Advertisement

حماسة القرشي



الكتاب : حماسة القرشي
المؤلف : عباس بن محمد بن مسعود القرشي النجفي (المتوفى : 1299هـ)
المحقق : خير الدين محمود قبلاوي
الناشر : وزارة الثقافة ، الجمهورية العربية السورية، دمشق
الطبعة : (بدون) ، 1995 م
عدد الأجزاء : 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[حماسة القرشي]ـ
المؤلف: عباس بن محمد بن مسعود القرشي النجفي (المتوفى: 1299هـ)
المحقق: خير الدين محمود قبلاوي
الناشر: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق
الطبعة: (بدون) ، 1995 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول في: الفخر والحماسة
قال الوليد بن يزيد:
أنا الوليد أبو العباس قد علمت ... عليا معدِّ مدى كري وإِقْدَامِي
إني لفي الذروة العليا إذا انتسبوا ... مقابلٌ بين أخوالي وأَعْماميِ
بنى لي المجد بنانٍ لم يكن وكلاً ... على منارٍ مضيئاتٍ وأعلامٍ
حللت من جوهر الأعياص قد علموا ... في باذخٍ مشمخرِّ العز قمَْقَامِ
صعب المرام، يسامي النَّجم مطلعه ... سشمو إلى فرع طودٍ شامخٍ سامِ
(1/85)

قال يزيد بن الطثرية:
لا أتقي حسك الضَّغائن بالرقي ... فعل الذليل، وإن بقيت وحيدا
(1/86)

لكن أجرد للضَّغائن مثلها ... حتى تموت، وللحقود حُقُودا
وقال عمرو بن براقة الهمداني:
وكيف ينام الليل من جل ماله ... حسامٌ كلون الملح أبيض صَارمٌ
(1/87)

ومن يطلب المال الممنع بالقنا ... يعش ماجداً، أو تخترمه الخَوارمُ
وقال آخر:
أبينا فلا نعطي مليكاً ظلامةً ... ولا سوقةً إلا الوشيج المُقوَّما
وإلا حساماً يبهر العين لمحةً ... كصاعقةٍ في عارضٍ قد تبسّما
(1/88)

وقال وهب بن الحارث:
لا تحسبني كأقوامٍ عبثت بهم ... لن يأنفوا الذُّلَّ حتى تأنف الحُمُرُ!
لا تعلقني قذاةً لست فاعلها ... واحذر شباتي فقدماً ينفع الحَذَرُ
فقد علمت بأني غير مهتضمٍ ... حتى يلوح ببطن الرَّاحة الشَّعَرُ
(1/89)

قال ابن ميادة:
أنا ابن أبي سلمى وجدي ظالمٌ ... وأمي حصانٌ أخلصتها الأَعاجمُ
أليس غلامٌ بين كسرى وظالمٍ ... بأكرم من نيطت عليه التّمائِمُ
لو أن جميع الناس كانوا بتلعةٍ ... وجئتُ بجدِّي ظالمٍ وابن ظالمِ
لظلت رقاب الناس خاضعةً لنا ... سجوداً على أقدامنا بالجماجمِ
(1/90)

وقال الزبير بن عبد المطلب:
ولولا الحمس لم يلبس رجالٌ ... ثياب أعزةٍ حتى يموتُوا
(1/91)

ثيابهم شمالٌ أو عباء ... بها دنسٌ كما دنس الحَمِيْتُ
ولكنا خُلقنا إذ خُلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفَتِيْتُ
وكأْسٌ لو تبين لهم كلاماًَ ... لقالت: إنما لهم سُبِيْتُ
ويقطع نحوة المختال عنا ... رقاق الحد، ضربته صَمُوتُ
بكفِّ مجرِّبٍ لا عيب فيه ... إذا لقي الكريهة يَسْتميِتُ
(1/92)

وقال أيضاً:
يا ليت شعري إذا ما حمتَّي وقعت ... ماذا تقول ابنتي في النوح تَنْعاني
تنعي أباً كان معروف الدفاع عن ال ... مولى المضاق وفكاكاً عن العاني
وقال دريد بن الصمة حين قتل ذؤاب بن أسماء بأخيه عبد الله:
جزينا بني عبسٍ جزاء موفراً ... بمقتل عبد الله يوم الذنائبِ
(1/93)

قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قاربِ
ولولا سواد الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشبِ
وقول الأفوه الأودي:
نقاتل أقواماً، فنسبي نساءهم ... ولم ير ذو عزٍ لنسوتنا حِجْلا
(1/94)

نقود، ونأبى أن نقاد، ولا ترى ... لقومٍ علينا في مكارمةٍ فضلا
وإنا بطاء المشي عند نسائنا ... كما قيدت بالصيف نجديةٌ بزلا
نظل غيارى عند كل ستيرةٍ ... نقلب جيداً واضحاً وشوىً عَبْلا
وإنا لنعطي المال دون دمائنا ... ونأبى فما نستام دون دمٍ عَقْلا
(1/95)

وقال الطرماح:
وإني لمقتادٌ جوادي فقاذفٌ ... به وبنفسي العام إحدى المقاذفِ
لأكسب مالاً أو أؤول إلى غنى ... من الله يكفيني عداة الخلائفِ
فيا رب إن حانت وفاتي، فلن تكن ... على شرجعٍ يعلى بخضر المطارفِ
ولكن قبري بطن نسرٍ مقيله ... بجو السماء في نسورٍ عواكفِ
(1/96)

وأمسي شهيداً ثاوياً في عصابةٍ ... يصابون في فجٍ من الأرض خائفِ
فوارس من شيبان ألّف بينهم ... تقى الله نزالون عند التزاحفِ
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحفِ
(1/97)

وقال بعض الأموية:
ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال، أو دارت علينا الدوائرُ
إذا ولد المولود منا تهللت ... له الأرض واهتزت إليه المنابرُ
وقال الوليد بن يزيد:
ولقد قضيت ... وإن تجلل لمتي شيبٌ على رغم العدا لذاتي
(1/98)

من كاعباتٍ كالدمى ومناصفٍ ... ومراكبٍ للصيد والنشواتِ
في فتيةٍ تأبى الهوان وجوههم ... شم الأنوف جحاجح ساداتِ
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بتراتِ
وقال هلال بن معاوية الثعلبي:
وبالجبلين لنا معقلٌ ... صعدنا إليه بصم الصعادِ
ملكناه في أوليات الزما ... ن من قبل نوح ومن قبل عادِ
(1/99)

ومنا ابن مرٍّ أبو حنبلٍ ... أجار من الناس رجل الجرادِ
وزيد لنا ولنا حاتمٌ ... غياث الورى في السنين الشدادِ
وقال آخر:
بنانا الله فوق بني أبينا ... كما يبنى على الثبج السنامُ
وكائن في المعاشر من أناسٍ ... أخوهم فوقهم وهم كرامُ
(1/100)

وقال آخر:
وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالمُ؟
متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالمُ
وقال آخر:
لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوجُ
(1/101)

ولي فرسٌ للحلم بالحلم ملجمٌ ... ولي فرس للجهل بالجهل مسْرجُ
فمن رام تقويمي، فإني مقومٌ ... ومن رام تعويجي، فإني معوَّجُ
وقال آخر:
تعيرني وخط المشيب بعارضي ... ولولا الحجول البلق لم تعرف الدُّهمُ
(1/102)

حنا الشيب ظهري، فاستمرت مريرتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهمُ
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
ما بات قومٌ كرامٌ يدعون يداً ... إلا لقومي عليهم منة ويدُ
نحن السنام الذي طالت شظيته ... فما يخالطه الأدواء والعَمَدُ
(1/103)

وقال كعب بن مالك الأنصاري:
من سرَّه ضربٌ يرعبلُ بعضهُ ... بعضاً كمعمعةِ الأباء المُحْرقِ
فليأتِ مأسدةً تسن سيوفها ... بين المِذاذِ وبين جزعِ الخندقِ
(1/104)

وقال زيد الخيل الطائي:
يا بني الصيداءِ ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليلْ
عوِّدوا مهري الذي عودتُهُ ... دلجَ الليلِ وإيطاءَ القتيلْ
واستباء الزقِّ من حاناته ... سائل الرجلين معصوباً يميلْ
(1/105)

وقال أيضاً:
ضجت بني الصيداء من حربنا ... والحرب من يحلل بها يضْجُرِ
بتنا نزجي نحوهم ضُمَّراً ... معروفة الأنساب من منسرِ
حتى صبحناهم بها غدوةً ... نقتلهم قسراً على ضُمَّرِ
يدعون بالويل، وقد مسهم ... منا غداة الشِّعب ذي الهَيْشَرِ
ضربٌ يزيل الهامَ ذو مِصدقٍ ... يعلو على البيضةِ والمِغفرِ
(1/106)

وقال عمارة بن الوليد:
خُلق البِيض الحسانُ لنا ... وجياد الرِّيطِ والأُزُرُ
كابراً كنا أحقَّ به ... حين صيغ الشمسُ والقمرُ
(1/107)

وقال آخر:
السيف والخنجر ريحاننا ... أفٍّ على النرجسِ والآسِ
شرابنا من دم أعدائنا ... وكأسنا من جمجمة الرَّاسِ
وقال آخر:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍ ... في وسطهِ ألفُ دينارٍ على فرَسِ
في كفه حربةٌ يفري الدروع بها ... وصارمٌ مرهف الحدين كالقبسِ
(1/108)

فلو رجعت ولم أظفر بمهجته ... وقد خضبت ذباب الصارم الشكسِ
فلا اغتبطت بعيشٍ وابتليت بما ... يحول بيني وبين الروح والنفسِ
وقال آخر:
أتاني عنك ما ليس ... على مكروهه صبرُ
فأغضيتُ على عمدٍ ... وقد يغضي الفتى الحُرُّ
وأدبتك بالهجر ... فما أدبك الهجرُ
ولا ردك عما كا ... ن منك الصفح والبرُّ
فلما اضطرني المكرو ... هـ واشتد بي الأمرُ
تناولتك من شري ... بما ليس له قدرُ
فحركت جناح الذلِّ ... لما مسك الضرُّ
إذا لم يصلح الخير ام ... رءاً أصلحه الشرُّ
(1/109)

وقال المهاجر بن عبد الله:
وإني لأقصي المرء من غير بِغضةٍ ... وأدني أخا البغضاء مني على عَمْدِ
ليحدث وداً بعد بغضاء أو أرى ... له مصرعاً يردي به الله من يردي
وقال ذو الإصبع العدواني:
أكاشرُ ذا الضِّغن المبيِّن منهم ... وأضحك يبدو الناب أجمعُ
وأهدنه بالقول هدناً ولو يرى ... سريرة ما أخفي لبات يفزَّعُ
(1/110)

وقال أبو الطمحان القيني:
يار ب مظلمة يوماً لطيت لها ... تمضي علي إذا ما غاب نصَّاري
حتى إذا ما انجلت عني غيابتها ... وثبت فيها وثوب المخدرِ الضَّاري
(1/111)

وقال بشار بن برد:
إذا نحن صلنا صولةٍ مضريةً ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلةٍ ... ذراً منبرٍ صلى علينا وسلما
(1/112)

وقال دعبل الخزاعي:
وإذا عاندنا ذو قوةٍ ... غضب الروح عليه فعرجْ
فعلى أيماننا يجري الندى ... وعلى أسيافنا تجري المهجْ
(1/113)

وقال قيس بن الأسلت:
منْ يصلَ نارِي بلا ذنبٍ ولاَ ترةٍ ... يصلَ بنارِ كريمٍ غيرِ عوّارِ
وصاحبُ الوترِ ليسَ الدّهرَ يدركهُ ... عندِي وإنِّي لطلاّبٌ لأوتارِ
أقيمُ نخوتهُ إنْ كانَ ذَا عوجٍ ... كمَا يقيمُ لقدحِ النّبعةِ البارِي
(1/114)

وقال طريف بن تميم العنبري:
أوَ كلّمَا وردتْ عكاظَ قبيلةٌ ... بعثُوا إليّ عريفهمْ يتوسّمُ
فتوسّمونِي، إنّني أنَا ذلَكُمْ ... شاكِي سلاحِي في الحوادثِ معلمُ
تحْتي الأغرُّ، وفوقَ جلدِي نثرةٌ ... زعفٌ تردُّ السّيفَ وهوَ مثلّمُ
(1/115)

حولِي أسيّدٌ والهجيمُ ومازنٌ ... وإذَا حللتُ فحولَ بيتِِي خضَّمُ
(1/116)

وقال عقيل بن علفة المرّي:
إنّي ليحمدُني الصّديقُ إذا اجتدَى ... مالِي، ويكرهنِي ذُوو الأَضغان
وأبيتُ تخلجنِي الهمومُ كأنّنِي ... دلوُ السقاةِ تمدُّ بالأشطانِ
وأعيشُ بالبلَل القليل، وقدْ أرَى ... أنَّ الرّموسَ مصارعُ الفتيانِ
ولقدْ علمتُ لئنْ هلكتُ ليذكرنْ ... قومِي، إذَا علنَ النّجيُّ مكانِي
(1/117)

وقال مسكين الدّارميّ:
لا تجعلينِي كأقوامٍ علمتهمُ ... لم يظلمُوا لبّةً يوماً ولا ودجَا
إنِّي لأغلاهمُ باللّحم قدْ علمُوا ... نيّاً، وأرخصهمْ باللّحمْ إنْ نضجَا
إنِّي لقاتلُ جوعِ القومِ قدْ علمُوا ... إذَا السّماءُ كستْ آفاقَها رهجَا
يا ربَّ أمرينَ قدْ فرّجتُ بينهمَا ... إذا همَا نشبَا في الصّدْر واعتلجَا
(1/118)

أديمُ خلقِي لمنْ دامتْ خليقتهُ ... وأمزجُ الحلوَ أحياناً لمنْ مزجَا
وأقطعُ الخرقَ بالخرقاءِ لاهيةً ... إذَا الكواكبُ كانتْ في الدّجَى سرجَا
ما مدَّ قومٌ بأيديهم إلى شرفٍ ... إلاَّ رأوْنَا قياماً فوقهمْ درجَا
(1/119)

وقال آخر:
رأتْ نضوَ أسفارٍ أميمةُ قاعداً ... علَى نضْو أسفارٍ، فجنَّ جنونُها
فقلتُ لها: ليسَ الشُّحوبُ على الفتَى ... بعارٍ، ولاَ خيرَ الرّجالِ سمينُها
وقال حاتم بن عبد الله الطّائيّ:
إذَا ما بخيلُ القوْم هرّتْ كلابهُ ... وشبَّ علَى الضّيف الغريب عقورُهَا
(1/120)

فإنّي جبانُ الكلبِ، بيتِي موطّأٌ ... جوادٌ، إذَا مالنّفسُ شحَّ ضميرُهَا
وإنّ كلابِي مذْ أقرَّتْ وعوّدتْ ... قليلٌ علَى منْ يعترينَا هريرُها
وقال الأخطل:
أعاذلتيّ اليومَ ويحكُما مهلا ... وكفّا الأذَى عنّي ولا تكثَرا العذْلا
(1/121)

دعانِي تجُدْ كفّي بمالي، فإنّنِي ... سأصبحُ لا أستطيعُ جوداً ولا بخلا
إذَا وضعُوا فوقَ الصّفيح جنادلاً ... عليَّ وخلّفتُ المطيّةَ والرَّحْلا
فلا أنا مجتازٌ إذَا ما نزلتهُ ... ولا أنَا لاقٍ ما ثويتُ به أهْلا
وقال شبيب بن البرصاء:
وإنِّي لسهلُ الوجهَ يعرفُ مجلسِي ... إذَا أحزنَ القاذورةُ المتعبّسُ
(1/122)

يضيءُ سنَا جودِي لمنْ يبتغي القرَى ... وليلُ بخيل القوْم ظلماءُ حندسُ
ألبنُ لذِي القربَى مراراً وتلتوِي ... بأعناق أعدائِي حبالِي فتمرُسُ
وقال مالك بن الرّيب:
ومَا أنَا بالنّائي الحفيظةِ في الوغَى ... ولا المتّقِي في السِّلمِ جرَّ الجرائمِ
(1/123)

ولا المتأنّي في العواقب للّذي ... أهمُّ به من فاتكات العزائمِ
ولكنّني مستوحدُ العزمِ مقدمٌ ... على غمراتِ الحادثِ المتفاقمِ
قليلُ اختلاف الرّأي في الحرْب باسلٌ ... جميعُ الفؤاد عندَ حلِّ العظائمِ
(1/124)

وقال الحارث بن وعلة الجرميّ:
ألمْ تعلمُوا أنِّي تخافُ عرامتِي ... وأنَّ قناتِي لا تلينُ علَى القسرِ
أناةً وحلماً وانتظاراً بكم غداً ... فمَا أنا بالوانِي، ولا الضّرعِ الغمرِ
أظنُّ صروفَ الدّهرِ والجهلَ منكمُ ... ستحملكم منِّي علَى مركبٍ وعرِ
(1/125)

وقال يزيد بن مفرّغ:
لا ذعرتُ السّوامَ في غلَس الصّب ... ح مغبراً، ولاَ دعيتُ يزيدَا
يومَ أعطِي علَى المخافةِ ضيماً ... والمنَايا يرصدنني أنْ أحيدَا
(1/126)

وقال آخر:
طعنتُ ابنَ دهمانٍ بنجرانَ طعنةً ... شققتُ بها عنهُ مضاعفةَ السّردِ
فلا الكفُّ أوهتْ بي ولا الرّمحُ خاننِي ... ولا الأدهمُ المنعوتُ جارَ عن القصدِ
وقال بشار بن بردٍ:
ونبّئت قوماً بهم جنّةٌ ... يقولونَ: منْ ذَا، وكنتُ العلمْ
ألا أيّهَا السّائلي جاهلاً ... ليعرفنِي أنَا أنفُ الكرمْ
نمتْ في الكرامِ بني عامرٍ ... فروعِي وأصلِي قريشُ العجمْ
(1/127)

وإنّي لأغني مقامَ الفتَى ... وأصبِي الفتاةَ فمَا تعتصمْ
وقال دريد بن الصمّة:
قدْ علمَ القومُ إنّي منْ سراتهمُ ... إذَا تقبّصَ في البطنِ المذاكيرُ
وقد أروعُ سوامَ الحيِّ ضاحيةً ... بالجردِ يركضهَا الشّعثُ المغاويرُ
يحملنَ كلَّ هجانٍ صارمٍ ذكرٍ ... وتحتهمْ شزَّبٌ قبٌّ مضاميرُ
أوعدتمُ إبلِي كلاًّ سيمنعُها ... بنو غزيّةَ لا ميلٌ ولا صورُ
(1/128)

وقال أيضاً:
أعاذلَ إنّمَا أفنىْ شبابِي ... ركوبِي في الصّريخِ إلَى المنادِي
معَ الفتيانِ حتّى كلَّ جسمِي ... وأقرحَ عاتقِي حملُ النِّجادِ
أعاذلَ إنّهُ مالٌ طريفٌ ... أحبُّ إليَّ من مالٍ تلادِ
أعاذلَ عدّتِي بدَني ورمحِي ... وكلُّ مقلّصٍ شكسِ القيادِ
ويبقَى بعدَ حلمِ القومِ حلمِي ... ويفنَى قبلَ زادِ القومِ زادِي
(1/129)

وقال حارثة بن بدرٍ الغدانيّ:
ولا تنزلنْ أمرَ الشّديدةِ بامرئٍ ... إذَا همَّ أمراً عوّقتهُ عواذلُهْ
فمَا كلُّ ما حاولتهُ الموتُ دونهُ ... ولا دونهُ أرصادُهُ وحبائلُهْ
وقلْ لفؤادْ إنْ نزَا بكَ نزوةً ... منَ الرّوعِ: أفرخْ، أكثرُ الرَّوعِ باطلهُ
(1/130)

وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
أواخِي رجالاً لستُ مطلعَ بعضهمْ ... علَى سرِّ بعضٍ إنَّ صدرِي واسعُهْ
تلاقتْ حيازيمي علَى قلبِ حازمٍ ... كتومٍ لمَا ضمّتْ علَيه أضالعُهْ
بنَى لِي عبدُ اللهِ في ذروةِ العُلا ... وعتبةُ مجداً لا تنالُ مصانعهْ
(1/131)

وقال أبو صخرٍ الهذليّ:
قتلنَا عبيداً والّذِي يكتنَى الكُنَى ... أبَا حمزةَ الغاوِي المضلَّ اليمانِيا
وأبرهةَ الكنديَّ خاضتْ رماحنَا ... وبلجاً منحناهُ السّيوفَ القواضيَا
ومَا تركتْ أسيافُنا منذُ جرِّدتْ ... لمروانَ جبّاراً علَى الأرضِ عاتيَا
(1/132)

وقال معتق السّدوسيّ:
ليتَ الحرائرَ بالعراقِ شهدننَا ... ورأينَنا بالسّفحِ ذيْ الأجبالِ
فنكحنَ أهلَ الجدِّ من فرساننا ... والضاربين جماجمَ الأبطالِ
وقال قيس بن فهدان الكنديّ:
لقدْ علمتَ عكٌّ بصفّينَ أنّنا ... إذَا ما نلاقِي الخيلَ نطعنُها شزْرا
ونحملُ راياتِ القتالِ بحقّهَا ... فنوردُ بيضاً، ونصدرهَا حمْرا
(1/133)

وقال زيد بن عليّ بن أبي طالبٍ عليهم السلام:
السّيفُ يعرفُ عزمِي عندَ هزّتهِ ... والرُّمحُ بي خبيرٌ، واللهُ لِي وزرُ
إنّا لنأملُ ما كانتْ أوائلُنا ... منْ قبلُ تأملُهُ، إنْ ساعدَ القدرُ
وقال آخر:
إذَا تحازرتُ وما بي من خزرْ ... ثمَّ كسرتُ العينَ من غيرِ عورْ
(1/134)

ألفيتَني ألوَى بعيدَ المستمرّ ... أحملُ ما حمّلتُ من خيرٍ وشرّ كالحيّةِ الصمّاءِ في أصلِ الشّجرْ
وقال آخر:
أرينِي سلاحِي لا أبا لكِ إنّني ... أرى الحربَ لا تزدادُ إلاَّ تماديا
(1/135)

أتذهبُ كلبٌ لم تنلهُ رماحنَا ... وتتركَ قتلَى راهطٍ هيَ ما هِيا
لعَمرِي لقدْ أبقَتْ وقيعةُ راهطٍ ... لحسَّانَ صدعاً بيننَا متنائيَا
فلا صلحَ حتَّى تنحطَ الخيلُ بالقَنا ... وتثأرَ من نسوانِ كلبٍ نسائيا
وقال آخر:
فوارسُ قوّالونَ للخيلِ: أقدِمِي ... وليسَ علَى غيرِ الرّؤوسِ مجالُ
بأيديهمُ سمرُ العوالِي، كأنّمَا ... تشبُّ علَى أطرافهنَّ ذبالُ
(1/136)

وقال الأجدع الهمدانيّ:
لقدْ علمتْ نسوانُ همدانَ أنّني ... لهنَّ غداةُ الرَّوعِ غيرُ خذولِ
وأبذلُ في الهَيجَاءِ وَجهِي، وإنّنِي ... لهُ في سِوَى الهيجاءِ غيرُ بذولِ
وقال آخر:
تأملنَ فعْلي هلْ رأيتنَّ مثلَهُ ... إذَا حشْرجتْ نفسُ الجبانِ منَ الكربِ
وضاقتْ عليهِ الأرضُ حتّى كأنّهُ ... من الخوفِ مسلوبُ العزيمةِ والقلبِ
(1/137)

ألم أعطِ كلاً حقه ونصيبه ... من السمهري اللدنِ والمرهف العَضْبِ
فإن لم أقاتل دونكنَّ وأحتمي ... لكن وأحميكن بالطعن والضربِ
فلا صدق اللاتي مشين إلى أبي ... يهنينه بالفارس البطل النَدْبِ
وقال الدهان بن جندل:
إن كنت ساقيةً قوماً على كرمٍ ... فاسقي فوارس من ذُهل بن شيبانا
واسقي فوارس حاموا عن ديارهم ... واعلي مفارقهم مِسْكاً وريحانا
(1/138)

وقال أبو الطفيل في حرب صفين:
حامت كنانة في حربها ... وحامت تميمٌ وحامت أسدْ
وحامت هوزان يوم اللقاء ... فما خام منا، ومنهم أحدْ
لقينا افوراس يوم الخمي ... س والعيد والسبت ثم الأحدْ
لقينا قبائل أنسابها ... إلى حضرموت وأهل الجَنَدْ
وأمدادهم خلف آذانهم ... وليس لنا من سوانا مَدَدْ
فلما تنادوا بآبائهم ... دعونا معداً، ونعم المَعَدْ
فظلنا نفلَّق هاماتهم ... ولم نكُ فيها ببيض البلَدْ
ونعم الفوارس يوم اللقاء ... فقل في عديدٍ وقل في عَدَدْ
وقل في طعانٍ كفرغ الدِّلاء ... وضربٍ عظيمٍ كنار الوَقَدْ
(1/139)

ولكن عصفنا بهم عصفةً ... وفي الحرب يمنٌ وفيها نَكَدْ
طحنا الفوارس وسط العجاج ... وسقنا الزعائف سوق النَّقَدْ
وقلنا: عليٌّ لنا والدٌ ... ونحن له طاعةً كالولدْ
(1/140)

وقال قبيصة بن جابر الأسدي:
قد حافظت في حربها بنو أَسَدْ ... ما مثلنا تحت العجاج من أَحَدْ
أقرب من يمنٍ وأنأى من نكد ... كأننا ركن ثبيرٍ أو أُحُدْ
لسنا بأوباشٍ ولا بيض البلد ... لكننا المحّةُ من حيِّ مَعَدْ
(1/141)

وقال دريد بن الصمة في غزوة استنصر ببني نصر:
دعوت الحي نصراً فاستهلوا ... بشبانٍ ذوي كرمٍ وشيبِ
على جردٍ كأمثال السعالي ... ورجل مثل أهمية الكثيبِ
فما جبنوا، ولكنا نصبنا ... صدور الشرعبية للقلوبِ
فكم غادرن من كابٍ صريعٍ ... يمجُّ نجيع جائفةٍ ذنوبِ
وتلك عادةٌ لبني ربابٍ ... إذا ما كان موتٌ من قريبِ
فأجلوا والسوام لنا مُباحٌ ... وكل كريمةٍ خودٍ عرُوبِ
وقد تُرك ابن كعبٍ في مكرٍّ ... حبيساً بين ضبعان وذيبِ
(1/142)

وقال ابن ميادة:
ألا لا أبالي ان تخندف خندفٌ ... ولست أبالي أن يطن ذبابها
ولو حاربتنا الجن لم نرفع القنا ... عن الجن حتى لا تهر كلابها
إذا غضبت قيس عليك تقاصرت ... يداك وفات الرجل منك ركابها
(1/143)

وقال النابغة الجعدي:
ونحن أناسٌ لا نعوِّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحاً ولا مستنكر أن تعقرا
(1/144)

وقال ذو الإصبع العدواني:
إني لعمرك ما بابي بذي غلقٍ ... عن الضيوف، ولا خيري بممنونِ
ولا لساني على الأدنى بمنطلقٍ ... بالفاحشات، ولا أُغضي على الهونِ
لا يخرج القسر مني غير مأبيةٍ ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
وقال قطري بن الفجاءة:
يا رُبَّ ظل عقاب قد وقيت به ... مهري من الشمس، والأبطال تجتلدُ
(1/145)

ورب يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلي اقتساراً وأطراف القنا قِصَدُ
ويوم لهوٍ لأهل الخفض ظل به ... لهوي اصطلاء الوغى، إذ ناره تقدُ
مشهَّرٌ موقفي، والحرب كاشفةٌ ... عنها القناع، وبحر الموت يطّردُ
ورب هاجرةٍ تغلي مراجلها ... نحرتها بمطايا غارةٍ تخدُ
تجتاب أودية الأفزاع آمنةً ... كأنها أسد تقتادها أسدُ
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداً ... على الطعان، وقصر العاجز الكمدُ
ولم أقل: لم أساقِ القتل شاربهُ ... في كأسه، والمنايا شرَّعٌ وردُ
(1/146)

وقال أيضاً:
إلى كم تُغاريني السيوفُ ولا أرى ... مغاراتها تدعو إليَّ حماميا
أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاءً على حال لما ليس باقيا
(1/147)

ولو قرَّب الموت القِراع لقد أنى ... لموتي أن يدنو لطول قراعيا
أغادي جلاد المعلمين، كأنني ... على العسل الماذي أُصبح غاديا
وأدعو الكماة للنزال إذا القنا ... تحطم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفساً تموت وإن دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا
وقال أيضاً، وقيل لغيره:
أبت لي عقتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيحِ
(1/148)

وإمساكي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيحِ
وقولي، كلما جشأت وجاشت: مكانك! تحمدي أو تستريحي
(1/149)

وقال مسلم بن الوليد:
إن يقعدوا فوقي لغير نزاهةٍ ... وعلو مرتبةٍ، وعزِّ مكانِ
فالنار يعلوهما الدخان وربما ... يعلو الغبارُ عمائمَ الفُرْسانِ
(1/150)

الباب الثاني في: المراثي
(1/151)

قالت ليلى الأخيلية، ترثي توبة بن الحُميِّر:
يا عينُ بكِّي بدمعٍ دائم السجمِ ... وابكي لتوبة عند الروع والبُهَمِ
على فتىً من بني سعدٍ، فجعت به ... ماذا أُجِنُّ به في حفرة الرَّجَمِ
من كل صافيةٍ صرفٍ، وقافيةٍ ... مثل السنان، وأمر غير مقتسمِ
ومصدرٍ حين يُعيي القوم مصدرهمْ ... وجفنةٍ عند نحس الكوكب الشئمِ
(1/153)

وقال أشجع السُّلميُّ:
ويحها هل درتْ على من تنوحْ ... أسقيمٌ فؤادها أم صحيحُ؟
قمراً أطبقوا عليه ببغدا ... دَ ضريحاً، ماذا أجن الضريحُ؟
رحم الله صاحبي ونديمي ... رحمةً تغتدي وأخرى تروحُ
(1/154)

وقالت الخنساء:
وقائلةٍ، والنعشُ قد فات خطْوها ... لتدركهُ: يا لهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلت أم الذين مشوا به ... إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبرِ؟
وقال محمد بن مناذر:
إن عبد الحميد يوم توفِّي ... هدَّ ركناً ما كان بالمهدودِ
(1/155)

ما درى نعشه، ولا حاملوهُ ... ما على النعش من عفافٍ وجودِ
وقال آخر:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنتْ ... بطون الثرى، واستودع البلد القَفْرُ
بدوراً، إذا الدنيا دجتْ أشرقتْ بهم ... وإن أجدبت يوماً فأيديهم القَطْرُ
أقاموا بظهر الأرض فاخضرَّ عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهرُ
(1/156)

وقالت سعدة بنت فريد ترثي ابنها الكُميت بن زيد:
لأمِّ البلاد الويلُ، ماذا تضمنتْ ... بأكناف طورى من عفافٍ ونائلِ؟
ومن وقعاتٍ بالرجال كأنها ... إذا أعيت الأحداث وقعُ المناصلِ
يعزِّ المعزِّي بالكميت فتنتهي ... مقالته، والصدرُ جَمُّ البلابلِ
(1/157)

وقال آخر:
لعمرك ما المصيبة هدم دارٍ ... ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ
ولكن المصيبة موت حرٍّ ... يموت بموته بشرٌ كثيرُ
(1/158)

وقال آخر:
عجبْتُ لهذا الدهرِ أفنى محمّداً ... وكان الذي يسطو به ويُصاولُ
مضى فمضى مجدٌ تليدٌ وسُؤددٌ ... وأودى فأودى منه بأسٌ ونائلُ
وكان سراج الأرض، فالأرض مُظلمٌ ... قَرَاها، وحَلْيَ الدهرِ، فالدهر عاطلُ
وقال أبو سعيد إبراهيم، يرثي ببني أمية:
بَكَيتُ، وماذا يردُّ البكاءْ ... وقلَّ البكاءُ لِقتلى كَراءْ
أُصيبوا معاً، فتولوا معاً ... كذلك كانوا معاً في رخاءْ
(1/159)

بكتْ لهم الأرض من بعدهم ... وناحت عليهم نجومُ السماءْ
وكانوا ضياءً، فلما انقضى ال ... زَّمان بقومي تولى الضياءْ
وقال أيضاً:
أثَّرَ الدهر في رجالي، فقلُّوا ... بعد جمعٍ، فراح عظمي مَهِيضا
ما تذكرتهم فتملك عيني ... فيض دمعٍ، وحقَّ لها أن تفيضا
(1/160)

وقال أيضاً:
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ ... تداعوا، فإلا تذرف العين أُكْمَدِ
كأنهم لا ناس للموتِ غيرهم ... ولإن كان فيهم مُنْصفاً غير مُعْتَدِ
وقالت بنت عمرو بن يثربي، ترثي أباها:
يا ضبُّ إنك قد فُجعتِ بفارسٍ ... حامي الحقيقة قاتل الأقرانِ
عمرو بن يثربي الذي فُجِعتْ به ... كل القبائل من بني عدنانِ
(1/161)

لم يحمه وسط العجاجة قومه ... وحنت عليه الأزدُ أزد عُمانِ
فلهم عليَّ بذاك حادث نعمةِ ... ولحبهم أحببتُ كلَّ يَمانِ
لو كان يدفع عن منية هالكٍ ... طول الأكفِّ بذابلِ المُرَّانِ
أو معشرٌ وصلوا الخُطا بسيوفهم ... وسط العجاجةِ والحُتوفُ دوانِ
ما نِيلَ عمروٌ والحوادثُ جمةٌ ... حتى يُنال النجمُ والقمرانِ
وقالت بثينة، ترثي جميلاً:
وإن سلوِّي عن جميلٍ لساعةٌ ... من الدهر ما جاءت، ولا حان حينها
(1/162)

سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقال مطرود الخزاعي:
يا عينُ جودي وأذري الدمع واحتفلي ... وابكي حبيسة نفسي في الملماتِ
وابكي على كل فياضٍ أخي حسبٍ ... ضخم الدَّسيعةِ وهاب الجزيلاتِ
ماضي الصريمةِ عالي الهمِّ ذي شرفٍ ... جلد النحيزة حمَّال العظيماتِ
صعب المقادة لا نكسٍ ولا وكلٍ ... ماضٍ على الهول متلاف الكريماتِ
محضٍ توسط من كعبٍ إذا انتسبوا ... بحبوبة المجد في الشمِّ الرفيعاتِ
وابكي على هاشمٍ في وسط بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه وسط غزَّاتِ
(1/163)

يا عين بكي أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسَّراً مثل البنياتِ
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه ... سمح الشجية بسّام العشياتِ
يبكينه معولاتٍ في معاوذها ... يا طوْل ذلك من حزنٍ وعولاتِ
(1/164)

وقال أبو طالب يرثي نديماً له مات غريباً:
ليت شعري مسافر بن أبي عمْ ... رٍو، وليت يقولها المحزونُ
كيف كانت مذاقة الموت إذْ مِ ... تَّ، وماذا بعد الممات يكونُ؟!
رحل الركب قافلين إلينا ... وخليلي في مرمس مدفونُ
بورك الميت الغريب كما بو ... رِكَ نضر الريحان والزيتونُ
رُزْءُ ميتٍ على هُبالةَ قد حا ... لتْ فيافٍ من دونه وحزونُ
مِدْرَهُ يدفعُ الخصومَ بأيْدٍ ... وبوجهٍ يزينه العِرنينُ
كم خليلٍ وصاحبٍ وابن عمٍّ ... وحميمٍ قضت عليه المَنونُ!
فتعزيت بالجلادة والصب ... رِ، وإني بصاحبي لضنينُ
(1/165)

وقال آخر:
لقد غادرت أرماح بكر بن وائلٍ ... قتيلاً عن الأهوال ليس بمُحجِمِ
قتيلاً يظلُّ الحيُّ يثنون بعدهُ ... عليه بأيدٍ من نداهُ وأنْعُمِ
لقد فجعتْ طيٌّ بحلمٍ ونائلٍ ... وصاحب غاراتٍ ونَهْبٍ مقسَّمِ
(1/166)

وقد كان خالي ليس خالٌ كمثلهِ ... دفاعاً لضيم واحتمالاً لِمَغْرَمِ
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأندبه لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي ... على أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلِّي النفس عنه بالتأسي
(1/167)

وقال أبو الهيذام يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإن بها ما يطلب الماجد الوِترا
ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ ... يعصرها في جفن مقلته عَصْرا
وإنا أناسٌ ما تفيض دموعنا ... على هالكٍ منا، وإن قَصَمَ الظّهْرا
(1/168)

وقال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زيادٍ:
انظر إلى الموت كيف بادهه ... والموتُ مقدامةٌ على البُهَمِ
لو قد تدبرت ما صنعتَ به ... قرعت سناً عليه من ندمِ
فاذهب بما شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى للرزء من ألمِ
(1/169)

وقال يرثيه أيضاً:
قد مضى يحيى، وغودرت فرداً ... نصْبَ ما سرَّ عيون الأعادي
وأرى عيني مذ غاب يحيى ... بُدِّلت من نومها بالسُّهادِ
وسّدته الكف مني تُراباً ... ولقد أرثي له من وِسادِ
بين جيرانٍ أقاموا صموتاً ... لا يحيرون جواب المُنادي
أيها المزن الذي جاد حتى ... أعشبتْ منه متونُ البوادي
اسقِ قبراً فيه يحيى، فإني ... لك بالشكر موافٍ مفادِ
(1/170)

وقال ضرار بن نهشلٍ، يرثي أخاه:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشلٍ ... حشا جدثٍ تسفي عليه الروائحُ
لقد كان ممن يبسط الكف بالندى ... إذا ضنَّ بالخير الأكف الشحايحُ
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنهِ ... وشدَّ لي الطرف العيونُ الكواشحُ
ذكرت الذي مات الندى عند موته ... بعافيةٍ، إذ صالحُ القوم صالحُ
إذا أرقي أفنى من الليل ما مضى ... تمطَّى به ثنيٌ من الليل راجحُ
(1/171)

وقال علبة الحارثي، يرثي ابنه:
لعمرك إني يوم أسلمت جعفراً ... وأصحابه للموت لما أُقاتلِ
لمجتنبٌ حبَّ المنايا، وإنما ... يهيج المنايا كل حقٍّ وباطلِ
فراح بهم قومٌ، ولا قوم عندهم ... مغللةٌ أيديهم في السلاسلِ
وربَّ أخٍ لي غاب لو كان شاهداً ... رآه التباليون لي غير خاذلِ
(1/172)

وقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى، والجود بعد المهلَّبِ
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها ... وقد فقدا من كل شرقِ ومغْربِ
وقالت امرأة من بني عاممر:
أيا شجرات الواد من يضمن القرى ... إذا لم يكن بالواد عمرو بن عامرِ
(1/173)

فتى جعفر ما كان غير ميامنٍ ... طريق الندى عنه، وغير مياسرِ
ولكن إليه قصد كل معصَّبٍ ... صبورٍ على مستقطعات الجرائرِ
وقال أبو العيص بن حزام المازني:
وكم من صاحبٍ قد بان عني ... رميت بفقده، وهو الحبيبُ
فلم أُبْدِ الذي تحنو ضلوعي ... عليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكيناً ... عدوٌ أو يُساء به قريبُ
فيشمت كاشحٌ، ويظن أني ... جزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك شدَّت الأعداء طرفاً ... إليَّ، ورابني دهرٌ يُريبُ
(1/174)

وأنكرتُ الزمان وكل أهلي ... وهرَّتني لغيبتك الكليبُ
وكنتَ تقطِّعُ الأبصار دوني ... وإن وغرت من الغيظ القلوبُ
وتمنعني من الأعداء، إني ... وإن زعموا لمخشي مهيبُ
فلم أرَ مثل يومك كان يوماً ... بدت فيه النجوم، فما تغيبُ
وليلٍ ما أنام به طويلٍ ... كأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائياً، لا بدَّ منه ... إليك، فسوف يجلبه الجَلوبُ
(1/175)

وقال نهشل بن حري:
ذكرت أخي المخوِّل بعد يأسٍ ... فهاج عليَّ ذكره اشتياقي
فلا أنسى أخي ما دمتُ حياً ... وإخواني بأقرنة العناقِ
يجرون الفصال إلى الندامى ... يروض الحزن من كنفي أباقِ
ويغلون السِّباء إذا أتوهُ ... بضمرِ الخيلِ والشُّولِ الحِقاقِ
إذا اتصلوا وقالوا: يالِ غوثٍ! ... وراحوا في المُحبَّرةِ الرِّقاقِ
أجابكَ كل أروع شمَّريٍّ ... رخي البال منطلق الخناقِ
أناسٌ صالحون نشأتُ فيهم ... فأودوا بعد إلفٍ واتِّساقِ
مضوا لسبيلهم، ولبثت عنهم ... ولكن لا محالة من لحاقِ
(1/176)

وقال متمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكاً:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كاني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
(1/177)

وقال أيضاً:
ولنعم حشو الدرع كان وحاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنورِ
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه ... حلوٌ شمائلهُ، عفيفُ المئزرِ
(1/178)

وقال آخر:
أبى حدثان الدهر إلا تفرقاً ... وأي فتىً يبقى على حدث الدهرِ
وإني إذا ما أعوز الدمع أهله ... فزعت إلى وطفاء دائمة القطرِ
وقال النابغة الجعدي:
تذكرت، والذكرى تهيج على الهوى ... ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرقٍ ... أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مُقفرا
كُهولٌ وفتيانٌ كأن وجوههم ... دنانيرُ مما شِيف في أرض قيصَرا
(1/179)

وقال عبد الله بن الزبير:
عقدتم لعمرو عقده، وغدرتم ... بأبيض كالمصباح في ليلة الدجنِ
فما قال عمروٌ، إذ يجود بنفسه ... لضاربه حتى قضى نحبه دعني
وقال آخر، يرثي يزيد بن مزيدٍ:
أبعد يزيد تختزن البواكي ... دموعاً أو يُصان لها خدودُ؟
(1/180)

فغن يهلك " يزيدٌ " فكلُّ حيٍّ ... فريسٌ للمنية، أو طريدُ
لقد عزَّى ربيعة أن يوماً ... عليها مثل يومك لا يعودُ
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين:
يبيت النشامى من أمية نوَّماً ... وبالطَّفِّ قتلى ما ينام حميمها
وما ضيَّع الإسلام إلا عصابةٌ ... تأمّرَ نوكاها، ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالمٍ ... إذا مال منها جانبٌ لا يقيمها
(1/181)

وقال عمران بن حطان الخارجي:
يا عينُ بكِّي لمرداسٍ ومصرعه ... يا ربَّ مرداس ألحقني بمرداسِ
تركتني هائماً أبكي لمرزأتي ... في منزلٍ موحشٍ من بعد إيناسِ
أنكرتُ بعدك من قد كنت أعرفهُ ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناسِ
(1/182)

وقال عيسى بن فاتكٍ الخطي الخارجي:
ألا في الله لا في الناس شالتْ ... بداودٍ وإخوته الجذوعُ
مَضَوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً ... تحومُ عليهم طيرٌ وقوعُ
إذا ما الليل أسفر كابدوهُ ... فيسفر عنهم، وهم ركوعُ
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأرض في الدنيا هُجوعُ
(1/183)

وقال عبيدة بن هلال الخارجي:
ومسومٍ للحربِ يركب ردعه ... بين الأسنة والقنا الخطارِ
يدنو وترفعه الرماح كأنه ... شلوٌ تنشَّبَ في مخالب ضارِ
فثوى صريعاً والرماح تنوشهُ ... إن الشراة قصيرة الأعمارِ
(1/184)

وقال بعض الخوارج يرثي نافع بن الأزرق، وكان خليفتهم:
شِمْتُ ابن بدرٍ، والحوادثُ جمةٌ ... والحائرون بنافعٍ بن الأزرقِ
والموتُ حتمٌ لا محالة واقعٌ ... من لا يصبِّحه نهاراً يَطْرقُ
فلئن أمير المؤمنين أصابهُ ... ريبُ المنون، فمن يصبه يغلقِ
وقال عمرو بن الحصين العنبري الخارجي:
هبّت قبيل تبلج الفجر ... هندٌ تقول، ودمعها يجري
(1/185)

إذ أبصرت عيني وأدمعها ... تنهلُّ واكفةً على النحرِ
أنّى اعتراك وكنت عهدي لا ... سرب الدموع، وكنت ذا صبرِ
أقذىً بعينك ما يفارقها ... أم عائرٌ، أم مالها تذري
أم ذكر إخوانٍ فجعتَ بهم ... سلكوا سبيلهم على قدرِ
فأجبتها: بل ذكر مصرعهم ... لا غيره، عبراتها يمري
يا ربِّ أسلكني سبيلهم ... ذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتيةٍ صبروا نفوسهم ... للمشرفية والقنا السمرِ
(1/186)

تالله ألقى الدهر مثلهم ... حتى أكون رهينة القبرِ
أوفي بذمتهم إذا عقدوا ... وأعف عند العسر واليسرِ
متأهبون لكل صالحةٍ ... ناهون من لاقوا عن النُّكرِ
صمتٌ إذا حضروا مجالسهم ... من غير ما عيٍّ بهم يُزري
إلا نحيبهم فإنهم ... رجف القلوب بحضرة الذِّكرِ
متأوهون كأن جمر غضاً ... للخوف بين ضلوعهم يسري
تلقاهم إلا كأنهم ... لخشوعهم صدوراً عن الحشرِ
فهم كأن بهم جوى مرضٍ ... أو مسهم طرفٌ من السحرِ
(1/187)

لا ليلهم ليلٌ، فتلبسهم ... فيه غواشي النوم بالسُّكرِ
إلا كذا خلساً وآونةً ... حذر العقاب، فهم على ذعرِ
كم من أخٍ لك قد فجعت به ... قوام ليلته إلى الفجرِ
متأوهاً يتلو قوارع من ... آي الكتاب مقرح الصدرِ
نصباً تجيشُ بناتُ مهجته ... من خوف جيش مشاشة القدرِ
ظمآن رقدة كل هاجرةٍ ... ترَّاك لذته على قدرِ
رفّاض ما تهوى النفوس إذا ... رغب النفوس دعا إلى المُزري
(1/188)

ومبراً من كل سيئةٍ ... عفَّ الهوى ذا مرةٍ شزْرِ
والمصطلي بالحرب يوقدها ... بحسامه في فتيةٍ زُهرِ
يختاضها بأقل ذي شُطبٍ ... عضب المضارب ظاهرِ الأثرِ
لا شيء تلقاهُ أسرُّ له ... من طعنةٍ في ثغرةِ النّحرِ
منهارةٍ منه تجيشُ بما ... كانت عواصمُ جوفهِ تجري
كخيلكَ المختار أذكِ به ... من مغتدٍ في الله أو مُسْرِ
خوَّاض غمرة كل متلفةٍ ... في الله تحت العشير الكدْرِ
(1/189)

ترَّاك ذي النخوات مختضباً ... بنجيعه بالطعنة النترِ
وابن الحصين، وهل له شبةٌ ... في العُرْف، أنّى كان والنُّكرِ
بسّامةٍ لم يحن أضلعه ... لذوي أخوته على غدرِ
طلق اللسان بكل محكمةٍ ... رآب صدْع العظم ذي الوقرِ
لم ينفكك في جوفه حزنٌ ... تغلي حزازته ويستشري
ترقى وآونة يخفضها ... بتنفس الصعداء والزَّفرِ
ومخالطي بلجٌ وخالصتي ... سمُّ العدوِّ، وجابر الكسرِ
(1/190)

نكل الخصوم إذا هم شغبوا ... وسداد ثلمة حوزة الثغرِ
والخائضُ الغمرات يخطر في ... وسط الأعادي أيما خطرْ
بمشطبٍ أو غير ذي شطبٍ ... هام العدى بذبابه يفري
وأخيكِ أبرهة الهجان أخي ال ... حرب العوان، وموقد الجمرِ
والضارب الأخدود ليس لها ... حدٌّ ينهنهها عن السحرِ
ووليُّ حكمهم فجعت به ... عمروٌ، فواكبدي على عمرو!
قوَّال محكمةٍ، وذو فهمٍ ... عف الهوى متثبت الأمرِ
(1/191)

ومسيَّبٌ، فاذكر وصيته ... لا تنسَ، إما كنت ذا ذكرِ
فكلاهما قد كان مختشعاً ... لله ذا تقوى، وذا برِّ
في مخبتين، ولم أسمهم ... كانوا يدي، وهو أولو نصري
وهم مساعرُ في الوغى رجحٌ ... وخيار من يمشي على العفْرِ
حتى وفوا لله حيث لقوا ... بعهود لا كذبٍ ولا غُدرِ
فتخالسوا مهجات أنفسهم ... وعداتهم بقواضبٍ بترِ
وأسنةٍ أثبتن في لدنٍ ... خطيةٍ بأكفهم زهرِ
تحت العجاج وفوقهم خرقٌ ... يخفقن من سودٍ ومن حُمْرِ
(1/192)

وتوقدت نيران حربهم ... ما بين أعلى البيت فالحِجرِ
وتصرعت عنهم فوارسهم ... لم يغمضوا عيناً على وِترِ
صرعى فحاجلةٌ تنوبهم ... وخوامعٌ لجسومهم تفري
وقال مهلهل يرثي أخاه كُليباً:
كليبُ لا خير في الدنيا ومن فيها ... إذا أنت خليتها فيمن يُخلِّيها
نعى النُّعاة كُليباً، فقلت لهم: ... مالتْ بنا الأرض، أو زالت رواسيها
(1/193)

الحزم والعزم كانا من صنائعه ... ما كل آلائه يا قوم أُحصيها
القائد الخيلُ تردى في أعنتها ... رهواً، إذا الخيل لجت في تعاديها
يهزهزون من الخطي مدمجةً ... كمتاً أنابيبها، شهباً عزاليها
ليت السماء على من تحتها وقعت ... وانشقت الأرض، وانجابت بمن فيها
(1/194)

وقال جرير يرثي ابنه سوادة، وقد مات بالشام:
أودى سوادة، يجلو مقلتي لحمٍ ... بازٍ يصرصرُ فوقَ المربأ العالي
فارقتنا حين كف الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرمة البالي
إلا تكن لك بالديرين باكيةٌ ... فرب باكيةٍ بالرمل مِعوالِ
قالوا: نصيبك من أجرٍ، فقلت لهم: ... كيف العزاء، وقد فارقت أشبالي
(1/195)

وقال نصيب يرثي عبد العزيز بن مروان:
أصبتُ يوم الصعيد من سَكَرٍ ... مصيبةً ليس لي بها قِبَلُ
تالله أنسى مصيبتي أبداً ... ما أسمعتني حنينها الإبلُ
ولا التبكي عليه أعْولهُ ... كل المصيباتِ بعدهُ جللُ
لم يعلم النعشُ ما عليه من ال ... عُرفِ، ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحهم ... حين انتهى من خليلك الأملُ
(1/196)

وقال هلال بن الأسعر يرثي رجلاً من قومه اسمه المغيرة:
ألا ليت المغيرة كان حياً ... وأفنى قبله الناس الفناءُ
ليبك على المغيرة كل خيلٍ ... إذا أفنى عرائكها اللقاءُ
ويبكِ على المغيرة كل كلٍّ ... فقيرٍ كان يُنعشهُ العطاءُ
ويبكِ على المغيرة كل جيشٍ ... تمور لدى معاركه الدماءُ
فتى الفتيان فارس كل حربٍ ... إذا شالت، وقد رفع اللواءُ
لقد وارى جديد الأرض منه ... خصالاً عقد عصمتها الوفاءُ
فصبراً للنوائب، إن ألمت ... إذا ما ضاق بالحدثِ الفضاءُ
(1/197)

هزبرٌ تنجلي الغمرات عنه ... نقي العرض همته العلاءُ
إذا شهد الكريهة خاض منها ... بحوراً لا تكدرها الدلاءُ
جسورٌ لا يروعُ عند روعٍ ... ولا يثني عزيمته اتقاءُ
حليمٌ في مشاهده إذا ما ... حبا الحلماء أطلقها المِراءُ
حميدٌ في عشيرته، فقيدٌ ... يطيب عليه في الملأ الثناءُ
فإن تكن المنية أقصدته ... وحم عليه بالتلفِ القضاءُ
فقد أودى به كرمٌ وخيرٌ ... وعودٌ بالفضائل وابتداءُ
وجودٌ لا يضم إليه جوداً ... مراهنه إذا جد الجراءُ
(1/198)

وقال مروان بن أبي حفصة لما مات المهدي:
لقد أصبحت تختال في كل بلدةٍ ... بقبر أمير المؤمنين المقابرُ
ولو لم تسكن بابنه في مكانه ... لما برحت تبكي عليه المنابرُ
(1/199)

وقال عروة بن أُذينة:
سرى همي، وهم المرء يسري ... وغار النجم إلا قيد فِتْرِ
أراقبُ في المجرة كلَّ نجمٍ ... تعرَّض في المجرة كيف يجري
بحزنٍ ما أزال له مديماً ... كأن القلب أسعر حرَّ جمْرِ
على بكرٍ أخي ولَّى حميداً ... وأي العيش يحسن بعد بكرِ
(1/200)

وقال الوليد بن يزيد يرثي نديمه القاسم بن الطويل:
عيني للحدث الجليل ... جوداً بأربعةٍ هُمُولِ
جوداً بدمعٍ، إنه ... يشفي الفؤادَ من الغليلِ
لله قبرٌ ضمِّنتْ ... فيه عظامُ ابن الطويلِ
ماذا تضمن إذ ثوى ... فيه من اللب الأصيلِ
قد كنت آوي من هوا ... ك إلى ذرا كهفٍ ظليلِ
أصبحت بعدك واحداً ... فرداً بمدرجة السيولِ
(1/201)

وقال أبو طالب يرثي نديمه مسافر بن أبي عمرو:
ألا إن خير الناس غير مدافعٍ ... بسرو لنجم غيبته المقابرُ
تُبكِّي أباها أم وهبٍ، وقد نأى ... وريسان أمسى دونه ويحابرُ
على خير حافٍ من معدٍّ وناعلٍ ... إذا الخير يرجى، أو إذا الشر حاضرُ
تنادوا ولا أبو أمية فيهم ... لقد بلغت كظَّ النفوس الحناجرُ
(1/202)

وقال الحسين بن الضحاك يرثي الأمين:
سألونا أن كيف نحن فقلنا: ... من هوى نجمه، فكيف يكون؟
نحن قومٌ أصابنا حدث الده ... ر، فظلنا لريبه نستكينُ
نتمنى من الأمين إياباً ... لهفَ نفسي، وأين مني الأمينُ!
(1/203)

وقال أيضاً:
أعزي يا محمد عنك نفسي ... معاذ الله، والأيدي الجسامِ
فهلا مات قومٌ لم يموتوا ... ودوفع عنك لي يوم الحمامِ
كأن الموت صادف منك غنماً ... أو استشفى بقربك من سَقامِ
وقال الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة حين قصده فوجده ميتاً:
لعمري لنعم المرء من آل جعفرٍ ... بحوران أمسى أعلقته الحبائلُ
(1/204)

فإن تحيَ لا أملُلْ حياتي، وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائلُ
وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغنى إلا ليالٍ قلائلُ
وقال أبو العباس الأعمى، واسمه السائبُ بن فرُّوخ، يرثي بني أمية:
آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتامِ
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط، والجدود نيامُ
(1/205)

خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلامُ
وقال أيضاً:
ليت شعري أفاح رائحة المس ... كِ، وما إن إخال بالخيفِ أُنسي
حين غابت بنو أمية منه ... والبهاليل من بني عبد شمسِ
خطباءُ على المنابر فرسا ... نٌ عليها، وقالةٌ غير خرسِ
(1/206)

لا يعابون صامتون، وإن قا ... لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبسِ
بحلومٍ، إذا الحلوم تقضَّتْ ... ووجوه مثل الدنانير مُلْسِ
وقالت الخنساء ترثي أخويها صخراً ومعاوية وأباها عمراً:
من جشَّ لي الأخوين كال ... عضين أو مذراهما
قرمين لا يتظالما ... ن، ولا يرام حماهما
ويلي على الأخوين وال ... قبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهو ... ل، ولا فتىً كفتاهما
(1/207)

رمحين خطيين في ... كبد السماء سناهما
ما خلفا، إذا ودعا ... في سؤددٍ شرواهما
سادا بغير تكلفٍ ... عفواص بفيض نداهما
وقالت أيضاً:
أعينيَّ جودي ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل ... الا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد، رفيع العما ... د، ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا
(1/208)

فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد، ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألفيته ... تأزر بالمجد، ثم ارتدى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
فإن تكن القتلى بواءً، فإنكم ... فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
(1/209)

فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ ... وأشجع من ليثٍ بخفان خادرِ
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةً ... وللطارق الساري قرىً غير ياسرِ
وقد كان طلاع النجاد وبين ال ... لسان ومدلاج السرى غير فاترِ
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاً ... وأحفل من نالت صروف المقادرِ
وقالت الفارعة ترثي أخاها الوليد بن طريف:
بتلِّ نُهاكَى رسم قبرٍ كأنه ... على جبلٍ فوق الجبال مُنيفِ
(1/210)

تضمّنَ مجداً عدلمياً وسؤدداً ... وهمة مقدامٍ، ورأي حصيفِ
فيا شجر الخابور مالكَ مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريفِ
فتىً لا يحبُّ الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوفِ
(1/211)

ولا الدخر إلا كل جرداء صلدمٍ ... معاودةٍ للكرِّ بين صفوفِ
كأنك لم تشهد هناك ولم تقُمْ ... مقاماً على الأعداء غير خفيفِ
ولم تستلم يوماً لوردٍ كريهةٍ ... من السرد في خضراء ذات رفيفِ
ولم تسعَ يوم الحرب، والحربُ لاقحٌ ... وسمرُ القنا ينكزنها بأنوفِ
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليفِ
فقدناك فقدان الشباب، وليتنا ... فديناك من ساداتنا بألوفِ
وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجاً لعدوٍّ أو نجاً لضعيفِ
(1/212)

ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعده برجوفِ
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهرٍ ملحٍّ بالكرام عفيفِ
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوفِ
ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيفِ
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت ... فتىً كان للمعروف غير عيوفِ
فإن يكُ أرداه يزيد بن مزيدٍ ... فرُبَّ زحوفٍ لفها بزحوفِ
عليه سلام الله وقفاً، فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريفِ
(1/213)

وقالت أيضاً:
يا بني وائلٍ لقد فجعتكم ... من يزيدٍ سيوفه بالوليدِ
لو سيوفٌ سوى سيوف يزيدٌ ... قاتلته لاقت خلاف السعودِ
وائلٌ بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد غير الحديدِ
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي:
إنني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بها ... من علو لا عجبٌ فيها، ولا سخرُ
(1/214)

فظلت مكتئباً حرَّان أندبه ... وكنت أحذره، لو ينفع الحذرُ
فجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكبٌ جاء من تثليث معتمرٍ
يأتي على الناس لا يلوي على أحدٍ ... حتى التقينا، وكانت دوننا مضرُ
(1/215)

إن الذي جئت من تثليث تندبه ... منه السماح ومنه النهي والغِيرُ
تنعى امرءاً لا تغبُّ الحيَّ جفنته ... إذا الكواكب أخطأ نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبراً مناكبها ... شعثاً تغير منها النِّيُّ والوبرُ
وألجأ الكلبَ موقوع الصقيع به ... وألجأ الحيَّ من تنفاخها الحُجَرُ
عليه أول زاد القوم قد علموا ... ثم الطيُّ، إذا ما أرملوا جزروا
قد تكظم البُزْلُ منه حين تبصرهُ ... حنّى تقطّع في أعناقها الجِررُ
(1/216)

أخو رغائبَ يعطيها ويسلبها ... يأبى الظلامة منه النوفلُ الزفرُ
لم ترَ أرضاً، ولم تسمع بساكنها ... إلا بها من بوادي وقعه أثرُ
وليس فيه، إذا استنظرته عجلٌ ... وليس فيه، إذا ياسرته العُسُرُ
فإن يصبك عدوٌ في مناوأةٍ ... يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصرُ
من ليس في خيره من يكدِّرهُ ... على الصديق، ولا في صفوه كَدَرُ
أخو حروبٍ ومكسابٌ إذا عدموا ... وفي المخافة منه الجد والحذرُ
مِرْدى حروبٍ ونورٌ يستضاء به ... كما أضاء سواد الظلمة القمرُ
(1/217)

مهفهفٌ أهضمُ الكشحين منخرقٌ ... عنه القميصُ، لسير الليل محتقرُ
طاوي المصير على العزاء منجردٌ ... بالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه ... وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمرُ
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفرُ
لا يغمز الساق من أين ولا نصبٍ ... ولا يزال أمام القوم يقتفرُ
(1/218)

لا يأمن الناس ممساه ومصبحه ... في كل فجٍّ، وإن لم يغزُ منتظرُ
يكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها ... من الشواء، ويروي شربه الغُمرُ
لا تأمن البازل الكوماء غدوتهُ ... ولا الأمُون، إذا ما اخروَّطَ السفرُ
كانه بعد صدق الناس أنفسهم ... باليأس تلمع من قدَّامه البُشُرُ
لا يعجل القوم أن تغلي مراجلهمْ ... ويدلجُ الليلَ حتى يفسح البصرُ
عشنا به حقبةً حياً، ففارقنا ... كذلك الرمح ذو النصلين ينكسرُ
(1/219)

أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍ ... هند بن أسماءَ، لا يهنئُ لك الظَّفرُ
لو لم تخنه نُفيلٌ، وهي خائفةٌ ... لصبح القوم ورداً ما له صدَرُ
وأقبل الخيل من تثليل مصغيةً ... وضمَّ أعينها رعوان أو حضرُ
إما سلكت سبيلاً كنت سالكها ... فاذهب، فلا يبعدنك الله منتشرُ
وقالت الفارعة المرية ترثي أخاها مسعود بن شداد:
يا عين جودي لمسعود بن شدادِ ... بكل ذي عبراتٍ شجوه بادِ
(1/220)

يا من رأى بارقاً، قد بتُّ أرمقه ... جوداً على الحرة السوداء بالوادي
أسقي به قبراً من أعني، وحب به ... قبراً إليَّ، وإن لم يفده فادِ
شهادُ أنديةٍ، رفّاع أبنيةٍ ... شدّاد ألويةٍ، فتّاح أسدادِ
نحَّار راغيةٍ، قتّال طاغيةٍ ... حلاّل رابيةٍ، فكّاك أقيادِ
قوَّال مُحكمةٍ، نقّاض ُ مبرمةٍ ... فرَّاج مبهمةٍ، حبَّاس أورادِ
حلاَّل ممرعةٍ، حمّال معضلةٍ ... قرَّاع مفظعةٍ، طلاَّاع أنجادِ
جمَّاع كل خصال الخير، قد علموا ... زين الندي وخطل الظالم العادي
أبا زُرارة لا تبعدْ، فكل فتى ... يوماً رهينُ صفيحاتٍ وأعوادِ
(1/221)

وقالت أم حكيم الكنانية ترثي ابنيها:
ألا من بيَّن الأخوي ... ن أمهما هي الثكلى
تُسائلُ من رأى ابنيها ... وتستسقي فما تُسقى
فلما استيأست رجعت ... بعبرةٍ والهٍ حرَّى
تتابعُ بين ولولةٍ ... وبين مدامعٍ تترى
(1/222)

وقال الأسود بن يعفر النهشلي:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إيادِ؟
أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعادِ
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ ... في ظل ملكٍ ثابت الأوتادِ
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفادِ
(1/223)

وقال أيضاً يرثي مسروق بن المنذر بن سلمى:
أقول لما أتاني هلك سيدنا ... لا يبعد الله رب الناس مسروقا
(1/224)

من لا يشيّعه عجزٌ ولا بخلٌ ... ولا يبيت لديه اللحمُ موشوقا
مِردى حروبٍ، إذا ما الخيل ضرّجها ... نضح الدماءِ وقد كانت أفاريقا
والطاعنُ الطعنة النجلاء تحسبها ... شناً هزيماً يمجُّ الماء مخروقا
وجفنةٍ كنضيح البئر متأقةٍ ... ترى جوانبها باللحم مفتوقا
يسرتها ليتامى أو لأرملةٍ ... وكنت بالبائس المتروك محقوقا
يا لهف أمي إذ أودى وفارقني ... أودى ابن سلمى نقي العِرضِ موموقا
(1/225)

وقال أرطأة بن سهية يرثي قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قينٍ:
أعاذلتي ألا لا تعذلينا ... أقلِّي اللوم إن لم تنفعينا
فقد أكثرتِ لو أعنيت شيئاً ... ولست بقابلٍ ما تأمرينا
فلا وأبيك لا تنفكُّ تبكي ... على قتلى هنالك ما بقينا
على قتلى هنالك أوجعتنا ... وأنستنا رجالاً آخرينا
سنبكي بالرماح إذا التقينا ... على إخواننا وعلى بنينا
بطعنٍ ترعد الأحشاء منه ... يردُّ البيض والأبدان جونا
كأن الخيل إذ آنسن كلباً ... يرين وراءهم ما يبتغينا
(1/226)

وقال الأُبيرد الرياحي يرثي أخاه بُريداً:
إذا ذكرت نفسي بُريداً تحاملتْ ... إليَّ، فلم أملك لعيني مدمعا
وذكَّرنيك الناس حين تحاملوا ... عليَّ وأضحوا جِلدَ أجربَ مولعا
فلا يبعدنك الله خير أخي امرئٍ ... فقد كنت طلاَّع النِّجاد سَميْدَعا
(1/227)

وصولاً لذي القربى بعيداً عن الخنا ... إذا ارتادك الجادي من الناس أمرعا
أخو ثقةٍ لا ينتحي القوم دونه ... إذا القوم خالوا أو رجا الناس مطمعا
ولا يركب الوجناء دون رفيقه ... إذا القوم أزجوهن حسرى وظلّعا
وقال غيلان بن سلمة الثقفي يرثي ابنه نافعاً
ما بال عيني لا تغمِّض ساعةً ... إلا اعتلتني عبرةٌ تغشاني
(1/228)

أرعى نجوم الليل عند طلوعها ... وهناً وهن من الغروب دوانِ
يا نافعاً من للفوارس أحجمت ... عن فارسٍ يعلو ذُرا الأقرانِ
فلو استطعت جعلت مني نافعاً ... بين اللهاةِ وبين عكدِ لِساني
وقال معيَّة بن الحمام يرثي أخاه الحُصين بن الحمام المرِّي:
إذا لاقيت جمعاً، أو فئاماً ... فإني لا أرى كأبي يزيدا
(1/229)

أشدُّ مهابةً، وأعز ركناً ... وأصلب ساعة الضراء عُودا
صفيِّي وابن أمي والمواسي ... إذا ما النفس شارفت الوريدا
كأن مصدَّراً يحبو ورائي ... إلى اشباله يبغي الأسودا
وقال أبو العيال الهذلي يُرثي أخاه لأمه:
ألا للهِ درُّك من ... فتى قومٍ إذا رهبوا
وقالوا: من فتىً للحرْ ... بِ يرقبنا ويرتقبُ
(1/230)

فكنت فتاهم فيها ... إذا تدعى لها تثبُ
ذكرت أخي، فعاودني ... صداع الرأس والوصبُ
كما يعتاد ذات البَ ... وِّ بعد سلوها الطربُ
فدمع العين من برحا ... ءِ ما في الصدر ينسكبُ
كما أودى بماء الشَّنَّ ... ةِ المحزوزة السَرَبُ
على عبد بن زهرة ب ... تُّ طول الليل أنتحبُ
(1/231)

وقال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة:
يا عينُ لا بد من سكبٍ وتهمالِ ... على فضالة، جل الرزءُ والعالي
أبا دليجة، من توصي بأرملةٍ ... أم من لأشعثَ ذي طمرينَ، ممحالِ
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ ... أمسوا من الأمر في لبسٍ وبلبالِ
لازال مسكٌ وريحانٌ له أرجٌ ... على صداك بصافي اللون سلْسالِ
(1/232)

وقال يرثيه أيضاً:
أيتها النفس، أجملي جزعا ... إن الذي تكرهين قد وقعا
إن الذي جمَّع السماحة وال ... نجدة والحزم والقوى جُمِعا
المُخلِف المُتلِف المرزَّأُ لم ... يمتعْ بضعفٍ، ولم يمتْ طبعا
أودى وهل تنفعُ الإشاحةُ من ... شيءٍ لمن قد يحاول النَّزعا
(1/233)

وقال قيس بن زهيرة، يرثي الحارث بن ظالم:
ما قصرتْ من حاضنٍ ستر بيتها ... أبرَّ وأوفى منك حارِ بن ظالمِ
أعزَّ وأحمى عند جارٍ وذمةٍ ... وأضربَ في كابٍ من النقع قاتمِ
(1/234)

وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا راكباً نحو المدينة جسرةً ... أجداً تلاعب حلقةً وزِماما
اقرأ على أهل البقيع من امرئٍ ... كمدٍ على أهل البقيع سلاما
كم غيبوا فيه كريماً ماجداً ... شهماً ومقتبلَ الشباب غلاما
ونفيسةً في أهلها مرجوةً ... جمعت صباحة صورةٍ وتماما
(1/235)

وقال إسماعيل بن يسار يرثي أخاه محمد بن يسار:
غيل العزاءُ، وخانني صبري ... لما نعى الناعي أبا بكرِ
ورأيت ريب الدهر أفردني ... منه، وأسلم للعدى ظهري
من طيِّب الأثوابِ مقتبلٌ ... حلو الشمائل ماجدٍ غمرِ
فمضى لوجهته، وأدركه ... قدرٌ أتيح له من القَدْرِ
(1/236)

وغبرتُ مالي من تذكره ... إلا الأسى وحرارة الصدرِ
وجوىً يعاودني، وقلَّ له ... مني الجوى ومحاسنُ الذِّكرِ
لما هوت أيدي الرجال به ... في قعر ذات جوانبٍ غَبْرِ
وعلمت أني لن ألاقيه ... في الناس حتى ملتقى الحشرِ
كادت لفرقتهِ، وما ظَلَمتْ ... نفسي تموتُ على شفا القبرِ
ولَعَمْرُ من حُبِسَ الهَدِيُّ له ... بالأخشبينَ صبيحة النَّحْرِ
لو كان نيلُ الخُلدِ يدركهُ ... بَشَرٌ بطيْبِ الخِيْمِ والنَّجرِ
لَغَبَرْتَ لا تخشى المنونَ، ولا ... أودى بنفسكَ حادثُ الدهرِ
(1/237)

وَلَنِعْمَ مأوى المُرْملِينَ، إذا ... قحطوا وأخلفَ صائبُ القَطْرِ
كم قُلْتُ آونةً، وقد ذرفتْ ... عيني، فماءُ شؤونها يجري
أنّى وأيُّ فَتَىً يكون لنا ... شرواكَ عند تفاقمِ الأمرِ
لدفاعِ خصمٍ ذي مشاغبةٍ ... ولعائلٍ تَرِبٍ أخي فقرِ
ولقد علمت، وإن ضمنت جوىً ... مما أجنُّ كواهج الجمرِ
ما لامرئٍ دون المنة من ... نفقٍ، فيحرزه، ولا سترِ
(1/238)

وقال أبو العطاء السندي:
فاضت دموعي على نصرٍ، وما ظلمت ... عينٌ تفيضُ على نصر بن سيارِ
يا نصرُ من للقاء الحرب إن لقحتْ ... يا نصر بعدك أو للضيف والجارِ
الخندفيُّ الذي يحمي حقيقته ... في كل يومٍ مخوف الشر والعارِ
والقائدُ الخيلُ قباً في أعنتها ... بالقوم حتى تلفّض القارَ بالقارِ
من كل أبيضَ كالمصباحِ من مُضرٍ ... يجلو بسنَّتهِ الظلماء للساري
ماضٍ على الهول مقدامٌ إذا اعترضتْ ... سمرُ الرماحِ، وولى كلُّ فرَّارِ
إن قال قولاً وفى بالقول موعده ... إن الكنانيَّ وافٍ غير غدَّارِ
(1/239)

وقال خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب، وكان صديقه:
أتاني حديثٌ فكذبتهُ ... وقيل: خليلكَ في المَرْمَسِ
(1/240)

فيا عين بكِّي حضير الندى ... حضير الكتائبَ والمجلسِ
ويومٍ شديد أوارِ الحديدِ ... تقطَّع منه عُرى الأنفسِ
صليتَ به وعليك الحدي ... دُ ما بين سلعٍ إلى الأعرَسِ
فأودى بنفسك يوم الوغى ... ونقَّى ثيابك، لم تدْنُسِ
وقال أبو داؤدٍ الإيادي:
لا أعدُّ الإقتار عُدماً، ولكن ... فَقْدُ من قد رُزِئْتُهُ الإعدامُ
(1/241)

من رجالٍ من الأقاربِ بانوا ... من جذامٍ هم الرؤوسُ الكرامُ
سُلّط الموتُ والمنونُ عليهم ... فلهم في صدى المقابر هامُ
وكذاكم سبيلُ كل أناسٍ ... سوف، حقاً، تبليهم الأيامُ
(1/242)

وقال محمد بن بشير الخارجي يرثي زيد بن الحسن:
نعاهُ لنا الناعي، فظلنا كأننا ... نرى الأرض فينا أنه حان حينها
وزلَّتْ بنا أقدامنا، وتقلَّبتْ ... ظهور روابيها بنا وبُطونُها
وآبَ ذوو الألباب منا كأنما ... يرون شمالاً فارقتها يمينُها
سقى الله سُقيا رحمةٍ تُربَ حفرةٍ ... مقيمٍ على زيدٍ ثراها وطينها
(1/243)

وقال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي:
واحربا من فراق قومٍ ... هم المصابيحُ والحصونُ
والأُسْدُ والمُزْنُ والرواسي ... والأمنُ والخفضُ والسكونُ
لم تتنكر لنا الليالي ... حتى توفتهم المنونُ
فكل نارٍ لنا قلوبٌ ... وكل ماءٍ لنا عيونُ
(1/244)

وقال العباس بن الأحنف:
سبحان ربِّ العُلا ما كان أغفلني ... عما رمتني به الأيام والزمنُ!
من لم يذقْ فرقةَ الأحبابِ ثم يرى ... آثارهم بعدهم لم يدرِ ما الحزنُ؟
وقال آخر:
بالله يا قبرُ! هل زالت محاسنها ... وهل تغير ذاك المنظر النَضِرُ؟
ما أنت يا قبر، لا روضٌ، ولا فلكٌ ... فكيف جمِّع فيك الغُصْنُ والقَمَرُ؟
(1/245)

وقال أبو دهبل الجمحي يرثي ابن الأزرق:
لقد غال هذا اللحد من بطن عُليبٍ ... فتىً كان من أهل الندى والتكرُّمِ
فتىً كان فيما ناب يوماً هو الفتى ... ونعم الفتى للطارقِ المتيمِّمِ
أألْحَقُّ أني لا أزال على مِنىً ... إذا صدر الحُجّاج عن كل موسمِ
سقى الله أرضاً أنت ساكن قبرها ... سجالَ الغوادي من سحيلٍ ومبرمِ
(1/246)

وقال آخر:
ما غاض دمعي عند نازلةٍ ... إلا جعلتك للبكا سببا
فإذا ذكرتك سامحتْكَ به ... مني الجفونُ، ففاض وانسكبا
إني أُجلُّ ثرىً حللْتَ به ... من أن أُرى لسواه مُكتئبا
وقال الخثعمي:
فتىً كغرار السيف لاقى منيةً ... وأيدي المنايا جمةُ الخَلَجانِ
فمات وأبقى من تُراثِ عطائهِ ... كما أبقتِ الأنواءُ للحيوانِ
(1/247)

الباب الثالث في: النسيب
(1/249)

قال امرؤ القيس:
تقول، وقد جردتها من ثيابها ... كما رُعتَ مكحولاً من العينِ أَتْلَعا
وجدِّكَ لو شيءٌ أتانا رسولهُ ... سواك، ولكن لم نجد لك مَدْفعا
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلانِ، لم يعلم لنا الناس مصْرعا
إذا أخذتها هِزَّةُ الروعِ أمسكتْ ... بمنكبِ مقدامٍ على الهولِ أروعا
(1/251)

وقال نُصيب:
كأن على أنيابها الخمرُ شَجَّها ... بماء الندى في آخر الليلِ عابقُ
وما ذُقْتُهُ إلا بعيني تفرساً ... كما شيمَ في أعلى السحابةِ بارقُ
وقال عروة بن أُذينة:
كأن خُزامى طلةٍ صابها الندى ... وفارة مسكٍ ضُمِّنتها ثِيابُها
فكِدْتُ لذكراها أطيرُ صبابةً ... وغالبتُ نفساً زاد شوقاً غِلابُها
(1/252)

إذا اقتربت سُعدى لججتُ بهجرها ... وإن تغترب يوماً يرُعْكَ اغترابها
ففي أيِّ هذا راحةٌ لك عندها! ... سواءٌ لعمري نأيها واقترابها
وقال أيضاً:
لا بعدُ سُعدى مريحي من جوى سقمٍ ... يوماً ولا قربها إن حمَّ يشفيني
إذا الوشاةُ لحوا فيها عصيتهم ... وخلتُ أن بسعدى اللومَ يُغريني
(1/253)

وقال أيضاً:
قالت، وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحب السترَ فاستترِ
ألست تبصر من حولي، فقلت لها: ... غطَّى هواكِ، وما أبقى على بصري
وقال أيضاً:
إذا وجدتُ أوار الحبِّ في كبدي ... أقبلتُ نحو سقاء الماء أبتردُ
هبني بردتُ ببردِ الماء ظاهرهُ ... فمن لنارٍ على الأحشاء تتقدُ!
(1/254)

وقال آخر:
ولما تبينتُ المنازل بالحمى ... ولم أقضِ منها حاجة المتزودِ
زفرتُ إليها زفرةً لو حشوتها ... سرابيلَ أبدانِ الحديد المسرَّدِ
لرقَّتُ حواشيها وظلت متونها ... تلينُ كما لانت لداود في اليدِ
وقال آخر:
وددتُ من الشوق المبرحِ أنني ... أُعارُ جناحيْ طائرٍ فأطيرُ
(1/255)

وإن امرأً في بلدةٍ نصف قلبهِ ... ونصفٌ بأخرى غيرها لصبورِ
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
دنت بأناسٍ عن تناءِ زيارةٌ ... وشطَّ بليلى عن دنوٍّ مزارها
وإن مقيماتٍ بمنعرج اللوى ... لأقربُ من ليلى وهاتيكَ دارها
(1/256)

وقال آخر:
ولمَّا أبتْ إلاّ اطِّرافاً بودِّها ... وتكديرهَا الشِّربَ الذِي كانَ صافيَا
شربنَا برنقٍ منْ هواهَا مكدّرٍ ... وكيفَ يعافُ الرّنْق منْ كانَ صاديَا؟!
(1/257)

وقال العباس بن الأحنف:
وحدّثتنِي يا سعدُ عنها فزدتنِي ... جنوناً، فزدنِي منْ حديثكَ يا سعدُ
هواهَا هوىً لمْ يعرفِ القلبُ غيرهُ ... فليسَ لهُ قبلٌ، وليسَ لهُ بعدُ
وقال أيضاً:
أبكِي الذينَ أذاقونِي مودَّتهمْ ... حتّى إذَا أيقظُونِي للهوَى رقدُوا
واستنهضُونِي فلمَّا قمتُ منتصباً ... بثقلِ مَا حمّلونِي منهمُ قعدُوا
(1/258)

وقال الحسين بن الضحّاك:
صلْ بخدِّي خدّيكَ تلقَ عجيباً ... منْ معانٍ يحارُ فيهَا الضميرُ
فبخدّيكَ للربيعِ رياضٌ ... وبخدّيّ للدموعِ غديرُ
وقال أيضاً:
لا وحبّيكَ لا أصا ... فحُ بالدّمعِ مدمعَا
منْ بكَى شجوهُ استر ... حَ، وإنْ كانَ موجَعا
كبدِي في هواكَ أسْ ... قمُ منْ أنْ تقطّعا
لمْ تدعْ صورةُ الضّناَ ... فيَّ للسُّقمِ موضِعا
(1/259)

وقال آخر:
وأشربَ قلبِي حبَّهَا، ومشَى بهِ ... كمشيِ حميَّا الكأسِ في عقلِ شاربِ
ودبَّ هواهَا في عظَامِي، وحبُّهَا ... كمَا دبَّ في الملسوعِ سمُّ العقاربِ
وقال الأحوص:
إذَا رمتُ عنْها سلوةً، قالَ شافعٌ ... منَ الحبِّ: ميعادُ السُّلوِّ المقابرُ
ستبقَى لهَا في مضمرِ القلبِ والحشَا ... سريرةُ ودٍّ يومَ تبلَى السّرائرُ
(1/260)

وقال آخر:
أبتْ سابقاتُ الحبِّ إلاَّ مقرّها ... إليكِ، ومَا تثنَى إذَا مَا استقرَّتِ
هواكِ الّذِي في النفْسِ أمسَى دخيلهَا ... عليهِ انطوتْ أحشاؤُها واستمرَّتِ
(1/261)

وقال الأخطل:
منَ الجازئاتِ الحورِ مطلبُ سِرها ... كبيضِ الأنوقِ المستكنّةِ في الوكرِ
وإنِّي وإياهَا إذَا مَا لقيتُها ... لكالماءِ منْ صوبِ الغمامةِ والقطرِ
وقال جرير:
أتنسَى إذْ تودّعُنَا سليمَى ... بفرعِ بشامةٍ سقيَ البشامُ
(1/262)

بنفسِي منْ تجنّبهُ عزيزٌ ... عليَّ، ومنْ زيارتهُ لمامُ
ومنْ أمسِي وأصبِح لا أراهُ ... ويطرقنِي إذَا هجَع النِّيامُ
وقال آخر:
حيِّ طيفاً منَ الأحبّةِ زارا ... بعدَما صرَّعَ الكرَى السمَّارا
طارقاً في المنامِ تحتَ دجَى اللّيْ ... لِ ضنيناً بأنْ يزورُ نهارَا
قلتُ: مَا بالنَا جفيْنا وكنَّا ... قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارَا
قالَ: إنَّا كمَا عهدتَ ولكنْ ... شغلَ الحليَ أهلهُ أنْ يعارَا
(1/263)

وقال الحكم بن عمرو بن السّاريّ:
ويلِي علَى منْ أطارَ النّومَ فامتنعَا ... وزادَ قلبِي علَى أوجاعهِ وجعَا
كأنّمَا الشّمسُ منْ أعطافهِ لمعتْ ... حسناً أوِ البدرُ منْ أزرارهِ طلعَا
مستقبلٌ بالّذِي يهوَى وإنْ كثرتْ ... منهُ الذّنوبُ، ومعذورٌ بمَا صنعَا
في وجههِ شافعٌ يمحو إساءتهُ ... منَ القلوبِ وجيهٌ حيثُ مَا شفعَا
(1/264)

وقالت امرأة من بني سعد بن بكر:
أيَا أخويَّ الملزميَّ ملامةً ... أعيذكمَا باللهِ منْ مثلِ مَابيَا
سألتكمَا باللهِ إلاَّ جعلتمَا ... مكانَ الأذَى واللّومِ أنْ تأويَا ليَا
أيَا أمّتَا حبُّ الهلاليِّ قاتِلِي ... شطونُ النَّوى يحتلُّ عرضاً يمانيَا
أشمُّ كغصنِ البانِ، جعدٌ مرجّلٌ ... شغفتُ بهِ لوْ كانَ أمراً مدانيَا
فإنْ لمْ أوسِّدْ ساعدِي بعدَ هجعةٍ ... غلاماً هلاليّاً، فشلَّ بنانِيَا
ثكلتُ أبِي إنْ كنتُ ذقتُ كريقهِ ... سلافاً ولاَ ماءَ الغمامةِ غاديَا
(1/265)

وقالت ضاحية الهلاليّة:
وإنّي لأهوَى القصدَ ثمَّ يردّنِي ... عنِ القصدِ ميلاتُ الهوَى فأميلُ
ومَا وجدُ مولىً مسلمٍ بحريرَة ... لهُ بعدَ مَا نامَ العيونُ أليلُ
بأكثرَ منِّي لوعةً يومَ راعنِي ... فراقُ حبيبٍ مَا إليهِ سبيلُ
(1/266)

وقالت امرأة من أهل المدينة:
هلْ منْ سبيلٍ إلَى خمرٍ فأشربهَا ... أمْ منْ سبيلٍ إلى نصرِ بنِ حجّاجِ
إلى فتىً ماجدِ الأعراقِ مقتبلٍ ... سهلِ المحيّا كريمٍ غيرِ ملجاجِ
تنميهِ أعراقُ صدقٍ حينَ تنسبُهُ ... أخِي وفاءٍ عنِ المكروبِ فرّاجِ
(1/267)

وقال آخر:
وكنتُ إذَا مَا جئتُ سعدَى أزورهَا ... أرَى الأرضَ تطوَى لي ويدنُو بعيدُها
منَ الخفراتِ البيضِ ودَّ جليسهَا ... إذَا مَا انقضتْ أحدوثةٌ لوْ تعيدهَا
(1/268)

وقال آخر:
إذَا نحنُ أدلحنَا، وأنتِ أمامَنا ... كفى لمطايانا برؤياكِ هادِيا
تمرُّ اللَّيالي والشّهورُ وتنقضِي ... وحبّكِ ما يزدادُ إلاّ تمادِيا
ذكرتكِ بالدّيرينِ يوماً فأشرقتْ ... بناتُ الهوَى حتّى بلغنَ التّراقِيا
إذَا مَا طواكِ الدّهرُ يَا أمَّ مالكٍ ... فشأنُ المنايَا القاضياتِ وشانِيَا
(1/269)

وقال آخر:
لا أستطيعُ نزوعاً عنْ مودّتهَا ... أوْ يصنعَ الحبُّ فوقَ الّذِي صنعَا
أدعُو إلَى هجرِها قلبِي فيسعدنِي ... حتّى إذّا قلتُ: هذَا صادقٌ نزعَا
(1/270)

وقال الأحوص:
وببطنِ مكّةَ لا أبوحُ بهِ ... قرشيَّةٌ غلبتْ علَى قلبِي
ولوْ انّهَا إذْ مرّ موكبهَا ... يومَ الكديدِ أطاعنِي صحبِي
قلنَا لهَا: حيّيتِ منْ شجنٍ ... ولركبِهَا: حيّيتَ منْ ركبِ
والشَّوقُ أقتلهُ برؤيتهَا ... قنلَ الظّما بالباردِ العذبِ
والنّاسُ إنْ حلُّوا جميعهمْ ... شعباً، سلامَ، وكنتِ في شعبِ
لحللتُ شعبكِ دونَ شعبهمْ ... ولكانَ قربكِ منهمُ حسبِي
(1/271)

وقال عتبة بن الحباب الأنصاري:
أشجاكَ نوحُ حمائمِ السِّدرِ ... فأهجنَ منكَ بلابلَ الصّدرِ
أمْ عزَّ نومكَ ذكرُ غانيةٍ ... أهدتْ إليكَ وساوسَ الفكرِ
يَا ليلةً طالتْ علَى دنفٍ ... يشكُو الغرامَ وقلّةَ الصّبرِ
أسلمتِ منْ يهوَى لحرِّ جوىً ... متوقِّدٍ كتوقّدِ الجمرِ
فالبدرُ يشهدُ أنّني كلفٌ ... مغرىً بحبِّ شبيهةِ البدرِ
مَا كنتُ أحسبُني بهَا شجناً ... حتّى بليتُ وكنتُ لا أدرِي
(1/272)

وقال جِران العود:
أبيتُ كأنَّ اللَّيلَ أفنانُ سدرةٍ ... عليهَا سقيطٌ منْ ندَى الطّلِّ ينطفُ
أراقبُ لوحاً منْ سهيلٍ كأنَّهُ ... إذَا مَا بدَا في آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
(1/273)

وقال النّابغة الجعديّ:
عقيليّةٌ أوْ منْ هلالِ بنِ عامرٍ ... بذِي الرَّمثِ منْ وادِي المنارِ خيامهَا
إذَا ابتسمتْ فِي البيتِ واللَّيلُ دونَها ... أضاءَ دجَى اللَّيلِ البهيمِ ابتسامهَا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
لعمرِي لئنْ شطَّتْ بعثمةَ دارهَا ... لقدء كنتُ منْ وشكِ الفراقِ أليحُ
أروحُ بهمٍّ، ثمَّ أغدُو بمثلهِ ... ويحسبُ أنّي في الثّيابِ صحيحُ
(1/274)

وقال الحسين بن مطيرٍ:
قضَى اللهُ يَا أسماءُ أنْ لستُ بارحاً ... أحبّكِ حتّى يغمضَ العينَ مغمضُ
وحبّكِ بلوَى غيرَ أنْ لا يسرّنِي ... وإنْ كانَ بلوَى أنّنِي لكِ مبغضُ
إذَا أنَا رضتُ النّفسَ في حبِّ غيرهَا ... أتَى حبُّهَا منْ دونهِ يتعرّضُ
فيَا ليتنِي أقرضتُ غيرِي صبابتِي ... وأقرضنِي صبراً علَى الشَّوقِ مقرضُ
(1/275)

وقال آخر:
وأعرضُ حتَّى يحسبَ النّاسُ أنّنِي ... بيَ الهجرُ لاها اللهِ مَا بِي لكِ الهجرُ
ولكنْ أروضُ النَّفسَ أنظرُ هلْ لهَا ... إذَا فارقتْ يوماً أحبّتها، صبرُ؟ ظ
وقال عروة بن حزام:
فوَ اللهِ لولا حبُّ عفراءَ مَا التقَى ... عليَّ رواقَا بيتِها الخلقانِ
كأنَّ وشاحيهَا إذَا امتدَّ خضرهَا ... وقامتْ عنانَا مهرةٍ سلسَان
(1/276)

فلهفِي علَى عفراءَ لهفِي كأنَّهُ ... علَى النَّحْر والأحشاءِ حدُّ سنانِ
وقال آخر:
تعشّقتُ ليلَى وهيَ غرّ صغيرةٌ ... وكنتُ ابنَ سبعٍ مَا بلغتُ الثَّمانيَا
فشابَ بنُو ليلَى وشابَ ابنُ بنتِها ... وحرقةُ ليلَى في الفؤَاد كمَا هِيا
(1/277)

وقال دريد بن الصمّة في الخنساء، وقد رآها تهنأ بعيراً:
حيُّوا تماضرَ واربعوا صحْبي ... وقفُوا فإنَّ وقوفكمْ حسبِي
أخناسُ قدْ هامَ الفؤادُ بكمْ ... وأصابهُ تبلٌ منَ الحبِّ
ما إنْ رأيتُ ولا سمعتُ بِه ... كاليوْم طاليَ أينقٍ جربِ
متبذّلاَ تبدُو محاسنهُ ... يضعُ الهناءَ مواضعَ النّقبَ
(1/278)

وقال جميل:
وإنّي لأرضَى منْ بثينةَ بالّذي ... لوِ استيقنَ الواشِي لقرَّتْ بلابلهْ
بلا، وبألا أستطيعَ وبالمنَى ... وبالأمَل المرجوِّ قدْ خابَ آملهُ
وبالنّظرَة العجلَى وبالحوْل تنقضي ... أواخرهُ لا نلتقِي وأوائلهْ
(1/279)

وقال الصمّة القشيري:
إذَا مَا أتتْنا الرِّيحُ منْ نحْو أرضكمْ ... أتتْنا بريّاكم فطابَ هبوبُها
أتتْنا بريحِ المسكِ خالطَ عنبراً ... وريحِ الخزامَى باكرتهَا جنوبُها
(1/280)

وقال ذو الرمّة:
إذَا هبّتِ الأرواحُ منْ نحو جانبٍ ... بِه أهلُ ميٍّ هاج قلبِي هبوبهَا
هوى تذرف العينانِ منه، وإنما ... هوىً كلِّ نفسٍ أينَ حلَّ حبيبهَا
وقال أبو حية النميريّ:
زمانَ الصّبَا ليتَ أيامنَا ... رجعنَ لنَا الصّالحاتِ القصارا
(1/281)

زمانَ عليَّ غرابٌ غدافٌ ... فطيّرهُ الدّهرُ عنِّي، فطارَا
فلاَ يبعدِ اللهُ ذاكَ الغرابَ ... وإنْ هوَ لمْ يبقِ إلاَّ ادّكارَا
كأنَّ الشّبابَ ولذّاتهِ ... وريقَ الصّبَا كانَ ثوباً معارَا
وهازئةٍ أنْ رأتْ لمّتِي ... تلفّعَ شيبٌ بهَا فاستدارَا
وقلّدنِي منْه بعدَ الخطام ... عذاراً، فمَا أستطيع اعتذارَا
أجارتنَا إنَّ ريبَ الزّمَا ... نِ قبلِي غالَ الرِّجالَ الخيَارا
فإمّا ترَي لمَّتِي هكَذا ... فأسرعتِ منهَا لشيبِي النِّفارَا
فقدْ أرتدي وحفَة طلَّةً ... وقدْ أبرزُ الفتياتِ الخفارَا
(1/282)

وقال أيضاً:
وخبّرَك الواشونَ أنْ لا أحبّكمْ ... بلَى، وستورِ البيتِ ذاتِ المحارمِ
أصدُّ، ومَا الصَّدّ الّذي تعرفينهُ ... عزاءً بنَا إلاَّ اجتراعُ العلاقمِ
حياءً وبقيَا أنْ تشيعَ نميمةٌ ... بنَا وبكمْ؛ أفٍّ لأهلِ النّمائم
(1/283)

وإنَّ دماً لوْ تعلمينَ جنيتهِ ... علَى الحيِّ، جانِي مثلهِ غيرُ سالمِ
أمَا إنَّهُ لوْ كانَ غيركَ أرقلتْ ... صعادُ القنَا بالراعفات اللَّهاذمِ
ولكنَّهُ واللهِ مَا طلَّ مسلماً ... كبيض الثَّنايَا واضحاتِ الملاغمِ
إذَا هنَّ ساقطنَ الحديثَ حسبتهُ ... سقوطَ حصَى المرجانِ منْ سلكِ ناظِم
رمينَ فأقصدنَ القلوبَ فلاَ ترَى ... دماً مائراً إلاَّ جوىً في الحيازمِ
كأنْ لمْ أبرَّحْ بالغيورِ وأقتتلْ ... بتفتيرِ أبصارِ الصِّحاحِ السَّقائمِ
ولمْ ألهُ بالحدثِ الألفِّ الّذِي لهُ ... غدائرُ لمْ يحرمنَ فارَ اللَّطائمِ
(1/284)

إذِ اللَّهوُ يطبينِي وإذْ أستميلهُ ... بمحلولكِ الفودينِ وحف ِالمقادمِ
وإذْ أنا منقادٌ لكلِّ مقود ... علَى هلكِ مَا أتلفتهُ غيرُ نادمِ
أرَى خيرَ يوميَّ الخسيسَ وإنْ غلا ... بيَ اللّومُ لمْ أحفلْ ملامةَ لائمِ
وقال آخر:
أحبُّ اللّواتِي في صباهنَّ غرَّةٌ ... وفيهنَّ عنْ أزواجهنَّ طماحُ
مسرّاتُ حبٍّ، مظهراتُ عداوةٍ ... تراهنَّ كالمرضَى، وهنَّ صحاحُ
(1/285)

وقال يزيد بن الطثريّة:
وقولاَ إذَا عدَّتْ ذنوباً كثيرةً ... علينَا تجنّا هاذريْ منْ تعبّبا
هبينيْ امرأً إمَّا بريئاً ظلمتهِ ... وإمَّا مسيئاً تابَ بعدُ وأعتبَا
فلمّا أبتْ أنْ تقبلَ العذرَ وارتمَى ... بهَا كذبُ الواشينَ شأواً مغرِّبا
تعزَّيتُ عنْها بالسُّلوِّ، ولمْ أكنْ ... لمنْ ضنَّ عنِّي بالمودّةِ أقربَا
وكنتُ كذِي داءٍ تبغَّى لدائهِ ... طبيباً، فلمَّا لمْ يجدهُ تطبّبا
(1/286)

وقال أيضاً:
إذَا نحنُ جئنَا لمْ نجمَّلْ بزينةٍ ... حذارَ الأعادِي، وهيَ بادٍ جمالُها
ولاَ نبتدِيهَا بالسّلامِ، ولمْ نقلْ ... لهمْ منْ توقِّي شرِّهمْ: كيفَ حالُها؟
وقال أيضاً:
بنفسِي منْ لوْ مرَّ بردُ بنانهِ ... علَى كبدِي كانتْ شفاءً أناملهْ
ومنْ هابنِي فِي كلِّ شيءٍوهبتهُ ... فلاَ هوَ يعطينِي، ولاَ أنَا سائلهْ
(1/287)

وقال أيضاً:
وحنَّتْ قلوصِي بعدَ هدْي صبابةً ... فيَا روعةً مَا راعَ قلبِي حنينُها
فقلتُ لهَا: صبراً، فكلُّ قرينةٍ ... مفارقُها، لا بدَّ يوماً، قرينُها
وقال ربيعة، وكان حينئذٍ أرمد، أرسل بهما إلى امرأةٍ كان يحبُّها:
عيْنا ربيعةَ رمداوانِ فاحتسبِي ... بنظرةٍ منكِ تشفيهِ منَ الرَّمدِ
إنْ تكتحلْ بكِ عيناهُ، فلا رمدٌ ... علَى ربيعةَ يخشَى آخرَ الأمدِ
(1/288)

وقال العباس بن الأحنف:
قدْ سحَّبَ النّاسُ أذيالَ الظّنونِ بنَا ... وفرَّقَ النّاسُ فينَا قولهمْ فرَقا
فكاذبٌ قدْ رمَى بالظنِّ غيركمُ ... وصادقٌ ليسَ يدرِي أنّهُ صدقَا
وقال أيضاً:
ولقدْ زادَ الفؤادَ شجاً ... طائرٌ يبكِي علَى فنَنِهْ
(1/289)

شفَّهُ مَا شفَّنِي فبكَى ... كلُّنا يبكِي علَى سكنهْ
وقال مسلم بن الوليد:
إذَا مَا علتْ منّا ذؤابةُ واحدٍ ... وإنْ كانَ ذَا حلمٍ دعتهُ إلى الجهلِ
هل العيشُ إلاَّ أنْ تروحَ معَ الصِّبَا ... وتغدُوْ صريعَ الكأسِ والأعينِ النُّجْل
وقال آخر:
ومَا وجدُ أعرابيةٍ قذفتْ بهَا ... صروفُ النّوَى منْ حيثُ لم تكُ ظنَّتِ
(1/290)

تمنّتْ أحاليبَ الرِّعاءِ وخيمةً ... بنجدٍ، فلمْ يقدرْ لهَا مَا تمنَّتِ
بأوجدَ منْ وجدٍ بليلَى وجدتهُ ... غداةَ ارتحلنَا غربةً واطمأنّتِ
وقال نصيبٌ:
أحبُّ قبَا منْ حبِّ هندٍ، ولمْ أكنْ ... أبالِي أقرباً زادهُ اللهُ أمْ بعدا!
أرونيْ قبَا أنظرْإليهِ فإنّنِي ... أحبُّ قبَا إنِّي رأيتُ بهِ هنْدا
(1/291)

وقال العرجيُّ:
عوجِي عليْنا ربَّةَ الهودجِ ... إنّكِ إلاَّ تفعلِي تحرُجِي
إنِّي أتيحتْ لِي يمانيَّةٌ ... إحدَى بنِي الحارثِ منْ مذحجِ
نلبثُ حولاً كاملاً أكلَّهُ ... مَا نلتقِي إلاَّ علَى منهجِ
في الحجِّ إنْ حجَّتْ، ومَاذَا منَىً ... وأهلهُ، إنْ هيَ لمْ تحججِ!؟
أيسرُ مَا نالَ محبٌّ لدَى ... بينِ حبيبٍ قولهُ: عرِّجِ
(1/292)

وقال أيضاً:
أماطتْ كساءَ الخزِّ عنْ حرِّ وجهِها ... وأدنتْ علَى الخدّينِ برداً مهلهَلا
منَ اللاَّءِ لمْ يحججنَ يبغينَ حسبةً ... ولكِنْ ليقتلنَ البريءَ المغفَّلا
(1/293)

وقال الحارث بن خالدٍ المخزوميُّ:
أيلَ جودِي على المتيَّمِ أيلا ... لا تزيدِي فؤادهُ أيلَ خبْلا
أيلَ إنِّي والرّاقصاتِ بجمعٍ ... يتبارينَ في الأزمَّةِ فتْلا
سابحاتٍ يقطعنَ منْ عرفاتٍ ... بينَ أيدِي المطيِّ حزناً وسهْلا
والأكفِّ المطهَّراتِ علَى الرُّكْ ... نِ لشعثٍ سعَوا إلى البيتِ رجْلى
لا أخونَ الصّديقَ في السِّرِّ حتّى ... ينقلَ البحرُ بالغرابيلِ نقْلا
(1/294)

أوْ تمورَ الجبالُ مورَ سحابٍ ... مرتقٍ قدْ وعَى منَ الماءِ ثقْلا
فاتّقِي اللهَ واقبَلِي العذرَ منِّي ... وتجافي عنْ بعضِ مَا كانَ زلاّ
إنْ أكنْ سؤتكمْ بهِ فلكِ العتْ ... بَى لديْنا وحقَّ ذاكَ وقلاّ
أنعمَ اللهُ لِي بذَا الوجهِ عيناً ... وبهِ مرحباً وأهلاً وسهلا
وجهكِ الوجهُ لوْ سألتِ بهِ المزْ ... نَ منَ الحسنِ والجمالِ استهلاّ
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
ألا منْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضِي ... عنَاها ولاَ تحيَا حياةً لهْا طعمُ
(1/295)

أأتركُ إتيانَ الحبيبِ تأثّماً ... ألا إنَّ هجرانَ الحبيبِ هوَ الإثمُ
فذقْ هجرَها إنْ كنتَ تزعمُ أنَّه ... رشادٌ ألا يَا ربَّما كذبَ الزّعمُ
وقال جبهاء الأشجعي:
ألاَ لا أبالِي بعدَ ريّا أوافقتْ ... نوانَا نوَى الجيرانِ أمْ لمْ توافقِ
هجانُ المحيّا، حرَّةُ الوجهِ سربلتْ ... منَ الحسنِ سربالاً عتيقَ البنائقِ
(1/296)

وقال محمد بن الأشعث القرشيّ:
أمسى لسلاّمةَ الزّرقاءِ في كبدِي ... صدعٌ مقيمٌ طوالَ الدّهرِ والأبدِ
لا تستطيعُ صناعُ القومِ تشعبهُ ... وكيفَ يشعبُ صدعُ الحبِّ في الكبدِ
وقال محمد بن أبي العباس:
أيَا وقعةَ البينِ ماذَا شببتِ ... منَ النّارِ في كبدِ المغرمِ؟
(1/297)

رميتِ جوانحهُ، إذْ رميتِ ... بقوسٍ مسدّدةِ الأسهمِ
وقفنَا لزينبَ يومَ الوداعَ ... علَى مثلِ جمرِ الغضَا المضرمِ
فمنْ صرفِ دمعٍ جرَى للفراقِ ... وممتزجٍ بعدهُ بالدَّمِ
وقال يزيد بن الحكم بن عثمان بن أبي العاص:
أمسَى بأسماءَ هذَا القلبُ معمودا ... إذَا أقولُ صحَا تعتادهُ عيْدا
(1/298)

كأنَّ أحورَ منْ غزلانِ ذي بقرٍ ... أهدَى لهَا شبهَ العينينِ والجيدا
أجرِي على موعدٍ منْها، فتخلفنِي ... فلا أملُّ ولاَ توفِي المواعيدا
كأنَّنِي يومَ أمسِي لا تكلِّمنِي ... ذوْ بغيةٍ يبتغِي مَا ليسَ موجودا
(1/299)

وقال نصيب:
ولولا أنْ يقالَ: صبَا نصيبٌ ... لقلتُ: بنفسَي النّشأُ الصِّغارُ
بنفسِي كلُّ مهضومٍ حشاهَا ... إذَا ظلمتْ، فليسَ لهَا انتصارُ
وقال القطاميُّ:
يقتلننَا بحديثٍ ليسَ يعلمهُ ... منْ يتّقينَ ولاَ مكنونهُ بادِ
فهنَّ ينبذنَ منْ قولٍ يصبنَ بهِ ... مواقعَ الماءِ منْ ذِي الغلّةِ الصّادِي
(1/300)

وقال المجنون:
ولمْ أرَ ليلَى بعدَ موقفِ ساعةٍ ... بخيفِ منىً ترمي جمارَا المحصّبِ
ويبدِي الحصَا منْها إذَا قذفَتْ بهِ ... منَ البردِ أطرافَ البنانِ المخضَّبِ
(1/301)

فأصبحتُ منْ ليلَى الغداةَ كناظرٍ ... معَ الصُّبحِ في أعقابِ نجمٍ مغرِّبِ
ألا إنّمَا غادرتِ يَا أمَّ مالكٍ ... صدىً أينمَا تذهبْ بهِ الرِّيحُ يذهبِ
وقال آخر:
نهاري نهارُ النّاسِ، حتّى إذَا بدَا ... ليَ اللَّيلُ هزَّتنِي إليكِ المضاجعُ
أقضّي نهارِي بالحديثِ وبالمنَى ... ويجمعنِي والهمُّ باللّيلِ جامعُ
لقدْ ثبتتْ في القلبِ منكِ محبَّةٌ ... كمَا ثبتتْ في الرّاحتينِ الأصابعُ
(1/302)

وقال آخر:
أشوقُ ومَا بينِي وبينكِ بلدةٌ ... ولاَ مهمهٌ تطويهِ أيدِي الرواحلِ
فكيفَ إذَا مَا أحدثَ البينُ بيننَا ... مهامهِ فيحاً بينَ بصرَى وعاقلِ
وقال عمرو بن شأسٍ:
ألمْ تعلمِي يَا أمَّ حسّانَ أنّنِي ... إذَا عبرةٌ نهنهتها فتخلَّت
رجعتُ إلَى صبرٍ كطسَّةِ حنتمٍ ... إذَا قرعتْ صفراً منَ الماءِ صلَّتِ
(1/303)

وقال آخر:
أَتِرْبيَّ من أعلى معدٍّ هُديتُما ... أجدَّا البكا إن التفرُّق باكرُ
فما مكْثُنا دام الجميل عليكما ... بثهلانَ إلا أن تُزَمَّ الأباعرُ
وقال آخر:
ولم أرَ يوماً كان أقبح منظراً ... وأسمج من يوم الفراق المُشتِّتِ
وقد قبضتْ كفي من الوجدِ والأسى ... على كبدٍ حرَّى وقلبٍ مفتتِ
ولي مقلةٌ قد غاب عنها رقادها ... كثيرة مجرى الدمع عند التلفتِ
(1/304)

وقال آخر:
مهما نسيتُ فما أنسى مقالتها ... يوم الوحيل لأترابٍ لها عُرُبِ
سكِّنَّ قلبي بأيديكن إن له ... وهجاً يفوقُ ضرام النار واللهبِ
ليت الفراق نعى روحي إلى بدني ... قبل التآلف بين الرَّحلِ والقَتَبِ
وقال آخر:
ياحبذا عمل الشيطان من عملٍ ... إن كان من عمل الشيطان حُبِّيها
لنظرةٌ من سلمى اليوم واحدةٌ ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها
(1/305)

وقال القتَّال الكلابي:
عبد السلامِ تأمل هل ترى ظُعُناً ... إني كبرتُ، وأنت اليوم ذو بصرِ
لا يُبعدُ الله فتياناً أقول لهم ... بالأبلق الفرد، لما فاتني نظري
يا هل ترون بأعلى عاصمٍ ظُعُناً ... نكبنَ فحلين واستقبلن ذا بقرِ
صلى على عمرة الرحمن وابنتها ... ليلى وصلى على جاراتها الأُخَرُ
(1/306)

وقال حاجز الأزدي:
ألا عللاني قبل نوح النوادبِ ... وقبل بكاء المعولات القرائبِ
وقبل ثوائي في ترابٍ وجندلٍ ... وقبل نشور النفس فوق الترائبِ
فإن تأتني الدنيا بيومي فجاءةً ... تجدني وقد قضيت منها مآربي
(1/307)

وقال آخر:
حلفت لها بالله ما حل بعدها ... ولا قبلها إنسيةٌ حيث حلَّتِ
وقد زعمتْ أني سأبغي إذا نأت ... بها بدلاً يا بئس ما بي ظنَّتِ
فما أمُّ سقْبٍ هالكٍ في مضلةٍ ... إذا ذكرته آخر الليل حنَّتِ
بأبرحَ مني لوعةً غير أنني ... أُجمجمُ أحشائي على ما أكنَّتِ
وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
أحنُّ إلى بنت الزبير وقد علت ... بنا العيسُ خرقاً من تهامةَ أو نقبا
(1/308)

إذا نزلت أرضاً تحبَّبَ أهلها ... إلينا وإن كانت منازلها حربا
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجولُ ولا قُلبا
أحب بني العوام طرَّاً لحبها ... ومن حبها أحببتُ أخوالها كلبا
فإن تُسلمي نسلم، وإن تتنصري ... تخط رجالٌ بين أعينهم صُلبا
(1/309)

وقال سويد بن كراعٍ:
خليليَّ قوماً في عطالة فانظرا ... أناراً أرى من نحو يبرين أم برقا؟
فإن يكُ برقاً فهو في مشمخرةٍ ... تغادر ماءً لا قليلاً ولا طَرْقا
وإن تكُ ناراً فهي نارٌ بملتقىً ... من الريح تسفيها وتصفقها صَفْقا
لأمِّ عليَّ أوقدتها طماعة ... لأوبة سفرٍ أن تكون لها وِفْقا
(1/310)

وقال آخر:
أبكي إلى الشرق ما دامت منازلها ... مما يلي الغرب خوف القيلِ والقالِ
وأذكر الخالَ في الخدِّ اليمين لها ... خوف الوشاة وما بالخدِّ من خالِ
وقال آخر:
إني لأكني بأجبالٍ عن أجبلها ... وباسم أوديةٍ عن اسم واديها
(1/311)

عمداً ليحسبها الواشون غانيةً ... أخرى ويُحْسب أني لا أباليها
وقال أبو حية النميري:
أصدُّ عن البيت الحبيب وإنني ... لأصغي إلى البيت الذي أتجنبُ
أزور بيوتاً غيره ولأهله ... على ما عدا منهم أعزُّ وأقربُ
وقال الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزلُ ... حذر العدا وبه الفؤاد موكلُ
(1/312)

إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميلُ
وقال يزيد بن الطثرية:
برغمي أُطيل الصدَّ عنها إذا نأتْ ... أُحاذر أسماعاً عليها وأعينا
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكَّنا
(1/313)

وقال آخر:
يا واشياً حَسنت فينا إساءته ... نجَّى حذارك إنساني من الغرقِ
إني أصد دموعاً لجَّ سائقها ... مطروفة العين بالمرضى من الحَدَقِ
إيهٍ فإن النوى وافت مصيبته ... مولَّع القلب بين الشوق والقلقِ
ما كل عاذلةٍ تُصغي لها أذني ... وقد سمعت على الإكراه فانطلقِ
فما سلوت الهوى جهلاً بلذَّته ... ولا عصيت إله الحلم عن خرقِ
(1/314)

وقال عُلَّفة بن عقيل بن علفة:
قفي يابنة المُرِّي، أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنتِ منيتنا قبلُ؟
نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذوا خُلةٍ لم يبقَ بينهما وصلُ
فإن شئتِ كان الصّرمَ ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذلُ
وقال العباس بن الأحنف:
تحمَّل عظيم الذنب ممن تحبهُ ... وإن كنت مظلوماً، فقل: أنا ظالمُ!
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغِمُ!
(1/315)

وقال أيضاً:
أتأذنون لصبٍّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصرِ!
لا يظهر الشوق إن طال الجلوس به ... عف الضمير، ولكن فاسق النظرِ!
وقال أيضاً:
ألا تعجبون كما أعجبُ ... حبيبٌ يسيئ ولا يُعتبُ!
(1/316)

وأبغي رضاه على سخطه ... فيأبى عليَّ ويستصعبُ
فيا ليت حظي إذا ما أسأ ... تُ أنك ترضى ولا تغضبُ
وقال أيضاً:
هبوني أغضُّ إذا ما بدتُ ... وأملك طرفي فلا أنظرُ
فكيف احتيالي إذا ما الدموعُ ... نطقنَ فبُحنَ بما أُضمرُ؟
أيا من سروري به شقوةٌ ... ومن صفو عيشي به أكدرُ
أمنِّي تخافُ انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفرُ؟
ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرتُ لنفسي كما تنظُرُ
(1/317)

وقال كُثيرٌ:
إذا قيلَ: هذا بيت عزة قادني ... إليه الهوى واستعجلتني البوادرُ
أصُدُّ وبي مثل الجنون لكي يرى ... رواةُ الخنا أني لبيتك هاجرُ
ألا ليت حظي منك يا عز أنني ... إذا بنتِ باع الصبر لي عنك تاجرُ
(1/318)

الباب الرابع في: المديح
(1/319)

وقال الحطيئة:
وفتيان صدقٍ من عديٍّ عليهم ... صفائح بُصرى عُلِّقت بالعواتقِ
إذا ما دعوا لم يسألوا من دعاهم ... ولم يُمسكوا فوقَ القلوبِ الخوافقِ
وطاروا إلى الجُردِ العِتاقِ فألجموا ... وشدوا على أوساطهم بالمناطقِ
أولئك آباء الغريب وغاثةُ ال ... صريخ ومأوى المرْملين الدرادقِ
أحلوا حياض المجد فوق جباههم ... مكان النواصي من وجوه السوابقِ
(1/321)

وقال آخر:
من البيض الوجوه بني سنانٍ ... لو آنَّك تستضيئ بهم أضاؤوا
هم حلوا من الشرف المعلَّى ... ومن كرم العشيرة حيث شاؤوا
فلو أن السماء دنت لمجدٍ ... ومكرمةٍ دنت لهم السماءُ
وقال المسيب بن علس:
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان، إن غضبت تعتبُ
(1/322)

وكالشهد بالراحِ ألفاظهم ... وأخلاقهم منهما أعذبُ
وكالمسك ترْب مقاماتهم ... وتُرْب قبورهم أطيبُ
وقال ابن أبي السمط:
له حاجبٌ عن كل أمرٍ يشينهُ ... وليس له عن طالب العُرفِ حاجبُ
فتىً لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه ألا تضيئَ الكواكبُ
(1/323)

يصم عن الفحشاء حتى كأنه ... إذا ذكرت في مجلس القوم غائبُ
وقال سبع التيمي، وقد استنصر زيد الفوارس:
نبّهتُ زيداً، فلم أفزع إلى وكلٍ ... رثِّ السلاح، ولا في الحي مغمورِ
سالتْ عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوهٍ كالدنانيرِ
(1/324)

وقال الفرزدق، يمدح سعيد بن العاص:
ترى الغُرَّ الجحاجحِ من قريشٍ ... إذا ما الخطبُ في الحدثان غالا
قياماً ينظرون إلى سعيدٍ ... كأنهم يرونَ به هِلالا!
(1/325)

وقال آخر، في آل المهلب:
رأيتكم أعز الناس جاراً ... وأمنعهم، إذا عُدُّوا ذِمارا
حمائلكم وإن كانت طِوالاً ... نراها عن شمائلكمْ قِصارا
وقال أبو الجويرية العبدي:
يمدُ نجاد السف حتى كأنهُ ... بأعلى سنامي فالجٍ يتطوَّحُ
إذا اهتزَّ في البُرْدِ اليمانيِّ خِلْتهُ ... هلالاً بدا في جانب الأفقِ يلمحُ
(1/326)

وقال آخر:
طويل نجاد السيف عارٍ جبينهُ ... كنصل اليماني أخلصتهُ صياقلُهْ
إذا همَّ بالمعروفِ لم تجرِ طيرُهُ ... نحوساً، ولم تسبق نداهُ عواذلُهْ
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي، يمدح سويد بن منجوفٍ:
أليس ورائي إن بلادٌ تجشمتْ ... سويدُ بن منجوفٍ، وبكر بن وائلِ
(1/327)

حصونٌ يراها الله لم يُرَ مثلها ... طوالٌ أعاليها، شدادُ الأسافلِ
هم أصبحوا كنزي الذي لستُ تاركاً ... ونبلي الذي أعددتهُ للمناضلِ
وقال يمدح أسماء بن خارجة:
إذا مات ابن خارجة بن حصنٍ ... فلا مطرتْ على الأرض السماءُ
ولا رجع الوفودُ بغنمِ جيشٍ ... ولا حملتْ على الطُّهرِ النساءُ
لَيَومٌ منك خيرٌ من أُناسٍ ... كثيرٌ حولهم نعمٌ وشاءُ
فبورك في بنيك، وفي أبيهم ... إذا ذُكروا، ونحن لك الفداءُ
(1/328)

وقال النجاشي في أبي جعدة:
أمه أم هانئٍ، وأبوه ... من معدٍّ ومن لؤيٍ صميمُ
كل شيءٍ يزيدهُ، فهو فيه ... حسَبٌ ثاقبٌ ودينٌ قويمُ
وخطيبٌ إذا تمعرتِ الأو ... جهُ يُشجى به الأدُّ الخصيمُ
وحليمٌ إذا الحُبا حلها الجه ... لُ وخفَّت من الرجال الحُلومُ
(1/329)

وصحيحُ الأديم من نغلٍ العي ... بِ إذا كان لا يصحُّ الأديمُ
وقال عُبيد الله بن زياد، حين أجارته الأزدُ بعد يزيد بن مُعاوية:
فقلْ للأزدِ: دارك خير دارٍ ... وزندكِ في العلا أورى زنادِ
جُزيتم عن عُبيد الله خيراً ... وقبل بني زيادٍ عن زيادِ
حللتم داره فمنعتموهُ ... بسمرِ الخطِّ والبيضِ الحدادِ
وكنتم عند ظني حين ضاقت ... علي برحبها سعة البلادِ
(1/330)

وقال آخر في بِشر بن مروان:
بعيد مراد العين ما ردَّ طرفه ... حذار الغواشي باب دارٍ ولا سترُ
ولو شاء بِشْرٌ كان من دون بابه ... طماطم سودٌ أو صقالبةٌ حُمْرُ
ولكنَّ بِشراً أيسرَ الباب للتي ... يكون له في غبها الحمدُ والشكرُ
(1/331)

وقال عمرو بن هند النهدي:
ألم ترَ أولاد الزبير تحالفوا ... على المجد ما صامت قريشٌ وصلَّتِ
قريشٌ غياثٌ في السنين، وأنتم ... غياثُ قريشٍ حيث سارت وحلَّتِ
وقال المتنخل الهذلي:
لعمرك ما إن أبو مالكٍ ... بوانٍ، ولا بضعيفٍ قُواهُ
(1/332)

ولا بألدَّ له نازعٌ ... يغاري أخاهُ إذا ما نهاهُ
ولكنه هينٌ لينٌ ... كعالية الرمح عردٌ نساهُ
إذا سدتهُ سُدْت مطواعةً ... ومهما وكلت إليه كفاهُ
أبو مالكٍ قاصرٌ فقره ... على نفسه ومشيعٌ غناه
(1/333)

وقال طفيل الغنوي:
جزى الله خيراً جيرةً حين أزلقتْ ... بنا نعلنا في الواطئين فزلَّتِ
أبوا أن يملونا، ولو أن أُمَّنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملّتِ
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجراتٍ أدفأت وأظلتِ
(1/334)

وقال العكوك:
إنما الدنيا حُمَيْدٌ ... وأياديه الجسامُ
فإذا ولّى حميدٌ ... فعلى الدنيا السلامُ
(1/335)

وقال منصور النمري في الرشيد:
إن لهارون إمام الهدى ... كنزين من أجرٍ ومن برِّ
يريشُ ما تبري الليالي ولا ... تريش أيديهن ما يبري
كأنما البدر على رحله ... ترميك منه مُقلتا صقْرِ
وقال أشجع السلمي:
برقتْ سماؤك في العدو فأمطرتْ ... هاماً لها ظِلُّ السيوفِ غمامُ
(1/336)

وعلى عدوك يابن عمِّ محمدٍ ... رصدانِ، ضوء الصبح والإظلامُ
فإذا تنبه، رعته، وإذا غفا ... سلَّت عليه سيوفك الأحلامُ
وقال مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد:
حاط الخلافة سيفٌ من بني مطرٍ ... أقام قائمه من كان ذا ميلِ
كم صائلٍ في ذُرا علياء مملكةٍ ... لولا يزيد بني شيبان لم يصلِ
(1/337)

ناب الإمام الذي يفترُّ عنه إذا ... ما افترَّت الحرب عن أنيابها العُصُلِ
يفترُّ عند افترار الحرب مبتسماً ... إذا تغير وجه الفارس البطلِ
ينال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلاً يأتي على مهلِ
لا يرحل الناس إلا عند حجرته ... كالبيت يُضحي إليه مُلتقى السبلِ
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهامَ تيجان القنا الذُّبلِ
يغدو فتغدو المنايا في أسنته ... شوارعاً تتحدى الناس بالأجلِ
لا يعبقُ الطيب خديه ومفرقهُ ... ولا يمسح عينيه من الكُحُلِ
تراه في الأمن في درعٍ مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجلِ
(1/338)

لله من هاشمٍ في أرضه جبلٌ ... وأنت وابنك ركناً ذلك الجبلِ
وقال مروان بن أبي حفصة، يمدح معن بن زائدة الشيباني:
بنو مطرٍ يوم اللقاء كأنهم ... أسودٌ لها في بطن خفَّان أشبلُ
تجنب " لا " في القول حتى كأنه ... حرامٌ عليه قول " لا " حين يُسأل
(1/339)

تشابه يوماه علينا فأشكلا ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضلُ
أيوم نداه الغمر أم يوم بأسهِ ... وما منهما إلا أغر محجلُ؟
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أولُ
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... اجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاثٌ بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقلُ
(1/340)

وقال أيضاً:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرفٍ بنو شيبانِ
إن عُدَّ أيام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندىً، ويوم طِعانِ
وقال أيضاً:
ما من عدوٍ يرى معناً بساحته ... إلا يظن المنايا تسبق القَدَرا
أغرَّ يُحسبُ يوم الروعِ ذا لبدٍ ... ورداً، ويحسبُ فوق المنبر القَمَرا
(1/341)

وقال أيضاً:
موفقٌ لسبيل الرُّشد متبعٌ ... يزينه كل ما يأتي ويجتنبُ
تسمو العيون إليه كلما انفرجت ... للناس عن وجهه الأبوابُ والحجبُ
له خلائق بيضٌ لا يغيرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهبُ
وقال طريح بن إسماعيل:
جواد إذا جئته راجياً ... كفاك السؤالَ، وإن عُدت عادا
خلائقه كسبيك النُضا ... رِ، لا يعمل الدهر فيها فسادا
(1/342)

وقال الخريمي:
رأيتك يا زيد، زيد الندى ... وزيد الفخار، وزيد الكرمْ
تزيد على نائبات الخطو ... بِ بذلاً، وفي سابغات النعمْ
كذا الخمر والذهب المعدنيُّ ... يجود هذا وذاك القِدَمْ
(1/343)

وقال إثال بن الدقعاء:
ألم ترني شكرتُ أبا سعيدٍ ... بنعماه، وقد كفر الموالي
ولم أكفر سحائبه اللواتي ... مطرن عليَّ واهية العزالي
فمن يكُ كافراً نعماه يوماً ... فإني شاكرٌ أخرى الليالي
فتىً لم تطلع الشِّعرى من آفقٍ ... ولم تعرض ليمنى أو شمالِ
على ندٍّ له، إن عُدَّ مجدٌ ... ومكرمةٌ وإتلافٌ لمالِ
وأصبر في الحوادث إن ألمَّتْ ... وأسعى للمحامد والمعالي
(1/344)

وقال دريد بن الصمة:
مدحتُ يزيد بن عبد المدانِ ... فأكرمْ به من فتىً ممتدحْ
إذا المدحُ زان فتى معشرٍ ... فإن يزيد يزين المدحْ
حللتُ به دون أصحابهُ ... فأورى زنادي لما قدحْ
وما زلتُ اعرف في وجهه ... بكرِّي السوال ظهور الفرجْ
رأيت أبا النضرِ في مَذحجٍ ... بمنزلة الفجر حين اتضحْ
إذا قارعوا عنه لم يقرعوا ... وإن قدَّموه لكبشٍ نطحْ
وإن حضر الناس لم يخزهم ... وإن وازنوه بقرنٍ رجحْ
(1/345)

وقال الفرزدق:
وركبٍ كأنَّ الرِّيحَ تطلبُ عندهمْ ... لهَا ترةً منْ جذبهَا بالعصائبِ
سرَوا يخبطونَ اللَّيلَ وهيَ تلفُّهمْ ... إلى شعبِ الأكوارِ منْ كلِّ جانبِ
إذَا أبصرُوا ناراً، يقولونَ: ليتهَا ... وقدْ خصرتْ أيديهمُ نارُ غالبِ
(1/346)

وقال داود بن سلمٍ، يمدح حرب بن خالد بن يزيد ابن معاوية:
ولمَّا دفعتُ لأبوابهمْ ... ولاقيتُ حرباً، لقيتُ النّجاحا
وجدناهُ يحمدهُ المجتدونَ ... ويأبَى علَى العسرِ إلاَّ سمَاحَا
ويغشونَ حتَّى يرَى كلبهمْ ... يهابُ الهريرَ، وينسَى النُّباحَا
(1/347)

وقال في قثم بن العباس:
عتقتِ منْ حلِّي ومنْ رحلتِي ... يَا ناقَ إنْ أدنيتِني منْ قثمْ
إنَّكِ إنْ أدنيتِ منهُ غداً ... حالفنِي اليسرُ، وماتَ العدمْ
في وجههِ بدرٌ، وفي كفِّهِ ... بحرٌ، وفي العرنينِ منهُ شممْ
أصمُ عنْ قيلِ الخنَا سمعهُ ... ومَا عنِ الخيرِ بهِ منْ صممْ
لمْ يدرِ مَا (لا) و (بلى) قدْ درى ... فعافَها واعتاضَ منهَا (نعمْ)
(1/348)

وقال يمدح عمر بن عبيد الله بن معمر:
وإذَا دعَا الجانِي النَّصيرَ لنصرهِ ... وأرتنيَ الغررَ النّضيرةَ معمرُ
متخازرينَ كأنَّض أسدَ خفيَّةٍ ... بمقامِها مستبسلاتٍ تزأرُ
متجاسرينَ بحملِ كلِّ ملمَّةٍ ... متجبِّرينَ علَى الّذِي يتجبّرُ
عسلُ الرِّضَا، فإذَا أردتَ خصامهُمْ ... خلطَ السِّمامَ بفيكَ صابٌ ممقرُ
(1/349)

لا يطبعونَ ولاَ ترَى أخلاقهمْ ... إلاَّ تطيبُ كمَا يطيبُ العنبرُ
رفعُوا بنايَ بعتقِ حوطٍ دنيةً ... جدِّي وفضلهمْ الّذِي لا ينكرُ
وقال آخر:
لهمْ سطواتٌ إذَا هيِّجوا ... وحلمٌ إذَا الجهلُ حلَّ الحبَا
يبينُ لكَ الخيرُ في أوجهٍ ... لهمْ كالمصابيحِ تجلُو الدُّجَى
سعَى النَّاسُ كي يدركوا فضلهمْ ... فقصَّرَ عنْ سعيهمْ منْ سعَى
(1/350)

وقال المغيرة بن حبناء، يمدح طلحة الطَّلحات الخزاعيّ:
أرَى النَّاسَ قدْ ملُّوا الفعالَ ولا أرَى ... بنِي خلفٍ إلاَّ وراءَ المواردِ
إذَا نفعُوا عادُوا لمَنْ ينفعونَهُ ... وكائنْ ترَى منْ نافعٍ غيرِ عائدِ
إذَا مَا انجلتْ عنهمْ غمامةُ غمرةٍ ... منَ الموتِ أجلتْ عنْ كرامٍ مذاودِ
تسودُ غطاريفَ الملوكِ ملوكهمْ ... وماجدهمْ يعلُو علَى كلِّ ماجدِ
(1/351)

وقال زهير السّكب التّميمي في قومٍِ من بني عمِّه، يقال لهم بنو حنبلٍ:
إذَا اللهُ لمْ يسقِ إلاَّ الكرامَ ... فسقّى وجوهَ بنِي حنبلِ
ملثّاً أحمَّ داونِي السّحابِ ... هزيمَ الصَّلاصلِ والأزملِ
تكركرهُ خضخضاتُ الجنوبِ ... وتقرعهُ هزَّةُ الشّمألِ
(1/352)

كأن الرباب دوين السَّحاب ... نعامٌ نعلَّقُ بِالأَرْجُلِ
فنعم بنو العمِّ والأقربون ... لدى حطمة الزَّمن المُمْحِلِ
ونعم المواسون في النائبا ... ت للجار والمُعتفي المُرْمِلِ
ونعم الحماة الكفاة العظيم ... إذا غائظ الأمر لم يُحْلَلِ
ميامين صبرٌ لدى المعضلاتِ ... على موجعِ الحدث المُعْضِلِ
مباذيل عفواً جزيل العطاء ... إذا فضلةُ الزَّاد لم تُبْذّلِ
هم سبقوا يوم جري الكرام ... ذوي السَّبق في الزَّمن الأوَّلِ
وساموا إلى المجد أهل الفِعَال ... فطالوا بفعلهم الأَطْوَلِ
(1/353)

وقال لقيطٌ الإيادي:
لا مترفاً إن رخي العيش ساعده ... ولا إذا حلَّ مكروهٌ به خَشَعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متَّبِعاً طوراً وَمُتَّبِعا
حتى إذا استمرت على شرزٍ مريرته ... مستحكم السِّن لا قمحاً ولا ضَرِعا
عبل الذِّراع أبياً ذا مزابنةٍ ... في الحرب يختتل الرِّئبالوالسَّبُعا
مستنجداً يتحدَّى الناس كلَّهم ... لو صارعوه جميعاً في الوغى صَرَعا
(1/354)

وقال الحزين الكناني، في زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام:
فلمَّا تردَّى بالحمائل وانثنى ... يصول بأطراف القنىِّ الذَّوابِلِ
تبيَّنت الأعداء أنَّ سنانه ... يطيل حنين الأمَّهات الثَّوَاكِلِ
تبيِّن فيه ميسم العزِّ والتقى ... وليداً يفدِّي بين أيدي القَوَابِلِ
(1/355)

وقال آخر يمدح صخر بن عمرو بن الشريد:
إنَّ ابن عمرو بن الشَّرِي ... د له فخارٌ لا يُرَامُ
وحجاَ إذا عدم الحجى ... وندىً إذا بخل الغَمَامُ
يصل الحسام بخطوه ... في الرَّوع إن قصَّر الحُسامُ
وقال الفرزدق:
لقد أدرك الأوتار غير ذميمةٍ ... إذا ذمَّ طلاَّبُ التِّرات الأخَاضِرُ
(1/356)

هم جرَّدوا الأسياف يوم ابن أخضرٍ ... فنالوا التي ما فوقها نال ثَائرُ
أقادوا به أُسداً في اقتحامها ... إذا برزت نحو الحروبِ بصَائِرُ
وقال نصيب في سليمان بن عبد الملك:
أقول لركبٍ صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشالٍ ومولاك قَاربُ
قِفُوا خبِّروني عن سليمان، إنني ... لمعروفه من أهل وداَّن طَالِبُ
(1/357)

فعاجوا فأثنوا بالذِّي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحَقائِبُ
وقال حماد عجرد يمدح محمد بن أبي العباس:
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدمٍ ... وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مجَّ عودٌ على قومٍ عصارته ... لمجَّ عودك فينا المسك والبانا
(1/358)

وقال الحسين بن مطير يمدح المهدي:
لو يعبد الناس يا مهديُّ أفضلهم ... ما كان في الناس إلا أنت معبودُ
أضحت يمينك من جودٍ مصورةٍ ... لا بل يمينك منها صُوِّر الجودُ
لو أن من نوره مثقال خردلةٍ ... في السود طُراً إذاً لابيضت السودُ
(1/359)

وقال دريد بن الصمة:
تقول هلالٌ خارجٌ من غمامةٍ ... إذا جاء يجري في شليلٍ وقونسِ
يشدُّ متون الأقربين بهاؤهُ ... وتخبث نفس الشانئِ المتعبسِ
وليس بمكبابٍ، إذا الليل جنه ... نؤومٌ إذا ما أدلجوا في المعرَّسِ
ولكنه مدلاج ليلٍ إذا سرى ... يندُّ سراهُ كل هادٍ مملِّسِ
(1/360)

وقال الأحوص:
كريم قريشٍ حين يُنسبُ والذي ... أقرَّت له بالملك كهلاً وأمردا
أهانَ تلاد المال في الحمد، إنه ... إمام هدىً يجري على ما تعوَّدا
ولو كان بذل الجود والمال مخلداً ... من الناس إنساناً لكنت المخلَّدا
فأقسم لا أنفكُ ما عشت شاكراً ... لنعماك ما طار الحمام وغرَّدا
(1/361)

وقال الحطيئة:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... فإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُّ
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذس سدُّوا
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا وأوفوا، وإن عقدوا شدُّوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
وإن قال مولاهم على كلِّ حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
(1/362)

وقال الفرزدق:
لكل امرئٍ نفسان: نفسٌ كريمةٌ ... وأخرى يعاصيها الهوى فيطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قلَّ من أحرارهن شفيعها
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
تذكَّرَ إخوانه بالبلادِ ... ففلَّل عنهم شباه العدمْ
وذكَّرهُ الحزم غِبَّ الأمور ... فبادرَ بالعرف قبل الندمْ
(1/363)

وقال أيضاً:
لفضل بن سهلٍ يدٌ ... تقاصَرَ عنها المثلْ
فنائلُها للغنى ... وسطوتها للأجلْ
وباطنها للندى ... وظاهرها للقُبلْ
وقال آخر:
عجبتُ لحرَّاقةَ ابن الحسي ... ن لا غرقتْ، كيف لا تغرقُ؟
وبحران: من تحتها واحدٌ ... وآخر من فوقها مطبقُ
وأعجب من ذلك عيدانها ... وقد مسَّها، كيف لا تورقُ؟
(1/364)

وقال أبو السمط:
غدا فراحت يميناه وبينهما ... تاجان للمُلك معقودٌ ومستلبُ
أزالَ أوتاد ملكٍ، وهي ثابتةٌ ... قسراً، وأثبت أخرى، وهي تضطربُ
وقال آخر:
ويْلُمِّ قومٍ غدوا عنكم لطيتهم ... لا يكتنون غداة العلِّ والنهلِ
(1/365)

صدْءَ السرابيلِ، لا توكى مقانبهم ... عجزُ البطون، ولا تطوى على الفضلِ
وقال النجاشي:
إذا الله حيَّا صالحاً من عباده ... تقياً، فحيا الله هند بن عاصمِ
وكلُّ سلولي إذا ما دعوته ... سريعٌ إلى داعي العلا والمكارمِ
هم البيضُ أقداماً وديباج أوجهٍ ... جلوها إذا اسودت وجوه الألائمِ
ولا يأكل الكلب السروق نعالهم ... ولا ينتقي المخ الذي في الجماجمِ
(1/366)

وقالت الخرنق بنت بدر بن هفان:
لا يبعدنَّ قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتركٍ ... والطيبين معاقد الأزرِ
(1/367)

وقالت الأزدية:
قومٌ إذا شهدوا الهياج فلا ... ضرْبٌ ينهنههم ولا زجْرُ
وكأنهم آساد محنيةٍ ... غرثت وبلَّ متونها القطْرُ
وقال آخر:
له نارٌ تشبُّ على يفاعٍ ... إذا النيران أُلبست القناعا
(1/368)

ولم يكُ أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقال أشجع السلمي في جعفر بن المنصور:
اذكروا حرمة العواتكِ منا ... يا بني هاشمٍ بن عبد منافِ
قد ولدناكم ثلاث ولادا ... تٍ، خلطن الأشراف بالأشرافِ
مهَّدت هاشماً نجومُ قصيٍّ ... من بني فالجٍ حجور عفافِ
إن أرماح بهشة بن سليمٍ ... لعجاف الأطراف غير عجافِ
(1/369)

معشرٌ يطمعون من ذروة الشو ... لِ ويسقون خمرة الأقحافِ
يضربون الجبَّار في أخدعيه ... ويسقونه نقيع الذعافِ
وقال في جعفر بن يحيى البرمكي:
تريد الملوك مدى جعفرٍ ... ولا يصنعون كما يصنعُ
(1/370)

وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسعُ
وقال أبو الأسد:
أغدو على مال بسطامٍ فأنهبهُ ... كما أشاءُ، فلا يُثني إلي يدي
حتى كأني بسطامٌ بما احتكمت ... فيه يداي، وبِسطامٌ أبو الأسدُ
وقال يزيد بن مفرغ الحميري:
وأقمتم سوق الثناء، ولم تكن ... سوق الثناء تقام في الأسواقِ
(1/371)

فكأنما جعل الإله إليكم ... قبض النفوس، وقسمة الأرزاقِ
وقال زحير بن أبي سلمى المزني:
وأبيض فياض نداه غمامةٌ ... على معتفيه ما تغبُّ فواضلهْ
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائلهْ
(1/372)

وقال حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضلِ
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلِ
بيض الوجوه كريمةٌ أحسابهم ... شمُّ الأنوف من الطراز الأولِ
وقال أيضاً:
قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
(1/373)

لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع، ولا يوهون ما رقعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبقٍ لأدنى سبقهم تَبَعُ
لا يفرحون إذا نالوا عدوهم ... وإن أُصيبوا، فلا خورٌ ولا جزعُ
كأنهم في الوغى والموت مكتنعٌ ... أسود بيشة في أرساغها فدعُ
أكرم بقومٍ رسول الله قائدهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيعُ
وقال سلم الخاسر:
ملكٌ كأن الشمس فوق جبينهِ ... متهلِّلُ الإمساء والإصباحِ
(1/374)

فإذا حللت ببابه ورواقهِ ... فانزل بسعدٍ، وارتحل بنجاحِ
وقال مسلم بن الوليد:
يذكِّرنيك الجودُ والبخلُ والنهى ... وقول الخنا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فالقاك من مذمومها متنزِّهاً ... وألقاك في محمودها ولك الفضْلُ
(1/375)

الباب الخامس في: الهجاء
(1/377)

قال الطرماح:
لو حان ورد تميمٍ، ثم قيل لها: ... حوض الرسول عليه الأزدُ، لم ترِدِ
أو أنزل الله وحياً أن يعذبها ... إن لم تعد لقتال الأزد، لم تعدِ
لا عزَّ نصر امرئٍ أضحى له فرسٌ ... على تميمٍ يريد النصر من أحدِ
لو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ ... من خلفه خفيت عنه بنو أسدِ
(1/379)

وقال الفرزدق:
لو أن قِدراً بكت من طول ما حُبستْ ... على الجفوف بكت قِدر ابن عمّارِ
ما مسَّها دسمٌ مذ قُصَّ معدنها ... ولا رأت غير نار القين من نارِ
وقال زياد الأعجم يهجو الفرزدق:
وما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصَحّاً أراه في أديمِ الفرزدقِ
(1/380)

فإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يُلقَ في البحر يغرقِ
وقال يهجو عباد بن الحصين الحبطي:
سألت أبا جهضمٍ حاجةً ... وكنت أراه قريباً يسيرا
فلو أنني خفتُ منه الخِلا ... فَ والمنعَ لي لم أسلهُ نقيرا
وكيف الرجاء لما عنده ... وقد خالط البخل منه الضميرا
(1/381)

أقلني أبا جهضمٍ حاجتي ... فإني امرؤٌ كان ظني غرورا
وقال مالك بن الريب:
لعمرك ما مروان يقضي أمورنا ... ولكنما تقضي لنا بنت جعفرِ
فيا ليتها كانت علينا أميرةً ... وأنك يا مروان أمسيت ذا حِرِ
وقال المساور بن هند، يهجو المرار الفقعسي:
ما سرني أن أمي من بني أسدٍ ... وأن ربي ينجيني من النارِ
(1/382)

أو أنهم زوجوني من بناتهم ... وأن لي كل يومٍ ألف دينارِ
وقال النابغة الجعدي:
إذا ما سوءةٌ غراء ماتت ... أتيت بسوءةٍ أخرى بهيمِ
وما تنفك ترخص كل يومٍ ... من السوءات كالطفل النهيمِ
أكل الدهر سعيك في تبابٍ ... تناغي كل موسمةٍ أثيمِ
(1/383)

وقال الحزين الديلي:
صحبتك عاماً بعد سعد بن نوفل ... وعمروٍ فما أشبهت سعداً ولا عمرا
وجادا كما قصرت في طلب العلا ... فحزت به ذماً، وحازا به شكرا
وقال كعب الأشقري، يهجو ابن أخيه؛ وكانت أمه سوداء:
إن السواد الذي سربلت نعرفه ... ميراث جدك عن آبائه النوبِ
(1/384)

أشبهت خالك خال اللؤم مؤتسياً ... بهديه سالكاً في شر أسلوبِ
وقال إبراهيم بن العباس:
عفَّت مساوٍ تبدت منك واضحةً ... على محاسن بقاها أبوك لكا
لئن تقدمت أبناء الكرام به ... لقد تقدم آباء اللئام بِكا
وقال مسلم بن الوليد يهجو دعبلاً الخزاعي، وكان يلقب بمياس:
مياس قل لي: أين أنت من الورى؟ ... لا أنت معلومٌ ولا مجهولُ!
(1/385)

أما الهجاء فدقّض عِرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليلُ
فاذهب أنت طليق عرضك إنه ... عِرضٌ عززت به وأنت ذليلُ
وقال غبراهيم بن العباس:
فكن كيف شئت وقل ما هويت ... وأبرق يميناً وأرعد شمالا
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن يُنالا
(1/386)

الباب السادس في: الأدب
(1/387)

قال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوماً لصاحبٍ ... فلست مُعيداً ما حييت له ذكرا
فلست إذا ما صاحبٌ خان عهده ... وعندي له سرٌ مذيعاً له سرا
وقال موسى بن حكيم العبشمي:
دعاني عوفٌ دعوةً، فأجبته ... ومن ذا الذي يدعى لنائبةٍ بعدي
فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتم ... لفرَّجت عنكم كل نائبةٍ وحدي
إذا ما عدوٌ غاظني، ثم أجحفت ... به نكبةٌ حلت رزيته حقدي
(1/389)

وقال الوليد بن يزيد:
فأقسم ما أدنيت كفي لريبةٍ ... ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... من الدهر إلا قد اصابت فتىً مثلي
وقال آخر:
ما إن دعاني الهوى لفاحشةٍ ... إلا نهاني الحياءُ والكرمُ
(1/390)

فلا إلى محرمٍ مددت يدي ... ولا مشت بي لريبةٍ قدمُ
وقال المعذَّل بن غيلان:
إلى الله أشكو، لا إلى الناس أنني ... أرى صالح الأعمال لا استطيعها
أرى خُلةً في إخوةٍ وأقاربٍ ... وذي رحمٍ ما كان مثلي يضيعها
فلو ساعدتني في المكاره قدرةٌ ... لفاض عليهم بالنوالِ ربيعها
(1/391)

وقال أيضاً:
ولستُ بميّالٍ إلَى جانب الغنَى ... إذَا كانتِ العلياءُ في جانبِ الفقرِ
وإنِّي لصبّارٌ علَى مَا ينوبُني ... وحسبكَ أنَّ اللهَ أثنَى علَى الصّبرِ
وقال أبو حيّة النميريّ:
إنّي رأيتُ، وفي الأيامِ تجربةٌ ... للصَّبرِ عاقبةً محمودةَ الأثرِ
(1/392)

وقلَّ منْ جدَّ في أمرٍ يحاولهُ ... واستصحبَ الصَّبرَ إلاَّ فازَ بالظَّفرِ
وقال آخر:
خلقانِ لا أرضاهمَا لفتًى ... تيهُ الغنَى ومذلَّةُ الفقرِ
فإذَا غنيتَ فلا تكنْ بطراً ... وإذَا افتقرتَ، فتهْ علَى الدَّهرِ
وقال سعية بن غريضٍ أخو السموءل بن عادياء:
إنَّا إذَا مالتْ داوعِي الهوَى ... وأنصتَ السَّامعُ للقائلِ
(1/393)

لا نجعلُ الباطلَ حقّاً ولا ... نسلطُّ دونَ الحقِّ بالباطلِ
نخافُ أنْ تسفهَ أحلامنَا ... فنخملَ الدَّهرَ معَ الخاملِ
وقال ضابيء البرجميّ:
وربَّ أمورٍ لا تضيركَ ضيرةً ... وللقلبِ منْ مخشاتهنَّ وجيبُ
ومَا عاجلاتُ الطَّيرِ تدني منَ الفتَى ... نجاحاً، ولا عنْ ريشهنَّ يخيبُ
(1/394)

ولا خيرَ فيمنْ لايوطّن نفسهُ ... على نائباتِ الدّهرِ حينَ تنوب
وفي الشكِّ تفريطٌ، وفي الحزمِ فترةٌ ... ويخطيءُ في الحدسِ الفتَى ويصيبُ
ولستَ بمستبقٍ صديقاً ولا أخاً ... إذَا لمْ تعدِّ الشيءَ وهوَ مريبُ
(1/395)

وقال بشار بن برد:
إذَا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتباً ... صديقكَ، لمْ تلقَ الّذِي لا تعاتبهُ
فعشْ واحداً، أوصلْ أخاكَ فإنَّهُ ... مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبهْ
إذَا أنتَ لمْ تشربْ مراراً على القذى ... ظمئتَ، وأيُّ النَّاسِ تصفو مشاربهْ
وقال الحسين بن مطيرٍ:
لعمركَ للبيتُ الّذِي لا نطورهُ ... أحبُّ إلينا منْ بلادٍ نطورُها
(1/396)

تقلّبتُ في الإخوانِ حتَّى عرفتهمْ ... ولا يعرفُ الإخوانَ إلاّ خبيرُها
فلاَ أصرمُ الخلاَّنَ حتَّى يصارمُوا ... وحتَّى يسيروا سيرةً لا أسيرها
فإنّكَ بعدَ البشرِ، مَا أنتَ واجدٌ ... خليلاً مديماً شيمةً لا يديرُها
وإنّكَ في عينِ الأخلاّء عالمٌ ... بيانَ الّتي يخفَى عليكَ ضميرُها
فلا تكُ مغروراً بمسحةِ صاحبٍ ... منَ الودِّ لا تدرِي علامَ مصيرُها
ومَا الجوْد عن فقرِ الرّجالِ ولا الغنى ... ولكنَّهُ خيمُ الرّجالِ وخيرُها
وقدْ تغدُرُ الدّثنيا فيضحِي غنيُّها ... فقيراً، ويغنَى بعدَ بؤسٍ فقيرُها
(1/397)

وكائنْ ترَى من حالِ دنيا تغيّرتْ ... وحالٍ صفَا بعدَ اكدرارٍ غديرُها
ومنْ طامعٍ في حاجةٍ لنْ ينالَها ... ومنْ يائسٍ منْها أتاهُ بشيرُها
ومنْ يتّبعْ ما يعجبُ النفسَ لم يزلْ ... مطيعاً لهَا في فعلِ شيءٍ يضيرُها
فنفسكَ أكرمْ عنْ أمورٍ كثيرةٍ ... فما لكَ نفسٌ بعدَها تستعيرُها
وقال أبو العطاء السّنديّ:
إذَا المرءُ لمْ يطلبْ معاشاً لنفسهِ ... شكَا الفقرَ أوْ لامَ الصّديقَ فأكثرا
(1/398)

وصارَ علَى الأدنينِ كلاًّ وأوشكتْ ... صلاتُ ذوِي القربَى لهُ أنْ تنكَّرا
فسرْ في بلادِ اللهِ والتمسِ الغنَى ... تعشْ ذَا يسارٍ أوْ تموتَ فتعذرَا
ولاَ ترْض منْ عيشٍ بدونٍ ولا تنمْ ... وكيفَ ينامُ اللّيلَ منْ كانَ معسِرا
وقال الأحوص بن محمدٍ الأنصاريّ:
ومولىً سخيفِ الرّأي رخوٍ تزيدهُ ... أناتِي، وغفرِي جهلهُ عندهُ ذمّا
دملتُ، ولولا غيرهُ لأصبتهُ ... بشنعاءَ باقٍ عارهَا تغرُ العظْما
(1/399)

طوَى حسداً ضعناً عليَّ، كأنمَا ... أداوِي بهِ في كلِّ مجمعةٍ كلما
ويجهلُ أحياناً، فلا يستخفُّني ... ولا أجهلُ العتبَى إذَا راجعَ الحلْما
يصدُّ وينأَى في الرّخاءِ بودّهِ ... ويدنُو ويدعوني إذَا خشيَ الهضْما
فيفرجُ عنهُ إربةَ الخصمِ مشهدِي ... وأدفعُ عنهُ عندَ عثرتهِ الظُّلما
وكنتُ امرأً عودَ الفعالِ تهزّني ... مآثرُ مجدٍ تالدٍ لمْ تكنْ زعْما
ولستَ بلاقٍ سيداً سادَ مالكاً ... فتنسبهُ إلاَّ أباً لي أو عمّا
وكنتُ وشتمِي في أرومةِ مالكٍ ... بسبّي لهُ كالكلبِ إذْ ينبحُ النّجْما
(1/400)

ستعلمُ إنْ عاديتنِي فقعَ قرقرٍ ... أمالاً أفدتَ لا أبَا لكَ أوْ غرْما
لقدْ أبقتِ الأيامُ منِّي وحرسُها ... لأعدائِنا ثكلاً وحسَّادنا رغْما
وكانتْ عروقُ السُّوءِ أزرتْ وقصَّرتْ ... بهِ أنْ ينالَ الحمدَ فالتمسَ الذَّمَا
وقال آخر:
عدمتُ ابنَ عمٍّ، لا يزالُ كأنّهُ ... وإنْ لم أترهُ منطوٍ لي علَى وترِ
يعينُ عليَّ الدَّهرَ، والدّهرُ مكتفٍ ... وإنْ أستعنهُ لا يعنِّي علَى الدَّهرِ
(1/401)

وقال آخر:
ولستُ بذِي نيربٍ في الصَّديقِ ... خؤونَ العشيرةِ سبَّابهَا
ولاَ منْ إذا كانَ في مجلسٍ ... أضاعَ العشيرةَ واغتابهَا
ولكنْ أبجِّلُ ساداتهَا ... ولا أتعلّمُ ألقابهَا
وقال ثابت قطنة:
تعفّفتُ عنْ شتمِ العشيرةِ، إنّني ... وجدتُ أبِي قدْ كفَّ عنْ شتمِها قبلي
حليماً إذَا مَا كانَ حلْمي مروءةً ... وأجهلُ أحياناً، إنِ التمسُوا جهلِي
(1/402)

وقال آخر:
ولستُ بمفراحٍ إذَا الدَّهرُ سرَّني ... ولا جازعٍ منْ صرفهِ المتقلّبِ
ولا أتمنّى الشّرَّ، والشَّرُّ تاركي ... ولكنْ متَى أحملْ علَى الشَّرِّ أركبِ
(1/403)

وقال بشار بن بردٍ:
خلقتُ علَى مَا فيَّ غيرَ مخيّرٍ ... ولوْ أنّنِي خيِّرتُ كنتُ المهذّبَا
بغيضٌ إليَّ الشّرُّ، حتَّى إذَا أتَى ... وحلَّ ببابي، قلتُ للشَّرِّ: مرحَبا
وقال مسكين الدّارميّ:
ولستُ إذَا مَا سرَّنِي الدَّهرُ ضاحكاً ... ولا خاشعاً مَا عشتُ منْ حادثِ الدَّهرِ
ولا جاعلاً عرضي لمَالِي وقايةً ... ولكنْ أَقِي عرضِي، فيحرزهُ وفرِي
أعفُّ لدَى عسرِي، وأبدي تجمُّلاً ... ولا خيرَ فيمَنْ لا يعفُّ لدَى العسْرِ
(1/404)

وإنِّي لأستحيِي إذَا كنتُ معسراً ... صديقِي، وإخواني، بأن يعلموا فقري
وأقطعُ إخواني وما حال عهدهم ... حياءً وإغضاءً، وما بي من كبرِ
فإن يكُ عاراً ما أتيتُ، فربما ... أتى المرء يوم السوء من حيث لا يدري
وقال آخر:
لن يدرك المجد أقوامٌ، وإن كرموا ... حتى يذلُّوا، وإن عزوا، لأقوامِ
ويشتموا فترى الألوان مسفرةً ... لا صفح ذلٍّ، ولكن صفح أحلامِ
(1/405)

وقال هلال بن خثعم:
وإني لعفُّ عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوءٌ إليَّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤوراً، ولم تنبح عليَّ كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتها ... ولا عالمٍ من أي حوكِ ثيابها
فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
(1/406)

وقال سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمننَّ وإن أمسيت في حرمٍ ... إن المنايا بجنبي كل إنسانِ
فكل ذي صاحبٍ يوماً مفارقه ... وكل زادٍ، وإن أبقيته، فانِ
والخير والشر مقرونان في قرنٍ ... بكل ذلك يأتيك الجديدانِ
(1/407)

وقال عمرو بن قميئة:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يُرمى وليس برامِ
فلو أنها نبلٌ إذاً لاتقيتها ... ولكنني أُرمى بغير سهامِ
وأهلكني تأميل يومٍ وليلةٍ ... وتأميل عامٍ، بعد ذاك وعامِ
(1/408)

وقال آخر:
آخِ الكرام إن استطع ... ت إلى إخائهم سبيلا
واشربْ بكأسهم، وإن ... شربوا بها السَّمَّ الثميلا
وقال عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة:
إذا كان لي سرٌ فحدثته العدا ... وضاق به صدري، فللناس أعذَرُ
وسرك ما استودعته وكتمته ... وليس بسرٍّ حين يفشو ويظهرُ
(1/409)

وقال نهشل بن حريّ:
أرى كل عودٍ نابتاً في أرومةٍ ... أبى نسب العيدان أن يتغيرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لوالد سوءٍ يلقه حيث سيَّرا
وقال آخر:
أَولَى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحَزَنِ
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشنِ
(1/410)

وقال آخر:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينهَ قلباً غاوياً حيث يمَّما
قضى وطراً منه يسيراً، وأصبحت ... إذا ذُكرت أمثاله تملأ الفَما
وقال النجاشي:
لا تحمدنَّ امرأً حتى تجربه ... ولا تذمنَّ من لم يبله الخِبَرُ
(1/411)

إني امرؤٌ قلَّما أُثني على أحدٍ ... حتى أرى بعض ما يأتي وما يذرُ
وقال آخر:
تزيد حُسا الكأس السفيهَ سفاهةً ... وتترك أخلاقَ الكريمِ كما هِيا
رأيت أقل الناس عقلاً إذا انتشى ... أقلهم عقلاً إذا كان صاحِيا
وقال آخر:
لا تلتمسْ من مساوي الناس ما ستروا ... فيكشفُ الله ستراً من مساويكا
(1/412)

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكروا ... ولا تُعِبْ أحداً منهم بما فيكا
وقال عدي بن زيد العبادي:
أيها الشَّامتُ المعيِّرُ بالده ... رِ أأنتَ المبرَّأ الموفورُ
أم لديك العهد الوثيق من الأيّ ... ام، بل أنت جاهلٌ مغرورُ؟
من رأيت المنون جازتهُ أم من ... ذا عليه من أن يُضام خَفيرُ؟
(1/413)

أين كسرى، كسرى الملوك أنوشر ... وانَ، أم أين قبله سابورُ؟
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رَّوم لم يبقَ منهم مذكورُ!
وأخو الحضْرِ إذ بناه، وإذ دجْ ... لةُ تُجبى إليه والخابورُ
شاده مرمراً، وجلَّله كلس ... ساً، فللطير في ذراه وكورُ
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... مُلك عنه، فبابه مهجورُ
وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ أشْ ... رف يوماً، وللهدى تفكيرُ
سرَّه ماله وكثرة ما يم ... لك، والبحر معرضاً والسديرُ
(1/414)

فارعوى قلبه، فقال وما غب ... طةُ حيٍّ إلى الممات يصيرُ؟
ثم بعد الفلاح والمُلك والإمَّ ... ة وارتهم هناك القبورُ
ثم صاروا كأنهم ورقٌ ج ... فَّ فألوتْ به الصبا والدَّبورُ
وقال أبو العتاهية:
إن داراً نحن فيها لدارُ ... ليس فيها لمقيمٍ قرارُ
كم وكم قد حلَّها من أناسٌ ... ذهب الليل بهم والنهارُ
فهم الركبُ أصابوا مُناخاً ... فاستراحوا ساعةً ثم ساروا
(1/415)

وكذا الدنيا على ما رأينا ... يذهب الناس وتخلو الديارُ
وقال ابن مناذرٍ:
وأرانا كالزرع يحصدنا الده ... ر، فمن بين قائمٍ وحصيدِ
وكأنا للموت ركبٌ مخبُّو ... نَ سِراعٌ لمنهلٍ مورودِ
(1/416)

الباب السابع في: العتاب
(1/417)

قال عبد الله بن الزبير الأسدي:
عطاؤكم للضاربين رقابكم ... ونُدعى إذا ما كان حزُّ الكراكرِ
أنحنُ أخوكم في المضيق وسهمنا ... إذا ما قسمتم في الخِطاءِ الأصاغرِ
وثديكم الأدنى إذا ما سألتم ... ونُلقى بثديٍ حين نسأل باسِرِ
فإن كان فينا الذنب في الناس مثله ... أُخذنا به من قبل ناهٍ وآمرِ
وإن جاءكم منا غريبٌ بأرضكم ... لويتم له لؤماً جنوب المناخرِ
(1/419)

فهل يفعل الأعداء إلا كفعلكم ... هوان السراة وابتغاء العواثرِ
وغيَّر نفسي عنكم ما فعلتم ... وذكر هوانٍ منكم متظاهرِ
جفاؤكم من عالج الحرب عنكم ... وأعداؤكم من بين جابٍ وعاشرِ
فلا تسألوني عن هواي وودكم ... وقلْ في فؤادٍ قد توجَّه نافرِ
وقال حارثة بن بدرٍ الغداني:
أُهان وأقصى ثم ينتصحونني ... وأي امرئٍٍ يُعطي نصيحته قَسْرا
(1/420)

رأيت أكفّض المصلتين عليكم ... ملاءً وكفي من عطائكمُ صفرا
وإني مع الساعي إليكم بسيفهِ ... إذا أحدث الأيام في عظمكم كسرا
متى تسألوني ما عليَّ وتمنعوا ال ... ذي لي، لا أسطع على ذلكم صبْرا
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
إذا قُتلنا ولا يبكي لنا أحدٌ ... قالت قريش: ألا تلك المقاديرُ
نُعطى السويةَ من طعنٍ له نفذٌ ... ولا سوية إذ تُعطى الدنانيرُ
(1/421)

وقال يزيد بن حجية:
أبلغْ زياداً أنني قد كفيته ... أموري وخليت الذي هو عاتبهْ
وبابٍ شديدٍ موثقٍ قد فتحته ... عليك وقد أعيت عليك مذهابهْ
هُبلتَ أما ترجو غنائي ومشهدي ... إذا الخصم لم يوجد له من يُذاهبهْ
فأقسمُ لولا أن أمك أمنا ... وأنك مولىً ما طفقت أُعاتبهْ
(1/422)

وأُقسم لو أدركتني ما رددتني ... كلانا قد اصطفَّتْ إليه حلائبهْ
وقال عمران بن عصام العنزي:
عذيري من أخٍ إن أدْنُ شبراً ... يزدني من تباعده ذراعا
أبتْ نفسي له إلا وصالاً ... وتأبى نفسه إلا انقطاعا
وقال الحسين بن الضَّحَّاك:
إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدُلُّون إدلالَ المقيم على العهدِ
(1/423)

صِلوا وافعلوا فعل المدلِّ بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي صدِّ
وقال دعبل الخزاعي:
غششتَ الهوى حتى تداعتْ أصولهُ ... بنا وابتذلت الوصل حتى تقطَّعا
وأنزلتَ ما بين الجوانح والحشا ... ذخيرةَ ودٍّ طالما قد تمنَّعا
فلا تعذلنِّي ليس لي فيك مطمعٌ ... تخرَّقتَ حتى لم أجد لك مرقَعَا
فهبْكَ يميني استأكلَتْ فقطعتُها ... وصَبَّرتُ قلبي بعدها فتشجَّعا
(1/424)

وقال العباس بن الأحنف:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خيرَ في ودٍّ يكون بشافعِ
فأُقسم ما تركي عتابك عن قلىً ... ولكن لعلمي أنه غير نافعِ
وإني إذا لم ألزمِ الصبر طائعاً ... فلا بدَّ منه مكرَهاً غير طائعِ
وقال عُبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إلى كم يكون العتبُ في كل ساعةٍ ... وكم لا تمَلِّين القطيعةَ والهجرا؟
(1/425)

رويدك! إن الدهر فيه كفايةٌ ... لتفريق ذات البين فارتقبي الدهرا
وقال عبد الرحمن بن الحكم، أخو مروان بن الحكم:
ألم تعلمي أني عَزوفٌ عن الهوى ... إذا صاحبي من غير شيءٍ تغضَّبا
فبيني، فإني لا أبالي وأيقني ... أصعَّد باقي حبكم أم تصوَّبا
(1/426)

وقال الأحوص، يخاطب عمر بن عبد العزيز حين استُخلِفَ، وكان الأحوص خال عمر:
وكيف ترى للنوم طعماً ولذةً ... وخالك أمسى موثقاً في الحبائلِ
فمن يكُ أمسى سائلاً عن شماتةٍ ... ليشمت بي، أو شامتاً غير سائلِ
فقد عجمت مني الحوادثُ ماجداً ... صبوراً على غماء تلك التلاتلِ
إذا سُرَّ لم يفرح، وليس لنكبةٍ ... ألمَّت به بالخاشعِ المتضائلِ
(1/427)

وقال حارثة بن بدر يعاتب عبيد الله بن زياد:
وكم من أميرٍ قد تجبَّر بعدما ... مريت له الدنيا بسيفي فدرَّتِ
إذا زبنتْهُ عن فواقٍ أتت به ... دعاني ولا أُدعى إذا ما أقرَّتِ
إذا ما هي احلولتْ محا حقَّ مقسمي ... ويقسم لي منها إذا ما أمرَّتِ
وقال إبراهيم بن العباس:
يا أخاً لم أرَ في الناس خلاًّ ... مثله، أسرع هجراً ووصْلا
(1/428)

كنت لي في صدر يومي صديقاً ... فعلى عهدك أمسيتَ أم لا؟
وقال آخر:
وإنك إذ أطمعتني فيك بالرضا ... وآيستني من بعد ذلك بالغضبْ
كممكنةٍ من ضرعها كفَّ حالبٍ ... ومهريقةٍ من بعد ذلك ما حَلَبْ
(1/429)

الباب الثامن في: الأوطان
(1/431)

وقال جابر بن رألان:
يا لهف نفسي كلما التحتُ لوحةً ... إلى شربةٍ من ماء أحواض قاربِ
بقايا نطافٍ أودع الغيم صفوها ... مصقَّلة الأرجاء زرقِ الجوانبِ
ترقرق دمع المزنِ فيهن والتوتْ ... عليهنَّ أنفاسُ الرياحِ الجوانبِ
(1/433)

وقال آخر:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... عوجا عليَّ صدور الأبغلِ الشُّتُنِ
ثم ارفعا الطرف ننظر صبح خامسةٍ ... بقرقرى، يا عناء النفس بالوطنِ!
يا ليت شعري والإنسان ذو أملٍ ... والعين تذرف أحياناً من الحزنِ
هل أجعلنَّ يدي للخدِّ مرفقةً ... على شعبعبَ بين الحوض والعطنِ؟!
(1/434)

وقال هلال بن الأسعر:
أقولُ وقد جاوزتُ نعمى وناقتي ... تحنُّ إلى جنبي فليجٍ مع الفجرِ
سقى الله يا ناق البلاد التي بها ... هواك وإن عنَّا نأت سبل القطرِ
فما عن قلىً منّا لها خفَّت النوى ... بنا عن مراعيها وكثبانها العُفْرِ
ولكن صرف الدهر فرَّق بيننا ... وبين الأداني والفتى غرضُ الدهرِ
فسقياً لصحراء الإهالةِ مربعاً ... وللوقبى من مربعٍ دمثٍ مُثْرِ
وسقياً ورعياً حيث حلَّتْ لمازنٍ ... وأيامها الغُرِّ المُحَجَّلة الزُّهْرِ
(1/435)

وقال آخر:
ألا حبذا جُنبات سُلمى ... وجاد بأرضها جَوْنُ السحابِ
خلعتُ بها العِذارَ ونِلْتُ فيها ... مُناي بطاعةٍ أو باغتصابِ
أَسُومُ بباطلي طلبات لهوي ... ويعذرني به عصرُ الشبابِ
وقال آخر:
أحنُّ إذا رأيتُ جمال قومي ... وأبكي إن سمعت لها حنينا
سقى الغيثُ المجدُّ بلاد قومي ... وإن خَلَت الديار وإن بلينا
(1/436)

على نجدٍ وساكن أرض نجدٍ ... تحياتٌ يرحنَ ويغتدينا
وقال آخر:
سقى الله أياماً بناحية الحمى ... ومنزل أحبابي وربع صحابيا
منازل لو مرت عليها جنازتي ... لقال الصدى: يا حامليَّ انزلا بيا
وقال أبو قُطيفة:
ليت شعري! وأين مني ليت ... أعلى العهد يلبنٌ فَبَرَامُ؟
(1/437)

أم كعهدي العقيق أم غيَّرته ... بعدي الحادثات والأيامُ
وبأهلي بدِّلْتُ عكّاً ولخْماً ... وجذاماً، وأين مني جِذامُ؟
وتبدَّلْتُ من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطامُ
كل قصرٍ مشيَّدٍ ذي أواسِ ... يتغنَّى على ذراه الحمامُ
اقْرَ مني السلام، إن جئت قومي ... وقليلٌ لهم لديَّ السلامُ
(1/438)

وقال سوار بن المضرب:
سقى الله اليمامة من بلادٍ ... نوافحُها كأرواح الغواني
وجوٍّ زاهرٍ للريحِ فيه ... نسيمٌ لا يروع التربَ، وَانِ
بها سُقْتُ الشباب إلى مشيبٍ ... يُقبِّحُ عندنا حُسْنَ الزَّمانِ
(1/439)

وقال كُريب بن سلمة الجعفي:
إذا نحن جاوزنا دمشق ووجهت ... صدور المطايا للعراق المشرِّقِ
فأحببْ به داراً إلينا ومنزلاً ... إذا نحن جاوزنا بلاد الخورْنقِ
وقال ورد بن وردٍ:
ألا أيها الصَّمَدُ الذي كنت مرةً ... نحلُّك سُقِّيْتَ الأهاضيب من صمْدِ
ومن وطنٍ لم تسكنِ النفسَ بعدُهُ ... إلى وطنٍ في قرب عهْدٍ وفي بُعْدِ
(1/440)

وقال آخر:
خليليَّ هل يشفي من الشوقِ والجوى ... بدوُّ ذوي الأوطان لا بل يشوقها
ونزدادُ في قُربٍ إليها صبابةً ... ويبعد من فرط اشتياقٍ طريقها
وما ينفع الحرَّان ذا اللوح أن يرى ... حِياض القِرى مملوءةً لا يذوقها
(1/441)

وقال آخر:
حيِّ نجداً ومن بأكناف نجد ... والخيام التي بها طال عهدي
ليت شعري! هل الخيام كما ك ... نَّ على العهد أم تغيَّرنَ بعدي
وقال آخر:
ألا قل لدارٍ بين أكثبة اللوى ... وذات الغضا: جادت عليك الهواضبُ
أجدَّك لا أنآك إلا تفلََّتَتْ ... دموعٌ أضاعت ما حفظتُ سواكبُ
ديارٌ تناسمت الهواء بجوِّها ... وطاوعني فيها الهوى والحَبائِبُ
(1/442)

ليالي لا الهجرانُ محتكمٌ بها ... على وصلِ من أهوى ولا الظنُّ كاذبُ
وقال آخر:
أحقاً عباد الله أن قيل: دارهم ... تدانت وأن الملتقى متقاربُ
فقد وجدت نفسي ارتياحاً وهِزَّةً ... كما اهتزَّ من صرف المدامة شاربُ
وقال آخر:
ألا ليت شعري! هل أبيتنَّ ليلةً ... بأسناد نجدٍ، وهي خضرٌ متونها!
وهل أشربنَّ الدهر من ماء مزنةٍ ... بحرَّة ليلى حيث فاض معينُها؟
(1/443)

بلادٌ بها كنا نحلُّ فأصبحتْ ... خلاءً ترعاها مع الأُدْمِ عينها
تفيَّأتُ فيها بالشباب وبالصبا ... مميلٌ بما أهوى عليَّ غصونُها
وقال صدقة بن نافعٍ الغنوي:
ألا ليت شعري هل تحنَّنَّ ناقتي ... ببيضاء نجدٍ حيث كان مسيرُها
فتلك بلادٌ حبَّب الله أهلها ... إليكَ، وإن لم يُعْطِ نَصْفاً أميرُها
بلادٌ بها أنْضيتُ راحلةَ الصِّبا ... ولانت لنا أيامها وشهورُها
فقدنا بها الهمَّ المكدَّر شربهُ ... ودار علينا بالنعيمِ سرورُها
(1/444)

وقال ابن الرومي:
وحبَّبَ أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهم ... عهود الصبا فيها فحنُّوا لِذلكا
وقال العباس بن الأحنف:
قالوا: خراسان أَقصى ما يُراد بنا ... ثم القُفُولُ، فقد جئنا خُراسانا
ما أقدرَ الله أن يُدني على شحطٍ ... سكان دجلةَ من سكان جَيْحانا
(1/445)

متى الذي كنت أرجوه وآملهُ ... أما الذي كنت أخشاهُ فقد كانا
عيْنُ الزمانِ أصابتنا، فلا نظرتْ ... وعُذِّبَتْ بصنوف الهجرِ ألوانا
وقال الصمة القشيري عند موته بطبرستان، وكان خرج في غزوٍ إلى الديلم:
تَعَزَّ بصبرٍ لا وربِّكَ لا ترى ... سنامَ الحمى أخرى الليالي الغوابرِ
كأنَّ فؤادي من تذَكُّره الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريشُ طائرِ
(1/446)

وقال مالك بن الريب عند موته بخراسان:
أيا صاحبَيْ رحلي: دنا الموت فانزلا ... برابيةٍ إني مقيمٌ لياليا
وخطَّا بأطرافِ الأسنةِ مضجعي ... ورُدَّا على عينيَّ فضلَ ردائِيا
ولا تحسثداني، بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العِرضِ أن تُوسعا ليا
لَعمري لئن غالتْ خراسانُ هامتي ... لقد كنتُ عن باني خراسانَ نائيا!
(1/447)

وقال علي بن الجهم عند موته بحلب:
أزيد في الليل ليلُ ... أم سال بالصبح سيلُ
ذكرتُ أهل دُجيلٍ ... وأين منِّي دُجيْلُ!
(1/448)

الباب التاسع في: الصفات
(1/449)

قال بعضهم يصف أحدب:
قَصُرَتْ أخادعهُ وغاب قذالهُ ... فكأنه مترقِّبٌ أن يُصْفعا
وكأنه قد ذاقَ أول صفعةٍ ... وأحسَّ ثانيةً لها فتجمَّعا
وقال آخر يصف حِصناً:
مُحلَّقةٌ دون السماء كأنها ... سحابةُ صيفٍ زلَّ عنها سَحابُها
(1/451)

فما تبلغ الأروى شمارِيْخَها العُلا ... ولا الطير إلا نسرها وعُقابها
وما خُوِّفَتْ بالذِّئبِ وِلْدانُ أهلها ... ولا نَبَحَتْ إلا النجوم كلابُها
وقال أبو حية النميري في وصف المسواك:
لقد طال ما عنَّيْتُ راحلة الصبا ... وعلَّلتُ شيطان الغويِّ المشوِّقِ
وداويْتُ قَرْحَ القلب منهنَّ بالمُنى ... وباللحْظِ، لو يبْذِلْنَهُ، المُتَسَرِّقِ
وساقينني كأس الهوى وسقيتها ... رِقاق الثنايا يا عذبة المتريَّقِ
وخَمْصَانةٍ تفترُّ عن متنضِّدٍ ... كنوْرِ الأقاحي طيِّبِ المُتَذَوَّقِ
(1/452)

إذا مَضَغَتْ بعد امتناعٍ من الضحى ... أنابيب من عود الأراكِ المخَلَّقِ
سَقَتْ شَعَتَ المسواك ماء غمامةٍ ... فضيضاً بخرطومِ المُدام المُرَوَّقِ
وإن ذُقْتُ فاها بعدما سقط الندى ... بعطفي بخنداةٍ رداحِ المُنَطَّقِ
شمَمْتُ العَرارَ الطَّلَّ غِبَّ هميمة ... ونور الخُزامى في الندى المُترقرِقِ
وقال كُثيَّرٌ في وصف الأثافي:
أمن آل قيْلَةَ بالدخولِ رسومُ ... وبحوْملٍ طلَلٌ يلوحُ قديمُ
(1/453)

لعب الرياح برسمه، فأجدَّه ... جونٌ عواكفُ في الرمادِ جُثومُ
سُفْعُ الخدودِ كأنهنَّ، وقد مضتْ ... حِججٌ، عوائدُ بينهنَّ سقيمُ
وقال ابن يامين البصري، يصف الصمصامة، وهو سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وكان قد اشتراه موسى الهادي بعد وفاة المهدي:
حاز صمصامة الزبيدي من بي ... نِ جميع الأنام موسى الأمينُ
سيف عمرٍو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدتْ عليه الجفونُ
(1/454)

أخضرُ اللون بين حديه برد ... من ذباحٍ تميسُ فيه المنونُ
أوقدَتْ فوقه الصواعقُ ناراً ... ثم شابت فيه الذُّعافَ القيونُ
فإذا ما سللْتهُ بَهَرَ الشَّم ... سَ ضياءً، فلم تكد تستبينُ
ما يبالي من انتضاهُ لضربٍ ... أشمالٌ سَطَتْ به أم يمينُ؟
(1/455)

يستطيرُ الأبصار كالقَبَسِ المُشْ ... عَلِ ما تستقرُّ فيه العيونُ
وكأنَّ الفِرندَ والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماءٌ معينُ
نِعْمَ مخراقُ ذي الحفيظة في الهي ... جاءِ يعصي به، ونعم القرينُ
قال بشار بن برد يصف مغنية:
وصفراء مثل الخيزرانةِ لم تعشْ ... ببؤسٍ، ولم تركب مطيَّةَ راعِ
جرى اللُّؤلؤْ المكنونُ فوق لسانها ... لزوارها من مزهرٍ ويَراعِ
إذا قلَّدتْ اطرافها العود زلزلتْ ... قلوباً دعاها للوساوسِ داعِ
(1/456)

كأنهم في جنَّةٍ قد تلاحَقَتْ ... محاسنها من روضةٍ ويَفاعِ
يروحونَ من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بِصُواعِ
وقال أيضاً يصف مغنية:
ورائحةٍ للعين فيها مخيلةٌ ... إذا برقت لم تسقِ بطن صعيدِ
من المستهلاَّت الهموم على الفتى ... خفا بَرْقها في عُصْفُرٍ وعقودِ
حسدتُ عليها كلَّ شيءٍ يمسُّها ... وما كنت لولا حبها بحسودِ
(1/457)

وأصفر مثل الزعفران شربتهُ ... على صوت صفراء الترائبِ رُودِ
كأن أميراً جالساً في ثيابها ... تؤمّل رؤياه عيونُ وفودِ
من البيضِ لم تُسْرحْ على أهل ثلّةٍ ... سواماً، ولم ترفعْ حِداجَ قَعُودِ
تُميتُ به ألبابنا وقلوبنا ... مراراً، وتحييهنَّ بعد هُمُودِ
إذا نطقَتْ صِحْنا وصاح لنا الصدى ... صياحَ جنودٍ وُجِّهَتْ لجنودِ
ظللنا بذاك الدَّيدَنِ اليوم كله ... كأنا من الفردوس تحت خُلُودِ
ولا بأس إلا أننا عند أهلها ... شهودٌ وما ألبابنا بشهودِ
(1/458)

وقال سلم الخاسر يصف مغنية:
ويومٍ ظللنا عند أمِّ مُحَلِّمٍ ... نشاوى، ولم نشرب طلاءً ولا خمرا
إذا صمتت عنا ضجرنا لصمتها ... وإن نطقت هاجت لألبابنا سُكْرا
وقال الأقيشر، واسمه المغيرة، يصف مغنية:
إن كانت الخمرُ قد عزَّت وقد منعتْ ... وحال من دونها الإسلامُ والحرجُ
(1/459)

فقد أباكرها صِرفاً وأشربها ... أشفي بها غُلَّتي صرفاً وأمتزِجُ
وقد تقومُ على رأسي مغنيةٌ ... لها إذا رجعتْ في صوتها غَنَجُ
وترفعُ الصوتَ أحياناص وتخفضهُ ... كما يطنُّ ذباب الروضةِ الهَزجُ
وقال عمر بن أبي ربيعة يصف يوماً شديد الحر:
ويومٍ كتنور الطواهي سجرنهُ ... وألقينَ فيه الجزْلَ حتى تضرَّما
(1/460)

قذفتُ بنفسي في اجيج سمومه ... وبالعنس حتى ابتلَّ مشفرها دما
وقال الشنفرى:
ويومٍ من الشِّعرى يذوب لعابهُ ... أفاعيه في رمضائه تتململُ
نصبتُ له وجهي، ولا كِنَّ دونه ... ولا سِتْرَ إلا الأتحميُّ المُرَعَبْلُ
(1/461)

وقال مروان بن أبي حفصة:
ويومٍ عسولٍ الآلِ حامٍ كأنما ... لظى شمسه مشبوبُ نارٍ تلهَّبُ
نصبنا له منا الوجوه وكِنُّها ... عصائبُ أسمالٍ بها نتعصَّبُ
وقال آخر يصف ليلة باردة:
وليلةٍ يصطلي بالفرثِ جازرها ... يخصُّ بالنَّقرى المثرين داعيها
(1/462)

لا ينبح الكلب فيها غير واحدةٍ ... عند الصباح ولا تسري أفاعيها
وقال مسكين الدارمي، يصف هاجرة شديدة الحر:
وهاجرةٍ ظلَّت كأن ظباءها ... إذا ما اتَّقتها بالقرون سجودُ
تلوذ بشؤبوبٍ من الشمس فوقها ... كما لاذ من وخزِ السنان طريدُ
(1/463)

الباب العاشر في: الخمر
(1/465)

قال الوليد بن يزيد:
اصْدعْ نجيَّ الهموم بالطربِ ... وانعمْ على الدهرِ بابنةِ العِنَبِ
واستقبلِ العَيْشَ في غضارتهِ ... لا تقْفُ منه آثار مُعْتَقبِ
من قهوةٍ زانها تقادمها ... فهي عجوزٌ تعلو على الحُقُبِ
أشهى إلى الشرب يوم جلوتها ... من الفتاة الكريمة النسبِ
فقد تجلَّت ورقَّ جوهرها ... حتى تبدَّت في منظرٍ عجِبِ
فهي بغير المزاج من شررٍ ... وهي لدى المزْجِ سائلُ الذهبِ
(1/467)

كأنها في زجاجها قَبَسٌ ... تذكو ضياءً في عين مرتقبِ
في فتيةٍ من بني أمية أه ... ل المجد والمأثرات والحسَبِ
ما في الورى مثلهم ولا بهم ... مثلي ولا منتمٍ لمثل أبي
وقال عبد الرحمن بن سيحان:
بات الوليد يعاطيني مشعشعةً ... حتى هويتُ صريعاً بين أصحابي
لا أستطيع نهوضاً إن هممتُ به ... وما أنهنهُ من حسْوٍ وتشرابِ
حتى إذا الصبح لاحت لي جاونبه ... ولَّيتُ أسحبُ نحو القوم أثوابي
(1/468)

كأنني من حُمَّيا كأسه جملٌ ... صحَّت قوائمه من بعد أوصابِ
وقال الأخطل:
ترى الزجاج ولم يُطمثْ يطاف به ... كأنه من دمِ الأجواف مختضبُ
حتى إذا افتضَّ ماء المزن عذرتها ... راح الزجاج، وفي ألوانه صَهَبُ
تنزو إذا شجَّها بالماء مازجها ... نزوَ الجنادبِ في رمضاءَ تلتهبُ
راحوا وهم يحسبون الأرض في فلكٍ ... إن صًرِّعوا وقت الراحات والركبُ
(1/469)

وقال أيضاً:
وكأسٍ مثل عين الديك صرفٍ ... تنسِّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثاً ... بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيةً لا شك فيها ... وأرخى من مآزره الفضولا
وقال الحسين بن الضحاك:
إذا ما الماء أمكنني ... وصَفْوُ سلافةِ العنبِ
صببتُ الفضةَ البيضا ... ءَ قُراضة الذهبِ
(1/470)

وقال آخر:
أبصرتهُ والكأسُ بين فمٍ ... منه وبين أناملٍ خمسِ
فكأنها وكأن شاربها ... قمرٌ يقبِّلُ عارضَ الشمسِ
وقال مالك بن أسماء بن خارجة:
وندمان صدقٍ، قال لي بعد هداةٍ ... من الليل، قمْ نشرب، فقلت له: مهلا
(1/471)

فقال: أبُخلاً يابن أسماء هاكَها ... كُميتاً كريح المسك تزدهفُ العقلا
فتابعته فيما أراد، ولم أكنْ ... بخيلاً على الندمان أو شكساً وَغْلا
ولكنني جلْدُ القوى أبذُلُ الندى ... وأشربُ ما أعطى ولا أقْبلُ العَذْلا
ضحوكٌ إذا ما دبَّتِ الكأسُ في الفتى ... وغيَّره سُكْرٌ، وقد أكثر الجهلا
وقال زهير بن أبي سلمى المزني:
وقد أغدو على شرْبٍ كرامٍ ... نشاوى واجدينً لما نشاءُ
لهم راحٌ وراووقٌ ومِسْكٌ ... تُعلُّ به جلودهم وماءُ
(1/472)

أُمشَّى بين قتلى قد أصيبت ... دماؤهم، ولم تقطر دماءُ
يجرون البرودَ، وقد تمشَّتْ ... حُمَيَّا الكأس فيهم والغناءُ
ونهى اعرابي ابنه عن شرب النبيذ، فلم ينتهِ، وقال:
أمن شربةٍ من ماءِ كرمٍ شربتها ... غضبتَ عليَّ الآن طابتْ لي الخمرُ
سأشربُ فاسخطْ لا رضيت كلاهما ... حبيبٌ إلى قلبي عقوقُكَ والسُّكْرُ
وقال الأقيشر، واسمه المغيرة:
أقول والكأس في كفِّي أقلبها ... أخاطبُ الصيد أبناءَ العماليقِ
(1/473)

إني يذكرني هنداً وجارتها ... بالطَّفِّ صوت حماماتٍ على نِيقِ
أفنى تلادي وما جمعتُ من نشبٍ ... قرعُ القواقيزِ أفواهَ الأباريقِ
كأنهنَّ، وأيدي الشربِ معلمةٌ ... إذا تلألأن في أيدي الغرانيقِ
بناتُ ماءٍ معاً، بيضٌ جآجئها ... حمرٌ مناقرها، صفر الحماليقِ
أيدي سُقاةٍ تهزُّ الدهر معلمةً ... كأنما أونها رجعُ المخاريقِ
(1/474)

تلك اللذاذةُ، ما لم تأتِ فاحشةً ... أو ترمِ فيها بسهمٍ ساقطِ الفوقِ
عليك كل فتىً سمحٍ خلائقهُ ... محض العروقِ كريمٍ غير ممذوقِ
ولا تُصاحبْ لئيماص فيه مقرفةٌ ... ولا تزورنَّ أصحاب الدوانيقِ
لا تشربن أبداً راحاً مسارقةً ... إلا مع الغرِّ أبناء البطاريقِ
وقال أيضاً:
ومقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا
(1/475)

شراباً كريح العنبر الورد ريحه ... ومسحوقِ هنديٍّ من المسك أذفرا
وقال أبو نواس:
ثقلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغاً ... حتى إذا ملئت بصرفِ الراحِ
خفَّتْ على أيدي السقاة جسومها ... وكذا الجسوم تخفُّ بالأرواحِ
(1/476)

وقال أيمن بن خُريم:
وصهباء جرجانيَّةٍ لم يطف بها ... حنيفٌ، ولم تنغر بها ساعةً قِدْرُ
ولم يشهد القَسُّ المُهينمُ نارها ... طروقاً، ولا صلَّى على طبخها حَبْرُ
أتاني بها يحيى، وقد نمتُ نومةً ... وقد غابت الجوزاء، وانحدر النَّسرُ
فقلت: اصطحبها أو لغيري سقِّها ... فما أنا بعد الشيب، ويحك، والخمرُ
(1/477)

إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكنْ ... له دون ما يأتي حجابٌ ولا سِتْرُ
فدعْهُ، ولا تنفس عليه الذي أتى ... ولو مدَّ أسباب الحياة له العمرُ
تم بحمد الله تعالى في قرية " جُبَعْ "، بقلم الحقير المذنب الجاني عباس القرشي النجفي، وقد وافق منه غرة ذي الحجة، سنة (1286) ، ست وثمانين ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية صلى الله على مهاجرها وآله وأصحابه وسلم.
(1/478)