء الثالث
(77) وعن الأَصمعي، قال: اخبرني محمد بن حرب الهلالي قال: خرجت مرة اريد مكة، فنزلت بحي من بني اسد، ثم من بني والبة، فأذا انا بشيخ كبير السن، حسن اللباس، فسلمت عليه، ثم جلست، فسألته عن سنه، فقال: خنقت عشرين ومئة، فسألته عن طعمه، فقال: ما ازيد على الصبوح والغبوق شيئا، فسألته عن الباءة، فقال: ايهات والله، لقد وفدت على هشام وهو في رصافته يشرب اللبن، وذلك اني ذكرت له، فسالني عن طعمي، فقلت: الصبوح والغبوق، وسألني عن الباء، فقلت: والله ان لي لثلاث نسوة، بت عند احداهن ليلة، واصبحت غاديا إلى الاخرى وفي رأسي اثر الغسل فقالت: امط عني، افرغت ما في صلبك. فقلت: والله لافينك ما وفيتها. فلاعبتها، ثم توركتها، حتى اذا اردت الانزال اخرجته فأمسكته، فنزا المّاء حتى حاذا رأسها. فقلت: ايكون هذا ممن افرغ ماء صلبه؟ ثم تناولت عشر حصيات، فكلمّا صرت إلى الفراغ ناولتها حصاة، حتى اتيت على العشر، فسالتها كم في يدك؟ قالت: تسع، قلت لها: بل عشر،
(1/119)

فقالت: لا، والله لا احسب لك ما لم يصل الي، فضحك هشام حتى استلقى على فراشه. ثم اني سألته كيف انت اليوم؟ فقال: هيهات والله اني لانال بين اليومين والثلاثة، وما في الثاني طائل، ثم ضرب بيده على فخذه وقال:
قد كبرت بعد شباب سني ... واضعف الازلم مني ركني
والدهر يبلى جده ويفني ... قد اعرضت ام عيالي عني
اذ عز عندي ما تريد مني ... وقالت الحسناء يوما ذرني
ولم ترد ذرني ولكن ... وانها عن ذاك كانت تكنى
(78) وعن الأَصمعي، قال: اوصى اعرأبي بنيه فقال: اتقوا الظهيرة الغراء، والفلاة الغبراء، وردوا المّاء بالمّاء.
(79) عن أبي حاتم قال الأَصمعي: تقول العرب: فلان لا تثنى به الشمال، أي لا يجعل السادس، وأَنشَدَ:
الم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ولو انني اذنبت لم اك هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا
(1/120)

(80) وعن الهيثم، قال: شهد المسور على يزيد بن معاوية انه شرب الخمر اذ وفد عليه، فبلغ ذلك يزيد، فكتب إلى اهل المدينة يسألهم عن قوله، فشهدوا عليه انه قاله، فحده.
(81) وأَنشَدَ ابو عُبَيْدة لسليم بن ربيعة الضبي:
حلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا، واهلك باللوى فالحلة
وكأن في العينين حب قرنفل ... او سنبلا كحلت به فانهلت
زعمت تماضر انني اما امت ... يسدد أبينوها الاصاغر خلتي
تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسرى وحين تعلتي
رجلا اذا ما النائبات غشيته ... اكفى لمضلعة وان هي جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس ... نهلت قناتي من مطاه وعلت
واذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيدي من قمع العشار الجلة
ولقد رابت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللتيا والتي
وصفحت عن ذي جهلها ورفدتها ... نصحى ولم تصب العشيرة زلتي
وكفيت مولاي الاحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلة
(1/121)

(82) وعن ابن أبي خالد: قال: سمع الهيثم رجلا يعير رجلا بأمه، فقال: مه، ام عنترة زبيبة سبية من تيم الرباب، وام زيد الخيل قوشة سبية من كلب، وام ذي الرقيبة فارس بني قشير اسيدة سبية من اسد السراة، وام عمرو بن العاص النابغة سبية من عنزة، وام عبد الله بن زياد مرجانة سبية من اصبهان، وام الشعبي سبية من جلولاء، وام خالد بن عبد الله القسري سبية رومية، وام القباع سبية حبشية بيضاء كانها القلب، وام السليك سبية سوداء. قال ابو عُبَيْدة: وهي من اماء بني الحارث بن كعب، وام وكيع بن عمير سبية من دورق، وام عبد الله بن حازم سبية سوداء، وام زياد سبية من زندورد.
(83) وعن مروان بن قيس الدوسي قال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت عنده الكهانة فيما كان من آياته عند مخرجه. فقلت له: يا رسول الله - صلى الله عليك - عندنا من ذلك شئ بين، كانت عندنا جارية حسانة ظرافة يقال لها الخلصة، ولم يعلم عليها الا خيرا، فاذا هي قد جاءتنا في مجلس لنا، فقالت: يا معشر دوس هل علمتم علىّ
(1/122)

الا خيرا؟ قلنا: لا والله، قالت: بينا انا في غنمي اليوم، اذ غشيتني ظلمة، وقد وجدت كحس الرجل مع المراة، وقد خشيت ان اكون قد حملت. فاستمرت حاملا، فولدت غلاما اغضف، له اذنان كأذني كلب، فمكث حتى اذا كان غلاما، فبينا هو يلعب مع الصبيان اذ القى ازاره، ووثب، وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله ياويل غنم وويل فهم، من قابس النار اتى بالدهم، بقتل همدان وقتل فهم، يا ويله يا ويله بالاجلاب، نزلوا والله بالمعشبة المحطاب، الخيل والله وراء العقبة، نقية كالجنة، ياويله، فركبنا واستلأمنا، فقلنا: ويلك، ما ترى؟ فقال: هل من جارية طامث لم تكعب، معها صبي؟ قلنا: وكيف لنا بها؟ فقال شيخ من الحي: عندي هي والله عفيفة عفيفة الام، رأيت امها نبذت في فراشها البارحة، فقال: عجلها. فأتت الجارية، فطلعت الخيل، فقال: اطرحي ثوبك، واعدي في وجهي وقال القوم: اتبعوا اثرها، وقال لرجل منا يقال له احمد بن حابس: يا احمد بن حابس اني حابس عليك اول فارس، وقال: فظهر والله اول مرتجل منا
(1/123)

يقال له: احمر، فلقى اول عادية القوم، فصرعه وغنمناهم، قال: فبنينا عليه بيتا وسميناه ذا الخلصة، كان لا يقول شيئا الا وجدناه كما يقول، حتى قال لنا يوما: يا معشر دوس، نزلت بنو الحارث بن كعب، والجيش عفاس، فاركبوا، فاستلأمنا وركبنا، فقال: والقوا القوم غدية، واشربوا الخمر عشية، فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فقلنا: ويلك: مالك وما صنعت بنا؟ واغتفرناها له، فمكثنا ما شاء الله، فاذا هو يقول: يا معشر دوس، هل لكم في غزوة تهب لكم عزا؟ قلنا: ما احوجنا اليها؟؟ قال: اركبوا، فركبنا، فقال: ايتوا بني الحارث بن مسلمة فاجعلوها بينه، ثم قال: عليكم بفهم، كلا، ليس لكم فيهم دم، عليكم بنصر وجشم، رهط دريد بن الصمة، كلا، قليل الحنث وفي الذمة، عليكم بكعب بن ربيعة، فانهم اهل فجيعة، فلتكن بهم الوقيعة، قال: فخرجنا فلقيناهم، فهزمونا وفضحونا. فقلنا: ويلك: ماذا تصنع بنا؟ فقال: ما ادري، اكذبني الذي صدقني؟ امكثوا عني ثلاثا ثم ائتوني. فلمّا مضت الثلاث خرج الينا، فقال: يا معشر دوس، خرست السماء، وحل القضاء، وخرج خاتم الانبياء. قلنا: اين؟ قال: مكة بكة، انا ميث لثلاث، فادفنوني في رأس موضع جفو،
(1/124)

فاني سوف اضطرم نارا، فلا اكونن عليكم عارا، فقولوا عند ذلك: باسم اللهم رب النار، وارموني بثلاثة احجار، ففعلنا، فطفئت النار، ورجع الينا الحاج فأخبرونا بمخرجك يا رسول الله.
(84) وعن الهيثم بن عدي، قال: ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الكهانة يوما، فقال الزبان العدواني: والله يا رسول الله لقد رايت من ذلك عجبا. قال: وما هو؟ قال: كانت لنا ام يقال لها: انيسة فولدتني واربعة اخوة معي، فكانت عدوان تتعجب منا، وتقول: بنو انيسة، فخرجت في سفر، فتركتهم في آثارهم لاطلبهم فأردهم، فلم اجد لهم خبرا، حتى انزل على رجل من نهد، فاني لعنده اذ طلعت جويرية امام غنم فرزاء، على عنقها علبة، والجارية فوق الخماسية، فلمّا راها قال: مرحبا يا بنيتي صحيبة، وانعمي واسلمي، قالت: قد كان ما قلت، وانت بمثله، لا زلت في غيث وواد يرف بقله، قال: اخبرينا يا بنية كيف كنت بعدنا وكيف كنا بعدك؟ واما انتم بعدي فان ضيفكم هذا ولدت بعده امراته غلاما، فسمته عصاما، ولقد نزل عليكم فتية اربعة
(1/125)

معهم ناقة جذعة، قالوا الضحى، فارتحلوا الظهيرة، فهم واردون ماء جويرة، فيردونه غلسا، فيشربون منه نفسا، ثم يميلون وهم كالون، فيموتون اجمعون، ثم القت العلبة وصفقت بيدها، وقالت: مه، فسدت اللعبة، اخوهم ورب الكعبة، قال: فهل ترين لهم من فرج؟ قالت: نعم، ان سار في الاصيل، حتى يدركهم بطفيل، في ورودهم حين تهب الريح، وينفخ الشيح، طاب الشراب وسلم الاياب.
قال: فخرجت سريعا، وكنت اذا استبطأت ناقتي طردت وسعيت، حتى ادركهم فأجدهم قد شربوا، واجدهم موتى اجمعين فذلك قولي:
ابعد بني امي ابتغي ... ندامى كراما او اظل اشاوف
لاصرف عنهم حتفهم واضمهم ... إلى
سبقت بهم اسعى واوضع وليس....... صارف قال فضحك رسوال الله صلى عليه وسلم:........
(85) وعن الشعبي، قال: كان قبل..... النبي صلى الله عليه وسلم.....................وان ظلمة ظالم انتصر به، فاذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربه
(1/126)

واستنصره، وقد كنت في هذه الطبقات: وقد ظلمني ابن نهيك، في ضيعة لي في ولايته، فان نصرتني عليه اخذت لي بمظلمتي، والا استنصرت الله عز وجل، ولجأت اليه، فانظر لنفسك ايها الامير، او دع. فتضاءل ابو جعفر، وقال: اعد علي الكلام، فأعاده. فقال: اما اول شئ فقد عزلت ابن نهيك عن ناحيته، وامر برد ضيعته.
(86) وعن الكلبي، قال: وجه النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى ود - صنم لكلب - فكسره جذاذا وقاتل دونه ناس من كلب، فقتل منهم رجال، وقتل منهم غلام يقال له جامع، فجاءت امه تتصفح القتلى، فلمّا وجدته قالت:
الا تلك المسرة لا تدوم ... ولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له ام رؤوم
ثم اسندته إلى صدرها وقالت: يا جامعا جامع الاحشاء والكبد ياليتامك لم تولد ولم تلد ثم شهقت شهقة اتبعتها نفسها.
(1/127)

(87) وعن العتبي قال: صعد عمر بن عبد العزيز يوما المنبر فحمد الله واثنى عليه، وقال: ان كنتم على يقين فانتم حمقى، وان كنتم في شك فانتم هلكى، ثم نزل.
(88) وعن الأَصمعي قال: سمعت اعرأبيا يدعو لرجل، فقال: جنبك الله الامرين، وكفاك شر الاجوفين، واذاقك البردين.
(89) وعن ابن الكلبي، عن أبيه قال: دخل الصقر بن صفوان الكلاعي على هشام بن عبد الملك، وعليه سيف عريض، فقال له مسلمة: ياصقر. فقال: انما يدعى الرجل بأحب أسمائه اليه، فأين الكنية؟ فقال له مسلمة: والله اني لاضنك أحمق. قال: قد كنا ننهي عن مجارة الصبيان. فقال له هشام: والله ما أظنك ضربت بسيفك هذا أحداً، قال أما منذ ضربت به عن أبيك وجدك اذ أتينا هاربين خائفين فلا، ثم خرج وهو يقول:
ألا أبلغ مسيلمة بن عبد ... مقال ماجد قلب هجان
....................................... بالبنان
وتزعم لا أبالك أن سيفي ... بعيد العهد بالمهج الحوان
ولو ساءلت جدك عن شباه ... غداة الزج في رهج العنان
(1/128)

لاخبر أن تذبيبي بسيفي ... سرى عن وجه هول الجنان
أمسلم لو شهدت رجال قيس تعرض للضراب وللطعان وقد أوفت على مروان منهم سعير الموت ساطعة الدخان فلم يوئله الا منكبانا وطودا عزة متساميان ولولا نحن أصبح ملك فهر هزيم المتن منحرق الشنان فان تك نعمة لم تشكروها ولم تخشوا معاقبة الزمان فانا لا نقول لعاثريكم لعاً من بعدها بل للجران فبعث هشام إلى رجال من أكلب وحمير فترضاهم، وأمرهم بتأنيب الكلاعي وعذله، وأعطاه حتى رضى.
(90) وعن محمد بن سلام، قال كان بالمدينة فتى من بني أميه من ولد سعيد بن عثمان بن عفان، وكان يختلف إلى قينة لبعض قريش، وكان طريراً ظريفا، وكانت الجارية تحبه ولا يعلم، ويحبها ولاتعلم، فأرد يوماً أن يبلو ذلك، فقال لبعض اخوانه: امض بنا إلى فلانة (فلنكلمها) ، فدخلا اليها، وتوافى فتيان من قريش والانصار فلمّا جلست مجلسها واحتجرت بمزهرها، قال الاموي تغنين:
(1/129)

أحبكم بكل جوارحي ... فهل لكم علم بما لكم عندي
وتجزون بالود المضاعف مثله فأن الكريم من جزى الود بالود فقالت أحسن منه، وغنت:
للذى ودنا المودة بالضعف ... وفضل البادي به لايجازى
لو بدا مابنا لكم ملا الارض وأقطار شاملها والحجازا فعجب القوم من سرعته مع شغل قلبه، ومن ذهنها وحسن جوابها. فازداد بها كلفاً، وصرح بما في قلبه، وقال:
أنت عذر الفتى اذا هتك الستر ... وان كان يوسف المعصوما
من يلم في هواك يقصر عن اللوم واما رأك كان الملوما وبلغ عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة، فاشتراها بعشر حدائق، ووهبها له بما يصلحها، فمكثت عنده حولاً ثم ماتت، فرثها فقال:
قد تمنيت جنة الخلد بالجهد ... فأدخلتها بلا استهلال
ثم أخرجت اذ تطعمت بالنعمة ... منها والموت أحمد حال
فكرر هذا الشعر مراراً، وقضى فدفنا معاً، فقال أشعب:
هذا سيد شهداء الهوى، انحروا على قبره سبعين نحرة،
كما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة سبعين
(1/130)

تكبيرة. قال: وبلغ ذلك أبا حازم، فقال: ما محب لله يبلغ به الحب هذا المبلغ فهو اولى.
(91) وعن عبد الملك بن أبي السائب، قال: أخبرني ابن أبي عتيق، قال: إني لأسير في أرض بني عذرة إذا امرأَة تحمل غلاماً ليس مثله يتورك، فعجبت من ذلك، فإذاذ رجل له لحية، فقلت: من هذا رحمك الله؟ فقالت: أسمعت بعروة بن حزام؟ قال: قلت: نعم. قالت: هذا عروة، صيره الحب إلى ما ترى. فقلت: أأنت عروة؟ فكلمني وعيناه تدوران في رأسه، فقال: نعم، وانا والله الذي اقول:
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا: نعم نشفي من الداء كله ... وراحا مع العواد يبتدران
فما تركا من سلوة يعلمّانها ... ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا: شفاك الله، والله مالنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان
فلهفي على عفراء لهفاً كأنه ... على القلب والأحشاء حد سنان
فعفراء أحظى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني
(1/131)

ثم ذهبت، فما رحت عن المّاء حتى سمعت الصيحة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ما عروة. قال عبد الملك فقلت: أبا السائب، والله ما أراه إلا شرق. قال: بم شرق؟ قلت: بريقه، أفترى إنساناً يموت من الحب؟ قال: سخنت عينك! والله لا تفلح ابداً، فمن أي شئٍ مات؟ ويلك.
(92) وعن الأَصمعي، قال: كان يقال: من أمل رجلاً هابه، ومن قصر عن شئٍ عابه. وإنما يعيب الشئ الذي قصر عنه حسداً.
(93) عن عبد الأول بن مزيد، قال: أخبرني أبي عن رجل لقيه بمكة، قال: دعا رجل فقال: اللهم إني أون كنت قد عصيتك فبحبي فيك من اطاعك إلا رحمتني، فهتف به هاتف: عقدت عقداً لا ينحل أبدا.
(94) وعن الأَصمعي، قالَ: ضرب هلال بن الاسعر المّازني عبيد بن جزءٍ المّازني فأثابه، ولم يمت، فحبس هلال ونقل عبيد، فخاف هلال إن مات عبيد أن يقتل به، فقال لرجل قد وكل به: اطلب لي مغرة وربا فأتاه به، فشربه، فأصابته خلفة، فظن الرجل انه
(1/132)

لمّا به، فتراخى عنه. قالَ هلال: فلمّا غفل عني قطعت القد وخرجت أزحف على بطني، فمضيت ليلتي، فأصبحت عند قوم، فألقوا على محشا لهم، فلبسته، ومضيت، فأصبح في اليوم الثالث عند راع، فمضى وترك بكرا، فلا أدري أتركه عمداً أم أغفله، فنحرته بمروة، وجمعت حطباً فأشتويته، فأكلت لحم العنق وأساود بطنه، وألقيت مذراعه وأخفاقه، واتيت عليه إلا بقية حملتها في كسائي، فحمل عنه الدية رجل من بني مازن.
(95) قالَ الأَصمعي: وأخبرني من رأى هِلالاً أنه قد أكل ثلاث جفان ثريداً، ثم استسقى فجئ بقربة نبيذ، ثم جئ بقمع في فيه، ثم صب في فيه حتى استوفاها.
(96) وعن سحيم بن حفص، قالَ: كان ليحيى بن عبيد الله وكيل يشرف على ابله، فقال: لقيني أعرأبي فقال لي: هل لك في رجل لم يصب بقلاً منذ ثلاثة ايام فتؤجر فيه؟ قلت: نعم. فقمت إلى بكر فنحرته، ثم جمعت انا والاعرأبي حطباً، فألقيناه على البكر حتى لم ير منه شئ، وألقينا فيه النار، وتحدثنا حتى خمدت النار، وبرد ما هناك، وكشطنا عن البكر، وجلس ناحية فأكلنا حتى اتينا
(1/133)

على الظهر ثم اخذنا العنق حتى اتينا عليها، ثم العجز، حتى اتينا على البكر. فلمّا فرغنا منه، قلت: هل انتهيت؟ قالَ: إن في لبقية.
(97) وعن العباس بن هشام، عن أبيه قالَ: دخل أبو السربال الكلبي على سليمان بن عبد الملك - وهو امير، وعنده روح بن زنباع الجذامي، وحسان بن مالك بن بحدل الكلبي وهو يتغدى، فقال له سلمّان: ادن.
فقال: لا، حتى اعرف من أكلائي. فأشار سليمان إلى روح، فقال: هذا روح بن زنباع. فقال أبو السربال: هذار رجل قل ما اعتركت الأضياف بباب أبيه، ومن هذا؟ قالَ: هذا ابن بحدل. قالَ: إن هذا لصغير اللقمة، ومعهم رجل من قريش أمه رومية، فهو أقشر أحمر. فقال أبو السربال: أما هذا فلا أسأل عنه، هذا قيصر. فضحك سليمان والقوم، وجلس أبو السربال، فأكل، وجاءُوا بفالوذج، فجعل سليمان يعظم اللقمة، وقال: دونك يا أبا السربال، فإن هذا يزيد في الدماغ، فقال أبو السربال: أصلح الله الأمير، لو كان هذا كما تقول لكان رأسك مثل رأس البغل.
(1/134)

(98) أَنشَدَ الأَصمعي لسليم بن ربيعة الضبي، أو لإياس بن الأرت الطائي:
هلم خليلي والغواية قد تصبى ... هلم نحيي المنتشين من الشرب
نسل سخيمات الرجال بشربة ... ونجري السرور اليوم باللهو واللعب
إذا ما تراخت ساعة فاجعلها ... بخيرٍ، فأن الدهر أعضل ذو عتب
فإن يك خيراً أو يكن بعض راحة فإنك لاق من هموم ومن كرب (99) وأَنشَدَ الأَصمعي لابن شبرمة الضبي:
ويوم شديد الحر قصر طوله ... دم الزق عنا، واصطكاك المزاهر
لدن غدوة حتى اروح وصحبتي ... عصاة على الناهين شم المناخر
كأن أباريق الشمول عشية ... إوزبأ على الطف عوج الحناجر
(100) عن موسى بن عبد الله الخزاعي، عن أبيه، قالَ: اجتمع عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم عند عائشة، فقال مروان: قاتل الله لبيداً حيث يقول:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يعود رماداً بعد إذ هو ساطع
فقال عبد الله: لقد أحسن، ولو شئت ان اقول احسن منه لقلت. فقال له مروان: قل، فمثلك قالَ وأحسن. فقال:
(1/135)

ففوض إلى الله الامور اذا اعترت ... وبالله لا بالاقربين فدافع
فقال مروان: احسنت، ولو قلت:
وفوض إلى الرحمن امرك انه ... اذا حم لم يشسع به الدهر شاسع
كان احسن. فاقبل عبد الله ينشده، كالمتعجب، فقال مروان:
ومن يشأ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لا يرفع الله رافع
فقال عبد الله: وما يستوي عبدان: عبد مظلم عتل لارحام الاقارب قاطع فقال مروان:
وعبد تجافى جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع
واشار اغلى نفسه، فقال عبد الله:
وللخير اهل يعرفون بهديهم ... اذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان:
وللشر اهل يعرفون بسلبهم ... تشير اليهم بالفجور الاصابع
واشار إلى عبد الله، فقال عبد الله: وفينا، ثم سكت.
فقال له مروان: اخرستك. فقال: لا.
فقال مروان: لعلك اردت ان تقول:
وفينا اناس لم تكن اقعدتهم ... عن الخير فيمن اقعدته المطامع
(1/136)

فقال: لا، وقد احسنت.
قالَ: فلعلك اردت ان تقول:
وفينا اناس يختلون بدينهم ... لكي يدركوا الدنيا وتلك الفجائع
فقال: لا، وقد اسأت.
فقال: انت والله اسوأ قريضا، واشد تعريضا.
فقالت عائشة لعبد الله: يا ابن اختي، ما منكما الا شاعر، ولكن لمروان ارث في الشعر ليس لك، من قبل آل صفوان بن محرث.
(101) عن أبي طلحة موسى بن عبد الله الخزاعي قالَ: بلغني ان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - كان لا يجف فوه من هذا البيت:
لا خير عيش امرئ لم يكن له ... من الله في دار القرار نصيب
(102) قالَ: وبلغني ان مروان كان كثير ما ينشد:
كأن شيئا من الدنيا يعاش به ... اذا انقضى غير تقوى الله لم يكن
(103) عن أبي طلحة، قالَ: قالَ أبي: كان ابو الزناد كثيرا ما ينشد:
ان الحرام غزيرة حلباته ... ووجدت حالبه الحلال مصورا
(1/137)

(104) وعن الأَصمعي، قالَ: قالَ اعرأبي لبعض الولاة: ان الذي اطلبه لله جل وعز رضى، وللامير طاعة، وانت المرء لا يشقى من حللت اليه، ولا يجار على من وليت عليه.
(105) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت اعرأبيا يقول: خرجنا نريد سفرا، والشمس فبي قلة السماء، حيث انتعل كل شئ ظله، وما زادنا الا التواكل، وما مطايانا الا الارجل، حتى لحقنا بغيتنا.
(106) عن الهيثم، قالَ: قالَ عبد الله بن مروان لعبيد الله بن ظبيان العائشي: بلغني انك لا تشبه اباك.
قالَ: والله لانا اشبه به من المّاء بالمّاء، والتمرة بالتمرة والغراب بالغراب، ولكن ان شئت انبأتك يا امير المؤمنين بمن لا يشبه اباه.
قالَ: من هو؟ قالَ: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الارحام، ولم يشبه الاخوال ولا الاعمام.
قالَ: ومن هو؟
(1/138)

قالَ: سويد بن منجوف. وكان سويد حاضرا، فقال عبد الملك اكذاك يا سويد؟ قالَ: نعم. ونهض عبد الملك وخرجا، فقال ابن ظبيان لسويد: والله ما يسرني ان لي بجوابك اياه سؤددا.
(107) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: قدم المنذر الاسلمي على المنذر بن الزبير، وكانت بينهما خصومة، فقال ابن الزبير: اما والله لقد قدمت على من يبغض طلعتك، وخرجت من عند من كان يشتهي الراحة منك.
فقال: الاسلمي: فلا انعم الله بمن قدمت عليه عينا، ولا خلف على من خرجت من عنده بخير.
(108) وعن العتبي، قالَ: سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يمدح فاطمة بنت الحسين - رحمة الله عليهما - فقال: لا تعرف الشر.
فقال عمر: معرفتها بالشر جنبتها اياه.
(109) وعن الأَصمعي، قالَ: شاور رجل من العرب رجلا في التزويج، فقال له: افعل، واياك والجمال الفائق، فانه مرعى انيق.
(1/139)

فقال الرجل: نهيتني عما اطلب فقال: او ما سمعت قول الشاعر:
ولت ترى الدهر مرعى مونقا ابدا ... الا وجدت به اثار مأكول
(110) وعن أبي عُبَيْدة قالَ: دخل معاوية حائطا له بمكة ومعه خالد بن صفوان، فقال له معاوية: كيف ترى هذا الحائط يا ابا صفوان؟ فقال: اراه على خلاف ما وصف الله به هذا البلد، قالَ الله: (بوادٍ غير ذيِ زرع) ، وقد جعلت فيه زرعا.
فقال له معاوية: متى تعلمت هذه الاية؟ فقال: اما انا فقد اوجعتك، فقل ما شئت.
(111) وعن الأَصمعي، قالَ: كان بالمدينة غلام احمق، فقال لامه: يوشك ان تريني عظيم الشأن.
قالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابتيها احمق منك.
فقال: والله ما رجوت هذا الامر الا من حيث يئست منه، اما علمت ان هذا زمان الحمقى، وانا احدهم.
(1/140)

(112) وعن أبي يزيد، قققال: كانوا اذا قالوا: من اعبد اهل البصرة؟ قالوا ثابت البناني.
واذا قيل: من احفظ اهل البصرة؟ قالوا: قتادة واذا قالوا: من ازهدهم واعلمهم واحفظهم واورعهم واعبدهم؟ قالوا: الحسن.
(113) وعن احمد بن المعذل، قالَ: كان الحجاج ينشد أبيات اسماء بن خارجة، ويقول: ما احسدني له فيها، فض الله فاه، وهي:
يا منزل الغيث بعد ما قنطوا ... ويا ولي النعماء والمنن
يكون ما شئت أن يكون وما ... قدرت أن لا يكون لم يكن
لو شئت إذ كان حبها عرضا ... لم ترني وجهها ولم ترني
(1/141)

يا جارة البيت لي ساكنا ... إذ ليس بعض الجيران بالسكن
أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفاً من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقة ... ما لحديث الموموق من ثمن
(114) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان المغيرة بن عبد الله الثقفي بخيلا، وكان واليا على الكوفة من قبل الحجاج، وكان يؤتي في طعامه بجدي لا يمسه غيره، وكان على شرط الكوفة عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي للحجاج فقال عبد الرحمن لرجل من الشرط من تيم الرباب: إن أكلت من جدي المغيرة لم أكلفك النوبة سنة، فأكل التيمي فبلغ المغيرة، فشكاه إلى الحجاج، فعزله.
(115) قالَ أبو عُبَيْدة: وكان المغيرة يأكل ذات ليلة مع اصحابه تمراً في طست، فطفئ المصباح، فأكل بعض القوم تمرتين، ورمى بناوتين، فقال المغيرة: من هذا الذي يضرب بالكعبين؟ (116) وعن أبي عُبَيْدة: قالَ: كان الحكم بن ايوب من ولد أبي عقيل الثقفي بخيلاً، وكان عاملاً على البصرة للحجاج، فأستعمل رجلاً من بني مازن يقال له
(1/142)

جرير بن بهيس ولقبه العطرق على العرق موضع قريب من البصرة، كانت فيه إبل للحجاج يسقي الناس ألبانها فخرج الحكم متنزها إلى العرق، فأتى بغدائه، فدعا العطرق فتغدى معه، وجاؤا بدراجة، فتناول العطرق فخذها، فأنتزعها، فعزله الحكم، وأستعمل مكانه نويرة بن شقيق المّازني. فقال نويرة:
قد كان بالعرق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن دراجة الحكم
وفي عوارض ما تنفك تأكلها ... لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
وفي وطاب مملاة مثممة ... فيها الصريح الذي يشفي من السقم
ثم استعمل الحكم رجلا من بني ضبة، يقال له المحلق فقال نويرة:
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ... ونصحي إذن ما بعتني بالمحلق
ولا اعتل سراق العراقة صالح ... على ولا كلفت ذنب العطرق
قالَ: أبو بكر: يعني صالح بن أبي كدير المّازني، وكان على استخراج للحجاج، فدفع اليه رجلاً، ليستخرج منه مالاً، فدفنه حياً، فلقبه الحجاج قفل الأمانة.
(1/143)

وما جعل البازي الذي بات طاويا ... إلى خرب رخو الجناحين نقنق
(34) رأى خفقة من طائر إن يقم له يفته، وإن يهرب من الموت يلحق (117) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان حميد الأرقط، وهو احد رجاز بني تميم، هجاءً للضيفان، فحاشا عليهم، فنزل به ضيف ذات ليلة، فاق لامراته: نزل بك البلاء، فقومي فأعدي لنا شيئاً، فجعل الضيف يأكل متنفجا، ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلمّا فرغ، قالَ حميد:
يخر على الأطناب من حدل بيتنا ... هجف لمخزون التحية باذل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى ... فدى لك ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت: لعمري ما لهذا طرقتني ... فكل ودع الأخبار ما انت آكل
تجهز كفاه ويحدر حلقه ... إلى الصدر ما ضمت إليه الأنامل
(1/144)

أتانا ولم يعد له سحبان وائل ... بيانا وعلمّا بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كانه ... من العي لمّا ان تكلم باقل
(118) وعن الأَصمعي، قالَ: سمع اعرأبي قوماً يتجادولن في الخنثى من أين يورث. فقال احدهم: قالَ الزهري: من حيث يبول. فقال الأعرأبي: أما سمعتم ما قالَ الشاعر في ذلك؟ قالوا: وما قالَ؟ قالَ: قالَ:
ومهمة يعي القضاة عياؤها ... تذر الفقيه يشك شك الجاهل
عجلت قبل حنيذها بشوائها ... وقطعت مشكلها بحكم فاصل
فتركتها بعد العماية سنة ... للمهتدين، وللإمام العادل
قالوا من اين يورث الخنثى فقد ... عمى الجواب؟ فقل مقال العاقل
قلت المبال عليكم، فتدينوا ... فالحكم يظهر في مبال البائل
(1/145)

قالَ ابو حاتم: وهي كلمة أولها:
انت ادركي بني غفار بعدما ... خافوا تأخر كل مولى خاذل
وهم بثغر الموت تنهب فوقهم ... غنم ويذمرها قبائل وائل
فرلددت في حر الوجوه دماءها ... ورددت خصمهم بأفوق ناصل
ومهمة أعي القضاة عياؤها ... تذر الفقيه يشك شك الجاهل
(119) وعن الأَصمعي، قالَ: قالَ رجل لمّالك بن انس: قلت أبيات شعر، وذكرتك فيها، فأجعلني في حل. قالَ: أنت في حل. قالَ: احب أن تسمعها قالَ: لا حاجة لي بذلك. قالَ: بلى.
قالَ: فهات إذاً، فأَنشَدَه:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصبا ... وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبئكم اني مصيب وإنما ... أسلى هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى ... أثام وهل في ضمة المتهالك
فضحك مالك رحمه الله، وكان يظن انه قد هجاه.
(1/146)

(120) عن العتبي، قالَ: وقال: رجل من جلساء عمر بن عبد العزيز لرجل سمعه يتكلم بكلام أعجبه: لله أبوك، أني أوتيت هذا العلم؟ فقال الرجل: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا، ولو انا عملنا بما علمنا لأوتينا علمّا لا تقوم له أبداننا.
(121) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني أن هرم بن حيان قالَ لأويس القرني: أني آنس بك. فقال أويس: ما كنت احسب ان أحداً يستوحش مع الله. قالَ: فأين تأمرني ان انزل؟ قالَ: عليك بالشام، فأنزل سيف بحرها. قالَ: فكيف بالمعاش؟ قالَ: أفخالط القلوب فما تنفعها موعظة؟ تفر إلى الله وتتهمه في رزقك؟ (122) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت أعرأبياً يعذل صاحباً له في الشراب، فقال له:
فأنك لو شربت الخمر حتى ... يظل لكل انملة دبيب
إذاً لعذرتني وعلمت اني ... بما اتلفت من مالي مصيب
(1/147)

(123) وأَنشَدَ الأَصمعي:
تقول سليمى سار اهلك فارتحل ... فقلت: وهل تدرين ويحك من اهلي؟
وهل لي اهل غير ظهر مطيتي ... اروح واغدو ما يفارقها رحلي
(124) وأَنشَدَ ابو حاتم، ولم يسم قائلا:
لا تعديني الفقر يا ام مالك ... فان الغنى للمنفقين قريب
وما زلت مثل الغيث يبطيء مرة ... فيفلي ويولي مرة فيثوب
وللمّال اشراك وان ضن ربه ... يصاب الفتى من ماله ويصيب
فما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الاغنياء يخيب
(125) عن الهيثم بن عدي، قالَ: كتب عدي بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزيز: اما بعد، فأن قبلي ناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما لست اقدر على استخراجه من ايديهم، الا ان يمسهم شئ من العذاب، فان رأى امير المؤمنين ان يأذن لي في ذلك فعل، فكتب اليه عمر: اما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك اياي في عذاب بشر، كأني لك جنة من عذاب الله، وكأن رضائي ينجيك
(1/148)

من سخط الله. فانظر فمن قامت عليه البينة فخذه بما قامت به عليه، ومن اقر لك بشئ فخذه بما اقر به، ومن انكر فاستحلفه بالله وخل سبيله. فو الله لان يلقوا الله بجناياتهم احب الي من ان القى الله بدمائهم.
(126) وعن أبي عُبَيْدة، عن يونس، قالَ: بلغي أن أبن عباس كان يقول: كتب إلى علي بن أبى طالب - عليه السلام - بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها: أما بعد، فان المرء يسره درك مالم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تتبعه أسفاً، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت.
(127) وعن أبى حاتم، عن عبد الله بن مصعب الزبيري، قالَ: كنا بباب الفضل بن الربيع، والاذن يأذن لذوى اليئات والشارات، وأعرأبي يدنو، فكلمّا دنا صرخ به، فقام ناحية، وأنشأ يقول:
رأيت أذننا يعتام بزتنا ... وليس للحسب الزاكي بمعتام
(1/149)

ولو دعينا على الاحساب قدمنى ... مجد تليد وجد راجح نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمها ... خلطان من رخم قزع ومن هام؟
(128) وعن العتبى، قالَ: لمّا عقد معاوية البيعة ليزيد، قام الناس يخطبون، فقال معاوية لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فان يزيد بن معاوية أنبل ما تأملونه، وأجل ما تأمنونه، ان استضفتم إلى حلمه وسعكم، وان احتجنم إلى رأيه ارشدكم، وان افتقرتم إلى ذات يده اغناكم، جذع قارع، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع ففاز سهمه، فهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف منه. فقال معاوية: أوسعت يا أبا أمية فاجلس (129) وعن الأَصمعي، قالَ دخل أعرأبي على بعض الملوك فقال: رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لايخفي على الناظر، وأيقنت أنى حيث أنتهى في القول منسوب إلى العجز، مقصر عن
(1/150)

الغاية. فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء، لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك (130) عن العتبى، قالَ أسر معاوية رجلا من أصحاب علي يوم صفين، فلمّا أقيم بين يديه قالَ: الحمد لله الذي أمكن منك. قالَ لاتقل ذاك، فانها مصيبة. قالَ وأى نعمة أعظم من أن يكون الله أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحأبي؟ اضربا نقه، فقال الرجل: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا لانك ترضى قتلى، ولكن قتلني في الغلبة على حطام الدنيا، اللهم فان فعل فافعل به ما هو أهله، وان لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. فقال معاوية: قاتلك الله، لقد سببت فأوجعت في السب، ودعوت فأبلغت في الدعاء، خليا عنه.
(131) وعن أبى عبيده، عن يونس، قالَ كان زياد اذا ولى رجلاً عملاً قالَ له: خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: انا ان وجدناك أمينا ضعيفاً استبدلنا بك لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمنتك، وان وجدناك قوياً خائناً استهنا بقوتك، وأحسا على خيانتك أدبك،
(1/151)

فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وان جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين، وان وجدناك أميناً قوياً، زدنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك.
(132) وعن العتبي، قالَ: بعث إلى عمر - رحمة الله عليه - بحلل، فقسمها، فأصاب كل رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمّان: لا نسمع. فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قالَ: انك قسمت علينا ثوباً ثوباً، وعليك حلة. فقال: لاتعجل يا أبا عبد الله، بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. قالَ: نشدتك الله، الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قالَ: اللهم نعم. فقال سلمّان: أما الان فقل نسمع.
(37) عن أبي عباس، قالَ لي أبى: يا بني، اني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك، ويقدمك على الاكبر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، واني
(1/152)

أوصيك بخلال ثلاث، لاتفشين له سرا، ولا يجربن عليك كذباً، ولاتغتأبين عنده أحدأ. قالَ الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منها خير من ألف. فقال: أي والله، ومن عشرة ألاف.
(134) قالَ ابن دريد: أخبرنا أبو حاتم، قالَ: قالَ بعض علمّاء الهند: صحبة السلطان، على ما فيها من العز والثروة، عظيمة الخطار، وانما تشبه بالجبل الوعر، فيه الثمار الطيبة، والسباع العادية، والارتقاء اليه شديد، والمقام فيه أشد، وليس يتكافأ خير السلطان وشره، لآن خير السلطان لايعدو مزيد الحال، وشر السلطان (قد) يزيل الحال، ويتلف النفس التي لها طلب المزيد، ولاخير في الشء الذي (في) سلامته مال وجاه، وفي نكبته الجائحة والتلف (135) وعن الأَصمعي، شاور أ'رأبي ابن عم له في أمر، فأشار عليه برأي، فقال: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق، الذي لايخلط حلو كلامه بمره، ونحزنه بسهله، ويحرك الاشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد
(1/153)

(38) أوعيت النصح فيه، وقبلته، اذ كان مصدره من عند من لا يشك في مودته وصافي غيبه، ومازلت بحمد الله إلى الخير طريقاً منهجا، مهيعاً واضحاً (136) أَنشَدَنا عبد الرحمن، عن عمه، عن أبي عمرو قالَ - وهو مما صح عندي من شعر قريش - قول المطلب ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب يرثى اخاه هاشما:
يا للرجال لطول ليل سرمد ... امسى وبات على احق طويل
اذ بان ذو المجد الرفيع وذو العلا ... وتركت مثل متيم متبول
فأرقت فامتنع الرقاد فلم انم ... من ذكر فياض العطاء جزيل
من ذكر عمرو وذي السماحة والندى ... سهل الخليقة للكرام وصول
ضخم الدسيعة ماجد اعراقه ... ماض على مابات غير حدول
يهتز للخيرات مثل مهند ... عضب قد اخلص نصله مصقول
صافي السجية والطبيعة اروع ... حامي الحقيقة صارم بهلول
فسقى الغوادي قبره بمجلجل ... ذي هيدب هزم العشى هطول
ثم قالَ ابو عمرو: انظر إلى هذا الكلام السهل غير المتكلف انما يجئ به الطبع سمحا.
(1/154)

ومن الجزء السادس
(137) ابن دريد، عن أبي عثمان، ان المهلب بن أبي صفرة اوصى عبد الملك ابنه فقال: اياك والسرعة عند المسألة بنعم، فأن اولها سهل في مخرجها، واخرها ثقيل في فعلها، واعلم ان لا وان قبحت فربما روحت، وان سئلت امرا فقدرت عليه فأجب، وان عرفت ان لا سبيل اليه فاعتذر منه، فأنه من لم يغد معتذرا فقد ظلم.
(138) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان عمر بن الخطاب - رحمه الله - يقول: كفى بك عيبا ان يبدو لك من اخيك ما يغني عليك من نفسك فتؤذي جليسك بما تأتي مثله.
(139) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ رجل لعمرو بن عبيد: ان الاسواري ما زال يذكرك في قصصه، ويقول: عمرو بن عبيد الضال المبتدع. فقال له عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل، حيث نقلت الينا حديثه، ولا اديت حقي حين ابلغتني عن اخي، اعلمه ان الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تضمنا، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين.
(1/155)

(140) وعن الأَصمعي، قالَ: وقف اعرأبي على قوم يغتابون رجلا من اخوانه فقال لهم: ابئوا عن عيب من لو كان حاضرا اسرعتم إلى مدحه، فرب مغتاب لغيره بما هو فيه، ومادح لسواه بما لا يعرف به.
(141) وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت شيخا من بني عمرو بن كلاب يقول: خرج عبد الله بن جعفر يريد فأجاءه المطر إلى أبيات، فأذا فيها قبة حمراء بفنائها رجل ينادي الدار الدار، فأنخنا وخلنا القبة، وحط عن رحالنا، ثم اتى بجزور فعقرها، فبتنا في شواء وقدير، وتحدث معنا من الليل هنيهة، فلمّا اصبح وقف على القبة وسلم وسألنا عن مبيتنا، وانصرف واتى بجزور فعقرها، فقلنا: يرحمك الله ما تريد إلى هذا. فقال: انا لا نطعم اضيافنا غابا. قالَ عبد الله: فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا، وصررت فيه مائة دينار، وبعثت بها إلى اهله، فقالوا: انا لا نقدر على اخذها الا باذنه، فسألته ان يقبلها، فأبى. فلمّا ارتحلنا عنه ودعته، وانثنيت، فألقيت الثوب بين البيوت. وانا لنسير اذ لحقنا على فرسه، مشرعا رمحه، قد احمرت عيناه، والموت بين يديه. فصاح بنا: اغنوا عنى هذا ونبذه الينا وهو يقول:
(1/156)

واذا اخذت ثواب ما اعطيته ... فكفى بذاك لنائل تكديرا
(142) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خرج الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى مروان بالمدينة، واخبره بدين ركبه، فأمر له بعشرة الاف درهم، قالَ: واين تقع مني هذه؟ ولم يقبلها. ثم اتى المغيرة بن شعبة، فساله بمثل ما سأل مروان، فأعطاه عشرة الاف، فلم يقبلها. وانحدر إلى ابن عامر بالبصرة فأخبره خبره، فقال: وكم دينك؟ قالَ: اربع مئة الف. فقال: هي لك وصلة مئة الف. فأنشأ يقول:
الا جعل الله المغيرة وابنه ... ومروان نعلي بذلة لابن عامر
كفى الله ما ضيعتما بابن عامر ... هو الجابر الهلكي فيا خير جابر
يفيض الفرات للذين يلونه ... وسيبك مبذول لباد وحاضر
فقال له ابن عامر: ما اعطيتنا خير مما اعطيناك، لان ذاك يذهب، وهذا يبقى.
(1/157)

(143) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابو الاسود الدؤلي قد اتخذ دكانا على بابه قدر مجلسه وموضع طبق يضعه بين يديه، ويأكل منه، فأذا مر به مار سلم عليه، وعرض عليه طعامه، فينظر فلا يرى لنفسه موضعا، فيدعو له وينصرف. فمر به اعرأبي وهو يأكل، فدعاه فأجابه، واقبل يأكل معه وهو قائم، فلمّا اشتد عليه القيام اخذ الطبق فوضعه في الارض، وقال له: ان كانت لك في الطعام حاجة فانزل فكل، واقبل الاعرأبي يأكل وابو الاسود ينظر اليه، ويتغيظ، فقال له: ما اسمك يا اعرأبي؟ قالَ: لقمان. قالَ: لقد اصاب اسمك اهلك، ثم انشأ ابو الاسود يقول:
انظر إلى جلسته وهطه
ولقمه مبادرا وغطه
ولفه رقاقه ببطه
كأن جالينوس تحت ابطه
(1/158)

(144) عن ابراهيم بن خالد بن مخرمة، قالَ: كنت يوما عند مسلمة بن عبد الملك، وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافيا له، فاستؤذن لرجل من اهل الحيرة على مسلمة، فقيل: بالباب شيخ فزع اليك في مظلمة، وهو جار ضضيعتك بمكان كذا وكذا، فأذن له، فدخل، فأذا رجل طويل القامة، ضخم اللحية، جهم الوجه، قد اخذ عارضاه بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر محشو، فيه حشو ثلاثة مماطر في يوم صائف. فو الله ما هو الا ان طلع فمشى، وتفرج، وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج، ولغط وتخليط. فقال له مسلمة: اجلس، فجلس، فقال له: ما كنيتك؟ قالَ ابو العجيس، قالَ: ما اسمك؟ قالَ: صهاب بن حمال، وابدى يسراه فاذا فص خاتمه مثل الابهام، وعليه اسطار. فلمّا رآه مسلمة لم يصبر، فقال: ارى فصك ضخما، وارى سطورا فما فيه؟ فوالله ما حفظ اسمه حتى دفعه الي، فأذا فيه صهاب ابو العجيس، يؤمن بالواحد الاحد الصمد، وبالنبي الامي محمد، ويسأل الله حياة سعادة، وموت شهادة، على كل شئ قدير فما استتم
(1/159)

القراءة حتى ضحك عبد الله، واضحكني ما رأيت، وتبسم مسلمة، ثم قالَ لحاجبه: اقض حاجته، واحسن ضيافته، فلمّا توارى قالَ مسلمة:
ما بعد كنيته وعظم لحيته ... ونقش خاتمه شك لمعتبر
(145) وعن عبد الرحمن، قالَ: سمعت عمي يقول: التهنئة على آجل الثواب اولى من التعزية على عاجل المصيبة (146) وعن الأَصمعي، قالَ: دخل رجل من العرب على رجل يعزيه، فأَنشَدَه أبيات عمران بن حطان:
كيف اعزيك والاحداث مقبلة ... فيها لكل امرئ من غيره شغل
(147) وعن الاصصمعي، قالَ: قالَ بعض العرب: لا اعرف ضرا اوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لا تثق باشفاقه، ولا تأمن رده، واكلم المصائب فقد خليل لا عوض منه.
(148) وعن أبي نجيح، قالَ: قالَ عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه -: اني احب للرجل ان يكون في اهله كالصبي، فأذا احتيج اليه كان رجلا.
(1/160)

(149) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني انه قيل لأبي مسلم: ما اعظم ما نلت في دولتك؟ قالَ: القدرة على مكافأة الاخوان، وجزاء من كانت له عندي نعمة.
(150) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني عن رجل من العرب انه كان يقول: خالطت الناس منذ خمسين سنة، فما وجدت رجلا غفر لي فيها زلة، ولا اقالني عثرة، ولا ستر على عورة، ولا امنته اذا غضب.
(151) وقال اخر: خالطت الناس منذ سبعين سنة، فما وجدت الا رجلا يركب هواه، حتى لو اخطأ لاحب ان يخطئ الناس معه، ولان يضرب ظهري بالسياط احب الي من ان يخطئ رجل مسلم.
(152) وأَنشَدَ الأَصمعي لاسماء بن خارجة:
اذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ... واعمل فيه الفكر والليل عاكر
وباكرني اذ لم يجد ملجأ له ... سواي ولا من شدة الدهر ناصر
رأيت له فضلا على لظنه ... بي الخير اني للذي ظن شاكر
(1/161)

(153) وأَنشَدَ ابو عُبَيْدة:
اقول وذاك من جزع ووجد ... ازال الله ملك بني زياد
وابعدهم بما غدروا وخانوا ... كما بعدت ثمود وقوم عاد
ولا رجعت ركابهم الينا ... اذا قفلوا إلى يوم التناد
(154) وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي عطاء السندي:
فما سألتك الا قلت تخدعني ... ولا استعنتك الا قلت مشغول
اجل شغلت ولو اعطيت من سعة ... حتى يواري لحيي رأسك الحول
(155) وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي الاسود، وقال مرة: هي لابن قيس الرقيات:
الزم وان بعد الطري ... ق عليك ما فيه السلامة
ودع التخارص انه ... امر عواقبه ندامة
لا تركبن من الامور ال ... ملحقات بك الملامة
(156) وعن العتبي، قالَ: قالَ يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان: أي الرجال افضل؟ قالَ: من تواضع عن رفعةٍ، وزهدَ عن قُدرةٍ، وترك النصرة عن قوة.
(1/164)

(157) عن ابن سلام، قالَ: بينما عمر بن الخطاب ذات يوم يمشي وبين يديه رجل يخطر ويقول: انا ابن بطحاء مكة كلها فلداتها، فوقف عليه عمر بن الخطاب فقال: انْ يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مرؤة، وان يكن لك مال فلك شرف، والا فأنت والحمار سواء.
(158) وعن مجالد، قالَ: قيل للشعبي: انا لنستحي مما تسأل فتقول لا ادري، فقال: لكن ملائكة الله المقربون لم يستحوا حيث سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: (لا عِلْم لَنَا اِلاَّ ما عَلَّمْتَنا انَّك أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم) .
(159) وعن العباس بن هشام، عن أبيه، قالَ: استعار الاشعث بن قيس من عدي بن حاتم قدورا، فبعث اليه بتسعين قدرا قد ملأها لحما يحملها الرجال. فأرسل اليه الاشعث: انما اردناها فارغة، فأرسل اليه عدي: انا لا نعيرها فارغة.
(1/165)

(160) وعن العباس، عن أبيه، قالَ: ارسل معاوية بن خديج السلولي إلى الاشعث بن قيس بخمسمئة فرس مصنفة، وكتب اليه ببيعها، فقسمها الاشعث في قومه، وكتب اليه: عهدتني نخاسا؟ وبعث اليه بأثمانها.
(161) وعن العباس، عن أبيه، قالَ: كان لرجلٍ على الأشعث بن قيس حق، فأتاه يتقاضاه، فقال له: صل معي الغداة في المسجد، فصلى معه، فقال الأشعث: لا يخرجن أحد من المسجد، ودخل إلى منزله، فيعث إلى كل رجلٍ بحلة ونعلين، وبعث إلى الرجل بحقه، وانصرف بالحلة والنعلين وحقه.
(162) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من بني تميم:
كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب، والبشر
يطرى الوفاء وذا الوفاء ويل ... حي الغدر مجتهداً وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر
(1/166)

فارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثرى
وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقيان بالصفر؟
(163) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: بلغني أن رجلاً من قيس، ثم من بني هلال، كان قد جعل على نفسه ألا يأتي سلطاناً، فجاءه مولى له، فشكا إليه أمراً ناله، فلم يجد بدا من أن يصير إلى السلطان، فقال:
وإما تريني اليوم يا بنت مالك ... أحيد عن السلطان أو أتجنب
فقد علمت أفناء قومي أنني ... لدى الملك الجبار بالخصم مشغب
وإني على الاعداء سم وإنني ... اجيب إذا المولى اعتزى أين يذهب
وأصرف نفسي في الاهاويل دونه ... ويعلم أني غاضب حين يغضب
قالَ أبو بكر: غاضب لغة فصيحة.
(164) وعن الأَصمعي، عن رجل من قريش قالَ: علي بن عبد الله بن العباس:
وزهدني في كل شيٍ صنعته ... إلى الناس ما جربت من قلة الشكر.
(1/167)

(165) وأَنشَدَني عبد الرحمن:
من عذيري من قائل إخواني ... كلهم في مقالة غيروان
فضحوني بزعمهم قلت كفوا ... لا أرى شانكم يلائم شاني
لا أبيع الجزيل من عرض مثلى ... بخسيس من ناقص الأثمان
ماء وجهي يرد غرب لساني ... دون قد أردتم من بيان
ذهب المبتدون بالاحسان ... والمكافون بأبتذال اللسان
إن ذل السؤال يانفه الحر ... وإن عضه مضيض الزمان
(166) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَنا اعرأبي من بني تميم، ثم من بني حنظلة:
من تصدى لأخيه ... بالغنى فهو أخوه
فإن اظطر إليه ... راء منه ما يسره
يكرم المثرى وإن ... املق اقصاه بنوه
لو راى الناس نبياً ... سائلاً ما وصلوه
وهم لو طمعوا في ... زاد كلب أكلوه
لا تراني آخر الده ... ر بتسآل أفوه
إن من يسأل غي ... ر اله يكثر محرموه
(1/168)

والذي قام بأرزا ... ق الورى طراً سلوه
وعن الناس بفضل ... الله فاغنوا واحمدوه
تلبسوا أثواب عز ... فأسمعوا مني وعوه
انت ما استغنيت عن ... صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجك فوه
أفضل المعروف ما لم ... تبتذل مجك فوه
(167) وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من أهل البصرة:
فمالك يوم الحشر شئ سوى الذي ... تزودته قبل الحساب إلى الحشر
اذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التضييع في زمن البذر
(168) وعن الهيثم، قالَ: كتب مالك بن اسماء بن خارجة إلى الهيثم بن الاسود النخعي يتشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجاج حتى خلصه منه: أما بعد، فأنه لمّا كلت الالسن عن بلوغ ما استحققت من الشكر، كان اعظم الحيل عندي في مكافأتك إخلاصك
(1/169)

صدق الضمير، وكما تعرف الزيادة في العلى إذ جريت غاية طولك، جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس غلا ما ألهمو من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحه ... يقيناً كماليست بغايته تدري
(169) وعن محمد بن سلام، قالَ: قالَ سلمّان الفارسي: اطلبوا العلم تستغنوا به في الناس عن علمّاء السوء، ولا تشهروا انفسكم فتهلكوا، فإنه لم يعص الله بشئ بعد الكفر شر ولا أضر على العبد من طلب الرئاسة في الدنيا بالدين. واعلموا أن الابقاء على العمل حتى يخلص لله عز وجل أشد من العمل.
(170) وعن الأَصمعي، قالَ: سمع يونس بن حبيب رجلاً ينشد:
استودع العلم قرطاساً فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس
فقال: قاتله الله، ما اشد صبابته بالعلم، وصيانته للحفظ، ان علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك.
(1/170)

(171) قالَ ابو حاتم: سمعت الأَصمعي كثيرا ما يقول: من قعد به نسبه نهض به ادبه.
(172) وعن سفيان، قالَ: دخل علي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليهم، فقال لي: يا سفيان، علمت اني نظرت في المعروف فوجدته لا يتم الا بثلاث. قلت: وماهن اصلك الله؟ قالَ: تعجيله، وستره، وتصغيره، فانك اذا عجلته هنأته، واذا سترته عممته، واذا صغرته عظمته، واذا مطلته وارخته وسوفته كدرته ونغصته وافسدته. ثم تمثل:
يرب معروفه ويحفظه ... وانما العرف بالربابات
فقلت: هذه العنيمة على غير زاد ولا راحلة، ولا تعب جارحة.
(173) أَنشَدَنا عبد الرحمن، ولم يذكر احدا:
غضبت لتستعتب الحادثات ... وان الحوادث لا تعتب
ستعطى وتسلب حتى تكو ... ن نفسك اخر ما تسلب
(1/171)

(174) أَنشَدَنا عبد الرحمن، عن عمه لاعرأبية مات ابنها:
قل للمنايا اذ فجعن به ... ما بعد من افقدت مفتقد
لا عاش بعد معجل احد ... لا والد ولا ولد
فاليوم ليس لحادث جزع ... عندي ولا للمفرحات يد
(175) اخبرنا عبد الرحمن عن عمه، قالَ: اخبرني رجل من قريش قالَ: قالَ بعض الحكماء: اطلب الرزق من حيث كفل لك به، ولا تطلبه من طالب مثلك، لا ضمان عليه لك، ان وعدك اخلفك، وان ضمن لك خاس بك.
(176) عن أبي حاتم، عن الأَصمعي، عن يونس، عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: قدم اعرأبي المدينة فصلى الجمعة، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع، فلمّا صلى نظر إلى قوم يدخلون إلى دار عامل المدينة، فدخل معهم، فأتى بالطعام، فرأى الوانا لم تشبه ما تكلم به الخطيب، فقال:
لقد رابني من اهل يثرب انهم ... يهمهم تقويمنا وهم عصل
العصل: اعوجاج الباب، ويقال للرجل المعوج الساق اعصل.
(1/172)

وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... افاويق حتى ما يدر لها ثعل
الثعل: حلمة الثدي
اذا ركبوا الاعواد قالوا فأحسنوا ... ولكن حسن القول يفسده الفعل
(177) قالَ الأَصمعي: قدم اعرأبي البصرة ومعه بنات له حسان، فذكر اهل البصرة حسنهن، فجاء شاب فجلس فنظر إلى بعضهن ونظرت اليه، ففطن ابوها، فقام اليها بعمود - وكان في يده - يضربها، فدخلت البيت، وانشأت تقول:
أيعذر صأبيهم واضرب في الصبا ... وما نحن والفتيان الا شقائق
(178) أَنشَدَنا ابو حاتم، ولم يذكر قائلا:
لعمرك ما المعروف في غير اهله ... وفي اهله الا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عنده ... ومستودع ما عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الصنائع بينهم ... وفي كفرها الا بعض المزارع
فمزرعة طابت فأضعفها نبتها ... ومزرعة اكدت على كل زارع
(1/173)

قالَ ابو حاتم: وزادني فيها رجل من اهل الكوفة:
اعاتب اقوامي وابقى عليهم ... ولست لهم عند العتاب بقاطع
واغفر من قومي لمن زل زلة ... اذا ما اتاها مكرها غير طائع
(179) أَنشَدَنا ابو حاتم، قالَ: أَنشَدَني ابو عُبَيْدة لعمران بن حطان، قالَ ابو عُبَيْدة: وكان صفريا وكان يكتم ذلك:
انكرت بعدك من قد كنت اعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
اما تكن ذقت كأسا دار اولها ... على القرون فذاقوا نهلة الكاس
وكل من لم يذقها شارب عجل ... منها بأنفاس ورد بعد انفاس
قد كنت ابكيك حينا ثم قد يئست ... نفسي فما رد عني عبرتي ياسي
(180) الأَصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: كان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل:
(1/174)

اذا انت حاولت البراءة فاجتنب ... حرى كل امر تعتريه المعاذر
(181) قالَ ابو مسلم لبعض اصحابه: اذا عرض لك امر، فنازعك فيه من نفسك منازعان، فبعثك احدهما على الاقدام، والاخر على الكف، فأقدم، فأنه أنفى للعار وان قتلك.
(182) قالَ ابو عُبَيْدة: كتب عبد الملك إلى الحجاج ان ابغني رجلا جامعا للعلم والفقه، عاقلا لبيبا، فاضلا في اخلاقه ومرؤته، يكون مع ولدي. فلمّا اتاه الكتاب بعث اليه بعامر الشعبي، فقدم عليه رجل الغالب عليه الفقه والورع، فكأن عبد الملك لم ينشط له، فكان يختلف اليه فيسلم ثم يجلس لا يسأل عن شئ، ولا يخبر به، حتى دخل الوليد يوما على أبيه، فجلس اليه، ودخل عامر، فلمّا نظر اليه قالَ: من هذا يا امير المؤمنين؟ قالَ: هذا الوليد بن عبد الملك. قالَ الشعبي: يا امير المؤمنين، هذا كما قالَ النابغة يوم ملك النعمان بن الحارث. قالَ: وما قالَ؟ فأَنشَدَه:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الاكبر والحارث ال ... أصغر والاعرج خير الانام
(1/175)

ثم لهند ولهند وقد ... اسرع في الخيرات منه امام
ستة املاك هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام
فانبسط عبد الملك بعد ذلك اليه، وامره بحضور اولاده.
(183) قالَ: لمّا مات النبي صلى الله عليه وسلم ودفن رجعت فاطمة رضوان الله عليها إلى بيتها، واجتمع اليها نساؤها فقالت: انا لله وانا اليه راجعون انقطع خبر السماء، ثم قالت:
اغبر افاق السماء وكورت ... شمس النهار واظلم العصران
فالارض من بعد النبي حزينة ... اسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطور المبارك جوه ... والبيت ذو الاستار والاركان
نفسي فداؤك ما لرأسك مائلا ... ما وسدوك وسادة الوسنان
(1/176)

(184) وعن العباس بن هشام، قالَ: عزى رجل المنذر ابن المنذر، ابا النعمان بن المنذر، فقال: اعلم ان خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله، ونحن اعوان الحتوف على انفسنا، وانفسنا تسوقنا إلى الفناء. ثم قالَ: اني نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا الا اسرعا الكرة في هدم ما رفعنا، وتفريق ما جعما، فاطلب الخير تكن من اهله، واعتصم بالصبر من عوارض الجزع، فلو ان جزعا على رزية وقى حلول نائبة، اورد فئتا، لتنافس فيه العاقل، واعتصم به الخائف، ولكنه الصبر طوعا او كرها.
(185) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل حماد عجرد على أبي عمرو بن العلاء، وعلى رأس أبي عمرو جارية، يقال لها: منيعة في يوم صائف، وهي رسحاء فتخاء وكان لها ظرف، فأقبلت تعجرد فنهاها ابو عمرو، فعاودت، فأَنشَدَت فأنشأ حماد يقول:
لو تأتي لك التحول حتى ... تجعلي خلفك اللطيف اماما
في كون الذي تقدم في ال ... خلقة خلقا مؤخرا لاستقاما
لاذا كنت يا منيعة خير ال ... ناس خلفا وخيرهم قداما
(1/177)

فقال لها عمرو: نهيتك عن العبث به.
(186) عن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي، كيف قتلت همام بن قبيصة النميري؟ قالَ: مر بي والناس منهزمون، لو شاء ان يذهب لذهب، فلمّا رآني قصدني، فضربته وضربني وسقط فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات النوف اجهز على امرئ ... يرى الموت خيرا من فرار وأكراما
ولا تتركني كالحشاشة انني ... صبورا اذا ما النكس مثلك احجما
فدنوت منه فقال: اجهز عليّ قبحك الله، فقد كنت احب ان يلي هذا مني من هو اربط جأشا منك، فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
(187) وعن أبي عُبَيْدة، عن رجل من بني تميم، قالَ: جاء رجل من كلب يوم المرج برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ فقال: انا. فقال مروان: كذبت. قالَ: المكذب اكذب، قالَ: انا والله قتلته، مر بي وهو تعدو به فرسه، وهو يقول:
(1/178)

قد طاب ورد الموت مروان فرد
لا تحسبن العيش ادنى للرشد
لا خير في طول الحياة في كمد
فطعنته فسقط، فنزلت اليه وهو مثبت، وهو يقول:
بعد سحقا لامرئ عاش في ... ذل وفي كفيه عضب صقيل
(188) قالَ: دخل ابو الاسود الدؤلي على معاوية، فقال له: اصبحت جميلا يا ابا الاسود، لو علقت تميمة تدفع عنك العين.
فقال ابو الاسود:
افنى الشباب الذي فارقت جدته ... مر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا تخاف عليه لدغة الحدق
(189) قالَ الأَصمعي: مر اعرأبي بامرأَة كان يهواها، وهي تسكت صبيا، وتقبله، فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت غلاما مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا اجمعا
اذا بكيت قبلتني اربعا ... اذا بكيت الدهر كلا اكتعا
(1/179)

(190) وعن الأَصمعي، قالَ: ذكر ابو البيداء ان عبد الملك بن مروان وقف جارية للشعراء - وعنده جماعة منهم - فقال: من اجاز هذا البيت فهي له، ثم أَنشَدَتهم:
بكى كل ذي شوق شآم وتبعه ... يمان، فأنى يلتقي الشجنان؟
فقال جرير: ادني يا جارية، فقال:
يغور الذي بنجد، او ينجد الذي ... بغور تهامات فيلتقيان
فقال عبد الملك: خذ بيدها، ثم اقبل عبد الملك على جرير فقال: اتعرف هذا؟ يعني الاخطل.
فقال الاخطل: الا تعرفني وانا الذي اطلت شتمك، وارقت نومك، واهتضمت قومك؟ فقال جرير: ذاك وأبيك اشقى لك، اما قولك: اطلت شتمك، فقد فعلت، فما كففت ولا انتصرت، واما قولك: ارقت نومك، فلو كنت نمت عن عشيرتك وعن عيبك كان خيرا. واما قولك: اهتضمت قومك، فكيف يهتضم قومي من ضربت عليه الذلة والمسكنة وباء بغضب من الله؟
(1/180)

(191) وعن يونس، قالَ: عاتب رجل من بكر بن وائل مسمع بن مالك فقال:
ان لنا سيدا ترجى فواضله ... يعطي الغني ولا يعطي من افتقرا
كذى الفصال يولي الدر اسمنها ... ويترك الاخر المهزول قد اضمرا
(192) وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فأسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
(193) وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فاسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
(193) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني ان اعرأبيا جاء إلى الحسن، فقال: يا ابا سعيد علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا، ولا ساقطا سقوطا: فقال. احسنت، لله ابوك عليك من الامور بأوساطها.
(194) قالَ: ضرب بعض عمال المدينة ابن أبي عتيق في الخمر، فلقيه ابو قتادة بن ربعي، فقال له: يابن اخي، افي خليلة ضربوك؟ فقال: كلا يا عمي، بل:
صرف من الداروم او من بابل ... او من بلاس يشمها المزكوم
راح ترد الروح بعد نفورها ... وبها ينال شفاءه المحموم
(1/181)

قالَ: فما اراهم ظلموك.
(195) ابو عُبَيْدة قالَ: قالَ ارطاة بن سهية المري:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الارض ساقطة الحديد
وما تجد المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
واعلم انها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد

ومن الجزء السابع
(196) قالَ: لمّا بايع الناس معاوية اتاه رجل من همدان، قالَ: اما والله لابايعنك واني لك لكاره، فقال معاوية: بايع فقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا. واقبل آخر، فقال: اعوذ بالله من شرك يا معاوية. فقال معاوية: تعوذ بالله من شر نفسك، فشر نفسك عليك اضر من شري.
ثم تقدم اخر من همدان فقال: ابايعك على سيرة عمر بن الخطاب، فقبض يده وقال: فأين رجال عمر؟ بايعني على دهماء جامعة.
(1/182)

(197) وعن يونس، قالَ: قالَ سعيد اخو الحسن للحسن: انا اعبد منك، واعلم منك، وافصح. قالَ: اما هذه فلا. قالَ: ما تأخذ على حرف واحد؟ قالَ: قد اخذت هذه عليك.
(198) وعن أبي عبيد، قالَ: كان معاوية بن نجير لا يلحن، فمات بجير بالبصرة، ومعاوية بفارس خليفة أبيه، فداء العنج بنعيه فقال: اصلح الله الامير، مات بجيرا. فمسح عينه وقال: لحنت، ويلك؟ فقال بعض اخوانه:
الم تر ان شر بني بجير ... معاوية المحقق ما ظننتا
اتاه مخبر ينعى بجيرا ... علانية فقال له لحنتا
(199) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابان بن عثمان بن عفان فصيحا، فقام يوما يصلي، فمر رجلان يتحدثان، واحدهما يقول لصاحبه " ركبت بغلة فقمصت بي قماصا شديدا، فقطع ابان الصلاة وقال: قماصا لا ام لك.
(1/183)

(200) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: سمعت يونس يذكر زيادا وكرم مجالسته. قالَ: حبق رجل في مجلسه فجاء بصوت منكر، فلمّا كان الغد، امر زياد غلاما له، فجاء بنفاخة فنفخها ووضعها تحت وسادة الرجل الذي كان منه الحدث، فلمّا جلس على الوسادة انصدعت النفاخة، فجاء صوتها كالصوت الذي جاء بالامس، فقال زياد للرجل: قم، فقام فأذا النفاخة منصدعة، فقال زياد: لقد اجترأ على من صنع هذا في مجلسي مرتين.
(201) وعن الأَصمعي، قالَ: كان عبد الله بن عامر بن كريز من فتيان قريش جودا وحياء وكرما. فدخل اعرأبي ليلا، فسأل عن دار ابن عامر، فأرشد اليها، فجاء حتى اناخ راحلته بفنائها، وانشغل عنه الحاجب والعبيد، فبات القفر، فلمّا اصبح ركب ناقته ووقف على الحاجب، وانشأ يقول:
كأني ونضوى عند باب ابن عامر ... من الجوع ذئبا قفرة هلعان
وقفت وصنبر الشتاء يلفني ... فقد مس برد ساعدي وبناني
فما اوقدوا نارا ولا اعرضوا قرى ... ولا اعتذروا من عسرة بلسان
(1/184)

فقال بعض شعراء البصريين:
كم من فتى تحمد اخلاقه ... ويسكن العافون في ذمته
قد كثر الحاجب اعداءه ... واحقد الناس على نعمته
فبلغ ذلك ابن عامر، فعاقب الحاجب، وامر الا يغلق بابه ليلا ولا نهارا (202) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خطب رجل من بكر بن وائل إلى رجل من مراد ابنته، فهم ان يزوجها، فبينا الجارية يوما تلعب مع الجواري اذ جاء البكري، فقلن لها: هذا خاطبك. فقالت: ما رجل هو اجب الي ان اكون قد رأيته منه - فلمّا رأت رجلا كبير السن، قبيح الوجه، قالَ: اوقد رضي أبي؟ فقلن: نعم، فدخلت البيت، واشتملت على السيف، وشدت عليه، فسبقها عدوا، ونالته بضربة. فقال ابن همام السلولي، وهو يشبب بامرأَة:
اخاف بأن يجزي المحب كما جزت ... فتاة مراد شيخ بكر بن وائل
فلو لم يرع روع الحبارى تفتخت ... ذوائبه منها بأبيض ناصل
ولا ذنب للحسناء لمّا بدا لها ... ضعيف كخيط الصوف رخو المفاصل
(1/185)

(203) وعن محمد بن السائب، قالَ: حدثني شيخ من اهل حضرموت بمكة، فتذاكرنا اولية العرب، فقال لي: لو حفظ عنهم كل ما سيروه وتذاكرنا اولية العرب من امثالهم وحكمهم، لاضعف على اخبار الامم. ثم حدثني عن أبيه، وكان اسمه عامر بن جهدم، عن جده عامر، وكان جاهليا، قالَ: كان بحضرموت شيخ ازاء مال، وكان له ثلاثة بنين، فدعا بنيه لمّا كبر، فقال لهم: يا بنيّ، قد بلغت من السن ما ترون، وقد اشفيت على يومي، فأنا هامة اليوم اوغد، فأيكم تكام بثلاث كلمّات من الحكم جعلت له ثلث مالي، وان قصرتم اعترضت بها سوق الرأبية، وقلت: من اخذ منها شيئا فهو له. فقال الاكبر:
ما طاب فرع لا يطيب اصله
حمى مؤاخاة الئيم فعله
فأن من آخى لئيما مثله
فقال: دونك ثلاثمائة ناقة ترعاها.
فقال الاخر:
يا رب حلو سيعود سما
ورب حمد سيكون ذما
ورب روح سيصير غما
(1/186)

فقال: دونك ثلاثمائة وقام الاصغر، فقال:
من مات فالحي له مباعد
بسرعة النقض مبير الرائد
كم ولد يموت ويحي الوالد
فقال: دونك اربعمئة.
(204) وعن الأَصمعي، قالَ: مرض اعرأبي من بني نمير، يقال له حنيف بن مساور، وكانت له امرأَة من قومه يقال لها: زرعة بنت الاسود، وكان لها محبا، فلمّا اشتد وجعه جلست عند رأسه، فأنشأ يقول:
يا زرع دومي واحفظي لي عهدي ... كم من منير بيننا ومسدى
وكاشح يا زارع بادي الحقد ... يا زرع ان وسدتني في لحدي
وجاءك الخاطب بعد الوقد ... وقلت عبد بدل من عبد
فخصك الله بفدم وغد ... ينام في بيتك نوم الفهد
قالَ: فمات، فو الله ما انقضت عدتها الا ريث ما تزوجت، فكأنه كان يرى زوجها، فتزوجته كما وصف.
(1/187)

(205) أَنشَدَ الرياشي:
ارى زمنا نوكاه اسعد اهله ... ولكنما يشقى به كل عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الاعالي بارتفاع الاسافل
(206) وأَنشَدَنا الرياشي:
يا قوم ان سعيدا من يكون له ... من رأيه عن ركوب الغي مزدجر
لا تبطرن تلاد الله عندكم ... فقبلكم شان اهل النعمة البطر
ما غير الله من نعماء انعمها على معاشر حتى تبدو الغير (207) وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني ان معاذ بن جبل كان يقول اذا تعار من وسنه ليلا: اللهم غارت النجوم، ونامت العيون، وانت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، فراري من النار بطئ، وطلبي الجنة ضعيف، وليس عندي الا اني اشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك، وان محمدا عبدك ورسولك.
(208) وعن يونس، قالَ: قالَ الفرزدق: لقيني ابو هريرة فقال لي: يا فريزد، اني ارى قدميك صغيرتين، فلو ابتغيت لهما يوم القيامة موضعا في الجنة. فقلت:
(1/188)

يا صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلت لي ذنوب الخوف ان تكون قد اوثقتني. فقال لي: لا تخف فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان بالمشرق بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها.
(209) وعن الربيع، قالَ: كنا وقوفا على رأس المنصور، وقد جلس على مهده، فطرحت للمنصور وسادة فجلس عليها، والناس سماطان، على قدر انسابهم ومراتبهم، فأقبل صالح بن المنصور - وقد كان رشحه لبعض امره - فقام بين السماطين، فأحسن الكلام، ثم استأذن في الثناء، فأذن له، فأثنى فأجاد، فمد المنصور يده اليه، وقال: الي يا بني، فلمّا دنا منه، اعتنقه واقعده قدام عرشه، ونظر في وجوه القوم، هل فيهم احد يذكر كلامه ويصف فضله ويثني عليه، فكل القوم يهاب المهدي. فقام شبة بن غفال، فاستقبل المنصور بوجهه، ثم قالَ: لله در خطيب قام عندك يا امير المؤمنين، ما افصح لسانه! واحسن بيانه! وامضى جنانه! وابل ريقه واسهل طريقه! واغمض عروقه! وكيف لا يكون كذلك، وامير المؤمنين ابوه، والمهدي اخوه، ثم قالَ:
(1/189)

هو الجواد فأن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
او يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا
قالَ الربيع: فأقبل على ابو عبيد الله، فقال: ما رأيت مثله متكلمّا، ارضى امير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهدي، فأمر له المنصور بجائزة، فأخذها وانصرف.
(210) وعن سليط بن سعد، قالَ: لمّا خرج علي بن أبي طالب - عليه السلام - فأخذ على الفرات، وبعث بمعقل بن قيس الرياحي على دجلة، حتى اذا انتهى إلى حديثة الموصل - وهي يومئذ منزل العامل، وانما بنيت مدينة الموصل بعد ذلك، بناها محمد بن مروان بن الحكم - اذا هو بكبشين ينتطحان، وكل واحد منهما منتصف من صاحبه، اذ اقبل صاحباهما، فأخذ كل واحد منهما كبشه فذهب، وفي جيش معقل شداد بن ربيعة الخثعمي، وكان يزجر الطير، فجعل يقول: ايها ايها. فقال له معقل: ما تقول يا اخا خثعم؟ قالَ: اقول انكم ترجعون، ولا تَغلِبُون ولا تُغْلَبُون. قالَ له معقل: وكيف علمت ذلك؟ قالَ: اما رايت الكبشين، احدهما مشرق، والاخر مغرب،
(1/190)

ينتطحان، وكل واحد منهما منتصف من صاحبه افترقا؟ فقال معقل: يكون ان شاء اللخ خيرا مما تقول يا اخا خثعم. ثم سار معقل حتى وافى عليا عليه السلام بالرقة، وشهد معه صفين، فعقد له راية خندف.
(211) قالَ حماد بن الملحقي:
تشبه عبس هاشما ان تسربلت ... سرأبيل خز انكرتها جلودها
يمشون فيها مشية قرشية ... تلوى بها استاهها لا تجيدها
فلا تحسبن الخير ضربة لازب ... لعبس اذا مات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤها ... وسادة عبس في القديم عبيدها
كان حماد هذا قد وفد على الوليد بن عبد الملك، فوجد عنده نفرا من اخواله من بني عبس، ففخروا عليه، وفخر عليهم، فغضب الوليد لاخواله، فقام حماد وقال الأبيات المتقدمة في قطعة قالها: (212) وأَنشَدَ الأَصمعي لاعرأبي يرثى امراته:
يقولون الربيع عليك غاد ... فأبشر يالتنقل والحلول
وما يغنى الربيع وام سلمى ... تنازع جال مظلمة دحول
(1/191)

(213) وأَنشَدَ الأَصمعي:
ولمّا رأيت القوم جاءوا زرافة ... إلى ولاحت بالاكف القبائع
دعوت بعباد وللنفس جهشة ... إذا جهشت للموت ثم تراجع
ووقرت من نفس على كريمة ... إذا جعلت نفس الحباب تطالع
(214) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: يا بني لا تتكلوا على الزمان، فإنه لم يزدد رجل على السن من اهله قرباً إلا ازدادوا منه بعداً، استانوا العشيرة، ولا تمشوا بينهم بالنميمة، واتبعوا قومكم فيما أحبوا، وإياكم والخلاف عليهم، فإنه نقض، واجتنبوا البغي فإنه آخر مدة القوم، وجازوا بالحسنة، ولا تكافئوا بالسيئة، ولا تردوا الكرامة، ولا تتبعوا الملامة، واعلموا إنما يوثق في الشدة بالقرابة، ويركن إلى أهل الوفاء، خير السجية ما لم يتكلف، ومن خيب دق، ومن انجد أدى ما عليه من حق، الحيطة غاية الحفظ، والعفو منتهى البر، والصدق تمام المروءة، والكذب يهدم الفعال، وبالقربى يعيش الرجال، وخير السيرة في العدو، والعفو وترك العقوبة يسل السخيمة.
(1/192)

(215) قالَ: مر المهدي على الجسر يعبر على برذون له، والناس حوله، واعرأبي واقف، فقال:
عجبت لبحر يحمل البحر فوقه ... على ظهر برذون حواليه فيلق
ألا إن برذون الخليفة لايني ... يمر علينا بين بحرين يعنق
ترى تحته بحراً تغشيه ظلمة ... ومن فوقه بحر به الارض تشرق
أبرذون أني لا نراك معرقاً ... وفوقك بحر جوده يتدفق
غشيت به امواج دجلة غدوة ... فكادت به امواج دجلة تغرق
(216) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: أخبرني رجل من موالي بني هاشم من اهل الكوفة، قالَ: كان بالكوفة كتاب كتبه عبد الله بن معاوية يتدارسونه بينهم، فيه: أما بعد، فإن الأدب مكتسب، والعقل مؤدب، واخلاق الناس مختلفة، والعادة سائس الاعمال، والقلب ملك البدن، والرأي على قدر المستشار، وأشقى الناس ملوكهم، والألسن مقاتل المتكلمين، والأبهة نزع الاساءة، ومن ارمضه القول ارعوى، ومن هوى باطلاً
(1/193)

زين له انفاذه، ومن خلا له العنان تمادى، ومن استوطأ العجز عثر به، وأزكى الناس أنقصهم خطوة، وأنصبهم قلوباً أعظمهم من الدنيا نصيباً.
(217) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل عبد الله بن فضالة الغنوي على قتيبة، فرأى منه جفوة، فقال:
أذا أنت كلفت امراً فوق سعيه ... تنكرت منه بعض ما كنت تعرف
وابدى لك الشنان والحرذون الحيا ... يعاف فعال المستليم ويأنف
وكم من أخ لي ماجد قد رزئته ... وكنت به في نازل الدهر أعطف
تجلدت عنه والجلادة شيمتي ... إذا جعل الدهر المحرب يصرف
ويوعد إيعاد الهزبر تخمطاً ... وكل امرئ لا بد أن سوف يتلف
ويدركه ما ادرك الناس قبله ... وريب الزمان بالانام مكلف
وفي الارض ذات العرض عنك ابن مسلم ... منادح، لا يجتابها المتعجرف
فما ضاقت الدنيا علينا ابن مسلم ... فنرضى الذي يرضى اللئيم ونعرف
(218) وعن الأَصمعي، قالَ: كنت ماراً في بعض سكك البصرة، فإذا أنا بكناس ينقل العذرة، وهو يغني ويقول:
(1/194)

وأكرم نفسي إنني إن اهنتها ... وحقك لم تكرم على احد بعدي
قالَ: قلت ويحك! عن أي شئ أكرمتها وهذه الجرة على عاتقك؟ قالَ أكرمتها عن الوقوف على باب مثلك، ثم ولى وهو يقول:
لنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار ... فقلت: العار في ذل السؤال
(219) وعن الأَصمعي، قالَ: رأيت أعرأبياً وقد وضع يده بباب الكعبة وهو يقول: بيا رب سائلك ببابك، مضت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه، وافع عنه، فإنما يعفي عن المسئ ويثاب المحسن، وانت أفضل من دعوت، وأكرم من رجوت.
(220) وعن الأَصمعي، قالَ سمعت أعرأبياً يدعو بعرفات، فقال: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد تقدمت إليك يا إله الذنوب، فأمنن على بما لا أستاهل، واطعني مالا استحق بطولك وفضلك وجودك.
(1/195)

(221) وعن الأَصمعي، قالَ: ودع أعرأبي رجلاً فقال: استودعك الله نائياً ودانياً وحيث استقرت بك النوى.
(222) وعن الأَصمعي، قالَ: كان الربيع بن خثيم يقول: الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تناره.
(223) وعن العتبي وأَنشَدَ ايضاً:
لعمري لئن أبطأت عنك فلم أزر ... لأحداث دهر ما تزال تعوق
لقد أصبحت نفسي عليك شفيقة ... ومثلي على أهل الوفاء شفيق
أسر بما فيه سرورك إنني جدير بمكنون الاخاء حقيق
عدو لمن عاديت سلم مسالم ... لكل امرئ يهوى هواك صديق
(224) وأَنشَدَ المّازني:
إذا كان حلم المرء عون عدوه ... عليه، فأن الجهل ابقى وارواح
وفي الصفح ضعف، والعقوبة قوة ... اذا كنت تخشى كيد منعنه تصفح
(225) عن سصليط بن سعد، قالَ: انفرد الحجاج يوما من اصحابه، فلقيه رجل، فقال له الحجاج: من اين اقبلت؟ واين تريد؟ قالَ: اريد هذا العاتي الجائر. فمضى وتركه، فلمّا كان من الغد جلس الحجاج، واذن
(1/196)

للناس، ودخلوا عليه، ودخل الرجل في من دخل، فعرفه الحجاج، فقال: انت صاحب القول بالامس؟ قالَ: نعم، فأمر بضرب عنقه. فقال: اصلح الله الامير، فأين حرمة الاسترسال؟ قالَ: اولى لك، وامر بتخلية سبيله.
(226) أَنشَدَ ابو حاتم:
لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه ... ان الامور لها عواقب
ما كل من انكرته ... ورأيت جفوته تعاتب
فالدهر اولى من صبر ... ت له على كل المشارب
ولكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب
كم فرجة مطوية ... لك بين اثناء النوائب
ومسرة قد اقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
(227) عن ابن الكلبي، قالَ: كان على احد ابواب صنعاء مكتوب بالمسند:
تلك المدائن بالافاق خاوية ... اضحت خرابا وذاق الموت بانيها
وعلى الاخر:
اين الملوك عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها
(1/197)

(228) وعن الأَصمعي، قالَ: كان عبد الله بن سبرة الحرشي بأذربيجان غازيااو بغيرها، فبلغه ان تاجرا يقال له: فيروز، يبيع العطر، ضرب بيده على عجز امرأَة من العرب، فقالت: يا عبد الله بن سبرة، فبلغه، فقال: يالبيكاه. فخرج من اذربيجان إلى الشام حتى قتل فيروز ورجع.
(229) قالَ ومر مرة بمنزل امرأَة مغيبة فبعثت اليه خادمها، ان ها هنا امرأَة من قيس تريد ان تكلمك. فقال: نعم، فدخل اليها، فقالت: اني امرأَة مغيبة، وها هنا رجل يريدني على نفسي، ولا آمن ان يفضحني قالَ: فابعثي اليه، فبعثت، فلمّا جاء، قام اليه فقتله، وقال للجارية: احفري. فلمّا حفرت القاه في الحفيرة، وضرب عنق الجارية والقاها معه، واعطاها سبعين دينارا وقال: اشتري بها خادما مكان خادمك.
وقال:
الا كل سر جاوز اثنين شائع
(1/198)

(230) وعن الأَصمعي، قالَ: هاجر خراش بن أبي خراش الهذلي، وكان قد ادرك الجاهلية، وكان يرعى لأبيه غنما على ماء لهذيل، يقال له: الرجيع، في خلافة عمر - رحمة اللع عليه - فترك اباه، وخرج سرا إلى العراق مجاهدا مع سعد بن أبي وقاص، فلمّا افتقده ابوه قالَ:
الا من مُبْلِغ عني خراشا ... وقد يأتيك بالخبر البريد
وقد يأتيك بالانباء من لا ... تجهز بالحذاء ولا تزيد
فأنك وابتغاء الاجر بعدي ... كمخضوب اللبان ولا يصيد
قالَ: فمرت رفقة بأبي خراش وقد اسن وضضعف، وليس على المّاء غيره. فقالوا: المنزل. فقال: هذا المنزل، وهذه جزر وشفرة ودلو واداوة وقدر، واما انا فشيخ كبير لا استطيع خدمتكم، وابني خراش غائب بالعراق، وخرج وتركني وحيدا، فأذبحوا واشتووا واستقوا. فقالوا: لا حاجة لنا في ذلك. فقام فأخذ القربة ليستقي لهم، وذلك في ليلة مظلمة، فنهشته افعى، فرجع ولم يخبرهم ولم يزل يئن ليلته حتى اصبح فأنشأ يقول:
(1/199)

لعمرك والمنايا غالبات ... على الساعين تطلع كل نجد
لقد اهلكت حية بطن واد ... على الفتيان ساقا ذات فقد
فما تركت بين بصري ... إلى صنعاء اطلبه بحقد
وبلغ عمر امر تلك الرفقة فمنع ضيافتهم من العرب، وكتب في نواحي المدينة: الا يجاهد رجل ابواه حيان الا بأذنهما.
(231) عن العباس بن هشام، عن أبيه، قالَ: هاجر بشر بن ذريح بن الحارث بن ربيعة، احد بني تيم الله، فشهد يوم قس الناطف، فقال ذريح، وجزع على ابنه وهو شيخ كبير:
(1/200)

الا ايها الغادي وطيته المصر ... الكني إلى بشر فلا يبعدن بشر
ايا بشر قد خلفتني وتركتني ... على الة فيها إلى صاحب فقر
ويا بشر قد خلفتني وتركتني ... ارامي رجالا قد خلا لهم الظهر
صدورهم تغلي على كأنها ... مراجل يغليها التوقد والسعر
(232) أَنشَدَنا عبد الرحمن:
لعبت وهل يلعب الاشيب ... وقد ذهب الاطيب الاطيب
اغرك انك في مهلة ... وقد ذهب الاقرب الاقرب
وانت تشيد ما تبتني ... وجسمك مستهدم يخرب
تباعدت بالذنب في كل يوم ... من الله والموت يستقرب
وتخشى ذنوبك بين العباد ... وتعتبهم حين تستعتب
وتأمنها عند رب العباد ... وحيث يضيق بك المذهب
وانت تبارزه بالذنوب ... وتركب منها الذي تركب
كأنك في كسبها محسن ... وانك في تركها مذنب
فيا جاهلا غره جهله ... لعبت ومثلك لا يلعب
(1/201)

(233) أَنشَدَ ابو حاتم:
متى ترد الشفاء لكل غيظ ... تكن مما يغيظك في ازدياد
اذا ما المرء لم يولد لبيبا ... فليس اللب عن قدم الولاد
متى لا تتسع اخلاق قوم ... يضق بهم الفسيح من البلاد
(234) أَنشَدَنا عبد الرحمن:
قلت لاهلي وقد راموا اميرهم ... بماء وجهي فلم افعل ولم اكد
لا يستوي ان تهينوني واكرمكم ... ولا يعود على تقويمكم اودى
فطيبوا عن فضول العيش انفسكم ... ولا تمدوا همكم في يومكم لغد
فرب مدخر ما ليس يأكله ... ومستعد ليوم ليس في العدد
وطالب جاهد ما ليس يدركه ... ومدرك ما تمنى غير مجتهد
(235) أَنشَدَنا ابو عثمان، سعيد بن هارون الاشنانداني:
لا تقبلن نميمة انبئتها ... وتحرزن من الذي انباكها
ان القروض وان تقادم عهدها ... عند الكريم اذا يكون قضاكها
واذا اللئيم حبوته بمودة ... قبض المودة فكماكها
(1/202)

أي سترها.
(236) عن الزبير، وعن جماعة، من بني امية ممن كان يسير مع معاوية، قالوا: بينا معاوية ليلة يسمر، ومعه عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاصوعتبة بن أبي سفيان، اذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية فقال لهم معاوية: ايكم يحفظ كلامها؟ فقالوا جميعا: نحن نحفظ كلامها قالَ: فأشيروا على في امرها قالوا: نشير بقتلها قالَ: بئس ما اشرتم علىّ، ايحسن بمثلي ان يتحدث عنه انه قتل امرأَة بعد ان ظفر بها؟ وكتب إلى عامله ان ضع المراصد على الزرقاء بنت عدي الهمدانية مع نفر من قومها، وسماهم له، فاذا ظفرت بها وبهم فاحملهم الي، واوسع عليهم في النفقة.
فأخذها العامل مع من سمى له، فحملها في هودج، وحمل قومها على خيل، فلمّا قدمت قالَ لها معاوية:
(1/203)

مرحبا ورحبا، قدمت على خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير والحمد لله.
قالَ: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: كنت كأني في بيت ممهد.
قالَ: بذلك امرناهم.
قالَ: هل تدرين فيما بعثت اليك؟ قالت: وانى لي علم ذلك؟ قالَ: الست الراكبة الجمل الاحمر بين الصفين - بصفين، تحرضين على القتال، وتوقدين الحرب؟
قالت: بان الرأس من الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو عجب، لا يعتب من عتب، ومن تفكر ابصر، والدهر ذو عبر، والامر يحدث بعده الامر، قالَ: لله انت، تقومين خطيبة فتقولين: يا ايها الناس، ان المصباح لا يضئ في الشمس، وان الكواكب لا تبين بالنهار، وان الزف لا يوازن الحجر، ولا يقطع الحديد الا الحديد، يا ايها الناس، ان الحق كان يطلب ضالته، يا معاشر المهاجرين والانصار، قد التأمت كلمة العدل،
(1/204)

ودفع الحق باطله، فلا يجهل احد فيقول: كيف؟ ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا الا وان خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا الامر ما بعده والصبر خير في الامور عواقبا: - والله لقد شركت في كل دم سفكه علي بن أبي طالب قالت: احسن الله بشارتك فمثلك من بشر بخير جليسه قالَ: وقد سررت بذاك؟ قالت: أي والله لقد سررت، وانى لي بتصديق هذذا القول؟ فضحك معاوية وقال: اسألي حاجتك.
قالت: انى آليت ان لا اسلا احدا كنت له حربا، ومثلك من وصل عن غير مسألة، وجاد عن غير طلب. فأمر لها وللذين كانوا معها بجوائز، وردها إلى الكوفة.
قالَ ابو بكر الزف: صغار الريش الذي ينبت تحت الجناح، وزعم بعضهم انه لا يكون الا للنعام.
(237) بكارة الهلالية قالت: من عاش كبر، ومن مات قُبر
(1/205)

قد كنت اطمع ان اموت ولا ارى ... فوق المنابر من امية خاطبا
فالله اخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيبهم ... بين الجموع لال احمد عائبا
(238) عن أبي عُبَيْدة لخالد بن يزيد بن معاوية:
هل انت منتفع بعل ... مك مرة والعلم نافع
ومن المشير عليك بال ... رأى المسدد انت سامع
فالموت حوض انت يو ... ما لا محالة فيه شارع
ومن التقى فازرع فان ... ك حاصد ما انت زارع
(239) وأَنشَدَ الأَصمعي:
واني لاستحيي من المرء ان يرىعلى له فضل وان كان سيداتي وسادتي: واصرف نفسي عن امور لو انييتطلبتها اصبحت فيها مسودا
ولكنني لا ابتغي الدهر حاجة ... إلى احد حتى اسدي له يدا
(240) لرجل من بني القين يصف الخمر:
كميت اذا شجت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجهك منها في الاناء قطوب
(1/206)

(241) ابو عُبَيْدة، قالَ: بعث ملك من ملوك العرب إلى رجلين عابدين فقال لهما: مالكما لا تأتياني، انتما عبدان من عبيدي؟ فقالا له: ان صدقت نفسك فستعلم انا لسنا بعبدين لك.
قالَ: وكيف ذلك؟ قالا: هل تعمل شيئا لغضب او هوى؟ قالَ: نعم.
قالا: فأنا قد ملكنا غضبنا وهوانا، فهما عبدان لنا، وانت لم تملك غضبك ولا هواك، فأنت عبد لعبدينا.
(242) عن يونس، قالَ: اوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا لمّا بعث به إلى خراسان. فقال له فيما يوصيه:
اذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي
(1/207)

ثم قالَ: ان لأبيك صنائع فلا تفسدها، وحسب المرء لعنة ان يهدم ما بنى ابوه، واياك والدماء فانها لا بقية بعدها، واكفف عن اعراض الاحرار، فان الحر لا يرضيه من عرضه عوض، واجتنب العقوبة في الابشار، فانه وتر مطلوب، وعار باق، ولا يمنعك من ذي فضل تصطنعه ان يكون غيرك قد سبقك اليه، فأنما تصطنع الرجال لنفسك، واستعمل اهل العقل دون اهل الهوى، ولا تعزل عاملا الا عن فجور او خيانة، وليكن جلساؤك غير اسنانك، فأن الشباب شعبة من الجنون، واحمل الناس على احسن ادبك يكفوك انفسهم، وان نازعتك نفسك إلى اخذ شئ من هذا المّال فلا يكن خصمك فيه الا بيت المّال، فأن القول فيه قولك، ولتكن رسلك فيما بيني وبينك مرتفعة عنى وعنك، فأذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، فأن كتاب الرجل من عقله، واستودعك الله.
(243) اقبل عمرو بن العاص على معاوية، فنظر اليه معاوية، وقد بان فيه الكبر فقال له معاوية: قرمطت يا ابا عبد الله.
(1/208)

فقال عمرو: من يعش يكبر، ومن يكبر يقرمط.
قالَ: ما بقى من لذتك؟
قالَ: لان منى ما كان جاسيا، وجسا مني ما كان لينا، ونمت في الملا، وانتبهت في الخلا، وذكرت القديم ونسيت الحديث، وابغضت بيت النساء، واحببت بيت الرجال. فما بقى من لذتك انت يا امير المؤمنين؟ قالَ: صحة البصر، ولي لذة اخرى قالَ: وما هي؟ قالَ: لا ارى مكرمة في يدي قومي الا احببت ان انزعها فأجعلها في ولدي من بعدي.
وكان معهما وردان مولى عمرو، فقال معاوية: ما بقى من لذتك انت يا وردان؟ قالَ: انا وابو عبد الله نجرى في مضمار واحد، ولى لذة لم يذكرها واحد منكما.
قالَ: وماهي؟ قالَ: عثرة كريم انعشها، ويد بيضاء اصطنعها.
(1/209)

فغضب معاوية، وقال له: ما انت وذاك ايها العبد، مولاك احق بها.
فقال: انت يا امير المؤمنين كنت احق بها. فأما الان فقائلها احق بها
(1/210)

ملحق بأمالي ابن دريد في امالي القالي ومظهر السيوطي
(1/213)

(1) وأَنشَدَنا أبو بكر بن دريد فيما أملاه علينا من معاني الشعر:
إذا ما أجتلى إليها بطرفه ... غروب ثناياها أنار وأظلمّا
الغروب: حد الأسنان، واحدها غرب. والراني: المديم النظر.
وقوله: انار واظلم، أي ضوءاً وظلمّا، والظلم: ماء الاسنان.
(2) وحدثنا أبو بكر رحمه الله قالَ حدثنا عبد الرحمن عن عمه قالَ: قدم أعرأبي البصرة فنزل على قوم من بني العنبر وكان فصيحاً، فكنا نسير إليه فلا نعدم منه فائدة، فجدر ثم برأ، فأتيناه يوما فأَنشَدَنا.
ألم ياتها إني تلبست بعدها ... مفوفة صناعها غير أخرقا
وقد كنت منا عاريا قبل لبسها ... فكان لباسيها أمر وأعلقا
قالَ أبو علي: أعلق: أشد مرارة، وهذه الكلمة أول كلمة سمعتها من أبي بكر بن دريد، دخلت عليه وهو يملي على الناس، العرب تقول: هذا أعلق من هذا، أي أمر منه، وأَنشَدَنا:
(1/215)

نهار شراحيل طود يريبني ... وليل أبي ليلى أمر وأعلق
أي أشد مرارة.
(3) قالَ أبو علي: وأملى علينا رحمه الله، قالَ: أخبرنا أبو حاتم أن أبا عُبَيْدة أَنشَدَهم لربيعة الأَسَدِيُّ يرثي ابنه ذؤاباً:
ابلغ قبائل جعفر مخصوصة ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
ان المودة والهوادة بيننا ... خلق كسحق الريطة المنجاب
قالَ ويروي:
ان البقية والهوادة بيننا ... سمل كسحق الريطة المنجاب
إلا بجيش لايكت عديدة ... سود الجلود من الحديد غضاب
قالَ ابو علي وقال ابو بكر من كلام العرب: لا تكته أو تكت النجوم أي لا تعده.
(1/216)

ولقد علمت على التجلد والاسي ... أن الرزية كان يوم ذؤاب
أذؤاب إني أهبك ولم اقم ... للبيع عند تحضر الاجلاب
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبهم فقد إلى اعدائهم ... وأشدهم فقدا على الأصحاب
ويروي:
بأشدهم أواقاً على أعدائهم ... واجلهم رزءاً على الاصحاب
وعمادهم في كل يوم كريهة ... وثمال كل مصعب قرضاب
قالَ ابو علي: القرضاب والقرضوب: الفقير، والقرضاب في لاغير هذا الموضع: اللص.
أهوى له تحت العجاج بطعنة ... والخيل تردي في الغبار الكأبي
الكأبي: المنتفخ. يقال فلان كأبي الرماد إذا كان سخياً، ومن هذا قيل: كبا الفرس يكبو إذا ربا وانتفخ.
اذؤاب صاب على صداك فجداه ... صوب الربيع بوابل سكاب
ما انس لا أنساه آخر عيشنا ... مالاح بالمعزاء ريع سراب.
(1/217)

قالَ أبو علي: الريع: الرجوع، وريعان الشباب: اوله، والريع أيضاً: الزيادة، ومنه حديث عمر رضي الله عنه: املكوا العجين فإنه أحد الريعين.
واملى علينا أبو بكر قالَ أَنشَدَنا أبو حاتم عن أبي عُبَيْدة لخرنق بنت هفان ترثي زوجها عمرو بن مرثد وابنها علقمة بن عمرو واخويه حسان وشرحبيل:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداةوافة الجزر
النازلون بكل معترك ... والطيبون معاقد الازر
ويروي: النازلين والطيبين معاقد الازر، ويروي النازلون والطيبين.
ان يشربوا يهبوا وان يذروا ... يتواعظوا عن منطق الهجر
قوم اذا ركبوا سمعت لهم ... لغطا من التأبيه والزجر
والخاطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغني منهم بذي الفقر
هذا ثنائي ما بقيت عليهم ... فاذا هلكت اجنني قبري
قالَ ابو على: الهجر: الفحش. واللغط: الجلبة. والتأييه: الصوت، يقال: ايهت به تأييها اذا صحت به، والنحيت: المنحوت. والنضار: الذهب
(1/218)

(5) قالَ: وحدثنا ابو بكر قالَ حدثنا ابو حاتم قالَ حدثني عمارة بن عقيل قالَ حدثني أبي - يعني عقيل بن بلال - قالَ سمعت أبي - يعني بلال بن جرير - يقول سمعت جريرا يقول: دخلت على بعض الخلفاء بني امية فقال: الا تحدثني عن الشعراء؟ فقلت: بلى، قالَ: فما تقول في ابن أبي سلمة والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه، قالَ: فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء، قالَ: فما تقول في ذي الرمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه احد، قالَ: فما تقول في الاخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات، قالَ: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضا عليها، قالَ: فما ابقيت لنفسك شيئا! قلت: بلى يا امير المؤمنين انا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود اليها، ولانا سبحت الشعر تسبيحا ما سبحه احد قبلى، قالَ: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطرفت، وهجوت فأرذيت، ومدحت فأسنيت، ورملت فأغرزت، ورجزت فأبحرت، فانا قلت ضروبا من الشعر لم يقلها احد قبلي.
(1/219)

قالَ ابو على: كذا املي علينا ارذيت، وهو صحيح ومعناه غير اسقطت، لانه هاجي في زمانه عدة من الشعراء فأسقطهم غير الفرزدق. والرذية: الساقطة من الابل من الهزال او من الاعياء.
(1/220)

(1) وقال ابن دريد في اماليه: اخبرنا الاشنانداني عن التوزي عن أبي عُبَيْدة قالَ: اجتمع عند يزيد بن معاويةابو زبيد الطائي، وجميل بن معمر العذري، والاخطل التغلبي، فقال لهم: ايكم يصف لي الاسد صفة في غير شعر؟ فقال ابو زبيد: انا يا امير المؤمنين، لونه ورد، وزئيره رعد - وقال مرة اخرى: زغد - ووثبه شد، واخذه جد، وهوله شديد، وشره عتيد، ونابه حديد، وانفه اخثم وخده ادرم، ومشفره ادلم، وكفاه عراضتان ووجناه ناتئتان، وعيناه وقادتان، كأنهما لمح بارق، او نجم طارق، اذا استقبلته قلت افدع، واذا استعرضته قلت اكوع، واذا استدبرته قلت اصمع، بصير اذا استغضى، هموس اذا مشى، اذا قفى كمش، واذا جرى طمش، براثنه شثنة، ومفاصله مترصة
(1/221)

مصعق لقلب الجبان، مروع لمّاضي الجنان، اذا قاسم ظلم وان كابر دهم، وان نازل غشم، ثم انشأ يقول:
جبعثن اشوس ذو تهكم ... مشتبك الانياب ذو تبرطم
وذو اهاويل وذو تجهم ... ساط على الليث الهزبر الضغيم
وعينه مثل الشهاب المضرم ... وهامه كالحجر الململم
فقال: حسبك يا ابا زبيد.
ثم قالَ: قل يا جميل. فقال: يا امير المؤمنين: وجهه فدغم، وشدقه شدقم، ولغده معرنزم مقدمه كثيف، ومؤخره لطيف، ووثبه خفيف، واخذه عنيف، عبل الذراع، شديد النخاع، مرد للسباع، مصعق الزئير، شديد المرير، اهرن الشدقين، مترص الحصيرين، يركب الاهوال، ويهتصر الابطال، ويمنع الاشبال، ما ان يزال جاثما في خيس، او رابضا على
(1/222)

فريس، او ذا ولغ ونهيس، ثم قالَ:
ليث عرين ضيغم غضنفر ... مداخل في خلقه مضبر
يخاف من انيابه ويذعر ... ما ان يزال قائما يزمجر
له على كل السباع مفخر ... قضاقض شئن البنان قسور
فقال: حسبك يابن معمر.
ثم قالَ: قل يا اخطل: فقال: ضيغم ضرغام، غشمشم همهام، على الاهوال مقدام، وللاقران هضام، رئبال عنبس، جرئ دلهمس، ذو صدر مفردس، ظلوم اهوس، ليث كروس، ثم قالَ:
شرنبث الكفين حامي اشبل ... اذا لقاه بطل لم ينكل
قضاقض جهم شديد المفصل ... مضبر الساعد، ذو تعثكل
(1/223)

ململم الهامة كمش الارجل ... ذو لبد يغتال في تمهل
انيابه في فيه مثل الانصل ... وعينه مثل الشهاب المشعل
فقال له: حسبك، وامر لهم بجوائز.
هذا منقطع ابو عُبَيْدة لم يدرك يزيد.
(2) وقال ابن دريد في اماليه: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه الأَصمعي قالَ: سمعت صبية بحمى ضرية يتراجزون، فوقفت وصدوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع، إذا أقبل شيخ فقال: أتكتب كلام هؤلاء الأقزام الأدناع.
(3) وقال ابن دريد في أماليه: أخبرنا ابو حاتم قالَ: جئت ابا عُبَيْدة يوما ومعي شعر عروة بن الورد، فقال لي: ما معك؟ فقلت: شعر عروة. فقال: فارغ حمل شعر فقير يقرأه على فقير.
(4) وقال ابن دريد في امليه: اجاز لي عمي سنة ستين ومئتين قالَ: حدثني أبي هشام بن محمد السائب، قالَ حدثني ثابت بن الوليد الزهري عن أبيه عن ثابت
(1/224)

ابن عبد الله بن سباع، قالَ: حدثني قيس بن مخرمة قالَ: اوصي قصي بن كلاب بنيه، وهم يومئذ جماعة، فقال يا بني، إنكم أصبحتم من قومكم موضع الخرزة من القلادة، يا بني، فأكرموا انفسكم تكرمكم قومكن، ولا تبغوا عليهم فتبوروا، وإياكم والغدر فانه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، وإياكم وشرب الخمر فانها إن اصلحت بدنا افسدت ذهنا، وذكر الوصية بطولها.
(5) وقال ابن دريد في اماليه: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عُبَيْدة قالَ: سئل يوما عن المثل: مجير أم عامر، فقال: خرج فتيان من العرب للصيد فأثاروا ضبعاً فأنفلت بين ايديهم ودخلت خباء بعض العرب فخرج اليهم. فقال: والله لا تصلونه اليها. فقد استجارت بي، فخلوا بينه وبينها فلمّا انصرفوا عمد إلى خبز ولبن وسمن، فثرده وقربه اليها فأكلت حتى شبعت وتمددت في جانب الخباؤ، وغلب الاعرأبي النوم، فلمّا استثقل وثبت عليه فقرضت حلقه، وبقرت بطنه. وأكلت حشوته، وخرجت تسعى، وجاء اخ للأعرأبي فلمّا نظر اليه أنشا يقول:
(1/225)

ومن يصنع المعروف في غير اهله ... يلاقي الذي لاقى أم عامر
اعد لها لمّا استجارت ببيته ... قراها من ألبان اللقاح البهارز
فأشبعها حتى إذا ما تمطرت ... فرته بانياب لها وأظافر
فقل لذي المعروف: هذا جزاء من ... يجود بمعروف إلى غير شاكر
(6) وقال ابن دريد في امليه: اخبرنا السكن بن سعيد الجرموذي عن محمد بن عباد، عن الكلبي، قالَ: وفد الصقعب بن عمرو النهدي في عشرة من بني نهد على النعمان بن المنذر، وكان الصقعب رجلا قصيراً دميما تقتحمه العين شريفاً بعيد الصوت، وكان قد بلغ النعمان حديثه، فلمّا اخبر النعمان بهم قالَ للآذن: ائذن للقصعب، فنظر الآذن 'لى اعظمهم واجلهم، فقال: انت الصقعب، قالَ: لا فقال للذي يليه في العظم والهيئة: أأنت هو؟ فقال: لا. فاستحيا، فقال: ايكم الصقعب؟ فقال الصقعب: هأنذا! فأدخله إلى النعمان، فلمّا رآه قالَ: تسمع بالمعيدي خير من ان تراه! فقال له الصقعب: أبيت اللعن! ان الرجال ليسوا بالمسوك يستقي فيها، إنما الرجل بأصغريه بلسانه وقلبه؟ إن قاتل قاتل بجنان، وغن نطق نطق ببيان فقال له النعمان: فلله ابوك:! فكيف بصرك بالامور؟
(1/226)

فقال: انقض منها المفتول، وابرم منها المسحول، واحيلها حتى تحول، ثم انظر إلى ما يئول، وليس لها بصاحب من لم ينظر في العواقب. قالَ: قد احلت واحسنت، فأخبرني عن العجز الظاهر، والفقر الحاضر. قالَ: اما العجز الظاهر فالشاب الضعيف الحيلة، التبوع للحيلة، الذي يحوم حولها، ويسمع قولها، ان غضبت ترضاها، وان رضيت تفداه، فذاك الذي لا كان ولا ولد النساء مثله، واما الفقر الحاضر فالذي لا تشبع نفسه، وان كان له قنطار من ذهب.
قالَ: فأخبرني عن السوءة السوءاء، والداء العياء. قالَ: اما السوءة السوءاء فالمراة السليطة التي تعجب من غير عجب، وتغضب من غير غضب، فصاحبها لا ينعم باله ولا يحسن حاله، ان كان ذا مال لم ينفعه، وان كان فقيرا عير به، فأراح الله منها بعلها، ولا متع بها اهلها.
واما الداء العياء فالجار جار البيت ان شهدك صسافهك، وان غبت عنه سبعك، وان قاولته بهتك، وان سكت عنه ظلمك.
فقال له النعمان: انت انت! فأحسن صلته وصلة اصحابه،
(1/227)

(7) وقال ابن دريد في اماليه: حدثنا العكلي عن أبيه عن سليطبن سعد: كان اكثم بن صيفي يقول: رب عجلة تهب ريئا. ادرعوا الليل فأن الليل اخفى للويل، المرء يعجز لا المحالة. لا جماعة لمن اختلف، لكل امرئ سلطان على اخيه حتى يأخذ السلاح فأنه كفى بالمشرفية واعظا، اسرع العقوبات عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، والم الاخلاق اضيقها، واسوأ الاداب سرعة العقاب، ورب قول انفذ من صول. الحر حر وان مسه الضر، والعبد عبد وان ساعده الجد، واذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد، رب كلام ليس فيه اكتتام، حافظ على الصديق ولو في الحريق، ليس من العدل سرعة العذل. ليس بيسير تقويم العسير. اذا بالغت في النصيحة هجمت بك على الفضيحة. لو انصف المظلوم لم يبق فينا ملوم. قد يبلغ الخضم بالقضم. استأن اخاك فأن مع اليوم غدا. كل ذات بعل ستئيم. النفس عروف فلا تطمع في كل ما تسمع.
(8) قالَ ابن دريد في اماليه: اخبرني السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن أبي الكلبي عن عوانة قالَ: اول من كتب بخطنا هذا، وهو الجزم، مرامر بن مرة واسلم بن جدرة
(1/228)

الطائيان، ثم علموه اهل الانبار، فتعلمه بشر بن عبد الملك اخو اكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن امية اخت أبي سفيان، فعلم جماعة من اهل مكة، فلذلك كثر من يكتب بمكة من قريش، فقال رجل من اهل دومة الجندل من كندة يمن على قريش بذلك:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو ... فقد كان ميمون النقيبة ازهرا
اتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو ... من المّال نا قد كان شتى مبعثرا
واتقنتمو ما كان بالمّال مهملا ... وطامنتمو ما كان منه منفرا
فأجريتم الاقلام عودا وبدأة ... وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا
واغنيتمو عن مسند الحي حمير ... وما زبرت في الصحف اقيال حميرا
(9) وقال ابن دريد في اماليه: اخبرنا ابو حاتم قالَ: قالَ الأَصمعي: وقف اعرأبي علينا في جامع البصرة، ومعه اب له شيخ، فقال: ايها الناس. اتى الازلم الجذع على شيخي فأخنى عليه، فأطر قناته، وحص
(1/229)

شواته، واختلج كفاته فغادره في متيهه ابوال البغال، فأزعجه الضماد عن بلده، وسلبه فيض عدده، وفت في ايد عضده، على فقر حاضر، وضعف ظاهر، فنستنجد الله ثم اياكم للضريك النزيك بعد الابلات والربلات ورماه بالذآليل المصمئلات، فصار كالمتقى النسيء، لا يؤمن عليه وطأة منسم، ولا نكزة ارقم، ولا عدوة ملهم، فاقرضونا على من فسح لكم المسارب، وانبط لكم المشارب.
(10) قالَ ابن دريد في اماليه: اخبرنا عبد الرحمن قالَ: اخبرني عمي، قالَ: قيل لابنة الخس: ماضبك؟ قالت: ضبي اعور عينين، ساح حابل، لم ير انثى ولم تره.
(1/230)

قولها اعور، أي لا يبرح جحره. والساحي: الذي يأكل السحاة، والحابل: الذي يأكل الحبلة، وهوثمر الالاء والسرح.
(1/231)