Advertisement

بدائع البدائه



الكتاب: بدائع البدائه
المؤلف: علي بن ظافر بن حسين الأزدي الخزرجي، أبو الحسن جمال الدين (المتوفى: 613هـ)
طبعة: مصر سنة 1861 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
في بدائع بدائه الأجوبة
فمن ذلك ما أخبرني به الشيخ الفقيه الأجل أبو محمد عبد الخالق ابن زيدان المسكي
وكتب لي بخطه قال: أملى على الشيخ العلامة أبو محمد بن برى - رحمه الله - قال: لقي عبيد بن الأبرص امرأ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال: ألق ما أحببت؛ فقال عبيد:
ما حبة ميتة أحيت بميتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا
فقال عبيد:
ما السود والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تساسا
فقال امرؤ القيس:
تلك السحاب إذا الرحمن أرسلها ... روى بها من محول الأرض أيباسا
فقال عبيد:
ما مرتجاة على هول مراكبها ... يقطعن طول المدى سيراً وإمراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباساً
فقال عبيد:
(1/6)

ما القاطعات لأرضٍ لا أنيس بها ... تأتي سراعاً وما ترجعن أنكاساً
فقال امرؤ القيس:
تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناساً
فقال عبيد:
ما الفاجعات جهاراً في علانيةٍ ... أشد من فيلقٍ مملوءة باساً
فقال امرؤ القيس:
تلك المنايا فما يبقين من أحدٍ ... يكفتن حمقى وما يبقين أكياساً
فقال عبيد:
ما السابقات سراع الطير في مهلٍ ... لا تستكين ولو ألجمتها فاساً
فقال امرؤ القيس:
تلك الجياد عليها القوم قد سبحوا ... كانوا لهن غداة الروع أحلاساً
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض الجو في طلقٍ ... قبل الصباح وما يسرين قرطاساً
فقال امرؤ القيس:
تلك الأماني تتركن الفتى ملكاً ... دون السماء ولم ترفع به راساً
فقال عبيد:
ما الحاكمون بلا سمعٍ ولا بصرٍ ... ولا لسانٍ فصيح يعجب الناسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الموازين والرحمن أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياساً

ومثل هذا وإن تفاوت ما بين الأعصار ولم يكن من باب الألغاز
ما ذكر أن الشريف أبا جعفر مسعود بن الحسن العباسي - وهو من ولد العباس - بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ويعرف بالبياضى - كان يتعشق قينةً ببغداد اسمها بدور، وتعرف بجارية بنت الملك، وفيها يقول:
شكا القلب ظلمته في الحشى ... إلي فأسكنت فيه بدورا
وكانت تنزل ببغداد في القطيعة، فاجتمع يوماً هو وأبو تراب هبة الله بن السريجي - وكان شاعراً - فقال بديهاً يخاطب الشريف:
أسلوت حب بدور أم تتجلد ... وسهرت ليلك أم جفونك ترقد؟
(1/7)

فقال الشريف بديهاً:
لا، بل هم ألفوا القطيعة مثلما ... ألفوا نزولهم بها فتبعدوا
فقال أبو تراب:
فإلام تصبر والفؤاد متيم ... ولظى اشتياقك في الحشى يتوقد!
فقال الشريف:
ما دام لي جلد فلست بجازعٍ ... إذ كان صبري في العواقب يحمد
فقال أبو تراب:
أحسنت، كتمان الهوى مستحسن ... لو كان ماء العين مما يجمد
فقال الشريف:
إن كان جفني فاضحي بدموعه ... أظهرت للجلساء أني أرمد
فقال أبو تراب:
فهب الدموع إذا جرت موهتها ... فيقال: لم أنفاسه تتصعد؟
فقال الشريف:
أمشي وأسرع كي يظنوا أنها ... من ذلك المشي السريع تولد
فقال أبو تراب:
هذا يجوز ومثله مستعمل ... لكن وجهك بالمحبة يشهد
فقال الشريف:
إن كان وجهي شاهداً بهوىً فما ... يدرى إلى من بالمحبة أقصد
فقال أبو تراب:
قد رجم الناس الظنون وأجمعوا ... أن التي ذكرت إليها المقصد
فقال الشريف:
لو يجمعون كما زعمت لما رووا ... لي في سواها ما نظمت وأنشدوا
فقال أبو تراب:
قد كان حبك غيرها متحققاً ... والأمر يحدث الهوى يتجدد
فقال الشريف:
حقت حبي غيرها وجعلتها ... مظنونةً، ذا كله لى جيد
فقال أبو التراب:
(1/8)

لو لم تقل ألفوا القطيعة جاز أن ... تنفى به بدر التمام وتجحد
فقال الشريف:
ما قلت لى جلد نفيت به الهوى ... عنى ولكن قلت: في تجلد
فقال أبو التراب:
فإلى متى هذا وطرف رقيبها ... مغضٍ وطيف خيالها متردد
فقال الشريف:
أنا دائباً أبغي الوصال فإن أبت ... منه على عاداتها فسأجهد
فقال أبو التراب:
اخضع وذل لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يشال ويعقد
فقال الشريف:
ذا لا يكون مع الحبيب وإنما ... مع ساقطٍ متحيلٍ يتعمد

أنبأني الشيخان
الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي والشيخ جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري المعروف بابن الحرستاني قاضي دمشق الآن - أيدهما الله تعالى - إجازة، قالا: أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر الدمشقي قراءة عليه - ونحن نسمع - قال: أخبرنا أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد المتوكلي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح الفارسي، حدثنا محمد بن حميد الخراز، أخبرنا الصولي، حدثني أبو الفضل بل مخلد بن أبان، حدثنا إسحاق الموصلي، قال: حدثنا الأصمعي قال: أول ما تكلم به النابغة - يعني الذبياني - من الشعر، أنه حضر مع عمه عند رجل، وكان عمه يحب أن يحاضر به الناس، ويخاف أن يكون عيياً، فوضع الرجل كأساً في يده، وقال:
تطيب نفوسنا لولا قذاها ... ونحتمل الجليس على أذاها
فقال النابغة:
قذاها أن صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها

ومن ذلك ما روى
أن جريراً دخل على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي - ولم يكن جرير رآه من قبل ذلك - فقال الوليد: أتعرف هذا يا جرير؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: هو ابن الرقاع، فقال جرير: شر الثياب الرقاع، فمن هو؟ قال:
(1/9)

هو رجل من عاملة، فقال جرير: هو من الذين قال الله فيهم: " عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية ". قال: ويلك يا ملعون! فأنشأ جرير يقول:
يقصر باع العاملي عن الندى ... ولكن أير العاملي طويل
فابتدر عدي فقال:
أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول!
فقال جرير: امرؤ لم أدر كيف أقول. فوثب عدي فأكب على رجل الوليد يقبلها ويقول: أجرني منه يا أمير المؤمنين. فالتفت الوليد إلى جرير وقال: وتربة عبد الملك لئن هجوته لألجمنك ولأسرحن عليك ولأطيفنك بدمشق. فيعيرك الشعراء بذلك، فخرج جرير فصنع قصيدته التي أولها:
حي الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفراً غير مأنوس
افتخر فيها بنزار وعدد أيامهم، وهجا قحطان، وعرض بعدي ولم يسمه، فقال:
أقصر فإن نزاراً لا يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس
وابن اللبون إذا مالز في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس

ومن ذلك ما رواه عوانة بن الحكم ويحيى بن عنبسة القرشي
قالا: اجتمع جرير والفرزدق عند بشر بن مروان، فقال لهما: إنكما قد تقارضتما الأشعار، وتطالبتما الآثار، وتقاولتما الفخار، وتهاجيتما؛ فأما الهجاء فلا حاجة لي فيه، ولكن جددا بين يدي فخراً، ودعا ما مضى، فقال الفرزدق:
نحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوى بالسنام المناسما!
فقال جرير:
على مقعد الأستاه أنتم زعمتم ... وكل سنام تابع للغلاصم
فقال الفرزدق:
على محرثٍ للفرث أنتم زعمتم ... ألا إن فوق الغلصمات الجماجما
فقال جرير:
وأنبأتمونا أنكم هام قومكم ... ولا هام إلا تابع للخراطم
فقال الفرزدق:
فنحن الزمام القائد المقتدى به ... من الناس، ما زلنا فلسنا لهازما
فقال جرير:
(1/10)

فنحن بنو زيد قطعنا زمامها ... فتاهت كسارٍ طائش الرأس عارم
فقال بشر: يا جرير غلبته بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. ثم أحسن جائزتهما، وفضل جريراً.

ومن ذلك ما ذكره ابن سلام في طبقات الشعراء
قال: اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك، فأحضر بين يديه كيساً فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيكم غلب فله الكيس، فبدر الفرزدق فقال:
أنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران للجربى شفاء
فقال الأخطل:
فإن تك زق زاملةٍ فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء
فقال جرير:
أنا الموت الذي آتى عليكم ... فليس لهاربٍ مني نجاء
فقال عبد الملك: خذ الكيس، فلعمري إن الموت أتى على كل شئ.

ومن ذلك ما روى
أن جريراً اجتمع مع الفرزدق في مجلس عبد الملك، فقال الفرزدق: النوار بنت مجاشع طالق ثلاثاً إن لم أقل بيتاً لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبداً، ولا يجد في الزيادة عليه مذهباً، فقال عبد الملك: ما هو؟ فقال:
فإني أنا الموت الذي هو واقع ... بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله
وما أحد يا بن الأتان بوائلٍ ... من الموت إن الموت لاشك نائله
فأطرق جرير قليلاً ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثاً إن لم أكن نقضته وزدت عليه. فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة، فأنشد:
أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس ... بكفيك يا بن القين هل أنت نائله
أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله
فقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك. فقال الفرزدق: فما ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار بطلاقها. فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها وقال في ذلك:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار
(1/11)

وقد أفضى الحال إلى ذكر خبر الكسعي الذي تمثل به الفرزدق في الندامة
إذ الحديث شجون، واللسان غير مسجون، وهو أنه خرج يرعى إبلاً له في واد فيه حمض وشوحط، فرأى قضيب شوحطٍ نابتاً في صخرة صماء ملساء، فقال: نعم منبت العود، في قرار الجلمود. ثم أخذ سقاءه فصب ما كان فيه من ماء في أصله، فشربه لشدة ظمئه، وجعل يتعاهده بالماء سنة حتى سبط العود وبسق واعتدل فقطعه، وجعل يقومه، ويقوم أوده حتى صلح، فبراه قوساً وهو يرتجز، ويقول:
أدعوك فاسمع يا إلهي جرسي يارب سددني لنحت قوسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... فإنها من لذتي لنفسي
أنحتها صفراء لون الورس ... صلداء ليست كقسى النكس
ثم يرى بقيته خمسة أسهم وهو يرتجز، ويقول:
هن لعمري خمسة حسان ... يلذ للرامي بها البنان
كأنما قومها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان
إن لم يعقني الشؤم والحرمان ... أو يرمني بكيده الشيطان
ثم أخذ قوسه وأسهمه، وخرج إلى مكمن كان مورداً لحمرٍ في الوادي، فوارى شخصه حتى إذا وردت رمى عيراً منها بسهم، فمرق منه بعد أن أنقذه، وضرب صخرة فقدح منها ناراً، فظن أنه قد اخطأ، فقال:
أعوذ بالله العزيز الرحمن ... من نكد الجد معاً والحرمان
مالي رأيت السهم فوق الصفوان ... يرمي شراراً مثل لون العقيان
فأخلف اليوم رجاء الصبيان
ثم وردت حمر أخرى فرمى عيراً فصنع سهمه كالأول وظنه أخطأ، فقال:
أعوذ بالرحمن من شر القدر ... أأخطأ السهم لإرهاف الوتر
أم ذاك من سوء احتيال ونظر ... وإنني عهدي لرام ذو ظفر
مطعم بالصيد في طول الدهر
ثم وردت حمر أخرى، فرمى عيراً منها بسهم ففعل سهمه كالأول، وظنه أخطأ فقال:
يا حسرتا للشؤم والجد النكد ... قد شفني القوت لأهلي والولد
والله ما خلقت في ذاك العمد ... لصعبتي من سبدٍ ولا لبد
أذهب بالحرمان مع طول الأمد
(1/12)

ثم وردت أخرى حمر أخرى، فصنع كالأول، فقال:
ما بال سهى يوقد الحباحبا ... وكنت أرجو أن يكون صائبا
إذ أمكن العير وأبدى جانباً ... وصار ظني فيه ظناً كاذبا
وخفت أن أرجع يومي خائبا ... إذ أفلتت أربعة ذواهبا
ثم وردت أخرى، فصنع كالأول، فقال:
أبعد خمسٍ قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها!
أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها
ولا أرجى ما حييت رفدها ... قد أعذرت نفسي وأبلت جهدها
ثم خرج من مكمنه، فاعترضته صخرة، فضرب بالقوس عليها حتى كسرها، ثم قال: أبيت ليلتي، ثم آتي أهلي. فبات، فلما أصبح رأى خمسة حمرٍ مصرعة، ورأى أسهمه مضرجة بالدم، فندم على ما صنع، وعض على أنامله حتى قطعها وقال:
ندمت ندامةً لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقتلت نفسي
تبين لي سفاة الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي
وقد كانت بمنزلة المفدى ... لدي وعند صبياني وعرسي
فلم أملك غداة رأيت حولي ... حمير الوحش أن ضرجت خمسي
وقد روى في طلاق الفرزدق غير هذا، وليس هذا موضع ذكره.

وروى الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة وغيره
قال: خرج جرير والفرزدق من العراق طالبي الرصافة لهشام بن عبد الملك وقد مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير ليبول، فتلفتت ناقة الفرزدق، فضربها بالسوط وقال:
علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي!
متى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي
ثم قال لرواتهما: الساعة يجئ ابن المراغة فأنشده البيتين، فينقضهما بأن يقول:
تلفت إنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفأس الكهام
متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام
فرجع جرير، فوجد القوم يضحكون، فقال: ما الخبر؟ فقال أحد الرواة: يا أبا حرزة، إن أخاك أبا فراس وقع له كيت وكيت وأنشده البيتين الأولين، فارتجل البيتين الآخرين، فعجب القوم من ذلك الاتفاق، وقالوا: والله يا أبا حرزة، لهكذا زعم أنك
(1/13)

تقول، فقال: أو ما علمتم أن شيطاننا واحد!

وروى أن معن بن أوس المزني
كان قد قدم البصرة وجلس بالمربد ينشد الناس، فوقف عليه الفرزدق وقال: يا معن؛ من الذي يقول:
لعمرك ما مزينة رهط معنٍ ... بأخفاف يطأن ولا سنام
فقال معن: هو الذي يقول:
لعمرك ما تميم أهل فلجٍ ... بأرداف الملوك ولا كرام
فقال الفرزدق: حسبك، فإنما جربتك، فقال: قد جربت وأنت أعلم. فانصرف عنه الفرزدق.

وروى مثل هذا
أن خلف بن خليفة الشاعر كان قد سرق، فقطعت يده، فصنع كفاً وأصابع من جلود، واتفق أن مر بالفرزدق في بعض الأيام، فأراد العبث به، فقال: يا أبا فراس، من القائل:
هو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الاداهم
فقال الفرزدق: هو الذي يقول:
هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدارٍ أو لطر دراهم
فانصرف مخزياً.

وروى لنا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
أنه قال: كنت في مجلس عبد الملك والأخطل ينشده، إذ دخل الجحاف بن حكيم السلمي، فقطع الأخطل إنشاده، والتفت إليه وقال:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليمٍ وعامر!
قال: فنفض الجحاف يده في وجهه وقال:
نعم سوف ننكيهم بكل مهندٍ ... وننكى عميراً بالرماح الشواجر
وكان ذلك عقب مقتل عمير بن الحباب، م قال: لقد ظننت - يا بن النصرانية - أنك لا تجسر علي بهذا القول، ولو وجدتني أسيراً في يدك. فما برح الأخطل حتى حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. فقال: هبك أجرتني منه يقظة، فمن يجيرني منه مناماً! فضحك عبد الملك.
قال علي بن ظافر: وجرى هذا القول يوم البشر على تغلب.

ومن ذلك ما رواه أبو عبيدة وابن عائشة
من سؤال عبد الملك ابن مروان عمر بن أبي ربيعة المخزومي عن مناقضته للفضل بن العباس اللهبى وغلبة الفضل عليه، فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش إذ دخل علينا الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، فوافقني وأنا أتمثل بهذا البيت:
(1/14)

وأصبح بطن مكة مقشعراً ... كأن الأرض ليس بها هشام
فأقبل علي، وقال: يا أخا بني مخزوم، إن بلدة نتج بها عبد المطلب، وبعث منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقر بها بيت الله عز وجل لحقيقة بألا تقشعر لهشام، وإن أشعر من هذا البيت وأصدق قول الذي يقول:
إنما عبد منافٍ جوهر ... زين الجوهر عبد المطلب
فأقبلت عليه وقلت: يا أخا بني هاشم، وإن أشعر من صاحبك الذي يقول:
إن الدليل على الخيرات أجمعها ... أبناء مخزوم للخيرات مخزوم
فقال: أشعر والله من صاحبك الذي يقول:
جبريا أهدى لنا الخيرات أجمعها ... إذ أم هاشم لا أبناء مخزوم
فقلت في نفسي: غلبني والله، ثم حملني الطمع في انقطاعه على مخاطبتي، فقلت: بل أشعر منه الذي يقول:
أبناء مخزومٍ الحريق إذا ... حركت نيرانه ترى ضرما
يخرج منه الشرار مع لهبٍ ... من حاد عن حره فقد سلما
فوالله ما تلعثم إلى أن أقبل بوجهه وقال: أشعر من صاحبك يا أخا بني مخزوم الذي يقول:
هاشم بحر إذا همى وطمى ... أخمد حر الحريق واضطرما
واعلم وخير المقال أصدقه ... بأن من رام هاشماً هشما
فقال: يا أمير المؤمنين! فتمنيت والله أن الأرض ساخت بي، ثم تجلدت وقلت: يا أخا بني هاشم، أشعر من صاحبك الذي يقول:
أبناء مخزوم أنجم طلعت ... للناس تجلو بنورها الظلما
تجود بالنيل قبل تسأله ... جوداً هنيئاً وتضرب البهما
فأقبل على أسرع من البرق، وقال: أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول:
هاشم شمس بالسعد مطلعها ... إذا بدت أخفت النجوم معاً
اختار منها ربي النبي فمن ... قارعنا بعد أحمدٍ قرعا
فاسودت الدنيا في عيني، وأدبر بي، وانقطعت فلم أحر جواباً، فقلت: يا أخا بني هاشم، إن كنت تفخر علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تسعنا مفاخرتك، فقال: كيف لا أم لك! والله لو كان منك لفخرت به علي، فقلت: صدقت وأستغفر الله،
(1/15)

والله إنه لموضع الفخار صلى الله عليه وسلم. وداخلني السرور لقطعة الكلام، ولئلا ينالني عجز عن إجابته فأفتضح، ثم إنه ابتدأ المناقضة فأفكر هنيهة، ثم قال: قد قلت فلم أجد بداً من الاستماع فقلت: هات، فقال:
نحن الذين إذا سما لفخارهم ... ذو الفخر أقعده الزمان القعدد
فافخر بنا إن كنت يوماً فاخراً ... تلق الألى فخروا بفخرك أفردوا
قل يا بن مخزومٍ لكل مفاخرٍ ... منا المبارك ذو الرسالة أحمد
ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم ... هيهات ذلك، هل ينال الفرقد!
فحصرت وتبلدت، وقلت: لك عندي جواب فأنظرني، وأفكرت ملياً، ثم أنشأت أقول:
لا فخر إلا قد علاه محمد ... فإذا فخرت به فإني أشهد
أن قد فخرت وفقت كل مفاخرٍ ... وإليك في الشرف الرفيع المعمد
ولنا دعائم قد بناها أول ... في المكرمات جرى عليها المولد
من رامها حاشا النبي وأهله ... بالفخر غطمطه الخليج المزبد
دع ذا ورح لغناء خودٍ بضةٍ ... مما نطقت به وغنى معبد
مع فتيةٍ تندى بطون أكفهم ... جوداً إذا علج الحرون الأنكد
يتناولون سلافةً عانيةً ... لذت لشاربها وطاب المقعد
فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجابني بجوابٍ كان أشد على من الشعر، فقال: يا أخا بني مخزوم، أريك السها وتريني القمر! قال أبو عبد الله اليزيدي: يريد: أدلك على الأمر الغامض وأنت لم تبلغ أن ترى الأمر الواضح! وهو مثل ثم قال: تخرج من الفاخرة إلى شرب الخمر المحرمة. فقلت له: أما علمت - أصلحك الله - أن الله تعالى يقول في الشعراء: " وأنهم يقولون مالا يفعلون "؟ فقال: قد صدقت، وقد استثنى الله - عز وجل قوماً منهم فقال: " إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وذكروا الله كثيراً "، فإن كنت منهم فقد دخلت في الاستثناء واستحققت العقوبة بدعائك إليها، وإن لم تكن منهم فالشرك بالله - عز وجل - عليك أعظم من شرب الخمر. فقلت: أصلحك الله! لا أرى للمستجدي شيئاً أعظم من السكوت، فضحك وقال: أستغفر الله، ثم قام عني. فضحك عبد الملك حتى كاد يموت، ثم قال: يا بن أبي ربيعة، أما علمت أن لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق! ثم قضى حوائج عمر وصرفه.
قال علي بن ظافر:
(1/16)

وأحسب الحكاية مصنوعة؛ لأن أشعارها ضعيفة.

وروى ورقاء العامري
أن الحجاج قال لليلى الأخيلية لما وفدت عليه: إن شبابك قد هرم فولى، واضمحل أمرك وأمر توبة بن الحمير فأقسم عليك إلا ما صدقتني، هل كان بينكما ريبة قط، أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قال لي مرة كلمة فيها بعض الخضوع فقلت له:
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
فلا والله ما سمعت بعدها منه نغمة فيها ريبة حتى فرق الموت بيننا. فقال لها الحجاج. فما كان منه بعد ذلك؟ فقالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل، فاعل شرفاً، ثم اهتف بهذا البيت:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلةً ... من الدهر لا يسري إلي خيالها!
فلما فعل الرجل ذلك، عرفت المعنى فقلت له:
وعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... عزيز علينا حاجة لا ينالها

ومن ذلك ما روى أبو صالح الفزارى
قال: أقبل شقران مولى سلامان من البصرة بتمر قد امتاره، فلقيه ابن ميادة الرماح بن أبرد فقال ما هذا الذي معك؟ قال: تمر امترته لأهلي يقال له زب رباح، فقال ابن ميادة:
كأنك لم تقفل لأهلك مرةً ... إذا أنت لم تقفل بزب رباح
فقال شقران:
فإن كان هذا زبه فانطلق به ... إلى نسوةٍ سود الوجوه قباح
فغضب ابن ميادة، وانحنى عليه بالسوط يضربه، ثم انصرف معضبا.

وكان المغيرة بن حبناء يهاجي زياداً الأعجم العبقسيوكان بالمغيرة وضح
فقال فيه زياد يصف بياضه:
عجبت لأبيض الخصيين عبدٍ ... كأن عجانه الشعري العبور
فقيل له: يا أبا أمامة! لقد شرفته، ورفعت من قدره، إذ تقول كأن عجانه الشعرى، فقال: أو هكذا ظنكم! لأزيدنه شرفاً ورفعة، ثم صنع فيه من قطعة، فقال:
لاتبصر الدهر منهم حارثاً أبداً ... إلا وجدت على باب استه قمرا

واتفق أنهما اجتمعا يوماً بمجلس المهلب
فجرى بينهما مهاترة، فقال المغيرة لزياد:
(1/17)

أقول له وأنكر بعض ما بي ... ألم تعرف رقاب بني تميم؟
فقال زياد:
بلى لعرفتهن مقصراتٍ ... جباه مذلةٍ وسبال لوم
فانقطع المغيرة.

ومن ذلك ما ذكره المدائني
قال: كان أرطاة بن سهية المرئى يهاجي الربيع بن قعنب، فاجتمعا يوماً للمهاترة والمناقضة، فقال أرطاة للربيع:
لقد رأيتك عرياناً ومؤتزراً ... فما دربت أأنثى أنت أم ذكر!
فقال الربيع:
لكن سهية تدري إذ أتيتكم ... على عريجاء لما انحلت الأزر
فانقطع ابن سهية.

ويروى إن صح وجود مجنون بني عامر
أنه لما تزوجت ليلى عظم ذلك عليه، واشتد همه وحزنه، وأراد ابن عمٍ له سفراً، وكان طريقه على منزل ليلى، فأتاه المجنون، وقال له: إذا مررت على منزل ليلى فارفع صوتك بهذا البيت قائلاً:
أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما نهنهت للعين مدمعا
فلما بلغ منزلها صنع ما سأله إياه، فخرجت ليلى إليه وقالت:
بلى وجلال الله ذكراً لو أنه ... تضمنه صلد الصفا لتصدعا
قال علي بن ظافرٍ: والصحيح أن هذين البيتين من قصيدة للصمة القشيري؛ ولكن نقلت هذه الحكاية من كتاب الأجوبة للقمى

روى الحسن بن صاعد السكوني
قال: حدثني حولان الأسدي قال: نزلنا على ماء يعرف بماء السيال، ونزل بجانب الماء حي آخر، فعلق رجل منا بامرأة من ذلك الحي، فلما أزمعنا الرحيل أخذ الرجل غلاماً منا فرواه هذا البيت وهو:
وما بين ذا الحيين أن يتفرقا ... من الدهر إلا ليلة وضحاها
حتى حفظه، وقال له: قم بإزاء ذلك البيت الذي فيه الجارية وردد هذا البيت، واحفظ ما يرد عليك، ففعل الغلام، وكانت الجارية جالسة وفي حجرها رأس أخ لها كبير تفليه، وأخ لها صغير يصلح شيئاً، فقالت:
لقد كان في عيشٍ رخى لو أنه ... حوى حاجةً في نفسه فقضاها
فقال أخوها الصغير:
أما سمع المفلى لا در دره ... رسالة صبٍ بالسلام نحاها
(1/18)

فقال الكبير:
لحى الله من يلحى المحب على الهوى ... ومن يمنع النفس اللجوج هواها
ثم دعا الرجل فزوجه إياها.

وحدث المدائني
قال: كان بين يحيى بن زياد الحارثي وحماد الراوية ومعلى بن هبيرة، ما يكون مثله بين الشعراء والرواة من المنافسة، وكان معلى يحب أن يطرح حماداً في لسان بعض الشعراء، قال حماد: فقال لي يوماً يحضره يحيى بن زياد: أتقول لأبي عطاء السندي: قل: زج وجرادة ومسجد بني شيطان؟ قال علي بن ظافر: وكان أبو عطاء يرتضخ لكنةً سندية يجعل فيها الجحيم زاياً، والشين سيناً، والطاء والضاد ذالاً، والعين همزة، والحاء هاء - قال: قال حماد: فقلت: ما تجعل لي على ذلك؟ قال: بغلتي بسرجها ولجامها. قلت: وعدلها على يدي يحيى بن زياد. ففعل، وأخذت عليه بالوفاء موثقاً، وجاء أبو عطاء فجلس لينا وقال: مرهباً مرهباً؛ هياكم الله! فرحبنا به، وعرضنا عليه العشاء فأبى، وقال: هل من نبيذ؟ فأحضرناه، فشرب حتى احمرت عيناه، فقلت له: يا أبا عطاء، طرح علينا رجل أبياتاً فيها لغز، ولست أقدر على إجابته، ففرج عني، فقال: هات، فقلت:
أبن لي إن سئلت أبا عطاءٍ ... يقيناً كيف علمك بالمعاني
فقال مسرعاً:
خبير آلم فاسأل تزدني ... بها دبا وآيات المثاني
فقلت:
فما اسم حديدةٍ في رأس رمح ... دوين الكعب ليست بالسنان؟ ٍ
فقال:
هو الزز الذي إن بات ضيفاً ... لقلبك لم يزل لك أو لتان
فقلت: فرج الله عنك، تعني الزج
فما صفراء تدعى أم عوفٍ ... كأن رجيلتيها منجلان؟
فقال:
أردت زرادةً وأزن زناً ... بأنك ما قصدت سوى لساني
فقلت: فرج الله عنك، وأطال بقاءك؛ تريد جرادة وأظن ظناً ثم قلت:
أتعرف مسجداً لبني تميمٍ ... فويق الميل دون بني أبان؟
فقال:
بنو سيطان دون بني أبانٍ ... كقرب أبيك من أبد المدان
قال حماد: ورأيت عينيه قد احمرتا وعرفت الغضب في وجهه، فتخوفته فقلت: يا أبا عطاء، هذا مقام المستجير بك، ولك النصف مما أخذت، قال: فاصدقني، فأخبرته الخبر، فقال: أولى لك! قد سلمت وسلم لك جعلك، وانقلب يهجو معلى بن هبيرة، فأفحش.
وروى العسكري هذه الحكاية على غير هذا السياق، فذكر أن حماد الراوية وحماد عجرد وحماد بن الزبرقان وبكر بن مصعب الزهري اجتمعوا فقالوا: لو بعثنا
(1/19)

إلى أبي عطاء السندي - ولم يذكر السبب الذي من أجله اقترح حماد على ابي عطاء ما اقترح - وذكر البيت الثاني:
تزدني والقرآن بها عليمًابصيراً بالمقاطع والمباني
وذكر البيت الثالث:
فما اسم حديدةٍ في رأس رمحٍ ... دوين الصدر ليست بالسنان
وذكر البيت الثامن:
وذلك مسزداً أنساه قدماً ... بنو سيطان مأروف المكان

مدح بشار بن برد يعقوب بن داود وزير المهدي فلم يعبأ به وحرمه فوفد عليه وطال مقامه ببابه وهو لا يأذن فأحس به في بعض الأيام
فرفع بشار صوته فأنشد:
طال الوقوف على رسوم المنزل
فأجابه يعقوب مسرعاً:
فإذا تشاء أبا معاذٍ فارحل
فرحل بشار، فهجاه بقوله فيه وفي المهدي:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود

وهجا أخاه صالح بن داود
وكان قد ولى ولاية، فسقط به المنبر، فقال فيه من قطعة:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك، فضجت من أخيك المنابر
فلما اشتهر هجاؤه دخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا المشرك هجاك بما لا أستطيع أن أذكره؛ فلم يزل المهدي به حتى كتب له قوله:
خليفة يزنى بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله غيره ... ودس موسى في حر الخيزران
فجر ذلك إلى قتل بشار بن برد.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب القيان والمغنين
قال: كانت بالكوفة جارية مغنية يقال لها سعاد جارية السكوني، وكان مولاها من الظرفاء وفتيان طبقته، مروءة وحسن وعشرة ومساعدة، فحضرت سعاد في مجلسٍ فيه مطيع بن إياس وحماد عجرد، فقال مطيع:
قبليني سعاد بالله قبلهواسأليني بها فديتك نحله
فورب السماء لو قلت صل ... لوجهي جعلت وجهك قبله
فقالت الجارية لحماد: اكفينه: ياعم، فقال يجيبه بديهاً:
إن خلاً لها سواك وفيًا ... لا غدوراً بها ولا فيه مله
(1/20)

لايباع التقبيل بيعاً ولا ير ... شى ولا يجعل التعاشق عله
فقال له مطيع: هذا هجاء؛ وما أرادت الجارية هذا كله، ولقد اشتفيت مني على لسان غيرك؛ فقال الجارية - وكانت ظريفة بارعة: صدق؛ ما أردنا أن نسبه؛ فقال حماد:
أنا والله أشتهي مثلها من ... ك ببذل والبذل في ذاك حله
فأجيبي وأنعمي وخذي البذ ... ل وأطفي لعاشقٍ منك غله
قال: فرضي مطيع وخجلت الجارية. وقالت: أنا عائذة بكما من شركما فاكفيانيه، وخذا فيما جئتما له.

حدث المدائني
قال: كان عثمان بن شيبة مبخلاً، وكان حماد عجرد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حماد فقال له:
أعني من غناك ببيت شعرٍ ... على فقري لعثمان بن شيبه
فقال حماد مسرعاً:
فإنك إن رضيت به خليلا ... ملأت يديك من فقرٍ وخيبه
فقال الرجل: جزاك الله خيراً؛ فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عنه، وصنت ماء وجهي عن بذله.

وروى إسماعيل بن يحيى اليزيدي عن أبيه
قال: كنت جالساً أكتب كتاباً، فنظر فيه سلم الخاسر، فقال:
أير يحيى أخط من كف يحيى ... إن يحيى بأيره لخطوط
قال: فقلت مسرعاً:
أم سلمٍ أدرى بذلك منه ... إنها تحت أيره لضروط
ولها تحته إذا ما علاها ... أزمل من وداقها وأطيط
ليت شعري ما بال سلم بن عمرٍو ... كاسف البال حين يذكر لوط!
لايصلي عليه حين نصلي ... بل له عند ذكره تثبيط

وذكر أبو مروان صاحب كتاب المقتبس في أبناء أهل الأندلس
أن أبا المخشي عاصم بن زيد بن يحيى بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن زيد بن حماد العبادي، شاعر الأندلس في زمانه، كان خبيث اللسان، كثير الهجاء، وهو الذي قطع هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان لسانه؛ لأنه عرض به في قصيدة مدح بها أخاه أبا أيوب
(1/21)

المعروف بالشامي، وكان بين الأخوين تباعد مفرط، والبيت الذي عرض فيه قوله:
وليس كمن إذا ماسيل عرفاً ... يقلب مقلةً فيها اعورار
وكان هشام في إحدى عينيه نكتة بياض كجد أبيه هشام بن عبد الملك. ثم اتفق لأبي المخشي أن مدح هشاماً ووفد عليه على ماردة، وهو يومئذٍ يتولى حربها لأبيه، فلما مثل بين يديه قال له: يا عاصم، إن النساء اللاتي هجوتهن لمعاداة أولادهن وهتكت أستارهن، قد دعون عليك، فاستجاب الله لهن، فبعث عليك مني من يدرك منك ثأرهن وينتقم لهن. ثم أمر به فقطع لسانه، ثم نبت بعد ذلك وتكلم به. وكان أبو المخشي هذا يسكن بوادي شوس، وكان بين وبين ابن هبيرة مهاجاة شديدة، فاجتمعا يوماً للمناقضة فيه، فقال له ابن هبيرة وعيره بأن نسبه إلى النصرانية لأجل أن آباءه كانوا نصارى بقوله:
أقلفتك التي قطعت بشوشٍ ... دعتك إلى هجائي وانتقالي!
الانتقال: الشم، فقال أبو المخشي مسرعاً:
سألت وعند أمك من ختاني ... جواب كان يغني عن سؤالي
فقطعه.
وعلى ذكر أبي المخشي وقطع لسانه، كان مالك رضوان الله عليه يفتي فيمن قطع لسان رجل عمداً بقطع لسانه من غير انتظار - ثم رجع لما انتهت إليه قصة أبي المخشي، وأنه نبت لسانه بعد أن قطع بمقدار سنة وأنه تكلم به، فقال: ينتظر سنة، فقد ثبت عندي أن رجلاً بالأندلس نبت لسانه بعد أن قطع في نحو هذه المدة.

ونقلت من خط الفقيه أبي محمد عبد الخالق المسكي
قال بشار لعنان:
عنان يا منيتي ويا سكني ... أما تريني أجول في سككك
حرمت منك الوفا معذبتي ... فعجلي بالسجل من صككك
إني ورب السماء مجتهد ... في حل ما قد عقدت من تككك
فقالت مجاويةً له:
لم يبق مما تقول قافية ... يقولها قائل سوى عككك
فقال:
بلى وإن شئت قلت فيشلة ... تسكن الهائجات من حككك
قال علي بن ظافر: عنا لم يدركها بشار، وإنما كان يشاغبها أبو نواس، ولهما في مثل هذا أخبار كثيرة وهذء القافية مما يعايا به.
(1/22)

كان بمصر رجل زجلي كثير الوسخ
قذر الجلد والثوب، لا تكاد تفارقه قفة فيها كراريس، يعرف بالمفشراتي، ويلقب أديب القفة، وكان يصنع مقامات مضحكة فيها غرائب وعجائب، يزعم أنه يضاهي بها مقامات الحريري، وكان يقول: أنا موازنه في كل شيء حتى في اسمه ولقبه، هو أبو القاسم محمد، وأنا القاسم أبو محمد وهو ابن علي وانا ابن علي وهو الجريرى وانا الجريرى وهو البصري، ويجعل هذا من أوضح البراهين وأقوى الأدلة على مساواته في كل قصيدة. ومما أنشدنيه لنفسه - وأنا أذكره على سبيل الإطراف، فلقد كان عجيب الشأن - قوله:
يا سابحاً في بركك ... وصائداً في شبكك
لا تحقرن ككتي ... فككتي كككتك
والككة: مركب من مراكب صعيد مصر ليس فيها مسمار.

وروى أن أبا نواس خرج يوماً وهو مخمور إلى الكناسة
فاستقبله أعرابي ومعه غنم فقال أبو نواس:
أيا صاحب الذود اللواتي تسوقها ... بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما؟
فقال الأعرابي:
أبيعكه إن كنت تبغى شراءه ... ولم تك مزاحاً بعشرين درهما
فقال أبو نواس:
أخذت هداك الله رجعى جوانبا ... فأحسن إلينا إن أردت تكرما
فقال الأعرابي:
أحط من العشرين خمساً لأنني ... أراك ظريفاً أخرجنها مسلما
فقيل للأعرابي: أتدري من يكلمك منذ اليوم؟ فقال: لا، فقيل: أبو نواس؛ فرجع فلحقه، وحلف بصدقه غنمه إن لم يقبله.

وروى أنه مر أعرابي ومعه نعجة وكبش وجمل صغير
فقال أبو نواس لمن معه: ما رأيكم في تخجيله؟ فقالوا له: افعل، فقال
بكم النعجة التي ... خلفها الكبش والجمل؟
فقال الأعرابي:
بثلاثين درهماً ... جدداً أيها الأجل

وروى أنه دخل على عنان، فكتب رقعة وناولها إياها
فإذا فيها:
(1/23)

ماذا تقولين فيمن ... يريد منك نظيره؟
فكتبت تحتها عجلةً:
إياي تعنى بهذا! ... عليك فاجلد عميره
ثم ناولته الرقعة، فكتب تحتها عجلاً:
أريد هذا وأخشى ... على يدي منك غيره
فخجلت، وقالت: تعست وتعس من يغار عليك!

وروى الجماز أنه دخل عليها قبل تعارفهما
فأنشد:
إن لي أيراً خبيثاً ... عارم الرأس فلوتا
لو رأى الحر ببحرٍ ... عاد للغلمة حوتا
أو رآه فوق جو ... لنزى حتى يموتا
أو رآه جوف بيتٍ ... صار فيه عنكبوتا
فقالت ارتجالا:
زوجوا هذا بألفٍ ... وأظن الألف قوتا
إنني أخشى عليه ... إن تمادى أن يموتا
بادروا ما حل بالمسكين خوفاً أن يفوتا
قبل أن ينعكس الحا ... ل فلا يأتي ويوتى
فعجب الحاضرون منهما؛ واستظرف كل منهما صاحبه، ودامت صحبتهما بعد ذلك.

وروى المدائني
قال: اجتمع أبو نواس وإسماعيل بن نوبخت وأبو الشمقمق في بيت أذين - قال علي بن ظافر: هو عبد الله الجماز - فبينما هم عنده؛ إذ جاء أبو العتاهية يسأل عن ابن أذين - وكان بينه وبين أبي الشمقمق شر، فخبئوه من أبي العتاهية في بيت، ودخل أبو العتاهية، فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فظنه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه؟ فقال: قريباً يا أبا إسحاق، فقل فيها شيئاً، فمد أبو العتاهية يده إلى الغلام، وقال:
مددت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل؟
فصاح أبو الشمقمق من داخل البيت قائلاً:
يرد في كفك ذا فيشةٍ ... تشفي جوىً في استك من داخل
فقام أبو العتاهية مغضباً، وهو يطلب الباب، ويقول: أبو الشمقمق والله! وضحك القوم
(1/24)

حتى كادوا يهلكون!

وذكر الخالديان
في كتاب أخبار مسلم بن الوليد هذه الحكاية، وذكرها غيرهما بأبسط مما ذكراها، فكتبناها بلفظ الأكثر.
قال دعبل بن علي الخزاعي: بينما أنا بباب الكرخ، إذ أنا بفتاة تسمى قرة، معروفة بظرفٍ وجمالٍ وشعر وأدب وغناء، وقد اجتازت، فتعرضت لها وقلت:
دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض
فقالت:
وذا قليل لمن دهته ... بسحرها الأعين المراض
فقلت:
فهل لمولاى عطف قلبٍ ... أو للذي في الحشى انقراض؟
فقالت مسرعة من غير تلبث:
إن كنت تبغي الوصال منا ... فالوصل في ديننا قراض
قال دعبل: فلا أعلم أني خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها، وتختلس الأرواح ببلاغة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمها؛ مع تلاعة جيد، ورشاقة قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق، قبلها. فحار والله البصر، وذهل اللب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء أدنيت من النيران! ثم ثاب إلى عقلي، وراجعني حلمي، وذكرت قول بشار:
لا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرةٍ ... والصعب يمكن بعدما جمحا
هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد دون المسألة، وبذل قبل الطلبة! فنقلتها من تلك القافية، وقلت:
أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق!
فقلت مسرعة:
ما للزمان تقول فيه وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق
قال دعبل: فاستتبعتها - وذلك في زمن إملاقي - فقلت: ليس لي إلا بيت مسلم بن الوليد صريع الغواني؛ فصرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فقلت: أحمل إليك الخير؛ معي وجه مليح، تقل له الدنيا بما فيها؛ مع ما أنا فيه من ضيقة وعسر، فقال: والله لقد شكوت ما كدت أبادرك بشكواه! إيت بها.
فلما دخلت قال: والله
(1/25)

ما أملك سوى هذا المنديل؛ فقلت: هو البغية، ناولنيه، فقال: خذه، لابارك لك الرحمن فيه! فأخذته فبعته بدينار وكسر، واشتريت به لحماً وخبزاً ونبيذاً، ثم صرت إليهما، فإذا هما يتساقطان حديثاً كأنه الدر، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته، فقال كيف يصلح طعام وشراب وجلوس، مع وجه مليح بعير نقل ولا ريحان ولا طيب! اذهب فألطف بتما ما كنت في أوله.
قال: فخرجت، فاضطربت في ذلك حتى أتيت به؛ فألفيت باب الدار مفتوحاً، فدخلت فلم أر لهما، ولا لشيءٍ مما كنت جئت به أثراً. فأسقطت في يدي، وقلت: أرى صاحب الربع أخذهما، وبقيت متلهفاً حائراً، أرجم الظن، وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقعني على أثرٍ! ففعلت، ووقعت على سرداب، وإذا بهما قد نزلا فيه، وأنزلا معهما ما احتاجا إليه؛ فلما أحسست بهما، دليت رأسي، ثم صحت: مسلم! ثلاثا، فكان من إجابته أن غرد بصوته، وقال:
بت في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف
قال دعبل فقلت: ويلك! من يقول هذا؟ قال:
من له في حر أمه ألف قرنٍ ... قد أنافت على علو مناف
قال: فضحكا ثم سكتا، واستجلبت كلامهما، فلم يجيباني بشيء، وباتا في لذتهما، وبت ليلة يقصر عمر الدنيا عن ساعة منها طولاً وغما وهما، حتى أصبحت ولم أكد.
فخرج إلى مسلم، وهي معه، فجعلت أشتمه وأفتري عليه، فلما أكثرت قال: يا أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، فعلى من تثرب يا قواد! فقلت: مهما كذبت علي، فما كذبت في الحمق والقيادة. وانصرفت وتركتهما.

وذكر صاحب كتاب نجباء الأنباء
أن الرشيد اطلع من مستشرفٍ له على قصره، فرأى ولده عبد الله المأمون يكتب على حائط وهو صغير، فقال للخادم: انطلق حتى تنظر ماذا يكتب عبد الله، واحرص على ألا يفطن لك، فذهب الخادم فتسلل حتى قام من خلفه، وهو مقبل على الحائط، فنظر وعاد إلى الرشيد، فأخبره أنه كتب:
قل لابن حمزة ما ترى ... في زيرياجٍ محكمه؟
قال الخادم: إني تسللت عليه، حتى قمت من خلفه وهو لا يعلم لغلبة الفكر عليه، فقال له الرشيد، ارجع فسله عما يكتب، فسيقول لك: إني مفكر في التتميم على هذا البيت، فقل له: اكتب تحته:
(1/26)

قال ابن حمزة يا بني هزلت مجترئاً فمه
فانطلق الخادم إلى الرشيد فكان ما ظنه الرشيد، ففعل الغلام ما أمره به، فأطرق المأمون قليلا؛ ثم قال، لولا أنك مأمور لم تنج من يدي.
فرجع الخادم إلى الرشيد فأخبره فقال: نجوت. ثم دعا على بن حمزة الكسائي وقال له: من اين علم عبد الله أن الخادم مأمور؟ فقال الكسائي: علمه من قوله: هزلت مجترئاً فمه، إذ كان الخادم لا يقدر على مخاطبته بذلك إلا عن أمر.

وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب الوزراء
قال: ذكر أبو الفضل بن عبد الحميد في كتابه، أن الأحول المحرر، شخص مع محمد بن يزداد عند شخوص المأمون إلى دمشق، وأنه شكا يوماً إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلة ذات اليد، وسأله في أن يسأل له ابن يزداد أن يكلم المأمون في أمره فيبره بشيء. ففعل أبو هارون ذلك، ورأى محمد بن يزداد من المأمون طيب نفس، فكلمه له وعطفه عليه، فقال له المأمون: أنا أعرف الناس به، إنه لا يزال بخير ما لم يكن معه شيء، فإذا رزق فوق القوت بذرة أفسده ذلك، ولكن قد أمرنا له - لشفاعتك - بأربعة آلاف درهم. فدعا ابن يزداد بالأحول؛ فعرفه بما جرى ونهاه عن الفساد، وأمر له بالمال؛ فلما قبضه ابتاع غلاماً بمائة دينار، واشترى سيفاً ومتاعاً، أسرف فيما معه، حتى لم يبق معه شيء. فلما رأى الغلام ذلك أخذ كل ما كان في بيته وهرب، فبقي عرياناً بأسوأ حال، فجاء إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد فأخبره، فأخذ أبو هارون نصف طومار فكتب في آخره:
فر الغلام فطار قلب الأحول ... وأنا الشفيع وأنت خير مؤمل
ثم ختمه وقال له: امض إلى محمد بن يزداد، فمضى وأوصله إليه. فلما رآه محمد قال له: ما في كتابك؟ قال: لا أدري، قال: وهذا من حمقك، تحمل كتاباً لا تدري ما فيه! ثم فضه فلم ير شيئاً، فجعل ينشره وهو يضحك حتى انتهى إلى آخره، فوقف على البيت، فكتب تحته:
لولا تعبث أحولٍ بغلامه ... كان الغلام ربيطةً في المنزل
ثم ختمه، وناوله إياه، وأمره أن يرده إلى خليفته. فقال: الله الله في، جعلني الله فداك! ارحمني من الحالة التي قد صرت إليها. فرق له ووعده أن يكلم المأمون، فكلمه وشرح له الحال، ووصف له ضعف عقل الأحول ووهى عقدته، فأمر
(1/27)

المأمون بإحضاره؛ فلما مثل بين يديه، قال له: يا عدو الله! تأخذ مالي وتشتري به غلاماً حتى يفر منك! فارتاع لذلك وتلجلج لسانه، فقال: جعلني الله فداك! ما فعلت، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف أنك لم تفعل، فارتاع، وجعل ابن يزداد يأخذ بيده لذلك، والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها، ثم أمر بإجراء رزق واسع له كل شهر، ووصله مرة بعد مرة حتى أغناه الله، لأنه كان يعجبه خطه.

أنبأنا الفقيه الحافظ التقى أبو محمد عبد الخالق المسكي إجازة أنبأنا الحافظ السلفي إجازة أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بعلان الكبير
قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا النجيرمي أبو يعقوب، حدثنا المهلبي، قال: لما حضرت المأمون الوفاة، جلست عند رأسه جارية كان بها مشغوفاً، وقد أخذته غشية، فجعلت تبكيه، وأنشأت تقول:
يا ملكاً لست بناسيه ... وليتني بالنفس أفديه
فأفاق من غشيته، ونظر إليها، وأنشأ يقول:
باكيتي من جزعٍ أقصرى ... قد غلق الرهن بما فيه

ومن حسن الجواب بالشعر بديهاً
ما روى طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى دار محمد بن عبد الملك الزيات يستدعيه، وقد كان المعتصم طلبه، فدخل المجلس ليلبس ثيابه، فرأى ابن دنقش في صحن الدار غلاماً، له روقة؛ فقال - وهو يظن أن محمد بن عبد الله لا يسمعه:
وعلى اللواط فلا تلومن كاتباً ... إن اللواط سجية الكتاب
فقال محمد مسرعاً:
وكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الحلاق سجية الحجاب
فاستحيا ابن دنقش، واعتذر بأن هذا شيء جرى على لسانه من غير قصد، فقال له محمد بن عبد الملك: إنما يحسن الاعتذار، إذا لم يقع قصاص.

وذكر الصولي في كتاب الوزراء
قال: حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال: دخل الحسن بن وهب على محمد بن عبد الملك وهو في بستان، وأقبل غلام لمحمد بن عبد الملك، حسن الوجه، فقال للحسن: أجز:
كيف ترى هذا الغلام الذي ... أقبل يحكي البدر في المطلع
فقال الحسن:
(1/28)

لا تسألني يا أبا جعفرٍ ... عن مثله في مثل ذا الموضع
فقال أبو الجهم أحمد بن سيف وكان حاضراً:
أتيت والله بها جملةًوخيمة المربع والمرتع
فقال الحسن يعرض بأبي الجهم:
إذا ما حامت العقبان يوماً ... تسترت الجوارح بالغياض
فقال أبو الجهم يجيبه:
ألم يخفق فؤادك يا بن وهبٍ ... لذكري دون رميك في عراضي
وهل ثبتت عقاب في مكان ... إذا نسر تحامل في انقضاض!
فأقسم عليها محمد بأن يمسكا، وأقبل يردد بيت الحسن الذي أوله: لا تسألني فقال: الحسن:
نعم وإن أحببت يا سيدي ... فسرت ما أجملته فاسمع
فقال محمد:
إن كنت تهواه فخذه فقد ... جدت لك الآن به فاقطع
فقال الحسن:
إن كنت تهوى الصدق فأذن لهيخرج إذا حان خروجي معي
قال: اخرج معه يا غلام، فأنت له.

وروى علي بن الجهم
قال: كنت يوماً عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة رابتها، فقالت:
يا رب رامٍ حسنٍ تعرضه ... يرمي ولا أشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك ليس يمرضه ... وأي عهدٍ محكمٍ لا ينقضه!
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.

وكان أبو الفضل بن المضاء أحد أمراء بني الأغلب يخضب
فأنشده يوماً أبو شراحيل شريح بن عبد الله بن غانم بن العاص يعرض به:
لعمرك ما الخضاب إذا تولى ... شباب المرء إلا كالسراب
فقال يعقوب يجيبه بديهاً:
فلا تعجل رويدك عن قريبٍ ... كأنك بالمشيب وبالخضاب

وذكر الصولي في كتاب الوزراء حدثني محمد بن العلاء السجزي
قال: دخل
(1/29)

أبو ناضرة إلى عبيد الله بن سليمان، فقال:
أيظعن في جملة الظاعنين ... غداً أم يقيم أبو ناضرة؟
فقال الوزير:
يقيم يقيم على رغمه ... وتحلق لحيته الوافرة
فقال عبيد الله بن الفرج، كاتب سر عبد الله سراً:
ويصفع من غير ما حشمةٍ ... وتؤتى حليلته الفاجرة

وذكر أبو عبد الله التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة
قال: حدثني محمد بن الحسن البصري، قال: حدثني الهمداني الشاعر، قال: قصدت ابن الشملغاني في ما درايا، فأنشدته قصيدةً قد مدحته بها، وتأنقت فيها، وجودتها؛ فلم يحفل بها. فسكنت أغاديه كل يوم، وأحضر مجلسه إلى يتقوض الناس؛ فلا أرى للثواب طريقاً. فحضرته يوماً، وقد احتشد مجلسه، فقام شاعر؛ فأنشد نونية، إلى أن بلغ فيها إلى بيت هو:
فليت الأرض كانت مادرايا ... وليت الناس آل الشلمغاني
فعن لي في هذا الوقت هذا البيت، فقمت إليه مسرعاً:
إذا كانت بطون الأرض كنفاً ... وكل الناس أولاد الزواني
فضحك، وأمرني بالجلوس، وقال: نحن أحوجناك لهذا، وأمر لي بجائزة سنية، فأخذتها وانصرفت.

وكان أبو عمر أحمد بن عبد ربه صديقاً لمحمد بن يحيى بن القلفاظ الشاعر
ثم فسد ما بينهما وتهاجيا؛ وكان سبب الفساد بينهما أن ابن عبد ربه مر يوماً، وكان في مشيته اضطراب؛ فقال: يا أبا عمر؛ ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيتك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد! فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم! والله لأرينك كيف الهجاء! ثم صنع قصيدة أولها:
يا عرس أحمد إني مزمع سفرا ... فودعيني سراً من أبي عمرا
ثم تهاجيا بعد ذلك. وكان القلفاظ يلقبه بطلاس، لأنه كان أطلس لا لحية له؛ ويسمى كتابع العقد حبل القوم؛ فاتفق اجتماعهما مرة عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر؟ فقال مرتجلاً:
حال لي طلاس عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه
فبادره ابن عبد ربه، فقال:
(1/30)

إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمك من مائه
فانقطع القلفاظ خجلاً.

أنبأنا الشيخ النبيه الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي
قال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه بن حزم، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن، قال: وجدت بخط أبي قال: أمرنا الحاكم المستنصر بالله بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي وابني سعيد في دار الملك التي بقصر قرطبة، وأحضر من الكتاب نسخاً كثيرة، في جملتها نسخة القاضي منذر بن سعيد التي رواها بمصر عن ابن ولاد، فمر لنا صدر من الكتاب بالمقابلة، فدخل علينا المستنصر في بعض الأيام فسألنا عن النسخ، فقلنا له: إن نسخة القاضي التي كتبها بخطه محرفة، وأريناه مواضع مغيرة وأبياتاً مكسورة، وأسمعناه ألفاظاً مصحفة ولغات مبدلة. فعجب من ذلك وسأل أبا علي، فقال له نحو ذلك، واتصل المجلس بالقاضي، فكتب إلى المستنصر رقعة فيها:
جزى الله الخليل الخير عنا ... بأفضل ما جزى فهو المجازي
وما خطأ الخليل سوى المغيلي ... وعضروطين في دار الطراز
فصار القوم زرية كل زارٍ ... وسخرية وهزأة كل هازٍ
فلما دخلنا على المستنصر قال لنا: أما القاضي فقد هجاكم، وناولنا الرقعة بخط القاضي - وكانت تحت شيء بين يديه - فقرأناها وقلنا: يا مولانا نحن نجل مجلسك الكريم عن انتقاص أحدٍ فيه، لا سيما مثل القاضي في سنه ومنصبه، فإن أحب مولانا أن يقف على حقيقة ما استدركناه فليحضره وليحضره الأستاذ أبا علي، ثم نتكلم على كل كلمة استدركناها عليه؛ فقال: قد ابتدأكم والبادي أظلم، وليس على من انتصر لوم، قال أبي: فمددت يدي إلى الدواة وكتبت بين يديه:
هلم فقد دعوت إلى البراز ... وقد ناجزت قرناً ذا نجاز
ولا تمش الضراء فقد أثرت ال ... أسود الغلب تخطو باحتفاز
وأصحر للقاء تكن صريعاً ... بماضي الحد مصقولٍ جراز
رويت عن الخليل الوهم جهراً ... لجهلك بالحقيقة والمجاز
دعوت له بخيرٍ ثم أخنت ... يداك على مفاخره العزاز
(1/31)

تهدمها وتجعل ما علاها ... أسافلها ستجزيك الجوازي
جزى الله الإمام العدل عنا ... جزاء الخير فهو له مجازي
به وريت زناد العلم قدماً ... وشرف طالبيه باعتزاز
وجلى عن كتاب العين دجناً ... وإظلاماً بنورٍ ذي امتياز
بأستاذ اللغات أبي علي ... وأخدانٍ بناحية الطراز
بهم صح الكتاب وصيروه ... من التصحيف في ظل احتراز
قال الحميدي: وأسقطنا نحن منها أبياتاً تجاوز الحد فيها. قال: ثم أنشدتها المستنصر بالله، فضحك وقال: قد انتصرت وزدت، وأمر بها فختمت ثم وجه بها إلى القاضي فلم تسمع له بعد كلمة.

أنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي
قال: نزلت من قرافة مصر أودع الشيخ الأجل أبي الحسين بن جبير، فقال لي: كنت على المجيء إليك. فقلت: همة سيدنا هي التي أتت بي، فسألني عن القرافة فقلت: هي موضع يصلح للخير وللشر، من طلب شيئاً وجده. فقال: خذ هذه الحكاية، قال لي بعض مشايخنا عن ابن الفرضي: كنت في موضع يتفرج فيه، وبت به، ثم أقبلت باكراً منه، فلقيني بعد من يقرأ علي، فقال:
من أين أقبلت يا من لا نظير له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك
فأجبته مسرعاً:
من موضع تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا

قال بديع الزمان الهمذاني
كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوماً، وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدةً يفضل فيها قومه على العرب، وهي:
غنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمول
وأذهلني عقار عن عقارٍ ... ففي است أم القضاة مع العذول
فلست بتاركٍ إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول
وضبٍ بالفلا ساعٍ وذئبٍ ... بها يعوي وليث وسط غيل
يسلون السيوف لرأس ضب ... حراشاً بالغداة والأصيل
إذا ذبحوا فذلك يوم عيدٍ ... وإن نحروا ففي عرسٍ جليل
أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب القرم النبيل
(1/32)

لكان لهم بذلك خير فخرٍ ... وجيلهم بذلك خير جيل
فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس - وكنت جالساً في زاوية من البهو فلم يرني - فقال أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك، قلت: وما هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول:
أراك على شفا خطرٍ مهول ... بما أودعت لفظك من فضول
تريد على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل!
ألسنا الضاربين الجزى عليكم ... وإن الجزي أولى بالذليل
متى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول!
متى عرفت وأنت بها زعيمأكف الفرس أعراف الخيول!
فخرت بملء ما ضغتيك هجراً ... على قحطان والبيت الأصيل
وتفخر أن مأكولا ولبساً ... وذلك فخر ربات الحجول
ففاخرهن في خد أسيلٍ ... وفرعٍ في مفارقها رسيل
وأمجد من أبيك إذا تزيا ... عراة كالليوث على الخيول
قال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟ قال: لو سمعت به ما صدقت. قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم قال: لا أرى أحداً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليها.

قال العميد أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه المعروف بدمية القصر وعصرة أهل العصر
جرى بين القاضي أبي سعيد علي بن عبد الله الناصحي وبين الحاكم أبي سعد دوست مبادهة، قال له القاضي:
وما وصل الكتاب إلي حتى ... أجبت إلى الذي استدعاه مني
فقال أبو سعد:
جزاك الله عن مولاك خيراً ... وخفف ثقل هذا الشكر عني
فقال القاضي:
وأولى الشيخ عزاً مستفاداً ... وحقق فيه مأمولي وظني
فقال أبو سعد:
(1/33)

وكم لك نعمة من غير ذكرٍ ... وكم لك منة من غير من

وكان حسان بن عجل الكلبي المعروف بعرقلة أعور
وكان يجلس على حانوت خياط بدمشق يعرف بأبي الحسين الأعرج، وكان له طبع في قول الشعر، فقال له عرقلة يوماً يداعبه:
ألا قل للرقيع أبي حسينٍ ... أراني الله عينك مثل عيني
فقال الأعرج مجاوباً له:
ألا قل لابن كلبٍ لا ابن عجلٍ ... أراني الله رجلك مثل رجلي
فخجل عرقلة من قوله وانصرف.

الباب الثاني
في بدائع بدائه الإجازة
الإجازة أن ينظم الشاعر على شعر غيره في معناه ما يكون به تمامه وكماله. وقد يكون بين متعاصرين وغير متعاصرين؛ وهي مشتقة من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً إذا سقاه أو سقى له، فكأنهم شبهوا عمل الشاعر المجيز لعمل الشاعر المجاز شعره، بسقي الشخص للشخص، قال يعقوب بن السكيت: يقال للذي يرد الماء: مستجيز، وأنشد:
وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز ... عبادة إن المستجيز على قتر
قال أبو علي حسن بن رشيق مولى الأزد: ويجوز أن يكون من أجزت عن فلان الكأس إذا صرفتها عنه - دون أن يشربها - إلى من يليه، وكأنهم شبهوا الشاعر لما تعدى إتمام شعره بمجيز الكأس، قال أبو نواس:
وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... لينهى أمير المؤمنين وأشربا
فجوزها عني عصاراً ترى لها ... على الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا
وقد ذكرنا أن الإجازة تكون بين عصرين وغير عصرين، ونحن الآن نجعلها لك في فصلين، ونذكر ما ورد في كل فصل من الأخبار على ترتيب الأعصار، وهو شرطنا في هذا الكتاب.

الفصل الأول
في إجازة الشاعر لمعاصره
فمن هذا القسم ما تكون الإجازة فيه بقسيم لقسيم
كما روى الزبير بن بكار قال: استنشد عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه - عمر بن أبي ربيعة فأنشده:
تشط غداً دار جيراننا
فبدره ابن عباسٍ، فقال:
وللدار بعد غدٍ أبعد
فقال له عمر: كذلك قلت، أصلحك الله! أفسمعته؟ قال: لا، ولكن
(1/34)

كذلك ينبغي أن يكون.

وروى عمران بن عبد العزيز الزهري
أن عمر بن أبي ربيعة شبب بزينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي، وكان سبب تشبيبه بها أن ابن أبي عتيق ذكرها له، فأطنب في وصفها بالحسن والجمال، فصنع فيها قصيدته التي أولها:
يا خليلي من ملامٍ دعاني ... وألما الغداة بالأظعان
فبلغ ذلك ابن أبي عتيق. فلامه في ذكرها، فقال له:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن عندي عتيق ما قد كفاني
لا تلمني فأنت زينتها لي
فبدره ابن أبي عتيق فقال:
أنت مثل الشيطان للإنسان
فقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلته، فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك - ورب العزة - ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب مني وأصيب منه.

ومن ذلك ما روى أبو عبيدة
أن راكباً أقبل من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة. فقال: هل أحدث ابن المراغة بعدي من شيء؟ قال: نعم، قال: هات، فأنشد:
هاج الهوى بفؤادك المهتاج
فقال الفرزدق:
فانظر بتوضح باكر الأحداج
فأنشد الرجل:
هذا هوى شغف الفؤاد مبرح
فقال الفرزدق:
ونوى تقاذف غير ذات خلاج
فأنشد الرجل:
إن الغراب بما كرهت لمولع
فقال الفرزدق:
بنوى الأحبة دائم التشحاج
فقال الرجل: هكذا والله قال، أفسمعتها من غيري؟ قال: لا، ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أوما علمت أن شيطاننا واحد! ثم قال: أمدح بها الحجاج؟ قال: نعم. قال: إياه أراد.

ومن ذلك ما اخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي
أخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة، أنبأنا أبو صادق مرثد بن يحيى بن القاسم المديني، قال: كتبت إلى القاضي أبو الحسين علي بن محمد بن صخر الأزدي أن أبا القاسم عمر بن محمد بن سيف أذن لهم في الرواية عنه، أخبرنا أبو خليفة عن ابن سلام قال: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابن عبد الأعلى: أتمم هذا البيت وأنت أشعر العرب:
نروح ونغدو كل يومٍ وليلةٍ
فقال مجيباً:
وعما قليلٍ لا نروح ولا نغدو
(1/35)

ومن ذلك ما روى سلمة النميري
قال: حضرت مجلس هشام بن عبد الملك، وبين يديه جرير والفرزدق والأخطل، فأحضرت بين يدي هشام ناقة، فقال متمثلاً:
أنيخها ما بدا لي، ثم أرحلها
أيكم أتمه كما أريد فهي له، فبدر جرير فقال:
كأنها نقنق تعدو بصحراء
فقال: لم تصنع شيئاً، فقال الفرزدق:
كأنها كاسر بالدو فتخاء
فقال: ولا أنت، فقال الأخطل:
ترخى المشافر واللحيين إرخاء
فقال: اركبها لا حملك الله!

ومن ذلك ما روي أن بعض الشعراء قال لأبي العتاهية أجز
برد الماء وطابا
فقال أبو العتاهية:
حبذا الماء شرابا

ومن ذلك ما روي عن دعبل بن علي الخزاعي
أنه قال: كنت أنا ومحمد بن وهيب نسمر عند معقل بن عيسى بن إدريس العجلي، أخي أبي دلف، فطلعت الثريا ليلةً، فقال:
أما ترون الثريا
فبدر محمد بن وهيب، فقال:
كأنها عقد ريا

ومن ذلك ما روى محمد بن إسحاق
عن أبيه قال: قلت:
وصف الصد لمن أهوى فصد
ثم أجبلت، فمكثت عدة ليالٍ لا أقدر على تمامه، فدخل علي عبد الله بن عمار التيمي، فرآني مفكراً، فقال لي: ما قصتك؟ فأخبرته، فقال في الحال:
وبدا يمزح بالهجر فجد
قال إسحاق: ثم تممتها بعد فقلت:
ما له يعدل عني وجهه ... وهو لا يعدله عندي أحد!

ومن ذلك ما روى محمد بن داود بن الجراح
قال: كان أبو تمام حبيب بن أوس الطائي عند الحسن بن وهب، فدخل عليهما أبو نهشل بن حميد، فلما رآه أبو تمام، قال:
أعضك الله أبا نهشل
ثم قال للحسن: أجز فقال:
بخد ريمٍ أبيضٍ أكحل
ثم قال: أجز يا أبا نهشل، فقال:
يطمع في الوصل فإن رمته ... صار مع العيوق في منزل
وهذا أيضاً فيه إجازة بيت ببيت.

ومن ذلك ما روي أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان وهو المنعوت بين ملوك الأندلس بالأمير
صنع في بعض غزواته قسيماً، وهو:
نرى الشيء مما يتقى فنهابه
ثم أرتج عليه - وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائباً - فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم، فقال:
ومالا نرى مما يقي الله أكثر
فاستحسنه وأجازه وحمله استحسانه على أن استوزره

ومن ذلك ما روى النميري
قال: دخل أبي على المعتز بالله - وكان من جلسائه - فوقع بين الجلساء تنازع، فنهاهم حتى أضجروه؛ قال النميري: فقال له أبي:
عادتك الصفح، والذنوب لنا
فقال المعتز:
كذاك فعل العبيد الملك

قال القاضي الفقيه جمال الدين
سمع الناس يذكرون حكايةً لا أتقلد صحتها، وهي أن أبا تمام لقي ديك الجن وهو طفل يلعب، ويدعي قول الشعر، فقال: إن كنت شاعراً كما تقول، فأجز:
فرقوا بين من أحب وبيني
فقال: أبعد أم أقرب؟ فقال أبو تمام بعد، فقال:
مثل بعد السماك والفرقدين
فقال له: قرب، فقال:
مثل مابين حاجبي وعيني

وذكر عبيد الله بن أحمد بن طاهر في تاريخه الذي ذيل به كتاب أبيه
قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، أنه أول ما قال الشعر: حضر أبو الصقر
(1/36)

إسماعيل بن بلبل عند أبيه في مجلس فيه أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن ووالدي أحمد بن أبي طاهر وجماعة من أهل الأدب، فاستنشدني أبو الصقر شيئاً من شعري، فأنشدته، فاستنكره أبو الصقر، ثم قال: أريد أن أمتحنك في شيء تجيزه، فقلت له: ذلك لك، ففكر، ثم قال:
أنت غلام شاعر خبيث
فقلت من غير تلبث:
أنت امرؤ بجوده يغيث
يعجل ما يعطي ولا يريث
لك القديم ولك الحديث
فقال أبو عبد الله بن أبي فنن: اذهب يا غلام، فأنت أشعر الأولين والآخرين، ثم حضرت المائدة، وحضر عليها كباب رشيدي، فقال ابن أبي فنن:
كباب رشيدي إذا ما رأيته
ثم قال: أجز، فقلت:
وإن كنت شبعاناً قرمت إلى الأكل
ثم قال ابن أبي فنن: ما سمعت أحسن من هذا، ما لهذا الصدر عجز أولى به من هذا.
وهذه الحكاية صدرها من باب الأجوبة وآخرها من هذا الباب.

وذكر الرئيس هلال بن المحسن بن الصابي في كتاب الوزراء والكتاب
قال: حدث أبو الفرج الأصفهاني قال: سكر الوزير المهلبي ليلة، ولم يبق بحضرته من ندمائه غيري؛ فقال له: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سراً؛ فاهجني الساعة جهراً؛ فقلت: الله في أيها الوزير، إن كنت قد ثقلت عليك، فمرني فلا أعود أجيبك أبداً، وإن كنت تريد قتلي فبالسيف أهون؛ فقال: دع هذا، فلا بد أن تهجوني - وكنت قد سكرت - فقلت:
أير بغلٍ مكوكب
فبدر فقال:
في حرام المهلبي
هات مصراعاً آخر، فقلت: الطلاق لازم لي، إن زدت على هذا كلمة.

وروى عبد الجبار بن حمديس الصقلي
قال: صنع عبد الجليل ابن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا:
حاكت الريح من الماء زرد
فأجازه كل بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له، فقال:
أي درعٍ لقتالٍ لو جمد
فحفظ القسيمان، ونسى ما عداهما.

قال علي بن ظافر: وقد أنبأني الفقيه أبو محمد المسكي إجازة
قال: كتب إلى الحافظ السلفي، أنشدني أبو الفضل أحمد بن عبد الكريم بن مقاتل المقري الصنهاجي بالإسكندرية: قال: أخبرني أبو محمد بن حمديس قال: كنا مع المعتمد بن عباد بحمص الأندلس، فمر على أضاة، قد راح عليها الصبا، فأثبت على وجهه الماء مثل الزرد، فقال:
نسج الريح على الماء زرد
وطلب الإجازة من شعرائه فلم يجبه أحد،
(1/37)

فقلت أنا:
أي درع لقتالٍ لو جمد
فاستحسن ذلك مني؛ وكنت وقت الإنشاد رابعاً فجعلني ثانياً، وأمر لي بجائزة سنية.

قال علي بن ظافر: والحكاية الأولى منصوصة في ديوان ابن حمديس الذي دونه لنفسه، وهو موجود في أيدي الناس.
والحكاية الثانية رويناها من هذا الطريق، وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الموصوف فقال:
نثر الجو على الترب برد ... أي در لنحور لو جمد
فتناقض المعنى بقوله: البرد، وقوله: لو جمد؛ إذ ليس البرد إلا ما جمده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد: لو دام جموده، فيصح ويبعد عن التحقيق.
ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة:
ولربما سلت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا
طبعته لجياً فذابت صفحة ... منه ولو جمدت لكان مهندا

قال علي بن ظافر: وقد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت أصف روضاً:
فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كن بلورا
وهذا المعنى مأخوذ عن قول علي بن التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة:
ألؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط
وهذا المعنى كثير للقدماء، قال: قال علي بن الرومي من قطعة في العنب الرازقي:
لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور

أنبأنا الشيخان
الأجل العلامة أبو اليمن تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر سماعاً، قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري؛ حدثني أبي، قال: سمعت بكار بن علي الرياحي بدمشق يقول: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى هنا، جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك في أن نمضي إليه ونسلم عليه! فأجبت وقمت معه؛ حتى أتينا إلى منزله، وكان ينزل دائماً إذا قدم في سوق القمح، وكان بين يديه دكان قطان، وفيها رجل أعمى، فوقفت به عجوز كبيرة، فكلمها بشيء وهي منصتة له، فقال المجدي في الحال:
منصتة تسمع ما يقول
فقال عبد المحسن في الحال:
كالخلد لما قابلته الغول
فقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد! أتيت بتشبيهين في نصف بيت. أعيذك بالله!
قال علي بن ظافر
(1/38)

وأخبرني من أثق به - هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال بما معناه، قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للتنزه بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقاً، فرأى شجرة تين قد أينعت وأزهرت، وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت في يده، فأصابها، وثبتت في أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول لا حق به، فقال: أجز:
كأنها فوق العصا
فأجاب مسرعاً:
هامة زنجي عصى
فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية.
قال علي بن ظافر

وأخبرني أيضاً أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا، أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد، ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر من أرباب المهن من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته، والنيل قد جر على مده ذيلاً، وأعاد نهاره ليلاً، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده فقال:
كم بين زندٍ وزند
فقال:
ما بين وصلٍ وصد
فعجب من سرعة ارتجاله مع مضيه في عمله واستعجاله، وجذب يضبعه، وبالغ في الإحسان إليه غاية وسعه.
وأخبرني أيضاً
أنه دخل سرقسطة، فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه ولحم خرفانه بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال:
لحم سباط الخرفان مهزول
فقال:
يقول للمفلسين: مه زولوا

وأخبرني الشيخ الأجل الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد القرطبي أيده الله قال
قال أبو محمد عبد المؤمن بن علي صاحب قرطبة والمغرب يوماً في مجلسه، وقد عوفي من مرضه:
الحمد لله رب العالمين على
ثم طلب إجازته من أهل المجلس، فلم يجبه أحد، فقال أبو العباس ابن حيوس:
برء الإمام الذي في الآمنين علا
قال لي الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن دحية: صنع شيخنا قاضي الجماعة أبو العباس بن مضاء إجازة له:
برء الإمام الذي في الناس قد عدلا
ثم عمل فيها أبياتاً

وأخبرني الأجل شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير الصدر الكبير نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور أدام الله عزه
قال أخبرني البهاء الحسن بن علي بن محمد الخراساني المعروف بابن الساعاتي قال: سايرت
(1/39)

الفقيه مرتضى الدين نصر الشيرازي - رحمه الله تعالى - فجرى في الحديث ما أوجب أن قال:
إن هذي النفوس للموت تسعى
واستجازني، فقلت:
فإذا قيل مات لم يك بدعا

وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي بن الديباجي الكاتب قال
أنشدني القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله تعالى:
إذا مت مهجوراً فلا عاش عاشق
قال: وقد أعياني إتمامه على هذا النمط من الجناس، فقلت:
ولا طار للأحباب بعدي طارق
فقال: إنما مرادي أن يكون الجناس متصلاً مثل الأول فقلت:
وبعدي للأحباب لا طار طارق

قال علي بن ظافر
سايرت في بعض أسفاري سنة ثلاث وستمائة ابن الحرستاني، وأنا عائد من ميا فارقين إلى ماردين، وكان الشتاء كلباً، والبرد قوياً، والوحل شديداً، فلقينا في تلك العقاب عشاً، فقال:
عقاب في ثناياها عقاب
واستجازني، فقلت للوقت: فما هي بالعذاب بل العذاب
قال علي بن ظافر
وبتنا ليلة بالقرافة، فرأى بعض أصحابنا الزهرة، وقد قارنت المشتري، وهما مشرقان في حندس الظلماء، فأفرط في استحسانها، فقال أبو الفضل الوجيه جعفر بن جعفر الحموي:
مقارن الزهرة والمشتري
فقلت: كالزج واللهذم في السمهري فأفرط الجماعة في استحسانه، ثم وقع لي أن أشبههما بلهذمٍ من ذهب وزجٍ من فضة لاصفرار الزهرة وشدة بياض المشتري، فقلت:
أما ترى المشتري وقد قارن الز ... هرة يبغي دنو مقترب
كصعدةٍ زجها ولهذمها ... ذاك لجين، وذا من الذهب
قال علي بن ظافر
اجتمعت أنا والقاضي الأعز أبو الحسن علي ابن المؤيد العساني - رحمه الله - يوماً بالرصد، فرأينا شعاع الأصيل فوق بياض الماء، فقلت له: أجز:
أذكت الشمس على الماء لهب
فقال:
فكست فضته منها ذهب

وقلت له يوما أجز
طار نسيم الروض من وكر الزهر
فقال: وجاء مبلول الجناح بالمطر

وذكر أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج حكاية مطبوعة
قال: جلست في دكان أبي لقمان الصفار - وكان يتهم في شعره - مع جماعة من الشعراء، وأبو لقمان والدركادوا الشاعر يلعبان بالشطرنج، ونحن نضحك لما يجري بينهما من غريب المهاترة، فقال الدركادوا: أجز يا أبا لقمان:
(1/40)

حيتان حبك في طنجير بلوائي
فقال أبو لقمان:
وفحم وجهك في كانون أحشائي
فقال له أحمد بن إبراهيم الكموني: أحسنت يا أبا لقمان، قسيمك خير من قسيمه؛ فزهي أبو لقمان وقال: أدافع في بديع الشعر، وهذا شعري في الهتف.
وإنما لم أورد هذه الحكاية مرتبة في نظام الحكايات المتقدمة على ترتيب الأعصار والأزمنة، إذ كان حقها أن تكون بين الحكايات المنسوبة إلى أبي الفرج والمهلبي والمنسوبة إلى ابن حمديس؛ لأنها ليست من بدائع البدائه، ولم أر إخلاء الكتاب منها لما فيها من الحلاوة.

ومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت
كما يروى لنا أن الرشيد هارون - رحمه الله تعالى - صنع قسيما وهو:
الملك لله وحده
ثم أرتج عليه، فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم الجماز، فقال أجيزوا - وأنشدهم القسيم - فبدر الجماز فقال:
وللخليفة بعده
فقال له الرشيد: زد، فقال:
وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده
فقال له الرشيد: أحسنت ولم تعد ما في نفسي؛ وأجازه بعشرة آلاف درهم.

وذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد
قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: استزارني أحمد بن سعيد الدمشقي وأنا صغير، وسأل أبي أبا الحسن الإذن لي في المسير إليه، وأخبره أن أحمد بن أبي طاهر وأبا طالب بن مسلمة وعلي بن مهدي وجماعة من أهل العلم والأدب عنده؛ فأذن له فصرت إليه، فصادفت عنده أبا الحسن جحظة فلما أردنا القيام إلى صفة في داره للأكل لبس الجماعة نعالهم، وبقي جحظة بغير نعلٍ، فسمعته يقول:
يا قوم من لي بنعل
فقلت:
في بيت تصحيف نعل
فضحكت الجماعة وغضب الدمشقي؛ فقلت:
وليس ذا قول جد ... لكنه قول هزل
فضحك، وتعجب القوم من بديهتي.

قال علي بن ظافر
صنع المتوكل علي بن الأفطس صاحب بطليوس من بلاد الأندلس قسيما، وهو:
الشعر خطة خسف
وأرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون، أحد وزراء دولته وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال:
لكل طالب عرف
للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف
وقد أنبأني الشيخ الأجل الحافظ العلامة ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن الحسن بن دحية الكلبي إجازة عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه، عن الحافظ أبي القاسم خلف بن يوسف
(1/41)

الشنتريني - عرف بابن الأبرش - عن أبي الحسن بن بسام في كتاب الذخيرة؛ أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا، وهو ابن ثلاث عشرة سنة.

وبهذا الإسناد قال ابن بسام
ذكر أبو علي الحسين بن الغليظ المالقي، قال: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي ونحن على جرية ماء، أجز:
شربنا على ماء كأن خريره
فقال مبادراً:
بكاء محب بان عنه حبيبه
فمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيبه

وبه أيضاًما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال
اجتمع ابن عبادة وعبد الله ابن القابلة السبتي بالمرية فنظر إلى غلام وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال: ابن عبادة: أجز:
انظر إلى البدر الذي لاح لك
فقال ابن القابلة:
في وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل الماء سماءً له ... وصير الفلك مكان الفلك
قال علي بن ظافر: وكل ما أسنده إلى ابن بسام فبهذا الإسناد.

ومنها إجازة قسيم بقسيم وأكثر من بيت
أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن الكندي وجمال الدين بن الخراساني عن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو بكر بن المرزوقي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العسكري، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، أخبرني جعفر بن قدامة، حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوماً على نبت جارية مخفرانة - وكانت حسنة الوجه والغناء - فقلت لها: قد قلت مصراعاً فأجيزيه، فقالت لي: قل، فقلت:
يا نبت حسنك يعشي بهجة القمر
فقالت:
قد كاد حسنك أن يبتزني بصري
ثم وقفت أفكر، فسبقتني، فقالت:
وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر
فزاد فكري، فبادرتني، فقالت:
فهل لنا منك حظ في مواصلةٍ ... أو لا فإني راضٍ منك بالنظر
فقمت عنها خجلاً، ثم عرضت بعد ذلك على المعتمد؛ فاشتراها بمشورة علي بن يحيى بثلاثين ألفاً.
وذكر أحمد بن الطيب، عن بعض الكتاب، أنها عرضت بعد ذلك على المعتمد فامتحنها في الغناء، فرضي بما ظهر منها، وكان أول ما غنته
(1/42)

لحناً غريباً - والشعر في المعتمد - فقالت:
سنةً وشهراً قابلا بسعود
فطرب المعتمد وتبرك بغنائها. ثم قال لأحمد بن حمدون: قارضها، فقال:
وهبت نفسي للهوى
فقالت:
فجار لما أن ملك
فقال:
فصرت عبداً خاضعاً
فقالت:
يسلك بي حيث سلك
فأمر المعتمد بابتياعها، فاشتريت بثلاثين ألفاً.

وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال
روى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب - فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء الأولياء إلي -: الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد:
مرض الجفون ولثغة في المنطق
فقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت:
سببان جرا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق
ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق
ثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت:
أبو جعفر كاتب شاعر ... مليح سنى الخط حلو الخطابة
تملأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملؤه بالكتابة
له عرق ليس ماء الجباه ... ولكنه رشح ماء الجنابة
جرى الماء في سفله جرى لينٍ ... فأحدث في العلو منه صلابة
(1/43)

قال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها يقول:
إيهٍ أبا جعفر المرجى ... ما بال طيري خلاف طيرك!
أهديت رقراقة المعاني ... لم أهد أمثالها لغيرك
فلم تمرها ولم تمرني ... ولم تمرها بفضل ميرك
فصار شعري لديك بكراً ... قد يئست من فلاح أيرك

وذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي
في كتابه: دمية القصر وعصرة العصر قال: حدثني الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدت بحضرة أبي كامل مفرج بن دغفل الطائي:
صهل الكميت فقلت مالك تصهل
فغيره بعض الحاضرين فقال:
نعب الغراب فقلت مالك تنعب
فقال أبو كامل بديهاً:
أنأى أليفك أم لحالٍ ترهب
أم بت تخبرنا بفرقة جيرةٍ ... قد آن في شعبان أن يتشعبوا
عزموا على ترك النفوس ورابهم ... ماء يسيل على لظى يتلهب

وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال
أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن سعيد السرقطي، عن عبد الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، قال: قصد ابن جاخ الشاعر فخر الدولة أبا عمرو عباد بن محمد بن عباد، فلما وصل إليه، قال: أجز:
إذا مررت بركب العيس حييها
فقال ابن جاخ في الحال:
يا ناقتي فعسى أحبابنا فيها
ثم زاد فقال:
يا ناق عوجي على الأطلال عل بها ... منهم غريباً يراني كيف أبكيها
أم كيف أرفض طيب العيش بعدهم ... أم كيف أسكب دمعاً في مغانيها
إني لأكتم أشواقي وأسترها ... جهدي ولكن دموع العين تبديها

وذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر
صنع المعتمد على الله بن عباد - رحمه الله تعالى - قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو:
سعد السعود يتيه فوق الزاهي
(1/44)

ثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولد عبد الله الرشيد:
وكلاهما في الحسن متناه
ومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍ ... قد جل في العليا عن الأشباه
لا زال يخلد فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواه

وكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة
أحد رؤساء المغرب الأوسط تنزه مع جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن سوار الأشبوني، ورجل يسمى بأبي موسى، خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له:
وشاعرٍ أثقل من جسمه
ثم استجاز ابن سوار فقال:
تأتني معانيه على حكمه
يهجو ولا يهجى فهل عندكم ... ظلامة تعدي على ظلمه؟
لسانه في هجوه حية ... منية الحية في سمه
أما أبو موسى ففي كفه ... عصا ابنه والسحر في نظمه
يصيب سر المرء في رميه ... كأنما العالم في علمه

وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره رحمه الله قال
أخبرني الشيخ أبو الحسن على بن عمر المفسر الأندلسي، قال: كتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان ابن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسم الأخير منهما، وهما:
خليلي أبا بحرٍ وما قرقف اللمىبأعذب من قولي: خليلي أبا بحر
أجز غير مأمور قسيماً نظمته ... تأمل على بحر المياه حلى الزهر
فأجازه بقوله:
كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر
وقد ضحكت للياسمين مباسم ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر
وأصغت من الآس النضير مسامع ... لتسمع ما تتلوه من سور الشعر
قال: وهذان الرجلان من الفضلاء في عصرنا هذا.

ومنها إجازة بيت ببيت
فمن ذلك ما روى يونس بن حبيب، قال: لما بنى يوسف بن زياد داره بالساحة صنع طعاماً، ودعا أصحابه فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل، ثم خرجوا فتغدوا عنده، وركبوا المهاليج والمقاريف والبغال، واجتازوا بحارثة بن بدر الغداني
(1/45)

وأبي الأسود، وهما جالسان، فقال أبو الأسود:
لعمرو أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل
فقال حارثة:
ولا إيجافنا خلف الموالي ... بسنتنا على عهد الرسول

وروى حبيب بن نصر المهلبي قال
سافر يزيد بن معاوية بالأخطل، فاشتاق يزيد أهله، فقال:
بكى كل ذي شجوٍ من الشام شاقه ... تهام فأنى يلتقي الشجيان!
وقال: أجز يا أخطل، فقال:
يغور الذي بالشام أو ينجد الذي ... بغور تهاماتٍ فيلتقيان

وروى عمر بن عبد الله العتكي عن الرقاشي
عن أبي عبيدة، قال: كان حارثة بن بدر بدير كوار يتنزه فقال:
ألم تر أن حارثة بن بدر ... أقام بدير أبلق من كوارا
ثم قال للجند الذين كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه، فقال رجل منهم: على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي النفل من الأمير. قال: ذلك لك، ثم ردد عليه البيت، فقال:
مقيم يشرب الصهباء صرفاً ... إذا ما قلت تصرعه استدرارا
فقال له حارثة: لك شرطك؛ ولو كنت قلت لنا قولاً تسرنا لسررناك.

وروى أبو روح الراسبي قال
لما ولي خالد بن عبد الله القسري مالك بن المنذر شرطة البصرة قال الفرزدق:
يبغض فينا شرطة المصر أنني ... رأيت عليها مالكاً أثر الكلبي
قال: فقال مالك: علي به، فبلغه فقال:
أقول لنفسي إذ تغص بريقها ... ألا ليت شعري مالها عند مالك!
قال: فسمع قوله حائك يطلع من طرازه، وقال:
لها عنده أن يرجع الله ريقها ... إليها وتنجو من عظيم المهالك
قال الفرزدق: هذا أشعر الناس، أو ليعودن مجنوناً يصيح به الصبيان، فكان كما قال:

وروي أن عبد العزيز بن عمر عبد العزيز رحمه الله
خرج وهو أمير المدينة ومعه عبد الله بن الحسن، فنزلوا تحت سرحة وتغدوا، وأخذ
(1/46)

عبد الله حجراً، وكتب به على ساق السرحة يقول:
خبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدقٍ فالصدق فيه شفاء
فأخذ عبد العزيز الحجر، وكتب تحته:
هل يموت المحب من ألم الحب ... ويشفى من الحبيب اللقاء!
ثم ركبوا دوابهم، ومضوا غير بعيد، فإذا السماء قد أقبلت عليهم، فرجعوا مسرعين إلى السرحة، فأضافوا تحت ما كتبوا:
إن جهلاً سؤالك السرح عما ... ليس يوماً به عليك خفاء
ليس للعاشق المحب من العش ... ق سوى لذة الوصال دواء
فعجبوا وانصرفوا.

حدث المدائني قال
وهب نصر بن سيار لأبي عطاء السندي جارية، فبات معها، فلما أصبح غدا على نصر، فقال له: كيف كانت ليلتك معها؟ قال: كان بيني وبينها ما شرد منامي، وقضى مرامي، قال: فهل قلت من ذلك شعراً؟ قال: نعم، وأنشد:
إن النكاح وإن هزلت لصالح ... خلفاً لعينك من لذيذ المرقد
فقال نصر:
ذاك الشقاء فلا تظنن غيره ... ليس المجرب مثل من لم يشهد

وروى زحر بن حصن، قال
خرجنا من مكة مع المنصور في زمان صائف، فلما كان بزبالة ركب نجيباً، والشمس تلعب بين عينيه، وعليه جبة وشى، فالتفت إلينا وقال: إني قائل بيتاً، فمن أجازه فله جبتي هذه، قلنا: يقول أمير المؤمنين، فأنشد:
وهاجرةٍ نصبت لها جبيني ... يقطع حرها ظهر العظاية
فبدر بشار، فقال:
وقفت لها القلوص ففاض دمعي ... على خدي وأقصر واعظايه
فخرج له عن الجبة، ثم لقيته، فذكر أنه باعها بخمسمائة دينار.
وقد ذكرها الصولي في كتاب الأوراق على غير هذا السياق.

وروى أن رسول علية بنت المهدي أو عائشة بنت الرشيد
خرج يوماً إلى الشعراء، فقال: تقرئكم سيدتي السلام، وتقول: من أجاز هذا البيت منكم، فله مائة دينار، فقالوا: وما هو؟ فأنشد:
أنيلي نوالاً وجودي لنا ... فقد بلغت نفسي الترقوة
فبدرهم مسلم بن الوليد الصريع فقال:
وإني لكالدلو في حبكم ... هويت إذا انقطعت عرقوه
(1/47)

فخرجت له المائة دينار.

وروى محمد بن حسن الحاتمي عن أبي العيناء عن العتبي
قال: دخل يحيى بن خالد بستان داره، ومعه جاريته دنانير، فرأى بهجة الورد على شعره، فقال: أجيزي:
الورد أحسن منظراً ... فتمتعوا باللحظ منه
فقالت مسرعة:
فإذا انقضت أيامه ... ورد الخدود ينوب عنه
فاستحسن ذلك منها، وأمر لها بمال جزيل، بعد أن قبل خدها.

وروى الحسين بن الضحاك قال
كنت أمشي مع أبي العتاهية فمررنا بمقبرة، فإذا امرأة تبكي ولداً لها، فقال أبو العتاهية:
فما تنفك باكيةً بعينٍ ... غزير دمعها كمد حشاها
أجز يا حسين، فقلت:
تنادي حفرةً أعيت جواباً ... فقد ولهت وصم بها صداها

وروى أن أبا نواس دخل على عنان جارية الناطفي في بعض أيام الربيع فقال
أجيزي:
كل يومٍ عن أقحوانٍ جديدٍ ... تضحك الأرض من بكاء السماء
فقالت مسرعةً:
فهو كالوشي من ثياب عروسٍ ... جلبتها التجار من صنعاء
قال علي بن ظافر، والبيت الأول أظنه لابن مطير من قصيدة؛ إلا أنه منسوب في الموضع الذي نقلت منه إلى أبي نواس، فأوردته كما وجدته.

وروي أنه دخل عليها يوماً وهي تبكي، وقد كان مولاها ضربها فقال
بكت عنان فجرى دمعها ... كلؤلؤ ينسل من خيطه
فقالت:
فليت من يضربها ظالماً ... تجف يمناه على سوطه
وقد روى أبو الفرج الأصبهاني هذه الحكاية عن مروان بن أبي حفصة، وانه الذي استجازها البيت الأول.

وروى محمد بن الأشعث قال
قال دعبل بن علي الخزاعي: مررت أنا ورزين العروضي بقوم من بني مخزوم، فلم يقرونا فقلت فيهم:
عصابة من بني مخزوم بت بهم ... بحيث لا تطمع المسحاة في الطين
(1/48)

ثم قلت لرزين: أجز: فقال:
في مضغ أعراضهم من خبزهم عوض ... بنو النفاق وآباء الملاعين
قال ابن الأشعث: وكان هذا أقوى الأسباب في مهاجاته لأبي سعيد المخزومي.

وروي لنا أن العباس بن الأحنف
دخل على الذلفاء جارية ابن طرخان فقال لها: أجيزي:
أهدى له أصحابه أترجةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت ارتجالاً:
خاف التلون في الوداد لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فجن استحساناً، وحلف لها - وكانت تعزه - إن ادعته ما دخل دارها. فتركته له فاستلحقه.

وذكر ابن القمي في كتاب النباهة قال
دخل أبو السمراء على نخاس، فسمع بكاء من داخل البيت وقائلة تقول:
وكنا كزوجٍ من قطاً في مفازةٍ ... لدى خفض عيشٍ مونق معجبٍ رغد
أصابهما ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فرد
فقال للنخاس: أخرجها، فقال: إن صاحبها مات، وهي شعثة مغبرة.
قال: فخرجت فقال لها: قولي في معنى هذا، قالت: أي معنى؟ قال: في معنى هذين البيتين اللذين تمثلت بهما، فقالت:
وكنا كغضى بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الجنات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردةً باتت تحن إلى فرد!
فكتب الأمير أبو السمراء عبد الله بن طاهر بخبرها، فكتب: إن أجازت هذا البيت فاشترها، وهو:
بعيد وصلٍ بديع صد ... جعلته في الهوى ملاذا
فقالت مسرعةً:
فعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً، فكان ماذا؟
فاشتراها أبو السمراء، فماتت من الغد.

وروى إبراهيم بن محمد اليزيدي، قال
كنت عند المأمون يوماً وبحضرته عريب، فقالت لي - على سبيل الولع والعبث - ياسعلوس - وكانت جواري المأمون يلقبنني بها عبثاً - فقلت:
فقل لعريب لا تكوني مسعلسه ... وكوني كتتريفٍ وكوني كمؤنسه
قال: فبدرني المأمون فارتجل:
فإن كثرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شك أن ذا منك وسوسه
(1/49)

فقالت له: كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول وعجبت من ذهن المأمون وجودة طبعه.

وأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي عن السلفي قال
أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بغلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا ابن سيف، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عم أبي أحمد بن محمد اليزيدي، قال - واللفظ من رواية أخرى قريب من لفظ هذا الإسناد - قال: دعا المعتصم أخاه المأمون ذات يوم إلى داره، فأتاه فأجلسه في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم، وكان أحسن تركي على وجه الأرض، وكان المعتصم أوجد خلق الله به، فصاح المأمون لأحمد بن محمد اليزيدي، فقال انظر ويلك إلى ضوء الشمس على وجه سيما، أرأيت أحسن من هذا قط! وقد قلت:
قد طلعت شمس على شمس ... فزالت الوحشة بالأنس
فأجز يا أحمد، فقال أحمد:
قد كنت أشنا الشمس من قبل ذا ... فصرت أرتاح إلى الشمس
قال: ففطن المعتصم، فعض شفته لأحمد، فقال أحمد للمأمون: والله يا أمير المؤمنين، إن لم يعلم الأمير حقيقة الأمر منك لأقعن معه فيما أكره. فدعاه المأمون فأخبره الخبر، فضحك المعتصم، فقال له المأمون: أكثر يا أخي في غلمانك مثله، إنما استحسنت شيئاً فجرى ما سمعت لا غير.
وقد وقعت لنا هذه الحكاية بإسنادٍ أخصر من هذا عن ابن سيف، هو مذكور في إجازة قسيم بقسيم.

وحكى صاحب كتاب المقتبس أن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام صاحب الأندلس
خرج في بعض أسفاره، فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم حظاياه عنده وأرفعهن لديه، لا يزال كلفاً بها هائماً بحبها، فانتبه وهو يقول:
شاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري
ثم انتبه عبد الله بن الشمر نديمه، فاستجازه كمال البيت، فقال:
زار فحيا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائرٍ سار

وذكر الصولي في كتاب الأوراق برواية تنتهي إلى جعفر بن محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال
دخلت على المتوكل على الله لما توفيت أمه معزياً، فقال:
(1/50)

يا جعفر، إني ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته توقفت وقد قلت:
تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد
قال: فأجازه بعض من حضر المجلس، فقال:
وقلنا لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد
قال الصولي: فظننا أن جعفر بن محمد بن عبد الواحد قائل البيت.

قال مروان بن الجنوب
دخلت على المتوكل، فرمى إلي برقعةٍ فيها بيت شعر، وهو:
أدرت الهوى حتى إذا صار كالرحى ... جعلت محل القلب في موضع القطب
وتحت البيت: أجز يا مروان، فكتبت تحته:
فلما جعلت القلب تحت رحى الهوى ... ندمت وصار القلب في موضعٍ صعب

وذكر يزيد بن محمد المهلبي، قال
كان ابن المعتز يشرب يوماً في بستان مملوء بالنمام وشقائق النعمان، فدخل عليه يونس بن بغا، وعليه قباء أخضر، فقال ابن المعتز لما رآه ارتجالا:
شبهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام
ثم قال: أجيزو، فبدر بنان المغني - وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت - فقال:
والقد منه وقد بدا في قرطقٍ ... بالغصن في لين وحسن قوام
فطرب ابن المعتز، وقال له: إن فيه الآن، فصنع فيه لحناً.

وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخه قال
حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، قال: صرت إلى أبي زيد عمر بن شبة، فقال لي: قد قلت بيتاً تعذر على ثان له، فأحب أن تجيزه، فقلت: وما هو؟ قال:
كبرت وغالتني خطوب تتابعت ... ومن يصحب الأيام لابد يهرم
فقلت:
ومن يصحب الأيام تنقص خطوبها ... قواه، ويجهل بعض ما كان يعلم
فأعجب به، وحدث الناس بما بيننا، فكتبوه عنه.

أنبأني الفقيه النبيه
أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الأعلى بن هاشم القاضي المعروف بابن الغليظ، أن صهيب بن منيع - قال
(1/51)

علي بن ظافر: وكان قاضياً ببعض بلاد الأندلس، ومات بها في أيام الناصر عبد الرحمن، سنة ثمان وعشرين وثلثمائة - كان نقش خاتمه:
يا عليماً كل غيب ... كن رؤفاً بصهيب
وأنه كان يشرب النبيذ - لعله كان يذهب مذهب أهل العراق - فشرب مرة عند الحاجب موسى بن حدير - وكان من عظماء الدولة الأموية - فسكر ونام، فأمر موسى باختلاس خاتمه، وأحضر نقاشاً، فنقش تحت البيت المذكور:
واستر العيب عليه ... إن فيه كل عيب
ورد الخاتم عليه، وختم به زماناً حتى فطن له.

وأنبأني الشيخان
الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والفقيه جمال الدين بن الحرستاني عن الشيخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً، أخبرنا أبو النجم بدر الدين عبد الله السنجي، أخبرنا أبو البكر الخبيب، أنبأنا علي بن أبي علي المعدل، حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن أبي بكر المحرف العلاف الشاعر - وكان أحد ندماء المعتضد - قال: كنت ليلة في دار المعتضد، وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا في حجرةٍ كانت مرسومة بالندماء. فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب وتفتيح الأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا، فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد، فقال لنا: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم، فعلمت هذا البيت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد
وقد أرتج علي إتمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت عطيته - وفي الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور - فأفحمت الجماعة، أطالوا التفكير، فقلت مبتدراً:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول لك: أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمرت لك بجائزة وها هي، فأخذتها، فازداد غيظ الجماعة مني.

وقال يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال
دخل رحمون الفارسي على أبي وهو مريض، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال:
يكاد جسمي من نحول الضنى ... تحمله أنفاس عوادي
فقال رحمون: هل ترى أن أزيد عليه يا أبا اليسر؟ فقال: نعم، فقال: رحمون:
(1/52)

لم يبق إلا الروح في مهجةٍ ... يروح أو يغدو بها الغادي

أنبأني القاضي الفقيه الإمام نبيه الدين أبو الحسن بن علي ابن المفضل المقدسي رحمه الله قال
أخبرني الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي بن قلنبا الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الجبار ابن سلامة الهذلي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر بن علي الصقلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن محمد النيسابوري، قال: أخبرنا أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة؛ أن الصاحب بن عباد اتهم بعض المرد في مجلسه بسرقة بعض كتبه، فقال:
سرقت يا ظبي كتبي ... ألحقت كتبي بقلبي
وأمر أبا محمد الحسن بن أحمد البروجردي بإجازته، فقال:
فلو فعلت جميلاً ... رددت قلبي وكتبي
وكل ما أسنده إلى اليتيمة فبهذا الإسناد.

وذكر الرئيس هلال بن الصابي أن الصاحب بن عباد قال
أرسل إلي الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد، يستدعيني في وقت لم تجر عادته باستدعائي في مثله، فتهيأت للمضي، فجاءني رسول ثانٍ، فركبت فلقيني ثالث يستحثني، فارتبت وارتعت، فلما دخلت عليه قال: قلت بيتاً ثم أعييت عن إتمامه، وهو:
وجاءوا بظبي كمثل الغزال ... يناك على الرسم في مثله
فقلت في الحال:
فأدخلت بعضي في بعضه ... فياليت كلي في كله
فجعل يكثر التعجب مني، ثم انصرفت.

وأنبأنا العماد أبو حامد الأصفهاني، قال
ذكر السمعاني في تاريخه، قال: سمعت أبا المظفر منصور بن محمد بن سعيد بن مسعود المسعودي المروزي في مذاكرتي إياه يقول: دخلت على العزيز الخشاب - وشبل الدولة عنده حاضر - فقال العزيز: قلت اليوم بيتاً - وأنشده:
صفو دن العمر في عصر الصبا ... وزمان الشيب دردي محيل
وقال لشبل الدولة: أجز، فقال مبادراً:
والذي يطلب صفواً بعده ... إنما يطلب شيئاً مستحيل

أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن علي اليحصبي القرموني قال
سمعت أبا بكر
(1/53)

اليكي الشاعر - وهو بجامع عدوة القرويين بفاس - يحكى لأبي ولجماعة معه، قال: خرجت من فاس قاصداً تلمسان، فدخلت في بعض الخانات، وكانت ليلة مطيرة جداً، فأنزلني صاحب الخان في بيتٍ مفرد، وأوقد لي قنديلاً، فبينما أنا جالس، وإذا برجل قد فتح الباب، ودخل علي وعلى وجهه سلهامة قد سترته، فجلس وقد عرفني ولم أعرفه، فسألته عن صناعته، فقال: أنا شاعر، فقلت له كالمستهزئ به: أجز - وضربت بعيني إلى شيءٍ أصفه، فلم أجد غير القنديل فقلت:
وقنديلٍ كأن الضوء فيه ... محيا من أحب إذا تجلى
فقال في الحال:
أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر زيله هرباً وولى
فجننت استحساناً لما أتى، فكشف السلهامة عن وجهه، فإذا هو أبو العباس البني الشاعر فقال: كيف ترى هذا الكهن وما فجأك منه! وبتنا بأطيب ليلة، فلما قام الركب للسفر سار هو إلى فاس، وسرت أنا إلى تلمسان.

وأخبرني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله
قال: أخبرني الشريف الجليل الوافد من العراق على الدولة المصرية، قال: اجتمعت في بعض الأيام بأمين الدولة أبي الحسن هبة الله ابن صاعد - قال علي بن ظافر: هو المعروف بابن التلميذ وإنما أمه من بنات التلميذ فعرف بذلك - قال: فأخذنا في ذم الدهر وإخنائه على أهل الفضل، وإذا بكلاب الصيد التي برسم الخليفة قد أبرزت في جلال الوشي والديباج، فحرك ذلك ماكناً نتجاذب أهدابه في ذم الدهر، فقلت:
من كان يكسو الكلب وش ... ياً ثم يقنع لي بجلدي
واستجزته فقال:
الكلب خير عنده ... مني وخير منه عتدي

وأخبرني الأجل بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: حضرت مجلس سماعٍ عند بعض الرؤساء، فغنى مغن قبيح النغمة، سيء الضرب، فقال بعض الحاضرين:
من منصفي ممن إذا ... ما ناح نحت لقبح نغمة
واستجازني، فقلت:
هو خارج وقت الغنا ... ء وداخل في رحم أمه
(1/54)

وأخبرني الفقيه أبو ثابت بن حسن الكربوني بالإسكندرية
قال: حضرت أنا والأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري صاحبنا ببعض الأماكن، ورجل يقرأ المقامات التي صنفها الحريري على رجل آخر، وهما يصحفان فيها، فقال عبد المنعم:
ياأيها الثور البهيم الذي ... يقرأ المقامات على الثور
ثم استجازني، فقلت:
دع المقامات لأربابها ... وعد إلى النافات والدور
قال علي بن ظافر
حضر عندي وأنا برأس العين في خدمة الملك الأشرف - أدام الله أيامه - الأديب الموفق علي بن محمد البغدادي الساكن بها والفقيه بهاء الدين بن كساء الشاعران، وعندنا رجل يعرف بالضياء بن الزراد - مصري معروف - وكانوا يمجنون، فعمل ابن كساء بديهةً وقال:
رأيت الضياء وفي دبره ... قمد كزند البعير الشديد
ثم استجاز الموفق، فقال في الحال:
كأن جهنم في دبره ... تقول لآتيه: هل من مزيد!
ثم صنع الموفق فيه بديهاً:
زمان الضياء رعاه الإله عيد ولكن به يرتزق
فطوراً بأعلاه رمى القبق ... وطوراً بأدناه طعن الحلق
بنا وبه أعظم الحالتين ... فمنه البغاء ومنا الشبق
فلو جمعتنا به خلوة ... لقد قيل وافق شن طبق
وهذا المعنى الذي فيه ذكر الحلق والقبق معنى مطبوع؛ إلا أنه لم يحسن نظمه، وقد نظمته أنا على سبيل التجريب للخاطر، فقلت:
لقد عيد الترك في ذا الرقيع ... وعاطوه باللعب أكواسه
بنيك يقطع أعفاجه ... وصفعٍ يزعزع أضراسه
فكم جعلوا حلقة دبره ... وكم جعلوا قلبقاً راسه
وقلت أيضاً في المعنى:
أصبح عيداً للترك من هو كالمأتم في عين من رأى خلقه
وفوه بالنيك تارةً وبمر ... الصفع أخرى من لعبهم حقه
(1/55)

إن قر فالطعن بالأيور وإن ... فر أجادت نعالهم رشقه
فللسراميز رأسه قبق ... وللفياشي خناره حلقه

قال علي بن ظافر
كان يصحبني وأنا في خدمة الأشرف - أبقاه الله - رجل كاتب حسن الخط من أهل العلم والخبرة، هاجر إلى دمشق، يقال له جمال الدين علي بن أبي طالب، فلما رأيت ما عليه الأحوال من الاختلال، وقويت في نفسي شهوة الانفصال؛ كنت ليلي ونهاري مكباً على الدعاء بتسهيل ذلك وتعجيله، وتيسير ما أرجوه منه؛ وأقمت على هذا مدة طويلة، بحيث كان الأمر مشهوراً عند كل أحد من الحاشية، فأخبرني أنه بات مشغول القلب بما يسمعه مني في ذلك؛ فرأى كأنه في جامع دمشق تحت النسر، وإلى جانبه شيخ؛ وكأنهم ينتظرون الصلاة، وإذا برجل شاب قد أقبل من الباب الغربي، فقال له الشيخ: يا أبا العباس، أجز:
إن ابن ظافر سوف يظ ... فر بالذي يرجوه عاجل
فقال:
ظفرت عداه بخيبةٍ ... وغدا لما قد شاء نائل
فسررت بذلك، فلم يكن شيء أسرع من عود الملك الأشرف - أبقاه الله - من دمشق، وانفصالي من خدمته على الوجه الجميل، وكان ذلك - والله - أعظم ظفرٍ، وأرفق قدر، ولو لم يكن في إلا الرجوع إلى الباب الذي منه درجت، وفي خدمته تخرجت؛ والوطن الذي هو أول أرضٍ مس ثراها جلدي، وعلقت فيها تمائمي، فالله تعالى يحقق الرجاء ويكمل الأمل، بمنه وطوله.

وكنت أنا وابن المؤيد يوماً عائدين إلى مصر
فثار قتام شديد، ترب وجه الأرض، وأقذى عين الشمس، فقال:
وقتامٍ إذا رآه بصير ... عاد مما يقذيه مثل الضرير
ثم استجازني فقلت:
رد ثوبي مصندلاً بعدما كا ... ن شديد النقاء كالكافور

واجتمعت يوماً بالأجل شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين العزيزي رحمه الله
فأنشدني لنفسه في غلام رآه في الحمام مؤتزراً بإزارٍ أخضر:
ومرتج ردفٍ أزروه بأخضرٍ ... كما ماج ماء قد تردى بطحلب
واستجازني، فقلت:
يخيل لي مرآه نعمان أطلعت ... قضيباً على حقفٍ ليبرين معشب
(1/56)

قال القاضي الفقيه جمال الدين: وهاتان حكايتان قرأتهما في بعض المجاميع، ولم أعرف رواتهما، فأستدل بهم على عصرهم، فلذلك أفردتها ها هنا، ولم أضعهما في نظام الحكايات المرتبة على ترتيب الأعصار، خوفاً من نقد منتقد:

إحداهما: قال أبو سليمان الواسطي
مر بنا موسوس كان يؤثر عنه أدب، والسماء مغيمة، فتعرضت له وقلت:
أرى يومنا يوماً تكامل حسنه ... ويوشك أن اليوم لا شك ماطر
وقلت له: أجز؛ فوقف وقال:
وقد سترت فيه السحائب شمسه ... كما سترت ورد الخدود المعاجر

والأخرى قال أبو علي
اجتمعنا في بعض الأيام جماعة من أهل الأدب؛ وخرجنا إلى منتزه، فوقفنا في ظل قصر لنستريح، فوقعت علينا منه وقعة فيها: أجيزوا هذا لبيت:
ولي مقلة عهدها بالكرى ... بعيد وبالدمع عهد قريب
فكتبت تحته:
يحار إذا مر فيها المنام ... كما حار في الحي ضيف غريب
ثم صرفنا الرقعة مع بواب القصر، فأخرج إلينا سفرة فيها طعام كثير وأشياء فيها عون لنا على نزهتنا.
قال علي بن ظافر: وأحسب أن أبا علي هذا، الحاتمي، فإن صح الحديث، فينبغي أن يكون بعد حكاية الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى.

ومن إجازة بيت ببيت ما يكون الشاعر قد عمل بيتاً
واستجاز له أولاً، أو عمل بيتين وأراد إبدال أحدهما أو الاختبار فيه، مثل ما أنبأنا به العماد أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرني الأمير الأجل نجم الدين بن مصال، أن شاباً يعرف بأحمد الآبي من أهل الإسكندرية سافر إلى الشيخ الأجل أبي بكر أحمد بن محمد العيذبي التميمي الكاتب فاضل اليمن ورئيسه، وانتفع من جانبه، وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنئ فيها الداعي بطهور أولاده، من جملتها قوله:
كذبالة المصباح يقضى قطعها ... عند الخمود لها بقوة ناره
قال: فقال الأديب العيذبي: يصلح أن يكون لهذا البيت توطئه من قبله، فقال:
أخذ من العضو الشريف قضى له التأ ... ثير فيه بمقتضى آثاره

قال العماد
ونقلت من مجموع أبي المعالي الكتبي لأبي القاسم الهمداني:
تعيرني وخط الشيب بعارضي ... ولولا الحجول البيض لم تحسن الدهم
حنى الشيب ظهري واستمرت عزيمتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم
قال: فنظمت المعنى، وقلت:
يفيد العقل اليقظ التغابي ... ليدرك في الغني حظ الغبي
فلم تصب السهام على اعتدال ... بها لولا اعوجاج في القسي
قال: وأنشدتها للأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فصنع في الحال بدل الأول من البيتين وهو:
أرى أن الحليم به افتقار ... إلى جهل الفتى الغر الغبي
(1/57)

قال بن ظافر
وبالإسناد المتقدم عن أبي الحسن على ابن بسام الشنتريني مما أورده في كتاب الذخيرة ما هذا معناه، واللفظ لي: أن المعتمد على الله أبا القاسم محمد بن عباد صاحب إشبيلية وغرب الأندلس جلس يوماً للشرب، وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدةٍ نهرا؛ وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهراً، وبين يديه ساقية تخجل الزهر بطيب العرف والريا، وتقابل بدر وجهها بشهاب الكاس في راحة الثريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب ليسوق به ركاب ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال بديهاً:
روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع
عجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع!
وحين صنعهما أطربه معناهما وهزه، وحركه استحسانهما واستفزه، فاستدعى عبد الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول، فقال عبد الجليل:
ولن ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل ما يمسك يرتاع
فاستحسنه، وأمر له بجائزة. وبيته أحسن من بيت المعتمد عندي.

وأخبرنا القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك رحمه الله بما هذا معناه
قال: تذاكرنا في بعض الأيام بديوان الإنشاء، فأفضى بنا الحديث إلى ذكر الناشي الأصغر وقوله في وردة:
ووردة في بنان معطار ... حيا بها في خفي إسرار
كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار
فقلت: تشبيه الصفرة بالدينار فيه بعض تقصير، وعليه نقد خفي لا يدركه إلا الناقد البصير، وهو كون الصفرة في رأى العين أصغر من الدينار، ولو قال:
كمثل وجنة خودٍ ... قد نقطت برباع
لكان أخصر وأحسن؛ فاستحسنته الجماعة، فقال السديد هبة الله بن سراج منشئ الديوان: يا قوم، أنا أجيزه ببيتٍ أول، ثم صنع جارياً على عادته في التجنيس:
ووردةٍ نالت الحس ... ن إذ زهت في الرباع

وأخبرني صاحبنا الفقيه أبو الفضل جعفر الحموي
قال: مر بي في بعض الأيام يهودي يعرف بأبي الخير، أقبح الناس صورة، وأشدهم تنافر خلقة، قصير القامة، طويل اللحية، بارز الأنف، فحين رأيته وقع لي بيت على شبه الارتجال؛ وهو:
(1/58)

لحية طولها ذراع، وأنف ... طول شبر، وقامة طول إصبع
ثم أرتج على؛ فمر بي الأديب فاضل بن راحبي الله المنبوز بمداد، فأنشدته إياه، فقال: أعمل له أولاً؟ فقلت: إن شئت؛ فقال:
ما رأينا ولا سمعنا بشخصٍ ... كأبي الخير في الخلائق أجمع

ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو محمد الخالق بن زيدان المسكي المقدم ذكره
قال: أخبرني صاحبنا الأديب أبو الحسن علي ابن خروف القرطبي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - قال: رأيت في المنام منشداً ينشدني:
إذا كنت في الدنيا حليف تكبرٍ ... فإنك في الأخرى أقل من الذر
قال: فانتبهت وقد حفظته، فأجزته بقولي:
تنزه عن الدنيا وكن متواضعاً ... عفيفاً ولا تسحب ذيولاً من الكبر

ومنها إجازة بيت بأكثر من بيت
فمن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في أخبار بشار بن برد، وهو ن المهدي أشرف يوماً من أعلى القصر، فرأى جارية من جواريه تغتسل، فحين رأته استترت منه فقال:
نظرت من القصر عيني ... نظراً وافق حيني
ثم ارتج عليه، فأمر بإحضار من يجيزه، فأحضر بشار، فأنشده البيت فقال:
سترت لما رأتني ... دونه بالراحتين
فضلت منه فضول ... تحت طي المكنتين
فقال المهدي: قبحك الله! أكنت ثالثنا؟ ثم قال: ثم ماذا؟ فقال:
فتمنيت وقلبي ... للهوى في زفرتين
أنني كنت عليه ... ساعةً أو ساعتين
فضحك المهدي، وأمر له بجائزة، فقال له: يا أمير المؤمنين! أقنعت في مثل هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟ قال: فبم ويحك! قال: سنة أو سنتين! فضحك وقال: أخرج عني قبحك الله!

ومثله ما روى من أن الرشيد أنشد الأصمعي بيتاً وهو
ليتني عقدك أو يا ليتني ... تكة موشية من تككك
واستجاره فقال:
امنحيني الوصل يا سيدتي ... واطمعيني عسلاً من عككك
ما على قومك أو ما ضرهم ... لو وقفنا ساعة في سككك
(1/59)

وقد تقدم قريب منهما في باب المجاوبة.

قال يزيد بن أبي يسر الرياضي في كتابه الأمثال
سمعت سيبويه يقول: دخل عبد الله بن طاهر الرى سحراً، فسمع قمرية تنوح فقال: لله در الهلالي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح!
وكان معه عوف بن محلم الشاعر، فقال له: أجز هذا البيت، فقال:
وأرقني بالليل صوت حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق القديم ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح

أنبأني الشيخان
الأجل العلامة تاج الدين الكندي وابن الحرستاني إجازة عن أبي القاسم بن عساكر سماعاً منه، أخبرنا أبو بكر المرزوقي، أنبأنا أبو منصور العكبري، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، حدثني علي بن صالح، عن أحمد بن أبي طاهر، حدثه أنه ألقى على فضل الشاعرة
علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
فقالت:
وأبحتني يا سيدي ... سقماً يزيد على السقم
وتركتني غرضاً فدي ... تك للعواذل والتهم

وذكر أبو العباس المروزي
قال: صنع المتوكل بيتاً وطالب فضل الشاعرة أن تجيزه وهو:
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فصنعت بديهة:
ولم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً فكان ماذا
فطرب المتوكل وقال: أحسنت - وحياتي - يافضل، وأمر لها بمائتي دينار، وأمر عريب فغنت به.
قال علي بن ظافر: وقد ذكرنا البيت الأخير من بيتي فضل في حكاية أبي السمراء في إجازة بيت ببيت، إلا أن هذه الحكاية أثبت رواية من تلك، وهي من رواية أبي الفرج في الأغاني.

وبالإسناد المتقدم ذكر الثعالبي في كتاب اليتيمة
قال: جلس سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان يوماً مع جماعة من خواص كتابه وأصحابه، فقال: أيكم يجيز قولي:
لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله
(1/60)

وليس لها إلا سيدي - يعني ابن عمه أبا فراس بن أبي العلاء بن حمدان - فارتجل أبو فراس:
لك من قلبي المكا ... ن فلم لاتحله
ولئن كنت مالكاً ... فلك الأمر كله
فاستحسنهما ووهب له ضيعة منبج، تغل ألفي دينار في كل سنة.
141 - وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوار قال: أنشدني أبو القاسم عبد الله بن محمد الضروي لنفسه بالأهواز يقول:
إذا حمد الناس الزمان ذممنه ... ومن كان فوق الدهر لايحمد الدهرا
وزعم أنه حاول أن يضيف إليه شيئاً فتعذر عليه مدة طويلة، وضجر منه وتركه مفرداً، وكان عنده أبو القاسم المصيصي المؤدب، فسمع القول، فعمل في الحال إجازة له، وأنشدها لنفسه:
وإن أوسعتني النائبات مكارهاً ... ثبت ولم أجزع وأوسعتها صبرا
إذا ليل خطبٍ سد طرق مذاهبي ... لجأت إلى عزمي فأطلع لي فجرا

وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة
أن المعتمد بن عباد جلس يوماً في بعض دور الحرم، فمر عليه بعض حظاياه في غلالة لايكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تبدي إياة الشمس في مدلهما، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه، فامتزج الكل ليناً واسترسالاً، وطيباً وجمالاً، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومادت بعطفيه راح الأدب، فقال:
وهويت سالبة النفوس عزيزةً ... تختال بيت أسنةٍ وبواتر
وتعذر عليه المقال، فال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر أبي الوليد النحلي، وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ، فأضاف إليه لأول وقوع الرقعة بين يديه:
راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر
وتمايلت كالغصن بلله الندى ... يختال في ورق الشباب الناضر
تبدى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر
تزهى برونقها وحسن جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر
ملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر
وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحرٍ زاخرٍ
(1/61)

فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو كنت معنا؟ فأجابه النحلي بكلام معناه: ياقاتل المحل، أو ماتلوت: " وأوحى ربك إلى النحل "!

ومن ذلك، بالإسناد المتقدم أيضاً لكتاب الذخيرة ما رورى ابن بسام
أن المعتمد أيضاً أمر بصنع غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال للسيدة ابنة مجاهد، والهلال لابنه الرشيد، فوقع له أن قال:
بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال
واصطبح، وحضر الرشيد فدخل عليه، وجاء الندمان والجلساء، وفيهم أبو القاسم بن مرزقان، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمر بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال:
فذا سكني أسكنه فؤادي ... وذا نحلي أقلده المعالي
شغلت بذا وذا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخى بال
زففت إلى يديه زمام ملكي محلى بالصوارم والعوالي
فقام يقر عيني في مضاءٍ ... ويسلك مسلكي في كل حال
فدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنا للسماح وللنزال

وذكر أبو الفتح بن خاقان في كتاب القلائد
قال: خرجت من إشبيلية لوداع كبير من المرابطين، فوجدت معه الوزير أبا محمد ابن مالك، فلما انصرفنا عدنا متسايرين، فمررنا بمرجٍ حسن النبات، بديع النوار، فبادر مملوك من مماليكه وضيء الوجه إلى زهرةٍ بديعة، فقطفها، وأتاه بها لتعجبه من حسنها، فاقترح على أن أصفه: فقلت:
وبدرٍ بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفه من رائق النور كوكب
فقال مجيزاً له:
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويحسد منه الغصن أي مهفهفٍ ... يحئ على مثل الكثيب ويذهب

قال علي بن ظافر
ومن هذا القسم ما تكون الإجازة لبيت بأبيات تجعل قبله أو بعده وقبله كما أنبأني العماد أبو حامد قال: قال عمارة اليمني الشاعر في كتابه في شعراء اليمن: إن الفقيه أبا العباس أحمد بن محمد الآبي حدثه، قال: أذكر ليلة وأنا أمشي مع الأديب أبي بكر العدني على ساحل عدن، وقد تشاغلت عن الحديث معه، فقال لي: في أي شيء أنت تفكر؟ فقلت: في بيت عملته، وهو:
وأنظر البدر مرتاحاً لرؤيته ... لعل طرف الذي أهواه ينظره
(1/62)

فقال: لمن هذا البيت؟ فقلت: لي، فأنشد مرتجلاً:
يا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الليل وجداً حين أسهره
ألاحظ النوم تذكاراً لطلعته ... وإن جرى دمع أجفاني تذكره

قال علي بن ظافر
اتفق أن خرجنا للقاء القاضي الفاضل، فرأيت في الموكب رجلا أسود اللون، وعليه جبة حمراء، فأنكرته ولم أعرفه، ولقيت القاضي الأسعد أبا المكارم أسعد بن الخطير أطال الله بقاءه، فقلت له: من هذا الأسود الذي كأنه فحمة من دم حجامة؟ فقال لي:
كأنه ناظر طرفٍ أرمد
فقلت: يصلح أن يكون قبله:
وأسود في ثوبه المورد
وبعده:
أو مثل خالٍ فوق خد أمرد
ثم لقيت بعد ذلك القاضي السعيد بن سناء الملك - رحمه الله تعالى - فأنشدته إياهما، وكتمته الأول، وقلت: قد صنعت لهما أولاً، فاصنع أنت أيضاً، وقصدت بذلك اختبار القافية وتمكنها؛ إذ كل خاطر إنما يبادر إليها، فقال:
وأسود في ملبسٍ مورد
فعجبت من توارد الخاطرين لما كانت القافية متمكنة غير مستدعاة ولا مجتلبة، إلا أن قوله: في ملبس أحسن من قولي: في ثوبه.

قال علي بن ظافر
وخرجت أنا وشهاب الدين يعقوب ابن أخت ابن المجاور ونحن بالإسكندرية أيام حلول الملك العزيز - رحمه الله - بها، إلى جزيرتها المباركة لزيارة قبر صاحبنا القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد المردد ذكره في هذا الكتاب؛ وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأبعد ما كان من تخوف الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان على منبر فضله خطيب، فلما نزلنا بفناء قبره، وأسبلنا سيل المدامع لذكره، أنشدني شهاب الدين بيتين صنعهما في الطريق، وهما:
أيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه
فلا وإخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوقي إليه
فقال: إن بين الأول والثاني فرجة، تريد بيتاً ليسدها، فلعلك أن تسعدني، فقلت:
وحلت جانبيك مروج زهر ... تحاكي طيب أوقاتي لديه

ومنه إجازة بيت وقسيم بقسيم
كما روى إسحاق الجصاص، قال: صنع زهير بن أبي سلمى بيتاً وقسيماً، وهما:
تراك الأرض إما مت خفاً ... وتحيا إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقر العز منها
(1/63)

ثم أكدى، فمر به النابغة الذبياني فقال له: أجز يا أبا أمامة، وأنشده فأكدى لنابغة، وأقبل كعب بن زهير، وإنه لغلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، فقال: وما أجيز؟ فأنشده فقال:
وتمنع جانبيها أن يزولا
فضمه زهير إليه وقال له: أنت ابني حقاً

ومن ذلك، ما رواه إسحاق الموصلي
قال: ولد للفضل بن يحيى بن خالد مولود، فدخل عليه أبو النضير عمر بن عبد الملك ولم يكن علم الخبر، فلما مثل بين يديه ورأى الناس يهنئونه نثراً ونظماً وقف وأنشد ارتجالاً:
ويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله
ثم أرتج عليه، فلم يدر ما يقول، فقال الفضل يلقنه:
ولا سيما إن كان من ولد الفضل
فاستحسن الناس بديهته، وأمر لأبي النضير بصلة.

أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرني أبو زكريا يحيى بن علي الأنصاري فيما أظن، وقد كتبت منه - قال: أخبرني عمر بن الصيرفي المقري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن أبيه، أنه سمع أبا عمرو الكلبي قال: كنت جالساً عند أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، فأتاه من بعض إخوانه طبق فيه أنابيب من قصب السكر، وكتاب معه، فحول ابن عبد ربه الكتاب، وجاوبه بديهة وكتب في الجواب:
بعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب
كأنما العسل الماذي شيب به
قال الكلبي: ثم توقف، فقال: يا كلبي، أجز هذا البيت فإني لا أجد له تماماً، فقلت:
لا بل يزيد على المازي في الطيب
فقال: أحسنت يا كلبي، ثم أخذ القلم وأراد أن يكتبه على ما قلت، ثم كره الاستعارة فأطرق قليلاً ثم قال:
أو ريق محبوبةٍ جادت لمحبوب
قال الكلبي: فقمنا وقبلنا رأسه سروراً منا بقوله.

وأخبرني القاضي السعيد ابن سناء الملك
قال: صنعت:
قد كان لي منديل كم ساذجٍ ... ما جاز مسح يدي به في مذهبي
فاعتضت عنه بخد من أحببته
(1/64)

وأرتج علي، فلم أستطع أكمل البيت، فاستجزت القاضي تاج الدين ابن الجراح، فقال:
فمسحت في منديل كم مذهب

ومنه إجازة بيتين ببيت
فمن ذلك ما روى لنا أن أبا دلامة زيد بن الجون مولى بني أسد دعا السيد الحميري إلى منزله، فبكت ابنة له، فحملها على عاتقه، فبالت عليه فوضعها مغضباً، وقال:
بللت علي لا حييت ثوبيفبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم
ثم استجاز السيد الحميري، فقال:
ولكن قد تضمك أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم
فضحك أبو دلامة وقال: عليك لعنة الله؛ ما دعاك إلى هذا كله! ثم حلف لا ينازعه بيتاً بعدها، فقال له السيد: يكون الهرب من جهتك لا من جهتي.
وقد روى أبو الفرج هذه الحكاية بإسناد ينتهي إلى علي بن إسماعيل؛ قال: كنت أسقي أبا دلامة والسيد ... ولم يذكر سوى البيت الثاني من بيتي أبي دلامة.
ورواها أبو الفرج أيضاً بإسناد ينتهي إلى الهيثم بن عدي، وأنها كانت بين أبي دلامة وأبي عطاء السندي، وأن أبا عطاء أجاز بيته بأن قال:
صدقت أبا دلامة لم تلدها ... مطهرة ولا فحل كريم
ولكن قد حوتها أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم
وعلى هذه الرواية تدخل في باب المجاوبة.

وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج
قال: اجتمعت بأبي حديدة الشاعر يوماً وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي كنت فيه، فوصفته له، وأفضت بي صفته إلى ذكر غلام كان ساقياً، فقلت في عرض الكلام ولم أرد الوزن:
فشربتها من راحتي ... هـ كأنها من وجنتيه
وكأنها في فعلها ... تحكي الذي في ناظريه
وقلت له: أجز، فقال:
وشممت وردة خده ... نظراً ونرجس مقلتيه
فقلت له: أحسنت في شمك بالنظر؛ كما سمع أبو الطيب بالبصر حيث يقول:
كالخط يملأ مسمعي من أبصرا

واجتمع أبو عبد الله بن شرف الجذامي يوماً بأبي علي بن رشيق فوصف له منزلاً ضيقاً كان فيه، ثم صنع في صفته
فقال:
(1/65)

ومنزلٍ قبح من منزلٍ ... النتن والظلمة والضيق
كأنني في وسطه فيشة ... ألوطه والعرق الريق
وكان ابن شرف أعور أصلع، فقال: ابن رشيق يداعبه على طريق الإجازة:
وأنت أيضاً أعور أصلع ... فوافق التشبيه تحقيق
ولو قال ابن شرف: كأنني في وسطه فيشة في فقحة ... لكان أوضح في تشبيه المنزل.

قال علي بن ظافر
وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله، بما هذا معناه: أنه كان عند أبي المعالي بن الشماس كاتب القاضي الأسد ابن مماتي في ليلة اصطلى فيها بالجمر، من كئوس الخمر، واجتلى بها النجوم الزهر، من مجتنى نجوم الزهر؛ قال: فأفضت في ذمها، وذكر عظيم إثمها، ثم ندمت على ما فرط، واعتذرت اعتذار من فرط، فقلت:
شربتم قهوةً وشربت ماءً ... فأغناني اللجين عن النضار
ومن بانت أحبته وساروا ... تعلل بالتشاغل بالديار
ثم استجزته فقال:
وكنت نظيركم بالشم منها ... ولكني سلمت من الخمار
قال علي بن ظافر
بتنا ليلةً على المقياس عند مبالغة النيل في نقصه واحتراقه، وانفراجه عما لم يزل مستوراً من أرصفه وانفراقه، والمراكب قد انتظمت في لبته، ور كدت بالإرساء فوق لجته، وأحاطت به إحاطة المحيط بنقطته، وسفهاء الرياح تعبث بها حتى كادت تذهب بورقها، وأجسادها قد لبست لفقد الماء حداد قارها وهي في أوكارها، من المراسي مزمومة، وأجنحة قلوعها لعارض الليل مضمومة، فقلت بديهاً:
أو ما ترى المقياس قد حفت به ... سود المراكب فوق ظهر اللجة
يسمو وقد حفت به كقلادةٍ ... سبحيةٍ في لبةٍ فضية
واستجزت القاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - فقال:
وكأنه حصن عليه عسكر ... للزنج لف بنوده للحملة

ومنه إجازة بيتين بأكثر من بيت كما روى العباس ابن الفضل بن الربيع
قال: غضب الرشيد على جارية له، فحلف لا يدخل إليها، ثم ندم فقال:
صد عني إذ رآني مفتن ... وأطال الصد لما أن فطن
(1/66)

كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم قال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد في هذين البيتين؛ فقال: ليس لهما إلا أبو العتاهية - وكان محبوسا - فبعثوا إليه، فكتب إلى الرشيد:
يا بن عم النبي سمعاً وطاعةً ... قد خلعنا الكساء والدراعة
ورجعنا إلى الصناعة لما ... كان سخط الإمام ترك الصناعة
فأمر بإطلاقه وصلته، فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال يجيزهما:
عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن
فقال الرشيد: أحسنت والله وأصبت ما في نفسي، وأضعف صلته.
وذكرها الصولي في الأوراق بقريب من هذا، وأنه كتب إليه لما أمر بالإجازة يقول:
ضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن
ولقد كلفت شيئاً عجباً ... زاد في النكبة واستوفى المحن
قيل فرحنا وأبى فرح ... أن يوافيني في بيت الحزن
ولم يذكر العينية: وأما يزيد بن محمد المهلبي فإنه روى البيتين اللذين هما على قافية العين لموصولين بالهاء لإسحاق الموصلي، وذلك أنه كتب بهما إلى المأمون، وكان قد ترك الغناء والمنادمة فسجنه.

وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير
قال: خرج كوثر خادم الأمين لينظر الحرب أيام محاصرة طاهر بن الحسين وهزيمة ابن أعين لبغداد، فأصابه سهم غرب فجرحه، فدخل على الأمين وهو يبكي لألم الجراحة، فلم يتمالك الأمين أن جعل يمسح عنه الدم ويقول:
ضربوا قرة عيني ... ومن أجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي ... من أناسٍ أوجعوه
ثم ارتج عليه، فاستدعى الفضل بن الربيع، وأمره بإحضار شاعر يجيز البيتين، فاستدعى لذلك عبد الله بن محمد بن أيوب التيمي، وأنشدهما له فقال:
ما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه
وصله حلو ولكن ... هجره مر كريه
(1/67)

من رأى الناس له الف ... ضل عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه
فأمر الأمين له بوقر ثلاثة أبغل دراهم؛ فلما ولى المأمون الخلافة واستقر الأمر له توسل إليه عبد الله بالحسن بن سهل، فلما دخل عليه، قال: ألست القائل:
ما لمن أهوى شبيه
فقال: بل أنا القائل:
نصر المأمون عبد الل ... هـ لما ظلموه
نقضوا العهد الذي كا ... نوا قديماً أكدوه
لم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه
وأنشده في مدحه قصيدة أولها:
جزعت ابن تيم أن علاك مشيب ... وبان شباب والشباب حبيب
فأمره له بعشرة آلاف درهم.

وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب القيان والمغنين
أن المأمون قال يوماً لمتيم الهاشمية، جارية على بن هشام: أجيزي:
تعالى تكون الكتب بيني وبينكم ... ملاحظة نومي بها ونشير
فعندي من الكتب المشومة حيرة ... وعندي من شؤم الرسول أمور
فقالت:
جعلت كتابي عبرةً مستهلةً ... ففي الخد من ماء الجفون سطور
ورسلي لحاجاتي وهن كثيرة ... إليك إشارات بها وزفير

أنبأني الشيخان
الشيخ الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والشيخ الأجل الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، أخبرني حعفر بن قدامة، قال: اشترى أبو عبادة جاريته سلمى اليمانية، من نخاس مكي قدم بها عليه، فلما جاءه بها أراد أن يمتحنها، فأنشده:
من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثةً على كبره
من نظرٍ شفه فأرقه ... وكان مبد هواه من نظره
ثم قال لها: أجيزي، فقالت مجيبة غير متوقفة:
(1/68)

لولا التمني لمات من كمدٍ ... مر الليالي يزيد في فكره
ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره
الجسم يبلى فلا حراك به ... والروح فيما أرى على أثره

أنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، عن الحافظ السلفي إجازة
قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج اللغوي وابن بعلان الكبير، قالا: حدثنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الحسين المهلبي عن أبي الفوارس، عن يعقوب ابن السكيت، قال: عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الحج، فخرجت جارية إليه شاعرة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله:
دمعة كاللؤلؤ الرط ... ب من الطرف الكحيل
هطلت في ساعة البي ... ن على الخد الأسيل
فقالت الجارية:
حين هم القمر الزا ... هر عنا بالأفول
إنما يفتضح العش ... اق في وقت الرحيل

قال علي بن ظافر
ذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج ما معناه، قال: خرج أبو العباس بن حديدة القيرواني في جماعة من رفقائه طالباً للتنزه، فحلوا بروضةٍ قد سفرت عن وجنات الشقيق، وأطلعت في زبرجد الأرض الخضراء نجوماً من عقيق، والجو قد أفرط في تعبيسه، ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه، فقال ابن حديدة:
أو ما ترى الغيث المعرس باكياً ... يذري الدموع على رياض شقيق
فكأن قطر دموعه من فوقها ... در تبدد في بساط عقيق
قال: وأنشدنيهما، فأجزتهما بأن قلت:
فاجمع إلى شكليهما بزجاجةٍ ... شكلين من حببٍ وصفو رحيق
فكأنما انتصرا لعبرة عاشق ... مهراقةٍ في وجنتي معشوق

وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام
قال في كتاب الذخيرة - ورواه الفتح بن خاقان في كتاب قلائد العقيان - قال: ذكر أبو إسحاق بن خفاجة الحريري الأندلسي قال: اجتمعت مع عبد الجليل بن وهبون المرسي، ونحن نريد المرية أيام مقام العدو بحصن بلبيط، فبتنا بلزقه نتجاذب أذيال المذاكرة إلى أن قام السفر
(1/69)

في السحر، للسرى والسفر، وقد شهروا سلاحهم، وأظهروا عددهم لقربهم من العدو، فظهر من عبد الجليل الجزع، والارتياع والهلع، مما ألجأني إلى تسكينه بإنشاد عجائب الأشعار، وإيراد غرائب الأخبار، وهو لا يفهم ما أورده، ولا يعقل معاني ما أسرده، فمررنا في الطريق بمشهدين متقابلين، وعليهما رأسان منصوبان فقلت:
ألا رب رأسٍ لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب
أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام أعلاه فهو خطيب
ثم استجزته باستطالةٍ فقال:
يقول حذار الإغترار فطالما ... أناخ قتيل بي وفر سليب
وينشدنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب
وها هو أما منظراً فهو ضاحك ... إليك وأما نصبه فكئيب
قال أبو إسحاق: فما أتم إنشاده حتى طلعت سرية العدو فأوقعت بالركب، فأناخ قتيلاً، وبحوت مسلوباً، فعجبت من هذا الاتفاق.

قال وصنع يوماً الأعز أبو الحسن بن المؤيد رحمه الله تعالى بديهاً في مغنٍ
مغن صوته يحكيه في حسن وفي لين
يغنيني فيغنيني ... ويحيا إذ يحييني
واستجاز شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين بن المجاور فقال:
ويسقيني سلاف الرا ... ح من فيه فيشفيني
تعجلت به أجري ... ولم أعطف على ديني

ومنه إجازة أبيات ببيت
كما أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن زيد بن حسن الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد، أخبرنا أبو الفرج سهل بن بشر، أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الله الهمداني إجازة، أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن خيران، أخبرنا ابن الأنباري، قال: دخل الزبير بن بكار على أمير المؤمنين المعتز بالله وهو محموم، فقال له: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتاً، وقد أعيا على إجازة بعضها، وأنشدني:
(1/70)

إني عرفت علاج الجسم من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والجزع
جزعت للحب، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن حبه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي
فقال أبو عبد الله:
وما أمل حبيبي، ليتني أبداً ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي
فأمر له على هذا البيت بألف دينار.

وبهذا الإسناد عن الإمام الحافظ ابن عساكر
قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن أحمد الملحي لفظاً - وكتبه لي بخطه - قال: حدثني السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعري، قال: اجتمعت بأبي عبد الله ابن الخياط - يعني الشاعر الدمشقي بطرابلس - وكنت أنا وهو نجلس في دكان عطار نصراني، يعرف بأبي المفضل، فيه ذكاء ومحبة للأدب، فخرجنا يوماً إلى ظاهر البلد، فاخترنا موضعاً نجلس فيه على غدير هناك، فقال ابن الخياط بديهياً:
أو ما ترى قلق الغدير كأنه ... يبدو لعينك منه حلى مناطق
مترقرق لعب الشعاع بمائه ... فتراه يخفق مثل قلب العاشق
فإذا نظرت إليه راقك لمعه ... وعللت طرفك من سراب صادق
ولم يفتح الله على السابق ولا بلفظة، فقال العطار:
قد كنت أرجو أن تكون مصلياً ... حتى رأيتك سابقاً للسابق
فاستحسنا ما أتى به العطار، وجعلناه من مأثور الأخبار.
قال أبو عبد الله: وكان السابق لا يحفظ من شعره بيتاً واحداً، وأبو عبد الله بن الخياط بخلافه، يحفظ شعره منذ عمله إلى أن مات.

ومنه إجازة أكثر من بيت بأكثر من بيت
فمن ذلك ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة من حكاية أبي الفرج الببغاء في دير مران، ووصفها بأن قال: وهي وإن كان فيها بعض طول، فالبديع غير مملول؛ وكل ما أرويه وأسنده إلى اليتيمة في هذا الكتاب فهو مما أجازه لي القاضي الفقيه نبيه الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي - رحمه الله تعالى - قال: أخبرنا الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن سلامة الهذلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري، قال:
(1/71)

أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي - وقد تقدم ذكر هذا الإسناد - قال الثعالبي: قال أبو الفرج واللفظ له: تأخرت عند سيف الدولة بدمشق مكرهاً، وقد سار عنها في بعض وقائعه، وكان الخطر شديداً على من أراد اللحوق به من أصحابه، حتى إن ذلك كان يؤدي إلى الهب وطول الاعتقال، فاضطررت إلى إعمال الحيلة والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الإخشيدية، وكانت سني في ذلك الوقت عشرين سنة، وكان انقطاعي منهم إلى أبي بكر علي بن صالح الروذباري لتقدمه في الرياسة، ومكانه من الفضل والصناعة فأحسن تقبلي وبالغ في الإحسان إلي وحصلت تحت الضرورة والمقام، فتوفرت على قصد البقاع المستحسنة، والمتنزهات المطروقة، تسلياً وتعللا، فلما كان في بعض الأيام، عملت على قصد دير مران - وهذا الدير مشهور الموقع في الجلالة وحسن المنظر - فاستصحبت بعض من كنت آنس به، وتقدمت بحمل ما يصلحنا، وتوجهت نحوه، فلما حصلنا تحته أخذنا في شأننا. وقد كنت اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع، وسجاحة النفس، حسبما جرى به الرسم والعادة في غشيان الأغمار، وطروق الديرة من التظرف بعشرة أهلها والأنسة بسكانها، ولم تزل الأقداح دائرة بين مطرب الغناء ومزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه، ولوح السكر لصحبي أعلامه، فحانت مني التفاتة إلى بعض الرهبان، فوجدته إلى خطابي متوثباً، ولنظري إليه مترقباً، فلما أخذته عيني أكب يزعجني بخفى الرمز ووحي الإيماء، فاستوحشت لذلك وأنكرته، ونهضت عجلاً واستحضرته، فأدرج لي رقعة مختومة، وقال لي: قد لزمك فرض الأمانة فيما تتضمنه هذه الرقعة وسقط ذمام كاتبها في سترها بك عني، ففضضها فإذا فيها مكتوب بأحسن خط وأملحه وأقواه وأوضحه: بسم الله الحمن الرحيم. لم أزل فيما تؤديه هذه الرقعة - يا مولاي - بين حزم يحث على الانقباض عنك؛ وحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الحظ منك، إلى أن استنزلتني الرغبة فيك على حكم الثقة بك من غير خبرة، فرفعت سجف الحشمة، وأطعت في الانبساط أوامر الأنسة، وانتهزت في التوصل إلى مودتك فأنت الفرصة. والمسماح منك - جعلني الله فداك - زورة أرتجع بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة، مهنأة بالإنفراد إلا من غلامك، الذي هو مادة مسرتك.
(1/72)

وما ذاك عن خلق بضيق بطارقٍ ... ولكن لأخذي باحتياطٍ على حالي
فإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولا ولديك نفاقاً فمنية غفل الدهر عنها، إذ فارق مذهبه فيما أهداه إلى منها، وإن جرى على رسمه في المضايقة فيما أوثره وأهواه، وأترقبه من قربك وأتمناه، فذمام المروءة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها وتناسيها، واطراح ذكرها إن شاء الله تعالى. وإذا بأبيات تتلو الخطاب وهي:
ياعامر العمر بالفتوة وال ... قصف وحث الكئوس والطرب
هل لك في صاحبٍ تناسب في ال ... غربة أخلاقه وفي الأدب
أوحشه الدهر فاستراح إلى ... قربك مستنصراً على النوب
فإن تقبلت ما أتاك به ... لم تشب الظن فيك بالكذب
وإن أبي الدهر دون رغبته ... فكن كمن لم يقل ولم يجب
قال أبو الفرج: فورد على ما حيرني، واسترد ما أخذه الشراب من تمييزي، وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها في الكتابة خطا وترسلاً ونظماً، وشاهدته بالفراسة من ألفاظه، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته، فقلت للراهب: ويحك! من هذا؟ وكيف السبيل إلى لقائه؟ فقال: أما ذكر حاله فإليه إذا اجتمعنا، وأما السبيل إلى لقائه فسهل إن شئت، قلت: دلني، قال: تظهر فتوراً، وتنصب عذراً تفارق به أصحابك منصرفاً؛ فإذا صرت بباب الدير عدلت بك إلى باب صغير تدخل منه. فرددت الرقعة عليه وقلت: أدفعها إليه ليتمكن أنسه بي وسكونه إلي، ثم عرفته أن التوفر على إعمال الحيلة المبادرة إلى حضرته على ما آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت بكتابته.
ومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به؛ فأنكروا ذلك مني، فاعتذرت إليهم بشيء عرض لي، واستدعيت ما أركبه، وتقدمت إلى من كان معي من الخدم بالتوفر على خدمتهم؛ وقد كنا عولنا على المبيت، فأجمعوا على تعجيل السكر والانصراف، وخرجت من باب الدير ومعي صبي صغير كنت آنس به وبخدمته، وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي. وتلقاني الراهب، فعدل بي إلى طريق في مضيق، وأدخلني الدير من طريق غامض، وصار بي إلى باب قلايةٍ يتميز عما يجاوره من الأبواب نظافةً وحسناً، فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة بينهما، فابتدرنا منه غلام كأن البدر ركب على أزراره: مهفهف
(1/73)

الكشح مخطفه، معتدل القوام أهيفه، تخال الشمس برقعت غرته، والليل ناسب أصداغه وطرته.
في غلالة تم على ما تستر، وتجفو مع رقتها عما يظهر، وعلى رأسه مجلسية، فصمته فبهر عقلي، واستوقف نظري، ثم أجفل كالظبي المذعور، وتلوته والراهب إلى صحن القلاية، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان، رخامي الأركان، يضم طارمة خيش مفروشة بحصير مستعمل، فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيه، حسن الصورة، ظاهر النبل والهيئة، متزى من اللباس بزي غلامه، فلقيني حافياً يعثر في سراويله، واعتقني، ثم قال: إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك استحسنته من صورته، مصانعاً لما يرد عليك من مشاهدتي.
فاستحسنت اختصاره الطريق إلى بسطى، وارتجاله إلى النادرة على نفسه حرصاً على تأنيسي. وأفاض في شكري على المسارعة إلى امتثال أمره، مكدود بمن كان معك، والتمكن من الأنس بك لا يتم إلا براحتك.
وقد كان الأمر على ما ذكر، فاستلقيت يسيراً ثم نهضت، فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي عهدتها في دار الملوك وجلة الرؤساء. ثم جاءنا خادم لم أر أحسن وجهاً، ولا أتم سواداً منه، يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف، فقال: يا سيدي العشاء مني للحاجة، ومنك للمؤانسة. فنلنا شيئاً.
وأقبل الليل وطلع القمر، ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاءٍ أدى إلينا محاسن الغوطة، وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني، والنسيم العطري، وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا عليه، واقتعدنا غارب اللذة، وجرينا في ميدان المفاوضة، وأخذ يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار، ويخلط ذلك من المرح بأظرفه، ومن التودد بألطفه، فلما توسطنا الشرب التفت إلى غلامه وقال: يا مترف، إن مولاك لم يدخر عنا ممكناً من السرور بحضرته فينبغي لنا ألا ندخر ممكناً من تمام مسرته. فامتقع وجه الغلام حياء وخفراً، فأقسم عليه بحياته، وأنا لا أعلم ما يريد، فمضى ثم عاد يحمل طنبوراً، وجلس فقال لي: تأذن لي يا سيدي في خدمتك؟ فهممت بتقبيل يديه، لما داخلني من عظم المسرة بذلك، فأصلح الغلام الطنبور، وضرب وغنى يقول:
يا مالكى وهو ملكي ... وسالبي ثوب نسكي
نزه يقين الهوى في ... ك عن تعرض شك
لولاك ما بت أبكي ... إلى الصباح وأبكي
(1/74)

فنظر إلى الغلام وتبسم، فعلمت أن الشعر له، وكدت - والله - أن أطير طرباً وفرحاً لملاحة خلقه وجودة ضربه، وعذوبة منطقه، وتكامل حسنه. فاستدعيت كيزاناً، فأحضر الغلام عدة قطع من البلور وجيد الجام المحكم فشربت سروراً بوجهه، وشرب بمثل ما شربت به. ثم قال: أنا - والله - يا سيدي أحب ترفيهك، ألا أقطعك عما أنت متوفر عليه، ولكن حيث عرف الاسم والنسب والصناعة واللقب، فلا بد أن تسم ليلتنا هذه بشيء يكون لها طرازاً، ولذكرها علماً. فجذبت الدواة وكتبت ارتجالاً، وقد أخذ الشراب مني:
وليلة أوسعتني ... لهواً وحسناً وأنسا
ما زلت ألثم بدراً ... بها، وأشرب شمسا
إذ أطاع الدير سعداً ... لم يبق مذآب نحسا
فصار للروح مني ... روحاً وللنفس نفسا
فطرب لقولي: ألثم بدراً وأشرب شمسا، وجذب غلامه فقبله، وقال: لم أجهل يا سيدي ما يجب لك من التوقير، وإنما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته، فبحياتي إلا فعلت مثل ذلك بغلامك، فاتبعت آثاره خوفاً من احتشامه، ثم أخذ الأبيات وجعل يرددها، ثم أخذ الدواة وكتب إجازة لها:
ولم أكن لغريمي ... والله أبذل فلسا
لو ارتضى لي غريمي ... بدير مران حبسا
فقلت له: إذاً - والله - ما كان أحد يؤدي حقاً ولا باطلا.
وداعبته في هذا المعنى بما حضرني، وعرفت في الجملة أنه مستتر من دين قد ركبه، فقال لي: يا سيدي، قد خرج لك أكثر الحديث، فإن عذرت وإلا ذكرت لك القصة. فآثرت مراده في كتمان أمره. فقلت يا سيدي! كل ما لا يتعرف بك نكرة، وقد أغنت المشاهدة عن الاعتذار، ونابت الخبرة عن الاستخبار، وجعل يشرب وينتخب من غير إكراه ولا إبطاء، إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه، وأكب على محادثة غلامه والفطنة تثنيه في الوقت بعد الوقت، فأظهرت السكر وحاولت النوم، وجاء الغلام ببرذعة ففرشها بإزاء برذعته، فنهضت إليها، فقام وتفقد أمري بنفسه، فقلت له: إن لي مذهباً في تقريب غلامي مني، واعتمدت في ذلك تسهيل ما يختاره من غلامه في هذه الحال، فتبسم وقال لي بسكره: وجمع الله لك المسرة كما جمعه لي بك.
(1/75)

وأظهرت النوم، وعاد يحادث غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة حال وانبساط يد، وغلامه تارة يقبل يده وتارة يقبل فمه.
وغلبني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان مما عليهما من اللباس فأوردت توديعه، وكرهت إنباهه وإزعاجه، فخرجت، فلقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه ألا يفعل، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفاً، وعازماً على العودة إليه والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهماً أن ماكنت فيه منام لطيبه، وقرب آخره من أوله.
واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه، وقلت في ذلك:
ويومٍ كأن الدهر سامحنا به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر
جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم والعمر
بحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر
فمن روضة بالحسن ترفد روضةً ... ومن نهرٍ بالفيض يجري إلى نهر
وفي الهيكل المعمور منه افترعتها ... وصحبي حلالاً بعد توفية المهر
ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها اشرب التبر بالتبر
وحل لنا ما كان منها محرماً ... وهل يحظر المحظور في بلد الكفر!
فأهدت لي الأيام منها مودةً ... دعتني إلى ستر فلبيت في ستر
أتى من شريف الطبع أصدق رغبة ... يخاطبني عن معدن النظم والنثر
فلاقيت ملء العين نبلاً وهمةً ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر
وكان جوابي طاعةً لا مقالةً ... ومن ذا لايستجيب إلى اليسر!
وأحشمني بالود حتى ظننته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري
ونزه عن غيري الصفاء اجتماعنا ... فكنت وإياه كقلبين في صدر
وشاء سرور أن يلينا بثالث ... فلاطفنا بالبدر أو بأخي البدر
بمعطٍ عيوناً ما اشتهت من جماله ... ومضنٍ قلوباً بالتجنب والهجر
جنينا جنى الورد في غير وقته ... وزهر الربا من ورد خديه والثغر
وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحي دجا الليل والشعر
وغنى فصار السمع كالطرف آخذاً ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر
(1/76)

وأمتعنا من وجنتيه بمثل ما ... تمزج كفاه من الماء والخمر
سرور شكرنا منة الصحو إذ دعا ... إليه، ولم نشكر به منة السكر
كأن الليالي نمن عنه فعندما ... تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر
مضى فكأني كنت منه مهوماً ... يحدث عن طيف الخيال الذي يسري
وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا عن الذكر!
ولم أزل على أتم قلق، وأعظم حسرة وأشد أسف، على ما سلبته من عظيم النعمة بفراق الفتى؛ لاسيما ولم أحصل منه على حقيقة علم، ولا نص خبر؛ يؤديان إلى الطمع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق، وأنا في جملته؛ فما بدأت بشئ قبل مصيري إلى الراهب، وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباً؛ وهو لا يعلم ما السبب.
فلما رآني استطار فرحاً، وأقسم لا يكلمني إلا بعد النزول والمقام عنده يرمى ذلك؛ فلما جلسنا للمحادثة قال لي: أراك لا تسألني عن صاحبك! قلت: والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حزته منه، ولا سررت بعودي إلى هذا البلد إلا من أجله، ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره.
فقال أما الآن فنعم؛ هذا فتى من المارداتيين، جليل القدر، عظيم النعمة، كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال عظيم، فخاس به ضمانه لقعود السعر عنه، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر. ولما اشتد البحث عنه خرج مستخفياً إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن لي به ارتباط، فإني كنت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً إذ ظهر لي وقال لصديقه مذهبي، وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي، وأنا لا أعرفه؛ غير أن صديقي قد أمرني بخدمته.
فلما حصل في قلايتي واصل الصوم، فلما كان بعد أيام، جاءنا الرسول من عند صديقنا، ومعه الغلام والخادم وقد لحقا به، ومعهما سفاتج، وعليهما ثياب رثة، فلما نظر إلى الغلام والخادم قال: يا راهب قد حل الفطر، وجاء العيد. ووثب إلى الغلام فاعتنقه، وجعل يقبل عينيه ويبكي، ثم وقف على السفاتج، فأنفذها مع رقعة إلى صديقه.
فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفى دينار وما يحتاج إليه من فرش وملبوس؛ ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه البغال والآلات السنية الحسنة من مصر، وكتب إليه أهله باجتماعهم بصاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق ذات
(1/77)

يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال فلما أعمل المسير قال لغلامه: سلم جميع مابقى معك من النفقة إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده في مستقرنا، وسار وماله حسرة غيرك، ولا أسف إلا عليك، يقطع الأوقات بذكرك؛ ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجملها ما يخل بتفقدي، ولا يغب بري.
قال أبو الفرج: فتعجلت بعد السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي عند الراهب، وكان آخر العهد به.

قال علي بن ظافر: أقسم بالله إن هذه الحكاية - وإن طالت - لحقيقة أن تكتب بالمقل السود، على صفحات الخدود؛ ولقد أزرت بمرأى العقود بين الترائب والنهود؛ فرحم الله أبا الفرج وصاحبه؛ فلقد استحقا منا بهذه الحكاية حمداً وشكراً، وأبقيا لهما في الظرفاء ذكراً، ولقد بلغ من طربي بها، وارتياحي عند قراءتها، ما أنى أوسع هذا الفتى المارداني دعاءً وترحيماً، وأتبع ذكره صلاة عليه وتسليماً، حتى أني أكثر قصد ترب الماردانيين بالزيارة والدعاء؛ أملا أن يكون في جملتهم وطمعا أن يكون مدفونا معهم وما أنا وإياهم إلا كما قال خالد بن يزيد:
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وهذه غاية جهدي، مع تربة دائرة ورمةٍ بالية، فرحمة الله كلما غرب نجم وطلع، ونبت نجم وأينع، بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم!

أنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني
قال لي نجم الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل؛ دخل إلى شاب من أهل بغداد فأنشدني هذه الأبيات:
في نهر عيسى والهواء معنبر ... والماء فضي القميص صقيل
والطير إما هاتف بقرينه ... أو نادب يشكو الفراق ثكول
والدهر كالليل البهيم وأنتم ... غرر تضئ ظلامه وحجول
واستاجازني فقلت:
والغصن مهزوز القوام كأنما ... هبت عليه من الشمال شمول
وكأنما السرو التحفن بسندسٍ ... ورقصن فارتفعت لهن ذيول
قال علي بن ظافر
واتفقت لي وللقاضي الأجل شهاب الدين يعقوب سفرة إلى البيت المقدس للتبرك بما هناك من البقاع المقدسة، والمشاهد المعظمة،
(1/78)

وأجداث الأنبياء المباركة الطيبة؛ فلما جد بنا المسير، وسهل من فراق الأهل والأوطان العسير، وقطعت المطايا بنا الربا والوهاد، ولم يسمع إلا هيد وهاد، صنع الشهاب:
يا رب كالشهاب المحرق
قدحته من زند عودٍ أورق
يسير في الخرق مسير الأخرق
فهل رأت عيناك عدو النقنق
حتى إذا ماافتر ثغر المشرق
ثم استجازني فقلت:
ولاح في الجو احمرار الشفق
كالخمر صبت في زجاجٍ أزرق
بدا على الآل قطار الأينق
كمثل سطرٍ في بياض مهرق
أو كالمدارى في مشيب المفرق
كم بازلٍ في بحره كالزورق
أو كهلالٍ مشرقٍ في زبرق

وهذه أيضاً حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة
القديم والعصري، قصدت بإيرادها في هذا الموضع أن تكون دهليزاً للخروج من القسم الأول، والدخول في القسم الثاني لما بينهما من الاشتراك فيها:
روى من طرق مختلفة كتبت أكملها وأتمها، أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ارتاح منادمة من بعد عهده بمنادمته، أو من لم يره، وحضره صاحبه الحسن بن محمد بن طالوت - وكان أخص الناس به - فقال له: لابد لنا في يومنا هذا من ثالث، نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته، فمن ترى أن يكون طاهر الأعرق، غير دنس الأخلاق؟ فأعمل فكره، وأمعن نظره، وقال: أيها الأمير؛ قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفة، قد خلا من إبرام المجالسة، وبرئ من ثقل المؤانسة، خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت، قال: ومن ذاك؟ قال: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله. فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان أسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ، فصار به إلى باب الأمير فأدخل الحمام، وأخذ من شعره،
(1/79)

وألبس ثياباً نظافاً، ثم أدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: وعليك السلام يا ماني، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك! فقال ماني: الشوق شديد والمزار بعيد، والحجاب عتيد والبواب فظ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة، قال: لقد ألطفت في الاستئذان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار! ثم أذن له فجلس، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم غسل يده وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت:
ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بليلٍ حمولهم ... بواكر تخدى: لا يكن آخر العهد
فقال ماني: أحسنت والله، بحق رأس الأمير إلا ما زدت فيه:
أقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوفٍ على الجهد والصد
ولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فاندفعت تغنيه، فرق محمد عبد الله له وقال: أعاشق أنت يا ماني؟ قال: فاستحيا، وغمزه ابن طالوت لئلا يبوح له بشئ فيسقط من عينه، فقال: بل هلع مطرب أعز الله الأمير، وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة! ثم اقترح محمد على تنوسة هذا الصوت من شعر أبي العتاهية:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما!
فغنته، فطرب محمد، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:
فتنفست ثم قلت لطيفي: ... آه لو زرت طيفها إلماما
خصها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما
فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء، وألطف تغلغلاً على كبد الظمآن من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، وانتهائه إلى غاية تمامه.
قال محمد: أحسنت والله يا ماني، ثم أمر تنوسة بإلحاقها هذين البيتين من شعر أبي نواس:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابةٍ فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرها المكتوما
فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذي البيتين بيتين
(1/80)

لا يردان على سمع ذي لب إلا صدر استحسانه لهما، فقال محمد: الرغبة فيما تأتي به حائلة دون كل رهبة؛ فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً
وإذا ما تبسمت خلت ما تب ... دى من الثغر لؤلؤاً منظوما
فقال محمد: أحسنت والله، فأجز هذا الشعر:
لم تطب اللذات إلا لمن ... طابت له لذة تنوسة
غنت بصوتٍ أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة
فقال ماني:
وكيف صبر النفس عن غادةٍ ... تظلمها إن قلت: طاووسة
وجرت إن شبهتها بانةً ... في جنة الفردوس مغروسة
ثم سكت، فقال محمد: فأعد لي وصفك لها، فقال:
وغير عدلٍ إن قرنا بها ... جوهرةً في التاج ملموسة
جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسة
فقالت تنوسة: وجب علينا يا ماني شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من بقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا، فأنشأ يقول:
ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل
أنا موصول بنعمة من ... حبله بالحمد موصول
أنا مشمول بمنة من ... منه في الخلق مبذول
أنا مغبوط زورة من ... ربعه بالمجد مأهول
فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:
ملك عز النظير له ... زانه الغر البهاليل
طاهري في مركبه ... عرفه للناس مبذول
دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول
فقال محمد: وجب جزاؤك، لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: يا هذا، ليست خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين بمذهبةٍ جوهر الأدب المركب فيه، ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول:
(1/81)

لايعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول
فلربما افتقر الفتى فرأيته ... وسخ الثياب وعرضه مغسول
قال ابن طالوت: فما رأيت أحداً أحضر دهناً منه، إذ تقول له الجارية: عطف عليك إلفك، فينفيها بقوله:
ليس لي إلف فيقطعني
قال: ولم يزل مجريا عليه رزقاً سنياً إلى أن مات.

القسم الثاني ما تكون الإجازة فيه لشعر قديم فمنه إجازة بيت ببيت
كما روى إسحاق الموصلي، قال أبو المجيب شداد بن عقبة: دعا رجل من الحي - يقال له أبو سفيان - رجلا من حيه اسمه القتال الكلابي إلى وليمة، فجلس القتال ينتظر رسوله، ولا يأكل حتى ارتفع النهار، وكانت عند امرأته فقرة من حوار؛ فلما يئس قال:
فإن أبا سفيان ليس بمولمٍ ... فقومي فهاتي فقرةً من حوارك
قال إسحاق، فقلت له: ثم ماذا؟ قال: لم يأت بعده بشئ؛ إنما أرسله يتيماً، فقلت: أفلا أزيدك إليه بيتاً آخر ليس بدونه؟ قال: بلى، فقلت:
فبيتك خير من بيوتٍ كثيرة ... وقدرك خير من وليمة جارك
فقال: بأبي أنت وأمي! والله لقد أرسلته مثلا وما انتظرت به العرب وإنك لبز طراز، ما رأيت في العراق مثله، وما يلام الخليفة على أن يدنيك ويؤثرك ويتملح بك؛ ولو كان السباب يشتري لابتعته لك بإحدى يدي، ويمنى عيني؛ على أن فيك بحمد الله منه بقيةً تسر الودود، وترغم الحسود.
هذا من رواية الأصبهاني تتصل بعمر بن شبة وحماد عن إسحاق. وفي رواية له تتصل بالأخفش ويزد المهلبي، أن إسحاق قال: أخبرني أبو زياد الكلابي، قال: أولم جار لي ... ، وذكر الحكاية. والبيت الأول فيها لأبي زياد؛ فعلى هذا تكون من إجازة بيت عصري ببيت.

ومن ذلك ما روى أحمد بن أبي فنن
قال: دخل أبو نواس على الذلفاء جارية ابن طرخان، ودخل على إثره مروان بن أبي حفصة، فرفعه مولاها عنه، فغضب، وقال: أجيزي لجرير:
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقالت - وكانت تشبب بالرشيد:
(1/82)

هيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي للإمام دفينا
فقام أبو نواس عند ذلك، وخرج وهو ينشد:
عجباً من حماقة الذلفاء ... تتشهى فياشل الخلفاء
قال ابن أبي فنن: فأجزت أنا قول أبي نواس، وأكثر الناس يروونه له:
لو تشهيت غيره كان أولى ... من أيور الدناة والضعفاء
إن أدنى الأمور عندي منالاً ... شهوات الأكفاء للأكفاء

وروى أحمد بن معاوية
قال: قال لي رجل: تصفحت كتباً، فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديقي: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئها فقلت: أجيزي:
فما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس في أحشائه وتكلما
فلم تلبث أن قالت:
ويبكى فأبكى رحمةً لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما

وروى العباس بن رستم
قال: دخلت مع أبان اللاحقي على عنان في خيشها، فقال:
العيش في الصيف خيش
فقالت مسرعة:
إذ لا قتال وجيش
قال: فأنشدتها لجرير:
ظللت أواري صاحبي صبابتي ... وقد علقتني من هواك علوق
فقالت:
إذا أغفل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق

وذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب
حدث محمد بن الفضل الهاشمي قال: حدث أحمد بن سلمة الكاتب، أنه قال لعياش بن القاسم: اجتمعت مع عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف في مجلس فيه قينة، فغنت:
أناس مضوا كانوا إذا ذكر الألي ... مضوا قبلهم صلوا عليهم وسلموا
فقال عمرو: هو - والله - حسن، إلا أنه مفرد، فأضيفوا إليه بيتاً آخر، فإنه أحسن له وأطول للقافية، وأطوع للغناء فيه، فقال أحمد بديهاً:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا
فغنت بهما المغنية، فطربوا وشربوا عليهما بقية يومهم.

وروى علي بن الحسن الباخرزي في كتاب دمية القصر
أن أبا جعفر محمد بن إبراهيم المعدني، معدن زوزن؛ رأى على جدارٍ بيتاً مكتوباً:
(1/83)

لكل شئ من فقده عوض ... وما لفقد الشباب من عوض
وليس في الدهر من شدائده ... أشد من فاقةٍ على مرض

وذكر أحمد بن أبي طاهر قال
ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:
ومستفتح باب البلاء بنظرةٍ ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
فقالت مسرعة:
فوالله ما ندري: أتدري بما جنت ... على قلبه أم أهلكته ولا تدري!

وروى الفضل بن العباس الهاشمي عنها وعن بنان الشاعرة
قالت: توكأ المتوكل على يدي ويد فضل وقال: أجيزا قول الشاعر:
تعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب
فقالت فضل:
يصد وأدنو بالمودة جاهداً ... ويبعد عني بالوصال وأقرب
فقلت أنا:
وعندي له العتبى على كل حالةٍ ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب

قال علي بن ظافر
أنشدني أبو القاسم الصيرفي في قول عبد الله ابن السمط:
حار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك!
فقلت بديهاً:
بل تعاليت رتبةً ... فلك الأرض والفلك

وأخبرني بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: غنى مغنٍ في مجلس كنت به حاضراً:
يا بدر عذالي عليك كثيرة ... والمسعدون على هواك قليل
فأجزته بديهاً فقلت:
في الصبر عن هذا القوام ولينه ... قصر وفي شرح الصبابة طول

وأخبرني الأديب أبو القاسم العداس المنبوز بالراوية
قال: قصد الشيخ أبو الخير سلامة الأنباري الضرير النحوي تعجيزي بين يدي الشيخ العلامة أبي محمد بن بري، لسرٍ كان بيني وبينه، فقال لي: إن كنت شاعراً كما تزعم فأجز:
أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتى كأني ألف الوصل
فقلت بديهاً:
وكنت عين الفعل في قربكم ... فصرت لام الجر في الفعل
قال علي بن ظافر
أنشدني بعض أصحابنا هذا البيت من شعر ابن منير، وسألني إجازته:
(1/84)

يجل عن التشبيه في الحسن وجهه ... فبدر الدجى من حسنه يتعجب
فقلت في قصيدةٍ اقتضاها سؤاله:
ومن كان بدر التم يعجب أن رأى ... محاسنه بالبدر كيف يلقب

ومنه ما تكون الإجازة فيه لبيت بأكثر من بيت
روى أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين أن بذلاً الكبيرة جارية عبد الله بن موسى الهادي غنت بين يدي المأمون:
ألا لا أرى شيئاً ألذ من الوعد ... ومن أملٍ فيه وإن كان لا يجدي
فصنع المأمون بيتين بديهاً وقال: زيديهما فيه:
ومن غفلة الواشي إذا ما لقيته ... ومن زورتي أبياتها خالياً وحدي
ومن ضحكةٍ في الملتقى ثم سكتةٍ ... وكلتاهما عندي ألذ من الشهد

وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في الذخيرة
قال: غنى يوماً بيت يدي العالي الإدريسي بمالقة ببيت لعبد الله بن المعتز:
هل ترين البدر يختال ... إن غدت للسير أجمال
فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديهاً:
إنما العالي إمام هدى ... جلبت في عصره الخال
ملك إقبال دولته ... لذوي الأفهام إقبال
قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال

وأخبرني أبو الحسن بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: غنى مغن في بعض المجالس:
أسفي على بان القدود ... ريان أثمر بالنهود
وكان عندنا بالمجلس رجل كبير الأنف، يتطايب، وكان ينعت بالسديد، فأردت العبث به، فقلت بديهاً:
يا مانعي صفو الوصا ... ل وما نحى كدر الصدود
ما ضاقت الدنيا علي وقد حوت أنف السديد

وغنى بعض القوالين يوما
سلام على من لست أرجو وصاله ... وغير الصبا مالي إليه رسول
فأجابه الشهاب بن المجاور بديهاً بقوله:
(1/85)

يراجعني عن خده وهو عاطر ... ويرجع عن عطفيه وهو بليل
وما كنت لولا هجره بمروعٍ ... ولو صدني عنه قناً ونصول
أناهٍ فإني لا أصيخ للائمٍ ... ولو أن حد المشرفي عذول
سأصبر لايدري هواي فينثني ... ولا أنا أرجو عطفه فأقول

وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي كاتب الدست الشريف
قال: أنشدنا مولانا السلطان الملك الكامل - خلد الله ملكه - قول الشاعر:
ترحل من حياتي في يديه ... فيا أسفي ويا شوقي إليه!
واستجاز الجماعة، فقلت:
ومن هذا يكون عليه مثلي ... وهذي الريح أخشاها عليه
وقال الأمير الأجل الكبير صلاح الدين أدام الله توفيقه:
ألا يا ليته إن كان يأتي ... حياتي ثم موتي في يديه

ومنه ما تكون الإجازة فيه لأكثر من بيت؛ ذكر أبو العتاهية
قال: حبسني الرشيد لتركي الشعر، وغلقت على الأبواب، فبقيت دهشا كما يدهش مثلي لتلك الحال، فإذا رجل جالس في جانب السجن، وهو مقيد، فجعلت أنظر إليه ساعة، فتمثل بقوله:
تعودت مر الصبر حتى ألفته ... فأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسى من الناس راجياً ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فقلت له: أعد - أعزك الله - هذين البيتين، فقال لي: ويلك يا أبا العتاهية! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك! دخلت على السجن، فما سلمت تسليم المسلم على المسلم، ولا سألت مسألة الحر للحر، ولا توجعت توجع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضيلة فيك سواه، لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذراً لنفسك في طلبهما! فقلت: يا أخي، إني دهشت من هذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضلاً فقال: أنا والله بالدهش والحيرة أولى منك؛ لأنك حبست على أن تقول الشعر الذي به ارتفعت وبلغت ما بلغت، وإذا قلته أمنت؛ وأنا حبست على أن أدل على ابن رسول صلى الله عليه وسلم؛ ليقتل أو أقتل دونه! والله لا أدل عليه أبداً، والساعة يدعى بي فأقتل، فأينا أحق بالدهش! فقلت: أنت والله أولى،
(1/86)

سلمك الله وكفاك، ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال: إذاً لا أبخل عليك؛ ثم أعاد على البيتين؛ حتى حفظهما، وأجزتهما بقولي:
إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر
ثم سألته عن اسمه؛ فقال: أنا أبو حاضرة داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. قال: فلم نلبث إلا قليلاً حتى سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماءً من جرة كانت عنده، ولبس ثوباً نظيفاً، ودخل الحرس ومعهم الشموع، فأخرجونا جميعاً. وقدم قبلي إلى الرشيد، فسأله عن أحمد بن عيسى، فقال: لا تسألني عنه، وافعل ما بدا لك؛ فلو أنه تحت ثوبي ما كشفت عنه.
فأمر به، فضربت عنقه، ثم قال: أظنك يا إسماعيل ارتعت! فقلت: دون ما رأيت تسيل منه النفوس؛ فقال: ردوه إلى محبسه، فردوني.

وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد
قال: صنع أبو دلف القاسم بن إسماعيل العجلي.
أنا أبو دلف البادي بقافية ... جوابها يعجز الداهي من الغيظ
من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ
فظن أنه لا ثالث لهاتين القافيتين، فصنعت:
قد زدت فيها ولو أمسى أبو دلفٍ ... والنفس قد أشرفت منه على الفيظ
قال علي بن ظافر: تذاكرنا بهذه القطعة فقال بعض الحاضرين: لم يبق رابعه، فصنعت:
أزيد فيها ولو ماتا بغيظهما ... ما ألقت النمل أحياناً من البيظ
وذلك أن كل بيض لطائر أو حيوان فبالضاد إلا بيظ النمل فإنه بالظاء؛ وكل ما يفيض من إناء وغيره فبالضاد إلا فيظ النفس، فإنه بالظاء.
ثم صنع القاضي الأعز بن المؤيد رحمه الله بعد ذلك بديهاً:
ذو الحزم لا يتعدى في فعائله ... ما دام للناس تكوين من البيظ
والبيظ ها هنا: ماء الرجل.
ثم صنع شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين - رحمه الله:
يا سادتي في القوافي قل ما تركوا ... كماتح البئر لم يترك سوى البيط
حازت قوافيكم الظاآت أجمعها ... كمثل ما حيز مح البيظ بالبيظ
لكن مواعيد باديكم أبي دلف ... لا صدق فيها كمثل الآل والبيظ
البيظ في القافية الأولى: بقية الماء في نقرة البئر، وهي الحفرة التي يبقى فيها الماء بعد نزحها، وفي القافية الثانية: قشرة البيض الرقيقة فوق المح وهو الغرقئ، قال زهير:
(1/87)

كأن البيظ لفعه قناعاً ... على الهامات كرات الدهور
وفي القافية الثانية خيال وجه الإنسان في السيف، قال عبيد:
كأن وجوه نسل بني نمير ... مثال البيظ في السيف اليماني
قالوا: وجميعها بالظاء، ولست على يقين من صحة ذلك، وأظن أن صاحب العقد قد وهم في كون قائل البيتين أبا دلف المجلى، فإن أبا دلف أفضل وأفصح وأعلم وأشرف من أن يقع في مثل هذا، وأظن قائلهما أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي الوالي، كان بالبصرة للمقتدر بالله سنة خمس وثلثمائة وهذا كله إنما وقع في المختصرات، وأما الأمهات فلم تذكر فيها إلا القوافي الثلاث الأول

وبالإسناد المتقدم ذكره
ذكر صاحب اليتيمة أن الصاحب أمر أبا محمد الحسن بن محمد البروجردي بإجازة هذين البيتين:
يا نسيم الريح من بلدي ... خبري بالله كيف هم
ليس لي صبر ولا جلد ... ليت شعري كيف صبرهم!
فقال:
ولسان الدمع يشهد لي ... وهو ممن ليس يتهم

وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المقدسي إجازة
قال: أنبأني الشيخ أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: أخبرني أبو الوليد الحسين بن محمد الكاتب المعروف بابن الفراء، قال: حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القسطلي - يعني ابن دراج - وأبو عبد الله المتيطي، فغنى المتيطي:
مروع منك كل يوم ... محتمل فيك كل لوم
يا غايتي في المنى وسؤلي ... ملكت رقي بغير سوم
فأعجبنا بهذين البيتين، فقال أبو عمر: أنا أضيف إليهما ثالثاً لا يتأخر عنهما، ثم قال:
تركت قلبي بغير صبرٍ ... فيك وعيني بغير نوم

وذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة
أن المعتمد بن عباد غنى بين يديه يقول ابن المعتز:
وحمارةٍ من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها سائلا
وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهباً سائلا
فأجازهما بديهاً بقوله:
وقلنا خذي جوهراً ثابتاً ... فقالت خذوا عرضاً زائلا

ونقلت من خط عبد الجليل بن عبد المحسن الكتامي الشاعر الأسيوطي
قال:
(1/88)

غنى لنا يوماً بعض القوالين هذين البيتين، وهما لأبي العلاء الأسدي من شعراء اليتيمة:
لا لعمري ما أنصفوا حين بانوا ... حلفوا لي ألا يخونوا فخانوا
شتتوا بالفراق شمل اتصالي ... جمع الله شملهم أين كانوا
قال: فأجزتهما بقولي بديهاً:
أنا ممن يدبن في الرجعة الآ ... ن تراهم بمذهب الصب دانوا

قال علي بن ظافر
ومما هو من هذا الباب إلا أن الإجازة فيه لسد فرجة بين البيتين ما ذكره صاحب المقتبس من أن أبا الحسن زرياباً المغني مولى المهدي المرواني غنى يوماً بين يدي الأمير عبد الرحمن الداخل ملك الأندلس بهذين البيتين:
قالت ظلوم سمية الظلم: ... مالي رأيتك ناحل الجسم!
يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم
فقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يوصلهما لكان أبدع، فقال عبد الحمن بن قزمان بديها:
فأجبتها والدمع منحدر ... مثل الجمان هوى من النظم
فاستحسنه وأمر له بجائزة.

ومما يجري مجرى الطرف
ما أخبرني به الأديب أبو القاسم ابن نفطويه، أنه جلس أيام اشتغاله على الشيخ الأستاذ العلامة أبي محمد بن بري مع جماعة من تلامذته، فتذاكروا ما يعانيه الشيخ من بلادة بعض طلبته - وهو رجل كرهت ذكره مع فرط اعتنائه بتعليمه وشدة عنائه في تفهيمه - فأنشد أحدهم قول أبي العباس المبرد:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب
لو قرأ النحو على الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
قال: فقلت ارتجالا:
قد عذب الله به شيخنا ... في هذه الدنيا بلا ذنب
فضحك الجماعة واستطرفوا البيت.

ومنه ما تكون الإجازة فيه بأكثر من بيت لأكثر من بيت
فمن ذلك ما ذكره إسحاق الموصلي قال: أنشدني شداد بن عقبة لجميل:
بثين سليني بعض مالي فإنه ... يبين عند المال كل بخيل
(1/89)

وإني وتكراري الزيارة نحوكملبين يدي هجربثينطويل
قال: فقلت لشداد: أفلا أزيدك فيهما؟ قال: بلى، فقلت مسرعاً:
ألا ليت شعري هل تقولين بعدنا ... إذ نحن أجمعنا غداً لرحيل:
ألا ليت أياماً مضين رواجع ... وليت النوى قد ساعفت بجميل!
فقال: أحسنت - والله - إن لهو الشعر الضائع، فقلت: وكيف؟ قال: نفيته عن نفسك بتسميتك جميلاً فيه، ولم يلق برتبة شعر جميل، فضاع بينكما جميعاً.

أنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي والفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة
قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي سماعاً عليه، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، أخبرني أبو عبد الله محمد بن عثمان الخرقي الفارقي الحنبلي التميمي قال: كنت بالرملة سنة ثلثمائة وخمس وستين، وقد ورد إليها القرمطي أبو علي القصير الثياب، فاستدناني منه، وقربني إلى خدمته، فكنت ليلة عنده إذ حضر الفراشون بالشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم - وكان كاتبه -: يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال أبو علي في الحال بديهاً:
ومجدولةٍ مثل صدر القتاة ... تعرت وباطنها مكتس
لها مقلة هي روح لها ... وتاج على الرأس كالبرنس
إذا غازلتها الصبا حركت ... لساناً من الذهب الأملس
وإن رنقت لنعاسٍ عرا ... وقطعت من الرأس لم تنعس
وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياءً يجلي دجا الحندس
فنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النار في أنحس
تكيد الظلام وما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس
فقام أبو نصر بن كشاجم، وقبل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له في إجازة الأبيات فأذن له فقال:
وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس
فيا ربة العود غني لنا ... ويا حامل الكأس لا تجلس
فتقدم بأن يخلع عليه، وحملت إليه صلة سنية، وإلى كل من الحاضرين.

وأخبرني الأمير شمس الدولة عبد الرحمن بن محمد بن ورشد بن علي بن منقذ بن نصر بن
(1/90)

منقذ رحمه الله تعالى
قال: جرت بيني وبين القاضي المهذب أبي محمد الحسن بن علي بن الزبير مفاوضة في قول الشعر بديهاً، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بدار الوزارة بالقاهرة؛ قال: كنت في مبدأ عمري أملي الشعر إملاء - كالمحفوظ - على من يكتبه، فربما سبقته بالإملاء ول أتوقف. فجعلت أتعجب من قوله تعجباً يظهر منه الاستعباد، فقال: وكأنك تستصعب هذا! إنما الصعب أن تقترح على الشاعر العمل في معنى مخصوص على قافية شاذة في وزن معين، وإن أردت أن تقف على حقيقة ما قلته ليزول عنك الشك وتدركه بالرؤية لا بالرواية، فأنشدني ما أعمل لك عليه، قال: فأنشدته من شعر الحماسة:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... لقاء عدو أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا ... ولن يظهروا ما قد أجن ضميري
فأنشد مبادراً كأنه يحفظ ما ينشده:
صبرت على جور الزمان وصرفه ... وإن كنت يوم البين غير صبور
وإن الذي يبغى اعتلاقاً بودها ... لمستمسك منها بحبل غرور
أرى الناس قد فكوا العناة تحرجاً ... فهل لك يوماً في فكاك أسير!
إذا أظلمت أيامنا من صدودكم ... جلوتم بدوراً في ظلام شعور
ولم أر فيمن أستعين به سوى ... عذولٍ فمن لي فيكم بعذير
وإن ظباء الوحش تحسب منكم ... بحسن نفورٍ عندها ونحور
وما كنت ممن يصبح الحب قادراً ... عليه ولكن ذاك فعل قدير
قال الأمير: فجننت استحساناً لما أتى به وتعجباً من سرعته؛ فقال: أنشدني غير هذا لئلا تقول إنه محفوظ لي، تحرجاً من ذلك، فأبى إلا أن أنشد فأنشده:
وما فارقت لبني عن تقالٍ ... ولكن شقوة بلغت مداها
فاسترسل مع آخر إنشادي قائلاً:
وكل مني النفوس إلى انقطاعٍ ... إذا بلغت لعمرك منتهاها
أناديها وليس تجيب قولي ... كأني قد دعوت بها سواها
سألقى دونها نبل الأعادي ... وأرمي منهم من قد رماها
وأصبر للتجني كل يومٍ ... وما أنا الصبور على قلاها
سلاها حين مال القلب عنها ... ولم يعلق سواها، هل سلاها!
(1/91)

ومن هذا الذي عني حماها ... على قربٍ ولم يدخل حماها
وضنت بالسلام على بخلاً ... وقد ضمنت لطارقها قراها
وعين حل فيها السحر لما ... أحلت في نواظرها قذاها
غدا الإعراض حظ مؤمليها ... وأمسى اليأس غاية من رجاها
أود ومهجتي في راحتيها ... مدى الأيام لو جعلت فداها
قال الأمير: وحين انتهى إلى هذا الحد، ورأيت شدة تجمعه وفرط تحفزه، وما يعانيه في إحضار ذهنه، قطعته إشفاقاً عليه.

ومما وقع من هذا الباب وكانت الإجازة في وسط الشعر صلةً لمعنى منقطع
ما أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني، قال: أنشد والدي الشيخ أبو الحسن علي بن محمد اليحصبي القرموني قول ابن الرومي:
شهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب
خفت العذاب فصمته ... فوقعت في نفس العذاب
فقال: هذان البيتان منقطعان، ويحتاجان إلى ما يصل بينهما. فقال بديهاً:
اليوم فيه كأنه ... من طوله يوم الحساب
والليل فيه كأنه ... ليل التواصل والعتاب

الباب الثالث
في بدائع بدائه التمليط
التمليط هو أن يجتمع شاعران فصاعداً على تجريد أفكارهم، وتجريب خواطرهم في العمل في معنى واحد.
وأما اشتقاقه فذكر ابن رشيقٍ أنه من أحد شيئين؛ إما أن يكون من الملاطين؛ وهما جانبا السنام في مرد الكتفين؛ قال جرير:
ظللن حوالي خدر أسماء وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
فكأن كل قسيم أو بيت ملاط، أي جانب من البيت أو القطعة.
والآخر أن يكون من الملاط، وهو الطين يدخل في البناء، ويملط به الحائط تمليطاً، أي يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً.
وأما الملط؛ وهو الذي لا يبالي ما صنع، والأملط؛ وهو الذي لا شعر له في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.
قال علي بن ظافر: فمن التمليط ما يكون بين شاعرين؛ ومنه ما يكون بين شعراء، ومنه ما يكون بقسيمٍ لقسيمٍ، ومنه ما يكون بيت لبيت، ومنه ما يكون ببيتين لبيتين.
والفرق بينه وبين الإجازة أن التمليط يتفق فيه الشعراء قبل العمل على العمل، أو يندبون لذلك،
(1/92)

وتتكرر منهم المناوبة؛ وهذا ليس من شروط الإجازة.

فمما وقع من التمليط بين شاعرين بقسيم لقسيم وهذا النوع يسمى المماتنة
ما أنبأني به الشيخان تاج الدين الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، قال أخبرنا محمد بن طاووس، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسن بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبو عدنان البصري، حدثني الصامت بن مخبل اليشكري سنة إحدى وتسعين ومائة؛ وأخبرني به أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: أقبل امرؤ القيس حتى لقي التوءم اليشكري - وكان اسمه الحارث بن قتادة، ويكنى أبا شريح فقال امرؤ القيس: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول، فقال امرؤ القيس:
أحار ترى بريقاً هب وهناً
فقال التوءم:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرقت له ونام أبو شريح
فقال التوءم:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
كأن حنينه والرعد فيه
فقال التوءم:
عشار وله لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك ببطن الأرض ظبياً
فقال التوءم:
ولم يترك بجلهتها حمارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا لقفاً أضاحٍ
فقال التوءم:
وهت أعجاز ريقه فحارا
فقال امرؤ القيس: لا أتعنت على أحد بعد ذلك بالشعر، فقيل إنه عز على ابن حجرٍ مماتنته ومساواته له، وآلى ألا ينازع شاعراً أبداً. وكان أبو عبيدة يقول: هي محمولة عليه.

وروى ابن الكلبي عن أبيه
قال: حدثني شيخ من بني زياد بن عبد المدان - وكان عالماً بقومه - قال: نشأ غلام من بني جنب يقال له رفاعة، ويقال له المحترش، فنبغ في الشعر وماتن شعراء قومه حتى أبر عليهم، فلما وثق من نفسه بذلك قال لأبيه: لأخرجن في قبائل اليمن، فإن وجدت أحداً يماتنني رجعت إلى بلادي، وإن لم أصادف من يماتنني تقريت قبائل العرب. فنزل بصرم من بني فهد والحي خلوف، فأتى حجرة عن جنب الحواء، فإذا عجوز حيزبون قد أقبلت معتمة تتوكأ على محجن فقالت: عم ظلاماً، فقال: نعم ظلامك، فقالت: ممن الرجل؟ قال: فقلت: من مذجج، قالت: من أيهم؟ قلت: من جنب. قالت: أضيف أنت؟ فقلت: نعم، قالت: فلا حملك الله، ما عدوت أن بخلتنا، وأسأت أحدوثتنا. ثم أثارت ناقتي وكنتها في خبائها،
(1/93)

وأمرت وليدة لها فجاءت بعتودٍ يمرح في إهابه سمناً ومدية، وقالت: اذبح أيها الرجل. واعتجنت وامتلت وطبخت، وقربت طعاماً، وجلست أنا وهي والوليدة: فلما تعشينا قالت: ما رمى بك إلى هذه البلاد؟ فأخبرتها خبري، فضحكت وقالت: بت فسأجيئك غداً بعشر خرائد تماتنك دون الرجال، فإن غلبت فارجع إلى بلادك، واعلم أنك ترمي من مرام، فبت فلما أصبحنا إذا العجوز قد أقبلت، ومعها ثلاث فتيات كالمهرات، فابتدرن إلى الحجرة، وأقبلت العجوز فحيتني، وسألتني عن مبيتي، ثم أومأت إلى إحداهن، فأقبلت كالعيدانة يميلها الصبا، فقالت: أنت المتحدي بالمماتنة؟ فقلت: نعم، فقالت: قل أسمع، فقلت:
سوام تداءت سومها وعجافها
فقالت:
حوامل أثقالٍ تنوء فترزح
فقلت:
إذا أيهت في حجرتيها رعاؤها
فقالت:
سمت فرق منها شوامر لقح
فقلت:
نواء تداعى بالجنين عشارها
فقالت:
فتبرح ناراُ أو تبيت فتسنح
فقلت:
إذا وصلت أرضاً سقتها بدرها
فقالت:
أفاويق رسل محصنة لا تضيح
فقلت:
إذا انسفحت أخلافها خلت ما جرى
فقالت:
على الأرض منه لجة تتضحضح
فقلت: أمطلقة أم ذات بعل؟ فقالت:
عقال لعمر الله لو شئت بتهشرادى ولكن التكرم أجدر
فقمت إلى راحلتي، فقالت العجوز: رويت أم أحلب لك أخرى؟ فقلت: أروتني الأولى، فقالت: الحق الآن بأرضك.
فخرجت أريد لرجوع إلى قومي، فأبى بي اللجاج إلا قصد ما خرجت إليه، فدفعت إلى صرم من جرم، فإذا صبيان على غدير يرتجزون، فدعوت غلاماً منهم من أبشرهم. فقلت: يا غلام! هل في صرمكم من يماتنني؟ فإني قد برزت على شعراء العرب، فقال: أنا. فقلت: أنت أيها الفصيل! فقال: قل ودع عنك ما لا يجدي، فقلت:
أوابد كالجزع الظفاري أربع
فقال:
حماهن جون الطرتين مولع
فقلت:
يرود بهن الروض في الأمن جاره
فقال:
وأحلى لهن المنتضى والمودع
فقلت:
فلما اشتكت أمات قردانه السفا
فقال:
وحب على البيد السفير الممذع
فقلت:
وشبت على الأكابد نار من الصدى فقال:
تظل لنا بين الحيازيم تسفع
فقلت: أولى لك! وامتطيت راحلتي، حتى دفعت إلى شيخ يرعى غنيماتٍ له، فاستقريته، فقام مبادراً إلى قعب له، فاحتلب ما كان في ضروعهن، ثم جاءني به، فشربت، فلما
(1/94)

اطمأننت قال: ما رمى بك إلى هذا القطر؟ فأخبرته، وكتمت ما لاقيت. فكشر وصاح بغلمةٍ يرعون قريباً منه، فأقبل غلام منهم، فقال: ادع عشرقة. فما لبث أن أقبلت جويرية عجفاء كأنها وبيلة خيسفوج، حتى وقفت بين يديه. فقال: إن ابن عمك هذا خرج من بلاده يتحدى بالمماتنة، فهل عندك شيء؟ فقالت: قل أيها المتحدي - وإنها لتقلب عينيها كعيني الأرقم - فقلت:
فما بسرة زرقاء في ظل صخرةٍ
فقالت:
ذخيرة غراء الذرى جونة النضد
فقلت:
نفى سيلان الريح عن متنها القذى
فقالت:
وذادت غصون الأيك عن متنها الوقد
فقلت:
سياب مجاج أخلص الدبر أريه
فقالت:
بصهباء صرفٍ جيب عن صفوها الزبد
فتركت ما قصدت له، وملت إلى وجهة أخرى ووصفت ناقة، فضحكت وقالت: أغوصت، فقلت:
إذا انشنج الحرباء في رأس عوده
فقالت:
وألجأ أم الحسل في مائها الصخد
فقلت:
أثارت بموماتين تحت حجاجها
فقالت:
حوانك أشباهٍ كرانية الجلد
قال: فرحت وآليت ألا أماتن أحداً ما عشت.
تفسير ما في الكلام والشعر العتود: الجذع من الغنم أو فوق ذلك.
والعيدانة: النخلة الطويلة، قال الشاعر:
وإذا مشين مشين غير جوارب ... هز الجنوب نواعم العيدان
والشوامر: التي قد شالت بأذيالها، أي رفعها.
والنواء: السمان، الواحدة ناوية، قال الشاعر:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
والبارح: الذي يمر ومياسره عن مياسرك، والسامح: الذي يمر وميامنه عن ميامنك، وأهل نجد يتيامنون بالسامح، ويتشاءمون بالبارح، وأهل الحجاز يخالفونهم في ذلك.
وأفاويق: جمع فواق، ويمكن أن يكون جمع فيقة، وهي السكتة بين المطرتين، والسكتة بين الحلبتين، قال:
حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... جاءت لترضع شق النفس لو رضعا
والضيح: اللبن الذي صب فيه ماء، وكذلك المذق، قال الراجز:
فامتضحا وسقياني ضيحاً ... فقد كفيت صاحبي الميحا
وانسفحت: انصبت، وبه سمي السفاح التغلبي؛ لأنه سفح ماء أصحابه وقال: لا ماء
(1/95)

لكم دون الكلاب. قال:
وأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا
الجبا: الماء بعينه، والجبا: الحوض أيضاً.
والضحضاح: الماء القليل يضطرب على وجه الأرض.
والخيسفوج: القطوف والخشب اليابس.

ومن ذلك ما رواه أبو عزبة
قال: أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع، فلحق الربيع بن أبي الحقيق نازلاً من أطمه، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقاً عظيمة، فحاصت بالنابغة ناقته. فقال:
كادت تهلل من الأصوات راحلتي
ثم قال: يا ربيع أجز. فقال:
والنفر منها إذا ما أوجست حلق
فقال: ما رأيت كاليوم شعراً! ثم قال: أجز:
لولا أنهنهها بالزجر لاجتذبت
فقال:
متى الزمام وإني راكب لبق
فقال النابغة:
قد ملت الحبس في الآطام واشتعفت
فقال:
إلى مناهلها لو أنها طلق
فقال النابغة: يا ربيع أنت أشعر الناس.

ومن ذلك ما رواه إبراهيم بن المدبر
عن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: وحدثني به دعبل أيضاً - وكانا متفقين - قال: كنا نطلب جميعاً بالشعر، فخرجنا سنة وكانت محلاً، فابتدأت أقول في المطلب ابن عبد الله:
أمطلب أنت مستعذب
فقال دعبل:
لسمر المنايا ومستقبل
فقلت:
فإن أشف منك تكن سبة
فقال دعبل: وإن أعف عنك فما تفعل

وقد ذكر الصولي في كتاب الوزراء
قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: قدم أعرابي اسمه عتبة يقول الشعر، وكان ظريفاً من الأعراب، فضمه الحسن بن وهب إليه، فاجتمع الحسن يوماً وإبراهيم بن العباس، فقال لهما عتبة هذا: إن كنتما تقولان الشعر بالعجلة، فاهجواني، فقال الحسن:
لمن طلل في رأس عتبة مقمل
فقال إبراهيم:
عفته رياح الصفع تعلو وتسفل
فقال الحسن:
شكا ما يلاقيه من الصفع رأسه
فقال إبراهيم:
تناوبه منه جنوب وشمأل
فقال الأعرابي: والله لئن لم تمسكا لأخرجن من البلد.

وذكر الصابي في كتاب الوزراء والكتاب
قال: روى أبو الفتح منصور بن محمد بن المقتدر الأصفهاني، قال: كان أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصفهان وأعيانهم
(1/96)

ورؤسائهم؛ فحدثني أنه رأى في منامه قائلاً يقول له: لم لم ترث الصاحب بن عباد، مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة فضائله، فلم أدر بما أبدأ منها! وخفت أن أقصر، وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقول، قلت: قل، قال:
ثوى الجود والكافي معاً في حفيرةٍ
فقلت:
ليأنس كل منهما بأخيه
فقال:
هما اصطحبا حيين ثم تعانقا
فقلت: ضجيعين في قبر بباب دريه فقال:
إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم
فقلت:
أقاما إلى يوم القيامة فيه
وباب دريه، المحلة التي فيها تربته، وهي ما يستقبل المسافر من أصفهان إذا توجه من الري.

ومن ذلك
ما أخبرنا به أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه المسمى الحديقة قال: أخبرني محمد بن حبيب القلانسي الشاعر، قال: حضرنا ليلة بمجلس السلطان أبي يحيى تميم بن المعز بن باديس، فالتفت حميد بن سعيد الشاعر إلى مملوكين من مماليكه قد جمعا بين رأسيهما متناجين، فقال لي: ملط:
انظر إلى اللمتين قد حكتا
فقلت:
جنحي ظلامٍ على صباحين
فقال:
فاعجب لغصنين كلما انعطفا
فقلت:
ماسا من اللين في وشاحين
فقال:
ظبيان يحمى حماها أسد
فقلت:
لولا كانا لنا متاحين
فقال:
فلو تدانيت منهما لدنت
فقلت:
مني في الحين أسهم الحين
ومن ذلك
ما روى أن المعتمد بن عباد ركب في يوم قاصداً الجامع، والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن، فقال المعتمد:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال المعتمد:
طوبى له من شاهدٍ بحقيقةٍ
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه

أخبرني الفقيه الأجل السعيد أبو الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف بالإسكندرية
قال: أخبرني الأديب المعروف بابن رزين، قال: أخبرني عبد الجبار بن حمديس الصقلي، قال: أقمت بإشبيلية لما قدمتها وافداً على المعتمد بن عباد مدةً لا يلتفت إلى، ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي، مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي؛ فإني لكذلك ليلةً من الليالي في منزلي، إذ أتاني غلام، ومعه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبةٍ فنل، وقال لي: افتح الطاق الذي يليك، ففتحته فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحها تارةً، ويسدهما أخرى، ثم أدام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: ملط:
انظرهما في الظلام قد نجما
فقلت:
كما رنا في الدجنة الأسد
(1/97)

فقال:
يفتح عينيه ثم يطبقها
فقلت:
فعل امرئ في جفونه رمد
فقال:
فابتزه الدهر نور واحدةٍ
فقلت:
وهل نجا من صروفه أحد!
فاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته.

وأخبرني رجل من التجار بمصر يعرف بأبي الفضل ابن فتوح المصري
قال: سكنت بدار في الخطة المعروفة بدويرة خلف، فرأيت جميع جدران المنزل مكتوبةً بأخبار بديعة، وأشعار مستحسنة السبك، ووجدت في جملتها: لما دخلت بجاية عند عبوري، اجتزت في بعض الأيام بصديق لي من المعلمين وهو في مكتبه، وصبيانه قد حفوا به، فأحضر صبياً منهم، وقال لي: اختبره فإنه يقول الشعر الجيد، فقلت له: أجز:
وشادنٍ ذي شطاط
فقال:
حجي له ورباطي
فقلت:
موكل بضميري
فقال:
معلق بنياطي
فعجبت من سرعة بديهته مع صغر سنه، ثم تمادى الأمر، فاشتهر بقول الشعر، فنمي إلى السلطان تميم بن المعز أنه هجاه، وأنه قال فيه:
بلد مظلم وملك ظلوم ... وهما فيح حمةً وتميم
هو فيها كمالك والمقيمو ... ن بها المجرمون وهي الجحيم
فاستحضره السلطان، واستخبره عما قال فيه، فأنكره وقال: إنما قلت:
عرجا بي فذا مناخ كريم ... هذه حمنة وهذا تميم
هذه الجنة التي وعد الل ... هـ وهذا صراطه المستقيم
فاستظرفه تميم واستلطفه وأكرمه ثم صرفه.
قال المخبر بهذه الحكاية: ثم تقصيت عن المنزل، فقيا لي: إنه كان منزل أبي الصلت حين قدومه إلى مصر.

قرأت في بعض المجاميع أن شاعراً من أهل تنس من بلاد إفريقية
قصد المعتمد على الله بن عباد؛ وهو بسبته أيام جوازه للقاء أمير المؤمنين ابن تاشفين للاستنجاد به، فوصف له، فحضر، فأنشده، فقال: هذا يصلح لمنادمتنا الليلة، وأمر بإمساكه، فسقى، وجرى في المجلس حديث فرس أدهم كان مشهوراً بالأندلس، وعزيز المحل عند المعتمد.
واتفق أن الرجل سكر ونام، فخرج منه ريح بصوت شديد؛ فقال المعتمد ارتجالاً:
فيا عجباً من ضعيف القوى ... تزلزلت الأرض من ضرطته
ثم قال لندمائه: لا يشعره أحد بما جرى، واستيقظ الرجل فقال كالمعتذر من نومه: إن هذا النوم سلطان؛ فقال بعض الندماء الحاضرين: صدقت، قد سمعنا طبله؛ فجعل الرجل يقول: رأيت في منامي كأن السلطان أعزه الله قد حملني على فرس
(1/98)

أدهم؛ من صفته كذا ومن صفته كذا؛ فقال المعتمد: صدقت، قد سمعنا تحتك صهيله، ثم قال المعتمد: قولوا في هذا شيئاً؛ فقال بعض الحاضرين:
وضرطةٍ كالجرس
فقال المعتمد:
أو كصهيل الفرس
فقال الشاعر: أفلتها صاحبنا فقال المعتمد:
عند انصرام الغلس
فقال الشاعر:
سمعتها من سبتةٍ
فقال المعتمد:
وأصلها من تنس

وأخبرني الأديب أبو عبد الله محمد التوزورى
قال: حدثني الشيخ الباغاني النحوي قال: تذاكرت مع الشيخ الزاهد اليشكري رضي الله عنه أمر أبي الهيثم الشاعر، فقال: اجتمعت به ليلةً، وكان نديمنا فيها فتى رامياً وضئ الوجه، فقلت له مستخبراً قريحته، وسالكاً به من التصنع غير مذهب: أجز ما أقول:
نشبت نشائب حب هذا الناشب
فقال:
بحشىً حشاه نار وجدٍ غالب
فقلت:
تصمى رمايته القلوب كأنما
فقال:
يرمى الورى عن قوس ذاك الحاجب
قال الشيخ أبو الفضل: فقلت: إنما تظهر القرائح في التشبيه، ونظرت إلى السماء، فإذا الجوزاء متوسطة، فقلت:
وكأنما الجوزاء في وسط السما
فقال:
در تنائر من قلادة كاعب
قال الشيخ أبو الفضل: ومررت به يوماً وهو مطرق يفكر، فقلت:
أراك تصنع شعرا
فقال:
نعم لحبي بدرا
فقلت:
قد حار وصفي فيه
فقال:
فتركي الوصف أخرى
فقلت:
هذا على أن شعرى
فقال:
من عاصف الريح أجرى

وأخبرني العماد أبو حامد
قال: روى السمعاني في تاريخه عن محمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسين البندنيجي أنه قال: سمعت والدي يقول: سمعت عم والدي أبا سعيد ن عقيل بن الحسين يقول: أتاني آت في المنام، فقال: هل لك أن تمصرع وأتمم، أو تتمم وأمصرع؟ فقلت: لا، بل أمصرع وتتمم. فقال لي: ياعيار، هربت من القافية، ولكن قل، فقلت:
هل عندكم رحمة يرجو عواطفها
فقال:
صب تشكت إلى الشكوى جوارحه
فقلت:
أغلقتم كل باب في مودته
فقال:
وفي يدى ظبيكم كانت مفاتحه
فقلت:
ما أمسكت قلبه إذ لم يطر جزعاً
فقال:
من فرط حر الجوي إلا جوانحه
ثم استيقظت.

وأخبرني القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد رحمه الله
قال: أخبرني والدي، قال: كان الصالح طلائع بن رزيك الوزير لا يزال يحضر
(1/99)

مجلسه في ليالي الجمع جلساؤه وبعض أمرائه لسماع قراءة مسلم والبخاري وأمثالهما من كتب الحديث، وكان الذي يقرأ رجلاً أبخر، فلعهدي به، وقد حضر المجلس مع الأمير على بن الزبير والقاضي الجليس أبي محمد عبد العزيز ابن الحباب وقد أمال وجهه إلى القاضي المهذب بن الزبير، وقال له:
وأبخر قلت: لاتجلس بجنبي
فقال الأمير:
إذا قابلت بالليل البخاري
فقال الجليس: ولم؟ فبدره المهذب فقال:
فقلت وقد سئلت بلا احتشامٍ: لأنك دائماً من فيك خارى

قال علي بن ظافر
أخبرني أيضاً هو وشهاب الدين يعقوب المقدم ذكره بما هذا معناه: قالا: جلسنا في الأيام لاجتناء زهر المحادثة، واقتناء دور المنافقة، فسمعنا صوت شبابة تذكر الأشيب الهرم زمان الشبيبة، وتحرك من الخرف الهم غزله وتشبيبه، وصوتها أشجى من أنين المشتاق لفرط الأشواق، وأرق من نوح العشاق عند عزم الفريق على الفراق؛ فقال شهاب الدين:
وشبابةٍ شبت لظى الشوق في قلبي
فقال الأعز:
تذكرني عهد الصبابة والحب
فقال شهاب الدين:
حبتني على بعدٍ بترجيعها الهوى
فقال الأعز:
فأحيت فؤادي المسهام على قرب

وأخبرني الشهاب قلب
انفردت ببوصير يوماً بالفقيه رضى الدين أبي إسحاق بن عبد الباري رحمه الله، وكنا خرجنا إليها في خدمة الوزير نجم الدين رحمه الله - وكان قد مضى إليها متنزهاً؛ فجلس إلينا غلام من أولاد بعض الرؤساء الذين كانوا في خدمته، حسن الوجه، ثم انصرف، فقال الرضى:
لله يوم مضى ببوصير
فقلت:
والعيش صفو بغير تكدير
فقال:
نديمنا فيه شادن غنج
فقلت: مكتحل جفنه بتفتير

قال علي بن ظافر
ووجدت يوماً بالجامع الأنور بالقاهرة لانتظار الجمعة، وكان يجلس بالقرب من مكاننا صبي وضئ، نهب وجهه وشعره من البدر نوره، ومن الليل ديجوره، واغتصب طرفه وعطفه من الظبي كحله، ومن الغصن تميله، ينعت بالشمس، فتأخر حضوره يوماً، فتعاطينا القول في غيبته، فقلت:
أفدي الذي غاب فغاب السرور
فقال الشهاب:
واتسع الهم بضيق الصدور
فقلت:
وأظلم الأنوار من بعده
فقال الشهاب:
(1/100)

وليس بعد الشمس للأفق نور

واتفق لي أني اجتمعت مع القاضي أبي الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء مصر
فأنشدهم قول مؤيد الدين الطفرائي في الهلال:
قوموا إلي لذاتكم يا نيام ... وأترعوا الكأس بصفو المدام
هذا هلال العيد قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر الصيام
فقال المذكور: لو شبهه بمنجل ذهب يحصد نرجس النجوم لكان أولى، ثم قال نظماً:
انظر إلى حسن هلالٍ بدا
فقلت:
يذهب من أنواره حندسا
فقال:
كمنجلٍ قد صيغ من عسجدٍ
قلت:
يحصد من شهب الدجى نرجسا
ثم زدت على هذا المعنى زيادتين بديعتين، يدركهما الناقد البصير، فقلت:
أما ترى الهلال يخفى أنجم ... الأفق بنور وجهه الوسيم
كمنجل من ذهبٍ يحصد من ... روض الظلام نرجس النجوم
ثم ولدت منه معنىً آخر ذكرته بعد هاتين القطعتين في كتاب التنبيهات وعجائب التشبيهات.

ومن التمليط الواقع بين شاعرين ببيت لبيت ويسمى هذا النوع الإنفاذ
ما ذكره أبو الفرج برواية تتصل بحماد الراوية، قال: تحرك كعب بن زهير يقول الشعر، فنهاه زهير مخافة أن يكون لم يستمكن شعره، فيروى له ما لا خير فيه، فكان يضربه في ذلك فيغلبه، فلما طال عليه أخذه فحبسه، ثم قال: والذي أحلف به لا يبلغني أنك قلت بيتاً إلا نكلت بك؛ فبلغه أنه يقول، فضربه ضرباً مبرحاً، ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فزعاً، ثم روح عشيةً، وهو يرتجز:
كأنما أحدو ببهمي عيراً ... من القرى موقرة شعيرا
فغضب زهير، فركب ناقته وأردفه، وهو يريد أن يعنته ليعلم ما عنده من الشعر، فقال زهير حين برز من الحي منشداً:
وإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصالٍ صرومٍ وتعنق
ثم ضرب كعباً، وقال: أجز يا لكع، فقال:
كبنيانة القرئى موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق
فقال زهير:
على لاحبٍ مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزاً من الأرض مهرق
(1/101)

ثم ضربه وقال أجز، فقال:
منير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق
قال: ثم بدأ زهير في وصف النعام، وترك حركة القاف يتعسفه بذلك ليعلم ما عنده، فقال:
وظل بوعساء الكثيب كأنه ... خباء على صقبي بوانٍ مروق
بوان عمود من أعمدة البيت، فقال كعب:
تراخى به حب الضحاء وقد أرى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق
فقال زهير:
تحن إلى مثل الحبابير جثمٍ ... لدى منتجٍ من قيضها المتفلق
الحبابير: جمع حبارى ويجمع أيضاً على حباريات، فقال كعب:
تحطم عنها قيضها عن خراطمٍ ... وعن حدقٍ كالنبخ لم يتفتق
النبخ: الجدري؛ شبه عيون أولاد النعام به.
قال: فأخذ زهير بيده وقال: قد أذنت لك في قول الشعر يا بني؛ فلما نزل وانتهى إلى أهله قال قصيدته وهو صغير يومئذ، وهي أول شعر روي له:
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع ... بعرض أبيه في المعاشر ينفق

ومن ذلك ما أنبأني به الشيخان
الشيخ الأجل العلامة تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين الحرستاني، قالا: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو العز بن باديس، أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، أنبأنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد بن المعدل بن سويد، أنبأنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي، أنبأنا دعبل بن ذكوان، أخبرنا الثوري، عن الأصمعي، عن ابن أبي طرفة، قال: جلس حسان بن ثابت ليلةً ومعه ابنته ليلى، فجعل يريد شعراً يقوله، فقال:
متاريك أدبار الأمور إذا اعترت ... تركنا الفروع واجتثثنا أصولها
ثم أجعل يريد الزيادة فلم يقدر، فقالت له ابنته: كأنك قد أجبلت! قال: نعم، قالت: أفأجيز عنك؟ قال: نعم، فقالت:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها
فحمي حسان، فقال:
(1/102)

وقافية مثل السنان رزينةٍ ... تناولت من جو السماء نزولها
فقالت:
يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال: والله لا قلت بيت شعر ما دمت حية. قالت: أو أؤمنك؟ قال: فذاك، قالت: فأنت آمن أن أقول بيت شعر ما بقيت!

وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب
أن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة - رضي الله تعالى عنها - والحجاب بينهما وبينها، يحدثانها ويسألانها، فجرى الحديث بين مروان وابن الزبير ساعةً وعائشة تسمع، فقال مروان:
فمن يشأ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع
فقال ابن الزبير:
ففوض إلى اله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين أدافع
فقال مروان:
وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... فلا يستوي قلبان: قاسٍ وخاشع
فقال ابن الزبير:
ولا يستوي عبدان، هذا مكذب ... عتل لأرحام العشيرة قاطع
فقال مروان:
وعبد يجافي جنبة عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو خاشع
فقال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع
فسكت ابن الزبير ولم يجب، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا عبد الله، مالك لم تجب صاحبك! فوالله ما سمعت تجادل رجلين تجادلاً في نحو ما تجادلتما فيه، أعجب إلى من تجادلكما؛ فقال ابن الزبير: إني خفت عوار القول فكففت، فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إن لمروان إرثاً في الشعر ليس لك من قبل صفوان بن المحرث الكناني - وكانت أم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان.

وروى أبو عبد الله الجماز
قال: كنت أنا وأبو نواس جالسين عند باب عثمان، إذ مر بنا أحمد بن عبد الوهاب الثقفي - وهو غلام حسن - فقال له أبو نواس: قبلني قبلة، فقال: لا، حتى
(1/103)

تقول في شيئاً، فقال:
حبك يا أحمد أضناني ... يا قمراً في زي إنسان
فقبله، فقلت: وأنا فما شأني؟ فقال: حتى تقول في، فقلت:
بذلت للأول ما يشتهي ... فجد أبا العباس للثاني
فقبلني، فقال أبو نواس: وهذا بيت يكون عندك ديناً، وأنشد:
يا وردةً أعجلها قاطف ... مرت بنا في باب عثمان

وذكر الأصبهاني في كتاب الأغاني
قال: دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي وهي تبكي، وقد كان سيدها ضربها، فأومأ إليه الناطفي أن يحركها بشئ، فقال:
عنان لو جدت يا مناي بما ... آمل لم تقطر السماء دما
فقالت مسرعة:
فإن تمادى ولا تماديت في ... منعك أصبح بقفرةٍ رمما
فقال:
علقت من لو أتى على أنفس ال ... باقين والغابرين ما رحما
فقالت:
لو نظرت عينها إلى حجرٍ ... ولد فيه فتورها سقما

قال أبو الفرج
وقرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان، فقال لها مولاها: عانتيه، فقالت:
سقياً لبغداد لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض ولا كبهجتها ... أرغد أرضٍ عيشاً وأرفهها
فانقطع.

وذكر الصولي في كتاب الوزراء
قال: قال علي بن يحيى المنجم: كنت عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل، فقال:
حمد يتيه علينا ... بشكله وبقده
فقلت:
جزاؤه كلما تا ... هـ أن يهان بصده
فقال:
وقد ملا الأرض طراً ... بتيهه وببرده
فقلت:
يا رب فامنن علينا ... قبل الممات بفقده

وذكر محمد بن أيوب الغرناطي في كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس
أن الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده للمجون والتطايب،
(1/104)

فقال له: اهج عبد الملك بن جهور؛ أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد الملك، فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت؛ ثم صنع:
لب أبو القاسم ذو لحيةٍ ... طويلة في طولها ميل
فقال عبد الملك:
وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومخبول
فقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً:
قال أمين الله في عصرنا ... لي لحية أزرى بها الطول
وابن جهيرٍ قال قول الذي ... مأكوله القرضيل والفول
لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو ...
ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت. فامتنع، فقال له: قولو يعني تمام البيت؛ قالها الناصر مسترسلاً غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واواً؛ إذ صوابه قله على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف. فقال لب: يا مولانا! أنت هجوته. ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا وأمر له بجائزة.
القرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وشو: اسم ذكر الرجل بالرومية. وقولو: اسم للاست. فكأنه قال: لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - الذي هو الذكر - استه.

قال علي بن ظافر
أخبرني من أثق به، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن القرموني بما معناه: اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة، والأستاذ أبو العباس بن سارة في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن سارة:
هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار
فقال ابن القبطرنة:
وكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار
فقال ابن سارة:
فإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار
فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار
قال علي بن ظافر
وأخبرني أبو يحيى بن أحمد الستولي بما معناه: أخبرني كل
(1/105)

من الأديب أبي عبد الله المتيطي، وأبي العباس أحمد ابن خمير أنهما اجتمعا بمنار سبتة في بعض العشايا، والشمس قد آذنت بالرواح، ونثرت زعفرانها على مسك البطاح، فقال ابن خمير:
عشيتنا وقد لبست ردائي ... شحوبٍ للتفرق والوداع
فقال المتيطي:
فيا شمس الأصيل أراك تشكو ... كشكوائي، أطبعك من طباعي!
فقال ابن خمير:
فلا تجزع لعل الدهر يوماً ... يجود على التفرق باجتماع
قال علي بن ظافر
وقال لي الستولي ما معناه: وأخبراني أيضاً أنهما مرا على صبي نجار ينجر أخشاب سفينة، كأن البدر يبسم عن محياه، والزهر ينسم عن رياه، وهو يبذل من أخشابه ما كان مصوناً، ويعاقبها بالقطع لسرقتها حركات أعطافه حين كان غصوناً، فتجاريا القول فيه؛ فقال المتيطي:
ورب ظبيٍ غريرٍ ... يروع بالهجر روعي
فقال ابن خمير:
ذلت له الخشب طوعاً ... كذلتي وخضوعي
فقال المتيطي:
فقلت: حبي، ماذا ... تبغي بهذا الصنيع؟
فقال ابن خمير:
فقال أنشي سفيناً ... لرحلتي ونزوعي
فقال المتيطي:
فقلت: دونك فاجعل ... سفينةً من ضلوعي
فقال ابن خمير:
شراعها من فؤادي ... وبحرها من دموعي
قال علي بن ظافر
وأخبرني القاضي أبو المكارم أسعد بن الخطير المقدم ذكره، قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن علي بن الذروي رضي الله تعالى عنه، ومعنا رجل سيء الخلق، كثير الضجر والحنق، ذو صدرٍ يضيق عن مثقال الذرة، ويتسع عنه اتساع الأفق لسم الإبرة، فترافدنا في ذمة، فقال ابن الذروى:
لو كان سرمك مثل صدرك ضيقةً ... طال اشتياق حتاره للفيشل
فقلت:
ولكنت أول من يقال بأنه ... بغاء إلا أنه لم يدخل

وأخبرني الأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري
قال: اجتمع عندي ابن المنجم والوجيه أبو الحسن بن الذروي، والفقيه الأديب أبو الفضل المنبوز بطيري، وجلسوا للحديث، فدخل علينا أبو الربيع سليمان بن تنين الطحان، وذكر أنه رأى رجلاً مصلوباً بأعلى الجسر، وطعن بعد صلبه، فقال الوجيه ابن الذروي:
(1/106)

يا أصحابنا، اصنعوا في هذا شيئاً، فقال ابن المنجم: إنما يصنع فيه من يتهم بأنه لا يشعر، وليس ها هنا من يتهم إلا الشيخ أبو الفضل والشيخ أبو الربيع، فليصنعا بيتين على حرف الذال على سبيل المرافدة؛ ليثبت لهما ما ادعياه من قول الشعر، فصنع طيري في الحال:
ومفجعٍ تخذ الجذوع مطيةً ... فتقطعت لركوبها أفخاذه
وأطال أبو الربيع التفكر وافتضح في تمادي التأمل، فدس إليه ابن المنجم رقعة صغيرة فيها:
وبدا لسن الرمح فيه نفاذة ... أخنى على أفلاذه فولاذه
وناولها له بحيث فطنت الجماعة وتغافلوا، وخفى الأمر على طيري لسوء بصره، فقال: بيتي خير من هذا البيت؛ وأكثر الصياح والجلبة، فقال له ابن الذروي: دع عنك هذا القول، ألست القائل في بيتك: تخذ الجذوع ... فهذا صلب على جذع أو مائة! وقلت: أفخاذه، فله فخذان أو عشرة! وأوحى إليه بالقصة. فأقصر عن الكلام، ثم التفت ابن الذروي إلى سليمان وقال له: قد ثبت اليوم عملك للشعر. فانصرف، وقد ألزموه بعمل دعوة سروراً بذلك.

وأخبرني الأديب أبو القاسم عبد الرحمن العداس
قال: اجتمع في منزلي أبو الفضل جعفر المنبوز بشلعلع، والمهذب وابن سعدان الدمشقي، فأنشدنا ابن سعدان قصيدتين مفرطتي الطول، وقال: صنعتهما وبيضهما وحملتهما للممدوحين في يومي هذا. وكان الظهر لم يؤذن به بعد، فرددنا عليه قوله، فأخذ يدعي قوة الارتجال وسرعة البديهة، فقال له جعفر: هذا مكان يمكن فيه إقامة البينة من كل مدع، ثم أطرق وقال:
ولقد قطعت اليوم مغصصٍ ... بمهذبين محلق ومقصص
وقال له: اصنع على هذا البيت والزم الصادين. فقال ابن سعدان: هذا ينبغي أن يقوله صاحب المنزل؛ وصدق، لأن جعفراً عنى بقوله: محلق نفسه وعنى بقوله: مقصص ابن سعدان، لأنه كان يفرط في قص لحيته، فقال له جعفر: قل، فلم يصنع شيئاً، فقلت أنا:
وطفقت أغتنم السرور كأنما ... قد فزت من لذاته بتلصص
ثم استدعينا منه القول فما أمكن، وكأنما يبس، أو اعتراه الخرس، فقال المهذب:
فكأنما أسقيتها من خاتمٍ ... ورقٍ بياقوت المدام مفصص
(1/107)

ثم استدعيناه فلم يقل شيئاً، فقلت: أنا أصنع عنك، وقلت - وقد نزلت عن تكرير الصاد -:
أشنى المفند في المدام فدامةً ... وأحب كل مسامحٍ ومرخص
وانقضى المجلس ولم يصنع شيئاً.

قال علي بن ظافر
وكتب إلى القاضي الأعز ابن المؤيد من الإسكندرية - ولفظ الخبر له - قال: تسايرت أنا والقاضي المخلص أبو العباس أحمد بن يحيى بن عوف بشاطئ خليج الإسكندرية من جهة القنطرة المعروفة بقنطرة السواري، وقد رقصت أشجاره على غناء أطياره، وملأ لها ساقي الغمام كئوس جلناره، فبينما نحن نتناشد من نفيس رقيق الأشعار، ونتعاطى من كئوس رحيق الأخبار، ونتعجب من سماء ذلك الماء كيف خلت من البدور، ومن نجوم تلك الأزهار مع طلوع شمس النهار كيف لا تغور؛ إذا بجوارٍ هناك جوار، وبدور من قبل السواري سوار، فقلت:
لله أي بدورٍ ... من السواري سوار!
فقال المخلص:
من كل هيفاء خرسا ال ... وشاح خرسا السوار
فقلت:
لاحت فجلت وحلت ... قلبي وعقد اصطباري
فقال:
تنوب فرعاً ووجهاً ... عن الدجى والنهار
فقلت:
فناظرها وقلبي ... ما بين راضٍ وضار
فقال:
وخدها وفؤادي ... من جلنارٍ ونار
فقلت:
تحكى الغزالة في به ... جةٍ وحسن منار
فقال:
والظبي في حسن جيدٍ ... ومقلةٍ ونفار

قال علي بن ظافر
وأخبرني شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين المقدم ذكره بما معناه: جلسنا على بركة في منظرة السيد الصاحب بالجزيرة، وقد ألقى عليها ورداً أحمر ملأ بكثرة نجومه فسحة سمائها، ونقبت حمرة خدوده صفحة مائها، وأهدى رمدة إلى مقلتها الزرقاء فصح سرورنا بدائها؛ فقال رضى الدين إسحاق بن عب الباري:
وبركةٍ صادقة الصفاء
فقلت:
بريئةٍ من دنس الأقذاء
فقال:
نقب فيها الورد وجه الماء
فقلت: فأبصرت من مقلةٍ رمداء

وأخبرني أيضاً
هو والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي أنهما كانا مجتمعين، فمر عليهما صبي من أبناء السواديين يسوق
(1/108)

بقراً - وكان وضئ الوجه، حسن القد - فتعاطينا القول في صفته، فقال الشهاب:
بنفسي غزالاً يسوق البقر ... ويقتل عمداً نفوس البشر
فقال الشريف:
بدا فبدا الغصن فوق الكثيب ... وبدر الدجى في ظلام الشعر
فقال الشهاب:
تقل الغزالة عن وجهه ... ويصغر تشبيهه بالقمر
فقال الشريف
شكوت إليه غرامي به ... فأعرض عني دلالاً ومر
فقال الشهاب:
حلا لي لما انثنى قده ... ولكنه لحياتي أمر
قال علي بن ظافر
كنت في بعض العشايا بالقرافة، أنا والأعز بن المؤيد المقدم ذكره - رحمه الله - في منزل قد انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذاب كافور مائه على عنبر طينه، ومدت بكاسات الجلنار بنان غصونه، والنسيم قد خفت فاعتل، وسقط رداؤه في الماء فابتل، ووهت قواه فضعف عن السير، واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوائح طير، فاقترح علينا أصحاب لنا كانوا معنا أن نصنع في صفة تلك العشية على هذه القافية، فقال الأعز:
جاء النسيم إلى الغصون رسولا ... ومشى يجر على الرياض ذيولا
فقلت:
نشوان يعثر في الخمائل عابثاً ... بالزهر مبلول الرداء عليلا
فقال:
فتمايلت قاماتها فكأنما ... شربت بكاسات الشمائل شمولا
فقلت:
فكأنه قد هز رايات له ... خضراً وسل من المياه نصولا
فقال:
قد أطلعت من زهرها غرراً ومن ... جاري المياه يسوقها تحجيلا
فقلت:
تحكى العرائس في القلائد للثرى ... لبست خلاخل فضةٍ وحجولا
فقال:
ضحكت مباسم زهرها ولطالما ... بكيت بدمع الهاطلات طويلا
فقلت:
وبدا عليها الجلنار كأنه ... وجنات خودٍ سمتها التقبيلا
فقال:
سلت عليهن البروق صوارماً ... فكسونها منه دماً مطلولا
فقلت:
وتناظرت أطيارها فيه وقد ... أكثرن قالاً في الهديل وقيلا
قال علي بن ظافر
ومررت أنا وهو رحمه الله يوماً بدولاب يئن أنين ثكالى فقدت أطفالها، والنواعج أضلت آفالها، ويبكي بكاء صب آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرق البين بينه وبين محبوبه فراقاً لا يرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما سلبه منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه
(1/109)

قد ضاق مجراه عن دمعه فتفتحت به أضلاعه، فقلت:
وساقيةٍ تئن أنين ثكلى ... شكت بأنينها حر الأوار
فقال:
تحن ولا تزال تطوف عجلى ... كرازمةٍ تحن إلى حوار
فقلت:
غدت تحكي محباً ذا انتحابٍ ... يطوف باكياً في رسم دار
فقال:
حكت فلكاً لجلب اللهو دارت ... عليه من قوادسه دراري

وبصرنا بساقية تتلوى تلوي الأفعوان
وتخفق خفقات قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها الممسكة، والنسيم يكسوها ويلبسها غلائل مفركة، فقلت:
أساقية أم أرقم فر هارباً
فقال:
أم الريح قد هزت من الماء قاضبا
فقلت:
حصىً مثل در الثغر أجرى زلاله ... رضاباً وأبدى نبته النضر شاربا
فقال:
يوشحها زهر الرياض قلائداً ... ويلبسها مر الرياح جلاببا

واجتمعت أنا وشهاب الدين يوماً
فتعاطينا القول في صبيٍ ينعت بالشمس، قد مضى ذكره، فقال:
وشمسٍ متى أشرقت يكسها الحيا ... شقيقاً ويلبسني الهوى حلة الورس
فقلت:
يلوح فأبكى حين أنظر وجهه ... وبالقسر يبكي من يحدق للشمس

قال علي بن ظافر
واجتمعنا بالقرافة في ليلة وقد عم السرور الأرض بسحابه، وغمرها بفائض انسكابه، فأنبتت نواحيها زاهي جلنار، من شعل النار، في غصونٍ مائساتٍ، كحبال القرقيسات، وكشف بها النور سجف الظلماء، ونقل طرف الليل إلى الشية الشقراء، عن الشية الدهماء، وزهت الأرض بشهب النيران على جو السماء، فترافدنا القول، فقلت:
أنعت ليلا مدلهما أقتما
فقال:
أشعل بالنار وكان أدهما
فقلت:
أضحى من الحسن منيراً مظلما
فقال:
كاثرت النيران فيه الأنجما
فقلت:
فلم نكد نعرف أرضاً من سما
قال علي بن ظافر
واجتمعنا يوماً على أن نتغزل في غلام رأيناه كأن الشمس من أزراره أشرقت، وكأن النار من وجناته أنارت وما أحرقت، ذي تخيلانٍ قد انبثت دهم خيلها في محياه، وتفرقت لاقتناص فرسان القلوب التي كسرها هواه، وقد حفت وجناته بالشقيق، ولففت فصوص السبج بالعقيق، فقال:
(1/110)

بي رشأ أصداغه كالأوراق
بل غصن من وشيه في أوراق
بل قمر من شعره في أغساق
فقلت:
أجفانه مثل جسوم العشاق
وقرطه مثل القلوب خفاق
يرمقنا شرراً فينفى الأرماق
فقال:
في خده ماء الجمال رقراق
عجبت منه شيم ذو إحراق
يريك خيلاناً حيال الأحداق
قال علي بن ظافر
واجتمعنا بالجامع، فرأينا غلاماً مائس العطف، ذابل الطرف، قد عانق أفعوان شعره غصن قده، وطابق بين مبيض وجهه ومسوده، فقلت فيه:
يارب ظبى عطر الأنفاس
يسكن قلبي بدل الكناس
وجنته تزهر كالنبراس
وشعره في قده المياس
مثل لواء لبني العباس
فقال: لو شبهته بعلم الخطيب، لا سيما إذا ذكرت حلوله بالجامع، ثم صنع فقال:
يا رب غصنٍ أهيفٍ رطيب
أنبته الحسن على كثيب
قام مقام الخاشع المنيب
يفتك في الجامع بالقلوب
وقده في شعره الغربيب
يميس مثل علم الخطيب
ثم قال: زد عليه فقلنا:
وشادنٍ ساجي اللحاظ أحور
فقال:
أبيض يحكيه قوام الأسمر
فقلت:
وقده تحت أثيث الشعر
فقال:
من فوق ردفٍ كالكثيب الأعفر
فقلت:
كعلم الخطيب فوق المنبر
قال علي بن ظافر
ولما أعرس ابن الأمير إياس المصري الأسدي بابنة الأمير سيف الدين أيار كوخ مقدم الأسدية، احتفل الأمراء والأجناد، وبلغوا في الحشد غاية الاجتهاد، وأبرزوا من ضروب آلات الحرب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من مرد المماليك بدور سماء الغبار، وغصون من زغفهم في غدران ومن سيوفهم بين أنهار، يسبون النواظر، بالقدود النواضر، ويستملكون الخواطر، بالثغور العواطر، فكانت أوقات ذلك الزفاف مشهورة مشهودة، وأيامه في أيام الأعياد المعدومة النظير معدودة، فخرجت أنا والشهاب لننظر ذلك الاحتشاد، ونتأمل تلك الظباء الظاهرة بزي الآساد، فقال:
نقبوا بالغبار وجه ذكاء ... ثم نابوا عن حسنها بالبهاء
فقلت:
وأرونا من سحر أعينهم منهم شموساً للنقع في ظلماء
فقال:
طاولوا بالنقا السماء اقتداراً ... وتبدوا من زغفهم في سماء
فقلت:
كل بدرٍ يسير تحت ثريا ... مغفرٍ خلف كوكب السمراء
(1/111)

فقال:
مل سكنى البروج فاعتاض عنها ... بسروجٍ على متونٍ ظباء
فقلت:
ما تثنى في الدرع إلا أرانا ... غصناً مائساً بجدول ماء
قال علي بن ظافر
واتفق أن مضى السلطان الملك الأشرف أبقاه الله - في أوائل خدمتي له وأواخر سنة ثمان وستمائة إلى مدينة نصيبين، وضرب خيمته على تل بين بساتينها يعرف بتل أبي نواس، وهو تل مشرف في غاية العلو، مستدير الشكل أحسن استدارة، قد استقبل جرية نهر الهرماس، حتى إذا وصل النهر إليه، تفرق حواليه، وتلوى تلوى الحيات من جانبيه، والبساتين محيطة به قد ملأت أكثر مرمى البصر، وهو في نفسه قد تأزر بالأعشاب، واكتسى بغرائب الأزهار، التي أدناها شقائق النعمان، وباسم الأقحوان. وكنت أنا مقيماً بالبلد لتدبير أحوالها، وتزجية وجوه أموالها، وأنا أتكرر إليه. وإنما نقطع المسافة إلى الخيام في جنات ذات أنهار، وظلال تمنع الحرور وتأذن للنسيم والأنوار، فعن لي أن قلت في بعض خرجاتنا ونحن سائرون على ظهور دوابنا:
اجلس بتل أبي نواس ... ما بين باطيةٍ وكاس
وابتع سروراً باعه ... منك الزمان بلا مكاس
في ظل غيثٍ ذي ارتجا ... زٍ بالرواعد وارتجاس
واستدعيت من شهاب الدين المذكور المساعدة وهو يسايرني، فقال:
تل تطلع مشرفاً ... بين المزارع والغراس
بالنهر منتطق على ... زهرٍ كموشى اللباس
من قاس ربوة جلقٍ ... بذاره أخطأ في القياس
فقلت:
أضربته بعصاك يا ... موسى فأصبح ذا نبجاس
فالماء يفرى المحل سي ... ف منه مكفوف الدياس
والقضب أمثال القنا ... والورد أمثال التراس
فقال:
والثم خدود الورد في ... هـ فتحتها أصداغ آس
وابن اصطباحك إن أرد ... ت من الغبوق على أساس
فقلت:
واسمع غناءً كالغنى ... قد جاء من بعد الإياس
شدواً إذا أدوى القلو ... ب أسىً فمنه لهن آس
(1/112)

فقال:
لاتقتنع بالكاس واب ... غ الري من جام وكاس
واكرع فما حق المدا ... مة أن تراك وأنت حاسي
فقلت:
خذها لها إن ساورت ... عقل الفتى أي افتراس
واترك على الأعراب ما اخ ... تاروه من لبن العساس
فقال:
من كف ظبي لين ال ... أعطاف صلد القلب قاسي
ظبي ولكن القلوب ... ب تكنه بدل الكناس
فقلت:
يحنى بلا سكرٍ ويك ... سر جفنه لا من نعاس
يهوى ويذكر وهو سا ... ل للذي يهواه ناسي
ثم شغلنا بالوصول، واستدعاني السلطان فدخلت إليه، فعمل الشهاب تمامها وأنا عنده، وكتبها على هذه الصورة وأنفذها إلى:
سهل الخلائق رطبها ... صعب الشكيمة والمراس
لا يستجيب ولا يطي ... ع ولا يجود ولا يواسي
ما بين ندمانٍ ظرا ... فٍ حين تخبر كياس
واشرب برأس التل لا ... تحفل بغمدانٍ براس
واهنأ بدولة سيف ذي ... يزنٍ ودولة ذي نواس
فلقد فضلتهما بمج ... دٍ شامخٍ وندى وباس
ورواق ملكٍ ثابت ال ... أركان سامي الفخر راس
فالعمر ما تم السرو ... ر به كقول أبي فراس
لا زال يخدمك الزما ... ن ومن حواه من أناس

واتفق يوماً
وقد اجتمعنا بثغر الإسكندرية أيام حلول السلطان الملك العزيز به إلى جزيرة الثغر لزيارة قبر أخينا الأعز بن المؤيد - رحمه الله - وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأيأس ما كان من الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان بالثناء على فضله الخطير خطيب، فلما حللنا بفناء قبره، وأرسلنا سيل المدامع لذكره، قال الشهاب:
أيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه
وقلت:
وحلت جانبيك مروج زهرٍ ... تحاكي طيب أوقاتي لديه
فقال الشهاب:
لفقد إخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوق إليه
ومن التمليط الواقع بين ثلاثة من الشعراء مما كان بقسيم لقسيم:

روى المدائني
قال: خطب أويس القرني رضي الله عنه أم الشماخ ومزرد وجزء، بني ضرار، وحضر إليهم، فقال الشماخ:
نبئتها ناكحةً أويسا
فقال مزرد: يهدي إليها أعنزاً وتيسا فقال جزء: حمقا ترى ذاك بها أم كيسا فقال أويس: لعن الله من يكون رابعكم.
وما أحسب أويساً رضي الله عنه خطب امرأة قط، ولعله غيره، أو في الرواية وهم.

ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله
وتتصل روايته بالحرمازي؛ قال: نزل شبيب بن البرصاء المري وأرطأة بن زفر وعويف القوافي برجلٍ من أشجع، كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة
(1/113)

لبن ممذوقة، ولم يذبح لهم؛ فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى مطيهم ورواحلهم فركبوها، ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب، فقال شبيب:
أفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري الضيف علقما
فقال أرطاة:
لبثنا طويلاً ثم جاء بمذقةٍ ... كماء السلا في جانب القعب أثلما
فقال عويف:
فلما رأينا أنه شر منزلٍ ... رمينا بهن الليل حتى تصرما

وروي أيضاً أن عقيل بن علفة المري
خرج هو وابناه جثامة وعلفة وابنته الجرباء حتى أتو بنتاً له ناكحاً في بني مروان بالشام آمت. ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق قال عقيل:
قضت وطراً من دير سعدٍ وربما ... على عرضٍ ناطحنه بالجماجم
إذا هبطت أرضاً يموت غرابها ... بها عطشاً أعطينهم بالخزائم
ثم قال: أجز يا علفة، فقال:
إذا علم غادرنه بتنوفةٍ ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم
ثم قال: أجز يا جثامة، فقال:
وأصبحن بالموماة يحملن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال: أجيزي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال: نعم، فقالت:
كأن الكرى سقاهم صرخديةً ... عقاراً تمشت في المطا والقوائم
فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! لولا الأمان لضربت بالسيف ما تحت قرطيك، أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثامة: وهل أساءت؟ إنما أجازت، وليس غيري وغيرك! فرماه عقيل بسهم، فأصاب ساقه والرحل، ثم شد عليها، وقال: لولا يعيرني بنو مرة بعد اليوم ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجهاً إلى أهله. ثم نحر عند جثامة جزوراً وتركه وقصد قومه، وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة، أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون أتيت عليك. فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على ما فعله بجثامة، فقال لهم: هل لكم في جزورٍ انكسرت؟ قالوا نعم، قال: الزموا إثر هذه الرواحل حتى تجدوا الجزور. فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة، فوجدوه وقد أنزفه الدم، فحملوه واقتسموا الجزور، وأنزلوه عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه، فلما احتملوه وقرب الحي تغنى جثامة بقوله:
(1/114)

أيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان الاشقائق
فقال له القوم: إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفاً، وقد عاودت ما يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته، لا يلحقك منه شر وعر.
فقال: إنها خطرة خطرت، والراكب إذا سار يترنم.
وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة هذه الحكاية على غير هذه الصفة، وذكر لعقيل البيت الأول من بيتيه، وجعل بدل علفة أخاه عملس، وأنشد له البيت الأول أيضاً من بيتيه، ثم ذكر أنه أنحى على ابنته الجرباء يضربها بالسوط، فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه، فشلوا فخذه بسهم، فقال:
إن بني زملوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من أخزم

وذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي والربيع بن نمير
قال: غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته، فأطلقها، ثم رجع فوجد بنيه وأمهم مجتمعين، فشد بسيف، فحاد عنه، وتغنى بقوله:
قفي يا بنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل
نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذواخله لم يبق بينهما وصل
فإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل
فقال عقيل: يا بن اللخناء، متى منتك نفسك هذا! وشد عليه بالسيف - وكان عملس أخاه لأمه، فحال بينه وبينه - فشد على عملس بالسيف، فرماه علفة بسهم، فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه، ويزمجر بالرجز المقدم. وبعده:
من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أودٍ يقوم
قال المدائني: وأخزم فحل لرجل كان منجباً، فضرب في إبل رجل آخر، ولا يعلم صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملاً، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، فأرسلت مثلاً.
قال علي بن ظافر: ذكر الحريري في تفسير بعض مقاماته، أن أخزم جد حاتم الطائي، وأن جده الأدنى سعدا ضربه له مثلا، لما رأى منه تخلقه بأخلاقه وآثاره، والشنشنة: الشبه.
والصحيح ما ذكره أبو الفرج، وهذه الفعلة من علفة كانت سبب تفريق عقيل أولاده وطردهم عنه، وكانوا يقصدون أذاه بإنشاد الغزل بحضرة أخواتهم، لأنه كان مفرط الغيرة مبالغاً في الظنة، شديد الرقاعة،
(1/115)

وهم من شياطين العرب.

وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالوراق بن يعقوب النديم في كتاب الفهرست قال
صار جناد وإسحاق الجصاص إلى أبي عرار العجلي أحد رواة اللغة، فقال له جناد: اسمع شيئاً قلته، وأجزه، قال: قل، فقال جناد:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى دير هندٍ كيف خطت مقابره
فقال إسحاق:
تري عجباً مما قضى الله فيهم ... رهائن حتفٍ أوجبته مقادره
فقال أبو عرار:
بيوت ترى أثقالها فوق أهلها ... ومجمع زورٍ لا يكلم زائره

وذكر محمد بن سنان
مما رواه أبو الفرج، أن مطيع ابن إياس وحماد عجرد ويحيى بن زياد خرجوا في سفر، فلما نزلوا ببعض القرى عرفوا، فأنزلوا منزلاً، وأتوا بطعام وشراب، وبينما هم يشربون في صحن الدار، إذ أشرفت بنت دهقان من سطحٍ لها بوجهٍ مشرق رائق، فقال مطيع لحماد: ما عندك يا حماد؟، فقال حماد: خذ فيما شئت، فقال مطيع:
ألا يا بأبي النا ... ظر من بينهم نحوي
فقال حماد: ألا يا ليت فوق الحقو منها لاصقاً حقوي فقال مطيع:
وأن البضع يا حما ... د منها شوبك المروي
فقال يحيى بن زياد:
ويا سقياً لسطح أش ... رقت من بينهم حذوي

وروى محمد بن خلف المرزباني
عن بعض شعراء الكوفة، قال: قال لي محمد بن كناسة: قد اشتهت دنانير - يعني جاريته المشهورة جمالاً وأدباً - أن تنظر إلى الحيرة، فهل لك أن تساعدنا؟ - وكان الزمان ربيعاً - فقلت: نعم، فقال: تقدمنا لنلحق بك، فقصدت الخورنق وجلست في بعض المواضع المعشبة، وإذا به قد أقبل على بغلة ومعه دنانير على حمار فأخذ غلامه دابتيهما، فنزلا، وجلسنا وقد ستر بعض وجهها مني، فقلت أداعبها - وكان محمد يأنس بي، ويسكن إلي -: إنما تسترين وجهك عن شيخ، فقالت: طماح عين، قال: فضحكنا، ثم أخذنا ننظر إلى رياض الحيرة وبقاعها، ونتذكر ما مضى لها من الزمان، ونستحسن حمرة الشقائق على ائتلاف تلك الأنوار والألوان وطيب روائح النوار، فأخذ محمد عوداً وكتب على الأرض:
الآن حين تزين القطر ... أنجاده ووهاده العفر
ثم قال لدنانير: أجيزيه فقالت:
(1/116)

بسط الربيع بها الرياض كما ... بسطت ثياب في الثرى خضر
فقلت: أحسنت والله، فقال: أجز، فكتبت تحتهما:
برية في البحر نابتة ... يجبى إليها البر والبحر
فكتبت:
وسرى الفرات على مياسرها ... وجرى على أيمانها النهر
وبدا الخورنق في مطالعها ... فرداً يلوح كأنه الفجر
كانت منازل للملوك ولم ... يعمل بها لمملك قبر
وقد ذكر أبو الفرج هذه الحكاية، ورواها عن عبيد الله بن الحسين، وعزا جميع أبياتها لابن كناسة.

قال الأصمعي
ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد إلا مرة واحدة، دخلت عليه أنا وأبو حفص الشطرنجي، فقال: استبقا إلى بيت، فمن أصاب غرضي، فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت ومنعتني هيبته، وبدر الشطرنجي بجراءة العميان، فقال:
كلما دارت الزجاجة زادت ... هـ اشتياقاً وحرقةً فبكاك
فاستحسنه وأجازه، فزالت عني الهيبة، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: لله درك! لك عشرون ألفاً، ثم أطرق ورفع رأسه، وقال: أنا - والله - أشعر منكما، وأنشد:
فتمنيت أن يغشيني الل ... هـ نعاساً لعل عيني تراك!

وقد أنبأني التقي أبو محمد عبد الخالق المسكي
عن أبي طاهر السلفي، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج وابن يعلان الكبير قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، عن أبي يعقوب النجيرمي قال: حدثنا الأزدي عن ابن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعي، قال: دخلت على الرشيد، وعنده أبو حفص الأعمى المعروف بالشطرنجي، فقال: استبقا إلى آخره، فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، فهبته وبدرني أبو حفص، فقال:
مجلس ينسب السرور إليه ... لمحب ريحانه ذكراك
فقال: قد قاربت، ولك العشرة، وتهيبته، فقال:
(1/117)

كلما دارت الزجاجة ... وذكر باقي الحكاية بنحو ما في الأولى.

وحدث رزين العروضي
قال: أصبحت مخموراً فتفكرت فيمن آنس به، فذكرت عنان، فاستأذنت عليها، فإذا عندها أعرابي. فقالت: يا عم، قد أتاني الله بك على فاقة، إن هذا الأعرابي قصدني، فقال: قد بلغني أنك شاعرة، فقولي حتى أجيز، وقد أرتج علي، فقلت:
لقد قل العزاء وعيل صبري ... عشية عيسهم للبين زمت
فقال الأعرابي:
نظرت إلى أوائلهن صبحاً ... وقد رفعت لها حدج فحنت
فقالت عنان:
كتمت هواهم في الصدر مني ... ولكن الدموع علي نمت
فقال الأعرابي: أنت أشعرنا، ولولا أنك حرمة لقبلتك.

قال وروى محمد بن عيسى بن عبد الرحمن
قال: خرج إبراهيم بن عباس الصولي ودعبل بن علي الخزاعي وأخوه رزين، في نظراء من أهل الأدب رجالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن خمول إبراهيم، فلقوا جماعةً من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئاً وركبوا حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول:
أعيضت من حمول الشو ... ك أحمالاً من الحرف
نشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف
فقال رزين:
فلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف
تساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف
فقال دعبل:
وإذ فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف
ومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي
فانصرفوا عنه، وباع خفه، وأنفق ثمنه عليهم.

وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال
الذي جمعه للمعز بن تميم صاحب القاهرة، قال: أخبرني سيبويه قال: اجتمع محمد بن مقبل ومحمد بن مجمع وأبو نصر الأشعثي في بستان لابن مقبل، وفي البستان نرجس تميس به الريح، فقال ابن مقبل:
شموس وأقمار من الزهر طلع ... لذي اللهو في أكنافها متمتع
فقال محمد بن مجمع:
(1/118)

تجاذب أعلاها الرياح فتنثني ... فيلم بعض بعضها ثم يرجع
فقال الأشعثي:
كأن عليها من مجاحة ظلها ... لآلئ إلا أنها هي ألمع
ويحدرها عنها الصبا فكأنها ... دموع براها البين والبين يفجع

وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد
قال: اجتمع عند أبي الحسن علي بن يحيى بن المنجم أحمد بن أبي طاهر وأبو هفان عبد الله بن أحمد العبدي وأبو يوسف يعقوب بن يزيد، على نبيذ فقال أبو هفان بديهاً يمدح علياً:
وقائلٍ إذ رأى عزمي على الطلب ... أتهت أم نلت ما ترجو من الأدب
إن ابن يحيى علياً قد تكفل بي ... وصان عرضي كصون الدين والحسب
فابتدر التمار فقال:
تذكى لزواره نار منورة ... على يفاعٍ ولا تذكى على صبب
من فارس الخيل في أبيات مملكةٍ ... وفي الأكارم من جرثومة النسب
فقال أحمد بن أبي طاهر:
له خلائق لم تطبع على طبعٍ ... ونائل وصلت أسبابه سببي
كالغيث يعطيك بعد الري نائله ... وليس يعطيك ما يعطيك عن طلب

ومنه قال اجتمع عند أحمد بن أبي طاهر أبو الضياء القيني وأبو سليمان النابلسي الضرير في أيام أبي الصقر على نبيذ
فقال أحمد بن أبي طاهر:
كأنما التف بريحانه ... ثوب من النرجس مشقوق
فقال القيني:
أو روضة خضراء نوارها ... بالمزن مصبوح ومغبوق
فقال النابلسي:
له نسيم بيننا ساطع ... كأنه بالمسك مفتوق
كأنه يا بن أبي طاهرٍ ... من طيب أخلاقك مخلوق

وذكر أبو حفص عمر بن علي المطوعي
في كتاب درك الغرر ودرج الدرر في محاسن نظم الأمير أبي الفضل الميكالي، قال: سمعت الأمير أبا الفضل يقول: سمعت أبا القاسم الكرخي يقول: كنت ليلة عند الصاحب بن عباد، ومعنا
(1/119)

أبو العباس الضبي، وقد وقف على رءوسنا غلام كأنه فلقة قمر، فقال الصاحب مرتجلاً:
أين ذاك الظبي أينه
فقال أبو العباس الضبي:
شادن في زي قينة
فقال الصاحب:
بلسان الدمع تشكو ... أبداً عيناي عينيه
فقال أبو القاسم:
لي دين في هواه ... ليته أنجز دينه
فزاد الأمير أبو الفضل عند إنشاد أبي القاسم فقال:
لا قضى الله ببينٍ ... أبداً بيني وبينه

وأخبرت أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة السلمي وأبا محمد عبد الله بن محمد بن سعد الخفاجي الحلبي
اجتمعنا عند الأمير سديد الملك أبي الحسين علي بن المقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فتفاوضوا في فنون الأدب، فقال ابن أبي حصينة:
قمر إن غاب عن بصري
فقال الخفاجي:
ففؤادي حد مطلعه
فقال ابن أبي حصينة:
لست أنسى أدمعي ولهاً
فقال الخفاجي:
خلطت في فيض أدمعه
فقال سديد الملك:
قلت زرني قال مبتسماً ... طمع في غير موضعه

قال علي بن ظافر
أخبرني من أثق به بما معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد بن زيدون، ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرةٍ لبني عباد بموضع يقال له الغيث، تحف به مروج مشرقة الأنوار، منتسمة النجود والأغوار، مبتسمة عن ثغور النوار، في زمن ربيع سقت السحب الأرض فيه بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها وأرداف الربا قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النور قلائده حول لباتها ومجامر الزهر تعطر أردية النسيم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري بمداهن النضار ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد باللهو والطرب، والتنزه في روضتي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم ليأتيهم بشراب يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره. فلما بصروا به مقبلاً من الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه. واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه، ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل الشراب الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً،
(1/120)

حتى خفى عن العين خائضاً، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأقاضوا في ذكر الزمن وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات على توام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون:
أنلهو والحتوف بنا مطيفة ... ونأمن والمنون لنا مخيفة
وقال ابن خلدون:
وفي يومٍ وما أدراك يوم ... مضى قمعا لنا ومضى خليفه
وقال ابن عمار:
هما فخارتا راحٍ وروحٍ ... تكسرتا فشقفات وجيفه

وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله المقدم ذكره
قال: أخبرني الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، قال: أخبرني بن الدهان القرطبي، قال: مضيت أنا وأبو الفضل البغدادي وابن صلاح إلى دار أمين الدولة أبي الحسن هبة الله بن صاعد، ابن التلميذ، فأساء لنا حاجبه قنبر، وأفرط في منعنا من الدخول إليه، فقال أبو الفضل:
قد بلينا في دار أس ... عد خلقٍ بمدبر
فقلت:
بقصيرٍ مطولٍ ... مستطيلٍ مقصر
فقال ابن الصلاح:
كم تقولون قنبر! ... قطعوا رأس قنبر
ثم أذن لنا، فدخلنا نضحك، فسألنا عن سبب ضحكنا فأخبرناه بالسبب، فقال: أنشدوني الأبيات جملة أميز لكم قول كل واحد منكم، فأنشدناه الأول، فقال: هذا لأبي الفضل لأنه شاعركم، ثم أنشدناه الثاني، فقال: هذا لك لأن فيه شيئاً من ألفاظ المهندسين، وأنت رجل مهندس، ثم قال: والثالث لابن الصلاح لأنه مخضرم.
قال علي بن ظافر
مضيت أنا وشهاب الدين المقدم ذكره والقاضي الأعز بن المؤيد - رحمه الله - في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير، إيثاراً لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره، وقضينا الوطر من نظره، تعاطينا القول فيه جريا على عادة الخلعاء والبلغاء، وظرفاء الأدباء ومجان الشعراء، الذين نبذوا الوقار بالعراء، فقطعوا طريق الأعمار، بطروق الأغمار، وضيعوا العين والعقار في تحصيل العين والعقار، فقال الشهاب:
(1/121)

سقى الله يومي بدار القصير ... قصير العزالى طويل الذيول
محل إذا لاح لي لم أقف ... بصحبي على حوملٍ فالدخول
فقلت:
فكم فيه من قمرٍ في دجىً ... على غصنٍ في كثيب مهيل
بلحظٍ صحيحٍ وطرف سقيمٍ ... وروحٍ خفيفٍ وردف ثقيل
فقال الأعز:
قطعت به العيش مع فتيةٍ ... صباح الوجوه كرام الأصول
بكل كريم قصير المرا ... ء حاز المعالي بباعٍ طويل
فقال الشهاب:
إذا فمه سل سيف المدام ... فكم من سليبٍ وكم من قتيل
فقال الأعز:
وكم من خليعٍ كريم الفعال ... يجدد بالجود غيظ البخيل
فقلت:
نوافيه ذا ذهب جامدٍ ... فيفنيه في ذائب للشمول
ثم صنع الشهاب فيه على غير هذا الروي والوزن، فقال:
على عمر القصير قصرت عمري ... وصنت خلاعتي وأزلت وقري
فقال الأعز:
ولم أسمع لعمري قول زيدٍ ... إذا ما لامني أو قول عمرو
فقلت:
ظفرنا فيه من شفةٍ وكأسٍ ... بمشروبين من ريقٍ وخمر
فقال الشهاب:
ودافعنا يقين الدين فيه ... بمظنونين من خمرٍ وخصر
فقال الأعز:
كسوت به كئوس البيض حمراً ... من القمص اشتريناها بصفر
فقلت:
وظلت بمارق للهو أتلو ... بهز البيض فيه عناق سمر

قال علي بن ظافر
وجلسنا يوماً في روضٍ قد ماست قدوده، واخضرت بروده، وخجل ورده من عيون نرجسه فاحمرت خدوده، والروض يهدي إلى الآفاق طيب عرفه، والنسيم يركض في ميادين الأزهار بطرفه، فقلت:
بعث النسيم إلى الرياض رسولا ... يوحي إليه بكرةً وأصيلا
فقال الأعز:
يدعو إلى شرب المدام فليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
فقال الشهاب:
ياويلتا ذهب الشباب فليتني ... لم أتخذ فيه العفاف خليلا

ومما روي في مثل هذا إلا أنه روي عن قوم مجاهيل
فأخرنا ذكره، حتى انتهى الترتيب، ولم نر إخلاء الكتاب من ذكره؛ لأنه يجري مجرى الملح، ما روي أن ثلاثة من الكتاب خرجوا إلى متنزه، فبينما هم يأكلون طعاما كان معهم، إذا بمتطفل
(1/122)

جلس إليهم، وابتدأ في تلقف ما في الطبق مما بين أيديهم، فقالوا له: هل عرفت منا أحداً؟ قال نعم، هذا - وأشار إلى الطعام - فتعاطوا صفتهم، فقال أحدهم:
لم أر مثل جذبه ومطه
فقال الآخر:
والأكل من دجاجه وبطه
فقال الثالث:
كأن جالينوس تحت إبطه
فقال: أما نحن فوصفنا من شدة أكله ما عايناه، فما معنى كون جالينوس من تحت إبطه؟ فقال: يلقمه جوارش الكمون لئلا يتخم.
ومن التمليط الواقع بين أربعة شعراء:

ما روى الأصبهاني بسندٍ يتصل بإسحاق الموصلي عن رجاله
أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين وأبا ربيعة المصطلقي ورجلاً من بني مخزوم - وهو ابن أخت الحارث - خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية، فلما انصرفوا نزلوا بسرف، فلاح لهم برق، فقال الحارث: كلنا شعراء، فهلموا نصف البرق، فقال أبو ربيعة:
أرقت لبرق في دجى الليل لامعٍ ... جرى من سناه ذو الربا فمتالع
فقال الحارث:
أرقت له ليل التمام ودونه ... مهامه موماة وأرض بلاقع
فقال ابن أخته:
يضيء عضاه الشوك حتى كأنه ... مصابيح أو فجر من الصبح ساطع
فقال عمر بن أبي ربيعة:
أيا رب لا آلو المودة جاهداً ... لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع
ثم قال: مالي وللبرق والشوك!

وأنبأني الفقيه التقي عبد الخالق المسكي
عن السلفي قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرني أبو يعقوب يوسف بن يعقوب النجيرمي قال: ذكر أبو بكر الصولي أنه وجد بخط ابن خرداذبة، أن أبا نواس ومسلم بن الوليد الصريع والحسين بن الضحاك الخليع والعباس بن الأحنف خرجوا إلى متنزه، ومعهم يحيى بن معاذ، فأدركتهم صلاة المغرب، فقدموا ابن معاذ للصلاة، فنسي الحمد، وأرتج عليه في " قل هو الله أحد " فقطعوا الصلاة، ثم تعاطوا القول فيه، فقال أبو نواس:
أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد
فقال مسلم بن الوليد:
(1/123)

قام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد
فقال العباس بن الأحنف:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
فقال الحسين بن الضحاك الخليع:
كأنما لسانه ... شد بحبلٍ من مسد
قال ابن رشيق في كتاب العمدة: وأخبرني بهذه الحكاية بعض أصحابنا، فقلت: وما على أحدٍ لو قال:
ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد
وسمع هذه الحكاية أيضاً العباس بن الحطيئة، فقال:
ورام شيئا غير ذا ... يقرؤه فما وجد

وذكر أبو الفرج
قال: أولم محمد بن خالدفدعا أبان بن عبد الحميد اللاحقي وسهل بن عبد الحميد وعبيد الله بن عمرو العتبي والحكم ابن قنبر، وأخر عنهم الغداء، ثم جاء فوقف وقال: ما لكم أعزكم الله! ألكم حاجة؟ يمازحهم، فقال أبان:
حاجتنا فاعجل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين
وقال الحكم:
ومن خبيصٍ قد حكى عاشقاً ... صفرته زينت بتلوين
فقال العقبى:
وأتبعوا ذاك بأبيةٍ ... فإنكم أصحاب أبين
فقال سهل:
دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين
فأمر بإحضار الغداء وخلع عليهم ووصلهم.

ومن ذلك ما أنبأنا به العماد أبو محمد الأصبهاني
قال: حدثني صديقي النجيب محمد بن مسعود القسام بأصفهان، قال: حضرت مجلس مؤيد الدين أبي علي محمد بن اسبهسلار رئيس جرباذقان، وعنده شمس الدين احمد بن شداد الغزنوي ومجد الدين إسماعيل بن أحمد اليماني، فأحضر بين يديه ورد أحمر، فابتدر الغزنوي فقال:
الورد فاح كأنه ... خلق الأمير أبي علي
فقلت:
أوصيته بين الأنا ... م وذكره في المحفل
فقال اليماني:
فاحمر من خجلٍ ومن ... فضحته دعوى يخجل
فقال مؤيد الدين:
في عمره كعدوه ... في عزفه مثل الولي
فنظم به ورد الثنا ... وانثر عليه من عل
(1/124)

وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي
قال: كنا بالعسكر المنصور الكاملي - أعزه الله - على العباسة، وعندي في خيمتي القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك - رحمه الله - والمهذب ابن الخيمي، وأقبل بعض الشعراء من أصحابنا على أكديش، وتحته على السرج خرج مشقوق، فتعاطينا العمل فيه، فقال ابن سناء الملك - رحمه اله -:
بط خراج خرجه ... عن قربوس سرجه
فقال المهذب ابن الخيمي:
لا ترجه لصالحٍ ... يأتى ولكن أرجه
فقلت:
فإنما آفته ... من بطنه وفرجه
وأقول: قد بقى عليهم من تمام المعنى والقوافي أن يقول أحدهم:
فهو كذا في دخله ... يفكر لا في خرجه
ومن التمليط الواقع بين خمسة ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة بالإسناد المتقدم

أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد
جلس يوماً وعنده أبو محمد بن هندو وأبو الحسين بن فارس صاحب مجمل اللغة، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فجاءه بعض الخدم بأترجة فقال لهم: تعالوا نتجاذب أذيال وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبدأنا نفعل، فقال:
وأترجةٍ فيها طبائع أربع
فقال أبو هندو:
وفيها فنون اللهو والشرب أجمع
فقال ابن فارس:
يشبهها الرائي سبيكة عسجدٍ
فقال البديهي:
على أنها من فأرة المسك أضوع
فقال الطبري:
وما أصفر منها اللون للعشق والهوى ... ولكن أراها للمحبين تجمع

وعلى ذكر هذه الحكاية ذكر القزويني في كتاب الروضة
قال أبو الفرج - وذكر هذه الحكاية وما قال فيها الرئيس أبو الفضل وعمه أبو محمد بن هندو وعيرهم: كان الوزراء والصدور في ذلك الزمان من ذكرنا وشرحنا ووصفنا، وصرنا الآن إلى الزمان الخرف الهم، للذي لا فضل في أهله ولا إفضال، وأنموذجة ذلك أي حضرت ضيافة وزير الري أبي العلاء اللنكي، منصرفي من العراق، وقد احتشد لي ليريني فضل عظمته في الوزارة بعد ما رأيت حاله الأولى، وحضر معي الوزير أبو العلاء بن حسوك، فلما صرنا إلى مجلس الأنس، ودارت الكئوس، وأخذت منه الخمر، وقد كان انتهى إليه حكاية الرئيس أبي الفضل بن العميد مع عمي، فدعا بدواة
(1/125)

ودرج، وكتب حتى عرق جبينه، ولطخ الدرج بكثرة ما سود، ثم تبادل أترجة وقلبها، يعلمنا أنه عمل فيها شيئاً، ثم قال:
كأنها لون فتىً عاشقٍ ... من برده قد لبس المخملا
فالتفت إلى أبو العلاء بن حسوك وقال لي سراً: لابد من إجازة هذا البيت بما يشاكل سخنة عين الوزراء، ولو عزلني عن عملي وقطع ضياعي، ثم أقبل عليه كأنه يصل كلامه فقال:
أو لون حاجي من خرسان ومن ... إسهاله قد ركب المحملا
فتوهم الوزير أنه جد، فأخذ يحرك رأسه مستحسناً لهذه الإجازة، ومتعجباً من سرعة البديهة، وملكني وأبا العلاء الضحك حتى تهتكنا، ونبه على سخريتنا منه، فظهرت منه حركات العربدة، فانصرفنا إشفاقاً من حال مكروهةٍ تجرى علينا.

الباب الرابع
في بدائع بدائه الاجتماع
على العمل في مقصود واحد من شاعرين فصاعداً
وقد يكون اجتماعهما لشيئين: أحدهما، أن يكون ذلك لأمر ملك أو وزير، واقتراح رئيس أو كبير، وسؤال صديق أو رفيق.
والثاني أن يقصد تبين فضلهما إن كانا متوافقين، أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين. أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين.
ويقع ما يصدر عنهما أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكونا فيما نظما متباعدي الغرضين مختلفي المقصدين، وهو الأكثر. والثاني أن يتفقا على معنىً واحدٍ وهو الأقل، ربما اشتركا في كثير من الألفاظ واتفقا في القافية، وهذا إنما يكون عند اشتراكهما في جودة طبع وصفاء ذهن، وحدة خاطر، وقوة فكر واتقاد قريحة. وبالجملة أن يكونا واردين على شريعة واحدة.
وها أنا اذكر ما مر بي من الأخبار على هذين الوجهين في فصلين، وأبدأ بما وقع الاتفاق فيه فأقول:

لفصل الأول
فيما وقع الاتفاق فيه
قال علي بن ظافر
أكثر ما يقع هذا الاتفاق الغريب والتوارد العجيب، إذا ضيق المقترح على الشاعرين بأن يعين الوزن والقافية.
ذكر أبو عبد الله بن شرف القيرواني في كتاب أبكار الأفكار، قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي - وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه - فقال: أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين،
(1/126)

فصنعنا حالا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته:
يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضع
لأن إلى أن لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ
سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ
والذي صنعه ابن رشيق:
موز سريع أكله ... من قبل مضغ الماضغ
مأكلة لآكلٍ ... ومشرب لسائغ
فالفم من لينٍ به ... ملآن مثل فارغ
يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ
فأمرنا للوقت أن نصنع على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، فكان ما عملته:
هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا
فيه شراب وغذا ... يريك كالماء القذى
لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا
وما عمله ابن رشيق:
لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ
فواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ
ترى القذى العين فيه ... كما يريها النبيذ
قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نتعجب، أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية، أم من حسن الاتفاق!

قال أبو عبد الله بن شرف
واستخلانا المعز يوماً وقال: أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء، فإني أستحسنته، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي أنه قديم لأحتج به على من عابه، وأسر به من عيب عليه؛ فانفرد كل منا، وصنع في الوقت؛ فكان الذي قلت:
وبلقيسيةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثلما يهب الشحيح
(1/127)

رقيق في خدلجةٍ رداحٍ ... خفيف مثل جسم فيه روح
حكى زغب الخدود كل خد ... به زغب فمعشوق مليح
فإن يك صرح بلقيسٍ زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح
وكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا
فنتقد المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون، وقال: قد أجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه. وهذا نقد ما كنت فطنت له.

وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة
وهو روايتي عنه بالإسناد المتقدم قال: حكى أبو صفوان العتكي قال: كان أو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض المشيخة من القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفاً بالمعذرين، وهو القائل فيهم:
ومعذرين كأن نبت عذارهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا
قرنوا البنفسج الشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا

قال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفاً فبينا هو يوماً والحصري جالس عنده
وقد أخذ في الحديث إذا أقبل الغلام:
في صورةٍ كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستةٍ وثمان
يعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان
فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن هام، في هذا الغلام، وصبا لهذا القد والقوام؟ فقال الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف؛ لا سيما وقد شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، والله ما خلت بياضه في سواده إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقال: من ملك رق القول حتى ذلت له صعابه، وانقاد له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بوصفه؛ فقال: صفه فإني معمل فكري في ذلك. ثم أطرق كل منهما لحظة؛ فكان الذي صنعه الحصري:
أورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى
فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري، أم خضت بين جوانحي! فقال له: ولم ذلك
(1/128)

أيها الشيخ؟ قال: لأني قلت:
حرك قلبي فطار ... صولج لام العذار
أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار

وأنبأني العماد أبي حامد
قال: حكى أن شرف الدين أبا المنذر بن الوزير عون الدين بن هبيرة نظر إلى القمر في بعض الليالي وهو يدخل تحت السحاب تارة، وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليقل كل منكم في وصفه شيئاً، فقال الأديب مقبل:
كأنما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا
خريدة من بني هلالٍ ... لاثت على وجهها نقابا
وقال شرف الدين:
إذا تطلع بدر التم من فرجٍ ... دون السحاب وحالت دونه سحب
تخاله في رثيثٍ من ملاءته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب
وقال عمه الأكرم أبو العباس عبد الواحد بن محمد بن هبيرة:
وكأن هذا البدر حين تظلمه ... سحب فيخفى تارة ويئوب
حسناء تبدو من خلال سجوفها ... طوراً فتنظر نحونا وتغيب

وقال ابن ظافر
أخبرني أبو عبد الله بن المنجم بما معناه: صعدت إلى سطوح الجامع بمصر آخر شهر رمضان مع جماعة، فصادفت الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس وعلي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعاً المغربي، فانضفت إليهم، فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة علي ابن قلاقس وابن المنجم أن يصنعا في صفة الحال، فأطرق كل منهما مفكراً، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيراً، فلم يكن إلا كرجعة طرف، أو وثبة طرف حتى أنشدا، فكان ما صنعه ابن المنجم:
وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار
قلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار
أقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... راً فأعطاه الرهن نصف سوار
وكان الذي صنعه أبو الفتوح بن قلاقس:
(1/129)

لا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا
إنما الشرق أقرض الغرب دينا ... راً فأعطاه رهنه خلخالا
وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز لتنصيفه السوار؛ وعل كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا.

قال ابن ظافر
وقد لي مثل ذلك مع القاضي الأعز ابن أبي الحسن علي بن المؤيد - رحمه الله - وذلك أنا مررنا في عيشة على بستان مجاور للنيل، فرأيناه فيه بئراً عليها دولابان يتجاذبان، قد دارت عليهما أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان ماءً أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل قبضها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد استتر من الظل في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والنهر قد صقل صيقل النسيم درعه، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذا، وملأ أبصارنا حسناً وقلوبنا التذاذ، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام نعمى وطابا، وكانا أغصانا رطابا، فنفينا عنهما لذة الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من الأعاجيب، وتناشدنا ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر الأعمى التطيلي، وقوله في أسد نحاس يقذف الماء:
أسد ولو أني أنا ... قشه الحساب لقلت صخره
فكأنه أسد السما ... ء يمج من فيه المجره
فقال لي - رحمه الله - يتولد من هذا معنى في الدولاب يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملته فملئت إطرباً، وأوسعت إغرابا، وأخذ كل منا ينظم ما جاش به غمر بحره، وأنبأه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقر العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردناه من غير أن يقف أحد منا
(1/130)

على صنعه الآخر، فكان الذي قال:
حبذا ساعة المجرة والدو ... لاب يهدي النفوس مسره
أدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذره
ذو عيون من القواديس تبدى ... كل عين من فائض الماء عبره
فلك دائر يرينا نجوماً ... كل نجمٍ منها يرينا المجره
وكان الذي قلت:
ودولابٍ يئن أنين ثكلى ... ولا فقداً شكاه ولا مضره
ترى الأزهار في ضحكٍ إذا ما ... بكى بدموع عينٍ منه ثره
حكى فلكاً تدور به نجوم ... تؤثر في سرائرنا المسره
يظل النجم يغرب بعد نجمٍ ... ويطلع بعد ما تجري المجره
فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منا سائر رفاقنا.

قال ابن ظافررحمه الله
ومن هذا الاتفاق أيضاً ما أخبرني به ابن المؤيد رحمه الله - بمعناه، قال: اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسميناً زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حررنا، ونشرنا ما حبرنا، فأنشد العباس بن طريف الخراط الإسكندري:
نثروا الياسمين لما جنوه ... عبثاً فاستقر فوق الماء
فحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء
وأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري:
نثروا الياسمين لما جنوه ... فوق ماءٍ أحبب به من ماء!
فحكى زهره لنا إذ تبدى ... زهر الشهب في أديم السماء
قال: وكان الذي صنعته:
نثروا الياسمين في لجة الما ... ء فخلنا النجوم وسط السماء
فكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء
قال: وسمع أبو عبد الله بن الزين النحوي القصة، ولم يكن حاضراً معنا فقال:
(1/131)

نثر الغلام الياسمين ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائها المتدفق
فكأنما نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماء أزرق
قال علي بن ظافر: وسألني الأعز - رحمه الله تعالى - أن أصنع في مثله، فصنعت:
زهر الياسمين ينثر في الما ... ء أم الزهر في أديم السماء
أم هما مبسم شنيب شتيت ... في رضاب الخريدة الحسناء
ظل يحكي عقود در على صد ... ر فتاةٍ في حلة زرقاء
وإذا خلته حباباً حسبت السماء طيباً كالقهوة الصهباء
وهذا آخر ما وقع لي مما فيه توارد للمعاني وتوافق المباني.
ومما يشبه هذا الباب أن يتفق الشعراء على نظم معنى مخصوص:

أنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة
قال: صنع الشريف أبو المحاسن بن الشريف ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبد الله الحسني الراوندي القاشاني في تعريب شعر أعجمي:
إني لأحسد فيه المشط والنشفه ... لذاك فاضت دموع العين مختلفة
هذا يعلق في صدغيه أنمله ... وذا يقبل رجليه بألف شفه
قال: وتسامع الناس بهذا المعنى، فاجتمع على العمل فيه جماعة منهم شمس الدين شاد الغزنوني، وكان حينئذ بأصبهان، فقال:
أني أغار على مشطٍ يعالجه ... ونشفةٍ حظيت من قربه زمنا
هذا يغازل صدغيه وأحرمه ... وذا يقبل رجليه ولست أنا!
وقال أيضاً:
المشط والنشفة المحمود شأنهما ... كلاهما في الهوى بالسعد ملحوظ
فتلك باللثم من رجليه فائزة ... وذاك بالمسك من صدغيه محظوظ
وقال فخر الدين القسام:
أغار منه على مشطٍ ومنشفةٍ ... حتى أغص بدمعٍ فيه منسجم
فذا يمد يديه نحو طرته ... وذي يقبل فوها صفحة القدم
قال العماد: وعملت وأنا في سن الصبا، وشعري حينئذ لا أرضاه:
مشط ومنشفة فيه حسدتهما ... دمعي لذا بهما فياض عارضة
فتلك حاظية من مس إخصمه ... وذاك مستغرق في مسك عارضه
(1/132)

وأخبرني بعض أصحابنا الممصرين
أن بعض جلساء الصالح بن رزيك أنشد بمجلسه بيتاً من الأوزان التي يسميها المصريون الزركالش، وسميها العراقيون كان وكان:
النار بين ضلوعى ... ونا غريق في دموعي
كنى فتيله قنديل ... أموت غريق وحريق
وكان عنده القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، والقاضي المهذب بن الزبير فتقدم إليهما بنظم معناه، فصنعا بديهاً؛ فكان مما صنعه الجليس:
هل عاذر إن رمت خلع عذاري ... في شم سالفةٍ ولثم عذار
متألف الأضداد فيه ولم تزل ... في سالف الأيام ذات نفار
وله من الزفرات لفح صواعق ... وله من العبرات لج بحار
كذبالة القنديل قدر هلكها ... ما بين ماء في الزجاج ونار
وكان ما صنعه ابن الزبير:
كأني وقد سالت سيول مدامعي ... فأذكت حريقاً في الحشا والترائب
ذبالة قنديلٍ تعوم بمائها ... وتشعل فيها النار من كل جانب
وصنع الصالح:
وإذا تشب النار بين أضالعي ... قابلتها من عبرتي بسيول
فأنا الحريق بل الغريق أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل

قال علي بن ظافر
أخبرني الأمير الأجل عضد الدين مرهف ابن أسامة بن منقذ، قال: كان لي مملوك اسمه ياقوت، فقصدت أنا وابن عمي عبد الرحمن بن محمد نظم المعنى المشهور من أن النار لا تعدو على الياقوت، فكان الذي قلته:
أسكنته قلبي وأصبح حبه ... من دون أقوات البرية قوتي
قالوا: وكيف يقيم من أحببته ... في نار قلبٍ بالجوي منعوت
فأجبتهم لا تعجبوا لمقامه ... فالنار ليس تضر بالياقوت
وكان الذي قاله ابن عمي:
يا عجباً للذي كلفت به ... تدنيه مني إن غاب أفكاري
يسكن قلباً من الجحيم ويزدا ... د ضراماً بدمعي الجاري
لا تعجبوا منه حين يسكنه ... فما يبالي الياقوت بالنار
(1/133)

الفصل الثاني
فيما لم يقع فيه توارد
فمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه
قال: بينما الأمير محمد بن زبيدة يطوف في قصره إذ بصر بجارية له سكرى، وعليها كساء خز نسجت أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن في غدٍ إن شاء الله. فلما كان من الغد سار إليها، فقال لها: الميعاد! فقالت: يا أمير المؤمنين؛ أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك ثم خرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب والرقاشي والحسن بن هانئ، فأمر بهم فأدخلوا؛ فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل منكم شعرا يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار؛ فمن أصاب ما في نفسي فله حكمه؛ فارتجل الرقاشي:
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبا مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا استنجزت منها الوعد قالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب:
أتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب ما يقر له قرار!
بحب مليحةٍ صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار
ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غدٍ منك المزار
فلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التكريه وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال: أخزاك الله! أكنت معنا مطلعا علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ما في نفسك فعبرت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف دينار، ولصاحبيه بمثليهما.

ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري
عن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله، عن أبي غالب شجاع الذهلي، قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قريةٍ يقال لها بشيناء، وبها أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر:
أنا عورتي شطى بشيناء إنني ... نظير كما في الوجد والهيمان
أنينكما يحكى أنيني وعبرتي ... كمائكما في شدة الجريان
فلا زلتما في خفض عيش يمده ... أمان من التفريق والحدثان
وعملت أنا في الحال:
بشيني لها ناعورتان كلاهما ... تسح بدمعٍ دائم الهملان
مخافة دهرٍ أن يصيب بعينه ... لإحداهما يوماً فيفترقان

وذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج
قال: كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله، فإذا حضر لم يأته؛ وكثر ذلك منهما، فقال لي يوماً: تعال حتى نضع في ذلك، فصنعت:
ما بالنا نجفى فلا نوصل ... إلا خلافاً مثلما تفعل
تأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جعلت لا تأتي ولا تسأل
كهاجرٍ أحبابه زائرٍ ... أطلالهم من بعد أن يرحلوا
وصنع هو:
يا تاركاً إن لم أغب زورتي ... وزائري دأباً إذا غبت
وددت أن ودك لا ينثني ... يزور فقداني لم مت

قال علي بن ظافر: وذكرت بهاتين القطعتين قول ابن خفاجة الأندلسي في مثل هذه الواقعة، وهو أحسن ما سمعت فيها:
صح الهوى منك ولكنني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر
كأننا في فلك دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر

قال ابن رشيق
وكان كثيراً ما ينتابني غلام وضيء الوجه، وخال تحت لحيته، فنظر إليه يوماً بعض أصحابي، ثم أطرق، فعلمت أنه يعمل فيه، فصنعت بيتين وسكت عنهما خوف الوقوع دونه، فلما رفع رأسه قال: اسمع، وأنشد:
يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد
(1/134)

فقلت:
رأى ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعاً مثل ما خضع العبد
فقلت: أحسنت، ولكن اسمع، وأنشدت:
حبذا الخال كامناً منه بين الجيد والخد رقبةً وحذرا
رام تقبيله اختلاساً ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى
فقال: فضحتني، قطع الله لسانك، واشتد ضجره.

وذكر الباخرزي في كتاب الدمية
أنه اجتمع هو وأبو عاصم الفضل بن محمد الفضيلي الهرري في مجلس الإمام عبد الله الأنصاري - قال: وكان غايةً في الكلام على المنبر، فتعاطينا القول، فقال الفضيلي:
عيون الناس لا تلقى ... من الناس كعبد الله
ولا ينكر هذا غير من مال عن المله
فقال الباخرزي:
مجلس الأستاذ عبد الله روض العارفينا
ألحق الفخر بنا بعد احتكام العارفينا!
قال علي بن ظافر
وذكر الفتح بن خاقان، قال: ركب عبد الجليل بن وهبون المرسي وأبو الحسن الحكم بن محمد المعروف بغلام البكري زورقاً بنهر إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشد سواداً من طرف الظافر، ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال عبد الجليل ارتجالاً:
كأنما الشمعتان إذا سمتا ... خدا غلامٍ مجانس الغيد
وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي
فقال غلام البكري:
أحبب بمنظر ليلةٍ ليلاء ... تجنى بها اللذات فوق الماء
في زورقٍ يزهى بغرة أغيدٍ ... يختال مثل البانة الغناء
قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء
والتاج فوق الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في أديم سماء

وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام
قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعيمي، وأبو بكر بن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه،
(1/135)

فقال الأعيمي:
يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن
ماء ونار حماهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن
ثم أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب
وأبيضٍ تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب
وقال ابن بقي:
حمامنا فيه فصل القيظ يحتدم ... وفي للبرد عسر غير ذي ضرر
ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر
وقال الأعيمي وقد نظر فيه إلى فتى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمين وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء
كالغصن باشر حر النار من كثبٍ ... فظل يقطر من أعطافه الماء
قال علي بن ظافر
وذكر لي أن جماعةً من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويقرءوا ما سطر الدهر من العبر فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وأنشد:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر
أنافا بأكنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك على النسر
وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر
وصنع أبو منصور ظافر بن الحداد:
تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعمارتين على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صبٍ ... تخلف، فهو محزون كئيب

وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي
قال: اجتمع مهذب الدين أبو الحسين بن منير والشيخ أبو عبد الله محمد بن
(1/136)

صغير القيسراني، الشاعران بحلب، فمر عليهما صبي سراج يسمى يوسف، مشهور بالحسن، فسئلا القول فيه فصنعا، فكان ما صنع ابن منير:
يا سمي المرمي في ظلمة الج ... ب لمن ساقه القضاء إليها
والذي قطع النساء له الأي ... دي ومكن حبله من يديها
لك وجه مياسم الحسن فيه ... سكة تطبع البدور عليها
وكان مما صنع القيسراني:
لاتخدعن فما الحسام المرهف ... إلا الذي يحويه جفن أوطف
وإذا رأيت اللحظ يعمل في الحشى ... عمل الأسنة فالقوام مثقف
ويح المحب أما يخالس نظرةً ... إلا هفا بالقلب ظبي أهيف
بالله يا نفحات أنفاس الصبا ... ما بال غصن البان لا يتعطف!
يا مسكري وجداً بخمر جفونه ... قل لي: أتلك لواحظ أم قرقف!
بادر جمالك بالجميل فربما ... ذوت المحاسن، أو أبل المدنف
واسبق عذارك باعتذارك قبل أن ... يأتي بعزل هواك منه ملطف
إن جاز أن يرث الملاحة باسمه ... أحد فإنك يوسف يا يوسف

قال علي بن ظافر
وروي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس، ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم، اجتمعا في منار الجامع ليلة فطر، ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون، ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون من كل حدب، فحين رأوا الشمس فوق النيل غاربة، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب الذيل، واصفرت خوفاً من هجوم الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق، اقترحوا عليهما وصف تلك الحال، فصنع ابن قلاقس:
انظر إلى لشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق
وللهلال فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق
وصنع نشو الملك:
يا رب ساميةٍ في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرضٍ من الأفق
حيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق
(1/137)

والشمس هاربة للغرب دارعة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق
وللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقىً في دم الشفق
وهذا - لعمري - من البديع لذي لا يلحظ سواه، ولا يحفظ إلا إياه.
قال علي بن ظافر
والحكاية المشهورة عن ابن قلاقس، والوجيه أبي الحسن علي بن الذروي، أنهما طلعا منارة الإسكندرية، والوجيه يومئذ في عنفوان شبابه وصباه، وهبوب شماله في الجمال وصباه.
وابن قلاقس مغرىً به، دائب في تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه، ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة، فقال بديهاً:
وسامية الأرجاء تهدى أخا السرى ... ضياءً إذا ما حندس الليل أظلما
لبست بها برداً من الأنس ضافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما
وقد ظلتني من ذراها بقيةٍ ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما
فخيلت أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد حيمت في كبد السما
فحين رأى الأعز ما أتى به، اشتد سروره وفرحه، وقال يصفها ويمدحه:
ومنزلٍ جاوز الجوزاء مرتقباً ... كأنما فيه للنسرين أوكار
راسي القرار وسامي الفرع، في يده ... للنون والنور أخبار وآثار
أطلقت فيه عنان الفكر فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمار
ولم يدع حسناً فيه أبو حسنٍ ... إلا تحكم فيه كيف يختار
حلى المنارة لما حل ذروتها ... بجوهر الشعر بحر منه زخار
وما زال يذكى بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت علماً في رأسه نار

وأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا
قالا: مضى الوجيه علي بن الذروي، والنجيب هبة الله بن وزير في جماعة إلى الحمام المعروف بأبي فروة، فجرى بينهما تنازع أدى إلى تناكر فضيلة الأدب، ثم تراضيا بأن يحكم بينهما الشريف العروف بأنكدودة، فحكم بأن يصنعا قطعتين في صفة الحمام على البديهة، ثم يقع التفضيل بينهما بقدر التفاوت بين القطعتين، فصنع ابن الذروي بديهاً
إن عيش الحمام عيش هنئ ... غير أن المقام فيه قليل
(1/138)

جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول
فكأن الغريق فيه كليم ... وكأن الحريق فيه خليل
وصنع ابن وزير - بعد بطء:
لله يوم بحامٍ نعمت به ... والماء من حوضها ما بيننا جار
كأنه فوق شفاف الرخام بها ... ماء يسيل على أثواب قصار
فانتقد عليه الجماعة تشبيهه الماء بالماء، واستبردوا ما أتى به، فقال ابن الذروي:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... أوكاد يحرقه من فرط إذ كاء
أقام يجهد أياماً رويته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء

وأخبرني الفقيه شجاع الغزلي رحمه الله
قال: جلست يوماً بالوراقين على دكان الأديب أبي الفضل جعفر بن مفضل القرشي المنبوز بشلعلع، وثالثنا ذخيرة الملك المشهور خبره، المشكور أثره، وهو شيخ كان يغني ويلفق كلاماً من جنس كلام الحمقى والمعتوهين تلفيقاً موزوناً على أنه شعر؛ إلا أنه بلغ به عند الصالح وذويه ما لم يبلغه الأخطل عند عبد الملك وبنيه، وقد اجتمع الناس عليه، ووقفوا صفوفاً بين يديه، وهو يطرفهم بشعره، ويملأ آذانهم بنعره. قال: فمر بنا ابن وزير، فلما رأى الجمع جلس إلينا، ثم أخذ يقول أنصافاً من الشعر، وأبياتاً متفرقة في مدح ذخيرة الملك تارة والطنز به أخرى، يتباهى بها على العوام، ويملأ بها قلوب أولئك الطغام، ففهم الأديب أبو الفضل مقصده، وأراد أن يفضحه، ويظهر عيبه ويوضحه، فقال له: ما هذا الفتور، والشعر المقذور؟ والعجب منك أن تتباهى بالشعر ونحن حضور! وجر هذا الكلام خصاماً كان آخره أن استقر الأمر على أن يصنع كل منا قطعة في مدح ذخيرة الملك على روي يختاره أول خارج من الجامع، فكان حرف الذال، فابتدر جعفر وقال:
من كان في درك الغرام ولم يكن ... لحشاه من أسر الهوى إنقاذ
فذخيرة الملك الأجل بشعره ... ترقى القلوب من الهوى وتعاذ
وإذا بدا مترنماً فله على ... كل القلوب بشدوه استحواذ
قال: وصنعت:
ذخيرة الملك أنت شاعرنا ... فكل شعرٍ عداك منبوذ
وكل لفظٍ فمنك مسترق ... وكل معنى فعنك مأخوذ
(1/139)

قال: وأبى ابن وزير أن ينشد ما عمله، بل كتبه في رقعة وقال: إنما أنشده بحضرة أبي الحسن بن بري - رحمه الله - فأتيناه جميعاً، فأنشدته أنا وجعفر ما صنعنا، فأثنى خيراً، ثم ناوله ابن وزير الرقعة فإذا أولها يقول:
هذا الفتى ذخي ... رة الملك نعيذه
فلما قرأه الشيخ جمع وجهه، ثم قرأ الثاني، فإذا هو:
إذا تغنى منشداً ... قلوبنا منفوذه
فزاد في تجمعه، ثم قرأ الثالث، فإذا هو:
من كل هم بيننا ... يبدو لنا شذوذه
فرمى الرقعة من يده، فكأنما ألقمه حجراً. ثم ادعى أننا غيرنا سبكه، وكتب بذلك محضراً منظوماً كتب عليه الشعراء شهاداتهم بقطع من الشعر، أنشدني كثيراً منها، ثم توفى قبل أن أكتبها عنه.

وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان السلمى المعروف بابن السنجاري بحماة، وكتبه لي بخطه
قال: اجتمع عندي جماعة منهم جمال الدين بن رواحة وعلم الدين الشاباني الشاعر المعروف بقاع، وضياء الدين سعيد بن حياة المقري، وضياء الدين الحوراني، وهو في ذلك الوقت مشهور بعشق البهاء على بن محمد الخرساني المعروف بابن الساعاتي؛ فبينما نحن مجتمعون إذ دخل علينا ابن الساعاتي، وهو في عنفوان شبابه، ونهاية حسنه، وسنه حينئذ أربع عشرة سنة، فداعبناه، فجرد سيفا، وجعل يريد ضرب عنق الضياء الحوراني مداعباً له، وذلك بعد أن عصب عينيه بطرف عمامته، فكشف الضياء عن وجهه، وقال: أنتم كلكم تدعون أنكم فضلاء الوقت، فقولوا في هذا شيئاً، فعمل كل منا قطعة، وخبأها في بيقاره، فقال الضياء - وكانت فيه دعابة: أراكم قد عملتم عمل القطاط، فأنشدونا ما علمتم، فقلنا على سبيل الهزء: لا يتقدم أحد على علم الدين، فجعل الشاباني يصف شعره ويقول: قد علمت بيتين ما يقدر أحد أن يعمل مثلهما، وزاد في الدعوى، ثم أنشد:
قمر عندنا به ... نهر جيرون كوثر
لو تراءى لسنجرٍ ... قبل الأرض سنجر
فجرى بينه وبيت الحوراني من المشاغبة ما ضاق به الوقت، وقال له: ويحك! أين هذا مما نحن فيه! وأي مناسبةٍ بينه وبين المعنى الذي اقترح عليك! وكان
(1/140)

جمال الدين بن رواحة فاضلاً لطيفاً، فقال لي: بالله عليك إلا أنشدت قبلي، فقد رأيتك عملت أكثر مني، وكنت إلى جانبه فأنشدت ما قلت، وهو:
ختام عذلك قد اسرفت في عذلي ... قلبي من الوجد ملآن وأنت خلي
أعاذك الله من وجدي ومن كلفي ... ومن غرامي ومن خوفي ومن وجلي
لو كان يا سعد لطوفان ما ذرفت ... عيناي ما استعصم المغرور بالجبل
بمهجتي راشق لي قوس حاجبه ... كأنما الطرف رامٍ من بني ثعل
يميل عطفاه من سكر الصبا مرحاً ... كما تمايل عطف الشارب الثمل
ما لاحت الشمس في رأد الضحى وبدا ... للشمس إلا رماها الطفل بالطفل
يا حامل الصارم الهندي منتصراً ... ضع السلاح قد استغنيت بالكحل
ما يفعل الظبي بالسيف الصقيل وما ... ضرب الصوارم مع ضربٍ من المقل!
قد كنت في الناس سنياً فما برحت ... بي شيعة الحسن حتى صرت عبد علي

وأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي
قال: خرجنا مع مهذب الدين أبي الحسن علي بن نظيف أيام كتابته للملك المعز إسحاق بن عبد الملك الناصر - رحمه الله تعالى - إلى الأهرام للتنزه، ومعه الأديب بهاء الدين ابن الساعاتي، والجمال؟ ابن تاج البغدادي والمهذب ابن الخيمي والأوحد المعروف بالواسطي، فاتفق أن كبت به بغلته، ثم وثبت ورفعت يديها، فتعاطينا القول في ذلك، فبدر بهاء الدين ابن الساعاتي، فقال:
قيل مادت من تحت ذا السيد الأر ... ض ولم تأتنا بمثال
هو طود النهى ومن أعجب الأشياء أرض تميد تحت الجبال
وقال ابن التاج:
جلست بغلة الأمين ترينا ... صدق حس كأنه إلهام
أظهرت ميزة على النوع إذ أصبح في الحسن ذا علا لا يرام
نحن في خدمة قيام لديه ... ثم بغلاتنا لديه قيام
وقال الواسطي:
لم تكب بغلتك الخضراء من خورٍ ... يا من هو اليوم للإسلام مسعده
(1/141)

لكنما الأرض مادت تحتها طرباً ... إذ شرفت بك يامن طاب محتده
وقال ابن الخيمي:
أقسمت بغلة الرئيس المفدى ... حين حطت لعجزها عنه صدرا
إنما رفعت يديها قنوتاً ... بعد أن قبلت ثرى الأرض عشرا
إذ غدت من حجاه حاملةً طو ... داً ومن جود كفه العذب بحراً
قال: وقلت أنا:
وحسام ملكٍ يستضاء برأيه ... ويفل حد النائبات بحده
لم تكب بغلته لخون قوائمٍ ... تطأ الصفا فترض صفحة صلده
لكنها حملت مشرع سودد ... بذ الأكارم في إمامة مجده
سجدت وقد ظلت صفوف وفوده ... من خلفه يتلون آية حمده
قال علي بن ظافر: وقد رأيت هذه القطعة التي نسبها الحلي لنفسه في ديوان الساعاتي، وكان الحلي مع جودته كثير الإغارة عليه.

وأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه
قال أنشدني بعض أصحابنا بيتاً وسألني أن أضمنه، وهو:
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
فصنعت بديهاً:
ولما أن تلاقينا بكينا ... بكاء القرب من بعد التنائي
وسمت دوام طيب الوصل منه ... فأعرض عند ذاك عن اقتضائي
وواعدني إذا ما الشمس غابت ... وولت لا سبيل إلى اللقاء
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
قال: ثم مر بي القاضي أبو الحسن على بن النبيه فأنشدته البيت وسألته أن يضمنه فقال بديهاً:
عسى العيس التي ظعنت بسلمى ... تعود بها وننعم باللقاء
توالت بالعشي ولا عجيب ... مغيب الشمس في وقت العشاء
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
ثم جاء الأديب أبو العز الأعيمي، فسألته تضمنيه، فقال بديهاً:
بدت شمس النهار فخيلت لي ... بأنك قد رفعت إلى السماء
فصرت أذوب وهي تزول عني ... إلى أن صرت في حد الفناء
(1/142)

فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
قال: ثم مر بي الفقيه أبو محمد القلعي فسألته تضمينه، فقال بديهاً:
إذا هزم الظلام سنا الضياء ... قضى ترحال وصلك بانقضائي
فليت الشمس لو بقيت قليلاً ... ففيها كلما بقيت شفائي

واجتمع يوماً شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي على أن يصنعا هجاء في صبي مستحسن يسمى يونس فصنع الشريف بديهاً:
يونس يا متلفي بهجرٍ ... قد لج فيه بلا انتهاء
إن بلع الحوت لابن متى ... ثمت ألقاه بالعراء
فرب حوتٍ بلعت أضحى ... مكتسياً منك بالخراء
وصنع الشهاب، وعرض بالحلي:
أدار نون الصدغ في خده ... حتى غدا يونس ذا النون
وأنبت الحلي من فوقه ... لما علاه أصل يقطين
ثم صنع فيه هذا البيت، وهو:
إن بلعت يونس حوت فكم ... بلعت يا يونس من حوت

وكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر
صنعت قطعةً في صدر نارنج عليه طلع مفروط وهي
انظر إلى النارنج والطلع الذي ... جاء الغلام بطلعه متمايلا
فكأنما النارنج قد صاغوه من ... ذهبٍ قناديلاً وذاك سلاسلا
ثم زدت عليه، فقلت:
أتانا بصدر واسعٍ لو بدا لمن ... تعبد أحيا صورة المتعبد
حكى طلعه فيه سلاسل فضةٍ ... ونارنجه يحكى قناديل عسجد
ثم اختصرته، فقلت:
أيا حسن صدرٍ فيه مفروط طلعةٍ ... يقارن نارنجاً به متلالي
لقد أحسن الشخص الذي جمعتها ... يداه وأهدى فيه كل جمال
قناديل تبرٍ في سلاسل فضةٍ ... وإلا عقيق في سموط لآلي

واتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من أصحابنا فيهم ابن
(1/143)

الذروي
فقال: يتولد من هذا معنى في صدر فيه نارنجتان وطلع مفروط، ويشبه ذلك بنهدين في صدر عليهما أسماط در. فاستحسنت المعنى وأطرق كل منا لنظمه، ثم أنشدت:
وصدر به نارنجتان تبدتا ... ومفروط طلع بالملاحة حالي
فخلت بذاك الصدر نهدى خريدةٍ ... وقد وشحت زهواً سموط لآلي
ثم أنشد هو:
أرسلت لي نارنجتين على صد ... رٍ وحفتهما بطلعٍ نضيد
ثم قالت تسل عني فهذا ... مثل صدري والدر فوق نهودي
ثم ذكر معنى آخر فأطرقنا لنظمه، فقلت كالمرتجل:
ألست ترى النارنجتين وقد بدا ... يحفهما طلع نضيد منظم
كخدي غلامٍ قد تأمل حسنه ... جماعة عشاقٍ له فتبسموا
فلم يصنع فيه شيئاً، ثم اقترح معنى غيره، فنظمت فيه:
وطلعٍ بدا المفروط فيه مقارناً ... لنارنجتين يجتلى الحسن منهما
كدمع جرى من جفن ظبيٍ منعم ... فأضحى على الخدين منه منظما
وصنع هو هذا البيت:
وطلعٍ على نارنجتين كأنه ... دموع محب فوق خدي حبيبه

وفي هذه الليلة أمطرت السماء مطراً خفيفاً صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه وتعارضت أشعة القناديل عليه فتعاطينا وصفه
فصنعت:
انظر إلى حسن القناديل التي ... لاحت كشهب في متون سماء
والصحن قد أبدى شهاب شعاعه ... إذ صار مصقولا بمر الماء
فكأنما هي أسطر من عسجدٍ ... كتبت بظهر صحيفةٍ بيضاء
ثم صنع ابن الذروي:
أيا حسن جامع مصرٍ وقد ... تروى من الوابل المغدق
وضوء القناديل من فوقه ... كأسطر تبرٍ على مهرق

قال علي بن ظافر
حضرنا يوماً عند الصاحب صفي الدين بمعسكر المنصور على بلبيس عند بروز السلطان لسفرته الثانية حين حوصرت دمشق الحصار الثاني في خيمته بمجلس حفل، لم يعدم فيه أحد من مشايخ الدولة ووجوهها وهم
(1/144)

إذ ذاك متوفرون، لم ينقص لهم عدد، ولا فقد منهم أحد، فأنشدني ابن أبي حفصة قصيدة عاتبته في بعض أبياتها، وارتقى الأمر إلى أن قال أسعد بن الخطير - رحمه الله تعالى: إن هاهنا جماعة كلهم يقول الشعر، فلو اقترح عليهم أن يصنعوا شيئاً في بعض ما يقع تعيين الصاحب عليه، لبان الجرئ الجنان من العاجز الجبان؛ ومن جملة من معنا في المجلس ممن يقول الشعر ابن سناء الملك والأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث، فاقترح الصاحب أن نعمل في منجنيق الشمعة - وكان الهواء عاصفاً - فقلت:
أرى شمعةً ضمها المنجنيق ... فجاءتك بالمنظر الأعجب
يجول عليها احمرار الغشاء ... كما جال برق على كوكب
وتبعنى ابن شيث فقال:
وشمعةٍ في المنجني ... ق وهي فيه تشرق
كأنها من تحته ... شمس علاها شفق
ولم يفتح على أحد بكلمة، وانتقدوا عليه تشبيهها بالشمس، وقالوا: النجم أليق. ثم قال الصاحب: فيها معنى آخر، لو نظم لكان مليحاً، وهو أن يشبه بالروح في الجسد، لأن إنارة الجسد وإضاءته بالروح التي في باطنه. فارتجلت وقلت:
وشمعةٍ في المنجني ... ق تلتظى وتتقد
تنير فيه مثلما ... ينير بالروح الجسد
فاستحسن الجماعة ذلك على حسب الوقت، ثم بعد افتراق المجلس صنعت في الشمعة والمنجنيق، وباكرت الصاحب به فأنشدته:
ومجلس أنسٍ ضم شمل جماعةٍ ... تعاطوا من الآداب خير رحيقٍ
لدى شمعةٍ في منجنيقٍ غشاؤه ... كما أخجل التقبيل خد عشيقٍ
ترى نارها من خلفه كبهاره ... تراءت لنا من خلف ثوب شقيقٍ
كما جليت خود بتاجٍ ودونها ... معصفر سترٍ للعيون رقيق
ويحكى عموداً من لجين مقمعاً ... بتبرٍ بدا في وسط بيت عقيق
قال علي بن ظافر
ومما يشبه هذا الباب وليس به، ما ذكره ابن بسام
(1/145)

في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع النحلى أبو الوليد فيه بديهاً:
ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله
وصنع ابن اللبانة:
لله طرف جال يا بن محمدٍ ... فجنت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا
وقال فيه عبد الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة:
وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع

وأخبرني بعض أصحابنا
أن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم:
ممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم
كأنها قد خلقت ... منديل كم القلم
ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديهاً:
وآلةٍ تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم
تودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم
وقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها.

وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى
قال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعاً؛ فصنع بهاء الدين علي بن الساعاتي بديهاً في الأول:
(1/146)

يا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه
إن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه
فبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه
أو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه
وصنع المولى الملك المعظم:
الشرف ابن عروةٍ ... تحللت عروته
أحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته
قال: ولما ضرط الآخر قلت:
رأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع
فقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع
فقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع
وصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو البيتين:
قد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق
فقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق

قال علي بن ظافر
واجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد:
ونجمٍ من الفانوس يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري
ولم أر نجماً قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر
فانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد:
هذا لواء سحورٍ يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار
والصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار
(1/147)

فلما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه:
أحبب بفانوسٍ غدا صاعداً ... وضوءه دانٍ من العين
يقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين
وصنع الفقيه أبو محمد القلعي:
وكوكبٍ من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا
يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا
كأنه عاشق وافى على شرفٍ ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا
ثم صنعت بعد حين:
ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب
كحامل منظوم الأنابيب أسمرٍ ... عليه سنان بالدماء خضيب
ترى بين زهر الزهر منه شقيقةً ... لها العود غصن والمنار كثيب
وتبدو كخد أحمرٍ والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب
كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلباً عراه وجيب
تراه يراعي الصبح ليلاً، فإن دنا ... طلوع صباحٍ حان منه غروب
فهل كان يرعاها لعشقٍ ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب!
وقلت في اختصار هذا المعنى:
انظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع
كحاملٍ رمحاً، سنا ... نه خضيب يلمع
وقلت أيضاً:
ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا
تراه إذا جن الظلام مراقباً ... له مضرماً في قلب فانوسه نارا
كصب بخودٍ من بني الزنج سامها ... وصالاً وقد أبدى لترغب دينارا
وقلت فيه:
وليلة صومٍ قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا
حكى الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا
وقام المنار المشرق اللون حاملاً ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا
(1/148)

كما قام رومي بكأس مدامة ... وحياً بها زنجية وشحت درا
قال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب:
رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره
وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره
فقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره
وخلت الثريا يداً والنجو ... م ورقاً غدا البدر قسطاره
وخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره
وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:
حبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله
خلتها والفانوس إذ رفعته ... صائداً واقفاً لصيد الغزاله
وأنشدني ابن نفطويه:
يا حبذا رؤية الفانوس في شرفٍ ... لمن أراد سحوراً وهو يتقد
كأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد
وأنشدني أيضاً لنفسه:
نصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه ناراً لمن يترصد
فكأنما سبابة قد قمعت ... ذهباً وقامت في الدجى تتشهد
وأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه:
وليلةٍ ملئت أسدافها لعساً ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا
ولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا
حتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا
وصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع المقاطيع فأخذ معانيها وقال:
أرى علماً للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب
ومن عجبٍ أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب
فطوراً تحييه بباقة نرجسٍ ... وطوراً يحييها بكأس تلهب
(1/149)

وما الليل إلا قانص لغزالةٍ ... بفانوس نارٍ نحوها يتطلب
ولم أر صياداً على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب
وأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه:
كأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا
لواء نصرٍ مذهب ... في رأس رمحٍ عقدا

وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى
قد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، معناه أنه جعل الليل برد داراً للحبيب ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديهاً وأرسله إليه:
قال له الليل انصرف راشداً ... فإنه استخدمني برددار
ثم صنعوا بعده، فمن مروٍ ومن باده.

وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير
قال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته قديماً إلا أني استخدمت الليل بواباً، فقلت:
بتنا على حالٍ تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
قال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئاً، فصنعت بديهاً:
قلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفةً للرواح
أنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح
قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن الخلق، يقول: انصرف راشداً، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر.

وأخبرني أبو الحسن بن النبيه
قال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت:
قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا
أنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا
وأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه:
أباحني الليل وصف طيفٍ ... عهدته منه لا يباح
(1/150)

وحجب العالمين عني ... فلا غدو ولا رواح
يا ليل أمسيت بردداري ... إياك أن يهجم الصباح
وأنشدني شهاب الدين يعقوب ابن أخت نجم الدين - رحمه الله تعالى - لنفسه:
قلت إذ زار من أحب وجنح ال ... ليل روض أبدى النجوم نهارا
ملك الحب زاره ملك الحس ... ن فزادا على الحسود اقتدارا
فافرشوا الورد أطلساً حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا
واصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... بسرى إلى العيون سرارا
واحجبوا قيصر الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برددارا
وأنشدني القاضي الأسعد عبد الرحيم بن شيث ناظر القدس الشريف لنفسه:
زار وقد آنس للقلب نار ... وليس إلا وجهه إذ أنار
طيف وقل ضيف كما أنني ... أبحته قلبي قرى أو قرار
لم أنسه خاض إلى الدجى ... وجاب من شوق إلى القفار
فانشق قلب الصبح غيظاً به ... وغار نجم الأفق منه فغار
وذات قد كالقضيب انثنى ... وأين منها الغصن لولا الثمار
بديعة كم لي بها غرة ... وكم لها في مهجتي من غرار
ورب ليل طاب لي وصلها ... به فلولا وصلها قلت طار
رأيتها ليلاً وصبحاً فما ... عرفت بالليل ولا بالنهار
بتنا ضجيعي عفةٍ ما درت ... منا يد ما يحتويه إزار
يسكرني لثمى لأصداغها ... فهي عناقيد ولثمى اعتصار
يحجب عنا الصبح ستر الدجى ... كأنما الليل لنا برددار
وبعدها فليطل الليل ما ... شاء على رغم الليالي القصار

وبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره
الأجل نجم الدين - رحمه الله تعالى - أن يصنع غزلا في جارية صنعت على خدها بالمسك صورة حية وعقرب، فصنع أبقاه الله بديها:
فديتها من غادةٍ ... مخلوقة من طرب
سألتها في قبلةٍ ... في خدها المذهب
فجاوبت معجبه ... بكفها المخضب:
وابأبى! وابأبىً ... من عظم هذا المطلب
(1/151)

وليس هذا ممكناً ... على ممر الحقب
روضة خدي حرست ... بحيةٍ وعقرب
من رام أن يلثمها ... فلير قها بالذهب
وليشرب الدرياق من ... رضاب ثغري الشنب
وصنع أيضاً:
جعل العذول يقول لي لما بدت ... كالشمس في بعدٍ وفى إحراق
لا نطمعن بوصلها وبلثمها ... هذي مذيبة انفس العشاق
تفاح خديها حمته بعقربٍ ... وبحيةٍ خوفاً من الأحداق
فحذار ثم حذار يا عشاقها ... فلديغها ما إن له من راق
قلت اتئد هذي وتلك تولدا ... في ماء خد مائرٍ رقراق
والله لا خوف على بلثمها ... ما دام خمر رضابها درياقي
ثم أمر الناس بالعمل فأكثروا، وصنع ابن مماتي قطعا كثيرة، تزيد على العشرين، من أحسنها قوله:
نقشت حيةً على ... ورد خد مزخرف
فبدت آية الكلي ... م على وجه يوسف
وقال أيضاً:
في خدها عقرب وحيه ... وأنت يا نفس بعد حيه
قد جال ماء الشباب فيه ... وأرسل الصدغ فيه فيه
وقال ابن سناء الملك أدام الله نعمته:
صفا العيش في ملك العزيز بن يوسفٍ ... فلم يبق فيه للشوائب باق
فلا عقرب إلا بخد مليحةٍ ... ولا جور غلا في ولاية ساق
وقال أيضاً:
ظهرت معجزات ملك العزيز ... فهي في وقته ذوات بروز
حية تحت عقربٍ فوق خد ... أحمرٍ كاللجين والإبريز
فهما مثل قبضةٍ بحسامٍ ... ركبوها في صارمٍ مهزوز

وأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي
قال: أمرني السلطاني أن أصنع فيما رسم من ذلك بديها على وزن قطعة كانت تغنى
(1/152)

في ذلك الوقت، فصنعت:
أمعنفى فيمن هويت جهالةً ... انظر بعين العدل فيمن تعذل
أرأيت درياقاً كبرد رضابها ... بعث الصدى وهو الرحيق السلسل
وكحيةٍ وكعقرب في خدها ... أبداً تسئ فعالها وتقبل
تحيا إذا ما باشرت فم عاشقٍ ... وإذا تقابل من بعيد تقتل
قال: ثم صنعت:
وخريدةٍ بيضاء ليلة هجرها ... من شعرها، وجبينها من وصلها
رقمت مواشطها على وجناتها ... صوراً تعبدني الغرام لأجلها
أو ماعجبت لحيةٍ في جنةٍ ... دوني تفوز بمائها وبظلها
فحذار منها ما استطعت فقبلها ... مكرت بآدم أختها في مثلها
قال: ثم صنعت أيضاً:
يا ضرة القمرين في شرفيهما ... من أي شيء منك لم أتعجب
أقبلت مثل الشمس في غسق الدجى ... وحملت صبحاً ضاحكاً عن كوكب
من حيث لا ماء الشباب مكدر ... كلا ولا برق السلاف بخلب
كتبت بخديك المواشط فتنةً ... عمت عموم هواك من لم يكتب
وكأنما رقم الجمال بكفه ... وجه الضحى بحريرةٍ من غيهب
جاء الكليم بآيةٍ من حية ... وأراك جئت بحيةٍ وبعقرب
وصنع شهاب الدين ابن أخت الوزير النجم من قصيدة، وأنشدنيها لنفسه:
خود جلا غرتها شعرها ... بدر بهى في ظلامٍ يهيم
يطيب ذكر الشعر من لفظها ... كأنما ذاك النسيب النسيم
قد رقمت وجنها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم
ما ذاق من قابله غفوة ... واعجباً من ساهرٍ بالرقيم!
مرسلةٍ بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم آي الكليم
وصنع القاضي أبو العباس أحمد بن القطرسي، وأنشدنيه:
وغادةٍ زينت بأفعى ... مسكٍ على خدها المصون
فقلت يغنيك سحر لحظٍ ... أنفذ سهماً من المنون
قالت رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فتون
(1/153)

فصاغها الحسن فوق خدي ... تلقف السحر من جفوني
وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:
وغادةٍ قالت وفي خدها ... حية مسكٍ سلبتني المنام
حمرة خدي إذا قارنت ... سواد أصداغي هام الهوام
أما ترى الحية تسعى إلى النا ... ر إذا ما أضرمت في الظلام!
وأنشدني أيضاً لنفسه:
في ورد خديك بدت عقرب ... وحية تلسع جانيها
يقول من بات سليماً بها ... يا ويح من أصبح حاويها
وصنع المخلص أبو العباس أحمد، ابن بنت الفقيه أبي الطاهر بن عوف، وأنشدنيه:
حمت ورد خديها بأفعى وعقربٍ ... فردت يدي جانيه عن جلناره
أليس محياها المزخرف جنةً ... فلا غرو أن حفت لنا بالمكاره
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى -:
سألتها تصفح عن هفوةٍ ... من عاشق أقسم ألا يعود
فصورت ملغزةً حية ... وعقرباً من فوق ورد الخدود
فكان تصحيف الذي ألغزت ... خيفةً أن يفهم عنها الحسود
غفرت ما أسلف فلتهنه ... جنة وصلي بعد نار الصدود
وأنشدني الرضى بن أبي حفصة الأحدب لنفسه:
قالوا ترى عقرباً قد قابلت أفعى ... في خد ظبية أنسٍ قط ما ترعى
فقلت لما بدا سحر الجفون لها ... جاءت له حية في خدها تسعى
وتلك عقرب خديها فلا برحت ... لا أنها العقرب المؤذي بها طبعا
فانظر إلى حيةٍ مع عقربٍ ظهرت ... بروض وجنها لم يقتلا شرعا
وزادتا حسنها نفعاً فواعجباً ... من أهل ضر لها قد أظهروا النفعا
لو يكن ريقها الترياق ما سلمت ... وكان لأئمها لا يأمن اللسعا
فقل لمن سامني ترك الغرام بها ... لم أسلها والذي قد أخرج المرعى
قال علي بن ظافر: وصنعت:
قضيب قدك هذا الرطب من هصره ... وخمر ريقك هذا العذب من عصره!
(1/154)

وأطلس الخد من بالمسك صور في ... محمره حبةً بالمسك مقتدره
يا حسنه أفعواناً لا يعض وإن ... أضحى على عضه لعاشقين شره
فلا تظننه رقشاء لاسعةً ... تنساب من وجهها في روضةٍ نضره
بل نفث ألحاظها بالسحر خيل ثعبانا على خدها يلهى الذي نظره
يا ليت شعري مع أني الكليم هوىً ... لم أظهرت آيتي ألحاظها السحرة!
قال: وقلت أيضاً:
وغادةٍ رقمت في خدها صوراً ... لتسلب الناس ألبابا وأذهانا
هل عقرب الصدغ خافت فيك أعيننا ... فاستنجدت عقرباً أخرى وثعبانا!
أم العقارب والحيات قد ألفت ... من وجنتيها بحكم الطبع بستانا

الباب الخامس
في بقية بدائع البدائه
وفيه فصلان
أحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب
وثانيهما ما ليس باقتراح مقترح

الفصل الأول
فيما كان باقتراح مقترح
فمن ذلك ما روى
أن جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة؛ وهو مرثد بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وهو آخر ملوك جفنة بالشام قال لحسان: حب هذا المدامة، قد استحوذ على فبغضها إلى، فصنع حسان ارتجالا:
ولولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شاربٍ حين يشرب
لما نزق مثل الجنون ومصرع ... دنى وأن العقل ينأى ويذهب
فقال: حرمتني لذتها، فحببها إلي، فارتجل وقال:
ولولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد شي يستفاد ويجلب
أمانيها والكأس يظهر طيبها ... على حزنها، والهم ينأى ويذهب
فأمر له جبلة بجائزة وحلةٍ من حلله.

ومن ذلك ما روى
أن الفرزدق دخل على عبد الملك في بعض وفاداته عليه، فامتدحه فحباه وأكرمه وأحسن جائزته، فلما خرج من عنده ركب راحلته، وأنشد:
ما حملت ناقة من معشرٍ رجلا ... مثلي إذا الريح ألقتني على الكور
فأنهى ذلك إلى عبد الملك، فأرسل وراءه من رده، فلما دخل عليه قال: إيه يا فرزدق! أنت الذي تقول: ما حملت ناقة ... البيت.؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: لتخرجن منها
(1/155)

يا بن اللخناء أو لآتين عليك! فقال مرتجلا:
إلا قريشاً فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير
ترى وجوه بني مروان مشرقةً ... يوم الندى كشرفات الدنانير
فقال عبد الملك: أولى لك! ورضي عنه.

ومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد موسى الهادي
يا خير من عقلت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له الهادي: إلا من؟ فقال واصلا كلامه:
إلا النبي رسول الله إن له ... فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر
فظن الهادي والحاضرون أن البيت مستدرك، ونظر في صحيفته فلم يجده. فأضعف صلته.

وروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له
فقال له طاهر: إنك قد قلت في أبي دلف:
إنما الدتيا أبو دلفٍ ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره
فاصنع لي مثلهما ولك بكل بيت ألف، فصنع بديهاً:
عجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحد ... ومن فوقها آخر مطبق
وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق!
فأمر له بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف.

وذر الصولي في كتاب الوزراء
قال: حدثنا عيسى بن حماد، قال: شرب الحسن بن وهب عند عبد الله بن طاهر، فعرضت سحابة فأبرقت ثم أمطرت، فقال بعض من حضر المجلس: قل في هذا شيئاً، فقال:
هطلتنا السماء هطلاً دراكا ... عارض المر زمان فيه السماكا
قلت للبرق إذ توقد فيها: ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيباً نأيته فجفاً كا ... فهوذا العارض الذي أبكاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا؟

وذكر ابن المثنى
قال: قلت لخالد الكاتب: أخبرني عن قولك:
(1/156)

هذا حبيبك مطروق على كمده ... حرى مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به، ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده
ألا قلت كما قال أبو نواس:
سماه مولاه لاستملاحه سمجاً ... فاختال عجباً بهذا الاسم وابتهجا
ظبي كأن الثريا دون مفرقه ... والمشتري وضياء الشمس والسرجا
محكم الطرف يدني سيف ناظره ... إذا انتضاه لفتك قال لا حرجا
لا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبه فرجاً
فصنع بديهاً:
قل لظبيٍ كله حسن ... ارث لي من فعلك السمج
عينه سفاكة المهج ... من دمي في أحرج الحرج
أسهرتني وهي راقدة ... باحورار الطرف والدعج
لا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج

وروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن الصباح الكندي فيلسوف العرب قصيدته التي أولها
ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي رسوم الأربع الأدراس
وانتهى إلى قوله:
إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الكندي: ما زدت أن شبهت الأمير بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ذكرت؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيراً ثم أنشد:
لا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلا شروداً في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فجن الحاضرون استحساناً مما أتى به، وأجزل أحمد صلته. ولما خرج قال ابن الصباح: إن هذا الفتى قصير العمر؛ لأنه ينحت من قلبه؛ فكان كذلك.

وروى حماد بن أحمد الكندي
قال: كان على بن الجهم يقع في مروان بن أبي الجنوب ويثلبه، حسداً له على قبوله ومنزلته عند المتوكل. فقال له المتوكل يوماً: أيكما أشعر يا علي؟ وأراد أن يغري بينهما. فقال علي: أنا أشعر منه. فقال: ما تقول يا مروان؟
(1/157)

كل أحد أشعر مني، وإذا أصيب عرضي في أمير المؤمنين لا أبالي. فقال المتوكل: هذا عدول عن الجواب، قد زعم أنه أشعر منك؛ فإن كان صادقاً قد مناه عليك، وإلا فبرهن عن نفسك. فقال مروان: يا علي، أنت أشعر مني؟ قال: أو تشك في ذلك؟ قال: لشد ما شككت! قال: فالناس يعملون صدقي، قال: فأمير المؤمنين بيننا، قال: إنه يميل إليك. فقال المتوكل: هذا من عيك يا علي. ثم التفت إلى حمدون بن عيسى، وقال له: اقض بينهما. قال: مالي ولما ضغي الأسد! فقال المتوكل: قد أبحت كلاً منكما هجاء صاحبه، فليبين عن نفسه: فقال علي: إنه قد كظني النبيذ فما أقدر على قول الشعر حتى أفيق. فقال مروان: لكنني أقدر يا أمير المؤمنين، قال: قل وعجل، قال:
إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني
ويكون حين أغيب عنه شاعراً ... ويضل عنه الشعر حين يراني
وإذا خلونا ناك شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني
عظمت حواياه وأربى بطنه ... فكأنما في بطنه ولدان
إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما هاجاني
فضحك المتوكل والندامى، وانخزل ابن الجهم، فقال المتوكل: بحياتي زد ما حضرك، فقال:
بنت جهمٍ يا عليه ... صرت بعدي قرشيه
قلت ما ليس بحق ... اسكتي يا حلقيه
اسكتي يابنت جهم ... اسكتي يا نبطيه
فجعل المتوكل يضحك ويضرب الأرض برجليه، فقال ابن الجهم: لعمري إن هذا الشعر يشبه قائله. فقال مروان: صدقت إنه لهزل ولكنني أجد بك، ثم قال:
لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي نجله يدعي الشعرا
ولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا
ففضحه في ذلك المجلس. ولم يحر جواباً، إلا أنه قال بعد ذلك بيتين يعنيه بهما، وهما:
(1/158)

بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون

قال علي بن ظافر
ولما قدم مؤيد الدولة بن ركن الدولة أتى أبي علي الحسن بن بويه الديلمي إلى بغداد في حياة والده وعمه معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ليعقد على ابنته زبيدة قدم معه الصاحب القاسم ابن عباد، وهو يومئذ في حداثة سنه وريعان عمره، وفي هذه السنة كتب كتاب الروزنامجه إلى الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، وفي فصل منه ما معناه: أنه حضر عند الأستاذ أبي محمد المهلبي في ليلة طلعت نجوم سعدها، وأنجزت بها سجف المسرة صادق وعدها، وألحت الكؤوس خاطف برقها، وأسمعت المثاني حثيث رعدها، فجعلوا يتنقلون في شجون، المجون ويعقدون نكاح ابن الغدير على ابنة الزرجون، فاقترح عليه المهلبي أن يصنع شعراً في صفة هذا الحال، فقال بديهاً:
تركت لساقي الريح يا بنة عرعرا ... وزرت لصافي الراح حانة عكبرا
وقلت لعلج يعبد الراح: زفها ... مشعشعةً قد شاهدت عهد قيصرا
فأوسعني آساً وورداً ونرجساً ... وأسمعني ناياً وطبلاً ومزهرا
هنالك أعطيت البطالة حقها ... وألفيت هتك الستر كنزاً ومفخرا
كأنى الصبا جريا إلى حومة الصبا ... أناغي صبياً من جليد مزنرا
فعانقته والراح قد أغبقت بنا ... وكررت تقبيلاً وقد أقبل الكرى
وصد عن العينين النعاس وصدني ... إلى أن تصدى الصبح يلمع مسفرا
وهبت شمال نظمت شمل بعثتي ... فطارت بها عني الشمل تطيرا
وكان الذي لولا الحيا لأذعته ... ولا عيش يصفو للفتى إن تسترا

وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان
قال: حدثني أبو طاهر عبد العزيز بن حامد الواسطي الملقب سيدوك، قال: كنت بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرمى إلي بنارنجة نصفها أخضر، ونصفها أصفر، وقال: قل في هذه شيئاً، فارتجلت:
وطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالسجايا الطياب
فأصفر في لون شمس المسا ... وأخضر في لون قوس السحاب
فلون كوجنة مرعوبةٍ ... ولون كإثر نصول الخضاب
(1/159)

فهذا كمصة خد الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب

قال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت
وجعل فوقها ورد وبهار وشقائق حتى غطى أكثر الماء، وحضر أبو علي الهائم، فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئاً، فعمل بحضرتنا، وأنشد:
خجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار
وحكى الماء فيهما أحمر اليا ... قوت حسناً مرصعاً بنضار
جمعا بالكمال في بركةً تمت ... ع حسناً نواظر الحضار
أضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار
فوجدنا أخلاق سيدنا الزه ... ر ذكاء يربي على الأزهار
ظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار

قال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا
فغنى له من وراء ستارة الخاصة صوت هو:
نحن قوم من قريش ... ما هممنا بفرار
وبعد أبيات ركيكة، فقال: أتعرفون لمن هذه؟ فقال أبو عبد الله بن المنجم: بلغني أن الشعر للمطيع بالله واللحن له، فقال لي اصنع أبياتاً على وزنها وقافيتها ليكون هذا اللحن المليح في شعر جيد، فتباعدت عن المجلس، واستدعيت دواة ودرجاً وعملت:
أيهذا القمر الطا ... لع من دار القماري
رائحاً من خيلاء الحس ... ن في أبهى إزار
والذي يجني ولا يتبع ذنباً باعتذار
أوضح العذر عذارا ... ك على خلع العذار
أنا من هجرك في بع ... دٍ على قرب مزار
فاستحسنها جداً، وأنشد:
نحن قوم نحفظ العه ... د على بعد المزار
ونمير السحب سحبا ... من أكف كالبحار
أبداً ننحر للضي ... ف بدوراً من نضار
(1/160)

وبلغني عن بعض أهل المجلس أنه أمر الستارة بنقل اللحن إلى هذا الشعر، فنقل وغنى به، وبعد هذا أتممت أنا أبيات القصيدة وامتدحته بها.

قال على بن ظافر
وبالإسناد المتقدم ذكر صاحب اليتيمة ما معناه، أن أبا الحسن السلامي الشاعر دخل على الأمير عز الدولة أبي ثعلب فضل الله بن ناصر الدولة بن عبد الله حمدان وبين يديه درع كأنما جمعت من عيون الدبي أو غدير غضنت وجهه الصبا، فقال له: صفها، فارتجل:
يا رب سابغةٍ حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وغدوت أبذلها لكل مهند
فاستحسن بديهته، وأحسن جائزته.

وذكر ما معناه
أن السلامي سافر في صباه إلى الموصل، وبه جماعة من الشعراء، فلما أنشدهم شعره اتهموه واستصغروا سنه واستعظموه، فقال لهم أبو عثمان الخالدي: أنا أكفيكم أمره، ثم صنع دعوة وجمعهم بها، فلما اجتمعوا أخذوا في سبر صناعته، والبحث عن قدر بضاعته، فاتفق أن أمطرت السماء مطراً أشبه الثغور في لونها وبردها، وجانس بمنثوره منظوم عقدها،، فبادر الخالدي فألقى عليه نارنجاً كأنه كرات ذهب، أو شعل لهب. ثم قال: يا أصحابنا، صفوا هذا، فارتجل السلامي:
لله در الخالد ... ي الأوحد الندب الخطير
أهدي لماء المزن عن ... د جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور
بعثت إليه بعذره ... عن خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور
فاعترفوا بفضله، وعرفوا عند ذلك مقدار علمه وعقله

وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن عقيل بن عبد الواحد الدسكري في سنة ست وتسعين وأربعمائة، قال: حدثني القاضي التنوخي قال: أصعد أبو الفرج الببغاء هو وجماعة من الشعراء الكبار يمتدحونه، فأخرج يوماً خازنه قدحاً من ياقوت أزرق، فملأه ماء وتركه يتشعشع، فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن من
(1/161)

هذا! فقال: قل فيه شيئاً وهو لك، فقال أبو الفرج في الحال:
كم منةٍ للظلام في عنقي ... بجمع شملٍ وضم معتنق
وكم صباحٍ للراح أسلمني ... من فلقٍ ساطعٍ إلى فلق
فعاطنيها بكراً مشعشعةً ... كأنها في صفائها خلقي
في أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق
كأن أجزاءه مركبة ... حسناً ولطفاً من زرقة الحدق
ما زلت منه منادماً لعبا ... مذ أسكرتها المدام لم تفق
تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق
أدهشها سكرنا فإن يكن الصم ... ت حديثاً فذاك عن فرق
تغرق في أبحر المدام فيس ... تنقذها شر بنا من الغرق
ونحن باللهو بين مصطبحٍ ... يمرح أمناً وبين مغتبق
فلو ترى راحتي وصبغتها ... في لونها في معصفرٍ شرقٍ
لخلت أن الهوا لاطفني ... بالشمس في قطعةٍ من الأفق
فاستحسنها سيف الدولة وأعطاه إياه.

وذكر أن السرى الرفاء الموصلي
دخل على أبي الحسن باروخ بن عبد الله صاحب ناصر الدولة بن حمدان، وبين يديه ستارة تستر من يجلس برسم الغناء، فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع بديهاً:
تبين لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سباقاً إلى الفضل منعما
فصيرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجاباً مكرما
لأظهر من حسن الغناء محللا ... وأستر من حسن الوجوه محرما
وذكر العميد الباخرزي في كتاب دمية القصر، أن أبا الحسن أحمد بن علي البستي أمره بهاء الدولة أن يعمل ما يكتب على تكة إبريسم، فقال ارتجالاً:
لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور
وإذا انسجمت فإنني ... بين الترائب والنحور
ولقد نشأت صغيرة ... بأكف ربات الخدور

ومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة
ورويته بالإسناد المتقدم
(1/162)

ورواه لي أيضاً جماعة من الأندلسيين متفرقاً، أن أبا الفضل صاعداً اللغوى دخل على المنصور بن أبي عامر المعافري كفيل المؤيد بن الحكم بن الناصر الأموي والمتغلب على دولته، فأهدى إلى المنصور وردة منطبقة في غير أوانها، فقال لصاعد: قل فيها شيئاً، فارتجل:
أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها
فأفرط المنصور في استحسانها، فحسده ابن العريف أحد الندماء، وقال: إنهما ليسا له، وقد أنشدنيها بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب، وجعل يحث حتى أتى مجلس ابن بدر - وكان أحسن أهل وقته بديهة - فوصف له ماجرى، فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد:
عشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها
فقالت: أسارٍ على هجعةٍ ... فقلت: نعم، فرمت كاسها
ومدت يديها إلى وردةٍ ... يحاكي لك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها
فوليت عنها على عفةٍ ... وما خنت ناسي ولا ناسها
فطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مشرقي، وتحيل حتى غير المداد، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال للحاضرين: غداً أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يقم في مكان لي فيه سلطان. فلما أصبح طلب فحضر، وأحضر جميع القدماء، فدخل به وبهم إلى مجلس حفل، قد أعد فيه طبقاً عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النوار، عليها لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحتها بركة ماء قد ألقي فيها لؤلؤ مثل الحصباء، وفيها حية تسبح، فقال لصاعد: بلغنا أنك تكذب في شعرك، وقد وقفنا على حقيقة ذلك، وهذا يوم إما أن تسعد فيه عندنا وإما أن تشقى، وهذا طبق ما أظنه حضر بين يدي ملك قبلي، فصفه حالا، فقال صاعد يديها:
(1/163)

أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف!
يسوق إليك الدهر كل غريبةٍ ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نورٍ صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف
وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف
حصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين راجف
ترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف
فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحية من تلك السقائف سقيفة، فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد؛ فقال له المنصور: إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فارتجل:
وأعجب منها غادة في سفينةٍ ... مكللة تصبو إليها المهاتف
إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته الرواجف
متى كانت الحسناء ربان مركبٍ ... تصرف في الكفين منها المجاذف!
ولم تر عيني في البلاد حديقةً ... زهتها أزاهير الربا والزخارف
ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... تقلبها في الراحتين الوصائف
فأنت امرؤ لو رمت نقل متالعٍ ... ورضوى ذرتها من سطاك العواصف
إذا رمت قولاً أو طلبت بديهة ... فكلني لها إني لمجدك واصف
فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارا، وألحقه في ديوان الندماء.

وروى أنه خرج معه يوماً إلى الزهراء
فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فرمى به، وأشار إليه أن يقول فيه، فارتجل:
لم أدر قبل ترنجانٍ عبثت به ... أن الزمرد أغصان وأوراق
من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأزهار سراق!
كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق
(1/164)

من ليس يقعده عن سؤددٍ قدم ... ولا تقوم له في سوءة ساق

وروى أيضاً
قال: دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحاً من إبريق، فتكونت قطرة من الراح في فم الإبريق ووقفت ولم تبرح، فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك، فقال بديهاً:
وقهوةٍ من فم الإبريق صافيةٍ ... كدمع مفجوعةٍ بالإلف معبار
كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تزقق ياقوتاً بمنقار
وقد أخذه من قول الشريف أبي البركات علي بن الحسن العلوي:
كأن ريح الروض لما أتت ... فتت علينا مسك عطار
كأنما إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتاً بمنقار

وذكر ابن بسام أيضاً
أن أبا عامر بن شهيد حضر ليلةً عند الحاجب بن أبي عامر المظفر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة صغيرة ظريفة الخلق، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلها على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالا:
أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازم للكئوس راتب
قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب
كيف تجافى الرقاد عنها ... فقلت لاترقد الكواكب
وذكر ابن بسام أيضاً
أنه كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجئ بباكورة باقلاء، فقال ابن ذكوان: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لهما، وارتجل:
إن لآليك أحدثت صلفاً ... فاتخذت من زمردٍ صدفا
تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا
هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا
شبهتها بالثغور في لطفٍ ... حسبك هذا من زمر من لطفا
حاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا
قدم در الرياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا
أكل ظريفٍ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كل من ظرفا
(1/165)

رخص فيه شيخ له حسب ... فكان حسبي من المنى وكفى

قال ابن بسام
وحكى أن جماعة من أصحاب ابن شهيد قالوا له: يا أبا عامر إنك لآت بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتى منك، هاز لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا. وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كملت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض، ولبد أحمر مبسوط قد صففت نعالهم عند حاشيته، فقال مسرعاً:
وفتيةٍ كالنجوم حسنا ... وكلهم شاعر نبيل
متقد الجانبين ماضٍ ... كأنه الصارم الصقيل
راموا انصرافي عن المعالي ... والحد من دونها كليل
فالشد في أمرها فسيح ... كل كثير له قليل
في مجلسٍ زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول
كأنما بابه أسير ... تعرض من دونه النصول
يراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لايقول
ينظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل
كأن أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل
ضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطه تقيل
فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطوافين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يده في لجام بغلته وقال: لا أتركك حتى تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يحسن، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال؟ قال: نعم فثنى رجله ثم قال:
هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل
كأنها أنياب بنت الغول ... لو نسخت في است أمري ثقيل
لقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل
نقل السخيف المائق الجهول ... وأكل قوم نازحي العقول
أقسمت لاأطعمها أكيلي ... ولا طعمها على شمول
(1/166)

وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني السرقسطي عن الحميدي
قال: ذكر أبو عامر بن سلمة أن إسحاق بن إسماعيل المنادي حضر مجلساً من أهل الأدب، فدخل عليهم فتى يكنى أبا الوليد، وبيده تفاحة غضة، فتنافسوا فيها، وجعل كل يستهديها. فقال: لا يستحقها بالأصالة إلا من وصفها فأحسن وصفها، فقال المنادي: هاتها فأنا زعيم بما أردته فيها، فأعطاه إياها فقال:
مجال العين في ورد الخدود ... يذكر طيب جنات الخلود
وأطيب ما تمنى النفس إلف ... يجدد وصله بعد الصدود
وآرجةٍ من التفاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد
فقلت لها: فضحت المسك طيباً ... فقالت لي: بطيب أبي الوليد

وروى ابن بسامٍ في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم
قال: حدث أبو عبد الله الصفار لصقلي قال: كنت ساكناً بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد على، فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي، تاركا لكل ما ملكت يدي، وقلت: أجتمع بأبي علي، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن. فجئت القيروان، ولم أقدم شيئاً على الدخول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام إلى وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى بمجالسته، قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، إن هاهنا بالقيروان غلاماً قد سلب كبدي، واستولى هواه على خلدي منذ عشرة أعوام، فانهض بنا إليه، فإن أنت ساعدتني عليه، قدمت عندي يداً لا يعدلها إلا رضاه. فقلت: سمعاً وطاعة، وسرت معه، حتى جئنا صاغة الجوهريين، فإذا غلام كأنه بدر تمام، صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يبسم عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه، على بياض يحرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره، فأنشدته قول الصنوبري:
إنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي: والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي على، ولكني أنست بك،
(1/167)

وشغلت بعذوبة لفظك، مع أني لم أرو طرفي عن وجهه المقمر، ولا متعته بفده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه، فقلت: ولم ينكس رأسه؟ فوالله ما رأيت أشبه بالبدر منه خداً، وبالغصن قداً، ولا بالدر ثغرا، ولا بالمسك شعرا! فقال: يا أبا عبد الله، ما أصبرك بمحاسن الغلمان؛ لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخفت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا عبد الله، ينكس رأسه لأني علقته وحده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي؛ فكأن طرفي يشوب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق؛ حتى بدا عداره فأبدي من يميمه نقشا على فضى أديمة، فتوهم لذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما يضعف قوى محبته، ويمحو رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي، ألا قلت في هذا المعنى شيئا! فأطرق قليلاً ثم أنشد:
وأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعاً ... كالمهر لا يعرف اللجاما
ونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما
وظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما
وما دري أنه نبات ... أنبت في جسمي السقاما
وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلا حملت حساما!
وهذا كما قال ابن المعتز:
ومستحسنٍ وصلي جعلت وصاله ... شعاري، فما أنفك دأباً أوصله
كأن بعينيه إذا ما أدارها ... حساماً صقيلاً والعذار حمائله

قال علي بن ظافر
وذكر أن أبا علي حسن بن رشيق دخل على المعز بن بادبس يوماً، وفي يده أترجة كأنها واسطة ذهب، أو جذوة لهب، فأشار إلى وصفها، فارتجل:
أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس
كأنما بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس

وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج
أن كتاب الخراج بالقيروان اجتمعوا في الديوان يوماً، فوقعت بينهم جرادة، فوضعها بعضهم في يده، وقال: من يصفها؟
(1/168)

فقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي قد علمتم أني امرء مرو، ولست بصاحب بديهة، فبدرهم يعلى بن إبراهيم الأريس، وهو أصغرهم سناً إذ ذاك، فقال:
وخيفانةٍ صفراء مسودة القرا ... أتتك بلون أسودٍ تحت أصفر
وأجنحةٍ حمر كأمثال ردنةٍ ... تقاصر عن أطراف بردٍ محبر

وروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي
دخل على بعض الرؤساء، وبين يديه طبق قد ملئ ورداً أحمر وأبيض فاستدعى منه وصفه، فقال بديهاً:
كأنما الورد الذي نشره ... يعبق من طيب معانيكا
دماء أعدائك مسفوكة ... قد قارنت بيض أياديكا

وذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني
قال: دخلت على عمي الرئيس أبي الحسن وقد دخل عليه غلام فحياه بنرجسة، فقال لي: قل فيه شيئاً صفه به، فقلت:
ومكحلٍ بالسحر أحور شادنٍ ... حيا بنرجسةٍ أوان بكور
فكأنه وكأنها في كفه ... بدر يريك التبر في الكافور
وتركبت فوق الزبرجد حلقة ... تحكي فتور اللحظ من مخمور
قال علي بن ظافر
وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة أن أبا الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي، حضر مجلس المعز بن باديس يوماً، وبالمجلس ساقٍ وسيم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندمان فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:
ومعذرٍ نقش الجمال بمسكة ... خدا له بدم القلوب مضرجا
لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا
قال علي بن ظافر
ذكر ابن خاقان في كتاب قلائد العقيان ما معناه قال: حضر الاستاذ. أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي عند المأمون ابن ذي النون ببعض متنزهاته، في يوم طاب نسيمه، وسرت بالسعود نجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمة، والماء قد جرت بين الأعشاب أرقامه؛ وثم بركة مملوءة، كأنها مرآة مجلوة، قد اتخذت سباع الطير بشاطها غاباً، ومجت بها من سائغ الماء لعابا، لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلئ الحباب بعدما تنثر،
(1/169)

فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تحب، إليه ركاب القلوب وتوضع، فقال بديهاً:
يا منظراً إن نظرت بهجته ... ذكرني حسن جنة الخلد
تراب مسكٍ وجو عنبرةٍ ... وغيم بد وطل ما ورد
والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد
تراه يزهو إذ يحل به المأمون زهو الفتاة بالعقد
تخاله إن بدا به قمراً ... تماً بدا في مطالع السعد
كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمةٍ ومن مجد
كأنما جادها وأمطرها ... بوابلٍ من يمينه رغد

وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن مروان بن أبي الحجاج بن علي القضاعي، قال: اقترحت على أبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي، وقد وقف ليود عنى، وكنت عازماً على سفر أن يصنع لي أبياتاً غزلية في الوداع فصنع في الحال، وقال:
ولما رأت طير الفراق نواعباً ... وقد هم بالتوديع كل مودع
شكت ما شكا المخزون من غربة النوى ... وأبكت لها عيني غزالٍ مروع
ولم أر في خد يزرر قبلها ... من الغيد شمساً في غمامة برقع
وقد سفرت عن برقع عبر الأسى ... لعيني بها عن وجد قلب مفجع
وأقبل در البحر من فوق نحرها ... يصافحه من خدها در مدمعي
فيارب إن البين أخنت صروفه ... علي ومالي من معينٍ فكن معي
على قرب عذالي وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي

قال علي بن ظافر
وبالإسناد المتقدم روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ما معناه، قال: دخل الوزير أبو العلاء زهر بن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر، على الأمير عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي من حبابه ولفظه، وقد بدا عذاره في صفحة خده، وكمل حسنة باجتماع الضد مع ضده، فكأنه بسحر لحظه أبدي ليلا في شمس، وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:
(1/170)

تضاعف وجدى إذ تبدى عذاره ... ونم فخان القلب مني اصطباره
وقد كان ظني أن سيمحق ليله ... بدائع حسن هام فيها نهاره
فأظهر ضد ضده إذ وشت به ... بعنبره في صفحة الخد ناره
وزاد بجفنيه ذبولاً بنرجسٍ ... زها فيه لما أمه جلناره
واستزاده، فقال بديهاً:
محيت آية النهار فأضحى ... بدر تم وكان شمس نهار
كان يغشى العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خده بالعذار
ثم استزاده فقال:
عذار ألم فأبدى لنا ... بدائع كنا لها في عما
ولو لم يجن النهار الظلا ... م لم يستبن كوكب في السما
ثم استزاده فقال:
تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لما استدار به عذار مونق
وكذلك البدر استنار جماله ... في أن تكنفة غمام أزرق

وأنبأني العماد أبو حامد
قال: ذكر لي صفوة الدين النابلسي أن الأمير أبا الحسن علي بن منقذ كان راكباً في جماعة منهم ابن حيوس، فنزلوا بروضة غناء فيها شقائق وأقحوان، فاستحسنوها وقالوا: ننظم فيها شعراً، وقالوا للأمير: ابدأ أنت، فقال في الحال:
كأن الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور
فهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور

قال العماد وذكر لي أن معز الدولة قال علي بن ظافر
يعنى تمثال بن صالح الكلابي صاحب حلب - جلس على نهر قويق زمن المد وقد خيم به، فذكر ابن النوت الشاعر وهو الرضى عبد الواحد بن الفرج بن النوت المعري، وذكر سرعة بديهته واقتداره على الارتجال، فأرسل إليه على البر فحضر، فقال بديهاً:
رأيت قويقاً إذ تجاوز حده ... له زجل في جريه وضجيج
وكان ثمال جالساً بشفيره ... فشبهته بحراً لديه خليج
فقال معز الدولة: قد زعم الحلبيون أن هذا ليس بشعرك - وكان فيهم ابن سنان الخفاجي - فإن قلت بديهة أعطيتك جوائزهم، ثم نظر إلى غرابين على
(1/171)

نشز، فقال: صفهما، فقال:
يا غرابين أنتما سبب البي ... ن فكيف اجتمعتما بمكان!
إنما قد وقفتما في خلو ... في فراق الأحباب تشتوران
فاحذرا أن تفرقا بين إلفي ... ن فما تدريان ما يلقيان

قال علي بن ظافر
وكان أبو سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان ظاهر التغفل، على جودة نظمه ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الخفافين على بغلته، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها، فعبر السكة يوماً مع أصحابه راجلاً، فلما رأى الجلود الملقاة نفر ونكص على عقبه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ! فقال: البغلة نفرت بي. فعجبوا من تغفله، كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي أنه راكب، وأن حركته الاختيارية منه هي حركة البغلة الاضطرارية له، فكان تغفله ربما أوقعه في مهمةٍ عند من لا يعرفه. واقترح عليه بعض الأمراء أن يضع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذيب، وأول الثاني جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً:
كتابي نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هناك وذيب
جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب

قال علي بن ظافر
وذكر لي بعض أصحابنا ما معناه، أن القاضي الموفق محمود بن قادوس، دخل على الأمير فرج الظهير، فعرض عليه دبوس صيني الحديد، عديم النظير والنديد لا تحصن منه خوذة ولا نثرة، ولا تقال لضربته عثرة، تجفل لصولته آساد الحرب إجفال الأنعام، وتتضاءل لهيبته البيض حتى تعود أوهى من بيض النعام، فأمره بوصفه، فقال على لسانه:
ما ضر من كنت في الهيجاء عدته ... ألا يعوج على بيض ولا أسل
إذ لا تحصن مني البيض لابسها ... ولا الدروع ولا مستأخر الأجل
قال علي بن ظافر
ودخل أبو خالد بن صغير القيسراني على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفاً، وجر النسيم عليها ما رق من أذياله
(1/172)

وصفا، فهو تارةً يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبرداً ويحكيها مسرداً، فأمر بوصفها فقال:
أو ما ترى طرب الغدير إلى النسيم إذا تحرك
بل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه لسرك
وإذا الصبا هبت عليه أتاك في ثوبٍ مفرك

وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي الكاتب
قال: أخبرني القاضي كمال الدين أبو فخر عبد القاهر ابن المهنأ التنوخي المعري المعروف بخصى البغل قال: كنت بحماة، فأتيت حانوت رجل يعرف بالحكيم أبو الخير، فصادفت عنده رجلا يعرف بالسديد، فطلبت منه يرنية ورد مربى، فقال: لن تراها حتى تقول في شعرا، فقلت: أما المدح فلا، وأما الهجاء فنعم، فقال: هات، فقلت:
أبو الخير أبي الخير ... فلا خير ولا مير
ضئيل ناحل الجسم ... ولكن كله أير
فقال: اصنع في السديد - وكان كبير الأنف، فقلت:
كما أن سديد الدين أنف بس لا غير
تراه بين عينيه ... كناقوسٍ على دير
فقال: وفيك أيضاً، فقلت:
فخذها من خصى البغل ... كمثل البرق في السير
قال علي بن ظافر
ودخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن رافع بن بلال الفزاري، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره ناره وجمد نهره، وألبسه من جلد الأفاعي رداء، وجسمه ردىً أو داء، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، فأمره بصفة شأنه، فقال بديهاً على لسانه:
أروق كما أروع فإن تصفني ... فإني رائق الصفحات رائع
تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلال عن مدافع
(1/173)

وقال أيضاً:
رب يومٍ له من النقع سحب ... ماله غير سائل الدم ودق
قد جلته يمنى بلالٍ بحدي ... وكأني في راحة الشمس برق
وقال فيه:
أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحد قاطع
فكأنما استمليت تلك وهذه ... من وصف كف بلالٍ بن مدافع
وقال أيضاً:
انظر لمطرد المياه بصفحتي ... ولنار خدي كم لها من وصال
قد عاد شدي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ بن مدافع بن بلال

وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً وشق ليلاً من الشعر جوناً فقال
ومتيمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاج ومن أدهانه شرفاته
كتمت دياجي الشعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيوقاته
وقال فيه:
وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزق عن صبح من العاج باهر
وإن غاص في بحر لشعور رأيته ... تبشرنا أطرافه بالجواهر
وقال فيه:
ومشرقٍ يشبه لون الضحى ... حسناً ويسرى في الدجى الفاحم
وكلما قلب في لمةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم

قال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة
فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، كشمس تحت سحاب الثقاب، وغصن في أوراق الشباب، فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت ظبي مذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثنى غصن ممطور، عانقه النسيم فاضطرب، فسالوه وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن القطان الأزدي القيرواني:
أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذراً فأين تلفت الغزلان
ثم صنع فقال:
(1/174)

لها ناظر في ذرى ناضرٍ ... كما ركب السن فوق القناة
لوت حين ولت لنا جيدها ... فأي حياةٍ بدت من وفاة
كما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمر وكرر في الالتفات
ثم صنع بديهاً:
ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلا عتا
كملت محاسنها فود البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا
قد قلت لما أعرضت وتعرضت: ... يا مؤيساً يا مطعماً قل لي متى!
قالت أنا الظبي الفريد وإنما ... ولي وأوحش نبوة فتلفتا

قال علي بن ظافر
وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصرٍ رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أثواب السما، وقد ارتدى جلابب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرق على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما ائتمنت عليه من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث إليه لطيمةً نسيمة، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونثرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به. فسئل وصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، فألقت إليه جواهرها لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال:
قصر بمدرجة النسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرها المستور
خفض الخورنق والسدير سموه ... وثنى قصور الروم ذات قصور
لاث الغمام عمامة مسكيةً ... وأقام في أرضٍ من الكافور
غنى الربيع به محاسن وجهه ... فافتر عن نورٍ يروق ونور
فالروض يسحب حلةً من سندس ... تزهو بلؤلؤ طله المنثور
والنحل كالغيد الحسان تقرطت ... بسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المهجور
والبحر يرعد متنه فكأنه ... درع يشن بمعطفي مقرور
وكأننا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكب وبدور
(1/175)

وكذاك دهر بني خليف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور

وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه
قال: كنت مع الأعز ابن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح المصري وه عائد من المكتب، ومه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً، وراحة القلب قرباً ووصالا، كل عينٍ إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل محملقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:
علقته متعلقاً ... بالخط منعكفاً عليه
حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشقٍ يرجى لديه
فدماء حبات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه
لم أدر ما أشكو إليه: ... أهجره أم مقلتيه؟
والحب يخرسني على ... أني ألكع سيبويه
مالي إذا قابلته ... شغل سوى نظري إليه

وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق
قال: اصطحبت أنا والوزير أبو عبدا لله محمد بن الشيخ الأجل أبي الحسن بن عبد ربه حفيد صاحب كتاب العقد في مركب إلى الإسكندرية، فلما قربنا منها هاج علينا البحر حتى أشرفنا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذا الحال منار إسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لابد أن أعمل في المنارة شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذا الحال الذي نحن فيه! قال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل:
لله در منار الإسكندرية كم ... يسمو إليه على بعد من الحدق
من شامخ لأنف في عرنينه شمم ... كأنه باهت في دارة الأفق
يكسر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمر لذيل لا ينجو من الغرق
لا يبرح الدهر من ورد على سفن ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق
للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق
تهوى إليه وعنه الفلك طائرة ... بمثل أجنحة صيغت من الخرق
كأنه وعليه الفلك حائمة ... برج الحمام، فمن آتٍ ومنطلق
(1/176)

وأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير رحمه الله
قال: أمرني الملك العزيز رحمه الله تعالى أن أصنع له في فرس أشهب قطعةً أشبهه فيها بالقمر في لونه وسرعته وقال رحمه الله: ان الناس شبهوه باشهاب والقمر اسرع أسرع جرياً منه فصنعت في الحال:
وأشهب يقطع عر ... ض الأرض في لمح البصر
ما مثله في لونه ... وجريه إلا القمر

وأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث
قال: اجتمعا ليلة عند القاضي محيى الدين ولد قاضي القضاة صدر الدين بن درباس - رحمه الله - فتذاكرنا البديهة، فاقترح على أن أصنع له في شمعة كانت بين أيدينا، فصنعت:
وأنيسةٍ باتت تساهر مقلتي ... تبكي وتبدي فعل صب عاشق
سرقت دموعي والتهاب جوانحي ... فغدا لها بالقط قطع السارق

وأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم
قال: لقيت القاضي النفيس أبا العباس أحمد بن عبد الغني القطرسي، وأنا عائد من الحمام، ومعي سطل نحاس أحمر، فمر بنا بعض الشعراء، فسألتهما أن يصنعا شعراً في صفة السطل، فصنع النففيس بديهاً:
أنا كافل للري إن بخل الحيا ... ومهدي الحميا من مراشفي اللعس
إذا حملتني راحة فكأنني ... هلال منيرٍ حامل كرة الشمس

قال علي بن ظافر
دخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقلت بديهاً:
أبدعت يابن هلال في فسقيةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد
عجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد
فكأنهن صوالج من فضةٍ ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد

قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل
أني كنت في خدمة مولانا الملك العادل خلد الله ملكه بالإسكندرية، سنة إحدى وستمائة، مع من ضمته
(1/177)

حاشية العسكر المنصور من الكتاب، ودخلت سنة اثنتين ونحن مقيمون بالخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت مع من حضر للهناء، من الفقهاء والعلماء والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، في يوم من أيام الجلوس للأحكام، والعرض لطوائف الأجناد بالتمام، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من العسكر، إلا حضر مهنئاً، ومثل شاكراً وداعياً. فلما غص المجلس بأهله، وشرق بجمع الناس وحفله، وخرج مولانا السلطان - خلد الله ملكه - إلى محله، واستقر في دسته، أخرج كتاباً ناوله إلى الصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بنعلي وزير دولته وكبير حملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم - أبقاه الله - كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه، ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغور ثم رجع:
أروى رماحك من دماء عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا
واركب خيولاً كالسعالي شزباً ... واضرب بسيفك من يشق عصاكا
واجلب من الأبطال كل سميدعٍ ... يفري بعزمك كل من يشناكا
واسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا
وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدو دراكا
وانكح رماحك للثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتني بعلاكا
فالعز في نصب الخيام على العدا ... تردى الطغاة وتدفع الملاكا
والنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا
فإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا
والنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكأس الذي رواكا
والعجز أن تمسي بمصر مخيماً ... وتحل من تلك العراص عراكا
فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا
فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً، ولا حر البلاد هناكا
وانهض إلى راجي لقاك مسارعاً ... فمناى من كل الأمور لقاكا
وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا
(1/178)

واشف الغداة غليل صب هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا
فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا
فبقيت لي يا مالكي في غبطةٍ ... وجعلت في كل الأمور فداكا
فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها، أخذوا في استحسان نظامها، وتناسق غريب التئامها والثناء على الخاطر الذي نظم محكم ابياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال السلطان - خلد الله ملكه: نريد من يجيب عنها بأبيات على قافيتها. فالتفت مسرعاً إلى وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان وهو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص في مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال السلطان - خلد الله ملكه -: على مثل هذه الحال؟ قال: نعم، أنا جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال، قم إلى هاهنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع غاغاء الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو منفرد به. فقمت وقد فقدت رجلي انخزالا، وذهني اختلالا، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلى خاطري، وانثال الشعر على ضمائري، فكنت أرى فكري كالبازي الصيود، لايرى كلمة إلا أنشب فيها منسره، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت:
وصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا
أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا
عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا
جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرة وجهك الأحلاكا
كقميص يوسف إذ سفت يعقوب رباه، شفتني مثله رياكا
قد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسناً فلم لا تعجز الأملاكا!
ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا
لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا
(1/179)

أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا
يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا
مازرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا
أم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا
طابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في الفخار أخاكا
أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً وأمنح غيرها سقياكا
مكثي جهاد للعدو لأنني ... أغذوه بالرأى السديد دراكا
لولا الرباط وفضله لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا
ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا
إني لأمنحك المحبة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا
فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكل مملكٍ يخشاكا
لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً، ومن عاداك كان فداكا
وأعيش أنظر إبنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا
ثم عدت إلى مكاني، وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس الأبيض وروضتها. فلما رآني السلطان - خلد الله ملكه - قد عدت قال: أعملت شيئاً؟ ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: نعم، فقال: أنشدنا. فصمت الناس وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون. فما هو إلا أن توالي إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى إذ ضربت قداحهم، وسردت أمداحهم. اغرورقت عيناه لذكره، وبان منه نخفى المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له ثم نهض.
وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي في التعريض له، أمور كان يقترحها علي فأنفذ فيها بين يديه، ويخف الأمر منها على، لدالتي عليه؛ منها أنني كنت معه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، فورد كتاب من الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته
(1/180)

نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة:
أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمهم عدلا
فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا
ودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا
إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا!
وماذا عسى من ظل بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا
فلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناءً يملأ الوعر والسهلا

قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة بالرها
وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي، ومنعني من القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل بينهما، فصنعت في الوقت:
يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر
اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر
فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس:
(1/181)

سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام
وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام
فنور من شموعٍ أو ندامى ... ونور من سقاةٍ أو مدام
يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام
تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام
يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام
فكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام
وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام
لدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام
ومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام
فما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام
فدام مخلداً في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام
فلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي.

قال: ومررت أيضاً عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة إلى الموصل في سنة سبع وستمائة
فلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في الوقت بالمعنى الذي اقترحه:
مالذة المعنى ... إلا مدامته
ووصل من عليه ... قامت قيامته
ظبي صريعه ... ما ترجى سلامته
والٍ على غرامي ... دامت ولا يته
في السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته
كالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته
كالبدر وجهه ... والأصداغ هالته
كالغصن حين تز ... هو به غلالته
كالليث حين تب ... دو عليه لامته
وليس مثل قلبي تخشى سآمته
إن الوفاء منه ... والصبر عادته
وولائمي عليه ... بانت لآمته
كالريح لم تؤثر ... عندي ملامته
فقم أدر شراباً ... لذت مرارته
قد جلت الدياجي ... عنا إنارته
فما السرور عندي ... إلا إدارته
(1/182)

وأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعاً عليه خلعة خاصة

الفصل الثاني
فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح
روى مرة أن بن محكان السعدي تميم
قدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير - وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد بقتله، فقال مرة بن محكان بديهاً:
بني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت
ولست وإن كانت إلى حبيبةً ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت

وذكر الطبري
أن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أسيراً منهم ليقتله، فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفاً فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفاً، فناوله بعض الحرس سيفاً كليلا، فضرب به الأسير ضربةً أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيراً لجرير، فقام إليه بعض بني عبس سيفاً صارماً فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيراً للفرزدق. فدس اليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً ضرب به الأسير نباً فضحكوا وخجل الفرزدق ثم قال: يا أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس:
فإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفسٍ حينها غير شاهد
فسيف بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد
- عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملقٍ نفسه على زهير، فلم يصنع شيئاً، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
فأجابه الفرزدق بقوله:
(1/183)

ولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم

وروى أنه سكر يوماً فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه
فأنشأ يقول:
وأنت لو باكرت مشمولةً ... صهباء مثل الفرس الأشقر
عدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر

وروى أبو الغراف
قال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. فلبس درعاً، وتقلد سيفا، وتابط رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين الحبطى، وأقبل في أربعين فارساً، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرجٍ وخلاخله
أعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله
ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد.

وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود
قال: أنت الذي قال فيك الشاعر:
ياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليكً ممدود
قال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا:
متى ماأكن في السجن في حبس ماجدٍ ... فإني على ريب الزمان صبور
فلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور
لقد كنت دهراً لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير
فقال الحجاج: لله أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله.

وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا
فقال حماد:
يا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع
وعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع
فقال مطيع:
إن حماداً لئيم ... سفلة الأصل عديم
(1/184)

لا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم
فقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم قال:
كل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياسٍ
رجل مستملح في ... كل لينٍ وشماس
عدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي
غدس الله له ... كبدي أوفي غراس
ذاك إنسان له فضل على كل أناس

وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس
امض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا ملياً يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع:
أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك
فأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع:
فدعيه وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت روحه الغداة فداك
فقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما.

وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج
فلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذاً، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد:
سقاني أبو بشرٍ من الراح شربةً ... لها سورة ما ذقها لشراب
وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب

وروى انه كان منحرفاً عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس
فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً من كلاب الصيد، فارتجل أبو دلامة:
(1/185)

قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده
وعلى بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهام ك ... ل فتىً يأكل زاده
فخجل علي بن سليمان، وضحك المهدي، وأمر له بجائزة.

وذكر دعبل بن علي
قال: كان لأبي الشمقمق على بشار مائتا درهم في كل سنة، فأتاه أبو الشمقمق في بعض السنين فقال: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أوجزية هي؟ قال: نعم هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح أو أحكم مني؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: لئن هجوتني لأهجونك، قال أبو الشمقمق: أو هكذا هو؟ قال: نعم ما بدالك. فقال أبو الشمقمق:
إني إذا ما شاعر هاجانيه ... ولج في القول له لسانيه
أدخلته في است أمه علانيه ... بشار يا بشار ...
أراد أن يقول: يا بن الزانية. فوثب إليه بشار وأمسك فاه، ثم قال: أراد والله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم وقال: لا يسمع هذا منك الصبيان.

وروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب
قال له مرة يمازحه وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في قول الشعر، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره وصعد المنبر وأنشد مرتجلا:
محضتكمم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحيةٍ ... أكولٍ لحيات البلاد شروب
فإن يك باق سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب
ثم التفت إليه وقال: لا يأتى بها والله خطيب مصقع. فاعتذر إليه، وحلف أنه إنما كان يمازحه.

وروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان
فلما كان في اليوم الموفى ثلاثين قيل لأبي نواس: هذا يوم شك، وبعض الناس يصومه احتياطاً. فقال: ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "، ثم التفت إلى عيسى وارتجل:
لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالفص
نسرق هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص

وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله
قال: حدثنا أبو سهل الحاسب،
(1/186)

ونحن معه في بعض حوانيت الفسطاط، قال: كان أكثر قعود الحسن بن هانئ في هذا الحانوت، فمر به في بعض الأيام ابن عبد الحكم، وكان في يده سوط، فسلم علينا به، فقال الحسن:
سلم السوط إذ مررت علينا ... فعلى السوط لا عليك السلام
فقال ابن عبد الحكم لمن معه: من هذا؟ فقيل: هذا الحسن بن هانئ. فرجع إليه ونزل واعتذر، فقبل الحسن بن هانئ عذره وألطفه.

وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين
أنه كان بالكرخ مغن يقال له أبو عمير، وكان له قيان حسان، وكان عبد الله بن محمد. أظنه التيمي - قد عشق جارية منهن، يقال لها عبادة فكان يغشى منزله وينفق فيه. ثم أضاق إضافة شديدة حملته على انقطاع عنهم، وكره أن يقصر عما كان عليه من برهم، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، فأتاها فأصاب عندها جماعة ممن كان يألف منزل مولاها، فرحبت به الجارية وسيدها، واستبطئو زيارته وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فلما سكر رفع عقيرته منشداً:
لو تشكى أبو عمير قليلاً ... لأتيناه من طريق العياده
وقضينا من الزيارة حقا ... ونظرنا لمقلتي عباده
فقال له أبو عمير: مالي ولك يا بن أخي! انظر إلى مقلتي عبادة كيف شئت غير ممنوع ... ، ولا تتمن لي المرض.

وذكر أيضاً فيه برواية تتصل بعلي بن هشام
قال: قدمت على جدتي شاهك من خراسان، فقالت لي: اعرض على جواريك، فعرضتهن عليها، ثم جلسنا على الشراب، ومتيم تغني، فأطالت جدتي الجلوس عندنا، فلم أنبسط للجواري إجلالاً لها، فأخذت الدواة وصنعت في الحال، وكتبت به رقعة ورمت بها إلى متيم:
أنبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم!
سلام عليكم لا سلام مودعٍ ... ولكن سلام من محب متيم
فأخذته ثم نهضت إلى الصلاة، وعادت وقد صنعت لحناً فغنته، ففطنت جدتي، وقالت: أظن أننا ثقلنا عليكم، وأمرت الخدم فحملوا محفتها، وأمرت للجواري بصلاتٍ، وأمرت لمتيم بثلاثين ألف درهم.

أنبأني الفقيه النبيه
أبو الحسن المفضل علي بن الحسين المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي
(1/187)

القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس البغدادي. قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداد، وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت لووجدت رجلا مثل الأصمعي ممن يعرف أخبا العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال يحيى: ها هنا شيخ يعرف الأخبار، يقال له غياث بن ورقاء الشيباني، قال: أحضره، فلما حضر قال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه فقال: أنا شيخ كبير، لاطاقة لي بذلك؛ لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك؛ فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، وأنشد اقتضاباً:
أبعد شيبي أصبو ... والشيب للمرء حرب
شيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب
يابن الإمام فهلا ... أيام عودي رطب
وإذ شفاء الغواني ... منى حديث وقرب
وإذ مشى قليل ... ومنهل العيش عذب
والآن حين رأى بي ... عواذلي ما أحبوا
آليت أشرب راحاً ... ماحج لله ركب
فقال المأمون: اكتبوها بالذهب؛ وأمر له بجائزة وتركه.

وبهذا الإسناد عن الحميدي
قال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التيمي، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: حدثني أبو معاذ عبدان الخوبي المتطبب، قال: دخلنا يوماً بسر من رأى علي عمرو بن بحر الجاحظ نعوده، وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرر بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث! وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا بيتاً من قصيدة عوف بن ملحم الخزاعي. قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفاً دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم
(1/188)

علي عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة وأنشد:
يابن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وأبدلتني من زمان الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانةً من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتعٍ ... إلا لساني، وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان

وذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال
فحمله مالك بن طوق إلى المعتصم، فلما قدم بين يديه، وأحضر السيف والنطع لقتله، رآه المعتصم جميلا وسيما، فاحب أن يعلم كيف منطقة، فقال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله تعالى ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبق إلا العفو أو الانتقام، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليك، أشبهها بك، وأولاك يكرمك ألقيهما بك، ثم ارتجل:
أرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت!
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت، وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلانٍ يسر ويشمت
فعفا عنه المعتصم وقلده عملا.
وهذه بديعة لو وقعت لمرو ثابت الجأش، مع
(1/189)

طول المدة وحصول الأمن لكانت عظيمة، فكيف بالبديهة في هذه الساعة التي يحول فيها الجريض دون القريض، وحسبك بحال لم يقدر عبيد بن الأبرص فيها على الروية. وكذلك على بن الجهم قال ارتجالا وقد صلب:
لم يغصبوا بالشاذياخ عشيةال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً وملء قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا
وهذا من أحسن شعره وأبدعه.

وروى عن خالد الكاتب أنه
قال: دخلت الدير يوماً فإذا أنا بشاب مغلول مربوط إلى سارية، فملت إليه وسلمت عليه، فقال: من تكون؟ قلت: خالد الكاتب، قال: صاحب المقطعات؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته:
ترشفت من شفتيه عقاراً ... وقبلت من خده جلنارا
وعانت منه قضيباً رطيباً ... وردفاً مهيلاً وبدراً أنارا
وعاينت من حسنه في الظلام ... إذا ما تبدى نهاراً جهارا
فأطرق ثم أنشد:
رب ليلٍ أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتخاب
ونعيم ألذ من وصل معشو ... ق تبدلته بيوم عتاب
قال خالد: فوالله إني منذ ثلاثين سنة لا أحسن إجازتهما.

وروى أبو الفرج
أن شحنة بغداد كسر نبيذاً كثيراً حتى ملأ الطريق، فمر به بكر بن خارجة، فلما رآه جلس يبكي فمر عليه بعض أصحابه، فسأله عن سبب بكائه، فقال بديهاً:
يا لقومي لما جنى السلطان ... لم يكن للذي أهان هوان
صبها في الطريق من حلب الكر ... م عقاراً كأنها زعفران
صبها في مكان سوءٍ لقد أد ... رك سعد السعود ذاك المكان
قال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إن من حق الفتوة والمروءة ألا أكتبها إلا قائما، فعمدته لأنه كان مفلوجاً حتى كتبها.

وذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي
كان قد ولى بعض النواحي للمتوكل، فأخرج إليه أحمد بن المدبر جملة كبيرة، وجلسا للمناظرة بين يدي المتوكل، ولم يكن إبراهيم من رجال أحمد في كتابة الخراج، ولا واحدٍ من رجاله في البلاغة والشعر؛ فكاد يفتضح، فوقعت
(1/190)

قضية للمتوكل أوجبت أن ارتجل إبراهيم:
صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب المتوكل، وأقره على عمله، وسوغه ما عليه.

وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين
انه كان يعشق جارية لبعض الهاشميين يقال لها أمل، فدعا إخواناً له من أجلاء الكتاب، ودعاها ودعا قياناً غيرها، فحضروا وتأخرت، فتنغص عليه يومه من أجلها، ثم جاءت فسرى عنه، وطرب وشرب، وكتب ارتجالا:
ألم تريا يومنا إذ نأت ... فلم تأت من بين أترابها
وقد غمرتنا دواعي السرور ... بإلهائها وبإطرابها
ومدت علينا خيام النعيم ... وكان المني بعض أطنابها
ونحن فتور إلى أن دنت ... وبدر الدجى بين أثوابها
فلما نأت كيف كنا لها ... ولما دنت كيف صرنا بها
وقرئت عليها الأبيات، فقالت: ليس الأمر كذلك، قد كنتم قبلي في لذة، وإنما تجملتم بهذا لما حضرت، فقال:
يامن حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه
ومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه
من غاب غيرك منهم ... فإذنه في يديه
فرضيت عنهم، وأتموا يومهم.

وحكى أن علي بن الجهم
قال: كنت بين يدي المتوكل، وقد أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقال علي بن الجهم يخطر بين يدي الرسول، وهو يرتجز:
أهلاً وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفى من الغليل
برأس إسحاق بن إسماعيل
فقال المتوكل: التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.

قال علي بن ظافر: إسحاق بن إسماعيل هذا مولى لبني أمية، خرج بتفليس في سنة سبع وثلاثين ومائتين، حين وثب أهل أرمينية بعاملهم من جهة المتوكل يوسف بن محمد بن يوسف. وتولى قتل إسحاق هذا بغا الكبير في سنة سبع وثلاثين؛ ولم يكن بين اغتباط المتوكل بعلى هذا الاغتباط وبين نفيه إلا نحو سنة، لأنه نفاه إلى خرسان في سنة ثمان وثلاثين.

وذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد
عن محمد بن عبدوس الفارسي
(1/191)

أنه قال: سرت يوماً إلى علي بن الجهم، فأنشدني لنفسه في العناق:
ولم أنسى ليلاً ضمنا بعد فرقةٍ ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ معذب
وبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب
فانقدح زني لإيراد مثله، فأطرقت وقلت بديهاً:
لا والمنازل من نجدٍ وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا في الهوى جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... سيراً فما أنفك لاخد ولا عضد
ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا

أنبأني المقدسي
عن القيروان عن السرقسطي عن الحميدي، قال: حكوا أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر من جلساء الأمير عبد الرحمن - ذكره غير واحد - وحكوا أنه دخل عليه في يوم غيم، وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق. فقال له: ما يصلح ليومنا هذا؟ فقال: عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ وأرخي علي عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح. فضحك ثم أمر بالغناء وآلات الصهباء، فلما دارت الكئوس واستمطر الأمير نوادره واستطرد بوادره. وأشار إلى الغلام أن يلح عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة:
يا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصلف
تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍ متيمٍ دنف
فاستبدع الأمير بديهته، وأمر له ببدرة. ويقال إنه خيرة بينها وبين الوصيف فاختارها نفياً للظنة عنه.

وذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء
وقد كبر سنه، وضعف جسمه، وبين يديه شفيع خادمه ينضد ورداً، وعليه قراطق موردة، ولم يكن في عصره خادم أحسن منه، فأمره المتوكل أن يحييه بوردة، ويغمز يده ليحرك خاطره، ففعل فارتجل:
وكالوردة البيضاء حيا بوردةٍ ... من الحمر يمشي في قراطق كالورد
سقاني بعينيه وكفيه شربةً ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد
له عبثات عند كل تحيةٍ ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد
(1/192)

سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من الدهر إلا من حبيب على وعد
قال علي بن ظافر
وهذه الحكاية تشبه حكاية ذكرها الفتح ابن خاقان في قلائد العقيان أوردتها ها هنا قاطعاً ترتيب الحكايات طلباً للمجانسة حتى إذا نجزت عدنا لترتيب الأخبار على ترتيب الأعصار، قال الفتح بن خاقان: أخبرني الوزير أبو عامر بن يشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهر سقاته غصونا تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازحت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تشرق في أكف سقاتها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان. وعنده الوزير أبو الحسن بن الحاج اللورقي، وهو يومئذٍ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد ساقيه أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه، ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلا، فأنشد أبو الحسن مرتجلا:
ومهفهفٍ مزج الفتور بشدة ... وأقام بين تبذلٍ وتمنع
يثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران: سكر طبيعةٍ وتصنع
والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتمنع
لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي

أخبرنا المسكي
عن السلفي، عن جعفر بن أحمد بن السراج، وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الجود العروضي، عن جحظة البرمكي، قال: حدثنا أبو عبادة البحتري الشاعر - وكان المتوكل أدخله في ندمائه - قال: دخلت على المتوكل يوماً، فرأيت في يديه درتين، ما رأيت أشرق من نورهما، ولا أنقى بياضاً ولا أكبر، فأدمت النظر إليهما، ولم أصرف طرفي عنهما، ورآني المتوكل، فرمى إلى التي كانت في يده اليمنى، فقبلت الأرض، وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعاً في الأخرى، فعن لي أن قلت:
بسرمرا لنا إمام ... تغرف من كفه البحار
خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار
(1/193)

الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار
وليس تأتي اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار
فرمى بالدرة التي كانت في يده اليسار وقال: خذها يا عيار.

وحكى النميري
قال: كنت عند الأمير عبد الله بن المعتز وعنده قينة قبيحة الصورة، فجعلت أتبرم بها، وجعل يظهر شغفاً بها وعشقاً لها، ليغايظني بذلك، فلما اشتد غيظي منه خلوت به فقلت له: نشدتك الله أيها الأمير، أعشقتها؟ فقال مضاحكاً: نعم، فقلت: ألست ترى قبح وجهها وسماجة خلقها! فارتجل:
قلبي وثاب إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئأً فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه
فسكت عنه تعجباً من سرعة بديهته.

وروى أنه جاء يوماً إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد الجامع ليسلم عليه
فقام إليه هو والحاضرون، وأجلسه مكانه، فداس قلماً فكسره، فقال:
لكفي وتر عند رجلي لأنها ... أبادت قتيلاً مالأعظمه جبر
فعجبوا من بديهته وحسنها.

قال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال
سمعت أبا الطيب الكاتب يقول: ذكر المازري أنه كان في مجلس ابن المعتز، وغلام على رأسه يذب، فوقعت المذبة على رأس بعض الجلساء، فقال ابن المعتز:
قل لمن ذب ذب نفسك عنا ... حسبنا منك، أو فحسبك منا

حدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي
قال: حدثنا العروضي، عن الصولي وذكره. وبهذا الإسناد عن أبي الحسن بندقة، قال: أنشدنا عبد الله بن المعتز بيتي أبي نواس في الخمر وهما:
وعاشقٍ دنفٍ نبهته سحراً ... فقام للكأس والصهباء قاصطبحا
ودارت الكأس من صهباء صافيةٍ ... فما حسا قدحاً إلا بكى قدحا
فاستمد فكتب:
وقهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... مثل السراب يرى من دقةٍ شبحا
إذا تعاطيتها لم تدر من دهشٍ ... راحاً بلا قدحٍ أعطيت أم قدحا
(1/194)

قال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني
قال: حدثنا الصولي قال: ذكر المرادي أنه كان في بعض الأيام عند ابن المعتز على شراب، فأكثر القوم كلامهم، فقال:
إذا فتح القوم أفواههم ... لغير شرابٍ ولا مطعم
فلا خير فيهم لشرب المدام ... فدعهم يناموا مع النوم

قال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة
فقال:
أتاني برء لم أكن واثقاً به ... كحل أسير فك بعد وثاقه
وكان لأحد بني المنجم جارية صفراء مولدة، فبلغ به الوجد بها إلى أن مرض ونحل، فدخل عليه الطبيب فجسه، فقال: هذا الفتى قد أحرقته الصفراء، فقال: أصبت وأحسنت من حيث لا تشعر، واستدعى دواة وكتب في الحال:
قال الطبيب وقد تبين سحنتي ... قد أحرقت هذا الفتى الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... والحق أبلج ليس فيه مراء

ومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي
كان يهوى مدام الشاعرة الكوفية، وكان مداوماً للشرب، فاعتل واشتدت حماه، فدخل عليه صديق له طبيب يكنى بأبي بشر، فجس يده فوجد حماه حادة، فقال له: ما يتلفك إلا مداومتك مدامك. فقال للوقت:
عجبت من قول أبي بشر ... وقوله ضرب من السحر
مدامك الهلك فلا تكثرن منها وأني لي بالكثر!
أصابك في اللفظ ولكنه ... أخطأ في المعنى ولم يدر

قال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي
قال: حدثني المعوج الرقي، قال: كبا الفرس ببدر الجمالي فافتصد، فدخلت عليه فأنشدته أبياتاً عملتها في الحال وهي:
لا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس
حملت بأساً وجوداً فوقه وندى ... وليس يقوى لهذا كله الفرس
قالوا افتصدت فما عقل العلا معها ... خوفاً عليك ولا نفس بها نفس
كف الطبيب دعا كفا نقبلها ... ونطلب الرزق منها حين ينحبس

قال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم
قال حدثني أبي قال:
(1/195)

كنا في دعوة أبي علي الحسن بن مروان الكاتب، وحضر فيها الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمر ببغداد، فغنت الرقية زوج أبي علي صوتاً من وراء الستارة أحسنت فيه، فأخذ المهلبي الدواة، فكتب في الحال بديهاً وأنشدها لنفسه:
ذات غني في الغناء من نغمٍ ... تنفق في الصوت منه إسرافا
كأنها فارس على فرسٍ ... ينظر في الجرى منه أعطافا

وروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر حريق المربد
فقال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالا.
أتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا
جرى نفسي صعداً بينكم ... فأحرق من ذلك المربد
وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناره توقد
ولولا أدمعي لم يكن ... حريقكم أبداً يخمد

ومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة
قال: ذكر سليمان بن محمد الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل ظريف يهوى غلاماً، فتجنى الغلام عليه، فبينما هو ذات ليلة يشرب منفردا، وقد غلب عليه السكر، خطر بباله أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل، ووضع النار في الباب فاحترق، فاتفق أن رآه بعض الجيران، فخرج أهل الدار فأطفئوا الحريق، ولما أصبحوا حملوه إلى القاضي، فسأله: لم فعل؟ فأنشأ يقول:
لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بدا ... ولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد
فطار من بعض نار قلبي ... أقل من لمعة الزناد
فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك في مرادي
فاستظرفه القاضي واستلطفه، وغرم عنه أرش ما أتلفه.

أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي
عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن عبد الله محمد بن أبي عبد الله الحافظ الحميدي، قال أخبرني أحمد بن قاسم، جار لنا كان بالمغرب، أن عبد الملك بن إدريس الحريري
(1/196)

كان ليلة بين يدي المنصور بن أبي عامر، والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة أخرى، فارتجل:
أرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا
وذلك أنه لما تبدي ... وأبصر وجهك استحيا فغابا
مقال لو نمى عني إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا

وبهذا الإسناد
قال الحميدي: حضر عقيل بن نصر مجلساً فيه أحداث من الكتاب، فاختلفوا في شيء من الآداب إلى أن أفضى نهم ذلك إلى السباب، فقال عقيل على البديهة، وأنشدنيها بعض الرؤساء ولم يعلم قائلها:
تعس الزمان لقد أتى بعجائبٍ ... ومحا رسوم الفضل والآداب
وأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب

أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن صمدون الصوري
عن الإمام الحافظ السلفي، عن أبي غالب شجاع بن فارس الرملي، عن أبي منصور محمد المالكي البصري، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني وأبي الحسين بن لنكك وأبي عبد الله المفجع، وابن الحسين السباك في بطالة العيد، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبز أرزي، وهو جالس يخبز على طائفة، فجلسوا عنده ثم قاموا عند تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنسكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين. إذا اتسخت ثيابي - وكانت ثيابهم جدداً قد لبسوها للتجمل بها في العيد - فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أحمد بن المثني، فجلس أبو الحسين بن لنكك وقال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلى هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله، ونحن نبدؤه قبل أن يبدأنا، واستدعى بدواة وكتب إليه:
لنصرٍ في فؤادي فرط حب ... يزيد به علي كل الصحاب
قصدناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب
فقال: متى أراك أبا حسينٍ؟ ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي
وأنقذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها في الحال، فقرأناه فإذا هو قد أجاب:
منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظٍ عذاب
أتى وثيابه كقتير شيبٍ ... فعدن له كريعان الشباب
(1/197)

وقلت متى أراك أبا حسين؟ ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي
فإن يكن التقذر فيه فخر ... فلم يكنى الوصي أبا تراب!

وذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر
قال: حدثني أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ببغداد، قال: أنشدت أبا القاسم الصوري بيتين، كان أبوعبد الله عمر بن يحيى ادعاهما لنفسه في مجلس المهلبي الوزير، فأنكر أبو الفرج الأصبهاني ذلك، وأخرجهما في أناشيد ثعلب وهما:
أقول لها إذ بت في أسر قومها ... وجامعتي عن منكبي تضيق
لما سرني أن بت عني بعيدة ... وأني من هذا الإسار طليق
ثم قلت له: أهما أحسن أم بيتان عملتهما في المعنى، وهما:
أقول لها والحي قد نذروا بنا ... ومالي متأثر المنون براح
لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح
فأمسك ساعة ولم يجب، ثم عمل في الحال وأنشدنيه:
ألا مرحباً بالأسر يا أم مالكٍ ... وجامعتي والقد منه قريني
إذا كنت في كسر الخباء قريبةً ... تحسين مني لوعتي وأنيني
وعمل أيضاً في الحال وأنشدنيه:
أقول وقد هز القنالي قوامها ... ومالي من بين الأسنة مذهب
ألا ليت نحري للأسنة ملعب ... وكفي في بحر ابنة القوم يلعب

قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي
عند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشٍ بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبٍ ... وأن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلمائة دينار وللنجيرمي بمائتين.

وذكر صاحب اليتيمة
وقد ذكرنا الإسناد إليه فيما سبق من الكتاب - أنه قدم
(1/198)

إلى عضد الدولة فنا خسرو جام بهطة بيضاء عليها لوز منصف، وكان ينادمه رجل من أهل الأدب، قلما يحضر شيء على المائدة إلا قال فيه شعراً له أو لغيره، فاستدعى منه عضد الدولة أن يصفها فأرتج عليه، فارتجل عضد الدولة:
بهطة تعجز عن وصفها ... يا مدعي الأوصاف بالزور
كأنها في الجام غذ زينت ... لآلي في ماء كافور

وشرب السري الموصلي يوماً مع جماعة من أصحابه
بالقفص في حانةٍ لبعض الخمارين، فأقاموا نهارهم يديرون من الكئوس شعلا يلهبها الماء ويزول برشفها الظماء، وبين أيديهم أسد قد نظم من الورد، فقال السري بديهاً:
رب أيامٍ على القفص لنا ... لانرى مثلها طول الأبد
غيضة ريحاننا الغض بها ... أسد من غابة الورد ورد
ما رأى الناس ندامي قبلنا ... شربوا الراح على وجه الأسد
قال علي بن ظافر: ذكرت بهذا قول ابن الخياط الدمشقي بديهاً في مثله:
لنا أسد ورد سبانا به الهوى ... وما كان يهوى قبله الأسد الورد
له وردة حمراء في فيه غضة ... يرى عادياً منها وإن كان لايعدو
كليثٍ قريبٍ بالفريسة عهده ... فباقي دم المفروس في فمه يبدو

وحكى أبو الفضل الهمذاني
قال: قال الصاحب يوماً لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لايقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعراً، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه وهو الذي يقول - وارتجلت:
رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تعن السباع على رباعك
ولا تعن العدو على إني ... يمين إن قطعت، فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، قد فعلت.

وروى ابن الصابي في كتاب الوزراء
قال: كان في مجلس الصاحب متكلم يعرف بابن الحضيري، فغلبه النوم يوماً في المجلس، فكانت منه فلتة، فقام خجلا، فقال فيه الصاحب ارتجالا:
يا ابن الحضيري لا تذهب على خجل ... من ضرطةٍ أشبهت ناياً على عود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود

وأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية
عن الأستاذ المفيد أبي
(1/199)

بكر محمد بن خير بقراءته عليه - عن الحافظ أبي القاسم خلف ابن يوسف الشنتريني - عرف بابن الأبرش، - بقراءته على أبي الحسن على ابن بسام، قال: كان أبو العلاء صاعد اللغوي البغدادي كثيراً مل يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر كفيل المؤيد هشام صاحب الأندلس، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد صاحب الغرائب الماضية في هذا الكتاب إلى المنصور في يوم برد، وكان أخص وزرائه:
أما ترى برد يومنا هذا ... صيرنا للكمون أفذاذا
قد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا
فادع بنا للشمول مصطلياً ... نغذ سيراً إليك إغذاذا
وادع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا
ولا تبالي أبا العلاء زها ... بخمر قطربلٍ وكلواذا
ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمي وطير ناباذا
وكان المنصور في ذلك اليوم قد عزم على الانفراد بحرمه، فأمر باحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة - لنقرس كان يعتاده - وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يعهدوا مثله، وعلا الطرب وسما بهم حتى تهايجوا ورقصوا بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه وارتجل قائلا:
هاك شيخاً فاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكاً
لم يطق يرقصها مستثبتاً ... فغدا يرقصها مستمسكا
عاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا
من وزير فيهم رقاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا
أنا لو كنت كما تعهدني ... قمت إجلالا على رأسي لكا
قهقة الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى
وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها. وكان قد حضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالكك، كان حسن النادرة سريعها، وكان ابن شهيد أحضره إلى المنصور فاستطبعه وارتبطه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان منعه من الحركة قال: لله درك يا وزير ترقص قائماً وتصلي قاعداً: فضحك
(1/200)

المنصور، وأمر لابن شهيد بما جزيل ولسائر الجماعة وللكك.

وبالإسناد أيضاً قال ابن بسام
ودخل صاعد اللغوي يوماً على المنصور وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على جانب البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلقت رجله فسقط في الماء، فضحك المنصور وأخرج، وقد كان البرد يقضى عليه، فلما نظر إليه أمر له بثياب وأدنى مجلسه، وقال يا أبا العلاء قل في سقطتك، فأطرق ثم قال:
شيئان كانا في الزمان عجيبةً ... ضرط ابن وهبٍ ثم سقطة صاعد
فاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري الكاتب حاضراً فقال:
سروري بغرتك المشرقة ... وديمة راحتك المغدقه
ثناني نشوان حتى سقطت ... في لجة البركة المغرقه
لئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه
فقال: لله درك! قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد؟

وبالإسناد قال ابن بسام
وحدث أبو بكر محمد بن أحمد ابن حعفر بن عثمان، قال: دخلت يوماً على أبي عامر - قال علي بن ظافر: يعني ابن شهيد - وقد ابتدأت به علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض أصحابي علي ونفاره مني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين. فخرجت عنه، فلقيت ذلك المتجني علي مع بعض إخواني وأعزهم علي، فتجنبتهما فسأله عن السبب الموجب فأخبره، فمشى حتى أدركني وعزم علي في مكالمته، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهوى، وأشهى من الماء على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان هذا الذي تولى إصلاح ماكنا سررنا بفساده؟ قلنا: قد كان ما كان. ثم أطرق قليلا وأنشد:
من لا أسمى ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى
أرسلت من كان الهوى فدرى ... كيف يداوي مواقع البلوى
ولي حقوق في الحب ثابتة ... لكن إلفي يعدها دعوى
قال علي بن ظافر
وذكر ابن خاقان في كتاب مطمح الأنفس ما معناه: إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين، فمرت بهم امرأة من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً، ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري.
(1/201)

فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، ورمقوا الظبي بعيون أسود رأت فريسة، ارتاعت وتخوفت أن يخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها حشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً:
وداعيةٍ تحت طي القناع ... دعاها إلى الله بالخير داع
أتت بابنها تبتغي منزلاً ... لوصل التبتل والإنقطاع
فجاءت تهادي كمثل الرءوم ... تراعى غزالا بروض اليفاع
أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بوادٍ كثير السباع
وجالت بأكنافه جولةً ... فحل الربيع بتلك البقاع
وريعت حذاراً على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعى!
غزالك تفرق منه الليوث ... وتهرب منه كماة المصاع
فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كخط الشجاع

أنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا أبو الحسن الراشدي، عن أبي عامر بن شهيد أن عبد الله بن فاكان الشاعر تناول نرجسة، فركبها في وردة، ثم قال له ولصاعد - قال علي بن ظافر: يعني أبا العلاء صاعداً اللغوي المقدم ذكره -: صفاها، فأفحما ولم يتجه لهما القول؛ فبيناهم على ذلك إذ دخل الزهيري - قال علي بن ظافر: يعني صاحب أبي العلاء صاعد وتلميذه، وكان أديباً شاعراً أمياً لا يقرأ ولا يكتب - فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول بغير روية:
ما للأديبين قد أعيتهما ... مليحة من ملح الجنة
نرجسة في وردةٍ ركبت ... كمقلةٍ تنظر في وجنه

وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي
قال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى ابن الخياط الشاعر - وقد عرفت ما كان بينهما من المنافسة - بكى وأنشدني لنفسه بديهةً:
لما نعى الناعي أبا عامرٍ ... أيقنت أني لست بالصابر
أودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر
(1/202)

وبهذا الإسناد قال الحميدي
وذكر أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الأديب الشاعر النحوي قال بديهةً في وصف ناعورة.
وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط
وتبكي فتحي من دموع عيونها ... لآلي رياضٍ بالأزهر في بسط
فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط
كأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط

أنبأني ذو النسبتين الحافظ
أن دحية، عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خبر بقراءته عليه، عن الفقيه الحافظ أبي القاسم خلف الشنتريني عرف بابن الأبرش - بقراءته على أبي الحسن على بن بسام، قال: أمر الحاجب المنذر بن يحيى النجيبي صاحب سرقسطة بعرض الجند في بعض الأيام، وأميرهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادتهم في ذلك، فقال ابن هند الدانى فيه ارتجالا:
أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث
أفي الحق أن تحكى إسرافيل نافخاً ... وأمكث في رمس الصدود وألبث
عساك خيار الناس تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الغرام فيبعث

قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له
فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالا:
قالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيب به نزلا
عيناه تطلب في آثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفاً وجلا

قال وكان يوماً مع لمةٍ من أهل الأدب في مجلس أنس
فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه من يأتيه به من السوق، فدخل غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه مماجناً، فقال ابن فرج بديهاً:
أبصرت ديناراً بكف مهفهف ... يزهى به من كثرة الإعجاب
أومى به من فيه ثم رمى به ... فكأنه بدر رمى بشهاب

وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب
قال: دخلت يوما ديوان الإنشاء بمصر، ومتوليه ولي الدولة ابن خيران، فلم أجده في الديوان، إلا أني وجدت الكتاب على رسمهم، والناس على جارى عاداتهم،
(1/203)

وإذا سراويله ملقى على طراحة، فجلست أنتظره، فلم أشعر إلا وقد فتح خزانة وخرج، وقدامه غلام صقلي، كأن الشمس على صفحته، والغصن في قامته، منكسر الأجفان مطرقها، مورد الوجنة عرقها، وحين وصل الى الطراحة، لبس السراويل وارتجل:
أنا ممن لايرى للنفس إلا بالصلاح
لاتداوى علة الإنتعاظ إلا بالنكاح
فعلم الحاضرون أنه كان يفسق به، فأطبقوا عند الخروج على لعنه.

وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب
قال: دخلت على الوزير الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي أيام وزارته لشرف الدولة أبي علي الديلمي، وبيدي جزء من شعر شداد بن إبراهيم الخبز أرزى المعروف بالطاهر، فسألني عنه فأخبرته، فاستنشدني فأنشدته:
يامنكراً شغفني به ... ومكذباً طول اشتياقي
في أي أحوال تشك ... فهن أحوال السياق
أمدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي
كل إذا أنصفتني ... حجج عليك بما ألاقي
فاستحسن القطعة، وصنع في الحال:
الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي
وأكاد من أنس التذكر لا أذم يد الفراق
وأغض طرفي بعدما ... ملأته غزلان العراق
وأقر من خجل العتا ... ب إلى مغالطة العناق

وأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي
قال: سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي يقول: سمعت القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري يقول: كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد:
وما ذات در لا يحل لحالبٍ ... تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل
إذا بلغت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل
(1/204)

وخرفانها للأكل فيها كراهة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل
فأجابني وأملي على الرسول في الحال ارتجالا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه بخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدار الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تعاف وغصن الكرم يجنى ويؤكل
يكلفنا القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يجيبك يقبل
فأجبته ثانياً بقولي:
أثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طراً بل أعز وأفضل
تساوي له سر المعاني وجهرها ... وسائرها بادٍ لديه مفصل
ومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار تشعل
ولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل
وقربة من كل فهمٍ بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل
فيخرج من بحرٍ ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول
فأجابني مرتجلا وأملاه في الحال:
ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممولٍ ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاصمت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل
كأنك علم الشافعي مخاطباً ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي تكرماً ... فقلت وكفى عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثرياً فصاحةً ... وأعلى، ومن يبغى مكانك أسفل
(1/205)

فعذري في أني أحببتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنقاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك، وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك غامراً ... لها وهي في أعلى المنازل تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به يتجمل

وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة
قال: ذكر أبو عبد الله الصفار الصقلي، قال: كان بالقيروان غلام وضيء، كان يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق، فكان يحذره من المخالطة، فخرج يوماً يتنزه مع جماعته، فأشيع عنه ما ينكر، وبلغ أبا علي، فقال بديهاً:
يا سوء ما حاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق الناس يصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال

وقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتىً ببغداد
وينكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده به وكلفه؛ فدمعت عينا أبي الفضل يوماً، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فارتجل أبو الفضل:
وهبني قد أنكرت حبك جملةً ... وهونت من نفسي العزيزة سخطها
فمن أين لي في الحب جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها، ودمعي خطها

قال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض أصحابه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها فأطرق بعضهم ليصنع فيها، فبدره أبو الفضل فقال:
ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر
أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري
كلانا لعمري ذوب نارٍ من الهوى ... فنارك من حمرٍ وناري من هجر
وأنت على ما قد تقاسين من أذى ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري

قال علي بن ظافر: وهذا مثل قول الأعمى التطيلي في شمعة:
بآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري

وبالإسناد المتقدم قال ابن بسام
اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب، وحضر أيضاً هناك
(1/206)

لاعب مصري ساحر، فكان لعبه حسنا، فارتجل أبو عبد الله ابن الحداد قائلا:
كذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجنى الهوى ناضراً ناظرا
وإن ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضحى باهرا
وسيبك صيب ندى مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامراً
صباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيا العلا سافرا
وأطلعت فيه نجوم الكئوس ... فما زال كوكبها زاهرا
وأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا
يرفرف فوق رءوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا
ويخطفها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا
فظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا
وثناه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجا حائرا
وفي سورة الراح من سحره ... خواطر دلهت الخاطرا
إذا ورد اللحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا
ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفك عارضها ماطرا
وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا

وحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني
فأحضر لهما عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل المنفتل:
عنب تطلع من حشى ورقٍ لنا ... صبغت غلائل جلده بالإثمد
فكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد

قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة فاستحسنها ابن مرزقان
فقال بديهاً:
يا شمعةً تحملها أخرى ... كأنها شمس علت بدرا
امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ماتمتحن الأخرى

قال ودخل الأديب غانم يوماً على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق في المجلس
فقال بديهاً:
صير فؤادك للمحبوب منزلةً ... سم الخياط مجال للمحبين
(1/207)

ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وإنما نظم ما روى من أن الخليل بن أحمد دخل عليه بعض أصدقائه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه في مكانه، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين.

وخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر إشبيلية فقال بديهاً
ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته
كأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته
غدا النهر عقدك والطود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته
قال علي بن ظافر
وذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: أن المستعين بالله أحمد بن المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور، ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رق ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة والعراق، قد اكتنفته البساتين من جانبه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح الماء من أرضه. وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة للغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم؛ فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى استرق هواه:
لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر
كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حف السفين به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مد الشراع به نشراً على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر
تحوى السفينة منه آيةً عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر
(1/208)

وللندامى به عب ومرتشف ... كالراح يعذب في وردٍ وفي صدر
والشرب في ود مولى خلقه زهر ... يذكو وبهجته أبهى من القمر

قال علي بن ظافر: قوله: نينان غير معروف فإن نوناً لم يجئ جمعها نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله وصف السفينة:
تلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري
فغيره بشار بتيار البحور، وقد قال أبو الطيب يصف خيلا:
فهن مع السيدان في البحر عسل وهن مع النينان في البحر عوم

وجلس المعتمد بن عباد يوماً فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطي ورزامه
فاستبدعه المعتمد واستحسنه، وجعله أبدع ما للمتنبي وأحسنه، فارتجل عبد الجليل بن وهبون المرسي.
لئن جاد شعرا بين الحسين فإنه ... يجود العطايا واللها تفتح اللها
تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها
فاستحسن المعتمد وأمر له بمائتي دينار.

وجلس يوماً والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها
فقال عبد الجليل بديهاً:
للصيد قبلك سنة مأثورة ... لكنها بك أبدع الأشياء
تمضي البزاة وكلنا أمضيتها ... عارضها بخواطر الشعراء
قال علي بن ظافر
ذكر صاحب قلائد العقيان ما معناه: خرج ابن وهبون يوماً لنظر هلال شوال وأبو بكر بن القبطرنة الوزير يسايره؛ وهو يومئذٍ غلام يخجل البدر، ويزرى بالغصن النضر، وصفحته لم يسطرها الذار بأنفاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل:
يا هلال استتر بوجهك عني ... إن مولاك آخذ بشمال
هبك تكي سناه خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثال

وبالإسناد المقدم قال ابن بسام
أخبرني الحكيم النديم المطرب الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد، وعنده الوزير أبو بكر بن عمار: فلما دارت الكئوس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتاً ذهب الطرب بابن عامر كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:
(1/209)

ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت، وذي حمص وإسحاق
أنت الرشيد فدع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله درك داركها مشعشةً ... واحفر فساقك ما قامت به ساق

قال وساير ابن عمار في بعض أسفاره
وكان معه غلامان من بني جهور أحدهما أشقر العذار، والآخر أخضره، فجعل يميل بحديثه إلى المخضر العذار، فقال ارتجالا:
تعلقته جهوري النجار ... وحلو اللمي جوهري الثنايا
من النفر البيض جرد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلا جمان الحديث ... تساقطه من ظهور المطايا
شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا

قال علي بن ظافر: ومعنى هذا البيت أنه أبغض المثلث، لدخول لزعفران فيه، لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا، وهي لون من طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.
قال علي بن ظافر

وذكر صاحب قلائد العقبان ما معناه أن ابن عمار تنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرفوه، وذهبوا سقفه وفضضوها، ورخموا أرضه وروضوها، فبات به والسعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلما استنفد كافور الصبح مسك الغسق، ورصع أبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلا:
كل قصرٍ غير الدمشق يذم ... فيه طاب الحيا وفاح المشم
منظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم
بت فيه والفجر والليل عندي ... عنبر أشهب ومسك أحم

وقال علي بن ظافر
وأخبرني الفقيه أبو العرب إسماعيل ابن معوشة الكناني السبتي، قال: أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من آثار كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق. قال: كنت في صباي حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلست خلبه، وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على
(1/210)

باب دارنا، إذا الوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني، أشرأب إلي ينظرني، وبهت يتأملني، ثم دفع بمخصرة كانت في يده في صدري، وأنشد:
كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح
هو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح
قال علي بن ظافر
وذكر الفتح بن خاقان في كتاب القلائد ما معناه قال: أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى فبه الجو أشقر برقة، ورمى ببندق ودقة، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتميلت قامات الغصون في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بمداوس القطر، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو أرواح العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خده حسناً فتكلل يعرق حبابه؛ إذا بفتىً رومي من فتيان المؤتمن أقبل متدرعاً، كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسناً إلا أنه جسد، وغزال ليناً إلا أنه في هيئة أسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار، والسكر قد استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في نواحي قلبه. فأشار إليه وقربه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلي عنه الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار يقول:
وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكبٍ في مجلس
متناوح الحركات يبدي عطفه ... كالغصن هزته الصبا يتنفس
يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس
(1/211)

أيا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس
إياك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس
جهمٍ وإن كشف القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المخرس
سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس
وصنع فيه أيضاً:
وأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد
قسا قلباً وشن عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد
بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد
وإن فتى تملكه برقٍ ... وأحرز حسنه لفتى سعيد

وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام
أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد يوماً وقد حمل إليه حمول وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بكيسين منها، وكان بين يديه تماثيل عنبر، من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلي، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديهاً:
أجديتني جملا جوناً شفعت به ... حملاً من الفضة البيضاء لو حملا
يناخ جودك في أعطان مكرمةٍ ... لا قد تعرف من منعٍ ولا عقلا
فاعجب بشأني فشأني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا
فسارت بهذا الركائب، وتهادته المشارق والمغارب.

قال ابن بسام
وكان في قصر المعتمد فيل من فضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون المرسي من بعض قصيدة:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلدا ... تراه قلما يخشى هزالا
فجلس المعتمد يوماً على تلك البركة، والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر بن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديهاً منها:
(1/212)

ومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين، بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف
وقال أيضاً:
كأنما النار فوق الشمعتين سناً ... والماء من نافذ الأنبوب منسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها حفاف البرق يضطرب
وقال أيضاً:
وأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا ... هوى لكئوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها في الماء لمع الحباحب
وقال أيضاً:
كأن سراجي شربهم في التظائها ... وأنبوب ماء الفيل في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه

قال علي بن ظافر
خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض منزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست من مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلآلئ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد وزراء دولته، وسيوف صولته، يكتب إليه بديهاً في وريقة كرنب بعود من شجرة:
أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا

وجلس يوماً وبين يديه ساقية
قد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها التواء السوار، فقال ارتجالا:
انظر إلى الماء كيف انحط في صببه ... كأنه أرقش قد جد في هربه

وقال علي بن ظافر
وذكر الفتح ما معناه، قال: خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرت مسارح نباته، واخضلت مساري هباته، ودمعت بماء الطل عيون أزهاره، وذاب على زبرجده بلور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تصول لحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد ثقبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون
(1/213)

فلا تبصر ولا ترى. وكان المتوكل ابن الأفطس يعده غاية الأدب، ويعده منبهة للطرب ومدفعة للكرب، فباتوا ليلتهم يديرون لمع لهب، ينمنون فيه الخلود ويحتسون ذوب ذهب، لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فلما هزم رومى الصباح زنجي الظلام، ونادى الديك: حي على المدام، انتبه كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلا:
يا شقيقي واف الصباح بوجهٍ ... ستر الليل نوره وبهاؤه
فانتبه واغتنم مسرة يومٍ ... ليس يدري بما يجيء مساؤه
فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وانتبه أخوهما أبو الحسن وهو يرتجل:
يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الراح والمدام شمولا
لاتنم واغتنم مسرة يومٍ ... إن تحت التراب نوماً طويلا
فانتبه أخوه لكلامه، رافضاً لذة منامه للذة قيامه، وقال مرتجلا:
يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... وبادرا قهوةً من خير ما ذخرا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر وتبدي في غدٍ خبرا

قال علي بن ظافر
وركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحابٍ له في نهر إشبيلية، سال أصيلها على لجين الماء عقباناً، وطارت زوارقها في سماء الماء عقباناً، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، ففي زورق يجول جولان الطرف، ويسود اسوداد الطرف، فقال بديهاً:
تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء
بنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء
واتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة، فاستظرفها واستطابها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقها، فأنشد:
ألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانها وقد عبس المساء
وأدهم من جياد الماء نهدٍ ... تنسازع حبله ريح رخاء
إذا بدت الكواكب فيه غرقي ... رأيت الأرض تحسدها السماء

وذكر ابن خفاجة في ديوان شعره
وقد أنبأني به ذو النسبتين الحافظ ابن
(1/214)

الخطاب بن دحية إجازة، قال: صاحبت في دهري من الغرب سنة ثلاث وثمانين أبا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو حفص بن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في الشقاق، وقطع السبيل وإخافة الطريق. ولما حاذينا قلعته وقسد احتدمت جمرة الهجير، ومل الراكب رسيمه وذميله، فأخذ كل منا يرتاد مقيله، اتفقنا على ألا نطعم طعاماً، ولا نذوق مناماً، حتى نقول في صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون فاعتذر، فقلت أريض نار نزوته، وأعرض بعظيم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإن السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء
وقد دحى النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... قد اعشب شعر لحيته ضراء

وقال ابن خفاجة
وحضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تباروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي، فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:
صلني لك الخير برمانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد
لا عنباً أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد
وهل ترى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنهد!
فخجل خجلا شديداً وانصرف.

قال وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السمارين
ابتغاء الفرجة على خرير الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد - رحمه الله قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على مصطبة دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه وجلست إليه متأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق
بعمامةٍ من خده ... أو خده منها استرق
فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق
فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا رنا وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق
(1/215)

فقلت: - وقد أعجبت بها جداً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطمة سياقة الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية الجهل، فقلت بديهاً:
ومهفهفٍ طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر
فجن بها.
قال علي بن ظافر: والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة.

وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام
أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، فكتب إليه بديهاً:
جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس
وقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس
أشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس:
لنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق
إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق

قال ابن بسام
كان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ارتجالا:
ودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما
هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما
كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما

وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق
قال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب
(1/216)

السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته قائلاً:
يأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتمٍ في وجهه عرس
لا تقربن طعاماً عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس
فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله.

قال علي بن ظافر
أذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم خرج عباد ليلاً، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته:
قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج
جئت في ألف فارسٍ ... لغداءٍ من الكرج
ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج
فقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديهاً فقال:
وهبت يا قوم لكم عرضه
فقالوا: جزاك الله خيراً، فقال
كرامةً للشعر لا للفتى
لأنه أحرص من ذرةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا
قال علي بن ظافر
وذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروها كئوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشياطين الهموم رجوماً، فطرب حتى أظهر الطرب
(1/217)

نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:
لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارمٍ في يمين مرتعش
ونحن في روضةٍ مفوفةٍ ... دبج بالنور عطفها ووشى
قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش
فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
وأسقني بالكبار مترعةً ... فهن أروى لشدة العطش
فاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش

وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي
عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديهاً:
يا ملكاً قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا
إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا
وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا
كما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا

أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي رحمه الله
قال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديهاً:
وزنجي أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم

وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة
حضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديهاً:
يشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله
والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على النازل أثقاله
(1/218)

أنبأني الشيخان
تاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديهاً:
نار تيممها السديد فردها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم
فكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم

وأنبأني جميعاً عن الشيخ الحافظ أبي القاسم
قال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال:
إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاءً وقد مات طفل صغير
رأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير
فقل لابن شهر وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذلك: هذا المصير

وبهذا الإسناد قال الجاحظ
أخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ينشد لنفسه يديهاً في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط الشاعر:
دمشق دار رعاها الله من بلدٍ ... ونهر ثورا سقاه الله من واد
كأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي
مزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لوناً وطعماً غريباً غير معتاد
في روضةٍ من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراقٍ وإرعاد
ظللت فيها رخى البال مع رشاءٍ ... مهفهفٍ كقضيب البان مياد

قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي
قال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد على البديهة:
ولما شأوت الحاسدين إلى مدىً ... رفيع يزل العصم دون مرامه
ورفعت الأستارلي دون ماجدٍ ... شفا غلتي من بشره وسلامه
(1/219)

سطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت على كيد العدا بانتقامه

وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني
قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أموراً سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً. فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:
ارشوا الزناتي الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأن مظفراً ذا بيضتين
واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين

وأخبرني الشيخان
تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدراً الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه قاصداً له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما رآه مقبلا علا نشزاً من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول:
نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع
قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع
فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع
فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع
وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع
يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا
(1/220)

قال: وكان على يد بدرٍ باز، فدفعه إلى البازدار، فضرب على يده وانفرد به عن الجيش، وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر. قال علقمة: فوالله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فخرجت فقلت لمن ببابه: الحقوني يا متخلفين، فلحقوني بأجمعهم، فما فيهم إلا من خلعت عليه، ووهيت له من جائزتي.

وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب
كان في الحكم بالإسكندرية قال: دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر، فوجدته يقطر دهناً على خنصره، فسألته عن سببه: فذكر ضيق خاتمه عليه، وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد، فقطع الحلقة وأنشد بديهاً:
قصر في أوصافك العالم ... وأكثر الناثر والناظم
من يكن البحر له راحةً ... يضيق عن خنصره الخاتم
فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة، وكانت من ذهب.
وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض، وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمرٍ تخطى له واعتمد
وأعجب به غدا جاثماً ... وكيف اطمأن وأنت الأسد
فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان.
وتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها، فقال:
رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكاُ فداخلني بعض شك
وفكرت فيما رأى خاطري ... فقلت: البحار مكان الشبك

وأنبأني العماد أبو حامد
قال: وفد أبو الصقر الواسطي على نظام الملك رحمه الله - فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً:
لله درك إن دارك جنة ... لكن خلف الباب منها مالكا
هذا نظام الملك ضد المقتضى ... قد كان يروى عن جهنم ذلكا
أنعم بتيسير الحجاب فإنني ... لاقيت أنواع النكال هنالكا
مالي أصادف في رحابك جفوةً ... وأنا غني راغب عن مالكا!
(1/221)

قال: فلما أذن له قال له: إذا كنت غنياً عن مالنا فانكف عنا، فقال: كلا، أنت شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك.

وأنبأني العماد أيضاً
قال: ذكر عمارة في كتابه في أشعار أهل اليمن قال: وهب الداعي محمد بن سبالا بن سلمان - رجل من قومه - ألف دينار، والقاضي يحيى بن أحمد بن يحيى حاضر - وبنو يحيى بيت كبير بصنعاء - فارتجل القاضي لوقته:
لا فخر إلا إذا أقبلت مستلماً ... كف المكين ظهير الدين مولانا
هي لتي تهب الآلاف وافيةً ... إن كنت غراً فسل عنها ابن سلمانا
فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمتي، وإنما المسئول عنها أنت. ثم أمر له بألف دينار، فقبضها في الحال.

وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة
أن الوزير المزدقاني خرج للتنزه، فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته، فوقف متأملا لها، فأشارت إليه، وآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة شوقه ووجده بها، فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر، فيها زر من ذهب ولم تكلمه بشيء، فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمدك قد فهمت ما أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد:
أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفى اللحام
فالزر في العنبر معناهما: ... زر هكذا، مختفياً في الظلام

وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي
قال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري قال: عمل والدي محملا للكتب من قضبان شبهٍ سلماً، فدخل عليه أبو عبد الله محمد بن مفيد فرآه، فقال ارتجالا مخبراً عن لسان حال السلم:
أيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان
فضل شكلى على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن
حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان
فادع للصانع المفيد بفوزٍ ... ثم وال الدعاء للإخوان
ثم عمل أيضاً:
أيها السيد الكريم المساعي ... التقت صنعتي وحسن ابتداعي
أنا للكتب محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع
(1/222)

وأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي
قال: أنشدني تاج الدين المسعودي أبو سعيد عبد الرحمن قال: أنشدني ظهير الدين أبو النجيب الحسن بن شهراسوب القاضي أبو بكر الأرجاني، وقد دخل عليه من طمع في طيلسانه، فقال ارتجالا:
حسبك مني يا فتى خلعة ... أمسك عن نشر مساويكا
في طيلساني لا تكن طامعاً ... طي لساني عنك يكفيكا
وقد أخبرني العماد أبو حامد، أنه سمع جميع شعر القاضي أبي بكر على ابنه عنه، وطلب مني قراءته عليه، فلم أتفرغ له، وأجازنيه في جملة ما أجازني روايته عنه.

وأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي
قال: كنت مع خالي نجم الدين بن أبي الغنائم بن المعلم الهرني على طعام، فأنهى إليه أن ظهير الدين محمود بن محمد بن بردامسيا ضامن بلاد واسط، قد طرح على قرى كانت في ملكه عدة أكرار أرز، فناولني درجاً، ثم قال لي: اكتب، فكتب:
إيه ظهير الدين إنك في ندى ... ووغى كغيث جداً وليث عرين
وإذا امرؤ ضاقت عليه أموره ... وكأنه في حلقة التسعين
ودعا بك انفرجت سجون صعابها ... عنه بأبلج شامخ العرنين
ثم أتبعها رسالة أملاها لي إليه وأرسلها.

وأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة
قال: اجتمعت أنا والمرتضى ابن أبي المؤيد الجعفري الأصفهاني، فجرى بيننا في المحاورة ذكر رجل يقال له ابن عمرو، وكان ينسب إلى كبر، فنظم الجعفري بديهة يخاطب جمال الدين ابن الخجندي فقال:
أيها الصدر كم تشيع فينا ... من تخيرته بما ليس فيه
وإذا ما عددت أبناء فضلٍ ... فابن عمرو كمثل واو أبيه

وأنبأني أيضاً
قال: أخبرني أكرم الدين أبو سهيل خازن دار الكتب بالنظامية قال: دخل علي عزيز بن محمد الشلمكي دار الكتب وبيده عصا، فقلت: إن العصا للشيخ رجل ثالثة، فقال بديهاً:
ضعف جسمي لمشيبي ... لم يضع مني وقارا
صار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا
العصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا
(1/223)

قال علي بن ظافر
وأخبرني بعض أصحابنا، أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المحدث، قد هجا الأجل الموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، هجاءً اتصل به، فأضمر له الحقد بسببه مع إفراط جلالة الرجل، وفرط رياسته، وحسن معاشرته للناس وسياسته. واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالجلوس فيها لاستماع المدائح وبذل المنائح، وزف بنات القرائح، فجلس الحافظ لذلك وحضر خواصه في ظاهر الرواق على مراتبهم، فانتهت النوبة في الإنشاد إلى أبي القاسم بن هانئ، فأنشد ما اهتزت له المعاطف وفض ختام روضه ليس لها إلا القلب والسمع جانٍ وقاطف، فمال الحافظ إلى القاضي الموفق متعجباً، وقال له: كيف تسمع؟ فاستحسن واستجاب، حتى نسبه إلى الإعجاز أو كاد، وهو في خلال ذلك يصنع صنع المخاتل، ويحاول قرطسة المقاتل، فسأله الحافظ عن الرجل، فأثنى على أدبه، وثنى بنسبه، حتى أوهمه الاعتناء به. ثم قال: ولو لم يكن له مما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانئ شاعر هذه الدولة، ومظهر مفاخرها، وناظم مآثرها لكفى، فكيف وفيه هذا الأدب الغض النضير، والشعر الذي لا ند له ولا نظير! لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد، فقال له الحافظ: ما هو؟ فتحرج من إنشاده، وامتنع من إيراده. فأبى الحافظ إلا أن يورده، ففي أثناء ذلك صنع هذا البيت وأنشده:
تباً لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماء تنقل من كلبٍ إلى كلب
فعظم ذلك على الحافظ، وأمر بقطع صلته، وكاد أن يفرط في عقوبته، ولم يحصل له انتعاش من جهته طوال مدته.
قال علي بن ظافر
وأخبرني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، قال: أخبرنا تاج الدين أبو سعيد - وهو أبو عبد الله أيضاً محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، قال: جاء رجل إلى أبي نصر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن شمر الصخديهي - وكان قاضي بلد تعرف بخمس القرى - وكان من العلماء الفضلاء، فقال له في معرض الدعابة والمزاح: اشهد على أنني قد وقفت معدتي على سائر ألوان الطعام. فقال: قد شهدت، فقال: سجل لي، فأمر كاتباً فكتب كتاب وقف، فلما قدم إليه كتب في موضع الشهادة هذه الأبيات - قال: وكان ارتجالها ما بين ابتداء الكتاب وفراغه - وهي:
يقول أبو نصر المبتلى ... بأمر القضاء بخمس القرى
(1/224)

أقر بمضمونه طائعاً ... أبو الأكل ملتقم ابن القرى
وحليته صاحب الطيلسان ... مديد الحوايا قصير القرا

وأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية
قال: دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً:
أيها العالم أدركني سماحاً ... فلمثلي منك السماح
أن تراني إذا نطقت عيياً ... فبناني إذا كتبت وقاح
أحرز الشأو في نظام ونثرٍ ... ثم أثني وفي العنان جماح
فبهزلٍ كما تأود غصن ... وبجدٍ كما تسل الصفاح

وأخبرني أيضاً
قال: دخلت عليه منزله بمدينة شاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً:
أيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي
تركوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم

وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه
قال: كنت بمجلس الصالح في يوم أسدل الجو به ستور الغمام، واختفت الشمس فيه اختفاء النور في الكمام، ونثرت السماء درر البرد نثراً عم الربا والآكام، حتى وصل إلى أطراف بسط المجلس، فصنع القاضي الموقف بن قادوس قطعة شذت عني لبعدي عنها؛ إلا قوله منها:
ولكن أتتك ثغور السحاب ... تقبل بين يديك البساطا

وأخبرني أيضاً رحمه الله
قال: أخبرني أبي بما معناه، قال: كنت في مجلس فارس المسلمين أخي الصالح، وقد نصب سماطاً بمجلسه لخواصه، ونصب سماطاً آخر في بعض المجالس لجماعة من أمراء العرب، وفي جملتهم الأمير إبراهيم بن شادي بن مرجان؛ وهو يومئذٍ يهتز كالغصن الممطور، ويأبز كالظبي المذعور، قبل أن يصير أحد الأمراء الأمجاد، والكرماء الأنجاد. قال: فبصرت أنا والأمير علو الدولة حاتم بن العسقلاني به، وقد كشف عن معصمه، وهو يشف عن مخه ودمه؛ فكأنه عمود بلور تبدى، وقد حشى ورداً، ووجهه تحت لثامه،
(1/225)

كالبدر خلف غمامه، قال: فصنع بديهاً:
سلمت من فتنة العيون ... فارحم فتىً هام بالفتون
قلبي بلي، من بلى بظنيٍ ... يختلس الليث في العرين!
مذ عقد القاف حل مني ... عقدة عزمي وعقد ديني
يقول والقلب في هواه ... بلا مجيرٍ ولا معين
إن كنت فرداً بحسن وجهٍ ... وكنت من ذا على يقين
فاخلع ثيابي وانظر تشاهد ... عساكر الحسن في الكمين

وأنبأني العماد أبو حامد
قال: أنشدني أبو السعادات علي بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد اقترح عليه بحضرة جماعة من الفضلاء، فقال بديهاً:
ولما انتحى البرغوث والبق مضجعي ... ولم يك من أيديهما لي مخلص
صفقت بكفي إذ مدامتها دمي ... فزمر هذا وابتدا ذاك يرقص
قال العماد: وقد كنت عملت أبياتاً ارتجالاً لأصف بها ليلة بتها بنهر دقلا، فقلت:
يالحا الله ليلة قرصتني ... في دياجيرها البراغيث قرصا
شربت بقها دمي فتغنت ... وبراغيثها تواجدن رقصا
قد تعريت من ثيابي لقرصي ... غير أني لبست منهن قمصا
كلما زدت منعهن بحرصٍ ... عن فراشي شربن فازددن حرصا
من براغيث خلتها طافراتٍ ... طائراتٍ جناحها قد قصا
عرضت جيشها الفريقان حولي ... وهي أوفى من أن تعد وتحصى
لو غزا سنجر بها الغز يوما ... لم يدع منهم على الأرض شخصا
ومثل هذا ما أنشدنيه الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب بن دحية الحصري:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض
ومما أنشدنيه أيضاً للسميسير:
بعوض شربن دمي قهوةً ... وغنيني بضروب الأغان
كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القنان
وأحسن من هذا كله قول ابن رشيق القيرواني:
لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث
(1/226)

غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
وأسبق من هؤلاء إلى هذا المعنى أبو أحمد بن أيوب - من شعراء اليتيمة في قوله:
لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص
إذا تغنى بعوضه طرباً ... أطرب برغوثه الغنا فرقص

وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري
قال: دخلت على الأديب الأعز أبي الفتوح بن قلاقس، وهو مريض، فقال: صنعت بيتين بديهاً في الحمى، ووصفها بأحسن من صفة أبي الطيب، فأنشدته إياهما، فأنشدهما:
وبغيضةٍ تدنو وما دعيت ... فتبيت بين الجلد والكبد
يصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد

وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي
قال: كنت معه - يعني ابن قلاقس - فمر بنا صبي صبيح معروف الاسم في ثوب أحمر، وعمامة زرقاء، فاستحسنه الحاضرون، فصنع في الحال:
هذا أبو الفضل بدر الأرض قد شهدت ... صفاته أنه كالبدر في الأفق
لما تعمم تيها بالسماء بدا ... وفوق أعطافه ثوب من الشفق
ولا تقل لاح في خديه عارضه ... فإنما هو تأثير من الغسق

وأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف
قال: دخل منزلي الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس وجماعة من أصحابنا، فأحضرت لهم بطيخة صفراء وشققها وفرقتها عليهم، فارتجل الأعز:
أتانا الفقيه ببطخةٍ ... وسكينة قد أجيدت صقالا
فقطع بالبرق بدر الدجى ... وناول كل هلالٍ هلالا

وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه
قال: كنت عند الأمير شمس الملك نبهان بن عين الزمان، وعنده الأعز بن قلاقس وجماعة ممن يجالسه، وعنده مغن يقال له الحسام؛ وهو ابن صاحب ربع المشهور، فجعل يغني ببليقة لحسام الدين الإسكندراني في هجاء ابن قلاقس أولها:
اسألوا عني فتوح بن قلاقس
كيف رأى ضرب الشلوح بالدرافس
(1/227)

فعز على ابن قلاقس ما فعله، وأوهم أنه يمضي إلى بيت الخلاء، فقام ثم عاد سريعاً، فوقف على باب المجلس، وقال:
ليس الحسام حساماً ... وإنما هو غمد
يشدو فكم من فؤادٍ ... تحت السياط يشد
وقد قلت إذ تاه فينا ... تبظرماً لا يحد
خرا عليك ولو أن معبداً لك عبد
فكأنما ألقم حجراً.

وأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية
قال: لما وصل الأديب الأعز بن قلاقس من صقليه، وكان قد انتجع أبا القاسم بن الحجر، فانبجس بعيون العطاء وانفجر، خرج للسلام عليه جميع معارفه وخرجت في جملتهم، فلما نزل من المركب، وأخذنا في السلام عليه، إذ بأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الصلاح قد خرج، فحين وقعت عينه عليه - أي على الأعز - أنشد مرتجلاً:
أظل هلال العاشقين فلا أهلا ... ولا مرحباً بالقادمين ولا سهلا
ثم انصرف؛ وتركنا متعجبين لسرعة بديهته وقلة وفائه.

أنبأني العماد أبو حامد رحمه الله
قال: جرى بين يدي القاضي الفاضل رحمه الله يوماً ذكر حب الصغير، فارتجل هذه الأبيات:
طفل كفاه القلب داراً له ... كأنما القلب له قالب
كيوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما ثم له صاحب
أصبح والقلب لباس له ... لا قاصر عنه ولا ساحب
وهو بعيني، وهو إنسانها ... وهي له من خارجٍ حاجب
ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العائب

قال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله
فارتجل قطعة، علق بحفظي منها:
ماضيات على الدوام دوامي ... هي في النصر نجدة الإسلام
في يمين السلطان إذا جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام
تنثر الهام في الحروب فما أشبه هذي السيوف بالأقلام
في محاريب حربه البيض حلت ... وركوع الظبا سجود الهمام
(1/228)

وأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله
قال: خرجنا للقاء القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في بعض قدماته من الشام، فلقيناه وعدنا، فلما كنا في سطح الخشى عن ظبي للموكب، فركض خلفه المسكين بن حيون، طامعاً أن يلحقه، وكان مثل هذا الفعل لا يليق به، لأنه ليس من أهله، ولأن الصدر المتلقى لا ينبغي أن يغلط بين يديه مثله. فعجب الفاضل منه، واتفق أن فاته الصيد الذي طلبه، وسقطت مقرعته من يده، ورجع إلى الموكب، وعليه انكسار الفوات وحجل الغلط، فارتجل الأجل الفاضل:
يا عادياً عدو السفي ... هـ وعائداً عود الحليم
ضيعت مقرعةً وعد ... ت سميها من غير ميم

قال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي
وكان كثير الصحبة للأجل الفاضل في صدر عمره أيام كونه بالإسكندرية - قال: كان يصحبه رجل يعرف بابن بليمة، ولا يكاد يفارقه، وكان يحضر عنده رجل مغن من أهل الثغر، يعرف بشهاب؛ وكان يغني الموشحات، فغنى ليلةً، واتفق أن نعس ابن بليمة فأنبه، فضرط، فضحك الأجل الفاضل، وارتجل:
تغنى شهاب لنا ليلةً ... غناء له هجع السمر
فأعجب هذا ابن بليمةٍ ... فأقبل من دبره ينعر

وأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره
قال: مضيت أنا ونشو الملك على بن مفرج بن المنجم المقدم ذكره إلى دار الكامل شجاع بن أمير الجيوش بن شاور آخر وزراء الدولة المصرية، ومن كان انقضاؤها بموته، ومعنا قصيدتان قد امتدحناه بهما في بعض الأعياد، فرأينا رماحاً قد عملت برسم الموكب، وجعل عليها مكان اللهازم أهلةً من ذهب، فقال نشو الملك: قد مقع لي في هذه الرماح معنى، فصنع في الحال:
فعال الكامل الملك المرجى ... على ما فيه من فضل أدله
نحا برماحه نحو الأعادي ... فكل قد سقاه بها وعله
ولم يرض النجوم لها نصالاً ... فنصلها هنالك بالأهلة
ثم كتبها وبعث بها إلى الكامل، فخرجت جائزته في الحال.

وأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره
قال: كان بمصر صبي
(1/229)

مستحسن، وضيء الوجه، اسمه أسد، قد شغف به رجل اسمه الفأر، ووقع بينهما ما أدى الرجل إلى أن قتل الصبي وهرب، وخاض الناس في أمره، وأكثروا الحديث فيه، فجلست يوماً بسوق الكتب، إذا بابن المنجم قد مر راكباً، فحين رآني ثنى رجله على معرفة فرسه، ووقف للحديث، فمر علينا في أثناء ذلك شاب مشهور بجمال وانتماء أهل الأدب، فأنشدنا مرثية زعم أنه رثى بها الصبي القتيل، فصنع ابن المنجم في الوقت:
ولم أر قبله أسداً قتيلاً ... لفأر ظل يرثيه غزال

وأخبرني بعض أصحابنا
قال: قال لي نشو الملك بن النجم: ما رأيت أوقح ولا أصغر جواباً من أبي الحسن الذروي - يعني المقدم ذكره رحمه الله - مر يوماً وهو راكب بغلة، وبين يديه عبد له، فصنعت في الحال:
قل لمن تاه حين مر علينا ببغله
بعد أن كان ليس يملك شعاً لنعله
سقت قدامك الغلا ... م جزاءً بفعله
هكذا كل شاعرٍ ... بغله خلف بعله
ثم كررت مسرعاً لألحقه، فتأخر غلامي عني لأجل إسراعي، واستوقفته وجعلت أنشده وهو يحسن الاستماع حتى انتهيت، فقال: ليس كل شاعرٍ كذلك، ها أنت شاعر، وبعلك خلف بغلك، فكلحت والله وانصرفت.

وأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي رحمه الله
قال: دخلت أنا وجماعة من أصحابنا على الوجيه الذروي المذكور، وهو وجماعة من أصحابنا يشربون، فمزحنا وداعبناهم، فصنع بديهاً:
ويومٍ قاسمتنا اللهو فيه ... أناس ليس يدرون الوقارا
أدرنا الصفع والكاسات فيه ... فعربدت الصحاة على السكارى

وأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره
قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن بن الذروي، والأديب نشو الملك بن المنجم، وجعفر القرشي المنبوز بشلعلع - المقدم ذكر الجميع - عند القاضي الأسعد بن الخطير بن مماتي في بستانه، فمدحته بقطعة لإحسان كان منه إلي، وكتبتها في ورقة كرم، فحين وقف عليها صنع بديهاً:
(1/230)

أطربنا شعر العفيف الذي ... قد فاق في النبل وفي الفهم
لو لم يكن يسكرنا شعره ... ما صاغه في ورق الكرم

قال علي بن ظافر
وكنت يوماً عند الأمير عضد الدين أبي الصوارم مرهف بن الأمير مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، فدخل عليه رجل من بقايا جند مصر يعلم الرمي بالنشاب، واسمه الليث بن دبوس، وهو معبس الوجه كالحه، ثاني عطفه جامحه، فقال الأمير يداعبه بديهاً:
أصبح الليث يوافينا بتعبيسٍ وتيه
فمتى أنظر في يا ... فوخه اسم أبيه
فاستحسنت البيتين، ثم صنعت في معناهما بعد ذلك بحين، وزدت عليه:
قد جاءنا الليث بن دبوس على ... عادته في الانقباض ورسمه
فمتى أرى اسم أبيه في يا فوخه ... ومتى أرى ناب اسمه في جسمه
وهذه طريقة بديعة، ومن أحسن ما سمعت فيها قول السلامي في صبي يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا ما قلت من هو يعشقوه
غزال قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه
وللصاحب بن عباد في مغن يعرف بابن عذاب:
أقول قولاً بلا احتشامٍ ... يفهمه كل من يعيه
ابن عذابٍ إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه

ولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه
قال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد، فلما قضوا وطرهم من الطعام، جلست أسقيهم وجعلت أترع له الكاسات، فلما مشت فيه سورة الحميا ارتجل قائلاً:
لابن طوفان أيادٍ ... قل فيها مشبهوه
ملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه
وللمعقبل من شعراء كتاب الذخيرة لابن بسام في شاعر يعرف بابن الفراء:
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه

أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر
المعزو إلى ميافارقين سنة ثلاث وستمائة قال: اقترح صاحب قرقيسيا الملك المظفر محمود بن عماد الدين زنكي علي،
(1/231)

وعلى جماعة كانوا على بابه من الشعراء أن يعمل في سرج ما يكتب عليه، فصنعوا وصنعت بديهاً:
فقت السروج فمسكي المسك رائحةً ... بغير شك كما عودي هو العود
تحتي البراق متى رمت اللحاق ومن ... فوقي خليفة هذا العصر محمود
قال: فاستحسنه وأجازني.

وأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي بحران
قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جمل صاحب الجرمي لنفسه ارتجالاً:
وعروس خدر حين نبرزها ... تسطو كأن فؤادها لهب
خلع المزاج على معاطفها ... ثوباً كأن شعاعه الذهب
وأراد يجلوها فصاغ لها ... تاجاً ورصع تاجها الحبب

وأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين
قال: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف - أبقاه الله - بدمشق، فدخل عليه الرشيد عبد الرحمن النابلسي الشاعر الملقب مدلويه، وعلى عينه خرقة، فجرت بيني وبينه معاتبة، فقلت بديهاً:
إن أظلمت عين مدلويه فمن ... كثرة نقص العهود والذمم
يقسم ألا يخون صاحبه ... وهو يصر الفجور في القسم
لو خلق الشعر قيل مسترق ... واللص يمنى بكثرة التهم
أو شرب المسكرين في حلبٍ ... كرسمه بعض ليله لعمي
ولو يكون المجير بعد بها ... حيا لرمى بالعمى وبالصمم

قال علي بن ظافر: المسكران المشار إليهما. النبيذ والصفع، والمجير رجل من ندماء الملك الظاهر، كان كثير العبث بالمذكور في مجلس الملك الظاهر، وهو الذي عناه الأديب شرف الدين الحلي صاحبنا ببيتين من قوله، وكتب بهما إلى الرشيد المذكور إلى دمشق؛ أنشد فيهما الموفق عنه، وهما قوله:
قدم العزم يا رشيد وبادر ... فلقد آن من نواك الحضور
ما تبقى على قذالك نطع ... تاب سلطاننا ومات المجير

وأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره
قال: حضر ابن عنين الشاعر الدمشقي وابن الرومي البسام عند خالي، فتذاكرت معه في تشبيه
(1/232)

الثغر بالثريا، فادكر قليلاً ثم أنشد:
يا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه والرشد في الحب غيا
ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم يفتر عن نجوم الثريا

وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة رحمه الله
قال: اجتمعنا ليلة بدمشق في دعوة غناء، ومعنا ابن عنين وعمر غلام الحكيم بن المطران، فأخذنا في الحديث باستحسانه واستعظام أمره في الحسن وشانه، وتمني الوصول إلى وصاله. وتشهي الاستمتاع بجماله، فقال له بعض الحاضرين: نبه لها عمر، وأطرق ثم أنشد بديهاً:
وحاجةٍ بت أشكوها إلى ثقةٍ ... وقد تزاحمت الأشجان والفكر
فقال لي مشفقاً: نبه لها عمراً ... فقلت واخيبتي إن لم ينم عمر!
وعمر هذا هو الذي يشير إليه ابن عنين في قصيدته المسماة مقراض الأعراض التي عم فيها أهل دمشق بالهجاء، وأولها:
أضالع تنطوي على كرب ... ومقله مستهلة الغرب
ومنها يعني الحكيم بن مطران:
ترى أن سيدي الموفق يخ ... تال في عراصها الرحب
يمشي الهوينى وخلفه عمر ... يختال مثل المهاة في السرب
وسيدي قلما يشاكله ... في الناس إلا تبظرم الرحبي
المدعى أنه بحكمته ... علم بقراط صنعة الطب

وأخبرني الأعز بن المؤيد رحمه الله
أنه حضر عند بعض الرؤساء، فناوله شمامة ريحان وورد، فصنع في الحال:
سيداً قد أسدى لنا من أيادي ... هـ فعالا تنزه الأبصارا
قرنت راحتك بالورد ريحا ... ناً فأهدت إلى الخدود عذارا
قال علي بن ظافر
دخلت يوماً على القاضي الفاضل - رحمه الله - فجرى في مجلسه من فنون المذاكرة ما أداه إلى أن قال: كان الرشيد أحمد ابن الزبير قد اجتمعت فيه صفات وأخلاق تقتضي أن تجود معاني الهجاء فيه، من ذلك أنه كان أسود، ولا يزال يدعي الذكاء، وأن خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس:
إن قلت من نارٍ خلق ... ت وقفت كل الناس فهما
(1/233)

قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما
وأرسل إلى اليمن ولقب علم المهتدين، فقال فيه بعض الشعراء من قطعة يخاطب الخليفة:
بعثت لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود
يعني أن الأعلام السود إنما تكون للعباسيين، وأعلام تلك الدولة بيض. وتولى مطابخ الخليفة، فقال فيه بعض الشعراء يخاطب الخليفة:
تولى على الشيء أشكاله ... فتحسب هذا لهذا أخا
تولى على المطبخ ابن الزبير ... تولى على مطبخ مطبخا
وكان ينافر في سوق الشعر ويسرق المعاني، فقال فيه ابن فادوس:
سلخت أشعار الورى جملةً ... حتى دعوك الأسود السالخا
فأخذ الأسعد الخطير يستحسن هذه القطعة، فقلت له: كما تقول، إلا أنه لحن في قوله: الأسود سالخ، وسام أبرص، فاللحن يقيم الوزن، والصواب يكسره، فهو بين خطتي خسف. فأخذ في المشاغبة إلى أن قال: من أين نقلت هذا؟ فقلت أحضر شاهدي عندك الساعة، كتاب الحيات من كتاب الحيوان للجاحظ، فقال: الجاحظ ليس من أهل اللغة، ونقله في هذا الموضع لا يسمع، فقال الأجل الفاضل: دع هذا، فالصواب معه، وهذا مجمع عليه، ولكن عرفنا كيف يصنع حتى ينظم المعنى؟ فقلت يترك هذا الوزن وينظمه في وزن يستقيم عليه الصواب، فقال: انظمه لنا، فقلت ارتجالا:
وسلخت أشعار البرية كلها ... حتى دعيت لذاك أسود سالخا
فقال: مثلك يقول لذاك: فقلت: حتى دعاك الناس، فقال: إنما كنت أريد أن تنظمه أخصر من بيته.
ودخل عليه من انقطع طلبه لدخوله، فلما سكن المجلس قال: تعرف له وجهاً يذهب النقد عنه، ويخلصه من الطعن عليه؟ قلت: مولانا أعلم، فقال: إنه حكى عن الناس تلقيبهم إياه بالأسود السالخ، فكأنه لحن على الحكاية، لا لأنه حكى عنه هذا. فاستحسناه وإن لم يكن صحيحاً من الأعذار. ثم خرجت فلقيت الأسعد بن عبد الرحمن بن شيث فحكيت له الحكاية، فقال: لما طلب منك اختصاره كنت تقول - وقال على الفور:
وسلخت أشعار الورى ... فدعوك أسود سالخا
(1/234)

قال علي بن ظافر
بت ليلةً أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، بالانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانة وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه في زورقة قناع السماء، وكسا الجدران ثياباً من فضة، ونثر كافوره على وجه الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه. والنسيم قد عانق قامات الغصون فميلها، وغصبها مباسم نورها وقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقة الموشى بالذهب، ويديم حرفته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقة، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بما صنعت إلى الأعز بن المؤيد - رحمه الله - أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد كارتفاع الرءوس على الأجياد، بل فضلت على ليالي الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر، فقلت:
غبت عني يابن المؤيد في وق ... تٍ شهى يلهي المحب المشوقا
ليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضضا مرموقا
وغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا
وتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقاً رفيقا
بت فيها منادماً لصديقٍ ... ظل بين الأنام خلا صدوقا
هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقا
وغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا
مظهر للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشى ناحلاً وقدار شيقا
إن تغنى سمعت داود أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا
وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيوقا
(1/235)

وأظن الصباح هام بمرآ ... هـ، فأبدى قلباً حريقاً خفوقا
ذاك نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام في قومه يرينا الشقيقا
وإذا ما بدت جواهرها في ... الجو أبدى في الأرض منهم عقيقا
فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً حيقا
وجعلنا ريحاتنا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا
ذاك وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا
فأجاب عنها على الوزن دون الروى:
قد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدةٍ غراء
جمعت رقة الهواء وطيب المس ... ك في سبكها وصفو الماء
فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء
سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء
أفحمتني حسناً وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء
فتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي
هل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يبلغ النجم فرط نور ذكاء
قال علي بن ظافر: وقد ضمنت هذا الكتاب البديع النظم، الغريب الاسم، ما وقع لي إلى هذا التاريخ من حكايات البدائه، وكل ما فيه من الحكايات المسجوعة فخاطري جالب دره، وحالب دره، وساكب قطره، إلا ما استنبت به، وقد جاء علالة السائر، وأنس المسامر، وملهاة الساهر، ولولا ضيق الصدر بازدحام وفود الهموم، وما ران على البصيرة من تكاثف غيوم الغموم، لتكلفت مشقة الحث، وأنضيت ركائب البحث، فلا أزال في الطلب موضعاً، حتى لا أرى للزيادة موضعاً، إلا ما تنتجه الخواطر في الأزمان الآنفة، وتولده الفكر في الأعصار الرادفة. وقد عقدته عقداً لا يعقبه فسخ، ونظمته نظماً محكماً لا يعرفه نسخ، فمهما اطلعت عليه بعد ذلك من البدائه الواقعة في الأزمنة الخالية، أو مما تجدد في الأزمنة الآتية، جمعته وجعلته كالتتمة له، حتى لا أفض ختامه، ولا أفتق أكمامه، والله تعالى يوقعه عند الجناب المحمول إليه موقع الرضا عنه، والقبول له والإقبال عليه، إنه على ما يشاء قدير،
(1/236)

وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد زين الملاح، وعلى آله وصحبه أولى الوجوه السماح، وسلم تسليماً كثيراً. آمين.
(1/237)